|
24/11/2000
الوحدة الوطنية والانتماء والمواطنة عند
الامام الصدر
د. ساسين عساف
ان خلاصة خلاصات الامام الصدر في المجال السياسي وفي اطار مفهومه للدولة
اللبنانية تختصر بالآتي: "الدولة يجب ان تكون دولة سماوية لا دولة دينية".
هذه اللاهوتية الصافية والاخلاقية العالية في تفكيره السياسي هي امتياز خاص
لمن ارتقى في معارج الطوباوية حتى الذروة الاعلى.
مفهوم الوحدة الوطنية الذي احتل الدائرة المركزية في تفكير الامام يتقاطع
ومفهوم الهوية والانتماء. فالامام لبناني مؤمن بالكيان اللبناني معلماً
حضارياً وقيمة انسانية، مؤمن به كياناً تتجاوز فيه وتتفاعل قيم الاسلام
والمسيحية والعروبة الحضارية، مؤمن به كياناً يواجه عنصرية الكيان الصهيوني،
مؤمن به كياناً واحداً بأرضه وشعبه ودولته. فوحدة الهوية والانتماء عنده هي
للوطن لا لإقليم جغرافي منه، هي للشعب لا لطائفة منه او فئة، هي للدولة لا
لواحدة من مؤسساتها.
وحدة الهوية والانتماء لا تعرف التصنيف او التمييز بين المناطق ولا بين
الطوائف ولا بين المؤسسات. فالشيعة مثلاً، ليسوا حفظة الجنوب، بل حفظة لبنان.
"أنا قلت لهم (للدولة) إني انا الشيخ مستعد لأذهب وأموت على الحدود دفاعاً عن
وطني".. لم يقل الامام دفاعاً عن جنوبي.. هذا ما يفرضه الوعي بوحدة الهوية
والانتماء.
الوعي بالهوية يفرض نوعاً من التلازم العضوي بين الذات والوطن. يقول الامام:
"انا لا أقبل ان أكون عزيزاً ويكون وطني ذليلاً، ان الوطن على حدّ قوله يعيش
في ضمائر أبنائه قبل ان يعيش في الجغرافيا والتاريخ".
الوعي بالهوية يفرض كذلك تلاحماً بين الاحساس بالكرامة الشخصية والكرامة
الوطنية: "أنا لا أقبل ان تهتك الطائرات الاسرائيلية أجواء بيروت وكل المناطق
اللبنانية".
هذه هي لبنانية الامام التامة، فهو لا يعرف أنصاف الهويات والانتماءات، لأنه
لم يكن من أهل المصالح الخاصة: "أقسمنا بلبنان، يقول الامام الا يقسم
الانسان بأعزّ ما يمتلك، هويته وانتمائه؟ سنكون جنود الوطن.. لست طامعاً في
الحكم او النيابة ولا في كرسي".
أما لبنانية الشيعة فقد اختصرها بالقليل الأقلّ من كلام ذي معان جليلة. يقول:
"ان الشيعة كانت منذ أن كان لبنان، والشيعة كانت من لبنان منذ ان كان، عمّرت
سهوله كما عمّرت الجبال، وعصمت جنوبه كما شرقه والشمال. عاشت معه في السرّاء
والضراء، فسقت تراب لبنان من دم، كما رفعت في سمائه ألوية مجد. شاركت الشيعة
في اخضرار لبنان، فلم يعتد الجمال، وقادت ثوراته فلم تعتد السيوف.. ان هذه
الصفات البهيّة من تاريخ الشيعة في لبنان جعلت ميثاقاً عميقاً وأبدياً بينهم
وبين لبنان لا يتنازلون عنه ولا يتنازل هو عنهم". هذه هي لبنانية الشيعة كما
رآها الامام، لبنانية صافية يضوّئها جرح الفداء: "سلوكنا الحسيني يفرض علينا
الدفاع عن ارضنا".
لقد ارتقى الامام بالعلاقة بين الشيعة ولبنان الى أصفى درجات التوحد من دون
ان يصاب بعقدة الاستعلاء او التشاوف التاريخي على أي فريق لبناني آخر، ومن
دون ان يصاب بمرض احتكار الهوية والانتماء، فهو ليس شوفينياً وليس نرجسياً في
منهج تفكيره والتصرف. لبنانية الشيعة كما رآها الامام في جانب آخر، لبنانية
متواضعة ومتأصلة في عمق حضارتها، فالمهاجرون الشيعة على حدّ تعبيره، "لا
تبهرهم حضارة سوى حضارة لبنان".
