مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 13


[ 1 ]

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه عصره آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره الجزء الثالث عشر

[ 2 ]

منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق

[ 3 ]

[ فصل في أحكام الشركة وهي عبارة عن كون شئ واحد لاثنين أو أزيد ملكا أو حقا (1). وهي (إما واقعية قهرية) كما في المال أو الحق الموروث (وإما واقعية اختيارية) من غير استناد إلى عقد كما إذا أحيي شخصان أرضا مواتا بالاشتراك، أو حفرا بئرا، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه اجمعين محمد وآله الغر الميامين الطيبين الطاهرين المعصومين. ] فصل في أحكام الشركة (1) قال في الشرايع: " الشركة اجتماع حقوق الملاك في الشئ الواحد على سبيل الشياع " ونحوه في القواعد وغيرها، بل هو المشهور. وفي جامع المقاصد. " في التعريف نظر، لانتقاضه بالشركة في القصاص، وحد القذف، والخيار، والرهن، والشفعة، ونحو ذلك، فانه ليس هناك ملك حقيقي، فلا مالك حقيقة. وقد صرحوا بأن هذا أحد أقسام الشركة الثلاثة ". وفيه: أن المراد من الملاك ما يشمل ذوي الحقوق التي منها ما ذكره، إذ الحقوق نوع من الاملاك، والحق نوع من الملك والاختلاف بينهما بحسب المورد لاغير، كما أوضحناه في بعض مباحث هذا الكتاب.

[ 4 ]

[ أو اغترفا ماء، أو اقتلعا شجرا (وإما ظاهرية قهرية) (1) كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما - ولو بفعل أجنبي - بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، سواء كانا من جنس واحد، ] ولاجل ذلك صح التعبير بقوله: " اجتماع حقوق الملاك " إذ الحقوق لو كانت غير املاك لكانت الاضافة مجازية، إذ الملاك على هذا لا حقوق لهم، ولا تكون الحقوق إلا لاهل الحقوق، لا للملاك، كما هو ظاهر. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف عدولا عن تعريف المشهور، إذ زاد قوله (ره): " ملكا أو حقا " فرارا عن الاشكال المذكور. لما عرفت من عدم ورود الاشكال في نفسه. ونقص تقييد على سبيل الاشاعة مع الحاجة إليه، إذ لولاه لصدقت الشركة فيما إذا كان خشب البيت لشخص وسائر آلاته لآخر وأرضه لثالث، لصدق كون الشئ الواحد لاكثر من واحد، مع أنه لا شركة هنا، كما صرحوا بذلك. وحمل الواحد على البسيط الذي لا يتجزأ كما ترى. وكأن عذره أن الشركة التي يقصد تعريفها غير الشركة بالمعنى الشرعي، كما سيأتي في كلامه قريبا. (1) قال في الشرائع: " وكل مالين مزج أحدهما بالآخر بحيث لا يتميزان تحققت فيهما الشركة، اختيارا كان المزج أو اتفاقا " وألحقه في الجواهر بقوله: " مقصودا به الشركة أولا، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه " وفي القواعد: " وتحصل الشركة بالمزج، سواء كان اختيارا أو اتفاقا " ونحوهما عبارات غيرهما. والظاهر منها كون الشركة واقعية تتبدل ملكية كل منهما للجزء المعين في نفس الامر بالجزء المشاع. لكن في الجواهر خص ذلك بما إذا كان المزج بقصد الشركة، أما إذا كان قهرا، - كما في مفروض كلام المصنف - أو اختيارا لا بقصدها فالمراد من الشركة الحكمية، يعنى تجري أحكام الشركة حينئذ ويعامل

[ 5 ]

معاملتها في الاحكام، مع بقاء الملكية بمالها من تعلقها بالجزء المعين الخارجي في نفس الامر، بحيث لو فرض العلم ببعضه لاحدهما لم يكن للاخر شركة فيه، بل لو فرض بقاء ما ليس هو إلا لاحدهما أمكن حينئذ الرجوع إلى القرعة عند القائل بها في مثله... إلى آخر ما ذكر مما يرجع إلى نفي ملكية الجزء المشاع. وكأن هذا هو المراد من الظاهرية في عبارة المتن، بل في بعض عبارات الجواهر أيضا، فالمراد الشركة الحكمية الواقعية، لا الشركة على وجه الاشاعة لكنها ظاهرية، لان جعل هذه الملكية إما مع بقاء الملكية للجزء المعين أو مع انتفائها، فعلى الاول يلزم اجتماع ملكيتين في موضوع واحد لمالكين، وعلى الثاني لا مليكة واقعية سوى ملكية المشاع، فكيف تكون ملكية المشاع ظاهريه؟! اللهم إلا أن يكون مجرد اصطلاح. وكيف كان فما في الجواهر هو الذي تقتضيه القواعد العامة، ولا دليل على تبدل الملكية حقيقة، و الاصل عدمه. والاجماع على التبدل غير ثابت. ولا سيما بملاحظة أن سببية المزج للشركة لم يذكره الشيخ ولا غيره من القدماء، وإنما ذكره المتأخرون، على ما قيل. وعلى هذا لا يعتبر في حصول الشركة بالمعنى المذكور - أعني الحكمية - اتحاد الجنس، ولا اتحاد الوصف، بل تكون حتى مع تعدد الجنس وفقد التمييز - كما في مزج الدبس بالخل، ودقيق الحنطة بدقيق الشعير، ودهن الحيوان بدهن النبات ودهن اللوز بدهن الجوز - ومع وحدة الجنس واختلاف الوصف - كمزج الحنطة الحمراء بالصفراء - ومع اختلاف الجنس واختلاف الوصف - مثل خلط الماش بالرز، والحنطة بالشعير إذا فرض تعذر عزل بعضها عن بعض - فان الحكم في الجميع هو الشركة الحكمية، ولا وجه لذكر القيود المذكورة في كلامهم. وبالجملة: الشركة الحكمية - بمعنى ترتيب آثار الشركة وأحكامها - لا تتوقف على أكثر من الامتزاج، فيكفي ذلك فيه وإن

[ 6 ]

كان تميز بين الاجزاء مثل الامثلة التي ذكرناها. ومن ذلك يظهر إشكال ما في الجواهر، فانه اعترف بأن الشركة في مزج المالمين حكمية واعتبر فيها عدم التمير بين الاجزاء. فلاحظ كلامه. هذا ولكن التحقيق: أن الامتزاج بين المالين الموجب لارتفاع التميز بينهما موجب للشركة الحقيقية - كما هو ظاهر الاصحاب وإن كانت أجزاء المالين متميزة في نفس الامر - فان ذلك من الاحكام العرفية الممضاة لدى الشارع المقدس. بل إن ذلك - في الجملة - من الضروريات الفقهية والعرفية، وقد حكي عن التذكرة الاجماع عليه، وفي المسالك: أنه لا خلاف فيه. نعم قد يقع الاشكال في عموم الحكم وخصوصه، والمحكي عن المقداد أنه قال: " الفائدة الثانية: الشركة أمر حادث، وكل حادث لابد له من سبب، والسبب هنا قد يكون ارثا وقد يكون حيازة - كما لو اقتلعا شجرة، أو اغترفا ماء بآنية - وقد يكون مزجا، كما إذا مزجت الاجزاء المتساوية المصغرة بحيث لا يتميز جزؤ عن جزؤ كالادقة والادهان، لا كالحنطة والذرة والدخن والسمسم والدراهم الجدد والعتق ". والظاهر عدم الشركة في امتزاج الحنطة بمثلها والذرة بمثلها وكذا الدخن والسمسم. وحمله في الجواهر على إرادة عدم الشركة في امتزاج الامور المذكورة بغيرها، لا بمثلها. لكنه خلاف الظاهر جدا. وفي الشرايع: " أما ما لا مثل له - كالثوب والخشب والعبد - فلا يتحقق فيه المزج ". وحمل على أن المراد عدم الشركة في مزج القيميات مثل الثوب والعبد والخشب، فيكون ذلك تفصيلا فيه بين المثلي والقيمي. لكن الظاهر من عبارته اعتبار المزج في حصول الشركة، ولا يتحقق ذلك في مثل الامثلة المذكورة، بل يكون من اشتباه أحد المالين بالاخر، والمرجع فيه القرعة. والمتحصل مما ذكرنا أمور (الاول): أن التعبير عن الشركة في

[ 7 ]

المقام بالظاهرية لم يكن مذكورا في كلام الاصحاب، وانما هو مذكور في كلام المصنف، وفي الجواهر في بعض مباحث الشركة غير هذا المقام. (الثاني): أن الشركة مع اتحاد الجنس والوصف شركة حقيقية واقعية. (الثالث): أن الشركة مع الامتزاج بين الجنسين - سواء انتفى التميز مثل خلط الادهان ومثل خلط الدبس بالخل، أم كان تمييز، مثل خلط الحنطة بالشعير - أو بين أفراد جنس واحد مع اختلاف الوصف - مثل الحنطة الحمراء بالصفراء - شركة حكمية، بمعنى: أنه لا يجوز لاحد المالكين التصرف بدون إذن الاخر، ويجوز المطالبة بالقسمة، وأن العوض يكون مشتركا بين المالكين (الرابع): أن وجه الحكم في المقامين بناء الفقهاء الموافق لبناء العرف (الخامس): أن ما ذكره في الجواهر من حمل الشركة على الشركة الحكمية إن كان ذلك خلافا منه للفقهاء كان المناسب له التعرض للوجه المسوغ له مع ظهور الاجماع عليه أو دعواه صريحا ونفي الخلاف فيه. وإن كان ذلك شرحا لمراد الفقهاء كان المناسب له أيضا التعرض لوجهه، فانه خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظه الشروط المذكورة في كلامهم من اتحاد الجنس وعدم التميز، فان هذه الشروط لا تكون شرطا في الحكمية كما عرفت: هذا وفي الرياض: " واعلم أن المستفاد من كلمة الاصحاب في المقام سيما كلام الفاضل في التذكرة - في دعوى الاجماع على حصول الشركة بمزج العروض والاثمان مزجا لا يتميز معه المالان - عدم اشتراط عدم التمييز في نفس الامر، بل يكتفى بعدمه في الظاهر وإن حصل في نفس الامر. وهو مناف لما ذكروه في التعريف من أنها اجتماع الحقوق على الاشاعة، فان الظاهر حينئذ منها حيث تطلق أن لا يفرض جزؤ إلا وفيه حق لهما. وبه صرح الفاضل المقداد في شرح الكتاب - يعنى النافع -.. (إلى أن

[ 8 ]

[ كمزج حنطة بحنطة، أو جنسين كمزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير (1)، أو دهن اللوز بدهن الجوز، أو الخل بالدبس (وإما ظاهرية اختيارية) كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة فان مال كل منهما في الواقع ممتاز عن الاخر، ولذا لو فرض تمييزهما اختص كل منهما بماله (2). وأما الاختلاط ] قال): بقي الكلام في التوفيق بين التعريف وما هنا، والخطب سهل بعد الاجماع على ما هنا، لعدم الدليل على ما في التعريف من اعتبار الاشاعة بالمعنى المتقدم... " والظاهر منه أن الشركة في المالين الممتزجين على نحو لا يتميز أجزاؤها في الظاهر ليست على الاشاعة، بل على شكل آخر وان لم يتعرض له. وهو كما ترى، فان الاجماع الذي ادعاه كما كان على الشركة كان على كون الشركة على نحو الاشاعة. وهذا هو مراد الجواهر من قوله في الاشكال على الرياض: " إن التعريف للشركة الشرعية الموجبة للملك على الاشاعة التي قد ذكروا أسبابها بعد تعريفها. " وكأنه يخالف ما ذكره سابقا من كون الشركة حكمية لا حقيقية. على أن الشركة لا بمعنى المالك على الاشاعة ليست من الاحكام الشريعة، بل الاحكام الواقعية التابعة لاسبابها الواقعية، نظير الشركة في النسب والبلد والمهنة، وليس من وظيفة الفقهاء التعرض لها. (1) قال في الشرائع بعد العبارة المحكية سابقا: " ويثبت ذلك في المالين المتماثلين في الجنس والصفة ". وظاهره اختصاص الشركة بذلك فيكون امتزاج الجنسين أو الفردين من جنس واحد مع اختلاف الصفة خارجا عن مورد الشركة الحقيقية وإن كان داخلا في مورد الشركة الحكمية. (2) هذا لا يدل على انتفاء الشركة قبل التميز الحادث من باب

[ 9 ]

[ مع التميز فلا يوجب الشركة ولو ظاهرا (1)، إذا مع الاشتباه (2) ] الاتفاق، لامكان انفساخ الشركة بهذا التميز. نظير ما إذا وقع مقدار من البول في كر من ماء، فانه لما صار مستهلكا بالامتزاج صار طاهرا، فإذا أخذ كف منه فذلك المقدار طاهر يجوز شربه والوضوء به، فإذا اتفق عروض بعض الطوارئ الموجب لتميز البول صار البول نجسا بعد أن خرج عن حال الاستهلاك إلى حال الوجود العرفي. (1) إذا كان الاختلاط بالمزج مثل اختلاط الحنطة البيضاء بالصفراء فقد عرفت أنه مع تعذر التخليص والعزل فهو أيضا يوجب الشركة الحكمية ولو فرض إمكان العزل والتخليص بقي كل مال لمالكه من دون تبدل الاحكام. وإذا كان الاختلاط بدون مزج - كما إذا وضع ثوبا في ثياب زيد، أو قوسا في أقواس عمرو ونحو ذلك ما لا مزج فيه - فان كان تميز فلا إشكال في أن كلا من العينين لمالكه كما قبل الاختلاط، وإذا لم يكن تميز فهذا من اشتباه المال بالمال، فكل من المالين مردد بين المالكين، فيرجع إلى القرعة في تعيين مالكه نعم لو فرض تعذر العمل بالقرعة لكثرة الثياب - كما إذا خلط مائة الف ثوب لزيد في مائة الف ثوب لعمرو ولم يكن تميز بين الثياب - يرجع إلى الشركة الحكمية. ومن ذلك تعرف أن باب اشتباه أحد المالين بالاخر أجنبي عن باب المزج بلا تميز. (2) كأنه يريد أنه مع عدم الاشتباه يبقى كل مال لمالكه من دون تبدل في الاحكام، ولوضوح ذلك لم يتعرض لحكمه، وقد عرفت أنه مع عدم الاشتباه تكون الشركة حكمية إذا كان من قبيل مزج الحنطة الصفراء بالبيضاء.

[ 10 ]

[ مرجعه الصلح القهري (1) أو القرعة (وإما واقعية) مستندة إلى عقد غير عقد الشركة، كما إذا ملكا شيئا واحدا بالشراء أو الصلح أو الهبة أو نحوها (2) (واما واقعية) منشأه بتشريك أحدهما الاخر في ماله كما إذا اشترى شيئا فطلب منه شخص أن يشركه فيه. ويسمى عندهم بالتشريك. وهو صحيح لجملة من الاخبار (3) (وإما واقعية) منشأه بتشريك كل منهما الآخر في ماله. ويسمى هذا بالشركة العقدية ومعدود ] (1) الظاهر أن المراد من الصلح القهري الشركة الحكمية، فالصلح يكون في مقام تمييز الحقوق والقسمة، لا قبل ذلك، وإلا كان هو الشركة الحقيقية. (2) هذا من الواضحات ومصرح به في كلامهم. (3) منها صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل يشارك في السلعة. قال: إن ربح فله، وإن وضع فعليه " (10)، وصحيح الحلبي عن أبي جعفر (ع) قال: " سألته عن الرجل يشتري الدابة وليس عنده نقدها، فاتى رجل من أصحابه فقال يا فلان أنقد عني ثمن هذه الدابة والربح بيني وبينك، فنقد عنه، فنفقت الدابة قال: ثمنها عليهما، لانه لو كان ربح فيها لكان بينهما " (20)، ونحوهما غيرهما. وأما مثل صحيح اسحاق بن عمار قال: " قلت للعبد الصالح (ع): الرجل يدل الرجل على السلعة فيقول: اشترها ولي نصفها، فيشترها الرجل وينقد من ماله. قال: له نصف الربح. قلت: فان وضع يلحقه


(10) الوسائل الباب: 1 من أبواب كتاب الشركة حديث: 1. (20) الوسائل باب: 1 من ابواب كتاب الشركة حديث: 2.

[ 11 ]

[ من العقود (1). ثم إن الشركة قد تكون في عين وقد تكون في منفعة وقد تكون في حق، وبحسب الكيفية إما بنحو الاشاعة وإما ] من الوضيعة شئ؟ قال: عليه من الوضيعة كما اخذ الربح " (* 1)، ونحوه غيره. فالظاهر منها التشريك في نفس الشراء، بأن يشتري لهما معا، كما سبق في كلام المصنف. (1) قال في المسالك: " وهي يعني: الشركة تطلق على معنيين أحدهما: ما ذكره المصنف في تعريفه من اجتماع الحقوق على الوجه المذكور وهذا هو المتبادر من معنى الشركة لغة وعرفا... (إلى أن قال): وثانيهما: عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشئ الواحد على سبيل الشياع. وهذا هو المعنى الذي به تندرج الشركة في جملة العقود، ويلحقها الحكم بالصحة و البطلان. واليه يشير المصنف (ره) فيما بعد بقوله: قيل: تبطل الشركة. أعني: الشرط والتصرف. وقيل: تصح. ولقد كان على المصنف أن يقدم تعريفها على ما ذكره، لانها المقصود بالذات هنا، أو ينبه عليهما معا على وجه يزيل الالتباس عن حقيقتها وأحكامها ولكنه اقتصر على تعريفها بالمعنى الاول ". لكن في القواعد ذكر تعريفها بما سبق، ثم قال: " وأقسامها أربعة شركة العنان... (إلى أن قال): وأركانها (يعني شركة العنان) ثلاثة المتعاقدان... " و ظاهر ذلك ان التعريف إنما هو للشركة العقدية. ولذلك أشكل عليه في جامع المقاصد: بأنه إن كان غرضه البحث عن الشركة التي يجوز معها التصرف فحقه أن يعرف هذا القسم، وإن كان غرضه البحث عن الشركة التي يجوز معها التصرف فحقه أن يعرف هذا القسم، وإن كان غرضه البحث عن أحكام مطلق الشركة فعليه أن يقيد قوله: " وأركانها ". ثم ذكر أن الشركة لها معنيان (الاول): مطلق اجتماع حقوق الملاك في واحد


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب كتاب الشركة حديث: 4.

[ 12 ]

على سبيل الشياع و (الثاني) هو الذي ينتظم في قسم العقود ويجري عليه أحكام الفساد والصحة. والاحسن ما يقال في تعريفها: أنها عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشئ الواحد على سبيل الشياع. انتهى. و في الحدائق بعد ما ذكر ما حكيناه عن المسالك قال: " لا يخفى على من تأمل الاخبار الجارية في هذا المضمار أنه لا يفهم منها معنى للشركة غير ما ذكره الفاضلان ونحوهما كالشيهد في اللمعة وغيره. وهو المتبادر لغة وعرفا من لفظ الشركة. وهذا المعنى الذي ذكره لا يكاد يثم له رائحة منها بالمرة " ثم حكى كلام الروضة الذي هو مثل ما في المسالك، ثم أشكل عليه بما أشكل به على المسالك. هذا ولا يخفى أن المراد من الشركة العقدية في كلام الجماعة إن كان إنشاء مفهوم الشركة بالعقد فلا ينبغي التأمل في صحة ذلك عرفا، فكما يصح إنشاء الشركة من قبل الشارع في الميراث مع تعدد الوارث، وفي الحيازة مع تعدد الحائز، يجوز إنشاؤها بعقد المتعاقدين، سواء كان المال من أحد الشخصين فيشرك الآخر فيه - كما سبق - أم من كل من الشخصين فيشرك كل منهما صاحبه، فيقول أحدهما مثلا: اشتركنا، ويقول الآخر: قبلت. وقد دلت الاخبار على ذلك كله، كصحيحي هشام بن سالم والحلبي المتقدمين. ومثل صحيح علي بن رئاب: " قال أبو عبد الله (ع): لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمي ولا يبضعه ولا يودعه وديعة " (* 1) ونحوه غيره. وإن كان المراد من الشركة العقدية إنشاء الاذن في التصرف - كما قد يظهر من عبارتي جامع المقاصد والمسالك المتقدمتين، ونحوهما عبارات غيرهما، قال في القواعد: " وأركانها ثلاثة: المتعاقدان... (إلى أن قال) والصيغة، وهو ما يدل على الاذن في التصرف. ويكفي قولهما


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الشركة حديث: 1

[ 13 ]

[ بنحو الكلي في المعين (1)، وقد تكون على وجه يكون كل من ] اشتركنا " ونحوها غيرها - فانشاء الاذن ليس من العقود، بل من الايقاع، ولا يرتبط بمفهوم الشركة، وليس هو من لوازمه، ولا مما تشير إليه النصوص كما ذكر في الحدائق. وإن أريد من الشركة العقدية الاشتراك المنشأ بالعقد بشرط الاذن في التصرف بهما، فهو أيضا مقتضى عمومات الصحة في العقد وفي الشرط. ولا يظن من صاحب الحدائق أو غيره انكاره إذ هو شركة بشرط كما لو اشتركا بشرط أن يكون التصرف لثالث أو لاحدهما بعينه وغير ذلك من الشرائط، فانه لابد من القول بصحته، عملا بعموم الادلة. ثم إنه قد يستشكل في صحة انشاء الشركة بين مالكين في ماليهما: بأنه لابد من مزج المالين في صحة الشركة العقدية مع أن المزج نفسه يقتضى الشركة. ويندفع: بأن المزج إنما يقتضى الشركة إذا لم تكن منشأة، أما إذا فرض إنشاؤها فلا يقتضى شيئا. مع أن المزج قد لا يقتضي الشركة الحقيقية، كما عرفت. مضافا إلى الاشكال في اعتبار المزج الذي هو من أسباب الشركة في صحة الشركة العقدية، كما سيأتي الكلام في ذلك (1) في الجواهر: " لا إشكال في صدق الشركة معه ولا إشاعة. اللهم الا أن يراد منها عدم التعيين، لا خصوص الثلث والربع ونحوهما " وما ذكره غير ظاهر، فان معنى الشركة في المملوك كون الملك على نحو الجزء المشاع، كما ذكره الاصحاب، وحمل الاشاعة على معنى عدم التعيين خلاف المقطوع به من كلامهم، فحملها على ذلك لا مقتضي له. وعليه فلا شركة في المقام، ولا وجه لنفي الاشكال في صدقها. الا أن يراد بها الاشتراك في عنوان من العناوين والمماثلة فيه، كما في البيت الواحد الذي يملك حجارته شخص وخشبه آخر وطينه ثالث، فان هؤلاء اشتركوا في

[ 14 ]

[ الشريكين أو الشركاء مستقلا في التصرف، كما في شركة الفقراء في الزكاة (1) والسادة في الخمس (2) والموقوف عليهم ] وصف من الاوصاف، وهو تملك شئ من هذا البيت، والشركة في ملك الصاع من الصبرة من هذا القبيل، لاشتراك المالكين في صفة المالكية في الصبرة وإن اختلف المملوك، وهذا خلاف معنى الشركة في المملوك التي هي محل الكلام. (1) عن الشهيد في بعض حواشيه: أن ملك الفقراء للزكاة على البدل لا الجميع في عرض واحد، فلا اشتراك. وفي الجواهر: أن المالك للزكاة الجنس لا الفرد، وذكر أنه لا ريب في ملك الفقراء للزكاة في الجملة. وفيه: أن الملكية إن كانت مستفادة من اللام في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء...) (* 1) فاللام فيه ليست للملك، وإنما هي للمصرف بقرينة بقية الاصناف، مثل في الرقاب وفي سبيل الله تعالى الذي لا يظن من أحد الالتزام بالملك فيه، والتفكيك بين الاصناف بعيد جدا. وان كانت مستفادة من غيره فغير ظاهر. وأما ما ذكره المصنف من كون كل من الفقراء مستقلا بالتصرف بالزكاة فغريب، فانه لا يجوز للفقير التصرف في الزكاة بدون إذن الولي، وهو المالك أو الحاكم الشرعي فضلا عن أن يكون مستقلا بالتصرف. (2) ظاهر الآية الشريفة: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن الله خمسه... " (* 2) وهو الملكية، ولا مانع من ثبوت هذه الملكية بالنسبة إليه تعالى، كثبوتها في النذر مثل: لله علي أن أتصدق، فان الصدقة تكون مملوكة له تعالى، على نحو ملكية زيد للدينار في قول المقر لزيد


(* 1) التوبة: 60. (* 2) الانفال: 41.

[ 15 ]

[ في الاوقاف العامة (1) ونحوها. (مسألة 1): لا تصح الشركة العقدية إلا في الاموال (2) بل الاعيان، فلا تصح في الديون (3)، فلو كان لكل منهما دين على شخص فأوقعا العقد على كون كل منهما بينهما لم يصح. وكذا لا تصح في المنافع، بأن كان لكل منهما دار مثلا وأوقعا العقد على أن يكون منفعة كل منهما بينهما بالنصف ] علي دينار. نعم لا يمكن حملها على ملكية الافراد " والا لزم البسط، ولا يقول المشهور به، وللزم انتقال المال إلى وارثه ولو لم يكن هاشميا. فالمتعين أن يكون المالك الجنس العاري عن الخصوصيات الفردية، وبتعيين المالك يصير الفرد مالكا، وحينئذ لا معنى للاشتراك بين الافراد على نحو الاستقلال في التصرف. (1) الاوقاف العامة إنما كان الوقف فيها على نحو البذل من دون ملك للموقوف عليهم ولا رائحة الملك، فان كتب العلم موقوفة على أن تبذل الطلبة، والمدارس موقوفة على أن تبذل للطلبة، ومنازل المسافرين موقوفة على أن تبذل للمسافرين من دون ملك ولا مالك. ولذلك إذا غصبت فسرق الكتاب غير الطلبة لا يضمن منافعه بالاستيفاء، وكذلك المدرسة إذا اغتصبها غير الطلبة فسكنوها لا يكون ضمانا لمنافعها عليهم، بل ليس الا الغصب وفعل الحرام. ولو فرض ان كان للساكن من غير الطلبة عذر شرعي من غفلة أو ضرورة أو نحو ذلك فلا أثم ولا ضمان عليه. (2) في مقابل الشركة في الابدان وأختيها. (3) لما يأتي من شرطية الامتزاج بين المالين في الشركة العقدية، وهذا متعذر في الديون، وكذا في المنافع. ولاجل ذلك كان المناسب تأخير هذه المسألة عن السمألة الرابعة المتضمنة لشرطية الامتزاج.

[ 16 ]

[ مثلا. ولو أراد ذلك (1) صالح أحدهما الآخر نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر، أو صالح نصف منفعة داره بدينار مثلا وصالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك الدينار. وكذا لا تصح شركة الاعمال (2) وتسمى شركة الابدان أيضا وهي أن يوقعا العقد على أن يكون أجرة عمل كل منهما مشتركا بينهما، سواء اتفق عملهما كالخياطة مثلا، أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة، وسواء كان ذلك في عمل معين أو في كل ما يعمل كل منهما. ولو أرادا الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعينة أو منافعه إلى مدة كذا ] (1) يعني: لو أرادا نفس المشاركة في المنافع صالح أحدهما الآخر... عل نحو المعاوضة بين الحصتين، أو على نحو تكون المعاوضة بين التمليكين فيقول: صالحتك على أن تملك حصة من مالي في مقابل أن أملك حصة من مالك، أو على نحو آخر من دون معاوضة بين العينين ولا بين التمليكين فيقول: صالحتك على أن تكون حصة من مالي لك وحصة من مالك لي ففي جميع ذلك تحصل الشراكة بينهما في ماليهما، وكذلك إذا كان بطريق الهبة المشروطة، فيهب أحدهما حصته من ماله لصاحبه بشرط ان يهبه الآخر حصته من ماله. أو بطريق بيع الحصة على صاحبه بثمن ثم شراء حصة صاحبه بذلك الثمن. كل ذلك لعدم اعتبار المزج في هذه العقود بخلاف الشركة، فان انشاءها لا يصح الا بالمزج، على ما سيأتي بيانه، ولا يمكن ذلك في المنفعة. (2) بلا خلاف معتد به أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكي منه مستفيض أو متواتر. كذا في الجواهر، ومفتاح الكرامة:

[ 17 ]

" أجمعوا على نقل الاجماع، إذ هو محكي في تسعة عشر كتابا أو أكثر، كما سمعت، وهو معلوم محصل قطعا ". وعن المختلف (* 1): أنه استدل على البطلان باجماع الفرقة، وبأن الاصل عدم الشركة، ولانه غرر عظيم، ولان الشركة عقد شرعي فيقف على الاذن فيه. وفي الجواهر: استدل عليه بالاصل السالم عن معارضة (أوفوا بالعقود) بعد ما عرفت. والتراضي بما لم يثبت شرعيته غير مجد، والمراد بالتجارة عنه ما ثبت التكسب به شرعا. انتهى. والاشكال عليه ظاهر فان عموم (أوفوا بالعقود) لا مخصص له إلا دعوى الاجماع على البطلان. وعليه لا مجال للرجوع إلى الاصل معه. ولا وجه لدعوى كون المراد من التجارة عن تراض ما ثبت التكسب به، أو ما ثبت شرعيته. فان ذلك خلاف الاطلاق المقامي الموجب للتنزيل على المعنى العرفي. ولا يظهر الفرق بين عموم: (أوفوا بالعقود)، وعموم: (تجارة عن تراض) حيث جعل الاجماع مقيدا للاول، ولم يتعرض لذلك في الثاني. والذي تحصل من كلماتهم في المقام أن العمدة دعوى الاجماع. وفي كلام الاردبيلي قدس سره: " لا يظهر دليل على عدم الجواز إلا الاجماع، فان كان فهو، وإلا فلا مانع ". ويمكن أن يقال: إن العامل إذا آجر نفسه لعمل كانت الاجرة عوض العمل فتكون في ملك العامل، فجعلها لغيره بعقد الشركة خلاف مقتضى دليل صحة الاجارة، فإذا كانت الاجارة صحيحة كانت الشركة باطلة، وإذا كانت الاجارة باطلة فالشركة أيضا باطلة، لانها مبنية عليها


(* 1) حكى في المختلف عن ابن الجنيد شركة الوجوه. ورده بما ذكره في المتن، فهو لم يستدل بما في المتن على البطلان شركة الاعمال بل على بطلان شركة الوجوه. وأما شركة الاعمال فقد حكى في المختلف عن ابن الجنيد كلاما ظاهرا في بطلانها وفاقا المشهور، ومن ثم لم يستدل على بطلانها. راجع المختلف الجزء: 2 الصفحة: 21.

[ 18 ]

[ بنصف منفعة أو منافع الاخر، أو صالحه نصف منفعته بعوض معين (1) وصالحه الاخر أيضا (2) نصف منفعته بذلك العوض ولا تصح أيضا شركة الوجوه (3)، وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما (4) بعقد الشركة على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل (5) ويكون ما يبتاعه بينهما فيبيعانه ويؤديان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما. وإذا أرادا ذلك على ] فيعلم ببطلان الشركة على كل من تقديري صحة الاجارة وبطلانها. نعم لو كان مفاد شركة الاعمال الاشتراك في الاجر بعد ما يدخل في ملك العامل منهما، بحيث يخرج من ملك العامل إلى ملك الشريك لم يجر الاشكال المذكور، وكانت صحتها على طبق القواعد العامة. وكذا لو كان مفادها تشريك كل منهما الآخر في منفعته التي تقابل بالاجر والعوض لم يتوجه الاشكال المذكور، كما سيأتي نظيره في كلام المصنف. (1) فيكون التشريك في المنفعة بعنوان المصالحة لا بعنوان التشريك، كما سبق منا في الحاشية السابقة. (2) فتكون هناك معاملتان لا معاملة واحدة كما في الوجوه السابقة. (3) وجه البطلان فيها عندهم هو الوجه فيه في شركة الاعمال وفي مفتاح الكرامة: " والحجة على بطلانها - بعد الاجماع - الاصل، والغرر والضرر، وأنه عقد يتوقف على الاذن ". والعمدة دعوى الاجماع. (4) هذا المعنى أحد الوجوه المذكورة في تفسيرها، وفي المسالك: أنه الاشهر، وفي التذكرة: أنه أشهرها. انتهى. (5) ظاهر العبارة أن الثمن جميعه في ذمة المتاع وان كان قد ابتاع المثمن لهما معا، وفي الجواهر لم يتعرض لكون الثمن في ذمة المبتاع أو ذمتهما، واقتصر على كون الابتياع لهما معا، وفي التذكرة قال في تفسيرها:

[ 19 ]

[ الوجه الصحيح وكل كل منهما الآخر في الشراء (1) فاشترى ] " ليبتاعا في الذمة إلى أجل على أن ما يبتاعه كل واحد منهما يكون بينهما... " ونحوه عبارة المسالك. وظاهره أن الابتياع لهما والثمن في ذمتهما معا. وكيف كان فان كان المراد ما ذكره المصنف رحمه الله من كون الابتياع لهما والثمن في ذمة المبتاع المباشر فالمعاملة في نفسها باطلة، بناء على المشهور من وجوب دخول كل من العوضين في ملك من خرج منه الآخر، فان الابتياع إذا كان لهما فقد دخل في ملك كل منهما نصف المبيع، فيجب أن يخرج من كل منهما نصف الثمن، ولازمه كون نصف الثمن في ذمة أحدهما والنصف الآخر في ذمة الآخر، لا أن يكون تمام الثمن في ذمة أحدهما المباشر. نعم بناء على أن اللازم في المعاملات المعاوضية أن يدخل العوض في ملك مالك المعوض ولا يلزم العكس كما هو الظاهر، تصح المعاملة المذكورة. وحينئذ لا موجب لبطلان الشركة إلا الاجماع، وسيأتي. (1) الفرق بين هذا وما قبله بناء على ما ذكره المصنف أمران: (الاول): أن الشراء فيما قبله لهما كان بالاذن وهنا بالوكالة. (الثاني): أن الشراء فيما قبله كان بذمة أحدهما وهنا بذمتهما معا. وعلى ما هو ظاهر التذكرة وغيرها بكون الفرق بين هذا وما قبله بالاذن فيما قبله وبالوكالة فيه. لكن هذا الفرق لا يصح أن يكون فارقا قطعا والمظنون - كما هو ظاهر المبسوط - أن المراد من شركة الوجوه أن يبتاع كل من الشريكين لنفسه بثمن في ذمته على أن يكون الربح بينهما. و حينئذ يتوجه الاشكال المتقدم في شركة الابدان من أن الربح يتبع الاصل بمقتضى المعاملة، فلا يمكن أن يجعل بعضه لغير مالك الاصل، الا بدليل خاص، وهو مفقود، ولابد حينئذ من القول بالبطلان. ولولا ذلك أشكل القول بالبطلان، كما أشكل الاعتماد على الاجماع

[ 20 ]

في البطلان، لعدم تحصل معقد الاجماع، إذ قد عرفت أن شركة الوجوه قد فسرت بمعان أربعة أظهرها أو أشهرها ما ذكره المصنف رحمه الله. وفي القواعد فسرها بأن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون له بعضه وخصه بالبطلان، وهذا المعنى ذكره في التذكرة آخر المعاني الاربعة. وذكر قبله أن يشترك وجيه لا مال له وخامل ذو مال، ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل، والمال في يده لا يسمله إلى الوجيه، والربح بينهما. وذكر قبلهما أن يبتاع وجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل، ويكون الربح بينهما، عكس المعنى المذكور في القواعد. ويظهر منهم أن معقد الاجماع مردد بين هذه المعاني، فهو واحد منها مردد بينها. كما يظهر أيضا من الاقتصار على واحد منها في كلام بعضهم أن الاجماع لم يكن على البطلان في الجميع. وحينئذ كيف يعتمد على مثل هذا الاجماع المردد معقده؟ ولا سيما بملاحظة أن المعنى الثالث نوع من المضاربة الصحيحة لا يختلف عنها إلا في خصوصية الوجاهة والخمول، ومن المعلوم أن هذين القيدين لا يوجبان اختصاصه بالبطلان، ولم يذكر الاصحاب في شروط صحة المضاربة انتفاء القيدين المذكورين. نعم المعنى الذي ذكره في القواعد وعكسه من قبيل الجعالة، لكنها لا تصح فيهما، لما تقدم من الاشكال في شركة الابدان من أن عقد الشركة لا يصلح لتشريع غير المشروع. والذي يتحصل مما ذكرناه أمور (الاول): أن الاجماع في مسألة شركة الوجوه لا مجال للاعتماد عليه بعد جهالة معقده (الثاني): أن المعنى المشهور من شركة الوجوه لا مجال للبناء على البطلان فيه، والعموم يقتضي الصحة. نعم على ما نظن يتعين البناء على البطلان، للوجه المتقدم في شركة الابدان. (الثالث): أن المعنى الثالث من شركة الوجوه لا مجال للقول

[ 21 ]

[ لهما وفي ذمتهما. وشركة المفاوضة أيضا باطلة (1)، وهي أن يشترك اثنان أو أزيد على أن يكون كل ما يحصل لاحدهما ] بالبطلان فيه، لانه نوع من المضاربة. (الرابع) أن المعنيين الآخرين لتعين البناء على البطلان فيهما للوجه المتقدم في شركة الابدان كونهما نوعا من الجعالة لا يكفي في البناء على الصحة، إذ لا عموم يقتضي صحة الجعالة وإن كانت موجبة لمخالفة الادلة. نعم يصح إذا كان المراد أن تكون الحصة من الربح للعامل بعد أن تدخل في ملك مالك الاصل، كما لعله المفهوم من عنوان الجعالة، إذ لا مانع من ذلك، بل هو صحيح حتى في شركة الابدان، لعدم وجود المانع المتقدم حينئذ. وهذا هو المصحح للمضاربة في مواردها وفي المعنى الثالث الذي صححناه، لانه من المضاربة. (1) وفي الجواهر: " الاجماع بقسميه على فسادها "، وفي مفتاح الكرامة: " اجماعا كما في السرائر، والايضاح، وشرح الارشاد لولد المصنف، والمهذب البارع، والتنقيح وجامع المقاصد... " إلى آخر ما حكاه عن الكتب المتضمنة لنقل الاجماع ظاهرا. والذي يظهر منهم أن الاجماع هو مستند البطلان لا غير. وفيه نظر ظاهر. لورود الاشكال المتقدم في شركة الابدان هنا بعينة. إذ الربح يكون لصاحبه بدليله فانتقال بعضه إلى غير صاحبه خلاف ذلك الدليل. وكذلك الغرامة تكون على صاحبها بدليل ثبوتها لغيره خلاف ذلك الدليل. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في بعض الحواشي من أنه يمكن تصحيح ذلك بالاشتراط في ضمن عقد لازم آخر. إذ بناء على ما ذكرنا يكون مخالفا لمقتضى الكتاب، فلا يصح. إلا أن يقال إذا كان الشرط في ضمن عقد المعاوضة أو نحوها فالظاهر من اشتراط شئ، من الربح فيه أن يدخل الربح في ملك المشروط له بعد

[ 22 ]

[ من ربح تجارة أو زراعة أو كسب آخر أو إرث أو وصية أو نحو ذلك مشتركا بينهما، وكذا كل غرامة ترد على أحدهما تكون عليهما. فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الاعيان المملوكة فعلا، وتسمى بشركة العنان (1). (مسألة 2): لو استأجر اثنين لعمل واحد بأجرة معلومة صح وكانت الاجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما. ولا يضر الجهل بمقدار حصة كل منهما حين العقد، لكفاية معلومية المجموع (2) ولا يكون من شركة الاعمال (3) التي تكون باطلة، بل من شركة الاموال (4)، فهو كما لو استأجر كل منهما لعمل (5) وأعطاهما شيئا واحدا بأزاء اجرتهما. ولو اشتبه مقدار عمل كل منهما فان احتمل التساوي حمل عليه، لاصالة عدم زيادة عمل أحدهما على الآخر (6)، وإن علم ] أن يدخل في ملك المشروط عليه، لا قبل أن يدخل. نظير اشتراط شئ من الربح للعامل في المضاربة، فان المراد به اشتراط أن يدخل الربح في ملك العامل بعد أن يدخل في ملك المالك، لا قبله ليكون خلاف الادلة الاولية. (1) سيأتي في المسألة الرابعة أن هناك قسم خامس للشركة فانتظر. (2) كما في بيع الصفقة. إذ لا دليل على اعتبار العلم باكثر من ذلك. (3) لاختصاص تلك بعقد الشركة بين العاملين وهو مفقود هنا. (4) هذا يكون بعد قبض المال المشترك، أما لو دفع المستأجر حصة كل واحد بمقدار عمله فلا شركة. (5) يعني: بأجرة معينة، مثل نصف دينار، وبعد عملهما أعطاهما دينارا واحدا ورضيا بذلك. (6) قال في القواعد: " وإذا تميز عمل الصانع من صاحبه اختص

[ 23 ]

[ زيادة أحدهما على الآخر (1) فيحتمل القرعة في المقدار الزائد (2) ويحتمل الصلح القهري. (مسألة 3): لو اقتلعا شجرة أو اغترفا ماء بآنية واحدة أو نصبا معا شبكة للصيد أو أحييا أرضا معا، فان ملك كل منهما نصف منفعته بنصف منفعة الآخر اشتركا فيه بالتساوي، وإلا فلكل منهما بنسبة عمله بحسب القوة والضعف (3). ولو اشتبه الحال فكالمسألة السابقة (4). ] بأجرته، ومع الاشتباه يحتمل التساوي والصلح "، ونحوه عن التذكرة، وفي المسالك: " ولو اشتبه مقدار كل واحد فطريق التخلص بالصلح ". وكأن وجه التساوي الاصل المذكور، كما صرح بذلك في الجواهر في المسألة الآتية، لكن يعارضه أصالة عدم التساوي. أو يقال: لا مجال للاصول المذكورة، لعدم كون مجراها موضوعا لحكم شرعي، إذ ليس المدار في الاستحقاق على مقدار نسبة أحد العملين إلى الآخر، بل على مقدار نسبة العمل إلى ما يقابله من الاجرة، والنسبة مجهولة، والاصول لا تصلح لاثباتها لتعارضها في العملين، وحينئذ فالمقدار المردد يرجع فيه إلى القرعة، فإذا تعذرت لكثرة المحتملات لزم البناء على الصلح بينهما، ومع تعاسرهما يفصل بينهما الحاكم الشرعي بما يراه من كيفية الصلح. (1) يعني: ولم يعلم مقدار الزيادة. (2) بناء على ما تقدم منه من جريان أصالة عدم الزيادة فمع الشك في مقدار الزيادة يبنى على القدر المتيقن، لاصالة عدم الزيادة المحتملة. لكن عرفت إشكاله. (3) إذا كانا دخيلين في زيادة العمل ونقصه، وإلا فلا أثر لهما. (4) لكن عرفت التحقيق فيها.

[ 24 ]

[ وربما يحتمل التساوي مطلقا (1)، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قوله: من حاز ملك. وهو كما ترى (2). (مسألة 4): يشترط على ما هو ظاهر كلماتهم (3) في الشركة العقدية - مضافا إلى الايجاب، والقبول، والبلوغ والعقل، والاختيار، وعدم الحجر لفلس أو سفه - امتزاج المالين (4) ] (1) هذا الاحتمال ذكره في الجواهر، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قول: من حاز ملك، ولعدم الدليل على اقتضاء ذلك التفاوت في المحاز، وإن كان هو منافيا للاعتبار العقلي، الذي لا يرجع إلى دليل معتبر شرعا. (2) فان انطباقه على كل واحد ينافي انطباقه على الآخر، " فيجب أن يكون له انطباق واحد عليهما معا، وحينئذ لا إطلاق له يقتضي المساواة في الحصة، بل الارتكاز العقلائي يقتضي صرفه إلى كون الملكية بمقدار العمل. (3) بل هو صريح كلماتهم. نعم ظاهرهم الاجماع عليه، ولعله مراد المصنف. (4) قال في التذكرة: " لا تصح الشركة إلا بمزج المالين وعدم الامتياز بينهما عند علمائنا ". لكن في الخلاف: " لا تنعقد الشركة الا في مالين مثلين في جميع صفاتهما، ويخلطان، ويأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف فيه. وبه قال الشافعي ". ثم حكى عن أبي حنيفة عدم اعتبار الخلط، ثم قال: " دليلنا أن ما اعتبرناه مجمع على انعقاد الشركة به، وليس على انعقادها بما قاله دليل، فوجب بطلانه "، وظاهره الاجماع على الصحة في المختلطين، لا على اشتراط الاختلاط في الصحة والبطلان في غير المختلطين، وان كان ظاهر كلمات الجماعة في هذا الباب التسالم على اعتبار المزج في صحة الشركة. قال في النافع: " ولا تصح الا مع امتزاج

[ 25 ]

المالين على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر " ونحوه كلام غيره وقد عرفت الاشكال في ذلك في الحاشية على قول المصنف (ره): " وهو معدود من العقود "، فان النصوص صريحة في حصول الشركة يقول مالك العين للآخر: شاركتك، فإذا قال أحد المالكين للعينين: شاركتك " وقال الآخر: قبلت، حصلت الشركة في عينه، فإذا قال الآخر للاول: شاركتك، وقال الاول: قبلت، حصلت الشركة في عينه أيضا، فتكون شركة في العينين ومثله أن يقول أحدهما: تشاركنا في مالينا، فيقول الآخر: قبلت. ودعوى: أنه لا يحصل في هذا الشركة إلا بشرط الامتزاج بعيدة جدا، وإن عرفت أنها ظاهرة من كلام الاصحاب. إلا أن يكون مرادهم من الشركة معنى غير المعنى العرفي، وهو الاشتراك على وجه الاذن في التصرف من كل من الشريكين، كما عرفت أنه أيضا ظاهر كلمات جماعة منهم، و منهم الشيخ في عبارته في الخلاف المتقدمة. ومن ذلك ظهر أن لا إجماع على اعتبار الامتزاج في حصول مجرد الاشتراك في المالين وإن كان ظاهر بعض العبارات ذلك، والقدر المتيقن من الاجماع الشركة في التجارة المتضمنة للاذن في التصرف، المسماة بشركة العنان. وكأن وجه تسميتها بذلك أن كلا من الشريكين كأنه فارس وبيده عنان الفرس يذهب حيث يشاء، بخلاف من لا يكون بيده العنان، فانه يذهب حيث تشاء الفرس لا حيث يشاء هو. وان كان هذا الوجه لم يذكر في وجه التسمية بشركة العنان مع أنهم ذكروا الوجوه الكثيرة. وعلى هذا لم يظهر اجماع على اعتبار الامتزاج في أصل الاشتراك، والمتيقن منه في خصوص شركة التجارة التي يقصد فيها الاسترباح، المسماة بشركة العنان، المتضمنة للاذن لهما في التصرف. والمتحصل مما ذكرنا: أن الشركة العقدية على قسمين. (الاول).

[ 26 ]

[ سابقا على العقد (1) أو لاحقا، بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، من النقود كانا أو من العروض. بل اشترط جماعة (2) اتحادهما في الجنس والوصف. والاظهر عدم اعتباره (3)، بل يكفي الامتزاج على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر، كما لو امتزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير ونحوه، أو امتزج نوع ] مجرد عقد شركة بين المالكين في المالين فقط. وهذه لم يقم دليل على اعتبار المزج فيها. (والثاني): عقد شركة بين المالكين في ماليهما مع الاذن في التصرف منهما لهما. وهي التي يعتبر فيها المزج بين المالين على نحو لا يتميز أحدهما عن الآخر، بناء على الاجماع المتقدم في كلامهم. بل هناك قسم ثالث يكون في المال الذي يشرك مالكه فيه، كما تضمنته النصوص فان الشركة فيه عقدية في مال واحد. (1) إذا كان الامتزاج سابقا على العقد فقد حصلت الشركة وحينئذ لا يكون العقد لانشائها، بل يكون لمحض الاذن في التصرف، فيكون معنى اشتركنا: أنه اشتركنا في التصرف لا اشتركنا في الملك. (2) حكى في مفتاح الكرامة: اشتراط الاتحاد في الجنس والصفة عن المبسوط والوسيلة والسرائر وجامع الشرائع والشرائع والتذكرة وجامع المقاصد والمسالك والكفاية، وعن السرائر: الاجماع على ذلك. لكن الذي يظهر من عبارة المبسوط الآتية خلاف ذلك. فانتظر. (3) قد يظهر ذلك من عبارة القواعد، إذ قال في مقام بيان أركانها الثلاثة: المتعاقدان والصيغة والمال: " وهو كلما يرتفع الامتياز مع مزجه، سواء كان أثمانا أو عروضا أو فلوسا "، وفي المبسوط: " ومن شرط الشركة أن يكون مال الشركة مختلطا لا يتميز مال أحدهما عن الآخر.. (إلى أن قال): ومتى أخرجا مالين متفقين في الصفة - مثل أن يخرج

[ 27 ]

[ من الحنطة بنوع آخر (1). بل لا يبعد كفاية امتزاج الحنطة بالشعير (2). وذلك للعمومات العامة، كقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (* 1) وقوله (ع): " المؤمنون عند شروطهم " (* 2) وغيرهما. بل لولا ظهور الاجماع على اعتبار الامتزاج أمكن منعه مطلقا، عملا بالعمومات. ودعوى عدم كفايتها لاثبات ذلك (3). ] كل واحد منهما دراهم مثل دراهم صاحبه أو دنانير مثل دنانير صاحبه أو دهنا مثل دهن صاحبه أو حبا مثل حب صاحبه - وخلطاهما، وأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في المال انعقد الشركة ". وكأنه لهذا ونحوه لم يتحقق الاجماع على اعتبار الجنس والوصف، ولذا قال في مجمع البرهان: " إن في اشتراط التساوي في الجنس تأملا، لانه يجري في غير المتجانسين حيث يرتفع المايز ". وحينئذ لا بأس بالبناء على حصول الشركة العقدية بمجرد الخلط الرافع للامتياز وإن كان المالان مختلفي الجنس. (1) يعني: مع عدم الامتياز. (2) لا يخفى أن الاجماع على اعتبار الخلط الذي عول عليه المصنف في اعتبار المزج كان معقده المزج الذي يرتفع معه الامتياز بين المالين، ولم يكن على محض اعتبار المزج مطلقا، كى يمكن التفكيك بين اعتبار المزج واعتبار عدم التميز، كما لا يخفى، وحينئذ لا مجال للرجوع إلى العمومات الدالة على الصحة. (3) تظهر هذه الدعوى من كلام الشيخ في الخلاف المتقدم نقله في الحاشية السابقة، فانه ظاهر في أنه مع عدم الامتزاج لا دليل على


(* 1) المائدة: 1. (* 2) الوسائل الباب: 20 من ابواب المهور حديث: 4.

[ 28 ]

[ كما ترى (1). لكن الاحوط مع ذلك أن يبيع كل منهما حصة مما هو له بحصة مما للآخر، أو يهبها كل منهما للآخر أو نحو ذلك، في غير صورة الامتزاج الذي هو المتيقن. هذا ويكفي في الايجاب والقبول كل ما دل على الشركة (2) من قول أو فعل. (مسألة 5): يتساوى الشريكان في الربح والخسران مع تساوي المالين (3)، ومع زيادة فبنسبة الزيادة ربحا وخسرانا سواء كان العمل من أحدهما أو منهما، مع التساوي فيه أو الاختلاف أو من متبرع أو أجير. هذا مع الاطلاق، ولو شرطا في العقد زيادة لاحدهما، فان كان للعامل منهما، أو لمن عمله أزيد، فلا اشكال ولا خلاف على الظاهر (4) عندهم في ] الصحة، بل يمكن أن ينسب ذلك لى القواعد وجماع المقاصد والمسالك، بناء على ما يظهر منها من أن العقد إنما ينشأ به الاذن في التصرف، دون الاشتراك في الملكية، وأن ذلك إنما يستند إلى المزج، فإذا شك في السببية للاشتراك في الملك يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر، إذ لا عموم يقتضى ذلك. (1) لان الظاهر من الشركة العقدية إنشاء نفس الاشتراك بالعقد، غاية الامر أن ينضم إلى الاشتراك الاذن في التصرف، وحملها على إنشاء نفس الاذن مقطوع بخلافه، فلاحظ. (2) بناء على ما سبق يتعين أن يكون المراد من الشركة الشركة في الملك والشركة في العمل والتجارة، ليتضمن الاذن في التصرف. (3) هذا مقتضى أصالة تبعية الربح لاصل المال، وكذا في المسألة الثانية. (4) قال في الجواهر: " بل لا خلاف فيه بينهم، على ما اعترف

[ 29 ]

[ صحته. أما لو شرطا لغير العامل منهما أو لغير من عمله أزيد ففي صحة الشرط والعقد (1) وبطلانهما (2) وصحة العقد وبطلان الشرط (3) - فيكون كصورة الاطلاق - أقوال (4) أقواها الاول (5) وكذا لو شرطا كون الخسارة على أحدهما أزيد. وذلك لعموم: " المؤمنون عند شروطهم ". ودعوى: أنه ] به جماعة، بل ولا في جوازه مع العمل منهما أيضا وشرطت الزيادة لمن زاد عمله على الآخر "، وفي الشرائع: " أما لو كان أحدهما وشرطت الزيادة للعامل صح، وكان بالقراض أشبه ". واستشكل عليه في الجواهر بعدم قصد القراض أولا، وبعدم اعتبار ما يعتبر في صحة القراض من كونه نقدا ثانيا، وبأنه لا يتم في الفرض الثاني ثالثا، فيتعين أن يكون الملك بالشرط، وحينئذ يطالب بوجه الفرق بين صورة العمل وغيرها بالصحة في الاولى والبطلان في غيرها، لتحقق الشرط في المقامين، فان صح صح فيهما معا، وإن بطل ففيهما معا أيضا. وفيه ما سيأتي فانتظر. (1) حكي ذلك عن المرتضى في الانتصار، وعن العلامة في جملة من كتبه كالتذكرة والتحرير والتبصرة والمختلف، وعن مجمع البرهان والكفاية وغيرها، وعن العلامة حكايته عن والده، واختاره في الجواهر. (2) حكاه في الشرايع قولا واختاره، ونسب إلى الخلاف والمبسوط والسرائر وشرح الارشاد للفخر واللمعة والمفاتيح وغيرها، وفي جامع المقاصد: أنه الاصح. (3) حكي عن ظاهر الكافي والغنية والنافع وجامع الشرائع، حيث قالوا: لم يلزم الشرط، بل في المسالك حكايته عن أبي الصلاح. (4) سيأتي القول الرابع الذي اختاره في القواعد. (5) لما سيأتي.

[ 30 ]

[ مخالف لمقتضى العقد (1)، كما ترى (2). نعم هو مخالف لمقتضى إطلاقه. والقول بأن جعل الزيادة لاحدهما من غير أن يكون له عمل يكون في مقابلتها ليس تجارة، بل هو أكل بالباطل (3) ] (1) لا يحضرني من ادعى ذلك. (2) من الواضح أن مقتضى الشركة الاشتراك في الربح على حسب الشركة في الاصل، لكن هذا الاقتضاء ليس على نحو العلية بل على نحو الاقتضاء، وهذا المقدار كاف في بطلان الشرط على خلافه لكونه حينئذ مخالفا للكتاب، المراد أنه مخالف للحكم الاقتضائي. هذا بالنسبة إلى النماء الخارجي، وأما بالنسبة إلى النماء الاعتباري أعنى الربح فالاشكال فيه أظهر، كما اشرنا إليه في شركة الابدان، وسيأتي أيضا. ومن ذلك تعرف الاشكال في قوله رحمه الله: " هو مخالف لمقتضى... ". (3) هذا القول لجامع المقاصد وقد أطال في الاستدلال على البطلان فانه بعد أن استدل للقول بالصحة بعموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (* 1) وقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، (* 2)، وقوله (ع): " المؤمنون عند شروطهم " (* 3) قال: " ويضعف بأنه أكل مال بالباطل لان الزيادة ليس في مقابلها عوض، لان الفرض أنها ليست في مقابله عمل " ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة، لتضم إلى أحد العوضين، ولا اقتضى تملكها وعقد هبة، والاسباب المثمرة للملك معدودة، وليس هذا أحدها، ولا هو إباحة للزيادة، إذ المشروط تملكها بحيث يستحقها المشروط


(* 1) المائدة: 1. (* 2) النساء: 29. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب المهور حديث: 4.

[ 31 ]

[ كما ترى باطل (1). ودعوى: أن العمل بالشرط غير لازم، ] له، فيكون اشتراطها اشتراطا لتملك شخص مال غيره بغير سبب ناقل للملك، كما لو دفع إليه دابة ليحمل عليها والحاصل لهما، فيكون باطلا، فيبطل العقد المتضمن له إذ لم يقع التراضي بالشركة والاذن في التصرف الا على ذلك التقدير، ولا يندرج في قوله تعالى: (أوفوا بالعقود)، ولا في قوله (ع): " المؤمنون عند شروطهم ". أما عدم اندراجه في قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فظاهر، إذ الشركة ليست من التجارة في شئ، إذ هي مقابلة مال بمال. نعم لو شرط ذلك للعامل تحققت التجارة حينئذ، لان العمل مال، فهو في معنى القراض ". (1) فان قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (* 1) وإن كان مقدما على قوله تعالى: " (أوفوا بالعقود) (* 2) وقوله تعالى: (تجارة عن تراض) (* 3) ونحوهما، إما لانه مخصص لها، أو وارد عليها، إلا أن كون الزيادة ليس في مقابلها عوض لا يستوجب أكل المال بالباطل، فان أكل مال الغير باذنه أو بتمليكه ليس من الاكل بالباطل ضرورة. كما أنه لا تنحصر صحة التملك بالمعاوضة والهبة كما ذكر - إذ لا دليل على ذلك، بل هو خلاف عموم صحة الشروط المقتضية للملك المجاني. هذا مضافا إلى أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد، وعدم التراضي بالعقد الا على تقدير الشرط ممنوع، فان الرضا بالعقد ولشرط كان على نحو تعدد المطلوب، كما حقق في محله. ولذا بنى جماعة من المحققين على أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد.


(* 1) البقرة: 188، النساء: 29. (* 2) المائدة: 1. (* 3) النساء: 29.

[ 32 ]

[ لانه في عقد جايز (1). مدفوعة أولا: بأنه مشترك الورود، ] (1) هذا محكي عن الرياض، وقد سبق أن عقد الشركة تارة: يراد به عقد التشريك في الملك، وأخرى: عقد التشريك في العمل والاذن في التصرف لهما، كما عرفت ظهور عبارات جماعة في أنه معنى عقد الشركة، وأنه بهذا المعنى كان من العقود الجائزة. وحينئذ فالشرط المذكور إن كان شرطا في الشركة بالمعنى الاول فهو شرط في عقد لازم، ولا ينافي لزومه بطلان الشركة بالقسمة، كما لا ينافي لزوم البيع بطلانه بالاقالة، كما ذكر ذلك في الجواهر. وإن كان شرطا في الشركة بالمعنى الثاني كان شرطا في عقد جائز لا لازم. لكن عرفت سابقا الاشكال في كون الشركة بهذا المعنى من العقود، لان الاذن في التصرف منهما كالاذن من أحدهما من قبيل الايقاع، الذي لا يصح فيه الشرط. نعم يصح الشرط في الاذن على معنى كونه عوض الاذن، فيكون الشرط مقوما للعقد، لا شرطا في العقد، بأن يقول الشريك لشريكه: أنت مأذون في العمل وحدك في المال المشترك على أن يكون لي ثلاثة أرباع الربح، فيقبل الشريك ذلك، لما يترتب على ذلك من الاغراض العقلائية، لكن الشرط بهذا المعنى ليس بالمعنى المصطلح في معنى الشرط في العقد، بأن يكون انشاء في ضمن انشاء، بل يكون قيدا مقوما للعقد. ولا مجال للتمسك فيه بقوله (ع): " المسلمون عند شروطهم " (* 1) بل يتمسك فيه بمثل: (أوفوا بالعقود). ومن ذلك يظهر أن شرط التفاوت مع العمل - الذي تقدم الاتفاق على صحته - من هذا القبيل، فانه معاملة بين الشريكين موضوعها العمل والتفاوت، لا أن ذلك شرط في العقد.


(* 1) راجع الوسائل باب: 6 من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

[ 33 ]

[ إذ لازمه عدم وجوب الوفاء به في صورة العمل أو زيادته (1) وثانيا: بأن غاية الامر جواز فسخ العقد فيسقط وجوب الوفاء بالشرط والمفروض في صورة عدم الفسخ (2)، فما لم يفسخ يجب الوفاء به. وليس معنى الفسخ حل العقد من الاول (3) ] (1) وقد عرفت أنه لا خلاف في صحة الشرط حينئذ ونفوذه. (2) يعني: المفروض ومحل الكلام في صورة عدم الفسخ، فيكون الشرط نافذا. (3) يعني: لو فرض أنه وقع الفسخ بعد ذلك لا يكون ذلك الفسخ موجبا لبطلان الشرط من أصله، لان الفسخ حل العقد من حينه - يعني: من حين وقوع الفسخ لامن أول الامر، وحينئذ يترتب أثر الشرط وإن وقع الفسخ بعده. هذا ولكن عرفت في مسألة بطلان الشركة في الابدان أن المعاوضة على مال الغير تقتضي دخول العوض في ملك مالك المعوض عنه، فالربح يجب أن يدخل في ملك مالك المال، فلا يصح اشتراط خلاف ذلك، لانه إن صح الشرط بطلت المعاوضة، وإن صحت المعاوضة بطل الشرط. نعم إذا كان المراد أن تمليك مقدار التفاوت للشريك بعد أن يدخل في ملك شريكه صح. لكنه خلاف الظاهر من جعل التفاوت له في غير مقام المعاوضة. نعم إذا كان الجعل في مقام المعاوضة - كما إذا كان له عمل - فان ذلك قرينة على كون المقدار خارجا عن ملك الشريك إلى ملكه، لانه عوض العمل الذي ترجع فائدته إلى من يخرج من ملكه، كما في الصورتين الاوليين اللتين لا خلاف فيهما في صحة الشرط. ولاجل ذلك كانت المضاربة لا مخالفة فيها للقاعدة من أجل أن جزء الربح المجعول للعامل في مقابل عمله، فيكون المراد صيرورته للعامل بعد أن يدخل في ملك المالك لا قبل أن يدخل في ملكه، ليلزم مخالفة

[ 34 ]

القاعدة. وكذلك الحكم في المثال الذي ذكره في جامع المقاصد، وهو ما إذا دفع دابة إلى غيره ليحمل عليها ويكون الحاصل لهما، فان جزء الحاصل الذي يكون للعامل يراد منه ذلك بعد أن يدخل في ملك مالك الدابه في مقابل عمله، لا قبله ليلزم الاشكال، والقرينة على ذلك ظهور قصد المعاوضة الموجبة لدخول كل من العوضين في ملك مالك من خرج عنه الاخر. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن المراد من الشرط في المقام ليس ما يكون انشاء في ضمن إنشاء، بل القيد المأخوذ في المعاملة سواء كان في مقابل عمل - كما في الصورتين - أم لا، كما في مورد الكلام. (الثاني): أن الوجه في البطلان في الصورة الاخيرة ليس من جهة أكل المال بالباطل، ولا من جهة أنه شرط في عقد جائز، بل من جهة أنها معاملة على خلاف مقتضى المعاملة الواقعة على أصل المال، فلا يمكن تصحيحهما معا، فان صحت المعاملة على المال بطلت هذه المعاملة وإن صحت هذه المعاملة بطلت المعاملة على المال. (الثالث): أن الوجه في الفرق بين الشرط مع العمل والشرط بدونه أنه مع العمل يكون المراد دخول جزء الربح في ملك العامل بعد خروجه من ملك الشريك، عملا بظاهر المعاوضة، ولا اشكال فيه، وبدون العمل يكون المراد دخوله في ملك الشريك قبل أن يدخل في ملك شريكه، فيلزم الاشكال. فلو فرض التصريح بأن الدخول في ملك من له التفاوت بعد دخوله في ملك الشريك تعين القول بالصحة. فالفارق بين المسألتين اختلافهما في المراد، لا اختلافهما في الدخول في الادلة، ليطالب بالوجه الفارق في ذلك. (الرابع): أن المعيار في الصحة والفساد كون اشتراط الزيادة لاحدهما بعد دخولها في ملك الشريك وقبله، فعلى الاول تصح، وعلى الثاني تبطل. (تنبيه): قال العلامة في القواعد: " ولو اشترطا التفاوت مع تساوي

[ 35 ]

[ بل من حينه، فيجب الوفاء بمقتضاه مع الشرط إلى ذلك الحين. هذا ولو شرطا تمام الربح لاحدهما بطل العقد، لانه خلاف مقتضاه (1). نعم لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما فالظاهر صحته (2) لعدم كونه منافيا. (مسألة 6): إذا اشترطا في ضمن العقد (3) كون ] المالين أو التساوي مع تفاوته فالاقرب جوازه إن عملا أو أحدهما سواء اشترطت الزيادة له أو للآخر ". ووجهه غير ظاهر، فانه إذا جاز اشتراط الزيادة لغير العامل فلا وجه لاعتبار عمل غيره في ذلك، فاشتراط ذلك فيه لا يخلو وجهه من غموض وخفاء. (1) لم يتضح وجه الفرق بين تمام الربح وبعضه في كون شرط الاول مخالفا لمقتضى العقد دون الثاني، وقد عرفت أنه ليس هناك عقد وشرط، بل ليس إلا عقد فقط، غايته أنه مقيد بقيد ينافي صحة المعاملة الموجبة للربح. (2) الكلام في الخسارة بعينه الكلام في الربح، فان مقتضى المعاملات الواقعة على المال رجوع النقص على المالك، عملا بالعوضية كرجوع الزيادة إليه عملا بالعوضية، فرجوع الخسران إلى غير المالك خلاف مقتضى المعاوضة الذي لا يمكن أن يتخلف، فيكف لا يكون منافيا؟!. نعم لو أريد من رجوع الخسارة إلى أحدهما لزوم تداركهما فلا بأس به، ولا يكون منافيا لمقتضى المعاوضات، نظير ما عرفته في الربح. (3) الظاهر إرادة عقد التشريك في الملك لا عقد التشريك في العمل والتجارة، ولذا قال في الشرائع: " وإذا اشترك المال لم يجز لاحد الشركاء التصرف فبه إلا مع إذن الباقين، فان حصل الاذن لاحدهم تصرف هو دون الباقين، ويقتصر من التصرف على ما أذن له، فان

[ 36 ]

[ العمل من أحدهما أو منهما مع استقلال كل منهما أو مع انضمامهما فهو المتبع ولا يجوز التعدي، وإن اطلقا لم يجز لواحد منهما التصرف إلا باذن الآخر. ومع الاذن بعد العقد أو الاشتراط فيه فان كان مقيدا بنوع خاص من التجارة لم يجز التعدي عنه. وكذا مع تعيين كيفية خاصة. وإن كان مطلقا فاللازم الاقتصار على المتعارف (1) من حيث النوع والكيفية. ويكون حال المأذون حال العامل في المضاربة، فلا يجوز البيع بالنسيئة، بل ولا الشراء بها، ولا يجوز السفر بالمال، وإن تعدى عما عين له أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف، ولكن يبقى الاذن بعد التعدي أيضا (2) إذ لا ينافي الضمان بقاءه. والاحوط مع اطلاق الاذن ملاحظة المصلحة، وإن كان لا يبعد كفاية عدم المفسدة (3). (مسألة 7): العامل أمين (4)، فلا يضمن التلف ] أطلق له الاذن تصرف كيف شاء "، ونحوه ما في القواعد وغيرها، فالحكم المذكور من أحكام الشركة وان لم تكن بعقد. (1) إذا كان التعارف قرينة على التقييد به أو صالحا لذلك، أما إذا لم يكن كذلك فلا مانع من الاخذ بخلافه، خصوصا إذا كان ذلك أقرب إلى المصلحة وأبعد عن الضرر. (2) لاطلاقه الشامل لذلك. (3) وفي الجواهر: " إن ذلك لا يخلو من قوة ". لكن وجهه غير ظاهر، إذ الاذن بالتجارة يقتضي الاختصاص بما فيه الفائدة، فلا إطلاق له يشمل رفع المفسدة. (4) عبر في الشرائع بقوله: " ولا يضمن الشريك ما تلف في يده "

[ 37 ]

[ ما لم يفرط أو يتعدى. (مسألة 8): عقد الشركة من العقود الجايزة (1)، ] وفي القواعد: " والشريك أمين لا يضمن ما يتلف في يده "، والعبارات الثلاث واحدة المفاد، وهو عدم ضمان من هو مأذون في وضع يده على المال، لانه أمين. والحكم عندهم من المسلمات الواضحات، وهو كذلك، لما دل من النصوص على عدم ضمان الامين، وهي كثيرة. (1) قد اشتهر التعبير بذلك في كلام الجماعة، كالمحقق والعلامة والمحقق الثاني والشهيد الثاني وغيرهم، وعن الغنية والتذكرة: الاجماع عليه، قال في الشرائع: " ولكل واحد من الشركاء الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة لانها غير لازمة "، وقال في القواعد: " ويجوز الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة، إذ الشركة من العقود الجائزة من الطرفين " ونحوهما عبارات غيرهما، وفي المسالك في شرح عبارة الشرائع المتقدمة قال: " الشركة بمعنييها غير لازمة " وأشار إلي الاول بقوله: والمطالبة بالقسمة، وإلى الثاني بقوله: الرجوع في الاذن ". ويشكل: بأن المطالبة بالقسمة لا تنافي اللزوم، إذ القسمة ليست فسخا، وإنما هي تعيين الحصة المشاعة، وذلك وإن كان يقتضي زوال الاشاعة والاشتراك لكنه ليس فسخا لعقد التشريك في الملك، إذ الفسخ يقتضي رجوع كل مال إلى ملك مالكه قبل الاشتراك، وليست القسمة كذلك. ومجرد زوال الاشتراك به لا يوجب كونه فسخا، كما أن الطلاق لا يكون فسخا للنكاح وإن زال النكاح به. هذا إذا كان التشريك قد انشئ بالعقد " أما إذا كان قد حصل بالامتزاج فهو من الاحكام لا من العقود، فلا يقبل الجواز واللزوم حتى يكون طلب القسمة مقتضيا للجواز وأما الرجوع بالاذن فليس فسخا لعقد، وإنما هو رفع للاذن، والاذن ليس من العقود بل من الايقاع، كما أشرنا إلى ذلك في أول المبحث،

[ 38 ]

[ فيجوز لكل من الشريكين فسخه (1)، لا بمعنى أن يكون الفسخ موجبا للانفساخ (2) من الاول أو من حينه بحيث تبطل الشركة (3)، إذ هي باقية ما لم تحصل القسمة، بل بمعنى جواز رجوع كل منهما عن الاذن في التصرف الذي بمنزلة عزل الوكيل ] وذكره شيخنا في الجواهر. ثم إنه في المسالك قرب أن يكون مراد الشرائع من قوله (ره): " غير لازمة " هو المعنى الثاني، لانه الذي يكون من العقود. لكن على هذا لا يحسن جعله تعليلا لطلب القسمة الذي ذكر أنه يتعلق بالمعنى الاول. فلاحظ. هذا والظاهر أن مراد الشرائع والقواعد وغيرهما من طلب القسمة طلب قسمة المال المشترك بعقد الشركة التجارية، يعني: أن الشريكين في التجارة يجوز لكل منهما نقضها بالرجوع عن الاذن وبطلب القسمة، في مقابل احتمال لزوم الاستمرار عليها، فيكون طلب القسمة أيضا منافيا للزوم الشركة التجارية، ولا يرتبط بالشركة الملكية، وحينئذ يتوجه الاشكال الاخير فقط، وهو: أن الشركة التجارية إيقاع لا عقد، فلا تقبل الجواز واللزوم. وإن شئت قلت: لا يمكن أن يكون المراد كل واحد من المعنيين للشركة، لانه من استعمال المشترك في اكثر من معنى، وحينئذ إما أن يراد المعنى الاول أو الثاني، والاول ممتنع لانه لا يرتبط بالاذن، فيتعين الثاني. (1) ذكر المصنف ذلك، لانه من أحكام جواز العقد ومن فروعه. (2) إذا لم يكن بهذا المعنى لم يكن من أحكام جواز العقد، بل يكون حكما خاصا، وحينئذ لا يكون جواز عقد الشركة بمعناه المصطلح بل يكون بمعنى آخر، وحينئذ لا داعي إلى هذا التعبير هذا الايهام. (3) إذا كان المراد من الشركة العقدية التمليكية فهي لازمة لا جائزة

[ 39 ]

[ عن الوكالة (1) أو بمعنى مطالبة القسمة (2). وإذا رجع أحدهما عن إذنه الآخر - فيما لو كان كل منهما مأذونا - لم يجز التصرف للآخر، ويبقى الجواز بالنسبة إلى الاول (3) وإذا رجع كل منهما عن إذنه لم يجز لواحد منهما. وبمطالبة القسمة يجب القبول على الآخر، وإذا أوقعا الشركة على وجه يكون لاحدهما زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة يمكن ] ولا يجوز فسخها، وإذا كان المراد الشركة التجارية فان كانت من العقود فلا مانع من أن تكون جائزة ويجوز فسخها وان بقيت الشركة في المال بحالها. نعم عرفت سابقا الاشكال في كونها من العقود، كي تقبل الجواز واللزوم، وتقبل الفسخ. (1) عزل الوكيل ليس فسخا للوكالة، وإنما هو اعتبار آخر وإن كان رافعا لها، كما أن طلاق الزوجة ليس فسخا لنكاحها، وعتق العبد ليس فسخا لشرائه أو استرقاقه، فان هذه العناوين الاعتبارية مباينه لاعتبار الفسخ. (2) الظاهر أنه لا إشكال في أنه يجوز للشريك مطالبة القسمة، ويقتضيه عموم السلطنة. لكنه ليس فسخا للسبب الموجب للتشريك، ولذا تصح القسمة في الموارد الذي لا يكون التشريك إنشائيا كالارث ونحوه. (3) هذا مما يوضح أن الرجوع عن الاذن ليس فسخا، إذ لو كان فسخا كان رفعا للاذن من الطرفين. نعم إذا كان الاذن من الطرفين مضمون عقد الشركة، فان كان عقد الشركة يقتضى الاذن فرفع الاذن من أحد الطرفين يقتضي ارتفاع الاذن من الآخر، لما بينهما من نوع المعاوضة، فيكون انفساخا قهريا. ومن ذلك يشكل ما عن التذكرة من الفرق بين قوله: " فسخت العقد " وبين قوله: " عزلتك "، حيث أن

[ 40 ]

[ الفسخ، بمعنى إبطال هذا القرار، بحيث لو حصل بعده ربح أو خسران كان بنسبة المالين (1) على ما هو مقتضى إطلاق الشركة. (مسألة 9): لو ذكرا في عقد الشركة أجلا لا يلزم فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه (2). إلا أن يكون مشروطا في ضمن عقد لازم، فيكون لازما. ] الاول يقتضي ارتفاع الاذن من الطرفين، بخلاف الثاني، لكن عرفت أن التحقيق أنه لا عقد ولا جواز ولا لزوم، وانما هو إيقاع من الطرفين، فإذا ارتفع أحدهما لم يرتفع الآخر. (1) هذا إذا كانت التفاوت قد أخذ شرطا زائدا على إنشاء الشركة التجارية، إذ حينئذ يجوز بطلان الشرط، ويبقى الانشاء المشروط فيه بحاله، ولذا يحوز للمشروط اسقاط شرطه من دون ورود خلل في أصل العقد. أما إذا كان قد أخذ مقوما للايقاع - كما عرفت - فإذا بطل أحتيج إلى إيقاع جديد. (2) قال في الشرائع: " ولو شرط التأجيل في الشركة لم يصح، ولكن منهما أن يرجع متى شاء "، وفي القواعد " ولا يصح التأجيل فيها " ونحوهما كلام غيرهما. وفي بعضها: أن المؤجلة باطلة. والظاهر أن المراد بطلان التأجيل، ولا بطلان أصل الشركة التجارية، بحيث لا يصح التصرف في المال والاتجار به، فضلا عن بطلان الشركة العقدية التمليكية. ثم إن الظاهر أنه لا إشكال في الحكم المذكور عندهم، وعللوة: بأن الشركة من العقود الجائزة، فلا تلزم بالشرط. والاشكال فيه ظاهر إذ لم يثبت أن الشركة التجارية من العقود، فضلا عن أن تكون جائزة. ولم سلم فلا مانع من صحة شرط اللزوم وعدم الفسخ إلى أجل في العقود الجائزة، كما تقدم من المصنف (ره) في أوائل المضاربة. اللهم إلا أن يكون جوازها

[ 41 ]

[ (مسألة 10): لو ادعى أحدهما على الآخر الخيانة أو التفريط في الحفظ فأنكر عليه الحلف مع عدم البينة (1). (مسألة 11): إذا ادعى العامل التلف قبل قوله مع اليمين لانه أمين (2). (مسألة 12): تبطل الشركة بالموت (3)، والجنون والاغماء، والحجر بالفلس أو السفه، بمعنى: أنه لا يجوز للآخر ] اقتضائيا، فيكون الشرط مخالفا للكتاب. لكن بناء على هذا لا يصح وان كان في عقد لازم. نعم لو كان المستند الاجماع على بطلان الشرط أمكن اختصاص الاجماع بصورة الشرط في ضمن العقد، فلا يشمل غيره. لكن ثبوت الاجماع غير ظاهر. فالتحقيق أن الوجه فيه أن الشركة التجارية ليست إلا إيقاع الاذن من الشركاء، والاذن لا يقبل اللزوم ضرورة، فيجوز للآذن العدول عن إذنه ما لم يكن سبب ملزم. (1) لانه أمين، وليس على الامين إلا اليمين، كما سبق أنه مفاد النصوص (2) يعني: وليس على الامين إلا اليمين. ولا فرق بين أن يكون التلف المدعى بسبب ظاهر أو خفي - كما نص على ذلك في الشرائع وغيرها - لاطلاق الادلة، خلافا لبعض العامة. (3) كما نص على ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب القدماء والمتأخرين. ويظهر منهم الاجماع عليه، بل عن الغنية: الاجماع صريحا، وعن التذكرة: انفساخها بالاغماء والحجر والسفه، وعن التحرير وجامع المقاصد والمسالك: انفساخها بالفلس. والوجه في الحكم في الموت ظاهر، لانتقال المال إلى الوارث فلا يجوز التصرف بغير إذنه. وكذا في الفلس، لكون الاموال تحت سلطان الحاكم الشرعي، فلا يجوز التصرف بغير اذنه. أما في غيرهما فغير ظاهر، لولا ظهور الاجماع، وكما أن الاذن

[ 42 ]

[ التصرف، وأما أصل الشركة فهي باقية (1). نعم يبطل أيضا ما قرراه من زيادة أحدهما في النماء بالنسبة إلى ماله أو نقصان الخسارة كذلك (2). إذا تبين بطلان الشركة فالمعاملات الواقعة قبله (3) محكومة بالصحة، ويكون الربح على نسبة المالين، لكفاية الاذن المفروض حصوله (4). نعم لو كان مقيدا بالصحة تكون كلها فضوليا بالنسبة إلى من يكون إذنه ] لا تبطل بالنوم لا تبطل عرفا بالاغماء والجنون والسفه، وإذا شك فالاستصحاب كاف في ترتيب الاحكام. (1) كما صرحوا بذلك على نحو يظهر منهم أنه من المسلمات، بل ينبغي أن يكون من الضروريات، وأن حدوث هذه الطوارئ لا يوجب إفراز الحقوق، ولا تعيين الحصة المشاعة، فالشركة التي حكم ببطلانها بالامور المذكورة هي الشركة في الاتجار بالمال والعمل به، بمعنى عدم جواز التصرف فيه. (2) لان بطلان العقد يستوجب بطلان الشرط في ضمنه، لانه حينئذ يكون من الشرط الابتدائي، وهو لا يجب العمل به. (3) يعني: قبل تبين البطلان. (4) يعني: أن الشركة إذا بطلت فبطل الشرط في ضمنها تبقى الاذن فيصح بها التصرف، وقد ذكر جماعة أنه إذا بطلت الوكالة يصح التصرف بالاذن التي في ضمنها، مثلا إذا علق الوكالة على شرط استقبالي بطلت للتعليق، لكن تبقى الاذن، فيصح لاجلها التصرف الصادر من الوكيل، لا لانه وكيل، بل لانه مأذون. فيكون هناك أمور ثلاثة: شركة عقدية، وشرط التفاوت، وإذن في التصرف، فإذا بطلت الشركة فبطل الشرط لم تنتف الاذن بالتصرف، فتصح المعاملات الجارية على المال. لكن عرفت

[ 43 ]

[ مقيدا. ولكل منهما أجرة مثل عمله (1) بالنسبة إلى حصة الآخر إذا كان العمل منهما، وان كان من أحدهما فله أجرة مثل عمله. (مسألة 13): إذا اشترى أحدهما متاعا وادعى أنه ] أن الشركة العقدية نفس الاذن بالتصرف، والشرط إن فرض فهو قيد للاذن ومقوم لها لان الاذن بالتصرف أخذت مقيدة بالتفاوت، نظير الاباحة، فمع انتفاء القيد تتفي الاذن. هذا مضافا إلى أن المبطلات المذكورة إنما تبطل الشركة لانها تبطل الاذن فلا تصح الاذن معها، كما هو ظاهر، وقد سبق منه أنه لا يجوز التصرف. نعم لو فرض بطلان الشركة بمبطل غير الامور المذكورة أمكن القول ببقاء الاذن، كما تقدم ذلك في المضاربة. لكن ظاهر كلام المصنف (ره) الحكم في المبطلات المذكورة. ويحتمل بعيدا أن يكون المراد أن المعاملات الواقعة قبل البطلان صحيحة. لكن صحتها حينئذ من جهة صحة الشركة، لا لكفاية الاذن مع بطلان الشركة كما ذكر. وأيضا بناء على ذلك لا تختص الصحة بالمعاملات الواقعة قبل البطلان، بل يشمل حتى المعاملات الواقعة بعد البطلان، لان البطلان لا يوجب ارتفاع الاذن. (1) الذي يظهر من العبارة أن ذلك من أحكام البطلان، يعني إذا بطلت الشركة استحق العامل أجرة عمله بالنسبة إلى حصة شريكه، لاستيفائه العمل فيضمن بالاستيفاء. لكن يختص ذلك بما إذا فرض للعامل أجرة، أما إذا لم يفرض له أجرة فقاعده: ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، تقتضي عدم الضمان. هذا والمصنف لم يتعرض في الشركة الصحيحة لاستحقاق الاجرة وعدمه، وكان المناسب ذلك، بل الظاهر من قوله في المسألة الخامسة:

[ 44 ]

[ اشتراه لنفسه وادعى الآخر أنه اشتراه بالشركة، فمع عدم البينة القول قوله مع اليمين، لانه أعرف بنيته (1). كما أنه كذلك لو ادعى أنه اشتراه بالشركة وقال الآخر أنه اشتراه لنفسه، فانه يقدم قوله أيضا، لانه أعرف، ولانه أمين (2). تم كتاب الشركة ] " يتساوى الشريكان... " أن ذلك مبني على أن العمل مجاني، وكذلك ظاهر كلمات الفقهاء. وعليه فلا وجه لاستحقاق الاجرة مع البطلان. هذا ويحتمل بعيدا أن يكون كلامه هذا لبيان حكم العمل في الشركة الصحيحة، لكن كان المناسب أن يفصله عن هذه المسألة بمسألة أخرى. (1) يشير هذا التعليل إلى القاعدة المشهورة في كلام الاصحاب من قبول قول من لا يعرف المقول إلا من قبله، ويظهر أنها من القواعد المعول عليها عند العقلاء، ولولاها يلزم تعطيل أحكام المقول، إذ لا طريق إلى إثبات موضوعها، ويقتضيها قاعدة: من ملك شيئا ملك الاقرار به، المدعى عليها الاجماع في كلام الاصحاب، وقد مر ذلك في المسألة الثانية والخمسين من كتاب المضاربة. فراجع. (2) لا يظهر دليل على كلية سماع قول الامين الا في حال الاخبار عن وقوع الفعل المؤتمن عليه، كما إذا أخبرت الجارية بغسل الثوب الذي كلفت بغسله، أو يكون الخبر مع التداعي مع من ائتمنه في جملة من الموارد لا على كليته، فلو ادعى الرد لم يقبل قوله إلا في الودعي. فكان الاولى للمصنف (ره) أن يقول: لانه أمين على أداء الفعل الذي أخبر عن وقوعه.

[ 45 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المزارعة وهي المعاملة على الارض بالزراعة بحصة من حاصلها (1) وتسمى مخابرة أيضا، ولعلها من الخبرة بمعنى النصيب، ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المزارعة المزارعة من باب المفاعلة، مصدر (فاعل) وهو للسعي نحو الفعل، بخلاف فعل، فانه لوقوع الفعل، فإذا قلت: قتل زيد عمروا فقد أخبرت عن وقوع القتل على عمرو من زيد، فإذا قلت: قاتل زيد عمروا، فقد أخبرت عن سعي زيد لقتل عمرو، فإذا قلت: زارع زيد عمروا، كان المراد أنه سعى زيد لتحقيق الزرع ووقوعه من عمرو، ففي المثالين يراد من فاعل السعي ويختلفان في كيفية وقوع الفعل، ولا يقال: زراعت الحب بمعنى سعيت إلى زرعه، كما يقال: قاتلت زيدا، فهذا الاختلاف ناشئ من اختلاف الموارد. (1) تفترق المزارعة عن إجارة الارض: بأن إجارة الارض لا يملك مؤجرها على المستأجر لها شيئا غير الاجرة، وهنا يملك المؤجر لها مضافا

[ 46 ]

[ كما يظهر من مجمع البحرين (1) ولا إشكال في مشروعيتها، بل يمكن دعوى استحبابها. لما دل على استحباب الزراعة، بدعوى كونها أعم من المباشرة والتسبيب (2). ففي خبر الواسطي قال: " سألت جعفر بن محمد (ع) عن الفلاحين قال: هم الزراعون كنوز الله في أرضه، وما في الاعمال شئ احب إلى الله من الزراعة، وما بعث الله نبيا إلا زارعا ] إلى الحصة، أن يعمل العامل، وليس له الامتناع عن العمل. كما أنها تفترق عن إجارة الاجير بأن في إجارة الاجير لا يملك الاجير على المستأجر شيئا غير الاجرة، وهنا يملك على مالك الارض بذل الارض مضافا إلى الحصة، فالمزارعة كأنها إجارة للارض وإجارة للعامل، فهي كأنها إجارتان لان كلا من العامل والمالك يملك على الآخر شيئا غير الحصة. ولاجل ذلك احتمل أن تكون المزارعة معاوضة بين عمل العامل ومنفعة الارض، أو بذلها، وتكون الحصة من قبيل الشرط فيها، لا أن الحصة هي العوض. لكن الارتكاز العرفي لا يساعد عليه، بل يساعد على ما ذكره الاصحاب لا غير. وسيأتي في المسألة التاسعة عشرة من مبحث المساقاة بعض الكلام في ذلك. (1) وفي القاموس: " الخبرة: النصيب تأخذه من لحم أو سمك "، وفي المسالك: " وقد يعبر عن المزارعة بالمخابرة، إما من الخبير وهو الاكار أو من الخبارة وهي الارض الرخوة، أو مأخوذة من معاملة النبي صلى الله عليه وآله لاهل خيبر ". وقد أشار في القاموس إلى المعنيين الاولين مضافا إلى المعنى السابق. (2) أو كون الاستحباب من باب: تعاونوا على البر والتقوى.

[ 47 ]

[ إلا ادريس (ع) فانه كان خياطا ". (* 1) وفي آخر عن ابي عبد الله (ع): " الزارعون كنوز الانام يزرعون طيبا أخرجه الله وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاما وأقربهم منزلة يدعون المباركين " (* 2). وفي خبر عنه (ع) قال: " سئل النبي صلى الله عليه وآله أي الاعمال خير؟ قال: زرع يزرعه صاحبه وأصلحه وأدى حقه يوم حصاده. قال: فأي الاعمال بعد الزرع؟ قال: رجل في غنم له قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. قال: فأي المال بعد الغنم خير؟ قال: البقر يغدو بخير ويروح بخير. قال: فأي المال بعد البقر خير؟ قال: الراسيات في الوحل المطعمات في المحل: نعم المال النخل. من باعها فانما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف، إلا أن يخلف مكانها. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله: فأي المال بعد النخل خير فسكت، فقام إليه رجل فقال له: فاين الابل؟ قال: فيها الشقاء والجفاء والعناء وبعد الدار، تغدو مدبرة وتروح مدبرة لا يأتي خيرها الا من جانبها الاشأم أما إنها لا تعدم الاشقياء الفجرة " (* 3). وعنه (ع) " الكمياء الاكبر الزراعة " (* 4). وعنه (ع): " إن الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء " (* 5) ]


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب مقدمات التجارة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 3 من كتاب المزارعة والمسقاة: 7. (* 3) الوسائل باب: 48 من ابواب احكام الدواب حديث: 1. (* 4) الكافي الجزء: 5 الصفحة: 261 الطبعة الحديثة. الوافي الجزء: 3 الصفحة: 23 آواخر باب فضل المزارعة، مجمع البحرين مادة: " كرم ". (* 5) الوسائل باب: 3 من كتاب المزارعة والمسقاة حديث: 2.

[ 48 ]

[ وعنه (ع): " أنه سأله رجل فقال له: جعلت فداك أسمع قوما يقولون: إن المزارعة مكروهة. فقال: ازرعوا فلا والله ما عمل الناس عملا أحل ولا أطيب منه " (* 1). ويستفاد من هذا الخبر ما ذكرنا من أن الزراعة أعم من المباشرة والتسبيب وأما ما رواه الصدوق مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله: " أنه نهى عن المخابرة. قال: وهي المزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع " (* 2). فلابد من حمله على بعض المحامل، لعدم مقاومته لما ذكر. وفي مجمع البحرين: " وما روي من أنه صلى الله عليه وآله نهى عن المخابرة، كان ذلك حين تنازعوا، فنهاهم عنها ". ويشترط فيها أمور. أحدها: الايجاب والقبول (1). ويكفي فيهما كل لفظ دال (2)، سواء كان حقيقة أو مجازا مع القرينة، ك‍ " زارعتك أو سلمت إليك الارض على أن تزرع على كذا " ولا يعتبر فيهما العربية (3)، ولا الماضوية، فيكفي الفارسي ] (1) لانها من العقود، بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر. (2) كما يقتضيه عمومات الصحة و إطلاقاتها من دون مخصص ولا مقيد، كما حرر في أوائل مباحث البيع. (3) لما عرفت من العمومات والاطلاقات، لعدم اعتبار ذلك في مفهومها عرفا.


) (* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب المزارعة حديث: 1. (* 2) معاني الاخبار الجزء: 2 باب: 133 الصفحة: 80. بحار الانوار المجلد: 23 كتاب المزارعة الحديث: 2.

[ 49 ]

[ وغيره، والامر (1) كقوله: " ازرع هذه الارض على كذا " أو المستقبل أو الجملة الاسمية مع قصد الانشاء بها. ] (1) قال في الشرائع: " وعبارتها أن يقول: زارعتك " أو ازرع هذه الارض " قال في المسالك: " وأما قوله: إزرع هذه الارض - بصيغة الامر - فان ذلك لا يجيزونه في نظائره من العقود، ولكن المصنف وجماعة أجازوه، استنادا إلى رواية أبي الربيع الشامي والنضر بن سويد عن أبي عبد الله (ع). وهما قاصرتان عن الدلالة على ذلك، فالاقتصار على لفظ الماضي أقوى ". ومراده من رواية أبى الربيع ما رواه الشيخ والصدق عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل آخر، فيشترط على ثلثا للبذر وثلثا للبقر. فقال: لا ينبغي أن يسمي بذرا ولا بقرا، ولكن يقول لصاحب الارض: ازرع في أرضك ولك منها كذا وكذا نصفا وثلثا وما كان من شرط، ولا يسمي بذرا ولا بقرأ، فانما يحرم الكلام " (* 1). ومراده من رواية النظر ما رواه الكليني والشيخ عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان: " أنه قال: في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره، فيقول: ثلث للبقر وثلث للبذر وثلث للارض، قال: لا يسمي شيئا من الحب والبقر، ولكن يقول: ازرع فيها كذا وكذا إن شئت نصفا وإن شئت ثلثا " (* 2). هذا والمذكور في الروايتين لفظ المضارع لا لفظ الامر. كما أن رواية النضر عن عبد الله بن سنان لا عن أبي عبد الله (ع) كما ذكر، وقد سبقه إلى ذلك في جامع المقاصد. وايضا فان الامر لو فرض أنه كان في الروايتين فهو من العامل، لا من صاحب الارض.


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 5.

[ 50 ]

ولعل مراد المستدل بالروايتين الاستدلال بهما بتوسط الاولوية، فانه إذا جاز الايجاب بالمضارع جاز بالامر بالاولوية، كما حكي ذلك عن الايضاح. لكن الاشكال فيه ظاهر. وكان الاولى الاستدلال بصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل يعطي الرجل أرضه فيها ماء (رمان خ ل) أو نخل أو فاكهة، ويقول: إسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرجه الله (عزوجل. خ ل) قال: لا بأس " (* 1) بضميمة عدم القول بالفصل، أو فهم عدم الخصوصية وإن أمكن الاشكال فيه: بأنه لم يثبت كون الامر إنشاء للمساقاة، بل من المحتمل - بل الظاهر - أنه من قبيل؟ الة. والاولى أن يقال: إن المائز بين العقد والايقاع أن المفهوم المنشأ إن كان متعلقا بطرفين على وجه يكون تعلقه بكل منهما خلاف السلطنة عليه يكون عقديا، أولا يكون كذلك، فيكون ايقاعا. مثلا تمليك مال إنسان لآخر لما كان على خلاف سلطنة المالك والمتملك - فان خروج مال إنسان عن ملكه إلى ملك غيره خلاف سلطنة المالك على ماله، وخلاف سلطنة المتملك على نفسه -، كان التمليك مفهوما عقديا. واسقاط ما في الذمة لما لم يكن خلاف سلطنة من له الذمة كان إيقاعا، فيجوز وقع الثاني بلا حاجة إلى إعمال سلطنة صاحب الذمة، ولا يجوز وقوع الاول بلا سلطنة المتملك. ومن ذلك تعرف أن إنشاء المفهوم العقدي لا يكون إلا باعمال سلطنة كل من الطرفين، فيكون إيجابا من طرف وقبولا من طرف آخر. وربما يحصل باعمال السلطنة من دون صدق القول " كما إذا قال زيد لعمرو: بعني فرسك، فانه إذا قال عمرو: بعتك الفرس، حصل البيع


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب كتاب المزرعة والمساقاة حديث: 2.

[ 51 ]

بلا حاجة إلى قبول، لحصول الاعمال للسلطنة من جهة زيد بمجرد الامر. وكذا إذا قال: أذنت لك في أن تبيعني فرسك، فانه إذا قال عمرو: بعتك فرسي، صح من دون حاجة إلى القبول، وكذلك الوكيل للمتعاقدين معا، فانه إذا قال: بعت فرس أحدهما للآخر، صح من دون حاجة إلى القبول، ومالك العبد والامة إذا انشأ تزويج أمته من عبده صح من دون حاجة إلى قبوله، كما أفتى بذلك جماعة. وعلى هذا فالامر بالزرع ليس إيجابا ولا قبولا، لعدم صدوره في مقام الانشاء للمفهوم الانشائي، فانه أمر بالزرع وطلب له من دون إنشاء للمزارعة، فصحة المعاملة مع ذلك ليس لانه إيجاب أو قبول، بل لانه إعمال للسلطنة. ومثله أن يقول: أذنت لك في أن تزرع الارض بحصة كذا، أو أذنت لك في أن تزارعني على الثلث، فذلك بمنزلة الايجاب، لانه إعمال لسلطنة صاحب الارض الذي وظيفته الايجاب، إذ الاحتياج إلى الايجاب في حصول المفهوم العقدي لاجل كونه إعمالا للسلطنة، وهو حاصل بالامر، فإذا قال زيد لعمرو: تملك مالي، فقال عمرو: تملكت مال زيد، حصل الملك من دون حاجة إلى قول زيد: قبلت. ومن ذلك يظهر أن الاكتفاء بالامر في الايجاب ليس من باب استعمال الامر في المعنى الانشائي، بأن يكون قوله: ازرع هذه الارض، مستعملا في إنشاء المزارعة مجازا، كي يكون من المجازات المستنكرة، ولا من باب الكناية عن الانشاء النفساني، فيكون الامر حاكيا عنه بالدلالة العقلية، نظير حكاية تصرف من له الخيار في العين المبيعة الحاكي عن إنشاء الفسخ، بل هو من باب إعمال السلطنة الكافي عن القبول. وربما يكون الامر بنفسه انشاء على الحقيقة. بأن يكون أمرا تكوينيا لا تشريعيا، كما إذا قال البائع للمشتري: اشتر هذا الفرس بدرهم منشئا

[ 52 ]

[ وكذا لا يعتبر تقديم الايجاب على القبول (1). ويصح الايجاب ] نفس الشراء، كما في قوله تعالى: (كن فيكون) (* 1) فيقول المشتري: قبلت، ويتم العقد، فيكون قوله: اشتر، إيجابا على الحقيقة، وفي المقام يقول صاحب الارض للفلاح: كن مزارعا، فيقول الفلاح: قبلت، و في باب النكاح يقول الرجل للمرأة: كوني زوجة " فتقول المرأة: قبلت، أو تقول هي: كن لي زوجا، فيقول: قبلت، وهكذا ينشأ المفهوم الانشائي بصيغة الامر، فيكون جعلا تكوينيا للمعنى الانشائي، ويكون إيجابا، فإذا لحقه القبول كان عقدا. ويتحصل مما ذكرنا: أن الاكتفاء بالامر في العقود يكون على أربعة أنحاء: (الاول): أن يكون من باب إعمال السلطنة، فيكون كافيا عن الايجاب أو القبول. لا أنه إيجاب أو قبول. (الثاني): أن يكون إيجابا أو قبولا، كما إذا كان أمرا تكوينيا. (الثالث): أن يكون حاكيا عن الالتزام النفسي ودالا على بالدلالة العقلية، نظير تصرف من له الخيار، ويكون جزء العقد في الحقيقة هو ذلك الالتزام النفسي ويكون الامر تشريعيا دالا عليه دلالة المعلول على علته. (الرابع): أن يكون مستعملا مجازا في معنى فعل الماضي أو المضارع، على نحو الانشاء لا الاخبار فيكون من المجازات المستنكرة التي لا يجوز إنشاء العقد بها. (1) لا يخفى أن مفهوم القبول لغة وعرفا مثل مفهوم الرضا يمكن أن يتعلق بالمستقبل كما يتعلق بالماضي، بل قد يتعلق بالمفهوم اللحاضي من دون أن يكون له خارجية ومطابق عيني. أما القبول العقدي فلا يتعلق إلا بما هو واقع، فإذا تعلق بما يقع في المستقبل لم يكن قبولا عقديا،


(* 1) يس: 82.

[ 53 ]

[ من كل من المالك والزارع (1). بل يكفي القبول الفعلي (2) بعد الايجاب القولي على الاقوى (3). ] بل هو قبول عرفي، وحينئذ يمتنع تقدم القبول على لايجاب. نعم إذا تقدم كان إعمالا للسلطنة، ويكفي ذلك عن القبول وإن كان خبرا لا إنشاء لا أنه قبول متقدم. وكذا يمكن أن يكون إنشاء ممن وظيفته القبول فيكون إيجابا، ويكون الانشاء من الآخر قبولا، كما إذا قال المشتري للبائع: اشتريت منك الفرس بدرهم، فيقول البائع: بعتكها بدرهم، فان ما صدر من المشتري إيجاب، وما صدر من البائع قبول، لا أن ما صدر من المشتري قبول متقدم، وكذلك في المقام. (1) لا يختص ذلك بالمقام، بل يجري في عامة العقود، كما أشرنا إليه. ويدل عليه في المقام روايتا أبي الربيع الشامي والنضر بن سويد المتقدمتان. (2) بأن يكون الفعل دالا على الالتزام النفسي دلالة عقلية دلالة المعلول على علته، لا دلالة لفظية كدلالة اللفظ على معناه، كما تقدم نظيره. (3) كما صرح به في القواعد، قال: " ومن قبول، وهو كل لفظ أو فعل دل على الرضا "، وفي المسالك: استظهر من عدم تعرض الشرائع للقبول مع تعرضه للايجاب أنه لا يعتبر اللفظ فيه، كما ذكره في الايجاب وفي مفتاح الكرامة: أن القبول الفعلي ليس بقبول، وأن العقود عبارة عن الصيغة من الطرفين، وأن تسمية ما اشتمل على القبول الفعلي عقدا مسامحة. انتهى. لكنه - كما ترى - خلاف مرتكزات العرف، فانه لا فرق عندهم بين القول والفعل في الدلالة على الالتزام النفسي الذي هو قوام العقد، غاية الامر أن دلالة اللفظ لفظية ودلالة الفعل عقلية، وليس بفارق في انطباق عنوان العقد أو عنوان المزارعة أو غيرهما من العناوين. وحينئذ يتعين العمل باطلاقات الصحة وعموماتها.

[ 54 ]

[ وتجري فيها المعاطاة (1)، وإن كانت لا تلزم (2) إلا بالشروع في العمل (3). الثاني: البلوغ، والعقل، والاختيار، وعدم الحجر (4) ] (1) كما نص على ذلك في الجواهر، لاطراد الوجه المصحح لها في البيع هنا، كما عرفت. نعم لا يمكن هنا حصول التعاطي من الطرفين، وإنما يكون من طرف صاحب الارض لا غير. نعم يكون القبول بأخذ الارض من الفلاح، فيكون العقد بالاعطاء والاخذ. لا بالتعاطي من الطرفين. (2) للاجماع على عدم لزوم المعاطاة إلا بالتصرف المانع من الرد. (3) لان استيفاء الفعل إتلاف له، فيكون ملزما لها. ثم إنه قد تشكل صحة المعاطاة في المقام بأنه يعتبر في المزارعة اشتراط أمور: من تعيين الحصة، والاجل، ومن عليه البذر، والزرع، والفعل لا يقبل الاشتراط لانه لا يقبل الاطلاق، فلا يقبل التقييد. وفيه: أن التقييد للالتزام النفساني كما هو كذلك في العقد اللفظي فان اللفظ أيضا لا يقبل التقييد، وكما أن اللفظ في العقد اللفظي حاك عن الالتزام المشروط، كذلك بالفعل أيضا يكون حاكيا عن الالتزام المشروط. نعم الفعل لا يصلح للحكاية عن الاشتراط، لكن يمكن استفادة الشرط من القرائن الحافة بالعقد الفعلي بأن يكون الالتزام المحكي بالفعل مبنيا على الشروط المذكورة، وربما تكون الاستفادة من اللفظ. (4) الشروط المذكورة شروط عامة لمطلق التصرف، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في بعض الكتب السالفة، وتحرير الاستدلال على الوجه الاكمل يكون في كتاب البيع، لانه الكتاب الاول من كتب العقود والايقاعات، وقد تعرضنا لذلك في كتاب: (نهج الفقاهة) تعليقا على كتاب المكاسب لشيخنا الاعظم (قدس سره)

[ 55 ]

[ لسفه أو فلس، ومالكية التصرف (1) في كل من المالك والزارع. نعم لا يقدح فلس الزارع إذا لم يكن منه مال، لانه ليس تصرفا ماليا. الثالث: أن يكون النماء مشتركا بينهما، فلو جعل الكل لاحدهما لم يصح مزارعة (2). الرابع: أن يكون مشاعا بينهما. فلو شرطا اختصاص أحدهما بنوع - كالذي حصل أولا - والآخر بنوع آخر، أو شرطا ان يكون ما حصل من هذه القطعة الارض لاحدهما وما حصل من القطعة الاخرى للآخر، لم يصح (3). الخامس: تعيين الحصة بمثل النصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك، فلو قال: " ازرع هذه الارض على أن ] (1) الظاهر من العبارة أنها شرط آخر زائد على ما ذكر. وكأن وجهه أن ما سبق يختص بقصور في المتصرف، وهذا الشرط القصور في موضوع التصرف، كالمرهون ونحوه. ويحتمل أن يكون المراد بيان الجامع بين الشروط المذكورة، لان مرجع الجميع إلى مالكية التصرف. (2) إجماعا. ويشهد له ما سيأتي من الصحيح. (3) بلا خلاف ظاهر، وعن مجمع البرهان: " كأنه إجماع ". ويشهد له مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " لا تقبل الارض بحنطة مسماة، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا بأس به. وقال: لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس ".


