دفع شبهة الإمام النسفي


ومن الشبهات التي التبست على الإمام النسفي هي الرواية التي رواها عن أبي نصير عن الصادق ( ع ) أنه سئل عن امرأة المتعة أهي من الأربع قال لا ولا من السبعين وقد جعل هذه الرواية مستنداً له بأن المتمتع بها ليست بزوجة وإلا لكانت من الأربع . ولا أدري كيف جهل الأمام النسفي هذه النكتة البديعة التي تضمنها جواب الإمام الصادق ( ع ) ولو تدبرها جيداً . وبإمعان وتأمل مغزاها الدقيق اللطيف لبهت طويلاً ولتملكه الخجل الممض لأن جواب الإمام الصادق ( ع ) حجة عليه لا له وقد قصد به أن حكم المتمتع بها حكم الإماء لأحد للتزويج بهن كما أنها ليست من الأربع أي إذا تزوج الرجل بزوجة متعة لا يلزم بتطليق إحدى زوجاته الأربع اللاتي تحت نكاحه . لهذا أجاب عليه السلام لمن سأله أهي من الأربع بجواب ( لا ) النافية وكررها ولا من السبعين إشارة على أن التمتع بالنساء يجوز أن يتعدي عدد السبعين وقد أورده ( ع ) على سبيل المبالغة في الكثرة وبهذا نكون قد دفعنا شبهة الإمام النسفي رحمه الله .

دفع شبهات موسى جار الله

أما شبهات هذا التائه في موضوع المتعة فلا تقل التباساً وجهة عن شبهاته الأخرى المشحون بها كتابه الذي ألفه ليكون ( أول تدبير في تأليف قلوب الأمة . الشيعة وأهل السنة والجماعة ) كما رسم ذلك على غلاف كتابه ولو علم


( 106 )

القارئ النبيل كل ما سطرته أنامل المؤلف المحب لتأليف الأمة ضد هذه الأمة لذهبت نفسه حسرات من أجل ما نزل بساحة الأمة المحمدية والشعب العربي مما تنفثه أقلام أمثاله علماء السوء المسمومة هؤلاء دعاة التفرقة والانقسام وسماسرة الاستعمار ومرتزقة الدين إلى أن فرقوا صفوفها وقصموا عرى اعتصامها ووحدتها واتحادها حتى أصبحت فرقاً وشيعاً وأمست طعمة لكل طامع ومستعمر وبعد أليس من حقنا أن نخاطب الشيخ موسى جار الله وأضرابه بقول القائل :

يا قومنا إن تدعوا أشياخنا * مـا بالكم أن تفعلوا أشياخنى

ثم إنا لله وإنا إليه راجعون ...
الشبهة الأولى :
يقول جناب الأستاذ موسى جار الله في صحيفة 163 من كتابه الوشيعة ثم لو كان « فما استمتعتم به منهن » في حل المتعة بكف من بر فكيف يكون قوله بعد هذه الآية الكريمة « ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينحكي المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم » وهل يتصور عاقل أن يكون الإنسان عاجزاً من كف بر لا ثم يشتري ويملك يمينه جارية . ومجرد نزول هذه الآية بعد قوله « فما استمتعتم » يكفى في تحريم المتعة . )
دفع هذه الشبهة :
لا تعارض ولا تدافع بين آية « ومن لم يستطع منكم طولاً » وبين الآية التي تقدمتها « فما استمتعتم » كما ذهب العالم المتفلسف الشيخ موسى وذلك لأن كلمة الطول : لا تؤدي معنى المهر ولا تفيده وقد أجمع أهل اللغة العربية وهم أولى من ـ الأعاجم ـ بمعرفة أسرارها على أن مفهوم لفظ الطول مصدر وأما من حيث معناه عبارة عن الغنى أو الزيادة في المال وفي كنز العرفان من لم يكن له زيادة في المال وفي


( 107 )

