العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي (قده)
الرجال والنساء
لقد قسّم جهاز التكوين النوع البشري إلى ذكر وأنثى أسوة
ببقيّة الموجودات الحية، لكي يستطيع أن يضمن بقاءه النوعي عن طريق التكاثر
بالتناسل.
ولقد زوّد الرجل والمرأة بجهازين مختلفين لإيجاد النسل، وكل واحد منهما مزوّد
بغرائز وطاقات كاملة، وهما متساويان بالخصائص الإنسانية الذاتية.
أمّا الخصيصة الوحيدة المائزة بين الصنفين والتي تكون منشأ لمزايا منفصلة في
المجتمع، فهي تتمثّل بغلبة خاصية التعقّل في صنف الرجال وغلبة العاطفة لدى
صنف النساء. وتبعاً لهذه الخصوصية صار لكل واحد منهما في المجتمع وظيفة خاصة
يساهم من خلال النهوض بها بإدارة عجلة الاجتماع الإنساني، بحيث إذا ما خرج عن
الدائرة الطبيعية الخاصة به تُصاب عجلة المجتمع بالعطل.
وقد أخذ الإسلام بنظر الاعتبار خصائص هذين الصنفين ورعاها رعاية كاملة في
الأحكام المرتبطة بهما. أما الأحكام المشتركة التي شرّعها الإسلام لهما فهي
ناظرة للاشتراك النوعي فيما بينهما ، بحيث يقود ذلك إلى تقاربهما بأقصى ما
يمكن.
وإذا ما أردنا أن نقف على الخطوات الكبيرة التي حقّقها الإسلام لرفع
الاختلافات بين هذين الصنفين في إطار نظرته الواقعية، وبالأخص ما قام به لرفع
الحيف والإجحاف عن المرأة وما سنّه من أحكام لتحسين وضعها، فينبغي لنا أن
نعود إلى عصور ما قبل الإسلام، وفيما كان عليه سلوكهم مع المرأة في المجتمعات
المختلفة المتقدّمة وغير المتقدّمة وفي الأديان الأُخرى، ثم ننعطف لدراسة
الأحكام الإسلامية حيال المرأة.
المرأة في مجتمعات ما قبل الإسلام
أ ـ في المجتمعات القبلية
كانت النظرة إلى المرأة في الأمم القديمة التي لم يقم نهجها
الاجتماعي في الحياة على أساس القانون أو الدين، بل على أساس الآداب
والتقاليد القومية، أنها ليست إنساناً، بل تعامل في تلك المجتمعات على أساس
أنّها حيوان أهلي.
وفي الواقع إن الحافز الذي دفع الإنسان منذ اليوم الأوّل إلى تدجين الحيوانات
الأهلية وحيازتها الواحد بعد الآخر، إنّما كان يتمثّل بالاستفادة من لحوم هذه
الحيوانات وجلودها وصوفها ووبرها ولبنها، وأن يسخّرها في الركوب عليها وحمل
أثقاله وغير ذلك من الفوائد. وبالتالى فلم تكن الجهود التي بذلها الإنسان
حيال هذه الحيوانات والمشاق التي تجشّمها في إعدادها والحفاظ عليها تعود إلى
أنّه ينظر إليها أنّها جزء من الإنسانية أو هي عضو في مجتمعه يعترف بحقوقها.
لذلك كلّه، فإن ما كان يبذله لها لتأمين حياتها وديمومة بقائها من قبيل
الطعام والسكن، لم يكن بدافع الرفق بها والشفقة عليها، بل كان لتأمين منافعه.
وفي هذا السياق كان الإنسان يدافع عن حياة هذه الحيوانات، فلا يسمح بقتلها أو
أذيتها، وإذا ماتعدّى عليها أحد فهو يبادر للانتقام منه. بيدَ أنّه كان يفعل
ذلك بدافع ملكيته لها وحرصاً للحفاظ على حقوقه، وليس بدافع إيمانه بأن لهذه
الحيوانات حقوقاً تملي مثل هذا السلوك.
وإنسان تلك الأمم كان يريد المرأة على هذا النسق ويستفيد منها كما يستفيد من
الحيوان.
فذاك الإنسان كان يحافظ على المرأة ويدافع عنها ويعاقب مَن يعتدي عليها، بيدَ
أنه لم يكن يفعل ذلك لإيمانه بإنسانيتها أو لاعتقاده أنها عضو من أعضاء
المجتمع يتمتّع بالحقوق وهو جدير بالاحترام. بل كان يريد بقاءها في الحياة
لتكون ألعوبة لشهوات الرجل، تهيئ الطعام لأهل البيت، وتمارس صيد الأسماك في
المدن الساحلية؛ تحمل الأثقال والأحمال، تمارس الخدمة داخل البيت، وفي مواقع
الضرورة ولا سيما في أوقات القحط والضيافة يؤكل لحمها.
