بسم الله الرحمن الرحيم

نبذة في ترجمة المؤلف

ــــ
إن آل الفكيكي من الأسر البغدادية القديمة التي زاولت الزراعة والتجارة وقد عرفت في كرخ بغداد ببيت محمد سعيد الفكيكي نسبة إلى عشيرة ـ الفجيجات التي تقطن لواء العمارة وضواحي مدينة الحي وقد نبغ من أفرادها في منتصف القرن الخامس الهجري عبد اللطيف الفكيك البغدادي الذي رحل إلى الأندلس وقد جاء ذكره في القسم الرابع من ذخيرة ابن بسام مع من طرأ على الأندلس ، ونبغ
أيضاً في القرن التاسع الهجري الشاعر المطبوع ابن عبد الجبار الفجيجي ذكره الأستاذ المرحوم جرجي زيدان في صحيفة (258) من المجلد الثالث من تاريخ آداب اللغة العربية وأشار إلى أن له قصيدة طردية عدد أبياتها (213) بيتاً كما نوه عنه صاحب قاموس المنجد في فهرس الأعلام . ثم نزحت أسره المؤلف في أطراف الكوت في مطلع القرن الثالث عشر الهجري فنزلت في محلة الوردية من لواء الحلة ثم نزح عبد الحسين الفكيكي الجد الثالث للمؤلف وسكن في محلة ( الفلاحات ) من الجانب الغربي لمدينة بغداد .

2 ـ المتعة



( 18 )

مولده ونسبه :
ولد في كرخ بغداد سنة 1321 هـ وهو توفيق بن علي بن ناصر بن محمد سعيد ابن عباس بن كريط الفكيكي ويمت بالنسب إلى قبيلة بني شيبان من ربيعة الفرس المشهورة .

تحصيله :
بعد أن اكمل دراسته الإبتدائية دخل مدرسة دار المعلمين وبعد أن تخرج منها امتهن التعليم مدة من الزمن ثم درس العلوم الحقوقية في كلية الحقوق العراقية وتخرج منها عام 1926 ـ 1927 فترك وظيفته في وزارة المالية وامتهن المحاماة وفي سنة 1931 عين حاكماً ـ قاضياً ـ منفرداً وفي أثناء مزاولته القضاء في سامراء درس اصول علم الفقه على الشيخ كاظم الساعدي وبعض الدروس في علم المعاني والبيان على الأستاذ السيد عبد الوهاب البدري . وفي بغداد درس بعض مباحث أصول الفقه والعقائد على العلامة الكبير الشيخ شكر الله قاضي بغداد الجعفري رحمه الله . والأستاذ الفكيكي يعد من الرعيل الأول الذين خدموا النهضة العلمية والأدبية في العراق بعد الإحتلال البريطاني وله مواقف وطنية معروفة في مقاومة السلطة البريطانية وقد اضطهدته السلطة فزجته مع قافلة الثوار في سجن الحلة بسبب اتصاله بهم في ثورة العراق التاريخية في سنة 1920 ومن ثم كان من المتمردين على رجال السياسة المنحرفين في عهدي الإنتداب والحكم الوطني . وفي سنة 1943 ترك وظيفة القضاء وعاد إلى المحاماة والمعترك السياسي فانظم إلى حزب الأحرار وبعد انحلاله دخل في صفوف حزب الإتحاد الدستوري وبعد تعطيله واصل عمله السياسي مستقلاً وفي سنة 1954 انتخب نائباً عن قضاء الشطرة في المجلس النيابي العراقي .