القاموس الفضل والقدرة والغني والسعة والمعنى (1) الذي يتردد بينها غير داخل في قدرة الإنسان واستطاعته بل هو أمر بيد الله . اذن فلا يصح أن تكون كلمة « طولاً » مفعولاً به لكلمة « يستطيع » كما يلوح من بعض المفسرين وصرح به الفخر الرازي ولكن تفطن لعدم الجواز وقال أنه على المفعولية يكون معنى الآية فلم يقدر منكم على القدرة فالأظهر أن « طولاً » مفعولاً لأجله لبيان جهة الاستطاعة المذكورة وليس في الآية ما يشير إلى نظر الطول إلى خصوص المهر بل هو متعلق بالتزويج وما يحتاج إليه في أمره من المؤنة ومنها نفقة الحرائر والمرجع إلى معنى الطول إلى العرف بحسب حال الشخص ونظام المعيشة ( أن ينكح ) مفعول لكلمة ( يستطيع ) والأظهر أن النكاح هو التزويج دواماً ومتعة ولكل إنسان رغبة في أحدهما بحسب حاله من السفر أو حضر أو غير ذلك فمن لم يستطع طولاً أن يجري أحدهما مع الحرائر انتقل به إلى الاماء على ما تقتضيه الآية باطلاقها وهذا هو وجه المناسبة بين الآية وما قبلها فانها تعرضت للصورة النازلة من نكاحي الدوام والمتعة تتميماً لأحكام النكاح وآدابه وبعد فان هذه الكلمة كافية لدفع شبهة الشيخ موسى جار الله ولم يبق أي غموض أو لبس يعترض القاري في فهم مدلول الآيتين وان السياق والنظم وفن البيان يثبت صحة ما شرحناه وفصلناه من أن الآية الثانية مفسرة للأولى ولا تناقض بين آي القرآن المجيد .
الشبهة الثانية :
(أ) : ويقول جناب الشيخ في صحيفة 166 من كتابه ( لا يوجد في غير كتب الشيعة قول لأحد أن « فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن نزل في متعة النساء وقد أجمعت الأمة على تحريم المتعة ولم يقل أحد أن قول الله « فما استمتعتم به منهن » قد نسخ ) .
____________
(1) الآء الرحمن في تفسير القرآن للعلامة الشيخ محمد جواد البلاغي .
( 108 )

وله في صحيفة 168 من كتابه :
( ب ) ( ومن لم يستطع طولاً أن ينكح المحصنات فالقرآن الكريم قد نقله من نكاح إلى نكاح حيث يقول « فانكحوهن بإذن أهلهن » ثم لم يذكر في آية من الآيات حديث المتعة وهي استيجار بإتفاق كتب الشيعة . لا وقت لها ولا عدة إنما هي المستأجرة لصاحب الأربع أن يتمتع بسبعين وبألف ولو كان التمتع نكاحاً لما كان لصاحب الاربع أن يتمتع . )
أن الرد على هذه الشطحات يراه القارئ الكريم مفصلاً في صحيفة 36 و47 و57 و58 و59 و97 وما بعدها . ولهذا اكتفينا بما أوردناه هناك لأننا ما تركنا قولاً لقائل في هذا السبيل كما أن الوقت أغلا وأثمن من أن نحرك القلم من جديد بتدريج ما سطرناه في تلك الصحائف التي نوهنا عنها فنحيل القارئ إليها ولا بدأنه سيجد فيما نقلناه وقلناه كفاية لدفع ما التبس على الشيخ موسى جار الله من الشبهات القاتمة .
الشبهة الثالثة :
ومما ألتبس على الشيخ قوله :
( ولو كانت متعة الشيعة حلالاً لكان قوله الله جل جلاله « وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله »مهملاً لا معنى له ، عبثاً باطلا ليس له في الوجود صورة وأي معنى لقوله « لا يجدون نكاحاً لو حل تمتع بكف من بر ؟ وأي معنى لقوله حتى يغنيهم الله » وأي حاجة إلى الاستعفاف بل لو كانت متعة الشيعة حلالاً في شرع القرآن الكريم لكان الله جل جلاله بقوله « وليستعفف » قد غفل في شرع القرآن الكريم لأن وجوب الاستعفاف عند العجز عن النكاح ينقاض حل المتعة ) .


