الحدائق الناضرة

المحقق البحراني ج 19


[ 1 ]

الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرد تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الششيخ يوسف البحراني قدس سره المتوفي سنة 1186 هجرية الجزء التاسع عشر مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الكتاب: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة (ج 19) المؤلف: العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني (قدس سره) الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين ب‍: قم المشرفة المطبوع: 2000 نسخة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الفصل الثاني في الخيار والكلام هنايقع في اقسامه وأحكامه، فالواجب بسط ذلك في مقامين: الاول في أقسامه، فبضهم عدها خمسة، وآخر سبعة، وثالث ثمانية، وانهاها رابع إلى أربعة عشر قسما، ونحن نذكر الثمانية الدائرة في كلام الاكثر ان شاء الله (تعالى) ونبين ما دلت عليه الادلة الشرعية من أحكامها، وما لم يقم عليه دليل والله (سبحانه) الهادى إلى سواء السبيل، والموفق للنجاة من مهاوى الضلال والتضليل. فنقول: ينبغى اولا ان يعلم ان مقتضى البيع اللزوم، قال في التذكرة: والاصل في البيع اللزوم، لان الشارع قد وضعه مفيدا لنقل الملك من البايع إلى المشترى والاصل الاستصحاب، وكون الغرض تمكن كل من المتعاقدين من التصرف فيما صار إليه، وانما يتم باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه، وانما يخرج عن أصله بأمرين: أحدهما ثبوت الخيار، والثانى ظهور عيب في أحد العوضين انتهى وهو

[ 4 ]

جيد، ويدل على اللزوم الكتاب أو السنة، نحو قوله (تعالى) (1) " أوفوا بالعقود " وأخبار (2) " المؤمنون عند شروطهم " ونحوها وحينئذ فيجب الوقوف على مقتضى هذه القاعدة حتى يقوم الدليل على الخروج عنها في بعض الموارد، وهي ما ذكروه في هذا المقام من الخيار، ونحن نذكر اقسامه واحدا واحدا، معطين البحث فيها حقها من التحقيق، مستمدين الاعانة ممن بيده التوفيق. الاول خيار المجلس هكذا اشتهر التعبير عن هذا النوع في ألسنة الفقهاء، قال في المسالك: اضافة هذا الخيار إلى المجلس، اضافة إلى بعض امكنته، فان المجلس موضع الجلوس، وليس بمعتبر في تحقق هذا الخيار، بل المعتبر فيه مكان العقد مطلقا، أو في معناه (3) والاصل فيه قوله النبي صلى الله عليه وآله (4) " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " وهو أوضح دلالة من عبارة الفقهاء. انتهى. اقول: والظاهر ان التسمية خرجت بناء على ما هو الغالب من وقوع ذلك حال الجلوس، والاستقرار في مكان، وباب التجوز في مثله واسع، وهو ثابت للمتبايعين سواء كانا مالكين، أو وكيلين، أو متفرقين بعد انعقاد البيع بالايجاب والقبول.


(1) سورة المائدة الاية 1. (2) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الرقم 4. (3) أقول: لعل المراد بما في معناه، هو قيامها في موضع العقد مصطحبين بحيث لم يفارق احدهما الاخر، زيادة على ما كانا عليه وقت العقد، فان الخيار باق لهما، وأولى منه لو تقاربا. منه رحمه الله. (4) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الرقم 2.

[ 5 ]

ويدل عليه زيادة على الاتفاق الاخبار المتضافرة: منها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) عن أبى جعفر عليه السلام " قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام الحديث ". ورواه المشايخ الثلاثة بسند آخر عن زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قلت له: الرجل يشترى المتاع " الحديث إلى آخر ما نقلناه منه، وسيأتى انشاء الله تعالى. وروى في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام ". وروى في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الفضيل (4) وهو ابن يسار عن الصادق عليه السلام " قال: قلت: ما الشرط في الحيوان ؟ فقال: إلى ثلاثة أيام للمشترى، قلت: وما الشرط في غير الحيوان ؟ قال: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد


(1) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الرقم 2. (2) الكافي ج 5 ص 171. (3) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الرقم 1. (4) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الرقم 3.

[ 6 ]

الرضا منهما ". وروى المشايخ الثلاثه عن الحلبي في الصحيح (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: أيما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع ". وزاد في الكافي والتهذيب قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: أن أبي اشترى أرضا يقال لها: العريض، فلما استوجبها قام فمضى، فقلت يا أبت عجلت بالقيام، فقال: يا بني اني أردت أن يجب البيع ". وروى في الكافي عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح أو الحسن " قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: بايعت رجلا، فلما بعته قمت فمشيت خطأ، ثم رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا ". وأما ما رواه الشيخ (3) عن غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام " قال: قال علي عليه السلام: إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب وان لم يفترقا " فقد أجاب الشيخ عنه في الاستبصار بالبعيد، والاظهر حمله اما على أن المراد بالصفقة على البيع يعنى امضاء البيع والتزامه والرضا به، كما سيأتي انشاء الله ذكره في مسقطات الخيار، أو على التقية، وهو الاقرب، فانه مذهب أبي حنيفة. وقد نقل عنه، أنه رد على رسول الله صلى الله عليه وآله في أربعمأة حديث. منها حديث " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " نقله عنه الزمحشرى في كتاب ربيع


(1) الكافي ج 5 ص 170 الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الرقم 6. (2) الكافي ج 5 ص 171 الوسائل الباب 2 من ابواب الخيار الرقم 1. (3) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الرقم 7.

[ 7 ]

الابرار مع أنه حنفي المذهب. وقد نقلنا جملة من هذه الاحاديث التى رد بها على النبي صلى الله عليه وآله في مطاعنه، في مقدمة كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد بنقل ابن الجوزى من علمائهم ويؤيد ذلك أن الراوى عامي. وبالجملة فهو على ظاهره غير معمول عليه في مقابلة هذه الاخبار االتي سردناها، المؤيدة باتفاق الطائفة المحقة على الحكم المذكور، واطلاق الاخبار المذكورة شامل لما قدمنا ذكره من كون المتبايعين مالكين أو وكيلين أو بالتفريق، لصدق البيعان على الجميع، وهما من وقع منهما الايجاب والقبول. ثم ان العلامة في التذكرة ومن تأخر عنه، ذكروا أن مسقطات الخيار في هذا المقام أربعة. أحدها اشتراط سقوطه في العقد، ولا خلاف فيه بين الاصحاب رضي الله عنهم، ويدل عليه الاخبار الدالة على وجوب الوفاء بالشروط الا شرطا حرم حلالا، أو حلل حراما، انما الخلاف فيما لو شرطاه قبل العقد. قال في الخلاف: " مسألة: إذا شرطا قبل العقد أن لا يثبت بينهما خيار بعد العقد صح الشرط، ولزم العقد بنفس الايجاب والقبول، ثم نقل الخلاف عن بعض أصحاب الشافعي، ثم قال: دليلنا أنه لا مانع من هذا الشرط، والاصل جوازه، وعموم الاخبار في جواز الشرط يتناول هذا الموضع انتهى. وقال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: وعندي في ذلك نظر، لان الشرط انما يعتبر حكمه لو وقع في متن العقد، نعم لو شرطا قبل العقد، وتبايعا على ذلك الشرط صح ما شرطاه. انتهى.


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار.

[ 8 ]

أقول: الظاهر أن كلام الشيخ رحمه الله لا يخرج عما ذكره أخيرا بقوله " نعم " وانما مراده ذلك، ولو شرط أحدهما خاصة سقط خياره وحده. وثانيها ايجابهما العقد بعد وقوعه، والتزامهما به بأن يقولا: تخايرنا، أو اخترنا امضاء العقد، أو أمضينا العقد أو التزمنا به، ونحو ذلك من الالفاظ الدالة على هذا المعنى، ونقل عليه في التذكرة الاجماع. ولقائل أن يقول: انه حيث لانص على ما ذكروه هنا، وقد عرفت أن مقتضى العقد اللزوم كما تقدم ذكره في صدر البحث، وهذا الكلام من قولهما اخترنا أو أمضينا لا يدل على أزيد مما دل عليه العقد بمقتضاه، وان كان ذلك مؤكدا لما دل عليه العقد من اللزوم، والروايات دلت على انهما بعد هذا العقد مؤكدا أو خاليا من التأكيد لهما الخيار إلى أن يفترقا، فيصدق هنا أن لهما الخيار، وان قالا ما قالاه من هذه الالفاظ، الا أن يقال: ان هذه الالفاظ في قوة اشتراط سقوط الخيار، فيرجع إلى الاول. وبالجملة فان باب المناقشة غير مسدود فيما ذكروه هنا. ثم انهم ذكروا أنه لو اختار أحدهما ورضى الاخر، فهو في حكم الاختيار أيضا، إذ لا يختص بلفظ، بل كل مادل على التراضي فهو كاف، ولو أوجبه أحدهما خاصة سقط خياره، ولو وقع ذلك في العقد، فالظاهر أنه من قبيل الشروط التي دلت الاخبار على وجوب الوفاء بها، وقبله يبنى على ما تقدم في المسقط الاول. ولو خير احدهما صاحبه فسكت، فلا خلاف في بقاء خيار الساكت، وأما المخير فالمشهور أيضا بقاء خياره، وهو قول الخلاف والمبسوط، ووجهه أنه لم يحصل منه ما يدل على سقوط الخيار، ومجرد تخييره صاحبه لا يدل على الامساك بشئ من الدلات الثلاث. ونقل عن الشيخ أيضا القول بسقوط خياره، استنادا إلى ما روى عن النبي

[ 9 ]

صلى الله عليه وآله بعد قوله ما لم يفترقا " أو يقل احدهما لصاحبه اختر " ورد بعدم ثبوت هذه الزيادة في اخبارنا. وأجاب العلامة في المختلف بعد تسليم صحة الخبر، بأنه خيره فاختار. وفي هذا الجواب ما لا يخفى، إذ لا يخفى أن محل الكلام انما هو المخير بصيغة اسم الفاعل، وان تخييره لصاحبه يدل على اختياره الامساك، وظاهر كلامه أن الذى اختار انما هو المخير بصيغة اسم المفعول وهو ليس محل البحث، وبالجملة فالحديث غير ثابت في أخبارنا فلا حجة فيه. ثالثها: التصرف، فان كان من البايع في المبيع فهو فسخ منه للعقد، فيبطل البيع، ويبطل خيارهما، وان كان من المشترى في المبيع فهو التزام بالبيع، ويبطل خياره، ويبقي خيار البايع، وان كان التصرف في الثمن فالظاهر أن الامر بالعكس، ولو كان التصرف من المشترى في المبيع، ومن البايع في الثمن فهو التزام بصحة البيع، وبالعكس التزام ببطلانه، ولو تصرفا في المبيع أو الثمن فظاهر كلامهم أنه يقدم من تصرفه فسخ، فلو تصرفا في المبيع قدم تصرف البايع، وفى الثمن قدم تصرف المشترى. وهكذا لو فسخ أحدهما وأجاز الاخر قدم الفاسخ، وان تأخر عن الاجازة، لان اثبات الخيار انما قصد به التمكن من الفسخ، دون الاجازة لاصالتها، وكذا يقدم الفاسخ على المجيز: في كل خيار مشترك، لاشتراك الجميع في العلة المذكورة،. قال في التذكرة: " لو اختار أحدهما الامضاء والاخر الفسخ قدم الفسخ على الاجازة، إذ لا يمكن الجمع، ولا انتفاؤهما، لاشتماله على الجمع بين النقيضين، فيتعين تقدم أحدهما، لكن الذى اختار الامضاء قد دخل في عقد ينفسخ باختيار صاحبه الفسخ، ورضي به، فلا أثر لرضاه به لازما ما بعد ذلك. انتهى.


(1) المستدرك ج 2 ص 473.

[ 10 ]

قيل: والمراد من التصرف هنا: ما هو اعم من الناقل وغيره، واكثر عبارات الاصحاب انما اشتملت على التصرف بقول مطلق، ولهذا ان ظاهر المحقق الاردبيلي هنا المناقشة في ذلك، بل في أصل الحكم حيث لم يرد به دليل في النصوص، حيث قال: ثم ان المراد بالتصرف غير ظاهر، وهل هو اللازم والمخرج عن الملك أو أعم فهو مجمل، وكذا دليله ايضا غير واضح، إذ مجرد التصرف في المبيع مثلا لا يدل على الفسخ من جانب البايع، إذ قد يكون سهوا أو لغرض آخر مباح أو حرام. وبالجملة انه اعم، الا أن تدل قرينة، ومع ذلك قد لا يكون الفعل كافيا في اختيار الفسخ، يحتاج إلى اللفظ فتأمل انتهى. وبالجملة فان جمله من شقوق المسألة لا تخلو من الاشكال، سيما لو وقع التصرف الناقل للمبيع من المشتري مع بقاء خيار البايع كما نبه عليه في المسالك (1). ورابعها التفرق بمعنى مفارقة كل منهما صاحبه، ويصدق بانتقال أحدهما من مكانه بحيث يبعد عن صاحبه، ولا يشترط القيام والمشى خطأ، وان كان أظهر في التفرق كما دلت عليه جملة من الاخبار المتقدمة ولو قاما مصطحبين بحيث لم يحصل التباعد بينهما زيادة على حال العقد، فالخيار باق، لعدم حصول الافتراق. وكذا لو ضرب بينهما بستر رقيق كالثوب ونحوه أو غليظ كالجدار أو مانع من الاجتماع كالنهر العظيم له يمنع الخيار لعدم صدق الافتراق بشئ من ذلك الذي هو كما عرفت عبارة عن التباعد عن الحد الذي كانا عليه وقت العقد خلا فالبعض العامة هنا حيث اسقط به الخيار. وكذا لو أكرها على التفرق فانه لا يسقط الخيار، والوجه فيه أن الذي دلت الاخبار على كونه مسقطا انما هو التفرق الذى هو فعل اختياري لهما، والتفريق بينهما قهرا ليس كذلك، فلا يكون داخلا تحت النص. وبذلك يظهر أن ما ذكره في الكفاية بقوله ولا اعلم نصا في هذا الباب وكذا


(1) حيث قال: بعدان ذكر أنه لا فرق في التصرف بين الناقل للملك وغيره ما لفظه لكن لو وقع الناقل من المشترى مع بقاء خيار البايع ففى صحته اشكال. انتهى منه رحمه الله.

[ 11 ]

قول المحقق الاردبيلى وقيد المفارقة المسقطة بالاختيار وما رأيت له دليلا في النص، ولعل وجهه ما يتخيل أن الفعل الجبرى بمنزلة العدم، فانه ما فعله باختياره فكأنه بعد باق في محله خصوصا إذا كان عارفا بالمسألة وأراد الجلوس لعله يظهر له وجه يدل على مصلحته في هذا العقد. انتهى غير موجه. وفيه ما عرفت من أن النص الموجب لسقوط الخيار هو الافتراق والتفرق، الظاهر في كونهما باختيار المكلف وارادته، وهذا هو الذي يناسب الاسقاط بأن يفعل ذلك لاجل اسقاط الخيار كما سمعت من اخبار مولانا الباقر عليه السلام. وأما الجبر على التفرق فلا يدخل تحت اطلاق اللفظين المذكورين، ولا يصح كونه سببا للغرض المترتب على ذلك. وبالجملة فان كلام هذين الفاضلين عندي غير ظاهر. واعلم أن الا صاحب رضى الله عنهم عبروا هنا بأنه لو أكرها على التفرق ولم يتمكنا من التخاير بمعنى اختيار العقد والبقاء عليه، وهو المسقط الثاني الذى قدمناه، ويتحقق الاكراه بمنعهما من الكلام فعلا بسد أفواههما أو تهديد، فانه لا يسقط خيارهما حينئذ بالتفرق، بل لهما الفسخ عند زوال المانع لكن هل يعتبر في مجلس الزوال، أو يكون الخيار على الفور، وجهان: وكذا لو أخرج أحدهما كرها ومنع، فالحكم فيه كذلك. وفيه ان عدم التمكن من التخاير بمعنى اختيار العقد، لا يدخل تحت العقد، لان التزام العقد واختيار البقاء عليه لا يتوقف على الكلام. بل لو تفرقا ساكتين حصل اللزوم فيه، وانما يتوقف على الكلام الفسخ، فيكون الاكراه والمنع من الكلام بسد أفواههما أو تهديدهما هو المعتبر فيه، لا في التخاير بالمعنى المذكور، الا أن يراد بالتخاير الكناية عن الفسخ، والاختيار، وعبائرهم لا تساعد عليه. والمفهوم من كلام الاصحاب وهو الظاهر من الاخبار المتقدمة ثبوت هذا

[ 12 ]

الحكم لمن أوقع العقد مالكا كان أو وكيلا، ويثبت للوكيل بمجرد التوكيل على العقد، لانه من توابع العقد قيل: ولا يبعد ثبوت الخيار للمالك على تقدير كون العاقد وكيله، لان يده يد الموكل. وفيه اشكال، لخروجه عن ظواهر الاخبار، وعدم صدق البايع والمشترى عليه، وهي قد ناطت الحكم المزبور بالبيعين، يعنى من وقع منهما عقد البيع والشراء. قال في التذكرة على ما نقل عنه: لو اشترى الوكيل أو باع أو تعاقد الوكيلان، فالاقرب تعلق الخيار بهما و " بالموكلين جميعا، وإلا فبالموكلين " وفيه ما عرفت من الخروج عن ظواهر النصوص. وهل يثبت الافتراق بموت أحدهما أو جنون أحدهما أو الاغماء عليه أم لا ؟ صرح بالثاني في الدروس فقال: " ولو مات أحدهما، أو ماتا فللوارث أو الولي، ولو جن أو اغمى عليه فللولي " وهو صريح في ثبوت الخيار للوارث والولي، لعدم تحقق الافتراق بذلك، واحتمل في القواعد سقوط الخيار وثبوته، وعلل الاول بان مفارقة الدنيا أولى من مفارقة المجلس، فيسقط بطريق أولى. ورده المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بمنع الاولوية قال: فان المراد من الافتراق التباعد في المكان، وهو انما يكون في الجسم، فلا يعقل ارادة الروح، ثم ان المحقق المذكور اختار الثبوت تمسكا بالاستصحاب، لان ثبوته معلوم بالعقد، والمسقط غير متيقن. انتهى. وفي الاعتماد على هذا الاستصحاب نظر تقدم ذكره في مقدمة الاستصحاب من مقدمات كتاب الطهارة (1) وظاهر المحقق الاردبيلى التوقف في ذلك، لعدم صدق البايع والمشترى في الاخبار عليهم.


(1) ج 1 ص 53.

[ 13 ]

اقول: والحكم محل اشكال لعدم الدليل الواضح في ذلك. تنبيهات الاول قد صرحوا بأنه لو كان العاقد واحدا عن اثنين، ففيه احتمالات ثلاثة: الاول: ثبوت الخيار ما لم يشترط سقوطه، أو يلتزمه عنهما، أو يفارق المجلس الذى عقد فيه على قول، وهو ظاهر الشرايع والقواعد. الثاني ثبوته دائما ما لم يلتزماه أو يشترطا سقوطه، ونقل عن التذكرة، وهو ظاهر اختيار الدروس. الثالث عدم ثبوت الخيار أصلا، واختاره بعض فضلاء متأخر المتأخرين، والظاهر أنه الاقرب. وتفصيل هذه الجملة هو أن الواحد عاقد عن اثنين يشمل ما لو كان العاقد وليا شرعيا يبيع ماله من ولده، أو بالعكس، أو مال ولديه أحدهما على الاخر، ويشمل مالو كان وكيلا عن المتبايعين، وكما لو كان أحد المتبايعين وكيلا عن الآخر وفي دخول هذا الفرد (1) تحت العبارة المذكورة ما لا يخفى، وما قيل من أنه يصدق أيضا من أن الواحد عاقد عن اثنين وقائم مقامهما وان كان هو أحدهما لا يخلو من خفاء. ولهذا ان المحقق الشيخ على (رحمة الله عليه) في شرح القواعد اعترض على عبارة المصنف، وهى مثل هذه العبارة فقال: واعلم ان في قوله: العاقد عن اثنين مناقشة، لان العاقد عن واحد مع نفسه يخرج من العبارة، ولا وجه لاخراجه بل ينبغى ادراجه، فيكون الحكم واردا عليهما. انتهى. والخيار المحكوم بثبوته أعم من كونه لذلك العاقد ولو بالولاية، كما لو كان


(1) اشارة إلى ما ذكره في المسالك حيث انه ادعى الصدق في ذلك منه رحمه الله.

[ 14 ]

أبا أوجدا يبيع من نفسه، فان له الخيار وللطفل، وله مراعاة الجانبين، لكن في الطفل يراعى المصلحة أو كونه لغير العاقد، كما لو كان وكيلا في العقد خاصة، فان الخيار للموكلين، لاله ان قلنا به، وقولهم: ما لم يشترط سقوطه أو يلتزم به عنهما انما يتم فيمن له الاشترط والالتزام كالاب والجد، وأما لو كان وكيلا في ايقاع العقد خاصة لم يكن له ذلك، ولو أريد العموم كان المراد ما لم يشترط أو يلتزم حيث يكون له ذلك. وكيف كان فالالتزام عنهما لا يدخل فيه ما لو كان هو أحدهما الا بتكلف شديد. إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم ذكروا أن الوجه في الاحتمال الاول بالنسبة إلى مفارقة المجلس ان المعتبر في سقوط خيار المتبايعين مفارقة احدهما مجلس العقد ولما كان ذلك متعذرا هنا لان الواحد لا يفارق نفسه اعتبر فيه التمكن، وهو مفارقته مجلس العقد، لانه مشبه بمفارقة احد المتعاقدين، وأصل هذا القول نقله في المبسوط بلفظ قيل ولم يذكر قائله (1) ووجهه ما ذكر. ورد هذا التوجيه جملة من المتأخرين بأن الواقع في الاخبار هو الافتراق، لا مفارقة المجلس، فلو فارقاه مصطحبين لم يبطل خيارهما كما تقدم ذكره وان بقيا مدة طويلة. وهو جيد. وأما الوجه في الاحتمال الثاني. وهو بقاء الخيار، وانما يسقط بالالتزام بعد


1 قال في المبسوط: إذا اراد ان يشترى لولده من نفسه واراد الانعقاد ينبغى ان يختار لزوم العقد عند انعقاد العقد، أو يختار بشرط بطلان الخيار، وعلى كل حال قد قيل انه ينتقل من المكان الاول الذى عقد فيه العقد، فيجرى ذلك مجرى تفرق المتبايعين، كذا قال ابن البراج ولم يسند هذا القول إلى أحد من علمائنا بالنصوصية، قال في المختلف بعد نقل ذلك وهذا القول عندي محتمل. انتهى منه رحمه الله.

[ 15 ]

العقد، أو اشتراط السقوط فهو ان ظاهر قولهم (عليهم السلام) " البيعان بالخيار " يعم البايعين بوكيلهما أو وليهما فيثبت في الصورة المذكورة: وأما قولهم (عليهم السلام) " ما لم يفترقا " فهو محمول على ارادة السلب، بمعنى أن الخيار ثابت ما لم يحصل افتراق، وهنا لم يحصل افتراق، لعدم ما يحصل به الافتراق، وهو التعدد: ومع كونه محتملا لعدم الملكة أي عدم الافتراق عما شأنه الافتراق فيبطل الخيار هنا بناء على هذا الاحتمال، فانه يمكن ان يقال: ان صدر الخبر وهو قوله " البيعان بالخيار " دل على ثبوت الخيار، فيثبت الخيار بذلك ويحصل الشك في المسقط بناء على الاحتمالين المذكورين، فيجب استصحاب الحكم الاول إلى ان يثبت المزيل. قال في الدروس والعاقد عن اثنين له الخيار ويبطل كلما يبطل به خيار المتعاقدين، وهو ظاهر في اختيار هذا الاحتمال. وأما الوجه في الاحتمال الثالث وهو عدم ثبوته أصلا فلان ظاهر الاخبار المتقدمة هو المغايرة بين المتعاقدين والتعدد فيها، ودعوى عموم ذلك الوكيل أو الولى عن اثنين خروج عن ظاهر اللفظ، ومع تسليمه فان الاطلاقات في الاخبار انما تحمل على الافراد الشايعة المتكررة، وهى المتبادرة عند الاطلاق، كما قرروه في غير موضع. وما أورده على ذلك القول الذى نقله الشيخ في المبسوط، وضعفوه به وارد عليهم في هذا المقام، وانه ان وجب الوقوف على ظاهر النص ففي الموضعين، وان قيل بالتخريج والتحمل في التأويل والخروج عن الظاهر، فلا معنى لردهم ذلك القول، كما لا يخفى على المنصف. وأما ما ذكروه في قوله " ما لم يفترقا " من احتمال الحمل على السلب فلا يخلو من مسامحة، فان المتبادر من هذه العبارة بالنظر إلى صدر الخبر هو توجه النفى إلى القيد خاصة دون المقيد. وهم قد صرحوا في محاوراتهم في هذا البحث بأن

[ 16 ]

معناه أن المتبايعين بالخيار ما لم يفارق أحدهما الآخر، ويحصل البعد بينهما بما يزيد على وقت العقد، فالمنفى انما هو الافتراق، دون من يترتب عليه الافتراق، وهما البيعان، ومبنى كلامهم المتقدم انما يتم على رجوع النفى إلى القيد والمقيد، وهو خلاف ظاهر سياق الخبر كما عرفت. ويؤيد ما ذكرناه ما قدمنا ذكره من أن مقتضى العقد اللزوم كتابا وسنة، واثبات الخيار الموجب للخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل واضح، والركون إلى هذه التعليلات العليلة وبناء الاحكام الشرعية عليها مجازفة ظاهرة. وبذلك يظهر رجحان وجه المذكور وأنه لا خيار في هذه الصورة، واليه يميل كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد والفاضل الخراساني في الكفاية. وبالتوقف في هذه المسألة من أصلها صرح شيخنا المحقق الشيخ على في شرع القواعد، حيث قال بعد البحث في المسألة: وانا في المسألة من المتوقفين وهو في محله، واليه يميل كلام المسالك، الا أنه قال بعد ذلك " والاوسط أوسط " الثاني 1 المشهور في كلام الاصحاب أنه لو اشترى من ينعتق عليه كالاب والابن ونحوهما فانه لاخيار للمشترى، والظاهر أن الوجه فيه الترجيح لادلة العتق الدالة على أن من اشترى أباه مثلا فانه ينعتق عليه، فلا خيار له بأن يجعله رقا بعد أن صار معتقا، ولانه لم يعهد من الشارع عود المعتق رقا. وربما قيل باحتمال عدم الملك في زمن الخيار، وفيه ما تقدم من أن مقتضى العقد اللزوم، فالعقد مملك ومتى ثبت الملك ترتب عليه الانعتاق: والى القول بذلك يميل كلام المحقق الاردبيلى " قدس سره " في شرح الارشاد، وكذا ظاهرهم أيضا أنه لاخيار للبايع، خصوصا مع علمه بانعتاقه على المشترى. واليه يميل أيضا كلام المحقق المشار إليه قال بعد الكلام في المسألة: " ولعل ترجيح العتق الذى يرجح عندهم بأدنى شئ لا يبعد عملا بمقتضى العقد من غير لزوم محذور

[ 17 ]

الا تخصيص دليل الخيار على تقدير القول بعمومه، على أن في عمومه تأملا فتأمل. ولا اجماع حتى يلزم خلافه، بل تخصيصه أيضا. اقول: والتحقيق هنا هو أنه قد تقابل اطلاق الاخبار الدالة على العتق في مثل هذه الصورة، واطلاق الاخبار الدالة على خيار المجلس هنا، وتخصيص أحد الاطلاقين بالآخر يحتاج إلى دليل واضح، وليس فليس، والركون إلى هذه الاحتمالات المذكورة الناشأة عن مجرد الدعوى ليس بشئ في مقام التحقيق. هذا بالنسبة إلى المشترى وأما بالنسبة إلى البايع فلا اعرف لهم حجة واضحة في اسقاط خياره، وبه يعظم الاشكال في هذا المجال. قال: في الدروس: أسقط الفاضل الخيار في شراء القريب، أما المشترى فلعتقه عليه، ولانه وسن نفسه على الغبن، إذ المراد به العتق، وأما البايع فلما ذكر ولتغليب العتق، يحتمل ثبوت الخيار لهما بناء على أن الملك نافذ بانقضاء الخيار وثبوته للبايع، لان نفوذ العتق لا يزيل حقه السابق، وحينئذ يمكن وقوف العتق ونفوذه فيغرم المشترى القيمة لو فسخ البايع ويجرى مجرى التلف الذى لا يمنع من الخيار، انتهى. وظاهره التوقف في المسألة حيث نسب الاسقاط إلى الفاضل، واردفه بهذا الاحتمال الذى جمد عليه، ولم يتعرض للقدح فيه. وحاصل معنى ما ذكره تخصيص أدلة العتق بأدلة الخيار، بأن يقال: انه يحتمل ثبوت الخيار بناء على ان الانعتاق يتوقف على الملك، والملك النافذ الذى يترتب عليه العتق انما يحصل بانقضاء الخيار، واسقاطه باحد المسقطات المتقدمة منهما معا. ويحتمل ثبوت الخيار للبايع خاصة، أما المشترى فانه ينعتق عليه بمجرد

[ 18 ]

الشراء وانعتاقه على المشترى لا يزيل حق البايع الحاصل بمجرد العقد السابق على لانعتاق، وحينئذ يمكن وقوف العتق على انقضاء الخيار كما هو الاحتمال الاول، ويمكن نفوذه بناء على الاحتمال الثاني بان ينعتق على المشترى ويبقى خيار البايع، فان اختار الفسخ فليس له تسلط على العبد لانعتاقه وانما يرجع بقيمته اجراء للعبد هنا مجرى المبيع التالف. ومن ذلك يظهر لك أن المسأله محل توقف واشكال ومنشأ الاشكال ما عرفت من تعارض اخبار العتق واطلاق اخبار الخيار. وظاهر الاصحاب ابقاء اخبار العتق على اطلاقها، وتخصيص اخبار الخيار بها، فخيار المجلس عندهم ثابت الا في هذا الموضع. وظاهر الاحتمال الذى ذكره شيخنا المذكور العكس، ولا أعرف مرجحا لاحد الطرفين. وبه يظهر الاشكال. والله سبحانه واولياؤه العالمون بحقيقة الحال. الثالث قد صرح غير واحد من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان هذا الخيار مختص بالبيع بجميع انواعه الا ما عرفت مما وقع فيه الاشكال والخلاف ولا يثبت في غير البيع من عقود المعاوضات، وان قام مقام البيع كالصلح، ووجهه ظاهر لان الاخبار انما وردت في البيع، وحمل غيره عليه قياس لا يوافق اصول المذهب. ونقل عن الشيخ في المبسوط أنه اثبته في العقود الجائزة، مثل الوكالة والمضاربة والوديعة. ورد بأنه غير جيد، لان العقود الجائزة يصح فسخها في المجلس وبعده، فلا معنى لاثبات خيار المجلس فيها. وهو جيد. الرابع قال في الدروس: ويثبت في بيع خيار الرؤية، ولا يمنعه اجتماع الخيارين، وكذا بيع خيار الشرط والحيوان، وكذا يثبت في بيع الصرف تقابضا

[ 19 ]

أولا فان التزما به قبل القبض وجب على القابل، فلو هرب أحدهما عصى، وانفسخ العقد، ولو هرب قبل الالتزام فلا معصية، ويحتمل قويا عدم العصيان مطلقا، لان للقبض مدخلية في اللزوم فله تركه. الخامس قال أيضا في الكتاب المذكور: لو تنازعا في التفرق حلف المنكر ولو تنازعا في الفسخ وكانا قد تفرقا قدم منكره، ولو قال احدهما، تفرقنا قبل الفسخ، وقال الاخر: فسخنا قبل التفرق احتمل تقديم الاول لاصالة بقاء العقد، وتقديم الثاني، لانه يوافقه عليه ويدعى فساده والاصل صحته، ولان الفسخ فعله انتهى. وروى الشيخ عن الحسين بن عمر بن يزيد (1) عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا التاجران صدقا بورك لهما، فإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما وهما بالخيار ما لم يفترقا، فان اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا ". السادس قال: لو تناديا بالعقد على بعد مفرط صح العقد ولهما الخيار على الاقوى وان تقاربا بالتنقل، ووجه عدم الخيار انه لا يجمعهما مجلس عرفا. الثاني خيار الحيوان والشرط فيه ثلاثة ايام والمشهور ان الخيار للمشترى خاصة، وعن المرتضى ثبوته للبايع أيضا ويظهر من المسالك ترجيحه وكذا من المحدث الكاشانى في المفاتيح.


1 التهذيب ج 7 ص 26 الكافي ج 5 ص 174 الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الرقم 6.

[ 20 ]

وقيل بثبوته لهما فيما لو كان الثمن حيوانا، ونفى عنه البعد المحقق الشيخ على في شرح القواعد قال: لان فيه جمعا بين الاخبار الا انه استوجه العمل بالمشهور، ونقل عن ابى الصلاح انه ذهب إلى ثبوت الخيار في الاماء مدة الاستبراء. واستدل للقول المشهور بصحيحة الفضيل (1) وقد تقدمت في روايات خيار المجلس: وموثقة الحسن بن على بن فضال (2) " قال: سمعت أبا الحسن على بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: صاحب الحيوان المشترى بالخيار ثلاثة ايام ". ورواية على بن اسباط (3) عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة ايام للمشترى " الحديث. وصحيحة الحلبي المروية في الفقيه (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: في الحيوان كله شرط ثلاثة ايام للمشترى، فهو بالخياران اشترط أو لم يشترط " ورواه الشيخ أيضا في الصحيح عن الحلبي مثله. وصحيحة ابن رئاب (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: الشرط في الحيوان ثلاثة ايام للمشترى اشترط أو لم يشترط " الحديث. وفى الكفاية ادعى دلالة صحيحة زرارة (6) وصحيحة محمد بن مسلم (7) على هذا القول فان أراد بهما الروايتين الآتيتين في ادلة المرتضى (رضى الله عنه) فهما بالدلالة على خلاف ما يدعيه أشبه، والا فليس في الباب سواهما، وهذه روايات


(1) الكافي ج 5 ص 170. (2) التهذيب ج 7 ص 67 الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار. (3) التهذيب جم 7 ص 64 الكافي ج 5 ص 216. (4) الفقيهه ج 3 ص 126 التهذيب ج 7 ص 24. (5) التهذيب ج 7 ص 24 الكافي ج 5 ص 169. (6 و 7) التهذيب ج 7 ص 23 وص 24.

[ 21 ]

المسأله قد استوفيناها فيما ذكرنا وما يأتي في المقام ان شاء الله تعالى. اقول: ويدل عليه بأصرح دلالة لا تقبل التأويل ما رواه الثقة الجليل عبد الله ابن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله وأحمد ابني محمد بن عيسى عن الحسن ابن محبوب عن على بن رئاب (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار ؟ للمشترى أو للبايع أو لهما كلاهما ؟ فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء ". والحديث مع صحة سنده صريح الدلالة على القول المذكور. واستدل للمرتضى بصحيحة محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان وما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا ". ويدل عليه أيضا صحيحة زرارة (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان ثلاثة أيام " ونحوه عن محمد بن مسلم في الصحيح (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام). والتقريب في الخبرين الاخيرين أن المتبادر من صاحب الحيوان هو البايع، ويخدشه أن موثقة الحسن بن على بن فضال قد فسرت صاحب الحيوان هنا بأنه المشترى، وهو الاقرب، لان ظاهر هذه العبارة تدل على انحصار الخيار فيه، ولا قائل بانحصار الخيار في البايع، وبالحمل على المشترى يصح الانحصار، بناء على القول المشهور والمؤيد المنصور. قال في المسالك بعد قول المصنف " والشرط فيه كله ثلاثة ايام للمشترى خاصة دون البايع على الاظهر ": ما صورته: " نبه بالاظهر على خلاف المرتضى (رضوان الله عليه) حيث ذهب إلى أن الخيار لهما، وصحيحة محمد بن مسلم


1 الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الرقم 9. 2 الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الرقم 3 التهذيب ج 7 ص 23. 4 3 الكافي ج 5 ص 170 التهذيب ج 7 ص 24.

[ 22 ]

عن الصادق عليه السلام قال: " المتبايعان بالخيار ثلاثه أيام في الحيوان " صريحة الدلالة على ما يدعيه. وما تقدم في صحيحة الحلبي من اثبات خياره للمشترى غير مناف لثبوته للبايع الامن حيث المفهوم المخالف وهو ضعيف، فالقول به في غاية القوة ان لم يثبت اجماع على خلافه: وحملت الرواية على مالو باع حيوانا بحيوان وهو تخصيص بغير مخصص وعلى أن الخيار للمشترى وعلى البايع، فهو بالنسبة اليهما مدة ثلاثة ايام. ويضعف بان مقتضى الخبر كونه لهما كما في قوله " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " وعلى ان الخيار للمجموع من حيث هو مجموع فلا يدل على ثبوته للافراد وفيه ما مر. وفى الدروس الشهرة بل الاجماع على خلافه، وهو يؤذن بدعوى الاجماع، فان ثبت فهو الحجة، والا فلا. انتهى. اقول: لا يخفى أن ما ذكروه ان سلم في روايات المسألة المشهورة في كلامهم الا انه لا يجرى في صحيحة ابن رئاب (1) التى قدمنا نقلها عن قرب الاسناد، فانها صريحة في القول المذكور، وبها يتأيد ذلك المفهوم الذى دلت عليه تلك الاخبار العديدة. على أن لقائل أن يقول: انه وان كان المفهوم كما ذكره ليس بحجة الا ان سوق الكلام في جملة من الاخبار المذكورة تدل على ارادته واعتباره هنا، مثل قولهما (عليهم السلام) في صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم " البيعان بالخيار ما لم يفترقا وصاحب الحيوان ثلاثة أيام " ونحوهما صحيحة الفضيل المتقدمة في خيار المجلس. والتقريب في الجميع أنه لو كان الخيار لهما في الحيوان كما هو المدعى لما كان لتخصيص أحدهما به وجه بعد ان ذكر الخيار لهما في غيره ويفصل في المقام، بل ينبغى أن يقول هما بالخيار في كل من الموضعين. ويؤيد القول المشهور الظاهر ان وجه الحكمة في هذا الخيار أن الحيوان


1 الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الرقم 9.

[ 23 ]

مظنة للعيوب، وهى قد تخفى كثيرا ولا تظهر غالبا، وايضا قد يتعلق به أغراض لا يمكن الاطلاع عليها الا بالاختبار ومرور الايام، فضرب الشارع للمشترى هذه المدة لامكان ظهور عيب خفى فيها، وهذه الحكمة لا يظهر وجهها بالنسبة إلى البايع المطلع على عيوب حيوانه، فلا يكون الخيار مشروعا في حقه لانتفاء وجه الحكمة. ويؤيده أيضا ما قدمنا ذكره من أن مقتضى العقد كتابا وسنة اللزوم من الجانبين حتى يقوم دليل على خلافه. وبالجملة فان العمدة في رد القول المزبور انما هي صحيحة ابن رئاب المروية في قرب الاسناد الغير القابل للتأويل بوجه من الوجوه، وان كانت جميع هذه الوجوه مؤيدة لذلك. ومن ذلك يعلم انه يجب جعل التأويل في جانب صحيحة محمد بن مسلم المذكورة بالحمل على أحد المحامل المتقدمة التى أقربها الحمل على مالو باع حيوانا بحيوان. وقول شيخنا المتقدم بانه تخصيص بغير مخصص مدفوع بان ضرورة الجمع بين الاخبار أوجب التخصيص. على أنه قد اختار القول بذلك، وجعله وجه جمع بين الاخبار، كما سيأتي في كلامه ان شاء الله تعالى. وأما ما عداها مما ظاهره ذلك أيضا فقد عرفت الجواب عنه. واحتمل في الوسائل حملها على التقية، ولعه الاقرب وان كان لا يحضرني الان مذهب العامة في هذه المسألة لما عرفت في مقدمات كتاب الطهارة (1) من ان الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل بذلك منهم، فانه لما كان الاصحاب سلفا وخلفا سوى المرتضى (رضى الله عنه) على هذا القول المشهور، وأخبارهم كما عرفت متظافرة به، فانه يعلم بذلك كونه مذهب الائمة (عليهم السلام) وليس لما خالف ذلك مما ورد عنهم محمل غير التقية.


1 ج 1 ص 5.

[ 24 ]

ومن روايات المسألة المؤيدة للقول المشهور أيضا زيادة على ما قدمناه ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن ابن سنان (1) والظاهر أنه عبد الله " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك ؟ فقال: على البايع حتى ينقضى الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشترى " (2). وزاد في التهذيب " شرط له البايع أو لم يشترط قال وان كان بينهما شرط اياما معدودة فهلك في يد المشترى قبل أن يمضى الشرط فهو من مال البايع ". ورواه في الفقية مرسلا (3) كما في الكافي. الا انه " قال: لا ضمان على المبتاع حتى ينقضى الشرط ويصير المبيع له " (4) والعجب من المرتضى (رضوان الله عليه) المانع من العمل باخبار الاحاد والدائر في اقواله مدار الاجماع كيف اعتمد على هذا الخبر في هذا المقام مع مخالفته الاخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة بل الاجماع المدعى في المقام، والظاهر أن دليله شى آخر غير الخبر من الامور العقلية كما هي قاعدته، فان تعلقه بالاخبار نادر جدا.


1 الكافي ج 5 ص 169 التهذيب ج 7 ص 24. 2 ظاهر الخبر المذكور عدم انتقال المبيع في مدة الخيار إلى المشترى كما هو قول الشيخ، والمشهور يحملونه على استقرار الملك وسياتى تحقيق المسالة في محله انشاء الله تعالى. 3 الفقيه ج 3 ص 128. 4 ومما يدل على مادل عليه هذا الخبر من أن التلف أو الحدث زمن الخيار مضمون على البايع. رواية ابن رباط عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: ان حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة ايام فهو من مال البايع " والظاهر ان الحكم لا خلاف فيه. منه رحمه الله.

[ 25 ]

وبالجملة فالمعتمد هو القول المشهور. والله العالم. وتحقيق البحث في المقام يتم برسم المسائل. الاولى لم نقف لابي الصلاح فيما ذهب إليه من ثبوت الخيار في الاماء مدة الاستبراء على دليل، وظاهر اخبار المسألة المتقدمة يرده، مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدمة " الخيار في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشترى " وقوله (عليه السلام) في صحيحة (2) ابن رئاب " الشرط في الحيوان ثلاثة ايام للمشترى، اشترط أو لم يشترط ". واظهر من جميع ذلك صحيحة على بن رئاب (3) المتقدم نقلها عن قرب الاسناد، لان موردها الجارية بخصوصها، وقد حكم (عليه السلام) " بان الخيار فيها ثلاثة ايام للمشترى وأنه إذا مضت الثلاثة فقد وجب الشراء ولزم " وصحيحة عبد الله بن سنان (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: عهدة البيع في الرقيق ثلاثة ايام ان كان بها خبل أو برص أو نحو هذا " الحديث وبذلك يظهر ضعف القول المذكور الثانية لو باع الدراهم أو المتاع بالحيوان كان يقول: بعتك هذه الدراهم أو هذا المتاع بهذا الحيوان، فيقول المشترى اشتريتها به. فالظاهر أن خيار الحيوان هنا ثابت لمن انتقل له الحيوان بهذا العقد، وهو البايع للدراهم أو المتاع، نظرا إلى ما قدمنا ذكره، من وجه الحكمة في هذا الخيار. وثبوت الخيار هنا للبايع غير مناف لما تقدم بناء على القول المشهور وما دل عليه من الاخبار، من أن خيار الحيوان للمشترى خاصة، لان مبنى تلك المسألة في


1 التهذيب ج 7 ص 24. 2 الكافي ج 5 ص 169. 3 الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الرقم 9. 4 الكافي ج 5 ص 172.

[ 26 ]

النصوص وكلام الاصحاب انما هو على كون المبيع هو الحيوان بغيره من الاثمان، فجعل الخيار فيها لمشتريه. وهيهنا الحيوان انما وقع ثمنا وقيمة لمبيع آخر فيكون الخيار انما هو لمن انتقل إليه وهو البايع، نظرا إلى ما اشرنا إليه من وجه الحكمة في هذا الخيار. ويمكن الاستدلال عليه في هذه الصورة بالاخبار الدالة على أن لصاحب الحيوان الخيار ثلاثة أيام، وهو من انتقل إليه ثمنا أو مثمنا، لما تقدم من أنه لا يصح حمل صاحب الحيوان هنا على المالك، وانما حملناه سابقا على المشترى بقرينة موثقة ابن فضال، من حيث وقوع البيع على الحيوان، وكونه مثمنا، وأما لو جعل ثمنا، فانه يكون الخيار فيه لمن انتقل إليه، وان سمي بحسب هذه الصورة بايعا. أو إلى ما اخترنا في هذا المقام يشير كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والروضة وبه صرح المحقق الاردبيلى (رحمة الله عليه) في شرح الارشاد، الا أن كلامه لا يخلو من خلل في تأدية المطلوب منه والمراد، فانه قال بعد ذكر الفرع المذكور. وبالجملة انه ثابت لمن ينتقل إليه الحيوان بعقد البيع، سواء يقال له البايع أو المشترى، وأتى بالصيغة بلفظ البيع أو الشراء قدمها أو أخرها، لان الحكمة في الخيار فيه أن الحيوان مظنة العيب ويختفى فيه كثيرا، ولا يظهر غالبا، فشرع الخيار ليعلم ذلك وهو يدل على ثبوته لكل من ينتقل إليه. والعمدة في ذلك الاخبار المتقدمة، مثل صحيحة زراره أو حسنته (1) قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) " البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان ثلاثة ايام " الظاهر أن المراد أن صاحبه الذى عنده ومالكه بالفعل لا الذى كان يخبر ثلاثة ايام، ثم ذكر صحيحة محمد بن مسلم الموافقة لصحيحة زرارة في هذا المتن.


1 الكافي ج 5 ص 170.

[ 27 ]

كما قدمناه ثم قال: الظاهر شمول هذه الاخبار لمن قلناه، وان قلنا بشمولها لغيره ايضا. انتهى. ومحل الاشكال في قوله: الظاهر ان المراد صاحبه الذى عنده إلى آخره مع قوله قبله ان الخيار ثابت لمن ينتقل إليه الحيوان مؤيدا ذلك بوجه الحكمة المذكورة في كلامه، فانه لا يخلو من مدافعة ومناقضة. الثالثه هل مبدء الخيار هنا وكذا في خيار الشرط الاتى ان شاء الله تعالى من حين العقد أو التفرق ؟ قولان: نقل ثانيهما عن الشيخ (رحمة الله عليه) ومن تبعه. وبالاول صرح جملة من محققى متأخرى الاصحاب، والظاهر أنه الاقرب. ويؤيده أن المتبادر من الاجل المذكور بعد العقد هو اتصاله بزمان العقد، وهكذا كل ما اشترط من الاجل في العقود، فان المتبادر منه كون ابتدائه من حين العقد. ويعضده ظاهر جملة من الاخبار المتقدمة، مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " البيعان بالخيار حتى يفترقا " وصاحب الحيوان ثلاثة ايام. وقوله في صحيحة محمد بن مسلم (2) " المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا " فان المفهوم منهما ان كلا الخيارين في البدء سواء وانما الاختلاف بينهما باعتبار الاخر، فنهايته في خيار المجلس التفرق، وفى خيار الحيوان إلى ثلاثة ايام تمام الكلام في المقام ياتي انشاء الله تعالى في المقام الثاني في الاحكام. الرابعة يسقط هذا الخيار عند الاصحاب باشتراط سقوطه في العقد، وباسقاطه بعد العقد وبالالتزام بالعقد، وبالتصرف، والوجه في الاول العمل بما دل على لزوم الوفاء بالشرط وفى الثاني انه حق لصاحبه، فمتى اسقطه سقط. واما الثالث فقد تقدم الكلام فيه في خيار المجلس، الا ان الظاهر هنا لزوم العقد


21 التهذيب ج 7 ص 24 الكافي ج 5 ص 170.

[ 28 ]

بالالتزام به، وسقوط الخيار بذلك، لما في رواية عبد الله بن الحسن بن زيد بن على بن الحسين عن أبيه (1) " عن جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل اشترى عبدا بشرط ثلاثة ايام فمات العبد في الشرط قال: يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو برئ من الضمان " فانه ظاهر في أنه متى التزم بالعقد ورضى به سقط الخيار. وأما الرابع فيدل عليه بعد الاجماع المدعى في التذكرة جملة من الاخبار منها صحيحة على بن رئاب (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: الشرط في الحيوان ثلاثه أيام " للمشترى اشترط أم لم يشترط، فان أحدث المشترى فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة (الايام) فذلك رضى منه فلا شرط، قيل له: وما الحدث ؟ قال: ان لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء ". وصحيحة محمد بن الحسن الصفار " قال: كتبت إلى ابى محمد (عليه السلام) في الرجل اشترى من رجل دابة فاحدث فيها حدثا من اخذ الحا فرأو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردها في الثلاثة ايام التى له فيها الخيار بعد الحدث الذى يحدث فيها أو الركوب الذى ركبها فراسخ ؟ فوقع عليه السلام: إذا احدث فيها حدثا فقد وجب الشراء ان شاء الله تعالى ". وروى في قرب الاسناد عن على بن رئاب في الصحيح (4): " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار ؟ فقال: الخيار لمن اشترى " إلى ان قال:) قلت له: أرأيت ان قبلها المشترى أو لامس، قال: فقال: إذا قبل أو


(1) التهذيب ج 7 ص 80 الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار. (2) الكافي ج 5 ص 169 التهذيب ج 7 ص 24 وفيه (ايام) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار. (3) التهذيب ج 7 ص 75 الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار. (4) الوسائل الباب 4 من ابواب الخيار الرقم 3.

[ 29 ]

لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزمته ". قال في المسالك بعد نقل مضمون صحيحة على بن رئاب الاولى: واطلاق التصرف والحدث يشمل الناقل وغيره، بل مطلق الانتفاع كركوب الدابة وتحميلها وحلب ما يحلب ونحو ذلك، ولو قصد به الاستخبار ففى المنع من الرد قول لا بأس به، فان استثنياه اعتبر منه ما يعلم به الحال، بان يركب الدابة قدرا يظهر به فراهتها وعدمه، ويحلب الشاة بحيث يعلم حالها ونحو ذلك فلو زاد عنه منع، ولو ساق الدابة إلى منزله فان كان قريبا بحيث لا يعد تصرفا عرفا فلا اثر له، وان كان بعيدا كثيرا احتمل قويا منعه، وبالجملة فكل ما يعد تصرفا وحدثا يمنع والا فلا. انتهى وهو جيد. ونقل المحقق الاردبيلى (رحمه الله) في شرح الارشاد عن بعض المحققين قال: قال بعض المحققين: المراد بالتصرف المسقط للخيار هو ما يكون المقصود منه التملك لا الاختبار، ولا حفظ المبيع كالركوب لسقى الدابة، ثم قال: وفيه تأمل، لان ظاهر الروايات أعم من ذلك. اقول: ان ما ذكروه من التصرف لاجل الاختبار لاوجه له في المقام، فان مقتضى العادة أن المشترى للحيوان لا يشتريه ولا يعقد صيغة البيع حتى يختبره بركوبه معرفة حسن مشيه وعدمه، والجارية لا يشتريها حتى ينظر منها إلى ما يتعلق به غرضه بنظره باذن المالك، ومن هذه الجهة اطلقت الاخبار كون التصرف بعد البيع مسقطا للخيار، فان جميع ما يتوقف عليه غرضه من ذلك الحيوان قد علم قبل البيع، وانما جعل له هذا الخيار هذه المدة بالنسبة إلى شئ لم يحصل له الاطلاع عليه من العيوب الخفية.


1 اقول ظاهر المحقق الشيخ على في شرح القواعد الميل إلى هذا القول حيث قال: ولو قصد به الاختبار فقد استثناه من التصرف المسقط وليس ببعيد منه رحمه الله.

[ 30 ]

واما ما ذكره ذلك المحقق من السقى، فانه لا يتوقف على الركوب ليكون ذلك مستثنى من التصرف المانع من الرد، والظاهر انه اراد بالتملك، معنى الالتزام بالبيع والا فالتملك حاصل بأصل العقد. نعم يبقى الكلام في التصرف الذى يتوقف عليه حفظ الدابة في ضمن تلك الثلاثة أيام، من علفها وسقيها وربطها، ونقلها من مكان إلى مكان لاجل حفظها من الحر أو البرد ونحو ذلك، والاقرب انه لا يعد من التصرف المانع من الرد لخوف تطرق الضرر بدونه. وأما مناقشة المحقق الاردبيلى " رحمه الله " في هذا المقام في عموم التصرف وشموله لجميع التصرفات حيث طعن في دلالة صحيحة على بن رئاب الاولى بالحصر في الجارية، فلم يعلم غيرها من الحيوانات واختصاصه بالافراد المذكورة فيها، وأنه يمكن ما كان مثلها أو أعلى واما الادنى فلا. وفى صحيحة الصفار بأنها وان دلت بظاهرها على أن كل حدث مسقط للخيار الا ان الحدث مجمل، ويمكن أن يكون كل ما هو عيب يكون مسقطا فالظاهر أنها من المناقشات البعيدة الاحتمال، فان الظاهر أن ما ذكر في الخبرين المذكورين من الجارية والدابة والتصرف فيهما بما ذكره في الخبرين انما خرج مخرج التمثيل، لا الاختصاص وذكر في كل منهما من التصرف ما هو المناسب له من قبيل التمثيل أيضا لا الحصر. فالمراد من الخبرين انما هو ما فهمه الاصحاب (رضوان الله عليهم)، من عموم الحكم في الحيوان مطلقا، والتصرف بجميع وجوهه في كل منها بما يناسبه، والله العالم.


(1) اقول بذلك يظهر أيضا ما في كلام الفاضل الخراساني حيث قال واعلم أنى لااعلم دليلا على كون شئ من التصرفات موجبا للزوم، سوى ما ورد في صحيحة على بن رئاب، وصحيحة محمد بن الحسن الصفار، وما في قوته أو اقوى منه، وان ثبت اجماع في غيرها كان متبعا، والاكان للتأمل فيه مجال. انتهى. وكانه تبع في هذا المقام المحقق المشار إليه في الاصل وقد عرفت

[ 31 ]

الخامسة قد عرفت فيما تقدم أن من جملة الاقوال في المسألة ثبوت الخيار لهما فيما إذا كان الثمن أيضا حيوانا واختاره في المسالك، نظرا إلى تحقق الحكم من الجانبين، قال: فان اختصاص الخيار بالحيوان لاشتماله على امور باطنة لا يطلع عليها غالبا الا بالتروى والاختبار مدة، وفيه جمع بين الاخبار المختلفة ظاهرا. وهو جيد، سيما على مدهبه في ترجيح قول السيد المرتضى ثم انه في المسالك قال: ولو كان الثمن خاصة حيوانا ثبت الخيار للبايع خاصه على الاقوى. انتهى. وبنحوه في الموضعين صرح في الروضه أيضا (1) وبالجملة، فان مرجع الكلام في هذه المسألة إلى ما قدمناه في الفائدة الثانيه، قد عرفت انه أحد الوجوه في حمل الخبر الذى استدل به المرتضى (رضى الله عنه) كما اشار إليه شيخنا المذكور هنا بقوله: وفيه جمع بين الاخبار المختلفة ظاهرا، وان كان قد رده في كلامه المتقدم نقله عنه في صدر البحث بقوله وهو تخصيص بغير مخصص وقد عرفت ما فيه آنفا. الثالث خيار الشرط والاصل فيه بعد الاجماع في التذكرة الادلة العاملة من الاخبار الدالة على وجوب الوفاء بالشرط الا ما حرم حلالا وحلل حراما، والخاصة لهذا المقام وها نحن نتلوا عليك جملة الاخبار المتعلقة بذلك عامها وخاصها، كما هي قاعدتنا


ما فيه من أن ما ذكر في الخبرين انما خرج مخرج التمثيل لا الحصر كما لا يخفى، واليه يشير قوله " فاحدث حدثا من اخذ الحافر إلى آخره " فان المراد بالحدث هو ما فهمه الاصحاب من التصرف مطلقا، وان مثل له في الخبر ببعض الافراد كما لا يخفى على المتأمل. منه رحمه الله. 1 حيث قال: ولو كان حيوانا بحيوان قوى ثبوته لهما كما يقوى ثبوته للبايع وحده لو كان الثمن خاصة وهو ما قرن بالباء حيوانا، انتهى منه رحمه الله.

[ 32 ]

في الكتاب في كل حكم وباب. فمنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله عزوجل. وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: المسلمون عند شروطهم، الا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز ". وما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " أن على بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما ". ومنها ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الشرط في الاماء الاتباع ولا تورث ولا توهب ؟ فقال: يجوز ذلك غير الميراث، فانها تورث، وكل شرط خالف كتاب الله فهو " (مردود) ". ونحو هذه الرواية بهذا المضمون مرسلة جميل بن دراج، ومرسلة ثانية له، والمشهور في كلام الاكثر أنه لو شرط ما ينافي مقتضى العقد كما لو شرط أن لا يبيعه


(1) الكافي ج (5) ص 169 التهذيب ج 7 ص 22. (2) الفقيه ج 3 ص 127 التهذيب ج 7 ص 22. (3) التهذيب ج 7 ص 467. (4) الكافي ج 5 ص 212 في الكافي فهو (رد). (5) التهذيب ج 7 ص 25.

[ 33 ]

أو لا يعتقه أو لايطأ أو أو لا يهب، فهذه الشروط باطلة، والمشهور بطلان العقد بها أيضا. ويظهر من بعض الاصحاب القول بلزوم أمثال هذه الشروط المشروعة، والاخبار المذكورة تدل عليه، وعلى المشهور يمكن حملها على الاستحباب، بناء على قواعدهم في أمثال هذه الابواب. ثم ان الفرق بين الميراث وغيره مما ذكر في الاخبار المذكورة لا يخلو من خفاء وربما قيل بأن الفرق هو ان اشتراط عدم البيع والهبة اشتراط ما يتعلق بنفسه، واشتراط عدم التوريث يتعلق بغيره، ولا أثر فيه لرضاه، ولا يخلو من تكلف، ومقتضى العقد كتابا وسنة هو التصرف فيه بما شاء من انواع التصرفات، فاشتراط منعه من ذلك كما دلت عليه هذه الاخبار مشكل. ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن اسحاق بن عمار (1) قال: " اخبرني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) " قال سأله رجل وأنا عنده فقال له: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فمشى إلى اخيه فقال له: أبيعك دارى هذه وتكون لك أحب الي من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي ؟ فقال: لا بأس بهذا ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون ؟ فقال: الغلة للمشترى، ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله). ورواه الصدوق بطريقه إلى اسحاق بن عمار (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سأله رجل الحديث. وما رواه في التهذيب عن معاوية بن مسيرة (3) " قال: سمعت ابا الجارود يسأل


(1) الكافي ج 5 ص 171 التهذيب ج 7 ص 23. (2) الفقيه ج 3 ص 128. (3) التهذيب ج 7 ص 176.

[ 34 ]

أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع دارا له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذى اشترى منه الدار حاصر، فشرط أنك ان أتيتني بمالى ما بين ثلاث سنين فالدار دارك فاتاه بماله قال: له شرطه، قال له أبو الجارود: فان ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين قال: هو ماله، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار دار المشترى ". وما رواه في الكافي عن سعيد بن يسار (1) في الصحيح قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انا نخالط أناسا من أهل السواد وغيرهم، فنبيعهم ونربح عليهم العشرة اثنا عشر والعشرة ثلاثة عشر ونؤخر ذلك فيما بيننا وبينهم السنة ونحوها، ويكتب لنا الرجل على داره أو ارضه بذلك المال الذى فيه الفضل الذى اخذ منا شراء (وقد باع) وقبض الثمن منه، فنعده ان هو جاء بالمال إلى وقت بيننا وبينه ان نرد عليه الشراء، فان جاء الوقت ولم يأتنا بالدراهم فهو لنا. فما ترى في ذلك الشراء ؟ قال: ارى أنه لك ان لم يفعل، وان جاء بالمال للوقت فرد عليه " وما رواه الشيخ عن أبى الجارود (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال: ان بعت رجلا على شرط فان أتاك بما لك والا فالبيع لك " والبيع في الخبر بمعنى الشراء، فانه من الاضداد كما ذكره أهل اللغة. وتحقيق البحث في المقام بما يحصل به الاحاطة بأطراف الكلام وبيان ما يدخل فيه من الاحكام يقع في مواضع. الاول الاشهر الاظهر هو انه متى كان الشرط سائغا في العقد، وجب على المشروط عليه الوفاء به فان امتنع كان للمشروط له اجباره عليه، فان لم يمكنه رفع امره إلى الحاكم الشرعي فان تعذر كان له خيار الفسخ، وقيل متى امتنع كان للمشروط له اختيار الفسخ، وسيأتى ان شاء الله تعالى مزيد تحقيق للمسألة في محله (3)


(1) الكافي ج 5 ص 172 الفقيه ج 3 ص 128 وفيه (بأنه قد باعه). (2) التهذيب ج 7 ص 23. (3) وهو في المسألة الاولى من المقام الثاني في أحكام الخبار.

[ 35 ]

الثاني يجوز اشتراط مدة يرد فيها البايع الثمن إذا شاء ويرتجع المبيع وفى هذا المقام احكام. الاول قد دلت موثقة اسحاق بن عمار وما بعدها من الاخبار على انه يجوز اشتراط مدة مضبوطة يرد فيها البايع الثمن إذا شاء ويرتجع المبيع، وظاهر الاخبار المذكورة انه يكفى مجرد اعطاء الثمن، والمفهوم من كلام الاصحاب من غير خلاف بعرف أنه لابد من الفسخ وأنه لا يكفى مجرد رد الثمن. الثاني لو شرط في العقد رد المثل أو القيمة في تلك المدة لزم أيضا، قال في الدروس: فليس للبايع الفسخ بدون رد الثمن أو مثله ولا يحمل الاطلاق على العين، ولو شرط رد العين احتمل الجواز انتهى. الثالث المشهور أنه لا يتوقف الفسخ أو الامضاء على حضور الاخر أو الحاكم. نعم ثبوته يتوقف على الاشهاد مع النزاع، ونقل في الدروس عن ابن الجنيد انه يشترط في الخيار المختص للفسخ أو الامضاء الحضور أو حكم الحاكم أو الاشهاد قال: وفى المشترك لا ينفذا لفسخ والامضاء الا بحضورهما ونقل عن ابن حمزة انه لابد في المشترك من اجتماعهما على الفسخ أو لا امضاء. وفى المبسوط لا خلاف في جواز الامضاء بغير حضور الاخر، والظاهران ما ذهب إليه ابن الجنيد هنا هو مذهب العامة، فانه قد نقل المحقق الشيخ على (رحمه الله) في شرح القواعد توقف الفسخ على أحد الامرين المذكورين عن ابى حنيفة. وانت خبير بان الروايات المذكورة خالية من التعرض لذكر الفسخ، كما قدمنا الاشارة إليه، وليس فيها أزيد من رد الثمن في المدة المضروبة وظاهره هو الرد على المشترى ودفعه إليه، ولو جعل رد الثمن فيها كناية عن الفسخ مثلا، فظاهرها اشتراط حضور المشترى ليفسخ البايع بعد دفع الثمن أو مثله إليه، فما ذكروه من جواز الفسخ مع عدم حضور المشترى وجعل الثمن أمانة إلى أن يجئ

[ 36 ]

المشترى، وان كان ظاهرهم الاتفاق عليه عدا من تقدم ذكره، الا انه بعيد عن سياق الاخبار المذكورة كما لا يخفي على المتأمل فيها. الرابع الظاهر انه لا فرق (1) في هذا الشرط بين وقوعه من البايع بان يقول: بعتك هذه الدار بشرط ان تردها علي إذا اتيتك بالثمن في ضمن شهر، أو من المشترى بأن يشترط له انك ان أتيتني بالثمن في ضمن المدة المعلومة، رجعت عليك المبيع والذى تضمنته الاخبار المتقدمة الثاني. قال في الدروس: يجوز اشتراط ارتجاع المبيع عند رد الثمن مع تعيين المدة فليس للبايع الفسخ بدون رد الثمن أو مثله، ثم قال: ولو شرط المشترى ارتجاع الثمن إذا رد المبيع جاز، ويكون الفسخ مشروطا برد المبيع، فلو فسخ قبله لغى انتهى. اقول ظاهر الاخبار المتقدمة انه بعد وقوع العقد مشتملا على هذا الشرط من البايع أو المشترى فانه بمجرد رد البايع الثمن في المدة المضروبه يجب على المشترى رفع اليد عن المبيع وتسليط البايع عليه لقوله (عليه السلام) في موثقة اسحاق (2) " ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه " وفى رواية معاوية فأتاه بماله قال: له شرطه، وقوله في صحيحة سعيد بن يسار (3) " ان جاء بالمال في الوقت فرد عليه ". وظاهر هذه العبارات ان الفسخ يحصل بمجرد رد الثمن في المدة المضروبة وانه يجب على المشترى رد المبيع ورفع يده عنه. وبه يظهر مافى عبارة الدروس المذكورة وغيرها من اعتبار الفسخ وتفريع


(1) لقوله في خبر اسحاق ان حبئت بثمنها إلى سنة، وفى رواية معاوية إلى ما بين ثلاث سنين وقوله في رواية سعيد بن يسار ولم يأتنا بالدراهم وفى رواية ابى الجارود فان أتاك بمالك والجميع كما ترى ظاهر في انه لابد من رده على المشترى منه رحمه الله. (2) الوسائل الباب 8 ابواب الخيار الرقم 1 التهذيب ج 237 الرقم 13 (3) التهذيب ج 7 ص 23 الرقم 12.

[ 37 ]

ما ذكروه من الاحكام عليه فان دخوله تحت الاخبار المذكورة لا يخلو من غموض وخفاء. الخامس قال في الدروس لو شرط ارتجاع بعضه ببعض الثمن أو الخيار في بعضه ففى الجواز نظر. اقول: الظاهر ان وجه النظر المذكور ينشأ من مخالفة النصوص الواردة في المسأله وكون هذا الفرد خارجا عنها، ومن عموم " المؤمنون عند شروطهم ". وفى المسالك استوجه الثاني ولا يخلو من قرب، فان النصوص المذكورة لا دلالة فيها على حصر الصحة في الصورة المذكورة فيها، وان ما عداها غير جائز مع ان هذا الشرط سائغ في حد ذاته ولا مانع منه. الثالث من المواضع المتقدمة هل يملك المبيع بالعقد أو بمضي مدة الخيار قولان، وسيأتى تحقيق المسألة انشاء الله تعالى في المقام الثاني في الاحكام. الرابع قد دلت الاخبار المتقدمة على ان منافع المبيع ضمن مدة الخيار للمشترى، وتلفه من المشترى فيكون ملكا له، وهو موافق للمشهور من أن التلف بعد القبض في زمن الخيار من مال من لا خيار له. وهذا في صورة ما لو كان الخيار للبايع، واما لو كان الخيار للمشترى كما تقدم في خيار الحيوان فان تلفه من البايع، كما تضمنته صحيحة عبد الله بن سنان (1) المتقدمة في خيار الحيوان وقوله فيها " فان كان بينهما شرط اياما معدوده فهلك في يد المشترى قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البايع " وهذا ايضا جار على مقتضي القاعدة المتقدمة، وهي ان تلف المبيع بعد القبض فهو من مال من لا خيار له. وتمام الكلام في ذلك يأتي انشاء الله تعالى في المقام الثاني.


(1) التهذيب ج 7 ص 24 الرقم 20 الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الرقم 2.

[ 38 ]

الخامس قد تقدم انه لابد من كون الشرط في متن العقد بين الايجاب والقبول قال في التذكرة: ولا اعتداد بالشرط قبله أو بعده. السادس خيار الشرط ثابت لمن اشترطه سواء كانا هما معا، أو احدهما أو اجنبيا، أو احدهما مع اجنبي، من غير خلاف يعرف ومستنده عموم ادلة وجوب الوفاء بالشروط المتقدم ذكرها. السابع يجب أن يكون المدة مضبوطة، والوجه فيه رفع الجهالة المبطلة للعقد، وان الاجل كما صرحوا به له قسط من الثمن، فيئول إلى جهالة احد العوضين، وان تكون متصلة بالعقد أو منفصلة عنه مع ضبطها، فلو شرطاها متأخرة صار العقد لازما بعد المجلس وجائزا فيها، اما اتصالها بالعقد فوجهه ظاهر مما تقدم في خيار الحيوان، واما جواز اشتراط تأخيرها فوجهه كون الشرط المذكور سائغا، فيصح اشتراطه، وفى جواز جعل المدة متفرقة قولان، ولو لم تكن المدة مضبوطة كقدوم الحاج مثلا أو ادراك الغله بطل الشرط قولا واحدا. وهل يبطل العقد قولان: المشهور البطلان، وهذا جار في كل عقد اشتمل على شرط فاسد، وقيل بصحة العقد وان بطل الشرط. وقد تقدم تحقيق هذه المسألة والكلام فيها في المقدمة الحادية عشر (1) من مقدمات كتاب الطهارة، ولو اطلقا ولم يعينا مدة فالمشهور انه لا يصح ونقل عن الشيخ الصحة وانه ثلاثة ايام مدعيا فيه النص والاجماع، ورد بعدم وجود خيار الثلاثة في الاخبار الافى خيار الحيوان واما الاجماع فأوضح، حيث لم يقل ذلك سواه. والظاهر ان الوجه في وجوب ضبط المدة كما اشترطوه هو رفع الجهالة المبطلة للعقد وان الاجل له قسط من الثمن فيؤل إلى جهل أحد العوضين. الثامن قد تقدم النقل عن الشيخ بان مبدأ هذا الخيار بعد التفرق من المجلس ولم نقف له على دليل، وثبوت خيار المجلس بأصل الشرع لا يدل على كون مدة الخيار المشروط غير ذلك، حتى يكون ابتداؤه بعد انقضاء ذلك، إذ لا مانع من


(1) ج 1 ص 133.

[ 39 ]

التداخل في بعض المدة كما مر في خيار الحيوان (1). التاسع قال بعض المحققين (2) والظاهر عدم سقوط هذا الخيار بالتصرف لما مر وسيجئ ولا بالشرط، وهو ظاهر. نعم يمكن بالاسقاط والالتزام بعده كما في غيره. والعمدة في ذلك قول الاصحاب (رضى الله عنهم) في الكل والتسلط للانسان على ماله، والترغيب على العمل بالقول وعدم مخالف له، ولانه لاشك في لزوم الفسخ باختياره، وكذا اللزوم. ويدل عليه أيضا رواية السكوني (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قضى في رجل اشترى ثوبا بشرط إلى نصف النهار فعرض له ربح فاراد بيعه، قال: ليشهد أنه قد رضيه واستوجبه ثم ليبعه ان شاء، فان أقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه ". انتهى. وهو جيد. وحمل بعض الاصحاب الامر بالاشهاد هنا على الارشاد لرفع النزاع أو الاستحباب، والخبر صريح في أنه مع الالتزام بالعقد يسقط الخيار، وظاهره أيضا أنه يسقط بالتصرف، وان اقامته في السوق وجعله في معرض البيع وان لم يبعه تصرف مسقط للخيار. العاشر قد صرح الاصحاب بانه يجوز اشتراط الموامرة يعنى اشتراطهما أو أحدهما استيمار من سمياه والرجوع إلى أمره مدة مضبوطة، فيلزم العقد من جهتهما ويتوقف على امره، فان امر بالفسخ جاز للمشروط له استيماره والفسخ، والظاهر انه لا يتعين عليه، لان الشرط انما هو مجرد استيماره لا الالتزام بقوله، وان امر بالالتزام


(1) ص 25. (2) هو المحقق الاردبيلى قدس سره في شرح الارشاد منه رحمه الله. (3) الكافي ج 5 ص 173 التهذيب ج 7 ص 23.

[ 40 ]

لم يكن له الفسخ قطعا، وان كان الفسخ اصلح عملا بالشرط قال: في التذكرة: وليس للشارط ان يفسخ حتى يستأمر ويأمره بالرد، لانه جعل الخيار إليه دونه. قيل: ويمكن أن يكون له الفسخ قبلها، والمخالفة لعدم لزومه. الا ان يشترط ذلك. قال في التذكرة: هذا القول الثاني للشافعي. كما ان الاول قوله الاول، وهو المعتمد. مع انه في التحرير قال بهذا القول الثاني فقال: وله الفسخ قبل الاستيمار. اقول لا ريب ان جواز اشتراط الاستيمار كما هو أصل المسألة لا اشكال فيه، لانه من الشروط السائغة، فلا مانع من اشتراطها، فان امره بالفسخ تسلط على الفسخ، وله الخيار بين ان يفسخ وبين ان لا يفسخ، كما في سائر مواضع الخيار، وان أمره بالالتزام الذى هو مقتضى العقد فليس له المخالفة، وان كان الفسخ أصلح، لانه لا يتسلط على الفسخ الا بالشرط، له وهو لم يشترط لنفسه والفرق بين المؤامرة وجعل الخيار لاجنبي ان الغرض من المؤامرة الانتهاء إلى امره، فليس لذلك المستأمر بفتح الميم الفسخ أو الالتزام، وانما إليه الامر والرأي خاصة بخلاف من جعل له الخيار. الرابع خيار الغبن بسكون الباء واصله الخديعة، والمراد هنا البيع والشراء بغير القيمة مع الجهالة إذا كان الغبن بما لا يتسامح به غالبا بان شراه بزيادة على القيمة أو باع بنقصان عنها فالمرجع فيه إلى العادة لعدم تقديره شرعا، وهذا النوع من الخيار لم يذكره كثير من المتقدمين، والقول به انما ثبت عن الشيخ واتباعه، ونقل في الدروس وكذا في المسالك عن المحقق في الدرس القول بعدمه. ويظهر من التذكرة عدم الخلاف فيه بين علمائنا (1)، والمشهور بين


(1) قال في التذكرة: وهو أي خيار الغبن ثابت عند علمائنا وبه قال مالك واحمد لقوله لاضرر ولا ضرار في الاسلام، ولقوله الا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ومعلوم بان المغبون لو عرف الحال لم يرض، ولان النبي صلى الله عليه وآله اثبت الخيار في التلقى وانما اثبته للغبن، وقال انما يثبت للمغبون خاصة اجماعا منه رحمه الله.

[ 41 ]

المتأخرين ثبوته، واعترف جمع من المتأخرين بانهم لم يقفوا في النصوص على نص عليه بالخصوص، وانما ورد في تلقى الركبان تخيرهم إذا غبنوا. واستدلوا عليه ايضا بحديث الضرار (1)، وما ذكروه من حديث الغبن في تلقى الركبان لم اقف عليه في كتب الاخبار، ولا في كتب الفروع ايضا ويمكن ان يستدل عليه بما رواه في الكافي (2) عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: غبن المسترسل سحت ". وعن ميسر (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: غبن المؤمن حرام " وفي رواية " لا يغبن المسترسل فان غبنه لا يحل ". قال في كتاب مجمع البحرين: والاسترسال: الاستيناس، والطمأنينة إلى الانسان والثقة به فيما يحدثه واصله السكون والثبات، ومنه الحديث أيما مسلم استرسل إلى مسلم فغبنه فهو كذا، ومنه غبن المسترسل سحت، انتهى، وظاهره وجود حديث رابع زائد على ما نقلناه. وبالجملة فهذه الاخبار وان كانت مطلقة الا انها دالة باطلاقها على ما نحن فيه من تحريم الغبن في البيع والمنع منه، وحينئذ فيثبت لصاحبه الخيار. وكيف كان فثبوته عند الاصحاب مشروط بامرين كما تقدمت الاشارة إليه. احدهما جهالة المغبون بالقيمة وقت العقد، فلو عرف القيمة ثم زاد أو نقص مع علمه، أو تجددت الزيادة أو النقيصة بعد العقد فلا غبن والاخيار اجماعا، كما نقله المسالك. ثانيهما ان يكون الغبن الذى هو عبارة عن الزيادة والنقيصة فاحشا لا يتسامح بمثله عادة، مثل ان يبيع ما يساوى مأة: بخمسين ونحوها فلو كان يسيرا


(1) اقول من اخبار الضرار موثقة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام في حديث ان الرسول صلى الله عليه وآله قال: لا ضرر ولا ضرار. ورواية عقبة ابن خالد عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث ان الرسول صلى الله عليه وآله قال: لاضرر ولاضرار على مؤمن ونحوهما غيرهما منه رحمه الله. (3 2) الكافي ج 5 ص 153 التهذيب ج 7 ص 7 الفقية ج 173 3

[ 42 ]

يتسامح به كالدرهم بل الاربعة والخمسة في المأة فلا غبن. وقد عرفت ان مرجع ذلك عندهم إلى العرف حيث لا تقدير له في الشرع وطريق معرفة الثاني ظاهرة، لانه يمكن اقامة البينة على القيمة فيناط بها. وأما الاول فان امكن اقامة البينة عليه فكذلك والا فان ادعاه مع معلومية عدم امكان ذلك في حقه حيث يعلم ممارسته لذلك النوع في ذلك الزمان بحيث لا يخفى عليه قيمته لم يقبل قوله، والا ففى القبول اشكال ينشأ من اصالة عدم العلم، ولان العلم والجهل من الامور التى تخفى غالبا ولا يطلع عليها الا من قبل من هي به، ومن اصالة لزوم العقد ووجوب الوفاء به فيستصحب إلى أن يثبت المزيل. وقوى في الروضة الاول، قال: والاقوى قبول قوله في الجهالة بيمينه مع امكانها في حقه، واستظهره في المسالك أيضا الا انه احتمل فيه الثاني، ثم استشكل فيه بانه ربما تعذر اقامة البينة، ولم يمكن معرفة الخصم بالحال، فلا يمكنه الحلف على عدمه فتسقط الدعوى بغير بينة ولا يمين. وما ذكره قدس سره جيد بناء على قواعدهم الا أن المسألة لخلوها من النص الواضح موضع توقف. وحيث ثبت الغبن فانه يتخير المغبون بين الرد والامساك مجانا، وليس له الارش اجماعا كما ذكره في التذكرة، والمشهور في كلام المتأخرين انه لا يسقط الخيار ببذل الغابن التفاوت، وان انتفى موجبه استصحابا لما ثبت قبله. نعم لو اتفقا على اسقاطه بالعوض صح كغيره من الخيار، وفيه نظر لانه ان كان مدرك هذا النوع من الخيار خبر الضرار كما اعترفوا به، فقضية ذلك ان يكون الضرار، هو المدار، وظاهر أن بذل التفاوت يدفعه، فينبغي القطع بعدم الخيار اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن ومحل الضرورة، وان كان الاجماع فقد عرفت عدم ثبوته، لما ذكره في الدروس وغيره من عدم ذكر كثير من المتقدمين لهذا الخيار وما نقل عن المحقق آنفا.

[ 43 ]

وتردد العلامة في التذكرة هنا فقال: ولو دفع الغابن التفاوت احتمل سقوط خيار المغبون لانتفاء موجبه وهو النقص، وعدمه لانه ثبت له، فلا يزول عنه الا بسبب شرعى انتهى. مع انه قد ادعى الاجماع على عدم ثبوت الارش به، قالوا ولا يسقط الخيار هنا بالتصرف وظاهرهم انه سواء كان المتصرف الغابن في مال المغبون أو بالعكس خرج به عن الملك كالبيع أم منع من الرد كالاستيلاد أم لا. ولهم في هذه المسألة تفاصيل وشقوق عديدة انهاها شيخنا في الروضة والمسالك إلى ما يزيد على مأتى مسألة، وأطال في تقريرها، وليس في التعرض لذكرها مزيد فايدة مع خلوها من النصوص على العموم والخصوص. فمن احب الوقوف عليها فليرجع إلى احد الكتابين المشار اليهما. والمشهور أن الخيار هنا فورى وقيل: بانه على التراخي، وعلل الاول بعموم الامر، بالوفاء بالعقود، وان الاصل بناء العقود على اللزوم، فيقتصر فيما خالفه على موضوع اليقين، وهو المقدار الذى يمكن حصوله فيه، ولاقتضاء التراخي الاضرار بالمردود عليه حيث يختلف الزمان، ويؤدى الي تغيير المبيع. ولا يخفى ما في بناءا الاحكام الشرعية على مثل هذه الوجوه من المجازفة وعلل الثاني بثبوت أصل الخيار فيستصحب إلى ان يثبت المزيل لانتفاء الدليل على خصوص الفورية، ولا يخفى ان هذا هو الاقرب، والانسب بقواعدهم والاربط بضوابطهم.


(1) وجه المدافعة هوان مقتضى دعوى الاجماع من أنه لا يجب عليه به ارش ان يكون له الخيار وان بذل الغابن الغبن، وذلك لان اللازم من الغبن والمترتب عليه انما هو اما هو الخيار بين الامساك مجانا أو الرد، لا التفاوت بين الثمن والقيمة الموجب للغبن سواء بذله الغابن أم لا وهذا هو الذى ادعى عليه الاجماع، فكيف يتردد مع بذل الغابن الغبن، مع انه ليس بما يترتب على الغبن وانما يترتب عليه مجرد الخيار منه رحمه الله.

[ 44 ]

وبالجملة فاصالة العدم اقوى مستند في المقام حتى يقوم دليل على خلاف ذلك ولو جهل الخيار أو الفورية فالظاهر أنه لا خلاف في العذر إلى ان يعلم ذلك. الخامس خيار التأخير أي تأخير اقباض الثمن أو المثمن عن ثلاثة أيام، فلو باع ولم يقبض الثمن ولاسلم المبيع ولا اشترط تأخير الثمن، فالبيع لازم ثلاثة أيام، فان جاء المشترى بالثمن فيها، والا كان البايع أولى بالمبيع، والاصل فيه بعد الاجماع الاخبار الواردة عن أهل العصمة عليهم السلام. ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح (1) عن على بن يقطين " انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع، ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن قال: الاجل بينهما ثلاثة ايام، فان قبض بيعه، والا فلا بيع بينهما ". وعن اسحاق بن عمار (2) عن عبد صالح عليه السلام قال: " من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام، ولم يجئ فلا بيع له " ورواه في الفقيه بطريقه إلى اسحاق ابن عمار مثله. وما رواه في الكافي والتهذيب (3) عن عبد الرحمن بن الحجاج " قال: اشتريت محملا، واعطيت بعض ثمنه، وتركته عند صاحبه ثم احتبست أياما ثم جئت إلى بايع المحمل لاخذه فقال: قد بعته فضحكت ثم قلت: لا والله لا ادعك أو أقاضيك فقال لى: أترضى بابى بكر بن عياش ؟ قلت: نعم فأتيناه فقصصنا عليه قصتنا، فقال أبو بكر: بقول من تحب أن اقضي بينكما بقول صاحبك أو غيره ؟ قال: قلت: بقول صاحبي قال: سمعته يقول: من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام والا فلا بيع له ".


(1) التهذيب ج 7 ص 22 الرقم 9. (2) التهذيب ج 7 ص 22 الرقم 8. (3) التهذيب ج 7 ص 21 الرقم 7 الكافي ج 5 ص 172.

[ 45 ]

وما رواه في الفقيه (1) في الصحيح عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر (ع) " قال: قلت له: الرجل يشترى من الرجل المتاع ثم يدعه عنده، فيقول: حتى آتيك بثمنه ؟ قال: ان جاء بثمنه فيما بينه وبين ثلاثة ايام، والا فلا بيع له " ورواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة مثله: ورواه في التهذيب بسند فيه على بن حديد عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) مثله، وطعن في هذه الرواية المحقق الاردبيلى (رحمه الله) في شرح الارشاد بوجود على بن حديد بناء على نقله لها عن التهذيب، وغفل عن مراجعة الكتابين الاخرين ثم اعتذر عن ضعفها بما هو أضعف، من اصطلاحه الذى بنا عليه. وأما ما رواه الشيخ بسند معتبر عن على بن يقطين (2) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية وقال: اجيئك بالثمن، فقال: ان جاء فيما بينه وبين شهر، والا فلا بيع له " (3) فهو غير معمول عليه عند الاصحاب، ولا قائل به، وربما حمل على استحباب الصبر له، وعدم الفسخ إلى مضى المدة المذكورة. وتحقيق البحث في المقام وبيان ما فيه من الاحكام يقع في مواضع: الاول هذا الخيار مشروط عند الاصحاب بشروط ثلاثة، احدها عدم قبض الثمن، والثانى عدم قبض المبيع، والثالث عدم اشتراط التأجيل في الثمن والمثمن وبعض كل منهما ولو ساعة، والثلاثة ظاهرة من الاخبارة المذكورة وقبض بعض من كل منهما كلا قبض، مجتمعا ومنفردا لصدق عدم قبض الثمن واقباض المثمن الذى دلت عليه الروايات. ولو قبض الجميع أو اقبض فلا خيار لاختلال أحد الشروط المتقدمة، وهو


(1) الفقيه ج 3 ص 127 الكافي ج 5 ص 171 التهذيب ج 7 ص 21 الرقم 5. (2) التهذيب ج 7 ص 80 الرقم 56. (3) ظاهر الصدوق في المقنع القول بالخبر المذكور حيث قال: " إذا

[ 46 ]

الاول (1) على الاول، والثانى على الثاني، وشرط القبض المانع من الخيار كونه باذن المالك، فلا أثر لما يقع بدونه، وكذا لا اثر لما لو ظهر مستحقا لغير المالك أو بعضه. الثاني قد صرحوا بأنه لا يسقط هذا الخيار بمطالبة البايع بالثمن بعد الثلاثة، وان كان قرينة الرضا بالعقد، مستندين في ذلك إلى الاستصحاب، وهو جيد، بناء على أصولهم من حجية مثل هذا الاستصحاب وقد تقدم الكلام فيه في مقدمات الكتاب. ومن ظاهر اتفاقهم على توقف بطلان العقد وانفكاكه على الفسخ فيما لم يختر الفسخ بعد الثلاثة، فان البيع باق وله المطالبة بالثمن، وان المطالبة لا يستلزم زوال خياره وان كانت مؤذنة بالرضا بالعقد. وانت خبير بان المفهوم من ظواهر الاخبار المذكورة هو انفساخ البيع من نفسه بعد مصى الثلاثة، من غير توقف على فسخ لقوله (عليه السلام) في الاخبار المتقدمة، والا فلا بيع له ومقتضاه بطلان البيع بعد الثلاثة إذا لم يحصل قبض الثمن أو الثمن في ضمن تلك الثلاثة، لا أنه يبقى البيع، وكذا الخيار. بل ظاهر الاخبار أنه لا خيار هنا بالكلية، فان غاية ما تدل عليه الاخبار هو أن البيع مع عدم القبض والاقباض وعدم اشتراط التأجيل صحيح، ولزومه مراعى بهذه الثلاثة، فان حصل القبض والاقباض أو أحدهما فيها لزم البيع، والا بطل من أصله


اشترى رجل من رجل جارية وقال: أجيئك بالثمن فان جاء فيما بينه وبين شهر والا فلا بيع له " منه رحمه الله. (1) وهو الاول أي الشرط الاول بناء على الفرض الاول هنا وهو قولنا قبض الجميع، والثانى أي اختلال الشرط الثاني على الفرض الثاني هنا، هو قولنا أو أقبض منه رحمه الله.

[ 47 ]

وأما أن البيع بعد الثلاثة باق والبايع مخير في الفسخ أو الصبر إلى أن يأتي المشترى بالثمن، فلا دلالة في الاخبار عليه بوجه كما لا يخفى على المتأمل في سياقها. وقد نقل القول بالبطلان هنا عن ظاهر ابن الجنيد والشيخ، وبه اعترف العلامة في المختلف، وان أجاب بما لا يجدى نفعا قال في الكتاب المذكور: قال ابن الجنيد (رحمة الله عليه): إذا خرجت الثلاثة ولم يأت بالثمن فلا بيع. وفى المبسوط روى اصحابنا إذا اشترى شيئا بعينه بثمن معلوم، وقال للبايع أجيئك بالثمن ومضى فان جاء في مدة الثلاثة كان المبيع له، وان لم يجئ في هذه المدة بطل البيع. وظاهر هذه العبارة يوهم بطلان البيع بعد مضى الثلاثة. والذى نص عليه المفيد والشيخ في النهاية انه يكون للبايع الخيار ان شاء فسخ البيع، وان شاء طالب بالثمن، وهو الحق، لنا الاصل بقاء صحة العقد. والاخبار تعطى الذى قاله الشيخ اولا وابن الجنيد، ثم نقل صحيحة زرارة المتقدمة وصحيحة على بن يقطين، ثم قال: والجواب الحمل على انه لا بيع لازم له. اقول: فيه ان ما ذكره من التأويل مع تعسفه وبعده يتوقف على وجود المعارض ولا معارض هنا الا ما يدعيه من ان الاصل بقاء صحة العقد، وهو أصل غير متأصل (1)


(1) اقول: فان فرض عدم لزومه في الثلاثة باعتبار تطرق البطلان عليه من جهة عدم التقابض، وانما يلزم تصير بيعا مانعا من الرجوع بذلك، وعدم اللزوم بعد الثلاثة باعتبار الخيار الذى للبايع كما يدعونه فانه مسلط على الفسخ فالحان مشتركان في عدم لزوم البيع وتمامه وان اختلف الوجه في كل منهما. وأما قولهم ان البيع لازم ثلاثة ايام فانما يريدون به من حيث عدم الخيار في ضمن ثلاثة ايام، فلو لم يحصل بطل على أحد القولين، وصار غير لازم من جهة الخيار على القول المشهور، منه رحمه الله.

[ 48 ]

وكيف يكون الاصل بقاؤه مع تصريح الاخبار بأنه لا بيع بعد مضي الثلاثة، وكيف يختص النفى باللزوم كما ادعاه مع انه في ضمن الثلاثة كذلك، لان لزومه مراعى بحصول التقابض في ضمن الثلاثة منهما أو قبض احدهما، وان اختلف وجه عدم اللزوم في الحالين. وبالجملة فان الحق هو ما ذهب إليه ابن الجنيد والشيخ هنا كما هو ظاهر الاخبار المذكورة والله العالم. الثالث لو بذل المشترى الثمن بعد الثلاثة، قيل، يحتمل سقوط الخيار: وهو الذى قطع به العلامة في كتبه، محتجا بزوال المقتضى لثبوته، وهو الضرر بالتأخير. وقيل: يحتمل بقاؤه، عملا بالاستصحاب، وزوال مقتضيه بعد ثبوته لم يؤثر في نظائره. أقول والاظهر بناء على ما قدمنا تحقيقه من بطلان البيع بعد الثلاثة أن لا ثمرة لهذا الفرع بالكلية، حتى يترتب عليه هذان الاحتمالان، ومع الاغماض عما ذكرنا والجرى على مقتضى كلامهم في هذا المقام، فان الاقوى ما ذهب إليه العلامة، لان التمسك بهذا الاستصحاب الذى يكررونه في هذه الابواب غير مجد نفعا كما حققنا في مقدمات الكتاب. الرابع الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو تلف المبيع بعد الثلاثة، فانه من مال البايع لما تقرر من القاعدة من أنه متى تلف قبل القبض فهو من مال البايع. ويعضده ظواهر الاخبار المتقدمة الدالة على أنه بعد الثلاثة لا بيع له، وسيما على ما اخترناه من بطلان البيع بعد الثلاثة فانه من مال بايعه، انما الخلاف فيما لو هلك في الثلاثة، فالمشهور أنه كذلك.


(1) ج 1 ص 51.

[ 49 ]

وقال المفيد: يكون التلف من المشترى، وهو مذهب المرتضى (رضى الله عنه) وسلار وجمع ممن تبعهم، وعن ابن حمزة أنه ان عرض البايع تسليمه على المشترى ولم يتسلمه فهو من مال المشترى، والا فمن البايع. وهو ظاهر أبى الصلاح حيث قال: فان كان تأخيره من قبل المبتاع فهلاكه ونقصه من ماله. واورد على القول المذكور بان العرض على البايع لا يقوم مقام القبض الا ان يمتنع المشترى من القبض، ولا يرضى به البايع ببقائه في يده، وحينئذ فلا فرق بين التلف في الثلاثة أو بعدها في كونه من المشترى، بل يخرج على هذا الفرض عن محل المسألة، وهذا المعنى أقرب في عبارة أبى الصلاح. ويدل على القول المشهور رواية عقبة بن خالد المروية في الكافي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في رجل اشترى متاعا من رجل وأوجبه غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه قال: آتيك غدا ان شاء الله تعالى فسرق المتاع من مال من يكون ؟ قال: من مال صاحب المتاع الذى هو في بيته حتى يقبض المتاع، ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله ". ونقل بعض المحققين (2) انه روى عنه صلى الله عليه وآله " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه "، ولم أقف عليها فيما وصل الينا من الاخبار. ويؤيده أيضا دخوله تحت القاعدة المتقدمة، لانه يصدق عليه أنه تلف قبل القبض وهذه الرواية من أدلة هذه القاعدة، وظاهرها أنه مضمون على البايع ما دام لم يقبضه المشترى، ويخرجه من بيته في الثلاثة وبعد الثلاثة.


(1) الكافي ج 5 ص 172 الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الرقم 1 (2) هو المحقق الاردبيلى قدس سره في شرح الارشاد ونقله في موضع آخر عن العلامة في التذكرة منه رحمه الله. (3) المستدرك ج 2 ص 473.

[ 50 ]

وعن المفيد التعليل لما ذهب إليه بأن المبيع انتقل إليه، فيكون ضمانه عليه، والتأخير لمصلحته، وأجاب في المختلف بالمنع من الملازمة، ونفى البأس عن قول ابن حمزة، وظاهر أبى الصلاح، مع اختياره القول المشهور، وقد عرفت ما فيه. وبالجملة فالظاهر هو القول المشهور لما عرفت والله العالم. الخامس قد عرفت سابقا أنه لو قبض البايع الثمن أو المشترى المبيع فانه لاخيار، ونقل في الدروس عن الشيخ بأن له قولا بانه لو قبض المبيع وتعذر الثمن فان للبايع الفسخ، ثم قال: وفيه قوة. قال في المسالك: " وكان مستنده خبر الضرار، إذ لا نص فيه بخصوصه، وليس ببعيد، الا أن التمسك بلزوم العقد ووجوب الوفاء به اقوى، وأخذه مقاصة لدفع الضرر ان تمكن من أخذ العين، والا فلا يدفع بالفسخ انتهى وهو جيد. السادس قال في المختلف: لو قبضه المشترى ثم تلف، فان كان في مدة الثلاثة كان من مال المشترى دون البايع، وان هلك بعدها فكلام الشيخ يشعر بأنه من مال البايع. واحتج بان له الخيار بعد انقضاء الثلاثة، لان عبارته هكذا إذا باع الانسان شيئا ولم يقبض المتاع ولا قبض الثمن ومضى المبتاع، فان العقد موقوف ثلاثة أيام، فان جاء المبتاع في مدة ثلاثة ايام كان المبيع له، وان مضى ثلاثة أيام كان البايع أولى بالمتاع، فان هلك المتاع في هذه الثلاثة ايام ولم يكن قبضه اياه كان من مال البايع دون مال المبتاع، وان كان قبضه اياه ثم هلك في مدة الثلاثة كان من مال المبتاع دون مال البايع، وان هلك بعد الثلاثة أيام كان من مال البايع على كل حال. وفيه نظر إذ مع القبض يلزم البيع. انتهى. وهو جيد الا أن من المحتمل وان بعد بالنسبة إلى سياق العبارة المذكورة الا انه غير بعيد بالنسبة إلى طريقة الشيخ في التعبير، وهو الموافق للقواعد،

[ 51 ]

إذ يبعد من الشيخ كل البعد ارادة ما دلت عليه العبارة بظاهرها أن يكون قوله أخيرا " وان هلك بعد الثلاثة أيام " انما هو بالنسبة إلى صورة عدم القبض، فيكون قسيما لقوله فان هلك المتاع في هذه الثلاثة، ولم يكن قبضه اياه كان من مال البايع دون مال المبتاع، وان هلك بعدها كان من مال البايع على كل حال. يعنى أنه أولى بأن يكون من مال البايع لمضى الثلاثة القاطعة لتعلق المشترى به بخلاف ما إذا كان في ضمن الثلاثة التى هو فيها مال المشترى، ويكون جملة وان كان قبضه اياه ثم هلك إلى آخره متوسطة بين الجمليتن المتعاطفتين. السابع قال في المختلف أيضا لم يفرق الشيخان واتباعهما بين الحيوان وغيره في التربص ثلاثة ايام، وقال في المقنع إذا اشترى رجل من رجل جارية فقال أجيئك بالثمن، فان جاء فيما بينه وبين شهر والا فلا بيع له، وإذا اشترى ما يفسد من يومه كالبقول فان جاء ما بينه وبين الليل والا فلا بيع له، وإذا اشترى ما لا يفسد من يومه فان جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام والا فلا بيع له. انتهى. ليس في كلام المقنع رحمه الله هنا مما يدل على مخالفة الاصحاب في هذه المسألة بالنسبة إلى الحيوان، لان قوله " وإذا اشترى ما لا يفسد " إلى آخره شامل للحيوان وغيره وقوله " إذا اشترى رجل جارية " إلى آخره لا يدخل على أن هذا خيار الحيوان بجميع أفراده بأن يحمل ذكر الجارية على التمثيل. وانما هذا فتوى برواية على بن يقطين (1) المتقدمة المشتملة على هذا الحكم المخصوص بالجارية إذ يبعد منه رحمه الله اطراح اخبار الثلاثة الواردة في خيار الحيوان (2) مع تعددها وصحتها، والاقتصار على هذا الخبر الشاذ النادر مع عدم ظهوره في العموم.


(1) التهذيب جلد 7 ص 80 الرقم 56. (2) التهذيب جلد 7 ص 24.

[ 52 ]

فالظاهر ان هذا الحكم الذى ذكره مخصوص بالجارية كما هو مورد الخبر المشار إليه، وربما كان منشأ التوهم عدم ذكر خيار الحيوان في هذا المقام والكتاب لا يحضرني الان. وبالجملة فالاظهر حمل كلامه على ما ذكرنا تحاشيا عن خروجه عن مقتضى الاخبار الواردة في خيار الحيوان، وانه ثلاثة أيام للمشترى، أو مع البايع على الخلاف المتقدم. ويعضد ما قلناه أنه في الفقيه روى موثقة الحسن بن على بن فضال (1) المقدمة في روايات خيار الحيوان الدالة على أنه ثلاثة ايام، ومع هذا قال في الكتاب المذكور: ومن اشترى جارية وقال للبائع اجيئك بالثمن فان جاء فيما بينه وبين شهر والا فلا بيع له، والعهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل. انتهى. وحينئذ فالظاهر حمل قوله " ما لا يفسد " على ما هو اعم من الحيوان وغيره، ليوافق فتوى الاصحاب نعم يخرج من ذلك حكم الجارية بناء على عمله بخبر على بن يقطين (2) المشار إليه وقد تقدم. السادس خيار ما يفسد ليومه والاصل في هذا النوع من الخيار ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي حمزة (3) أو غيره عمن ذكره عن ابي عبد الله عليه السلام وأبى الحسن عليهما السلام " في الرجل يشترى الشئ الذى يفسد من يومه، ويتركه حتى يأتيه بالثمن ؟ قال: فان جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن والا فلا بيع له ".


(1) الفقيه ج 3 ص 127 الرقم 7 الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الرقم 2. (2) التهذيب ج 7 ص 80 الرقم 56. (3) التهذيب ج 7 ص 25 الرقم 25 الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار.

[ 53 ]

ونقل في الوسائل عن الصدوق انه روى باسناده عن ابن فضال عن ابن رباط (1) عن زرارة عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث " قال العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل ". اقول: روى في التهذيب عن الحسين بن سعيد عن ابن فضال (2) وفى الفقيه عن ابن فضال عن ابن رباط عمن رواه عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: ان حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البايع ". وزاد في الفقيه " ومن اشترى جارية وقال للبايع أجيئك بالثمن فان جاء فيما بينه وبين شهر وإلا فلا بيع له، والعهدة فيما يفسده من يومه " إلى آخر ما تقدم. والظاهر أن هذه الزيادة انما من كلامه الذى يدخله بين الاخبار، وهو اشارة إلى ما تضمنه مرسلة ابن ابى حمزة (3) المذكورة ورواية على بن يقطين المتقدمة كما أشرنا إليه آنفا، لا أنه من متن الرواية المذكورة. وكيف كان فان الرواية المذكورة لا تخلو عن الاشكال بالنسبة إلى ما يترتب على هذا الخيار، وذلك لان الظاهر أن الخيار انما شرع لدفع الضرر، وإذا توقف ثبوته على دخول الليل مع كون الفساد يحصل في يومه، ولا يندفع به الضرر وانما يندفع بالفسخ قبل الفساد. وفى الدروس عنونه بما يفسده المبيت وهو جيد، الا أن فيه خروجا عن النص ولعله لتلافيه بخبر الضرار، واستقرب تعديته إلى كل ما يتسارع إليه الفساد عند خوفه،


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الخيار. (2) التهذيب ج 7 ص 67 الفقيه ج 3 ص 127 الرقم 7. (3) التهذيب ج 7 ص 25 الرقم 25. (4) التهذيب ج 7 ص 80 الرقم 56.

[ 54 ]

ولا يتقيد بالليل (1) واكتفى في الفساد بنقص الوصف وفوات الرغبة كما في الخضروات واللحم والعنب وكثير من الفواكه، واستشكل فيما لو (التزم) التأخير فوات السوق فعلى هذا لو كان مما يفسده في يومين تأخر الخيار عن الليل إلى حين خوفه. وهذا كله وان كان متجها في حد ذاته الا انه خارج عن مدلول النص الوارد في هذا الحكم كما عرفت الا ان خبر الضرار (2) يفيده في الجميع. تنبيهات الاول الظاهر ان هذا الخيار فرد من افراد خيار التأخير كما يشير إليه كلام العلامة في التذكرة حيث ذكره في مسألة من مسائل خيار التأخير، فكأنه قال: خيار التأخير فيما لا يفسد إلى ثلاثة ايام، وفيما يفسد في يومه إلى الليل، والى ذلك يشير ايضا عبارة المقنع المتقدمة.


(1) قال المحقق الشيخ على في شرح القواعد والذى ينبغى ان يعرف ان لزوم البيع هيهنا إلى حين خوف الفساد بحسب العادة المستمرة وقرائن الاحوال الموجودة بحيث ان يتربص به زيادة فد، لانه ينبغى لزوم البيع، مدة بقائه، ثم حين الشروع في الفساد يثبت الخيار كما توهمه كثير من العبارات لان الخيار حينئذ مما لا فائدة فيه لتحقق الضرر، وليس في النص ما ينافى شيئا من ذلك مردود بأنه كيف لا ينافى ما ذكره، وهو قد اشتمل على السؤال مما يفسد في يومه، والخيار بناء على ما يدعونه انما يناط بدخول الليل وهو ظاهر منه قدس سره. (1) الوسائل الباب 17 من ابواب الخيار.

[ 55 ]

ويعضده ظاهر كلامهم هنا من حيث عدم القبض والاقباض، كما في خيار التأخير المتقدم، وهو ظاهر النص الوارد في المسألة أيضا، فحينئذ فعده قسما برأسه ليس مما ينبغي. الثاني ان مقتضى كلامهم أنه بعد مضى اليوم يتخير البايع بين الصبروان فسد، فاخذ الثمن من المشترى، وبين الفسخ وبيعه، أو يتصرف فيه بأى نحو اراد، ولا يرجع إلى المشترى، بنحو ما قالوه في الخيار بعد الثلاثة والمفهوم من الرواية المتقدمة هنا إنما هو ما ذكرناه في روايات خيار التاخير ثلاثة ايام من بطلان البيع حيث ان العبارة في الموضعين واحدة إذ مؤدى (لا بيع له) هو البطلان، لا ثبوت الخيار، وهو يرجع إلى ما قدمنا تحقيقه من أنه ليس هنا خيار بالكلية. وانما غاية ما يدل عليه الخبر المذكور هنا كالاخبار في تلك المسألة انه يبقى البيع مراعى بمضي المدة المذكورة، فان قبضه المشترى فيها أو أقبض الثمن صح البيع، والابطل من أصله. هذا هو ظاهر الاخبار المشار إليها كما عرفت. وحاصل الخبر هنا أنه يجب على البايع الصبر إلى أول دخول الليل، فان أتى المشترى بالثمن فهو له، فسد أو لم يفسد، والابطل البيع كذلك. هذا ظاهر الخبر المذكور، ووجه الاشكال فيه وجوب الصبر المدة المذكورة وان تضرر بفساد المبيع فيها، ويمكن التفصى عنه بان رضاه بذلك مع علمه بالحكم الشرعي، وقدومه على البيع والحال هذه بدفع الاشكال المذكور. الثالث قد عرفت سابقا ان ظاهر كلام الاصحاب وهو ظاهر الخبر الوارد في هذه المسألة أن الشرط هنا عدم التقابض، لامن الطرفين ولا من أحدهما، وحينئذ فلو قبض المشترى السلعة، ولم يقض البايع الثمن، فان البيع يكون لازما، ولا يقدر بالمدة المذكورة وكذا بالعكس، ولو قبض بعض الثمن أو سلم بعض المبيع فكالعدم، لصدق عدم

[ 56 ]

قبض الثمن، وعدم فبض المبيع المترتب عليهما الحكم المتقدم في الخبر، وفي كلام الاصحاب والله العالم. السابع خيار الرؤية وهو ثابت لمن لم ير، إذا باع أو اشترى بالوصف، ثم ظهر مخالفا، فان كانت المخالفة بظهور الزيادة على الوصف تخير البايع، وان كانت بالنقص عنه تخير المشترى، والاصل فيه أيضا مضافا إلى الاتفاق هو اشتراط الرؤيه أولا في صحة البيع ولزومه، كما يدل عليه ما رواه في الكافي (1) عن عبد الاعلى بن اعين " قال: نبئت عن ابى جعفر (عليه السلام) انه كره بيعين اطرح وخذ على غير تقليب، وشراء ما لم ير ". وروى في التهذيب (3) قال: نبئت عن ابى جعفر عليه السلام انه يكره شراء ما لم ير. والكراهة هنا بمعنى التحريم كما وقع مثله كثيرا في الاخبار، بل هو الاغلب الاكثر فيها.


(1) الكافي ج 5 ص 154 الوسائل الباب 18 من ابواب الخيار الرقم 1 (2) قال بعض مشايخنا المحققين من متأخر المتأخرين قوله عليه السلام (اطرح وخذ) أي يقول البايع للمشترى اطرح الثمن، وخذ المتاع من غير أن يكون المشترى قلب المتاع واختبره. والفرق بينه وبين الثاني أنه في الثاني لم ير أصلا، وفى الاول رأى من بعيد ولم يختبره، أو يقول المشترى اطرح المتاع، وخذ الثمن الذى اعطيك، فيكون الفساد لجهالة الثمن، وفى الثاني لجهالة المبيع، وعلى التقديرين لابد من تقيده بعدم الوصف الرافع للجهالة. والله العالم. منه قدس سره. (3) التهذيب ج 7 ص 9 الرقم 30.

[ 57 ]

وثانيا ما رواه الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن جميل بن دراج " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها فلما ان نقد المال صار إلى الضيعه " ففتشها " ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لو قلبها ونظر منها إلى تسع وتسعين قطعة ثم بقى منها قطعة لم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن زيد الشحام (3) " قال: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى سهام القصابين من قبل أن يخرج السهم فقال: لا يشترى شيئا حتى يعلم أين يخرج السهم، فان اشترى شيئا فهو بالخيار إذا خرج ". وتوضيح معنى هذا الخبر ما وراه الشيخان المذكوران في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن منهال القصاب (4) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اشترى الغنم، أو يشترى الغنم جماعة ثم ندخل دارا ثم يقوم رجل على الباب فيعد واجدا واثنين وثلاثة وأربعة وخمسا ثم يخرج السهم قال: لا يصلح هذا، انما يصلح السهام إذا عدلت القسمة. والمراد منه أنه إذا اشترى عشرة مثلا، ماءة من الغنم، فيدخل بيتا فيخرج من الغنم كيف ما اتفق، فإذا بلغ المخرج خمسة مثلا اخرج اسم رجل، فمن خرج اسمه يعطيه هذه الخمسة، فلم يجوزه (عليه السلام) للغرر وعدم تحقق شرايط القسمة، إذ من شروطها تعديل السهام أولا، فربما وقع في سهم بعضهم كلها سمانا وفى سهم الاخر هزالا.


(1) الفقيه ج 3 ص 171. (2) التهذيب ج 7 ص 200 الرقم 29 وفيها (فقلبها) بدل (ففتشها). (3) الكافي ج 5 ص 223 الرقم 3 التهذيب ج 7 ص 79 الرقم 54. (4) التهذب ج 7 ص 79 الرقم 53 الكافي ج 5 ص 223.

[ 58 ]

ومن أجل هذا انه لو اشترى والحال هذه فان له الخيار كما صرح به في صحيح الشحام (1) " إذا خرج الردى في ذلك السهم ". وأما إذا أمكن القسمه بعد تعديل السهام، فانه لا مانع لانه يشترى متاعا فان اقتسموا بالتعديل فلا خيار، والا فان خرج في سهمه الردى كان له الخيار في القسمة، فالمنع في صحيح الشحام مبنى على ما هو دأبهم من شرائهم مجهولا غير معدل، كما يشير إليه قوله في رواية منهال انما يصلح السهام إذا عدلت القسمة. وكيف كان فمورد الخبرين المذكورين انما هو المشترى، والمدعى كما هو المتفق عليه بينهم ثبوت ذلك أيضا للبايع الا ان يجبر ذلك بخبر الضرار (2) وربما احتمل بعض الاصحاب في صحيحة جميل أن يكون التفتيش من البايع بأن يكن البايع باعه بوصف المشترى، وحينئذ فيكون الجواب عاما بالنسبة اليهما على تقدير هذا الاحتمال، الا أن الظاهر بعده غاية البعد عن سياق الخبر المذكور، ومع تسليمه فثبوت كون الجواب عاما أيضا محل خفاء واشكال. وبالجملة فالظاهر ان مستند العموم انما هو خبر الضرار المجبور باتفاق الاصحاب على الحكم المذكور، قالوا: ولابد في هذا النوع من الخيار من ذكر الجنس والوصف الرافعين للجهالة، وضابط ذلك أن كل وصف يتفاوت الرغبات بثبوته وانتفائه، ويتفاوت به القيمة تفاوتا ظاهرا لا يتسامح بمثاله، فانه يجب ذكره، فلابد من استقصاء صفات السلم كلها كما صرح به العلامة في التذكره. فروع الاول: لو وصف بها فوقع البيع والشراء بوصف الغير ثم ظهر الزيادة والنقصان من جهتين تخيرا معا، ويقدم قول الفاسخ كما تقدم بيانه.


(1) التهذيب ج 7 ص 79 الرقم 54. (2) الوسائل الباب 17 من أبواب الخيار الرقم 4 3.

[ 59 ]

الثاني: قال في الدروس: ولو شرطا دفعه فالظاهر بطلان العقد، للغرر، اقول: والوجه فيه ان الوصف قائم مقام الرؤية، فإذا شرط عدم الاعتداد به كان المبيع غير مرئى ولا موصوف، ويلزم من ذلك الغرر المنهى عنه المبطل للبيع، والظاهر انه لا خلاف بينهم في صحة اسقاط خيار المجلس والحيوان والعيب، وأما خيار الغبن والتأخير ففيهما احتمال والصحة اظهر، وأما خيار الرؤية فالحكم فيه ما عرفت. الثالث: ظاهر كلام اكثر الاصحاب اشتراط الفورية في هذا الخيار. الرابع: قال في الدروس: لو شرط البايع ابداله ان لم يظهر على الوصف فالاقرب الفساد، اقول: ظاهر كلامه أن الحكم بالفساد أعم من ان يظهر على الوصف أم لا، وفيه انه لا موجب للفساد مع ظهوره على الوصف المشروط، ومجرد شرط البايع الابدال مع عدم الظهور على الوصف لا يصلح سببا في الفصاد لعموم الاخبار المتقدمة. نعم لو ظهر مخالفا فانه يكون فاسدا من حيث المخالفة، ولا يجره هذا الشرط لاطلاق الاخبار في الخيار، والاظهر رجوع الحكم بالفساد في العبارة إلى الشرط المذكور، حيث لا تأثير له مع الظهور وعدمه. وبالجملة فانى لا اعرف للحكم بفساد العقد في الصورة المذكورة على الاطلاق وجها يحمل عليه، والله العالم. الخامس: لو اشترى برؤية قديمة تخير أيضا لو ظهر بخلاف ما رأه، وكذا من طرف البايع، الا ان هذا ليس من افراد هذ الخيار الذى هو محل البحث، لانه مقصور على ما لم ير، حيث اشترط فيه الوصف عوضا عن الرؤية، ولا يشترط وصف ما سبقت رؤيته، وانما يباع ويشترى بالرؤية السابقة، غاية الامر انه إذا ظهر بخلاف ذلك، لطول المدة أو عروض عارض أو نحو ذلك تخير، بايعا كان أو مشتريا.


(1) اقول موجب الفساد على ما هو الظاهران الشرط المذكور لما كان مخالفا للسنة فاسدة واقتضى فساد العقد قضاء للشرطية منه رحمه الله.

[ 60 ]

" الثامن خيار العيب " وضابطه في الحيوان كلما زاد عن أصل الخلقة أو نقص وزاد بعضهم عينا كان كالاصبع الزائدة أو الناقصة، أو صفة كالحمي ولو يوما بأن يشتريه فيجده محموما أو يحم قبل القبض. اقول: ويدل على الاول ما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد السيارى (1) " قال: روى عن ابن أبى ليلى أنه قدم إليه رجل خصما له فقال: ان هذا باعني هذه الجارية فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعرا وزعمت أنه لم يكن لها قط قال: فقال: له ابن أبى ليلى: ان الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتى يذهبوا به فما الذى كرهت ؟ فقال: أيها القاضى ان كان عيبا فاقض لى به. فقال: اصبر حتى أخرج اليك فانى أجد أذى في بطني ثم دخل وخرج من باب آخر حتى أتى محمد بن مسلم الثقفي فقال له أي شئ تروون عن أبي جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعرا يكون ذلك عيبا ". فقال: له محمد بن مسلم: أما هذا نصا فلا أعرفه، ولكن حدثنى أبو جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه قال: كلما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، فقال له ابن أبى ليلى: حسبك ثم رجع إلى القوم فقضى لهم بالعيب ".


(1) التهذيب ج 7 ص 65 الرقم 26 الكافي ج 5 ص 215 الوسائل الباب 1 من ابواب العيوب الرقم 1.

[ 61 ]

وعلى الثاني في الجملة ما رواه في الكافي عن داود بن فرقد (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر وليس بها حمل، قال ان كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر، فهذا عيب ترد منه " ورواه الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب. وللمشترى الخيار بين الرد والقبول مع الارش الجهل بالعيب عند الشراء، ويسقط الرد خاصة دون الارش بالتصرف في المبيع، سواء كان قبل علمه بالعيب أم بعده، وسواء كان التصرف ناقلا للملك أم لا، مغير اللعين ام لا. ونقل عن ابن حمزة أنه إذا تصرف المشترى بعد العلم بالعيب سقط الرد والارش معا، وهو مردود بالاخبار الاتية، وكذا يسقط الرد خاصة دون الارش بحدوث عيب بعد القبض، فانه مانع من الرد بالعيب السابق، ويسقطان معا بالعلم بالعيب قبل العقد، فان قدومه عليه عالما به رضى بالعيب. وكذا يسقطان بالرضا به بعده، وفي حكمه اسقاط الخيار وكذا يسقطان ببراءة البايع من العيوب، والاصل في بعض هذه الاحكام الاخبار الجارية في هذا المضمار. ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن جميل (2) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) " في الرجل يشترى الثوب من الرجل أو المتاع فيجد به عيبا، قال: ان كان الثوب قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وان كان خاط الثوب أو صبغه أو قطعه رجع بنقصان العيب ". وما رواه في الكافي والتهذيب (3) عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام)


(1) التهذيب ج 7 ص 65 الفقيه ج 2853 الكافي ج 5 ص 213. (2) الفقيه ص 136 الرقم 33 الكافي ج 54 ص 207 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 7 ص 60 الرقم 2. (3) الكافي ج 5 ص 207 الرقم 3 التهذيب ج 7 ص 60 الرقم 1.

[ 62 ]

" قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عواز لم يتبرأ إليه منه ولم يبرأ به وأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا وعلم بذلك العوز أو بذلك العيب انه يمضى عليه البيع ويرد عليه بقدر ما ينقص ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به ". وما رواه في الكافي عن أبى صادق (1) " قال: دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) ورواه الصدوق مرسلا قال دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) سوق التمارين فإذا امرأة قائمة تبكى وهى تخاصم رجلا تمارا، فقال لها: مالك ؟ فقالت: يا أمير المؤمنين اشتريت من هذا تمرا بدرهم فخرج أسفله رديا وليس مثل هذا الذى رأيت فقال له: رد عليها، فأبى حتى قال له ثلاث مرات فأبى، فعلاه بالدرة حتى رد عليها، وكان عليه السلام يكره أن يجلل التمر. " وما رواه المشايخ الثلاثة عن ميسر بن عبد العزيز (2) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل اشترى زق زيت فوجد فيه درديا فقال: ان كان ممن يعلم ان ذلك يكون في الزيت لم يرده عليه، وان لم يكن يعلم أن ذلك يكون في الزيت رده عليه ". وما رواه في التهذيب عن جعفر بن عيسى (3) " قال: كتبت إلى أبى الحسن (ع) جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد، فينادى عليه المنادى فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشترى ورضيه، ولم يبق إلا نقده الثمن فربما زهده فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا وأنه لم يعلم بها فيقول له المنادى: قد برئت منها، فيقول له المشترى: لم اسمع البراءة منها أيصدق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق فيجب عليه الثمن ؟ فكتب (عليه السلام): عليه الثمن "


(1) الكافي ج 5 ص 230 الفقيه ج 3 ص 172 الرقم 2. (2) الفقيه ج 3 ص 172 التهذيب ج 7 ص 66 الكافي ج 5 ص 229. (3) التهذيب ج 7 ص 66 الرقم 29.

[ 63 ]

الا أن ظاهر الاصحاب عدم القول بهذه الرواية كما سيأتي تحقيقه انشاء الله تعالى. في فصل العيوب. وما رواه في التهذيب أيضا عن السكوني عن جعفر عن أبيه عليهم السلام " أن عليا (عليه السلام) قضى في رجل اشترى من رجل عكة فيها سمن احتكرها حكرة فوجد فيها ربا فخاصمه إلى علي (عليه السلام) فقال له علي (عليه السلام): لك بكيل الرب سمنا، فقال له الرجل: انما بعته منك حكرة، فقال له (عليه السلام): انما اشترى منك سمنا ولم يشتر منك ربا ". قال في الوافى والحكر الجمع والامساك يقال: اشترى المتاع حكرة أي جملة. انتهى، إلى غير ذلك من الاخبار الاتية انشاء الله في الفصل الذى في حكم العيوب، وقد تقدم في المباحث السابقة ما يدل على بعض هذه الاحكام ايضا. والعجب من صاحب الكفاية هنا حيث قال: ولو تصرف المشترى سقط الرد دون الارش للاخبار المتعددة، لكن الاخبار مختصة بمن اشترى جارية فوطأها ثم وجد بها عيبا انتهى. وكأنه لم يقف على هذه الاخبار التى قدمناها صريحة في الارش مع التصرف في المبيع مطلقا جارية أو غيرها، الا ان عندي في المقام اشكالا، وهو ان المذكور في كلامهم انه مع ظهور العيب السابق قبل العقد أو القبض فللمشترى الخيار بين الرد والقبول مع الارش، والروايات المتقدمة خالية من ذكر الارش، وانما المذكور فيها الرد، والارش انما ذكر في صورة التصرف المانع من الرد، ومثلها الاخبار الاتية انشاء الله تعالى في شراء الجوارى، ولم اقف على من تنبه لذلك ولا نبه عليه.


(1) التهذيب ج 7 ص 66 الرقم 30. (2) اقول إلى ما ذكرنا من الاشكال هنا اشار المحقق الاردبيلى في شرحه

[ 64 ]

وبالجملة فالدليل على التخيير المذكور غير ظاهر من الاخبار الا ان يكون الاجماع، لظهور اتفاقهم على الحكم المذكور. نعم ذلك مذكور في الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام) " فان خرج في السلعة عيب وعلم المشترى، فالخيار إليه ان شاء رد وان شاء أخذه أورد عليه بالقيمة مع أرش العيب " وظاهر العبارة التخيير بين الردوبين أخذه من غير أرش أو اخذه مع الارش ويحتمل أن لفظة (أو) غلط، وانما هو بالواو فيكون مخيرا بين الاول والثالث. والظاهر أن هذه العبارة هي المستند في ذلك، في كلام المتقدمين وجرى عليه جملة المتأخرين كما في جملة من الاحكام التى اسلفنا ذكرها في غير مقام. وأما باقى شقوق المسألة مما لا يظهر وجهه من هذه الاخبار، فيمكن استفادته من الرجوع إلى القواعد المقررة والضوابط المعتبرة. والارش المذكور في الاخبار المتقدمة عبارة عن نسبة التفاوت بين قيمته صحيحا وقيمته معيبا، فيؤحذ من الثمن بتلك النسبة، لا تفاوت ما بين الصحيح والمعيب، لانه قد يحيط بالثمن أو يزيد عليه، فيلزم أخذه العوض والمعوض، كما إذا اشتراه بخمسين وقوم معيبا بها، وقوم صحيحا بمأة أو ازيد، وعلى اعتبار النسبة يرجع في المثال المذكور بخمسة وعشرين، وعلى هذا القياس. وتمام تحقيق المسألة يأتي انشاء الله تعالى في الفصل المعقود للعيب، وهذا ما وعدنا به آنفا من ذكر ثمانية من أفراد الخيار المذكورة في كلام اكثر الاصحاب، وزاد شيخنا في اللمعة ستة على هذه الثمانية بحيث يبلغ المجموع أربعة عشر، وانما اعرضنا عن ذكرها لعدم وجود النصوص على كثير من أحكامها وسيأتى انشاء الله التعرض لذكرها كل في مقامه وبيان ما يتعلق بنقضه وإبرامه.


