الزواج أصل من الاُصول الإجتماعية ،
والبشر منذ أوّل تكوينه وحتى اليوم لم يترك هذا العمل الإجتماعي ، وقد دأبت
الاُمم والمجتمعات على وضع قوانين واُسس تنظّم هذا الإقتران . ووضع الإسلام
هذا العمل على أساس خلقة الذكر والاُنثى كلّ حسب تكوينه الجسماني وميوله
وإحساسه وعواطفه ، لا على أساس تشريك الزوجين مساعيهما في الحياة دون النظر
إلى قابلية كلّ واحدٍ منهما .
فالإسلام نظّم هذا الإقتران وفق دستور دقيق ضمنَ خلاله
حقوق كلّ من الزوجين ، والتعرّض لهذا الموضوع واستيعابه يحتاج لمزيد من الوقت
، ولا تكفه هذه الوريقات القليلة ، إلاّ أنّ هناك ثمة إشكالات أشكلها البعض
على هذا الدستور ، وادّعى فيه ظلم المرأة من خلال : هدف الزواج ، سيطرة
الذكور على الإناث ، تعدد الزوجات ، الطلاق . وأجاب العلاّمة الطباطبائي عنها
قائلاً :
1 ـ النكاح من مقاصد الطبيعة :
أصل التواصل بين الرجل والمرأة ممّا تبيّنه الطبيعة
الإنسانية بل الحيوانية بأبلغ بيانها ، والإسلام دين الفطرة ، فهو مجوّزه لا
محالة .
وأمر الإيلاد والإفراخ ـ الذي هو بغية الطبيعة وغرض
الخلقة في هذا الإجتماع ـ هو السبب الوحيد والعامل الأصلي في تقليب هذا العمل
في قالب الإزدواج ، واخراجه من مطلق الإختلاط للسفاد والمقاربة إلى شكل
النكاح والملازمة .
ولهذا ترى أنّ الحيوان الذي يشترك في تربيته الوالدان
معاً ـ كالطيور في حضانة بيضها
(61)
وتغذية أفراخها وتربيتها ، وكالحيوان الذي يحتاج في الولادة والتربية إلى وكر
تحتاج الإناث منه في بنائه وحفظه إلى معاونة الذكور ـ يختار لهذا الشأن
الإزدواج ، وهو نوع من الملازمة والإختصاص بين الزوجين الذكور والإناث منه ،
فيتواصلان عندئذٍ ، ويتشاركان في حفظ بيض الإناث وتدبيرها وإخراج الأفراخ
منها ، وهكذا إلى آخر مدّة تربية الأولاد ، ثم ينفصلان إن انفصلا ، ثم يتجدد
الإزدواج ، وهكذا .
فعامل النكاح والإزدواج هو الإيلاد وتربية الأولاد ،
وأمّا إطفاء نائرة الشهوة ، أو الإشتراك في الأعمال الحيويّة كالكسب وجمع
المال وتدبير الأكل والشرب والأثاث وإدارة البيت ، فاُمور خارجة عن مستوى غرض
الطبيعة والخلقة ، وإنّما هي اُمور مقدّمية أو فوائد مترتبة .
ومن هنا يظهر أنّ الحريّة والإسترسال من الزوجين ، بأن
يتواصل كلّ من الزوجين مع غير زوجه أينما أراد ومهما أراد من غير امتناع ـ
كالحيوان العجم الذي ينزو الذكور منه على الإناث أينما وجدها ـ على ما يكاد
يكون هو السنّة الجارية بين الملل المتمدنة اليوم ، وكذا الزنا وخاصة زنا
المحصنة منه .
وكذا تثبيت الإزدواج الواقع وتحريم الطلاق والإنفصال
بين الزوجين ، وترك الزوج وإتخاذ زوج آخر ما دامت الحياة تجمع بينهما .
وكذا إلغاء التوالد وتربية الأولاد وبناء الإزدواج على
أساس الإشتراك في الحياة المنزليّة ، على ما هو المتداول اليوم بين الملل
الراقية ، ونظيره إرسال المواليد إلى المعاهد العامة المعدّة للرضاع والتربية
، كلّ ذلك على خلاف سنة الطبيعة ، وقد جهّز الإنسان بما ينافي هذه السنن
الحديثية على ما مرت الإشارة إليه .
نعم ، الحيوان الذي لا حاجة في ولادته وتربيته إلى
أزيد من حمل الاُم إياه وإرضاعها له وتربيته بمصاحبتها ، فلا حاجة طبيعية فيه
إلى الإزدواج والمصاحبة والإختصاص ، فهذا النوع من الحيوان له حريّة السفاد
بمقدار ما لا يضر بغرض الطبيعة من جهة حفظ النسل .