( 109 )

دفع هذه الشبهة :
إن الذي يطالع كتاب الوشيعة للشيخ موسى جار الله يكاد يعتقد أن مؤلفه كثير الاضطلاع في اللغة العربية وبعيد الغور في معرفة أسرارها وجم الإطلاع على دقايقها وأنه في مقدمة الملمّين بشواردها وأوابدها وذلك لأنه كثيراً ما يلجأ إلى اللغة عندما يظهر العجز عن مجابهة خصمه بالحقائق العلمية فيركن إلى التمويه والطلاء فيتذرع بذريعة اللغة محاولاً بذلك إقناع القرّاء بقوة حجته من ناحية البرهان اللغوي ظناً منه أن القراء الأفاضل يجهلون لغتهم كما يجهلها هو فيكثر من خبطه وخلطه في تفسر المعاني اللغوية القرآنية حتى يجره إلى العبث بلغة العرب وأساليبها البيانية التي نزل بها القرآن المبين وأي دليل على جهله أبرز وأظهر مما تضمنته شبهته المتقدمة فهو قد اجتهد في أن حلية المتعة . تناقض بل تهدم روح الآية الشريفة ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله ) الخ لأن الاستعفاف في نظره يناقض حل المتعة التي اعتبرها زنا مستحل من قبل الشيعة ومما يؤيد اجتهاده هذا استفهامه عن معنى قوله تعالى ( لا يجدون نكاحاً ) لو حل تمتع بكف من بر إلى ما هنالك من استفهامات واستغرابات تخيلها تصوره وإن اساس اجتهاده والقاعدة التي بنى استنباطه عليها هي توهمه الفاسد في الاستدلال اللغوي من الجملة القرآنية في أن النكاح إذا أطلق لا يشمل إلا العقد الدائم . على أنا نقول له أن هذا التأويل ينم عن جهل مركب ونقص في الفهم ليس إلا . لأن كلمة النكاح تفيد عدة معان في لغة القرآن وإذا أطلقت تشمل المعاني الآتية :
1 ـ ما كنى بالنكاح عن العقد قال الله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات الآية ) .
2 ـ نكاح آخر وهو اسم للوطء لا العقد قوله تعالى ( فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) .


( 110 )

3 ـ نكاح لا وطء ولا عقد وهو بمعنى الحلم والعقل وهو قوله تعالى ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ) .
4 ـ نكاح لا عقد ولا وطء ولا حلم ولكن سمى المهر باسم النكاح وهو قوله تعالى : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً ) يعني مهراً .
5 ـ نكاح آخر وهو في قوله تعالى ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة وسماه في هذا الموضع باسم النكاح ومعناه السفاح هذه خلاصة المعاني اللغوية التي توصلنا إلى معرفتها من معاني النكاح فيما إذا اطلق ومنها يفهم القارئ أن الحقيقة العلمية ليست كما فهمها أو تأولها حضرة الشيخ موسى جار الله فيكون معنى الآية الكريمة أن على المعدمين الذين لا يملكون مهراً لنكاحي المؤجل والدائمي وجوب الاستعفاف حتى يغنيهم الله من فضله ، ونهاهم عن ارتكاب الفاحشة بانواعها وأمرهم ليست أن يصونوا فروجهم بالاستعفاف عن خطر مرض السيلان والأفرنجي وبقية العاهات نعوذ بالله وقد تضمنت هذه الحكمة البعيدة الآية الحكيمة التي تأتي بعد ذكر تعدد أنواع النكاح ومحرماته وهي قوله تعالى : ( ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ويريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ) وإن كف الطحين الذي أتخذه حجة لاستهزائه بخصمه هو بالنسبة للرجل المتمتع لا بالنسبة للزوجة المتمتع بها وهذا تسهيل من الشارع الحكيم وتيسير للمسلمين ( وما جعل الله عليكم في الدين من حرج ) و( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ولئلا يقع المسلمون في حرج الزنا وويلاته وكما يكون المهر في المتعة كف من بر قد يكون من تبر وهذا تابع لحالة الأمة الاقتصادية وما تصاب به من رخاء وترف أو فقر وشطف ثم أن القرآن الكريم لم يحدد لنوعي الزواج قدراً معيناً من المهر بل تركه لرضاء الزوجين ولقدرتهما المالية ومنزلتهما الإجتماعية وعليه أن ماذهب إليه جناب الشيخ الموما غليه ولا يؤيده روح القرآن وحكمته التشريعية لا لغة ولا شرعاً .


