المُتْعَةُ
وأثرها في الإصلاح الإجتماعي
في الرد على مفتريات محمد ثابت في كتابه جولة في ربوع الشرق الأدنى
وعلى موسى جار الله ابن فاطمة التركستاني في كتابه الوشيعة
تقديم
الاستاذ عبد الهادي مسعود
بوزارة الثقافة والإرشاد القومي
ملتزم الطبع والنشر
السّيّد مرتضى الرضوي
عضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة
( 2 )
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
( 3 )
زواج المتعة في الإسلام
ــــ
الإسلام اليوم بحاجة إلى تجديد ، ومن واجب المجدد إذا تجنب الهوى أن يدر الموضوع دراسة متعمقة ، وموضوعنا اليوم هو المتعة في الإسلام ، ونريد عرض هذا الموضوع عرضاً محايداً ، لا تحيز فيه ولا تهيب ، ولا سطحية فيه ولا ابتسار .
والإسلامية مذهب ديني فلسفي تتمثل خطوطه كما تتمثل أركانه وأسسه في كتاب الله ، هذه الإسلامية التي امتدت من حيث المكان من « طنجة » على المحيط الأطلنطى غرباً ، إلى أقصى الصين على المحيط الهادي شرقاً ، ومن أواسط أوربا شمالاً إلى الركن القصى من إفريقيا جنوباً ، والتي امتدت من حيث الزمان من عهد محمد صلوات الله عليه إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم ، هذه الإسلامية إنما امتدت هذا الإمتداد مكانا وزمانا لأنها تتفق مع طبيعة البشر في كل زمان وفي كل مكان ، ولأنها توافق الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وتضمن للإنسان نوعاً من السعادة ، وتوفر له جانباً كبيراً من الإستقرار والأطمئنان .
ومعنى الإسلام القريب هو الخضوع والإستسلام لأوامر الله ، فالمسلم هو الذي يسلم لله ويخلص له ، فيأتمر بأمره ويخضع للحق مهما خالف هواه ، ومهما خالف ماورثه عن أهله ومن حوله من آراء .
إن الخضوع المطلق لله تعالى يوجب الصدق المطلق مع ذات نفسك ، كما يوجب ،
( 4 )
للصدق المطلق مع آلك وأولادك والصحاب والجيرة والإخوان ، وغير الإخوان ، ما لم يكن ذلك متعارضاً مع أمر من أوامر الله .
ولعل أول ما نتابعه في تأريخ الإسلام أن نتابع الوحي الذي نزل على قلب رسول الإسلام ؛ ولعلها أن تكون لفته قوية تلك التي يسوقها الله إلينا في أول آية نزلت من القرآن :
« إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، إقرأ وربك الأكرم الذي على بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم » .
كانت أول آية نزلت علينا من الملأ الأعلى هي قوله تعالى « إقرأ » هذا الأمر الذي يعتبره المسلمون ، أو يجب أن يعتبروه شعاراً لهم يقرونه ويخضعون له ، فتصبح الكلمة المقروءة والكلمة المكتوبة وسيلتهم وأداتهم في كل مكان ومجال .
وقد حدّد الله تعالى معالم الطريق : نبدأ أولاً بإدراك ماهية الإنسان منذ يولد ، هذا الإنسان الذي خلق من علق ... هذا الإنسان كيف ومتى وجد ، وكيف متى ينتقل في مراحل التكوين من العلقة إلى المضغة المخلقة إلى غير ذلك من أطوار ... وأن ندرس خصائص هذه الأطوار جميعاً ، إن من واجبنا بمقتضى القرآن الذي هو كتاب الإسلامية الأكبر أن نبحث وأن نقرأ ، وأن نتابع البحث والقراءة والأستزادة منهما حتى ندرك الإنسان الذي خلق من علق ، وحتى نكتب بالقلم ، ونتعلم به ما لم نكن نعلم ، ذلك لأن الله تعالى هو الذي يعلّمنا ، وهو الذي يهذبنا ، وهو الذي يثقف أفهامنا وأفكارنا لندرك بعض ما لم ندركه إلى اليوم ، وإلى ما بعد اليوم من أجيال وقرون .