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 3.

[ 56 ]

[ يكون لك أو لي شئ من حاصلها " بطل (1). السادس: تعيين المدة (2) بالاشهر والسنين، فلو أطلق بطل. نعم لو عين المزروع، أو مبدأ الشروع في الزرع لا يبعد صحته إذا لم يستلزم غررا. بل مع عدم تعيين ابتداء الشروع أيضا إذا كانت الارض مما لا يزرع في السنة إلا مرة، ] (1) إجماعا، كما عن التذكرة. ويشهد له النصوص التي منها المصحح المتقدم. (2) كما صرح به في كلماتهم، بل عن التذكرة: الاجماع على أنه لا يجوز مع جهالة المدة، وفي الجواهر: " بلا خلاف معتد به، بل لعل الاجماع عليه ". ولم يظهر عليه دليل، فإن ما دل على النهي عن بيع الغرر لا يشمل المقام. وما دل على نهي النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر (* 1) غير ثابت. وما في الشرائع من الاستدلال عليه بأنه عقد لازم فهو كالاجارة " فيشترط فيه تعيين المدة، دفعا للغرر - وإليه يرجع ما في المسالك من الاستدلال عليه: بأن مقتضى العقد اللازم ضبط أجله، وكذا ما في الجواهر من الاستدلال: بأن المزارعة أشبه بالاجارة - كما ترى لا يرجع إلى دليل، ومثلها الاستدلال بخبر أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبلها، فأي وجوه القبالة أحل؟ قال: يتقبل الارض من أربابها بشئ معلوم إلى سنين مسماة فيعمر ويؤدي الخراج " (* 2). ونحوه غيره. فان الظاهر من القبالة غير المزارعة نعم يستفاد من مجموع كلماتهم أنه لابد من تعيين المدة في الجملة بحيث لا يؤدي إلى الغرر، فان تم اجماعا - كما هو الظاهر - فهو المعتمد


(* 1) تقدم التعرض لمصادر الحديث المذكور في الجزء الثاني عشر صفحة: 246 من هذه الطبعة (* 2) الوسائل باب: 18 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 5

[ 57 ]

[ لكن مع تعيين السنة، لعدم الغرر فيه (1). ولا دليل على اعتبار التعيين تعبدا، والقدر المسلم من الاجماع على تعيينها غير هذه الصورة. وفي صورة تعيين المدة لابد وأن تكون بمقدار يبلغ فيه الزرع (2)، فلا تكفي المدة القليلة التي تقصر عن إدراك النماء. ] لا غير. لكنه لا يقتضي لزوم تعيين المدة بحيث لا تقبل الزيادة والنقيصة، بل يكفي التعيين في الجملة ولو بتعيين الزرع والبدء به وإن جهل زمان بلوغه. بل ربما يكون تعيين المدة موجبا للغرر إذا كان من المحتمل عدم بلوغ الزرع فيها، لان في ذلك تعريضا لضياع الزرع بناء على استحقاق المالك قلعه عند انتهاء المدة أو الخسارة المالية بناء على غير ذلك. (1) لان الغرر إنما يكون للجهل بالخصوصيات التي تختلف باختلافها الرغبات وتتفاوت بها المالية، فإذا كانت الارض لا تزرع الا مرة واحدة في السنة لا تتفاوت المالية باختلاف الابتداء والانتهاء. (2) في الجواهر: " صرح جماعة بوجوب كون المدة فيها مما يعلم فيها إدراك الزرع ولو من جهة العادة، لان إدراك الزرع هو الملحوظ في المزارعة، بل ركنها الاعظم، حتى أنه ظن من جعل ذلك هو المدار في بعض النصوص عدم اعتبار المدة في المزارعة وأن ادراك الزرع هو الغاية فيها قال ابراهيم الكرخي لابي عبد الله (ع): " أشارك العلج فيكون من عندي الارض والبذر والبقر، ويكون على العلج القيام والسقي والعمل في الزرع حتى يكون حنطة أو شعيرا، ويكون القسم، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي. قال (ع): لا بأس " (* 1). بل بناء على ما ذكره من أن قوام المزارعة هو الزرع


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 1. ويأتي التعرض الحديث بتمامه في اواخر المسألة: 5 من هذا الفصل.

[ 58 ]

فذكر المدة الزائدة على بلوغ الزرع و المساوية له بلا فائدة، وذكر المدة الناقصة مفوت للمقصود منها، بناء على ما سيأتي الكلام فيه في المسألة السادسة. وعلى هذا فالاولي المنع من اشتراط المدة زائدا على اشتراط زمان الشروع في الزرع. إلا أن يكون المقصود من اشتراط المدة اشتراط عدم التواني في الاعمال المعتلقة بالزرع بحيث يتأخر الانتاج، أو يكون المراد من اشتراط المدة تعيين السنين والاعوام التي تستمر فيها المزارعة، فلا يصح أن يقول: زارعتك على هذه الارض مرات من دون تعيين. فيكون الواجب التعيين بذكر عدد المرات أو بالسنين والاعوام. في مقابل بقاء المزارعة و استمرارها إلى أجل مبهم. وإن كان يكفي أيضا التعيين في عدد الزرع، فيقول: زارعتك على أن تزرع الشعير فيها مرتين أو خمسا أو عشرا، فيكون التعيين في عدد الزرع وإن لم يعلم مقدار الزمان. وبالجملة: تعيين الزرع ووقت الشروع فيه والاستمرار على الاعمال على النحو المتعارف بلا مماهلة كاف في رفع الغرر، وكذلك ذكر عدد الزرع والخصوصيات المتعلقة به كاف في رفع الغرر، (ومن ذلك) يظهر أن ما ذكر في الشرائع بقوله: " ولو اقتصر على تعيين المزروع من غير ذكر المدة فوجهان أحدهما يصح، لان لكل زرع أمد فيبني على العادة - كالقراض - والاخر يبطل، لانه عقد لازم فهو كالاجارة، فيشترط فيه تعيين المدة رفعا للغرر، لان أمد الزرع غير مضبوط. وهو أشبه "، (ضعيف) وأول الوجهين أصح وأشبه بالقواعد حتى لو بنى على منع الغرر من الصحة إذ لا غرر ولا خطر، كما عرفت. والمتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أنه لا دليل لفظي على مانعية الغرر في المقام (الثاني): أن مانعية الغرر في المقام مستفادة

[ 59 ]

[ السابع: أن تكون الارض قابلة للزرع ولو بالعلاج فلو كانت سبخة لا يمكن الانتفاع بها، أو كان يستولي عليها الماء قبل أو ان ادراك الحاصل أو نحو ذلك، أو لم يكن هناك ماء للزراعة ولم يمكن تحصيله ولو بمثل حفر البئر أو نحو ذلك ولم يمكن الاكتفاء بالغيث، بطل (1). الثامن: تعيين المزروع من الحنطة والشعير وغيرهما مع اختلاف الاغراض فيه، فمع عدمه يبطل (2) إلا أن يكون هناك انصراف يوجب التعيين، أو كان مرادهما التعميم (3) وحينئذ فيتخير الزارع بين أنواعه. التاسع: تعيين الارض ومقدارها، فلو لم يعينها بأنها هذه القطعة أو تلك القطعة، أو من هذه المزرعة أو تلك، ] من ظهور الاجماع. (الثالث): اندفاع الغرر بتعيين المزروع وأو ان الزرع أو نحو ذلك، بلا حاجة إلى تعيين المدة. (الرابع): أن تعيين المدة غير جائز، إما لانه مفوت للمقصود، أو أنه عبث ولغو، فلا يكون له أثر. (1) لان امتناع الموضوع يوجب امتناع المضمون. مع أن الحكم إجماعي ظاهرا، وإن كان البطلان أوضح من أن يستدل عليه بالاجماع. (2) الظاهر من العبارة البطلان حتى مع إرادة التعميم. لكن ينافيه ما سيأتي من الصحة حينئذ فيختص البطلان - على هذا - بما إذا كان المراد من الزرع المردد. وحينئذ فالبطلان ظاهر الوجه، لان المردد لا خارجية له، كي يكون موضوعا للاحكام. على أنه فرض نادر. ولاجل ذلك لم يتعرض الجماعة لذكر هذا الشرط بهذا المعنى. (3) يعني: المفهوم الجامع بين الافراد. لكن لا يخفي إن إرادة

[ 60 ]

[ أو لم يعين مقدارها، بطل مع اختلافها، بحيث يلزم الغرر (1). نعم مع عدم لزومه لا يبعد الصحة، كأن يقول: " مقدار جريب من هذه القطعة من الارض التى لا اختلاف بين أجزائها " أو " أي مقدار شئت منها ". ولا يعتبر كونها شخصية فلو عين كليا موصوفا على وجه يرتفع الغرر فالظاهر صحته وحينئذ يتخير المالك في تعيينه (2). العاشر: تعيين كون البذر على أي منهما (3)، وكذا سائر المصارف واللوازم إذا لم يكن هناك انصراف مغن عنه ولو بسبب التعارف. ] التعميم لا توجب ارتفاع الغرر، وإنما توجب الاقدام على الغرر، فإذا كان دليل على مانعية الغرر فهو حاصل في الفرض مع اختلاف الافراد في الضرر وعدمه أو شدة الضرر وخفته، والرضا بالتعميم لا يرفع مانعية الغرر. نعم لا دليل على مانعية الغرر من هذه الجهة، و الاطلاق يقتضي الصحة. (1) الكلام في هذا الشرط هو الكلام فيما قبله، فإذا كان الغرر مانعا فهو في المقامين سواء، وإلا فلا موجب للبطلان فيهما أيضا. (2) كما في بيع الكلي. (3) قال في القواعد: " والاطلاق يقتضي كون البذر على العامل. ويحتمل البطلان " وحكى الاول عن جماعة. وكأن وجهه: أن المزارعة تقتضي لزوم العمل على الفلاح بنحو الواجب المطلق المقتضي وجوب مقدماته ومنها البذر. كالعوامل وآلات الحرث ونحو ذلك، كما أن إطلاق الاجارة على الخياطة يقتضي كون الخيوط على الاجير لا على المستأجر. فيكون وجه البطلان الذي احتمله في القواعد المنع من ذلك، وأن مقتضي المزارعة

[ 61 ]

[ (مسألة 1): لا يشترط في المزارعة كون الارض ملكا للمزارع، بل يكفي كونه مسلطا عليها بوجه من الوجوه كأن يكون مالكا لمنفعتها بالاجارة أو الوصية أو الوقف عليه أو مسلطا عليها بالتولية كمتولي الوقف العام أو الخاص والوصي ] مجرد العمل بنحو الوجوب المشروط بوجود البذر، فإذا لم يتعين من عليه البذر كان المفهوم المنشأ بلا موضوع، فيبطل. وعن الايضاح وجامع المقاصد: أنه الاصح. لكن في صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام: " وسألته عن المزارعة قال (ع): النفقة منك والارض لصاحبها، فلما أخرج الله تعالى من شئ قسم على الشطر. وكذلك أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر حين أتوه، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت " (* 1). لكن في جامع المقاصد الاطباق على صحة المزارعة مع كون البذر على المالك، فان تم - كما هو الظاهر، كما يشهد به تقسيم المزارعة في كلامهم إلى صور متعددة، ومنها كون البذر على العامل تارة، وعلى صاحب الارض أخرى، وعليهما معا ثالثة - فلا مجال للعمل بظاهر الرواية، ويتعين تأويلها والرجوع إلى القواعد المقتضية لوجوب التعيين إذا لم يكن تعين، وربما يختلف ذلك باختلاف الاصقاع والازمان، فقد يكون البذر على صاحب الارض فيكون الفلاح كالبناء، وقد يكون على الفلاح فيكون الفلاح كالخياط والصحاف في زماننا وقد لا يكون تعارف، وحينئذ لابد من التعيين، ومع عدمه تبطل لعدم الموضوع. إلا أن يكون إطلاق فيقتضي كونه على العامل، كما ذكر في القواعد: و سيأتي في المسألة التاسعة عشرة ماله نفع في المقام.


(* 1) الوسائل باب: 10 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2.

[ 62 ]

[ أو كان له حق اختصاص بها بمثل التحجير والسبق، ونحو ذلك (1)، أو كان مالكا للانتفاع بها، كما إذا أخذها بعنوان المزارعة فزارع غيره (2) أو شارك غيره. بل يجوز أن يستعير الارض للمزارعة. نعم لو لم يكن له فيها حق أصلا لم يصح مزارعتها، فلا يجور المزارعة في الارض الموات مع عدم تحجير أو سبق أو نحو ذلك، فان المزارع والعامل فيها سواء. نعم يصح الشركة في زراعتها مع اشتراك البذر، أو باجارة أحدهما نفسه للاخر في مقابل البذر أو نحو ذلك. لكنه ليس حينئذ من المزارعة المصطلحة (3). ولعل هذا مراد الشهيد في المسالك من عدم جواز المزارعة في الاراضي الخراجية التي هي للمسلمين قاطبة (4) إلا مع الاشتراك في البذر أو بعنوان آخر، فمراده هو فيما إذا لم يكن للمزارع جهة اختصاص بها، وإلا فلا إشكال في جوازها بعد الاجارة من السلطان، كما يدل عليه جملة من الاخبار. (مسألة 2): إذا أذن لشخص في زرع أرضه على أن يكون الحاصل بينهما بالنصف أو الثلث أو نحوهما، فالظاهر ] (1) كما إذا وضع فيه شيئا. (2) كما سيأتي التعرض لذلك في المسألة الثالثة عشرة. (3) من المعلوم أن الشركة في الزرع ليست مزارعة - كما عرفت - مفهوما عرفا ولغة وشرعا. (4) قال في المسالك: " واعلم أنه قد استفيد من حقيقة المزارعة ومن صيغتها أن المعقود عليه هو الارض المملوكة المنتفع بها - كما سيتحرر

[ 63 ]

من شرائطها - ويبقى من لوازمها البذر والعمل والعوامل، وهي بحسب ما ينفقان عليه في مقابلة الارض أو بعضها مضافا إليها من صاحب الارض وبعضها على العامل، وصورها المتشعبة بينها كلها جائزة، وأنه لا تشرع المزارعة إذا لم تكن الارض ملكا لاحدهما كما في الارض الخراجية... ". وأشكل عليه: بأن صيغة المزارعة - التي هي: زارعتك ونحوها - لا تقتضي اعتبار ملكية الارض لا عينا ولا منفعة، بل يكفي فيها الاولوية الحاصلة في أرض الخراج بالاحياء أو بالتفويض ممن هي بيده. وعن الكفاية: الجزم بعدم اعتبار ذلك في المزارعة، وذكر جملة من النصوص الدالة على جواز مزارعة أرض الخراج، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في حديث: " أنه سئل عن مزارعة أهل الخراج بالربع والنصف والثلث. قال: نعم لا بأس به، قد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر، والخبر هو النصف " (* 1) وخبر الفيض بن المختار: " قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك ما تقول في أرض أتقبلها من السلطان ثم أو اجرها أكرتي على أن ما أخرج الله منها من شئ كان لي من ذلك النصف والثلث بعد حق السلطان. قال: لا بأس به، كذلك أعامل أكرتي " (* 2)، وصحيح يعقوب المتقدم في الشرط العاشر. لكن في الجواهر حمل كلام المسالك على إرادة ما في المتن... إلى أن قال: " ودعوى ظهور كلامه في اعتبار ملكية العين في المزارعة، مقطوع بفسادها، فان القواعد والنصوص والفتاوى صريحة في خلافها، ويبعد خفاء مثل ذلك على مثله " أقول: صريح كلامه اعتبار الملكية وعدم


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 3.

[ 64 ]

[ صحته وإن لم يكن من المزارعة المصطلحة. بل لا يبعد كونه منها أيضا (1). وكذا لو أذن لكل من يتصدى للزرع وإن لم يعين شخصا (2). وكذا لو قال: " كل من زرع أرضي هذه أو مقدارا من المزرعة الفلانية فلي نصف حاصله أو ثلثه " - مثلا - فاقدم واحد على ذلك، فيكون نظير الجعالة (3) ] صحة المزارعة على الارض الخراجية لعدم كونها ملكا للمزارع، فدعوى ظهور كلامه في ذلك مقطوع بصحتها لا بفسادها. والقواعد والفتاوى والنصوص إنما تدل على فساد دعوى اعتبار الملكية، لا على فساد دعوى ظهور كلامه في ذلك. (1) قد تقدم وسيأتي أن المزارعة المصطلحة من العقود اللازمة ومن المعلوم أن الاذن في الفعل الخارجي ليس عقدا، فضلا عن أن يكون لازما. نعم إذا كان المراد من الاذن في زرع الارض الاذن في إيقاعه للمزارعة الانشائية، وكان المزارع في مقام إنشائها، كان إنشاؤها بذلك إيجابا لها، ويكون الاذن السابق قائما مقام القبول " لكونه اعمالا للسلطنة. وكذا إذا كان من قبيل الدال على ايجاب المزارعة بالدلالة العقلية، نظير دلالة التصرف على امضاء العقد أو فسخه، كما سبق ذلك في مبحث الايجاب والقبول. لكن الظاهر خروج ذلك عن الفرض المقصود من العبارة. وبالجملة: الاذن في زرع الارض لشخص إيقاع بحت، لا عقد ولا جزء عقد. (2) الفرق أن الاول إذن لشخص بعينه، والثاني إذن عام، والثالث ليس إذنا، وإنما هو جعل على نفسه، ويستفاد منه الاذن بالقرينة، وهو جعل العوض للمأذون الدال على الترغيب إليه. (3) لان الجعالة جعل شئ على نفسه فتشترك مع الفرض الاخير في ذلك. لكن يشكل ما ذكره بأن الجعالة إيقاع على المشهور، فكيف يكون

[ 65 ]

[ فهو كما لو قال: " كل من بات في خاني أو داري فعليه في كل ليلة درهم " " أو كل من دخل حمامي فعليه في كل مرة ورقة " فان الظاهر صحته للعمومات، إذ هو نوع من المعاملات العقلائية، ولا نسلم انحصارها في المعهودات، ولا حاجة إلى الدليل الخاص لمشروعيتها، بل كل معاملة عقلائية صحيحة إلا ما خرج بالدليل الخاص، كما هو مقتضى العمومات. (مسألة 3): المزارعة من العقود اللازمة (1) لا تبطل ] الفرض الاخير إيقاعا وقد جعله من المزارعة المصطلحة؟ اللهم إلا أن يكون بناؤه على أن الجعالة من العقد، كما هو قول لبعضهم. والتحقيق: أن الفروض المذكورة وكذلك الجعالة ليست من العقود إذ لم يجعل فيها للعامل عنوان من العناوين الموقوف على إعمال سلطنته وقبوله. مع أنها لو كانت عقدا احتاجت إلى القبول، وهو مفقود، فان العمل من العامل لم يكن بقصد القبول للايجاب، بل كان بقصد الجري على مقتضى الايجاب بناء منه على تمامية اقتضائه، فلا يكون قبولا فعليا. مع أنه في الصورتين الاخيرتين وفي الجعالة قد لا يكون مواليا للايجاب أو لا يكون مطابقا له، كما إذا كان العمل بقصد عوض آخر غير ما ذكر في الايجاب، أو كان صادرا من غير البالغ، أو من غير الرشيد أو من غير المميز أو من المجنون الذي لا يصح قصده. ولعله لذلك قال في الشرائع في مبحث الجعالة: أنها لا تحتاج إلى قبول. وإن كان ينافيه قوله بعد ذلك: " ويجوز أن يكون العمل مجهولا " لانه عقد جائز كالمضاربة " إلا أن يكون مراده من العقد معنى آخر، لا ما اشتمل على الايجاب والقبول، وإن كان بعيدا. وكيف كان فالتحقيق ما ذكرنا. (1) اجماعا - كما عن جامع المقاصد - وفي المسالك: أنه اتفاق، وفي

[ 66 ]

[ إلا بالتقايل (1) أو الفسخ بخيار الشرط (2) أو بخيار الاشتراط (3) أي: تخلف بعض الشروط المشترطة على أحدهما. وتبطل أيضا بخروج الارض عن قابلية الانتفاع (4) لفقد الماء أو استيلائه أو نحو ذلك. ولا تبطل بموت أحدهما (5)، فيقوم وارث الميت منهما مقامه (6). ] الجواهر: " بلا خلاف، بل لعل الاجماع بقسميه عليه " وعن الكفاية: كأنه إجماع ". ويقتضيه ما دل على اللزوم في عامة العقود. (1) لما دل على مشروعية الاقالة في عامة العقود اللازمة. وعن الرياض: الظاهر أنه لا خلاف في البطلان بالتقايل، ونحوه عن غيره. (2) لما دل على صحة اشتراط الخيار في عامة العقود اللازمة، لعموم صحة الشروط. (3) فان فوات الشرط يوجب الخيار، إما لانه من الاحكام العرفية الممضاة لدى الشارع المقدس، أو لان لازم اشتراط الشرط اشتراط الخيار عند فقده. هذا وقد اقتصر المصنف في الخيار على السببين المذكورين مع أن الخيار قد يكون بالغبن، بناء على عموم دليله لجميع المعاوضات المالية وقد أثبته المصنف وغيره في الاجارة، ولا فرق بينها وبين المقام. نعم لو كان دليله الاجماع اختص بالبيع، لاختصاص الاجماع به، وحينئذ لا يشمل الاجارة ولا المقام، فالتفكيك بين الاجارة والمقام غير ظاهر، إذ المقام إما من قبيل إجارة الارض، أو إجارة الاجير العامل، أو إجارتهما. (4) كما صرح به غير واحد، لما تقدم في الشرط السابع. (5) كما في الشرائع والقواعد وغيرهما، وفي جامع المقاصد: " لا نعرف خلافا في أن المزارعة لا تبطل بموت أحد المتعاقدين. " ويقتضيه الاصل. (6) كما نص على ذلك في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما.

[ 67 ]

[ نعم تبطل بموت العامل مع اشتراط مباشرته للعمل (1)، سواء كان قبل خروج الزرع أو بعده (2). وأما المزارعة المعاطاتية فلا تلزم إلا بعد التصرف (3). وأما الاذنية فيجوز فيها الرجوع دائما (4)، لكن إذا كان بعد الزرع وكان البذر من ] (1) كما ذكره في المسالك. لكنه يختص بما إذا كان الشرط راجعا إلى تقييد العمل بعمل العامل مباشرة، بأن كان موضوع المزارعة الارض ومنفعة العامل نفسه، والبطلان فيه ظاهر، لفوات الموضوع الموجب لفوات الحكم. أما إذا كان الشرط راجعا إلى اشتراط شئ زائد على العامل، فالموضوع نفس العمل في الذمة، الشامل لعمل غيره، فيكون الشرط تطبيقه على عمل نفسه، فإذا مات العامل فقد تعذر العامل بالشرط، ويكون الحكم صحة العقد والخيار في الفسخ، لفوات الشرط. (2) في المسالك: " هو مشكل لو كان موته بعد خروج الثمرة لانه قد ملك الحصة وإن وجب عليه بقية العمل، فخروجه عن ملكه بعد ذلك بعيد ". ورده في الجواهر: بأن الملك وإن حصل، لكنه متزلزل إلى حصول تمام العمل نحو ملك العامل في المضاربة في بعض الاحوال ". وهو في محله عملا بمقتضى العقد الخاص. (3) لما حرر في مبحث البيع المعاطاتي من عدم لزومها الا بالتصرف. (4) قد تقدم منه أن المزارعة الاذنية من المزارعة المصطلحة، وقد عرفت أن المزارعة المصطلحة من العقود، فتكون لازمة، عملا بأصالة اللزوم في العقود. نعم إذا كانت من الايقاع جاز الرجوع فيها، لكن بالنسبة إلى المستقبل الذي هو محل الابتلاء، لا بالنسبة إلى الماضي الخارج عن محل الابتلاء، فإذا قال زيد: أذنت لك أن تسكن داري شهرا، فسكنت فيه أياما، ثم رجع عن الاذن صح ذلك بالنسبة إلى اللاحقة، لا

[ 68 ]

[ العامل يمكن دعوى لزوم ابقائه إلى حصول الحاصل، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه (1)، وفائدة الرجوع أخذ أجرة الارض منه حينئذ ويكون الحاصل كله للعامل. (مسألة 4): إذا استعار أرضا للمزارعة (2) ثم أجرى ] الماضية، فانه لا يجوز الرجوع فيها، لخروجها عن محل الابتلاء. (1) الاذن في بقاء الرزع ليس مستندا إلى الاذن في الزرع، ليكون من باب: الاذن في الملزوم إذن في اللازم، بل هو مقتضى صريح العبارة الدالة على استحقاق حصة الناتج. مضافا إلى أن ثبوت الاذن في بقاء الزرع لا يجدي بعد فرض رجوع المالك عن الاذن، كما هو المفروض. اللهم إلا أن يكون مراده أنه إذا أذن المالك في إبقاء الزرع فرجع عن إذنه ليس له قلع الزرع الذي كان مأذونا في ابقائه. لكن - على هذا - يكون المناسب التعرض لاثبات هذه الدعوى ووجهها، لا التعليل بما ذكر. وأيضا فان جواز رجوع المالك بعد عمل العامل غير ظاهر، إذ لا دليل على عموم الرجوع عن الاذن، ومقتضى الاصل عدم تأثير الرجوع شيئا وبقاء الاستحقاق للحصة المعينة، وعدم الرجوع إلى أجرة المثل بحاله. فالذي يتحصل في الاشكال على ما في المتن أمور: (الاول): أن الاذن في بقاء الزرع ليس مستندا إلى الملازمة والاذن في الملزوم، بل مستند إلى صريح القول. (الثاني): أن الكلام ليس في الاذن من المالك " بل في تأثير الرجوع عن الاذن في جواز القلع وعدمه. (الثالث): أنه لا دليل على جواز رجوع المالك عن إذنه بعد عمل العامل، لا سيما إذا كان النتاج لا يحتاج إلى عمل. (2) الظاهر أنه لا مانع من صحة استعارة الارض للمزارعة، فان الاستعارة استباحة العين للاستفادة بمنافعها، أعم من أن تكون الاستفادة

[ 69 ]

[ عقدها لزمت، لكن للمعير الرجوع في إعارته (1)، فيستحق أجرة المثل لارضه على المستعير، كما إذا استعارها للاجارة (2) فآجرها، بناء على ما هو الاقوى من جواز كون العوض لغير مالك المعوض. ] بالمباشرة أو بالتسبيب، فالحصة التي تكون للمستعير بالمزارعة نتيجة استعارة الارض للمزارعة. (1) لا يخلو من نظر، فان المزارعة قد اقتضت على وجه اللزوم استحقاق المستعير والعامل لمنفعة الارض، فلا يمكن رجوع المنفعة إلى مالكها كي يترتب على الرجوع فائدة. ودعوى: أن فائدة الرجوع عن الاذن ضمان أجرة المثل. مدفوعة: بأنه لا موجب لهذا الضمان. وثبوت الضمان فيما لو باع المشتري العين ثم ظهر غبن البائع، فانه إذا فسخ يرجع على المشتري ببدل العين، لانها مضمونة بالمعاوضة، لا يقتضي ثبوت الضمان هنا، إذ لا معاوضة في العارية. (2) في صحة هذه الاستعارة نظر، فإن الاستعارة استباحة الانتفاع بالعين واستيفاء منفعتها، والاجارة ليست استيفاء للمنفعة، بل استيفاء لعوضها، فلا تصح الاستعارة لها. لكن المصنف (ره) لم يهتم لهذا الاشكال واهتم لاشكال آخر، وهو أن الاجارة من المعاوضات، وهي تقتضي دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض، فيجب أن تدخل الاجرة في ملك مالك المنفعة وهو المعير، ولا يمكن أن تدخل في ملك غيره وهو المستعير. وأجاب عنه: بأن العوض في المعاوضات لوحظ فيه العوضية في الجملة ولا يجب أن يدخل في ملك مالك المعوض. لكن قد تقدم الاشكال في ذلك، وأنه خلاف المرتكز في باب المعاوضة. نعم لا يبعد عدم اعتبار دخول المعوض في ملك من

[ 70 ]

[ (مسألة 5): إذا شرط أحدهما على الآخر شيئا في ذمته أو في الخارج - من ذهب أو فضة أو غيرهما - مضافا إلى حصته من الحاصل صح (1)، ] يخرج منه العوض. ثم إنه قد يقال بصحة الاستعارة للاجارة، بملاحظة أن الاجرة تدخل في ملك المعير، ثم تدخل في ملك المستعير، فمرجع الاستعارة للاجارة الاذن في تملك الاجرة. ولكن لا يخفى أن ذلك بعيد عن مفهوم الاستعارة جدا، إذا العين المستعارة على هذا لم يقصد الاستفادة بمنفعتها، ولا بعوض المنفعة. وانما قصد الاذن في الاجارة للمعير ثم تملك الاجرة، لا الاجارة للمستعير فلم تكن الاستعارة للاجارة (1) كما هو المشهور، بل عليه عامة من تأخر، كما في الجواهر. وفي الشرائع: حكاية القول بالبطلان، لكن عن جماعة أنه لم يعرف قائله، بل ولا دليله، لمخالفته لعموم نفوذ الشروط من غير مخصص أو مقيد. مضافا إلى ما رواه المشايخ الثلاثة: (رض) عن محمد بن سهل بن اليسع عن أبيه قال: " سألت أبا الحسن (ع) موسى (ع) عن الرجل يزرع له الحراث بالزعفران، ويضمن له أن يعطيه في كل جريب أرض يمسح عليه وزن كذا وكذا درهما، فربما نقص وغرم، وربما استفضل وزاد. قال (ع): لا بأس به إذا تراضيا " (* 1). وقد استدل به على الحكم كما عن جماعة، مستظهرين دلالته، منهم الخراساني والكاشاني والسيد فئ الرياض، وفي الجواهر: " في المفاتيح: في بعض الاخبار عليه دلالة (يعني: على جواز الشرط المذكور) قيل: ولعله ما أشار إليه في الكفاية من بعض المعتبرة: عن الرجل... " ثم ذكر الحديث ولم يتعرض لوجه


(* 1) الوسائل باب: 14 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 71 ]

[ وليس قراره مشروطا بسلامة الحاصل (1)، ] الدلالة. لكن الدلالة على ما نحن فيه غير ظاهرة، لوروده في اشتراط حصة معينة من الحاصل لا من غيره، والتعدي إلى غيره غير ظاهر. (1) قال في المسالك: " القول بالمنع لا نعلم القائل به. وعلى القول بالجواز يكون قراره مشروطا بالسلامة، كاستثناء أرطال معلومة من الثمرة في البيع، فلو تلف البعض سقط منه بحسابه، لانه كالشريك وإن كانت حصته معينة. مع احتمال أن لا يسقط منه شئ بتلف البعض متى بقي قدر نصيبه، عملا باطلاق الشرط ". والذي يظهر من العبارة أن في المسألة احتمالين: (الاول): أنه يسقط من الشرط بنسبة التالف إلى الحاصل، فيكون من قبيل الجزء المشاع فإذا تلف من الحاصل الربع - مثلا - سقط من الشرط الربع. (الثاني): أنه لا يسقط منه ما دام الباقي من الحاصل بمقداره، فإذا تلف الحاصل كله سقط الشرط حينئذ، فيكون من قبيل الكلي في المعين، والاول أقوى في نظره الشريف من الثاني، ولكن الاحتمالين خلاف عموم صحة الشرط وإطلاقها الشامل لصورتي تلف الحاصل أو بعضه وعدمه، فلا يسقط من الشرط شئ وان تلف جميع الحاصل، نظير الدين في الذمة. ولا مجال لقياس المقام على صورة استثناء البائع للثمرة بعض الحاصل الذي ذكر الاصحاب أنه يسقط من المستثنى بالنسبة، لان الاستثناء يقتضي وحدة السنخية بين المستثنى والمستثنى منه، ولما كان المستثنى منه خارجيا كان المستثنى أيضا خارجيا، فيكون جزءا مشاعا لا كليا في المعين ولا في الذمة، وفي المقام لا وحدة جنسية بين الحاصل وبين الشرط، كي يبنى على وحدة السنخية ليترتب ما ذكر. فلاحظ ما ذكرناه في تلك المسألة في باب (بيع صاع من صبرة) من كتابنا نهج الفقاهة.

[ 72 ]

[ بل الاقوى صحة استثناء مقدار معين من الحاصل لاحدهما (1) مع العلم ببقاء مقدار آخر ليكون مشاعا بينهما، فلا يعتبر إشاعة جميع الحاصل بينهما على الاقوى. كما يجوز استثناء ] (1) قال في المختلف: " منع بعض أصحابنا أن يشترط أحدهما شيئا من الحاصل والباقي يكون بينهما. والوجه عندي الجواز. وقد نص الشيخ وجماعة - كابن البراج وابن ادريس وغيرهما - على جواز اشتراط إخراج البذر أولا "، وفي التحرير: " لو شرط أحدهما قفيزا معلوما من الحاصل وما زاد بينهما ففي البطلان نظر "، وظاهره أن الصحة أقرب، وعن الكفاية: أنه غير بعيد. لكن في القواعد الحكم بالبطلان على إشكال، وهو المحكي عن كثير من كتب الاصحاب، وهو المشهور، كما في المسالك. وفي الشرائع: " لو شرط أحدهما قدرا من الحاصل وما زاد على بينهما لم يصح، لجواز أن لا تحصل الزيادة "، ولا يخفى ضعف التعليل، فان الاحتمال المذكور لا يبطل المزارعة في صورة عدم الشرط، فكيف صار يبطلها مع فرضه. مضافا إلى أنه قد يحصل العلم بالزيادة، فلا وجه للمنع مطلقا. نعم لابد من حصول الزيادة في الواقع، لا أن العلم به شرط في الصحة. وفي جامع المقاصد: الاستدلال بأصالة عدم المشروعية فيما لم يثبت مشروعيته، لان العقود بالتلقي، وفي المسالك: الاستدلال بأن ذلك مناف لوضع المزارعة، وكون العقد على خلاف الاصل، حيث أن العوض فيه مجهول، فيقتصر فيه على موضع النقل. انتهى. وفيه: أنه لا دليل على قدح الجهالة كلية. كما أنه لم يثبت منافاته لوضع المزارعة. وأما أصالة عدم المشروعية فهي خلاف إطلاق دليل صحة المزارعة، فضلا عن صحة العقود. نعم لابد من إثبات كونها مزارعة عرفا، أما مع الشك في ذلك فالاصل عدم ترتب

[ 73 ]

[ مقدار البذر لمن كان منه (1)، أو استثناء مقدار خراج السلطان، أو ما يصرف في تعمير الارض، ثم القسمة. وهل ] أحكام المزارعة، وإن قيل بصحتها من حيث كونها عقدا. ثم إن ظاهر النصوص المتقدمة أن قوام المزارعة المعاملة على الارض بالصحة المشاعة، وهو في المقام حاصل، غايه الامر أنه اشترط فيه شرط ودليل صحة الشروط يقتضي صحته، كما في المسألة السابقة، ولا فرق بين أن يكون الشرط متعلقا بالحاصل كما هنا، أو متعلقا بخارج الحاصل كما في المسألة السابقة، فالتفصيل بينهما - كما عن الاكثر - بلا فاصل. ودعوى: كون الشرط المتعلق بالحاصل منافيا لوضع المزارعة، فيكون منافيا لمقتضى العقد، فيكون باطلا. ممنوعة. لما عرفت. ويمكن الاستدلال على الصحة برواية سهل بن اليسع المتقدمة، إذ تقدم أن موردها ما نحن فيه دون ما تقدم. (1) الظاهر أنه لا إشكال في صحة اشتراط ذلك واستثنائة، والنصوص تدل عليه، ففي خبر ابراهيم الكرخي قال: " قلت لابي عبد الله (ع): أشارك العلج (المشرك. خ ل) فيكون من عندي الارض والبقر والبذر ويكون على العلج القيام والسقي (السعي. خ ل) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيرا، وتكون القسمة فيأخذ السلطان حقه (مثله. خ ل) ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي. قال: لا بأس بذلك. قلت: فلي عليه أن يرد علي مما أخرجت الارض البذر ويقسم ما بقي؟ قال: إنما شاركته على أن البذر من عندك و عليه السقي والقيام (القيام والسعي. خ ل) " (* 1). وظاهر التعليل في الاخير جواز اشتراط أخذ البذر قبل القسمة. وصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل تكون له الارض من أرض الخراج فيدفعها إلى الرجل


(* 1) الوسائل باب: 10 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 74 ]

[ يكون قراره في هذه الصورة مشروطا بالسلامة كاستثناء الارطال في بيع الثمار (1) أولا؟ وجهان (2). ] على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها " وما كان من فضل فهو بينهما. قال: لا بأس " (* 1). وظاهره اشتراط الامور الثلاثة جميعها. (1) قد أشرنا في أوائل المسألة إلى أنه قد ذكر الفقهاء - قدس الله اسرارهم - أنه إذا باع الثمرة واستثنى مقدارا معينا فخاست الثمرة ينقص من المستثنى على حسب النسبة. قال في الشرائع: " يجوز أن يستثني ثمرة شجرات أو نخلات بعينها، وأن يستثني حصة مشاعة أو أرطالا معلومة. ولو خاست الثمرة سقط من الثنيا بحسابه ". وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه ". كما أنهم ذكروا في بيع الصاع من صبرة أنه إذا تلف بعض الصبرة لم ينقص من المبيع شئ. ولاجل ذلك استشكل في وجه الفرق بين المسألتين جماعة، والاقرب في وجه الفرق: أن المبيع في بيع صاع من صبرة الكلي الذي لا ينقص بنقصان الصبرة، والمستثنى في بيع الثمرة المقدار المشاع لا الكلي، لان حمله على الكلي يوجب عدم السنخية بين المستثنى والمستثنى منه، وإذا حمل على المقدار المشاع لابد أن يرد عليه النقص الوارد على الكل، بخلاف بيع الصاع، فان الظاهر من المبيع الكلي، ولا مقتضى لحمله على المشاع، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. (2) الظاهر اختلاف الحكم باختلاف التعبير، فان كان بنحو الاستثناء - كما عبر به في المتن - حمل على الاشاعة - كما ذكرنا - وإن كان على نحو آخر حمل على الكلي في المعين أو في الذمة على اختلاف العبارات " والمصنف (ره) عبر بالاستثناء، وغيره بالشرط، والشرط قد يكون بنحو الاشاعة، وقد يكون بنحو الكلي في المعين، وقد يكون بنحو الكلي في الذمة، وقد


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب كتاب المزارعة ولمساقاة حديث: 2.

[ 75 ]

[ (مسألة 6): إذا شرط مدة معينة يبلغ الحاصل فيها غالبا فمضت والزرع باق لم يبلغ فالظاهر أن للمالك الامر بازالته (1) بلا أرش (2) أو إبقائه ومطالبة الاجرة إن رضي العامل باعطائها ولا يجب عليه الابقاء بلا أجرة، كما لا يجب عليه الارش مع إرادة الازالة، لعدم حق للزارع بعد المدة والناس مسلطون على أموالهم (3). ولا فرق بين أن يكون ] عرفت حكم كل منها. فان كان التعبير من المصنف بالاستثناء يريد به معناه فاللازم الفتوى بسراية النقص، ولا وجه للتردد، وإن كان يريد به الشرط - كما ذكر الفقهاء - فالحكم يختلف باختلاف التعبير. (1) قال في الشرائع: " ولو مضت المدة والزرع باق كان للمالك إزالته على الاشبه، سواء كان بسبب الزارع - كالتفريط - أو من قبل الله سبحانه، كتأخر المياه، أو تغير الاهوية "، ونحوه ما في المسالك، وما عن التحرير والارشاد والروض ومجمع البرهان والكفاية وغيرها مما هو كثير. (2) للاصل. (3) هذا الاستدلال ذكره في المسالك. وفيه: أن قاعدة السلطنة معارضة بقاعدة الضرر، لان إزالة الزرع ضرر على الزارع، وقاعدة الضرر مقدمة على قاعدة السلطنة، نعم إذا اتفق أن منع المالك عن التصرف في أرضه ضرر عليه - لما فيه من تفويت المنفعة الخاصة - تعارضت قاعدة الضرر في الطرفين، فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة. وعليه يتعين التفصيل بين صورة ما إذا كان حبس المالك عن التصرف في أرضة ضررا وبين غيرها، فتجوز الازالة في الاولى، ولا تجوز في الثانية. فإذا جازت الازالة في الاولى فأزاله الزارع فلا موجب لاستحقاق الارش على مالك

[ 76 ]

[ ذلك بتفريط الزارع (1) أو من قبل الله، كتأخير المياه أو تغير الهواء. وقيل بتخييره بين القلع مع الارش والبقاء مع الاجرة (2). وفيه: ما عرفت (3)، خصوصا إذا كان ] الارض، للاصل - كما سبق - ولا مجال لاحتمال أن قاعدة الضرر تقتضي ذلك، أولا لما عرفت من سقوطها، وثانيا لانها نافية فلا تصلح للاثبات وكذا إذا امتنع الزارع من الازالة فازاله المالك. واحتمال الضمان - لان النقص جاء بفعله - ضعيف، لان الزرع لما لم يكن مستحق البقاء لم تكن في إزالة المالك له نوع من التعدي، كي يوجب الضمان. وإذا لم تجز الازالة في الثانية فبقي الزرع إستحق المالك أجرة الارض، وقاعدة الضرر الموجبة لجواز الابقاء لا تقتضي الابقاء مجانا، فاستيفاء منفعته الارض تقتضي ضمانها. (1) يمكن أن يقال بعدم جريان قاعدة الضرر في هذه الصورة، لان تفريطه يوجب نسبة الضرر إليه. لا إلى الحكم الشرعي. كي يرتفع بقاعدة الضرر. ولكنه كما ترى، إذ الضرر يحصل بالازالة التي سوغها الشارع. نعم قد يقال: إن تفريطه إقدام على الضرر، فلا تشمله القاعدة لاختصاصها بغير المقدم. وهو أيضا مشكل إذ قد يكون تفريطه برجاء بلوغ الزرع مع التفريط، أو رضا المالك بابقائه، أو نحو ذلك من الوجوه التي لا يكون فيها الاقدام على الضرر. (2) القائل العلامة في القواعد قال: " ولو ذكر مدة يظن الادراك فيها فلم يحصل فالاقرب أن للمالك الازالة مع الارش أو التبقية بالاجرة. سواء كان بسبب الزارع، كالتفريط بالتأخير أو من قبل الله تعالى كتغيير الاهوية وتأخير المياه ". (3) من أنه لا دليل على الارش.

[ 77 ]

[ بتفريط الزارع (1). مع أنه لا وجه لالزامه العامل بالاجرة بلا رضاه (2). نعم لو شرط الزارع على المالك إبقاءه إلى ] (1) ولذلك فصل جماعة بين صورة التفريط من الزارع فتجوز الازالة بلا أرش، وبين غيرها فلا تجوز الازالة. (2) كما ذكره في جامع المقاصد، وتبعه عليه غيره، فان ذلك خلاف قاعدة السلطنة على النفس المانعة من إلزام الزارع بالاجرة. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن قلع الزرع عند انتهاء المدة إذا لم كن موجبا للضرر فيه جاز للمالك الامر بالزالته، عملا بقاعدة السلطنة من دون معارض. (الثاني): أنه إذا كان قلع الزرع موجبا للضرر فيه كان مقتضى قاعدة نفي الضرر - المقدمة على قاعدة السلطنة - عدم جواز قلعه، ويتعين دفع الاجرة للمالك في مقابل المنفعة المستوفاة من بقاء الزرع، فان استيفاء المنفعة موجب للضمان. (الثالث): إذا كان قلع الزرع ضررا عليه وإبقاؤها في الارض ضررا عليها، كان مقتضى تعارض الضررين سقوط القاعدة فيهما والرجوع إلى قاعدة السلطنة ولا يقدم أقول الضررين، لان المقام من تعارض التطبيقين ونسبة الدليل اليهما نسبة واحدة من دون ترجيح، وليس المقام من التزاحم، كي يقدم الاقوى على الاضعف. ثم إذا رجع إلى قاعدة السلطنة جاز للمالك الامر بالازالة من دون أرش عليه، إذ لا موجب له، وقاعدة الضرر غير جارية مع مع أنها لا تصلح للاثبات لانها نافية لا مثبتة، مع أنه لو ثبت الارش لم يكن ذلك لعدم الضرر، وإنما كان لتدارك الضرر، وليس من شأن القاعدة إثبات التدارك. (الرابع): أن التفريط بالتأخير لا يوجب نسبه الضرر إلى المفرط، ولا يقتضي الاقدام عليه، فقاعدة الضرر بحالها، كما في غير المفرط.

[ 78 ]

[ البلوغ - بلا أجرة، أو معها - إن مضت المدة قبله لا يبعد صحته (1) ووجوب الابقاء عليه. (مسألة 7): لو ترك الزارع الزرع بعد العقد وتسليم الارض إليه حتى انقضت المدة، ففي ضمانه أجرة المثل للارض - كما أنه يستقر عليه المسمى في الاجارة - أو عدم ضمانه أصلا غاية الامر كونه آثما بترك تحصيل الحاصل، أو التفصيل بين ما إذا تركه اختيارا فيضمن أو معذورا فلا، أو ضمانه ما يعادل الحصة المسماة من الثلث أو النصف أو غيرها بحسب التخمين في تلك السنة، أو ضمانه بمقدار تلك الحصة من منفعة الارض - من نصف أو ثلث - ومن قيمة عمل الزارع، أو الفرق بين ما إذا اطلع المالك على تركه للزرع فلم يفسخ المعاملة لتدارك ] (1) قال في الشرائع: " لو شرط في العقد تأخيره إن بقي بعد المدة المشروطة بطل العقد على القول باشتراط تقرير المدة ". وفي المسالك: " وجه البطلان على القول المذكور أن المدة تصير في الحقيقة هي المجموع من المذكور وما بعده إلى أن يدرك الزرع، وهي مجهولة، فيبطل العقد للاخلال بالشرط. وعلى تقدير عدم جهالة الجملة فالمدة المشروطة مجهولة وشرطها في ضمن العقد من جملة العوض، فإذا تضمن جهالة بطل العقد... (إلى أن قال): ويحتمل على هذا القول صحة الشرط المذكور، لان المدة مضبوطة، وما تضمنه الشرط بمنزلة التابع، ذكر إحتياطا لاجل الحاجة وجهالة التابع غير مضرة ". لكن في الجواهر: " فيه ما لا يخفى " وكأنه لعدم الفرق في قدح الجهالة بين التابع والمتبوع. وفيه: أن عموم دليل المنع للامرين غير ظاهر، إذ بناء على اعتبار تعيين المدة فالدليل عليه

[ 79 ]

[ استيفاء منفعة أرضه فلا يضمن، وبين صورة عدم اطلاعه إلى أن فات وقت الزرع فيضمن، وجوه، وبعضها أقوال، فظاهر بل صريح جماعة الاول (1)، ] الاجماع، وهو غير شامل للتابع. ثم إنه قال في الجواهر. " قد يقال بالبطلان حتى مع تعيين المدة المشروطة، للتعليق، وللجهالة ولو لاعتبار الترديد بين المدتين ". وهو كما ترى، إذ لا دليل على البطلان في التعليق في التابع أيضا، إذ العمدة في دليله الاجماع، وهو غير شامل للتابع. ومن ذلك ظهر أن ما في القواعد من قوله: " ولو شرط في العقد تأخيره عن المدة إن بقي بعدها فالاقرب البطلان " أولى بالضعف. (1) قال في الشرائع: ولو ترك المزارعة حتى انقضت المدة لزمه أجرة المثل. ولو كان استأجرها لزمته الاجرة "، ونحوه ما في القواعد وعن التذكرة والتحرير والارشاد والروض والمفاتيح ومجمع البرهان، وعن الاخير: أنه ظاهر وهو المنسوب إلى ظاهر الاصحاب في كلام غير واحد. وعلله في المسالك: بأن منفعة الارض صارت مستحقة له بحيث لا يتمكن المالك من استيفائها، وقد فوتها، فيلزم الاجرة ". وفيه: أنه لا يظهر وجه الملازمة بنى تفويته ما يستحق وبين ضمان الاجرة للمالك. وكان الاولى تعليله: بأن منفعة الارض صارت مستحقة له بعوض لم يسلم لتعذره، فينتقل إلى أجرة المثل. وإن كان يشكل أيضا: بأن تعذر العوض موجب للبطلان فاستحقاق أجرة المثل يحتاج إلى دليل. إلا أن يقال: يكفي في الضمان عموم قاعدة: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، ولما كانت منفعة الارض مضمونة في المزارعة الصحيحة بالحصة فهي مضمونة في المزارعة الفاسدة بالاجرة. كذا استدل. وفيه تأمل

[ 80 ]

[ بل قال بعضهم (1): يضمن النقص الحاصل بسبب ترك الزرع إذا حصل نقص، واستظهر بعضهم الثاني (2)، وربما يستقرب الثالث (3)، ] (1) القائل الشهيد الثاني في المسالك، قال: " وحيث يلزم ضمان الاجرة يلزم أرشها لو نقصت بترك الزرع، كما يتفق في بعض الارضين، لاستناد النقص إلى تفريطه ". وهو في محله، لانه بحكم الامين، وهو يضمن النقص بالتفريط. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في الجواهر من أن ضمان النقص من أحكام يد الضمان التي ليست هذه اليد منها. (2) يريد به صاحب الجواهر (قده) حيث ذكر، في الاشكال على الضمان أن الرجوع إلى أجرة المثل مما لا يرجع إلى قاعدة، ضرورة عدم العدوان في يده حتى يندرج في عموم: " على اليد... " وعدم صدق إتلاف مال الغير، لان عقد المزارعة جعله بحكم ماله. نعم يجب عليه الاستنماء وتسليم الحصة، وذلك إنما يترتب عليه الاثم لا الضمان. وقاعدة " لا ضرر ولا ضرار... " لا يستفاد منها الضمان، ولكن ترفع اللزوم، وحينئذ يتسلط على الخيار. لم ينسب ذلك لاحد قولا أو احتمالا. (3) هو ظاهر الشهيد الثاني في المسالك، قال: " وهل يفرق فيهما (يعني: في ضمان أجرة المثل وضمان النقص) بين ما إذ ترك العامل الانتفاع اختيارا وغيره؟ ظاهرهم عدمه. ولا يبعد الفرق، لعدم التقصير في الثاني، خصوصا في الارش ومقتضي العقد لزوم الحصة خاصة، ولم يحصل منه تقصير يوجب الانتقال إلى ما لا يقتضيه العقد " وقد يظهر منه أن القول المذكور يختص به. وفيه: أن التقصير والقصور إنما يختلفان في الاثم وعدمه واستحقاق العقاب وعدمه، لا في الضمان وعدمه، فان الضمان بعموم: " على اليد... " أو عموم: من أتلف، لا يفرق فيه بين القصور

[ 81 ]

[ ويمكن القول بالرابع (1)، والاوجه الخامس (2)، ] والتقصير. وكذا في ضمان المعاوضات، فان ضمان كل من العوضين عند الفسخ لا يفرق فيه بين القصور والتقصير. وكذا الضمان بالتفريط في الامانات لا يفرق فيه بين الامرين، فالتفصيل بين القصور والتقصير في الضمان وعدمه ضعيف جدا. (1) لان الحصة المسماة في العقد مستحقة للمالك بمقتضي القعد، وقد فوتها عليه العامل، فيضمنها له، ولما لم يمكن ضبطها على وجه التحقيق انتقل إلى وجه التقريب والتخمين. وفيه: أن الحصة المستحقة إنما هي من الحاصل، والمفروض عدمه، فيبطل العقد، لانتفاء موضوعه، فيبطل أثره وهو الاستحقاق، وليست هي في الذمة حتى تكون مضمونة. (2) لان الحاصل لما كان نتيجة منفعة الارض وعمل الزارع، فنصفه نتيجة نصفهما، وربعه نتيجة ربعهما، فإذا كان للمالك حصة من الحاصل فهو نتيجة ما يملكه من حصة منفعة الارض وعمل الزارع، فلما فوتهما الزارع على المالك كان ضامنا لهما، لا لاجرة المثل، ولا للحصة من الزرع. وفيه: أن الذي تضمنه عقد المزارعة هو ملك مالك الارض نفس الحصة من الزرع فقط في مقابل تمام منفعة الارض، أو في مقابل بذل الارض، وأما عمل الزارع فليس موضوعا لعقد المزارعة، إذ لا يستفاد من قولهم في شرح مفهوم المزارعة أنها المعاملة على الارض بحصة من حاصلها إلا ذلك، فلا يملك مالك الارض إلا الحصة الخاصة من الحاصل، ولما تعذرت بطلت المزارعة وصارت كأن لم تكن، وقد فاتت منفعة الارض بيد العامل، فيكون ضامنا لها - على ما ذكره المشهور - أولا - كما ذكر في الجواهر - على ما سبق ويأتي. وكان الاقرب من هذا الوجه أن يقال: إن المزارعة مأخوذة من

[ 82 ]

[ وأضعفها السادس (1). ثم هذا كله إذا لم يكن الترك بسبب ] الزرع، فهي معاملة على الارض على أن تزرع، فيكون عوض بذل الارض عمل الزارع، وأما الحصة من الحاصل فهي من قبيل الشرط في المزارعة، فيكون صاحب الارض مالكا على العامل العمل، وهو الزرع فإذا لم يزرع يكون ضامنا لقيمة العمل المملوك عليه. وهذا الوجه أقرب عرفا من الوجه الخامس، ويكون وجها سابعا. لكن يشكل: بأن الاعمال المملوكة لا تكون مضمونة إذا فاتت، ولذا ذكر المشهور أن الاجير إذا لم يعل ما استؤجر عليه لم يستحق الاجرة، ولم يذكروا أنه يستحق الاجرة ويستحق عليه المستأجر قيمة العمل. وكذا إذا شرط العمل في عقد لازم ففات الشرط، ولم يكن للمشروط له - عند المشهور - مطالبة المشروط عليه بقيمة العمل، وإنما يكون للمشروط له الفسخ لا غير، فالاعمال إذا كانت في الذمة لا تكون مضمونة بقيمتها عند التعذر والفوات، وإنما يستلزم ذلك الفوات إما بطلان العقد أو الخيار. وهذا الاشكال كما يجري على هذا الوجه يجري على الوجه الخامس، فانه لا يصح تضمين حصة من العمل بالقيمة. وسيأتي في المسألة الحادية عشرة من كتاب المساقاة ماله نفع في المقام. (1) لان مجرد ترك الفسخ عند اطلاع المالك على تمرد العامل عن العمل لا يوجب نسبة تفويت المنفعة إليه، بل هل منسوب إلى العامل لا غير. مع أنه قد لا يتمكن المالك من تدارك المنفعة بالفسخ، لعدم وجود عامل آخر، أو لوجود مانع من استعماله ومزارعته، أو لغير ذلك. فهذه الوجوه الاربعة الاخيرة كلها ضعيفة، ويبقى الوجهان الاولان أولهما - المنسوب إلى ظاهر الاصحاب - أقواهما، إذ المزارعة إما أن تكون عبارة عن بذلك الارض في مقابل العمل أو بذل الارض في مقابل الحصة

[ 83 ]

من الزرع، كما قد يظهر من الاصحاب، وكيف كانت فهي معاوضة، فإذا بطلت لعدم العمل أو لعدم الحصة كان موضوعها مضمونا بضمان المعاوضة، وهو نوع آخر من الضمان، لا يكون باليد ولا بالاتلاف. فان المبيع مضمون على المشتري إذا قبضه فتلف ففسخ البيع، وكذلك الثمن مضمون على البائع إذا قبضه فتلف ففسخ البيع، وكذلك الحكم في سائر المعاوضات إذا وقع القبص، فان القبض موجب للضمان عند بطلان المعاوضة وإن كان قبضا لماله لا لمال غيره، ومنها المقام، فان الارض إذا قبضها العامل من المالك ليزرعها فلم يفعل، مضمونة على العامل بعد انفساخ المزارعة بتعذر العمل أو بتعذر الحصة. ونظير المقام: أن يدفع مالك الشبكة شبكته إلى الصياد ليصطاد بها ويكون الحاصل بينهما، فيأخذها الصياد ولا يستعملها في الصيد، فانه أيضا يكون ضامنا لمنفعة الشبكة. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما سبق نقله عن الجواهر من أن الرجوع إلى أجرة المثل مما لا يرجع إلى قاعدة، لعدم العدوان في يده حتى يندرج في عموم: " على اليد... "، وعدم صدق إتلاف مال الغير، لانه بحكم ماله. إذ لا ينحصر الضمان بالسببين المذكورين، بل يكون بسبب غيرهما كما في الضمان في المعاوضات التي تكون اليد فيها على مال نفسه والاتلاف لمال نفسه، ومع ذلك يكون مضمونا عند الفسخ. كما قد يرد الاشكال على التمسك على الضمان بقاعدة: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، لكون الظاهر اختصاصها بالفاسد من أول الامر فلا تشمل ما طرأ عليه الفساد كما نحن فيه. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن المزارعة معاوضة قائمة بذل الارض في مقابل العمل أو في مقابل الحصة. (الثاني):

[ 84 ]

[ عذر عام، وإلا فيكشف عن بطلان المعاملة (1). ولو انعكس المطلب، بأن امتنع المالك من تسليم الارض بعد العقد فللعامل الفسخ (2)، ومع عدمه ففي ضمان المالك ما يعادل حصته من منفعة الارض (3)، أو ما يعادل حصته من الحاصل بحسب ] أن تعذر العمل يوجب بطلان المزارعة، لفوات العوض. كما أن تعذر العمل في الاجارة يوجب بطلان الاجارة. (الثالث): أن الضمان لا ينحصر باليد والاتلاف، بل يكون بغيرهما، كالمعاوضة. (الرابع): أن العمل لا يكون مضونا بمثله أو قيمته، والضمان يختص بالمنافع والاعيان. (الخامس): أنه لا فرق في أسباب الضمان بين الاختيار واللاختيار. (السادس): إختصاص قاعدة: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، بالفاسد من أول الامر. (1) لفوات شرط إمكان الانتفاع بالارض الذي تقدم أنه من شرائط الصحة. ثم إن المصنف لم يتعرض للضمان في هذه الصورة، ولعله لوضوح عدم الضمان، لعدم منفعة الارض لتكون مضمونة. لكن يختص ذلك بما إذا لم يمكن الانتفاع بالارض من وجه آخر غير الزراعة، أما إذا كان يمكن الانتفاع بها في غير الزراعة فاللازم البناء على الضمان، كما في المقبوض بالاجارة الفاسدة. اللهم إلا أن يكون إقدام مالك الارض على إهمال تلك المنافع مانعا عن ضمانها. (2) لان التسليم وإن لم يكن قوام المزراعة، إذ هي قائمة بين بذل الارض، وعمل الزارع والحصة، والتسليم أمر آخر، لكن مبنى المزارعة عليه، فهو شرط إرتكازي زائد على مفهومها. فمع تخلفه يكون الخيار في الفسخ. (3) فيه: أن الزارع لم يملك شيئا من منفعة الارض، لعدم اقتضاء

[ 85 ]

[ التخمين (1)، أو التفصيل بين صورة العذر وعدمه (2)، أو عدم الضمان حتى لو قلنا به في الفرض الاول، بدعوى الفرق بينهما (3)، وجوه. ] عقد المزارعة ذلك، وإنما يملك بذلك الارض للزراعة. (1) وفيه: أن ضمان الحصة من الحاصل موقوف على ملكها، وملكها موقوف على وجود الحاصل، والمفروض إنتفاؤه، كما سبق نظيره. (2) قد عرفت أن العذر وعدمه لا فرق بينهما في الضمان وعدمه، وإنما الفرق بينهما في الاثم وعدمه. ولم يتعرض المصنف رحمه الله لكيفية الضمان بناء على التفصيل المذكور، وأن الضمان على النحو الاول أو الثاني أو نحو آخر، والمظنون أن الضمان حينئذ لاجرة مثل العمل. (3) قال في الجواهر هنا في ذيل المسألة السابقة: " بل عدم الضمان فيه (يعني: في مقامنا) أولى، لعدم صيرورة منفعة الارض ملكا له بعقد المزارعة، حتى تكون يد المالك عليها عادية يترتب عليها الضمان ". يعني: أنه يمكن في المسألة السابقة أن تقول: بأن عمل الزارع مملوك لمالك الارض فتفويته على المالك يوجب ضمانه، وفي هذه المسألة لا يمكن القول بأن منفعة الارض مملوكة للزارع، حتى تكون مضمونة على المالك باليد العادية. هذا وقد عرفت أن الضمان في المسألة السابقة لم يكن من جهة أن عمل الزارع مملوك للمالك وقد فوته، لما عرفت من أن الاعمال لا تكون مضمونة، وإنما كان الضمان ضمان المعاوضة وفي المسألتين على نهج واحد، فان بذل الزارع نفسه للعمل جريا على مقتضى العقد بمنزلة استيفاء عمله، فيكون مضمونا على المبذول له، نظير ما لو استأجره على عمل بأجرة، فبذل العامل نفسه للعمل، فلم يستوفه المالك، ثم طرأ الفسخ، فان عمل الاجير مضمون على المستأجر، كالاجارة الصحيحة. فالاقوى في المقام أن يكون

[ 86 ]

[ (مسألة 8): إذا غصب الارض بعد عقد المزارعة غاصب ولم يمكن الاسترداد منه، فان كان ذلك قبل تسليم الارض إلى العامل تخير بين الفسخ وعدمه (1)، وإن كان بعده لم يكن له الفسخ، وهل يضمن الغاصب تمام منفعة الارض ] المالك ضامنا لعمل الزارع بأجرة المثل، كما سبق، نعم بناء على ما اختاره المصنف (ره) من كون الضمان في المسألة السابقة من جهة أن المالك يملك حصة من منفعة الارض وحصة من عمل العامل، وقد فوتها العامل على المالك، فالوجه المذكور غير آت هنا، لان العامل لا يملك حصة من منفعة نفسه، فلا يضمنها له المالك. ولذا ذكروا أن منافع الحر لا تضمن. نعم يملك حصة من منفعة الارض، وقد فوتها عليه المالك، فيضمنها، فيختص الضمان بحصة من منفعة الارض، ولا يكون بحصة، من منفعة العامل، فالفرق بين المسألتين يكون في عموم الضمان وخصوصه. ولا وجه للتوقف من المصنف في أصل الضمان. والذي يتحصل أنه بناء على الضمان بنحو الوجه السابع - الذي ذكرناه سابقا - فالفرق بين المسألتين بالضمان وعدمه في محله، و بناء على الضمان على الوجه الخامس فالفرق يكون بعموم الضمان وخصوصه، وبناء على الضمان بالمعاوضة فلا فرق بين المسألتين في ثبوت الضمان. (1) لما سبق من أن مبنى المزارعة على تسليم الارض، فهو شرط زائد على قوامها، فإذا فات كان للمشروط له الخيار، فان فسخ كان أجنبيا عن المعاملة، ولم تجر له الاحكام الآتية، وأن لم يفسخ كان محكوما بالاحكام الآتية. لكن بناء على ما هو التحقيق من أنه لا ضمان بالنسبة إلى العامل - كما يأتي - لا فرق بين الفسخ وعدمه، وحينئذ يبطل أثر العقد قهرا، فيكون انفساخا للعقد.

[ 87 ]

[ في تلك المدة للمالك فقط (1)، أو يضمن له بمقدار حصته - من النصف أو الثلث - من منفعة الارض ويضمن له أيضا مقدار قيمة حصته من عمل العامل، حيث فوته عليه (2)، ويضمن للعامل أيضا مقدار حصته من منفعة الارض (3)؟ وجهان (4). ويحتمل ضمانه لكل منهما ما يعادل حصته من الحاصل بحسب التخمين (5). (مسألة 9): إذا عين المالك نوعا من الزرع - من حنطة أو شعير أو غيرهما - تعين ولم يجز للزارع التعدي ] (1) لان منفعة الارض باقية عى ملك المالك، وقد فاتت في يد الغاصب العادية، فتكون مضمونة للمالك. (ودعوى): أن منفعة الارض صارت مملوكة للعامل، كما أن منفعة العامل صارت مملوكة لصاحب الارض (ممنوعة) والقدر الثابت لزوم بذل الارض للعامل، لا تمليكه منفعة الارض - كما سبق وسيأتي في المسألة الخامسة عشرة - فالعامل له أن ينتفع بالارض، لا أنه يملك منفعة الارض، لا تماما ولا بمقدار الحصة المعينة له. (2) لا دليل على الضمان بهذا التفويت، فان من حبس انسانا فقد فوت عليه الانتفاع بداره و بدابته وبالآلات التي يستعملها. والحابس لا يضمن شيئا من هذه المنافع التي فوتها عليه، لا شرعا ولا عرفا. (3) لم يضف إليها حصته من منفعة نفسه، لان منافع الحر لا تضمن لانها غير مملوكة له. (4) أقواهما الاول، كما عرفت. و كان المناسب لاختيار المصنف (ره) القول الخامس في المسألة السابقة إختيارة الوجه الثاني هنا، ولا وجه للتوقف (5) قد عرفت إشكاله في المسألة السابقة.

[ 88 ]

[ عنه (1)، ولو تعدى إلى غيره ذهب بعضهم (2) إلى أنه إن كان ما زرع إضر مما عينه المالك كان المالك مخيرا بين الفسخ وأخذ أجرة المثل للارض، والامضاء وأخذ الحصة من المزروع مع أرش النقص الحاصل من الاضر، وإن كان أقل ضررا لزم وأخذ الحصة منه. وقال بعضهم (3): يتعين أخذ أجرة المثل للارض مطلقا، لان ما زرع غير ما وقع عليه العقد، فلا يجوز أخذ الحصة منه مطلقا (4). والاقوى أنه إن علم ] (1) قطعا، كما في الجواهر، وفي الرياض: أنه لا خلاف فيه، وعن الغنية: أنه إجماع. ويقتضيه عموم الوفاء بالعقد والشرط. (2) قال في الشرائع: " ولو زرع ما هو أضر والحال هذه كان للمالك أجرة المثل إن شاء أو المسمى مع الارش، وان كان أقل ضررا جاز " ونحوه عن التذكرة والتحرير واللمعة. وفي القواعد: " فان زرع الاضر فللمالك الخيار بين المسمى والارض وبين أجرة المثل، ولو زرع الاخف تخير المالك بين الحصة مجانا وأجرة المثل " فلم يفرق بين الاضر والاخف في الخيار بين المسمى وأجرة المثل، وفي مفتاح الكرامة: أنه من منفردات القواعد. وكأنه لذلك لم يتعرض له المصنف، كما أنه في الشرائع والقواعد وغيرهما لم يتعرض لحكم المساوي ضررا، وكان اللازم التعرض له كغيره. اللهم إلا أن يكون ذكر الارش في الاضر بالخصوص يقتضي الحاق المساوي بالاخف. (3) يشير إلى ما في جامع المقاصد والمسالك، وعن الروضة ومجمع البرهان، حيث حكموا بأجرة المثل في جميع صور التعدي. (4) هذا مذكور في المسالك. وأما المذكور في جامع المقاصد فهو

[ 89 ]

[ أن المقصود مطلق الزرع وان الغرض من التعيين ملاحظة مصلحة الارض (1) وترك ما يوجب ضررا فيها يمكن أن يقال إن الامر كما ذكر من التخيير بين الامرين في صورة كون المزروع أضر وتعين الشركة في صورة كونه أقل ضررا. لكن التحقيق مع ذلك خلافه. وإن كان التعيين لغرض متعلق بالنوع الخاص لا لاجل قلة الضرر وكثرته، فاما أن يكون التعيين على وجه التقييد والعنوانية (2)، أو يكون على وجه تعدد المطلوب ] التعليل بأن المزروع غير معقود عليه. والحصة المسماة إنما هي من غيره، فكيف تجب الحصة منه؟... إلى أن قال: " فالاصح حينئذ وجوب أجرة المثل ". وظاهره أن المانع ليس مجرد المخالفة، وإنما المانع أن الحصة المجعولة للمالك إنما هي مما عينه، وهي متعذرة فيتعين الرجوع إلى أجرة المثل. (1) هذا ذكره في جامع المقاصد، وأشكل عليه. والاولى في الاشكال عليه أن يقال: إن تعيين زرع بعينه إن كان دخيلا في المزارعة كان قيدا، وتركه يوجب البطلان، لفوات المقيد بفوات قيده، وإن كان أجنبيا عن المعاملة فلا يوجب الخيار. فالجمع بين المسمى والخيار غير ممكن. إلا أن يكون التقييد بنحو تعدد المطلوب، وسيأتي. ولعله إلى ذلك أشار المصنف (ره) بقولة: " لكن التحقيق... ". لكن لا يتناسب قوله هذا مع قوله سابقا، " والاقوى أنه إن علم... "، فانه كيف يكون أقوى مع أنه خلاف التحقيق؟. (2) المقابلة بين الامرين غير ظاهرة، وقد سبقه إلى ذلك في الجواهر فجعل القيود علا قسمين: منوع وشرط، والاول فواته يوجب البطلان، والثاني فواته يوجب الخيار، والمقام من الثاني، لان حقيقة المزراعة ليست إلا زرع الارض بحصة من حاصلها كائنا ما كان الحاصل، وإنما يذكر

[ 90 ]

التعيين من الشرط، لا أنه منوع للمزارعة... وهو كما ترى، فان الخصوصيات المقومة للمزارعة التي هي داخلة في قوامها. من زارع ومزروع ومكان الزرع وزمانه - لابد أن تكون قيودا لموضوع المزارعة، ويمتنع أن تكون شروطا لها مجعولة بجعل مستقل، لانها عينية غير قابلة للجعل المختص بالامور الاعتبارية اللهم إلا أن يكون المراد من الشرط ما يرادف القيد لا ما يقابله، كما يستعمل بهذا المعنى في مقابل الجزء، فيقال أجزاء الصلاة وشرائطها، وحينئذ يكون وجه المقابلة بين القسمين أن المنوع هو القيد على نحو وحدة المطلوب والثاني هو القيد على نحو تعدد المطلوب. لكن القسم الثاني مجرد فرض لا خارجية له. ولذا كان بناء الفقهاء (رض) على وحدة المطلوب في باب الوكالة والعارية والوديعة والاجارة وغيرها من المفاهيم المقيدة. فلو وكل شخصا على شراء عبد فاشترى جارية لم يحتمل أحد الصحة من باب تعدد المطلوب، وكذا إذا استأجره على أن يصلي عن زيد فصلى عن عمرو فانه لا مجال لاحتمال الصحة لتعدد المطلوب... وهكذا، فكذا في المقام. وهذه كقاعدة مطردة في جميع العقود الواردة على المفاهيم الذهنية، فانه لا مجال للقول بكونها بنحو تعدد المطلوب، سواء كان التعبير بقوله: وكلتك على شراء العبد، أم: وكلتك على شراء مملوك ولابد أن يكون عبدا، أو عليك أن تشريه عبدا، وكذا مثل: إستأجرتك أن تخيط هذا الثوب بخيط إبريسم، أو: وعليك أن تخيطه بخيط إبريسم، فان الجميع من باب التقييد بنحو وحدة المطلوب، فيختص تعدد المطلوب بالقيود للموضوعات الخارجية، مثل موارد خيار الاشتراط وخيار العيب وخيار الرؤية في البيع أو في الاجارة، ونحو ذلك. بل تقدم في بعض المباحث السابقة أن تعدد المطلوب في موارد الخيارات ليس على نحو الحقيقة، بأن يكون هناك غرضان أحدهما قائم بالمقيد والآخر قائم بالمطلق، بل المراد منه تعدد المطلوب حكما فتجري

[ 91 ]

[ والشرطية، فعلى الاول إذا خالف ما عين فبالنسبة إليه يكون كما لو ترك الزرع أصلا (1) حتى انقضت المدة، فيجري فيه الوجوه الستة المتقدمة في تلك المسألة (2)، وأما بالنسبة إلى الزرع الموجود فان كان البذر من المالك فهو له، ويستحق العامل أجرة عمله، على إشكال في صورة عمله بالتعيين وتعمده الخلاف، لاقدامه حينئذ على هتك حرمة عمله (3). وإن ] عند العرف أحكام تعدد المطلوب وإن لم يكن إلا مطلوب واحد، كما يظهر من ملاحظة كثير من الموارد التي يكون فيها خيار الرؤية والاشتراط والعيب، وكذلك خيار تبعض الصفقة، فانه وإن لم يكن لاجل تخلف القيد، بل لاجل تخلف ما يشبه القيد، لكنهم ذكروا في تصحيحه أنه من باب تعدد المطلوب، ولم يريدوا أنه من ذلك الباب على الحقيقة ضرورة أنه قد لا يكون للمشتري أقل مطلوب في بعض الصفقة، وإنما المطلوب في مجموع الصفقة، فان من اشترى بابا وتبين أن أحد مصراعيه لغير البائع صح البيع في المصراع الآخر، وليس للمشتري أقل مطلوب فيه، وإنما مطلوبه في تمام المصراعين، فالمراد من تعدد المطلوب فيه الحكمي لا الحقيقي " فتجري أحكام التعدد حتى مع وحدة المطلوب على الحقيقة. (1) لانه ترك ما عينه له وزرع غير ما عينه المالك. (2) قد عرفت أن الصحيح هو الوجه الاول منها في تلك المسألة، وكذا هنا، وهو الذي اختاره الجماعة هناك وهنا. (3) كأنه يريد بهذا التعليل ما ذكره مكررا في الاجارة والمضاربة وغيرها من أن العامل إذا كان يعلم بعدم استحقاق الاجرة شرعا لا يستحق شيئا، لانه إقدام منه على هتك حرمة عمله، وقد تكرر دفع الاشكال المذكور بأن العلم بعدم الاستحقاق شرعا لا يقتضي الاقدام على المجانية وهتك

[ 92 ]

[ كان البذر للعامل كان الزرع له ويستحق المالك عليه أجرة الارض (1) مضافا إلى ما استحقه من بعض الوجوه المتقدمة (2) ولا يضر استلزامه الضمان للمالك من قبل أرضه مرتين على ] حرمة عمله. وكان الاولى له الاشكال بأن استحقاق الاجرة يتوقف على كون العمل بأمر المالك، أما إذا لم يكن بأمره فلا وجه للاستحقاق وإن كان جاهلا بالتعيين فخالف فضلا عما إذا كان عالما بالتعيين، لان العمل باعتقاد أمر إنسان لا يقتضي ضمان ذلك الانسان، فكذا في المقام، فان زرع حب صاحب الارض بغير إذن منه ولا دعوة منه لا يقتضي استحقاق الزارع أجرة عمله. نعم إذا كان بأمر من المالك - ولو بتوسط عقد باطل - كان موجبا للاستحقاق وإن كان عالما بالبطلان، على إشكال من المصنف في ذلك الذي قد تكرر ذكره غير مرة وذكر الجواب عنه كما عرفت. والمقام نظير ما إذا استأجره بدينار ليصلي عن زيد فصلى عن عمرو، فانه لا يستحق الاجرة المسماة ولا أجرة المثل. ثم إن مقتضى ما ذكرنا كونه ضامنا للبذر إذ تصرف فيه بغير إذن المالك، إلا إذا كان المالك قد أعده للزرع، فان زارعه يعد محسنا، فلا يكون ضامنا، إذ ما على المحسنين من سبيل. وحينئذ لا يكون ضامنا لاجرة الارض، لانه استوفى المنفعة لمصلحة المالك، فضمان البذر يلازم ضمان الارض. (1) لاستيفائه منافعها. (2) قد عرفت ضعف الوجوه المتقدمة عدا الاول منها، وهو وارد في المقام، لانه في المقام قد ترك زرع ما عينه المالك الذي هو موضوع المسألة السابقة.

[ 93 ]

[ ما بيناه في محله، لانه من جهتين (1) وقد ذكرنا نظير ذلك في الاجارة أيضا (2). ] (1) يعني من جهة بطلان المعاوضة بترك ما عينه المالك، فتكون العين مضمونة بضمان القبض بالمعاوضة المقتضي لضمان منافعها بأجرة المثل، ومن جهة أنه قد زرعها بما لم يأذن به المالك، فيكون قد استوفى منفعتها فتطن أيضا مضمونة. ومقتضى ذلك أن يكون الغاصب للارض إذا زرعها ضمن أيضا من وجهين: ضمان اليد العادية للعين بمنافعها، واستيفائه منفعتها، ولا يلتزم به أحد " بل هو خلاف ظاهر صحيح أبى ولاد (* 1) الوارد فيمن اكترى بغلا من الكوفة إلى قصر بنى هبيرة، فتجاوز فسافر إلى النيل ثم إلى بغداد ثم إلى الكوفة...، حيث حكم الامام (ع) بضمانه أجرة البغل من القصر إلى النيل ومن النيل إلى بغداد ومن بغداد إلى الكوفة، ولم يحكم بأجرة أخرى للبغل. وهو الذي تقتضيه الارتكازيات العرفية العقلائية. ولا مجال لمقايسة المقام بباب الاجارة. فان المستأجر إذا تعدى عما أذن له به المالك لا يكون ذلك مبطلا للاجارة، فاستحقاقه الاجرة بالعقد بحاله، فيمكن أن يقال بوجود سبب آخر الضمان وهو التصرف العدواني أما في المقام فعقد المزارعة باطل بترك العمل، فيكون الضمان باليد، ومع الضمان بها لا ضمان آخر باستيفاء المنفعة، كما ذكرنا ذلك في الغاصب الذي قيل إنه يؤخذ بأشق الاحوال، فحمل المقام على الاجارة في غير محله، نعم بناء على صحة المزارعة وضمان العامل قيمة الحصة بمقتضى العقد يمكن دعوى الضمان ثانيا بسبب العدوان، نظير الاجارة. (2) قد تقدم في الاجارة التعرض لتحقيق ذلك. ويمكن أن نقول


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب كتاب الاجارة حديث: 1.

[ 94 ]

هنا: بأن الاجرة في مثل إجارة الدابة للركوب وإجارة الدار للسكنى ليست في مقابل المنفعة الخارجية - أعني الركوب والسكنى - ضرورة إستحقاق المالك لاجرة وإن لم يتحقق الركوب والسكنى، بل هي في مقابل معنى قائم في الدابة والدار حصل الركوب والسكنى أم لم يحصلا. وحينئذ فاشتراط الركوب في الدابة أو اشتراط عدم تحميلها حديدا، واشتراط السكنى في الدار أو اشتراط عدم إخلائها، يكون شرطا خارجا عن قوام الاجارة كسائر الشروط في العقود يكون ترك العمل به موجبا للخيار، لا أنه شرط مقوم للعقد أو شرط لما هو في قوام العقد فيكون قيدا من قيود العقد. وإلا لزم من فواته بطلان العقد، وهو خلاف المبنى، لما عرفت من أن ترك ركوب الدابة لا يوجب بطلان العقد، بل الاجرة مستحقة على المستأجر وإن لم يركب الدابة أو يسكن الدار. فلما كان الشرط المذكور - وجوديا كان، كما إذا اشترط سكنى الدار، أو عدميا، كما إذا اشترط أن لا يحمل الدابة حديدا - شرطا زائدا على مفاد العقد كان موجبا للخيار، فان فسخ المالك إستحق أجرة المثل، وإن أمضى العقد إستحق الاجرة المسماة، فلا وجه حينئذ لاستحقاق أجرة المثل والمسماة معا، كما اختاره المصنف (ره) وتفرد به. وكذلك الكلام فيما إذا استأجر أجيرا وشرط عليه أن يكتب فاشتغل بالخياطة، فانه أيضا يكون للمستأجر الخيار، فان أمضى العقد إستحق الاجير الاجرة المسماة وكان للمستأجر أجرة الخياطة، وإن فسخ العقد لم يستحق الاجير شيئا، بخلاف ما إذا استأجره للكتابة، فانه إذا ترك الكتابة بطل العقد، لان الكتابة الخارجية أخذت عوضا عن الاجرة، فإذا انتفت إنتفت الاجرة وبطل العقد. والمتحصل مما ذكرنا: أن قول المالك: آجرتك الدابة بشرط أن لا تحملها حديدا، لم تجعل فيه الاجرة في مقابل المنفعة الخارجية المضادة

[ 95 ]

[ وعلى الثاني (1) يكون المالك مخيرا بين أن يفسخ المعاملة لتخلف شرطه - فيأخذ أجرة المثل للارض، وحال الزرع الموجود حينئذ ما ذكرنا من كونه لمن له البذر (2) - وبين أن لا يفسخ ويأخذ حصته من الزرع الموجود باسقاط حق شرطه، وبين أن لا يفسخ ولكن لا يسقط حق شرطه أيضا (3) بل يغرم العامل على بعض الوجوه الستة المتقدمة. ويكون ] لتحميلها الحديد، بل جعلت الاجرة في مقابل المعنى القائم بالدابة، سواء حصل الركوب أو تحميل الحديد أم لم يحصلا فيكون شرط الركوب، أو عدم تحميل الحديد من قبيل الشرط الزائد على ما هو قوام العقد، فيكون ترك العمل به موجبا للخيار. (1) يعني: لوحظ التعيين على وجه الشرطية، (2) يعني: فإذا كان البذر للمالك كان الحاصل له. ولكن يستحق عليه العامل أجرة العمل هنا وإن لم نقل بالاستحقاق في المسألة السابقة، لان التصرف في هذه المسألة باذن المالك، وعلى هذا لا وجه لاستحقاق المالك عليه أجرة المثل للارض، لانه لم يستوف منفعة الارض لنفسه، وإنما استوفاها للمالك، فلا موجب للضمان كما ذكرنا ذلك في الفرض السابق. نعم إذا كان البذر للعامل كان للمالك عليه أجرة المثل. (3) يعنى يطالب بشرطه، بأن يطالب العامل بضمان التصرف غير المأذون فيه. ويشكل: بأنه لم يظهر خصوصية للشرط في المقام يمتاز بها عن سائر الشروط، فان أحكامها مجرد الخيار عند فوات الشرط، فلم صار حكم الشرط في المقام أنه يجوز للمشروط له عدم اسقاطه والمطالبة بالضمان؟! وكيف يصح الضمان والتغريم مع اعتراف المالك بأن التصرف كان عن إذن منه وصحة العقد؟! نعم ذكروا جواز مطالبة المالك بالارش في خيار العيب،

[ 96 ]

[ حال الزرع الموجود كما مر من كونه لمالك البذر (1). (مسألة 10): لو زارع على أرض لا ماء لها فعلا لكن أمكن تحصيله بعلاج - من حفر ساقية أو بئر أو نحو ذلك - فان كان الزارع عالما بالحال صح ولزم (2)، وإن كان جاهلا كان له خيار الفسخ (3). وكذا لو كان الماء مستوليا عليها وأمكن قطعه عنها (4). وأما لو لم يمكن التحصيل في الصورة الاولى أو القطع في الثانية كان باطلا (5) سواء كان ] وقال بعض تجوز المطالبة بالارش في شرط البكارة وشرط الختان، وهو إن ثبت فغير ما نحن فيه. ثم على تقدير المطالبة بحق الشرط كيف تحقق أن غرامته تكون بالضمان على أحد الوجوه السابقة. وكان الاولى للمصنف أن يدعي بأنه يجوز للمشروط له المطالبة بشرطه وضمانه على المشروط عليه بقيمته، لانه فوته على مالكه، فانه أبعد عن الاشكال. وإن كان هو أيضا محل اشكال، فان الشروط الايجابية من قبيل الاعمال، وهي غير مضمونة، كما عرفت في المسألة السابعة. (1) يشكل ما ذكره: بأنه مخالف لمقتضى العقد الذي لم يفسخ، فان مقتضاه كون الحاصل بينهما، فما الذي دعا إلى مخالفة مقتضى العقد؟ والمتحصل مما ذكرناه: أنه إن فسخ وكان البذر للمالك كان الزرع له وعليه أجرة العمل للزارع وإن كان البذر للزارع كان الزرع له وعليه أجرة المثل للمالك. (2) كما يقتضيه إطلاق الادلة. (3) لما في ذلك من الضرر عليه. (4) إذ لا فرق بين الابتداء والاستدامة. (5) لما عرفت في الشرط السابع من شرائط المزارعة.

[ 97 ]

[ الزارع عالما أو جاهلا. وكذا لو انقطع في الاثناء ولم يمكن تحصيله أو استولى عليها ولم يمكن قطعه. وربما يقال بالصحة مع علمه بالحال (1). ولا وجه له (2) وإن أمكن الانتفاع ] (1) القائل الفاضلان في ظاهر الشرايع حيث قال: " ولو زارع عليها أو آجرها للزراعة ولا ماء لها مع علم المزارع لم يتخير، ومع الجهالة له الفسخ "، وفي ظاهر القواعد حيث قال: " ولو زارعها أو آجرها ولا ماء لها تخير مع الجهالة لا مع العلم " ونحوه عن التذكرة، وعن الارشاد: " ولو زارع على ما لا ماء لها بطل إلا مع علمه "، وظاهره التفصيل بين العلم فيصح والجهل فيبطل. (2) لما عرفت من أنه خلاف ما ذكر في الشرط السابع. ولعل مراد الشرائع والقواعد والتذكرة صورة ما إذا لم يكن للارض ماء فعلي وأمكن تحصيله بحفر ونحوه مما يوجب صعوبة غير معتادة، كما ذكره المصنف في أول المسألة لكن قال في المسالك: " وربما تكلف للجمع بين الحكمين بحمل هذا التخيير على مالو كان للارض ماء يمكن الزرع والسقي به، لكنه غير معتاد من جهة المالك، بل يحتاج معه إلى تكلف من إجراء ساقية ونحوه، والمنع على ما لو لم يكن لها ماء. وهو جيد لو ثبت أن مثل هذا القدر يوجب التخيير وأن الاطلاق يقتضي كون الماء معتادا بلا كلفة، إلا أن إطلاق كلامهم يأباه. فانهم اقتصروا في الحكم بالجواز على إمكان السقي بالماء من غير تفصيل وفي التخيير على عدم الامكان... " وفيه: أنه يكفي في التخيير قاعدة الضرر ونحوها مما يرفع اللزوم، وهو محمل كلامهم في التخيير واقتصارهم في الحكم بالجواز على إمكان السقي بالماء من غير تفصيل لا ينافي وقوع التفصيل في اللزوم والخيار وإن صح العقد في المقامين، ويحمل

[ 98 ]

[ بها بغير الزرع لاختصاص المزارعة بالانتفاع بالزرع (1). نعم لو استأجر ارضا للزراعة مع علمه بعدم الماء وعدم إمكان تحصيله أمكن الصحة لعدم اختصاص الاجارة بالانتفاع بالزرع إلا أن يكون على وجه التقييد فيكون باطلا أيضا. (مسألة 11): لا فرق في صحة المزارعة (2) بين أن يكون البذر من المالك أو العامل (3) أو منهما. ] حكمهم بالتخيير على عدم الامكان الفعلي مما يوجب الضرر والمشقة حصول الماء الكافي. (1) فيكون المراد من قوله سابقا: " إستأجر أرضا للزراعة، أن يكون الداعي الزراعة. (2) قال في الشرائع: " إذا كان من أحدهما الارض حسب ومن الآخر البذر والعمل والعوامل صح بلفظ المزارعة، وكذا لو كان من أحدهما الارض والبذر ومن الآخر العمل " أو كان من أحدهما الارض والعمل ومن الآخر البذر، نظرا إلى الاطلاق ". قال في الجواهر: " جميع الصور المتصورة في هذه الاربعة كلا أو بعضا بين الزارع والمزارع جائزة، نظرا إلى العموم والاطلاقات بلا خلاف أجده في شئ منها عندنا، بل ربما ظهر من بعضهم الاجماع عليه ". وذكر نحو ذلك في الحدائق وبعد ما ذكر ذلك قال: " وهو مما لا خلاف فيه ولا إشكال فيما إذا كان عقد المزارعة بين اثنين خاصة، فانه لا خلاف في الصحة ". (3) هذه الصورة متيقنة من النصوص التي هي الاصل في المزارعة وهي ما ورد في مزارعة النبي صلى الله عليه وآله لاهل خيبر. والظاهر أن البذر منهم - كما صرح به جماعة - بل هو صريح يعقوب بن شعيب عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " وسألته عن المزارعة فقال: النفقة منك والارض

[ 99 ]

[ ولابد من تعيين ذلك (1)، إلا أن يكون هناك معتاد ينصرف إليه الاطلاق. وكذا لا فرق بين أن يكون الارض مختصة بالمزارع أو مشتركة بينه وبين العامل. وكذا لا يلزم أن يكون ] لصاحبها فلما أخرج الله من شئ قسم على الشطر. وكذلك أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله خبيرا حين أتوه فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت " (* 1). والصورة الاولى تستفاد من خبر إبراهيم الكرخي: " قلت لابي عبد الله (ع): أشارك العلج (المشرك خ ل) فيكون من عندي الارض والبقر والبذر، ويكون على العلج القيام والسقي (والسعي خ ل) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيرا وتكون القسمة فيأخذ السلطان حقه (مثله خ ل) ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي، قال: لا بأس بذلك " (* 2) لكن ليس في الرواية أنها مزارعة، ومجرد الصحة أعم من ذلك، وفي جامع المقاصد: جعل الصورة الاخيرة صحيحة عندنا. لكن الكلام في كونها مزارعة. وقد تقدم ما في الشرائع من الاستدلال بالاطلاق، وكذا ما في الجواهر. والمراد من الاطلاق إن كان إطلاق المزارعة فغير ثابت، وإن كان إطلاق صحة العقود فهو وإن كان يقتضي الصحة، لكنه لا يقتضي كونها مزارعة، بل ظاهر صحيح يعقوب أن المزارعة خصوص الصورة الثانية لا غير، فهي تقيد الاطلاق إن ثبت. (1) إذ لولا التعيين إمتنع كل منهما عن أدائه فتقف المعاملة ويفوت الغرض منها. وفي الجواهر احتمل لزوم التعيين وإلا بطل العقد للغرر، واحتمل كونه على العامل لصحيحة يعقوب، فانها كالاصل الشرعي في


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 100 ]

[ تمام العمل على العامل فيجوز كونه عليهما. وكذا الحال في ساير المصارف. وبالجملة هنا أمور أربعة (1): الارض والبذر والعمل والعوامل، فيصح أن يكون من أحدهما أحد هذه ومن الاخر البقية، ويجوز أن يكون من كل منهما اثنان منها، بل يجوز أن يكون من أحدهما بعض أحدها ومن الآخر البقية، كما يجوز الاشتراك في الكل فهي على حسب ما يشترطان. ولا يلزم على من عليه البذر دفع عينه، فيجوز له دفع قيمته، وكذا بالنسبة ] ذلك. ويشكل الوجه الاول: بأنه لا دليل على بطلان ما فيه الغرر كلية، والثاني: بأن الصحيحة واردة في مقام التحديد الواقعي فان عمل بها لزم كونه على العامل دائما، وإلا أجمل المراد منها، وحملها على أنها كالاصل الشرعي - كما ترى - غير ظاهر. (1) قال في الحدائق: " وبالجملة فان هنا أمورا أربعة: الارض والبذر والعمل والعوامل. والضابط أن الصور الممكنة في اشتراك هذه الاربعة بينهما كلا أو بعضا جائزة، لاطلاق الاذن في المزارعة من غير تقييد يكون بعض ذلك بخصوصه من أحدهما ". لكن الاطلاق المذكور يتوقف على صدق المزارعة على الجميع، وهو غير ظاهر، بل عرفت أن ظاهر صحيح يعقوب خلافه. نعم في موثق سماعة: " سألته عن مزراعة المسلم المشرك فيكون من عند المسلم البذر والبقر، ويكون الارض والماء والخراج والعمل على العلج. قال: لا بأس به " (* 1). لكنه ليس واردا في مقام بيان مفهوم المزارعة، فلا يعارض غيره. ولذلك يشكل ما في الحدائق فانه بعد ما ذكر روايات يعقوب وإبراهيم وسماعة المذكورة قال: " والظاهر من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو ما قدمنا من


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 101 ]

[ إلى العوامل كما لا يلزم مباشرة العامل بنفسه، فيجوز له أخذ الاجير على العمل (1) إلا مع الشرط. (مسألة 12): الاقوى جواز عقد المزارعة بين أزيد من اثنين (2) ] الضابط ". إذ لا تدل الخبار الثلاثة على الضابط المذكور. فلاحظ. (1) عملا باطلاق العمل المجعول عليه، فانه أعم من المباشرة ولا مجال للتمسك بأصالة عدم جواز التصرف في مال الغير للشك في إذن المالك إذ فيه: أنه إذا ثبت إطلاق العمل الشامل لعمل الاجير فهذا الاطلاق يثبت الاذن، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه. ثم إن قول القائل: زارعتك على الارض الفلانية، أعم من المباشرة، لكن إذا قال: عاملتك على أن تزرع هذه الارض، أو: إزرع هذه الارض ولك نصف حاصلها مثلا، فظاهر النسبة المباشرة، وكذا إذا قال: إستأجرتك على أن تخيط ثوبي بكذا " فان ظاهر النسبة المباشرة. ولذلك ذكروا أن قول القائل: بنى الامير المدنية مجاز، لان النسبة ليست بنحو المباشرة. ولاجل ذلك قد يقال: إن الاصل المباشرة لا أن ثبوت المباشرة يحتاج إلى شرط وذكر. لكن لما كان بناء العرف فيما يقبل النيابة. هو العموم كان الاصل ذلك العموم وأن المباشرة محتاجة إلى شرط وذكر. وعليه أيضا بناء الفقهاء في مختلف الابواب. ولذا ذكروا أن من استأجر أجيرا على عمل فمات قام وارثه مقامه إلا أن يشترط المباشرة، ومن استأجر دارا فمات انتقلت المنفعة إلى وارثه. (2) كما اختاره في الحدائق، وحكاه عن المحقق الاردبيلي، عملا باطلاق الادلة، وفي القواعد:، في صحة كون البذر من ثالث نظر وكذا لو كان البذر من ثالث والعوامل من رابع "، وفي جامع المقاصد: " منشأ الاشكال من عموم (أوفوا بالعقود) من أن المعاملة بتوقيف

[ 102 ]

[ بأن تكون الارض من واحد والبذر من آخر والعمل من ثالث والعوامل من رابع. بل يجوز أن يكون بين أزيد من ذلك، كأن يكون بعض البذر من واحد وبعضه الآخر من آخر، وهكذا بالنسبة إلى العمل والعوامل. لصدق المزارعة (1)، وشمول الاطلاقات بل يكفي العمومات العامة (2). فلا وجه لما في المسالك من تقوية عدم الصحة (3) بدعوى أنها على خلاف الاصل، فتتوقف على التوقيف من الشارع ولم يثبت عنه ذلك. ودعوى: أن العقد لابد أن يكون بين طرفين موجب وقابل، فلا يجوز ] الشارع، ولم يرد النص بمثل هذا. والاصل عدم الجواز ". (1) الصدق عرفا غير ثابت. فلا مجال للتمسك باطلاق مشروعية المزارعة. (2) العمومات تكفي في الصحة ولا تكفي في كونها مزارعة (3) قال في المسالك: " فلو جعلا معهما ثالثا وشرطا عليه بعض الاربعة، أو رابعا كذلك، ففي الصحة وجهان من عموم الامر بالوفاء بالعهد، والكون مع الشرط. ومن توقف المعاملة - سيما التي هي على خلاف الاصل - على التوقيف من الشارع ولم يثبت منه ذلك. والاصل في المزارعة قصة خيبر ومزارعة النبي اليهود عليها على أن يزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها وله شطره الآخر. وليس فيها أن المعاملة مع أكثر من واحد. وكذلك باقي النصوص التي وردت من طرقنا. ولان العقد يتم باثنين موجب - وهو صاحب الارض - وقابل، فدخول ما زاد يخرج العقد عن وضعه، أو يحتاج إثباته إلى دليل. والاجود عدم الصحة ". وفيه: أنه إن كان المراد عدم صحته مزارعة - بمعنى أنه لا تجري عليها أحكام المزارعة - فهو في محله، لعدم الدليل على مشروعية المزارعة

[ 103 ]

[ تركبه من ثلاثة أو أزيد على وجه تكون أركانا له. كدفوعة: بالمنع، فانه أول الدعوى (1). ] مع ثالث. وإن كان المراد عدم صحته عقدا من العقود ففيه: أن ذلك خلاف الاطلاق - كما عرفت - فالاطلاق محكم. ومن الغريب ما في الحدائق من الاشكال ثانيا على ما ذكره في المسالك بقوله: " فان ما ادعاه من أن معاملة النبي صلى الله عليه وآله مع أهل خيبر لا تدل على أن المعاملة مع أكثر من واحد من أعجب العجاب عند ذوي الالباب، لاستفاضة الاخبار بأنه صلى الله عليه وآله بعد فتح خيبر أقر الارض في أيدي الذين فيها وقاطعهم بالنصف، يعنى جميع من كان فيها من اليهود، لا شخصا بعينه أو اثنين أو ثلاثة " ثم ذكر جملة من الاخبار ثم قال: " فهل ترى هنا بعد ذكرهم بطريق الجمع في هذه الموارد مجالا للحمل على واحد منهم بل الظاهر لكل ناظر إنما هو دفع الارض إليهم كملا... " إلى آخر ما ذكره. وقد سبقه إلى الاشكال بذلك المحقق الاردبيلي (قده). وفيه: أن الكثرة التي تضمنتها أخبار خيبر إنما هي في العامل وليس ذلك محل الكلام، ضرورة جواز كون كل من صاحب الارض والعامل أكثر من واحد، وإنما الكلام في دخول غير صاحب الارض والعامل في قوام المزارعة، بحيث تقوم بهما وبثالث، أو بهما وباثنين آخرين أو أكثر وأين ذلك من أخبار خيبر؟! مضافا إلى أنه لم يثبت أن كل أرض بعينها كان لها أكثر من زارع، ومن الجائز أن تكون كل أرض لها زارع واحد فتكون مزارعات كثيرة. (1) لا إشكال في أن العقد متقوم بالايجاب والقبول، فلا يحتاج إلى أكثر من موجب وقابل، ولكن لا يعتبر فيه وحدة الموجب والقابل، فمن الجائز تعدد الموجب والقابل، وإذا كانت المزارعة قائمة بأربعة كان أحدهم

[ 104 ]

[ (مسألة 13): يجوز للعامل أن يشارك غيره في مزارعة أو يزارعه في حصته (1) من غير فرق بين أن يكون البذر منه أو من المالك (2)، ولا يشترط فيه إذنه. ] موجبا والباقون قابلا، فلم يكن إلا إيجاب واحد وقبول واحد. هذا وفي الجواهر الميل إلى المنع، لخبر أبي الربيع الشامي وغيره مما تضمن المنع عن التسمية للبذر ثلثا، وللبقر ثلثا، قال (ع): " ولكن يقول لصاحب الارض: إزرع في أرضك ولك منها كذا وكذا، نصفا أو ثلثا وما كان من شرط، ولا يسمي بذرا ولا بقرا، فانما يحرم الكلام " (* 1). لكن الرواية المذكورة مهجورة بظاهرها عند الاصحاب، فلا مجال للاعتماد عليها. مع أن موردها الاثنان لا الاكثر، فحملها على ذلك بلا قرينة غير جائز. (1) قال في الشرائع: " للمزارع أن يشارك غيره في حصته وأن يزارع عليها غيره، ولا يتوقف على إذن المالك. لكن لو شرط المالك الزرع بنفسه لزم ولم تجز المشاركة إلا باذنه " وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل عن ظاهر الغنية: الاجماع عليه ". (2) أشار بذلك إلى ما حكاه في المسالك عن بعضهم قال فيها: " اشترط بعضهم في جواز مزارعة غيره كون البذر منه ليكون تمليك الحصة منوطا به، وبه يفرق بينه وبين عامل المساقاة حيث لا يصح له أن يساقي غيره، ولان البذر إذا كان من صاحب الارض فالاصل أن لا يتسلط عليه إلا مالكه أو من أذن له وهو الزارع. وهو حسن في مزارعة غيره، وأما المشاركة فلا، لان المراد بها أن يبيع بعض حصته في الزرع مشاعا بعوض معلوم، وهذا لا مانع منه لمالكه لها فيتسلط على بيعها كيف شاء،


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 10 وفي الباب أحاديث أخر تتضمن ذلك.

[ 105 ]

بخلاف ابتداء المزارعة، إذ لا حق له حينئذ الا العمل، وبه يستحق الحصة مع احتمال الجواز مطلقا، لان لزوم عقدها إقتضى تسليطه على العمل بنفسه وغيره، وتملكه للمنفعة والتصرف في البذر بالزرع وإن لم يكن بنفسه حيث لا يشترط عليه الاختصاص يجوز (* 1) نقله إلى الغير كما تجوز الاستنابة. ويضعف: بأن البذر حينئذ ليس ملكا له، وإنما هو مأذون في التصرف فيه بالزرع، وبه يملك الحصة. وقد يقال: إن هذا كاف في جواز مزارعة الغير، لانها عبارة عن نقل حقه في ذلك وتسليطه على العمل، فيجوز كما يجوز له التوكيل فيه والاستنابة بغيرها من الوجه ". ولم يعرف هذا البعض ولا وجود القائل. بل في مفتاح الكرامة: " تتبعنا كتب الاصحاب من المقنع إلى المسالك فلم نجد أحدا حكاه ولا نقل حكايته من الخاصة والعامة ". وكيف كان فالمتحصل: أن الوجه في الشرط المذكور عند قائله أمران: (الاول): أنه إذا كان البذر من المالك فليس للعامل شئ يصح نقله إلى غيره على نحو الشركة أو المزارعة عليه. (الثاني): أن البذر لمالكه فلا يجوز لاحد التصرف فيه بغير إذنه، وإذن العامل ليست إذنا من المالك، فلا يجوز لغير الزارع التصرف فيه. وفيه: أن مفاد عقد المزارعة ثبوت حق لكل من المالك والزارع على الآخر فحق المالك على الزارع العمل، وحق الزارع على المالك بذل الارض ومنفعتها أو نحو ذلك، ولذا لو مات المالك انتقل إلى وارثه، فذلك الامر القابل للانتقال إلى الوارث هو القابل للنقل إلى الغير على نحو التشريك أو على نحو آخر، فاندفع الوجه الاول. وأما الوجه الثاني فيدفعه ما عرفت من أنه يجوز لمن عليه العمل أن


(* 1) فاعله ضمير يرجع إلى التملك السايق. منه؟ قدس سره.

[ 106 ]

[ نعم لا يجوز تسليم الارض إلى ذلك الغير إلا باذنه (1)، وإلا كان ضامنا، كما هو كذلك في الاجارة أيضا. والظاهر جواز نقل مزارعته إلى الغير - بحيث يكون كأنه هو الطرف للمالك - بصلح ونحوه بعوض - ولو من خارج - أو بلا عوض. كما يجوز نقل حصته إلى الغير، سواء كان ذلك قبل ظهور الحاصل أو بعده، كل ذلك لان عقد المزارعة من العقود اللازمة الموجبة لنقل منفعة الارض (2) نصفا أو ثلثا أو نحوهما إلى العامل، فله نقلها إلى الغير بمقتضى قاعدة السلطنة. ولا فرق فيما ذكرنا ] يأخذ أجيرا للعمل فإذا جاز أخذ الاجير جاز للاجير التصرف، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه. وأيضا إذا مات العامل قام وارثه مقامه في العمل وإذا مات مستأجر الدار كانت المنفعة للوارث ولم تبطل الاجارة، وهكذا الحكم في جميع الامور التي تقبل النيابة عرفا، فان الاصل فيها جواز النيابة إلا مع شرط المباشرة، كما تقدم في المسألة الحادية عشرة، مضافا إلى أن الوجه الثاني لو تم منع من نقل الحق إلى الغير حتى في صوره كون البذر منه، لان كون البذر منه إنما يجوز التصرف في البذر لغيره، لانه في ماله باذنه ولا يجوز التصرف في الارض التي هي للمالك. (1) قد عرفت الاشكال فيه وأن مقتضى جواز أخذ الاجير جواز تسليم الارض إليه، ولا فرق بين جواز التصرف في الارض وجواز تسليمها وقد تقدم في كتاب الاجارة جواز ذلك أيضا. (2) هذا دفع للوجه الاول من وجهي الاشكال. وفيه: أنه لم يثبت أن عقد المزارعة اقتضى تملك العامل منفعة الارض، بل هو ممنوع فالوجه في دفعه ما عرفت.

