|
كانت الأمم والشعوب
تنظر إلى المرأة كحيوان أو جزء من الثروة التي يملكها الرجل .
فالعرب في الجاهلية
كانوا ينظرون للمرأة كرمز للعار وكان بعضهم يدفنون بناتهم أحياءً .
وعندما أشرق نور
الإسلام منح المرأة حقّها و حدّد حقوقها كأمّ و زوجة وفتاة ، وكلنا سمع الحديثَ
الشريف " الجنّة تحت أقدام الأمّهات " " رضا الله من رضا الوالدين " و المرأة أحد
الوالدين .
لقد حدّد الإسلام
إنسانية المرأة ، وشرّع نظاماً يحمي كرامة المرأة ويحافظ على عفّتها . فالحجاب ليس
سجناً للمرأة بل وسام و فخار .
إننا نشاهد اللآلئ
محفوظة بين الأصداف ، والفاكهة داخل قشور ؛ والفتاة المسلمة شرع الله سبحانه لها ما
يحميها و يصونها وهو الحجاب الذي لا يحافظ عليها فحسب بل يزيدها وقاراً وجمالاً
.
أما الغرب فينظر
إلى المرأة كمادّة للإعلان والتجارة والربح المادّي على حساب الأخلاق وكرامة المرأة
كإنسان .
وقد أدّت هذه
النظرة إلى سقوط المرأة و تجرّدها عن عاطفتها ومشاعرها الإنسانية النبيلة
.
وها نحن نرى اليوم
تفكّك الأسرة في المجتمعات الغربية .
فالمرأة في دنيا
الغرب تحوّلت إلى مجرّد دمية لا قيمة لها سواءً في السينما و الإعلانات التجارية أو
سباق ملكات الجمال .
تعالوا يا أعزّاني
لنتعرَّف على مثال المرأة في الإسلام مجسّداً في حياة فاطمة الزهراء (عليها السلام
) .
فاطمة الزهراء بنت
محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .
فاطمة الزهراء زوجة
علي ( عليه السلام ) .
فاطمة الزهراء أم
الحسن والحسين وزينب ( عليهم السلام ) .
الميلاد
:
وُلدت فاطمة
الزهراء ( عليها السلام ) بعد بعثة والدها العظيم ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة
أعوام ، وبعد حادثة الإسراء والمعراج بثلاث سنين ، وقد بشّر جبريل رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) بولادتها وكان تاريخ ولادتها يوم الجمعة العشرين من شهر جمادى
الآخرة في مدينة مكّة .
في بيت الوحي
:
نشأت فاطمة الزهراء
( عليها السلام ) في أحضان الوحي والنبوة ، في بيت مفعم بكلمات الله وآيات القرآن
المجيد .
سألتْ عائشةُ رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم عن سبب حبّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
لفاطمة هذا الحبَّ العظيم .
فلقد كان رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) ينهض إذا دخلت عليه فاطمة وكان يقبِّل رأسها ويدها
.

فأجاب سيدنا محمد (
صلى الله عليه وآله ) : " يا عائشة لو علمتِ ما أعلم لأحببتيها كما أحبّ . فاطمةُ
بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن سرّها فقد سرّني " .
وقد سمع المسلمون
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " يقول إنّما سُمِّيتْ فاطمةُ فاطمةَ لأن الله
عزّ وجل فَطَمَ من أحبّها من النار " .
كانت فاطمة الزهراء
تشبه سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في خَلْقه وأخلاقه .
تقول أم سلمة زوجة
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة أشبه الناس برسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) .
وكانت عائشة تقول :
إنّها أشبه الناس برسول الله بحديثها ومنطقها .وكانت فاطمة لا تحب أحداً قدر حبّها
لأبيها .
كانت ترعى أباها
وعمرها ست سنين ، عندما توفيت أمها خديجة الكبرى ، فكانت تسعى لملء الفراغ الذي نشأ
عن رحيل والدتها .
وفي تلك السنّ
الصغيرة شاركت أباها محنته وهو يواجه أذى المشركين في مكّة .