( 19 )

مؤلفاته المطبوعة :
(1) كتاب : الراعي والرعية في شرح عهد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى مالك الأشتر حين ولاه ولاية مصر .
يقع في جزئين من وهو كتاب ثمين .
(2) كتاب ( المتعة ) يبحث أحكامها في الفقه الإسلامي .
(3) ( سكينة بنت الحسين ) .
(4) أدب الفتوة أو الدعاية العسكرية عند العرب .
(5) رسالة في الدين والأخلاق وضعها للمدارس الثانوية .
(6) رسالة المعاهدات في الإسلام .
(7) رسالة في سياسة الأمام الصادق عليه السلام .
(8) مقالات في الحجاب والسفور .
(9) رسالة في اقرب الوسائل لنشر الحضارة .
(10) دفاع عن الشاعر المشهور : أبي العتاهية .
(11) رسالة في حماية الحيوان في شريعة القرآن تناول فيها الرد على الدكتور أحمد أمين صاحب فجر الإسلام ومقلديه .
(12) رسالة في المسائل الخلافية في الوقف بين المذهب الحنفي والجعفري وقد وشحت بتأييد المجتهد المصلح آية الله السيد محسن الحكيم .
(13) دراسات في الفقه والقانون المقارن .
(14) رسالة في شرح مقاصد ( فتوى ) الإمام الفقيه الشهير المرحوم السيد أبو الحسن الإصبهاني في قضيتي الدفاع والجهاد في الإسلام .

***


( 20 )

مؤلفاته غير المطبوعة :
(1) نشوة البراع .
(2) تقاريض ونقدات لدواوين بعض الشعراء المعاصرين .
(3) ( تبصير الدكتور البصير ) في الدفاع عن أحمد شوقي أمير الشعراء .
(4) صندوق اليعقوبي يتضمن مساجلات أدبية ظريفة .
(5) مختصر ( خلاصة الكلام في أحكام الإلتزام ) للخطابي في فقه الإمام مالك .
(6) رسالة في تنزيه القرآن عن الشعر .
(7) رسالة في دفع شبهات الكتاب حول زندقة بعض أمراء البيان وفرسان الشعر في العصر العباسي :

***

هذا وكان المؤلف قد أصدر في عام 1927 جريدة النظام وقد سحب امتيازها على أثر صدورها لأنها كانت كالبركان على رؤوس الحكام وفي سنة 1948 أثناء الحرب الفلسطينية أصدر جريدة ( الرعد ) وقد عطلها المجلس العرفي وفي سنة 1952 قام برئاسة تحرير جريدة ( القبس ) وعطلت أيضاً بأمر رئيس المجلس العرفي . وقد سخر قلمه السيال في تغذية المجلات العربية بشتى البحوث العلمية والأدبية ومنها المقتطف والعرفان والتمدن الإسلامي ورسالة الإسلام التي تصدرها دار التقريب في مصر ومجلة الرسالة البيروتية ومجلة ( اليقين ) البغدادية ( والإعتدال ) و( الغري ) والهاتف و( البيان ) النجفيات وغيرها من المجلات العراقية والمؤلف منذ أربعين سنة لم يتقاعس عن تزويد الصحف العراقية على اختلافها في الموضوعات السياسية والأدبية والإجتماعية والعلمية مئآت المقالات الرنانة المتميزة بالصراحة والجرأة


( 21 )

وبخاصة ما يتعلق بالمناقشات السياسية منها فهو لا يرحم خصمه في مصاولاته وهجومه ومع هذا لم يخسر صداقة خصومة لما يتحلى به من دماثة الخلق وطيب الطوية والسريرة .

***

ملاحظة : نقلنا هذه الترجمة من كتاب ( أعلام الشيعة ) لمؤلفه العلامة الكبير صاحب كتاب الذريعة الشيخ محمد محسن المعروف بآغا بزرك النجفي وكتاب ( البغداديون أخبارهم ومجالسهم ) لمؤلفه الكاتب المؤرخ المرحوم إبراهيم الدروبي وعن معلومات وثيقة أخرى .

