|
بسم الله الرحمن الرحيم مقولةٌ مشهورةٌ ومتداولةٌ عند المؤمنين، وكون الإسلام محمدي الوجود ممّا لا شك ولا ريب فيه ومن البديهيات المتفق عليها عند كافة أهل الإسلام، وغيرهم من بقية الأديان السماوية وغير السماوية، أما القول ببقاء الإسلام واستمراريته بسبب الحسين وتضحيته فهذا ممّا يحتاج إلى دليل وبرهان . فيا ترى هل ما يعتقده المؤمنون من أنه لولا الإمام الحسين عليه السلام، ولولا مواقفه وشهادته في كربلاء لما بقي من الإسلام إلاّ اسمه ومن الدين إلاّ رسمه، ولكان الإسلام اليوم كبقية الأديان السماوية الأخرى – اليهودية والمسيحية – ليس لها تطابق مع دين الكليم موسى والمسيح عيسى عليهمـا السلام إلاّ في الإسم ودعوى الإنتساب إليهما . فهل هذه الكلمة (( الإسلام محمدي الوجود، وحسيني البقاء )) كلمة حبّ وعاطفة أطلقها عشاق ومحبي الإمام الحسين عليه السلام، أم أنّها كلمة لها واقعُ حقيقي ؟ إذ لعلّ انسان يتسائل ويقول : كثير من المذاهب الإسلامية لا تنظر إلى الإمام الحسين عليه السلام على أنه مفترض الطاعة، كما ينظر إليه المؤمنون، ومع ذلك فإنّها متمسكة ظاهراً بالدين وبدستور الإسلام الخالد (( القرآن الكريم ))، فالاسلام مستمرّ وباقٍ حتى لو لم يقتل الإمام الحسين عليه السلام ، بل حتى لو لم يولد . إلا انّا نصرّ ونقول : انه لو لم يكن الإمام الحسين عليه السلام، ولو لم تكن واقعة كربلاء لكان الإسلام اسمه موجود وحقيقته مفقودة، ولأصبح كبقية الأديان السماوية الموجودة الآن ليس له من الحق إلا الإسم، وأن مقولة (( الإسلام حسيني البقاء )) لها واقع حقيقي ملموس ممتد من قوله صلّى الله عليه وآله (( حسينُ مني وأنا من حسين )). ولتوضيح ذلك نقول : هناك طائفة من البشر يعتنقون المسيحية وطائفة أخرى يعتنقون اليهودية، ويزعمون أنها المسيحية التي جاء بها عيسى، واليهودية التي انزلت على موسى عليهما السلام، ولكن الواقع يشهد على أن المسيحية واليهودية الموجودة الآن لا تشكل أكثر من 5 بالمائة ممّا كانت عليه عند موسى وعيسى عليهما السلام، بل لعلّه أقل من هذه النسبة . وليس الكلام – في مقامنا هذا – في اسم المسيحية واليهودية وبعض الأمور الإعتقادية الضئيلة والقليلة والأحكام المتفرغة على ذلك، وإنما الكلام في الطابع العام لهذا الدين أو ذاك، فالطابع العام لليهودية والمسيحية الموجودتان الآن لا يمت بصلة للمسيحية واليهودية التي جاء بها عيسى وموسى عليهما السلام، لا في الإعتقاد ولا في الطقوس العبادية . أما الإسلام الآن – الموجودة لدى المذاهب الإسلامية – طابعه العام ينطبق مع الإسلام الذي جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، نعم لا ينطبق عليه بحذافيره ولكنّه في الاعم الاغلب وفي أكثر الأحكام يتطابق معه، فما عند المسلمين اليوم بكافة فرقهم كثير منه مؤسس من قبل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وهذه حقيقة واضحة لا يمكن التغافل والغفلة عنها، وهو سر خروج الإسلام إلى يوم القيامة، فهو خالد بهذه الفرق الإسلامية التي تشكل من مجموعها 50 في المائة إلى 70 بالمائة تقريباً 1 من الدين الذي جاء به النبي الأميّ صلى الله عليه وآله، وخالد على نحو الحقيقة والواقعية بتلك الطائفة التي لا تـزال على الحق وظاهرة به إلى يوم القيامة ، والتي تشكل الإسلام والإيمان صورة وقالباً . إذا عرفت ذلك نقول : لولا الإمام الحسين عليه السلام لكان اسلام بقية المذاهب والفرق إسلاماً طابعه العام لا يتلاءم مع الإسلام الواقعي والحقيقي الذي جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، بل ليس له من الإسلام الواقعي إلا الإسم وزعم الإنتساب، كما هو شأن اليهوديه والمسيحية . مصادر التشريع ولبلورة المطلب واتضاحه نمهده بمقدمة، فنقول : لا شك أن مبدأ إنحراف الأديان قاطبة هو الإنحراف في مصادر التشريع في كل دين، فما من دين إلا وله مصادر تشريع خاصة به يُستنبط منهما عباداته ومعتقداته، وترك هذه المصادر أو استحداث مصادر اخرى لم يقرها الدين او ذاك، هو منشأ وبداية الإنحراف والإبتعاد عن الدين، بل الإختلاف في منابع المعرفة والتشريع هو منشأ كل الإختلاف والتنازع الفكري والثقافي والعقائدي بين بني البشر . فمن باب التوضيح هناك خلاف بين البشر قاطبة في مصادر المعرفة، هل هي العقل أو الحس أو التجربة، فهناك مذهب ومدرسة عقلية صرفة، وهناك مدرسة ثانية حسية صرفة، وهناك مدرسة ثالثة تجريبية صرفة، وهناك مدرسة رابعة تعتبر كل هذه المنابع مصادر للمعرفة مع اختلاف في متعلق المعرفة، فبعض المعارف لا سبيل لمعرفتها إلاّ بالعقل، وبعضها الآخر لا طريق لاستيعابها إلاّ عن طريق الحس، وبعضها الثّالث لا يعرف إلاّ عن طريق التجربة . وبما أنّ هذه المدارس تختلف في مصادر المعرفة ومنابع التشريع، فيتفرع على هذا الإختلاف، الإختلاف والتباين فيه العقيدة والسلوك العبادي وهذا واضح لا غبار عليه، إذ بداية الخلاف بين المدارس يرجع إلى الخلاف في مصادر المعرفة كما ذكرنا . وهذا الخلاف أيضاً جارٍ بين المسلمين في مصادر المعرفة المرتبطة بالدين والإسلام، فالكتاب