كانت هذه الحالة تحيط بالمرأة وهي في بيت أبيها إلى أن تنتقل إلى الزوج. ولم
تكن تزوّج باختيارها وبانتخابها للرجل الذي تريد، وإنّما كان ذلك يتمّ طبقاً
لمراد الأب وأوامره. وهذه الممارسة كانت في الحقيقة تعكس نوعاً من البيع أكثر
ممّا تعبِّر عن عقد زواج.
كانت المرأة في بيت أبيها تابعة للأب وفي بيت الزوج تابعة للزوج، وهي في
الحالتين تابعة لسلطة صاحب الدار خاضعة في حياتها له، تعيش وفق هواه وما
يريد.
لقد كان لصاحب الدار أن يبيعها أو يهبها للآخرين أو يعيرها للغير بهدف اللذّة
أو إنجاب الطفل أو للخدمة ـ قرضاً كان ذلك أو إجارة ـ وإذا ما صدر عنها خطأ
كان له الحق أن ينزل بها العقاب الذي يشاء، بل كان يمارس معها حتى القتل من
دون أن يكون عرضة لتحمّل أدنى درجات المسؤولية في هذا السلوك.
ب ـ في المجتمعات الامبراطورية المتقدّمة
عندما نعود إلى المجتمعات الملكية المتمدّنة مثل فارس ومصر
والهند والصين التي كانت تحكم بإدارة الملوك وتدار وفق رغباتهم، وكذلك
المجتمعات المتمدّنة مثل الكلدانيين والروم واليونان التي يعيشون في إطار
سلطة القانون، نجد أن وضع المرأة وإن كان أحسن من وضعها في المجتمعات الأخر
بحيث إنّها لم تُحرم من الملكية بشكل كلّي، ولكنّها لم تكن تحظى مع ذلك
بالحرية الكاملة، وكان لربّ البيت الذي تعيش فيه، كالأب أو الأخ الأكبر أو
الزوج، السلطة المطلقة عليها، بحيث كان بمقدوره أن يزوّجها من يريد أو يعطيها
عارية أو يؤجرها أو يهبها، كما كان بوسعه أن يقتلها بالأخص في حال ارتكاب
الجرم أو يطردها من البيت.
وفي بعض البلدان لم يكن للمرأة قرابة طبيعية والرجال ينكحون المحارم من
نسائهم.
وفي بلدان أخرى لم تكن المرأة تعد في دائرة القرابة من الوجهة الرسمية
والقانونية فتحرم من الإرث. وفي بعضها الآخر كان للمرأة الواحدة عدد من
الرجال، وفي الجاهلية كان بعض العرب يئدون بناتهم.
كانت النظرة إلى المرأة أنها شُؤم، وإذا ما صارت موئلاً للظلم والعدوان فلا
يحق لها اللجوء إلى المحكمة وتقديم الشكوى أو الدفاع عن نفسها، كما لم يكن
لها حق الشهادة.
وفي الحصيلة الأخيرة كانت النظرة إلى المرأة في هذه المجتمعات أنها عضو ضعيف
وناقص العضوية تحتاج إلى قيمومة الرجل. فلم يكن لها أي ضرب من الاستقلال في
الإرادة واتخاذ القرار والتمتّع بالحرية في انتخاب العمل، بل كانت تُعامل كما
يُتعامل مع الطفل غير الراشد الذي ينبغي أن يكون تحت الرقابة والوصاية حتى
يصل حدّ البلوغ، ولكن المرأة تختلف عنه بأنّها لم تكن تصل حدّ البلوغ!
كما كانت المرأة مثل الأسير الحربي، فما دام في الأسر فعليه أن يمكث في
عبودية العدو ويرسف بأغلاله ما لم يتحرّر؛ وأن يستفاد من عمله وجهوده وأن
يصار على حذرٍ ممّا يقوم به، ولكن مع استثناء أن المرأة لم تكن تحلم بالحرية
من هذا الأسر أبداً!
ج ـ في المجتمعات الدينية
لم يكن حظ المرأة في المجتمعات الدينية أوفر كثيراً من حظّها
في المجتمعات الأخرى من زاوية الحقوق التي تتمتّع بها والمكانة التي تحظى بها
في تلك المجتمعات.
فعندما نعود إلى التوراة التي بين أيدينا ـ وهي كتاب اليهود ـ نجدها تصف
المرأة أنها أكثر مضاضة من الموت، وتسجل يأسها من كمالها.
