|
16/5/2001
موسى الصدر في كنيسة الكبوشية ويوحنا بولس
الثاني في الجامع الأموي
كريم بقرادوني
الإرادة
أقوى من المرض، والإيمان أقوى من التاريخ. بإرادته الفولاذية تغلب البابا
يوحنا بولس الثاني البالغ من العمر واحداً وثمانين عاماً على مرض "الباركينسون"
الذي يعوق حركته لينجز رحلة صعبة وتاريخية على خطى القديس بولس.
وبإيمانه المسكوني الجامع حاول أن ينتصر على الصراعات التاريخية التي تتحكم
بالعلاقات المسيحية –
المسيحية والإسلامية –
المسيحية، ليكون أول بابا يزور أثينا منذ الإنشقاق الكبير في العام 1054 بين
الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، وأول بابا في التاريخ يدخل مسجداً حين
صلى أمام ضريح يوحنا المعمدان في الجامع الأموي الكبير في دمشق.
من أثينا أظهر البابا مدى حرصه على إعادة اللحمة بين المسيحيين على الرغم من
اعتراض عدد من رجال الدين في الطائفة الارثوذكسية على زيارته، ومن دمشق أثبت
مدى تمسكه بحوار الأديان، وقد شجعه في سعيه الاستقبال الحار الذي أعده له
السوريون على خلاف اليونانيين.
زيارة أثينا هي خطوة مهمة على طريق المصالحة بين الكاثوليك والأرثوذكس.
وزيارة دمشق هي خطوة أخرى على طريق التقارب المسيحي
–
الإسلامي في العالم بدءاً من الشرق الأوسط، وهو مهد الديانات الثلاث،
وتأسيساً على النموذج اللبناني الذي خصه البابا في العام 1997 بزيارة لافتة
وارشاد رسولي مميز.
لحظة الإعلان عن عزم البابا يوحنا بولس الثاني على أن يصلي في الجامع الأموي،
اتجهت أفكاري تواً إلى صلاة أخرى اقامها منذ ربع قرن ونيف الإمام موسى الصدر
في كنيسة الكبوشية ببيروت في شباط1975، وقد أمَ المؤمنين المسيحيين والقى
فيهم عظة كانت الأولى التي يقيمها إمام مسلم في كنيسة مسيحية.
بابا يصلي في مسجد وإمام يصلي في كنيسة، بهذا يسير العالم إلى خلاصه. ويبرز
لبنان شهيداً وشاهداً: شهيداً لفظاعة حرب الأديان، وشاهدا على إمكانية
التعايش فيما بينها.
لم يسمع أحد الصلاة الصامتة التي أداها البابا منذ أيام أمام ضريح يوحنا
المعمدان في الجامع، غير أن العديد من اللبنانيين ما زال يذكر العظة التي
ألقاها الإمام منذ سنوات في كنيسة الكبوشية. ولا أخطئ إذا ما زعمت أن بعض
صلاة البابا الصامتة اليوم تلتقي وعظة الإمام العلنية في الأمس.
صلاة البابا الدائمة هي من أجل الإنسان والإنسانية والسلام والوئام. وعظة
الإمام في كنيسة الكبوشية جاءت تحت عنوان: " حفاظاً على الإنسان". واختار
الإمام هذا العنوان ليؤكد على أولوية الإنسان ووحدة الهدف بين الأديان. وقد
استهل عظته بالقول: " اجتمعنا من أجل الإنسان الذي كانت من أجله الأديان..
والأديان واحدة حيث كانت في خدمة الهدف الواحد: دعوة إلى الله وخدمة للإنسان،
وهما وجهان لحقيقة واحدة.
وتابع الإمام عظته فأشار إلى أن الخلافات بين الأديان بدأت تظهر وتكبر حين "
اتجهت الأديان إلى خدمة نفسها، ثم تعاظم اهتمامها بنفسها حتى كادت ان تنسى
الغاية، فتعاظم الخلاف واشتد، وازدات محنة الإنسان وآلامة".
ولو أردت أن أقارن بين ما قاله الإمام في بيروت وما يقوله البابا في كل أرجاء
العالم لوجدت تطابقاً شبه كامل في نظرتهما إلى الله والإنسان والكون. وقد رأى
كل من منظاره وأحياناً بألفاظ متقاربة بأن الأديان هي في الأصل واحدة لأنها
تؤمن بالله الواحد، وهدف الأديان هو الإنسان الواحد، ومصير هذا الكون واحد.
وفي كل مرة ابتعدنا عن الله وعن الإنسان تفرقنا شيعاً ومذاهب وطوائف ودخلنا
في حروب لا تنتهي.
حذر الإمام من آفات الكذب والنفاق والغرور والكبرياء، ومن أنانيات التمييز
العنصري واحتقار الآخرين وحب الذات حين يصير عبادة للذات، وحب المال حين يصبح
هدفا يسحق ويفرق، وبه يبلع الكبير الصغير. ووصل به المنطق الى الإعلان أن "
المال هذا فتنة" فارتجت جدران الكنيسة واهتزت ضمائر المؤمنين.
ذكر المسيحيين بقول الحبر الأعظم حينذاك بولس السادس بأن " المسيح والفقير
شخص واحد". وأشار إلى ما ورد في الأثر الاسلامي الثابت:" أنا
–
أي الله –
عند المنكسرة قلوبهم، أنا كنت عند المريض عندما عدته، وعند الفقير عندما
ساعدته، ومع المحتاج عندما سعيت لقضاء حاجته".
نادى بالحرية، وندد بمعارضيها والمعتدين عليها، وندد بكل ما يمسها " من
الاستبداد إلى الإستعمار، ومن الاقطاع إلى الإرهاب الفكري، وادعاء الوصاية
على الناس واتهامهم بأنهم لا يفهمون".
نبهَ إلى مخاطر الإنزلاق إلى الإقتتال بين اللبنانيين نتيجة تنمية بعض
الطوائف والاتجاهات وحرمان البعض الآخر. فعندما تنمو السياسة والإدارة والسوق
والعمران بصورة غير منسقة تصبح حياة الإنسان على حد قوله " متارجحة بين
الحروب الساخنة والباردة، وبين فترة تضميد الجراح والسلام المسلح.. فكلما نمت
حاجة من حاجاته على حساب الآخرين أصبحت وبالاً. وكلما نمت جماعة أو حاجات
الجماعة على حساب جماعات وحاجات أصبحت وبالاً ومصيبة. عظة موسى الصدر في شباط 1975 جاءت قبل شهرين من اندلاع حرب لبنان، عسى أن تكون صلاة يوحنا الثاني في مدينة القنيطرة وغرسه شجرة الزيتون في أرضها إيذانا باقتراب السلام في الشرق الأوسط.
|