[ 107 ]

[ بين أن يكون المالك شرط عليه مباشرة العمل بنفسه أولا (1) إذ لا منافاة بين صحة المذكورات وبين مباشرته للعمل (2)، إذ لا يلزم في صحة المزارعة العمل، فيصح ان يشارك أو يزارع غيره ويكون هو المباشر دون ذلك الغير. (مسألة 14): إذا تبين بطلان العقد فاما أن يكون قبل الشروع في العمل أو بعده وقبل الزرع - بمعنى نثر الحب في الارض - أو بعده وقبل حصول الحاصل، أو بعده. فان كان قبل الشروع فلا بحث ولا اشكال (3) وإن كان بعده وقبل الزرع - بمعنى الاتيان بالمقدمات من حفر النهر وكري ] (1) إشارة إلى التفصيل الذي أشار إليه في الشرايع والقواعد والمسالك بين صوره اشتراط المباشرة على العامل فلا يجوز له نقل حصته أو مزارعة غيره، وبين صورة عدم اشتراط المباشرة عليه فيجوز ذلك. (2) إشارة إلى الاشكال في التفصيل المذكور بأن نقل الحصة إلى الغير أو مزارعته لا يقتضي مباشرته للعمل، لجواز المباشرة من الزارع الاول بالنيابة عن الزارع الثاني أو من نقل إليه بعض حصته. وسبقه إلى هذا الاشكال في الجواهر وغيرها. لكن الظاهر عدم توجه الاشكال المذكور على المفصلين، لان مورد كلامهم في جواز التشريك للغير أو مزارعته صورة التشريك في العمل أيضا، لا مجرد نقل الحق فقط، وحينئذ لابد في جواز ذلك من عدم اشتراط المالك على العامل المباشرة، وإلا كان التشريك للغير أو مزارعته مخالفة للشرط. (3) إذ لا يحتمل وجوب شئ للعامل لعدم العمل، ولا للمالك لعدم التصرف في أرضه بما له قيمة.

[ 108 ]

[ الارض وشراء الآلات ونحو ذلك - فكذلك (1). نعم لو حصل وصف في الارض يقابل بالعوض - من جهة كريها أو حفر النهر لها أو إزالة الموانع عنها - كان للعامل قيمة ذلك الوصف (2)، وإن لم يكن كذلك وكان العمل لغوا فلا شئ له. كما أن الآلات لمن أعطى ثمنها. وإن كان بعد الزرع كان الزرع (3) لصاحب البذر (4)، فان كان للمالك كان الزرع له وعليه للعامل أجرة عمله وعوامله (5)، وإن كان للعامل كان له وعليه أجرة الارض للمالك (6) وإن كان منهما كان لهما على النسبة نصفا أو ثلثا، ولكل منهما على الاخر أجرة مثل ما يخصه من تلك النسبة (7)، وإن كان من ثالث فالزرع له وعليه للمالك أجرة الارض (8) ] (1) لان المعاملة كانت على الزرع لا غير، فما لم يكن العمل زرعا لا أمر به من الملك ولا استيفاء منه له. اللهم إلا أن يقال: المراد من الزرع كل عمل يتعلق بالزرع ومنه حفر النهر وحرث الارض. (2) لانه أثر عمله، فيملكه تبعا له. (3) هذه الاحكام ذكرها في الجواهر نافيا لوجدان الخلاف فيها حاكيا ذلك عن الرياض أيضا. (4) لانه نماء ملكه، فيتبعه في إضافة المالك، كما تقدم مرارا: (5) لما تقدم مرارا في الاجارة والمضاربة من الضمان بالاستيفاء. (6) لاستيفاء منفعتها بالزرع فيضمنها ضرورة. (7) لما سبق. (8) لاستيفائه منفعة أرضه. من دون فرق بين كونها تحت يده أو

[ 109 ]

[ وللعامل أجرة عمله وعوامله (1) ولا يجب على المالك إبقاء الزرع إلى بلوغ الحاصل (2) إن كان التبين قبله، بل له أن يأمر بقلعه، وله أن يبقى بالاجرة إذا رضي صاحبه، وإلا فليس له الزامه بدفع الاجرة (3)، هذا كله مع الجهل بالبطلان وأما مع العلم فليس للعامل منهما الرجوع على الاخر بعوض أرضه أو عمله، لانه هو الهاتك لحرمة ماله أو عمله (4) فكأنه متبرع به وإن كان الاخر أيضا عالما بالبطلان. ولو كان العامل بعد ما تسلم الارض تركها في يده بلا زرع فكذلك يضمن أجرتها للمالك مع بطلان المعاملة، لفوات منفعتها تحت يده (5)، إلا في صورة علم المالك بالبطلان، لما مر (6). ] يد الزارع لصدق الاستيفاء بالنسبة إليه في المقامين بعد ما كان تسليم الارض للزرع فيها بداعي الوفاء بالعقد الواقع بينهم. (1) لما سبق بعينه. (2) لان الزرع بعد أن لم يكن باذن المالك وإنما كان جريا على العقد الفاسد يكون بحكم غرس الغاصب الذي ليس لعرقه حق، لان المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب. (3) كما تقدم في المسألة السادسة. (4) تقدم أنه لما كان العمل بقصد الجري على مقتضى المعاملة والمعاوضة لا يكون تبرعا، ولا هو هاتك لحرمة عمله أو ماله. (5) وذلك كاف في الضمان، إما لعموم: " على اليد ما أخذت... " بناء على شموله للمنافع، وإما لملاك ضمان الاعيان باليد. (6) قد مر الاشكال فيه مرارا.

[ 110 ]

[ (مسألة 15): الظاهر من مقتضى وضع المزارعة ملكية العامل لمنفعة الارض بمقدار الحصة المقررة له (1)، وملكية المالك للعمل على العامل بمقدار حصته، واشتراك البذر بينهما على النسبة (2)، سواء كان منهما أو من أحدهما أو من ثالث، ] (1) قد عرفت فيما سبق أن مفاد عقد المزارعة أن يزرع الارض بحصة من الحاصل، وهذا المعنى يقتضي أن يكون عمل الزرع مملوكا لصاحب الارض، ولا يقتضي كون منفعة الارض مملوكة للعامل إذ كون الارض موضوعا للزرع لا يقتضي إلا تعلق الزرع بالارض ولو على نحو البذل من المالك لارضه، إذ لا دليل على ملك العامل لمنفعة الارض. وأما التحصيص الذي ذكره المصنف (ره) فغريب لا مأخذ له كما عرفت في المسألة السابقة، ومجرد الاشتراك في الحاصل لا يقتضي الاشتراك في مقدماته. (2) هذا غير ظاهر، بل هو خلاف ظاهر قولهم في تعريف المزارعة بأنها المعاملة على الارض بحصة من حاصلها، فانه ظاهر في أن الاشتراك في الحاصل، لا في غيره من المراتب السابقة عليه. مع أن ذلك لا يناسب ما ذكره في المسالك من الاشكال في جواز مشاركة العامل لغيره أو مزارعته إذا كان البذر من المالك، لانه لا يملك شيئا ليجوز له نقله، فإذا كان مقتضى المزارعة المشاركة في البذر لا مجال لتوهم الاشكال المذكور. كما أن من تأخر عن المسالك لم يدفع الاشكال بما ذكر، وإنما دفعه من وجه آخر. مضافا إلى أن المزارعة إذا اقتضت المشاركة في البذر كان اللازم التعرض لحكم ما إذا لم يزرع العامل وأنه يرجع البذر إلى مالكه أو أنه يقسم بين المالك والعامل، أو غير ذلك. وبالجملة: دعوى الاشتراك في البذر غريبة.

[ 111 ]

[ فإذا خرج الزرع صار مشتركا بينهما على النسبة (1)، لا أن يكون لصاحب البذر إلى حين ظهور الحاصل، فيصير الحاصل مشتركا من ذلك الحين، كما ربما يستفاد من بعض الكلمات (2) أو كونه لصاحب البذر إلى حين بلوغ الحاصل وادراكه، فيصير مشتركا في ذلك الوقت، كما يستفاد من بعض آخر. نعم الظاهر جواز إيقاع العقد على أحد هذين الوجهين مع التصريح والاشتراط به من حين العقد (3). ويترتب على هذه الوجوه ثمرات (منها): كون التبن أيضا مشتركا بينهما ] وكأن الذي دعا إليها هو التحصيص الذي دعا المصنف إلى القول بالاشتراك في منفعة الارض وفي عمل العامل، الذي عرفت غرابته أيضا، وغرابة استفادته من تحصيص الحاصل. (1) الذي يظهر من عبارة المسالك المتقدمة في المسألة الثالثة عشرة أن خروج الزرع هو وقت حدوث الاشتراك بين المالك والزارع لا قبله ولا بعده. (2) هذا مقتضى ما ذكره الاصحاب في تعريف المزارعة بأنها المعاملة على الارض بحصة من حاصلها، إذ جعل فيه موضع التحصيص هو الحاصل الشامل لهذا المعنى ولما بعده، فلا تحصيص قبله. اللهم إلا أن يكون المراد من الحاصل الاعم من الزرع، والتعبير بالحاصل لمزيد الاهتمام به وكونه الغرض الاولي. وهذا وإن كان خلاف الظاهر، لكن يجب الحمل عليه عملا بالارتكاز العرفي، فان بناء العرف على عدم الاشتراك في البذر والاشتراك في جميع مرات النماء والتحولات للبذر. (3) لكن الشرط المذكور إذا كان منافيا للمزارعة لا يكون العقد مزارعة وإن كان صحيحا.

[ 112 ]

[ على النسبة على الاول، دون الاخيرين (1) فانه لصاحب البذر. (ومنها): في مسألة الزكاة (2). (ومنها): في مسألة الانفساخ أو الفسخ في الاثناء قبل ظهور الحاصل (3) (ومنها): في مسألة مشاركة الزارع مع غيره ومزارعته معه (4) (ومنها): في مسألة ترك الزرع إلى ان انقضت المدة (5).. إلى غير ذلك. (مسألة 16): إذا حصل ما يوجب الانفساخ في الاثناء قبل ظهور الثمر أو بلوغه - كما إذا انقطع الماء عنه ولم يمكن تحصيله، أو استولى عليه ولم يمكن قطعه، أو حصل مانع آخر عام - فالظاهر لحوق حكم تبين البطلان من الاول - على ] (1) فان التبن جزء من الزرع، فيكون مشتركا على الاول ولا يكون جزءا من الحاصل، فلا يكون مشتركا بناء على الاخيرين. (2) كما يأتي في المسألة الحادية والعشرين. (3) كما يأتي في المسألة السابعة عشرة. (4) يظهر مما ذكرنا في المسألة الثالثة عشرة الاشكال في هذه الثمرة وأنه يصح مشاركة الغير ومزارعته وإن لم نقل بالاشتراك بالبذر. نعم يترتب على ذلك عدم توجه الاشكال أصلا، بخلاف القول بعدم الاشتراك فانه يتوجه الاشكال، وإن كان يمكن اندفاعه بما عرفت فالثمرة وضوح الحكم وعدم وضوحه، لا ثبوت الحكم وعدمه. (5) فانه بناء على الاشتراك في البذر يكون البذر مشتركا بناء على الاشتراك في البذر، وبناء على الوجهين الاخيرين يختص المالك به.

[ 113 ]

[ ما مر - لانه يكشف عن عدم قابليتها للزرع (1)، فالصحة كانت ظاهرية، فيكون الزرع الموجود لصاحب البذر. ويحتمل بعيدا كون الانفساخ من حينه (2)، فيلحقه حكم الفسخ في الاثناء - على ما يأتي - فيكون مشتركا بينهما على النسبة. (مسألة 17): إذا كان العقد واجدا لجميع الشرايط وحصل الفسخ في الاثناء - إما بالتقايل، أو بخيار الشرط لاحدهما، أو بخيار الاشتراط بسبب تخلف ما شرط على أحدهما - فعلى ما ذكرنا من مقتضى وضع المزارعة - وهو الوجه الاول من الوجوه المتقدمة - فالزرع الموجود مشترك بينهما على النسبة وليس لصاحب الارض عل العامل أجرة أرضه، ولا للعامل أجرة عمله بالنسبة إلى ما مضى، لان المفروض صحة المعاملة وبقاؤها إلى حين الفسخ (3). وأما بالنسبة إلى الاتي فلهما التراضي على البقاء إلى البلوغ بلا أجرة أو معها، ولهما التراضي ] (1) التي هي شرط للصحة من الاول - كما تقدم في أول الكتاب - فإذا تبين فقد الشرط فقد تبين فقد المشروط. (2) مبنى هذا الاحتمال أن يكون اعتقاد القابلية للزرع شرطا لصحة المزارعة، لا وجود القابلية واقعا. (3) هذا لا يجدي بعد وقوع الفسخ، لانه يرد على أصل المعاملة، فتكون بعد الفسخ كأنها لم تكن، فيرجع الزرع إلى مالكه، فان كان هو المالك ضمن عمل العامل بالاستيفاء، وإن كان هو العامل ضمن منفعة الارض بالاستيفاء، وإن كان غيرهما ضمن كلا من الامرين لمالكه. ولاجل ذلك احتمل المصنف (ره) في كتاب الاجارة - في المسألة الخامسة من

[ 114 ]

[ على القطع قصيلا. وليس للزارع الابقاء إلى البلوغ بدون رضى المالك (1) ولو بدفع أجرة الارض، ولا مطالبة الارش إذا أمره المالك بالقلع. وللمالك مطالبة القسمة (2) وأبقاء حصته في أرضه إلى حين البلوغ وأمر الزارع بقطع حصته قصيلا. هذا وأما على الوجهين الآخرين فالزرع الموجود لصاحب البذر. والظاهر عدم ثبوت شئ عليه من أجرة الارض أو العمل، لان المفروض صحة المعاملة إلى هذا الحين وإن لم يحصل للمالك أو العامل شئ من الحاصل، فهو كما لو بقي الزرع إلى الآخر ولم يحصل حاصل (3) من جهة آفة سماوية أو أرضية. ] فصل: يملك المستأجر المنفعة في إجارة الاعيان - الرجوع إلى أجرة المثل فيما مضى من المدة وجعل الاحتمال المذكور قريبا، فراجع. وحينئذ فالعمدة فيما ذكره المصنف (ره) هنا: أن بناء العرف في المقام ونحوه على التبعيض، نظير باب تبعض الصفقة، فيكون من قبيل تعدد المطلوب، فيكون فسخ المزارعة من حينه. لا من الاول. (1) لانه خلاف سلطنة المالك على أرضه. نعم إذا كان في قلع الزرع ضرر على الزارع ولم يكن ضرر على مالك الارض في إبقاء الزرع كانت قاعدة السلطنة المذكورة محكومة بقاعدة نفي الضرر، وكان له الابقاء بدفع الاجرة، كما تقدم نظير ذلك في المسألة السادسة. (2) لعموم مادل على جواز طلب الشريك القسمة. (3) والوجه فيه في المقامين: أن البذر إذا كان للعامل فمالك الارض لم يبذل أرضه على وجه الضمان مطلقا، وإنما كان بذله لها على وجه الضمان

[ 115 ]

[ ويحتمل ثبوت الاجرة عليه إذا كان هو الفاسخ (1). ] في صورة وجود الحاصل لامع عدمه، وكذا الكلام إذا كان البذر لصاحب الارض، فان العامل لم يعمل بقصد العوض مطلقا، وإنما كان بقصد العوض على تقدير وجود الحاصل لا مع عدمه، وحينئذ لا موجب لضمان منفعة الارض، ولا لضمان عمل العامل. وفيه: أن البذل في المقامين لم يكن بقصد التبرع والمجانية، وإنما كان برجاء الحاصل وبانتظاره، غاية الامر أنه إذا فات الحاصل لامر سماوي ونحوه لم يكن له شئ ولم يكن مقدما على البذل مجانا مع فوات الحاصل من جهة الفسخ، فاستيفاء عمله حينئذ يوجب ضمانه. وبذلك افترت هذه المسألة عن المسألة السابقة، فان البذل في المسألة السابقة مضمون بالمسمى فيها، وهنا لا ضمان له بالمسمى، فإذا بنى على الفسخ من حينه يكون البذل بلا عوض وهو خلاف قاعدة الضمان بالاستيفاء، فانه يوجب الضمان إما بالمسمى أو بأجرة المثل، ولما لم يسلم المسمى هنا تعين الضمان بأجرة المثل. وقد اعترف بذلك المصنف في المسألة التاسعة إذا كان التعيين على وجه التقييد، وكذلك في المسألة الرابعة عشرة في صورة البطلان، ولا فرق في موجب الضمان بين الفسخ والبطلان. وسيأتي في المسألة الثامنة والعشرين من كتاب المساقاة الحكم بالضمان بأجرة المثل. وفي المسألة السابقة بناء على الفسخ من حينة يكون الضمان بالمسمى، فلا موجب للرجوع إلى أجرة المثل. (1) لانه ضيع الحاصل على شريكه، بخلاف ما إذا كان الفاسخ غير من له البذر، فانه هو الذي ضيع الحاصل على نفسه. لكن عرفت أن الاستيفاء هو الموجب للضمان، فإذا كان الفسخ مفوتا للضمان بالمسمى وجب أن يكون بأجرة المثل، وهذا المعنى لا يختص بفسخ من له البذر،

[ 116 ]

[ (فذلكة): قد تبين مما ذكرنا في طي المسائل المذكورة أن ههنا صورا (الاولى): وقوع العقد صحيحا (1) جامعا للشرايط والعمل على طبقه إلى الآخر، حصل الحاصل أو لم يحصل لآفة سماوية أو أرضية (الثانية): وقوعه صحيحا مع ترك الزارع للعمل إلى أن انقضت المدة (2)، سواء زرع غير ما وقع عليه العقد أو لم يزرع أصلا (الثالثة): تركه العمل في الاثناء بعد أن زرع (3) اختيارا أو لعذر خاص به (الرابعة): تبين البطلان من الاول (4) (الخامسة): حصول الانفساخ في الاثناء (5)، لقطع الماء أو نحوه من الاعذار العامة (السادسة): حصول الفسخ بالتقايل أو بالخيار في الاثناء (6). وقد ظهر حكم الجميع في طي المسائل المذكورة، كما لا يخفى. (مسألة 18): إذا تبين بعد عقد المزارعة أن الأرض كانت مغصوبة فمالكها مخير بين الاجازة، فتكون الحصة له - ] بل يكون بفسخ غيره أيضا. (1) هذا تبين من بيان صحة المزارعة. (2) هذا تبين من المسألة السابعة. (3) هذا تبين مما قبله، ولم يتعرض له المصنف. (4) تبين ذلك من المسألة الرابعة عشرة. (5) تبين ذلك من المسألة السادسة عشرة. (6) تبين ذلك من المسألة السابعة عشرة. وقد تبين أمور كثيرة غير ما ذكر لم يتعرض لها المصنف (ره) لانه في مقام ما يتعلق بالصحة والبطلان من الاول أو في الاثناء.

[ 117 ]

[ سواء كان بعد المدة أو قبلها في الاثناء أو قبل الشروع بالزرع - بشرط أن لا يكون هناك قيد أو شرط لم يكن معه محل للاجازة (1)، وبين الرد، وحينئذ فان كان قبل الشروع في الزرع فلا إشكال، وإن كان بعد التمام فله أجرة المثل لذلك الزرع (2)، وهو لصاحب البذر. وكذا إذا كان في الاثناء (3) ويكون بالنسبة إلى بقية المدة الامر بيده (4)، فاما يأمر بالازالة وإما يرضى بأخذ الاجرة، بشرط رضا صاحب البذر. ثم المغرور من المزارع والزارع يرجع فيما خسر على غاره (5)، ] (1) لم يتضح الوجه في هذا الشرط، فان القيود والشروط المذكورة في ضمن العقد لا تمنع من إجازته، لان الاجازة تتعلق به على ما هو عليه من قيد أو شرط. (2) وهي على المباشر، لاعلى المالك للبذر وان كان قد أمره به، لان المباشر أقوى من الآمر فتصح نسبة الاستيفاء إليه لا إلى المالك وان كان آمرا، والضمان على المستوفي لا على الآمر بالاستيفاء. نعم المباشر يرجع على صاحب البذر بأجرة العمل مع ملاحظة كون العمل في أرض مضمومنة منفعتها على العامل، وبذلك تزيد الاجرة. (3) لعين ما سبق. (4) لما سبق. (5) لقاعدة الغرور المستفادة من النبوي المشهور (* 1). ولبعض


(* 1) هذا الحديث وان وجد في بعض الكتب الفقهية الا أنه لم نعثر عليه بعد الفحص في كتب الحديث العامة والخاصة وبعد الاستعانة ببعض الفهارس المعدة لضبط السنة النبوية. وقد تعرضنا لذلك في الجزء العاشر الصفحة: 144 من هذه الطبعة.

[ 118 ]

[ ومع عدم الغرور فلا رجوع. وإذا تبين كون البذر مغصوبا فالزرع لصاحبه، وليس عليه أجرة الارض، ولا أجرة العمل (1). نعم إذا كان التبين في الاثناء كان لمالك الارض الامر بالازالة (2). هذا إذا لم يكن محل للاجازة - كما إذا وقعت المعاملة على البذر الكلي لا المشخص في الخارج (3) أو نحو ذلك - أو كان ولم يجز (4)، وإن كان له محل وأجاز يكون هو الطرف للمزارعة (5) ويأخذ الحصة التي كانت ] الصحاح الواردة في باب تدليس الزوجة المتضمنة رجوع الزوج على المدلس معللا بقوله (ع): " كما غر الرجل وخدعه " (* 1). وقد تعرضنا لذلك في بعض المباحث المتقدمة من هذا الشرح. (1) لانه لم يكن الزرع بأمره حتى يصدق الاستيفاء الموجب للضمان فان جاء بالبذر العامل كان عليه أجرة الارض لصاحبها، وان جاء به صاحب الارض كان عليه أجرة المثل للعامل، وقد بطلت المزارعة. (2) كما سبق وجهه. (3) إذ حينئذ لا يكون البذر الشخصي دخيلا في المزارعة حتى يكون لصاحبه سلطان عليها بالاجازة والرد، فلو فرض أن مالك الشخصي أجاز لم تكن إجازته مصححة للمزارعة، بل تكون إجازته رخصه منه في تملكها لزرعه كل على حصته، مع بطلان المزارعة، لفقد البذر منهما. (4) أما إذا أجاز حينئذ صحت المزارعة، لانه يكفي في صحتها كون البذر مباحا لهما ولو باجازة متأخرة. (5) بناء على ما تقدم منه من جواز كون صاحب البذر طرفا للمزارعة ولو بني على بطلان ذلك لم تنفع الاجازة في إثبات الحصة للمجيز، كما


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح حديث: 1.

[ 119 ]

[ للغاصب. وإذا تبين كون العامل عبدا غير مأذون فالامر إلى مولاه (1). وإذا تبين كون العوامل أو ساير المصارف مغصوبة فالمزارعة صحيحة (2)، ولصاحبها أجرة المثل أو قيمة الاعيان التالفة. وفي بعض الصور يحتمل (3) جريان الفضولية (4) وإمكان الاجازة، كما لا يخفى. (مسألة 19): خراج الارض على صاحبها (5)، ] إذا كان البذر من صاحب الارض أو الزارع، فذكر شرطا عليه دون رضا مالكه، فان الاجازة تقتضي ثبوت الحصة لاحدهما كما هو مضمون العقد، ولا توجب انقلاب مضمونه وثبوت الحصة للمجيز. (1) يعني: إن أجاز صحت المزارعة وكانت له حصة، وإلا بطلت، وحينئذ فان كان البذر من صاحب الارض كان عليه أجرة عمل العبد، وإن كان من غيره كان على العبد أجرة مثل الارض. (2) لان العوامل ليست مقومة للمزارعة، بخلاف البذر، فان الحاصل الذي هو مورد التحصيص قائم بالبذر. (3) كان المناسب الجزم لا الاحتمال. (4) كما سبق في البذر، بأن يكون المتولي لها طرفا ثالثا أو رابعا، فيجيز المالك، وتكون له الحصة. (5) بلا خلاف ظاهر، وفي المسالك: أنه محل وفاق، وفي مفتاح الكرامة: أن الاجماع معلوم، وحكى عن مجمع البرهان: أن الحكم معلوم، وفي الحدائق: " الظاهر أنه لا خلاف فيه بينهم ". ويقتضيه: أن خراج الارض موضوع على صاحب الارض " ولا يرتبط بالعامل، والاصل براءة ذمته، فإذا طالب السلطان العامل بالخراج كان عاديا عليه وظالما له.

[ 120 ]

[ وكذا مال الاجارة إذا كانت مستأجرة (1)، وكذا ما يصرف في إثبات اليد عند أخذها من السلطان، وما يؤخذ لتركها في يده ولو شرط كونها على العامل - بعضا أو كلا - صح (2) وإن كانت ربما تزاد وربما تنقص على الاقوى (3)، فلا يضر مثل هذه الجهالة، للاخبار (4). ] (1) الحكم فيه أوضح مما قبله. وكذا ما بعده. (1) عملا بعموم الصحة في الشروط. (3) قال في الشرائع: " خراج الارض ومؤنتها على صاحبها، إلا أن يشترط على الزارع ". وظاهره صحة الشرط مطلقا. لكن في المسالك: " فان شرط عليه (يعنى: على الزارع) لزم إذا كان القدر معلوما. وكذا لو شرط بعضه معينا أو مشاعا مع ضبطه. ولو شرط عليه الخراج فزاد السلطان فيه زيادة فهي على صاحب الارض، لان الشرط لم يتناولها ولم تكن معلومة فلا يمكن اشتراطها ". وفيه: أنه لا دليل على قدح الجهالة في المقام، وعموم الصحة ينفي ذلك. (4) يشير بذلك إلى جملة من النصوص، كصحيح داود بن سرحان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل تكون له الارض يكون عليها خراج معلوم، وربما زاد وربما نقص، فدفعها إلى رجل يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة. قال (ع): لا بأس " (* 1). ومثله ما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن يعقوب بن شعيبب عن أبي عبد الله عليه السلام (* 2). وصحيح يعقوب بن شعيب المروي في الكافي عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل تكون له الارض من أرض


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 121 ]

[ وأما ساير المؤن (1) - كشق الانهار، وحفر الآبار، وآلات السقي، وإصلاح النهر وتنقيته، ونصب الابواب مع الحاجة إليها والدولاب، ونحو ذلك مما يتكرر كل سنة أو لا يتكرر - فلابد من تعيين كونها على المالك أو العامل، إلا إذا كان هناك ] الخراج، فيدفعها إلى رجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها وما كان من فضل فهو بينهما. قال: لا بأس " (* 1). قال في الحدائق بعدما ذكر هذه الروايات الثلاث: وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في عدم جهالة الشرط المذكور هنا سيما الخبرين الاولين " وسبقه إلى ذلك في الكفاية. ويشكل ما ذكره: بأن الخبرين الاولين ليسا في المزارعة، وإنما هما في موضوع آخر، والخبر الثالث لا ظهور فيه في جهالة الخراج وتردده بين الاقل والاكثر، فالعمدة في عدم الجهالة هي القواعد العامة. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره المصنف (ره) من الاستدلال بالاخبار لا غير. (1) قد تقدم عن الشرائع الحاق المؤن مطلقا بالخراج في كونها على صاحب الارض، ونحوه ما في القواعد وعن التذكرة والسرائر وجامع المقاصد وغيرها. وفي جملة من الكتب اقتصر على الخراج ولم يتعرض للمؤنة، وظاهر ذلك كونها على العامل. وفي المسالك فصل بين أنواع المؤنة، فقال: " والظاهر أن المراد من المؤنة ما يتوقف عليه الزرع ولا يتعلق بنفس عمله وتتميته، كاصلاح النهر والحائط ونصب الابواب - إن احتيج إليها - وإقامة الدولاب، وما لا يتكرر كل سنة، كما فصلوه في المساقاة. والمراد بالعمل الذي على المزارع ما فيه صلاح الزرع وبقاؤه مما يتكرر كل سنة، كالحرث والسقي وآلاتهما وتنقية النهر من الحماة وحفظ الزرع وحصاده ونحو


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2.

[ 122 ]

[ عادة ينصرف الاطلاق إليها. وأما ما يأخذه المأمورون من الزارع ظملا من غير الخراج فليس على المالك (1)، وإن كان أخذهم ذلك من جهة الارض. ] ذلك: وبالجملة فكلامهم في هذا المحل قاصر جدا ". وفيه: أنه لا قرينة على ما ذكره من التفصيل في مرادهم. وما ذكروه في السقي - لو تم - لا يكون قرينة على ما نحن فيه، لاختلاف المقامين. مضافا إلى أنه لا دليل على التفصيل المذكور. ولذا ذكر في الجواهر: أنه لا إشكال في كون المرجع مع الاطلاق التعارف فيما هو على المالك والعامل وإلا أشكل الحال. انتهى. وكأن المصنف (ره) تبعه في ذلك. وإن كان يشكل ما ذكره: بأن مقتضى الاطلاق كونه على العامل ما لم تقم قرينة على خلافه، كما تقدم في كتاب الاجارة أن مؤنة عمل الاجير عليه لا على المستأجر، إلا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك. والوجه فيه: أن العمل المملوك على الاجير والزرع المملوك على الزارع إذا كان مطلقا كان مقتضى ملكيته وجوب الاتيان به على كل حال، فتجب جميع مقدماته من دون فرق بين مقدمة وأخرى، والتخصيص ببعضها دون بعض يتوقف على القرينة، ومع الاطلاق وفقد القرينة يجب الجميع. لكن المصنف في الاجارة جعل الاقوى وجوب التعيين مع عدم القرينة، وذكر أن كونها على المستأجر لا يخلو من وجه. (1) لاصالة البراءة. لكن في خبر سعيد الكندي: " قلت لابي عبد الله (ع): إنى آجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم. قال: أعطهم فضل ما بينهما. قلت: أنا لم أظلمهم ولم أزد عليهم. قال: إنهم إنما زادوا على أرضك " (* 1). والظاهر أنه غير ما نحن فيه وإنما


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 10.

[ 123 ]

[ (مسألة 20): يجوز لكل من المالك والزارع أن يخرص على الاخر (1) بعد إدراك الحاصل (2) بمقدار منه بشرط القبول والرضا من الاخر (3) لجملة من الاخبار (4) ] فيما زاده السلطان من الخراج، مع أن الخبر ضعيف. (1) الظاهر أنه لا خلاف فيه إلا من ابن ادريس، وفي الحدائق: " الظاهر اتفاق الاصحاب عليه "، وفي الجواهر: " لا أجد خلافا فيه ". وقد ذكره في الشرائع والقواعد وغيرهما. (2) كما يظهر اشتراط ذلك من مرسل محمد بن عيسى الآتي والرويات الواردة في أهل خيبر. لكن خبر سهل الآتي خال من ذلك. (3) كما صرح به جماعة. ويدل عليه خبر سهل الآتى. (4) كخبر سهل قال: " سألت أبا الحسن موسى (ع) عن الرجل يزرع له الحراث بالزعفران ويضمن له على أن يعطيه في كل جريب يمسح عليه وزن كذا وكذا درهما، فربما نقص وغرم وربما استفضل وزاد. قال (ع): لا بأس به إذا تراضيا " (* 1). ومرسل محمد بن عيسى عن بعض أصحابه قال: " قلت لابي الحسن (ع): إن لنا أكرة فنزارعهم فيقولون: قد حزرنا هذا الزرع بكذا وكذا فأعطوناه ونحن نضمن لكم أن نعطيكم حصة على هذا الحزر. قال (ع): وقد بلغ؟ قلت: نعم. قال: لا بأس بهذا. قلت: فانه يجئ بعد ذلك فيقول لنا: إن الحزر لم يجئ كما حزرت قد نقص. قال: فإذا زاد يرد عليكم؟ قلت: لا. قال: فلكم أن تأخذوه بتمام الحزر، كما أنه إذا زاد كان له كذلك إذا نقص " (* 2) ونحوه غيره.


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 4.

[ 124 ]

[ هنا وفي الثمار (1). فلا يختص ذلك بالمزارعة والمساقاة (2). بل مقتضى الاخبار جوازه في كل زرع مشترك أو ثمر مشترك (3) والاقوى لزومه بعد القبول (4) وإن تبين بعد ذلك زيادته أو ] (1) كصحيح يعقوب بن شعيب في حديث، قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه: اختر إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيل (كيلا خ ل) مسمى وتعطيني نصف هذا الكيل إما زاد أو نقص وإما أن آخذه أنا بذلك. قال: نعم لا بأس به " (* 1) والنصوص الواردة في إرسال النبي صلى الله عليه وآله عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم حصته صلى الله عليه وآله، كصحيح الحلبي: " أخبرني أبو عبد الله (ع) أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى خيبر بالنصف أرضها ونخلها، فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة فيقوم عليه قيمة، وقال لهم إما أن تأخذوه وتعطوني نصف المثر (المثن. خ ل) وإما أعطيكم نصف الثمر، فقالوا: بهذا قامت السماوات والارض " (* 2) ونحوه صحيح يعقوب بن شعيب (* 3) وصحيح أبي الصباح الكناني (* 4). (2) فان روايات أهل خيبر واردة فيها. الظاهر أن أصل العبارة: بل يجري في المساقاة. (3) كأنه لفهم عدم الخصوصية فيما ورد في الثمر المشترك، مثل صحيح يعقوب المتقدم. (4) كما عن صريح جماعة - كالمهذب والوسيلة وجامع المقاصد


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب بيع الثمار حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 10 من أبواب بيع الثمار حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب بيع الثمار حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 10 من ابواب بيع الثمار حديث: 3.

[ 125 ]

[ نقيصته، لبعض تلك الاخبار (1). مضافا إلى العمومات العامة (2). خلافا لجماعة (3). والظاهر انه معاملة مستقلة (4) ] والمهذب البارع ومجمع البرهان - وظاهر آخرين. وتقتضيه أصالة اللزوم وظاهر النصوص. (1) وهو مرسل محمد بن عيسى المتقدم، (2) يعني عمومات صحة العقود. (3) منهم فخر المحققين في الايضاح وشرح الارشاد، فذكر فيهما أن الاصح أنه إباحة، وأن الخرص لا يملك ولا يضمن، وفي القواعد: " ولو زاد فاباحة على اشكال " وفي الجواهر: " عن التنقيح وايضاح النافع والميسية: الجزم بالعدم ". وكيف كان يظهر ضعف ذلك مما سبق. (4) قال في المسالك: " وعلى تقدير قبوله - يعنى الزارع - يتوقف نقله إليه على عقد كغيره من الاموال بلفظ الصلح أو التقبيل، على ما ذكره الاصحاب ". وفي النسبة إلى الاصحاب تأمل ظاهر، فان عبارة الشيخ في النهاية - التي هي الاصل لهذه المعاملة - خالية عن ذلك. وكذلك عبارة الشرائع، قال فيها: " يجوز لصاحب الارض أن يخرص على الزارع، والزارع بالخيار في القبول والرد "، ونحوها عبارة القواعد وغيرها. نعم عن المختلف أنه نوع تقبيل وصلح، وعن الدروس والمهذب البارع أنه نوع من الصلح. لكن ذلك لا يدل على لزوم إيقاع عقد الصلح أو التقبيل زائدا على الخرص وقبوله. نعم عن جامع المقاصد: أنه لابد من صيغة عقد، وفي المقام قال: " لابد من إيجاب وقبول بلفظ التقبيل أو الصلح أو ما أدى هذا المعنى ". ولكنه غير ظاهر. وحينئذ لا دليل على لزوم إنشاء المعاملة بعقد زائد على الخرص وقبوله، والاخبار وتأباه وتمنعه.

[ 126 ]

[ وليست بيعا (1)، ولا صلحا معاوضيا (2)، ] (1) في مفتاح الكرامة: " اتفقوا على أنه ليس بيعا، غير أنه في التذكرة تردد في جواز عقدها بلفظ البيع "، وفي الجواهر: " عن التذكرة أنه احتمل كونها بيعا "، ثم قال: " إنه بعيد، لشدة مخالفته لقواعد البيع، وذكر الاصحاب له في بيع المثار أعم من ذلك ". لكن المخالفة لقواعد البيع لاتهم، لجواز اختلاف أنواع البيع في الاحكام، ولذا اختلف بيع الثمار عن بيع غيرها، فجاز فيها بيع المعدوم والمحتمل الوجود والمجهول المقدار والصفات وغير ذلك. والعمدة أن في حاق البيع اعتبار مبادلة بين مالين " والمقام لم يقصد فيه ذلك، وإنما قصد فيه تحديد الجزء المشاع لا غير. نعم قد أخذ فيه شرطا الاذن في التصرف لكنه زائد على مفهومه، فالخرص من قبيل تبديل وصف الشئ بوصف آخر، لا تبديل ذات الشئ بذات أخرى الذي هو داخل في قوام البيع. (2) قد تقدم ما عن الدروس والميسية من أنه نوع من الصلح، وكذلك ما عن المختلف من أنه نوع تقبيل وصلح، وعن بيع جامع المقاصد أن الذي يقتضيه النظر أنه نوع من الصلح، ومال إليه في الجواهر، ولكنه كما ترى، إذ الصلح يجب أن يكون منشأ بعنوان كونه صلحا، فيقول الموجب: صالحت، ويقول القابل: قبلت " فلو كان المنشأ متعلق الصلح كان عقدا آخر، لا صلحا ضرورة. وبذلك افترق الصلح عن غيره من العقود، فإذا قال الرجل للمرأة: صالحتك على أن أكون زوجا لك وتكوني زوجة لي، فقبلت، كان صلحا، وإذا قال لها: تزوجتك، فقالت: قبلت، كان تزويجا، فالفرق بين الصلح وغيره من العقود: أن الصلح يكون منشأ بعنوان كونه صلحا وفي غيره يكون المنشأ أمرا آخر

[ 127 ]

[ فلا يجري فيها إشكال اتحاد العوض والمعوض (1)، ولا إشكال النهي عن المحاقلة والمزابنة (2)، ولا اشكال الربا (3) ولو بناء على ما هو الاقوى من عدم اختصاص حرمته بالبيع (4) ] وحيث أن المنشأ في المقام الخرص والتحديد كان مفهوما مقابلا للصلح ولا يكون صلحا. (1) يكفي في تحقق المعاوضة الاختلاف ولو في الجملة، فقد ذكر في الجواهر أن المعوض عنه الحصة المشاعة، والعوض المقدار المخصوص من مجموع الحصتين. (2) أشار بذلك إلى ما ذكره الحلي في السرائر، قال: " الذي ينبغي تحصيله أنه لا يخلو أن يكون قد باعه حصته من الغلة والثمرة بمقدار في ذمة من الغلة والثمرة، أو باعه الحصة بغلة من هذه الارض فعلى الوجهين معا البيع باطل، لانه داخل في المزابنة والمحاقلة، وكلاهما باطلان. وإن كان ذلك صلحا لا بيعا فان كان ذلك بغلة وثمرة في ذمة الاكار - الذي هو الزارع - فانه لازم له سواء هلكت الغلة بالآفة السماوية أو الارضية، وإن كان ذلك الصلح بغلة من تلك الارض فهو صلح باطل، لدخوله في باب الغرر، لانه غير مضمون، فان كان ذلك فالغلة بينهما سواء زاد الخرص أو نقص تلفت منهما أو سلمت لهما، فليلحظ ذلك، فهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا وتشهد به الادلة، فلا يرجع عنهما بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ". ولا يخفى ما فيه بناء على ما ذكر في المتن. من أنه معاملة مستقلة وليست بيعا ولا صلحا، إذ لا يشملها النهي عن بيع المزابنة والمحاقلة. (3) لاختصاصه بالمعاوضات، والمقام ليس منها، وإنما هو تحديد وتقدير. (4) تقدم الكلام فيه في المسألة الثالثة والعشرين من فصل: " لا يجوز

[ 128 ]

[ وجريانه في مطلق المعاوضات. مع أن حاصل الزرع والشجر قبل الحصاد والجذاذ ليس من المكيل والموزون (1). ومع الاغماض عن ذلك كله يكفي في صحتها الاخبار الخاصة. فهو نوع من المعاملة عقلائية ثبت بالنصوص. ولتسم بالتقبل (2) وحصر المعاملات في المعهودات ممنوع (3). نعم يمكن أن يقال: إنها في المعنى راجعة إلى الصلح الغير المعاوضي (4)، فكأنهما يتسالمان على أن يكون حصة أحدهما من المال المشترك كذا مقدارا والبقية للاخر، شبه القسمة أو نوع منها. وعلى ذلك يصح إيقاعها بعنوان الصلح (5) على الوجه المذكور ] إجارة الارض... " من كتاب الاجارة. (1) كما صرح به في الجواهر في كتاب البيع، والربا في البيع يختص بالمكيل والموزون. (2) قال في المسالك في باب بيع الثمار: " ظاهر الاصحاب أن الصيغة تكون بلفظ القبالة وأن لها أحكاما خاصة زائدة على البيع والصلح... (إلى أن قال): لا دليل على ايقاعه بلفظ التقبيل أو اختصاصه به،. وهو كما ذكر، لكن نسبة الحكم إلى ظاهر الاصحاب غير ظاهرة - كما عرفت - وأن عبارات الشيخ والمحقق والعلامة - في القواعد - وغيرهم تأناه فانهم عبروا بالخرص، وهو مجرد التقدير والتحديد. (3) ولو سلمت فالخرص من المعهود شرعا وعرفا، فلا إشكال في شمول عمومات صحة العقود له. (4) قد عرفت أن الصلح يجب أن يكون إنشاؤه بعنوان الصلح، فإذا كان الانشاء بعنوان آخر لم يكن صلحا. (5) صحة الايقاع بعنوان الصلح لا تتوقف على ما ذكره، بل تكون

[ 129 ]

[ - مع قطع النظر عن الاخبار (1) أيضا - على الاقوى من اغتفار هذا المقدار من الجهالة فيه إذا ارتفع الغرر بالخرص المفروض (2) وعلى هذا لا يكون من التقبيل والتقبل (3). ثم إن المعاملة المذكورة لا تحتاج إلى صيغة مخصوصة (4)، بل يكفي كل لفظ دال على التقبل. بل الاقوى عدم الحاجة إلى الصيغة أصلا (5)، فيكفي فيها مجرد التراضي، كما هو ظاهر الاخبار ] حتى إذا قلنا بأنها غير الصلح، فان جميع عناوين العقود يصح إيقاعها في ضمن إيقاع الصلح، ولا يقتضي أنها نوع من الصلح، كما عرفت ذلك في صدر المسألة. (1) اعتمادا على مادل على صحة الصلح وأنه جائز بين المسلمين (* 1). (2) وكذا إذا لم يرتفع، إذ لا دليل على قدح الغرر في الصلح، وكذا في غيره غير البيع ونحوه. (3) الظاهر أن التقبيل والتقبل يختص اصطلاحا بالارض، ومفهومه قريب من معنى الاجارة، ولا يكون في غير الارض إلا مجازا. (4) كما تقدم عن المسالك، وإن كان قد نسب الاحتياج إلى ظاهر الاصحاب. (5) هذا غير ظاهر، بل ظاهر النصوص والفتوى أن الخرص من العقود المحتاجة إلى إنشاء بايجاب وقبول، وفي الجواهر:، لا ريب في اعتبار الصيغة، وخلو نصوصها عنه كخلو أكثر نصوص العقود عن ذلك " وفيه: أن النصوص مشتملة على الاقوال على اختلاف في مضامين تلك الاقوال، وكلها ظاهرة فيما ذكرنا من الانشاء بالعقد اللفظي.


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب كتاب الصلح حديث: 1، 2 وفي بقية أخبار الابواب دلالة على المطلوب.

[ 130 ]

[ والظاهر اشتراط كون الخرص بعد بلوغ الحاصل وإدراكه (1) فلا يجوز قبل ذلك. والقدر المتيقن من الاخبار كون المقدار المخروص عليه من حاصل ذلك الزرع (2)، فلا يصح الخرص وجعل المقدار في الذمة من جنس ذلك الحاصل (3) نعم لو أوقع المعاملة بعنوان الصلح (4) - على الوجه الذي ] (1) كما يشهد به مرسل محمد بن عيسى (* 1) وصحاح الحلبي والكناني ويعقوب بن شعيب الواردة في إرسال النبي صلى الله عليه وآله عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر بعد ما أدركت الثمرة أو بلغت (* 2)، فان ذكر القيد المذكور في مقام البيان يدل على اعتباره في الحكم، ويظهر من المسالك المفروغية من اعتبارة. (2) في الجواهر أنه المنساق من النصوص، وصرح به جماعة، بل هو المشهور، بل ظاهر جامع المقاصد نسبته إلى تصريح الاصحاب. انتهى. وقد عرفت أن المفهوم من الخرص في النص والفتوى ليس إلا تقدير الحصة المشاعة المبهمة بقدر معين من دون تبديل شئ بشئ ولا معاوضة بين شيئين. (3) لانه لما كان معاوضة والعوض في الذمة فلا يكون من الخرص المذكور في النصوص والفتوى، وإنما يكون بمعنى آخر، ويكون حينئذ من قبيل البيع، إذ هو معاوضة بين الحصة المشاعة وبين ما في الذمة. ولا يلزم محذور الربا، لكون المبيع ليس من المكيل والموزون، كما لا يلزم الغرر، للاعتماد على قول أهل الخبرة إذا كان الخرص منهم. (4) قد عرفت أن الصلح يجري في جميع المعاملات على أن يكون المنشأ نفس الصلح، وتكون المعاملة موردا للصلح وموضوعا له


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 4 (* 2) راجع الوسائل باب: 10 من أبواب بيع الثمار.

[ 131 ]

[ ذكرنا - لا مانع من ذلك فيه. لكنه - كما عرفت - خارج عن هذه المعاملة (1). ثم إن المشهور بينهم أن قرار هذه المعاملة مشروط بسلامة الحاصل (2)، فلو تلف بآفة سماوية أو أرضية كان عليهما. ولعله لان تعيين الحصة في المقدار المعين (3) ليس من باب الكلي في المعين (4)، بل هي باقية على إشاعتها، غاية الامر تعيينها في مقدار معين. مع احتمال أن يكون ذلك من الشرط الضمني بينهما، والظاهر أن المراد ] (1) لكنه داخل في عنوان الصلح. (2) في جامع المقاصد: أنه ذكره الاصحاب، وفي المسالك: أنه المشهور بين الاصحاب. ومستنده غير واضح، وحكمه لا يخلو من إشكال إن لم يكن انعقد عليه الاجماع وأنى لهم به؟! وإنما هو شئ ذكره الشيخ في بعض كتبه وتبعه عليه الباقون معترفين بعدم النص ظاهرا على هذه اللوازم. (3) قد عرفت أن هذا هو الذي يقتضيه ظاهر النصوص والفتاوى. (4) وفي الجواهر: " لا يحتاج ذلك (يعني ما ذكره المشهور) إلى تنزيل العوض على الاشاعة، إذ يمكن أن لا يكون كذلك وإن كان كليا مضمونا في العين بشرط السلامة، للدليل نحو ما سمعته في خبر الاطنان " (* 1). ولعله إلى ذلك يشير ما في بعض الحواشي من أن مجرد كون التلف عليهما لا يوجب البقاء على الاشاعة. انتهى. لكن الدليل الذي ذكره غير ظاهر والقواعد تقتضي كون التلف على غير مالك الكلي، ولا يشاركه مالك الكلي فيه


(* 1) الوسائل باب: 19 من أبواب عقد البيع حديث: 1.

[ 132 ]

[ من الآفة الارضية (1) ما كان من غير الانسان، ولا يبعد لحوق إتلاف متلف من الانسان أيضا به (2). وهل يجوز خرص ثالث حصة أحدهما أو كليهما في مقدار؟ وجهان أقواهما العدم (3). (مسألة 21): بناء على ما ذكرنا من الاشتراك من من أول الامر في الزرع يجب على كل منهما الزكاة (4) إذا كان نصيب كل منهما بحد النصاب، وعلى من بلغ نصيبه إن بلغ نصيب أحدهما. وكذا إن اشترطا الاشتراك حين ظهور الثمرة، لان تعلق الزكاة بعد صدق الاسم (5) وبمجرد الظهور لا يصدق (6). وإن اشترطا الاشتراك بعد صدق ] (1) يعني المذكور في كلام الجماعة. (2) لوجود المناط فيه، وهو الاشاعة المقتضية للاشتراك. وكان المناسب للمصنف الجزم بذلك. (3) لقصور نصوص المقام عن شمول ذلك. نعم إذا كان المراد من الخرص معنى آخر - غير المعنى الاصطلاحي المذكور في النصوص والفتاوى - وهو المعاوضة على الحصة المشاعة بعوض في الذمة صح - كما تقدم - عملا بالعمومات، حتى إذا كان المقصود البيع، لارتفاع الغرر بخرص أهل الخبرة ولعدم كون المبيع من المكيل والموزون فلا يلزم الربا. (4) لان الشرط في وجوب الزكاة الملك، والمفروض حصوله بالنسبة إليهما. (5) تقدم في كتاب الزكاة الاستدلال عليه. (6) فإذا حصل الملك حينئذ فقد تحقق الملك بالنسبة إليهما، وإذا

[ 133 ]

[ الاسم أو حين الحصاد والتصفية فهي على صاحب البذر منهما لان المفروض أن الزرع والحاصل له إلى ذلك الوقت، فتتعلق الزكاة في ملكه (1). (مسألة 22): إذا بقي في الارض أصل الزرع بعد انقضاء المدة والقسمة، فنبت بعد ذلك في العام الاتي، فان كان البذر لهما فهو لهما، وإن كان لاحدهما فله، إلا مع الاعراض (2)، وحينئذ فهو لمن سبق. ويحتمل أن يكون لهما مع عدم الاعراض (3) مطلقا (4)، لان المفروض شركتهما في الزرع وأصله وإن كان البذر لاحدهما أو لثالث، وهو الاقوى (5). ] كان الشرط الملك حال صدق الاسم فالظاهر وجوب الزكاة عليهما، عملا باطلاق الادلة. وكان المناسب للمصنف التعرض له، فتكون الصور أربع ولا وجه للاقتصار على الصور الثلاث. (1) دون صاحبه، لتأخره عن ذلك، فيجب عليه دون صاحبه. (2) لكن الاعراض لا يوجب الخروج عن الملك، لعدم الدليل عليه، كما تقدم في كتاب الاجارة. نعم مع الاعراض يجوز تملكه لمن سبق إليه إذا بقي الاعراض بحاله، أما إذا زال الاعراض حين صيرورته زرعا فلا يملكه من سبق إليه، بل هو لمالكه. (3) وكذا مع الاعراض، لان الاعراض لا يرفع الملكية. (4) يعني: وإن كان البذر من أحدهما. (5) قد عرفت في المسألة الخامسة عشرة أن الاشتراك يكون في جميع التطورات الواردة على البذر، ولا يختص بالحاصل، ومنها أصول الزرع

[ 134 ]

[ وكذا إذا بقي في الارض بعض الحب (1) فنبت، فانه مشترك بينهما مع عدم الاعراض (2). نعم لو كان الباقي حب مختص بأحدهما (3) اختص به. ثم لا يستحق صاحب الارض أجرة لذلك الزرع النابت على الزارع في صورة الاشتراك أو الاختصاص به وإن انتفع بها، إذ لم يكن ذلك من فعله (4)، ولا من معاملة واقعة بينهما (5). ] فتكون مشتركة بينهما. ثم إن المصنف حرر المسألة بما إذا نبت أصل الزرع ولا ينبغي التأمل في اشتراك النابت بينهما، لاشتراك أصل الزرع. وفي التذكرة حرر المسألة بما إذا نبت الحب، ومثله في الجواهر. ولا ينبغي التأمل في اختصاص النابت بصاحب البذر للتبعية، ولذا نسب في التذكرة ذلك إلى علمائنا والشافعي، معللا له: بأنه عين ماله، وحكى عن أحمد القول بأنه لصاحب الارض، ولم يحك عن أحد القول بالاشتراك. ومن ذلك تعرف اختلاف حكم المسألتين. (1) يعني: من الحاصل المشترك. (2) وكذا مع الاعراض، كما عرفت (3) من جهة قسمة الحاصل. (4) كما لو أطارت الريح الحب إلى أرض زيد فصار زرعا. اللهم إلا أن يقال: الاستيفاء الموجب للضمان أعم من ذلك. لكنه غير ظاهر والاصل البراءة، ولاجل ذلك يظهر ما جزم في الجواهر من أن عليه أجرة الارض لمالكها. (5) يعني حتى يكون الامر الحاصل من المعاملة موجبا لصدق الاستيفاء فان الاستفياء كما يحصل بمباشرة استيفاء المنفعة يحصل أيضا بالامر بالفعل، كما إذا أمره بحلق رأسه فامتثل الامر وحلق، فان الآمر يكون هو المستوفي للمنفعة.

[ 135 ]

[ (مسألة 23): لو اختلفا في المدة وأنها سنة أو سنتان مثلا فالقول قول منكر الزيادة (1). وكذا لو قال أحدهما: إنها ستة أشهر والاخر قال: إنها ثمانية أشهر (2). نعم لو ادعى المالك مدة قليلة لا تكفي لبلوغ الحاصل ولو نادرا ففي تقديم قوله إشكال (3). ولو اختلفا في الحصة قلة وكثرة فالقول قول صاحل البذر المدعي للقلة. هذا إذا كان نزاعهما في زيادة المدة أو الحصة وعدمها. وأما لو اختلفا في تشخيص ما وقع عليه العقد وأنه وقع على كذا أو كذا، فالظاهر التحالف (4) ] (1) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر، بل في جامع المقاصد: الاجماع عليه، ويقتضيه الاصل. فان قلت: إذا كان الشك في المدة أنها سنة أو سنتان فقد شك في بقاء المزارعة بعد السنة، والاصل بقاؤها. قلت: الشك في البقاء ناشئ من الشك في جعل المتعاقدين والاصل عدم جعل الزيادة، فيكون حاكما على أصالة بقاء المزارعة. (2) لعين ما سبق. (3) لمخالفته لاصالة الصحة المقدمة على أصالة عدم الزيادة، لما عرفت من اعتبار كون المدة كافية في بلوغ الزرع في صحة المزارعة. (4) قال في جامع المقاصد: " لو لا الاجماع لامكن أن يقال: إن اتفاقهما على عقد تضمن تعيين مدة وحصة نقل عن الاصل المذكور وكل منهما مدع لشئ ومنكر لما يدعيه الآخر، وليس إذا ترك دعوى الزيادة مطلقا يترك، فانه إذا ترك العمل طالبه به. نعم يجئ هذا إذا وقع الاختلاف عند انتهاء الامر. فيجب التحالف، وهو قول الشافعي في نظيرة في المساقاة ". وأشكل عليه في المسالك: بأن العقد المتضمن لهما

[ 136 ]

(يعني المدة والحصة) إنما أخرج عن حكم الاصل - أصل المدة والحصة - أما في قدر معين فلا فيبقى إنكار الزيادة فيهما بحاله لم يخرج عن حكم الاصل بشئ. والمراد بمن يترك إذا ترك في نفس ذلك المدعى، وهو هنا المدة الزائدة، والحصة الزائدة، أما العمل فهو أمر خارج عن الدعوى فلا أثر للمطالبة في هذه المنازعة ". أقول: إذا كان مدعي الزيادة الزارع فهو إذا ترك الدعوى ترك ولا يطالب حتى بالعمل، لان المالك المنكر للزيادة ليس له المطالبة بالعمل لانها مطالبة بغير حق اعترافه بعدم الزيادة ولاجله يشكل ما يظهر من المسالك من جواز مطالبة المنكر بالعمل. لكنه خارج عن محل الدعوى. وأما ما في جامع المقاصد من دعوى التحالف في المقام فقد تكرر منه نظيره في موارد كثيرة - كما يظهر من مراجعة ما ذكرناه في كتاب الاجارة في جملة من مباحث التنازع - ووافقه عليه في الجواهر في بعضها وربما وافقه هنا أيضا في الجملة. قال (ره): " لا ريب في عدم التحالف في مسألة المدة لو كانت في نفس استحقاق الزائد منها من دون تعرض في الدعوى لسببه، ضرورة كون إنكارها على مقتضى الاصل، أما لو كانت الدعوى في سبب استحقاقها بعد اتفاقهما على كونه عقدا مشخصا ووقع النزاع في كيفية تشخيصه - فقال المالك مثلا: إنه بمدة قليلة، وقال العامل: إنه بمدة كثيرة - فلا ريب في أن المتجه التحالف لكون كل منهما مدعيا ومنكرا، ودعوى كل منهما مخالفة للاصل، والقلة والكثرة بالنسبة إلى تشخيصهما العقد على حد سواء في مخالفة الاصل. إلا أن ظاهر الاصحاب هنا تقديم قول مدعي القلة حتى لو كانت الدعوى على الفرض المزبور ". وما نسبه إلى ظاهر الاصحاب هو المتعين. وما ذكره في توجيه التحالف إنما يتم بناء على أن المعيار في تشخيص

[ 137 ]

المدعي والمنكر مصب الدعوى. لكن الظاهر خلافه، وأن المعيار في تشخيص ذلك الغرض المقصود من الدعوى، كما أشرنا إلى ذلك في شرح المسألة الاولى من فصل التنازع من كتاب الاجارة، وأشار إليه المصنف (ره) في كتاب القضاء. وقد قال في الجواهر في مسألة مالو اختلف المتبايعان في قدر الثمن أو في قدر الاجل أو نحو ذلك، قال - بعد أن ذكر اختلاف الحكم باختلاف إبراز الدعوى -: " قد يقال: بأن القول قول مدعي الاقل على أي حال أبرزت الدعوى إذا كان المراد اشغال الذمة بالاكثر، ضرورة أن أقضاه الاختلاف في السببين - أي السبب الموجب للاقل والسبب الموجب للاكثر - ولا ريب في موافقة الاصل للاول. ومن هنا أفتى الاصحاب من غير خلاف يعتد به في سائر المقامات حتى في الجنايات الموجبة للمال لو وقع النزاع في السبب الموجب للاقل منها أو الاكثر. فلاحظ وتأمل، فان ذلك هو التحقيق في المسألة، بل هو الذي يوافق صدق المدعي عرفا ". والمتحصل مما ذكرناه أمور: (الاول) أن جامع المقاصد أرجع النزاع في جميع هذه الموارد إلى النزاع في تشخيص العقد وجعله من التداعي. (الثاني): أن صاحب الجواهر فصل بين أن يكون مصب الدعوى تشخيص العقد وأن يكون الزيادة والنقصان، فعلى الاول يكون من التداعي وعلى الثاني يكون من المدعي والمنكر. وتبعه عليه المصنف (ره) هنا وفي بعض الموارد الاخرى. (الثالث): أن ظاهر الاصحاب - هنا وفي جميع الموارد - أن المدار في تشخيص المدعي والمنكر الغرض المقصود، كما اعترف به جامع المقاصد والجواهر والمصنف. (الرابع): أن صاحب الجواهر قد حقق في بعض كلام له في كتاب البيع أن التحقيق ما هو ظاهر الاصحاب.

[ 138 ]

[ - وإن كان خلاف اطلاق كلماتهم (1) - فان حلفا أو نكلا فالمرجع أصالة عدم الزيادة. (مسألة 24): لو اختلفا في اشتراط كون البذر أو العمل أو العوامل على أيهما فالمرجع التحالف (2)، ومع حلفهما أو نكولهما تنفسخ المعاملة (3). (مسألة 25): لو اختلفا في الاعارة والمزارعة، فادعى الزارع أن المالك أعطاه الارض عارية للزارعة، والمالك ادعى المزارعة، فالمرجع التحالف أيضا (4)، ومع حلفهما أو نكولهما ] (1) قد عرفت أنه هو الذي يقتضيه التحقيق، وقد تقدم في كتاب الاجارة ماله نفع في المقام. (2) قد تقدم القول بأن إطلاق المزارعة يقتضي كون البذر على العامل وعليه فالخلاف يكون بينهما في اشتراط كونه على المالك وعدمه، ومقتضى ذلك كون القائل بكونه على المالك مدعيا لمخالفة قوله الاصل والاطلاق، وخصمه منكرا لموافقة قوله الاطلاق، فيكون على الاول البينة وعلى الثاني اليمين. (3) لعدم الباذل للبذر الذي لابد منه في قوامها. وكذا في بقية الامور. ثم إن هذا الانفساخ ليس واقعيا، بل هو بحسب حكم القاضي فمن يعلم أن عليه البذر يجب عليه بذله والعمل بمقتضى الشرط والعقد. (4) لان كلا منهما يدعي خلاف الاصل، إذ الاصل عدم المزارعة وعدم العارية. قال في الشرايع: " لو اختلفا فقال الزارع: أعرتنيها، وأنكر المالك وادعى الحصة أو الاجرة، ولا بينة، فالقول قول صاحب الارض، ويثبت له أجرة المثل مع يمين الزارع. وقيل: يستعمل القرعة.

[ 139 ]

[ تثبت أجرة المثل للارض (1). فان كان بعد البلوغ فلا اشكال ] والاول أشبه ". وكأن راده أن القول قول صاحب الارض في عدم العارية، لافي دعواه الحصة أو الاجرة، كما عبر بذلك في القواعد، قال: " ولو ادعى العامل العارية والمالك الحصة أو الاجرة قدم قول المالك في عدم العارية، وله أجرة المثل مع يمين العامل ما لم تزد عن المدعى "، ونحوها عبارة التذكرة. ولا يخفى ما فيها من سقم التعبير، فانها توهم أن المالك منكر والعامل مدع، مع أن كلا منهما مدع من جهة ومنكر من جهة، فان المالك مدع للحصة ومنكر للعارية والعامل مدع للعارية ومنكر للحصة، فيقدم قول كل منهما في نفي دعوى الآخر بيمينه، وهذا هو التداعي الذي حكمه التحالف، كما عبر به العلامة في التحرير، قال: " لو ادعى العارية وادعى المالك الحصة أو الاجرة ولا بينة تحالفا، ويثبت لصاحب الارض أجرة المثل "، وتبعه في ذلك المصنف. وهو واضح معنى ودليلا. (1) قد عرفت أن البناء على التحالف واضح. ولكن الاشكال في استحقاق المالك أجرة المثل، فانه لا يدعيه وإنما يدعي الحصة المسماة، ولم تثبت بالبينة، بل بنى على انتفائها بيمين المنكر، فما الذي اقتضى إثبات أجرة المثل؟! ولذلك حكي عن عارية الخلاف والمبسوط والغنية واللمعة والكفاية: العدم. وذكر الاردبيلي (ره) في شرحه للارشاد في مسألة ما لو ادعى مالك العين الاجارة والمتصرف بها العارية أنه إذا حلف المتصرف على نفي الاجارة لم يلزمه شي عوض التصرف، لاصالة البراءة، ولا نسلم أن الاصل حصول أجرة وعوض لصاحب المال. انتهى. وظاهر كلامه - يعني كلام الاردبيلي (ره) - إنكار أصالة ضمان المال. ولذلك أشكل عليه في الجواهر: بأن أصل البراءة مقطوع بقاعدة

[ 140 ]

الضمان المستفادة من قوله: " على اليد... " و " من أتلف... " ونحوهما، وإلا لزم عدم ضمان كل متلف لكل مال شخص بدعوى الهبة، بل لا يحتاج إلى الدعوى بأصالة البراءة، والتزامه واضح الفساد. والفرق بين المنفعة والعين أوضح فسادا، وذهاب اليمين بما فيها إنما هو بالنسبة إلى ما نفته من الاجرة والحصة المسماة لاغيرهما، كما هو واضح. انتهى. وكان الاولى الاستدلال بما دل على ضمان المنفعة بالاستيفاء من إجماع العرف والمتشرعة عليه. وكيف كان فإذا كان الوجه في عدم ضمان أجرة المثل في المقام عدم الدليل على ضمان المنفعة بالاستيفاء فاشكاله ظاهر، وضعفه واضح. وإن كان الوجه فيه أن دعوى المالك الاجرة المعينة أو الحصة تستلزم الاعتراف بعدم استحقاق غيرها من أجرة المثل أو غيرها، فيؤخذ باعترافه واقراره. ففي محله، عملا بعموم: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز. اللهم إلا أن يقال: إن دعوى الضمان بالاجرة المعينة أو الحصة راجعة إلى دعوى الضمان المقيد، فان كان التقييد على نحو وحدة المطلوب تم ما ذكر، أما إذا كان على نحو تعدد المطلوب " بأن كان المالك يدعي الضمان ويدعي كونه على نحو خاص، فإذا بطلت دعوى الخصوصية بيمين العامل بقي أصل الضمان بحاله، ولا اعتراف منه حينئذ بعدم الاستحقاق. ولا يبعد أن المرتكزات العرفية توافق على ذلك، فلا مجال إذا للمناقشة فيه. وقد تقدم في المسألة الستين من كتاب المضاربة بعض الكلام في ذلك. فراجع. هذا وقد أطلق المصنف وجوب أجرة المثل بعد التحالف، كما في الشرائع وغيرها. لكن عرفت التقييد في كلام القواعد بعدم زيادة أجرة المثل على الاجرة أو الحصة، ووجهه: أن دعواه الاجرة أو الحصة يقتضى

[ 141 ]

[ وإن كان في الاثناء فالظاهر جواز الرجوع للمالك (1). وفي ] الاعتراف بعدم استحقاق الزائد عليها، فيؤخذ باعترافه ولا يدفع له الزائد ولاجل ذلك وافق القواعد جماعة ممن تأخر عنه. وأشكل عليه في الحدائق: بأن اعترافه بعدم استحقاق الزائد مبني على صحة دعواه وثبوتها، فإذا بني على بطلانها فقد بني على بطلان ما يترتب عليها وفرضهما معدومين وفيه: أن الاعتراف بعدم استحقاق الزائد لا مجال لفرضه كالعدم، فانه خلاف إطلاق الادلة، ولا ملازمة بين بطلان الدعويين وبطلان ما يترتب عليهما من اللوازم الخارجية، وإنما الملازمة بين بطلانهما وبطلان ما يترتب عليهما شرعا، لا عقلا. هذا ولم يتعرض المصنف (ره) لوجه إهمال القيد المذكور كما أنه لم يصرح بالاطلاق، وهل ذلك كان من جهة موافقته للحدائق في الاشكال المذكور، أو من جهة أن موضوع المسألة المزارعة، وعوض منفعة الارض فيها الحصة، وليست هي من جنس أجرة المثل حتى يصح فرض الزيادة والنقيصة بينهما، لاختصاص ذلك بما كانا متحدي الجنس. لكن التقييد بعدم الزيادة في عبارة القواعد كان في مورد المزارعة صريحا، وحمل كلامه على صورة ما إذا كانت الحصة مساوية لاجرة المثل بعيد، ولو كان المراد ذلك كان اللازم في التعبير أن يقال: إنه بعد التحالف يحكم بالاجرة المسماة، فلابد أن يحمل كلامه على صورة كون الزيادة بحسب القيمة لا العين. والوجه المقتضي للتقييد بعدم زيادة أجرة المثل أيضا وارد في ذلك، إذ المالك أيضا يعترف بعدم استحقاق الزيادة في القيمة على المسمى من أجرة أو حصة، فيؤخذ باعترافة. ومن أجل ذلك يتوجه الاشكال على المصنف على كل حال. (1) يعني: الرجوع عن العقد الواقع بينه وبين العامل، لان العامل

[ 142 ]

[ وجوب إبقاء الزرع إلى البلوغ عليه مع الاجرة إن أراد ] يدعي كونه عارية يجوز للمعير الرجوع فيها، وليس له الاعتراض على المالك بأنه يعترف بكونها مزارعة، وهي لا يجوز الرجوع فيها، وذلك لان عدم جواز الرجوع في المزارعة من جهة حق العامل، والمفروض اعتراف العامل بأنه لا حق له. اللهم إلا أن يقال: انما يجوز العمل بالاقرار مع احتمال الموافقة للواقع، لا مع العلم بالخلاف، فإذا كان المالك يعلم بأن العقد مزارعة لا يجوز له الرجوع فيه إلا مع التقابل، ولا يكفي اعتراف العامل بأنه عارية. هذا بالنظر إلى الحكم الواقعي الاولي، أما بالنظر إلى حكم الحالكم بنفي كل من العارية والمزارعة بعد التحالف فيجوز الرجوع عن العقد، لا بمعنى فسخ العقد، بل بمعنى عدم ترتيب آثار العقد، وهذا الجواز جاء من حكم الحكام الذي يحرم رده. والمراد من جواز ذلك أنه إذا فعله المالك فليس للعامل الاعتراض عليه، لان الاعتراض عليه رد لحكم الحالكم لا أنه يجوز ذلك واقعا شرعا. بمعنى أنه لا يؤاخذ عليه، فان حكم الحاكم لا موضوعية له في تبديل الحكم الواقعي، بل الحكم الواقعي على ما هو عليه، ففي صحيح هشام بن الحكم: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان، و بعضكم ألحن بحجته من بعض، فايما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار " (* 1). فإذا حكم الحالكم للمدعي بالبينة أو اليمين المردودة لم يجز له أن يأخذ المال من المدعي عليه إذا كان يعلم ببطلان دعواه. وحكم الحاكم لا يسوغ له أكل مال الغير بغير رضا منه. وإن شئت قلت: حكم الحاكم تارة: يكون اقتضائيا، وأخرى:


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوي حديث: 1.

[ 143 ]

لا يكون اقتضائيا، وكذلك الحكم الواقعي يكون اقتضائيا تارة، وأخرى لا يكون اقتضائيا، فان كان الحكم الواقعي اقتضائيا وحكم الحاكم لا اقتضائيا وجب العمل على الحكم الواقعي، لان العمل عليه لا يكون ردا لحكم الحاكم كما في المثال المذكور، فان ترك أخذ المال من المدعى عليه ظلما لا يكون ردا لحكم الحاكم لجواز الاخذ. وإذا كان الامر بالعكس - بأن كان الحكم الواقعي لا اقتضائيا وحكم الحاكم اقتضائيا - وجب الحكم بحكم الحاكم من دون مزاحم، كما في المثال المذكور بالنسبة إلى الحكومة عليه، فانه يجب على بمقتضى حكم الحاكم دفع المال إلى المدعي، ولا يحرم عليه ذلك بمقتضى الحكم الواقعي فيجب العمل بمقتضى حكم الحاكم، لان ترك العمل به رد لحكم الحاكم وهو حرام. وإذا كانا - معا - اقتضائيين وجب العمل بمقتضى حكم الحالكم بمقدار المزاحمة، لئلا يلزم رده، ويجب العمل بالحكم الواقعي فيما زاد على مقدار المزاحمة، كما إذا ادعى رجل زوجية امرأة ظلما، فحكم الحاكم له فوجب عليها مطاوعته بمقدار المزاحمة، ولا يجوز لها ما زاد على ذلك، فإذا طلب منها المدعي الاستمتاع بها، فان أمكنها صرفه وجب عليها ذلك، وإن أصر على الاستمتاع بها وجب عليها المطاوعة، وتسقط حرمة المطلوعة للاجنبي بدليل حرمة رد الحكم الذي تكون نسبته إلى الحكم الواقعي نسبة الحكم الواقعي الثانوي إلى الواقعي الاولي مقيدا له، وفي غير حال وجوب المطاوعة يحرم عليها التعرض له والتكشف، ولا يجوز لها ذلك، عملا بالحكم الواقعي مادام لا يصدق رد حكم الحاكم. وفي المقام نقول: إن حكم الحاكم بنفي المزارعة ليس حكما اقتضائيا فلا يزاحم الحكم الواقعي بوجوب العمل على عقد المزارعة إذا كان المالك عالما بذلك حسب دعواه، كما أنه يجب على العامل العمل بمقتضى العقد إذا

[ 144 ]

[ الزارع، وعدمه وجواز أمره بالازالة، وجهان (1). وإن كان النزاع قبل نثر الحب فالظاهر الانفساخ بعد حلفهما أو نكولهما (2). (مسألة 26): لو ادعى المالك الغصب والزارع ادعى المزارعة، فالقول قول المالك (3) مع يمينه على نفي المزارعة. ] كان عالما بذلك. (1) أقواهما الاول، لان الزرع كان باذن المالك وقلعه ضرر على العامل، فلا يجوز، لقاعدة نفي الضرر، ولا يعارض بالضرر الوارد على المالك من ابقاء الزرع، لان المالك مقدم على هذا الضرر، سواء كان العقد مزارعة أم عارية. (2) قد عرفت أن حكم الحاكم بعد التحالف كان ينفي كلا من العارية والمزارعة، فبالنظر إليه يبنى على نفيهما معا، أما بالنظر إلى الواقع فان كان عارية فانكارها رجوع بها، أما إذا كان مزراعة فانكارها لا أثر له وحكم الحاكم لا يبدل الواقع، فلا موجب للانفساخ، بل يبقى وجوب العمل بها على تقدير ثبوتها بحاله حتى ينتهي الوقت، كما عرفت في الحاشية السابقة. (3) إذا كان المعيار في تشخيص المدعي والمنكر مصب الدعوى فهما متداعيان، لان كلا منهما يدعي خلاف الاصل، فكما يقدم قول المالك في نفي المزارعة يقدم قول العامل في نفي الغصب. وإذا كان المعيار الغرض المقصود من الدعوى فدعوى المالك الغصب راجعة إلى دعوى ضمان العامل بأجرة المثل وهو منكر للمزارعة، وكلاهما على وفق الاصل. وقد عرفت أن التحقيق الثاني، فيكون القول قول المالك. ومنه يظهر ضعف ما عن التذكرة من أنه يحلف العامل على نفي الغصب، كما عرفت في

[ 145 ]

[ (مسألة 27): في الموارد التي للمالك قلع زرع الزارع هل يجوز له ذلك بعد تعلق الزكاة وقبل البلوغ؟ قد يقال بعدم الجواز (1) إلا أن يضمن حصتها للفقراء، لانه ضرر عليهم والاقوى الجواز (2)، وحق الفقراء يتعلق بذلك الموجود وإن لم يكن بالغا. (مسألة 28): يستفاد من جملة الاخبار (3) أنه يجوز لمن بيده الارض الخراجية أن يسلمها إلى غيره ليزرع لنفسه ويؤدي خراجها عنه. ولا بأس به. ] المسألة السابقة. (1) نسبه في الجواهر إلى ظاهر المحكي عن ابن الجنيد، وعبارته المحكية في المتخلف هكذا: " لو استحقت الارض كان للمالك أن يطالب المزارع بقلع الزرع، إلا أن يكون في ذلك ضرر على أهل الزكاة وغيرهم بتلف حقوقهم منه، فان ضمنه رب الارض لهم وقلع الارض كان مخيرا بين أن يأخذ الجزء منه على تلك الحال وبين أن يضمن الذي غر المزارع قيمة نصف الزرع ثابتا وسلم الزرع كله إليه ". لكن ظاهر ذيل كلامه أن مورده صورة صحة المزارعة وانتهاء المدة إذ لو كانت المزارعة منتفية لم يكن وجه لاخذه الجزء من الزرع. (2) جعله في المختلف هو الوجه، لان حق الفقراء لا يزيد على حق صاحب الزرع، فإذا جاز قلعه بلا ضمان للمزارع جاز أيضا بالنسبة إلى مستحق الزكاة. (3) يشير بذلك إلى خبر ابراهيم بن ميمون، قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن قرية لاناس من أهل الذمة، لا أدري أصلها لهم أم

[ 146 ]

[ مسائل متفرقة: الاولى: إذا قصر العامل في تربية الزرع فقل الحاصل، فالظاهر ضمانه التفاوت (1) بحسب تخمين أهل الخبرة، كما صرح به المحقق القمي (قده) في أجوبة مسائله. الثانية: إذا ادعى المالك على العامل عدم العمل بما اشترط في ضمن عقد المزارعة من بعض الشروط، أو ادعى ] لا، غير أنها في أيديهم، وعليها خراج، فاعتدى عليهم السلطان فطلبوا إلي فاعطوني أرضهم وقريتهم على أن أكفيهم (يكفيهم. خ ل) السلطان بما قل أو كثر، ففضل لي بعد ذلك فضل بعدما قبض السلطان ما قبض قال (ع): لا بأس بذلك، لك ما كان من فضل " (* 1). ونحوه خبر أبي الربيع (* 2)، وخبر أبي بردة بن رجا (* 3). (1) ظاهره ضمان نقص الحاصل الذي ملكه بالمزارعة. لكن لا دليل على ضمان النقص إلا قاعدة الاتلاف، وهي تختص بالنقص الطارئ على الموجود كاملا، ولا تشمل مالو وجد ناقصا. ويحتمل أن يكون المراد نقص العمل المؤدي إلى نقص الحاصل، فان المالك يملك على الزارع العمل الكامل، ولم يأت به كاملا وإنما جاء به ناقصا، فيضمن تفاوت العمل. لكن عرفت - فيما سبق - أن الاعمال الذمية لا تكون مضمونة والاجير على عمل إذا لم يأت به تبطل الاجارة، ولا يستحق الاجرة، لا أنه يستحق الاجرة ويكون ضامنا للعمل للمستأجر. نعم في المقام لما لم يأت بالعمل كاملا يكون للمالك الخيار في فسخ المزارعة، فان كان البذر له كان للعامل أجرة مثل العمل، وإن كان البذر


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 3.

[ 147 ]

[ عليه تقصيره في العمل على وجه يضر بالزرع، وأنكر الزارع عدم العمل بالشرط أو التقصير فيه، فالقول قوله، لانه مؤتمن في عمله (1). وكذا لو ادعى عليه التقصير في ] للزارع عليه أجرة المثل للارض للمالك، فنقص العمل يستوجب الخيار لا الضمان. (1) لولا ذلك لكان القول قول المالك، لمطابقة قوله للاصل، إذ الاصل عدم فعل الشرط وعدم فعل تمام ما يلزم العامل الذي هو معنى التقصير. لكن القاعدة المذكورة مقدمة على الاصل، فيكون العامل منكرا لموافقة قوله للحجة. والوجه في هذه القاعدة السيرة المستمرة على قبول قول الامين فيما اؤتمن عليه، والموظف لاداء عمل في أداء وظيفته، وفي الجواهر عد من الضروريات قبول اخبار الوكيل في التطهير، وهو في محله. ويظهر ذلك واضحا من مراجعة سيرة المتشرعة في جميع الموارد من هذا القبيل، سواء كان أجيرا على عمل فيخبر عن فعله، أو مأمورا متبرعا في عمل فيخبر عن وقوعة. ولعل من هذا الباب قاعدة: (من ملك شيئا ملك الاقرار به) التي ادعى على صحتها الاجماع كثير من الاعاظم، فان الوكيل إذا أخبر عن الفعل الموكل فيه يقبل خبره، والزوج إذا أخبر عن طلاق زوجته يقبل خبره، والحاكم إذا أخبر عن حكمه بالهلال - مثلا - يقبل خبره، والولي إذا أخبر عن العقد للمولى عليه يقبل خبره... وهكذا. والجامع بين ما نحن فيه وبين القاعدة المذكورة هو أنه إذا كان الفعل وظيفة الانسان فأخبر بوقوعه يقبل، سواء كان الجاعل للوظيفة الشارع المقدس أم غيره من الناس، والاول هو مورد قاعدة: (من ملك...) والثاني مورد قاعدة: قبول خبر المؤتمن على فعل إذا أخبر بفعله.

[ 148 ]

[ حفظ الحاصل بعد ظهوره (1) وأنكر. الثالثة: لو ادعى أحدهما على الآخر شرطا متعلقا بالزرع وأنكر أصل الاشتراط، فالقول قول المنكر (2). الرابعة: لو ادعى أحدهما على الآخر الغبن في المعاملة فعليه إثباته (3)، وبعده له الفسخ. الخامسة: إذا زارع المتولي للوقف الارض الموقوفة بملاحظة مصلحة البطون إلى مدة لزم ولا تبطل بالموت، وإما إذا زارع البطن المتقدم من الموقوف عليهم الارض الموقوفة ثم مات في الاثناء قبل انقضاء المدة فالظاهر بطلانها من ذلك الحين، لانتقال الارض إلى البطن اللاحق (4). كما أن الامر كذلك في إجارته لها. لكن استشكل فيه المحقق القمي (قده) بأن عقد المزارعة لازمة ولا تنفسخ إلا بالتقايل أو ببعض الوجوه التي ذكروها، ولم يذكروافي تعدادها هذه الصورة مع أنهم ذكروا في الاجارة بطلانها إذا أجر البطن المتقدم ثم ] وعلى هذه القاعدة إذا نازعه منازع كان مدعيا، لمخالفة قوله للحجة على ما عرفت من أن المدعي من يكون قوله مخالفا للحجة، في مقابل المدعى عليه أو المنكر، وهو من يكون قوله موافقا للحجة. (1) لما عرفت. (2) لموافقة قوله لاصالة عدم الاشتراط. (3) لان الغبن مفهوم وجودي مسبوق بالعدم، فدعواه على خلاف أصالة عدمه. (4) كما هو مقتضى الوقف الترتيبي.

[ 149 ]

[ مات في أثناء المدة، ثم استشعر عدم الفرق بينهما بحسب القاعدة، فالتجأ إلى أن الاجارة أيضا لا تبطل بموت البطن السابق في أثناء المدة وإن كان البطن اللاحق يتلقى الملك من الواقف لا من السابق، وأن ملكية السابق كانت إلى حين موته، بدعوى: أنه إذا أجر مدة لا تزيد على عمره الطبيعي ومقتضى الاستصحاب بقاؤه بمقداره، فكما أنها في الظاهر محكومة بالصحة كذلك عند الشارع وفي الواقع، فبموت السابق ينتقل ما قرره من الاجرة إلى اللاحق (1)، لا الارض بمنفعتها (2)... إلى آخر ما ذكره من النقض والابرام. وفيه ما يخفى (3). ولا ينبغي الاشكال في البطلان بموته في المقامين. ] (1) قال في كتاب المزارعة من كتابه جامع الشتات: " فالالى أن يقال: بعدم بطلان الاجارة في الوقف أيضا إذا مات كل منهما إذا جعل مقدار المدة ما لا يزيد على العمر العادي، اعتمادا على استصحاب البقاء، فيصح عقد الاجارة الذي مقتضاه اللزوم، ويتلقى البطن الثاني وجه الاجارة عن الوقف بواسطة جعل البطن الاول وتصرفه، ويتم الكلام في إطلاقهم في المزارعة وعدم استثنائهم... " (2) لان المنفعة انتقلت إلى المستأجر بالاجارة الصحيحة التي لا تبطل بالموت. (3) إذ لا دليل على ولاية التصرف للبطن الاول على المنفعة الراجعة إلى البطن الثاني. (ودعوى): أن البناء على جواز إجارة البطن الاول في مدة لا تزيد على العمر الطبيعي يقتضي صحتها، فكأن الواقف جعل ولاية التصرف لهم (ممنوعة) إذ لم يثبت الجواز الواقعي، وإنما الثابت

[ 150 ]

[ السادسة: يجوز مزارعة الكافر، مزارعا كان أو زارعا (1). ] الجواز الظاهري الذي ينتفي بانكشاف الخلاف، ويتعين حينئذ العمل بالواقع، فيحكم بصحة الاجارة في مدة حياة البطن الاول دون ما بعد موته. وأشكل من ذلك ما ذكره في إجارة المالك، فانه بعد كلامه السابق قال: " وظهر من جميع ذلك أن المصحح لاجارة المالك في مدة لا يبقى عمره بها في علم الله تعالى وانتقال العين قبل انتهائها إلى الوارث في نفس الامر إنما هو الاستصحاب، مثل اجارة الوقف بعينها، لا لانه ملكه بعد فوته أيضا كما هو واضح ". إذ فيه: أن المالك يصح تصرفه في ماله بالاجارة مدة يعمل بموته في أثنائها، عملا بقاعدة السلطنة، ولا دخل له بالاستصحاب، إذ لا مجال للاستصحاب مع العلم. وقد حكى هو عن حماعة التصريح: بأنه لا تتقدر مدة إجارة الارض بقدر، وفي التذكرة قال: " يجوز إلى مائة ألف سنة "، وجعله قول علمائنا أجمع، فلما الذي دعى إلى إهمال هذا الاجماع وقاعدة السلطنة والعمل بغيرهما مما لا محصل له؟ ومجرد كون المنفعة للوارث بعد موت المالك لا يقتضي قصور سلطنة المالك، فان الوارث يملك ما تركه الميت، لا ما عاوض عليه وأخرجه عن ملكه بالاجارة. (1) لعموم أدلة الصحة. مضافا في الثاني إلى نصوص خيبر (* 1)، وموثق سماعة (* 2).


(* 1) راجع الوسائل باب: 10 من ابواب بيع الثمار، وباب: 8، 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة، وغيرها. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب كتاب المزارعة والسماقاة حديث: 1.

[ 151 ]

[ السابعة: في جملة من الاخبار (1) النهي عن جعل ثلث للبذر وثلث للبقر وثلث لصاحب الارض، وأنه لا ينبغي أن يسمي بذرا ولا بقرا، فانما يحرم الكلام. والظاهر كراهته (2) وعن ابن الجنيد وابن البراج حرمته، فالاحوط الترك. الثامنة: بعد تحقق المزارعة على الوجه الشرعي يجوز لاحدهما (3) بعد ظهور الحاصل أن يصالح الآخر عن حصته بمقدار معين من جنسه (4) أو غيره بعد التخمين (5) بحسب المتعارف، بل لا بأس به قبل ظهوره أيضا (6). كما أن الظاهر جواز مصالحة أحدهما مع الآخر عن حصته (7) في هذه القطعة ] (1) تقدمت الاشارة إلى هذه الاخبار في المسألة الثانية عشرة. (2) لان الاخبار المذكورة مهجورة عند الاصحاب، كما تقدم في المسألة الثانية عشرة، وتقدم أنه في الجواهر مال إلى القول بظاهرها وتقدم الاشكال عليه. فراجع. (3) لعمومات صحة الصلح. (4) تقدم في المسألة العشرين أنه لا ربا ولو مع التفاوت، لعدم كونه من المكيل والموزون. (5) أو بدونه. لعموم صحة الصلح، ولا دليل على اعتبار التخمين وما دل على النهي عن الغرر مختص بالبيع. (6) مع العلم بوجوده في المستقبل، أما مع عدمه فلا دليل على صحة الصلح، لعدم ثبوت موضوعه. (7) لعمومات الصحة. وقد تقدم في المسألة العشرين ماله نفع في المقام.

[ 152 ]

[ من الارض بحصة الآخر في الاخرى، بل الظاهر جواز تقسيمهما بجعل إحدى القطعتين لاحدهما والاخرى للآخر. إذ القدر المسلم لزوم جعل الحصة مشاعة من أول الامر وفي أصل العقد (1). التاسعة: لا يجب في المزارعة على أرض إمكان زرعها من أول الامر (2) وفي السنة الاولى. بل يجوز المزارعة على أرض بائرة لا يمكن زرعها إلا بعد إصلاحها وتعميرها سنة أو أزيد. وعلى هذا إذا كانت ارض موقوفة - وقفا عاما أو خاصا - وصارت بائرة يجوز للمتولي أن يسلمها - إلى شخص بعنوان المزارعة إلى عشر سنين أو أقل أو أزيد - حسب ما تقتضيه المصلحة - على أن يعمرها ويزرعها إلى سنتين مثلا لنفسه (3) ثم يكون الحاصل مشتركا بالاشاعة بحصة معينة. العاشرة: يستحب للزارع - كما في الاخبار - الدعاء عند نثر الحب، بأن يقول: " اللهم قد بذرنا وأنت الزارع واجعله ] (1) فلا ينافي التقسيم بعد ذلك، كما لا ينافيه تقسيم الحاصل بعد بلوغه. (2) عملا بعمومات الصحة بعد عدم وجود مقيد. (3) هذا لادخل له في تفريع جواز المزارعة على أرض الوقف البائرة على ما ذكره من جواز انفصال الزرع عن سنة عقد المزارعة. بل كان الاولى له تركه، لان اختصاص الزرع بالعامل في السنتين الاوليين - مثلا - ينافي وضع المزارعة من لزوم كون الحاصل مشتركا. (ودعوى): أن ما ذكروه في شرط المزارعة من لزوم الاشتراك في الحاصل يراد به اشتراطه في الجملة، بحيث لا ينافي اختصاص أحدهما به في بعض السنين

[ 153 ]

[ حبا متراكما " (* 1) وفي بعض الاخبار: " إذا أردت أن تزرع زرعا فخذ قبضة من البذر واستقبل القبلة، وقل: (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) (* 2) ثلاث مرات ثم تقول: " بل الله الزارع، ثلاث مرات، ثم قل: اللهم اجعله حبا مباركا، وارزقنا فيه السلامة. ثم انثر القبضة التي في يدك في القراح " (* 2) وفي خبر آخر: " لما هبط آدم (ع) إلى الارض احتاج إلى الطعام والشراب، فشكى ذلك إلى جبرئيل فقال له جبرئيل: يا آدم كن حراثا، فقال (ع): فعلمني دعاء قال: قل: اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول دون الجنة وألبسني العافية حتى تهنئني المعيشة " (* 4). ] (إن صحت) كان اللازم التنبيه عليه في مسألة مستقله، فيقال فيها: إنه لا يشترط في المزارعة أن يكون الزرع مشتركا دائما، بل يكفي أن يكون مشتركا في بعض السنين وإن كان مختصا في بعضها الآخر، فيقول المالك: زارعتك على هذه الارض على أن يكون الزرع مشتركا في السنة الاولى ومختصا بك في الثانية ومختصا بي في الثالثة، لا أن يجعل ذلك من فروع ما حررت له المسألة. مع أن الظاهر عدم تمامية ذلك، فانه خلاف إطلاق الفتاوى والنصوص، مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " لاتقبل الارض بحنطة مسماة، ولك بالنصف و الثلث والربع والخمس لا بأس به. وقال:


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 3. (* 2) الواقعة: 63. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 154 ]

لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس " (* 1). نعم يمكن البناء على صحته لا بعنوان المزارعة، بل بعنوان عقد آخر غيرها، على ما عرفت من الاخذ بعموم صحة العقود وان لم تكن متعارفة بل الظاهر أنه متعارف عند أهل الزراعة، لكنه ليس من الكتب المحررة في كتب الفقهاء.


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 3.

[ 155 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المساقاة وهي معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها (1). ] بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. كتاب المساقاة (1) قد تقدم بعض الكلام في تحقيق مفهوم المزارعة، وهو جار في المقام أيضا. فراجع. ثم إنه اشتهر تحديد المساقاة بما ذكر في كلام الاصحاب وربما أسقط بعضهم لفظ " الثابتة "، وأبدل بعضهم حاصلها بثمرتها، وقرأ بعضهم " النابتة " بالنون. وسيأتي التعرض لذلك إن شاء الله تعالى، ثم إن لفظ المساقاة لم يذكر في الكتاب والسنة، ولا في أخبار الائمة (ع) وإنما ذكر مفهومها والمراد منها في النصوص، كما سيأتي، ولايهم عدم ذكر لفظها. وفي القواعد وغيرها: " هي مفاعلة من السقي سميت به لان أكثر حاجة أهل الحجاز إليه، لانهم يسقون من الآبار ". ولا بأس به.

[ 156 ]

[ ولا اشكال في مشروعيتها (1) في الجملة. ويدل عليها - مضافا إلى العمومات - خبر يعقوب بن شعيب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن الرجل يعطي الرجل أرضه، وفيها رمان أو نخل أو فاكهة، ويقول: إسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج. قال (ع): لا بأس "، وجملة من أخبار خيبر، منها: صحيح الحلبي (3) قال: " أخبرني أبو عبد الله (ع) أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى خيبرا بالنصف أرضها ونخلها، فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة... " هذا مع أنها من المعاملات العقلائية ولم يرد نهي عنها ولاغرر فيها (4) حتى يشملها النهي عن الغرر. ويشترط ] (1) قد ادعى الاجماع عليه جماعة، وفي الجواهر: " جائزة بالاجماع من علمائنا وأكثر العامة "، وفي الحدائق: " دليل صحة هذه المعاملة الاجماع والنصوص " وفي مفتاح الكرامة: " طفحت كتب أصحابنا بحكاية الاجماع على مشروعيتها ". (2) بل هو صحيح، فقد رواه الصدوق عنه بطريقه الصحيح إليه، ورواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن صفوان عنه. والسند صحيح، ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يحيى عمن بعده عنه (* 1). (3) رواه في الكافي عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عنه. والسند مصحح لاجل إبراهيم بن هاشم (* 1). (4) فيه منع ظاهر، ولذا منع عنها أبو حنيفة وزفر، على ما في


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب بيع الثمار حديث: 2.

[ 157 ]

[ فيها أمور (الاول): الايجاب والقبول (1). ويكفي فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور (2)، ماضيا كان أو مضارعا أو أمرا (3)، بل الجملة الاسمية مع قصد الانشاء بأي لغة كانت. ] الجواهر، نعم لادليل على المنع عن الغرر كلية. ومنه يظهر الاشكال في قول المصنف (ره): " حتى يشملها... ". (1) لانها من العقود، لما عرفت سابقا من أن المفهوم العقدي هو الذي يتعلق بشخصين على نحو يحدد سلطنتهما، وهذه المعاملة كذلك لانها تلزم العامل بالعمل وتلزم المالك ببذل ملكه، فلابد فيها من الايجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما، بأن كان الانشاء متضمنا لاعمال السلطنتين معا، كما في إنشاء ولي الطرفين أو الوكيل عنهما. (2) عملا بعمومات الصحة وإطلاقاتها. (3) قد عرفت - في بعض المباحث السابقة. أن الامر ليس إنشاء للمفهوم الايقاعي، فلا يكون إيجابا ولا قبولا، وإنما هو قائم مقام الايجاب باعتبار أنه إعمال لسلطنة المالك وبذل لملكه لان يعمل العامل فيه، نظير قول المالك لغيره: أذنت لك في أن تتملك ملكي، فان المخاطب إذ قال: تملكت، تم الملك بلا إيجاب، لقيام الاذن مقامه. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما قد يظهرمن الشرائع وصريح غيرها من اعتبار الماضي، فلا يصح بغيره. كما يظهر الاشكال فيما في المسالك حيث قال: " وزاد في التذكرة: تعهد نخلي بكذا، أو اعمل فيه بكذا. ويشكل بما مر في نظائره من عدم صراحة الامر في الانشاء، كما لا وجه لاخراج هذا العقد اللازم من نظائره، وقد نوقش في الاكتفاء في المزارعة بلفظ الامر مع الاستناد فيها إلى النص وهو منتف، مضافا إلى أن النص موجود هنا وغير منتف، وهو صحيح يعقوب المتقدم

[ 158 ]

[ ويكفي القبول الفعلي (1) بعد الايجاب القولي. كما أنه يكفي المعاطاة (2). (الثاني): البلوغ والعقل والاختيار (3). (الثالث): عدم الحجر لسفه أو فلس. (الرابع): كون الاصول مملوكة (4) عينا ومنفعة، أو منفعة فقط، أو كونه ] (1) لدلالته على الالتزام النفسي المقوم للقبول كاللفظ، فيشمله عموم صحة العقود. (2) قال في المسالك: " وجريان المعاطاة هنا بعيد، لاشتمال هذا العقد على الغرر وجهالة العوض، بخلاف البيع والاجارة، فينبغي الاقتصار فيه على موضع اليقين " وقد سبقه إلى ذلك في جامع المقاصد. ولكنه ظاهر الاشكال، لان عموم أدلة الصحة لا يفرق فيه بين اللفظ والمعاطاة، فإذا جاز الغرر في الاول جاز في الثاني، نعم يتم لو لم يكن عموم يقتضي الصحة. وكان دليل الصحة يختص باللفظ فيتعين الرجوع في غيره إلى أصالة عدم ترتب الاثر. وفي المقام وإن كان صحيح يعقوب المتقدم يختص باللفظ. لكن روايات خيبر عامة له وللفعل، ومثلها العمومات الاولية. (3) لما دل على اشتراطها في صحة التصرف، كما أشرنا إلى ذلك في كتاب الاجارة، هذا ولا يظهر وجه لجعل الثلاثة المذكورة شرطا واحدا مع تباينها. وكان الاولى أن يجعل أحد الشرطين الاختيار، والثاني عدم الحجر لعدم البلوغ أو لعدم العقل أو للسفه أو للفلس. (4) كان المناسب جعل هذا الشرط أولا، وتكون الشروط السابقة مبنية عليه، إذ لو لم تكن العين مملوكة وكان المتصرف مأذونا صح التصرف وإن لم يكن بالغا ولا مختارا أو كان مفلسا أو كان سفيها، فليست الشروط السابقة شروطا في مقابل الشرط المذكور، بل إنما تكون شروطا على تقدير الملكية لاغير.

[ 159 ]

[ نافذ التصرف فيها، لولاية أو وكالة أو تولية. (الخامس): كونها معينة عندهما (1) معلومة لديهما. (السادس): كونها ثابتة مغروسة (2)، ] (1) يحتمل أن يكون المراد به ما يقابل المرددة. ولا إشكال في اعبتار ذلك، لان المردد لا وجود له في الخارج، فلا يكون موضوعا للاحكام. ويحتمل أن يكون المراد به المعلومة، فيكون قوله:، معلومة، تفسيرا له، فالشرط واحد، وهو أن تكون معلومة، كما صرح به جماعة، قال في القواعد:، يجب أن تكون الاشجار معلومة "، قال في جامع المقاصد في شرح ذلك:، إما بأن تكون مرئية مشاهدة وقت العقد أو قبله أو موصوفة بوصف يرفع الجهالة، فلا يصح بدون ذلك، لان المساقاة عقد اشتمل على الغرر من حيث أن العوض فيه معدوم في الحال مجهول القدر والوصف، فلا يحتمل فيه غرر آخر. ولانها معاملة لازمة فلابد فيها من العلم الا ما استثناه الشارع، ولابد منه فيها ". ولا يخفى ما في الاستدلال عليه بما ذكر. وفي الارشاد: " إذا كانت مرئية " فاشترط الرؤية بالخصوص ولم يكتف بمطلق العلم. وفي مجمع البرهان: " كأنه يلزم ذلك من تعريفها حيث قيل فيه: إنه لابد أن يكون شجرا له أصل ثابت، ولا يكون كذلك إلا إذا كانت مرئية، ولانه مع عدم الرؤية مجهول. فتأمل ". ولا يخفى أيضا ما في الاستدلال بما ذكر. فكأن المستند الاجماع، ولا يخلو من تأمل، لعدم تعرض الاكثر له. (2) بلا خلاف الا من بعض العامة، كما في المسالك، وفي جامع المقاصد: " لاشك في عدم صحة المساقاة على ما ليس بمغروس، ولم ينقل في ذلك خلاف إلا لاحمد، وعلله في التذكرة: بأنه قد لا يعلق،

[ 160 ]

[ فلا تصح في الودي (1)، أي الفسيل قبل الغرس (السابع): تعيين المدة (2) بالاشهر والسنين وكونها بمقدار يبلغ فيه الثمر غالبا (3). ] وهذا غرر فلا يجوز ". وهذا التعليل كما ترى. فالاولى أن يقال: بأن دليل المساقاة من النصوص والفتاوى مختص بالثابت ولا يشمل المقلوع، قال في الشرائع: " ولو ساقى على ودي أو شجر غير ثابت لم يصح، اقتصارا على موضع الوفاق "، وفي الجواهر: أنه مقتضى الاقتصار في المعاملة المخالفة للاصول على موضع الوفاق. انتهى. اللهم إلا أن يقال: هذا بالنظر إلى أدلة مشروعية المساقاة، أما بالنظر إلى الادلة العامة فمقتضاها الصحة وإن لم يكن بعنوان المساقاة. (1) بالتشديد على وزن " غني ". (2) يظهر من كلامه اعتبار أمرين (الاول): أن يجب أن تذكر المدة فيها، فلا تجوز المساقاة دائما، فانه يبطل العقد قولا واحدا، لان عقد المساقاة لازم، ولا معنى لوجوب الوفاء به دائما. كذا في المسالك. ويشكل: بأنه لامانع من وجوب الوفاء به دائما مادام الموضوع، فيدخل تحت إطلاق صحيح يعقوب بن شعيب المتقدم من جهة ترك الاستفصال. (الثاني): أنه يجب تعيين المدة بالشهور والسنين، فلا يجوز تقديرها بما يحتمل الزيادة والنقصان، مثل قدوم الحاج. وفي المسالك: نسبه إلى المشهور، واستدل له بقوله: " وقوفا فيما خالف الاصل واحتمل الغرر والجهالة على موضع اليقين "، وقد سبقه في جميع ذلك في جامع المقاصد لكنه يشكل: بأنه يدخل في إطلاق صحيح يععقوب بن شعيب، كما عرفت فيما قبله. (3) هذا غير ظاهر، لجواز عدم احتياج الشجر إلى السقي في جميع

[ 161 ]

[ نعم لا يبعد جوازها في العام الواحد إلى بلوغ الثمر (1) من غير ذكر الاشهر، لانه معلوم بحسب التخمين، ويكفي ذلك في رفع الغرر (2). مع أنه الظاهر من رواية يعقوب بن شعيب المتقدمة (3). ] المدة إلى زمان البلوغ، وتكون المعاملة على سقيه بمقدار الحاجة لاغير، وتنتهي قبل البلوغ. (1) حكى في المسالك ذلك عن ابن الجنيد، لكن عبارته المحكية خالية عن ذكر العام الواحد. قال في المختلف: " وقال ابن الجنيد: ولا بأس بمساقاة النخل وماشا كله سنة وأكثر من ذلك إذا حصرت المدة أولم تحصر، فان ظاهر عدم الحصر الدوام، نعم هذا القول احتمله في القواعد، قال: " ولو قدر المدة بالثمرة فاشكال، " وفي المسالك: أن له وجها، وجعل الاجود هو المشهور. (2) قد أشرنا في كتاب المزارعة إلى أن الغرر إنما يكون للجهل بالخصوصيات التي تختلف بها المالية، ولما كانت المالية قائمة بالثمرة والمدة طريق إلى الثمرة فتعيين المدة دون الثمرة ربما يؤدي إلى الغرر، لعدم بلوغ الزرع، فيكون قلعه موجبا للضرر وإبقاؤه موجبا للخسارة المالية، بخلاف بلوغ الثمرة، فانه لاغرر فيه على العامل ولا على المالك، إذ لا يترتب الاثر على التصرف بالارض بعد بلوغ الثمرة. (3) في الجواهر احتمل فيها الظهور في الدوام، لعدم ذكر المدة. ولكنه غير ظاهر، لان عدم ذكر المدة يقتضي إطلاق الرواية من حيث الدوام والانقطاع، فهي كما تدل على صحة المساقاة في المدة المحدودة تقتضي صحتها في صورة قصد الدوام، كما عرفت.

