أتدري أيها القارئ الأريب من هو هذا المخترع الجديد ؟ وصاحب هذه الاسطورة الغريبة ؟ والخرافة المضحكة المبكية ؟
أتدري من هو هذا الفاتح لأبواب العلم الغامض والكاشف لأسرار الفلسفة اللاهوتية ؟ الذي ضرب كل ما قرره أشياخه وفقهاء مذهبة عرض الحائط بلا خجل ولا وجل :
هو الأستاذ موسى جار الله صاحب كتاب الوشيعة لإبل الشنيعة ولله درّ الشاعر العربي إذ يقول :
ولو كان رمحاً واحداً لا تقيته * ولكنه رمح وثان وثالث
هذا وإن القارئ الكريم قد عرف أيضاً كيف كانت أدلة المجوزين متضافرة تدعمها آراء سديدة متساندة قائمة على البرهان الفقهي والدليل المنطقي وكان يمكن الإكتفاء بحجيتها الباهرة لولا أن هناك بعض الشوارد والأوابد لم تدونها يراعة الأئمة عليهم الرحمة ونزيد على هذا أننا كنا قد وعدنا القراء بأن نعرض على أنظارهم كلمتنا في الموضوع وعليه أحببنا أن نحرر هذا الفصل وهو عبارة عن خلاصة لجميع ابحاث الكتاب وسنناقش فيه بعض الآراء باسلوب خاص على طريقة السؤال والجواب وان هذا الاسلوب الجدلي أشهى للنفوس وأدعى للتفكير وأقوى باعث للتأمل وهو فوق ذلك لا يسبب لنفس المطالع ضجراً ولا يلصق بذهنه كللاً ولا مللاً .
نعم أن الشيء المهم المستحق المناقشة في هذا الفصل هو هل يوجد في الحقيقة تحريم من لدن الشارع الأقدس للمتعة وهل هناك حديث شريف صحت روايته ومن هم الرواة الذين تناقلوا الحديث إن صح . وفي أي غزوة صدر الحديث وما صيغته ؟ وهل هذا الحديث معارض بروايات أخرى أو بحوادث من شأنها تفنيد وتكذيب تلك الروايات الموضوعة هذا من جهة وقوع الحديث أو اثباته ونفيه
( 80 )
والأمر الهام أيضاً الواجب معالجته ومناقشته بالنظر لما تقدم من مضامين الفصول هو هل إن ادعاء القائلين بنسخ آية المتعة بالقرآن كان موافقاً للأصول الفنية ومطابقاً لروح العلم من الناحية اللغوية والفقهية أم لا ؟ وكذلك غربلة البينات التي أقامها المانعون خاصة بينه المدعي الجديد موسى جار الله التي شرّق غرّب في جمع الأدلة والبراهين لتعزيزها كما سيطلع عليها القارئ النبيل .
أجل أجمع جمهور المانعين ان تحريم المتعة كان قائماً على دعامتين متينتين القرآن الكريم والحديث الشريف ولكن تعددت الأقوال وتنوعت الروايات واختلفت الآراء وتناقضت الحجج في سبيل تثبيت وتشييد كل دعامة من الدعامتين حتى كثر التأويل واحتدم الجدال وتهاترت البينات وكلها للقوم ومن القوم إلى أن انقسموا على أنفسهم إلى خمسة فرق كل فرقة أحدثت حدثاً باختراعها الدليل على النسخ وموجبه وعوامله ( راجع من ص 47 إلى ص 56 ) وقد خرج على هذه الفرق الإمام النسفي صاحب التفسير فقال أن آية المتعة التي في سورة النساء لم يقصد بها النكاح المؤجل وإنما مدلولها اللغوي والشرعي هو التزويج الدائمي وقد تبعه على سبيل التقليد الإمام الجديد موسى جار الله وهما وإن اتفقا في جوهر المسألة فقد اختلفا في طرق الإثبات وهذا الإختلاف في الدليل هو الخلف الموجب الساقط وتهاتر حجج المانعين جميعها بحكم العلم والعقل .
