التفسير الصافي - الفيض الكاشاني ج 3

التفسير الصافي

الفيض الكاشاني ج 3


[ 1 ]

تفسير الصافي (3)

[ 2 ]

(هوية الكتاب) الكتاب: تفسير الصافي المؤلف: فيلسوف الفقهاء المولى محسن الفيض الكاشاني قدس سره الطبعة: الثانية العدد: 5000 نسخة القطع: وزيري عدد الصفحات مجلدات الخمس: 2288 صفحة ليتوغراف: آرمان المطبعة: مؤسسة الهادي - قم المقدسة تاريخ الطبعة: شهر رمضان 1416 قمرية - 1374 شمسية الناشر: مكتبة الصدر - بطهران -

[ 3 ]

تفسير الصافي تأليف فيلسوف الفقهاء، وفقيه الفلاسفة، استاذ عصره ووحيد دهره، المولى محسن الملقب ب‍ (الفيض الكاشاني) المتوفي سنة 1091 ه‍ الجزء الثالث

[ 4 ]

سورة يوسف عليه السلام مكية وقال المعدل عن ابن عباس غير أربع آيات نزلن بالمدينة ثلاث من أولها، والرابعة لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين عدد آيها مائة وإحدى عشرة آية. بسم الله الرحمن الرحيم (1) الر قد سبق معناه تلك آيات الكتب المبين تلك الايات آيات الكتاب الظاهر أمره في الأعجاز الواضح معانيه لمن يتدبره. (2) إنا أنزلنه قرءنا عربيا بلغتكم لعلكم تعقلون إرادة أن تفقهوه وتحيطوا بمعانيه ولو جعلناه أعجميا لالتبس عليكم في الخصال عن الصادق عليه السلام تعلموا العربية فإنها كلام الله الذي تكلم به خلقه. (3) نحن نقص عليك أحسن القصص أحسن الاقتصاص لانه اقتص على إبدع الأساليب أو أحسن ما يقص لأشتماله على العجائب والحكم والعبر بمآ أوحينا بايحائنا اليك هذا القرءان وإن كنت من قبله لمن الغفلين عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم يقرع سمعك قط. (4) إذ قال يوسف لابيه يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم. القمي عن الباقر عليه السلام وكان يعقوب اسرائيل الله أي خالص الله ابن

[ 5 ]

اسحاق نبي الله ابن ابراهيم خليل الله. وفي الحديث النبوي الكريم ابن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب ابن اسحاق بن ابراهيم يا أبت أصله يا أبي وقرئ بفتح التاء وبالوقف على الهاء إنى رأيت من الرؤيا لا من الرؤية أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين. في الخصال عن جابر بن عبد الله قال أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل من اليهود يقال له بشان اليهودي فقال يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة فما أسماؤهن فلم يجبه نبي الله يومئذ في شئ قال فنزل جبرئيل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائها قال فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بشان فلما أن جاء قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل أنت مسلم إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حوبان والطارق والذبال وذو الكتفين وقابس ووثاب وعمودان والفليق والمصبح والصدوح وذو الفروع والضياء والنور رآها في افق السماء ساجدة له فلما قصها يوسف على يعقوب قال يعقوب هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد فقال بشان والله إن هذه لأسماؤها ثم أسلم. والقمي والعياشي عن جابر في تسمية النجوم وهي الطارق وحوبان وذكر مثله إلى قوله والضياء والنور قال يعني الشمس والقمر قال وكل هذه الكواكب محيطة بالسماء. والقمي عن الباقر عليه السلام تأويل هذه الرؤيا أنه سيملك مصر ويدخل عليه أبواه وإخوته أما الشمس فأم يوسف راحيل والقمر يعقوب وأما الأحد عشر كوكبا فإخوته فلما دخلوا عليه سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه وكان ذلك السجود لله تعالى. أقول ويأتي رواية أخرى بأن التي سجدت له مع أبيه خالته لا أمه. (5) قال يا بنى تصغير ابن صغره للشفقة وصغر السن لا تقصص رؤياك

[ 6 ]

الرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم على إخوتك فيكيدوا لك كيدا فيحتالوا لأهلاكك حيلة ضمن يكيدوا معنى يحتالوا فعداه باللام ليفيد معنى الفعلين إن الشيطان للانسان عدو مبين ظاهر العداوة خاف عليه حسد إخوانه وبغيهم عليه لما عرف من دلالة رؤياه على أن يبلغه من شرف الدارين أمرا عظيما. القمي عن الباقر عليه السلام كان له أحد عشر أخا وكان له من امه اخ واحد يسمى بنيامين فرأى يوسف هذه الرؤيا وله تسع سنين فقصها على أبيه فقال يا بنى لا تقصص الاية. أقول: ما دل عليه هذا الحديث من كون يوسف وبنيامين من أم واحد هو المشهور المستفيض رواه العياشي وغيره إلا أن العياشي روى رواية اخرى بأنه ابن خالته. وفي بعض ما يرويه اطلاق ابن ياميل عليه باللام. وفي بعضه أن ياميل إسم خالة يوسف وأنها هي التي سارت مع أبيه إلى مصر وأكثر هذه الروايات يأتي في مواضعها إن شاء الله. وربما يوجد في بعض أخبار العياشي ابن يامين منفصلا وصاحب القاموس ضبط بنيامين قال ولا تقل ابن يامين وأما أسماء ساير اخوته فلم أجدها في رواية معصومية بتمامها معدودة وقد قيل هم يهودا وروبيل وشمعون ولاوي وزبالون ويشجر والستة من بنت خالته ليا تزوجها يعقوب أولا ثم تزوج اختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف وأربعة آخرون دان ونفتالي وحاد وآشر من سريتين زلفة وبلهة. (6) وكذلك يجتبيك يصطفيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة وأحاديث النفس أو الشيطان إن كانت كاذبة ويتم نعمته عليك وعلئ ال يعقوب أهله ونسله بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الاخرة بأن يجعلهم أنبياء وملوكا ثم ينقلهم إلى نعيم الاخرة والدرجات العلى من الجنة كما أتمها على أبويك من قبل إبرهيم وإسحق إن ربك عليم بمن يستحق

[ 7 ]

الأجتباء حكيم يفعل الأشياء على ما ينبغي. (7) لقد كان في يوسف وإخوته أي في قصتهم آيات دلائل قدرة الله وحكمته وعلامات نبوتك وقرئ آية للسائلين لمن سئل عن قصتهم في الجوامع روي أن اليهود قالوا لكبراء المشركين سلوا محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وقصة يوسف قال فأخبرهم بالقصة من غير سماع ولا قراءة كتاب. (8) إذ قالوا ليوسف وأخوه بنيامين خص بالاخوة لأن امهما كانت واحدة أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة والحال إنا جماعة أقوياء أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما إن أبانا لفي ضلل مبين لتفضيله المفضول وتركه التعديل في المحبة. (9) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا مجهولة بعيدة من العمران كما يستفاد من تنكيرها وإخلائها عن الوصف يخل لكم وجه أبيكم يصف (1) لكم وجهه فيقبل عليكم بكلية ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعنكم في محبة أحد وتكونوا من بعده من بعد يوسف أو بعد قتله قوما صالحين تائبين إلى الله مما جنيتم. في العلل عن السجاد عليه السلام أي تتوبون. (10) قال قائل منهم قيل هو يهودا وكان أحسنهم رأيا. والقمي هو لاوي عن الهادي عليه السلام كما يأتي لا تقتلوا يوسف فإن القتل عظيم وألقوه في غيابت الجب في قعر البئر وقرئ غابات يلتقطه أي يأخذه بعض السيارة بعض الذين يسيرون في الأرض إن كنتم فاعلين ما يفرق بينه وبين أبيه. (11) قالوا يأبانا مالك لا تأمنا على يوسف لم تخافنا عليه وإنا له لناصحون ونحن نشفق عليه ونريد له الخير.