[ 162 ]

[ (الثامن): أن يكون قبل ظهور الثمر (1)، أو بعده وقبل البلوغ (2)، بحيث كان يحتاج بعد إلى سقي أو عمل آخر. وأما إذا لم يكن كذلك ففي صحتها إشكال (3) وان كان محتاجا إلى حفظ أو قطوف أو نحو ذلك. (التاسع): أن يكون إلى الحصة معينة مشاعة (4)، فلا تصح مع عدم تعيينها ] (1) قال في الشرائع: " وتصح قبل ظهور الثمرة، وهل تصح بعد ظهورها؟ فيه تردد، والاظهر الجواز بشرط أن يبقى للعامل العمل وإن قل مما تستزاد به الثمرة "، ونحوه في القواعد وغيرها. أما الصحة في حال عدم ظهور الثمرة فقد حكى عليها الاجماع جماعة، وفي الجواهر: " الاجماع بقسميه عليه ": وهو المتيقن من نصوص الباب. (2) كما تقدم في الشرائع وغيرها، ونسب إلى المشهور، بل لم يتضح وجود مخالف صريح فيه، ونصوص الباب شاملة له باطلاقها، إذ لاقرينة على اختصاصها بما قبل الظهور، ودعوى ذلك في الجواهر غير ظاهرة. مضافا إلى عموم الوفاء بالعقود. وحمله على المتعارف - كما احتمله في الجواهر - غير ظاهر. مع أن المقام ليس بعيدا عن المتعارف. نعم العموم لا يثبت المساقاة. (3) وفي جامع المقاصد والمسالك: أنه لم يصح إجماعا، وكذا في غيرهما، ولاجله يشكل الاخذ باطلاق وجوب الوفاء بالعقود ونحوه. اللهم الا أن يكون المراد أنه لا تصح مساقاة، لا أنها لا تصح مطلقا، ولذا حكي عن بعض جواز ذلك. وحينئذ فالبناء على الاخذ بالعموم متعين، لعدم وضوح المقيد له وإن لم تثبت به المساقاة. (4) أما اعتبار التعيين في مقابل الترديد فوجهه واضح إذ المردد لا يقبل أن يكون موضوعا لحكم من الاحكام إذ لا وجود له في الخارج،

[ 163 ]

[ إذا لم يكن هناك انصراف، كما لا تصح إذا لم تكن مشاعة، بأن يجعل لاحدهما مقدارا معينا والبقية للآخر. نعم لا يبعد جواز أن يجعل لاحدهما أشجارا معلومة وللآخر أخرى (1). ] وأما اعتبار التعيين في مقابل ما يقبل الزيادة والنقيصة - مثل جزء من الثمرة أو شئ منها أو بعضها أو نحو ذلك مما لا تحديد فيه ولا تقدير - فقد صرح به في كلام جماعة بل قيل: " طفحت عباراتهم بذلك " وعن التذكرة وجامع المقاصد: الاجماع عليه، ويقتضيه الاقتصار على ظاهر النصوص لاختصاصها بالحصة المعينة. وأما اعتبار الاشاعة فقد ادعى غير واحد نفي الخلاف فيه، وعن مجمع البرهان نفي الشك فيه، وقد ذكره الجماعة (رض) مرسلين له ارسال المسلمات ويقتضيه الاقتصار على ظاهر نصوص الباب. (1) قال في الشرائع: " ولابد أن يكون للعامل جزء منها مشاعا، فلو أضرب عن ذكر الحصة بطلت المساقاة، وكذا لو شرط أحدهما الانفراد بالثمرة لم تصح المساقاة، وكذا لو شرط لنفسه شيئا معينا وما زاد بينهما، وكذا لو قدر لنفسه أرطالا وللعامل ما فضل أو عكس ذلك، وكذا لو جعل حصة نخلات بعينها وللآخر ما عداها "، ونحوه كلام القواعد وغيرها، والجميع صريح في اعتبار الاشاعة في صحة المساقاة اولا، واعتبار عموم الاشاعة في جميع الثمرة ثانيا، وتقديرها بالكسر المشاع ثالثا. وما ذكره المصنف هنا ينافي اعتبار أصل الاشاعة في الجملة، الذي صرح باعتبارها. (وحملها) على ما يقابل اختصاص أحدهما بمقدار معين والبقية للآخر لا مطلق الاشاعة (غير ظاهر) فالتفصيل بلا فاصل، إذ لو بني على الاقتصار على مورد النصوص لزم اعتبار الاشاعة في تمام الثمرة على السوية. وإذا بني على الرجوع إلى الادلة العامة اقتضت

[ 164 ]

[ بل وكذا لو اشترط اختصاص أحدهما بأشجار معلومة (1) والاشتراك في البقية، أو اشترط لاحدهما مقدار معين مع الاشتراك في البقية إذا علم كون الثمر أزيد من ذلك المقدار وأنه تبقى بقية. (العاشر): تعيين ما على المالك من الامور وما على العامل من الاعمال (2) إذا لم يكن هناك انصراف. ] الغاء اعتبار الاشاعة بالمرة، فالتفصيل في اعتبار الاشاعة بين أن تكون بالمعنى المذكور في كلام المصنف دونها بالمعنى الاخر بلا فاصل. بل هذه الصورة اولى بالبطلان من الصورة الاولى، إذ لا اشاعة فيها أصلا، بخلاف الاولى فان فيها اشاعة في تمام الثمرة، غاية الامر أن حصة أحدهما مقدرة بالوزن. وبالجملة فكلام المصنف يتوجه عليه الاشكال من وجوه: (الاول): أنه متناف في نفسه لان اعتبار الاشاعة ينافي القول بالجواز في هذه الصورة (الثاني): أنه مخالف لكلام الفقهاء. (الثالث): أنه مخالف للادلة الخاصة، لاقتضائها المنع من هذه الصورة، والعامة لاقتضائها الجواز في الصورة الاولى. (1) هذا وما بعده لا ينافيان اعتبار الاشاعة في الجملة، لحصول الاشاعة بين حصتيهما في بعض الحاصل، لكن الدليل على اعتبار الاشاعة قد عرفت أنه ظاهر في اعتبارها في جميع الثمرة، فإذا بني على العمل به لم تجز هاتان الصورتان أيضا، كما عرفت في الصورة السابقة. (2) قد تقدم في كتاب المزارعة أن مقتضى إطلاق المساقاة وجوب جميع الاعمال المتعلقة بالثمرة على العامل وإن كانت مما لا يتكرر كل سنة أو كان مما يفتقر إلى بذل المال، مثل حفر الانهار والآبار وتعمير الدولاب وغير ذلك، لان جميع ذلك يتوقف عليه عمل العامل الواجب، وما يتوقف

[ 165 ]

[ (مسألة 1): لا إشكال في صحة المساقاة قبل ظهور الثمر (1)، كما لا خلاف في عدم صحتها بعد البلوغ والادراك بحيث لا يحتاج إلى عمل غير الحفظ والاقتطاف (2). واختلفوا في صحتها إذا كان بعد الظهور قبل البلوغ (3)، والاقوى - كما أشرنا إليه (4) - صحتها، سواء كان العمل مما يوجب الاستزادة أولا (5)، خصوصا إذا كان في جملتها بعض ] عليه الواجب فهو واجب. نعم لما كان موضوع المساقاة الاصول تكون المساقاة مقتضية لكل عمل زائد على الاصول وما يتعلق بها من أعمال، وإن كانت هي أيضا يتوقف عليها وجود الثمرة، لكنها خارجة عما تقتضيه المساقاة. وان شئت قلت: المنصرف إليه الاعمال التي لا ترتبط بالاصول، وانما ترتبط بالثمرة لاغير. وسيأتي في المسألة التاسعة تمام الكلام فيه. (1) قد تقدمت حكاية الاجماع على الصحة حينئذ. (2) تقدمت دعوى الاجماع من جامع المقاصد والمسالك وغيرهما على عدم صحة المساقاة حينئذ، لكن حكي عن المهذب البارع أنه ذكر فيه: " أنه يكفي في الجواز بقاء عمل تنتفع به المثرة ولو في إبقائها وحفظها، فلو صارت رطبا تاما وهي مفتقرة إلى الجذاذ والتشميس والكبس في الظروف جازت المساقاة عليها ". وقد عرفت أن مقتضى القواعد العامة الصحة وإن لم يكن بعنوان المساقاة، وان نصوص الباب قاصرة عن إثباته. (3) قد عرفت أنه لم يعرف مخالف صريح في الجواز إذا كان العمل تستزاد به الثمرة. نعم تردد في الشرائع فيه واختار الصحة. (4) الذي تقدم منه الصحة في الصورة الاولى فقط وتوقف في الثانية. (5) قد عرفت أن أدلة الباب تقصر عن اثبات الصحة حينئذ،

[ 166 ]

[ الاشجار التي بعد لم يظهر ثمرها. (مسألة 2): الاقوى جواز المساقاة على الاشجار التي لا ثمر لها وإنما ينتفع بورقها (1)، كالتوت والحنا ونحوهما. ] لكن الادلة العامة تقتضيها من غير مقيد ظاهر، وإن كانت لا تثبت عنوان المساقاة. والمناقشة في عموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (* 1) وقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) (* 2) باختصاصهما بالعقود المتعارفة - كما احتمله في الجواهر - غير ظاهرة، كما عرفت. مع أنه يمكن أن تكون المعاملة على ذلك ايقاعا على نحو الجعالة لاعقدا. (1) كما في القواعد: أنه أقرب، وفى غيرها: أنه غير بعيد وحكي عن كثير من كتب المتأخرين ومتأخريهم، بل الظاهر أنه المشهور. نعم تردد في الشرائع وحكي ذلك عن غيرها، وكأنه لعدم وضوح اطلاق يقتضي الجواز والاصل عدم ترتب الاثر. لكن في صحيح يعقوب المتقدم: " إسق هذا من الماء، واعمره ولك نصف ما أخرج " والخارج كما يشمل الثمر يشمل الورق إذا كان هو المقصود من الشجر. لكن مورده غير ما نحن فيه، فلا عموم فيه. نعم في صحيح يعقوب الآخر قال (ع): " وكذلك أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر حين أتوه، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت " (* 1) وكأنه إلى ذلك أشار في المسالك بقوله: " وفي بعض الاخبار ما يقتضي دخوله، والقول بالجواز لا يخلو من قوة ". لكن الاستدلال به يتوقف على العلم بوجود ما هو محل الكلام في خيبر.


(* 1) المائدة: 1. (* 2) النساء: 29. (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب كتاب المزارعة مو المساقاة حديث: 2.

[ 167 ]

[ (مسألة 3): لا يجوز عندهم المساقاة على أصول غير ثابتة (1)، كالبطيخ والباذنجان والقطن وقصب السكر ونحوها وإن تعددت اللقطات فيها كالاولين. ولكن لا يبعد الجواز، للعمومات (2) وإن لم يكن من المساقاة المصطلحة. بل لا يبعد ] اللهم إلا أن يكون بيان الامام يقتضي العموم. ولعل مراد الحدائق من عدم وجود نص في المساقاة على ما كان كذلك. انتهى. عدم وجود النص بالخصوص فلاحظ. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في الجواهر من التفصيل بين أن تكون المساقاة على هذه الاشجار تبعا فيجوز ومستقلا فلا يجوز، للزوم الاقتصار على المتيقن فيما كان على خلاف الاصل، وفيه من الغرر ما ليس في غيره. إذ العموم مقدم على الاصل، والغرر غير قادح كلية. نعم الدليل الخاص يختص بصورة الانضمام فيكون من المساقاة المصطلحة، وفي غيرها يكفي العموم وإن لم تكن منها. مع إمكان التعدي عن مورد الدليل الخاص إلى غيره، كما يقتضيه الارتكاز العرفي. ولذا لم يعرف التفصيل المذكور لغيره. اللهم إلا أن يقال إن الدليل على الصحة عام، لكن الاصطلاح خاص. (1) قد تقدم تعريف المساقاة في كلام المصنف - تبعا للمشهور - بأنها معاملة على أصول ثابتة، والاصول الثابتة لا تشمل ما هو محل الكلام وبعضهم أسقط هذا القيد، وعن بعض أنه قرأ: " النابتة " بالنون بدل الثاء. (2) يعني عموم: (أوفوا بالعقود) (* 1) و (إلا أن تكون تجارة عن تراض) (* 2) ونحوهما. لكن استشكل في الجواهر في ذلك بأن (أوفوا


(* 1) المائدة: 1. (* 2) النساء: 29.

[ 168 ]

[ الجواز في مطلق الزرع كذلك، فان مقتضى العمومات الصحة (1) بعد كونه من المعاملات العقلائية، ولايكون من المعاملات الغررية (2) عندهم، غاية الامر أنها ليست من المساقاة المصطلحة (3). (مسألة 4): لا بأس بالمعاملة على أشجار لا تحتاج إلى ] بالعقود) و (إلا أن تكون تجارة عن تراض) لا يثبت بهما شرعية الافراد المشكوكة من المعاملة المعهودة التي لها أفراد متعارفة، وإنما المراد من الاول بيان اللزوم، ومن الثاني عدم أكل المال بالباطل إذا كان بالتجارة المتعارفة، لا أن المراد شرعية كل عقد وكل تجارة يقع الاتفاق عليهما من المتعاقدين، كما هو واضح بأدنى تأمل. انتهى. ولا يخفى ما فيه - وان تكرر منه ذلك في كثير من الموارد - فانه خلاف العموم والاطلاق من دون قرينة، ومن الخفي جدا الوجه في قوله: " وهو واضح بأدنى تأمل ". ثم إن كون المراد من الاول اللزوم ومن الثاني خلاف الباطل مسلم، لكنه لا يجدي فيما ذكره من الحمل على المتعارف. مع أن كون محل الكلام خلاف المتعارف غير ظاهر، مضافا إلى إمكان دخول المقام في صحيح يعقوب المتقدم، وإن كان الاصطلاح خاصا بغيره. (1) بل مقتضى صحيح يعقوب المتقدم أيضا. (2) لا إشكال في أنها غررية للجهل بمقدار الحاصل، لكن لادليل على المنع من الغرر كلية، كما عرفت. (3) لكن عن الشيخ (ره) أنه جوز المساقاة على البقل الذي يجز مرة بعد أخرى، وعن جامع الشرايع: جواز المساقاة على الباذنجان. والاشكال عليها ظاهر، إلا أن يكون استعمال المساقاة من باب المجاز.

[ 169 ]

[ السقي (1) لاستغنائها بماء السماء أو لمص أصولها من رطوبات الارض وإن احتاجت إلى أعمال أخر، ولا يضر عدم صدق المساقاة حينئذ، فان هذه اللفظة لم يرد في خبر من الاخبار، وإنما هي من اصطلاح العلماء، وهذا التعبير منهم مبني على الغالب، ولذا قلنا بالصحة إذا كانت المعاملة بعد ظهور الثمر واستغنائها من السقي. وإن ضويق نقول بصحتها وإن لم تكن من المساقاة المصطلحة (2). ] (1) قال في القواعد: " وتصح المساقاة على البعل من الشجر، كما تصح على ما يفتقر إلى السقي ". والبعل: كل شجر ونخل وزرع لا يسقى، أو ما سقته السماء، كما عن القاموس، والحكم كاد أن يكون من المسلمات، وعن التذكرة: " لا نعرف فيه خلافا ممن جوز المساقاة، لان الحاجة تدعو إلى المعاملة في ذلك كدعائها فيما يحتاج إلى السقي ". ويقتضيه إطلاق تعريف المساقاة بأنها معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها أو بحصة من حاصلها، على اختلاف التعبيرات، وليس فيه اعتبار السقي بالخصوص. نعم مفهوم المساقاة لغة مأخوذ من السقي لكن وجه التسمية يمكن أن يكون ملاحظة الغالب، والاعتبار بالمفهوم الاصطلاحي لا بالمفهوم اللغوي. وكيف كان يكفي في الحكم بصحة ذلك مثل صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع) المتقدم: " وكذلك أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله خيبرا حين أتوه فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت " (* 1) فانه شامل للمقام، وحكاية الامام (ع)، ذلك يدل على العموم، كما سبق. (2) عملا بالعمومات الدالة على صحة العقود ونحوها.


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2.

[ 170 ]

[ (مسألة 5): يجوز المساقاة على فسلان مغروسة (1) وإن لم تكن مثمرة إلا بعد سنين، بشرط تعيين مدة تصير مثمرة فيها ولو بعد خمس سنين أو أزيد. (مسألة 6): قد مر انه لا تصح المساقاة على ودي غير مغروس، لكن الظاهر جواز إدخاله في المعاملة على الاشجار المغروسة، بأن يشترط على العامل غرسه في البستان المشتمل على النخيل والاشجار (2) ودخوله في المعاملة بعد أن يصير مثمرا (3). بل مقتضى العمومات صحة المعاملة على الفسلان الغير المغروسة إلى مدة تصير مثمرة وان لم تكن من المساقاة المصطلحة (4). (مسألة 7): المساقاة لازمة (5) ] (1) قال في القواعد: " ولو ساقاه عشر سنين وكانت الثمرة لا تتوقع إلا في العاشر جاز، ويكون في مقابلة كل العمل "، ونحوه ما في غيرها. ويقتضيه اطلاق النصوص الواردة في المساقاة، لشمولها له كغيره، والظاهر أنه لا خلاف فيه. (2) ضرورة أن نفي الخلاف في البطلان يختص بغير صورة الشرط تبعا إذ هو حينئذ مشمول لادلة صحة الشروط. (3) ظاهره أنه يدخل في المساقاة. ويشكل: بأنه تعليق لا يصح. ولعل المراد أنه يدخل في تحصيص ثمره، ولا بأس به. (4) لاختصاصها بالاصول الثابتة. ثم إن ظاهر صحيح يعقوب بن شعيب الثاني (* 1) أيضا يدل على الصحة وإن لم يدل على عنوان المساقاة. (5) بلا خلاف، كما في المسالك، أو اجماعا، كما في جامع المقاصد


الوسائل باب: 11 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 171 ]

[ لا تبطل إلا بالتقايل (1) أو الفسخ بخيار الشرط أو تخلف بعض الشروط أو بعروض مانع عام موجب للبطلان أو نحو ذلك. (مسألة 8): لا تبطل بموت أحد الطرفين (2)، فمع موت المالك ينتقل الامر إلى وارثه (3)، ومع موت العامل يقوم مقامه وارثه، لكن لا يجبر على العمل، فان اختار العمل ] مستدلا له بالاصل، ونحوه كلام غيرهما. (1) لما دل على مشروعية الفسخ بالامور المذكورة المذكور في محله. (2) كما هو في الشرائع والقواعد والمسالك وجامع المقاصد وغيرها. وعن الكفاية: أنه المشهور، بل في جامع المقاصد: " لا نعرف في ذلك خلافا " ولكن عن المبسوط: " إذا مات أحدهما أو ماتا انفسخت المساقاة كالاجارة عندنا ". وظاهره الاجماع عليه، وعن المهذب البارع والمقتصر أن من قال ببطلان العقد في الاجارة قال ببطلانه هنا، ومن لا فلا ". ويقتضي الاول أصالة اللزوم من دون معارض، وليس ما يقتضي الثاني. اللهم إلا القياس على الاجارة. لكن القياس ليس بحجة. مع عدم ذلك في الاجارة في موت المستأجر. نعم ورد في النصوص ما يحتمل فيه الدلالة على البطلان بموت المالك، وقد تقدم في الاجارة بعض الكلام فيه. (3) من المعلوم أن العقد اقتضى أن يكون لكل من المتعاقدين حق على الاخر، فالمالك له على العامل حق العمل، وعليه للعامل حق بذل الشجر للعمل، ومن المعلوم أن الوارث يقوم مقام المورث فيما له، ولا يقوم مقامه فيما عليه، بل يتعلق بالتركة على تقدير وجودها. وعليه فحق العمل الذي كان للمالك على العامل الميت لا يكون على الوارث، بل يكون على التركة فيجب على الوارث تخليصها من الحق، فإذا امتنع من ذلك كان للحاكم الشرعي ذلك، لئلا يلزم تعطيل الحقوق.

[ 172 ]

[ بنفسه أو بالاستيجار فله، وإلا فيستأجر الحاكم من تركته من يباشره إلى بلوغ الثمر، ثم يقسم بينه وبين المالك. نعم لو كانت المساقاة مقيدة بمباشرة العامل (1) تبطل بموته. ولو اشترط عليه المباشرة لا بنحو التقييد (2) فالمالك مخير بين الفسخ - لتخلف الشرط - وإسقاط حق الشرط والرضا باستيجار من يباشر. (مسألة 9): ذكروا أن مع اطلاق عقد المساقاة جملة من الاعمال على العامل وجملة منها على المالك، وضابط الاولى ما يتكرر كل سنة (3)، وضابط الثانية ما لا يتكرر نوعا وإن ] هذا إذا كان للميت تركة، أما إذا لم يكن له تركة فان أقدم الوارث على إنجاز الحق الذي على الميت - بأن يعمل بنفسه أو يستأخر من يعمل - فهو، وإن لم يقدم الوارث بطلت المساقاة، لعدم ترتب الاثر عليها حينئذ. (1) بأن جعل عمل العامل القائم به موضوعا للمساقاة، كما إذا جعل عمل الاجير الخاص موضوعا للاجارة، وحينئذ يتعذر بموته، فلابد من بطلانها لعدم ترتب الاثر عليها. (2) إذا كان موضوع المساقاة العمل في الذمة واشترط تطبيقه على عمل نفسه رجع هذا الشرط إلى التقييد ضرورة، كما تقدم في المسألة التاسعة من أول كتاب المزارعة، وذكرنا هناك أن القيود على اختلاف أنواعها إذا كانت للمفهوم يجب أن تكون على نحو التقييد. وإذا كانت للموضوع الخارجي يجب أن تكون لاعلى نحو التقييد. فراجع. (3) كما هو المذكور في كثير من كتب المتأخرين. وفي جملة منها جعل الضابط ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها.

[ 173 ]

[ عرض له التكرر في بعض الاحوال. فمن الاول إصلاح الارض بالحفر فيما يحتاج إليه، وما يتوقف عليه من الآلات، وتنقية الانهار، والسقي ومقدماته - كالدلو والرشا، وإصلاح طريق الماء، واستقائه إذا كان السقي من بئر أو نحوه - وإزالة الحشيش المضرة، وتهذيب جرائد النخل والكرم، والتلقيح، واللقاط، والتشميس، وإصلاح موضعه، وحفظ الثمرة إلى وقت القسمة. ومن الثاني حفر الابار والانهار، وبناء الحايط والدولاب والدالية ونحو ذلك مما لا يتكرر نوعا. واختلفوا في بعض الامور أنه على المالك أو العامل، مثل البقر الذي يدير الدولاب (1)، والكش للتلقيح (2)، وبناء الثلم، ووضع الشوك على الجدران وغير ذلك. ولا دليل على شئ من الضابطين. فالاقوى أنه إن كان هناك انصراف في كون شئ على العامل أو المالك فهو المتبع، وإلا فلابد من ذكر ما يكون على كل منهما رفعا للغرر، ومع الاطلاق وعدم الغرر يكون ] (1) قال في القواعد: " وفي البقر الذي تدير الدولاب تردد، ينشأ من أنها ليست من العمل فأشبهت الكش، ومن أنها تراد للعمل فاشبهت بقر الحرث ". وعن المبسوط وغيره: أن البقر على رب المال، وعن السرائر وغيره: أنها على العامل. (2) قال في القواعد في ذكر ما على المالك: " والكش للتلقيح على رأي " حكي عن الشيخ والمتأخرين وعن الاكثر. وقيل أنه على العامل كما عن السرائر وجامع الشرايع، وفي الشرايع: أنه حسن، لانه به يتم التلقيح.

[ 174 ]

[ عليهما معا (1)، لان المال مشترك بينهما، فيكون ما يتوقف عليه تحصيله عليهما. (مسألة 10): لو اشترطا كون جميع الاعمال على ] (1) كما في الجواهر، معللا له بما ذكر. ثم قال: " أو أن الاصل فيه وجوبه على العامل، لنحو ما سمعته في المزارعة من صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع) الذي فيه: " سألته عن المزارعة، فقال: النفقة منك والارض لصاحبها، فما أخرج الله تعالى من شئ قسم على الشطر، وكذلك أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر حين أتوه، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما خرجت " (* 1) فان ظاهر تشبيهه (ع) يقتضي كون وضع المساقاة على الوجه المزبور، فليس على المالك حينئذ إلا دفع الاصول، كما أنه ليس على المالك إلا دفع الارض. اللهم إلا أن يكون تعارف أو شرط. وهو في محله. ولو فرض قصور النصوص عن إثبات ذلك كان هو مقتضى الاطلاق. وما ذكره من التعليل للوجه الاول ضعيف، إذ لا مأخذ لذلك. إلا لا يجب على الشركاء في أمر فعل ما يقتضئ حصوله أو بقاءه، فان الشركاء في دار لا يجب عليهم تعميرها، والشركاء في شجر أو حيوان لا يجب عليهم تنميته، فانما وجب العمل في المقام باعتبار أن العقد اقتضى لاحدهما على الآخر حق العمل، لا أنه اقتضى الاشتراك. والاشتراك اقتضى العمل. نعم تفترق المزارعة عن المساقاة: بأن المزارعة معاملة على زرع الارض وإطلاق زرع الارض يقتضي وجوب جميع مقدماته كالاطلاق الخياطة في الاجارة على خياطة الثوب المقتضي لوجوب مقدمات الخياطة، أما المساقاة فلم يذكر في مفهومها عمل بعينه كي يؤخذ باطلاقه.


(* 1) الوسائل باب: 10 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2.

[ 175 ]

[ المالك فلا خلاف بينهم في البطلان، لانه خلاف وضع المساقاة (1). نعم لو أبقى العامل شيئا من العمل عليه واشترط كون الباقي على المالك فان كان (2) مما يوجب زيادة الثمرة فلا إشكال في صحته، وإن قيل بالمنع (3) من جواز جعل العمل على المالك ولو بعضا منه، والا - كما (4) في الحفظ ونحوه - ففي صحته قولان (5) أقواهما الاول. وكذا الكلام إذا كان ] (1) هذا يقتضي بطلانها مساقاة، لا بطلانها مطلقا. فالاولى التعليل بأن العامل إذ لم يكن له عمل فاستحقاقه يكون بلا عوض، فيكون وعدا لا يلزم الوفاء به، كما إذا قال: لك على أن أعطيك درهما، (2) يعني: ما أبقاه العامل لنفسه. (3) وهو ظاهر محكي المبسوط، قال: " إذا ساقاه بالنصف على أن يعمل رب المال معه فالمساقاة باطلة، لان موضوع المساقاة على أن من رب المال المال ومن العامل العمل "، ونحوه ما عن الوسيلة وجامع الشرائع وما ذكر في المبسوط من التعليل متين، وقد عرفت أن ذلك ظاهر صحيح يعقوب المتقدم في المتن وصحيحه الآخر. نعم يمكن تصحيحه بعنوان غير المساقاة عملا بالادلة العامة، كما تقدم في نظيره ويأتي. فان كان مراد المبسوط ومن وافقه البطلان مطلقا فضعيف، وإن كان المراد بطلانها مساقاة ففي محله. (4) يعنى وان لم يكن العمل الذي أبقاه العامل لنفسه مما يوجب زيادة الثمرة. (5) قد تقدم في المسألة الاولى ما عن المهذب البارع من القول بالصحة وان حكى الاجماع على البطلان من جماعة، وتقدم من المصنف في الشرط الثامن وفي المسألة الاولى ما ظاهره نفي الخلاف في البطلان. لكن كلام

[ 176 ]

[ إيقاع عقد المساقاة بعد بلوغ الثمر وعدم بقاء عمل إلا مثل الحفظ ونحوه، وإن كان الظاهر في هذه الصورة عدم الخلاف في بطلانه، كما مر. (مسألة 11): إذا خالف العامل فترك ما اشترط عليه من بعض الاعمال (1)، فان لم يفت وقته فللمالك إجباره على العمل، وإن لم يمكن فله الفسخ. وإن فات وقته فله الفسخ بخيار تخلف الشرط. وهل له أن لا يفسخ ويطالبه باجرة العمل بالنسبة إلى حصته بمعنى أن يكون مخيرا بين الفسخ وبين المطالبة بالاجرة؟ وجهان، بل قولان، أقواهما ذلك (2) (ودعوى): أن الشرط لا يفيد تمليك العمل المشروط لمن له ] المهذب في الصورة الآتية لا في هذه الصورة، وحينئذ لم يتضح قول بالصحة في هذه الصورة إلا بالاولوية. (1) الاعمال اللازمة للعامل تكون تارة: من قوام المعاملة - أعني المساقاة - بأن تكون دخلية في حصول الثمرة وزيادتها، وأخرى: خارجة عن ذلك، مثل أن يشترط المالك على العامل أن يصلي ركعتين. والذي يظهر من عبارة المتن أن كلامه في القسم الثاني. وسيأتي في المسألة السادسة والعشرين تحرير حكم القسم الاول. (2) كما هو ظاهر عبارة التحرير، قال في البحث الثاني من كتاب المساقاة: " إذا شرط المالك على العامل عملا معينا وجب على العامل القيام به، فان أخل بشئ منه تخير المالك بين فسخ العقد وإلزامه بأجرة العمل "، ونحوه ما في جامع المقاصد والمسالك. وأشكل عليه في الجواهر: بأن ذلك مبني على تمليك الشرط العمل المشروط لمن له على وجه يكون

[ 177 ]

من أموله، وهو ممنوع فان أقصاه الزام من عليه الشرط بالعمل وإجباره عليه والتسلط على الخيار لعدم الوفاء به، لا لكونه مالا له. انتهى. ويشكل: بأن الشرط المذكور في كلامهم يراد به تعيين العمل اللازم على المالك صريحا، فالعمل المشروط ذاخل في قوام المعاملة، فيكون مملوكا للمالك بعقد المساقاة، لا أنه خارج عن المعاملة فيكون واجبا بالشرط، حتى يقع الكلام في كون الشرط موجبا لملك العمل حتى يترتب عليه ضمان العمل بالقيمة، أو غير موجب له حتى لا يكون العمل مضمونا بقيمته. نعم يشكل ما ذكروه بما عرفت - في المسألة السابعة من مبحث المزارعة وغيرها - من أن الاعمال الذمية لا تكون مضمونة على العامل إذا فاتت عمدا أو لعذر، ولذا ذكروا في كتاب الاجارة أنه إذا لم يأت الاجير بالعمل المستأجر عليه لم يستحق الاجرة، ولم يدع أحد أنه يستحق الاجرة ولكن المستأجر يستحق عليه قيمة العمل المستأجر عليه، فمن استؤجر على صوم يوم الجمعة فلم يصم لم يستحق الاجرة، لا أنه يستحقها وعليه قيمة صوم يوم الجمعة، وكذلك كلامهم في خيار الاشتراط خال عن التعرض لذلك، وظاهر أنه مع فوات الشرط يتخير من له الشرط بين فسخ العقد وإمضائه من دون استحقاق شئ. ولذلك لم يتعرض شيخنا الاعظم (ره) في مبحث أحكام الشرط إلى استحقاق للمشروط له لقيمة العمل المشروط عند تخلف الشرط. نعم ذكر في المسألة السابعة من مسائل مبحث الشرط: أنه لو كان الشرط عملا من المشروط عليه يعد مالا ويقابل بالمال كخياطة الثوب فتعذر، ففي استحقاق المشروط له لاجرته أو مجرد الخيار وجهان. والظاهر أن مراده من الاجرة حصة من الثمن. بحيث يكون الشرط كجزء من أحد العوضين، كما يظهر ذلك من حكايته لكلام التذكرة وإشكاله عليه: بأن الشروط

[ 178 ]

[ على وجه يكون من أمواله (1)، بل أقصاه التزام من عليه ] خارجة عن موضوع المعاوضة، وليست ملحوظة كالجزء من أحد العوضين. فلاحظ كلامه. وبالجملة: المرتكزات العرفية تأبى القول بهذا الضمان وإن كان العمل مملوكا بالشرط، فلا مجال للبناء عليه. (1) تقدمت هذه الدعوى من الجواهر، ووافقه عليها المصنف (ره) في حاشيته على خيار المجلس من مكاسب شيخنا الاعظم (قده) في مسألة ما إذا اشترط أحد المتعاقدين عدم الفسخ، فقد ذكر أن التحقيق أن الشرط لا يثبت أزيد من الحكم التكليفي، بل التزم في النذر ذلك أيضا، رد في ذلك على ما ذكره شيخنا الاعظم (قده) فيما لو اشترط عدم الفسخ من أنه يحتمل قويا عدم نفوذ الفسخ، لان وجوب الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب اجباره عليه وعدم سلطنته على تركه، كما لو باع منذور التصدق به، على ما ذهب إليه غير واحد، فمخالفة الشرط - وهو الفسخ - غير نافذة في حقه، ثم قال: " ويحتمل النفوذ لعموم دليل الخيار... ". وعبارة شيخنا ليست صريحة في حصول الملك، بل ولا ظاهرة، لكنها صريحة في أن الشرط مانع من سلطنة المشروط عليه على تركه من أجل أن وجوب الوفاء بالشرط موجب ذلك. هذا ولكن المفهوم عرفا من شرط الفعل هو الملكية، فان عبارة الشرط وإن كانت مختلفة (فتارة) يكون المشروط له هو المنشئ للشرط فيقول: وأشترط عليك أن لا تفسخ، أو: عليك أن لا تفسخ. أو: ولي عليك أن لا تفسخ، أو نحو ذلك. (وأخرى) يكون المشروط عليه هو المنشئ للشرط فيقول: واشترط أن لا أفسخ، أو علي أن لا أفسخ، أو لك علي أن لا أفسخ، أو نحو ذلك. ومرجع الجميع إلى معني واحد

[ 179 ]

[ الشرط بالعمل وإجباره عليه، والتسلط على الخيار بعدم الوفاء به (مدفوعة) بالمنع من عدم إفادته التمليك. وكونه قيدا في المعاملة، لاجزءا من العوض يقابل بالمال، لا ينافي إفادته ] مهما اختلفت العبارات، فإذا كان ظاهر قول المشروط له: ولي عليك أن لا تفسخ، هو التمليك، لان الظاهر من اللام أنها لام الملك، كما إذا قال لي على زيد درهم، فانه دعوى الملكية، أو قال: لزيد على درهم، فانه اعتراف بالملكية، فاللام في قول المشروط له: لي عليك أن لا تفسخ، كذلك، وكذا اللام في قول المشروط عليه: لك علي أن لا أفسخ. (ودعوى): أن اللام في قول المشروط عليه: لك علي أن لا أفسخ متعلقة بقولة: التزمت - يعنى التزمت لك أن لا أفسخ - فتكون اللام لام الصلة لا لام الملك، ويكون الظرف لغوا لا مستقرا (مدفوعة): بأن هذا الاحتمال لا يجئ في قول المشروط له: ولي عليك أن لا تفسخ، إذ لا معنى لقوله: إلتزمت لي عليك أن لا تفسخ، فإذا لم يصح تقدير الالتزام فيه وجعل الظرف لغوا لم يصح ذلك في قول المشروط عليه: ولك على أن لا أفسخ، لما عرفت أن مفهوم جميع الجمل واحد مهما اختلف العبارات. وعلى هذا فإذا كان عدم الفسخ مملوكا للمشروط له كان تحت سلطان مالكه وخرج عن سلطان المشروط عليه، فيكون الفسخ كذلك لان نسبة القدرة إلى الوجود والعدم نسبة واحدة، فإذا لم يكن المشروط عليه قادرا على الفسخ لم يصح فسخه وإلا كان خلفا. ولو فرض عدم ظهور اللام في لام الملك أمكن أثبات الملكية باثبات لوازمها، مثل جواز المطالبة به، وجواز الاجبار عليه، وجواز السكوت عنه، وجواز اسقاطه، فان الامور المذكورة لا تتناسب مع التكليف البحت.

[ 180 ]

[ لملكية من له الشرط إذا كان عملا من الاعمال على من عليه و المسألة سيالة في ساير العقود، فلو شرط في عقد البيع على المشتري - مثلا - خياطة ثوب في وقت معين وفات الوقت فللبايع الفسخ أو المطالبة بأجرة الخياطة (1) وهكذا. (مسألة 12): لو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه معه صح (2)، أما لو شرط أن يكون تمام العمل على ] ومن ذلك يظهر الاشكال فيما حكاه في المتن من الجمع بين دعوى نفي الملكية وجواز الاجبار. هذا كله في الشرط، أما النذر فالحكم فيه أظهر، لوجود اللام صريحا في صيغة النذر: لله علي أن أفعل كذا، أو لا أفعل كذا "، وهي ظاهرة في الملكية، فيكون مفاد النذر تمليك الله سبحانه الفعل على الناذر. واحتمال أن يكون الظرف لغوا واللام متعلقة بقوله: التزمت لله تعالى، خلاف الاصل في الظرف، فإذا قال القائل: زيد في الدار، ودار الامر بين أن يكون الظرف لغوا والتقدير زيد نائم في الدار أو آكل في الدار أو نحو ذلك، وبين أن يكون الظرف مستقرا والتقدير: زيد كائن في الدار، فالاصل يقتضي الثاني، ولا مجال للبناء على الاول إلا بقرينة خاصة. وعلى هذا إذا نذر الانسان أن يبيع أو لا يتزوج، فباع أو تزوج كان البيع والتزويج باطلين، لعدم قدرته على ذلك، على نحو ما ذكر في الشرط. فلاحظ. (1) قد عرفت إشكاله. (2) بلا خلاف ظاهر، وعن التذكرة وغيرها ما ظاهره الاجماع عليه ولم يحك عن أحد خلاف فيه. نعم نسب إلى الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، معللين بأنه بمنزلة اشتراط عمل المالك، وهو مناف لمقتضى

[ 181 ]

[ غلام المالك فهو كما لو شرط أن يكون تمام العمل على المالك، ] مفهوم المساقاة. لكن في المسالك - تبعا للتذكرة - قال: " والفرق بين الغلام وسيده ظاهر، فان عمل العبد يجوز أن يكون تابعا لعمل العامل، ولا يجوز أن يكون عمل المالك تابعا لعلمه، لانه هو الاصل، ويجوز في التابع مالا يجوز في المنفرد. مع أنا نمنع حكم الاصل، فانا قد جوزنا أن يشترط على المالك أكثر العمل ". وقد يشكل ما ذكره: أولا: من جهة عدم ظهور الفرق بين عمل العبد وعمل المولى في قبول التبعية والاصالة، والفرق بينهما غير ظاهر (ثانيا): بأنه لو سلم الفرق المذكور فهو لا يقتضي الفرق في الحكم، إذ كل منهما - وإن كان على وجه التبعية - خلاف وضع المساقاة المستفادة من الادلة المتقدمة، فانها متفقة على أن قوامها كون العمل على العامل، فمشروعية مشاركة العامل وغلام المالك محتاجة إلى دليل آخر، وهو عموم الصحة. لكنه حينئذ لا يقتضي كون المعاملة من المساقاة. ومن ذلك يظهر الاشكال. (ثالثا): فيما ذكره من أنه يجوز أن يشترط على المالك أكثر العمل، فانه وإن ذكره في الشرائع وغيرها بل هو المشهور، لكنه غير ظاهر الادلة فلا يصح مساقاة، ولذا حكي عن المبسوط المنع، مستدلا له بما ذكرناه، كما عرفت في المسألة العاشرة، وعرفت أن الاستدلال على الصحة بالعموم لا يثبت المساقاة " والاستدلال بعموم صحة الشروط يختص بما إذا لم يكن الشرط منافيا لمقتضى العقد. ومن ذلك يظهر أنه لا مانع من القول بصحة العقد والشرط إذا اشترط العامل أن يعمل معه المالك أو غلامه، لكنه ليس من المساقاة ولا تترتب عليه أحكامها، كما عرفت.

[ 182 ]

[ وقد مر عدم الخلاف في بطلانه (1)، لمنافاته لمقتضى وضع المساقاة. ولو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه في البستان الخاص بالعامل فلا ينبغي الاشكال في صحته، وإن كان ربما يقال بالبطلان (2)، بدعوى أن عمل الغلام في قبال عمل العامل فكأنه صار مساقيا بلا عمل منه. ولا يخفى ما فيها (3). ولو شرطا أن يعمل غلام المالك للعامل تمام عمل المساقاة - بأن يكون عمله له بحيث يكون كأنه هو العامل - ففي صحته وجهان لا يبعد الاول (4)، لان الغلام حينئذ كأنه نايب عنه في العمل باذن المالك، وإن كان لا يخلو عن إشكال (5)، ] (1) مر ذلك في المسألة العاشرة. (2) قال في الشرائع: " أما لو اشترط أن يعمل الغلام لخاص العامل لم يجز، وفيه تردد، والجواز أشبه "، قال في المسالك: " وجه التردد أنه اشترط عملا في مقابل عمله، فصار في قوة اشتراط جميع العمل على المالك " ثم قال: " وفساده ظاهر. والمعروف أن المانع من ذلك الشافعي، لكن المصنف والعلامة ذكرا المسألة على وجه يشعر بالخلاف عندنا ". لكن يظهر المنع أيضا من عبارة المبسوط. فلاحظها. (3) سبق ذلك في المسالك. ووجهه: أن الموجب للبطلان فيما لو شرط جيمع العمل على المالك أنه مخالف لوضع المساقاة، وهذا لا يجئ هنا فلا وجه للمقايسة بينهما. (4) لانه لا يعتبر في عمل العامل في المساقاة أن يكون على نحو المباشرة بل يكفي أن يكون على وجه يكون العمل له، كما سيأتي، فإذا كان غلام المالك يعمل للعامل ونائبا عنه في العمل كان بمنزلة الاجير له. (5) لان استحقاقه للحصة لم يكن معوض، فلا تكون معاوضة، بل

[ 183 ]

[ مع ذلك. ولازم القول بالصحة الصحة في صورة اشتراط تمام العمل على المالك بعنوان النيابة عن العامل (1). (مسألة 13): لا يشترط أن يكون العامل في المساقاة مباشرا للعمل بنفسه، فيجوز له أن يستأجر في بعض أعمالها أو في تمامها ويكون عليه الاجرة، ويجوز أن يشترط كون أجرة بعض الاعمال على المالك، والقول بالمنع (2) لاوجه له (3). وكذا يجوز أن يشترط كون الاجرة عليهما معا (4) في ذمتهما، أو الاداء من الثمر. وأما لو شرط على المالك أن يكون أجرة تمام الاعمال عليه أو في الثمر (5) ففي صحته ] تكون وعدا باداء الحصة مجانا. ويندفع: بأن الحصة كانت في مقابل العمل، نعم لم يكن العمل مباشرة، وهو غير قادح. (1) لا محذور فيه، لما سبق. (2) حكي هذا القول عن الشيخ (ره)، لمنافاته موضوع المساقاة الذي هو ليس الا دفع الاصول من المالك. (3) وفي الجواهر: " فيه منع واضح، ضرورة عدم ما يدل على اعتبار ذلك حتى بالشرط ونحوه ". لكن الضرورة التي ادعاها خفية جدا إذ الادلة الواردة في المساقاة لا إطلاق لها يشمل المقام، فكيف يتمسك بها على صحته؟ بل ظاهر تلك الادلة في غير ما نحن فيه، نعم لا بأس بالتمسك على الصحة في المقام بعموم صحة العقود، ولكنه لا يثبت المساقاة. هذا إذا كانت الاجرة على المالك في مقابل العمل له، وأما إذا كانت نحوا آخر - يأتي بيانه في الفرض الآتي - فلا مانع من صحة المساقاة، كما سيأتي. (4) لما سبق من الادلة العامة. (5) يتصور هذا على وجوه: (الاول): أن تكون الاجرة في

[ 184 ]

[ وجهان: (أحدهما): الجواز، لان التصدي لاستعمال الاجراء نوع من العمل (1)، وقد تدعو الحاجة إلى من يباشر ذلك لمعرفته بالاحاد من الناس وأمانتهم وعدمها، والمالك ليس له معرفة بذلك (والثاني): المنع (2)، لانه خلاف وضع المساقاة. والاقوى الاول. هذا ولو شرطا كون الاجرة حصة ] ذمة العامل، ويشترط على المالك وفائها من ماله، والظاهر صحة ذلك مساقاة، لان العمل من العامل والاجرة في ذمته، وهو كاف في صدق مفهوم المساقاة. (الثاني): أن تكون الاجرة على المالك وفي ذمته، لكن المستأجر عليه العمل للعامل. والظاهر أيضا صحة ذلك مساقاة، نظير ما سبق في آخر المسألة السابقة. (الثالث): أن تكون الاجرة على المالك والمستأجر عليه العمل له. ولا ينبغي التأمل في عدم صحة ذلك من باب المساقاة، لانه خارج عن مفهومها. نعم يمكن أن يصح بعنوان آخر، فيكون عقدا من العقود الصحيحة، عملا بعموم صحة العقود. وما في الجواهر من اختصاصه بالمتعارف فلا يشمل غيرها غير ظاهر - كما عرفت - وان تكرر منه (قده) ذلك مع أنه متعارف في زماننا. ويسمى هذا العامل في عرف أهل العراق (سركال) - مصحف (سركار) فارسي - وهو الذي يتولى ادارة الفلاحين لاغير. (1) هذا لا يثبت كون العقد حينئذ مساقاة، وإنما يثبت كونه عقلائيا لاسفيها. (2) كما استوضحه في الجواهر، لما ذكر من التعليل. لكن هذا التعليل يقتضي عدم صحته مساقاة، ولا يمنع من صحته عقدا آخر، كما عرفت.

[ 185 ]

[ مشاعة من الثمر بطل. للجهل بمقدار مال الاجارة، فهي باطلة (1). (مسألة 14): إذا شرطا انفراد أحدهما بالثمر بطل العقد (2) وكان جميعه للمالك، وحينئذ فان شرطا انفراد العامل به استحق أجرة المثل لعمله (3) وإن شرطا انفراد المالك به لم يستحق العامل شيئا (4)، لانه حينئذ متبرع بعمله. ] (1) يعني: فيبطل الشرط، لانه شرط مخالف للكتاب. لكن الاشكال ان لم يقم دليل على مانعية الجهل بالاجرة مطلقا، كما يظهر من ملاحظة مبحث الاجارة، فإذا جاز بيع الثمار جاز جعلها أجرة. ولا سيما بملاحظة ما ورد من تقبيل الارض بحصة من حاصلها وأجرة الارض بذلك. (2) أما بطلان العقد بعنوان المساقاة فظاهر، إذ لا دليل على صحته حينئذ بالخصوص، والنصوص الواردة في مشروعية المساقاة لا تشمله. وأما بطلان العقد حتى بعنوان آخر غير المساقاة فغير ظاهر إذا كان المشروط انفراد العامل، لامكان أن يكون غرض المالك يحصل بسقاية الاصول لئلا تتيبس فتتلف، فيجعل في مقابل ذلك تمام الثمر، فيشمله عموم الصحة، ويكون نظير الجعالة، ولا موجب للبطلان كلية. وأما إذا كان المشروط انفراد المالك فالبطلان حينئذ ظاهر إذ يكون عمل العامل بلا عوض، فلا يكون عقدا بل يكون إيقاعا ووعدا. (3) للاستيفاء الموجب لضمان المستوفي، فانه من أسباب الضمان عرفا فيكون موجبا له شرعا لعدم الردع. نعم إذا كان العامل متبرعا بعمله لا يكون عمله مضمونا ضرورة. (4) كذا في المسالك، وتبعه عليه الكاشاني والسيد في الرياض - على ما حكي - معللين له بما في المتن. وتنظر فيه في الجواهر: بأن الرضا

[ 186 ]

بالعقد المتضمن لعدم الاجرة ليس رضا بالعمل بلا أجرة، فان الحيثية ملاحظة، بمعنى كون المتشخص منه في الخارج الرضا بالعقد الذي لا يترتب عليه ذلك. والعمل الصادر منه إنما هو من حيث أنه مقتضى العقد الفاسد، لا أنه رضا منه بالعمل في حد ذاته وفي نفسه بلا عوض... ". وهو كما ترى فانه خلاف قاعدة: (مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده). اللهم إلا أن يقال: بأن دليلها الاجماع، ولا إجماع في المقام. فالعمدة في الاشكال أن ما ذكره (قده) يختص بما إذا كان مفاد العقد عنوانا إنشائيا يكون التبرع مبنيا عليه، فإذا فات فات التبرع، أما إذا كان مفاد العقد هو التبرع بالعمل وقد أقدم عليه العامل فلا موجب للاستحقاق مع التبرع. ومثله مالو قال: آجرتك بلا أجرة، إذا كان معناه أدعوك إلى العمل بلا أجرة، فإذا عمل لم يستحق الاجرة لكونه متبرعا، بخلاف مالو كان معناه: آجرتك حقيقة بلا أجرة، فان التبرع فيه مبني على تحقق الاجارة، وهي منتفية. وكذا يتم في مثل قوله: تزوجتك بلا مهر، فانه إذا تبين بطلان العقد استحقت المهر بالوطئ، لان التبرع كان مبنيا على وقوع التزويج، فإذا تبين عدمه فلا إقدام على التبرع. وما نحن فيه قد عرفت أنه طلب من المالك ووعد من العامل، والوعد لا يجب الوفاء به، ولا يكون فاعله مستحقا للاجرة بعد أن كان قد وعد بالتبرع. نعم إذا كانا قد قصدا تمليك المالك العمل على العامل مجانا تم ما ذكره في الجواهر لفوات التمليك الانشائي، لكن المفهوم من العقد المذكور الاول، أعني الوعد بدون تمليك. وسيأتي في المسألة الثالثة والعشرين ماله نفع في المقام. ومن ذلك يظهر أن ما ذكر في الشرايع والقواعد وغيرهما من أنه إذا

[ 187 ]

[ (مسألة 15): إذا اشتمل البستان على أنواع - كالنخل والكرم والرمان ونحوها من أنواع الفواكه - فالظاهر عدم اعتبار العلم بمقدار كل واحد (1) فيجوز المساقاة عليها بالنصف أو الثلث أو نحوها وان لم يعلم عدد كل نوع، إلا إذا كان الجهل بها موجبا للغرر. (مسألة 16): يجوز أن يفرد كل نوع بحصة مخالفة للحصة من النوع الاخر (2) كأن يجعل النخل بالنصف والكرم بالثلث والرمان بالربع مثلا وهكذا. واشترط ] تبين بطلان المساقاة كانت الثمرة للمالك وللعامل أجرة المثل ليس على إطلاقه - وإن نسبه في المسالك إلى الاكثر - بل يختص بغير الصورة المذكورة. (1) كما هو ظاهر الاصحاب، وفي التذكرة: " إذا اشتمل البستان على أشجار مختلفة - كالزيتون والرمان والتين والكرم - فساقاه المالك على أن للعامل سهما واحدا في الجميع - كنصف الثمرة أو ثلثها أو غير ذلك - صح إجماعا، سواء علما قدر كل واحد أو جهلاه أو علم احدهما دون الآخر، وسواء تساوت أو تفاوتت ". ووجهه اطلاق الادلة مع عدم الدليل على قدح مثل هذه الجهالة، لاختصاص المنع من الغرر في البيع، كما عرفت ومن ذلك تعرف الاشكال في قول المصنف (ره): " إلا إذا كان الجهل... ". (2) كما في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب الاصحاب، بل في الجواهر: " بلا خلاف ولا اشكال ". ودليلة غير ظاهر، إذ النصوص الواردة في الباب لا تشمله، والرجوع إلى عمومات صحة العقود لا يثبت المساقاة، كما عرفت غير مرة. اللهم إلا أن يستفاد من الادلة الخاصة بالغاء الخصوصية.

[ 188 ]

[ بعضهم (1) في هذه الصورة العلم بمقدار كل نوع، ولكن الفرق بين هذه وصورة اتحاد الحصة في الجميع غير واضح (2) والاقوى الصحة مع عدم الغرر (3) في الموضعين، والبطلان معه فيهما. (مسألة 17): لو ساقاه بالنصف - مثلا - إن سقى ] (1) ظاهر المحكي من كلماتهم أن الشرط بينهم اتفاقي وان كل من ذكر المسألة ذكر فيها الشرط، وفي مفتاح الكرامة: " في الخلاف لم يشترط علمه بكل منهما، لكنه مراد له ". (2) لا إشكال في وجود الفرق بين الصورتين، لانه إذا لم يفرد كل صنف بحصة فحصته معلومة النسبة إلى جميع الثمرة، أما إذا أفرد كل صنف بحصة فانه لا يعلم نسبة حصته إلى جميع الثمرة، فيحتمل زيادة النسبة لزيادة الصنف، وقلة النسبة لقلة الصنف. ولذا قال في المسالك: " فان المشروط فيه أقل الجزئين قد يكون اكثر الجنسين، فيحصل الغرر " نعم الفرق المذكور لا يصح فارقا، إذ الغرر موجود في المسألتين، غاية الامر أن الغرر في صورة الافراد من جهتين، وفي صورة عدمه من جهة واحدة، فان نصف الثمرة الذي لا يعلم أن ربعه تمر وثلاثة أرباعه رمان، أو ربعه رمان وثلاثة أرباعه تمر أيضا مجهول وغرري، فإذا كان دليل الغرر مرجعا في المقام لزم العمل بقدر كل صنف حتى مع عدم الافراد، وإذا لم يكن مرجعا لم يقدح الجهل بالنسبة حتى في صورة الافراد. (3) قد عرفت أن الغرر حاصل في الصورتين، لكن لادليل على قدحه، بل الدليل - في الجملة - على عدم قدحه، وحينئذ لاوجه للبطلان مع الغرر.

[ 189 ]

[ بالناضح وبالثلث إن سقى بالسيح، ففي صحته قولان (1) اقواهما الصحة، لعدم إضرار مثل هذه الجهالة، لعدم إيجابها الغرر (2) مع أن بناءها على تحمله. خصوصا على القول ] (1) قال في الشرائع: " ولو ساقاه بالنصف إن سقى بالناضح وبالثلث إن سقى بالسائح بطلت المساقاة، لان الحصة لم تتعين. وفيه تردد ". وفي القواعد والمسالك: جزم بالبطلان، وحكي عن التذكرة والتحرير واختاره في الجواهر، وحكي عن المبسوط والكفاية والرياض: أنه الاشهر، وظاهر ذلك وصريح المصنف وجود قول بالصحة، وفي مفتاح الكرامة عدم القائل بالصحة هنا، والمحقق إنما تردد، يعني لم يقل بالصحة. (2) يعني: الخطر المالي، إذ لا خطر في المال في المقام باعتبار أن الاجرة معينة بالاضافة إلى كل تقدير. لكن هذا المعنى من الغرر أيضا لا دليل على مانعيته، فكان الاولى التعليل بذلك. هذا ولكن التفصيل في مانعية الجهالة بين ما توجب الخطر المالي وما لا توجبه لا مأخذ له، فان بناء الاصحاب على مانعية الجهالة مطلقا في المعاوضات من البيع ونحوه، ولذلك بنى المصنف على بطلان الاجارة في المثال الآتي، مع أنه لاخطر مالي فيه. وعلى هذا فان كان دليل مانعية الجهالة شاملا لما نحن فيه كان اللازم القول بالبطلان - كما هو المشهور -، وإن لم يكن الدليل شاملا لما نحن فيه، فاللازم القول بالصحة وان كان الجهل موجبا للخطر. وهذا هو المتعين. ثم إن الظاهر أن مقتضى المعاملة على النحو المذكور كون المالك للاصول يملك على العامل الجامع بين الامرين في مقابل الحصة الجامعة بين الحصتين، وتكون الزيادة في الحصة عوضا عن الخصوصية الكذائية في العمل لا أن المملوك كل واحد من العملين على الترديد، إذ المردد لا يقبل الملكية،

[ 190 ]

[ بصحة مثله في الاجارة (1)، كما إذا قال: إن خطت روميا فبدرهمين وإن خطت فارسيا فبدرهم. (مسألة 18): يجوز أن يشترط أحدهما على الاخر شيئا من ذهب أو فضة أو غيرهما مضافا إلى الحصة من الفائدة (2) والمشهور كراهة اشتراط المالك على العامل شيئا من ذهب أو فضة (3). ومستندهم في الكراهة غير واضح (4). كما أنه لم يتضح اختصاص الكراهة بهذه الصورة أو جريانها بالعكس أيضا (5)، وكذا اختصاصها بالذهب والفضة أو جريانها في مطلق الضميمة. والامر سهل. (مسألة 19): في صورة اشتراط شئ من الذهب ] وليس له مطابق في الخارج، إذ كل ما في الخارج متعين. (1) فان المساقاة لا تزيد على الاجارة في مانعية الغرر. (2) بلا خلاف في ذلك ولا إشكال ظاهر. لعموم أدلة صحة الشرط، فيجب العمل به، كما صرحوا بذلك. وفي المسالك: إن العامة اطبقوا على منعه وأبطلوا به المساقاة. انتهى. وهو خلاف إطلاق أدلة الصحة الخاصة والعامة منها. (3) كما هو المصرح به في الشرايع والقواعد وغيرهما، وفي المسالك: " وأما كراهيته فهو المشهور بين الاصحاب، ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك ". (4) كما اعترف به غير واحد، وفي مفتاح الكرامة: " لادليل لهم على الكراهة إلا الاجماع ". (5) مقتضى اقتصارهم على اشتراط المالك على العامل وعلى الذهب والفضة هو الاختصاص بذلك، إذ لا دليل على الكراهة في غيرهما.

[ 191 ]

[ والفضة أو غيرهما على أحدهما إذا تلف بعض الثمرة هل ينقص منهما شئ أولا؟ وجهان (1)، أقواهما العدم (2)، فليس قرارهما مشروط بالسلامة. نعم لو تلفت الثمرة بجميعها أو لم تخرج أصلا ففي سقوط الضميمة (3) وعدمه أقوال، ثالثها ] (1) مبنيان - كما في جامع المقاصد والمسالك - على أن المساقاة على الثمرة مبنية على التبعيض، لان مقابلة العمل بالثمرة ينحل إلى مقابلات متعددة بتعدد الاجزاء، فإذا تلف بعض الثمر فقد بطلت المساقاة بالنسبة إليه، فيبطل بعض الشرط، لانه بمنزلة أحد العوضين. (2) كما في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما (اولا): بأن التلف لا يوجب بطلان المعاوضة، لانه من كيس العامل أيضا، ولا يختص بالمالك (وثانيا): بأن المقابل به العمل جنس الثمرة لا أجزاؤها. (وثالثا): بأنه لادليل على تبعية الشرط لاحد العوضين في التقسيط، إذ الشرط ليس من أحد العوضين، وإنما هو خارج عن المعاوضة، فإذا بطلت في بعضها لم يكن وجه لسقوط الشرط أو تبعضه، لانه خلاف عموم صحة الشروط. هذا مضافا إلى ما يأتي من المصنف (ره) هنا من منع كون الثمرة عوضا وإنما العوض شئ أخر، وان كان ذلك مشكل، كما سيأتي. هذا وفي القواعد:، وفي تلف البعض أو قصور الخروج اشكال ". ولكنه ضعيف (3) قال في الشرائع: " ويكره أن يشترط رب المال على العامل شيئا من ذهب أو فضة، لكن يجب الوفاء بالشرط، ولو تلفت الثمرة لم يلزم " ونحوه كلام غيره. وعلله في المسالك: بأنه لولاه لكان أكلا للمال بالباطل، فان العامل قد عمل ولم يحصل له عوض، فلا أقل من خروجه رأسا برأس. انتهى. ونحوه ما في غيرها. وقد عرفت في الفرض الاول أن مبنى المساقاة على المعاوضة فإذا تلفت الثمرة بطلت المساقاة من

[ 192 ]

[ الفرق بين ما إذا كانت للمالك على العامل فتسقط (1)، وبين العكس فلا تسقط (2)، رابعها الفرق بين صورة عدم الخروج أصلا فتسقط وصورة التلف فلا (3). والاقوى عدم السقوط مطلق (4)، لكونه شرطا في عقد لازم، فيجب الوفاء به. (ودعوى): أن عدم الخروج أو التلف كاشف عن عدم صحة المعاملة من الاول (5). لعدم ما يكون مقابلا للعمل، أما في صورة كون الضميمة للمالك فواضح، وأما مع كونها للعامل فلان الفائدة ركن في المساقاة، فمع عدمها لا يكون ] رأس فيبطل الشرط فيها. هذا ولم أقف على قائل بعدم السقوط، وفي مفتاح الكرامة: دعوى ظهور الاجماع على السقوط. (1) لما سبق. (2) قال في المسالك: " نعم لو كان الشرط للعامل على رب الارض إتجه عدم سقوطه، لان الغرض من قبل العامل قد حصل، والشرط قد وجب بالعقد، فلا وجه لسقوطه. وربما قيل بمساواته للاول. وهو ضعيف " ويشكل: بأن التلف إذا كان يبطل المساقاة فقد بطل الشرط فيها، سواء كان للعامل أم للمالك، فلا مجال للتفصيل. (3) لما عرفت من الاشكال في بطلان المساقاة بتلف الثمرة، لانها بوجودها قد حصل العوض، فإذا تلفت فقد تلفت من كيسه وكيس المالك معا، فلا موجب للبطلان لوجود العوضين، بخلاف صورة عدم الخروج، إذ معه تكون المعاوضة من أصلها بلا عوض " فتبطل، كما يأتي في كلام المصنف. (4) قد عرفت أنه لم يعرف قائل به. (5) هذه الدعوى ادعاها في جامع المقاصد وغيره.

[ 193 ]

[ شئ في مقابل العمل، والضميمة المشروطة لا تكفي في العوضية (1) فتكون المعاملة باطلة من الاول، ومعه لا يبقى وجوب الوفاء بالشرط (مدفوعة) - مضافا إلى عدم تماميته بالنسبة إلى صورة التلف، لحصول العوض بظهور الثمرة (2) وملكيتها وإن تلف بعد ذلك -: بأنا نمنع كون المساقاة معاوضة بين حصة من الفائدة والعمل، بل حقيقتها تسليط من المالك للعامل على الاصول (3) ] (1) لخروجها عن قوام المعاوضة ولذلك لا تبطل المعاوضة بترك الشرط. (2) احتمل في الجواهر أن يكون موضوع المعاوضة الظهور مع الادراك، لعدم النفع بالمثرة بدون ادراك. لكن عدم النفع لا يلازم كون الادراك مقوما للمعاوضة، فانه خلاف المرتكزات العرفية. (3) هذا خلاف ظاهر ما في صحيح شعيب: " إسق هذا من الماء وأعمره ولك نصف ما أخرج... " (* 1) فانه كالصريح في أن المقابلة كانت بين السقي والاعمار وبين الحصة، وكذلك ظاهر روايات خيبر. وعلى ذلك جرى الفقهاء (رض) - ومنهم المصنف (ره) - في تعريف المساقاة: بأنها معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها، وهو الموافق للمرتكزات العرفية. وأما التسليط فهو لازم المفهوم المذكور، لان العمل لا يمكن وقوعه بدون تسليط المالك وتمكينه العامل، فطلب العمل من العامل يدل بالالتزام على بذل الاصل للعمل والتمكين منها، لا أنه عين مفهوم المساقاة التي هي كالمزارعة مفهوما وان اختلفا موضوعا، وقد عرفت سابقا أنها تفترق عن اجارة الاعيان في أن اجارة الاعيان لا يملك المؤجر على المستأجر استيفاء المنفعة، وفيها يملك المالك على العامل العمل، وتفترق


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 2.

[ 194 ]

[ للاستنماء له (1) وللمالك، ويكفيه احتمال الثمر وكونها في معرض ذلك. ولذا لا يستحق العامل أجرة عمله إذا لم يخرج أو خرج وتلف بآفة سماوية أو أرضية في غير صورة ضم الضميمة، بدعوى الكشف عن بطلانها من الاول (2)، واحترام عمل المسلم. فهي نظير المضاربة، حيث أنها أيضا تسليط على الدرهم أو الدينار للاسترباح له وللعامل، وكونها جايزة دون المساقاة لا يكفي في الفرق. كما أن ما ذكره في الجواهر (3) من الفرق بينهما: بأن في المساقاة يقصد المعاوضة ] عن اجارة الاجير: بأن إجارة الاجير لا يملك الاجير على المستأجر بذل العين للعمل، وفيها يملك العامل على المالك بذل العين، فكأنها إجارة للعين وإجارة للاجير معا. كما تفترق عنهما: بأن الاجرة في الاجارة ثابتة على كل حال، والاجرة هنا - وهي الحصة - غير ثابتة على كل حال، لجواز عدم خروج الثمرة، فالاجرة رجائية لاجزمية كالمثمن في بيع الثمرة بدون ضميمة، فان المعاوضة فيه رجائية لا جزمية. ثم إن المصنف (ره) لم يصرح بأن المساقاة معاوضة، بل ظاهر عبارته أنها إيقاع وتسليط. ولكنه غير مراد، وإلا كان الاشكال عليه ظاهر، لان الشرط في الايقاع لا يصح. (1) فيكون النماء غاية للمعاوضة وتخلف الغاية لا يقدح في بقاء المعاوضة. (2) متعلق بقوله: " يستحق " يعني أن استحقاق العامل أجرة عمله بدعوى الكشف عن البطلان الموجب للاستحقاق بقاعة الاحترام منفى وغير ثابت. (3) قال في الجواهر: " ضرورة قصد المعاوضة في المساقاة بخلافه

[ 195 ]

[ بخلاف المضاربة التي يراد منها الحصة من الربح الذي قد يحصل وقد لا يحصل، وأما المساقاة فيعتبر فيها الطمأنينة بحصول الثمرة، ولا يكفي احتمال مجرد دعوى لا بينة لها (1). (ودعوى): أن من المعلوم أنه لو علم من أول الامر عدم خروج الثمر لا يصح المساقاة، ولازمه البطلان إذا لم يعلم ذلك ثم انكشف بعد ذلك. (مدفوعة): بأن الوجه في عدم الصحة كون المعاملة سفهية مع العلم بعدم الخروج من الاول (2) ] في المضاربة، التي يراد منها الحصة من الربح، الذي قد يحصل وقد لا يحصل، بخلاف المقام المعتبر فيه الطمأنينة بحصول الثمرة، وقد لا يكفي الاحتمال عندهم ". (1) بل عدم تعرضهم في شرائط المساقاة لاعتبار الطمأنينة بحصول الثمرة في صحتها دليل على خلاف ذلك. نعم لما كانت المساقاة تقتضي أعمالا كثيرة شاقة في مدة طويلة لم يقدم عليها العقلاء - غالبا - الا مع الاطمئنان بخلاف المضاربة، فان اعمالها خفيفة في مدة قليلة غالبا يكثر منهم الاقدام عليها مع ضعف الاحتمال. لكن ذلك بل يصح شرعا الاقدام على كل منهما مع الاحتمال في الجملة. كما أنهما يشتركان أيضا في كون العمل في كل منهما في مقابل النماء، فهما أيضا من باب واحد من هذه الجهة. (2) أما عدم صحة المساقاة حينئذ فلا ريب فيه، لقصور أدلتها عن شمول ذلك واختصاص الادلة بغيره. ومثله كلامهم في شرح مفهومها، فانه يختص بغير ذلك وأما عدم الصحة بعنوان كونها عقدا من العقود فغير ظاهر، لشمول الادلة العامة إذا كان قد نوى المعاوضة بين العمل وبين التمكين من الاصول إذا كان له غرض في التمكين. ولا وجه للفساد

[ 196 ]

[ بخلاف المفروض. فالاقوى ما ذكرنا من الصحة (1)، ولزوم الوفاء بالشرط - وهو تسليم الضميمة - وإن لم يخرج شئ أو تلف بالآفة. نعم لو تبين عدم قابلية الاصول للثمر - إما ليبسها أو لطول عمرها أو نحو ذلك - كشف عن بطلان المعاملة من الاول (2)، ومعه يمكن استحقاق العامل للاجرة إذا كان جاهلا بالحال (3). (مسألة 20): لو جعل المالك للعامل مع الحصة من الفائدة ملك حصة من الاصول مشاعا أو مفروزا، ففي صحته مطلقا، أو عدمها كذلك (4)، أو التفصيل بين أن يكون ذلك ] من جهة كونها سفهية، إذ الثابت بطلان معاملة السفيه وإن كانت عقلائية لا بطلان معاملة الرشيد وإن كانت غير عقلائية. وأما إذا لم ينو المعاوضة بين العمل والتمكين وانما نوى التعهد بالعمل فهو حينئذ إيقاع، لاعقد مساقاة ولا غيره. (1) الذي يظهر مما ذكرنا هو التفصيل الاخير. (2) لفقد شرط المعاملة، وهو قابلية الشجر للاثمار التي أخذت في قوام العقد. (3) لاستيفاء المالك عمل العامل الموجب لضمانه. إلا أن يقال: بأن المالك كان طالبا للعمل في الشجر القابل للاثمار، وما وقع من العمل غير ما هو طالبه، فلم يكن منه استيفاء لعمل العامل كي يكون ضامنا له. (4) قال في الشرائع: " ولو شرط مع الحصة من النماء حصة من الاصل الثابت لم يصح، لان مقتضى المساقاة جعل الحصة من الفائدة. وفيه تردد "، وعن القواعد: فيه اشكال، والمحكي عن الاكثر في الجواهر:

[ 197 ]

[ بنحو الشرط فيصح أو على وجه الجزئية (1) فلا، أقوال والاقوى الاول، للعمومات (2). ودعوى: أن ذلك على خلاف وضع المساقاة، كما ترى (3)، كدعوى: أن مقتضاها أن يكون العمل في ملك المالك، إذ هو أول الدعوى. والقول ] العدم، وعن الرياض: أنه لم يقف على مخالف، وفي مفتاح الكرامة: " لم نجد قائلا بالصحة ولو بنحو الاقرب ". (1) هذا التفصيل جعله في الجواهر هو التحقيق، وكذا فيما لو جعل للعامل مع الحصة شيئا من الذهب أو الفضة. (2) لكن العمومات لا تثبت عنوان المساقاة (3) فيه نظر ظاهر، فان مورد نصوص المساقاة يختص بغير هذه الصورة، فالدعوى المذكورة في محلها. ومثلها الدعوى الاخرى ضرورة أن مورد تلك النصوص أيضا هو صورة كون الاصول للمالك لا للعامل، وكذلك كلام الفقهاء قدس سرهم. ومن ذلك يظهر الاشكال في قوله: " إذ هو أول الدعوى ". مضافا إلى أنه بناء على ما ذكره من أنه ليس على خلاف وضع المساقاة كان اللازم الاستدلال على الصحة بالادلة الخاصة لا بالعمومات. ثم إن هذه الدعوى ذكرها في المسالك وغيرها تقريبا للمنع، وكان الاولى في منعها أن يقال: إن الدعوى المذكورة صحيحة، لكن يراد منها كون العمل في ملك المالك قبل العقد و إن صار بعضه ملكا للعامل بعد العقد، ولذا لا تبطل المساقاة بخروج الاصول عن ملك المالك ببيع ونحوه بل لا تبطل لو باعها على العامل دون غيره من الناس، فالمراد من وجوب أن تكون الاصول في ملك المالك وجوب ذلك بالاضافة إلى ما قبل العقد لا بعده.

[ 198 ]

[ بأنه لا يعقل أن يشترط عليه العمل في ملك نفسه (1). فيه: أنه لا مانع منه إذا كان للشارط فيه غرض أو فائدة، كما في المقام حيث أن تلك الاصول وإن لم يكن للمالك الشارط، إلا أن عمل العامل فيها ينفعه في حصول حصة من نمائها. (ودعوى) أنه إذا كانت تلك الاصول للعامل بمقتضى الشرط فاللازم تبعية نمائها لها (2) (مدفوعة): بمنعها بعد أن كان المشروط له الاصل فقط في عرض تملك حصة من نماء الجميع. نعم لو اشترط كونها له على وجه يكون نماؤها له بتمامه كان كذلك (3) لكن عليه تكون تلك الاصول بمنزلة المستثنى من العمل، فيكون العمل فيما عداها (4) مما هو للمالك بأزاء الحصة من نمائه مع نفس تلك الاصول. ] (1) هذا أيضا ذكره في المسالك وغيرها توجيها للقول بالمنع الذي جعله الاوجه. (2) يعني: وحينئذ لاوجه لان يكون للمالك فيها حصة، كما ذكر في رد القول والاشكال عليه. (3) يعني: فيصح القول بأنه لا يعقل أن يشترط عليه العمل في ملكه. (4) يعني: فيصح اشتراط العمل فيه. ثم إن مقتضى الدعوى الاولى والثانية: المنع من صحة كون العقد مساقاة، ومقتضى القول الذي ذكر ثالثا: المنع من صحته عقدا مطلقا لان عدم المعقولية إذا تم لم يختص بالمساقاة بل يعمها وكل عقد. والتحقيق أن يقال: أنه إذا كان الخلاف في الصحة وعدمها بعنوان المساقاة فالوجه ما ذكره في الجواهر: من أنه إذا كان المشروط من الاصل

[ 199 ]

[ (مسألة 21): إذا تبين في أثناء المدة عدم خروج الثمر أصلا هل يجب على العامل إتمام السقي؟ قولان أقواهما العدم (1). (مسألة 22): يجوز أن يستأجر المالك أجيرا للعمل (2) مع تعيينه نوعا ومقدارا بحصة من الثمرة أو بتمامها بعد الظهور ] لوحظ قواما للمعاوضة فالوجه البطلان لقصور أدلة المساقاة عن شموله، وإن لوحظ شرطا خارجا عنها فالوجه الصحة، عملا بعموم أدلة صحة الشروط، وأدلة المساقاة لا تنافيها. لاهمالها من هذه الجهة. وإذا كان الخلاف في الصحة وعدمها في العقد مطلقا لا بعنوان المساقاة فالوجه الصحة مطلقا، عملا بالعمومات من غير مخصص. ودعوى المانع العقلي المذكور في كلام المصنف (ره) بقوله: " القول بأنه... ". قد أجاب عنها المصنف بما ذكر. (1) قال في جامع المقاصد: " فرع آخر: إذا لم تخرج الثمرة أو تلفت كلها لم يجب على العامل إكمال العمل إلى آخر المدة "، وفي الجواهر عن ظاهر المسالك: الوجوب، مشبها له بعامل القراض الذي لم يربح مع وجوب الانضاض عليه. هذا واللازم ابتناء الوجوب وعدمه على انفساخ المساقاة وعدمها، فإذا قلنا بالانفساخ - كما هو المشهور - فاللازم البناء على عدم وجوب اتمام العمل، للاصل. وإن قلنا بعدم الانفساخ - كما يراه المصنف - فاللازم البناء على وجوب العمل عملا بالعقد. اللهم إلا أن يدعى أن العمل اللازم في المساقاة ما يكون موجبا للنماء لا مطلقا، كما هو غير بعيد عند العرف. (2) كما هو المصرح به في كلام الجماعة، قال في الشرائع: " إذا استأجر أجيرا للعمل بحصة منها، فان كان بعد بدو صلاحها جاز "،

[ 200 ]

[ وبدو الصلاح، بل وكذا قبل البدو (1)، بل قبل الظهور أيضا إذا كان مع الضميمة الموجودة أو عامين (2). وأما قبل الظهور عاما واحدا بلا ضميمة فالظاهر عدم جوازه (3). لا لعدم معقولية تمليك ما ليس بموجود (4). لانا نمنع عدم ] وفي الجواهر: " بلا خلاف ولا إشكال لعموم الادلة وإطلاقها السالمين عن معارضة ما يقتضي المنع ". (1) يعني: قبل بدو الصلاح وبعد الظهور. عملا بعموم الادلة، وفي الشرائع: " إن كان بشرط القطع صح ". لكن الظاهر - كما قيل - أنه مبني على اعتبار الشرط المذكور في صحة البيع حينئذ، فيتعدى منه إلى الاجارة. والتحقيق عدمه في البيع، إذ لا دليل عليه. ودليل نفي الغرر في البيع لا يقتضي ذلك، إذ لا غرر عرفا في بقائه إلى زمان الادراك، بل تعيين المدة موجب الغرر " لاحتمال عدم الادراك حينئذ. مع أنه لاوجه لحمل الاجارة على البيع في ذلك، والعمومات تقتضي الصحة مطلقا كما عرفت. (2) الوجه في الجواز العمومات أيضا. مضافا إلى الالحاق بالبيع الذي هو أولى من الاجارة في مانعية الغرر، فإذا جاز البيع في الفرض فأولى أن تجوز الاجارة فيه. (3) قولا واحدا. لان عوض الاجارة يشترط فيه الوجود والمعلومية كعوض البيع، وهما منتفيان هنا، بخلاف عوض المساقاة، فانها جوزت كذلك وخرجت عن الاصل بالنص والاجماع. كذا في المسالك، ونحوه في التذكرة. (4) كأنه يشير إلى ما ذكره في الجواهر، حيث قال: " لم يجز قولا واحدا، لكونها معدومة ". لكن الظاهر أن مراده اشتراط كون

[ 201 ]

[ المعقولية بعد اعتبار العقلاء وجوده لوجوده المستقبلي، ولذا يصح مع الضميمة أو عامين، حيث أنهم اتفقوا عليه في بيع الثمار، وصرح به جماعة ههنا. بل لظهور اتفاقهم على عدم الجواز (1)، كما هو كذلك في بيع الثمار. ووجه المنع هناك خصوص الاخبار الدالة عليه، وطاهرها أن وجه المنع الغرر لا عدم معقولية تعلق الملكية بالمعدوم، ولو لا ظهور الاجماع في المقام لقلنا بالجواز مع الاطمينان بالخروج بعد ذلك، كما يجوز بيع ما في الذمة مع عدم كون العين موجودا فعلا عند ذيها، بل وان لم يكن في الخارج أصلا. والحاصل: أن الوجود الاعتباري يكفي في صحة تعلق الملكية (2)، فكأن العين موجودة في عهدة الشجر كما أنها موجودة في عهدة الشخص. ] عوض الاجارة موجودا، لما دل على إلحاقها بالبيع، لا لعدم المعقولية. (1) قيل: أول من ذكر الفرع الشيخ (ره) في المبسوط، وحكم فيه بعدم الجواز، وتبعه عليه من تأخر عنه، وقد عرفت دعوى الاتفاق عليه من المسالك والجواهر، وعن الكفاية: نسبته إلى الاصحاب، وإن كان التعليل في كلماتهم بما ذكر في التذكرة والمسالك يقتضي أن الوجه فيه الالحاق بالبيع. (2) الملكية عند العقلاء لا تتعلق إلا بالوجود الذمي أو الخارجي، أما ما لا وجود له في الذمة ولا في الخارج فلا يكون مملوكا لمالك، ولا تترتب عليه احكام المملوك. ويكفي في الوجود الخارجي الوجود الاستقبالي وإن لم يكن حاليا. فجعل الثمرة قبل ظهورها أجرة يصح عرفا إذا كان له وجود في المستقبل ولا يصح عرفا إذا لم يكن له وجود في المستقبل،

[ 202 ]

[ (مسألة 23): كل موضع بطل فيه عقد المساقاة يكون الثمر للمالك، وللعامل أجرة المثل لعمله (1). إلا إذا كان عالما بالبطلان (2) ومع ذلك أقدم على العمل، أو كان الفساد لاجل اشتراط كون جميع الفائدة للمالك، حيث أنه بمنزلة المتبرع في هاتين الصورتين، فلا يستحق أجرة المثل على الاقوى وإن كان عمله بعنوان المساقاة. ] فالوجود الاعتباري غير كاف في تعلق الملكية ما لم يكن له مطابق في الخارج. (1) قال في الشرائع: " كل موضع تفسد فيه المساقاة فللعامل أجرة المثل، والثمرة لصاحب الاصل "، وفي القواعد: " ولو فسد العقد كانت الثمرة للمالك، وعليه أجرة العامل "، نحوهما ما في غيرهما، بل هو المشهور شهرة عظيمة بينهم، ذكروا ذلك هنا وفي المزارعة والاجارة وغيرهما من عقود المعاوضات، وظاهر محكي التذكرة: الاجماع عليه. ووجهه - كما في المسالك وغيرها -: أن النماء يتبع الاصل، فالثمرة تكون ملكا لمالك الاصل بعد أن لم يكن موجب للخروج عنه. وأن العامل لم يتبرع بعملة ولم يحصل له العوض المشروط، فيرجع إلى الاجرة. وهذا المقدار لا يقتضي الرجوع على المالك بالاجرة، إلا بضميمة ما عرفت سابقا من الضمان بالاستيفاء، فيكون مضمونا بالاستيفاء على المستوفي، وهو المالك. (2) قال في المسالك: " ويجب تقييده (يعني تقييد الحكم باستحقاق العامل أجرة المثل) بما إذا كان جاهلا بالفساد ولم يكن الفساد باشتراط جميع الثمرة للمالك. إذ لو كان عالما به كان متبرعا بالعمل، لانه بذل عمله في مقابلة ما يعلم أنه لا يحصل. وأما مع شرط جيمع الثمرة للمالك فلدخوله على ان لا شئ له وإن كان جاهلا ". وقد سبقه في القيد الثاني الشهيد فيما حكي من حواشيه على إجارة القواعد، كما تبعه في القيد الاول

[ 203 ]

جماعة، والمصنف (ره) تبعه في القيدين معا، وقد تكرر منه في المزارعة والمضاربة و غيرهما ذكر القيد الاول، كما تقدم منا الاشكال عليه، وأن العلم بالفساد لا يقتضي التبرع بالعمل، كما يظهر من ملاحظة بيع الغاصب. كما تقدم التعرض للقيد الثاني في المسألة الرابعة عشرة، وأن مرجع الاقدام على العمل بلا أجرة الاقدام على التبرع، وتقدم من الجواهر التنظر فيه، وكذلك في المقام فقد قال: " إن الرضا بالعقد الفاسد وبالعقد المتضمن لعدم الاجرة ليس رضا بالعمل بلا أجرة، فان الحيثية ملاحظة بمعنى كون المتشخص منه في الخارج الرضا بالعقد الذي لا يترتب عليه ذلك، والعمل الصادر منه إنما هو من حيث أنه مقتضى العقد الفاسد، لا أنه رضا منه بالعمل في حد ذاته وفي نفسه بلا عوض، فمع فساد العقد الذي قد وقع العمل على مقتضاه معاملا معاملة الصحيح يبقى احترام العمل بنفسه ". وحاصله: أن الرضا بالعمل مجانا وبلا أجرة كان مبنيا على العقد فإذا فرض بطلان العقد فقد انتفى الرضا المنوط به. ويشكل: بأن الاجرة إذا كانت من أركان العقد امتنع القصد إلى العقد مع القصد إلى عدم الاجرة، فإذا فرض القصد إلى عدم الاجرة فقد فرض عدم القصد إلى المساقاة، لا صحيحة ولا فاسدة، وانما قصد إلى أمر آخر وهو الوعد بالعمل مجانا، وهو عين التبرع بالعمل. وكذا الكلام في قوله: بعتك بلا ثمن، وآجرتك بلا اجرة، فان ذلك ليس بيعا وإجارة فاسدين كي يدخلان في قاعدة: (ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده) وإنما هما خارجان عن المعاوضة. فان قلت: المنشأ في عقد المساقاة اشغال ذمة العامل بالعمل للمالك واشغال ذمة المالك بتمكين العامل من العين مضافا إلى ملك الحصة، فإذا فرض القصد إلى عدم الاجرة فقط فقد بقي القصد إلى إشغال ذمة المالك

[ 204 ]

[ (مسألة 24): يجوز اشتراط مساقاة في عقد مساقاة كأن يقول: ساقيتك على هذا البستان بالنصف على أن أساقيك على هذا الاخر بالثلث. والقول بعدم الصحة (1)، لانه كالبيعين في بيع المنهي عنه (2)، ضعيف، لمنع كونه من هذا ] بتمكين العامل من العين، وهذا المعنى أجنبي عن الوعد، فان الوعد بالعمل لا يستوجب اشغال ذمة المالك ببذل العين. قلت: اشتغال ذمة المالك بالتمكين ليس داخلا في حقيقة المساقاة إلا بالتبعية " لاستحقاق الحصة التي هي العوض للعمل، فإذا فرض القصد إلى عدم الاجرة فلا قصد إلى إشغال ذمة المالك بالتمكين، فلم يكن إلا التزام العامل بالعمل مجانا وهو عين الوعد بالعمل تبرعا. مضافا إلى أنه لو فرض انشاء التزام المالك بتمكين العامل من العين والتزام العامل بالعمل في مقابل ذلك كان ذلك عقدا آخر غير المساقاة، ولا بأس بالالتزام بصحته، ويكون ذلك معاملة بين المالك والعامل، هذا يلتزم بالتمكين، وهذا يلتزم بالعمل في مقابل التمكين، وتكون معاوضة بين عملين، وهي أيضا لا تقتضي رجوع العامل بالاجرة. (1) حكي هذا القول عن الشيخ في المبسوط، ولم يعرف لغيره. (2) روى الصدوق (ره) عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق (ره) عن آبائه (ع) في مناهي النبي صلى الله عليه وآله: " قال: ونهى عن بيعين في بيع ". (* 1) وفي رواية الشيخ (ره): " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع ". (* 2)


(* 1) من لا يحضره الفقيه الجزء: 4 الصفحة: 4 طبعة النجف الاشرف، الوسائل باب: 12 من ابواب عقد البيع حديث: 12. (* 2) التهذيب الجزء: 7 الصفحة 230 طبعة النجف الاشرف، الوافي الجزء: 3 الصفحة: 95

[ 205 ]

[ القبيل، فان المنهي عنه (1) البيع حالا بكذا ومؤجلا بكذا، أو البيع على تقدير كذا بكذا وعلى التقدير آخر بكذا، والمقام نظير أن يقول: بعتك داري بكذا على أن أبيعك بستاني بكذا ولامانع منه، لانه شرط مشروع في ضمن العقد. (مسألة 25): يجوز تعدد العامل (2)، كأن يساقي مع اثنين بالنصف له والنصف لهما، مع تعيين عمل كل منهما بينهم أو فيما بينهما (3)، وتعيين حصة كل منهما (4). وكذا يجوز تعدد المالك (5) واتحاد العامل، كما إذا كان البستان مشتركا بين اثنين فقالا لواحد: ساقيناك على هذا البستان بكذا وحينئذ فان كانت الحصة المعينة للعامل منهما سواء - كالنصف ] (1) ويحتمل البيع إلى أجلين بثمنين. ويحتمل أيضا غير ذلك. مع أنه لو سلم أن المراد منه البيع بشرط البيع فالتعدي منه إلى ما نحن فيه يحتاج إلى دليل، فكم من فرق بين البيع والمساقاة في الاحكام. (2) كما في القواعد وغيرها. وكأنه لا خلاف فيه ولا اشكال. ويقتضيه إطلاق نصوص خيبر. (3) إذ لاغرر على المالك لو كان جاهلا بمقدار حصة كل منهما بعد أن كانت الحصة المعينة - كالنصف - بينهما تساويا فيها أو اختلفا، إذ اختلافهما لا يوجب اختلافا في حصته. (4) يعني: فيما بينهما وإن لم يعلم بذلك المالك، لما عرفت من أن اختلافهما لا يوجب اختلافا في حصته. (5) كما في الشرائع والقواعد وغيرهما بلا خلاف ظاهر، والادلة الخاصة قاصرة عن شمول ذلك إلا بملاحظة إلغاء الخصوصية عرفا.

[ 206 ]

[ أو الثلث مثلا - صح وإن لم يعلم العامل كيفية شركتهما (1) وأنها بالنصف أو غيره، وإن لم يكن سواء - كأن يكون في حصة أحدهما بالنصف وفي حصة الآخر بالثلث مثلا - فلابد من علمه بمقدار حصة كل منهما، لرفع الغرر والجهالة في مقدار حصته من الثمر (2). (مسألة 26): إذا ترك العامل العمل بعد إجراء العقد ابتداء أو في الاثناء فالظاهر أن المالك مخير بين الفسخ أو الرجوع إلى الحاكم الشرعي (3) ] (1) لما عرفته في صورة اتحاد المالك وتعدد العامل من أن جهل العامل بذلك لا يوجب الجهل بمقدار حصته. (2) قال في الشرائع: " لو كانت الاصول لاثنين فقالا لواحد: ساقيناك على أن لك من حصة فلان النصف ومن حصة الآخر الثلث، صح بشرط أن يكون عالما بقدر نصيب كل واحد منهما، ولو كان جاهلا بطلت المساقاة لتجهل الحصة "، ونحوه كلام غيره، فان تم اجماع على البطلان مع الجهل فهو. وإلا أشكل القول به، إذ لا دليل لفظي على قدح الغرر في المقام. (3) قال في التحرير: " إذا هرب العامل فللمالك الفسخ والبقاء، فيقضي الحاكم من ماله إن لم يتبرع بالعمل أحد، فان لم يجد فمن بيت المال قرضا، فان لم يجد اقترض من أحد، فان لم يجد استأجر من يعمل بأجرة مؤخرة إلى الادراك، فان تعذر استأذن الحاكم وأنفق، فان تعذر الاستئذان أشهد في الانفاق والرجوع... ". وتبعه في هذا التخيير بين الفسخ والرجوع إلى الحاكم المحقق

[ 207 ]

الاردبيلى (قده) لوجوه أشار إلى بعضها في الجواهر، فقال: " قد يقال: إنه (يعنى البناء على تعيين الرجوع إلى الحاكم من دون خيار) مناف لما يستفاد منهم في غير المقام - كالخيار بعدم الوفاء بالشرط، وكالخيار بتأخير الثمن، وبالامتناع من العمل وتسليم العين المستأجرة ونحو ذلك - من ثبوت الخيار بمجرد حصول شئ من ذلك من غير مراجعة إلى الحاكم، بل ظاهرهم أنه متى حصل من أحد المتعاقدين بعقد لازم ما ينافي استحقاق الآخر عليه شرع له الشارع الفسخ، وكان العقد في حقه جائزا، دفعا لضرره بذلك... " وظاهره الميل إليه. لكن يشكل الوجه الاول: بأن الخيار عند تخلف الشرط مدلول التزامي لجعل الشرط وهو غير المقام. كما يشكل الثاني: بأن النص الوارد في خيار التأخير هو الفارق بين المقامين، ولا سيما بملاحظة دلالته على عدم الخيار بمجرد التأخير والامتناع من تسليم الثمن فان قياس المقام عليه يقتضي عدم الخيار بمجرد امتناع العامل من العمل. ولاجل ذلك يشكل مقايسة المقام بامتناع المؤجر عن تسليم العين المستأجرة وامتناع الاجير عن العمل، فان ثبوت الخيار في الموردين المذكورين خلاف مقتضى النص المذكور المعتضد بفتوى الاصحاب، فانهم لم يذكروا من الخيارات الخيار بامتناع البائع من تسليم المبيع أو المشتري من تسليم الثمن، وإنما ذكروا أن مقتضى ذلك جواز امتناع الطرف الثاني من تسليم ما بيده، لا أن له الخيار في الفسخ. اللهم إلا أن يفرق بين الاجارة والبيع: بأن الاجارة لما كانت معاملة على المنفعة والمنفعة تستهلك بغير الاستيفاء فكان مبنى المعاملة عليها على تسليم المنفعة لتستوفى بخلاف البيع الذي هو المعاملة على العين التي تبقى لنفسها وإن لم تستوف.

[ 208 ]

[ فيجبره على العمل (1)، وإن لم يمكن استاجر (2) من ماله من يعمل عنه، أو بأجرة مؤجلة إلى وقت الثمر فيؤديها منه، أو يستقرض عليه (3) ويستأجر من يعمل عنه، وإن تعذر الرجوع إلى الحاكم أو تعسر فيقوم بالامور المذكورة عدول المؤمنين (4)، ] ولاجل ذلك يتعين القول بثبوت خيار الفسخ في المقام - كما في الاجارة - لان مبنى العقد على ذلك، فيكون شرطا ضمنيا ارتكازيا يستدعي تخلفه الخيار، وليس كذلك في البيع. ولاجله لا تنافي نصوص خيار التأخر مع دلالتها على نفي الخيار قبل الثلاثة ثبوت الخيار فيما نحن فيه كالاجارة، لما عرفت من الفرق بين المقامين. وأما الكلية التي ذكرها فغير ثابتة ما لم ترجع إلى خيار تخلف الشرط، وأما الاستدلال بقاعدة الضرر فلا مجال له، لتدارك الضرر بالرجوع إلى الحاكم الشرعي. (1) لانه ولي الممتنع. وقد استدل في الجواهر على ولايته بقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا...) (* 1) لكن الآية الشريفة متعرضة لولاية الرسول والامام لاغير، فالاستدلال بها على ولاية الحاكم موقوف على دليل يدل على عموم نيابة الحاكم، ولكنه مفقود. إذ لادليل على ولاية الحاكم إلا مقبولة ابن حنظلة المتضمنة لجعل الحاكم قاضيا " فيكون له وظيفة القضاة، فكل وظيفة ثبت أنها للقاضي كانت للحاكم الشرعي، وما لم تثبت أنها وظيفة للقاضي لا تثبت للحاكم. (2) الظاهر أنها من وظائف القاضي. (3) لم يثبت أن ذلك من وظائف القاضي. وكذا الاستقراض من بين المال المذكور في كلام الجماعة. (4) القدر الثابت من ولاية عدول المؤمنين الموارد التي يعلم من مذاق


(* 1) المائدة: 55.

[ 209 ]

[ بل لا يبعد جواز إجباره بنفسه (1) أو المقاصة من ماله (2) أو استيجار المالك عنه ثم الرجوع عليه أو نحو ذلك. وقد يقال (3) بعدم جواز الفسخ إلا بعد تعذر الاجبار (4) وأن اللازم كون الاجبار من الحاكم (5) مع إمكانه، وهو أحوط وإن كان الاقوى التخيير بين الامور المذكورة (6) هذا إذا ] الشارع رجحان التصدي من كل أحد فيها عند تعذر الوصول إلى الحاكم، وهذا المعنى غير ثابت في المقام، ولا سيما بملاحظة تدارك الضرر بالخيار. (1) يمكن استفادة ذلك مما دل على جواز دفاع الانسان عن نفسه وماله. (2) لا يخلو من إشكال، إذ لم يثبت جواز المقاصة عن العمل المستحق قبل زمان فواته، كما لا يثبت جواز المقاصة في ضمان العمل - مقابل العين - حتى بعد الفوات. بل عرفت الاشكال في ضمان الاعمال بحيث يطالب بعوضها. وأشكل من ذلك جواز استيجار المالك عنه. وسيأتي في المسألة التاسعة والعشرين بقية الكلام في ذلك. (3) هذا هو الذي طفحت به الكلمات، وفي الجواهر: نسبته إلى ظاهر الاصحاب، وفي مفتاح الكرامة: " اتفقت كلمتهم أيضا على أنه ليس للمالك فسخها بمجرد هرب العامل " ثم ذكر بعد ذلك خلاف التحرير ومجمع البرهان، وفي المسالك: " لما كانت المساقاة من العقود اللازمة لم تنفسخ بمجرد هرب العامل، ولا يتسلط المالك على فسخها به، كما لا يملك فسخها بامتناعه من العمل بغير هرب "، وظاهره أنه من المسلمات. (4) كأن المستند في الخيار حينئذ عندهم قاعدة نفي الضرر، وهي لا تجري مع إمكان الرجوع إلى الحاكم، لتدارك الضرر حينئذ به. (5) يعني: لامن نفسه. (6) وهي الفسخ، والاجبار بنفسه، والرجوع إلى الحاكم، والمقاصة

[ 210 ]

[ لم يكن مقيدا بالمباشرة وإلا فيكون مخيرا بين الفسخ والاجبار (1) ولايجوز الاستيجار عنه للعمل. نعم لو كان اعتبار المباشرة بنحو الشرط (2) لا القيد يمكن اسقاط حق الشرط والاستيجار عنه أيضا. (مسألة 27): إذا تبرع عن العامل متبرع بالعمل جاز إذا لم يشترط المباشرة، بل لو أتى به من غير قصد التبرع عنه أيضا كفى، بل ولو قصد التبرع عن المالك كان كذلك أيضا، وإن كان لا يخلو عن إشكال (3)، فلا يسقط حقه من ] والاستيجار للعمل عنه. (1) وكذا المقاصة، بناء على جواز المقاصة في الفرض. (2) قد تكرر الاشكال في صحة شرط مقومات موضوع العقد في ضمن العقد في مقابل جعلها قيودا له، فإذا جعلت شرائط فلابد أن تلحظ قيدا لموضوع العقد، فيلزم حينئذ جعل موضوع العقد ثانيا، وهو خلاف المرتكز العرفي. مثلا إذا استأجر زيدا ليخيط له ثوبا، وأوقع عقد الاجارة على ذلك، فقد ملك على زيد خياطة الثوب، فإذا أراد اشتراط المباشرة لم يصح شرطها إلا بمعنى اشتراط العمل مباشرة، فيقول: آجرتك على أن تخيط ثوبي واشترطت عليك أن تخيطه مباشرة، وحينئذ تكون الخياطة مملوكة على الاجير من جهتين، من جهة نفس العقد ومن جهة الشرط في ضمنه وهو لا يوافق عليه العرف، بل لا يرى الا جعلا واحدا للموضوع مقيدا بالمباشرة، فإذا جاء العامل بالعمل بلا مباشرة لم يستحق العوض، لا أنه يستحق العوض وللمشروط له الفسخ. هذا هو المرتكزا العرفي، ولولاه لم يكن مانع عقلي من جعل ملكيتين للمطلق والمفيد. (3) لان الفعل لا ينسب إلى العامل، كي يستحق به الحصة المعينة

[ 211 ]

[ الحاصل، وكذا لو ارتفعت الحاجة إلى بعض الاعمال، كما إذا حصل السقي بالامطار ولم يحتج إلى النزح من الابار، خصوصا إذا كانت العادة كذلك. وربما يستشكل (1) بأنه نظير الاسيتجار لقلع الضرس إذا انقلع بنفسه، فان الاجير لا يستحق الاجرة لعدم صدور العمل المستأجر عليه منه، فاللازم في المقام أيضا عدم استحقاق ما يقابل ذلك العمل. ويجاب بأن وضع المساقاة وكذا المزارعة على ذلك، فان المراد حصول الزرع والثمرة، فمع احتياج ذلك إلى العمل فعله العامل، وإن استغنى عنه بفعل الله أو بفعل الغير سقط واستحق حصته، بخلاف الاجارة، فان المراد منها مقابلة العوض بالعمل منه أو عنه. ولا بأس بهذا الفرق فيما هو المتعارف سقوطه أحيانا - كالاستقاء بالمطر - مع بقاء ساير الاعمال، وأما لو كان على خلافه - كما إذا لم يكن عليه الا السقي واستغنى عنه بالمطر أو نحوه كلية - فاستحقاقه للحصة مع عدم صدور عمل منه أصلا مشكل (2). (مسألة 28): إذا فسخ المالك العقد بعد امتناع العامل ] له. وهذا الاشكال يطرد في الصورة التي قبلها، فان العمل لم يكن منسوبا إلى العامل أيضا، فلا يستحق عليه شيئا. (1) هذا الاشكال ذكره في الجواهر، وأجاب عنه بما يأتي. (2) فان الاختلاف بين المزارعة والمساقاة وبين الاجارة إنما هو في أن العمل فيهما يختلف زيادة ونقيصة وفي الاجارة لا يختلف، لا أنه يختلف فيهما زيادة ونقيصة ووجودا وعدما أيضا، فان ذلك غير ثابت.

[ 212 ]

[ عن إتمام العمل يكون الثمر له، وعليه أجرة المثل للعامل بمقدار ما عمل (1). هذا إذا كان قبل ظهور الثمر، وإن كان بعده يكون للعامل حصته وعليه الاجرة (2) للمالك إلى زمان البلوغ إن رضي بالبقاء، وإلا فله الاجبار على القطع بقدر حصته (3)، إلا إذا لم يكن له قيمة أصلا، فيحتمل ان يكون للمالك (4) كما قبل الظهور. (مسألة 29): قد عرفت أنه يجوز للمالك مع ترك العامل العمل أن لا يفسخ ويستأجر عنه (5) ويرجع عليه، إما ] (1) على ما صرح به جماعة. وهو في محله لو كان الفسخ للعقد من أصله، إذ يكون عمل العامل من حين وقوعه مضمونا على المالك بالاستيفاء. أما إذا كان الفسخ من حينه فقد يشكل الضمان بأجرة المثل، من جهة أن العمل حين وقوعه كان مضمونا بالحصة، والمفروض انتفاؤها، فلا وجه للضمان بأجرة المثل حينئذ. ويقتضيه ما ذكره المصنف (ره) في المسألة السابعة عشرة من كتاب المزارعة. لكن عرفت هناك أن الاستيفاء يوجب الضمان، إما بالمسمى أو بأجرة المثل، فإذا لم يسلم الاول ثبتت الاجرة. (2) يعني: أجرة الارض، لان العامل لا يستحق بقاء حصته فيها. (3) عملا بقاعدة السلطنة. نعم إذا لزم من القطع ضرر على العامل كان دليل نفي الضرر مانعا من إجباره على القطع. (4) لكنه ضعيف، إذ الملكية لا تتوقف على المالية، فلا موجب للخروج عما دل على الاشتراك في الظهور. (5) قد عرفت أنه لا دليل على ذلك، ولذلك تردد فيه في الشرائع قال فيها: " ولو لم يفسخ وتعذر الوصول إلى الحاكم كان له أن يشهد أنه

[ 213 ]

[ مطلقا - كما لا يبعد - أو بعد تعذر الرجوع إلى الحاكم. لكن يظهر من بعضهم اشتراط جواز الرجوع عليه بالاشهاد على الاستيجار عنه (1)، فلو لم يشهد ليس له الرجوع عليه حتى بينه وبين الله، وفيه ما لا يخفى. فالاقوى أن الاشهاد للاثبات ظاهرا، وإلا فلا يكون شرطا للاستحقاق، فمع العلم به أو ثبوته شرعا يستحق الرجوع وإن لم يكن أشهد على الاستيجار. نعم لو اختلفا في مقدار الاجرة فالقول قول العامل في نفي الزيادة. وقد يقال بتقديم قول المالك، لانه أمين (2). وفيه ما لا يخفى (3). وأمالو اختلفا في أنه تبرع عنه أو قصد ] يستأجر عنه ويرجع إليه على تردد ". لكن جزم في القواعد بالرجوع مع الاشهاد، قال: " ولو تعذر الحاكم كان له أن يشهد أنه يستأجر عليه ويرجع حينئذ ولو لم يشهد لم يرجع، على إشكال ". (1) يظهر ذلك من عبارة الشرائع والقواعد المتقدمتين، وفي المسالك: أنه أحد الاقوال. والقول الثاني: أنه يرجع مع تعذر الاشهاد لا مع إمكانه. والثالث: أنه يرجع مع نيته مطلقا. وهو الاقوى، إذ لا مدخلية لشهادة الشاهدين في التسلط على مال الغير... " إلى آخر كلامه " وسبقه إلى ذلك في جامع المقاصد، ووافقهما على ذلك غير واحد. هذا وفي جامع المقاصد: أن الرجوع مع الاشهاد موضع وفاق. لكن تقدم التردد فيه من الشرايع وعرفت أنه في محله، إذ لا دليل عليه، وأنه خلاف عموم قاعدة السلطنة. (2) بناء على ثبوت ولايته في ذلك، كما مال إليه في الجواهر. (3) لعله لاجل أن مادل على قبول قول الامين مختص بالمؤتمن من قبل الخصم. لكن ثبوت بالنسبة إلى الولي الاجباري والحاكم الشرعي

[ 214 ]

[ الرجوع عليه فالظاهر تقديم قول المالك، لاحترام ماله وعمله (1) إلا إذا ثبت التبرع، وإن كان لا يخلو عن إشكال (2)، بل يظهر من بعضهم تقديم قول العامل (3). (مسألة 30): لو تبين بالبينة أو غيرها أن الاصول كانت مغصوبة، فان أجاز المغصوب منه المعاملة صحت المساقاة (4)، ] يقتضي عموم الحكم المولي الشرعي - كما في المقام - لقاعدة: من ملك شيئا ملك الاقرار به، التي يدل عليها الاجماع القولي والعملي، وهي غير قاعدة سماع قول الامين المستأمن. (1) يعني: أصالة احترام مال المسلم وعمله. لكن هذا الاصل غير أصيل إلا في صورة الاستيفاء، وهو مفقود في المقام. فالعمدة: قاعدة من ملك، الدالة على قبول خبره ما لم يثبت الخلاف. (2) لما في الجواهر من أن أصالة عدم تبرع الانسان بعمل يحصل فيه غرامة من الغير ليست أصلا أصيلا. وفيه: أنه لو ثبت عموم ضمان مال المسلم وعمله إلا إذا كان متبرعا فأصالة عدم التبرع تقتضي ثبوت الضمان، لان الخاص الخارج عن حكم العام إذا كان ثبوتيا فأصالة عدمه كافية في إثبات حكم العام، وقد تقدم العمل بذلك في جملة من صور التداعي في الاجارة والمضاربة والمزارعة وغيرها. هذا وقد عرفت أن مقتضي قاعدة من ملك، قبول قول المالك، وحينئذ لا مجال للرجوع إلى الاصول إذ الرجوع إلى الاصل إنما يكون حيث لا أمارة، وقول المالك امارة على مؤاده. (3) عملا بأصالة البراءة، كما تقدم ذلك في بعض مباحث التداعي وضعفه ظاهر، إذا يختص ذلك بما إذا لم يكن المورد من موارد قاعدة: من ملك - كما في المقام - ولا من موارد عموم الضمان إلا مع التبرع (4) لصحة عقد الفضولي باجازة المالك.