لقد أتفق أكثر الرواة وتناصر أغلب علماء الحديث من أتباع المذاهب الأربعة وتتابع أيضاً أئمة أهل الظاهر وبعض شيوخ المعتزلة القائلين بتحريم المتعة بدليل الإجماع من أن الرسول الكريم قد نادى بتحريم المتعة في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة بقوله ( يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا وأن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ) .
ومنهم من روى الحديث على هذا الوجه ( متعة النساء حرام ) .
( 81 )
والبعض منهم رواه كما يأتي ( إني كنت أحلك هذه المتعة ألا وأن الله ورسوله قد حرماها ألا فليبلغ الشاهد الغائب ) .
بيد أننا عند رجوعنا إلى كتب السير وأسفار التأريخ وإلى الحواشي والشروح لم نجد أثراً لهذا الحديث في الخطب النبوية الشريفة التي خطبها في غزوة خيبر والتي حضرها آلاف من المجاهدين من المهاجرين والأنصار ومن العجب العجاب أن رجال الحديث وأهل الفقه والمفسرين من المانعين كلهم يروون أن تحريم متعة النساء جاءت مع تحريم أكل الحمر الأهلية في حديث واحد أو في خطبة واحدة وأنها في غزوة خيبر ولأجل أن يقف القراء على جريرة الوضاعين للأحاديث الموضوعة نسطر ما قاله المشرع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى جيوش المسلمين في خيبر وحين سار إليها في شهر محرم من السنة السابعة للهجرة وذلك على الترتيب الآتي :
« ا » قال ابن إسحاق حدثني من لا أتهمه عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن أبي متعب بن عمر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لأصحابه قفوا ثم قال : ( اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فأنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله ) .
« 2 » قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن ابي حبيب عن أبي مرزوق مولى نجيب عن حنش الصنعاني قال غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري المغربي فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة فقام فينا خطيباً فقال أيها الناس إني لا اقول فيكم إلا ماسمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوله فينا يوم خيبر قام فينا رسول الله ( ص ) فقال :
( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماؤه زرع غيره ( يعني )
6 ـ المتعة
( 82 )
إتيان الحبالى من السبايا حتى يستبرء بها ولا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب إمرأة من السبي حتى تستبرئها : ولا يحل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتى يقسم ولا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه : )
« 3 » قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن عبدالله بن قسيط أنه حدث عن عبادة ابن الصامت قال نهانا رسول الله ( ص ) يوم خيبر ( أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين وتبر الفضة بالورق العين وقال : ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين وتبر الفضة بالذهب العين : )
« 4 » ومن كلام رسول الله ( ص ) في الدعاء لبني سهم في وقعة خيبر ( اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاماً وودكاً )
هذا ما ذكره ابن هشام في سيرته من أحاديث الرسول الأكرم ( ص ) ولم ينوّه عن كلمة للرسول الأمين تنبئ بتحريم متعة النساء ولهذا قال الإمام الفقيه المحدث أبي القاسم عبد الرحمن بن عبدالله الخثعمي السهيلي المولود بمالقة سنة 507 والمتوفى بمراكش سنة 581 ومؤلف كتاب الروض الأنف في تفسير سيرة ابن هشام :
( ومما يتصل بحديث النهي عن أكل لحوم الحمر تنبيه على إشكال في رواية مالك عن ابن شهاب فانه قال فيها نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر أن المتعة حرمت يوم خيبر وقد روى ابن عينيه عن ابن شهاب عبدالله ابن محمد فقال فيه أن النبي ( ص ) نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية عام خيبر وعن المتعة فمعناه على هذا اللفظ ونهى عن المتعة بعد ذلك أو في غير ذلك اليوم فهو إذاً
( 83 )
تقديم وتأخير وقع في لفظ ابن شهاب لا في لفظ مالك . وقد اختلف في تحريم نكاح المتعة فأغرب ما روى في ذلك رواية من قال أن ذلك كان في غزوة تبوك ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء والمشهور في تحريم نكاح المتعة رواية الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أن ذلك كان عام الفتح وفي هذا حديث أيضاً أخرج أبو داود أن التحريم كان في حجة الوداع ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح فتأمله .
