المتعـَـة

إن لفظ المتعة لغة يفيد الإستمتماع والإلتذاذ أي كل ما يستمتع به ومنه هذه أمتعة فلان وأماتعه ، وتمتعت بالعمرة ، ويقال أمتعني بفراقه أي جعل متاعي فراقه كقول الراعي :

خليطين من شعبين شتى تجاورا * قـديماً وكـانا بـالتفرق أمتعـاً

وتقول : متعك الله بكذا ومتعك وامتعك أي أطال الانتفاع به وتمعت به واستمتعت ، ومتع المطلقة بمتعة ، ومنه : والدنيا متاع الغرور ، وقد تأتي بمعان كثيرة لا محل لذكرها هنا .
واصطلاحاً أي مدلوله الشرعي هو عبارة عن عقد مخصوص يكون رابطة زوجية إلى أجل مسمى وبمهر معلوم ويتوقف العقد على شرط الإيجاب والقبول كعقد النكاح الدائم بكافة شروطه ويبطل عند عدم ذكر المهر والأجل ، ومن أحكامها أنها تحرم على غير الكتابية من الكفار والأمة على الحرة من دون إذنها وبنت الأخ والأخت من دون إذن العمة والخالة ويكره العقد على الزانية والبكر من غير إذن الأب ولا حد للمهر ولو وهبها المدة قبل الدخول ثبت نصفه ولو أخلت ببعض المدة سقط بنسبته ولو ظهر بطلان العقد فلا مهر قبل الدخول ، وبعده لها المهر مع جهلها ، ويلحق به الولد أي بالزوج المتمتع ، وإن عزل ، ولو نفاها فلا لعان ولا يقع بها الطلاق ولا لعان ولا ظهار ، وتعتد بعد الأجل بحيضتين أو بخمسة وأربعين يوماً وعلى قول بستين يوماً ، وفي الموت بأربعة أشهر وعشرة أيام أما التوارث بينهما ففيه خلاف ينحصر في ثلاثة أقوال .


( 36 )

(1) ترث مع الشرط (2) وبعدمه و(3) لا ترث وإن شرط وكل ما تقدم عن أمر المتعة فقد دون مجمله ومفصله في كافة كتب فقه المجوزين لها وسنبحث عن ذلك مفصلا حسب ما يقتضيه البحث والتحقيق حتى ينكشف القناع عن وجوه الخلاف بين المانعين والمجوزين ثم نقول كلمتنا ونمشى ، ولكن قبل شيء علينا أن نبحث في أساس مشروعيتها وعدمها بالنظر لمذهب المجوزين والمانعين ونتبين وجوه الإختلاف ومن ثم نستخرج صورة الحكم من روح الأدلة الإيجابية والسلبية وما يأمر بذلك العقل السليم والله ولي الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ..

هل نصّ القرآن الكريم

على نكاح متعة النساء
لقد أجمع العلماء بالإتفاق على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم وتفاوت عصورهم من الصدر الأول حتى عصرنا الحاضر من أن الله تبارك وتعالى شأنه قد أنزل في كتابه العظيم آية في تحليل نكاح المتعة في سورة النساء وهي قوله : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) وقد شد بعض المكابرين بتأويلها وصرف تفسيرها عن الحقيقة التي نزلت من أجلها ولأجل إيضاح هذه الحقيقة من ناحيتها التشريعية وإقامة الدليل الشرعي على إثباتها ندلى للقارئ بالأسانيد الصحيحة والحجج الثابتة المثبتة في نفس كتب المانعين وذلك أقوى للبرهان وابلغ في الحجة والإقناع ومنها :
1 ـ ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير وفي الجزء الثالث منه نقلاً عن عمران بن حصين الصحابي المشهور قال : أنزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية اُخرى وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بالمتعة وما نهانا عنها ثم قال رجل برأيه ما شاء .


