|
10/9/2001
23 عاما على تغييب الإمام (2)
لو كان الإمام في لبنان لما ذهب الخميني
إلى باريس بقلم: د. علي الحسن
قد يكون التاريخ
ظالما لأن من يكتبه ويدونه نحن البشر المعرضين للخطأ في الرواية أو في الحفظ
أو في النية الطيبة أو السيئة! ومهما حاولنا أن نترفع ونتسامى في المثالية
وعدم التحيز فاننا سنقع حتما في بعض الخطأ ولو كان نسبيا، فالاستعانة
بالذاكرة وحدها قد تجرنا للانحدار إلى الخطأ في التذكر أو السرد، وذلك مما
سيترك أثرا غير دقيق يبعد التأريخ عن الحقيقة المجردة التي هي في أغلب
الأحيان صعبة المراد هذا ان أردناها.. إلى ذلك يضاف النقص أو عدم الاكتمال في
جعبة المعلومات أو التحليل مما يؤدي إلى ظلم الغير وتجاوز السرد إلى التعليق
على الأحداث وابداء الرأي والبوح بالخواطر. والكتابة عن الإمام الصدر تحديدا،
هذا الرجل العظيم والقائد الكبير الذي غير التاريخ الحديث للعرب والاسلام في
المقاومة اللبنانية والاستشهاد التي أطلق شعارها يوم لم تكن بعد اجزاء من
لبنان محتلة والذي قال فيه السيد حسن نصرالله "لقد أسس الإمام الصدر لفكر
المقاومة فهو أب المقاومة وهو الأب الروحي لنا" كما قال عنه الرئيس بري رئيس
أفواج المقاومة اللبنانية "ان لبنان سلك الطريق الذي رسمه الإمام الصدر وتحت
ظل عباءتك انتصر الوطن، وهذا زرعك أثمر نصرا وتحريرا". كما ساعد على تغيير
وجه ايران في مساهمته الفعالة في اطلاق ونجاح المقاومة الايرانية المسلمة
والاطاحة بعهد الشاه.. يقول أحد كبار رجال الثورة آية الله عبد الكريم موسوي
اردبيلي "كان أمة ولم يكن واحدا انه من نواة الثورة الأولى التي شكلها الإمام
الخميني ولم يكن من حوله يتجاوز عددهم العشرين هم أصل الأول من بين هؤلاء وهم
المخططون للمستقبل وواضعوا أسس الثورة لما بعد".
بعد هذه المقدمة
الطويلة التي تمهد لنا من خلال آراء عديدة سنأتي على ذكرها تباعا على لسان
كبار ثوار وأبطال تحرير الشعب الايراني، يسعدني ان سنحت لي الظروف في تلك
الأيام بأن أرافق سماحة الإمام من أواخر الستينات وحتى احتجازه في ليبيا،
ورغم عاطفتي الجامحة نحو هذا القائد، فانني سأحاول الا أنزلق إلى العاطفة بل
سأحلل الأحداث وأعللها من خلال معلومات محددة عن جزء يسير من دور الإمام
الصدر في الثورة الإسلامية الايرانية هذا الدور الذي بقي يلفه الكثير من
الغموض، حتى عند بعض أركان الثورة كالشيخ الرئيس رفسنجاني مثلا في مذكراته،
وعلى كثير من المسلمين والعرب وذلك من منطلقين اثنين: الأول ان الثورة أتمت
انتصارها وكان الإمام مغيبا ولم تعرف الناس دوره، وثانيا وهذا هو الأهم وأسمح
لنفسي بتسميتها باطنية الإمام الصدر في موضوع الثورة وتفاصيلها. لذا ولكل ذلك
سأحاول أن أكون محقا غير مغال في دور الإمام الكبير...
