31/8/2001

المقاومة والمجتمع المقاوم

 سيادة المونسينيور انطونيو ماريا فيغليو

السفير البابوي

يصعب على شخص غير لبناني أن يتحدث عن الإمام الصدر والتأثير الذي يمارسه على اللبنانيين، لا سيما بعد الشخصيات الدينية البارزة التي سبقتني إلى الكلام. لكني أود  أن أتوقف عند بعض الجوانب  التي ميزت حياة هذه الشخصية البارزة وفكره كما أنها طبعت وتطبع ليس لبنان فحسب بل كل الشرق الأوسط ، مهد الديانات السماوية الثلاث وموقع مواجهة بين اتباعها.

والإمام الصدر قبل كل شيء إنسان مؤمن. إيمانه بالرب يشكل الركيزة الأساسية لإيمانه بالإنسان. فبالنسبة له الإنسان ولا سيما "المعوز" ، الفقير، المهمش، المضطهد والمستضعف يجب أن يحظى بالعون لاستعادة كرامته والتمتع بكامل الحقوق التي تصون له هذه الكرامة وتضمنها.

الإمام الصدر هو في آن رجل فكر وعمل. هو رجل فكر وثقافة لطالما خصص جزءا مهما من وقته للبحث والدراسة والاطلاع على الثقافات والديانات كلها.

هو معاصر للبابا يوحنا الثالث والعشرين والبابا بولس السادس. ووجد في رسالتيهما البابويتين: "باسيم أن تيريس" (السلام في الأرض) و"بوبولوروم بروغريسو (تطور الشعوب) تعاليم ومبادئ  تشكل أسسا للسلام والتطور. فجملة البابا بولس السادس الشهيرة : "التطور الكامل للإنسان وتطور كل إنسان وتطور الإنسان بكامله"  تشكل قاعدة ذهبية لفكر الإمام  الصدر وعمله. فقد تتبع عن كثب النقاشات وقرأ بتمعن وحلل وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني. فاكتسب بذلك معرفة واسعة بالمسيحية أكملت معرفته العميقة بالإسلام مما جعله احد دعاة الحوار الإسلامي-المسيحي.

في الستينات شارك مع أصدقائه المسيحيين الكثر بينهم سيادة المونسينيور جوزيف الخوري الذي كان حينها مطرانا في صور والأب يواكيم مبارك،  في مؤتمرات الندوة اللبنانية حول هذا الموضوع.  ودعي إلى إلقاء الكلمات في المدارس الكاثوليكية وفي الاديرة وحتى في الكنائس. زار كل المناطق اللبنانية: الجنوب والشمال والبقاع وجبل لبنان وبيروت للتشديد على ضرورة الحوار والوفاق والتعايش الإسلامي-المسيحي. توجه إلى اللبنانيين كافة ليذكرهم باهمية بلدهم. لطالما شدد على وحدة اللبنانيين رغم تنوعهم الذي يشكل غنى ونموذجا فريدا في العالم.

اسمحوا لي في هذا الإطار، أن استشهد بما كتبه البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي "رجاء جديد للبنان": "عاش المسلمون والمسيحيون في لبنان جنبا إلى جنب طوال قرون مديدة ، حينا في سلم وتعاون، وحينا في صراع ونزاع. فعليهم أن يجدوا في حوار يراعي مشاعر الافراد والجماعات المختلفة سبيلا لا بد منه للعيش المشترك وبناء المجتمع (.....) ولا يعقل في نظر اصحاب الارادات الطيبة أن يعيش ابناء مجتمع بشري واحد على ارض واحدة ويفضي بهم الامر إلى عدم الثقة بعضهم ببعض والتخاصم والتنابذ باسم الدين".

البناء المتواصل للمجتمع البشري اللبناني يقضي باحترام الاخر. ويبذل كل فرد الجهود للتوصل إلى مزيد من العدالة والإنصاف لتجاوز المصالح الشخصية والفئوية. وقد عبر الحبر الاعظم عن ذلك في ارشاده الرسولي: "اللبنانيون كسائر الشعوب لانهم يحبون ارضهم حبا خاصا، هم مدعوون إلى الاهتمام ببلدهم والمحافظة دونما كلل على الاخوة وبناء نظام سياسي واجتماعي عادل ومنصف يحترم الاشخاص وجميع الاتجاهات التي يتألف منها المجتمع ليبنوا معا بيتهم المشترك (....) العمل في الحياة العامة هو اولا خدمة مسؤولة عن الاخوة كل

الاخوة، بحيث يعملون وبكل الوسائل لكي يعمل الجميع بانسجام (.....) وهذا يفترض تجاوز السلوك الاناني باستمرار للعيش في تجرد قد يذهب إلى حد انكار الذات بغية قيادة الشعب بكامله إلى السعادة بحسن ادارة الشأن العام".

أود  اخيرا، ان ابرز احدى  اولويات  الإمام الصدر التي هي ايضا اولوية السيد المسيح  وكنيسته: العمل من اجل الفقراء.  فالمسيح يتبنى الجائع والعطشان والعريان والغريب والاسير والمريض. فقد جاء في انجيل متى الرسول (25،40) "الحق اقول لكم، كلما صنعتهم شيئا من ذلك لواحد من اخوتي هؤلاء الصغار فلي قد صنعتموه".

عودة