لا جرم أن هذه الناحية الهامة التي تناولتها خطبة المشرع الأعظم هي وحدها كافية إلى كم أفواه المدعين من أن حضرة الرسالة قد حرم النكاح المؤجل قبل وفاته وهذه خطبته الكريمة وهي آخر خطبة له وآخر بيان تشريعي صدر منه في عام وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وما كان المانع له ( ص ) من أن يوضح للناس بأجلى بيان تحريم هذا النوع من النكاح الذي زعم موسى جار الله أنه بقية من بقايا الجاهلية وقد كان موقفه عليه أفضل الصلاة والسلام في حجة الوداع موقف محلل ومحرم وبشير ونذير وكيف يسوغ له ( ص ) أن يسكت أو أن يترك تبليغ مثل هذا الأمر الهام الذي هو أهم أركان المجتمع الإسلامي واقوى دعائمه كما أن النكاح علة العلل لبقاء النوع الإنساني فلو كان نكاح المتعة من الأنكحة الجاهلية أو كان مدعاة لتقويض كيان المجتمع الإسلامي أو فيه مفسدة للبشر لتناوله الشارع الكريم ( ص ) كما تناول في خطبته هذه وفي غيرها تحريم الكثير من عادات الجاهلية . وأشياء كثيرة أيضاً كانت حلالاً في الشرائع المتقدمة كالربا والنخوة الجاهلية والإنتقام الفردي والنسئ وشرب الخمر وسائر الأنكحة (1) التي كانت عليها في
____________
(1) وعن عروة قال : أخبرتني عائشة ( رض ) أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء : نكاح منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل ابنته أو وليته فيصدقها ثم ينكحها ونكاح آخر ، كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها ارسلي إلى فلان استبضعي منه . فإذا تبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان يسمى نكاح الاستبضاع ، ونكاح آخر ، يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم فيصيبونها فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها . فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت ، فهو ابنك يا فلان تلحقه بمن احبت . فلا يستطيع أن يمتنع . ونكاح آخر رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة فلا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن االرايات . فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لها القافة . فألحقوا ولدها بالذي يرون . فالتاط به ودعى أبنه لا يمتنع منه . فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم أخرجه البخاري وأبو داود . ( الاستبضاع ) طلب المرأة نكاح

=


( 94 )

الجاهلية ولم يكن نكاح المتعة منها . وأكل لحوم الحمر الأهلية إلى غير ذلك من الأمور التي لم يترك الرسول ( ص ) صغيراً ولا كبيراً منها إلا وأبان حلاله وحرامه للأمة لئلا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل .
وعلى كل فان المفكر المدقق الذي يحمل فؤاداً ذكياً وذهناً وقاداً وعقلاً نيّراً يحس ويشعر بأول وهلة أن خطبته ( ص ) في حجة الوداع جاءت مؤكدة للنكاح المؤجل غير نافية وذلك لقوله ( ص ) « وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله » ولا ريب أن المقصود منه هو مجرد العقد ليس إلا . وقد تضمن الإطلاق ولم يصرح ( ص ) في هذا المقام بإبطال العقد المنقطع ونسخ حكمه أما من يدعى شمول قول المشرع الأعظم على الدائمي وحصرة فيه فيعوزه الدليل وإقامة الحجة والبرهان على التقييد ولا قرينة هناك على ذلك ومما يعزز قولنا ويدعمه حديثه الشريف : « المؤمنون عند شروطهم » وهذا من الأحاديث المرفوعة الصحيحة المتفق عليها عند الجميع وتعيين الأجل في عقد النكاح مما يمكن الاتفاق عليه بين المتعاقدين لأن النكاح من حيث هو عقد كسائر العقود فتقييده بالأجل لا يخل بصحة العقد لأن شرط الأجل فيه لا يتنافى وروح الشريعة الإسلامية ولا بآدابها بل بالعكس أن عقد المتعة مما تقتضيه الضرورات الاقتصادية في كثير من الاحآيين ويستلزمه الإصلاح الاجتماعي في كل دور من أدوار حياة الأمة ويوجبه الناموس الطبيعي للنوع الإنساني لتكثير النسل وتفرضه
____________
=
الرجل لتنال منه الولد فقط و ( البغايا ) الزواني و( القافة ) الذين يشبهون بين الناس فيلحقون الولد بالشبهة . ( وألتاط به ) اي الصقه بنفسه وجعله ولده .

