|
يتعاقد الفتى والفتاة على عهد في الحياة
المشتركة وتشكيل الأسرة ، ويقرران ، تبعاً لذلك ، العيش معاً تحت سقف
واحد وأن يقف أحدهما إلى جانب الآخر إلى الأبد والسير سوية في الطريق
الذي انتخباه ، طريق الحياة الزوجية وتربية الجيل .
أن عهداً كهذا لا يمكن المحافظة عليه بيسر وسهولة
، ذلك أن الحياة المشتركة تلزمها العديد من الضوابط والشروط التي لا يمكن
بدونها الاستمرار والدوام ، فالزواج يستلزم استعداداً مسبقاً من قبل
الطرفين يجنبهما الوقوع في المزالق ، ويستلزم كذلك يقظة كاملة في الشهور
الأولى لكي يمكن إرساء دعائم متينة للبناء الجديد . وهذا التأكيد يتضاعف
في الأيام الأولى التي تكون عادة أياماً قلقة متزلزلة ، فأقل خطأ يحصل
سوف يلقي بظلالة القاتمة في النفس ويشعرها بالمرارة . وأساساً فإن الزواج
تحمل للمسؤولية ، إذ لا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ أن تستمر بعده حالة
العزوبية من الشعور بالتجرد وفراغ البالِ .
أسس الحياة المشتركة :
هناك ، فيما أعتقد ، أسس وضوابط ضرورية في الحياة
المشتركة ، ينبغي على الطرفين رعايتها واحترامها ، وإلا فإن العش الزوجي
سيكون في معرض عاصفة ثلجية وستمتد جذور الكراهية ، التي سرعان ما تؤدي
إلى نشوب النزاع وبداية النهاية . وفي هذا البحث محاولة لأن نستعرض ـ
ببساطة ـ بعضاً منها :
1 ـ حسن المعاشرة :
الزواج بداية مرحلة جديدة من المعاشرة تنتهي في
ظلالها عزلة الرجل والمرأة ، ويبدأ عهد جديد من الألفة والأنس بينهما ؛
وعلى أثر ذلك يحصل نوع من التقارب بين أفكار الزوجين ورؤاهما ، كذلك
الأمر بالنسبة للأذواق والخطط المستقبلية لحياتهما المشتركة .
من الضرورة بمكان أن يجلس الزوجان ، وبعد الانتهاء
من عملهما إلى جانب بعضهما البعض ساعة على الأقل يتحدثان خلالها عن
ذكرياتهما الحلوة والمرة ، وتداول مختلف المسائل والقضايا التي تهمهما
معاً ؛ ذلك أن الصمت المطبق يشبه في مساوئه الثرثرة في الحديث ولا يجلب
معه سوى الألم .
فالأحاديث المتبادلة ، وإضافة إلى أنها تعزز من
الألفة والأنس بين الزوجين ، تخفف من عقدهما وتحدّ من توقّعات كلّ منهما
.
2 ـ الانسجام الفكري :
الرجل والمرأة يعضد أحدهما الآخر ويرافقه في رحلته
من أجل أن يصل قارب حياتهما إلى شاطىء السعادة ؛ وعلى هذا فإنه لا ينبغي
عليهما السير في عكس الاتجاه المنشود حتى لا تتعثر رحلتهما وتتقاذفهما
الأمواج .
إن على الزوجين ، ومن أجل استمرار حياتهما في ظلال
من الطمأنينة والأمن ، أن يحاولا تطبيع فكريهما على أساس من النقاط
المشتركة والأذواق المتماثلة ؛ وفي طريق ذلك تصبح الأمور طبيعية بشرط أن
يدرك كل منهما الآخر .
والزوجان العاقلان الناضجان يعمل كل منهما على
مساعدة الآخر ودعمه مادياً ومعنوياً . وكثيرون هم الأفراد الذين أحرزوا
نجاحات باهرة في الحياة بسبب إستفادتهم من أزواجهم فكرياً ومن خلال
استلهامهم سلوكاً وأفكاراً ورؤى عايشوها وتأثروا بها .
3 ـ احترام الحقوق :
هناك حقوق وواجبات من وجهة نظر الإسلام تتعين في
ظلال الحياة الزوجية ، وإن عدم رعايتها أو احترامها يوجب عقوبات محدّدة .
وفي ضوء أداء تلك الواجبات ورعاية تلك الحقوق
تتوضح بواعث النزاع والممارسات الخاطئة ، وتنشأ في ظلال ذلك حالة من
الاستقرار مما يضمن استمرار الحياة الزوجية .
ومن خلال هذه الحقوق ينمو الحب في القلوب
والاحترام والإجلال والوفاء وأداء الواجب ، وغير ذلك من ضرورات الحياة
المشتركة .
إن الإسلام لا يسمح أبداً بحسم الخلاف لصالح الطرف
الأقوى أو يجعل له الحق في حل المسألة في ضوء ما يرغب .
إن الممارسات يجب أن تنطلق من اعتبارات إلهية
محددة وأن لا تكون مدعاة للتشكيك في قداسة الأسرة .