( 111 )

أما قوله إن آية ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً نزلت قبل غزوة خيبر وأوطاس والفتح وتبوك وغيرها التي وقعت بعد الهجرة فلا دليل له على ذلك وأن كافة المصادر المختصة بنزول القرآن الحكيم سكتت عن تاريخ نزول الآية وأسبابها ولا ندري كيف يرسل صاحب الوشيعة القول على عواهنه بلا بصيرة ولا تحقيق وهو فوق هذا يريد من الناس أن يؤمنوا بما يقول به إيمانهم بالحقائق العلمية وهذا منتهى الجهل والغرور بل هو غاية السخف والصلف . ورحم الله الأزري إذا يقول :

قرنت حماقتها بجـرأة أسدنـا * والحمق من خلق البعير الأهوج

والحقيقة أن كتاب الوشيعة قد تضمن كثيراً من مرذول القول وساقط الكلام مما يترفع عنه قلم العلماء الفضلاء وياباه روح الفضية التي يجب ان يتحلى بها رجالات الأصلاح الذين يهمهم اصلاح الأمة الإسلامية وجمع شملها واتفاق كلمتها ويستنكره عليه أدب النفس المهذبة ويمجه الذوق السليم الراقي ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ومن يكسب خطيئة وإثما ثم يرم به بريئاً فقد أحتمل بهتاناً واثماً مبيناً )
وقد سبق أن قلنا إن الوقت اثمن وأغلى علينا من أن نتعب حجيرات الدماغ وخلايا الفكر في الرد على سفطة الشيخ ولغوه للهجور وقد أثرنا أن نمر عليه مر الكرام منشدين قول الازري رحمه الله :

من لم تؤدبه خلائق طبعه * ألفيته بالسيف غير مؤدب

على أن موقفنا هذا إزاء جناب الشيخ موسى لا يمنعنا من أن نذكر للناس صفة هامة من صفاته النفسية ليطلعوا على مبلغ تمسكه بالفضائل الإسلامية التي يدعو طائفة الإمامية من المسلمين إلى التخلق بها والتعمق باهدابها ونبذ ما يخالفها ويهدم روحها قال حضرة الشيخ الموما إليه في صحيفة 127 من وشيعته :


( 112 )