عن كتاب تيسير الوصل إلى جامع الأصول
من حديث الرسول ج ـ 4 . . .

ملاحظة على الهامش :
فهل بقى شك في نفس القارئ من نكاح المتعة هو من جملة الأنواع الواردة في حديث أم المؤمنين عائشة ( رض ) . وقد أطلع على أحكامه في الصفحات المتقدمة . أما الوزر الذي ارتكبه موسى جار الله في هذا الباب فمرتكس فيه وحده .

( 95 )

شرعة الآداب والقوانين الصحية لحفظ المنظومة الاجتماعية وصيانتها من خطر وباء الأمراض العفنة الفتاكة . ولهذه الأسرار البعيدة والحكمة السديدة العالية أكد عليه أفضل الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع مشروعية نكاح المتعة كما شرعت بكتاب الله الكريم ، أما نوع التأكيد وشكله فظاهر جلى وجلاؤه من عدم تعرضه ( ص ) للنكاح المؤجل في خطبته ولم يذكر فيها النسخ لآية المتعة ـ والسكوت في معرض الحاجة بيان ـ وأي حاجة أعظم للمسلمين من معرفة الحلال والحرام في ذلك الموقف الرهيب الذي ينادي فيه صاحب الرسالة المقدسة كافة المسلمين بقوله : « فإني لا أدري لعلي لا القاكم بعد عامي في هذا الموقف أبداً » إلخ .
هذا لما ثبت أن التحريم لم يقع في غزوة من الغزوات كما تقدم وحيث أن موقف حجة الوداع كان آخر موقف تشريعي وقف فيه الرسول الأعظم ( ص ) مبلغاً رسالته ومؤكداً لأحكامها فكانت الحاجة إذاً تدعو لأن يبين ( ص ) للمسلمين ويذكرهم بما غاب عنهم وأن يقوم باحياء ما نسوه من أحكام الكتاب والسنة ويلزمهم حدود شريعته وقد قام ( ص ) بعبء تبليغ الرسالة رغم ما قاساه من بلاء وعاناه من شدة وخسف ومحن لا تطاق وقد ظل صادعاً بأوامر ربه ونواهيه مجاهداً فيه حق جهاده لا يثنيه عن رفع الوية الحق وهدم قواعد الباطل وهياكله تحزب الأحزاب وكيد الأعداء ولوم اللائمين ، وهذا بلاغه في حجة البلاغ صريح لا غبار عليه ينطق بالوحي الصادق من لدن الحكيم العزيز وانك لا تجد فيه أثراً لتحريم النكاح المؤجل بل أن صيغة البلاغ كما قلنا تدل بوضوح على تأكيد المتعة ودوام حليتها ومشروعيتها حتى الساعة الأخيرة من ذلك الموقف التأريخي العظيم أما إذا أصر المعاند على عناده وجحوده وابى إلا أن يبقى راكباً رأسه في علوه « فما علينا إلى أن نقول بقول الشاعر :

على نحت القوافي من معادنها * ومـا على إذا لـم تفهـم البقر

وبعد كل هذا إذا سلمنا جدلاً وأردنا أن ننزل على حكم المدعي بإدعائه التحريم


( 96 )

