31/8/2001

الإمام الصدر ...والحروبيون

توفيق شومان       

حين اعتصم الإمام الصدر في مسجد الصفا استنكارا للحرب, استعداه اليسار واتهمه اليمين.

كان اليسار يمتطي صهوة الخطاب القائل بأن اليمين ذاهب نحو اقتلاع الوجه العربي للبنان والتآمر على المقاومة الفلسطينية, الأمر الذي يدفع لإعلان الحرب عليه, في حين أن مقولة اليمين كانت تستمد عناصرها من التأكيد على أن مشروع التوطين الفلسطيني رأس حربته الدولي, مما يستدعي أيضا إعلان الحرب عليه.

الإمام الصدر, ذهب إلى الاتجاه المعاكس, معتبرا أن الحرب مؤامرة على لبنان, وما يستظل اليمين به أو اليسار, لا يخرج عن كونه نحرا لكيان سياسي يقوم على منطق التسوية بين أبنائه.

اليمين واليسار اجتمعا على ضدية الصدر وأدخلا لبنان, كل من زواياه, في دورة عنف قاتلة لم تنته آثارها حتى هذه اللحظة, وفيما كان اليمين واليسار يوغلان في نمذجة لبنان وتنميطه يساريا أو يمينيا, بما يعني تغليب فئة لبنانية على أخرى, كان الصدر يؤكد على جمعية لبنان وكونه موئلا لكل أبنائه وفئاته وطوائفه.

ومثل هذا الخطاب الذي لا يثير العصبيات ولا يدفع الغرائز إلى الاستفسار والتمترس, بدا خطابا غريبا عن الواقع اللبناني في العام 1975, ذلك أنه كان المطلوب آنذاك, التدشم بالتلاعن وتبادل الاتهام, وصولا إلى إطلاق العنان لفوهات البنادق والمدافع, وهكذا غاب خطاب الإمام الصدر, في غياهب العصبيات الملبدة والغرائز المذهبية طوعا إلى التقاتل وإحراق الوطن.

كان المطلوب من الصدر في العام 75 إزاحة العقل جانبا والانضمام إلى قطيع الجنون والحروب, غير أن الصدر كان يعي أن الحرب الداخلية لا تعني سوى مسألتين:

الأولى تكمن في نقل العدوان الإسرائيلي إلى الداخل اللبناني, والثانية لا تخرج عن سياق العبث, أي الانصياع إلى منطق القتل المجاني, وفي المسألتين, فإن لبنان واللبنانيين خاسران, وفوق ذلك, فإن أوان السلم بين اللبنانيين سيحل آجلا أو عاجلا, فلماذا الحرب إذا؟

لماذا الحرب؟! ذاك هو السؤال الكبير الذي طرحه الصدر قبل أكثر من ربع قرن, ولأن منطق الحروبيين يتغلب عادة على منطق العقل خاصة عندما تتهيج العصبيات والغرائز, كان لا بد لمنطق الصدر أن يذوي وأن تأتيه الطعنات من كل جانب, إلا أن الحروبيين الذين اعتقلوا الزمن ردحا, ثم عاد الزمن إياه وتفلت منهم, ها هم يقولون الآن: لماذا كانت الحرب بالفعل؟!

مشكلة الإمام الصدر أنه كان استراتيجيا ورؤيويا, ومثل هذا الرجل بهذه القامة, لا يعطيه سوى التاريخ حقه.

عودة