1 - وصفا الماء صفوا من باب قعد وصفاء ممدودا إذا خلص من الكدر (*)

[ 8 ]

(12) أرسله معنا غدا إلى الصحراء يرتع يتسع في أكل الفواكه وغيرها من الرتعة وهي الخصب ويلعب بالأستباق بالأقدام والرمي وانا له لحافظون. (13) قال إنى ليحزنني أن تذهبوا به لشدة مفارقته علي وقلة صبري عنه وأخاف أن يأكله الذئب قيل لأن الأرض كانت مذأبة وأنتم عنه غافلون. (14) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة جماعة أقوياء إنا إذا لخسرون. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تلقنوا الكذب فتكذبوا فإن بني يعقو ب لم يعلموا أن الذئب يأكل الأنسان حتى لقنهم أبوهم. وفي العلل عن الصادق عليه السلام قرب يعقوب لهم العلة فاعتلوا بها في يوسف، العياشي عنه عليه السلام إنما ابتلى يعقوب بيوسف إذ ذبح كبشا سمينا ورجل من أصحابه محتاج لم يجد ما يفطر عليه فأغفله ولم يطعمه فابتلى بيوسف وكان بعد ذلك كل صباح مناديه ينادي من لم يكن صائما فليشهد غداء يعقوب فإذا كان المساء نادى من كان صائما فليشهد عشاء يعقوب وفي المجمع والعلل والعياشي عن السجاد عليه السلام مثله ببسط وتفصيل. (15) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وعزموا على إلقائه فيها جوابه محذوف أي فعلوا به ما فعلوا. في العلل والعياشي عن السجاد عليه السلام لما خرجوا من منزلهم لحقهم أبوهم مسرعا فانتزعه من أيديهم فضمه إليه واعتنقه وبكى ودفعه إليهم فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم ولا يدفعه إليهم فلما أيقنوا به أتوا به غيضة (1) أشجار فقالوا نذبحه ونلقيه تحت هذه الشجرة فيأكله الذئب الليلة فقال كبيرهم لا تقتلوا يوسف ولكن القوة في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين فانطلقوا به إلى الجب وألقوه فيه وهم يظنون أنه يغرق فيه فلما صار في قعر الجب ناداهم يا ولد رومين أقرؤوا يعقوب


1 - الغيض بالفتحة الاجمة ومجتمع الشجر في مغيض ماء أو خاص بالغرب لا كل شجر جمعه غياض واغياض (*)

[ 9 ]

السلام مني فلما سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض لا تزالوا من هاهنا حتى تعلموا أنه قد مات فلم يزالوا بحضرته حتى أيسوا ورجعوا. والقمي فأدنوه من رأس الجب وقالوا له انزع قميصك فبكى وقال يا إخوتي تجردوني فسل واحد منهم عليه السكين وقال لئن لم تنزعه لأقتلنك فنزعه فدلوه في اليم وتنحوا عنه فقال يوسف في الجب يا إله إبراهيم وإسحق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغري. ثم قال القمي ونسب ابن طاوس قوله هذا إلى الصادق عليه السلام ورجع إخوته فقالوا نعمد إلى قميصه فنلطخه بالدم ونقول لأبينا إن الذئب أكله فقال لهم أخوهم لاوي يا قوم ألسنا بني يعقوب إسرائيل الله ابن اسحاق نبي الله ابن ابراهيم خليل الله أفتظنون أن الله عز وجل يكتم هذا الخبر عن أنبيائه عليهم السلام فقالوا وما الحيلة قالوا نقوم ونغتسل ونصلي جماعة ونتضرع إلى الله أن يكتم ذلك عن أنبيائه عليهم السلام فإنه جواد كريم فقاموا واغتسلوا وكانت في سنة ابراهيم واسحاق ويعقوب عليهم السلام أنهم لا يصلون جماعة حتى يبلغوا أحد عشر رجلا فيكون واحدا منهم إماما وعشرة يصلون خلفه قالوا وكيف نصنع وليس لنا إمام فقال لاوي نجعل الله إمامنا فصلوا وتضرعوا وبكوا وقالوا يا رب اكتم علينا هذا وأوحينا إليه أوحى الله تعالى إليه في صغره كما أوحى إلى يحيى وعيسى لتنبئنهم بأمرهم هذا لتحدثنهم بمافعلوا بك وهم لا يشعرون إنك يوسف لعلو شأنك وطول العهد المغير للهيئات إشارة إلى ما قال لهم بمصرحين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون بشره بما يؤول إليه أمره إيناسا له وتطييبا لقلبه. القمي عن الباقر عليه السلام يقول لا يشعرون إنك أنت يوسف أتاه جبرئيل فأخبره بذلك. في العلل والعياشي عن الصادق عليه السلام وكان ابن سبع سنين. (16) وجآءو أباهم عشاء آخر النهار يبكون متباكين قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق نتسابق في العدو وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا

[ 10 ]

بمصدق لنا ولو كنا صادقين لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف. (17) وجاؤا على قميصه بدم كذب مكذوب فيه وصف بالمصدر للمبالغة. القمي عن الباقر عليه السلام ذبحوا جديا على قميصه والعياشي عن الصادق عليه السلام لما أوتي بقميص يوسف على يعقوب قال اللهم لقد كان ذئبا رفيقا حين لم يشق القميص قال وكان به نضح [ فضح (1) خ ل ] من دم والقمي قال ما كان أشد غضب ذلك الذئب على يوسف وأشفقه على قميصه حيث أكل يوسف ولم يمزق قميصه قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا أي سهلت لكم وهونت في أعينكم أمرا عظيما من السول وهو الاسترخاء فصبر جميل فأمري صبر جميل وفي الحديث النبوي صلى الله عليه وآله وسلم الصبر الجميل الذي هو لا شكوى فيه إلى الخلق ورواه ابن عقدة عن الصادق عليه السلام والعياشي عن الباقر عليه السلام والله المستعان على ما تصفون على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف. في العلل والعياشي عن السجاد عليه السلام إنه لما سمع مقالتهم استرجع واستعبر وذكر ما أوحى الله إليه من الاستعداد للبلاء وأذعن للبلوى - يعني بسبب غفلته عن إطعامه الجار الجائع - فقال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا وما كان الله ليطعم لحم يوسف للذئب من قبل أن اري تأويل رؤياه الصادقة (18) وجاءت سيارة رفقة يسيرون فنزلوا قريبا من الجب فأرسلوا واردهم الذي يرد الماء ويستسقي لهم فأدلى دلوه فأرسلها في الجب ليملأها فتدلى بها يوسف فلما رآه قال يا بشرى هذا غلام بشر نفسه أوقومه وقرئ يا بشراي بالأضافة وأسروه بضاعة أخفوه متاعا للتجارة أي الوارد وأصحابه من سائر الرفقة أو أخوة يوسف من الرفقة جميعا والله عليم بما يعملون لم يخف عليه أسرارهم. (19) وشروه بثمن بخس مبخوس ناقص درهم معدودة قليلة كانوا


1 - الفضح محركة ما تعلوه حمرة (*)

[ 11 ]

يزنون الكثير ويعدون القليل وكانوا فيه في يوسف من الزهدين الراغبين عنه العياشي. عن الصادق عليه السلام كانت عشرين درهما والقمي والعياشي عن الرضا عليه السلام مثله وزاد والبخس النقص وهي قيمة كلب الصيد إذا قتل. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام كانت ثمانية عشر درهما والقمي مثله وفي العلل والعياشي عن السجاد عليه السلام أنهم لما أصبحوا قالوا انطلقوا بنا حتى ننظر ما حال يوسف أمات أم هو حي ؟ فلما انتهو إلى الجب وجدوا بحضرة الجب سيارة وقد أرسلوا واردهم وأدلى دلوه فلما جذب دلوه فإذا هو بغلام متعلق بدلوه فقال لأصحابه يا بشرى هذا غلام فلما أخرجوه أقبل إليهم إخوة يوسف فقالوا هذا عبدنا سقط منا أمس في هذا الجب وجئنا اليوم لنخرجه فانتزعوه من أيديهم وتنحوا به ناحية فقالوا إما أن تقر لنا أنك عبدنا فنبيعك بعض هذه السيارة أو نقتلك فقال لهم يوسف لا تقتلوني واصنعوا ما شئتم فأقبلوا به إلى السيارة فقالوا منكم من يشتري منا هذا العبد فاشتراه رجل منهم بعشرين درهما وكان إخوته فيه من الزاهدين. في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام لما طرح إخوة يوسف يوسف في الجب أتاه جبرئيل فدخل عليه فقال يا غلام ما تصنع هيهنا فقال إن إخوتي ألقوني في الجب قال فتحب أن تخرج منه قال ذاك إلى الله عز وجل إن شاء أخرجني قال فقال له إن ألله يقول لك أدعني بهذا الدعاء حتى اخرجك من الجب فقال له وما الدعاء قال قل اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والأكرام أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا. وزاد القمي وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب فدعا ربه فجعل له من الجب فرجا ومن كيد المرأة مخرجا وأتاه ملك مصر من حيث لا يحتسب. وفي المجمع والعياشي ما في معناه. وفي المجالس عنه عليه السلام أنه سئل ما كان دعاء يوسف عليه السلام في الجب فإنا قد

[ 12 ]

اختلفنا فيه فقال إن يوسف عليه السلام لما صار في الجب وأيس من الحياة قال اللهم إن كانت الخطايا والذنوب قد أخلقت وجهي عندك فلن ترفع لي إليك صوتا ولن تستجيب لي دعوة فإني أسألك بحق الشيخ يعقوب عليه السلام فارحم ضعفه واجمع بيني وبينه فقد علمت رقته علي وشوقي إليه. القمي فحملوا يوسف إلى مصر وباعوه من عزيز مصر. وفي العلل عن السجاد عليه السلام إنه سئل كم كان بين منزل يعقوب يومئذ وبين مصر فقال مسيرة إثني عشر يوما. وفي الكافي والأكمال عن الصادق عليه السلام في حديث يذكر فيه يوسف وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما قال ولقد سار يعقوب وولده عند البشارة مسيرة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر (20) وقال الذى اشتريه من مصر قيل هو العزيز الذي كان على خزائن مصر وكان إسمه قطفير أو اظفير وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي وقد امن بيوسف ومات في حياته لامرأته وكان اسمها زليخا كما يأتي عن الهادي عليه السلام أكرمي مثواه إجعلي مقامه عندنا كريما أي حسنا والمعنى إحسني تعهده عسى أن ينفعنا في ضياعنا وأموالنا ونستظهر به في مصالحنا أو نتخذه ولدا نتبناه وذلك لما تفرس منه الرشد. القمي ولم يكن له ولد فأكرموه وربوه فلما بلغ أشده هوته إمرأة العزيز وكانت لا تنظر إلى يوسف امرأة إلا هوته ولا رجل إلا أحبه وكان وجهه مثل القمر ليلة البدر (21) وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث والله غالب على أمره لا يمنع مما يشاء ولكن أكثر الناس لا يعلمون لطائف صنعه وإن الأمر كله بيده.