بناء على صحة الحديث حسبما نقل الرواة كما مر نقول اليس وجود الإختلاف في الرواية موجباً للتناقض ولا تسمع الدعوى مع التناقض وحجة التناقض هي وحدها كافية لدحض الادعاء ورده أما شكل التناقض الحاصل في دعوى المدعي هو تنوع الأخبار وتلون النقل في الروايات بوقوع حديث التحريم كما جاء في الصفحات المتقدمة . ففئة قالت كان ذلك في خيبر وأخرى ادعت في اوطاس ـ حنين ـ وجماعة ساقها الظن أنه في فتح مكة وناهضتها غيرها بانه حصل في عمرة القضاء والبعض زعم لا في هذه ولا في تلك بل كان في وقعة تبوك وقام آخر وهو أبو داود كما عرفت فنقل رواية سخف بها كل هؤلاء وأحتج بوقوعه في خطبة الوداع ونحن نقول أيضاً أليس من السخافة والعته الركون إلى هذا التباين والتناقض واتخاذه حجة لا ثبات التحريم اللهم نسألك العافية مما يخالط عقول الناس من السلاس (1) به . ولكن مع هذا لنمضي مع المدعي في إدعائه ودعنا نسائره في قبول هذا التباين والاضطراب والتناقض ولكن أليس من الحق أن نقول له أن الذي روى وقوع التحريم في خيبر كان واحداً من بضعة آلاف وأن الذي رواه في وقعة أوطاس كان أيضاً واحداً من أثنى عشر ألفاً وإن الذي رواه في فتح مكة كان أيضاً واحداً من عشرة آلاف وهكذا الذي رواه في حجه الوداع كان فقط أبو داود وحده وهو من عشرات الألوف وكل رواية قائمة على خبر الواحد لا يؤبه بها في نظر علماء الأصول وأهل الفن إذا لم توثق بعدالة المخبر أو يصح سندها عن معصوم وهذه قضية مسلم بها لا يتناطح فيها عنزان وهي أن خبر الواحد لا يؤخذ به إذا تعارض بما يهدم بحجتيه لأنه لا يفيد اليقين ولو أخذ به للزم جعل المظنون رافعاً للمقطوع وهذا فاسد وباطل بالاتفاق ( وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ان الظن لا يغني من الحق شيئاً . إن الله عليم بما تفعلون ) وأما دعوى التمسك بالاجماع على رأي البعض فساقطة أيضاً إذ لا عبرة للإجماع المخالف للنص كما هو المعلوم المقرر .
____________
(1) السلاس مرض العقل .
( 97 )

آية المتعة من المحكمات

لم يطرأ عليها نسخ من الكتاب

وقد احتج البعض على أن آية المتعة قد نسخت بآي من الكتاب الكريم وأنها لم تكن من المحكمات كما بسطناه في الفصل الخامس راجع صفحة 47 ـ 53 من هذا المؤلَّف وقد وجب علينا بعد أن فندنا زعم الزاعمين بأنها نسخت بالسنّة أن ندلي هنا ببعض الحجج العلمية التي في شأنها رد وابطال احتجاج القائلين بوقوع النسخ في القرآن العظيم وأن الآيات الشريفة التي يستدلون بها على النسخ هي :
1 ـ ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم )
2 ـ ( لكم نصف ما ترك أزواجكم )
3 ـ ( إذا طلقتم النساء فطلقوهم لعدتهن )
وهناك من ذهب مذهباً لغوياً مجرداً في أن كلمة ( الاستمتاع ) جاءت في القرآن على العقد الدائم وإنها تتضمن الانتفاع المستمر ولا انقطاع له إلا الطلاق أو الموت كما أشرنا إليه فيما تقدم هذا وأن ما سطرناه من أدلة الأئمة الأمامية في تزييف هذه الاحتجاجات المضادة لحقائق التأويل كانت كافية ، شافية ووافية لاقناع المكابرين ؟ ولكن إتماماً للفائدة المتوخاة نسرد هنا بعض الشذرات وهي نهاية القول وخاتمة الكتاب .
نعم أجمع المانعون أن عقد المتعة لا يوجب الزوجية كما في العقد الدائم وأن المتمتع بها ليست بزوجة وعلى هذا الأساس الفاسد والظن الخاطئ تمكنوا بآية ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم ) وحيث

7 ـ المتعة


( 98 )