والحق إن الإسلام اليوم في محنة ، فهو موضع التجربة اليوم أكثر من أي وقت مضى ، اليوم حيث تقدم العلم ، وتقدم الإنسان ، وتعلم هذا الإنسان كثيراً مما لم يكن يعلم ، تعلم الزراعة والصناعة ، وتعلم السيارة والطيارة ، وتعلم الطب والهندسة والتجارة ، وتعلم الفلك ، وتعلم الجدل ، والشعر والأدب ، وتعلم الإحصاء بالقلم ،
( 5 )
كما تعلم حساب السنين والأيام ، بل تعلم كيف يتدخل في الطبيعة فيفجر الذرة ، وكان هذا من مكامن الخطر .
ويقف المسلمون : حائرين ، أيظلون على إيمانهم بكتابهم أم يتراجعون ليؤمنوا بالعلم الذي أدهشهم وكشف لهم عن كل غريب ؟!
أيتعارض هذا القرآن مع العلم أم يتفق معه ؟!
أيوافقه في كل ما يذهب إليه ، أم يدعو إلى تثقيفه وتهذيبه ؟!
بل أيتفق هذا العلم بالاشياء والغرائب مع القرآن الذي ندين به أم يتعارض ويعارض ويواجه المسلمين بغير ما يريدون وغير ما يؤمنون ؟!
ولم يثبت المسلمون أمام تيار العلم الجارف ، واعتبروا ـ لمدة من الزمن ـ أن تقدم الشعوب الأخرى بالعلم دليل على جواز تخلف الإسلام عن الحضارة واضطرتهم قوة الدفع الإستعماري إلى التخلف بالفعل عن ركب الإنسانية الزاحف ، ولكن بعض المسلمين لم يجر فهم التيار ولم يرهبونه ، وعكفوا يقرأون ويبحثون ، وفهموا أن الإسلام ليس هو الإيمان والطاعة فحسب ، وإنما هو الإيمان عن وثوق ، والطاعة عن اقتناع ، وهو فوق ذلك علم وبحث ودراسة واستقصاء وهو بعد ذلك دعوة يجب نشرها وإذاعتها بين الناس .
أخذ الاستعار يبسط سلطانه ، وينثر ذهبه ، ويضع الجلادين على رؤوس الشعوب ليخضعها وينحرف بها عن دينها ، وأخذ يبث صنائعه في كل بلد وفي كل قطر ، وانتشر الباحثون المسلمون فامتصوا آراء المستعمرين وعلومهم ، وتمثلوها وأدخلوا عليها ما شاءوا من الإصلاح والتعديل ، كما سلطوا عليها أضواء من الدين لصقلها وجعلها أداة للإفادة
دون التدمير .
وتحركت جموع المسلمين يمنة ويسرة ، بعضهم يواصل رسالة الحق ، وبعضهم يستبد برأيه ، وبعضهم يهلك كالفراش المبثوث ... وأصبح لزاماً علينا أن نسهم في كل هذا الطوفان نتلمس للإسلام وللمسلمين سفينة نجاة .
( 6 )
وقد رأينا أن الإسلام دعا إلى الفكر ، وجعله عماده وأساس دعوته ، وجعل مرتبة المسلم الذي يرث الإيمان مرتبة دنيا ... ومرتبة المؤمن بعد البحث والشك مرتبة لا تعلى في مراتب اليقين ...
كان الإسلام ولا يزال دين حق ... يبحث عن الحق ويسعى إليه ، ويدعو الناس إلى الدفاع عنه ... دين جاد يواجه لحياة ويرسم الحلول لما بها من مشاكل ...
دين جاد يدعو الإنسان إلى الإستسلام للحق وحده ، وإن أتى من أقصى الأرض ، ويدعوه للإذعان لسلطان الحق فلا سلطان إلا للحق أينما كان ...