أنظر رعاك الله كيف أن هذا الإمام وهو شارح سيرة ابن هشام يكذِّب كل من يقول أن التحريم وقع في خيبر ثم هو شكك في وقوع التحريم في الغزوات الأخرى كما يظهر مما سطره .
وكنا نود أن نسرد روايات الطبري وابن الأثير وغيرهما من المؤرخين لكلمات حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصادرة منه يوم خيبر والنافية لادعاء المدعين لولا أن يسأم المطالع إطالة البحث ففضلنا الإكتفاء برواية ابن هشام وهو الثقة الثبت
فائدة :
يترتب على ما تقدم من أخبار سيرة ابن هشام وتعليق الشارح عليها أن نكاح المتعة لم يحرم في غزوة خيبر وبعد أن تحقق هذا سقط الاحتجاج والقول بأن حديث التحريم صح عن الإمام ( ع ) في وقعة خيبر في العام السابع الهجرة وكذلك يترتب سقوط كل رواية رويت عما جرى بين أمير المؤمنين علي ( ع ) وبين حبر الأمة ابن عباس ( رض ) من المحاججة بشأن تحريم متعة النساء مهما كانت منزلة الرواة لتلك الرواية . راجع صحيفة 52 ـ 54 من الكتاب ومما يؤيد هذا ما نقله الشيخ المفيد في رسالته قال ابن بابويه أن علياً ( ع ) نكح في الكوفة امرأة من بني نهشل متعة ...
( 84 )
والآن نعطف النظر في سبر سيرة ابن هشام ونطيل التأمل في الشرح والتعليق والحواشي في صفحات غزوة فتح مكة الذي تم لعشر ليال بقين من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة لنرى هل حرم الشارع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عند دخلوله مكة المكرمة متعة النساء في أقواله وخطبه الشريفة المثبتة ذكرت السيرة ما يأتي :
( قال ابن إسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبدالله بن عبدالله بن أبي ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله ( ص ) لما نزل مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد ، قال ابن اسحق فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ( ص ) قام على باب الكعبة فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الآية ) ثم قال يا معشر قريش ما ترون إني فاعل فيكم قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ( ع ) ومفتاح الكعبة في يده فقال يا رسول الله أجمع لنا الحجابة صلى الله عليك فقال رسول الله ( ص ) أين عثمان بن عثمان بن طلحة فدعى له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم برّ ووفاء انتهت الخطبة النبوية الأولى .
( 85 )
وعلى أثر قتل ابن الأنوغ قاتل أحمر الخزاعي من قبل خراش بن أمية خطب رسول الله ( ص ) خزاعة فقال : ( يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم قتيلاً لا دينه ) .
وله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة ثالثة خطب بها الناس عقب اعتداء خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك فقام رسول الله ( ص ) في الناس وقال : ( يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيه دماً ولا يعضد فيها شجراً لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحلل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها الأثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم أن رسول الله ( ص ) قاتل فيها فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة إرفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم قتيلاً لا دينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين إن شاؤا قدم قاتله وإن شاؤا فعقله ثم ودى رسول الله ( ص ) ذلك الذي قتله خزاعه .