1 - وتقدير الاية فحملوه الى مصر وباعوه وحذف ذلك للدلالة عليه (*)

[ 13 ]

(22) ولما بلغ أشده منتهى إشتداد جسمه وقوته آتيانه حكما حكمة وعلما وكذلك نجزى المحسنين تنبيه على أنه تعالى إنما أتاه ذلك جزاء على إحسانه في عمله واتقائه في عنفوان أمره. (23) وراودته التى هو في بيتها عن نفسه طلبت منه وتمحلت أن يواقعها من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شئ وغلقت الابواب وقالت هيت لك أي أقبل وبادر وقرئ بالضم وبالفتح وكسر الهاء. وفي المجمع عن علي عليه السلام بالهمزة وضم التاء بمعنى تهيأت لك قال معاذ الله أعوذ بالله معاذا إنه ربى أحسن مثواى سيدي قطفير أحسن تعهدي فليس جزاؤه أن أخونه في أهله أو إن الله خالقي وأحسن منزلتي بأن عطف علي قلبه فلا اعصيه إنه لا يفلح الظلمون (24) ولقد همت به قصدت مخالطته وهم بها لولا أن رأى برهان ربه معناه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها فحذف جواب لولا لدلالة المذكور سابقا عليه هذا عند من لم يجوز تقدم الجزاء على الشرط ومن جوزه فلا حاجة له إلى هذا التقدير في المجمع عن الصادق عليه السلام البرهان النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش والحكمة الصارفة عن القبايح كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين الذين أخلصهم الله لطاعته وقرئ بكسر اللام أي الذين أخلصوا دينهم لله. في العيون عن الرضا عليه السلام وقد سأله المأمون عن عصمة الأنبياء لقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه. وقال ولقد حدثني أبي عن الصادق عليه السلام إنه قال همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل وفي رواية أنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله

[ 14 ]

فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء يعني القتل والزنا. وعن السجاد عليه السلام قامت إمرأة العزيز إلى الصنم فألقت عليه ثوبا فقال لها يوسف أتستحيين ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه ولا يأكل ولا يشرب ولا استحي أنا مم خلق الأنسان وعلمه فذاك قوله تعالى لولا أن رأى برهن ربه. والعياشي مثله عن الباقر عليه السلام بعدما كذب قول الناس أنه رأى يعقوب عاضا على أصبعه. والقمي أيضا روى قيامها إلى الصنم عن الصادق عليه السلام. وفي المجالس عنه عليه السلام إن رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط وكيف تسلمون مما لم يسلم منه أنبياء الله ورسله وحجج الله ألم ينسبوا يوسف إلى أنه هم بالزنا. أقول: وقد نسبت العامة خذلهم الله إلى يوسف في هذا المقام امورا ورووا بها روايات مختلقة لا يليق للمؤمن من نقلها فكيف باعتقادها ونعم ما قيل إن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف والمرأة وزوجها والنسوة والشهود ورب العالمين وإبليس وكلهم قالوا ببراءة يوسف عن الذنب فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب أما يوسف فقوله هي راودتني عن نفسي وقوله رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وأما المرأة فلقولها ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وقالت الان حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وأما زوجها فلقوله إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم وأما النسوة فلقولهن امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين وقولهن حاش لله ما علمنا عليه من سوء وأما الشهود قوله تعالى وشهد شاهد من أهلها الاية وأما شهادة الله بذلك فقوله عز من قائل كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين وأما اقرار ابليس بذلك فلقوله فبعزتك لاءغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فأقر بأنه لا يمكنه إغواء العباد المخلصين وقد قال الله تعالى إنه من عبادنا المخلصين فقد أقر إبليس

[ 15 ]

بأنه لم يغوه وعند هذا نقول إن هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله بطهارته وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا اقرار ابليس بطهارته (25) واستبقا الباب أي تسابقا إليه وذلك أن يوسف فر منها ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج وقدت قميصه من دبر اجتذبته من ورائه فانقد قميصه والقد الشق طولا والقط الشق عرضا وألفيا سيدها وصادفا زوجها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم بادرت إلى هذا القول إيهاما بإنها فرت منه تبرءة لساحتها عند زوجها وما نافية أو استفهامية. (26) قال هي رودتنى عن نفسي طالبتني بالمواتاة وإنما قال ذلك دفعا لما عرضته له من السجن والعذاب ولو لم تكذب عليه لما قاله وشهد شاهد من أهلها وهو صبي (1) من أهلها زائر لها كما يأتي عن السجاد عليه السلام. والقمي عن الصادق عليه السلام ألهم الله عز وجل يوسف أن قال للملك سل هذا الصبي في المهد فإنه سيشهد أنها راودتني عن نفسي فقال العزيز للصبي فأنطق الله الصبي في المهد ليوسف فقال إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها أو أنه أسرع خلفها فتعثر بذيله فانقد جيبه. (27) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصدقين لأنه يدل على أنها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته. (28) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن من حيلتكن والخطاب لها ولأمثالها من النساء إن كيدكن عظيم لأنه يعلق بالقلب ويؤثر في النفس لمواجهتهن به بخلاف كيد الشيطان فإنه يوسوس به مسارقة.


1 - قيل كان الصبي ابن اخت زليخا وهو ابن ثلاثة اشهر من. (*)

[ 16 ]

يوسف يا يوسف أعرض عن هذا اكتمه ولا تذكره واستغفرى لذنبك يا زليخا إنك كنت من الخاطئين من القوم المذنبين من خطئ إذا أذنب متعمدا والتذكير للتغليب. (30) وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتيها عن نفسه تطلب مواقعة غلامها إياها قد شغفها حبا شق شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها حبا. القمي عن الباقر عليه السلام يقول قد حجبها حبه عن الناس فلا يعقل غيره والشغاف هو حجاب القلب وقرئ شعفها بالمهملة أي أحرقها كما يحرق البعير بالقطران إذا هنئ به ونسبها في المجمع والجوامع إلى أهل البيت عليهم السلام إنا لنريها في ضلل عن الرشد وبعد عن الصواب مبين ظاهر. القمي وشاع الخبر بمصر وجعلن النساء يتحدثن بحديثها ويعذلنها ويذكرنها. (31) فلما سمعت بمكرهن باغتيابهن وتعييرهن وإنما سماه مكرا لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره أرسلت إليهن تدعوهن وأعتدت لهن متكئا طعاما ومجلس طعام كما يأتي عن السجاد عليه السلام فإنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب تترفا ولذلك نهى عنه والقمي متكئا أي اترجة كأنه قرأ باسكان التاء وحذف الهمزة وآتت أعطت كل واحدة منهن سكينا. القمي بعثت إلى كل أمرأة رئيسة فجمعن في منزلها وهيأت لهن مجلسا ودفعت إلى كل إمرأة أترجة وسيكنا فقالت إقطعن وقالت اخرج عليهن. القمي وكان في بيت فلما رأينه أكبرنه عظمنه وهبن حسنه الفايق. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله رأيت في السماء الثانية رجلا صورته صورة القمر ليلة البدر فقلت لجبرئيل من هذا قال هذا أخوك يوسف يعني حين أسرى به.