وإياك أن تتوهم أنّ الخروج عن سنّة الخلقة وما تستدعيه
الطبيعة لا بأس به بعد تدارك
(62)
النواقص الطارئة بالفكر والرؤية مع ما فيه من لذائذ الحياة والتنعم ، فإنّ
ذلك من أعظم الخبط ، فإن هذه البنيات الطبيعية التي منها البنية الإنسانية
مركّبات مؤلفة من أجزاء كثيرة ، تستوجب بوقوع كلّ في موقعه الخاص على شرائطه
المخصوصة به وضعاً هو الملائم لغرض الطبيعة والخلقة ، وهو المناسب لكمال
النوع ، كالمعاجين والمركّبات من الأدوية التي تحتاج إلى أجزاء بأوصاف
ومقادير وأوزان وشرائط خاصة ، لو خرج واحد منها عن هيئته الخاصة أدنى خروج
وانحراف سقط الأثر .
فالإنسان مثلاً موجود طبيعي تكويني ذو أجزاء مركّبة
تركيباً خاصاً ، يستتبع أوصافاً داخلية وخواص روحية تستعقب أفعالاً وأعمالاً
، فإذا حوّل بعض أفعاله وأعماله من مكانته الطبيعية إلى غيرها يستتبع ذلك
إنحرافاً وتغيّراً في صفاته وخواصه الروحية ، وانحرف بذلك جميع الخواص
والصفات عن مستوى الطبيعة وصراط الخلقة ، وبطل بذلك إرتباطه بكماله الطبيعي
والغاية التي يبتغيها بحسب الخلقة .
واذا بحثنا في المصائب العامة التي تستوعب اليوم
الإنسانية ، وتحبط أعمال الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة ، وتهدد
الإنسانية بالسقوط والإنهدام ، وجدنا أنّ أقوى العوامل فيها بطلان فضيلة
التقوى ، وتمكّن الخرق والقسوة والشدة والشره من نفوس الجوامع البشرية ،
وأعظم أسبابه وعلله الحرية والإسترسال والإهمال في نواميس الطبيعة في أمر
الزوجية وتربية الأولاد ، فإنّ سنة الإجتماع المنزلي وتربية الأولاد اليوم
تميت قرائح الرأفة والرحمة والعفة والحياء والتواضع من الإنسان من أول حين
يأخذ في التمييز إلى آخر ما يعيش .
وأمّا تدارك هذه النواقص بالفكر والرؤية فهيهات ذلك ،
فإنها كسائر لوازم الحياة وسيلة تكوينية اتخذتها الطبيعة وسيلة لردّ ما خرج
وانحرف عن صراط الطبيعة والتكوين إليه ، لا لإبطال سعي الطبيعة والخلقة
وقتلها بنفس السيف الذي أعطته للإنسان لدفع الشر عنها ، ولو استعمل الفكر
الذي ـ هو أحد وسائل الطبيعة ـ في تأييد ما أفسد من شؤون الطبيعة ، عادت هذه
الوسيلة أيضاً فاسدة منحرفة كسائر الوسائل ، ولذلك ترى أنّ الإنسان اليوم
كلّما أصلح
(63)
بقوة فكره واحداً من المفاسد العامة التي تهدد اجتماعه ، أنتج ذلك ما هو أمر
وأدهى ، وزاد البلاء والمصيبة شيوعاً وشمولاً .
نعم ، ربما قال القائل من هؤلاء : إنّ الصفات الروحية
التي تسمّى فضائل نفسانية هي بقايا من عهد الأساطير والتوحّش ، لا تلائم حياة
الإنسان الراقي اليوم ، كالعفة والسخاء والحياء والرأفة والصدق .
فإنّ العفة تقييد لطبيعة النفس فيما تشتهيه من غير وجه
.
والسخاء إبطال لسعي الإنسان في جمعه المال وما قاساه
من المحن في طريق اكتسابه ، على أنه تعويد للمساكين بالبطالة في الإكتساب
وبسط يده لذلّ السؤال .
والحياء لجام يلجم الإنسان عن مطالبة حقوقه وإظهار ما
في ضميره .
والرأفة تضعف القلب .
والصدق لا تلائم الحياة اليومية .
وهذا الكلام بعينه من مصاديق الإنحراف الذي ذكرناه .