على الارشاد الا انا لم نقف عليه الا بعد تجاوز هذا المقام فاستثناه بعد ذلك فيما يأتي في مسألة الرد من احداث السنة في فصل العيوب فليتراجع منه قدس سره. (1) المستدرك ج 2 ص 474.

[ 65 ]

المقام الثاني في أحكام الخيار وقد تقدم ذكر كثير منها في المباحث المتقدمة في المقام الاول، وبقى الكلام هنا في مسائل: الاولى: قد صرح جمع من الاصحاب رضي الله عنهم بأن خيار الشرط يثبت في كل نوع من أنواع العقود، سوى النكاح والوقف والابراء والطلاق والعتق. أما جواز الشرط في العقود، فلعموم الاخبار المتقدمة في خيار الشرط الدالة على جواز الاشتراط إذا كان الشرط سائغا لا يخالف الكتاب والسنة، وقد استثنى من البيع ما يتعقبه العتق، كشراء القريب الذى ينعتق عليه، فانه لا يثبت فيه خيار الشرط، ولا المجلس، وكذا شراء العبد نفسه إذا جوزناه، فانه مناف لمقتضاه، وسياتى تحقيق المسألة انشاء الله تعالى في محلها. واما استثناء ما ذكر، فعلل بان النكاح لا يقصد فيه المعاوضه، والوقف ازالة ملك على وجه القربة، ومثله العتق، وقريب منه الابراء وادعى في المسالك الاجماع على استثناء هذه المذكورات أولا، والظاهر أنه هو العمدة عندهم، والا فهذه التعليلات لا تمنع تطرق المناقشة، فانها لا تصلح لتخصيص عموم تلك النصوص. قال في التذكرة: والاقرب عندي دخول خيار الشرط في كل عقد معاوضة، خلافا للجمهور، وهو مؤذن بعدم الخلاف عند الاصحاب، وقد الحق بالطلاق الخلع والمبارات، وبالعتق التدبير والمكاتبة المطلقة، وقد عرفت ما في المحلق به. والحق ان المسألة لا يخلو عن شوب الاشكال بالنظر إلى اطلاق النصوص، وعدم وجود مخصص يصلح الاعتماد عليه، وان كان الاحوط الوقوف على ما ذكروه (رضى الله عنهم).

[ 66 ]

الثانية: لا خلاف بين الاصحاب في أن الضابط في صحة الشرط هو أن لا يكون مؤديا إلى الجهالة في المبيع أو الثمن، ولا مخالفا للكتاب والسنة، فلو كان مؤديا إلى الجهالة في أحدهما بطل، كاشتراط تأخير المبيع في يد البايع أو الثمن في يد المشترى ما شاء كل واحد منهما، فانه يلزم منه الجهالة، فان للاجل قسطا من الثمن، وإذا كان مجهولا يجهل الثمن، وكذا القول في جانب المبيع. ومتى كل مخالفا للكتاب والسنة، فانه يبطل أيضا كاشتراط عدم وطئ الامة، أو شرط وطئ البايع اياها بعد العقد مرة أو أزيد، واشتراط أن لا يبيعه أو لا يعتقه أو لا يهب. قال في المسالك بعد عد هذه الافراد: وضابط ما ينافى مقتضى العقد، بان يقتضى عدم ترتب الاثر الذى جعل الشارع العقد من حيث هو يقتضيه، وترتبه عليه، كذا حققه جماعة انتهى. ثم استشكل اشتراط عدم الانتفاع زمانا معينا، واشتراط سقوط خيار المجلس والحيوان وما شاكل ذلك مما أجمع على صحة اشتراطه. اقول: ويمكن دفع الاشكال بالنسبة إلى الاولى بالوقوف على مقتضى الضابطة المذكورة، والقول ببطلان هذا الشرط حيث لا دليل عليه، وعن الثاني بجميع أفراده بان ذلك ليس من مقتضى العقد، فان مقتضاه اللزوم كما تقدم، وانما جاز الفسخ في هذه المواضع بدليل خارج أوجب الخروج عن مقتضى العقد. وأما ما ذكره هنا هو وغيره من اشتراط أن لا يبيع ولا يهب فجيد، بناء على الضابطة المذكورة، الا أنه قد ورد في جملة من الاخبار ما يؤذن بصحة هذا الشرط مثل مرسلة (1) جميل عن بعض اصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل اشترى جارية وشرط لا هلها ان لا يبيع ولا يهب قال: يفى بذلك إذا شرط لهم.


(1) التهذيب ج 7 ص 25 الرقم 23.

[ 67 ]

ومرسلته الثانية (1) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) " في الرجل يشترى الجارية ويشترط لاهلها ان لا يبيع ولا يهب ولا يورث ؟ قال: يفى بذلك إذا شرط لهم الا الميراث) ونحوهما في ذلك صحيحة الحلبي (2) وقد تقدمت في القسم الثالث في خيار الشرط وتقدم نبذة من الكلام فيما يتعلق بهذا المقام. وكذا يبطل الشرط باشتراط غير المقدور للمشروط عليه، كاشتراط حمل الدابة في ما بعد، أو ان الزرع يبلغ السنبل، سواء شرط عليه ان يبلغ ذلك بفعله أو بفعل الله تعالى، لاشتراكهما في عدم المقدورية. ولو شرط تبقية الزرع في الارض إلى أوان السنبل إذا وقع البيع على أحدهما دون الاخر جاز، لان ذلك مقدور له ولا يعتبر تعيين مدة البقاء بل يحمل على ما هو المتعارف عن البلوغ لانه منضبط. وفي كل موضع يبطل الشرط فهل يختص البطلان به لانه الممتنع شرعا دون البيع ولتعلق التراضي بكل منهما، أو يبطل العقد من أصله ؟ لانه غير مقصود بانفراده وما هو مقصود لم يسلم، ولان للشرط قسطا من الثمن، فإذا بطل يجهل الثمن قولان: وما تقدم من قوله تعلق التراضي بهما يضعف بعدم تعلق التراضي وقصده منفردا وهو شرط الصحة. اقول وما ذكروه في هذه المسألة في هذا الموضع وغيره من بطلان العقد باشتماله على الشرط الباطل، وعللوه من أن القصد انما تعلق بالجميع والعقود تابع بالقصود، فما تعلق به القصد غير حاصل، وما حصل غير مقصود جيد، الا ان جملة من الاخبار قد دلت على بطلان الشرط في مواضع مع صحة العقد، وبعض الاخبار يدل على ما ذكروه.


(1) الوسائل الباب 15 من ابواب بيع الحيوان في ذيل حديث الثاني.

[ 68 ]

فهذه القاعدة غير مطردة بالنسبة إلى ما دلت عليه الاخبار في الباب كما حققنا ذلك في المقدمة الحادية عشر من مقدمات الكتاب. ولو شرط عتق المملوك جاز لانه شرط سائغ بل راجح، لكن ان شرط عتقه عن المشترى أو أطلق فلا خلاف في الصحة، وان شرط عتقه عن البايع، فقولان: أصحهما العدم، لقوله عليه السلام " لاعتق الا في ملك " (2) والبايع ليس مالكا وعن التذكرة الحكم بالجواز. ولو مات العبد قبل العتق كان للبايع الخيار أيضا، فان اختار الفسخ رجع بجميع القيمة. وفى تعيين وقتها أقوال تقدم نقلها في الموضع الثالث من المسألة السابعة من المقام الثالث في العوضين (3) ورد ما قبضه من الثمن لبطلان البيع بالفسخ، وانما يرجع بالقيمة، لانه مضمون على المشترى بعد القبض. أما لو اختار الامضاء فهل يرجع على المشترى بما يقتضيه شرط العتق من القيمة، فانه يقتضى نقصانا من الثمن أم يلزم مع اجازة ما عين من الثمن خاصة قولان: (4)


(1) ج 1 ص 133 (2) التهذيب ج 8 ص 217 (3) ج 18 ص 468 (4) احدهما ما ذهب إليه العلامة وجماعة، وهو الاول. وثانيهما ما يظهر من الدروس محتجا عليه بان الشروط لا يوزع عليه الثمن ورد بأن الثمن لم يوزع على الشرط بحيث يجعل بعضه مقابلا له، وانما الشرط محسوب مع الثمن، وقد حصل باعتباره نقصان في القيمة، وطريق تداركه ما ذكر وطريق معرفة ما يقتضيه الشرط أن يقوم العبد بدون الشرط، ويقوم معه، وينظر التفاوت بين القيمتين، وينسب إلى القيمة التى هي مع شرط العتق، ويؤخذ من المشترى مضافا إلى الثمن بمقدار تلك النسبة من الثمن. فلو كانت قيمته بدون الشرط ماءة ومعه ثمانين فالتفاوت بعشرين ونسبتها إلى الثمانين الربع فيؤخذ من المشترى مقدار ربع الثمن مضافا إليه وذلك هو الذى سامح به البايع في مقابلة شرط العتق منه قدس سره.

[ 69 ]

ولو شرط أن لا خسارة على المشترى لو باع المبيع بل على البايع فخسر، فان هذا الشرط باطل، لمنافاته لمقتضى البيع. ويدل عليه رواية عبد الملك بن عتبة " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ابتاع منه متاعا على ان ليس على منه وضيعة هل يستقيم هذا وكيف يستقيم وحد ذلك ؟ قال: لا ينبغى " ولفظ لا ينبغى وان كان في العرف الان بمعنى الكراهة، الا أن وروده بمعنى التحريم في الاخبار أكثر كثير، والمراد منه هنا ذلك. ولو شرط في البيع ان يضمن انسان كل الثمن أو بعضه جاز، كما صرح به جملة من الاصحاب، وكل شرط لم يسلم لمشترطه بان امتنع المشروط عليه من الوفاء به، فهل الواجب جبره على الوفاء به ؟ لعموم الامر بالوفاء بالعقد (2) الدال على الوجوب، وقولهم (عليهم السلام) " المؤمنون عند شروطهم " (3) الدال على وجوب الوفاء بالشرط، فعلى هذا لو امتنع من الوفاء بالشرط أثم وعوقب بتركه ووجب اجباره على ذلك، ولو لم يمكن اجباره رفع الامر إلى الحاكم الشرعي ليجبره عليه، ان كان مذهبه ذلك وان تعذر فسخ انشاء. أو انه لا يجب على المشروط عليه، لان الاصل عدم الوجوب، وللمشروط له وسيلة إلى التخلص بالفسخ، فغاية الشرط حينئذ جعل البيع اللازم عرضة للزوال عند فقد الشرط، ولزومه عند الاتيان به، قولان: اظهرهما الاول لما عرفت من حجج القولين. ويؤكده أيضا انه في مثل شرط العتق فيه حق لله سبحانه وللعبد، فكيف ابطاله.


(1) التهذيب ج 7 ص 238 الرقم 62. (2) سورة المائدة الاية 1. (3) الوسائل الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4.

[ 70 ]

وعن الشهيد في بعض تحقيقاته تفصيل في هذا المقام، وهو ان الشرط الواقع في العقد اللازم ان كان العقد كافيا في تحققه، ولايحتاج بعده إلى صيغه فهو لازم لا يجوز الاخلال به كشرط الوكالة في العقد، وان احتاج بعده إلى أمر آخر وراء ذكره في العقد كشرط العتق فليس بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا، وجعل السر فيه ان اشتراطه للعقد كاف في تحققه كجزء من الايجاب والقبول فهو تابع لهما في اللزوم والجواز، واشتراط ما سيوجد أمر منفصل عن العقد، وقد علق عليه العقد والمعلق على الممكن ممكن، وهو معنى قلب اللازم جائزا. واستحسن هذا التفصيل في المسالك، لكنه اختار القول الاول وهو الاظهر كما عرفت، وهذا التفصيل من حيث الاعتبار بالتقريب الذى ذكره لا يخلو من وجه، لكن قد عرفت في غير موضع ما تقدم ان بناء الاحكام الشرعية على هذه الاعتبارات العقلية مشكل، والقول الاول مطابق لمقتضى النصوص كما عرفت والله العالم. الثالثة: قد صرح الاصحاب رضى الله عنهم بانه إذا مات من له الخيار انتقل إلى وارثه، من أي أنواع الخيار كان، والوجه فيه أنه حق مالى قابل للانتقال فيدخل تحت عموم الاخبار الدالة على ارث مثل ذلك، وحينئذ فلو كان الخيار خيار شرط ثبت للوارث في بقية المدة المضروبة، ولو كان غائبا أو حاضرا ولم يبلغه الخبر حتى انقضت مدة الخيار سقط خياره بانقضاء المدة كالمورث. وان كان خيار غبن اعتبر فيه الفورية حين بلوغه الخبر وعلمه بالفورية على القول بها وان طالت المدة. وان كان خيار مجلس وكان الوارث حاضرا في مجلس البيع قام مقامه في الخيار وفيه تأمل، لدلالة ظاهر الاخبار على تعلق ذلك بالبيعين الذين أوقعا العقد، وعلى تقدير قيامه مقامه، فهل يقوم مقامه في اعتبار التصرف، أو يبقى الحكم معلقا على المفارقة من الميت أو الوارث وجهان.

[ 71 ]

رجح ثانيهما في المسالك قال: عملا بظاهر النص فان ضمير يتفرقا عائد إلى المتبايعين، والتفرق هنا يصدق بانتقال الحى، وبنقل الميت مع عدم المصاحبة، ومعها يبقى إلى ان يتفرقا. واما احتمال سقوط الخيار بالموت لان مفارقة الدنيا أبعد من مفارقة المجلس فقد تقدم ما فيه في قسم خيار المجلس. هذا كله مع اتحاد الوارث، فلو تعدد في كل من هذه الاقسام فان اتفقوا فلا اشكال وان فسخ بعضهم، وأجاز الاخر، قدم الفاسخ عند الاصحاب وفي انفساخ الجميع أوفى حصته خاصة، ثم يتخير الاخر لتبعض الصفقة وجهان: وفي خيار المجلس مع عدم حضورهم جميعا للمجلس اشكال. وبالجملة فان اكثر هذه الفروع لا يخلو عن الاشكال والله العالم. الرابعة: المشهور بين الاصحاب رضى الله عنهم ان المبيع يملك بالعقد ملكا متزلزلا قابلا للفسخ مدة الخيار. ونقل عن الشيخ أنه انما يملك بانقضاء الخيار إذا كان الخيار للبايع أو لهما، أما لو كان للمشترى فانه يملك من حين العقد. وعن ابن الجنيد أنه انما يملك بانقضاء الخيار مطلقا، وربما نقل الاطلاق عن الشيخ أيضا، الا ان عبارته في الخلاف دالة على التفصيل المتقدم، لكن ظاهرها انما هو زوال ملك البايع عن المبيع بنفس العقد، متى كان الخيار للمشترى، أنه لا ينتقل إلى المشترى حتى ينقضى الخيار، فإذا انقضى ملكه بالعقد الاول، وهذا خلاف ما نقلوه عنه، من أنه متى كان الخيار للمشترى فانه يملك من حين العقد. ومقتضى ما نقلناه عنه في الخلاف ان الفرق بين الامرين انما هو باعتبار زوال ملك البايع، وانه لا يزول في صورة مالو كان الخيار له اولهما، ويزول فيما كان الخيار للمشترى، وأما المشترى فانه لا يملكه ولا ينتقل إليه الا بانقضاء الخيار مطلقا. وهذه صورة عبارته في الكتاب ننقلها ليزول بذلك عما ذكرناه شبهة الشك والارتياب.

[ 72 ]

قال رحمه الله: العقد يثبت بنفس الايجاب والقبول فان كان مطلقا فانه يلزم بالافتراق بالابدان، وان كان مشروطا فانه يلزم بانقضاء الشرط، فان كان الشرط لهما أو للبايع، فإذا انقضى الخيار ملك المشترى بالعقد المتقدم، وان كان الخيار للمشترى وحده زال ملك البايع عن الملك بنفس العقد، لكنه لا ينتقل إلى المشترى حتى ينقضى الخيار فإذا انقضى ملك المشترى بالعقد الاول انتهى. ومقتضاة انه في صورة ما إذا كان الخيار للمشترى وحده زال ملك البايع عن. المبيع بنفس العقد، ويبقى المبيع مدة الخيار بلا مالك لزوال ملك البايع بنفس العقد، وعدم دخوله في ملك المشترى حتى ينقضى الخيار، ولم اقف على من تنبه لذلك من عبارته مع انها ظاهرة فيما قلناه (1).


(1) نعم قد وقفت في كلام شيخنا الشهيد في كتاب غاية المراد في شرح نكت الارشاد ما يؤيد على ما قلناه حيث قال: بعد ذكر آخر عبارة الشيخ المتقدمة وهذا الكلام يشم منه التناقض، لكون الملك لا يخلو عن مالك، ولا مالك غيرهما قطعا، وقد زال ملك البايع مع الحكم بعدم انتقاله إلى المشترى مع أنه إذا لم ينتقل إليه كان ملكا للبايع، فيكون ملك البايع زايلا غير زايل وملك المشترى ثابتا غير ثابت، وانه تناقض. ثم أجاب عن ذلك فقال قد يجاب بأن الموقوف هو الملك المستقر، وعلى هذا يرتفع الخلاف انتهى، وهو جيد. وبالجملة فالامر دائر بين العمل بكلام الشيخ بناء على ظاهره الذى نقله الاصحاب عنه، واللازم منه ما عرفت من الاشكال في الموردين المذكورين وبين تأويل كلامه بما ذكر من الملك المستقر وبه يرجع إلى كلام الاصحاب. ويزول الخلاف من البين بمعنى ان العقد سبب تام في الملك غاية مافى الباب انه متزلزل في موضع الخيار حتى يسقط فرفع الخيار موجب للقرار لاجزء علة نقله للملك (منه قدس سره)

[ 73 ]

وفيه أيضا ان مقتضى ما ذكره في صورة ما لو كان الخيار مشتركا أو للبايع خاصة من جعل ملك المشترى معلقا على انقضاء الخيار، وانه ينبغى أيضا ان يكون ملك البايع الثمن أيضا معلقا على ذلك، ومتوقفا عليه، وهذا اشكال آخر في العبارة المذكورة. ثم انه على تقدير هذا القول مطلقا أو مقيدا كما ذكروه، فهل يكون انقضاء الخيار مع عدم الفسخ كاشفا عن ملك المشترى من حين العقد أم ناقلا ؟ كل محتمل ولكن ظاهر عبارة الشيخ المذكورة الاول. ويظهر فائدة الخلاف في مواضع: منها النماء المنفصل كاللبن والحمل والثمرة المتجددة زمن الخيار، فانه على القول المشهور وكذا على القول بالكشف إذا لم يفسخ يكون للمشترى وعلى القول بالنقل يكون للبايع. ومنها - الاخذ بالشفعة زمن الخيار، فعلى تقدير عدم الانتقال لا يأخذ بها إلا بعد الخيار، وعلى تقدير الانتقال يأخذ بها من بعد العقد. ومنها جريانة في حول الزكاة لو كان زكويا، فانه بعد العقد على تقدير الانتقال به، وبعد الخيار على تقدير القول الاخر. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكروه من الحكم المذكور غير مطرد بالنظر إلى الاخبار، فانها مختلفة في ذلك بالنسبة إلى اختلاف الخيارات، ففى بعضها ما يوافق المشهور وفي بعض آخر ما يوافق القول الاخر. فمن الاخبار الدالة على الاول الاخبار الواردة في خيار الشرط، وقد تقدمت في الموضع المذكور كموثقة اسحاق بن عمار، (1) ورواية معاوية بن ميسرة، (2) فانهما صريحتان في كونه زمن الخيار ملكا للمشترى، وانه لو تلف في تلك المدة كان


(1) الكافي ج 5 ص 171. (2) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الرقم 3.

[ 74 ]

من ماله، ويحمل عليهما ما اطلق من اخبار المسألة. ويؤيده أيضا ان المتبايعين اقدما على ان يكون المبيع للمشترى، وانما شرطا خيارا في مدة معينة، فالبيع على اللزوم كما هو مقتضاه، وليس للبايع الا مجرد الخيار. ومن الاخبار الدالة على القول الاخر صحيحة ابن سنان (1) المتقدمة في القسم الثاني في خيار الحيوان الدالة على أنه " إذا اشترى الدابة أو العبد واشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد أو الدابة أو يحدث، فضمان ذلك على البايع حتى ينقضى الشرط، ويصير المبيع للمشترى " فانها ظاهرة في عدم الملك للمشترى، وان كان الاصحاب حملوها على استقرار الملك. وموثقة عبد الرحمان بن أبى عبد الله (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى امة بشرط من رجل يوما أو يومين، فماتت عنده، وقد قطع الثمن على من يكون الضمان ؟ فقال: ليس على الذى اشترى ضمان حتى يمضى بشرطه ". والجواب عنه بعدم علمه بخيار الحيوان أو التأكيد أو بعد الثلاثة تكلف بعيد عن سياق الخبر. ومرسلة ابن رباط (3) عمن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ان حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البايع ". ورواية عبد الله بن الحسن بن زيد بن على بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في رجل اشترى عبدا بشرط ثلاثة أيام، فمات العبد في الشرط، قال: يستحلف بالله ما رضيه وهو برئ من الضمان.


(1) الكافي ج 5 ص 169 الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار. (2) الكافي في ج 5 ص 171. (3 و 4) الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار 5 و 4.

[ 75 ]

وهى ظاهرة كما ترى في أن موت الحيوان في الشرط من البايع، الا أن يلتزم المشترى بالبيع المسقط للخيار. وبالجملة فروايات خيار الحيوان كما ترى مشتركة في ان تلفه مدة الخيار من مال البايع. وهو خلاف ما عليه القول المشهور، من ان المبيع ملك المشترى الموجب لكون التلف من ماله. وخلاف ما نقلوه عن الشيخ من أنه متى كان الخيار للمشترى، فانه يوافق القول المشهور في هذه الصورة، مع ان الخيار هنا للمشترى كما هو الاشهر الاظهر. وهذه الاخبار انما نصت على قول ابن الجنيد، وان مضي مدة الخيار ناقل لا كاشف، مع أنه قول مرغوب عنه في كلامهم. وقد تقدم في قسم خيار التأخير ذكر رواية عقبة ابن خالد (1) الدالة على تلف المتاع عند البايع، وانه مضمون على البايع حتى يقبضه المشترى، مع أن مقتضى قاعدتهم وقولهم أن المبيع يملك بالعقد هو كونه من ملك المشتري، لخروجه بالعقد عن ملك البايع، وكونه ملكا للمشتري، وأما البناء ثمة على ما ذكروه من قاعدة التلف قبل القبض موجب للضمان على البايع. ففيه انه لا مستند شرعيا لهذه القاعدة، ولعل قول الشيخ المفيد والمرتضى ومن تبعهما ثمة بكونه من مال المشترى، التفاتا إلى هذه القاعدة المذكورة هنا من حصول الملك بالعقد، فانه موجب لذلك الا أن الرواية كما ترى بخلاف ذلك. ومن ذلك يظهر ان الاولى، والاليق هو الوقوف في كل حكم على ما يقتضيه النصوص المتعلقة بذلك الحكم، وعدم الوثوق بهذه القواعد التى يؤسسوها. والله العالم. الخامسة قالوا إذا تلف المبيع قبل قبضه، فهو من مال بايعه، والمراد انه ينفسخ


(1) الكافي ج 5 ص 171.

[ 76 ]

العقد بتلفه من حينه، ويرجع الثمن إلى ملك المشترى، ولو كان قد تجدد له نماء بعد العقد وقبل التلف فهو للمشترى، وليس للمشترى مطالبة البايع بالمثل أو القيمة، وان كان الحكم بكونه من البايع يوهم ذلك. وانما عبروا بذلك تبعا للنص (1) والمراد منه ما ذكر، وحينئذ فيقدر دخوله في ملك البايع قبل التلف آناما ويكون التلف كاشفا عنه، ومثله دخول الدية في ملك الميت، والعبد المأمور بعتقه في ملك المعتق عنه. وحكى في التذكرة وجها بان الفسخ هنا يكون من اصله، وعليه فلا يحتاج إلى التقدير. هذا كله إذا كان تلفه من الله سبحانه، أما لو كان من اجنبي أو من البايع تخير المشترى بين الرجوع بالثمن وبين مطالبة المتلف بالمثل أو القيمة، ولو كان التلف من المشترى ولو بتفريطه فهو بمنزلة القبض، فيكون التلف منه ولو كان التلف في زمن الخيار. فانه قد قررله في المسالك ضابطة، وهى ان المتلف ان كان هو المشترى فلا ضمان على البايع مطلقا، لكن ان كان له خيار أو لاجنبي فاختار الفسخ يرجع إلى المشترى بالمثل أو القيمة. وان كان التلف من البايع أو من اجنبي تخير المشترى بين الفسخ والرجوع بالثمن، وبين مطالبة المتلف بالمثل أو القيمة ان كان له خيار، وان كان الخيار للبايع


(1) وهو ما نقله في التذكرة من قوله (صلى الله عليه وآله) " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه " وهذا الخبر لم نقف عليه فيما وصل الينا من كتب الاخبار ووجه الايهام فيه قوله " من مال بايعه " فانه دال على خروج ذلك عن ملكه بالبيع فليس معنا قوله من ماله الا باعتبار ضمانه مثله أو قيمته، منه رحمه الله. واخرج هذا الحديث في المستدرك ج 2 ص 473 عن عوالي اللئالى.

[ 77 ]

والمتلف اجنبي، تخير كما مر ورجع على المشترى أو الأجنبي. وان كانت التلف بآفة من الله تعالى سبحانه، فان كان الخيار للمشترى أوله أو لاجنبي، فالتلف من البايع، والا فمن المشترى، هذا خلاصة كلامهم في هذا المقام. وانت خبيربان ما ذكر من الكلام في هذا المقام مبنى على ثبوت القاعدة القائلة " بان التلف قبل القبض مضمون على البايع " مع انها معارضة بالقاعدة الاخرى المتقدمة القائلة " بأن المبيع يملك بالعقد ". والتفصى عن المعارضة بما ذكر هنا من ان المراد بكونه من مال البايع انه ينفسخ العقد بتلف المبيع من حينه، بمعنى انه يقدر دخوله في مال البايع آنا ما قبل التلف ويكون التلف كاشفا عنه لا يظهر له وجه من النص الوارد في هذه المسألة، وهو خبر عقبة بن خالد المتقدم، بل ظاهره انما هو ما نقل عن العلامة من الوجه المتقدم، وهو ان الفسخ يكون من أصله وبه يحصل الاشكال لتصادم الفاعدتين في المقام. والى ما ذكرنا هنا يشير كلام المحقق الاردبيلى رضوان الله عليه في شرح الارشاد حيث قال: بعد كلام في المسألة مما شاة للجماعة ما لفظه " فتأمل فان الامر مشكل لكون الملك للمشترى مثلا قبل القبض في زمن الخيار على مامرو بعده، والبايع غير مقصر، والقاعدة تقتضي كونه من ماله وايضا قالوا ان المراد بكونه من البايع فسخ العقد، فيكون التالف من مال البايع مثلا وفى ملكه، وليس للمشترى الا الثمن أو مثله لو أعطاه، وليس له طلب مثل المبيع وقيمته والنماء الحاصل إلى حين التلف أيضا مثل الولد والكنز الذى وجده المملوك والمال الذى وهب له وقبل وقبض، وقال: وهو مشكل أيضا إذا كان ملكا للمشترى وتلف كيف يصير التلف في ملكه. فقيل بتجدد الملك للبايع قبل الهلاك بجزء لا يتجزى من الزمان، مثل دخول العبد المأمور بعتقه في ملك المعتق عنه، ودخول

[ 78 ]

الدية في ملك الميت، فتأمل فيه " انتهى كلامه (1) وهو جيد وان كانت عباراته لا تخلو من تعقيد من حيث غلبة الاعجمية عليه. وبالجملة فالواجب هو الوقوف على الروايات في كل حكم حكم كما قدمنا ذكره، والروايات المتعلقة بهذه المسأله هي ما قدمنا ذكر بعضها في المسألة المتقدمة، واشرنا إلى البعض الآخر فيما تقدم، وهى اخبار خيار الشرط الدالة على كون المبيع ملكا للمشترى، وأن تلفه منه، واخبار خيار الحيوان المتقدمة على ان تلفه في زمن الخيار من ملك البايع، وخبر عقبة بن خالد (2) الدال على كون التلف من ملك البايع، وعدم البناء وعلى هذه القاعدة التى لا مستندة لها من النصوص وكل ما يتفرع عليها من الفروع اما اقتضته قواعد آخر من الاخبار، والله العالم.


(1) اقول: وحاصل هذا الكلام يرجع إلى ملاحظة القاعدة الدالة على أنه بالعقد يدخل المبيع في ملك المشترى، والجمع بينها وبين القاعدة المذكورة هنا، وهى " ان تلف المبيع قبل القبض من مال البايع " بأن يقال: انه بالتلف ينفسخ البيع من حينه، ويرجع المبيع إلى ملك البايع، والثمن إلى ملك المشترى، فيقدر دخوله في ملك البايع آناما قبل التلف ويكون التلف كاشفا عنه، ولا ينافى ذلك كونه قبل ذلك ملكا للمشترى، وان له نماؤه. ومن أجل ذلك انه لا يرجع المشترى بالمثل أو القيمة لخروجه عن ملكه قبل التلف، وصيرورته للبايع في ذلك الآن المقدر، وانما يرجع بالثمن لبطلان البيع. منه رحمه الله. (2) الكافي ج 5 ص 171.

[ 79 ]

الفصل الثالث في احكام العيوب وفيه مسائل الاولى قد صرح غير واحد منهم (رضى الله عنهم) بان مقتضى العقد السلامة، والمراد من ذلك هو اللزوم معها، والخيار مع عدمها، الا ماربما يتسارع إلى الذهن من وقوع العقد على السالم دون المعيب، والا لزم البطلان لو ظهر معيبا مع وقوع البيع على معين، ومع الاطلاق يجب طلب السالم ان وجد، والا بطل العقد ان حصل اليأس منه، ولا يكون المعيب داخلا تحت العقد ولا موردا له. وهو خلاف ما عليه الاتفاق نصا وفتوى. ولو شرطا الصحة فهو لا يزيد على مقتضى العقد، فان فائدته التأكيد، لانك قد عرفت ان الاطلاق يقتضى (السلامته) لانها الاصل في الاعيان. وربما قيل: ان فائدته جواز الفسخ وان تصرف لو ظهر عيب، فيفيد فائدة زائدة على الاطلاق، كاشتراط الحلول وكيف كان فان ظهر في المبيع عيب سابق على العقد، تخير المشترى بين الرد والاخذ بالارش، وقد تقدمت الاخبار الواردة في ذلك، الا أنها كما اشرنا إليه آنفا قاصرة عن ذلك، وانما تدل على الرد مع ظهور العيب قبل التصرف، والارش

[ 80 ]

بعد التصرف الاما عرفت من عبارة الفقه الرضوي وقد تقدمت أيضا مسقطات هذا الخيار، والاخبار الدالة عليه. ومنها التصرف قبل العلم بالعيب أو بعده، فانه يسقط به الخيار الا في موضعين قد صرحوا باستثنائهما. أحدهما: إذا اشترى أمة ووطأها ثم ظهر انها كانت حاملا فان له الرد، ومن المعلوم ان الحمل عيب، لانه زيادة معرضة للتلف ومانعة من بعض الانتفاعات في الجملة. ولاشك أيضا أن الوطئ تصرف، فمقتضى القاعدة عدم جواز الرد حينئذ، بل الاقتصار على الارش كما في غير هذا الموضع من التصرفات مع ظهور العيب، لكن قد ورد استثناء هذا الموضع من القاعدة، وظاهر الاصحاب الاتفاق على ذلك ايضا. ومن الاخبار الدالة على أن حكم الجارية إذا ظهر بها عيب غير الحمل حكم غيرها من أفراد تلك القاعدة المشار إليها ما رواه في الكافي والتهذيب عن طلحة ابن زيد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فوطأها ثم وجد فيها عيبا، قال: تقوم وهى صحيحة، وتقوم وبها الداء، ثم يرد البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة والداء ". وما رواه فيهما أيضا في الصحيح عن منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله (ع) " في رجل اشترى جارية فوقع عليها وقال: ان وجد فيها عيبا فليس له أن يردها، ولكن يرد عليه بقيمة ما نقصها العيب " قال: قلت: هذا قول على السلام ؟ قال: نعم ". وما رواه في التهذيب عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله " قال: سمعت أبا عبد الله


(1) و (2) الكافي ج 5 ص 214 التهذيب ج 7 ص 16 وفى التهذيب (وفيها). (3) التهذيب ج 7 ص 60 الوسائل الباب 40 من ابواب احكام العيوب

[ 81 ]

(عليه السلام) يقول: أيما رجل اشترى جارية فوقع عليها فوجدبها عيبا لم يردها ورد البايع عليه قيمة العيب ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " أنه سئل عن الرجل يبتاع الجارية فيقع عليها، ثم يجد بها عيبا بعد ذلك قال: لا يردها على صاحبها، ولكن يقوم مابين العيب والصحة فيرد على المبتاع، معاذ الله ان يجعل لها أجرا ". وما رواه في الفقيه عن ميسرة، (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: كان على (عليه السلام) لايرد الجارية بعيب إذا وطئت، ولكن يرجع بقيمة العيب، وكان علي (عليه السلام) يقول: معاذ الله ان اجعل لها اجرا ". وما رواه في التهذيب عن حماد بن عيسى في الصحيح " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال على بن الحسين: كان القضاء الاول في الرجل إذا اشترى الامة فوطأها ثم ظهر على عيب أن البيع لازم وله أرش العيب. " وهذه الاخبار كما ترى جارية على مقتضى القاعدة المذكورة، واطلاقها شامل لما إذا كان العيب حملا أو غيره، الا انه قد وردت الاخبار باستثناء الحمل من حكم العيب المذكور هنا مع الاجماع عليه. ومن الاخبار الدالة عليه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن ابن سنان (4) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حبلى ولم يعلم بحبلها فوطأها، قال: يردها على الذى ابتاعها منه، ويرد عليه نصف عشر قيمتها لنكاحه اياها،


(1) الكافي ج 5 ص 215 التهذيب ج 7 ص 61 الوسائل الباب 4 من ابواب احكام العيوب. (2) الفقيه ج 3 ص 139 وفيه عن محمد بن ميسر الوسائل الباب 4 من ابواب احكام العيوب. (3) التهذيب ج 7 ص 61 الوسائل الباب 4 من ابواب احكام العيوب. (4) الكافي ج 5 ص 214 التهذيب ج 7 ص 61.

[ 82 ]

وقد قال على (عليه السلام) لا ترد التى ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيب ان كان فيها ". وما روياه فيهما أيضا عن عبد الملك بن عمرو (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: لاترد التى ليست بحبلى إذا وطئها صاحبها وله ارش العيب، وترد الحبلى ويرد معها نصف عشر قيمتها ". وزاد في الكافي قال: وفي رواية اخرى " ان كانت بكرا فعشر ثمنها، وان لم تكن بكرا فنصف عشر ثمنها ". وما رواه في التهذيب عن فضيل مولى محمد بن راشد (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع جارية حبلى وهو لا يعلم، فنكحها الذى اشتري، قال: يردها ويرد نصف عشر قيمتها ". ورواه بسند آخر صحيح (3) مشتمل على ارسال ابن ابى عمير عن سعيد بن يسار عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله. وبازاء هذه الاخبار ما يدل على معارضتها فيما دلت عليه من وجوب رد نصف العشر. ومنها ما رواه في الفقيه والشيخ في التهذيب عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشترى الجارية فيقع عليها فيجدها حبلى قال: يردها ويرد معها شيئا ". وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يشترى الجارية الحبلى فينكحها وهو لا يعلم ؟ قال: يردها ويكسوها ".


(1) الكافي ج 214 5 وفيه (بن عمير) التهذيب ج 7 ص 62. (2) (3) التهذيب ج 7 ص 62. (4) الفقيه ج 3 ص 139 التهذيب ج 7 ص 62. (5) الكافي ج 5 ص 215 التهذيب ج 7 ص 62 الفقيه ج 3 ص 139.

[ 83 ]

وما رواه في التهذيب (1) عن عبد الملك بن عمرو عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يشترى الجارية وهى حبلى فيطأها قال: يردها، ويرد عشر ثمنها ". والشيخ (رحمه الله) حمل الشئ في الحديث الاول على نصف العشر، وكذا الكسوة في الحديث الثاني على ما يكون قيمتها ذلك. واحتمل بعض مشايخنا حملها على ما إذا رضى البايع بهما. واما الحديث الثالث فحمله في التهذيب على غلط الرواى والناسخ، باسقاط لفظ " نصف " ليطابق ما رواه هذا الراوى بعينه وغيره، ثم قال: ولو كانت الرواية مضبوطة لجازان تحمل على من وطأ الجارية مع العلم بأنها حبلى، فحينئذ يلزمه عشر قيمتها عقوبة، وانما يلزمه نصف العشر إذا لم يعلم بحبلها ووطاها ثم علم بالحبل، انتهى. وكتب عليه بعض مشايخنا في الحاشية ما صورته: انت خبير بأن هذا ليس ببعيد من جهة اللفظ، لكن الحكم بالرد والحال هذه مشكل. انتهى (3)


(1) التهذيب ج 7 ص 62 الكافي ج 5 ص 215 وفى بعض النسخ ابن عمير (2) هو الشيخ على بن سليمان البحراني (قدس سره) في حواشيه على الكتاب. منه رحمه الله. (3) قال المحقق الاردبيلى (قدس سره) في شرح الارشاد: ولو لا الاجماع لامكن الجمع بينهما بحمل ما فيه العشر ونصف العشر على الاستحباب، والباقية على كفاية ما يصدق عليه الشئ والكسوة، وفيه من البعد ما لا يخفى، ولو تم هذا لامكن أيضا القول بحمل الرد في هذه الاخبار على الاستحباب لو لا الاجماع، لمعارضتها بما ذكرناه من الاخبار الواردة على أن وطئ الامة ثم ظهور العيب فيها انما يوجب الارش خاصة، كما هو مقتضى القاعدة المعتضدة بالاتفاق والنصوص، مع انه لا يقول به، منه رحمه الله.

[ 84 ]

أقول: نقل في الدروس عن الحلبي (1) وجوب رد العشر في الصورة المذكورة، وحينئذ فتصلح هذه الرواية دليلا له. وعن ابن ادريس التفصيل بالبكارة والثيوبة، ويمكن حمل هذه الرواية أيضا على ذلك، وان ندر الفرض. قال بعض اصحابنا: ولا استبعاد في اجتماع البكارة مع الحمل، فانه ممكن وان كان نادرا. انتهى. وحينئذ فلا يبعد حمل الرواية على أنها كانت بكرا وان ندر الفرض، لجواز حصول الحمل بالمساحقة والجماع في الدبر كما صرحوا به، ويؤيده مرسلة الكافي المتقدمة. قال بعض محققى متأخر المتأخرين: ولزوم نصف العشر في أكثر الاخبار مبنى على ما هو الغالب من ثيوبة الحبلى، فان كانت بالفرض النادر بكرا فعليه أن يرد معها عشر قيمتها لما مر في النكاح من أن قيمة بضع الامة الباكرة انما هو العشر. انتهى. وفى الدروس عن ابن الجنيد التقييد بكون الحمل من المولى، قال: ويلوح من النهاية.


(1) قال في الدروس: ولو وطئ ما بعد العلم بالحمل فعليه الارش ويظهر من التهذيب جواز الرد ويلزمه عشر قيمته عقوبة، وجعله محتملا للرواية، واكثر الاخبار مقيدة بعدم العلم. انتهى. وهو ما اشار إليه شيخنا المذكور في الاصل من الاشكال، وظاهرهم رضوان الله عليهم أن التصرف بالوطئ بعد العلم بالحبل انما يوجب الارش خاصة دون الرد، والرد ووجوب نصف العشر انما هو موضع الجهل. والظاهر أن المستند فيه الوقوف على ظواهر نصوص المسألة من الجهل بالحمل، لانها على خلاف القاعدة المقررة المؤيدة بالاخبار والاتفاق، فيقتصر محل الخلاف على مورد النص منه قدس سره.

[ 85 ]

أقول: وهو ظاهر اختيار العلامة في المختلف، ويرد عليه اولا أنه يدافع اطلاق النصوص المتقدمة، فان ظاهرها وجوب الرد في الصورة المذكورة، سواء كان الحمل من المولى أو من غيره. وثانيا أنه لا وجه للتقييد بالتصرف بالوطئ بل اللازم هو الرد على كل حال، لبطلان البيع بظهور كونها أم ولد. وكيف كان فالاظهر هو القول المشهور للاخبار المتقدمة، وارتكاب التأويل فيما عارضها بأحد الوجوه المذكورة. ولشيخنا في المسالك هنا كلام جيد في المقام لا بأس بنقله، وان طال به زمان الكلام لما فيه من الفوايد الجمة الظاهرة لذوى الافهام، قال رحمه الله بعد ذكر المصنف أصل المسألة، ما صورته: تحرير هذه المسألة يتوقف على مقدمات: الاولى أن تصرف المشترى في المبيع المعيب يمنع من رده، وان جاز له أخذ الارش. الثانية أن الحمل في الامة عيب سواء شرط خلوها عن الحمل أم لا، ولان ولادتها تشتمل على الخطر، وهو نقص محض ان قلنا أن الحمل لا يدخل في بيع الامة كما هو المشهور، والا كان نقصا من وجه، وزيادة من وجه، وهو كاف في ثبوت الخيار أيضا. الثالثة أن الوطئ تصرف بل هو من أقوى أنواع التصرف والاصل فيه أن يكون مانعا من الرد. الرابعة أن وطئ المالك حال الوطئ لا يستعقب عليه ضمانا للبضع، لانه تصرف في ماله وان فسخ المبيع بعد ذلك بوجه من الوجوه المجوزة له. الخامسة ان المولى لو وطا أمته جاز له بيعها مع عدم تيقن الحمل، ثم وان ظهر بها حمل منه تبين بطلان البيع لكونها أم ولد، وهذه المقدمات كلها اجماعية. السادسة ان وطأ أمة الغير جهلا بتحريمه يوجب على الواطئ عشر قيمتها ان كانت بكرا ونصف العشر، ان كانت ثيبا، لدلالة النصوص على هذا التقدير.

[ 86 ]

السابعة. أن الفسخ بالعيب يبطل العقد من حينه لامن اصله، لتحقق الملك بالعقد، وجواز الاستمرار عليه، فلا معنى لرفع ما قد ثبت. (1) إذا تقرر هذه المقدمات فنقول: إذا اشترى أمة وتصرف فيها ثم علم بعيب سابق لم يجز له ردها، بل يتعين الارش، لكن وردت النصوص هنا باستثناء مسألة وهى ما لو كان العيب حبلا، وكان التصرف بالوطئ فانه حينئذ يردها ويرد معها نصف العشر لمكان الوطى. وهذا الحكم كما ترى مخالف لهذه المقدمات من حيث جواز الرد مع التصرف وفى وجوب شئ على المشترى مع أنه وطأ أمته، وفى اطلاق وجوب نصف العشر مع أن ذلك عقر الثيب، والمسألة مفروضة فيما هو أعم منها.


(1) أقول: هذا مبنى على أن المبيع بالعقد ينتقل إلى المشترى، وأن الانتفاعات والنماء في مدة الخيار له وان رد المبيع بالعيب بعد ذل، الا أنك عرفت مما سبق أن النصوص مختلفة في ذلك، واخبار خيار الحيوان متفقة على أن تلفه في زمن الخيار من مال البايع، وهو مؤذن بعدم الانتقال للمشترى، ولهذا نقل عن بعض الاصحاب أن المبيع زمن الخيار والنماء للبايع، وحينئذ فلا استبعار هنا بأن الفسخ بالعيب يبطل العقد من أصله. وبذلك يظهر أيضا المناقشة فيما ذكره في المقدمة الرابعة من ان وطئ المالك حال الوطئ لا يستعقب عليه ضمان للبضع، فانه تصرف في ملكه، فانه بناء على ما قلنا ليس في ملكه، فالضمان حينئذ ثابت، وتخصيصه بنصف العشر على ما هو الاغلب الاكثر من ثيبوبة الحامل، لما عرفت فيما تقدم في غير موضع من الكتاب من الاطلاق في الاحكام الشرعية انما يحمل على الغالب الاكثر، دون الفروض النادرة. وبالجملة فان باب المناقشة فيما ذكره قدس سره، غير منسد، وبه يظهر صحة القول المشهور والله العالم، منه قدس سره.

[ 87 ]

ولاجل هذه المخالفات التجأ بعض الاصحاب (1) إلى حملها على كون الحمل من المولى البايع، فانها تكون حينئذ أم ولد، ويكون البيع باطلا، والوطئ في ملك الغير جهلا، فيلزم فيه العقر، واطلاق نصف العشر مبنى على الاغلب من كون الحبل مستلزما للثيوبة ولو فرض على بعد كونها حاملا بكرا كان اللازم العشر. وفى هذا دفع لهذه الاشكالات، الا أنه مدافع لاطلاق النص بالحمل، وبنصف العشر من غير تقييد بكونه من المولى وكونها ثيبا. وفيه أيضا أنه لا وجه لتقييد بكونه بالوطئ بل اللازم حينئذ الرد على كل حال، لبطلان البيع، وليس تقييد الحمل المطلق في النصوص الصحيحة وفتوى اكثر الاصحاب وكون المراد رد نصف العشر خاصة، أولى من استثناء هذا النوع من التصرف من بين سائر التصرفات. وكون المنفعة مضمونة على المشترى اما بناء على أن الفسخ يبطل العقد من أصله، نظرا إلى أن العيب يقتضى تزلزل العقد، فمع اختيار الرد ينكشف لنا عن عدم الملك، وأن العقد موقوف على اختيار الرضا بالعيب أو أن ضمان المنفعة قد وجد في المصراة على ما يأتي، ويكفى في التخصيص بكون المردود نصف العشر، موافقته للغالب الاكثر من أن الحامل لا تكون بكرا. وبالجملة فالعدول عن ظواهر هذه الاخبار والنصوص الكثيرة مع قول أكثر الاصحاب بها لمناسبة الاصول غير واضح. وعلى هذا فيكون الرد على وجه الجواز لا اللزوم ان لم يكن الحمل من المولى ويختص بالوطئ انتهى. أقول: والاظهر ما قدمنا لك ذكره في غير مقام من أن الاولى هو الدوران في


(1) الظاهر انه ابن الجنيد والشيخ في النهاية والعلامة في المختلف حيث انهم كما عرفت حملوا النصوص على ذلك، وقد عرفت ما فيه واليه اشار بقوله هيهنا بقوله: الا انه مدافع لاطلاق النص إلى آخره، منه قدس سره.

[ 88 ]

الاحكام مدار النصوص، وما دلت عليه بالعموم أو الخصوص، وافقت قواعدهم أم لم توافق، واليه يشير هنا قوله في اجمال البحث المتقدم بقوله: وبالجملة فالعدول عن ظواهر النصوص إلى آخره. الموضع الثاني حلب المصراة وسيجئ حكمه ان شاء الله (تعالى). الثانية قد عرفت أنه متى كان العيب سابقا على العقد، فان للمشترى الخيار بعد ظهوره بين الرد، والاخذ بالارش. وأما لو تجدد بعد العقد وقبل القبض، فانه لا خلاف في أن له الرد، وانما الخلاف في أنه مع أخذه والرضا به هل له الارش أم لا ؟ قولان: كلاهما للشيخ. قال في النهاية: من اشترى شيئا ولم يقبضه ثم حدث فيه عيب كان له رده، فان أراد أخذه وأخذ الارش كان له ذلك. وقال في الخلاف: إذا حدث في المبيع عيب في يد البايع كان للمشترى الرد والامساك، وليس له اجازة البيع مع الارش، فلا يجبر البايع على بذل الارش بلا خلاف، فان تراضيا على الارش كان جائزا، وكذا قال في المبسوط، وتبعه ابن ادريس على ذلك. والى الاول ذهب العلامة في المختلف، ونقله عن ابن البراج وأبى الصلاح، واحتج في المختلف لما ذهب إليه، قال: لنا ان المبيع لو تلف لكان من ضمان البايع فكذا أبعاضه وصفاته، لان المقتضى لثبوت الضمان في الجميع وهو عدم القبض موجود في الصفات، ثم نقل عن الشيخ أنه احتج بأن الاصل ثبوت البيع ولزومه، وعدم التسلط بالارش، وانما أوجبنا له الخيار بين الرد والقبول، لدفع الضرر اللاحق بايجاب القبول فيبقى الباقي على الاصل. ثم أجاب عنه بأن التزامه بأحد هذين نوع ضرر، إذا الحاجة قدمست إلى المعاوضة، والا لم توجد، والتزامه جميع الثمن ضرر عظيم، لانه دفعه في مقابلة الجميع بصفاته فلا يجب دفعه عن البعض. انتهى.

[ 89 ]

وما ذكره رحمه الله في تعليل ما اختاره، وكذا في الجواب عما نقله عن الشيخ وان كان لا يخلو عن قوة، الا أن المسألة لما كانت عارية عن النص سيما مع ما عرفت من أنه لا وجود للارش الافى صورة التصرف وأنه ليس له الرد، وانما له الارش أشكل الحكم بذلك. وأما ما هو المشهور من أنه مع ظهور العيب مطلقا تقدم على العقد أو تأخر عنه فانه مخير بين الرد والارش، فلم نقف له في الاخبار على أثر، وانما تضمنت الرد خاصة، كما قدمنا ذكره في خيار العيب. وبالجملة فلتوقف في الحكم المذكور مجال، وربما حمل الاجماع الذى ادعاه في الخلاف على عدم الارش على اجماع العامة، وفيه ما لا يخفى. ولو قبض بعضه ثم حدث في الباقي عند البايع حدث كان الحكم في الباقي ما تقدم في تجدد العيب بعد العقد ولو قبل القبض على أحد القولين، نظرا إلى أن سبب الرد هو العيب الحادث في البعض، وقد حدث حين كون ذلك البعض مضمونا وحده، فيتعلق به وحده جواز الرد دون المقبوض. وفيه أنه يستلزم تبعيض الصفقة المنهى عنه، وقيل: وهو الاظهر انه يتخير بين رد الجميع وأخذ ارش العيب (1). ولو حدث فيه عيب بعد القبض يمنع من الرد بالعيب السابق، دون الارش عند الاصحاب، ولم أقف فيه على نص. قالوا: ولا فرق بين العيب الحادث بين كونه من جهة المشترى أو غير جهته


(1) بناء على ما عرفت من ظاهر اتفاقهم على انه بظهور العيب السابق على العقد يتخيريين الرد والارش، وكذا ما هو المشهور في العيب المتأخر عن العقد قبل القبض كما عرفت، فان هذه المسألة من فروع تلك المسألة وقد عرفت ما في الاصل منه رحمه الله.

[ 90 ]

واستثنوا من ذلك مالو كان المبيع حيوانا وحدث فيه العيب في الثلاثة من غير جهة المشترى، فانه لا يمنع من الرد ولا الارش لانه (حينذ) مضمون على البايع، وسيأتى الكلام في هذه المسألة. قيل: والظاهر ان كل خيار مختص بالمشترى كذلك. ولو اشترى شيئين صفقة وعلم بالعيب في أحدهما، لم يجز رد المعيب منفردا، لما يتضمنه من ضرر تبعيض الصفقة على البايع، وانما له ردهما معا ان لم يتصرف فيهما ولافى أحدهما أو اخد أرش المعيب متى تصرف في أحدهما، وان كان الصحيح، سقط رد المعيب، لانهما بمنزلة مبيع واحد، وكذا الحكم فيما اشترى اثنان شيئا واحدا كان لهما رده أو امساكه مع الارش، وليس لاحدهما رد نصيبه دون صاحبه، للزوم تبعيض الصفقة. هذا هو المشهور في هذه الصورة. ونقل عن الشيخ وجماعة: جواز التفرق في هذه الصورة، لجريانه مجرى عقدين بسبب تعدد المشترى، فان التعدد في المبيع يتحقق بتعدد البايع، وبتعدد المشترى، وبتعدد العقد، ولان العيب جاء من قبله حيث باع من اثنين، وارتكب التشقيص، فان كل واحد منهما صار مشتريا للبعض، فهو بمنزلة البيعين. (1) وأنت خبير بأن هذا انما يتم مع علمه بالتعدد، وحينئذ فلو قيل بالتفصيل بين علمه بالتعدد فيجوز التفرق، وجهله بذلك، فليس لهما الا الاتفاق في الرد أو الارش، كما اختاره العلامة في التحرير لكان قريبا. وظاهر المحقق الاردبيلى الميل إليه، وكذا شيخنا الشيهد الثاني في المسالك الا انه قال: وان كان القول بالجواز مطلقا متوجها.


(1) وايده المحقق الاردبيلى بعدم ثبوت كون التشقيص عيبا مطلقا بالدليل، مع عموم دليل ثبوت الخيار بين الردو الارش منه رحمه الله.

[ 91 ]

وفيه ان الظاهر ان الجهل عذر شرعى كما مر تحقيقه في مقدمات الكتاب (1) على تفصيل فيه. الثالثة المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف انه إذا قال البايع: بعت بالبراءة، وأنكر المشترى، ولم يكن للبايع بينة فالقول قول المشترى بيمينه، للخبر المتفق عليه (2) " البينة على من ادعى، واليمين على من انكر " ولان الاصل عدم صدور البراءة منه حتى يتحقق. قال المحقق الاردبيلى (قدس سره، في شرح الارشاد بعد ذكر نحو ما قلناه: " ولا يلتفت إلى مافى الخبر عن جعفر بن عيسى في مكاتبته إلى أبى الحسن (عليه السلام) " فيقول له المنادى: قد برئت منها، فيقول له المشترى: لم أسمع البراءة منها، أيصدق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق، فيجب عليه الثمن ؟ فكتب: عليه الثمن " لضعفه مع الكفاية، ومخالفة القاعدة " انتهى. والعجب هنا من صاحب الكفاية حيث جعل هذا الخبر مؤيدا لعموم " البينة على المدعى، واليمين على من أنكره " وهو على العكس من ذلك. أقول: والمفهوم من سياق الخبر المذكور ان انكار المشترى انما وقع مدالسة، لعدم رغبته في المبيع، والا فهو عالم بتبري البايع، والامام (عليه السلام) انما الزمه الثمن من هذه الجهة، ونحن قدمنا الخبر المذكور في خيار العيب، ولكن نعيده هنا ازاحة لثقل المراجعة، ليظهر لك صحة ما ادعيناه. وهو ما رواه الشيخ في التهذيب عن جعفر بن عيسى (3) " قال: كتبت إلى أبى الحسن (عليه السلام) جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد فينادى عليه المنادي،


(1) ج 1 ص 77. (2) الوسائل الباب 3 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى. (3) التهذيب ج 7 ص 66.

[ 92 ]

فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشترى ورضيه ولم يبق الا نقده الثمن فربما زهده، فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا وانه لم يعلم بها، فيقول له المنادى: قد برئت منها، فيقول المشترى: لم أسمع البراءة منها أيصدق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدق فيجب عليه الثمن ؟ فكتب: عليه الثمن ". فانه ظاهر في أنه عالم بالنداء بالبراءة، وأنه رضيه مع ذلك، الا أنه لما تجدد له زهده وعدم الرغبة فيه، ادعى عدم علمه بالعيوب وعدم سماعه النداء، فهده الدعوى انما نشأت من حيث زهده فيه وعدم رغبته، لا من حيث العيوب. وحينئذ فلا يكون الخبر مخالفا للقاعدة المتفق عليها، ولا يحتاج إلى طرحه، وكثيرا ما يحكمون (عليهم السلام) في بعض الاحكام بمقتضى علمهم بالحال، فكيف مع ظهور ذلك في السؤال. الرابعة التصرية تدليس يثبت به الخيار بين الرد والامساك بالثمن بلا أرش، كما في خيار التدليس في غير هذا الموضع والتصرية مصدر من قولك صريت إذا جمعت بين الصرى، وهو الجمع. يقال: صرى الماء في الحوض إذا جمعه، وصريت الشاة تصرية إذا تركت حبلها أياما حتى يجتمع اللبن في ضرعها، والشاة مصراة وتسمى المصراة محفله ايضا، وهو من الحفل، ومنه قيل للمجمع: محفل. والمراد هنا أن يربط احلاف الشاة ونحوها يومين أو ثلاثة، فيجتمع اللبن في ضرعها، ويظن الجاهل بحالها أنها لكثرة ما تحلبه كل يوم، فيرغب في شرائها. قال في المسالك: " والاصل في تحريمه مع الاجماع النص


(1) قال في المصباح المنير: وصرى الماء صريا طال مكثه، ويتعدى بالحركة فيقال: صريته صريا من باب رمى إذا جمعته فصار كذلك، وصريته بالتشديد مبالغة، منه رحمه الله.

[ 93 ]

عن النبي (صلى االله عليه وآله) وهو من طرق العامة (1) وليس في أخبارنا تصريح به، لكنه في الجملة موضع وفاق، انتهى. اقول: وروى الصدوق (عطرالله مرقده) في كتاب معاني الاخبار عن محمد ابن هرون الزنجانى على بن عبد العزيز عن أبى عبيد (2) رفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) " قال: لا تصروا الابل والغنم فانه خداع، من اشترى مصراة فانه بأحد النظرين، ان شاء ردها ورد معها صاعا من تمر. والظاهر أن الصدوق نقل هذا الخبر من طريق الجمهور، لعدم وجوده في كتب الاخبار، حسبما اعترف به شيخنا المتقدم ذكره. وكيف كان فالكلام هنا يقع في مواضع، الاول أنه إذا اختار الرد قالوا يرد معها لبنها الموجود وقت البيع، لانه جزء من المبيع، فإذا فسخ البيع رده، كما رد المصراة، فان تعذر فمثله، وان تعذر فقيمته وقت الدفع ومكانه. أما اللبن المتجدد بعد العقد ففى رده وجهان، من اطلاق الرد في الاخبار، ومن أنه نماء المبيع الذى هو ملكه، والعقد انما ينفسخ من حينه، قال في المسالك: وهو الاقوى. أقول: قد عرفت أنه لا نص في المسألة، كما اعترفوا به كيف يستند في الوجه الاول إلى اطلاق الاخبار. اللهم ان يراد أخبار العامة، وفيه ما لا يخفى، وبه يظهر قوة الوجه الثاني مضافا إلى ما ذكره في تعليله. ثم انه لو امتزج الموجود حالة البيع بالمتجدد صار شريكا ورجعا إلى الصلح، وللشيخ قول بأنه مع ردها يرد معها ثلاثة أمداد.


(1) سنن البيهقى ج 5 ص 318. الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الرقم 2 لكن عن القاسم ابن سلام باسناد متصل.

[ 94 ]

واستدل له بعض المحققين (1) بحسنة الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثم ردها، قال: ان كان في تلك الثلاثة الايام يشرب لبنها رد معها ثلاثة أمداد، وان لم يكن لها لبن فليس عليه شئئ " قال: والرواية مختصة بصورة شرب اللبن، ولا يبعد العمل بمضمونها لحسنها مع اعتضادها بغيرها. أقول: فيه أولا أن الشيخ انما حكم بذلك في المصراة، وما تضمنه الخبر المذكور ليس كذلك، فلا يكون منطبقا على المدعى. وثانيا ان الرواية المذكورة تضمنت جواز الرد بعد الثلاثة " وهو مخالف لمقتضى القاعدة المتفق عليها نصا وفتوى، وان المشترى ليس له الخيار في الحيوان الافى ضمن الثلاثة، وأما بعدها فلا، وحمل الرواية على كون الرد في الثلاثة بعيد عن مقتضى سياقها، وحاق لفظها. وثالثا ان مقتضى كلامهم أنه بالعقد ينتقل إلى ملك المشترى، فالمشترى في ضمن الثلاثة انما تصرف في ملكه، فكيف يضمنه، ويعطى بعد الرد ثلاثة أمداد عوضا عنه، (3). ورابعا أنه لا ريب في انه ضمن الثلاثة قد انفق على الشاة ما لعله أكثر من قيمة لبنها، فكيف أهمل ذلك في الرواية، أو مثلها، وبالجملة فالاستناد في الحكم المذكور إلى هذه الرواية مع ما عرفت لا يخلو من غفلة أو مسامحة. ونقل عن الشيخ قول آخر، وهو انه: يرد معها صاعا من تمر أوبر، قيل: وهو


(1) هو الفاضل الخراساني في الكفاية منه رحمه الله. (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الخيار الرقم 1. (3) اقول هذا الوجه الثالث الزامي حيث أنهم يقولون بذلك والافقد عرفت من أخباز الحيوان أنه انما ينتقل للمشترى بعد الثلاثة كما تقدم تحقيقه منه رحمه الله.

[ 95 ]

منصوص عن النبي (1) (صلى الله عليه وآله) من طريق االعامة ولعله في رواية أخرى غير التي قدمنا نقلها عن الصدوق فانها اشتملت على صاع التمر خاصة. الثاني قد صرحوا بانه لو ثبتت التصرية باقرار البايع أو البينة قبل أن يحلبها ثبت له الخيار، ولا يحتاج إلى الاختبار بمضي ثلاثة أيام لو لم يثبت ذلك. وربما صرح بعضهم بالفورية، لان التصرية التى هي تدليس وموجبة لجواز الرد قد ثبتت، فيكون مقتضاها ايضا ثابتا، الا ان الظاهر من كلام بعض انه لامانع من جواز الصبر والاختبار، لاحتمال الارتفاع بهبة من الله عزوجل، فلا يثبت له بزوال الموجب، لان التصرية غير موجبة من حيث هي هي، وانما هي موجبة من حيث الاستظهار بمعرفة ما فيه، ما يوجب زيادة الثمن والرغبة. قال في المسالك: فلو ثبت باقرار البايع أو البينة جاز الفسخ قبل الثلاثة، لكن بشرط النقصان، فلو تساوت أو زادت هبة من الله تعالى فالاشهر زوال الخيار لزوال الموجب له مع احتمال بقائه، ومثله ما لو لم يعلم العيب حتى زال انتهى. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قوى جواز الرد مع ثبوت التصرية وان زالت، وصار اللبن زايدا كل يوم على لبن الاول، أو ساواه. وفى المبسوط صرح بسقوط الخيار كما هو المشهور. ولو لم يثبت بأحد الامرين المتقدمين فلابد من اختبارها ثلاثة أيام، فان اتفقت فيها الحلبات عادة، أو زادت اللاحقة فليست مصراة، وان اختلفت في الثلاثة وكان بعضها ناقصا عن الاول نقصانا خارجا عن العادة، وان زاد بعد الثلاثة ثبت الخيار بعد الثلاثة بلا فصل على الفور. الثالث ظاهر الاصحاب الاجماع على ثبوت التصرية في الشاة، والمشهور ذلك أيضا في الناقة والبقرة، بل قيل: انه اجماع. قال شيخنا في الروضة: فان ثبت فهو الحجة، والا فالمنصوص الشاة، والحاق غيرها بها قياس، انتهى.


(1) سنن البيهقى ج 5 ص 318.

[ 96 ]

أقول: وأى نص هنا ورد في الشاة وبذلك اعترف " قدس سره " في المسالك، انه في الموضعين انما التجأ إلى الاجماع، قال في الكتاب المذكور بعد قول المصنف (رحمه الله): وتثبت التصرية في الشاة قطعا، وفى الناقة والبقرة على تردد، ما لفظه: وجه التردد من عدم النص ظاهر عندنا على هذا الحكم، لكن الشاة محل وفاق فيحتمل الحاق الناقة والبقرة بها، لمساواتهما لها في العلة الموجبة للخيار، وهى كون اللبن مقصود مع التدليس، كما ادعى الشيخ الاجماع على الحاقها بها، فان ثبت فهو الحجة، والا ففى اثبات الحكم المخالف للاصل، بغير النص والاجماع اشكال. ثم نقل عن ابن الجنيد أنه طرد الحكم في ساير الحيوانات حتى الادمى، قال وفى بعض الاخبار من طرق العامة ما يدل عليه، وهو مناسب لمقابلة المدلس، وفى الدروس انه ليس بذلك البعيد. انتهى. ويظهر من المحقق الاردبيلى (عطر الله مرقده) الميل إلى الحاق البقرة والناقة في الموضع المذكور، لكن لا من حيث التصرية، بل من حيث التدليس وحصول الضرر المنفى عقلا ونقلا لو لم يتخير، قال في بيان وجه الاشكال في الحاق الفردين المذكورين: ووجه الاشكال عدم وجود النص والاجماع، ووجود العلة الموجبة في الشاة، فالثبوت ليس ببعيد، لما تقدم من العلة في الشاة، إذ لانص، بل التدليس الموجب لذلك، والالزم الضرر المنفى عقلا ونقلا، مؤيدا باخبار العامة، انتهى. هذا خلاصة كلامهم في هذه المسألة. وقد عرفت خلو أصل المسأله من المستند، والظاهر أن أصل هذه المسألة انما هي في كلام العامة، لانها مروية في أخبارهم، والاصحاب كثيرا ما يستلقون الاخبار والاحكام والفروع من كتبهم. قال المحقق الاردبيلى (قدس سره) في بعض مواضع البحث في هذه المسألة ما لفظه:

[ 97 ]

والظاهر أنه لا دليل للاصحاب على رد الشاة واللبن عينا أو مثلا أو قيمة بعد التصرف الموجب للسقوط، بل في هذه المسألة مما لانص فيه للاصحاب، كما قال المصنف والشارح وغيرهما، وانما هي مذكورة في بععض كتب العامة وأخبارهم. ولهذا قالوا المراد برد اللبن رد اللبن الموجود حال البيع، وقبل أن تصير الشاة للمشترى، وهو بناء على مذهبهم من كون المبيع زمن الخيار ملك البائع فلا اشكال حينئذ، ولكن يشكل ذلك على مذهب الاصحاب بناء على ما تقرر عندهم (1) إلى آخر كلامه زيد في مقامه والله سبحانه العالم بأحكامه. الرابع قد عرفت مما تقدم في المسألة الاولى انهم استثنوا من التصرف المسقط للرد بالعيب أمرين، ثانيهما حلب الشاة المصراة وهو مبنى على أن التصرية من قبيل العيوب. والظاهر من كلام جملة منهم أنها تدليس، وخيار العيب واحكامه على حده وخيار التدليس واحكامه على حده ولا يدخل احديهما في الاخر، ولهذا عد في اللمعة كلا منهما عليحدة وجعل التصرية في التدليس. والمفهوم من كلامهم ان خيار حكم التدليس هو التخيير بين الرد والامساك بغير ارش، تصرف أو لم يتصرف متى ظهر التدليس، وحكم خيار العيب هو التخيير قبل التصرف، بين الرد والامساك بالارش، وبعد التصرف ليس الا الامساك مع الارش، وليس له الرد. والمفهوم من كلامهم أيضا ان التدليس انما هو عبارة عن اشتراط امر زايد، ثم يظهر عدمه، واما العيب فانما يتعلق بذات المبيع مما يوجب نقصه وخروجه عن أمثاله أو أبناء نوعه.


(1) اقول المراد بما تقرر عندهم ما تقدم ذكره من أن المبيع ينقل بالعقد إلى ملك المشترى منه رحمه الله.

[ 98 ]

وبالجملة فانه متى جعلت التصرية من قبيل التدليس لم يتوجه الاستثناء الذى ذكروه كما عرفت. والله العالم. الخامسة أطلق جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) أن الثيوبة ليست عيبا، نظرا إلى أن اكثر الاماء لا يوجدون الاثيبات، فكانت الثيوبة بمنزلة الخلقة الاصلية، وان كانت عارضة. واستثكل ذلك في المسالك في الصغيرة التى ليست محل الوطئ، فان أصل الخلقة والغالب في مثلها البكارة، فينبغي أن يكون الثيوبة عيبا. قال: ونقل مثل ذلك في التذكرة عن بعض الشافعية، ونفى البأس عنه، وهو كذلك، بل يمكن القول بكونها عيبا مطلقا، نظرا إلى الاصل، وهو ظاهر ابن البراج انتهى. أقول: صورة عبارة التذكرة هكذا اطلاق العقد في الامة لا يقتضى البكارة ولا الثيوبة، فلا يثبت الخيار بأحدهما مع الاطلاق. وقال بعض الشافعية: الا أن تكون صغيرة، وكان المعهود في مثلها البكارة، ولا بأس به عندي، لان البكارة أمر مرغوب إليه، وانما بذل المشترى المال بناء على بقائها على أصل الخلقة، فكان له الرد قضاء للعادة. انتهى. إذا عرفت ذلك فاعلم أنه على المشهور لو اشترط البكارة فظهر كونها ثيبا حال البيع بالبينة، أو اقرار البائع، أو قرب زمان الاختبار لزمان البيع، بحيث لا يمكن تجدد الثيوبة فيه، فالمشهور أنه يتخير بين الرد والامساك، وان جهل ذلك لم يكن له الرد، لان ذلك قد يذهب بالنزوة والعلة ونحو ذلك. وقال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له الرد لان ذلك قد يذهب بالنزوة والعلة ونحو ذلك. وقال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له ردها، ولا الرجوع على البائع بشي من الارش، لان ذلك قد يذهب من العلة والنزوة انتهى.

[ 99 ]

ومثله ابن البراج في الكامل حيث قال: ان ابتاعها على أنها بكر فوجدها ثيبا لم يكن له ردها، ولا أرش في ذلك انتهى. أقول: ويدل على هذا القول موثقة سماعة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع جارية على انها بكر فلم يجدها على ذلك قال: لاترد عليه ولا يجب عليه شيئ لانه يكون يذهب في حال مرض أو أمر يصيبها ". والعلامة في المختلف تأول كلام الشيخ بالحمل على مااذا لم يعلم سبق الثيوبة على العقد، وعلى هذا يمكن حمل الرواية أيضا، وفى التعليل اشعار بذلك. وهل يثبت له الارش مع اختيار الامساك ؟ الظاهر من كلام الاكثر ذلك. ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب عن يونس (2) " في رجل اشترى جارية على أنها عذراء فلم يجدها عذراء قال: يرد عليه فضل القيمة إذا علم أنه صادق ". والظاهر أن وجوب الارش هنا مبنى على العلم بالثيوبة حال البيع بأحد الوجوه المتقدمة، جمعا بينه وبين الخبر المتقدم، والخبر الاول قد عرفت أنه محمول على الجهل بذلك. قال: في الدروس: ان مع فوات الشرط يتخير بين الفسخ والامضاء بغير أرش الا في اشتراط البكارة، فظهر سبق الثيوبة، فان الارش مشهور، وان كانت رواية يونس به مقطوعة، وفى المسالك الاقوى ذلك لان فواته مما يؤثر في نقصان القيمة تأثيرا بينا، ثم قال: ويحتمل العدم، لان الارش جزء من الثمن، وهو لا يوزع على الشروط انتهى. وظاهره في الكفاية التوقف هنا، وهو في محله، لعدم اسناد الرواية المذكورة إلى الامام (عليه السلام)، ولو كانت مسندة لما كان عنها معدل.


(1) التهذيب ج 7 ص 65 الكافي ج 5 ص 215 الرقم 11. (2) الكافي ج 5 ص 216 التهذيب ج 7 ص 64.

[ 100 ]

ونقل في المسالك عن بعض الاصحاب: أنه ذهب إلى عدم التخيير بفوات البكارة مطلقا، يعنى مع الشرط وعدمه، والظاهر أنه اشارة إلى ما قدمنا نقله عن الشيخ في النهاية وابن البراج في الكامل. ثم انه لو انعكس الفرض بأن شرط الثيوبة فظهرت بكرا قيل: فالا قوى تخييره أيضا بين الرد والامساك، لكن بغير أرش، لجواز تعلق غرضه بذلك، لعجزه عن البكر وقيل: لارد هنا لزيادة قيمة البكر. السادسة الاباق الحادث عند المشترى لايرد به العبد، وانما يرد به إذا حصل عند البائع أو غيره من الملاك السابقين، وبالجملة حصوله قبل البيع، وهل يكفى في ثبوت ذلك حصوله ولو مرة واحدة ؟ ظاهر جمع منهم ذلك وبه صرح في التذكرة، وشرط بعض الاصحاب الاعتياد، قيل: وأقل ما يتحقق به مرتين. والذى وقفت عليه من الاخبار هنا ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن أبى همام (1) " قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: يرد المملوك من أحداث السنة من الجنون والجذام والبرص، فقلت: كيف يرد من أحداث السنة قال: هذا أول السنة وإذا اشتريت مملوكا به شئ من هذه الخصال ما بينك وبين ذى الحجة رددته على صاحبه، فقال له محمد بن على: فالاباق من ذلك، فقال: ليس الاباق من ذلك الا ان يقيم البينة انه كان آبق عنده ". وظاهر هذا الخبر أنه لابد من ثبوت الاباق عند البايع، وأنه تكفى المرة الواحدة، كما صرح به في التذكرة.


(1) الكافي ج 5 ص 217 التهذيب ج 7 ص 63 الوسائل الباب 1 من أبواب أحكام العيوب الرقم 2.

[ 101 ]

الا أنه قد روى في التهذيب في الموثق عن محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: قضى علي (عليه السلام) انه ليس في اباق العبد عهدة الا أن يشترط المبتاع ". وروى في الكافي في الصحيح عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: ليس في الاباق عهدة ". والظاهر أن المراد بالعهدة هنا الخيار، لما في حديث يونس (3) ان العهدة في الحيوان وحده إلى سنة وفى حديث عبداالله بن سنان (4) " وعهدته يعني الرقيق السنة ". وحينئذ فمقتضى الخبرين المذكورين بعد الجمع بينهما لحمل مطلقهما على مقيدهما هو أنه لا خيار في الاباق الا أن يشترط المشترى عدم ذلك وهو مشكل، لما عرفت من كلام الاصحاب مما ظاهرهم الاتفاق عليه، مع الصحيحة المتقدمة، ولم أطلع على من تعرض لذكر هذين الخبرين في المقام، فضلا عن الجواب عنهما، قالوا ولو تجدد عند المشترى في الثلاثة فهو كما لو وقع عند البائع. السابعة المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم)، أنه إذا اشترى زيتا أو بذرا (5) أو نحوهما فوجد فيه ثفلا فان كان مما جرت العادة بمثله لم يكن له رد ولا أرش، وكذا لو كان كثيرا وعلم به قبل البيع. وفى حسنة ميسر. المتقدمة في قسم العيب التفصيل بنحو آخر. قال ان كان المشترى يعلم أن الدردى يكون في الزيت فليس عليه أن يرده،


(1) التهذيب ج 7 ص 237. (2) الوسائل الباب 10 من ابواب العيوب. (3) الوسائل الباب 2 من ابواب أحكام العيوب الرقم 5. (4) الكافي ج 5 ص 172. (5) البذر هو دهن الكتان وهو على حذف مضاف أي دهن البذر والثفل بالضم والسافل ما استقر تحت الشئ من الكدر منه رحمه الله.

[ 102 ]

وان لم يكن يعلم فله أن يرده، ويمكن ارجاع الرواية إلى ما ذكروه بمعنى أنه ان كان يعلم أن هذا بحسب العادة مما يكون في الزيت ونحوه لم يكن له الرد، والا فله، الا أنه يبقى فرد آخر وهو ما إذا لم يعلم ذلك وظن أنه خالص من الثفل. والاقرب أن الحكم فيه ما ذكره الاصحاب، تنزيلا للعادة منزلة العلم بذلك، كما في كثير من المواضع، ونظرا إلى ان مثل ذلك هنا ليس عيبا، لاقتضاء طبيعة الدهن كون ذلك فيه غالبا. الا انه ربما اشكل ذلك فيما لو كان كثيرا وعلم به، باعتبار الجهل بقدر المقصود بالذات الموجب للغرر، والمشاهدة في مثل ذلك غير كافية. ويمكن اندفاع ذلك بان معرفة مقدار الجميع كافية، كما في معرفة مقدار السمن بظروفه جملة من دون العلم بالتفصيل، ونحوه التراب في الحنطة والشعير ونحوهما والتبن في الاولين، أما ما عدا ذلك فلا اشكال في كونه عيبا يترتب عليه احكامه. الثامنة إذا قال المشترى: هذا العيب كان عند البايع، وأنكر البايع ذلك فالقول قول البايع مع يمينه عملا بالقاعدة المنصوصة، ولاصالة عدم التقدم الا ان يكون للمشترى بينة أو شاهد حال. والمراد بشاهد الحال نحو زيادة الاصبع واندمال الجرح مع قصر زمان البيع، بحيث لا يحتمل تأخره عادة. ويعتبر في شاهد الحال هنا كونه مفيدا للقطع، فيقدم قول المشترى حينئذ بغير يمين، ولو شهد الحال للبايع كذلك، كطراوة الجرح مع تطاول زمان البيع فلا يمين عليه ايضا، وحيث يفتقر البايع إلى اليمين، فلابد أن يحلف على القطع بعدم العيب، لاعلى عدم العلم، ان كان اختبر المبيع قبل البيع، واطلع على خفايا أمره، كما يشهد بالقطع على الاعتبار، وبالعدالة وغيرهما مما يكتفى فيه بالاختبار، الظاهر، ولو لم يكن اختبره ففى جواز حلفه على القطع، عملا بأصالة

[ 103 ]

العدم واعتمادا على ظاهر السلامة نظر، واستقرب في التذكرة هنا الاكتفاء بالحلف على نفى العلم، واستحسنه في المسالك لاعتضاده باصالة عدم التقدم، فيحتاج المشترى إلى اثباته. التاسعة قالوا إذا اشترى أمة لا تحيض في ستة أشهر ومثلها تحيص كان ذلك عيبا، لانه لا يكون الا لعارض غير طبيعي. أقول: هذا قول الاكثر، وعليه تدل رواية داود بن فرقد (1) " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لهاستة أشهر وليس بها حمل، فقال: ان كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد منه ". وأنت خبير بأنه وان اشتمل السؤال على تأخر الحيض ستة أشهر، الا أن الجواب لم يتقيد به، فانه (عليه السلام) انما علق الحكم على حيض مثلها، وأراد به نفى الصغر واليأس، وان كان مستفادا من الادراك، فان من المعلوم ان من كانت كذلك فان مثلها تحيض في تلك المدة، وحينئذ فلو قيل بثبوت الخيار متى تأخر حيضها عن عادة أمثالها في تلك البلاد من غير تقييد بالستة الاشهر كان حسنا. ويظهر من ابن ادريس على ما نقله عنه في المسالك نفى الحكم رأسا، وانكار كون عدم الحيض عيبا، والرواية به صريحة في رده كما عرفت. ثم ان مادل عليه الخبر من جواز الرد بعد ستة أشهر مما لا اشكال فيه إذا لم يتصرف تصرفا موجبا لسقوط الخيار كما تقدم، وأما مع التصرف فظاهر الخبر كونه كذلك أيضا، فان عدم التفصيل دليل على العموم، في أمثال هذا المقام، ويؤيده ان العادة قاضية بأنه لا تمضى على المملوك قدر هذه المدة من غير تصرف، بأن يأمره مولاه افعل كذا وافعل كذا من الاغراض والمطالب التى تتعلق غرض السيد بها وهو مشكل، لقيام الادلة كما عرفت سابقا على أن التصرف مسقط للخيار، الا ان يقال:


(1) الكافي ج 5 ص 213.

[ 104 ]

باستثناء هذا العيب للرواية المذكورة. العاشر قد صرح الاصحاب وبه نطقت الاخبار بأنه يرد المملوك من أحداث السنة، بمعنى أن هذه الامراض إذا حدثت ما بين الوقت البيع إلى تمام السنة كان للمشترى رد المملوك بها، وان لم يكن الرد في السنة، لان خيار العيب ليس على الفور. ويؤيده رواية أسباط الاتية، وعدها بعضهم بالجنون والجذام والبرص، وزاد بعض القرن، والذى وقفت عليه من الاخبار هنا صحيحة أبى همام (1) المتقدمة قريبا في المسأله السادسة وقد تضمنت الثلاثة المتقدمة. ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن على (2) وهو مجهول، وان احتمل بعض مشايخنا كونه الحلبي قال: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: يرد المملوك من أحداث السنة من الجنون والجذام والبرص والقرن، قال: فقلت: وكيف يرد من أحداث السنة ؟ قال: فقال: هذا أول السنة يعنى المحرم فإذا اشتريت مملوكا فحدث فيه من هذه الخصال ما بينك وبين ذى الحجة رددته على صاحبه ". وما رواه ثقة الاسلام في الكافي (3) والشيخ في التهذيب عن ابن فضال عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) " أنه قال: ترد الجارية من أربع خصال: من الجنون والجذام والبرص والقرن والحدبة " كذا في التهذيب، وفى الكافي والقرن الحدبة الا أنها تكون في الصدر تدخل الظهر وتخرج الصدر ".


(1) التهذيب ج 7 ص 63. (2) التهذيب ج 7 ص 64. (3) الكافي ج 5 ص 216 التهذيب ج 7 ص 64. (4) الكافي ج 5 ص 216 التهذيب ج 7 ص 64.

[ 105 ]

وما رواه في الكافي عن على بن أسباط عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشترى، وفى غير الحيوان أن يتفرقا واحداث السنة ترد بعد السنة، قلت: وما أحداث السنة ؟ قال المجنون والجذام والبرص والقرن، فمن اشترى فحدث فيه هذه الاحداث فالحكم أن يرد صاحبه إلى تمام السنة من يوم اشتراه ". وما رواه الصدوق في كتاب الخصال في الموثق عن ابن فضال (1) عن أبى الحسن (عليه السلام) " قال: في أربعة اشياء خيار سنة، الجنون والجذام والبرص والقرن " وأكثر هذه الاخبار قد اشتمل على هذه الاربعة، فيجب حمل ما عداها عليها. بقى الكلام هنا في مواضع: الاول ذكر الحدبة في رواية ابن فضال على تقدير رواية الكافي الظاهر أنه تفسير للقرن، وهو خلاف المعروف، لان القرن كما هو المشهور بين الفقهاء واللغويين هو شئ كالسن يكون في باطن الفرج يمنع من الجماع، وعلى تقدير رواية التهذيب يكون معطوفة على الاربع المذكورة، وهو بعيد أيضا، لخلو الاخبار المذكورة في المسألة عن ذلك: سيما مع اختلاف الكتابين في ذلك. وقيل: ان المراد به أن القرن والحدبة يشتركان في كونهما بمعنى النسق، لكن أحدهما في الفرج والاخر في الصدر، ولا يخفى ما فيه، وبالجملة فانه يشكل الاعتماد على هذه الرواية في عد الحدبة. الثاني ظاهر المحقق الاردبيلى هنا الاستشكال في عد القرن في جملة هذه العيوب، لعدم عده في صحيحة أبى همام المقطوع بصحتها، وعدم ظهور القول به. وانت خبير بما فيه، فان روايات المسألة كلها عدا الصحيحة المذكورة قد اشتملت عليه، ورد هذه الاخبار كلها باعتبار خلو تلك الرواية عنه مع امكان تقييدها


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العيوب الرقم 7.

[ 106 ]

بهذه الاخبار بعيد، فان غاية الامر أنها مطلقة، لا أن فيها ما يدل على نفيه، لتحصل المخالفة الموجبة لترجيحها لصحتها، بناء على هذا الاصطلاح الذى بنى عليه. وأما قوله لعدم ظهور القول به، فان فيه أن الشهيد في الدروس قدعده في جملة هذه الاربعة، بل قال في المسالك والمشهور ثبوت الحكم للاربعة المذكورة في رواية على بن أسباط، مع أن منها القرن كما عرفت. ثم ان المحقق المذكور استشكل ايضا في عد البرص هنا، لورود أن العهدة فيه ثلاثة أيام في حسنة عبد الله بن سنان، (1) وهى ما رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عهدة البيع في الرقيق ثلاثة أيام ان كان بها خبل أو برص أو نحو هذا، وعهدته السنة من الجنون فما بعد السنة فليس بشيئ ". وأقول: والاشكال هنا ظاهر، الا أن الاظهر هو العمل بهذه الاخبار الكثيرة التى فيها الصحيح باصطلاحهم، سيما مع اعتضادها باتفاق الاصحاب على عد البرص منها، ويحتمل وان بعد ان لفظ البرص في الحسنة المذكورة تحريف " مرض " من بعض الرواة، فان قرب التحريف بين أحد هذين اللفظين إلى الاخر مما لا ينكر. الثالث ظاهر هذه الاخبار الرد في المدة المذكورة وان تصرف، إذ يبعد كل البعد أن يشترى الانسان مملوكا ويبقى مدة سنة لا يأمره، بفعل ولا يكلفه بشئ يوجب التصرف، مع ما علم علما يقينا من أن اشتراء المماليك انما هو للخدمة والانتفاع بهم في وجوه المنافع المترتبة عليهم، والمفهوم من كلام الاصحاب هنا تقييد الخيار في هذه المدة بعدم التصرف، فلو تصرف فليس له الا الارش عملا بالقاعدة المتقدمة في العيب (1).


(1) الكافي ج 5 ص 172. (2) قال في الدروس بعد عد الاربعة المذكورة، وهذه الاربعة يرد بها الرق، ولو تجددت مابين العقد والسنة ما لم يتصرف والا فالارش. انتهى ونحوه العلامة في القواعد والارشاد وغيرهما منه رحمه الله.

[ 107 ]

وانت خبير بما فيه من البعد، بالنظر إلى ظواهر هذه الاخبار، بالتقريب الذى ذكرناه، وليس في شيئ من هذه الاخبار اشارة فضلا عن التصريح إلى التقييد بعدم التصرف، ضمن هذه المدة المذكورة، وحينئذ فلا يبعد استثناء هذه العيوب من قاعدة عدم جواز الرد مع التصرف، وليس تقييد هذه الاخبار بعدم التصرف كما هو ظاهر كلامهم بأولى من تقييد الاردبيلى تلك بعدم هذه العيوب والى ما ذكرنا يميل كلام المحقق الاردبيلى قدس سره. الرابع قد استشكل شيخنا الشهيد الثاني هنا في حكم الجذام، حيث قال بعد أن ذكر أن المشهور ثبوت الحكم للاربعة: ولكن يبقى في حكم الجذام اشكال، فانه يوجب العتق على المالك قهرا كما سيأتي، وحينئذ فان كان حدوثه في السنة دليلا على تقدمه على البيع، لما قيل في تعليل الرد بهذه الاحداث: ان وجودها في السنة دليل على حدوثها قبل البيع، لانها تكن في البدن سنة، ثم تخرج، فيكون عتقه على البايع، فيكشف ظهوره عن بطلان البيع، فلا يتجه الخيار. وان حمل على الظاهر كان حدوثه في ملك المشترى موجبا لعتقه قبل أن يختار الفسخ، إذ ليس له اختيار حتى يتحققه، ومتى تحققه حكم بعتقه شرعا قبل الفسخ فيشكل جوازه بعد العتق، وقد تقدم نظيره. ويمكن حله بان الحكم بعتقه بالجذام مشروط بالفعل، كما هو ظاهر النص، ولا يكتفى بوجوده في نفس الامر، فلا يعتق على البايع قبل بيعه، لعدم ظهوره، ولا بعده قبل الفسخ، لعدم ملكه، وعتقه على المشترى موقوف أيضا على ظهوره، وهو متأخر عن سبب الخيار، فيكون السابق مقدما، فيتخير، فان فسخ عتق على البايع بعده، وان اختار الامضاء عتق على المشترى بعده، فينبغي تأمل ذلك. انتهى. أقول: ما ذكره (قدس سره) في تعليل عدم انعتاقه على البايع جيد لما ذكره، وانما الاشكال فيما ذكره من عدم عتقه على المشترى، وتعليله ذلك بأن انعتاقه على المشترى موقوف على ظهوره، وهو متأخر عن سبب الخيار، فانى لاأعرف له

[ 108 ]

وجها وجيها، إذ لا يخفى أن سبب الخيار انما هو ظهور هذه العيوب المذكورة، كما تنادى به الاخبار المتقدمة (1) ولا اعرف له سببا غير الظهور، فكيف يتم قوله، ان الظهور متأخر عن سبب الخيار، ويترتب على ذلك ما ذكره من حصول الخيار له، لتقدم سببه على سبب العتق، وبالجملة فانى لاأعرف لما ذكره (قدس سره) وجها ولعله لضعف فهمي القاصر. ويمكن أن يجاب بأن الانعتاق بالجذام ونحوه، انما هو في الملك المستقر الذى لا يتعقبه خيار ولا فسخ، وما نحن فيه ليس كذلك، فانه مراعى بمضي السنة سالما من العيوب المذكورة، إذ مع ظهورها في هذه المدة فله رده، فهو غير مستقر، وملخص البحث أن هذه الروايات مع كثرتها وصحة بعضها صريحة في الرد بهذه العيوب التى من جملتها الجذام، وقد اتفقت على الرد به، على أن ما ذكره من الخيار في الصورة المذكورة سيأتي انشاء الله تعالى في المقام ما فيه. ما روى في الانعتاق بالجذام انما هو رواية السكوني (2) وان كان ظاهرهم الاتفاق على القول بها، وهى تضعف عن معارضة هذه الاخبار لو تثبت المعارضة والمنافات، فالواجب هو العمل بهذه الاخبار وحمل رواية السكوني على استقرار الملك.


(1) لقوله (عليه السلام) في بعضها " فإذا اشتريت مملو كافحدث فيه من هذه الخصال ما بينك وبين ذى الحجة رددته " وفى آخر " فمن اشترى فحدث فيه هذه الاحداث فالحكم أن يرده على صاحبه إلى تمام السنة " وهى كما ترى ظاهرة في أن سبب الرد هو ظهور شئ من ذلك كما ذكرناه منه رحمه الله. (2) الكافي ج 6 ص 189 الفقيه ج 3 ص 84 الوسائل الباب 23 من أبواب العتق الرقم 2.

[ 109 ]

وبذلك يظهر مافى قوله تفريعا على ما قدمه، فان فسخ عتق على البايع بعده، وان اختار الامضاء عتق على المشترى بعده، وأين هذا التفصيل من ظاهر الاخبار المذكورة، وهى انما تضمنت الرد بظهور أحد هذه العيوب خاصة، وبالجملة فالمسألة غير خالية عن شوب الاشكال. الخامس ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو أنه بظهور أحد هذه العيوب ضمن السنة فانه يتخير بين الرد والاخذ بالارش، كما هو قضية خيار العييب، والروايات المذكورة على كثرتها انما تضمنت للرد خاصة، وهى موافقة للروايات التي قدمناها في خيار العيب حيث انها تضمنت الرد خاصة، وأما الارش فانما هو في صورة التصرف المانع من الرد. ويظهر من المحقق الاردبيلى (قدس سره) الموافقة لنا هنا فيما فهمناه من أخبار المسألة حيث قال هنا في تقييد المصنف الرد بعدم التصرف ومعه الارش خاصة ما لفظه: وأما انه إذا تصرف فليس له الا الارش فلا يجوز الرد، وقبله كان مخيرا، فلما تقدم وثبت عندهم ان الرد يسقط مع التصرف في العيب مطلقا دون الارش، الا ما استثنى، وليس هذا منه. وقد مر الاشارة إلى أنى ما رأيت دليلا صحيحا صريحا في التخيير مطلقا، ولكن يظهر عدم الخلاف منهم، وهم أعرف. انتهى. وأشار بقوله وقد مر الاشارة إلى آخره إلى ما ذكره سابقا في خيار العيب من المنافشة في عدم دليل يدل على الخيار بين الرد والقبول مع الارش بعد ظهور العيب، وعدم وجوب شئ من مسقطات الخيار. حيث قال بعد المناقشة لهم في المقام بما يطول به الكلام ما لفظه: نعم يوجد في الاخبار ما يدل على الرد بالعيب قبل الحدث، والتصرف والارش بعده، مع عدم البراءة من العيوب. انتهى. وهو جيد كما أسلفناه ذكره ثمة، الا أنك قد عرفت مما قدمنا في خيار العيب

[ 110 ]

دلالة ظاهر عبارة كتاب الفقه الرضوي (1) على ما ذكره الاصحاب، فلعلها كانت هي المستند، وان غفل المتأخرون، لعدم وصول الكتاب إليهم، وقد ذكرنا في غير موضع من كتب العبادات نظاير لذلك تدفع الاستبعاد. وأنت خبير بان هذا الكلام وان كان الانسب به بحث خيار العيب، الا انا لم نقف عليه في كلام المحقق المذكور الا بعد الوصول إلى هذا المكان، فذكرناه هنا مؤيدا لما فهمناه من الاخبار الواردة في المسألة ما سبق، وما هنا. والله العالم. الحادى عشر إذا حدث في الحيوان عيب بعد القبض من غير جهة المشتري، وقبل انقضاء الثلاثة، فالاقرب انه يجتمع الخياران للمشترى، وان بقى خيار العيب بعد الثلاثة، إذ لا يتقيد خيار العيب بالثلاثة. والمنقول عن المحقق في الدرس على ما نقله في الدروس أنه ليس له الرد الا بأصل الخيار، لا بالعيب، ويشير إليه قوله في الشرايع، وما يحدث في الحيوان بعد القبض وقبل انقضاء الخيار، فلا يمنع الرد في الثلاثة (2). قال في المسالك: المفهوم من قوله لا يمنع الرد وجعل الثلاثة ظرفا له، أن الرد بخيار الثلاثة لا بهذا العيب الحادث، ووجه عدم منعه من ذلك ظاهر، لان العيب الحادث في الثلاثة من غير جهة المشترى مضمون على البايع كالعيب السابق، فلا يكون مؤثرا في رفع الخيار، وهذا هو المنقول من مذهب المصنف


(1) ص 64. (2) قال في الدرس ولو حدث في المبيع عيب غير مضمون على المشترى لم يمنع من الرد، وان كان قبل القبض أوفى مدة خيار المشترى المشروط أو الاصل فله الرد ما دام الخيار، ولو خرج الخيار ففى الرد خلاف بين ابن نما وتلميذه المحقق، فجوزه ابن نما، لانه من ضمان البايع، ومنعه المحقق، لان الرد لمكان الخيار، وقد زال. انتهى والناقل ذلك في الدرس الشهيد (رحمه الله) في اللمعة، منه رحمه الله.

[ 111 ]

في المسأله، (1) والمنقول عن ابن نما وهو شيخ المحقق ان الخيار في المسألة المذكورة بالعيب الحادث بالتقريب المذكور آنفا، وهو كون هذا العيب الحادث كالعيب السابق مضمونا على البايع، فكما يتخير المشترى بالسابق يتخير بهذا أيضا بين الرد والاخذ بالارش. وتظهر فائدة الخلاف في ثبوت الخيار بعد تمام الثلاثة وعدمه، فعلى الاول يرتفع، دون الثاني، لما عرفت من ان خيار العيب لا يتقيد بالثلاثة، وغاية ما يلزم حصول الخيار في الثلاثة بعلتين من العيب، وكون المبيع حيوانا، وهو غير مانع، فان علل الشرع ليست عللا حقيقية يمتنع اجتماعهما، وانما هي معرفات كما في اجتماع خيار المجلس والحيوان، والشرط والغبن والعيب، فانه يمكن اجتماعها على عين واحدة. وكذا تظهر الفائدة هنا فيما لو شرط اسقاط بعضها، فلو اسقط الخيار الاصلى أو المشترط فله الرد بالعيب على قول ابن نما دون قول المحقق، قال في المسالك: وقول ابن نما هنا أوجه. وقال في الروضة والاقوى التخيير بين الرد والارش كالمتقدم، لاشتراكهما


1 أقول: ويزيده ايضاحا أنه قد منع في هذا الموضع أنه ليس له الرد الا بالخيار دون العيب، مع أنه صرح في الشرايع بأن الحدث الموجب لنقص الحيوان في الثلاثة من مال البايع وكذا التلف حكمه بعد ذلك بلا فصل بعدم الارش فيه، وهذا مما ينافى كلامه المتقدم، فان مقتضاه اسقاط ما يترتب على العيب بالكلية، وهذا الكلام يقتضى أنه بالعيب والتلف مضمون على البايع، كالجملة، لزم منه الحكم بالارش، إذ لا معنى لكون الجزء مضمونا الا ثبوت أرشه، لان الارش عوض الجزء الفائت أو التخيير بينه وبين الرد كما أن ضمان الجملة يقتضى الرجوع بمجموع عوضها، وهو الثمن. منه رحمه الله.

[ 112 ]

في ضمان البايع وعدم المانعية من الرد، وهو المنقول عن شيخه نجيب الدين ابن نما. انتهى. ومنه يعلم وجه الاوجهية الذى ذكره في المسالك. ثم ان ظاهر عبارة القواعد هنا الموافقة لما ذكره المحقق، حيث قال: وكل عيب يحدث في الحيوان بعد القبض وقبل انقضاء الخيار فانه لا يمنع الرد في الثلاثة قال المحقق الشيخ على: والخيار الواقع في العبارة يراد به خيار الحيوان، وكذا كل خيار مختص بالمشترى انتهى. ولم ينقل هنا في المسألة خلافا، ولعله لعدم الوقوف على ما نقل عن ابن نما هنا. الثانية عشر عد العلامة في القواعد العيوب في هذا المقام، فقال: وحقيقته يعنى العيب هو الخروج عند المجرى الطبيعي، لزيادة أو نقصان موجب لنقص المالية، كالجنون، والجذام، والبرص، والعمى، والعور، والعرج، والقرن، والفتق، والرتق، والقرع، والصمم، والخرس، وانواع المرض سواء استمر، كما في الممراض، أو لا كالعارض ولو حمى يوم، والاصبع الزايدة، والحول، والخوص، والسبل، وهو زيادة في الاجفان، والتخنيث، وكونه خنثى. والجب والخصاء وان زادت بهما قيمته، وبول الكبير في الفراش، والاباق، وانقطاع الحيض ستة أشهر وهى في سن من تحيض، والثفل الخارج عن العادة في الزيت أو البزر، واعتياد الزنا والسرقة، والبخر والضناء (1) الذى لا يقبل العلاج، وكون الضيعة منزل الجنود، وثقيل الخراج، واستحقاق القتل بالردة أو القصاص، والقطع بالسرقة أو الجناية، والاستسعاء، في الدين، وعدم الختان في الكبير دون الصغير والامة، والمجلوب من بلاد الشرك مع علم المشترى بجلبه.


(1) قال في مصباح المنير: ضني من باب تعب مرض مرضا ملازما حتى اشرف على الموت فهو ضن بالنقص، والضناء بالفتح والمداسم منه على آخوندى.

[ 113 ]

والثيوبة ليست عيبا، ولا الصيام ولا الاحرام، ولا الاعتداد، ولا التزويج ولا معرفة الغناء والنوح، ولا العسر على اشكال، ولا الكفر، ولا كونه ولد زنا وان كان جارية، ولا عدم المعرفة بالطبح أو الخبر، وغيرهما، انتهى. وزاد في الدروس الحدب في الظهر والصدر، والسلع، وعدم شعر الركب قال: وهى قضية ابن أبى ليلى مع محمد بن مسلم، الحبل في الامة، دون الدابة، والخيانة، والحمق البين، وشرب المسكر، والنجاسة في غير قابل التطهير، أو فيه إذا احتاج زوالها إلى مؤنة اقتضى نقصا في المبيع، وكونه لزنية، وكونه أعس على الاقرب. ثم قال: أما الكفر والغناء وعدم معرفة الصنايع، وكونه محرما أو صائما، أو حجاما أو حائكا فليس بعيب، ثم قوى كون الكفر عيبا، وفاقا لابن الجنيد والشيخ في أحد قوليه. ونقل في الدروس عن الشيخ أنه لم يجعل البخر في الرقيق، ولابول الكبير في الفراش ولا الزنا عيبا، وكذا عدم الختان مطلقا. اقول: والمراد بالخروج عن المجرى الطبيعي: أي كل ما يزيد أو ينقص عن أصل الخلقة التى خلق عليها أكثر ذلك النوع واغلبه، وفى اندراج ثقيل الخراج ومنزل الجنود الذي عده هنا في ذلك محل اشكال، لاختصاص ما ذكره بالحيوان الا أن يراد بعبارته ما هو أعم مما ذكر، ومما جرى به العادة الغالبة، ليكون على نهج مقتضى الطبيعة. ثم ان في تقييده بكونه موجبا لنقص المالية كما ذكره في التذكرة أيضا اشكال لانتقاض ذلك بالخنثى والمجبوب وعدم الشعر على العانة فانها عيوب، مع أنها موجبة لزيادة المالية، فكان الاظهر أن يقيد العبارة بقوله غالبا، ولهذا ان جملة من الاصحاب لم يذكروا هذا القيد، كالمحقق في الشرايع، وهو (قدس سره) في القواعد وغيره، ومن ثم استشكل جملة منهم في الارش في هذه العيوب الثلاثة،

[ 114 ]

حيث أن العلة في الارش النقصان، وهو منتف هنا. والقرن في نهاية ابن الاثير بسكون الراء: شئ يكون في فرج المرأة كالسن يمنع من الوطئ، ويقال له: العفل، وفى كتاب الجمهرة لابن دريد بالتحريك قال: وامرأة قرناء، وهي التي يظهر قرنة رحمها من فرجها، وهو عيب، والاسم القرن، وضبطها ضبطا معتمدا محركة. والفتق: بالتحريك على ما ذكره في النهاية قال: الفتق بالتحريك انفتاق المثانة، وقيل: انفتاق الصفاق إذا دخل في فراق البطن، وقيل هو أن ينقطع اللحم الذى على الانثيين. قال بعض المحققين: وضبطه في الغريبين بالتحريك أيضا، قال: هكذا أقرانيه الازهرى، وعلى حاشية الفائق بخط بعض الافاضل ان هذا وهم وافتراء على الازهرى، وأنه وجد بخطه بالاسكان وعليه صح انتهى. والرتق: على ما ذكره جملة من أهل اللغة بالتحريك هو أن يكون الفرج ملتحما ليس فيه للذكر مدخل، ورتقت المرأة رتقا من باب تعب، فهى رتقاء إذا انسد مدخل الذكر من فرجها، فلا يستطاع جماعها. والقرع: بالتحريك قال في الجمهرة: وقرع رأس الانسان يقرع: إذا انحات شعره. الذكر أقرع، والمرأة قرعاء. والحرض (1): قال في كتاب المصباح المنير: حرض حرضا من باب تعب أشرف على الهلاك فهو حرض تسميه بالمصدر مبالغة. والحول قال في القاموس: الحول محركة ظهور البياض في مواخر العين، ويكون السواد من قبل الماق، أو اقبال الحدقة على الانف، أو ذهاب حدقتها قبل


(1) لم يذكر هذا في صدر المسألة في كلام العلامة، وكأنه سقط هناك من النسخ التى عندنا والله اعلم. منه رحمه الله.

[ 115 ]

مؤخرها، أو أن تكون العين كانما تنظر إلى الحجاج، أو ان تميل الحدقة إلى اللحاظ وفى كتاب الجمهرة حول الرجل حولا إذا كان أحد سواد عينيه في موقه، والاخر في لحاظه. وفى كتاب مجمع البحرين: ورجل أحول العين وحولت عينه، واحولت ايضا بالتشديد. والخوص بالخاء المعجمة والصاد المهملة، قال في كتاب مصباح المنير: (الخوص) مصدر من باب تعب، وهو ضيق العين وغورها، وفى القاموس الخوص بالخاء المعجمة. محركة غؤور العينين، حوص كفرح فهو أخوص، وبالمهملة محركة: ضيق في مؤخر العين أو في احداهما. حوص كفرح فهو أحوص. والسبل: وقد فسره المصنف بأنه زيادة في الاجفان، وقال في القاموس والسبل غشاوة العين من انتفاخ عروقها الظاهرة في سطح الملتحمة، وظهور انتساج شئ فيما بينهما كالدخان. والتخنيث: أي كونه مخنثا ممكنا من نفسه، وهو من أقبح العيوب. والجب: قال في القاموس: الجب القطع كالجباب، والاجتباب واستئصال الخصية. والخصاء قال في القاموس: وخصاه خصا سل خصيتيه، فهو خصى ومخصى، وفى الصحاح: خصيت الفحل خصاء ممدودا إذا سللت خصيتيه. والسلعة: قال في كتاب المصباح المنير: السلعة خراج كهيئة الغدة يتحرك بالتحريك، قال الاطباء: هي ورم غليظ غير ملتزق باللحم، يتحرك عند تحريكه، ولها غلاف وتقبل التزايد، لانها خارجة عن اللحم. ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الامن. انتهى. والعس والاعس: هو قوة اليد اليسرى على ما تقوى عليه اليمنى مع ضعف اليمنى، ووجه الاشكال في كلام العلامة المشار إليه بالاقربية في عبارة الدروس،

[ 116 ]

من أن المطلوب من المنافع حاصل، ومن خروجه عن المجرى الطبيعي الذى تضمنته رواية محمد بن مسلم، ووجه الاقربية التى ذكرها في الدروس ظاهر لدخوله تحت الرواية المذكورة. أقول: والاصل في هذه المسألة قول النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية محمد بن مسلم المتقدمة في خيار العيب (1) " كلما كان في اصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب " مضافا إلى ما ورد في النكاح من ذكر بعض هذه العيوب الا انه يشكل الحكم في كثير ما عدوه هنا مع عدم دخوله تحت الكلية المذكورة، سيما مع كون بعضه عيبا في العرف مثل المخنث، وما ذكر من حكم الضيعة في كلام العلامة، ومن ثم اعترض بعضهم على عد الكفر عيبا بأنه ليس خروجا عن المجرى الطبيعي، الا ان يقال: ان قوله (عليه السلام) " كل مولود يولد على الفطرة " قد يدل على خروجه عنه، وفيه مالا يخفى. وبالجملة فالمسألة في جملة من الموارد لا تخلو من الاشكال، لعدم الدليل العام الشامل لجميع ما ذكروه، وما ذكره هنا في عبارة القواعد من تقييد الزنا والسرقة بالاعتياد، خلاف ما صرح به في التذكرة والتحرير، فانه صرح بالحكمين خاليا من قيد الاعتياد، وهو الذى صرح به في الدروس ايضا. قال المحقق الشيخ على (رحمه الله) في شرح الكتاب: وظني أن الاعتياد غير شرط، لان الاقدام على القبيح مرة يوجب الجرءة، ولترتب وجوب الحد الذى لا يؤمن معه الهلاك عليها، ثم قال: فعلى هذا يكون شرب الخمر عيبا، ومال في التذكرة إلى عدمه. أقول: وفى اندراج الزنا والسرقة تحت كلية العيوب المذكورة في الخبر


(1) التهذيب ج 7 ص 65 ح 26. (2) البحار ج 3 ص 279.

[ 117 ]

اشكال، لما عرفت، مع أنهما عيب عرفا، ثم قال المحقق المذكور على اثر الكلام المتقدم: ولو حصلت التوبة الخالصة المعلوم صدقها بالقرائن القوية في هذه المواضع بعد تحقق العيب، ففى زوال الحكم نظر، انتهى. أقول: الظاهر أنه لااشكال في زوال الحكم، لتصريح الاخبار (1) " بأن التائب من الذنب كمن لاذنب له " سيما إذا كانت توبة نصوحا كما فرضه وكيف لا وبالتوبة النصوح يزول الفسق، وتثبت العدالة الموجبة للامانة، وقبول الشهادة، وأى عيب يبقى حينئذ بعد ذلك، حتى أنه (قدس سره) تنظر في زواالعيب. وما اختاره في كفارات القواعد من أن التولد من الزنا ليس عيبا هو أحد القولين، وفى الدروس اختار كونه عيبا، واحتمل في حواشى القواعد كونه عيبا لحصول النقص في نسب الوالد. وفيه أولا أن هذا ليس فيه خروج عن المجرى الطبيعي الذى بنوه عليه ثبوت العيب، وثانيا ان المقصود من الجارية، المالية لا الاستيلاد، نظير ما صرحوا به في المتعة. الثالثة عشر المعروف من مذهب الاصحاب من غير خلاف يعرف انه إذا علم بالعيب ولم يرد لم يبطل خياره، ولو تطاولت المدة. نعم جعله في التذكرة أقرب، وربما أشعر ذلك بخلاف في المسألة، الا أنه لم ينقل، ويحتمل كون ذلك في مقام الرد على الشافعي، حيث نقل عنه الفورية في هذا الخيار، قال: في المسالك وهو محتمل ان لم يثبت الاجماع بالتقريب السابق في نظائره، انتهى. ولافرق عندهم بين أن يكون الغريم حاضرا أو غائبا، خلافا لابي حنيفة حيث شرط حضور الغريم في جواز الفسخ.


(1) الوسائل الباب 86 من ابواب جهاد النفس الرقم 14 8.

[ 118 ]

الفصل الرابع في أحكام العقود والبحث هنا يقع في مطالب أربعة، الاول في النقد والنسيئة، أي البيع الحال والمؤجل، سمى الاول نقدا باعتبار كون الثمن منقودا ولو بالقوة، والثانى مأخوذ من النسئ وهو تأخير الشئ، تقول: أنسأت الشئ انساء: أي أخرته، والنسيئة اسم: وضع موضع المصدر. قال شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقده): واعلم أن البيع بالنسبة إلى تعجيل الثمن والمثمن وتأخيرهما والتفريق، أربعة اقسام: فالاول النقد، والثانى بيع الكالئ بالكالئ بالهمز اسم فاعل أو مفعول من المراقبة، لان كلا من الغريمين يرتقب صاحبه لاجل دينه، ومع حلول المثمن وتأجيل الثمن هو النسيئة، وبالعكس السلف، وكلها صحيحة عدا الثاني، وقد ورد النهى عنه (1) وانعقد الاجماع على فساده.


(1) المستدرك ج 2 ص 491 وفى الحديث نهى (صلى الله عليه وآله) عن بيع الكالئ بالكالئ بالهمزة وبدونه، ومعناه بيع النسيئة بالنسيئة، وذلك كان يسلم الرجل الدراهم في طعام إلى أجل فإذا حل الاجل، يقول الذى حل عليه الطعام ليس عندي طعام، ولكن بعنى اياه إلى أجل، فهذه نسيئة انقلب إلى نسيئة نعم لو قبض الطعام وباعه اياه لم يكن كاليا بالكالئ " منه رحمه الله ".

[ 119 ]

اقول: الظاهر أن النهى عن بيع الكالى بالكالى ما هو من من طريق العامة (1) والذى في أخبارنا انما هو النهى عن بيع الدين بالدين كما في رواية طلحة بن زيد (2) وفى الصحيح (3) في بيع الدين قال: " لا يبيعه نسيئا، فاما نقدا فليبعه بما شاء ". ويظهر من التذكرة ان بيع الكالئ بالكالئ هو أن يبيع الدين بالدين، سواء كان مؤجلا أم لا (4) وظاهرهم تحريم الامرين كليهما وسيجيئ تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى في كتاب الدين. وفى هذا المقام مسائل. (الاولى) من اشترى مطلقا كان الثمن حالا من غير خلاف، ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن عمار بن موسى في الموثق (5) عن أبى عبد الله (ع) " في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمى ثم افترقا ؟ قال: وجب البيع، والثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد ". أقول: يعني إذا لم يشترط التاخير، ولو اشترطا التعجيل أفاد التأكيد، لما عرفت من أن الاطلاق يقتضى التعجيل.


(1) سنن البيهقى ج 5 ص 290. (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الدين الرقم 1 الكافي ج 5 ص 100 (3) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 8. (4) قال ابن الاثير في النهاية: نهى عن الكالى بالكالى أي النسيئة بالنسيئة، وذلك أن يشترى الرجل شيئا إلى أجل، فإذا حل الاجل لم يجد ما يقضى به، فيقول بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شئ فيبيعه منه، ولا يجرى بينهما تقابض. انتهى منه. (5) الوسائل الباب 1 من أبواب أحكام العقود الرقم 2.

[ 120 ]

قال في الدروس: فان شرطه تأكد، وأفاد التسلط على الفسخ إذا عين زمان النقد وأخل المشترى به، أقول: هذا على مذهبه في المسألة (1). وأما على القول الاخر فان الشرط لازم يجب الوفاء به، ويجبر على ذلك، وقد تقدم ذكر المسألة في المسألة الاولى من المقام الثاني في أحكام الخيار (2) وان اشترط تأجيل الثمن، وجب أن تكون المدة معينة مضبوطة لاتقبل الزيادة والنقصان (3) فلو شرط التأجيل ولم يعين، أو عين أجلا يحتمل الزيادة والنقصان كقدوم الحاج وادراك الغلة، أو عين ما هو مشترك بين أمرين أو أمور كالنفر من منى فانه مشترك بين أمرين، وشهر ربيع فانه مشترك بين شهرين لا يصح، هذا هو المشهور، وقيل: يصح، ويحمل على الاولى في الجميع، لتعليقه الاجل على اسم معين وهو يتحقق بالاول، لكن يعتبر علمهما بذلك قبل العقد، ليتوجه قصدهما إلى اجل مضبوط. اقول: والمستفاد من الاخبار انما هو الاول، وهو الذى عليه العمل، ولافرق في المدة بين كونها قصيرة أو طويلة، بل قال في المسالك: " فلو شرطاها ألف سنة ونحوها صح وان علما أنهما لا يعيشان إليها عادة، للعموم، ولان الوارث يقوم مقامهما.


(1) حيث انه قال في بحث الشرط: يجوز اشتراط سائغ في البيع، فيلزم الشرط عليه من طرف المشترط عليه، فان أخل به فللمشترط الفسخ، وهل يملك اجباره عليه فيه نظر انتهى منه قدس سره. (2) ص 65. (3) ومن أصرح الاخبار في ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية غياث بن ابراهيم " لا بأس بالسلف كيلا معلوما إلى أجل معلوم، ولا تسلمه إلى دياس ولا إلى حصاد " أي لا يكون الاجل دق الطعام أو حصاده، وهو صريح في المدعى منه قدس سره. (4) الوسائل الباب 3 من ابواب السلف الرقم 5.

[ 121 ]

اقول: ما ذكره شيخنا (قدس سره) من عدم الفرق هنا بين المدة القصيرة والطويلة هو المشهور في كلام الاصحاب، ونقل عن ابن الجنيد أنه منع من أقل من ثلاثة أيام في السلف، ومن أكثر من ثلاث سنين مطلقا. والذى وقفت عليه هنا من الاخبار ما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد (1) " قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام): انى أريد الخروج إلى بعض الجبال فقال: ما للناس بد من أن يضطر بواسنتهم هذه، فقلت له: جعلت فداك انا إذا بعناهم بنسيئة كان أكثر للربح، قال: فبعهم بتأخير سنة، قلت: بتأخير سنتين ؟ قال: نعم، قلت بتأخير ثلاث ؟ قال: لا ". وما رواه عبد الله بن جعفر الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر (2) " أنه قال لابي الحسن الرضا (عليه السلام) ان هذا الجبل قد فتح على الناس منه باب رزق، فقال: ان أردت الخروج فاخرج فانها سنة مضطربة، وليس للناس بد من معاشهم، فلا تدع الطلب، فقلت: انهم قوم ملاء ونحن نحتمل التأخير فنبايعهم بتأخير سنة ؟ قال: بعهم، قلت: سنتين ؟ قال: بعهم قلت: ثلاث سنين ؟ قال: لا يكون لك شئ أكثر من ثلاث سنين ". ولعل ابن جنيد استند إلى ذلك، وان كانت أقواله في جل الاحكام بعيدة المدا عن أخبارهم (عليهم السلام) والظاهر حمل الخبرين المذكورين على الكراهة لما يستلزمه من طول الامل، أو من حيث صعوبه تحصيله بعد هذه المدة الطويلة، لما هو معلوم من أحوال الناس في ثقل اداء الدين، ولا سيما بعد أمثال هذه المدة.


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احكام العقود الرقم 1 الكافي ج 5 ص 207. (2) الوسائل الباب 1 من ابواب أحكام العقود الرقم 3.

[ 122 ]

ولو باع بثمن حالا، وبأزيد منه مؤجلا أو فاوت بين أجلين في الثمن كان يقول بعتك حالا بماءة، والى شهر بمأتين، أو مؤجلا إلى شهر بمائة، والى شهرين بمائتين فالمشهور البطلان، لجهالة الثمن، لتردده بين الامرين. وقيل: ان للمشترى أن يأخذه مؤجلا بأقل الثمنين (1). ويدل على هذا القول ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (ع) والصدوق في الفقيه عن محمد بن قيس عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع سلعة فقال: ان ثمنها كذا وكذا يدا بيد، وثمنها كذا وكذا نظرة، فخذها بأى ثمن شئت، وجعل صفقتهما واحدة فليس له الا أقلهما


(1) أقول: الذى وقفت عليه في كلام المتقدمين من الخلاف انما هو في الصورة الاولى: وهو البيع بثمن حالا وبأزيد مؤجلا، ومذهب الشيخ في النهاية هو أن له أقل الثمنين وأبعد الاجلين، والمفيد قال: لا يجوز البيع كذلك، ثم قال: فان ابتاع انسان على هذا الشرط كان عليه أقل الثمنين في آخر الاجلين، وعن السيد المرتضى انه مكروه، وعن ابن الجنيد انه لا يحل، وعن سلارانه باطل غير منعقد، وهو قول ابى الصلاح، وعن ابن البراج مثل مذهب الشيخ المفيد، وظاهر كلاهما أن العقد صحيح غير لازم، والتعبير بالبطلان كناية عن عدم لزومه، والا فلا معنى لقولهما ان اجرى البيع على هذا الشرط، كان الحكم ان للبايع أقل الثمنين إلى أبعد الاجلين، وعن ابن حمزة انه لا يصح، وعن ابن ادريس أنه لا يجوز ويبطل البيع، وهو المشهور بين المتأخرين من العلامة والمحقق ومن تأخر عنهما. منه رحمه الله (2) الكافي ج 5 ص 206 الفقيه ج 3 ص 179.

[ 123 ]

وان كانت نظرة " وزاد في الكافي " قال: وقال على (عليه السلام): من ساوم بثمنين أحدهما عاجل والاخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعا واشترط شرطين، بالنقد كذا وبالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط فقال: هو بأقل الثمنين وأبعد الاجلين، يقول: ليس له الا اقل النقدين إلى الاجل الذى أجله بنسيئة ". والاصحاب قد ردوا هذا القول بالضعف والندور، وروايته بالضعف والشذوذ، حتى المحدث الكاشانى في المفاتيح، والظاهر أنهم لن يقفوا الا على رواية السكوني، والا فرواية محمد بن قيس صحيحة برواية الفقيه، وحسنة لا تقصر عن الصحيح، بناء على الاصطلاح الغير الصحيح على رواية الكافي، الا أن الزيادة التى في صحيحة محمد بن قيس على رواية الكافي لا تخلو من منافرة لما دلت عليه الصحيحة المذكورة، فان الظاهر أن المراد منها كما ذكره بعض مشايخنا (نور الله مراقدهم) هو أنه لا يجوز هذا الترديد، بل لابد من أن يعين أحدهما قبل العقد ويوقعه عليه. وقال بعض المحققين: لعل معناه أن يعين كل واحد منهما قبل وقوع البيع وعلى هذا فلا منافرة في العبارة المذكورة، وظاهر الفاضل الخراساني في الكفاية اختيار هذا القول، للخبرين المذكورين مع صحة الاول منهما وهو جيد، الا ان ذلك غير خال من الاشكال من حيث هذه الزيادة التى في الكافي، فانها ظاهرة في موافقة القول المشهور بالتقريب الذى ذكرناه أولا، وان كانت على الاحتمال الاخر غير منافية. وظاهر جملة من الاصحاب الاستناد في رد هذا القول إلى ما روى من النهى " عن بيعين واحدة " والظاهر انه اشارة إلى ما رواه في التهذيب عن سليمان


(1) التهذيب ج 7 ص 53.

[ 124 ]

بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن. وعن عمار الساباطى في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا من أصحابه واليا فقال له: انى بعثتك إلى أهل الله يعنى اهل مكة فانهيهم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع وعن ربح ما لم يضمن ". قال في الوافى قيل اريد " بشرطين في بيع " ما اريد " ببيعين في بيع " في سابقه وهو ان يقول بعتك هذا الثوب نقدا بعشرة، ونسية بخمسة عشر، وانما نهى عنه، لانه لا يدرى أيهما الثمن الذى يختاره ليقع عليه العقد انتهى ثم قال: وربما يفسر " بيعين في بيع " بان يقول بعتك هذا بعشرين، على ان تبيعني ذلك بعشرة أو بما يشمل المعنيين انتهى. اقول: ان هذين الخبرين غير خليين من الاجمال المانع من الاعتماد عليهما في الاستدلال، والخروج بهما عن صريح الخبرين المتقدمين لا يخفى ما فيه. نعم يبقى الاشكال في ذينك الخبرين بما ذكره المحقق الاردبيلى طاب ثراه في هذا المقام، حيث قال بعد الكلام في بيان سند الصحيحة المذكورة وبالجملة الظاهر اعتبار سندها، ولكن في مضمونها تأمل وان عمل به، لان المالك انما رضى بالبيع بالثمن الكثير نظرة، فكيف يلزم بأقلهما نظرة، ومعلوم أن رضا الطرفين شرط في العقد، " ولا يحل مال امرء الا بطيب نفسه (3) والحاصل أن الادلة العقلية


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب احكام العقود الرقم 2 التهذيب ج 7 ص 230. (2) الوسائل الباب 10 من ابواب احكام العقود الرقم 6 التهذيب ج 7 ص 231. (3) الوسائل الباب 3 من ابواب مكان المصلى الرقم 3 1.