كانت تضمّد جراحه ،
وتغسل عن ما يُلقيه سفهاء قريش .
وكانت تحدّثه بما
يُسلّي خاطره ويدخل الفرحة في قلبه ؛ ولهذا سمّاها سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله
) أمَّ أبيها ، لفرط حنانها وعطفها على أبيها ( صلى الله عليه وآله ) .
زواج فاطمة (
عليها السلام ) :
بلغت فاطمةُ سنَّ
الرشد ، وآن لها أن تنتقل إلى بيت الزوجية ، فخطبها كثير من الصحابة في طليعتهم أبو
بكر وعمر ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يردّ الخاطبين قائلاً : إنني
أنتظر في أمرها الوحي .
وجاء جبريل يخبره
بأن الله فد زوّجها من علي .
وهكذا تقدم علي ،
والحياء يغمر وجهه ، إلى خطبة فاطمة ( عليها السلام ) .
فدخل رسول لله (
صلى الله عليه وآله ) على فاطمة ليرى رأيها وقال لها :
" يا فاطمة إن علي
بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه ، وإني قد سألتُ ربّي أن يزوِّجكِ
خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه ، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين " ؟
سكتت فاطمة وأطرقت
برأسها إلى الأرض حياء ، فهتف رسول الله : " الله أكبر ! سكوتها رضاها "
.
مراسم العقد و
الزواج :
جاء رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) وأخذ بيد علي ( عليه السلام ) وقال :
" قم بسم الله وقل
على بركة الله ، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله ، توكلّت على الله " ، ثمّ قاد
علياً ( عليه السلام ) وأجلسه عند فاطمة ( عليها السلام ) وقال : " اللهم إنّهما
أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارِكْ في ذُرّيتهما واجعل عليها منك حافظاً وإنّي
أعيذهما وذرِّيتهما من الشيطان الرجيم " .
ثم فبّلهما
مُهنّئاً وقال : " يا علي نِعم الزوجة زوجتك " ، وقال لفاطمة : " يا فاطمة نِعم
البعل بعلكِ " .
ووسط زغاريد النسوة
من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وُلدت أطهر وأمثل أسرة في التاريخ ، لتكون نواة
لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وقد تمّت مراسم
العقد والزواج ببساطة تعكس سماحة الإسلام ، فقد كان علي لا يملك من دنياه شيئاً غير
سيفه ودرعه ، فأراد أن يبيع سيفه ، فمنعه رسول الله لأن الإسلام في حاجة إلى سيف
علي ، ولكنه وافق على بيع الدرع ، فباعه علي ( عليه السلام ) ودفع ثمنه إلى النبي (
صلى الله عليه وآله ) .
أمر رسول الله أن
يشتروا بثمنه طيباً وأثاثاً بسيطاً يسدّ حاجة الأسرة الجديدة .

كان المنزل هو
الآخر بسيطاً جداً يتألّف من حجرة واحدة إلى جانب مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله
) .
الله وحده الذي
يعلم مدى الحب الذي كان يربط بين القلبين الطاهرين ، قلب علي ( عليه السلام ) وقلب
فاطمة ، كان حبهما لله وفي سبيل الله .
كانت فاطمة تقدّر
في نفسها جهاد علي ودفاعه عن رسالة الإسلام . . . رسالة أبيها العظيم .
كان زوجها يقاتل في
الخطوط الأولى يحمل راية الإسلام في كل المعارك والحروب التي خاضها المسلمون ولا
يكاد يفارق أباها رسول الله .
فكانت تسعى إلى
خدمة زوجها والتخفيف من معاناته و همومه ، وكانت نِعم الزوجة المطيعة .
كانت تنهض بأعباء
المنزل فإذا جاء زوجها وجَد في ظلالها الراحة والطمأنينة والسلام .
كانت فاطمة شجرة
طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، نمَتْ في نور الوحي وترعرعت في فضاء القرآن
.
الأسرة المثال
:
الحياة الزوجيةُ
اندماج لحياتين لتصبح حياةً مشتركة . . . حياة واحدة .
