|
في الخامس عشر من
شهر رمضان ، ربيع القرآن ، ولد الإمام الحسن ( عليه السلام ) .
في بيت طيني صغير
فتح عينيه ، وتربّى في أحضان جدّه محمّد ( صلى الله عليه وآله) وأبيه علي بن أبي
طالب ( عليه السلام ) وأمّه فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .
كان سيدنا محمّد
يحب حفيده الحسن ويقول : إنه ابني ، ويقول : إنه ريحانتي من الدنيا .
و طالما رآه
المسلمون يحمل الحسنَ ( عليه السلام ) على عاتقه ويقول : إن ابني هذا سيد ولعل الله
يُصلح به بين فئتين من المسلمين . ثم يدعو الله قائلاً : اللهم إني أحبّه فأحبّه
وأحبّ من يحبّه .
وكان سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه وآله ) يردد دائماً : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة
.
وذات يوم كان رسول
الله يصلّي في المسجد ، فجاءه الحسن وهو ساجد فصعد على ظهره ثم رقبته ، وكان الرسول
يقوم برفق حتى ينزل الحسن ، فلما فرغ من صلاته قال بعض المسلمين : يا رسول الله إنك
تصنع بهذا الصبي شيئاً لا تصنعه بأحد ، فقال (صلى الله عليه وآله ) : إن هذا
ريحانتي وإن ابني هذا سيّد وعسى أن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين
.
أدبه
:
كان الحسن مع أخيه
الحسين في طريقهما إلى المسجد ، فشاهدا شيخاً يتوضأ لكنه لا يحسن الوضوء
.
فكّر الحسن ( عليه
السلام ) كيف يصلح وضوء الشيخ دون أن يسيء الأدب ، فتقدما إلى الشيخ وتظاهرا
بالنزاع ، وكل منهما يقول : أنت لا تحسن الوضوء ، ثم قالا للشيخ : كن حكَماً بيننا
، ثم راحا يتوضأن .
كان الشيخ يراقب
وضوءهما ، وأدرك هدفهما ، فقال مبتسماً :
كلاكما تحسنان
الوضوء .
وأشار إلى نفسه
وقال : ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لا يُحسن الوضوء ، وقد تعلّم منكما
.
وشاهد أحد الصحابة
رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) يحمل على عاتقه الحسن والحسين . فقال الصحابي :
نِعْمَ الجمل جملكما .
فقال سيدنا محمد :
ونِعْمَ الراكبان هما .
تقواه
:
كان الإمام الحسن (
عليه السلام ) أعبد أهل زمانه .حجّ بيت الله ماشياً خمسة وعشرين حجة .
كان إذا قام للوضوء
والصلاة ، اصفرّ لونه وأخذته رجفة من خشية الله ، وكان يقول : حقّ على كل من وقف
بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله .
فإذا وصل باب
المسجد رفع رأسه إلى السماء ، وقال بخشوع : إلهي ضيفك ببابك ، يا محسن قد أتاك
المسيء ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك ، يا كريم .
حلمه
:

كان الإمام الحسن
ذات يوم في الطريق ، فصادفه رجل من أهل الشام وكان يكره أهل البيت ، فراح يسبّ
ويشتم الحسن ( عليه السلام ) ، وظل الحسن ساكتاً لا يجيبه إلى أن انتهى . عندها
ابتسم الحسن ( عليه السلام ) وقال بعد أن سلّم عليه : أيها الشيخ أظنّك غريباً . .
. إن سألتنا أعطيناك ، و لو استرشدتنا أرشدناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت
عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كانت لك
حاجة قضيناها لك .
فوجئ الرجل الشامي
بجواب الحسن ، وأدرك – على الفور – أن معاوية كان يخدع الناس و يشيع فيهم عن علي
وأولاده ما ليس بحق .
تأثّر الرجل وبكى
ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، وإن الله أعلم حيث يجعل رسالته ، لقد كنت
أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ و الآن أنت أحبّ خلق الله إليّ .
ومضى الرجل مع
الإمام إلى منزله ضيفاً إلى أن ارتحل .
سخاؤه وكرمه
:
-
سأل رجل الحسن بن علي (
عليه السلام ) فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار .
-
وجاء أحد الأعراب فقال (
عليه السلام ) : أعطوه ما في الخزانة ، فوُجد فيها عشرون ألف دينار .
-
كان الإمام الحسن يطوف
حول الكعبة فسمع رجلاً يدعو الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانصرف الحسن ( عليه
السلام ) إلى منزله ، وبعث إليه بعشرة آلاف درهم .
-
وجاءه رجل فقال له :
اشتريت عبداً ففرّ مني ، فأعطاه الإمام ثمَن العبد .
الخلافة
:
التحق سيدنا علي (
عليه السلام ) بالرفيق الأعلى ليلة 21 من شهر رمضان المبارك إثر اغتياله على يد
الخارجي " ابن ملجم " فخلفه ابنه الإمام الحسن ( عليه السلام) في الخلافة ، وبايعه
المسلمون ؛ فنهض بقيادة الأمة ومسؤولية الخلافة ، وله من العمر 27 سنة .