[ 125 ]

والنقلية كثيرة على عدم العمل بمضمونها فلا يعمل به وان كانت صحيحة، فكيف العمل بها مع كونها حسنة لوجود ابراهيم بن هاشم لو سلم ما تقدم، وان كان الظاهر ان ابراهيم لا بأس به، وما تقدم صحيح. وتقديم مثل هذه على الادلة العقلية والنقلية وتخصيصهما به والحكم بصحة البيع لا يخلو عن شى لاجل ذلك، لا لانها تستلزم الجهالة والغرر كما فهم من التذكرة، لان دخولها تحت الغرر المنفى والجهل الممنوع غير ظاهر، لان الاختيار إليه، وعلى كل من التقديرين الثمن معلوم، على أنه قد تقرر أن الاجل بالاقل، ولا لان في سندها جهالة وضعفا كما في شرح الشرايع. لان ذلك غير ظاهر، بل الظاهر ما عرفت، فينبغي اما العلم بمضمونها وفيه بعد، واما تأويلها فتأمل انتهى وهو جيد. والروايتان المذكورتان وان كان موردهما مخصوصا بما إذا كان البيع بثمن حال ومؤجل، إلا أن الاصحاب عدوهما أيضا إلى ما إذا باع إلى وقتين متأخرتين بتفاوت بين الثمنين من حيث قرب الاجل وبعده، كما تقدم، وأنت خبير بما فيه. المسألة الثانية المشهور بين الاصحاب أنه لو اشتراه البايع في حال كون البيع الاول نسيئة صح البيع الثاني، سواء كان قبل الاجل أو بعده، بجنس الثمن وغيره، بزيادة أو نقيصة، وقيل: بالتحريم في ما إذا كان البيع بجنس الثمن بزيادة أو نقصان، وقيل: بتخصيص ذلك بالطعام، والقول بالصحة فيما اتفقوا عليه مشروط بأن لا يشترط في بيعه الاول بيعه من البايع، والا لبطل البيع الاول سواء كان حالا أو مؤجلا وسواء شرط بيعه من البايع بعد الاجل أم قبله. والذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه الصدوق في الصحيح عن منصور بن حازم (1) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل كان له على رجل دراهم من ثمن غنم اشتراها منه، فاتى الطالب المطلوب يتقاضاه، فقال له


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الحديث 1 الفقيه ج 3 ص 165.

[ 126 ]

المطلوب: أبيعك هذا الغنم بدراهمك التى لك عندي فرضي قال: لا بأس بذلك ". ومورد هذه الرواية هو شراء ما باعة عليه نسيئة بعد حلول الاجل بما هو أعم من الزيادة أو النقيصة بالنسبة إلى الثمن الاول من غير شرط سابق، ومنه يعلم عدم الفرق في الجواز بين حلول الاجل وقبله إذا لم يكن طعاما. وبالسند المتقدم عن منصور بن حازم (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فاتى المطلوب الطالب ليبتاع منه شيئا، قال: لا يبيعه نسيئا، فاما نقدا فليبعه بما شاء ". قال في الوافى: " شيئا " أي من ذلك المتاع الذى عليه، ولا يبعد أن يكون تصحيف نسيئا انتهى وهو جيد. اقول: وهذا الخبر ظاهر في جواز شراء ما باعه نسيئة قبل حلول الاجل بزيادة أو نقيصة نقدا، والظاهر أنه انما منع من بيعه نسيئة لاستلزامه بيع الدين بالدين، لان هذه الاشياء دين على من اشتراها، فمتى باعها بثمن مؤجل لزم بيع الدين بالدين، وفيه كلام (2) يأتي ان شاء الله تعالى في مسألة الدين بالدين وتحقيق ما هو المراد من ذلك. وكيف كان فان هذا الخبر مناف لما قدمنا نقله عنهم من تجويزهم شراء النسيئة حالا أو مؤجلا، لدلالة الخبر كما ترى على التخصيص بالنقد والمنع من النسيئة.


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب احكام العقود الحديث 8 التهذيب ج 7 ص 48. (1) وهو أن جملة من الاصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني صرحوا بأن الدين بالدين الممنوع في الاخبار منه انما هو ما إذا كان العوضان دينا قبل العقد، كما لو باعه الدين الذى في ذمته، بدين آخر له في ذمته، أوفى

[ 127 ]

ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن بشار بن يسار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يببع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذى يبيعه منه ؟ قال: نعم لا بأس به، فقلت له: اشترى متاعى ؟ فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك " وهو ظاهر في جواز الشراء بالزيادة والنقصان قبل الاجل وبعده بجنس الثمن أو غير جنسه. وروى في الكافي والتهذيب عن الحسين بن المنذر " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يجيئنى الرجل فيطلب العينة فاشترى له المتاع مرابحة، ثم أبيعه اياه، ثم اشتريه منه مكاني ؟ قال: فقال: إذا كان بالخيار ان شاء باع، وان شاء لم يبع (3) وكنت ايضا بالخيار ان شئت اشتريت، وان شئت لم تشتر فلا بأس، قال: قلت: فان اهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد، ويقولون:


ذمة ثالت، أو تبايعا دينا في ذمة غريم لاحدهما، بدين في ذمة غريم آخر للاخر، ونحو ذلك، لاما إذا باع دينا بمؤجل في العقد، لانه انما صار دينا بالعقد، واشترط التأجيل فيه، وهذا الخبر كما ترى ظاهر في خلاف ما ذكره، إذ لا وجه للنهى هنا الا من حيث لزوم بيع الدين بالدين، كما لا يخفى. منه رحمه الله. (1) الكافي ج 5 ص 208 التهذيب ج 7 ص 48 الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود. (2) الكافي ج 5 ص 202 التهذيب ج 7 ص 51 الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود. (3) فان قوله: إذا كان بالخيار ان شاء باع إلى آخره كناية عن تحقق البيع الاول، فانه متى تحقق وجب انتقال كل من العوضين إلى مالكه فصار لكل منهما الخيار فيما انتقل كل من العوضين إلى مالكه فصار لكل منهما الخيار فيما انتقل إليه بخلاف ما إذا حصل الشرط في العقد الاول، فانه يرفع الخيار والاختيار. منه رحمه الله.

[ 128 ]

ان جاء به بعد أشهر صلح. فقال: ان هذا تقديم وتأخير فلا بأس به " وفى هذا الخبر ايماء إلى انه مع الشرط لا يصح البيع، وانه لابد من تحقق العقد الاول واقعا وعدم توقفه على شرط. وأظهر منه في ذلك ما رواه الحميرى في قرب الاسناد عن على بن جعفر (1) عن أخى موسى (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم، ثم اشتراه بخمسة دراهم أيحل ؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس " ورواه على بن جعفر في كتابه، الا أنه قال: " بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد " وهو أظهر في عنوان المسألة. إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر كلام الاصحاب أنه لادليل في الاخبار على ما ذكروه من البطلان بالشرط في العقد الاول وانما استدل عليه العلامة في التذكرة باستلزامه الدور، وناقشه جملة من المتأخرين، منهم شيخنا الشهيد الثاني قال (قدس سره) في المسالك: واختلف كلامهم في تعليل البطلان مع الشرط المذكور، فعلله في التذكرة باستلزامه الدور، لان بيعه له يتوقف على ملكه له، المتوقف على بيعه، ورد بأن الموقوف على حصول الشرط هو اللزوم لا الانتقال، وتمنع توقف تملك المشترى على تملك البايع، بل تملكه موقوف على العقد المتأخر عن ملك المشترى، ولانه وارد في باقى الشروط كشرط العتق، والبيع للغير مع صحته اجماعا، وعلل أيضا بعدم حصول القصد إلى نقله عن البايع، ويضعف بأن الفرض حصوله، وارادة شرائه بعد ذلك لا ينافى حصول قصد النقل، والا لم يصح إذا قصدا وان لم يشترطا، وقد صرحوا بصحته. انتهى. اقول: وقد عرفت الدليل على ذلك من الخبرين المذكورين، فلا حاجة


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب احكام العقود الرقم 6.

[ 129 ]

إلى هذه التعليلات، ولكنهم لم يقفوا عليهما، والسبب في ذلك هو قصور النظر عن تتبع الاخبار. وأما القول بالبطلان فيما إذا كان البيع الثاني بجنس الثمن الاول مع الزيادة أو النقصان فهو للشيخ قدس سره في النهاية قال في الكتاب المذكور: إذا اشترى نسيئة فحل الاجل ولم يكن معه ما يدفعه إلى البايع جاز للبايع أن يأخذ منه ما كان باعه اياه من غير نقصان من ثمنه، فان أخذه بنقصان مما باع، لم يكن ذلك صحيحا، ولزمه ثمنه الذى كان أعطاه به، فان أخذ من المبتاع متاعا آخر بقيمته في الحال لم يكن بذلك بأس " انتهى. واستند قدس سره فيما ذكره إلى ما رواه في التهذيب عن خالد بن الحجاج (1) " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى أجل مسمى، فلما جاء الاجل أخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم ولكن عندي طعام فاشتره منى، فقال: لا تشتره منه فانه لاخير فيه ". وأنت خبير بأن هذا الخبر مع صحة العمل به غير منطبق على مدعاه من وجوه، أحدها من حيث أن موردها الطعام، ومدعاه أعم كما تقدم في عبارته، ولهذا خص البعض الحكم بالطعام كما قدمنا الاشارة إليه، وثانيها تخصيصة ذلك بالعين التى باعها فانه حكم بالجواز في عبارته المذكورة في غيرها، ومورد الرواية أعم من ذلك، وثالثها تخصيصه المنع بالزيادة والنقيصة، أما المثل فجايز عنده والرواية ظاهره المنع في الجميع. وما رواه في الفقيه عن عبد الصمد بن بشير (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)


(1) التهذيب ج 7 ص 33. (2) التهذيب ج 7 ص 35 مع اختلاف يسير الفقيه ج 3 ص 130 الاستبصار ج 3 ص 77.

[ 130 ]

قال: " سأله محمد بن القاسم الحناط فقال: أصلحك الله أبيع الطعام من الرجل إلى أجل، فأجئ وقد تغير الطعام من سعره، فيقول: ليس عندي دراهم، قال: خذ منه بسعر يومه، فقال: افهم أصلحك الله انه طعامي الذى اشتراه منى قال: لا تأخذ منه حتى يبيع ويعطيك، قال: أرغم الله أنفى رخص لى فرددت عليه فشدد علي ". وهذا الخبر أورده الشيخ في الاستبصار بيانا لما اختاره من عدم جواز البيع باكثر مما باعه: واعترضه بعض مشايخنا (1) عطرالله مراقدهم في حواشيه على الكتاب " بأن هذا الخبر ليس فيه دلالة على دعواه بوجه من الوجوه، لان المعنى أن السائل لما طمع أن يرخص له أخذ طعامه الذى دفعه إليه، مع أن القيمة قد زادت والحال أنه لا يستحق الا دراهم، فلم يرخص له أن ياخذه الا بسعر يومه. انتهي. وأما ما يدل على المشهور فما تقدم من صحيحة بشار بن يسار، وصحيحة منصور بن حازم، (2) وما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق في بعض، والصحيح في بعض عن يعقوب بن شعيب (3) وعبيد بن زرارة " قال: سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل باع طعاما بدارهم إلى أجل، فلما بلغ ذلك الاجل تقاضاه فقال: ليس عندي دراهم خذمنى طعاما قال: لا بأس به انما له دارهم يأخذ بها ما شاء " والشيخ حمل هذا الخبر على عدم الزيادة، وسياق الخبر ظاهر في خلافه (4)


(1) هو شيخنا الشيخ على بن سليمان القدسي البحراني في حواشيه على الكتاب منه رحمه الله عليه. (2) ص 127 و 126. (2) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 33 الفقيه ج 3 ص 166. (4) فان ظاهر سياقه أن الذى يستحقه انما هو الدراهم فهو يشترى بالدراهم ما شاء من طعام وغير طعام ولو قيل باشتراط المثل كمايد عيه للزم ذلك في غير الطعام أيضا وهو لا يقول به. منه رحمه الله.

[ 131 ]

وبالجملة فان الاخبار هنا انما تعارضت في الطعام خاصة، والمشهور في كلام الاصحاب الجمع بينها بحمل رواية خالد بن الحجاج فانها هي الظاهرة في المنع على الكراهة. المسألة الثالثة: إذا ابتاع شيئا مؤجلا فانه لا يجب عليه دفع الثمن قبل حلول الاجل، بل لا يجوز طلبه، لوجوب الانظار بالشرط المواقع في العقد، والاظهر أيضا عدم وجوب قبضة على البايع لو دفعه إليه المشترى قبل الاجل. قال: بعض المحققين: " وقد يتخيل الوجوب، لان الا لرجل لرعاية حال المشترى والترفه له، كالرخصة له، لا لاجل البايع، ولهذا يزاد الثمن، فإذا حصل الثمن الزايد للبايع نقدا فهو غاية مطلوب التجار، فلا ينبغى الامتناع عنه وأيضا قد يتضرر المشترى بعدم الاخذ ولان الظاهر أن أخذ الحق مع دفع صاحبه واجب عندهم عقلا ونقلا وقد أفاد الاجل عدم وجوب الدفع، لا عدم وجوب الاخذ فتأمل. ولان الظاهر من قولنا بعتك هذا بكذا إلى مدة كذا أن زمان الاداء إلى تلك المدة موسعا، فذلك الزمان نهاية الاجل للتوسعة بمنى عدم التضييق الا في ذلك الزمان كالواجب الموسع ولاشك ان الاخذ احوط الا مع ظهور ضرر عليه " انتهى. أقول: جميع ما ذكره (قدس سره) من الوجوه جيد لكن غايته افادة الاولوية فان الوجوب حكم شرعى يترتب على تركه العقوبة والمؤاخذة منه سبحانه، فلابد له من دليل واضح من آية أو رواية، لانحصار الادلة الشرعية عندنا في ذلك، ومجرد هذه التقريبات العقلية لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية كما قدمنا ذكره في غير مقام. ويجب الدفع بعد حلول الاجل ومطالبة البايع، فان لم يطالب وأراد المشترى الدفع وجب على البايع أخذه، ولو امتنع رفع الامر إلى الحاكم الشرعي، فاما أن يجبره على قبضه، أو يقبضه الحاكم الشرعي حسبة، ومع تعذر الحاكم.

[ 132 ]

فالظاهر قيام عدول المؤمنين بذلك، كما يفهم من جملة من الاخبار، وبذلك تبرء ذمة المشترى، فان تلف بغير تفريط فلا ضمان على المشترى ولا على الامين من الحاكم والقائم مقامه، وهكذا الحكم في ساير الحقوق المالية. ولو تعذر الحاكم ومن يقوم مقامه فلو عزله وأبقاه امانة عنده وتسلط عليه صاحبه بحيث متى اراده قبضه، فالظاهر انه يبرء بذلك من ضمانه، وانه يخرج بذلك عن عهدته، وانه يجب على صاحبه اخذه، والا كان مضيعا لماله، بل يمكن ذلك مع وجود الحاكم ايضا، لان الحاكم انما هو وكيل مع عدم وجود الموكل وامكان مثله، وإلى ذلك اشار في التذكرة في احكام السلف، الا ان المشهور هو الرجوع إلى الحاكم اولا. قيل: ويجوز للمشترى التصرف فيه بعد تعيينه، فيرجع إلى ذمته، ولو تجدد له نماء فهو له. قال في المسالك: ومقتضى ذلك انه لا يخرج عن ملكه وانما يكون تلفه من البايع عقوبة له وفيه نظر " (1) انتهى. ولو امتنع المشترى من دفعه بعد حلول الاجل ومطالبة البايع، فظاهر كلام الاصحاب هنا وجوب رفع الامر إلى الحاكم أولا، ومع تعذره فالمقاصة ان لم يتمكن من الاخذ قهرا، وظاهر الاخبار المقاصة وان كان موردها أعم مما نحن فيه. ثم انه مع امكان الرجوع إلى الحاكم الشرعي فلا اشكال. وأما مع تعذره وعدم امكان تحصيله قهرا أو مقاصة فهل يرفع الامر إلى حاكم الجور ؟ اشكال ينشأ


(1) اقول وجه النظر هو أنه متى كان عزله وتعينه على حدة موجبا لبراءة الذمة وخلو عهدة المشترى، فهو ينتقل بذلك إلى البايع، ويكون النماء له والتلف منه، ولا معنى لكون النماء للمشترى، والتلف على البايع عقوبة، إذا لجميع انما يترتب على الانتقال كما عرفت. منه رحمه الله

[ 133 ]

من النهى عن الترافع إلى الجبت والطاغوت، الا أن الظاهر كما ذهب إليه جملة من اصحابنا هو اختصاص تحريم الترافع إليهم بوجود الحاكم الشرعي، كما هو ظاهر جملة من اخبار المسألة، وبعضها وان كان مطلقا فانه يجب حمله على المقيد، عملا بالقاعدة، وأيضا فظاهر الاخبار المشار إليها هو المنع من الترافع في اثبات الحق بالبينة أو اليمين، دون مجرد الاستعانة بهم على أخذه مع ثبوته، وعدم انكار الخصم ذلك، كما هو محل البحث. ومتى انتقل الامر إلى المقاصة أو الاخذ منه قهرا فيجب مراعاة الاسهل فالاسهل، فان وجد الجنس المساوى لا يتعدى إلى غيره، وينبغى سيما إذا كان مؤمنا المسامحة والسهولة في الاقتضاء لما ورد في ذلك وعدم المقاصة التامة، وقد تقدم حديث الصادق (عليه السلام) (1). في انكاره على من استقضى حقه، وأنه إسائة منهى عنها، وهكذا الحكم في طرف البايع إذا باع سلما، وكذا سائر الحقوق. المسألة الرابعة: يجوز بيع المتاع حالا ومؤجلا بزيادة عن قيمته، وقيد ذلك بعضهم بكون المشترى والبايع عالمين بالقيمه، واورد على ذلك أن مقتضاه أنهما لو لم يكونا عالمين بالقيمة لا يصح البيع مع أنه ليس كذلك، فانه يصح البيع، وان ثبت للجاهل منهما خيار الغبن متى كان مما لا يتسامح به، كما تقدم في خيار الغبن (2) ويمكن حمل كلام من ذكر هذا القيد على أنه اراد بالجواز اللزوم مجازا، إذ مع الجهل وثبوت الغبن لا يلزم. ثم انه ينبغى أن يعلم أنه لابد من تقييد الصحة مع الزيادة بعدم استلزام السفه بأن يتعلق بالزيادة غرض صحيح عند العقلاء، اما لقلتها أو لترتب غرض آخر يقابل الزيادة، كالصبر عليه بدين حال ونحو ذلك.


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الدين الرقم 1. (2) ص 41.

[ 134 ]

المسالة الخامسة: لا يجوز تأخير ثمن المبيع ولا شئ من الحقوق المالية بزيادة فيها، ويجوز تعجيلها بنقصان منها. أما الاول فلاستلزام الزيادة في هذه الصورة الربا. نعم يجوز التأجيل في عقد لازم كالبيع ونحوه بزيادة في ثمن ما يبيعه اياه وان زادت على ثمنه الواقعي أضعافا مضاعفة، وهذا من الحيل الشرعية في التخلص من الربا. وعليه ظاهر اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبه استفاضت الاخبار كان يكون له في ذمته ماءة درهم حالا، ويريد تأجيلها إلى سنة بزيادة عشرين درهما مثلا، فان الطريق في ذلك أن يبيعه خاتما قيمته درهم مثلا بعشرين درهما، ويشترط تأجيل الثمن مع المأة الدرهم التى في ذمته إلى سنة، فانه لا شك في صحته. ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه في الكافي عن محمد بن اسحاق بن عمار (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام): ان سلسبيل طلبت منى ماءة ألف درهم على أن يربحني عشرة آلاف درهم فاقرضتها تسعين ألقا وأبيعها ثوبا أو شيئا تقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم ؟ قال: لا بأس " قال في الكافي: وفي رواية أخرى " لا بأس به أعطها مأة ألف، وبعها الثوب بعشرة آلاف واكتب عليها كتابين ". وما رواه في الكافي والتهذيب (2) عن محمد بن اسحاق بن عمار قال: " قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى ماءة درهم بألف درهم ويؤخر عنه المال إلى وقت ؟ قال: لا بأس، قد أمرنى أبى ففعلت ذلك، وزعم أنه سأل ابا الحسن (عليه السلام) عنها فقال له: مثل ذلك ". وما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن محمد بن اسحاق بن عمار (3)


(1) الكافي ج 5 ص 205. (2) الكافي ج 5 ص 205 التهذيب ج 7 ص 53. (3) الكافي ج 5 ص 205 التهذيب ج 7 ص 53.

[ 135 ]

قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام): يكون لى على الرجل دراهم فيقول: أخرني بها وأنا أربحك فأبيعه جبة تقوم على بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال: بعشرين ألفا وأؤخره بالمال ؟ قال: لا بأس ". وما رواه عن عبد الملك بن عتبة (1) قال: " سألته عن الرجل أريد أن أعينه المال، ويكون لى عليه مال قبل ذلك فيطلب منى مالا ازيده على مالى الذى لى عليه، أيستقيم ان أزيده مالا وأبيعه لؤلؤة تساوى مأة درهم بألف درهم فأقول له: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أؤخرك بثمنها وبمالي عليك كذا وكذا شهرا، قال: لا بأس ". وما رواه في الكافي عن مسعدة بن صدقة (2) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " سئل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عينها اياه فلما حل عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه فأراد أن يقلب عليه ويربح أيبيعه لؤلؤا وغير ذلك ما يسوى ماءة درهم بألف درهم ويؤخره ؟ قال: لا بأس بذلك، قد فعل ذلك أبى (عليه السلام) وأمرني أن أفعل ذلك في شئ كان عليه ". ومما يؤيد ذلك زيادة على ما ذكرنا ما رواه في التهذيب عن محمد بن سليمان الديلمى عن أبيه عن رجل كتب إلى العبد الصالح (3) (عليه السلام) " يسأله انى أعامل قوما أبيعهم الدقيق أربح عليهم في القفيز درهمين إلى أجل معلوم، وانهم يسألونى أن أعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل لى من حيلة أن لا أدخل في الحرام ؟ فكتب (عليه السلام) إليه: أقرضهم الدراهم قرضا وازدد عليهم في نصف القفيز بقدر ما كنت تربح عليهم ".


(1) الكافي ج 5 ص 206 التهذيب ج 7 ص 52. (2) الكافي ج 5 ص 316. (3) التهذيب ج 7 ص 45.

[ 136 ]

وما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: " سألته (عليه السلام) إلى أن قال: فقلت له: أشترى ألف درهم ودينارا بألفى درهم ؟ فقال: لا بأس بذلك ان أبى (عليه السلام)، كان اجرى على أهل المدينة منى، وكان يقول: هذا فيقولون: انما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح (2) عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: كان محمد بن المنكدر يقول لابي: يا أبا جعفر رحمك الله والله انا لنعلم أنك لو أخذت دينار أو الصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين، ما وجدته، وما هذا الا فرارا، وكان أبى يقول: صدقت والله، ولكنه فرار من باطل إلى حق ". والعجب أنه مع هذه الاخبار التى رأيت، واتفاق الاصحاب على ذلك كان بعض من يدعى الفضل من المعاصرين بل الا فضيلة ينكر ذلك ويقول ببطلانه، مستندا إلى أن البيع المذكور غير مقصود. وما هو الامحض اجتهاد في مقابلة النصوص، ورد على أهل الخصوص. وأما ما رواه الشيخ عن يونس الشيباني (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع البيع والبايع يعلم أنه لا يسوى، والمشترى يعلم أنه لا يسوى الا أنه يعلم أنه سيرجع فيه فيشتريه به منه قال: فقال: يا يونس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور واورثتم الذل ؟ قال:


(1) الكافي ج 5 ص 246 التهذيب ج 7 ص 104 الفقيه ج 3 ص 185. (2) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 104. (3) التهذيب ج 7 ص 19.

[ 137 ]

فقال له جابر: لا أبقيت إلى ذلك الزمان، ومتى يكون ذلك بأبى أنت وامى ؟ قال: إذا ظهر الربا يا يونس، وهذا الربا، وان لم تشتره منه رده عليك ؟ قال: قلت نعم قال: فقال: لا تقربنه فلا تقربنه " حيث أنه باطلاقه دل على المنع مما دلت تلك الاخبار على جوازه، فأجاب عنه بعض مشايخنا في حواشيه على كتب الاخبار بالحمل على الكراهة وقال في الوافى بعد نقله على أثر الاخبار المتقدمة: لا منافاة بين هذا الخبر والاخبار المتقدمة، لان المتبايعين هيهنا لم يقصدا البيع ولم يوجباه في الحقيقة، وهناك اشترط ذلك في جوازه انتهى والجميع لا يخلو من البعد (1) والاظهر عندي حمل الخبر على التقية لما دلت عليه الاخبار المتقدمة (2) من تشديد العامه في المنع من هذه الصورة وأما الثاني: وهو جواز التعجيل بالنقصان، فقد صرح به الاصحاب من غير خلاف يعرف في الباب، وهو يكون بالابراء أو الصلح، والوجه في الابراء ظاهر، إذ لو أبرأه من الكل لصح، فكذا من البعض، وكذا الصلح، ويسمى صلح الحطيطة، وهو الذى وردت به الاخبار. منها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن ابان (3) عمن حدثه عن أبى عبد الله (عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يكون له على الرجل دين، فيقول له


(1) أما الاول فلما اشتمل عليه الخبر من مزيد التأكيد في النهي المستفاد من الحديث النبوى المستشهد به على ذلك، وأما الثاني فلان المتبادر من قوله الرجل يبيع البيع انما هو ايجاب البيع وقصده كما لا يخفى. منه رحمه الله. (2) ص 136. (3) الكافي ج 5 ص 258 التهذيب ج 6 ص 206.

[ 138 ]

قبل أن يحل الاجل: عجل لى النصف من حقى على أن أضع عنك النصف، أيحل ذلك لو احد منها ؟ قال: نعم ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابى عمير (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الرجل يكون له دين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول: انقدنى كذا وكذا وأضع عنك بقيته أو يقول: أنقد في بعضه وأمدلك في الاجل فيما بقى عليك، قال: لا أرى به بأسا، انه لم يزدد على رأس ماله، قال الله جل ثناؤه (2) " ولكم روس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. " ورواه الشيخ في التهذيب والصدوق وفي الفقيه عن محمد بن مسلم (3) في الصحيح الا أن فيه " في الرجل يكون عليه الدين إلى أجل مسمى " وهو الظاهر ولعل اللام في رواية الكافي هنا بمعنى على. وما رواه في الكافي (4) عن أبان عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اشترى جارية بثمن مسمى ثم باعها فربح فيها قبل أن ينقد صاحبها الذى هي له. فأتاه صاحبها يتقاضاه، ولم ينقد ماله، فقال صاحب الجارية للذين باعهم: اكفوني غريمي هذا والذى ربحت عليكم فهو لكم قال: لا بأس ". ورواه في الفقيه عن الحلبي في الصحيح (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن رجل " الحديث.


(1) الكافي ج 5 ص 259 عن ابن ابى عمر عن حماد عن الحلبي عنه (عليه السلام). (2) سورة البقرة الاية 279. (3) التهذيب ج 7 ص 207 الفقيه ج 3 ص 21 وفيه (عليه دين). (4) الكافي ج 5 ص 211 التهذيب ج 7 ص 68 الفقيه ج 3 ص 138. (5) الفقيه ج 3 ص 138.

[ 139 ]

قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) في حواشيه على الكافي: والظاهر أنه باعهم للمشترى بأجل فلما طلب البايع الاول منه الثمن حط من الثمن بقدر ما ربح ليعطوه قبل الاجل، وهذا جايز كما صرح به الاصحاب، وورد به غيره من الاخبار انتهى. وهو جيد. والا فلو كان الثمن نقدا فانه لا معنى لهذه المصالحة باسقاط بعض حقه ليكفوه غريمه. ثم انه لا يخفى عليك ما في دلالة هذه الاخبار من سعة الدائرة في العقود الشرعية، فان ما اشتملت عليه هذه الاخبار من التراضي بالالفاظ الدالة على اسقاط بعض الثمن بتعجيله قبل حلول الاجل هي ألفاظ عقد الصلح. المسألة السادسة قال الشيخ في النهاية: لا بأس بابتياع جميع الاشياء حالا وان لم يكن حاضرا في الحال، إذا كان الشئ موجودا في الوقت أو يمكن وجوده، ولا يجوز أن يشترى حالا ما لا يمكن تحصيله، فأما ما يمكن تحصيله فلا بأس به وان لم يكن عند بايعه في الحال " انتهى. ومنع ابن ادريس من ذلك، ونسب هذا القول إلى خبر واحد شاذ رواه الشيخ عن ابن سنان لا يجوز العمل به، ولا التعويل عليه، قال: لانا قد بينا أن البيع على ضربين بيع سلم، ولابد فيه من التأجيل، وبيع عين اما مرئية مشاهدة، أو غير حاضرة، وهو ما يسمى بخيار الرؤية وما أورده الشيخ خارج عن هذه البيوع لا مشاهدة ولا موصوف بوصف يقوم مقام المشاهدة، فدخل في بيع الغرر، والنبى (صلى الله عليه وآله) " نهى عن بيع الغرر " (1) و " بيع ما ليس عند الانسان " (2) ولا في ملكه الا ما اخرجه الدليل من السلم، ولان البيع حكم شرعى يحتاج في اثباته إلى دليل شرعى، ولا يرجع عن الامور


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب آداب التجارة الرقم 3. (2) الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الرقم 2.

[ 140 ]

المعلومة بالدلالة القاهرة، بالامور المظنونة، وأخبار الاحاد التى لا توجب علما ولا عملا. انتهى. وقال ابن ابى عقيل: البيع عند آل الرسول (عليهم السلام) بيعان، أحدهما بيع شئ حاضر قائم العين، والاخر بيع شئ غائب موصوف بصفة مضمونة إلى اجل. انتهى وهو ظاهر قول ابن ادريس. والمستفاد من الاخبار الواردة في هذا المقام هو ما قدمنا نقله عن الشيخ (قدس سره). ومنها ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن (1) بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى الطعام من الرجل ليس عنده فيشترى منه حالا ؟ قال: ليس به بأس، قلت: انهم يفسدونه عندنا، قال: وأى شئ يقولون في المسلم ؟ قلت لا يرون به بأسا، يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس هو عند صاحبه فلا يصلح، فقال: إذا لم يكن أجل كان أجود ثم قال: لا بأس أن يشترى الرجل الطعام وليس هو عند صاحبه إلى أجل وحالا لا يسمى له أجلا الا ان يكون بيعا لا يوجد مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه فلا ينبغى شراء ذلك حالا.


(1) الفقيه ج 3 ص 179 التهذيب ج 7 ص 49. (2) اقول وهذه الرواية رواه الشيخ في التهذيب وفيها " وليس هو عند صاحبه إلى اجل، فقال: لا يسمى له أجلا الا أن يكون " إلى آخره، وهو من تحريفات الشيخ، والصحيح ما نقلناه في الاصل عن الفقيه، لانه هو الذى يستقيم به المعنى كما يخفى. (منه رحمه الله) ويمكن أن يكون التحريف من النساخ. على آخوندى.

[ 141 ]

وفي صحيحة أحرى لعبد الرحمن (1) المذكور عن أبى عبد الله (عليه السلام) " ان أبى كان يقول: لا بأس أن تبيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذى بعته فيه " ومعنى تجده يعنى تقدر عليه في ذلك الوقت. أقول: وهما مع صحة السند صريحتا الدلالة في صحة ما ذكره الشيخ، وبطلان ما ذكره ابن ادريس الموافق لمذهب العامة، كما يشير إليه الرواية، وقد تضمنت الانكار على المانعين من هذه الصورة، والتعجب من تسويغ السلم ومنع هذه الصورة، باعتبار أن البيع الخالى من الاجل أجود، وانما كان أجود لوجود المبيع يومئذ، والقدرة على تسليمه بخلاف السلم، فانه قد يتعسر تسليمه بعد الاجل، وفي ذلك اشارة إلى كون هذا أولى بالصحة من السلم الذى وافقوا على جوازه. ويعضده أن الاجل في السلم انما جعل ارفاقا بالبايع، لا أنه شرط في صحة المعاوضة، فيكون المعاوضة هنا سايغة، لما عرفت من ان القدرة على التسليم هنا أتم والحكمة في معاوضة البيع انما يتم بالقدرة على التسليم، وإذا كانت أتم وأجود في صورة النزاع وجب أن يكون الحكم فيه ثابتا، وما ذكره من افراد البيع، لا دليل على الحصر فيها، لتكاثر الاخبار بهذا الفره الذى هو محل البحث. ومن الاخبار المذكورة ايضا ما رواه في الفقيه عن الكنانى (2) " قال: سألته عن رجل اشترى من رجل ماءة من صفر بكذا وكذا وليس عنده ما اشترى منه فقال: لا بأس إذا اوفاه الوزن الذى اشترط عليه ". وما رواه في التهذيب عن الشحام (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في


(1) الكافي ج 5 ص 200 والوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الرقم 3. (2) الفقيه ج 3 ص 179 الوسائل الباب 7 من ابواب أحكام العقود الرقم 4 (3) التهذيب ج 7 ص 44.

[ 142 ]

رجل اشترى من رجل ماءة من صفر وليس عند الرجل شئ منه، قال: لا بأس به إذا أو فاه دون الذى اشترط له " كذا في نسخ التهذيب، والظاهر أن قوله " دون " وقع تحريف الوزن كما في الخبر المتقدم، كم ومثل للشيخ (قدس سره.) وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل ياتيني يريد منى طعاما وبيعا وليس عندي أيصلح لى أن أبيعه اياه واقطع سعره ثم اشتريه من مكان آخر وادفع إليه قال: لا بأس إذا قطع سعره ". وكان ابن ادريس ظن انه لا مستند لهذا القول الا صحيحة عبد الله بن سنان التي اشار إليها، الا ان قوله مبنى على اصله الغير الاصيل من رد الاخبار التى عليها بناء الشريعة بين العلماء جيلا بعد جيل، وهو مما لا يلتفت إليه ولا يعول عليه في حقير ولا جليل. وأما ما رواه في التهذيب عن سليمان بن صالح (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: نهى رسول الله (صلي الله عليه وآله) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن ". وما رواه في آخر الفقيه (3) في مناهى النبي (صلى الله وعليه وآله) " قال: ونهى عن بيع ما ليس عندك ونهى عن بيع وسلف " الخبر. ففيه أولا أنه يضعف عن معارضة ما ذكرناه من الاخبار المؤيدة بعمل


(1) التهذيب ج 7 ص 44 الوسائل الباب 7 من ابواب احكام العقود الرقم 2. (2) التهذيب ج 7 ص 230 الرقم 25. (3) الفقيه ج 4 ص 4 الوسائل الباب 7 من أبواب احكام العقود الرقم 5.

[ 143 ]

الاصحاب، وثانيا أنه يمكن حمله على بيع عين في ملك غيره، لجواز أن لا يبيعها صاحبها، لا ما إذا كان البيع في الذمة كما هو محل البحث جمعا بين الاخبار. المطلب الثاني فيما يدخل في المبيع قالوا: والضابط الاقتصار على ما يتناوله اللفظ لغة وعرفا، قيل: والمراد بالعرف ما يعم الخاص والعام، وظاهرهم أن المراد بالعرف ما هو المتعارف بين الناس في اطلاق ذلك اللفظ، وما يراد منه ويستعمل فيه أعم من ان يكن عاما في جميع الاصقاع، والبلدان أو خاصا، باعتبار اصطلاح كل بلد وكل قطر على استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى. والاظهر أن يقال: ان الواجب هو حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية ان وجدت، والا فعلى عرفهم عليهم السلام، لانه مقدم على عرف الناس ان ثبت، والا فعلى ما هو المتعارف في السن المتخاطبين، والمتبادر في محاوراتهم وان اختلفت في ذلك الاصقاع والبلدان، ثم مع تعذر ذلك فاللغة، وربما قدم بعضهم اللغة على العرف. ومما يشير إلى ما ذكره الاصحاب في هذا الباب ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) انه كتب إلى أبى محمد (عليه السلام) " في رجل


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب احكام العقود الرقم 1 والتهذيب ج 7 ص 150 الرقم 13 و 14.

[ 144 ]

اشترى من رجل بيتا في داره بجميع حقوقه، وفوقه بيت آخر، هل يدخل البيت الاعلى في حقوق البيت الاسفل أم لا ؟ فوقع (عليه السلام): ليس له الا ما اشتراه باسمه وموضعه ان شاء الله تعالى ". وكتب إليه (1) " في رجل اشترى حجرة أو مسكنا في دار بجميع حقوقها، وفوقها بيوت ومسكن آخر، يدخل البيوت الا على والمسكن الا على في حقوق هذه الحجرة والمسكن الا سفل الذى اشتراه ام لا ؟ فوقع. (عليه السلام): ليس له من ذلك الا الحق الذى اشتراه ان شاء الله. وظاهر الخبرين أن المرجع إلى ما صدق عليه ذلك اللفظ عرفا، وظاهرهما عدم دخول البيت الا على في حقوق البيت الاسفل فلا يدخل في البيع. ومما يشير إلى الرجوع إلى اللغة في أمثال ذلك ما رواه الثقة الجليل على ابن ابراهيم القمى في تفسيره (2) في تفسير قوله عزوجل (3) " له معقبات من يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله عن الصادق (عليه السلام) أن هذه الاية قرئت عنده فقال لقاريها: ألستم عربا، فكيف تكون المعقبات من بين يديه، وانما العقب من خلف، فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا فقال: انما أنزلت " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله " ومن الذى يقدر بحفظ الشئ من أمر الله وهم الملائكة الموكلون بالناس. " ورواه العياشي في تفسيره أيضا، (4) وفي الخبر المذكور دلالة على وقوع


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب احكام العقود الرقم 1 والتهذيب ج 7 ص 150 الرقم 13 و 14. (2) تفسير البرهان ج 2 ص 283. (3) سورة الرعد الاية 11. (4) تفسير البرهان ج 2 ص 283.

[ 145 ]

التغيير في القرآن كما هو أصح القولين وأشهرهما، وقد بسطنا الكلام في ذلك في موضع أليق. قال في المسالك: وقد حقق العلامة قطب الدين الرازي أن المراد تناول اللفظ بالدلالة المطابقية والتضمنية، لا الالتزامية، فلا يدخل الحائط لو باع السقف وهو حسن. انتهى. وقال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد: والمراد بالمعاني ما يفهم منها بحسب التخاطب ارادة اللافظ ذلك، مطابقا كان أو تضمنا أو التزاما. أقول: وهو الاظهر بالنظر إلى ما قدمنا عنهم من الحوالة إلى العرف. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم)، ذكروا هنا الفاظا وذكروا مدلولاتها بحسب العرف. فمن ذلك لفظ الارض والساحة والبقعة، والعرصة، فلا يندرج تحتها الشجر الذى فيها ولا الزرع، ولا البذر الكامن فيها. ونقل عن الشيخ انه لو قال: بحقوقها دخل (1) قال في المسالك: بل يفهم منه انها تدخل وان لم يقل بحقوقها محتجا بأنها من حقوقها، ثم قال: والمنع متوجه إلى الامرين، والا قوى عدم الدخول مطلقا الا مع دلالة اللفظ أو القرائن عليه، كقوله: وما اشتملت عليه أو وما أغلق عليه بابها. انتهى. وهو جيد.


(1) قال في المبسوط: إذا باع ارضا فيها بناء وشجر، وقال في العقد بحقوقها، دخل البناء والشجر، وان لم يقل بحقوقها لم يدخلا، وتبعه ابن البراج وابن حمزة، وهو ظاهر كلام ابن ادريس منه رحمه الله.

[ 146 ]

ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1) " في رجل اشترى من رجل أرضا بحدودها الاربعة، وفيها زرع ونخل وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه أنة قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة منها، أيدخل الزرع والنخل والاشجار في حقوق الارض ام لا ؟ فوقع (عليه السلام): إذا ابتاع الارض بحدودها وما أغلق عليه بابها، فله جميع ما فيها انشاء الله تعالى " وهو ظاهر في الرد على ما نقل عن الشيخ، وصريح فيما ذكره في المسالك. ثم انه لو كان المشترى جاهلا بوجود تلك الاشياء في الارض كما لو اشتراها بالوصف أو الرؤية قبل الزرع والغرس، فله الخيار بين فسخ البيع واخذ ثمنه، وبين أخذها بذلك الثمن والرضا به وابقائه مجانا، كذا ذكره جملة من الاصحاب، ولم أقف هنا على نص. قال بعض المحققين: ولعل دليله أن وجود هذه الاشياء فيها سبب لتعطيلها غالبا والعقد يقتضى الانتفاع بالفعل من غير مضى زمان كثير عادة ففيه ضرر على المشترى. انتهى.


(1) التهذيب ج 7 ص 138 الرقم 84. (2) قال ابن ادريس: قوله " وما اغلق عليه بابها " يريد بذلك جميع حقوقها والجواب مطابق للسؤال. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: ونحن نمنع هذا التفسير ونقول: بموجب الحديث، فانه إذا اشترى بما اغلق عليه بابه، دخل الجميع بلا خلاف، ولعل الامام (عليه السلام) اشار إلى الجواب بطريق المفهوم وهو عدم الدخول، فانه علق الدخول بقوله " وما اغلق عليه بابها " ويفهم من ذلك عدم الدخول عند عدمه. انتهى وهو جيد. منه رحمه الله.

[ 147 ]

قالوا: ويدخل الاحجار المخلوقة في تلك الارض دون المدفونة، والظاهر أن وجه الفرق هو دخول الاولى في مفهوم اللفظ عرفا كالتراب، فان الجيمع من اجزاء الارض بخلاف الثانية، فانها بمنزلة الامتعة المدفونة، وعلى البايع نقلها وتسوية الحفر، ويتخير المشترى أيضا عندهم مع الجهل، وحصول الغرر ببقائها وانه لا خيار للمشترى أن تركها البايع مع عدم الضرر. ومن ذلك البستان، ولا ريب في دخول الارض والاشجار، لانه داخل في مفهومه لغة وشرطا، أم البناء فان كان حائطا لذلك البستان فالظاهر دخوله لما ذكر، وفي غيره كالبناء لسكني حافظ البستان وحارسه، والموضع المعد لوضع الثمرة ولجلوس من يدخله ونحو ذلك اشكال، ينشأ من عدم دخوله في مسماه لغة، ولهذا يسمى بستانا وان لم يكن شئ من ذلك ومن اطلاق البستان عليه ظاهرا إذا قيل: باع فلان بستانه وفيه بناء. أقول: والوجه الاول من وجهى الاشكال أجود، الا أنه يدخل فيه الحائط. أيضا فان الظاهر أنه يسمى بستانا وان لم يكن عليه حائط، والاقوى في ذلك الرجوع إلى العرف، فان عد جزء منه أو تابعا دخل، والا فلا، والظاهر أن ذلك يختلف باختلاف البقاع والازمان واوضاع البناء. ومن ذلك الدار، ولا ريب في دخول الارض والبيوت التى اشتملت عليها تحتانية أو فوقانية مع الحيطان الدائرة عليها، والسقوف، الا أن يكون البيت الاعلى مستقلا بالسكنى، بأن يكون له باب على حدة من غيره هذه الدار المذكورة، فيكون ممتازا كالدار على حدة، وحينئذ لا يدخل البيت الاعلى وحيطانه وسقفه، والظاهر دخول أرضه التى هي سقف البيوت التحتانية الداخلة في الارض المفروضة، وتدخل فيها الابواب والاغلاق المنصوبة، والسلاسل، والحلق في الابواب وان لم يسمها، والاخشاب المستدخلة في البناء، والاوتاد المثبتة فيه، والسلم المثبت في الابنية على حذو الدرج، والوجه في دخول جميع هذه اقتضاء العرف كونها من

[ 148 ]

اجزاء الدار وتوابعها ومرافقها، ولو كان في الدار حمام معد لها أو بئر أو حوض فالظاهر دخولها، وكذا خوابى المثبتة في الارض أو الحالط بحيث تصير من اجزائها وتوابعها عرفا وفي دخول المفاتيح خلاف واشكال ينشأ من خروجها عن اسم الدار وكونها منقولة فيكون كالالات المنتفع بها في الدار ومن أنها من توابع الدار وكالجزء من الاغلاق المحكوم بدخولها، وأظهر في الخروج مثل الدلو والبكرة والرشا والسرير، والرف الغير المثبت كالموضوع على الخشب، والسلم الغير المثبت، والاقفال الحديد ومفاتيحها، والكنوز، والدفاين ونحو ذلك. ولو كان في الدار نخل أو شجر ولم يذكره في البيع لم يدخل، وقال الشيخ في المبسوط بالدخول، والكلام هنا كما تقدم في الارض. ومن ذلك الشجر، ويندرج فيه الاغصان والورق والعروق لقضاء العرف بشموله لذلك، ويستحق الابقاء معروسا ولا يستحق الغرس بل سقيه للابقاء خاصة، والظاهر تخصيص ذلك بالشجر الرطب، فانه هو الذى يتعلق الغرض بابقائه، دون اليابس الذى يقتضى العادة بأنه يقطع للحطب والوقود والبناء ونحو ذلك، ولو استثنى شجرة من البستان الدى باعه أو اشتراها من مالكها خاصة، لم تدخل الارض في البيع، لكن يستحق من منفعتها ما يتوقف عليه الانتفاع بالشجرة وثمرتها من الدخول إليها وسقيها وحرثها وجمع ثمرتها، ويستحق أيضا مدى جرائدها في الهواء وعرقها في الارض. ويدل على ذلك في الجملة ما رواه في الكافي والتهذيب عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قضى النبي (صلى الله عليه وآله) في رجل باع نخلا واستثنى عليه نخلة، فقضى له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدخل إليها


(1) الكافي ج 5 ص 295 التهذيب ج 7 ص 144 الرقم 25.

[ 149 ]

والمخرج منها ومدى جرائدها ". وروى في الفقيه عن السكوني (1) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحديث: وروى في الكافي والتهذيب عن عقبة بن خالد (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) قضى في هرائر النخل أن تكون النخلة والنخلتان للرجل في حائط الاخر، فيختلفون في حقوق ذلك، فقضى فيها أن لكل نخلة من أولئك من الارض مبلغ جريدة من جرائدها حين بعدها ". أقول: قوله " حين بعدها " أي منتهى طول الجريدة إذا طالت، وأما قوله " هراير " فقد اختلفت فيه نسخ الحديث اختلافا فاحشا ففى بعضها كما ذكرنا، وفي بعض " بالواو " عوض الراء الاولى، وفي بعض بالزاى عوضها، وفي بعض نسخ التهذيب " هذا النخل "، والظاهر كما استظهره في الوافى حريم النخل، فوقع التحريف. وروى في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار (3) في الصحيح " قال: كتبت إليه (عليه السلام) في رجل باع بستانا فيه شجر وكرم فاستثنى شجرة منها، هل له ممر إلى البستان إلى موضع شجرته التى اشتثناها، وكم لهذه الشجرة التى استثناها من الارض التى حولها ؟ بقدر اغصانها أو بقدر موضعها التى هي ثابتة فيه ؟ فوقع (عليه السلام: له من ذلك على حسب ما باع وأمسك فلا يتعد الحق في ذلك انشاء الله تعالى ".


(1) الفقيه ج 3 ص 57. (2) الكافي ج 5 ص 295 وفيه " هوائر " من الهور بمعنى السقوط أي في مسقط الثمار للشجرة التهذيب ج 7 ص 144 الرقم 26. (3) التهذيب ج 7 ص 90 الرقم 24.

[ 150 ]

أقول: لا يخفى ما في الجواب من الاجمال المانع من الاعتماد عليه في الاستدلال ومع ذلك فان الظاهر أن يقال: له من ذلك على حسب ما استثنى، وربما أشعر بأنه مع استثناء الشجرة فلا ينصرف ذلك الا إلى ما دخل تحت مفهوم هذا اللفظ عرفا، وهو مشكل بناء على ما عرفت من كلام الاصحاب ومن الاخبار المتقدمة. ومن ذلك النخل بالنسبة إلى ثمرته قبل التأبين وبعده، والمشهور في كلامهم أنه لو باع نخلا قد أبر ثمرها فهو للبايع، لان اسم النخلة لا يتناوله الا أن يشترطه المشترى، وان لم يكن مؤبرا فهو للمشترى. أقول: ويدل على الحكم الاول ما رواه في الكافي والتهذيب عن يحيى بن أبى العلاء (1) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من باع نخلا قد لقح، فالثمرة للبايع الا أن يشترط المبتاع، قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك " وعن غياث بن ابراهيم (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع نخلا قد أبره فثمرته (للذى باع)، الا أن يشترط المبتاع ثم قال: قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ". وروى في الكافي عن عقبة بن خالد (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان ثمر النخل للذى أبرها الا ان يشترط المبتاع " وأما الحكم الثاني فلم أقف فيه على دليل الا مفهوم الروايات المتقدمة، ومن ثم ناقش في الحكم بعض الاصحاب، وتوقف آخرون كما يؤذن به كلام المحقق في الشرايع حيث نسب الحكم المذكور إلى فتوى الاصحاب. قال في المسالك: انما نسب القول إلى فتوى الاصحاب، لقصور المستند


(1) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 87 الرقم 12. (2) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 87 وفى الكافي (للبايع). (3) الكافي ج 5 ص 178.

[ 151 ]

النقلي عن افادة الحكم المذكور، فانه انما دل على أن النخل المؤبر ثمرته للبايع، لا على ان مالايؤبر ثمرته للمشترى الا من حيث المفهوم الضعيف، والاصل يقتضى الملك لبايعه، وعدم انتقاله إلى المشترى، إذ العقد انما وقع على الاصول وهى مغايرة للثمرة انتهى وهو جيد. واعترف في المختلف أيضا بضعف الدليل الا أنه قال: لكن الاجماع يعضده، مع أنه نقل عن ابن حمزة أن الاعتبار في دخول الثمرة وعدمه ببدو الصلاح وعدمه، فمتى باعها بعده فالثمرة للبايع، وقبله للمشترى الا مع الشرط، وكانه لم يعتبر خلافه. والظاهر أنه لا خلاف في كون الثمرة للبايع مطلقا فيما لو انتقل النخل بغير البيع، كالميراث ونحوه، وكذا في غير النخل من أفراد الشجر، لان كون الثمرة للمشترى على خلاف الاصل، فيقتصر فيه على موضع النص والوفاق، وهو بيع النخل فلا يتعدى إلى غير البيع، ولا إلى غير النخل من أفراد الشجر. ولو باع المؤبر من النخل وغير المؤبر كان لكل حكمه المتقدم عندهم، وظاهر اطلاقهم أنه لا فرق في ذلك بين كون ذلك في نخلة واحدة قد أبر بعض طلعها دون بعض أو في نخلات متعددة أبر بعضها، ولم يؤبر الباقي، وبه أفتى في الدروس. وفرق العلامة في التذكرة بين النخلة الواحدة، والنخلات المتعددة، فحكم في الاول بكون الجميع للبايع، محتجا عليه بأنه يصدق عليه أن قد باع نخلا قد أبر، فيدخل تحت نص أنه للبايع، وبما في افتراقهما في الحكم من العسر وعدم الضبط، وفي الثاني بتفريق الحكم. وربما احتمل بعضهم هنا وجها ثالثا، وهو دخول الجمع في البيع لصدق عموم التأبير في الجميع. والظاهر الاوفق بظاهر النص هو الاول، فان تعليق

[ 152 ]

الحكم يشعر بالعلية، فيكون التأبير هو العلة، فاينما وجد ترتب عليه حكمه، وينتفى حيثما انتفى. المطلب الثالث في التسليم اطلاق يقتضى تسليم المبيع والثمن، فيجب على المتبايعين دفع العوضين من غير أولوية. قال المحقق الاردبيلي في شرح الارشاد بعد قول المصنف في الكتاب المذكور " يجب على المتبايعين دفع العوضين من غير أولوية تقديم " ما لفظه: اعلم ان الاكثر هكذا قالوا، وحاصله أنه انما يجب عليها معا الدفع بعد اخذ العوض، ويجوز لكل المنع حتى يقبض وكانهم نظروا إلى ان البيع معاوضة محضة، ولا يجب على كل منهما الدفع الا لعوض مال الاخر، فما لم يأخذ ذا العوض، لا يجب اعطاء العوض، والمسألة مشكلة كسائرها، لعدم النص، وثبوت الانتقال بالعقد يقتضى وجوب الدفع على كل واحد منهما عند طلب الاخر، وعدم جواز الحبس حتى يقبض حقه، وجواز الاخذ لكل حقه من غير اذن الاخر ان امكن له على أي وجه كان، لا ن ذلك هو مقتضى الملك، ومنع احدهما الاخر وظلمه لا يستلزم جواز الظلم للاخر ومنعة حقه، فيجبرهما الحاكم معا على ذلك ان امتنعا، فيعطى من يد ويأخذ من آخر، أو يقبض لاحدهما ويأمره بالاعطاء انتهى. أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد، الا أن في فهم ذلك من العبارة المذكورة ونحوها من عبائرهم في هذا المقام اشكال، وذلك فان غاية ما يفهم من هذه العبارة التى ذكرها في الارشاد هو أنه لما كان اطلاق العقد يقتضى وجوب تسليم المبيع والثمن، فالواجب حينئذ على كل من البايع والمشترى دفع ما وجب عليه تسليمه

[ 153 ]

من غير اولوية تقديم احد هما على الاخر، خلافا للشيخ حيث ذهب إلى أنه يجب على البايع أولا تسليم المبيع، محتجا بأن الثمن تابع للمبيع، والغرض من هذه العبارة انما هو بيان تساويهما في وجوب التسليم، بدون تقديم أحدهما على الاخر كما زعمه الشيخ (رحمة الله عليه) فالكلام انما خرج في معرض الرد عليه، وأين هذا من المعنى الذى ذكره، وهو أنه لا يجب على احدهما التسليم الا بعد دفع الاخر، وأنة يجوز لكل منهما الامتناع حتى يقبض، اللهم الا ان يكون قد اطلع على تصريح بذالك من غير هذا الموضع، والا فهذه العبارة ونحوها لا اشعار فيها، فضلا عن الدلالة بشئ من ذلك. وتحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بسطه في مواضع: الاول لا يخفى أن القبض من الامور المعتبرة شرعا لما يترتب عليه من الاحكام العديدة بالنسبة إلى الوصية والهبة والرهن، فان للقبض فيها مدخلا باعتبار شرطيته للصحة أو اللزوم، فان وكذا بالنسبة إلى البيع، فمن احكامه فيه انتقال ضمان المبيع إلى المشترى بعده ان لم يكن له خيار، وكونه على البايع قبله، وجواز بيع ما اشتراه بعد القبض مطلقا، وتحريمه أو كراهته قبله على بعض الوجوه، وجواز فسخ البايع مع تأخير الثمن، وعدم قبض المبيع بعد ثلاثة ايام، وغير ذلك، ومع هذا لم يرد له تحديد شرعى يرجع فيه إليه. ومن ثم ان الاصحاب انما رجعوا فيه إلى العرف بناء على قواعدهم في كل ما لم يرد له تحديد شرعى، مع ان الغالب في العرف الاختلاف باعتبار تعدد الاقطار والبلدان، وأن لكل قطر اصطلاحا وعادة غير ما سواه، والمسألة من أجل ذلك في غاية من الاشكال والداء العضال، لعموم البلوى به في جملة من الاحكام كما عرفت. والذى وقفت عليه مم يتعلق بهذا المقام روايتان الاولى صحيحة معاوية،

[ 154 ]

بن وهب (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه الا ان توليه " قال في المسالك بعد نقل هذه الرواية: فجعل قبض المكيل والموزون كيله أو وزنه بالنسبة إلى جواز بيعه. (2) واعترضه المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد فقال: وهذه لا أفهم دلالتها لان ظاهرها أن البيع قبل القبض لا يجوز حتى يكيل أو يزن، وذلك لا يدل على كون القبض ذلك وهو ظاهر، ولا يدل على ذلك بضم السؤال إذ يصح جواب السائل هل يجوز قبل القبض ؟ بانه لا يجوز بدون الكيل، يعنى لابد من الكيل الذى القبض حصل في ضمنه أي لابد من القبض وشئ آخر، إلى آخر كلامه زيد في مقامه، وبه يظهر سقوط الرواية عن درجة الاستدلال في هذا المجال. والثانية: رواية عقبة بن خالد عنه (عليه السلام) " في رجل اشترى متاعا من آخر وأوجبه، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه فسرق المتاع من مال من يكون ؟ قال: من مال صاحب المتاع الذى هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه ".


(1) التهذيب ج 7 ص 35 الرقم 34 وفيه (الا أن يوليه الذى قام عليه). (2) اقول: يمكن أن يؤيد ما ذكره في المسالك وهو المشهور بين الاصحاب من جعل الكيل والوزن قبضا، بان يقال: ان الرواية قد دلت على انه مع التولية لا يحتاج إلى الكيل والوزن، وهذا لايتم الاعلى تقدير كون الكيل والوزن قبضا، فان التولية تصح بدون القبض، واما على تقدير كونها شرطا في صحة البيع، والقبض انما هو عبارة عن النقل والتحويل فكيف يصح البيع تولية مع اختلال أحد شرائط البيع وهو الوزن والكيل هنا. فتأمل. منه رحمه الله. (3) الكافي ج 5 ص 171 التهذيب ج 7 ص 21.

[ 155 ]

وغاية ما يدل عليه هذا الخبر هو أنه يعتبر في انتقال الضمان من البايع إلى المشترى نقل المتاع واخراجه من بيت البايع، وليس فيه تفسير بأنه عبارة عماذا، مع أن ظاهر الخبر أنه يعتبر في انتقال الضمان الاخراج من بيت البايع، ولا قائل به كما ستعرف. بقى الكلام في الدلالة العرفية التى اعتمدوها في المقام. قال في المسالك: والعرف يدل على أن اقباض غير المنقول يتحقق بالتخلية مع رفع يد البايع عنه، وعدم مانع للمشترى من قبضه، وأما في المنقول فلا يتحقق الا باستقلال يد المشترى به، سواء نقله ام لا، وكذا في طرف البايع بالنسبة إلى الثمن، وهذا مطرد في المكيل والموزون وغيرهما، الا انهما خرجا عنه بالنص الصحيح فيبقى الباقي وهو الاقوى. انتهى. (1) وهو جيد الا في استثنائه المكيل والموزون " بالنص الصحيح "، ولقد عرفت آنفا من أن غاية ما يدل عليه النص هو اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون، لا ان القبض فيهما هو الكيل والوزن، ثم قال: والمراد بالتخلية حيث تعتبر، رفع المانع للمشترى من فبض المبيع ان كان، والاذن له فيه، ولا يختص ذلك بلفظ، بل كل ما دل عليه كاف فيه. وفيه أولا ان ظاهر كلامه المتقدم كون التخلية امرا آخر غير رفع المانع حيث أنه أضافه إلى التخلية، وهنا فسرها به، وثانيا أنه لا وجه لاعتبار


(1) ثم قال في اتمام عبارة المذكورة: لا يقال: قد نقل في التذكرة لاتمام الاستدلال بهذه أن الاجماع عندنا حاصل على منه جواز بيع الطعام قبل القبض، فلو لم يكن الكيل هو القبض المطلوب ويتحقق القبض بدونه، لم يكن لقوله " حتى يكيل " معنى لانا نقول على تقدير تحقق الاجماع معناه الجواز بعد القبض مع باقى الشرايط والكيل من جملته، الا أن كيله هو القبض. انتهى. منه رحمه الله.

[ 156 ]

الاذن هنا بعد انتقال المبيع إلى المشترى بالعقد، وكون البايع هنا في حكم الأجنبي فلا وجه لتوقف قبضه على اذنه. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قال في كتاب المصباح المنير: قبضت الشئ قبضا: أخذته. وقال في نهاية الاثيرية: والقبض الاخذ بجميع الكف. أقول: وهذا هو الذى يتبادر في العرف الان، الا أنه في المنقول ظاهر وان تفاوتت افراده في ذلك باعتبار المقبوض، ففى مثل الدراهم والمتاع هو القبض باليد، وفي مثل الحيوان هو نقله، وفي مثل المكيل والموزون هو تحويله بالوزن والكيل أو بدونهما فانه يصدق القبض بمجرد ذلك. وأما في غير المنقول فالظاهر هو الوقوف فيه على ما رسمه الاصحاب. قال في الدروس: والقبض في غير المنقول التخلية بعد اليد، وفي الحيوان نقله، وفي المنقول كيله أو وزنه، أو عده أو نقله، وفي الثوب وضعه في اليد. انتهى وهو ظاهر فيما قلناه الا أن اضافة العد إلى الكيل والوزن خارج عن مورد الرواية التى استندوا إليها في الحكم المذكور على ما عرفت فيها، وهو ايضا خلاف ما هو المشهور من الاقتصار على مورد الخبر المذكور. وقال الشيخ في المبسوط: القبض فيما لا ينقل ويحول هو التخلية، وان كان مما ينقل ويحول، فان كان مثل الدراهم والجوهر وما يتناول باليد، فالقبض هو التناول، وان كان مثل الحيوان كالعبد والبهيمة، فان القبض في البهيمة أن يمشى بها إلى مكان آخر، وفي العبد أن يقيمه إلى مكان آخر، وان كان اشتراه جزافا كان القبض فيه أن ينقله من مكانه، وان اشتراه مكايلة فالقبض فيه أن يكيله، وتبعه ابن البراج وابن حمزة. وقال في المختلف: والاقرب أن المبيع ان كان منقولا فالقبض فيه هو النقل أو الاخذ باليد وان كان مكيلا أو موزونا فقبضه هو ذلك، أي الكيل والوزن، وان لم يكن منقولا فالقبض فيه التخلية. انتهى. وكلام الشيخ راجع

[ 157 ]

في التحقيق إليه، الا في المكيل والموزون، حيث اقتصر في قبضه على الكيل والوزن. وبذلك يظهر ما في عبارة المسالك هنا من الاجمال في تفسير، القبض في المنقول، فانه ربما أوهم رجوعه إلى التخلية في غير المنقول. واكتفى بعضهم بالتخلية مطلقا في منقول أو غير منقول، وهو مذهب المحقق في الشرايع (1). قال في الدروس: ولا بأس به في نقل الضمان لا في زوال التحريم أو الكراهة عن البيع قبل القبض. اقول: لا يخفى ما في هذا التفصيل، فان الجميع مترتب على القبض فان صدق القبض بالتخلية، وجب ترتب احكام القبض على ذلك مما ذكر هنا وما لم يذكر، والا فلا مطلقا. الثاني قال: في المسالك: لو كان المبيع بيد المشترى قبل الابتياع، فان كان بغير اذن البايع فلابد من تجديد الاذن في تحقق القبض بلا نسبة إلى رفع التحريم أو الكراهة، واما بالنسبة إلى مثل الضمان فيحتمل قويا تحققه بدونه، كما لو قبضه بغير اذن البايع، ويحتمل توقف الامرين على تجديده، لفساد الاول شرعا، فلا يترتب عليه أثر، ولو كان باذنه كالوديعة والعارية لم يفتقر إلى تجديد اذن ولا تخلية. انتهى.


(1) اقول: لا يبعد أن يكون مراد الاصحاب بكون الكيل والوزن قبضا انما هو بمعنى وزنه وكيله، لاجل القبض والنقل، لامن حيث كونه كيلا ووزنا، فانه هو الغالب المتعارف، ولذلك أنه لو قبضه المشترى بالوزن أو الكيل، ثم باعه ممن حضر وزنه وكيله، فانه لا يحتاج إلى اعادة الوزن أو الكيل، وانما يحتاج إلى النقل ليتحقق به القبض، وبالجملة فان القبض انما يتحق بالنقل والتحويل سواء كان في معنى الوزن والكيل اوبد ونهما كما في الصورة المفروضة. منه رحمه الله.

[ 158 ]

وفيه أنه لا دليل على ما ذكره " قدس سره " لا من النص ولا من الاعتبار، وعقد البيع قد اقتضى النقل إلى المشترى، والقبض والتسليم إلى المشترى حاصل والفرق بين كون القبض قبل البيع شرعيا أو غير شرعى مع كونه لا دليل عليه لا ثمرة له بعد ما عرفت. ومع كونه غير شرعى قبل البيع لا يمنع من كونه شرعيا بعد البيع والانتقال إليه بالعقد الصحيح. وبالجملة فشروط صحة البيع كلها حاصلة، فلا وجه لما ذكره، وإلى ما ذكرناه هنا يميل كلام المحقق الاردبيلى (قدس سره) حيث قال: لو كان المبيع بيد المشترى، فالظاهر أنه لا يحتاج إلى تجديد القبض والاذن مطلقا، ولا مضى زمان، لوجود القبض الذى هو شرط، والموجب لجواز البيع وغيره، كما قيل ذلك في الهبة المقبوضة، والتفصيل بما إذا كان القبض مشروعا وعدمه فانه لابد حينئذ لرفع التحريم والكراهة، ويحتمل لرفع الضمان ايضا ليس بواضح. الثالث الظاهر أن القبض المعتبر من نقل أو تخلية يكفى لا سقاط الضمان، وان كان المبيع مشغولا بأمتعة البايع كالصندوق الذى فيه المتاع والبيت الذى فيه الامتعة، ويكون مكلفا بأن يفرغه، وهو خيرته في المسالك، ونقله بالنسبة إلى الثاني عن التذكرة، احتمل في المسالك توقف القبض على اذن المالك في نقل الامتعة والظاهر ضعفه، لحصول البيع الشرعي بشروطه وعدم ظهور مانعية ما ذكره مع وجوب تفريغه: الرابع قال في المسالك لو كان المبيع مكيلا أو موزونا فلا يخلو اما أن يكون قد كيل قبل البيع ووزن أولا، بأن أخبر البايع بكيله أو وزنه، أو باعه قدرا منه معينا من صبرة مشتملة عليه، فان كان الاخير فلا بد في تحقق قبضه من كيله أو وزنه للنص المتقدم، وان كان الاول ففى الافتقار إلى اعتباره ثانيا لاجل القبض أو الاكتفاء بالاعتبار السابق وجهان، من اطلاق توقف الحكم على الكيل والوزن وقد

[ 159 ]

حصلا وقوله (عليه السلام) (1) " لا تبعه حتى تكيله أو تزنه " لا يدل على أزيد من حصولهما الشامل لما كان قبل البيع ومن كون الظاهر أن ذلك لا جل القبض لا لاجل صحة البيع، فلابد له من اعتبار جديد بعد العقد، وبه صرح العلامة والشهيد (رحمه الله) وجماعة، وهو الاقوى. ويدل عليه قوله (عليه السلام)، في الخبر السابق " الا أن توليه " فان الكيل السابق شرط لصحة البيع، أو ما قام مقامه، فلابد منه في التولية وغيرها، ومقتضى قوله " الا أن توليه " انه معها لا يتوقف على كيل أو وزن، ودل ذلك على أنهم لاجل القبض، لا لاجل صحة البيع. وأما الثاني فان اكتفينا بالاعتبار الاول في الاول، كفى الاخبار فيه واختارهما في التذكرة وان لم نكتف بالسابق في الاول لم يكتف بالاخبار في الثاني بطريق أولى. وقد روى محمد بن أبى حمزة (2) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله، فصدقناه وأخذناه بكيله، فقال: لا باس، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته منه بغير كيل ؟ قال: لا، أما انت فلا تبعه حتى تكليه " انتهى. أقول: مرجع البحث هنا ان الكيل والوزن هل وجوبهما في المكيل والموزون من حيث كونهما شرطا في صحة البيع، أو من حيث كونهما قبضا للبيع، يترتب عليهما ما يترتب على القبض الذى هو النقل والاخذ باليد، ونحو ذلك مما تقدم في غير المكيل والموزون. والظاهر من الاخبار المانعة من بيع ما لم يقبض إذا كان مكيلا أو موزونا هو الثاني، بالتقريب الذى ذكره من جواز البيع تولية بدون كيل أو وزن، ولو كان ذلك شرطا في صحة البيع لما جاز ذلك، إذ لا فرق بين التولية وغيرها في اعتبار هذا الشرط.


(1) التهذيب ج 7 ص 35. (2) التهذيب ج 7 ص 37 وفيه محمد بن حمران.

[ 160 ]

ويعضده انه قد وقع التعبير عن الكيل والوزن في هذا المقام بالقبض في جملة من الاخبار. ففى صحيحة منصور بن حازم (1) " إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، الا أن توليه " وفي صحيحة على بن جعفر (2) عن اخيه موسى (عليه السلام) " انه سأله عن الرجل يشترى الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه ؟ قال إذا ربح لم يصلح حتى يقبض وان كان يوليه فلا بأس، وسأله عن الرجل يشترى الطعام أيحل له أن يولى منه قبل أن يقبضه ؟ قال: إذا لم يربح عليه شئ فلا بأس، فان ربح فلا يصلح حتى يقبضه " ونحوهما غيرهما. وكذا في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة (3) قد عبر بالكيل والوزن عن لفظ القبض في هذه الروايات. ومثلها رواية ابى بصير (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله ؟ قال: لا يعجبنى أن يبيع كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه، الا ان يوليه، كما اشتراه " الحديث. وبالجملة فان استثناء التولية في هذه الاخبار مما ذكرنا وما لم نذكره انما يتجه على تقدير كون الكيل والوزن قبضا، والبيع توليه صحيح مع عدم القبض ولو كان اعتبارهما انما هو من حيث كونها شرطا في صحة البيع لم يتجه صحة التولية هنا كما عرفت.


(1) التهذيب ج 7 ص 35 الفقيه ج 3 ص 129. (2) التهذيب ج 7 ص 36. (3) ص 154 التهذيب ج 7 ص 35. (4) التهذيب ج 7 ص 37.

[ 161 ]

نعم يشكل الحكم بان مقتضى ما ذكر أنه لو اشترى الطعام واكتاله ثم باعه ممن حضر كيله، فان الواجب بمقتضى ما ذكر هو كيله مرة أخرى، ليتحقق به قبض المشترى الثاني وهو الذى قواه، ونقله عن العلامة والشهيد (رحمه الله) مع أن ظاهر الاخبار الواردة هنا هو العدم. ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن عبد الملك بن عمرو (1) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أشترى الطعام فأكتاله ومعي من قد شهد الكيل وانما اكتلته لنفسي، فيقول: بعنيه فأبيعه اياه بذلك الكيل الذى كلته ؟ قال: لا بأس " ونحوه ما رواه في الفقيه عن خالد بن الحجاج الكرخي (2) قال: قلت لا ابى عبد الله (عليه السلام): أشترى الطعام من الرجل ثم أبيعه من رجل آخر قبل أن اكتاله، فأقول: ابعث وكيلك حتى يشهد كيله إذا قبضته، قال لا بأس " ويمكن أن يقال في وجه الجمع بين ظواهر هذه الاخبار انه لما كان الغالب أن الكيل والوزن انما يقعان في حال القبض، وانه بهما يحصل القبض والتحويل من البايع إلى المشترى، صح اطلاق القبض عليهما بهذا الوجه في الاخبار المتقدمة وان كانا شرطا في صحة البيع، واما جواز البيع تولية في تلك الاخبار بدونهما، فلعله مستثنى من القاعدة المذكورة، حيث أن التولية عبارة عن أن يعطيه ما اشتراه برأس ماله، ويجعله محله في ذلك العقد، الا انى لم أجد به قائلا، و المسألة لما عرفت غير خالية من الاشكال ولهذا كثر فيها التردد والاحتمال. و الخامس قال في المسالك: ألحق في الدروس المعدود بالمكيل والموزون فاعتبر في قبضه عده بعد البيع، ولم يكتف بعد السابق. وفيه نظر، لعدم النص


(1) الكافي ج 5 ص 179 التهذيب ج 7 ص 38. (2) الفقيه ج 3 ص 131.

[ 162 ]

وتحقق القبض فيه عرفا مع نقل المشترى له كغيره من المنقولات، والحاقه بهما نظرا إلى اشتراط اعتباره في صحة بيعه لا يوجب ذلك عندنا، واكتفى فيه ايضا عن اعتبار المكيل والموزون والمعدود بنقله، والخبر الصحيح حجة عليه وقريب منه مختار العلامة في المختلف، فان اكتفى فيهما بأحد أمور ثلاثة، النقل، والقبض باليد، والاعتبار بالكيل أو الوزن، وفي النقل ما مر، وفى القبض باليد ما دل عليه خبر عقبة بن خالد (1) من اعتبار النقل. ومال في الدروس أيضا إلى أن التخلية كافية مطلقا في نقل الضمان، لا في زوال التحريم أو الكراهة عن البيع قبل القبض، وخبر عقبة حجة عليه ان اعتبره. والتحقيق هنا أن الخبر الصحيح دل على النهى عن بيع المكيل والموزون قبل اعتباره بهما، لا على أن القبض لا يتحقق بدونهما، وكون السؤال فيه وقع عن البيع قبل القبض لا ينافى ذلك، لان الاعتبار بهما قبض وزيادة، وحينئذ فلو قيل: بالاكتفاء في نقل الضمان فيهما بالنقل عملا بمقتضى العرف والخبر الاخر، وبتوقف البيع ثانيا على الكيل والوزن امكن ان لم يكن احداث قول. انتهى كلامه. اقول ما ذكره هنا من التحقيق جيد، وبالقبول حقيق، الا ان فيه أولا ما يدل على رجوعه عما قدمه، سيما في اعتراضه هنا على الدروس بأن الخبر الصحيح حجة عليه، وقد تكرر في كلامه السابق على هذا الكلام المبالغة في دلالة الخبر على أن القبض في المكيل والموزون هو كيله ووزنه، وأنه لا يتحقق القبض بدون ذلك. وثانيا أن ما ذكره من التوقف في القول بالاكتفاء في نقل الضمان في المكيل والموزون بالنقل، لاستلزامه احداث قول في المسألة. فيه أن ذلك مقتضى كلام الشهيد في الدروس والعلامة في المختلف الذى قدمه هنا، حيث إنهما صرحا بان القبض


(1) الكافي ج 5 ص 171.

[ 163 ]

في المكيل والموزون كما يكون بالكيل والوزن، يكون بالنقل أيضا، وأن القبض بالنقل موجب لعدم الضمان، وان اشتراط الكيل والوزن في بيعه ثانيا لازالة التحريم أو الكراهة، فهو ليس باحداث قول في المسألة، كما ذكره. السادس قالوا وإذا تلف المبيع قبل تسليمه إلى المشترى كان من مال البايع وكذا ان نقصت قيمته بحدث فيه كان للمشترى رده، وفي الارش تردد. قال في المسالك: موضع التردد ما لو كان العيب من قبل الله تعالى، ومنشاؤه من تعيبه على ملك المشترى لا من قبل أحد، ومن أنه مضمون على البايع بأجمعه، فضمان أجزائه أولى، فالاقوى ان له الارش ان لم يفسخ، ولو كان التعيب من أجنبي أو من البايع تخير المشترى بين الرجوع على المتلف بالارش وبين فسخ العقد، فان فسخ رجع البايع على الأجنبي بالارش. انتهى. اقول: أما الحكم الاول فقد تقدم الكلام فيه في المقام الثاني في احكام الخيار (1) وبينا ثمة ما فيه من الاشكال، ومستنده عند الاصحاب بعد الاجماع رواية عقبة بن خالد المتقدمة في الموضع الاول. (2) وأما الثاني فلم أقف فيه على نص، وظاهرهم الاتفاق على أنه يتخير بين رد المبيع وأخذ ثمنه، وبين امساكه، وانما الخلاف في صورة اختيار الامساك هل يمسكه بثمنه أو يرجع بالارش على البايع فيما إذا كان العيب من جهة الله تعالى، وقد رجح في المسالك الثاني نظرا إلى أن ضمان الكل يستلزم ضمان البعض بالطريق الاولى. ويمكن خدشه بما صرحوا به في صورة تلف الجميع من انه يبطل البيع، وينتقل المبيع إلى البايع كما قدمنا نقله عنهم في الموضع المتقدم ذكره، بخلاف


(1) ص 77. (2) ص 154.

[ 164 ]

ما هنا، فانه باق على ملك المشترى، ولعل مثل هذا لا يؤثر في الضمان. وبالجملة فان الحكم لما لم يكن منصوصا والفرق بين الكل والبعض ظاهر مما ذكرنا. فالحكم بالارش محل اشكال، سيما مع ما حققناه في الموضع المتقدم ذكره، من ان قضية العقد كون المبيع ملكا للمشترى، وقضية كونه ملكا للمشترى أن تلفه منه وان كان في يد البايع، والاصل عدم الضمان على البايع بعد انتقال المبيع عنه الا بالتفريط ولو بمنعه المالك. السابع قد صرحوا بانه إذا حصل للمبيع نماء قبل القبض كالنتاج أو ثمرة النخل أو اللقطة كلقطة العبد التى يمكن تملكها ولو بعد التعريف كان ذلك للمشترى، فان تلف الاصل سقط الثمن عن المشترى ان لم يدفعه، والا استرجعه وله النماء، ولو تلف النماء من غير تفريط لم يلزم البايع دركه. أقول: أما الحكم الاول فجيد لان المبيع بالعقد ينقل إلى ملك المشترى قبضه أو لم يقبضه، فكذا نماؤه، وهكذا الثمن أيضا، فانه بالعقد ينتقل إلى البايع ونماؤه تابع له أيضا. وأما الثاني فهو مبنى على القاعدة المتفق عليها عندهم، وهو أن المبيع قبل القبض مضمون على البايع، وعلى أن التلف انما يبطل البيع من حينه، كما هو المشهور عندهم، فيكون النماء السابق على وقت التلف وما في حكمه كلقطة العبد للمشترى وأما لو قلنا بأنه يبطله من أصله كما تقدم نقله احتمالا عن العلامة فهو للبايع. وأما الثالث. فوجهه ان النماء في يد البايع أمانة لا يضمنها الا مع التفريط اقتصارا فيما خالف الاصل وهو ضمان مال الغير مع عدم العدوان على ما دل عليه الدليل. الثامن لو باع جملة فتلف بعضها فظاهر بعض الاصحاب هو التفصيل هنا بأنه ان كان للتالف قسط من الثمن كان المشترى مخيرا بين فسخ العقد، وبين

[ 165 ]

الرضا بالباقي بحصته من الثمن، وان لم يكن له قسط كان المشترى مخيرا بين الرد، أو أخذه بجملة الثمن. قال في المسالك: ضابط الاول ما يمكن افراده بالبيع، كاحد العبدين والقفيزين، والثانى مالا يمكن افراده كيد العبد، والفرق بينهما الموجب لاختلاف الحكم ان الاول لا يبقى مع فواته أصل المبيع بل بعضه، والثاني يبقى معه أصل المبيع، والجزء التالف بمنزلة الوصف كيد العبد ونحوها من اعضائه التى فواتها لا يخل ببقاء العبد. انتهى. ونحوه كلام المحقق الشيخ على (قدس سره) في شرح القواعد، ومقتضى كلام أصحاب هذا القول أنه لا أرش في الصورة الثانية، بل يكون مخيرا بين الرد والاخذ بمجموع القيمة، لان الفائت هنا لا قسط له من الثمن فلا أرش، لان الارش هو مقدار حصته من الثمن. وظاهر جملة من الاصحاب وقيل: انه هو المشهور وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والمحقق الشيخ على في تعليقاته على الشرايع، وفى شرح القواعد هو وجوب الارش في الصورة المذكورة. قالوا: لان القيمة تزيد بوجوده، وتنقص بعدمه، وفواته من أظهر العيوب وأبينها، للقطع بأن المبيع هو المجموع، وقد فات بعضه فيتخير بين الرد لتبعيض الصفقة، والاخذ بالارش، وظاهر كلامه في المسالك (1) ان الامر كذلك في الصورة الاولى أيضا وهو ماله قسط من الثمن ويمكن أفراده بالبيع من أنه يتخير بين الرد لتبعيض الصفقة، والاخذ بالارش، والظاهر أنه ليس الامر كذلك، بل الحكم هنا مع عدم الفسخ انما هو تقسيط الثمن على الجزء الفائت والباقى، وأخذ الباقي بقسطه من الثمن، وظاهر كلام المحقق المتقدم ذكره اختصاص الكلام بالصورة الثانية أيضا، وان الحكم في الصورة الاولى انما هو ما ذكرناه، وبه صرح في الدروس أيضا حيث قال: ولا اشكال في توزيع الثمن على العينين فصاعدا لو تلف بعضها،


(1) حيث قال: بعد ذكر القول الاول الذى اختاره المصنف: والاقوى ثبوت الارش فيه كالاول إلى أن قال: ولان المبيع هو المجموع، وقد فات بعضه فيتحير المشترى بين الرد لتبعيض الصفقة في الموضعين والارش. انتهى منه رحمه الله.

[ 166 ]

وله الفسخ. انتهى، وبالقول أفتى المحقق في الشرايع، وتنظر العلامة في القواعد في ثبوت الارش في الصورة الثانية. أقول: ومما يؤيد القول الثاني هنا هو أنهم قد صرحوا في باب العيب الموجب للخيار والارش بأنه عبارة عن كل ما خرج عن أصل الخلقة الطبيعية بزيادة عضو أو نقصانه، ومنهم المحقق في الشرايع الذى نفى الارش هنا حيث قال: القول في أقسام العيوب، والضابط أن كلما في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، والزيادة كالاصبع الزايدة، والنقصان كفوات عضو إلى آخره، وهو ظاهر فيما قلناه، والمسألة المفروضة هنا أحد جزئيات هذه القاعدة، فيكون الحكم فيها هو الارش مع عدم الفسخ، لا الاخذ بالقيمة، كما ذكروه. وبما حققناه في المقام يظهر لك ما في كلام المحقق الاردبيلى (طاب ثراه) هنا حيث قال في أثناء البحث في المسألة المتقدمة في الموضع السادس ما لفظه: والظاهر عدم الفرق بين حدوث عيب ونقص شئ وجزء له قسط من الثمن، مع عدم صحة ايقاع العقد عليه، مثل يد العبد ورجله، وأما فوات الجزء الذى له قسط منه ويصح العقد عليه كموت عبد من عبدين، فالظاهر أنه يبطل في الميت، فيسقط ويسترد قيمته، مثل ما قيل في أمثاله، وفى الاخر يثبت الخيار للمشترى بين الفسخ واخذ الثمن، والرضا به بقيمته من غير شئ، لتبعيض الصفقة. ولعله يفهم عدم الخلاف عندنا من التذكرة، فان فيه أولا أن صحة ايقاع العقد عليه مستقلا وعدم الصحة انما جعل ضابطا لما له قسط من الثمن، وما ليس له قسط، فكلما له قسط من الثمن يصح ايقاع العقد عليه مستقلا، كأحد العبدين، وما لم يكن كذلك كيد العبد لا يصلح ايقاع العقد عليه مستقلا. والضابط الاخر لذلك أيضا هو ما لا يبقى معه أصل المبيع، كالعبد من العبدين، وما يبقى كيد العبد مثلا، فيد العبد لا قسط لها من الثمن على كل من الضابطتين، لانها لاتباع مستقلة، وانه يبقى معها أصل المبيع، وهو قد حكم بأن لها قسطا من الثمن مع عدم صحة ايقاع العقد عليها وهو خروج عن الضابط الاول. وثانيا أن ما ذكره من عدم الخلاف مع ما عرفت من أن القول بالارش قد صرح به جملة منهم، بل هو المشهور كما ذكره بعضهم، وان العلامة في القواعد قد توقف في ذلك.

[ 167 ]

قالوا هذا كله إذا كان الفايت جزا من المبيع، وأما لو كان وصفا محضا، كما لو كان العبد كاتبا فنسي الكتابة قبل القبض، فللمشترى الرد خاصة، أو الامساك بجميع الثمن، لان الفايت ليس جزا للمبيع، ومن ثم لو شرط كونه كاتبا فظهر بخلافه لم يستحق سوى الرد. التاسع إذا باع شيئا فغصب من يد البايع، فان أمكن استعادته من الغاصب في زمن يسير، بحيث لا يفوت فيه منفعة مقصودة يستلزم فواتها نقصا معتبرا، أو فوات غرض مقصود للمشترى، فليس للمشترى الفسخ، ويجب على البايع استعادته مع الامكان، لان التسليم واجب عليه، ولا يتم الا بذلك، وان تعذرت استعادته أو أمكنت، لكن بعد مضى زمان يفوت فيه ما ذكرنا من المنافع المقصودة، والاغراض المطلوبة، فان للمشترى الخيار حينئذ بين الفسخ والرجوع إلى ثمنه، وبين الرضا بالبيع وانتظار حصوله، وله الانتفاع بما لا يتوقف على القبض، كعتق العبد ونحوه. ثم ان تلف في يد الغاصب فهو مما تلف قبل القبض، فيبطل البيع ولو مع رضائه بالصبر، ويحتمل أن يكون الرضاء به قبضا، ونحوه ما لو رضى به في يد البايع، ولو امتنع البايع من تسليمه فللمشترى الاجرة إذا سلمه بعد مدة تلزم فيها الاجرة لو كان له أجرة، ويحتمل ان يكون له الفسخ كما في أخذ الغاصب له ظلما، لانه غاصب في هذه الحال. ولو حبسه لنقد الثمن فان ذلك له على ما يظهر من الاصحاب، فلا أجرة له حينئذ، وقد تقدم الكلام في ذلك في صدر هذا المقام، وكل موضع يجوز الحبس والمنع فنفقة المبيع على المشترى، لانه ماله وله نماؤه، وان لم يمكن من قبضه يكون في ضمان البايع.

[ 168 ]

العاشر اختلف الاصحاب في بيع ما يكال أو يوزن قبل قبضه، فعن الشيخ المفيد أنه يكره ذلك فيما يكال أو يوزن، وليس بمفسد للبيع، ولا مانع من مضيه، ونحوه الشيخ في النهاية، وقال في المبسوط: إذا ابتاع شيئا وأراد بيعه قبل قبضه، فان كان طعاما لم يجز بيعه حتى يقبضه اجماعا، فأما غير الطعام من ساير الاموال فانه يجوز بيعه قبل القبض، ونحوه قال في الخلاف في موضع، يجوز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبض. وقال ابن أبى عقيل: كل من اشترى شيئا مما يكال أو يوزن فباعه قبل أن يقبضه فالبيع باطل، وان كان مما لا يكال أو يوزن فباعه من قبل أن يقبضه فالبيع جايز، والفرق بينهما أن السنة جائت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بابطال بيع الطعام وجميع ما يكال ويوزن قبل القبض، واجازه فيما سوى ذلك، واختار ابن البراج في المهذب قول الشيخ في المبسوط، وفى الكامل قوله في النهاية. وعن ابن حمزة أنه منع من بيع الطعام قبل القبض، سواء كان بيعا أو قرضا، وغير الطعام جوز بيعه قبل القبض على كل حال، الا أن يكون سلفا. قال الصدوق في المقنع: لا يجوز أن يشترى الطعام من بيعه قبل أن يكتاله، وما لم يكن فيه كيل ولا وزن فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه، وقال في موضع آخر منه: ولا بأس أن يشترى الرجل النخل والثمار ثم يبيعه قبل أن يقبضه، وروى في حديث " انه لا بأس أن يشترى الطعام من بيعه قبل أن يقبضه ويوكل المشترى بقبضه ". وقال أبو الصلاح: يصح بيع ما استحق تسليمه قبل أن يقبضه، وينوب قبض الثاني عن الاول وأطلق. والمشهور بين المتأخرين من المحقق والعلامة ومن بعدهما هو القول بالجواز

[ 169 ]

على كراهة، والاخبار في المسألة على غاية من الاختلاف والاضطراب، فلابد من بسطها ونقلها ليظهر ما هو حقيقة الحق منها والصواب، بتوفيق الملك الوهاب، وبركة أهل الذكر الاطياب. فمن الاخبار الدالة على القول بالتحريم ما رواه الصدوق في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، الا أن توليه، فان لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه " قال في الفقيه بعد هذه الرواية: يعني أنه يوكل المشترى بقبضه. وظاهر المحدث الشيخ محمد الحر في الوسائل أن هذه الزيادة من أصل الرواية حيث أدرجها فيها (2) وهكذا نقلها في المختلف أيضا عن الفقيه، والاقرب انها من كلام صاحب الفقيه، كما يظهر من المحدث الكاشانى في الوافى، حيث لم ينقلها في الرواية. وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " انه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكتال، قال: لا يصلح له ذلك ". وما رواه في التهذيب أيضا بسند آخر في الصحيح عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله وأبي صالح عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله، وزاد وقال: " لاتبعه حتى تكيله ".


(1) الفقيه ج 3 ص 129 التهذيب ج 7 ص 35. (2) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 1. (3) الكافي ج 5 ص 178 التهذيب ج 7 ص 36. (4) التهذيب ج 7 ص 36.

[ 170 ]

وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن الحلبي (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم اشتروا بزا فاشتركوا فيه جميعا ولم يقتسموه أيصلح لاحد منهم بيع بزه قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس به، وقال: ان هذا ليس بمنزلة الطعام، لان الطعام يكال ". وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح في الكتاب الاول عن منصور (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى بيعا ليس فيه كيل ولا وزن، أله أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه ؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يكن فيه كيل ولا وزن، فان هو قبضه فهو أبرأ لنفسه ". وما رواه في التهذيب عن معاوية بن وهب (3) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا يبيعه حتى يكيله أو يزنه، الا أن يوليه بالذى قام عليه ". وعن سماعة في الموثق (4) قال: سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة، وقد كان اشتراها ولم يقبضها قال: لاحتى يقبضها، الا أن يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم عن نصيبه من شركته بربح، أو يوليه بعضهم فلا بأس ". وروى في التهذيب (5) قال: " وسأل على بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشترى الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه ؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وان كان يوليه فلا بأس، وسأله عن الرجل يشترى الطعام أيحل له أن يولى منه قبله أن يقبضه ؟ قال، إذا لم يربح عليه شئ فلا بأس، فان ربح فلا يصلح حتى يقبضه ".


(1 و 2) الفقيه ج 3 ص 136 التهذيب ج 7 ص 55 و 56. (3) التهذيب ج 7 ص 35. (4 و 5) التهذيب ج 7 ص 36.

[ 171 ]

وطريق الشيخ في التهذيب إلى على بن جعفر صحيح، فتكون الرواية صحيحة، فما ذكره في المسالك من أن الشيخ. ذكرها في التهذيب بغير اسناد وجعلها بذلك ضعيفة، غفلة مما ذكرناه. ورواه على بن جعفر في كتابه ورواه الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر (1) مثله. وعن أبي بصير (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله ؟ قال: لا يعجبنى أن يبيعه كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه، الا أن يوليه كما اشتراه، فلا بأس أن يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع، وما كان من شئ عنده ليس بكيل ولاوزن فلا باس ان يبيعه قبل أن يقبضه ". أقول: وهذه الاخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة على القول المذكور، ومقتضاها تصريحا في بعض وتلويحا في آخر عموم الحكم للمكيل والموزن، لا بخصوص الطعام. ويؤيدها أيضا ما رواه في الكافي عن على بن أبى حمزة عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل يشترى متاعا ليس فيه كيل ولا وزن أيبيعه قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس ". وجملة من هذه الاخبار قد دلت على النهى الذى هو حقيقة في التحريم،


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 9. (2) التهذيب ج 7 ص 37 الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 16. (3) الكافي ج 5 ص 200 الوسائل الباب 16 من ابواب احكام العقود الرقم 8.

[ 172 ]

كصحيحة منصور بن حازم (1) وصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله وابى صالح (2) وصحيحة معوية بن وهب (3) وموثقة سماعة (4). وما عدا هذه الاخبار فانها وان لم تكن مثلها في الصراحة، الا أنها بمعونة هذه الاخبار ظاهرة تمام الظهور ؟ خصوصا لفظ لا يصلح، فان ذكر هذه الالفاظ في ضمن هذا السياق الذى سيقت عليه الاخبار الناهية الصريحة في التحريم قرينة ظاهرة على أن المراد بها ما أريد بالنهي في تلك الاخبار التحريم، وان كانت في حد ذاتها أعم من ذلك، كما لا يخفى على المنصف المتدرب. ثم انه لا يخفى أن جملة من هذه الاخبار قد دلت على استثناء التولية فيجوز البيع قبل القبض في هذه الصورة، وفى بعضها تخصيص المنع بالربح، فيفهم منه الجواز مع المواضعة، الا أن عجز صحيحة على بن جعفر صريح في المنع مع المواضعة ايضا، وحينئذ فيحمل ما دل على ذكر الربح على مجرد التمثيل دون التخصيص، فيختص الجواز بالتولية خاصة، كما هو مفاد اكثر الاخبار، ويجب حمل الاخبار الدالة على النهى مطلقا على غير التولية جمعا. استدل القائلون بالجواز ومنهم المحقق الاردبيلى، فانه قد أطال في ذلك، ونحن ننقل كلامه ملخصا، فانه قد بالغ في نصرة القول المشهور بين المتأخرين بجده وجهده، فاستدل بعموم القرآن والاخبار الدالة على جواز البيع، والاصل، وبأن الناس مسلطون على اموالهم، وحصول التراضي مع عدم المانع عقلا، وعدم الخروج عن قانون وقاعدة. وصحيحة منصور بن حازم (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في رجل أمر

[ 173 ]

رجلا يشترى له متاعا فيشتريه منه ؟ قال: لا بأس بذلك، انما البيع بعد ما يشتريه ". وصحيحة محمد بن سلم (1) عن ابى جعفر (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لى متاعا لعلى أشتريته منك بنقد أو نسية فابتعاعه الرجل من أجله قال: ليس به بأس، انما يشتريه منه بعدما يملكه " فان قوله بعد التملك، وبعد الشراء كالصريح في الجواز قبل القبض مطلقا، فافهم. ويدل عليه أيضا صحيحة محمد الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام). " قال: سألته عن الرجل يشتر الثمرة ثم يبيعها قبل ان يأخذها ؟ قال: لا بأس به ان وجد ربحا فليبيع ". وصحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) " انه قال في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها قال: لا بأس ". ولا يخفى أن الثمرة مكيل، بل طعام على بعض الاطلاقات، والاول صريح في الجواز مع ارادة المرابحة، فيحمل ما يدل على عدم جوازها على شدة الكراهة للجمع، فتأمل. ويؤيد الجمع رواية أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) اشترى طعاما قبل أن يكليه ؟ قال: ما يعجبنى " الحديث كما قدمنا نقله. ثم قال: وهذه صريحة في الكراهة مرابحة، وكراهة المكيل والموزون قبل القبض، وعدم البأس في غيرهما. وكذا ما في رواية ابن الحجاج الكرخي (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام):


(1) التهذيب ج 7 ص 51. (2 و 3) التهذيب ج 7 ص 89. (4) ص 160. (5) التهذيب ج 7 ص 39 الفقيه ج 3 ص 131.

[ 174 ]

اشترى الطعام إلى أجل مسمى، فيطلبه التجار بعد ما اشتريته قبل أن أقبضه ؟ قال: لا بأس أن تبيع إلى أجل كما اشتريت " إلى آخره. وكذا رواية جميل بن دراج (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يشترى الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه ؟ قال: لا بأس، ويوكل الرجل المشترى منه بكيله وقبضه ؟ قال: لا بأس ". ويؤيده أيضا أن أكثر أخبار المنع وردت بلفظ لا يصلح، وهو ظاهر في الكراهة وليس بصريحة في التحريم، والتى بغير لفظ لا يصلح ليست أيضا بصريحة في التحريم قبل القبض، مثل رواية معاوية الاتية، لان فيها النهي عن البيع قبل الكيل، ومع الاجمال في قوله " الا أن توليه، الذى قام عليه ". نعم رواية منصور ظاهرة فيه، ويمكن تأويلها، وبالجملة الادلة التي افادت العلم لا ينبغى الخروج عنها الا بدليل قوى. انتهى ملخصا. أقول: لا يخفى ما فيه على المنصف النبيه من التكلف والخروج عن القواعد المقررة والضوابط المعتبرة، أما ما استدل به أولا من الاصل وعمومات القرآن والاخبار وأن الناس مسلطون على اموالهم، ففيه أن ما دلت عليه الاخبار المذكورة خاص، ومقتضى القاعدة تخصيص تلك العمومات به، والاصل يجب الخروج عنه بالدليل، وهو موجود بالتقريب الذى قدمناه ذيل تلك الاخبار. وبذلك يظهر لك مافى قوله وعدم الخروج من قانون وقاعدة وكيف لا يكون فيما ذهب إليه خروج عن قاعدة، ومورد هذه الاخبار أخص مما استدل به من العمومات، وقاعدة المسألة تقتضي الحكم بالخاص على العام، والمقيد على المطلق.


(1) التهذيب ج 7 ص 36 الكافي ج ص 179.

[ 175 ]

وأما صحيحة منصور بن حازم وصحيحة محمد بن مسلم فالقول فيهما كذلك أيضا، فان المبتاع فيهما مطلق، شامل باطلاقه للمكيل والموزون وغيرهما، والواجب تخصيصهما بما عدا المكيل والموزون، كما أفصحت به صحيحة منصور ابن حازم التى هي أول تلك الاخبار، من قوله (عليه السلام) " إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن " إلى آخره، فانها قد فصلت بين المتاع المكيل والموزون وغيرهما، وبه يجب الحكم على اطلاق الخبرين المذكورين. ونحوها صحيحة الاخرى وغيرها، وبه يتأكد ما أوردنا على قوله " وعدم الخروج عن قانون وقاعدة ". وأما صحيحة محمد الحلبي وصحيحة محمد بن مسلم الواردتان في بيع الثمار فهما ليسا من محل البحث في شئ، حيث أن الظاهر من الاخبار من المكيل والموزون هنا انما هو ما أمكن كيله ووزنه بالفعل، لا بالقوة، قريبة أو بعيدة، والثمرة انما هي من قبيل الثاني، مع أنهما أخص من محل البحث، ومعارضتان بموثقة سماعة المتقدمة. وبذلك يظهر ما في قوله " ولا يخفى أن الثمرة مكيل " فانه ان أراد بالفعل فهو ليس كذلك، كما هو ظاهر لكل ناظر، وان أراد بالقوة فهو ليس محل البحث الذى دلت عليه الاخبار. وأما رواية أبى بصير وقوله (عليه السلام) فيها " ما يعجبنى " فهو أعم من التحريم والكراهة، وهذا اللفظ يساوق قولهم في مواضع " ما أحب " الذى قد وقع استعماله في التحريم في مواضع، وسياق الخبر إلى آخره ظاهر في ذلك. وبذلك يظهر ما في قوله " وهذه صريحة في الكراهة "، وما أدرى من أين حصلت له هذه الصراحة مع الاجمال في اللفظ المذكور، ودلالة السياق على ما ذكرنا من التحريم، وان سياق هذه الرواية سياق الروايات الصريحة في التحريم بالنهي

[ 176 ]

عن ذلك، فهذا اللفظ هنا مراد به ما دلت عليه تلك الالفاظ الصريحة في النهي. وأما رواية ابن الحجاج الكرخي فهى مع ضعفها وقصورها عن معارضة ما قدمناه من الاخبار مخصوصة بما إذا اشترى الطعام بثمن مؤجل، وأراد بيعه مرابحة بثمن مؤجل، حيث أنه لا يصح نقدا لان الاجل له قسط من الثمن، فموردها أخص من محل البحث، فلا تنهض حجة على تمام المدعى. وأما رواية جميل فهى ظاهرة فيما ادعا، لكنها لا تبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من الاخبار. وكيف كان فانه قد ظهر بما قررناه أنه ليس في الاخبار ما يدل على هذا القول المشهور بينهم الا رواية جميل المذكورة على ما هي عليه من الضعف، والا فقد عرفت حال ما عداها، وبذلك يظهر ما في قوله " وبالجملة الادلة التي أفادت العلم لا ينبغى الخروج عنها الا بدليل قوى " فانه مجرد دعوى خالية من الدليل، بعد ما عرفت من احوال ادلته هي من هذا القبيل. ثم أنه قال (قدس سره): ثم انه يمكن حمل أخبار المنع مع ما عرفت فيها من عدم التصريح بالنهي والتحريم، وامكان التأويل للجمع المذكور على عدم وقوع الكيل والوزن في الشراء الاول، وهى ليست بصريحة في وجودها إلى آخر كلامه. أقول: انظر إلى هذا الكلام المنحل الزمام، والمختل النظام، الذى هو من أضعف الاوهام، أما أولا فمن حيث انكاره النهى عن ذلك، وقد عرفت الاخبار الصحيحة الصريحة في النهى الذى هو حقيقة في التحريم. وأما ثانيا فمن حيث حمله للاخبار النهى على عدم وقوع الكيل والوزن في الشراء الاول، مع أن هذا هو موضوع المسألة، ومحل الخلاف الذى اختلف

[ 177 ]

فيه الاقوال والاخبار، لان موضوع المسأله انه هل يجوز بيع المكيل والموزون ثانيا قبل قبضه من البايع الاول أم لا ؟ والقبض في المكيل والموزون هو كيله ووزنه لاجل القبض، كما عرفت. والروايات بعضها بلفظ عدم القبض، وبعضها بلفظ الكيل والوزن، والمرجع إلى أمر واحد. ورواية جميل التى اعتمدها دليلا على الجواز، صريحة في جواز بيعه قبل قبضه، وأن يوكل المشترى الثاني في القبض عنه، ليقبض وكالة عنه، ويقبض لنفسه، فهو وكيل في القبض والاقباض، وهو صريح في جواز البيع قبل الكيل والوزن. وبالجملة فان كلام هذا المحقق هنا لا يخلو عن غفلة واستعجال، وعدم تأمل فيما سطره من المقال، لظهور ما فيه من الاختلال، هذا والعجب أن من قواعد أصحاب هذا الاصطلاح الدوران مدار الاخبار الصحيحة الاسانيد، والعمل بها، وطرح ما عارضها، وانهم لا يجمعون بين الاخبار الا بعد التساوى في الصحة، والا فنراهم يطرحون الضعيف من البين، ولم أقف على من وقف على هذه القاعدة هنا الا قليل منهم. قال في المسالك بعد أن نقل الاستدلال على الجواز بخبرى جميل وابن الحجاج الكرخي، وعلى العدم بصحاح الحلبي ومنصور بن حازم ومعاوية بن وهب، ونقل عنهم الجمع بين الاخبار، بحمل اخبار المنع على الكراهة ما لفظه: وهذا الجمع انما يتم لو كانت الاخبار متكافئة في وجوب العمل بها، لكن الامر هنا ليس كذلك، لان اخبار المنع صحيحة متظافرة، وخبر التسويغ في طريق أولهما على بن حديد وهو ضعيف، والاخر مجهول، فالقول بالمنع أوضح، وهو خيرة العلامة في التذكرة والارشاد، والشيخ في المبسوط، بل ادعى عليه الاجماع جماعة من الاصحاب انتهى. وهو جيد هذا مع ما عرفت في غير موضع مما تقدم ما في الجمع بين الاخبار بالكراهة والاستحباب كما هو القاعدة المطردة عندهم في جميع الابواب من عدم الدليل على ذلك، من سنة ولا كتاب، بل عدم الاستقامة في حد ذاته، كما لا يخفى

[ 178 ]

على المنصف من أولى الالباب، لان الاستحباب والكراهة حكمان شرعيان يتوقفان على الدليل الواضح، ومجرد اختلاف الاخبار ليس بدليل على ذلك. وأيضا فان الاصل في الامر الوجوب، وفى النهى التحريم، كما حققه المحققون في الاصول، وعليه دلت الايات والروايات كما سلف تحقيقه في المقدمات (1) من أول كتاب الطهارة وحملهما على غير ذلك مجاز يتوقف على القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. وأنت إذا تدبرت في أخبار المسألة نفيا واثباتا ظهر لك ان الحكم بالتحريم كان شايعا في الصدر الاول بين أصحاب الائمة (عليهم السلام) كما يشير إليه رواية على بن أبى حمزة، وصحيحة الحلبي المشتملة على شراء البر، وصحيحة منصور الثانية، فانها تشعر بتوهم سريان التحريم إلى غير المكيل والموزون، فحصل السؤال عنه وهو يشعر بشهرة الحكم بالتحريم في الموزون والمكيل حتى توهم الحاق غيرهما بهما، كما لا يخفى (2). وبالجملة فالظاهر عندي هو القول بالتحريم الا في صورة التولية، كما نصت عليه الاخبار المتقدمة، وارتكاب التأويل في خبرى ابن الحجاج، وجميل المذكورين أن أمكن، والا فالرد إلى قائلهما. فوائد الاولى لو باع على تقدير القول بالتحريم مطلقا أو في غير التولية، هل يقع البيع باطلا، أو يصح وان أثم وصرح بالاول ابن ابى عقيل في عبارته المتقدمة في صدر المسألة، وبالثانى قطع العلامة في المختلف. فقال: ولو قلنا بالتحريم لم يلزم بطلان البيع، ولم يتعرض إلى دليل في المقام، وكانه مبني على ما اشتهر عندهم من أن النهى في المعاملات لا يقتضى الفساد، انما ذلك في العبادات، والحق


(1) ص ج 1 ص 112. (2) أقول ملخص الاقوال هنا ثلاثة، الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والتفصيل بين التولية وغيرها فيجوز فيها ويحرم في غيرها. منه رحمه الله.

[ 179 ]

في ذلك هو التفصيل الذي قدمنا ذكره في كتاب الصلاة (1) وتقدمت الاشارة إليه ايضا قريبا من أنه ان كان النهى في المعاملات من حيث عدم صلاحية المعقود عليه للدخول تحت العقد، فالاظهر بطلان العقد، وان كان بسبب أمر خارج فالاظهر الصحة، والظاهر أن ماهنا من قبيل الاول، وهو اختياره في المسالك أيضا قال: ويؤيده أن النهى هنا راجع إلى نفس البيع، فيبطل كبيع المجهول ونحوه، ولتعلق النهى فيه بمصلحة لا تتم الا بابطاله. الثانية اكثر الاصحاب جعلوا محل الخلاف هو الطعام، والظاهر من الاخبار المقدمة بالنظر إلى حمل مطلقها على مقيدها وعامها على خاصها هو المكيل والموزون مطلقا، وسياق جملة من الاخبار المتقدمة ظاهر في ذلك أوضح الظهور، وذكر الطعام في بعض انما خرج مخرج التمثيل، لانه اشهر افراد المكيل والموزن وأكثرها دورانا في المعاملات. ثم انه على تقدير الاختصاص بالطعام فهل المراد به كلما أعد للاكل كما هو موضوعه لغة أو يختص بالحنطة والشعير لانه معناه شرعا ؟ كما نبهوا عليه في موارد، منها حل طعام اهل الكتاب قولان: وبالثانى صرح فخر المحققين في بعض فوائده على ما نقلوه عنه، وفى دعوى اختصاص طعام أهل الكتاب بالحنطة والشعير نظر، إذ الظاهر من الاخبار الشمول لجيمع الافراد الموزونة من الحبوب مثل العدس والذرة ونحو ذلك. الثالثة: لو ملك ما يريد بيعه بغير بيع جاز وان لم يقبضه، كالميراث والصداق للمرأة والخلع ونحوها. قال في المسالك: المنع على القول به مشروط بأمرين انتقاله بالبيع، ونقله به، فلو انتقل بغيره أو نقله بغيره لم يحرم، أما الاول فلا نعلم فيه خلافا، واما


(1) ج 7 ص 105.

[ 180 ]

الثاني فهو المشهور، غير أن الشيخ الحق به الاجارة، محتجا بأنه ضرب من البيوع، وهو ممنوع، وكذلك منع من الكتابة، بناء على أنها بيع العبد من نفسه، وهو مع تسليمه لا يستلزم المنع، لان العبد ليس مما يكال أو يوزن، وغاية المنع عندنا أن يكون المبيع مقدرا بهما. انتهى. ثم انه على تقدير الجواز في الميراث ونحوه مما تقدم، قد استثنى بعضهم من ذلك صورا منها ما إذا اشترى الميت قبل الموت مكيلا أو موزونا ولم يقبضه، فانه لا يجوز للوارث بيعه قبل قبضه، ورد بأن انتقاله إلى الوارث بالارث واسطة بين البيعين. ومنها في الصداق إذا اشترى المصدق الصداق مثلا ولم يقبضه، وأصدقه المرأة قبل القبض، وأرادت المرأة بيعه والحال كذلك، وأجيب عنه بما أجيب عن سابقه، فان اصداقه للمرأه واسطة بين البيعين، وهكذا القول في عوض الخلع إذا اشترته المرأة ولم تقبضه، ثم جعلته عوضا للخلع، وأراد الزوج بيعه والحال كذلك، فان جعله عوضا للخلع واسطة بين البيعين أيضا، فالاستثناء غير واضح لثبوت الواسطة في الجميع. الحادى عشر المشهور أنه لو كان له على غيره طعام من سلم، وعليه مثل ذلك، فأمر غريمه أن يكتال لنفسه من الاخر، فان قلنا بتحريم بيع ما لم يقبض حرم هنا أيضا، وان قلنا: بالكراهة اكره هنا أيضا، ذكر ذلك الشيخ في الخلاف والمبسوط، وتبعه الجماعة لان المحتال قبض المحال عوضا عن ماله قبل أن يقبضه صاحبه، فيكون من قبيل بيع ما لم يقبض، وقيل: بأن هذا ليس من تلك المسألة في شيئ، لما عرفت من أن المنع من بيع ما لم يقبض تحريما أو كراهة مشروط بشرطين، انتقاله بالبيع، ونقله به، وما ذكر في هذا الفرض وان كان تبعا من حيث أن السلم فرد من افراده، الا ان الواقع من السلم اما حوالة لغريمه من القبض، أو وكالة له فيه، وكل منهما ليس ببيع، ودعوى أن الحوالة ملحقة بالبيع في حيز المنع.

[ 181 ]

أقول: ويؤيد هذا القول ما رواه المشايح الثلاثة (عطرالله مراقدهم) في الصحيح في بعض والموثق في اخرى عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه كرمن طعام فاشترى كرا من رجل آخر، فقال: للرجل انطلق فاستوف كرك فقال: لا بأس به " وهو ظاهر في المراد عار عن وصمة الايراد. وبه يظهر قوة القول المذكور. مضافا إلى ما تقدم من ان الواقع هنا انما هو حوالة لا بيع. وأجاب الشهيد في بعض تحقيقاته عن ذلك بأمر مورد السلم لما كان ماهية كلية ثابتة في الذمة منطبقة على افراد لا نهاية لها، فاى فرد عينه المسلم إليه، تشخص بذلك الفرد، وانصب العقد عليه، فكأنه لما قال للغريم: اكتل من غريمي فلان قد جعل عقد السلم معه واردا على ما في ذمة غريمه المستسلف منه، ولما يقبضه بعد، ولا ريب أنه مملوك له بالبيع، فإذا جعل مورد السلم الذى هو بيع يكون بيعا للطعام قبل قبضه، فيتحقق الشرطان، ويلتحق بالباب، قال: وهذا من لطايف الفقه. قال في المسالك بعد نقل ذلك: وهذ التحقيق غاية ما يقال هنا في توجيه كلام الشيخ ومن تبعه، الا انه مع ذلك لا يخلو من نظر لان مورد السلم ونظايره من الحقوق الثابتة في الذمة لما كان أمرا كليا، كان المبيع المتحقق به هو الامر الكلى، وما يتعين لذلك من الاعيان الشخصية بالحوالة وغيرها ليس هو نفس المبيع، وان كان الامر الكلى انما يتحقق في ضمن الافراد الخاصة فانها ليست عينه، ومن ثم لو ظهر المدفوع مستحقا أو معيبا رجع الحق إلى الذمة، والمبيع المعين ليس كذلك، ونظير ذلك ما حققه الاصوليون من أن الأمر بالكلى ليس أمرا بشئ من جزئياته الخاصة وان كان لا يتحقق الا بها.


(1) الكافي ج 5 ص 179 التهذيب ج 7 ص 37 الفقيه ج 3 ص 129.

[ 182 ]

وحينئذ فانصباب العقد على ما قبض، وكونه حينئذ بيعا غير واضح، فالقول بالتحريم عند القائل به في غيره غير متوجه، نعم لا بأس حينئذ بالكراهة خروجا من خلاف الشيخ والجماعة وتحرزا عما هو مظنة التحريم انتهى وهو جيد. الثاني عشر لو كان له على غيره طعام من سلم، فدفع إليه مالا وقال اشتر به به طعاما، فان قال: اقبضه لى ثم اقبضه لنفسك، بمعنى أنه وكله في القبض والاقباض قالوا: صح الشراء خاصة، دون القبض والاقباض، لانه لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ذكره الشيخ وتبعه جملة ممن تأخر عنه وتردد في الشرايع. قال الشيخ: لانه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره في قبض حق نفسه من نفسه، وجملة من المتأخرين قد صرحوا بالجواز، لان الاصل ذلك، ولانه وكله في الاقباض، والمغايرة الاعتبارية في القابض والمقبوض منه كافية، ومثله تولى طرفي العقد. أقول: وقد تقدم الكلام في مسألة تولى الواحد طرفي العقد في الموضع الخامس من المسألة الخامسة من المقام الاول من الفصل الاول في البيع (1) قالوا: ولو قال: اشتر لك لم يصح الشراء، ولا يتعين له بالقبض، وعلل بأن مال الغير يمتنع شراء شئ به لنفسه مادام على ملك الغير، وهذا هو الفارق بين هذه وسابقها، حيث حكم بصحة الشراء ثمة، ونقل عن الشيخ في الخلاف جواز ذلك هنا، وجعله قبضا للطعام بجنس الدراهم أو قبضا للدراهم، ورد بعدم وجود دليل يدل على ما ادعاه. نعم لو علم من الدافع ارادة أحد الامرين وقبل القابض صح ذلك. أقول: والذى وقفت عليه في هذا المقام روايات، منها ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل


(1) ج 18 ص 416. (2) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 29 الفقيه ج 3 ص 164.

[ 183 ]

أسلفته دراهم في طعام فلما حل طعامي عليه بعث إلى بدراهم فقال: اشتر لنفسك طعاما واستوف حقك ؟ قال: أرى أن يولي ذلك غيرك، وتقوم معه حتى تقبض الذى لك، ولا تتولى انت شراءه " وما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف دراهم في طعام فحل الذى له فأرسل إليه بدراهم فقال: اشتر طعاما واستوف حقك هل ترى به بأسا ؟ قال: يكون معه غيره يوفيه ذلك ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الاخر أحمال رطب أو تمر، فيبعث إليه بدنانير فيقول: اشتر بهذه واستوف منه الذى لك ؟ قال: لا باس إذا ائتمنه ". أقول: الظاهر من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو أن النهى عن الشراء في الخبرين الاولين انما هو لخوف التهمة، كما أفصح به الخبر الثالث، وحينئذ فيجوز له الشراء متى أمن التهمة، وعلى ذلك تكون الاخبار ظاهرة في جواز الشراء والقبض والاقباض، وبه يظهر عدم الالتفات إلى ما ذكره من التوجيهات الركيكة، الامر في ذلك في الاخبار سيما في باب البيوع والطهارات والنجاسات ونحوها أوسع من ذلك، كما لا يخفى على من مارسها، وتأملها،. ومن الظاهر أن قوله: اشتر لنفسك طعاما كما في الخبر الاول، مثل قولهم " اشتر لك " الذى حكموا فيه بعدم صحة الشراء، " واستوف حقك " في جميع هذه الاخبار كناية عن الاقباض، فهو وكيل من جهة صاحب الدراهم في الاشتراء، والقبض والاقباض، وقوله " اشتر لك، أو اشتر لنفسك " انما هو عبارة عن توكيله في الشراء بتلك الدراهم، فلا معنى لقولهم انه يمتنع شراء شيئ به لنفسه ما دام


(1) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 30. (2) التهذيب ج 7 ص 42 في ذيل حديث مع اختلاف يسير.

[ 184 ]

على ملك الغير، وبالجملة فان الامر في هذا الباب أوسع مما ذكره. والمحدث الكاشانى في الوافى قد حمل النهى في الخبرين الاولين على غير البصير بالمسألة الفقهية في هذا المجال، فان دفع الدراهم في هذه الصورة أعنى وقت حلول مال السلم وعدم وجوده عند المسلم إليه قد يكون لفسخ البيع، لعدم وجوده، فلا يستحق أزيد من رأس ماله، وقد يكون لتوكيل صاحب الطلب في شرائه وقبضه واقباضه، فيصح مع الزيادة، وما ذكره (قدس سره) جيد في غير هذين الخبرين من أخبار الباب الذى عقده لذلك. والوجه في المنع في هذه الاخبار التى ذكرناها انما هو ما قدمناه من خوف التهمة، كما صرح به في الخبر الثالث، ويؤيده أن هذين الخبرين لم يتعرض فيهما لجواز الزيادة وعدمها، وقد حققنا ذلك في حواشينا على الكتاب المذكور والله العالم. الثالث عشر قالوا إذا قبض المشترى المبيع ثم ادعى نقصانه، فان لم يكن حضر كيله ولاوزنه، فالقول قوله، وان كان حضر فالقول قول البايع، قيل: وانما كان القول قول البايع في الثانية مع أن الاصل عدم وصول حق المشترى إليه في الصورتين، عملا بالظاهر، من أن صاحب الحق إذا حضر لاستيفاء حقه يحتاط لنفسه، ويعتبره مقدار حقه، فيكون هذا الظاهر مرجحا لقول البايع ومقويا لجانبه، ومعارضا للاصل، فيقدم قوله يمينه، وهذه مما وجح فيها الظاهر على الاصل وهو قليل. انتهى. أقول: الظاهر من العبارة الاولى التى قدمنا نقلها عنهم أن حضور الكيل والوزن في هذا المقام أعم من أن يكون الكيل والوزن لذلك المشترى، أو للبايع فانه قد تقدم في جملة من الاخبار وبه صرحوا ايضا أنه يجوز الشراء بالكيل والوزن الذى اخذ به البايع إذا حضر المشترى الثاني ذلك، والتعليل الذى ذكره هذا

[ 185 ]

القائل انما يتم على تقدير الصورة الاولى، دون الثانية، فان المشترى الثاني حال الكيل والوزن للبايع هو المشترى الاول لا يصدق عليه انه حضر لاستيفاء حقه، وأنه يحتاط لنفسه، بل الحق في تلك الحال انما هو حضر لغيره وان كان هو من جملة الحاضرين، وأنه بعد ذلك الكيل والوزن قد اخذه به واعتمد عليه. وبالجملة فان التعليل المذكور لايتم في احدى الصورتين المذكورتين، وتخصيص العبارة الاولى بهذه الصورة يحتاج إلى ما يدل عليه، وظاهرها انما هو العموم كما قدمناه، وبه لايتم الدليل المذكور كليا، ثم انه على تقدير التخصيص بهذه الصورة فان التعليل المذكور لا يخلو أيضا من شئ، فانه بمقتضى ما ذكره أنه قد تعارض الاصل والظاهر، ان الاصل مرجح لجانب المشترى، والظاهر مرجح لجانب البايع، ومقتضى تعارضهما تساقطهما، والتوقف في ذلك الا مع وجود المرحج لاحدهما، وهو لم يذكر هنا مرجحا للظاهر يوجب تقديمه على الاصل، اللهم الا أن يراد أن الظاهر رافع لحكم الاصل، كالخبر الدال على خلاف مقتضى الاصل، فانه يجب الخروج به عن مقتضى الاصل، والمراد بالتعارض هنا انما هو ذلك، والظاهر أنه هو المراد في أمثال هذا المقام. وفيه مع ذلك جواز الغفلة والسهو من ذلك المشترى، أو الاعتماد على كيل البايع ووزنه، فلا يمكن الخروج به عن الاصل المذكور، وبالجملة المسألة لخلوها من النص لا يخلو من التوقف والاشكال والله العالم. الرابع عشر لو كان في ذمته طعام، وأراده منه أو قيمته في بلد اخرى غير البلد التى استقر الطعام فيها بذمته فهو لا يخلو عن ثلاثة شقوق، الاول أن يكون الطعام سلفا قالوا: إذا أسلفه في طعام بالعراق مثلا، ثم طالبه بالشام لم يجب عليه دفعه، لان مال السلم يتعين دفعه عند الاطلاق في بلده، وفى موضع التعيين ان عين الموضع، فدفعه في غير بلد يتعين دفعه فيه غير واجب، سواء كانت فيمته وقت المطالبة مخالفة لقيمته في بلد التسليم أم مساوية، قالوا: وهذا لا شبهة فيه. أقول لم أقف على دليل يدل على ما ادعوة هنا من أنه مع الاطلاق يتعين

[ 186 ]

التسليم في بلده، فان وجد الدليل تم ما رتبوه على ذلك، والا فلا، فليتأمل. قالوا ولو طالبه في ذلك البلد الاخر بالقيمة ورضى المسلم إليه بالدفع، قيل لم يجز، لانه بيع الطعام على من هو عليه قبل قبضه، بناء على القول بالتحريم في تلك المسألة، أو يكره بناء على القول بالكراهة ثمة. وقيل: والظاهر أنه المشهور بين المتأخرين بالجواز من غير تحريم ولا كراهة لان ذلك ليس بيعا، وانما هو استيفاء للحق، غايته أنه بغير جنسه، مثل هذا لا يسمى بيعا، فلا يحرم. وربما قيل: بكراهته، خروجا من خلاف الشيخ القائل بالتحريم وتخلصا من عرضة التحريم. هذا كله إذا رضى المسلم إليه بالدفع. أما لو لم يرض فهل يجبر على ذلك ؟ بناء على الجواز في الاول، المشهور العدم، لان الواجب في ذمته هو الطعام لا القيمة وما في ذمته لا يجب دفعه في البلد المذكور، فأولى أن لا يجب عليه دفع ما لم تجر عليه المعاوضة، ولم يقتضيه عقد السلم. وذهب بعض الاصحاب ومنهم العلامة في التذكرة إلى وجوب دفع القيمة حينئذ، مستندا إلى أن الطعام الذى يلزمه دفعه معدوم، فكان كما لو عدم الطعام في بلد يلزمه التسليم فيه ورد بأن فيه منعا ظاهرا، إذ ليس ثمة طعام يلزم دفعه حتى ينتقل إلى القيمة. اقول: ومما يدل على ما هو المشهور من جواز أخذه الثمن متى وقع الرضا من الطرفين بذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبان (1) عن بعض اصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل، فيحل


(1) الكافي ج 5 ص 185 التهذيب ج 7 ص 30.