إيمانه بلبنان يعادل ايمانه بالله وبالانسان، هذا الايمان يعطي الهوية بعدها
اللاهوتي القيمي، ويلقي على الانتماء هالة قدسية، وهو في مستوياته الثلاثة:
اللاهوتية والوطنية والانسانية، يلاحقه أينما كان وفي أي زاوية عاش، فلا خلاص
منه ولا مناص الا بالموت او العجز.
لقد شفّ وعيه ودقّ احساسه بالهوية والانتماء حتى بات لبنان يسكن عقله وقلبه
وضميره وديعة من لدن الله وأمانة من لدن الانسان، عاش في قلق كياني دائم
عليه، وأثقلت الوديعة والامانة كاهله.. أوليس القلق الكياني على الوطن هو
أعلى مراتب الانتماء اليه؟
لبنانية الامام، هوية وانتماء، هي لبنانية والعطاء والخدمة: "تحدثوا عني
كعظيم إلى جانب لبنان العظيم، لكنني ارجو ان أكون خادماً في كيانه وبقائه".
هذا الرجل متجرد تجرد الاطهار والنبيين الذين يؤدون رسالة الخدمة يفيض من
الوعي بالهوية وشعور بالانتماء، محبة الوطن تقتل فيهم شهوة الانتقام منه ان
جار عليهم أو ضام أوظلم: "نحن لا يمكن ان ننتقم من الوطن"، فالانتماء المتجرد
من مأرب أو هوى يجعل المرء غفاراً لمن أساء اليه وآذاه، فالوطن هو "أبعاد
وجود الانسان وأساس كرامته ومجال رسالته، تجب حمايته بالأرواح والدماء،
والدفاع عنه هو دفاع عن الله وأرض الوطن تعكس السماء".
هذا هو معنى الانتماء في معظم اللاهوت السياسي عند الامام.
انتماؤه الصافي للبنان جعل ولاءه اللبناني ولاءً مطلقاً ولكن من دون تحجّر او
تعصّب وانعزال، فالتزامه قومي عربي، ديني اسلامي، وقيمي انساني. لبنانيته لا
تناقض عروبته واسلاميته تتحرك في أفق انساني رحب ومفتوح، تحترم كل الاديان
والحضارات والثقافات وتسعى لخلق التفاعل الايجابي بينها. انه انسان حضاري
بانتمائه، وانتماؤه نقيض الانتماءات البدائية المغلقة. انه انتماء الوعي
المشفّ والفكر الرحب والروح السمحة، لا انتماء العصبية.
تأسيساً على معنى الانتماء كما نفهمه في رؤية الامام ننظر إلى معنى المواطنة.
يقول: "والمواطنون عليهم ان يجتمعوا ويناقشوا ويخضعوا للشرعية ولسلطات
الدولة.. ان الادارة العامة للمواطنين، ان الحكم بين الناس يجب ان تكون لقوة
هي قوة الدولة وسلطانها". فالمواطنة هي علاقة بين المواطن والوطن، و«الحاجة
الى الاوطان ليست ترفاً فكرياً يحددها قانون الدولة القائمة فوق أرضه بإرادة
بنيه، وهي علاقة ينظمها مبدأ الحقوق والواجبات التي من أهمها الحقوق
والواجبات السياسية. "هل يريدون من الجنوبيين ان يسكتوا على كل هذا الاهمال
واللامبالاة ويتحملوا المصائب والموت والدمار وهم يشعرون ويلمسون انهم لا
يتمتعون بأبسط حقوق المواطنة وأولاها، خاصة بعدما أدوا في جميع المراحل
والأوقات واجباتهم كاملة تجاه الوطن والمواطنين؟".
همّ الإمام في مسيرته النضالية والفكرية هو اشعار الجميع بأنهم أعضاء بعضوية
كاملة في جسم الوطن وبنية الدولة. فاللبنانيون ليسوا أبناء تابعيات دينية
مذهبية وطائفية، بل أبناء جنسية واحدة هي الجنسية اللبنانية، وهم خاضعون
لقوانين الدولة اللبنانية وأنظمتها. "الولاء الوطني لا الطائفي هو الحد
الادنى من شروط المواطنية.. يجب ان يعطي الوطن للمواطن اكثر مما تعطيه
طائفته، وبذلك نعمق مفهوم الولاء ونعطيه بعداً انسانياً، وحدة الجنسية تفرض
وجود قوانين وأنظمة عادلة تحمي المواطن وتوفّر له حقوقه المدنية والسياسية
كاملة، والشروط الاجتماعية والاقتصادية الكفيلة بتحقيق الإنصاف وبتأمين
المشاركة الفاعلة في صنع القرارات الوطنية". فلنقوّ هذا الاتجاه الوطني
الواحد بالمشاركة الحقيقية التي هي الميثاق الحقيقي، وهي المواطنية الصادقة
والوحدة الحقيقية. المواطنة تقوم على مبدأ المشاركة وتكتمل بها.