ــــ


( 22 )

مقدمة الطبعة الثانية
ــــ

لقد مضى على الطبعة الأولى لهذا الكتاب ما يقرب من ربع قرن وبعد برهة يسيرة من صدوره نفذ من الأسواق والمكاتبات فأصبح نادر الوجود لما أحدثه من اثر طيب في وسط المثقفين الذين يهمهم الإصلاح الإجتماعي الذي يسره يسر الإسلام لمن يتوخى سبله ووسائله وذرأ معه في كل عصر من العصور على توالي الدهور . وقد لاقى الكتاب إقبالاً حسناً ممن يعنون بمشاكل الجنس والشباب الذين هالهم وأفزعهم هذا الأنهيار الخلقي المخيف في المجتمع الحديث وهو بلا شك من نتاج المدينة المزيفة وبريقها الخلاب ومن مكائد رسل الاستعمار وآفآت المبشرين من اعوانه وصنائعه ، وذلك بقصد هدم صرح الفضيلة ومعالم الأخلاق وفواضل العروبة ومحاسن الإسلام ، وبالوقت نفسه لم يفتأوا يشجعون الرذائل ونشرها بكل ما أوتوا من طول وقوة ومغريات هدامة .
وفي خلال هذه الفترة الطويلة كان الحاح الغيارى يشتد على المؤلف بضرورة إعادة طبع الكتاب ، وما أنفك المعجبون بقيمته العلمية يكررون التماسهم في ذلك ، وأخيراً لم ير الأستاذ المؤلف بداً من النزول عند رغبتهم واستجابة طلبتهم وتحقيق ضالتهم شاكراً لهم صدق إحساسهم وعواطفهم وحسن تقديرهم وفضل تشجيعهم كما سيطلع القارئ الكريم على رسائل المدح والإطراء المثبتة في آخر الكتاب ولأجله فقد أذن لنا حضرته بتجديد طبعته للمرة الثانية بعد أن أضاف إليه إضافات مهمة من الفصول والإستدراكات التي تكاد تعادل نصف محتويات الأصل . ومن تلك الفصول القيمة نص المحاورة التي جرت بين ابن الزبير وابن عباس ( رض )


( 24 )

ومناظرات الشيخ المفيد مع علماء عصره ومنهم أبي القاسم الداركي أحد أقطاب فقهاء الجمهور ثم كلمة قيمة لإبن حزم الأندلسي مقتبسة من كتاب الشهر ـ المحلى ـ ناقش فيها أئمة المذاهب الأربعة في مسألة المستأجرة والمستخدمة والمخدمة للزنا وغير ذلك من المسائل الدقيقة التي تتصل بموضوع هذا الكتاب . وقد أثبتنا في آخره ما تفضل به بعض العلماء الأعلام والأدباء والشعراء في نقده وتفريضه خدمة للتاريخ والله من وراء القصد هو مولانا ، نعم المولى ونعم النصير .

مرتضى الرضوي



( 25 )

مقدمة الطبعة الأولى
ــــ

بقلم حجة الإسلام وعلم الأعلام الإمام الشهير والمصلح الكبير الشيخ
محمد الحسين آل كاشف الغطاء قدس الله روحه ونور ضريحه

بسم الله الرحمن الرحيم : وله العظمة والكبرياء

( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق )

منذ بزغت على البسيطة شمس الإسلام في دياجير ذلك الظلام الدامس والى اليوم لم تزل عين الفتنة في المسلمين تنفتح مرة وتنطبق أخرى . وتهجع حينا وتسهر أحيانا . وتصد عن قوم وتتصدى لآخرين . وكان مهب أعاصير تلك الفتن ومثار زوابعها ـ هو المذاهب والمقالات التي نشأت في بدء الإسلام واستوجهها رحابة صدره وسعة حريته : وان لكل إنسان ما رأى وما اختار بعد البحث والنظر والإستقصاء ـ فيما لا يمس جوهر ودعائم أركانه من التوحيد والنبوة وما إليها . وكان من جملة القضايا التي اتسع البحث والجدل فيها في أوليات القرن الأول من الإسلام ـ المتعة والرجعة . بل الإمامة والنص والعصمة ، فكل تلك القضايا قد اشتبك الشجار فيها والحوار بين فريقين من المسلمين حتى استأسدت الأجمة ، واستجمرت الفحمة ، وحتى كادت المؤلفات فيها والإحتجاجات عليها سلباً وإيجاباً ونفياً واثباتاً تزن القناطير ، وتملأ القماطير ، ... أفما كان الحرى بل الأحرى . بل الأنفع دنيا وأخرى ـ لأهل القرون الآخرة ، أن تكتفي بما وقع من ذلك