يدعو الإنسان إلى الإيمان الجاد الذي يواجه الحقائق قبل أن تأتيه الحقائق فتهز في الإنسان أصول إيمانه ، بل قبل أن تواجهه المشاكل فتقضى على ما تبقى في نفسه من اليقين ...
والقرآن يرفع شأن العلم بطريقة لا تخلو من التحريض والتحقير لكل جهالة ؛ قال تعالى :
« قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ »
ويقول الرسول :
« من تعلم بابا من أبواب العلم ليعلمه للناس أعطى ثواب سبعين صديقاً »
رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس عن ابن مسعود .
ولا يعلم غير المسلمين ما مقام الصديقين عند الله ... إنهم بمنزلة الشهداء الذين يموتون في سبيل المبدأ والعقيدة والإصلاح ، بل إنهم ذكروا بعد الأنبياء وقبل الشهداء في آيات من القرآن ... ذلك أنه تعالى جعل العلماء ورثة الأنبياء في الأقوال والأفعال وجعل الشهداء منفذين لأقوال العلماء حين يؤمنون بما يقول العالم المخلص فيقتنع ويعتقد ويؤمن ، ثم يندفع ليموت في سبيل العقيدة والمبدأ
...
*
*
*
وبعد فإننا بصدد بحث عن « المتعة » ومشروعيتها في الإسلام ...
( 7 )
« والمتعة » يدعو لها « الشيعة » ... والشيعة بالنسبة لأبناء إقليمنا بحاجة إلى تعريف ...
ولا بأس من أن أرجع في تقديمي لهذا الكتاب إلى مقدمتي التي صدرت بها كتاباً آخر لإمام من فقهاء الشيعة المتقدمين وهو « الحر العاملي » في كتابه « وسائل الشيعة » والذي كمل الإنتفاع به بانضمام « مستدركاتها » إليها لميرزا « حسين النوري » قلت في تقديمي لهذا الكتاب في تعريف مركز عن الشيعة تعرضت من خلاله لقضية « المتعة »
ونحن إذ نجدد فهمنا للدين في هذا العصر ، وإذ ننطلق بأبصارنا وأفهامنا لإدراك الأسس الأصيلة فيه نستطيع أن نحدد لهذا الفهم مراحله وأن نرسم لتحقيق هذا الهدف وسائله ...
وأول هذه المراحل ، وأهم هذه الوسائل هو البحث فما ورثناه عن أسلافنا كدين ... هل خلا من الشوائب ؟ هل بانت معامله وهل تكشفت لنا خباياه دون أن يدخل في أوساط رجال الدين مزيفون للحديث ، موسوعون لشقة الخلاف ليستطيع المستعمر أو المستغل أو الخصم أيا كان الخصم أن يلعب دوره البغيض في الإفادة من هذا الزيف ، وفي استغلال هذا الإختلاف ؟!
إن الإجابة عن مثل هذا السؤال واضحة لكل صاحب إيمان ... فاليهود الذين كان من مصلحتهم أن يخضع الناس لسلطان المال بأكثر من خضوعهم للدين والحق ، لهم دور كبير في بلبلة الفكرة الإسلامية ، ورجال الدولة الذين كانوا يحكمون على مر العصور كانوا يلعبون دورهم في إخفاء بعض الحقائق ، وفي تخريج معان جديدة قد لا يكون لها أصل من الحق أو الصواب ...
والمستشرقون ـ وهم عيون الإستعمار ـ لعبوا دورهم الكبير في إفساد ذات البين ، وشق الصفوف لأسباب هي في حد ذاتها واهية ضعيفة وإن كانت نتائجها أخطر مما يظن الظانون
هذه مرحلة من مراحل الفهم ...
( 8 )
وثمة مرحلة أخرى تلك هي البحث الجاد في هذه الفرعيات التي اتخذت أسباباً لخلاف لعله أن يكون خطيراً ، وقد كان خطيراً بالفعل في قابل الزمان ...