حياة الأسرة تنهض
على التعاون والمحبّة والاحترام .
كانت حياة علي
وفاطمة (عليهما السلام ) مثالاً للحياة الزوجية الكريمة .
كان علي يساعد
فاطمة في أعمال المنزل وكانت فاطمة تسعى إلى إرضائه وإدخال الفرحة في قلبه
.
كان حديثهما في
منتهى الأدب والاحترام .
إذا نادى علي فاطمة
قال : يا بنت رسول الله ، وإذا خاطبتْه قالت : يا أمير المؤمنين . وكانا مثال
الأبوين العطوفين على أبنائهما .
الثمار
:

في العام الثالث من
الهجرة أنجبت فاطمة ( عليها السلام ) أول أولادها فسمّاه سيدنا محمد ( صلى الله
عليه وآله ) " الحسن " ، وبمولده غمرت الفرحة قلب رسول الله ، وهو يؤذن في أذنه
اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى ويغمره بآيات القرآن .
وبعد عام وُلد
الحسين ( عليه السلام ) .
أراد الله أن تكون
ذرّية رسوله محمد ( صلى الله عليه وآله ) من فاطمة ( عليها السلام ) .
واحتضن الرسولُ
سبطيه يحوطهما برعايته ، وكان يقول عنهما : " هما ريحانتاي من الدنيا "
.
كان يحملهما معه
إذا خرج أو يُجلسهما في أحضانه الدافئة .
دخل رسول الله ذات
يوم منزل فاطمة وكان الحسن يبكي جوعاً وفاطمة نائمة ، فأخذ إناءً وملأه حليباً
وسقاه بنفسه .

ومرّ ذات يوم آخر
أمام بيت فاطمة فسمع بكاء الحسين ، فقال متأثراً : " ألا تدرون أن بكاءه يؤذيني "
.
ومرّ عام جاءت بعده
" زينب " إلى الدنيا ، وبعدها " أم كلثوم " .
ولعلّ رسول الله
تذكّر ابنتيه زينب وأم كلثوم عندما سمّاهما بهذين الاسمين .
وهكذا أراد الله أن
تكون ذرية الرسول في ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) . . ذرّية بعضها
من بعض والله سميع عليم .
منزل فاطمة
:
بالرغم من حياتها
القصيرة فقد كانت حافلة بالخير والبركات ، وكانت قدوة وأسوة للنساء ، فكانت الفتاة
المثال والزوجة المثال ، والمرأة المثال ، ولهذا أصبحت سيدة نساء العالمين
.
كانت مريم بنت
عمران سيدة النساء في عصرها ، وكانت آسية امرأة فرعون سيدة نساء زمانها ، وكذلك
كانت خديجة بنت خويلد .
أمّا فاطمة الزهراء
فقد توّجها الإسلام سيدةً للنساء على مرّ العصور .
كانت قدوة في كل
شيء . . يوم كانت فتاة تسهر على راحة أبيها وتشاركه آلامه ، ويوم كانت زوجة ترعى
زوجها وتوفّر له سكناً يطمئن إليه ويلوذ به عندما تعصف به الأيام ، ويوم كانت أمَّا
تربّي صغارها على حبّ الخير والفضيلة والخلق الكريم ، فكان الحسن والحسين وزينب (
عليهم السلام ) أمثلة سامية في دنيا الأخلاق والإنسانية.
رحيل الأب
:

عاد رسول الله من
حجة الوداع ولزم فراش المرض وغُشي عليه من شدّة الحمّى ، وهرعت إليه الزهراء تحاول
دفع الموت عنه وهي تذرف الدموع ، وكانت تتمنى أن تموت هي بدلاً عنه .
فتح الرسول ( صلى
الله عليه وآله ) عينيه وراح يتأمّل ابنته الوحيدة ، فطلب منها أن تقرأ له شيئاً من
القرآن ، فراحت الزهراء تتلو القرآن بصوتٍ خاشع وكان الأب العظيم يصغي بخشوع إلى
كلمات الله وهي تطوف في فضاء البيت .