( 26 )

في القرون الغابرة ، سيما أبناء هذا العصر الذي وقعنا فيه من جراء تلك الخلافات في أعمق مهاوى الذل والصغار ، ورزايا الإستعمار على المثل القائل ( الإباء يحصرمون والأبناء يضرسون ) ونفحت العناية الأزلية في اخريات القرن الغابر برجال مصلحين كانوا في الدعوة إلى توحيد الكلمة كأنبياء مرسلين ، وكانت ولم تزل الدعوة . إلى الوحدة والتوحيد ونبذ الخلافات هي ديننا وديننا وهجير ، أنا في جميع مقالاتنا وخطبنا ومؤلفاتنا التي طبع الكثير منها وانتشر الأكثر . ولكن . ( وما حال بان خلفه ألف هادم ) نعم قام في هدم جميع ما بناه الرجال المصلحون وشيده التابعون لم باحسان قام بالهدم واحباط تلك المساعي الكريمة في هذه الآونة بعض زغانفة الكتاب في القاهرة أولئك الكتبة الذين اليق ما يقال فيهم قول القائل :

تعس الزمان لقد أتى بعجاب * ومحى رسوم الفضل والآداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يدى * فيهـم رددتهـم إلـى الكتاب

نبغ الثالوث الأعمى الذي أعمى الله بصره كما أعمى بصائر اتباعه فصاروا يتلاعبون في محكمات الدين والتأريخ ويتخبطون في « ضحى الإسلام » وصواحيه تخبط الخفافيش في الق الشمس فنشروا تلك الدفائن ، ونبشوا تلك الضغائن ، وبعد أن لعبو دورهم في « القرآن والآدب » أعادوا حديث الرجعة والمتعة جذعه . فلم يكن لنا بد من دفع هجماتهم ، وصد صدماتهم ، ومجادلتهم كما أمر الله بالتي هي أحسن مع الدلالة على مضار تلك الجذور ومفاسد البذور ، وأن الزمان اليوم لا يصلح لتلك المجادلات والمجالدات بين فرق المسلمين وأن الزمان الذي كانت تلك الهنات تصلح فيه أولاً تضر قد تصرم وانقضى .

فـذاك زمـان لعبنا بـه * وهـذا زمان بنـا يـلعب

ولكن القوم صموا عن النصيحة آذانهم واشاحوا عن الحق وجوههم

اضيع شيء نصيحه بذلت * لحاضر الغي غايب الرشد


( 27 )

فما ازدادوا لجاجاً في الغي وتماديا في الضلالة ثم تأثرهم على تلك الخطة العوجاء وزاد في النغمات بعض أحامقه التركستان ممن لا يحسن أن يتكلم العربية الإرطانه ولا يعرف العربي الدارج فكيف يعرف سنته وقرآنه ، نعم قذفتنا أعاصير هذه العصور بحسرات من اقاصى الأرض فجاؤا يفسرون القرآن والحديث بلغة أوباش الصين للعدنانيين والقحطانيين .

عبدان عبـدان وتـبـع تبـع * والفاضل المفضول والوجه القفا
ولمـا أن هجوت رأيت عيـا * مقـالـي لابــن آوى يـالئيم