[ 187 ]

الطعام، فيقول: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ منى ثمنه قال: لا بأس بذلك ". وعن ابن فضال (1) قال: كتبت إلى أبى الحسن (عليه السلام): الرجل يسلفني في الطعام، فيجئ الوقت وليس عندي طعام اعطيه بقيمته دراهم ؟ قال: نعم " وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أسلف رجلا دراهم بحنطة، حتى إذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام، ووجد عنده دوابا ورقيقا ومتاعا، أيحل أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه ؟ " قال: نعم، يسمى كذا وكذا بكذا وكذا صاعا ". وبذلك يظهر لك ضعف ما ذهب إليه الشيخ وأتباعه من عدم جواز أخذ القيمة للعلة التى ذكرها، والظاهر أن الوجه في الجواز هو ما ذكروه، من أن ذلك استيفاء لحقه، لا بيع ليلزم ما ذكر، ولا ينافى ذلك قوله في الرواية الثالثة " يسمى كذا وكذا بكذا وكذا صاعا " فان المراد منه أنه حيث كانت القيمة عروضا لا دراهم فلابد من تشخيصها في مقابلة الطلب الذى له، ليحصل بذلك استيفاء حقه. وأما ما ذكروه من عدم جبره لو طلب صاحب السلم القيمة، لان الواجب في ذمته هو الطعام لا القيمة فهو جيد ان تم ما ذكروه من عدم وجوب التسليم مع الاطلاق الا في بلد السلم، الا أنك قد عرفت أنا لم نقف له على دليل. وما يؤيد مذهب العلامة في التذكرة هنا لزوم الضرر بصاحب الحق، فان توقف ايصال حقه على الوصول إلى بلد السلم مع أنه ربما لا يتيسر له الرجوع إليها أو يتعذر عليه ذلك موجب لما ذكرناه، فإذا لم يجب على من عليه السلام دفع مال السلم لتوقفه على الوصول إلى تلك البلد التى وقع السلم فيها، ولم يجب عليه دفع قيمته، والحال أن رجوع صاحب الطلب إلى تلك البلد غير ممكن فالازم


(1) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 30. (2) الكافي ج 5 ص 186 التهذيب ج 7 ص 31 الفقيه ص 165.

[ 188 ]

فوات حقه، وهو عين الضرر. اللهم الا أن يقال بالجوار في هذه الصورة من حيث دفع الضرر، وأن هذه خارجة عن محل البحث، والخلاف انما هو فيما إذا لم يكن كذلك، فيتم ما ذكروه على ما عرفت فيه. الثاني لو كان الطعام قرضا قالوا: جاز أخذ العوض إذا تراضيا على ذلك لانتفاء المانع المذكور في الصورة الاولى، وهو بيع الطعام المنتقل بالبيع قبل قبضه، وانما الاشكال في وجوب دفع العوض في غير بلد القرض، لان اطلاق القرض منزل على قبضه في بلده، فليس للمقرض المطالبة في غيره، كما أنه لو بذل له المقترض لم يجب عليه قبضه أيضا، لما في نقله إلى ما عينه الشارع موضعا للقبض من المؤنة، وإذا لم يجب دفع عين الحق فكذا قيمته، لعدم وقوع المعاوضة عليها واختار العلامة في المختلف وجوب دفع المثل وقت المطالبة، فان تعذر فالقيمة ببلد القرض. أقول: لم أقف بعد التتبع والفحص على دليل لما ذكروه هنا ايضا، من أن اطلاق القرض منزل على قبضه في بلده، وأنه لاجل ذلك ليس للمقرض المطالبة في غيره، ولا يجب عليه القبض ايضا لو بذله المقترض له في غيره، بل ربما دل ظاهر بعض الاخبار على خلاف ذلك. مثل ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل لى عليه مال، فغاب عنى زمانا، فرأيته يطوف حول الكعبة فأتقاضاه قال: (عليه السلام): لا تسلم عليه ولا تروعه حتى يخرج من الحرم " فان ترك الاستفصال يفيد عموم المقال كما ذكروه في غير مقام.


(1) الوسائل الباب 26 من ابواب الدين الرقم 1.

[ 189 ]

ويشير إلى ما ذكرناه من المناقشة في الموضعين المذكورين كلام المحقق الاردبيلى قال بعد ذكر نحو ما ذكروه من الاحكام المترتبة على دينك الحكمين: ما لفظه كل ذلك ظاهر مما تقدم إذا قيل بتعيين موضع السف والقرض للطلب فيه وهو محل التأمل. ثم قال: ويمكن الرجوع إلى القرائن، ومع عدمها إلى العرف الغالب بين الناس كما سلف في تعيين زمان السلف ومكانه انتهى. وبالجملة فالظاهر بناء على ما ذكرناه هنا هو قريب ما ذكره في المختلف، الا ان الظاهر ان تخصيصه القيمة ببلد القرض مبنى على ما نقلناة عنهم وقد عرفت ما فيه. الثالث أن يكون غصبا فقيل: انه لا يجب دفع المثل، ويجوز دفع القيمة بسعر البلد التى استقر الطعام في الذمة فيها، ونسب القول المذكور للشيخ مساويا بينه وبين القرض في الحكم. وقيل: وهو الاشهر بجواز مطالبة الغاصب بالمثل حيث كان، وبالقيمة الحاضرة عند الاعواز، وعلل بأنه حق تثبت عليه بعدوانه، فيعم كل مكان، وهو مؤاخذ بأسوء الاحوال. ووجه وجوب القيمة عند الاعواز انه وقت الانتقال إلى القيمة في المثلى واستقرب في المختلف قول الشيخ في القيمة، وهى قيمة بلد القرض، لانه غصبه هناك، فإذا تعذر المثل وجب عليه قيمته فيه. ونقل ما عليه الاكثر عن والده واحتمل بعضهم أعلى القيم من حين الغصب إلى حين الدفع، والظاهر هو القول المشهور في كل من الامرين المذكورين والله العالم. الخامس عشر قالوا: لو اشترى عينا بعين، وقبض احدى العينين وبقيت الاخرى عند بايعها، ثم باع القابض ما قبضه، ثم تلفت العين الاخرى عند بايعها بطل

[ 190 ]

البيع الاول، ولا سبيل إلى اعادة ما بيع ثانيا، لان تلك العين كانت ملكا خالصا للبايع، وانما طرء البطلان على العقد بعد انتقال العين، فلا يؤثر فيما سبق من التصرفات، وعلى هذا فيلزم على البايع الثاني دفع المثل ان كانت العين مثلية، والقيمة ان كانت قيمية، كما لو تلفت العين. بقى الكلام في القيمة هل هي قيمته يوم البيع، أو يوم تلف العين الاخرى يحتمل الاول لانه وقت تعذر المثل، والثانى لان القيمة لم تكن لازمة للبايع، وانما لزمت بتلف العين الاخرى الموجب لبطلان البيع، واستجوده في المسالك. قيل: ويستفاد من ذلك أن تلف المبيع قبل قبضه انما يبطل المبيع من حينه، لا من أصله، والا لاسترد العين، وتظهر الفايدة في ذلك وفى النماء. أقول لم أقف في هذه المسألة على نص بالخصوص، وبذلك يظهر ما في الفائدة المذكورة، فانه لو كان الحكم المذكور منصوصا لصحت هذه الفايدة وأما إذا كان ذلك ! انما هو بمجرد فتواهم وكلامهم فانه لا ثمرة لهذه الاستفادة والله العالم. المطلب الرابع في اختلاف المتبايعين وفيه مسائل: الاولى إذا عين المتبايعان نقدا مخصوصا تعين، وان أطلقا فان كان نقد البلد متحدا انصرف الاطلاق إليه، وان كان متعددا انصرف إلى ما هو الغالب، لما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد الغالبة المتكررة، لو كثرت النقود فيها ولا غلبة في شئ منها بطل، لان تعدد النقود في البلد بمزلة اللفظ المشترك، ولا يحمل على أحد معانيه الا مع القرينة، ومع الغلبة فالقرينة ظاهرة، ومع التساوى فاللازم بطلان البيع، لمجهولية الثمن أو المبيع.

[ 191 ]

بقى الاشكال في ان الغلبة قد تكون في الاستعمال، وقد تكون في الاطلاق، بمعنى أن الاسم يغلب على أحدها، وان كان غيره أكثر استعمالا كما يتفق ذلك في بعض النقود، فان اتفقت الغلبة فيهما، فلا اشكال في الحمل على الاغلب وان اختلف بأن كان أحدهما أغلب استعمالا والاخر أغلب وصفا، ففى ترجيح أحدهما أو كونهما بمنزلة المتساوي نظرا إلى تعارض المرجحين اشكال، وهكذا الكلام في الكيل والوزن. الثانية إذا اختلفا في قدر الثمن فادعى البايع أكثر، وادعى المشترى أقل فالمشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه الشيخ الاجماع أن القول قول البايع بيمينه ان كانت السلعة قائمة، وقول المشترى مع يمينه ان كانت تالفة. ويدل على ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة مسندا في روايتي الكليني والشيخ عن أحمد بن محمد بن أبى نصر (1) عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) ومرسلا في الفقيه (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يبيع الشئ فيقول المشترى: هو بكذا وكذا بأقل مما قاله البايع، قال: القول قول البايع مع يمينه إذا كان الشئ قائما بعينه " (3) والتقريب فيها أنها تدل بمنطوقها على تقديم قول البايع مع قيام عين المبيع، وبمفهومها على تقديم قول المشترى مع تلف العين، ولا يضر ارسال الخبر المذكور، لرواية المشايخ الثلاثة له، ولما ذكروه من استثناء مراسيل أحمد بن محمد بن أبى نصر، لانه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ولعمل جل الاصحاب بها لاسيما المحدثين الثلاثة، وغيرهم من المتقدمين وجل المتأخرين قال في الوافى بعد ذكر الخبر المذكور: والوجه فيه أن مع بقاء


(1) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 26. (2) الفقيه ج 3 ص 171. (3) يعنى قيام السلعة وتلفها منه رحمه الله.

[ 192 ]

العين يرجع الدعوى إلى رضا البايع، وهو منكر لرضاه بالاقل، ومع تلفه يرجع إلى شغل ذمة المشترى بالثمن، وهو منكر للزيادة (1). أقول هذا الوجه الذى ذكره هنا قد احتج به بعض القائلين بالقول المشهور وقد تنظر فيه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال: لاتفاقهما على انتقال العين إلى المشترى وملكه لها، وانما الخلاف بينهما فيما يستحق في ذمة المشترى، فلا وجه لتقديم قول البايع، بل المشترى هو المنكر في الموضععين، ثم قال: فالمعتبر حيئذ هو النص. انتهى وهو جيد متين. وما ذكره (قدس سره) هنا قد احتمله العلامة في القواعد قولا في المسألة، ونقله في التذكرة قولا عن بعض العامة، وقوله وظاهر المحقق الاردبيلى تقوية القول المذكور، قال: وهو الظاهر الموافق للقوانين، وكذا يظهر من المسالك أنه أقوى الاقوال، وهو كذلك، فانه الاوفق بالقواعد الشرعية، الا أنه لا معدل عن النص المذكور، لما قدمنا ذكره، ويمكن تأييد الخبر المذكور بما رواه في الكافي: والتهذيب. عن الحسين بن عمر بن يزيد عن أبيه (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا لتاجران صدقا بورك لهما وإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما وهما بالخيار ما لم يفترقا فان اختلفا فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا "


(1) اقول مرجع هذا الوجه الذى ذكره إلى أن المبيع متى كان باقيا فالاصل عدم انتقاله من ملك البايع الا برضاه، وهو لا يرضى الا بما يدعيه، وفيه ما عرفت في الاصل من الاتفاق على انتقال المبيع إلى المشترى، ورجوع الاختلاف إلى الثمن لزيادة ونقيصة، والاصل عدم الزيادة بعد الاعتراف بالبيع، فدعوى المشترى مطابق لهذا الاصل، فالقول قوله حينئذ بيمينه، هذا هو مقتضى الاصول والقواعد الاصول والقواعد كما ذكرناه في الاصل. منه رحمه الله (1) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 26.

[ 193 ]

والتقريب فيه ان الظاهر أن الاختلاف بينهما مع وجود السلعة كما يشير إليه قوله أو يتتاركا، وقد جعل القول فيه قول البايع، ومحل الاختلاف وان كان مطلقا الا أن ما نحن فيه داخل تحت الاطلاق، وسيجئ انشاء الله تعالى أن القول قول البايع في ساير الاختلافات الاتية. وفى المسألة أقوال أخر أيضا، منها أن القول قول من هي في يده، الا أن يحدث المشترى فيها حدثا، فيكون القول قوله مطلقا، وهو مذهب ابن الجنيد ونفى عنه البأس في التذكرة، ووجه هذا القول بالنسبة إلى الاقل أن من كان المبيع في يده يحكم له بالملك، ويصير غير ذى اليد مدعيا، وبتقريب آخر ان من ليس في يده يدعي انتزاعه بما يقربه من الثمن، وذو اليد ينكر ذلك، فيكون القول قوله، ترجيحا لليد، فان الخارج هو المدعى. وأما بالنسبة إلى حدث المشترى فانه دليل اليد، فيكون القول قوله مطلقا، وفيه ما عرفت آنفا من أن مرجع الاختلاف والنزاع انما هو في الثمن، لافى أصل المبيع، للاتفاق على انتقاله بالبيع. ومنها أنهما يتحالفان مطلقا، لان كلا منهما مدع ومنكر، وذلك لان العقد الذى تضمن الاقل وتشخص به ينكره البايع، والعقد الذى تضمن الثمن الاكثر وتشخص به ينكره المشترى، فيكون هذا النزاع في قوة ادعاء كل منهما عقدا ينكره الاخر، فيتحالفان ويبطل البيع، وهذا القول احتمله العلامة في كثير من كتبه، وصححه ولده في الايضاح، ونسبه في الدروس إلى الندور مع أنه اختاره في قواعده، وأورد عليه بمنع المغايرة الموجبة لما ذكر لاتفاقهما على عقد واحد، وعلى انتقال المبيع إلى المشترى به، وثبوت الثمن الاقل في ذمة المشترى، وانما يختلفان في الزايد فاحدهما يدعيه، والاخر ينكره، فلا وجه للتحالف. ومنها أن القول قول المشترى مع قيام السلعة أو تلفها في يده أو في

[ 194 ]

يد البايع بعد الاقباض، والثمن معين، والاقل لا يغاير اجزاء الاكثر، ولو كان مغايرا تحالفا، وفسخ العقد، واحتج على الاول بأن المشترى منكر، وعلى الثاني بأن التحالف في عين الثمن، وكل منهما ينكر ما يدعيه الاخر، فيتحالفان، ذهب إلى هذا القول العلامة في المختلف وهو يرجع إلى تقديم قول المشترى مطلقا، حيث يكون الاختلاف في كمية الثمن، وقد عرفت قوته بحسب القواعد، الا أن النص على خلافه (1). تنبيهات الاول قال في المسالك بعد الكلام في المسألة: هذا البحث كله إذا وقع


(1) قال في المختلف: والمعتمد أن نقول: ان السلعة اما أن تكون باقية أو تالفة، فان كانت تالفه فاما أن تكون قد تلفت في يد البايع قبل الاقباض، أوفى يد المشترى أوفى يد البايع بعد الاقباض فان تلفت في يد البايع قبل الاقباض بطل البيع، ولا معنى للتحالف وان تلفت في يد المشترى أوقى يد البايع بعد الاقباض، أو كانت قائمة فلا يخلو اما أن يكون الثمن معينا أوفى الذمة، فان كان معينا فاما أن يكون الاقل مغايرا لاجزاء الاكثر أولا، فان كان مغايرا تحالفا وفسخ البيع، وان لم يكن فالقول قول المشترى، ويحتمل التخالف، لنا انه على تقدير المخالفة يكون التخالف في عين المثمن كما تخالفا في قدره، ولا ريب أنه مع التخالف في عين الثمن يتحالفان فكذا هنا، وأما على باقى التقادير فلان البايع يدعى الزيادة في الثمن، والمشترى ينكرها، فالقول قوله مع اليمين، كما لو تلفت السلعة أو كانت في يد المشترى، واما احتمال التحالف على هذه التقادير غير تقدير المخالفة، فلانهما متداعيان كل منهما مدع، فان البايع يدعى العقد بعشرين، والمشترى يدعى العقد

[ 195 ]

النزاع بعد قبض المشترى، أو قبله مع بقاء عين المبيع، أما لو وقع بعد تلفه في يد البايع، فان العقد ينفسخ، ولا يظهر للنزاع أثر ان لم يكن البايع قد قبض الثمن، ولو كان قبضه كان كالدين في ذمته أو الامانة عنده، فيقدم قوله في قدره، ومثله ما لو اختلفا في قدر الثمن بعد قبض البايع له والاقالة أو الفسخ باحد وجوهه. أقول: ينبغي تقييد انفساخ العقد بتلفه في يد البايع بما لو لم يحصل اقباض بالكلية، والا فلو تلف في يده بعد حصول الاقباض والعود إليه ثانيا، فان الحكم فيه كما في صورة الاقباض. الثاني موضع الخلاف كما اشاره إليه العلامة في المختلف وصرح به شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ما لو كان الثمن في الذمة، ليمكن جريان الاقوال فيه، فلو كان معينا كما لو قال البايع: بعتك بهذا العبد أو بهذا الدينار فقال المشترى: بل بهذه الامة أو الدراهم، فانه يتعين التحالف قطعا، لان كلا منهما مدع ومنكر، وهو ضابط التحالف، وهذا لا يطلق عليه الاختلاف في القدر، كما هو محل البحث. نعم قد يتفق مع التعيين الاختلاف في القدر أيضا، وبه يندرج تحت البحث حينئذ، كما لو قال: بعتك بهذين الدينارين أو الدرهمين، فقال: بل بأحدهما معينا، فان الحكم فيه كالذمة، والاقوال المتقدمة تجرى فيه. الثالث أنه على تقدير القول المشهور من الفرق بين قيام العين وتلفها لو كانت العين باقية، لكنها قد انتقلت عن المشترى انتقالا لازما بالبيع، أو العتق أو الهبة


بعشرة، والعقد بعشرين غير العقد بعشرة. انتهى وجوابه علم مما في الاصل، أما بالنسبة إلى التحالف فلما عرفت في جواب القول بالتحالف، وأما بالنسبة إلى ان القول قول المشترى بيمينه فلما عرفت من انه وان كان قويا في حد ذاته الا أن النص دل على خلافه. والله العالم (منه رحمه الله).

[ 196 ]

اللازمة مثلا. فهل يكون ذلك من قبيل التلف، أم لا ؟ اشكال ينشأ من صدق التلف بذلك، وعدمه، إذ المتبادر من التلف هو زوال العين عن الوجود وهنا ليس كذلك، وان كان في حكم التلف من خروجها عن الانتقاع بالنسبة إلى المشترى. ويمكن أن يقال: ان النص دل على أن القول قول البايع إذا كانت العين قائمة، والمتبادر منه وجودها بين المتبايعين في يد أحدهما، كما يشير إليه الخبر الثاني من قوله " أو يتتاركا " ومفهومه حينئذ ما لم يكن موجودة في يد أحدهما، والتعبير بالتلف انما وقع في عبارة بعض الاصحاب، وجعلوه مفهوم مخالفة لقوله " قائمة " بناء على حمله على مجرد الوجود، والظاهر منه انما هو ما ذكرناه، فان وجودها بعد انتقالها بناقل شرعي لازم لا يدخل تحت منطوق الخبر المذكور. وكيف كان فالحكم غير خال من شوب الاشكال. وكذا يجرى الاشكال في الانتقال الغير اللازم كالبيع في زمن الخيار للبايع، والهبة قبل القبض أو بعده حيث يجوز الفسخ، وأنه هل يجرى مجرى التلف أم لا ؟. الثالثة لو اختلفا في تأخير الثمن وتأجيله أوفى قدر الاجل في اشتراط رهن أو ضمين فالقول قول البايع مع يمينه، لانه في هذه المواضع كلها منكر، وربما قيل: بالتحالف هنا أيضا، كما في سابق هذه المسألة، لان أحدهما يسند الملك إلى سبب مخصوص، والاخر ينفيه ويسنده إلى سبب آخر، ففى الحقيقة الملك بقول أحدهما غير الملك بقول الاخر، وكل منهما مدع، ومدعى عليه، فيتحالفان، ووجه ضعفه يعلم مما سلف، وذلك لانهما اتفقا على صدور العقد، وحصول الملك للمشترى، والثمن للبايع، وانما حصل النزاع في أحد هذه الامور الزايدة على ذلك والبايع ينكره، فيقدم قوله في نفيه. الرابعة لو اختلفا في المبيع، فقال البايع: بعتك ثوبا، فقال المشترى: بل ثوبين، فان القول قول البايع بيمينه، لانه منكر لبيع الزايد، مع اتفاقهما على أمر مشترك، وهو بيع الثوب الواحد.

[ 197 ]

هذا حيث لا يكون المتنازع معينا، والا فالحكم التحالف، كما لو قال البايع: بعتك هذا الثوب، وقال المشترى: بل هذين الثوبين، مشيرا إلى غير ذلك الثوب المعين، فانه يتعين القول بالتحالف، لعدم الاتفاق على شئ. وكذا أيضا يجب تقييد أصل المسألة بما إذا لم يختلفا في الثمن على كل من التقديرين، لانه حينئذ يمكن الاخذ بالمشترك بين كلاميهما، بخلاف ما لو قال: بعتك هذا بالف، فقال: بل هذا وهذا بألفين، فلانه لا مشترك بين كلاميهما يمكن الاخذ به، فلابد من التحالف كما ذكره في التذكرة. واعلم أن ضابط التحالف المقطوع به في كلامهم ادعاء كل منهما على صاحبه ما ينفيه الاخر، بحيث لا يتفقان على أمر كما هنا، ومثله ما لو اختلفا في الثمن المعين، أو فيهما معا، ومثله ما لو ادعا أحدهما البيع، والاخر الصلح. ولو اتفقا على أمر واحد واختلفا في وصف زايد أو قدر بحيث كانت الدعوى من طرف واحد، كما في المواضع التى قدمناها حلف المنكر، وأما من أجرى التحالف في مثل تلك المواضع فقد عرفت بطلانه، لخروجه عن الضابطة المذكورة، وكما يجرى ذلك في البيع فكذا في الصلح والاجارة ونحوهما. بقى هنا شئ ينبغى التنبيه عليه، وهو أنه إذا ادعى البايع: أنى بعتك هذا الثوب، فقال المشترى: بل هذا اشارة إلى ثوب آخر، فان الحكم كما عرفت التحالف، وبطلان البيع، فإذا حلف البايع على نفى ما يدعيه المشترى بقى الثوب على ملكه، فان كان في يده، والا انتزعه من يد المشترى، وإذا حلف المشترى على نفى ما يدعيه البايع، وكان الثوب في يده لم يكن للبايع مطالبته به، لانه لا يدعيه، وان كان في يد البايع لم يكن له التصرف فيه، لانه معترف بانه للمشترى، وله ثمنه في ذمته، فان كان البايع قد قبض الثمن رده على المشترى، ويأخذ الثوب قصاصا، وان لم يكن قبضه أخذ الثوب قصاصا أيضا بذلك الثمن، ولو زاد فهو مال لا يدعيه أحد، كذا فصله العلامة في التذكرة.

[ 198 ]

ولو ماتا المتبايعان فاختلف ورثهما، فذهب جمع من الاصحاب إلى أن القول قول ورثة البايع في قدر المبيع، وورثة المشترى في قدر الثمن. أما كون القول قول ورثة البايع في قدر المبيع فهو جار على قول مورثهم، لان القول قوله لو كان حيا كما تقدم. وأما أن القول قول ورثة المشترى في قدر الثمن مع أنه ليس كذلك في مورثهم، لانهم منكرون. وذهب الاكثر إلى أن الورثة في ذلك كالمورثين فيقدم قول ورثة البايع مع بقاء السلعة، وقول ورثة المشترى مع تلفها، ولو اختلف الورثة في عين الثمن أو عين المبيع فالحكم التحالف، كما تقدم ذكره في المتبايعين. الفصل الخامس في أقسام البيع بالنسبة إلى الاخبار بالثمن وعدمه، وهو لا يخلو عن أقسام أربعة لانه اما ان يخبر بالثمن، أولا، الثاني المساومة، والاول اما أن يبيع معه برأس ماله، أو بزيادة عليه، أو نقيصة عنه، والاول التولية، والثانى المرابحة، والثالث المواضعة، وزاد بعضهم قسما خامسا، وهو اعطاء بعض المبيع برأس ماله، ذكره الشهيد في الدروس واللمعة، ولم يذكره كثير منهم قال: والتشريك جايز، وهو أن يجعل له نصيبا بما يخصه من الثمن، قال شيخنا الشهيد الثاني: وفى بعض الاخبار دلالة عليه، وقد يجتمع الاقسام الخمسة في عقد واحد، بأن اشترى خمسة ثوبا بالسوية، لكن ثمن نصيب أحدهم عشرون، والاخر خمسة عشر، والثالث عشرة، والرابع خمسة، والخامس لم يبين، ثم باع من عدا الرابع نصيبهم بستين بعد اخبارهم بالحال، والرابع شرك في حصته، فهو بالنسبة إلى الاول مواضعة، والى الثاني تولية، والثالث مرابحة، والرابع تشريك، والخامس مساومة.

[ 199 ]

وعلى هذا القياس اجتماع قسمين منها، وثلاثة واربعة بالتقريب المذكور. أقول: والمفهوم من الاخبار أن افضل هذه الاقسام المساومة، وان المرابحة مكروهة، فروى ثقة الاسلام في الكافي في الضعيف والشيخ في التهذيب في الصحيح، عن محمد بن مسلم (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): انى أكره بيع عشرة باحدى عشرة، وعشرة باثنى عشرة، ونحو ذلك من البيع ولكن أبيعك كذا وكذا مساومة، قال: وأتانى متاع من مصر، فكرهت أن أبيعه كذلك وعظم على فبعته مساومة " وعن جراح المدايني (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): انى اكره بيع ده يازده وده دوازده، ولكن أبيعك بكذاو كذا "، وروى في الكافي عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قدم لابي متاع من مصر فصنع طعاما ودعى له التجار، فقالوا له نأخذ منك بده دوازده فقال لهم أبى: وكم يكون ذلك ؟ قالوا في عشرة آلاف ألفين، فقال لهم: أبي اني أبيعكم هذا المتاع باثنى عشر ألفا فباعهم مساومة ". وروى في الفقيه عن عبيدالله الحلبي ومحمد الحلبي (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال " قدم لابي متاع " الحديث الا أنه لم يذكره " فباعهم مساومة " وعلل استحباب المساومة زيادة على ما ورد في النصوص المذكورة بأن فيه سلامة عن الاخبار بالكذب، إذ قد يقع المخبر في الكذب، وصعوبة أداء الامانة، والبعد عن مشابهة الربا. أقول: ويعضده ما يأتي في شروط المرابحة من كثرة المفاسد فيها، ويدل


(1) الكافي ج 5 ص 197 التهذيب ج 7 ص 55. (2) و (3) الكافي ج 5 ص 197 التهذيب ج 7 ص 55 و 54. (4) الفقيه ج 3 ص 135.

[ 200 ]

على جواز المرابحة صريحا ما رواه الشيخ في الصحيح عن العلا (1) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع الرجل البيع فيقول أبيعك بده دوازده أو ده يازده فقال: لا بأس " انما هذه المراوضة، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة. ورواه الحميرى في قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي (2) عن العلا مثله، الا انه قال: " لا بأس انما هو البيع يجعله واحدة ". أقول: يعنى يجعل الانتفاع ورأس المال جملة واحدة في حال البيع، والمراوضة انما هي قبل البيع، وفيه اشارة إلى الكراهة في حال البيع، كما تقدم بأن يقول: أبيعك بكذا أو ربح كذا. وأظهر منهما في الجواز أيضا ما رواه الشيخ عن على بن سعيد (3) " قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يبتاع ثوبا فيطلب منه مرابحة، ترى ببيع المرابحة بأسا إذا صدق في المرابحة، وسمى ربحا دانقين أو نصف درهم فقال: لا بأس " الحديث. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع في موضعين، الاول في العبارة أما بالنسبة إلى المساومة فهى البيع بما يتفقان عليه، من غير تعرض لذكر الثمن، سواء علمه المشترى أو لم يعلمه، وهو أفضل الاقسام كما عرفت، وأما المرابحة فيجب فيها علم المتعاقدين برأس المال، والربح والغرم والمؤن ان ضمها، ويجب على البايع الصدق في الثمن، والمؤن وما طرء من موجب النقص والاجل وغيره، فان لم يحدث فيه زيادة، قال: اشتريته بكذا، أو تقوم على بكذا، وان زاد بفعله من غير غرامة مالية اخبر بذلك، بأن يقول: اشتريته بكذا، وعملت فيه عملا يساوي كذا،


(1) التهذيب ج 7 ص 54. (2) الوسائل الباب 14 من أبواب احكام العقود 5. (3) التهذيب ج 7 ص 55.

[ 201 ]

وان كانت الزيادة باستيجار عليه فيقول: تقوم علي بكذا أو اشتريت بكذا واستأجرت بكذا، وان طرء فيه عيب ذكره. ولابد من ذكر الجنس والصرف والوزن ان تعددت النقود، واختلف صرفها ووزنها، كما لو كان صرف بعض الدنانير عشرة دراهم، وبعضها أكثر أو أقل، وكذا الوزن، وأما لو اتحد النقد لم يفتقر الى ذلك. وبالجملة فلابد من الاخبار بالثمن، وكلما تجدد مما يوجب زيادة أو نقيصة واضافة ما ينفقان من الربح إليه (1). وأما التولية فهو أن يعطيه المتاع برأس ماله، من غير زيادة فيقول: وليتك أو بعتك أو ما يشاكل ذلك من الالفاظ الدالة على النقل، لكن ان وقع العقد بلفظ بعتك ونحوه من الالفاظ الدالة على مطلق البيع، فيكون المفعول اثمن، أو ما قام علي ونحو ذلك مما لا يتضمن الزيادة على مما انفقه، وان وقع بلفظ وليتك فليكن مفعوله


(1) اقول ومن ذلك أيضا مالو اشترى بثمن ورجع بأرش العيب، فانه يجب أن يسقط ذلك من الثمن، ويخبر بالباقي، لان الارش جزء من الثمن، فقد قبض بعضه، ولابد من بيانه، وان كان قوله اشتريته بكذا حقا الا أنه قد طرء عليه النقصان، ولو جنى العبد ففداه السيد، لم يجز أن يضم الفدية إلى ثمنه، لان ذلك أمر خارج عن البيع، ولو جنى عليه فأخذه أرش الجناية لم يضعها من الثمن، والفرق بينه وبين أرش العيب أن أرش العيب ثابت بأصل العقد فكأنه مستثنى من الثمن، بخلاف الجناية الطارية فانها حق آخر كنتاج الدابة نعم لو نقص بالجناية وجب الاخبار بالنقص هذا مقتضى ما أورده في هذا المقام. منه رحمه الله

[ 202 ]

العقد، ويقتصر على ذلك، وإذا قبل لزمه مثله جنسا وقدرا وصفة، ولو قال: وليتك السلعة بكذا وكذا احتمل الاجزاء كما ذكره في الدروس. وأما المواضعة فهى كالمرابحة في الاخبار بالثمن، ونحوه مما زاد أو نقص حسبما تقدم، الا أنها بنقيصة معلومة، فيقول: بعتك بما اشتريته أو تقوم علي ووضيعة كذا. وأما التشريك فهو أن يقول: شركتك بالتضعيف بنصفه بنسبة ما اشتريت مع علمهما بقدره، ولو قال: أشركتك بالنصف فكذلك، ولزمه مثل نصف الثمن، أما لو قال: اشركتك في النصف فانما له الربع، الا أن يقول: ينصف الثمن، فيتعين النصف، ولو لم يبين الحصة وانما قال: في شئ منه، أو اطلق بطل للجهل بالمبيع، واحتمل بعضهم حمل الثاني على التنصيف، والتشريك في الحقيقة عبارة عن بيع الجزء المشاع برأس ماله، الا أنه يختص عن مطلق البيع بصحته بلفظ التشريك. الثاني في الاحكام: وفيه مسائل. الاولى لو اشترى جملة لم يجز له بيع بعضها مرابحة وان قوم كلا منها بقيمة الا أن يخبر بالحال، ويدل عليه ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن أبي حمزة الثمالى (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال سألته عن الرجل يشترى المتاع جميعا بالثمن، ثم يقوم كل ثوب بما يسوى حتى يقع على رأس ماله جميعا أيبيعه مرابحة ؟ قال: لاحتى يبين له أنه انما قومه ". وروى في الكافي والفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام)


(1) الكافي ج 5 ص 197 التهذيب ج 7 ص 55 عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام). (2) الكافي ج 5 ص 197 عن محمد بن أسلم عن ابى حمزه بتفاوت يسير الفقيه ج 3 ص 126.

[ 203 ]

" في الرجل يشترى المتاع جميعا بثمن ثم يقوم كل ثوب بما يسوى، حتى يقع على رأس ماله جميعا يبيعه مرابحة ثوبا ثوبا ؟ قال: لاحتى يبين له انما قومه ". وعلل أيضا بأن المبيع المقابل بالثمن هو المجموع، لا الافراد، وان تقوم بها وقسط الثمن عليها في بعض الموارد كما لو تلف بعضها، أو ظهر مستحقا. والمشهور أنه لا فرق في ذلك بين تماثل اجزاء تلك الجملة أو اختلافها، خلافا لابن الجنيد على ما نقل عنه من الجواز في المتماثلة، كقفيز من حنطة، وضعفه ظاهر، وربما اشعر ظاهر الخبرين المذكورين بصحة البيع كذلك مرابحة، وهو ظاهر اطلاق جملة من العبارات، كما عبرنا به في صدر المسألة جريا على كلامهم. الا أن الظاهر كما صرح به جملة من محققى المتأخرين أنه وان كان البيع كذلك صحيحا الا أنه ليس من قبيل المرابحة، وان جاز اطلاقها عليه مجازا لكونه بصورة المرابحة. الثانية إذا اشترى نسيئة ثم باعه ولم يخبر بالاصل قال الشيخ في النهاية: كان للمبتاع من الاجل مثل ماله، وبه قال: ابن البراج وابن حمزة، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد، فانه قال: ومن باع مرابحة كان للمشترى من النظرة وغيرها في الثمن ما كان للبايع عند الشراء، وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط: إذا اشترى سلعة بماءة إلى سنة، ثم باعها في الحال مرابحة وأخبر أن ثمنها ماءه فالبيع صحيح بلا خلاف، فإذ علم المشترى بذلك كان بالخيار بين أن يقبضه بالثمن حالا، أو يرده بالعيب، لانه تدليس، وهو اختيار ابن ادريس، وهذا هو المشهور في كلام المتأخرين عن العلامة ومن تأخر عنه، نظرا إلى ان مقتضى القواعد في مثله ذلك. ويدل على الاول ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن هشام بن الحكم (1)


(1) الكافي ج 5 ص 208.

[ 204 ]

في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يشترى المتاع إلى أجل فقال: ليس له أن يبيعه مرابحة الا إلى الاجل الذى اشتراه إليه، فان باعه مرابحة ولم يخبره كان للذى اشتراه من الاجل مثل ذلك ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن أبى محمد الوابشي (1) وهو مجهول " قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى من رجل متاعا بتأخير إلى سنة، ثم باعه من رجل آخر مرابحة، أله أن يأخذ منه ثمنه حالا والربح ؟ قال: ليس عليه الا مثل الذى اشترى، ان كان نقد شيئا فله مثل ما نقد، وان كان لم يكن نقد شيئا فالمال عليه إلى الاجل الذى اشتراه ". وما رواه المشايخ الثلاثة (عطرالله مراقدهم عن ميسر بياع الزطي (2) " قال: قلت: لابي عبد الله (عليه السلام) انا نشترى المتاع بنظرة فيجئ الرجل فيقول: بكم تقوم عليك ؟ فأقول: بكذا وكذا فأبيعه بربح، فقال: إذا بعته مرابحة كان له من النظرة مثل مالك، قال: فاسترجعت وقلت: هلكنا "، الحديث وأجاب العلامة في المختلف عن هذه الاخبار قال: والجواب أنها محمول على ما إذا باعه بمثل ما اشتراه وأخفى عنه النسيئة ولم يشترط النقد، فانه والحال هذه يكون له من الاجل مثل ما كان للبايع على اشكال. انتهى. ومرجعه إلى أنه مع عدم ذكره النسيئة وقت البيع، فاما أن يذكر الحلول، أو يشترط النقد، وان كان اطلاق العقد كما تقدم انما ينصرف إلى ذلك أولا، وعلى الاول فالحكم ما ذكره المتأخرون من التخيير في المقام، وعلى الثاني يحمل الاخبار.


(1) التهذيب ج 7 ص 59. (2) الكافي ج 5 ص 198 التهذيب ج 7 ص 57 الفقيه ج 3 ص 134 وفى النسخ اختلاف فليراجع المصادر.

[ 205 ]

وظاهر المحقق الاردبيلى الميل إلى ذلك أيضا، وحينئذ يكون هذا قولا ثالثا في المسألة، وانت خبير بما في هذا التفصيل من البعد، أما أولا فلانه متى كان اطلاق العقد انما ينصرف إلى الحلول والنقد فذكره في اللفظ لا يزيد الا على مجرد التأكيد، فكيف يترتب عليه حكم بخصوصه. وأما ثانيا فلان اطلاق الاخبار شامل للصورتين، وتخصيصها يحتاج إلى دليل، ومجرد ما ادعوه من قاعدة العيب وأنها تقتضي التخيير وهذا من قبيله يمكن تخصيصها بهذه الاخبار، واستثناء هذا الجزئي من القاعدة، على أنك قد عرفت فيما تقدم أنه لادليل على ما ادعوه من الخيار في العيب، زيادة على الاجماع كما تقدم تحقيقه وبالجملة فالظاهر عندي هو العمل بالاخبار المذكورة. بقى الكلام في تتمة الرواية الثالثة التى طوينا نقلها آنفا وهى قول الراوى " قلت: فاسترجعت وقلت: هلكنا، فقال: لم، قال: قلت: لان ما في الارض ثوب أبيعه مرابحة فيشترى متى ولو وضعت من رأس المال حتى أقول تقوم بكذا وكذا قال: فلما رأى ما شق على قال: أفلا أفتح لك بابا يكون لك فيه فرج ؟ قلت: بلى قال: قل: قام علي بكذا وكذا وأبيعك بزيادة كذا وكذا ولا تقل بربح " هكذا في رواية صاحب الفقيه، وفى غيره قال: قلت: لان ما في الارض من ثوب " الا " أبيعه مرابحة يشترى ولو وضعت من راس المال حتى أقول تقوم بكذا وكذا " وأبيعك بكذا وكذا إلى آخر ما تقدم، ولا يخفى ما في هذه العبارة من الاختلال، وعدم ظهور معنى مستقيم، وما ذكر في اصلاحها لا يخلو من تكلف بعيد عن الظاهر. وانت خبير بأن ظاهره تخصيص بيع المرابحة بأن يقول: بربح كذا، وأما لو قال بزيادة كذا بعد الاخبار برأس المال فليس مرابحة، بل مساومة، والظاهر انه لا قائل به، إذ لا فرق بين اللفظين، في كون البيع مرابحة، كما يدل عليه الاخبار وكلام الاصحاب، ويشكل العدول به عن ظواهر غيره من الاخبار، والله العالم.

[ 206 ]

الثالثة قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يبيع الانسان مرابحة بالنسبة إلى أصل المال، بأن يقول أبيعك هذا المتاع بربح عشرة واحدا أو اثنين بل يقول بدلا من ذلك: هذا المتاع تقوم علي بكذا أو ابيعك اياه بكذا، بما أراده، وكذا قال الشيخ المفيد. وقال سلار: لا يصح لو قال: بعتك هذا بربح العشرة واحدا أو أكثر بالنسبة. وقال أبو الصلاح: لا يجوز بيع المرابحة بالنسبة إلى الثمن كقوله: أربح عليك في كل عشرة دراهم من ثمنه درهما، وانما يصح بيع المرابحة بأن يخبر بجملة الثمن، ويربح في عين المبيع. وقال ابن البراج: لا يجوز في بيع المرابحة حمل الربح على المال، مثل أبيعك هذا المتاع بكل عشرة منه واحدا أو اثنين، بل يحمل الربح على المتاع. وقال في المبسوط: يكره بيع المرابحة بالنسبة إلى أصل المال، وليس بحرام، وان باع كذلك كان البيع صحيحا، وكذا قال في الخلاف، وبه قال ابن ادريس، والعلامة ومن تأخر عنه. أقول: منشأ هذه الاقوال الاختلاف في الاخبار المتقدمة في صدر الفصل، الدالة على النهي عن نسبة الربح إلى المبيع أو الثمن، والمراد بنسبته إليه اضافته إليه اما بواسطة حرف الجر، مثل والربح فيه، أو بغير واسطته مثل وربحه كذا، وظاهر الاخبار المتقدمة باعتبار ضم بعضها إلى بعض انما هو الكراهة، قيل: لانه يشبه الربا. والظاهر عندي منها انما هو كراهة البيع مرابحة، وأن الافضل بيع المساومة، كما يفهم من صحيح الحلبي أو حسنة المتقدم، لامن حيث ضم الربح إلى المبيع أو رأس المال كما ذكروه، فان عدوله (عليه السلام) إلى البيع مساومة دون الفرد الاخر من المرابحة، مما يشير إلى ما ذكرناه، وكذلك صحيح محمد بن مسلم المتقدم، فان ضيقه (عليه السلام) انما هو من بيع المرابحة مطلقا، لامن خصوص

[ 207 ]

ذلك النوع، ولهذا عدل إلى المساومة. الرابعة لو باع مرابحة فظهر أن رأس ماله كان انقص، فالمشهور أن للمشترى الخيار بين رده وبين أخذه بالثمن، وقيل: انه ياخذه باسقاط الزيادة، ورجح الاول بأنه الثمن الذى وقع عليه العقد، فلا يثبت غيره، وثبوت الكذب في الاخبار ينجبر بلحوق الخيار. والمسألة غير منصوصة فيما أعلم، الا أن الاقرب هو القول المشهور، لما ذكر، ولاصالة الصحة، وظهور الكذب لا يوجب بطلان البيع، ولا نقص الثمن بعد وقوع التراضي به والعقد عليه، وغاية ما يوجبه الا ثم للخيانة، والجبر بالخيار. وصرح بعضهم بثبوت الخيار وان انتقل المبيع من المشترى أو تلف في يده ؟ قال: والاقوى أن بقاءه على ملك المشتري غير شرط في الخيار، فله الفسخ مع تلفه، أو خروجه عن ملكه مع رد مثله أو قيمته، لاصالة بقاء الخيار. وعلى القول باسقاط الزيادة يسقط ربحها ايضا، ولاخيار له، لانه قد رضى بالاكثر، فاولى ان يرضى بالاقل. وربما احتمل ثبوت الخيار ايضا لغروره وكذبه وقد يكون له غرض في الشراء بذلك المبلغ، لابرار قسم، أو انعقاد وصية، أو نحو ذلك، ولو قال: اشتريته بأكثر لم يقبل منه، لان قوله الثاني مناف للاول، لتكذيبه نفسه بالاقرار الاول، ومثل ذلك غير مسموع شرعا والا لم يتم اكثر الاقرارات فيلغو حينئذ قيل: ولو اقام بينة على ادعاء الاكثر لم تقبل، لانه كذبها باقراره الاول (1).


(1) هذا القول للشيخ في المبسوط قال: لو قال رأس مالى ماءة ثم قال: غلطت والثمن ماءة وعشرة لم يقبل قوله، ولو اقام بينة على انه اخطأ وان شراءه كان أكثر لم يقبل منه، لانه كذبها بالقول الاول، ولا يلزم المشترى اليمين بأنه لا يعلم بأنه اشتراه بأكثر من ذلك، لانه لا دليل عليه، فان قال: وكيلى كان اشتراه بماءة وعشرة واقام بذلك بينة قبلت بينته، قال: وان قلت:

[ 208 ]

وفيه على اطلاقه اشكال لجواز الغلط في الاخبار الاول، أو الاستناد إلى اخبار وكيله مثلا، كان يقول أخبرني وكيلى انه شراه بكذا، أو ورد على خط بذلك ثم يظهر خلافه، فانه يتجه قبول قوله ان اظهر لانكاره تأويلا محتملا، بمعنى سماع بينته عليه، ولو ادعى على المشترى العلم بكون الثمن زايدا، توجهت عليه اليمين بنفيه، سواء ادعى الغلط ام لا، وربما قيل بسماع دعواه مطلقا، نظرا إلى امكان الغلط، ونفى عنه البأس في المسالك. الخامسة إذا دفع إلى الدلال متاعا وقومه عليه بقيمة ولم يواجبه البيع لم يجز للدلال بيعه مرابحة الا بعد الاخبار بصورة الحال، سواء كان ما قومه عليه يربح فيه ام لا، والوجه فيه ظاهر، مما تقدم في المسألة الاولى، والاخبار بصورة الحال لا يوجب كونه مرابحة كما تقدم تحقيقه ثمة، وان كان بصورة المرابحة، ولهذا لا يجب على التاجر الوفاء بالربح له، لانه ليس بيع مرابحة. والمشهور ان للدلال اجرة المثل سواء كان التاجر دعاه أو الدلال ابتدأه، وانما كان له الاجرة في الصورتين، لانتفاء البيع فيهما مع كونه مأمورا بعمل له أجرة بحسب العادة، وإذا فات الشرط رجع إلى اجرة المثل. ونقل عن الشيخين (عطر الله مرقدهما) انهما اثبتا للدلال ما زاد على ما عين له من القيمة في صورة ابتداء التاجر، وان لم يزد لم يكن له شئ، واما في صوره ابتداء


لا يقبل لانه كذبها القول الاول كان قويا انتهى والاظهر ما عليه الاكثر في المسألتين، فله اقامة البينة في الصورة التى ذكرنا في الاصل، لانه ادعا شيئا لو صدقه الغريم لثبت حقه، فله اقامة البينة عليه، واليمين على خلافه والتكذيب ممنوع، لانه ادعا شيئا خفيا غير مناف لما شهدت به البينة وهو الغلط ونحوه، وله المطالبة باليمين لوادعى عليه العلم كما في غير هذا الموضع. منه رحمه الله.

[ 209 ]

الدلال والتماسه ذلك فانهما جعلا له أجرة المثل، وتبعهما القاضى. أقول: قال الشيخ في النهاية: وإذا قوم التاجر متاعا على الواسطة بشئ معلوم، وقال له: بعه فما زدت على رأس المال فهو لك، والقيمة لي كان جائزا وان لم يواجبه البيع، فان باع الواسطة المال بزيادة، على ما قوم عليه كان له، وان باعه برأس المال لم يكن على التاجر شئ وان باعه بأقل من ذلك كان ضامنا لتمام القيمة، ثم قال: ومتى أخذ الواسطة المتاع على ما ذكرناه فلا يجوز له أن يبيعه مرابحة ولا يذكر الفضل على القيمة في الشراء. وقال ابن ادريس بعد نقل كلام الشيخ المذكور: وما اورده شيخنا غير واضح، ولا مستقيم على أصول مذهبنا، لان هذا جميعه لابيع مرابحة، ولا اجارة، ولا جعالة محققة، فإذا باع الواسطة بزيادة على ما قوم عليه لم يكن للواسطة في الزيادة شئ، لانها من جملة ثمن المتاع، والمتاع للتاجر ما انتقل عن ملكه بحال، وللواسطة أجرة المثل، لانه لم يسلم له العوض فيرجع إلى المعوض، وكذلك ان باع برأس ماله، فان باعه بأقل مما أمره به كان البيع باطلا، قوله متى أخذ الواسطة المتاع على ما ذكرناه لا يجوز له أن يبيعه مرابحة، ولا يذكر الفضل على القيمة في الشراء. (1) قال محمد بن ادريس: وأى شراء بين التاجر والواسطة حتى يخبر بالثمن، وليس هذا موضع بيع المرابحة في الشريعة بغير خلاف، وانما أورد أخبار الاحاد في هذا الكتاب ايرادا لا اعتقادا على ما وردت به الفاظها صحيحة كانت أو فاسدة، على ما ذكره واعتذر به في خطبة مبسوطة انتهى.


(1) أقول الظاهر ان كلام الشيخ هنا انما خرج مخرج التنبيه على دفع توهم كون ذلك مما يدخل في بيع المرابحة، كما أشار إليه (عليه السلام) في رواية سماعة المذكورة في الاصل، فكلامه هنا جار نحو الرواية المذكورة، ولا بأس به، فاعتراضه عليه هنا مما لاوجه له، منه رحمه الله.

[ 210 ]

أقول: ومما يدل على ما ذكره الشيخان من الاخبار التى طعن فيها هنا بأنها من الاحاد ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، " انه قال في رجل قال لرجل: بع ثوبي هذا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك فقال: ليس به بأس ". ورواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله. وعن زرارة (2) في الصحيح قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) " ما تقول في رجل يعطى المتاع فيقول: ما ازددت على كذا وكذا فهو لك، فقال: لا بأس " وعن سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن الرجل يحمل المتاع لاهل السوق، وقد قوموا عليه قيمة، ويقولون بع فما ازددت فلك ؟ فقال: لا بأس بذلك ولكن لا يبيعهم مرابحة " ورواه الكليني والصدوق مثله. وعن زرارة في الموثق (4) عن أبى جعفر عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يعطى المتاع فيقال له: ما ازددت على كذا وكذا فهو لك ؟ فقال: لا بأس ". وجملة من تأخر من الاصحاب تأولوا هذه الاخبار بالحمل على الجعالة، فيلزم ما عينه لذلك، قالوا ولا يقدح فيها الجهالة كما اعترض به ابن ادريس على كلام الشيخ، لان الجهالة في مال الجعالة إذا لم يؤد إلى النزاع غير قادح كما سيأتي انشاء الله تعالى في بابه. اقول: ومن المحتمل قريبا خروج هذه الاخبار مخرج وجوب الوفاء بالوعد، كما دلت عليه الاية والرواية، فيجب الوفاء به وفيه تأكيد لما ذكره الاصحاب، وبه يضعف ما ذكره ابن ادريس من كون الزيادة للتاجر، وانما للدلال أجرة المثل.


(1) التهذيب ج 7 ص 54 الكافي ج 5 ص 195. (2) التهذيب ج 7 ص 54. (3) التهذيب ج 7 ص 54 الكافي ج ص 195 الفقيه ج 3 ص 135. (4) التهذيب ج 7 ص 54 عن أبى عبد الله عليه السلام.

[ 211 ]

ثم ان الشيخ في النهاية قال على أثر العبارة المتقدمة: فإذا قال الواسطة للتاجر: خبرني بثمن هذا المتاع واربح علي فيه كذا وكذا ففعل التاجر ذلك غير انه لم يواجبه البيع، ولا ضمن هو الثمن ثم باع الواسطة بزيادة على رأس المال والثمن، كان ذلك للتاجر، وله أجرة المثل لا اكثر من ذلك، وان كان قد ضمن الثمن كان له ما زاد من الربح، ولم يكن للتاجر أكثر من رأس المال الذى قرره معه انتهى. والاصحاب (رضوان الله عليهم) قد حملوا ذلك على أن التاجر لم يعين له شيئا كما في الصورة الاولى ولم يعقب كلام الدلال بما يدل على الرضا بما ذكره الدلال، بل سكت عن ذلك، والا فلو عقب كلام الدلال بما يدل على الرضا بما قاله وعينه، كان كما لو ابتدأه، كما لو قال لمن ذهب عبده: أرد عليك عبدك على أن لي نصفه أو ثيابه ابتداء منه، فقال المولي: نعم لك ذلك، فانه يستحق ما عينه له. وبالجملة فانه في هذه الصورة لابيع ولا جعالة، فلهذا وجب على التاجر أجرة المثل للدلال وعلى هذا يتم ويجتمع كلام الشيخ مع كلام الاصحاب والروايات الواردة في الباب من غير منافات في المقام. السادسة: إذا قال: بعتك بماءة مواضعة العشرة درهما، قال في المبسوط: يكون الثمن تسعين، وقال في الخلاف اختلف الناس فيها، فقال أبو حنيفة والشافعي: تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزء من درهم، وقال أبو ثور: تسعون، ثم قال: دليلنا ما ذكره حذاق العلماء وهو أن البيع مرابحة ومواضعة، فان باعه مرابحة، ربح درهم على كل عشرة كان مبلغ الثمن ماءة وعشرة وكان قدر الربح جزء من أحد عشر جزء من الثمن، وجب أن يكون المواضعة حط جزء من أحد عشر جز عن الثمن، وإذا كان ماءة حطت منه جزأ من أحد عشر جزء، ينحط تسعه، من تسعه وتسعين، ويبقى درهم ينحط منه جزء من أحد عشر.

[ 212 ]

وقيل: فيه أيضا: وقوله: وضيعة درهم من كل عشرة، معناه يوضع من كل عشرة، يبقى لى درهم من أصل رأس المال، وتقديره وضيعة درهم بعد كل عشرة، فيكون الثمن أحد وتسعون الا جزأ من احد عشر جزء من درهم. قالوا: إذا اردت مبلغ الثمن في ذلك فعقد الباب فيه أن تضيف الوضيعة إلى رأس المال، ثم تنظر كم قدرها، فما اجتمع فاسقط ذلك القدر من رأس المال، وهو الثمن. وبابه إذا قال: رأس المال عشرون بعتكها برأس مالى مواضعة العشرة درهمان ونصف، فتضيف إلى العشرين قدر الوضيعة، وهو خمسه دراهم فيصير خمسة وعشرين، فينظر كم خمسة، من خمسة وعشرين، فإذا هو خمسها، فيسقط من رأس المال وهو عشرون الخمس أربعة تبقى سة عشرة. ثم قال: وقول أبى ثور أقوى عندي، لانه إذا قال: مواضعة عشرة واحد، أضاف المواضعة إلى رأس المال، فرأس المال ماءة فيجب فيه عشرة فيبقى تسعون، ولم يضفه إلى ما يبقى في يده، ولو قال ذلك لكان الامر على ما قاله، وأما حمل الوضيعة على الربح واضافة ذلك إلى اصله فهو قياس، ونحن لا نقول به، انتهى وفيه عدول عما قاله في صدر كلامه إلى ما اختاره في المبسوط. والاصحاب (رضوان الله عليهم) قد اختلفوا أيضا في ذلك كما اختلف العامة (1) وتفصيل الكلام في ذلك بوجه أوضح أنه إذا قال: بعتك بمأة ووضيعة درهم من كل عشرة، فقيل: بأن الثمن تسعون، لان الوضع من نفس العشرة يقتضى ذلك، حملا " لمن " على الظاهر من التبعيض، وقيل: بأن الثمن أحد وتسعون


(1) قال في القواعد: ولو قال: بوضعية درهم من كل عشرة فمتى كان الثمن ماءة لزمه تسعون، ولو قال: من كل أحد عشر، كان يحط تسعة دراهم وجزء من أحد عشر جزء من درهم، وكذا لو قال: بوضيعة درهم لكل عشرة انتهى. منه رحمه الله.

[ 213 ]

الا جزا من أحد عشر جزء من درهم، حملا " لمن " على ابتداء الغاية، ويكون التقدير من كل عشرة تسلم لى، ومثله ما لو قال: لكل عشرة درهم، ووجهه أن الوضيعة للعشرة غير العشرة، كما أن الربح في العشرة زايدا على العشرة، فهو بمنزلة ما لو قال: من كل أحد عشر واحد. وربما قيل هنا أيضا ببطلان العقد، لتكافى الاحتمالين الموجب لجهالة الثمن وتردده بين القدرين المذكورين، وربما رجح الاول بما قدمنا ذكره، من أن وضيعة العشرة لا يكون من نفس العشرة دون ما عداها، لان الموضوع من جنس الموضوع منه، فيكون الاضافة بمعنى من التبعيضية، وربما رجح الثاني بما تقدم في صدر كلام الشيخ من أن المواضعة على حد المرابحة، للتقابل بينهما، فكما اقتضت المرابحة المعنى الثاني فكذا المواضعة، ويضعف المرجح الاول بأن اللفظ لابد فيه من تقدير، وكلا التقديرين محتمل والثانى بمنع الملازمة، وقيام الاحتمال ان لم تدل قرينة على أحدهما، واعترض شيخنا الشهيد الثاني على الاصحاب في هذا المقام وما وقع لهم من الاختلاف والنقض والابرام بأن المراد من الجنس الذى يكون الاضافة المعنوية فيه بمعنى من، أن يكون المضاف جزئيا من جزئيات المضاف إليه، بحيث يصح اطلاقه على المضاف، وعلى غيره أيضا، والاخبار به عنه، كخاتم فضة، وباب ساج لاجزا من كل، حيث لا يصح اطلاقه كبعض القوم، ويدزيد فانك ترديد بالقوم الكل، والكل لا يطلق على البعض، وكذا القول في يد زيد، والحاصل أن (من) التى تتضمنهما الاضافة هي التبيينية، لا التبعيضية، كما في خاتم فضة وأربعة دراهم، وشرط (من) التبيينية أن يصح اطلاق المجرور بها على المبين، كما في قوله تعالى (1) " فاجتنبوا الرجس من الاوثان " وقد صرح بهذا التحقيق الشيخ رضى، وابن هشام، وناهيك بهما، وحينئذ فينبغي القول بحمل الاضافة في المسألتين على معنى (من) رأسا، لان الموضوع المضاف بعض العشرة، ولا يصح الاخبار به عنه، فيتعين كونها بمعنى اللام.


(1) سورة الحج الاية 22.

[ 214 ]

نعم يمكن مع ذلك كون الوضيعة من نفس العشرة، كما يستفاد ذلك من اضافته إلى الثمن. انتهى كلامه (قدس سره). وناقشه في ذلك المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد بما يطول ذكره، مما ليس في التعرض له كثير فايدة، والغرض من نقل كلامهم في المقام ليس الا بيان أنه لا يجوز الرجوع إلى التعليلات العقلية في الاحكام، لعدم انضباطها ووقوفها على حد، لاختلاف الافهام، والمسألة عارية من النص ولا يبعد القول فيها بالبطلان لما عرفت من الاحتمالات المؤدية إلى الجهالة. والله العالم. الفصل السادس في الربا وهو لغة الزيادة قال الله تعالى (1) " فلا يربوا عند الله " وشرعا على ما ذكروه بيع احد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن بالاخر مع الزيادة في أحدهما حقيقة (2) أو حكما، أو اقتراض أحدهما مع الزيادة وان لم يكونا مقدرين بهما، إذا لم يكن الباذل للزيادة حربيا ولم يكن المتعاقدان والدا مع ولده، ولا زوجا مع زوجته، وعلى تقدير القول بثبوته في كل معاوضة يبدل البيع بالمعاوضة على أحد المتماثلين إلى آخر ما تقدم، وتحريمه ثابت بالكتاب، والسنة، والاجماع قال الله تعالى عزوجل (2) " أحل الله البيع وحرم الربا " وقال " يمحق الله الربا ويربى الصدقات " وقال " الذين يأكلون الربا


(1) سورة الروم الاية 39. (2) كالدرهم بدرهمين، والزيادة الحكمية مثل زيادة الاجل بان يبيع قفيزا نقدا بقفيز نسيئة، فان فيه زيادة حكمية من حيث أن للاجل قسط من الثمن وكذا لو كانت الزيادة منفعة مثل أجرة دابة أو دار أو نحو ذلك منه رحمه الله. (3) (4) سورة البقرة الاية م 276 275.

[ 215 ]

لا يقومون الا كما يقوم الذين يتخبطه الشيطان من المس " وروى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن هشام بن سالم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال درهم ربا أشد عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم " ورواه الشيخ في الصحيح عن هشام مثله الا انه ترك (عند الله). وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده فيه سواء ". وعن ابن بكير في الموثق (3) " قال: بلغ أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أنه كان يأكل الربا ويسميه اللبا فقال: لان أمكننى الله عزوجل منه لاضربن عنقه ". وعن سعد بن طريف (4) عن أبى جعفر عليه السلام " قال: أخبث المكاسب كسب الربا ". وروى في الفقيه عن أبى بصير (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: درهم ربا أشد من ثلاثين زنية كلها بذات محرم مثل خالة وعمة ". وروى في الفقيه والتهذيب مسندا في الثاني ومرسلا في الاول (6) عن علي (عليه السلام) " قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الربا وآكله ومؤكله


(1) الفقيه ج 3 ص 174 التهذيب ج 7 ص 14 الكافي ج 5 ص 144. (2) الكافي ج 5 ص 144. (3) الكافي ج 5 ص 147. (4) الكافي ج ج ص 147. (5) الفقيه ج 3 ص 174 التهذيب ج 7 ص 14. (6) الفقيه ج 3 ص 174 التهذيب ج 7 ص 15 وليس فيه كلمة (وموكله).

[ 216 ]

وبايعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه " إلى غير ذلك من الاخبار. أقول: لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في التحريم مع العلم، وعليه حملت الاخبار المذكورة، وكذلك لا خلاف في العذر مع الجهل، كما رواه في الكافي في الصيحح عن هشام بن سالم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنه له حلال، قال: لا يضره حتى يصيبه متعمدا، فإذا أصابه متعمدا فهو بالمنزلة التي قال الله عزوجل " ونحوها صحيحة الحلبي (2) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة " وعلى ذلك أيضا يدل الاية الشريفة أعنى قوله سبحانه (3) " فله ما سلف " انما الخلاف في وجوب ردما أخذه حال الجهالة بالتحريم إذا علم بعد ذلك، فذهب الشيخ في النهاية والصدوق في المقنع على ما نقله في المختلف إلى العدم. قال في المختلف: ورواه الصدوق في الفقيه، ثم نقل عن ابن الجنيد أنه قال: ومن اشتبه عليه الربا لم يكن له ان يقدم عليه الا بعد اليقين بأن ما يدخل فيه حلال، فان قلد غيره أو استدل فأخطأ ثم تبين له ان ذلك ربما لا يحل، فان كان معروفا رده على صاحبه، وتاب إلى الله تعالى وان اختلط بماله حتى لا يعرفه، أو ورث مالا يعلم أن صاحبه كان يربى، ولا يعلم الربا بعينه، فيعزله جاز له أكله، والتصرف إذا لم يعلم فيه الربا (4).


(1) الكافي ج 5 ص 144 التهذيب ج 7 ص 15 رواه عن الحلبي. (2) الكافي ج 5 ص 145. (3) سورة البقرة الاية 275. (4) أقول: لا يخفى أن فرض المسألة أنه أكل الربا حال الجهل، وبعد العلم بالتحريم تاب عن ذلك، فحمل ما سلف على الذنب كما ذكروه مع أنه لاذنب في حال الجهل، هو بعد العلم بالتحريم قد تركه لا يخلو من تعسف. منه رحمه الله

[ 217 ]

وقال ابن ادريس في السراير: قال شيخنا في نهايته: فمن ارتكب الربا بجهالة ولم يعلم أن ذلك محظورا فليستغفر الله تعالى في المستقبل، وليس عليه فيما مضى شئ، ومتى علم أن ذلك حرام ثم استعمله فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه، ويجب رده على صاحبه. قال محمد بن ادريس: قول شيخنا رحمه الله فمن ارتكب الربا بجهالة ولم يعلم ان ذلك محظورا فليستغفر الله في المستقبل، وليس عليه فيما مضى شئ المراد بذلك ليس عليه شئ من العقاب بعد استغفاره، لا أن المراد بذلك أنه ليس عليه شئ من رد المال الحرام، بل يجب عليه رده على صاحبه، لقوله تعالى (1) " فان تبتم فلكم رؤس اموالكم " فأما قوله (2) " فمن جائه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " المراد به والله أعلم فله ما سلف من العذر وغفران الذنب، وحق القديم سبحانه ببعد انتهائه وتوبته، لان اسقاط الذنب عند التوبة تفضل عندنا، بخلاف ما يذهب إليه المعتزلة. وقيل في التفسير ذكره شيخنا في التبيان وغيره من المفسرين أن المراد بذلك ما كان في الجاهلية من الربا بينهم، فقال: " فمن جائه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " فأما ما يجرى من المسلم فيجب رده على صاحبه، سواء كان جاهلا لحاله غير عالم انه محرم أو كان عالما بذلك، فانه يجب رد الربا على من أربى عليه من المسلمين جميعا، فلا يظن ظان ولا يتوهم متوهم على شيخنا فيما قال غير ما حررناه. انتهى. والى هذا القول ذهب العلامة في المختلف أيضا، قال: لانها معاوضة باطلة، فلا ينتقل بها الملك كغيرها من المعاوضات، واحتج للشيخ بالاية اعني قوله سبحانه " فله ما سلف ".


(1) (2) سورة البقرة الاية 279 - 275.

[ 218 ]

وما رواه ابن بابويه عن الباقر (عليه السلام) " قال: قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وضع ما مضى من الربا وحرم ما بقي، فمن جهله وسعه جهله حتى يعرفه ". وعن الصادق (عليه السلام (2) " كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة) ثم أجاب عن الجميع بالعود إلى الذنب بمعنى سقوطه عنهم بالتوبة، أو ما كان في زمن الجاهلية. أقول: والذى وقفت عليه من الاخبار ما رواه المشايخ الثلاثة، (عطر الله مراقدهم،) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) الا أنه في الفقيه مرسلا " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) " كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة، وقال: " لو أن رجلا ورث من أبيه مالا وقد عرف انه في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال كان حلالا طيبا فليأكله، وان عرف منه شيئا معزولا انه ربا فليأخذ رأس ماله وليرد الربا " وزاد في الكافي والفقيه " وأيما رجل أفاد مالا كثيرا فيه من الربا فجهل ذلك. ثم عرفه بعد، فاراد أن ينزعه فيما مضى فله، ويدعه فيما يستأنف ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: أتى رجل أبى فقال: انى ورثت مالا وقد علمت أن صاحبه الذى ورثته منه قد كان يربو وقد عرفت أن فيه ربا واستيقن ذلك، وليس


(1) التهذيب ج 7 ص 16 في ذيل حديث الوسائل الباب 5 من ابواب الربا (2) الكافي ج 5 ص 145 التهذيب ج 7 ص 16 مع اختلاف يسير الفقيه ج 3 ص 175. (3) (4) الكافي ج 5 ص 145 التهذيب ج 7 ص 16 الفقيه ج 3 ص 175 وفيه والكافي (وقد أعرف) بدل (عرفت).

[ 219 ]

يطيب لى حلاله، لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لا يحل أكله من أجل ما فيه، فقال أبو جعفر (عليه السلام): ان كنت تعلم أن فيه مالا معروفا ربا وتعرف أهله، فخذ رأس مالك، ورد ما سوى ذلك، وان كان مختلطا فكله هنيئا فان المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقى، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه، ووجب عليه فيه العقوبة إذا ارتكبه كما يجب على من يأكل الربا ". وما رواه في الكافي عن أبى الربيع الشامي (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أربا بجهالة، ثم أراد أن يتركه، فقال: أماما مضى فله، وليتركه فيما يستقبل، ثم قال: ان رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال: انى قد ورثت مالا وقد علمت أن صاحبه كان يربو، وقد سألت فقهاء اهل العراق وفقهاء أهل الحجاز، فذكروا انه لا يحل أكله فقال أبو جعفر (عليه السلام): ان كنت تعرف منه شيئا معزولا وتعرف أهله وتعرف أنه ربا فخذ رأس مالك، ودع ما سواه، وان كان المال قد اختلط فكله هينئا مريئا، فان المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبك فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وضع ما مضى من الربا فمن جهله وسعه أكله فإذا عرفه حرم عليه أكله، فان أكله بعد المعرفة وجب عليه ما وجب على آكل الربا ". ورواه ابن ادريس في مستطرفات السراير من كتاب المشيخة للحسن ابن محبوب نحوه.


(1) الكافي ج 5 ص 146 الوسائل الباب 5 من ابواب الربا الرقم 4. (2) السرائر ص 475.

[ 220 ]

وما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) " قال: دخل رجل على أبى جعفر (عليه السلام) من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله ثم انه سأل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شئ الا ان تردهه إلى أصحابه، فجاء إلى أبى جعفر (عليه السلام) فقص عليه قصته فقال له أبو جعفر (عليه السلام): مخرجك من كتاب الله عزوجل (2) " فمن جائه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله " والموعظة التوبة ". وما رواه أحمد ابن محمد بن عيسى في نوادره (3) عن أبيه على ما نقله في الوسائل " قال: ان رجلا أربادهرا من الدهر فخرج قاصدا إلى أبى جعفر (عليه السلام) يعنى الجواد (عليه السلام) فقال له: مخرجك من كتاب الله يقول الله " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف " والموعظة هي التوبة فجهله بتحريمه ثم معرفته به فما مضى فحلال، وما بقى فليستحفظ ". وما ذكره الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي على ما نقله في كتاب بحار الانوار (4) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما خلق الله حلالا ولاحراما الاوله حد كحدود الدار، فما كان من حدود الدار فهو من الدار حتى أرش الخدش فما سواه، والجلدة ونصف الجلدة، وان رجلا أربا دهرا من الدهر فخرج قاصدا إلى أبى جعفر (عليه السلام) فسأله عن ذلك، فقال له مخرجك من كتاب الله يقول الله " الحديث المتقدم إلى آخره هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسأله. والظاهر منها بعد رد بعضها هو ما ذهب إليه الشيخ والصدوق في هذه المسألة، فان ظاهر صحيحة هشام بن سالم المتقدمة هو حل ما أكله حال الجهل،


(1) التهذيب ج 7 ص 15 الوسائل الباب 5 من ابواب الربا الرقم 7. (2) سورة البقرة الاية 275. (3) الوسائل الباب 5 من ابواب الربا الرقم 10. (4) بحار الانوار ج 2 ص 170 الرقم 8 ط الحديث.

[ 221 ]

وأنه لا يضره ذلك حتى يكون متعمدا معنى بالاثم، ولا يجب عليه رده الا في صورة العلم، وكذلك قوله (عليه السلام) في الرواية الخامسة والسادسة، " فما مضى فحلال وما بقى فليتحفظ " فانه كالصريح، بل صريح في حل ما أكله حال الجهل، وهو أيضا ظاهر الروايات الباقية، فانها متفقة في أنه مع الجهل لا يجب عليه رده، كما أفتى به فقهاء العامة. بقى الكلام في تفصيله (عليه السلام) في الاخبار الثلاثة الاول، وفرق بين ما كان معزولا، وما كان مختلطا بما حلال، وهو بظاهره موافق لما تقدم نقله عن ابن الجنيد، ويمكن حمل رد المعزول على الاولوية والاستحباب، وان كان الجميع حلالا من حيث الجهل، كما ينادي به سياق الاخبار المذكورة، سيما الخبر الخامس والسادس كما عرفت. واما احتمال الحمل على الحل من حيث الاختلاط كما صار إليه بعض أفاضل متأخرى المتأخرين (1) لامن حيث الجهل، فهو بعيد عن سياق الاخبار المذكورة. وأما قول العلامة (رحمه الله) لانها معاوضة باطلة، فهو ممنوع، لانها من حيث الجهل صحيحة بحسب ظاهر الشرع، وثبوت البطلان بعد العلم يحتاج إلى دليل، إذ الحل والحرمة والطهارة والنجاسة ونحوها مما تبنى على علم المكلف وعدمه، لاعلى الواقع ونفس الامر، كما مر تحقيقه في كتاب الطهارة من هذا الكتاب. وأما استدلال ابن ادريس ومثله العلامة في المختلف بقوله تعالى " وان تبتم


(1) وهو المحدث الكاشانى والفاضل الخراساني في الكفاية حيث ذهبا إلى أن الحرام المختلط بالحلال في المحصور حلال، وقد أوضحنا بطلانه في كتابنا الدرة النجفية. منه رحمه الله. (2) ج 1 ص.

[ 222 ]

فلكم رؤس اموالكم " فان فيه ان سياق الاية على الاختصاص بالعالم المتعمد، وهذه صورتها (1) " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم " الاية، ومن الظاهر ان التهديد بالحرب لا يتوجه الا إلى العالم. ويؤيده تأييدا ما رواه الطبرسي في كتاب مجمع البيان (2) عن الباقر (عليه السلام) في سبب النزول من ان الوليد بن المغيرة كان يربى في الجاهلية وقد بقى له بقايا على ثقيف فاراد خالد بن وليد المطالبة بها بعد أن أسلم، فنزلت الاية. وأما تأويل قوله سبحانه " ما سلف " بما ذكره من المعنى فهو تعسف محض، والظاهر من الاية انما هو حل ما سلف مما أكله حال الجهل كما دلث عليه الاخبار المتقدمة، قال أمين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان: " فله ما سلف " معناه ما أخذه وأكل من الربا قبل النهى، ولا يلزمه رده. قال الباقر (عليه السلام) (3): " من أدرك الاسلام وتاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف ". انتهى. وفيه دلالة على اختيار الطبرسي لما ذهب إليه الشيخ والصدوق في هذه المسألة، والحمل على ما سلف في الجاهلية، لا ينافى ما سلف من حيث الجهل في الاسلام أيضا، لاشتراك الجميع في الجهل الموجب لحل ما تقدم، وظاهر المحقق في النافع القول بذلك أيضا، حيث قال: ولو جهل التحريم كفاه الانتهاء. وبما قررناه وأوضحناه يظهر لك أن الاظهر هنا هو ما ذكره الشيخ والصدوق وكيف كان فتحقيق البحث في هذا الفصل يقع في مسائل: الاولى


(1) سورة البقرة الاية 279. (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الربا الرقم 8. (3) المستدرك ج 2 ص 479.

[ 223 ]

من الشروط المعتبرة في الربا أن يكون العوضان من جنس واحد، والمراد بالجنس هنا الحقيقة النوعية باصطلاح أهل المنطق، فانه يسمى جنسا بحسب اللغة، وضابطه أن يتناولهم لفظ خاص كالحنطة والارز ونحوهما. وينبغى أن يستثنى من هذه الضابطة الشعير، فانه في باب الربا من أفراد الحنطة مع أنه لا يتناوله لفظها ودخوله بالنص. وأما العلس والسلت على القول بأنهما من أفراد الحنطة والشعير فدخلوهما فيهما ظاهر وان اختصا باسم آخر، والا فمقتضى الاسم عدم الالحاق، فلا يجوز بيع أحد المتجانسين بالاخر مع الزيادة، ويجوز البيع وزنا بوزن وان كان أصلهما الكيل على أحد القولين، نظرا إلى أن الوزن أضبط، حتى قيل انه أصل الكيل، بل نقل بعضهم الاجماع على جواز بيع الحنطة والشعير وزنا، مع الاجماع على كونهما مكيلين في زمنه (صلى الله عليه وآله) وقيل: بالعدم نظرا إلى ورود الشرع والعرف بالكيل، فلا يعتبر بغيره، فيرجع حينئذ إلى ما علم من عصره (صلى الله عليه وآله) وعصور الائمة (عليهم السلام) في كونه مكيلا أو موزونا، ومع الجهل بذلك إلى عادة البلد. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الثمن والمثمن أما أن يكونا ربويين، أو غير ربويين أو يكون أحدهما خاصة ربويا فهيهنا أقسام ثلاثة: الاول أن يكونا معا ربويين، وحينئذ فلا يخلو اما أن يتحد الجنسان أو يختلفا، وعلى الثاني فلا يخلو أيضا اما أن يكون أحدهما من النقود والآخر عرضا من العروض، فهيهنا أيضا أقسام ثلاثة: الاول أن يكونا ربويين، ويتحد الجنس، والواجب المساواة في القدر والحلول، فلا يجوز بيع أحدهما بالاخر نسيئة، وان تساويا في القدر جاز، قال في المختلف: ولا أعرف في ذلك

[ 224 ]

خلافا الا قولا شاذا للشيخ، ذكره في الخلاف فانه قال: إذا باع ما فيه الربا من المكيل والموزون مختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض متماثلا يدا بيد، ويكره نسيئة ثم اعتذر عنه بأنه قد يطلق على المحرم اسم المكروه. انتهى (1) وهو جيد، الثاني أن يختلف الجنس ويكون أحدهما من الاثمان، والاخر من العروض ولا خلاف في الصحة نقدا ونسيئة، لانه مع النسيئة في أحدهما أما ان يكون من قبيل بيع النسيئة المتقدم جوازه ان كان الاجل في الثمن، أو من قبيل السلف ان كان الاجل في المبيع، وكلاهما جايزان. الثالث ان يختلف الجنس ويكونا عرضين فانه يجوز أحدهما بالاخر نقدا متفاضلا ومتماثلا بلا خلاف، وانما الخلاف في النسيئة مع التفاضل، فهل يجوز أم لا ؟ قال الشيخ في النهاية وابن حمزة: بالاول، وقال المفيد وسلار وابن البراج: بالثاني، ونص ابن ابى عقيل وابن الجنيد على التحريم. وقال الشيخ في المبسوط: بالكراهة، وبه قال ابن ادريس والعلامة في


(1) ثم انه استدل على هذا الاطلاق قال في هذا الكتاب: بأنه يكره الاكل والشرب في آنية الفضة وقصد التحريم، أقول: لا يخفى أن لفظ الكراهة كما شاع استعماله في التحريم في الاخبار فالمتقدمون كثيرا ما يجرون على نحو الاخبار في هذا الابواب، ثم ان ظاهر الشيخ في المبسوط موافقة ما ذكر في الخلاف حيث قال: وان باع بعض الجنس يعنى مما يكون الثمن والمثمن ربويين بجنس مثله متفاضلا جاز، والاحوط أن يكون يدا بيد. انتهى، وأنت خبير بأن ظاهر هذه العبارة لاتقبل التأويل المتقدم، ومنه يقرب ان مراده بالكراهة في عبارة الخلاف انما هو معنى الاصولي، وحيئذ يكون المسألة محل خلاف، الا أن قوله ضعيف، مردود بالاخبار الدالة على كون ذلك رباكما سيظهر لك انشاء الله تعالى. منه رحمه الله.

[ 225 ]

المختلف، احتج القائلون بالجواز بالاصل، وما نقل شايعا من قوله (عليه السلام) (1) " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " هذا ما احتج به في المختلف لهذا القول. أقول: ويدل عليه أيضا ما رواه في التهذيب والفقيه عن سماعة في الموثق (2) " قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب ؟ فقال: لا يصلح شئ منه اثنان بواحد الا أن تصرفه نوعا إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس به اثنين بواحد وأكثر من ذلك " واطلاقه دال على الجواز يدا بيد ونسيئة. ونحوه أيضا ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث " قال. ويكره قفيز لوز بقفيزين، وقفيز تمر بقفيزين، ولكن صاع حنطة بصاعين من تمر، وصاع تمر بصاعين من زبيب " الحديث، الا ان احتمال تقييد اطلاقهما بالاخبار الاتية قائم. ثم انه في المختلف نقل الاحتجاج للمانعين، بما رواه الحلبي (4) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) " قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الاشياء يتفاضل، فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا يصلح " ثم أجاب بأن الربا من شرطه اتحاد الجنس على ما بينه علمائنا، ثم حمل الخبر على الكراهة. أقول: ومما يؤيد هذه الرواية أيضا ما رواه في الكافي عن محمد بن سنان (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الاشياء يتفاضل فلا بأس بيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا تصلح ".


(1) المستدرك ج 2 ص 480. (2) التهذيب ج 7 ص 95 الرقم 12 الفقيه ج 3 ص 178. (3) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94. (4) الكافي ج 5 ص 191 عن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) التهذيب ج 7 ص 93. (5) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 93 وفى المصدرين ليس فيهما لفظ (ابن سنان).

[ 226 ]

وما رواه في التهذيب عن زياد بن أبى غياث (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله الا أنه قال: " وأما النسيئة فلا يصلح ولفظ لا يصلح عند الاصحاب من الالفاظ الظاهرة في الكراهة، ولهذا حملوه ما ورد بهذا اللفظ على ذلك، وأيده ما ذكر من أن شرط الربا اتحاد الجنس. وروى في الكافي عن سماعة (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: المختلف مثلان بمثل يدا بيد لا بأس به ". وفى صحيحة محمد بن مسلم (3) " قال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يدا بيد ". وفى صحيحة الحلبي (4) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال: يدا بيد لا بأس به " ولعل مستند القول بالكراهة هو الجمع بين ادلة القولين، ويؤيده ما ذكره الثقة الجليل على بن ابراهيم (5) على ما نقل في الكافي في فصل طويل في هذا الباب " قال: فإذا اختلف أصل ما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد، ويكره نسيئة " الا أن احتمال التحريم في هذا اللفظ قائم، لكثرة اطلاقه على ذلك في الاخبار وكلام المتقدمين، وكذا لفظ " لا يصلح " فانه كثيرا ما يستعمل في الاخبار في مقام التحريم وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. الثاني أن يكونا غير ربويين كثوب بثوبين، وعبد بعبدين، ودابة بدابتين، ولا خلاف في أنه يجوز ذلك نقدا وأما نسيئة فقولان: المنع وهو قول الشيخ


(1) التهذيب ج ص 118. الكافي ج 5 ص 190. (3) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 95. (4) التهذيب ج 7 ص 121. (5) الكافي ج 5 ص 192.

[ 227 ]

في النهاية، فانه قال: لا يجوز، وكذا في الخلاف والشيخ المفيد وابن أبن عقيل وابن الجنيد. وقال الشيخ في المبسوط: يكره، وهو المشهور بين المتأخرين، وأطلق الصدوقان الجواز. احتج القائلون بالجواز بالاصل، وقوله (عليه السلام) (1) إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " وأن المقتضى موجود، والمانع مفقود، أما المقتضى فهو عموم أدلة البيع. وأما عدم المانع فلانه ليس الا الربا وهو منفي هنا بالاخبار. ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيد عديدة فمنها الموثق والصحيح عن عبيد بن زرارة (2) " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن ". وما رواه في الكافي عن منصور (3) في الموثق " قال: سألته عن الشاة بالشاتين، والبيضة بالبيضتين، قال: لا بأس ما لم يكن كيلا أو وزنا). وما رواه في الفقيه عن داود بن الحصين (4) " أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشاة بالشاتين، والبيضة بالبيضتين قال: لا بأس ما لم يكن مكيلا ولا موزونا ". وما رواه في التهذيب عن منصور بن حازم (5) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن البيضة بالبيضتين ؟ قال: لا بأس به، والثوب بالثوبين ؟ قال: لا بأس به، والفرس بالفرسين ؟ قال: لا بأس به، ثم قال: كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به بأس اثنان بواحد ".


(1) المستدرك ج 2 ص 480. (2) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 175. (3) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 178. (4) الفقيه ج 3 ص 178. (5) التهذيب ج 7 ص 119.

[ 228 ]

وما رواه في التهذيب أيضا في الموثق عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال: لا بأس بالثوب بالثوبين ". وما في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: (عليه السلام) بعد نقل رواية عن أبيه عليه السلام " وسئل عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين ؟ فقال: لا بأس ما لم يكن كيلا ولا وزنا، وقال: أيضا (عليه السلام) ولو أن رجلا باع ثوبا بثوبين، أو حيوانا بحيوانين من أي جنس يكون، لا يكون ذلك من الربا " واطلاق الجواز في هذه الاخبار شامل للنقد والنسيئة. احتج القائلون بالمنع بجملة من الاخبار أيضا منها ما رواه المشايخ الثلاثة نور الله تعالى مراقدهم في الصحيح عن زرارة (3) " عن ابى جعفر (عليه السلام) " قال: البعير بالبعيرين، والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس " وزاد في الفقيه " قال: لا بأس بالثوب بالثوبين يدا بيدو نسيئة إذا وصفتهما ". ورووه ايضا بأسانيدهم، وفيها الصحيح عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله (4) " قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العبد بالعبدين، والعبد بالعبد والدراهم ؟ قال: لا بأس بالحيوان كله يدا بيد "، وهما مشعران بالمنع عن النسيئة، كما يشعر إليه الزيادة التى في الخبر الاول. وما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوبين الرديين بالثوب المرتفع والبعير بالبعيرين،


(1) التهذيب ج 7 ص 119. (2) المستدرك ج 2 ص 480. (3) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 177. (4) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118 الفقيه ج 3 ص 177. (5) التهذيب ج 7 ص 120.

[ 229 ]

والدابة بالدابتين، فقال: كره ذلك علي (عليه السلام) فنحن نكرهه، الا أن يختلف الصنفان، قال: فسألته عن الابل، والبقر والغنم أو احداهن في هذا الباب ؟ قال: نعم نكرهه " والقائلون بالجواز حملوا هذه الاخبار على الكراهة، والاظهر حملها على التقية كما اختاره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين قال: لا خلاف بين العامة في جواز بيع الحيوان بالحيوانين حالا، وان الخلاف بينهم في النسيئة فذهب الاكثر منهم إلى عدم الجواز، وذهب بعضهم إلى عدم الجواز في المعدود. أقول: والى ذلك يؤمي خبر سعيد بن يسار (1) المروى في الكافي والفقيه " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسيئة ؟ فقال: نعم لا بأس إذا سميت بالاسنان جذعين أو ثنيين، ثم أمرنى فخططت على النسيئة " فان الظاهر من الامر هنا بضرب الخط على النسيئة بعد نفى البأس انما هو لئلا يراه العامة أو لئلا ينقل عنه. ومثله قال في النهاية ذيل هذا الخبر، " لان الناس يقولون لا " وانما فعل ذلك للتقية انتهى، والظاهر أنه من كلام الصدوق رحمه الله وروى االشيخ في التهذيب في الصحيح عن سعيد بن يسار (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسيئة ؟ قال لا بأس به، ثم قال: خط على النسيئة " ومما ذكرنا يظهر قوة القول المشهور. (3)


(1) الكافي ج 5 ص 191 الفقيه ج 3 ص 177. (2) التهذيب ج 7 ص 117. (3) أقول العجب من صاحب الكفاية، فانه قال في صحيحة سعيد بن يسار تصريح بجواز بيع البعير بالبعيرين نسيئة مع أن الخبر دل على أنه (عليه السلام) أمر بالخط على النسيئة ايذانا بعدم الجواز، فكيف غفل عن تتمة الخبر واستدل به على جواز البيع نسيئة والحال كما ترى، و

[ 230 ]

الثالث: أن يكون أحدهما ربويا، والاخر غير ربوي، ولا خلاف في جواز بيع أحدهما بالاخر نقدا ونسيئة كيف اتفق الا مع تأجيلهما، تساويا في الاجل أو احتلفا، لانه من قبيل بيع الدين بالدين، كما تقدم الاشارة إليه، وان كان بعض صوره لا يخلو من المناقشة كما سيأتي انشاء الله تعالى تحقيقه في باب الدين. المسألة الثانية الاظهر الاشهر ان الحنطة والشعير هنا جنس واحد، فلا يجوز التفاضل بينهما نقدا ولا نسيئة، ولا بيع احدهما بالاخر نسيئة وان تساويا، وهو مذهب الشيخين، وظاهر الصدوق في الفقيه. حيث رواه ولم ينكره، وسلار وأبو الصلاح وابن حمزة. وقال ابن الجنيد: انهما نوعان، وقال ابن أبى عقيل: وقد قيل لا يجوز بيع الحنطة بالشعير الا مثلا بمثل سواء، لانهما من جنس واحد، بذلك جائت بعض الاثار عنهم (عليهم السلام) ثم قال: والقول والعمل على الاول، والى هذا القول مال ابن ادريس، واكثر من القول في ذلك، وطول بما لا معتمد عليه ولا معول. قال: لا خلاف بين المسلمين العامة والخاصة ان الحنطة والشعير جنسان مختلفان حسا ولفظا، ولا خلاف بين أهل اللغة واللسان العربي في ذلك، فمن ادعى أنهما كالجنس الواحد فعليه الدلالة، أخبار الاحاد ليست حجة، ثم لم يذهب إلى هذا القول سوى الشيخ أبى جعفر والشيخ المفيد، ومن قلدهما، بل جملة أصحابنا المتقدمين ورؤساء مشايخنا الماضين لم يتعرضوا لذلك، بل أفتوا وصنفوا أن مع اختلاف الجنس يجوز بيع الواحد بالاثنين، وقوله (عليه السلام) (1)


بالجملة فالخبر ظاهر بالمنع، ولكن الجواب عنه ما ذكرنا في الاصل منه رحمه الله. (1) المستدرك ج 2 ص 480.

[ 231 ]

" إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " والحنطة والشعير مختلفان صورة وشكلا، ولونا وطعما، وادراكا وحسا، ثم أطال بما لا يرجع إلى طايل ولا يعود إلى حاصل. وجوابه فيما ادعاه من الاجماع المعارضة أولا بدعوى الشيخ الاجماع في الخلاف على خلاف ما ذكره، وثانيا المنع من الاجماع الذى يدعيه لما عرفت، فانه لم يذهب إلى ما ذهب إليه الا ابن الجنيد وابن أبى عقيل، ومن عداهما من المتقدمين فهو اما مصرح بكونهما جنسا واحدا في هذا الباب، أو انه يتعرض لذكرهما، ان ذكروا أن مع اختلاف الجنس يجوز البيع كيف اتفق. فالعمل عندنا على الاخبار الواردة في المقام السالمة من المعارض، ورده لها بأنها أخبار آحاد مردود، بأن الواجب عليه مع رد هذه الاخبار ونحوها من اخبار الشريفة الواردة في جملة الاحكام هو الخروج من هذا الدين وهذه الشريعة إلى دين آخر، وشريعة اخرى، وتعلقه بالاجماع تعلق بما هو أوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب في مجلد كتاب الطهارة (1) وفى باب صلاة الجملة. وأما الاخبار الدالة على ما قلناه فمنها ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن أبى بصير (2) وغيره في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: الحنطة والشعير رأسا برأس (لا يزداد) واحد منهما على الاخر ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن


(1) ج 1 ص 35. (2) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 95 الفقيه ج 3 ص 178 في الكافي والفقيه. (لا يزداد). (3) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 94 (وليس فيه كلمة لا يباع).

[ 232 ]

أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: لا يباع مختومان من شعير، بمختوم من حنطة (ولا يباع) الا مثلا بمثل والتمر مثل ذلك، قال: وسئل عن الرجل يشترى الحنطة فلا يجد عند صاحبها الا شعيرا أيصلح له ان يأخذ اثنين بواحد ؟ قال: لا، انما أصلهما واحد " وزاد في الكافي " وكان علي (عليه السلام) يعد الشعير بالحنطة " وعن هشام بن سالم (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سأله رجل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الاكرار، فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له خذ منى مكان كل قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستو في ما نقص من الكيل ؟ قال: لا يصلح لان أصل الشعير من الحنطة، ولكن يرد عليه من الدراهم بحساب ما نقص من الكيل " (2). وعن عبد الرحمان بن أبى عبد الله (3) في الصحيح " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير ؟ فقال: لا يجوز الا مثلا بمثل ثم قال: ان الشعير من الحنطة). أقول: لعل الوجه فيما اشتملت عليه هذه الاخبار من ان الشعير من الحنطة وأن أصلهما واحد، هو ما رواه الصدوق باسناده (4) " أن على بن أبي طالب (عليه السلام)


(1) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 96. (2) اقول قد اشتهر في كلام الاصحاب أن لفظ (لا يصلح) من ألفاظ الكراهة كما تقدم ذكره في غير مقام، مع أنه هيهنا انما أريد به التحريم قطعا، ومثله غيره من الاخبار، والحق أن هذا اللفظ من الالفاظ المتشاهبة المحتملة للحمل على كل من المعنيين الا مع القرينة، فالاستدلال به على الكراهة بقول مطلق مما لاوجه له. منه رحمه الله. (3) الكافي ج 5 ص 188 التهذيب ج 7 ص 96. (4) المستدرك ج 2 ص 481.

[ 233 ]

سئل عما خلق الله الشعير ؟ فقال: ان الله (تبارك وتعالى أمر آدم (عليه السلام) أن ازرع مما اخترت لنفسك، وجاءه جبرئيل بقبضة من الحنطة، فقبض آدم (عليه السلام) على قبضة، وقبضت حوا على أخرى فقال: آدم (عليه السلام) لحوا لا تزرعي أنت، فلم تقبل أمر آدم، فكلما زرع آدم جاء حنطة، وكلما زرعت حوا جاء شعيرا " وبه يزول الاستبعاد الذي ذكره جملة من أولئك الامجاد. وما رواه في التهذيب في الصحيح عن صفوان (1) " عن رجل من أصحابه عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: الحنطة والشعير لا بأس به رأسا برأس ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث " قال: ولا يصلح الشعير بالحنطة الا واحدا بواحد " الحديث. وما رواه في التهذيب عن أبي بصير (3) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحنطة بالشعير، والحنطة بالدقيق ؟ فقال: إذا كان سواء فلا بأس، والا فلا " وعن محمد بن قيس (4) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام): " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تبع الحنطة بالشعير الا يدا بيد، ولا تبع قفيزا من حنطة بقفيزين من شعير " الحديث. وهذه الاخبار على كثرتها وصحتها لا معارض لها سواى ما ذكروه من الوجوه التخريجية العليلة التى لا يجوز التعويل عليها في تأسيس الاحكام الشرعية والله العالم. بقى الكلام هنا في الجمع بين القاعدة المتفق عليها في كلام الاصحاب وهي


(1) التهذيب ج 7 ص 95. (2) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94. (3) (4) التهذيب ج 7 ص 95.

[ 234 ]

ما عرفت آنفا من اشتراط اتحاد الجنس في الربا الذى هو عبارة عن الحقيقة النوعية، ولاريب أن الحنطة والشعير في غير باب الربا جنسان، كما في باب الزكاة وفيما لو حلف أو نذر أن لا يأكل الحنطة، فان لا يحنث بأكل الشعير ونحو ذلك، ولاختلاف مفهومها لغة وعرفا وبين الاخبار المذكورة الدالة على وقوع الربا فيهما بمعاوضة أحدهما بالاخر، وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: تخصيص القاعدة المذكورة بالاخبار، بمعنى أنهما جنسان لاختلاف مفهومهما لغة وعرفا، الا في الربا للاخبار المتقدمة فانهما فيه من جنس واحد، وأنت خبير بان ظاهر جملة من الاخبار المتقدمة أنهما جنس واحد مطلقا، لا بخصوص الربا، وأنه انما وقع الربا فيهما من هذه الحيثية الثابتة لهما مطلقا، كما يفسره حديث الصدوق المذكور لا أن اتحادهما مخصوص بالربا، ولا مناص عن الاشكال الا بخرم القاعدة المذكورة وابطالها وقد قدمنا في الابحاث المتقدمة أن الواجب هو الوقوف على موارد النصوص، وعدم الاعتماد على قواعدهم المذكورة في غير موضع، واختلاف التسمية لا ينافى الاتحاد حقيقة، كما في الحنطة والدقيق، فان الحقيقة واحدة وان اختلف الاسم. وكانه إلى ما ذكرنا أشار في التذكرة فقال: وبالجملة الاعتماد على أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والاختصاص باسم، لا يخرج المهية عن التماثل كالحنطة والدقيق. انتهى. وبالجملة ان اتحاد الاسم واختلافه علامة غالبة مبنى عليها الحكم ما لم يحصل أقوى منها، ولهذا يعمل على الاسم في غير الحنطة والشعير، وفيهما أيضا في غير باب الربا مما اشرنا إليه آنفا وان كانت حقيقتهما واحدة، وأصلهما واحد بالنصوص المتقدمة، لكون أحكام الشرع تابعة للاسم والاطلاق العرفي، لا الحقيقي النفس الامرى الا مع دليل يدل عليه، ولما دلت النصوص على الاتحاد حقيقة وان ذلك كاف في باب الربا، فلا يحتاج إلى اتحاد الاسم، وان عمل عليه في غير ذلك والله العالم.

[ 235 ]

المسألة الثالثة الظاهر انه لا خلاف في أن كلما يعمل من جنس واحد فانه يحرم التفاضل فيه، كالحنطة ودقيقها، إذ الطحن لا يخرجها عن الحقيقة، وكذا كل جنس مع فرعه، مثل التمر والدبس والرطب والعصير، والعنب والزبيب. والد بس ونحو ذلك، فيجوز بيع الحنطة بدقيقها متساويا لا متفاضلا ولا نسيئة قال: في التذكرة وقد بينا أن اصل كل شئ وفرعه واحد، يباع أحدهما بالاخر متساويا لا متفاضلا، ولا يجوز نسيئة إذا كان مما يكال أو يوزن، فيجوز بيع الحنطة بدقيقها ودقيق الشعير وبسويقهما، والسويق بالدقيق عند علمائنا أجمع، وادعى أيضا الاجماع في الاتحاد بين الحنطة وبين جميع ما يعمل منه، حتى بينها وبين الخبز والهريسة، وكذا بين جميع انواع اللبن، وما يحصل منه حتى بين الحليب والكشك، والكامخ. وقال في التذكرة ايضا: يجوز بيع الحنطة بالخبز متساويا نقدا، ولا يجوز نسية ولا متفاضلا، ويجوز بيع الخبر بالخبر يابسا ورطبا ومختلفين، وبيع الفالوذج بالحنطة، ونقل منع العامة في الكل. أقول: والذى وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن سماعة (1) " قال: سألته عن الحنطة والدقيق ؟ فقال: إذا كانا سواء فلا بأس ". وما رواه أيضا عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: قلت: ما تقول في البر بالسويق ؟ فقال: مثلا بمثل لا بأس به، قلت: انه يكون له ريع أو يكون له فضل، فقال: أليس له مؤونة ؟ قلت: بلى قال: هذا بذا، وقال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يدا بيد " قال في الوافى: لعل مراد السائل أن البر له ريع أن فيه فضل، لانه يزيد إذا أخبز، بخلاف السويق.


(1) الكافي ج 5 ص 188 التهذيب ج 7 ص 95. (2) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 95.

[ 236 ]

أقول: بل الظاهر انما هو أنه متى بيع أحدهما بالاخر كيلا، لانهما من المكيلات (1) فان الحنطة تكون أثقل، والسويق وهو الدقيق المقلو اخف، فيحصل الريع والزيادة في الحنطة، ولهذا قيل: بالمنع هنا، والمشهور الجواز، فأجاب (عليه السلام) بأن هذه الزيادة في مقابلة مؤنة طحنه إذا طحن ليكون دقيقا، فيكون في قوة دقيق بدقيق متساويين. وما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: الحنطة بالدقيق مثلا بمثل، والسويق بالسويق مثلا بمثل والشعير بالحنطة مثلا بمثل لا بأس به ". وما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح عن زرارة (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة في الموثق (4) " قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن العنب بالزبيب ؟ قال: لا يصلح الا مثل بمثل، قلت: والتمر والزبيب، قال: مثلا بمثل " وفى التهذيب ؟ على ما نقله في الوافى " قلت والرطب والتمر " قال: وهو الصحيح، لجواز اختلاف الوزن في غير الجنسين كما صرح


(1) أقول: لا خلاف بينهم في أن الحنطة في زمنه (صلى الله عليه وآله) أنه من المكيل، وأما الدقيق فقيل: انه من الموزون، والذى صرح به جملة من المحققين منهم المحقق الاردبيلى أنه كان مكيلا، قال: والظاهر كونها في زمانه مكيلا كذلك، كما نقل ذلك في الحنطة بالاجماع انتهى منه رحمه الله. (2) الكافي ج 5 ص 189. (3) التهذيب ج 7 ص 94 الفقيه ج 3 ص 178. (4) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 97.

[ 237 ]

به في الحديث الاخر، وأشار به إلى ما ذكره الكليني على أثره الخبر المذكور قال: وفى حديث آخر بهذا الاسناد " قال: المختلف مثلان بمثل يدا بيد لا بأس به ". وعن أبى الربيع (1) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في التمر والبسر الاحمر مثل بمثل ؟ قال: لا بأس، قلت: والبختج والعصير مثلا بمثل ؟ قال: لا بأس به ". أقول: والبختج العصير المطبوخ، وهو معرب الپخته. أقول: أقول: دلت هذه الاخبار على أن الحنطة والدقيق والسويق متحدة، وكذلك العنب والزبيب، والعصير مطبوخا أو غير مطبوخ نوع واحد، ويمكن الحاق ما عداها من فروع كل منهما، كما ذكره العلامة بالتقريب المتقدمة فانها كلها متفرعة من الحنطة والعنب، وعلى هذا القياس غيرهما من ساير الانواع وفروعها. الا ان في المقام اشكالا أشار إليه المحقق الاردبيلى (قدس سره) ولا بأس بنقل كلامه، قال بعد ذكر كلام العلامة هنا ونقل بعض أخبار المسألة ما ملخصه: لكن فيه تأمل من حيث عدم انطباقه على القوانين، من حيث أنه لا يصدق على الكل اسم خاص وأن له حقيقة واحدة، ولهذا لو حلف شخص أن لا يأكل أحدهما لا يحنث بأكل الاخر، فيحتمل أن يكونا جنسين، وجواز بيع أحدهما بالاخر يكون كذلك، ويكون الشرط للكراهة مع عدمه كما مر في ساير المختلفات. ويمكن أن يقال: الضابط احد الامرين اما الاتفاق في الحقيقة، أو الاتحاد في الاسم، وهنا الاول، ولم يتحقق الثاني وفيه تأمل. ومن حيث إنه لا شك أن الحنطة إذا جعلت دقيقا تزيد، وهو ظاهر، ودلت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وانطباق الوجه المذكور فيها على قواعدهم


(1) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 98.

[ 238 ]

يحتاج إلى التأمل، فلا ينبغى صحة بيع أحدهما بالاخر متساويا أيضا، للزيادة كما في اليابس من جنس بآخر رطبا، مثل الرطب والتمر والعنب والزبيب كما سيجئ فلا ينبغى النظر إلى مثل هذه الزيادة في وقت آخر بتبديل وتغيير، مع أنه معتبر عندهم كما سمعت في الرطب والتمر فتأمل في الفرق. ومن حيث إن الظاهر كونهما من المكيل في زمانه (صلى الله عليه وآله) كما نقل ذلك في الحنطة بالاجماع، وعلى أنه يمكن أن يختار الوزن، لانه أصل، ويجوز بيع المكيل به، لاجماع المنقول في شرح الشرايع على جواز بيع الحنطة بالوزن مع كونه مكيلا بالاجماع، ولكن الظاهر أنه تحصل الزيادة في الحنطة على الدقيق بعد الطحن، فان اختار الوزن تحصل هذه باعتبار الكيل، وان اختار الكيل تحصل الزيادة باعتبار الوزن، وهو ظاهر، فيمكن التوجيه بما تقدم ولعل الاول أولى، والاجتناب أحوط. انتهى كلامه، (زيد مقامه). أقول: منشأ هذه الاشكالات مراعات القوانين التى صرحوا بها في هذا الباب من اشتراط اتحاد الجنس، وان الجنس، عبارة عماذا واحتمال كون الاتحاد والاختلاف بالنظر إلى الحقيقة الاصلية وان اختلفت أسماء افرادها، أو أنه لابد من الاتحاد في الاسم، لدوران الاحكام الشرعية في جملة من المواضع مداره، والظاهر عندي من الاخبار الواردة في هذا الباب هو أن المراد انما هو الاول، وهو الاتحاد في الحقيقة وان تعددت اسماء افرادها، لقوله (عليه السلام) في اخبار بيع الشعير بالحنطة: " اصلهما واحد "، وقوله: " ان الشعير من الحنطة "، ومنعهم (عليهم السلام) في الاخبار المتقدمة هنا من التفاضل في العنب وما خرج منه وتفرع عليه من زبيب وعصير ودبس، وكذا الحنطة وما تفرع عليها من دقيق وسويق وخبز ونحو ذلك، وهكذا في التمر والرطب الدبس ونحو ذلك، فيصير كل من هذه الاصول وما تفرع منه نوعا واحدا وحقيقة واحدة وان تعددت الاسماء، فانه لا عبرة بتعددها

[ 239 ]

في هذا الباب وان اعتبر ذلك في غيره من ساير ابواب الفقه، ودارت الاحكام مدار التسمية. ويعضد ما ذكرنا ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن على بن ابراهيم (1) عن رجاله في جل من المعاوضات، قال فيه ما صورته: وما كيل أو وزن مما اصله واحد فليس لبعضه فضل على بعض كيلا بكيل، أو وزنا بوزن، فإذا اختلف اصل ما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد ويكره نسيئة، إلى ان قال: وما كان اصله واحدا وكان يكال أو يوزن فخرج منه شئ لا يكال ولا يوزن فلا بأس به يدا بيد، ويكره نسيئة، وذلك كالقطن والكتان فأضله يوزن وغزله يوزن، وثيابه لا توزن فليس للقطن فضل على الغزل، واصله واحد، فلا يصلح الا مثلا بمثل وزنا بوزن فإذا صنع الثياب صلح يدا بيد والثياب لا بأس الثوبان بالثوب " إلى آخره وظاهر الكليني القول بذلك حيث نقله ولم ينكره ولم يتعرض لرده بل حمل عليه، وبذلك يظهر صحة ما ذكرناه. واما التمسك بأنه لو حلف ان لا يأكل احدها فانه لا يحنث بأكل الاخر فانه مردود بما قلناه، ومن اختصاص هذا الحكم بباب الربا كما سمعت من اخباره، وأما ما عداه فانه لا نزاع في ترتب الاحكام ودورانها مدار صدق الاسم، وبه يظهر ضعف ما ذكره في الحيثية الاولى. وأما ذكره في الحيثية الثانية من أن الحنطة بالدقيق مستلزم للربا للزيادة في الحنطة، فهو مسلم، الا أن أكثر الاخبار المتقدمة قد دل على الجواز، ولا مجال لردها مع صحتها وصراحتها، ولعل الزيادة على هذا الوجه غير ملتفت إليها، على أنه (عليه السلام) قد أجاب عن ذلك بأن هذه الزيادة في مقابلة المؤنة في طحن الحنطة، كما قدمنا ذكره. واما قوله: وانطباق الوجه المذكور فيها على قواعدهم يحتاج إلى التأمل،


(1) الكافي ج 5 ص 192.

[ 240 ]

فان فيه اولا ما قدمنا ذكره ان من الواجب الوقوف على مادلت عليه الاخبار وافقت قواعدهم أو خالفتها، وعدم ظهور وجه الفرق بين هذه الصورة، وبين بيع الرطب بالتمر، من حيث حصول الزيادة الحكمية في الموضعين، واليه اشار بقوله فتأمل في الفرق لا يدل على العدم، بل يمكن أن يجعل ما ذكره (عليه السلام) وجه فرق، بأنه وان حصلت الزيادة الحكمية في ذلك الوقت، الا انه بعد صيرورة الحنطة دقيقا، وظهور الزيادة على ذلك الدقيق المقابل حسا، فان هذه الزيادة تكون في مقابلة أجرة الطحن. وثانيا أنه من الجايز عدم الالتفات إلى مثل هذه الزيادة الحكمية كما أشار إليه بقوله فلا ينبغى النظر إلى مثل هذه الزيادة في وقت آخر، بل المعتبر في الزيادة الموجبة للربا انما هي الزيادة الحسية حال الكيل والوزن، وحينئذ يحمل تعليله (عليه السلام) على أنه تعليل اقناعي لرفع استبعاد المخالفين. وأما مسألة الرطب بالتمر الموجبة لدخول الشبهة هنا فسيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى ونقل الخلاف فيها، وبيان ان جملة من الاصحاب حملوا الاخبار الواردة فيها على الكراهة دون التحريم، وبعض الاصحاب قصر الحكم على مورد النص من الرطب بالتمر خاصة، فلا يتعدى إلى غيره. وبذلك يظهر لك ما في قوله، مع انه معتبر عندهم في الرطب والتمر، وبالجملة فالواجب الوقوف على النص والعمل به وارتكاب التأويل بما يرجع به إلى غيره من نصوص المسأله، وهو حاصل بما ذكرناه. وبما أوضحناه يظهر لك ايضا ما في كلام المحقق المتقدم ذكره في شرح قول المصنف، " والشئ واصله كالزبد والثمن واللبن، " حيث قال: قد مر بيانه وان كان فيه تأمل من جهة عدم الاتحاد الاسم والخاصية، فلولا الاجماع

[ 241 ]

المفهوم من التذكرة لامكن القول بالاختلاف، إلى ان قال: إذ الدليل على الكلية غير واضح، لانه ما وجد شئ صحيح صريح في الكلية، والاسم غير صادق، والاختلاف ممكن حقيقة، بل هو الظاهر لاختلاف الخواص، مثل الخل والتمر، والجبن والحليب، ويؤيده ما في صحيحة عبد الرحمن (1) بن ابى عبد الله " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بيع الغزل بالثياب (المنسوجة) والغزل اكثر وزنا من الثياب، قال: لا بأس "، إلى ان قال: وبالجملة الدليل غير قائم على الاتحاد بين الشئ الربوي واصله كلية، بل قائم على عدمه، والاصل وادلة اباحة البيع دليل الجواز، الا ان كلام الاصحاب ذلك، فالخروج عنه مشكل، والاحتياط يقتضيه، والمسألة من المشكلات كلها محلها، وقد ادعى الاجماع في اكثرها، حتى بين الحليب واللبن والكشك والكامخ، والحنطة والخبز بجميع انواعه والهريسة فما ثبت الاجماع فيه لا يمكن الخروج عنه، وظاهر التذكرة الاجماع في كل اصل مع فرعه، وفرع كل اصل مع آخر فتأمل انتهى. اقول: انه وان لم يوجد هنا نص على الكلية المذكورة كما ذكره ولكن لا يخفى ان ما اشرنا إليه من النصوص الواردة هنا وان كان موردها جزئيات مخصوصة، الا ان الحكم فيها ليس مقصورا على تلك الجزئيات، لعدم الخصوصية، بل يتعدى إلى ما ضاهاها، وإذا ضم إليها ما نقلناه عن الثقة الجليل على بن ابراهيم من الكلام الذى نقله عن مشايخه، وعليه اعتمد ايضا ثقة الاسلام، إذ من المعلوم انه نقله له في كتابه ليس الا بقصد الافتاء والعمل عليه، كالاخبار التى نقلها في ذلك الكتاب، ومن الظاهر الواضح الظهور ان هولاء الاجلاء الذين هم من ارباب النصوص لا يذكرون هذا الكلام ويفتون به الا مع ظهوره لهم عن اهل العصمة (صلوات الله عليهم)


(1) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 120 وفى الكافي (المبسوطة) بدل المنسوجة.

[ 242 ]

وهذا مما لا يختلجه الشك والريب، والكلام المذكور صريح في الكلية المذكورة، فلا مجال للتوقف فيه، واما ايراده صحيحة عبد الرحمان في بطلان الكلية المذكورة، فقد ظهر جوابه من كلام على بن ابراهيم المتقدم الدال على ان الفرع الملحق بأصله في هذا الباب انما هو إذا كان مثله في كونه مكيلا أو موزونا مثل اصله والثياب ليست كذلك، كما صرح به فلا ورود لما اورده (قدس سره) هذا كله فيما: يعمل من جنس واحد، كما تقدم في صدر المسألة، فلو كان من جنسين فانه لااشكال ولا خلاف فيما أعلم في جواز بيعه بهما، وينصرف كل جنس من الثمن إلى ما يخالفه من المبيع، ومن أجل ذلك لا يشترط مساواة جملة الثمن للمبيع قدرا، ولا يعتبر معرفة كل واحد من الجنسين، بل يكفى معرفة المجموع، ويجوز أيضا بيعه بأحدهما، ويشترط هنا زيادته على مجانسه زيادة تموله، بحيث يمكن فرض كونهما ثمنا في بيع ذلك الجنس الاخر لو بيع منفردا وان قلت وفى حكم المعمول من جنسين ما لو ضم أحدهما إلى الاخر، وباعهما في عقد واحد وان تميزا لتساوي الفرضين في العلة المسوغة للبيع والله العالم. المسألة الرابعة اختلف الاصحاب في بيع الرطب بالتمر، بل كل رطب بيابسه، فقال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، مثلا بمثل، لانه إذا جف نقص، ولا يجوز بيع العنب بالزبيب الا مثلا بمثل، وتجنبه أفضل، وقال في الخلاف: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، فأما بيع العنب بالزبيب أو ثمرة رطبة بيابسها مثل التين الرطب بالجاف، والخوخ الرطب بالقديد، وما أشبه ذلك فلانص لاصحابنا فيه، والاصل جوازه لان حملها على الرطب قياس، ونحن لا نقول به. وقال في المبسوط: لا يجوز بيع الرطب بالتمر، لا متفاضلا ولا متماثلا على حال، وكذا الخبز لا يجوز بيع لينه بيابسه، لا متماثلا ولا متفاضلا، ثم قال في موضع آخر منه: بيع الرطب بالتمر لا يجوز إذا كان حرضا مما يؤخذ منه، فأما إذا كان تمرا موضوعا على الارض فانه يجوز، وأما بيع العنب بالزبيب، والكمثرى الرطب

[ 243 ]

والتين الرطب بالمقدد منه وما اشبه ذلك، فلا نص لاصحابنا فيه، والاصل جوازه لقوله تعالى (1) " وأحل الله البيع " ثم قال: ولا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالجافة وزنا مثلا بمثل، لانه يؤدى إلى الربا لان مع أحدهما ماء فينقص إذا جف، والتفاضل لا يجوز لفقد الطريق إلى العلم بمقدار الماء، وقال في الاستبصار: ان بيع الرطب بالتمر مكروه لا محرم. وقال ابن ابى عقيل: لا يجوز بيع التمر اليابس بالرطب، ولا الزبيب بالعنب، لان الزبيب والتمر يابسان، والرطب والعنب رطبان، وإذا يبسا نقصا، وكذا الفاكهة اليابسة بالفاكهة الرطبة، مثل التمر بالرطب. وقال ابن الجنيد: لا يشترى التمر اليابس بالرطب، لنهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك، وهذا في الفاكهة وغيرها من اللحم إذا كان من جنس واحد، وسواء كان جفافه بالنار أو الهواء. وقال ابن البراج: لا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل، ولا غير ذلك، وقال ابن حمزة: لا يجوز بيع الرطب بالتمر ولا العنب بالزبيب، لا متماثلا ولا متفاضلا. وقال ابن ادريس: قول الشيخ: لا يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل، لانه إذا جف نقص غير واضح، بل يجوز ذلك، ومذهبنا ترك التعليل والقياس، لانه كان يلزم عليه أنه لا يجوز بيع رطل من العنب برطل من الزبيب، وهذا لا يقول به أحد من أصحابنا بغير خلاف، وأيضا لا خلاف أن بيع الجنس بالجنس مثلا بمثل جايز سايغ، والمنع منه يحتاج إلى دليل، وقوله تعالى (2) " وأحل الله البيع وحرم الربا " قال: وقد رجع شيخنا عما ذكره في نهايته في الثالث من استبصاره فقال:


(1) سورة البقرة الاية 275. (2) سورة البقرة الاية 275.

[ 244 ]

الوجه في هذه الاخبار ضرب من الكراهة دون الحظر. وقال العلامة في المختلف: المعتمد تحريم كل رطب مع يابسه الا العرية. وقال في الدروس: وماله حالتا جفاف ورطوبة يباع مع اتفاق الحال، ولو اختلف الحال فالمشهور منع بيع الرطب بالتمر متساويا ومتفاضلا للرواية. وقال في الاستبصار: وتبعه ابن ادريس بالجواز متساويا على الكراهة، لعدم التصريح في الرواية، وأما العنب بالزبيب ونحوه مما ينقص عند الجفاف فبعض من منع هناك فيه جوز هنا متماثلا في القدر، ومنع منهما ابن الجنيد والحسن وابن حمزة والفاضل، وهو أولى، وظاهره التوقف في مسألة بيع الرطب بالتمر، حيث اقتصر على نقل الخلاف خاصة، حكمه بالاولوية فيما عدا ذلك. وقال المحقق في الشرايع: وفى بيع الرطب بالتمر تردد، والا ظهر اختصاصه بالمنع، اعتمادا على أشهر الروايتين. وقال في المسالك بعد نقل بعض اخبار المسألة المشتملة على علة التحريم: والاقوى التحريم والتعدية إلى كل ما فيه العلة المذكورة، هذا ما حضرني من أقوالهم. واما الاخبار الواردة في المقام فمورد أكثرها الرطب بالتمر، ومنها ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من أجل أن التمر يابس والرطب رطب، فإذا يبس نقص " الحديث. وصحيحة محمد بن قيس (2) عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره أن يباع التمر بالرطب عاجلا، بمثل كيله إلى أجل من أجل أن التمر يبس فينقص من كيله ".


(1) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94. (2) التهذيب ج 7 ص 96.

[ 245 ]

ورواية داود بن سرحان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: لا يصلح التمر بالرطب، ان الرطب رطب والتمر يابس، فإذا يبس الرطب ينقض ". ورواية داود الابزارى (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب التمر يابس والرطب رطب ". وموثقة سماعة (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن العنب بالزبيب ؟ قال: لا يصلح الا مثلا بمثل، قلت: والرطب والتمر قال: مثل بمثل " هكذا في رواية الشيخ الخبر المذكور في التهذيبين. وفى رواية الكليني له، جعل عوض " والرطب والتمر " " والتمر والزبيب " ورواية الشيخ أصح، لانه مع اختلاف الجنسين لا بأس باختلاف الوزن، ورواية ابي الربيع (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تراى في التمر والبسر الاحمر مثلا بمثل ؟ قال: لا بأس به، قلت: فالبختج والعصير مثلا بمثل ؟ قال: لا بأس به ". أقول لا يخفى انهم في غير موضع من الاحكام متى ورد بلفظ " لا يصلح أو يكره " فانما يحملونه على الكراهة بالمعنى الاصولي دون التحريم، كما تقدم ذكره في غير موضع، وقد تقدم التحقيق منا في غير موضع (5) أن الحق أن هذه الالفاظ ونحوها


(1) (2) التهذيب ج 7 ص 90 الاستبصار ج 3 ص 93. (3) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7. (4) الكافي ج 5 ص 190 التهذيب ج 7 ص 97. (5) أقول: وأما ما ذكره المحقق الاردبيلى حيث أنه اختار التحريم في الجميع، من أن الظاهر أن " الكراهة " بمعنى التحريم، لما مر أن عليا (عليه السلام) لا يكره الحلال حقيقة أنه من الظاهر الذى لا يمكن انكاره كما لا يخفى على المتتبع بالاخبار، ورود الكراهة في الاخبار بالمعنيين المذكورين، ومجرد ورود الكراهة بمعنى التحريم في بعض الاخبار لا يقتضى حملها هنا على التحريم، بل غاية الامر أن يكون محتملة للامرين، وهو قد صرح أيضا بأن " الكراهة ولا يصلح " انما يستعمل غالبا في المباح، فكيف يكون الظاهر هنا هو التحريم، ما هذه الا مجازفة ظاهرة، كما لا يخفى على المتأمل المنصف. (منه رحمه الله)

[ 246 ]

من الالفاظ المتشابهة، لوقوعها في الاخبار بمعنى التحريم تارة، وبمعنى الكراهة بالمعنى الاصولي اخرى، فالاخبار المذكورة غير صريحة في التحريم، فلا يمكن الخروج بها عن أدلة الجواز من الاصل، وعموم مادل على جواز البيع كتابا وسنة، وخصوص موثقة سماعة ورواية ابى الربيع المذكورتين وكذا ما دل على صحة البيع مع تماثل الجنسين الربويين في الوزن مطلقا، وبذلك يظهر أن ما ذكر من أن هذه الروايات صحيحة لا تعارضها رواية سماعة ولا رواية أبى الربيع ليس في محله، لانها وان كانت صحيحة، الا أنها غير صريحة في المطلوب لما عرفت، سيما مع اعترافهم في غير موضع بذلك، كما ذكرناه، فكيف يستندون إلى هذه الالفاظ في التحريم هنا، ومجرد كثرتها وتعددها وصحة أسانيدها لا تكون قرينة على التحريم. والظاهر أنه لاجل ما ذكرنا اختار في الكفاية الكراهة، وفاقا للشيخ في كتابي الاخبار، وابن ادريس، وهو ظاهر الشهيد في الدروس، وأما تعدية الحكم إلى غير الرطب والتمر بناء على ثبوت التحريم فيهما، فهو مبنى على حجية العلة المنصوصة، وفى ذلك كلام تقدم في مقدمات الكتاب في صدر مجلد كتاب الطهارة (1). وكيف كان فالمسألة هنا لا تخلو من شوب الاشكال، والاحتياط مطلوب فيها على كل حال والله العالم. المسألة الخامسة قد عرفت مما تقدم أنه من المقرر في كلامهم أن كل شئ وما تفرع منه جنس واحد، وكلما اشترك في الدخول تحت حقيقة من الحقايق فهو جنس واحد، فالعنب والتمرو ما يخرج منهما ويتفرع عليهما جنس واحد، وهكذا الحنطة وما يتفرع عليها جنس واحد، ومنه الشعير كما تقدم ولحم المعز والضأن جنس واحد، لدخولهما تحت لفظ الغنم، والبقر والجاموس عندهم جنس واحد، لدخولهما تحت جنس البقر، والعراب وهى الابل العربية، والبخاتي وهى الابل الخراسانية جنس واحد والطيور عندهم اجناس فالحمام كله (2) جنس على قول.


(1) ج 1 ص 63. (2) قيل: وجه الخلاف هنا هو الشك في أن مقولية الحمام على ما تحته

[ 247 ]

وقيل: ما يختص من أنواعه باسم فهو جنس مغاير، واللحوم مختلفة باختلاف أسماء حيواناتها، والالبان تتبع الحيوان في التجانس والاختلاف، والادهان تتبع ما يستخرج منه، والزبد والسمن والحليب والمخيض والاقط واحد، تابع لما يستخرج منه، والخلول تابعة لاصولها، فخل التمر مخالف لخل العنب، وقالوا والوحشي من الحيوانات مخالف لانسيه، وقد ادعى في التذكرة الاجماع على اكثر هذه الاحكام، فان ثبت، والا فللنظر في بعضها مجال. ومن ذلك لحوم البقر والجاموس، ودعوى أنهما جنس واحد، لدخولهما تحت لفظ البقر، كما يدل عليه كلام أهل اللغة، فلولا الاتفاق على ذلك لامكن المناقشة بالنظر إلى العرف، فانه يأبى ذلك، مع أنه مقدم على اللغة عندهم، ومما يؤيد كونهما نوعا واحدا ضم أحدهما إلى الاخر في الزكاة، وجعلهما جنسا واحدا، ومن ذلك الحكم بأن الوحشى من الحيوانات مخالف لانسية، مع اندارجهما تحت لفظ واحد وحقيقة واحدة، وهى المدار في الاتحاد، واختلاف الصور والخواص ونحو ذلك قد تقدم أنه غير منظور ولا معتبر، كما في الشعير والحنطة وغيرهما.