[ 17 ]

والقمي عن الصادق عليه السلام ما يقرب منه وقطعن أيديهن جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة وقلن حاش لله تنزيها لله من صفات العجز وتعجبا من قدرته على خلق مثله ما هذا بشرا لأن هذا الجمال غير معهود للبشر إن هذا إلا ملك كريم لأن جماله فوق جمال البشر ولأن الجمع بين الجمال الرايق والكمال الفايق والعصمة البالغة من خواص الملائكة. (32) قالت فذلكن الذى لمتننى فيه أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في الأفتتان به قبل أن تتصورنه حق تصوره ولو تصورتن بما عاينتن لعذرتنني ولقد راودته عن نفسه فاستعصم فامتنع طالبا للعصمة أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها كي يعاونها على إلانة عريكته ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين الأذلاء. (33) قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني (1) إليه أي آثر عندي من مواتاتها (2) نظرا إلى العاقبة وإسناد الدعوة إليهن جميعا لأنهن خوفنه عن مخالفتها وزين له مطاوعتها. والقمي فما أمسى يوسف في ذلك البيت حتى بعثت إليه كل إمرأة تدعوه إلى نفسها فضجر يوسف في ذلك البيت فقال رب السجن أحب إلي الاية وإلا تصرف عنى وإن لم تصرف عني كيدهن في تحبيب ذلك إلي وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة أصب إليهن أمل إلى إجابتهن أو إلى أنفسهن بطبعي ومقتضى شهوتي والصبو الميل إلى الهوى وأكن من الجهلين من السفهاء بإرتكاب ما يدعونني إليه (34) فاستجاب له ربه فأجاب (3) الله دعائه الذي تضمنه قوله وإلا تصرف


1 - في الحديث المؤمن لين العريكة الطبيعة يقال فلان لين العريكة إذا كان سلسا مطواعا منقادا قليل الخلاف والنفور ولانت عريكته إذا انكسرت نخوته م‍ 2 - المواتاة حسن المطاوعة والموافقة واصله الهمزة وخففت وكثر حتى صار يقال بالواو الخالصة م‍ 3 - فان قيل ما معنى سؤال يوسف اللطف من الله وهو عالم بان الله يفعله لا محالة فالجواب انه يجوز ان يتعلق المصلحة بالالطاف عند الدعاء المجدد ومتى قيل كيف علن انه لولا اللطف لركب الفاحشة وإذا وجد اللطف امتنع قلنا لما = (*)

[ 18 ]

عنى فصرف عنه كيدهن فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان إنه هو السميع لدعاء الملتجئين إليه العليم بأحوالهم وما يصلحهم. في العلل عن السجاد عليه السلام وكان يوسف عليه السلام من أجمل أهل زمانه فلماراهق يوسف عليه السلام راودته إمرأة الملك عن نفسه فقال لها معاذ الله أنا من أهل بيت لا يزنون فغلقت الأبواب عليها وعليه وقالت لا تخف وألقت نفسها عليه فأفلت (1) منها هاربا إلى الباب ففتحه فلحقته فجذبت قميصه من خلفه فأخرجته منه فأفلت منها يوسف عليه السلام منها في ثيابه وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال فهم الملك بيوسف ليعذبه فقال له يوسف وآله يعقوب ما أردت بأهلك سوءا بل هي راودتني عن نفسي فسل هذا الصبي أينا راود صاحبه عن نفسه قال وكان عندها صبي من أهلها زاير لها فأنطق الله الصبي لفصل القضاء فقال أيها الملك انظر إلى قميص يوسف فإن كان مقدودا من قدامه فهو الذي راودها وإن كان مقدودا من خلفه فهي التي راودته فلما سمع الملك كلام الصبي وما اقتص أفزعه ذلك فزعا شديدا فجيئ بالقميص فنظر إليه فلما رآه مقدودامن خلفه قال لها إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم وقال ليوسف أعرض عن هذا ولا يسمعه منك أحد وأكتمه قال فلم يكتمه يوسف وأذاعه في المدينة حتى قلن نسوة منهن امرأت العزيز ترود فتيها عن نفسه فبلغها ذلك فارسلت إليهن وهيأت لهن طعاما ومجلسا ثم أتتهن بأترج وأتت كل واحدة منهن سكينا ثم قالت ليوسف أخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ما قلن فقالت لهن هذا الذي لمتنني فيه تعني في حبه وخرجن النسوة من عندها فأرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا من صواحبها تسأله الزيارة فأبى


= وجد في نفسه من الشهوة وعلم أنه لولا لطف الله لارتكب القبيح وعلم ان الله سبحانه يعصم انبيائه بالالطاف وان من لا يكون له لطف لا يبعثه الله نبيا م‍ ن 1 - التقلت والافلات التخلص يقال افلت الطائر وغيره افلاتا إذا تخلص وفلت الطائر فلتا من باب ضرب لغة م‍ (*)

[ 19 ]

عليهن وقال إلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجهلين فصرف الله عنه كيدهن. (35) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الاءيت من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف ليسجننه حتى حين (1) وذلك لأنها خدعت زوجها وحملته على سجنه زمانا حتى تبصر ما يكون منه أو يحسب الناس أنه المجرم. القمي عن الباقر عليه السلام الايات شهادة الصبي والقميص المخرق من دبر واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب فلما عصاها لم تزل مولعة بزوجها حتى حبسه. وعن الرضا عليه السلام قال السجان ليوسف إني لأحبك فقال يوسف ما أصابني إلا من الحب إن كانت خالتي أحبتني سرقتني (2) وإن كان أبي أحبني حسدني إخوتي وإن كانت إمرأة العزيز أحبتني حبستني والعياشي مثله إلا أنه ذكر العمة مكان الخالة. وزاد القمي وشكا في السجن إلى الله فقال يا رب بما استحققت السجن فأوحى الله إليه أنت إخترته حين قلت رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه هلا قلت العافية أحب إلي مما يدعونني إليه. في الخصال عن الصادق عليه السلام البكاؤن خمسة إلى أن قال وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا له إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل فصالحهم على واحد منهما. والعياشي عنه عليه السلام ما بكى أحد بكاء ثلاثة إلى قوله وأما يوسف فإنه كان يبكى على أبيه يعقوب وهو في السجن فصالحهم على أن يبكي يوما ويسكت يوما.


1 - قيل الى سبع سنين وقيل الى وقت يتسع حديث المرأة معه وينقطع فيه عن الناس خبره م‍ ن 2 - سرقه اي نسبه الى السرقة ص (*)

[ 20 ]

وفي الكافي عنه عليه السلام جاء جبرئيل الى يوسف عليه السلام وهو في السجن فقال له يا يوسف قل في دبر كل صلاة اللهم اجعل لي فرجا ومخرجا وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب وفي المجمع عنه عليه السلام ما في معنى الروايتين. (36) ودخل معه السجن فتيان. القمي عبدان للملك أحدهما خباز والاخر صاحب الشراب قال أحدهما إنى أرانى أي أرى في المنام وهي حكاية حال ماضية أعصر خمرا أي عنبا سماه بما يؤول إليه وقال الاخر إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه العياشي عن الصادق عليه السلام قال أحمل فوق رأسي جفنة فيها خبز تأكل الطير منه نبئنا بتأويله العياشي عن الصادق عليه السلام لما أمر الملك بحبس يوسف في السجن ألهمه الله تعالى علم تأويل الرؤيا فكان يعبر لأهل السجن رؤياهم وإن فتيين أدخلا معه السجن يوم حبسه لما باتا أصبحا فقالا له إنا رأينا رؤيا فعبرها لنا فقال وما رأيتما فقال أحدهما إنى أريني الاية إنا نريك من المحسنين. في الكافي عن الصادق عليه السلام كان يوسع المجلس ويستقرض للمحتاج ويعين الضعيف. والقمي عنه عليه السلام كان يقوم على المريض ويلتمس للمحتاج ويوسع على المحبوس وقيل ممن يحسن تأويل الرؤيا أي يعلمه. (37) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألا عنه كما هو طريقة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام في الهداية والأرشاد فقدم ما يكون معجزة له من الأخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير ذلكما أي ذلك التأويل مما علمني ربى بالألهام والوحي وليس من قبيل التكهن والتنجم إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون.

[ 21 ]

(38) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب تعليل لما قبله وتمهيد للدعوة وإظهار أنه من أهل بيت النبوة لتقوى رغبتهما في الأستماع إليه والوثوق عليه ما كان لنا ما صح لنا معشر الأنبياء أن نشرك بالله من شئ أي شئ كان ذلك أي التوحيد من فضل الله علينا بالوحي وعلى الناس وعلى سائر الناس ببعثنا لأرشادهم وتنبيههم عليه ولكن أكثر الناس المبعوث إليهم لا يشكرون هذا الفضل والنعمة فيعرضون عنه ولا ينتهون. (39) يصحبى السجن يا ساكنيه أو يا صاحبي فيه كقولهم يا سارق الليلة ء أرباب متفرقون شتى متعددة متساوية الأقدام خير أم الله الوحد المتوحد بالألوهية القهار الغالب الذي لا يعادله شئ ولا يقاومه غيره. (40) ما تعبدون من دونه خطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان يعني الاشياء سميتموها آلهة من غير حجة تدل على استحقاقها الألهية وإنما تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة إن الحكم في أمر العبادة إلا لله لأنه المستحق لها بالذات أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم الحق ولكن أكثر الناس لا يعلمون فيخبطون في جهالاتهم. (41) يصحبى السجن أما أحدكما يعني صاحب الشراب فيسقى ربه خمرا كما يسقيه قبل. القمي قال له يوسف عليه السلام تخرج من السجن وتصير على شراب الملك وترتفع منزلتك عنده وأما الاخر يعني الخباز فيصلب فتأكل الطير من رأسه القمي ولم يكن رأى ذلك وكذب فقال له يوسف إنك يقتلك الملك ويصلبك وتأكل الطير من دماغك فجحد الرجل فقال إني لم أر ذلك فقال يوسف عليه السلام قضى الامر الذى