هذا في المبدأ، "اما في الواقع، فلقد أدرك الإمام بعقله العملي وإحساسه
الواقعي ان المواطنة في لبنان بإمكانها ان تكون كاملة ومتكافئة من دون إلغاء
مفتعل للطوائف، وبشرط ألا يشعر المواطن بعجز الطائفة عن ابراز شخصيتها
المتكاملة في مختلف ميادين الحياة، بحيث تكون الظهير لأبنائها وموضع اعتزازهم
وعوناً لهم في الملمات". ولما أنشأ المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، أنشأه
"ليكون قوة مواطنية ضاغطة تنصح وتراقب وتطالب وتقوم برأب الصدع ورتق الفتق
وتمنع الإهمال وتحول دون التفرقة". ما دامت مؤسسات الطوائف تعمل من أجل
المواطنة وتعزيز فكرتها وإدخال موجباتها في النظام السياسي فهي تبقيها فوق
الانتماءات الطائفية. وما دامت الدولة اللبنانية تشمل مذاهب مختلفة وعناصر
متنوعة تعيش بنظام ديموقراطي مسالم فهي توفّر للمواطنة أرقى مضامينها العملية
وأسلم تعبيراتها الحضارية، وتشكّل بذلك نقيض الدول القائمة على أساس عنصري،
ديني أو عرقي.
المواطنة في الانظمة الديموقراطية والدول الحديثة التي تحترم حقوق الانسان
تنابذ تصنيف المواطنين منذ ولادتهم ولا تجعلهم يدفعون أثماناً أرضية متفاوتة
لانتماءاتهم السماوية، وتوجب بينهم العدالة التي تلغي الامتيازات بين مواطن
وآخر.
ان التمييز بين المواطنين على قاعدة انتماءاتهم الطائفية لا يكافح الا بتأمين
حقوق الطوائف. فأبسط حقوق المواطنية القضاء على الاستئثار والطغيان وتجاهل
حقوق الآخرين بدعوى الانتماء الطائفي. المواطنة لا تعرف التمييز أصلاً بين
مواطن وآخر، فكيف اذا كان هذا التمييز يجري على قاعدة النظر في انتماءات
المواطنين الطائفية؟!
من خلال هذه النظرة الوطنية الشاملة نفهم كلام الإمام على حرمان الطائفة
الشيعية، وليس من خلال النظرة المذهبية الضيّقة، وتالياً نفهم كلامه على
الطائفية في النظام الديمقراطي.
والمواطنة في فكر الإمام يستدل عليها من مفهومه للوطن. "فالوطن حقّ وواجب ولا
يمكن فصل أحدهما عن الآخر، والحق من دون واجب صفة للمزرعة، والواجب من دون حق
استعمار محض". لقد وجد الامام في الوطن مواطنين عليهم واجبات وليست لهم حقوق،
فهم لا يعيشون في وطن بل في مستعمرة. ووجد فيه مواطنين لهم حقوق وليست عليهم
واجبات، فهم لا يعيشون في وطن بل في مزرعة. المواطنة الحق ليست في المستعمرة
وليست في المزرعة، انما هي في الوطن الذي يعيش فيه المواطنون سواسية في
الواجبات وفي الحقوق.
الفكرة السائدة في نظام تفكيره في مسألة المواطنة هي فكرة الحق والواجب في
علاقة المواطن بالوطن، وفكرة الأخوّة والعدالة على علاقة المواطن بالمواطن.
وفي "ميثاق لحركة المحرومين" قال الامام: "ترفض الحركة الظلم الاقتصادي
وأسبابه من احتكار الانسان واستثماره لأخيه الانسان، وتعتقد ان توفير الفرص
لجميع المواطنين هو أبسط حقوقهم في الوطن، وأن العدالة الاجتماعية الشاملة هي
أولى واجبات الدولة".. وعليه، فالمواطنة في فكر الامام بعدان: البعد القانوني
والبعد الانساني. فالعلاقة بين المواطن والوطن كما العلاقة بين المواطن
والمواطن لا تحددها المدارس الحقوقية فقط، بل تحددها كذلك المدارس الاخلاقية..