والسنة مجمع على كونهما من مصادر المعرفة والتشريع عند الجميع، وهناك خلاف في كون : سنة أهل البيت عليهم السلام، وسنة الصحابي، والقياس، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والاستحسان، مصادر للمعرفة التشريع الإسلامي . وبإختلاف المصادرتختلف الأحكام سواء المرتبطة بالجانب العقائدي أو المرتبطة بالأحكام الفرعية – العبادات والمعاملات - . فمن جعل أهل البيت عليهم السلام 1 مصدراً للمعرفة والتشريع تختلف عقائده وممـارسته عمّن لم يجعلهم عليهم السلام مصدراً لذلك . ومن جعل قول وفعل وتقرير الصحابي – مهما كانت صحبته مع الرسول صلّى الله عليه وآله – مصدراً للمعرفة والتشريع، تختلف عقائده وممارساته عمن لم يجعلهم مصدراً للمعرفة والتشريع 2 . ولكن هذا الخلاف كما أشرنا إليه بشكل موجز لا يؤدي إلى غياب الطابع العام للإسلام3، بل يبقى الطابع العام طابعاً اسلامياً، نعم الإسلام بمعناه الحقيقي لا يوجد إلاّ في طائفة واحدة المشار إليها في قوله صلى الله عليه وآله المتفدم (( لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق )) . الأئمـة المضلـون نعم : الذي يمحق الإسلام محقًّا ويمحي تعاليمه وسننه هو اتّخاذ الأئمة المضلين فقط وجعلهم حجة على الدين ومصادر للمعرفة والتشريع، فهذا ما يُخاف به على الإسلام، وهذا ما حذّر منه الإسلام والقرآن، في عدة من البيانات والآيات . من تلك الآيات التي تشير إلى هذا الخطر الكبير قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانهُ عمّا يشركون}1 . قال الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية : أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون1 . قال الرازي : الأكثرون من المفسرين2 قالوا : ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، نُقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياًّ، فانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقرأ سورة براءة، فوصل إلى هذه الآية، قال : فقلت : لسنا نعبدهم، فقال صلى الله عليه وآله : أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّمه الله فتستحلّونه ؟!! فقلت : بلى، قال : فتلك عبادتهم3، وقال الربيع : قلت لابي العالية -عامر الشعبي - : كيف كانت تلك الربوبية في بني اسرائيل ؟ فقال : أنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله . قال : قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين ((رض)) : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء ، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إليّ كالمتعجب، يعني : كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل الدّنيا1. أماّ الأحاديث المحذرة من الأئمة الضلين فكثيرة جدّاً منها ما أخرجه الترمذي بسنده عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّما أخاف على أمّتي الأئمة المضلين2 . فالخطر الذي يخاف منه على الإسلام هو : أن يصبح كل من تسلم زمام الأمور السياسية للمسليمن قوله وفعله وتقريره حجة، كحجية قول وفعل وتقرير الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، فيصبع مصدراً من مصادر التشريع، وهذا ما حصل بالفعل لدى المسلمين بالنسبة لبعض الخلفاء من الصحابة1 . إذ أن بعض المسلمين – بل كثير منهم – يأخذون عقائدهم من الواقع المعاش، فبما أن أبا بكر أول من جاء بعد الرسول صلى الله عليه وآله ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فأبو بكر عندهم أفضل الصحابة ثم عمر ثم عثمان ثم عليا عليه السلام في الأفضلية . فتربى المسلمون على قبول كل ما يصدر من الخلفاء بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وأصبحت أقوالهم وأفعالهم حجة ودليل على الحكم الشرعي والإعتقادي، حتى معاوية بن أبي سفيان الذي هو طليق باجماع المسلمين قوله حجة عند عده من المسلمين1 . ودلالة على ما نقول نذكر عدة من الموارد التي غير فيها بعض الخلفاء من الصحابة سنّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأتبعهم السواد الأعظم والأكثر من المسلمين إلى اليوم . البدعة الأولى : الطلقات الثلاث روى مسلم بسنده عن ابي عباس قال :كان الطلاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم2، وهو إلى اليوم ممضى خلافاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله3 . البدعة الثانية : التثويب في الأذان1 روى الترمذي عن مجاهد قال : دخلت مع عبدالله بن عمر مسجداً، وقد أذن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوّب المؤذن، فخرج عبدالله بن عمر من المسجد، وقال : اخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصل2 . وأول من ثوّب في الأذان وامر به هو الخليفة عمر بن الخطاب، فقد أخرج المالك من الموطأ أنه أبلغه أن المؤذن جاء إلى عمر يُؤذِنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً، فقال الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح3 . وروى عبد الرزاق بسند متصل عن عمر بن حفص قال : ان سعدا – ابن