( ودعوى التقية بعد كل هذه شأن ذليل متهور يهرأ ويهرأ ويتفل على وجه الحق ثم ينجو بالسوأة ) .
هكذا كتب الشيخ في الصحيفة المنوه عنها من كتابه ولكن ليعلم القارئ أن الرجل قد وصف نفسه أحسن وصف لأنه قد عمل بهذا الشكل من التقية ما يقرب من عشرة أشهر طوال مكثه في النجف الأشرف في سنة 1933 فإنه كان كما سمعت من إخواني النجفيين الافاضل يحمل الشموع في مواكب الأطفال في ليال عشرة عاشوراء ويشترك في ( السبايا ) التي يقوم بها أبناء الطائفة الجعفرية عادة في أيام عاشوراء وعمل الشيخ هذا ليس الا تقية لأنه قد عمل خلاف ما يعتقد مع أن الشيعي لا يعمل بالتقية إلا عند الضرورة ( واللضرورات حال لاتشفعه ) وخشية نزول الخطر بساحته والضرورات تبيح المحذورات وهذه قاعدة مقررة عند مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية بيد أن الشيخ حفظه الله قد عمل بتقيته دون أن يحيق به خطراً أو تداهمه نوازل مهلكة أو يضطره مكروه . إذاً أليس من الحق والانصاف أن يسمح لنا الشيخ بأن نقول له أن ( شأنك في تقيتك كان ذليل متهور يهرأ ويهزأ ويتفل على وجه الحق ثم ينجو باسوأة . ) وذلك لتركك صلاة الجمعة وتعطيلها طوال مدة مكثك في النجف وكان ذلك موجباً لقتلك بتفوى مذهبك الذي تعبد الله به وما هي تلك الضرورة أو ذلك الإكراه الملجئ الذي جعلك أن تعمل بتقيتك وتترك صلاة الجمعة وتداهن في تعبدك بينا نراك قد هجمت باشد من هجوم البعير الأهوج على ذم الشيعة في تعطيلهم صلاة الجمعة مع إني لم اشاهدك قد أديت فرضاً من فروض الصلاة خلال الثلاثة أيام التي قضيتها في خانقين في ذهابك إلى إيران ونزولك ضيفاً في داري يوم كنت حاكماً في خانقين . أليس كذلك يا أستاذ ؟ !
وبالله عليك هل حضرت صلاة الجمعة وكان قد زارك في النادي وفي داري علماء الحنفية والشافعية بعد فراغهم من صلاة الجمعة . قل لي بالله عليك يا أستاذ هل


( 113 )

كان ذلك منك تقية ايضاً ؟ ؟ أم كان الامر كما قال سبحانه وتعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) و( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) وما أحسن قول الشاعر :

لاتنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم

إنا لله وإنا إليه راجعون .

مناظرة الشيخ المفيد في المتعة

قال الشيخ أدام الله عزه ، حضرت دار بعض قواد الدولة وكان بالحضرة شيخ من الإسماعيلية يعرف بابن لؤلؤ . فسألني : ما الدليل على إباحة المتعة ؟ . فقلت له : الدليل على ذلك قول الله جل جلاله ( وأحل لكم ماوراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ) فأحل جل اسمه نكاح المتعة بصريح لفظها وبذكر أوصافه من الأجر عليها والتراضى بعد الفرض له من الإزدياد في الأجل وزيادة الأجر فيها ( فقال ) ما أنكرت أن تكون هذه الآية منسوخة بقوله ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) فحظر الله تعالى النكاح إلا لزوجة أو ملك يمين ، وإذا لم تكن المتعة زوجة ولا ملك يمين فقد سقط قول من أحلها ( فقلت له ) قد أخطأت في هذه المعارضة من وجهين ( أحدهما ) أنك ادعيت أن المستمتع بها ليست بزوجة ومخالفك يدفعك عن ذلك ويعتبرها زوجة في الحقيقة ( والثاني ) أن سورة المؤمنين مكية وسورة النساء مدنية والمكي متقدم للمدني فكيف يكون ناسخاً له وهو متأخر عنه وهذه

( 8 ـ المتعة )


( 114 )