4 ـ توزيع العمل :
من أجل استمرار الحياة الزوجية ينبغي تقسيم العمل
، بحيث لا ينوء أحدهما تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به . ومن الخطأ
الكبير أن يلقى على عاتق المرأة مسؤولية تربية الأولاد وإدارة البيت في
حين يجلس الرجل فارغ البال في زاوية من زوايا البيت . ومن الظلم أيضاً أن
يلهث الرجل من الصباح إلى المساء من أجل تأمين لقمة العيش في حين تجلس
المرأة في المنزل ناعمة البال .
ومن خلال سيرة النبيّ الأكرم ( ص ) يتضح أن العمل
داخل البيت هو على عاتق المرأة ، بينما يبقى العمل خارج المنزل من واجبات
الرجل ؛ وطبعاً فإن هذا لا يمنع الرجل إذا ما وجد فراغاً من مساعدة زوجته
ولا يمنع المرأة أيضاً إذا ما وجدت فرصة من المبادرة إلى التخفيف عن
أعباء الرجل .
إن الهدف من تقسيم العمل هو تحقيق العدالة بين
الطرفين .
5 ـ التأمين :
وعلى أساس ما ذكرنا يتضح على من يقع واجب التأمين
الاقتصادي وعلى من تقع وظيفة تأمين الاستقرار والدفء في الأسرة .
نعم ، من الممكن أن تكون المرأة ثريّة أو تعمل في
وظيفة معينة ، ولكن الإسلام لم يوجب عليها الإنفاق على الرجل ، ذلك إن
الإسلام أوجب على الرجل القيام بهذه المهمة ، ومن حق المرأة أن يوفّر لها
الرجل المسكن والملبس والغذاء المناسب بل وعلى أساس بعض الروايات أن
يرفّر لها قدراً معيناً من وسائل الزينة .
ومن الطبيعي إذن ، أن تنهض المرأة بمهمتها تجاه
الرجل حيث تتولى إدارة المنزل وأن يكون تعاملها معه ودوداً ودافئاً يجعل
الرجل يتلهف إلى العودة إلى البيت بشوق ، وأن على المرأة واستجابة
لغرائزها الطبيعية تربية الأطفال وجعلهم مدعاة لإشاعة الفرحة والأمل داخل
البيت .
6 ـ المداراة وضبط النفس :
يؤدي اختلاف المشارب والأذواق بين الزوجين إلى
ظهور الاختلافات والنزاعات بينهما ، وأن القول إن الحياة الزوجية لا تشهد
نزاعاً أو تصادماً بين الطرفين أمر خيالي بعيد عن الحقيقة ؛ ولكن المهم
في مثل هكذا حالات هو المداراة وضبط النفس .
إن الإسلام يوصي في حالة بروز نزاع عائلي أن يلجأ
أحد الطرفين إلى الصمت في سبيل الله وأن يغض الطرف عن أخطاء الطرف الآخر
، وأن يتعامل معه بما يرضي الله ورسوله .
وما أكثر النزاعات التي تنشأ من حساسية المرأة أو
غيرتها ولكن فطنة الرجل ويقظته تعيد المياة إلى مجاريها فيخفت النزاع
ويعم الاستقرار في محيط الأسرة .
إن الحياة الزوجية ترافقها المشاكل ولا يمكن
تحملها إلا بالصبر وضبط النفس ، وتفويت الفرصة على شيطان الغضب ،
والتسامح ، وغض
الطرف قليلاً عن أخطاء الطرف الآخر . وهذا
رسول الله قمة الخلق الإنساني يقول : « خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم
لأهلي » .
إن من ينتخب لنفسه زوجة ينبغي عليه أن يحترمها .
تعزيز الروابط :
إن ما ذكرناه هو أسس الحياة الزوجية وهو الحد
الأدنى من الحياة المشتركة ، وهناك من الضوابط والنقاط التي يؤدي رعايتها
إلى تعزيز العلاقات بين الزوجين ويجعلها متينة ، وهي كما يلي :
1 ـ التصريح بالحب والمودّة :
من السهولة أن يتبادل الزوجان الحب ، غير أن إظهار
ذلك وترجمته على شكل عبارة جميلة حلوة يقضي على احتمالات الشك التي قد
تراود أحد الطرفين .
إن الإسلام يوجب أن نبرز عواطفنا تجاه من نحبّهم ،
وهو أمرّ تتجلى ضرورته في الحياة الزوجية . إن المرأة ، وكما يؤكد الحديث
الشريف لا تنسى كلمة الحب التي ينطقها زوجها أبداً . قال رسول الله ( ص )
: « قول الرجل لزوجته إني أحبك لا يذهب من قلبها أبداً » وسائل الشيعة 14
| 10 .
قد يبدو إظهار العاطفة بين الزوجين لدى البعض
أمراً يدعو إلى السخرية ، انطلاقاً من كون المسألة واضحة لا تحتاج إلى
دليل ، ولكن الأمر على العكس ، فبالرغم من وجود الحب إلا أن التعبير عنه
أمر في غاية الضرورة حيث يعزز من قوة العلاقات الزوجية ويزيدها متانة
ورسوخاً .