[ 215 ]

[ وإلا بطلت (1)، وكان تمام الثمرة للمالك (2) المغصوب منه. ويستحق العامل أجرة المثل على الغاصب (3) إذا كان جاهلا بالحال (4)، إلا إذا كان مدعيا عدم الغصبية وأنها كانت ] (1) لقاعدة السلطنة. وكأن الحكم من الواضحات، قال في الشرايع: " إذا ساقاه على أصول فبانت أنها مستحقة بطلت المساقاة، والثمرة للمستحق، وللعامل الاجرة على المساقي "، ونحوه ما في غيره. (2) كما عرفت التصريح به في كلامهم. لتبعية النماء للاصل في الملك. (3) كما هو مصرح به في كلماتهم، لان الغاصب هو الذي استدعاه إلى العمل، فيكون العمل مضمونا عليه بالاستيفاء بعد أن لم تسلم له الحصة التي اقتضاها العقد الباطل، كما ذكر ذلك في المسالك وغيرها. وفي الجواهر علل الرجوع على الغاصب: بأن العامل مغرور من الغاصب، فيرجع على من غره. ويشكل: بأنه قد يكونان معا مغرورين من سبب خارجي، ولازمه ضياع عمل العامل حينئذ، وهو كما ترى، فالدليل أخص من الدعوى، (4) كما هو ظاهر من اقتصر في تحرير المسألة على صورة الجهل، كما في الشرايع والقواعد وغيرهما، بل هو المصرح به في كلام جماعة، وأنه لا يرجع إذا كان عالما، معللين له: بأنه متبرع بعمله. لكن عرفت الاشكال فيه في المسألة الثالثة والعشرين. نعم بناء على تعليل الرجوع بالغرور يصح ذلك، لانتفاء الغرور حينئذ. ولاجل أنك عرفت أن استيفاء العمل موجب لضمانه من غير فرق بين العالم بصحة العقد والعالم بفساده فاللازم البناء في المقام على الضمان مطلقا. نعم إذا كان العلم بالفساد موجبا لحرمة العمل، لانه تصرف في مال الغير بغير إذنه أمكن البناء على عدم الرجوع إذ لا أجرة للعمل المحرم، فلو فرض حليته جاز الرجوع على المساقي حتى

[ 216 ]

[ للمساقي، إذ حينئذ ليس له الرجوع عليه، لاعترافه بصحة المعاملة (1) وأن المدعي أخذ الثمرة منه ظلما. هذا إذا كانت الثمرة باقية. وأمالو اقتسماها وتلفت عندهما، فالاقوى أن للمالك الرجوع بعوضها على كل من الغاصب والعامل (2) بتمامه وله الرجوع على كل منهما بمقدار حصته. فعلى الاخير لا إشكال (3). وإن رجع على أحدهما بتمامه رجع على الآخر بمقدار حصته (4)، إلا إذا اعترف بصحة العقد وبطلان دعوى المدعي للغصبية، لانه حينئذ معترف بأنه غرمه ظلما (5). وقيل: ] مع العلم بالفساد. (1) وحينئذ تكون الحصة عوض عمله، فتكون قد سلمت له. وقد تعرض لهذه الصورة في المسالك. (2) لاستقلال يدكل منهما على العين، الموجب لضمانه لها، لعموم: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". وهذا القول حكاه في الشرايع قولا ولم يعرف قائله. نعم اختاره العلامة في جملة من كتبه، وتبعه عليه من تأخر عنه. (3) يعني: لا يرجع أحدهما على الآخر بشئ، لان قرار الضمان في الايدي المتعاقبة على عين واحدة على من تلفت العين في يده والمفروض أن كل واحد منهما قد تلف في يده نصف العين، وقد رجع المالك عليه فيه، فلا وجه لان يرجع أحدهما على الآخر. (4) لوقوع تلف النصف عنده، الموجب لاستقرار الضمان عليه، كما ذكر ذلك في مسألة تعاقب الايدي. (5) كان الاولى أن يقول: لانه معترف بأن التالف في يد كل منهما

[ 217 ]

[ إن المالك مخير (1) بين الرجوع على كل منهما بمقدار حصته ] ملكه وماله، فلا معنى لان يكون مضمونا عليه. (1) كما هو المعروف زمان العلامة، واختاره في الشرايع، لان يد العامل كانت بعنوان النيابة عن المساقي، فلا تستوجب الضمان. وفيه: أنه خلاف إطلاق قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (* 1) من دون مقيد ظاهر. وعن ظاهر الارشاد أنه ليس للمالك الرجوع على المساقي أو العامل بتمام الثمرة، وإنما له الرجوع على كل منهما بحصته لا غير. وكأنه لبنائه على عدم استقلال يد أحدهما، على جميع الثمرة. ولكنه خلاف المفروض. ومن ذلك يظهر أنه يمكن فرض المسألة (تارة): باستقلال يد كل منهما. (وأخرى): بعدم استقلال يد أحدهما، بأن تكون الثمرة في يدهما معا. (وثالثة): باستقلال يد المساقي دون العامل، بل تكون يد العامل على وجه الاشتراك (ورابعة): بالعكس. والحكم في الاول هو ما ذكره العلامة ومن تبعه، - ومنهم المصنف - وفي الثاني هو ما ذكر في ظاهر الارشاد، وفي الثالث يرجع المالك على المساقي بتمام الثمرة، وليس له الرجوع على العامل إلا بحصته لاغير، وفي الرابع بالعكس. ثم إن ما ذكر يتم فيما إذا كانت الحصة النصف، أما إذا كانت أقل من النصف جاز للمالك الرجوع على العامل بنصف الثمرة في الفرض الثالث مع كونه أكثر من حصته، لان يده حينئذ تكون على النصف وإن كان هو أكثر من حصته. ثم إنه يمكن فرض اليد على الثمرة لاحدهما على الاستقلال دون الآخر، فانه لايد له على الثمرة أصلا، ولكن وصلت إليه حصته بتسليم صاحبه. وحكم ذلك أنه لا يجوز رجوع المالك على الآخر إلا بالحصة.


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب كتاب الوديعة حديث: 12. وباب: 1 من كتاب الغصب حديث: 4.

[ 218 ]

[ وبين الرجوع على الغاصب بالجميع، فيرجع هو على العامل بمقدار حصته، وليس له الرجوع على العامل بتمامه، إلا إذا كان عالما بالحال (1). ولا وجه له بعد ثبوت يده على الثمر بل العين أيضا. فالاقوى ما ذكرنا، لان يد كل منهما يد ضمان وقرار الضمان على من تلف في يده العين. ولو كان تلف الثمرة بتمامها في يد احدهما كان قرار الضمان عليه (2). هذا ويحتمل في أصل المسألة (3) كون قرار الضمان على الغاصب (4) مع جهل العامل، لانه مغرور من قبله (5). ولا ينافيه ضمانه ] (1) كما قيده بذلك في الشرايع. وهو غير ظاهر، لان عموم: " على اليد " إذا كان لا يشمل يد العامل لكونها بعنوان النيابة - فلا فرق بين العمل والجهل بالحال. (2) كما هو حكم تعاقب الايدي على عين واحدة، فان قرار الضمان على من تلفت في يده العين، كما هو محقق في ملحه. (3) يعني: مسألة تعاقب الايدي على الثمرة التي ظهر أنها لغير المتعاملين. (4) يعني: لا على من تلفت الثمرة في يده - كما ذكرنا - بل يرجع هو على الغاصب، فيكون قرار الضمان عليه. (5) يشير بذلك إلى قاعدة الغرور، التي ادعي الاجماع على العمل بها. وقد استدل عليها بامور أشرنا إليها في كتابنا نهج الفقاهة (منها): قاعدة الضرر، كما نسب إلى السيد في الرياض، وعبارته لا تساعد على ذلك (ومنها): قاعدة الاتلاف بالنسبة إلى العين المضمونة، كما هو ظاهر الجواهر في كتاب الغصب، أو قاعدة الاتلاف بالنسبة إلى الغرامة، كما يظهر من شيخنا الاعظم في مبحث الفضولي، حيث جعل من الوجوه المصححة للقاعدة كون الغار سببا في تغريم المغرور (ومنها): النصوص

[ 219 ]

[ لاجرة عمله (1)، فانه محترم، وبعد فساد المعاملة لا يكون الحصة عوضا عنه، فيستحقها، وإتلافه الحصة إذا كان بغرور من الغاصب لا يوجب ضمانه له (2). ] الواردة في تدليس الزوجة (* 1) المتضمنة لجواز الرجوع إلى المدلس بالمهر وغيره، معللا في بعضها: بأنه دلس، وفي بعضها: بأنه غر وخدع. (ومنها): النصوص الواردة في ضمان شاهد الزور (* 2) على اختلاف مواردها (ومنها): النبوي - على ما قيل -: " المغرور يرجع على من غره " (* 3). والجميع لا يخلو من إشكال، عدا نصوص تدليس الزوجة، كما أشرنا إلى ذلك في نهج الفقاهة. والارتكازيات العرفية تقتضي أن يكون سبب مجرد التغرير والايقاع في خلاف الواقع، سواء كان عن علم أم جهل. فلا بأس بالبناء عليها، وسيما بملاحظة بناء الاصحاب على الرجوع إليها في مختلف الموارد. (ومنها): رجوع المشتري من الفضولي إليه في تدارك خساراته حتى فيما كان له في مقابله نفع. فراجع مباحث الفضولي. (1) وجه المنافاة: أن الغاصب كان ضامنا لاجرة عمله بعد تبين بطلان العقد الذي كان موجبا لضمانه بالحصة، فإذا كان ضامنا ما أتلفه من الحصة فقد صار ضامنا لعوضين، والعمل ليس له إلا عوض واحد. (2) يعني: يكون الغاصب هو الضامن للحصة، فتكون الحصة مضمونة للمالك لا للعامل، فالغاصب يضمن الاجرة للعامل، ويضمن الحصة للمالك،


(* 1) راجع الوسائل كتاب النكاح أبواب العيوب والتدليس باب: 2 حديث: 2 وباب 6 حديث: 2 وباب: 7 حديث: 1. (* 1) راجع الوسائل باب: 10، 11، 12، 13، 14 من كتاب الشهادات. (* 3) تقدم التعرض الحديث في الصفحة: 117 من هذا الجزء.

[ 220 ]

[ (مسألة 31): لا يجوز للعامل في المساقاة أن يساقي غيره مع اشتراط المباشرة (1)، أو مع النهي عنه (2). وأما ] فلا يكون ضامنا للعوضين. وفيه: أن الحصة بعد أن لم تكن أجرة للعمل فهي مضمونة على العامل للمالك، فإذا دفع العامل بدل الحصة للمالك فقد وصل إلى المالك حقه، فإذا بنينا على الرجوع إلى قاعدة الغرور لاثبات لزوم تدارك خسارة العامل للحصة فقد تمسكنا بالقاعدة لزيادة ربح العامل، فانه بعمله حصل على أجرة المثل وعلى الحصة معا، والقاعدة ما شرعت لارباح العامل، وإنما شرعت لتدارك خسارته. وان شئت قلت: إن القاعدة تختص بالخسارة المحضة، ولا تجري في الخسارة المضمونة بالعوض التي أقدم عليها المغرور. ولذلك لو اشترى من الفضولي عينا جهلا ثم أتلفها ولم يدفع الثمن إلى البائع، فرجع عليه المالك في بدل المبيع " لم يجز له الرجوع على البائع في تدارك خسارة ثمن المبيع الذي دفعه إلى المالك، لان خسارة الثمن كانت في مقابل المبيع الذي أخذه وكان مقدما على ضمانه به، فلو رجع على البائع فيه كان ربح المبيع بلا عوض وذلك ما لا تقتضيه قاعدة الغرور. (1) قد تقدم في المزارعة الاشكال من المصنف: بأن اشتراط المباشرة لايمنع من مزارعة الغير، لجواز كون المزارع الثاني نائبا عن العامل الثاني في العمل، فيكون هو المباشر. وتقدم منا الاشكال عليه بأن مورد كلام الاصحاب كون العامل الثاني هو المباشر. فراجع المسألة الثالثة عشرة من كتاب المزارعة. (2) إذا كان النهي قد أخذ شرطا في ضمن العقد وجب العمل به، عملا بدليل صحة الشرط، أما إذا لم يؤخذ شرطا فمجرد النهي لا تجب موافقته إذا كان مقتضى عقد المساقاة جواز فعل المنهي عنه.

[ 221 ]

[ مع عدم الامرين ففي جوازه مطلقا - كما في الاجارة والمزارعة (1) - وإن كان لا يجوز تسليم الاصول إلى العامل الثاني إلا باذن المالك (2)، أو لا يجوز مطلقا وإن أذن المالك (3) أو لا يجوز إلا مع إذنه (4)، أو لا يجوز قبل ظهور الثمر ويجوز بعده (5) ] (1) حكى في الجواهر هذا القول عن بعض أفاضل متأخري المتأخرين، ثم قال: " ولعله ظاهر المحكي عن الاسكافي ". (2) تقدم الاشكال في ذلك في كتاب الاجارة، وأنه إذا كان مقتضى إطلاق عقد المساقاة الاولى جواز المساقاة الثانية وأنها من حقوق العامل الاول كان مقتضاه أيضا جواز التسليم إلى العامل الثاني، وكذلك الحكم في الاجارة، فانه إذا جاز للاجير أن يتخذ أجير فيعمل في العين جاز تسليم العين إليه، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه. (3) كما هو المشهور المعروف، وفي الشرائع: " ليس للعامل أن يساقي غيره، لان المساقاة إنما تصح على أصل مملوك للمساقي ". ونحوه كلام غيره. (4) كما هو ظاهر المسالك. وبنسب إلى ظاهر المختلف. قال: والتحقيق أن المالك إن أذن للاول في مساقاة الثاني صحت وكان الاول كالوكيل لا حصة له في النماء. وإن لم يأذن فالثمرة للمالك، وعليه أجرة المثل للثاني، ولا شئ للاول ". لكن الظاهر منه الاذن في المساقاة عن المالك كالوكيل، لا الاذن في المساقاة عن نفسه، كما هو المراد منه هنا وعرفت أنه ظاهر المسالك. (5) يظهر هذا القول من المسالك، قال بعد تقريب المنع مطلقا: " وربما أشكل الحكم فيما لو ظهرت الثمرة، وبقي فيها عمل يحصل به زيادة فيها، فان المساقاة حينئذ جائزة، والعامل يصير شريكا فيها... ".

[ 222 ]

[ أقوال أقواها الاول. ولا دليل على القول بالمنع مطلقا أو في الجملة بعد شمول العمومات (1) من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) و (تجارة عن تراض). وكونها على خلاف الاصل فاللازم الاقتصار على القدر المعلوم (2)، ممنوع بعد شمولها. ودعوى: أنه يعتبر فيها كون الاصل مملوكا للمساقي (3) أو كان وكيلا عن المالك، أو وليا عليه، كما ترى، إذ هو أول الدعوى (4). ] (1) لكن العمومات لا تثبت المساقاة، وإنما بثبت صحة العقد وترتب مضمونه، كما عرفت غير مرة. (2) إشارة إلى ما ذكره في الجواهر في موارد سبقت من أن العمومات المذكورة تختص بالعقود المعهودة، فلا تشمل غيرها. وقد تقدم الاشكال عليه بأن ذلك خلاف الاطلاق والعموم. وفي المقام ذكر أن (أوفوا بالعقود) و (إلا أن تكون تجارة عن تراض) لا يصلح لاثبات مشروعية مثل ذلك. انتهى. فيحتمل أن يكون مراده ذلك، ويحتمل أن يكون مراده ما ذكرنا من أنها لا تثبت عنوان المساقاة. (3) هذه الدعوى تقدمت في عبارة الشرايع. (4) لا إشكال في أن النصوص الواردة في تشريع المساقاة - مثل صحيحة يعقوب وصحيحة الحلبي المتقدمتين في أول الكتاب ونحوهما من روايات خبير (* 1) - تختص بذلك، ولا تشمل ما نحن فيه. وظاهر المصنف الاعتراف بذلك، حيث استدل على الصحة بالعمومات، ولم يستدل بالنصوص الخاصة بالمساقاة. لكن البناء على الاقتصار على مورد


(* 1) راجع الوسائل باب: 10 من أبواب بيع الثمار، وباب: 8، 9، 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة

[ 223 ]

[ (مسألة 32): خراج السلطان في الاراضي الخراجية على المالك (1)، لانه إنما يؤخذ على الارض التي هي للمسلمين (2)، لا الغرس الذي هو للمالك، وأن أخذ على الغرس فبملاحظة الارض، ومع قعط النظر عن ذلك أيضا ] النصوص يقتضي عدم صحة المساقاة فيما لو باع مالك الاصول الثمرة سنين واشترط أن يكون إصلاح الاصول بيد المشتري فساقي العامل بحصة من الثمرة، وكذا أمثال ذلك مما كانت المعاملة فيه على إصلاح الاصول من وظائف غير المالك، ولما لم يمكن الالتزام بذلك يتعين أن يكون المراد من كون الاصول مملوكة كون المعاملة عليها من وظائف المساقي، سواء كان للملك أم الوكالة أم الولاية ولكونه عاملا في المساقاة مع المالك. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكر في الجواهر من أن الادلة الخاصة تشمل المقام، والادلة العامة لا تصلح لتشريع مثل ذلك. فان قلت: المالك إنما أذن له خاصة في العمل، ولم يأذن لغيره في العمل. قلت: إطلاق المساقاة اقتضى جواز أخذ الاجير للعمل، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه، كما تقدم ذلك في المسألة الثالثة عشرة من كتاب المزارعة. ولاجل ذلك يضعف القول بالتفصيل بين إذن المالك وعدمه الذي هو أحد الاقوال في المسألة. (1) كما هو المصرح به في كلامهم، على نحو يظهر أنه مما لا إشكال فيه ولا خلاف. (2) كان الاولى أن يقول: إنما يؤخذ على الغرس، لانه تصرف في الارض التي هي للمسلمين، والغرس إنما غرسه المال، ولا يؤخذ على تعمير الغرس الذي يقوم به العامل.

[ 224 ]

[ كذلك. فهو على المالك مطلقا (1). إلا إذا اشترط كونه على العامل، أو عليهما بشرط العلم بمقداره (2). (مسألة 33): مقتضى عقد المساقاة ملكية العامل للحصة من الثمر من حين ظهوره. والظاهر عدم الخلاف فيه (3)، إلا من بعض العامة، حيث قال بعدم ملكيته له إلا بالقسمة قياسا على عامل القراض، حيث أنه لا يملك الربح إلا بعد الانضاض. وهو ممنوع عليه حتى في المقيس عليه (4). نعم ] (1) لا يظهر له وجه إلا أن السلطان قد جعله على المالك لا على غيره ولو فرض أن السلطان قد جعله على العامل كان عليه أيضا. كما أنه لو فرض أن الخراج كان بنحو المقاسمة - بأن كان حصة من الثمرة - كان عليهما معا. (2) كما صرح به في المسالك، معللا له: بأن لا يتجهل العوض. وفيه: أنه لا دليل على قدح الجهالة في مثل ذلك، وعموم نفي الغرر غير ثابت. ثم إنه إذا كان خراج الارض بنحو المقاسمة - بأن كان حصة من الثمرة، كالخمس أو العشر - فقد يكون الخراج على الطرفين، وقد يكون على أحدهما بعينه، حسب التراضي، منهما. (3) في المسالك: " هو مما لا نعلم فيه خلافا، وفي التذكرة: أسند الحكم إلى علمائنا ونحوه ما في غيرها، وفي جملة من كتب الاصحاب دعوى الاجماع صريحا. ويقتضه ظاهر نصوص الباب. (4) مع وضوح الفرق بين المقامين، فيكون قياسا مع الفارق. ووجه الفرق: أنه يمكن أن يقال في القراض: إن الربح وقاية لرأس المال فلا ربح إلا بعد وصول رأس المال إلى المالك، ولا مجال لذلك، في المقام.

[ 225 ]

[ لو اشترطا ذلك في ضمن العقد لا يبعد صحته (1). ويتفرع على ما ذكرنا فروع (منها): ما إذا مات العامل بعد الظهور قبل القسمة مع اشتراط مباشرته للعمل، فان المعاملة تبطل من حينه (2)، والحصة تنتقل إلى وارثه على ما ذكرنا (3). (ومنها): ما إذا فسخ أحدهما بخيار الشرط أو الاشتراط بعد الظهور وقبل القسمة أو تقايلا. (ومنها): ما إذا حصل مانع عن إتمام العمل بعد الظهور (ومنها): ما إذا أخرجب الاصول عن القابلية لادراك الثمر، ليبس أو فقد الماء أو نحو ذلك بعد الظهور، فان الثمر في هذه الصور مشترك بين المالك والعامل وإن لم يكن بالغا (ومنها): في مسألة الزكاة فانها تجب على العامل أيضا إذا بلغت حصته النصاب، كما هو ] (1) لعموم صحة الشروط. ويشكل: بأن ذلك ليس من الشرط في ضمن العقد، بل هو تحديد لموضوع العقد، وحينئذ فتصحيحه يكون بعموم صحة العقد. لكنه لا يثبت عنوان المساقاة، إذ الادلة الخاصة بها لا تشمله. (2) إذا كان هناك عمل لازم إلى وقت القسمة، وإلا فلا موجب للبطلان (3) لانها مملوكة للعامل فتنتقل إلى وارثه كغيرها من مملوكاته، بخلاف القول الاخر، إذ لا ملك للعامل حينئذ. وكذا الحكم في الفروع الثلاثة الآتية. وهذه الفروغ الاربعة تشترك في حصول الفسخ بعد الظهور قبل القسمة، إما لسبب اختياري أو غير اختياري، والحكم في الجميع واضح. وبناء على القول الآخر يكون للعامل أجرة المثل، على ما تقدم في المسألة الثانية والعشرين. فراجع.

[ 226 ]

[ المشهور، لتحقق سبب الوجوب، وهو الملكية له حين الانعقاد أو بدو الصلاح على ما ذكرنا، بخلافه إذا قلنا بالتوقف على القسمة (1). نعم خالف في وجوب الزكاة عليه ابن زهرة هنا وفي المزارعة (2)، بدعوى: أن ما يأخذه كالاجرة. ولا ] (1) فانه حينئذ لا يجب على العامل الزكاة، لعدم ملكيته للثمر حين تعلق وجوب الزكاة، فتكون زكاته جميعا على المالك، لانه هو المالك له. (2) قال في الغنية في كتاب المزارعة: " فأما الزكاة فانها تجب على مالك البذر والنخل، فان كان ذلك لمالك الارض فالزكاة عليه، لان المستفاد من ملكه نماء أصله، وما يأخذه المزارع والمساقي كالاجرة عن عمله ولا خلاف أن الاجرة لا تجب فيها الزكاة. وكذا إن كان البذر للمزارع لان ما يأخذه مالك الارض كالاجرة عن أرضه، فان كان البذر منهما فالزكاة على كل واحد منهما إذا بلغ مقدار سهمه النصاب ". وفي السرائر: " كاتبته وعرفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ، فاعتذر (ره) بأعذار غير واضحة، وأبان فيها وأنه ثقل عليه الرد... " إلى آخر ما ذكره، مما لا يناسب مقامه ولا مقام السيد قدس سرهما، وإن كان هو أعرف بنيته. وفي المختلف: " وقول ابن إدريس وإن كان جيدا مستفادا من الشيخ أبي جعفر، إلا أن قول ابن زهرة ليس بذلك البعيد عن الصواب "، وفي الحدائق: " الظاهر أن الحامل له على ذلك كثرة تشنيع ابن ادريس عليه، وإلا فهو في غاية البعد عن الصواب "، وفي جامع المقاصد بعد أن حكى ما في المختلف قال: " وهو أعلم بما قال. والظاهر عندنا أنه لا وجه له أصلا الا على القول بأن استحقاقه تملكه إنما يكون بعد بدو الصلاح وتعلق الزكاة. وهذا خلاف ما نقله المصنف رحمه الله عن علمائنا، فكيف يكون خلافه قريبا من الصواب؟! ولعله يريد أن ذلك محتمل

[ 227 ]

[ يخفى ما فيه من الضعف، لان الحصة قد ملكت بعقد المعاوضة أو ما يشبه المعاوضة، لا بطريق الاجرة. مع أن مطلق الاجرة لا تمنع من وجوب الزكاة، بل إذا تعلق الملك بها بعد الوجوب وأما إذا كانت مملوكة قبله فتجب زكاتها، كما في المقام، وكما لو جعل مال الاجارة لعمل زرعا قبل ظهور ثمره، فانه يجب على المؤجر زكاته إذا بلغ النصاب، فهو نظير ما إذا اشترى زرعا قبل ظهور الثمر. هذا وربما يقال بعدم وجوب الزكاة على العامل في المقام (1)، ويعلل بوجهين آخرين: (أحدهما): أنها إنما تجب بعد إخراج المؤن، والفرض كون العمل في مقابل الحصة، فهي من المؤن (2). وهو كما ترى، ] وغير مقطوع ببطلانه، فلا يأتي على قائله كل ما ذكره ابن ادريس من التشنيع ". (1) قال في الجواهر: " لعل ابن زهرة لحظ عدم الوجوب في الاجرة عن العمل باعتبار عدم استحقاق تسلمها إلا بعد تمام العمل، والزكاة يعتبر فيها التمكن من التصرف في المال المملوك. وأنه لحظ وجوبها بعد المؤنة، والفرض كون العمل في مقابلها، فهو حينئذ مؤنته ". ومن كلامه هذا يتحصل الوجهان اللذان ذكرهما في المتن. (2) الذي يظهر من الجواهر أن العمل مؤنة، فلا تجب الزكاة في الحصة إلا بعد استثنائه، فإذا استثنينا قيمة العمل لم يبق شئ. ويشكل: بأن قيمة العمل ربما تكون أقل من الحصة، فتجب الزكاة في الزائد. والمصنف جعل المؤنة نفس الحصة، فلا يتوجه عليه الاشكال المذكور. لكنه غير مراد الجواهر.

[ 228 ]

[ وإلا لزم احتساب أجرة عمل المالك (1) والزارع لنفسه أيضا فلا نسلم أنها حيث كانت في قبال العمل تعد من المؤن (الثاني): أنه يشترط في وجوب الزكاة التمكن من التصرف، وفي المقام وإن حصلت الملكية للعامل بمجرد الظهور، إلا أنه لا يستحق التسلم إلا بعد تمام العمل. وفيه - مع فرض تسليم عدم التمكن من التصرف -: أن اشتراطه مختص بما يعتبر في زكاته الحول - كالنقدين والانعام - لا في الغلات (2)، ففيها وإن لم يتمكن من التصرف حال التعلق يجب إخراج زكاتها بعد التمكن، على الاقوى، كما بين في محله. ولا يخفى أن لازم كلام هذا ] (1) قد فرق في الجواهر بين المقامين: بأن عمل العامل في المقام معاوض عليه بخلاف عمل المالك. وفيه: أنه غير فارق، فان عمل العامل مضمون على المالك بالحصة، ولا يكون مضمونا على نفس العامل، ولما لم يكن مضمونا على العامل لا يكون من المؤنة على العامل. (2) قد تقدم هذا من المصنف في كتاب الزكاة في المسألة السابعة عشرة وفي المسألة الحادية والاربعين من مسائل الختام، وتقدم في الشرح الاشكال عليه، وأنه لا فرق بين الغلات وغيرها في اعتبار التمكن من التصرف في وجوب الزكاة فيها. فالعمدة أن التمكن المعتبر في المشتركات هو تمكن مجموع الشركاء، لاتمكن كل واحد منهم، وهو حاصل في المقام. ولو بني على اعتباره بالنسبة إلى كل واحد من العامل والمالك كان اللازم عدم وجوب الزكاة على المالك أيضا، لانه لا يتمكن من التصرف في الثمر بلا إذن العامل، ولا يجوز له طلب القسمة قبل تمام العمل، فحاله حال العامل، فإذا لم

[ 229 ]

[ القائل عدم وجوب زكاة هذه الحصة على المالك أيضا (1)، - كما اعترف به - فلا يجب على العامل، لما ذكر، ولا يجب على المالك، لخروجها عن ملكه. (مسألة 34): إذا اختلفا في صدور العقد وعدمه فالقول قول منكره (2)، وكذا لو اختلفا في اشتراط شئ على أحدهما وعدمه. ولو اختلفا في صحة العقد وعدمها قدم قول مدعي الصحة (3). ولو اختلفا في قدر حصة العامل قدم قول المالك المنكر للزيادة (4)، وكذا لو اختلفا في المدة ولو اختلفا في قدر الحاصل قدم قول العامل (5)، وكذا لو ادعى المالك عليه سرقة أو إتلافا أو خيانة (6)، وكذا لو ادعى عليه أن التلف كان بتفريطه إذا كان أمينا له (7)، كما هو ] تجب على العامل زكاة حصة، لعدم التمكن من التصرف فيها، لم يجب على المالك الزكاة في حصته أيضا، لذلك. (1) بل عرفت أن لازم كلامه عدم وجوب الزكاة على المالك في حصته، فضلا عن حصة العامل. (2) لاصالة عدمه. وكذا فيما بعده. (3) لاصالة الصحة، المبرهن على صحتها إجماعا، قوليا وعمليا. (4) لاصالة تبعية النماء للاصل. وكذا فيما بعده. (5) إذا كان الحاصل في يده. لحجية إخبار ذي اليد عما في يده ولو كان لحاصل بيد المالك كان القول قول المالك، لما ذكر. (6) لان دعواه خلاف الاصل في الجميع. (7) إذ لو لم يكن أمينا فلا أثر لتفريطه، فانه لا يوجب الضمان حينئذ.

[ 230 ]

[ الظاهر (1). ولا يشترط في سماع دعوى المالك تعيين مقدار ما يدعيه عليه، بناء على ما هو الاقوى (2) من سماع الدعوى المجهولة، خلافا للعلامة في التذكرة في المقام (3). (مسألة 35): إذا ثبتت الخيانة من العامل بالبينة أو غيرها هل له رفع يد العامل على الثمرة أو لا؟ قولان (4) ] (1) لانه مؤتمن من المالك، وهذا معنى كونه أمينا. (2) وحكي عن أكثر المتأخرين، بل نسب إلى الاكثر. لعموم مادل على سماع الدعوى من دون مخصص. (3) قال في التذكرة في المقام: " فان ادعى المالك عليه خيانة، أو سرقة في المثار أو السعف أو الاغصان، أو أتلف، أو فرط بتلف، لم تسمع دعواه حتى يحررها، فإذا حررها بين قدر ما خان فيه، وأنكر العامل، وجب على مالك النخيل البينة... " وحكي ذلك عن جماعة. وليس له وجه ظاهر. نعم إذا كان المجهول مرددا بين مالا قيمة له وماله قيمة كان عدم السماع في محله، لعدم إحراز عنوان العام. (4) قال في الشرائع: وبتقدير الخيانة هل يرفع يده، أو يستأجر من يكون معه من أصل الثمرة؟. الوجه أن يده لاترفع عن حصته... " وفي القواعد: " الاقرب أن يده لا ترفع عن حصته "، ونحوهما عبارات غيرها، وفي الجواهر: أن احتمال رفع يده لم أجده قولا لاحد من أصحابنا بل ولا لغيرهم. انتهى. لكن في محكي المبسوط: " قيل يكترى من يكون معه لحفظ الثمرة. وقيل: ينتزع من يده، ويكنرى من يقوم مقامه ". لكن هذا القول يعرف قائله. ومن الغريب أنه استدل عليه في الايضاح بعموم النص وظاهر ذلك القول به. وهو كما ترى، لجهالة النص، وكونه خلاف

[ 231 ]

[ أقواهما العدم، لانه مسلط على ماله، وحيث أن المالك أيضا مسلط على حصته فله أن يستأجر أمينا يضمه مع العامل، والاجرة عليه، لان ذلك لمصلحته. ومع عدم كفايته في حفظ حصته جاز رفع يد العامل (1) واستيجار من يحفظ الكل، والاجرة على المالك أيضا (2). (مسألة 36): قالوا: المغارسة باطلة (3). وهي أن يدفع أرضا إلى غيره ليغرس فيها على أن يكون المغروس بينهما سواء اشترط كون حصته من الارض أيضا للعامل أولا. ووجه ] قاعدة السلطنة، كما يشير إليه المصنف (ره). (1) كما جعله في القواعد والاقرب، واختاره في المسالك. وكأنه لقاعدة نفي الضرر، المقدمة على قاعدة السلطنة. (2) لان الحفظ لمصلحته. هذا إذا كانت الاجرة على الحفظ فقط. أما إذا كانت الاجرة على العمل فكونها على المالك غير ظاهر، لان العمل من وظائف العامل في مقابل الحصة، فيجب أن يكون من ماله، كما هو ظاهر القواعد. قال: " ولو لم يمكن حفظه مع الحافظ فالاقرب رفع يده عن المثرة، وإلزامه بأجرة عامل "، ونحوه في المسالك، وإن كانت عبارته الاولى ظاهرة في أن الاجرة عليهما معا. لكن التعليل بأن العمل واجب عليه، وتشبيه المقام بما إذا هرب، يدلان على أن مراده أن الاجرة على العامل لاغير. (3) كما هو المصرح به في كلام جماعة كثيرة، من دون نقل خلاف بينهم، بل لم يعرف قائل بالخلاف، وإن حكي عن المفاتيح أنه نقل قولا بالصحة.

[ 232 ]

[ البطلان الاصل بعد كون ذلك على خلاف القاعدة (1). بل ادعى جماعة الاجماع عليه (2). نعم حكي عن الاردبيلي وصاحب الكفاية الاشكال فيه، لامكان استفادة الصحة من العمومات. وهو في محله (3) إن لم يتحقق الاجماع. ثم على ] (1) وفي المسالك: " لان عقود المعاوضات موقوفة على إذن الشارع وهي منتفية هنا "، ونحوه كلام غيره، وفي مفتاح الكرامة: أنه حجة المعظم. وقد تقدم في كلام الجواهر مكررا: أن العمومات لا تصلح لاثبات مشروعية ما لم يثبت مشروعيته من العقود. (2) حكي الاجماع صريحا عن جامع المقاصد ومجمع البرهان، وفي الجواهر: الاجماع بقسميه على البطلان "، وفي المسالك: " المغارسة باطلة عندنا وعند أكثر العامة "، ونحوه ما في غيرها. (3) كما عرفت مرارا. ودعوى: انصراف العمومات إلى المتعارف - مع أنها ممنوعة - لا تجدي في البطلان، لان المغارسة أيضا من المتعارف ولعل مراد جماعة من القائلين بالبطلان أنها مساقاة باطلة لا تجري عليها أحكام المساقاة، لا أنها باطلة بكل عنوان. نظير ما تقدم في بعض شروط المساقاة من أن فقده يوجب بطلان المساقاة، لا بطلان العقد. ومثل ذلك تقدم في المزارعة والمضاربة. والذي يتحصل مما ذكرنا: أن الوجه في بطلان المغارسة إن كان هو الاصل - كما تقدم عن المعظم - فالاصل لا يجري مع عموم صحة العقود والاشكال على العموم بأنه لا يصلح لتشريع ما لم يثبت تشريعه - كما في الجواهر وغيرها - مندفع بما عرفت من أنه خلاف العموم من دون قرينة عليه. ومثله الاشكال بأنه مختص بالمتعارف. مضافا إلى أنها من المتعارف وكذا الاشكال بأنه يختص بالعقود المذكورة في كتب الفقهاء.

[ 233 ]

[ البطلان يكون الغرس لصاحبه (1)، فان كان من مالك الارض ] فهذه الاشكالات نظير ما ذكره في التذكرة، قال فيها: " مسألة إذا دفع بهيمة إلى غيره ليعمل عليها ومهما رزق الله تعالى فهو بينهما فالعقد فاسد، لان البهيمة يمكن إجارتها، فلا حاجة إلى عقد آخر عليها يتضمن الغرر، ولو قال: تعهد هذه الاغنام على أن يكون درها ونسلها بيننا فكذلك، لان النماء لا يحصل بعمله. ولو قال: اعلف هذه من عندك ولك النصف من درها، ففعل، وجب بدل العلف على مالك الشياه، وجميع الدر لصاحب الشياه، والقدر المشروط لصاحب العلف مضمون في يده، لحصوله بحكم بيع فاسد، والشياه غير مضمونة، لانها غير مقابلة بالعوض ". فكأن الموجب للبطلان عندهم هو الموجب له في الامثلة المذكورة، وهو الاصل وقصور العموم عن إثبات الصحة، ولكنه - كما ترى - غير ظاهر، ومقتضى العموم الصحة في الامثلة المذكورة، وقد تقدم مثل ذلك في المباحث السابقة. فلاحظ الشرط التاسع من شروط المضاربة. هذا إذا كان المستند في البطلان الاصل. وأما إذا كان المستند الاجماع فيشكل بأنه لم يتضح أن مراد القائلين بالبطلان هو البطلان مطلقا بل من الجائز أن يكون مراد بعضهم - بل أكثرهم - البطلان بعنوان المساقاة، فلا تجري عليها أحكامها، لا البطلان تعبدا مطلقا. (1) لعدم ما يوجب خروجه عن ملكه بعد البناء على بطلان العقد. قال في الشرايع: " إذا دفع أرضا إلى غيره ليغرسها على أن الغرس بينهما كانت المغارسة باطلة، والغرس لصاحبه، ولصاحب الارض إزالته، وله الاجرة لفوات ما حصل الاذن بسببه، وعليه أرش النقصان بالقلع، " ونحوه عبارة القواعد وغيرها. لكن المفروض في الجميع كون الغرس للعامل

[ 234 ]

[ فعليه أجرة عمل الغارس (1) إن كان جاهلا بالبطلان (2)، ] كما هو الغالب، وفي المتن تعرض للصورتين. (1) لان العمل مضمون بالاستيفاء، على ما عرفت في المباحث السابقة من أنه من أسباب الضمان. ثم إن هذا التقسيم ذكره في المسالك، وتبعه عليه في المتن. لكن الذي يظهر من عبارة الشرايع المتقدمة وغيرها: أن المغارسة أن يكون الغرس من العامل لا غير، فتكون الارض من أحدهما والغرس من الآخر. فالتعدي إلى غير هذه الصورة - كما في المسالك والمنن - غير ظاهر. (2) قد تقدم من المصنف (ره) هذا القيد في موارد من المباحث السابقة، وتقدم الاشكال عليه بأن العلم بالبطلان لا يقتضي التبرع. نعم في المقام يكون العلم بالبطلان موجبا للعلم بحرمة التصرف في الغرس، وحينئذ لا يستوجب الاجرة، إذ لا أجرة على الحرام. وقد تقدم ذلك في بعض المباحث السابقة. لكن هذا الاشكال - إن تم - منع من استحقاق الاجرة في صورة جهلها، لان الاجرة إنما كانت مضمونة على المالك بالاستيفاء، والاستيفاء لا يعقل مع انتفاء إذنه. والالتزام بثبوت الاذن مع الجهل دون العلم كما ترى، إذ الاذن إن كانت مقيدة بالمساقاة الصحيحة فهي مفقودة، في المقامين، كما هو المفروض، فلا إذن في المقامين، فلا يتحقق الاستيفاء في المقامين. وإن كانت غير مقيدة بها فالاذن موجوة في المقامين، فلا موجب للحرمة، لافي صورة الجهل، ولا في صورة العلم. واحتمال أن المعاملة الصحيحة من قبيل الداعي إلى الاذن، فانتفاؤها لا يوجب انتفاء الاذن، لان الداعي في الحقيقة هو الوجود العلمي الاعتقادي وهو حاصل، وانتفاء الوجود الواقعي لا يقتضي انتفاءه " وحينئذ يصدق الاستيفاء حقيقة في حال الجهل. مدفوع: بأن مقتضى ذلك عدم جواز

[ 235 ]

[ وإن كان للعامل فعليه أجرة الارض للمالك مع جهله به (1)، ] إجبار العامل على قلع الغرس إذا كان الغرس له، لان غرسه باذن من المالك، مع أنه لا إشكال عندهم في جواز ذلك. ومن ذلك يشكل الجمع مع جهل المالك بين صدق الاستيفاء الموجب لضمانه وبين البناء على حرمة عمل العامل إذا كان عالما، لعدم كونه ماذونا، وبين وجوب قلع الغرس إذا كان له، لعدم كونه مأذونا في غير غرسه. والتحقيق: أنه إذا كان المتعاملان في مقام إيقاع المعاملة الشرعية فمح البطلان لا استيفاء، ولا إذن في العمل، فيكون فعل العامل غير مأذون فيه، فلا يستحق عليه أجرا إذا كان الغرس للمالك، ويجب عليه قلعه إذا كان الغرس له، لان الاذن منوطة بوجود المفهوم شرعا، وهو مفقود فلا يجوز للعامل أن يطالب المالك بالاجرة لاستيفاء عمله، لانتفاء الاذن الموجب لصدق الاستيفاء، ويجوز للمالك أن يقول للعامل: فعلت بغير إذني، فلا يستحق أجرا، كما يجوز أن يقول: غرست غرسك في ملكي بغير إذني فاقلعه. وإذا لم يكن المتعاملان في مقام المعاملة الشرعية، بل في مقام إيقاع معاملة بينهما والجري عليها، فالاذن في التصرف جريا على تلك المعاملة حاصل. وحينئذ يصدق الاستيفاء، ويكون الفعل حلالا وإن كانا عالمين. وحينئذ لا يجوز للمالك المطالبة بقلع الغرس إذا كان الغرس للعامل وكان يحصل الضرر بقلعه، لانه كان باذن من المالك، فلا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وآله: " ليس لعرق ظالم حق " (* 1). (1) وكذا مع علمه، لانه لم يأذن للعامل في غرس شجره مجانا، وإنما أذن له في غرسه بعوض، فإذا فات العوض استحق الاجرة شرعا.


(* 1) الوسائل باب: 33 من أبواب كتاب الاجارة حديث: 3. وباب: 3 من كتاب الغصب حديث: 1. لكن الحديث في الموضعين مروي عن الامام الصادق (ع).

[ 236 ]

[ وله الابقاء بالاجرة (1)، أو الامر بقلع الغرس (2)، أو قلعه بنفسه (3)، وعليه أرش نقصانه إن نقص من جهة القلع. ] (1) لان الاذن في نصب الغرس لا يوجب خروج الارص عن سلطنة المالك، فيكون له المطالبة بالاجرة لها. (2) لانه مقتضى سلطنة المالك على أرضه، فيكون له إخلاؤها من غرس العامل. (3) هذا لا يكون عدلا لما قبله، وإنما يجوز مع تعذر ما قبله، لانه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم. نعم إذا امتنع من قلع غرسه جاز لمالك الارض قلعه، لقاعدة السطلنة على أرضه، الموجبة لقدرته على إخلائها من غرس غيره. وربما يعارض بأن مباشرة القلع بنفسه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو خلاف سلطنة مالكه عليه، وحينئذ يقع التعارض بين قاعدة السلطنة على الارض بالنسبة لمالكها وقاعدة السلطنة على الغرس بالنسبة لمالكه. وفيه: أن قاعدة السلطنة لا تجري إذا كانت موجبة للعدوان فان منع تصرف مالك الارض في الغرس موجب للعدوان على أرضه. وكذلك إذا كان صاحب الغرس يريد قلع غرسه وكان صاحب الارض بمنعه عن ذلك، فانه يجوز له قلع غرسه وإن أدى إلى التصرف في الارض. بل الظاهر فيما لو أخذ السارق فرسا وربطها في بيته أنه يجوز لمالك الفرس دخول البيت وأخذ الفرس، فتكون قاعدة السلطنة لمالك الفرس مسوغة لدخول بين السارق، لعدوانه المانع من سلطنة على ماله إذا كانت موجبة للعدوان. وهناك وجوه في ترجيح سلطنة مالك الارض في الفرض تعرضنا لها في نهج الفقاهة في بعض مباحث خيار الغبن.

[ 237 ]

[ ويظهر من جماعة (1) أن عليه تفاوت ما بين قيمته قائما ومقلوعا. ولا دليل عليه (2) بعد كون المالك مستحقا للقلع. ويمكن حمل كلام بعضهم على ما ذكرنا (3) من أرش النقص الحاصل بسبب القلع إذا حصل، بأن انكسر مثلا، بحيث لا يمكن غرسه في مكان آخر. ولكن كلمات الاخرين لاتقبل هذا الحمل، بل هي صريحة في ضمان التفاوت بين القائم والمقلوع، حيث قالوا: مع ملاحظة أوصافه الحالية من كونه في معرض الابقاء مع الاجرة أو القلع. ومن الغريب ما عن المسالك (4) من ملاحظة كون قلعه مشروطا بالارش لا مطلقا ] (1) هو ظاهر عبارة الشرايع المتقدمة ونحوها. إذ لو كان المراد من النقصان الكسر ونحوه كان اللازم أن يقال: عليه أرش النقصان بالقلع إن حدث، فعدم التقييد بذلك يدل على أن المراد النقصان اللازم للقلع. (2) قد عرفت الاشكال فيه، فان لازم ذلك عدم ضمان أجرة العامل لو كان الغرس للمالك، فبناؤهم على الضمان يلازم الاذن في غرس العامل، والاذن تستلزم ضمان الصفة الحاصلة من نصب الغرس في الارض الفائتة بقلعه. (3) هذا الحمل بعيد عن كلامهم وعن مبناهم. (4) قال فيها: " والمراد بالارش تفاوت ما بين قيمته في حالتيه على الوضع الذي هو عليه وهو كونه باقيا بأجرة ومستحقا للقلع بالارش وكونه مقلوعا، لان ذلك هو المعقول من أرش النقصان. لا تفاوت مابين قيمته قائما مطلقا ومقلوعا، إذ لا حق له في القيام كذلك، ليقوم بتلك الحالة. ولا تفاوت مابين كونه قائما بأجرة ومقلوعا، لما ذكرنا، فان استحقاقه

[ 238 ]

للارش بالقلع من جملة أوصافه. ولا تفاوت مابين كونه قائما مستحقا للقلع ومقلوعا، لتخلف بعض أوصافه أيضا، كما بيناه. ولا بين كونه قائما مستحقا للقلع بالارش ومقلوعا، لتخلف وصف القيام بأجرة. وهذه الوجوه المنفية ذهب إلى كل منها بعض. اختار الثاني منها الشيخ علي (ره)، والاخير فخر الدين في بعض ما ينسب إليه، والآخران ذكرهما من لا يعتد بقوله. والاول مع سلامته من ذلك لا يخلو من دور لان معرفة الارش فيه متوقفة على معرفته، حيث أخذ في تحديده. والظاهر أن القيمة لا تختلف باعتباره، وأن تقديره كذلك كتقديره مقلوعا وقائما بأجرة، فلا يضر مثل هذا الدور. ولا يخفى ما فيه من التهافت، فان ما ذكره في رفع إشكال الدور راجع إلى عدم اعتبار ملاحظة الارش، وهو عين الوجه الثاني، الذي نفاه ونسبه إلى الشيخ علي، فما الذي دعا إلى نفيه أولا والبناء عليه أخيرا؟! ثم إن الدور لا يختص بما ذكره هو من الوجه الاول، بل يجري في الوجه الاخير الذي نسبه إلى الفخر، لذكر الارش فيها أيضا، فان كان ذكره موجبا للدور فالوجه الاخير كذلك. وإن كان الظاهر ارتفاع الدور بالاختلاف بالتفصيل والاجمال. ثم إنه لا يظهر وجه لاستغراب ما في المسالك بخصوصه، لاشتراك الوجوه الخمسة - المذكورة فيها المنسوبة إلى قائليها - في ضمان الصفة الخاصة الحاصلة بالنصب الزائلة بالقلع، على اختلافها في كيفية التقويم، وقد عرفت أنه هو التحقيق بعد أن كان النصب باذن مالك الارض، وليس داخلا في قوله صلى الله عليه وآله: " ليس لعرق ظالم حق ". ولاجل ذلك قد يشكل جواز قلع المالك له، لانه ضرر على صاحب الغرس. ودفع قيمة ما به التفاوت تداركا للضرر لا يوجب عدم جريان قاعدة نفي الضرر المانعة

[ 239 ]

من جواز القلع. والذي يتحصل مما ذكرنا: أنه بعد أن تبين فساد المعاملة تجري قاعدة السلطنة في حق مالك الارض، فتقتضي جواز إفراغ أرضه بقلع الغرس، إذا لم يكن قلعه موجبا للضرر على صاحب الغرس " كما إذا لم تمض مدة على نصب الغرس. أما إذا مضت مدة عليه واستقر نصبه، وكان في قلعه فوات صفة فيه، فقد صار قلعه موجبا للضرر على صاحبه، فتجري قاعدة نفي الضرر، وتمنع من قلعه، ومن جريان قاعدة السلطنة في حق مالك الارض، لانها مقدمة وحاكمة عليها. ودفع ما به تدارك الضرر لا يوجب سقوط قاعدة نفي الضرر. نعم إذا كان بقاء الغرس في الارض موجبا للضرر على مالك الارض جرت قاعدة نفي الضرر في حق مالك الارض، فتسقط القاعدة في الطرفين للتعارض بين التطبيقين، ويرجع إلى قاعدة السلطنة في حق مالك الارض المقتضية لجواز القلع. لكن لم يتضح ما يوجب ضمان مالك الارض للصفة الحاصلة من النصب إذا كان المباشر للقلع مالك الغرس، فان إتلاف الصفة مستند إليه لا إلى الآمر بالقلع، خصوصا إذا كان فعل المباشر القلع بداعي امتثال أمر الله تعالى، لا امتثال أمر مالك الارض، فان الامر بالاتلاف لا يوجب ضمان الآمر به. أما إذا كان المباشر للقلع هو مالك الارض كان ضمانه للصفة التالفة في محله، لان تلفها بفعله. وحينئذ إذا أريد تقويم الصفة يقوم الشجر غير مستحق للبقاء، لا مجانا ولا بأجرة، لانه الحال الذي عليه الشجر حين القلع. ولا وجه لما ذكر في المسالك من تقويمه باقيا باجرة فان ذلك ليس من حال الشجر حين القلع. نعم يقوم مضمونا بالارش لا مستحقا للقلع مجانا. فانه غير الحال الذي عليه الشجر حين القلع فلاحظ وتأمل.

[ 240 ]

[ فان استحقاقه للارش من أوصافه وحالاته، فينبغي أن يلاحظ أيضا في مقام التقويم. مع أنه مستلزم للدور، كما اعترف به. ثم إنه إن قلنا بالبطلان (1) يمكن تصحيح المعاملة بادخالها تحت عنوان الاجارة (2) أو المصالحة أو نحوهما (3) مع مراعاة شرائطهما، كأن تكون الاصول مشتركة بينهما (4)، إما بشرائها بالشركة أو بتمليك أحدهما للآخر نصفا منها - مثلا - (5) إذا كانت من أحدهما فيصالح صاحب الارض مع العامل بنصف منفعة أرضه مثلا أو بنصف عينها على أن يشتغل بغرسها وسقيه إلى زمان كذا (6) أو يستأجره للغرس والسقي إلى ] (1) يعني: بعنوان المساقاة، لا مطلقا (2) بأن يكون الغرس من مالك الارض فيستأجر العامل على أن يغرسه بأجرة نصف الغرس، أو مع نصف الارض. أو يكون الغرس من العامل، فيستأجر الارض على أن يغرس فيها غرسه، وتكون الاجرة نصف ذلك الغرس. وحينئذ لا يكون للعامل حصة من الارض، ويشكل مثل هذه الاجارة إذا لم تذكر المدة. ولو فرض ذكر المدة فسيأتي في كلام المصنف. (3) كان المناسب أن يقول: أو غيرهما، إذ لم يعهد عقد هو نحو الاجارة والمصالحة. (4) هذا لا حاجة إليه في إيقاع المصالحة، فيمكن أن يكون الغرس لصاحب الارض فقط، فيقول للعامل: صالحتك على أن تغرس غرسي في أرضي ويكون لك نصفه ونصف أرضي. (5) يعني: أو ربعا منها أو ثلثا، على اختلاف الاغراض والفروض. (6) لا حاجة إلى تعيين الزمان في الصلح، فيصالحه على أن يغرس

[ 241 ]

[ زمان كذا (1) بنصف منفعة الارض مثلا. (مسألة 37): إذا صدر من شخصين مغارسة ولم يعلم كيفيتها وانها على الوجه الصحيح أو الباطل - بناء على البطلان - يحمل فعلهما على الصحة (2) إذا ماتا أو اختلفا في الصحة والفساد. ] نصف غرسه في أرضه، ويكون له نصف منفعة أرضه دائما مادام الغرس بلا تحديد مدة. (1) لازم هذا التحديد أنه إذا انتهت المدة يستحق صاحب الارض على العامل أجرة بقاء حصته من الغرس في الارض. ويمكن الاشكال على ما ذكره بأن الاجماع على البطلان - الذي سبق نقله - إن كان على عنوان المساقاة لاغير، أمكن التصحيح للمغارسة لا بعنوان المساقاة، ولا حاجة إلى تكلف دخولها في الاجارة أو المصالحة أو غيرهما. وإن كان على نفس المضمون بأي عنوان كان، كان مقتضاه بطلان المغارسة حتى إذا كانت داخلة في الاجارة أو المصالحة أو غيرهما، وتكلف الادخال لا يجدي في تصحيحها فلاحظ وتأمل. (2) عملا بأصالة الصحة، المعول عليها عند المتشرعة والعقلاء. والله سبحانه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. إلى هنا تم ما أريد شرحه من كتاب المساقاة، على يد مؤلفه الفقير إلى رحمة ربه الرحمن الرحيم وكرم مولاه أكرم الاكرمين. وهو في جوار الحضرة العلوية المقدسة، على مشرفها أفضل الصلاة والسلام. عند منتصف الليلة المباركة ليوم المبعث الشريف، السابع والعشرين من شهر رجب المكرم، في السنة السابعة والثمانين بعد الالف والثلاثمائة هجرية، على صاحبها وآله البررة الكرام أفضل التحية وأزكى السلام. وأنا الحقير " محسن " ابن السيد " مهدي، ابن السيد " صالح " ابن السيد " أحمد " ابن السيد

[ 242 ]

[ تذنيب في الكافي عن أبي عبد الله (ع): " من أراد أن يلقح النخل إذا كان لايجود عملها ولا يتبعل بالنخل فيأخذ حيتانا صغارا يابسة فيدقها بين الدقين ثم يذر في كل طلعة منها قليلا ويصر الباقي في صرة نظيفة ثم يجعله في قلب النخل ينفع بإذن الله تعالى " (* 1). وعن الصدوق في كتاب العلل بسنده عن عيسى بن جعفر العلوي عن آبائه (ع): " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: مر أخي عيسى بمدينة فإذا في ثمارها الدود فسألوا إليه ما بهم فقال (ع): دواء هذا معكم وليس تعلمون. انتم قوم إذا غرستم الاشجار صببتم التراب، وليس هكذا يجب، بل ينبغي أن تصبوا الماء في أصول الشجر ثم تصبوا التراب، كي ] " محمود " ابن السيد " ابراهيم " الطبيب ابن السيد " علي " الحكيم ابن السيد " مراد " ابن السيد " أسد الله " ابن السيد مير " جلال الدين " الامير ابن مير سيد " حسن " ابن المير " مجد الدين " ابن مير " قوام الدين " ابن مير " إسماعيل " ابن أبي المكارم مير " عباد " ابن مير أبي المجد " علي " ابن مير " عباد " أبي الفضل ابن مير " علي " أبي هاشم " أميركا " ابن مير " حمزة " وهو عباد بن أبي المجد ابن مير " إسحاق " أبي المجد ابن مير " طاهر " أبي هاشم ابن مير " علي " أبى الحسين الشاعر ابن مير " محمد " أبي الحسن الشاعر ابن مير " أحمد " فتوح الدين ابن مير " محمد " أبي جعفر الاصغر بن " أحمد " الرئيس أبي العباد ابن " ابراهيم " طباطبا ابن " إسماعيل " الديباج أبي إبراهيم الشريف الخلاص ابن " ابراهيم " الغمر


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 1.

[ 243 ]

[ لا يقع فيه الدود، فاستأنفوا كما وصف فأذهب عنهم ذلك " (* 1) وفي خبر عن أحدهما (ع): " قال: تقول إذا غرست أو زرعت: ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها " (* 2). وفي خبر آخر: " إذا غرست غرسا أو نبتا فاقرأ على كل عود أو حبة سبحان الباعث الوارث فإنه لا يكاد يخطئ إن شاء الله " (* 3) ] ابن " الحسن " المثنى ابن الامام المجتبى " الحسن " الزكي ابن " علي " بن " أبي طالب " أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى أولاده الائمة المعصومين، الغر الميامين. وبتمامه تم شرح كتاب العروة الوثقى لمؤلفه الفقيه الاعظم السيد " محمد كاظم " الطباطبائى اليزدي قدس سره. والحمد لله رب العالمين.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب المزارعة والمساقاة حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث: 4.

[ 244 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الضمانه وهو من الضمن (1)، لانه موجب لتضمن ذمة الضامن للمال الذي على المضمون عنه للمضمون له، فالنون فيه أصلية ] بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله وآله الطاهرين. كتاب الضمانة (1) قال في المسألك: " الضمان عندنا مشتق من الضمن، لانه يجعل ماكان في ذمته من المال في ضمن ذمة أخرى، أو لان ذمة الضامن تتضمن الحق. فالنون فيه أصلية، بناء على أنه ينقل المال من الذمة إلى الذمة. وعند أكثر العامة: أنه غير ناقل، وإنما يفيد اشتراك الذمتين، فاشتقاقه من الضم والنون فيه زائدة، لانه ضم ذمة إلى ذمة، فيتخير المضمون له في المطالبة ". لكن في كونه عندنا مشتقا من الضمن خفاء، فمن الجائز أن يكون الضمن مشتقا منه، فيكون معنى كون الشئ في ضمن شئ آخر: أنه في عهدته. وكذا معنى قولنا: إن كذا تضمن كذا، أو مضمون العبارة كذا. وضمنت قصيدتي آية أو بيتا من شعر فلان، ونحو ذلك، فان معنى ذلك وإن كان الظرفية، لكن يمكن أن تكون الظرفية

[ 245 ]

[ كما يشهد له سائر تصرفاته من الماضي والمستقبل وغيرهما. وما قيل من احتمال كونه من الضم (1) فيكون النون زائدة (2)، واضح الفساد، إذ - مع منافاته لساير مشتقاته - (3) لازمه كون الميم مشددة (4). وله إطلاقان: (5). إطلاق بالمعنى الاعم الشامل للحوالة والكفاية أيضا، فيكون بمعنى التعهد بالمال أو النفس. وإطلاق بالمعنى الاخص، وهو التعهد بالمال عينا أو منفعة أو عملا، وهو المقصود من هذا الفصل. ويشترط فيه أمور: ] موجبة للتعهد. وبالجملة: الضمن معناه الظرفية، ولازمها نوع من التعهد: والضمان هو التعهد ولازمه نوع من الظرفية، فيحتمل أن يكون كل واحد منها أصلا للآخر. ومقتضى كثرة استعمال الضمان ومشتقاته كونه أصلا للآخر، لافرعا عليه. (1) تقدمت حكايته عن أكثر العامة. (2) نظير: الجولان، والنزوان، والجريان " والحيوان، والضربان وغيرها مما هو كثير. ويختص غالبا بما كان فيه حركة وتقلب، كما ذكره ابن مالك في منظومته. (3) لان زيادة النون في المصدر تقتضي خلو سائر المشتقات منها مع أنها موجودة فيها. اللهم إلا أن يكون المراد الاشتقاق الكبير. (4) ليكون الفعل ثلاثيا لا ثنائيا. (5) كما نص على ذلك جماعة، منهم المحقق والشهيد الثنانيان في جامع المقاصد والمسالك. وفي الشرائع: " كتاب الضمان. وهو عقد شرع للتعهد بمال أو نفس. والتعهد بالمال قد يكون ممن عليه للمضمون

[ 246 ]

عنه مال، وقد لا يكون، فهنا ثلاثة أقسام "، فجعل الضمان مقسما للاقسام الثلاثة. لكن قال بعد ذلك: " القسم الاول في ضمان المال ممن ليس للمضمون عنه عليه مال. وهو المسمى بالضمان بقول مطلق ". ونحوه في القواعد. وفي الجواهر: أنه - يعني: الاخير - المعنى الحقيقي المتبادر عند الاطلاق، وما تقدم من تقسيم الضمان إلى الثلاثة بحسب المعنى المجازي بالعارض، وإن كان هو في الاصل المعنى الحقيقي، لكنه هجر. أو أنه على جهة الاشتراك اللفظي بين المعنى الخاص والعام والاشتهار قرينة على إرادة الخاص. أو أنه باق على الاشتراك المعنوي والاشتهار قرينة على إرادة الخاص عند الاطلاق. لكن ما ذكر من الاحتمالات الثلاثة كلها بعيدة عن المراد. وأبعد منها ما ذكره في المسالك: من أن الفرق بين مطلق لا ضمان والضمان المطلق هو الفرق بين مطلق الماء والماء المطلق، وكما أن مطلق الماء ينقسم إلى المطلق والمضاف، كذلك مطلق الضمان ينقسم إلى الضمان المطلق والضمان المقيد. فان مطلق الماء ليس جامعا بين الماء المطلق والمضاف، بل هو جامع بين أفراد الماء المطلق، مطلقها ومقيدا، وكذلك مطلق الضمان إنما يكون جامعا بين أفراد الضمان بالمعنى المقابل للحوالة والكفالة، لاجامعا بينه وبين الحوالة والكفالة. ولا جامع بين الماء المطلق والمضاف حقيقي، وانما هو اعتباري، وهو ما يسمى ماء، مثل الجامع بين معاني المشترك اللفظي. والتحقيق: أن للضمان معنيين: عرفي، وهو التعهد بالمال أو النفس واصطلاحي: وهو الضمان الخاص. فإذا أطلق الضمان في العرف كان المراد منه المعنى العام الشامل للضمان. وإذا أطلق عند الفقهاء كان المراد منه المعنى الخاص لا غير. فان كان مراد الشهيد ذلك كان في محله، وإن كان غيره كان محلا للنظر، كما يظهر بالتأمل.

[ 247 ]

[ أحدها: الايجاب. ويكفي فيه كل لفظ دال (1)، بل يكفي الفعل الدال - ولو بضميمة القرائن - على التعهد والالتزام بما على غيره من المال. الثاني: القبول من المضمون له. ويكفي فيه أيضا كل ما دل على ذلك من قول أو فعل (2). وعلى هذا فيكون من العقود المفتقرة إلى الايجاب والقبول. كذا ذكروه (3). ولكن لا يبعد دعوى عدم اشتراط القبول على حد سائر العقود اللازمة، بل يكفي رضى المضمون له سابقا أو لاحقا، (4) كما عن الايضاح والاردبيلي، حيث قالا: يكفي فيه الرضا ] (1) هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه، لتحقق الانشاء بذلك، الموجب لصدق العنوان. ولاجل ذلك نقول بكفاية الفعل لتحقق الانشاء به تحققه بالقول، فان الفعل وان كان في نفسه خاليا عن الدلالة على شئ، لكن بتوسط القرائن يكون دالا على إنشاء العنوان، كالقول، فان لم يكن دالا لم يكف في صدق العنوان عرفا، وان قصد به الانشاء. (2) لما سبق في الايجاب. (3) قد عرفت عبارة الشرائع والقواعد. نحوهما غيرها مما تضمن أن الضمان عقد. وفي جامع المقاصد: أن الضمان عقد إجماعا. (4) قال في الخلاف: " ليس من شرط صحة الضمان رضا هما أيضا. وان قيل: إن من شرطه رضى المضمون له كان أولى ". وهو صريح في عدم لزوم الرضا فضلا عن القبول. واحتج على ذلك بضمان أمير المؤمنين عليه السلام وأبي قتادة الدين عن الميت (* 1)، ولم يسأل النبي صلى الله عليه وآله عن


(* 1) المحكي في الخلاف: ان امير المؤمغين ضمن درهمين عن الميت، فقال النبي صلى الله عليه وآله له: -

[ 248 ]

[ ولا يعتبر القبول العقدي. بل عن القواعد: (1) وفي اشتراط قبوله احتمال، ويمكن استظهاره من قضية الميت المديون الذي امتنع النبي صلى الله عليه وآله أن يصلي عليه حتى ضمنه علي (ع). ] رضا المضمون له. وفيه: أن عدم السؤال أعم من عدم اعتبار الرضا، كما هو ظاهر، إذ من الجائز إطلاعه صلى الله عليه وآله على حصول الرضا فلم يسأل عنه. ولذك قيل: إنه قضية في واقعة لاعموم فيها. وفي الجواهر: أن اشتمال الخير على وقوع الضمان يدل على وقوع الرضا، لان الضمان عقد مؤلف من الايجاب والقبول، فالاخبار عنه إخبار عنهما. لكن في صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء. فقال (ع): إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت " (* 1) وظاهر اشتراط الرضا في الجواب: أنه أمر زائد على الضمان، وأنه يتحقق وإن لم يرض المضمون له. وعلى هذا فوقوع الضمان لا يدل على الرضا ولا على القبول. فاللازم في الجواب عن احتجاج الشيخ (ره) ما ذكرنا. هذا بناء على ثبوت الخبر. لكنه محل تأمل. وحينئذ فالاحتجاج به غير ظاهر وإن سلمت الدلالة. مضافا إلى أنه إذا تمت دلالة الخبر على عدم اعتبار الرضا كان معارضا لصحيح ابن سنان المذكور، فيتعين حمله على الصحيح، لا حمل الصحيح عليه، لان الصحيح أظهر دلالة. (1) قال في القواعد: " وفي اشتراط قبوله احتمال ". وفي جامع


- " جزاك الله عن الاسلام خيرا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك ". والمحكي أيضا: أن أبا قتادة دينارين عن ميت، فقال (ع) له: هما عليك، والميت منهما برئ (* 2).؟ نه قدس سره (* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب كتاب الضمان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الضمان حديث: 2، 3.

[ 249 ]

[ وعلى هذا فلا يعتبر فيه ما يعتبر في العقود من الترتيب والموالاة ] المقاصد - في شرحه - قال: " ينشأ من واقعة علي (ع)، والتمسك بالاصل،. والاصح الاشتراط، لان الضمان عقد اجماعا فلابد فيه من القبول. ولان المال للمضمون له، فكيف يملك شخص نقله إلى ذمته بغير رضاه؟. وقضية علي (ع) واقعة في عين لاعموم لها. ولا أصل في هذا، بل الاصل عدم شرعيته إلى أن يثبت ". أقول: دعوى الاجماع على كون الضمان عقدا وإن كان يقتضيها ما عرفت من عبارة الشرائع ونحوها، لكن خلاف الخلاف في اعتبار الرضا يوهنها جدا. بل عبارة القواعد مثل عبارة الشرائع صريحة في كونه عقدا ومع ذلك جعل اعتبار قبول المضمون له احتمالا، فربما يدل ذلك على كون المراد من كونه عقدا: أنه عند العرف لا عند الشارع. وحينئذ يسهل المنع عن ذلك، فان الضمان تعهد بالمال وهو - بمنزلة الوعد - قائم بنفس المتعهد. ويشير إلى ذلك صحيح ابن سنان المتقدم، حيث جعل الرضا شرطا زائدا على الضمان، وأنه يتحقق وإن لم يرض المضمون له. إلا أن يقال: إن الضمان ليس بمنزلة الوعد تعهدا محضا، وإنما هو نقل مال المضمون له من ذمة المدين إلى ذمة الضامن، ولما كان نقله تصرفا بمال الغير، كان قائما بالغير فهو عقد قائم بين الضامن والمضمون له، كما أشار إلى ذلك في جامع المقاصد. وأما صحيح ابن سنان فيمكن حمله إذا على مجرد إيجاب الضامن وإنشائه، كما يطلق ألفاظ سائر العقود على إنشاء ايجابها فيقال: باع زيد على عمرو فلم يقبل عمرو، ويكون المراد من رضا المضمون له قبوله، لا مجرد الرضا النفساني. اللهم إلا أن يقال: الضمان عندنا نقل ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن. وحكي عن أبي ثور وابن أبي ليلى وابن شرمة وداود أيضا.

[ 250 ]

وعن الشافعي وباقي الفقهاء: أنه لانقل فيه من ذمة إلى ذمة، بل هو ضم ذمة إلى ذمته، والمضمون له مخير في أن يطالب أيهما شاء. وهذا الاختلاف لا يجوز أن يكون في المفهوم، ضرورة أن المفهوم المنشأ عندهم هو المفهوم المنشأ عندنا، فلابد أن يكون مفهومه ما به الاشتراك بيننا وبينهم، وأما ما به الاختلاف فهو خارج عن المفهوم. وعلى هذا فليس الضمان الا التعهد بالدين وشغل الذمة به، من دون تعرض فيه إلى نقل الدين، بل هو من الاحكام المستفادة من الادلة الخاصة الآتية. ولاجل ذلك يظهر أنه من المفاهيم الايقاعية دون العقدية، لعدم تعرض الضامن لشؤون غيره نفسا أو مالا، ولا تصرف منه في ذلك. ولاجل ذلك يجب الاخذ بظاهر صحيح ابن سنان المتقدم، ولا موجب للتصرف فيه بحمله على الايجاب الناقص، كما ذكرنا سابقا، بل يحمل على ما هو الظاهر من الضمان الكامل، وأن حكمه اعتبار الرضا من المضمون له شرطا له على نحو لا يصح بدونه. ويشهد بما ذكرنا تفسير الفقهاء للضمان: بأنه تعهد بمال، في قبال الحوالة التي هي تعهد بنفس. فكما أن التعهد بالنفس ليس إلا محض التعهد بالنفس، كذلك التعهد بالمال، ليس الا التعهد بالمال، من دون تعرض لنقل التعهد من غيره إليه. وقد عرف في الشرائع وغيرها الضمان بالمعنى الاعم - حسبما ذكروه - بأنه تعهد بالمال أو النفس. فهما على وتيرة واحدة. ومن ذلك كله يظهر أنه لا مقتضي لاعتبار قبول المضمون له. نعم لا بأس باعتبار رضاه، كما تضمنه صحيح ابن سنان. ولا سيما أن من أحكامه انتقال الضمان، وربما كان ذلك ضررا على المضمون له ماليا أو أدبيا، لا يجوز ارتكابه بلا رضاه. وإن كان هذا الوجه لا يقتضي اعتبار رضاه إلا مع لزوم الضرر، بخلاف الصحيح فانه يقتضيه مطلقا.

[ 251 ]

[ وسائر ما يعتبر في قبولها. وأما رضى المضمون عنه فليس معتبرا فيه (1)، إذ يصح الضمان التبرعي، فيكون بمنزلة وفاء دين الغير تبرعا حيث لا يعتبر رضاه. وهذا واضح فيما لم يستلزم الوفاء أو الضمان عنه ضررا عليه أو حرجا (2)، من حيث كون تبرع هذا الشخص لوفاء دينه منافيا لشأنه، كما إذا تبرع وضيع دينا عن شريف غني قادر على وفاء دينه فعلا. الثالث: كون الضامن بالغا عاقلا، فلا يصح ضمان الصبي وان كان مراهقا، (3) بل وإن أذن له الولي على إشكال (4) ] (1) هذا موضع وفاق، كما في المسالك. وفي الجواهر: " بلا خلاف أجد فيه، بل الاجماع بقسميه عليه ". لما ذكره في المتن. (2) أما إذا استلزم ذلك فقاعدة نفي الضرر والحرج مانعتان من الصحة. (3) إجماعا حكاه جماعة. لقصور سلطنة الصبي عن التصرف في ماله. (4) ظاهرهم الاتفاق عليه، فقد فصلوا في ضمان العبد بين إذن المولى وعدمه، ولم يفصلوا هنا ولا في المجنون، بناء منهم على قصور عبارتهما. لكنه في الصبي غير ظاهر إذا كان مميزا، لانصراف أدلة المنع من نفوذ تصرفه عن صورة إذن الولي، بل لعل قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح...) (* 1) ظاهر في صحة تصرفه باذن الولي. وكذا رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع): " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كسب الاماء فانها إن لم تجد زنت، إلا أمة قد عرفت بصنعة يد. ونهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة


(* 1) النساء: 6.

[ 252 ]

[ ولاضمان المجنون، (1) إلا إذا كان ادواريا في دور إفاقته (2) وكذا يعتبر كون المضمون له بالغا عاقلا (3). وأما المضمون عنه فلا يعتبر فيه ذلك (4)، فيصح كونه صغيرا أو مجنونا. نعم لا ينفع إذنهما في جواز الرجوع بالعوض (5). الرابع: كونه مختارا، فلا يصح ضمان المكره (6). ] بيده، فانه إن لم يجد سرق " (* 1). وقد تعرضنا لذلك في مباحث الاجارة من هذا الشرح. فلاحظ. (1) قصور عبارته عند العقلاء ظاهر، فلا يدخل عقده في أدلة الصحة وإن أذن له الولي. (2) هذا الاستثناء منقطع. (3) لما تقدم من اعتبار رضاه، الذي لا يصح من غير البالغ إلا باذن وليه، ولا من المجنون مطلقا. (4) إذ لا دخل له في صحة الضمان على ما عرفت. (5) لان ذلك من أحكام إذن المضمون له كما سيأتي وإذنهما تصرف منفى بأدلة قصور سلطنتهما. (6) إجماعا، لحديث نفي الاكراه، (* 2)، بناء على كون المراد منه رفع السببية، ولو بقرينة استدلال الامام (ع) به في صحيح البزنطي عن أبي الحسن (ع): " في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال (ع): لا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن أمتي ما اكرهوا عليه. وما لم يطيقوا، وما اخطأوا " (* 3).


(* 1) الوسائل باب: 33 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1. (* 2) راجع الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابوب كتاب الايمان حديث: 12.

[ 253 ]

[ الخامس: عدم كونه محجورا لسفه (1) الا باذن الولي وكذا المضمون له (2)، ولا بأس بكون الضامن مفلسا (3)، فان ضمانه نظير اقتراضه (4)، فلا يشارك المضمون له مع الغرماء (5). وأما المضمون له فيشترط عدم كونه مفلسا (6) ولا بأس بكون المضمون عنه سفيها أو مفلسا، لكن لا ينفع إذنه في جواز الرجوع عليه. السادس: أن لا يكون الضامن مملوكا غير مأذون من قبل مولاه على المشهور (7)، لقوله تعالى: (لا يقدر على شئ) (8). ولكن لا يبعد صحة ضمانه وكونه في ذمته يتبع ] (1) لدليل الحجر المانع من صحة التصرف. (2) لما سبق من اعتبار رضاه ودليل الحجر مانع من صحة رضاه وترتب الاثر عليه. (3) لان الفلس إنما يمنع من التصرف في ماله لافي نفسه، والضمان تصرف في النفس، لانه اشغال الذمة بالمضمون، نظير الاجارة على العمل، فانها تصرف في النفس، مقابل إجارة العين، فانها تصرف في المال. (4) فانه يوجب اشتغال ذمته، فهو تصرف في نفسه لا في ماله. (5) لتعلق حق الغرماء بالمال قبل صيرورته غريما، فلا يصح أن يشاركهم. (6) لما سبق. وكذا الكلام فيما يأتي، فانه قد سبق أيضا. (7) وحكي عن المبسوط، والارشاد، التحرير، و اللمعة، وجامع المقاصد، والروضة، والمسالك، واختاره في الشرائع. (8) فان إطلاقه يقتضي نفي سلطنته على كل شئ ومنه الضمان.

[ 254 ]

[ به بعد العتق، كما عن التذكرة والمختلف. ونفي القدرة منصرف عما لا ينافي حق المولى (1). ودعوى: أن المملوك ] وتخصيصه بالمال - كما عن المختلف - غير ظاهر، بل خلاف صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع): " قالا المملوك لا يجوز طلاقه ولانكاحه إلا باذن سيده. قلت: فان كان السيد زوجه، بيد من الطلاق؟ قال (ع): بيد السيد، (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) (* 1)، أفشي الطلاق؟ " (* 2). نعم المشهور تخصيص ذلك بما إذا كان قد تزوج أمة سيده، أما إذا كان قد تزوج حرة أو أمة لغير سيده وكان باذن مولاه، فالطلاق بيده لابيد سيده. لكنه حينئذ يكون تخصيصا للآية الشريفة، ولا مانع من العمل بعمومها في غيره. (1) هذا الانصراف غير ظاهر، بل ظاهر قوله تعال: (مملوكا لا يقدر) أن انتفاء القدرة لكونه مملوكا، وفعله مملوك تبع عينه. وإذا كان فعله مملوكا لم يكن تحت سلطانه، سواء كان منافيا لحق المولى أم لم يكن مضافا إلى أن الاستدلال به في الصحيح على عدم قدرته على الطلاق صريح في عدم اختصاصه بما ينافي حق المولى. ومنه يظهر الاشكال فيما في المختلف من تخصيص الآية بالمال، بقرينة ما بعدها من قوله تعالى: (ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه...). كما يظهر إشكال آخر عليه وعلى المصنف (ره) وهو أن الآية في نفسها غير ظاهرة في جعل الحكم الشرعي، نظير قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله...) (* 3)، فانه لا يدل على أن كل حبة تزرع نتاجها سبعمائة حبة، فالاستدلال بها


(* 1) النحل: 75. (* 2) الوسائل باب: 45 من أبواب مقدمات الطلاق حديث: 1. (* 3) البقرة: 261.

[ 255 ]

[ لا ذمة له، كما ترى (1)، ولذا لاإشكال في ضمانه لمتلفاته. هذا وأما إذا أذن له مولاه فلا إشكال في صحة ضمانه (2). وحينئذ فان عين كونه في ذمة نفسه، أو في ذمة المملوك يتبع به بعد عتقه أو في كسبه، فهو المتبع (3)، وإن أطلق الاذن ففي كونه في ذمة المولى (4)، ] لابد أن يكون بملاحظة الاستدلال بها في الصحيح، وهو صريح في غير المال، وصريح فيما لا ينافي حق المولى. فتأمل جيدا. (1) هذه الدعوى لم أقف عليها لاحد فيما يحضرني. نعم ذكر في جامع المقاصد وغيره: كون ذمته مملوكة لمولاه، فلا سلطان له عليها بغير إذنه. وفيه: أنه ممنوع، إذا لم يرجع إلى ما ذكرنا من ملكية فعله. (2) عن المبسوط: نسبته الينا، وعن التذكرة: أنه قولا واحدا. وفي المختلف: " يصح ضمان العبد باذن مولاه إجماعا ". (3) قال في المختلف: " وإن عينه في ذمته، أو في كسبه، أو في مال غيرهما من أمواله تعين ". وفي الشرائع: " ويثبت ما ضمنه في ذمته لا في كسبه إلا أن يشترطه في الضمان باذن مولاه. وكذا إذا شرط أن يكون الضمان من مال معين ". وفي القواعد: " ولو أذن له احتمل تعلقه بكسبه وبذمته ويتبع به بعد العتق، أما لو شرطه في الضمان باذن السيد صح، كما لو شرط الاداء من مال بعينه ". ونحوها عبارات غيرهم. وكلها تشترك في أنه إذا اشترط المولى كون الضمان في ذمة معينة - ذمته أو ذمة عبده - أو من مال معين - سواء كان كسب العبد أو غيره - تعين. ويظهر منهم المفروغية عن ذلك. وكأنه لعموم نفوذ الشروط وصحتها. (4) في جامع المقاصد: انه لا يخلو من قرب. وفي المسالك: لعله الاقوى ".

[ 256 ]

[ أو في كسب المملوك (1)، أو في ذمته يتبع به بعد عتقه (2)، أو كونه متعلقا برقبته (3)، وجوه وأقوال. أوجهها: الاول لانفهامه عرفا (4)، ] (1) حكي عن بعض الشافعية. وحكاه في المسالك قولا، وفي القواعد وغيرها احتمالا. (2) اختاره المحقق في الشرائع، وحكى عن جملة من كتب العلامة وعن اللمعة. (3) حكي عن نسختين من التحرير، كما حكي عن بعض الشافعية أيضا. (4) يعني: يفهم من الاذن في الضمان أن المال في ذمة المولى لا في ذمة العبد، فيكون الاذن في الضمان راجعا إلى التوكيل فيه. ولذلك أشكل عليه في الجواهر: بأنه خلف، لان المفروض أن المولى أذن له في الضمان والضمان اشتغال الذمة بالدين، فالمأذون فيه إشغال ذمته بالدين لا إشغال ذمة مولاه، فكيف يمكن دعوى انفهامه؟!. نعم لما كان الضمان يستتبع الاداء وكان العبد عاجزا عنه، أمكنت دعون كون المفهوم كون الاداء على السيد لا أنه في ذمته. وهذا هو مراد القائلين بهذا القول. ففي جامع المقاصد - بعد أن ذكر وجه القول بتعلقه بكسبه، وهوأن إطلاق الاذن يستعقب الاداء، والاداء من غير مال السيد، ممتنع - قال: " وهذا التوجيه إن تم يقتضي عدم القصر على الكسب، بل يقتضي وجوب الاداء على السيد، وهو قريب من قول ابن الجنيد، ولا يخلو من قرب ". فالمراد: ان الواجب على السيد الاداء لما في ذمة العبد، من دون اشتغال ذمته بالمال. والمتحصل: أنه يتوجه إشكال الجواهر على المصنف (ره) في دعواه انفهام التوكيل من الاذن في الضمان. كما يتوجه عليه وعلى الجواهر

[ 257 ]

[ كما في إذنه في الاستدانة لنفقته أو لامر آخر (1)، وكما في إذنه في التزويج حيث أن المهر والنفقة على مولاه (2). ودعوى الفرق بين الضمان والاستدانة: بأن الاستدانة موجبة لملكيته، وحيث أنه لا قابلية له لذلك يستفاد منه كونه على مولاه، بخلاف الضمان حيث أنه لاملكية فيه (3). ] إشكال حمل القول المذكور على هذا المعنى - أعني: اشتغال ذمة السيد - مع أن ظاهر عبارته كون الاداء على السيد، لاكون الدين عليه. ومثله القولان الآخران، فان مرجعهما إلى كون الاداء على السيد من رقبة العبد أو من كسبه، في مقابل القول المذكور، وهو كونه على السيد مطلقا من غير تقييد بمال معين. فالاقوال الاربعة كلها مشتركة في كون الدين بذمة العبد، واختلفت في أنه ليس على السيد أداؤه بل يتبع به العبد بعد العتق، أو على السيد اداؤه من ماله الخاص وهو كسب العبد، أو من ماله الخاص وهو رقبة العبد، أو من ماله مطلقا، وهذا الذي اختاره في جامع المقاصد. ومن ذلك يظهر أن الاحتمالات خمسة، خامسها: أنه في ذمة السيد لاغير كساير ديونه، وهو الذي اختاره المصنف. (1) يعني: أنه إذا أذن له في الاستدانة يكون العوض في ذمة المولى، فكذلك إذا أذن له في الضمان. (2) تقدم في هذا الشرح من مباحث النكاح: أنه إذا أذن السيد لعبده في التزويج كانت ذمة العبد مشغولة بالمهر والنفقة وذمة السيد فارغة منهما، لكن يجب عليه الاداء. (3) قال في الجواهر: " وفرق واضح بين اطلاق الاذن في المقام، وبينه في الاستدانة المقتضية ملك العين المستدانة على أن يملك صاحبها مثلها أو قيمتها في ذمة المستدين، والعبد لا قابلية له لذلك، لما حررناه من

[ 258 ]

[ مدفوعة: بمنع عدم قابليته للملكية (1). ] عدم ملكه لشئ، فلا وجه لاطلاق الاستدانة إلا على السيد، بخلاف المقام الذي لا ملك فيه ". (1) لكن على تقديره نقول في الاستدانة أيضا: بأن الضمان على العبد، لان الذي دعى إلى القول بأنه على السيد امتناع الملكية، لاظهور الاذن في الاستدانة. وكان المناسب للمصنف أن يتعرض لاشكال الجواهر الاول، كما تعرض لاشكاله هذا، فان الاول أهم وألزم، فان الالتزام باشتغال ذمة السيد مخالفة للظاهر من دون سبب ظاهر، فهذا القول ضعيف جدا. ومثله القول بأن الدين في ذمة العبد لكن الاداء يكون من كسب العبد أو من رقبته، فانه بلا قرينة. فحينئذ يدور الامر بين القولين الاخرين: القول بأنه في ذمة العبد ولا دخل للسيد فيه ولا في وفائه، والقول بأنه في ذمة العبد وعلى السيد وفاؤه. والظاهر اختلاف الحكم باختلاف المقامات، فان كان العبد قد أهمله مولاه وسيبه وأذن له في الذهاب حيث يشاء، فهذا ضمانه على نفسه ولا يرتبط بالسيد: نعم يفي من كسبه وكده، سواء بقي على رقيته أو اعتق، فان عجز عن الوفاء كان كغيره من المعسرين. وإن كان العبد في خدمة مولاه ويسير في ركابه، وتحت سلطانه ورعايته، فهذا إذا ضمن فضمانه في ذمته، لكن وفاؤه على مولاه حسبما تقتضيه قرينة الحال. وإذا كان العبد ذا مال فضمن، وكان ناويا الوفاء من ماله وأذن له مولاه وقد علم بذلك، فتلف المال بعد الضمان قبل الوفاء، فالمال يبقى بذمته يتبع به بعد العتق، كما ذكر المحقق. وإن شئت قلت: إذا كانت القرينة على كون ضمانه مبنيا على كون وفائه من كسبه، أو في عهدة المولى عمل بها، وإن لم تكن القرينة على شئ كان وفاؤه بعد عتقه.

[ 259 ]

[ وعلى فرضه ايضا لا يكون فارقا بعد الانفهام العرفي (1). السابع: التنجيز، فلو علق الضمان على شرط - كأن يقول: أنا ضامن لما على فلان إن أذن لي أبي، وأنا ضامن إن لم يف المديون إلى زمان كذا، أو إن لم يف أصلا - بطل على المشهور (2). لكن لادليل عليه - بعد صدق الضمان وشمول العمومات العامة - إلا دعوى الاجماع في كلي العقود على أن اللازم ترتب الاثر عند إنشاء العقد من غير تأخير. ] (1) قد عرفت أن الانفهام العرفي الذي ادعاه جامع المقاصد بالنسبة إلى الاداء، لا بالنسبة إلى اشتغال الذمة. (2) قال في التذكرة: " يشترط في الضمان التنجيز، فلو علقه بمجئ الشهر أو قدوم زيد لم يصح... (إلى أن قال): ولو قال: إن لم يؤد اليك غدا فانا ضامن، لم يصح عندنا. وبه قال الشافعي، لانه عقد من العقود فلا يقبل التعليق، كالبيع ونحوه ". وفي القواعد جعل التنجيز شرطا. ولم يتعرض لشرحه في جامع المقاصد. ولم يتعرض في مفتاح الكرامة لنقل ذلك عن أحد. نعم حكى عن تمهيد القواعد: الاجماع على عدم صحة التعليق في العقود على الشرط، وان ذلك يلوح من التذكرة وكشف اللثام. وقد عرفت ما في التذكرة. وفي الرياض - في مسألة ضمان الدين الحال مؤجلا - قال: " وربما يتوهم كونه ضمانا معلقا وهو غير جائز عندنا، وليس كما يتوهم، بل هو تأجيل للدين الحال " والى ذلك أشير في تلك المسألة في المسالك والجواهر، وأهمل ذكره في الشرائع هنا، وجملة كتب أخرى. لكن الظاهر أنه من المسلمات التي لا تقبل المناقشة والتأمل.

[ 260 ]

[ أو دعوى منافاة التعليق للانشاء (1). وفي الثاني مالا يخفى (2) وفي الوأل منع تحققه في المقام (3). وربما يقال: لا يجوز تعليق الضمان، ولكن يجوز تعليق الوفاء على الشرط مع كون الضمان مطلقا (4). وفيه: ان تعليق الوفاء عين تعليق الضمان ولا يعقل التفكيك (5). نعم في المثال الثاني يمكن أن يقال: ] (1) لان الانشاء الايجاد. وكما ان الايجاد والوجود واحد والاختلاف اعتباري، كذلك الانشاء والنشوء واحد والاختلاف اعتباري، فلا يمكن أن يكون الانشاء فعليا والنشوء معلقا. (2) ضرورة صحة الانشاء المعلق في جملة من الموارد - كالوصية التمليكية، والتدبير، والنذر المعلق على شرط - فضلا عن امكان ذلك. والسر فيه: أن المعلق عليه الوجود اللحاظي لا الخارجي، فالانشاء يكون حاليا والمنشأ كذلك، لكنه معلق على أمر ذهني لحاظي، لا على الامر الخارجي الاستقبالي، حتى يكون منوطا بوجوده اللاحق. (3) لا يظهر الفرق بين المقام وغيره من موارد العقود والايقاعات التي صرح الفقهاء بعدم صحة التعليق فيها عدا موارد مخصوصة. وقد عرفت أنه يظهر منهم عدم المناقشة فيه، وأنه من المسلمات. (4) قد تقدم هذا المضمون صريحا في كلام الرياض، وإشارة في المسالك والجواهر. (5) إشكاله ظاهر من ملاحظة الديون المؤجلة، فان الدين فيها مضمون في الذمة حالا والوفاء مؤجل. وسيأتي بيان جواز الضمان للدين الحال حالا ومؤجلا، وهو اجماعي. والمراد منه تأجيل الوفاء مع حلول الضمان، كما تقدم التصريح بذلك في الرياض وغيره.

[ 261 ]

[ بامكان تحقق الضمان منجزا مع كون الوفاء معلقا على عدم وفاء المضمون له (1)، لانه يصدق أنه ضمن الدين على نحو الضمان في الاعيان المضمونة، إذ حقيقته قضية تعليقية (2). ] (1) هذا - مع أنه خلاف ظاهر العبارة، فانها مشتملة على تعليق الضمان لا تعليق الوفاء، فكيف يكون الضمان منجزا؟! - يلزم منه كون الضمان ضم ذمة إلى ذمة، لا نقل ما في الذمة إلى ذمة أخرى، لان وفاء المديون المعلق على عدمه الضمان يراد منه وفاء ما في ذمته، فلا بد أن يكون الدين في ذمته، لا في ذمة الضامن. (2) قال في الجواهر - في شرح قول ماتنه. " وكذا لو أبرأه من الضمان " يعني: لو فرط الودعي في الوديعة فأبرأه المالك من ضمانها برأ -: " المراد من الضمان اشتغال ذمته لو تلف بالمثل أو القيمة، فهو كما لو قال للغاصب أبرأتك من ضمان المال المغصوب في يدك، ونحوه مما هو إبراء مما لم يجب بعد "، ونحوه كلام غيره. وفيه: أن ضمان العين معناه كونها في العهدة، ووجوب المثل أو القيمة على تقدير التلف من قبيل الحكم لذلك الضمان، لا أنه معناه، إذ لا مانع من اعتبار وجود العين في العهدة، في قبال وجودها في الخارج على نحو البدل عنه، بل هو الظاهر من العرف في المضمونات. ثم إنه إذا سلم كون الضمان في ضمان الاعيان من قبيل القضية التعليقية، فحمل الضمان في المقام عليه يلزم منه كون الضمان في المقام معلق، وقد سبق منه: أن الضمان منجز ان التعليق للوفاء لا للضمان. وأيضا يلزم منه تكرار التعليق على أمر واحد، لان التعليق مأخوذ في حاق مفهومه، وهو غير التعليق الذي تضمنته أداة الشرط: نظير قول الشارع إذا فرط الودعي ضمن، فان فيه تعليقين أحدهما في حاق مفهوم الضمان، لان الضمان حسب الفرض معناه اشتغال الذمة بالمثل

[ 262 ]

[ إلا أن يقال: بالفرق بين الضمان العقدي والضمان اليدي (1). الثامن: كون الدين الذي يضمنه ثابتا في ذمة المضمون ] أو القيمة على تقدير التلف، فهو معنى داخل فيه التعليق، وقد علق هذا المعنى التعليقي على التفريط. لكنه في لسان الشارع على أمرين، وهنا يكون التعليقان في لسان الموجب على أمر واحد. وبالجملة: إذا حملنا معنى الضمان في المقام على معنى الضمان في الاعيان بناء على ما ذكر في الجواهر من أنه تعليقي، ويكون معنى: " ضمنت الدين ": أنه يلزمني الدين على تقدير عدم أداء المديون، فحينئذ يصح إنشأه بلا تعليق، بان يقول: [ ضمنت الدين ] ويريد المعنى المذكور. أما إذا أنشأه معلقا على عدم الوفاء يكون المعنى حينئذ أني يلزمني الدين على تقدير عدم وفاء الدين على تقدير عدم وفاء الدين، فيكون عدم وفاء المديون دينه شرطا للموضوع والحكم وهو ممتنع. اللهم إلا أن يريد من القضية التعليقية: أن التعليق مقدر خارج عن معنى الضمان، فيكون الضامن هنا قد خرج به، غاية الامر أن المعلق عليه الضمان هناك التلف. وهنا عدم أداء المديون دينه. فالاشكال على المصنف تارة: من جهة منع كون ضمان الاعيان تعليقا. وأخرى: أنه لو سلم فلا وجه لحمل المقام عليه، فان الضمان هناك حكم شرعي، وهنا إنشائي جعلي، وجواز التعليق في الاول لا يقتضي جوازه في الثاني. ولو سلم لزم وجود تعليقين ولا يمكن الجمع بينهما. فتأمل. (1) الفرق بينهما ظاهر، فان الاول إنشائي جعلي، والاخر حكم شرعي غير انشائي. والاول يختص بالذمي، والاخر يختص بالخارجي. والاول تنجيزي، والثاني معنى تعليقي على ما اختاره المصنف.

[ 263 ]

[ عنه (1)، سواء كان مستقرا، كالقرض والعوضين في البيع الذي لاخيار فيه، أو متزلزلا كأحد العوضين في البيع الخياري كما إذا ضمن الثمن الكلي للبايع، أو المبيع الكلي للمشتري، أو المبيع الشخصي قبل القبض (2)، وكالمهر قبل الدخول ونحو ذلك. فلو قال: (3) اقرض فلانا كذا وأنا ضامن، ] (1) قال في الشرائع: " الثاني: في الحق المضمون، وهو كل مال ثابت في الذمة، سواء كان مستقرا كالبيع بعد القبض وانقضاء الخيار، أو معرضا للبطلان كالثمن في مدة الخيار بعد قبض الثمن. ولو كان قبله لم يمح ضمانه عن البائع ". وفي القواعد: " الخامس: الحق المضمون وشرطه المالية والثبوت في، الذمة، وإن كان متزلزلا، كالثمن في مدة الخيار والمهر قبل الدخول ". وفي مفتاح الكرامة: " كما طفحت به عباراتهم كالخلاف والغنية وغيرهما. وفي المبسوط نفي الخلاف - وظاهره بين المسلمين - عن صحة ضمان الثمن في البيع بعد تسليم المبيع، والمهر بعد الدخول، والاجرة بعد دخول المدة، وعن صحة ضمان الثمن قبل التسليم، والاجرة قبل انقضاء الاجارة، والمهر قبل الدخول. قال: فهذه الحقوق لازمة غير مستقرة، فيصح ضمانها أيضا بلا خلاف ". (2) المبيع الشخصي قبل القبض مضمون بضمان المعاوضة، يعني: بالتلف يكون من مال البائع، لانفساخ العقد قبله آناما، وليس مضمونا بضمان اليد، فلا يكون مضمونا في ذمة البائع. والضمان بهذا المعنى حكم شرعي لا يقبل الاسقاط، ولا يمكن نقله إلى غيره بضمانه، وذلك يختص بالضمان باليد. نعم إذا أتلفه البايع كان ضامنا له، لكنه بالاتلاف لا باليد. (3) تفريع على الشرط المذكور.

[ 264 ]

[ أو بعه نسيئة وأنا ضامن، لم يصح على المشهور. بل عن التذكرة الاجماع. قال: " لو قال لغيره مهما أعطيت فلانا فهو علي، لم يصح إجماعا " (1). ولكن ما ذكروه من الشرط ينافي جملة من الفروع الآتية (2). ويمكن أن يقال بالصحة إذا حصل المقتضي للثبوت وإن لم يثبت فعلا، بل مطلقا، لصدق الضمان وشمول العمومات العامة (3)، وإن لم يكن من الضمان المصطلح عندهم. بل يمكن منع عدم كونه منه أيضا. ] (1) في التذكرة: " ولو قال لغيره: ما أعطيت فلانا فهو علي، لم يصح أيضا عند علمائنا أجمع. وبه قال أحمد ". (2) قال في مفتاح الكرامة - بعد ما حكى عن التذكرة العبارة المذكورة -: " وقد جوزوا ضمان أشياء كثيرة ليست ثابتة في الذمة " كضمان الاعيان المضمونة، وضمان العهدة، ونقصان الصنجة، وغير ذلك، فهي إما مستثناة أو الشرط أغلبي ". وسيأتي في المسألة الثامنة والثلاثين وغيرها التعرض للموارد التي يكون الضمان فيها منافيا لما ذكر. (3) قد عرفت في أول الكتاب أن الضمان إشغال الضامن ذمته بما اشتغلت به ذمة المضمون عنه، وهو يتوقف على اشتغال ذمة المضمون عنه ليصح القصد إليه، فإذا لم يكن في ذمة المضمون عن شئ، لم يكن للضامن قصد اشغال ذمته به ولا انشاء ذلك، فلا ضمان ولا عقد، كي يتمسك بالعمومات الدالة على صحة الضمان أو صحة العقود. ولذلك لم يصح ضمان ما لم يجب. أما ما سيجب وما سيثبت فيمكن ضمانه على نحو الواجب المعلق، أو على نحو الواجب المشروط. والثاني تعليق في الانشاء مانع عن صحته. والاول وإن كان جائزا لكنه غير ثابت بالنسبة إلى

[ 265 ]

[ التاسع: أن لا تكون ذمة الضامن مشغولة للمضمون ] المضمون عنه، فكيف يكون ثابتا بالنسبة إلى الضامن وهو تابع له؟!. نعم على ما عرفت من معنى الضمان فهو من ضمان ما لم يجب، الذي لا يكون من الضمان الذي هو محل الكلام " بل إن صح كان ضمانا بمعنى آخر. ولا يتوقف على وجود المقتضي. لكنه يكون المضمون في الذمة بدون مضمون له لفرض عدم حصول السبب المملك له " وربما يأتي التعرض له في المسألة الثامنة والثلاثين. كما يمكن أيضا التعهد على غير وجه الضمان، بأن يتعهد إنسان للزوجة بأن ترفع اليد عن النفقة التي لها على الزوج في المستقبل، ويعطيها هو النفقة. ولا بأس به، لدخوله في عمومات الصحة. ونظيره أن يتعهد لمن له دين على زيد أن يصلي عنه ركعتين، ويرفع اليد عن دينه على زيد، فانه نوع من أنواع العقد، إن صح لم يكن من جنس الضمان، بل هو عقد لنفسه يدخل في عموم صحة العقود. لكن لا يسقط الدين في الفرض بمجرد العقد، بل لابد من اسقاط الدين من الدائن، وإذا كان العوض مفروضا بدلا عن الدين، كان الدين لذي العوض ولا يسقط إلا بالوفاء أو الابراء منه. ويمكن أن تكون المعاملة بنحو آخر. وكيف كان: فهذا ليس من الضمان في شئ، والضمان ليس مطلق التعهد، وإلا فالعقود كلها تعهدات على أنحاء مختلفة باختلاف مضامينها ومن ذلك تعرف صحة ما ذكره الاصحاب، كما تعرف الاشكال فيما ذكره من قوله (ره): " يمكن منع عدم كونه منه ". والذي يتحصل: أن ضمان ما لم يجب ليس من الضمان المصطلح، فان صح كان ضمانا بالمعنى اللغوي، ولا يتوقف على وجود المقتضي. وسيأتي إن شاء الله، فلاحظ.

[ 266 ]

[ عنه بمثل الدين الذي عليه، على ما يظهر من كلماتهم في بيان الضمان بالمعنى الاعم، حيث قالوا: إنه بمعنى التعهد بمال أو نفس (1)، فالثاني الكفالة، والاول ان كان ممن عليه للمضمون عنه مال فهو الحوالة، وإن لم يكن فضمان بالمعنى الاخص. ولكن لادليل على هذا الشرط (2)، فإذا ضمن للمضمون عنه بمثل ماله عليه يكون ضمانا، فان كان باذنه يتهاتران بعد أداء مال الضمان، والا فيبقى الذي للمضمون عنه عليه، وتفرغ ذمته مما عليه بضمان الضامن تبرعا، وليس من الحوالة، لان المضمون عنه على التقديرين لم يحل مديونه (3) على الضامن حتى تكون حوالة ومع الاغماض عن ذلك (4) غاية ما يكون أنه يكون داخلا في كلا العنوانين (5)، فيترتب عليه ما يختص بكل منهما مضافا إلى ما يكون مشتركا. ] (1) ذكر ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما. (2) كما أنه أيضا لا يتم التقسيم المذكور، بناء على صحة الحوالة على البرئ. كما أشار إلى ذلك في المسالك وغيرها. (3) أصل العبارة لم يحل دائنه. (4) يعني: يصدق عليه حوالة وإن لم يكن المضمون عنه قد أحال داينه (5) كما ذكر ذلك في المسالك. والذي يتحصل: الاشكال على الاصحاب من الوجوه: الاول: أن الحوالة لا تختص بالمديون للمحيل، بل تصح على البرئ على قول يأتي. الثاني: أن الضمان لا يختص بالبرئ فانه لادليل على ذلك، والعمومات تنفيه، فيصح من المديون. الثالث: أن الفرق بين الحوالة والضمان في نفس المفهوم، فان الحوالة متقومة بالمحيل

[ 267 ]

[ العاشر: امتياز الدين والمضمون له والمضمون عنه عند الضامن (1)، على وجه يصح معه القصد إلى الضمان. ويكفي التميز الواقعي وإن لم يعلمه الضامن (2). فالمضر هو الابهام والترديد (3)، فلا يصح ضمان أحد الدينين ولو لشخص واحد على شخص واحد على وجه الترديد مع فرض تحقق الدينين، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو لواحد، ولا ضمان دين لاحد الشخصين ولو على واحد. ولو قال: ضمنت الدين الذي على فلان، ولم يعلم أنه لزيد أو لعمرو، أو الدين الذي لفلان، ولم يعلم أنه على زيد أو على عمرو، صح لانه متعين واقعا. وكذا لو قال: ضمنت لك كلما كان لك على الناس، أو قال: ضمنت عنك كلما كان عليك لكل من كان من الناس. ومن الغريب ما عن بعضهم من اعتبار العلم بالمضمون عنه والمضمون له بالوصف والنسب، أو العلم باسمهما ونسبهما (4) ] والمحال بل والمحال عليه، والضمان متقوم بالضامن والمضمون له، ولا يتوقف على رضا المضمون عنه. فالمتصدي في الضمان الضامن، والمضمون له تابع له، والمضمون عنه أجنبي عنه. والمتصدي في الحوالة المحيل، والمحال والمحال عليه تابعان له. فالفرق بين الحوالة والضمان في المفهوم، كالفرق بين البيع والرهن، وليس الفرق بينهما في حدود المفهوم، كالفرق بين النقد والنسيئة مثلا. (1) بلا خلاف ولا إشكال. (2) إذ لا دليل على اعتبار أكثر من ذلك، والعمومات تقتضي الصحة. (3) لان المبهم لاخارجية له، فلا ينطبق على فرد بعينه، فلا يترتب عليه الاثر، لان الاثر للموجود المتعين الخارجي دون غيره. (4) حكي عن المبسوط أنه قال: " يشترط معرفة المضمون له،

[ 268 ]

[ مع أنه لادليل عليه أصلا، ولم يعتبر ذلك في البيع الذي ] ليعرف هل هو سهل المعاملة أم لا؟ ومع انتفاء ذلك يتطرق الغرر. ومعرفة المضمون عنه لينظر هل يستحق ذلك أم لا؟ ". وحكي ذلك عن المفاتيح، للغرر والضرر، ولانه ربما تمس الحاجة إلى المعرفة، ولانه إحسان فلا بد من معرفة محله حتى لا يوضع في غير موضعه. ولا يخفى ما في الجميع من التأمل. وفي المختلف: " والوجه عندي: أن معرفة المضمون عنه شرط دون معرفة المضمون له. لنا: أن المضمون عنه لابد أن يتميز عند الضامن ويتخصص عن غيره، ليقع المضان عنه. وذلك يستدعي العلم به، وهو كما ترى. وفي الخلاف: " ليس من شرط الضمان أن يعرف المضمون له أو المضمون عنه ". واستدل على ذلك بما تضمن ضمان على (ع) وأبي قتادة لدين الميت، ولم يسألهما النبي صلى الله عليه وآله عن معرفة صاحب الدين ولا الميت (* 1)، فدل على أنه ليس من شرطه معرفتهما. وفيه: أن ذلك قضية في واقعة مجملة من هذه الجهة. فلا مجال للاستدلال بها، كما تقدم. وفي الشرائع: " لكن لابد أن يمتاز المضمون عنه عند الضامن بما يصح معه القصد إلى الضمان ". والظاهر منه الامتياز المصحح للقصد إلى الضمان " في مقابل الابهام المانع من القصد إلى الضمان، كما فسره به في الجواهر. لكن في السمالك حمل التمييز على التمييز التفصيلي، فأشكل عليه: بأن القصد إلى الضمان غير متوقف على معرفة من عليه الدين، فلو قال شخص: إني أستحق في ذمة شخص مائة درهم، فقال له آخر: ضمنتها لك، كان قاصدا إلى عقد الضمان عن أي من كان عليه الدين، ولا دليل على اعتبار ما زاد عن ذلك.