وإتماماً للفائدة وقطعاً للشك نثبت الخطبة الاولى حسب رواية الواقدي كما جاءت في الجلد الرابع من شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد التي هي :
قال الواقدي : وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالكعبة فأغلقت عليه ومعه فيها أسامه بن زيد وبلال بن رياح وعثمان بن طلحه فمكث فيها ما شاء الله وخالد بن الوليد واقف على الباب يذب الناس عنه حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فوقف وأخذ بعضادتي الباب وأشرف على الناس وفي يده المفتاح ثم جعله في كمه وأهل مكة قيام تحته وبعضهم جلوس قد ليط بهم فقال : الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ماذا تقولون وما تظنون قالوا نقول خيراً ولا نظن شراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت فقال إني أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين إلا
( 86 )
أن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحج الا وفي قتيل شيبة الحمد قتيل العصا والسوط الدية مغلظة مائه ناقة منها أربعون في بطونها أولادها إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها كلكم لآدم وآدم من تراب وأكرمكم عند الله أتقاكم الا إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرام الله لم تحل لأحد كان قبل ولا تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يأتي بعدي وما أحلت لي إلا ساعة من النهار وقال يقصرها رسول الله صلى الله عليه وآله بيده هكذا إلا ينفر صيدها ولا يعضد عضاهها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلي خلاها فقال العباس الا الا ذخر يا رسول الله فانه لابد منه للقبور والبيوت فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساعة ثم قال إلا إلا ذخر فانه حلال ولا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ولا يحل لامرأة أن تعطى من مالها إلا بإذن زوجها والمسلم أخو المسلم والمسلمون أخوة يد واحدة على من سواهم تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم اقصاهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين ولا تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها والبينة على من أدعى واليمين على من انكر ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم ولا صلاة بعد العصر ولا بعد الصبح وأنها كم عن صيام يومين يوم الاضحى ويوم الفطر ثم قال ادعوا لي عثمان بن طلحة فجاء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله قال له يوماً بمكة قبل الهجرة ومع عثمان المفتاح لعلك سترى هذا المفتاح بيدي يوماً أضعه حيث شئت فقال عثمان لقد هلكت قريش إذن وذلت فقال عليه السلام بل عمرت وعزت وقال عثمان فلما دعاني يومئذ والمفتاح بيده ذكرت قوله حين قال فاستقبلته ببشر فاستقبلني بمثله ثم قال خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلاّ ظالم يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا بالمعروف قال عثمان فلما وليت ناداني فرجعت فقال ألم تكن الذي قلت لك يعني ما كان قاله بمكة من قبل فقلت بلى أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله .
( 87 )
قال الواقدي : وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ برفع السلاح وقال الا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر فخطبوهم بالسيف ساعة وهي الساعة التي أحلت لرسول الله صلى الله عليه وآله انتهت الخطبة الشريفة .
هذا كل ما تكلم به المشرع الأقدس في فتح مكة ويلاحظ القراء معنا أن كلامه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتناول أيضاً تحريم النكاح المؤجل لا تصريحاً ولا تلويحاً وكان موقفه ( ص ) موقف مقرر للحلال والحرام وحلاله إلى يوم القيام وحرامه حرام إلى قيام الساعة .
قاعدة :
ونبني على هذا أيضاً بطلان الرواية المسندة إلى الربيع بن سبرة الجهني بالاسناد على أبيه أنه قال : غدوت على رسول الله ( ص ) فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول : ـ ( ـ أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا وأن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً )
وبرهان آخر على فساد هذه الرواية وبطلانها أنها لم تعزز بقول صحابي آخر ممن حضروا فتح مكة وكان جيش المسلمين الفاتح يومذاك يربو على العشرة آلاف مجاهد بل بالعكس أن جملة من هؤلاء الكرام صيح التواتر عنهم بخلاف ذلك وهذا ابن هشام والواقدي والطبري وابن الأثير وكتب المغازي والسير الأخرى تؤيد جهة النفي وأقطع حجة على البطلان ونفي الحديث خطب حضرة الرسالة المقدمة اما الذهاب إلى خلاف هذا وانتحال الروايات والأخبار ووضع الاحاديث المصطنعة تطميناً للرغبات والأهواء وطمس الحقائق التاريخية بدافع العناد والشهوات فلا وزن له ولا قيمة تجاه البحث العلمي الحر ولا يؤثر على العقيدة الراسخة التي دعامتها المعرفة والإيمان الصحيح وكل كلام مهما كان شأن مصدره يتعارض وصراحة أقوال وخطب سيد الأنام فهو هراء وهواء : ـ
( 88 )
ورحم الله البارودي إذ يقول :
إذا المرء لم يقر الأمور بعلمه * تحير ما بين اختلاف المذاهب
بتحريم المتعة في غزوة اوطاس
وقد ذهبت ثلة من أهل الحديث بان تحريم المتعة وقع في غزوة اوطاس اي ( حنين ) فكان لزاماً علينا أن نستمر في تفلي سيرة ابن هشام وهي أقرب السير إلى الصحة في نقل الأخبار الموثوقة وبعد البحث الطويل والتفتيش الكثير والتتبع المتواصل في هذه السيرة وفي غيرها من الآثار التاريخية المعتبرة والمراجع المهمة الشهيرة مثل تأريخ الواقدي والطبري وابن الأثير والبلاذري والمسعودي وروض الأنف إلى غير ذلك من المصادر العديدة المقطوع بصحة نقلها وروايتها فلم نعثر وايم الحق على أثر أو شبه أثر لحديث مرفوع أو موضوع يؤيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد رفع حكم النكاح المؤجل في غزوة أوطاس ودفعاً لقول المدعي نثبت فيما يأتي الأحاديث التي رويت عنه ( ص ) والصادرة منه في الغزوة المشار إليها وإليكها :
« 1 » قال ابن اسحاق وحدثني ابن شهاب الزهري عن سنان الدؤلي عن أبي واقد اليثي أن الحرث بن مالك قال خرجنا مع رسول الله ( ص ) إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية قال فسرنا معه إلى حنين قال وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوماً قال فرأينا ونحن نسير مع رسول الله
( 89 )
( ص ) سدرة خضراء عظيمة قال فتنادينا من جنبات الطريق يا رسول اجعل لنا ذات انواط كما لهم ذات انواط قال رسول الله ( ص ) الله اكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون انها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم .
« 2 » قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل مكة أن رسول الله ( ص ) قال حين فصل من مكة إلى حنين ورأى كثرة من معه من جنود أي ( لن نغلب اليوم من قلة ) .
« 3 » وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في غزوة حنين قال صلى الله عليه وآله وسلم ( من قتل قتيلاً فله سلبه ) .
« 4 » قال ابن اسحاق وحدثني بعض أصحابنا أن رسول الله ( ص ) مر يومئذ بإمرة وقد قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون عليها فقال ما هذا فقالوا امرأة قتلها خالد بن الوليد فقال رسول الله ( ص ) لبعض من معه أدرك خالداً فقل له أن رسول الله ( ص ) ينهاك أن تقتل وليداً أو امرأة أو عسيفاُ (1)
انتهت كلماته ( ص ) التشريعية الشريفة وخطبه العالية المتضمنة أحكاماً فيما حرم وحلل في وقعة أوطاس أي ( حنين ) وقد رأى القارئ أن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لم يتطرق إلى قضية نكاح المتعة أو تحريمه ولم يروي لنا التاريخ أو أصحاب السير والأثر كما قدمنا عن الذين حضروا وقعة اوطاس وكان عددهم اثنى عشر ألفاً حتى ولا عن واحد منهم ثبت النقل عنه أن المصطفى ( ص ) قد ذكر نسخ المتعة بل الأمر بالأمر بالعكس فإن سلمة بن الأكوع ( رض ) قال :
رخص لنا النبي ( ص ) عام اوطاس في المتعة ثم نهى عنها وقد أخرج هذه الرواية
____________
(1) العسيف : الأجير .
( 90 )
( الشيخان ) فتكون المتعة في العام الثامن من الهجرة معمولاً بها أما النهي الذي أشار إليه سلمة بن الأكوع بعد ذلك العام فلم يصح عندنا خبره ولم يقم برهان لتأييده خاصة وانه ( رض ) لم يعين الوقت أو العام أو الحادثة التي صدر فيها التحريم والنسخ بعد عام اوطاس .
أما غزوة الطائف فقد وقعت أيضاً في العام الثامن على أثر الفراغ من غزوة حنين . وقد اجمع الرواة على أن نسخ المعة لم يقع أيضاً في عمرة القضاء وكانت في السنة السادسة من الهجرة ولا في غزوة تبوك الواقعة في السنة التاسعة من الهجرة راجع صحيفة من 82 إلى 83 من هذا الكتاب . ولم يبق إلا قول من يقول أنها وقعت في حجة الوداع فتأمل .