( 37 )

وأخرج البخاري عن عمران بن حصين أيضاً قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات صلى الله عليه وآله .
وأخرج الامام أحمد في مسنده من طريق عمران القصير عن أبي رجاء عن عمران الحصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات صلى الله عليه وآله .
2 ـ روى جماعة من الصحابة الكرام منهم اُبي بن كعب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود أنهم قرأوا ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ) وفي هذه القراءة صراحة واضحة بأن المقصود هو عقد المتعة ، وقد ذكر الثعلبي في تفسيره عن حبيب أبي ثابت قال : أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال هذا على قراءة ( أبي ) فرأيت في المصحف ( فما استمتعتم منهن إلى أجل مسمى إلخ ) وباسناده عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس عن المتعة فقال أما تقرأ سورة النساء فقلت بلى فقال فما تقرأ استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى إلخ ، قلت لا أقرؤها هكذا قال ابن عباس رضي الله عنه والله هكذا أنزلها تعالى ثلاث مرات ، وباسناده عن سعيد بن جيير أنه قرأها كذلك .
ملاحظة *
إننا نقول بقول سماحة العلامة الكبير شيخنا محمد الحسين آل كاشف الغطاء من أن مراد هؤلاء الصحابة البررة بيان معنى الآية على نحو ما فهموه من تفسيرها عن حضرة الرسول الأعظم ونجل مكانة حبر الأمة ابن عباس ( رض ) وعلو شأنه عن أن يزيد في القرآن شيء أو ينقص ...
____________
* عن تفسير الكشاف ، والرازي ، والشوكاني ، والنسفي ، ومجمع البيان ، وغيرها .
( 38 )

3 ـ ذكر الإمام ابن حزم الأندلسي إمام أهل الظاهر في الجزء التاسع صحيفة ( 519 ـ 520 ) من كتابه المحلى ما يأتي :
إن نكاح المتعة كان حلالاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخ على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فقوله كان حلالا على عهده صلى الله عليه وسلم يدل على وجود النص في القرآن الكريم بذلك .
4 ـ جاء في كتاب معرفة الناسخ والمنسوخ لأبي عبدالله محمد بن حزم أن الآية العاشرة من سورة النساء وهي قوله تعالى ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) نسخت بقوله صلى الله عليه وسلم إني كنت أحللت هذه المتعة ألا وأن الله ورسوله قد حرماها ألا فليبلغ الشاهد الغائب ووقع ناسخها من القرآن بآية المواريث وبآية ( والذين هم لفروجهم حافظون ) .
5 ـ نقل الإمام المعروف بأبي جعفر النحاس المتوفى عام 338 هـ في كتابه الموسوم بالناسخ والمنسوخ ما ملخصه :
( وقال جماعة من العلماء كانت المتعة حلالا ثم نسخ الله جل شأنه ذلك بالقرآن ) ومما قال هذا سعيد بن المسيب وهو يروي عن ابن عباس وعائشة وهو قول القاسم وسالم وعروة .
فقوله نسخ الله ذلك بالقرآن دليل على أن المتعة عمل بها بنص من القرآن .
6 ـ أما الإمام الفقيه الفيلسوف الأصولي القاضي أبى الوليد محمد بن رشد الأندلسى المتوفى عام 595 هـ فقد ذكر في كتابه الشهير والمعروف ببداية المجتهد ونهاية المقتصد وهو من كتب الفقه القيمة المعتبرة ما يأتي :
( ... واشتهر عن ابن عباس تحليلها وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن ورووا أن ابن عباس كان يحتج بقوله تعالى ( فما استمتعتم


( 39 )