وفي المجمع الكنسي الذي عقد في فرنسا قبل بعثة رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلم بسنوات، وصل المجمع الكنسي المسيحي بعد بحث واف في وضع المرأة، إلى
إصدار الحكم التالي: المرأة إنسان بيدَ أنّها خلقت لخدمة الرجل!
وفي جميع هذه المجتمعات كان الطفل تابعاً للأب وليس للأم، وإن مصدر النسب
وأساسه يصحّ من خلال الآباء وليس الأمهات، باستثناء بعض مناطق الهند والصين
حيث كان يسود تعدّد الأزواج، فكان الطفل يتبع الأم، وكانت الأمّهات هن مصدر
النسب وأصله.
الخلاصة
لم تكن المرأة تعدّ قبل الإسلام عضواً مؤثّراً في المجتمع
البشري، وكان هذا الموقف من المرأة سائداً في جميع أنحاء العالم وفي مختلف
أدوار التاريخ، حيث لم تحظ المرأة بالاستقلال والحرية، بل كانت تعدّ موجوداً
ضعيفاً يُدار من قبل الآخرين.
والذي ترتّب على هذا المسلك أن المرأة فقدت بمرور الزمان ثقتها بنفسها، ولم
تعدّ تتصوّر لنفسها أي نمط من أنماط الشخصية الاجتماعية.
كانت كلمة «المرأة» تقترن في تلك الرؤية السلبية مع الجبن والذلّ والانحطاط
وغياب العقل، وثمّة في أدبيات كل لغة من اللغات الكثير جدّاً ممّا قيل نظماً
ونثراً في فساد المرأة وعدم أهليتها، ممّا يكشف عن نمط تفكير الماضين حيال
المرأة.
موقف الإسلام حيال المرأة
عندما أشرقت شمس الإسلام في أفق البشرية لم يكن للمرأة موقع
اجتماعي يتجاوز الرؤية المشار لها آنفاً.
ولم يكن العالم آنئذ يحمل إزاء المرأة غير مجموعة من التصوّرات الخرافية
الواهية والسلوك الظالم، ولم يكن البشر ـ بما فيهم طبقة النساء ذاتها ـ تعترف
بحق أو مكانة للمرأة، بل تراها موجوداً منحطّاً خُلِق لخدمة الإنسان الشريف
(أي الرجل)!
نهض الإسلام لمواجهة هذه الأفكار بجميع قواه، وقرّر للمرأة حقوقاً يمكن
المرور عليها كما يلي:
أوّلاً: المرأة إنسان واقعي، وهي مخلوقة من زوجٍ إنساني (الذكر والأنثى)
تتمتّع بالخصائص الإنسانية الذاتية، وليس في مفهوم إنسانية الرجل ما يتميّز
به عليها.
يقول الله (سبحانه): (ياأيها الناس إنّا خلقناكم من
ذكرٍ وأنثى...)(1).
وفي عدد آخر من الآيات يقول (سبحانه): (... بعضكم من
بعضو...)(2).
ثانياً: المرأة مثل الرجل عضو كامل العضوية في المجتمع وهي تتمتّع بشخصية
حقوقية.
ثالثاُ: كما تحظى المرأة بحق القرابة الطبيعية فهي تتمتّع أيضاً بحق القرابة
السببية رسمياً وقانونياً.
رابعاً: تتساوى الفتاة في البنوة مع الولد، فكلاهما ابن، كما يتساوى أبناء
البنت مع أبناء الابن في البنود، وبذلك تتمتّع المرأة مثل الرجل تماماً بحق
الإرث من ذوي القرابة السببية والنسبية مثل الأب والأم.
خامساً: للمرأة استقلال فكري ولها الحق في أن تتّخذ القرارات التي تريد في
الحياة، وأن تختار الزوج الذي ترغب به وفي إطار الشرع، كما لها الحق في أن
تعيش بحرية من دون ولاية أو قيمومة الأب أو الزوج، كما لها أن تنتخب العمل
الذي ترغب به.
إن للمرأة استقلالاً عملياً أيضاً وجهدها وعملها محترمان، لها الحق في أن
تملك وأن تتصرّف بثروتها كما تريد من دون حاجة إلى قيمومة وبلا تدخّل من
الرجل. كما لها الحق في أن تدافع عن مالها وثروتها وحقوقها الفردية
والاجتماعية، ويجوز لها أن تمارس حقّها في الشهادة، كما أن هناك أجراً لكل
عمل تقوم به للزوج باستثناء المعاشرة الجنسية التي ينبغي عليها أن تطيع الرجل
فيه وفقاً لعقد الزوجية، وتمكّنه من نفسها.