القرظ مؤذن عمر – اول من قال الصلاة خير من النوم، في خلافة عمر، فقال بدعة ثم تركه وان بلال لم يؤذن لعمر1 . قال الشوكاني : وذهبت العترة والشافعي في أحد قوليه إلى ان التثويب بدعة، قال في البحر : احدثه عمر، فقال ابنه : هذه بدعة، وقـال علي عليه السلام حين سمعه : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه2 . وقال ابن أبي ليلى : ما ابتدعوا بدعة أحب إليّ من التثويب في الصلاة؛ يعني العشاء والفجر3 . وروى ابن ابي شيبة في المصنف بسنده عن الاسود بن يزيد انه سمع مؤذناً يقول في الفجر (( الصلاة خير من النوم )) فقال لا يزيدون في الأذان ما ليس منه . وقد استمرت هذه البدعة إلى الآن، قال السرخسي : أما المتأخرون فاستحسنوا التثويب في جميع الصلوات، لان الناس قد ازدادت بهم الغفلة، وقلّما يقومون عند سماع الأذان، فيستحسن التثويب للمبالغة في الاعلام1 . البدعة الثالثة : الصلاة بمنى تماماً روى الشيخان وغيرهما بسندهم الى عبد الرحمن بن يزيد قال : صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعودرضي الله عنه فاسترجع2، ثم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان1 . البدعة الرابعة : تحريم نكاح المتعة أخرج مسلم في صحيحه عن جابر قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمر بن حريث2، وقد ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء وابو هلال العسكري في كتاب الاوائل تحريم عمر للمتعة3 . البدعة الخامسة : تحريم متعة الحج روى البخاري في صحيحه عن عمران بن حطين قال : أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينزل قـرآن يحرمها ولم ينهى عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء 1 . وروى بسنده عن مروان قال : شهدت عثمان وعلي عليه السلام وعثمان ينهى عن المتهة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي أهلّ بهما لبيك بعمرة وحجة، قال : ما كنت لأدع سُنة النبي صلى الله عليه وآله لقول أحد2 . البدعة السادسة : صلاة التراويح روى البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن القاري انه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان الى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أفضل، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه1 . هذا وقد روى البخاري ومسلم والترمذي وابو داود والنسائي والدارمي ومالك واحمد وغيرهم بأسانيدهم عن زيد بن ثابت : عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ حجرة - قال : حسبت انه قال : من حصير – في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال : قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة2 . فمع هذا المنع من الرسول صلى الله عليه وآله نجد حرص الناس والسواد الأكثر من المسلمين على اتباع سنة الخليفة عمر وترك سنة الرسول صلى الله عليه وآله1، وحينما حاول الامام علي عليه السلام المنع من هذه الصلاة ارتفعت العقائر (( وا سنّة عمراه )) فتركهم لشأنهم . إحداث الصحابة وقد تواترت الأحاديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بأن عدداً غير قليل من الصحابة سوف يحدثوا في الدين ماليس منه، من هذه الروايات. ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله –في حديث – قال :ألا وإنه يجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول : يا رب أصيحابي، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقولكما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم }2 . ومـا رواه البخاري عن ابي هريرة انه كان يحدّث ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُحَلّؤن1 عن الحوض، فأقول يا رب أصحابي، فيقول انك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري2 . وما رواه مسلم واحمد عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا فرطكم3 على الحوض ولأُنازعن قواماً ثم لأُغلبن عليهم4، فأقول : يا رب، أصحابي أصحابي، فيقال : إنّك لا تدري ما احدثوا من بعدك5 . ومـا رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إني فرطكم على الحوض، من مر عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ولَيَرِدَنّ علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم . قـال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم، فقال : أشهد على أبي سعد الخدري لسمعته وهو يزيد فيه : فأقول : إنهم مني، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي1 . فإذا كان عدد غير قليل من الصحابة هكذا وضعهم دنيا وآخرة، فكيف بغيرهم ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ الرجوع إلى أصل المطلب وعليه فلولا الإمام الحسين عليه السلام لكان كل خليفة يأتي بعد الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله سواء كان من الصّحابة أو التابعين أو تابعي التّابعين قوله حجة وفعله حجة وتقريره حجة . فإذا كان الخلاف في حجية قول الصحابة اوصلنا الى هذا الخلاف فكيف لو توسعت الحجية