ولم يدرِ هذا القائل أنّ هذه الفضائل في المجتمع
الإنساني من الواجبات الضرويّة ، التي لو ارتفعت من أصلها لم يعش المجتمع
بعدها في حال الإجتماع ولا ساعة .
فلو ارتفعت هذه الخصال وتعدّى كلّ فرد إلى ما لكلّ فرد
من مختصات الحقوق والأموال والأعراض ، ولم يسخ أحد ببذل ما مسّت إليه حاجة
المجتمع ، ولم ينفعل أحد من مخالفة ما يجب عليه رعايته من القوانين ، ولم
يرأف أحد بالعَجزة الذين لا ذنب لهم في عجزهم كالأطفال ومن في تلوهم ، وكذب
كلّ أحد لكلّ أحد في جميع ما يخبر به ويعدّه ، وهكذا تلاشى المجتمع الإنساني
من حينه .
فينبغي لهذا القائل أن يعلم أنّ هذه الخصال لا ترتحل
ولن ترتحل عن الدنيا ، وأنّ الطبيعة الإنسانيّة مستمسكة بها حافظة لحياتها ما
دامت داعية للإنسان إلى الاجتماع .
وإنّما الشأن كلّ الشأن في تنظيم هذه الصفات وتعديلها
بحيث توافق غرض الطبيعة والخلقة في دعوتها الإنسان إلى سعادة الحياة ، ولو
كانت الخصال الدائرة في المجتمع
(64)
المترقي اليوم فضائل للإنسانية معدلة بما هو الحري من التعديل ، لما أوردت
المجتمع مورد الفساد والهلكة ، ولأقر الناس في مستقر أمن وراحة وسعادة .
ولنعد إلى ما كنّا فيه من البحث فنقول : الإسلام وضع
أمر الإزدواج ـ فيما ذكرناه ـ موضعه الطبيعي ، فأحلّ النكاح وحرّم الزنا
والسفاح ، ووضع علقة الزوجية على أساس جواز المفارقة وهو الطلاق ، ووضع هذه
العلقة على أساس الإختصاص في الجملة على ما سنشرحه ، ووضع عقد هذا الإجتماع
على أساس التوالد والتربية ، ومن الأحاديث النبوية المشهورة قوله صلى الله
عليه وآله وسلم : « تناكحوا تناسلوا تكثروا » .
2 ـ إستيلاء الذكور على الإناث :
ثم إنّ التأمل في سفاد الحيوانات يعطي أنّ للذكور منها
شائبة إستيلاء على الإناث في هذا الباب ، فإنّا نرى أنّ الذكر منها كأنّه يرى
نفسه مالكاً للبضع مسلّطاً على الاُنثى ، ولذلك ما ترى أنّ الفحولة منها
تتنازع وتتشاجر على الإناث من غير عكس ، فلا تثور الاُنثى على مثلها إذا مال
إليها الذكر ، بخلاف العكس ، وكذا ما يجري بينها مجرى الخطبة من الإنسان ،
إنما يبدأ من ناحية الذكران دون الإناث ، وليس إلاّ أنّها ترى بالغريزة أنّ
الذكور في هذا العمل كالفاعل المستعلي ، والإناث كالقابل الخاضع ، وهذا
المعنى غير ما يشاهد من نحو طوع من الذكور للإناث في مراعاة ما تميل إليه
نفسها ويستلذه طبعها ، فإنّ ذلك راجع إلى مراعاة جانب العشق والشهوة واستزادة
اللذة ، وأمّا نحو الإستيلاء والإستعلاء المذكور ، فإنه عائد إلى قوّة
الفحولة وإجراء ما تأمر به الطبيعة .
وهذا المعنى ـ أعني لزوم الشدّة والبأس لقبيل الذكور ،
واللين والإنفعال لقبيل الإناث ـ مما يوجد الإعتقاد به قليلاً أو كثيراً عند
جميع الاُمم حتى سرى إلى مختلف اللغات ، فسمّي كلّ ما هو شديد صعب الإنقياد
بالذكر ، وكل ليّن سهل الإنفعال بالاُنثى ، يقال : حديد ذكر ، وسيف ذكر ،
ونبت ذكر ، ومكان ذكر ، وهكذا .
وهذا الأمر جارٍ في نوع الإنسان ، دائر بين المجتمعات
المختلفة والاُمم المتنوعة في
(65)
الجملة ، وإن كان ربما لم يخل من الإختلافات زيادة ونقيصة .
وقد اعتبره الإسلام في تشريعه ، قال الله تعالى : (
الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله
بعضهم على بعض ) (1) ، فشرع وجوب إجابتها له إذا
دعاها إلى المواقعة إن أمكنت لها .