أواخر الستينات
وتحديدا بعد عودتي من المانيا في شهر أيلول عام 1969، زار لبنان رئيس جمهورية
المانيا الغربية، وطلب مني الإمام الذهاب لزيارته باسم سماحته وابلاغه تحيات
الإمام وشكره لموقف حكومته من الأخوة المعارضين الايرانيين، كما طلب مني
التمني على المانيا اتخاذ موقف غير منحاز لإسرائيل.. ورافقني في تلك الزيارة
الدكتور مصطفى شمران الذي عرفني عن نفسه بانه مدير مؤسسات الإمام الصدر في
صور وانه يحمل سجادة من صنع المؤسسة كهدية وعربون صداقة وامتنان للشعب
الألماني ورئيسه السيد "شل".. يومها تساءلت وثارت شكوكي: دكتور في الفيزياء
من أهم الجامعات الأميركية يعمل في صنع السجاد ولا يذهب إلى جامعات بلاده
للتدريس وتمر الأيام وتتوطد العلاقة بيني وبين الدكتور شمران حين ابتدأت أعرف
القليل من شخصيته الجدية والغامضة.. حين كان يمضي عندي ليال طوال، فهمت من
خلالها الدور الكبير الذي يؤديه الإمام الصدر في الثورة حيث كان للدكتور
شمران (ودون أن يبوح مباشرة بذلك) الدور الكبير في ماكينة واستراتيجية الإمام
الصدر بالنسبة للثورة الايرانية، كان يدرب العناصر الايرانية في منطقة صور،
كما كان يرسل الأسلحة الخفيفة إلى الثوار الايرانيين وفهمت أنه أرسل لايران
عن طريق مرفأ اللاذقية إلى مرفأ البصرة، باخرة فواكه وخضار وبينها الأسلحة
التي أرسلت برا إلى ايران.. وبعد انتصار الثورة عينه الإمام الخميني وزيرا
للدفاع الخ.. واغتيل على خط المواجهة ويقال ان الرصاصة التي قتل بها أتت من
الجهة الايرانية والله أعلم..
القصة الثانية أو
الدليل عن دور الإمام في ايران، هو الأخوة الذين كنا نجتمع بهم صدفة وبشكل
شبه متكرر في ساحة المجلس الشيعي والذين علمنا بعد انتصار الثورة انهم شكلوا
أكثر من نصف عدد الوزراء في أول حكومة بعد نجاح الثورة.. هؤلاء ما هي
قضيتهم؟..
قصتهم تعود إلى
أيام الثورة الأولى التي قام بها محمد مصدق وصفوي وآية الله الكاشاني وكان
الإمام الصدر قد ابتدأ مع جماعة من الوطنيين نشاطه السياسي، وأثمرت بتأليف
"حركة تحرير ايران" التي تزعمها المهندس الراحل مهدي بازركان ومن أعضائها
جامعيون تخرجوا من الجامعات الغربية ولقد كان مرشدهم الإمام الصدر فكان
يزورهم في المانيا وفرنسا وغيرهما حيث استطاع ان يحصل لهم على اذن اقامة في
دول العالم وفي احدى المرات عجز أحدهم في الحصول على جواز سفر، فرتب له
الإمام تكليفا كملحق ثقافي لاحدى الدول العربية في باريس.. يطول الحديث ولن
أطيل ولكنني أذكر ان أحدهم والذي أصبح نائب رئيس وزراء في الجمهورية
الإسلامية:"صادق طباطبائي" سأل الامام الخميني عن سبب اختياره فرنسا بعد
اخراجه من العراق فقال: "لو كان خالك في لبنان لما تشردت هكذا ولما أتيت إلى
هنا" ويضيف الطباطبائي: لقد كانت سفرات السيد موسى إلى المانيا للاجتماع إلى
الدكتور محمد بهشتي وكان مديرا للمركز الاسلامي في هامبورغ واستعراض آخر
التطورات ومناقشة الخطوات اللاحقة، وكنت أكلف أحيانا بنقل رسالتيهما إلى
الإمام الخميني في النجف، ويضيف "وكنت أحضر بعض اجتماعات التقييم العام، ولكن
الجلسات التي يتخذون فيها مقررات كانت مغلقة" ثم كشف الدكتور طباطبائي ما
يمثل موقع الصدر بالنسبة للثورة ككل.. كان النقاش يدور حول من يخلف الإمام
الخميني في معرض التخطيط لما بعد نجاح الثورة الاسلامية، وربما كان النقطة
الوحيدة التي لم يصلا إلى نقطة اتفاق حول الشخصية التي تتوافر فيها الشروط
المتفق عليها منهما معا، فالدكتور بهشتي اقترح آية الله الشيخ حسين منتظري
باعتباره تربى وتخرج على يد الإمام الخميني وواكبه في الكثير من التحولات
والمتغيرات وانه شجاع لا يخاف.. أما السيد موسى فقد رأى ان هذا لا يكفي
فالزعيم السياسي يجب ان يرى لليوم وللغد ولما بعد الغد، وهذا متوافر بالسيد
محمد باقر الصدر في العراق وحسبه ان استطاع أن يضع حلولا لأمور بقيت عالقة
مائة وخمسين عاما تهيبا من الفقهاء من الدنو منها".