وفي صباح اليوم
الأول صعد المنبر وألقى خطاباً تاريخياً معلِناً استمرار سياسة أبيه في العدل
والمساواة والتصدي لمؤامرات المنحرفين عن الإسلام :
" لقد قُبِض في هذه
الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولم يُدركه الآخرون بعمل ، لقد كان يجاهد مع
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فيقيه بنفسه وكان رسول الله (صلى الله عليه
وآله ) يوجِّهَهُ برَايَته ، فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، ولا يرجع
حتى يفتح الله عليه . . و لقد توفي في الليلة التي عُرج فيها بعيسى بن مريم ، والتي
قُبض فيها يوشع بن نون " وصي موسى ( عليه السلام ) " وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلا
سبعمائة درهم فضُلت عن عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله " .
ثم خنقته العبرة
فبكى ، وبكى الناس ، ثم قال :
أنا ابن البشير . .
أنا ابن النذير . . أنا ابن الداعي إلى الله بأذنه . . أنا ابن السراج المنير . .
أنا مِن أهل بيت أذهَب اللهُ عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . . أنا من أهل بيت فرَض
الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى :
{ قل لا أسألكم
عليه أجراً إلاّ المودة في القربى و من يقترف حسنة نزد له فيها حسناً}
1 فالحسنة مودّتنا أهل البيت .
نهض عبد الله بن
عباس ، وقال : معاشر الناس ! هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه .
فاستجاب له الناس ،
وقالوا : " ما أحبّه إلينا وأوجب حقه علينا " وبادروا إلى البيعة له بالخلافة
.
مؤامرات معاوية
:
استمر معاوية في
مؤامراته ضدّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) كما كان في عهد سيدنا علي ( عليه السلام
) ، فكانت حرب صفين ، ثم معركة النهروان بسبب تمرّده على الخلافة ومحاولته
لاغتصابها من أصحابها الشرعيين .
لقد انتخب الناسُ
الحسن ( عليه السلام ) خليفةً لرسول الله وأميراً للمؤمنين ، ولكن معاوية رفض
البيعة للإمام ، وبدل أن يطيع راح يبث الجواسيس إلى الكوفة والبصرة ، ويبعث الرشاوى
لبعض الناس .
لم يتساهل الحسن في
مواجهة مؤامرات معاوية بل أمر بإعدام الجواسيس ثم بعث برسالة إلى معاوية يحذره فيها
من الاستمرار في انحرافه :
- أما بعد فإنك
دسست إلي الرجال ، كأنك تحبّ اللقاء ، لاشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله .
الاستعداد للحرب
:

وجَّه معاوية جيوشه
لبثّ الذعر في قلوب المسلمين والإغارة عليهم ونهب ممتلكاتهم ، وكان على الإمام
الحسن أن يتصدّى للعدوان ويستعدّ للقتال ، فخطب بالناس قائلاً :
أما بعد ؛ فإن الله
كتب الجهاد على خلقه ، وسمّاه كرها ثم قال لأهل الجهاد : اصبروا إن الله مع
الصابرين ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلاّ بالصبر على ما تكرهون . . .
أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيلة .
وللأسف كان الخوف
مسيطراً على الناس ، وكانت استجابتهم للقتال بطيئة .
وهنا نهض عدي بن
حاتم الطائي وكان من أصحاب الإمام ( عليه السلام ) فنادى بالناس مستنكراً تخاذلهم
:
" أنا عدي بن حاتم
، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ! ! ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ؟ ! أين
خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جدّ الجدّ راوغوا كالثعالب ؟
أما تخافون مقت الله ؟ ".
ثم ركب فرسه وانطلق
إلى معسكر النخيلة .
وقام بعض أنصار
الإمام وقادته بتشجيع الناس على الاستعداد لمواجهة معاوية ، فتألف جيش بلغ عدده
اثني عشر ألفاً ، فأُسندت القيادة إلى " عبيد الله بن العباس " وكان معاوية قد قتل
ولديه الصغيرين في إحدى الغارات .
كان في جيش الإمام
الحسن ( عليه السلام ) الكثير من أهل الدنيا والأطماع ، فسَهُل على معاوية أن
يشتريهم بالأموال ، فراحوا يتسلّلون إلى معسكر معاوية في الظلام .
بل أن معاوية
استطاع أن يرشي قائد الجيش " عبيد الله بن العباس " بمليون درهم ، فانحاز إلى
معاوية ، تاركاً الإمام والخليفة وحيداً .
وتوالت الخيانات ،
وتجرأ أحدهم فأراد اغتيال الإمام الحسن ، وقد جرح ( عليه السلام ) في ساقه
.
أدرك الإمام الحسن
( عليه السلام ) أن من الصعب مواجهة معاوية بجيش ضعيف يبيع جنوده أنفسهم بثمن زهيد
.