(* 1) تقدم التعرض للحديث في الصفحة: 248.

[ 269 ]

[ هو أضيق دائرة من سائر العقود. (مسألة 1): لا يشترط في صحة الضمان العلم بمقدار الدين ولا بجنسه (1). ويمكن أن يستدل عليه - مضافا إلى العمومات العامة، وقوله صلى الله عليه وآله: " الزعيم غارم " - بضمان علي بن الحسين (ع) لدين عبد الله بن الحسن (2)، وضمانه لدين ] (1) كما عن جماعة كثيرة. وفي المسالك: أنه الاشهر. وفي جامع المقاصد: " هذا قول الشيخ وأكثر الاصحاب، للاصل، ولقوله صلى الله عليه وآله: الزعيم غارم، ولان الضمان عقد لا ينافيه الغرر " (1). وكأن المراد من الاصل العموم الدال على صحة العقود. وأما ما بعده فغير ثابت من طرقنا، بل المروي في خبر الحسين بن خالد (2) تكذيبه وفي المسالك: استدل بظاهر قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) (* 3)، مع اختلاف كمية الحمل. لكن الظاهر أن حمل البعير مقدار معين من الوزن. وفي زماننا حمل البعير وزنتان: مائة وستون حقة اسلامبول، أو مائتا كيلو تقريبا. (2) روى ذلك في الفقيه، قال: " روي أنه احتضر عبد الله بن الحسن فاجتمع إليه غرماؤه فطالبوه بدين لهم، فقال لهم: ما عندي ما أعطيكم، ولكن أرضوا بمن شئتم من أخي وبني عمي، علي بن الحسين و عبد الله بن جعفر. فقال الغرماء: أما عبد الله بن جعفر فملي مطول، وأما علي بن الحسين فرجل لامال له صدوق، وهو أحبهما الينا. فأرسل إليه فاخبره الخبر، فقال (ع): أضمن لكم المال إلى غلة، ولم يكن له


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب كتاب الضمان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب كتاب الضمان حديث: 1. (* 3) يوسف: 72.

[ 270 ]

[ محمد بن أسامة (1). لكن الصحة مخصوصة بما إذا كان له واقع معين، وأما إذا لم يكن كذلك. - كقولك: " ضمنت شيئا من دينك " - فلا يصح (2). ولعله مراد من قال إن الصحة إنما هي فيما إذا كان يمكن العلم به بعد ذلك (3). فلا ] غلة، فقال القوم: قد رضينا، فضمنه، فلما أتت الغلة أتاح الله تعالى له المال فأداه " (* 1). (1) مروي في الكافي عن فضيل وعبيد عن أبي عبد الله (ع): " قال: لما حضر محمد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم، فقال لهم: قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم، وعلي دين فأحب أن تقضوه. فقال علي ابن الحسين (ع): ثلث دينك علي. ثم سكت وسكتوا، فقال علي بن الحسين (ع): علي دينك كله. ثم قال علي بن الحسين: أما انه لم يمنعني أن أضمنه أولا إلا كراهة أن يقولوا سبقنا " (* 2). لكنهما من حكاية وافعة، وهي مجملة لا دلالة فيها على المقصود نفيا أو اثباتا. فإذا العمدة في دليل الحكم العمومات. (2) قولا واحدا، كما في التذكرة وجامع المقاصد والمسالك. (3) ذكر ذلك في التذكرة وجامع المقاصد والمسالك، قال في التذكرة: " إن قلنا بصحة ضمان المجهول فانما يصح في صورة يمكن العلم فيها بعد ذلك، كما لو قال: أنا ضمان للدين الذي عليك، وأنا ضامن لثمن ما بعت من فلان، وهو جاهل بالدين والثمن، لان معرفته ممكنة، والخروج عن


(* 1) من لا يحضره الفقيه الجزء: 3 الصفحة: 55 طبع النجف الاشرف، الوسائل باب: 5 من أبواب كتاب الضمان حديث: 1. (* 1) روضة الكافي الصفحة: 332 الطبعة الجديدة، الوسائل باب: 3 من ابواب كتاب الضمان حديث: 1.

[ 271 ]

[ يرد عليه ما يقال: من عدم الاشكال في الصحة مع فرض تعينه واقعا (1). وان لم يمكن العلم به فيأخذ بالقدر المعلوم (2). هذا وخالف بعضهم فاشترط العلم به (3)، لنفي الغرر والضرر ورد بعدم العموم في الاول، لاختصاصه بالبيع (4)، أو مطلق المعاوضات (5). ] العهدة مقدور عليه. أما لو لم يمكن الاستعلام فان الضمان لا يصح فيه قولا واحدا، كما لو قال: ضمنت لك شيئا ممالك على فلان " ونحوه ما في جامع المقاصد والمسالك. (1) قال في الجواهر - بعد نقل ما ذكره عن التذكرة والمسالك وغيرها -: " وهو جيد إن كان المراد عدم إمكان العلم في الواقع للابهام ونحوه - كما عساه يومئ إليه قوله " فيدفع... " انتهى - وإلا كان محلا للنظر.. ". (2) هذا إذا دار بين الاقل والاكثر، أما إذا دار بين المتباينين فلا بد من طريق آخر، إما قرعة أو غيرها. (3) حكي عن الخلاف والمبسوط والقاضي وابن ادريس. وعن كشف الرموز: أنه أشبه. (4) فان الحديث المشهور: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (* 1) مختص بالبيع. وفي بعض كتب العلامة روايته: " نهي النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر " (* 2). لكنه غير ثابت، بل المظنون أن مراد العلامة من ذلك هو الحديث المشهور. (5) إما للاجماع - كما قد يدعى - وإما للتعدي عن البيع المذكور في


(* 1) الوسائل باب: 40 من ابواب اداب التجارة حديث: 3، الموطأ الجزء: 2 الصفحة 111 طبعة مصر. (* 2) راجع التذكرة: المسألة: 2 من الركن الثالث من الفصل الثاني من الاجارة.

[ 272 ]

[ وبالاقدام في الثاني (1). ويمكن الفرق بين الضمان التبرعي والاذني، فيعتر في الثاني دون الاول، إذ ضمان علي بن الحسين (ع) كان تبرعيا (2). واختصاص نفي الغرر بالمعاوضات ممنوع، بل يجري من مثل المقام الشبيه بالمعاوضة (3). إذا كان بالاذن مع قصد الرجوع على الآذن. وهذا التفصيل لا يخلو عن قرب (4) (مسألة 2): إذا تحقق الضمان الجامع لشرائط الصحة انتقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وتبرأ ذمة المضمون عنه، بالاجماع والنصوص (5)، خلافا للجمهور ] الحديث إلى غيره من المعاوضات. (1) فانه مع الاقدام لا نفي للضرر، إما لانه امتناني ولا امتنان في نفيه مع الاقدام. وإما لان الظاهر من نفي الضرر نفي الحكم الذي يؤدي إلى الضرر، ومع الاقدام على الضرر يكون الضرر من جهة الاقدام لا من جهة الحكم. (2) الذي يظهر من الروايتين السابقتين أنه كان بالاذن والطلب، لكن من الخارج يعلم أنه (ع) لم يضمن بقصد الرجوع على المضمون عنه. (3) لكن دليله غير ظاهر، كما عرفت. (4) لكن الجواز مطلقا أقرب، لما عرفت من إطلاق أدلة الصحة من دون مقيد ظاهر. (5) في التذكرة: أنه عند علمائنا أجمع، وبه قال ابن أبى ليلي وابن شبرمة وداود وأبو ثور، وعن الغنية: أن عليه إجماع الطائفة. وفي المسالك: أنه موضع وفاق. وفي الحدائق: " الظاهر أنه لا خلاف فيه ". وفي الجواهر: " بلا خلاف في ذلك ولا اشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعله من ضروريات الفقه ". وتقدم في مبحث اعتبار

[ 273 ]

[ حيث أن الضمان عندهم ضم ذمة إلى ذمة (1). وظاهر كلمات الاصحاب عدم صحة ما ذكروه حتى مع التصريح به على هذا النحو. ويمكن الحكم بصحته حينئذ (2)، ] رضا المضمون عنه (* 1) صحيح ابن سنان المتضمن: أنه إذا رضي المضمون عنه فقد برئت ذمة الميت. كما تقدمت الروايات الدالة على براءة ذمه الميت بالضمان عنه، التي هي من طرقنا ومن طرق الجماعة، كرواية أبي سعيد الخدري في ضمان علي (ع) دين الميت " ورواية جابر في ضمان أبي قتادة دين الميت. (1) نسب في التذكرة ذلك إلى عامة الفقهاء كالثوري والشافعي وأحمد واسحاق وأبي عبيدة وأصحاب الرأي " على خلاف بينهم في أن للمضمون عنه مطالبة كل منهما، كما عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، أو أنه لا يطالب الضامن إلا إذا عجز من تحصيله من المضمون عنه لغيبته أو إعساره، كما عن مالك. (2) إذ لا مانع من اشتغال ذمم متعددة بمال واحد على أن يكون بعضها بدلا عن الآخر، كما في المقام، أو لم يلحظ فيها ذلك، كما في تعاقب الايدي، فان العين المغصوبة إذا تعاقبت عليها الايدي كان كل واحد من ذوي الايدي ضامنا لها على السواء فيما بينهم لم يكن قد لوحظت البدلية معه. وامتناع كون الشئ الواحد في مكانين يختص بالامور الحقيقية، ولا يجري في الامور الاعتبارية التي هي وجودات ادعائية اعتبرت عند العقلاء لاسباب اقتضت ذلك الاعتبار. ونظير ذلك الوجوب الكفائي، فانه يتعدد بتعدد الواجب عليهم مع وحدة الواجب، فكما يصح اعتبار وجوب متعدد لواجب واحد يصح اعتبار ضمان متعدد لمضمون واحد،


(* 1) راجع الصفحة: 248.

[ 274 ]

[ للعمومات (1). ] ولا فرق إلا من حيث التكليف والوضع، فالواجب الكفائي مع أنه واحد ثابت على كل واحد من المكلفين أو في ذمته، والضمون في تعاقب الايدي أيضا ثابت في ذمة كل واحد من ذوي الايدي. وسيأتي في المسألة السادسة والعشرين بعض الكلام في ذلك. (1) الظاهر أنه يريد عمومات صحة الشروط (* 1). لكن يشكل: بأن تلك العمومات مخصصة بما لا يخالف الكتاب والسنة، والمراد به الشرط الذي لا يكون على خلاف الحكم الشرعي الاقتضائي، فإذا كان مخالفا للحكم الشرعي الاقتضائي كان باطلا. والظاهر من الدليل الدال على كون الضمان موجبا لبراءة ذمة المضمون عنه كونه مقتضيا لذلك حسب الارتكاز العقلائي، لا أن البراءة لعدم المقتضي للاشتغال، فإذا كانت براءة ذمة المضمون عنه لوجود المقتضي لها لا لعدم المقتضي للاشتغال فاشتراط الاشتغال يكون على خلاف الحكم الاقتضائي، فلا يصح. وكذا بناء على ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) في تفسير الشرط المخالف للكتاب والسنة بأنه ما كان على خلاف إطلاق دليل الحكم، فان اطلاق قوله (ع): " إذا رضي المضمون له فقد برئت ذمة الميت " (* 2) يقتضي البراءة حتى مع الشرط المذكور، فيكون الشرط المذكور مخالفا لدليل الحكم، فيبطل. إن كان ما ذكره - قدس سره - ضعيفا، فان أكثر أدلة الاحكام مطلقة من حيث العنوان الثانوي حتى الاحكام غير الالزامية، وحينئذ يشكل الامر في أكثر الشروط، إذ ما من شرط إلا ويبدل حكم مشروطه إلى اللزوم، وهو مناف لاطلاق دليل حكم المشروط، ولازم


(* 1) راجع الوسائل باب: 6 من أبواب الخيار كتاب التجارة. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب كتاب الضمان حديث: 1.

[ 275 ]

ذلك بطلان الشروط عامة إلا النادر منها، وهو كما ترى. ودعوى: أن أغلب المباحات والمستحبات والمكروهات بل جميعها انما دل دليلها على حكمها بالنظر إلى الذات ومن حيث نفسها ومجردا عن ملاحظة عنوان آخر طارئ عليه، بخلاف أغلب المحرمات والواجبات، فان دليل الحكم بالمنع عن الفعل أو الترك مطلق لا مقيد بحيثية تجرد الموضوع. ممنوعة، لورود أدلة الطرفين على نهج واحد، إما مطلقة من حيث العناوين الثانوية أو مهملة. بل ربما وردت في سياق واحد، مثل قوله تعالى: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) (* 1) وقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) (* 2) فالتفكيك بينهما بحمل: (أحل) على النظر إلى الذات دون العناوين الثانوية، و (حرم) بالنظر إلى العناوين الثانوية، بلا فارق. وكيف كان فالتحقيق: أن الشرط المخالف للكتاب هو المخالف للحكم الاقتضائي، ومنه الشرط في المقام حسب الارتكاز العرفي، فان كون الحكم اقتضائيا أو غير إقتضائي لما لم يكن طريق إليه شرعا تعين الرجوع إلى المرتكزات العقلائية، إذ لولا ذلك كان البيان المذكور خاليا عن الفائدة، إذ لا طريق إلى تشخيص الموضوع سواه. وبالجملة: مقتضي الاطلاق المقامي الرجوع إلى المرتكزات، كما أن مقتضاه الرجوع إليها في تشخيص مفاهيم موضوعات الاحكام الشرعية. نعم إذا توقف العرف في تشخيص الحكم الاقتضائي واللا اقتضائي تعين الرجوع إلى الاصل، وهو أصل عدم كون الشرط مخالفا، بناء على جريان الاصل في العدم الازلي بنحو مفاد ليس الناقصة، كما هو الظاهر. وتحقيق ذلك في مبحث الشروط


(* 1) الاعراف ب: 157. (* 2) البقرة: 275.

[ 276 ]

[ (مسألة 3): إذا أبرء المضمون له ذمة الضامن برئت ذمته وذمة المضمون عنه (1). وإن أبرأ ذمة المضمون عنه لم يؤثر شيئا (2)، فلا تبرء ذمة الضامن، لعدم المحل للابراء بعد برائته بالضمان، الا إذا استفيد منه الابراء من الدين الذي كان عليه، بحيث يفهم منه عرفا إبراء ذمة الضامن (3). وأما في الضمان بمعنى ضم ذمة إلى ذمة فان أبرء ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن أيضا، وان أبرء ذمة الضامن فلابترء ذمة المضمون عنه. كذا قالوا. ويمكن أن يقال: ببرائة ذمتهما على ] من كتاب المكاسب. فلاحظ. (1) أما برائة ذمته: فللابراء، وأما براءة ذمة المضمون عنه: فلانها كانت بريئة بالضمان قبل الابراء المذكور، ففائدته بالنسبة إلى المضمون عنه تكون من جهة استحقاق الضامن الرجوع عليه بالاداء، ولا أداء، فتكون ذمة المضمون عنه بريئة عن مال المضمون له وعن مال الضامن. (2) قال في الشرائع: " ولو أبرأ المضمون له المضمون عنه لم يبرأ الضامن على قول مشهور لنا " وفي المسالك: " فقول المصنف: (على قول مشهور لنا) يشعر بثبوت مخالف منا، لكن لم نقف عليه، وفي التذكرة: ادعى اجماع علمائنا على ذلك. ولعله أراد بذلك أنه لم يتحقق الاجماع وان لم نجد مخالفا، فان عدم الاطلاق على المخالف لا يوجب الاجماع " وكيف كان لا ينبغي الاشكال فيما ذكره المصنف، لما ذكره من التعليل. (3) كما أشار إلى ذلك في الجواهر. لكنه قال: " إلا أن ذلك لو سلم فهو خروج عما نحن فيه، ضرورة كون المراد من الحيثية المزبورة، لامن حيث دعوى دلالة العرف على إرادة براءة ذمة الضامن أيضا. مع أنها واضحة على مدعيها مع عدم القرائن ".

[ 277 ]

[ التقديرين (1). (مسألة 4): الضمان لازم من طرف الضامن والمضمون له (2)، فلا يجوز للضامن فسخه حتى لو كان باذن المضمون عنه وتبين اعساره (3). وكذا لا يجوز للمضمون له فسخه و؟ لرجوع على المضمون عنه (4)، لكن بشرط ملاءة الضامن حين الضمان أو علم المضمون له باعساره، بخلاف مالو كان معسرا حين الضمان وكان جاهلا باعساره، ففي هذه الصورة يجوز له الفسخ على المشهور (5)، بل الظاهر عدم الخلاف ] (1) بأن يفهم منه ارادة رفع اليد عن الدين المضمون، كما سبق في ابراء ذمة المضمون عنه على قول الاصحاب، بل هنا أولى. لكنه خروج عن موضوع البحث، كما تقدم من الجواهر في المسألة السابقة. أو يقال: بأن الابراء بمنزلة الاستيفاء، فكما ان استيفاء الدين من أحدهما يوجب براءة الآخر، كذلك إبراء أحدهما منه. وسيأتي التعرض لذلك في المسألة السادسة والعشرين. (2) بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر الاتفاق عليه، كما يظهرمن كلامهم في المسألة الآتية. وتقتضيه أصالة اللزوم. (3) كما يقتضيه إطلاق الفتاوى. وتقتضيه أصالة اللزوم. (4) بلا إشكال ولا خلاف، كما في الجواهر، لاصالة اللزوم. (5) بل لا خلاف فيه عندنا، كما في الجواهر، وعن ظاهر الغنية: الاجماع عليه، وعن السرائر: نسبته إلى أصحابنا. وفي جامع المقاصد: " ظاهرهم أن هذا الحكم موضع وفاق ". وعن الرياض: أنه لم نجد خلافا فيه.

[ 278 ]

[ فيه. ويستفاد من بعض الاخبار أيضا (1). والمدار - كما أشرنا إليه - في الاعسار واليسار على حال الضمان، فلو كان ] (1) يريد موثق الحسن بن الجهم: " سألت أبا الحسن (ع) عن رجل مات وله على دين وخلف ولدا رجالا ونساء وصبيانا، فجاء رجل منهم فقال: أنت في حل مما لابي عليك من حصتي " وأنت حل مما لاخوتي وأخواتي، وأنا ضامن لرضاهم عنك. قال: تكون في سعة من ذلك وحل. قلت: وإن لم يعطهم. قال: ذلك في عنقه. قلت: فان رجع الورثة علي فقالوا: أعطنا حقنا. فقال (ع): لهم ذلك في الحكم الظاهر، وأما بينك وبين الله تعالى فانت في حل منها إذا كان الرجل الذي أحلك يضمن رضاهم. قلت: فما تقول في الصبي، لامه ان تحلل؟ قال (ع) نعم إذا كان لها ما ترضيه وتعطيه. قلت: فان لن يكن لها مال؟ قال (ع)؟ فلا " (* 1). لكن مورده التحليل لا الضمان. ومفاده أن الملاءة شرط الصحة فيه، لاشرط اللزوم كما هو المدعى. وأن ذلك مختص بالصبي وأمه، دون البالغ وأخيه، فان اطلاق الصحة في الثاني يقتضي عدم الشرطية فيه، فيكون صدر الحديث دليلا على عدم الخيار. ولذلك قال في مفتاح الكرامة: " والشهرة تجبر السند والدلالة ". وفي الجواهر قال: " وما عساه يشعر به ذيل خبر ابن الجهم... " فلم يجعل الخبر دالا عليه. هذا مضافا إلى ما فيه من الاشكال من صحة التحليل بلا إذن الدائن، أو الضمان بلا إذن المضمون له. ولم يعرف خبر يدل على المشهور غير ما ذكر. نعم قيل: إن فتوى ابن ادريس به وذكر الشيخ له في النهاية يدل على أن به خبرا أو أخبارا. انتهى. ولعله اجتهاد منهما في دلالة خبر ابن الجهم. وفي الجواهر: استدل عليه بما دل على اشتراط


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب كتاب الضمان حديث: 1.

[ 279 ]

[ موسرا ثم أعسر لا يجوز له الفسخ (1). كما أنه لو كان معسرا ثم أيسر يبقى الخيار (2). والظاهر عدم الفرق في ثبوت ] الملاءة في المحال عليه، لان الحوالة أخت الضمان. لكن لم تثبت هذه الاخوة في المقام. (1) كما صرح به في التذكرة والقواعد والتحرير وغيرها، في مفتاح الكرامة: " طفحت به عبارتهم منطوقا ومفهوما ". وظاهر جامع المقاصد: أن ظاهرهم الاتفاق عليه. ويقتضيه أصالة اللزوم بعد اختصاص دليل الخيار في الصورة السابقة. ومثله ما إذا ضمن باستدعاء المضمون عنه بانيا على الرجوع إليه فتبين إعساره، فانه لاخيار للضامن، لاختصاص الدليل بالمضمون له. (2) وفي الجواهر: " قد يقوى عدم الخيار أيضا لو كان معسرا حال الضمان ولم يعلم به حتى تجدد يساره للاصل ". لكن الاصل يقتضي بقاء الخيار لاعدمه. إلا أن يقال: أصالة اللزوم تقتضي عدم الخيار، ولم يثبت لها مخصص، لما عرفت من إجمال دليل التخصيص، والمتيقن منه غير هذه الصورة. نعم إطلاق كلمات الاصحاب يقتضي عدم الفرق بين زوال الاعسار وبقائه. اللهم الا أن يكون تعليلهم الحكم بالارفاق يقتضي الاختصاص بغير من تجدد يساره. ولكنه يعم من علم باعساره حال الضمان أيضا. اللهم إلا أن يكون عدم الفسخ مع العلم بالاعسار موجبا لسقوط الخيار وإن لم يتجدد اليسار لانه فوري، وحينئذ يتعين تخصيص الاستثناء بصورة عدم العلم بالاعسار، كما ذكر في الجواهر. لكن الظاهر أن التعليل بالارفاق من باب بيان الحكمة لا العلة، والا لم يكن وجه للاقتصار في الخيار على الصورة المذكورة. وحينئذ يكون اطلاق كلماتهم بلا مقيد.

[ 280 ]

[ الخيار مع الجهل بالاعسار بين كون المضمون عنه ايضا معسرا أولا (1). وهل يلحق بالاعسار تبين كونه مماطلا مع يساره في ثبوت الخيار أولا؟ وجهان (2). (مسألة 5): يجوز اشتراط الخيار في الضمان للضامن والمضمون له (3). ] (1) كما في الجواهر. لاطلاق الفتاوى. (2) من ظهور اتفاقهم على اختصاص الخيار بصورة الاعسار مع الجهل به، ومن قاعدة نفي الضرر. ولذا ذكر في الجواهر: أن اطلاق الفتاوى يقتضي عدم الخيار مع الملاءة وان لم يكن وفيا. بل ظاهرهم عدم ثبوته بغير ذلك من وجوه الضرر أو تعسر الاستيفاء. ولكنه لا يخلو من نظر. لكن العمل بقاعدة نفي الضرر لاثبات الخيار ليس بناء الاصحاب عليه في البيع، وليس من أنواع الخيار خيار المماطلة للبائع أو المشتري. وكأنه لعدم الضرر فيها، وانما فيها تحديد سلطنة المالك عن ملكه وحبسه عنه. ولذلك قال في المسالك: " وكما لا يقدح تجدد إعساره المانع من الاستيفاء كذا لا يقدح تعذر الاستيفاء منه بوجه آخر، فلا يرجع على المضمون عنه متى لزم الضمان ". هذا مع عدم امكان الاجبار، والا فلا مجال للقول بالخيار. (3) وهو الاصح كما في جامع المقاصد، وحكاه عن صريح بيع التذكرة وظاهر بيع القواعد والمعتبر وغيرها. لكن في القواعد في كتاب الضمان ذكر أن شرط الخيار في الضمان مفسد، وفي التذكرة: " لو شرط الضامن الخيار لنفسه كان باطلا، لانه ينافي مقتضي الضمان، فان الضامن على يقين من الغرر "، - وهو كما ترى - غير ظاهر. والذي ينبغي ابتناء الجواز وعدمه على كون اللزوم في المقام من

[ 281 ]

[ لعموم أدلة الشروط. والظاهر جواز اشتراط شئ لكل منهما (1)، كما إذا قال الضامن: " أنا ضامن بشرط أن تخيط ] الحقوق أو من الاحكام، فعلى الاول يجوز الشرط، وعلى الثاني لا يجوز، لانه مخالف للكتاب. والمرتكزات العرفية تقتضي الاول، وهو ظاهر المانعين، فان العلامة في التذكرة علل المنع بما عرفت، لا بكون اللزوم حكميا، وصرح بجواز شرط الخيار للمضمون له، لان له الخيار في الابراء والمطالبة، ولو كان اللزوم عنده حكميا لم يجز شرط الخيار حتى للمضمون له. وعلى ذلك يبتني جواز التقايل لاختصاص الاقالة بما يكون الفسخ فيه من حقوق الطرفين، ولا تكون فيما لا يكون الفسخ كذلك، لان أدلة الاقالة العامة ليس واردة في مقام اثبات قابلية المحل، وإنما هي واردة في مقام تشريعها على تقدير القابلية، فالقابلية تحرز من الخارج، والاطلاق المقامي يقتضي الرجوع إلى العرف في احراز القابلية، والارتكاز العرفي يقتضي ثبوت القابلية فيما كان الفسخ من الحقوق الراجعة إلى طرفي المعاقدة. والظاهر اطراد ذلك في عامة العقود المتعلقة بالنفس أو المال، فان ايقاعها من حقوق الطرفين وفسخها كذلك، ما لم يقم دليل على الخلاف. كالنكاح والوقف، لما دل على لزومهما وعدم تمكن المتعاقدين من فسخهما. فما لم يقم ذلك الدليل فالارتكاز العرفي يقتضي جواز الاقالة، لتعلق العقد بحقوق الطرفين وشؤونهما، وكما أن لهما إيقاعه لهما فسخه، ولاجل ذلك يصح شرط الخيار فيه. والضمان من قبيل ذلك، لما عرفت من أن لزومه مأخوذ من اصالة اللزوم الذي هو من حقوق المتعاقدين، ولا دليل على لزومه حكما كالنكاح. (1) كما يقتضيه عموم أدلة الشروط الذي كان بناؤهم على العمل به

[ 282 ]

[ لي ئوبا "، أو قال المضمون له: " أقبل الضمان بشرط أن تعمل لي كذا ". ومع التخلف يثبت للشارط خيار تخلف الشرط (1). (مسألة 6): إذا تبين كون الضامن مملوكا وضمن من غير إذن مولاه، أو باذنه وقلنا إنه يتبع بما ضمن بعد العتق، لا يبعد ثبوت الخيار للمضمون له (2). (مسألة 7): يجوز ضمان الدين الحال حالا، ومؤجلا (3) ] في الضمان بشرط التأجيل أو الحلول، وبشرط أن يكون الضمان من مال معين وغير ذلك. لكن في التذكرة: " لو ضمن رجل عن غيره ألفا وشرط المضمون له أن يدفع إليه الضامن أو المضمون عنه كل شهر درهما لا يحسبه من مال الضمان بطل الشرط إجماعا "، والظاهر أن دعوى الاجماع المذكورة مبنية على كونه من الربا المحرم بالاجماع، وإلا فلم أقف عن من تعرض لهذا الشرط ولحكمه، فضلا عن كونه معقد إجماع. وليس هو من الربا في البيع، ولا في القرض. ثم إنه إذا تم ذلك في الشرط للمضمون له لايتم في الشرط للضامن، لان الشرط الموجب للربا ما يرجع إلى الدائن، دون ما يرجع إلى المديون. (1) لانه مقتضى الشرط عرفا، فكأن المشترط اشترط الشرط، واشترط الخيار عن تقدير تخلف الشرط، وقد عرفت أن عقد الضمان يقبل الخيار بالشرط. (2) لان ذلك نوع من الاعسار الموجب للخيار. (3) أما مؤجلا: فقد حكى الاجماع عليه في الشرائع، قال: " والضمان المؤجل جائز إجماعا ". وفي المسالك: أنه موضع وفاق.

[ 283 ]

[ وكذا ضمان المؤجل حالا، ومؤجلا (1) بمثل ذلك الاجل، أو أزيد، أو أنقص. والقول بعدم صحة الضمان ألا مؤجلا (2) وانه يعتبر فيه الاجل كالسلم، ضعيف (3)، كالقول بعدم صحة ضمان الدين المؤجل حالا (4)، ] ونحوهما ما عن التنقيح وايضاح النافع وجامع المقاصد والمفاتيح. وعن الكفايه:، لا أعرف فيه خلافا ". ويقتضيه عموم الادلة. قال في المسالك: " وليس هذا تعليقا للضمان على الاجل، بل تأجيل للدين الحال في عقد لازم فيلزم ". وأما حالا: فسيأتي نقل الخلاف فيه من الشيخ. (1) أما ضمان المؤجل حالا، فهو مقتضى عموم الصحة في الضمان وفي شرط الحلول، وفي الشرائع - بعد أن ذكر ما سبق - قال: " وفي الحال تردد أظهره الجواز " وسيأتي فيه نقل خلاف الشيخ والفخر أيضا. وأما ضمان المؤجل مؤجلا: فلا اشكال فيه إذا كان أجل الضمان أبعد. وأما إذا كان مساويا فيأتي فيه الخلاف المحكي عن الشيخ. وإذا كان أجل الضمان أقل فيأتي فيه خلاف الشيخ والفخر أيضا. لكن عموم الصحة يقتضي صحته من دون مخصص كما يأتي. (2) حكى في المختلف عن الشيخ في النهاية أنه قال: " ولا يصح ضمان مال ولا نفس الا بأجل معلوم " ونسب في المختلف ذلك إلى المقنعة والى ابن البراج في الكامل وابن حمزة. قال في مفتاح الكرامة: " لم أجد ذلك في المقنعة ". وفي السرائر: حمل كلام النهاية على انه إذا اتفقا على كون الضمان بأجل فلابد من تعيينه، وجعله حق اليقين. لكنه خلاف ظاهر العبارة، كما فهمه الاصحاب. (3) لمخالفته للعمومات المقتضية للصحة. (4) في جامع المقاصد في شرح قول مصنفه: " والاقرب جواز

[ 284 ]

العكس " - يعني: جواز ضمان المؤجل حالا - قال: " وجه الاقرب: أن الاداء معجلا جائز، فكذا الضمان، لانه كالاداء. وقال الشيخ: إنه لا يصح، لان الفرع لا يكون أقوى من الاصل. وفي هذا التوجيه ضعف. ولان الضمان نقل المال على ما هو به، ولا يرد تأجيل الحال، لان ذلك شرط زائد يستقل صاحب الحق باثباته في العقد اللازم، بخلاف الاجل الذي هو مشترك بين المضمون له والمضمون عنه. ولان الحلول زيادة في الحق، ولهذا يختلف الاثمان به، وهذه الزيادة غير واجبه على المديون ولا ثابتة في ذمته، فيكون ضمان ما لم يجب، فلا يصح عندنا. وهذا التوجيه الاخير ذكره الشيخ فخر الدين ولد المصنف، وحسنه في المختلف. وهو المختار ". وقد أشار بذلك إلى ما ذكره العلامة في المختلف قال: " إذا ضمن المؤجل حالا قال في المبسوط: الاقوى أنه لا يصح، لانه لا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الاصل. والوجه عندي الصحة، ولا نسلم تحقق القوة هنا، فانه كما يجوز للمضمون عنه دفع المال معجلا كذا يجوز الضمان معجلا، فان الضمان كالقضاء... (إلى أن قال): وقد استخرج ولدي العزيز محمد - جعلت فداه - وجها حسنا يقوي قول الشيخ، وهو أن الحلول زيادة في الحق ولهذا تختلف الاثمان به، وهذه الزيادة غير واجبة على المديون، ولا ثابتة في ذمته، فيكون ضمان ما لم يجب، فلا يصح عندنا ". وقد تضمن كلامهما هذا وجوها من الاشكال. منها: أن الفرع لا يكون أقوى من الاصل. ومنها: أن الضمان نقل المال على ما هو به. ومنها: أن الحلول زياد غير ثابتة في ذمة المديون فيكون ضمانها ضمان ما لم يجب لكن الجميع كما ترى، بل ما كان يؤمل من مقامه الرفيع في التحقيق والاتقان الاعتماد على مثل هذه الوجوه الضعيفة إذ لا دليل على

[ 285 ]

القاعدة الاولى على نحو تمنع من الصحة في المقام. والضمان في المقام لنفس الدين على ما هو عليه، والاجل ليس مضمونا، وإنما هو ظرف أداء المضمون. ومن ذلك يظهر ضعف الوجه الاخير. والذي يظهر من عبارة المختلف اختيار الصحة. كما هو المشهور. والاستحسان منه إنما كان للوجه لا للفتوى بالمنع. ولعل فخر المحققين كذلك. والذي يتحصل مما ذكر: أن الدين المضمون تارة: يكون حالا، وأخرى: مؤجلا، وكل منهما إما يضمن حالا، أو مؤجلا، فهذه أربعة صور، والصورة الرابعة - وهي ضمان المؤجل مؤجلا - تارة: يكون الاجل فيها مساويا لاجل الدين، وأخرى: يكون أقل، وثالثة: يكون أكثر. فهذه ست صور. وفي كل منها إما أن يكون الضمان بسؤال المضمون عنه، أو تبرعا من الضامن. فهذه اثنتا عشره صورة. والاشكال والخلاف يكون في صورة ضمان المؤجل حالا كما عن الشيخ في المبسوط، واختاره في جامع المقاصد، وتردد فيه في الشرائع في آخر كتاب الضمان، وإن جزم بالصحة في أوائل الكتاب، وصورة ضمان الحال حالا، كما تقدم عن الشيخ في النهاية، ونسب إلى المقنعة وغيرها، كما عرفت، خلافا للشيخ في المبسوط فاختار الجواز. وصورة ضمان المؤجل بأجل أقل. وفي المختلف نسب إلى الشيخ الاجماع، للمنع من الضمان الحال - الذي تقدمت حكايته عن النهاية - بأن الضمان شرع للارفاق بالمضمون عنه، فإذا كان الضمان حالا ورجع الضامن على المضمون عنه لم يكن إرفاق به. وفيه: أنه لو تم أنه إرفاق فهو بملاحظة افراغ ذمته بالضمان، وهو حاصل في الحال. مع أنه عليه يختص المنع بصورة ما إذا كان الضمان موجبا للرجوع على المضمون عنه لكونه بسؤاله، أما إذا لم يكن كذلك - بأن كان تبرعا - فلا إشكال في الجواز.

[ 286 ]

[ أو بأنقص. ودعوى: أنه من ضمان ما لم يجب، كما ترى (1)، (مسألة 8): إذا ضمن الدين الحال مؤجلا باذن المضمون عنه فالاجل للضمان لا للدين (2)، فلو أسقط الضامن أجله وأدى الدين قبل الاجل يجوز له الرجوع على المضمون عنه (3)، لان الذي عليه كان حالا (4) ولم يصر مؤجلا بتأجيل الضمان. وكذا إذا مات قبل انقضاء أجله وحل ] (1) إذ الضمان الدين، وهو ثابت في الذمة لا للاجل، فان الاجل للوفاء بما في الذمة، لا أنه مضمون بنفسه. (2) وفي الجواهر: أنه لا يخلو من قوة. والمراد به أنه أجل لجواز مطالبة الضامن، فلا تجوز مطالبته قبله، فان ذلك مقتضى الشرط النافذ الصحيح، وهو لا يرتبط بالدين الذي كان في ذمة المضمون عنه، فانه لم يكن مؤجلا قبل الضمان، والضمان لا يقتضي تأجيله، لان الشرط لم يكن متعلقا به، وانما كان متعلقا بالضامن. (3) كما صرح به في جامع المقاصد والسمالك والحدائق والجواهر. وعن المبسوط والتحرير والتذكرة: التنبيه عليه. (4) لا يخفى أن الدين الذي عليه كان للمضمون عنه، وقد فرغت ذمته منه حالا كان أو مؤجلا، وليس للضامن على شئ سابقا، وانما حدث الدفع الضامن إلى المضمون له، فليس هناك دين حال كي يعلل به الحكم. وكان اللازم تعليله باطلاق مادل على جواز رجوع الضامن على المضمون عنه بما دفعه المقتضي للحول. لكن ذلك إذا أذن في الضمان عنه مطلقا. أما إذا أذن بشرط الاجل ففي جواز الرجوع قبل الاجل إشكال، إذ قد يرجع ذلك إلى اشتراط الاجل في الرجوع إليه، فلا يجوز الرجوع إليه قبله.

[ 287 ]

[ ما عليه وأخذ من تركته يجوز لو ارثه الرجوع على المضمون عنه (1). واحتمال صيرورة أصل الدين مؤجلا حتى بالنسبة إلى المضمون عنه ضعيف. (مسألة 9): إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن كذلك، فمات وحل ما عليه وأخذ من تركته ليس لوارثه الرجوع على المضمون عنه إلا بعد حلول أجل أصل الدين (2) لان الحلول على الضامن بموته لا يستلزم الحلول على المضمون عنه. وكذا لو أسقط أجله وأدى الدين قبل الاجل لا يجوز له الرجوع على المضمون عنه إلا بعد انقضاء الاجل. ] (1) كما صرح بذلك في جامع المقاصد والمسالك والحدائق والجواهر وعن المبسوط والتحرير والتذكرة: التنبيه عليه. لما ذكر فيما قبله. ويشكل أيضا إطلاقه بما سبق فيما قبله. (2) قال في القواعد: " ولو ضمن الحال مؤجلا تأجل، وليس للضامن مطالبة المديون قبل الاداء. وإذا مات حل، ولورثته مطالبة المضمون عنه قبل الاجل. ولو كان الاصل مؤجلا لم يكن لهم ". وذكره في الجواهر من دون نقل خلاف. وكذا في مفتاح الكرامة حاكيا له عن صريح المبسوط والتذكرة والتحرير، معللا له بما في المتن. وتبعه في الجواهر. لكن قد عرفت أن الدين الاصلي قد فرغت منه ذمة المضمون عنه فلا يتصف بالحلول أو التأجيل. وإطلاق مادل على رجوع الضامن على المضمون عنه بما أداه يقتضي جواز الرجوع في المقام بعد الاداء من دون مقيد يقتضي تأجيل الرجوع. ومجرد كون الدين الذي كان على المضمون عنه مؤجلا لا يقتضي التأجيل للديل الجديد. نعم إذا كان إذن

[ 288 ]

[ (مسألة 10): إذا ضمن الدين المؤجل حالا باذن المضمون عنه (1)، ] المضمون عنه مقيدا بالمؤجل، بحيث يفهم منه اشتراط عدم الرجوع إليه قبل الاجل، كان الشرط المذكور مانعا من الرجوع على المضمون عنه، وهو أمر آخر غير كون الدين مؤجلا في نفسه. وبالجملة: تعليل جواز الرجوع على المضمون عنه حالا ومؤجلا بكون الدين الذي كان عليه حالا أو مؤجلا، غير ظاهر، لعدم دخل ذلك به، وانما الدخيل فيه الاذن مطلقا أو مشروطا بعدم الرجوع حالا. (1) إذا ضمن المؤجل حالا صار الدين حالا بالنسبة إلى الضامن، فيجب عليه الاداء حالا. وهل يكون حالا بالنسبة إلى المضمون عنه، بحيث يكون للضامن الرجوع على بمجرد الاداء قبل الاجل؟ فيه أقوال: الاول: عدمه مطلقا. قال في التذكرة: " على قولنا إنه يصح ضمان المؤجل حالا، إذا أدى الضامن المال إلى صاحبه لم يكن له مطالبة المضمون عنه إلا عند الاجل إن أذن له في مطلق الضمان. ولو أذن له في الضمان عنه معجلا، ففي حلوله على إشكال، أقربه عدم الحلول أيضا ". وفي مفتاح الكرامة: نسب ذلك إلى المختلف والسمالك والروضة وظاهر التحرير ومجمع البرهان. الثاني: أنه يجوز الرجوع إلى المضمون عنه بسؤاله مطلقا. حكاه في مفتاح الكرامة عن صريح التنقيح. ولعله ظاهر القواعد، حيث قال: " فيحل مع السؤال على إشكال ". الثالث: أنه يصير حالا مع التصريح بالاذن حالا، لامع الاطلاق. حكاه في مفتاح الكرامة عن ظاهر المفاتيح. الرابع: أنه مع التصريح بالسؤال حالا يرجع عليه حالا، وأما مع الاطلاق فمحل إشكال. وحكاه في مفتاح الكرامة عن الايضاح. قال في جامع المقاصد: " وأعلم أن الشارح ولد المصنف قال: إن موضع

[ 289 ]

[ فان فهم من إذنه رضاه بالرجوع عليه يجوز للضامن ذلك، وإلا فلا يجوز إلا بعد انقضاء الاجل. والاذن في الضمان أعم من كونه حالا. (مسألة 11): إذا ضمن الدين المؤجل بأقل من أجله وأداه (1)، ليس له الرجوع على المضمون عنه الا بعد انقضاء ] الاشكال ما إذا أذن في الضمان وأطلق، أما إذا أذن فيه حالا فلا إشكال في الحلول. وليس بشئ، بل قد يقال: إنه مع الاطلاق لا إشكال في عدم الحلول ". ومن ذلك يظهر قول خامس، وهو ما ذكره في جامع المقاصد. والاقرب هو الثاني، لاطلاق مادل على رجوع الضامن على المضمون عنه عند أداء مال الضمان من دون مقيد ظاهر. والاذن في الضمان وإن كانت أعم من كونه حالا، لكن الاطلاق المتقدم كاف في جواز الرجوع، ومن ذلك يظهر ضعف الثالث، الذي جعله في الجواهر الاقوى، لعدم اقتضاء الاطلاق الاذن في التعجيل، فيكون كالمتبرع. إذ التعجيل في الرجوع لا يحتاج إلى الاذن، بل يكفي فيه اطلاق الدليل الدال عليه. والذي اختاره المصنف هو المنع من الرجوع على المضمون عنه مطلقا، إلا أن يفهم من اذنه رضاه بالرجوع عليه. ولعله راجع إلى القول الاول، أو هو قول سادس والذي يتقضيه إطلاق أدلة الرجوع على المضمون عنه هو القول الثاني. إلا أن يفهم من الاذن بالضمان المؤجل اشتراط عدم الرجوع عليه قبل الاجل، فيجب العمل بالشرط. ولعله يكون قولا سابعا. ومنه يظهر ضعف بقية الاقوال، فان المنع من الرجوع قبل الاجل مطلقا - كما هو القول الاول - أو في بعض الصور - كما في الاقوال الاخر - خلاف إطلاق مادل على الرجوع على المضمون عنه إذا كان بسؤاله، كما يأتي. (1) الذي يظهر من الجواهر أن هذه المسألة نظير المسألة السابقة،

[ 290 ]

[ أجله. وإذا ضمنه بأزيد من أجله فأسقط الزائد وأداه جاز له الرجوع عليه، على ما مر (1) من أن أجل الضمان لا يوجب صيرورة أصل الدين مؤجلا. وكذا إذا مات بعد انقضاء أجل الدين قبل انقضاء الزائد فاخذ من تركته، فانه يرجع على المضمون عنه. (مسألة 12): إذا ضمن بغير إذن المضمون عنه برئت ذمته، ولم يكن له الرجوع عليه (2) وإن كان أداؤه باذنه أو أمره (3). الا أن يأذن له (4) ] يأتي فيها الاقوال كلها. لوجود مأخذ الاقوال المذكورة فيها بعينها. (1) ومر الكلام فيه في المسألة الثامنة، وأنه وان لم يوجب أجل الدين لكنه قد يوجب اشتراط عدم الرجوع قبل أجل الضمان. (2) قال في الشرائع: " ويرجع الضامن على المضمون عنه بما أداه إن ضمن باذنه ولو أدى بغير اذنه، ولا يرجع إذا ضمن بغير إذنه ولو أدى باذنه " وفي المسالك بعد أن ذكر أن العبارة تتضمن أحكاما أربعة: اثنين بالمنطوق واثنين بالمفهوم، قال: " وحكم الاربعة كما ذكر عند علمائنا أجمع " وفي جامع المقاصد: " والحكم عدم الرجوع فيهما عند علمائنا ذكره في التذكرة ". وفي الجواهر: " الاجماع بقسميه عليه " ونحو ذلك كلام غيرهم. ويكفي في إثباته أصالة البراءة لولا ما يقتضيه إطلاق الاخبار الآتية في المسألة الآتية، لشمولها لما نحن فيه. فالعمدة إذا الاجماع. (3) كما صرح به في معقد اجماع المسالك وجامع المقاصد وغيرهما، إذ الاذن في أداء ما وجب أو الامر به ليس من أسباب الضمان. (4) كما مال إليه في الجواهر، وجعله نظير ما إذا قال، لاجنبي:

[ 291 ]

[ في الاداء عنه (1) تبرعا منه في وفاء دينه، كأن يقول: " أد ما ضمنت عني وارجع به علي " على إشكال في هذه الصورة أيضا (2)، ] إذ عن الضامن المتبرع وارجع به علي، فإذا أدى بعنوان امتثال أمر المضمون عنه اتجه الرجوع عليه. (1) يعني: عن الآذن. (2) حكاه في الجواهر عن بعض الناس، معللا له بما ذكر في المتن، ثم قال: " لا يخلو من نظر أو منع بعد ما عرفت ". والمراد مما عرفت قاعدة الاحترام، فانه وإن لم يكن دليل على قاعدة الاحترام كلية، لكن المتيقن منها صورة استيفاء عمل الغير. وهو على قسمين: الاول: أن يكون الاستيفاء بالامر على وجه الضمان، كما في المثال الذي ذكره. والظاهر أنه لا إشكال في الضمان، فان الامر به على وجه الضمان من المعاملات العرفية الممضاة من الشارع المقدس، بشهادة استقرار سيرة المتشرعة عليها. فهي نظير القرض الذي هو تملك للعين على وجه الضمان بالمثل في المثليات وبالقيمة في القيميات، فإذا قال له: " أقرضني درهما " أو " أقرضني ثوبا " كان ضامنا لدرهم في الاول ولقيمة الثوب في الثاني، لان معنى: " أقرضني ": ملكني على وجه الضمان. كذلك الامر في المقام، فإذا قال: " ادفع عني لزيد درهما وعلي ضمانه " أو " خط ثوب زيد وعلي ضمانه " كان ضامنا في الاول لدرهم وفي الثاني قيمة الخياطة، فهي معاملة جرت عليها سيرة العرف والمتشرعة، أشبه ما يكون بالجعالة، فتكون صحيحة، وتستوجب الضمان. وتوهم: أنها وعد لا يجب الوفاء به. غريب، لاختصاصه بالوعد بالاحسان المجاني، ولا ينطبق على الاحسان المعاوضي.

[ 292 ]

الثاني: مالا يكون الامر على وجه الضمان، كما إذا قال للحلاق: " احلق رأسي " فحلق رأسه، وكان كل من الآمر والمأمور غافلا عن الضمان، فانه يكون الآمر ضامنا للاجرة ما لم يقصد المأمور المجانية. والضمان في المقام لا يكون مستندا إلى معاملة، لعدم قصد العوض منهما. والمعروف عندهم الضمان أيضا، اعتمادا على قاعدة احترام مال المسلم كدمه، فان استيفاءه بلا عوض ظلم وعدوان. فإذا مان المناط في الضمان في القسمين أمرا واحدا، تعين أن يكون سبب الضمان في القسم الاول هو الاستيفاء أيضا، لا المعاملة، ويكون الضمان في المقامين لقاعدة الاحترام. وإذا كان سبب الضمان فيهما مختلفا كان الضمان في القسم الاول مقتضي المعاملة، وفي الثاني لقاعدة الاحترام. والذي يظهر من الجواهر وغيرها: أن المناط في الضمان في القسمين واحد، ولذلك جعل الضمان في المثال المذكور في الجواهر هو قاعدة الاحترام. وهو محتمل، بل في كتاب الاجارة جزمنا به. ولكن الاظهر خلافه. هذا كله إذا كان الامر بالفعل على أن يكون للآمر، وأما إذا كان للفاعل كما إذا قال له: " أد دينك، وانفق على زوجتك، وأحسن إلى من أساء اليك " ففعل المأمور لم يكن الآمر ضامنا، لعدم الدليل عليه، بل هو على خلافه. ضرورة أن الامر بالمعروف واجبا كان أو مستحبا لا يوجب ضمان الآمر حسب ما تقتضيه السيرة القطعية. هذا إذا كان خاليا عن التعويض. أما إذا كان مشتملا عليه - كما إذا قال لاخيه: صل اليومية ولك علي أن أعطيك كل يوم درهما " - فالظاهر أنه كذلك، فلا يجب عليه دفع العوض - أعني: الدرهم في المثال - لانه وعد وإحسان مجاني، فلا يجب الوفاء فيه. والذي يتحصل: أن استيفاء عمل الغير على أربعة أقسام، لان الفعل

[ 293 ]

[ من حيث أن مرجعه حينئذ إلى الوعد الذي لا يلزم الوفاء به وإذا ضمن باذنه فله الرجوع عليه بعد الاداء وان لم يكن باذنه (1)، لانه بمجرد الاذن في الضمان اشتغلت ذمته من غير توقف على شئ. نعم لو أذن له في الضمان تبرعا فضمن ليس له الرجوع عليه، لان الاذن على هذا الوجه كلا إذن. (مسألة 13): ليس للضامن الرجوع على المضمون ] المأمور به تارة: يكون للآمر، وأخرى: يكون للمأمور. وإذا كان للآمر فهو مضمون، سواء قصد الآمر والمأمور المضان ليكون نوعا من المعاملة، أم لم يقصدا. وإذا كان للمأمور فلاضمان على الآمر، سواء قصدا الضمان أم لم يقصدا. ومن ذلك يتوجه الاشكال على الجواهر، حيث جعل الضمان في القسم المعاملي، لقاعدة الاحترام. كما يتوجه على المصنف حيث ذكر الاشكال عليه من بعضهم بأنه وعد، وسكت عنه، مع أن الوعد يختص بالاحسان المجاني، ولا مجانية في الفرض، لان الآمر أمر بالتبرع عن نفسه. نعم إذا أمره بالوفاء عن نفسه - يعني: المأمور - فقال: " أد دينك ولا تعص ربك وعلى عوضه "، كان من الاحسان المجاني، فيكون وعدا لا يجب الوفاء به. (1) اجماعا حكاه جماعة كثرة، كما سبق. وفي الجواهر: " الاجماع بقسميه عليه ". ويشهد له ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحسين بن خالد. قال: " قلت لابي الحسن (ع): جعلت فداك قول الناس: الضامن غارم. قال: فقال: ليس على الضامن غرم. الغرم على من أكل المال " (* 1) واطلاقه يشمل صورة الضمان بغير إذن. لكنه مقيد بغير ذلك بالاجماع. ويعضده الاخبار الآتية في المسألة الآتية. ولعله إلى ذلك أشار في السرائر بقوله: " وردت به الاخبار عن الائمة الاطهار ".


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب كتاب الضمان حديث: 1.

[ 294 ]

[ عنه في صورة الاذن الا بعد أداء مال الضمان، على المشهور بل الظاهر عدم الخلاف فيه (1). وانما يرجع عليه بمقدار ما أدى، فليس له المطالبة قبله. إما لان ذمة الضامن وان اشتغلت حين الضمان بمجرده إلا أن ذمة المضمون عنه لا تشتغل الا بعد الاداء وبمقداره. وإما لانها تشتغل حين الضمان، لكن بشرط الاداء، فالاداء على هذا كاشف عن الاشتغال من حينه (2)، وإما لانها وإن اشتغلت بمجرد الضمان إلا أن جواز المطالبة مشروط بالاداء. وظاهرهم هو الوجه الاول (3). وعلى أي حال لا خلاف في أصل الحكم، وإن ] (1) قد أخذ الاداء موضوعا للرجوع في معاقد الاجماعات. قال في الشرائع: " ويرجع الضامن على المضمون عنه بما أداه إن ضمن باذنه " ونحوه عبارات غيره. وظاهر الجميع: أن الرجوع بعد الاداء. وفي جامع المقاصد: أن الضامن إنما يرجع بعد الاداء، فلا يرجع بما لم يؤده، ويظهر التسالم عليه. (2) ويحتمل أن يكون اشتغال الذمة حاصلا بمجرد الضمان لكنه متزلزل فيستقر بالاداء، وإذا لم يحصل الاداء بطل الاشتغال وانفسخ. احتمله في الجواهر أيضا. وأما الاحتمال الثالث المذكور في المتن فالظاهر منه حصول الاشتغال بمجرد الضمان وبقاؤه وإن لم يحصل الاداء أبدا. فتكون الاحتمالات أربعة. (3) قال في المسالك: " قد عرفت أن الضامن لا يستحق عند المضمون عنه شيثا إلى أن يؤدي مال الضمان ". وفي الجواهر نسب الوجه المذكور إلى المسالك وغيرها، ثم قال: " ولعله الاقوى ". لكن في

[ 295 ]

[ كان مقتضى القاعدة جواز المطالبة واشتغال ذمته من حين الضمان في قبال اشتغال ذمة الضامن (1)، ] الشرائع: " إذا ضمن عنه دينارا باذنه فدفعه إلى الضامن فقد قضى ما عليه ". وظاهره اشتغال الذمة بمجرد الضمان بالاذن. ولكن حمله في المسالك على خلاف ظاهره، ويظهر منه عدم احتمال ذلك. (1) يعني: لما كان اشتغال ذمة الضامن بالضمان كان بأمر المضمون عنه، وكان ذلك ضررا على الضامن، كان مضمونا على المضمون عنه. وعلله في الجواهر: بأن الضمان نوع أداء، والفرض حصوله باذنه، فيقتضي شغل ذمة المضمون عنه، فيصح حينئذ الدفع له وفاء، كما يصح للضامن إبراء ذمة المضمون عنه قبل الاداء. انتهى. لكنه أشكل عليه: بأنه لم يثبت كون الضمان أداء بالنسبة إلى ذلك، وإن كان هو كالاداء بالنسبة إلى إبراء ذمة المضمون عنه، فلا سبب حينئذ لشغل ذمة المضمون عنه إلا الاداء المأذون فيه بالاذن بالضمان، لقاعدة احترام مال المسلم. انتهى. وكل من التعليل وإشكاله مبني على كون سبب ضمان المضمون عنه للضامن هو أداؤه، فالتعليل مبني على أن الضمان أداء، والاشكال راجع إلى نفي ذلك. وفيه: أنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك، بل من الجائز أن يكون السبب هو الضمان الايقاعي باذن المضمون عنه، لانه المأذون فيه والمأمور به، وبه يكون خلاص المضمون عنه من الدين الذي عليه للمضمون له، والاداء لا يتعلق به بوجه، وإنما يتعلق بالضامن وبه افراغ ذمته. وفي حاشية بعض الاعاظم: ان القاعدة تقتضي ذلك، من جهة أن اشتغال ذمة المضمون عنه إنما يكون باستيفائه لمال الضامن، وهو إنما يحصل بالاداء، وقبله لا استيفاء. انتهى. والاشكال فيه ظاهر مما عرفت فان أداء الضامن للمال لا يرتبط بالمضمون عنه بوجه، وإنما يرتبط بالضمان وبه

[ 296 ]

[ سواء أدى أو لم يؤد. فالحكم المذكور على خلاف القاعدة، ] فراغ ذمته. أما ما يرتبط بالمضمون عنه ويكون به فراغ ذمته من ثقل الدين فهو ضمان الضامن، وهو الذي أذن له فيه وأمره به، وبنفس الضمان تكون الخسارة الماليه على الضامن، وهي بأمر المضمون عنه، فيكون ضامنا لها. قال في التذكرة: " وإن لم يكن (يعني: الضامن) متبرعا بالضمان وضمن بسؤال المضمون عنه، فهل يثبت للضامن حق عليه ويوجب علقة بينهما؟ للشافعية وجهان: أحدهما: أنه يثبت، لانه اشتغلت ذمته بالحق كملا لما ضمن، فليثبت له عوضه على الاصيل. والثاني: لا يثبت لانه لا يفوت عليه قبل الغرم شئ، فلا يثبت له شئ إلا بالغرم. إذا عرفت هذا فان كان المضمون له يطالب الضامن باداء المال فهل للضامن مطالبة الاصيل بتخليصه؟ قال أكثر الشافعية: نعم، كما أنه يغرم إذا غرم. وقال القفال: لا يملك مطالبته به. وهو الاقوى عندي إذ الضامن انما يرجع بما أدى فقبل الاداء لا يستحق الرجوع، فلا يستحق المطالبة... ". ومن أمعن النظر في الوجهين الذين ذكرهما الشافعية يتضح له أن الاوجه أولهما، وأن العلامة إنما رجح ثانيهما لعدم وجوب شئ على المضمون عنه إلا ما أداه الضامن حسب مادل عليه الدليل بالخصوص، فكأنه لاجله لزم رفع اليد عن القاعدة المقتضية لجواز الرجوع من أول الامر. لكن الاجماع على عدم جواز رجوع الضامن إلا بما أداه، وكذا النص لم يدلا على نفي استحقاق الضامن بمجرد ضمانه، فان الاجماع دل على عدم جواز المطالبة قبل الاداء، وقد عرفت عبارة الشرائع الظاهرة في ثبوت الاستحقاق على المضمون عنه بمجرد ضمان الضامن. وأما الخبر فسيأتي بيانه.

[ 297 ]

[ ثبت بالاجماع، وخصوص الخبر (1): عن رجل ضمن ضمانا ثم صالح عليه، قال: ليس له إلا الذي صالح عليه. بدعوى الاستفادة منه أن ليس للضامن الا ما خسر. ويتفرع على ما ذكروه (2): أن المضمون له لو أبرء ذمة الضامن عن تمام الدين ليس له الرجوع على المضمون عنه أصلا، وإن أبرأه ] (1) وهو موثق عمر بن يزيد، قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل ضمن عن رجل ضمانا ثم صالح عليه قال (ع): ليس له الا الذي صالح عليه " (* 1). ونحوه موثق عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (ع) (* 2). وهذا الخبر لا يدل على عدم اشتغال الذمة حين الضمان، وانما يدل على عدم اشتغال الذمة بما لم يؤد أو ما لم يصالح عليه وكذلك خبر الحسين بن خالد المتقدم (* 3) يدل على أن الضامن بعد أن يغرم تكون غرامته على المضمون عنه ولو لاجل كونه مشغول الذمة بذلك من الاول، أما لانه لا تشتغل ذمته قبل الاداء فلا دلالة له عليه. فالنصوص قاصرة عن إثبات الوجه الثالث، لا أنها دالة على الوجه الاول، وتكون موجبة لخلاف القواعد. (2) يعني: ما ذكروه أولا من أنه يرجع بما أدى لا بتمام المال المضمون. والوجه في تفرع الامور المذكورة على ذلك واضح في الجميع عدا صورة ما إذا ضمن عنه ضامن فادى تبرعا، أو وفي عنه تبرعا، أو وفي عنه من باب الزكاة، فان الجميع غير داخل في النص. وحينئذ يشكل إلحاقه بمورد النص، ولابد من الرجوع فيه إلى القاعدة الآتي بيانها.


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب كتاب الضمان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب كتاب الضمان حديث: 2. (* 3) راجع الصفحة: 293.

[ 298 ]

[ من البعض ليس له الرجوع بمقداره. وكذا لو صالح معه بالاقل، كما هو مورد الخبر. وكذا لو ضمن عن الضامن ضامن تبرعا فادى، فانه حيث لم يخسر بشئ لم يرجع على المضمون عنه وإن كان باذنه. وكذا لو وفاه عنه غيره تبرعا. (مسألة 14): لو حسب المضمون له على الضامن ما عليه خمسا أو زكاة أو صدقة، فالظاهر أن له الرجوع على المضمون عنه (1)، ولايكون ذلك في حكم الابراء. وكذا ] (1) وفي الجواهر: " لعله كذلك. " ولا يخلو من إشكال، إذ لاغرم من الضامن ليكون على المضمون عنه. نعم كان الغرم فيه على مستحق الزكاة مثلا، لا على الشخص المذكور. اللهم إلا أن نقول: إن القاعدة تقتضي اشتغال ذمة المضمون عنه بمجرد الضمان بأمره، ولم يثبت في المقام ما يقتضي الخروج عنها. وإلحاقه بمورد النص غير ظاهر ولاجل ذلك يكون اللازم الحكم بالرجوع في جميع موارد الشك في الخروج بخلاف ما إذا كان السبب في ضمان المضمون عنه استيفاؤه لمال الضامن، فانه مع الشك يبني على عدم الرجوع، لاصالة البرائة. فعلى المبنى الاول: يكون الشك في السقوط، وعلى المبنى الثاني: يكون الشك في الثبوت. اللهم إلا أن يقال: لما كان المدين له باحتسابه من الزكاة برئت ذمته فالبراءة كانت بماله، فيكون ماله قد استوفاه المضمون عنه،. فعليه ضمانه ومن ذلك يصح أن يقال: إنه قد غرم ماله، فيكون الغرم على المضمون عنه. فالحكم في هذا الفرض لا يختلف باختلاف المباني. لكنه يتم بناء على ثبوت ملك ما في الذمة آناما، أما إذا قلنا بامتناعه، لعدم الفرق بين الآنات، فلا استيفاء لما له ولا غرامة عليه. فيتعين الابتناء على المباني.

[ 299 ]

[ لو أخذه منه ثم رده عليه هبة (1). وأما لو وهبه ما في ذمته فهل هو كالابراء أولا؟ وجهان (2). ولو مات المضمون له فورثه الضامن لم يسقط جواز الرجوع به على المضمون عنه (3) (مسألة 15): لو باعه أو صالحه المضمون له بما يسوى أقل من الدين (4)، أو وفاه الضامن بما يسوى أقل منه (5)، فقد صرح بعضهم بأنه لا يرجع على المضمون عنه إلا بمقدار ما يسوى (6). وهو مشكل بعد كون الحكم على خلاف القاعدة، وكون القدر المسلم غير هذه الصور. وظاهر خبر الصلح الرضا من الدين باقل منه، لا ما إذا صالحه بما ] (1) كما نص عليه في الجواهر، وفي التذكرة: أنه أقرب. ووجهه واضح لحصول الغرم، فيرجع به على المضمون عنه. (2) بناء على ما سبق في الزكاة يكون الاقرب الثاني، إذ لا فرق بين الهبة المجانية وبين الصدقة أو الزكاة في أن البراءة بماله في الجميع، بخلاف الابراء فان البراءة فيه لم تكن بمال الضامن. وعليه يتعين الرجوع إلى المباني (3) يتعين فيه الرجوع إلى المباني المتقدمة. (4) الظاهر أن أصل العبارة: " لو باع أو صالح " وفاعله ضمير الضامن كما يظهر بالتأمل. (5) الوفاء بالاقل قيمة يختص بما إذا كان من الجنس الردي مثلا، أما إذا كان من غير الجنس فلا يمكن الوفاء الا بمقدار القيمة. (6) ذكر ذلك في الشرائع والتذكرة والقواعد والمسالك وغيرها. قال في التذكرة: " لو صالح عن الف على عبد يساوي ستمائة لم يرجع الا بستمائة "، ثم استدل عليه بموثقي عمر بن يزيد و عبد الله بن بكير.

[ 300 ]

[ يسوى أقل منه (1). وأما لو باعه أو صالحه أو وفاه الضامن بما يسوى أزيد فلا إشكال في عدم جواز الرجوع بالزيادة (2). (مسألة 16): إذا دفع المضمون عنه إلى الضامن مقدار ما ضمن قبل أدائه، فان كان ذلك بعنوان الامانة ليحتسب بعد الاداء عما له عليه، فلا إشكال، ويكون في يده أمانة، لا يضمن لو تلف الا بالتعدي أو التفريط. وإن كان بعنوان وفاء ما عليه، فان قلنا باشتغال ذمته حين الضمان وإن لم يجب عليه دفعه إلا بعد أداء الضامن، أو قلنا باشتغاله حينه بشرط الاداء بعد ذلك على وجه الكشف، فهو صحيح ويحتسب وفاء، لكن بشرط حصول الاداء من الضامن على التقدير الثاني. وإن قلنا: انه لا تشتغل ذمته إلا بالاداء وحينه ] (1) ظهور الخبر فيما يشمل هذا الفرض الذي ذكروه لا يقبل الانكار لوضوحه. نعم الخبر بلفظه لا يشمل البيع. لكن الظاهر منه عرفا الاعم من البيع. وقد نفي الخلاف عن أنه لا يجب على المضمون عنه أن يدفع إلى الضامن أزيد مما دفعه إلى المضمون له. نعم لو صالحه عن ذلك أو أو باعه عليه بما يساوي الدين وتقاصا عنه بالاقل ففي المسالك: اتجه رجوعه عليه بما يساوي الدين، وفي التذكرة: احتمل ذلك، واحتمل الرجوع بقيمة العين، لان الضمان وضع للارتفاق، ونسب إلى الشافعية الاول. (2) صرح بذلك غير واحد مرسلين له إرسال المسلمات، معللين له بأنه متبرع بالزيادة غير مأذون فيها، فلا استيفاء لها من المضمون عنه، بناء على كون الضمان بالاستيفاء. وكذا بناء على كون الضمان بالضمان، لان الضمان لم يكن بالزايد، وهو واضح.

[ 301 ]

[ - كما هو ظاهر المشهور - فيشكل صحته وفاء، لان المفروض عدم اشتغال ذمته بعد، فيكون في يده كالمقبوض بالعقد الفاسد (1)، وبعد الاداء ليس له الاحتساب إلا باذن جديد (2) أو العلم ببقاء الرضا به. (مسألة 17): لو قال الضامن للمضمون عنه: " إدفع عني إلى المضمون له ما علي من مال الضمان " فدفع برئت ذمتهما معا (3)، أما الضامن: فلانه قد أدى دينه، وأما ] (1) كما صرح به في التذكرة، فيكون مضمونا عليه، ويجب عليه رده إلى مالكه. وفي المسالك: أنه كالمقبوض بالسوم. ولكنه غير ظاهر، لان المقبوض بالسوم مقبوض على أنه ملك الدافع، والمفروض في المقام أنه مقبوض على أنه ملك القابض - كما هو معنى الوفاء - كالمقبوض بالعقد الفاسد، فالاذن في قبضه مقيدة بعنوان مفقود، فتكون مفقودة. ولذا قلنا لا يجوز التصرف فيه ولو بوضع اليد عليه، ويجب رده إلى مالكه، كالمغصوب، فيكون مضمونا (2) لا حاجة إلى الاذن الجديد، بل يكفي بقاء الاذن السابق، لانها كانت مقيدة بعنوان الوفاء المفقود سابقا، فإذا وجد لاحقا بحصول الاداء وبقيت الاذن كفت في حصول الملك. ومن ذلك يظهر أن الاذن الجديد لا فائدة فيها إذا لم ترجع إلى بقاء الاذن السابق، ولعل هذا هو المراد مما في حاشية بعض الاعاظم في هذا المقام، وإلا فلا محصل له. ويكفي الشك في بقاء الاذن لجريان الاستصحاب، ولا حاجة إلى العلم بالبقاء. فلا حظ. (3) قال في الشرائع: " ولو قال: ادفعه إلى المضمون له،

[ 302 ]

[ المضمون عنه: فلان المفروض ان الضامن لم يخسر. كذا قد يقال. والاوجه أن يقال: أن الضامن حيث أمر المضمون عنه بأداء دينه فقد اشتغلت ذمته بالاداء، والمفروض أن ذمة المضمون عنه أيضا مشغولة له، حيث أنه أذن له في الضمان فالاداء المفروض موجب لاشتغال ذمة الضامن من حيث كونه بأمره، ولاشتغال ذمة المضمون عنه حيث أن الضمان باذنه وقد وفى الضامن، فيتهاتران، أو يتقاصان (1). وإشكال صاحب الجواهر في اشتغال ذمة الضامن بالقول المزبور (2) ] فدفعه، فقد برئا " وقال في المسالك في شرحه:، أي: قال الضامن للمضمون عنه: ادفعه أنت إلى المضمون له، فدفعه فقد برئا، أما الضامن فلوفاء دينه، وأما المضمون عنه فلان الضامن لم يغرم، فلا يرجع عليه. ويمكن اعتبار التقاص القهري، لثبوت ما دفعه المديون في ذمة الضامن، لانه المديون وقد أذن له في وفائه، وثبوت مثله في ذمة المضمون عنه لادائه، فيتقاصا ". (1) وقع التعبير بالتقاص القهري في المسالك، وكأن المراد منه التهاتر بقرينة وصفه بالقهري، والتقاص المشروع اختياري من أفعال الملكف القصدية بخلاف التهاتر، فانه من الاحكام الشرعية. وكأن عطفه في المتن على التهاتر، بقصد التوضيح، لا التقاص الاصطلاحي. (2) قال في الجواهر - بعد نقل عبارة المسالك السابقة -: " وفيه: أن أداء دين الضامن المأذون بمال المضمون عنه باذن الضامن لا يقتضي اشتغال ذمة الضامن بمثله، إذ ليس هو قد صار بذلك قرضا عليه مع عدم قصده، وعدم توقف وفاء الدين على كونه مملوكا للمديون. كما أنه لا يستحق

[ 303 ]

[ في غير محله (1). (مسألة 18): إذا دفع المضمون عنه إلى المضمون له من غير إذن الضامن برئا معا (2)، كما لو دفعه أجنبي عنه. (مسألة 19): إذا ضمن تبرعا فضمن عنه ضامن ] رجوعا على المضمون عنه، لعدم حصول الاداء منه. فلا تقاص حينئذ، لعدم ثبوت المالين في ذمة كل منهما. فتأمل ". (1) لان الموجب لضمان الضامن لما أداه المضمون عنه أمر الضامن له بالاداء الموجب لصدق الاستيفاء، الذي هو من أسباب الضمان - كما عرفت -، لا لتحقق القرض حتى يتوقف على قصده، ولا لتوقف الوفاء على كونه مملوكا للمديون حتى يمنع ذلك. كما أنه يستحق الضامن الرجوع على المضمون عنه بادائه، لان هذا الاداء من المضمون عنه لما كان بأمر الضامن وموجبا لاستحقاق الرجوع على الضامن، كان ذلك خسارة على الضامن، فاستحق الرجوع على المضمون عنه في تدارك خسارته بعد أن كان ضمانه باذنه. نعم يتوجه الاشكال على المسالك: بأن المضمون عنه لما دفع إلى المضمون له بأمر الضامن إن كان يستحق الرجوع على الضامن - من جهة تحقق الاستيفاء - تعين الوجه الثاني ولم يصح الوجه الاول، وإن كان لا يستحق الرجوع على الضامن - من جهة قصده التبرع بالدفع - تعين الوجه الاول ولم يصح الوجه الثاني. (2) قال في الشرائع: " ولو دفع المضمون عنه مالا إلى المضمون له بغير إذن الضامن فقد برئ الضامن والمضمون عنه ". ونحوها ما في القواعد وغيرها. وفي الجواهر نفى الاشكال والخلاف في ذلك. وهو واضح مما عرفت في صدر المسألة السابقة.

[ 304 ]

[ باذنه وأدى ليس له الرجوع على المضمون عنه (1)، بل على الضامن (2). بل وكذا لو ضمن بالاذن فضمن عنه ضامن باذنه، فانه بالاداء يرجع على الضامن، ويرجع هو على المضمون عنه الاول. (مسألة 20): يجوز أن يضمن الدين بأقل منه برضا المضمون له (3). وكذا يجوز أن يضمنه بأكثر منه. وفي الصورة الاولى لا يرجع على المضمون عنه مع إذنه في الضمان إلا بذلك الاقل (4). كما أن في الثانية لا يرجع عليه إلا بمقدار الدين (5) ] (1) يعني: ليس للضامن الثاني الرجوع على المضمون عنه الاول، لانه لم يضمن عنه، فلا موجب لرجوعه عليه. (2) لانه ضمن عنه باذنه. (3) لم يحضرني عاجلا من تعرض له. ومقتضى ما تقدم من معنى الضمان من أنه نقل ما في الذمة إلى ذمة الضامن امتناع ذلك، الا أن يرجع إلى ضمان البعض وسقوط الباقي أو الابراء منه. وكذلك الفرض الثاني، فانه ممتنع الا أن يرجع إلى اشتراط الزيادة للمضمون له. اللهم إلا أن يكون المراد من الضمان في المقام مفهوما آخر، وهو اثبات بدل ما في الذمة في ذمة أخرى أقل منه أو اكثر. ولا بأس بالبناء على صحته، عملا بعمومات الصحة، ولا يكون من الضمان الاصطلاحي، ولا تجري عليه أحكامه إلا ما تقتضيه العمومات. (4) لان الزائد عليه لم يؤده، فلا يرجع به على المضمون عنه وإن كان باذنه. (5) كما سبق.

[ 305 ]

[ إلا إذا أذن المضمون عنه في الضمان بالزيادة (1). (مسألة 21): يجوز الضمان بغير جنس الدين (2). كما يجوز الوفاء بغير الجنس (3). وليس له أن يرجع على المضمون عنه الا بالجنس الذي عليه (4)، إلا برضاه. (مسألة 22): يجوز الضمان بشرط الرهانة (5)، فيرهن بعد الضمان. بل الظاهر جواز اشتراط كون الملك الفلاني رهنا بنحو شرط النتيجة في ضمن عقد الضمان (6). ] (1) لاطلاق مادل على الرجوع بما أدى. (2) لم أقف على من تعرض له. ويشكل بما سبق من امتناع ذلك، لان نقله من ذمة إلى ذمة مع البناء على ثبوت غيره خلف. الا أن يكون المقصود اشتراط الاداء من غير الجنس، فلا بأس، لعموم الوفاء بالشروط، نظير الاشتراط من مال معين، كما سيأتي. أو يكون المراد غير الضمان الاصطلاحي، بل معنى آخر وهو اثبات بدل لما في الذمة في ذمة أخرى، كما تقدم. وحينئذ لا تجري عليه أحكام الضمان، وتثبت له الاحكام العامة. (3) بلا إشكال. والنصوص به شاهدة. (4) لاطلاق الموثق: " ليس له الا الذي صالح عليه " (* 1). (5) يعني: بنحو شرط الفعل، يعني: شرط أن يرهن، فيجب على الضامن أن يرهن عند المضمون له عينا، لتكون مورد حق الاستيفاء. (6) قد ذكرنا في كتاب الاجارة من هذا الشرح الاشكال في صحة شرط النتيجة من وجهين: الاول: أن النتائج لا تقبل أن تكون مضافة إلى مالك، فلا يمكن أن تكون شرطا، لان التحقيق أن الشرط مملوك للمشروط له، ولذا كان له المطالبة به، وإذا امتنع أن تكون مملوكة


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب كتاب الضمان حديث: 1.

[ 306 ]

امتنع أن تشترط ملكيتها. نعم إذا كانت في العهدة جاز أن تكون مملوكة. لكنها تكون من شرط الفعل لامن شرط النتيجة. الوجه الثاني: أن مفاد صيغة الشرط مجرد جعل التمليك بين المشروط له والمشروط، لاجعل نفس المشروط، فان صيغة الشرط لا تتكفل ذلك، فإذا لم يحصل الشرط لا يكون ثابتا، فلا تترتب اثاره، وحينئذ لا نتيجة ولا يجوز ترتيب آثارها. وهذا معنى بطلان شرط النتيجة. ثم إن الاشكالين المذكورين إنما يتوجهان على شرط النتيجة بناء على أن مفاد الشرط تمليك المشروط له للمشروط، كما يقتضيه مناسبته مع شرط الفعل. أما إذا كان مفاده مجرد الالتزام للمشروط له بالشرط، فيكون مفاده انشاء المشروط وهو النتيجة في ضمن العقد، فلا بأس به، عملا بعموم نفوذ الشروط. الا إذا كانت النتيجة لاتنشأ الا بسب خاص، فان عموم نفوذ الشرط لا يصلح لتشريع ما لم يشرع، فيكون الشرط حينئذ مخالفا للكتاب، فيدخل في الشرط الباطل. وإذا لم يشترط في إنشائها سبب خاص صح شرطها وترتب عليه الاثر وإن لم يكن مملوكا للمشروط له. ويكون له الخيار في تخلفه نظير خيار تبعض الصفقة، كما إذا جمع بين بيع ونكاح فبطل أحدهما، فانه يكون الخيار في الآخر. لكن هنا يبطل الشرط ببطلان العقد، لان الشرط لوحظ تابعا لمضمون العقد ومبنيا عليه، فلا يستقل بدونه، بخلاف مالو جمع بين بيع ونكاح، فانه لم يلاحظ أحدهما تابعا للآخر ومبنيا عليه، بل انشاء كل منهما في مقابل الآخر، فيكون بطلان كل منهما موجبا للخيار في الآخر. كما أن بطلان الشرط موجب للخيار في العقد لعين الوجه الموجب للخيار هناك عند بطلان أحد الامرين. وهو اشتراكهما في قصد واحد كما هو موضح في محله. والذي تحصل مما ذكرناه: أن شرط الفعل يتضمن إنشاء تمليك

[ 307 ]

الفعل وشرط النتيجة لا يتضمن إنشاء التمليك، وإنما يتضمن إنشاء نفس النتيجة، فإذا لم يشترط في إنشاء النتيجة سبب خاص صح، وإذا اشترط في إنشائها سبب خاص لم يصح، لانه لا يصحل دليله لتشريع ما لم يشرع. وإذا تخلف الاول - إما لعدم صحة التمليك، أو لعدم حصول المملوك - يكون الخيار للمشروط له، وتخلف الثاني لا يكون إلا لعدم صحة الانشاء، وهو موجب للخيار للمشروط له، وهو من كان إنشاؤه موافقا لرغبة أحدهما. فان كان انشاؤه موافقا لرغبة أحدهما بعينه كان تخلفه موجبا لخياره فقط، كما إذا باعه الشجر بشرط أن يكون للمشتري الثمر الموجود، فان الشرط يوافق رغبة المشتري فيكون الخيار له " أو يبيعه الشجر بشرط أن يكون ثمره في السنة الآتية للبائع، فان الشرط يوافق رغبة البائع، فيكون الخيار له. وإذا كان موافقا لرغبة كل منهما كان الخيار لكل منهما، كما إذا باعه الجارية بشرط أن يكون حملها عوضا عن دين المشتري على البائع. فان المعاوضة لما كانت من الطرفين كانت موافقة لرغبة كل منهما، فيكون خيار التخلف لكل منهما، نظير تخلف البيع في بعض الصفقة، فانه يوجب الخيار لكل من البائع والمشتري. ثم إنه لا ينبغي التأمل في صحة شرط النتيجة بعد ما ورد النص به في شرط الضمان في الاجارة والعارية وشرط الاجل في النسيئة والسلف وغير ذلك. نعم لا مجال للبناء على جواز نذر النتيجة، فان اللام في قول الناذر: " لله علي " لام الملك، فيتوجه على نذر النتيجة الاشكالان السابقان واحتمال أن تكون اللام لام التعليل، ويكون معنى: " لله علي ": التزمت لله علي، خلاف الظاهر جدا، فالبناء على المنع من صحة نذر النتيجة في محله، كالبناء على صحة شرط النتيجة. وعليه يصح شرط الرهن في ضمن عقد الضمان، ولابد فيه من القبض - بناء على اشتراطه في الرهن - إذ لا فرق بين الموارد.

[ 308 ]

[ (مسألة 23): إذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهن فهل ينفك بالضمان أولا؟ يظهر من المسالك والجواهر انفكاكه (1)، لانه بمنزلة الوفاء (2). لكنه لا يخلو عن اشكال (3). هذا مع الاطلاق، وأما مع اشتراط البقاء أو عدمه فهو المتبع (4). (مسألة 24): يجوز اشتراط الضمان (5) في مال معين (6) ] (1) قد صرحا بذلك في شرح المسألة الرابعة من الشرائع في كتاب الضمان. (2) في الجواهر: " لان الضمان أداء ". وفي المسالك: " لان الضمان بمنزلة الاداء ". ويظهر منهما المفروغية عن ذلك. (3) إذ لا أداء ولا وفاء، وإنما كانت فائدة الضمان اشتغال ذمة الضامن به وفراغ ذمة المضمون عنه، فالدين انتقل من ذمة إلى أخرى من دون أداء، فان كان الرهن على وفائه بقي على حاله، لعدم الوفاء، وإن كان على إفراغ ذمة المديون بطل، لفراغ ذمته بالضمان. ولكن الاظهر الثاني، لان الراهن إنما وضع الرهن لحسابه، لا لحساب المرتهن. (4) عملا بعموم صحة الشروط. (5) كما في الشرائع والقواعد والتذكرة وغيرها، ويظهر منهم التسالم على ذلك، ولم ينقل فيه خلاف أو اشكال، وفي الجواهر: " لا خلاف أجده في صحته ". وكفى دليلا عليه عموم: " المؤمنون عند شروطهم " (* 1). (6) يعني: يكون الاداء منه، كما في عبارة القواعد والتذكرة، وعبارة الشرائع كعبارة المصنف. والظاهر أن المراد منها ذلك. وسيجئ


(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب المهور حديث 4.

[ 309 ]

[ على وجه التقييد (1)، أو على نحو الشرائط في العقود من كونه من باب الالتزام في الالتزام. وحينئذ يجب على الضامن الوفاء من ذلك المال (2)، بمعنى صرفه فيه. وعلى الاول: إذا تلف ذلك المال يبطل الضمان (3) ويرجع المضمون له على ] احتمال آخر. فانتظر (1) يعني: يؤخذ الاداء من ذلك المال قيدا للضمان أو قيدا للمضمون فكأنه قال: أضمن الضمان الذي يكون وفاء ماله من المال المعين، أو أضمن المال الذي يكون وفاؤه من المال المعين. (2) عملا بالشرط. (3) لفوات القيد الموجب لفوات المقيد. قال في التذكرة: " لو شرط في الضمان الاداء من مال بعينه صح الضمان والشرط معا، لتفاوت الاغراض في أعيان الاموال. فلو تلف المال قبل الاداء بغير تفريط الضامن فالاقرب فساد الضمان لفوات شرطه، فيرجع صاحب المال على الاصيل. وهل يتعلق الضمان بالمال المشروط تعلقه به تعلق الدين بالرهن، أو الارش بالجاني؟ الاقرب: الاول، فيرجع على الضامن لو تلف. وعلى الثاني: يرجع على المضمون عنه ". والعبارة لا تخلو من إشكال، لتنافي الصدر والذيل فيها، لان الرجوع على الضامن الذي قربه في الذيل يقتضي صحة الضمان، وهو ينافي ما في الصدر من بطلان الضمان والرجوع على الاصيل، المناسب لكون التعلق نظير تعلق أرش الجناية. والمصنف (ره) جعل البطلان من أثار أخذ الشرط على نحو القيد، لان فوات القيد يوجب فوات المقيد. وقد تبعه إلى ذلك في المسالك في توجيه البطلان الذي حكاه عن التذكرة والشهيد في بعض فتاواه. ولكنه يشكل: بأن فوات القيد لا يوجب بطلان العقد، وإنما يوجب الخيار

[ 310 ]

[ المضمون عنه. كما أنه إذا نقص يبقى الناقص في عهدته. ] المسمى بخيار تخلف الوصف، كما إذا قال: " بعتك هذا العبد الكاتب " فتبين أنه غير كاتب، فلا فرق بين فوات القيد وفوات الشرط. فان قلت: فوات المقيد بفوات قيده من الضروريات، فالقصد انما. تعلق بالمقيد لا بغيره، فكيف يصح مع فواته الموجب لانتفاء قصده؟! قلت: هذا الاشكال يتوجه نظيره في صورة فوات الشرط، لان القصد انما كان إلى المشروط لا إلى الخالي عن الشرط، فكيف يصح الخالي عن الشرط من دون قصد؟! بل يتوجه أيضا في باب تبعض الصفقة، فان من اشترى دارا وتبين أن بعضها لغير البائع ولم يجز، أو بعضها وقف لا يصح بيعه، لم يكن يقصد شراء البعض أبدا، وإنما كان يقصد شراء المجموع. ويندفع: بأن القصد الضمني التحليلي كاف في صحة العقد بالنسبة إلى الفاقد للقيد أو الشرط، وبالنسبة إلى الجزء في باب تبعض الصفقة. ويشهد بذلك بناؤهم على صحة العقد في البعض لكن مع الخيار، وكذا بناؤهم على صحة العقد مع تخلف الوصف لكن مع الخيار، المعبر عنه خيار الوصف، كما في: " بعتك العبد الكاتب ". ومثله الكلام في مورد خيار الرؤية. ودعوى، أن الصحة في هذه الموارد لان الانشاء فيها من باب تعدد المطلوب، بحيث يكون قصدان: قصد قائم بالمجموع وبالمشروط وبالموصوف، وقصد قائم بالبعض وبالخالي عن الشرط أو الوصف، فإذا فات القصد الاول كفى القصد الثاني، فيها - مع أن ذلك ممنوع، بل ليس إلا قصد واحد في اكثر الموارد -: أنه لو صح ذلك جاء فيما نحن فيه أيضا واقتضى الصحة، فلا وجه للبطلان. ثم إن العلامة في القواعد قال: " فان تلف بغير تفريط ففي بطلان الضمان اشكال، ومع عدمه يتعلق به تعلق الدين بالرهن، لا الارش بالجاني،

[ 311 ]

فيرجع على الضامن. وعلى الثاني يرجع على المضمون عنه ". وكأن منشأ الاشكال في البطلان الاشكال في أن فوات الشرط يوجب فوات المشروط وعدمه. والظاهر من قوله (ره): " ومع عدمه " أنه مع عدم البطلان، وقوله: " تعلق الدين بالرهن " يعني: يثبت الدين في ذمة الضامن كما يثبت في ذمة الراهن، لا أنه لا يثبت في ذمته كما في حق الجناية، فانه لا يتعلق بذمة المالك للجاني، وانما يثبت في رقبة الجاني فقط. لكن هذا التردد لا يتناسب مع عنوان المسألة التي هي الضمان واشتراط كون الاداء من المال المعين، إذ المراد منه أن الذمة مشغولة ويكون الاداء لما في الذمة من المال المعين، لا أن الذمة فارغة، فليس من شقوقها كون الذمة فارغة كما في حق الجناية. وقوله (ره): " وعلى الثاني " الظاهر من الثاني تعلق الارش بالجاني، كما صرح بذلك في عبارة التذكرة. وحمله في مفتاح الكرامة على البطلان. ووجهه غير ظاهر لان البطلان لم يذكر ثانيا لاول، وانما ذكر أولا بدون ذكر ثان. ولذلك فهم منه في جامع المقاصد ما ذكرنا، وأشكل عليه: بأنه إذا صح الضمان وبنينا على كون التعلق كتعلق أرش الجناية كيف يتصور الرجوع على المضمون عنه؟! وعلى هذا فالمتعين: أنه بناء على صحة الضمان مع الشرط المذكور يكون تعلق الدين بالمال المعين تعلق الدين بالرهن، فتكون ذمة الضامن مشغولة، وعليه الوفاء من المال المعين. ولا مجال لاحتمال كون التعلق به تعلق أرش الجناية، وعلى تقديره يتعين البناء على سقوط الدين بالتلف بدون تفريط، لا أنه يرجع المضمون له على المضمون عنه، فان أرش الجناية المتعلق بالعبد الجاني يسقط بموته، لا أنه يرجع المجني عليه إلى مالكه أو غيره، فانه بعد انتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى المال المعين لاوجه

[ 312 ]

[ وعلى الثاني: لا يبطل، بل يوجب الخيار لمن له الشرط من الضامن أو المضمون له أو هما. ومع النقصان يجب على الضامن الاتمام مع عدم الفسخ. وأما جعل الضمان في مال معين من غير اشتغال ذمة الضامن، بأن يكون الدين في عهدة ذلك المال، فلا يصح (1). ] لرجوعه إلى ذمة المضمون عنه بتلف موضوعه. نظير حق الزكاة الذي يسقط بتلف العين بدون تفريط. ثم إن الاختلاف بين حق الرهانة وحق الجناية من وجهين: الاول: ما ذكرناه من أن حق الرهانة مقرون باشتغال ذمة الراهن، بخلاف حق الجناية فانه غير مقرون باشتغال ذمة المالك. الثاني: أن حق الرهانة مانع من التصرف في الرهن، فكأنه قائم بالعين بما انها مضافة إلى مالكها حال الرهن، بخلاف حق الجناية، فانه غير مانع من التصرف، فلو باع المالك العبد الجاني صح البيع وانتقل الحق معه، فكأن الحق قائم به غير مقيد باضافته إلى مالك بعينه. (1) قال في المسالك فيما لو اشترط أن يكون الضمان من مال معين: " وهل هو متعلق به كتعلق الدين بالرهن، أو كتعلق الدين بالجاني؟ وجهان، مأخذهما: أن الضمان ناقل للدين إلى ذمة الضامن، لان موضعه إنما هو الذمة، وتخصيص هذا المال أفاد انحصار المطالبة فيه، ولم تخرج الذمة عن العهدة، لان مقتضى الضمان ابتداء التعلق بها. وهذا هو وجه تعلق الرهن. ومن أن الضامن لم يدخل ذمته مطلقا، وانما حصر الاستحقاق في المال المعين وجعله متعلق حق المضمون له، فينحصر حقه فيه ابتداء من غير تعلق بالذمة. وأقواهما الاول ". ولا يخفى أن مفاد الوجه الثاني إلى

[ 313 ]

[ (مسألة 25): إذا أذن المولى لمملوكه في الضمان في كسبه، فان قلنا إن الضامن هو المولى - للانفهام العرفي، أو ] ارجاع اشتراط الضمان من مال معين إلى تخصيص حق المضمون له بالمال المعين، فالبناء على صحته حينئذ يقتضي البناء على صحة هذه الصورة، بل ظاهر بعض عبارات المسالك الاخرى ذلك. وهو كذلك، عملا بعمومات الصحة، وان لم تكن من الضمان المصطلح الذي هو اشتغال الذمة، فلا تجري عليها أحكامه. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: الاول: أن اشتراط الضمان في مال معين يكون على صور ثلاث ذكرها المصنف، كلها صحيحة. الثاني: أن أحكام الضمان تجري على الاولتين منها دون الاخيرة. الثالث: أنه مع التلف بدون تفريط يكون الخيار للمشروط له في الصورتين الاولتين، ولا يكون له الخيار في الاخيرة. الرابع: أنه مع التلف بدون تفريط يرجع المضمون عنه على الضامن في الصورتين الاولتين، ولا يرجع على أحد في الصورة الثالثة، لا على الضامن، لان المفروض فراغ ذمته، ولا على المضمون عنه لان المفروض انتقال المال من ذمته إلى المال المعين، فلا موجب لبطلان هذا الانتقال، كما احتمله في المسالك، خلافا لما سبق عن التذكرة والقواعد وغيرهما. الخامس: أن الوجه في صحة العقد في صورتي تخلف القيد والشرط هو الاجتزاء بالقصد الضمني الارتباطي في صدق العقد والايقاع، وكذلك في باب تبعض الصفقة، وإن كان القصد المذكور غير حاصل في حال انتفاء القيد أو الشرط أو المقارن. السادس: أن الفرق بين حق الرهانة وحق الجناية من وجهين: الاول: أن الاول لا يسقط الدين فيه بتلف موضوع الحق، بخلاف الثاني. الثاني: أن الاول يمنع من التصرف في موضوعه بنقل أو نحوه، بخلاف الثاني.

[ 314 ]

[ لقرائن خارجية - يكون من اشتراط الضمان في مال معين، وهو الكسب الذي للمولى، وحينئذ فإذا مات العبد تبقى ذمة المولى مشغولة إن كان على نحو الشرط في ضمن العقود، ويبطل إن كان على وجه التقييد (1). وإن انعتق يبقى وجوب الكسب عليه (2). وان قلنا إن الضامن هو المملوك، وأن مرجعه إلى رفع الحجر عنه بالنسبة إلى الضمان، فإذا مات لا يجب على المولى شئ (3)، وتبقى ذمة المملوك مشغولة يمكن تفريغه بالزكاة ونحوها. وإن انعتق يبقى الوجوب عليه (4). (مسألة 26): إذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد فاما أن يكون على التعاقب، أو دفعة. فعلى الاول: الضامن من رضي المضمون له بضمانه (5). ولو أطلق الرضا بهما كان ] (1) قد سبق في المسألة الماضية الاشكال فيه. (2) عملا بمقتضى الشرط وإن لم نقل بأن المدين يجب عليه الكسب. (3) إذ لا مقتضى لهذا الوجوب، فان الضمان الواقع لا يقتضيه، وليس له مقتض غيره. (4) عملا بمقتضى إطلاق عقد الضمان لما لم يقيد بحال الرقية. (5) تارة: يرضى المضمون له بضمان أحدهما دون الآخر، وأخرى: يرضى بضمان أحدهما ثم يرضى بالآخر. فان كان الاول صح ضمان من رضي المضمون له به، لحصول شرطه، سواء كان سابقا أم لاحقا، وبطل الآخر لفقد شرطه كذلك. وإن كان الثاني صح ضمان الاول وبطل ضمان الثاني، لا نتفاء موضوعه بالاول، لانه أوجب فراغ ذمة المضمون عنه، فلا معنى للضمان الثاني.

[ 315 ]

[ الضامن هو السابق (1). ويحتمل قويا كونه كما إذا ضمنا دفعة خصوصا بناء على اعتبار القبول من المضمون له، فان الاثر حاصل بالقبول نقلا لاكشفا (2). وعلى الثاني: إن رضي بأحدهما دون الآخر فهو الضامن، وإن رضي بهما معا ففي بطلانه - كما عن المختلف وجامع المقاصد (3)، واختاره ] (1) كذا في الجواهر وغيرها. وعلله في مفتاح الكرامة. بأنه إذا رضي بضمان كل منهما فقد رضي بضمان الاول، فينتقل المال إليه، فلا يصادف ضمان الثاني ولا الرضا به حقا على المضمون عنه، فيبطل. (2) فتكون نسبته إلى الايجابين نسبة واحدة، فترجيح أحدهما على الآخر من دون مرجح، فيكون الحكم كما إذا اقترن الايجابان. هذا بناء على اعتبار القبول في الضمان لكونه من العقود. أما بناء على اشتراط الرضا في الضمان لكونه من الايقاع فالرضا وان كان شرطا خارجا عن السبب المؤثر الا أنه دخيل في ترتب الاثر فيكون الاثر مقارنا له، وحينئذ يرجع الكلام السابق من أن نسبة الرضا إلى الايقاعين نسبة واحدة، فلا يترجح أحدهما على الآخر وإن سبق زمانا. نعم بناء على الكشف يتعين الاثر للاول، ويبطل الثاني لارتفاع موضوعه بالاول، كما سبق في مفتاح الكرامة، ولا يتوجه ما ذكره بناء على النقل. (3) قال في المختلف فيما إذا وقع ضمان الجماعة دفعة: " وإن وقع الرضا دفعة احتمل بطلان الضمان، لامتناع انتقال الحق دفعة واحدة إلى ذمم متعددة، والصحة، فيطالب كل واحد بقسطه لا بالجميع. والاقوى الاول ". وفي جامع المقاصد بعد ما نقل القول الثالث في المسألة وهو البطلان قال: " وهو الاصح ". وفي التذكرة: " لو اتفق ضمان الاول مع صاحب الحق وضمان الثاني مع وكيله في الزمان الواحد بطل الضمانان معا، لعدم أولوية أحدهما بالصحة والآخر بالبطلان ".

[ 316 ]

[ صاحب الجواهر (1) أو التقسيط بينهما بالنصف أو بينهم بالثلث إن كانوا ثلاثة وهكذا (2)، أو ضمان كل منهما فللمضمون له مطالبة من شاء - كما في تعاقب الايدي - وجوه. أقواها: الاخير (3) ] (1) فانه بعد أن نقل القول الثالث في المسألة وهو البطلان قال: " ولكن لا يخفى على من أحاط خبرا بنظائر المسألة قوة الاخير منها. وما ذكر الفاضل من وجود النظير - لو سلم أنه مثله - لا يصلح دليلا للمسألة ". (2) حكاه في المختلف وجامع المقاصد قولا، ونسبه في مفتاح الكرامة إلى ابن الجنيد. لكن عبارته غير ظاهرة فيه، قال: " ولو كفل جماعة بمال الرجل على رجل، ولم يفصلوا قدر ما كفل به كل واحد من المال، كان كل واحد منهم كفيلا بحقه على قدر عددهم ". وظاهره أن في مقام الاثبات لا الثبوت، فلا يكون مما نحن فيه. وكيف كان فاستدل لهذا القول في جامع المقاصد: بأن الاصل صحة الضمان، ولما امتنع انتقال المضمون إلى كل من الذمتين، ولا أولوية، انتقل إلى كل واحدة منهما ما يقتضيه التحاص. ثم قال: " وفيه نظر، لانه خلاف ما اقتضاه العقدان وأراده الضامنان. بل إن كان العقد صحيحا ترتب عليه مقتضاه، والا كان باطلا ". وقد يتوهم أن التقسيط مقتضى التزاحم. وفيه: أن التزاحم يتوقف على وجود المقتضي في الطرفين. وهو أول الكلام، فانه بناء على امتناع اشتغال الذمتين بتمام المالين يكون التنافي بين تطبيق الدليل بالاضافة إلى كل من العقدين، ولعدم المرجح يسقط الدليل فيهما معا. (3) حكاه في جامع المقاصد عن ابن حمزة في الوسيلة، وعبارته صريحة فيه، وسماه ضمان الانفراد، وهو ضمان جماعة عن واحد، ويكون للمضمون له الخيار في مطالبة المال من أيهم شاء على الانفراد وعلى الاجتماع، في

[ 317 ]

مقابل ضمان الاشتراك، وهو بالعكس، يعني: ضمان واحد عن جماعة. وكان المناسب التسمية على العكس. وفي جامع المقاصد عن الفخر عن والده في درسه الشريف توجيهه: بأن مثله واقع في العبادات، كالواجب على الكفاية، وفي الاموال كالغاصب من الغاصب، وحكى ذلك عنه الشهيد أيضا على ما حكاه في مفتاح الكرامة. ثم ذكر أن ظاهر الفخر وصريح الشهيد الرضا به. لكن أشكل على مقايسته بباب الغاصب من الغاصب: بأنه لم يثبت المال في ذمم متعددة وإنما وجب على من جرت يده على المغصوب رده على مالكه، عملا بعموم: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (* 1). وفيه: أن تقدير المضاف خلاف الاصل. مع أنه لا ينسجم الصدر فيه مع الذيل، لان مرجع التقدير إلى قوله: " على اليد... " أداء ما أخذت حتى تؤدي " فتتحد الغاية والمغيى، وهو كما ترى. وفي الجواهر في شرح مفهوم الضمان ذكر أن المشغول به في تعاقب الايدي على المغصوب ذمة واحد، وهو من تلف في يده المال مثلا، وان جاز للمالك الرجوع على كل واحد، لعدم تصور اشتغال ذمتين فصاعدا بمال واحد. وكأنه إلى ذلك أشار في عبارته السالفة بقوله: " لو سلم أنه مثله ". وفيه: أنه خلاف قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". و جواز الرجوع إلى كل واحد لا دليل عليه سواه. وشيخنا الاعظم ذكر أن الشئ الواحد لا يقبل الاستقرار إلا في ذمة واحدة، ولاجل ذلك يتعين الالتزام بأن اشتغال ذمة كل واحد من الايدي المتعاقبة على البدل. ثم قال: " ويمكن أن يكون نظير ذلك ضمان المال على طريقة الجمهور، وضمان الاثنين لواحد، كما اختاره ابن حمزة ". وظاهره حمل هذه الاقوال


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من ابواب الغصب حديث: 4، كنز العمال الجزء: 5 حديث: 5197.