علينا أن نقتل القديم بحثاً لنخلق وعياً إسلامياً جديداً ، فما من حق لرجل غير دارس أن يتحدث فيما لا يعلم ... وليس من شك في أن المذهب الشيعي ـ وهي فرع من أهم فروع المذاهب في الإسلامية العامة ـ والذي يدين به أكثر من مائة مليون مسلم في أنحاء الهند وباكستان والعراق وإيران ... هذا المذهب الشيعي بحاجة إلى كل دراستنا لنستطيع فيما بعد أن نصل إلى هدفنا ، وهو التوفيق بين شتى المذاهب الإسلامية في داخل إطار من كتاب الله ـ القرآن الكريم .
إن هذا المذهب الإسلامي له مقوماته الفكرية كأي مذهب آخر من مذاهب الدين ، وله لواؤه الخفاق ما في ذلك ريب .. والعلماء الشيعة كعلماء أهل السنة إنما يدركون كل شيء في حدود القرآن ، وفي حدود ما ورد على لسان نبي الإسلام ... وقد نظموا دراسات وبحوثاً لها قيمتها في ميدان الإسلامية الكبرى ، وكان لهم في إحياء التراث الديني مجالات ومجالات ... »
ولقد تابعت كثيراً من كتب الشيعة ، وتابعت مختلف الآراء التي قيل بأنها تختلف عما يتجه إليه أهل السنة ، فوجدته خلافاً على شكليات لا أصل لها من جوهر الأمور ، فالخلاف حول تفضيل « علي » كرم الله وجهه خلاف لا يمس صميم الدين ولا يهدم ركنا من أركانه ، فضلاً عن عدم جدوى إثارة مثل هذا الموضوع وقد قبض النبي صلوات الله عليه إلى ربه كما قبض خلفاوه الأربعة وغيرهم من جلة الصحابة والتابعين ، ولن يفيد الخلاف والإختلاف في إعادة واحد منهم أو غيره إلى الحكم ، ولو افترضنا أن إماما سيظهر في قابل الايام فالعالم كله في انتظاره لأنه سيكون مؤيداً بروح الله ...
ولعل من أخطر وجوه الخلاف ذلك الذي دار حول « المتعة » ... تلك التي يحلها فقهاء الشيعة ، في الوقت الذي يحرمها فقهاء السنة ...
( 9 )
وقبل أن أناقش هذا الموضوع أحب أن أضع أمام الأنظار إحصاء كان اتحاد الأزهر قد طبعه ووزعه منذ حوالي خمسة عشر عاماً يقرر فيه ما يلي :
(1) بلغ عدد الحوادث سنة 1941 في مدينة القاهرة وحدها 354046 حادثة بينها 1359 جناية ( إحصاء سكرتير نيابة مصر ـ الأهرام في 27 فبراير سنة 1942 ) .
(2) عثر في القاهرة على 1005 غلام في 100 فندق وحمام مصابين جميعاً بأمراض خبيثة ـ وثبت بالتحقيق أن عصابة قبض منها على سبعين فرداً كانت تنجر في الغلمان وتبيع الغلام بثلاثة جنيهات ( عن المقطم والأهرام في 24 و25 ديسمبر 1941 ) .
(3) جاء في تقرير مكتب الآداب عن أعماله خلال شهر سبتمبر عام 1941 في « القاهرة » ما يأتي :
719 ـ غلاماً مشرداً .
94 ـ إمرأة تحرّض على الفساد بينهن 8 فتيات قاصرات
105 ـ امرأة في منازل سرية .
65 ـ بنسيونا وفندقا يدار للدعارة .
34 ـ بلطجياً .
112 ـ مرة دهم فيها بيوت الدعارة .
13 ـ قضية شفعل فاضح في الصالات .
1054 ـ شكوى هتك عرض حقق فيها المكتب .
3 ـ قضايا بيع كتب مخلة بالآداب .
قبض المكتب على
هذه هي حصيلة شهر في مدينة كبرى هي عاصمة البلاد ... فما بالنا بحصيلة الأيام والشهور والأعوام التي تلت ذلك ... وقد كانت هذه الحصيلة في وقت
( 10 )
كان فيه البغاء العلني المصرح به موجوداً وقائما ويمارس خدماته الوضيعه ... فما بالنا وقد ألغى هذا البغاء ...