ثبت مما تقدم من الفقه الجعفري أن المتمتع بها زوجة ولها وعليها كافة الحقوق والواجبات الزوجية فيكون الإحتجاج بهذه الآية على النسخ باطل ومما يؤيد قولنا هذا قول الحجة الثقة الإمام الزمخشري فقد ذكر في كشافه في تفسير الآية الكريمة المذكورة ( فإن قلت ) هل فيه دليل على تحريم المتعة ( قلت ) لا . لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة ـ الأزواج إذا صح النكاح وقد نقل أيضاً رحمه الله في كشافه عن ابن عباس أن آية المتعة من المحكمات ونقل غيره إن الحكيم بن عينية سئل : ان آية المتعة هل هي منسوخة فقال لا . ثم أن المانعين كما أنهم أعتقدوا أن المتمتع بها ليست بزوجة فقد خالوا أيضاً أن النكاح المؤجل لا توارث فيه وقد علم القراء من الأبحاث المتقدمة أن هذه المسألة خلافية بين أئمة الإمامية وفيها ثلاثة أقوال .
( 1 ) يتوارثان مطلقاً بحكم ظاهر آية المواريث .
( 2 ) يتوارثان مع الشرط .
( 3 ) ولا إرث بينهما وإن شرط وقد خرج القسمان الأخيران بالدليل الخاص فخصص به الكتاب ويجوز ذلك من حيث أن نفس النكاح مؤجلاً بأجل فتكون العلاقة الزوجية مؤقتة لا توجب التواريث على أننا نتفق مع القائلين بلزوم اتباع ظاهر آية المواريث لأن المتمتع والمتمتع بها زوجان . مع أن جمهور أهل السنة جوزوا نكاح الكتابية بالعقد الدائم واتفقوا على عدم التوارث بينها وبين زوجها المسلم تخصيصاً (1) منهم لعموم الإرث بما رووه من قول النبي ( ص ) لا يتوارث أهل الملتين وأجمع المسلمون على أن القائل من أحد الزوجين للآخر لا يرث منه . وعليه فان الاحتجاج بآية المواريث على نسخ المتعة غير صحيح ولا يدعمه البرهان العلمي فضلاً عن ذلك أن آية المواريث وآية ( والذين هم
____________
(1) آلاء الرحمن للعلامة الجليل الشيخ محمد جواد البلاغي .
( 99 )

لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم إلخ ) هي في سورة المؤمنون والمعارج وكلاهما مكيتان وأن آية المتعة مدنية نزلت بعد الهجرة ولا يمكن تقدم الناسخ على المنسوخ ودليل آخر على بطلان قول المحتج أن نكاح الإماء والمملوكات لغير الناكح وهن لسن بزوجات للناكح ولا ملك يمين لم يجر نسخه في سورة المؤمنون للعلة التي ذكرناها كما أن المحتج نفسه يحتج بها عند توجه الاعتراض عليه فيما يختص بنكاح الإماء المملوكات فتدبر !
أما الاحتجاج بالآية الثالثة ( إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) فلا يمكن القول بأن هذه الآية ناسخة لآية المتعة لأن تشريع الطلاق (1) لم يحصر إباحة الوطء وشرعيته بما كان مورداً للطلاق وإلا فما تقول في التسرى والوطء بملك اليمين فان مورد الطلاق هو العقد المبني على الدوام لأن الطلاق هو الحل لعقدة الزواج الدائم وقطع لدوامه وإن قلت أن النسخ بالعدة قلنا أن المتمتع بها عليها عدة ولكنها تنقص عن عدة الدائم بحسب الدليل كما نقصت عدة الأمة كما عليه جميع الإمامية وجمهور أهل السنة ما عدا داود وأصحابه من اهل الظاهر وأما الصدقة أي النفقة إن كان المراد منها الصداق فان المتعة فيها صداق ولئن سمي أجراً فان القرآن قد سمى الصداق في العقد الدائم أجراً فمن أين يجئ النسخ يا ترى ! ! وعليه فليس هناك أي تعارض وتنافي بين آية المتعة والآيات الثلاث ولا يصح القول من جميع الوجوه بأن آية المتعة منسوخة بناسخ من القرآن الكريم ومن اراد التوسع والاستزادة في هذا الشأن فليراجع من صفحة ( 61 إلى 70 ) من هذا المؤلَّف فيجد ما ينقع الغلة ويزيح العلة ومن الأدلة القاطعة أيضاً على أن آية المتعة من المحكمات حديث جابر وعمران بن الحصين ومنازعة ابن الزبير لابن عباس بعد تحريم الإمام عمر للمتعة بزمن طويل وإصرار حبر الأمة ( رض ) على فتواه حتى
____________
(1) عن تفسير المرحوم العلامة الجليل الشيخ محمد جواب البلاغي النجفي .
( 100 )