مقولية النوع على أصنافه أو مقولية الجنس على أنواعه، فعلى الاول يحرم بيع بعضها ببعض مطلقا، وعلى الثاني يختص كل نوع بحكمه، ولما كان الوقوف على ذاتيات الحقائق عسيرا جدا ولم يمكن من جهة الشرع قاطع لشئ، حصل الخلاف، وبهذا يحصل الفرق بين أفراد الحمام، وأفراد البقر بالنسبة إلى الجاموس، فانه قد ثبت شرعا أنهما نوع واحد، تعدهما في باب الزكاة كذلك، وكيف كان فينبغي أن يعلم أن الربا في الحمام ونحوه من الطير انما هو في لحمه إذا بيع وزنا، والا فلو بيع عددا أو جزافا فلا، الا على القول بحصول الربا في المعدودات أيضا. (منه رحمه الله)

[ 248 ]

المسألة السادسة قال الشيخ في النهاية: لا يجوز بيع الغنم باللحم لاوزنا ولا جزافا، وكذا قال المفيد وسلار وابن البراج، وفى الخلاف والمبسوط: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان إذا كان من جنسه، كلحم الشاة بالشاة، ولحم البقر بالبقر، وان اختلف لم يكن به بأس، وكذا قال ابن حمزة، وهو مذهب ابن الجنيد أيضا، وقال ابن ادريس: يجوز ذلك إذا كان اللحم موزونا، سواء اتفق الجنس أولا يدا بيد، وسلفا أيضا ان كان اللحم معجلا، دون العكس، إذ لا يجوز السلف في اللحم، ويجوز في الحيوان. قال في المختلف بعد نقل ما ذكرناه: والاقرب الاول، لنا أنه أحوط وأسلم من الربا، ولانه قول من ذكرنا من علمائنا، ولم نقف لغيرهم منا على مخالف، وابن ادريس قوله محدث لا يعول عليه، ولا يثلم في الاجماع، ولان الشيخ احتج عليه في الخلاف باجماع الفرقة ونقله حجة لثقته وعدالته ومعرفته، وبما رواه غياث ابن ابراهيم (1) في الموثق عن الصادق (عليه السلام) " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره اللحم بالحيوان " لا يقال: ان غياث ابن ابراهيم بترى والمتن غير دال على المطلوب، إذ الكراهة لا تدل على التحريم، لانا نقول: ان غياثا، وان كان بتريا (2) الا أن أصحابنا وثقوه، فيغلب على الظن ما نقله، والظن ييجب العمل به، والكراهة تستعمل كثيرا في التحريم. احتج ابن ادريس بأن المقتضى وهو قول الله تعالى (3) " أحل الله البيع " موجود، والمانع وهو الربا منفى، ولان الربا انما ثبت في الموزون، والحيوان الحى ليس بموزون، والجواب المنع من نفى المانع، ومن كون المانع هو الربا خاصة، ولو قيل: بالجواز في الحيوان الحى دون المذبوح جمعا بين الادلة كان


(1) الكافي ج 5 ص 191. (2) وفى الجمع: البتريه بضم الموحدة فالسكون فرق من الزيدية. (3) سورة البقره الاية 275.

[ 249 ]

قويا. انتهى كلامه زيد اكرامه. أقول: هذا كلامه هنا، وفى التحرير اختار الجواز، استضعافا للرواية المذكورة، وفى الارشاد قال: ويجوز بيع لحم الغنم بالشاة على رأى، ثم انه لا يخفى ما في كلامه هنا من المجازفة والضعف الظاهر لكل ناظر، وما ذكره ابن ادريس هو الموافق للقواعد الشرعية، والرواية ينبغى حملها على الكراهة بالمعنى المصطلح، كما هو أحد معنييها في الاخبار، لعدم ظهور الموجب للتحريم، وأصالة الصحة أقوى مستمسك في المقام. ومن ثم ان العلامة في آخر كلامه قد عدل عما ذكره أولا وسجل به، وقوله: ولو قيل: مع أن هذا قول ابن ادريس لا معنى له، الا أن يريد من المتقدمين، والظاهر أن مراده ذلك، حيث انهم لا يعتبرون بأقوال المعاصرين، وانما يعولون على أقوال المتقدمين، كما يشعر به كلامه، وظاهر كلامه قدس سره في هذا المقام أن محل الخلاف هنا هو الحيوان الحى مع اللحم، كما هو صريح كلام ابن ادريس، ويشير إليه قوله هنا (ولو قيل)، إلى آخره. وظاهر المحقق الاردبيلى في شرحه على الارشاد أن محل الخلاف انما هو الشاة المذبوحة، قال: ينبغى عدم الخلاف بالجواز بالشاة حال حياتها متفاضلا، ونسيئة، والخلاف بعد الذبح مع أحد الامرين، فمن حيث ان العادة بيعها بالوزن بعده فيتحقق شرط الربا وهو الجنسية والوزن هنا، ومن حيث ان المذبوح ليس يتعين بيعه بالوزن، لعدم تحقق ذلك عادة، بل الظاهر جواز بيعه حينئذ جزافا، فليس بموزون، إلى أن قال: وبالجملة لو ثبت أن بيع الحيوان المأكول بعد الذبح لا يجوز الا وزنا لا يجوز باللحم من جنسه متفاضلا ونسيئة، والا فلا. أقول: فيه زيادة على ما تقدم أن ظاهر كلام الاصحاب أن الحيوان بعد الذبح لا يباع الا بالوزن، وأنه ليس محل خلاف كما ادعاه، مع أن كلامه في المقام لا تخلو

[ 250 ]

من تدافع، لانه في الحيثية الاولى ذكر أن العادة بيعه بالوزن بعد الذبح، وبنى التحريم على ذلك، وفي الحيثية الثانية نفي عدم تحقق ذلك عادة، وبنى عليه الجواز، وهل هو الا تناقض ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر، فضلا عن الخبير الماهر. ثم ان ممن اختلف كلامه في هذه المسألة أيضا المحقق، فقال: في الشرايع، بالتحريم، وفى النافع. بالكراهة كما ذهب إليه ابن ادريس، وهذا القول الاخير هو الذى نقله عنه في نكت الارشاد، وقال في المسالك بعد قول المصنف " ولا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه " إلى آخره: هذا هو المشهور بين الاصحاب، وخالف فيه ابن ادريس فحكم بالجواز، لان الحيوان غير مقدر بأحد الامرين وهو قوي مع كونه حيا، والا فالمنع أقوى، والظاهر أنه موضع النزاع انتهى. وهو مؤيد لما قدمنا ذكره، وتنظر صاحب الكفاية فيه لعله مبنى على ما ذكره الاردبيلى مما قدمنا نقله عنه، وقد عرفت ما فيه. وبالجملة فالتحقيق أن كلام المتقدمين ومن تبعهم من المتأخرين شامل للحيوان الحي والمذبوح، كما هو ظاهر كلام العلامة في المختلف، في رده على ابن ادريس، حيث التجأ إلى جواز أن يكون المانع أمر آخر غير الربا، ومثله الشهيد في نكت الارشاد، (1).


(1) أقول: قال الشهيد في نكت الارشاد بعد قول المصنف ويجوز بيع اللحم بالشاة على رأى ما لفظه: هذا مذهب ابن ادريس ونجم الدين، وزاد ابن ادريس جواز اسلاف اللحم في الحيوان لا العكس، لعموم " أحل الله البيع " ولان الربا انما هو في الموزون والمكيل، وظاهر أن الشاة ليست أحدهما، وأجيب بأن العام يخصص بدليل، وبمنع اختصاص الربا بما ذكره، ونمنع أنه من باب الربا، بل هو محرم لعلة، لا من جهة الربا، ثم نقل مذهب الشيخين ومن تبعهما، وذكر احتجاج العلامة، وظاهره التوقف، حيث اقتصر على نقل الاقوال، ولم يوضح شيئا

[ 251 ]

وابن ادريس ومن تبعه كالشيهد الثاني والمحقق الشيخ على، واليه أشار العلامة في آخر كلامه في المختلف، وهو مذهبه في التحرير والارشاد، والمحقق في النافع فصلوا بين الحى والمذبوح، فوافقوهم في المذبوح، لكونه بعد الذبح لحما لا يباع الا بالوزن، وخالفوهم في الحي، لعدم بيعه وزنا، وهو الحق في المقام، وبه يظهر أن محل الخلاف انما هو في الحى خاصة، ويزيدك بيانا ما ذكره في شرح اللمعة، حيث قال المصنف: " ولا يباع اللحم بالحيوان مع التماثل " فقال الشارح: كلحم الغنم بالشاة ان كان مذبوحا لانه في قوة اللحم، فلابد من تحقق المساواة، فلو كان حيا فالجواز قوي لانه حينئذ غير مقدر بالوزن. انتهى. المسألة السابعة الاشهر الاظهر أنه لا ربا الا في المكيل والموزون، فما ليس كذلك يجوز بيعه متساويا ومتفاضلا، وقيل: بثبوته في المعدود أيضا، ونقل عن الشيخ المفيد وابن الجنيد وسلار. والذى يدل على الاول جملة من الاخبار منها ما رواه المشايخ الثلاثة (عطرالله مراقدهم) بأسانيد عديدة في الموثق عن عبيد بن زرارة (1) " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن ". وما رواه في الكافي عن منصور بن حازم (2) في الموثق " قال: سألته عن الشاة بالشاتين، والبيضة بالبيضتين، قال: لا بأس ما لم يكن كيلا ولا وزنا ". وما رواه في الفقيه عن داود بن الحصين (3) " أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)


وقال في الدروس: ولا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه على الاصح، وتجويز ابن ادريس شاذ انتهى. منه رحمه الله. (1) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 94 الفقيه ج 3 ص 175 (2) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118. (3) الفقيه ج 3 ص 178.

[ 252 ]

عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين قال. لا بأس ما لم يكن مكيلا ولا موزونا ". وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلا أو وزنا " ونحوها موثقة اخرى لمنصور بن حازم، وقد تقدمت في المسألة الاولى. وما رواه في الكافي (2) عن على بن ابراهيم عن رجاله عمن ذكره في فصل طويل في المعاوضات " قال: وما عد عددا ولم يكل ولم يوزن فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد، ويكره النسيئة ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (3) " واعلم أن الربا ربا آن ربا يؤكل وربا لا يؤكل، فاما الربا الذي يؤكل فهو هديتك إلى رجل تطلب الثواب أفضل منه، فأما الربا الذي لا يؤكل، فهو ما يكال أو يوزن ". واحتج الاصحاب على ذلك زيادة على الاخبار بان الاصل الجواز، ولان الانسان مسلط على ماله، وحاكم فيه، فلا يمنع فيه الا بدليل، ونقل عن الشيخ المفيد أنه احتج بعموم النهى عن الربا، وهو في اللغة الزيادة، وهى متحققة في المعدود. وبما زواه محمد بن مسلم (4) في الصحيح " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوبين الرديين " الخبر وقد تقدم في المسألة الاولى. وموثقة سماعة " قال: سألته عن بيع الحيوان اثنين بواحد، فقال: إذا سميت الثمن فلا بأس ".


(1) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94 الفقيه ج 3 ص 178. (2) الكافي ج 5 ص 192. (3) المستدرك ج 2 ص 479. (4) (5) التهذيب ج 7 ص 120.

[ 253 ]

وأجاب في المختلف عن الدليل الاول بأن الزيادة المطلقة غير معتبرة، بل لابد من شرايط معها، فخرجت الحقيقة اللغوية عن الارادة، وعن الاحاديث بأن الكراهة قد تكون للتنزيه بل هو المعنى المتعارف منها. أقول: أما الخبر الاول فقد تقدم احتمال خروجه مخرج التقية ايضا. وأما خبر الثاني فمن المحتمل قريبا أن يكون لفظ الثمن هنا وقع تحريف لفظ السن، كما ورد في موثقة سعيد بن يسار " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسيئة ؟ فقال: نعم لا بأس إذا سميت بالاسنان جذعين أو ثنيين، ثم أمرني فخططت على النسيئة " (1) وقد تقدم أن الامر بالخط على النسيئة انما وقع تقية كما ذكره بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم). والشيخ (رضوان الله عليه) في الاستبصار قد حمل هذا الخبر على الاستظهار والاحتياط، قال: لان الافضل والاحوط أن يقوم كل واحد منها على جهة ويكون البيع على القيمة، وان لم يكن ذلك محظورا. وأيده بما رواه في الصحيح عن ابن مسكان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يقول: عاوضني بفرسي فرسك، وأزيدك قال: لا يصلح، ولكن يقول: أعطني فرسك بكذا وكذا وأعطيك فرسى بكذا وكذا " وكيف كان فالعمل على القول المشهور والله العالم. المسألة الثامنة قالوا المعتبر في الكيل والوزن ما كان في عهده (صلى الله عليه وآله) فمتى علم ذلك، اتبع وجرى فيه الربا وان تغير حاله بعد، ولا فرق بين أن يكون ذلك في بلده (عليه السلام) أو غير بلده إذا أقر أهله عليه، وما لم يعلم حاله يتبع عادة البلدان، فان اختلفت كانت لكل بلد حكم نفسه، مصيرا إلى العرف الخاص


(1) الكافي ج 5 ص 191 التهذيب ج 7 ص 118. (2) التهذيب ج 7 ص 120.

[ 254 ]

عند تعذر العلم، فكل بلد يكون فيها مكيلا أو موزونا يثبت فيه الربا، وكل بلد لا يكون كذلك يجوز البيع متفاضلا ونسيئة من غير مانع. قال: بعض المحققين والظاهر أن الحكم للبلد، لا لاهله وان كان في بلده غيره، ولا يخفى ما فيه من الغموض، وان كان مراده أن الحكم لاهل البلد الساكنين فيها دون من خرج منها إلى بلد ليست كذلك، وقيل: وهو منقول عن الشيخين وسلار. وابن ادريس يغلب جانب التقدير بالكيل أو الوزن على جانب العدد والجزاف أخذا بالاحوط (1). ووجه الاول بأن المعتبر العرف عند عدم الشرع، وكما أن عرف تلك البلد التقدير، فيلزمه حكمه، وعرف الاخرى الجزاف مثلا فيلزمه حكمه، صرفا للخطاب إلى المتعارف من الجانبين. (2)


(1) أقول: التحقيق ان هذين القولين ينحلان إلى ثلاثة أقوال: احدها اعتبار التقدير في جميع الاشياء حذرا من الغرر المقتضى إلى التنازع، ولانه الاحوط، وهو قول الشيخ في النهاية، وتبعه سلار. ثانيها اعتبار حكم الاغلب والاعم، لان المعروف من عادة الشرع اعتبار الاغلب دون النادر، وهذا مدلول عبارة الشيخ المفيد، وتبعه ابن ادريس: وثالثها اعتبار كل بلد حكم نفسه، وهو مذهب الشيخ في المبسوط والمحقق والعلامة وغيرهم منه رحمه الله. (2) كما إذا كان ذلك الجنس مكيلا أو موزونا في بلد فانه ربوي محرم على أهل تلك البلد ببيعه متفاضلا، ولو أن أحد أهل هذه البلد خرج إلى بلد يباع فيها ذلك الجنس جزافا فانه يجوز له شراؤه جزافا ولا يحرم عليه الزيادة باعتبار أنه في بلده ربويا، والظاهر أن هذا مراد المحق المذكور، وان كانت عبارته عن تأديته ظاهرة القصور. منه رحمه الله

[ 255 ]

ووجه الثاني بصدق المكيل والموزون على ذلك في الجملة، قالوا: انه قد ثبت أن أربعة كانت مكيلة في عهده (صلى الله عليه وآله) وهي الحنطة والشعير والتمر والملح، نقل عليه في التذكرة اجماع الامة، فلا يباع بعضها ببعض الاكيلا وان اختلف في الوزن، واستثنى في التذكرة ما يتجافى منه في المكيال، كالقطع الكبار من الملح، فيباع وزنا لذلك، وما عداها ان ثبت له في عهده (صلى الله عليه وآله) أحد الامرين وإلا رجع إلى عادة البلد. ولو عرف أنه كان مقدرا في عهده (صلى الله عليه وآله) وجهل اعتباره بأحدهما قالوا: احتمل التخيير، وتعين الوزن، لانه أضبط واختاره في التذكرة، واستحسنه في المسالك. أقول: وفى حكم الاربعة المذكورة في الاتفاق على كونهما من المكيل في عهده (صلى الله عليه وآله) الدنانير والدراهم وكونهما موزونة، لاتفاق الامة كما ذكره في التذكرة أيضا على ثبوت الربا في هذه الستة أعنى الاربعة المتقدمة مع هذين، ومن الظاهر أن هذين ليست من المكيل، فليس الا انهما موزونة، ويعضده استفاضة الاخبار بأنهما من الموزون في عصرهم (عليهم السلام). ثم أقول: لا يخفى أن جميع الحبوب من حنطة وشعير وارز وعدس وماش والتمر والرطب ونحوها وما يتفرع من كل منها وكذا الالبان والادهان ونحوها في هذه الازمنة المتأخرة انما تباع بالوزن، والكيل الذى كان أولا غير معمول عليه بين الناس بالكلية، فيشكل الحكم في هذه الاجناس الاربعة التى اتفقوا على كونها مكيلة في عصره (صلى الله عليه وآله) باعتبار بيعها وزنا، حيث انهم صرحوا بأن ما كان مكيلا لا يجوز بيعه بغير الكيل، وكذا الموزن مع قطع النظر عن حصول الربا وعدمه وهكذا يجرى في باب الربا ايضا، وقد صرح في التذكرة بأنه لا يجوز بيع شئ من المكيل بشئ من جنسها وزنا بوزن وان تساويا. نعم نقل في المسالك عن بعضهم انه نقل الاجماع على جواز بيع الحنطة

[ 256 ]

والشعير وزنا، مع الاجماع كما عرفت على كونهما مكيلين في عصره (صلى الله عليه وآله) وقال في التذكرة ايضا: وما اصله الكيل يجوز بيعه وزنا سلفا وتعجيلا، ولا يجوز بيعه بمثله وزنا، لان الغرض في السلف والمعجل تعيين جنس معرفة المقدار، وهو يحصل بهما، والغرض هنا المساواة، فاختص المنع في بعضه ببعض به، وقال أيضا: كما لا يجوز بيع الموزون بجنسه جزافا، كذا لا يجوز بيعه مكيلا، الا إذا علم عدم التفاوت فيه، وكذا المكيل لا يجوز بيعه جزافا ولاموزونا الا مع عدم التفاوت، وقال أيضا: لو كان حكم الجنس الواحد مختلفا في التقدير كالحنطة المقدرة بالكيل، والدقيق المقدر بالوزن احتمل تحريم البيع بالكيل والوزن للاختلاف قدرا، وتسويغه بالوزن. أقول لقائل أن يقول: ان المستفاد من الاخبار ثبوت الكيل والوزن في الجملة، وأن البيع في جملة من الاخبار انما يقع بهما، وأن الربا يقع فيهما، ولم يقم لنا دليل واضح أن ما كان مكيلا لا يجوز بيعه وزنا، وكذا العكس سواء كان في باب الربا أو غيره، سيما مع ما صرح به جملة منهم من أن الوزن اضبط، وانه الاصل، وعموم ادلة جواز البيع كتابا وسنة يقتضى الجواز كيف اتفق من احد هذين الامرين، ويعضده ما تقدم من نقل الاجماع على جواز بيع الحنطة الشعير وزنا مع الاجماع على أنها من المكيل في عصره (صلى الله عليه وآله). وبالجملة فأقصى ما يستفاد من الادلة في باب البيع هو وجوب معرفة المبيع والثمن بالوزن أو المكيل، دفعا للغرر والنزاع، وكذا في باب / الربا أنه لا يقع الا في المكيل أو الموزون، واما ان ما علم كونه في الزمن السابق مكيلا أو موزونا لا يجوز الخروج من احدهما إلى الاخر فلم نقف فيه على دليل، واصالة العدم قائمة، واصالة الصحة في العقود ثابتة، حتى يقوم دليل على الخروج عن ذلك. وكيف كان فالاولى مراعاة الاحتياط في امثال هذه المقامات والله العالم بحقايق احكامه.

[ 257 ]

المسألة التاسعة المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا ربا بين الوالد وولده، ولا بين المولى ومملوكه، ولا بين الرجل وزوجته، وعن المرتضى (رضى الله عنه) في بعض اجوبته: انه حكم بثبوت الربا بينهم، وحمل الخبر الوارد بالنفي على النهي، وجعله من قبيل قوله (سبحانه) (1): " فلارفث ولا فسوق " الا انه صرح بالرجوع من ذلك، وانتصر للقول المشهور وادعى عليه الاجماع قال (قدس سره): قد كنت فيما تأولت في جواب مسائل وردت من الموصل الاخبار التى يرويها اصحابنا المتضمنة لنفى الربا بين من ذكرناه على ان المراد بذلك وان كان بلفظ الخبر معنى الامر، كأنه قال: يجب ان لا يقع بين ما ذكرناه ربا، كما قال الله (تعالى) (2) " ومن دخله كان آمنا " وقوله (تعالى) (3) " فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج " وقوله عليه السلام (4) " العارية مردودة (5) والزعيم غارم " ومعنى ذلك كله معنى الامر والنهى، وان كان بلفظ الخبر واعتمدنا في نصرة هذا المذهب على عموم ظاهر القرآن وان الله حرم الربا على كل متعاقدين بقوله " ولا تأكلوا الربا " وهو شامل للوالد وولده، والرجل وزوجته، ثم لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب لانى وجدت اصحابنا مجمعين على نفى الربا بين من ذكرناه، وغير مختلفين فيه في وقت من الاوقات، واجماع هذه الطائفة قد ثبت انه حجة، ويخص بمثله ظواهر القرآن، والصحيح نفى الربا بين من ذكرناه إلى آخر كلامه زيد في مقامه.


(1) سورة البقرة الاية 197. (2) سورة آل عمران الاية 97. (3) سورة البقرة الاية 197. (4) المستدرك ج 2 ص 507. (5) المستدرك ج 497 2. (6) سورة آل عمران الاية 13.

[ 258 ]

وابن الجنيد فصل هنا بين الوالد وولده فقال: لاربابين الوالد وولده، إذا أخذ الوالد الفضل الا ان يكون له وارث أو عليه دين. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه في الكافي عن عمرو بن جميع (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا " ورواه في الفقيه مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) مثله، قال: في الكافي وبهذا الاسناد (2) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم الف درهم بدرهم، نأخذ منهم ولا نعطيهم " ورواه في الفقيه (3) مرسلا بنقصان قوله " نأخذ منه الف درهم بدرهم " واثبات ما قبله وما بعده. وما رواه في الكافي عن زرارة وعن محمد بن مسلم (4) عن ابى جعفر (عليه السلام) " قال: ليس بين الرجل وولده ولا بينه وبين عبده، ولا بينه وبين اهله ربا، انما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك، قلت: فالمشركون بيني وبينهم ربا ؟ قال: نعم، قلت: فانهم مماليك، فقال: انك لست تملكهم، انما تملكهم مع غيرك انت وغيرك فيهم سواء، والذى بينك وبينهم ليس من ذلك، لان عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك " ورواه في التهذيب عن زرارة ومحمد عنه (عليه السلام) مثله. وما رواه في الفقيه مرسلا قال: " قال الصادق (عليه السلام): ليس بين المسلم وبين الذمي ربا، ولا بين المرأة وزوجها ربا ". وما رواه في الفقيه (6) " قال سأل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)


(1) (2) الكافي ج 5 ص 147 الفقيه ج 3 ص 176. (3) الفقيه ج 3 ص 176. (4) الكافي ج 5 ص 147 التهذيب ج 7 ص 17. (5) (6) الفقيه ج 3 ص 178 الوسائل الباب 7 من ابواب الربا الرقم 5 - 6 - 7.

[ 259 ]

" عن رجل أعطى عبده عشره دراهم، على ان يؤدى العبد كل شهر عشرة دراهم أيحل ذلك ؟ قال لا بأس " ورواه في التهذيب مسندا عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) مثله " ورواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) مثله، وزاد: وسألته عن رجل اعطى رجلا ثمانماءة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو اكثر هل يحل ذلك ؟ قال: لا هذا الربا محضا وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي: (1) " وليس بين الوالد وولده ربا، ولا بين الزوج والمرأة، ولابين المولى والعبد، ولا بين المسلم والذمي " انتهى. قال في الكفاية: ومستند المشهور رواية زرارة ومحمد بن مسلم مؤيدة برواية عمرو بن جميع، وشئ منها لم يبلغ حد الصحة، مع ان عموم الكتاب والاخبار الكثيرة يخالفه، فان ثبت اجماع كان هو المتبع، والا فالصواب العمل بالكتاب انتهى. وضعفه أظهر من أن يخفى، فانه لا خلاف بين الاصحاب ممن ذهب إلى هذا الاصطلاح المحدث ومن لم يذهب إليه في العمل بهذه الاخبار ولم يقل أحد منهم غير المرتضى ومن يحذو حذوه وهو أقل قليل على غير هذا الاخبار لصحتها وصراحتها. فأما صحتها عند المتقدمين فظاهرة، وأما عند المتأخرين فلجبر ضعف أسانيدها باتفاق الاصحاب على العمل بها، وبها خصصوا عموم الكتاب والاخبار المذكورة، على أن الدليل غير منحصر في الروايتين المشار اليهما في كلامه، بل هو مضمون أخبار عديدة، وفيها الصحيح كرواية على بن جعفر برواية الفقيه، فان طريقه في المشيخة إلى على بن جعفر صحيح، وهى من مرويات كتابه، وهو من الاصول المشهورة الثابتة الصحة. وبالجملة فان ما ذكره هنا، من المناقشات الواهية التى لا يلتفت إليها، والظاهر (1) المستدرك ج 2 ص 480.

[ 260 ]

انه تبع في هذا المقام المحقق الاردبيلي حيث أشار إلى ذلك فقال بعد نقل روايتي عمرو بن جميع وزرارة ومحمد بن مسلم ونقل دعوى المرتضى الاجماع ما ملخصه: والاجماع غير ظاهر، ولهذا ذهب السيد إلى الثبوت، وقال: معنى نفى الربا نهي مثل " لا رفث ولا فسوق ولا جدال " وابن الجنيد ذهب إلى عدم الثبوت من جانب الواد فقط، والحديث غير صحيح، وعموم أدلة التحريم قول، ويمكن أن يقال: لاربابين الرجل وولده بمعنى جواز أخذ الوالد من مال ولده لا العكس، ويؤيد باخبار أخر مثل أن الولد وماله لوالده. انتهى. وفيه أولا ما عرفت آنفا، وثانيا ان الاستناد في عدم ظهور الاجماع إلى كلام المرتضى المذكور عجب منه (قدس سره) فان المرتضى قد عدل عن هذا الكلام بعد ظهور الاجماع له، كما صرح به في كلامه المتقدم، وهو مؤذن بأن قوله بهذا القول وقع غفلة وذهولا عن ملاحظة الاجماع، فلما انكشف له ثبوت الاجماع عدل عنه إلى قول المشهور فصار هذا الكلام في حكم العدم، فكيف يصلح لان يطعن به على دعوى الاجماع. وثالثا أن ما ادعاه من حمل نفى الربابين الوالد والولد على الصورة المذكورة مستندا إلى الاخبار المشار إليها مردود بما حققناه في تلك المسألة، من أن هذه الاخبار على ظاهرها مخالفة للعقل والنقل، كتابا وسنة، مع معارضتها بغيرها، وبينا أنها انما خرجت مخرج التقية، فلا اعتماد عليها في حد ذاتها فضلا عما ذكره هنا. وبالجملة فان مناقشة في المقام بعد ما عرفت من اخبارهم (عليهم السلام) واتفاق الاصحاب على العمل بها قديما وحديثا مما لا ينبغى أن يصغى إليها، ولا يعرج في مقام التحقيق عليها، ولم يبق الاخلاف ابن الجنيد، وضعفه كساير أقواله التى ينفرد بها أظهر من أن يذكر، وأقواله غالبا لا يخرج عن مذهب العامة، ولهذا صرح جملة من علماء الرجال باطراح أقواله لعمله بالقياس المتفق على نهى عنه في الشريعة نصا وفتوى، مع ظهور الاخبار المذكورة في رده، فنقل المحقق المذكور

[ 261 ]

لقوله للتسجيل به على الطعن في الاجماع غير حقيق بالاتباع والاستماع. بقى الكلام هنا في مواضع الاول هل المراد بالولد في هذا المقام، هو الولد النسبي دون الرضاعي، وأن يكون للصلب فلا يتعدى إلى الجد مع ولد الولد ؟ اشكال ينشأ من الاقتصار في الرخصة على مورد اليقين، ومن صحة اطلاق الولد شرعا على من ذكرناه من ولد الولد بل ولد البنت، كما تقدم تحقيقه في كتاب الخمس. وكذا الولد الرضاعى، الا أن الظاهر في الولد الرضاعى بعده، لعدم انصراف الاطلاق إليه ما لم يقيد، وأما الولد مع الام فلا اشكال في ثبوت الربا بينهما، وبما ذكرنا من تخصيص الولد بالنسبى وأن يكون للصلب صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والروضة مع احتمال المعنى الاخر، ونحوه المحقق الشيخ على (قدس سره) في شرح القواعد، وبالعموم صرح في الدروس فقال: ولابين الولد ووالده وان علا والاحتياط يقتضى الاقتصار على المعنى الاول. الثاني الاكثر على انها لافرق في الزوجة بين الدائمة والمتمتع بها، وبه صرح العلامة في أكثر كتبه وغيره، لعموم النص ونقل عن العلامة في التذكرة انه خص الزوجة بالدائم، مستندا إلى أن التفويض في مال الرجل انما ثبت في حق الدائم، فان للزوجة أن يأخذ من مال الرجل المأدوم. ورد بأن في معارضة ذلك لعموم النص منع ظاهر. وظاهر المحقق الاردبيلى المناقشة هنا أيضا بناءا على ما قدمنا نقله عنه، حيث قال: وأما بين الزوجة والزوج فمثل ما تقدم، فان كان اجماع يقتصر عليه مثل الدائمة، كما اختاره في التذكرة مؤيدا بجواز أكلها من بيت زوجها، وفى بعض الروايات الصحيحة تسلط الزوج على ما لها بحيث لا يجوز لها العتق الا باذنه، فلا يبعد عدمه بينهم من الطرفين على تقدير الاجماع، والا فعموم أدلة منع الربا متبع. انتهى وضعفه ظاهر مما قدمناه. الثالث الظاهر من كلام اكثر الاصحاب أنه لاربا بين المسلم والحربي،

[ 262 ]

بمعنى أن للمسلم أخذ الفضل منه، دون العكس، فانه محرم، واطلق جماعة نفي الربا بينهما من غير فرق بين أخذ المسلم الزيادة أو الحربى. وممن أطلق الشيخ في النهاية، ومقتضاه جواز أخذ الحربى الزيادة، ورده ابن ادريس وهو الحق. وبنحو ما ذكره الشيخ صرح ابن البراج، فقال: ولا ينعقد الربا بين الوالد وولده، والسيد وعبده، والحربي والمسلم، والمرأة وزوجها، يجوز أن يأخذ كل واحد ممن ذكرنا من صاحبه الدرهم بدرهمين، والدينار بدينارين. والذى يدل على ما هو المشهور ما تقدم نقله عن النبي (صلى الله عليه وآله) برواية الكافي والفقيه (1) من نفى الربا بين المسلم وأهل الحرب، وان المسلم يأخذ منهم ولا يعطيهم، وهو صريح في المطلوب، ولا يضر ضعف السند عندنا سيما مع تأيد ذلك بحل مال الحربى، وقد صرح في التذكرة بأنه لا فرق بين كونه معاهدا أم لا، لان الحربى فيئ لنا وأمانة، وان منع من أخذ ماله من غير حق، الا أنه إذا رضي بدفع الفضل انتقض أمانه فيه. بقى الكلام في رواية زرارة ومحمد بن مسلم من حيث دلالتها على حصول الربابين المسلم والمشرك، ولم أقف على من تعرض لنقلها في المقام، فضلا عن الجواب عنها الا المحقق الاردبيلى، وظاهره الجمع بينها وبين الرواية المتقدمة مع ميله إلى العمل برواية زرارة ومحمد بن مسلم لوضوح سندها وتأيدها بعموم الادلة كما أشار إليه آنفا بحمل الرواية الاولى على غير المعاهد، وحمل هذه على المعاهد، والاصحاب كما تقدم في كلام العلامة لم يفرقوا بينهما، كما هو ظاهر الخبر الاول. الرابع نفى الربا في الاخبار المتقدمة بين السيد وعبده، أما من حيث عدم ملكه فالبيع غير صحيح، والامر واضح، لصدق عدم الربا، وأما بناء على ملكه فيكون العلة النص، وان لم يظهر له وجه ينزل عليه، وكان الاولى لمن يقول بعدم


(1) الفقيه ج 3 ص 176.

[ 263 ]

ملكه ترك ذكره في هذا المقام، الا أنه لما ورد به النص تعرضوا له. (1) وظاهر المحقق الاردبيلي هنا أيضا المناقشة في الحكم على تقدير القول بملكه، قال: وأما عدم الثبوت بين العبد وسيده، فبناء على القول بأنه لا يملك واضح، وأما على القول الاخر فلا يظهر، إذ الرواية غير صحيحة، ولا يعرف غيرها، الا أن يدعى الاجماع فيقتصر على موضعه وهو القن الخاص لا المكاتب مطلقا، ولا المشترك كما يشعر به الرواية المتقدمة. انتهى. وفيه أن الرواية التي أشار إليها، وهى رواية زرارة ومحمد بن مسلم (2) وظاهره أنه لم يطلع على غيرها وان كانت غير صحيحة باصطلاحه الذى يدور مداره، الا أن رواية على بن جعفر صحيحة كما أشرنا إليه آنفا (3)، وموردها المملوك وسيده، فلا مجال لما ذكره من المناقشة، وعدم ظهور الوجه من النص ليحمل عليه لا يدل على العدم، والواجب التسليم لما ثبت عنهم (عليه السلام) سواء ظهر لنا الوجه فيه أم لا، وقد صرح الاصحاب بأنه لابد هنا من اختصاص الملك بالسيد، فلو كان مشتركا ثبت


(1) اقول: ومن هنا قال ابن ادريس معترضا على الشيخ: فأما قولهم: ولا بين العبد وسيده، فلا فائدة فيه، ولا لنا حاجة إلى هذا التعليل وأى مال للعبد، وانما الربا بين الاثنين مالكين، واعترضه العلامة بأن هذا الكلام ليس بجيد، فان الشيخ نقل الحديث، وهو قول الصادق (عليه السلام) وليس بين السيد وعبده ربا، ونفى الربا قد يكون لنفى الملك، وقد يكون لغير ذلك، فنفى التملك علة لنفى الربا، فأى مأخذ على الشيخ حيث ذكر الحكم المعلل، ولم يذكر علته، إذ كانت معروفة، ثم ان الشيخ يذهب إلى أن العبد يملك، انتهى وهو جيد. منه رحمه الله. (2) (3) تقدم في ص 258 في ص 259.

[ 264 ]

الربا بينه وبين كل من الشركاء، ويدل عليه ما تقدم في رواية زرارة ومحمد بن مسلم (1). والمدبر وأم الولد في حكم القن، وفى المكاتب بقسميه اشكال، ينشأ من اطلاق النص ومن انقطاع سلطنته عليه، فهو كالأجنبي منه، وظاهر كلام المحقق المتقدم ذكره ثبوت الربا بينه وبين سيده، وهو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ايضا، مع احتماله العدم والاحتياط ظاهر. الخامس المشهور بين الاصحاب ثبوت الربا بين المسلم والذمى، لعموم ادلة التحريم، ولان مال الذمي محترم. وذهب السيد المرتضى وابنا بابويه وجماعة إلى عدم ثبوته، وعليه دلت الاخبار المتقدمة. والذي يقرب عندي أن هذه الاخبار انما صرحت بنفى الربا بين المسلم والذمى، بناء على أن أهل الكتاب في تلك الاعصار فضلا عن زماننا هذا قد خرقوا الذمة، ولم يقوموا بها كما صرح به جملة من الاخبار، ومن ثم دل جملة من الاخبار على أن مالهم فئ للمسلمين، وجواز استرقاقهم، كما صرح به جملة من الاصحاب أيضا، وحينئذ فلا اشكال. وعلى هذا فيختص جواز أخذ الفضل بالمسلم، دون الذمي كما تقدم في الحربى. السادس لا يخفى انه حيث أن المشهور بين متأخرى أصحابنا هو الحكم باسلام المخالفين، ووجوب اجراء حكم الاسلام عليهم فانه يكون الحكم فيهم كما في المؤمنين. وأما على ما يظهر من الاخبار وعليه متقدمو علمائنا الابرار وجملة من متأخرى المتأخرين في قرب هذه الاعصار من أن حكمهم حكم الحربى في جواز القتل وأخذ المال والنجاسة ونحو ذلك من الاحكام، لاستفاضة الاخبار بل تواترها معنا بكفرهم وشركهم، وما يترتب على ذلك من الاحكام المتقدمة ونحوها، فينبغي دخولهم في الكافر الذى دلت عليه الاخبار المتقدمة، وأن يكون حكمهم كذلك،


(1) (2) ص 259.

[ 265 ]

وبطريق أولى الخوارج، ونحوهم ممن اتفقوا على كفرهم ونجاستهم وجواز قتلهم وأخذ أموالهم، وان لم يتعرضوا هنا لذكرهم، الا أن مقتضى ذلك دخولهم تحت اطلاق الكافر والمشرك والحربي ونحوها من هذه الاخبار. والله العالم. تنبيهات الاولى ظاهر الاصحاب جواز بيع درهم ودينار أو درهم ومتاع بدينارين أو درهمين، بل نقل في المسالك أنه موضع وفاق وقال العلامة في التذكرة: وهو جائز عند علمائنا أجمع، وبه قال أبو حنيفة حتى لو باع دينارا في خريطة بمأة دينار جاز. أقول: ويعضده ما تقدم في آخر المسألة الثالثة من أن ما يعمل من جنسين ربويين أو يضم أحدهما إلى الاخر في عقد واحد، فانه لا خلاف ولا اشكال في بيعها بهما أو بأحدهما بشرط زيادته على مجانسيه، وينصرف كل من الثمن إلى ما يخالفه من المبيع، ويدل على ذلك جملة من الاخبار. منها ما رواه في التهذيب عن الحسن بن صدقة (1) عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) " قال: قلت له: جعلت فداك انى أدخل المعادن وأبيع الجوهر بترابه بالدنانير والدراهم، قال: لا بأس به، قلت: وأنا أصرف الدراهم بالدراهم وأصير الغلة وضحا وأصير الوضح غلة ؟ قال: إذا كان فيها (ذهب) فلا بأس قال: فحكيت ذلك لعمار بن موسى (الساباطى) (2) قال: كذا قال: لى أبوه، ثم قال لي: الدنانير اين تكون ؟ قلت: لاادرى، قال عمار، قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): تكون مع الذي ينقص ".


(1) التهذيب ج 7 ص 117 وفيه " دنانير " بدل كلمة (ذهب). (2) كلمة الساباطى زيادة في التهذيب وليس في النسخة المطبوعة.

[ 266 ]

أقول: والوضح هو الدرهم الصحيح الذي لا ينقص شيئا، والغلة بالكسر الدراهم المغشوشة. وفي بعض الاخبار " فبعثنا بالغلة فصرفوا الفا وخمسين بألف " فزيادة الذهب حينئذ يكون في جانب الغلة ليقع كل في مقابلة مخالفه. وما رواه عن ابى بصير (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الدراهم بالدراهم وعن فضل ما بينهما فقال: إذا كان بينهما نحاس أو ذهب فلا بأس ". وعن عبد الرحمان بن الحجاج (2) في حديث " قال: قلت له: اشترى الف درهم ودينار بألفي درهم ؟ قال: لا بأس بذلك، ان أبى (عليه السلام) كان اجرا على أهل المدينة مني، وكان يقول هذا، فيقولون انما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لحم لم يعط ألف دينار، فكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال " إلى غير ذلك من الاخبار الاتية في باب الصرف ان شاء الله تعالى مثل أخبار المراكب المحلاة، والسيف المحلى كرواية أبى بصير (3) قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم، قال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وان كانت أكثر فلا يصلح. وبالجملة فقد اتفق الاجماع والاخبار في الدلالة على صحة ذلك ويزيده تأكيدا أن الربا إنما يكون في بيع أحد المتجانسين المقدرين بالكيل أو الوزن مع التفاضل، أو نسيئة الاخر، وما نحن فيه ليس كذلك، لان المركب من الجنسين أو. مع ضم أحدهما إلى الاخر في العقد ليس بجنس واحد، الا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قد أورد هنا اشكالا في المقام، فانه بعد أن نقل اتفاق أصحابنا على


(1) التهذيب ج 7 ص 98. (2) التهذيب ج 7 ص 104. (3) التهذيب ج 7 ص 113 الوسائل الباب 15 من ابواب الصرف.

[ 267 ]

الحكم المذكور، ونقل عن الشافعي الخلاف في ذلك محتجا بحصول التفاوت عند المقابلة على بعض الوجوه، كما لو بيع مد ودرهم بمدين، والدرهم ثمن لمد ونصف بحسب القيمة الحاضرة، ثم أجاب عنه بان الزيادة حينئذ بمقتضى التقسيط لا بالبيع، فانه انما وقع على المجموع بالمجموع. قال: ويشكل الحكم لو احتيج إلى التقسيط شرعا، كما تلف الدرهم المعين قبل القبض أو ظهر مستحقا مطلقا، وكان في مقابله ما يوجب الزيادة المفضية إلى الربا، فانه حينئذ يحتمل بطلان البيع من رأس، للزوم التفاوت في الجنس الواحد، كما لو باع مدا ودرهما بمدين أو درهمين مثلا، فان الدرهم التالف إذا كان نصف المبيع، بأن كانت قيمة المد درهما يبطل البيع في نصف الثمن، فيبقى النصف الاخر، وحيث كان منزلا على الاشاعة، كان النصف في كل من الجنسين، فيكون نصف المدين ونصف الدرهمين في مقابلة المد، فيلزم الزيادة الموجبة للبطلان إلى آخر ما ذكره من الكلام، وتعدد الاحتمال في المقام. وفيه ان هذا لا يوجب اشكالا في أصل المسألة لخروجها بهذا الفرض عما هي عليه أولا، والغرض انما هو بيان صحة الحكم بما ذكرنا كما اتفقت عليه الاخبار والاجماع في الصورة المفروضة، وأما مع الخروج عنها إلى فرض آخر كما إذا اتفق الامر كما ذكره، فهى مسألة أخرى، يرجع فيها إلى الاصول المقررة والقواعد المعتبرة، فلا اشكال بحمد الله الملك المتعال. الثاني قال في الخلاف: يجوز بيع مد طعام، بمد طعام وان كان في أحدهما فضل، وهو عقد التبن أو زوان، وهو حب اصغر منه دقيق الطرفين، أو شيلم وهو معروف، واحتج بالاية (1) وعدم المانع، ونحوه في المبسوط الا أنه قال فيه: وقال قوم لا يجوز وهو الاحوط، والمشهور بين الاصحاب الجواز، صرح به ابن ادريس ومن تأخر عنه، واحتجوا بأنها تابعة، فلا يؤثر في المنع، ولا في المماثلة


(1) سورة البقرة الاية 275.

[ 268 ]

والتجانس، ولهذا لو اشترى منه طعاما ودفع إليه مثل ذلك مما جرت العادة بكونه فيه، وجب عليه القبض. وبالجملة فان جرى العادة بذلك واستمرار الناس على الرضاء به واخذه في الاجناس أسقط حكم الزيادة به فيما نحن فيه، ونحوه الدردى في الخل والدبس، والثفل في البزر ونحو ذلك. نعم لو زاد ذلك عن مقتضى العادة فلا اشكال في المنع. الثالث منع الشيخ في النهاية عن بيع السمن بالزيت متفاضلا نسيئة، والمشهور بين الاصحاب الصحة، لاختلاف الجنسين، والظاهر أنه استند إلى ما رواه في التهذيب (1) وكذا رواه الصدوق في الفقيه في الحسن عن عبد الله بن سنان " قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا ينبغى للرجل اسلاف السمن في الزيت، ولا الزيت بالسمن ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف رجلا زيتا على أن يأخذ سمنا قال: لا يصلح " والاصحاب قد حملوها على الكراهة، وهو أحد احتمالي الشيخ أيضا في كتابي الاخبار، فانه جمع بين هذين الخبرين، وبين رواية وهب، بحمل هذين الخبرين اما على المنع من اسلاف الزيت في السمن إذا كان بينهما تفاضل لان التفاضل بين الجنسين المختلفين انما يجوز إذا كان نقدا، وإذا كان نسيئة فلا يجوز واما أن يكون على الكراهة، قال: ولاجل ذلك قال: " لا يصلح ولا ينبغى ولم يقل أنه لا يجوز وذلك حرام ". انتهى. ومنع في النهاية أيضا من بيع السمسم بدهنه، والكتان بدهنه وتبعه ابن ادريس وقال في المختلف بعد نقل ذلك عنهما: والحق أنه لا يجوز التفاضل فيهما ويجوز التساوى، لنا انهما اما متساويان في الجنس فيباع احدهما بمتساويه


(1) التهذيب ج 437 الفقيه ج 3 ص 167. (2) التهذيب ج 437.

[ 269 ]

في المقدار، واما مختلفان فيباع أحدهما بالاخر مطلقا. انتهى. وهو جيد. الرابع قال في الخلاف والمبسوط: يجوز بيع الحنطة بالسويق منه وبالخبز والفالوذج المتخذ من النشاء مثلا بمثل، ثم قال في المبسوط: " ولا يجوز متفاضلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة، وأما الفالوذج فيجوز بيعه بالحنطة أو الدقيق متفاضلا ما لم يؤد إلى التفاضل في الجنس، لان فيه غير البشاء. والتحقيق أن ما ذكره بالنسية إلى الفالوذج ان بيع بأقل منه وزنا بحيث يحصل التفاضل اما بجنسه أو بغير جنسه لم يجز، والاجاز، لان المقتضى للمنع ثبوت الربا وان بيع بأزيد منه وزنا، فانه لا ربا، لان هذه الزيادة في الحنطة الذى هو الثمن في مقابلة ما اشتمل عليه الفالوذج من الجنس الاخر. الخامس قد يتخلص من الربا بوجوه، منها أن يبيع أحد المتبايعين سلعته من صاحبه بجنس غيرها، ثم يشترى صاحبه ذلك الجنس بالثمن (1) وكذا لو تواهبا بأن وهب كل منهما الاخر سلعته لصاحبه، أو أقرض كل واحد منهما سلعته ثم تباريا، وكذا لو تبايعا ووهبه الزيادة، كل ذلك من غير شرط. قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ونعم ما قال: ولا يقدح في ذلك كون هذه الامور غير مقصودة بالذات، والعقود تابعة للقصود، لان قصد التخلص من الربا انما يتم مع القصد إلى بيع صحيح، أو قرض أو غيرهما من الانواع المذكورة، وذلك كاف في القصد، إذ لا يشترط في القصد إلى قصد جميع الغايات المترتبة عليه، بل يكفى قصد غاية صحيحة من غاياته، وان من أراد شراء دار مثلا ليواجرها ويتكسب بها، فان ذلك كاف في الصحة، وان كان لشراء الدار غايات أخر أقوى من هذه وأظهر في نظر العقلاء، وكذا القول في غير ذلك من افراد العقود، وقد ورد


(1) مثاله كما لو كان لزيدمد من حنطة يريد يبيعه على عمرو بمدين من شعير، فان زيدا يبيع مد الحنطة على عمرو بمد من ارز، ويشترى عمرو ذلك الارز بمدين من شعير، يدفعه إلى زيد. منه رحمه الله.

[ 270 ]

اخبار كثيرة ما يدل على جواز الحيلة على نحو ذلك. انتهى وهو جيد. وظاهر كلام المحقق الاردبيلى هنا يشير إلى التوقف في ذلك، قال في تمثيل ما اشار المصنف: مثل ان اراد بيع قفيز حنطة بقفيزين من شعير أو الجيد بالرديين، وغير ذلك يبيع المساوى بالمساوى قدرا ويستوهب الزايد، وهو ظاهر لو حصل القصد في البيع والهبة، وينبغى الاجتناب عن الحيل مهما أمكن، وإذا اضطر يستعمل ما ينجيه عند الله، ولا ينظر إلى الحيل، وصورة جوازها ظاهر لما عرف من علة تحريم الربا: فكأنه إلى ذلك أشار في التذكرة بقوله: لو دعت الضرورة إلى بيع الربويات مستفضلا مع اتحاد الجنس إلى آخره، وذكر الحيل. انتهى. المسألة العاشرة اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحقق الربا وثبوته في غير البيع من المعاوضات، وبالعموم صرح الشهيد الثاني وثاني المحققين في المسالك وشرح القواعد، وذكر بعض المحققين أنه قول الاكثر، وبالاختصاص يشعر كلام المحقق في كتاب البيع من الشرايع، والعلامة في الارشاد والقواعد، الا أن المحقق في باب الغصب صرح بثبوته في كل معاوضة، وهو ظاهر اختياره في باب الصلح، والعلامة في باب الصلح من القواعد تردد في ذلك على ما نقله الشارح المتقدم، وظاهر صاحبي المسالك وشرح القواعد الاستناد في العموم إلى قوله عزوجل " وحرم الربا " (1). وفيه أن أمين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان قال في تفسير الاية المذكورة، معنى " أحل الله البيع وحرم الربا " أحل الله البيع الذى لاربا فيه وحرم البيع التي فيه الربا، وعلى هذا فيكون الاية دليلا للاختصاص بالبيع، ولا أقل أن يكون محتملة لذلك، وعليه يكون الاية متشابهة لا تصلح للدلالة على شئ من القولين. والتحقيق أن المعلوم من الاخبار ثبوته في البيع والقرض، وأما غيرهما فاشكال ينشأ من عموم أدلة الحل كاصالة الاباحة ودلالة الايات والروايات على أن حصول


(1) سورة البقرة الاية 275.

[ 271 ]

التراضي كاف في الاباحة وحصر المحرمات، وليس هذا منها، " والناس مسلطون على أموالهم " (1) خرج ما خرج من ذلك بدليل، وبقى الباقي ومن أن الربا قد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والاجماع وأنه لغة بمعنى الزيادة مطلقا، ولم يثبت له معنى شرعى ولا عرفى يوجب الخروج عن معناه لغة، وما ذكره الاصحاب في تعريفه مما قدمنا ذكره في أول الفصل مجرد اصطلاح، ولكل أن يصطلح على ما شاء مما قام له دليله، وحينئذ فتعين حمله على معناه اللغوى، خرج منه ما خرج بدليل من اجماع ونحوه، وبقى الباقي تحت التحريم، ويؤيده ما في كتاب مجمع البيان (2). في علة تحريم الربا، حيث قال: اما علة تحريمه فقد قيل: هي ان فيه تعطيل المعايش والاجلاب والمتاجر إذا وجد المربى من يعطيه دراهم وفضلا بدارهم لم يتجر، وقال الصادق (عليه السلام): " انما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضا أو رفدا ". انتهى. اقول ونظير هذا الخبر الذى ذكره ما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة. في الموثق " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انى رأيت الله قد ذكر الربا في غير آية (وكرره) فقال: أو تدري لم ذلك ؟ قلت: لا قال: لئلا يمتنع الناس عن اصطناع المعروف " وعن هشام بن سالم عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: انما حرم الله


(1) البحار ج 2 ص 272. (2) تفسير المجمع ج 2 ص 390 طبع صيدا. (3) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 17 وفيه (وكبره) بدن (وكرره). (1) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 17.

[ 272 ]

الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف " (1). والظاهر أن المراد بالمعروف هو ما ذكره في الخبر الاول من القرض والرفد، وأما ما ذكره بعض الافاضل من أن خبر كتاب مجمع البيان انما هو مضمون هذين الخبرين، وأن قوله قرضا ورفدا انما هو من كلام صاحب الكتاب تفسيرا منه للمعروف فالظاهر بعده، لما علم من نقله في هذا الكتاب كثيرا أخبارا ليست في الكتب الاربعة، وأيضا فلفظ خبره غير الفاظ هذين الخبرين، ومن القاعدة المعهودة بين المحدثين في نقل الاخبار أنه متى أريد تفسير بعض الالفاظ في الخبر يشيرون إلى ذلك بلفظ يدل عليه. وروى الصدوق باسناده عن هشام بن الحكم (2) أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن علة تحريم الربا، فقال: انه لو كان حلالا لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرم الله الربا ليفر الناس من الحرام إلى الحلال والى التجارات من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض. ويعضد ما ذكرناه من العموم أيضا ما نقله في كتاب مجمع البيان (3) عن ابن عباس، قال: " كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه، فطالبه به، قال المطلوب منه: زدني في الاجل وأزيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك ان الزيادة في الثمن حال البيع، والزيادة فيه بسبب الاجل عند محل الدين سواء فذمهم الله به، وألحق الوعيد بهم


(1) اقول: ويعضده ما رواه الصدوق في العلل فيما كتبه الرضا (عليه السلام) في جواب مسائل محمد بن سنان في حديث قال فيه: وعلة تحريم الربا بالنسيئة لعلة ذهاب المعروف، وتلف الاموال، ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض، والقرض صنايع المعروف. الحديث منه رحمه الله. (2) الفقيه ج 3 ص 371. (3) تفسير المجمع ج 2 ص 389 ط صيدا.

[ 273 ]

وخطأهم في ذلك بقوله (3) " أحل الله البيع وحرم الربا " إلى ان قال: والفرق بينهما ان الزيادة في أحدهما لتأخر الدين وفى الاخر لاجل البيع " إلى آخره، والظاهر انه لذلك صرح الاصحاب بتحريم الزيادة لزيادة الاجل مع أن ذلك ليس بيعا ولا قرضا. والظاهر أنه إلى ذلك يشير ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح والحسن (2) باسانيد عديدة واختلاف لا يضر بالمعنى، عن ابى جعفر وأبى عبد الله (عليهما السلام) " أنه سئل عن الرجل يكون عليه الدين إلى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول له: انقدنى كذا وكذا، وأضع عنك بقيته، أو يقول: انقدنى بعضه، وأمدلك في الاجل فيما بقى ؟ قال: لا أرى به بأسا، انه لم يزدد على رأس ماله، قال الله جل ثناؤه " لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون " فان فيه اشارة إلى عدم جواز التأجيل بالزيادة على الحق، وان كان على سبيل الصلح، فانه ربا، كما يشير إليه ذكر الاية، والربا وان حصل بالنقص أيضا الا أن الخبر المذكور وغير دل على جوازه. ويعضد هذا الخبر الذي هو في قوة أخبار متعددة، كما أشرنا إليه آنفا ما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن عن أبان (3) عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين، فيقول له قبل أن يحل الاجل: عجل النصف من حقى على أن أضع عنك النصف، أيحل ذلك لواحد منهما ؟ قال: نعم ".


(1) سورة البقرة الاية 275. (2) الكافي ج 5 ص 259 التهذيب ج 6 ص 207 الفقيه ج 3 ص 21. (3) الكافي ج 5 ص 258 التهذيب ج 6 ص 206.

[ 274 ]

ثم ان من الاخبار الدالة على وقوعه في القرض ما رواه في الفقيه مرسلا مقطوعا، " قال: الربا رباءان، ربا يؤكل وربا لا يؤكل، (2) فأما الربا الذى يؤكل فهديتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل، وهو قول الله عزوجل " وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله " (3) وأما الربا الذى لا يؤكل فهو أن يدفع الرجل إلى الرجل عشرة دراهم على أن يرد عليه أكثر منها، فهذا الذى نهى الله عنه، فقال: يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله " (4) الاية. وقال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (5): " واعلم أن الربا رباءان ربا يؤكل وربا لا يؤكل، فأما الربا الذى يؤكل فهو هديتك إلى الرجل تطلب الثواب أفضل منه، فأما الربا الذى لا يؤكل، فهو ما يكال ويوزن، فإذا دفع الرجل إلى رجل عشرة دراهم على أن يرد عليه أكثر منها فهو الذى نهى الله عنه،


(1) الفقيه ج 3 ص 182. (2) اقول صدر عبارته إلى قوله وأما الربا الذى لا يؤكل فهو ان يدفع إلى آخره ماخوذ من رواية ابراهيم بن عمر اليماني (المذكور في الفقيه (6) وقوله واما الربا الذى لا يؤكل مأخوذ من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (عليه السلام) كما ذكرناه، ويقصد تمام العبارة زيادة على ما ذكرناه، فان ما في الفقيه عين عبارة كتاب الفقه الرضوي كما ذكرناهما، وبذلك يظهر أن ما توهمه بعض المحققين من أنه من كلام الصدوق حيث ذكره ذيل صحيحة شعيب بن يعقوب فهو هنا غلط محض منه رحمه الله. (3) سورة الروم الاية 39 (4) سورة البقرة الاية 278. (5) المستدرك ج 2 ص 479. (6) الفقيه ص 175.

[ 275 ]

فقال: يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا " الاية. وما رواه في الكافي والتهذيب عن خالد بن الحجاج (1) قال: " سألته عن رجل كانت لى عليه مأة درهم عددا قضانيها مأة درهم وزنا قال: لا بأس ما لم تشارط، قال: وقال: جاء الربا من قبل الشروط، وانما يفسده الشروط ": وما رواه الشيخ في التهذيب عن داود الابزارى (2) " قال: لا يصلح ان تقرض ثمرة وتأخذ أجود منها بأرض أخرى غير التى أقرضت فيها ". ومن هذه الروايات يظهر ضعف تخصيص الربا بالبيع، كما اشرنا إليه أنفا، ومما يمكن الاستدلال به للقول بالعموم ايضا اطلاق جملة من الاخبار المتقدمة في المسائل السابقة، مثل صحيحة عمر بن يزيد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: يا عمر قد احل الله البيع وحرم الربا، فاربح ولا تربه، قلت: وما الربا ؟ قال: دراهم بدراهم، مثلان بمثل ". والتقريب فيها ان الدراهم بالدراهم يجرى في جميع المعاوضات التى تكون بالدراهم كذلك، وذكر الدراهم والمثل بالمثلين انما خرج مخرج التمثيل. وموثقة عبيد بن زرارة (4) عن ابى جعفر (عليه السلام) " قال: لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن ". وصحيحة الحلبي (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: لا يصلح التمر اليابس بالرطب ".


(1) الكافي ج 5 ص 244 التهذيب ج 7 ص 112. (2) التهذيب ج 7 ص 91 الرقم 29. (3) التهذيب ج 7 ص 18 الفقيه ج 3 ص 176. (4) الكافي ج 5 ص 146 التهذيب ج 7 ص 17. (5) الكافي ج 5 ص 189 التهذيب ج 7 ص 94.

[ 276 ]

وصحيحة ابي بصير (1) وغيره عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: الحنطة والشعير راسأ براس لا يزداد واحد منهما على الآخر ". ورواية عبد الرحمان بن ابى عبد الله (2) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يجوز قفيز من حنطة، بقفيزين من شعير ؟ قال: لا يجوز إلا مثلا بمثل ". وصحيحة الحلبي (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " قال: الفضة بالفضة مثلا بمثل ليس فيه زيادة ولا نقصان الزايد والمستزيد في النار ". وصحيحة محمد بن مسلم (4) قال: " سألته عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام فيقاطعه على أن يعطى صاحبه لكل عشرة أرطال اثنى عشر دقيقا ؟ فقال: لا قلت: الرجل يدفع السمسم إلى العصار، ويضمن لكل صاع ارطالا مسماة، قال لا ". وظاهر هذه الرواية المنع من تقبيل الحنطة على الطحان بالدقيق والسمسم على العصار، ولهذا عد العلامة تحريم التقبيل واستدل بالرواية المذكورة، وبالجملة فان الاحتياط في القول بالعموم ان لم يكن هو الاظهر. والله العالم. الفصل السابع في الصرف وهو لغة الصوت، وشرعا بيع الاثمان: وهى الذهب والفضة بالاثمان، قيل: كأنه انما سمي بذلك لما يشتمل عليه من الصوت عند تقليبها في البيع والشراء،


(1) الكافي ج 5 ص 187 التهذيب ج 7 ص 97 الفقيه ج 3 ص 178. (2) الكافي ج 5 ص 188 التهذيب ج 7 ص 96. (3) التهذيب ج 7 ص 98. (4) الكافي ج ص 189 التهذيب ج 7 ص 96 الفقيه ج 3 ص 147.

[ 277 ]

وانما سمي الجنسان المذكوران ثمنا لانهما يقعان عوضا عن الاشياء، ويفترقان بباء العوض غالبا، بل نقل العلامة قطب الدين الرازي عن شيخه العلامة الحلى (قدس سرهما) انهما ثمن وان اقترنت الباء بغيرهما، حتى لو باع دينارا بحيوان ثبت للبايع الخيار مدعيا على ذلك الاتفاق. وتحقيق الكلام في هذا الفصل يقع في مسائل. الاولى ينبغى أن يعلم انه يشترط في الصرف زيادة على ما يشترط في مطلق البيع وفى الربا التقابض قبل التفرق، فلو تفرقا قبل التقابض بطل، والكلام في التفرق هنا على حسب ما تقدم في خيار المجلس (1) وربما عبر بعضهم بالمجلس، يعنى التقابض في المجلس، والاظهر ما ذكرناه كما عبر به كثير منهم، إذ المدار على عدم التفرق، فلو فارقا المجلس مصطحبين فانه ما لم يفترقا يصح التقابض. ثم انه قد وقع الخلاف هنا في موضعين، أحدهما أنه قد صرح العلامة في التذكرة بأن القبض قبل التفرق شرط وواجب أيضا، بمعنى أنهما لو تركاه يأثمان بذلك كما يأثمان بالربا، فان أرادا التفرق قبله يفسخان العقد، ثم يفترقان والا يأثمان، وهو ظاهر في قطعه بوجوب الوفاء به، والتأثيم بتركه اختيارا، وجعله بمنزلة الربا، حتى أوجب عليهما التفاسخ قبل التفرق لو تعذر عليهما التقابض، وجعل تفرقهما قبله بمنزلة الربوي نسيئة، فان بطلانه لا يغنى عن الاثم به. وهو ظاهر عبارة الدروس أيضا حيث قال: ويجب فيه التقابض قبل التفرق، وان كان الوجوب في مثل هذا المقام قد يعبر عنه عن الشرط، ويسمى بالوجوب الشرطي، وقد تقدم نظير هذه المسألة في كتاب الطهارة، في الطهارة بالماء النجس وكيف كان فالظاهر بعد ما ذكره، إذ غاية ما يستفاد من الاخبار بطلان العقد للاخلال بشرطه. (1) ص 10.

[ 278 ]

وثانيهما اشتراط التقابض في المجلس أو قبل التفرق هو المشهور، ونقل عن الصدوق العدم، فيصح التقابض، وان لم يكن في أحد الوصفين المذكورين. والذى يدل على المشهور جملة من الاخبار، ومنها ما رواه الكليني والشيخ (روح الله روحيهما) عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) في الصحيح قال: " سألته عن الرجل يشترى من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو دينارا، ثم يقول: أرسل غلامك معى حتى أعطيه الدنانير، فقال: ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير، فقلت: انما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض، وهذا يشق عليهم، فقال: إذا فرغ من وزنها وانتقادها فليأمر الغلام الذي يرسله أن يكون هو الذى يبايعه، ويدفع إليه الورق ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن منصور بن حازم (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام)، " قال: إذا اشتريت ذهبا بفضة أو فضة بذهب، فلا تفارقه حتى تأخذ منه، وان نزا حائطا فانزمعه ". وعن محمد بن قيس (3) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يبتاع رجل فضة بذهب الا يدا بيد، ولا يبتاع ذهبا بفضة الا يدا بيد ". وعن محمد بن مسلم (4) " قال: سألته عن الرجل يبتاع الذهب بالفضة مثلا بمثلين، فقال: لا بأس به يدا بيد "، وعن الحلبي (5) في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ابتاع من رجل بدينار فأخذ بنصفه بيعا وبنصفه


(1) الكافي ج 5 ص 252 التهذيب ج 7 ص 99. (2) التهذيب ج 7 ص 99. (3) التهذيب ج 7 ص 99 الكافي ج 5 ص 251. (4) التهذيب ج 7 ص 98. (5) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 100.

[ 279 ]

ورقا ؟ قال: لا بأس به، وسألته هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا، ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ منه ورقا أو بيعا قال: " ما أحب أن أترك شيئا حتى آخذه جميعا فلا تفعله ". قال المحقق الاردبيلى بعد نقل هذه الاخبار: وفى دلالة الكل تأمل، إذ ليست الاخبار بصريحة في الاشتراط، بل ولافى الاثم، لان يدا بيد كأنه كناية عن النقد لا النسية، فلا يدل على اشتراط القبض، ولفظ ما أحب يشعر بالاستحباب وهو ظاهر. وفى التهذيب والاستبصار أخبار كثيرة صريحة في جواز النسيئة في بيع الذهب والفضة بعضا ببعض، وأصل الصحة وعموم الادلة أيضا يقتضى عدم البطلان بالمفارقة انتهى. أقول: لا يخفى ما في هذه المناقشة من الضعف الظاهر للخبير الماهر، أما ما ذكره من عدم الدلالة على الاثم فجيد، واما دعوى عدم الصراحة في الاشتراط فالخبر الاول منها صريح الدلالة في المنع من التأخير بعد نقد الدراهم ووزنها إلى أن يرسل غلامه معه، والمفروض أنهم في دار واحدة كما صرح به في الخبر، فلم يرض (عليه السلام) الا ان يرسل الغلام معه ويجعله وكيلا في البيع والتقابض في المكان الذى تدفع فيه الورق، وأى نص أصرح من ذلك. ومثله صحيحة منصور الدالة على النهى عن المفارقة حتى يأخذ منه، والنهى حقيقة في التحريم، والمبالغة في أنه ان نزا حائطا فانز معه، لئلا يحصل المفارقة الموجبة لبطلان العقد، فهل فوق هذا التصريح بالشرطية من مزيد ان لم نقل بالوجوب كما قيل به، ما هذا الاعجب عجيب من هذا المحقق الاريب. وأما قوله " ان يدا بيد " كأنه كناية عن النقد لا النسيئة. ففيه أنه لا يخفى أن حقيقة هذا اللفظ المتبادر من حاق النظر فيه انما هو التقابض في المحل، والمعنى

[ 280 ]

الذى ذكره انما هو معنى مجازى كما يشير إليه قوله (كأنه) وحمل اللفظ على خلاف حقيقة لا يصار إليه الا بدليل يمنع من ارادة حقيقته، والامر انما هو بالعكس. وأما لفظ لا أحب فانه وان اشتهر بينهم أنه من ألفاظ الكراهة، الا أنا قد حققنا في غير موضع مما تقدم أن هذا من الالفاظ المتشابهة، لاستعماله في الاخبار بمعنى التحريم كثيرا مع استعماله فيها بمعنى الكراهة، فلا يحمل على أحدهما الا بالقرينة، والقرينة هنا على ارادة التحريم قوله عليه السلام في آخر الخبر المذكور " فلا تفعله " الذى هو نهى وحقيقة في التحريم، مع اعتضاد ذلك بباقى أخبار المسألة التى قد عرفت صراحتها في الحكم المذكور. وبذلك يظهر لك أن الاخبار المذكورة كلها متفقة الدلالة على الشرطية، ولو ادعى الوجوب من بعضها كما قيل به لم يكن بعيدا لهذه النواهي، من قوله " فلا تفارقه، ولا تفعله " ولامر بأن ينز معه الحائط. وبالجملة فان الظاهر أن هذا المقال انما نشأ من الاستعجال وعدم التأمل فيما نقله من الاخبار بعين التحقيق والاعتبار. وأما الاخبار التى أشار إليها فهى كما ذكره وهى مستند الصدوق فيما تقدم نقله عنه. ومنا ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي (1) " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس أن يبيع الرجل الدينار بأكثر من صرف يومه نسيئة) وعن عمار الساباطى في الموثق (2) ورواه الصدوق عن عمار أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له: الرجل يبيع الدراهم بالدنانير نسيئة قال: لا بأس ".


(1) التهذيب ج 7 ص 100. (2) التهذيب ج 7 ص 100 الفقيه ج 3 ص 183.

[ 281 ]

وعن عمار الساباطى عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: الدنانير بالدراهم بثلاثين أو أربعين أو نحو ذلك نسيئة لا باس ". وعن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال لا بأس أن يبيع الرجل الدينار نسيئة بماءة وأقل وأكثر ". وعن عمار الساباطى (3) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) " عن الرجل هل يحل له أن يسلف دنانير بكذا وكذا درهما إلى أجل معلوم قال: نعم، وعن الرجل يحل له أن يشترى دنانير بالنسيئة قال: نعم انما الذهب وغيره في الشراء والبيع سواء ". وعن محمد بن عمرو (4) " قال كتبت إلى ابى الحسن الرضا (عليه السلام) ان امرأة من اهلنا أوصت ان ندفع اليك ثلاثين دينارا، وكان لها عندي، فلم يحضرني فذهبت إلى بعض الصيارفة، فقلت: أسلفني دنانير على أن اعطيك ثمن كل دينار ستة وعشرين درهما، فأخذت منه عشرة دنانير بماءتين وستين درهما وقد بعثتها اليك، فكتب (عليه السلام) الي: وصلت الدنانير ". قال الشيخ بعد نقل اخبار العمار: الاصل فيها عمار، فلا تعارض الاخبار الكثيرة السابقة، ثم قال: ويحتمل ان قوله (نسيئة) صفة لدنانير، ولا يكون حالا للبيع، بمعنى ان من كان له على غيره دنانير نسيئة جاز ان يبيعها عليه في الحال بدراهم ويأخذ الثمن عاجلا. انتهى. ولا يخفى ما فيه من البعد، وأكثر المتأخرين من اصحاب هذا الاصطلاح المحدث، ردوا هذه الاخبار بضعف الاسناد، واعتمدوا على الاجماع حيث لم يظهر الخلاف في المسأله الا من الصدوق، وخلاف معلوم النسب غير قادح فيه، واليه


(1 - 2 - 3 - 4) التهذيب ج 7 ص 100 وص 101.

[ 282 ]

يشير كلامه في المسالك. وبعضهم ممن يعمل بالموثق احتمل الجمع بين الاخبار بحمل ما دل على المشهور على الفضل والاستحباب، وما دل على مذهب الصدوق على الجواز، وهذه القاعدة الغالبة بينهم في الجمع بين الاخبار مع تعارضها. والاقرب عندي هو حمل هذه الاخبار الاخيرة على التقية، وإن لم يعلم القائل الان بذلك كما اوضحناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب المتقدمة في جلد كتاب الطهارة (2) فان الاخبار المذكورة ظاهرة في المخالفة، واتفاق الاصحاب قديما وحديثا على الحكم المذكور مع تظافر أخبارهم به دليل ظاهر على كونه ذلك مذهب أئمتهم (عليهم السلام)، فان مذهب كل امام لا يعلم الا بنقل اتباعه وعلمهم به، وتخرج الاخبار المذكورة شاهدا، وحينئذ فلا مناص فيما خالف ذلك عن الحمل على النقية التى هي في الاحكام الشرعية أصل كل بلية، وقد تقدم في المقدمة المشار إليها دلالة الاخبار المتكاثرة على ايقاعهم (عليهم السلام) الاختلاف في الاحكام وان لم يكن بها قائل من أولئك الطغام الذين هم أضل من الانعام. وربما احتمل بعض المحدثين حمل الاخبار المذكورة على الاخذ بطريق القرض، قال: فانه يجوز رد العوض بحسب التراضي فيما بعد من غير شرط ولو بزيادة، كما يأتي إنشاء الله تعالى. ولا يخفى بعده من سياق الاخبار المذكورة، ثم احتمل التقية أيضا وهو جيد لما ذكرناه، ومما يرجح الاخبار الاولة موافقتها للاحتياط، وهذا من جملة المرجحات المنصوصة في مقام اختلاف الاخبار، كما اشتملت عليه رواية زرارة والله العالم.


(1) حيث قال: ونبه بالاشهر على خلاف الصدوق بن بابويه حيث لم يعتبر المجلس استنادا إلى روايات ضعيفة، والاصحاب كلهم على خلاف فربما كان الشرط اجماعيا. انتهى منه رحمه الله المسالك ص 201. (2) جلد 1 ص 5.

[ 283 ]

فروع الاول قالوا: لو قبض البعض صح فيما قبض حسب، وبطل في غير المقبوض، ويتخير كل منهما في فسخ المقبوض وامضائه لتبعيض الصفقة ان لم يكن حصل منهما تفريط في تأخير القبض، والا فلا، ولو اختص أحدهما بعدم التفريط اختص بالخيار. أقول: قد تقدم في صحيحة الحلبي " في الرجل يبتاع من رجل بدينار هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ منه ورقا أو بيعا قال: ما أحب أن أترك شيئا حتى آخذه جميعا فلا يفعله " وظاهر الخبر مع صحة سنده بطلان المعاملة من رأس، لا الصحة في النصف والتخيير في الباقي كما ذكروه. الثاني قالوا: لو وكل أحدهما في القبض عنه فقبض الوكيل قبل تفرقهما صح، ولو قبض بعد التفرق بطل، قال في المسالك: الضابط في ذلك أن المعتبر حصول التقابض قبل تفرق المتعاقدين، فمتى كان الوكيل في القبض غير المتعاقدين، اعتبر قبضه قبل تفرق المتعاقدين، ولا اعتبار بتفرق الوكيلين، ومتى كان المتعاقدان وكيلين اعتبر تقابضهما في المجلس، أو تقابض المالكين قبل تفرق الوكيلين، وبنحو ذلك صرح المحقق الثاني في شرح القواعد. الثالث المشهور بين الاصحاب أنه إذا اشترى الانسان دراهم بدنانير، وقبل قبض الدراهم من البايع اشترى بها دنانير لم يصح الثاني، لان ذلك العوض في الصرف موقوف على التقابض، ولم يحصل فيكون قد باع ثانيا ما لم يملكه، وحينئذ


(1) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 1007.

[ 284 ]

فلو افترقا والحال كذلك بطل العقدان معا. أما الاول فلعدم التقابض وأما الثاني فلما عرفت من بيع ما لم يملكه، والاصل في ذلك ما ذكره الشيخ في النهاية، وتبعه أكثر الاصحاب عليه قال: إذا باع الانسان دراهم بالدنانير لم يجز له أن يأخذ بالدنانير دراهم مثلها إلا بعد أن يقبض الدنانير، ثم يشترى بها دراهم انشاء. وخالفه ابن ادريس فقال: ان لم يتفارقا من المجلس الا بعد قبض الدراهم المبتاعة بالدنانير التى على المشترى الاول، فلا بأس بذلك، وإن لم يكن قبضه الدنانير التي هي ثمن الدراهم الاول المبتاعة، هذا إذا عينا الدراهم الاخيرة، فان لم يعيناها فلا يجوز ذلك، لانه يكون بيع دين بدين، وان عيناها لم يصر بيع دين بدين، بل يصير بيع دين بعين. ورده العلامة في المختلف بأنه غير جيد قال: أما أولا فلان الشيخ يمنع من بيع ما يكال ويوزن قبل قبضه، وأما ثانيا فحكمه بأنه لو اشترى بثمن غير معين كان قد اشترى بالدين ليس بمعتمد. انتهى ملخصا. أقول: أما ما ذكره من التعليل للبطلان في الوجه الاول، فهو وجه آخر ايضا لعدم الصحة، زيادة على الوجه الذى قدمناه، وهو عدم ملكه لعدم التقابض الذى هو شرط في صحة الملك في الصرف. وأما ذكره في الوجه الثاني فهو مبني على ان الثمن متى لم يكن عينا بل في الذمة، وان كان حالا غير مؤجل هل هو من قبيل الدين، فيصدق على بيع الدين به أنه بيع دين بدين، أم لا يصدق ذلك حتى يكون دينا قبل وقوع العقد ؟ وظاهر اختيار جملة من الاصحاب الثاني، ومنهم شيخنا الشهيد الثاني، فانه صرح بأن ذلك ليس من بيع الدين بالدين، وانما يصدق ذلك فيما إذا كان دينا قبل العقد، وظاهر العلامة هنا ذلك أيضا، وقد تقدمت الاشارة إلى هذه المسألة وسيأتى تحقيقها انشاء الله تعالى في باب الدين، قال في المسالك بعد نقل ملخص كلام ابن ادريس:

[ 285 ]

وينبغى القول بالصحة مطلقا إذا تقابضا قبل التفرق، وغاية ما يحصل في البيع الثاني أن يكون فضوليا، فإذا لحقه القبض صح، وسيأتى أن بيع الدين بالدين على هذا الوجه غير ممتنع. انتهى. الرابع لو كان له عليه دراهم فاشترى بها دنانير صح وان لم يتقابضا، وكذا لو كان له عليه دنانير فاشترى بها دراهم، لان النقدين من جنس واحد، وما في الذمة بمنزلة المقبوض، فلا يحتاج إلى تقابض زايد على ذلك. أقول: والاصل في هذه المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة (عطرالله مراقدهم) في الصحيح عن اسحاق بن عمار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يكون للرجل عندي الدراهم الوضح فيلقا في فيقول لى: كيف سعر الوضح اليوم ؟ فأقول له: كذا وكذا، فيقول لى: أليس عندك لى كذا وكذا ألف درهم وضحا ؟ فأقول: نعم، فيقول: حولها إلى دنانير بهذا السعر وأثبتها لى عندك فما ترى في هذا ؟ فقال لى: إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك، فقلت: انى لم أوازنه ولم أناقده، إنما كان كلاما بينى وبينه، فقال: أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك، فقلت: بلى، قال: لا بأس بذلك ". ونحوه موثق عبيد بن زرارة " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون لى عنده دراهم فآتيه فأقول: حولها لى دراهم وأثبتها عندك ولم أقبض منه شيئا ؟ قال: لا بأس ". وجمع من الاصحاب عبروا في هذا المقام بعبارة الخبر، قال في النهاية: إذا كان للانسان على صيرفي دراهم أو دنانير فيقول له حول الدنانير إلى الدراهم، أو الدراهم إلى الدنانير، وساعره على ذلك كان جائزا وان لم يوازنه في الحال ولا يناقده، لان النقدين من عنده.


(1) الكافي ج 5 ص 245 التهذيب 7 ص 102 الفقيه ج 3 ص 186. (2) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 103.

[ 286 ]

واعترضه ابن ادريس هنا فقال: ان أراد بذلك أنهما افترقا قبل التقابض في المجلس، فلا يصح ذلك ولايجوز بغير خلاف، لان الصرف لا يصح أن يفترقا من المجلس الابعد التقابض، وان افترقا قبل أن يتقابضا بطل البيع والصرف، وإن أراد أنهما تقاولا على السعر، وعينا الدراهم المبتاعة والدنانير المبيعة وتعاقد البيع ولم يوازنه ولا ناقده، بل نطق البايع بمبلغ المبيع ثم تقابضا قبل التفرق والانتقال من المجلس كان ذلك جائزا صحيحا، وان اراد الاول كان باطلا بلا خلاف، يدل عليه قوله في المبسوط تصح الاقالة في جميع السلم وبعضه فان أقاله من الجميع برئ المسلم إليه من المسلم فيه، ولزمه رد ما قبضه من راس المال ان كان قائما، وان كان تالفا لزمه مثله، فان تراضيا بقدر بدله من جنس آخر بأن يأخذ الدراهم بدل الدنانير أو بالعكس كان جائزا، فان أخذ الدنانير بدل الدراهم أو بالعكس وجب التقابض في المجلس، لانه صرف، وان أخذ عوضا آخر جاز أن يفارقه قبل القبض، لانه بيع عوض معين بثمن في الذمة. انتهى. أقول: ما ذكره ابن ادريس جيد على مقتضى أصله الغير الاصيل، والا فأى مانع من ذلك بعد دلالة الاخبار عليه، واستثناء ذلك من قاعدة العرف بالاكتفاء بهذا الكلام بينهما من حيث اتحاد من عليه الحق، فيكون كالتقابض، وربما حمل كلام الشيخ المذكور على التوكيل، وكذلك الخبران المذكوران، فان قوله حول الدراهم إلى الدنانير، أو الدنانير إلى الدراهم نوع توكيل، وحينئذ فلا اشكال وان لم يتقابضا في المجلس. قال في المسالك: وربما بنوا حكمهم على مقدمات يلزم من صحتها صحة الحكم هنا، الاولى ان الامر بالتحويل توكيل في تولى طرفي العقد، فان التوكيل لا ينحصر في اللفظ، الثانية أنه يصح تولى طرفي العقد من الواحد. الثالثة أنه يصح أيضا تولية طرفي العقد. الرابعة ان ما في الذمة مقبوض. الخامسة أن بيع ما في الذمة للغير من الدين الحال بثمن في ذمته ليس بيع دين بدين.

[ 287 ]

السادسة ان الوكيل في البيع إذا توقفت صحته على القبض يكون وكيلا فيه، والا فان مطلق التوكيل في البيع لا يقتضى التوكيل في القبض وإذا سلمت هذه المقدمات صحت المسألة، انتهى. وهو جيد لو ثبت توقف صحة البيع عليها، الا أن الظاهر أنه ليس كذلك، وان كان جواز بعضها مما يفهم من الخبرين المذكورين، والعمدة هو ورود النص بذلك ولا يجب علينا تطلب وجهه وسببه، كما في أكثر النصوص التى لا يمكن معرفة العلة فيها لما ذكر فيها من الاحكام، والظاهر أنه لا مخالف في هذا الحكم سوى ابن ادريس، وكل من تأخر عنه رد كلامه لما ذكر فيها، وظاهر المحقق الاردبيلى هنا الميل إلى ما ذهب إليه ابن ادريس، حيث قال بعد قول المصنف " ولو كان له عليه دراهم فاشترى بها دنانير أو بالعكس صح وان لم يتقابضا " ما صورته (1): يعنى إذا كان لزيد مثلا على عمرو في ذمته دراهم فضة وقال: اشتريت منك الدنانير بها، صح الصرف، ولا يحتاج إلى التقابض بأن يوكله في قبضه له الدنانير، ولا تعيينه لنفسه ما به الدنانير من الدراهم وان كان مطلقا وفى الذمة، ولا إلى مضى زمان يسع التقابض، فلو تفرق قبله لم يبطل، فيطالبه بالدنانير لحصول القبض وفيه تأمل واضح، لان الدراهم وان كانت مقبوضة، ولكن الدنانير غير مقبوضة للمشترى فما حصل التقابض، وهو قبض كل واحد مال الاخر الذى انتقل إليه بواسطة البيع والشراء وهو ظاهر. نعم يمكن ذلك لو ولكه في القبض والتعيين للمشترى الدنانير، بل ينبغى تعيينه الدراهم أيضا ثم القبض لنفسه قبل التفرق، ويمكن ان يكون المراد أن يكون الدنانير أيضا في ذمة المشترى


(1) كذا صورة العبارة في الاصل المنقول منه، والظاهر انه لا يخلو من غلط، الا أن المعنى ظاهر، وهو أنه لا يحتاج ايضا إلى تعيين الدنانير للمشترى وبيان كميتها وعددها والدراهم للبايع وبيان قدرها، كما هو مشترط في البيع في غير هذه الصورة، بل يكفى التهاتر الواقع بعد وقوع المقاولة على السعر وتعينه، وان كان الجميع في الذمة مطلقا. منه رحمه الله.

[ 288 ]

فهى أيضا مقبوضة له، وحينئذ يكون كل المال المنتقل إلى الاخر مقبوضا له، والظاهر صحة البيع وعدم الاحتياج إلى التوكيل للتعيين والقبض، ولا إلى مضى زمان، لصدق القبض المفهوم من الاخبار التى هي دليل الحكم، لانه يصدق أنه باع يدا بيد، والمبيع والمشتري مقبوض لهما، وأنه أخذا قبل التفرق، وهو ظاهر من غير فرق بين المتجانسين المتساويين والمختلفين مطلقا، الا أنه يجئ فيه الاشكال من جهة أنه بيع دين بدين، والظاهر عدم جوازه. انتهى. أقول: ظاهر هذا الكلام أن قائله قد غفل عن ملاحظة الخبرين المتقدمتين في المسألة، وظن أن هذا الحكم انما وقع في كلام الاصحاب، ولهذا تأوله بقوله ويمكن أن يكون المراد إلى آخره، وأن هذا الفرض انما يجرى في عبارة المصنف المذكورة لا في الاخبار، لانها صريحة في كون الثمن والمثمن انما هو عند الذى عليه الطلب، ويؤيده ما قلناه أنه في جميع الاحكام يبالغ في تتبع الاخبار ونقلها و ايرادها من مؤالف ومخالف، هنا لم يتعرض للخبرين المذكورين بالكلية، ولو بالاشارة، وانما تكلم على عبارة المصنف كى يبين مراده أولا، ثم ناقشه بمناقشة ابن ادريس للشيخ، مع أن المصنف وغيره انما أخذوا الحكم المذكور من الخبرين، ولكنهم عبروا بهذه العبارة لصراحتها في البيع والشراء، بخلاف لفظ التحويل الذى في الخبرين، وحيئنذ فالعذر له ظاهر، والا فلو أنه اطلع على الخبرين ومع هذا عدل عن القول بمادلا عليه، لاجاب عنهما وتأولهما كما هي عادته وقاعدته، وبالجملة فان كلامه هنا بالنظر إلى الخبرين مما لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، والله العالم. المسألة الثانية قالوا: إذا اتحدت الجنس وجب التساوى قدرا وان اختلفا في الجودة والرداءة والصفة، وإذا اختلفا فيه جاز الاختلاف زيادة ونقصانا. اقول: أما وجوب التساوى مع الاتحاد فلما استفاضت به الاخبار من أن الزيادة مع الاتحاد رباء محض كصحيحة الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام)


(1) التهذيب ج 7 ص 98.

[ 289 ]

" قال: الفضة بالفضة مثلا بمثل ليس فيه زيادة ولا نقصان، الزايد والمستزيد في النار ". ورواية وليد بن صبيح (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الذهب بالذهب، والفضة بالفضة الفضل فيهما هو الربا المنكر ". وصحيحة محمد بن مسلم (2) " عن أبى جعفر (عليه السلام) أنه قال: الورق بالورق وزنا بوزن، والذهب بالذهب وزنا بوزن ". وصحيحة اسحاق بن عمار (2) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الدراهم بالدراهم والرصاص ؟ فقال: الرصاص باطل " إلى غير ذلك من الاخبار، وفى الخبر الاخير دلالة على حصول الربا بالزيادة وان كانت من غير الجنس. واما جواز البيع مع الاتحاد وان اختلفا في الجودة والرداءة فلما تقرر عندهم من أن جيد كل جنس ورديه واحد (4) ويدل عليه صحيحة الحلبي (5) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يستبدل الكوفية بالشامية وزنا بوزن فيقول الصيرفى: لا أبدل لك حتى تبدل لى يوسفية بغلة وزنا بوزن، فقال: لا بأس فقلت: ان الصيرفى انما طلب فضل اليوسيفة على البغلة، فقال: لا بأس به ". ورواية أبى بصير " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يستبدل الشامية بالكوفية وزنا بوزن فقال: لا بأس به " وأما مع الاختلاف فلا اشكال لعدم


(1) التهذيب ج 7 ص 98. (2) التهذيب ج 7 ص 98. (3) الكافي ج 5 ص 246. (4) قال في الشرايع: ويستوى في وجوب التماثل المصوغ والمكسور وجيد الجوهر ورديه، وظاهر بعض مشايخنا وجود القول هنا بالمنع من حيث ان الجودة زيادة حكمية فيحصل بها الربا حينئذ، والروايات ترده. منه رحمه الله. (5) الكافي ج 5 ص 247 (6) التهذيب ج 7 ص 104.

[ 290 ]

المانع مع استكمال شروع البيع كما تقدم في فصل الربا. المسألة الثالثة: قد صرحوا بأنه إذا كان في الفضة غش مجهول لم يبع الا بالذهب أو بجنس غير الفضة وكذلك الذهب ". قال في المسالك: هذا مبنى على الغالب من أن المغشوش لا يباع بوزنه خالصا، لان البيع مبنى على المماكسة والمغالبة، فلا يدفع المشترى بوزن المغشوش صافيا، والا فلو فرض وقوع ذلك صح بيعه بجنسه أيضا، بل متى علم زيادة الخالص عن مجانسة المغشوش صح وان لم يبلغ قدر المجموع من النقد والغش. انتهى. أقول: الوجه فيما ذكره (قدس سره) هو أنه إذا بيع المغشوش بالخالص وزنا فانه يكون الزيادة التى في الخالص في مغابلة الغش، فلا مانع حينئذ، لكن لما كان بناء البيع والشراء على ما ذكره لم يجز ذلك الا مع علم المشترى ورضاه بذلك، وأما إذا كان الغش معلوما فانه يجوز بيعه بمثل جنسه مع زيادة تقابل الغش وكذا لو جهل بان جهل قدره، ولكن علم أنه لا يزيد عن النصف، فانه يجوز بيعه بزيادة يسيرة عن النصف من جنسه، وينصرف الزايد في مقابلة الغش، ومعنى المقابلة في هذا المواضع أن تصلح عوضا في مقابلة الغش بحيث تتمول وان لم يكن قدرة قيمة. وكيف كان فالظاهر أنه لابد من التقابض قبل التفرق في المقام الذى يصح فيه البيع كما هو الشرط في الصرف. قال العلامة في التذكرة الدراهم والدنانير المغشوشة إذا علم مقدار الغش فيها جاز بيعها بجنسها بشرط زيادة في السليم تقابل الغش ليخلص من الربا لو بيع بقدر الصافى منها، ويجوز بيعها بغير الجنس مطلقا، وان لم يعلم مقدار الغش وجب أن تباغ بغير جنسها حذرا من الربا، لامكان أن يتساوى الصافى والثمن في القدر، فيبقى الغش زيادة في أحد متساويين.

[ 291 ]

ولما رواه ابن سنان (1) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) " قال: سألته عن شراء الفضة فيها الرصاص بالورق وإذا خلصت نقصت من كل عشر درهمين أو ثلاثة ؟ قال: لا يصلح الا بالذهب، وسألته عن شراء الذهب فيه الفضة والزيبق والتراب بالدنانير والورق، فقال: لاتصارفه الا بالورق " ولو بيع بوزن المغشوش فانه يجوز، إذ الفاضل من الصافى يقابل الغش، إذا ثبت هذا فانه لا يجوز انفاقه الا بعد ابانته وايضاح حاله، الا أن يكون معلوم الصرف بين الناس. انتهى. أقول: لا يخفى: أن الخبر المذكور بحسب ظاهره مناف لما قدمناه مما ظاهرهم الاتفاق عليه من جواز بيع المغشوش بجنسه الخاص إذا كان مساويا له في الوزن، لانصراف الزيادة التى في الخالص إلى الغش، لانه قد نهى (عليه السلام) عن شراء الفضة التى فيها الرصاص بالورق، وأمر بالذهب، ومن المعلوم أنه لا يقع الشراء الا بالوزن، وقد عرفت أنه مع تماثلهما في الوزن وتساويهما يصح البيع، لانصراف الزيادة التى في الخالص إلى الغش الذى في الاخر، فالواجب حمل الخبر على ما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من أنه لما كان بناء البيع والشراء على المماكسة والمغالبة فالمشتري لا يبذل فضة خالصة أو ذهبا خالصا في مقابلة غش منع (عليه السلام) من هذه المقابلة الا بغير الجنس. المسألة الرابعة: قالوا: ولا يباع تراب معدن الفضة بالفضة، وانما يباع بالذهب وكذا معدن الذهب انما يباع بالفضة لا بالذهب احتياطا في الموضعين، (2) ولو جمعا في صفقة جاز بيعهما بالذهب والفضة معا ويجوز بيع جوهر الرصاص والصفر بالذهب والفضة وان كان فيه يسير فضة أو ذهب، لان الغالب غيرهما، وأنه يجوز


(1) التهذيب ج 7 ص 109. (2) اقول المراد بالاحتياط يعنى ان مستند الوجوب هو الاحتياط والتحرز من الوقوع في الربا لا بمعنى الاستحباب كما هو المتبادر. منه رحمه الله.

[ 292 ]

اخراج الدراهم المغشوشة مع جهالة الغش إذا كانت معلومة الصرف بين الناس، وان كانت مجهولة الصرف لم يجز انفاقها الا بعد ابانة حالها، وهذا الكلام يتضمن جملة من الاحكام. الاول حكم بيع تراب المعدن، أما بيع كل منهما بالاخر فلا شك في جوازه، لعدم الربا بالزيادة مع اختلاف الجنس، وكذا يصح ايضا بيعه بمثله (1) إذا علم المقدار والتساوي ان لم يكن لما صحبه من المعدن قيمة والا فبالمثل مع اشتماله على زيادة تقابل تراب المعدن، ولكن لما كان الفرض بعيدا لم يذكروا ذلك. وأما بيعهما بالنقدين إذا جعلا في صفقة واحدة فلا اشكال أيضا في صحته للتخالف، وانصراف كل إلى ما يخالفه، ويدل عليه رواية عبد الله مولى عبد ربه (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الجوهر الذى يخرج من المعدن، وفيه ذهب وفضة وصفر جميعا كيف نشتريه ؟ فقال تشتريه بالذهب والفضة جميعا " ورواية عبد الله بن سنان (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن شراء الذهب فيه الفضة بالذهب ؟ قال لا يصلح بالدنانير والورق " ويمكن هنا أيضا البيع بأحدهما إذا تحقق في الثمن اشتماله على مثل معدنه وزيادة تقابل المعدن الاخر وهو ظاهر، والظاهر أنه لبعد فرضه لم ينبهوا عليه، وأظهر جوازا البيع بغيرهما.


(1) أي بمثل الفضة أو الذهب، ولهذا قال: إذا علم المقدار، وأما بيعه بمثل الجميع من التراب وبما فيه من الذهب أو الفضة، فلا يجوز إذ لم يكن للتراب قيمة، لان ما فيه من التراب لاقيمة له، فيبقى الزايد في المقابل بغير عوض ويلزم الربا فيه. منه رحمه الله. (2) التهذيب ج 7 ص 111 الكافي ج 5 ص 249. (3) التهذيب 8 ج ص 109.

[ 293 ]

وكيف كان فلابد من اعتبار شرايط البيع الاخر، والظاهر ان مثل هذا لا يدخل في باب الاصرف فيشترط في صحته التقابض في المجلس أو قبل التفرق، لانه لا يصدق عليه بيع الاثمان بالاثمان، وعدم صدق الذهب والفضة وانما هو تراب الذهب وتراب الفضة، الا ان الذي يظهر من اخبار بيع السيوف المحلاة (1) كما يأتي انشاء الله تعالى اشتراط التقابض قبل التفرق، فينبغي أن يكون هنا أولى، والاحتياط لا يخفى. الثاني ما ذكره من أنه يجوز بيع الرصاص بالفضة والصفر بالذهب، وان اشتمل كل منهما على يسير من جنس ما بيع به، فهو مما لا خلاف فيه ولا اشكال، لاضمحلال ما في كل منهما من يسير الذهب والفضة في جنب ما هو فيه، وصدق الاسم بدونهما، والاحكام تابعة لصدق التسمية وهو بمنزلة الحلية التى تعمل في سقوف البيوت وجدرانها غير مقصودة بالبيع، ولا ملحوظة فيه، فلا يشترط حينئذ في صحة البيع العلم بزيادة الثمن عن ذلك اليسير من الذهب أو الفضة، ليكون في مقابلة الجنس الاخر. ويدل على ذلك أيضا صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في الا سرب يشتري بالفضة، فقال: ان كان الغالب عليه الا سرب فلا بأس به " والظاهر أن المراد الغلبة في صدق الاسم كما يدل عليه الخبر الاتى لا الغلبة في الجنس. وما رواه في الكافي عن معاوية بن عمار (3) وغيره عن أبى عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل الباب 15 من ابواب الصرف. (2) الكافي ج 5 ص 248 التهذيب ج 7 ص 112. (3) الكافي ج 5 ص 251 التهذيب ج 7 ص 111.

[ 294 ]

" قال: سألته عن جوهر الا سرب وهو إذا خلص كان فيه فضة أيصلح أن يسلم الرجل فيه الدراهم المسماة ؟ فقال إذا كان الغالب عليه اسم الا سرب فلا بأس بذلك يعنى لايعرف الا بالاسرب ". أقول: ويحتمل أن يكون هذا التفسير من الامام (عليه السلام) ويحتمل أن يكون من الراوي، واحتمال كونه من الكليني بعيد. وأما التعليل في جواز البيع في الصورة المذكورة بما تقدم نقله عنهم من أن جواز ذلك كون الصفر والرصاص هو الاكثر والغالب فلا يحسم مادة الشبهة، فان مجرد الاغلبية غير كاف في جواز البيع بذلك النقد كيف اتفق، حتى لو كان عشرا يمكن تمييزه لم يجز بيعه بجنسه الا مع الزيادة في الثمن عليه بحيث تقابل مقابل الاخر كما تقدم ويمكن حمل كلامهم على أن المراد الغلبة المستولية على النقد بحيث اضمحل معه تجوزا كما تجوزوا في قولهم في باب الاحداث النوم الغالب على الحاستين، بمعنى اضمحلال الحس بهاتين الحاستين تحت النوم. الثالث ما ذكروه من أنه يجوز اخراج الدراهم المغشوشة إلى آخره، فانه يدل عليه جملة من الاخبار. منها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن عمر بن يزيد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في انفاق الدراهم المحمول عليها فقال: إذا كان الغالب عليها الفضة، فلا بأس بانفاقها ". أقول: المراد بالمحمول عليها المغشوشة حيث إنه حمل عليها من غيرها، كما يظهر من الاخبار الاتية. وعن ابن رئاب (2) " قال: لاأعلمه إلا عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي


(1) الكافي ج 5 ص 253 التهذيب ج 7 ص 108. (2) الكافي ج 5 ص 253 التهذيب ج 7 ص 109.

[ 295 ]

عبد الله (عليه السلام): الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها ؟ فقال: إذا كان بين الناس ذلك فلا بأس " كذا في الكافي، والمراد إذا كان رايجا بين الناس، وفى التهذيب " إذا بين ذلك فلا بأس " وهو معنى صحيح الا ان الاول أوفق باخبار المسألة. وما رواه في الكافي عن حريز (1) " قال: كنت عند أبى عبد الله (عليه السلام) فدخل قوم من أهل سجستان فسألوه عن الدراهم المحمول عليها ؟ فقال: إذا كان جوازا لمصر ". وعن أبي العباس البقباق (2) " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الدراهم المحمول عليها ؟ فقال: إذا أنفقت بما يجوز بين أهل المدينة أو البلد فلا بأس، وان أنققت ما لا يجوز بين اهل المدينة فلا ". وما رواه في التهذيب عن عمر بن يزيد (3) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن انفاق الدراهم المحمول عليها ؟ فقال: إذا جازت الفضة (المثلين) فلا بأس ". وعن محمد بن مسلم (4) عن ابى جعفر (عليه السلام) " قال: جاء رجل من اهل سجستان فقال له: ان عندنا دراهم يقال لها الشاهية تحمل على الدراهم دانقين ؟ فقال: لا بأس به إذا كان يجوز ". وعن محمد بن مسلم (5) " قال، سألته عن الدراهم المحمول عليها ؟ قال: لا بأس بانفاقها ". وعن المفضل بن الجعفي " قال كنت: عند أبى عبد الله (عليه السلام) فالقى بين يديه الدراهم فقال: أيش هذا ؟ قلت: ستوق، قال: وما الستوق ؟ فقلت: طبقتين


(1) (2) الكافي ج 5 ص 253. (3) (4) (5) (6) التهذيب ج 7 ص 108 الرقم - 69 - 71 - 68 - 72 وفى الوافى (الثلثين) بدل المثلين.

[ 296 ]

فضة، وطبقة من نحاس، وطبقة من فضة ؟ فقال: اكسرها فانه لا يحل بيع هذا ولا انفاقه ". قال في الوافى الستوق بالضم والفتح معا وتشديد التاء، وتستوق بضم التاء المزيف البهرج الملبس بالفضة، " طبقتين فضة " الصواب طبقة من فضة وكانه مما صحفه النساخ، وحمل منع انفاقه في التهذبين على ما إذا لم يتبين أنه كذلك: فيظن الاخذ أنه جيد. انتهى. أقول: الظاهر أن المراد من هذه الاخبار وكذا ما قدمناه من كلام الاصحاب انما هو بيان جواز انفاق هذه الدراهم في ساير المعاملات دون ما يتعلق به الربا ويدخل في الصرف، وقوفا على قواعد الاصحاب المذكورة في سابق هذه المسألة، فلو أريد المعاملة بها في أحد هذين الوجهين فلابد من مراعاة شروطهما كما تقدم، ومرجع ذلك إلى أنه متى كان عادة البلد المعاملة بذلك النقد المغشوش مع معلومية حاله


(1) قال ابن ادريس في كتاب السرائر: اما استفهام الامام (عليه السلام) ما هو الستوق، فانها كلمة فارسية غير عربية، وهى مفتوحة السين الغير المعجمة مشددة التاء المنقطة من فوقها نقطتين المضمومة، فالواو والقاف ومعناها ثلاث طبقات، لان ست بالفارسية ثلاثة، وتوق طبقات وهو الزايف الردى البهرج، قال الصولى في كتاب الاوراق: اعترض مخلد الشاعر الموصلي الخليفة المعتمد لما دخل الموصل بمدح، وحلفه ان يسمعه فاحضره وسمع مدحه، ثم قال: انشدني هجاك لاهل الموصل فأنشده. هم قعدوا فانتفوا لهم حسبا * يجوز بعد العشاء في العجب حتى إذا ما الصباح لاح لهم * تبين ستوقهم من الذهب والناس قد اصبحوا صيارفة * أعلم شئ لبهرج النسب انتهى منه رحمه الله.

[ 297 ]

عندهم كهذه الغروش التى في بلدان الروم، والطويلة التى في بلاد الاحساء، فانها من الصفر الملبس بالفضة، فلا بأس بالمعاملة بها وانفاقها، وما عدا ذلك، فلا يجوز انفاقه الا مع الاعلام بحاله، كما تقدم نقله عن العلامة في آخر عبارته المتقدمة، وعلى هذا حمل الشيخ خبر المفضل المذكور. ويدل على ذلك صريحا ما رواه في التهذيب عن جعفر بن عيسى (1) " قال: كتبت إلى أبى الحسن الاول (عليه السلام): ما تقول: جعلت فداك في الدارهم التى أعلم أنها لا تجوز بين المسلمين الا بوضيعة، تصير إلى من بعضهم بغير وضيعة لجهلي به، وانما أخذته على أنه جيد، أيجوز لى أن آخذه وأخرجه من يدي إليه على حد ما صار إلى من قبلهم ؟ فكتب (عليه السلام): لا يحل ذلك، وكتبت إليه: جعلت فداك هل يجوز ان وصلت إلى رده على صاحبه من غير معرفته به أو ابداله منه، وهو لا يدرى انى أبدله منه واورده عليه ؟ فكتب (عليه السلام) لا يجوز ". ومما ذكرنا يظهر ما في كلام المحقق الاردبيلى (طاب ثراه) في هذا المقام من النظر الظاهر لذوي الافهام، وذلك في موضعين: أحدهما أنه قال في سابق هذه المسألة بعد بيان حكمها ما صورته: وفى الاخبار الكثيرة المعتبرة أنه يجوز بيعه بمثل ما فيه ان كان الغلب هو أو الغش بحيث يطلق عليه اسم ذلك، فالظاهر ان المراد أن احدهما مضمحل ولاقيمة له، ثم استدل بحسنة عمر بن يزيد الاولى من الروايات المتقدمة، ورواية على بن رئاب عن محمد بن مسلم وصحيحة عبد الرحمان الحجاج الواردة في الا سرب، وروايته الاخرى الواردة ايضا فيه. وانت خبير بما قدمنا تحقيقه أن المراد من روايتي عمر بن يزيد وعلي بن رئاب المذكورتين في كلامه انما هو انفاق الدراهم المغشوشة في المعاملة في غير ما يدخل في الربا بالصرف، وان كان الغش كثيرا كما صرح به (عليه السلام) في رواية


(1) التهذيب ج 7 ص 116 الرقم 112.

[ 298 ]

عمر بن يزيد الثانية من قوله (عليه السلام) " إذا جازت الفضة الثلثين فلا بأس " فانه يعطي جواز المعاملة بما يكون الغش فيه يبلغ الربع وعلى ذلك يدل اطلاق جملة من أخبار المسألة، وتمسكه في ذلك بخبرى عبد الرحمان بن الحجاج ليس في محله، لان هذا حكم آخر كما فصلناه هنا. قال في المسالك في هذه المسألة: ولا يخفى أن المراد هنا الغش المعتبر، دون ما يستهلك لقلته، نبه عليه في التذكرة انتهى، وبالجملة فالخبران اللذان أوردهما أولا انما هما من قبيل باقى الاخبار التى سردناها، وقد عرفت المراد منها، وليسا من أخبار المسألة المتقدمة كما ظنه، ومحمل التأويل فيهما، والخبران الاخيران قد تقدم محلهما، وليس هما من أخبار المسألة السابقة أيضا كما توهمه. وثانيهما ما ذكره وقبله المحقق الشيخ على في شرح القواعد من حمل الصرف في كلام المتقدمين كالعبارة التى قدمنا نقلها عنهم في صدر المسألة من قولهم يجوز اخراج الدراهم المغشوشة مع جهالة الغش إذا كانت معلومة الصرف، وان كانت مجهولة الصرف لم يجز انفاقها على الصرف بمعنى معلومية قيمة ما فيها من الصافي أو قيمته، وكذا مجهولية الصرف بمعنى عدم العلم بقدر ما فيه من الصافى. والمفهوم من الاخبار التى قدمناها أن المراد بالصرف في عباراتهم انما هو الرواج في المعاملة ومضيها بين الناس من غير توقف في أحدها لمكان الغش مع العلم بذلك، فمتى كان رايجا في المعاملة جاز انفاقه، وان لم يكن رايجا في تلك البلد ولا متعاملا به وجب الاعلام بغشه، سواء علم قدر ما فيه من الخالص أو لم يعلم. وبما ذكرناه صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك فقال بعد ذكر عبارة المصنف كما قدمنا ذكره في صدر المسألة: المراد بكونها معلومة الصرف كونها متداولة بين الناس مع علمهم بحالها، فانه يجوز حينئذ اخراجها، وان لم يعلم بقدر

[ 299 ]

ما فيها من الغش، فلو كانت مجهولة الصرف بحيث لو علموا بحالها ما قبلوها وجب على مخرجها ابانة حالها، بأن يقول: انها مغشوشة وان لم يبين قدر غشها إلى آخره. المسألة الخامسة المراكب المحلاة إذا علم ما فيها من الحلية يجوز بيعها بجنسها بشرط أن يزيد الثمن عما فيها، أو توهب الزيادة من غير شرط ويجوز بيعها ايضا بغير جنسها مطلقا، وان جهل ما فيها وان أمكن نزعه من غير ضرر بيعت بغير جنس الحلية، وان بيعت بجنس الحلية قيل: يجعل معها شئ من المتاع، وتباع بزيادة عما فيها تقريبا، دفعا لضرر النزع، هكذا قالوا. والذى وقفت عليه من الاخبار منها رواية ابراهيم بن هلال (1) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جام فيه ذهب وفضة، اشتريه بذهب أو فضة ؟ فقال: ان كان تقدر على تخليصه فلا، وان لم تقدر على تخليصه فلا بأس ". وصحيحة عبد الله بن سنان (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء الذهب فيه الفضة والزيبق والتراب بالدنانير والورق فقال: لاتصارفه الا بالورق قال: وسألته عن شراالفضة فيها الرصاص والورق إذا خلصت نقصت من كل عشرة درهمين أو ثلاثة قال لا يصلح الا بالذهب ". ورواية ابى بصير " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع السيف المحلى بالنقد ؟ فقال: لا بأس به، قال: وسألته عن بيعه بالنسيئة، فقال: إذا نقد مثل ما في فضته فلا بأس به أو ليعطي الطعام ". وموثقة محمد بن مسلم (4) قال: سئل عن السيف المحلى، والسيف الحديد


(1) التهذيب ج 7 ص 112. (2) الكافي ج 5 ص 249 التهذيب ج 7 ص 109. (3) (4) الكافي ج 5 ص 250 التهذيب ج 7 ص 112 وص 114 وليس في الكافي كلمة بالفضة).

[ 300 ]

المموه (بالفضة) يبيعه بالدراهم ؟ قال: نعم وبالذهب، وقال انه يكره أن يبيعه بنسيئة، وقال: إذا كان الثمن اكثر من الفضة فلا بأس " كذا في الكافي، وفى التهذيب (بع بالذهب) مكان: نعم وبالذهب. وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (1) " قال: سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة تباع بالذهب إلى أجل مسمى ؟ فقال: ان الناس لم يختلفوا في النساء أنه الربا، وانما اختلفوا في اليد باليد، فقلت له: فنبيعه بدراهم بنقد ؟ فقال: كان أبى (عليه السلام) يقول: يكون معه عرض أحب الي، فقلت: إذا كان الدراهم التى تعطى اكثر من الفضة التى فيها ؟ فقال: وكيف لهم بالاحتياط بذلك ؟ قلت له: فانهم يزعمون أنهم يعرفون ذلك فقال: ان كانوا يعرفون ذلك فلا بأس، والا فانهم يجعلون معه العرض أحب الي ". وصحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بنساء إذا نقد ثمن الفضة والا فاجعل ثمن فضة طعاما ولينسه ان شاء ". ورواية منصور الصيقل (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال سألته عن السيف المفضض تباع بالدراهم ؟ قال: ان كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وان كانت فضته اكثر فلا يصلح ". وعن أبى بصير " قال: سألته عن المفضض " الحديث مثله. ورواية منصور الصيقل (5) ايضا عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: السيف اشتريه وفيه الفضة تكون الفضة اكثر أو أقل ؟ قال: لا بأس به ".


(1) الكافي ج 5 ص 251 التهذيب ج 7 ص 113. (2) التهذيب ج 7 ص 112. (3) (4) (5) التهذيب ج 7 ص 113.

[ 301 ]

ورواية عبد الله بن جذاعة (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السيف المحلى بالفضة يباع بنسيئة ؟ قال: ليس به بأس، لان فيه الحديد والسير ". وما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوي عن جده على بن جعفر (2) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) " قال: سألته عن الفضة في الخوان والقصعة والسيف والمنطقة والسرج واللجام تباع بدراهم أقل من الفضة أو أكثر قال: تباع الفضة بدنانير، وما سوى ذلك بدراهم " ورواه على بن جعفر في كتابه. أقول: ينبغى أن يعلم أولا أن من القواعد المقررة في كلام الاصحاب وهو المستفاد من الاخبار كما تقدم ذكره في باب الربا ان المجتمع من جنسين يجوز بيعه بغير جنسيهما مطلقا، وبهما معا سواء علم قدر كل واحد من المجتمع أم لا إذا عرف قدر الجملة، وسواء أمكن تخليصهما أم لا، ويجوز أيضا بكل واحد منهما إذا علم زيادته عن جنسه بحيث يصلح ثمنا للاخروان قل ولم يكن قيمته واقعا (3)، وحينئذ فما دلت عليه رواية ابراهيم بن هلال " من النهى عن شراء اللجام إذا كان يقدر على تخليصه " لعله محمول على الكراهة، والا فلو شراه بأحدهما مع زيادته على ما فيه من ذلك الجنس الاخر فلا اشكال في صحته، بناء على ما عرفت. وما دلت عليه صحيحة عبد الله سنان الاولى من أنه لا يصلح شراء الفضة المغشوشة بالرصاص بالورق قد تقدم بيان لوجه فيه في المسألة الثانية.


(1) (2) الوسائل الباب 15 من ابواب الصرف الحديث 11 10. (3) اشتراط العلم كما ذكرنا مذهب الاكثر، وبه صرح في الدروس ومثله الشهيد الثاني في الروضة، وبالاكتفاء بالظن الغالب صرح الشهيد في اللمعة والظاهر الاول. منه رحمه الله.

[ 302 ]

وما في رواية أبى بصير من نفي الباس عن بيع السيف المحلى بالنقد فيحمل على المخالفة في جنسي النقد والحلية، أو زيادة الثمن أن كان من جنسها، وما نفى عنه البأس من بيعه نسيئة إذا نقد مثل مافى الفضة ظاهر في كون ذلك من باب الرصف كما تقدمت الاشارة إليه، فيشترط فيه التقابض في المجلس بالنسبة إلى الحلية، وما قابلها من الثمن، فإذا نقد مثل الفضة، فلا بأس بالنسبة في الباقي، والا فليجعل جنسا آخر كالطعام، ومثل هذه في ذلك صحيحة عبد الله سنان. وأما موثقة محمد بن مسلم فعلى تقدير نسخة الكافي فيها دلالة على جواز البيع بالدراهم، لكن لابد من التقييد بزيادتها على ما فيه من الفضة لما عرفت، وعلى تقدير نسخة التهذيب فيها دلالة على المنع من الدراهم، ويحمل على عدم معلومية الحلية، ليحصل المخرج من الوقوع في الربا بالزيادة في الثمن، فلا يباع حينئذ الا بجنس آخر، كما دلت عليه صحيحة عبد الرحمان الحجاج، وكراهة نسيئة في الرواية أعم من أن يكون بالدراهم أو الدنانير، والمراد بالكراهة التحريم كما هو شايع في الاخبار، لما عرفت من أنه يلحقه حكم الصرف هنا، وقوله فيها إذا كان الثمن اكثر من الفضة فلا بأس فيه، دلالة على جواز البيع بالدراهم مع زيادتها على ما فيه من الحلية، ليكون الزيادة في مقابلة الجنس الاخر. وأما صحيحة عبد الرحمان الحجاج، فان قوله فيها أن الناس لم يختلفوا في النسئ أنه الربا " مؤكد لما قلناه من حصول الربا بالنسيئة، لما تقدم من أن له قسطا من الثمن، وفيه دلالة ظاهر على اعتبار الزيادة الحكمية في الربا، خلافا لابن ادريس من تخصيصه الزيادة الموجبة للربا بالعينية. وقوله " فقلت: فنبيعه بدراهم بنقد " إلى آخر الخبر ملخصه أنه ان علم مقدار الفضة التى في الحلية، فالمخرج من الوقوع في الربا زيادة الدراهم على الفضة المذكورة، وان لم يعلم فلا تباع الا بجنس آخر تحرزا من الوقوع في الربا،

[ 303 ]

بان يكون الفضة التى في الحلية ازيد من الدراهم المنقودة، بقى الاشكال فيه من قوله " انما اختلفوا في اليد باليد " مع انا لا نعلم خلافا في اشتراط التقابض في النقدين، ولم يذهب احد إلى القول بعدم التقابض في النقدين وانما الخلاف في غيرهما كما تقدم، والظاهر ان هذا الكلام اشارة إلى ما ذكره محيى السنة من علماء العامة (1) ان ذلك كان قديما في عصره (صلى الله عليه وآله) ثم نسخ، وبقى عليه أقوام لم يصل إليهم النسخ، ومنهم ابن عباس. وأما رواية منصور الاولى فالمعنى فيها ظاهر مما عرفت. وأما رواية الثانية ففى ظاهرها نوع اشكال والظاهر أن المعنى فيها هو ما في روايته الاولى، وان المراد بقوله أكثر أو أقل لا بالنسبة إلى ما قابله من الثمن إذا كان دراهم، بل المراد كثيرا أو قليلا، ولابد من أقليته بالنسبة إلى الثمن لينطبق على الاخبار الباقية. وأما رواية عبد الله بن جذاعة فحملها الشيخ في الاستبصار على التقييد بأن نقد مثل ما فيه من الفضة، ليوافق ما تقدم مما دل على الحكم المذكور. وأما رواية علي بن جعفر فما ذكر فيها، أحد الوجوه الموجبة للخروج عن الربا، وليس ذلك مخصوصا به لما عرفت مما تقدم. بقى الكلام في مواضع مما تقدم نقله عنهم في صدر المسألة: منها قولهم أنه مع العلم بما فيها من الحلية تباع بالجنس بشرط الزيادة، فان فيه أنه يمكن ذلك في صورة الجهل بقدرها إذا علم زيادة الثمن على الحلية، فانه يمكن تصور العلم بالزيادة وان جهل القدر.


(1) قال محيى السنة المذكور: فقال كان في الابتداء حين قدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة بيع الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير متفاضلا جايزا يدا بيد، ثم صار منسوخا بايجاب المماثلة، وقد بقى على المذهب الاول بعض الصحابة، وممن لم يبلغهم النسخ كان عبد الله ابن عباس، وكان يقول: أخبرني أسامة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: انما الربا في النسيئة. منه رحمه الله.

[ 304 ]

ومنها قولهم وتوهب الزيادة من غير شرط، والمراد منه أن من المخرج من الربا هنا أن يهبه الزيادة، لكن لا يقع ذلك شرطا في عقد البيع بأن يبيعه بشرط أن يهبه الزيادة، لاستلزامه الزيادة الحكمية في أحد الجنسين، لان الشرط زيادة حكمية كما سيأتي انشاء الله تعالى بيانه في اشتراط صياغة الخاتم، وهذه الزيادة انما يتحقق ويحتاج إلى التخلص بهبتها فيما إذا وقع البيع بالثمن على الحلية خاصة إذا فرضت قدر الثمن أو زايدة عليه، فانه يبقى ما فيه الحلية زيادة في البين، وهو ظاهر، ولو وهبه الزيادة قبل البيع صح أيضا، ويجب تجريد عقد الهبة عن شرط بيع الباقي بمثله، كما وجب تجريد عقد البيع عن شرط الهبة كما عرفت، لرجوع الامرين إلى ما تقدم من لزوم الزيادة الحكمية. ومنها قولهم في صورة الجهل بقدر الحلية وان بيعت بجنس الحلية، " قيل: يجعل معها شئ من المتاع، إلى آخره فان فيه أنك قد عرفت انه مع الجهل بقدرها يجوز بيعها بجنسها مع العلم بزيادة الثمن عليها، فانه يمكن فرضه ويصح البيع، سواء جعل معها شئ آخر أم لا، ويصح أيضا مع عدم العلم بزيادة الثمن عليها أن يضم إلى الثمن متاع آخر، لينصرف الثمن إلى ذى الحلية، والمتاع إلى الحلية. وأما على هذا القول الذى نقل، فان ظاهره ضم المتاع إلى الحلية، وهو غير ظاهر الاستقامة، لانه مع ضم المتاع إلى المبيع من الحلية وذى الحلية يزيد الضرر والمحذور، حيث يحتاج إلى مقابلة الثمن بها مع الباقي، والظاهر أنه لذلك نقلوه بلفظ قيل ايذانا بضعفه، وهذا القول للشيخ في النهاية وذكر بعض الافضل أن الشيخ تبع في ذلك رواية وردت بهذه الصيغة ونسبت إلى وهم الراوى، ولم نقف عليها فيما وصل الينا من الاخبار. ثم انه ينبغى تقييد هذه الاخبار الواردة في هذا المضمار بما إذا كانت الحلية متمولة، والا فلو كانت من قبيل حلية الجدران والسقوف فلا يترتب عليها الاحكام المذكورة كما تقدمت الاشارة إليه. والله العالم.

[ 305 ]

المسألة السادسة قال الشيخ في النهاية (1) لا بأس أن يبيع درهما بدرهم ويشترط معه صياغة خاتم، أو غير ذلك من الاشياء، وقال ابن ادريس: وجه الفتوى بذلك على ما قاله (رحمه الله) أن الربا هو الزيادة في العين إذا كان الجنس واحدا، وهنا لا زيادة في العين، ويكون ذلك على جهة الصلح في العمل فهذا وجه الاعتذار له إذا سلم العمل به، ويمكن ان يحتج على صحته بقوله (تعالى) (2) " وأحل الله البيع وحرم الربا "، وهذا بيع، والربا المنهى عنه غير موجود هيهنا، لا حقيقة لغوية، ولا حقيقة عرفية ولا شرعية. أقول: الاصل في هذه المسألة ما رواه الشيخ عن أبي الصباح الكنائى (3)


(1) أقول قال في النهاية السيوف المحلاة والمركب المحلاة إذا كانت محلاة بالفضة وعلم مقدار ما فيها جاز بيعها بالذهب والفضة، فان بيع بالفضة فيكون ثمن السيف أكثر مما فيه من الفضة، وان لم يعلم مقدار ما فيها وكانت محلاة بالفضة فلاتباع الا بالذهب، وان كانت محلاة بالفضة واراد بيعها بالفضة وليس لهم طريق إلى معرفة مقدار ما فيها فليجعل معها شيئا آخر، ويبيع حينئذ بالفضة إذا كان اكثر مما فيه تقريبا، ولم يكن به بأس، وقال ابن ادريس بعد نقل ذلك: ولى فيه نظر، ولم يبين وجه النظر، قال في المختلف بعد نقل ذلك: والحق أن الفضة ان علم مقدارها جاز بيعها بأكثرمنها، ليحصل من الثمن ما يساوى المقدار من الحلية في مقابلته، والزيادة في مقابلة السيف، وان لم يعلم بيعت بثمن غير الفضة أو بالفضة مع علم زيادة الثمن، أو يضم إلى الثمن شيئا فيكون الفضة في مقابلة السيف، والمضموم في مقابلة الحلية لانتفاء الربا انتهى. وهو جيد. منه رحمه الله. (2) سورة البقرة الاية 275. (3) التهذيب ج 7 ص 110.

[ 306 ]

" قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقول للصايغ: صغ لى هذا الخاتم وأبدل لك درهما طازجا بدرهم غلة ؟ قال: لا بأس " والطازج الخالص معرب تازه، والغلة المغشوش. وجملة من الاصحاب قد عبروا هنا بأنه يجوز ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم، تبعا للشيخ، وظاهر كلام الشيخ تعدية الحكم إلى غير الصياغة، بأن يبيعه درهما بدرهم ويشترط خياطة ثوب أو نحو ذلك. قيل. وفى تعدية الحكم في الثمن والمثمن بأن يبيع دينارا بدينار ويشترط عملا، ويبيع عشرة دراهم بعشرة، ويشترط عملا اشكال، والاقرب الجواز تفريعا على الجواز هنا أيضا لان الزيادة المذكورة ان أوجبت الربا لزم التحريم في الجميع، والا فلا. وجملة من الاصحاب كالمحقق وغيره عبروا هنا بلفظ وروى جواز ابتياع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم ايذانا بالتوقف في الحكم المذكور ومنع جملة منهم من تعدى موضع النص. والتحقيق أن الرواية المذكورة لا صراحة فيها فيما ذكروه من البيع وانما تضمنت اشتراط ابدال درهم بدرهم في صياغة الخاتم لا البيع بشرط الصياغة. نعم ربما يقال: ان الابدال من قبيل الصرف، والزيادة فيه تصير من قبيل الربا، والجواب عنه أن يقال. ان اشتراط الصياغة انما هو في جانب الغلة، وعلى ذلك لا يتحقق الزيادة، لما عرفت من أن الدرهم الطازج هو الصحيح، والغلة المراد بها المغشوش، فالزيادة الحكمية التى هي الصياغة إذا جعلت مع المغشوش، قابلت الزيادة التى في الخالص من الفضة على المغشوش، وحينئذ لا مانع في البيع ولا غيره ولا في شرط صياغة خاتم ولا غيره من الاعمال متى كان المفروض مثل ما وقع في الرواية من النقصان في أحد العوضين ليجبر بالعمل المشترط.