ويقال أن هناك حديث أخرجه أبو داود أحد أئمة الحديث وزعموا أن صدور الحديث من الشارع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يوم حجة الوداع في مكة المكرمة وابطالاً لهذا الزعم المجرد وتفنيداً لهذا القول الفاسد ودفعاً لهذه الشبهة القاتمة ندرج هنا نص خطبة حجة الوداع وهي حجة البلاغ الأخير في التحليل والتحريم وها هي بالحرف الواحد :
( قال ابن اسحاق ثم مضى رسول الله ( ص ) على حجة فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بيّن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس اسمعوا قولي فاني لا أدرى لعلى لا القاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً أيها الناس أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا وأنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كانت عندة أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وأن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا وأن ربا العباس بن عبد
( 91 )
المطلب موضوع كله وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وأن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وكان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية . أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبداً ولكنه أن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم . أيها الناس ان النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله وأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض وان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مصر (1) الذي بين جمادي وشعبان . أما بعد أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقاً ولهن عليكم حقاً لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح فإن انتهين فهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيراً فانهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً وأنكم إنما أخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي فاني قد بلغت وقد تركت فيكم ما أن اعتصمتم به فلن تضلوا ابداً أمراً بيناً كتاب الله وسنة نبية (2) أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وإن المسلمين أخوة فلا يحل لا مرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم . اللهم هل بلغت ) فذكر لي أن الناس قالوا اللهم نعم فقالوا صلى الله عليه وآله وسلم اللهم اشهد .
قال ابن إسحاق حدثني ليث بن ابي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري عن عمرو ابن خارجة قال بعثني عتاب بن اسيد إلى رسول الله ( ص ) في حاجة ورسول الله ( ص ) واقف بعرفة فبلغته ثم وقفت تحت ناقة رسول الله ( ص ) وأن لغامها ليقع على راسي فسمعته وهو يقول : أيها الناس إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه وأنه
____________
(1) خصه برجب مضر لأن رجب ربيعة كان شهر رمضان .
(2) وعلى رواية أكثر علماء الإسلام « تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي إلخ »
( 92 )
لا تجوز وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ومن أدعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً .
قال ابن إسحاق وحدثني عبدالله بن أبي نجيح أن رسول الله ( ص ) حين وقف بعرفة قال هذا الموقف وكل عرفة موقف وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال هذا المنحر وكل منى منحر فقضى رسول الله ( ص ) الحج وقد أراهم مناسكهم وأعلمهم ما فرض الله عليهم من حجهم من الموقف ورمى الجمار وطواف بالبيت وما أحل لهم من حجهم وما حرم عليهن فكانت حجة البلاغ وحجة الوداع وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحج بعدها .
نقول : أن هذا هو البلاغ المبين وهذا هو الصدع الرباني الذي لاريب فيه وإن هو إلا وحي يوحى لا يأتيه الباطن من بين يديه ولا من خلفه ولقد بلغ به الرسول الأكرم ( ص ) فنصح وبين للناس حدود شريعته فأوضح بلسان عربي مبين وبه قطع جهيزة كل قوال قموص الحنجرة (1) معتد أثيم .
إن هذه الخطبة الشريفة السامية تمتاز بنوع خاص من البيان التشريعي وهو ما يتعلق بالنساء وتناوله الحقوق الزوجية وحدود الآداب الاجتماعية التي تشاد على أركانها ودعائمها سعادة الأسرة وتنظيم العائلة لعلمه صلى الله عليه وآله وسلم من أن أساس شقاء المجتمع وسعادته يرتكز على نظام العائلة وحده وصلاح البيت وفساده يرجع أولاً وبالذات إلى المرأة ولهذا السر اللطيف أوصى الشارع الحكيم الناس بأن يستوصوا بالنساء خيراً بعد أن عين حقوق وواجبات كل من الزوجين حسب ما تقتضيه سنة الكون وسنن الإجتماع وشريعة الآداب .
____________
(1) كذّاب .