وقد انضوى ذلك الدخيل إلى شرذمة يزعمون العروبة ويتمطقون بمجد الإسلام ولكن يرون « إسلامهم الصحيح » النصب والبغض لأهل البيت . كأن من واجب حق النبي (ص) عليهم بغض أهل بيته والتحامل عليهم وجحد فضائلهم ، فتأثرهم ذلك الطائش فلم يترك عظيماً من عظماء أهل البيت ولا إماما من الأئمة الاّ واجترى عليه ونبحه « نبح ... على البدور نعم تحامل على كل عظيم ببذاءة لسان وصفاقة وجه . وحماقة عقل وحشر من أعاجيب الأكاذيب واباطيل الاضاليل ، مقالات يضرب بعضها بعضاً وينقض أولها آخرها ، وجلها تهويش وتحريض وطعن وتخديش كمثل الذي ينعق بما لا يعقل ، ويهرف بما لا يعرف ، وقد خاض في أكثر تلك المسائل من المتعة وغيرها فكان فيها حاطب ليل ، وخابط سيل ، ليس له إلا الحرب والويل .
وكان الأفاضل وأرباب الأقلام منا قد أنفوا من الرد عليه والخوض معه في أوحاله القذرة ، وشتائمه النتنة ، وآرائه الزائفة التي هي أوطا من النقد وأهبط من التمحيص . ولكن حمية الحق والغيرة على الحقيقة أن تهضم أو تضام ، وخوف أن تعدى جرياؤه الغر السليم . وأن تعم الضلالة ويتسع خرق الشبهة ، كل ذلك أهاب بالحقوقي الفاضل والبحاثة المتبحر والكاتب الضليع « الحاكم توفيق الفكيكي » زاد الله علمه وتوفيقه فكتب رسالة في المتعة أستوفى فيها البحث واستفرغ الوسع


( 28 )

واستكمل الموضوع من جميع نواحيه ومشى على ضوء الدليل وقيادة البرهان بحث متجرد منصف ، غير متحيز ولا متعسف ، ولقد أصاب فيما كتب شاكلة الصواب وجوهر الحقيقة ، وتعرض ، فيها لبعض كلمات ذلك المهوش المافون فدحض حجته ( إن صحت هنا هذه الكلمة ) نعم دحض أباطيله وأوضح أكاذيبه ، وجعل جميع ما جاء به هباء منثوراً ، فشكر الله سعيه وأجزل بره وكثر في حكامنا الكرام أمثاله من عشاق العلم والمعارف والنشر والتأليف ، وإليه جل شأنه نرغب في أن يقرن اسمه أبدأ بمسماه ولفظه بمعناه ، فيأتينا بأخوات هذه الرسالة التي أجاد فيها وأحسن وأبدع واتقن ولا زال موفقاً للآثار الخالدة والأعمال الصالحة بدعاء الأب البار .

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

النجف الأشرف 4 ع 2 سنة 1356
( 29 )

الكلمة الأولى
ــــــ


في الدوافع الباعثة على التأليف

الساكت عن الحق شيطان أخرس

بسم الله الرحمن الرحيم


اطلعت في الأيام الأخيرة على كتاب السائح المصري محمد ثابت الذي وضعه عقب جولته في ربوع الشرق الأدنى والكتاب موسوم بهذا الإسم ، وقد انتظم على مشاهدات مؤلفه في إصقاع التي أمها في سياحته وتجواله خلال ديارها وإن عنوان الكتاب حبب إلى مطالعته بدافع الإستطلاع والوقوف على ما كتبه المتجول الشرقي في جولته عن الشرق والشرقيين ، وقد أغتبطت كثيراً وسررت أيما سرور من أن الله عز وجل قد قيض لبلاد الشرق من أبنائها ما يسد الثلمة ويزيل الوصمة التي طالما ألصقها سواح الغرب وكتابه بالشرق والشرقيين بصور وكيفيات يندى منها جبين كل شرقي غيور على شرقيته وعروبته مهما كانت ملته ونحلته بل ونعرته ومع شدة ما تملكني من الشغف بتفلى الكتاب والحرص على سيره من أوله إلى منتهاه فقد تصفحته كنهلة المزؤود وسرحت فيه النظر كقبسة المستعجل كما يقال لكثرة ما اعترضني من الشواغل والعوايق على أن هذه النظرات العجلى في الكتاب دلتنى على مواقع الخطأ في كثير من فصوله وأبحاثه فرجعت بآمالي بخفي حنين وأكاد أعتقد في أن المؤلف كان خالي الوطاب من