إلى حجية أقوال وأفعال حكام بني امية وحكام بني عباس والدولة العثمانية ، لو حصل ذلك لما بقي من الإسلام إلاّ اسمه، إذ كل خليفة وأمير سوف يأتي بأحكام وممارسات لم يأتي بها الخليفة السّابق، فينام المسلمون ويستيقظون وإذا بالاسلام والدين قد تحول إلى دين لا يمت بصلة إلى الدين الاسلامي الصحيح، فيصبح كبقية الأديان السماوية المنحرفة عن واقعها المنزل من الله تعالى . ثورة الإمام الحسين عليه السلام أحدثت خندقاً بين الخلفاء وبين التشريع وأن ليس كل من تسلم الخلافة من بني أمية أو بني العباس قوله وفعله وتقريره حجة، ولو أن الامام الحسين عليه السلام بعد وفاة أخيه الامام الحسن عليه السلام وفي حياة معاوية خرج على معاوية لما تحقق هذا الفضل بين الخلافة والتشريع، إذ سينقسم المسلمون إلى جماعة الحسين وجماعة معاوية ذلك لكون معاوية في نظرهم من الصحابة العدول، بخلاف خروجه في وقت يزيد بن معاوية لا أحد يمكن أن يتجرأ من العلماء والمحدثين ويزعم بأنه من جماعة وحرب يزيد . فلولا الإمام الحسين عليه السلام لكانت سنة يزيد بن معاوية حجة، وكلّما جاء خليفة أضاف إلى الإسلام مجموعة من البدع في العقيدة والممارسة، فيصل الاسلام إلى الأجيال اللاحقة وهو لا يمت للإسلام الحقيقي بصلة أصلاً، وهذا ما حدث للأديان السماوية الاخرى وللمسيحية بشكلٍ خاص، فلقد دخل مجموعة من اليهود في دين المسيح ظاهراً فحملوا رايته وتعصبوا له، إلى أن وصلت زمام الأمور بدينهم فانحرفوا بالمسيحية عن دين المسيح . وهذا الخطر هو الذي يخاف منه على الإسلام، ولكن ببركة الامام الحسين عليه السلام، وثورته وشهادته رفع هذا الخطر عن الاسلام، وأوجد خندقاً بين التشريع والحجية وبين الخلفاء وأئمة الضلال، وأيقظ المسلمين من سباتهم وعرّفهم إن كل من أُطلق عليه لقب ((الخليفة )) أو (( أمير المؤمنين )) لا يمكن أن تكون سيرته حجة ومصدراً للتشريع، إلا إذا كان هذا الخليفة منصوصاً عليه من قبل الله والرسول صلى الله عليه وآله . ولو أن المسلمين وسّعوا مصادر المعرفة الاسلامية بحيث تشمل كل من جاء من الخلفاء والمتسلطين لكان – كما اشرنا – كل خليفة يأتي ببدعة جديدة ويمحي سنة عريقة، فيصلنا الإسلام اليوم وهو لا يشكل أكثر من 2 بالمائة مما عليه الاسلام في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وما عليه الصحابة آنذاك . فما أعظم بركة الحسين على هذه الامة، ولا غرابة في ذلك فإنه كما في الحديث المستفيض (( حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً حسين سبط من الأسباط )) . ولذلك تواترت الأحاديث عن طريق أهل السنة والجماعة بكاء الرسول صلى الله عليه وآله على الحسين قبل مقتله، وتكرار إهداء تربته الى الرسول الكرم صلى الله عليه وآله من قبل عدة من الملائكة، فكان صلى الله عليه وآله يأخذ تلك التربة ويقلّبها ويقبّلها وعيناه تفيضان من الدموع1 . خلود السلام بالقرآن ولعلك تقول : حُفظُ الاسلام بحفظ القرآن، فمادام القرآن موجوداً فالاسلام موجود . نقول : الكل يستدل بالقرآن الكريم، فما من فرقة من الفرق الا وهي تستدل على عقائدها وممارساتها من القرآن الكريم، الجبري2 يستدل على عقيدته في الجبر من القرآن الكريم، وكذلك المفوض ، وقس على ذلك بقية الفرق . ويكفي في ذلك ان المسلمين اختلفوا في اوضح اية في القرآن الكريم وهي اية الوضوء { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } بين قائل بالمسح في الأرجل وقائل بالغسل، فإذا حصل الخلاف في هذه الاية الواضحة الدلالة فالاختلاف في بقية الأيات أسهل وأوضح، بل الكفرة والملحدين أيضاً يستدلون على بطلان الاسلام من القرآن الكريم . ومثال آخر آية الطلاق فقد قال تعالى { الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان 000 فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } فَمَعَ أن الاية في غاية الصراحة والوضوح نجد أن جمهور المسلمين خالفوا كتاب الله وتركوه وراء ظهورهم واتبعوا اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب، فإذا قال الرجل لزوجته أنت طالق طالق طالق في مجلس واحد، اعتبر جماعة كثيرة من فقهاء المسلمين1 هذا الطلاق ثلاثياً مع انه مخالف لصريح ونص القرآن الكريم، كل ذلك تقليداً للخليفة عمر بن الخطاب، فإذا كانت هذه الأية الواضحة الدلالة مُعرضٌ عنها فكيف ببقية الآيات التي لها ظهورات متعددة . فالقرآن حمال ذو وجوه والكل يمكنه بمغالطته وأفكاره الخاطئة من أن يفسر القرآن وفق أفكاره الخاصة، ومن هنا تبرز أهمية وجود من يفسر القرآن كما هو، وليس هو إلا الإمام المعصوم الذي هو عدل القرآن . ولذا قرن الرسول في حديث الثقلين بين الكتاب والعترة وان الابتعاد عن الضلال رهن التمسك بهما معاً لا باحداهما دون الآخر2 فقال صلى الله عليه وآله (( اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )) . فَهْمُ الكتاب وعليه فكون الكتاب وسنة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله موضع اتفاقٍ بين المسلمين في كونهما عمدة مصادر التشريع، لا يقتضي ويستلزم عدم الضلال