به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم ) وفي حرف عنه إلى أجل مسمى أى بزيادة هذه الجملة في بعض القراآت كما تقدم إلخ .
7 ـ وجاء في كتاب تنوير المقياس من تفسير ابن عباس لأبى طاهر محمد ابن يعقوب الفيروزبادي الشافعى صاحب القاموس ما يلي :
( أن تبتغوا ) تتزوجوا ( بأموالكم ) إلى الأربع ويقال إن تشتروا بأموالكم أن تطلبوا بأموالكم فروجهن وهي المتعة وقد نسخت الآن ( محصنين ) يقول كونوا معهن متزوجين ( غير مسافحين ) غير زانين بلا نكاح ( فما استمتعتم ) استنفعتم ( به منهن ) بعد النكاح .
ثم قال في قوله تعالى ( إن الله كان عليما ) فيما أحل لكم المتعة ( حكيما ) فيما حرم عليكم المتعة ويقال عليما باضطراركم إلى المتعة حكيما فيما حرم عليكم المتعة إلخ ...
وهناك روايات تفوت الحصر كلها تثبت وتؤيد صحة الأقوال والأسانيد الآنفة الذكر بتحليل المتعة بالآية العاشرة من سورة النساء وهي قوله تعالى ( فما استمتعتم به منهن ... الاية ) ولكن اكتفينا بهذا القدر لحصول القطع بصدق الأخبار في هذا الباب .


( 40 )

إلتباس روايات النّحاس

عن ابن عباس رضي الله عنهما
من النقول الغريبة التي نقلت عن حبر الأمة قدس الله روحه الروايات التي نقلها أبو جعفر النحاس والتي انفرد وحده باثباتها في كتابه الناسخ والمنسوخ الآنف الذكر وهي تختلف كل الاختلاف مع ماجاء في كتاب تنوير المقياس من تفسير ابن عباس الفيروزبادي مع الرواية الأولى المتقدمة التي رواها عنه هو بنفسه من طريق سعيد ابن المسيب ومع هذه الثانية عن طريق علي بن أبي طلحة قال : وقوله ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة ) يقول : أي ابن عباس ( رض ) إذا تزوج الرجل المرأة فنكحها مرة واحدة وجب لها الصداق كله والاستمتاع النكاح قال هو قوله عز وجل ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) فبين ابن عباس أن الإستمتاع هو النكاح بأحسن بيان ثم قال أبو جعفر النحاس أن التقدير في العربية فما استمتعتم به ممن تزوجتموه بالنكاح مرة أو أكثر من ذلك فاعطوها الصداق كاملاً إلا أن تهبه أو تهب منه . انتهي .
وهذا التقدير لا يختلف في جوهره عما ذهب إليه المجوزون وكذلك إذا صحت هذه الرواية عن ابن عباس فهي لا تنفي قول المجوزين في نكاح المتعة وأحكامها مع أن المؤلف نقل عنه عن طريق سعيد بن المسيب وهذا يروي عن عائشة وابن عباس خلاف هذا القول بخصوص مدلول الآية بتقدير أن عقد المتعة هو غير العقد الدائم في النكاح وذكر ذلك صريحاً في تنوير المقياس من تفسير ابن عباس ( رض ) . هذا وقد وجدنا الإمام النحاس كثير التحير والتردد في هذا الأمر فإنه ينقل في صحيفة 103 ـ 104 من كتابه روايات متناقضة ومضطربة لا يطمئن إليها القلب ومن ذلك قوله :


( 41 )

( وقد صح من الكتاب والسنة التحريم ولم يصح التحليل من الكتاب بما ذكر من قول من قال أن الإستمتاع هو النكاح ، على أن الربيع بن سيرة قد روى عن أبيه أن رسول الله ( ص ) قال لهم ( استمتعوا من هذه النساء ( قال والإستمتاع عندنا يومئذ التزويج . )
أنظر رعاك الله إلى هذا الخلط فيما روى عن ابن عباس والربيع إبن سيرة بخصوص تقدير الآية وإلى نفس التباين الموجود فيما رووه عن الربيع نفسه ولكن بحمد الله قد أوضحنا للقارئ الكريم أصح ما جاء عن الصحابة والتابعين بشأن حقيقة التنزيل لآية المتعة فيما مر وتقدم أما وقوع نسخ هذه الآية بالقرآن أو السنة وعدم وقوعه فسيجده المطالع مفصلا في مكان آخر من هذا الكتاب .