( 30 )

المعرفة بكل ما يتصل بالشرق وأممه وعقائد أقوامه وملله حتى المسلمين منهم وكأنه بعيد عن عاداتهم وعنعناتهم خاصة عرب الجزيرة ولعل هو كذلك ، لأنى رأيته زمر (1) المروءة فيما دونه من مشاهداته في ربوع الرافدين وأنه قد أخطل في منطقه بدون رويه وبلا علم واطلاع والطّ (2) بالباطل فيما كتبه عن أثر « المتعة » في النجف الأشرف فقد أسف في نقله إسفافاً تأباه عليه الشهامة العربية وتنكره عليه الشريعة الإسلامية الغراء إذ أن حضرته قد فاق كثيراً من السواح الأجانب الذين حجوا بلاد الشرق واتصلوا بأقوامه وطوائفه فكتبوا بأقلامهم المسمومة ما شاءت لهم أهواؤهم ونزعاتهم وأغراضهم الاستعمارية من الدس وطمس الحقائق وإظهارها للناس بغير صورها الحقيقية الجميلة وإذا كان لهؤلاء بعض العذر فما عذره هو ، وهو من أبناء النيل المثقفين ومن أساتذة الآداب الذين يهمهم نشر الفضيلة ونصرة الحق والتحلى بجمال الصدق في القول والعمل ، بيد أننا والأسف يحز نفوسنا نراه قد سار في جولته في ربوع الشرق الأدنى ، وخاصة في ربوعنا كالمدلج في دأدأة (3) محلوكة فكان كحاطب ليل لا يدري ما يجمع في حزمته ، ودليلنا على هذا ما ذكره في صحيفة (152) من جولته وها هو بالحرف الواحد : ـ

زواج المتعة في النجف الأشرف

( ولقد استرعى نظري في النجف كثير من الاطفال الذين يلبسون في آذانهم حلقات خاصة هي علامة أنهم من ذرية زواج المتعة المنتشر بين الشيعة جميعاً وبخاصة في بلاد فارس ، ففي موسم الحج إذا ما حل زائر فندقاً لاقاه وسيط يعرض عليه أمر المتعة مقابل أجر معين فإن قبل أحضر له الرجل جمعاً من الفتيات لينتقي منهن وعندئذ يقصد معها إلى عالم القراءة صيغة عقد الزواج
____________
(1) قليل المروءة .
(2) التصق به .
(3) الليلة الأخيرة من الشهر .

( 31 )

وتحديد مدته وهي تختلف بين ساعات وشهور وسنوات وللفتاة أن تتزوج مرات في الليلة الواحدة والعادة أن يدفع الزوج نحو خمسة عشر قرشاً للساعة وخمسة وسبعين قرشاً لليوم ونحو أربعة جنيهات للشهر ولا عيب على الجميع في ذلك العمل لأنه مشروع ولا يلحق الذرية أي عار مطلقاً وعند انتهاء مدة الزواج يفترق الزوجان ولا تنتظر المرأة أن تعتد بل تتزوج بعد ذلك بيوم واحد فان ظهر حمل فللوالد أن يدعى الطفل له ويأخذه من أمه إذا بلغ السابعة ويرى أهل السنة في ذاك الزواج وزراً كبيراً إذ حرمه النبي صلى الله عليه وآله وكان مباحاً في الجاهلية وفي الحروب في الإسلام ويخال البعض أن منشأ تلك العادة بابل يوم أن كان الفتيات يستأجرن للحجاج في معابد ( اشترو مردوك ) ولا تزال لها بقية في ( عاهرات الآله ) بين الهندوس إلخ .. ) وهناك بعض الأخطاء ارتكبها السامح المصري ودونها في كتابه وفي صحيفة (150) منه ، وهي تدل دلالة واضحة على أن كاتبها قليل البضاعة في العلم والمعرفة بالفرق الإسلامية فتراه يخلط دون بيّنة ويهرف بلا تدبر وتبصر وهذا بلا ريب برهان ساطع ودليل قاطع على أنه لم يؤت نصيباً من العرفان والإحاطة بأصل العقائد الإسلامية ومذاهبها . والفرق التي نشأت وتكونت عنها لهذا تجده يتياسر ويتيامن عن المحجة الواضحة والصراط السوى فيما سطرته أنامله في صفحة (150) مما لا نريد إثباته هنا دفعاً لما يصدع الوحدة الإسلامية ويحدث ثغرة في صفوف المسلمين عامة والعرب خاصة إلا أننا نقول له أن الشيعة أبرياء من التهم الشنيعة النكراء التي اتهمهم بها الأستاذ المحترم واضرابه ممن يفكرون بتفكير أصحاب العصور الخالية الذين كان ديدنهم تفريق الصفوف وتمزيق الشمل وذهاب ريح الوحدة العربية وفصم عرى الأخوة الإسلامية .
كان يهون الأمر علينا لو أن الفرية التي افتراها أستاذ الآداب محمد ثابت على أهل بلد غير النجف الأشرف ذلك لأن هذا البلد المقدس خال من الفنادق والأوتيلات والمنازل العصرية المبثوثة في مصر وغيرها من المدن الكبرى التي غمرتها