2 ـ الاحترام المتبادل :
يجب أن يكون الاحترام متبادلاً ، وأن إخلال أحد
الطرفين بذلك يؤدي إلى اختلال في المعادلة كلها . من ينشد احترام زوجه
عليه أن يحترمه أولاً ، فوجاهة المرأة تضفي على الرجل قوة ، وشخصية الرجل
تمنح المرأة قوة
وتعزز من مكانتها ، وعليه فمن الضروري أن
يربط الزوجين نوع من الاحترام المتبادل وأن يبتعدا عن كل ما من شأنه أن
يخل بهذه المعادلة .
والاحترام يتجسد من خلال الحديث والتعامل ، فعلى
صعيد الحديث يتجلى الاحترام من خلال اللهجة الصادقة والهادئة التي تزخر
بمعاني الحب ، وإذا كان هناك ما يستدعي النقد فينبغي أن يتم ذلك بأسلوب
ايجابي بعيداً عن التشهير .
3 ـ التزيّن :
من الضروري جداً أن يراعي الزوجان زينتهما
ومظهرهما ، وأن يحاولا الظهور بالمظهر اللائق .
إن التعاليم الإسلامية تزخر بالكثير من الوصايا عن
نظافة البدن بدءً من الاستحمام ، وتنظيف الأسنان ، والتعطر ، وإصلاح
الشعر ، وقص الأظافر ، وارتداء الثياب النظيفة ؛ وكل هذا له تأثير بالغ
الأهمية في ترغيب الطرفين ببعضهما وتعزيز علاقات الحب بينهما .
هناك حديث عن الإمام الكاظم عليه السلام يفيد بأن
زينة الرجل تزيد من عفة زوجته ، فهناك العديد من النسوة اللائي انحرفن عن
جادة العفة بسبب إهمال أزواجهن لهذا الجانب الحساس من الحياة قال الإمام
الكاظم ( ع ) : « إن التهيئة مما يزيد من عفة النساء ، ولقد ترك النساء
العفة بترك أزواجهن التهيئة » .
وهناك روايات تفيد أيضاً بأن المرأة تحب من الرجل
أن يتزين لها كما أن الرجل يحب من زوجته ذلك .
وقد نقل عن النبي الأكرم ( ص ) حديثاً يفيد بأن من
واجب المرأة أن تتعطر لزوجها ، فقد شكت امرأة لرسول الله ( ص ) إعراض
زوجها عنها فأمرها أن تتطيب له » ـ فروع الكافي .
كما ورد عن الباقر عليه السلام توصية للرجل بتوفير
الزينة لزوجته حتى لو اقتصر الأمر على قلادة . يقول الإمام الباقر ( ع )
: « لا ينبغي للمرأة
أن تعطل نفسها ولو أن تعلق في عنقها قلادة »
ـ وسائل الشيعة ج 3 ص 335 .
4 ـ حفظ الروابط الزوجية :
تنشأ في ظل الزواج حالة من الاستقلال النسبي الذي
ينجم عن حاجة الطرفين إلى بعضهما بغية إشباع الغريزة الجنسية . وبالرغم
من شرعية هذه المسألة إلا أنها لا يمكن أن تكون الأساس أو المبرر الوحيد
للزواج . فالزواج الذي يقوم على هذه المسألة وحدها لا بد وأن ينتهي إلى
كارثة تبدأ باحتقار الطرفين بعضهما فور إشباع غريزتيهما .
ولذا فإن العلاقات الزوجية ينبغي أن تقوم على أسس
معنوية كرضا الله وأداء الواجب الإلهي ، وتنفيذ السنة النبوية . إن أخذ
هذه المقومات بنظر الاعتبار تساعد على نمو العاطفة بينهما ويوجب نضج
شخصيتهما .
5 ـ الذرية :
يضفي وجود الطفل في حياة الزوجين رونقاً يزيد من
جمال الحياة الزوجية ويعزز من أسسها ؛ ومع ظهور الطفل في سماء الأسرة
يولد حب كبير يمد جذوره في الأعماق ؛ إذ سرعان ما نشاهد البرود يغزو حياة
بعض أولئك الذين يمتنعون عن الإنجاب بحجة أن الأطفال سيعكرون عليهم
الأجواء ، حيث ينعكس ذلك في التعامل الجاف والمتصنع ؛ فإذا أشرقت شمس
الطفولة ذابت الثلوج وتدفّقت الحياة في الأسرة .
6 ـ العفاف :
وأخيراً ، فإن العفة والطهر هما أساس إنسانية
الحياة الزوجية ، والعامل المهم في إدامة واستمرار حياتهما المشتركة .
وعلى هذا فإن التعفف وطهارة الثوب مطلوبة من الرجل كما هي مطلوبة من
المرأة ، وأن على الزوج أن يخلي قلبه من كل رغبة في غير زوجته ، وعلى
الزوجة أن لا تنظر إلا إلى زوجها . وإضافة إلى الجانب الشرعي في هذه
المسألة فهي أساس متين لحفظ البناء المشترك من الانهيار . . |