غفلة شديدة ( فقال ) لو كانت المتعة زوجة لكانت ترث ويقع بها الطلاق وفي إجماع الشيعة على أنها غير وارثة ولا مطلقة دليل على فساد هذا القول ( فقلت له ) وهذا ايضاً غلط منك في الديانة ، وذلك أن الزوجة لم يجب لها الميراث ويقع بها الطلاق من حيث كانت زوجة فقط وإنما حصل لها ذلك لصفة تزيد على الزوجية والدليل على ذلك أن الأمة إذا كانت زوجة لم ترث والقاتلة لا ترث والذمية لا ترث والأمة المبيعة تبين بغير طلاق والملاعنة تبين ايضاً بغير طلاق وكذلك المختلعة والمرتد عنها زوجها والمرضعة قبل الفطام بما يوجب التحريم من لبن الأم والزوجة تبين بغير طلاق وكل ما عددناه زوجات في الحقيقة قبل ما توهمت فلم يأت بشيء ، فقال صاحب الدار وهو رجل أعجمي لا معرفة له بالفقه وإنما يعرف الظواهر ، أنا أسألك في هذا الباب عن مسألة خبرني هل تزوج رسول الله ( ص ) متعة أو تزوج أمير المؤمنين ( ع ) ـ فقلت له ـ لم يأت بذلك خبر ولا علمته . فقال : لو كان في المتعة خير ما تركها رسول الله ( ص ) وأمير المؤمنين ( ع ) فقلت له : أيها القائل ليس كل ما لم يفعله رسول الله ( ص ) كان محرماً وذلك أن رسول الله ( ص ) والأئمة عليهم السلام كافة لم يتزوجوا بالاماء ولا نكحوا الكتابيات ولا خالعوا ولا تزوجوا بالزنج ولا نكحوا السند ولا اتجروا إلى الأمصار ولا جلسوا باعة للتجار وليس ذلك كله محرماً ولا منه شيء محظور إلا ما خصت به الشيعة دون مخالفيها من القول في نكاح الكتابيات . فقال : فدع هذا خبرني عن رجل ورد من قم يريد الحج فدخل إلى مدينة السلام فاستمتع فيها بامرأة ثم انقضى أجلها فتركها وخرج إلى الحج وكانت حاملاً منه ولم يعلم بحالها فحج ومضى إلى بلده وعاد بعد عشرين سنة وقد ولدت بنتا وشبت ثم عاد إلى مدينة السلام فوجد فيها تلك الابنة فاستمتع بها وهو لا يعلم أليس يكون قد نكح ابنته وهذا فظيع جداً ( فقلت له ) ان أوجب هذا الذي ذكره القائل تحريم المتعة وتقبيحها أوجب تحريم نكاح الميراث وكل نكاح وتقبيحه وذلك أنه قد يتفق في مثل ما وصف وجعله طريقاً إلى حظر المتعة


( 115 )

وذلك أنه لا يمنع أن يخرج رجل من أهل السنة واصحاب احمد بن حنبل من خوارزم قاصداً للحج فينزل مدينة السلام ويحتاج إلى النكاح فيستدعى امرأة من جيرانه حنبلية سنية فيسألها أن تلتمس له امرأة ينكحها فتدله على امرأة شابة ستيرة ثيب لا ولي لها فيرغب فيها وتجعل المرأة أمرها إلى إمام المحلة وصاحب مسجدها فيحضر رجلين ممن يصل معه ويعقد عليها النكاح للخوارزمي السني الذي لا يرى المتعة ويدخل بالمرأة ويقيم معها إلى وقت رحيل الحج إلى مكة فيستدعى الشيخ الذي عقد عليه النكاح فيطلقها بحضرته ويعطيهم عدتها وما يجب عليه من نفقتها ثم يخرج فيحج وينصرف من مكة على طريق البصرة ويرجع إلى بلده وقد كانت المرأة حاملاً وهو لا يعلم فيقيم عشرين سنة ثم يعود إلى مدينة السلام للحج فينزل في تلك المحلة بعينها ويسأل عن العجوز فيفقدها لموتها فيسال عن غيرها فتأتيه قرابة لها أو نظيرة لها في الدلالة فتذكر له جارية هي ابنة المتوفاة بعينها فيرغب فيها ويعقد عليها كما عقد على أمها بولي وشاهدين ثم يدخل بها فيكون قد وطئ ابنته فيجب على القائل أن يحرم لهذا الذي ذكرناه كل نكاح . فاعترض الشيخ السائل أولاً ( فقال ) عندنا أنه يجب على هذا الرجل أو يوصي إلى جيرانه باعتبار حالها وهذا يسقط هذه الشناعة ( فقلت له ) إن كان هذا عندكم واجباً فعندنا أوجب منه وأشد لزوماً : أن يوصي المستمتع ثقة من إخوانه في البلد باعتبار حال المستمتع بها فان لم يجد أخاً أوصى قوماً من أهل البلد وذكر أنها كانت زوجته ولم يذكر المتعة وهذا شرط عندنا فقد سقط أيضاً ما توهمه ثم أقبلت على صاحب المجلس ( فقلت له ) إن أمرنا مع هؤلاء المتفقهة عجيب وذلك أنهم مطبقون على تبديعنا في نكاح المتعة مع أجماعهم على أن رسول الله ( ص ) قد كان اذن فيها وإنها عملت على عهده ومع ظاهر كتاب الله عز وجل في تحليلها وإجماع آل محمد عليهم السلام على اباحتها والإتفاق على أن عمر حرمها في ايامه مع اقراره بإنها كانت حلالاً على عهد رسول الله ( ص ) فلو كنا على ضلالة فيها لكنا في ذلك على شبهة تمنع ما يعتقده المخالف فينا من الضلالة والبراءة منا ... الخ .