سادساً: لا يملك الرجل أي حق في ظلم المرأة والاعتداء عليها، وكل اعتداء على
الرجل يستوجب الملاحقة القانونية هو كذلك بالنسبة إلى المرأة أيضاً.
سابعاً: للمرأة شخصية دينية معنوية، وهي ليست محرومة من السعادة الأخروية،
كما تذهب إلى ذلك غالبية الأديان والمذاهب عندما تعدّ المرأة مثل الشيطان،
وتجعلها تقنط من رحمة الله.
يقول الله (سبحانه): (من عمل عملاً صالحاً من ذكرٍ أو
أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(3).
وكذلك قوله (تعالى): (... أني لاأضيع عمل عامل منكم من
ذكرٍ أو أنثى...)(4).
أجل، يمكن أن تتقدّم امرأة واحدة على ألوف الرجال وتفضلهم في إطار التقوى
ومقياس الدين، وفقاً لقوله (تعالى): (ياأيها الناس
إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم...)(5).
الزواج
الأحكام العامة
أولى الإسلام عناية فائقة بموضوع النكاح والزوجية، حتى بلغ من
ذلك قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «النكاح سنّتي، فمن رغب عن
سنّتي فليس منّي».
أحكام الزواج.
الزواج في الشريعة الإسلامية على قسمين:
1ـ الزواج الدائم، وهو الذي تنعقد فيه العلقة الزوجية بين
الرجل والمرأة للأبد بمحض إبرام عقد النكاح بينهما، بحيث لا يُفسخ بينهما
إلاّ بالطلاق. وفي هذا الزواج يتحمّل الرجل بالإضافة إلى المهر النفقة، إذ
يجب عليه أن ينفق على حياة الزوجة ومعاشها واحتياجاتها بما يناسب حالها
وشخصيتها، كما ينبغي له أن ينام معها في الفراش ليلة واحدة من كل أربع ليالٍ
على الأقل، كما لا تستطيع المرأة أن ترد زوجها في طلب النكاح، بل يجب عليها
التمكين.
2ـ الزواج المؤقت، ويطلق عليه زواج المتعة أيضاً. في هذا النمط من عقد النكاح
تنعقد العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة لمدّة محدّدة، ثم تنقطع بينهما
بانتهاء المدّة أو أن يهبها الزوج بقية المدّة ويبذلها لها من دون حاجة إلى
طلاق. ليس لهذا الزواج أي حكم من أحكام النكاح الدائم باستثناء ما يشترط
أثناء العقد.
ملاحظة:
شرّع الإسلام النكاح المؤقت وقد عمل به المسلمون في عهد رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلى أن منعه الخليفة الثاني لأسباب. وقد
التزم أهل السنّة بمنع الخليفة ولم يجوّزوا العمل بالزواج المؤقت، بينما مضى
الشيعة على جوازه، وعدّوه أحد الإنجازات المهمّة للإسلام، نظراً لما يقوم به
من تأمين جزء مهم من الاحتياجات الاجتماعية التي لا يمكن تأمينها بالسبل
الأخرى، فضلاً عن أن هذا النمط من الزواج يعدّ أفضل سند لتحقيق العفّة العامة
ودوامها.
يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «لولا انّ عمر نهى
عن المتعة ما زنى إلاّ شقي».
محرّمات الزواج
يحرّم الإسلام الزواج بجملة من النساء بسبب النسب، وهذه
الأصناف، هي:
1ـ الأم بما شملت الجدّات عاليات وسافلات، لأب كنّ أم لأمّ، فتحرم المرأة على
ابنها وعلى ابن ابنها وابن ابن ابنها وهكذا، وعلى ابن ابنتها وابن بنت بنتها
وهكذا.
2ـ البنت بما شملت الحفيدة بواسطة أو وسائط، فتحرم على الرجل بنته وبنت
ابنته، وبنت بنت ابنته وهكذا.
3ـ بنت الابن إذ تحرم على الرجل بنت ابنه وبنت ابن ابنه وهكذا.
4ـ الأخت وبنت الأخت مهما نزلت.
5ـ بنت الأخ وإن نزلت، أي تبقى حراماً مهما استمر التناسل، وإن بعدت عنه
بواسطة أو وسائط.
6ـ العمّة.
7ـ الخالة.
ملاحظة:
إن ما يحرم على الرجل بسبب النسب من صنوف النساء، يحرم على
الرضيع بسبب الرضاعة.
كما تحرم على الرجل بالقرابة السببية (المصاهرة) صنوف من النساء، هنّ:
1ـ بنت المرأة إذا كان الرجل قد دخل بتلك المرأة.