3 ـ تعدد الزوجات :
وأمر الوحدة والتعدد فيما نشاهده من أقسام الحيوان غير
واضح ، ففيما كان بينها اجتماع منزلي تتأحد الإناث وتختص بالذكور ، لما أنّ
الذكور في شغل شاغل في مشاركتها في تدبير المنزل وحضانة الأفراخ وتربيتها ،
وربما تغيّر الوضع الجاري بينها بالصناعة والتدبير والكفالة ، أعني بالتأهيل
والتربية كما يشاهد من أمر الديك والدجاج والحمام ونحوها .
وأمّا الإنسان فاتخاذ الزوجات المتعددة كانت سنّة
جارية في غالب الاُمم القديمة كمصر والهند والصين ، بل والفُرس والروم
واليونان فإنهم كانوا ربما يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدناً
يصاحبونها ، بل وكان ذلك عند بعض الاُمم لا ينتهي إلى عدد يقف عليه كاليهود
والعرب ، فكان الرجل منهم ربما تزوّج العشرة والعشرين وأزيد ، وقد ذكروا أنّ
سليمان الملك تزوّج مئات من النساء .
وأغلب ما كان يقع تعدد الزوجات إنما هو في القبائل ،
ومَن يحذو حذوهم من سكّان القرى والجبال ، فإنّ لرب البيت منهم حاجة شديدة
إلى الجمع وكثرة الأعضاء ، فكانوا يقصدون بذلك التكاثر في البنين بكثرة
الإستيلاد ؛ ليهون لهم أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشتهم ، وليكن ذلك وسيلة
يتوسّلون بها إلى الترؤس والسؤدد في قومهم على ما في كثرة الإزدواج من تكثّر
الأقرباء بالمصاهرة .
وما ذكره بعض العلماء أنّ العامل في تعدد الزوجات في
القبائل وأهل القرى إنّما هو كثرة المشاغل والأعمال فيهم ، كأعمال الحمل
والنقل والرعي والزراعة والسقاية والصيد والطبخ
____________
1 ـ النساء : 34 .
(66)
والنسج ، وغير ذلك ، فهو وإن كان حقاً في الجملة ، إلاّ أن التأمل في صفاتهم
الروحية يعطي أنّ هذه الأعمال في الدرجة الثانية من الأهمية عندهم ، وما
ذكرناه هو الذي يتعلّق به قصد الإنسان البدوي أولاً وبالذات ، كما أنّ شيوع
الإدّعاء والتبنّي أيضاً بينهم سابقاً كان من فروع هذا الغرض .
على أنّه كان في هذه الاُمم عامل أساسي آخر لتداول
تعدد الزوجات بينهم ، وهو زيادة عدّة النساء على الرجال بما لا يتسامح فيه ،
فإنّ هذه الاُمم السائرة بسيرة القبائل كانت تدوم فيهم الحروب والغزوات وقتل
الفتك والغيلة ، فكان القتل يُفني الرجال ، ويزيد عدد النساء على الرجال
زيادة لا ترتفع حاجة الطبيعة معها إلاّ بتعدد الزوجات .
والإسلام شرّع الإزدواج بواحدة ، وأنفذ التكثير إلى
أربع بشرط التمكن من القسط بينهن ، مع إصلاح جميع المحاذير المتوجّهة إلى
التعدد على ما سنشير إليها ، قال تعالى : (
ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) (1) .
وقد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات :
أولاً : أنّه يضع آثار سيئة في المجتمع ، فإنه
يقرع قلوب النساء في عواطفهن ويخيّب آمالهن ، ويسكن فورة الحب في قلوبهن ،
فينعكس حسّ الحبّ على حسّ الإنتقام ، فيهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية
الأولاد ، ويقابلن الرجال بمثل ما أساؤوا إليهن ، فيشيع الزنا والسفاح
والخيانة في المال والعرض فلا يلبث المجتمع دون أن ينحط في أقرب وقت .
وثانياً : أنّ التعدد في الزوجات يخالف ما هو
المشهود والمتراءى من عمل الطبيعة ، فإنّ الإحصاء في الاُمم والأجيال يفيد
أنّ قبيلي الذكورة والإناث متساويان عدداً تقريباً ، فالذي هيأته الطبيعة هو
واحدة لواحد ، وخلاف ذلك خلاف غرض الطبيعة .
وثالثاً : أنّ في تشريع تعدد الزوجات ترغيباً
للرجال إلى الشره والشهوة ، وتقوية لهذه القوة في المجتمع .
____________
1 ـ البقرة : 228 .