1 - وفي هذا دلالة على انه كان يقول ذلك على جهة الاخبار عن الغيب بما يوحى إليه لا كما يعبر احدنا الرؤيا على جهة التأويل م‍ ن (*)

[ 22 ]

فيه تستفتيان وهوما يؤول إليه أمركما يعني قطع وفرغ منه صدقتما أوكذبتما. (42) وقال للذى ظن أنه ناج منهما علم نجاته اذكرني عند ربك اذكر حالي عند الملك وإني حبست ظلما لكي يخلصني من السجن فأنسه الشيطان ذكر ربه قيل فأنسى الشيطان صاحب الشراب أن يذكره لربه أوأنسى يوسف ذكر الله حتى استعان بغيره فلبث في السجن بضع سنين. العياشي عن الصادق عليه السلام قال سبع سنين. وعنه عليه السلام لم يفزع يوسف في حاله إلى الله فيدعوه فلذلك قال الله تعالى فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين قال فأوحى الله إلى يوسف في ساعته تلك يا يوسف من أراك الرؤيا التي رأيتها فقال أنت يا ربي قال فمن حببك إلى أبيك قال أنت يا ربي قال فمن وجه السيارة إليك فقال أنت يا رب قال فمن علمك الدعاء الذي دعوت به حتى جعل لك من الجب فرجا قال أنت يا ربي قال فمن جعل لك من كيد المرأة مخرجا قال أنت يا ربي قال فمن أنطق لسان الصبي بعذرك قال أنت يا ربي قال فمن صرف كيد امرأة العزيز والنسوة قال أنت يا ربي قال فمن ألهمك تأويل الرؤيا قال أنت يا ربي قال فكيف استعنت بغيري ولم تستعن بي وتسألني أن اخرجك من السجن واستعنت وأملت عبدا من عبادي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي في قبضتي ولم تفزع إلي البث في السجن بذنبك بضع سنين بإرسالك عبدا إلى عبد. وفي رواية اخرى عنه عليه السلام اقتصر على بعضها وزاد في كل مرة فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال أنت يا رب. والقمي مثله وفي رواية اخرى عنه عليه السلام فقال يوسف أسألك بحق آبائي عليك إلا فرجت عني فأوحى الله إليه يا يوسف وأي حق لابائك وأجدادك علي إن كان أبوك آدم خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي وأسكنته جنتي وأمرته أن لا يقرب شجرة منها فعصاني وسألني فتبت عليه وإن كان أبوك نوح انتجبته من بين خلقي

[ 23 ]

وجعلته رسولا إليهم فلما عصوا دعاني فاستجبت له وغرقتهم وأنجيته ومن معه في الفلك وإن كان أبوك ابراهيم اتخذته خليلا وانجيته من النار وجلعتها عليه بردا وسلاما وإن كان يعقوب وهبت له إثني عشر ولدا فغيبت عنه واحدا فما زال يبكي حتى ذهب بصره وقعد على الطريق يشكوني إلى خلقي فأي حق لابائك علي قال فقال له جبرئيل قل يا يوسف أسألك بمنك العظيم واحسانك القديم فقالها فرأى الملك الرؤيا وكان فرجه فيها. وفي المجمع والقمي والعياشي عنه عليه السلام لما انقضت المدة وأذن الله له في دعاء الفرج وضع خده على الأرض ثم قال اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بوجوه آبائي الصالحين إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب ففرج الله عنه، قيل أندعو نحن بهذا الدعاء قال ادعوا بمثله اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام. (43) وقال الملك إنى أرى سبع بقرت سمان يأكلهن سبع عجاف (1) وسبع سنبلت في المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه قرأ وسبع سنابل خضر وأخر يابست وسبع يابسات التوت على الخضر حتى غلبن عليها واستغنى عن بيان حالها بذكر حال البقرات يا أيها الملاء أفتوني في رؤياي عبروها إن كنتم للرؤيا تعبرون إن كنتم عالمين بتأويلها. (44) قالوا أضغث أحلام أي هذه اضغاث أحلام وهي مخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من وسوسة أو حديث نفس جمع ضغث (2) وأصله ما جمع من أخلاط النبات وحزم فاستعير للرؤيا الكاذبة. في الكافي عن الصادق عليه السلام الرؤيا على ثلاثة وجوه بشارة من الله


1 - العجف محركة ذهاب السمن وهو اعجف وهي عجفاء ج عجاف شاذ لان افعل افعل وفعلاء لا يجمع على فعال لكنهم بنوه على سمان لانهم قد يبنون الشئ على ضده كقولهم عدوة لمكان صديقة وفعول بمعنى فاعل لا يدخله الهاء وقد عجف كفرح وكرم ق 2 - الضغث بالكسر والفتح قبضة الحشيش المختلطة رطبها ويابسها واضغاث احلام مثل اضغاث الحشيش يجمعها فيكون منها ضروب مجتمعة م‍ (*)

[ 24 ]

للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعلمين يعنون الأحلام الباطلة خاصة إعتذارا لجهلهم بتأويله بأنه مما ليس له تأويل (45) وقال الذى نجا منهما من صاحبي السجن وهو الشرابي وادكر بعد أمة وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة أي مدة طويلة. القمي عن أمير المؤمنين عليه السلام أي بعد وقت أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون أي إلى من عنده علمه. (46) يوسف أيها الصديق أي فأرسلوه إلى يوسف فأتاه وقال له يا يوسف أيها الصديق أيها البليغ في الصدق وإنما قاله لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات أي في رؤيا ذلك لعلى أرجع إلى الناس أعود إلى الملك ومن عنده لعلهم يعلمون تأويلها أو مكانك وفضلك. (47) قال تزرعون سبع سنين دأبا أي على عادتكم المستمرة وقرئ بسكون الهمزة فما حصدتم فذروه في سنبله لئلا تأكله السوس نصيحة خارجة عن التعبير إلا قليلا مما تأكلون في تلك السنين. (48) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن أي يأكل أهلهن ما أدخرتم لأجلهن فاسند إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام إنه قرأما قربتم لهن والقمي عنه عليه السلام إنما أنزل ما قربتم لهن إلا قليلا مما تحصنون تحرزون لبذور الزراعة. (49) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث وفيه يعصرون ما يعصر من الثمار والحبوب والزروع وقرئ بالتاء والياء على البناء للمفعول أي يمطرون أو ينجون من عصره إذا أنجاه. وفي المجمع والعياشي نسب هذه القراءة إلى الصادق عليه السلام.

[ 25 ]

وزاد العياشي أنه قال أما سمعت قوله تعالى وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا. والقمي عنه عليه السلام قرأ رجل على أمير المؤمنين عليه السلام ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون يعني على البناء للفاعل فقال ويحك وأي شئ يعصرون يعصرون الخمر قال الرجل يا أمير المؤمنين كيف أقرؤها فقال إنما انزلت عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون يعني على البناء للمفعول أي يمطرون بعد المجاعة والدليل على ذلك قوله تعالى وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا. (50) وقال الملك ائتونى به بعد ما جاءه الرسول بالتعبير فلما جاءه الرسول ليخرجه قال ارجع إلى ربك العياشي مضمرا يعني العزيز فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن تأنى في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة وفحص حاله ليظهر براءة ساحته ويعلم أنه سجن ظلما ولم يتعرض لأمرأة العزيز مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجوني من السجن ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الأجابة وبادرتهم إلى الباب وما ابتغيت العذر أنه كان لحليما ذا إناة. والعياشي عنهما عليهما السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لو كنت بمنزلة يوسف حين أرسل إليه الملك رسوله يسأله عن رؤياه ما حدثته حتى أشترط عليه أن يخرجني من السجن وتعجبت لصبره عن شأن إمرأة الملك حتى أظهر الله عذره إن ربى بكيدهن عليم استشهد بعلم الله عليه وعلى أنه بريئ مما قذفته به. (51) قال ما خطبكن قال الملك ما شأنكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله تعجبا من عفته ونزاهته عن الريبة [ الزنية خ ل ] ومن قدرة الله على خلق

[ 26 ]

عفيف مثله وقرئ حاشا ما علمنا عليه من سوء من ذنب قالت امرأت العزيز الان حصحص الحق ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى ثفناته ليناخ أو أظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهر بشرة رأسه أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين في قوله هي راودتني عن نفسي ولا مزيد على شهادة الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل. (52) ذلك التثبت ليعلم العزيز أنى لم أخنه بالغيب بظهر الغيب في حرمته قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن وان الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده وفيه تعريض بإمرأة العزيز وتأكيد لأمانته. (53) وما أبرئ نفسي أي لا انزهها تواضع لله وتنبيه على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق إن النفس لامارة بالسوء من حيث أنها بالطبع ما يلة إلى الشهوات إلا ما رحم ربى إلا وقت رحمة ربي والا ما رحمه الله من النفوس فعصمه عن ذلك ويحتمل انقطاع الاستثناء أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف السوء وربما يقال إن الايتين من تتمة كلام إمرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيب وصدقت فيما سألت عنه وما أبرئ مع ذلك من الخيانة فإني خنته حين قذفته وسجنته تريد الأعتذار مما كان فيها وهذا التفسير هو المستفاد من كلام القمي حيث قال في قوله لم أخنه بالغيب أي لا أكذب عليه الان كما كذبت عليه من قبل إن ربى غفور رحيم يغفر ميل النفس ويرحم من يشاء بالعصمة. (54) وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسي أجعله خالصا لنفسي فلما كلمه فلما أتوا به وكلمه وشاهد منه الرشد والأمانة واستدل بكلامه على عقله وبعفته على أمانته قال إنك اليوم لدينا مكين ذو مكانة ومنزلة أمين مؤتمن على كل شئ. (55) قال اجعلني على خزائن الارض ولني أمرها والأرض أرض مصر.