أوليس هو القائل: لا يرتاح الانسان اذا جاع جاره؟.. وإذا كان البعد القانوني
يفرض العدالة التامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين
المواطنين، فإن البعد الانساني يفرض الاحترام والثقة والمحبة والتعاون
المتبادل. القانون ينتج صيغة النظام السياسي، الاجتماعي والاقتصادي الذي يرعى
شؤون المواطنين. والأخلاق تنتج صيغة الحياة المشتركة بين المواطنين. صيغة
المجتمع في فكر الامام تتقدم على صيغة النظام، وشأنه في ذلك شأن جميع
المفكرين الأخلاقيين والإصلاحيين الإنسانيين.
فكره الاصلاحي تبدّى في طرح نوعي متقدم يتناول قانون الاحوال الشخصية ومفاده
الآتي: "ان مجتمع لبنان الطائفي السلبي لا يزول الا عن طريق وحدة الاحوال
الشخصية عند اللبنانيين، وإلغاء قانون الاحوال الشخصية".
المواطنة لا تستوي الا على نصاب وحدة التشريع المدني. وكلام الإمام في هذا
الصدد يؤسس لفقه سياسي مختلف عما هو سائد في دوائر التفكير الديني التقليدية،
ويتجاوز بكثير مسألة إلغاء الطائفية السياسية والإدارية، إلى مسألة إلغاء
الطائفية من أحوال الفرد الخاصة وأحوال المجتمع العامة، فالمواطنية لا تستقيم
في ظل نظام اجتماعي يسمح للأفراد والجماعات بامتلاك قوانين او تشريعات خاصة،
وهذا هو الطريق السليم لإلغاء درجات التفاوت في تعامل الدولة القانوني
والتشريعي مع المواطنين.
في ضوء هذه الافاهيم والرؤى السياسية الثابتة والمتحركة في فكر الإمام نستجمع
الآتي:
1- الإمام الصدر مسلم مؤمن برسالته القرآنية، صافي الروح ومنزّه عن
الماديات، روحاني التطلع طوباوي الآفاق.
2- انساني النزعة يناصر المعذبين في الأرض ويثور على الظالمين، يناضل في
سبيل الحق.. و"الساكت عن الحق شيطان أخر». نزعته الانسانية دفعت فكره
الإصلاحي إلى أقصى درجات الاجتهاد والتفتح.
3- لبناني مؤمن بلبنان وطن رسالة عالمية. كيانيته ربطاً برسالته لا تعني
الجغرافيا فقط او الأرض، بل تعني المدى. وما الأرض سوى الإطار المادي لاختبار
الرسالة وإنجاحها وحمايتها وإطلاقها في المدى الأرحب.
4- عربي بسفور، لا حرج في عروبته إزاء لبنانيته وإسلاميته، عربي حضاري مواجه
للصهيونية والعنصريات كافة.
إن رجلاً مسلماً إنسانياً لبنانياً وعربياً بهذه الأركان يبقى إماماً لشعبه،
فكراً ونهجاً ومسيرة نضال..
قرأت كلاماً للامام موسى الصدر قاله في كنيسة الكبوشية في باب ادريس، ونشره
النقيب زهير عسيران في جريدة النهار يوم 22 أيلول عام 2000، جاء فيه:
"... وأنا جالس تحت الصليب قلت كلاماً ينفع المسلمين والمسيحيين ويخدم وطناً
هو للجميع. فقد شاء الله وقدّر على اللبنانيين ان يعيشوا معاً في كيان واحد
اذا دمّر دمّرت الطوائف جميعاً، ولا عاصم للبنان اليوم والى الابد غير وحدته،
ومن يطلب انفصالاً وعيشاً مستقلاً فهو يطلب المستحيل ويسعى لانهاء وطن،
فلبنان أصغر من أن يتجزأ وأكبر من أن يبتلع بوحدته وتضامنه، وقدره في كينونته
كما شاءها الله، بقاؤه في ايدينا وزواله في ايدينا..".