[ 307 ]

وبذلك يظهر لك ما في الفروض المذكورة في كلام ذلك القائل في تعدية الحكم إلى بيع دينار بدينار، وعشرة دراهم بعشرة اخرى ونحو ذلك، فانه على اطلاقه ممنوع، لحصول الربا بالزيادة الحكمية، بل ينبغى تقييده بما دلت عليه الرواية من نقص أحد العوضين ليصح الاشتراط، ويندفع الربا. وأما ما ذكره ابن ادريس من تخصيص الربا بالزيادة العينية في أحد الجنسين فيرده ما تقدم في صحيحة عبد الرحمان الحجاج من قوله (عليه السلام) (1) " أن الناس لم يختلفوا في النسئ أنه الربا " ونحوها غيرها من الاخبار المانعة من البيع نسيئة لذلك. وأما ما ذكره المحقق الاردبيلى (عطر الله مرقده) من أن ظاهر قوانينهم أنه ليس الحيادة زيادة تجبر بشئ، ولهذا لا يتحقق الربابين الجيد في غاية الجيادة والردى في غاية الردائة مع التساوي في المقدار، ويتحقق مع التفاوت، وان كان في جانب الردئ بشئ يسير لا يقابل الجيادة التى في الجيد، وهو صريح كلامهم انتهى. ففيه انه ينبغي أن يعلم أن هنا شيئين، أحدهما أن تكون الفضة خالصة، وادا عملت دراهم جعل فيها غيرها من نحاس أو رصاص أو غيرهما ويسمى حينئذ مغشوشة وثانيهما أن تكون الفضة من أصلها ومعدنها ردية غير جيدة، والمراد من الدراهم الجياد والدراهم الردية انما هو ما كان باعتبار أصل الجوهر، لامن حيث ضم شئ إليه وعدمه، وما نحن فيه انما هو من قبيل الاول، لان الغلة كما ذركنا هي الدرهم المغشوش بغيره، وما اعترض به انما هو من الثاني، وهو مما لا خلاف فيه، لانه ليس فيه شئ غير الفضة من الاشياء الخارجية عنها، الا أن فضته ليست جيدة، ويدلك على ذلك ما تقدم في المسألة الثالثة في الفضة المغشوشة من أنها لاتباع الا بغير الجنس، أو به مع الزيادة في الثمن ليقابل ما فيها من الغش. وبالجملة فان كلامه


(1) التهذيب ج 7 ص 113.

[ 308 ]

هنا غفلة عن الفرق بين الامرين. والله العالم. المسألة السابعة الاواني المصبوغة من الذهب والفضة وان كان كل واحد منهما معلوما جاز بيعه بجنسه من غير زيادة، وبغير الجنس وان زاد، وان لم يعلم وأمكن تخليصهما لم يبع بالذهب ولا بالفضة وبيعت بهما أو بغيرهما، وان لم يمكن وكان أحدهما أغلب بيعت بالاقل، وان تساويا تغليبا بيعت بهما، هكذا صرح به بعضهم. وقيل: ان أصل هذا الكلام للشيخ وتبعه عليه الجماعة، وهو على اطلاقه مدخول، ويحتاج إلى تنقيح. وذلك فانك قد عرفت فيما تقدم في المسألة الخامسة أن من القواعد المتفق عليها نصا وفتوى أن المجتمع من جنسين يجوز بيعه بغير جنسيهما مطلقا، وبهما معا سواء علم قدر كل واحد من المجتمع أم لا إذا عرف قدر الجملة، وسواء أمكن تخليصهما أم لا، ويجوز أيضا بكل واحد منهما إذا علم زيادته عن جنسه، بحيث تصلح ثمنا للاخر وان قل، سواء أمكن التخليص أيضا أم لا، وسواء علم قدر كل واحد أم لا، وما ذكر هنا من هذه المسألة أحد جزئيات القاعدة المذكورة، ووجه الدخل في هذا الكلام في مواضع. الاول قوله: ان كان أحدهما معلوما جاز بيعه بجنسه من غير زيادة وبغير الجنس وان زاد، فان فيه أنه ان أراد ببيعه بيع ذلك الجنس خاصة دون المجموع فهذا لا وجه له، لان فرض المسألة هو بيع المركب من الذهب والفضة لا أحدهما، وحينئذ فما ذكر خارج عن محل المسألة، وان كان المراد بيع المجموع، اشترط في بيعه بجنس أحدهما زيادة الثمن على جنسه ليكون تلك الزيادة في مقابلة الاخر، وان اراد بيع المجموع بجنسه أي الجنسين معا، فلا معنى لاشتراط عدم الزيادة، لان كل واحد من الجنسين ينصرف إلى مخالفه، فلا تضر الزيادة هنا ولا النقصان، ولا فرق في هذين القسمين بين أن يعلم قدر كل واحد منهما أو يجهل، كما تقدم

[ 309 ]

الاشارة إليه في القاعدة، فلا وجه للتقييد بالعلم بهما. الثاني قوله وان لم يعلم وأمكن تخليصهما لم يبع بالذهب ولا بالفضة، وبيعت بهما أو بغيرهما، فانه فيه أنه لا مانع من بيعه بوزنه ذهبا أو فضة مطلقا، لحصول المماثلة في الجنسين والمخالفة بالنسبة إلى الجنس الاخر، فلا مدخل للربا في ذلك، وكذا مع الزيادة على قدر المركب، وكذا مع نقصانه إذا علم زيادة الثمن على مجانسه بما يتمول، فما ذكر من المنع من بيعه بأحدهما على تقدير امكان التخليص لا يظهر له وجه، بل يجوز حينئذ بيعه بهما وباحدهما وبغيرهما وبالاقل سواء امكن التخليص أم لا. الثالث قوله وان لم يمكن وكان أحدهما أغلب بيعت بالاقل، فان فيه أنه بمقتضى القاعدة المتقدمة يجوز بيعه بهما وبغيرهما، وبالاقل والاكثر إذا علم زيادة الثمن على جنسه كما تقدم، فالتقييد بالاقل عار عن النكتة. واعتذر الشهيد (رحمه الله) لهم عن ذلك بأن ذكر الاقل محافظة على طلب الزيادة، ورد بأن الزيادة المعتبرة في الثمن عن جنسه يمكن تحققها مع الاقل والاكثر ومع ذلك فالارشاد إلى الزيادة غير كاف في التخصيص الموجب لتوهم المنع من غيره. الرابع قوله: " وان تساويا تغليبا بيعت بأحدهما " فان فيه أنه مع تساويهما لا ينحصر الجواز في البيع بأحدهما، بل يجوز بيعه بهما أو بأحدهما مع الزيادة وبغيرهما فلا وجه للتخصيص بأحدهما، ولافرق في ذلك أيضا بين امكان التخليص وعدمه، ولا بين العلم بقدر كل منهما وعدمه. نعم يعتبر العلم بالجملة والله العالم. المسألة الثامنة قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى ثوبا بماءة درهم الا دينارا أو بماءة دينار الا درهما لم يصح، لان الثمن مجهول، لانه لا يدرى كم حصة الدرهم من الدينار ولاكم حصة الدينار من الدرهم الا بالتقويم، والرجوع إلى أهل الخبرة، وكذا قال ابن البراج، وقال في النهاية: ولا يجوز أن يشترى بدينار الا درهما، وعلل بالجهالة.

[ 310 ]

وقال ابن ادريس: لا يصح أن يشترى الانسان سلعة بدينار غير درهم، ولا بدارهم، غير دينار، لان ذلك مجهول قال محمد بن ادريس: قولنا لا يصح، نريد به العقد لا يصح، وقولنا لانه مجهول المراد به الثمن مجهول، وإذا كان الثمن مجهولا فالعقد والبيع لا يصح، ووجه كون الثمن في هذه الصورة مجهولا لانه لا يدرى كم حصة الدراهم من الدينار، ولاكم حصة الدينار من الدراهم الا بالتقويم، والرجوع إلى أهل الخبرة، وذلك غير معلوم وقت العقد، فهو مجهول، فان استثنى من جنسه فباع بماءة دينار الا دينارا أو بماءة درهم الا درهما صح البيع، لان الثمن معلوم، وهو ما بقى بعد الاستثناء انتهى. وقال ابن الجنيد لو باع ثوبا بماءة درهم غير دينار نقدا جاز، فان باعه نسيئة لم يصح البيع، لانه لا يعلم قدر الدينار من الدرهم وقت الوجوب، وكذا كل ما اختلف جنساه، وجملة من الاصحاب عبروا بما يرجع إلى كلام الشيخ في المبسوط. أقول: والاصل في هذه المسألة الاخبار. ومنها ما رواه في الكافي عن حماد (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: يكره أن يشتري السلعة بدينار غير درهم، لانه لا يدرى كم الدرهم من الدينار ". وما رواه الشيخ عن السكوني " عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) في الرجل يشترى السلعة بدينار غير درهم إلى أجل ؟ قال: فاسد، فلعل الدينار يصير بدرهم ". وعن أبى جعفر عن أبيه عن وهب (3) " وعن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنه كره أن يشترى الرجل بدينار الا درهما والا درهمين نسيئة، ولكن يجعل ذلك بدينار إلا ثلثا، وإلا ربعا وألا سدسا أو شيئا يكون جزءا من الدينار ".


(1) الكافي ج 5 ص 197. (2) (3) التهذيب ج 7 ص 116 الرقم 109 108.

[ 311 ]

وعن ميسر (1) " عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) انه كره ان يشترى الثوب بدينار غير درهم، لانه لا يدرى كم الدينار من الدرهم ". أقول: وملخص الكلام في هذا المقام وهو الذى يجتمع عليه الاخبار، وما نقلناه من كلام علمائنا الاعلام هو ان يقال ان البيع ان وقع نقدا فانه لابد في صحته من علم المتعاقدين بنسبة المستثنى من المستثنى منه، فان لم يعلما أو أحدهما لم يصح البيع لمكان الجهالة في الثمن، وان وقع نسيئة فان شرطا في الدرهم أو الدينار المستثنى ما كان متعاملا به وقت العقد أو أطلقا فيرجع إلى التفصيل المتقدم من علم النسبة صح البيع، والا بطل لمكان الجهل، وان شرطا الدرهم أو الدينار المتعامل به وقت حلول الاجل فأولى بالبطلان لانه لا يدرى ما يصير إليه الامر في ذلك الوقت، واليه يشير قوله (عليه السلام) في رواية السكوني، " فلعل الدينار يصير بدرهم " وعلى هذا فلا اختلاف بين كلام ابن الجنيد، وكلام الشيخ في هذه المسألة، وانت خبير بأن الانسب بهذه المسألة هو ذكرها في المقام الثالث من الفصل الاول، لانها متعلقة بجهل الثمن، ولكن الاصحاب لما ذكروها في باب الصرف جرينا على منوالهم في ذلك. المسألة التاسعة تراب الصياغة ان علم بالقرائن المفيدة لذلك اعراض اصحابه عنه جاز للصائغ تملكه كغبره مما يعلم اعراض ملاكه عنه، وفى الاكتفاء بالظن اشكال، والا فان علم ملاكه وجب رده عليهم، وان علم بعضهم وجب التخلص منه ولو بالصلح، والا فالواجب الصدقة به أو بثمنه عن ملاكه، كما هو الحكم في نظائره، لكن متى اراد بيعه فلا يبيعه إلا بجنس آخر من العروض أو بالذهب والفضة معا، حذرا من الربا لو بيع باحدهما، لجواز زيادة ما فيه من جنس الثمن من ذلك الثمن أو مساواته، فيلزم الربا.


(1) التهذيب ج 7 ص 116 الرقم 110.

[ 312 ]

أما لو علم زيادة الثمن من ذلك الجنس على جنسه بحيث تصلح الزيادة لمقابلة الجنس الاخر فلا بأس. والذى وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة ما رواه في الكافي والتهذيب عن على بن ميمون الصائغ (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به ؟ قال: تصدق به فاما لك واما لاهله، قال: قلت فان فيه ذهبا وفضة وحديدا فباى شئ أبيعه ؟ قال: بعه بطعام، قلت: فان كان لى قرابة محتاج اعطيه منه ؟ قال: نعم ". وما رواه الشيخ عن على الصائغ (2) " قال: سألته عن تراب الصواغين وانا نبيعه قال: اما تستطيع ان تستحله صاحبه ؟ قال: قلت: لااذا اخبرته اتهمني، قال بعه، قلت: بأى شئ ابيعه، قال: بطعام، قلت: فأى شئ أصنع به ؟ قال: تصدق به اما لك واما لاهله، قلت: ان كان ذا قرابة محتاجا فأصله ؟ قال: نعم " قال في الوافى لعل وجه الترديد في " لك ولاهله " احتمال اعراض المالك عنه وعدمه. أقول: الظاهر بعده، لان الصدقة به انما هي حكم مجهول المالك، ومع معلومية الاعراضى عنه وقصد تملكه لا يكلف بالصدقة، بل هو ماله يتصرف فيه كيف يشاء، ولا يتعين عليه التصدق، بل الظاهر أن المراد انما هو التصدق به عن صاحبه مع الضمان، لمالكه متى ظهر ولم يرض بالصدقة، كما في نظائره، فان ظهر له صاحب ورضى بالصدقة أو لم يظهر بالكلية، فالصدقة لصاحب المال، وان ظهر ولم يرض بالصدقة كانت الصدقة لك وعليك ضمانه، هذا هو الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر. (3)


(1) الكافي ج 5 ص 250 التهذيب ج 7 ص 111. (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الصرف الرقم 2. (3) اقول: ما استظهرنا من الوجه المذكور ظاهر من الخبر الاول وأما الثاني فان ظاهره وجود المالك ومعرفته، وكان خوف التهمة الحقه

[ 313 ]

وظاهر الرواية الثانية جواز بيعه والصدقة بثمنه وان علم المالك إذا خاف التهمة. والمفهوم من كلام الاصحاب أنه مع معلومية المالك لا يجوز الصدقة، بل يجب التخلص منه بأى وجه اتفق، قال في المسالك: ولو كان بعضهم معلوما فلابد من محاللته ولو بالصلح، لان الصدقة بمال الغير مشروطة باليأس من معرفته، وعلى هذا فيجب التخلص من كل غريم يعمله. انتهى. وفيه أن ما ذكره وان كان هو مقتضى القواعد الشرعية والنصوص المرعية، الا أنه مع دلالة النص على ما ذكرناه يجب تقييد ذلك بالخبر المذكور كما هو مقتضى القاعدة المشهورة، وما دل عليه الخبران من البيع بالطعام الظاهر أنه خرج مخرج التمثيل بالاسهل، والا فانه يصح البيع بالنقدين أو غيرهما من العروض، قيل: ويلحق به باقي أرباب الحرف كالحداد والخياط والطحان والخباز، وفيه اشكال قال في المسالك: ولو ظهر بعض المستحقين ولم يرض بالصدقة ضمن حصته مع احتمال العدم. (1) اقول: لاوجه لهذا الاحتمال لان هذه المسألة من جزئيات القاعدة في مال مجهول المالك، وحكمه الضمان بعد ظهور المالك وعدم الرضا بالصدقة، واليه


بمجهول المالك، فأمر (عليه السلام) فيه بالصدقة اما له ان اتفق علم المالك وعدم الرضاء بها أو بالنظر إلى يوم القيمة، واما للمالك ان رضي بعد العلم على أحد الوجهين المتقدمين. منه رحمه الله. (1) ظاهر كلام المسالك اختيار الضمان مع احتمال العدم، وقال الفاضل الخراساني في الكفاية ولو ظهر بعض الارباب بعد الصدقة ولم يرض بها فهل يضمن ؟ فيه احتمالان، وظاهره تساوى احتمالين، وفيه ما عرفت في الاصل والله العالم. منه رحمه الله.

[ 314 ]

يشير هنا ما ذكره (عليه السلام) في الخبرين من قوله " امالك أو لاهله " كما قدمنا بيانه وقال في المسالك أيضا: ومصرفه مصرف الصدقة الواجبة، وقيل: المندوبة. أقول: احتمال المندوبة بمعنى غير الفقير المستحق بعيد جدا، فان اطلاق الصدقة في الكفارات والنذور ونحوها انما يتبادر إلى المستحق من الفقراء والمساكين دون الاغنياء، كما صرحوا به، ولو كان الصائغ من ذوى الاستحقاق فهل يجوز له أخذه لنفسه اشكال، من أمره (عليه السلام) له بالصدقة، والمتبادر منه غيره من أفراد المستحقين، ولا بأس بالصدقة على عياله أو قرابته كما صرح به في النص. والله العالم. المسألة العاشرة لا خلاف في ان الدراهم والدنانير يتعين بالتعيين، فلو اشترى بدراهم معينة تعين الوفاء بها بجميع مشخصاتها، لعموم الوفاء بالعقود كما لو باع عرضا معينا، فانه يجب الوفاء به، والمقتضى لوجوب الوفاء ثابت في الجميع فلا يجزى دفع غيرها، ولا يجوز ابدالها، ولو تلفت قبل القبض انفسخ البيع، ولم يكن له دفع العوض وان حصلت المساوات في الاوصاف، ولا للبايع المطالبة بذلك، وان وجد البايع بها عيبا لم يستبدلها، وانما له الخيار بين فسخ العقد والرضا بها. إذا عرفت ذلك فنقول: هيهنا صور، الاولى إذا اشترى دراهم بمثلها معينة كما لو قال: بعتك هذه الفضة بهذه مثلا فوجد ما صار إليه من البيع من غير جنس الدراهم كما لو ظهرت نحاسا أو رصاصا كان البيع باطلا، لان ما وقع عليه العقد وهو ذلك الفرد المشار إليه غير مقصود بالشراء، وما هو مقصود بالشراء لم يقع عليه العقد، فيقع البيع باطلا، لتخلف القصد عما وقع عليه العقد، ولا فرق في ذلك بين الصرف وغيره، فلو باعه ثوبا كتانا فظهر صوفا، وكذا لو باعه بغلة فظهرت فرسا بطل البيع، ويجب رد الثمن وليس له الابدال، لوقوع العقد على عين مشخصة، فلا يتناول غيرها ولا الارش، لعدم وقوع الصحيح والمعيب على هذه العين، وربما يخيل تغليب الاشارة هنا وهو باطل، وقد تقدم الكلام في ذلك.

[ 315 ]

الثانية لو كان البعض من الجنس والبعض الاخر من غيره، فالظاهر أنه لا خلاف بينهم في صحة العقد فيما كان من الجنس، والبطلان في غيره، لوجود شروط الصحة في الاول، وانتفائها في الثاني، وعدم توقف صحة البعض على البعض الاخر وقد تقدم نظير ذلك فيما لو باع ما يملك وما لا يملك، فانه لا خلاف بينهم في الصحة فيما يملك، والبطلان أو الحكم بكون البيع فضوليا فيما لا يملك، الا أن للمشترى الخيار لتبعيض الصفقة بين الفسخ، وأخذ ما كان من الجنس بقسط من الثمن وحيث يختار المشترى الثاني وهو أخذ الجيد بحصته من الثمن، يتخير البايع أيضا مع جهله بالعيب لتبعيض الصفقة أيضا، وأكثر عباراتهم وان كانت انما اشتملت على تخيير المشترى خاصة، الا انها محمولة على ما هو الغالب من أن الجهل بالعيب انما يكون من المشترى دون البايع لثبوت العيب في ملكه، واطلاعه عليه غالبا فلو فرض خلاف ذلك ثبت له الخيار أيضا، كما أن المشترى لو اطلع عليه ورضى به لا خيار له. الثالثة لو كان الجنس واحدا وبه عيب كخشونة الجوهر واضطراب السكة بأن يكون سكته مخالفة للسكة الجارية في المعاملة، فلا يخلو اما أن يكون العيب المذكور شاملا للجميع أو مختصا بالبعض، فان كان الاول تخير المشتري بين رد الجميع وامساكه كما في ساير المعيبات، وليس له رد البعض، للزوم تبعيض الصفقة على البايع، ولا طلب البدل، لان العقد انما وقع على ذلك العين، وان كان الثاني تخير أيضا بين رد الجميع وامساكه، والظاهر أنه لا خلاف فيه، وانما الخلاف في أنه هل له رد المعيب وحده أم لا ؟ فقيل: بالاول، وهو الذي رجحه العلامة في التذكرة، وعلل بانتقال الصحيح بالبيع، وثبوت الخيار في الباقي لعارض العيب لا يوجب فسخ البيع فيه، وقيل: بالثاني لان رد المعيب وحده يفضى إلى تبعيض الصفة على الاخر، فيمنع منها كما لو كان كله معيبا، فان كل جزء منه موجب للخيار، وبه قطع المحقق وجماعة.

[ 316 ]

وانت خبير بما فيه من المخالفة لما تقدم في الصورة الثانية مما ظاهرهم الاتفاق عليه من الصحة في البعض، والبطلان في البعض. ثم انه ينبغى أن يعلم أنه لا أرش في جميع هذه الصور المذكورة في هذه الصورة الثالثة، لانها مفروضة في بيع الفضة بالفضة، أو الذهب بالذهب، والعوضان متجانسان متساويان في القدر، فلو اخذ أرش العيب لزم زيادة قدر المعيب عن الصحيح، ولا يجبر عيبه الجنسى، لما تقرر من أن جيد الجوهر ورديه جنس واحد. نعم لو كان مختلفين كالدراهم بالدنانير أو بالعكس جاز له اختيار الامساك بالارش ما داما في المجلس، فلو تفرقا لم يجز لاشتراط التقابض في الصرف قبل التفرق، الا أن تفرض المسألة في غير الاثمان مما لا يجرى فيه حكم الصرف فلا بأس. والله العالم. المسألة الحادية عشر إذا اشترى دراهم بدراهم في الذمة ثم وجد ما انتقل إليه غير ما هو المقصود بالشراء، اما بأن يكون غير الجنس أو يكون به عيب لا يخرج به عن الجنسية، وعلى الاول فاما أن يكون الجميع أو البعض. فهيهنا صور ثلاث. الاولى أن يكون غير الجنس ويكون الجميع، والحكم فيه كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) أن له المطالبة بالبدل هنا، بخلاف ما تقدم في سابق هذه المسألة، لان العوض هنا في الذمة، وهو أمر كلي، والمدفوع لما لم يكن من جنس ذلك الكلي امتنع كونه عوضا، وإذا امتنع كونه عوضا كان له المطالبة لحقه ما لم يحصل التفرق. الثانية الصورة المذكورة مع كونه البعض، وحكمها أنه يبطل في البعض الذى هو غير الجنس، ويصح في الاخر ان كان ظهور ذلك بعد التفرق، وان كان قبل التفرق فله المطالبة بالبدل، لما تقدم ذكره في سابق هذه الصورة. الثالثة ان يكون عيبا لا يخرج به عن الجنسية، كخشونة الجوهر واضطراب السكة، والحكم فيه التخيير بين الرد والامساك بالثمن من غير أرش، أما التخيير فمن

[ 317 ]

حيث العيب كما في غيره من المبيعات المعيبة، وأما عدم الارش فلما تقدم في سابق هذه المسألة من استلزامه الربا، ولو اختار الامساك فله المطالبة بالبدل قبل التفرق بلا اشكال وخلاف، لان مافى الذمة أمر كلى محمول على الصحيح السالم من العيب، فمتى كان المدفوع معيبا وجب إبداله قبل التفرق، لان المقبوض في حكم العدم، انما الخلاف والاشكال في وجوب الابدال وعدمه بعد التفرق، وذلك أنه بالنظر إلى أن الابدال يقتضى عدم الرضا بالمقبوض قبل التفرق، وان المبيع حقيقه انما هو البدل، وقد حصل التفرق قبل قبضه، فيكون الصرف باطلا، فلا يجوز له أخذ البدل، (1).


(1) أقول: وفى المسألة أقوال آخر، منها ما نقله في الدروس عن الشيخ وابن حمزة من أنه يتخير بين الفسخ والابدال، والرضا مجانا ولم يعتدا باتحاد الجنس قال: وفى المختلف له الابدال دون الفسخ، ثم استشكله بأنهما تفرقا قبل قبض البدل ونقل عن ابن الجنيد بأنه يجوز الابدال ما لم يتجاوز يومين، فيدخل في بيع النسيئة، قال: ولم يعتد بالتعيين وعدمه، ثم قال: وفى رواية اسحاق عن الكاظم (عليه السلام) اشارة إليه) اقول: الظاهر انه اشار بذلك إلى ما رواه اسحاق بن عمار في الصحيح * " قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يبيعني الورق بالدنانير وأتزن منه فأزن له حتى أفرغ فلا يكون بينى وبينه عمل الا أن في ورقه نفاية وزيوفا وما لا يجوز، فيقول: انتقدها ورد نفايتها، فقال: ليس به بأس ولكن لا تؤخر ذلك أكثر من يوم أو يومين، فانما هو الصرف قلت: فان وجدت في ورقه فضلا مقدار ما فيها من النفاية ؟ فقال: هذا احتياط، هذا أحب إلى " * الكافي ج 5 ص 246 التهذيب ج 7 ص 103 لكن فيه " فان وجدت في ورقه " وليس فيه " أخذت ".

[ 318 ]

والى هذا يميل كلام الشهيد في الدروس حيث قال: وان لم يتعين فله الابدال ما داما في المجلس وان تفرقا لم يجز الابدال على الاقرب، وله الرد. انتهى وبالنظر إلى تحقق التقابض في العوضين قبل التفرق، لان المقبوض وان كان معيبا الا ان عيبه لا يخرجه عن حقيقة الجنسية وصحة العوضية. لاجل ذلك انه قد ملكه المشترى، بدليل أن نماءه من حين العقد إلى وقت الرد له، والفسخ بالرد طار على الملك بسبب ظهور العيب، فيكون البيع صحيحا وله طلب البدل بعد التفرق. وتوضيحه زيادة على ما ذكره المحقق الشيخ على (قدس سره) في شرح القواعد أن ما في الذمة وان كان أمرا كليا، الا أنه عين في شئ وقبضه المستحق تعين وثبت ملكه له، فإذا ظهر فيه عيب كان له فسخ ملكيته، تداركا لفايت حقه، فإذا فسخ رجع الحق إلى الذمة، فتعين حينئذ عوضا صحيحا. وبهذا يظهر أن الاول كان عوضا في المعاوضة وقد قبضه قبل التفرق، فيتحقق شرط الصحة، فلا يلزم بطلانها بالفسخ الطارى على العوض المقتضى لعوده إلى الذمة، وكون البدل عوضا في الجملة لا يقتضى نفى عوضية غيره، فلا يقتضي التفرق


وفى التهذيب " فان أخذت في ورقه " عوض " وجدت " وهو أظهر في حمل ظاهر الخبر المذكور على قيمة الصرف بالتقابض أولا، ولا ينافيه رد بعضهما بعد ذلك، واخذ العوض في مجلس الرد لحصول التقابض اولا وحصول التقابض فيما رده في مجلس الرد، وعلى هذا يحمل النهى عن التأخر في يوم أو يومين على الاستحباب كذا ذكره بعض مشايخنا، وهو لا يخلو من الاشكال لبطلان التقابض بالرد كما اشرنا إليه في الاصل، والله العالم منه رحمه الله.

[ 319 ]

قبل قبضه التفرق قبل قبض العوض في المعاوضة. وهو واضح. وكان الاصح ثبوت المطالبة بالبدل. انتهى. وهو ظاهر في اختياره صحة البيع، ومثله أيضا شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والعلامة في الارشاد، وتردد المحقق في الشرايع في ذلك ونحوه العلامة في القواعد، والمسألة لخولها من النص الواضح مع تدافع هذه التعليلات محل الاشكال، سيما مع ما عرفت في غير موضع من عدم صحة تأسيس الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية، الغير المبنية على شئ من القواعد المستفادة من الاخبار المعصومية، على أن ما ادعاه (قدس سره) من قوله، " وبهذا يظهر ان الاول كان عوضا " إلى آخره، مدخول بأنه بعد الرد وعدم الرضا بذلك العيب انكشف عدم صحة المعاوضة، وعدم كونه متعينا لما وقع عليه العقد، والا لم يكن له الرد وطلب البدل، فكيف يتحقق بقبضه أو لا شرط صحة السرف، وهو قبض العوض قبل التفرق. وبالجملة فالتعليلات العقلية لا تقف على حد، ولا ينتهى إلى عد، ولهذا استشكل بناء الاحكام الشرعية عليها، هذا كله فيما ظهر الجميع معيبا من الجنس. أما لو ظهر بعضه خاصة اختص بالحكم حسبما تقدم لكن ليس له افراده بالرد هنا، للزوم تبعيض الصفقة على البايع الا مع رضاه والله العالم. المسألة الثانية عشر إذا اشترى دينارا بدينار فاتفق الزيادة في الدينار الذى هو ثمن غلطا أو عمدا، فان الزيادة تكون في يد البايع أمانة للمشترى، وهى مشاعة في الدينار، هذا إذا كان البيع والشراء في الذمة، وتبين بعد الدفع زيادة الدينار الذى هو ثمن. أما لو كانا معينين فانه يبطل الصرف، لاشتمال أحد العوضين على زيادة عينية، وكذا لو كان الزايد معينا، والمطلق مخصوصا بقدر ينقص عنه بحسب نوعه، والحكم بكون الزايد أمانة في يد المشترى كما تقدم أحد القولين في المسألة قالوا لاصالة البراءة من الضمان، ولانه لم يقبضها بسبب مضمون مرسوم ولاغصب

[ 320 ]

ولا بيع فاسد، وانما قبضها باذن مالكها، فيكون كالودعي. وقيل: انها تكون مضمونة عليه، لانه قبضها على أنها أحد العوضين الذين جرى عليها عقد المعاوضة، فتكون مضمونة، نظرا: إلى مقتضى العقد ولانه أقرب إلى الضمان من المقبوض بالسوم، ولعموم (1) " على اليد ما اخذت حتى تؤدى " وأورد عليه بأن قبضه على جهة العوض غير قادح مع ظهور عدمه، ومقتضى العقد لم يدل على ضمان غير العوضين، وكونها أقرب من المضمون بالسوم انما يجرى لو سلم كون المقبوض بالسوم مضمونا، وهو محل النزاع، وعموم الخبر بحيث يشمل محل النزاع في حيز المنع، فان الثابت على الاخذ بمقتضى الخبر غير معين، فجاز كون الواجب على اليد الحفظ ونحوه إلى أن يؤدي، ويرشد إليه الامانات المقبوضة باليد، مع عدم الحكم بضمانها وإنما القدر المتفق عليه وجوب حفظها. أقول: والمسألة حيث كانت عارية عن الدليل اتسع فيها دائرة القال والقيل، وهكذا كل مسألة من هذا القبيل، ثم انه مع الحكم بكون الزيادة أمانة فحكمها مختلف بالنسبة إلى العمد والخطاء، فانها على تقدير العمد أمانة مالكية لا يجب ردها الا مع طلب المالك وان وجب حفظها، كما في ساير الامانات التى يؤمنها مالكها، وعلى تقدير الغلط، فيحتمل كونهما أمانة شرعية وان كانت مدفوعة من المالك، الا أنه لعدم علمه بها وكون ذلك غلطا، يكون حكمها كما لو باعه صندوقا فوجد فيه متاعا، فانه يكون أمانة شرعية مع استناد الدفع إلى المالك نظرا إلى جهله بها، ويحتمل كونهما مالكية نظرا إلى استناد دفعها إليه، وصدق تعريفها المشهور على ما نحن فيه، لانهم جعلوا مناطها الاستناد إلى دفع المالك أو من حكمه. وتظهر الفائدة في وجوب اعلام المالك بها وردها عليه على تقدير كونها شرعية.


(1) المستدرك ج 2 ص 504.

[ 321 ]

فان ذلك حكم الامانة الشرعية كما يأتي في محله انشاء الله تعالى، وحينئذ فلو ترك أثم وضمن. وظاهر المحقق الاردبيلى المناقشة هنا، فانه قال بعد نقل ذلك عنهم: وفيه تأمل، لانه قد يتلف في الطريق مع أنه غير مأذون فيه، وان أمكن أن يقال الظاهر أنه محسن غير مفرط، إذ الفرض ذلك مع الامن من التلف في الطريق، وان الغالب رضا صاحب بذلك، ولا يبعد وجوب الاعلام أو الرد في صورة الجهل، اما كونه فوريا فغير ظاهر نعم ينبغى ذلك بحيث لا يفوت غرض يتعلق بذلك المال، ولا يعد القابض مهملا ومقصرا. انتهى. وهو جيد وما نفى عنه البعد جيد حيث انه لانص فيها على ما ذكروه، وفيما ذكره جمع بين الحقين، ومما يرجح القول بأنها شرعية ان حكم الامانة المالكية عندهم انه يجب حفظها حتى يطلبها مالكها، وفيما نحن فيه المالك لاعلم له بها لانه دفعها جاهلا بها، فكيف تيسر طلبه لها وهو لا يعلمها بالكلية، وانها يجب على المالك حفظها إلى آخر الدهر، ثم انه على تقدير الغلط فاما ان يتبين الحال قبل التفرق، أو بعده، فان كان قبله فلكل منهما استرداد الزايد وابداله، وليس للاخر الامتناع تحذرا من الشركة، وان كان بعد التفرق فان جوزنا الابدال للعيب الجنسي كما تقدم في القول به فكذلك، والاثبت الخيار لكل منهما لعيب الشركة، ولو كانت الزيادة يشيرة يتسامح بها فلا بأس، ولهذا يستحب الاعطاء زايدا والاخذ ناقصا، وقد يكون ذلك لاختلاف الموازين والمكائيل. ومما يدل على ذلك الاخبار الواردة في فضول المكائيل والموازين ومنها ما رواه في الكافي عن على بن عطية (1) " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام)


(1) الكافي ج 5 ص 182 التهذيب ج 7 ص 40.

[ 322 ]

فقلت انا نشترى الطعام من السفن ثم نكيله فيزيد ؟ قال: فقال لي وربما نقص عليكم قلت: نعم، قال: فإذا نقص يردون عليكم ؟ قلت: لا قال: لا بأس ". وظاهر هذا الخبر يدل على جواز اخذ الزيادة وان كانت زائدة على ما يتسامح به إذا كانوا في حال ظهور النقصان لا يردون عليكم النقيصة، ولعله محمول على اختلاف المكائيل، وان مكيال البايع كان زايدا على مكيال المشترى تارة وناقصا عنه أخرى. وما رواه في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضول الكيل الموازين ؟ فقال: إذا لم يكن تعديا فلا بأس ". وما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن اسحاق المدائني (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت: ان صاحب الطعام يدعو كيالا فيكيل لنا ولنا أجراء فيعيرونه فيزيد وينقص ؟ فقال لا بأس ما لم يكن شئ كثير غلط ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن العلاء بن رزين (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له انى أمر بالرجل فيعرض على الطعام، ويقول لى: قد اصبت طعاما من حاجتك فأقول له: اخرجه اربحك في الكر كذا وكذا، فإذا اخرجه نظرت إليه فان كان من حاجتى اخذته، وان لم يكن من حاجتى تركته، قال: هذه المراوضة لا بأس بها، قلت: فأقول له: أعزل منه خمسين كرا أو أقل أو أكثر، فيكيله فيزيد وينقص وأكثر ذلك ما يزيد لمن هي ؟ قال: هي لك، ثم قال (عليه السلام): انى بعثت معتبا أو سلاما فابتاع لنا طعاما فزاد علينا بدينارين، فقتنا به عيالنا بمكيال قد عرفناه، فقلت له: قد عرفت صاحبه ؟ قال: نعم فرددناه


(1) الكافي ج 5 ص 182 التهذيب ج 7 ص 40 الفقيه ج 3 ص 131. (2) الكافي ج 5 ص 180 التهذيب ج 7 ص 38 وفيه اختلاف يسير. الفقيه ج 3 ص 130. (3) الكافي ج 5 ص 182.

[ 323 ]

عليه، فقلت: رحمك الله تفتيني بأن الزيادة لى وأنت تردها، قال: فقال: قد علمت أن ذلك كان له، وكان غلطا، قال: نعم، انما ذلك غلط الناس لان الذى ابتعنا به انما كان ذلك بثمانية دراهم أو تسعة، ثم قال: ولكني أعد عليه الكيل ". وظاهر الخبران الذى شراه (عليه السلام) من الطعام كان ما يساوى قيمته ثمانية دراهم أو تسعة والترديد الظاهر أنه من الراوى وزاد فيه ما يساوى دينارين فرد (عليه السلام) تلك الزيادة، لان زيادة هذا المقدار لا يكون الا عن غلط، بخلاف ما افتى به الراوى، فانه يمكن استناده إلى التفاوت في المكائيل وانه مما يتعارف بين الناس. وأما قوله في الوافى وقوله: " بدينارين " متعلق بقوله " فابتاع " فالظاهر أنه سهو من صاحب الكتاب، بل انما هو متعلق بقوله فزاد، وكيف لا وهو (عليه السلام) قد صرح في آخر الخبر بأن الذى ابتاع انما كان بثمانية دراهم أو تسعة، وهو ظاهر في كون ما قابل الدينارين كان هو الزايد، ولذا أمر برده، وقوله في الخبر " فقلت له: عرفت صاحبه " يحتمل أن يكون من قول الامام (عليه السلام) لمعتب أو سلام، ويحتمل أن يكون من قول الراوى للامام (عليه السلام) وتكون جملة معترضة بين قوله " عرفناه " وقوله " فرددناه " وربما أشعر هذا الخبر بكون الزيادة الكثيرة الواقعة غلطا أمانة شرعية، لان حكم الامانة المالكية عندهم هو حفظها حتى يطلبها المالك، والامانة الشرعية وجوب ردها، أو اعلام المالك بها وهو (عليه السلام) في هذا الخبر قد امر بردها على المالك، وبالجملة فالخبر ظاهر في تأييد القول المذكور زيادة على ما قدمناه والله العالم.

[ 324 ]

الفصل الثامن في بيع الثمار من النخل والفواكه والخضر وما يلحق ذلك من الاحكام، والبحث في هذا الفصل في مطالب أربعة. الاول في ثمرة النخل، وتحقيق الكلام فيها أنه لا خلاف بين الاصحاب، (رضوان الله عليهم) في جواز بيعها بعد ظهور صلاحها، وانما الخلاف فيما قبله، وتفصيل القول فيه أنه اما ان يكون قبل ظهورها، أو بعده قبل بدو الصلاح، وعلى الاول فاما أن يكون عاما واحدا أو أزيد، ثم انه على تقدير بيعها عاما واحدا هل يجوز مع الضميمة أم لا ؟ فهيهنا مقامات أربعة. الاول في بيعها عاما واحدا قبل ظهورها مع عدم ضميمة، والمشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه العلامة في التذكرة الاجماع، ومثله الشهيدان في الدروس والمسالك أنه لا يجوز بيعها قبل ظهورها عاما واحدا من غير ضميمة، والمراد بالظهور هو بروزها إلى الخارج وان كانت في طلعها، كما تضمنته موثقة سماعة، ورواية يعقوب بن شعيب الاتيتان انشاء الله تعالى. والمفهوم من كلام الشيخ في كتابه الاخبار القول هنا بالكراهة، قال (قدس سره) بعد نقل أخبار المسألة: قال محمد بن الحسن: الاصل في هذا أن الاحوط أن لا يشترى الثمرة سنة واحدة الا بعد أن يبدو صلاحها، فان اشتريت فلا تشترى الا بعد أن يكون معها شئ آخر، فان خاست كان رأس المال فيما بقى، ومتى اشترى من غير ذلك لم يكن البيع باطلا، لكن يكون قد فعل مكروها، وقد صرح بذلك في الاخبار التي قدمناها أبو عبد الله (عليه السلام).

[ 325 ]

منها حديث الحلبي (1) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك لاجل قطع الخصومة الواقعة بين الاصحاب ولم يحرمه " وكذلك ذكر ثعلبه عن بريد (2) وزاد فيه " انما نهاه ذلك العام دون ساير الاعوام "، وفى حديث يعقوب بن شعيب (3) " ان أبا عبد الله (عليه السلام) كان يكره ذلك، ولم يقل أنه " كان يحرمه " وعلى هذا الوجه لا تنافي بين الاخبار انتهى. والواجب أولا ذكر الاخبار الواردة في المسألة، ثم بيان ما هو الظاهر منها فمنها ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله مراقدهم) عن سماعة (4) في الموثق قال: " سألته (عليه السلام) عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها، قال: لا الا أن يشترى معها شيئا غيرها رطبة أو بقلا فيقول: أشترى منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل " الحديث. وما رواه في الفقيه والتهذيب عن أبى الربيع الشامي (5) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول إذا بيع الحائط فيه النخل والشجر سنة واحدة فلا يباعن حتى تبلغ ثمرته، وإذا بيع سنتين أو ثلاثا فلا بأس ببيعه بعد ان يكون فيه شئ من الخضرة ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن يعقوب بن شعيب (6) في الصحيح " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء النخل، فقال: كان أبى يكره شراء النخل قبل ان تطلع ثمرة السنة، ولكن السنتين والثلاث كان يقول: ان لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الاخرى، قال يعقوب: وسألته " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)


(1) (2) الكافي ج 5 ص 175 وص 174 التهذيب ج 7 ص 85 و 86. (3) التهذيب ج 7 ص 87. (4) الكافي ج 5 ص 176 التهذيب ج 7 ص 84 الفقيه ج 3 ص 133. (5) الفقيه ج 3 ص 157 (6) التهذيب ج 7 ص 87.

[ 326 ]

عن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل ان تطلع فيشتري سنتين أو ثلاث سنين أو اربعا فقال: لا بأس، انما يكره شراء سنة واحدة قبل ان تطلع مخافة الافة حتى تستبين ". وعن سليمان بن خالد (1) في الصحيح " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تشترى النخل حولا واحدا حتى يطعم وان كان يطعم، وان شئت ان تبتاعه سنتين فافعل " هكذا نقل الخبر في الوافي عن التهذيب، ثم قال: الظاهر سقوط لفظ " لم " من قوله " يطعم ": انتهى، وقال بعض مشايخنا (عطرالله مراقدهم): ان الواو في قوله " وان كان يطعم " ليست في بعض النسخ الصحيحة). اقول: ويؤيده ان الذي في الاستبصار (2) " وان شئت ان تبتاعه " وبالجملة فمن عرف طريقة الشيخ في الكتاب المذكور لا يستنكر من وقوع التحريف منه في الخبر الذكور، ومعنى الخبر على تقدير زيادة الواو والنهى عن اشتراء النخل حولا واحدا حتى يطعم وان كان من شأنه بأن بلغ ذلك المبلغ، وان شئت أن تبتاعه أزيد فلا بأس. وما رواه الشيخ عن ابى بصير (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " انه قال: لا تشتر النخل حولا واحدا حتى يطعم، وان شئت ان تبتاعه سنتين فافعل ". وعن ابى بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) " قال: سئل عن النخل والتمر يبتاعهما الرجل عاما واحدا قبل ان تثمر قال: لاحتى تثمر وتأمن ثمرتها من الافة، فإذا اثمرت فابتعها اربعة اعوام ان شئت مع ذلك العام أو اكثر من ذلك أو اقل ".


(1) التهذيب ج 7 ص 88. (2) الاستبصار ج 3 ص 85. (3) (4) التهذيب ج 7 ص 88 و 91.

[ 327 ]

وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن بريد بن معاوية (1) " قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرطبة تباع قطعة أو قطعتين اوثلاث قطعات ؟ فقال: لا باس، قال: واكثرت السؤال عن أشباه هذا فجعل يقول: لا بأس به فقلت: اصلحك الله استحياء من كثرة ما سألته وقوله (عليه السلام) لا بأس به ان من بيننا يفسدون علينا هذا كله، فقال: اظنهم سمعوا حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في النخل، ثم حال بينى وبينه رجل فسكت، فأمرت محمد بن مسلم ان يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في النخل فقال أبو جعفر (عليه السلام) خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسمع ضوضاء فقال: ما هذا ؟ فقيل له: تبايع الناس بالنخل فقعد النخل العام فقال (صلى الله عليه وآله): أما إذا فعلوا فلا يشتروا النخل العام حتى يطلع فيها شئ، ولم يحرمه ". ورواه الشيخ في التهذيبين عن ثعلبة بن زيد (2) بدل عن بريد والظاهر أنه من قبيل ما قدمنا ذكره من حال الشيخ (رحمة الله عليه) وما وقع له من التحريف والتغيير في متون الاخبار وأسانيدها. وما رواه ثقة الاسلام في الكافي. في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سئل عن شراء الكرم والنخل والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين فقال: لا بأس به يقول: ان لم يخرج في هذه السنة اخرج في قابل، وان اشتريته سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، فان اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس، وسئل (عليه السلام) عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من ارض فهلك


(1) الكافي ج 5 ص 174 التهذيب ج 7 ص 86. (2) التهذيب ج 7 ص 86 وفيه عن ثعلبة بن زيد عن بريد. (3) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 85 الفقيه ج 3 ص 132.

[ 328 ]

ثمرة تلك الارض كلها، فقال: قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة، نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم " ورواه الصدوق مثله، الا أنه ترك قوله وان اشتريته ثلاث سنين قبل أن تبلغ فلا بأس. وما رواه أيضا في الكتاب المذكور في الصحيح عن ربعى " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان لى نخلا بالبصرة فابيعه وأسمي الثمن واستثني الكر من التمر أو أكثر أو العذق من النخل ؟ قال: لا بأس، قلت: جعلت فداك نبيع السنتين ؟ قال: لا بأس، قلت: جعلت فداك ان ذا عندنا عظيم، قال: أما انك ان قلت ذاك لقد كان رسول الله (صلى الله عليه آله) أحل ذلك فتظالموا فقال (صلى الله عليه وآله) لاتباع الثمرة حتى يبدو صلاحها " وما رواه الصدوق في حديث المناهى المذكور في آخر كتاب الفقيه (2) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) " قال: ونهى أن تباع الثمار حتى تزهو ". وما رواه عبد الله ابن جعفر الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر (3) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) " قال: سألته عن بيعع النخل أيحل إذا زهوا ؟ قال: إذا استبان البسر من الشيص حل بيعه وشراؤه " وعنه أيضا (4) قال: سألته عن السلم في النخل قبل ان يطلع ؟ قال: لا يصلح السلم في النخل ".


(1) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 85. (2) الفقيه ج 4 ص 4. (3) الوسائل الباب امن ابواب بيع الثمار الرقم 18 17.

[ 329 ]

ورواه علي بن جعفر في كتابه (1) وكذا الذي قبله، وزاد فيه " سألته عن شراء النخل سنتين أيحل ؟ قال: لا بأس، يقول: ان لم يخرج العام شيئا أخرج القابل انشاء الله (تعالى) قال: وسألته عن شراء النخل سنة واحدة أيصلح ؟ قال لا يشترى حتى يبلغ ". أقول: هذا ما حضرني من الاخبار المتعلقة بالمسألة، وقد عرفت كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، والذى يلوح لى من صحيحة بريد بن معاوية وقوله فيها " ان من بيننا يفسدون علينا ذلك، فقال: أظنهم سمعوا حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إلى آخر الخبر وقوله في صحيحة ربعي " ان هذا عندنا عظيم، فقال: أما انك ان قلت " إلى آخره أن مذهب العامة يومئذ تحريم بيع الثمرة قبل ظهورها عاما أو عامين، كما هو مذهب أصحابنا (رضوان الله عليهم) اجماعا كما يدعونه في العام الواحد، وبناء على المشهور في الازيد، كما يأتي ذكره ان شاء الله (تعالى) وعلى هذا فلا يبعد حمل اخبار التحريم مما يكون صريحا فيه على التقية. وكيف كان فان صحيحة بريد، وصحيحة الحلبي وحسنته انما هو بابراهيم ابن هاشم المتفق على قبول حديث هوان عدوه حسنا وصحيحة ربعى صريحة في الحل وعدم الحرمة، فيتعين العمل بها لصحتها وصراحتها، فلابد من ارتكاب التأويل فيما كان ظاهرا في منافاتها، اما بالحمل على الكراهة كما ذكروه، أو التقية كما أشرنا إليه، والى هذا القول يميل كلام جملة من محققى متأخرى المتأخرين كالمحقق الاردبيلى والفاضل الخراساني. المقام الثاني المسألة الاولى بحالها الا أن المبيع مع الضميمة، وقد اختلف الاصحاب في ذلك، قال في المسالك بعد أن ادعى عدم الخلاف في المنع مع


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الرقم 21 200.

[ 330 ]

عدم الضميمة: والمشهور المنع مع الضميمة أيضا، حيث لا تكون الضميمة هي المقصودة بالبيع، لانه غرر انتهى. والمفهوم منه التفصيل بين كونه الضميمة هي المقصودة بالبيع والثمرة تابعة فيصح البيع كما لو باعه الاصل والثمرة أولا تكون مقصودة، بل جعلت تابعة، كساير الضمايم التى ذكروها في غير موضع مثل ضميمة الابق ونحوها، فلا يصح. وانت خبير بأنه قد تقدم في موثقة سماعة التصريح بالصحة مع الضميمة مع ظهور كون الضميمة تابعة، فان ضم الرطبة أو البقل إلى الثمرة ظاهر بل صريح في التبعية وعدم المقصودية، ويعضد ذلك اتفاقهم على الصحة مع الضميمة المعلومة تبعيتها في غير موضع، مما يحكمون فيه ببطلان العقد لولا الضميمة، وأظهر تأييدا في ذلك ما عرفت آنفا من صحة البيع مع عدم الضميمة بالكلية، كما اخترناه وصرح به من قدمناه. وبالجملة فان ما ذكروه لا أعرف له وجه استقامة بعد ما عرفت. ولاسيما بعد ما رجحناه من صحة البيع مع عدمها بالكلية. المقام الثالث في بيعها قبل الظهور أزيد من عام واحد، قال في المختلف المشهور أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل ظهورها، لا عاما واحدا ولا عامين أما العام الواحد فبالاجماع، ولانه بيع عين معدومة، فلا يصح وأما بيع عامين فالمشهور أنه كذلك، وادعى ابن ادريس الاجماع فيه أيضا، قال: وقد يشتبه على كثير من اصحابنا ذلك، ويظنون أنه يجوز بيعها سنتين وان كانت فارغة لم يطلع بعد وقت العقد، قال: وهذا بخلاف ما يجدونه في تصانيف أصحابنا وخلاف اجماعهم وأخبار أئمتهم وفتاويهم، وهذا غلط في النقل، فان الصدوق قال في المقنع: بالجواز (1) والمعتمد الاول، لنا انه بيع عين مجهولة معدومة، فلا يصح كغيرها


(1) حيث قال بعد المنع من البيع سنة واحدة: ومع الانضمام إلى سنة

[ 331 ]

من المجهولات، ولقول الباقر (عليه السلام) في حديث أبى الربيع الشامي: " وإذا بيع سنتين أو ثلاثة فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شئ من الخضرة " انتهى كلامه زيد مقامه. أقول: المشهور في كلامهم نسبة الخلاف في هذه الصورة إلى الصدوق خاصة (1) مع أن ظاهر العلامة في التذكرة القول بذلك أيضا، وكذا نقله بعض المحققين عن الشيخ أيضا، ومما يدل على القول المذكور ما تقدم في صحيحة يعقوب بن شعيب وصحيحة سليمان بن خالد بالتقريب الذى ذكرناه ذيلها ورواية ابى بصير الاولى وصحيحة الحلبي أو حسنته وصحيحة ربعي وصحيحة على بن جعفر المذكور في كتابه، معللا ذلك في رواية يعقوب بن شعيب، وصحيحة الحلبي أو حسنته وصحيحة على بن جعفر بأنه ان لم يخرج العام أخرج في القابل. وما رواه في الكافي والتهذيب عن معاوية بن ميسرة (1) " قال: سألته عن بيع النخل سنتين ؟ قال: لا بأس به " الحديث. وبذلك يظهر قوة قول المذكور، وأنه المؤيد المنصور، قال في المختلف بعد ذكر ما قدمنا نقله: احتج ابن بابويه بما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح،


اخرى يجوز لما رواه الحلبي في الحسن ثم ساق الرواية، ثم نقل صحيحة يعقوب بن شعيب منه رحمه الله. (1) حيث قال: والمشهور عدم جوازه أكثر من عام، ولم يخالف فيه الا الصدوق لصحيحة يعقوب بن شعيب، وحملت على عدم بدو الصلاح انتهى، وهو ظاهر في انه لا مخالف الا الصدوق، ولا دليل له الا صحيحة يعقوب المذكورة، وقد عرفت مما ذكرنا وجود المخالف غير الصدوق وتعدد الاخبار الصحيحة الصريحة زيادة على الرواية المذكورة منه رحمه الله. (2) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 86.

[ 332 ]

ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: والجواب أنه محمول على ظهور الثمرة قبل تأييرها. وأنت خبير بما في هذا الجواب، وان تبعه فيه الشهيد في الدروس، كيف لا والسؤال الثاني من الرواية المذكورة انما وقع عن الثمرة قبل أن تطلع، ومع هذا أجاب (عليه السلام) بنفى البأس، ويرد ما ذكروه أيضا التعليل المذكور في تلك الرايات أنه ان لم يخرج العام يخرج في العام الاخر، فانه اشارة إلى الوجه المصحح للبيع في هذه الصورة، قال في المسالك بعد قول المصنف: و " في جواز بيعها كذلك عامين فصا عدا تردد، والمروى الجواز " وبعد استدلاله للقول المشهور بمفهوم الشرط في رواية أبى بصير الثانية، ولرواية أبى الربيع ما لفظه: لكن في الراية الاولى ضعف، والثانية من الحسن، وأشار المصنف بقوله " والمروي الجواز " إلى صحيحة يعقوب بن شعيب، ثم ساقها إلى آخرها، ثم قال: وعمل بمضمون الرواية الصدوق، ويظهر من المصنف الميل إليه، وهو قوى إذ لم يثبت الاجماع على خلافه لصحة روايته وترجيحها على ما يخالفها من الروايات، مع امكان حمل روايات المنع على الكراهة جمعا. انتهى. وفيه أن وصفه رواية أبى الربيع بالحسن سهو منه (قدس سره) فان الرجل المذكور غير موثق ولا ممدوح، وأن الدليل على الجواز غير منحصر في صحيحة يعقوب المذكورة، لما عرفت من الاخبار التى أشرنا إليها، وهى متاكثرة صحيحة صريحة في الحكم المذكور، لا يعارضها ما ذكره، سيما مع قيام التأويل في المعارض، كما أشار إليه، وبالجملة فالقول بالصحة في الصورة المذكورة مما لا مجال لانكاره بعد ما عرفت والله العالم. المقام الرابع في بيعها بعد الظهور وقبل بدو صلاحها، والمشهور أنه لا يجوز الا أن يضم إليها ما يجوز بيعه (1) أو بشرط القطع أو عامين فصاعدا ولو بيعت من


(1) في قوله ما يجوز بيعه اشارة إلى أنه يجب في الضميمة أن يكون شيئا

[ 333 ]

دون أحد الشروط المذكورة، فهل يكون جايزا على كراهة، أو يكون باطلا، أو يراعى السلامة ؟ أقوال ثلاثة، وبالاول قال الشيخ في كتابي الاخبار، والشيخ المفيد وسلار وابن ادريس والعلامة في التذكرة، بالثاني قال في النهاية والمبسوط والخلاف، وادعى عليه الاجماع، وبه قال الصدوق، وابن الجنيد، وأبو الصلاح، وابن حمزة، وبالثالث قال سلار في ظاهر كلامه، واستدل القائلون بالتحريم إلى رواية أبى بصير الثانية من روايتيه المتقدمتين، وما رواه في الكافي والفقيه، عن الوشا (1) في الضعيف في الاول، والحسن في الثاني " قال: سألت الرضا (عليه السلام) هل يجوز بيع النخل إذا حمل فقال: لا يجوز بيعه حتى يزهو، قلت: وما الزهو جعلت فداك ؟ قال: يحمر ويصفر وشبه ذلك " وما رواه في الكافي والتهذيب عن على بن حمزة (2) قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) إلى أن قال: " وسألته عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر أخضر ؟ فقال: لا حتى يزهو، قلت: وما الزهو ؟ قال: يتلون " ويدل عليه أيضا ما تقدم في حديث المناهى المنقول عن الفقيه، وما في رواية قرب الاسناد. ويعارض هذه الاخبار ما قدمنا ذكره من الروايات الصحيحة الصريحة في جواز البيع قبل الظهور بالكلية من غير شرط، فبعده قبل بدو الصلاح بطريق أولى، مضافا ذلك إلى عمومات الكتاب والسنة في حل البيع، ووجوب الوفاء بالعهود،


يمكن افراده بالبيع بأن يكون معمولا جامعا لجميع شرائط البيع وان كان قليلا بالنسبة إلى العادة الجارية بين الناس في أمثاله كما تقدم. منه رحمه الله. (1) (2) الوسائل الباب 1 من ابواب بيع الثمار الرقم 3 و 5.

[ 334 ]

وحمل الاخبار النافية على الكراهة، كما ذكره الاصحاب غير بعيد (1) لان ما تشعر به من احتمال تطرق الافة قبل بدو الصلاح لا يصلح للمانعية، الا ترى أنه يمكن ذلك في أكثر المبيعات، مثل الحيوانات وبيع الثمرة سنتين مثلا، بل بعد بدو الصلاح يمكن تطرقها أيضا. ونقل العلامة في التذكرة المنع من المذاهب الاربعة، وكذا ابن ادريس في كتاب السراير حيث قال: وانما يجوز عندنا خاصة بيعها إذا طلعت قبل بدو الصلاح سنتين، وعند المخالفين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لا يجوز، وعلى هذا فلا يبعد حمل هذه الاخبار على التقية، ولعله الاظهر. قال في المسالك بعد ذكر الشروط الثلاثة المتقدمة: وألحق العلامة بالثلاثة بيعها على مالك الاصل، وبيع الاصول مع استثناء الثمرة، وفى الاخير نظر، إذ ليس هناك بيع ولانقل الثمرة بوجه، ودليل الاول غير واضح، والتبعية للاصل انما يجرى لو بيعا معا. انتهى وهو جيد. ثم ان ينبغى أن يعلم ان الوجه في اشتراط الضميمة وكذا في اشتراط الزيادة عنه سنة ظاهرة أما في اشتراط القطع فهو لا يخلو عن نوع غموض، لان الظاهر أن الاشتراء انما يكون بشئ يمكن الانتفاع به، ومجرد ظهور الثمرة قبل بدو الصلاح لا يترتب عليها بعد القطع منفعة يعتد بها بين العقلاء حتى انه تقطع لاجلها، وانما


(1) اقول: ويمكن تأييد القول بالكراهة بما تضمنته صحيحة الحلبي المتقدمة أو حسنته حيث انه ذكر في صدرها وان اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، وهو ظاهر بالبيع حتى تدرك الثمرة، ثم أنه نقل حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذكر أنه انما ه لما وقعوا في الخصومة ولم يحرمه ومنه يظهران نهيه (عليه السلام) أولا انما هو نهى تنزيه وكراهة لانهى تحريم منه رحمه الله.

[ 335 ]

المنافع المترتبة بعد صيرورة النخل بسرا، أو ثمرة الكرم حصرما ونحو ذلك، واما قبل ذلك فلا، فاطلاق اشتراط القطع لا يخلو من غموض واشكال والله العالم. وتمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على رسم فائدتين، الاولى بدو الصلاح المجوز لبيع الثمرة على القول بالمنع قبله هل هو عبارة عن الاحمرار أو الاصفرار ؟ أو هو عبارة عن ان تبلغ مبلغا يؤمن عليها من الافة والمرجع فيه إلى أهل الخبرة قولان. ونقل في التذكرة عن بعض العلماء ان حده طلوع الثريا، محتجا عليه بروايه عن النبي (1) (صلى الله عليه وآله)، وردت بعدم ثبوت النقل، والروايات المتقدمة بعضها قد اشتمل على الاول، وبعضها على الثاني. ومما يدل على الاول صحيحة ربعى وحديث المناهى المنقول من الفقيه، ورواية قرب الاسناد، وحسنة الرشا، ورواية على بن ابى حمزة. ومما يدل على الثاني صحيحة سليمان بن خالد وفيها حتى يطعم، وفى الصحاح " اطعمت النخلة إذا ادركت ثمرتها، واطعمت البسر: أي صار لها طعم " ومثلها رواية ابى بصير الاولى، وفى روايته الثانية حتى يثمر، وتؤمن ثمرتها من الافة. ونحو هذه الرواية أيضا ما رواه في الكافي عن يعقوب ابن شعيب (2) في الصحيح " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان الحايط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعه جميعا ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن اسماعيل بن الفضل الهاشمي (3)


(1) وهى ان ابن عمر روى عن النبي صلي الله عليه وآله انه نهى عن بيع الثمار حتى يذهب العاهة فال له عثمان بن عبد الله سراقة ومتى ذلك قال: إذا طلعت الثريا، ورد بأن هذه التتمة من كلام ان عمر لاقول النبي (صلى الله عليه وآله) منه رحمه الله. (2) (3) الكافي ج 5 ص 175 التهذيب ج 7 ص 85 و 84.

[ 336 ]

عن بيع الثمرة قبل أن تدرك ؟ فقال: إذا كان في تلك الارض بيع له غلة قد أدركت فبيع ذلك كله حلال " أقول قوله " بيع " بمعنى " مبيع " وهذا الاطلاق شايع في الاخبار، وقوله " له غلة " أي ثمرة. وما رواه في التهذيب والفقيه عن على بن أبى حمزة (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى بستانا فيه شجرة ونخل، منه ما قد أطعم ومنه ما لم يطعم: قال: لا بأس به إذا كان فيه ما قد أطعم " وبما ذكرناه هنا يظهر لك مافى كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك حيث قال: بعد قول المصنف " وبدو الصلاح أن يصفر أو يحمر أو يبلغ مبلغا يؤمن عليه العاهة ": بدو صلاح ثمرة النخل أحد الامرين المذكورين، عملا بما دلت عليه الروايات، فان كثيرا منها دل على الاول، وفى رواية أبى بصير ما يدل على الثاني، واقتصر جماعة من الاصحاب على العلامة الاولى لصحة دليلها، وقيل بالثاني خاصة، والاقوى اعتبار العلامة الاولى خاصة لما ذكرناه. واعترضه المحقق الاردبيلى هنا في دعواه صحة دليل العلامة الاولى حيث، انه انما أورد روايتي الوشا وعلى بن أبى حمزة، ثم قال: وما رأيت غيرهما وليس فيهما شئ صحيح، فقول شارح الشرايع " واكتفى الاكثر به لصحة دليله " محل التأمل انتهى. وفيه أن من جملة أدلة هذه العلامة صحيحة ربعي كما ذكرناه، ولكنه غفل عنها كما ينبئ عنه كلامه، وانما وجه الدخل في كلام شيخنا المذكور دعواه أن كثير من الروايات دل على العلامة الاولى، وأن فيها الصحيح والعلامة الثانية انما دل عليها خبر أبي بصير خاصة، فمن ثم رجح العلامة الاولى، والامر كما عرفت مما ذكرناه ليس كذلك، وان الروايات الدالة على العلامة الثانية اكثر عددا وصحاحا


(1) التهذيب ج 7 ص 84 الفقيه ج 3 ص 133.

[ 337 ]

والظاهر بمعونة ما قدمناه ممن جواز البيع قبل الظهور ترتب هذه الاخبار في مراتب الكراهة، فالاولى قبل الظهور، والثانية بعد الظهور وقبل التلون، والثالثة بعد التلون وقبل أن تدرك وتطعم، وأما إذا بلغت هذا المبلغ فلا اشكال في الجواز بغير كراهة، وقد تقدم أيضا احتمال على التقية في بعض هذه المراتب. والله العالم. الثانية قالوا إذا أدرك بعض ثمرة البستان جاز بيعها اجمع، ولو أدركت ثمرة بستان فهل يجوز أن يضم إليه بستان لم يدرك ويباع جميعا أم لا ؟ قولان. أقول: أما الحكم الاول فالظاهر أنه موضع اتفاق نصا وفتوى، لان بيع ما لم يدرك جايز مع الضميمة كما تقدم، وما ادرك من الثمرة ضميمة هنا لما لم يدرك، وقد تقدمت صحيحة يعقوب بن شعيب وصحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي، ورواية على بن أبي حمزة مصرحة بذلك. وأما الثاني فالمشهور الجواز ايضا لمكان الضميمة، وأيد ذلك بصحيحة الهاشمي المتقدمة أيضا، بناء على ظاهر اطلاق الارض فيها، فانه أعم من أرض ذلك البستان الذى أدرك بعضه، أو أرض بستان آخر. ونقل عن الشيخ في المبسوط والخلاف المنع، لان لكل بستان حكم نفسه المتعدد، ولما رواه عن عمار (1) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الفاكهة متى يحل بيعها ؟ قال: إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فاطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها، فإذا كان نوعا واحدا فلا يحل بيعه حتى يطعم، فان كان انواعا متفرقة فلا يباع منها شئ حتى يطعم كل نوع منها وحده، ثم تباع تلك الانواع " ورد في المسالك الرواية بالضعف، وتردد المحقق في الشرايع في الحكم المذكور، والظاهر عندي أن الرواية المذكورة ليست من قبيل ما نحن


(1) التهذيب ج 7 ص 92.

[ 338 ]

فيه، فان ظاهر الخبر أن التفرق انما هو في أنواع الفاكهة، وان كانت في بستان واحد، لافى المكان الذى فيه الفاكهة كما هو محل البحث، وهذا الخبر على ظاهره كما ذكرناه لا قائل به، لما عرفت في الحكم الاول من أن البستان الواحد إذا أدرك بعض ثمره جاز بيع الجميع، ويدلك على ما قلناه قوله (عليه السلام) في صدر الخبر " إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد " ثم انه فصل في تلك الفاكهة بين كونها نوع واحدا أو أنواعا متعددة، فأثبت لكل نوع منها حكم نفسه، وحكمه في صدر الخبر بحل بيع الفاكهة كلها إذا أطعم بعضها مبني على كونها من نوع واحد كما ينادي به التفصيل المذكور، وحينئذ يكون الخبر المذكور من قبيل ساير اخبار عمار المشتملة على الغرايب، كما طعن عليه بذلك المحدث الكاشانى في الوافى في غير موضع. وبالجملة فان القول الاول هو الاوفق بالقواعد المتقدمة، ويعضده اطلاق الصحيحة المذكورة. المطلب الثاني في أثمار ساير الاشجار، الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب في عدم جواز بيعها قبل الظهور سنة واحدة بغير ضميمة، ولم أقف هنا على نص صريح يدل على الجواز في الصورة المذكورة، وانما ورد ذلك في ثمرة النخل كما تقدم، الا أن ظاهر جملة من الاصحاب، منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، ان الخلاف هنا على حسب الخلاف في ثمرة النخل. وقال في التذكرة على ما نقله المحقق الاردبيلي في جميع مسائل ثمرة الشجر: الخلاف هنا كالخلاف في ثمرة النخل، ثم قال موردا عليه: الا أنه اختار في ثمر النخل جواز بيعه بعد الظهور قبل البدو عامين، وفى ثمر الشجر قال: لا يجوز.

[ 339 ]

أقول: وهو ظاهر العلامة في الارشاد، حيث ذكر في عبارته الاحكام المتقدمة في النخل وطردها في الجميع (1). والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالشجر ما تقدم في المقام الاول من المطلب الاول في صحيحة الحلبي أو حسنته، حيث إن السؤال فيها وقع عن شراء الكرم والنخل والثمار، وقد تضمنت أنه لا بأس ببيعه ثلاث سنين، أو أربع، وتضمنت أنه ان اشتريته سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، وتضمنت السؤال عن اشتراء الثمرات فتهلك، وهو أعم من ثمرة النخل وغيرها، فأجاب (عليه السلام) بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدال على جواز شراء الثمرة قبل ظهورها عاما واحدا، ويستفاد منه على هذا جواز الشراء سنة واحدة قبل الظهور على كراهية، جواز الشراء أزيد من سنة قبل الظهور أيضا. ومنها ما رواه في الكافي. والتهذيب عن عمار الساباطي (2) في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الكرم متى يحل بيعه ؟ فقال: إذا عقد وصار عروقا " والعرق اسم الحصرم بالنبطية، كذا في الكافي. وفى التهذيب " عقودا " والعقد اسم الحصرم بالنبطية، وهو أظهر. أقول: وهذا الخبر من قبيل الاخبار المتقدمة في النخل، وأنه لاتباع ثمرته بعد الظهور حتى يبدو صلاحها، اما بالاحمرار أو الاصفرار، أو بأن يؤمن


(1) وهذه صورة عبارته " الاول في بيع الثمار: انما يجوز بيعها بعد ظهورها، وفى اشتراط بدو الصلاح الذى هو الاحمرار والاصفرار، أو بلوغ غاية يؤمن غلتها الفساد، أو ينعقد حب الزرع أو الشجر أو الضميمة أو بشرط القطع، قولان " ولم يفصل في ذلك بين النخل وغيره من الشجر والموجود في اكثر العبارات التفصيل والفرق بين النخل وغيره من الاشجار كما في الشرايع وغيره منه رحمه الله. (2) الكافي ج 5 ص 178 التهذيب ج 7 ص 84.

[ 340 ]

عليها العاهة. ومنها ما تقدم في رواية ابى الربيع الشامي المشتملة على الحائط فيه النخل والشجر، وقد تضمنت النهى عن بيعه سنة واحدة حتى يبلغ ثمرته، وتضمنت جواز بيعه أزيد من سنة واحدة بعد أن يكون فيه شئ من الخضرة. ومنها ما تقدم أيضا في صحيحة يعقوب بن شعيب (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: وسألته عن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن تطلع فيشترى سنتين أو ثلاث سنين أو رابعا ؟ قال: لا بأس، انما يكره شراء سنة واحدة قبل ان يطلع مخافة الافة حتى تستبين، وهى ظاهرة في ان حكم شجر الفاكهة حكم النخل فيما ذكرنا من كراهة شراء سنة واحدة وجوازه أزيد من سنة واحدة من غير ضميمة، حسبما تقدم في النخل. ومنها ما رواه في التهذيب عن محمد بن شريح (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث " قال: وبلغني أنه قال في ثمر الشجر: لا بأس بشرائه إذا صلحت ثمرته فقيل له: وما صلاح ثمرته ؟ فقال: إذا عقد بعد سقوط ورده ". ومنها موثقة عمار المتقدمة في الفايدة الثانية، وفيها النهي عن بيع الفاكهة حتى تطعم. أقول: والذى يقرب عندي من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض وهو مساومة حكم الشجر للنخل، الا أن في جواز بيعه سنة واحدة قبل الظهور توقف، لعدم ظهوره صريحا منها وكذا في جواز بيعه بعد الظهور وقبل البلوغ بأحد الشروط الثلاثة المتقدمة، فانه لا دلالة لشئ من هذه الاخبار عليه، بل ظاهرها هو الجواز بعد الانعقاد، كما دلت عليه رواية محمد بن شريح من غير اشتراط شئ. وأما ما دل على اشتراط أن تطعم كما في موثقة عمار الثانية، ونحوه بلوغ


(1) (2) التهذيب ج 7 ص 88 و 91.

[ 341 ]

الثمرة في موثقة سماعة، أو صيرورته حصرما كما في موثقة عمار الاولى فيحمل على الافضل والاولى، وكراهة ما قبل ذلك، وان ترتبت في الكراهة كما تقدم في النخل. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من كلام الاصحاب رضوان (الله عليهم) هو المنع من البيع قبل الظهور عاما واحدا بغير ضميمة اجماعا، ومعها على المشهور والبيع ازيد من عام فقولان. وأما بعد الظهور فقيل: بالجواز وقيل: بأنه يتوقف على بدو الصلاح، وانما الكلام في بدو الصلاح، هل هو عبارة عن انعقاد الحب خاصة وعلى هذا يتحد الظهور وبدو الصلاح، إذ لا واسطة بينهما أو انه يشترط مع الانعقاد تناثر الورد ؟ ذكره الشيخ في النهاية وجماعة، أو أن بدو الصلاح كما ذكره في المبسوط حيث قال: بدو الصلاح مختلف، فان كانت الثمرة مما تحمر أو تسود أو تصفر، فبدو الصلاح فيهما حصول هذه الالوان، وان كانت مما تبيض بأن يتموه، وهو أن ينمو فيه الماء الحلو ويصفو لونه، وان كان مما لا يتلون مثل التفاح فبان يحلو ويطيب أكله، وان كان مثل البطيخ فبان يقع فيه النضج. قال: وقد روى أصحابنا أن التلون يعتبر في ثمرة النخل خاصة، فاما ما يتورد فبدو صلاحه أن ينثر الورد وينعقد، وفى الكرم أن ينعقد الحصرم، وان كان مثل القثاء والخيار الذى لا يتغير طعمه ولا لونه، فان ذلك يؤكل صغارا فبدو صلاحه فيه أن يتناهى عظم بعضه. انتهى. وقال ابن ادريس بدو الصلاح يختلف بحسب اختلاف الثمار، فان كانت ثمرة النخل وكانت مما تحمر أو تسود أو تصفر فبدو الصلاح فيها ذلك، وان كان خلاف ذلك فحين ينمو فيها الماء الحلو ويصفر لونها، ولا يعتبر التلون والتموه والحلاوة عند اصحابنا الا في ثمرة النخل خاصة، وان كانت الثمرة مما يتورد فبدو صلاحها أن ينثر الورد وينعقد، وفى الكرم أن ينعقد الحصرم، وان كان غير

[ 342 ]

ذلك فحين يحلو ويشاهدو قال بعض المخالفين: ان مثل القثاء والخيار الذى لا يتغير طعمه ولا لونه فبدو صلاحه ان يتناهى عظم بعضه، وقد قلنا أن أصحابنا لم يعتبروا بدو الصلاح الا فيما اعتبروه من النخل والكرم، وانتثار الورد في الذى يتورد. انتهى كلامه (زيد مقامه). وقال العلامة في المختلف بعد نقل كلامي الشيخ وابن ادريس المذكورين: وهذا كله عندي لا عبرة به، لانا قد جوزنا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، نعم بشرط ظهورها. انتهى. أقول: والظاهر من كلام الشيخ هو المنع من بيع البطيخ والقثاء والخيار ونحوها بعد الظهور وقبل بدو الصلاح الذى ذكره الا بشرط القطع، وهذا الشرط وان لم يذكره هنا، الا انه قد صرح به في موضع آخر من الكتاب المذكور. والتحقيق هو ما ذكره ابن ادريس عن أصحابنا من ان بدو الصلاح انما يشترط ويعتبر في الثلاثة المذكورة فانه هو الذى وردت به الاخبار، وأما غيرها فحين يتحقق خلقه ويصير معلوما والله العالم. المطلب الثالث في الخضر. والمشهور بل الظاهر انه لا خلاف فيه انه لا يجوز بيعها قبل ظهورها، وانما يجوز بعد ظهورها لقطة ولقطات، (1) وجزة وجزات فيما يجز كالبقول، وفيما


(1) قال في الدروس والمرجع في اللقطة والجزة والخرطة إلى العرف، أقول: الظاهران مراده بالنسبة إلى ادرك ذلك الجنس وعدمه مما كان فيه صلاحية الجزة واللقطة وعدمها، كما إذا كان صغارا لم يبلغ أو ان الانتفاع به لصغره منه رحمه الله.

[ 343 ]

يخترط كالحنا والتوت (1) خرط وخرطات أو اربع خرطات، ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق عن سماعة (2) في حديث تقدم أوله قال فيه: " وسألته عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو اربع خرطات ؟ فقال: إذا رأيت الورق في شجرة فاشتر منه ما شئت من خرطة " وهو ظاهر في انه انما يشتري بعد ظهوره، وانه يجوز شراؤه خرطة واحدة وخرطات متعددة. وما رواه في الكافي والتهذيب عن معاوية بن ميسره (3) " قال: سألته عن بيع النخل سنتين ؟ قال: لا بأس به، قلت: فالرطبة يبيعها هذه الجزة وكذا وكذا جزة بعدها ؟ قال: لا بأس به، ثم قال: قد كان أبى (عليه السلام) يبيع الحناء كذا وكذا خرطة ". أقول: وهذا الخبر وان كان مطلقا في الظهور وعدمه، الا أنه مما يجب حمله على الاول، حمل المطلق على المقيد، وأما ما نقل عن ابن حمزة مما يشعر بجواز بيع الجزة الثانية أو الثانية أو الثالثة على حدة، حيث قال: يجوز بيع الرطبة وأمثالها الجزة، أو الثانية أو جميعا فهو مردود بالخبر الاول الدال صريحا على أنه لا يجوز البيع الا بعد الظهور جزة أو جزات، ومقتضى ما ذكره جواز البيع قبل الظهور، وهو بيع مجهول، فلا يصح بانفراده بخلاف مالو ضمها إلى الموجود كما دل عليه الخبر.


(1) التوت بالتائين المنقطتين نقطتين، من فوق، وقيل بالتاء والثاء المثلة منه رحمه الله. (2) الكافي ج 5 ص 176 التهذيب ج 7 ص 176 التهذيب ج 7 ص 86 الفقيه ج 3 ص 143. (3) الكافي ج 5 ص 177 التهذيب ج 7 ص 86.

[ 344 ]

المطلب الرابع في الاحكام وفيه مسائل: الاولى لو باع الاصول بعد انعقاد الثمرة لم تدخل في المبيع الا بالشرط، وأما قبله فتدخل وان كان وردا خلافا للشيخ (1) ومتى لم تدخل في المبيع فالواجب على المشترى إبقاؤها إلى أوان بلوغها، ويرجع في ذلك إلى ما هو المتعارف في تلك الاشجار من حد البلوغ، هذا على المشهور في غير النخل. أما النخل إذا بيع فانه يفرق فيه بالتأبير وعدمه، فان أبرت ثمرته فهى للبايع وان كان قبل التأبير فهي للمشترى، والظاهر أنه لا خلاف فيه. ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب عن يحيى بن أبى العلا " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من باع نخلا قد لقح فالثمرة للبايع الا أن يشترط المبتاع، قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك ". وعن غياث بن ابراهيم (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع نخلا قد أبره فثمرته " للذى باع " الا أن يشترط المبتاع، ثم قال: ان عليا (عليه السلام) قال: قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ". وما رواه في الكافي عن عقبة بن خالد (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال:


(1) قال في الدروس: وفى دخول الورد قبل انعقاد الثمرة في بيع الاصول خلاف، فأدخله الشيخ في الظاهر، ومنعه الفاضل انتهى. منه رحمه الله. (2) (3) الكافي ج 5 ص 177 وفيه (للبايع) التهذيب ج 7 ص 87. (4) الكافي ج 5 ص 178 التهذيب ج 7 ص 87.

[ 345 ]

قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ثمر النخل للذى أبرها الا أن يشترط المبتاع ". وانما الخلاف فيما عد النخل، وفى النخل في الانتقال بغير المبيع، فان ظاهر المشهور هو ما قلناه من أن الثمرة للبايع، لا تدخل في المبيع، للاصل وعدم شمول اللفظ لها، الا ان يصرح بدخولها. وقال الشيخ في النهاية: إذا باع نخلا قد أبر ولقح فثمرته للبايع الا أن يشترط المبتاع الثمرة، فان شرط كان على ما شرط، وكذلك الحكم فيما عدا النخل من شجر الفواكه، وكذا قال الشيخ المفيد على ما نقل عنه في المختلف، وظاهره كما ترى اجراء الحكم المذكور في غير النخل، وتأول ابن ادريس في السراير كلامه بأن قصد الشيخ من ذلك أن الثمرة للبايع، لانه ما ذكر الا ما يختص بالبايع، ولا اعتبار عند أصحابنا بالتأبير الا في النخل، فأما ما عداه متى باع الاصول وفيها فهى للبايع الا أن يشترطها المشترى، سواء لقحت وأبرت أو لم تلقح. وانت خبير بان كلامه في المبسوط لا يقبل ما ذكره من التأويل، حيث قال: إذا باع القطن وقد خرجت جوزته فان كان قد تشقق فالقطن للبايع الا أن يتشرطه المشترى، وان لم يكن تشقق فهو للمشترى، قال: وما عدا النخيل والقطن فهو على أقسام أربعة أحدها ما يكون ثمرتها بارزة لا في كمام ولا ورد، كالعنب والتين، فإذا باع أصلها فان كانت الثمرة قد خرجت فهى للبايع، والا فهى للمشترى. الثاني أن يخرج الثمرة في ورد، فان باع الاصل بعد خروج وردها فان تناثر الورد وظهرت الثمرة فهى للبايع، وان لم يتناثر وردها ولم تظهر الثمرة ولا بعضها فهى للمشترى. الثالث ان يخرج في كامم كالجوز واللوز مما دونه قشر يواريه إذا ظهر ثمرته

[ 346 ]

فالثمرة للبايع. الرابع ما يقصد ورده كشجرة الورد والياسمين، فإذا بيع الاصل فان كان ورده قد تفتح فهو للبايع، وان لم يكن تفتح وانما هو جنبذ فهو للمشترى. وتبعه في ذلك ابن البراج، وابن حمزة عمم الحكم أيضا في النخل والشجر، ومحل المخالفة في القطن بعد خروج جوزته وقبل تشققها وفى الورد قبل تفتحه، والافباقى كلامه موافق لما عليه الاصحاب من التفصيل بالظهور وعدمه. وقال في المبسوط أيضا: إذا باع نخلا قد طلع فان كان قد أبر فثمرته للبايع، وان لم يكن قد أبر فثمرته للمشترى، وكذلك إذا تزوج بامرأة على نخلة مطلعة، أو يخالع امرأة على نخلة مطلعة أو يصالح رجلا في شئ على نخلة مطلعة أو يستأجر دارا مدة معلومة بنخلة مطلعة، قال: فجميع ذلك ان كان قد أبر فثمرته باقية على ملك المالك الاول، وان لم يكن قد أبر فهو لمن انتقل إليه النخل بأحد هذه العقود. انتهى. وتبعه ابن البراج في ذلك، وهو ظاهر في قياس ما عدا البيع في النخل من عقود المعاوضات على البيع، مع ان مورد النص كما تقدم انما هو البيع خاصة والاصل كما عرفت بقاء الثمرة على ملك مالكها، خرج منه ما دل النص عليه، وهو البيع خاصة، فيبقى الباقي على اصله. ولهذا اعترضه ابن ادريس هنا، فقال بعد نقل كلامه للمذكور: قال محمد بن ادريس مصنف هذا الكتاب: وهذا الذى ذكره (رحمة الله عليه) مذهب المخالفين لاهل البيت (عليهم السلام) لان جميع هذه العقود الثمرة فيها للمالك الاول، سواء أبرأم لم يؤبر، بغير خلاف بين أصحابنا، والمخالف حمل باقى العقود على عقد البيع وقاسها عليه، والقياس عندنا باطل بغير خلاف بيننا إلى آخره. المسألة الثانية الظاهر أنه لا خلاف في جواز أن يشترط استثناء ثمرة شجرة

[ 347 ]

أو شجرات بعينها، أو يستثنى حصة مشاعة كالنصف أو الثلث مثلا، وكذا استثناء جزء معين من شجرة، كغدق معين من نخلة، والمشهور جواز استثناء أرطال معينة، خلافا لابي الصلاح، مستندا إلى حصول الجهل بقدر المبيع حيث لايعرف قدره جملة. ويدل على المشهور ما رواه في الفقيه عن حماد بن عيسى عن ربعى (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبيع الثمرة ثم يستثني كيلا وتمرا قال: لا بأس به ؟ قال: وكان مولى له عنده جالسا فقال المولى: انه ليبيع ويستثنى أوساقا يعنى أبا عبد الله (عليه السلام) قال: فنظر إليه ولم ينكر ذلك من قوله ". وحينئذ فان سلمت الثمرة فالامر واضح بأن يأخذ المستثنى ما استثناه، وللمشتري الباقي، وان خاست وتلف بعضها فان كان ذلك في صورة استثناء شجرة أو شجرات فلا اشكال، لامتياز، المبيع منها، وأما في صورة الحصة المشاعة فالامر أيضا واضح. وأما في صورة الارطال المعلومة فان الساقط يكون بالنسبة بأن يخمن ثمرة البستان على تقدير السلامة تنسب إليه الارطال المعلومة، ثم تؤخذ بتلك النسبة من الباقي، فإذا خمن بقدر معلوم على تقدير السلامة نسبت إليه الارطال المعلومة، بأن يكون ربعا أو خمسا أو نحو ذلك، ثم يؤخذ بتلك النسبة من الثمرة الباقية، بأن يؤخذ ربعها أو خمسها كما في المثال المذكور. المسألة الثالثة قالوا إذا باع مابدا صلاحه فأصيب قبل قبضه كان من مال بايعه، وكذا لو


(1) الفقيه ج 3 ص 132.

[ 348 ]

أتلفه البايع، وان أصيب البعض أخذ السليم بحصته من الثمن، ولو أتلفه أجنبي كان كان المشتري بالخيار بين فسخ البيع ومطالبة المتلف، ولو كان بعد القبض وهو التخلية لم يرجع على البايع بشئ على الاشبه، ولو أتلفه المشترى في يد البايع استقر العقد، وكان الاتلاف كالقبض، وكذا لو اشترى جارية وأعتقها قبل قبضها. أقول: والكلام في هذه المسألة يقع في مواضع الاول ما ذكر من أن تلفه قبل القبض يكون من مال البايع إذا كان التلف بآفة ونحوها، فانه مبنى على القاعدة المشهورة، من أنه مضمون على البايع قبل القبض، والمعنى أنه ينفسخ العقد من حينه، وتقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة من المقام الثاني في أحكام الخيار (1) وذكرنا ثمة معارضة هذه القاعدة بالقاعدة الدالة على أن المشترى يملك المبيع بالعقد. وأما ما ذكر من أن الحكم كذلك لو أتلفه البايع فهو خلاف ما هو المشهور بينهم، كما قدمناه ذكره في المسألة المشار إليها من أن الحكم هنا انما هو تخير المشترى بين الرجوع بالثمن بأن يفسخ العقد، وبين مطالبة المتلف بالمثل أو القيمة سواء كان البايع أو الاجنبي، ولهذا قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك هنا بعد ذكر القول المذكور: والاقوى تخير المشترى بين الفسخ، والزام البايع بالمثل، أما الفسخ فلان المبيع مضمون على البايع على القبض، واما الزامه بالعوض فلانه أتلف ماله، لان المبيع قد انتقل إلى المشترى وان كان مضمونا على البايع كما لو أتلفه الأجنبي، تمسكا بأصالة بقاء العقد، واقتصارا بالانفساخ على موضع الوفاق. انتهى. أقول: وقد تقدم في المسألة المشار إليها آنفا ما في هذا الكلام من تطرق الايراد، فان قضية كونه قبل القبض مضمونا على البايع الاقتصار على الفسخ وعدم


(1) ص 77.

[ 349 ]

الرجوع بالمثل لبطلان العقد بالتلف وقضية كون المبيع ينتقل بالعقد إلى المشترى ويكون ملكا له هو عدم الرجوع على البايع بوجه، الا أنه حيث كان ظاهرهم الاجماع على كل من القاعدتين جمعوا بينهما بما ذكر، كما يشير إليه قوله " واقتصارا بالانفساخ على موضع الوفاق ". الثاني ما ذكر " من أنه لو كان بعد القبض وهو التخلية " إلى آخره فانه لاريب أن مقتضى قاعدة البيع أنه بعد القبض لا يرجع على البايع بشئ، وهو المشهور في كلامهم بأى نوع كان من أنواع التلف المذكورة، إلا أنه قد نقل في المسالك عن بعض الاصحاب أنه ذهب هنا إلى أن الثمرة على الشجرة مضمونة على البايع وان أقبضها بالتخلية، نظرا إلى أن بيعها بعد بدو صلاحها بغير كيل ولا وزن على خلاف الاصل، لان شأنها بعده النقل، والاعتبار بالوزن أو الكيل بالقوة القريبة من الفعل، وانما أجيز بيعها كذلك للضرورة، ويراعى فيها السلامة وعلى هذا فيحتمل أن يكون قوله " على الاشبه " متعلقا بقوله " لم يرجع " ويكون اشارة إلى هذا القول، ويحتمل أن يكون متعلقا بقوله " وهو التخلية " حيث أنه كما تقدم قد وقع الخلاف في القبض، هل هو عبارة عن التخلية مطلقا، أو من الكيل أو الوزن في المكيل والموزون ؟ وهذه الثمرة بعد بدو صلاحها قد صارت صالحة للاعتبار بهما، وحينئذ فيكون فيه تنبيه على اختياره القول بالتخلية مطلقا، كما هو أحد القولين المذكورين. الثالث ما ذكره بقوله " ولو أتلفه المشترى في يد البايع " إلى آخره، لا يخفى ان اتلاف المشترى في الصورة المذكورة ان كان باذن البايع فهو قبض، يترتب عليه احكام القبض مطلقا، وان كان بغير اذنه وهو الظاهر من العبارة، فهو قبض من حيث انتقال الضمان إلى المشترى بالاتلاف وان لم يكن باقى احكام القبض مترتبة عليه، لان الغرض هنا بيان عدم الرجوع على البايع، وحيث انتقل الضمان إليه فلا رجوع.

[ 350 ]

قيل: وانما شبه الاتلاف هنا بالقبض ولم يجعله قبضا لان الاتلاف قد يكون بمباشرة المشترى، فيكون قبضه حقيقة، وقد يكون بالتسبيب فيكون في حكم القبض خاصة. الرابع ما ذكره من قوله " وكذا لو اشترى جارية " إلى آخره والغرض منه التنبيه على ان العتق مثل الاتلاف في كونه قبضا، ويكون العتق صحيحا لتقدم الملك والله العالم. المسألة الرابعة لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز بيع الثمرة في أصولها بالاثمان والعروض، ولا اشكال فيه، وعليه يدل عموم الاخبار المتقدمة، وانما الممنوع منه بيع ثمرة النخل بمثلها من تلك النخلة، أو غيرها على الخلاف الاتى، وكذا الزرع بحنطة منه أو غيره، وهو المسمى بالمحاقلة والمزابنة وتفصيل هذا الاجماع يقع في مواضع: الاول ينبغى ان يعلم ان المزابنة مفاعلة من الزبن وهو الدفع، ومنه الزبانية، لانهم يدفعون الناس في النار، قيل: سميت هذه المعاملة بذلك لانها مبنية على التخمين، والغبن فيها كثير، فكل من البايع والمشترى يريد دفعه عن نفسه إلى الاخر فيتدافعان. والمحاقلة مفاعلة من الحقل: وهى الساحة التى يزرع فيها، قيل: سميت هذه المعاملة بذلك لتعلقها بزرع في حقل، فأطلق اسم الحق على الزرع مجازا، من باب اطلاق اسم المحل على الحال، أو المجاوز على مجاوره، فكأنه باع حقلا بحقل، وتحريمها في الجملة اجماعي منصوص. الثاني المفهوم من كلام أكثر الاصحاب، وكذا من كلام جملة من أهل اللغة أن المزابنة مختصة بالنخل، والمحاقلة بالزرع، والمفهوم من صحيحة عبد الرحمان ابن أبى عبد الله (1) وموثقته الاتيتين عكس ما ذكروه، وهو أن المحاقلة في النخل، والمزابنة في الزرع، وكأن الاصحاب وكذا أهل اللغة بنوا فيما ذكروه على وجه


(1) التهذيب ج 7 ص 143.

[ 351 ]

المناسبة المذكور في الموضع الاول، وبعض مشايخنا المحدثين من المتأخرين (1) لذلك حمل موثقة عبد الرحمان الصريحة في ذلك على السهو من الراوى، ولله درالمحدث الكاشانى في الوافى حيث قال ذيل الموثقة المذكورة: عكس ابن الاثير في نهايته هذا التفسير، ولا ينبئك مثل خبير. والعجب من صاحب الوسائل انه تبع الاصحاب فيما ذكروه، فقال: باب أنه لا يجوز بيع ثمرة النخل بتمر منه، وهى المزابنة، ولا بيع الزرع بحب منه وهى المحاقلة، ثم أورد في الباب روايتي عبد الرحمان (2) المشار اليهما، ولم يجب عنها بشئ، مع أنها ظاهرتان في خلاف ما عنون به الباب، نعم أورد في الباب أيضا رواية من كتاب معاني الاخبار مسندة برجال من العامة عن ابى عبيد القاسم بن سلام (3) باسناده إلى النبي (صلى الله عليه وآله) انه نهى عن بيع المحاقلة والمزابنة، فالمحاقلة بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، والمزابنة، بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر. اقول: من المحتمل قريبا ان هذا التفسير انما هو عن ابى عبيد المذكور، كما صرح به الصدوق في غير موضع من الكتاب المذكور، ومع تسليم كونه من النبي (صلى الله عليه وآله) فهو لا يعارض ما قدمناه من الاخبار، خصوصا مع كون سنده انما هو رجال العامة.


(1) هو شيخنا الشيخ على بن سليمان البحراني في حواشيه على التهذيب حيث قال: المعروف عند أهل اللغة على خلاف بينهم وكذا عند الفقهاء من الخاصة والعامة ان المزابنة بيع ثمر النخل والشجر من جنسه، والمحاقلة بيع الزرع بحنطة أو شعير، فلعل مافى الرواية سهو من الراوى والله يعلم. انتهى منه رحمه الله. (2) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الثمار. (3) الوسائل الباب 13 من ابواب بيع الثمار.

[ 352 ]

الثالث لا خلاف بين الاصحاب في تحريم بيع الثمرة بتمر منه، والزرع بعد بدو صلاحه بحنطة منه، وانما الخلاف فيما إذا كان من غيره، فقيل بالاختصاص وهو المتفق عليه، وخصوا المزابنة والمحاقلة المتفق على تحريمها بذلك، وقيل بالعموم، وأن الاسمين المذكورين مراد بهما الاعم مما إذا كان منه أو من غيره ولو كانت مطروحة على الارض، والظاهر أنه المشهور. واستند القائلون بالعموم إلى صحيحة عبد الرحمن بن أبى عبد الله عن أبى عبد الله (1) (عليه السلام) " قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المحاقلة والمزابنة، قلت وما هو ؟ قال أن تشترى حمل النخل بالتمر، والزع بالحنطة " وموثقته عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المحاقلة والمزابنة فقال: المحاقلة بيع النخل بالتمر والمزابنة بيع السنبل بالحنطة " وهما ظاهرتان في كون كل من التمر والحنطة أعم من أن يكونا من المبيع أو غيره والثانية صريحة فيما قدمناه من ان المحاقلة انما هي في النخل، والمزابنة في الزرع، خلاف ما هو المشهور بين الاصحاب. واستند القائلون بالتخصيص إلى ما دل على جواز البيع بتمر غير ما في المبيع ومنه حسنة الحلبي (2) أو صحيحته " قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل قال لاخر: بعني ثمرة نخلك هذا الذى فيها بقفيزين من تمر أو أقل أو أكثر يسمى ما شاء فباعه ؟ قال: لا بأس به ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن الفضل الهاشمي " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بيع حصايد الحنطة والشعير وساير الحصايد ؟


(1) التهذيب ج 7 ص 143. (2) الكافي ج 5 ص 176. (3) التهذيب ج 7 ص 205.

[ 353 ]

قال: حلال فليبعه بما شاء " وهو وان كان عاما لما لو كان الثمن من جملة المبيع الا انه يجب استثناؤه بالنص والاجماع، وجملة الاخبار على التحريم فيما لو كان من المبيع، والجواز من غيره. ومنه ما رواه الشيخ في الحسن عن الحسن بن على الوشا (1) " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل اشترى من رجل أرضا جربانا معلومة بمأة كر على أن يعطيه من الارض، فقال: حرام، قال: فقلت له فما تقول جعلت فداك أن اشترى منه الارض بكيل معلوم وحنطة من غيرها ؟ قال: لا بأس " والمراد زراعة الارض، ورواه بسند آخر أيضا عنه (عليه السلام) قال: سألت الرضا (عليه السلام) الحديث. ومما يدل أيضا على الجواز فيما لو كان من غير المبيع أيضا ما رواه الشيخ في الموثق عن الكنانى قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رجلا كان له على رجل خمسة عشر وسقا من تمر وكان له نخل فقال له: خذ ما في نخلى يتمرك فأبى أن يقبل، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان لفلان علي خمسة عشر وسقا من تمر، فكلمه أن يأخذ ما في نخلى بتمره، فبعث إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك، فقال يا رسول الله لا يفي وأبى أن يفعل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لصحاب النخل: اجذذ نخلك، فجذه، فكال له خمسة عشر وسقا، فاخبرني بعض أصحابنا عن ابن رباط ولا أعلم الا انى قد سمعته منه أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: ان ربيعة الرأى لما بلغه هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: هذا ربا: قلت: أشهد بالله انه لمن الكاذبين قال: صدقت ". والشيخ حمل هذا الخبر على الصلح دون البيع، وكذا العلامة في المختلف،


(1) (2) التهذيب ج 7 ص 195 وص 91.

[ 354 ]

وأنت خبير بما فيه، لان الدليل غير منحصر في الخبر المذكور، ليخرج بتأويله عن الاشكال، فان الخبرين الاولين صريحان في البيع، والمسألة كما ترى محل اشكال. وبعض المحققين احتمل في روايتي عبد الرحمان أن يكون التمر والحنطة بمعنى تمرة وحنطة فيكون الالف واللام عوضا عن الضمير المضاف إليه، قال: بل هو المتبادر، ولو أراد العموم لكان التنكير أولى، وهو بتمر وحنطة. انتهى وهو احتمال قريب لا بأس به في مقام الجمع بين الاخبار، لشيوع هذا الاستعمال في الكلام. ومن أخبار المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل يكون له على الاخر مأة كر تمر وله نخل فيأتيه فيقول أعطني نخلك هذا بما عليك فكأنه كرهه " والمراد تمر نخلك وظاهر هذا الخبر كراهة بيع الثمرة بجنسها من غير المبيع. ويمكن حينئذ الجمع بين الاخبار بتخصيص التحريم بما كان من المبيع، والجواز على كراهة بما كان من غيره، ويحمل النهى في روايتي عبد الرحمان على ما هو الاعم من التحريم أو الكراهة، وليس فيه الا ما ربما يقال من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه، وهو وان اشتهر بينهم الا انه في الاخبار كثير شايع، كما نبهنا عليه في جملة من المواضع في كتاب العبادات، وقد نقلنا ثمة عن الذكرى أيضا جواز ذلك. ومن أخبار المسألة ما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث " قال: وقال: لا بأس أن تشتري زرعا قد سنبل وبلغ بحنطة " وهذا الخبر كما ترى يدل على جواز المزابنة، وان كان الثمن من


(1) الكافي ج 5 ص 193 التهذيب ج 7 ص 125 الفقيه ج 3 ص 142. (2) الكافي ج 5 ص 274 التهذيب ج 7 ص 142.

[ 355 ]

المبيع، نظرا إلى اطلاق الخبر، وقد تقدم مثله في صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي (1) الا أن يقيد اطلاقه بالاجماع، وروايتي عبد الرحمان المتقدمين، ويمكن حمل النهى في روايتي عبد الرحمان على الكراهة جمعا كما احتمله في الوافى أيضا. الرابع قد استند جملة من الاصحاب القائلين بالعموم إلى لزوم الربا في المعاملتين المذكورتين، وهو حرام، فيكون مستند التحريم هو لزوم الربا، لانه بيع ثمرتين ربويتين وهو مكيل، والغالب التفاوت فيحصل شرط الربا، ولان بيع الربوي مشروط بالعلم بالمساواة، ومعلوم انها غير ظاهرة هنا، وفيه ان الثمرة ما دامت على النخل والحنطة في الزرع ليس بمكيل، لانه لاتباع كيلا وانما تباع بالمشاهدة. وقد عرفت من الروايات المتقدمة جواز البيع بالجنس الذى من غير المبيع وهو ظاهر في عدم الربا في الصورة المذكورة، بل صرح في رواية الكنانى بذلك، حيث انها دلت على ان ربيعة الرأى جعل ذلك رأيا، وقد كذبه (عليه السلام) بتقريره الراوى على ما قاله، وقوله له صدقت، واجاب عنه في المختلف بضعف السند، قال: لان في طريقه الحسن بن محمد بن سماعة، وهو ضعيف، سلمنا لكن لا دلالة فيه على البيع، بل هو دال على نوع من الصلح والاستيفاء، ونحن نقول بجوازه. وفيه الرجل المذكور وان كان واقفيا الا انه ثقة، فحديثه في الموثق وهو يعمل به في غير موضع، والحمل على الصلح قد عرفت ما فيه. الخامس قد اختلف عباير الاصحاب (رضوان الله عليهم) وكذا النصوص في التعبير عن المبيع في المحاقلة، ففى بعض عبر بالزرع، وفى آخر بالسنبل،


(1) التهذيب ج 7 ص 205.

[ 356 ]

والظاهر ان مراد من عبر بالاول انما هو مع وجود الحب، بان تكون سنبلا، فيرجع إلى الثاني لانه قبل انعقاد الحب علف يجوز بيعه بكل شئ. ولهذا قال في المسالك بعد نقل مثل ذلك: ويظهر من كلامهم الاتفاق على ان المراد به السنبل وان عبروا بالاعم، وقال في التذكرة لو باع الزرع قبل ظهور الحب بالحب فلا بأس، لانه حشيش، وهو غير مطعوم ولا مكيل، سواء تساويا جنسا أو اختلفا، ولا يشترط التقابض في الحال. انتهى. ثم انه على تقدير التعبير بالسنبل فهل المراد منه الحنطة بالخصوص، أو ما هو أعم منها ومن الشعير والدخن والارز وغييرها ؟ فيدخل الجميع في المحاقلة اشكال، وبعض تعاريف الاصحاب للمحاقلة بانها بيع السنبل بحب منه أو من غيره يعطى العموم، وبعض تعاريفها بانها الحنطة في سنبله بحنطة إما منها أو من غيرها يعطى التخصيص، وظاهره في التذكرة ان أكثر تعاريف الاصحاب من هذا القبيل وعلى هذا يدخل فيه الشعير ان جعلناه من جنس الحنطة كما تقدم بيانه سابقا، وعلل المنع بالربا، والا فلا (1). اقول: والذى يظهر من روايتي عبد الرحمان المتقدمتين حيث ان الاولى تضمنت تفسير المزابنة ببيع الزرع بالحنطة، والثانية السنبل بالحنطة وهى وان سميت في الخبرين بالمزابنة الا انها هي المحاقلة عند الاصحاب هو التخصيص بالحنطة دون غيرها من افراد الحبوب، وليس عير هاتين الروايتين في الباب فالحاق ما ذكروه من الافراد بالحنطة مشكل.


(1) قال في التذكرة ان اكثر تفاسير المحالقة انها بيع الحنطة في السنبل بحنطة اما منها أو من غيرها، فيختص بالحنطة ويدخل فيه الشعير ان جعلناه من جنس الحنطة أو عللنا المنع بالربا، والا فلا، قال: وفى بعض الفاظ علمائنا هي بيع الزرع بالحب من جنسه، فيكون ذلك محاقلا. انتهى منه رحمه الله.

[ 357 ]

نعم من علل بالربا فيمكن الالحاق الا انك قد عرفت ما فيه. السادس هل ينسحب حكم النخل إلى غيره من ثمار اشجار الفواكه وغيرها قولان: والاقرب العدم، والوجه فيه ان ما ورد في الاخبار وكلامي متقدمي الاصحاب في تعريف المزابنة يقتضي التخصيص بالنخل، فيبقى غيره على عموم الجواز اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع النص والوفاق وبطلان القياس. وذهب جمع منهم الشهيد في اللمعة والدروس والشهيد الثاني في المسالك بل نقل أنه ظاهر الاكثر إلى انسحاب الحكم في غير النخل من الشجر، مستندين في ذلك إلى أن علة النهى انما هي عدم الامن من الربا، لانه بيع أحد المتجانسين بالاخر، وهما مكيلان أو موزونان، واحتمال المساواة في الخرص نادر، فيحرم للتفاضل غالبا، مع أن العلة منصوصة في المنع من بيع الرطب بالتمر، وهى نقصانه عند الجفاف، وهى قائمة فيما نحن فيه، وقد عرفت الجواب عن ذلك. نعم يبقى الكلام في العلة المنصوصة في المنع من بيع الرطب بالتمر، وهى نقصانه عند الجفاف، فانها قائمة هنا، فمن ترجح عنده العمل بالعلة المنصوصة يعدى الحكم إلى المساوى في العلة المذكورة، الا أن العمل بالعلة المنصوصة محل كلام، قد تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب في صدر كتاب الطهارة (1) والله العالم. المسألة الخامسة قد اتفق القائلون بالعموم في المزابنة على استثناء العرية، وهى النخلة تكون للانسان في دار رجل آخر، وقال أهل اللغة وجملة من المتقدمين: أو بستانه، واستحسنه جملة من المتأخرين، بل قال في المسالك: أنه متفق عليه، فيجوز بيعها بخرصها تمرا من غيرها، وفى جوازه مع كونه التمر منها اشكال يأتي التنبيه عليه. وانت خبير بأنه على ما اخترناه من تفسير المزابنة ببيع ثمرة النخل بتمر


(1) ج 1 ص 63.

[ 358 ]

منها، وأنه هو المحرم، فلا معنى لهذا الاستثناء، بل يكون الرواية الدالة على الجواز في العرية من قبيل الاخبار التى قدمناها دالة على جواز بيع الثمرة النخل بتمر من غيرها، ولكن اشتهر هذا الاستثناء لشهرة القول بالعموم بين الخاصة والعامة. والاصل في العرية ما رواه في الكافي والتهذيب عن السكوني (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العريا أن تشتريها بخرصها تمرا ثم قال: والعرايا جمع عرية، وهى النخلة تكون للرجل في دار رجل آخر فيجوز له أن ببيعها بخرصها تمرا ولا يجوز ذلك في غيره ". وما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار عن محمد بن هارون الزنجانى عن على بن عبد العزيز عن القاسم بن سلام باسناد متصل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أنه رخص في العرايا، واحدتها عرية وهى النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا، والاعراء أن يبتاع تلك النخلة من المعرا بتمر لموضع حاجته، قال: وكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا بعث الخراص قال: خففوا الخرص فان في المال العرية والوصية (2) ". أقول: والروايتان المذكورتان في طريقهما رجال العامة، والحكم بالعموم في المزابنة واستثناء العرية منه مذهب العامة، الا أن الحكم أيضا في الموضعين مشهور بين أصحابنا على ما تقدم من الخلاف في الاول، وقوله في الخبر الاول " ولا يجوز ذلك في غيره " يحتمل أن يكون المراد: أي في غير ما يكون في دار رجل آخر، وعلى هذا ففيه دلالة على ضعف ما تقدم نقله عنهم من اضافة البستان إلى الدار، ويحتمل أن يكون المراد: أي غير النخل إذا كان في دار رجل آخر، وعلى هذا ففيه دلالة على اختصاص العرية بالنخل دون غيره من الشجر، والظاهر أنه موضع اتفاق، وتمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في فوايد.


(1) الكافي ج 5 ص 275 التهذيب ج 7 ص 143. (1) الوسائل الباب 13 من أبواب بيع الثمار الرقم 5.

[ 359 ]

الاولى قد شرطوا في بيع العرية شروطا أحدها كون البيع على ذى الدار والبستان لا على غيرهما، وثانيها كونها واحدة في كل بستان أو دار، فلو كان لمالك واحد اثنتان في دار أو بستان، لم يجز بيع ثمرتهما ولا ثمرة أحدهما لعدم صدق العرية في هذه الصورة نعم لو تعددت الدار أو البستان جاز تعددها من الواحد. وثالثها والخرص والتخمين في ثمرة النخلة، كما دل عليه الخبر. رابعها عدم التفاضل وقت العقد، لظاهر الخبر الدال على اعتبار المساواة ولزوم الربا مع التفاضل، ولان الاصل المنع الا فيما دل عليه النص المذكور، ولا يضر ذلك بعد الجفاف لاطلاق الخبر. وخامسها أن يكون الثمن حالا فلا يجوز تأجيله، وان لم يقبض في المجلس، خلافا للشيخ في المبسوط حيث شرط التقابض (1) وهو ضعيف. وسادسها كون الثمرة على رأس النخلة فلو قطعت لم يجز بيعها الا كغيرها من الموزون والمكيل. أقول: والظاهر الاستغناء عن هذا الشرط، لان فرض المسألة في العرية، وهى التي تباع ثمرتها بالخرص، وهو ظاهر. وسابعها كون الثمن من ثمرة النخل، وفيه ما في سابقه من انه مستغنى عنه


(1) قال في المبسوط: شرط بيع العرية امران، احدهما المماثلة من طريق الخرص بين ثمرة النخلة عند صيرورتها تمرا وبين التمر الذى هو الثمن، والثانى التقابض قبل التفرق وقال ابن ادريس لا يشترط التقابض نعم يشترط الحلول. احتج الشيخ بأن ما فيه الربا لا يجوز التصرف فيه قبل التقابض ومنع ابن ادريس ذلك الافى الصرف، قال في المختلف: وهو الاقوى. لنا الاصل عدم الاشتراط. انتهى. اقول: الامر الاول في عبارته اشارة إلى الشرط الرابع الذى ذكرناه منه رحمه الله.

[ 360 ]

ايضا، لما عرفت في تعريف العرية. وثامنها كون الثمن من غيرها قال في المسالك: وهو المعروف في المذهب، ونقل في المختلف عن ابن حمزة ان ظاهر كلامه تحريم العرية بتمر منها، بل يجوز بغيرها، ثم قال: ولا بأس به، والا لزم ان يكون الثمن والمثمن واحد، ثم احتمل الجواز عملا باطلاق الاذن، ولو جود المقتضى وهو الرخصة انتهى (1) وهو جيد فان قوله في الخبر " يبيعها بخرصها تمرا " متناول لموضع النزاع، أو هو أعم من كونه منها أو من غيرها، ولهذا يظهر من المحقق الاردبيلى الميل إلى ذلك لو صح النص الوارد في المسألة. الثانية قد عرفت ان مورد الخبر الاول بالنسبة إلى موضع النخلة انما هو الدار والاصحاب كما تقدم الحقوا البستان أيضا وهو محل اشكال، وان كان ظاهرهم الاتفاق على ذلك، كما يشعر به كلامه في المسالك. نعم خبر كتاب معاني الاخبار مطلق، فيمكن الاستناد إلى اطلاقه في ذلك، ثم انهم صرحوا بان المراد بالدار أو البستان ما هو اعم من المملوك والمستأجر والمستعار، لصدق الاضافة في الجميع، وزاد في المسالك اشتراك الجميع في العلة، وهى مشقة دخول الغير عليهم. أقول: هذا التعليل الاخير انما يتم في الدار دون البستان، كما هو ظاهر، وفيه نوع تأييد لما قدمناه من الاقتصار في الحكم على الدار، ويؤيد أنه حكم


(1) قال: ولو وجدت صحيحة صربحة لجاز الاستثناء من المزابنة بالمعنى الذى قلناه أيضا تعبدا، ولكن ما رأيتها، فلا يجوز هذا الاستثناء الاعلى المعنى العام القائل به العامة الذين هم اصل هذه المسألة. انتهى أقول والمراد بالمعنى الذى قاله هو ما اختاره من تفسير المزابنة بالمعنى الاخص منه رحمه الله.

[ 361 ]

على خلاف الاصل فيقتصر فيه على القدر المتحقق. الثالثة اطلاق النص والفتوى يقتضى أنه لا يجب التماثل في الخرص بين ثمرتها بعد الجفاف وثمنها، بمعنى أنه لا يجب مطابقة ثمرتها جافة للتمربل المعتبر في الجواز بيعها بظن الخارص وتخمينه لها تمرا، يعنى أن ما فيها من البسر والرطب إذا جف يبلغ هذا القدر تمرا فتباع ثمرتها بهذا المقدار تمرا من غيرها أو منها مع الاحتمال المتقدم، ولا يجب مطابقة هذا التقدير الثمرة بعد الجفاف، بحيث أنه لو زادت أو نقصت عن ذلك بطل البيع، بل البيع صحيح، وان لم تحصل المطابقة وقيل: يعتبر المطابقة فلو اختلفا تبين بطلان البيع، والظاهر ضعفه لاطلاق النص بما ذكرناه، ويأتى على هذا القول أنه لا يجوز التصرف في ثمرة التخلة بالاكل ونحوه، حتي يستعلم المطابقة وعدمها بالجفاف، واطلاق النص بدفعه، هذا هو المشهور في معنى عدم وجوب المماثلة بين ثمرتها وثمنها. وقال العلامة في التذكرة: ان المعتبر المماثلة بين ما عليها رطبا، وبين الثمن تمرا، فيكون بيع رطب بتمر متساويا، وجعل هذا مستثنى من بيع الرطب بالتمر متساويين. الرابعة الظاهر أنه لا خلاف في عدم العرية في غير النخل، بل نقل في المسالك الاتفاق على ذلك، قال: وانما يظهر الفايدة لو منعنا من بيع ثمر باقى الشجر بجنسه جافا كما هو المختار، وأما على ما ذهب إليه المصنف من الجواز، فمتى نفى العرية أنه لا خصوصية لها حتى يتقيد بقيودها، بل يجوز بيع الثمرة اتحد الشجر أم تعدد، في الدار وغيرها بجنس ثمرها متماثلا انتهى. وملخصه أن العرية كما عرفت مستثناه من المزابنة، والاستثناء انما يتجه على القول بالعموم في المزابنة للنخل وغيره، كما اختاره (قدس سره) وقبله الشهيد حسبما قدمنا ذكره والله العالم. المسألة السادسة لو كان بين اثنين أو أكثر نخل أو شجر فيتقبل بعضهم

[ 362 ]

بحصة الباقين بشئ معلوم كان جايزا، وليس هذا من قبيل البيع، وانما هي معاوضة مخصوصة تسمى بالقبالة وهى مستثناة من المزابنة والمحاقلة. والاصل فيها جملة من الاخبار، منها ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) بطرق عديدة فيها الصحيح وغيره، عن يعقوب بن شعيب (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل، فيقول احدهما لصاحبه اما ان تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى أو تعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، واما ان آخذه انا بذلك ؟ وأرده عليك قال: لا بأس بذلك " وفى بعض روايات الخبر بحذف " وارد عليك ". وما رواه في الكافي. في الصحيح أو الحسن عن الحلبي " قال اخبرني أبو عبد الله (عليه السلام) ان اباه (عليه السلام) حدثه ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اعطى خيبرا بالنصف ارضها ونخلها فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة، فقوم عليهم قيمة، فقال لهم: اما ان تأخذوه وتعطوني نصف الثمن، واما ان اعطيكم نصف الثمن وآخذه، فقالوا بهذا قامت السموات والارض " وفى التهذيب عوض " الثمن " في الموضعين " الثمرة " والظاهر ان ما في التهذيب هو الاقرب قال في الوافى بعد ذكر ذلك: والثمن اوفق للقيمة، والثمرة انسب بالخرص، كما يأتي. وعن ابى الصباح الكنانى (3) في الصحيح " قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان النبي (صلى الله عليه وآله) لما افتتح خبير تركها في ايديهم على النصف فلما بلغت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة إليهم فخرص عليهم فجاؤوا إلى النبي


(1) الكافي ج 5 ع 193 مع اختلاف يسير التهذيب ج 7 ص 91 الفقيه ج 3 ص 142. (2) الكافي ج 5 ص 266 التهذيب ج 7 ص 193. (3) الكافي ج 5 ص 267.

[ 363 ]

(صلى الله عليه وآله) فقالوا له: قد زاد علينا فأرسل إلى عبد الله بن رواحة فقال: ما يقول هؤلاء فقال: قد خرصت عليهم بشئ فان شاؤوا يأخذون بما خرصنا وان شاؤوا أخذنا، فقال رجل من اليهود: بهذا قامت السموات والارض ". والظاهر أن ما اشتملت عليه هذه الروايات بالدخول تحت الصلح أنسب، وبذلك صرح في الدروس: قال في المسالك: وظاهر الاصحاب ان الصيغة تكون بلفظ القبالة، وان لها حكما خاصا زايدا على البيع والصلح، بكون الثمن والمثمن واحدا وعدم ثبوت الربا زاد أو نقص، ووقوعه بلفظ التقبيل، هو خارج عن صيغتي العقدين وفى الدروس أنه نوع من الصلح، ولا دليل عليه، كما لادليل على ايقاعه بلفظ التقبيل أو اختصاصه به، وانما المعلوم من الرواية أنه معاملة على الثمرة، وانه لازم بحيث يملك المتقبل الزايد، ويلزمه لو نقص. انتهى. أقول: اما نفى البيع عن هذه المعاملة فظاهر لما ذكره، واما نفي الصلح فغير ظاهر، لانه لا ينحصر في لفظ الصلح وان اشتهر ذلك بينهم، بل يصح ذلك بأى لفظ افاد فايدته، ومرجع هذه المعاملة إلى التراضي بين الشريكين بأن يأخذ كل منهما نصف ذلك المشترك مثلا، بمعنى ان ما يستحقه أحد الشريكين في ذلك النصف الذى لشريكه، عوض ما يستحقه الاخر في النصف الاخر، وهذا هو الصلح بلا اشكال، والربا مخصوص بالبيع كما تقدم، فلا يضر في هذه المعاملة ونحوها. ثم ان جملة من الاصحاب منهم العلامة في الارشاد والشهيد في الدروس قيدوا هذه المعاملة بشرط السلامة، قال المحقق الاردبيلى (قدس سره) في شرح الارشاد في شرح قول المصنف " والتقييد بشرط السلامة " ما لفظه: ظاهر المتن أنه مشروط لزومه بالسلامة من الافة، فلو نقص بها له أن لا يعطى الاحصة الشريك مما حصل، وان زاد فالزيادة له، ويحتمل أن يكون المراد بالشرط عدم الافة، بحيث تذهب بالكلية (1)


(1) قال: ويجوز تقبيل الشريك بحصة صاحبه من الثمرة بخرص معلوم وان كان منها، وهو نوع من الصلح لا بيع، وقراره مشروط

[ 364 ]

وهو بعيد، والظاهر أن المراد الاعم، لكن لا يشمل النقص الذى حصل من التخمين والغلط فيه، مع انه محتمل، ويحتمل ان يكون السلامة كناية عن الموافقة من غير زيادة ونقصان، فيكون النقص والزيادة مشتركا بينهما والظاهر من الرواية هو اللزوم مطلقا، فكأنه راجع إلى معاملة تكون بحسب الطالع النقص والزيادة سواء بسواء،. انتهى، وما ذكره من الظاهر من الرواية هو الظاهر الذى يقتضيه اطلاق النصوص المتقدمة. واورد ابن ادريس على اصل الحكم بأن هذا التقبيل ان كان بيعا لم يصح، لكونه مزابنة، وان كان صلحا لم يصح، لكون العوض مشروطا من نفس الثمرة للغرر وان كان في الذمة فهو لازم، سواء بقيت الثمرة أو تلفت. واجيب بالتزام كونه صلحا والغرر محتمل للنص، وحينئذ فإذا تلف منه شئ يلزم تلف بعض العوض المشروط، فإذا لم يتحقق ضمانه لم يجب العوض، واجيب ايضا بالتزام انه ليس بصلح ولا بيع، بل هو معاملة خاصة ورد بها النص فلا يسمع ما يرد على طرفي الاحتمال لخروجها عنهما. اقول: والجواب الثاني لا يخلو من قوة وان كان الاول ايضا بالتقريب الذى قدمناه ممكن، والله العالم. المسألة السابعة المشهور انه يجوز بيع الزرع قائما على اصوله، سواء بلغ الحصاد ام لا، أو قصد قصلة ام لا، لانه عين مملوكة قابلة للنقل، ونقل عن الصدوق المنع الا ان يكون سنبلا أو قصد قطعه، وكذا يجوز بيعه محصودا وان لم يعلم


بالسلامة. انتهى وظاهره انه لو هلكت الثمرة بأجمعها فلا شئ على المتقبل ودليله غير واضح، بل ظاهر اطلاق الاخبار الواردة في المسألة خلاف ذلك كما ذكرناه في الاصل منه رحمه الله.

[ 365 ]

قدر ما فيه، لانه حينئذ غير موزون ومكيل، فيكفي فيه المشاهدة، وكذا يجوز بيعه قصيلا أي يباع بشرط القطع، لعلف الدواب ونحوه، وحينئذ فإذا باعه كذالك وجب على المشترى قصله حسب الشرط، فلو يقصله تخير البايع بين قصله وتفريغ أرضه منه، لانه ظالم " ولا عرق لظالم " (1) وبين تركه والمطالبة باجرة الارض عن المدة التى بقى فيها بعد امكان قصله مع الاطلاق، أو المدة التى تراضيا على اشتراطها للقصل مع التعيين. ولو وقع الشراء لاجل القصل قبل أوان قصله، وجب على البايع الصبر إلى اوانه مع الاطلاق، أو إلى المدة المعينة ان وقع التعيين، ومقتضى اطلاق كلام الكثير جواز تولاى البايع القطع مع امتناع المشترى، ووجوبه عليه وان قدر على الحاكم، ورجح بعضهم توقفه على اذن الحاكم، حيث يمتنع المشترى ان امكن وجود الحاكم، والاجاز له مباشرة القطع دفعا للضرر، أو ابقاوه والمطالبة باجرة الارض كما تقدم. والذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام ما رواه ثقة الاسلام والشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بأن تشترى زرعا اخضر ثم تتركه حتى تحصده ان شئت أو تعلفه من قبل ان يسنبل وهو حشيش، وقال: لا بأس ايضا ان تشترى زرعا قد سنبل وبلغ بحنطة ". وعن حريز عن بكير بن اعين (3) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيحل شراء الزرع الاخضر ؟ قال: نعم لا بأس به ". وبالاسناد عن حريز عن زرارة (4) مثله، " وقال: لا بأس ان اشترى الزرع


(1) المستدرك ج 3 ص 149. (2) (3) (4) الكافي ج 5 ص 247 التهذيب ج 7 ص 142 و 143.