والإنحراف،إذ الكتاب والسنة شيء وعوامل فهم الكتاب والسنة شيء آخر، فلو توسعنا في مصادر المعرفة بحيث يشمل عليه كل من أطلق عليه (( أمير المؤمنين )) لكان فهمه للكتاب والسنة هو المحكّم والمُتبع، أو محاولة التأويل والتوجيه بين بدعته المستحدثه والآيات القرآنية المخالفة لها صراحة، أو تجميد الآيات وتعطيلها واتباع ما احدثه الخليفة. الاسلام الايمـان يقسم القرآن الكريم أفراد هذه الأمة إلى قسمين : الأول : مسلم . الثاني : مؤمن . والشاهد عليه قوله تعالى { قالت الأعراب آمنا قل لم تأمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا }1، فإطاعة الله ورسوله شرط لتحقق الإيمان ودخوله في قلب المرء، وإلى هذا الشرط أشار تعالى بقوله أيضاً { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون بحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم }2، فمحبة الله تستلزم اتباع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، أو من أمر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بطاعته والاقتداء به، فالحب بمصطلح القرآن يقتضي ويستلزم الاتباع والموالاة، فهو عمل جوانحي مرتبطاً بقلب الانسان وجوارحه معاً . وقد أكّدت الآيات على ضرورة التسليم القلبي المطلق لأوامر ونواهي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله { فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليما }1، فعلاوة على طاعة الرسول وانقياد جوارح وكيان الانسان الظاهري لأوامر ونواهيه صلى الله عليه وآله لا بد من الإذعان والتسليم القلبي لكل ما يصدر عنه حتى وإن كان -بنظر المسلم – ضرراً على الذات . فالتسليم القلبي بكل ما حكم وجاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله هو الإيمان، والتسليم القولي وتلفظ الشهادتين هو الاسلام، فقد يكون الانسان مسلماً وليس مؤمناُ ولا عكس . ولاية علي شرط الإيمـان والخلاف بين المؤمنين وغيرهم ليس في كونهم مسلمين أو ليسوا بمسلمين، من تشهد الشهادتين وصلى وصام وزكى وحج فهو مسلم، وإنّما الخلاف في تحقيق الإيمان وعدمه، ومتابعة علي عليه السلام وأهل بيته محققة للإيمان، والإيمان درجة والاسلام درجة أخرى أدنى من درجة الايمان ، فالايمان مقيّد باطاعة الـرسول إطاعة مطلقة في أوامره ونواهيه وأحكامه . فمن عصاه في قوله صلى الله عليه وآله (( أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم، قـالوا : بلى، قال : فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه )) فهو مسلم إن حافظ على الشهادتين وخارج عن الإيمان لعدم متابعته للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، وستأتي تتمة فانتظر . الردة عن الإيمـان وكما أنه هناك أيضاً ردّة عن الاسلام هناك أيضا ردة عن الإيمان، فكثير مـن الصحابة كما هو ظاهر قوله تعالى { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل افإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن بنقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين}1، حافظوا على التشهد بالشهادتين ولكن اعترتهم ردّة في الايمان، وهذا ما استفاضت به الروايات كما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما . فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال : بينما أنا قائم إذا زمرة حتى اذا عـرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال : هلمّ، فقلت : أين؟ قال : الى النار والله، قلت : ما شأنهم؟ قال : انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم اذا زمرة، حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلمّ، فقلت : اين؟ قال : الى النار والله، قلت : ماشأنهم؟ قال انهم بعدك ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همَل النعم 1 . وعن أبي وائل قال : قال عبدالله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا فرطكم على الحوض، ليرفعَنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول : أي رب، أصحابي! يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك2 . وعنه عن ابي حازم قال : سمعت سهل بن سعد يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول : أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، لِيَرِدُ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم . قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا، فقال : هكذا سمعت سهلاً؟ فقلت : نعم، فقال : أنا أشهدُ على أبي سعد الخدري لسمعته يزيد فيه، قال انهم مني، فبقال انك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي1 . وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال : لَيَرِدَنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول : أصحابي، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك2 . وعن ابن ابي عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله – في حديث – قال : ألا وإنه يجاء بـرجل من أمّتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول : يارب أصحابي، فيقال أنك لاتدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح { وكنت عليهم شهيداً مادمت فيه فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم }1 . فالاحاديث ناصة على أن هؤلاء المحدثين في الدين هم من صحابة الرسل الاكرم صلى الله عليه وآله، ودعوى أنهم من ارتدّ بعده صلى الله عليه وآله وحاربهم أبو بكر في غاية البعد والغرابة وقراءة الاحاديث كافية في وهن هذه الدعوة، وعبارة (( ارتدوا على أدبارهم القهقري )) يشمل الرتداد عن الاسلام وعن الايمان، إلا أن عبارة (( لا تدري ما أحدثوا بعدك )) ظاهرة في أنهم ما كانوا باقين على الاسلام، إذ المرتد لا يمكنه أن يحدث في الدين شيئاً والله العالم . ومنه تعرف أن قول الباقر محمد بن علي عليهما السلام (( كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وآله، إلا ثلاثة، فقلت : ومن الثلاثة؟ فقال : المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم ثم عرف الناس بعد يسير ))1، هو ارتداد عن الايمان لا ارتداد عن الاسلام فافهم وتنبه ولا تغفل . ويشهد لذلك أيضاً قوله عليه السلام – في حديث آخر – ارتد الناس إلا ثلاثة نفر، سلمان وأبو ذر والمقداد، قال : قلت : فعمار؟ قال : جاض جيضة2، ثم رجع، ثم قال عليه السلام : إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد، فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلم به لاخذتهم الأرض وهو هكذا فلبب ووجئت عنقه حتى تركت كالسلقة، فمر به أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايع، وأما ابو ذر فأمره أمير المؤمنين عليه السلام بالسكوت ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم فابى إلا أن يتكلم فمر به عثمان فأمر به، ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو ساسان الانصاري وابو عميرة وشتيرة، إلا هؤلاء السبعة3 . فالحديث صريح في أن الردة ليس عن الاسلام وإنما عن معرفة حق أمير المؤمنين، الذي لا يحبه إلا مؤمن ولايبغضه إلا منافق كما في الحديث المستفيض1، وليس الحب إلا المتابعة المطلقة { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } . وغالبية المسلمين بغضوا من يحب علياً وأحبوا من يبغضه، حتى قال ابن حجر العسقلاني : وقد كنت أستشكل توثيقهم2 الناصبي3 غالباً، وتوهينهم الشيعة مطلقاً، ولا سيما أن علياًّ ورد في حقه : لا يحبه إلا مؤمن ولايبغضه إلا منافق، ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك ان البغض ههنا مقيد بسبب وهو كونه نصر النبي صلى الله عليه وآله، لان من الطبع البشري بغض من وقعت اساءة في حق المبغض والحب بالعكس، وذلك مايرجع إلى أمور الدنيا غالباً، والخبر في حب علي وبغضه ليس على العموم، فقد أحبه من أفرط فيه حتى ادعى أنه نبي أو إله تعالى الله عن أفكهم . قال : وأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة بخلاف من يوصف بالرفض فان غالبهم كاذب لا يتورع في الأخبار1، والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن علياًّ رضي الله عنه قتل عثمان أو أعان عليه فكان بغضهم له ديانه بزعمهم، ثم انضاف إلى ذلك ان منهم من قتلت أقاربه في حروب علي . قلت : لو كان الأمر كما قال ابن حجر نصرة للنواصب والخوارج، لكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يلقى الكلام على عواهنه، ويكون كلامه هذا بلا فائدة، مع أن ذلك أروع ما قاله الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام . قال ابن عقيل : ان بغض علي عليه السلام لا يصدر من مؤمن أبداً لانه ملازم للنفاق وحبه لا يتم من منافق أبداً لانه ملازم للايمان، فتقييد الشيح – ابن حجر- بغض علي الدال على النفاق بانه الذي يكون سببه نصره للنبي صلى الله عليه وآله خطأ وغفلة ظاهرة لانه يلزم منه إلغاء كلام المعصوم بتخصيصه علياًّ بهذا، لان البغض لأجل نصرة النبي صلى الله عليه وآله كفر بواح، سواء كان المبغض بسبّه علياًّ عليه السلام أو غيره مسلماً كان أو كافراً أو حيواناً أو جماداً، ألا تر لو أن مكلفاً ابغض المطعم عدي أو أبا البختري – اللذين ماتا على الشرك – لاجل سعيهما في نقض الصحيفة القاطعة ووصلها بذلك رحم النبي صلى الله عليه وآله بني هاشم، ألا يكون ذلك المبغض كافراً لبغضه الكافر من هذه الجهة . قال : ولو أن آخر أبغض كلباً من أجل حراسته للنبي صلى الله عليه وآله أو حماراً من أجل حمله إيّاه أو غاراً من أجل ستره له عن المشركين لكان كافراً بذلك اتفاقاً، فما هي إذاً فائدة تخصيص علي عليه السلام بالذكر فيما يعم المسلم والكافر والحيوان والجماد؟ فتقييد الشيخ إلغاء واهدار لكلام المعصوم وابطاله . قال : والحق ان شاء الله تعالى أن حب علي عليه السلام مطلقاً علامة لرسوح الإيمان في قلب المحب وبغضه علامة وجود النفاق فيه خصوصية فيه كما هي في أخيه النبي صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما . ويؤيد هذا قوله تعالى { وأنفسنا وأنفسكم } وقول النبي صلى الله عليه وآله (( عليّ مني وأنا من علي )) وما يشابه هذا، وقد جاء في الصحيح عن علي عليه السلام قوله : (( لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما ابغضني ولو صببت الدنيا بجملتها في حجر المنافق على أن يحبني ما احبّني وذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبي الأميّ أنه لايبغضك مؤمن ولا يحبك منافق ))1 . فمن قوله صليى الله عليه واله (( لايبغضك مؤمن ولايحبك منافق))1 يعرف أن أتباع علي عليه السلام محقق للإيمان، واتباعه عليه السلام يرفع المسلم من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان، إذ الحب ليس إلا المتابعة المطلقة للمحب { إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله } . الرضى والشجرة ورضى الله عن الصحابة يوم الشجرة إنما كان بشرط عدم التبديل والنحاف والأحداث، وقد قيّد الله هذا الرضى بعدم نكث تلك المبايعة بقوله { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى عليه الله فسيوتيه أجراً عظيماًٍِ}1 فالذي يغير ويبدل ما عاهد الرسول صلى الله عليه وآله يقال له كما قال الرسول صلى الله عليه وآله سحقاً سحقاً . فعن مالك بن أنس انه قال : ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لشهداء أحد : هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر الصديق : ألسنا يا رسول الله إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بلى، ولكن ماأدري مـا تحدثون بعدي، فبكى أبو بكر ثم بكى، ثم قال أإنا لكائنون بعدك21 . أصحابي كالنجوم وأما رواية (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم )) فهو حديث ضعّفه وحكم بوضعه عدة من المحدثين والمحققين، فقد ضعف سنده ابن حجر العسقلاني والبزار2 والبهيقي، وأحمد بن حنبل وأخيراً الالباني3 وغيرهم . وقال ابن حزم : فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلاً، بل لا شك أنها مكذوبة، لان الله تعالى يقول في صفة نبيه صلى الله عليه وآله { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } فإذا كان كلامه عليه الصلاة والسلام في الشريعة حقاًّ كله وواجباً فهو من الله تعالى بلا شك، ومـا كان من لله تعالى فلا يختلف فيه، لقوله تعالى { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } وقد نهى تعالى عن التفرقة والاختلاف بقوله { ولاتنازعوا }، فمن المحال أن يأمر رسوله باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم، وفيه من حلّل الشيء وغيره يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب، ولكان أكل البرد للصائم حلالاً اقتداءً بأبي طلحة، وحراماً اقتداءً بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الاكسال واجباً اقتداءً بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب، وحراماً اقتداءً بعائشة وابن عمر، وكل هذا عندنا مروي بالأسانيد الصحيحة فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون؟! . ثم قال : فصح أن الإختلاف لا يجب أن يراى أصلاً، وقد غلط قوم فقالوا : الاختلاف رحمة، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . قال : وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق، لوجوه ضرورية : أحدها : أنه لم يصح من طريق النقل . والثاني : أنه صلى الله عليه وآله لم يجز أن يأمر بما نهى عنه، وهو عليه السلام قد أخبر أبا بكر أنه أخطأ في تفسير فسره، وكذّب عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وكذب أسيد بن حضير في فتيا أفتى بها في العدة 000 فمن المحال الممتنع الذي الذي لا يجوز البتة أن يكون عليه السلام يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذٍ أمر بالخطأ، تعالى الله عن ذلك وحاشا له صلى الله عليه وآله من هذه الصفة، وهو عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنهم يخطئون، فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطيء1 . وقال الغزالي فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان؟ وكيف؟! وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهم في الاجتهاد1. رزية الخميس مصيبة الاسلام وأول انشقاق وفتنة عظيمة أدت إلى الضلال والانحرف هي رزية الخميس، فالرزية كل الرزية – كما قال حبر الامة وترجمان القرآن – رزية الخميس، فكل انحراف وكل ضلال مبدأه يوم الخميس ظرف تلك الرزية . فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وجعه قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده2، قال عمر : ان النبي صلى الله عليه وآله غلبه الوجع، وعندنا كتب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال : قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين كتابه1 . واخرج أيضا بسند آخر عن ابن عباس قال : يوم الخميس وما يوم الخميس!! اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه، فقال : ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولاينبغي عند نبي تنازع، فقالوا : وما شأنه؟! استفهموه، فذهبوا لا يردون عليه، فقال : دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، وأوصاهم بثلاث : اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، واجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال : نسيتها2 . واخرج مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وآله يهجر1. والملاحظ أن الذي بدأ بقوله : هجر رسول الله صلى الله عليه وآله هو الخليفة عمر بن الخطاب، إذ القوم انقسموا إلى قسمين منهم من يقول : قربوا له الدواة، وقسم آخر يقول هجر رسول الله صلى الله عليه وآله، فالمحدثون – امناء هذه الامة – اذا ذكروا عمر حرفوا هذه العبارة التي صدرت من عمر هي (( ان النبي غلب عليه الوجع)) أو (( هجر الرجل )) فالمعنى واحد، اذ الإنسان إذا غلب عليه الوجع يهجر، فلا يكون قيمة لكلامه . نعـم وقع لفظة (( غلب عليه الوجع )) أهـون بكثير من ((هجر )) فهو من قبيل قولنا في المجنون بانه مصاب بمرض عقلي، فالنتيجة واحدة ولكن وقع اللفظ على القلب أهون . قال ابن الجوزي : انما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حال غلبة المرض، فيجد بذلك المنافقون سبيلاً إلى الطعن في ذلك المكتوب1 . وهذا غير صحيح : اذ قوله صلى الله عليه وآله (( لن تضلوا )) تنص على ان ذلك الكتاب سبب للامن عليهم من الضلال، فكيف يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين، فهو صلى الله عليه وآله لا يقاس به أحد حتى يقال بان نظر عمر بن الخطاب صحيح ونظره صلى الله عليه وآله فيه شائبة الاشكال كما هو عليه جُلّ من حاول أن يفسر ويشرح هـذا الحديث من أهل السنة والجماعة صوناً لعمر بن الخطاب . وإذا كان هناك ملجأ للمنافقين في الطعن في هذا الكتاب، فالذي فتح لهم باب الطعن هو عمر بن الخطاب، فلو أن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله كتب هذا الكتب بعد أن سمع هذه الكلمة من عمر والجماعة الموافقة له، لطعن المنافقون فيه بعد وفاته صلى الله عليه وآله، ولما ميّز المسلمون المنافق العادي من المنافق المحترف والمسلم العادي، فلو أن عمر بن الخطاب لم يتفوه بهذه الكلمة لكان كل من يعترض لذلك الكتاب بالغمز والتشهير فقد حكم على نفسه بالنفاق والخروج عن الاسلام، ومن ثمّ يعرفه المسلمون ويجتنبونه . مضافاً : الى ان المصحح لخلافة عمر هو وصية أبي بكر، إذ انه في أواخر لحظات حياته أمر عثمان بأن يكتب : اما بعد اغشيَ عليه، فكتب عثمان من نفسه : أما بعد فقد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فلما أفاق أبو بكر، قال اقرأ، فقرأ عليه، فقال : أراك خفت أن يختلف الناس، قال : نعم، وامضاها ابو بكر1 . فأبو بكر أمضى ما كتبه عثمان وهو في حال الاحتضار والغشيان ولم يقولوا هجر أو غلب عليه الوجع، وكان يحق له أن يوصي وأن يخاف على اختلاف الامة، أما نبي الرحمة فيواجه بهذه الكلمة القبيحة من قبل عمر بن الخطاب وجماعة من المسلمين1، وحالة لم يكن كحال أبي بكر اذ الفترة بين موته صلى الله عليه وآله وبين هذا الحديث خمسة أيام . قال النوري : اما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره، لانه خشي أن يكتب صلى الله عليه وآله أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها، لأنها منصوصة، ولا مجال للاجتهاد فيها، فقال عمر حسبنا كتاب الله000 ))2 . قلت : الله ورسوله أعرف من عمر ومن غيره بعواقب الأمور وأشفق من عمر وأبي بكر بهذه الامة، وهو الموصوف في الكتاب الكريم { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } . وقد قطع الرسول الاكرم صلى لله عليه وآله بأن هذا الكتاب أماناً من الضلال، فالشفقة والرحمة تقتضي كتابة هذا الكتاب، فالحيلولة بين كتابة هذا الكتاب هو أدى إلى الضلال والانحراف . وقال عدة من أهل السنة والجماعة أن قوله صلى الله عليه وآله ((ائتوني )) ليس للوجوب وانما هو من باب الإرشاد للأصلح1 . هذا الكلام في غاية الضعف والسفاهة لامور : 1/ ان السعي الى ما يوجب العصمة من الضلال والانحراف لا يمكن أن يكون من باب الإرشاد لما هو أصلح ومن مستحبات الاعمال، بل هو من الامور الواجبة . 2/ مضافاً الى أن استياء النبي صلى الله عليه وآله من قولهم ومنعهم لذلك الكتاب كاشف على أنهم قد ارتكبوا أمراً عظيماً، لا أنهم خالفوا أمراً إرشادياً مستحباً . 3/ ان أمر النبي صلى الله عليه وآله لهم باحضار الدواة لكتابة الكتاب كان عند الاحتضار، والمحتضر يكون عادة مشغول بنفسه وبما يعظم خطره ويعظم شأنه عند هولاء سيما مع العلم بالمشقة التي ستحصل له صلى الله عليه وأله من كتابة الكتاب، فالمقام مقام الأوامر الإلزامية المهمة، لا مقام الأوامر الإرشادية . 4/ ان عدّ ابن عباس رحمه الله الحيلولة بين النبي صلى الله عليه وآله وبين كتابة الكتاب رزية عظيمة عبّر عنها بـ (( الرزية كل الرزية )) وإن بكاءه بعد انقضاء الحادثة ومضي السنين عليها، حتى صارت دموعه تنحدر على خديه كاللؤلؤ، دليل على أن مخالفة امر النبي صلى الله عليه وآله كان فعلاً محرماً فظيعاً، وإلاّ فمن المستبعد ان يعتبر ابن عباس مخالفة الاوامـر الارشادية رزية عظيمة يبكي لأجلـها 1 .
|