[ 27 ]

والقمي يعني الكناريج (1) والأنابير إنى حفيظ أحفظها من أن تجري عليها الخيانة عليم بوجوه التصرف في العلل عن الصادق عليه السلام. وفي العيون والعياشي عن الرضا عليه السلام قال حفيظ بما تحت يدي عليم بكل لسان وإنما طلب الولاية ليتوصل بها إلى إمضاء أحكام الله وبسط الحق ووضع الحقوق مواضعها. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الارض لولاه من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة. والعياشي عن الصادق عليه السلام يجوز أن يزكي الرجل نفسه إذا اضطر إليه أما سمعت قول يوسف اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظا عليم وقول العبد الصالح وأنا لكم ناصح أمين. وفي الكافي عنه عليه السلام لما صارت الأشياء ليوسف بن يعقوب عليهما السلام جعل الطعام في بيوت وأمر بعض وكلائه فكان يقول بع بكذا وكذا والسعر قائم فلما علم أنه يزيد في ذلك اليوم كره أن يجري الغلاء على لسانه فقال له إذهب وبع ولم يسم له سعرا فذهب الوكيل غير بعيد ثم رجع إليه فقال له إذهب فبع وكره أن يجري الغلاء على لسانه فذهب الوكيل فجاء أول من اكتال فلما بلغ دون ما كان بالأمس بمكيال قال المشتري حسبك إنما أردت بكذا وكذا فعلم الوكيل أنه قد غلا بمكيال ثم جاءه آخر فقال له كل لي فكال فلما بلغ دون الذي كان للأول بمكيال قال له المشتري حسبك إنما أردت بكذا وكذا فعلم الوكيل أنه قد غلا بمكيال حتى صار إلى واحد واحد. والعياشي عنه عليه السلام في حديث أن الغلاء إنما حدث بتكاذب المشترين بعضهم بعضا. وفي المجمع عن الرضا عليه السلام وأقبل يوسف على جمع الطعام فجمع في


1 - الكرنج كقرطق الحانوت أو متاع حانوت البقال ق (*)

[ 28 ]

السبع السنين المخصبة فكبسه (1) في الخزائن فلما مضت تلك السنون وأقبلت السنون المجدبة (2) أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلا صار في ملكية يوسف وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا جوهر إلا صار في ملكية يوسف وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها دابة ولا ماشية إلا صارت في ملكية يوسف وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والأماء حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا أمة إلا صار في ملكية يوسف وباعهم في السنة الخامسة بالدور والعقار حتى لم يبق بمصر وما حولها دار ولا عقار حتى صار في ملكية يوسف وباعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة حتى صار في ملكية يوسف وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حر حتى صار عبد يوسف فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم وقال الناس ما رأينا وما سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطى هذا الملك حكما وعلما وتدبيرا ثم قال يوسف للملك أيها الملك ما ترى فيما خولني ربي من ملك مصر وأهلها أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم ولم أنجهم من البلاء لأكون وبالا عليهم ولكن الله نجاهم على يدي قال له الملك الرأي رأيك قال يوسف إني أشهد الله واشهدك أيها الملك إني قد اعتقت أهل مصر كلهم ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم ورددت عليك أيها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على أن لا تسير إلا بسيرتي ولا تحكم إلا بحكمي قال له الملك إن ذلك لشرفي وفخري ألا أسير إلا بسيرتك ولا أحكم إلا بحكمك ولولاك ما قويت عليه ولا اهتديت له ولقد جعلت سلطاني عزيزا ما يرام وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسوله فأقم على ما وليتك فإنك لدينا مكين أمين (56) وكذلك ومثل ذلك التمكين الظاهر مكنا ليوسف في الارض أرض مصر


1 - كبس البئر والنهر يكبسهما طمهما بالتراب وذلك التراب كبس بالكسر ورأسه في ثوبه اخفاه وادخله فيه ق 2 - روي ان يوسف عليه السلام كان لا يمتلي شبعا من الطعام في تلك الايام المجدبة فقيل له تجوع وبيدك خزائن الارض فقال عليه السلام أخاف أن أشبع فأنسى الجياع (*)

[ 29 ]

العياشي عن الباقر عليه السلام ملك يوسف مصر وبراريها لم يتجاوزها إلى غيرها ويأتي فيه حديث آخر يتبوأ منها حيث يشآء ينزل من بلادها حيث يهوى لاستيلائه على جميعها وقرئ نشاء بالنون نصيب برحمتنا من نشاء في الدنيا والاخرة ولا نضيع أجر المحسنين بل نوفي أجورهم عاجلا وآجلا. (57) ولاجر الاخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون الشرك والفواحش لعظمه ودوامه. (58) وجاء إخوة يوسف للميرة (1) وذلك لأنه أصاب كنعان ما أصاب سائر البلاد من الجدب فأرسل يعقوب بنيه غير بنيامين إليه فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون أي عرفهم يوسف لأن همته كانت معقودة بهم ولم يعرفوه لطول العهد (2) ومفارقتهم إياه في سن الحداثة ونسيانهم إياه وتوهمهم أنه هلك وبعد حاله التي رأوه عليها من حاله حيث فارقوه وقلة تأملهم في حلاه (3) من التهيب والاستعظام. العياشي عن الباقر عليه السلام ولم يعرفه إخوته لهيبة الملك وعزه. القمي أمر يوسف أن يبني له كناريج من صخر وطينها بالكلس (4) ثم أمر بزرع مصر فحصدت ودفع إلى كل إنسان حصتة وترك في سنبله لم يدسه فوضعها في الكناريج ففعل ذلك سبع سنين فلما جاءت سنوات الجدب كان يخرج السنبل فيبيع بما شاء وكان بينه وبين أبيه ثمانية عشر يوما وكان في بادية وكان الناس من الافاق يخرجون إلى مصر ليمتاروا به طعاما وكان يعقوب وولده نزولا في بادية فيها مقل (5) فأخذ إخوة يوسف


1 - يقال فلان يمير اهله إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلدهم من الميرة بالكسر فالسكون طعام يمتاره الانسان اي يجلبه من بلد الى بلد ومارهم ميرة من باب باع بالميرة والميتار جالب الميرة م‍ 2 - قيل كان بين ان قذفوه في الجب وبين ان دخلوا عليه أربعين سنة فلذلك أنكروه لانهم رأوه جالسا على السرير وعليه ثياب الملوك ولم يكن يخطر ببالهم انه يصير الى تلك الحالة وكان يوسف ينتظر قدومهم عليه فكان اثبت لهم 3 - الحلية بالكسر الخلقة والصورة والصفة 4 - الكلس بالكسر الصاروج ق الصاروج النورة وأخلاطها معرب وصرج الحوض تصريجا ق 5 - المقل بالضم الكندر الذي يتدخن به اليهود وهو صمغ شجرة ومنه هندي وعربي وصقلي والكل نافع للسعال ونهش الهوام والبواسير وتنقية الرحم اه ق (*)

[ 30 ]

من ذلك المقل وحملوه إلى مصر ليمتاروا به طعاما وكان يوسف يتولى البيع بنفسه فلما دخل إخوته عليه عرفهم ولم يعرفوه كما حكى الله عز وجل. والعياشي عن الباقر عليه السلام لما فقد يعقوب يوسف اشتد حزنه عليه وبكاؤه حتى ابيضت عيناه من الحزن واحتاج حاجة شديدة وتغيرت حاله وكان يمتار القمح من مصر في السنة مرتين الشتاء والصيف وأنه بعث عدة من ولده ببضاعة يسيرة إلى مصر مع رفقة خرجت الحديث. (59) ولما جهزهم بجهازهم أصلحهم بعدتهم وأوقر ركايبهم بما جاؤوا لأجله وأصل الجهاز ما يعد من الأمتعة قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم. القمي أحسن لهم في الكيل وقال لهم من أنتم قالوا نحن بنو يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم خليل الله الذي ألقاه نمرود في النار فلم يحترق فجعلها الله عليها بردا وسلاما قال فما فعل أبوكم قالوا شيخ ضعيف قال فلكم أخ غيركم قالوا لنا أخ من أبينا لا من أمنا قال فإذا رجعتم إلي فأتوني به. والعياشي عن الباقر عليه السلام قال لهم يوسف قد بلغني أن لكم أخوين من أبيكم فما فعلا قالوا أما الكبير منهما فإن الذئب أكله وأما الصغير فخلفناه عند أبيه وهو به ضنين وعليه شفيق قال فإني أحب أن تأتوني به معكم إذا جئتم تمتارون ألا ترون أنى أوف الكيل أتمه ولا أبخس أحدا شيئا وأنا خير المنزلين المضيفين وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم. (60) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ولا تدخلوا دياري نهي أو نفي. (61) قالوا سنراود عنه أباه سنجتهد في طلبه من أبيه وإنا لفعلون ذلك لا نتوانى فيه. (62) وقال لفتيانه لغلمانه الكيالين وقرئ لفتيته اجعلوا بضاعتهم يعني ثمن

