|
9/5/2001
التخلص من أعداء الديمقراطية د. حسين كنعان
يقول ابن عربي " إن هذا الفكر هو الذي شوه صورة العقل". إن دل هذا القول على
شيء فإنما يدل على ان الفكر الميليشياوي في لبنان، سواء في السلطة أو خارجها،
هو الذي يشوه صورة الدولة من الداخل وصورة المجتمع المدني من الخارج، وفي
الحالتين كلتيها يشوه صورة الحالة الذهنية التي يتكون منها الوطن.
إن انتصار الدولة الحديثة وانتصار المجتمع المدني بمؤسساته هما إلغاء فعلي
وعملي للفكر الميليشياوي ولو لبس صاحبه ثوب المسؤول في السلطة التشريعية او
غيرها. لأن أولئك الذين أفرزتهم الحرب لم تتغير ذهنيتهم، فهم لم يعتادوا
ممارسة السلطة بالطرق الذيموقراطية لأنها في الأساس لم تكن في صلب تربيتهم.
فهم في حالة تأهب دائم
للانقضاض على مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لالغائهما أو اضعافهما فيبقى
دورهم قائماً مع أبنائهم واخوتهم وازلامهم.
لقد اعتصم الإمام الصدر في الكلية العاملية داعياً إلى اطفاء شرارة الحرب
الأهلية، وقد وقف معه الكثير من الشرفاء والوطنيين من جميع الطوائف، وعندما
لم يستطع وقف المؤامرة تحرك من البقاع لدعم مؤسسات المجتمع المدني والمحافظة
على مؤسسات الدولة.
لم يرد في خاطره البتة أن ينقض انسان عاقل وشريف على مؤسسات الوطن، أو ان
يحارب أخ لبناني أخاه المواطن. ولكنه آمن بكل فخر واعتزاز بالفكر المقاوم
والمناهض للإعتداءات الإسرائيلية على لبنان وعمل جاهداً على تعزيز فعل
المقاومة ودورها. لقد ميز بين المقاومة والميليشيات وتحققت أمانيه وافكاره
وطموحاته وانتصرت المقاومة على العدو الصهيوني وأصبحت بفعلها منارة ومفخرة
للبنان وكل العرب. الأمل والرجاء أن تتحقق دعوته لقيامة دولة الديموقراطية
والعدالة وابعاد الميليشياويين والفاسدين وتطهير المجتمع منهم.
كان يعرف:
أنهم لا يؤمنون بقيامة الوطن لأن ذلك إذا حصل سيكون على حسابهم وإلغاء
لدورهم.
أنهم، ومن خلال تربيتهم في الحرب الأهلية، لا يؤمنون بالقضايا المحقة ولا
بالمواطنية الصحيحة بل برعايا وجباة عندهم يقاسمونهم الغنائم ويرشدونهم لهدر
المال العام واقتناصه.
إنهم يسعون دائماً لتعيين الأهل والحاشية والازلام في مناصب حكومية وادارية
وغيرها لتفتيت الإدارة وتخريبها من الداخل.
انهم يعملون جاهدين لمحاربة أي مواطن يرتبط بالدولة ارتباطاً مخلصاً ويصنفونه
بالعدو ويدأبون على محاربته بمختلف الوسائل.
لبنان الذي كان منارة الشرق يقف اليوم مكبل الأيدي بسببهم طالباً العون من كل
المخلصين للتخلص منهم ومن أمثالهم انقاذاً لنفسه. إن أحلام الماضي لا تزال في
ذاكرة اللبنانيين تعيدهم إلى مفاخرتهم بتركيبتهم الاجتماعية واعتزازهم بصفتهم
السياسية وعيشهم مع
بعضهم البعض في محبة وإخاء. كل هذا كان عنواناً كبيراً في وجه العنصرية
والتفرقة، وقد سجل المحللون والاكاديميون مأخذاً قوياً على الذين يدافعون عن
قيام الدولة العبرية بشعار: لماذا لا يتعايش اليهودي والمسيحي والمسلم على
أرض فلسطين ويكونوا مثل لبنان الوطن الذي كان يتمتع ابناؤه بنهضة ثقافية لا
مثيل لها في المنطقة واقتصاد حر ومزدهر ينعم به الجميع، ناهيك بالتقدم
الديموقراطي الذي كان يعمل اللبناني جاهداً لتطويره نحو الأحسن والأفضل.
هذا النموذج اللبناني أزعج اسرائيل لأنها أصبحت مدانة في عنصريتها إذا قورن
نظامها بنظام لبنان، لذلك عملت جاهدة مع المتآمرين على تقويض البنية
اللبنانية وتهديمها لأن سؤال " لماذا لا تكونوا مثل لبنان؟" أصبح وصمة عار
على جبين الدولة العبرية. وقد عرفت إسرائيل وغيرها أن لبنان تخطى محنة الدول
النامية وأنه ليس مجتمعاً عرقياً أو دينياً يجعل الوطن دائماً في حالة صراع
تنذر بحروب أهلية أو فوضى سياسية.. حتى جاء دور الميليشيات.
في محاضرة لي في الجامعة الأميركية بواشنطن في معهد " اميركا والعالم" عن
الديموقراطية في الشرق الأوسط قلت إن الولايات المتحدة تعيش في فضاء واسع
تموج فيه رياح الحرية والديموقراطية وتترك الفسق والتخلف للآخرين دون
مساعدتهم على تحسين أوضاعهم. فاذا حاولت الديموقراطية ان تنتصر في بلد ما فان
اميركا تعمل على اجهاضها، واكبر دليل على ذلك ما حصل في الجزائر يوم قال
الشعب كلمته وظهرت نتائج الإنتخابات لمصلحة الحركات الإسلامية فقامت أميركا
بدور فاعل في دعم الجيش الجزائري معنوياً والغاء نتائج الإنتخابات.
بعد المحاضرة قام استاذ جامعي يرد على ما أوردت بقوله: ان المحاضر على ما
يبدو لم يتعمق في جذور الديموقراطية، لأن التطوير الذي حصل لها في الغرب كان
فعل مساواة الفرد بالفرد والحفاظ على وثيقة حقوق الإنسان دون تمييز عنصري أو
ديني أو ما شابه ذلك، فإذا انتصرة الميليشيات الإسلامية فإن هذا ليس انتصاراً
للديموقراطية بل لفرق كانت تحارب بعضها البعض ولم تكن تقاوم عدواً خارجياً.
فلهذا نحن نفضل ألف مرة حكم الجيش
على حكم الميليشيات، وان هذا لأكبر مساعدة يمكن ان نقدمها لإنقاذ أي
بلد من الوقوع في اتون الحرب الأهلية. مع العلم بأن ثورة المليون شهيد في
الجزائر كان لها منا تقدير كبير لأنها كانت تقاتل لتحرير الأرض من الفرنسيين.
هذا الرأي يدل على أننا نحن في لبنان يجب أن نتخلص من أعداء الديموقراطية ومن
محادل الانتخابات وأن نعمل على تفعيل العمل الديموقراطي الصحيح وأن نبني
مجتمعاً مدنياً تنطلق في اجوائه رياح الحرية وأن نحمل أمانة الوطن عن حق
ونردد مع ابن الرومي:
لي وطن آليت ألا أبيعه
وألا أرى غيري له الدهر مالكا النهار |