أراد أن يقضي آخر
لحظات عمره المبارك وهو يصغي إلى صوت ابنته التي رعتْه صغيرة و وقفتْ إلى جانبه
كبيرة .
والتحق الرسول
بالرفيق الأعلى وعرجت روحه الطاهرة إلى السماء .
كان رحيل الرسول
صدمة كبيرة لابنته البتول ولم يتحمل قلبها تلك المصيبة ، فراحت تبكي ليل نهار
.
ثم وجهت لها
السياسة والأطماع ضربة أخرى بعد أن اغتصبوا منها " فدكاً " وتجاهلوا حق زوجها في
الخلافة .
حاولت الزهراء
الدفاع عن حقّها وكان لها في ذلك مواقف غاية في الشجاعة .
كان الإمام يدرك أن
استمرار الزهراء في معارضة الخليفة سيجرّ البلاد إلى فتنة ، فتضيع كل جهود الرسول (
صلى الله عليه وآله ) أدراج الرياح ويعود الناس إلى الجاهلية مرّة أخرى
.
طلب الإمام من
زوجته العظيمة الاعتصام بالصمت والصبر ، حفاظاً على رسالة الإسلام .
وهكذا سكتت الزهراء
لكنها بقيت غاضبة وتذكّر المسلمين أن غضبها يعني غضب رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) وغضب الرسول يعني غضبَ الله سبحانه .
سكتت الزهراء إلى
أن رحلت عن الدنيا ولكنها طلبت في وصيّتها أن تُدفن سرّاً .
الرحيل عن
الدنيا :
كانت فاطمة كشمعة
تتوهج وتحترق وتذبل ثم يخبو نورها شيئاً فشيئا .
لم تستطع البقاء
بعد رحيل أبيها وتنكّر الزمان لها .
كانت أحزانها
تتجدّد كلما ارتفع الأذان يهتف : أشهد أن محمداً رسول الله .
كانت تريد اللقاء
بأبيها وكان شوقها يستعر يوماً بعد آخر .
وهزل جسمها ولم يعد
يتحمل شوق روحها إلى الرحيل .
وهكذا ودّعت الدنيا
:
ودّعت الحسن
بسنواته السبع
والحسين بأعوامه
الستة
وزينب بسنواتها
الخمس
وأم كلثوم وردة في
ربيعها الثالث .
وكان أصعب ما في
الوداع أن تودّع زوجها وشريك أبيها في الجهاد وشريك حياتها .
أغمضت الزهراء
عينيها بعد أن أوصت زوجها بأطفالها الصغار ، كما أوصته أن تدفن سرّاً .
وما يزال قبر
الزهراء مجهولاً ، فترتسم علامة استفهام كبرى في التاريخ .
ما تزال الزهراء
تستفهم التاريخ ، ما تزال تطلب حقها ؛ وما يزال المسلمون يتساءلون عن بقاء القبر
مجهولاً .
جلس الإمام المفجوع
عند قبرها ، وكان الظلام يغمر الدنيا فقال يؤبنّها :
" السلام عليك يا
رسول الله . . عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، قلَّ يا رسول
الله عن صفيّتك صبري ورقّ عنها تجلّدي . . . وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ،
فأحفها السؤال وأستخبرها الحال . . والسلام عليكما سلام مودِّع ".
الهوية
:
الاسم : فاطمة
الزهراء .
اسم الأب : محمد (
صلى الله عليه وآله ) .
اسم الأم : خديجة
.
تاريخ الولادة :
يوم الجمعة 20 جمادى الآخرة العام الخامس من البعثة .
محل الولادة : مكّة
المكرمة .
تاريخ الوفاة : 11
هـ .
محل الوفاة :
المدينة المنوّرة .
محل الدفن : مجهول
.
أسئلة
:
-
لماذا كان النبي ( صلى
الله عليه وآله ) يحب فاطمة ( عليها السلام ) ؟
-
لماذا كان النبي يردُّ
الخاطبين للزهراء ( عليها السلام ) ؟
-
لماذا أوصت الزهراء
بدفنها سرّاً ؟
|