المتعة في عهد الرسول الأعظم

وأسباب إباحتها
ندرج في هذا الفصل أهم ما عثرنا عليه من أقوال الصحابة الميامين وأخبار المحترمين من التابعين وقد أخترنا نقل أكثرها بل أغلبها من مراجع المحرمين للمتعة ليقف القراء الأفاضل إلى مدى إباحتها من جانب المشروع الأقدس الأمين والقول بحليتها والإفتاء بمشروعيتها من قبل صحبه الأخيار ومن تبعهم من الأبرار وها أننا نقص للمطالع الكريم ما اتفق على صحة روايته وصدق سنده :
أولا : اخراج الإمام البخاري ومسلم في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال كنا نغزوا مع رسول الله ( ص ) وليس شيء (1) فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك
____________
(1) يعني ليس لنا شيء من المال ولفظه في صحيح مسلم وليس لنا نساء فيكون الظاهر من رواية البخاري أن المرخص به إنما هو كون الثوب أجرة المتعة بدلا من النقود وتكون المتعة مشروعة قبل ذلك والظاهر من رواية مسلم أن المرخص به نفس المتعة . ( تعليق العلامة العاملي في فصوله )




( 42 )

ثم رخص لنا ان ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) الآية ..
لايخفى أن هذه الآية التي استشهد بها الرسول الكريم ( ص ) محكمة ومطلقة وأن النساء من جملة الطيبات في الحياة الدنيا ويتضمن استشهاده ( ص ) إنكاره لقول من يقول بالتحريم وهذا ما ذهب إليه أيضاً العلامة شرف الدين مؤلف كتاب : الفصول المهمة في تأليف الأمة .
وأخرج الإمام البخاري أيضاً عن عمران بن حصين قال نزلت آية المتعة في كتاب ففعلناها مع رسول الله ( ص) ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات ( ص ) قال رجل برأيه ما شاء . قال الرازي في تفسيره يريد بقوله : ( قال رجل برأيه ما شاء ) عمر بن الخطاب .
وأخرج الإمام أحمد (1) في مسنده نفس ما أخرجه الإمام البخاري عن عمران ابن حصين ولكن من طريق عمران القصير .
« ثانياً » جاء في صحيح الترمذي أن رجلاً من أهل الشام سأل إبن عمر عن متعة النساء فقال هي حلال فقال إن أباك قد نهى عنها فقال ابن عمر : أرأيت إن كان أبى نهى عنها وصنعها رسول الله ( ص ) أنترك السنة ونتبع قول أبي . وقد نقل هذا الجزء أيضاً العلاّمة « 1 » الحلي في كتابه نهج الصدق والشهيد الثاني في نكاح المتعة من روضة البهية .
« ثالثاً » ـ أ ـ أخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه (2) عن عطاء قال قدم جابر بن عبدالله معتمراً فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبى بكر وعمر الخ .
( ب ) وأخرج مسلم أيضاً عن ابي نضرة قال : كنت عند جابر بن عبدالله
____________
(1) مسند أحمد 4 : 436
(2) صحيح مسلم 1 : 535

( 43 )

فأتاه آت فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناهما مع رسول الله ( ص ) ثم نهانا عنها عمر فلم نعدلهما .
( ج ) وأخرج مسلم أيضاً : عن أبي الزبير قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ( ص ) وأبى بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث .
« رابعاً » روى مالك ( رض ) في صحيفة 74 من الجزء الثاني من الموطاء عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب ( رض ) فقالت أن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت لرجمت .
ملاحظة : أن الظاهر من استمتاع ربيعة بن أمية ومن قول الإمام عمر أن المتعة كانت حلالاً حتى وقعة عمرو بن حريث لهذا لم يقم الإمام عمر باقامة الحد على ربيعة بن أمية كما يعرب كلام أبي حفصة بعدم وقوعه منه وقد ذكر عمر ( رض ) كلمة الرجم للتشديد في التهديد لأنه يعلم بعدم جواز ايقاعه بمن نكح بالعقد المنقطع .
« خامساً » نقل الإمام الفيلسوف ابن رشد الأندلسي في الجزء الثاني صحيفة 47 ـ من كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد ما يأتي :
روى عن ( أي ابن عباس ) أنه قال ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها امة محمد ( ص ) ولولا نهى عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقى وهذا الذي روى عنه ابن عباس رواه عنه ابن جريح وعمرو بن دينار . )
وذكرا بن رشد رحمه الله أيضاً في نفس الصحيفة ( وعن عطاء قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول : تمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبى بكر ونصفاً من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس .


