الفصل الرابع
![]()
التعريف الاَوّل
العبادة هي الخضوع عن اعتقاد بأُلوهية المعبود، فمالم يكن
القول والعمل ناشئين من الاعتقاد بالاَُلوهية، لا يكون الخضوع
والتعظيم والتكريم عبادة.
والذي يجب أن نلفت نظر القارىَ إليه، هو انّ المراد من
الاَُلوهية ليست المعبودية كما هو الرائج في الاَلسن، بل المراد منها
الاعتقاد بكونه إله العالم وخالقه ومدبره وانّ أزمة الاَُمور كلّها أو
بعضها بيده، فهذا هو المراد من الاِله، والاَُلوهية، فلفظ الاِله كلي
و(اللّه) لفظ الجلالة علم، فليس بينهما فرق إلاّ بالكلية والجزئية.
التعريف الثاني
العبادة هي الخضوع أمام من يعتقد انّه ربّ يملك شأناً من
شوَون وجوده وحياته وشوَونه في آجله وعاجله.
سواء كان أمراً مادّياً كالعزّة و النصر، أم معنويّاً كمغفرة
الذنوب.
____________
1 ـ الاَعراف|59.
2 ـ وللقارىَ الكريم أن يراجع في ذلك الآيات التالية: الاَعراف|65، 73، 85؛ هود|50، 61، 84؛ الاَنبياء|25؛ الموَمنون|23، 32؛ طه |14.
التعريف الثالث
العبادة هي الخضوع أمام من نعتقد انّه إله العالم، أو من فوض
إليه أعماله كالخلق والرزق والاِحياء والاِماتة التي تعد من الاَفعال
الكونية أو التقنين والتشريع وحقّ الشفاعة والمغفرة التي تعد من
____________
1 ـ المائدة|72.
2 ـ الاَنبياء|92.
3 ـ آل عمران|51.
الفصل الخامس
ينطوي هذا الفصل على مسائل صارت ذريعة للاختلاف
والتشتت، وهي لا تمس العقيدة بصلة، وإنّما هي مسائل فقهية
تستنبط أحكامها من الكتاب والسنّة وهذه المسائل هي كالتالي:
1. زيارة القبور.
2. شدّالرحال إلى زيارة قبر النبي ص.
3. البناء على القبور.
4. بناء المساجد على القبور والصلاة فيها.
5. التوسّل بالاَنبياء والاَولياء والصالحين وأقسامه.
6. انتفاع الموتى بأعمال الاَحياء والنذر لهم.
7. التبرّك بآثار الاَنبياء والصالحين.
8. الاحتفال بميلاد النبي ص.
9. البكاء على الميت.
10. الحلف على اللّه بحقّ الاَولياء.
11. الحلف بغير اللّه سبحانه.
12. تسمية المواليد باضافة العبد إلى غير اللّه سبحانه.
وإليك البحث فيها واحدة تلو الاَُخرى:
زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
هذا كلّه حول زيارة قبور المسلمين، وأمّا زيارة قبر
النبيوأئمّة الاِسلام والشهداء والصالحين فلا شكّ انّ لزيارتهم نتائج
بنّاءة نشير إليها، كما نشير إلى الاَحاديث الواردة حول زيارة قبورهم
ليكون البحث مرفقاً بالتحليل وجامعاً للدليل.
أمّا التحليل: انّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هو نوع من
الشكر والتقدير على تضحياتهم وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو
جزاء الذين يسلكون طريق الحقّ والهدى، والفضيلة والدفاع عن
المبدأ والعقيدة، وهذا لا يدفعنا إلى زيارة قبورهم فحسب، بل إلى
إبقاء ذكرياتهم حية ساخنة، والمحافظة على آثارهم وإقامة
المهرجانات ، في ذكرى مواليدهم،وعقد المجالس وإلقاء الخطب
المفيدة في أيّام التحاقهم بالرفيق الاَعلى، وهذا شيء يدركه كلّذي
مسكة.
ولاَجل ذلك ترى انّالاَُمم الحية يتسابقون في زيارة مدفن
روَسائهم وشخصياتهم الذين ضحُّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل
نجاة الشعب، وإنقاذه من مخالب المستعمرين والظالمين، ويقيمون
المجالس لاحياء معالمهم، دون أن يخطر ببال أحد انّهذه الاَُمور
____________
1 ـ الفقه على المذاهب الاَربعة:1|540.
سوَال و اجابة
وثمة سوَال وهو انّه إذا كان شدّ الرحال إلى زيارة القبور
وبالاَخص زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جائزاً، فما
معنى هذا الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وهو لا تشدّ
الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام،
والمسجد الاَقصى؟
والجواب أوّلاً: انّ هذا الحديث وإن أخرجه مسلم، لكنّه
معارض بفعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّه كان يشد
الرحال إلى مساجد غير هذه الثلاثة.
فقدأخرج الشيخان في صحيحهما انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً فيصلي فيه.(1)
فكيف يجتمع هذا الحديث مع حديث النهي الذي لسانه آب
عن التخصيص، وهذا يدل على أنّ الحديث الاَوّل إمّا غير صحيح
وعلى فرض صحته نقل محرّفاً.
والدليل على التحريف انّه نقل بوجه آخر أيضاً، وهو إنّما
يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء.
وأيضاً بصورة ثالثة تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد.(2)
____________
1 ـ صحيح مسلم:4|127، صحيح البخاري:2|176.
2 ـ أورد مسلم هذه الاَحاديث في صحيحه:4|126، باب لا تشدّ الرحال من كتاب الحج وكذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي:2|37ـ 38 ، وقد ذكر السبكي صوراً أُخرى للحديث هي أضعف دلالة على مقصود المستدللاحظ شفاء
السقام:98.