2ـ وتحرم على الرجل زوجة أبيه وإن لم يدخل بها.
3ـ زوجة ولده وإن لم يدخل بها.
4ـ تحرم على الرجل أم زوجته وجدّتها.
5ـ أخت زوجته ما دامت الأولى حيّة وبعصمته.
6ـ بنت أخت الزوجة وبنت أخيها بدون إذنها، ولكن الحرمة ترتفع بإذنها ورضاها.
ثم صنف آخر من النساء يحرمن على الرجل لعلل أخرى، هن:
1ـ المرأة التي لا تزال في عصمة رجل.
2ـ الزوجة الخامسة للرجل الذي لديه أربع زوجات بالعقد الدائم.
3ـ المرأة الكافرة، أمّا إذا كانت من أهل الكتاب مثل المسيحية واليهودية
فيمكن الزواج بها مؤقتاً.
ولاية العقد
إذا صار الرجل والمرأة إلى سنّ البلوغ فهما حرّان في الإسلام
باختيار الزوج ومستقلاّن في ذلك. ولكن للأب ولاية على البنت والولد غير
البالغين أو اللّذين لم يصلا إلى مرحلة الرشد، وعندئذ يجوز للأب بحكم ولايته
أن يعقد لابنته الصغيرة على شخص آخر، كما يجوز له ان يعقد لولده ويزوّجه.
تبعية الأولاد وحقوقهم
1ـ إذا أنجبت المرأة طفلاً فهو يلحق بزوجها، وإذا كان الطفل
ثمرة لعقد دائم بين الزوجين فلا يستطيع الأب نفيه عنه.
2ـ إذا لم يستطع الوليد أن يؤمن معاشه فيجب على الوالدين أن يتكفّلا الإنفاق
عليه، وإذا عجز الوالدان عن تهيئة نفقتهما، فعندئذ تجب على الولد النفقة على
والديه.
تعدّد الزوجات
من الأحكام الثابتة في الشريعة الإسلامية أنّه يحلّ للرجل أن
يتزوّج بأربع نساء. وللوقوف على الحكمة من هذا التشريع ينبغي الانتباه إلى ما
يلي:
أولاً: إن هذا الحكم هو من الأحكام الاختيارية وليس من الأحكام الحتمية
الواجبة بحيث يجب على الرجل أن يتزوّج بأربع نساء في وقت واحد، وإنّما معناه
أن الرجل بمقدوره أن يتزوّج باثنتين وثلاث وأربع في وقت واحد.
ولما كان الشرط في تعدّد الزوجات أن يسلك بينهن بالعدل، وهذه خصلة بعيدة
المنال وسلوك يكتنفه الكثير من المشاق، فستكون النتيجة أنّ الزواج من أربع هو
حالة استثنائية لا أنه هو القاعدة العامة.
ثانياً: إن التكاثر والتناسل هو واحد من احتياجات البشر بحيث قسّم نظام
التكوين البشر إلى رجال ونساء تحقيقاً لهذه الغاية. وما دام الإسلام دين
الفطرة قد اضطلع بتلبية الاحتياجات الواقعية للنوع الإنساني، فقد أمر
بالزواج. ولما كان هناك اختلاف بين الرجل والمرأة من حيث أهلية التوالد
والتناسل، فقد شرّع الإسلام تعدّد الزوجات.
أمّا علل الاختلاف بين الرجل والمرأة، فيمكن الإشارة إليها كما يلي:
أ: تكون المرأة مؤهّلة للزواج في سن التاسعة عادة، في حين يتأهّل الرجل بسن
الخامسة عشرة في العادة.
وإذا ما اخترنا سنة معينة وأحصينا فيها عدد المواليد من البنات والصبيان
(وغالباً ما يكون عدد الفتيات أكثر من الصبيان)، ثم أضفنا لذلك مواليد
السنوات التالية، فستكون الحصيلة في السنة السادسة عشرة أن لدينا بإزاء كل
فتى مؤهّل للزواج شرعاً سبع فتيات مؤهّلات للزواج، وإذا ما أخذنا بنظر
الاعتبار أن السن المتعارف لزواج الشباب يبدأ من العشرين فما فوق، فسيكون
أمامنا في السنة الواحدة والعشرين بإزاء كل شاب فتاتان، وإذا وصلنا إلى السنة
الخامسة والعشرين حيث يروج الزواج في هذه السن عادة، فستكون الحصيلة أن
أمامنا إزاء كل شابين مهيأين للزواج ستة عشر فتاة مؤهّلات للزواج.
ب: غالباً ما تفتقد النساء القدرة على الإنجاب بعد سنّ الخمسين، في حين تبقى
هذه القابلية مستمرة في الرجل حتى أواخر عمره الطبيعي.