[ 31 ]

طعامهم وما كانوا جاؤوا به في رحالهم في أوعيتهم وإنما فعل ذلك توسيعا وتفضلا عليهم وترفعا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به لعلهم يعرفونها لعلهم يعرفون حق ردها والتكرم باعطاء بدلين إذا انقلبوا إلى أهلهم وفتحوا أوعيتهم لعلهم يرجعون لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع (63) فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل أرادوا قول يوسف فلا كيل لكم عندي لأنه إذا أعلمهم بمنع الكيل إذ لم يذهبوا ببنيامين فقد منعهم الكيل حينئذ فأرسل معنا أخانا نكتل نرفع المانع من كيل ما نحتاج إليه من الطعام وقرئ يكتل بالياء أي يكتل أخونا لينضم إكتياله إلى إكتيا لنا وإنا له لحافظون عن أن يناله مكروه. (64) قال هل آمنكم عليه أي لا آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه يوسف من قبل وقد قلتم فيه إنا له لحافظون ثم لم تفوا بضمانكم فالله خير حافظا فأتوكل على الله وافوض أمري إليه وهو أرحم الرحمين يرحم ضعفي وكبر سني فيحفظه ويرده علي ولا يجمع علي مصيبتين. في المجمع في الخبر أن الله سبحانه قال فبعزتي لأردنهما إليك بعد ما توكلت علي (65) ولما فتحوا متاعهم أي أوعية متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغى ماذا نطلب هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا أو المعنى لا نطلب وراء ذلك إحسانا أو ما نريد منك بضاعة أخرى هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا فنستظهر بها ونمير أهلنا بالرجوع إلى الملك ونحفظ أخانا عن المخاوف في ذهابنا وإيابنا ونزداد كيل بعير وسق بعير باستصحاب أخينا ذلك كيل يسير أي مكيل قليل لا يكفينا استقلوا ما كيل لهم فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم أو أرادوا أن كيل بعير يسير لا يضايقنا فيه الملك. (66) قال لن أرسله معكم إذ رأيت منكم ما رأيت حتى تؤتون موثقا من

[ 32 ]

الله حتى تعطوني [ تؤتوني خ ل ] ما أتوثق به من عند الله أي عهدا مؤكدا بذكر الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعا فلما أتوه موثقهم عهدهم قال الله على ما نقول وكيل رقيب مطلع إن أخلفتم أنتصف لي منكم. (67) وقال يبنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة لأنهم كانوا ذوي جمال وبهاء وهيئة حسنة وقد شهروا في مصر بالقربة من الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم فخاف عليهم العين وما أغنى عنكم من الله من شئ يعني وإن أراد الله بكم سوء لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة فإن الحذر لا يمنع القدرإن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون. (68) ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم أي من أبواب متفرقة ما كان يغنى عنهم رأي يعقوب واتباعه من الله من شئ مما قضيناه عليهم كما قاله يعقوب فسرقوا وأخذ بنيامين وتضاعفت المصيبة على يعقوب إلا حاجة في نفس يعقوب استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا قضاها أظهرها ووصى بها وإنه لذو علم لما علمناه لذو يقين ومعرفة بالله من أجل تعليمنا إياه ولذلك قال ما أغني عنكم من الله من شئ ولم يغتر بتدبيره ولكن أكثر الناس لا يعلمون سر القدر وأنه لا يغني عنه الحذر. (69) ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ضم إليه بنيامين قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس فلا تحزن من البؤس بما كانوا يعملون في حقنا فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا. في المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام وقد كان هيأ لهم طعاما فلما دخلوا عليه قال ليجلس كل بني ام على مائدة قال فجلسوا وبقي بنيامين قائما فقال له يوسف مالك لا تجلس قال له إنك قلت ليجلس كل بني ام على مائدة وليس لي

[ 33 ]

فيهم ابن ام فقال أما كان لك ابن ام قال له بنيامين بلى قال يوسف فما فعل قال زعم هؤلاء إن الذئب أكله قال فما بلغ من حزنك عليه قال ولد لي أحد عشر ابنا كلهم اشتققت له اسما من إسمه فقال له يوسف أراك قد عانقت النساء وشممت الولد من بعده قال له بنيامين إن لي أبا صالحا وإنه قال تزوج لعل الله أن يخرج منك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فقال له تعال فاجلس معي على مائدتي فقال إخوة يوسف لقد فضل الله يوسف وأخاه حتى أن الملك قد أجلسه معه على مائدته وفي رواية اخرى أنه حين أجلسه معه على المائدة تركوا الأكل وقالوا إنا نريد أمرا ويأبى الله إلا أن يرفع ولد ياميل علينا. والقمي فخرجوا وخرج معهم بنيامين وكان لا يؤاكلهم ولا يجالسهم ولا يكلمهم فلما وافوا مصر دخلوا على يوسف وسلموا فنظر يوسف إلى أخيه فعرفه فجلس منهم بالبعيد فقال يوسف أنت أخوهم قال نعم قال فلم لا تجلس معهم قال لأنهم أخرجوا أخي من امي وأبي ثم رجعوا ولم يردوه وزعموا أن الذئب أكله فآليت على نفسي أن لا اجتمع معهم على أمر ما دمت حيا قال فهل تزوجت قال بلى قال فولد لك ولد قال بلى قال كم ولد لك قال ثلاثة بنين قال فما سميتهم قال سميت واحدا منهم الذئب وواحدا القميص وواحدا الدم قال وكيف اخترت هذه الأسماء قال لئلا أنسى أخي كلما دعوت واحدا من ولدي ذكرت أخي قال لهم يوسف اخرجوا وحبس بنيامين فلما خرجوا من عنده قال يوسف لأخيه أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما كانوا يعملون ثم قال له أنا احب أن تكون عندي فقال لا يدعوني إخوتي فإن أبي قد أخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن يردوني إليه قال أنا أحتال بحيلة فلا تنكر إذا رأيت شيئا ولا تخبرهم فقال لا. (70) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية المشربة في رحل أخيه ثم أذن مؤذن نادى مناد أيتها العير أي القافلة وهي إسم الأبل التي عليها الأحمال فقيل لأصحابها. القمي معناه يا أهل العير ومثله قولهم لأبيهم واسأل القرية التى كنا فيها

[ 34 ]

والعير التى أقبلنا فيهاإنكم لسارقون القمي عن الصادق عليه السلام ما سرقوا وما كذب يوسف فإنما عنى سرقتهم يوسف من أبيه. وفي الكافي عنه عليه السلام قال يوسف إرادة الأصلاح وعنه عليه السلام الكلام ثلاثة صدق وكذب وإصلاح بين الناس. وعنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا كذب على مصلح ثم تلا أيتها العير إنكم لسارقون ثم قال والله ما سرقوا وما كذب وعن الباقر عليه السلام والله ما كانوا سارقين وما كذب. وزاد في العلل والعياشي ألا ترى قال لهم حين قالوا ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولم يقولوا سرقتم صواع الملك إنما عنى سرقتم يوسف من أبيه. (71) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون أي شئ ضاع منكم. (72) قالوا نفقد صواع الملك يعني صاعه المعبر عنه آنفا بالسقاية لأنه كان مشربته أيضا. العياشي عن الباقر عليه السلام قال صواع الملك الطاس الذي يشرب منه. وعن الصادق عليه السلام كان قدحا من ذهب وكان صواع يوسف إذا كيل كيل به. والقمي وكان الصاع الذي يكيلون به من ذهب فجعلوه في رحله من حيث لم يقف عليه إخوته ولمن جاء به حمل بعير من الطعام جعلا له وأنا به زعيم كفيل اؤديه إلى من رده. (73) قالوا تالله قسم فيه معنى التعجب لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما ثبت عندهم دلائل دينهم وأمانتهم وحسن سيرتهم ومعاملتهم معهم مرة بعد اخرى. (74) قالوا فما جزاؤه فما جزاء السرق أو السارق أو الصواع بمعنى سرقته

[ 35 ]