لقد بلغ عدد المصابين بالزهرى من بيوت الدعارة سنة 1931 ربع مليون من الزناة أي 250 ألف نسمة ...
ولا نقول إن هذا يمثل الحقيقة في بلادنا في الماضي وفي الحاضر ، وإنما هو يمثل جانباً من الحقيقة ، وما خفى كان أعظم ...
إن ما يحدث في المدارس الداخلية بنين وبنات لا يخفى على الناس ...
وما يحدث في داخل البيوت بين الأقارب والصحاب لا يخفى على الناس ...
وتجارة الرقيق يمارسها جميع الشباب في السن الذي ينتظرون فيه الزواج ، ولا نقصد المعنى الحرفي لتجارة الرقيق ، وإنما نقصد علاقة الذكر بالأنثى بالطريقة التي لا يسيغها العقل ولا يسغها الدين ، ولا تسيغها الأخلاق ...
وما تعرضه الجرائد والمجلات من مآسى تتكرر صورها وتتكرر وقائعها لا يحتاج إلى بيان .
بل إن ما يحدث في أعماق الريف يفوق كل ذلك في النوع وفي المقدار ...
وآخر ما قرأت في جريدة الأخبار منذ ايام .... أن موظفة بمصلحة التليفونات في القاهرة استغاثت عن طريق إحدى زميلاتها بالنجدة حيث هاجمت منزلا في دائرة عابدين وجدت به الفتاة ، ووجدت معها شاباً عثر معه على قطعتي حشيش ، وحبوب تخدير ، وحقن طبيعة لمنع الحمل ، وتولى المقدم « على الحديدي » مأمور القسم التحقيق حيث قررت الفتاة أنها كانت تقف على محطة الأتوبيس بشارع الجلاء فشعرت بالدوار ، وحينما أفاقت وجدت نفسها في مسكن الموظف ، وحينما أرادت الإنصراف حبسها ، وحاول هتك عرضها ، واستبقاها في منزله أربعة أيام ...
والحادث خطير في مدلوله ، خطير في خطته الجديدة المثيرة ...
( 11 )
حبوب تخدير يمكن أن تستخدم مع أية أنثى تسير في الطريق ...
وقطعتان من حشيش ، رغم المقاومة الجبارة لتجارة الحشيش ...
وحقن طبية لمنع الحمل قد تكون أثارها الصحية مدمرة بالنسبة للمرأة وللفتاة على حد سواء ...
وكل هذا يحدث في « القاهرة » وهي مدينة كبيرة ، حيث الحراسة متوفرة وحيث الشوارع تضج بالناس ...
ويقوم بهذا كله موظف يقرر بأنه أخذها معه لإسعافها ، وأنها رفضت الإنصراف من منزله على حد ما ذهب في اعترافاته أو ما ذهب إليه من اقوال ...
وليس هذا الحادث فرديا ... بقدر ما هو حادث يتكرر .. ويتكرر ما هو اسوأ منه في كل وقت ... وقد سمى حادثاً لأنه ظهر سواء أكان باختيار البنت أو برغمها ... وسواء أقتلها أهلها ، أم وقع القانون على المعتدي ... أو أخذ بثأرها واحد أو آخر من إخوتها أو الأقربون ...
كل هذا وغيره لا ينهى الموقف ، ولا يحل المشكلات ...
*
*
*
ونزل القرآن لإصلاح المجتمع وحمايته ، ورعاية الأسرة والدفاع عنها ... نزل ليضمن سعادة الإنسان ، ونزل مناسباً لجميع الناس على اختلاف ظروفهم وأحوالهم ...