ج: تدلّ لغة الأرقام على أن الوفيات التي تطال المواليد من الصبيان تفوق
مثيلتها في الفتيات، علاوة على أنّ معدلات الوفيات بين الرجال تزيد على
مثيلاتها بين النساء بحكم العمل ومشاكله وعلى أثر العوامل الأُخرى، بل تشير
الإحصاءات إلى أن معدل أعمار الرجال في العادة أقل من أعمار النساء، وفي
حصيلة هذه العوامل سيكون عدد الأرامل من النساء في المجتمع أكثر من الرجال.
وأفضل شاهد على هذا الكلام يتمثّل فيما هو عليه الواقع بين المسلمين فمع أن
حكم تعدّد الزوجات مطبّق عملياً في المجتمعات الإسلامية منذ قرون، ومع أن
هناك إهمالاً من قبل الرجال لرعاية شرط العدالة حيث بادر لتعدّد الزوجات من
لم يتوفّر على هذا الشرط، ولكن مع ذلك لم نجد أن الوسط الاجتماعي الإسلامي
اشتكى قط من ندرة النساء وقلّتهن.
ممّا يقال إنّ قانون تعدّد الزوجات معارض لطبيعة المرأة، وبالتالي فهو يثير
عواطفها ويشعرها بالأذى ممّا يدفعها للانتقام وتعرض حياة الرجل إلى الخطر.
بيدَ أن هؤلاء قد غفلوا أن حقيقة معارضة المرأة يعود إلى العادة لا إلى
الغريزة والطبيعة، لأنّه إذا كان لمعارضة المرأة أصل طبيعي فلا يقع تعدّد
الزوجات عملياً. ولتوضيح ذلك أن الزوجة الثانية والثالثة والرابعة التي
يتزوّجها الرجل هي من النساء، وقد أقبلت على هذا العمل بمحض رغبتها وميلها،
وإذا كان ذلك متعارضاً مع الأحاسيس الطبيعية والبنية التكوينية للمرأة لما
رضيت بذلك وأقدمت عليه أبداً، كما لو اشترط على امرأة في الزواج أن تكتفي
بالعيش وحسب من دون أن يكون لها الحق في الكلام، فإنّها سترفض ذلك ولن تقبل
به أبداً لأنّ هذا الشرط مخالف لطبيعتها.
بالإضافة إلى ذلك وهذا، فقد فسح الشرع الإسلامي سبيلاً لعلاج هذا الإشكال، إذ
بمقدور المرأة أن تشترط في عقد زواجها أن لا يقدم الرجل على الزواج من غيرها،
فتحول بذلك دون تعدّد الزوجات بالنسبة لزوجها.
من الأمور الأخرى التي تلتحق بالزواج هو بعض الاتجاهات التي تنادي بتنظيم
الارث على نحوٍ آخر، إذ تعتبر الدولة هي التي ترث الناس، وبالتالي فهي التي
تتكفّل بحضانة الأطفال وتربية الأولاد في المجتمع، إذ تدفع بالأطفال إلى دور
الحضانة.
والملاحظ في هذا النمط ـ الذي يريد أن يستعيض عن دور الأمومة ـ وإن كان اكتسب
صيغة عملية في المجتمعات الإنسانية، على نحوٍ استثنائي، إلاّ أنّه لا يستطيع
أن يتحوّل إلى وضع قانوني عادي غير قابل للتخلّف ولا يملك أهلية ذلك. ومردّ
ذلك أن هذا النمط يقضي بمدّة وجيزة على العواطف والأحاسيس البشرية والحرص على
الوازع الإنساني والأُسري، الذي يعدّ المحرّك الأصلي للبشرية في إيجاد النسل.
وعندئذ تبدو عملية التناسل بالنسبة للمجتمع وبالأخص للمرأة التي تتجشّم عناءً
هائلاً في أوقات الحمل، مجرّد ممارسة عبثية، حيث تتحوّل أجواء الأسرة
المملوءة أنساً ومحبّة إلى سجن مظلم.
وببروز هذه الأوضاع ينقطع الطريق على عملية التوالد والتناسل تماماً وتضمحل
بالتالي الأسرة التي تعدّ النواة لتشكيل الاجتماع المدني. وعندئذ ينبغي أن
تقوم عملية تشكيل الأسرة ومباشرة العملية التناسلية على أساس وسائل فنية
وحوافز تختفي وراءها الأحابيل السياسية، من قبيل وضع الجوائز الباهظة لمن
ينجب أو تُسنّ أحكام صعبة، وهكذا.