أذكر هذا الكلام الذي قاله الامام منذ ثلاثين عاماً في مستهل هذه الدراسة
لشدة ارتباطه بواقع أمرنا الراهن الذي بتنا نسمع فيه كلاماً لا ينفع المسلمين
والمسيحيين ولا يخدم وطناً هو للجميع. فالكيان، في ظل كلام لا ينفع شعباً ولا
يخدم وطناً، كيان مهدد بالزوال، بزواله لن تبقى للطوائف كياناتها الخاصة،
والوحدة الوطنية في ظل هذا النوع من الكلام يتعذّر بناؤها فيبقى الوطن،
تالياً، مكشوفاً وبدون عاصم، وبانكسارها لن يقوى أحد على الانفصال والعيش
بالاستقلال عن الآخر، فانهاء الوطن يتم بانكسار وحدته، اما وحدته فهي الكفيل
بجعله عصيّاً على التجزئة والابتلاع. بقاؤه مرهون بوحدة ابنائه.
من جبل عامل، من أرومة العلماء، ابن النجف الاشرف، سليل المرجعيات الشيعية
الكبرى في العراق وايران، وريث المجتهدين والمناضلين والثوار، ابن الجرح
والوجع الكربلائي في تاريخ الأمة، قدم إلى لبنان، وعى عمق التفاوت بين أبنائه
ومناطقه، وقف على دقة توازناته، ادرك دوره في تفاعل الحضارات والثقافات، فشق
دربه النضالي حاملاً في يده وعقله وقلبه ولسانه قضية لبنان بأبعادها
الاجتماعية والسياسية والقيمية، وعلّم منذ البداية انه لا وحدة وطنية في غياب
العدالة الاجتماعية وفي وجود خلل في التوازنات السياسية وفي عدم الاعتراف
بالآخر وجوداً حضارياً ثقافياً متمايزاً ومتفاعلاً من موقع الخصوصية.
من أجل العدالة أسّس حركة المحرومين، ومن أجل التوازن أسّس المجلس الإسلامي
الشيعي الاعلى، ومن أجل التفاعل أسّس لجنة الحوار الاسلامي المسيحي ..
وعليه، ان مرتكزات الوحدة الوطنية عنده هي العدالة بين المواطنين، التوازن
السياسي بين الطوائف، التفاعل بين الاديان والقيم الثقافية.
أولاً: المنطلق الاجتماعي الجغرافي لهذه الوحدة هو أنها وحدة بين المركز
والاطراف تبنى على قاعدة تأمين الحياة الانسانية الكريمة لجميع المواطنين في
جميع المناطق، فالتخلف عدو الوحدة. "رعاية العدل واحقاق الحق ورفع الظلامات
عن جميع المغبونين من المواطنين" كلام قاله الامام الصدر وفي اعتباره واليقين
ان الحرمان هو جغرافي لاحق بعدد من المناطق التي تسكنها غالبية شيعية،
الحرمان في رأيه حرمان مركّب، مناطقي طائفي. ليس للظلم طائفة، فالظالمون من
كل الطوائف والمظلومون من كل الطوائف. يقول: "اننا مع كل المظلومين من جميع
الطوائف"، لا عجب في ما يقول وهو الذي أقسم أربع مرات "بألا نهدأ طالما يوجد
في لبنان محروم شيعياً كان أو غير شيعي وطالما توجد في لبنان منطقة محرومة".
مفهومه للغبن والحرمان ينطوي على نظرة وحدوية ويتحرك نحو أهداف وحدوية،
العدالة للجميع، طوائف ومناطق، هي عنوان الوحدة، ثمة في نظام تفكيره علاقة
جدلية بين الوحدة والانصاف او العدالة. لم يقبل التمييز بين الطوائف ولم
يقبله بين المناطق، فالتمييز هو عامل اضعاف للوحدة، وهو نقيض العدالة، هو
انتهاك لحقوق المواطن واعتداء على كرامته الشخصية، العدالة وكرامة المواطن
يشكّلان حزام الامان للوحدة، يقول السيد الامام: "ان الاساس لبقاء الاوطان
العدالة وكرامة المواطن"، اما وحدة الكيان وثباته فمقيدان بشرط عدم الاستئثار
والطغيان وتجاهل الآخر، "فالاستئثار والطغيان وتجاهل حقوق الاخرين تزعزع كيان
البلد وتعرض مستقبله للخطر".