( 32 )

موجة الحضارة الغربية وعمان مدينة قرن العشرين وان الوساطة هناك لهتك الأعراض وضياع الشرف وبذلى الحياء والتبذل الخليع في سبيل الدعارة ميسورة ومبذولة للقريب والبعيد وهذه يدى أمدها للسائح المصري إذا دلني أو ذكر لي اسم فندق واحد في النجف أو في ضواحيها وفي مصر كثير من الأساتذة الأفاضل الأماجد الذين زاروا النجف نخص منهم بالذكر الشيخ أحمد أمين وعبد الوهاب عزام وعبد الحميد العبادي ومعالي محمد علي علوبة باشا وغيرهم ممن لم يحضرنا ذكر أسمائهم فهل يتفضل أحدهم علينا بأن يذكر لنا انه شاهد فندقاً يتعاطى فيه الوسطاء مثل ما لفق السائح من فعل العهارة والدعارة ولأن ما وصفه جناية يخرج عن حدود نكاح المتعة بل هو عبارة عن ان في النجف مواخير ترتكب فيها الفحشاء بأبشع أنواعها وهذا منتهى البهتان والزور في القول ( والله لقد جئت شيئاً إمرا ) .
أجل لقد جهل السائح المتجول أن النجف الأشرف هو البلد الذي يؤمه المسلمون من كل حدب وصوب ـ لقدسيَّته ومكانته في نفوسهم وليس فيه إلا المدارس العلمية الزاخرة بكبار العلماء الأعلام والمجتهدين العظام والنوادى الأدبية الغاصة بالأدباء والشعراء والمكتبات المكتضة بالقراء والمجالس الحافلة بالخطباء وأهل النوادر من الظرفاء ، وهذا البلد هو ويهبط الرواد ومثوى الزهاد ومأوى الفضيلة والأفاضل ، فما مقام النجف يا هذا في العراق إلا مقام الأزهر الشريف في وادي النيل ثم أن عظمة النجف الأشرف لم تنحصر بناحيته العلمية وقد سيته الروحية وإنما هو موطن الأحرار تقطنه كرائم القبائل العربية العريقة في المجد الباذخ والشرف الشامخ فأبناء هذا الوادي لا ينامون على ضيم ولا يستكينون الذلة والهوان ولا يلوون الجيد على الدنية المدنسة وان هذا الوادي دائماً وفي كل وقت لم يزل مربض أشبال وعرين أسود وليس سكانه كغيرهم ممن أفسدت المدينة الكاذبة المصطنعة أخلاقهم وقوضت أركان الفضيلة من نفوسهم فسلبتهم أحسن مزايا الإنسانية من صدق وشهامة وأريحية وإباء فأصبحوا لا فرق بينهم وبين البهائم السائمة ، هذا ولولا ما تضمنه كتاب الأستاذ محمد ثابت مدرس الآداب بمدرسة الأمير فاروق من