والشيء البديهي أن هذا الوضع الذي لا يتسق مع الفطرة والطبيعة لا يملك ضمان
الاستمرارية والدوام.
علاوة على ذلك ستكتسب الحياة الإنسانية في ظل هذه الأوضاع طابعاً مخيفاً
وتكون جرداء خالية من اللذة والعاطفة. وفي الحقيقة سينحدر محيط الحياة
الإنسانية إلى أسوأ ممّا عليه محيط الحياة الحيوانية، وسيكون مخيفاً أكثر
ممّا عليه عالم الوحوش.
الطلاق
معناه
انفصام العلاقة الزوجية رسمياً بين الزوجين وانفصالهما عن بعضهما بحيث تسقط
عنهما رعاية الحقوق الزوجية المشتركة.
والطلاق ميزة إيجابية لا يمكن التنكّر لها، يمتاز بها الإسلام على المسيحية
وبعض الأديان الأُخرى، وهو يلبّي ضرورة عامّة للمجتمع البشري.
فكثيراً ما يحصل وأن تفقد الحياة بين الزوجين انسجامها المطلوب ويتبدّل محيط
المحبة بينهما إلى ساحة للصراع، بحيث لا تجدي في التوفيق بينهما مساعي
الإصلاح. فإذا لم يكن من الممكن فك علاقة الزوجية بينهما في مثل هذه الحال،
فليس أمام الزوجين إلاّ أن يمضيا حياتهما وهي متخمة بالمتاعب والمشكلات، بحيث
يمضيان عمرهما في أتون نار مشتعلة ويعيشان في ظل عذاب وحرمان دائمين.
وخير ما يدل على إيجابية قانون الطلاق، هو ما بادرت إليه الدول المسيحية من
إعلانها لمشروعية قانون الطلاق استجابة لحاجة عامّة لا مفرّ منها.
عُهد بالطلاق في الإسلام إلى الرجل، وقد روعي في ذلك الحالة الغريزية للمرأة
والرجل، فلو كان الطلاق بعهدة المرأة، لصارت العلاقة الزوجية ضعيفة وأصبحت
أركان الأسرة عرضة للتزلزل والانهيار بحكم هيمنة العواطف على المرأة وغلبة
الأحاسيس عليها قياساً بالرجل.
ولكن مع ذلك كلّه ثمّة في الإسلام طرق يمكن أن تكون فيها عهدة الطلاق بيد
المرأة، وبمقدورها أن تستفيد منها.
من ذلك أن تتوقّع الزوجة بعض المشكلات في حياتها مع زوجها فتشترط في عقد
الزواج أن يكون لها حق الوكالة بالطلاق في حال ظهور واحدة من تلك المشكلات،
كما يمكنها أن تشترط على الرجل أنّه إن طلّقها من دون سبب فعليه أن يحلّ
مشكلاتها.
ولكن مع أن الإسلام أقرّ الطلاق كتشريع قانوني، إلاّ أنّه بالغ في ذمّه
والتحذير منه، فقد أكّد الإسلام وجوب استنفاد جميع الوسائل والحفاظ على
الرباط العائلي بحيث لا يُلجأ إلى الطلاق إلاّ في حال الضرورة فقط. وقد كان
من مظاهر هذا التأكيد ما وصلنا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم):
أبغض الحلال عند الله الطلاق.
ولذلك كلّه تشدّد الإسلام كثيراً في أحكام الطلاق، إذ اشترط أن يتم بحضور
شاهدين عادلين، وأن يقع في غير الأيام التي تكون الزوجة في عادتها الشهرية،
حيث يمنع الرجل من مقاربة المرأة في هذه الفترة.
كما سنّ الإسلام اختيار حَكَم من طرف الزوجة وحكم من طرف الزوج لدراسة وضعهما
في حال بروز مشكلة بينهما، لكي يصلحا بينهما، وعندما لا يكون الإصلاح ممكناً
بعد استنفاد المساعي كلها، يصار إلى الطلاق كحلّ أخير.
شروط صحّة الطلاق
يجب على الرجل الذي يطلّق زوجته:
1ـ أن يكون بالغاً.
2ـ أن يكون عاقلاً.
3ـ أن يتمّ الطلاق باختياره.
4ـ أن يكون قاصداً للطلاق.
وبذلك لا يصحّ الطلاق ولا يقع من الصبيّ والمجنون والمجبر، وكذلك من يتفوّه
بصيغة الطلاق على سبيل المزاح.
5ـ أن تكون المطلَّقة خالية وقت الطلاق من الحيض والنفاس، وأن لا يكون زوجها
قد قاربها بعد طهورها منهما.
6ـ أن يقع الطلاق بصيغة محدّدة وبحضور شاهدين عادلين.