الفكرة السائدة في نظام تفكيره الاجتماعي هي ان "لبنان بلد الانسان والعيش
الكريم" وانه وطن الجميع، وطن "لا يمكن بقاؤه مع حرمان القسم الاكبر من
ابنائه" و"وحدة شعبه"، بمناطقه وطوائفه المتعددة، يجب ان تترجم بالعدالة
الاجتماعية وبتكافؤ الفرص بين الجميع.
محور تفكيره بقاء لبنان ووحدته الوطنية، يقول: "الاساس بقاء الوطن، بقاء
الأمة. الاساس وحدة لبنان".
ثانياً: المنطلق الاجتماعي السياسي التكويني لهذه الوحدة هو انها وحدة بين
الطوائف، وحدة في التنوع وفي التعددية المتكاملة المبنية على قاعدة المساواة
في العلاقة بالدولة، اشراك الطوائف بشكل متوازن في مؤسسات الدولة هو المبدأ
الثابت لضمان وحدتها، لا وحدة خارج مبدأ المشاركة المتوازنة. اشراك الطوائف
في مؤسسات الدولة ضمان وحدتها لأنه من جهة اولى ينأى بالطوائف عن بناء
مشاريعها الخاصة والمستقلة، ولأنه من جهة ثانية يمنع الطغيان والهيمنة: "ان
دولة لبنان تشمل مذاهب مختلفة وعناصر متنوعة تعيش في نظام ديمقراطي مسالم.
ديموقراطية السلم الأهلي (المسالمة بين المواطنين) هي ديموقراطية المشاركة
المتوازنة في دولة تمثل جميع الطوائف المختلفة". فكل طائفة هي طائفة في دولة
وليست دولة في دولة، وهي شقيقة لطوائف اخرى يتكون منها المجتمع الذي تنبثق
منه وتتسع له الدولة.
هذه الافهومة الثابتة في فكر الامام حركت لديه فكرة بناء مؤسسة للطائفة
الشيعية أبعد ما تكون، على حد تعبيره، عن الفكرة الطائفية، بل هي تنظيم لرفع
مستوى ابنائها تسهيلاً للتعاون وأداء واجباتنا الوطنية والاجتماعية أسوة
بسائر الطوائف اللبنانية الكريمة». فالطوائف هي في خدمة الوطن، والعكس لا
يستقيم.
اما الاساس لبناء وحدة وطنية متكافئة فهو انه لا امتياز تاريخياً لطائفة على
طائفة في خدمة الوطن والدولة. ابناء الطوائف متساوون في الغرم من اجل الوطن،
تنظيم الطوائف هو لتفعيل المشاركة في بناء الدولة وحماية الوطن خارج الطموحات
الخاصة والمتصادمة مع طموحات الطوائف الشقيقة. التنظيم هو طريق التمثيل
الصحيح في الدولة، الطوائف تنشط وتتحرك تحت سقف الدولة وهي، ليست، تالياً،
البديل عنها، مؤسسات الطوائف هي للجميع لا للتفرقة، هي في خدمة المجتمع
والدولة. مؤسسات الطوائف هي للانفتاح على الآخر "فلا دين يدعو إلى الانعزال
واحتقار الاخرين ابداً". وهي منطلقات للتعاون وللحوار بين الطوائف ومع الدولة
لمصلحة الأهداف الوطنية، مؤسسات الطوائف ليست دويلات في داخل الدولة، يقول
السيد الامام: "لا حل للبنان الا في اقامة الشرعية، ولا شرعية الا بتذويب
الدويلات أياً كانت صيغتها وكان اسمها وشكلها وفعلها". مؤسسات الطوائف ليست
بديلاً عن المؤسسات الوطنية والدستورية، ارادتها لا تعلو فوق الارادة الوطنية
المعبّر عنها وطنياً ودستورياً، وهي ليست مرجعيات موازية للمرجعيات الشرعية،
هذه هي المبادىء الحاكمة لفكر الامام في علاقة الطوائف بالدولة، وهي مبادىء
تؤسس لكل كلام على وحدة وطنية حقيقية وثابتة.
ثالثاً: المنطلق اللاهوتي الفقهي لهذه الوحدة هو انها وحدة بين الاديان.
فالدين، باحترامه كل انسان بدون النظر الى رأيه او عقيدته، ليس عائقاً امام
الوحدة الوطنية، لا بل هو مرتكز من مرتكزاتها الاساسية. اما العوائق امام
الوحدة فينشرها التعصب والعنصرية.
هذا المنطلق اللاهوتي الفقهي يحدد رؤية الامام للبنان، ملتقى المسيحية
والاسلام.