( 116 )

مناظرة الشيخ المفيد :

مع أبي القاسم الداركي


قال الشيخ : وقد كنت استدللت بالآية التي قدمت تلاوتها على تحليل المتعة في مجلس كان صاحبه رئيس زمانه فاعترضي أبو القاسم الداركي فقال ما أنكرت أن يكون المراد بقوله تعالى ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) إنما أراد به نكاح الدوام وأشار بالاستمتاع إلى الالتذاذ دون نكاح المتعة الذي تذهب إليه ( فقلت له ) إن الاستمتاع وإن كان في الأصل هو الالتذاذ فانه إذا علق بذكر النكاح وأطلق بغير تقييد لم يرد به الا نكاح المتعة خاصة لكونه علماً عليها في الشريعة وتعارف أهلها « ألا ترى أنه لو قال قائل نكحت أمس أمرأة متعة ، أو هذه المرأة نكاحي لها ، أو عقدي عليها للمتعة ، او أن فلانا يستحل نكاح المتعة لما فهم من قوله إلا النكاح الذي يذهب إليه الشيعة خاصة . وانا كانت المتعة قد تكون بوطئ الاماء والحرائر على الدوام كما أن الوطئ في اللغة هو وطئ القدم ومماسة باطنه للشيء على سبيل الاعتماد . ولو قال قائل وطئت جاريتي . ومن وطئ امرأة غيره فهو زان وفلان يطأ امرأته وهي حائض لم يعقل من ذلك مطلقاً على أصل الشريعة إلا النكاح دون وطئ القدم ، وكذلك الغائط هو الشيء المحوط ، وقيل هو الشيء المنهبط . ولو قال قائل هل يجوز أن آتي الغائط ثم لا أتوضأ وأصلي أو قال فلان أتى الغائط ولم يستبرئ لم يفهم من قوله إلا الحدث الذي يجب منه الوضوء واشباه ذلك مما قد قرر في الشريعة ، واذا كان الأمرعلى ما وصفناه فقد ثبت أن اطلاق لفظ نكاح المتعة لا يقع إلا على النكاح الذي ذكرناه ، وان كان الاستمتاع في أصل اللغة هو الالتذاذ كما قدمناه . فاعترض القاضي أبو محمد بن معروف ( فقال ) هذا الاستدلال يوجب عليك أن لا يكون الله تعالى أحل بهذه الآية غير نكاح الممتعة لأنها لا تتضمن سواه وفي الإجماع على انتظامها تحليل نكاح


( 117 )

الدوام دليل على بطلان ما اعتمدته ( فقلت له ) ليس يدخل هذا الكلام على أصل الاستدلال ولا يتضمن معتمدي ما الزمنيه القاضي فيه وذلك أن قوله سبحانه ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ) يتضمن تحليل المناكح المخالفة للسفاح في الجملة ويدخل فيه نكاح الدوام من الحرائر والاماء ثم يختص نكاح المتعة بقوله ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) ويجري ذلك مجري قول القائل ( وقد حرم الله عليك نساء باعيانهن ، وأحل لكم ما عداهن فان استمتعت منهن فالحكم فيه كذا وكذا وان نكحت الدوام فالحكم فيه كيت وكيت ) فيذكر فيه المحللات في الجملة وتبين له حكم نكاح بعضهن كما ذكرهن له ، ثم بين له أحكام نكاحهن كلهن . فما أعلمه زاد عليها شيئاً ..