لا أشاء أن أروي
كل ما قيل عن السيد موسى من قبل قادة الثورة وكبار رجال الدين من آية الله
أردبيلي إلى آية الله شريعة مداري وأولا وليس آخرا قول الإمام الخميني عنه
لصادقي والشيخ كربلائي كانت في البداية علاقة استاذ بتلاميذه ونمت إلى علاقة
مميزة وقد لمسنا عند اختفاء الصدر ان الإمام الخميني يعتبره ابنه وربيبه وأمل
الاسلام ومستقبله (حجة الاسلام كرماني)- كما سأروي قصة بسيطة يوم ذهبت للإمام
الصدر بعد سحب جواز سفره الايراني بسبب نشاطه الذي كان يظهر للعلن أولا بأول،
وسألته عن القصة فقال: والله والله سنسحب العرش من تحت رجلي الشاه الطاغية..
سألت وهل سنعيش هذا اليوم!! فنظر وكأنه يخفي الكثير.. والله سيكون قريبا
وقريبا جدا.. تذكرت كلامه بعد سفره إلى ليبيا وسفري في اليوم ذاته إلى برلين
حيث اخذت الصحف الالمانية تتكلم عن التظاهرات ومشروع انقلاب الخ في ايران
وذكرت صحيفة كبرى ان زعيم الثورة االايرانية، سيكلف السيد موسى الصدر برئاسة
الجمهورية الاولى وكتبت صحيفة اخرى: هناك رجل طويل القامة اخضر العينين عنده
جاذبية "كاريزما" وشعبية سينتخب رئيسا لجمهورية ايران الثورة وهو من عائلة آل
الصدر.
واخيرا لا آخرا
اروي قصة كتبها مستشرق الماني يدعى (ديتريش ديتل) في كتابه (1979) بعد اختطاف
الإمام يقول فيه "ان دور موسى الصدر هو الشرارة الاولى التي ادت إلى قيام
الثورة الايرانية، وان تحركه من لبنان إلى جميع الدول الأوروبية لتنظيم
الثورة كانت نتيجته الجمهورية الاسلامية الايرانية، ويتكلم فيه عن العلاقة
العضوية المتينة التي تربط بين الإمام وجميع الثوار كائنا من كانوا، ولكن
الاهم في هذه العلاقات هي التنسيق مع الإمام الخميني.. وهو الذي كان يهيئ
الاتصال للثوار وللاحزاب مع الخميني في منفاه في العراق".
بعد الافاضة
والشرح الطويل يفهم معها المرء من خلال هذه الوقائع والشهادات اثر الإمام
الصدر كما أنه يجب ان نفهم ايضا سبب عدم معرفة الشيخ رفسنجاني لهذه المواضيع
في مذكراته "خلاف وتضامن مع الصدر" وانني مع احترامي وتقديري للرئيس
رفسنجاني ودوره في نجاح الثورة، رأيت من واجبي الشرعي والوطني ان اصحح بعض
معلوماته المستقاة من مصادر بعضها غير صادق وبعضها الآخر حاقد واولها
كالمرحوم محمد منتظري ومحمد صالح الحسيني الذين كانوا وحسب قول المستشرق
الالماني ديتل "كانت تجمعهم علاقة عضوية مع اليسار اللبناني بالاضافة إلى
علاقة حميمة مع السفارة الليبية في لبنان في ذلك الوقت، والكل يعرف هويتهم
واهواءهم، كما اننا لو رجعنا إلى اقوال الطباطبائي عن جلسات النقاش الذي كان
يدور بين الإمام الصدر ود. بهشتي بالنسبة لهذا الموضوع يثبت لنا أن الإمام
الصدر كان يهيئ المرحوم السيد محمد باقر الصدر لدور كبير بدل آية الله منتظري
الذي كان يحوز على شعبية الكثيرين من علماء الدين الايرانيين.
واخيرا نكرر
وبكل اخلاص وصدق وللتاريخ والتأريخ، ان كل ما ذكرته على لسان الاخوة
المجاهدين وكل ما ذكرته عن تحركات الإمام الصدر هو الحقيقة والحقيقة فقط..
واكرر قول الإمام علي "إذا اقبلت الدنيا على احد اعارته محاسن غيره وان ادبرت
عنه سلبت من محاسن نفسه" هذه سنة الطبيعة، وفي النهاية ارتل قوله تعالى: "ان
يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس". وما من احد اشد صمما من أولئك الذين لا يريدون ان سمعوا. مجلة الشراع |