وقد أوجب الزواج عند خشية الزنا ، ولكن الزواج يحتاج إلى المهر وإلى الاستعداد ، وفي الإنسان طاقات تتنفس ، ولابُدَّ أن تكيف علاقات الذكر بالأنثى تكييفا سليما لا تتحطم معه خلقية الإنسان ، ولا تنهار معه الأسرة حين يرتبط الرجل بعلاقات ... وترتبط الأنثى بعلاقات ... وسواء أكان هذا بالإغراء من طرف من الأطراف المعنية أو من الطرفين معا فالنتيجة هي النتيجة ... والحل ليس هو الزنا أو اللواطة أو السحاق بآية حال من الأحوال ... هذه الأمراض التي نشأت
( 12 )
لأننا لم نفهم ما في القرآن من مثالية عالية نتلمسها في « التصوف » ... وما فيه من واقعية معتدلة صافية تنلمسها في قوله تعالى :
« خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها »
وما فيه من واقعية أكثر في مرونتها من ذلك ، أو قل أقرب إلى طبيعة الإنسان بما فيه من هذه الغريزة المقيمة حين يجيز له الزواج من اثتنين وثلاث ورباع ، بل إنه يفتح للمسلم باباً آخر هو هذا الترخيص الوارد في قوله تعالى :
« والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم »
ثم يقول جل من قائل عقب هذا النص من الآية مباشرة :
« وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ، فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ، إن الله كان عليماً حكيما »
وبهذه الآية « وأحل لكم ما وراء ذلكم ... » تمسك فقهاء الشيعة من المذاهب الإسلامية الكبيرة ...
ويحاول بعض الدارسين من معتنقي مذاهب أهل السنة أن يقول بأن « المتعة » هنا هي الزواج العادي الدائم ، ومثل هذا الكلام مردود ، إذ من المحقق أن اصطلاح « المتعة » معروف ومقرر ، ومن المقطوع به أنه أبيح على عهد رسول الله صلوات الله عليه ، وعلى عهد أبي بكر ، وجانب من خلافة عمر ... وهو عند الشيعة لا يزال مباحاً إلى اليوم ...
كما يحاول بعض الدارسين على اتجاء أهل السنة أن يفسره أحيانا على أنه « ملك اليمين » وهي محاولة ساذجة للتهرب من الحقيقة ، فملك اليمين لا يحتاج إلى بيان ، وليس هو المقصود بهذه الآية على وجه من الوجوه ، وملك اليمين هو ملك اليمين وليس شيئاً آخر ، هذا كله فوق أنه مذكور في صدر هذه الآية الكريمة موضوع الإستشهاد .
( 13 )
أما « ما وراء ذلكم » فما استمتعتم به منهن ومن واجبكم حينئذ أن تلتزموا شروط ذلك ، وأول هذه الشروط والأوامر :
« فآتوهن أجورهن فريضة ، ... « محصنين غير مسافحين » متعففين غير مرتكبين للزنا ملتزمين لكل شروط « المتعة » التي لا تصنيع حقاً لذي حق ، إذ « المتعة » لاتتم إلا بشروط وضعها الشارع الأكبر وبينها للناس ...
هذا هو التفسير الذي وضحه لنا أئمة المجتهدين من الشيعة ، وكل تكلف في التفسير والتخريج على غير هذا الوجه ـ إنما هو عندهم من باب تحريم ما أحل الله ، وهو .. فيما نرى تعسف لا يحتمله النص على وجه من الوجوه ...
وقد رأينا أن نختار نصاً من كتاب « المحلى » للإمام ابن حزم المتوفى عام 654 هـ بالجزء التاسع في باب أحكام النكاح يتميز بعرض واضح ، وتعريف محدد للمتعة
وقد أشار الأستاذ الفكيكي إلى هذا النص في ص 38 من هذا الكتاب ، غير أنني أنصح بالرجوع إليه كاملاً في كتاب « ابن حزم » حيث يعرضه هذا الإمام بين يدي القارئ الكريم وعقله ليكون موضع الأحتكام
*
*
*
على أننا نضيف إلى هذا . بعد الدراسة الطويلة ـ أن أكثر من تسعين في المائة من المجتهدين ، من سنة وشيعة أجمعوا على أن « المتعة » المذكورة في الآية الكريمة هي الزواج إلى أجل ، وأن هذه الآية هي المرجع الأول في الإباحة ، أما النسخ فالمجتهدون من السنة يقررون أنه ورد بحديث عن النبي صلوات الله عليه ، ونهيه عن ممارسة هذا الحق الذي منحه القرآن الكريم .