( 44 )

« سادساً » ذكر امام أهل الظاهر ابن حزم الاندلسي في صحيفة 519 ـ 520 من الجزء التاسع من كتابه المحلي أسماء الأشخاص من السلف ( رض ) عنهم الذين أصروا على تحليل نكاح المتعة بعد وفاة رسول الله ( ص ) وهم من الصحابة أسماء بنت أبي بكر الصديق ( أم عبدالله بن الزبير ) وجابر بن عبدالله وابن منصور وابن عباس ومعاوية بن أبى سفيان وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري وسلمة ومعبد إبنا أمية بن خلف ورواه جابر بن عبدالله عن جميع الصحابة مدة رسول الله ( ص ) ومدة أبى بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر واختلف في إباحتها عن ابن الزبير ، وعن علي بن أبي طالب ( ع ) فيها توقف وعن عمر بن الخطاب أنه إنما انكرها إذ لم يشهد عليها عدلان وأباحها بشهادة عدلين ومن التابعين طاوس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكة أعزها الله .
ملاحظة : ان ابن حزم رحمه الله رغم ما ذكره في محلاه كما قرأت فانه يقول بعدم حليتها لإجماع المتأخرين على تحريمها حسب الظاهر ومثله ابن رشد رحمة الله فهما على الرغم مما خاطرهما من الشك في صحة روايات التحريم كما هو بارز فيما أورداه في كتابيهما فقد أخذا بالإجماع الذي أوجب الحرمة عند المانعين ولكن اعتقادنا الشخصي أنهما عملا بالتقية قهراً وان كانا لا يعتقدان بها وذلك مجاراة للرأي العام خشية من هياجه ضدهما وللرأي العام قوته وسلطانه في كل أدوار التاريخ ..
« سابعاً » ومن الأخبار المقطوع بها أيضاً ما رواه الراغب الإصفهاني في كتابه الموسوم بالمحاضرات وهو من آثاره الجليلة والراغب كما يعرفه أهل العلم من كبار علماء الجمهور القائلين بتحريم المتعة بدليل الإجماع وهو من الثقاة الذين يعول على نقلهم وروايتهم فإنه ذكر في كتابه المذكور ج ( 2 ) منه بعبارته الآتية : أن عبد الله ابن الزبير عير ابن عباس بتحليله المتعة فقال له ابن عباس سل أمك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك ، فسألها فقالت والله ما ولدتك إلا بالمتعة انتهى .


( 45 )

نص المحاورة

بين ابن الزبير وابن عباس في المتعة (1)

خطب ابن الزبير بمكة المكرمة على المنبر وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر فقال : إن ههنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله ويفتي في القملة والنملة وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى . وكيف ألومه في ذلك وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله ومن وقاه بيده فقال ابن عباس لقائدة سعد بن خزيمة استقبل بي وجه ابن الزبير وارفع من صدري وكان ابن عباس قد كف فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير وأقام قامته فحسر عن ذراعيه ثم قال : يابن الزبير :

قد انصف الفارة من راماها * انـا إذا مـا فئة نلقـاهـا
نرد أولاها عـلى أخراهـا * حتى تبصر حرضاً دعواها