وفاته وزواج الإمام علي ( ع ) بامرأة من بني نهشل في الكوفة متعة . وحديث عبدالله بن عمر ( رض ) لرجل من أهل الشام وقد تقدم كل ذلك وغيره في صحيفة 41 وما بعدها من هذا المؤلَّف .
هذا ونظراً لما تقدم في الفصلين الأخيرين من البراهين الساطعة والحجج الراجحة والاراء الصائبة السديدة القائمة على نفي دعوى الخصم بوجود الناسخ الشرعي من حديث وقرآن هذا وحيث قد قام الدليل العلمي والمنطقي على أن نكاح المتعة لم يكن من الأنكحة الجاهلية ـ كما جاء أيضاً في حديث عائشة ( رض ) ( راجع الحاشية في صفحة 93 و94 ) يتحقق لدى القارئ النبيل أن الذي أورده الأستاذ موسى جار الله في كتابه الوشيعة وفي باب المتعة منه أن هو إلا حديث مفترى دفعه للقول به هوى النفس الأمارة بالسوء وكنا نتمنى له أن يترفع عن مثل هذا الابتذال المزري وليته لم يقدم على غزل وشيعته المخلخلة وأن ينسج الركيك الذي هو أوهى من بيت العنكبوت نسيج لحمته الشكوك والأوهام وسداده الظنون والشبهات وإلى القارئ بعض قطع ذلك النسيج من تلك الوشيعة :
1 ـ ( وليس بيد أحد دليل لإباحتها ( أي المتعة ) في زمن من صدر الإسلام سوى أنها كانت قد تقع على أنها بقية من بقايا الجاهلية ولم تكن بإذن وإباحة من الشارع ، وآيات في النكاح قد نزلت بمكة ثم تواترت في أوائل سني المدينة ، والنكاح إذا اطلق لم يكن يشمل نكاح متعة لا لغة ولا شرعاً فدعوى إباحة الشارع في صدر الإسلام ساقط . ومتعة بأجرة أو إلى أجل لم تقع من صحابي في الإسلام ولو كانت وقعت فلا يتمكن أحد أن يثبت أنها كانت بإذن من الشارع . ) ثم ذكر :
2 ـ ( والمتعة لم تكن مباحة في شرع الإسلام أصلاً ، ونسخها لم يكن نسخ حكم شرعي إنما كان نسخ أمر جاهلي تحريم أبد . والنسخ لم يتكرر ، وإنما تكرر


( 101 )

تبليغ نسخ قد وقع من قبل . فتوهم الرواة تكرر النسخ بتكرر النداء والتبليغ حتى عدت المتعة من غرائب الشريعة . )
ويقول :
3 ـ ( والمتعة باجرة سماها القرآن البغاء فقال : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) ولا يمكن أن يشمل المتعة بعد هذه الآية إلا منكر أو ناس ) .
ويقول :
4 ـ ( وقول النذيرة أمة الله سيدة نساء العالمين في القرآن الكريم : ) قالت : أنى يكون لي غلام ولا يمسسني بشر ولم أك بغياً ( حكاية لما كان عليه عصرها من التمتع سمته السيدة بغاء وبغياً ، واحتفظ القرآن بعبارتها اعتباراً ، ثم قص لنا القرآن الكريم قول اليهود « يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً » فجعل التمتع بغاء من جانب المرأة وسوءاً اسواء من جانب الرجل . )
ثم يرد فيناقض قوله ويهدم بيانه بقوله :
5 ـ ( ونحن اليوم كنا لا نعلم تفصيل ما كان في الجاهلية من الأنكحة التي ابطلها الشارع الا أنا نعلم أن متعة الجاهلية لم تكن زناً يستحله الجاهلي بل كان لها ميزة بها تمتاز عن البغاء ) إذا كان الأمر كذلك لماذا عدها بقية من بقايا الجاهلية ولماذا حرمها الشارع ـ ما هذا الخلط الفاضح يا موسى جار الله ـ ثم ما هذا التقرير الصبياني يا أيها النحرير المجدد ؟ ؟
ثم اسمع ما يقول الأستاذ :
6 ـ ( قصة عرض لوط بناته لقومه ذكرت مرتين في القرآن الكريم وذكرت مرة في الفصل التاسع عشر من تكون التوراة ولا محمل لها إلا نكاح المتعة ولا يستحلها لوط إلا في غاية الضرورة . « إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون » والنبي لوط قد وقع في غاية الضرورة ولم ينس غاية الأدب