وقد عودنا القرآن حين يحرم شيئاً أن يفصله ويكرره ويؤكده ، بل غالباً ما يضع العقوبات للمخالفين ...
قال تعالى : « وقد فصل لكم ما حرم عليكم »
وترتيباً على ذلك محال أن يحرم الله تعالى علينا ما لم يبينه لنا ، وما لم يفصله على حد تعبيره تعالى في هذه الآية المحكمة ...
( 14 )
وإذا كانت المتعة قد أبيحت بنص من القرآن فلا بد من أن تحرم ـ إذا كان ثمة تحريم ـ بهذه الطريقة من البيان والتفصيل .
قد يقول قائل بأن فتح الباب لزواج المتعة سيغلق باب الزواج الدائم ، وسيدفع الشباب إلى زواج المتعة دون الزواج الدائم ، ولكنها حجة واهية لا نحتاج إلى نقاش ، ذلك أنه بالرغم من إباحة المتعة في كثير من أقطار الإسلام كالعراق وإيران وغيرهما ، فلا يزال الزواج الدائم هو السارى في غالب الأحيان .
ونقول إنه على الرغم من إباحة الطلاق عند أهل السنة وأهل الشيعة على السواء فلا يزال كل متزوج حريصاً على عدم استغلال هذه الرخصة المباحة حفاظا على الولد ، ورعاية لجمع الشمل ، ولا يلجأ إلى استخدام الطلاق إلا جاهل فدم . أو رجل لا يقدر المسئولية ، أو في حالة الاضطرار وهو الأمر الذي من أجله شرع هذا الترخيص .
وكم من زوجات آذين أزواجهن بالحق حيناً وبالباطل أحيانا بل غالباً ، وألحقن بأزواجهن أضراراً جسيمة نتيجة لغيرة مفاجئة ، أو تحريض محكم من حماة أو جارة أو زميلة لا تريد بها وبزوجها إلا الشر والسوء لسبب أو لآخر من الأسباب ، ومع ذلك آثر الأزواج المحافظة على البيت حرصاً على ولد صالح أو بنت يؤذيها الإنفصال كل الإيذاء ... ولأمر ما جعل هذا الترخيص في يد الرجل ولم يترك لأهواء المرأة حتى لا تكون ـ ولا نقول حتى لا يكون ـ سبباً للنكبات ...
*
*
*
وجاءني صديق من أصدق شباب العراق ، هو أخي « مرتضى الرضوي الكشميري » وطلب إلى أن أقدم هذا الكتاب ، « وكنت قدمت له كتاب « وسائل الشيعة » من قبل وترددت ، أستخير الله وأطلب السداد في الرأى ، وطالعت الموضوع وتابعته أياماً وشهوراً وأنا أخلف موعد الزميل ( المرتضى ) وهو يلتمس لي الإعذار ، وساعدني زميل مصري بإدارة الثقافة هو الاستاذ سعيد عبده وأحضر لي بعض مخطوطات مصورة نادرة من كتابين جليلين هما :
( 15 )
1 ـ ناسخ الحديث ومنسوخه لأبى حفص ابن شاهين .
2 ـ نواسخ القرآن لابن الجوزي
وأوجب على الموقف بعد المطالعة والبحث أن أعرض هذا الموضوع هذا العرض العلمي الحيادي الإيجابي معاً ، لعله أن يكون موضع الدراسة لدى المختصين على منهج مثل هذا المنهج ، واتجاه يتقارب مع هذا الاتجاه ...
وليس من شأني في هذا التقديم أن أتعرض لتفصيلات « المتعة » ولها شروطها وقيودها التي بينها لنا العالم والمحامي « توفيق الفكيكي » في كتابه الذي نقدمه الآن .