ولبنان حيث يلتقي ابناء الديانات ويعيشون اخوة مواطنين وتجتمع فيه ألوان من
الثقافة والحضارة والتيارات الفكرية من الماضي والحاضر ومن الشرق والغرب يعد
ضرورة حضارية لخلق الحوار بين اعضاء الجسد الانساني الكبير، ويعد ضرورة دينية
يرفع عن الاديان تهمة التعصب وتقسيم البشرية وتجزئتها، وضرورة ثقافية يسهل
عليه ان يكون لساناً وسمعاً للاستماع والمخاطبة بين الشرق والغرب وبين
القارات، ان التفاعل بيننا يعالج كثيراً من مشاكلنا ومشاكلكم ويخدم الانسان
والسلام معاً.
فلبنان ذو واقع تاريخي يمتد إلى أقدم العصور، وتاريخه، كما يقول الإمام،
"يحمل في طياته الكثير من الحضارات والامجاد والرسالات والثقافات".
وهذا المنطلق اللاهوتي الفقهي يحدد، تالياً، رؤية الامام للانسان اللبناني
الذي يمتلك حضارات وامكانات كانت ولا تزال تحدوه على القيام بدور رسالي كبير،
وهو يحدد، كذلك، رؤية الامام لواقع لبنان الحضاري، فلبنان ذو واقع حضاري مكون
من مختلف الحضارات المتنوعة والثقافات المتعددة مما يجعله ملتقى متعدد
النوافذ الحضارية التي تعكس عليه تجارب ملايين ومليارات من البشر.
رؤيته للبنان التاريخ، ولبنان الانسان، ولبنان الحضارة تقوده إلى واحد من
اثنين في مستوى فهمه للوحدة الوطنية:
"هذه الألوان والمجموعات من الممكن ان تستعمل وتستغل للعزل والانفصال".
ومن الممكن ان تستغل كمنطلقات للتعاون... وسيلة للتلاقي، للتعارف، لتبادل
التجارب، وتالياً، لتكوين حضارة انسانية تصدّر للعالم وتكون مهمة رسالية لهذا
البلد، رسالة الشعوب هي ضمان وحدتها واستمرارها: "والشعب يبقى لا كأفراد
وأنفار (فما أكثر الأمم الغابرة) بل يبقى كاتجاه ورسالة".
من شروط الوحدة القائمة على التفاعل بين المسيحية والاسلام "وجود الاحترام
المتبادل بين ابناء هذا البلد" وعدم الشعور بالاستغناء عن الآخر والوعي
للمسؤولية المشتركة في تأدية الرسالة.
بمثل هذا الصفاء اللاهوتي والرقي الانساني والتهذيب الاخلاقي ينظر الامام إلى
الوحدة بين اللبنانيين، والخطر على هذه الوحدة، في رأيه، هو "الخطر الداخلي
خطر الانقسام، وهو يحصل نتيجة للتحقير وعدم الاحترام والاحتكار للوطنية
وتصنيف الناس".
الوحدة الوطنية القائمة على تفاعل المسيحية والاسلام بما يمثلان من قيم
انسانية واخلاقية هي غير الوحدة الشكلية المتمثلة بطائفية النظام والسلطة:
"فالطائفية التي تشكل قاعدة الحكم في لبنان" هي بلاء الوطن والحكم، لذلك ينكر
الامام ان تكون من الدين ."فهي وضعت كتصنيف بين المواطنين"، ويضيف: "ان اكثر
الناس تعصباً للطائفية في لبنان هم أبعدهم عن التدين، الطائفية ما وضعت كدين
قائد للحكم ولكن كتقسيم للناس، وعلى هذا الاساس فالطائفية في لبنان بحث سياسي
وليست بحثاً دينياً، بهذا المعنى يكون التطيّف عامل انقسام والتدين عامل
وحدة".
ان الطابع الطائفي في نظام الحكم يصنّف المواطنين منذ ولادتهم إلى أصناف
ويفرّغ التعاليم الدينية من محتوياتها السامية، والامام ان ارتضاه في الواقع
فذلك لأنه وفق تعبيره ضمانة للعدالة». ولكنه، في ضوء تقويمه للممارسة التي
زرعت كل انواع الظلم من استبداد واقطاع وتسلط وتصنيف، راح يعتبر ان نظام
الطائفية السياسية لم يعط ثماره.. يمنع التطور السياسي ويجمد المؤسسات
الوطنية ويصنف المواطنين ويزعزع الوحدة الوطنية، التي لن تقوم الا بقيام كتلة
تاريخية، متألّمة دافئة تتخطى الحواجز المصطنعة بين ابناء هذا الوطن، تكون
قوية، أبوية، موثوقة، مضحية، موضوعية»، كتلة غير طائفية، كتلة اللبنانيين
الشرفاء جميعاً.