أقسام الطلاق
الطلاق على قسمين:
الأوّل: الطلاق الرجعي: وهو أن يقوم الزوج بطلاق زوجته ثم يكون بمقدوره أن
يرجع إليها قبل إنقضاء العدّة، ويستأنف علاقتهما الزوجية من دون حاجة إلى عقد
زواج جديد.
الثاني: الطلاق البائن: وهو الطلاق الذي لا يحق للرجل من بعده أن يعود إلى
زوجته، وهو على عدّة أقسام:
أ: الطلاق قبل الدخول بالزوجة.
ب: طلاق اليائسة، وهي المرأة التي فقدت القدرة على الإنجاب.
ج: طلاق الزوجة الصغيرة، أي التي لم تبلغ التسع سنوات.
وهذه الأنواع الثلاثة من الطلاق لا عدّة لها.
د: طلاق الزوجة التي طلّقت ثلاث مرّات. وفي هذا الطلاق علاوة على عدم إمكان
رجوع الزوج لزوجته، فهو لا يستطيع أن يعقد عليها مرّة أخرى إلاّ أن تعقد على
رجل غيره عقداً دائماً ويدخل بها، فإذا طلّقها الثاني أو توفي عنها جاز
للأوّل أن يعود إليها ويعقد عليها مجدّداً بعد انقضاء العدّة.
هـ : طلاق الخلع، وهو طلاق المرأة التي لا ترغب بزوجها وقد بذلت له مهرها أو
أي مال آخر حتّى يطلقها. وفي هذا الطلاق إذا لم تطالب المرأة زوجها بالمال
الذي بذلته له لا يحق للزوج أن يعود إليها.
و: طلاق المباراة، وهو أن لا يرغب الزوجان بعضهما ببعض، وأعطت الزوجة زوجها
مالاً لكي يطلقا، فما دامت الزوجة لم تطالب بالمال الذي أعطته للزوج لا يحق
للرجل الرجوع إليها.
ز: الطلاق التاسع في إطار الشروط المذكورة في الكتب الفقهية المفصّلة، إذ
تحرم المرأة بعده على الزوج أبداً ولا يمكن لهما إعادة العلاقة الزوجية
بينهما بأي شكلٍ كان.
أحكام العدّة
على الزوجة التي تنفصل عن زوجها بالطلاق أن تبقى في العدة إلى
الوقت المحدّد؛ بمعنى أن تمتنع عن الزواج في هذه الفترة، ولهذا الحكم فائدتان
مهمتان، هما:
الأولى: الحؤول دون اختلاط النطف.
الثاني: قد يندم الزوجان على الانفصال ويعودان لبعضما مجدّداً.
يتوجّب على الزوج أن يبذل للزوجة النفقة في وقت العدّة، وأن لا يخرجها من
البيت، وإذا كانت المطلقة هي زوجته الرابعة بالعقد الدائم فلا يجوز له أن
يعقد على أُخرى ما لم تنته عدّة الرابعة، وإذا وقع الطلاق في مرض الموت يكون
للمرأة نصيب في إرث الرجل، إذا مات خلال مدّة سنة.
أقسام العدّة:
العدّة على ثلاثة أقسام، هي:
1ـ عدّة الحامل.
2ـ عدّة من لا حمل لها.
3ـ عدّة الوفاة.
بالنسبة للحامل إذا طلّقت تكون عدّتها أن تضع حملها أو يسقط جنينها، ومعنى
ذلك أنّها لو وضعت طفلها بعد ساعة واحدة فقط من طلاقها فبمقدورها أن تتزوّج.
أمّا إذا لم تكن المطلّقة حاملاً، فإذا كانت قد تجاوزت سن التاسعة ولم تكن
يائسة ـ إذ مرّ لا عدّة لهذين الصنفين من المطلقات ـ وقد دخل بها زوجها
وطلّقها في طهرها، فعليها أن تنتظر حيضتين وطهرين، حتى إذا ما جاءها الحيض
الثالث تكون عدّتها قد انتهت.
أمّا التي يموت عنها زوجها، فإذا لم تكن حاملاً فعليها أن تعتدّ بعد وفاة
زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، أمّا إذا كانت حاملاً فعدّتها إلى أن تضع
حملها. أمّا إذا وضعت حملها قبل الأربعة أشهر وعشرة أيّام فعليها أن تنتظر
إلى أن تنقضي الأربعة أشهر وعشرة أيّام بتمامها، وهذه هي عدّة الوفاة.
ـــــــــــــــ
(1) الحجرات : 13.
(2) النساء : 25.
(3) النحل : 97.
(4) آل عمران : 195.
(5) الحجرات : 13.