( 102 )

فاكفتى في الضرورة بعرض بناته وما اعتدى بعرض بنات الأمة وهذه القصة قصة لوط تدل دلالة أدبية على تحريم المتعة مثل الزنا فإن قول القائل الكريم أحمل عار بناتي أهون علي من أن أحمل عاراً في ضيوفي معناه أن كلا العارين لا يتحملهما إنسان وصار الضيوف أشد وأقبح واخزى والكريم إذا اضطر إلى أحد هذين العارين يختار عار بناته لاعار ضيوفه . هذا ادب قديم عادي وكرم سامي . أما التمتع ببنات الأمة فأدب شيعي وكرم إمامي ) .
أنظر ياراعاك الله إلى هذا التفكير المنحط وإلى كيفية سوق مثل هذه الإهانة الشنيعة من صاحب الوشيعة إلى حضرة النبي الكريم لوط عليه الصلاة والسلام وكيف اتهمه بقبوله الزنا إلى بناته المصونات وكيف جهل سر الآية الكريمة ومرماها حتى دفعه إلى العبث بمعانيها اللطيفة ثم أنظر كيف تأولها وحمل معناها على المتعة بينما الأمر كان غير هذا وإذا كانت المتعة في شريعة لوط محرمة كيف يرتكب النبي الكريم فعل الحرام وفي بناته على الأخص . اللهم هذا قول منكر لا نرض به ...

إذا كان شيخ القوم ضل طريقه * فكيـف تـراه مـرشداً لجنـان

ولكن رحمة بالاستاذ موسى جار الله وتصحيحاً لاعتقاده ودفعاً لأوهامه ووسامه نشرح له المعنى التي تضمنتها قصة لوط ( ع ) ومغزاها فنقول : لما جاء رسل الرحمن لتنفيذ امره باهلاك قوم لوط وقفوا على النبي الكريم لوط ( ع ) وهو يسقي زرعه فقال لهم لوط من أنتم قالوا نحن أبناء السبيل أضفنا الليلة فقال لهم يا قوم إن أهل هذه القرية قوم سوء لعنهم الله وأهلها ينكحون الرجال . ويأخذون الأموال فقالوا قد أبطأنا فاضفنا فجاء لوط إلى أهله وكانت منهم فقال لها إنه قد أتانا أضياف في هذه الليلة فاكتمى عليهم حتى أعفو عنك جميع ما كان إلى هذه الوقت فقالت أفعل وكانت العلامة بينها وبين قومها إذا كان عند لوط أضياف بالنهار تدخن


( 103 )