يا ابن الزبير : أما العمى فإن الله تعالى يقول ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وأما فتاوى في القملة والنملة فان فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك وأما حملى المال فانه كان مالا جبيناه فاعطينا كل ذى حق حقه وبقيت بقيه هي دون حقنا في كتاب الله فأخذناها بحقنا . وأما المتعة فسل أمك اسماء إذا أنزلت عن بردى عرسجة . وإما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مده الله عليها فهتكاه عنها ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها وصانا حلائلهما في بيوتهما فما انصفا الله ولا محمداً من أنفسهما أن أبرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما . وأما قتالنا إياكم فأنا لقيناكم زحفاً فان كان كفاراً
____________
(1) نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 489 ـ 490 .
( 46 )

فقد كفرتم بفراركم منا ، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا وايم الله لولا مكان صفية فيكم ومكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن العزى عظماً إلاّ كسرته فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سالها عن بردى عوسجة فقالت : ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم فأنهم كعم الجواب إذا بدهوا فقال : بلى وعصيتك ، فقالت : يا بني أحذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن وأعلم أن عنده فضائح قريش بأسرها فإياك آخر الدهر . فقال أيمن بن خزيم بن فاتك الأسدي :

يا ابن الزبير لقـد لاقيت بـائقة * من البوائق فالطف لـطف محتال
لاقيتـه هـاشمياً طـاب منبتـه * فـي مفـرسيه كـريم العم والخال
ما زال يقرع عنك العظم مقتـدراً * على الجـواب بصوت مسمع عال
حتى رأتك مـثل الكلب منحجـراً * خـلف الغبيط وكنت البازح العالي
إن ابن عباس المعـروف حكمتـه * خيـر الأنام لـه حال مـن الحال
عيرته « المتعة » المتبوع سنتهـا * وبـالقتال وقـد عيـرت بـالمال
لمـا رماك علـى رسل بـأسهمه * جـرت عليك كسوف الحال والبال
فاحتز مقولك الأعلـى بشفـرتـه * حـزاً وحياً بـلا قيــل ولا قال
وأعلـم بـأنك إن عاودت غيبتـه * عليك عليك مخـاز ذات اذيال

وقد مر عليك من أن أم عبدالله بن الزبير هي أسماء بنت أبي بكر الصديق ( رض ) عنهما وقد تزوجها حواري رسول الله ( ص ) الزبير ( رض ) بالمتعة ، فماذا يقول حضرات الأساتذة أحمد أمين والسائح المصري محمد ثابت وموسى جار الله صاحب كتاب الوشيعة ؟ ؟
( ثامناً ) ومن طرق المجوزين والقائلين بحليتها ما نقل عن الإمام جعفر الصادق « ع » (1) أنه كان يقول : ثلاث لا أتقى فيهن أحداً متعة الحج ، ومتعة النساء ، والمسح على الخفين .
____________
(1) أصل الشيعة وأصولها .
( 47 )

وكذلك روى الشيخ الكليني في كتابه الكافي أن الإمام محمد الباقر ( ع ) سئل عن المتعة فقال : أحلها الله في كتابه وسنة نبيه نزلت في القرآن ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) فهي حلال إلى يوم القيامة فقيل له يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرّمها عمر ؟ فقال وإن كان فعل فقيل : إنا نعيذك بالله أن تحل شيئاً حرمه عمر فقال الباقر ( ع ) أنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله ، هلم ألا عنك أن القول ما قال النبي ( ص ) إلخ .
ومعلوم من هو محمد الباقر ( ع ) فهو ابن على زين العابدين بن الحسين السبط ابن علي ابن أبي طالب ( ع ) وقد أيد قوله هذا ولده الإمام جعفر الصادق ( ع ) كما رأيت فيما نقلوه عنه . وعليه فلا نعتقد في أن القارئ المحترم يحوجنا بعد هذا القدر الذي قدمناه بين يديه من الصحاح المعتبرة أن نسرد له ونزجى إليه أحاديث وأخبار اخرى يضيق بها صدر هذا الكتيب ومن شاء الاستزادة فليراجع المجلدات والموسوعات ولكن في هذا غنى للمتدبر البصير ، والمتفقه اللامع .