( 33 )

الأكاذيب والمفتريات بشأن نكاح المتعه عند الشيعة تلك الأراجيف التي ما أنزل الله بها من سلطان ولولا الحذر من أن ستكون تلك الخزعبلات والترهات حقائق علمية لدى أبناء هذا الجيل ولمن بعدهم الذين يركضون وراء كل ناعق ينعق كما اعتقد كثير منهم بما خطه الشيخ أحمد أمين في مؤلفه « فجر الإسلام » وفي الجزء الثالث من ( ضحاه ) باعتبار أن الشيخ الموما اليه لا يكتب إلا عن دراية علمية وتميحص فلسفي وعن خبرة وتتبع واطلاع واسع إلى غير ذلك من النعوت والصفات ولكن الذي يقرأ كتاب تحت راية الحق لمؤلفه الشيخ عبد الله السبيتي العاملي رداً على ما أملاه أحمد أمين في فجر الإسلام وصحاه بخصوص الشيعة الأمامية وكذلك من يطلع على ما دبجه سماحة العلاّمة الكبير والمجتهد الخطير محمد الحسين آل كاشف الغطاء في رسالته الموسومة ( بأصل الشيعة وأصولها ) حول الموضوع نفسه لعلم القراء مبلغ معرفة الأستاذ أحمد أمين بتميز الخبيث من الطيب بفضل تتبعاته العلمية وبدرجة قيمة بحوثه التي ينقلها نقلاً دون أي بحث وتعليل وانصاف للحقائق الواقعية المحيطة به والملموسة بيده وعليه فهو لم يأت بشيء جديد يتناسب وشهرته العلمية ومكانته الأدبية إلا اللهم شيء واحد لا يحق لنا أن نغمطه فيه وهو ظهوره بهذا المظهر الجرئ لأثارة الأحقاد الخامدة وحش نيرانها في نفوس أبناء الفرق الاسلامية ونفخ جمرة البغضاء والشحناء بين السنة والشيعة من جديد بعد أن تلاشت في تضاعيف وطيات الأحقاب والدهور وأي جراة أعظم من هذه وهو ممن يعلم أن الأمة الإسلامية في عصرها الحاضر إلى السلام والوئام والتعاون والتضامن والقرآن الكريم ينادى ( إنما المؤمنون إخوة ) أليست حركة أحمد أمين ومحمد ثابت وموسى جار الله ومن هم على شاكلتهم جاءت ضد نداء القرآن البليغ وما يريده القرآن لأمة القرآن ولكن من اين يتدبرون القرآن وعلى القلوب أقفالها ، إنا لله وإنا إليه راجعون ..
نعم وأيم الحق لولا اعتقادنا من أن تلك المؤلفات غير مؤلفة للقلوب ولابد

3 ـ المتعة


( 34 )

وأنه ستصبح يوماً ما مرجعاً للإقتباس كما أصبحت كتب بعض الجهل ، والخرافات واصحاب الأغراض الممقوتة من الأسانيد المعتبرة للجيل الحاضر في كثير من صنوف العلم لآثر ناغض الطرف عن أمثال هذه العورات ولأعرضنا عن مثل هذا اللغو المضطرب جانباً ، ولكنا كما قلنا في صدر كلامنا ( أن الساكت عن الحق شيطان أخرس ) وعليه آلينا على أنفسنا أن نلم بهذا الموضوع من أطرافه بدراسة علمية قائمة على البحث والتحقيق والتحليل ولا نحاول من ذلك إلا أن تسفر الحقيقة بوجهها الجميل الناصع ورفع لواء الحق عالياً هذا ونسأله تعالى أن يأخذ بأيدينا عن مواطن العثار ومواقع الزلل وأن يرشدنا لمعرفة الحق حتى نتبعه ويرينا الباطل باطلاً فنجتنبه وله الأمر من قبل ومن بعد ...
توفيق الفكيكي
( حاكم النجف الأشرف سابقاً )