فوق السطح وإذا كان بالليل توقد النار فلما دخل جبرئيل والملائكة معه بيت لوط ( ع ) أوقدت إمرأته ناراً فوق السطح فعلم أهل القرية وأقبلوا إليه من كل ناحية يهرعون فلما صاروا إلى باب البيت قالوا يا لوط أو لم ننهك عن العالمين فقال لهم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ويعني به أزواجهم وذلك أن النبي هو أبو أمته فدعاهم إلى الحلال ولم يكن يدعوهم إلى الحرام فقال ازواجكم هن أطهر لكم قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد إلى آخر القصة .
1 ـ قال الطبرسي رحمه الله اختلف في ذلك يعني عرض البنات فقيل أراد بناته لصلبه عن قتادة وبه رواية وقيل اراد النساء من أمته لانهن كالبنات له واختلف أيضاً في كيفية عرضهن فقيل بالتزويج وكان يجوز في شرعه تزويج المؤمنة من الكافر وكذا كان يجوز أيضاً في مبدأ الإسلام وقد زوج الرسول ( ص ) بنت هالة (1) من أبي العاص بن الربيع قبل أن يسلم ثم نسخ ذلك : وقيل التزويج بشرط الإيمان وكانوا يخطبون بناته فلا يزوجهن منهم لكفرهم .
هذه خلاصة القصة ومنها عرفنا أن الشيخ موسى جار الله قد عمد إلى تحريف القرآن من طريق التأويل والاجتهاد ليتخذ منه حجة لكسر خصومه وبذلك ارتكب وزراً كبيراً لا يرضى به أقل حاهل وأسخف إنسان نعوذ بالله من شر العصبية الخاطئة وحمية الجاهلية المهلكة والآن نرجع فنقول للأستاذ موسى جار الله لو أننا صرفا النظر من كون النبي لوط ( ع ) كان نبياً كريماً وأن أدب النبوة ومنزلتها وقدسيتها تمنعه من أن يتحمل عار الزنا في بناته ولكن أليس هو ابن خالة الرسول الكريم خليل الله إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى رواية أنه ابن اخته ثم لنفرض أنه لا هذا ولا ذاك ولكنه من أبناء الجزيرة العربية الأنجاب وإذا كان هو كما قلنا فهل كان العربي في يوم من الايام يضحي بعرضه دون
____________
(1) بنت هالة وهي أخت السيدة خديجة زوج الرسول ( ص ) فتزوج عثمان بن عفان واحدة ولما ماتت خطب أختها فتزوجها بعدها .
( 104 )

ضيوفة وفي اي دور من أدوار التاريخ العربي استساغ العربي ذلك العار والجبلة العربية تنكره وتأباه نعم يقول العربي :

يـا ضيفنا لـو جئتنا لوجدتنا * نحن الضيوف وأنت رب المنزل

ولكن كل شيء هين عنده إلاّ عرضه وشرفه أما درى الأستاذ أن العربي كريم بكل ما خلق الله له من مال وعروض له وسخي في منتهى السخاء بنفسه دون عرضه وكيف غاب عن بال الاستاذ ما احتوته دواوين أشعارهم وأدبهم وما أوثر عن أخلاقهم الطيبة العالية وعنعناتهم الحميدة الشريفة وكلها طافحة بالاباء والشمم والترفع عن الدنايا واللؤم وأنهم يبرأون من شيمة البخل إلاّ البخل بالعرض فهو مدعاة تفاخرهم وقد طبعوا بطابعه وليسمع الأستاذ ما يقول شاعرهم :

ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفـره ومــن يتقـي الشتـم يــشتم

ومثله :
إذا المرة لم يدنس من اللؤم عرضه * فـكل رداء يــرتـديـه جميــل

وفي هذا المعنى قول الشريف الرضي :

انا المرء لا عرضي قريب من العدى * ولا فــيّ للبـاغـي علـيّ مقــالُ
وما العرض إلا خير عضو من الفتى * يصــاب وأقــوال العــداة نبـالُ

وأخيراً نقول إن الفقرات والجمل التي أدرجناها من الوشيعة التي قتل غزلها بيد البهتان والإثم هي بنفسها برهان على فسادها واضطرابها لأنها مجموعة متتاقضات لا وزن لها ولا قيمة بجانب البحوث العلمية التي تضمنها كتابنا ولا تستحق المناقشة وإشغال الذهن في إقامة الدليل على تزييفها فهي مزيفة في كل حرف من حروفها وإذا رجع المطالع النبية إلى ما سطرناه في الفصول الفايتة يجد أن أراد عليها مبسوط ومستوفى ولا حاجة هناك لتكراره .