مجلس آخر مع أبي القاسم الداركي

وقال الشيخ المفيد ( رض ) قد كنت حضرت مجلس الشريف أبي الحسن أحمد بن القاسم المحمدي وحضره أبو القاسم الداركي ، فسأله بعض الشيعة عن الدلالة على تحريم نكاح المتعة عنده فاستدل بقول الله تعالى ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فاؤلئك هم العادون ) قال والمتعة باتفاق الشيعة ليست بزوجة ولا بملك يمين فبطل أن تكون حلالاً . ( فقال له ) السائل ما أنكرت أن تكون زوجة ، وما حكيته عن الشيعة في انكار ذلك لا اصل له ( فقال له ) لو كانت زوجة لكانت وارثة لأن الاتفاق حاصل على أن كل زوجة فهي وراثة وموروثة إلاّ ما اخرجه الدليل في الأمة والذمية والقاتلة فنازعه السائل في هذه الدعوى ( وقال ) ما أنكرت أن تكون المتعة أيضاً زوجة تجري مجرى الذمية والرق والقاتلة في خروجها عن استحقاق الميراث ، وضايقه في هذه المطالبة ، فلما طال الكلام بينهما في هذه النكتة تردد . ( وقال ) الدليل على أنها ليست بزوجة أن القاصد إلى الاستمتاع بها إذا قال لها تمتعيني نفسك فانعمت له حصلت متعة ليس بينها وبينه ميراث ولا يلحقها


( 118 )

الطلاق ، وإذا قال لها زوجيني نفسك فانعمت حصلت زوجية يقع بها الطلاق ويثبت بينها وبينه الميراث ، فلو كانت المتعة زوجة ما اختلف حكمها باختلاف الألفاظ ولا وقع الفرق بين أحكامها بتغاير الكلام ولوجب أن يقع الاستمتاع في العقد بلفظ التزويج ويقع التزويج بلفظ الاستمتاع .
( قال ) وهذا باطل باجماع الشيعة وما هم عليه في الاتفاق فلم يدر السائل ما يقول له لعدم فقهه وضعف بصيرته باصل المذهب .
فقال الشيخ المفيد ( رض ) فقلت للداركي لم زعمت ان الأحكام قد تتغير باختلاف ما ذكرت في الكلام وما انكرت أن يكون العقد عليها بلفظ الزوجية وأن يكون لفظ الزوجية يقوم مقام لفظ الاستمتاع فهل تجد لما ادعيت في هذين الأمرين برهاناً وعليه دليلاً أو فيه بيان ، وبعد فكيف استجزت ان تدعي ، اجماع الشيعة على ما ذكرت ولم يسمع ذلك أحد منهم ولا قرأة لهم في كتاب ونحن معك في المجلس نفتي بأنه لا فرق بين اللفظين في باب العقد للنكاح سواء كان نكاح الدوام أو نكاح الاستمتاع ، وانما الفصل بين النكاحين في اللفظ من جهة الكلام ذكر الأجل في نكاح الاستمتاع وترك ذكره في نكاح الميراث فلو قال تمتعيني نفسك ولم يذكر الأجل لوقع نكاح الميراث ولا ينحل إلا بالطلاق ، ولو قال تزوجيني إلى أجل كذا فانعمت به لوقع نكاح استمتاع ، وهذا ما ليس فيه بين الشيعة خلاف فلم يرد شيئاً تجب حكايته وظهر عليه بحمد الله (1) .

ــــــــ


____________
(1) عن كتاب العيون والمحاسن للشيخ المفيد . ط : النجف الأشرف ، العراق .