[ 318 ]

على ما ذكر من كون الضمان بدلي لا عرضي. ويشكل: بأن الضمان على البدل غير معقول، إذ كل ما يكون في الخارج متعين. إلا أن يريد - قدس سره - من كونه على البدل أنه كذلك من حيث الحكم، فالذمتان وإن كانت كل واحدة منهما مشغولة بالبدل في عرض واحد، لكن بالاستيفاء من أحدهما يسقط الآخر. وإلا لم يكن البدل بدلا، فان معنى كونه بدلا أنه يقوم مقام المبدل منه ويشغل الفراغ الذي كان بفقده، فإذا قام مقامه وتدارك الخسارة التي جائت من فقده فلا معنى لضمانه. وعلى هذا يجوز عنده اشتغال الذمم المتعددة بمال واحد، لكنها في مقام الفراغ متلازمة، فإذا فرغت إحدى الذمم من المال بدفع البدل فرغت الاخرى حينئذ. ولا يحسن التعبير منه بأن الشئ الواحد لا يقبل الاستقرار الا في ذمة واحدة. وكيف كان فالتحقيق جواز اشتغال الذمم متعددة بمال واحد لمالك واحد، كجواز اشتغال ذمم متعددة بواجب واحد كما في الواجبات الكفائية، فان اشتغال الذمم المتعددة بالواجب فيها حاصل، ولا فرق بينها وبين المقام إلا في أن المصحح للاشتغال فيها الوجوب والمصحح للاشتغال هنا الملك. ودعوى: أن الواحد لا يقبل الوجود الا في مكان واحد. مدفوعة: بأن ذلك في الوجود الحقيقي والوجود هنا اعتباري لا حقيقي، واعتباره تابع لوجود منشأ الاعتبار، وهو سبب الضمان، فلما كان: " على اليد " ينطبق بالنسبة إلى كل واحد من ذوي الايدي المتعاقبة كان موجبا لاشتغال الذمة بالنسبة إليهم جميعا أيضا، وإن كان الحكم إذا أدى واحد منهم فقد برأت ذمة الباقين، لان المضمون في جميع الذمم مال واحد، فإذا وصل إلى أهله لزم حصول البراءة منه. نظير ما يقال في الواجبات الكفائية: من أنه يسقط الوجوب عن الجميع بفعل واحد منهم،

[ 319 ]

[ وعليه إذا أبرء المضمون له واحدا منهما برئ دون الآخر (1) إلا إذا علم ارادته إبراء أصل الدين لا خصوص ذمة ذلك الواحد. (مسألة 27): إذا كان له على رجلين مال، فضمن كل منهما ما على الآخر باذنه، فان رضي المضمون له بهما صح (2). وحينئذ فان كان الدينان متماثلين جنسا وقدرا تحول ما على كل منهما إلى ذمة الآخر. ويظهر الثمر في الاعسار واليسار (3)، ] لان الواجب واحد يسقط الامر به بمجرد حصوله. وهنا تبرأ الذمم منه بمجرد وصوله إلى مالكه. (1) لاختصاصه بالابراء فلا يتعدى إلى الآخر. اللهم الا أن يقال: إنه بمنزلة الاستيفاء، لانه إسقاط لما في الذمة وقطع العلاقة بينه وبينه، فهو تصرف في المال نفسه، لا تصرف في الذمة، ليختص باحدهما دون الآخر، إذ لا سلطان له على الذمة، و إنما سلطانه على ماله، فإذا كان قد قطع العلقة بينه وبينه فقد قطع العلقة بينه وبين ما في غيرها من الدمم، لان المفروض أنه عينه لا غيره، وقد تقدم من المصنف (ره) احتمال ذلك في المسألة الثالثة. لكن التحقيق أن إبراء الذمة بحسب الارتكاز العرفي مجرد إخلائها من ماله، فان كان له مستقر آخر فهو على حاله، لا أنه قطع للعلقة بينه وبين المال، كي يسقط من جميع الذمم. (2) قال في الشرائع: " إذا كان له على رجلين مال فضمن كل منهما ما على صاحبه تحول ما كان على كل واحد منهما إلى صاحبه ". ونحوه في القواعد وغيرها. وفي المسالك: " لا إشكال في صحة هذا الضمان، لان كل واحد جامع لشرائط الصحة ". (3) فإذا كان أحدهما معسرا كان للمضمون له الخيار في فسخ الضمان،

[ 320 ]

[ وفي كون أحدهما عليه رهن دون الآخر (1)، بناء على افتكاك الرهن بالضمان. وإن كانا مختلفين قدرا أو جنسا أو تعجيلا وتأجيلا أو في مقدار الاجل فالثمر ظاهر. وإن رضي المضمون له باحدهما دون الآخر كان الجميع عليه (2). وحينئذ فان أدى الجميع رجع على الآخر بما أدى، حيث أن المفروض كونه مأذونا منه. وإن أدى البعض، فان قصد كونه مما عليه أصلا أو مما عليه ضمانا فهو المتبع. ويقبل قوله إن ادعى ذلك (3). ] فإذا فسخ استقر تمام المال على الموسر. (1) كما نص عليه في المسالك، معلا له بأن الضمان بمنزلة الاداء. وقد تقدم الكلام فيه في المسألة الثالثة والعشرين. (2) أما دينه الاول: فلانه لم ينتقل عنه بضمان صاحبه، لبطلانه. وأما دين صاحبه: فلانتقاله إلى ذمته بضمانه. (3) كما نص عليه في الشرائع في آخر كتاب الرهن، معللا له بأنه أبصر بنيته. وفي جامع المقاصد: " لانه أعرف بنيته ". وفي الجواهر: " بلا خلاف ولا اشكال ". وكأنه لبناء العقلاء والمتشرعة، نظير إخبار ذي اليد عما في يده، بل هو أولى منه، لانه إخبار عن النفس، وبناء العقلاء والمتشرعة على الاخذ به. نعم إذا كان في مقام النزاع ثم الرجوع إلى الحاكم الشرعي يتعين اليمين عليه، لانه منكر، فاليمين يحتاج إليه الحاكم الشرعي لفصل الخصومة، ولايحتاج إليه غيره لترتيب آثار الصدق. وهكذا جميع موارد الحجج، فان الحجة تكون مع المنكر ولا يكتفي بها الحاكم، بل يحتاج إلى يمين إذا لم يقم المدعي بينة على صدقه، لقوله صلى الله عليه وآله:

[ 321 ]

[ وإن أطلق ولم يقصد أحدهما فالظاهر التقسيط (1). ] " إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان " (* 1) وإن كان غير الحاكم يرتب آثار الواقع على الحجة التي تكون مع المنكر، فان المنكر من يوافق قوله الحجة، ولا يكتفي بها الحاكم في فصل الخصومة، لانحصار فصل الخصومة بالبينة واليمين. (1) كما نص عليه في القواعد. وفي جامع المقاصد: " لا متناع صرفه إلى أحدهما، نظرا إلى عدم الاولوية، فيتعين الاول لانحصار الحال فيهما ويحتمل صرفه الآن إلى ما شاء، لعدم القصد وامتناع وقوعه بدونه. ويضعف: بأن المدفوع إليه ملكه من حين القبض، فيمتنع أن لا يسقط شئ من الدين في مقابله، لان قبضه إنما كان عن جهته، فيتعين التوزيع لما قلنا من انتفاء الاولوية. وهو الاصح. وأعلم أن المصنف تردد في الرهن في نظائر هذه المسألة ثم رجع إلى الفتوى هنا " وفيه: أنه لا دليل على حصول الملك بالقبض كي يتعين التوزيع لعدم الاولوية، كيف وان كل واحد من الدينين متعين في نفسه، ولذا لوعينه في الوفاء تعين، فإذا كان متعينا في نفسه كان محتاجا إلى التعيين، لان الوفاء قصدي، وقصد الشئ يتوقف على ملاحظته بخصوصياته. وإلا فالتقسيط محتاج إلى مرحج كالتعيين لاحدهما، فالبناء على التقسيط لعدم المرجح ليس أولى من البناء على عدم التقسيط لعدم المرحج. وقد ذكر الاصحاب أنه إذا كان الواجب متعددا بلا تعيين امتنع التعيين في مقام الوفاء، فإذا جاء المكلف ببعض الواجب سقط البعض وبقي البعض بلا تعيين. فإذا كان عليه صوم أيام من شهر رمضان فصام يوما سقط يوم من تلك الايام بلا تعيين. وإذا كان الواجب متعددا مع تعين بعضه في مقابل البعض الآخر، كما إذا كان عليه صوم الكفارة وصوم


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب كيفية القضاء حديث: 1.

[ 322 ]

[ ويحتمل القرعة (1). ويحتمل كونه مخيرا في التعيين بعد ذلك (2) والاظهر الاول. وكذا الحال في نظائر المسألة، كما إذا كان عليه دين وعليه رهن ودين آخر لا رهن عليه فادى مقدار أحدهما (3)، أو كان أحدهما من باب القرض والآخر ثمن ] القضاء، فصام يوما ولم يعين بطل ولم يصح لاحدهما. وكذا في المقام مادام كل واحد من الدينين متعينا في نفسه في مقابل الآخر لم يحصل الوفاء القصدي إلا بقصد أحد المتعينين، وإلا خرج عن كونه قصديا. وأما قصد الجامع بين المتعينين، فليس قصدا لما في الذمة، لعدم كون الجامع المذكور في الذمة، وإنما الذي في الذمة كل واحد من المتعينين. هذا ما تقضيه المرتكزات العرفية. ونظير المقام ما إذا كان عليه قضاء رمضان من هذه السنة وقضاء رمضان من السنين السابقة، فان قضاء رمضان هذه السنة تجب المبادرة إليه قبل رمضان الثاني، فإذا لم يبادر كان عليه الكفارة، وليس كذلك قضاء رمضان السابق فإذا نوى صوما قضاء ولم يعين لم يصح لاحدهما. (1) كما احتملت فيما لو كان له زوجتان أو زوجات فقال: " زوجتي طالق " ولم ينو واحدة منهما. لكن هذا الاحتمال ضعيف في المقيس والمقيس عليه، إذ لا دليل على القرعة بعد أن كان موضوعها المشكل أو المشتبه (* 1) لعدم الاشكال والاشتباه بعد قيام الادلة على البطلان. (2) قد عرفت أنه هو المتعين الذي تقتضيه الادلة، فيبقى المدفوع على ملك الدافع إلى أن يعين المراد له. (3) فان المدفوع إن كان وفاء للاول بطل حق الرهانة لوفاء الدين، وإن كان عن الثاني فالحق بحاله لبقاء دينه.


(* 1) راجع الوسائل باب: 13 من أبواب كيفية القضا. ومستدرك الوسائل باب: 11 من ابواب كيفية القضاء.

[ 323 ]

[ مبيع (1)، وهكذا، فان الظاهر في الجميع التقسيط. وكذا الحال إذا أبرأ المضمون له مقدار احد الدينين مع عدم قصد كونه من مال الضمان أو من الدين الاصلي (2). ويقبل قوله إذا ادعى التعيين في القصد (3)، لانه لا يعلم إلا من قبله. (مسألة 28): لا يشترط علم الضامن حين الضمان بثبوت الدين على المضمون عنه (4)، كما لا يشترط العلم بمقداره (5)، فلو ادعى رجل على آخر دينا فقال: " علي ما عليه " صح. وحينئذ فان ثبت بالبينة يجب عليه أداؤه، سواء كانت سابقة أو لاحقة (6)، وكذا إن ثبت بإلاقرار ] (1) فان كان الوفاء للاول بقي حق الخيار من جهة عدم دفع الثمن. (2) فان كان من مال الضمان لم يرجع الضامن على المضمون عنه، وإن كان من غيره رجع، على ما تقدم. (3) قد تقدم وجهه. (4) قد يظهر من جامع المقاصد والمسالك وضوحه والتسالم عليه. وقد يظهر من عبارتي الشرائع والقواعد اشتراط ذلك، وسيأتي نقل ذلك في المسألة الآتية. وعمومات الصحة تقتضي عدم اشتراط ذلك. ولازم استدلال القائلين باشتراط العلم بمقدار المضمون بقاعدة نفي الغرر القول باشتراط العلم بوجوده لحصول الغرر بدونه. وقد أصر على ذلك في مفتاح الكرامة، ناسيا له إلى الاصحاب، مستدلا عليه بقاعدة نفي الغرر، مؤيدا له بالعقل. (5) تقدم الكلام فيه في المسألة الاولى. (6) لاطلاق عموم دليل حجية البينة الشامل للحالين. والعمدة في هذا

[ 324 ]

[ السابق على الضمان، أو باليمين (1) المردودة (2) كذلك (3) وأما إذا أقر المضمون عنه بعد الضمان أو ثبت باليمين المردودة فلا يكون حجة على الضامن إذا أنكره (4)، ويلزم عنه بادائه في الظاهر (5). ولو اختلف الضامن والمضمون له في ئبوت الدين أو مقداره، فأقر الضامن أورد اليمين على ] العموم رواية مسعدة بن صدقة المتضمنة قوله (ع): " والاشياء كلها على هذا حتى يتبين غير ذلك أو تقوم به البينة " (* 1). (1) كما صرح بذلك غير واحد، لحجيتهما. (2) بأن كان المضمون عنه قد أنكر الدين الذي يدعيه المضمون له ولم يقم المضمون له البينة على دعواه، فكان على المضمون عنه اليمين على النفي أو رد اليمين على المضمون له، فردها فحلف المضمون له على ثبوت دعواه. (3) يعني: قبل الضمان. (4) أما الاقرار فلانه إقرار في حق الغير. وأما اليمين المردودة فهي بمنزلة الاقرار من هذه الجهة، لا تكون حجة الا للحاكم في فصل الخصومة لقصور دليل حجيتها عن شمول ذلك. وقد أشرنا إلى الخلاف في حجية اليمين المردودة في المسألة الثالثة من (فصل فيه مسائل متفرقة) من كتاب النكاح. وعن أبي الصلاح وأبي المكارم حجية الاقرار، بل عن الثاني دعوى الاجماع عليه. وفيه: ما عرفت. والاجماع ممنوع. (5) هذا اللزوم غير ظاهر، للعلم بفراغ ذمة المضمون عنه، لانه إن كان مشغول الذمة قبل الضمان فقد برئت بالضمان، وإن كان برئ الذمة قبل الضمان فلا موجب لاشتغالها، فأخذ المال منه مما يعلم بعدم استحقاقه.


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب ما يكتسب به حديث: 4.

[ 325 ]

[ المضمون له فحلف، ليس له الرجوع على المضمون عنه إذا كان منكرا (1) وإن كان أصل الضمان باذنه. ولابد في البينة المثبتة للدين أن تشهد بثبوته حين الضمان، فلو شهدت بالدين اللاحق أو اطلقت ولم يعلم سبقه على الضمان أو لحوقه لم يجب على الضامن أداؤه (2). (مسألة 29): لو قال الضامن: " علي ما تشهد به البينة " وجب عليه أداء ما شهدت بئبوته حين التكلم بهذا الكلام (3)، لانها طريق إلى الواقع وكاشف عن كون الدين ثابتا حينه (4). فما في الشرائع من الحكم بعدم الصحة لاوجه له (5) ] (1) لعدم ثبوت الدين على المضمون عنه باقرار الضامن، لاختصاص حجيته به، ولا بيمين المضمون له المردودة لما عرفت. (2) لعدم ثبوت الدين حال الضمان لينتقل إلى ذمته، والاصل عدمه. (3) يعني: حين الضمان. (4) وإذا كان ثابتا حينه كان مضمونا على الضامن ومنتقلا إلى ذمته. (5) قال في الشرائع: " لو ضمن ما تشهد به عليه لم يصح، لانه لا يعلم ثبوته في الذمة وقت الضمان ". وقوله: " وقت الضمان " يحتمل فيه أن يكون قيدا للثبوت في الذمة، يعني: أن الثبوت في الذمة وقت الضمان غير معلوم، إما لعدم شهادة البينة بالثبوت وقت الضمان، وإنما كانت شهادتها بالثبوت حال الشهادة، وإما لعدم كونها حجة على الثبوت وقت الضمان وإن كانت قد شهدت بذلك. ويحتمل أن يكون قيدا للعلم، يعني: لا يعلم وقت الضمان بالثبوت في الذمة، ومقتضى الاخير اعتبار العلم وقت الضمان بالثبوت في الذمة، فإذا لم يعلم حين الضمان الثبوت في الذمة لم يصح الضمان،

[ 326 ]

كما أصر على ذلك في مفتاح الكرامة، حاملا عبارات الاصحاب عليه، كما أشرنا إليه آنفا، فيكون مخالف لما تقدم في المسألة السابقة، كما أشرنا إليه هناك. وعلى الاحتمالين السابقين لا تعرض فيه لذلك. والمصنف حملها على الاحتمال الثاني منهما. وهو غير ظاهر، إذ لا خلاف من أحد في حجية البينة، فكيف يحتمل الخلاف من المحقق (ره)؟! والاول منهما أيضا غير ظاهر، إذ ربما تشهد بالثبوت وقت الضمان، كما ربما تشهد بالثبوت في الجملة، فاطلاق عدم شهادتها بالثبوت حال الضمان لاوجه له. ومثلها في هذه الاحتمالات عبارة القواعد، قال: " ولو ضمن ما تقوم به البينة لم يصح، لعدم العلم بثبوته حينئذ ". نعم ظاهر عبارة المختلف أن المراد الاحتمال الاول، قال في الختلف: " قال الشيخ في المبسوط: قال قوم من أصحابنا أنه يصح أن يضمن ما تقوم به البينة، دون ما يخرج به دفتر الحساب. ولست أعرف به نصا. وفي هذه العبارة اشكال، وعبارة المفيد وأبي الصلاح هنا أحق، وهو أنه يضمن حقه عليه، إذ ما تقوم به البينة لا يعلم ثبوته وقت الضمان، فلا يصح، لانه يكون ضمان ما لم يجب " فان الظاهر أن وجه الفرق بين عبارة قوم من أصحابنا وعبارة المفيد وأبي الصلاح: أن الثانية من قبيل ما علم ثبوته حال الضمان لان المفروض أن المضمون الحق الذي عليه، والثانية من قبيل ما لم يعلم ثبوته حال الضمان، لعدم شهادة البينة بذلك، ولذلك كان من قبيل ضمان ما لم يجب، يعني: ضمان ما لم يعلم أنه وجب، لعدم ثبوت البينة بثبوته، فيحتمل أن يكون من ضمان ما لم يجب. وفي المسالك حمل عبارة الشرائع على إرادة ضمان الجامع بين الثابت وقت الضمان وغيره، فانه لا يصح ضمان الجامع المذكور، ثم قال: " فعلى هذا لو صرح بقوله: ما يشهد عليه ان كان ثابتا وقت الضمان، فلا مانع

[ 327 ]

[ ولا للتعليل الذي ذكره بقوله: " لانه لا يعلم ثبوته في الذمة " إلا أن يكون مراده في صورة إطلاق البينة المحتمل للثبوت بعد الضمان. وأما ما في الجواهر (1) من أن مراده بيان عدم صحة ضمان ما يثبت بالبينة من حيث كونه كذلك، لانه من ضمان ما لم يجب، حيث لم يجعل العنوان ضمان ما في ذمته لتكون البينة طريقا، بل جعل العنوان ما يثبت بها، والفرض وقوعه قبل ثبوته بها. فهو - كما ترى - لا وجه له (2). ] من الصحة كما لو ضمن ما في ذمته، ولزمه ما تقوم به البينة إن كان ثابتا ". وكأنه اخذه من جامع المقاصد، فانه في شرح عبارة القواعد المتقدمة قال: " لو قال لعدم دلالة عقد الضمان على ضمان ما في الذمة حينئذ لكان أولى، وتخرج العبارة على أن المراد لعدم العلم بثبوته من صيغة الضمان... " يعني: أن صيغة الضمان بالمعنى المذكور لاتدل على ضمان ما ثبت، لان ما ثبت أخذ بنحو الاجمال والاهمال لا بنحو الاطلاق. فلا يتوجه عليه ما في الجواهر، من أنه إذا أخذ مطلقا كان اللازم البناء على الصحة على تقدير شهادة البينة بالثبوت حال الضمان، فلا وجه لاطلاق البطلان. فانه يتم لو كان المراد مطلق ما تشهد به البينة، وليس كذلك بل المراد ما تشهد به في الجملة. (1) قال في الجواهر: " ولعل الاولي تفسير ذلك بارادة بيان عدم صحة ضمان ما يثبت بالبينة من حيث كونه كذلك، لانه حيئنذ من ضمان ما لم يجب، ضرورة عدم جعل عنوان الضمان في ذمته والبينة طريق لمعرفته، بل كان العنوان ما يثبت بها، والفرض وقوعه قبل ثبوته. ومن هنا أردف التعليل المزبور في المختلف بقوله: فلا يصح لانه ضمان ما لم يجب ". (2) إن كان المراد أنه لا وجه للحكم المذكور على تقدير كون المراد

[ 328 ]

[ (مسألة 30): يجوز الدور في الضمان (1)، بأن يضمن عن الضمان ضامن آخر، ويضمن عنه المضمون عنه ] ذلك فوجهه ظاهر لانه من ضمان ما لم يجب. وإن كان المراد أنه لاوجه لحمل العبارة عليه لانه بعيد، فهو ليس بأبعد مما ذكره من الحمل. وبالجملة: عبارتا الشرائع والقواعد ونحوهما تحتمل معاني كثيرة قد حملها كل واحد من الاكابر على واحد منها. فحملها في مفتاح الكرامة على عدم العلم حال الضمان بالثبوت حاله، فيكون من ضمان مجهول الثبوت، وهو غير صحيح، لاشتراط العلم بالثبوت حال الضمان. وحملها في المسالك وجامع المقاصد على ضمان ما لم يكن مفروض الثبوت حال الضمان. وحملها في الجواهر على ضمان ما عنون بعنوان غير ثابت حال الضمان. وحملها المصنف على عدم العلم حتى بعد الضمان بالثبوت، لعدم حجية البينة، والمحامل الثلاثة الاخيرة بعيدة جدا عن العبارات المذكورة. والمحمل الاول وإن كان قريبا بالنظر إلى نفس التعبير، لكنه بعيد عن سيرة الاصحاب، إذ لو كان العلم وقت الضمان بثبوت الدين شرطا للضمان كان اللازم عده في جملة شرائطه التي فصلت في كتبهم، لا إهماله الاشارة إليه بمثل هذه العبارة. مضافا إلى عدم الدليل على شرطيته غير عموم نفي الغرر، وهو غير ثابت. ولذا بني على عدم اشتراط العلم بمقدار الدين المضمون. وأما تأييد الشرطية بالعقل - على ما ذكر في مفتاح الكرامة - فغير ظاهر. هذا بالنظر إلى كل من الاحتمالات في نفسه. لكن إذا دار الامر بينها فالاقرب ما ذكره في المسالك وجامع المقاصد. (1) كما صرح به جماعة، وفي الجواهر: " لا إشكال في جواز الدور. خلافا للمحكي عن الشيخ في المبسوط، فمنعه، لصيرورة الفرع أصلا وبالعكس، ولعدم الفائدة فيه ".

[ 329 ]

[ الاصيل. وما عن المبسوط من عدم صحته لاستلزامه صيرورة الفرع أصلا وبالعكس، ولعدم الفائدة لرجوع الدين كما كان مردود بأن الاول غير صالح للمانعية (1)، بل الثاني أيضا كذلك (2). مع أن الفائدة تظهر في الاعسار واليسار (3)، وفي الحلول والتأجيل، والاذن وعدمه. وكذا يجوز التسلسل بلا إشكال (4). (مسألة 31): إذا كان المديون فقيرا يجوز أن يضمن عنه بالوفاء من طرف الخمس أو الزكاة أو المظالم أو نحوها من الوجوه التي تنطبق عليه (5)، إذا كانت ذمته مشغولة بها فعلا، بل وإن لم تشتغل فعلا، على إشكال. ] (1) إذ لا محذور في صيرورة الفرع أصلا ولا في عكسه. (2) إذ لا محذور فيه، لان مجرد عدم الفائدة لا يوجب الخروج عن إطلاق الادلة المقتضية للصحة. (3) كما تقدم نظير ذلك في المسألة السابعة والعشرين. (4) كما في الجواهر، أولا شبهة في جوازه كما في المسالك، أو الظاهر عدم الخلاف فيه عند الاصحاب كما عن مجمع البرهان. (5) تارة: يكون المراد نقل الدين من ذمة الفقير إلى مصرف الخمس أو غيره، بأن يكون المتعهد المصرف الخاص. وأخرى: يكون المراد النقل إلى ذمة الضامن ويكون الاداء من الحق الخاص. وثالثة: بأن يكون المراد التعهد بالوفاء من الحق الخاص من دون اشتغال ذمته بالمال، لان التعهد كان بالفواء لا بالمال. أما الاول: فتتوقف صحته على ولاية الضامن على الحق بحيث بجعله مدينا للمضمون له، نظير ما إذا

[ 330 ]

[ (مسألة 32): إذا كان الدين الذي على المديون زكاة أو خمسا جاز إن يضمن عنه ضامن للحاكم الشرعي (1)، ] اشترى ولي الزكاة علفا لانعام الصدقة، فان الثمن يكون على الزكاة لاعلى، الولي، فإذا لم يكن له ولاية على الحق لم يصح منه أن يجعله مدينا للمضمون له. وثبوت هذه الولاية غير واضح من الادلة، خصوصا في الخمس ورد المظالم والكفارات ونحوها من الحقوق التي يجب تمليكها إلى الفقير، فانه لا تبرأ ذمة من عليه الحق إلا بالتمليك، والوفاء على النحو المذكور ليس تمليكا. أما ما لا يجب فيه التمليك كالزكاة فانه قد تبرأ ذمة المالك بالصرف في مصارفها من دون تمليك. لكن الولاية للمالك على هذه الاستدانة عليها غير ثابته. بل ثبوتها للحاكم الشرعي غير ظاهر، لقصور أدلة ولاية الحاكم الشرعي عن شمول مثل ذلك، وإن كانت له ولاية على الاستدانة عليها إذا قضت الضرورة بذلك، لكن عموم الولاية لما نحن فيه بحيث يجعل الضمان على الزكاة غير ثابت. مضافا إلى أنه قد تقدم في المسألة الرابعة والعشرين أن نقل الدين من ذمة المضمون عنه إلى نفس المال المعين لا يصح عند المصنف، فكيف صح هنا عنده؟!. وأما الثاني: فهو أوضح إشكالا، لان صرف الحقوق في الوفاء عن ذمة المالك لا يصح في الزكاة فضلا عن غيرها، فلا يصح اشتراطه. وأما الثالث: فهو وعد بالوفاء لا يجب العمل به، ولا يوجب انتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة أخرى (1) لانه الولي عليه، فيكون هو المضمون له، لان المراد من المضمون له من له ولاية المال، سواء كان مالكا له أم وليا عليه وإن لم يكن الدين مملوكا لمالك كالزكاة. وإن شئت قلت: المضمون له الجهة المختص بها المال، والحاكم ولي عليها، فبقبوله يتم الضمان. وكذلك الحكم في

[ 331 ]

[ بل ولآحاد الفقراء، على إشكال (1). (مسألة 33): إذا ضمن في مرض موته، فان كان باذن المضمون عنه فلا إشكال في خروجه من الاصل، لانه ليس من التبرعات، بل هو نظير القرض والبيع بثمن المثل نسيئة (2). وإن لم يكن باذنه فالاقوى خروجه من الاصل كسائر المنجزات. نعم على القول بالثلث يخرج منه (3). (مسألة 34): إذا كان ما على المديون يعتبر فيه مباشرته لا يصح ضمانه (4)، كما إذا كان عليه خياطة ثوب ] الصدقات المعينة للجهات إذا كانت دينا فضمنه الجهة المعينة اعتبر قبول الولي الخاص إن كان، وإلا كان القبول من الحاكم الشرعي. كل ذلك لعموم الادلة المقتضية للصحة. (1) ظاهر، لان آحاد الفقراء لا يملكون المال، بل ولا حق لهم فيه، إذ لادليل على شئ من ذلك، فلا ولاية لهم عليه. (2) كما صرح بذلك في المسالك وغيرها. (3) كما جعله الاصلح في الشرائع - قال (ره): " إذا ضمن المريض في مرضه ومات فيه خرج ما ضمنه من ثلث تركته على الاصح " - لبنائه على خروج المنجزات من الثلث، وقوله (ره): " خرج ما ضمنه من ثلث تركته " ظاهر في الضمان التبرعي الذي يحتاج إلى المخرج، إذ الضمان المأذون فيه لا نقص فيه مالي كي يحتاج إلى مخرج. (4) لامتناع انتقاله إلى ذمة غير المديون، لان ما في ذمة غير المديون ليس مصداقا لما في ذمة المديون. اللهم إلا أن يقال: لا مانع من تعهد غير المديون بفعل المديون، فمباشرة الخياطة مثلا إنما تقتضي اعتبار صدور

[ 332 ]

[ مباشرة، وكما إذا اشترط أداء الدين من مال معين للمديون (1) وكذا لا يجوز ضمان الكلي في المعين (2)، كما إذا باع صاعا من صبرة معينة، فانه لا يجوز الضمان عنه والاداء من غيرها مع بقاء تلك الصبرة موجودة. (مسألة 35): يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة (3) ] الخياطة من المديون ولا تقتضي اعتبار اشتغال ذمته به، فيجوز أن يتعهد غير الخياط بفعل الخياط، بأن يستأجر زيد على خياطة ثوب، ويشترط أن يكون المباشر للخياطة عبده أو أجيره. (1) يمكن مجئ الاشكال السابق فيه أيضا، بأن يتعهد زيد بالوفاء من مال عمرو، فاعتبار الوفاء من مال معين لا يقتضي اختصاص التعهد به بمالك المال، بحيث لا يمكن أن يتعهد به غيره وتشتغل ذمته به. (2) لا يخفى أن الكلي في المعين ليس ثابتا في ذمة فلا يكون ضمانه من ضمان ما في الذمة، الذي هو موضوع كتاب الضمان، على ما عرفت في الشرط الثامن. ومع غض النظر عن ذلك فلو ضمنه بقصد الاداء من تلك الصبرة لامانع من صحته، ولو ضمنه بقصد الاداء من صبرة أخرى مع بقاء تلك الصبرة لم يصح، لان الاداء من الصبرة الاخرى ليس أداء للمضمون، بل أداء لغيره. (3) قال في الشرائع: " ويصح ضمان النفقة الماضية والحاضرة للزوجة، لاستقرارها في ذمة الزوج دون المستقبلة ". ونحوه في القواعد باسقاط التعليل. وحكي عن كثير من كتب القدماء والمتأخرين. وفي مفتاح الكرامة عن مجمع البرهان: " لعله لا خلاف فيه " ثم قال: " وهو كذلك ". وفي الجواهر في الماضية نفي الخلاف والاشكال. ويظهر من المسالك التسالم على الحكم في الماضية والحاضرة.

[ 333 ]

[ لانها دين على الزوج. وكذا نفقة اليوم الحاضر لها إذا كانت ممكنة في صبيحته، لوجوبها عليه حينئذ (1). وإن لم تكن ] (1) قال في الشرائع: " الزوجة تملك نفقة يومها مع التمكين "، وظاهره أنها تملك نفقة اليوم في أول اليوم مع التمكين، كما لعله صريح القواعد، حيث قال: إنها تملك النفقة في صبيحة اليوم. وظاهر المسالك: أنه لا اشكال فيه. وكذا ظاهر غيرها. وعلله في المسالك: بأنها تحتاج إلى الطحن والخبز والطبخ، إذ الواجب عليه دفع الحب ونحوه ومؤنة إصلاحه، لاعين المأكول مهيئا، عملا بالعادة، فلو لم يسلم إليها في أول النهار لم تنله عند الحاجة ". ويشكل بمنع الاكتفاء بدفع الحب ونحوه، إذ هو خلاف إطلاق النفقة والرزق، وإلا لاجزأ دفع الصوف والقطن في نفقة الكسوة. مع أنه لو سلم ذلك كان اللازم الدفع في الوقت الذي لابد منه في تحصيل المأكول والملبوس، فقد يقتضي تقديمه على اليوم، كما هو الغالب، فان دفع الحب لا يكفي في أكلة الصبح، وقد يقتضي تأخيره عن الصبح إذا كانت المقدمات تتهيأ في جزء يسير من الزمان. وبالجملة: تعيين أول اليوم لادليل عليه، ومقتضي الادلة حصول الملك عند الحاجة. ولذلك اعترف في الجواهر: بأن أدلة الانفاق لا تقتضي الملك، فضلا عن ثبوته في صبيحة اليوم. لكن الظاهر من قوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (* 1) هو الملك. اللهم الا أن يحمل الرزق والكسوة على المصدر لا العين. لكن لازم ذلك السقوط بخروج الوقت، فلا تقضى إذا فاتت، وهو خلاف المتسالم عليه. وكون العادة جارية على البذل لا ينافي ذلك إذا كان البذل مع التراضي، فانه يجوز وفاء الدين بغير جنسه إذا كان مع التراضي.


(* 1) البقرة: 233.

[ 334 ]

[ مستقرة لاحتمال نشوزها في أثناء النهار، بناء على سقوطها بذلك (1). ] (1) الاحتمالات في نفقة الممكنة في أول اليوم إذا نشزت في أثناء النهار ثلاثة: الاول: أن تكون ثابتة في ذمة الزوج أول اليوم، ولا يجوز استرجاعها إذا طرأ النشوز في أثناء النهار. الثاني: أن تكون ثابتة في الذمة أول اليوم ويكون النشوز مسقطالها بعد الثبوت. الثالث: أن تكون ثابتة في الذمة أول اليوم ثبوتا مراعى باستمرار التمكين، فإذا نشزت في أثناء النهار انكشف عدم الثبوت من أول الامر. والذي يقتضيه إطلاق الادلة هو الاخير، لان النشوز مانع من استحقاق النفقة، فإذا حصل في أثناء النهار انكشف عدم الاستحقاق من أول الامر. ودعوى: حصول الاستحقاق بالتمكين أول اليوم، فيكون النشوز مانعا من بقائه وموجبا لسقوطه بعد الثبوت. لادليل عليها، ولا تساعدها أدلة المقام، كما أن الزوجية موضوع النفقة فإذا زالت بالموت أو الطلاق انكشف عدم الحكم لعدم موضوعه. ودعوى: أن الموضوع هو الزوجية في صبيحة اليوم، فإذا كانت زوجة حينئذ استحقت نفقة اليوم تامة، وغير ظاهر من الادلة. ومن ذلك يشكل ما في القواعد من أنها إذا ماتت أو طلقها في أثناء النهار لم يسترد النفقة لانها ملكتها. كما يشكل الفرق بين الطلاق والموت وبين النشوز حيث حكم في القواعد أيضا بالاسترداد فيه دونهما إذا طرأ في أثناء النهار، على إشكال، من تقديم القبض الموجب للملك قبل النشوز، ومن أن التمكين شرط في ملك النفقة. إذ لا يخفى أن دخل الزوجية في استحقاق النفقة أأكد من دخل التمكين فيه، فكيف لا يكون فوات الزوجية بالموت أو الطلاق موجبا لفوات الاستحقاق وفوات التمكين موجبا لذلك؟! وفي بعض عبارات القواعد أنه لا تسترد النفقة في الطلاق

[ 335 ]

[ وأما النفقة المستقبلة فلا يجوز ضمانها عندهم، لانه من ضمان ما لم يجب. ولكن لا يبعد صحته، لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية (1). وأما نفقة الاقارب فلا يجوز ضمانها بالنسبة إلى ما مضى، لعدم كونها دينا على ما كانت عليه (2)، ] في أثناء النهار، وتسترد في موتها أو موته أو نشوزها. وهو كما ترى. فإذا التحقيق أن الجميع من باب واحد، وأن فوات كل منها موجب لفوات الاستحقاق. والملك في أول اليوم إن تم فهو مراعي ببقاء الموضوع والشرط، ومع انتفاء واحد منهما ينكشف فوات الاستحقاق من أول الامر. وعلى هذا فصحة ضمان النفقة الحاضرة مراعاة ببقاء التمكين. وأما ما ذكره المصنف من احتمال ثبوت الملك أول النهار، ويستقر باستمرار التمكين فإذا طرأ النشوز بطل التمليك. فهو ظاهر التعبير بالاسترداد في كلام الجماعة. قال في المسالك: " وأما الحاضرة فلا إشكال في وجوبها وثبوتها في الذمة مع التمكين، أما استقرارها ففيه نظر، مبني على أنه لو نشزت في أثناء النهار هل تسترد نفقة ذلك اليوم أم لا؟ فيه خلاف، يأتي إن شاء الله الكلام فيه " وظاهر أن القائلين بالاسترداد يقولون بالسقوط بعد الثبوت " لا أنه كاشف عن عدم الثبوت من أول الامر، كما عرفت أنه ظاهر الادلة. وكيف كان فالاشكال في كون الملك لتمام نفقة اليوم أول اليوم أو أن الملك يكون حين الحاجة إلى النفقة بالنسبة إلى ابعاضها في اليوم - كما هو ظاهر الادلة - لا ينافي صحة ضمان النفقة الحاضرة بناء على الملك، لحصول الملك واشتغال الذمة المصحح للضمان على كل حال. (1) قد تقدم الاشكال فيه في الشرط الثامن من شروط الضمان فراجع. (2) فلا تقضى بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهر بعضهم الاجماع عليه.

[ 336 ]

[ الا إذا أذن للقريب أن يستقرض (1) وينفق على نفسه، أو أذن له الحاكم في ذلك (2)، أذ حينئذ يكون دينا عليه (3). وأما بالنسبة إلى ما سيأتي (4) فمن ضمان ما لم يجب. مضافا إلى أن وجوب الانفاق حكم تكليفي (5)، ولا تكون النفقة ] كذا في الجواهر. لكن قال بعد ذلك: " قد يشكل أصل عدم وجوب القضاء بأن الاصل القضاء في كل حق مالي لآدمي ودعوي: كون الحق هنا خصوص السد الذي لا يمكن تداركه، واضحة المنع بعد إطلاق الادلة المزبورة، وحرمة العلة المستنبطة عندنا ". وفيه: أن أدلة النفقة للاقارب قاصرة عن إثبات ملك المال. ففي خبر حريز: " قلت لابي عبد الله (ع): من الذي أجبر عليه وتلزمني نفقته؟ فقال: الوالدان والولد والزوجة " (* 1) ونحوه غيره. وهي - كما ترى - لا تعرض فيها لملك عين النفقة، بل ظاهرها التكليف بالبذل للنفقة في زمان الحاجة إليها، فلا موضوع له بالنسبة إلى الزمان الماضي، فلا يتضح هذا الاطلاق المقتضي للقضاء. (1) هذا واضح، فان الاذن كان في صحة الاستقراض. (2) كما ذكره في الشرائع وغيرها، ويظهر منهم المفروغية عن صحته. (3) لكن الذين يكون للمقرض، لا للقريب المستقرض. (4) ظاهره خصوص المستقبلة. (5) إن كان مورد كلامه المستقبلة فكونها من قبيل الحكم التكليفي أيضا غير ظاهر، لعدم ثبوت هذا التكليف بالنسبة إلى الزمان المستقبل. نعم يتم بالنسبة إلى الزمان الحاصر لو بني على الاقتصار على ما تحت عبارة النصوص. أما بالنظر إلى جواز مطالبة القريب بالنفقة، وعرض الامر على الحاكم الشرعي، وإذنه في الاستدانة لها، فيتعين البناء على عدم كونها تكليفا


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب النفقات حديث: 3.

[ 337 ]

[ في ذمته. ولكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال (1). ] بحتا، بل على كون القريب يملك الانفاق عليه أو النفقة، إذ لولا الملك والحق الوضعي لم تجز المطالبة إلا من باب الامر بالمعروف. لكنه يختص بشرائط لا مجال له مع فقدها. وكذلك لولا الحق الوضعي لا وجه لرفع الامر إلى الحاكم، ولا لاذنه بالاستقراض، كما هو واضح. نعم لما كان الحق مرددا بين الحقين لا مجال للاستصحاب في إثبات القضاء، لانه من قبيل الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد، وهو غير حجة، فيتعين الرجوع في وجوب قضائه إلى أصالة البراءة، فهو حق وضعي لا تكليف محض. (1) لما عرفت. مضافا إلى بنائهم على صحة ضمانها، فقد ذكر في القواعد أنه يصح ضمان النفقة الحاضرة للقريب دون الماضية والمستقبلة. وفي التذكرة: " أما نفقة اليوم فالاقرب جواز ضمانها، لوجوبها بطلوع الفجر ". ونحوه في المسالك وعن مجمع البرهان. ومن المعلوم أن الضمان لا يصح في التكليف، فلابد أن يكون الانفاق حقا ماليا مملوكا للقريب ويكون المضمون هو ذلك الحق المالي. وإن كان ظاهر كلامهم أن المضمون عين النفقة، كما يقتضيه أيضا سوقها مساق نفقة الزوجة التي يكون المضمون منها عين النفقة بلا شبهة. لكن لا مجال للاخذ بهذا الظاهر، إذ لادليل عليه، بل لا يتناسب مع فتواهم بعدم قضاء الماضية. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن وجوب الانفاق ليس من باب التكليف، بل من باب الحق المالي. (الثاني): أن هذا الحق في الزوجة لما كان مشروطا بالتمكين وعدم النشوز لا يكون ثابتا الا عند الحاجة مع حصول الشرط، ولا يثبت قبله. وما ذكره الاصحاب من أن نفقة اليوم تثبت للزوجة عند طلوع الفجر غير ظاهر، بل تثبت نفقة الصبح عند حصوله مع الشرط، ونفقة الظهر عند حصوله كذلك،

[ 338 ]

[ (مسألة 36): الاقوى جواز ضمان مال الكتابة (1) سواء كانت مشروطة أو مطلقة، لانه دين في ذمة العبد (2) وإن لم يكن مستقرا لامكان تعجيز نفسه (3). والقول بعدم الجواز مطلقا (4)، أو في خصوص المشروطة معللا بأنه ] ونفقة العشاء عند حصوله كذلك، وكذلك نفقة القريب. وعلى تقدير البناء على ثبوت الملك عند الفجر فهو مراعى ببقاء الشروط. (الثالث): أن الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب: أن الاولى من قبيل ملك النفقة، والثانية من قبيل ملك الانفاق. (الرابع): أن عبارة المصنف أهملت التعرض لنفقة القريب الحاضرة، مع أنها أولى من غيرها بالتعرض، لذكر الاصحاب لها بالخصوص من حيث جواز الضمان، وإن كان التعليل الثاني كافيا في المنع عن ضمانها. لكن عرفت إشكاله. (الخامس): أن التحقيق جواز ضمان نفقة القريب الحاضرة كنفقة الزوجة الحاضرة. كما ذكره الجماعة آنفا. وكون الثابت في الثانية ملك العين وفي الاولى ملك الانفاق لايجوب الفرق بينهما في ذلك، فان الانفاق حق مالي في الذمة يقبل الانتقال منها إلى ذمة أخرى، وليس من قبيل الحكم التكليفي الذي لا يقبل ذلك، فكما أن الخياطة إذا كانت دينا يجوز ضمانها كذلك الانفاق. (1) وفي الشرائع: أنه حسن وفي التذكرة والقواعد: أنه أقرب. وحكي عن الارشاد والتحرير والمختلف. وفي جامع المقاصد: أنه الاصح وفي المسالك: أنه يصح. وحكي نحو ذلك عن غيرها. (2) هذا ممالا خلاف فيه حتى من الشيخ (ره)، كما سيأتي كلامه ووجه خلافه. (3) لانه إذا عجز نفسه بطلت المكاتبة، فتبرأ الذمة من مالها. (4) ذكره الشيخ في المبسوط، لانه لا يلزم العبد في الحال، لان

[ 339 ]

[ ليس بلازم ولا يؤول إلى اللزوم. ضعيف كتعليله (1). ] للمكاتب إسقاطه بفسخ الكتابة للعجز، فلا يلزم العبد في الحال، ولا يؤول إلى اللزوم، لانه إذا أداه أعتق وإذا أعتق خرج عن أن يكون مكاتبا، فلا يتصور أن يلزم في ذمته مال الكتابة بحيث لا يكون له الامتناع من أدائه، فهذا المال لا يصح ضمانه، لان الضمان إثبات مال في الذمة والتزام لادائه، وهو فرع لزومه للمضمون عنه، فلا يجوز أن يكون ذلك المال في الاصل غير لازم ويكون في الفرع لازما، فلهذا منعنا من ضمانه. وهذا لا خلاف فيه. انتهى. هذا وفي المسالك: أن موضع الخلاف الكتابة المشروطة كما بينا، إذ لا خلاف في المطلقة، فاطلاقها من المصنف غير جيد. انتهى. وما ذكر غير ظاهر، لاطلاق عبارة المبسوط، وقد صرح جماعة بأن الخلاف لا يختص بالمشروطة كما ذكر في الشرائع. نعم ما حكاه في الشرائع من أن بناء الشيخ (ره) على جواز تعجيز العبد نفسه يختص بالمشروطة، وأنها الجائزة دون المطلقة يقتضي اختصاص خلافه بها دون المطلقة، وإن كان هذا التخصيص من الشيخ غير ظاهر. (1) قد يظهر من العبارة تعليلان للحكم. الاول: أن مال الكتابة في ذمة العبد غير لازم. وهو كما ترى أولا: من أجل أن عدم اللزوم غير مانع من صحة الضمان، فيكفي في الضمان الثبوت في الذمة، كما سبق في شرائط الضمان، فيكون كضمان الثمن في مدة الخيار. وثانيا: أن المشهور المنصور لزومه من جهة العبد، قال في الشرائع: " الكتابة عقد لازم، مطلقة كانت أو مشروطة. وقيل: إن كانت مشروطة فهي جائزة من جهة العبد، لان له أن يعجز نفسه. والاول أشبه، ولا نسلم أن للعبد أن يعجز نفسه، بل يجب عليه السعي، ولو امتنع يجبر. وقال الشيخ: لا يجبر وفيه إشكال، من حيث اقتضاء عقد الكتابة وجوب

[ 340 ]

[ وربما يعلل: بأن لازم ضمانه لزومه، مع انه بالنسبة إلى المضمون عنه غير لازم، فيكون في الفرع لازما مع أنه في الاصل غير لازم (1). وهو أيضا كما ترى (2). (مسألة 37): اختلفوا في جواز ضمان مال الجعالة قبل ] السعي، فكان الاشبه الاجبار. لكن لو عجز كان للمولى الفسخ ". وما ذكره مقتضى القواعد، كما أشار إليه في كلامه، لان الاصل اللزوم. (1) هذا هو التعليل الثاني من التعليلين الذين ذكرهما في عبارة المبسوط المتقدمة. ويحتمل أن مفاد العبارة تعليل واحد، وهو هذا الاخير. وحاصله: أنه لا يجوز ضمان غير اللازم، لانه يؤدي إلى أن يكون الفرع غير لازم والاصل لازما. فيكون الاول من قبيل الصغرى له. (2) لانه لم يتضح وجه منعه من صحة الضمان إذ يكون من قبيل ضمان الثمن في مدة الخيار. والذي يتحصل في الاشكال على الشيخ: أنه إن كان المانع من صحة ضمان مال الكتابة هو الجواز مطلقا. ففيه أولا: أنها ليست جائزة. ولو سلم فليس بمانع، إذ لا دليل على منعه. وإن كان الجواز الذي لا يؤول إلى اللزوم ولذلك افترق عن ثمن البيع الخياري. ففيه: - أيضا - أنه ليس بفارق، ولا دليل على الفرق به. وإن كان قاعدة عدم جواز زيادة الفرع على أصله. ففيه: أنها ليست قاعدة عقلية على نحو يجب تخصيص الادلة الشرعية لاجلها. كما أن المتحصل في الاشكال على المصنف: أنه جزم أن الاول تعليل للمنع، واحتمل أن يكون الثاني تعليلا ثانيا، مع أن الاولى العكس وأن الثاني هو تعليل الحكم، ويحتمل أن يكون الاول تعليلا آخر " كما يحتمل أن يكون تمهيدا للتعليل الثاني، نظير الصغرى للكبرى.

[ 341 ]

[ الاتيان بالعمل، وكذا مال السبق والرماية، فقيل بعدم الجواز (1). لعدم ثبوته في الذمة قبل العمل. والاقوى - وفاقا لجماعة - الجواز (2)، لا لدعوى ثبوته في الذمة من الاول وسقوطه إذا لم يعمل (3)، ولا لثبوته من الاول بشرط مجئ العمل في المستقبل (4)، إذ الظاهر أن الثبوت انما هو بالعمل، بل ] (1) قال في جامع المقاصد: " والفرق بينه (يعني: مقال الجعالة) وبين الثمن في مدة الخيار ظاهر، لان الثمن حينئذ ثابت، غاية ما في الباب أنه متزلزل، بخلاف الجعل فانه لا ثبوت له أصلا، والمتجه عدم الجواز قبل الفعل ". ونحوه في المسالك. (2) كما عن المبسوط والتحرير ومجمع البرهان وغيرها. وفي القواعد: " الخامس: الحق المضمون. وشرطه المالية، والثبوت في الذمة وإن كان متزلزلا كالثمن في مدة الخيار، والمهر قبل الدخول. أو لم يكن لازما لكن يؤول إليه كمال الجعالة قبل العمل، ومال السبق والرماية "، ونحوه في الشرائع، لكن قال بعد ذلك: " وفيه تردد ". وصريحهما الثبوت في الذمة، كظاهر الاستدلال عليه بالعمومات، مثل قوله صلى الله عليه وآله: " الزعيم غارم " (* 1). (3) فيكون عدم العمل بمنزلة الفسخ. (4) فيكون العمل بمنزلة الشرط المتأخر، فان تحقق العمل تبين ثبوت الجعل من حين الجعالة. وهذان الاحتمالان جعلهما في الجواهر مبني للقول بصحة الضمان، ثم قال: " ولعل ذلك لا يخلو من قوة ". ولكنه غير ظاهر، فان مفاد الجعالة ثبوت مال على تقدير العمل، لا الثبوت وملك العمل كالاجارة. ولذا ذكروا من غير خلاف أن العامل


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب كتاب الضمان حديث: 2.

[ 342 ]

[ لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) (* 1) (1). ولكفاية المقتضي للثبوت في صحة الضمان (2) ومنع اعتبار الثبوت الفعلي، كما أشرنا إليه سابقا. (مسألة 38): اختلفوا في جواز ضمان الاعيان المضمونة - كالغصب والمقبوض بالعقد الفاسد، ونحوهما - على قولين، ] يستحق الجعل بالعمل الذي جعل له الجعل، فان جعل للتسليم لم يستحق الجعل الا بالتسليم، وان جعل لغيره لم يستحق الجعل الا بفعل ذلك الغير. وبالجملة: ظاهر قول الجاعل: " إن فعلت كذا فلك كذا " أن الملك يكون على تقدير العمل وفي حينه، فلا يكون قبله، لا منوطا به بنحو الشرط المتأخر، ولا غير منوط به، فان ذلك خلاف الظاهر، وخلاف ظاهر كلماتهم في كتاب الجعالة، فكيف يصح البناء على ثبوته قبله وإن كان غير لازم أو غير مستقر؟! فانه لا مأخذ له. وعلى هذا فضمان المال المذكور من ضمان ما لم يجب. وعن المختلف الاستدلال على صحة الضمان بمسيس الحاجة إليه، فجاز ضمانه، كقوله: " الق متاعك في البحر وعلي ضمانه ". وهو كما ترى، فان ذلك لا يصلح لتشريع ما لم يشرع. (1) وفيه: أن الآية إنما دلت على مشروعية التعهد على النحو المذكور ولا دلالة فيها على أنه من الضمان الذي هو محل البحث، أو هو من قبيل الوعد الذي لا يجب الوفاء به، فلا دلالة لها على شئ من ذلك. (2) هذا خلاف ما تقدم من اعتبار كون الحق المضمون ثابتا في الذمة، وكون الضمان نقل ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فإذا لم يكن ثبوت في ذمة المضمون عنه لم يكن ثبوت في ذمة الضامن أيضا. فلو صح مثل هذا الضمان لم يكن من الضمان المصطلح، بل كان بمعنى آخر.


(* 1) يوسف: 72.

[ 343 ]

[ ذهب إلى كل منهما جماعة. والاقوى الجواز (1)، سواء كان المراد ضمانها بمعنى التزام ردها (2) عينا ومثلها أو قيمتها على فرض التلف، أو كان المراد ضمانها بمعنى التزام مثلها أو قيمتها إذا تلفت. وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وآله: " الزعيم غارم " (* 1) والعمومات العامة، مثل قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (* 2). ودعوى (3): أنه على التقدير الاول يكون من ضمان العين ] (1) قال في الشرائع: " وفي ضمان الاعيان المضمونة والمقبوض بالبيع الفاسد تردد، الاشبه الجواز ". وفي القواعد: " ويصح ضمان أرش الجناية... (إلى أن قال): والاعيان المضمونة - كالغصب والعارية والامانة مع التعدي - على إشكال ". وحكي الجواز عن المبسوط والتحرير والارشاد وغيرها. (2) قال في التذكرة: " الاعيان المضمونة - كالمغصوب، والمستعار مع التضمين، أو كونه أحد النقدين، والمستام، والامانات إذا خان فيها أو تعدى - فله صورتان: الاولى: أن يضمن رد أعيانها. وهو جائز لانه ضمان مال مضمون على المضمون عنه. وبه قال أبو حنيفة... (إلى أن قال): الثانية: أن يضمن قيمتها لو تلفت. والاقوى عندي الصحة، لان ذلك ثابت في ذمة الغاصب فيصح الضمان... ". (3) هذه الدعوى ذكرها في جامع المقاصد. فانه أشكل على ما ذكره في التذكرة - من أن لضمانها صورتين: الاولى: أن يضمن رد أعيانها، وجوزه لانه ضمان مال مضمون على المضمون عنه - بأن الثابت في الذمة هو جوب ردها، وليس بمال. وبأن القيمة إنما تثبت بعد التلف فضمانها


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من ابواب كتاب الضمان حديث: 2. (* 2) المائدة: 1.

[ 344 ]

[ بمعنى الالتزام بردها (1) مع أن الضمان نقل الحق من ذمة إلى أخرى. وأيضا لاإشكال (2) في أن الغاصب أيضا مكلف بالرد (3)، فيكون من ضم ذمة إلى أخرى، وليس من مذهبنا. وعلى الثاني يكون من ضمان ما لم يجب، كما أنه على الاول أيضا كذلك بالنسبة إلى رد المثل أو القيمة عند التلف (4). ] قبله ضمان ما لم يجب. مع أن الضمان على تقدير التلف حكم شرعي تابع لوصف الغصب والاستعاره والتعدي في الامانة، وهذا لا يمكن نقله بالضمان، لان الذي ينقل بالضمان هو الحق لا الحكم الشرعي، فعدم صحة الضمان قوي. انتهى. وتبعه على جمع ممن تأخر عنه، ومنهم في الجواهر. (1) يعني: أن الضامن إنما يلتزم برد العين، وليس هو بمال كان في ذمة المضمون عنه. (2) هذا إشكال ثاني ذكره في المسالك مضافا إلى الاشكال الذي ذكره تبعا لجامع المقاصد. (3) إجماعا، كما في المسالك. (4) يعني: إذا كان المراد من الضمان الالتزام بالرد فبالاضافة إلى رد العين نفسها حكم فعلي: لكن بالنسبة إلى المثل أو القيمة حكم تعليقي على تقدير التلف، فيكون من ضمان ما لم يجب، فلا يصح وإن قلنا بصحة ضمان الحكم الشرعي. إلا أن يقال: إن الضمان بلحاظ الحكم الفعلي لا غير. والذي يتحصل من عبارة جامع المقاصد الاشكال على الضمان في المقام من وجهين: الاول: أن الثابت في المقام حكم شرعي لاحق مالي، وهو لا يقبل الانتقال. وهذا الاشكال ذكره في كل من المعنيين. الثاني: أنه ضمان ما لم يجب. وهذا يختص بالمعني الثاني. والذي يظهر من عبارة المتن اختصاص الاشكال الاول بالمعنى الاول والاشكال الثاني بالمعنى الثاني،

[ 345 ]

وهو في محله، إذ لا فرق على المعنى الثاني بين الضمان حال التلف والضمان على تقدير التلف، فكما أنه على الاول يكون حقا ماليا كذلك على الثاني، والاختلاف إنما هو في التعليق والتنجيز. وكيف كان فالاشكال الاول - إن تم - لا يمكن دفعه بالعمومات، لانها لا تصلح لذلك. أما قوله صلى الله عليه وآله: " الزعيم غارم " فقد عرفت أنه غير ثابت من طرقنا، وفي بعض الاخبار تكذيبه. مع أنه لاغرامة مع وجود العين، والرد ليس غرامة ليدل عليه الحديث. وأما قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) ونحوه فانما يدل على صحة العقد وتحقق مضمونه، فإذا كان مضمون قول الضامن: " ضمنت: التزمت لك برد العين، فقد ملك مالك العين عليه الرد، ولا يرتبط برد الغاصب، فكيف يقتضي عدم وجوب الرد على الغاصب؟! وقد تقدم أن فراغ ذمة المضمون عنه إنما قلنا بها للنص أو لامتناع اشتغال ذمتين بمال واحد، وكلاهما لا مجال لهما في المقام، إذ النص لا يشمل المقام، وذمة الغاصب ليست مشغولة بمال ولا برد، وإنما يجب الرد تكليفا لا غير. بل الظاهر أن الضامن في المقام إنما يلتزم بالرد من دون أن يشغل ذمته بملك الرد للمالك، ولاجل ذلك يكون من باب الوعد لامن باب الوضع والعقد، فلا مجال للتمسك بعموم الوفاء بالعقد، إذ لا عقد وإنما هو محض الوعد. وبالجملة: تارة يقول الضامن: " سأرد مالك "، وأخرى يقول: " لك علي أن أرد مالك ". فالاول من قبيل الوعد، والثاني من قبيل العقد. والواقع في الخارج هو الاول. وعلى تقدير الثاني فلا موجب لسقوط وجوب الرد على الغاصب. نعم لو كان مضمون قول الضامن تعهدت برد الغاصب، كان مقتضاه السقوط. لكنه يحتاج إلى قبول من الشارع وبدونه لا يصح، وعمومات العقود لا تقتضي مشروعية هذا الفعل، نظير ما إذا ضمن الفرائض اليومية عن شخص،

[ 346 ]

[ مدفوعة: بأنه لا مانع منه بعد شمول العمومات، غاية الامر أنه ليس من الضمان المصطلح. وكونه من ضمان ما لم يجب لا يضر بعد ثبوت المقتضي (1). ] فان عموم الوفاء بالعقود لا يقتضي سقوط الفريضة عن المضمون عنه، لانه لا يدل على قابلية المحل لذلك، وعموم دليل الوجوب على المضمون عنه محكم. (1) قد تقدم في الشرط الثامن من شروط الضمان الكلام في ذلك، وأن ضمان ما سيجب إن كان المراد اشتغال الذمة به فعلا فهو غير مقصود ولا مدعى. وإن كان المراد اشتغال الذمة به معلقا فهو من الانشاء المعلق، الذي لا يصح إجماعا، فان التعليق مانع من صحة العقود والايقاعات إلا في موارد خاصة، فراجع. وإن كان المراد الضمان بنحو الواجب المعلق، فيكون الضمان حاليا والمضمون استقباليا، فقد عرفت أن الضامن تابع للمضمون عنه فلما لم يثبت في ذمة المضمون عنه ولو بنحو الواجب المعلق لم يثبت كذلك في ذمة الضامن، فلو أريد اثباته كذلك لم يكن من باب الضمان المصطلح، بل كان من باب الضمان العرفي، وليس هو محل كلامهم، فان المراد من ضمان ما لم يجب ضمان ما لم يثبت في الذمة ولو بنحو الواجب المعلق. إذ ما يثبت بنحو الوجوب المعلق ثابت وواجب، لا ما لم يجب، وذلك يختص بالضمان المصطلح الذي يمكن فرض شئ ثابت في الذمة غير ذمة الضامن، أما الضمان العرفي فليس موضوعه ما ثبت إذ ثبوته بالضمان فلا يكون موضوعا للضمان، فلو ثبت بالضمان كان بلا مضمون له، لان المفروض أن المضمون له لم يتحقق السبب المملك له. هذا ولا يخفى أن حمل الضمان للاعيان الممضونة على أحد المعنيين قد عرفت أنه ذكره العلامة في التذكرة، وتبعه عليه الجماعة، وجعلوا ذلك

[ 347 ]

[ ولا دليل على عدم صحة ضمان ما لم يجب من نص أو إجماع ] مورد النقض والابرام في المقام. مع أن الظاهر من الضمان في الاعيان المضمونة كونها بنفسها في الذمة، كما يقتضيه ظاهر دليل الضمان، مثل: " على اليدما أخذت حتى تؤدي " (* 1) فان ظاهر العبارة المذكورة أن نفس المأخوذ ثابت في الذمة، ولما لم يكن مانع من ذلك عقلي ولا غيره، وجب الاخذ به. ودعوى: أن الاعيان الخارجية موجودة في الخارج، فكيف تكون موجودة في الذمة، لان الواحد لا يكون في مكانين. مندفعة: بأن الخارج طرف للوجود الحقيقي، والذمة ظرف للوجود الاعتباري، ولا مانع من أن يكون للشئ الواحد وجودان اعتباري وخارجي، فالوجود الذمي نظير الوجود الذهني، فكما أن الموجود الخارجي يجوز أن يكون له وجود ذهني يجوز أن يكون له وجود ذمي. وعلى هذا يكون الغاصب ونحوه مشغول الذمة بالعين، فيصح الضمان عنه، وبه تبرأ ذمته من العين، وتشتغل بها ذمة الضامن فقط. وأما وجوب الرد فهو من أحكام عدم الاذن في الاستيلاء على العين، فإذا حصل الاذن لم يجب الرد ولو مع الضمان. كالمقبوض بالسوم، فانه مضمون ولا يجب رده مادام مشغولا بالسوم، وإذا لم يحصل الاذن يجب الرد حتى مع عدم الضمان، كالامانة عند انتهاء مدة الايتمان، فانه يجب الرد ولا ضمان. وعلى هذا فوجوب الرد ليس معنى للضمان، ولا من أحكامه. وأما المعنى الثاني للضمان فأشكل لان اشتغال الذمة بالبدل على تقدير التلف حكم تعليقي، وضمان الغاصب حكم تنجيزي، فكيف يكون أحدهما معني للآخر؟! ولا يبعد أن تكون العين نفسها في الذمة على تقدير التلف، ووجوب أداء البدل من أحكام ذلك، لا من معانيه.


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من كتاب الغصب حديث: 4.

[ 348 ]

[ وإن اشتهر في الالسن، بل في جملة من الموارد حكموا بصحته، وفي جملة منها اختلفوا فيه، فلا إجماع. وأما ضمان الاعيان غير المضمونة - كمال المضاربة والرهن والوديعة قبل تحقق سبب ضمانها من تعد أو تفريط - فلا خلاف بينهم في عدم صحته (1). والاقوى بمقتضى العمومات صحته أيضا (2). ] (1) قال في الشرائع: " ولو ضمن ما هو أمانة كالمضاربة والوديعة لم يصح لانها ليست مضمونة في الاصل "، ونحوه في المنع ما في القواعد وجامع المقاصد والمسالك وعن غيرها، وفي التذكرة: نسبته إلى علمائنا أجمع، لانها غير مضمونة العين ولا مضمونة الرد، وانما الذي يجب على الامين مجرد التخلية، وإذا لم تكن مضمونة على ذي اليد فكذا على ضامنه، وفي الجواهر: أنه لا اشكال ولا خلاف فيه. (2) قد عرفت إشكاله في المسألة السابقة. نعم إذا كان المراد من ضمانها اشتغال الذمة بها، لا بالمعنى المصطلح من الضمان الذي نحن في مباحثه ومسائله بل بمعنى محض اشتغال الذمة، فمعنى: " ضمنت الامانة التي عند زيد ": اشغلت ذمتي بها، أمكن التمسك بعموم وجوب الوفاء بالشرط والعهد ونحوهما في صحة الضمان المذكور، فإذا تلفت العين لم يكن الامين ضامنا، وكان الضامن له ضامنا بمقتضي انشائه. ولعل من ذلك ضمان شركة التأمين المتعارف في هذا العصر وإن كان ضمانها في مقابل المال لا تبرعا، فصاحب المال يعطي الشركة مالا في قبال أن تضمن أو في قبال أن تنشئ الضمان، فتنشئ الضمان ويلزمها ذلك، لعموم الوفاء بالعهد، وإن كان الجاري بينهم الاول. وكيف كان فهذا ليس من الضمان الذي نحن فيه بل هو معنى آخر، إذ ليس فيه

[ 349 ]

[ (مسألة 39): يجوز عندهم بلا خلاف بينهم (1) ضمان درك الثمن للمشتري (2) إذا ظهر كون المبيع مستحقا ] مضمون عنه أصلا. والذي يتحصل: أن الضمان المصطلح لا يصح إذا لم يكن المال المضمون مضمونا لمضمون عنه حال الضمان. وأما الضمان العرفي فمنه شرعي بحت، مثل من أتلف مال غيره فهو له ضامن. ومنه إنشائي إما تبرعا. ويحتمل أنه إيقاعي لا عقدي، لانه ليس فيه تصرف في المال، ليتوقف على قبول المالك. اللهم الا أن يكون عقدا لاقتضائه التمليك. وإما بعوض، فيكون عقدا، كضمان شركة التأمين المجعول في مقابل مال معين. وقد يكون العرض في مقابل إنشاء الضمان، فيكون نظير عقد الاجارة، ولابد فيه من إنشاء الضمان بعد العقد. ويمكن أن يكون المال مبذولا مجانا بشرط إنشاء الضمان، أو بشرط تدارك الخسارة لو اتفقت. فلا يكون ضمان في البين، وإنما يكون تدارك خسارة لاغير. وأما بذل المال في مقابل تدارك الخسارة فلا يصح، لعدم وجود الخسارة في بعض الاوقات، فيكون المال بلا عوض. (1) وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه، بل في محكي التذكرة - وكذا مجمع البرهان - نسبته إلى إطباق الناس عليه في جميع الاعصار، وفي المسالك: أن ظاهرهم الاطباق عليه "، وفي جامع المقاصد: " إطباق الناس على ضمان العهدة ". (2) قال في الصحاح: " الدرك التبعة. وقيل: سمي ضمان الدرك لالتزامه الغرامة عند ادراك المستحق عين ماله ". ويسمى ضمان العهدة، وفي التذكرة: " سمي ضمان العهدة، لالتزام الضامن ما في عهدة البائع رده... ".

[ 350 ]

[ للغير، أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحته إذا كان ذلك بعد قبض الثمن (1). - كما قيد به الاكثر - أو مطلقا - كما أطلق آخر - وهو الاقوى (2). قيل: وهذا مستثنى من ] (1) يعني: إذا وقع البيع وقبض البائع الثمن يخاف المشتري من ضياع ثمنه إذا تبين بعد ذلك أن المبيع لغير البائع، فيأخذه المالك من المشتري ويتمرد البائع عن دفع الثمن إليه، فحينئذ يضمن ضامن للمشتري ثمنه الذي دفعه إلى البائع، ليكون المشتري واثقا بعدم ضياع ماله، فالضمان يكون احتماليا لا يقينيا، لانه إذا كان البيع صحيحا كان الثمن ملكا للبائع، فلا معنى لضمانه للمشتري، وانما يصح هذا الضمان إذا كان البيع باطلا والثمن الذي قبضه البائع غير مملوك له ولا يستحقه، لانه مقبوض بالعقد الفاسد، فيكون مضمونا عليه، فيضمنه آخر للمشتري. قال في المسالك: " وفي الحقيقة هذا فرد من أفراد ضمان الاعيان المضمونة على تقدير كوته موجودا حالة الضمان "، وفي مفتاح الكرامة ": وقد قيد بكونه بعد القبض في أكثر الكتب المتقدمة، ما عدا المبسوط والشرائع والارشاد واللمعة، بل في الوسيلة والتذكرة والتحرير: التصريح بأنه إن كان قبض الثمن صح الضمان وإن لم يكن قد قبض لم يصح. وهو أيضا مراد في كلام من لم يقيد به، لانهم لا يختلفون في أن الضمان لابد فيه من ثبوت حق في ذمة المضمون عنه في نفس الامر وقت الضمان، بحيث يمكن تكليف غيره به، والبائع ما لم يقبض لم يتعلق بذمته حق ". وقال في الجواهر: " ومن ذلك يعلم إرادة المصنف وغيره ممن ترك التقييد بالقبض ما صرح به الاكثر من التقييد به، ضرورة عدم دخوله في عهدة البائع الذي هو المضمون عنه الا بقبضه ". ومن ذلك تعرف الاشكال في قول المصنف. (2) وكأنه مبني على ما ذكره في آخر المسألة السابقة من جواز

[ 351 ]

[ عدم ضمان الاعيان (1). هذا وأما لو كان البيع صحيحا وحصل الفسخ بالخيار أو التقايل أو تلف المبيع قبل القبض، فعلى المشهور لم يلزم الضامن ويرجع على البائع، لعدم ثبوت الحق وقت الضمان، فيكون من ضمان ما لم يجب. بل لو صرح بالضمان إذا حصل الفسخ لم يصح بمقتضى التعليل المذكور (2). نعم في الفسخ بالعيب السابق أو اللاحق اختلفوا في أنه هل يدخل ] ضمان الاعيان غير المضمونة، فكأن المشتري يخاف أن يدفع الثمن إلى البائع ويتبين عدم استحقاق البائع له، ولا يتمكن المشتري من استرجاعه، فيضمنه للمشتري ضامن قبل أن يدفعه إلى البائع، فيأمن من ضياعه، فيدفعه إليه. (1) قال في جامع المقاصد: " ولا شبهة في صحة ضمان الثمن عن المشتري للبائع إذا كان دينا. أما إذا كان عينا فهو من جملة الاعيان المضمونة. ولعل تجويز ضمانه لعموم البلوى ودعاء الحاجة إليه، واطباق الناس على ضمان العهدة ". ونحوه في المسالك والجواهر. بل الظاهر أنه لا ينبغي الاشكال فيه، فالضمان فيما نحن فيه من قبيل ضمان العين على تقدير كونها مضمونة على المضمون عنه. لكن في المسالك جعل الفرق بين ضمان المال وضمان العهدة الاختلاف في نفس المضمون، قال (ره): " والفرق يظهر في اللفظ والمعنى. أما اللفظ فالعبارة عن ضمان الثمن: ضمنت لك الثمن الذي في ذمة زيد مثلا، ونحوه، وضمان العهدة: ضمنت لك عهدته أو دركه، ونحو ذلك. وأما المعنى فظاهر، إذ ضمانه نفسه يفيد انتفاله إلى ذمة الضامن وبراءة المضمون عنه، وضمان العهدة ليس كذلك، إنما يفيد ضمان دركه على بعض التقديرات ". وهو كما ترى. (2) كما صرح به في الجواهر، معللا له بما ذكر.

[ 352 ]

[ في العهدة ويصح الضمان أولا؟ فالمشهور على العدم (1)، وعن بعضهم: دخوله (2)، ولازمه الصحة مع التصريح بالاولى. والاقوى في الجميع الدخول مع الاطلاق، والصحة مع التصريح ودعوى: أنه من ضمان ما لم يجب. مدفوعة: بكفاية وجود السبب (3). هذا بالنسبة إلى ضمان عهدة الثمن إذا حصل ] (1) قال في الشرائع: " أما لو تجدد الفسخ بالتقايل أو تلف المبيع قبل القبض لم يلزم الضامن، ويرجع المشتري على البائع. وكذا لو فسخ المشتري بعيب سابق ". وفي الجواهر: نسبته إلى المشهور، لان الفسخ انما أبطل العقد من حينه لامن أصله. فلم يكن حالة الضمان مضمونا، بل لو صرح بضمانه كان فاسدا، لانه ضمان ما لم يجب. فما في القواعد ومحكي التذكرة من الاشكال فيه مما عرفت، ومن وجود سبب الفسخ حال البيع - بل عن فخر المحققين الجزم بالدخول فيه للحاجة - واضح الضعف، ولذا استقرب (يعني: العلامة في القواعد) عدم اندراجه بعد أسطر من الاشكال، بل جزم به بعد ذلك، انتهى. ويشبر بقوله: " ولذا استقرب... " إلى قوله في القواعد بعد أسطر من الاشكال: " والاقرب أنه لا يصح ضمان عهدة الثمن لو خرج المبيع معيبا ورده "، وقوله بعد ذلك: " ويرجع على ضامن عهدة الثمن في كل موضع يبطل فيه البيع من رأس، لا ما يتجدد له الفسخ بالتقايل أو العيب السابق... ". (2) حكي ذلك عن فخر المحققين، كما تقدم في الجواهر. وذكر في مفتاح الكرامة: أنه قوي متين. انتهى. (3) قد عرفت أن ضمان ما لم يجب لا يدخل في الضمان المصطلح، ولا تشمله أدلته الخاصة. نعم تشمله أدلة الصحة العامة. لكن شمولها لا يتوقف على وجود السبب.

[ 353 ]

[ الفسخ، وأما بالنسبة إلى مطالبة الارش، فقال بعض من منع من ذلك بجوازها (1) لان الاستحقاق له ثابت عند العقد، فلا يكون من ضمان ما لم يجب. وقد عرفت أن الاقوى صحة الاول أيضا، وأن تحقق السبب حال العقد كاف. مع إمكان دعوى: أن الارش أيضا لا يثبت إلا بعد اختياره ومطالبته (2) ] (1) قال في القواعد: " ويرجع على ضامن عهدة الثمن في كل موضع يبطل فيه البيع من رأس، لاما يتجدد له الفسخ بالتقايل أو العيب السابق أو تلفه قبل قبضه، بل يرجع على البائع. ولو طالب بالارش فالاقرب مطالبة الضامن ". ونحوه في الشرائع بزيادة تعليل الحكم الاخير بأن استحقاقه ثابت حين العقد، ثم قال: " وفيه تردد ". (2) هذا ذكره في المسالك وجها لتردد الشرائع، قال (ره): " والموجود حالة العقد من العيب ماكان يلزمه تعيين الارش، بل التخيير بينه وبين الرد، فلم يتعين الارش إلا باختياره. ولو قيل (* 1): إنه أحد الفردين الثابتين على وجه التخيير، فيكون كافراد الواجب المخير حيث يوصف بالوجوب قبل اختياره، فيوصف هذا بالثبوت قبل اختياره، لزمه مثله في الثمن، لانه قسيمه في ذلك. والحق ثبوت الفرق بينهما، فان الثمن ما وجب الا بالفسخ، وأما الارش فانه كان واجبا بالاصل، لانه عوض جزء فائت من مال المعاوضة... "، وتبعه على ذلك في الجواهر. ولكنه كما ترى، فان صفة الصحة لا تقابل بجزء من الثمن، وإنما هي دخيلة في زيادة الثمن في مقابل الذات الموصوفة. وكذا الكلام في الصفات المشروطة في المبيع. ولذا كان خيار تخلف الوصف وخيار العيب


(* 1) هذا القول اختارة في الروضة. وحينئذ يشكل بما ذكره في المسالك - مضافا إلى ما ذكرناه. منه قدس سره

[ 354 ]

[ فالصحة فيه أيضا من جهة كفاية تحقق السبب. ومما ذكرنا ظهر حال ضمان درك المبيع للبائع (1). (مسألة 40): إذا ضمن عهدة الثمن فظهر بعض المبيع مستحقا، فالاقوى اختصاص ضمان الضامن بذلك البعض ] غير خيار تبعض الصفقة. والمقايسة على الواجب التخييري غير ظاهرة، فان وجوب الاختيار في الواجب التخييري دليل على ثبوت الوجوب، وفي المقام لا يجب الاختيار، وإنما هو جائز، فان اختار أحد الامرين ثبت له وإلا لم يثبت، فلا تشتغل ذمة البائع بالارش إلا بعد اختياره. نعم المطالبة فرع الاستحقاق، فلا يتوقف عليها الاستحقاق. نعم لو اختص الكلام بصورة تعذر الرد وتعين الاخذ بالارش أمكن دعوى ثبوت الارش من أول الامر حين العقد، كما قد يقتضيه ظاهر النصوص. لكن مورد كلامهم أعم. ومن ذلك يظهر عدم صحة الضمان الاصطلاحي في المقام، الذي يتوقف على وجود مضمون عنه، ويكون قصد الضامن الضمان عنه، لا مجرد الضمان العرفي، ولذا جزم في التحرير بعدمه. والذي يتحصل: أنه إذا كان غرض الضامن الضمان عن مضمون عنه هو ضامن، فلا يصح في جميع الموارد المذكورة حتى الارش، لعدم وجود مضمون عنه ضامن. وإذا كان غرضه الضمان بنفسه مع التغافل عن مضمونه عنه، فان كان المقصود الضمان مطلقا صح في جميع ذلك، وإذا كان غرضه مقيدا بصورة دون أخرى اقتصر في الرجوع إليه على خصوص تلك الصورة، ولا يتعداها إلى غيرها. (1) إذا ضمن ضامن درك المبيع للبائع عن المشتري جري فيه جميع ما ذكر من الصور والاحكام. ولا يصح الضمان الاصطلاحي إلا إذا تبين عدم استحقاق المشتري للمبيع حال القبض، لما سبق.

[ 355 ]

[ وفي البعض الآخر يتخير المشتري بين الامضاء والفسخ لتبعض الصفقة، فيرجع على البايع بما قابله. وعن الشيخ: جواز الرجوع على الضامن بالجميع (1). ولا وجه له (2). (مسألة 41): الاقوى - وفاقا للشهيدين (3) - صحة ضمان ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس في الارض المشتراه إذا ظهر كونها مستحقة للغير وقلع البناء والغرس، فيضمن الارش، وهو تفاوت ما بين المقلوع والثابت عن البايع. خلافا للمشهور، لانه من ضمان ما لم يجب. ] (1) حكي ذلك عن الشيخ (ره) في المبسوط. (2) هذا يتوجه على المشهور الذين لا يقولون بجواز الرجوع على الضامن لو حدث ما يقتضي انفساخ العقد بخيار أو إقالة أو نحو ذلك. أما بناء على ما ذكره المصنف في المسألة السابقة من أن الاقوى جواز الضمان فيرجع المشتري على الضامن، فوجهه ظاهر، وهو عموم الصحة الذي تمسك به فيما سبق لرد دعوى المشهور من عدم صحة الضمان وعدم جواز الرجوع على الضامن. وبالجملة: الجمع بين كلامي المصف في المسألتين غامض. (3) قال في الشرائع: " إذا ضمن ضامن للمشتري درك ما يحدث من بناء أو غرس لم يصح، لانه من ضمان ما لم يجب ". ونحوه في القواعد وغيرها. وفي اللمعة قال: " والاقوى جوازه ". وظاهر الروضة: الميل إليه، وعن التذكرة: الاشكال فيه، وعن التحرير: احتماله على ضعف. والوجه في الجواز وجود السبب حال العقد. وقد عرفت الاشكال فيه،

[ 356 ]

[ وقد عرفت كفاية السبب. هذا ولو ضمنه البايع قيل: لا يصح أيضا كالاجنبي (1)، وثبوته بحكم الشرع لا يقتضي صحة عقد الضمان المشروط بتحقق الحق حال الضمان (2). وقيل بالصحة، لانه لازم بنفس العقد (3)، فلا مانع من ضمانه، لما مر من كفاية تحقق السبب (4)، فيكون حينئذ للضمان سببان: نفس العقد (5)، والضمان ] وأنه إن أريد الضمان المصطلح فلابد فيه من وجود ضامن قبل هذا الضمان ليكون مضمونا عنه، وهو مفقود. وإن أريد الضمان العرفي لم يتوقف على وجود السبب حال الضمان. (1) حكاه في الشرائع قولا، وهو المحكي عن المبسوط، واختاره جماعة ممن تأخر. (2) يعني: وهو مفقود، إذ ليس هناك حق مضمون حال الضمان. (3) كذا ذكر في الشرائع، ونحوه في القواعد والتذكرة. وفيه: أن العقد بنفسه لا يقتضي الضمان. وإنما يقتضي الغرور. وضمان الغار إنما يكون بعد ورود الخسارة على المغرور، وذلك إنما يكون بعد قلع البناء والشجر، كما حرر ذلك في مباحث الفضولي. (4) لكن إذا كان وجود السبب كافيا لزم البناء على صحة ضمان الاجنبي أيضا لوجود المصحح. ولو حمل كلام المحقق على حصول الضمان نفسه بالعقد أيضا جاء الاشكال المذكور من عدم الوجه في المنع من ضمان الاجنبي معللا بأنه من ضمان ما لم يجب، فالاشكال على المحقق ومن وافقه في التفصيل بين الاجنبي والبائع متوجه على كل حال. مضافا إلى أن وجود السبب لا يكفي في تحقق الضمان المصطلح، كما هو ظاهر كلامهم. (5) قد عرفت أن نفس العقد لا يقتضي الضمان.

[ 357 ]

[ بعقده. وتظهر الثمرة (1) فيما لو أسقط المشتري عنه حق الضمان الثابت بالعقد، فانه يبقى الضمان العقدي (2). كما ] (1) هذه الثمرة ذكرها في المسالك والروضة. (2) المراد أن الضمان يقتضي اشتغال الذمة بالمال المضمون، فان تكرر الضمان فقد تكرر اشتغال الذمة، فيكون للمال المضمون وجودان في الذمة كل واحد بعنوان البدلية عن المضمون، فيجوز إسقاط أحدهما دون الآخر، ولا تلازم بينهما في السقوط كما لا تلازم في الثبوت. وعبارة المسالك هكذا: " وتظهر الفائدة فيما لو أسقط المشتري عنه حق الرجوع بسبب البيع، فانه يبقى له الرجوع عليه بسبب الضمان ". لكن من المعلوم أن الرجوع ليس من الحقوق التي تسقط بالاسقاط، بل من الاحكام، ولو أسقطه لم يسقط. ولعل مراده ما ذكر في المتن. وإن كان هو أيضا لا يخلو من خفاء. وجواز التعدد مع تعدد الذمم لتعدد الضامن لا يقتضي جواز التعدد في ذمة واحدة. ولذا عبر بعضهم بالتأكيد، وإن كان التأكد يختص بالماهية التشكيكية، وكون العين المضمونة من ذلك غير ظاهر. نعم وجوب الاداء مما يقبل التأكد. لكنه لا يمكن إسقاطه. ولاجل ذلك يشكل البناء على الفائدة المذكورة. ثم إن الذي يظهر من الشرائع وغيرها أن الضمان الذي يكون من البائع من الضمان المصطلح، فانه ذكره في سياق ضمان الاجنبي الممنوع من صحته لاجل أنه من ضمان ما لم يجب، والضمان المصطلح إذا صح فرغت ذمة المضمون عنه، فضمان البائع إذا صح فرغت ذمة البائع من جهة كونه غارا. وعلى هذا لا يجتمع ضمانان في وقت واحد حتى تجري الفائدة المذكورة من سقوط أحدهما وبقاء الآخر. فالجمع بين كلامهم في تصحيح الضمان من البائع وفي بيان فائدة الضمان المذكور لا يخلو من غموض، فان الاول يقتضي

[ 358 ]

[ إذا كان لشخص خياران بسببين فاسقط أحدهما. وقد يورد عليه بأنه لا معنى لضمان شخص عن نفسه، والمقام من هذا القبيل (1). ويمكن أن يقال: لا مانع منه مع تعدد الجهة (2) هذا كله إذا كان بعنوان عقد الضمان. وأما إذا اشترط ضمانه فلا بأس به (3)، ويكون مؤكدا لما هو لازم العقد (4). ] الضمان المصطلح، والثاني يقتضي غيره. ومن هنا يتعين أن يكون المراد من الضمان غير المصطلح، وهو العرفي، كما هو الظاهر من أمثال المقام. فلاحظ. (1) المورد صاحب الجواهر (ره)، وبعد تقرير الايراد المذكور قال: " ومن الغريب اشتباه هؤلاء الافاضل في ذلك، وحمل كلام الشرائع على صورة اشتراط الضمان على البائع كما في بعض نسخ الشرائع. لكن على هذا لا حاجة إلى تعليل الجواز بأنه لازم بنفس العقد، فانه يجوز اشتراط الضمان ولو لم يكن لازما بنفس العقد ". (2) فان أحد الضمانين قائم بالغرور والضمان الثاني قائم بالعقد. إلا أن يقال: إن هذه الجهات تعليلة، فلا توجب تعدد الموضوع. (3) يعني: اشترط في عقد البيع أو غيره ضمان البائع. وقد حكى في الجواهر عن نسختين من نسخ الشرائع أن العبارة هكذا: " إذا ضمن ضامن للمشتري درك ما يحدث من بناء أو غرس لم يصح، لانه من ضمان ما لم يجب. وقيل: وكذا لو ضمنه البائع ولو شرط في نفس العقد. والوجه الجواز، لانه لازم بنفس العقد "، فتكون متعرضة لشرط الضمان لكن عرفت أن شرط الضمان يصح ولو لم يكن لازما بنفس العقد، فالتعليل به غير ظاهر. (4) الضمان ليس من الماهيات التشكيكية ليقبل التأكد والتأكيد، فالمراد التأكيد في الاثر، وهو وجوب الاداء.

[ 359 ]

[ (مسألة 42): لو قال عند خوف غرق السفينة: " الق متاعك في البحر وعلي ضمانه " صح بلا خلاف بينهم بل الظاهر الاجماع عليه (1). وهو الدليل عندهم. وأما إذا لم يكن لخوف الغرق، بل لمصلحة أخرى من خفة السفينة ] (1) هذه المسألة حررت في الشرائع والقواعد وغيرهما في كتاب الديات لبعض المناسبات، كما حررت أيضا في بعض الكتب في كتاب الضمان لبعض المناسبات، فان الضمان فيها ليس من الضمان المصطلح. قال في الشرائع في أوائل مباحث الديات: " ولو قال: الق متاعك في البحر لتسلم السفينة، فالقاه فلا ضمان. ولو قال: وعلي ضمانه، ضمن دفعا لضرورة الخوف. ولو لم يكن خوف فقال: ألقه وعلى ضمانه، ففي الضمان تردد، أقربه أنه لا يضمن ". وفي القواعد: " ولو أشرفت سفينة على الغرق فقال الخائف على نفسه أو غيره: الق متاعك في البحر وعلي - ضمانه، ضمن ". وفي كشف اللثام: " بلا خلاف إلا من أبي ثور، كما في المبسوط والخلاف ". وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل وبين غيرنا، إلا من أبي ثور " وهو شاذ لا يعتد به، كما في محكي الخلاف، بل فيه ان عليه إجماع الامة عداه، كما عن المبسوط نفي الخلاف فيه من غيره ". ويقتضيه - مضافا إلى ذلك - عموم الصحة، فانه نوع من العهد. ويحتمل ان يكون عقدا ويكون قبوله فعليا وهو الالقاء، وأن يكون قوليا كما إذا قال: قبلت، فيلزمه الالقاء، عملا بالعقد، ولا يلزم في الصورة الاولى لعدم تحقق القبول. ويحتمل أن يكون إيقاعا، نظير: " خط ثوبي ولك درهم " أو " رد عبدي ولك نصفه ". وهذا هو الاقرب وقد عرفت أن الضمان هنا ليس من الضمان المصطلح، بل هو من الضمان العرفي.

[ 360 ]

[ أو نحوها، فلا يصح عندهم (1). ومقتضى العمومات صحته ايضا. ] (1) قال في الشرائع: " ولو لم يكن خوف فقال: القه وعلي ضمانه ففي الضمان تردد، أقربه أنه لا يضمن ". ونحوه في القواعد، إلا أنه لم يذكر التردد، وفي المسالك: أنه أدعى عليه الشيخ في المبسوط الاجماع. انتهى. وفي كشف اللثام عن المبسوط: أنه قال: قيل: إنه لا خلاف في عدم الضمان. انتهى. وفي المسالك بعد أن جعل الاظهر عدم الضمان قال: " لكن المصنف تردد في الحكم عند عدم الخوف. ووجه التردد من عدم الفائدة، والاجماع المدعى، وكون الضمان على خلاف الاصل وإنما ترك العمل به مع الخوف للمصلحة فيبقى الباقي. ومن عموم الامر بالوفاء بالعقود، وهو عام إلا ما خصصه الدليل ولا مخصص هنا. وهو ضعيف لوجود المخصص " ولا يخفى أن فرض عدم الفائدة لا يتناسب مع إطلاق عنوان المسألة وهو عدم الخوف، فانه أعم من أن يكون فائدة وأن لا تكون. كما أنه لاوجه لتنظيره بقوله: أهدم دارك ومزق ثوبك واجرح نفسك. ومن ذلك يظهر أن إلقاء المتاع إذا كان يترتب عليه فائدة عقلائية من حفة السفينة وحسن سيرها فتقطع المسافة البعيدة في مدة قليلة، وكان المتاع بحيث يحسن بذله في سبيل الفائدة عند العقلاء جاز لصاحبه القاؤه بلا عوض، وجاز التعويض عليه من ركبان السفينة أو من بعضهم. وإذا كان لا يترتب على فائدة عقلائية لم يجز الالقاء مع الضمان وبدونه. وكذلك في مثل: إهدم دارك ومزق ثوبك واجرح نفسك، فانه إذا كان يترتب فائدة عقلائية على كل واحد من الامور المذكورة جاز فعله بلا عوض ومع العوض، ويكون ذلك من قبيل إعابة السفينة لصاحب موسى (ع)، وإذا لم يترتب عليه فائدة لم يجز مع الضمان وبدونه. وإذا أمره آمر على

[ 361 ]

شرط الضمان فالضمان باطل، لانه تعويض عى الحرام وتضييع المال، ولا يبعد أن تكون هذه الصورة مورد القول بالمنع ومورد الاجماع عليه. ولذا قال في محكي الايضاح: " لو خلى عن الفائدة بالكلية لم يصح قطعا ". ومن ذلك تعرف أن إطلاق الصحة عملا بالعمومات غير ظاهر، واللازم التفصيل بين صورة وجود الفائدة العقلائية وعدمه. فلاحظ. هذا ولم يتعرض المصنف (ره) للمسألة الاولى التي ذكرها في الشرائع في صدر كلامه، من أنه إذا كان خوف على السفينة فقال لصاحب المتاع: الق متاعك، واقتصر على ذلك، فالقى المتاع صاحبه لم يرجع على القائل وليس عليه ضمانه. وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له كالشيخين والفاضلين وثاني الشهيدين وغيرهم. للاصل، كما لو قال: (اعتق عبدك) فاعتقه. أو: (طلق زوجتك، فطلقها "، وسبقه في الاستدلال المذكور كاشف اللثام. وفي المسالك: والفرق بينه وبين قوله: (أد ديني)، فأداه حيث يرجع عليه. أن أداء دينه منفعة لا محالة، والقاء المتاع قد يفضي إلى النجاة وقد لا يفضي، فلا يضمن إلا مع التصريح ". وفي الجواهر: " وهو كما ترى. نعم قد يقال: الفارق الاجماع. أو لان المفهوم من الامر بالاداء التوكيل في ذلك، فيكون حينئذ بالاداء كالقرض عليه، كما أن المفهوم من الامر بالضمان عنه الرجوع به عليه، بخلاف المفروض ". وهو أيضا كما ترى، فان التمسك بالاجماع على الفرق خلاف ظاهر الاستدلال منهم على ذلك بالاصل ونحوه كما أنه إذا كان المفهوم من الامر بأداء الدين التوكيل فلم لا يكون المفهوم من الامر بالقاء المتاع ذلك؟ فالتحقيق: أن استيفاء مال الغير وعمل الغير موجب لضمانه، وكما توجد قاعدة: (من أتلف مال غيره فهو له ضامن) توجد قاعدة أخرى:

[ 362 ]

[ (تتمة) قد علم من تضاعيف المسائل المتقدمة الاتفاقية أو الخلافية: أن ما ذكروه في أول الفصل من تعريف الضمان، وأنه نقل الحق الثابت من ذمة إلى أخرى، وأنه لا يصح في غير الدين، ولا في غير الثابت حين الضمان، لا وجه له، وأنه أعم من ذلك حسب ما فصل (1). ] (من استوفى مال غيره فهو له ضامن). وكما أنه إذا قال للحلاق: (احلق رأسي) يكون ضامنا للاجرة يكون ضامنا للمال الذي أداه إذا قال له: (أد ديني). وكذلك في المقام إذا كان الامر بالالقاء لمصلحة الآمر كان ضامنا للمتاع. وإذا كان لمصلحة المأمور لاغير - كما إذا كان الآمر خارجا عن السفينة، وكان الباعث له على الامر مصلحة المأمور - لم يكن ضامنا، لعدم تحقق استيفاء مال الغير. ولاجل ذلك لا يضمن إذا قال له: (أد دينك) ويضمن إذا قال له: (أد ديني). (تتمة) قد فصل المسائل الآتية عما قبلها فجعلها تتمة لما قبلها من جهة أن ما قبلها كان في أحكام الضمان الكلية والتتمة في بيان حكم الشبهة الموضوعية. (1) لكن عرفت إشكاله، وأن الضمان في الموارد التي أشار إليها ليس من الضمان المصطلح، بل بالمعنى العرفي، الذي يدل على صحته العمومات ولا سيما وأنه متداول عند العرف. فراجع.

[ 363 ]

[ (مسألة 1): لو اختلف المضمون له والمضمون عنه في أصل الضمان، فادعى أنه ضمنه ضامن وأنكره المضمون له، فالقول قوله (1). وكذا لو ادعى أنه ضمن تمام ديونه وأنكره المضمون له (2)، لاصالة بقاء ما كان عليه (3). ] (1) يعني: قول المضمون له. والمراد أن قوله لا يحتاج إلى الاثبات لانه يطابق الحجة، بخلاف قول خصمه، فانه المحتاج إلى الاثبات، لمخالفته للحجة. والمراد من الحجة ما يجب العمل به من غير دافع ولا معارض، وهي هنا أصالة عدم الضمان الجارية بلا معارض ولا دافع، (2) لعين ما ذكر، فان الاصل عدم ضمان تمام الديون. (3) الظاهر من هذا الاصل استصحاب بقاء الدين على حاله في ذمة المضمون عنه، وهو وإن كان جاريا في نفسه، لكنه محكوم بأصالة عدم الضمان للسببية والمسببية بنى مجراهما، فان بقاء الدين وعدمه من آثار عدم الضمان وحدوثه شرعا، فإذا حصل الضمان زال الدين وسقط، وإذا لم يحدث بقي الدين بحالة. فان قلت: الوجود لا يكون من آثار العدم، كما أن العدم لا يكون من آثار الوجود، فان العدم لا شئ فلا يكون أثر الشئ. قلت: هذا في العلل العقلية لا الشرعية، وإلا فهي تابعة لدليل الجعل وكيفية مؤداه، والاصول إنما تجري بلحاظ مؤدى الدليل الشرعي. لكن قد يشكل ما ذكرنا: بأن صحيح زرارة (* 1) الذي هو دليل الاستصحاب تضمن جريان استصحاب الطهارة مع الشك في النوم، مع أنها من آثار عدم النوم، نظير ما نحن فيه بعينه، وكان اللازم على ما ذكرنا جريان أصالة عدم النوم الذي هي الاصل السببي. اللهم إلا أن يقال: إنه لابد من توجيهه وحمله على خلاف الظاهر، عملا بما دل


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الوضوء حديث: 1.

[ 364 ]

[ ولو اختلفا في إعسار الضامن حين العقد ويساره فادعى المضمون له إعساره فالقول قول المضمون عنه (1). وكذا لو اختلفا في اشتراط الخيار للمضمون له وعدمه، فان القول قول المضمون عنه (2). وكذا لو اختلفا في صحة الضمان وعدمها (3) ] على لزوم تقدم الاصل في السبب على الاصل في المسبب. هذا ولعل مقصود الامام (ع) التمثيل للاستصحاب بالمثال الواضح، فان بقاء الطهارة أوضح من بقاء عدم النوم وأقرب إلى الفهم منه، وليس مقصوده (ع) بيان الحجة الفعلية. ويحتمل غير ذلك. (1) كأنه لاصالة اللزوم. لكن الظاهر أنه مع سبق إعسار الضامن يجري استصحابه، فيثبت إعساره حال الضمان، فيكون مدعيه منكرا لا مدعيا. بل مع سبق العلم باليسار يجري استصحاب اليسار المقدم على أصالة اللزوم. نعم تجري مع عدم العلم بسبق أحد الامرين، ومرجعها إلى عموم اللزوم. لكن الشك في المقام من قبيل الشبهة المصداقية، ولا مجال للعموم في الشبهة المصداقية. اللهم إلا أن يقال: إن المخصص في المقام لبي لا لفظي، فلا مانع من التمسك حيئنذ بالعام في الشبهة المصداقيه. ثم إن الرجوع إلى أصالة اللزوم لاثبات كون مدعي الاعسار مدعيا وخصمه مدعى عليه مبني على أن المعيار في كون الخصم مدعيا أو مدعى عليه الغرض المقصود من الدعوى. أما إذا كان المعيار مصب الدعوى فالاصل الحكمي لا أثر له في ذلك، ولابد أن يلاحظ الاصل الموضوعي الجاري في الاعسار وعدمه، فمع تعاقب الحالتين يكون كل من المضمون له والمضمون عنه مدعيا، لعدم قيام الحجة على أحد الامرين. (2) لاصالة عدم اشتراط الخيار. (3) لاصالة صحة الضمان.

[ 365 ]

[ (مسألة 2): لو اختلف الضامن والمضمون له في أصل الضمان، أو في ثبوت الدين وعدمه، أو في مقداره أو في مقدار ما ضمن أو في اشتراط تعجيله، أو تنقيص أجله إذا كان مؤجلا، أو في اشتراط شئ عليه زائدا على أصل الدين، فالقول قول الضامن (1). ولو اختلفا في اشتراط تأجيله (2) مع كونه حالا، أو زيادة أجله مع كونه مؤجلا، أو وفاء أو إبراء المضمون له عن جميعه أو بعضه، أو تقييده بكونه من مال معين والمفروض تلفه، أو اشتراط خيار الفسخ للضامن، أو اشتراط شئ على المضمون له، أو اشتراط كون الضمان بما يسوى أقل من الدين قدم قول المضمون له. ] (1) لاصالة عدم الضمان الذي يدعيه المضمون له، ولاصالة عدم الدين الذي يدعيه، أو لاصالة عدم الزيادة التي يدعيها، أو لاصالة عدم الضمان في الزايد الذي يدعيه، أو لاصالة عدم اشتراط التعجيل الذي يدعيه، أو لاصالة عدم اشتراط تنقيص الاجل الذي يدعيه، أو لاصالة عدم اشتراط شئ عليه زائدا على أصل الدين. (2) بأن ادعى الضامن أنه اشترط تأجيله مع كونه حالا، أو ادعى أنه اشترط زيادة أجله مع كونه مؤجلا، أو ادعى الوفاء، أو ادعى إبراء المضمون له عن جميعه أو عن بعضه، أو ادعى أنه اشترط أداؤه من مال معين وقد تلف فبطل الضمان وبرئت ذمته من المال، وكذا إذا كان المال المعين موجودا ولكن الوفاء منه موقوف على مقدمات تستوجب تأخره زمانا والمضمون له مطالب بالاداء فورا. فان الاصل في جميع ذلك يوافق قول المضمون له. وكذا في الفروض الآتية في بقية المسألة.

[ 366 ]

[ (مسألة 3): لو اختلف الضامن والمضمون عنه في الاذن وعدمه (1)، أو في وفاء الضامن (2) حتى يجوز له الرجوع وعدمه، أو في مقدار الدين الذي ضمن وأنكر المضمون عنه الزيادة، أو في اشتراط شئ على المضمون عنه (3) ] (1) يعني: فادعى الضامن الاذن من المضمون عنه ليرجع عليه بما أداه للمضمون له وأنكر المضمون عنه ذلك. (2) يعني: ادعى الضامن الوفاء فطالب المضمون عنه، فأنكر المضمون عنه الوفاء حتى لا يرجع عليه الضامن بما ضمن. ومقتضى إطلاق المتن عدم الفرق بين صورتي إقرار المضمون له بالوفاء وعدمه. لكن في القواعد في الصورة الاولى احتمل عدم سماع إنكار المضمون عنه، لسقوط المطالبة بالاقرار الذي هو أقوى من البينة كما احتمل السماع أيضا لان قول المضمون له ليس حجة. وأشكل عليه في جامع المقاصد: بأن عدم السماع ليس لان قول المضمون له حجة، بل لسقوط المطالبة كما سبق. كما أنه أشكل على وجه الاحتمال الاول: بأن الاقرار إنما يقتضي سقوط المطالبة ظاهرا لا واقعا، إذ من الجائز كذبه في الاقرار فيكون دينه باقيا وتجوز مطالبته. أقول: لو سلم عدم جواز المطالبة واقعا فالموجب لجواز رجوع الضامن على المضمون عنه وفاؤه لدينه واقعا وهو غير ثابت، ومجرد عدم جواز المطالبة واقعا وظاهرا غير كاف في جواز الرجوع إذا لم يحصل الوفاء فإذا ما في المتن أقوى (3) المضمون عنه ليس طرفا لعقد الضمان، فلا يصح اشتراط شئ على المضمون عنه فيه. نعم يمكن اشتراط ذلك في عقد آخر غير عقد الضمان، لكنه خارج عن محل الكلام.

[ 367 ]

[ أو اشتراط الخيار للضامن، قدم قول المضمون عنه (1). ولو اختلفا في أصل الضمان، أو في مقدار الدين الذي ضمنه (2) وأنكر الضامن الزيادة، فالقول قول الضامن. (مسألة 4): إذا انكر الضامن الضمان فاستوفى الحق منه بالبينة ليس له الرجوع على المضمون عنه المنكر للاذن أو الدين، لاعترافه بكونه أخذ منه ظلما. نعم لو كان مدعيا مع ذلك للاذن في الاداء بلا ضمان، ولم يكن منكرا لاصل الدين، وفرض كون المضمون عنه أيضا معترفا بالدين والاذن في الضمان جاز له الرجوع عليه، إذ لا منافاة بين إنكار الضمان وادعاء الاذن في الاداء، فاستحقاقه الرجوع معلوم غاية الامر أنه يقول إن ذلك للاذن في الاداء (3)، والمضمون عنه يقول إنه ] (1) لانه يدعي عدم الاذن في الفرض الاول، وعدم الوفاء في الفرض الثاني، وعدم الزيادة في الدين في الفرض الثالث، وعدم اشتراط شئ عليه في الفرض الرابع، وعدم اشتراط الخيار للضامن في الفرض الخامس والاصل يوافق مدعاه في جميع هذه الفروض، فان الاصل عدم الاذن، وعدم الوفاء وعدم زيادة الدين، وعدم اشتراط شئ عليه، وعدم اشتراط الخيار للضامن فيكون لذلك منكرا، ويكون القول قوله إلا إذا أقام خصمه البينة على مدعاه. (2) بأن ادعى المضمون عنه الضمان وأنكر الضامن، أو ادعى المضمون عنه أن الدين عشرون وادعى الضامن أنه عشرة. ومن الواضح أن قول الضامن هو الذي يوافقه الاصل، فان الاصل عدم الضمان وعدم الزيادة. (3) من المعلوم أن الاذن في الاداء إنما تقتضي جواز الاداء لا وجوبه،

[ 368 ]

[ للاذن في الضمان، فهو كما لو ادعى على شخص أنه يطلب منه عشر قرانات قرضا، والمدعى ينكر القرض ويقول: إنه يطلبه من باب ثمن المبيع، فأصل الطلب معلوم. ولو لم يعترف ] كما لا تقتضي ولاية الدائن على الاخذ من المأذون، ولا جواز إجباره على الاداء، فإذا أجبر على الاداء لم يكن الاداء صحيحا بل المال باق على ملك المالك، ولا يدخل في ملك الدائن، فكيف يجوز الرجوع على المضمون عنه بعد الاداء الاجباري؟ والاذن إنما يقتضي جواز الرجوع على الآذن إذا كان الاداء صحيحا موجبا لافراغ ذمة الآذن لا مطلقا، فإذا لم يكن موجب لافراغ ذمه الآذن لا يكون مسوغا للرجوع عليه، فلا مجال لرجوعه على المضون عنه وان اعتقد أنه أذن في الاداء، لكون المفروض أن هذا الاداء كلا أداء، لعدم كونه مفرغا لذمته، فالضامن يعلم بعدم استحقاقه الرجوع على المضمون عنه بما أداه، لعدم حصول الاداء الصحيح. نعم إذا رضي به بعد ذلك، بناء على صحة احتساب دينه على الغاصب وفاء عن دين الغاصب على شخص آخر، فإذا صح هذا الوفاء فقد تحقق المأذون فيه وجاز رجوعه على الآذن، كما أن الآذن يعلم بجواز رجوع عليه، لانه ضامن عن إذن المضمون عنه، فجواز الرجوع مما يعتقده كل واحد منهما، فلا مانع منه، بخلاف ما إذا لم يرض فانه يعلم بعدم جواز رجوعه على المضمون عنه لعدم حصول الاداء. ومن ذلك يظهر أنه لا مجال لتمثيل المقام بالفرض المذكور في المتن: نعم يصح التمثيل إذا رضي بالاداء، لما عرفت من أن جواز الرجوع مما يعتقده كل واحد منهما وإن اختلفا في سببه، فالضامن يعتقد أن سببه الاداء المأذون فيه، والمضمون عنه يعتقد أن سببه الضمان المأذون فيه، فقد تصادقا معا على اشتغال ذمة المضمون عنه وجواز الرجوع عليه، فيكون كالمثال بعينه.