هل نسخت آية المتعة بناسخ آخر

معنى النسخ في اللغة والعرف الشرعي

تقول ـ نسخت كتابي من كتاب فلان وانتسخته واستنسخته بمعنى واحد . ويكون الاستنساخ بمعنى الاستكتاب ( إنا كنا نستنسخ ) وهذه نسخة عتيقه ونسخ عتق وتقول ما نسخه وإنما مسخه ونسخت الآية الأخرى . وعلى هذا الناسخ والمنسوخ وأصل معناه الشرعي هو الاعلام بزوال الحكم الثابت بالدليل الشرعي بدليل آخر شرعي متراخ عنه على وجه لولاه لكان الحكم الأول ثابتاً أي أن يكون حلالاً إلى مدة ثم ينسخ فيجعل حراماً وبالعكس أو يكون


( 48 )

محظوراً فيجعل مباحاً وبعكسه أيضاً ويكون في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والإباحة والمنع .
وتستعمل كلمة ( نسخ ) مجازاً تقول نسخت الشمس الظل والشيب الشباب أي إذا أزاله وحل محله ونظير هذا ( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ) ومعنى النسخ في كلام العرب كما يقول ابن سلامة هو الرفع للشيء وجاء الشرع بما تعرف العرب إذ كان الناسخ برفع حكم المنسوخ فتأمل (1) .
وعلى هذا الأصل قرر أغلب العلماء عليهم الرحمة من أن القرآن ينسخ بالقرآن والسنة المتواترة أو بأحدهما وكذلك تنسخ السنة المتواترة بالكتاب أو بمثلها وشذ الشافعي رحمه الله بأن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن وحده ولكن العلماء بآيتهم (2) اتفقوا على ألا ينسخ الكتاب الحكيم والسنة المتواترة الشريفة بخبر الآحاد وقد خالفهم الإمام الشافعي وحده في هذا القول وللشيعة الإمامية قول في هذا أي يجوز النسخ بخبر الواحد المعتبر ، وروى هذا أيضاً عن الإمام أحمد بن حنبل وهو ضعيف جداً لا يلتفت إليه سند أصحاب الأصول فافهم .
أن القصد من هذه المقدمة المختصرة هو أن نسهل للمطالع معرفة وضبط الآراء التي يتضمنها هذا الفصل لأنه من أهم فصول الرسالة وليستعين بها وبغيرها من القواعد الأصولية التي سنأتي بها في محلها على إدراك الأصوب من أقوال الطرفين وترجيح إحدى القولين ، الحل أو الحرمة ، على أننا نود أن نذكره من أن الركون إلى العقل السليم ونبذ روح التعصب المميت من أكبر الوسائل المساعدة لتحصيل الحكمة التي هي ضالة المؤمن فعليه التقاطها أينما وجدها خاصة في تدقيق
____________
(1) عن كتاب اساس البلاغة والناسخ والمنسوخ للنحاس ، وكتاب المعالم في الأصول .
(2) بأجمهم .

( 49 )