أما المتعة عند الشيعة فهي تدفع جرائم عديدة تهدد المجتمع كله بالدمار : وقد أوردنا إحصاء يكشف عن بعض هذه الجرائم ، فيها المتزوج وفيها المتزوجة ، وفيها الجيران ، والقريب الذي يدخل البيت مستظلا بقرابته ، والصديق المستظل بصداقته . والذي يغري المرأة ، والذي تغريه المرأة .
وثمة الوان غير هذه الجرائم من الشذوذ يعرفها الجميع ، بل ويرونها حتى بين أولادهم وفلذات أكبادهم ، فيخفون رؤوسهم في الرمال دفعاً للأحطار وما هكذا تحل مشاكل المجتمعات ...
المتعة تقضى على الدعارة الرسمية ، ونصف الرسمية ، وغير الرسمية ... وتقضى على الزاني الذي ينطلق كالحيوان إلى هذه وتلك ... والزانية التي تسلم نفسها لهذا وذاك دون عقد ودون شهادة من الشهود ، ودون اعتبار « للعدة» التي تستغرق في المتعة المباحة عند الشيعة «حيضتين كاملتين أو خمساً وأربعين يوماً كاملاً » حتى إذا كان ثمة « حمل » إنكشف في خلال هذه المدة فألحق بأبيه ، وصار مسئولاً عنه مما وقد يدفع إلى استدامة العلاقة الزوجية بالفعل ...
أما الإسلام فقد وجد ليحارب كل هذا ، لا ليحاربه بالسيف ... فالسيف أضعف من أن يحل المشكلات ... وإن قال الشعراء بغير ذلك ...
( 16 )
السيف حين يحارب السرقة ينسى أن الرشوة أشد نكاية في هدم الشعوب من السرقة ...
والسيف حين يحارب البغاء بالإلغاء ـ دون خطة واعية وتيسير للزواج والإحصان ـ ينسى أن الطبيعة البشرية أقوى من الإلغاء ، وأقوى من المياه الهادرة ، والأمواج الثائرة ، والنيران المشتعلة .
والسيف حين يسلط حده على الظهور يتهرب الناس ـ جموع الناس ـ بظهورهم ليزحفوا إلى الرذيلة والفساد على بطونهم ، متظاهرين بالتزلف إلى جلاديهم ، والتقرب إلى الطغاة والمفسدين ... إلى أن يتفسخ كيانه وكيانهم ...
وأساس الإسلام هو العقيدة قبل السيف ...
وهو الفكرة التي نعتقد أنها أقوى من كل الجيوش في أرجاء الأرض ... وهي أساس تكوين الشعوب في أي ركن من الأرض ... وهو بفكرته الثاقبة يساير طبيعة الإنسان لينظمها ويشرع لها لا ليشرع ضدها أو يعترض طريقها ... وأخيراً وليس آخراً نقرر الفرق بين زواج المتعة ، والزواج الذي نأخذ به عند أهل السنة
فزواج المتعة المحدود بزمان معين لصاحبه مطلق الحرية في أن يمده إلى نهاية العمر ...
وزواج أهل السنة ـ ذاك الذي لا يتقيد فيه بزمان ـ لصاحبه أيضاً وبنص من القرآن أن يقطعه بالطلاق ...
فالزواج المباح عند أهل السنة دائم إلى انقطاع ، وزواج المتعة أيضاً منقطع إلى اتصال ... وهذا هو الفرق العملي بينهما .
وليس هذا الفرق يهمنا بقدر ما هو غير موجود بالفعل .
وأخيراً نقول بأن هذا الدين متين ، وعلى الدارسين أن يوغلوا فيه برفق ، وعليهم دراسة المشكلات دراسة متحررة من كان جمود ، محررة من كل الشوائب ، وعرضها من كافة وجوهها بحيث يوجد لا بين المسلمين خلاف يفضى إلى ضرر أو ضرار .
القاهرة : عبد الهادي مسعود