بهذا المعنى تسقط وحدة المنافع والأسلاب واقتسام المغانم، وحدة المحاصصة،
الوحدة الشكلية السطحية، وحدة المنتفعين من النظام الطائفي لتقوم وحدة الفداء
والاستشهاد والبذل والعطاء والتضحية.
بهذا النفس اللاهوتي الاخلاقي التعليمي يدعو الامام الى بناء الوحدة
الوطنية، وحدة التلاقي في الأساس وفي الجوهر بين المسيحيين والمسلمين، يقول:
"تعالوا إلى العقل ونداء الحب والسعي المشترك لبناء الوطن الواحد، تعالوا
نكرم الحسين وذكراه وهدفه وأسلوبه، ذلك الهدف والاسلوب المشرفين اللذين
التزمهما المسيح من قبل ومارسهما جميع المرسلين".
الفكرة الرئيسية التي تنتظم رؤياه إلى الوحدة الوطنية القائمة على تفاعل
المسيحية والاسلام هي ان لبنان هو "ضرورة دينية تثبت إمكانية تعايش الاديان
والمذاهب بعضها مع بعض في مجتمع واحد" وهو "بلد المشاركة التامة في الايمان
والتاريخ وحتى في العبادة". هذه المشاركة المثلّثة الابعاد (ايماني، تاريخي،
عبادي) هي جوهر الوحدوية اللبنانية ورسالة لبنان وسرّ وجوده الديني والحضاري
والسياسي، فأعزّ ما عند لبنان، يقول الامام، تعايش أبنائه الذي اصبح ملكاً
للعالم ومنطلقاً للتفاعل الحضاري، من خلال هذا التفاعل تتضح صورة الانسان
الذي أراده الله في لبنان الوطن الذي "يرتبط خلوده وشموخه، كخلود الميلاد
وشموخ عاشوراء، بالقيم الانسانية فقط".
فكر الامام يربط ما بين السياسة واللاهوت بشفافية فكرية عليوية لا يلتقطها
اصحاب المصالح الدنيوية، امراء الحروب الطائفية، حرّاس الفواصل بين ابناء
الوطن، قتلة لبنان الرسالي الذي قال فيه البابا يوحنا بولس الثاني في ارشاده:
"لبنان أكثر من وطن، انه رسالة". الارشاد الرسولي في نظرته الى هذا اللبنان
لم يكن بعيداً عن فكر الامام القائل: "ان الصعوبات التي تعترضنا هي أقل من ان
تسلب رسالتنا الحضارية ومسؤوليتنا التاريخية.. ويا (اسرائيل) التي أردت
القضاء على تعايشنا المثالي لكي لا يشكل بوجودنا سنداً حياً قريباً لادانتك
اعلمي اننا قبلنا امانة الله وامانة الانسان التي هي وحدتنا الوطنية الشاملة
للمسيحيين والمسلمين، قبلناها وحدنا بين بلاد الله كلها، وبذلك اصبحنا موضع
آمال العالم ومثالاً متجسداً لمستقبله وواحة نموذجية لحضارته المستقبلية، كما
كسبنا بذلك رضا ربنا ودافعنا عن دينه أمام الاتهامات الموجهة الى رسالاته،
وسوف نبقى متمسكين بتعايشنا أمناء على الامانة الغالية".
خلاصة خلاصات لاهوته السياسي في اطار هذا الافهوم تختصر بالآتي: "لبناننا أرض
الله والانسان"، اذا سقطت تجربته، على حد تعبيره، اظلمت الحضارة الانسانية،
وعليه، ان الوحدة الوطنية القائمة على تفاعل المسيحية والاسلام وتعايش
المسيحيين والمسلمين هي أمانة الله والانسان في يد اللبنانيين، وهي، تالياً،
مسؤولية وواجب لهذا يقول الامام: "اننا نتمسك بوحدة لبنان ونحافظ عليها وعلى
صيانة هذا الكيان الذي هو امانة للحضارة العالمية".
الكلمة ألقيت خلال مؤتمر كلمة سواء الخامس |