وفي المقابل كان
معاوية يعرض الصلح والسلام على الإمام مقابل التنازل عن الخلافة ، وكان الإمام (
عليه السلام ) يعرف أن الاستمرار في مواجهة معاوية سوف يعرِّض أصحابه وأنصاره –
وفيهم خيرة صحابة رسول الله - إلى الإبادة والموت ، وسوف يحتل جيش الشام الكوفة
وينتهك الأعراض ويقتل الأبرياء ، لذا آثر الإمام ( عليه السلام ) الصلح على سفك
الدماء مقابل بعض الشروط .
الصلح
:
كان الخوارج يخططون
لاغتيال الحسن ، وكان معاوية يشجعهم من بعيد على ذلك لكي يضطر الإمام إلى قبول
الصلح والتنازل عن الخلافة .
كان سيدنا الحسن لا
يفكر إلاّ بمصلحة الإسلام و المسلمين ، وأخيراً وافق على الصلح حقناً للدماء ، وكتب
شروط الصلح وعرَضها على معاوية :
-
أن يعمل معاوية بكتاب
الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) .
-
أن لا يلاحق شيعة آل
البيت ( عليهم السلام ) .
-
أن لا يسبّ أو يشتم علياً
( عليه السلام ) .
-
ليس لمعاوية الحق في نصب
أحد للخلافة .
-
أن لا يدعو الحسن معاوية
أميراً للمؤمنين .
-
على معاوية أن يعيد
الخلافة إلى الحسن فان توفي الحسن فإلى الحسين .
معاوية يخرق
الشروط :
كان سيدنا الحسن
يدرك أن معاوية لن يلتزم بالشروط ، فأراد الإمام أن تعرف الأمة ألاعيب معاوية و عدم
احترامه للدين والعهد .
تمّ الصلح ودخل
معاوية الكوفة ، فصعد المنبر وخطب بالناس قائلاً : إني ما قاتلتكم لتصوموا أو
تصلّوا ولكن لأتأمّر عليكم . . ألا وإن كل شرط شرطته للحسن فهو تحت قدمي
.
عيّن معاوية " زياد
بن أبيه " حاكماً على الكوفة ، فراح يطارد شيعة أهل البيت ، ويصادر بيوتهم وأموالهم
، ويعذبهم ويسجنهم .
وكان سيدنا الحسن (
عليه السلام ) يساعد المظلومين والمقهورين ويستنكر أعمال معاوية وظلمه وعدم التزامه
بالشروط .
كان معاوية يخطط
للقضاء على الإمام الحسن ( عليه السلام ) وتنصيب ابنه "يزيد" للخلافة ، ففكر
باستخدام السمّ لاغتيال سبط رسول الله .
وقع اختيار معاوية
على " جُعدة بنت الأشعث " زوجة الإمام ، وكان أبوها منافقاً ، فأغراها بالمال
وبتزويجها من ابنه يزيد .
وسوس الشيطان لجعدة
، وأخذت السم الذي أرسله معاوية فوضعته في " إفطار" الإمام الحسن ، وكان صائماً
.
تناول سيدنا الحسن
طعام الإفطار ، فشعر بألم شديد يقطع أمعاءه ، ونظر إلى زوجته وقال : " يا عدوة الله
، قتلتيني قتلك الله ، لقد غرّك معاوية وسخر منك . يخزيك الله ويخزيه "
.
سخر معاوية من "
جعدة " وطردها من قصره وقال لها : إننا نحب حياة يزيد ، وهكذا خسرت تلك المرأة
الدنيا و الآخرة وفازت بلقب : " مسمّمة الأزواج " .
وفي الثامن
والعشرين من شهر صفر من عام 50 للهجرة ، عرجت روح الإمام إلى الرفيق الأعلى . .
تشكو إلى الله ظلم بني أمية .
حُمل جثمانه إلى
مقبرة البقيع ، حيث مرقده الآن .
فالسلام عليه يوم
وُلد ، ويوم استشهد ، ويوم يُبعث حيا .
هوية الإمام
:
الاسم : الحسن
.
اللقب : المجتبى
.
الكنية : أبو محمد
.
اسم الأب : علي (
عليه السلام ) .
اسم الأم : فاطمة (
عليها السلام ) .
اسم الجد : محمد (
صلى الله عليه وآله ) .
تاريخ الولادة : 15
رمضان عام 3هجري .
العمر : 47 سنة
.
تاريخ شهادته : 28
صفر عام 50هجري .
من كلمات
المضيئة :
-
اللؤم أن لا تشكر النعمة
.
-
ما تشاور قوم إلا هدوا
إلى رشدهم .
-
العار أهون من النار
.
-
القريب من قرّبته المودّة
وإن بعد نسبه ، والبعيد من باعدته المودّة وإن قرب نسبه .
أسئلة
:
-
لماذا كان سيدنا محمد (
صلى الله عليه وآله ) يحب حفيده الحسن ؟
-
كيف علَّم الحسن ( عليه
السلام ) الشيخ الوضوء الصحيح ؟
-
لماذا صالح الحسن ( عليه
السلام ) معاوية ؟
تعليقات
-
سورة الشورى : / 22
|