المسائل العلمية البحتة . أما الجمود على كلمة ( قال ) والتصديق بها بمجرد النقل بدون ما رويّة وتمحيص فذاك حال المحرومين من فضيلة العلم ومزايا التثقيف الصحيح . والآن نأتى بحجج القائلين بالحرمة بناء على وجود الناسخ لآية المتعة على وجه التفصيل ثم نردفها بأدلة وبراهين النافين لذلك ومن ثم نبسط دراستنا الخاصة على ضوء الحقيقة العلمية والبحث الحر .
لقد اختلف الذين تشددوا في الحرمة في عوامل المنع وطرق النسخ وفي تعيين الناسخ الأصلي للمتعة والنخ (1) عليهم الأمر واعتاص حتى استبهمت وجوهه فلم تسفر عن يقين ولكن بنتيجة التتبع والدراسة تمكنا أن نقف على خمسة أقوال لهم فمنهم من قال أن آية المتعة التي تقدم ذكرها تختص بالنكاح الدائم وقد تفرد بهذا القول كل من أبي جعفر النحاس المرادي المصري والنسفي صاحب التفسير المتوفى عام 701 وقد نقلنا رأى الأول بهذا الشأن ( راجع الفصل الثالث ) إذ لا حاجة إلى إعادته هنا وأما الثاني وهو النسفى ( ره ) فقد ذكر أن قوله تعالى : ( فما استمتعتم به منهن .. ) لا تدل على حل المتعة والقول بأنها نزلت فيها وتفسير البعض لها وبذلك غلط وغير مقبول لأن نظم القرآن الكريم يأباه حيث بين سبحانه أولا المحرمات ثم قال عز شأنه ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) وقد شرط بحسب المعنى فيبطل تحليل الفرج وأعارته ثم قال جل وعلا ( محصنين غير مسافحين ) وفيه إشارة إلى النهي عن كون القصد لا مجرد قضاء الشهوة وحب استفراغ المنى وعليه تبطل المتعة بهذا القيد لأن مقصود المتمتع ليس إلا ذاك دون التأهل والاستيلاء وحماية النسب كما أن كلمة الإستمتاع تدل على الوطأ والدخول وليس بمعنى المتعه التي يقول بها الشيعة . وان القراءة التي ينقلونها عن من تقدم من الصحابة ( أي قراءة اُبي بن كعب وابن عباس ) والتي مر التنويه عنها شاذة وما دل على التحريم آية ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) قطعي فلا تعارضه مع أن الدليلين ان تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما ، ثم قال وروى أبو
____________
(1) اضطرب .

4 ـ المتعة


( 50 )

نصير من علماء الشيعة في صحيحة عن الصادق ( رض ) أنه سئل عن امرأة المتعة أهي من الأربع قال لا ولا من السبعين وهو صريح في أنها ليست زوجة وإلا لكانت محسوبة من الارض وبالجملة الاستدلال بهذه الآية على حل المتعة ليس شيء كما لا يخفى . انتهى كلام العلامة النسفي .
والذي ذهب هذا المذهب أيضا قاضي أبي الحسن شيخ الطبقة الحادية عشر من المعتزلة وقد خالفه فيه الأمام الحجة صاحب الكشاف الزمخشري رحمه الله على أن أحمد أمين صاحب فجر الإسلام أيد في ضحاه جزء الـ (3) ماقاله النسفي وقاضي القضاء وأبي جعفر النحاس . وبعضهم قال أن القرآن نسخ بالقرآن أي أن آية المتعة نسختها آية ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) وقد أجمعوا على أنها ليست بزوجة ولا ملك يمين فنسخها الله بهذه الآية من سورة المؤمنون . لأن الإمام الشافعي رحمة الله عليه لا يجوز نسخ القرآن بالنسة كما قدمنا على أنه رغم هذا فقد صحت الرواية عنه أنه قال : لا أعلم شيئاً في الإسلام أحل ثم حرم ثم أحل ، ثم حرم غير المتعة .
نقول ( مسألة فيها نظر ) ولكن نستطيع أن نحمل هذه الرواية على استغرابه رحمه الله من كثرة تعارض الأخبار المتضادة فيها ، وإلا لا نقدر أن نقول كان قد قصد الحل والحرمة غير مرة في القرآن ولا أثر لذلك في الكتاب العزيز .
هذا وقد ذهبت جماعة من العلماء أن تحريمها كان بالقرآن والسنة ( أعنى وقوع النسخ ) ووقوع ناسخها من القرآن موضع ذكر ميراث الزوجة الثمن والربع فلم يكن في ذلك نصيب أما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم ( إني كنت أحللت هذه المتعة ألا وأن الله ورسوله قد حرماها ألا فليبلغ الشاهد الغائب وذكر هذا أبو عبدالله محمد بن حزم في كتابه الناسخ والمنسوخ وقد لحق بهؤلاء الجماعة أفراد من أهل العلم فزادوا آية أخرى للنسخ وهي قوله تعالى ( يا ايها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) لأن المتعة لا طلاق فيها ولا عدة في نظرهم .