[ 366 ]

أو القصيل اخضر ثم تتركه ان شئت حتى يسنبل ثم تحصده، وان شئت ان تعلف دابتك قصيلا فلا بأس به قبل ان يسنبل، فاما إذا سنبل فلا تعلفه رأسا فانه فساد " أقول: رأسا يعنى حيوانا. وعن زرارة (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في زرع بيع وهو حشيش ثم سنبل ؟ قال: لا بأس إذا قال: ابتاع منك ما يخرج من هذا الزرع، فإذا اشتراه وهو حشيش فان شاء اعفاه، وان شاء تربص به ". وما رواه في التهذيب عن سليمان بن خالد (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: لا بأس بأن تشترى زرعا اخضر، فان شئت تركته حتى تحصده، وان شئت بعته حشيشا ". وما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن سماعة في الموثق " قال: سألته عن شراء القصيل يشتريه الرجل فلا يقصله ويبدو له في تركه حتى يخرج سنبله شعيرا أو حنطة، وقد اشتراه من أصله " على أن ما به من خراج فهو على العلج " فقال: ان كان اشترط حين اشتراه ان شاء قطعه وان شاء تركه، كما هو حتى يكون سنبلا، والا فلا ينبغى له أن يتركه حتي يكون سنبلا ". أقول: في قوله " على أن ما به من خراج فهو على العلج " اختلافات في الكتب الاربعة وما هنا في التهذيب وفى الاستبصار " على أربابه خراج أو هو على العلج " وفى الكافي " على أربابه فهو على العلج " وفى الفقيه. وما كان على أربابه من خراج فهو على العلج، والمعاني متقاربة ومرجع الجميع إلى أنه اشتراه على أن يكون الخراج على البايع، دون المشترى فان الزارع والاكرة كانوا يومئذ من كفار


(1) الكافي ج 5 ص 275. (2) التهذيب ج 7 ص 144. (3) الكافي ج 5 ص 275 ولكن فيه " على أن ما به من خراج على العلج " التهذيب ج 7 ص 142 الفقيه ج 3 ص 148.

[ 367 ]

العجم، وهو المعروفون بالعلوج. وروى هذا الخبر أيضا في الكافي. والتهذيب بسند صحيح إلى سماعة (1) وزاد فيه " فان فعل فان عليه طسقه ونفقته، وله ما خرج منه ". وما رواه المشايخ الثلاثة عن سماعة (2) في الموثق " قال: سألته عن رجل زرع زرعا مسلما كان أو معاهدا وانفقه فيه نفقه، ثم بداله في بيعه لنقلة ينتقل من مكانه أو لحاجة، قال: يشتريه بالورق فان اصله طعام ". وما رواه في التهذيب. عن معلى بن خنيس (3) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اشترى الزرع فقال: إذا كان قدر شبر ". وعن معاوية بن عمار (4) في الموثق " قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تشتري الزرع ما لم يسنبل فإذا كنت تشترى اصله فلا بأس بذلك أو ابتعت نخلا فابتعت اصله ولم يكن فيه حمل لم يكن به بأس ". وما رواه في الفقيه. عن أبى بصير (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن الحنطة والشعير أشترى زرعه قبل ان يسنبل وهو حشيش ؟ قال: لا، الا ان تشتريه لقصيل تعلفه الدواب ثم تتركه ان شاء حتى يسنبل ". وما رواه في الكافي، والتهذيب عن اسماعليل بن الفضل (6) " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بيع حصايد الحنطة والشعير وساير الحصايد قال: حلال فليبعه ان شاء ". والكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع الاول ظاهرا أكثر هذه الاخبار الدلالة على صحة ما هو المشهور بين الاصحاب مما قدمنا نقله عنهم، والظاهر


(1) (2) الكافي ج 5 ص 275 التهذيب ج 7 ص 142 و 143. (3) (4) التهذيب ج 7 ص 144. (5) الفقيه ج 3 ص 149. (6) الكافي ج 5 ص 277 التهذيب ج 7 ص 141.

[ 368 ]

أن مستند الصدوق فيما تقدم نقله عنه هو رواية أبى بصير المذكورة، حيث انها دلت على النهى عن شراء الزرع قبل أن يسنبل الا أن تشتريه للقصل، فانه يجوز وان تركه بعد ذلك حتى يسنبل، وأنت خبير بانها معارضة بجملة مما تقدم من اخبار المسألة، مثل صحيحة الحلبي أو حسنته، ورواية بكير بن اعين ورواية زرارة الاولى والثانية ونحوها، فانها قد اشتركت في الدلالة على جواز الشراء قبل أن يسنبل، وان لم يقصد قصله، بل ظاهر صحيحة الحلبي أو حسنته تجويز شرائه بقصد بقائه حتى يحصد، أو بقصد قطعه لعلف الدواب. وبالجملة فان الظاهر هو القول المشهور، والرواية المذكورة لا تبلغ قوة في معارضة ما ذكرنا من الاخبار، ولم أقف على من تعرض للجواب عنها، بل قل من نقل خلاف الصدوق في هذا المقام، ولا يحضرني الان وجه للجواب عن الرواية المذكورة، الا الحمل على الكراهة، بناء على قواعد الاصحاب في هذا الباب. الثاني ما دل عليه موثقة سماعة الاول من أنه متى اشتراه قصيلا ثم يبدو له في تركه حتى يخرج سنبله، فانه لا يجوز ذلك الا أن يكون اشترط الابقاء، أو الاختيار بين قطعه وابقائه، والا فلا يجوز له أن يتركه هو مستند الاصحاب فيما قدمنا نقله عنهم من أنه متى بيع لاجل القصل فانه يجب ازالته على الوجه المتقدم، مضافا إلى الاخبار العامة في منع التعدي والتصرف في ملك الغير بغير الوجه المشروع. وأما الرضا بذلك وأخذ الاجرة على بقائه تلك المدة فيستفاد من أدلة آخر في أمثاله، ولفظ لا ينبغي في الخبر المذكور مراد به التحريم، كما هو شايع الاستعمال في الاخبار. الثالث ما دل عليه موثق معاوية بن عمار من النهى عن شراء الزرع ما لم

[ 369 ]

يسنبل ربما أو هم مذهب الصدوق المتقدم ذكره، وليس كذلك، بل المراد بالزرع فيه انما هو الحاصل، وقد تقدم أنه لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه، وأما إذا اشترى أصله يعنى ما ظهر منه فلا بأس، لكن لابد من اشتراط ابقائه على البايع، وصحة البيع في هذه الصورة مما لا اشكال فيها، لان المبيع موجود مشاهد، وما يحصل منه تابع. وقيل ان المراد باصل في قوله " فإذا كنت تشترى أصله " انما هو البذر المزروع وفى ذكر مثال النخل اشارة إلى ذلك، بمعنى ان شراء البذر المزروع مثل شراء النخل في تبعية الحاصل للاصل. أقول: وكيف كان فلابد من اشتراط البقاء ليترتب عليه اخذ الحاصل. الرابع ما دل عليه خبر اسماعيل بن الفضل من صحة بيع حصايد الحنطة والشعير، يمكن أن يكون مستندا لما تقدم نقله عنهم من أنه يجوز بيع الزرع محصودا وان لم يعلم قدر ما فيه، لانه على تلك الحال ليس بمكيل ولا موزون، وما دل عليه من جواز بيعه بحنطة أو شعير منه وهى المزابنة المنهى عنها، الا أن يخصص بما دل على المنع، وقد عرفت مما تقدم في المسألة واختلاف الاخبار فيها ما في ذلك من الاشكال. الخامس ما دلت عليه موثقة سماعة الثانية من الامر بشراء الزرع بالورق، معللا بأن أصله الطعام اشارة إلى حصول الربا المعنوي ينبغى حمله على ما إذا سنبل وبدا صلاحه، لانه قبل ذلك حشيش لا مانع من بيعه بأى شئ كان، كما تقدم ذكره في الموضع الخامس من المسألة الرابعة، وحينئذ فلابد من حمله على المحاقلة، وهو بيع السنبل بحنطة منه أو من غيره، وأنه لا يباع الا بالورق ونحوه، لئلا يكون محاقلة. الا أنك قد عرفت ورود جواز ذلك في النصوص، ومنها هنا قوله في آخر صحيح الحلبي أو حسنتة " ولا بأس بأن يشترى قد سنبل بحنطة " وقوله في رواية

[ 370 ]

اسماعيل بن الفضل " في حصايد الحنطة أو الشعير فليبعه بما شاء " الا أن يخصص المحاقلة المحرمة بما إذا كان الحنطة من ذلك الزرع المبيع، وتحمل هذه الاخبار على ما إذا كان من غيره، أو يحمل هذا الخبر ونحوه على الكراهية جمعا، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك. السادس ينبغي أن يعلم أن ما ذكر في شراء الزرع قصيلا يجرى أيضا فيما لو اشترى نخلا بشرط القطع ثم لم يقطعه حتى أثمر، فان الاحكام المتقدمة جارية فيه. والى ذلك يشير قوله في موثق معاوية بن عمار " أو ابتعت نخلا فابتعته أصله ولم يكن فيه حمل ". ومن الاخبار الواردة في خصوص النخل ما رواه الشيخ في الصحيح عن هارون ابن حمزة (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) الرجل يشترى النخل ليقطعه للجذوع فيغيب الرجل ويدع النخل كهيئة لم يقطع، فيقدم الرجل وقد حمل النخل، فقال: له الحمل يصنع به ما شاء الا أن يكون صاحب النخل كان يسقيه ويقوم عليه " ورواه الكليني مثله، وعن هارون بن حمزة في الموثق (2) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشترى النخل ليقطعه للجذوع فيدعه فيحمل النخل، قال: هو له الا ان يكون صاحب الارض سقاه وقام عليه " وروى في الفقيه (3) مرسلا " قال: سأله سماعة أن اشترى رجل نخلا ليقطعه " الحديث. وبمضمون هذه الاخبار قال الشيخ في النهاية. فقال: إذا اشترى نخلا على أن يقطعه أجذاعا فتركه حتى أثمر، فثمرته له دون صاحب الارض، وان كان صاحب الارض ممن قام بسقيه ومراعاته كان له أجرة المثل، وتبعه ابن البراج وهو قول


(1) الكافي ج 5 ص 297 التهذيب ج 7 ص 206. (2) التهذيب ج 7 ص 90. (3) الفقيه ج 3 ص 150 مع تفاوت يسير.

[ 371 ]

ابن الجنيد أيضا، وأبى جعفر بن بابويه في المقنع، وقال: ابن ادريس لا يستحق صاحب الارض اجرة على السقى والمراعاة، لانه متبرع بذلك، الا أن يأمره صاحب النخل، فيكون له أجرة المثل وتبعه على ذلك من تأخر عنه، لانه الاوفق بالقواعد الشرعية، ولهذا انه اعتذر في المختلف. للشيخ بعد أستدل له بالرواية الاولى بأنه ليس في كلام الشيخ ولا الرواية ذكر التبرع، فيحمل على ما إذا كان العمل باذنه، أو تحمل الاجرة على أجرة الارض لا العمل. انتهى. قال: بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: (1) ولعل عدم ذكر الاجرة هنا لانه كان للمالك أن يقطع النخل، فلما يقطعه فكأنه رضى ببقائه مجانا، والمشهور بين الاصحاب استحقاق الاجرة، انتهى. وفيه أن رضاه ببقائه لعله انما هو القصد أخذ الاجرة، وتحصيل النفع بذلك، ومن ثم كان المشهور الحكم باستحقاق الاجرة كما تقله. وينبغي أن يعلم أن الجارى في كلام الاصحاب ذكر مسألة جواز أكل المار بالثمار منها وعدمه في هذا الموضع، ونحن قد مناها في مسائل المقدمة الرابعة، وهى المسألة الخامسة منها، فليرجع إليها من أحب الوقوف عليها والله العالم. الفصل التاسع في بيع الحيوان وتحقيق البحث فيه يتعلق بمن يصح تملكه ومن لا يصح، والاحكام المترتبة على الابتياع، وما يلحق بذلك ويترتب عليه، فالكلام يقع هنا في مقصدين. الاول فيمن يصح تملكه ومن لا يصح، وفيه مسائل الاولى كل حيوان مملوك أناسى أو غيره يصح بيعه أجمع، وبيع جزء منه معلوم مشاع، كنصف


(1) وهو الاردبيلى، منه رحمه الله.

[ 372 ]

أو ثلث ونحوهما، لامعين كيده ورجله ونحوهما، ودليل الاول بعد الاجماع العمومات والاصل وورود ذلك في خصوص بعض الافراد وعدم المانع شرعا، ودليل الثاني بعد الاجماع على العدم عدم امكان الانتفاع بذلك الجزء المعين، الا ما سيأتي انشاء الله تعالى في استثناء الرأس والجلدة من الحيوان الغير الاناسي، وهو ظاهر الا مع وجود مانع كالاستيلاد والوقف والاباق من غير ضميمة، وعدم القدرة على التسليم، والاناسى من الحيوان أن يملك بالسبي مع الكفر الاصلى وخرق الذمة ان كان ذميا، واحترز بالكفر الاصلى عن كفر المرتد فانه وان كان بحكم الكافر في جملة من الاحكام الا أنه لا يجوز سبيه، وفى جواز بيع المرتد الملى قول قواه في الدروس. أما الفطري فلا قولا واحدا فيما أعلم. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه في الكافي في الصحيح عن رفاعة النخاس (1) " قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام): ان الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجوارى والغلمان فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار فما ترى في شرائهم ؟ ونحن نعلم أنهم قد سرقوا وانما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم ؟ فقال: لا بأس بشرائهم، انما أخرجوهم من الشرك إلى دار الاسلام " ورواه الشيخ مثله (2) وعن ابراهيم بن عبد الحميد (3) " عن أبى الحسن (عليه السلام) في شراء الروميات ؟ فقال: اشترهن وبعهن ". وعن زكريا بن آدم (4) " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قوم من العدو إلى أن قال قال: وسألته عن سبى الديلم يسرق بعضهم من بعض، ويغير المسلمون


(1) و (3) و (4) الكافي ج 5 ص 210. (2) التهذيب ج 7 ص 77.

[ 373 ]

عليهم بلا امام، أيحل شراؤهم ؟ قال: إذا أقروا بالعبودية فلا بأس بشرائهم ". وفى هذه الاخبار دلالة على جواز شراء ما يسبيه الظالم من اهل الحرب ويسرقه ". وما رواه في الكافي عن زكريا بن آدم (1) عن الرضا (عليه السلام) في حديث " قال: وسألته عن قوم من أهل الذمة اصابهم جوع فأتاه رجل بولده فقال: هذا لك فأطعمه وهولك عبد، فقال: لا تبتع حرا فانه لا يصلح لك ولا من أهل الذمة " ورواه الشيخ مثله (2) وهو ظاهر في تحريم استرقاق اهل الذمة متى كانوا قائمين شرائط الذمة. وعن عبد الله اللحام (3) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشترى من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها ؟ قال: لا بأس ". وبهذا الاسناد (4) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها أم ولد فقال: لا بأس ". وخص الشيخ وغيره هذين الخبرين بأهل الحرب، كثير من أصحابنا انما عبروا في هذا المقام بأهل الحرب. وينبغى أن يعلم انه ليس المراد بأهل الحرب يعني من نصب القتال للمسلمين كما هو ظاهر اللفظ، بل المراد انما هو من خرج عن طاعة الله ورسوله بثبوته على الكفر وان لم يقع منه الحرب، بمعنى القتال. قيل: والى هذا المعنى أشار قوله تعالى (5) " انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " الاية وحينئذ فلا فرق في ذلك بين الذمي الغير القائم بشرائط الذمة، ولا غيره من الكفار والمشركين، وحيث يملكون بالسبي بما قد قدمنا ذكره، فانه يسرى الرق في أعقابهم وان أسلموا بعد الاسر، ما لم يعرض لهم سبب موجب للحرية


(1) الكافي ج 5 ص 210. (2) (3) (4) التهذيب ج 7 ص 77. (5) سورة المائدة الاية 33.

[ 374 ]

من عتق أو كتابة أو تنكيل أو نحو ذلك، ولا خلاف في ذلك نصا وفتوى !. والمسبي في حال الغيبة وان كان للامام خاصة، لانه مغنوم بغير اذنه وكلما كان كذلك فهو من الانفال، الا أنهم أذنوا للشيعة خاصة في تملكه، وكذا في غيره من أموال الانفال وغيرها. وأما غير الشيعة فالذي يفهم من كلام الاصحاب أنه يحكم لهم بظاهر الملك للشبهة كتملك الخراج والمقاسمة، فلا يؤخذ منه بغير رضاه مطلقا، وهذا الحكم منهم (رضوان الله عليهم) جار على الحكم باسلامهم، واجراء احكام الاسلام عليهم والمفهوم من الاخبار خلافه، الا مع عروض الخوف والتقية (والله العالم). المسألة الثانية الظاهر أنه لا خلاف في أنه يستقر للرجل ملك أصوله ولا فروعه ولا المحارم من الاناث، بمعنى أنه وان ملكهم الا أنهم ينعتقون عليه بالشراء وربما عبروا بأنه لا يملكهم، والمراد ملكا مستقرا والا فان الانعتاق فرع الملك فكأنه يدخل في الملك آنا ما بعد الشراء، ثم ينعتق، قيل: ولو لا مراعاة القاعدة المشهورة من أنه لاعتق الا في ملك لامكن الحكم بالعتق بنفس الشراء، كما هو ظاهر الاخبار، كذا ذكره بعض المحققين، وأنت خبير بأنه وان كان ظاهر بعض الاخبار ما ذكره من أنه ينعتق بنفس الشراء، الا أن ظاهر بعض آخرها أيضا ترتب العتق على الملك، بمعنى أنه بالشرا، يملكه، وبالملك يحصل العتق، كما أشرنا إليه مثل قوله (عليه السلام) " في بعضها إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته عتقوا " الخبر وقوله " (2) إذا ملكهن عتقن " ونحوهما غيرهما مما رتب فيه العتق على الملك لا على مجرد الشراء وحينئذ فيحل مما أطلق من الاخبار على المقيد، وبه يتم ما أشرنا إليه أولا. والمراد بأصول الرجل الابوان وآبائهما وان علوا، وفروعه الاولاد ذكورا


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 243.

[ 375 ]

وأناثا وان نزلوا، وبالمحارم مثل العمة والخالة (1) والاخت وبنات الاخت، وبنات الاخ. وهل ينسحب الحكم إلى الرضاع ؟ قولان: فذهب الشيخ في النهاية إلى ان كل من ينعتق عليه من جهة النسب لا يصح تملكه من جهة الرضاع، وبه قال ابن البراج، وابن حمزة، والصدوق في كتاب المقنع في باب العتق منه. وقال في الخلاف: إذا ملك أمه أو أباه أو أخته أو بنته أو عمته أو خالته من الرضاع عتقن كلهن، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وذهب إليه بعض اصحابنا. وقال المفيد في المقنعة في باب السرارى ولا بأس ان يملك الانسان امه من الرضاعة، واخته منه وابنته وخالته، وعمته منه، لكن بحرم عليه وطيهن، بنحو ذلك صرح ايضا في ابتياع الحيوان من الكتاب المذكور، وتبعه في ذلك سلار وابن ادريس. وقال ابن ابى عقيل: لا بأس بملك الام والاخت من الرضاعة وبيعهن، انما يحرم منهن ما يحرم في النسب في وجه النكاح فقط، وهو كما ترى يرجع إلى مذهب الشيخ المفيد، وظاهر ابن الجنيد انه لا يملك من يحرم عليه من الرضاع تملك العبيد، فان ملكهم لم يبعهم الا عند ضرورة إلى اثمانهم، وجعله آخر ما يباع في الدين عليه، والى القول الاول ذهب العلامة في المختلف وغيره والمحقق، والظاهر انه المشهور بين المتأخرين، وهو الاظهر كما سيظهر لك انشاء الله. وتملك المراة كل قريب عدا الاباء وان علوا، والاولاد وان سفلوا، اتقافا في النسب، وفى من كان كذلك رضاعا قولان: كما تقدم، والخلاف الخلاف


(1) والمراد بالعمة والخالة ما هو اعم من ان يكون عمته أو عمة ابيه أو عمة جده، أو عمة امه أو عمة ابيها أو جدتها وهكذا في الخالة ومرجع الجميع إلى تحريم اولاد الجد والجدة، منه رحمه الله.

[ 376 ]

والفتوى كما سبق، وأما ما عدا من ذكر في الرجل والمرأة، فانه يصح تملكه. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المسألة منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى بصير وابى العباس وعبيد كلهم (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو عمته أو خالته أو بنت اخيه أو بنت اخته، وذكر اهل هذه الاية (2) " من النساء " عتقوا جميعا ويملك عمه وابن اخيه الخال، ولا يملك امه من الرضاعة، ولا اخته ولا عمته ولا خالته فانهن إذا ملكن عتقن، وقال: ما يحرم من النسب، فانه يحرم من الرضاعة، وقال: يملك الذكور ما خلا والدا وولدا ولا يملك من النساء ذوات رحم محرم، قلت: يجرى في الرضاع مثل ذلك ؟ قال: نعم يجرى في الرضاع مثل ذلك "، ورواه الصدوق بأسانيده عن ابى بصير وابى العباس وعبيد بن زرارة مثله. ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي وابن سنان (3) عن ابا عبد الله (عليه السلام) " عن امرأة أرضعت ابن جاريتها قال: تعتقه " ورواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله (4). وما رواه في الكافي عن عبيد بن زرارة في الصحيح (5) " قال سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما يملك الرجل من ذوي قرابته فقال: لا يملك والديه ولا أخته، ولا ابنة أخيه ولا ابنة أخته، ولا عمته ولا خالته، ويملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوى قرابته، ولا يملك أمه من الرضاعة " والظاهر ان ذكر الام خرج مخرج التمثيل، لا الاختصاص، كما سيظهر لك انشاء الله تعالى.


(1) التهذيب ج 8 ص 243. (2) سورة النساء الاية 23. (3) (4) الوسائل الباب 8 من ابواب العتق الرقم 2 1. (5) الوسائل الباب 7 من أبواب العتق الرقم 4.

[ 377 ]

وما رواه عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته عتقوا عليه، ويملك أخاه وعمه وخاله من الرضاعة ". وعن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: لا يملك الرجل والديه ولا ولده ولا عمته ولا خالته، ويملك أخاه وغيره من ذوى قرابته من الرجال ". وعن عبد الله سنان (3) قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ترضع غلاما لها من مملوكة حتى تفطمه، يحل لها بيعه ؟ قال: لا، حرم عليه ثمنه، قال: ثم قال: أليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، أليس قد صار ابنها، فذهبت أكتبه فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ليس مثل هذا يكتب ". والظاهر أن المنع من كتابته لكونه ظاهرا لا يحتاج إلى الكتابة، ووصف هذه الرواية في المسالك بالصحة، وليس كذلك، لان الشيخ رواه عن الحسن بن محمد ابن سماعة، وطريقه إليه غير معلوم. وعن ابى حمزة الثمالى " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ما تملك من قرابتها ؟ قال: كل أحد الا خمسة، أبوها وأمها وابنها وابنتها وزوجها " والظاهر ان جعل الزوج هنا من قبيل هؤلاء باعتبار بقاء الزوجية والا فانها تملكه وتبطل الزوجية اجماعا. وروى في الكافي عن ابن سنان في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام)


(1) (2) الوسائل الباب 7 من ابواب العتق الرقم 2 1. (3) الوسائل الباب 8 من ابواب العتق الرقم 3. (4) الوسائل الباب 9 من ابواب العتق الرقم 1. (5) الكافي ج 5 ص 446.

[ 378 ]

" قال: سئل وأنا حاضر عن امراة أرضعت غلاما. مملوكا لها من لبنها حتى قطعته هل لها ان تبيعه ؟ فقال: لا هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه واكل ثمنه، ثم قال: أليس رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ورواه الشيخ مثله (1). وروى الصدوق في المقنع (2) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): في امرأة أرضعت ابن جاريتها: انها تعتقه " قال وروى " في مملوكة ارضعتها مولاتها بلبنها، انه لا يحل بيعها ". وما رواه على بن جعفر (3) في كتابه عن اخيه موسى (عليه السلام) " قال: سألته عن امرأة ارضعت مملوكها ما حاله ؟ قال: إذا ارضعته عتق ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله (4) في حديث " قال: وسألته عن المرأة ترضع عبدها اتتخذه عبدا ؟ قال: تعتقه وهى كارهة " وروواه الشيخ (5) بسند آخر مثله، الا ان فيه " يعتقونه وهم لها كارهون ". أقول: وهذه الروايات كما ترى ظاهرة الاتفاق فيما قدمنا ذكره من العلاقة النسبية، وان العلاقة الرضاعية ملحقة بها، وجارية في ذلك مجراها كما هن مقتضى مذهب الشيخ ومن تبعه، معللا في جملة منها بالخبر النبوى. وبذلك يظهر ما في كلام ابن أبى عقيل المتقدم ذكره من تخصيصه الحديث النبوى بالنكاح، فانه ناش عن الغفلة عن ملاحظة هذه الاخبار هذا. واما ما يدل على القول الثاني من الاخبار وهو مذهب الشيخ المفيد ومن تبعه فمنها ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان (6) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: إذا اشترى الرجل اباه أو اخاه فملكه فهو حر الا ماكان من قبل الرضاع ".


(1) (2) (3) الوسائل الباب 17 من ابواب ما يحرم بالرضاع. (4) (5) الوسائل الباب 8 من ابواب العتق الحديث 2. (6) التهذيب ج 8 ص 245.

[ 379 ]

وعن الحلبي (1) في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في بيع الام من الرضاعة قال: لا بأس بذلك إذا احتاج ". وعن ابى عتيبة (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له: غلام بينى وبينه رضاع يحل لي بيعه ؟ قال: انما هو مملوك ان شئت بعته وان شئت امسكته، ولكن إذا ملك الرجل أبويه فهما حران ". واجاب الشيخ عن الخبرين الاولين بعد ذكرهما قال: فهذان الخبران لا يعارضان الاخبار التى قدمناها، لانها أكثر وأشد موافقة بعضها لبعض، فلا يجوز ترك تلك والعمل بهذه، مع ان الامر على ما وصفناه، على أنه يمكن ان يكون الوجه فيه انه إذا كان الرضاع لم يبلغ الحد الذى يحرم، فانه والحال على ذلك يجوز بيعها على جميع الاحوال، على ان الخبر الثاني يحتمل ان لا يكون المراد " بالا " الاستثناء، بل يكون " الا " قد استعملت بمعنى الواو، وذلك معروف في اللغة، فكأنه قال: إذا ملك الرجل اباه فهو حر وما كان من جهة الرضاع. واما الخبر الاول فيحتمل ان يكون انما اجاز بيع الام من الرضاع لابي الغلام حسبما قدمناه في خبر اسحاق بن عمار عن العبد الصالح ولا يكون المراد بذلك انه يجوز ذلك للمرتضع، وليس في الخبر تصريح بذلك، بل هو محتمل لما قلناه، وإذا كان كذلك لم يعارض ما قدمناه انتهى. قال المحقق الاردبيلى بعد نقله: وهذه التأويلات وان كانت بعيدة الا انه لما قوى الحكم الاول والطرح غير مستحسن عنده وان كانت الاخبار ضعيفة ونادرة فليس ببعيد ارتكابها، ولكن لابد من حمل عدم تملك الاخ في الخبر الثاني ايضا. انتهى. اقول: والاقرب عندي هو حمل هذه الاخبار على التقية لما تقدم في كلام.


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 245 و 244.

[ 380 ]

الشيخ في الخلاف. من ان ذلك مذهب جميع الفقهاء وحينئذ فلا يحتاج إلى هذه التكلفات السخيفة التى تمجها الافهام ويبعد نسبتها لهم (عليهم السلام). واما الخبر الثالث من الاخبار المذكورة فالظاهر منه انما هو الاخ الرضاعى وهو ليس من محل الاشكال، ويؤيده استثناء الابوين من الرضاعة في الخبر. وأما ما يدل على تملك من عدا العمودين للرجل من الرجال الاقارب من الاخبار وان كان على كراهية، بمعنى ان الافضل عتقهم، فمن ذلك ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم (1) من قوله (عليه السلام) " ويملك ابن اخيه وعمه وخاله، ويملك اخاه وعمه وخاله من الرضاعة ". وقوله في صحيحة أبى بصير وابى العباس وعبيد المتقدمة (2) " ويملك عمه وابن أخيه وابن أخته والخال إلى أن قال: ويملك الذكور ما عدا الولد " إلى آخره. وقوله عليه السلام، في صحيحة عبيد بن زرارة المتقدمة ايضا بعد ذكره العمودين والاناث المحارم " ويملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوى قرابته " وفى خبر محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال فيه: و " يملك اخاه وغيره من ذوى قرابته من الرجال ". وعن عبد الرحمن بن ابى عبد الله (4) " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتخذ أباه وامه أو أخاه أو أخته عبيدا فقال: اما الاخت ققد عتقت حين يملكها، واما الاخ فيسترقه، واما الابوان فقد عتقا حين يملكهما ". (5)


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 241 و 243. (3) (4) التهذيب ج 8 ص 240. (5) اقول وهذا الخبر ايضا ظاهر فيما قدمنا ذكره من ان العتق بعد الدخول في الملك، لا بنفس الشراء منه رحمه الله.

[ 381 ]

وفى رواية كليب الاسدي (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " إذا ملكت الابوين فقد عتقا، وقد يملك اخوته فيكونون مملوكين ولا يعتقون ". وما ما ورد في رواية العبيد بن زرارة (2) " قال: لا يملك الرجل اخاه من النسب ويملك ابن اخيه " الحديث فقد حمله الشيخ على الاستحباب. وكذا ما رواه الصدوق عن سماعة (3) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في رجل يملك ذا رحمه هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده ؟ قال: لا يصلح له بيعه ولا يتخذه عبدا وهو مولاه وأخوه في الدين، وأيهما مات ورثه صاحبه الا ان يكون له وارث أقرب إليه منه ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن سماعة (4) في الموثق ايضا " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يملك ذارحم هل يحل لم أن يبيعه أو يستعبده ؟ قال: لا يصلح له أن يبيعه وهو مولاه واخوه، فان مات ورثه دون ولده، وليس له أن يبيعه ولا يستعبده ". والظاهر حمل الخبرين المذكورين على من لا ينعتق عليه من المحارم، كالاخ والعم ونحوهما، والمراد حينئذ كراهية بيعه واستخدامه، لاأنه ينعتق عليه بقرينة قوله في الخبر الثاني " فان مات ورثه دون ولده " إذ لا يمكن هذا الا مع بقاء المالكية. ويمكن حمل النهى في الخبر الاول على الاعم من الحرمة والكراهة فيكون شاملا للعمودين ونحوهما من النساء المحارم، الا ان ظاهر قوله هو (مولاه) إلى آخر الخبر مما يعضد المعنى الاول، فان حاصله أنه مولاه، أي وارثه، والميراث في موت العبد ظاهر، وفى موت الحر إذا لم يكن له وارث حر، فانه حينئذ يشترى ويورث، الا أن يكون له وارث أقرب، فانه حينئذ يشترى الاقرب. وكيف كان فان الحكم المذكور لاتفاق الاصحاب عليه، وتكاثر الاخبار


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 241. (3) الفقيه ج 3 ص 80. (4) التهذيب ج 8 ص 242.

[ 382 ]

به كما عرفت مما لا اشكال فيه، ولا شبهة تعتريه، فيجب ارتكاب التأويل في هذه الاخبار الاخيرة بما قلناه. وقد صرح بعض الاصحاب بان قرابة الشبهة بحكم الصحيح، بخلاف قرابة الزنا على الاقوى، قال: لان الحكم الشرعي يتبع الشرع، لا اللغة وهو جيد. ويفهم من اطلاق كلام الاصحاب الرجل والمرأة في هذا المقام أن الصبى والصبية لا يعتق عليهم لو ملكوه، إلى أن يبلغوا والاخبار مطلقة في الرجل والمرأة كذلك، ويعضده اصالة البراءة كذا صرح به شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة. المسألة الثالثة قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يملك اللقيط من دار الحرب إذا لم يكن فيها مسلم يمكن انتسابه إليه ولو كان أسيرا، والا حكم بحريته، لاطلاق الحكم بحرية اللقيط في النصوص، خرج منه ما علم انتفاؤه عن المسلم، فيبقى الباقي. أقول: والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه في الكافي (1) عن عبد الله (عليه السلام) قال: اللقيط لا يشترى ولا يباع ". وما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم (2) في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: سألته عن اللقيط ؟ قال: لا يباع ولا يشترى " وما رواه في الكافي. في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (3) قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اللقيط ؟ فقال: حر لا يباع ولا يوهب ". وما رواه في الكافي عن حاتم بن اسماعيل المدايني (4) عن ابى عبد الله


(1) الكافي ج 5 ص 224. (2) التهذيب ج 8 ص 227. (3) (4) الكافي ج 5 ص 224 و 225 التهذيب ج 7 ص 78 و 79.

[ 383 ]

(عليه السلام) " قال: المنبوذ حرفان احب أن يوالى غير الذي رباه والاه، فان طلب منه الذى رباه النفقة وكان موسرا رد عليه، وان كان معسرا كان ما انفق عليه صدقة ". ونحوه عن عبد الرحمان العزرمى (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) " قال: المنبوذ حر فإذا كبر فان شاء تولى الذى التقطه، والا فليرد عليه النفقة، وليذهب فليوال من شاء ". أقول: واللقيط والمنبوذ هو المولود الذي ينبذ، وظاهر هذه الاخبار الحكم بالحرية مطلقا، وكان مستند استثناء الاصحاب لقيط دار الحرب على الوجه المتقدم هو الاجماع. ويؤيده ما تقدم ذكره في غير موضع من أن اطلاق الاخبار انما تحمل على الافراد المتكثرة الشايعة، ووجود اللقيط في دار الحرب بالشرط المتقدم نادر، بل انما وقع مجرد فرض المسألة، فلا يدخل حينئذ في اطلاق الاخبار المذكورة. ثم انهم ذكروا ايضا أنه لو بلغ من حكم بحريته ظاهرا لكونه ملقوطا من دار الاسلام، أو دار الفكر بالشرط المتقدم فأقر بالرق، فهل يقبل اقراره أم لا ؟ قولان. اختار ثانيهما ابن ادريس، ونقله عن محصلاى الاصحاب فقال: لا يقبل اقراره عند محصلى أصحابنا، وهو الصحيح لان الشارع حكم عليه بالحرية. وقال: بعضهم: يقبل، لان " اقرار العقلاء على أنفسهم جايز " كما روى عنه (صلى الله عليه وآله) واختاره العلامة في المختلف، فقال بعد نقل قول ابن ادريس


(1) الكافي ج 5 ص 225 التهذيب ج 7 ص و 77. (2) الوسائل الباب 3 من أبواب الاقرار الرقم 2.

[ 384 ]

والاحتجاج على ما ذهب إليه ما لفظه: وحكم الشارع بالحرية بناء على الاصل ما لم يعترف بالعودية، ولافرق بين اللقيط وغيره من المجهول، ولو جاء رجل لا يعرف فأقر بالعبودية يقبل، وقد كان على مذهبه لا يقبل، لانه محكوم عليه بالحرية شرعا، فلا يقبل اقراره بالعبودية، وهذا كله غلط انتهى. والى هذا القول ذهب المحقق في الشرايع والشهيد الثاني في المسالك وغيرهم في هذه الصورة وفى صورة مجهول الحال. أما معروف النسب فيقبل قطعا، والظاهر أنه المشهور بين المتأخرين، وهو الاظهر للخبر المذكور، ولصحيحة عبد الله بن سنان (1) " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان على بن أبى طالب (عليه السلام) " يقول: الناس كلهم أحرار الا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة، ومن يشهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا "، وهو ظاهر في عموم الحكم لمحل البحث. وفيه أشارة إلى أن الاصل في الناس الحرية كما هو ظاهر الاتفاق، ويمكن أن يرجح عدم القبول في اللقيط بعدم علمه بحال نسبه، الا أنه يمكن معارضته باستفادته ذلك بعد البلوغ من أخبار من يوجب له العلم بذلك، أو نحو ذلك. وبالجملة فالاظهر العمل باطلاق الخبرين المذكورين، ولافرق في قبول اقراره بين كون المقر مسلما أو كافرا، وسواء كان المقر له مسلما أو كافرا، وان بيع عليه قهرا كما تقدم. ثم انه مما يدل على الحكم المذكور زيادة على ما ذكرناه ما رواه في التهذيب عن الفضل (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حر أقر أنه عبد قال يؤخذ بما أقر به " وبهذا المضمون رواية محمد بن الفضل الهاشمي (3) وصحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي. (4)


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب العتق الرقم 1. (2) (3) (4) الوسائل الباب 29 من ابواب العتق الرقم 2 و 3 و 4.

[ 385 ]

بقى الكلام في أنه هل يعتبر رشده وقت الاقرار أم لا ؟ فمنهم من اشترطه وهو ظاهر اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك. ومنهم من لم يشترطه من غير تعرض لعدمه، والعلامة في التذكرة في هذا الباب اشترطه، وفى باب اللقطة اكتفى بالبلوغ والعقل، قيل ووجه اشتراطه واضح، لان غير الرشيد لا يعتبر قوله في المال، وهو نفسه مال، ووجه العدم أن اقراره بالرقية ليس اقرارا بنفس المال وان ترتب عليه، كما يسمع اقراره بما يوجب القصاص، وان أمكن رجوعه إلى المال بوجه، ويشكل بما لو كان بيده مال، فان اقراره على نفسه بالرقية، يقتضى كون المال للمقر له، الا أن يقال: بثبوته تبعا لثبوت الرقية، لا لانه اقرار بالمال، والاظهر الاستناد في العدم إلى ظاهر الروايات المتقدمة، فان ظاهرها الاكتفاء بمجرد العقل، كما يشير إليه قوله في صحيحة عبد الله بن سنان وهو مدرك أي بالغ عاقل، وربما قسر بكونه رشيدا والظاهر بعد والله العالم. المسألة الرابعة الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو ملك أحد الزوجين صاحبه فانه ينفسخ الزوجية، ويستقر المالك لمنافات الملك العقد، لان المالك ان كان هو الزوجة، فانه يحرم وطؤ مملوكها لها، وان كان الزوج استباحها بالملك، ولان التفصيل يقطع الشركة (1) وعلل مع ذلك بأن بقاءه يستلزم اجتماع علتين على معلول واحد شخصي ورد بأن علل الشرع معرفة وبأن اختلاف الاسباب يقتضى اختلاف المسببات، ورد بجواز ذلك في أسباب الشرع، وبعدم تماميتها


(1) بمعنى أن التفصيل في حال الوطئ بكونه اما بالعقد أو بالملك أو بالتحليل أو نحو ذلك يقطع الشركة في الاسباب لان كلامنها سبب مستقل برأسه فمتى حصل الملك يعنى ملك الزوج للزوجة كان النكاح بالملك وارتفعت الزوجية لما عرفت منه رحمه الله.

[ 386 ]

في جانب الزوجة. أقول والاظهر الاعراض عن هذه التعليلات الواهية، والرجوع في ذلك إلى الاخبار، فانها في الدلالة على المراد مكشوفة القناع، وهى أولى بالمراعات والاتباع سيما مع تأيدها بالاتفاق كما أشرنا إليه. ومن الاخبار المشار إليها ما رواه في الكافي في الحسن أو الصحيح وفى الفقيه في الصحيح عن محمد بن قيس (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في سرية رجل ولدت لسيدها ثم اعتزل عنها، فأنكحها عبده ثم توفى سيدها وأعتقها فورث ولدها زوجها من أبيه ثم توفى ولدها فورثت زوجها من ولدها فجاءا يختلفان يقول الرجل: امرأتي ولا أطلقها وتقول المرأة عبدى ولا يجامعنى، فقالت المرأة يا أمير المؤمنين ان سيدى تسرانى فأولدني ولدا ثم اعتزلني فأنكحني من عبده هذا، فلما حضرت سيدى الوفاة اعتقنى عند موته وأنا زوجة هذا وانه صار مملوكا لولدي الذى ولدته من سيدى، وان ولدى مات فورثته، فهل يصلح له ان يطأنى ؟ فقال لها: هل جامعك منذ صار عبدك وانت طايعة ؟ قالت: لا يا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لو كنت فعلت لرجمتك، اذهبي فانه عبدك ليس له عليك سبيل، ان شئت ان تبيعي، وان شئت ان ترقى، وان شئت ان تعتقي ". وما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان (2) في الصحيح " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل زوج أم ولد له مملوكه ثم مات الرجل فورثه ابنه فصار له نصيب في زوج أمه، ثم مات الولد أترثه أمه ؟ قال: نعم قلت: فإذا


(1) الكافي ج 5 ص 484 الفقيه ج 3 ص 352 وفيه (لاوجعتك) بدل (لرجمتك). (2) الكافي ج 5 ص 484 و 485.

[ 387 ]

ورثته كيف تصنع وهو زوجها ؟ قال: تفارقه وليس له عليها سبيل وهو عبدها " وعن اسحاق بن عمار (1) في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: في امرأة لها زوج مملوك فمات مولاه فورثته، قال: ليس بينهما نكاح ". وعن سعيد بن يسار (2) في الصحيح " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حرة تكون تحت المملوك فتشتريه هل يبطل نكاحه ؟ قال: نعم، لانه عبد مملوك لا يقدر على شئ ". قالوا وملك البعض كملك الكل، للمنافات واستحالة تبعض البضع وقطع الشركة بالتفصيل أقول: الاجود الاستدلال عليه بصحيحة عبد الله بن سنان المذكورة، فان موردها التبعيض. بقى الكلام في قوله عليه السلام في صحيحة ابن قيس المذكورة " لو كنت فعلت لرجمتك " مع أنها ليست ذات بعل بعد انفساخ العقد، لتستحق الرجم، وحملها بعض مشايخنا (عطرالله مراقدهم) على التهديد على وجه المصلحة تورية أو الرجم بمعنى الشتم والايذاء كما يطلق عليه لغة، يقال: رجمته بالقول: أي رمته بالفحش، وكيف كان فلابد من الحمل على خلاف الظاهر من الخبر لما عرفت. والله العالم. المسألة الخامسة قد تقدم في المسألة الثالثة أن الاظهر الاشهر ان من أقر على نفسه بالعبودية متى كان مكلفا فانه يقبل منه ويحكم بكونه رقا، وحينئذ فلا يقبل منه رجوعه عن ذلك لاشتماله على تكذيب نفسه، وابطال ما أقر به أولا ورفع ما ثبت عليه حتى لو أقام بينة لم تسمع، لانه باقراره، أولا قد كذبها، كذا قطع به العلامة في التذكرة.


(1) الكافي ج 5 ص 485. (2) الكافي ج 5 ص 485.

[ 388 ]

واورد عليه بأنه يشكل ذلك فيما لو اظهر لانكاره تأويلا محتملا، كان قال: اني تولدت بعد انعتاق أحد أبوى وما كنت اعلم بذلك حين اقررت، فانه يبنغى القبول، وسياتى له نظاير. وأولى بالقبول ما لو اقر بالرقية لشخص معين فأنكر المقر له، وسيأتى مثله في الاقرار، كما إذا أقر لاحد بمال فانكر المقر له، فادعاه المقر حين انكاره و وعلى هذا فينبغي سماع بينته بطريق اولى، وهو جيد وكذا لو اشترى عبدا ثابت العبودية فادعى الحرية، فانه لا يقبل دعواه، الا ان هذا يقبل دعواه بالبينة، بخلاف الاول. وتفصيل الكلام في المقام انه متى وجد عبدا أو أمة تباع في الاسواق، فان ظاهر اليد والتصرف يقتضى الملك، ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة " نور الله تعالى مراقدهم) عن حمزة بن حمران (1) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ادخل السوق فأريد ان اشترى جارية فتقول لاى انى حرة فقال اشترها الا ان تكون لها بينة " ووصف هذه الرواية العلامة في التذكر والشهيد الثاني في المسالك بالصحة، وهو سهو محض فان حمزة بن حمران لم يذكره أحد بالتوثيق، بل ولا بالمدح، حتى انه في الخلاصة لم يذكره بالكلية، والنجاشى ذكره ولم يصفه بمدح ولا ذم،. وما رواه في التهذيب والفقيه في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سألته عن مملوك ادعى انه حر ولم يأت ببينة على ذلك اشتريه ؟ قال: نعم ". أما لو وجد في يده وادعى رقيتة ولم يعلم شراؤه ولابيعه، فان كان كبيرا


(1) الكافي ج 5 ص 211 التهذيب ج 7 ص 74. (2) التهذيب ج 7 ص 74.

[ 389 ]

وصدقه على ذلك فكذلك، لما تقدم من الاخبار الدالة على الزامه بما اقر به، وان كذبه لم يقبل دعواه الا بالبينة، عملا بأصالة الحرية، كما تقدم في صحيحة عبد الله بن سنان (1) من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الناس كلهم احرار الا من اقر على نفسه بالعبودية، أو من شهد عليه بالرق " ومثلها غيرها. وان سكت أو كان صغيرا فاشكال، قال العلامة في التذكرة: العبد الذى يوجد في الاسواق يباع ويشترى يجوز شراؤه، وان ادعى الحرية لم يقبل منه ذلك الا بالبينة وكذا الجارية إلى أن قال: أما لو وجد في يده وادعى رقيته ولم يشاهد شراءه له ولا بيعه اياه فان صدقه حكم عليه بمقتضى اقراره، وان كذبه لم يقبل دعواه الرقية الا بالبينة، عملا بأصالة الحرية وان سكت من غير تصديق ولا تكذيب فالوجه أن حكمه حكم التكذيب، إذ قد يكون السكوت لا من غير الرضا، وان كان صغيرا فاشكال، أقر به الحرية فيه. انتهى. ويمكن المناقشة في حكمه في صورة السكوت بأن حكمه حكم التكذيب، بأن يقال: انه متصرف وصاحب يد، ويدعى أمرا ممكنا وللاخبار الكثيرة الدالة على من ادعى دعوى لا معارض لها ولا راد لها كمن ادعى مالا ولا معارض له في دعواه أنه يحكم له بذلك، أو ادعى زوجية امرأة ولم تكذبه، فانه يحكم لها بها، والظاهر أنه لهذا ذهب في التحرير إلى الحكم باليد، كما نقل عنه، وحينئذ فيقبل مجرد دعواه وأما قبولها مع البينة فالظاهر لا اشكال فيه، وأما ما استقربه من الحرية في الصغير فهو جيد، عملا بالاخبار الدالة على أصالة الحرية حتى يثبت الملك. الا أنه يشكل حينئذ شراء العبيد الاطفال من يد البياع، مع دلالة الاخبار والاتفاق على جواز الشراء، والحكم المذكور لا يخلو من شوب الاشكال، كما أشرنا إليه انفا. وقد وقع في عباير بعض الاصحاب انه لا يقبل ادعاء الحرية من المشهور


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب العتق الرقم 1.

[ 390 ]

بالرقية، وفيه اشكال، لان مجرد الشهرة لا تعارض أصالة الحرية المتفق عليها نصا وفتوى، الا أن تحمل الشهرة على ما قدمنا ذكره من رؤيته يباع في الاسواق ونحوه، ولا يخلو من بعد، ويمكن أن يستدل للقول المذكور بظاهر صحيحة العيص المذكورة، بأن يحمل المملوك على من يكون كذلك بحسب الظاهر من الشهرة، الا أنه يحتمل كون ذلك بثبوته بالاقرار أولا أو البينة أو الرؤية يباع في الاسواق ونحو ذلك مما يفيد التملك. والله العالم.

[ 391 ]

المقصد الثاني في الاحكام المترتبة على الابتياع وما يلحق ذلك وفيه أيضا مسائل، الاولى اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بيع الحامل جارية كانت أو دابة، فالمشهور ان الحمل للبايع، سواء علم به أولا، وسواء شرط البايع لنفسه أولا، الا ان يشترطه المشترى، وهو قول الشيخ في النهاية، والشيخ المفيد وسلار وابى الصلاح وابن البراج في الكامل وابن ادريس، وعليه المتأخرون منهم العلامة في المختلف، واحتج عليه بأن البيع تعلق بالام فلا يتناول الحمل، لعدم دلالة اللفظ عليه مطابقة وتضمنا والتزاما، ولان الاصل بقاء ملك البايع عليه، فلا ينتقل عنه الا بسبب، ولم يطرأ ما يزيله من أصله انتهى. وقال الشيخ في المبسوط: إذا باع بهيمة أو جارية حاملا واستثنى حملها لنفسه لم يجز، وتابعه ابن البراج في المهذب وجواهر الفقه على ذلك. وقال ابن الجنيد ويجوز ان يستثنى الجنين في بطن أمه من آدمى أو حيوان وقال ابن حمزة: والاناث من الادمى والنعم إذا كانت حوامل وبيعت مطلقا كان الولد للمبتاع، إلا إذا شرط البايع. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسى: يكون للمبتاع الا إذا شرط البايع وهذا ما وقفت عليه من أقوالهم في المسألة، ونقل عن الشيخ أنه احتج على ما ذهب إليه في المبسوط بأن الحمل جزء من الحامل، يجرى مجرى عضو من اعضائها فيدخل

[ 392 ]

ولا يصح استثناؤه، حتى حكم بفساد البيع لو استثناه البايع، كما لو استثنى جزءا معينا. أقول: وقد نقل بعض المحققين هذا القول عن الشافعي، محتجا بهذه الحجة. وأجاب العلامة في المختلف عن حجة الشيخ المذكورة بالمنع من المساواة بين الحمل وعضو من اعضائها، فانه تصح الوصية للحمل، ويرث ويلحقه أحكام كثير لاتعلق بالاعضاء قال: وهذا الذى ذكره الشيخ كانه الذى لمحه ابن حمزة، والحق خلافه انتهى. أقول: لا يخفى قوة القول المشهور بناء على ما هو مذكور، الا أنه قد روى الشيخ باسناده عن احمد بن محمد بن يحيى عن أبي اسحاق يعنى ابراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني (1) " عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) في رجل أعتق أمة وهى حبلى فاستثنى ما في بطنها، قال: الامة حرة، وما في بطنها حر لان ما في بطنها منها " ورواه الصدوق أيضا باسناده عن السكوني، وهو ظاهر في تبعية الحمل للام، وأنه لا يصلح استثناؤه من حيث أنه منها وجزء من اجزائها كما ادعاه الشيخ ومن تبعه، ولهذا ذهب الشيخ وجماعة في باب العتق إلى سريان عتق الحامل إلى الحمل للرواية المذكورة، وان كان المشهور خلافه ورد هذه الروايات المحقق الاردبيلى (قد سره) بضعف السند الا أنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم أنه غير معتمد. وقد روى الشيخ في الحسن عن الحسن بن على الوشا (2) عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) " قال سألته عن رجل دبر جاريته وهى حبلى فقال ان كان علم بحبل لجارية فما في بطنها بمنزلتها وان كان لم يعلم فما في بطنها رق ". وهو ظاهر في سريان التدبير إلى الولد مع العلم بالحمل وأما مع عدم العلم به فانه يحتمل تأخره من التدبير، والحكم فيه التبعية كما استفاضت به الاخبار


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 236 و 260 الفقيه ج 3 ص 85 و 71.

[ 393 ]

ولهذا نقل الشيخ وجماعة القول بتبعية الولد للام في الصورة المذكورة، ومقتضى كلام الاصحاب في مسألة البيع المذكورة العدم. الا أن هذه الرواية أيضا معارضة بما رواه الشيخ في الموثق عن عثمان بن عيسى الكلالى (1) عن ابى الحسن الاول (عليه السلام) " قال: سألته عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة، فلم تدر المرأة المولودة مدبرة أو غير مدبرة، فقال: لي متى كان الحمل بالمدبرة أقبل أن دبرت أم بعد ما دبرت ؟ فقلت: لست أدرى، ولكن أجنبي فيهما جميعا فقال: ان كانت المرأة دبرت وبها حبل، ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والولد رق، وان كان انما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر في تدبير أمه " ورواه الصدوق مرسلا، وزاد " لان الحمل انما حدث بعد التدبير " وهى ظاهرة في أنه في صورة العلم بالحمل وعدم ادخاله في التدبير لا يسرى التدبير إليه، بل يبقى على الرقية كما هو احد القولين في المسألة. وبالجملة فالمسألة كما عرفت محل اشكال وعلى القول المشهور فحيث يشترط المشترى الحمل يدخل في المبيع وان كان مجهولا، لانضمامه إلى المعلوم، وتبعيته له، وعلى هذا فلا فرق بين ان يقول البايع: بعتك الجارية وحملها، أو شرطت لك حملها، أو بعتك هذه الامة بكذا وحملها، لان الظاهر ان حملها عطف على الامة كما في المثال الاول. ونقل عن العلامة في التذكرة البطلان في الصورة الاولى، لانه مجهول، وفيه ما تقدم تحقيقه سابقا في مسألة الضمايم، من أنه لا يضر جهله مع تبعيته للمعلوم، كما دلت عليه نصوص المسألة حسبما تقدم، ولو كان الحمل غير معلوم وأراد ادخاله في البيع فالعبارة الثانية لاغير، كذا صرح به شيخنا الشهيد الثاني. قال المحقق الاردبيلى بعد نقل ذلك عنه: وكأنه نظر إلى أن بيع ما لم يعلم


(1) التهذيب ج 8 ص 260 الفقيه ج 3 ص 71 مع اختلاف يسير.

[ 394 ]

وجوده غير معقول، بخلاف الشرط وفى الشرط أيضا تأمل، والظاهر أنه يجوز ويؤل إلى تقدير الوجود والسلامة، ولعل مثله إذا كان منضما وتابعا لا يضر، لعموم الادلة والتراضي. انتهى. قالوا. ولو لم يشترطه المشترى واحتمل وجوده عند العقد وعدمه بأن ولدته في وقت يحتمل كونه عند البيع موجودا وعدمه فهو للمشترى، لاصالة عدم وجوده سابقا، فلو اختلفا في وقت البيع كذلك قدم قول البايع بيمينه مع عدم البينة، وهو بناء على القول المذكور. وكذا لو شرطه فسقط قبل القبض أو بعده في زمن خيار الحيوان، فانه يكون من مال البايع، فيرجع المشترى على البياع بنسبته من الثمن، بأن تقوم حاملا ومجهضا أي مسقطا لاحابلا، كما وقع في بعض العبارات كعبارة الشرايع وغيره، ولانه المطابق للواقع، وللاختلاف بين الحالين، فان الاجهاض في الامة عيب ربما نقصت به القيمة، إذ هي في حال الاجهاض مريضة، فيرجع بنسبة التفاوت بين القيمتين كما تقدم تحقيقه. والظاهر أنه لا خلاف في أن البيض تابع للبايض، لا كالحمل، بل هو للمشترى مطلقا، لانه تابع كساير اجزائة، ولا يصح اشتراط البايع له على قول الشيخ في المبسوط ومن تبعه، وبذلك صرح في الكتاب المذكور، فقال: لو باع البايض دخل البيض على طريق البيع وان شرط لنفسه لم يجز، ورده المتأخرون بانه شرط سايغ، ويؤيده أن ما ادعاه الشيخ من الجزئية وأنه كعضو من أعضائه قد عرفت ما فيه، فلا مانع من صحة الشرط المذكور.

[ 395 ]

تذنيب قال: الشيخ في المبسوط لو باع جارية حبلى بولد لم يجز، لان الحمل مستثنى، وهذا يمنع صحة البيع، وتبعه ابن البراج في المهذب، ورد ذلك بما تقدم، لان كلامه هنا كما تقدم مبنى على كون الحمل كعضو من أعضاء الحامل وجزء من أجزائها، وفيه ما عرفت آنفا. والله العالم. المسألة الثانية اختلف الاصحاب في أن العبد هل يملك شيئا أم لا، فقيل: يملك مطلقا، ونسبه في التذكرة إلى أنه المشهور، وقيل: يملك مطلقا، ونسبه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك إلى الاكثر، وهو اختيار المحقق في الشرايع، وقيل: يملك فاضل الضريبة، وقيل: أرش الجناية. والذى وقفت عليه من الروايات المتعلقة بهذه المسألة صحيحة عمر بن يزيد (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له، وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة ورضى بذلك المولى، فأصاب المملوك في تجارته سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة، فقال: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): أليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض فإذا أدوها إليه لم يسألهم عما سواها، قلت: فللمملوك ان يتصدق مم اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده ؟ قال: نعم وأجر ذلك له، قلت: فان اعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق ؟ قال: فقال: يذهب فيتوالى إلى من احب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه، قلت له: أليس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):


(1) التهذيب ج 8 ص 224.

[ 396 ]

الولاء لمن اعتق ؟ قال: فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت: فان ضمن العبد الذى أعتقه جريرته وحدثه أيلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه ؟ قال: فقال: لا يجوز ذلك ولا يرث عبدا حرا ". وصحيحة اسحاق بن عمار (1) " قال: قلت: لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول: في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، فيقول: حللني من ضربي اياك، ومن كل ما كان منى اليك، مما اخفتك وأرهبتك فيحلله فيجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم ان المولى بعد أصاب الدراهم التي اعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد وأخذها المولى أحلال هي له ؟ فقال: لا تحل له، لانه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة، قال: فقلت له: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليها الحول ؟ قال: لا الا أن يعمل له بها، ولا يعطى العبد من الزكاة شيئا. ورواية اسحاق بن عمار (2) المذكورة عن جعفر عن ابيه أن عليا (عليه السلام) أعتق عبدا له فقال: له ان ملكك لى ولكن قد تركته لك ". ورواية ابى جرير (3) " قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال: لمملوكه أنت حر ولى مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل المال يقول لى مالك وانت حر برضا المملوك (فان ذلك أحب إلى) (4). والتقريب فيه أنه إذا بدء بالعتق صار حرا ولم يجز له أخذ ماله، وإذا بدء بالمال فان فيه تصريحا بأن العتق بازاء المال، فإذا رضى المملوك بذلك انعتق وصار المال للمولى، وهو ظاهر في الملك.


(1) التهذيب ج 8 ص 225. (2) التهذيب ج 8 ص 237. (3) التهذيب ج 8 ص 224. (4) مابين القوسين زيادة من الكافي.

[ 397 ]

وصحيحة الفضل بن يسار (1) قال: قال غلام سندى لابي عبد الله (عليه السلام) إني قلت لمولاي: بعنى بسبعمأة درهم، وأنا أعطيك ثلاثمأة درهم، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) ان كان يوم شرطت لك مال ؟ فعليك أن تعطيه، وان لم يكن لك يومئذ فليس عليك شئ " وهي ظاهرة في الملك. وأما ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين من أن هذه الرواية أوفق بالقول بعدم مالكية العبد، لانه لو كان له مال فهو من ما البايع، فلذا يلزمه أداؤه لا بالشرط، وإذا لم يكن مال وحصله عند المشترى فهو من مال المشترى. انتهى. ففيه من العبد عن سياق الخبر المذكور، ما لا يخفى، فان ظاهره ينادى بخلافه، لان قوله ان كان يوم شرطت لك ما ظاهر في الملك كما هو مدلول اللام، أو الاختصاص الراجعع إلى المك، وظاهره أن الاعطاء انما هو من حيث الشرط، لامن حيث إنه مال البايع. وبالجملة فالظاهر ان ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من تعسف، وكأنه أراد بذلك الانتصار للقول المشهور كما سيأتي ذكره انشاء الله تعالى. احتج العلامة في التذكرة على ما ذهب إليه من القول الاول بقوله عزوجل (2) " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " وقوله تعالى (4) " ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء ". وأنت خبير بما فيه فان غاية ما يفهم منها انما هو الحجر عليه في نفسه وماله، وانه


(1) التهذيب ج 8 ص 246 وبسند آخر مثله منه رحمه الله. (2) سورة النخل الاية 75. (3) سورة الروم الاية 28. (4) الفقيه ج 30 ص 35.

[ 398 ]

ليس له التصرف فيهما الا باذن سيده، فهو من حيث هو لا يقدر على شئ الا ما أقدره عليه مولاه وملكه، أو أذن له بالكسب ونحوه حسبما دلت عليه الاخبار المتقدمة. ويؤيده الاخبار الواردة في معنى الاية من أنه ليس له نكاح ولاطلاق إذا أنكحه مولاه أمته الا باذن المولى، ففى بعضها (1) " قال: سألته عن العبد هل يجوز طلاقه ؟ قال: ان كان أمتك فلا، ان الله عزوجل يقول " عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ". ونحوه اخبار عديدة ومرجع الجميع إلى المنع من التصرف الا باذن سيده. والاية الثانية ظاهرها انه ليس له حق ولا شركة في مال المولى، ولا دلالة لها على عدم الملك إذا ملكه أو اذن له في تملك مال الغير بالكسب والتجارة ونحو ذلك، بل الظاهر انه يحصل له ذلك كالعبيد بالنسبة إلى الله عزوجل. وبالجملة فانه لا دلالة فيهما على نفى تملكه لما ملكه سيده، أو اذن له فيه كما هو المدعى، وظاهر الاصحاب على تقدير القول بتملكه الاتفاق على انه محجور عليه، ولكن ظاهر الاخبار المتقدمة العدم، فانها كالصريحة في استقلاله، سيما صحيحة عمر بن يزيد وقوله فيها " انه يتصدق ويعتق وأجر ذلك له " الا انه ربما نافر ذلك نفى الزكاة عنه، في صحيحة اسحاق بن عمار، إذ لو كان مالكا للتصرف كملكه للمال، لما كان لنفى وجوب الزكاة وجه، وفى معنى هذه الرواية اخبار اخر، تقدمت في كتاب الزكاة، والظاهر انه لاوجه لذلك مع الحكم بملكه الا كونه محجورا عليه، ويدل عليه ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) " قال: ليس على المملوك


(1) التهذيب ج 7 ص 348. (2) الوسائل الباب 4 من ابواب من تجب عليه الزكاة.

[ 399 ]

زكاة الا باذن مواليه " وحينئذ فيجب حمل اطلاق ما ظاهره الاستقلال على هذه الرواية، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الزكاة والله العالم. المسألة الثالثة اختلف الاصحاب فيما إذا اشترى عبدا أو أمة وله مال فقال الشيخ في النهاية والشيخ المفيد: ان المال للبايع الا ان يشترطه المبتاع، سواء كان ماله اكثر من ثمنه أو اقل. وقال سلار: وابتياع العبيد الذين لهم مال بأقل مما معهم جايزة وقال ابن الجنيد إذا شرطه المشترى وكان الثمن زايدا على قدر المال من جنسه جاز البيع، وان كان المال عروضا يساوى قدر الثمن أو دونه وأو أكثر منه جاز ايضا وان كان الثمن من جنس مال العبد ومال العبد اكثر من الثمن لم يجز. وقال الشيخ في الخلاف: إذا كان مع العبد ماءة درهم فباعه بماءة درهم لم يصح البيع، فان باعه بماءة ودرهم صح. وقال في المبسوط: إذا باعه سيده وفى يده مال وشرط ان يكون للمبتاع صح البيع إذا كان المال معلوما وانتفى عنه الربا، فان كان معه ماءة درهم فباعه بماءة درهم لم يصح، فان باعه بماءة ودرهم صح، ثم قال: وإذا باع عبدا قد ملكه الفا بخمسمأة صح البيع على قول من يقول: انه يملك، ولو باع الفا بخمسمأة لم يصح، لانه ربا، والفرق بينهما انه إذا باع العبد، فانما يبيع رقبته مع بقاء ما ملكه عليه فصح ذلك، ولم يصح بيع الالف بخمسمأة. وقال ابن البراج وابو الصلاح إذا ابتاع عبدا أو أمة وله مال فهو للبايع الا ان يشترطه في عقد البيع فيكون له. وقال ابن حمزة: لو باعه مع المال صح ان كان الثمن أكثر مما معه ان كان من جنسه، وان كان من غير جنس ما معه صح على كل حال، وان لم يعرف

[ 400 ]

مقدار ما معه وباع بجنسه لم يصح، (1) وان باع بغير جنسه صح، وان باع المملوك دون المال صح، فان شاء سوغه المال، وان شاء استرده. وابن ادريس فصل كذلك. وقال العلامة في المختلف بعد نقل هذه الاقوال: والتحقيق ان نقول: ان كان الثمن وما مع العبد ربويين واتفقا جنسا اشترط زيادة الثمن على مافى يد العبد، والا فلا، لنا انه على التقدير الاول لولاه لثبت الربا المحرم، وعلى التقدير الثاني ان المقتضى للصحة موجود، وهو البيع الصادر عن أهله في محله، والمانع وهو مفسدة الربا منتف هنا. ونقل في المختلف والمسالك عن ابن البراج القول بالتفصيل بين علم البايع بالمال وعدمه، فان لم يعلم به فهو له، وان علم فهو للمشترى. والاصل في هذه الاختلافات الاخبار الواردة في المسألة، ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " قال: سألته عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا فقال: المال للبايع، انما باع نفسه، الا أن يكون شرط عليه أن ما كان له من مال أو متاع فهو له ". وهذه الرواية دالة على ما ذهب إليه الشيخان مما قدمناه نقله عنهما والظاهر أنه هو المشهور، وبه صرح المحقق والعلامة وغيرها، وهو جيد بناء على القول


(1) قال في المختلف وقول ابن حمزة ان لم يعرف مقدار ما معه وباعه بغير جنسه صح، وان باعه بجنسه لم يصح، لان الجهل يستلزم جواز تطرق الربا، لكن يبقى فيه اشكال من حيث انه باع مجهولا، الا ان يقال ان المال تابع وجهالة التابع لا تمنع صحة البيع: انتهى وهو جيد منه رحمه الله. (2) الكافي ج 5 ص 213 التهذيب ج 7 ص 71.

[ 401 ]

بعدم ملك العبد كما هو المشهور بينهم، واما على القول بملكه فيشكل ذلك، لما عرفت من الاخبار المتقدمة في سابق هذه المسألة، وسيأتى انشاء الله تعالى بيان وجه التأويل فيه، بما يرجع به إلى الاخبار المتقدمة. ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن زرارة (1) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشترى المملوك وله مال لمن ماله ؟ فقال: ان كان علم البايع ان له مالا فهو للمشترى، وان لم يكن علم فهو للبايع " ورواه في الفقيه عن جميل عن زرارة أيضا، وهذا الخبر ظاهر فيما قدمنا نقله عن ابن البراج، الا أنه يشكل على كل من القولين بملكية العبد وعدمها، بأن الملك لا ينتقل إلى المشترى بمجرد العلم من دون صيغة ناقلة تدل على الملك. وجملة الاصحاب حملوا الرواية على اشتراط البايع للمشتري ذلك وهو جيد بناء على القول بعدم تملك العبد، أما على القول به فيبقى الاشكال من هذه الجهة في الحكم بكونه للبايع أو المشترى، فان ملك المالك لا ينتقل عنه الا برضا منه، والحال أن العبد لا مدخل له في هذا النقل. والعجب أنه قد ذكر هذه المسألة من قال بتملك العبد ومن أحاله، ولا مخرج من هذا الاشكال في هذا الخبر وسابقه الا بأن يقال: ان هذين الخبرين محمولان على كون المال للمولى، وأن الاضافة للعبد لادنى ملابسة، كما قالوا في كوكب الخرقاء، وذلك مثل ثيابه وفراشه ونحوها، فان الاضافة تصدق بذلك، والخبر الثاني كما عرفت محمول على اشتراط البايع للمشترى ذلك، فهذان الخبران ونحوهما لا تدلان على تملك العبد ولا على عدمه واما ماربما يدل على عدم تملك العبد من الاخبار فهو محمول على الحجر


(1) الكافي ج 5 ص 213 التهذيب ج 7 ص 71 الفقيه ج 3 ص 138.

[ 402 ]

عليه في التصرف بدون اذن المولى، فكأنه من حيث المنع من التصرف ليس بمالك وبهذا الطريق يجمع بين أخبار المسألة، ويزول عنها الاختلاف، وهو يقتضى رجحان القول بتملك العبد كما قدمنا ذكره. وأما الجميع بينها بما ذكره شيخنا الشيهد الثاني (قدس سره) في المسالك من حمل الاخبار الدالة على تملك العبد على محض اباحة التصرف بكونه مأذونا لا ملك الرقبة (1) فهو وان تم فيما أورده من الاخبار المشتملة على اضافة المال إليه، الا أنه لا يتم فيما قدمناه من الاخبار في سابق هذه المسألة الصريحة في ملك الرقبة وأنه يتصدق ويعتق من ماله. ومنها ما رواه الصدوق في الفقيه عن يحيى بن أبي العلا (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) " قال: من باع عبدا كان للعبد مال فالمال للبايع الا أن يشترط المبتاع، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك ". والكلام في هذه الرواية كما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم، قال في الفقيه مشيرا إلى هذا الحديث وحديث جميل بن دراج عن زرارة (3) المتقدم هذا ان الحديثان متفقان وليسا بمختلفين، وذلك أن من باع مملوكا واشترط المشترى ماله، فان لم يعلم البايع به فالمال للمشترى، ومتى لم يشترط المشترى ماله ولم يعلم البايع أن له مالا فالمال للبايع، ومتى على البايع ان له مالا ولم يستشن به عند البيع فالمال للمشترى انتهى.


(1) قال (قدس سره): ولا يندفع الاشكال الا إذا قلت: المراد بملكية العبد تسلطه على الانتفاع بما قيل بملكه له، لا بملك الرقبة، كما تقله في الدروس عن بعض القائلين بالملك، فيكون الملك على هذا الوجه غير مناف لملك البايع للرقبة على وجه يتوجه به نقله إلى المشترى أو بقاؤه على ملكه " انتهى منه رحمه الله ". (2) و (3) الفقيه ج 3 ص 138.

[ 403 ]

أقول مفهوم صدر عبارته أنه متى اشترط المشترى مع علم البايع بالمال فالمال للبايع، وليس كذلك فان ظاهر صحيحة محمد بن مسلم وخبر يحيى المذكور أنه مع الشرط يكون للمشتري علم البايع بالمال أو لم يعلم. وغاية ما يدل عليه خبر جميل عن زرارة هو أنه مع علم البايع يكون للمشترى، ومع عدم علمه يكون له، لا للمشترى أعم من أن يشترطه المشترى أو لم يشترط، وإذا قيد اطلاقه بالخبرين المذكورين جمعا بين الاخبار لزمه أنه مع الشرط يكون للمشترى، علم البايع أو لم يعلم، واما مع عدم الشرط فهو كما ذكره من التفصيل، والعجب أن جملة من المحدثين نقلوا كلامه كصاحب الوافى وصاحب الوسائل ولم يتنبهوا لما فيه. ومنها ما رواه الشيخ (عطرالله مرقده) في الامالى بسنده فيه عن الزهري عن سالم عن أبيه " قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من باع عبدا وله مال فالمال للبايع الا أن يشترط المشترى " وهذا الخبر دال على ما دل عليه خبر يحيى وصحيح محمد بن مسلم، وهذه الاخبار الثلاثة مستندا لشيخين فيما تقدم نقله عنهما، وقد عرفت تحقيق القول فيها. ومنها ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له: الرجل يشتري المملوك وماله ؟ فقال: لا بأس، قلت: فيكون مال المملوك أكثر مما اشتراه به فقال لا بأس به ". ورواه الشيخ في التهذيب بسند فيه على بن حديد وهو ضعيف وهذا الخبر فيه اشكال من وجهين، أحدهما أنه انما يتجه على القول بعدم صحة تملك العبد، وقد عرفت الجواب عن ذلك بما تقدم في نظائره، والثانى ما ذكره الاصحاب مما


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب بيع الحيوان الرقم 5. (2) الفقيه ج 3 ص 139 التهذيب ج 7 ص 71.

[ 404 ]

قدمنا نقله عنهم من عدم الصحة في هذه الصورة على اطلاقها، للزوم الربا في بعض الموارد (1) الا أن يقيد الخبر بكون المالين غير ربويين، أو اختلاف الجنس، وبه أجاب الاصحاب عن الخبر المذكور، وزاد العلامة الطعن في الخبر بالضعف، وهو متجه بناء على رواية الشيخ، واما على رواية الصدوق له فهو صحيح لا يتطرق إليه الطعن من هذه الجهة. وبالجملة فالظاهر حمله على ما ذكرناه ليندفع عنه تطرق الوقوع في الربا، بل اشتراط قبض مقابل الربوي في المجلس إذا اختلف الجنسان وكان ربويين، والظاهر حمل كلام الشيخين فيما قدمنا نقله عنهما من اطلاق الصحة سواء كان مال العبد أكثر من الثمن أو أقل على ما ذكرناه. والعجب هنا من المحقق (قدس سره) في الشرايع فانه اختار في المسألة الاولى القول بملك العبد مطلقا الا أنه محجور عليه في التصرف بدون اذن السيد، واختار في هذه المسألة ما قدمنا نقله عنه من أن المال للبايع، الا أن يشترطه المشترى، وأنت خبير بان حكمه بالملك ظاهر في أن المراد لملك الرقبة، ولا يمكن تأويله بما تقدم ومتى كان كذلك فكيف يصح انتقاله عن مالكه بمجرد بيعه سواء كان إلى البايع، أو المشترى وهو ظاهر. والله العالم. تذنيب قال الشيخ في النهاية: إذا قال مملوك انسان لغيره: اشترني فانك إذا اشتريتني كان لك علي شئ معلوم فاشتراه، فان كان للمملوك في حال ما قال ذلك له مال لزمه


(1) وهو ما لو كان المال ربويا وبيع بجنسه، فانه لابد في الخروج عن لزوم الربا من زيادة في الثمن عن ما له تقابل المملوك، ثم انه ينبغى أن يعلم أن لزوم الربا في الصورة المذكورة انما يتجه على القول بعدم ملك العبد بالكلية، أو ملكه بمعنى جواز التصرف بأن يكون أصل رقبة المال للمولى، والا فلو قلنا بملك العبد، وأن له كما اخترناه فانه لا يشترط في الثمن الزيادة كما قدمنا ذكره، لان ماله ليس جزا من المبيع ليقابل بالثمن، بل وهو تابع له وهو ظاهر. منه رحمه الله.

[ 405 ]

ان يعطيه ما شرطه له، وان لم يكن له مال في تلك الحال لم يكن عليه شئ، وتبعه ابن البراج، وبه صرح جملة من المتأخرين. وقال ابن ادريس هذه رواية أوردها الشيخ ايرادا لااعتقادا، لان العبد عندنا لا يملك شيئا، فأما على قول بعض اصحابنا أنه يملك فاضل الضريبة وأرش الجناية يصح ذلك، والصحيح من المذهب انه لا يملك انتهى. اقول الرواية التى أشار إليها هي صحيحة الفضيل بن يسار المتقدمة في سابق هذه المسألة، وموردها انما هو الشرط للبايع وهو المولى، والشيخ ومن تبعه من الاصحاب فرضوا المسألة في اشتراط العبد للمشترى، والفرق بين الامرين ظاهر، لانه مع كون الشرط للمشتري كما فرضوه، فان قلنا بعدم ملك العبد بطل الشرط، سواء كان معه مال ام لا، وان قلنا بملكه فهو محجور عليه كما قدمنا ذكره يتوقف صحة جعالته للمشترى على اذن مولاه، وعلى كل من التقديرين فالرواية المذكورة ظاهرة في خلافه، لانها صريحة في صحة الشرط المذكور، ولزومه مع وجود المال، وأما مع كون الشرط للمولى، فان قلنا أنه لا يملك فماله لمولاه، وتحمل نسبة المال إليه على الاضافة لادنى ملابسته، وان قلنا انه يملك فالحجر عليه زايل برضا المولى بذلك والعمل بالرواية متجه على هذا التقدير. والتحقيق أن الرواية المذكورة دالة على ملك العبد كما قدمنا ذكره سيما مع اعتضادها بما قدمنا من الاخبار، وحينئذ فشرطه لمولاه صحيح، والحجر قد ارتفع برضا المولى بذلك. وأما على ما ذكروه من عدم تملك العبد ولاسيما مع فرض المسألة على ما قدمنا نقله عنهم، فلا يخفى ما فيه من الاشكال، وأشكل منه رد الرواية الصحيحة من غير معارض في المقام والله العالم. المسألة الرابعة إذا حدث في الحيوان عيب فهيهنا صور، أحدها أن يكون ذلك العيب سابقا على البيع مع جهل المشترى به، والظاهر انه لا خلاف في تخير المشترى بين الرد والامساك بالارش، ولا فرق في ذلك بين الحيوان وغيره.

[ 406 ]

الثانية مالو تجدد بعد العقد وقبل القبض، ولا خلاف في تخيره بين الرد والامساك وانما الخلاف في انه مع اختيار الامساك هل له الارش ام لا ؟ المشهور الاول، ولو هلك قبل القبض فمن البايع، ولو أهلكه اجنبي فللمشترى الفسخ أو مطالبة الأجنبي، ولو أهلكه البايع فالاقرب تخير المشترى بين الفسخ، فيطالب بالثمن، وعدمه فيطالب بالقيمة، وما تقدم من الخيار بين الرد والامساك بالارش كما هو المشهور مخصوص بما إذا كان العيب من قبل الله سبحانه أو من قبل البايع. أما لو كان من قبل أجنبي فعليه الارش للمشترى ان التزم بالمبيع، وللبايع ان فسخ، ولو أتلفة المشترى فهو قبض، ولو جنى عليه فالاقرب انه قبض اياضا، ولو قبض بعض المبيع وهلك الباقي فهو في ضمان البياع، وللمشترى الفسخ لتبعيض الصفقة. الثالثة ما لو قبضه ثم تلف أو حدث فيه عيب في الثلاثة، فانه مضمون على البايع ما لم يكن الحدث من المشترى، اما في صورة التلف فالظاهر ان مستنده الاجماع، إذ لا يظهر فيه خلاف عندهم حيث انه لا خلاف في ان التلف في زمن الخيار ممن ليس له خيار، ويدل عليه أيضا وعلى صورة العيب اطلاق قول الصادق (عليه السلام) في مرسلة ابن رباط (1) المتقدمة سابقا " ان حدث بالحيوان حدث قبل الثلاثة فهو من مال البايع ". ثم انه في صورة العيب يتخير بين الرد بخيار الثلاثة والامساك، والخلاف في الارش هنا من الامساك كما تقدم في سابق هذه الصورة وفى صورة التلف له الرجوع على البايع بالثمن، والعيب الحادث في الثلاثة الموجب للارش عند من اوجبه لا يمنع الرد بخيار الثلاثة ولا بخيار العيب السابق. نعم لا يرد بهذا العيب الحادث، بل له الارش خاصة، لانه انما حصل بعد القبض وان كان في زمن الخيار الموجب لكونه مضمونا على البايع، وذلك هو الموجب للارش فقط، هذا كله فيما لو كان الخيار مختصا بالمشترى، وكذا لو


(1) التهذيب ج 7 ص 67.

[ 407 ]

كان مشتركا بينه وبين البايع أو غيره، لان الجملة فيه مضمونة على البايع أيضا اما لو كان الخيار مختصا بالبايع أو مشتركا بينه وبين أجنبي فلا خيار للمشترى هذا إذا كان العيب من قبل الله تعالى أو من البايع. وأما لو كان من أجنبي فللمشترى على ذلك الأجنبي الارش خاصة، ولو كان بتفريط المشترى فلا شئ وهكذا الحكم في غير الحيوان، ويجرى ايضا في تلف المبيع أجمع، الا ان الرجوع هنا بمجموع القيمة كما تقدم، فان كان التلف من قبل الله سبحانه والخيار للمشترى ولو بمشاركة غيره فالتلف من البياع، والا فمن المشترى، وان كان التلف من البايع أو من اجنبي والخيار للمشترى، فان اختار الفسخ والرجوع بالثمن فذاك، وإلا رجع على المتلف بالمثل أو القيمة، ولو كان الخيار للبايع والمتلف أجنبي أو المشترى تخير ورجع على المتلف. الرابعة ما لو حدث العيب بعد القبض وبعد مضى الثلاثة، فانه يمنع الرد بالعيب السابق على العقد الموجب للخيار مع الجهل، فلا خيار له هنا، لعدم موجبه، ولانه قد تسلم المبيع صحيحا فليس له ان يرده معيبا. نعم له الارش من حيث العيب السابق هذا ملخص كلامهم في المقام، وقد تقدم ما فيه المناقضات في بعض المواضع في أبواب الخيار والعيوب والله العالم. المسألة الخامسة قيل: لو استثنى البايع الرأس والجلد كان شريكا بقدر ثنياه، وكذا لو اشترك اثنان أو جماعة وشرط احدهم ذلك ولو قال: اشتر حيوانا بشركتي صح وثبت البيع لهما، وعلى كل واحد نصف الثمن، ولو اذن احدهما لصاحبه ان ينقد عنه صح، ولو تلف كان بينهما، وله الرجوع على الاخر بمانقد عنه. ولو قال له: الربح لنا ولا خسران عليك، فيه تردد والمروى الجواز. أقول: تفصيل هذه الجملة المنقولة في هذا المقام وبيان ما اشتملت عليه من الاحكام يقع في مواضع الاول ما لو استثنى البايع الرأس والجلد مثلا، وفيه

[ 408 ]

أقوال، أحدها ما ذكر هنا وهو صحة البيع وأنه يكون شريكا بقدر قيمة ثنياه وبه قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط والخلاف، وابن البراج والعلامة في الارشاد، ونسبه المحقق في كتابيه إلى رواية السكوني مؤذنا بنوع توقف فيه. والرواية المشار إليها هي ما رواه الشيخ عن السكوني (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: اختصم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان اشترى احدهما بعيرا واستثنى البايع الرأس والجلد، ثم بد اللمشترى أن يبيعه، فقال للمشترى: هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد " ورواه الكليني مثله أقول المراد بلفظ " المشترى الثاني " هو المشترى الثاني. ونحو هذه الرواية أيضا ما رواه الصدوق عطر الله مرقده في كتاب عيون أخبار الرضا بأسانيد ثلاثة (3) عنه عن آبائه عن الحسين بن على (عليه السلام) " انه قال: اختصم إلى على (صلوات الله عليه) رجلان أحدهما باع الاخر بعيرا واستثنى الرأس والجلد، ثم بدا له أن ينحره، قال: هو شريكه في البعير على قد الرأس والجلد ". وعلل أيضا بأن البايع قد قبض ما يساوى المبيع، وبقى من القيمة ما يساوى المستثنى، فيكون البايع شريكا بما يساوى المستثنى، لان اجزاء الثمن مقسطة (1) قال الشيخ في النهاية: إذا باع الانسان بعيرا أو بقرا أو غنما واستثنى الرأس والجلد كان شريكا للمبتاع بقدر الرأس والجلد، ونحوه كلامه في الكتابين الاخرين، وقال الشيخ المفيد: لا بأس أن يشترط البايع على المبتاع شيئا يستثنيه مما باعه، مثل أن يبيعه شاة ويستثنى عليه جلدها ورأسها بعد الذبح، ونحوه عبائر من وافق الشيخ المفيد في ذلك، منه رحمه الله. (2) التهذيب ج 7 ص 81 الكافي ج 5 ص 304. (3) الوسائل الباب 22 من ابواب بيع الحيوان الرقم 3.

[ 409 ]

على اجزاء المبيع، ويلغو التعيين، فلو فرضنا أن الحيوان كملا قيمته عشرة دراهم وقيمة ما استثنى درهمان كان شريكا بالخمس وثانيها صحة البيع والاستثاء وانه يكون له ما استثنى، وهو قول الشيخ المفيد والسيد المرتضى وأبى الصلاح وابن الجنيد وابن ادريس، وعلل بأنه استثنى شيئا معلوما من معلوم، وعقد البيع غير مانع من اشتراط ما هو معلوم، لقوله (عليه السلام) " الشرط جايز بين المسلمين ". وثالثها بطلان البيع بهذا الاستثناء لادائه إلى الضرر والتنازع، لان المشترى قد يختار التبقية وفيها منع البايع من الانتفاع بما في تملكه، وجاز أن يؤل حاله الي نقص أو عدم الانتفاع به، بجواز موته، وان اختار البايع الذبح لاجل أخذ ما شرطه كان فيه منع لتسلط المشترى على ماله، كالانتفاع به في نفسه كالانتفاع بظهره ولبنه ونتاجه، وهذا القول نقله ابن فهد في المهذب ولم اقف على قائله. ورابعها ما اختاره العلامة في المختلف وشيخنا الشيهد الثاني في المسالك من البطلان، الا ان يكون مذبوحة أو اشتراها للذبح، فانه يجوز الاستثناء، قال شيخنا المشار إليه في المسالك بعد ذكر عبارة المحقق المشار إليها آنفا: لم يفرق بين المذبوح وما يراد ذبحه وغيره، وهو أحد الاقوال في المسألة، لاطلاق الرواية، الا أن المستند ضعيف، والجهالة متحققة، والشركة المشاعة غير مقصودة والقول بالبطلان متجه، الا ان يكون مذبوحا أو يراد ذبحه، فيقوى صحة الشرط. انتهى. أقول: لا يخفى ان الاوفق بالقواعد الشرعية هو القول الرابع لما ذكره في المسالك، ويمكن أن يحمل عليه القول الثاني، فان ظاهر عبارة الشيخ المفيد هو كون الشرط المذكور انما هو فيما يراد ذبحه، حيث قال: لا بأس أن يشرط البايع على المبتاع شيئا يستثنيه مما باعه، مثل ان يبيعه شاة ويستثنى عليه جلدها أو رأسها بعد الذبح. ويمكن حمل اطلاق كلام غيره على ذلك ايضا، الا ان ظاهر كلام ابن ادريس العموم، ويؤيده انه يبعد استثناء الرأس والجلد فيما لا يراد ذبحه، إذ لا ثمرة

[ 410 ]

بترتب عليه، ويؤيده ايضا انهم قد صرحوا كما تقدم بانه لا يجوز لاب يع جزء معين من الحيوان كيده ورجله ونحوهما، وانما يجوز مشاعا كنصفه وربعه مثلا، والاستثناء في معنى البيع، وبهذا رد العلامة في المختلف على هذا القول، فقال بعد تعليل عدم صحة الاستثناء مع التبقية وعدم الذبح بما فيه من الجهالة وتضرر الشريك لو أراد أخذ حقه، وضرره لو أجبر على بقائه ما صورته: ولانه لا يجوز افراده بالبيع، فلا يجوز استثناؤه، والبيع انما يكون حلالا لو وقع على وجهه، وهو ممنوع هنا انتهى. الا أنك قد عرفت دلالة الروايتين المتقدمتين باطلاقهما على الصحة مطلقا، وأنه يكون شريكا مع المشترى في كل الحيوان بقدر قيمة الرأس والجلد، فتنسب القيمة إلى ثمن المشترى، ويكون له بتلك النسبة من جميع اجزاء الحيوان، ويكون الباقي للمشترى، ويؤيد الخبرين المذكورين خبر الغنوى الاتى فيمكن القول بالخبرين المذكورين، وحمل بعض الاصحاب خبر السكوني على انه كان المقصود الذبح ثم حصل العدول عن ذلك، فيكون البيع صحيحا ويكون شريكا للمشتري بمقدار قيمة ما استثنى، الا أن هذا الحمل لا يجرى في خبر العيون، حيث صرح فيه بعدم ارادة نحره، ومع ذلك حكم بالتشريك في الجميع بنسبة قيمة ما استثناه والمسألة لا يخلو من الاشكال، وان كان القول الاول هو الاقرب. الثاني ما لو اشترك اثنان أو جماعة وشرط أحدهم ذلك، وظاهر جملة من الاصحاب منهم العلامة في المختلف وشيخنا الشهيد الثاني في المسالك هو اجراء حكم المسألة الاولى في هذه المسألة، فحكموا بصحة الشرط مع الذبح أو ارادته، والبطلان مع عدم ذلك، قال في المسالك في تتمة العبارة المنقولة عنه آنفا: وكذا القول فيما لو اشترك فيه جماعة وشرط أحدهم ذلك. انتهى. اقول: قد روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوى (1) عن ابى عبد الله


(1) التهذيب ج 7 ص 79.

[ 411 ]

(عليه السلام) " في رجل شهد بعيرا مريضا يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم فاشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد، فقضى أن البعير برئ فبلغ ثمانية دنانير قال: فقال: لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: أريد الرأس والجلد، فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد اعطى حقه إذا أعطى الخمس ". وانت خبير بأن ظاهر الخبر ان شراء البعير حال المرض واشتراك الرجل الاخر بالرأس والجلد انما وقع من حيث ارادة الذبح، ولكن لما اتفق انه برئ ولم يذبح وبلغ قيمة زائدة حكم (عليه السلام) لدفع الضرر من الطرفين وصلحا بينهما بالتشريك في البعير، بنسبة ما دفع من قيمة الرأس والجلد، ولو طلبهما اتى الضرار المنهى عنه متى أعطى بنسبة ما دفعه من جميع البعير، وعلى هذا يمكن حمل حديث السكوني المتقدم، وبه يندفع ما تعلق به القائل بالابطال من لزوم الضرر متى أراد المشترى التبقية، واراد صاحب الرأس والجلد الذبح لاجل أخذ ماله، فان في ترجيح ارادة احدهما ضرر على الاخر الا انه يبقى الاشكال في خبر العيون حيث تضمن نحر البعير ولعل لفظ (لا) سقط من البين فانه مع عدم سقوطها لا يناسب سياق الخبر ايضا من قوله ثم بداله، إذا الظاهر ان اصل الشراء واشتراط الجلد والرأس انما وقع من حيث ارادة النحر، وعلى هذا لا معنى لقوله " ثم بدا له ان ينحره " وانما المناسب ثم بداله ان لا ينحره وبما ذكرنا يظهر قوة مذهب الشيخ في المسألة المتقدمة. واما ما ذكره بعض محققى متأخرى المتأخرين من احتمال طرح الروايتين أعني روايتي السكوني والغنوي لضعفهما ومخالفتهما القواعد، ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم ان الطعن بالضعف غير معتمد عندنا، ولا وارد على المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم، وان الاظهر هو الوقوف على مادلت عليه الاخبار في كل حكم سيما مع عدم المخالف من الاخبار، وتخصيص تلك القواعد ان ثبت بالنص، والا فانه لا يلتفت إليها في مقابلة الاخبار وان ضعفت باصطلاحهم.

[ 412 ]

تذنيب قال: سلار: كل شرط يشترط البايع على المبتاع من رأس ذبيحة يبيعها وجلدها أو بعضها بالوزن جايز. أقول: وظاهره يطعى جواز استثناء البعض كاللحم بالوزن، وقال ابن الجنيد: لا يجوز، لان مواضع اللحم تتفاضل، وأقله ما يختلط به من العظم وغيره وكثرته، فان حدد المكان بما لا يختلط بغيره جاز. انتهى واستحسنه العلامة في المختلف، وانت خبير بان ظاهر عبارة سلار هنا كما قدمنا ذكره من عبارة الشيخ المفيد من ان الشرط المذكور انما هو مع الذبح أو ارادته كما يخفى والله العالم. الثالث ما لو قال اشتر حيوانا بشركتي إلى آخره الوجه في لزوم نصف الثمن مع الامر بشراء الحيوان بالمشاركة ان الامر توكيل بالشراء بالشركة بينه وبين المأمور، والشراء لا يكون الا بالثمن، والظاهر من الشركة هو التساوى باعتبار ارادة الشركة في كل جزء جزء منه فيحمل عليه الكلام الا ان ينصب قرينة على خلاف ذلك، وحينئذ فلو اذن له في أداء الثمن عنه وأدى عنه رجع به عليه والاذن أعم من الصريح والفحوى مثل أن يأمره بشراء حيوان من مكان بعيد والمجئ به مع العلم بأنه لا يكون ذلك الا بعد أداء الثمن، أما لو أدى عنه بغير اذنه فلا يلزمه العوض لانه متبرع في اداء دين غيره، وقد تقرر ان تبرع بأداء دين غيره لا يرجع بذلك على المديون. والظاهر من كلام الاكثر وبه صرح العلامة في التذكرة وغيرها أنه لا يكفى الاذن بالشراء في الاذن بأداء الثمن لانه اعم منه بل لابد من الاذن بالاداء صريحا أو فحوى.

[ 413 ]

ويظهر من كلام شيخنا الشيهد الثاني في المسالك الاكتفاء بذلك قال: والحق انه يرجع عليه بمجرد الاذن فيه، وان كان ذلك اعم منه لدلالة القرائن عليه، وعدم حصول ما يقتضى التبرع انتهى وأيده بعضهم بأنه رضى بالشراء وهو انما يكون بالثمن، والغالب انه لا يسلم المبيع الا بعد تسليم الثمن، فالظاهر ان ذلك اذن في التسلم ايضا ولا يمكن ذلك الا به، فكان الامر والاذن بالشراء مستلزما لتسليم الثمن وتسلم المبيع، فلا يضمن لو اخذ من غير اذن جديد ويرجع بالثمن مطلقا الا مع ما يدل على عدم الاذن، ولا يفهم الاذن قال: وليس كلام التذكرة وغيرها بعيدا عن هذا المعنى بكثير. انتهى. وهو لا يخلو من اشكال الا ان يكون هناك قرائن قاطعة تدل على ذلك، والا فمجرد الامر بالشراء لا يدل على ما ادعوه، ولو تلف الحيوان المشترك بعد قبضه من غير تفريط من المأمور فالتلف بينهما جميعا، ولا يرجع الاخر عليه، وان يد الشريك المشترى عليه يد أمانة، لايد ضمان. الرابع مالو قال له: الربح لنا ولا خسران عليك إلى آخره أقول: الظاهر ان وجه التردد المذكور من الرواية المشار إليها حيث دلت على صحة ذلك المؤيد بعموم (1) " المؤمنون عند شروطهم " ومن المخالفة للقواعد المقررة في الشركة بل مقتضى المذهب كما ادعاه بعضهم من ان الربح والخسران تابعان لرأس المال والى ذلك جنح في المسالك قال: وهو الاقوى ثم قال: والرواية مع كونها وارادة في بيع خاص يمكن تأويلها بما يوافق الاصل انتهى. اقول: قال الشيخ في النهاية: ومن قال لغيره اشتر حيوانا بشركتي والربح بينى وبينك فاشتراه ثم هلك الحيوان كان الثمن بينهما، كما لو زاد في ثمنه كان ايضا بينهما على ما اشترطا عليه، فان اشترط عليه ان يكون له الربح لو ربح وليس عليه شئ من الخسران كان على ما اشترطا عليه، وبه قال ابن البراج.


(1) التهذيب ج 7 ص 22.

[ 414 ]

وقال ابن ادريس: معنى انه إذا قال لغيره اشتر حيوانا بشركتي المراد به انقد عنى نصف الثمن أو ما يختاره ويجعله قرضا عليه، والا فما يصح الشركة الا هكذا قال: فأما قول شيخنا (رحمه الله) فان اشتراط عليه ان يكون له الربح ان ربح وليس عليه من الخسران شئ كان على ما اشترطا عليه فليس بواضح ولا يستقيم، لانه مخالف لاصول المذهب، لان الخسران على رؤس الاموال بغير خلاف، وإذا شرط انه على واحد من الشريكين كان هذا الشرط مخالفا للكتاب والسنة، لان السنة جعلت الخسران على رؤوس الاموال انتهى. وقال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: وما ذكره ابن ادريس في تفسير قول الانسان لغيره اشتر حيوانا فاشركني ليس بصحيح، لان الامر بالشراء عنه ليس امرا بنقد الثمن عنه، والشركة يتحقق بالعقد إذا أوقعه المشترى عنه وعن الامر بالنيابة، لا بالامر بنقد الثمن، وأما نسبة قول الشيخ إلى عدم الوضوح وعدم الاستقامة وانه مخالف لاصول المذهب وان هذا الشرط يخالف الكتاب والسنة فليس بجيد لان الشيخ (رحمه الله) عول في ذلك على الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب فقوله تعالى (1) " الا ان تكون تجارة عن تراض منكم " والتراض انما وقع على ما اتفقا عليه فلا يجوز لهما المخالفة وقوله تعالى (2) " أوفوا بالعقود " والعقد انما وقع على هذا فيجب الوفاء به، واما السنة فقوله عليه السلام (3) " المؤمنون عند شروطهم " وما رواه رفاعة (4) في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل شارك في جارية له قال: ان ربحنا فيها فلك نصف


(1) سورة البقرة الاية 282. (2) سورة المائدة الاية 1. (3) التهذيب ج 7 ص 22. (4) التهذيب ج 7 ص 71 و 81.

[ 415 ]

الربح وان كان وضيعة فليس عليك شئ فقال: لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية " وأما العقل فلان الاصل الجواز، وقوله ان الخسران على قدر رأس المال، قلنا متى، مع الشرط لغيره أو بدونه، وبالجملة فقول الشيخ هو المعتمد. انتهى. وهو جيد ومما يدل على ذلك زيادة على الصحيحة المذكورة ما رواه الشيخ عن ابى الربيع (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في رجل شارك رجلا في جارية فقال له: ان ربحت فلك وان وضعت فليس عليك شئ ؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كانت الجارية للقائل ". وأما ما رواه الشيخ والصدوق عن اسحاق بن عمار (2) في الموثق " قال: قلت لابي ابراهيم (عليه السلام): الرجل يدل الرجل على السلعة، فيقول: اشترها ولى نصفها، فيشتريها الرجل وينقد من ماله، قال: له نصف الربح، قلت: فان وضع يلحقه من الوضيعة شئ ؟ فقال: نعم عليه الوضيعة: كما اخذ من الربح " فهو ظاهر في عدم الشرط، فلا ينافى ما تقدم. ويمكن الجمع بين كلامي الشيخ وابن ادريس بأن مبنى كلام ابن ادريس على الاشتراك في الثمن كما تأول به عبارة الشيخ، وان كان تأويله بعيدا وحينئذ فيكون الربح والوضيعة تابعة لرأس المال، ومبنى كلام الشيخ انما هو على الاشتراك في الشراء دون المشاركة في المال. وحينئذ فلا يرد على ابن ادريس الاستدلال بصحيحة رفاعة، فانها ظاهرة في كون الشركة انما هو في عقد الشراء لافى المال الذى اشترى به، الا أنه يمكن أن يقال أنه وان كان الامر كذلك من أن الشركة في رأس المال تقتضي كون الربح والخسران تابعين لرأس المال، لكن مع الشرط يكون الامر على ما وقع عليه الشرط، وان خالف القاعدة المذكورة، فان الشروط في جميع العقود كلها من هذا القبيل بمنزلة


(1) التهذيب ج 7 ص 71 و 81. (2) التهذيب ج 7 ص 187 الفقيه ج 3 ص 139.

[ 416 ]

الاستثناء مما يقتضيه أصل العقد. وبالجملة فالظاهر هو ما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) ومنه يظهر ضعف ما ذهب إليه ابن ادريس (رحمه الله) وان تبعه فيه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك كما عرفت والله العالم. المسألة السادسة قد ذكروا في شراء المماليك جملة من الاحكام استجابا وكراهة منها أنه يجوز له النظر إلى وجه المملوكة إذا أراد شراءها ومحاسنها والمراد بها مواضع الحسن منها والزينة كالكفين والرجلين والشعر، قالو ولا يشترط في ذلك اذن المولى، ولا يجوز الزيادة على ذلك الا باذنه فيكون تحليلا يتبع ما دل عليه اللفظ حتى العورة، وكذا يجوز له مس ما يجوز النظر إليه مع الاذن، ونقل عن العلامة في التذكرة جواز النظر إلى ما دون العورة مع عدم الاذن، ورده جملة ممن تأخر عنه بالبعد. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه الشيخ والصدوق عن أبى بصير " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعترض الامة ليشتريها ؟ قال: لا بأس بأن ينظر الى محاسنها ويمسها ما لم ينظر الا ما لا ينبغى له النظر إليه ". وما رواه في التهذيب عن حبيب بن معلى الخثعمي (2) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انى اعترضت جواري بالمدينة فأمذيت ؟ فقال: أما لمن يريد الشراء فليس به بأس، وأما من لا يريد أن يشترى فانى أكرهه ". وعن عمران بن الحارث الجعفري " عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لا أحب للرجل أن يقلب جارية الا جارية يريد شراءها ": وما رواه الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان (4) عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام)


(1) التهذيب ج 7 ص 75 الفقيه ج 4 ص 12. (2) (3) التهذيب ج 7 ص 236. (4) الوسائل الباب 20 من أبواب بيع الحيوان الرقم 4.

[ 417 ]

" أنه كان إذا أراد أن يشترى الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها " وفى هذه الرواية دلالة على جوار النظر إلى الساق زيادة على ما ذكره الاصحاب ويمكن أن يستفاد من رواية الجعفري صحة ما نقل عن العلامة من جواز النظر إلى ما عدا العورة إذا دعت الحاجة إلى ذلك ويمكن أن يحمل على ذلك قوله في رواية ابى بصير " ما لم ينظر إلى ما لا ينبغى النظر إليه " بالحمل على العورة، ويكون ذكر المحاسن فيها انما خرج مخرج التمثيل، ويخرج رواية قرب الاسناد شاهدة على ذلك وبالجملة فان ما نقل عن التذكرة غير بعيد، وان ردوه بالبعد. ومنها انه يستحب لمن يشترى مملوكا ان يغير اسمه، وأن يطعمه شيئا من الحلو وان يتصدق عن بشئ، وان يكره ان يرى المملوك ثمنه في الميزان كل ذلك للاخبار. ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة (1) " قال كنت جالسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل ومعه ابن له، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما تجارة ابنك ؟ فقال التنخس فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) لا تشترين شيئا ولاعيبا، وإذا اشتريت رأسا فلا ترين ثمنه في كفة الميزان، فما من رأس رأى ثمنه في كفة الميزان فأفلح، وإذا اشتريت رأسا فغير أسمه وأطعمه شيئا حلوا إذا ملكته وتصدق عنه بأربعة دراهم ". وعن محمد بن ميسر (2) عن أبيه عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: من نظر إلى ثمنه وهو يوزن لم يفلح " وظاهر الخبرين المذكورين أن الكراهة مترتبة على رؤية الثمن في الميزان، وحينئذ فلا يكره في غيره، وربما قيل أنه انما جرى على المتعارف من وضع الثمن فيه، فلو رآه في غيره كره أيضا فيكون المراد انما هو الكناية عن عدم رؤيته مطلقا، ويؤيده أن وزن الدراهم في الميزان قليل وبه


(1) (2) الكافي ج 5 ص 212.

[ 418 ]

يظهر ضعف تنظره في المسالك في هذا القول. ومنها كراهة وطئ من ولدت من الزنا بالملك والعقد، قال المحقق الاردبيلى (قدس سره) بعد ذكر المصنف الحكم المذكور: قد نهي عنه في الاخبار المعتبرة المحمولة على الكراهة. لعموم أدلة جواز النكاح والوطئ، وكانه لعدم القائل بالتحريم. أقول: قد نقل اقول بالتحريم هنا في المسالك عن ابن ادريس بناء على أن ولد الزنا كافر، وأن وطأ الكافر محرم، ثم رده بان مقدمتين ممنوعتان وانت خبير بما قدمناه في كتاب الطهارة من التحقيق في أحوال ابن الزنا أن له حالة ثالثة غير حال المسلمين والكفار في النكاح وغيره والاخبار قد صرحت هنا بالجواز على كراهية. ومنها حسنة الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: سئل عن الرجل يكون له الخادم ولد الزنا هل عليه جناح أن يطأها ؟ قال: لا وان تنزه عن ذلك فهو أحب الي " ونحوها غيرها. ومنها التفرقة بين الاطفال وأمهاتهم قبل استغنائهم عنهن فقيل بالكراهة وقيل بالتحريم، والقولان للشيخ في النهاية، فقال: في باب ابتياع الحيوان لا يجوز وقال في باب العتق أنه مكروه، والى القول بالتحريم ذهب الشيخ المفيد وابن البراج وسلار وابن الجنيد، ونقل عن العلامة في التذكرة مدعيا أنه المشهور وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والروضة، والى القول بالكراهة ذهب المحقق في كتابيه والعلامة في المختلف والارشاد وابن ادريس والشهيد في اللمعة وغيرهم. احتج القائلون بالكراهة بما ورد من (1) " ان الناس مسلطون على أموالهم " والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام زيادة على الخبر المذكور ما رواه


(1) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 419 ]

المشايخ الثلاثة (عطرالله مراقدهم) عن معاوية بن عمار (1) في الصحيح " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبي من اليمن، فلما بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمها معهم، فلما قد موا على النبي (صلى الله عليه وآله) سمع بكاءها، فقال: ما هذه البكاء ؟ فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتجنا إلى نفقة فبعنا ابنتها فبعث بثمنها فأتي بها، وقال: بيعوهما جميعا أو أمسكوهما جميعا ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة (2) في الموثق " قال: سألته أخوين مملوكين هل يفرق بينهما ؟ وعن المرأة وولدها، قال: لا هو حرام الا أن يريدوا ذلك " ورواه في الفقيه " قال: سأل سماعة أبا عبد الله (عليه السلام) عن أخوين مملوكين " الحديث. وما رواه في الكافي والتهذيب عن هشام بن الحكم (3) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال انه اشتريت له جارية من الكوفة قال: فذهبت تقوم في بعض الحاجة، فقالت: يا أماه فقال لها أبو عبد الله (عليه السلام): ألك أم ؟ قالت: نعم فأمر بها فردت، وقال: ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدى ما أكره ". وما رواه في الكافي عن عمر بن أبى نصر (4) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الجارية الصغيرة يشتريها الرجل ؟ فقال: ان كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس ". وما رواه المشايخ الثلاثة عن ابى سنان (5) في الصحيح فان الظاهر أن ابن


(1) (2) الكافي ج 5 ص 218 التهذيب ج 7 ص 73 الفقيه ج 3 ص 137. (3) الكافي ج 5 ص 219 التهذيب ج 7 ص 73. (4) (5) الكافي ج 5 ص 219.

[ 420 ]

سنان هو عبد الله عن أبى عبد الله (عليه السلام) " أنه قال في الرجل يشترى الغلام والجارية وله أخ أو أخت أو أب أو ام بمصر من الامصار ؟ قال: لا يخرجه إلى مصر آخر ان كان صغيرا ولا يشتره فان كانت له أم فطابت نفسها ونفسه فاشتره ان شئت ". وما رواه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك عن ابي ايوب عن النبي (صلى الله عليه وآله) " قال: من فرق بين والدة وولدها، فرق بينه وبين أحبته " أقول: وهذه الرواية لم اقف عليها في كتب اخبارنا ولا يبعد انها من طريق العامة الا ان صحيحة هشام المذكورة ظاهرة فيما دلت عليه. وفى كتاب الفقة الرضوي (2) " وروى في الجارية الصغيرة تشترى ويفرق بينها وبين امها ؟ فقال: ان كانت قد استغنت عنها فلا بأس ". هذه جملة ما حضرني من أخبار المسألة، ودلالتها على التحريم ظاهرة، سيما صحيحة معاوية حيث أمر (صلى الله عليه وآله) برد الجارية المباعة، والامر للوجوب كما تقرر في محله، وظاهرها بطلان البيع، حيث استرجع المبيع برد الثمن من غير رضا المشترى كما هو ظاهر الخبر، وقوله في موثقة سماعة " هو حرام الا ان يريدوا ذلك ". وبالجملة فان ظاهر الاخبار هو التحريم والبطلان وبذلك اعترف في الدروس أيضا (3).


(1) المستدرك ج 2 ص 486 عن عوالي اللئالى. (2) المستدرك ج 2 ص 476. (3) قال في الدروس: اختلفوا في التفريق بين الاطفال وامهاتهم إلى سبع سنين، وقيل: إلى مدة الرضاع، ففى رواية سماعة يحرم الا برضاهم واطلق المفيد والشيخ في الخلاف والمبسوط التحريم وفساد البيع

[ 421 ]

تنبيهات الاول قد عرفت ان الاصحاب خصوا الحكم بالاطفال، وفرعوا عليه ايضا الخلاف في الغاية التى يزول معها التحريم أو الكراهة، هل هي مدة سبع سنين، أو أن يستغنى عن الرضاع ؟ وهو مشكل، إذ لم نقف له على مستند، وبذلك اعترف في المسالك أيضا، وذكر جماعة من المتأخرين أنه مترتب على الخلاف في الحضانة الاتى في كتاب النكاح انشاء الله تعالى وهو أشكل لاختلاف الاخبار (1) والاقوال في ذلك أيضا.


وهو ظاهر الاخبار، وطرد الحكم في أم الام وابن الجنيد طرد في من يقوم مقام الام في الشفقة، وأفسد البيع في السبايا وكره ذلك في غيرهم والحلبيون على كراهية التفرقة وتخصيص ذلك بالام وهو فتوى الشيخ في العتق من النهاية انتهى منه رحمه الله. (1) ففى بعض الاخبار * ان الولد للاب وله ان يعطيه لمن شاء يرضعه الا يطلب الام ذلك، فترضى بما يرضى به غيرها فهى أحق ما لم يفطم، وفى بعض أن الام أحق بالولد إلى سبع سنين، وفى بعض آخر إلى ان يتزوج، وفى بعض آخر انه مادام في الرضاع فهو بين الابوين، فإذا فطم فالاب احق به من الام فإذا مات الاب فالام احق به من العصبة، وفى بعضها انه ليس للوصي ان يخرجه من حجر الام حتى يدرك ويدفع إليه ماله والشيخ قد جمع بينها بأن الام احق قبل الفطام وإذا ارضعت بما يرضع * التهذيب ج 8 ص 104.

[ 422 ]

وأنت خبير بأن ظاهر الروايات المذكورة عدم الاختصاص بالاطفال بل ظاهر جملة منها انما هو الكبار، كما يعطيه ظاهر صحيحة معاوية بن عمار من بيع الجارية لنفقة العسكر، ومن الظاهر الغالب أن قيمة الطفل لا يفي بذلك، وأظهر منها صحيحة هشام بن الحكم، وقوله فيها " ان الجارية ذهبت تقوم في بعض حوائجها، " وهو ايضا ظاهر موثقة سماعة وان الولد فيها أعم من الصغير والكبير، بل الظاهر انما هو كونه كبيرا لقوله " الا ان يردوا ذلك " فان الارداة لا تحصل من الرضيع. وكذلك قوله في صحيحة ابن سنان " وان كانت له ام فطابت نفسها ونفسه، فاشتره " فان طيب النفس لا يتم في الرضيع وهذا كله بحمد الله سبحانه ظاهر لاريب فيه. الثاني انه على تقديرا لقول بالتحريم هل يحكم ببطلان البيع ايضا أم لا ؟ وجهان بل قولان يلتفتان إلى ان النهى في غير العبادة لا يقتضى الفساد ولرجوعه إلى وصف خارج عن ذات المبيع، فيكون كالبيع وقت النداء، وعلى هذا فيصح البيع وان اثم، والى ان المفهوم من صحيحتي معاوية وهشام من حيث اشتمالهما على الرد من غير رضى المتبايعين هو البطلان، والظاهر ان الوجه فيه هو ان تحريم التفرقة أخرجها عن صلاحية المعاوضة، وهو الاظهر، وفاقا لجملة من الاصحاب.


الغير فهى احق، وانها احق بالانثى ما لم تتزوج، وجمع جملة من الاصحاب بينها بحمل رواية السبع على الانثى، والحولين على الذكر، لمناسبة الحكمة في احتياج الانثى إلى تربية الام زيادة على الذكر، قال في المسالك وهذا هو الاجود، ثم قال وحيث كان ذلك في حكم الحرة فليكن في الامة كذلك لان حقها لا يزيد على الحرة، ولان ذلك هو الحق المقرر للام في كون الولد معها في نظر الشارع انتهى منه رحمه الله. (1) التهذيب ج 8 ص 104.

[ 423 ]

الثالث أنه هل يختص النهى عن التفرقة بالولد مع الام، أم يعم الارحام المشاركة في الشفقة والاستيناس. كالاخت والعمة والخالة ؟ قولان، استجود شيخنا الشهيد الثاني في الروضة والمسالك الثاني، واستقرب العلامة في التذكرة الاول، وظاهر موثقة سماعة وصحيحة ابن سنان يؤيد الثاني، الا أن ظاهرهم تخصيص التعدية إلى ما شارك الام في الشفقة من الاناث خاصة، وظاهر الروايتين المذكورتين التعدي إلى الذكور أيضا فالتخصيص المذكور خروج عن النص. والاظهر الوقوف على ما دلت عليه النصوص من الام والاخ والاخت والاب اقتصارا فيما خرج عن الاصل على موضع النص، ولان ما زاد لا يخرج عن القياس. الرابع أنه هل يلحق بالبيع غيره ؟ قال في المسالك: الظاهر عدم الفرق بين البيع وغيره، وان كان في بعض الاخبار ذكر البيع لايمائها إلى العلة الموجودة في غيره، فيتعدى إلى كل ناقل للعين حتى القسمة والاجارة الموجبة للفرقة، وحيث كانت علة المنع الفرقة فلو لم يستلزمها كما لو باع أحدهما وشرط استخدامه مدة المنع أو على من لا يحصل معه التفريق بينهما لم يحرم، مع احتماله في الثاني إذا لم يكن الاجتماع لازما له شرعا. انتهى. واورد عليه (1) بانه وان كان محتملا من جهة ظهور العلة المفهومة فيمكن ذلك، ولكن يشكل ذلك من جهة كونه قياسا مع عدم المنصوصية في العلة. انتهى. وهو جيد على أنه قد تقدم ما في منصوص العلة من البحث في صدر جلد الطهارة من هذا الكتاب (2) وبالجملة فان الاظهر الاقتصار في ذلك على البيع كما هو مورد الاخبار، اقتصارا فيما خالف الاصل على مورد النص، والنصوص المتقدمة كلها انما تضمنت البيع والشراء، وليس فيها ما تضمن مجرد التفرقة الا موثقة سماعة،


(1) وهو المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد منه رحمه الله. (2) ج 1 ص 63.

[ 424 ]

فيجب حملها على ما عداها من النصوص المذكورة، حمل المطلق على المقيد وبه يظهر أن التعدية قياس محض والله العالم. الخامس قال في المسالك: وموضع الخلاف بعد سقي الام اللبأ، أما قبله فلا يجوز قطعا، لما فيه من التسبب إلى اهلاك الولد، فانه لا يعيش بدونه، صرح به جماعة. انتهى. وفيه تأمل لانا رأينا كثيرا من الاطفال قد عاش بدون ذلك، بأن يشرب من لبن غير أمه بعد الولادة، وربما تعذر وجود اللبن من أمه لمرض ونحوه بعد الولادة مدة، وانما يرضع من حليب غيرها، بل قيل: انه لا يوجد اللبأفي كثير من النساء وبنحو ما قلنا صرح المحقق الاردبيلى قدس سره في شرح الارشاد أيضا. السادس قال في المسالك: ولا يتعدى الحكم إلى البهيمة اقتصارا بالمنع على موضع النص، فيجوز التفرقة بيهنا وبين ولدها بعد استغنائه عن اللبن، وقبله ان كان مما يقع عليه الزكاة أو كان له ما يمونه من غير لبن أمه انتهى. المسألة السابعة لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه يجب استبراء الامة على البايع قبل البيع إذا وطأها، وكذا المشترى ويسقط الاستبراء عن المشترى لو أخبره البايع بالاستبراء وكان ثقة أو كانت لامراة، أو كانت يائسة أو صغيرة أو حاملا أو حايضا. وتفصيل هذه الجملة يقع في موارد: الاول لا يخفى أن الاستبراء عبارة عن طلب براءة الرحم من الحمل، فانه إذا صبر عليها المدة المضروبة لذلك حسبما يأتي ذكره في الاخبار تبين به حملها أو عدمه، والحكمة فيه عدم اختلاط الانساب والمشهور بين الاصحاب وبه صرح الشيخ وتبعه الاصحاب انه لا فرق في ذلك بين البيع وغيره من الوجوه الناقلة للملك، وكذا القول في الشراء فيجب الاستبراء بكل ملك زايل وحادث، وخالف في ذلك ابن ادريس فخصه بالبيع، دون غيره من الوجوه المشار إليها، قال العلامة (قدس سره) في المختلف: قال الشيخ

[ 425 ]

في الخلاف: إذا ملك أمة بابتياع أو هبة أو ارث أو استغنام لم يجز له وطؤها الا بعد الاستبراء. وقال ابن ادريس: لا يجب في غير البيع، لان الذى رواه اصحابنا في تصانيفهم الخالية من فروع المخالفين وبياناتهم ونطقت به أخبار الائمة (عليهم السلام) أن الاستبراء لا يجب الا على البايع والمشترى، ولم يذكروا غيرهما، والاصل براءة الذمة، والتمسك بقوله تعالى (1) " وما ملكت أيمانكم " وهذه ملك يمين والحق ما قاله الشيخ، لنا أن المقتضى لوجوب الاستبراء في صورة البيع ثابت في غيره، وهو العلم باستفراغ رحمها، والاختلاط على الانساب، والحفظ من اختلاطها، وأى فرق بين قوله بعتك، وقوله وهبتك، بحيث يوجب الاول الاستبراء دون الثاني، ولا يخفى ذلك على محصل، وأسند النقل إلى كتاب الخلاف ونسبه إلى أنه من فروع المخالفين، ولعله لم يقف في النهاية على باب السرارى وملك الايمان، فان الشيخ نص فيه على ذلك أيضا، بل هو نفسه قال في هذا الباب متى ملك الرجل جارية بأحد وجوه التملكات من بيع أو هبة أو سبى أو غير ذلك لم يجز له وطؤها في قبلها الا بعد أن يستبرأها، فلعله بعد ذلك وقف على شئ لم يقف عليه من الاول حتى خرج كونه من فروع المخالفين، وبالجملة فهذا الرجل يخبط ولا يبالى أين يذهب، ويتجرى على شيخنا (قدس سره) بما لا يجوز انتهى وهو جيد. ويؤيده ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن صالح عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وآله) في الناس يو م أو طاس: أن استبرؤا سباياكم بحيضة " الا أنها خاصة بالاسترقاق، وظاهر صاحب


(1) سورة النساء الاية 3. (2) التهذيب ج 8 ص 176.

[ 426 ]

الكفاية التوقف هنا، والميل إلى ما ذهب إليه ابن ادريس، وقال المحقق الاردبيلى (قدس سره): الظاهر الحاق الامور الناقلة للامة والمبيحة للفرج بالبيع والشراء في وجوب الاستبراء، وتحريم الوطئ لظهور العلة مع احتمال الخصوص وهو بعيد، خصوصا من جانب المتملك، فان المقصود لم يتم الا بذلك انتهى. الثاني الاستبراء يقع بخمسة وأربعين يوما ان لم تحض، والا فحيضة، ووجوب الاستبراء على البايع ومن في حكمه مشروط بأن يطأها وان عزل وأما المشترى ومن في حكمه فانما يجب عليه الاستبراء مع علمه بوطئ السابق، أو جهله الحال، فلو علم الانتفاء لم يجب لانتفاء الفايدة، وللنص. وأما ما يدل على وجوب الاستبراء على البايع والمشترى وكذا على جملة من هذه الاحكام فجملة من الاخبار، منها خبر الحسن بن صالح المتقدم، وما رواه في الكافي. عن سماعة (1) في الموثق " قال سألته، عن رجل اشترى جارية وهى طامث أيستبرئ رحمها بحيضة أخرى أو تكفيه هذه الحيضة ؟ قال: لابل تكفيه هذه الحيضة، فان استبرأها بأخرى فلا بأس هي بمنزلة فضل ". وعن ربيع بن القاسم (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجارية التى لم تبلغ الحيض (3) وتخاف عليها الحبل، فقال: يستبرئ رحمها الذى يبيعها بخمس وأربعين ليلة، والذى يشتريها بخمس وأربعين ليلة ". وما رواه الشيخ عن عبد الرحمن ابن ابى عبد الله (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام)


(1) التهذيب ج 8 ص 174. (2) التهذيب ج 8 ص 170. (3) قوله لم تبلغ الحيض أي انها بلغت، لكنها لم تحض والا فلا معنى لكونها ما تخوف عليها الحبل ولو لم يبلغ بالكلية منه رحمه الله. (4) التهذيب ج 8 ص 172.

[ 427 ]

في الرجل يشترى الجارية ولم تحض أو قعدت عن المحيض كم عدتها قال: خمس واربعون ليلة " اقول الظاهر ان المراد بهذه الراية هي من كانت في سن من تحيض ولم تحض بالكلية أو انها حاضت ثم انقطع عنها الحيض، وهى في سن من تحيض، لما عرفت آنفا من عدم العدة على الصغيرة واليائسة. ويدل ايضا ما رواه هذا الراوى بعينه (1) " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية التى لم تبلغ المحيض، وإذا قعدت من المحيض ما عدتها ؟ وما يحل للرجل من الامة حتى يستبرأها قبل ان تحيض ؟ قال: إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلاعدة لها والتى تحيض فلا يقربها حتى تحيض وتطهر " ونحوها غيرها مما سيأتي انشاء الله تعالى. وعن منصور بن حازم (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عدة الامة التى لم تبلغ المحيض وهو يخاف عليها فقال: خمس وأربعون ليلة ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن عن حفص البخترى (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: في الرجل يشترى الامة من رجل فيقول: اني لم أطأها فقال: ان وثق به فلا بأس بأن يأتيها، وقال في رجل يبيع الامة من رجل فقال: عليه أن يستبرئ من قبل ان يبيع ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: في رجل ابتاع جارية لم تطمث، قال: ان كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحبل فليس عليها عدة، فليطأها ان شاء، وان كانت قد بلغت ولم تطمث فان عليها العدة، قال: وسألته عن رجل اشترى جارية وهى حايض قال: إذا طهرت فليمسها ان شاء ".


(1) التهذيب ج 8 ص 172. (2) (3) (4) التهذيب ج 8 ص 172 و 173 و 171.