[ 369 ]

[ المضمون عنه بالضمان أو الاذن فيه (1) وثبت على ذلك بالبينة ] (1) هذا هو الشق الثاني لما ذكره سابقا بقوله: " وفرض كون المضمون عنه أيضا معترفا... " يعني: إذا لم يعترف المضمون عنه بالاذن بالضمان لكن قامت على ذلك البينة، فالحكم كما سبق يجوز رجوع الضامن عليه بما أخذ منه قهرا، لكن بالمقاصة، لان المضمون له لما كان ظالما في أخذه للمال جاز للضامن المظلوم أن يستوفي حقه من مال المضمون له الموجود في ذمة المضمون عنه، فيأخذه من المضمون عنه بدلا عن ماله المأخوذ منه ظلما، فيكون الرجوع على المضمون عنه ليس لاجل اشتغال ذمته - كما في الفرض السابق - بل لاشتغال ذمة المضمون له بما أخذ بغير استحقاق، المسوغ لجواز أخذ ماله الذي في ذمة المضمون عنه فالمضمون عنه على هذا ليس مشغول الذمة بشئ ولا ضامنا لشئ، وإنما يرجع عليه لان عنده مال المضمون له، فالخسارة تكون على المضمون له لا المضمون عنه. هذا ويشكل أولا: بأنه لم يظهر الفرق بن هذه الصورة وما قبلها، ولاي جهة لم تصح المقاصة فيما قبلها كما صحت هنا؟ ولاي جهة لم يصح الرجوع على المضمون عنه في هذه الصورة للعلم باشتغال ذمته لاحد السببين كما صح الرجوع عليه لذلك فيما قبلها؟. وثانيا: بأنه لم تثبت المقاصة في الذمة وإنما ثبتت بما في الخارج، فالعين الخارجية المملوكة للظالم يجوز للمظلوم أخذها، أما دين الظالم الذي له على الناس فلم يثبت جواز أخذه مقاصة، بحيث يكو للمظلوم ولاية على تعيينه وتشخيصه في الخارج، لقصور أدلتها عن العموم لذلك. فراجعها في المكاسب المحرمة في أوائل كتاب التجارة من الوسائل (* 1). وإن كان الذي يظهر من التذكرة والقواعد وشروحها المفروغية عن جواز المقاصة في الذميات، فقد


(* 1) الوسائل باب: 83 من ابواب ما يكتسب به.

[ 370 ]

تعرضوا للمسألة وأفتوا بجواز المقاصة بالرجوع إلى المضمون عنه. وإن كان المذكور في كلام بعضهم أن المراد من المقاصة معنى أخر، وهو مطالبة الظالم بالحق من غير الطريق الواقعي، بأن يطالبه بثمن المبيع في الفرض السابق مع أن الدين قرض لاثمن، وفي المقام يطالبه بمؤدى البينة مع ان السبب الاذن في الاداء. وحينئذ يكون الرجوع في الصورة السابقة من باب المقاصة أيضا، وإن كان التعبير بها كان في هذه الصورة لاغير، فالاختلاف بين الصورتين في مجرد التعبير. فلاحظ كلماتهم. والذي ينبغي في بيان صور المسألة أن يقال: إذا ادعى المضمون له الضمان على شخص وأنكر ذلك الشخص، فقامت البينة على الضمان، فأخذ منه قهرا بحكم الحاكم، فاما أن يكون المضمون عنه قد أذن له في أداء ما عليه أولال، وعلى الاول لا يجوز رجوعه عليه من جهة إذنه، لعدم حصول الاداء، والمال المأخوذ من الضامن باق على ملكه. كما لا يجوز الرجوع عليه بأخذ الدين الذي عليه للمضمون له بعنوان المقاصة للمضمون له في قبال ما أخذه من الضامن، لما عرفت من عدم الدليل على المقاصة في الذميات. ومنه يظهر أنه لا يجوز الرجوع على المضمون عنه على الثاني لامن باب المقاصة، ولا من باب الاذن، لفرض عدم الاذن مضافا إلى عدم الاداء. ولا فرق فيما ذكرنا بين إذن المضمون عنه بالضمان وعدمه، لان المفروض عدم الضمان، فلا يقتضي الاذن فيه جواز الرجوع على الآذن وثم إنه لو فرض تحقق الاداء المأذون فيه إذا أخذ المال من الضامن بحكم الحاكم قهرا فحينئذ يجوز للضامن الرجوع على المضمون عنه، لتحقق المأذون فيه، ولا دخل لاذنه في الضمان وعدمه في جواز الرجوع المذكور، ففرض الاذن في الضمان والاعتراف بها وإنكارها لا ينبغي ذكره في فروض المسألة.

[ 371 ]

[ فكذلك يجوز له الرجوع عليه مقاصة عما أخذ منه. وهل يجوز للشاهدين على الآذن في الضمان حينئذ أن يشهدا بالاذن من غير بيان كونه الآذن في الضمان أو كونه الآذن في الاداء الظاهر ذلك (1)، وإن كان لا يخلو عن إشكال. وكذا في نظائره. كما إذا ادعى شخص على آخر أنه يطلب قرضا وبينته تشهد بأنه يطلبه من باب ثمن المبيع لا القرض، فيجوز لهما أن يشهدا بأصل الطلب من غير بيان أنه للقرض أو لثمن البيع على إشكال. (مسألة 5): إذا ادعى الضامن الوفاء وأنكر المضمون له وحلف ليس له الرجوع على المضمون عنه إذا لم يصدقه في ذلك (2). وإن صدقه جاز له الرجوع إذا كان باذنه (3) وتقبل شهادته له بالاداء (4) ] (1) لا يخفى أنه لما كان الاذن بالشئ في نفسه ليس موضوعا لاثر شرعي وإنما موضوع الاثر الشرعي الاذن المتعلقة بشئ بعينه من ضمان أو أداء أو نحوهما، فإذا شهد الشاهد بالاذن نفسه من دون ذكر المتعلق لم تسمع هذه الشهادة لعدم الاثر. وهذا بخلاف الدين، فانه بنفسه موضوع للاثر الشرعي وان لم يذكر السبب المقتضي له من بيع أو قرض أو غيرهما، فالفرق بين الامرين ظاهر. ولا يجوز مقايسة أحدهما على الآخر. (2) لعدم ثبوت الاداء، بل ثبوت عدمه، فلا موجب للرجوع. (3) أخذا له باقراره واعترافه. (4) يعني: شهادة المضمون عنه. كما صرح بذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب الاصحاب.

[ 372 ]

[ إذا لم يكن هناك مانع من تهمة (1) أو غيرها مما يمنع من من قبول الشهادة (2). (مسألة 6): لو أذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان فوفى جاز له الرجوع عليه (3). ] (1) في المسالك: " ذكروا للتهمة صورا... ومنها: أن يكون الضامن معسرا ولم يعلم المضمون له باعساره، فان له الفسخ حيث لا يثبت الاداء، ويرجع على المضمون عنه فيدفع بشهادته عود الحق إلى ذمته... ". وهذه الصورة ذكرها في جامع المقاصد. (2) مثل فقد شرط قبول الشهادة على ما ذكر في كتاب الشهادة. (3) قال في القواعد: " ومن أدى دين غيره بغير ضمان ولا إذن لم يرجع، وإن أداه باذنه بشرط الرجوع رجع. ولو لم يشترط الرجوع احتمل عدمه إذ ليس من ضرورة الاداء الرجوع. وثبوته للعادة "، ونحوه في التذكرة، وفي جامع المقاصد: " والحق أن العادة إن كانت مضبوطة في أن من أذن في الاداء يريد به الرجوع ويكتفي بالاذن مطلقا استحق الرجوع، وإلا فلا ". وهو كما ذكر. كما أنه لم يثبت أن العادة تقتضي ذلك. نعم إذا كان الاذن مستفادا من الاستدعاء. بأن قال: " أد ديني " كان مقتضيا للرجوع، لما عرفت سابقا من أن استيفاء مال الغير موجب لضمانه. ولعله المراد من العادة في كلامهم وإلا لم يكن مقتضيا له، كما إذا قال: " أنت مأذون في وفاء ديني " بعد أن استأذنه المخاطب في الوفاء لاحتمال كراهته لذلك لغرض من الاغراض. ولو قال ابتداء: " أنت مأذون في وفاء ديني " فقد يكون دالا على اشتراط الرجوع، من أجل أن وفاء غيره لدينه ليس تحت سلطانه حتى يكون محتاجا إلى الاذن، فليس الغرض من الاذن إلا اشتراط الرجوع. فان لم يفهم ذلك لم يكن له

[ 373 ]

[ ولو ادعى الوفاء وأنكر الآذن (1) قبل قول المأذون، لانه أمين من قبله (2). ولو قيد الاداء بالاشهاد وادعى الاشهاد وغيبة الشاهدين قبل قوله أيضا (3). ولو علم عدم إشهاده ليس له الرجوع (4). نعم لو علم أنه وفاه، ولكن لم يشهد يحتمل جواز الرجوع عليه، لان الغرض من الاشهاد العلم بحصول الوفاء (5) والمفروض تحققه. (تم كتاب الضمان) ] الرجوع. وعلى هذا فالرجوع ليس للاذن، بل لاشتراط الرجوع المفهوم من القرائن. (1) اسم فاعل. (2) كما في الجواهر، والامين يقبل خبره، كما إذا أمر الجارية بتطهير الثوب فأخبرت بذلك، فانه يقبل خبرها، وكذلك الاجير على عمل إذا أخبر بوقوعه، كالاجير على العبادة عن ميت يقبل خبره بفعلها وهكذا. والعمدة في ذلك سيرة العقلاء والمتشرعة. (3) لما سبق. (4) كما في الجواهر، لانتفاء الاذن بالاداء الواقع في الخارج، لانتقاء المقيد بانتفاء قيده. (5) هذا غير ظاهر، فقد يكون الغرض من الاشهاد التخلص من دعوى الدائن عدم الاداء، أو التخلص من تهمة الناس له أنه مماطل في وفاء دينه، وقد يكون الغرض أمرا آخر. وبالجملة: المدار في جواز الرجوع وقوع الاداء على الوجه المأذون فيه، فإذا لم يحصل لم يجز الرجوع وان حصل الغرض. والله سبحانه العالم العاصم. وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.

[ 374 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب الحوالة) وهي عندهم تحويل المال من ذمة إلى ذمة (1). والاولى أن يقال: إنها إحالة المديون داينه إلى غيره، أو إحالة المديون دينه من ذمته إلى ذمة غيره. وعلى هذا فلا ينتقض طرده بالضمان، فانه وإن كان تحويلا من الضامن للدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمته، إلا أنه ليس فيه الاحالة المذكورة، ] انتهى الكلام إلى هنا في الرابع والعشرين من ربيع الثاني في سنة اثنتين وثمانين بعد الالف والثلاثمائة للهجرة. وقد انتهى الكلام في الشرح القديم في الحادي عشر من جمادى الاولى في السنة التاسعة والخمسين بعد الالف والثلاثمائة للهجرة. (كتاب الحوالة) قال في التذكرة: " الحوالة عقد جائز بالنص والاجماع ". وعن المبسوط والسرائر: أنها مشروعة بالنص واجماع الامة. انتهى. (1) قال في الشرائع: " فالحوالة عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله ". ولاجل أن هذا التعريف مانع من صحة الحوالة على البرئ والعلامة يرى صحتها عدل في القواعد عن هذا التعريف إلى

[ 375 ]

[ خصوصا إذا لم يكن بسؤال من المضمون عنه (1). ويشترط فيها - مضافا إلى البلوغ، والعقل، والاختيار (2) وعدم السفه (3) في الثلاثة من المحيل والمحتال والمحال عليه، وعدم الحجر بالسفه في المحتال (4) والمحال عليه (5)، بل والمحيل، إلا إذا كانت الحوالة على البرئ فانه لا بأس به (6) ] تعريفها بقوله: " وهي عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى أخرى ". ونحوه في التذكرة والتحرير، وكذلك غيره. ومن ذلك يظهر أن نسبة التعريف المذكور إليهم غير ظاهر. (1) أما إذا كان بسؤاله فقد يوهم أن المضمون عنه هو الذي نقل المال من ذمته إلى ذمة الضامن. لكن التأمل يقتضي خلاف ذلك، لان الذي يسأل الفعل من غيره غير فاعل، بل الفاعل هو المسؤول منه الفعل. (2) هذه الثلاثة شرائط عامة لمطلق التصرف، فلا يصح التصرف بدونها، كما أشرنا إلى ذلك في كتاب الضمان. وتحرير ذلك مفصلا من الفقهاء (رضي الله عنهم) يكون في كتاب البيع الذي هو أول الكتب الباحثة عن العقود والايقاعات. (3) هذا شرط للتصرف المالي، لا مطلق التصرف. ولاجل أن كلا من المحيل والمحتال والمحال عليه متصرف في مال لم يصح منه ذلك. (4) أصل العبارة بالفلس، كما يشهد بذلك ما قبله وما بعده. (5) يشكل ذلك بأن قبوله ليس تصرفا في ماله الذي هو موضوع حق الغرماء، وإنما هو تصرف في نفسه وفي ذمته، فلا مانع منه. نعم هو تصرف مالي، فلا يجوز من السفيه ويجوز من المفلس، نظير الاقتراض الذي سيذكره. (6) فان مرجع الحوالة على غير البرئ نقل الدين إلى ذمة المحال

[ 376 ]

[ فانه نظير الاقتراض منه - أمور: أحدها: الايجاب والقبول، على ما هو المشهور بينهم (1) حيث عدوها من العقود اللازمة. فالايجاب من المحيل (2)، والقبول من المحتال. وأما المحال عليه فليس من أركان العقد وان اعتبرنا رضاه مطلقا أو إذا كان بريئا، فان مجرد اشتراط الرضا منه لا يدل على كونه طرفا وركنا للمعاملة. ويحتمل أن يقال: يعتبر قبوله أيضا (3)، فيكون العقد مركبا من الايجاب ] عليه ليكون وفاؤه مما في ذمته، فتكون الحوالة تصرفا في ماله الذي في ذمة المحال عليه، وهو متعلق حق الغرماء. لكن إذا قلنا بصحة الحوالة على البرئ أمكن القول بصحتها من المفلس على غير البرئ، إذ ليس من لوازم التحويل التصرف في ماله، بل من الجائز صحة الحوالة وكون ماله الذي في ذمة المحال عليه تحت سلطان الغرماء، إذ هو بمنزلة الاقتراض - كما ذكر - فكما يجوز اقتراض المفلس من البرئ يجوز اقتراضه من المديون وكما يجوز للمفلس التحويل على البرئ يجوز له التحويل على غير البرئ، ويكون المال في ذمة المحيل للمحال عليه بعد دفعه الحوالة. (1) بل الظاهر أنه من المسلمات من دون خلاف ولا إشكال. (2) قال في المسالك: " ثم على تقدير اعتبار رضا المحيل عليه ليس هو على حد رضا الآخرين، لان الحوالة عقد لازم من جملة العقود اللازمة، فلا يتم الا بايجاب وقبول، فالايجاب من المحيل، والقبول من المحتال. ويعتبر فيهما ما يعتبر في غيرهما من اللفظ والمقارنة وغيرهما. وأما رضا المحال عليه فيكفي كيف اتفق مقارنا أم متراخيا ". (3) قال في الجواهر: " لم أجد القول باحتمال اعتباره على وجه

[ 377 ]

[ والقبولين. وعلى ما ذكروه يشترط فيها ما يشترط في العقود اللازمة، من الموالاة بين الايجاب والقبول ونحوها، فلا تصح مع غيبة المحتال أو المحال عليه أو كليهما بأن أوقع الحوالة بالكتابة. ولكن الذي يقوى عندي كونها من الايقاع (1) غاية الامر اعتبار ] القبول بأن يكون هذا العقد مركبا من إيجاب وقبولين، وإن كان هو مقتضى ما تسمعه من دليلهم ". ويريد به دعوى الاجماع على أنها تقتضي نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ضرورة توقف انتقال الدين إلى ذمة الغير على رضاه. (1) لا يخفى أن الفرق بين الايقاع والعقد أن الاول يكفى في حصوله إعمال سلطنة سلطان واحد، والثاني يتوقف حصوله على إعمال سلطنة سلطانين، ولا يكفي في حصوله إعمال سلطنة واحدة. فإذا قال الانسان لزوجته: " طلقتك " ثم قال لها: " تزوجتك " فالطلاق إيقاع لانه يكفى في حصوله إعمال سلطنة الزوج، والتزويج عقد لانه يتوقف حصوله على إعمال سلطنة الزوج والزوجة معا، فالطلاق وإن كان تصرفا في الزوجة كالتزويج، إلا أن الاول لما جعله الشارع الاقدس تحت سلطان الزوج فقط كان إيقاعا، والتزويج لما جعله الشارع تحت سلطان الزوجين معا كان عقدا. وربما يكون إيقاعا إذا كان تحت سلطنة شخص واحد، كما في تزويج المولى أمته من عبده، فانه لما لم يكن تحت سلطان كل من الزوجين وإنما هو تحت سلطان مولاهما كان إيقاعا. وهكذا فكل تصرف لا يتحقق إلا باعمال سلطنة شخصين فهو عقد، وكل تصرف يتحقق باعمال سلطنة شخص واحد فهو إيقاع. فالاختلاف بين العقد والايقاع ليس لاختلاف مفاهيمها المنشأة، بل لاختلاف أحكامها من حيث السلطنة. وعلى هذا يمتنع أن تكون الحوالة إيقاعا، لانها تصرف في مال المحتال الذي هو تحت

[ 378 ]

[ الرضا من المحتال أو منه ومن المحال عليه، ومجرد هذا لا يصيره عقدا، وذلك لانها نوع من وفاء الدين (1)، وإن كانت توجب انتقال الدين من ذمته إلى ذمة المحال عليه، فهذا النقل والانتقال نوع من الوفاء. وهو لا يكون عقدا (2) وإن احتاج إلى الرضا من الآخر، كما في الوفاء بغير الجنس، فانه يعتبر فيه رضا الداين ومع ذلك إيقاع (3)، ومن ذلك يظهر أن الضمان أيضا من الايقاع، فانه نوع من الوفاء (4). وعلى هذا فلا يعتبر فيهما شئ مما يعتبر في العقود اللازمة (5)، ] سلطانه، وفي ذمة المحال عليه التي هي تحت سلطانه، فيجب أن تكون بقبولهما معا، ولا تكون بايقاع المحيل فقط لتكون إيقاعا. (1) الفرق بين الوفاء والحوالة أظهر من أن يحتاج إلى بيان، لان المحتال إنما انتقل بالحوالة دينه من ذمة إلى أخرى، وهذا الانتقال بعيد عن معنى الوفاء الذي هو وصول الدين إلى الدائن، فكيف يكون هذا الانتقال نوعا من الوفاء؟! وكذلك الكلام في الضمان، فانه لم يحصل به وفاء الدين وإنما يكون به انتقال الدين من ذمة المديون إلى غيره. نعم يشترك الوفاء والحوالة والضمان في فراغ ذمة المديون، لكنه ليس للوفاء بل للانتقال. (2) لانه يكون تحت سلطنة المديون على إفراغ ذمته، وليس تحت سلطنة الدائن، فلو أراد المديون الوفاء ليس للدائن الامتناع، إذ لا سلطان له على ذمة المديون ليجعلها محلا لماله. (3) فيه منع ظاهر، بل هو نوع من المعاوضة بين الدين والجنس الآخر. (4) سبق الاشكال فيه كالاشكال في الحوالة. (5) بناء على ما ذكر لا يعتبر فيها ما يعتبر في العقود لازمة كانت أو

[ 379 ]

[ ويتحققان بالكتابة ونحوها (1). بل يمكن دعوى أن الوكالة أيضا كذلك (2)، - كما أن الجعالة كذلك - وإن كان يعتبر فيها الرضا من الطرف الآخر (3). ألا ترى أنه لافرق بين أن يقول: " أنت مأذون في بيع داري " أو قال: " أنت وكيل " (4)، مع أن الاول من الايقاع قطعا. ] غير لازمة، ولا يختص باللازمة. (1) يمكن القول به في العقود كلية كالمعاطاة. ولو بني على المنع في العقود بني عليه في الايقاع، لاشتراكهما في دليله نفيا وإثباتا. (2) يعني: من الايقاع. (3) قد عرفت ان اعتبار الرضا يقتضي كونها من العقود، والعقود لابد أن تكون بايجاب وقبول، ولا يكفي الرضا النفساني المقابل للكراهة والارادة الذي ليس من الانشاء، فانه غير القبول اللازم اعتباره في صدق العقد. وبالجملة: اعتبار الرضا مساوق لكون الوكالة من العقود المعتبر فيها القبول. (4) الفرق بين الامرين ظاهر، فان الوكيل كالاصيل، فالوكيل في وفاء الدين يجب عليه الوفاء مع المطالبة، والمأذون في الاداء ليس كذلك. وأيضا فان الوكيل تجوز مطالبته في الوفاء ومخاصمته، والمأذون ليس كذلك. وأيضا الوكيل يتمكن من عزل نفسه عن الوكالة، فلا يكون وكيلا، والمأذون لا يتمكن من عزل نفسه عن الاذن. والوكيل يستطيع أن لا يقبل الوكالة ويرد الايجاب فلا يكون وكيلا، والمأذون ليس كذلك. والوكالة المعلقة باطلة، بخلاف الاذن. والوكيل المعزول ينفذ تصرفه قبل بلوغ العزل، وليس كذلك المأذون. ومن ذلك يتبين أن الوكالة قائمة باختيار الوكيل وتتوقف على قبوله، وليس كذلك الاذن.

[ 380 ]

[ الثاني: التنجيز (1)، فلا تصح مع التعليق على شرط أو وصف، كما هو المشهور. ولكن الاقوى عدم اعتباره كما مال إليه بعض متأخري المتأخرين. الثالث: الرضا من المحيل والمحتال بلا إشكال (2). وما عن بعضهم من عدم اعتبار رضا المحيل (3) فيما لو تبرع ] والمتحصل: أن المفهوم الانشائي إذا كان تحت سلطنتين فهو قائم بهما، فلا يتحقق إلا باعمالهما، فيكون عقدا. وإذا كان تحت سلطنة واحدة يتحقق باعمالها فقط، فيكون إيقاعا. ودعوى أنه إيقاع ومع ذلك يتوقف على رضا الآخر تناقض، فان اعتبار الرضا من الطرفين مساوق لكون المفهوم عقدا. فلاحظ. (1) العمد في اعتباره الاجماع المدعى على اعتباره في كلية العقود الذي لا مجال لرفع اليد عنه بعد دعواه من الاساطين. وتلقي الباقين له بالقبول. وإلا فلم يذكر هذا الشرط هنا في جملة من الكتب، كالشرائع والقواعد وغيرهما، ولم يتعرض له فيما وقفت عليه من شروحهما، وفي التذكرة: ذكر التنجيز من شروط الضمان - كما سبق - ولم يذكر ذلك في الحوالة. ولعله اكتفى بذكره في غيرها مع دعوى الاجماع عليه في عامة العقود. (2) عن التذكرة والمسالك والروضة والمفاتيح والكفاية: الاجماع عليه وفي الجواهر: " الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر ". (3) قال في التذكرة: " يشترط في الحوالة رضا المحيل - وهو الذي عليه الحق - إجماعا... (إلى أن قال): في صورة واحدة لا يعتبر فيها رضا المحيل وهي ما إذا جوزنا الحوالة على من لادين عليه، لو قال للمستحق: " أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي " فقبل، صحت

[ 381 ]

[ المحال عليه بالوفاء، بأن قال للمحتال: " أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي "، وحينئذ فيشترط رضا المحتال والمحال عليه دون المحيل. لا وجه له، إذ المفروض لا يكون من الحوالة بل هو من الضمان (1). ] الحوالة. فإذا لا يشترط هنا رضا المحيل، بل رضا المحال والمحال عليه خاصة "، ونحوه في المسالك والحدائق وعن الروضة. ولكن في الجواهر منع عن صحة هذه الحوالة، لعدم إطلاق في نصوص المقام يتناولها. و (أوفوا بالعقود) (* 1) يراد به العقود المتعارفة، فلا شمول فيه للمشكوك. وفيه: أن التعارف لا يقيد الاطلاق، ولو بني على ذلك لزم تأسيس فقه جديد، كما أشرنا إلى وجه ذلك في مواضع من هذا الشرح. (1) يتم إذا كان مفهوم الضمان نقل ما في ذمة إلى ذمة، كما ذكره الاصحاب. أما إذا كان التعهد بالدين فهو غير التحويل المذكور، وإن كان التعهد من لوازمه. وحينئذ لابد من الرجوع في تصحيحه إلى عموم الوفاء بالعقود ونحوه. وعليه فلا يختص بصورة ما إذا كان المحال عليه بريئا، بل يجري في غيره. غاية الامر أنه لا يكون الوفاء من مال المحيل، بل من مال المحال عليه، ويبقى دين المحيل على المحال عليه بحاله. كما لا يختص أيضا بتحويل المحال عليه على نفسه، بل يكون أيضا بتحويل المحال على المحال عليه، فيقول المحال للمحال عليه: " أحلت ديني عليك " فيقول المحال عليه: " قبلت "، فيكون المحيل هو المحال لا المحال عليه. وجميع هذه الصور ليست من الحوالة المصطلحة عند الفقهاء، بل هي حوالة بالمعنى اللغوي قام الدليل على صحتها إن تم. ومثل ذلك ما إذا كان التحويل من شخص آخر، كما إذا كان دين لزيد على عمرو، فيحيل الدين المذكور خالد على


(* 1) المائدة: 1.

[ 382 ]

[ وكذا من المحال عليه إذا كان بريئا، أو كانت الحوالة بغير جنس ما عليه (1). وأما إذا كانت بمثل ما عليه ففيه خلاف (2) ] بكر، فيقبل الدائن - وهو زيد - والمحول عليه - وهو بكر - فتصح مثل هذه الحوالة بالعمومات مع عدم رضا المدين وهو المحيل، وليست من الحوالة الاصطلاحية ذات الاحكام المخصوصة المستفادة من النصوص والاجماع ثم إنه لا يخفى أن من يعتبر رضاه يجب أن يكون المفهوم الانشائي تحت سلطانه، والمحيل ليس كذلك، فان التحويل إفراغ لذمته، ولا سلطان له على المنع من إفراغ ذمته. نعم سلطانه على المنع من إشغال ذمته، والتحويل ليس فيه شئ من ذلك. نعم لما كان التحويل موجبا إما لاشتغال ذمته بمثل الدين للمحال عليه لو كانت الحوالة على البرئ أو بغير الجنس، وإما لسقوط دينه الذي على المحال عليه لو كانت الحوالة بالجنس على غير البرئ، وكان كل ذلك تحت سلطانه، كانت الحوالة تحت سلطانه. (1) يعني: يشترط رضاه، ويقتضيه قاعدة السلطنة على نفسه، لان إشغال ذمته بدين للمحتال تصرف في نفسه. وهو واضح لو كان بريئا. وكذلك لو كان مشغول الذمة بغير جنس الدين، فان اشتغال ذمته بجنس الدين أيضا تصرف في نفسه يحتاج إلى إعمال سلطنته. وعن التنقيح: أنه في هذه الصورة يعتبر رضاه قطعا. لكن في الجواهر قد يمنع القطع فيما ذكره. (2) والمنسوب إلى المشهور اعتبار رضاه، وعن الاردبيلي: أنه لم يظهر فيه مخالف، وعن التذكرة: نسبته إلى أصحابنا، وعن المختلف: نسبته إلى علمائنا. ولكن عن أبي الصلاح عدم اعتبار رضاه، وعن المختلف: الميل إليه، وفي مفتاح الكرامة: أنه خيرة المقتصر والتنقيح وإيضاح النافع والمسالك والروضة، وعن التنقيح: أنه قال: " إن اعتبرنا شغل الذمة والحوالة بمثل ما عليه فلا يشترط رضاه قطعا ".

[ 383 ]

[ ولا يبعد التفصيل بين أن يحول عليه بماله عليه، بأن يقول: " أعطيه من الحق الذي لي عليك "، فلا يعتبر رضاه، فانه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه (1) ] (1) قد استدل في المسالك على ذلك بأن المحيل قد أقام المحتال مقام نفسه في القبض بالحوالة، فلا وجه للافتقار إلى رضا من عليه الحق. كما لو وكله في القبض منه ثم ذكر انا نمنع أن مقتضى الحوالة النقل، بل هي أيفاء بما في ذمة الغير، فلا تقصر عن بيع ما في ذمة الغير، ولا يشترط فيه الرضا إجماعا. انتهى. وتبعه على ذلك في الجواهر، غير أنه لم يتعرض لما ذكره أولا من إقامة المحتال مقام نفسه في القبض بالحوالة. وفي المتن جعل المحول عليه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه. والمتحصل من كلمات الجماعة في الاستدلال على عدم اعتبار رضا المحول عليه أمور: الاول: منع كون الحوالة نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. الثاني: أن المحيل قد أقام المحتال مقامه في قبض دينه. الثالث: أن الحوالة إيفاء بماله الذي في ذمة المحال عليه. الرابع: أن الحوالة بمنزلة توكيل المحال عليه في وفاء دينه. وفي الجميع إشكال ظاهر. إذ الاول خلاف ما عليه الاجماع من أن الحوالة نقل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال. فراجع كلماتهم في تعريف الحوالة، وقد ادعي في المسالك الاتفاق على ذلك في مسألة اعتبار إبراء المحتال للمحيل في عدم جواز رجوعه إليه. ومن ذلك يظهر الاشكال في الثاني، إذ لو كان مفادها ذلك لم تكن نقلا، بل كان الدين باقيا بحاله في ذمة المحيل حتى يحصل الوفاء بقبض المحتال من المحال عليه. ومنه يظهر الاشكال في الثالث. وأما الرابع فيتوجه عليه أن مقتضي ذلك اعتبار الرضا من المحال عليه كالوكيل الذي لا تصح وكالته إلا برضاه، كما تقدم. مضافا إلى أن

[ 384 ]

[ وإن كان بنحو اشتغال ذمته للمحتال وبراءة ذمة المحيل بمجرد الحوالة، بخلاف ما إذا وكله فان ذمة المحيل مشغولة إلى حين الاداء. وبين أن يحوله عليه من غير نظر إلى الحق الذي له عليه على نحو الحوالة على البرئ، فيعتبر رضاه، لان شغل ذمته بغير رضاه على خلاف القاعدة. وقد يعلل باختلاف الناس في الاقتضاء (1) فلابد من رضاه. ولا يخفى ضعفه، كيف وإلا لزم عدم جواز بيع دينه على غيره، مع أنه لااشكال فيه. الرابع: أن يكون المال المحال به ثابتا في ذمة المحيل (2) سواء كان مستقرا أو متزلزلا، فلا تصح في غير الثابت، سواء وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل ومال السبق والرماية ] جعله بمنزلة الوكيل في الاستيفاء ينافي كون الحوالة نقلا، كما سبق. فالمصنف جمع بين دعويين متنافيتين. مضافا إلى أن أولاهما أولى بالدليل على اعتبار الرضا من الدليلية على عدم الاعتبار، والثانية كذلك لان اشتغال ذمة المحول عليه بغير سلطانه خلاف قاعدة سلطنة الناس على أنفسهم، المستفادة من قاعدة سلطنة الناس على أموالهم. فحكم هذه الصورة كالصورة الآتية، والفرق الذي ذكره غير فارق. (1) علله بذلك في المسالك في جملة أدلة المشهور، وأجاب عنه بأن اختلاف الناس في الاقتضاء لايمنع من مطالبة المستحق ومن ينصب. (2) إجماعا، كما عن الحدائق. وعن مجمع البرهان حكايته عن بعضهم. وعن التحرير: أن شرطها ثبوته في ذمة المحيل، فلو أحاله بما يقرضه لم يصح إجماعا. انتهى. ويقتضيه مفهومها عرفا، فان التحويل

[ 385 ]

[ قبل حصول السبق، أو لم يوجد سببه أيضا كالحوالة بما يستقرضه. هذا ما هو المشهور (1). ولكن لا يبعد كفاية حصول السبب، كما ذكرنا في الضمان (2)، بل لا يبعد الصحة فيما إذا قال: " أقرضني كذا وخذ عوضه من زيد " (3) فرضي ورضي زيد أيضا، لصدق الحوالة، وشمول العمومات، فتفرغ ذمة المحيل وتشتغل ذمة المحال بعد العمل وبعد الاقتراض. ] عرفا يقتضي نقل ما في ذمة إلى ذمة، فهو يتوقف على وجود شئ في الذمة، كما يقتضي ثبوت شئ في ذمة المحال عليه، فلا يتحقق مع عدم ذلك. و بالجملة: التحويل والتحول يتوقف على ثبوت شئ في محل فينتقل إلى محل آخر. (1) قد عرفت دعوى الاجماع عليه. (2) قد عرفت الاشكال عليه في الضمان وان امتناع ضمان ما لم يجب من القضايا التي قياساتها معها، فانه إذا لم يجب الشئ فضمانه بلا مضمون عنه ولا مضمون له، لان المضمون عنه من يكون عليه شئ لغيره والمضمون له من يكون له شئ على غيره، ومع عدم ثبوت شئ لا يكون شئ لاحد ولا في ذمة أحد. نعم يجوز أن يتعهد شخص لآخر بأمر استقبالي، فيكون وجوبه بالضمان، فيملكه المضمون له. لكنه ليس من الضمان الاصطلاحي بل هو ضمان لغوي ليس موضوعا لكلام الاصحاب، كما تقدم تفصيل ذلك مرارا. وكذا نقول في المقام: إذا لم يكن دين فلم ينقل المحيل ما في ذمته إلى ذمة المحال عليه. (3) مفهوم الجملة المذكورة أن العوض يوخذ من زيد، لا أن الدين بنتقل إلى ذمة زيد، وحينئذ لا تحويل ولا تحول. فكيف تصدق الحوالة؟! كذ إذا قال: " أقرضني درهما، وينتقل بدله الذي في ذمتي إلى ذمة

[ 386 ]

[ الخامس: أن يكون المال المحال به معلوما جنسا وقدرا للمحيل والمحتال، فلا يصح الحوالة بالمجهول على المشهور (1) للغرر (2). ويمكن أن يقال بصحته إذا كان آئلا إلى العلم، كما إذا كان ثابتا في دفتره، على حد ما مر في الضمان من صحته مع الجهل بالدين. بل لا يبعد الجواز مع عدم أوله إلى العلم ] زيد: فقبل المخاطب وزيد، فانه أيضا لا شئ في ذمة القائل ولا انتقال من ذمته إلى ذمة زيد إذ لا قرض. نعم إذا وقع القرض وقع الانتقال فإذا أخذ بنحو الواجب المعلق امتنع الثبوت فعلا. لعدم القرض، وإذا كان مشروطا بالقرض كان العقد معلقا وهو باطل. فإذا قال الزوج لزوجته: " أحلتك في نفقة الغد على زيد " فقبل، امتنع أن تملك المرأة شيئا على زيد بعنوان نفقة الغد، لانها لا تملك قبل الغد، وإذا كان الملك على نحو التعليق على الغد فهو باطل، لقدح التعليق في العقود والايقاعات، إلا في موارد مخصوصة ليس هذا منها. وكذلك الكلام في مال الجعالة قبل العمل، فان التحويل يقتضي أن يملك المحتال في ذمة المحال عليه، وقبل العمل لا يملك العامل شيئا لافي ذمة المحيل ولا في ذمة غيره. وكذا الكلام في مال السبق ونحوه. (1) وعن النهاية: الاجماع عليه، وفي مفتاح الكرامة: " لم نجد المخالف، وإنما ذكرت الصحة احتمالا مع الجهل في التذكرة والمسالك ومجمع البرهان. نعم لم يذكر هذا الشرط في عداد الشرائط في الوسيلة والغنية وغيرهما. ولعل تركهم له لظهوره، كالبلوغ والرشد وغيرهما ". (2) قد عرفت في الضمان أن عموم نفي الغرر لم يثبت، وإنما الثابت نفيه في البيع، فلا يشمل المقام، وعموم الصحة يقتضي الجواز. فراجع ما سبق في الضمان.

[ 387 ]

[ بعد إمكان الاخذ بالقدر المتيقن. بل وكذا لو قال: " كلما شهدت به البينة وثبت خذه من فلان ". نعم لو كان مبهما كما إذا قال: " أحد الدينين الذين لك علي خذه من فلان " بطل (1)، وكذا لو قال: " خذ شيئا من دينك من فلان " (2) هذا ولو أحال الدينين على نحو الواجب التخييري أمكن الحكم بصحته (3) ] (1) لان المبهم المردد لا مطابق له في الخارج، إذ كل ما في الخارج متعين غير مردد، وإذا لم يكن له مطابق في الخارج امتنع أن يثبت له حكم شرعي يترتب عليه عمل. (2) لابهام الشئ. (3) يفترق الواجب التخييري عن المردد أن المردد لا يكون موضوعا لحكم شرعي، لعدم المطابق الخارجي له، والواجب التخييري يكون موضوعا للوجوب التخييري، وله مطابق خارجي، فان الوجوب التخييري ليس قائما بالمردد بين الخصال، وإنما قائم بكل واحدة من الخصال، لكن قيامه على نحو خاص بحيث يسقط عن الجميع بفعل واحدة من الخصال. وكذلك الوجوب الكفائي، فانه موجه إلى كل واحد من المكلفين على نحو خاص، بحيث يسقط بامتثال واحد منهم، وليس متعلقا بالمردد بين أفراد المكلفين. فالواجب التخييري كل واحد من الخصال الثلاث في الكفارة، لا أمر مردد بينها، وهذه الخصال الثلاث مع أن كل واحدة منها واجبة لا يجب فعلها أجمع، لان الوجوب تعلق بها على نحو لا يقتضي فعلها أجمع، بل يسقط عن الجميع بفعل واحدة منها. فإذا تعلقت الحوالة بالدينين على وجه التخيير اقتضت وفاء المحال عليه لاحدهما على التخيير لاجمعا، فإذا وفى أحد الدينين بطلت الحوالة بالنسبة إلى الآخر ولم تقتض وفاءه.

[ 388 ]

[ لعدم الابهام فيه حينئذ (1). السادس: تساوي المالين - أي المحال به والمحال عليه - جنسا ونوعا ووصفا، على ما ذكره جماعة (2)، خلافا لآخرين (3). وهذا العنوان وإن كان عاما إلا أن مرادهم - بقرينة التعليل بقولهم: تفصيا من التسلط على المحال عليه بما لم تشتغل ذمته به، إذ لا يجب عليه أن يدفع إلا مثل ما عليه - فيما كانت الحوالة (4) على مشغول الذمة بغير ما هو مشغول الذمة به، كأن يحيل من له عليه دراهم على من له عليه دنانير ] (1) كأن الوجه فيه عمومات صحة العقود، والابهام المانع عقلا من الصحة مفقود. (2) قال في الشرائع. " ويشترط تساوي المالين جنسا ووصفا، تفصيا عن التسلط على المحال عليه، إذ لا يجب أن يدفع إلا مثل ما عليه. وفيه تردد ". ونسبه في المسالك إلى الشيخ وجماعة، وفي جامع المقاصد إلى الشيخ في المبسوط وابن البراج وابن حمزة، وفي مفتاح الكرامة: نسبه إلى المبسوط في أخر الباب وحكى عن الايضاح نسبته إلى القاضي وابن حمزة، ثم قال:، ولم نجد ذلك في الوسيلة، ولم يحكه في المختلف عن أحد غير الشيخ في المبسوط. (3) حكي ذلك عن التذكرة والتحرير والحواشي واللمعة والتنقيح وإيضاح النافع وجامع المقاصد والمسالك والروضة وغيرها، وحكي ذلك أيضا عن موضع من المبسوط: (4) متعلق بقوله: " ان مرادهم ". ويحقق أن مرادهم ذلك قول العلامة في القواعد في تحرير المسألة: " وتصح على من ليس عليه حق،

[ 389 ]

[ بأن يدفع بدل الدنانير دراهم. فلا يشمل ما إذا أحال من له عليه الدراهم على البرئ (1) بأن يدفع الدنانير، أو على مشغول الذمة بالدنانير بأن يدفع الدراهم. ولعله لانه وفاء بغير الجنس برضا الدائن (2). فمحل الخلاف ما إذا أحال على من عليه جنس بغير ذلك الجنس. والوجه في عدم الصحة: ما أشير إليه (3) من أنه لا يجب عليه أن يدفع الا مثل ما عليه. وأيضا الحكم ] أو عليه مخالف، وعلى رأي ". فموضع الخلاف أن يكون المال المحول به مخالفا لما على المحول عليه من حق. (1) لكن يشكل ذلك من وجه آخر، وهو أنك عرفت في الشرط الرابع وجوب كون المال المحال به ثابتا في ذمة المحيل، فإذا أحال في الفرضين المذكورين بغير الجنس فقد أحال بما ليس ثابتا في ذمة المحيل، لان ما هو الثابت في ذمة المحيل في الفرضين المذكورين الدراهم لا الدنانير، فالاحالة بالدنانير إحالة بما ليس ثابتا في الذمة. ولعل عدم تعرضهم لهذه المسألة لوضوح حكمها، وهو بطلان الحوالة لفقد الشرط المذكور. نعم إذا تراضى المحيل والمحتال على تحول الدراهم التي للمحتال في ذمة المحيل إلى الدنانير وصار الدين دنانير، جاز التحويل حينئذ، وكان تحويلا لما هو ثابت في الذمة. ولعل إنشاء الحوالة كاف في حصول هذا التحول. (2) قد عرفت الاشكال في أن الحوالة وفاء، إذ هي نقل وتحويل لما في الذمة إلى ذمة أخرى. كما قد عرفت الاشكال أيضا في الحوالة هنا من جهة عدم ثبوت شئ في الذمة. والذي يرفع الاشكال من الوجهين في المقام هو تحويل ما في الذمة من جنس إلى آخر ثم تحويله من ذمة إلى أخرى، وحينئذ يكون من الوفاء بالجنس لا بغير الجنس. (3) يعني: في تعليل الحكم المتقدم.

[ 390 ]

[ على خلاف القاعدة (1). ولا إطلاق في خصوص الباب، ولا سيرة كاشفة، والعمومات منصرفة إلى العقود المتعارفة. ووجه الصحة: أن غاية ما يكون أنه مثل الوفاء بغير الجنس (2) ولا بأس به. وهذا هو الاقوى (3). ثم لا يخفى أن الاشكال ] (1) ذكر ذلك في الجواهر. (2) فيه ما عرفت من المباينة بين الحوالة والوفاء بالجنس أو بغيره، وحينئذ تحتاج في مشروعيتها إلى دليل، فإذا تم ما ذكره في الجواهر تعين الرجوع إلى أصالة البطلان. (3) إذ الاشكال المشار إليه في الشرايع لا مجال له مع التراضي، لان التسليط يكون بسلطنته. وأما إشكال الجواهر: ففيه أن التعارف لا يوجب قصور الاطلاق ولا تخصيص العمومات، كما أشرنا إلى ذلك مرارا. فالعمل بالاطلاق المقتضي للصحة متعين. ثم لا يخفى أن مقتضى التحويل نفسه انتقال الدين إلى ذمة المحال عليه، وأما كون المدفوع بدلا عما للمحيل في ذمة المحال عليه فأمر خارج عن التحويل قد أنشئ في ضمنه، فالمحيل قصد إنشاء نقل الدين في ذمته إلى ذمة المحال عليه، كما قصد إنشاء كون المدفوع من المال عوضا عما له في ذمته، فالقبول من المحال عليه قبول للامرين معا. وهذه البدلية الانشائية ظاهرة في محل الكلام من اختلاف الجنسين، أما مع اتحادهما فيمكن أن يقصد إنشاء البدلية ويمكن أن لا يقصد ذلك، بل تكون البدلية قهرية بنحو التهاتر، وصحة الجميع موافقة لمقتضى القواعد العامة من دون معارض ولا مقيد. والذي يتصل مما ذكرنا: أن الاشكال في صورة اختلاف ما في ذمة المحيل مع المال المحال به يلزم من وجهين: من جهة صحة الحوالة، ومن

[ 391 ]

[ إنما هو فيما إذا قال: " اعط مما لي عليك من الدنانير دراهم " بأن أحال عليه بالدراهم من الدنانير التي عليه. وأما إذا أحال عليه بالدراهم من غير نظر إلى ما عليه من الدنانير فلا ينبغي الاشكال فيه، إذ هو نظير إحالة من له الدراهم على البرئ، بأن يدفع الدنانير، وحينئذ فتفرغ ذمة المحيل من الدراهم، وتشتغل ذمة المحال عليه بها، وتبقى ذمة المحال عليه مشغولة بالدنانير، وتشتغل ذمة المحيل له بالدراهم، فيتحاسبان بعد ذلك. ولعل الخلاف أيضا مختص بالصورة الاولى، لا ما يشمل هذه الصورة أيضا (1). وعلى هذا فيختص الخلاف بصورة واحدة وهي ما إذا كانت الحوالة على مشغول الذمة بأن يدفع من طرف ما عليه من الحق بغير جنسه، كأن يدفع من الدنانير التي عليه دراهم. (مسألة 1): لافرق في المال المحال به بين أن يكون ] جهة الوفاء، فإذا صحت الحوالة - بأن حول ما في الذمة إلى جنس المال المحول به - ارتفع الاشكال الثاني وكان الوفاء بالجنس، وإن لم تصح الحوالة - بعدم قصد هذا التحول - لم يحصل الوفاء لا بالجنس ولا بغير الجنس. وأما صوره اختلاف المال المحال به مع ما في ذمة المحال عليه فان قصد الوفاء به صحت الحوالة وكان الوفاء بغير الجنس، وإن لم يقصد الوفاء صحت الحوالة ولم يكن وفاء. فالحوالة لا مانع من صحتها ولا وجه للاشكال فيها، وإن كان إشكال فهو في الوفاء، وعلى تقدير قصد الوفاء لا مجال للاشكال، لانه يكون من قبيل الوفاء بغير الجنس. (1) التي يختص الانشاء فيها بنقل الدين لاغير.

[ 392 ]

[ عينا في الذمة، أو منفعة، أو عملا لا يعتبر فيه المباشرة (1)، ولو مثل الصلاة والصوم والحج والزيارة والقراءة (2)، سواء كانت على البرئ أو على مشغول الذمة بمثلها (3). وأيضا لا فرق بين أن يكون مثليا كالطعام، أو قيميا كالعبد والثوب (4) والقول بعدم الصحة في القيمي (5) للجهالة، ضعيف، ] (1) في الجواهر: " لا يبعد - إن لم يكن إجماعا - جواز الحوالة بالاعمال على البرئ، أو على مشغول الذمة للمحيل بمثلها، بناء على أنها بحكم المال، بدليل صحة وقوعها ثمنا للمبيع وعوضا للخلع ومهرا في النكاح... (إلى أن قال): لكن لم أجد مصرحا به، كما أنه لم أجد في نصوص الحوالة ما هو صريح فيه أو ظاهر، بل هو غير متعارف ". أما احتمال الاجماع على الخلاف فضعيف، إذ لا مأخذ له، وعدم التعرض له أعم من البناء على العدم. وعدم دلالة نصوص الحوالة عليه لايمنع من الرجوع فيه إلى القواعد العامة المقتضية للصحة، وكذلك عدم التعارف على ما عرفت. ثم إن الفرق بين المنفعة والعمل: أن المنفعة أثر العمل، فالمملوك تارة: يكون العمل، وأخرى: المنفعة والاثر المترتب على العمل. (2) مما كان الغرض منه الثواب أو غيره من الامور المتعلقة بالآخرة، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. (3) لعدم الفرق في الدخول في عموم الادلة. (4) قال في الشرائع: " وأن يكون (يعنى: المال المحال به) ثابتا في الذمة، سواء كان له مثل كالطعام، أو لامثل له كالعبد "، ونحوه ما في غيرها. ويقتضيه عموم أدلة الصحة. (5) حكي عن الشيخ (ره) في أحد قوليه وابن حمزة، وفي الحدائق: نسبته إلى الشيخ وجماعة، وفي مفتاح الكرامة: أن نسبته إلى الشيخ وجماعة

[ 393 ]

[ والجهالة مرتفعة بالوصف الرافع لها (1). (مسألة 2): إذا تحققت الحوالة برئت ذمة المحيل وان لم يبرءه المحتال. والقول بالتوقف على إبرائه (2) ضعيف. والخبر الدال على تقييد عدم الرجوع على المحيل بالابراء من المحتال (3)، ] في غير محله، إذ ليس غير الشيخ الا ابن حمزة. قال في المبسوط: " وإنما تصح في الاموال ذوات الامثال ". (1) قد عرفت أن الجهالة لا تقدح في الحوالة، وليس من شرائطها العلم. ولاجل ذلك كان المناسب الجواب بذلك، ولو سلم منع الجهالة فلا يقتضي ذلك عموم المنع عن القيمي، إذ قد لا يكون القيمي مجهولا. هذا وأما الجواب المذكور فالاشكال فيه ظاهر، إذ بعد ما عرفت من أنه لا تجوز الحوالة بغير ما في الذمة فالقيمي المحول به هو عين ما في ذمة المحيل للمحتال، فان كان كليا قابلا للانطباق على الواجد للصفات والفاقد لها فالمحال به هو ذلك الكلي، وإن كان ما في الذمة مقيدا ببعض الصفات الوجودية أو العدمية فالمحال به هو ذلك المقيد. وفي الصورة الاولى لا يجوز أن يكون المحال به مقيدا بصفات خاصة، وفي الصورة الثانية لا يجوز أن يكون مطلقا ولا مقيدا بغير الصفات المقيد بها ما في الذمة، وإلا كان التحويل بغير ما في الذمة. وعليه فيجوز أن يكون المحال به مجهولا إذا كان ما في الذمة كذلك. ولو قيد بالصفات الموجبة لمعلوميته لم تصح الحوالة. وعلى هذا فالجواب المذكور ظاهر الاشكال. (2) حكي ذلك عن أبي على والشيخ في النهاية والقاضي والحلبي والمقداد. (3) هو خبر زرارة عن أحدهما (ع): " في الرجل يحيل الرجل بما كان له على رجل آخر، فيقول له الذي احتال: برئت مما لي عليك.

[ 394 ]

[ المراد منه القبول (1)، لا اعتبارها بعده أيضا. وتشتغل ذمة ] فقال (ع) إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه، وإن لم يبرأه فله أن يرجع إلى الذي أحاله ". (* 1) والسند ليس فيه مناقشه أو اشكال إلا من جهة ابراهيم بن هاشم، والصحيح أنه صحيح الحديث. وظاهره اشتغال الذمة بالدين إلى أن يحصل الابراء، فيكون المراد من الرجوع عدم صحة الحوالة، لافسخ الحوالة، إذ معنى الابراء يتوقف على ذلك. (1) هذا أحد المحامل. وحمل أيضا على ما إذا شرط المحيل البراءة، فانه يستفيد بذلك عدم الرجوع لو ظهر إفلاس المحال عليه. وحمل أيضا على ما إذا ظهر بعد التحويل إعسار المحال عليه فأبرأ المحتال المحيل. وهذه المحامل كلها بعيدة. لكن لابد من ارتكاب واحد منها أو من غيرها لما في رواية أبي أيوب: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه. قال (ع): لا يرجع عليه أبدا، إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك " (* 2) ونحوها رواية منصور بن حازم (* 3)، وفي رواية عقبة بن جعفر عن أبي الحسن (ع) قال: " سألته عن الرجل يحيل الرجل بالمال على الصيرفي ثم يتغير حال الصيرفي أيرجع على صاحبه إذا احتال ورضي؟ قال (ع) لا " (* 4) فان حمل هذه النصوص على صورة الابراء - فيكون الجمع من حمل المطلق على المقيد - بعيد، فان الاستثناء دليل على كون المتكلم في مقام الحصر. ولا سيما وان اعتبار الابراء بعيد عن المرتكزات العرفية جدا، فيكون أولى بالتنبيه عليه من صورة الافلاس


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الضمان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب الضمان حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 11 من أبواب الضمان حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 11 من ابواب الضمان حديث: 4.

[ 395 ]

[ المحال عليه للمحتال فينتقل الدين إلى ذمته. وتبرأ ذمة المحال عليه للمحيل إن كانت الحوالة بالمثل بقدر المال المحال به، وتشتغل ذمة المحيل للمحال عليه (1) إن كانت على برئ أو كانت بغير المثل، ويتحاسبان بعد ذلك. (مسألة 3): لا يجب على المحتال قبول الحوالة (2) وإن كانت على ملي (3). (مسألة 4): الحوالة لازمة، فلا يجوز فسخها بالنسبة إلى كل من الثلاثة (4). نعم لو كانت على معسر مع جهل ] ولعل الاقرب من وجوه الجمع المتقدمة ما ذكره في المتن وسبقه إليه جماعة، ويكون المراد من قوله في الرواية: " في الرجل يحيل " خصوص الايجاب لا العقد، يعني: في الرجل ينشئ التحويل، إذ بعد تحقق القبول تبرأ ذمة المحيل، ولا معنى للابراء بعد ذلك، بناء على اتفاقهم على أن الحوالة ناقلة للدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. ومن ذلك تعرف الوجه في قوله: " وتشتغل ذمة المحال عليه ". (1) بلا إشكال ظاهر، لانه استوفى مال المحال عليه، فيكون له ضامنا. (2) إجماعا بقسميه، كما في الجواهر. وعن الخلاف والغنية والمبسوط والتذكرة وغيرها إجماع المسلمين إلا من زفر. ويقتضيه ما تقدم مما دل على اعتبار رضا المحال عليه. (3) وعن داود الظاهري وجوب القبول حينئذ، للنبوي: " إذا أحيل أحدكم على الملي فليحتل " (* 1). لكنه غير ظاهر الحجية. (4) إتفاقا. كما يقتضيه أصالة اللزوم. ولبعض النصوص المتقدمة


(* 1) سنن البيهقي الجزء: 6 الصفحة: 70.

[ 396 ]

[ المحتال باعساره يجوز له الفسخ والرجوع على المحيل (1). والمراد من الاعسار أن لا يكون له ما يوفي دينه زائدا على مستثنيات الدين (2). وهو المراد من الفقر في كلام بعضهم (3) ولا يعتبر فيه كونه محجورا (4). ] في رجوع المحتال في لزومها بالنسبة إليه. وعن سلار: جواز رجوع المحتال إلى المحيل إذا لم يأخذ شيئا من المال. ودليله غير ظاهر. مع أنه مخالف لما تقدم. (1) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه صريحا أو ظاهرا. ويقتضيه روايتا أبي أيوب ومنصور المتقدمتان في المسألة الثانية. (2) التعبير بالاعسار وقع في كلام العلامة في القواعد، ولم يكن في النص، وإنما الذي كان في النص التعبير بالفلس، والظاهر منه عدم التمكن من وفاء الدين، فان المفلس عرفا هو العاجز عن وفاء دينة، وكذلك المعسر ظاهر في الواقع في العسر، وإذا كان الانسان لا يتمكن من وفاء دينه فهو في عسر. ويشير إلى ذلك قوله تعالى: (فان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (* 1). (3) كالمحقق في الشرائع. ولولا ذلك لم يكن دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فان ظاهر قوله (ع): " لا يرجع عليه إلا أن يكون قد أفلس " (* 2) المنع من الرجوع في غير المفلس وإن كان فقيرا. ومن ذلك تعرف أن التعبير بالاعسار أصح من التعبير بالفقر. (4) لاطلاق النصوص (* 3) التي أخذ موضوعها المفلس واقعا في


(* 1) البقرة: 280. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب الضمان حديث: 1. (* 3) تقدم التعرض لها في المسألة: 2 من هذا الفصل.

[ 397 ]

[ والمناط الاعسار واليسار حال الحوالة (1) وتماميتها. ولا يعتبر الفور في جواز الفسخ (2). ومع إمكان الاقتراض والبناء عليه يسقط الخيار، للانصراف على إشكال (3). ] مقام الثبوت، فلا يعتبر أن يكون في مقام الاثبات. (1) كما يقتضيه ظاهر قوله (ع) في رواية أبي أيوب: " قد أفلس قبل ذلك "، وما في رواية عقبة (* 4) من المنع من الرجوع على المحيل إذا تغير حال الصيرفي بعد التحويل. نعم ظاهر رواية أبي أيوب اعتبار الافلاس قبل الحوالة. لكن من المعلوم أن المراد به حال الحوالة، والتعبير بذلك مبني على الغالب، لندرة المقارنة بينهما حدوثا. (2) كما يقتضيه إطلاق النص والفتوى. وفي الجواهر: " وهل هو على الفور أو التراخي؟ وجهان، أقواهما الثاني، للاطلاق وغيره ". وكأنه يريد من غير الاطلاق الاستصحاب. لكن يشكل بناء على أن المرجع في المقام عموم اللزوم، لا استصحاب الجواز. فلاحظ. وعن الحواشي: إذا قلنا بالخيار في نظير المسألة الآتية فهو على الفور. ولم يتضح وجهه في قبال ما عرفت. اللهم إلا أن يتأمل في الاطلاق. وهو كما ترى. (3) المفروض في كلامهم صورة ما إذا تجدد اليسار والعلم بسبق الفقر. وعن جامع المقاصد والمسالك والروضة والكفاية والرياض: ثبوت الخيار، للاطلاق. وفي القواعد: انه فيه اشكال، وكذا عن التذكرة والحواشي. وعن الايضاح: أن التحقيق أنه يبنى على أن علل الشرع معرفات أو علل حقيقية، وعلى الثاني فالباقي مستغن عن المؤثر أو محتاج. يعني: فعلى الاولين يثبت الخيار، وعلى الاخير ينتفي. وفي الجواهر: أنه لا بأس به بعد كون علل الشرع معرفات وعدم احتياج الباقي في بقائه إلى غير الاول. وفيه: أنه لو سلمت


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الضمان حديث: 4.

[ 398 ]

[ وكذا مع وجود المتبرع (1). (مسألة 5): الاقوى جواز الحوالة على البرئ (2)، ] هذه المباني فليس بحيث يجوز رفع اليد عن الادلة الشرعية من امارة أو أصل، فلو قلنا بأن علل الشرع معرفات أو أنها علل حقيقية أصلية وكان عموم اللزوم بلا معارض كان هو المحكم، ولو قلنا بأنها علل أصلية وكان الباقي محتاجا إلى مؤثر وكان إطلاق دليل الخيار بلا معارض كان هو المحكم أو كان استصحاب الخيار بلا معارض كان أيضا هو المحكم. فالمباني المذكورة إذا لم توجب العلم لا تسقط الادلة الشرعية عن مقام المرجعية، وأنى لها بالعلم مع أن العلية غير منصوصة، وانما استفيدت من قرائن الاحوال الظنية. وبالجملة: فالتعويل على الامور المذكورة في اثبات الاحكام الشرعية في غاية من الوهن. هذا فيما فرضه الاصحاب من تجدد اليسار. والمصنف لم يتعرض له وانما تعرض لمثله. والكلام في الجميع من باب واحد، والعمل باطلاق دليل الخيار المقتضي للتراخي - كما ذكره في الجواهر وغيره - متعين. وأما دعوى الانصراف فممنوعة. ولو كان الانصراف موجبا لسقوط الخيار يتجدد اليسار كان موجبا لثبوته يتجدد الاعسار، وهو خلاف النص، فمنشأ الانصراف مخالف للنص. (1) الكلام فيه كالكلام فيما قبله. (2) على المشهور شهرة عظيمة، بل عن السرائر: نفي الخلاف فيه بين أصحابنا، بل حكي بعضهم عنها الاجماع عليه. ويقتضية إطلاق الادلة عمومها وخصوصها. وفي الجواهر استدل على ذلك بالسيرة على فعلها بحيث يعلم شرعيتها. لكنه كما ترى. وعن الشيخ في المبسوط في آخر الباب: المنع. وحكى بعضهم ذلك عن القاضي وابن حمزة، لاصالة

[ 399 ]

[ ولا يكون داخلا في الضمان (1). ] عدم ترتب الاثر، التي لا مجال لها مع الاطلاق المقتضي للصحة. وفي جامع المقاصد: أن مبنى القولين المذكورين على الخلاف في أن الحوالة استيفاء أو اعتياض، فعلى الاول يجوز. وعلى الثاني لا يجوز. وتبعه على ذلك في المسالك، وسبقه إليه الشهيد في الحواشي على ما حكي. وفيه - كما في مفتاح الكرامة -: أن ذلك من تخريجات الشافعية، وإنما هي أصل برأسه وعقد مفرد، كما صرح بذلك جماعة، ومنهم الخلاف، قال: " إن الذي يقتضيه مذهبنا أن نقول إنها عقد قائم بنفسه ". ثم حكى اطباق أصحابنا على أنها ليست بيعا الا ما يلوح من المبسوط، وهو مؤول... إلى آخر ما ذكره. وفي الجواهر: أن الاصح كونها أصلا برأسه، وإن لحقها حكم الوفاء في بعض الاحوال، والاعتياض في بعض آخر... هذا والتأمل في مفهوم الحوالة والبيع والوفاء يقتضي وضوح تباين المفاهيم المذكورة وعدم انطباق بعضها على بعض، فلا وجه لاجراء أحكام بعضها على بعض إلا بدليل خاص. وقد سبق في الشرط السادس التعرض لما يظهر من جماعة من الاصحاب - ومنهم المصنف - من كونها وفاء. فراجع. (1) أشار بذلك إلى ما ذكره في الشرائع، قال: " ويصح أن يحيل على من ليس له عليه دين، لكن يكون ذلك بالضمان أشبه "، وفي القواعد "، لكنه أشبه بالضمان ". ووجه المشابهة اشتراكها مع الضمان في انتقال الدين إلى ذمة المحال عليه كانتقاله إلى ذمة الضامن البرئ. وعن الكاشاني: " الاظهر أنها ضمان ". لكنه كما ترى، فان الضمان التعهد بالدين الذي في ذمة المضمون عنه ومن أحكامه انتقاله إلى ذمة الضامن، لا عين الانتقال، ولذا خالف فيه المخالفون، وفي المقام معنى الحوالة هو النقل والانتقال، فاختلفا مفهوما وإن اشتركا في بعض الاثار.

[ 400 ]

[ (مسألة 6): يجوز اشتراط خيار الفسخ لكل من الثلاثة (1). (مسألة 7): يجوز الدور في الحوالة (2). وكذا يجوز الترامي (3) بتعدد المحال عليه واتحاد المحتال (4)، أو بتعدد المحتال واتحاد المحال عليه (5). (مسألة 8): لو تبرع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمته (6). ] (1) بلا إشكال ظاهر، عملا بعموم نفوذ الشروط وصحتها. قال في الجواهر: " وقد تقدم في الضمان مالا يخفى عليك جريانه في المقام كغيرة، من أحكام الاجل واشتراط الخيار وغير ذلك ". (2) كما ذكره في التذكرة وغيرها. وفي الجواهر: " بل لم نجد خلافا هنا وإن سمعته في الضمان ". ويقتضيه عموم الادلة في البابين. والمراد به: أن يحيل المحال عليه في بعض المراتب على المحيل الاول، فيرجع المحتال منه أولا عليه بعد ذلك. (3) كما نص عليه في الشرائع والقواعد وغيرهما. والظاهر أنه لا اشكال فيه كما يظهر ذلك من ذكرهم له مرسلين له إرسال المسلمات. ويقتضيه عموم الادلة. (4) كما إذا أحال زيد بكرا على عمرو، فاحاله عمرو على خالد، فأحاله خالد على الوليد، فأحاله الوليد على عبد الملك، فان المحتال واحد وهو بكر، والمحال عليه عمرو ثم خالد ثم الوليد... (5) كما إذا أحال بكر في المثال السابق خالدا على عمرو، فأحال خالد الوليد على عمرو، فأحال الوليد عبد الملك على عمرو. (6) هذا مما لا إشكال فيه، ضرورة جواز التبرع عن الغير في وفاء دينه وعدم اعتبار المباشرة فيه عرفا. ويقتضيه مادل على جواز وفاء

[ 401 ]

[ وكذا لو ضمن عنه ضامن برضا المحتال (1). وكذا لو تبرع المحيل عنه (2). (مسألة 9): لو أحال عليه فقبل وأدى ثم طالب المحيل بما أداه، فادعى أنه كان له عليه مال وأنكر المحال عليه، فالقول قوله مع عدم البينة (3)، فيحلف على براءته ويطالب عوض ما أداه، لاصالة البراءة من شغل ذمته للمحيل (4) ودعوى: أن الاصل أيضا عدم اشتغال ذمة المحيل بهذا الاداء مدفوعة: بأن الشك في حصول اشتغال ذمته وعدمه مسبب عن الشك في اشتغال ذمة المحال عليه (5). وعدمه وبعد جريان ] الوارث دين المورث، وما دل على وفاء دين الفقير من الزكاة، وما ورد في وفاء الولد دين والده وأنه يكتب بذلك بارا. (1) على ما تقدم قي كتاب الضمان. (2) هذا من أفراد المسألة الاولى. (3) كما في الشرائع والقواعد وغيرهما. (4) فيكون قول المحيل موافقا للاصل، فيكون منكرا وعليه اليمين إذا لم تكن بينه لخصمه. (5) يعني: أن اداء المال المحول به يوجب اشتغال ذمة المحيل لو لم يكن ذمة المحال عليه مشغولة بمثله، أما إذا كانت مشغولة بمثله فحينئذ يقع التهاتر قهرا، فلا تشتغل ذمة المحيل بشئ، فيكون الحكم الشرعي أنه تشتغل ذمة المحيل بأداء المال إذا لم تكن ذمة المحال عليه مشغولة به للمحيل، فإذا كان هذا العدم مجرى الاصل ثبت الحكم الوجودي، وهو اشتغال ذمة المحيل.

[ 402 ]

[ أصالة براءة ذمته يرتفع الشك. هذا على المختار من صحة الحوالة على البرئ، وأما على القول بعدم صحتها فيقدم قول المحيل، لان مرجع الخلاف إلى صحة الحوالة وعدمها، ومع اعتراف المحال عليه بالحوالة يقدم قول مدعي الصحة وهو المحيل (1). ] (1) فإذا ثبتت الصحة ثبت اشتغال ذمة المحال عليه، لتوقف الصحة عليه، وإذا ثبت ذلك ثبتت براءة ذمة المحيل من مثل المال الذي دفعه المحال عليه للمحتال. وفي جامع المقاصد والمسالك، وعن غيرهما: تعارض أصل الصحة مع أصالة براءة ذمة المحال عليه، فيبقى مع المحال عليه أداء دين المحيل باذنه، فيرجع عليه. وفي مفتاح الكرامة والجواهر: الاشكال على ذلك بأن أصل الصحة مقدم على أصل البراءة في المقام، وكذلك على جميع الاصول المقتضية للفساد، لاخصية دليل حجية أصل الصحة من أدلة حجية الاصول المذكورة، ولو بني على العمل بها لم يبق لاصل الصحة مورد، نعم يشكل ما ذكر بأن أصل الصحة وإن اقتضى اشتغال ذمة المحال عليه لكن بلحاظ أثر الصحة، لا بلحاظ أثر آخر، فإذا وقع عقد أو ايقاع من مشكوك البلوغ وكان أصل الصحة يقتضي تحقق البلوغ لم يجز ترتيب اثار البلوغ كلية، بل يختص بصحة العقد المذكور، وكذلك إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة، فانه لا يترتب على أصالة صحة الصلاة إلا الطهارة من حيث الصلاة الواقعة، فلا يجوز له أن يصلي صلاة أخرى بلا طهارة اعتمادا على أصالة صحة الصلاة المثبتة للطهارة، فلا تثبت الطهارة بلحاظ سائر آثارها، كما بنى على ذلك المصنف في مباحث الشك من مباحث الخلل وكذلك غيره ممن سبقه أو لحقه.

[ 403 ]

[ ودعوى: أن تقديم قول مدعي الصحة (1) إنما هو إذا كان النزاع بين المتعاقدين (2)، وهما في الحوالة المحيل والمحتال، وأما المحال عليه فليس طرفا وإن اعتبر رضاه في صحتها. مدفوعة أولا: بمنع عدم كونه طرفا، فان الحوالة مركبة من إيجاب وقبولين. وثانيا: يكفي اعتبار رضاه في الصحة في جعل اعترافه بتحقق المعاملة حجة عليه (3) بالحمل على الصحة. نعم لو لم يعترف بالحوالة، بل ادعى أنه أذن له في أداء دينه يقدم قوله لاصالة البراءة من شغل ذمته، فباذنه في أداء دينه له مطالبة عوضه، ولم يتحقق هنا الحوالة بالنسبة إليه حتى تحمل على الصحة وإن تحقق بالنسبة إلى المحيل والمحتال لاعترافهما بها. (مسألة 10): قد يستفاد من عنوان المسألة السابقة (4) - حيث قالوا: " لو أحال عليه فقبل وأدى " فجعلوا محل ] (1) هذه الدعوى ذكرها في الجواهر معترضا بها على ما تقدم منه ومن مفتاح الكرامة. (2) لا يخفى أن أصل الصحة لا يختص بطرف العقد، بل يجري بالاضافة إلى كل من هو محل ابتلاء العمل الصحيح، سواء كان أحد طرفي العقد أو غيره. (3) لا يتوقف العمل بأصل الصحة على اعترافة، بل إذا ثبت وجود الحوالة وشك في صحتها لزم ترتيب الاثر عليها وإن لم يعترف بها أحد المتنازعين، فان القاضي الشرعي يجري الاصل المذكور ويعمل عليه في تشخيص المدعي والمنكر وترتيب الاحكام. (4) قال في جامع المقاصد: " فرع: لا يرجع المحال عليه مع براءة

[ 404 ]

[ الخلاف ما إذا كان النزاع بعد الاداء - أن حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز مطالبة العوض الا بعد الاداء، فقبله وان حصل الوفاء بالنسبة إلى المحيل والمحتال، لكن ذمة المحيل لا تشتغل للمحال عليه البرئ الا بعد الاداء. والاقوى حصول الشغل بالنسبة إلى المحيل بمجرد قبول المحال عليه، إذ كما يحصل به الوفاء (1) بالنسبة إلى دين المحيل بمجرده، فكذا ] ذمته إلا بعد الاداء، لان الحوالة حينئذ في معنى الضمان. وفي المسالك: " وفي قوله - يعني: المحقق في الشرائع -: (أدى ثم طالب) إشارة إلى أن المحال عليه مع براءة ذمته لا يرجع على المحيل إلا مع الاداء، كالضامن، لما تقدم من أن هذا القسم بالمضان أشبه ". وفي مفتاح الكرامة: " وليعلم أن المحال عليه إذا كان برئ الذمة لا يرجع على المحيل إلا بعد الاداء، لان الحوالة حينئذ في معنى الضمان. ولذا عبر في الشرائع وغيرها بالاداء ". وفي الجواهر نحو ذلك. وصريح الجميع: أن الوجه في ذلك المشابهة بالضمان من أنها نقل للمال من ذمة المحيل إلى ذمة البرئ. وهو كما ترى، فان هذا النوع من المشابهة لا يقتضي ثبوت حكم الضمان من دون دليل عليه وما أكثر المشابهات بين العقود مع أن لكل واحد منها حكمه لا يتعدى منه إلى غيره مما يشابهه، فان الهبة المعوضة تشبه البيع، ولا يجري عليها حكم البيع، وكذا الصلح المعاوضي، بل عموم المعاوضات، مع أن لكل حكمه لا يتعدى منه إلى غيره. فالتعليل بذلك أشبه بتخريجات الشافعية ونحوهم، لا يعول عليه في إثبات الحكم الشرعي. (1) يعني: كما يحصل بالقبول وفاء ذمة المحيل يحصل اشتغال ذمة المحيل به فيحصل التهاتر إذا كان له دين على المحال عليه، أو يستقر في ذمته إذا كان المحال عليه بريئا. لما قد عرفت من أن من أسباب الضمان

[ 405 ]

[ في حصوله بالنسبة إلى دين المحال عليه للمحيل إذا كان مديونا له، وحصول شغل ذمة المحيل له إذا كان بريئا. ومقتضى القاعدة في الضمان أيضا تحقق شغل المضمون عنه للضامن بمجرد ضمانه، إلا أن الاجماع وخبر الصلح دلا على التوقف على الاداء فيه، وفي المقام لا إجماع ولا خبر، بل لم يتعرضوا لهذه المسألة. وعلى هذا فله الرجوع على المحيل ولو قبل الاداء، بل وكذا لو أبرأه المحتال أو وفاه بالاقل أو صالحه بالاقل، فله عوض ما أحاله عليه بتمامه مطلقا إذا كان بريئا. ] عرفا استيفاء مال الغير، والمحيل هنا قد استوفى مال المحال عليه باشتغال ذمته لافراغ ذمة نفسه. لكن في حاشية بعض الاعاظم: أن ما ذكر هو الصحيح: وكذا في كتاب الضمان، بدعوى أن استيفاء مال الغير الموجب لضمانه إنما يحصل بالاداء، لا بمجرد الاشتغال. وقد ذكرنا هناك الاشكال فيه وأن الاداء إنما يكون لمصلحة المحال عليه، لا لمصلحة المحيل، فان مصلحة المحيل حصلت بمجرد الحوالة، وبها كان فراغ ذمته وصلاح حاله، والاداء له دخل في فراغ ذمة المحال عليه، ولا يرتبط بالمحيل حتى يكون استيفاء له من المحيل. مع أنه لو سلم ذلك هنا لم يكن فرق بين الحولة على البرئ، والحوالة على غيره، وكل من قال باعتبار الاداء خصه بالحوالة على البرئ، لانها في معنى الضمان، ولم يقل به في الحوالة على غيره لانها ليست كذلك. وما ذكره (قده) في حاشيته الاخرى من الفرق بين الحوالة على البرئ والحوالة على المديون، بأنه في الحوالة على المديون لو توقف اشتغال ذمة

[ 406 ]

[ (مسألة 11): إذا احال السيد بدينه على مكاتبة (1) بمال الكتابة المشروطة أو المطلقة صح، سواء كان قبل حلول النجم أو بعده، لثبوته في ذمته (2). والقول بعدم صحته قبل الحلول (3)، لجواز تعجيز نفسه، ضعيف، إذ غاية ما يكون كونه متزلزلا، فيكون كالحوالة على المشتري بالثمن في زمان الخيار. واحتمال عدم اشتغال ذمة العبد (4)، لعدم ثبوت ذمة اختيارية له فيكون وجوب الاداء تكليفيا. كما ترى. ] المحيل للمحال عليه على الاداء لزم اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل قبل الاداء وللمحتال معا. غير ظاهر، إذ لم يتضح كون ذلك محذورا حتى يتعين الفرار عنه بالالتزام بفراغ ذمة المحال عليه عن دين المحيل ويبقى في ذمته دين المحتال لاغير. ولو سلم فمثله في الاشكال الالتزام باشتغال ذمة المحال عليه بمال الحوالة بلا عوض في الحوالة على البرئ، إذ لم يكن ذلك قد أقدم عليه. فلاحظ. (1) يعني: إذا كان السيد مدينا، فاحال دائنه على عبده المكاتب بلحاظ ما عليه من مال الكتابة، صح التحويل. (2) هذا مالا إشكال فيه، كما في المسالك. ويقتضيه عمومات الصحة: (3) هذا القول حكي عن الشيخ في المبسوط، وعن القاضي متابعته مستدلا بما ذكر. (4) حكي ذلك عن الشيخ أيضا، كما تقدم في كتاب الضمان. ومقتضاه عدم صحة الحوالة حتى بعد حلول النجم، كما حكي عن الشيخ القول به. لكن ظاهر الشرائع وصريح المسالك اختصاص خلاف الشيخ بما قبل حلول النجم.

[ 407 ]

[ ثم إن العبد بقبول الحوالة يتحرر لحصول وفاء مال الكتابة بالحوالة ولو لم يحصل الاداء منه، فإذا أعتقه المولى قبل الاداء بطل عتقه. وما عن المسالك من عدم حصول الانعتاق قبل الاداء، لان الحوالة ليست في حكم الاداء، بل في حكم التوكيل، وعلى هذا إذا أعتقه المولى صح وبطلت الكتابة، ولم يسقط عن المكاتب مال الحوالة، لانه صار لازما للمحتال، ولا يضمن السيد ما يغرمه من مال الحوالة. فيه نظر من وجوه (1). وكأن دعواه أن الحوالة ليست في حكم الاداء إنما هي بالنظر إلى ما مر من دعوى توقف شغل ذمة المحيل للمحال عليه على الاداء، كما في الضمان، فهي وإن كان كالاداء بالنسبة إلى المحيل والمحتال فبمجردها يحصل الوفاء وتبرأ ذمة المحيل، لكن بالنسبة إلى المحال عليه والمحيل ليس كذلك. وفيه منع التوقف المذكور كما عرفت، فلا فرق بين المقامين في كون الحوالة كالاداء، فيتحقق بها الوفاء (2). (مسألة 12): لو باع السيد مكاتبه سلعة فأحاله ] (1) أحدها: أنه لو كانت الحوالة توكيلا لم يكن وجه لانتقال المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ثانيها: أنه مناف لما ذكره من لزوم المال للمحتال، إذ لو كانت توكيلا فبالعتق ينتفي موضوع التوكيل، فتبطل الوكالة فكيف يبقى المال في ذمة المحال عليه للمحتال؟! ثالثها: أن لزوم المال للمحتال في ذمة المحال عليه يقتضي اشتغال ذمة السيد بمثله للاستيفاء. (2) وحينئذ يتحقق الانعتاق، ولا يصح عتق المولى بعد ذلك، حسب ما ذكر في المتن، ولا يصح ما ذكره في المسالك.

[ 408 ]

[ بثمنها صح، لان حاله حال الاحرار، من غير فرق بين سيده وغيره. وما عن الشيخ من المنع ضيعف (1). (مسألة 13): لو كان للمكاتب دين على أجنبي فأحال سيده عليه من مال الكتابة صح، فيجب عليه تسليمه للسيد (2) ويكون موجبا لانعتاقه (3)، سواء أدى المحال عليه المال للسيد أم لا. (مسألة 14): لو اختلفا في أن الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة (4)، ] (1) استدل له بأن المكاتبة جائزة، فلو اشترى شيئا من سيده لزمه ثمنه، ومن الجائز فسخ الكتابة، لانها من العقود الجائزة، فيلزم حينئذ ثبوت شئ في ذمة العبد لسيده. وفيه: أولا: منع كونها جائزة ولو سلم وفرض تحقق الفسخ فان امتنع ملك المولى شيئا في ذمة العبد كان ذلك موجبا لانفساخ البيع، لا بطلان البيع مطلقا من أول الامر. ولاجل ذلك لم ينسب المنع إلى أحد سوى الشيخ فلم يوافقه عليه أحد. كما أنه بناء على ذلك فالمسألة من مسائل الكتابة لا الحوالة. (2) أما الصحة: فمقتضى العمومات. وأما وجوب التسليم: فلكونه من لوازمها. (3) كما ذكره في الجواهر، وقبله في المسالك وغيرها. لانه بمنزلة الاداء. ولم ينقل خلاف فيه، بل لا ينبغي ذلك، فكأن المراد من أداء مال الكتابة عدم بقائه في ذمة العبد وافراغ ذمة العبد منه، كما إذا أبرأه منه. (4) قال في الشرائع: " إذا قال: (أحلتك عليه) فقبض، وقال المحيل قصدت الوكالة، وقال المحتال: انما أحلتني بما عليك، فالقول قول

[ 409 ]

[ فمع عدم البينة يقدم قول المنكر الحوالة (1)، سواء كان هو المحيل أو المحتال، وسواء كان ذلك قبل القبض من المحال عليه أو بعده، وذلك لاصالة بقاء اشتغال ذمة المحيل للمحتال (2) وبقاء اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل، وأصالة عدم ملكية ] المحيل، لانه أعرف بلفظه. وفيه تردد. أما لو لم يقبض واختلفا فقال: (وكلتك)، فقال: (بل أحلتني)، فالقول قول المحيل قطعا. ولو انعكس الفرض فالقول قول المحتال ". فاقتصر في تحرير الخلاف على صورة الاتفاق على صدور لفظ التحويل والمصنف فرض المسألة أولا في صورة عدم الاتفاق منهما على لفظ بعينه، ثم فرضها ثانيا في صورة الاتفاق على صدور لفظ: (أحلتك) من المحيل، وقد تبع في ذلك القواعد، غير أنه فيها قدم الفرض الثاني على الاول. وهو أوسع وأنفع. (1) كما عن التذكرة والتحرير والمبسوط، بل عن الا خبر: أنه لا خلاف فيه. (2) إذا كان المعيار في كون الشخص مدعيا ومنكرا مصب الدعوى ففي المقام يقتضي ذلك أن يكون الخصمان متداعيين، لان كلا من الحوالة والوكالة مخالف لاصالة عدمه. لكن التحقيق أن المدار في تشخيص المدعي والمنكر هو الغرض المقصود من التداعي لامصب الدعوى. والغرض المقصود هنا هو اشتغال ذمة المحيل للمحتال، واشتغال ذمة المحال عليه للمحيل أو للمحتال والاصل يقتضي بقاء الاول والثاني وعدم الثالث. وكل هذه الاصول توافق الغرض من دعوى الوكالة وتخالف الغرض من دعوى الحوالة، فيكون مدعي الحالة مدعيا لمخالفة دعواه للحجة، ومدعي الوكالة منكرا لموافقة دعواه للحجة.

[ 410 ]

[ المال المحال به للمحتال. ودعوى: أنه إذا كان بعد القبض (1) يكون مقتضى اليد ملكية المحتال، فيكون المحيل المنكر للحوالة مدعيا، فيكون القول قول المحتال في هذه الصورة. مدفوعة: بأن مثل هذه اليد لا يكون امارة على ملكية ذيها (2) فهو نظير ما إذا دفع شخص ماله إلى شخص وادعى انه دفعه أمانة وقال الآخر: دفعتني هبة أو قرضا، فانه لا يقدم قول ذي اليد. هذا كله إذا لم يعلم اللفظ الصادر منهما، وأما إذا علم وكان ظاهرا في الحوالة أو في الوكالة فهو المتبع. ولو علم أنه قال: " أحلتك على فلان " وقال: " قبلت " ثم اختلفا في أنه حوالة أو وكالة، فربما يقال: إنه يقدم قول مدعي الحوالة (3)، لان الظاهر من لفظ: ] (1) هذه الدعوى ذكرها في الجواهر وجها للتردد في تقديم قول المحيل إذا كان يدعي التوكيل، كما ذكر في الشرائع. (2) لما اشتهر من أن ذا اليد إذا ادعى الملكية عن سبب معين كان مدعيا، لان اليد إنما تدل على الملكية في الجملة ولا تدل على السبب المدعى، فالمدعي له تخالف دعواه الاصل. لكن عرفت أن المدار في كون الخصم مدعيا هو الغرض لا مصب الدعوى، والغرض هو الملكية لا السبب المعين. فالعمدة في عدم حجية اليد في المقام عدم الدليل على حجية اليد، لان أدلة الحجية منزلة على الارتكاز العقلائي، وهو يختص بغير هذه الصورة. (3) كذا في المسالك، لكن قوى خلاف: وفي جامع المقاصد جعله الاصح، وتبعه في الجواهر. خلافا للمبسوط فذكر أن القول قول مدعي

[ 411 ]

[ " أحلت " هو الحوالة المصطلحة (1)، واستعماله في الحوالة مجاز فيحمل على الحوالة. وفيه: منع الظهور المذكور (2). نعم لفظ الحوالة ظاهر في الحوالة المصطلحة، وأما ما يشتق ] الوكالة عملا بالاصول المتقدمة في صدر المسألة. وفي القواعد: أنه الاقرب ومال إليه في الشرائع، بل قطع به إذا كان الاختلاف بعد القبض، كما تقدم في عبارته المحكية. وفي المسالك: نسبه إلى الشيخ وجماعة. لكن في مفتاح الكرامة: " لم نعرفهم، ولا وجدنا ناقلا عنهم ". ولعل غرض المسالك من ذلك المحقق والعلامة. وقد أطال في المسالك في تقريبه والدفاع عنه. (1) ذكر ذلك في جامع المقاصد، وسبقه إلى ذلك في التذكرة، وتبعه على ذلك في الجواهر وغيرها. (2) لكن ظاهر الجماعة الذين ذهبوا إلى تقديم قول مدعي الوكالة الاعتراف بذلك، فقد ذكر في القواعد: أن الاقرب تقديم قول المحيل إذا كان قد ادعى التوكيل، لانه أعرف بلفظه وقصده، واعتضاده بالاصل. ثم قال: " ويحتمل تصديق المستحق، عملا بشهادة اللفظ "، فهو يعترف بشهادة اللفظ بالحوالة ومع ذلك جعل الاقرب تقدم قول مدعي الوكالة، ونحوه كلام الشيخ في المبسوط، فان المحكي عنه في الاستدلال على تقديم دعوى المحيل قصد الوكالة: أنه أعرف بلفظه باعتبار استعماله في المعنى الحقيقي وغيره، وكذا هو أعرف بما قصده إذ لا يعلم قصده الا من قبله، و ان قوله معتضد بأصالة بقاء المحيل... فهو يعترف بأن الحوالة حقيقة في معناها لكن يقبل قول القائل أردت الوكالة. وبالجملة: فالذي يظهر من كلماتهم الاعتراف بظهور " احلتك " ونحوه في الحوالة لكن يقبل قول مدعي الوكالة من جهة الاصل. وحينئذ فالاشكال عليه واضح، فان الاصل لا يجري مع ظهور الكلام على خلافه، فلا يكون من يوافق

[ 412 ]

قوله الاصل منكرا بعد أن كان الاصل غير حجة لمخالفته لظاهر الكلام. وأما منع الظهور الذي ادعاه المصنف (ره): فغير ظاهر، إذ التحويل له معنيان: شرعي في الاصل وحقيقة في عرف المتشرعة، وهو نقل المحيل دينه من ذمته إلى ذمة المحال عليه، وعرفي وفي الاصل لغوي، وهو نقل الشئ من شئ إلى آخر، سواء كان من ذمة إلى أخرى أم من مكان إلى آخر أم من حال إلى حال أخر، فإذا قال المدين للدائن: " أحلت دينك على فلان " كان حوالة شرعية وعرفية، وإذا قال: " أحلتك على فلان " فالمعنى الذي تحت الفظ هو الحوالة العرفية. لكنه كناية عن الحوالة الشرعية، لان الدين لما نقل من ذمة المدين إلى غيره كأنه نقل الدائن من مكان المطالبة إلى مكان آخر، فهو نظير قولنا: " زيد كثير الرماد " المراد منه كثير الطبخ والكرام. وأما استعاله في الوكالة فهو من المجاز، إذ لا رائحة فيه للنقل للدين ولا لاثر من آثاره، إذ في التوكيل تسليط على مطالبة غير المدين، فيكون الوكيل قادرا على مطالبة المدين الموكل ومطالبة مدينه، فالوكالة حينئذ توسع في سلطان الدائن، لانقل لمدينة ولا لسلطانه على المطالبة، لان توكل المدين له على استيفاء دينه لا يمنعه من مطالبته، وإنما يسوغ له مطالبة المدين لمدينة مضافا إلى مطالبة مدينه، فكيف يصح حمله على الوكالة؟! إلا أن تكون من المجازات البعيدة. ومن ذلك تعرف الاشكال على ما ذكره في المسالك، حيث أشكل على ما ذكره في جامع المقاصد - من أن ظهور " أحلتك " في الحوالة مقدم على الاصول التي توافق الوكالة، لان الاصل الحقيقة - بأن الوكالة لما كانت تتحقق بكل لفظ يدل على الاذن بطريق الحقيقة وكانت الحوالة مؤدية لذلك لان معنى " أحلتك " كما يحتمل تحويل المال من ذمة إلى

[ 413 ]

[ منها - كلفظ: " أحلت " - فظهوره فيها ممنوع (1). كما أن لفظ الوصية ظاهر في الوصية المصطلحة. وأما لفظ: " أوصيت " أو " أوصيك بكذا " فليس كذلك (2). فتقديم قول مدعي الحوالة في الصورة المفروضة محل منع (3). (مسألة 15): إذا أحال البائع من له عليه دين على المشتري بالثمن، أو أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي برئ أو مديون للمشتري، ثم بان بطلان البيع، بطلت ] ذمة يحمتل ارادة تحويل المطالبة من المحيل إلى المحتال، ففائدتها تسليطه على المحال عليه... إلى آخر ما ذكر في النقض والابرام في تقريب ما ذكره الشيخ والجماعه. وجه الاشكال: أن الوكالة ليس فيها تحويل المطالبة من المحيل إلى المحتال، فان الوكالة لا تمنع من مطالبة الموكل لمدينه، فان الوكالة لا توجب انعزال الموكل عن السطان، فلا تحويل ولا تحول، فلابد أن يكون من المجاز. (1) فيه نظر، لان المشتق تابع للمشتق منه ومشارك له في مادة الاشتقاق، نعم كان الاولى له أن يمنع أن يكون: " أحلتك " مشتقا من الحوالة فلعله مشتق من التحويل، وحينئذ يتخلص من الاشكال المذكور. لكن يتوجه عليه أن اشتقاقه من التحويل لا يصحح استعماله في الوكالة على وجه الحقيقة، لما عرفت من أنه لا تحويل فيه ولا تحول، فيتعين حمله على الحوالة الاصطلاحية بقرينة المورد. (2) قد عرفت الاشكال فيه، وأن اللازم حينئذ دعوى كون " أوصيت " ونحوه من المشتقات مشتقة من الايصاء لا من الوصية. (3) بل هو المتعين، كما عرفت.

[ 414 ]

[ الحوالة في الصورتين (1)، لظهور عدم اشتغال ذمة المشتري للبايع واللازم اشتغال ذمة المحيل للمحتال. هذا في الصورة الثانية، وفي الصورة الاولى وإن كان المشتري محالا عليه ويجوز الحوالة على البرئ، إلا أن المفروض ارادة الحوالة عليه من حيث ثبوت الثمن في ذمته، فهي في الحقيقة حوالة على ما في ذمته (2) لا عليه. ولا فرق بين أن يكون انكشاف البطلان قبل القبض أو بعده فإذا كان بعد القبض يكون المقبوض باقيا على ملك المشتري، فله الرجوع به ومع تلفه يرجع على المحتال (3) في الصورة الاولى وعلى البائع في الثانية. ] (1) كما في الشرائع والقواعد وجامع المقاصد والمسالك وغيرها، وعن الفخر في شرحه: الاجماع عليه. وعلل بما في المتن، ومقتضاه بطلان الحوالة من أصلها، وإن كان ظاهر العبارة - كعبارة الشرائع والقواعد وغيرهما - يقتضى طروء البطلان على الحوالة بظهور بطلان البيع، لا بطلانها من أصلها. فكأنه تسامح في التعبير. ولذا قال في جامع المقاصد: " وقد كان الاحسن أن يقول: ولو فسد البيع فالحوالة باطلة إذ لم يطرأ بطلانها ". ونحوه في المسالك. (2) بذلك دفع الاشكال في مفتاح الكرامة والجواهر. وفيه: أن الحواله نقل الدين إلى ذمة المحال عليه، لا إلى ما في ذمته. نعم قد يلحظ ما في ذمته قيدا للتحويل، وقد يلحظ داعيا، وقد لا يلحظ أصلا، وفي الاول تبطل الحوالة بفقده لانتفاء المقيد بانتفاء قيده، ولا تبطل في الاخيرين لانتفاء المقتضي. (3) لانه القابض لغير ماله، وكذا البائع في الثانية.

[ 415 ]

[ (مسألة 16): إذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين ثم انفسخ البيع بالاقالة أو باحد الخيارات فالحوالة صحيحة، لوقوعها في حال اشتغال ذمة المشتري بالثمن (1)، فيكون كما لو تصرف أحد المتبايعين في ما انتقل إليه ثم حصل الفسخ فان التصرف لا يبطل بفسخ البيع. ولا فرق بين أن يكون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده (2)، فهي تبقى بحالها ويرجع البايع على المشتري (3) بالثمن. وما عن الشيخ وبعض آخر (4) من الفرق بين الصورتين والحكم بالبطلان في الصورة الثانية - وهي ما إذا أحال المشتري البايع بالثمن على أجنبي - ] (1) هذا يصلح تعليلا لصحتها حال وقوعها، لا لصحتها حال انفساخ البيع الذي هو محل الكلام. واللازم تعليل الصحة حينئذ بعدم المقتضي للبطلان كما إذا تصرف أحد المتبايعين ثم وقع الفسخ. (2) لاطراد المقتضي للصحة في المقامين. (3) هذا من السهو، والصحيح ويرجع المشتري على البائع. (4) المحكي عن الشيخ في المبسوط: بطلان الحوالة إذا كان المشتري قد أحال البائع ثم فسخ البيع، لانها تابعة للبيع، فإذا بطل المتبوع بطل التابع، وعن مجمع البرهان: أن البطلان أقوى، وفي الشرائع: " إذا أحال المشتري البائع بالثمن ثم رد المبيع بالعيب السابق بطلت الحوالة، لانها تتبع البيع. وفيه تردد ". فيحتمل أن يكون وجه التردد ما ذكره المصنف (ره) - تبعا لجماعة - من أن الحوالة من العقود اللازمة. وتبعيتها للبيع في الانفساخ لا مقتضي لها، ويحتمل أن يكون وجه التردد ما سيأتي نقله عن العلامة.

[ 416 ]

[ لانها تتبع البيع في هذه الصورة، حيث أنها بين المتبايعين بخلاف الصورة الاولى. ضعيف، والتبعية في الفسخ وعدمه ممنوعة. نعم هي تبع للبيع حيث أنها واقعة على الثمن، وبهذا المعنى لا فرق بين الصورتين (1). ] (1) إذ في الصورة الاولى الحوالة واقعة من البائع على الثمن، وفي الصورة الثانية واقعة من المشتري بالثمن، فالثمن موضوع لها في الصورتين معا. هذا ولا يخفى أنه في الصورة الثانية لما كان المشتري قد حول البائع بالثمن فالبائع يقبض الثمن من المحول عليه، فإذا بطل البيع رجع الثمن إلى ملك المشتري. أما في الصورة الاولى فالبائع حول غريمه على الثمن، فالمقبوض للغريم هو الثمن، فإذا بطل البيع بالفسخ امتنع أن يرجع الثمن المقبوض لغريم البائع إلى المشتري، لانه ليس ملكا للبائع، بل هو مضمون على البائع ضمان المعاوضة فيرجع المشتري به على البائع الضامن له لا على غيره. فيكون الحكم كما إذا اشترى البائع بالثمن ثوبا، فانه لا يرجع الثوب إلى المشتري بالفسخ. وبالجملة: في الصورة الثانية ينتقل الثمن الذي للبائع على المشتري من ذمة المشتري إلى ذمة المحال عليه، فلا تبدل في نفس المال، وإنما التبدل في الذمة، فانتقل من ذمة إلى ذمة، فإذا قبضه البائع من المحال عليه ففسخ البيع رجع نفس المقبوض إلى المشتري، لانه عين الثمن. وفي الصورة الاولى يكون الثمن الذي في ذمة المشتري قد انتقل إلى غريم البائع، ولم يبق في ملك البائع كي يرجع بالفسخ إلى المشتري، فالتبعية للبيع وإن كانت موجودة في الصورتين ولكن الكيفية مختلفة. بل عرفت سابقا أن الحوالة على غير البرئ ليست حوالة على المال، وإنما هي حوالة على الذمة، والمال مأخوذ قيدا تارة، وداعيا أخرى، وغير ملحوظ ثالثة كما عرفت، والتبعية تختص بالصورة الاولى

[ 417 ]

[ وربما يقال ببطلانها (1) إن قلنا إنها استيفاء، وتبقى إن قلنا إنها اعتياض. والاقوى البقاء وإن قلنا إنها استيفاء، لانها معاملة مستقلة (2)، لازمة لا تفسخ بانفساخ البيع، وليس ] لاغير، وفيها أيضا لاتبعية في الفسخ، ولذلك قال في الشرائع: " أما لو أحال البائع أجنبيا بثمن على المشتري، ثم فسخ المشتري بالعيب أو بأمر حادث، لم تبطل الحوالة، لانها تعلقت بغير المتعاقدين ". ونحوه ما في القواعد، وعن الفخر في شرح الارشاد: الاجماع عليه، بل عن الشيخ: نفي الخلاف فيه، وإن تأمل في الحكاية بعض: (1) ذكر ذلك في القواعد، قال: " ولو احتال البائع ثم ردت السلعة بعيب سابق، فان قلنا: إن الحوالة استيفاء بطلت، لانها نوع إرفاق، فإذا بطل الاصل بطلت هيئة الارفاق، كما لو اشترى بدراهم مكسرة فأعطاه صحيحا ثم فسخ، فانه يرجع بالصحاح. وإن قلنا: إنها اعتياض، لم تبطل، كما لو استبدل عن الثمن ثوبا ثم رد بالعيب، فانه يرجع بالثمن لا الثوب، فللمشتري الرجوع على البائع خاصة إن قبض، ولا يتعين المقبوض، وإن لم يقبضه فله قبضه ". (2) هذا خلف، فانه إذا سلم إنها استيفاء لا تكون معاملة مستقلة في قبال الاستيفاء والاعياض. اللهم الا أن يكون مراده من الاستيفاء الاعم من ذلك، كما يظهر من عبارته. إلا أنه غير مرادهم من الاستيفاء كما يظهر من المثال المذكور في القواعد. فانه من الاستيفاء بالمعنى الخاص. وقد تقدم في كلام جماعة: انها استيفاء، والمصنف وافقهم على ذلك، وتقدمت المناقشة معهم بأنها لا تكون استيفاء، إذ لم يصل إلى الدائن شئ فلم يكن وفاء، وإنما كان مجرد فراغ ذمة المديون المحيل لاغير. وإن شئت قلت: ليس الحوالة وفاء حال وقوعها، إذ لم يصل إلى الدائن

[ 418 ]

شئ من ماله، ولا حال القبض من المحال عليه، لفراغ ذمته قبل ذلك، وإنما القبض وفاء عما في ذمة المحال عليه لاغير. كما أنها ليست اعتياضا، إذ لم تكن معاوضة بين المحيل والمحتال بأن يكون المال الذي في ذمة المحال عليه عوضا عما له في ذمة المحيل، فان ذلك غير مقصود، ولا هو مفهوم الحوالة عرفا. بل ليس مفهومها الا نقل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فالثمن الذي في ذمة المشتري للبائع قد انتقل إلى ذمة المحال عليه، فالحوالة تبديل في الذمم لا تبديل في المال، فان المال باق بحاله وخصوصياته من دون تغيير فيه ولا تبديل، كالعين الخارجية التي تنقل من صندوق إلى صندوق ومن ظرف إلى ظرف. ولو كانت اعتياضا جرى عليها حكم بيع الصرف، من لزوم التقابض في المجلس، وجرى عليها حكم بيع الدين بالدين. فالبائع المحتال يملك الثمن في ذمة المحال عليه، فإذا وقع الفسخ قبل القبض بطلت الحوالة، لرجوع الثمن إلى ملك المشتري، وليس للبائع أخذه من المحال عليه، وإذا وقع الفسخ بعد القبض رجع المقبوض إلى ملك المشتري، لانه الثمن فيرجع إليه بالفسخ. ولذلك قال في الشرائع تفريعا على بطلان الحوالة: " فان لم يكن البائع قبض المال فهو باق في ذمة المحال عليه للمشتري. وإن كان البائع قبضه فقد برئ المحال عليه ويستعيده المشتري من البائع ". وأوضحه العلامة في التذكرة والشهيد الثاني في المسالك بنحو ما ذكرنا، بل في الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له ". وعلى هذا فاللازم القول ببطلان الحوالة إذا وقع الفسخ قبل القبض وصحتها إذا وقع بعد القبض، لان بطلانها حينئذ يقتضي رجوع المقبوض إلى ملك المحال عليه، لا إلى المشترى، ولا يقولون به، ولا مقتضي له،

[ 419 ]

[ حالها حال الوفاء بغير معاملة لازمة، كما إذا اشترى شيئا بدراهم مكسرة فدفع إلى البايع الصحاح أو دفع بدلها شيئا آخر وفاء (1)، حيث انه إذا انفسخ البيع يرجع إليه ما دفع من الصحاح أو الشئ الآخر، لا الدراهم المكسرة، فان الوفاء بهذا النحو ليس معاملة لازمة، بل يتبع البيع في الانفساخ، بخلاف ما نحن فيه، حيث أن الحوالة عقد لازم (2) وان كان ] فاللازم التفصيل بين ما قبل القبض فالبطلان، وما بعده فالصحة، لا إطلاق القول ببطلان الحوالة. بل تمكن المناقشة فيما في الشرائع إذا بطلت الحوالة للفسخ قبل القبض يكون المال باقيا في ذمة المحال عليه للمشتري، بأن بطلان الحوالة يقتضي فراغ ذمة المحال عليه لا اشتغالها بالمحال به للمشتري، فان ذلك مقتضى الصحة لا البطلان. (1) في كون ذلك من الوفاء إشكال، لان الوفاء أداء ما في الذمة، والجنس الآخر أجنبي عما في الذمة فلا يكون أداء له. نعم إذا كان الاختلاف بالصفات مثل الصحاح والمكسرة والعبد الكاتب وغير الكاتب، يمكن تنازل المشتري عن الوصف فيقبل غير الموصوف، أو تنازل البائع عنه فيدفع غير الموصوف كالصحيح بدل المكسور، فيكون الوفاء بالنسبة إلى الذات. وهذا المعنى لا يأتي مع اختلاف الذات. والاكتفاء بالمالية، فيكون الوفاء بالاضافة إليها لا غير، خلاف ما بنوا عليه من بطلان البيع مع اختلاف الجنس، كما إذا باع عبدا فتبين أنه حيوان، أو باع ذهبا فتبين أنه نحاس، ونحو ذلك، فان البناء على البطلان يقتضي عدم البناء على تعدد المطلوب في ذلك، بخلاف باب الاختلاف بالصفة. وعلى هذا فلو بطل البيع رجع المشتري بالمسمى، لا ببدله. (2) اللزوم في نفسه لا ينافي الانفساخ بذهاب الموضوع وانتفائه.

[ 420 ]

[ نوعا من الاستيقاء. (مسألة 17): إذا كان له عند وكيله أو أمينه مال معين خارجي فأحال داينه عليه ليدفع إليه بما عنده فقبل المحتال والمحال عليه، وجب عليه الدفع إليه (1)، وإن لم يكن من الحوالة المصطلحة (2). وإذا لم يدفع له الرجوع على المحيل لبقاء شغل ذمته. ولو لم يتمكن من الاستيفاء منه ضمن الوكيل المحال عليه إذا كانت الخسارة الواردة عليه مستندا إليه، للغرور (3). (تم كتاب الحوالة) ] (1) جواز الدفع من جهة الاذن معلوم. أما وجوبه فغير معلوم إذا أمكن الدفع إلى المالك في ذلك الزمان أو فيما قبله، إذ الوكيل ممنوع من التصرف في المال بغير إذن مالكه، وكما يمكن الفرار عن ذلك بالدفع إلى المحتال يمكن بارجاعه إلى المالك. نعم إذا تعذر الدفع إلى المالك حينئذ وجب الدفع إلى المحتال، لئلا يلزم التصرف في مال المالك بغير إذنه، وحينئذ لا يتوقف وجوب الدفع على قبوله الحوالة. (2) لعدم انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. (3) فان قاعدة الغرور شاملة للمقام، ومجرد عدم وجوب الوفاء بالوعد والقبول لا يمنع من صدق الغرور، فان الغرور لم يكن مستندا إلى وجوب الوفاء، بل مستندا إلى الثقة بالوفاء بالوعد، كما لعله ظاهر. والحمد لله رب العالمين كما هو أهله. والصلاة والسلام على رسوله الكريم وأهل بيته الطاهرين. انتهى الكلام في ثامن شعبان المكرم، في السنة الثانية والثمانين بعد الالف والثلاثمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها (1) جواز الدفع من جهة الاذن معلوم. أما وجوبه فغير معلوم إذا أمكن الدفع إلى المالك في ذلك الزمان أو فيما قبله، إذ الوكيل ممنوع من التصرف في المال بغير إذن مالكه، وكما يمكن الفرار عن ذلك بالدفع إلى المحتال يمكن بارجاعه إلى المالك. نعم إذا تعذر الدفع إلى المالك حينئذ وجب الدفع إلى المحتال، لئلا يلزم التصرف في مال المالك بغير إذنه، وحينئذ لا يتوقف وجوب الدفع على قبوله الحوالة. (2) لعدم انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. (3) فان قاعدة الغرور شاملة للمقام، ومجرد عدم وجوب الوفاء بالوعد والقبول لا يمنع من صدق الغرور، فان الغرور لم يكن مستندا إلى وجوب الوفاء، بل مستندا إلى الثقة بالوفاء بالوعد، كما لعله ظاهر. والحمد لله رب العالمين كما هو أهله. والصلاة والسلام على رسوله الكريم وأهل بيته الطاهرين. انتهى الكلام في ثامن شعبان المكرم، في السنة الثانية والثمانين بعد الالف والثلاثمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل السلام وأكمل التحية.

مكتبة شبكة أمل الثقافية