[ 428 ]

ورواه الكليني في الصحيح أو الحسن مثله، وعن ابن ابى يعفور (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " قال: في الجارية التى لم تطمث ولم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل، قال: ليس عليها عدة يقع عليها " الحديث. وما رواه في الكافي عن عبد الله بن عمر (2) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أو لابي جعفر (عليه السلام) الجارية الصغيرة يشتريها الرجل وهى لم تدرك أو قد يئست من المحيض قال فقال لا بأس ان لا يستبرئها " وما رواه الصدوق مرسلا (3) " قال: قال ابو جعفر (عليه السلام): إذا اشترى الرجل جارية وهى لم تدرك أو قد بئست من المحيض فلا بأس بأن لا يستبرأها ". وما رواه الشيخ عن عمار (4) في الموثق " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) الاستبراء على الذى يريد أن يبيع الجارية واجب ان كان يطأها، وعلى الذى يشتريها الاستبراء أيضا قلت: فيحل له أن يأتيها دون فرجها ؟ قال: نعم قبل أن يستبرأها ". وما رواه في كتاب عيون اخبار الرضا عن محمد بن اسماعيل بن بزيع (5) عن الرضا (عليه السلام) " في حد الجارية الصغيرة السن الذى إذا لم تبلغه لم يكن على الرجل استبراؤها ؟ قال إذا لم تبلغ اسبتئت بشهر، قلت: وان كانت ابنته سبع سنين ونحوها مما لا تحمل، فقال: هي صغيرة ولا يضرك أن لا تستبرئها، فقلت:


(1) التهذيب ج 8 ص 171. (2) الكافي ج 5 ص 472 (3) الفقيه ج 3 ص 283. (4) التهذيب ج 8 ص 177. (5) الوسائل الباب 3 من ابواب نكاح العبيد.

[ 429 ]

ما بينها وبين تسع سنين ؟ فقال: نعم تسع سنين ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد الاشعري (1) عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) " قال: سألته عن رجل يبيع جارية كان يعزل عنها هل عليه منها استبراء ؟ قال: نعم، وعن أدنى ما يجزى من الاستبراء للمشترى والبايع ؟ قال: أهل المدينة يقولون حيضة، وكان جعفر (عليه السلام) يقول: حيضتان، وسألته عن ادنى استبراء البكر فقال: أهل المدينة يقولون حيضة، وكان جعفر (عليه السلام) يقول: حيضتان " ونحوها في الاستبراء بحيضتين صحيحة محمد ابن اسماعيل بن بزيع الاتية في مسألة اخبار البايع بالاستبراء. وما رواه في الكافي عن سماعة (2) في الموثق " قال: سألته عن رجل اشترط جارية ولم يكن لها زوج أيستبرى رحمها ؟ قال: نعم، قلت فان كانت لم تحض ؟ قال: أمرها شديد وان هو أتاها فلا ينزل الماء حتى يستبين أحبلى هي أم لا، قلت: وفى كم تستبين له ؟ قال: في خمسة وأربعين يوما " وعن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في رجل اشترى جارية لم يكن صاحبها يطؤها أيستبرئ رحمها ؟ قال: نعم، قلت: جارية لم تحض كيف يصنع بها ؟ قال: أمرها شديد غير أنه ان أتاها فلا ينزل عليها حتى يستبين له ان كان بها حبل قلت: وفى كم يستبين له ؟ قال: في خمس وأربعين ليلة " إلى غير ذلك من الاخبار المتعلقة بهذا المقام وسيأتى أيضا نحوها. والكلام فيها يقع في مواضع، أحدها ما دلت عليه جملة منها من وجوب الاستبراء على البايع والمشترى، مما لا خلاف فيه فيما أعلم ولا اشكال والمعتبر في الاستبراء عندهم هو ترك الوطئ في القبل والدبر، واحتمل بعض المحققين تخصيص الوطئ بالقبل، ولا يخلو من قرب، فانه هو المتبادر من الاخبار بحمل


(1) التهذيب ج 8 ص 171. (2) (3) الكافي ج 5 ص 472.

[ 430 ]

مطلقها على مقيدها، ولانه هو المناسب للاستبراء بالحيض، والحكمة في الاستبراء، على أن اطلاق الاخبار انما بحمل على الفرد الشايع المتكرر، وهو انما يكون بالنسبة إلى القبل كما لا يخفى، الا أن الاحتياط في الوقوف على ما ذكره الاصحاب. وكيف كان فلا يتعدى الاستبراء إلى باقى وجوه الاستمتاع، خلافا للشيخ في المبسوط على ما نقل عنه حيث حرم الجميع على المشترى حتى يستبرأها ويرده نولها في صحيحة محمد بن اسماعيل الاتية قريبا انشاء الله (تعالى) " قلت: يحل للمشترى ملامستها ؟ قال: نعم، ولا يقرب فرجها " وقوله عليه السلام في رواية عبد الله بن سنان الاتية انشاء الله تعالى أيضا " ولكن يجوز ذلك فيما دون الفرج " وفى رواية عبد الله بن محمد (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: لا بأس بالتفخيذ لها حتى تستبرئها وان صبرت فهو خير لك ". ويؤيده أن العلة براءة الرحم وعدم اختلاط الانساب، الا أنه لو لم يستبرئها البايع ونحوه، فالظاهر من كلام الاصحاب انه يأثم ويصح البيع وغيره من العقود لرجوع النهى إلى أمر خارج عن البيع، والظاهر أنه لاكلام في وجوب تسليم البايع الجارية إلى المشترى لو لم يستبرئها لان تركه الواجب عليه من استبرائها لا يوجب جواز حبس المال عن صاحبه. واما ما احتمله في المسالك من بقاء وجوب الاستبراء قبله ولو بالوضع على يد عدل لوجوبه قبل البيع فيستصحب فلا يخلو من ضعف لعدم حجية مثل هذا الاستصحاب المتثاقل في امثال هذه المقامات، واما ابقاؤها في يد البايع فلا يجب قطعا، لانها صارت اجنبية منه بالبيع، ولو لم يستبرئها المشترى أثم وعزر مع العلم بالتحريم ويلحق به الولد، لانه فراش، وهل يسقط الاستبراء حينئذ ؟ اشكال، ينشأ من انتفاء الفائدة فيه والحكمة المطلوبة في المقام لانه قد


(1) التهذيب ج 8 ص 178.

[ 431 ]

اختلط الماء ان، وألحق به الولد الذي يمكن تجدده ومن اطلاق الامر بالاستبراء في المدة، وهى باقية، وفى رواية عبد الله بن سنان (1) الاتية قريبا انشاء الله تعالى " لان الذين يشترون الا ماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرؤهن فأولئك الزناة بأموالهم ". وثانيها أكثر الروايات المتقدمة على الاكتفاء بالحيضة الواحدة في الاستبراء وهو المشهور في كلامهم من غير خلاف يعرف، الا ان صحيحة سعد بن سعد الاشعري وكذا صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع دلنا على الحيضتين، ونسبة الحيضة إلى علما العامة. والشيخ ومن تبعه حملوها على الاستحباب، واستند الشيخ في الحمل المذكور إلى موثقة سماعة المتقدمة، وقوله (عليه السلام) فيها " فان استبرأها باخرى فلا بأس، هي بمنزلة فضل " وهو جيد، ولولا اتفاق الاصحاب على الحكم المذكور وتظافر الاخبار به لامكن حمل أخبار الحيضة على التقية كما يشعر به ظاهر الصحيحتين المذكورتين والاحتياط يتقضى العمل بهما. وثالثها مادلت عليه الاخبار المتقدمة من أنه مع عدم الحيض فالاستبراء بخمسة واربعين يوما هو المشهور بين الاصحاب، ونقل في المختلف عن الشيخ المفيد أن الاستبراء بثلاثة اشهر ولم نقفف على مستنده. ورابعها ما دل عليه موثق سماعة المتقدم ونحوه صحيح الحلبي المتقدم الاكتفاء باتمام الحيضة عند انتقالها إليه حايضا هو المشهور بين الاصحاب، ونقل عن ابن ادريس عدم الاكتفاء بذلك وهو مردود بالاخبار المذكورة. وخامسها ما تضمنه صحيح الحلبي ونحوه غيره كرواية ابن ابى يعفور ورواية عبد الله بن عمر ومرسلة الفقيه وغيرها من جواز وطئ الصغيرة لا يخلو من


(1) الفقيه ج 2 ص 282.

[ 432 ]

الاشكال، لظاهر الاتفاق نصا وفتوى على أنه لا يجوز الوط قبل بلوغها، فان المراد من الصغيرة عند الاطلاق هي من لم يبلغ سنها تسع سنين الذى هو سن البلوغ، ولا يمكن الحمل على من تجاوز سنها التسع ولم تحض بناء على الغالب لان قوله في الصحيحة المذكورة " وان كانت قد بلغت ولم تطمث " ما ينافى ذلك ويمكن توجيه الروايات المشار إليها وان بعد بانه لا بأس من حيث عدم الاستبراء وان وجد البأس من جهة أخرى، ويحتمل أن يكون المراد أنها كانت صغيرة عند البايع، فلو وطأها البايع وان فعل محرما كان في حال عدم البلوغ وأنها بلغت عند المشترى قبل الاستبراء فلا بأس حينئذ بأن يطأها المشترى بدون الاستبراء لعدم امكان حملها من البايع، وحيث أنها لم تكن بالغة يومئذ، وكونها بالغة عند وطئ المشترى، وينبغى ان يحمل على ذلك كلام الاصحاب أيضا، حيث أنهم جعلوا من مسقطات الاستبراء ما إذا اشتراها صغيرة، حيث أنه مؤذن بجواز الوطئ من غير استبراء، ولم أر من تنبه لما نبهنا عليه سوى المحقق الاردبيلى (قدس سره) في شرح الارشاد، وقد سبق لنا لهذا الاشكال في حواشينا على الوافى قبل تصنيف هذا الكتاب بما ذكرناه هنا، وقد وفق الله سبحانه للوقوف على كلام المحقق المذكور مؤيدا لما ذكرناه، حيث قال بعد نقل صحيحة الحلبي ورواية ابن ابى يعفور دليلا لما ذكره الاصحاب من عدم وجوب الاستبراء على الصغيرة ما لفظه: وفيه تأمل لانه يفهم منه تجويز الوقوع على غير البالغ، مع انه حرام قبل البلوغ عندهم، أو البالغ التى لم يتخوف عليها الحبل لصغرها من غير استبراء، وهو جايز، فلعل المراد عدم التحريم من جهة الاستبراء، أو الوقوع بعد البلوغ انتهى. والاحتمال الثاني الذى ذكره وان تم في بعض الروا ايات المشار إليها، الا أنه لا يتم في صحيحة الحلبي لما ذكرناه من مقابلة الصغيرة بالبالغة، فانه ظاهر في أن المراد بها قبل البلوغ. وسادسها ما تضمنه موثق سماعة وصحيح الحلبي بالنسبة إلى الجارية التى

[ 433 ]

لم تحض، من أن أمرها شديد وأنه ان أتاها فلا ينزل حتى يستبين له حالها من كونها حبلى أم لا لا يخلو من الاشكال، فان قوله " لم تحض " اما أن يراد به الكناية عن كونها صغيرة لم تبلغ، وحينئذ فالحكم بجواز اتيانها وان كان مع عدم الانزال خلاف الاخبار وكلام الاصحاب الصريح في عدم جواز الوطئ في الصورة المذكورة وان أريد بها البالغة وان لم تحض بالفعل فوجوب الاستبراء فيها مما اتفقت عليه الاخبار، وكلمة الاصحاب أيضا، فجواز جماعها على كل من الوجهين لاوجه له. قال شيخنا المجلسي عطرالله مرقده في حواشيه على كتب الاخبار في خبر سماعة: يمكن حمله على أن عدم الانزال كناية عن عدم الوطئ في الفرج، وشدة أمرها باعتبار عسر الصير في هذه المدة، وهو مؤيد لما ذهب إليه الاصحاب من جواز الاستمتاع بها فيما دون الفرج، وذهب جماعة إلى المنع من الاستمتاع بها مطلقا. انتهى ولا يخفى بعده. وقال والده في حواشيه له على هذا الخبر ايضا: قوله (عليه السلام) " أمرها شديد " أي في الاستبراء وعدم الوطئ أو ترك الانزال، قوله " فان أتاها " وان كان حراما، أو يحمل على تقدير الاخبار أو كان ذلك على جهة الاستحباب، أو يحمل الاتيان على غير الفرج، أي الدبر وترك الانزال، لامكان الحمل بوطئ الدبر انتهى وهو كسابقه. أقول وقد روى ثقة الاسلام في الكافي عن ابى بصير (1) وهو ليث المرادى في حديث " انه قال لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشترى الجارية الصغيرة التى لم تطمث وليست بعذراء أيستبرئها ؟ قال: أمرها شديد إذا كان مثلها تعلق، فليستبرئها " ورواه الشيخ في الصحيح مثله، والظاهر من هذا الخبر انه اشترى الجارية بعد افتضاضها وزوال بكارتها، ولكن في ظنه انها لم تبلغ سيما مع عدم طمثها، فقال


(1) الكافي ج 5 ص 475 التهذيب ج 8 ص 176.

[ 434 ]

(عليه السلام): ان هذه باعتبار عدم معلومية البلوغ وعدمه محل إشكال، وامرها شديد، سيما إذا كان مثلها ومن هو في قدر جثتها وصورتها يحصل له الحمل، فالواجب استبراؤها إذا كانت بهذه الكيفية، وحينئذ فيمكن حمل الخبرين المشار اليهما على من كانت كذلك، وقوله فيهما جارية " لم تحض " أي لم يعلم بلوغها بالحيض، ولكنها محتملة للبلوغ وعدمه بالسن، فأجاب (عليه السلام) بأن هذه من حيث احتمال البلوغ وعدمه امرها شديد، الا انه حيث كان الاصل عدم البلوغ حتى يتحقق، فلا بأس لو جامعها، لكن الاحتياط في العزل عنها حتى يستبرئها، وفى خبر ابى بصير انما امر بالاسبتراء من حيث ان مثلها تعلق، فهو قرينة على احتمال البلوغ، ومرجح له ويعضده ما تقدم في رواية منصور بن حازم من قوله " سألته عن عدة الامة التى لم تبلغ المحيض وهو يخاف عليها ؟ فقال: خمسة واربعون ليلة "، ونحوها رواية ربيع بن القاسم، فانهما ظاهرتان في عدم تحقق البلوغ، الا انهما محتملة له احتمالا قريبا حسبما ذكرناه في رواية ابى بصير المذكورة، ونحو هذه الروايات في ذلك مفهوم صحيحة الحلبي المتقدمة. فرعان الاول قال الشيخ في النهاية والشيخ المفيد: إذا اشترى جارية وعزلها عند انسان للاستبراء كانت من مال البايع إذا هلكت في مدة الاستبراء ما لم يحدث المبتاع فيها حدثا، فان أحدث كان تلفها منه. وقال في المبسوط: وان جعلت عند من يثق به جاز، فان هلكت فان كان المشترى قبضها ثم جعلت عند عدل فمن ضمان المشترى، لان العدل وكليه، ولو سلمها البايع للعدل قبل قبض المشترى بطل البيع، واختاره ابن ادريس قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك: ولا أرى بينهما تنافيا، فان كلام النهاية قد يحمل على هذا. أقول حمل كلام النهاية على هذا تعسف ظاهر، فان كلامه ظاهر في ان المودع

[ 435 ]

للجارية انما هو المشترى، ومع هذا جعل هلاكها من البايع، والحق في المسألة انما هو ما ذكره في المبسوط، وحمل كلامه في النهاية على ذلك مما لا يخفى بعده. الثاني قال الشيخ في النهاية والمفيد وابن حمزة: النفقة مدة الاستبراء على البايع، قال في المختلف: وليس بجيد، لانها ملك المشترى والنفقة تابعة للملك انتهى وهو جيد، ونقل عنه ايضا القول بما ذهب إليه الشيخان، قال في الدروس: والنفقة على البايع مدة الاستبراء عند الشيخين، والفاضل تارة يقول به بشرط الوضع عند عدل، وتارة يقول النفقة على المشترى، لانها تابعة للملك. انتهى وهو ظاهر في اضطراب فتواه (قدس سره) في هذه المسألة. الثالث قد عرفت آنفا انه يسقط الاستبراء في مواضع تقدم ذكرها اجمالا، والواجب ذكرها مفصلا وبيان القول فيها مشروحا، فمنها الصغيرة وقد تقدم ذكر الاخبار الدالة عليها وما فيها من الاشكال، والجواب عن ذلك بما رزق الله سبحانه فهمه في هذا المجال. ومنها اليائسة وقد تقدمت في جملة من الاخبار المتقدمة كصحيحة عبد الرحمن ابن أبى عبد الله (1) وقوله (عليه السلام) فيها " إذا قعدت عن المحيض أو لم تحض فلاعدة عليها " ونحوها رواية عبد الله بن عمر ومرسلة الصدوق، الا انه قد تقدم أيضا ما يشعر بالعدة عليها وعلى الصغيرة، مثل رواية عبد الرحمن بن أبى عبد الله (2) " في الجارية التى لم تحض أو قعدت عن الحيض كم عدتها ؟ قال: خمسة واربعون ليلة " وحملها بعض الاصحاب على الاستحباب، وحملها الشيخ على التي يخاف عليها الحبل، وظني أن ما قدمناه في تأويلها أقرب، وبالجملة فان هذه الرواية على ظاهرها مخالفة للاصل والشهرة بل الاجماع في الصغيرة والروايات المتقدمة، مضافا إلى ضعف سندها. ومنها مالو اخبر البايع بالاستبراء مع كونه ثقة، وهو المشهور خلافا


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 172.

[ 436 ]

لابن ادريس، وتبعه فخر المحققين في شرح القواعد فأوجبا عليها الاستبراء، الاخبار هنا لا يخلو من اختلاف. ومنها ما تقدم في حسنة حفص بن البخترى (1) من قوله (عليه السلام) " ان وثق به فلا بأس ان يطأها " وما تقدم في صحيحة الحلبي أو حسنته " في رجل اشترى جارية ولم يكن صاحبها يطأها ايستبرى رحمها ؟ قال: نعم " وهي محمولة على عدم الوثوق به. ومنها ما رواه الشيخ عن ابن سنان (2) " قال: سالت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى الجارية ولم تحض ؟ قال: يعتزلها شهرا ان كانت قد يئست، قلت: افرايت ان ابتاعها وهى طاهرة وزعم صاحبها انه لم يطأها منذ طهرت ؟ قال: ان كان عندك امينا فمسها، فقال: ان ذا الامر شديد فان كنت لابد فاعلا فتحفظ لا تنزل عليها، " وظاهر هذا الخبر لا يخلو من الاشكال، وحمله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) على كونه أمينا بحسب الظاهر، وما تقدم في رواية حفص على كونه ثقة بحسب المعاشرة، ولا بأس به، واما الامر باعتزالها شهر فلعله محمول على من تحيض في كل شهر، كذا ذكره بعض المحققين (3) وفيه ان الرواية صريحة في انها لم تحض فكيف تحمل على من تحيض في كل شهر. ومنها ما رواه الشيخ عن ابى بصير (4) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يشتري الجارية وهى طاهرة ويزعم صاحبها انه لم يمسها منذ حاضت فقال: ان ائتمنتهه فمسها " وعد هذه الرواية في المسالك في الصحيح، مع ان الراوى عن ابى بصير وهو شعيب العقرقوقى هو قرينة يحيى بن القاسم الذى يعدون حديثه


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 173 و 172. (3) هو المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد. منه رحمه الله). (4) التهذيب ج 8 ص 173.

[ 437 ]

في الضعيف. وعن محمد بن حكيم (1) عن العبد الصالح (عليه السلام) " قال إذا اشتريت جارية فضمن لك مولاها انها على طهر فلا بأس ان تقع عليها "، ويجب تقييد اطلاقها بما دل على اعتبار الوتاقة والامانة، جمعا بينها وبين صحيحة الحلبي الناصة على الاستبراء مطلقا. وروى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا قال: " وروى أنه لا بأس أن يطأ الجارية من غير استبراء لها إذا كان بايعها قد أخبره باستبرائها، وكان صادقا في ظاهره مأمونا ". وعن محمد بن اسماعيل (2) في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجارية تشترى من رجل مسلم يزعم انه قد استبرأها أيجزى ذلك أم لابد من استبرائها ؟ قال: استبرئها بحيضتين، قلت: يحل للمشترى ملامستها ؟ قال: نعم ولا يقرب فرجها " وقد عرفت االكلام في مثلها. وما رواه في الفقيه والتهذيب عن عبد الله بن سنان (3) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أشترى الجارية من الرجل المأمون فيخبرني أنه لم يمسها منذ طمثت عنده وطهرت قال: ليس بجايز أن تأتيها حتى تستبرأها بحيضة، ولكن يجوز ذلك ما دون الفرج ان الذين يشترون الاماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرؤهن فأولئك الزناة بأموالهم " وحملها الاصحاب على الاستحباب جمعا ولا بأس به. واعلم أن جملة من الاصحاب قد عبروا هعنا بالثقة كالمحقق في كتابيه وغيره، قال في المسالك: انما عبروا بالثقة لوروده في النصوص في هذه الباب، والظاهر أن المراد بالثقة العدل، لانه الثقة شرعا، وبه صرح في النافع


(1) (2) التهذيب ج 8 ص 173. (3) الفقيه ج 3 ص 282 التهذيب ج 8 ص 212.

[ 438 ]

مع احتمال الاكتفاء بمن تسكن النفس إليه وتثق بخبره. انتهى ملخصا. وفيه أولا أن ما ذكره من ورود لفظ الثقة في النصوص ليس في محله، وهذه نصوص المسألة كما تلوناها خالية من ذلك، نعم ذلك ففى عبارة كتاب الفقه الرضوي الاتية انشاء الله تعالى، ولكن الكتاب غير مشهور عندهم، وثانيا ان تفسير الثقة بالعدل شرعا كما ذكره، فيه ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين من أن هذا اصطلاح طار منهم (رضوان الله عليهم) غير موجود في زمنهم (عليهم السلام) وبذلك يظهر أن الاظهر في معناه انما هو ما جعله احتمالا في المقام، كما صرح به جملة من متأخرى علمائنا الاعلام، وهو المفهوم من أخبار المسألة سيما مرسلة المقنعة. ومنها مالو كانت لامرأة على المشهور، وخالف فيه ابن ادريس وتبعه فخر المحققين أيضا، ويدل على المشهور مضافا إلى الاصل جملة من الاخبار منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في الامة تكون للمراة فتبيعها ؟ قال: لا بأس أن يطأها من غير ان يستبرئها ". وعن رفاعة (2) في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الامة تكون لامرأة فتبيعها ؟ قال: لا بأس أن يطأها من غير أن يستبرأها ". وما رواه عن زرارة (3) في الموثق " قال: اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبرتني أنه لم يطأها أحد، فوقعت عليها ولم أستبرئها فسألت عن ذلك أبا جعفر (عليه السلام) فقال: هو ذا انا قد فعلت ذلك وما أريد أن أعود " أقول: ومن هذه الرواية يستفاد استحباب الاستبراء في هذه الصورة. ومنها الحامل على خلاف في ذلك يأتي ذكره في المسألة الاتية ان شاء الله تعالى. ومنها الحايض وقد تقدم ما يدل عليه في صحيح الحلبي وموثق سماعة الدالان


(1) (2) (3) التهذيب ج 8 ص 174.

[ 439 ]

على انتقالها إليه حال الحيض، وأنه يكفى في صحة وطئها اتمام الحيضة وطهرها من الحيض، والتقريب فيهما ان التوقف على الطهر انما هو من حيث تحريم الوطئ في حال الحيض، لامن حيث الاستبراء، ووجوب العدة بل الاستبراء والعدة هنا ساقطة، وقد تقدم نقل الخلاف عن ابن ادريس في ذلك، ولا وجه له كما عرفت هذا ما حضرني من المواضع المنصوصة. بقى الكلام هنا في مواضع أخر منها امة العنين والمجبوب والصغير الذى لا يمكن في حقه الوطئ هل تلحق بأمة المرأة في عدم الاستبراء أم لا ؟ ظاهر المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد الاول، وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الثاني، ولا بأس بنقل كلاميهما في المقام وان طال به زمام الكلام، لما فيه من مزيد الفائدة لذوى الافهام. قال في المسالك بعد ذكر حكم امة المراة وهل يلحق به امة العنين والمجبوب والصغير الذى لا يمكن في حقة الوطئ نظر، من المشاركة فيما ظن انه علة للحكم، وهو الا من من الوطئ، ومن انه قياس والمناسب للاصول الشرعية عدم الالحاق، وليس من مواضع الاشكال ما لو باعتها المراة لرجل في المجلس فباعها حينئذ، بل لا يجب الاستبراء هنا قطعا، للعلم بعدم وطئ البايع، وقد يحتال لسقوط الاستبراء ببيعها لامراة ثم شراؤها منها، لاندارجها حينئذ في امة المراة نظرا إلى اطلاق النص من غير تعليل، وكذا لو باعها لرجل ثم اشتراها منه قبل وطيه لها، حيث يجوز ذلك. انتهى. وقال المحقق المشار إليه: واعلم ان الظاهر عدم الاستبراء في امة الطفل على الولي البايع، ولا على المشترى، وكذا امة المجبوب والعنين، ولا على التى علم عدم الوطئ بيقين، مثل ان يملك رجل في مجلس امة لا يجب استبراؤها، لكونها ملك امراة ثم باعها في الحال، فانه لااستبراء عليه، ولا على المشترى الذى يعلم ذلك مثلا، أو ان يكون بعيدا عنها بحيث لا يمكن الوصول إليها، أو قريبا ولكن

[ 440 ]

كان مع المشترى ولم تفارقه زمانا يمكن الوصول إليها، وغير ذلك. ودليله الاصل مع عدم دليل صحيح على الوجوب، فان عمدة ادلة وجوب الاستبراء على البايع هو الاجماع، مستندا إلى بعض الاخبار، ولا اجماع في امثال ذلك على ما يظهر، للاصل، والخبر ليس بحيث يشمل هذه الصور، لاعموما ولا خصوصا، ولان المفهوم من الروايات المتقدمات وعبارات الاصحاب ان ما لم يطأ ولا يتخوف من الحبل لا يجب الاستبراء، ولهذا قيد وجوبه على البايع بالوطئ على المشترى باحتماله في الروايات، مثل موثقة عمار الساباطى، ثم نقل الرواية كما قدمناه. ثم قال: ويؤيده عدم الاستبراء في امة المراة والفرض انتفاء الوطئ والحبل فيما صورناه، فليس الحكم فيما ذركناه ملحقا بحكم امة المرأة للاشتراك في عدم الوطئ فيكون قياسا، بل مقتضى اصول الشريعة عدمه، كما قال في شرح الشرايع: على انه مسلم ان الصورة الاخيرة ليست بمحل الاشكال، فانه لا استبراء فيها من غير اشكال، ثم إذا نظر إلى ما ذكرناه يظهر ان الحيلة ببيع الامة التى يجب استبراؤها على امراة ثم الاشتراء منه لا تنفع، ولا تسقط وجوب الاستبراء عن المشترى، فتأمل واحفظ وهو حسن ففى الكل حتى فيما ذكرناه، فانه فرج موصى بالاحتياط فيه في الرواية. انتهى. وهو جيد سيما في رده عليه في سقوط الحيلة التي ذكرها في الصورتين المذكورتين في كلامه، فانها حيلة باطلة، وكأنها مبنية على ما هو المشهور بينهم من الحيلة في اسقاط العدة عن الباينة، متعة كانت أو دائمة مختلعة أو مطلقة ثلاث، قالوا انها لو تزوجها الزوج الاول وتمتع بها ثم فارقها بغير دخول، فانه لا عدة عليها لا بالنسبة إلى الزوج المذكور ولا غيره، ويجوز لها التزويج بعد مفارقته لها ثانية بشخص آخر غيره، لكونها غير مدخول بها، وفيه ان سقوط العدة الاولى عنها في هذه الصور انما هو بالنسبة إلى الزوج، فانه يجوز له التزويج بها، وهذا الطلاق الثاني الواقع قبل الدخول وان لم يترتب عليه العدة اتفاقا، لكن الكلام في العدة الاولى، فانها واجبة بالنص آية

[ 441 ]

ورواية، والاجماع، وغاية ما يستفاد سقوطها بالنسبة إلى الزوج، فيجوز له العقد عليها لعدم وجوب الاستبراء من مائه، وطلاقه لها بعد العقد المجرد عن الدخول لا يؤثر في سقوط تلك العدة، وهكذا القول فيما نحن فيه، فانه لو باع رجل جارية قد وطأها من غير استبراء على رجل آخر أو أمرأة ثم باعها الرجل أو المرأة على شخص آخر فان وجوب الاستبراء من ماء البايع الاول باق بأدلة المتقدمة، الدالة على حكمة الاستبراء، وخوف الحبل، ولا دليل على سقوطها بهذا البيع الثاني من امرأة أو رجل، فالواجب على هذا المشترى الثاني استبراؤها البتة. ومما يؤيد ما ذكره المحقق المذكور ما وقفت عليه في كتاب الفقه الرضوي حيث قال: (عليه السلام) في عد وجوه النكاح الثالث نكاح ملك اليمين، وأن يبتاع الرجل الامة فحلال نكاحها إذا كانت مستبرئة، والاستبراء حيضة، وهو على البايع، فان كان البايع ثقة، وذكر أنه استبرأها جاز نكاحها من وقتها، وان لم يكن ثقة استبرأها المشتري بحيضة، وان كانت بكرا أو لامرأة أو ممن لم تبلغ حد الادراك استغنى عن ذلك انتهى. وهو صريح في عدم وجوب الاستبراء في أمة الصغير، والمجبوب والعنين في معناه كما لا يخفى، بالتقريب الذى ذكره المحقق المذكور، وفيه زيادة على ما تقدم كون الجارية بكرا وهو جيد، كما لا يخفى المسألة الثامنة اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) لاختلاف الاخبار في وطئ الحامل، فذهب الشيخ في النهاية إلى انه لا يجوز الا بعد وضع الحمل، أو مضى أربعة أشهر وعشرة أيام، فان أراد وطأها قبل ذلك وطأها فيما دون الفرج. وقال الشيخ المفيد: انه لا يجوز له وطؤها حتى تمضى لها أربعة أشهر، فإذا مضى عليها أربعة أشهر وطأها ان احب دون الفرج، فان وطأها فيه فليعزل عنها، واجتناب وطؤها احوط حتى تضع ما في بطنها، فان وطأها قبل مضي الاربعة الاشهر

[ 442 ]

أو بعد ذلك ولم يعزل عنها لم يحل له بيع الولد، لانه قد غذاه وانما بنطفته، وينبغى ان يجعل له من ماله بعد وفاته قسطا ويعوله في حياته، ولا ينسب إليه بالبنوة. وقال أبو الصلاح: انه لا يحل حتى تمضي له اربعة اشهر دون الفرج، وفيه يشترط عزل الماء، واجتنابها حتى تضع احوط، وإذا وطأ لم يحل له بيع ولدها، ولا الاعتراف به ولدا ولكن يجعل له قسطا من ماله، لانه غذاه بنطفته، واقتصر سلار على الاربعة اشهر ايضا. وقال ابن ادريس: ومتى اشترى جارية حاملا كره له وطؤها في القبل، دون ان يكون ذلك محضورا على الاظهر من اقوال اصحابنا، وهو الذي يقتضيه اصول المذهب سواه مضى لها أربعة أشهر، أو أقل منها، وشيخنا رجع في مسائل خلافه عما ذكره في نهايته، فقال: مسألة إذا اشترى امة حاملا كره له وطؤها قبل ان تمضى لها اربعة اشهر، فإذا مضى لها ذلك لم يكره له وطؤها حتى تضع، وقال الشافعي وغيره لا يجوز لها وطؤها في الفرج، دليلنا اجماع الفرقة، والاصل الاباحة، وعدم المانع، ثم قال ابن ادريس: دليلنا نحن على صحة ما اخترناه قوله تعالى (1) " أو ما ملكت ايمانكم " فأباحنا تعالى وطؤما ملكت ايماننا بمجرد الملكية، والاية عامة، فمن خصصها يحتاج إلى دليل، والاصل الاباحة، ولامانع من ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها، أو اجماع. أقول وبما ذكره الشيخ في الخلاف من القول بالكراهة صرح في كتابي الاخبار ايضا وقال في المختلف: والمعتمد ان نقول ان كان الوطؤ عن زنا كره له وطؤها قبل مضي اربعة اشهر وعشرة ايام من غير تحريم " وان كان حلالا أو بشبهة حرم وطؤها حتى تضع، وذهب المحقق في الشرايع إلى تحريم وطئها قبلا قبل ان يمضي لحملها اربعة اشهر وعشرة ايام، والكراهة بعده، ورجحه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والروضة، وهو مذهب العلامة في الارشاد.

[ 443 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان عد الحامل في جملة من يسقط استبراءه كما تقدم، انما يتجه على تقدير القول بكراهة الوطئ كما هو مذهب الشيخ في الخلاف وكتابي الاخبار، وابن ادريس على تقدير كون الحمل من الزنا، كما ذهب إليه في المختلف، أو بعد مضي الاربعة أشهر والعشرة الايام، والواجب بسط ما وصل الينا من أخبار المسألة المذكورة، ثم الكلام فيها بما رزق الله سبحانه فهمه منها، مستمدين منه جل شأنه التوفيق إلى هداية سواء الطريق. فمن الاخبار المشار إليها ما رواه في الكافي. عن محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: في الوليدة يشتريها الرجل وهى حبلى ؟ قال: لا يقربها حتى تضع ولدها " وعن رفاعة بن موسى (2) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الامة الحلبي يشتريها الرجل فقال: سئل عن ذلك أبى (عليه السلام) فقال: أحلتها آية، وحرمتها آية اخرى، فأناناه عنها نفسي وولدى، فقال الرجل أنا أرجو أن انتهى إذا نهيت نفسك وولدك ". أقول: الظاهر أن الاية المحللة هي ما استدل بها ابن ادريس من قوله " أوما ملكت أيمانكم " (3) والاية المحرمة قوله سبحانه (4) " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن أبى بصير (5) " قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): الرجل يشترى الجارية وهى حامل ما يحل له منها ؟ قال: ما دون الفرج " الحديث. وما رواه في الكافي عن زرارة في الموثق " قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)


(1) (2) الكافي ج 5 ص 475 و 474. (3) سورة النساء الاية 3. (4) سورة الطلاق الاية 4. (5) (6) الكافي ج 5 ص 475.

[ 444 ]

عن الجارية الحلبي يشتريها الرجل فيصيب منها دون الفرج ؟ فقال: لا بأس، قلت فيصيب منها في ذلك ؟ قال: تريد تغره ". قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) في حاشية له على هذا الخبر في معنى قوله " تغره ": أي تصير المشترى مغرورا بجواز الوطئ ويحصل الولد، ولا يعلم أنه من أيهما، أو يغذيه بنطفته فيكون عليه ما ورد في بعض الاخبار من أن يوصى له، ويعتقه وغير ذلك انتهى، والمعنى الثاني أقرب. وما رواه في التهذيب عن اسحاق بن عمار (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجارية يشتريها الرجل وهى حبلى أيقع عليها ؟ قال: لا " وعن مسعدة بن زياد (2) " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يحرم من الاماء عشرة: لا يجمع بين الام والبنت ولا بين الاختين، ولا أمتك وهي حامل من غيرك حتى تضع " الحديث. وعن مسمع كردين (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): عشرة لا يحل نكاحهن ولاغشيانهن، أمتك أمها أمتك، إلى ان قال: وأمتك وقد وطئت حتى تستبرئ بحيضة، وأمتك وهى حبلى من غيرك " الحديث. وما رواه في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عن الحسن بن عبد الله ابن محمد الرازي (4) عن أبيه " عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن وطئ الحبالى حتى يضعن. وما رواه في قرب الاسناد عن ابراهيم بن عبد الحميد (5) " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يشترى الجارية وهى حبلى أيطأها قال: لا يقربها ". وعن ابراهيم بن عبد الحميد (6) " قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام)


(1) التهذيب ج 8 ص 176. (2) (3) التهذيب ج 8 ص 198. (4) (5) (6) الوسائل الباب 8 و 5 من ابواب نكاح العبيد.

[ 445 ]

عن الرجل يشترى الجارية وهى حبلى أيطأها ؟ قال: لا قلت: فدون الفرج قال لا يقربها ". وما رواه في الكافي والتهذيب عن رفاعة (1) في الصحيح " قال: سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: أشترى الجارية فيمكث عندي الاشهر لا تطمث وليس ذلك من كبر فأريها النساء فيقلن: ليس بها حبل، فلي أن أنكحها في فرجها ؟ فقال: ان الطمث قد تحسبه الريح من غير حبل فلا بأس أن تمسها في الفرج، قلت: وان كانت حبلى فمالى منها ان اردت ؟ قال: لك ما دون الفرج " هكذا في رواية الكافي، وزاد في التهذيب " إلى أن تبلغ في حبلها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإذا جاز حملها أربعة اشهر وعشرة أيام فلا بأس بنكاحها في الفرج، قلت: ان المغيرة واصحابه يقولون: لا ينبغى للرجل ان ينكح امرأة وهى حامل قد استبان حملها حتى تضع فيغذو ولده، فقال: هذا من افعال اليهود " ورواه في الفقيه مرسلا إلى قوله " فلا بأس ان يمسها في الفرج ". وما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن اسحاق بن عمار (2) في الموثق " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حاملا وقد استبان حملها فوطئها قال: بئس ما صنع قلت: فما تقول فيه ؟ قال: اعزل عنها أم لا ؟ فقلت: اجنبي في الوجهين، قال: ان كان عزل عنها فليتق الله ولا يعود، وان كان لم يعزل عنها فلا يبيع ذلك الولد، ولا يورثه ولكن يعتقه ويجعل له شيئا من ماله يعيش به، فانه قد غذاه بنطفته ". وما رواه في التهذيب عن السكوني (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام)


(1) الكافي ج 5 ص 475 التهذيب ج 7 ص 469. (2) الكافي ج 5 ص 487 الفقيه ج 3 ص 284 التهذيب ج 8 ص 179. (3) التهذيب ج 8 ص 179.

[ 446 ]

" ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل على رجل من الانصار وإذا وليدة عظيمة البطن تختلف، فسأل عنها ؟ فقال: اشتريتها يا رسول الله وبها هذا الحبل، قال: اقربتها ؟ قال: نعم، قال: اعتق مافى بطنها، قال: يا رسول الله وبما استحق العتق قال: لان نطفتك غذت سمعه وبصره ولحمه ودمه ". وعن غياث بن ابراهيم (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: من جامع امة حبلى من غيره فعليه ان يعتق ولدها ولا يسترق، لانه شارك في اتمام الولد ". وما رواه في الفقيه عن الصيقل (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: وسئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل ان يستبرئ رحمها قال: بئسما صنع، يستغفر الله ولا يعود، قلت: فانه باعها من آخر ولم يستبرئ رحمها، ثم باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها ولم يستبرئ رحمها، فاستبان حملها عند الثالث، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): الولد للفراش وللعاهر الحجر ". هذا ما حضرني الان من أخبار المسألة المذكورة وانت خبير بأن جملة منها قد دلت على النهى عن وطئها مطلقا، وجملة حتى تضع ولدها، والاول منها مقيد بالثاني فيرجعان إلى امر واحد، واكثر اخبار المسألة من هذا القبيل. وبعض إذا جاز حملها اربعة اشهر وعشرة ايام وهو صحيحة رفاعة خاصة برواية الشيخ في التهذيب كما تقدم ذكره، فظاهر الشيخ في النهاية القول بالتحريم كما هو ظاهر الاخبار كلا، والتخيير في الغاية بين وضع الحمل، أو مضى اربعة اشهر وعشرة ايام، جمعا بين ما دل على الغايتين بالتخيير، واليه يرجع قول الشيخ المفيد ومن وافقه. وظاهر العلامة في المختلف القول بالتحريم إلى وضع الحمل إذا كان الوطؤ حلالا أو شبهة، واما لو كان زنى فانه لا يحرم، بل يجوز على كراهة، وظاهره


(1) التهذيب ج 8 ص 179. (2) الفقيه ج 3 ص 285 التهذيب ج 8 ص 168.

[ 447 ]

حمل رواية الاشهر على الزنا، وان النهى فيها على جهة الكراهة، وسيأتى انشاء الله تعالى ما فيه. والمحقق وتبعه اخذوا بظاهر الروايات المذكورة، وحكموا بالتحريم قبل مضى الاربعة الاشهر، لاتفاق الاخبار على ذلك، وانما اختلفت فيما بعد المدة المذكورة، من كون الغاية هي المدة المذكورة أو وضع الحمل، فجمعوا بينها بحمل النهى فيما زاد على المدة المذكورة على الكراهة. قال في المسالك: والمصنف رحمة الله عليه اطلق الحكم بالتحريم قبل الاربعة والعشرة، والكراهة بعدها وهو اوضح وجوه الجمع اما الاطلاق بحيث يشمل الجميع، فلاطلاق النص الشامل لها، واما الحكم بالتحريم قبل المدة المذكورة فلاتفاق الاخبار اجمع عليه، والاصل في النهى التحريم، واما بعدها فقد تعارضت الاخبار، فيجب الجمع بينها وحمل النهى حينئذ على الكراهة لتصريح بعضها بنفى البأس طريق واضح في ذلك. انتهى. واما ما ذكره ابن ادريس ونقله عن الشيخ في الخلاف من القول بالكراهة فلا اعرف له وجها بعد ما عرفت من هذه الاخبار التى ذكرناها، وما ذكره من الاستدلال بالاية، وان تخصيصها يحتاج إلى دليل، فالدليل كما عرفت واضح، ومناره لايح، واى دليل يراد بعد هذه الاخبار المستفيضة الصريحة في التحريم المتفقة عليه، وانما اختلفت بالنسبة إلى غايته من انها الوضع، أو مضى الاشهر المذكورة كما سمعت، ولكنه لعدم مراجعته الاخبار حق المراجعة معذور فيما ذكره، وان كان غير معذور شرعا. والذى يقرب عندي من صحيحة رفاعة بن موسى الاولى وعدم جواب أبيه (عليه السلام) صريحا بعد سؤال السائل عن الامة الحبلى، وعدوله في الجواب إلى ما ذكره، ان هذه التعمية انما خرجت مخرج التقية، والظاهر ان المخالفين

[ 448 ]

قائلون بجواز الوطئ فلم يصرح بالمنع والتحريم، كما استفاضت به اخبار المسألة، وعدل إلى هذا الجواب المعمى، وجعل التحريم والمنع على جهة الاحتياط لتعارض الايتين المتقدمتين، وانت خبير بأنه بالنظر إلى ما سردناه من الاخبار يجب تخصيص آية " الملك " بآية " وأولات الاحمال " لاستفاضة الاخبار واتفاها كما عرفت على التحريم، وانما اختلفت في الغاية. وبالجملة فالقول بالتحريم مما لا يعتريه شبهة الاشكال في هذا المجال، وانما الكلام في الغاية، من أنها الوضع، أو مضى الاشهر المذكورة، والاول أظهر دليلا لتأيد أخباره بالاية المشار إليها في صحيح رفاعة، وهى آية " وأولات الاحمال " فان ظاهر الخبر عمومها للحرة والامة، واحتمال آية غيرها في الخبر بعيد، والتى صرح به جملة من الاصحاب في معنى الخبر المذكور انما هو هذه الاية، وتأيده كذا أيضا بالاخبار المطلقة، وهى جل الاخبار المسألة، والجمع بين الاخبار بالكراهة وان اشتهر بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) الا انك قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم وكيف كان فالاحتياط يقتضى الوقوف على جعل الغاية وضع الحمل، كما ذكره العلامة في المختلف وان خصه بالحمل من غير الزنا. إذا عرفت ذلك فاعلم أن من الاصحاب من جمع بين الاخبار بحمل النهى المغيى بالوضع على الحامل من حل أو شبهة أو مجهولا، والمغيا بالاربعة الاشهر والعشرة على الحامل من الزنا، ومنهم من ألحق المجهول بالزنا في هذه، ومنهم من أسقط اعتبار الزنا، وجعل التحريم بالغايتين لغيره. أقول: والاول من هذه الوجوه هو ظاهر العلامة في المختلف، الا انه حمل النهى في هذه الصورة على الكراهة، لما اشتهر في كلامهم من ان ماء الزنا لاحرمة له شرعا (1) قال في المسالك: نعم ينبغى في الحمل من الزنا لان المعهود من الشارع


(1) قال في الدروس: واستبراء الحامل بوضع الحمل الا أن يكون عن

[ 449 ]

الغاء اعتباره من العدة والاستبراء في غير محل النزاع، فلو قيل بالجواز فيه مطلقا كان حسنا، انتهى. وفيه أولا أنه لا ايناس في صحيحة رفاعة المشتملة على التحديد بالاشهر بكون ذلك زنا، فضلا عن الدلالة، ولا في غيرها من روايات المسألة، وثانيا أن ما ادعوه من عدم وجوب العدة والاستبراء على الزانية وهو السبب في حملهم الرواية المذكورة على ذلك ممنوع بما دل على ذلك من الاخبار الدالة على خلاف ما ذكروه ومنها ما رواه في الكافي عن اسحاق بن جرير (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: قلت له الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها هل يحل له ذلك ؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله ان يتزوجها، وانما يجوز له تزويجها بعد أن يقف على توبتها ". وما رواه الحسن بن على بن شعبة (2) في كتاب تحف العقول عن أبى جعفر الجواد (عليه السلام) أنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أيحل له أن يتزوجها ؟ فقال: يدعها حتى يستبرأها من نطفتة ونطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن يكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه ؟ ثم يتزوج بها إذا اراد، فانما مثلها مثل نخلة، أكل


زنا، فلا حرمة له، والمشهور أن يستبرأها الشهر وعشرة أيام وجوبا عن القبل لاغير وأن الوطأ بعده مكروه إلى أن يضع، فيعزل وان انزل كره بيع الولد، انتهى، وفيه دلالة على اختياره بما نقلناه عن العلامة في المختلف من ان الغاية وضع الحمل الا من الزنا، وجعل الغاية المذكورة نسبته إلى المشهور بعد فتواه بالاول، وفيه تصريح باختصاص التحريم بالقبل كما اخترناه. منه رحمه الله. (1) الكافي ج 5 ص 356. (2) تحف العقو ص ل 338 المطبوع في النجف الاشرف سنة 1394. ه‍.

[ 450 ]

رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا "، ويؤيده قولهم (عليهم السلام) في عدة من الاخبار إذا أدخلها فقد وجبت العدة والغسل والمهر والرجم، وقولهم (عليهم السلام) ان العدة من الماء. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا المتقدم ذكره، من أن المعهود من الشارع الغاء اعتباره من العدة، فانه مبنى على ما تكاثر من الاخبار من اطلاق جواز التزويج بالزانية، الا أنه بعد ورود هذه الروايات يجب تقييد الاطلاق المذكور بها. ثم ان موثقة اسحاق بن عمار وروايتي السكوني وغياث قد اشتركت في الدلالة على الامر بعتق الولد متى أنزل عليها وهى حامل بعد شرائها، وظاهرها الوجوب، ويشير إليه قوله في رواية غياث، " فعليه " ويؤكده النهي عن بيعه في موثقة اسحاق الذى هو حقيقة في التحريم. والموجود في كلام الاصحاب الحكم بالاستحباب، ولا أعرف له وجها بعد اتفاق الاخبار عليه مع عدم المعارض في المقام، سوى اطلاق ما دل على تملكه مع أمه بالشراء، والواجب تخصيصه بهذه الاخبار، والظاهر انهم انما صاروا إلى الاستحباب لضعف الاخبار، كما يشير إليه كلام المحقق الاردبيلى حيث اعترف بدلالة روايتي السكوني على وجوب العتق، قال: فتحمل على الاستحباب لعدم الصحة، للجمع، وفيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم. وبالجملة فان ما لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث، فانه لا يرتاب في وجوب العتق لما ذكرنا، وكذلك ما دلت عليه موثقة اسحاق من انه يجعل له شيئا من ماله يعيش به، فالظاهر حمله على الوجوب، وان كان الموجود في كلامهم هو الاستحباب. وظاهر الاصحاب هو كون هذا الحكم وجوبا أو استحبابا مترتبا على الجماع بعد تحقق الحمل، أعم من ان يكون قبل الاشهر المذكورة أو بعدها ما لم تضع

[ 451 ]

وظاهر موثقة اسحاق بن عمار كون الجماع وقع بعد الشراء، وان الحكم بما ذكرنا انما يترتب على ذلك الا أن روايتي السكوني وغياث مطلقتان في ذلك، فيحتمل تقييدهما بالموثقة المذكورة، وتخصيص الحكم بما قبل الاشهر المذكورة، ولكن ظاهر التعليل بالتغذية يعطى الوقوف على ما ذكره الاصحاب، (رضوان الله عليهم) والله العالم. ثم انم من جملة الاصحاب من أطلق المنع من الوطئ هنا فيما يشمل القبل والدبر، وبعضا خصه بالقبل كما تقدم نقله عن المحقق في الشرايع، وبه جزم في الدروس، قال في المسالك: وتخصيص المصنف الوطئ بالقبل هو الظاهر من النصوص، فان النهي فيها معلق على الفرج، والظاهر منه ارادة القبل وفى رواية أبي بصير " له منها ما دون الفرج " وربما قيل بالحاق الدبر به، بدعوى صدق اسم الفرج عليها، وبأن في بعض الاخبار " فلا يقربها حتى تضع " الشامل للدبر، وغيرهما خارج بدليل آخر، وهو أولى. انتهى. أقول لا يخفى ان الروايات المتقدمة قد تضمنت كلا الامرين المذكورين، ولكن اطلاق الاخبار انما يحمل على الافراد الشايعة المتكثرة، دون الفروض النادرة كما تقرر في كلامهم، والشايع المتبادر من الاطلاق انما هو القبل، ويؤكده الروايات الدالة على انه مع اتيانها حال الحمل فانه يعتق الولد، لانه غذاه بنطفته، وشارك فيه، وهذا لا يمكن فرضه في الجماع في الدبر، كما هو ظاهر، والاحتياط يقتضى المنع من الجميع بل الملاعبة ونحوها كما تقدم في الاخبار. والله العالم (1).


(1) قال المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد: والظاهر ان الدبر كالقبل كما في صحيحة محمد بن قيس لا يقربها، وكذا رواية ابراهيم، وفى رواية اسحاق لا يقع عليها، ولا يبعد شمول السؤال حينئذ لها وهو في الروايات، ويؤيده التحريم مطلقا في غير الاستبراء، وقد مر فتأمل انتهى وفيه ما عرفت في الاصل. منه (رحمه الله).

[ 452 ]

المسألة التاسعة لو اشترى جارية وأولدها ثم ظهر أنها مستحقة لغير البايع، فانه يجب عليه ردها إلى مالكها، وقد صرح جملة من الاصحاب بانه يغرم عشر قيمتها ان كانت بكرا وأزال بكارتها ارش البكارة، ونصف العشر ان كانت ثيبا للدخول بها، وهو المشهور، وقيل مهر أمثالها والولد حر، وعلى أبيه أن يغرم قيمته لسيد الجارية يوم سقوطه حيا، إذ لا قيمة له قبل ذلك وبعده، فان حر ليس لسيد الجارية عليه سبيل، الا انه لما كان نماء ملكه وقد فوته المشترى، فعليه ان يغرم له قيمته، ثم ان المشترى بعد ذلك يرجع بالقيمة على البايع الذى غره، ويرجع ايضا بقيمة الولد، وهل ترجع بما حصل له في مقابلته نفع مثل ما دفع إلى السيد من العشر أو نصفه، إذ المهر على القول به في مقابلة الانتفاع بالبضع، وكأجرة الخدمة، قولان، فقيل: نعم، لان البايع أباحه بغير عوض، وغره بالانتفاع بمجرد دفع الثمن، ولو علم ان له عوضا لم ينتفع به، فلو لم يرجع يلزم الظلم والغرم عليه، مع كونه جاهلا من جهة البايع الغاصب الذى خدعه، وقيل: لا يرجع، نظرا إلى ما حصل له من الانتفاع في مقابلة ذلك، فيلزم من رجوعه الجمع بين العوض والمعوض، فيحصل الظلم على البايع، هذا كله إذا كان جاهلا كما هو المفروض أولا، فلو كان عالما بأنها مستحقة للغير فالولد رق للمالك، والواطئ زان يلزمه العقر، ولا يرجع به ولا بغيره مما اغترمه (1) والظاهر كما هو احد القولين هو انه لا فرق في ثبوت العقر بالوطئ


(1) اقول ظاهر شيخنا الشهيد في اللمعة وشيخنا الشهيد الثاني في شرحها أنه يرجع المالك على المشترى عالما أو جاهلا بالعين، وفيها المستوفاة منها لو فاتت تحت يده، ثم ان المشترى يرجع بذلك على البايع، لما تقرر من رجوع المشترى الجاهل بفساد البيع على البايع بجميع ما يغرمه، ولم ينقل خلافا في ذلك، مع أن المسألة محل خلاف في كلامهم كما اشرنا إليه في الاصل. منه رحمه الله.

[ 453 ]

للمالك، بين علم الامة بعدم صحة البيع وجهلها، لان ذلك حق لمولاها. وقال في الدروس: أنه لا يرجع عليه بالمهر الا مع الاكراه، استنادا إلى أنه لا مهر لبغى، وفيه ما عرفت من أن المهر انما هو حق للمالك، والخبر المذكور انما أريد به الحرة، واضافة المهر إليها بلام الاستحقاق ظاهر في ذلك، ولذا يطلق عليها المهيرة. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه في الكافي. والتهذيب عن جميل بن دراج (1) في الصحيح عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدها مسروقة ؟ قال: يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرجل ولده بقيمته ". وما رواه في الكافي عن حريز (2) عن زرارة " قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): الرجل يشترى الجارية من السوق فيولدها، ثم يجئ رجل فيقيم البينة على أنها جاريته لم يبع ولم يهب، قال: فقال: يرد إليه جاريته ويعوضه مما انتفع، قال: كأنه معناه قيمة الولد " قال بعض مشايخنا رضوان الله عليهم: قوله " قال " الظاهر أنه من كلام حريز وان زرارة فسر العوض بقيمة الولد، ولكنه لم يجزم، لانه يمكن ان يكونه بأزاء الوطئ من العشر أو نصف العشر. انتهى. وما رواه الشيخ في التهذيب عن جميل بن دراج (3) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يشترى الجارية من السوق فيولدها ثم تجئ مستحق الجارية فقال: يأخذ الجارية المستحق، ويدفع المتباع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد الذى أخذت منه ".


(1) (2) الكافي ج 5 ص 215 و 216 التهذيب ج 7 ص 64 و 65. (3) التهذيب ج 7 ص 82.

[ 454 ]

وعن زرارة (1) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولادا ثم أتاها من زعم انها له، وأقام على ذلك البينة، قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوضه في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها " قال في الاستبصار: يقبض ولده يعنى بالقيمة، قال في الوافى في بعض النسخ: " ثم ان اباها يزعم انها له " وليس بواضح انتهى. وهو جيد، والظاهر انه تحريف من قلم الشيخ (رضى الله عنه) وكم له من أمثاله كما تقدمت الاشارة إليه في مواضع عديدة من كتب العبادات. وانت خبير بان هذه الاخبار على تعددها لادلالة فيها على ان المشترى يغرم العشر، أو نصف العشر، أو مهر المثل للمالك، والاصحاب انما استند وافى العشر أو نصفه في هذا المقام إلى صحيحة الوليد بن صبيح (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة، قد دلست نفسها له، فقال: ان كان الذى زوجه اياها من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: فكيف يصنع بالمهر الذى أخذت منه ؟ فقال: ان وجد مما اعطاها شيئا فليأخذه، وان لم يجد شيئا فلا شئ له عليها، وان كان زوجها اياه ولى لها ارتجع على وليها بما أخذت منه، ولمواليها عليه عشر ثمنها ان كانت بكرا، وان كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها، قال: وتعتد منه عدة الامة، قلت: فان جاءت منه بولد قال: أولادها منه أحرار إذا كان النكاح بغير اذن الموالى ". ومورد هذا الرواية انما هو تدليس المرأة نفسها بدعوى الحرية مع كونها أمة وتدليس الزوج لها، وبعض الاصحاب وان عبر في هذا المقام بعبارة تدخل تحت مضمون هذه الرواية، مثل قول المحقق في الشرايع " من أولد الجارية ثم


(1) التهذيب ج 7 ص 83. (2) الكافي ج 5 ص 404 التهذيب ج 7 ص 422.

[ 455 ]

ظهر أنها مستحقة انتزعها المالك " إلى آخره الا أن ذكره المسألة في بحث بيع الحيوان قرينة على ماعنونا به المسألة، كما صرح به في الدروس حيث قال: ولو ظهر استحقاق الامة المبتاعة. وبالجملة فان ظاهرهم عدم الفرق بين مورد الرواية وما نحن فيه، ولعله من حيث الاشتراك في الدخول بالبكر أو الثيب مع جهل الواطئ بالحال، فانه حاصل في كل من المسألتين، وان كان العلة في أحدهما بيع الغاصب وفى الاخرى التدليس على أن متن الرواية المذكورة ايضا لا يخلو من الاشكال (1). وبالجملة فالمسألة كما ذكرنا غير خالية من شوب التوقف والتردد، ثم ان قوله في الرواية المذكورة فان أولادها منه أحرار على اطلاقه لا يخلو من الاشكال ولذا قيده الشيخ (رحمة الله عليه) تارة بما إذا دفع الاب قيمة الولد يوم سقوطه حيا لمولى الجارية، وأخرى بما إذا كان تزويجه لها بعد قيام البينة بما ادعته من الحرية، وحينئذ يأخذ ابنه من غير قيمة، واستند في الحمل الاول إلى موثقة سماعة (2) وفيها " وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه " فقيمته " كذا في النسخ والظاهر بقيمته بالباء بدل الفاء " يوم يصير إليه " الحديث، وفى الثاني إلى موثقة أخرى لسماعة (3) ايضا، وفيها قال: " ولدها مملوكون الا أن يقيم البينة انه شهد له شاهدان أنها حرة فلا يملك ولده، ويكونون أحرارا " ومثلها رواية زرارة ثم ان غاية ما دلت عليه أخبار المسألة المتقدمة بعد حمل مطلقها على مقيدها هو أن المشترى يأخذ ولده بعد دفع القيمة إلى مولى الجارية، وأن المشترى يرجع على البايع بقيمة الجارية وقيمة ولدها،


(1) ووجه الاشكال أن قوله وان زوجها اياه ولي لها ارتجع على وليها، فانها لا يعقل اللامة ولى غير المولى، ومتى أريد به الولي فكيف يتم قوله " ولمواليها عليه عشر قيمتها " إلى آخره، إذ لا معنى لرجوع الزوج على المولى بالمهر، ورجوع المولى على الزوج بالعشر أو نصفه، منه رحمه الله. (2) (3) التهذيب ج 7 ص 250 وفيه " بقيمته ".

[ 456 ]

ورواية زرارة الثانية دلت على ان المشترى يعوض المولى عما أصاب من لبنها يعنى الذى ارضعت به ابنه وما أصاب من خدمتها لان ذلك مستحق للمولى، وبه صرح بعض الاصحاب أيضا. وأما ما اختلفوا فيه من رجوع المشترى على البايع، بما حصل له في مقابلته نفع، كالعشر ونصفه الذى دفعه لمولى الجارية، وأجرة الخدمة فليس في هذه الروايات تعرض له، ولا في صحيحة الوليد بن صبيح التي تضمنت ذلك اشارة إليه فضلا عن التصريح به، والاعتماد على ما ذكروه من هذه التعطيلات العليلة غير صالح لتأسيس الاحكام الشرعية، كما تقدم من التنبيه عليه في غير مقام والاصل العدم حتى يقوم عليه دليل شرعي واضح، وقد تقدم في مسألة البيع الفضولي ما ينبه على ما ذكرناه، وكذلك القول بالمهر عوض العشر أو نصف العشر (1)، فانا لم نقف فيه على دليل، وانما الموجود العشر أو نصف العشر على ما عرفت من الاشكال فيه. ومن اخبار المسألة التي نحن فيها خبر مشكل لم يتعرض له الاصحاب في هذا الباب، وهو ما رواه المشايخ الثلاثة (عطرالله مراقدهم) في الصحيح على بعض الطرق عن محمد بن قيس (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها وابوه غائب، فاستولدها الذى اشتراها فولدت منه غلاما ثم جاء سيدها الاول فخاصم سيدها الاخر فقال: وليدتي باعها ابني بغير اذنى، فقال: الحكم أن يأخذ وليدته وابنها ؟ فناشده الذى اشتراها فقال له:


(1) والظاهر على ما ذكره بعض الاصحاب ان هذا القول مبنى على اطراح النص الوارد في المسألة لان القاعدة الكلية في عوض البضع بمنزلة قيمة المثل في غيره، ولعل اطراح هذا القائل النص المذكور لما عرفت مما قدمنا ذكره. منه رحمه الله. (2) التهذيب ج 7 ص 74 الفقيه ص 140.

[ 457 ]

خذابنه الذى باعك الوليدة حتى ينفذ لك البيع، فلما أخذه قال له ابوه: ارسل ابني فقال: لا والله لا أرسل اليك ابنك حتى ترسل الي ابني، فلما راى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه ". وانت خبير بما فيه من الخروج عن مضامين الاخبار المتقدمة، مع أن مورده مثلها، ويمكن على بعد أن يقال: أن حكمه (عليه السلام) بأخذ الولد مع الجارية لاجل أن يزاد إليه الاب قيمة الولد كما عرفت من الاخبار المتقدمة، وحكمه بأخذ المشترى لولد البايع الذى باعه الجارية لاجل أن يرد إليه قيمة الجارية وقيمة الولد التى غرمها لابيه، الا انه بعيد عن سياق الخبر المذكور، فان ظاهره أن اخذ كل منهما لولد الاخر ليس باعتبار ما ذكرناه، كما يشير إليه قوله خذ ابنه الذى باعك حتى ينفذ لك البيع، فانه ظاهر في ان حبس الابن عنده انما هو الاجل انفاذ البيع وجازته، لا لاجل الثمن أو القيمة (1). وبالجملة فانه مرجوع إلى قائله (عليه السلام) ولعله لمصلحة لا نعلمها، وفيه دلالة على صحة بيع الفضولي وتوقفه على الاجازة كما هو المشهور، مع ما عرفت من الاخبار الدالة على البطلان كما تقدم في المسألة المذكورة، ولكن


(1) قال في الدروس: وروى محمد بن قيس في وليدة باعها ابن سيدها فاستولدها المشترى ينتزعها الاب وولدها، وللمشترى اخذ البايع ليجيز أبوه البيع، وهى قضيه علي (عليه السلام) في واقعة، ولعل ذلك لاستصلاح منه (عليه السلام) وفيها دلالة على أن العقد الفضولي موقوف وعلى أن الاجازة كاشفة انتهى، ومؤيد لما ذكرناه في الاصل من عدم امكان التأويل المذكور، فيحمل على الظاهر على انها قضية وواقعة مخصوصة فلا يتعدى إلى غير موضعها، لافى صحة العقد الفضولي ولا غيره " لما عرفت من الاخبار الدالة على بطلانه. منه رحمه الله.

[ 458 ]

هون الامر فيه ما هو عليه من المخالفة لمقتضى الاصول الشرعية والضوابط المرعية. والله العالم. المسألة العاشرة اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في من اشترى جارية سرقت من أرض الصلح حيث أن مال أهلها محترم، فقال الشيخ في النهاية: من اشترى جارية كانت سرقت من أرض الصلح، كان له ردها على من اشتراها منه، واسترجاع ثمنها وان كان قد مات، فان لم يخلف وارثا استسعيت الجارية في ثمنها وبذلك قال ابن البراج. وقال ابن ادريس: كيف تستسعى هذه الجارية بغير اذن صاحبها، وكيف تعتق، وليس على ذلك دليل، وقد ثبت أنها ملك الغير، والاولى ان تكون بمنزلة اللقطة، بل يرفع خبرها إلى حاكم المسلمين، ويجتهد على ردها على من سرقت منه، فهو الناظر في أمثال ذلك انتهى. وظاهر المحقق في الشرايع ومثله العلامة في المختلف ونحوه في الارشاد أنه مع تعذر ردها على المالك أو وكليه أو وارثه تدفع إلى الحاكم الشرعي ليحفظها على مالكها. واما الثمن فيرجع به على البايع مع بقاء عينه مطلقا، واما مع تلفه فكذلك ان كان جاهلا، فان تعذر سقط (1) ولا تستسعى الجارية مطلقا وان تلف الثمن، والى هذا القول مال في كتاب المسالك ايضا وهذان القولان يشتركان في عدم الاستسعاء ويفترقان في كونها كاللقطة في وجوب حفظها على مذهب ابن ادريس، أو تدفع إلى الحاكم على مذهب المحقق. والذى وقفت عليه من الاخبار في المقام ما رواه الشيخ في الصحيح إلى مسكين


(1) ووجه تعذره اما باعسار البايع أو موته وموت وارثه، أو الامتناع من رده، ولم يمكن اجباره على ذلك. منه رحمه الله.

[ 459 ]

السمان، وهو مجهول (1) عن ابى عبد الله عليه السلام، " قال: سألته عن رجل اشترى جارية سرقت من ارض الصلح قال: فليردها على الذي اشتراها منه، ولا يقربها ان قدر عليه أو كان مؤسرا، قلت، جعلت فداك انه مات عقبه، قال فليستسعها " والى هذه الرواية استند الشيخ في النهاية. وانت خبير بما فيها من الاشكال بمخالفة القواعد الشرعية والضوابط المرعية اما اولا فمن حيث ردها على البايع، وهو ليس مالكالها ومقتضى الاصول وجوب ردها إلى المالك، كما صرح به أصحاب القولين الاخيرين، والا فالحاكم الشرعي مع تعذره، واما ثانيا فمن حيث استسعائها في ثمنها، مع أن كسبها لمولاها، والثمن لم يصل إليه، فكيف يؤخذ الثمن من غير آخذه. وأما ما ذكره الشيهد (رحمه الله تعالى) في الدروس ؟ حيث مال إلى العمل بالرواية من قوله: والاقرب المروى تنزيلا على أن البايع مكلف بردها إلى اهلها، اما لانه السارق، أو لانه ترتبت يده عليها، واستسعاؤها جمعا بين حق المشترى وحق صاحبها، والاصل فيه أن مال الحربى في الحقيقة فئ وبالصلح صار محترما احتراما عرضيا، فلا يعارض ذهاب مال محترم في الحقيقة، وزاد في شرح الارشاد في الجواب عن الاشكال الاول بأن يده أقدم، ومخاطبته بالرد ألزم، خصوصا مع بعد دار الكفر، انتهى. ففيه ما ذكره في المسالك حيث قال ونعم ما قال: وهذا التنزيل تقريب للنص، وتوجيه له حيث يكون النص هو الحجة، والا فلا يخفى أن مجرد ما ذكر لا يصلح للدلالة، لان تكليف البايع بالرد لا يقتضى جواز الدفع إليه، كما في كل غاصب، وقدم يده لا اثر له في هذا الحاكم أيضا، والا لكان الغاصب من الغاصب يجب عليه الرد على الغاصب، وهذا باطل اجماعا ولان البايع ان كان سارقا لم يكن أهلا للامانة بخيانته، وان لم يكن سارقا فليس وكيلا للمالك ولاوليا له فلا يجوز الدفع إليه كما في كل


(1) التهذيب ج 7 ص 83.

[ 460 ]

مبيع يظهر استحاقه، واما الفرق بين احترام المال بالعرض والاصل فلا مدخل له شرعا في الحكم، بل لا تفاوت في نظر الشارع بينهما، بل كل منهما مضمون على المتلف، مع أن المتلف للمال المحترم حقيقة ليس هو مولى الجارية، بل هو البايع الذى غره ان كان عالما أو من غره، فلا يرجع على غيره، " ولا تزر وازرة وزر اخرى " ولو تم ذلك لزم منه جواز أخذ ما ذهب من الاموال المحترمة بالاصل من مال المحترم بالعرض، كأهل الذمة وهو واضح البطلان. انتهى كلامه زيد مقامه، وهو جيد وجيه، كما لا يخفى على الفطن النبيه. وبالجملة فالمسألة لما عرفت محل اشكال، لان العمل بهذه الرواية مع ما هي عليه مما شرحناه مشكل وردها من غير معارض أشكل. نعم من يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث يقوى ردها عنده، كما جزم بذلك المحقق الاردبيلى حيث قال: والظاهر تركها بالكلية، والعمل بالادلة، لكن يلزم أن يذهب ثمن المشترى ان لم يقدر على السارق البايع، ولا محذور في ذلك، وهو ظاهر. انتهى الا ان الشهيد رحمه الله قد عمل بها مع كونه من ارباب هذا الاصطلاح، لكنه لا تصلب له فيه، كما عليه متأخروا المتأخرين، سيما مثل المحقق المذكور وتلميذيه صاحبي المدارك والمعالم، ولهذا انه قليلا ما يطرح الاخبار الضعيفة، ويتشبث في العمل بها بأدنى مستمسك، كما لا يخفى على من راجع كتبه، وهو مبنى على ما صرح به في صدر كتابه الذكرى من ثبوت أخبارنا المروية في هذه الاصول، عن الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الظاهر من كلام الاصحاب القولين الاخيرين حيث لم يعملوا بالخبر المذكور ان دفعها إلى الامام مع تعذر الوصول إلى المالك انما هو ليحفظها على مالكها إلى ان يمكن ايصالها إليه، كما تقدم في عبارة ابن

[ 461 ]

ادريس ونحوه العلامة في المختلف (1). وظاهر المحقق الاردبيلى ان دفعها للحاكم المذكور انما هو لكون الجارية المذكورة مال الامام (عليه السلام)، والحاكم نائبه، وانه يفعل بها ما يفعل بأمواله (عليه السلام) حال الغيبة، قال (قدس سره) بعد الطعن في الرواية ما لفظه: ولهذا قال البعض: يجب ردها إلى المالك وورثته بعده، ثم إلى الحاكم، لانه وكيل الامام (عليه السلام) وهي حينئذ ماله (عليه السلام)، فيفعل بها ما يفعل بساير امواله التي استورثها ممن لا وارث له، وهو الظاهر، ولا تستسعى انتهى وبنحو ما نقلناه عن ابن ادريس والعلامة نقله الشهيد في الدروس عنهم أيضا، فقال بعد ذكر قول الشيخ، قال الحلبيون: لاتستسعى لانها ملك، وتدفع إلى الحاكم ليوصلها إلى اربابها انتهى. وبه يظهر لك أن ما نقله عن أصحاب هذا القول من أن الدفع إلى الحاكم انما هو حيث كونها ميراث من لا وارث له، وهو للامام (عليه السلام) غفلة عن مراجعة كلامهم في المسألة، على أنه لا يظهر من النص المذكور، ولا من كلام أحد من الاصحاب معلومية موت المالك مع عدم وجود وارث له حتى أنها يكون من قبيل ميراث من لا وارث له، فيكون للامام (عليه السلام) وانما المفروض في كلامهم وهو ظاهر الخبر ايضا انما هو تعذر الوصول إلى المالك من حيث انها سرقت من تلك الارض، ونقلت إلى ارض اخرى وبيعت، وارجاعها إلى المالك يحتاج إلى مزيد كلفة، كما يشير إليه ما تقدم في كلام الشهيد من قوله خصوصا مع بعد دار الكفر، ولا يتوهم ان قوله في الخبر المذكور انه مات ومات عقبه راجع إلى المالك، وان


(1) حيث قال: والتحقيق ان نقول: المشترى ان كان عالما وجب عليه ردها إلى المالك ان عرفه، والا إلى الحاكم ليحفظها على مالكها. منه رحمه الله.

[ 462 ]

سياق الخبر ظاهر في ان المراد انما هو البايع، وبالجملة فكلام المحقق المذكور لا يخلو عن غفلة وقصور والله العالم. المسألة الحادية عشر المفهوم من كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان ما يؤخذ من دار الحرب بغير اذن الامام، فان كان بسرقة وغيلة ونحوهما فهو لاخذه وعليه الخمس، وان كان بقتال فهو بأجمعه للامام (عليه السلام) وعلى كل من التقديرين فانه يباح تملكه للشيعة حال الغيبة، ولا يجب اخراج حصة الموجودين من الهاشميين، لاباحتهم (عليهم السلام) ذلك للشيعة، لتطيب ولادتهم، وكذا يجوز الشراء من السابى، وان كان جايرا ظالما، بل الشراء من الكافر أخته وبنته وزوجته وكل حربي قهر حربيا صح الشراء منه. أقول: والغرض من ذكرهم هذا الكلام في هذا المقام هو أنه يجوز تملك العبيد والاماء المسبية من دار الحرب، سيما في زمن الغيبة سواء سبيت بالقهر والغلبة من سلاطين الجور، أو بسرقة وغيلة، وسواء كان السابى لها مسلما أو مخالفا أو كافرا، وأن من قهر من الكافر أخته أو ابنته أو زوجته أو ابنه فانه يتملكهم، ثم بعد تملكهم يجوز الشراء منه، والقاهر والمقهور حربيان، ويدل على ذلك الاخبار. فأما ما يدل على أن ما أخذ بقتال بغير اذنه، فهو له (عليه السلام)، فمنه رواية العباس الوراق (1) " عن رجل سماه عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام (عليه السلام) وان غزوا بأمر الامام فغنموا كان للامام الخمس " وصحيحة معاوية بن وهب (2) أو حسنته بابراهيم ابن هاشم قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) السرية يبعثها الامام فيصيبوا غنائم كيف يقسم ؟ قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام (عليه السلام) أخرج منها


(1) الوسائل الباب ج 1 من ابواب الانفال. (2) الكافي ج 5 ص 43 وفيه " اربعة اخماس ".

[ 463 ]

الخمس لله والرسول، وقسم بينهم ثلاثة أخماس وان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلما غنما للامام (عليه السلام) يجعله حيث أحب " والمراد ان لم يكونوا قاتلوا مع أمير منه (عليه السلام) كما هو ظاهر السياق، وما اشتمل عليه من اخراج خمسين من الغنيمة، وقسمه ثلاثة أخماس شاذ لاقايل به، وهذه الرواية الثانية لم يذكرهها أحد من الاصحاب فيما أعلم، ولكن الحكم بمجرد الرواية الاولى مشهور عندهم، بل ادعى عليه الاجماع، وتوقف المحقق في النافع من حيث ضعف الرواية المشار إليها، وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب الخمس (1). الا أن المحقق الاردبيلى (قدس سره) في هذا المقام عارض رواية الوراق برواية زكريا بن آدم (2) عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن سبى الديلم يسرق بعضهم من بعض، ويغير المسلمون عليهم بلا امام أيحل شراؤهم ؟ قال: إذا أقروا بالعبودية فلا بأس بشراءهم ". ويمكن الجواب بحمل نفى البأس عن شراءهم من حيث تحليل ذلك للشيعة متى ثبت العبودية، فلا ينافى كون ذلك له (عليه السلام) لما تكاثرت به الاخبار من تحليل حقوقهم للشيعة (3) وعلى ذلك أيضا يحمل صدر رواية زكريا ابن آدم المذكورة " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قوم من العدو صالحوا ثم خفروا ولعلهم انما خفروا لانهم لم يعدل عليهم أيصلح أن يشترى من سبيهم فقال: ان كان من قوم قد استبان عداوتهم فأشتر منهم وان كان قد نفروا وظلموا فلا تتبع من سبيهم " الحديث قوله اخفروا: (4) أي نقضوا عهدهم.


(1) ج 13 ص 323. (2) الكافي ج 5 ص 210. (3) الوسائل الباب 4 من أبواب الانفال. (4) يقال: خفرت الرجل أخفره من باب ضرب خفرا بالتحريك إذا آجرته

[ 464 ]

وفى التهذيب عن محمد بن عبد الله (1) " قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قوم خرجوا وقتلوا أناسا من المسلمين وهدموا المساجد، وان المستوفى هارون بعث إليهم فاخذوا وقتلوا وسبى النساء والصبيان، هل يستقيم شراء شئ منهن ويطأهن أم لا ؟ قال: لا بأس بشراء متاعهن وسبيهن " وليس في هذه الاخبار على تعددها دلالة على تملك السابي كما توهمه المحقق المتقدم ذكره، وانما دلت على جواز الشراء خاصة، فيحمل على ما قلنا من التحليل لكون ذلك لهم (عليهم السلام) فلا تنافى الخبرين الاولين، على أنه يمكن حمل هذه الاخبار على التقية أيضا، بمعنى أنه لم ينبه فيها على كون ذلك للامام (عليه السلام) تقية، وانما ذكر جواز الشراء خاصة، بناء على ما قلناه. واما ما ذكره من أن ما أخذ بغيلة وسرقة فهو لاخذه، وعليه الخمس فلم أقف فيه بعد التتبع للاخبار على نص، وغاية ما استدل به عليه في المدارك هو اخبار (2) " خذ مال الناصب حيثما وجدته، وادفع لنا الخمس، " وفيه نظر، لعدم ذكره في صدر كتاب الخمس، وايجاب الخمس هنا أحد القولين، وبه صرح في المسالك وقيل: بالعدم وهو ظاهر الشهيد في الدروس في مبحث الخمس، لانه لا تسمى غنيمة، وهو الاقرب لما عرفت من عدم الدليل على ذلك، بل على عدم كون المأخوذ على هذا الوجه لاخذه، فان الاخبار خالية من الامرين ولهذا انما التجأ صاحب


وكنت له حاميا وكفيلا، فاخفرت الرجل وخفرت إذا أنقضت عهدته، وعذرت به، والهمزة للسلب والا زالة، أي أزلت خفالته، والخفارة بالكسر والضم الزمام والعهد منه رحمه الله. (1) التهذيب ج 6 ص 162. (2) التهذيب ج 6 ص 387.

[ 465 ]

المدارك في الامرين إلى أخبار " خذ مال الناصب ". وأما ما يدل على جواز الشراء من السابى وان كان جايرا فالروايات المذكورة عن الرضا (عليه السلام) لكن لا من حيث كون ذلك ملكا له كما عرفت، وان أوهم ظاهرها ذلك، الا أنه يجب حملها على ما ذكرناه جمعا بين الاخبار الواردة في المسألة. وأما جواز الشراء من الكافر الحربي بتنه وأخته وزوجته، فيدل عليه ما رواه الشيخ عن عبد الله اللحام (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشترى من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها ؟ قال: لا بأس " وبالاسناد المذكور (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها أم ولد قال: لا بأس ". بقي الكلام في أنه قد صرح الاصحاب بأن كل حربي قهر. حربيا فباعه صح بيعه، لان القاهر مالك المقهور بقهره اياه، فيصح بيعه له، وهذا ظاهر فيمن لا ينعتق عليه كالزوجة ونحوها، أما لو كان ممن ينعتق عليه كالبنت في الخبر الاول فاشكال، ينشأ من أنه بدوام القهر يبطل العتق لو فرض، وبدوام القرابة يرتفع الملك بالقهر (3)


(1) (2) التهذيب ج 7 ص 77. (3) أقول: وتوضيحه ان القرابة المخصوصة دائمان، وبدوا مهما يجب أن يدوم ما يترتب عليهما ويقتضيانه، والوجهان قد تعارضا وتكافئا ولا ترجيح لاحدهما على الآخر، فلا يمكن الحكم بأحدهما دون الاخر، فلما ثبت بالخبر المذكور جواز الشراء فلابد من حمله على الاستنقاذ، لخروجه عن القاعدة المذكورة لا أنه بيع حقيقي، لان شرطه الملك، وملك البايع هنا غير معلوم لما عرفت وقولهم المبطل العتق لو فرض مقتضاه ان العتق لا يقع، لانهم حكموا ببطلانه على تقدير فرض وقوعه، وكأنه مبني على ان القهر دائم وهو في كل آن

[ 466 ]

وحينئذ فالتحقيق حمل الشراء في الخبر المذكور على الاستنقاذ، ويثبت الملك بعد ذلك بالتسلط، وفى لحوق أحكام البيع من خيار المجلس وخيار الحيوان والعيب ونحو ذلك نظر أقربه بناء على ما قلناه العدم، قالوا والاستنقاذ دفع يد شخص شرعية أم غير شرعية عن مال بعوض أو بغير عوض، ويشكل أيضا ثبوت الملك بالتسلط بعد الاستنقاذ إذ قد يكون المملوك الذى بيده ممن ينعتق عليه مأمونا: أي دخل بلاد الاسلام بأمان، فيشكل حينئذ تملك المشترى له بالتسلط عليه، وربما ظهر من كلام العلامة في القواعد لحوق أحكام البيع بالنسبة إلى البايع، وفيه أنه مع حكه بالاستنقاذ لا معنى لذلك، لانه عقد واحد يبعد كونه بيعا حقيقيا بالنسبة إلى البايع وغير بيع بالنسبة إلى المشترى، على أن سبب عدم كونه بيعا حقيقيا بالنسبة إليه انما هو عدم صلاحية المبيع لتملك البايع، وهو موجب لعدم كونه حقيقيا بالنسبة إليه. وقال في الدروس: ولو اشترى حربيا من مثله جاز، ولو كان ممن ينعتق عليه قيل كان استنقاذا حذرا من الدور لو كان شراء، ولا يلحق به أحكام البيع بالنسبة إلى المشترى، وروى ابن بكير (1) تسميته شراء انتهى وظاهره لحقوق أحكام البيع بالنسبة إلى البايع كما قدمنا ذكره عن ظاهر القواعد، وفيه ما عرفت. وبالجملة فان مقتضى التحقيق بناء على ما ذكروه من كون ذلك استنقاذا لابيعا حقيقيا هو عدم تحقق بيع شرعي، لا بالنسبة إلى البايع ولا إلى المشترى، فتملك


يقتضى الملك فيمتنع حصول العتق حقيقة لوجود منافيه فلا يكون الا بطريق الفرض. (منه رحمه الله) (1) أقول: نسبه: في الدروس الرواية إلى ابن بكير باعتبار أنه هو الراوى عن عبد الله اللحام، ولعل ذلك للتنبيه بشأن الرواية حيث أن سندها إلى ابن بكير من الموثق، وعبد الله اللحام مجهول منه رحمه الله.

[ 467 ]

المشترى للمبيع مشكل، وتملك البايع للثمن مشكل، الا أنك قد عرفت من الرواية المتقدمة كون ذلك بيعا، وشراء من غير معارض، سوى ما قالوه، والاظهر الوقوف على مقتضى النص، فان ما ذكروه وان كان مقتضى القواعد الشرعية أيضا، الا انه يمكن تخصيصها بهذا الخبر بأن يخص الانعتاق بالملك بالشراء، دون التملك قهرا، وقوفا على مورد أخبار كل من المقامين والله العالم. والمسألة الثانية عشر اختلف الاصحاب فيما لو دفع إلى مأذون مالا ليشترى به نسمة ويعتقها عنه ويحج بالباقي، فاشترى أباه ودفع إليه بقية المال، فحج به فاختلف مولاه وورثة الامر ومولى الاب، فكل يقول اشترى بمالي، فقال الشيخ في النهاية الحكم أن يرد المعتق على مولاه الذى كان عنده يكون رقاله كما كان، ثم أي الفريقين الباقيين منهما أقام البينة بأنه اشترى بماله سلم إليه، وان كان المعتق قد حج ببقية المال لم يكن إلى رد الحجة سبيل، وتبعه في ذلك ابن البراج. وقال ابن ادريس: لا أرى لرد المعتق على مولاه وجها، بل الاولى عندي أن القول قول سيد العبد المأذون له في التجارة، والعبد المبتاع لسيد العبد المباشر للعتق، وان عتقه غير صحيح، لان اجماع اصحابنا على أن جميع ما بيد العبد فهو مال لسيده، وهذا الثمن في يد المأذون، وأنه اشتراه فإذا اشتراه فقد صار ملكا لسيد المأذون الذى هو المشتري، فإذا أعتقه المأذون بعد ذلك فعتقه غير صحيح، لانه لم يؤذن له في العتق، بل أذن له في التجارة فحسب، هذا إذا عدمت البينتان، فهذا تحرير القول والفتوى في ذلك انتهى (1).


(1) اقول: أما دعوى مولا العبد المأذون فظاهر مما ذكره ابن ادريس، وأما دعوى مولى الاب أنه اشتراه بمالى فيحمل على أن يكون العبد المأذون وكيلا له بالاذن وعنده مال له، اوانه أخذ الاب من مالى واعطاه ابنه ليشتريه، ونحو ذلك، واما دعوى ورثة الموصي فظاهر حيث ان مورثهم دفع إليه ذلك الوجه الذى اشترى به العبد، فهو قد اشترى بمالنا

[ 468 ]

والاصل في هذه المسألة ما رواه الشيخ عن ابن اشيم (1) " عن أبى جعفر (عليه السلام عن عبد لقوم مأذون له في التجارة، دفع إليه رجل ألف درهم فقال له: اشتربها نسمة واعتقها عنى، وحج عنى بالباقي، ثم مات صاحب الالف، فانطلق العبد فاشترى أباه فاعتقه عن الميت، ودفع إليه الباقي يحج عن الميت فحج عنه، وبلغ ذلك موالى أبيه ومواليه وورثة الميت جميعا، فاختصموا جميعا في الالف، فقالوا موالى العبد المعتق: انما اشتريت أباك بمالنا، وقال الورثة: انما اشتريت أباك بمالنا، وقال موالى العبد: انما اشتريت أباك بمالنا، فقال: أبو جعفر (عليه السلام) أما الحجة فقد مضت بما فيها لاترد، وأما المعتق فهو رد في العتق لموالى أبيه، واى الفريقين بعد أقاموا البينة على أنه اشترى أباه من اموالهم كان لهم رقا " والشيخ في النهاية ومن تبعه قد عملوا بظاهر هذه الرواية وابن ادريس قد ردها لما ذكره وقد اقتفى ابن ادريس في هذا القول اكثر من تأخر عنه، وطعنوا في الخبر المذكور بضعف الراوى، فانه غال، ومخالفة الخبر المذكور لاصول المذهب من وجوه، منها الحكم برد العبد إلى مولاه مع اعترافه ببيعه، ومها دعواه فساد البيع، ومدعى الصحة وهو الاخران مقدم، ومنها حكمه بمضي الحجة مع ان ظاهر الامر حجه بنفسه وقد استناب فيها، ومنها مجامعة صحة الحج لعوده رقا مع كونه قد حج بغير اذن سيده، ومنها انه كيف يدعى مولى العبد انه شرى بماله، مع انه لم يكن لمولى الاب مال في يد المأذون، وليس هو وكيله، ومع الاغماض عن ذلك وثبوت ان له مالا وانه وكيل كيف يتصور صحة شراء شخص من سيده بمال ذلك السيد، فدعوى مولى العبد انه اشترى بماله يقتضى فساد العقد، لان العوضين إذا كانا من مال واحد لم تكن المعاوضة صحيحة، واعتذر


وكانهم ينكرون الوصية بما ذكره المأذون من الشراء والعتق منه رحمه الله. (1) التهذيب ج 7 ص 234.

[ 469 ]

العلامة للاول بحمل الرواية على انكار مولى العبد البيع، لافساده، ورد بمنافاته لمنطوق الخبر، لدلالته على كونه اشرتى بماله، وهو صريح في وقوع البيع والشراء، فلا تسمع هذه الدعوى، ونزله الشهيد في الدروس على ان المأذون بيده مال لمولى الاب وغيره، وبتصادم الدعاوى المتكافئة يرجع إلى اصالة بقاء الملك على مالكه، ولا يعارضه فتواهم بتقديم دعوى الصحة على الفساد لان دعوى الصحة هنا مشتركة بين متقابلين متكافئين، فيتساقطان قال: وهذا واضح لا غبار عليه. ورد بأن النظر فيه واضح والغبار عليه لايح، لمنع تكافئ الدعاوى أولا على تقدير تسليم كون بيده مال للجميع، لان من عدا مولاه خارج، والداخل مقدم فسقط مولا الاب وورثة الامر، فلم يتم الرجوع إلى اصل بقاء الملك على مالكه، وبذلك يظهر فساد دعوى كون الصحة مشتركة يين متقابلين متكافئين، فان الخارجة لا تكافؤ الداخلة، فإذا قدمت لم يبق لرد الدعوى المشتملة على فساد البيع مانع، إذ لم ينقدح بوجهها الا بسبب تساقط تلك الدعويين ولم يتم، على انه لو سلم كون بيد المأذون أموال لغير مولاه، فان اقراره بها لغيره غير مقبول مع تكذيب المولى وان كان مأذونا، لان المأذون انما يقبل اقراره بما يتعلق بالتجارة، لا مطلقا كما سيأتي انشاء الله تعالى، وحينئذ فلابد من اطراح هذه الرواية بهذه المنافيات لقبولها، والرجوع إلى أصل المذهب. وفى المسألة قول ثالث للمحقق في النافع، ورجحه ابن فهد في شرحه، قال: ويناسب الاصل، الحكم بامضاء ما فعله المأذون ما لم تقم بينة تنافيه، ومقتضاه الحكم بصحة البيع والعتق والحج، لان الاصل أن ما يفعله المأذون صحيح، وهذا يتمشى إذا جعلنا حكم المأذون حكم الوكيل، فيقبل اقراره بما في يده، ويمضى تصرفه كالوكيل، الا أن فيه أنه موقوف على تناول الاذن من سيده لذلك. هذا كله مع عدم البينة، وأما معها فان كانت لواحد حكم بها، وان كانت

[ 470 ]

لاثنين أو للجميع، فان قلنا بتقديم بينة الداخل عند التعارض فكالاول، وان قدمنا الخارج أو لم يكن للداخل بينة، ففى تقديم بينة ورثة الامر نظرا إلى الصحة أو بينة مولى الاب، لانه خارج بالاضافة إلى ورثة الامر، لادعائه ما ينافى الاصل وجهان، استجود اولهما في المسالك، قال: لانهما خارجان بالنسبة إلى المولى المأذون، ومدعيان، ويبقى مع ورثة الامر ترجيح الصحة. وبالجملة فان المسألة من المشكلات لما عرفت مما يتطرق إلى النص المذكور من الايرادات الواضحة، والعمل به والحال كذلك مشكل، فالظاهر هو قوة ما ذهب إليه المتأخرون والله العالم. المسألة الثالثة عشر قال الشيخ في النهاية من اشترى من رجل عبدا وكان عند البايع عبدان، فقال للمبتاع اذهب بهما فاختر أيهما شئت ورد الاخر وقبض المال، فذهب بهما المشترى فأبق أحدهما من عنده فليرد الذى عنده منهما، ويقبض نصف الثمن مما أعطى ويذهب في طلب الغلام، فان وجده اختار حينئذ أيهما شاء ورد نصف الذى أخذه، وان لم يجده كان العبد بينهما نصفين، وتبعه ابن البراج في ذلك. وقال ابن ادريس: ما ذكره شيخنا في نهايته خبر واحد، لا يصلح ولا يجوز العمل به، لانه مخالف لما عليه الامة بأسرها، مناف لاصول مذهب أصحابنا وفتاويهم وتصانيفهم واجماعهم، لان المبيع إذا كان مجهولا كان البيع باطلا بغير خلاف، وقوله " يقبض نصف الثمن ويكون العبد الابق بينهما ويرد الباقي من العبدين "، فيه اضطراب كثير، وخلل كبير، لانه ان كان الابق هو الذي وقع عليه البيع ؟ فمن مال مشتريه، والثمن بكماله لبايعه، وان كان الابق غير من وقع عليه البيع، والباقى الذى وقع عليه البيع فلاى شئ يرده، وانما أورد شيخنا هذا الخبر على ما جاء ايراد لا اعتقادا، لانه رجع في مسائل خلافه في كتاب السلم. انتهى. أقول: أشار بقوله رجع عنه في خلافه إلى ما ذكره الشيخ في الكتاب المذكور،

[ 471 ]

حيث قال في باب السلم: إذا قال: اشتريت منك أحد هذين العبدين، بكذا، أو أحد هذه العبيد الثلاثة بكذا لم يصح الشراء، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا شرط فيه الخيار ثلاثة أيام جاز، لان هذا غرر يسير، وأما في الاربعة فما زاد عليها فلا يجوز، دليلنا أن هذا بيع مجهول فيجب أن لا يصح بيعه ولانه بيع غرر لاختلاف قيمتي العبدين، ولانه لا دليل على ذلك في الشرع، وقد ذكرنا هذه المسألة في البيوع، وقلنا: أن أصحابنا رووا جواز ذلك في العبدين فان قلنا بذلك تبعنا فيه الرواية، ولم نقس غيرها عليها. انتهى. وقال العلامة في المختلف بعد نقل ما ذكرناه: والتحقيق أن نقول: العقد أن وقع على عبد مطلق موصوف بصفاته المقصودة الرافعة للجهالة صح البيع، فإذا دفع البايع العبدين إلى المشترى ليتخير أحدهما، جاز أن يتخير أيهما شاء، فإذا أبق احدهما فان قلنا المقبوض بالسوم مضمون ضمنه المشترى ثمنا والا فلا، وان وقع على أحدهما كان باطلا. والشيخ رحمة الله عليه عول في ذلك على رواية محمد بن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام)، " قال سألته عن رجل اشترى من رجل عبدا وكان عنده عبدان، فقال للمشترى: اذهب بهما فاختر أيهما شئت ورد الاخر وقد قبض المال فذهب بهما المشترى فأبق أحدهما من عنده قال: ليرد الذى عنده منهما ويقبض نصف الثمن مما أعطى من المبيع، ويذهب في طلب الغلام، فان وجده اختار ايهما شاء، ورد النصف الذى اخذ، وان لم يجده كان العبد بينهما نصفه للبايع ونصفه للمبتاع " وهذه الرواية تدل على أن البيع وقع صحيحا لا على انه وقع على عبد من عبدين وكذا كلام الشيخ. واما قول الشيخ في الخلاف عن الرواية، فان لها محملا، وهو ان نفرض


(1) التهذيب ج 7 ص 82 الكافي ج 5 ص 217.

[ 472 ]

تساوى العبدين من كل وجه فلا استبعاد حينئذ في بيع أحدهما لا بعينه، كما لو باعه من متساوي الاجزاء بعضه، كما لو باعه قفيزا من الصبرة، واما تضمين النصف فلان البيع وقع مشاعا على أحدهما فقبل الاختيار يكون العبدان بينهما، فلما أبق أحدهما ضمن نصفه الذى اشتراه، والنصف الاخر لا يضمنه، لانه مقبوض على وجه السوم، والعبد الباقي بينهما لشياع الاستحقاق في العبدين. انتهى. أقول: وجه الاشكال في الرواية المذكورة من حيث أنه اشترى عبدا في الذمة، وهو أمر كلى يتوقف على تشخيصه في عين مخصوصة متصفة بما وقع عليه الاتفاق من الاوصاف، والخبر دل على انحصار ذلك الامر الكلى في العبدين قبل تعيينه، ومن حيث دلالة الخبر على ثبوت البيع في نصف الموجود الموجب للشركة مع عدم وجود ما يقتضى الشركة، ثم الرجوع إلى التخيير لو وجد الابق، ومن أجل هذه الاشكالات نزل بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) الرواية المذكورة على تقدير أربع مقدمات، الاولى تساويهما قيمة، الثانية مطابقتهما للمبيع الكلى وصفا، الثالثة انحصار الحق فيهما حيث دفعهما إليه وعينهما للتخيير، كما لو حصر الحق في واحد، الرابعة عدم ضمان المقبوض بالسوم فلا يضمن الابق هنا، أو تنزيل هذا التخيير هنا منزلة الخيار في البيع فكما ان تلف المبيع في مدة الخيار، من البايع، فكذلك هيهنا متى تلف قبل الاختيار (1). ولا يخفى ما في البناء على هذه المقدمات من الاشكال لما يمكن تطرقه إلى جملة منها، ولهذه قيل انه يشكل الحكم بانحصار الحق فيهما على هذه التقادير، لان المبيع أمر كلى لا يشخص الا بتشخيص البايع، ودفع الاثنين ليتخير أحدهما ليس تشخيصا وان حصر الامر فيهما، لاصالة بقاء الحق في الذمة إلى ان يثبت شرعا كون ذلك كافيا، كما لو حصره في عشرة فصاعدا، وما ذكره في المختلف من التنزيل على تساوى


(1) مرجع المقدمة الرابعة إلى أن عدم الضمان مترتب على أحد الامرين المذكورين منه رحمه الله.

[ 473 ]

العبدين من كل وجه ليلحق بمتساوي الاجزاء حتى جوز بيع عبد منهما كما يجوز بيع قفيز من الصبرة ففيه اشكال ظاهر، لمنع تساوي العبدين على وجه يلحقان بالمثلى الذى هو عبارة عن متساوي الاجزاء، ومنع تنزيل بيع القفيز من الصبرة على الاشاعة، كما تقدم في البحث عن هذه المسألة. وبالجملة فان الاكثر على اطراح الرواية المذكورة لما عرفت من مخالفتها لمقتضى الاصول وعسر تنزيلها على ما ذكروه من هذه التكلفات السخيفة، والاظهر الرجوع إلى مقتضى الاصول، فينظر في هذين العبدين فان كانا بالصفات الذى اشترى بها العبد في الذمة تخير بينهما، فان اختار الابق منهما رد ما أخذه من نصف الثمن، ولا شئ له، وان اختار الباقي منهما اخذه. بقى الكلام في ضمان الابق على هذا التقدير، فان قلنا بضمان المقبوض بالسوم ضمنه، والا فلا، وان كان احدهما بالصفات أخذه وحكم الاخر على ما تقدم، وان لم يكن شئ منهما بالصفات رجع على البايع بحقه لان حقه في الذمة باق حتى يدفع إليه ما كان على الصفات التى وقع عليها العقد وفى ضمان الذاهب ما تقدم، وعلى هذا لا فرق بين عبدين أو اكثر أو غير العبد من المتاع وغيره، وعلى تقدير العمل بالرواية يجب الاقتصار فيه على موردها فلا يتعدى الحكم إلى غير العبدين اقتصارا فيما خالف الاصول على موضع النص وبه جزم الشيخ رحمه الله. ولو تعددت العبيد فهل ينسحب الحكم، احتمالان أحدهما نعم، لصدق العبدين في الجملة، فلو كانوا ثلاثة فأبق واحد فات ثلث المبيع، فيرجع بثلث الثمن، وهكذا فيما زاد، وثانيهما العدم، للخروج عن مواضع النص، وهو الاظهر ولو كانا أمتين أو أمة وعبدا ففى انسحاب الحكم الوجهان، وقطع، في الدروس بانسحاب الحكم هنا، والاظهر العدم، لما ذكرنا والله العالم.

[ 474 ]

المسألة الرابعة عشر اختلف الاصحاب رضوان الله عليهم في الجارية بين الشركاء فيطأ أحدهم، فقال الشيخ في النهاية: إذا كانت الجارية بين شركاء فتركوها عند واحد منهم فوطأها فانه يدرأ عنه من الحد بقدر ما له منها من الثمن، ويضرب بمقدار ما لغيره من القيمة، وتقوم الامة قيمة عادلة ويلزمها، فان كانت القيمة أقل من الثمن الذى اشتريت به الزم ثمنها الاول، وان كانت قيمتها في ذلك اليوم الذى قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الاكثر، فان أراد واحد من الشركاء الجارية كان له أخذها، ولا يلزمه الا ثمنها الذى يسوى في الحال. انتهى. أقول: ما ذكره الشيخ هنا هو مضمون رواية عبد الله بن سنان " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجال اشتركوا في أمة فأتمنوا بعضهم على أن يكون الامة عنده فوطأها قال: يدرأ عنه من الحد بقدر ماله من النقد ويضرب ما ليس له فيها، وتقوم الامة عليه بقيمة ويلزمها، فان كانت القيمة أقل من الثمن، الذى اشتريت به الجارية الزم ثمنها الاول، وان كان قيمتها في ذلك اليوم الذى قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن وهو صاغر لانه استفرشها، قلت: فان أراد بعض الشركاء شراءها دون الرجل ؟ قال: ذلك له، وليس له أن يشتريها حتى يستبرأها، وليس على غيره أن يشتريها الا بالقيمة ". وقال: ابن ادريس بعد نقل كلام الشيخ هذا خبر واحد أورده شيخناه ايرادا لا اعتقادا والاولى أن يقال: لا يلزم الواطئ لها شئ سوى الحد الذى ذكرناه على تقدير أن يكون عالما بالتحريم بقدر حصص شركائه، الا أن تكون بكرا فيأخذ عذرتها، فيلزم مابين قيمتها بكر أو غير بكر، ويسقط عنه ما يخصه من ذلك، ويستحق الباقي باقى الشركاء، فاما ان كانت غير بكر فلا يلزمه ذلك هذا إذا لم يحبلها، فإذا أحبلها بولد، فانه يغرم ثمنها الذى تساوى يوم خيانته عليها، وثمن ولدها يوم تسقط حيا لو كان عبدا ويسقط من ذلك بمقدار حصته من الثمن انتهى.


(1) التهذيب ج 7 ص 72 الكافي ج 5 ص 217.

[ 475 ]

وقال العلامة في المختلف: والتحقيق أن نقول الواطئ ان كان عالما بالتحريم حد يقدر حصص الشركاء، وعليه من المهر بقدر حصصهم أيضا ان كانت مكرهة أو جاهلة، وان كانت مطاوعة فكذلك على الخلاف وسيأتى، وان كانت بكرا لزمه أرش البكارة قطعا، ولا تقوم عليه بنفس الوطئ بل مع الحمل وعليه تحمل الرواية وقول الشيخ أيضا، وعليه حصص الشركاء من القيمة ويطالب بأعلى القيم من حين الاحبال إلى وقت التقويم، وعليه حصص الشركاء ايضا من قيمة الولد يوم سقط حيا ان لم يكن قد قومت عليه حبلى، ولو أراد بعض الشركاء اخذها فان كانت قد حبلت لم يكن له ذلك، وان لم تكن حبلت كان له ذلك ويأخذها بقيمتها يوم الاخذ انتهى. أقول: وتحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع الاول لا اشكال في سقوط الحد عن الواطئ هنا مع الشبهة كما لو توهم حل الوطئ من حيث الشركة لقوله (عليه السلام) (1) " ادرأوا الحدود بالشبهات " الثاني ظاهر النص والفتوى أن الحدهنا انما هو بالجلد وان كان محصنا يجب في مثله الرجم، لان الرجم لا يقبل التبعيض، وقد عرفت من النص والفتوى تبعيضه هنا، والظاهر أن الوجه فيه أن وجوب الرجم في المحصن انما هو فيما إذا كان الزانى محصنا وهذا ليس كذلك من حيث تملكه لبعض الامة، ولاجل ذلك يلحق به الولد، وتصير أم ولد وان كان عالما بالتحريم مع أن الزانى العالم لا يلحق به الولد. الثالث أنه يسقط من الحد ما قابل ملكه من الامة نصفا أو ربعا أو نحو ذلك، لعدم تحقق الزنا بالنسبة إلى حصته، ويضرب الباقي الذى يتعلق بنصيب الشركاء، لكونه زنا بالنسبة إلى حصصهم، وينبغى أن يستثنى من الحد أيضا ما لو كان أحد الشركاء ابن الواطئ أيضا، فانه لاحد على الاب في نصيب ابنه، كما لاحد عليه لو كانت بأجمعها للولد، ثم انه مع التبعيض لو احتيج إلى تبعيض الجلدة الواحدة


(1) الفقيه ج 4 ص 53.

[ 476 ]

قال: بعض المحققين أنه يحتمل باعتبار مقدار السوط، وكيفية الضرب. أقول: بل الظاهر انه ان كان نصفا أخذ بنصف السوط، وان كان ثلثا أخذ بثلثيه، كما تضمنه صحيح هشام بن سالم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) " قال: في نصف الجلدة وثلث الجلدة يؤخذ بنصف السوط، وثلثي السوط "، ويمكن ارجاع ما ذكره المحقق المشار إليه ما ذكرناه. الرابع ظاهر كلام الشيخ وهو ظاهر الرواية ايضا أنه تقوم الامة على الواطئ بنفس الوطئ وظاهر الاصحاب كما سمعت من كلام ابن ادريس والعلامة أنه لا تقوم عليه ولا يلزمه ثمنها الا مع الحمل، لا بمجرد الوطئ، وعلى ذلك حمل العلامة كلام الشيخ والرواية المذكورة، أنت خبير أولا بانه لا اشعار في الرواية، ولا في كلام الشيخ بذكر الحبل بالكلية، وثانيا بأنه متى حمل الكلام فيهما على الحمل كما ذكره، بمعنى أن قوله في الرواية وكذا في كلام الشيخ " وتقوم الامة عليه " يعنى من حيث حملها بعد الوطئ فكيف يتم قوله في آخر الرواية وكذا في كلام الشيخ " فان أراد أحد الشركاء الجارية كان له أخذها " مع تصريحه (قدس سره) بأنه ان كانت قد حبلت لا يجوز ذلك وانما يجوز مع عدم الحبل. وبالجملة فالظاهر أن اشتمال الرواية وكذا كلام الشيخ بناء على حمله لها على ذلك على هذين الحكمين أعنى التقويم على الواطئ مع الحمل وعدمه، وجواز شراء بعض الشركاء لها لا يخلو من تدافع كما لا يخفى لانه إذا كان الحكم الشرعي بعد الوطئ مجردا عن الحمل كما هو ظاهر الاطلاق، أو هو مع الحمل كما هو ظاهر الاصحاب هو التقويم على الواطئ فكيف يجوز لبعض الشركاء شراؤها.


(1) الكافي ج 7 ص 175.

[ 477 ]

ثم ان مما يدل على أن التقويم بمجرد الوطئ كما هو ظاهر الخبر المذكور ما رواه في الكافي عن عدة من أصحابنا (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) وفى الفقيه عنه (عليه السلام) مرسلا " قال: سئل عن رجل أصاب جارية من الفئ فوطئها قبل أن تقسم ؟ قال: تقوم الجارية وتدفع إليه بالقيمة ويحط له منها ما يصيبه منها من الفئ ويجلد الحد، ويدرأ عنه من الحد بقدر ما كان له فيها، فقلت: كيف صارت الجارية تدفع إليه بالقيمة دون غيره قال: لانه وطئها، ولا يؤمن ان يكون ثمة حبل "، والخبر كما ترى صريح الدلالة واضح المقالة في تقويمها على الواطئ بمجرد الوطئ معللا بخوف الحبل، لا بوجوده بالفعل، كما ذكروه (رضوان الله عليهم) الا انه قد روى في الكافي وكذا في التهذيب عن اسماعيل الجعفي (2) عن ابى جعفر (عليه السلام) " في رجلين اشتريا جارية فنكحها أحدهما دون صاحبه، قال: يضرب نصف الحد، ويغرم نصف القيمة إذا احبل " وهى كما ترى دالة بمفهوم الشرط الذى هو حجة عند المحققين وعليه تدل جملة من الاخبار عدم القيمة مع عدم الحبل وهى مؤيدة لما ذكره الاصحاب وروى في الكافي ايضا عن اسماعيل الجعفي (3) " عن ابى جعفر (عليه السلام) في جارية بين رجلين فوطئها أحدهما دون الاخر فأحبلها قال: يضرب نصف الحد ويغرم نصف القمية "، الا ان هذه الرواية لا دلالة فيها على نفى القول بالقيمة بمجرد الوطئ، وبالجملة فان المعارضة هنا وقعت بين رواية العدة، ورواية اسماعيل الاولى، وإلا فرواية عبد الله بن سنان مطلقة، والترجيح بحسب القواعد لرواية العدة لدلالتها صريحا على ما ذكرناه، والاخرى انما تدل


(1) الكافي ج 7 ص 194 الفقيه ج 4 ص 33. (2) الكافي ج 7 ص 195 التهذيب ج 10 ص 30. (3) الكافي ج 7 ص 195 التهذيب ج 10 ص 30.

[ 478 ]

بالمفهوم، وهو لا يعارض المنطوق الصريح، الا ان ظاهر اتفاق الاصحاب على الحكم عدا اطلاق كلام الشيخ هنا مما يعضد المفهوم المذكور، والمسألة لذلك محل اشكال والله العالم. الخامس قد عرفت ان مع الحمل تقوم الجارية على الواطئ، فالظاهر انه لا خلاف فيه لانها مع الحمل تصير أم ولد ويلحقها حكم امهات الاولاد والولد حر، قالوا لان الاستيلاد بمنزلة الاتلاف لتحريم بيعها وانعتاقها بموت سيدها، فكان عليه غرامة حصص باقى الشركاء من الجارية ومن الولد. وظاهرهم انه لافرق بين كونه عالما أو جاهلا وهو ظاهر اطلاق رواية اسماعيل الجعفي المتقدمة ولولا ذلك لامكن الفرق بين الامرين فان مقتضى القاعدة مع العلم ان لا يكون الولد كله حرا لان الزنا بأمة الغير موجب لكون الولد للمالك، لانه نماء ماله، الا ان الحكم هنا كما ذكره الاصحاب وهو ظاهر الخبر المذكور على خلاف ذلك وكان تقويم حصص الشركاء في الولد من حيث سراية العتق ان قيل بها في مثله فانها قهرية كما سيجئ تحقيقه انشاء الله تعالى في موضعه اللايق به. السادس المعتبر في قيمة الولد قيمته يوم سقطه حيا، فيقوم لو كان عبدا ويدفع إلى باقى الشركاء حصصهم، هذا إذا لم يكن قومت عليه حاملا، والا دخلت قيمته معها، ولو وقع الولد سقطا قبل التقويم استقرت ملك الشركاء للام. أما تقويم الام فهل المعتبر قيمتها عند الوطى، أو يوم التقويم، أو الاكثر منها ؟ اختار في الدروس الاول، وفى المسالك الثالث، واستظهر المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد أكثر القيم من حين الحمل إلى زمان الانتقال، قال: ويحتمل حين الحمل، لانه وقت الاتلاف، والاول اظهر، لانه زاد في ملك الاول انتهى. والظاهر ان ما ذكره من الاحتمال هو الذى ذكره ابن ادريس بقوله في عبارته

[ 479 ]

المتقدمة: يوم جنايته عليها، والذى دلت عليه رواية عبد الله بن سنان المتقدمة أكثر الامرين من قيمتها يوم التقويم وثمنها، وهو ظاهر اختيار الشيخ فيما تقدم من عبارته وهو الاقرب. السابع ينبغى ان يعلم أنه لا تدخل الجارية في ملك الواطئ بمجرد الحمل، بل لابد من التقويم ودفع القيمة أو ضمانها مع رضا الشركاء بذلك، وظاهر الاخبار المتقدمة أنها تنتقل بمجرد التقويم، ومقتضى قواعد الاصحاب انه لابد من صيغة البيع ودفع القيمة أو ضمانها، الا أنك قد عرفت فيما تقدم ما في اشتراط الصيغة الخاصة من عدم الدليل على ذلك، والظاهر أن ذكر التقويم في الاخبار خرج مخرج التجوز والكناية عن دفع الثمن أو ضمانه، وأما اشتراط الرضا فالظاهر ان البيع هنا قهرى على الشركاء. الثامن قد عرفت أنه لا تدخل في ملك الواطئ بمجرد الحمل، بل لابد من التقويم ودفع القيمة أو ضمانها وحينئذ ان كسب الجارية المذكورة وحق الخدمة مشترك بين الملاك قبل ذلك. التاسع ظاهر كلام ابن ادريس المتقدم انه مع عدم الحمل لا يجب عليه بالوطئ شئ الا أن يكون بكرا فيجب عليه أرش البكارة، وهو تفاوت ما بين قيمتها بكرا وثيبا ويسقط منه قدر نصيبه، أما لو كان ثيبا فلا شئ عليه، وظاهر كلام العلامة المتقدم أن عليه أرش البكارة لو كانت بكرا قطعا ولو كانت ثيبا فعليه المهر، والشيخ فيما تقدم من عبارته سكت عن ذلك. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك القول بما ذهب إليه العلامة من ايجاب الجميع لو كانت بكرا أعنى أرش البكارة، والمهر لو كانت ثيبا، قال في الكتاب المذكور ويجب على الاب العقر (1) بسبب الوطئ، سواء كانت بكرا أو ثيبا،


(1) العقر بالضم: وهو دية فرج إذا غصب على نفسها وقيل: هو المهر أو ما تعطاه المرأة على وطئ الشبهة.

[ 480 ]

وهو العشر أو نصفه مضافا إلى ذلك أرش البكارة، مستثنى منه قد نصيبه على أصح القولين. انتهى (1) ونبه بقوله على أصح القولين على خلاف ابن ادريس كما عرفت، حيث انه لم يوجب شيئا مع الثيوبة، ومع البكارة لم يوجب الا الارش وقال المحقق الاردبيلى أنه لابد من العقر بحصة الشركاء العشر ونصفه، وفى أرش البكارة تأمل، والظاهر العدم، لدخوله تحت عقر البكر، ولهذا سكت عنه الاكثر انتهى وظاهره ان أرش البكارة انما هو العشر، وحينئذ فإذا وجب عليه في صورة ما إذا كانت بكرا من حيث كونه مهرا فلا معنى لايجابه مرة اخرى من حيث كونه أرشا، مع أنك قد عرفت من كلام المسالك ايجاب الامرين، الا ان ظاهر عبارة ابن ادريس يدل على ان ارش البكارة انما هو تفاوت ما بين قيمتها بكرا وثيبا لا العشر، فعلى هذا لا منافاة بين وجوب الامرين، ولا يحضرنى الان خبر صريح في تفسير الارش في هذا المقام بأحد المغيين، الا ان صحيحة الوليد بن صبيح المتقدمة في المسألة التاسعة ظاهرة فيما ذكره المحقق المشار إليه، وكيف كان فالظاهر هو ما ذكره المحقق المذكور، إذ لا يستفاد من الاخبار أزيد من ذلك. العاشر خص العلامة فيما تقدم من كلامه وجوب المهر بما إذا كانت مكرهة أو جاهلة، وظاهره كون المطاوعة أيضا كذلك على خلاف فيها، وجزم ابن فهد في المهذب بان العالمة المطاوعة لامهر لها، وكانه بنى على خبر (2) " لا مهر لبغى " وقد تقدم في المسألة التاسعة قول شيخنا الشهيد بذلك في نظير هذه المسألة للخبر المذكور وفيه ما ذكرناه ثمة الحادى عشر ظاهر الاصحاب حرية الولد حين انعقاده، فهو حرفي الاصل وان لم يدفع الاب حصص الشركاء، ووجوب التقويم على أبيه


(1) واليه يميل كلام الشهيد في الدروس حيث قال: وفى دخول ارش البكارة في المهر نظر وجمع الفاصل بينهما. انتهى منه رحمه الله. (2) التهذيب ج 10 ص 36 الكافي ج 5 ص 479.

[ 481 ]

لا يوجب رقيته، ففكه بالقيمة ليس على حسب فك الرق الوارث ليدفع إليه الميراث ويظهر الفايدة فيما لو أوصى له حملا، فان الوصية صحيحة بناء على ما قلنا، واما على تقدير انعقاده رقا وتوقف تحريره على فكه من الرقية فلا. الثانية عشر لو سقط الولد بجناية جان عليه، الزم الجاني دية جنين حرللاب، وهو عشر دية، وعلى الاب للشركاء دية جنين الامة وهو عشر قيمتها إلا قدر نصيبه، كذا ذكره جملة من الاصحاب هنا والله العالم. المسألة الخامسة عشر لو تنازع المأذون بعد شراء كل منهما صاحبه من مولاه في الاسبق، ليبطل بيع المتأخر لبطلان الاذن بزوال الملك، ولابينة لهما ولا لاحدهما فما الحكم في ذلك ؟ قال الشيخ في النهاية: المملوكان إذا كانا مأذونين في التجارة فاشترى كل واحد منهما صاحبه من مولاه، فكل من سبق منهما بالبيع كان البيع له، وكان الاخر مملوكا له، فان اتفق ان يكون العقد ان في حالة واحدة اقرع بينهما، فمن خرج اسمه كان البيع له، ويكون الاخر مملوكه وقد روى انه إذا اتفق العقدان في حالة واحدة كانا باطلين والاحوط ما قدمناه. انتهى وتبعه على ذلك ابن البراج. وقال ابن ادريس: وان اتفق أن يكون العقدان في حالة واحدة كان العقد باطلا، وقد روى انه يقرع بينهما فمن خرج اسمه كان البيع له، ويكون الاخر مملوكه، وهذه الرواية لا يمكن المصير إليها، لان القرعة تستعمل في الاشياء التى يجوز وقوع الصحة فيها وصحة احدهما وبطلان الحكم الاخر، وهذا السؤال مبنى على انه وقع العقد ان في حالة واحدة وتحقق وتيقن ذلك، وقد روى انه يذرع الطريق والاول من الاقوال هو الصحيح الذى يقوى في نفسي. انتهى. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه ثقة الاسلام في الكافي والصدوق في الفقيه عن أبي سلمة (1) " عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجلين مملوكين مفوض اليهما يبيعان ويشتريان بأموالهما، وكان بينهما كلام فخرج هذا يعد والى مولى هذا، وهذا إلى مولى هذا، وهما في القوة سواء، فاشترى هذا من مولى هذا العبد وذهب هذا فاشترى من مولى هذا العبد الاخر، فانصرفا إلى مكانهما فتشبث كل واحد منهما بصاحبه وقال له: انت عبدى وقد اشتريتك من سيدك، قال: يحكم


(1) الكافي ج 5 ص 218 الفقيه ج 3 ص 10 التهذيب ج 7 ص 72.

[ 482 ]

بينهما ممن حيث افترقا يذرع الطريق، فأيهما كان أقرب فهو الذى سبق الذى هو أبعد، وان كانا سواء فهو رد على مواليهما " وزاد في الكافي " جاءا سواء وافترقا سواء الا ان يكون أحدهما سبق صاحبه، فالسابق هو له، انشاء باع وانشاء أمسك وليس له أن يضربه " قال في الكافي وفى رواية أخرى " ان كانت المسافة سواء أقرع بينهما، فأيهما وقعت القرعة عليه كان عبده " وروى الشيخ الخبر المذكور عن محمد بن يعقوب مع الزيادة، وكذا الرواية المرسلة الا ان فيه في آخر الرواية المرسلة " كان عبدالاخر " وهو أظهر، وعلى تقدير رواية الكليني يكون الضمير في عبده راجعا إلى الاخر، المفهوم من سياق الكلام وقرينة المقام. ثم انه لا يخفى ان المستفاد من الخبر المذكور هو كون المال الذى بيد المأذونين مالهما، وهو مؤيد لما قدمناه من تملك العبد، وأن توقف التصرف على اذن السيد، وان الشراء انما وقع لكل منهما، كما ينادى به قول كل واحد منهما للاخر أنت عبدى، وقوله في الزيادة التى في الكافي " فالسابق هو له، انشاء باع وانشاء أمسك " وأنه لو تحقق سبق أحد العقدين بقرب طريق أحدهما حكم بصحته وتقديمه، وهو ظاهر، وانه مع علم الاقتران بتساوي الطريقين فالعقدان باطلان. وظاهر الرواية المرسلة انه مع تساوى الطريقين الموجب للاقتران كما عرفت فالحكم القرعة، وكانه إلى هذه المرسلة استند الشيخ في النهاية فحكم بالقرعة في صورة الاقتران، وفيه مناقضة ظاهرة لما دل عليه الخبر الاول من الحكم بالبطلان مع تساوى الطرقين. وجملة من الاصحاب منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك اعترض على الشيخ في الاستناد إلى هذه الرواية، بأن المستفاد منها انما هو الاشتباه، قال في الكتاب المذكور: انه صرح في النهاية بالقرعة عند الاقتران محتجا بالرواية وهى لاتدل على

[ 483 ]

مطلوبه، لانه فرضها في كتابي الاخبار فيما إذا كانت المسافة متساوية، واشتبه الحال، لا فيما إذا علم الاقتران. انتهى. أقول الظاهر ان ما اورده على الشيخ غير وارد بعد التأمل في الخبرين المذكورين، وذلك انه في الخبر الاول فرض ان العبدين حين خرج كل واحد منهما إلى مولى الاخر كانا متساويين في القوة والعدو، وأن مشيهما وعدوهما واحد، فلذا أمر (عليه السلام) بذرع الطريقين، فان ظهر قرب أحدهما علم السبق للقريب، وان تساوى الطريقان حكم بالبطلان، وما ذاك الا من حيث حصول الاقتران بين العقدين، لان المفروض تساويهما في الطريق، وتساويهما في العدو، فيلزم الاقتران واليه يشير قوله في الزيادة التى في الكافي " جاءا سواء، وافترقا سواء " ومن هذه الرواية حكم الاصحاب بالبطلان مع الاقتران، لاستحالة الترجيح بغير مرجح. والظاهر من ذكر الكليني المرسلة المذكورة بعد هذه الرواية أنها من تتمة الرواية الاولى، ومترتبة على ما ذكر فيها من السؤال والجواب، وانما حصل الاختلاف في صورة تساوى الطريقين، فالرواية المسندة دلت على البطلان، والمرسلة دلت على القرعة، وبه يحصل التعارض بين هاتين التتمتين، واحتمال كون هذه المرسلة رواية مستقلة لا معنى له، لعدم تقدم ذكر مسافة تشار إليها باللام العهدية، وبما ذكرنا يظهر ما في اعتراضهم على الشيخ ودعويهم أن المستفاد من المرسلة انما هو الاشتباه. نعم يحصل الاشكال في المرسلة المذكورة بما ذكره ابن ادريس من حيث أن القرعة انما تكون مع صحة أحد العقدين ومجهوليته، فيستخرج ذلك الصحيح منهما بالقرعة، وأما مع علم الاقتران كما هو المفروض والمفهوم من سياق الكلام فالظاهر بطلانهما كما صرحت به الرواية الاولى، وبذلك يظهر بقاء المسألة في قالب الاشكال، وللاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا شقوق وتفريعات واحكام زائدة على ما يفهم من اخبار المسألة وخارجة عنها ليس للتعرض لها كثير فائدة بعد ما عرفت والله العالم.

[ 484 ]

إلى هنا تم الجزء التاسع عشر حسب تجزئتنا بحمدالله ومنه وقد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه ومقابلته للنسخة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه التي تفضل علينا بها حضرة حجة الاسلام العلامة السيد عبد اللطيف الحسيني القرشي دامت بركاته العالية وله الثناء الجميل والشكر الجزيل ويتلوه الجزء العشرون في احكام بيع السلم إن شاء الله تعالى ونرجو من الله التوفيق على طبع بقية الاجزاء والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين علي الاخوندي على ما يفهم من اخبار المسألة وخارجة عنها ليس للتعرض لها كثير فائدة بعد ما عرفت والله العالم.

مكتبة شبكة أمل الثقافية