بحذف المضاف إن كنتم كاذبين في إدعائكم البراءة منه. (75) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله واسترقاقه وهكذا كان شرع يعقوب. القمي من وجد في رحله فأحبسه. والعياشي عن الصادق عليه السلام يعنون السنة التي كانت تجري فيهم أن يحبسه كذلك نجزي الظالمين بالسرقة. (76) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين دفعا للتهمة ثم استخرجها أي السقاية من وعاء أخيه. القمي فتشبثوا بأخيه فحبسوه كذلك مثل هذا الكيد كدنا ليوسف بأن علمناه إياه ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ملك مصر لأن حكم السارق في دينه أن يضرب ويغرم لا أن يستعبد إلا أن يشآء الله أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك نرفع درجات من نشاء بالعلم كما رفعنا درجة يوسف فيه وفوق كل ذى علم عليم أرفع درجة منه في علمه. (77) قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. القمي يعنون يوسف. والعياشي عن الرضا عليه السلام يعنون المنطقة وعنه عليه السلام قال كانت لأسحق النبي عليه السلام منطقة يتوارثها الأنبياء والأكابر وكانت عند عمة يوسف وكان يوسف عندها وكانت تحبه فبعث إليها أبوه أن أبعثيه إلى وأرده إليك فبعثت إليه أن دعه عندي الليلة أشمه ثم أرسله إليك غدوة فلما أصبحت أخذت المنطقة فربطتها في حقوه (1) وألبسته قميصا وبعثت به إليه وقالت سرقت المنطقة فوجدت عليه وكان إذا سرق


1 - الحقو بفتح المهملة وسكون القاف موضع شد الازار وهو الخاصرة ثم توسعوا حتى سموا الازار الذي يشد على العورة حقوا والجمع حق وحقي فلس وفلسى وفلوس م‍ (*)

[ 36 ]

أحد في ذلك الزمان دفع به إلى صاحب السرقة فأخذته فكان عندها. وفي العيون والقمي والعياشي أيضا عنه عليه السلام في معناه ما يقرب منه وكذا في الخرائج عن أبي محمد عليه السلام ببيان أبسط وفي آخره فقال لها يعقوب فإنه عبدك على أن لا تبيعية ولا تهبيه قالت فأنا أقبله على أن لا تأخذه مني وأعتقه الساعة فأعطاها إياه أعتقته فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم أكنها ولم يظهرها لهم قال في نفسه أنتم شر مكانا منزلة في سرقتكم أخاكم وسوء صنيعكم به والله أعلم بما تصفون وهو يعلم أن الأمر ليس كما تصفون وأنه لم يسرق. (78) قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا في السن أو القدر وذكروا له حاله إستعطافا له عليه فخذ أحدنا مكانه بدله فإن أباه ثكلان (1) على أخيه الهالك مستأنس به إنا نريك من المحسنين عادتك الأحسان. العياشي عن الباقر عليه السلام نراك من المحسنين إن فعلت. (79) قال معاذ الله نعوذ بالله معاذا أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده أخذ غيره ظلم على فتواكم فلو أخذ أحدكم مكانه إنا إذا لظالمون عندكم هذا ظاهر كلامه وباطنه أنه تعالى أمرني بأخذ بنيامين واحتباسه لمصالح علمها في ذلك فلو أخذت غيره كنت ظالما عاملا بخلاف ما أمرت به. القمي قال إلا من وجدنا متاعنا عنده ولم يقل إلا من سرق متاعنا قال فاجتمعوا إلى يوسف عليه السلام وكانوا يجادلونه في حبسه وكانوا إذا غضبوا خرج من ثيابهم شعر وتقطر من رؤوسها دم أصفر وهم يقولون له خذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين فاطلق عن هذا. والعياشي عن الصادق عليه السلام ما يقرب منه.


1 - الثكل بالضم الموت والهلاك وفقدان الولد أو الحبيب ويحرك وقد ثكله كفرح وهو ثاكل وثكلان وهي ثاكل وثكلانة قليلة وثكول وثكلى ق (*)

[ 37 ]

(80) فلما استيئسوا منه يئسوا من يوسف وإجابته إياهم وزيادة السين والتاء للمبالغة خلصوا انفردوا واعتزلوا نجيا متناجين قال كبيرهم. العياشي عن الصادق عليه السلام قال لهم يهودا وكان أكبرهم. والقمي قال لهم لاوي ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله عهدا وثيقا ومن قبل ومن قبل هذا ما فرطتم في يوسف قصرتم في شأنه فلن أبرح الارض فلن افارق أرض مصر حتى يأذن لى أبى في الرجوع إليه أو يحكم الله لى أو يقضي الله لي بالخروج وهو خير الحاكمين لأنه لا يحكم إلا بالحق العياشي عن الصادق عليه السلام. والقمي قال فرجع إخوة يوسف إلى أبيهم وتخلف يهودا فدخل على يوسف يكلمه في أخيه حتى ارتفع الكلام بينهما حتى غضب يهودا وكان على كتفه شعرة إذا غضب قامت الشعرة فلا تزال تقذف بالدم حتى يمسه بعض ولد يعقوب قال وكان بين يدي يوسف ابن له صغير في يده رمانة من ذهب يلعب بها فلما رآه يوسف قد غضب وقامت الشعرة تقذف بالدم أخذ الرمانة من يد الصبي ثم دحرجها نحو يهودا وتبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا فذهب غضبه قال فارتاب يهودا ورجع الصبي بالرمانة إلى يوسف ثم عاد يهودا إلى يوسف فكلمه في أخيه حتى ارتفع الكلام بينهما حتى غضب يهودا وقامت الشعرة فجعلت تقذف بالدم فلما رأى ذلك يوسف دحرج الرمانة نحو يهودا وتبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا فسكن غضبه قال فقال يهودا إن في البيت معنا لبعض ولد يعقوب حتى صنع ذلك ثلاث مرات. (81) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق على ما شاهدنا من ظاهر الامر وما شهدنا عليه إلا بما علمنا بأن رأينا أن الصواع استخرج من وعائه وما كنا للغيب لباطن الحال حافظين فلا ندري أنه سرق أو دس الصاع في رحله. (82) واسأل القرية التى كنا فيها أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصة

[ 38 ]

والعير التى أقبلنا فيها وأصحاب العير التي توجهنا فيهم وكنا معهم وإنا لصادقون تأكيد في محل القسم. (83) قال بل سولت يعني فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم قال بل سولت أي زينت وسهلت لكم أنفسكم أمرا أردتموه لتعليمكم إياه إن السارق يؤخذ بسرقته فصبر جميل فأمري صبر جميل لا شكوى فيه إلى الناس عسى الله أن يأتيني بهم جميعا بيوسف وبنيامين ويهودا إنه هو العليم بحالي وحالهم الحكيم في تدبيرها. (84) وتولى عنهم وأعرض عنهم وقال يا أسفي على يوسف تعال فهذا أوانك والأسف أشد الحزن والحسرة والألف بدل من ياء المتكلم تأسفه على يوسف دون غيره دليل على أنه لم يقع فايت عنده موقعه وإن مصابه به كان عنده غضا طريا مع طول العهد. العياشي والقمي عن الصادق عليه السلام إنه سئل ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف قال حزن سبعين ثكلى بأولادها وزاد العياشي قيل له كيف يحزن يعقوب على يوسف وقد أخبره جبرئيل أنه لم يمت وأنه سيرجع إليه فقال له إنه نسى ذلك وزاد القمي وإن يعقوب لم يعرف الاسترجاع فمن هنا قال وا أسفي على يوسف وفي الحديث النبوي لم يعط امة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصاب لم يسترجع وقال يا أسفي الاية وابيضت عيناه من الحزن لكثرة بكائه من الحزن وكان العبرة محقت سوادها. والقمي يعني عميت من البكاء فهو كظيم مملو من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه ولا يظهره (85) قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف أي لا تفتؤ ولا تزال تذكره تفجعا عليه حذف لا لعدم الألتباس بالاثبات حتى تكون حرضا مريضا من الهم مشفيا على

[ 39 ]

الهلاك أو تكون من الهلكين الميتين. في الخصال عن الصادق عليه السلام البكاؤون خمسة إلى أن قال وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره حتى قيل له تا لله تفتؤا الاية. (86) قال إنما أشكوا بثي وحزني همي الذي لا أقدر الصبر عليه إلى الله لا إلى غيره فخلوني وشكايتي وأعلم من الله من صنعه ورحمته ما لا تعلمون وحسن ظني به أن يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب. في الكافي عن الصادق عليه السلام إن يعقوب عليه السلام لما ذهب عنه بنيامين نادى يا رب أما ترحمني أذهبت عيني وأذهبت ابني فأوحى الله تعالى لو أمتهما لأحييتهما لك حتى أجمع بينك وبينهما ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها وشويتها وأكلت وفلان وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا. (87) يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه تفحصوا من حالهما وتطلبوا خبرهما ولا تيأسوا من روح الله لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه ورحمته إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكفرون لأن المؤمن من الله على خير يرجوه عند البلاء ويشكره في الرخاء. في الكافي والعلل والعياشي والقمي عن الباقر عليه السلام إنه سئل أن يعقوب حين قال لولده اذهبوا فتحسسوا من يوسف أكان علم أنه حي وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه من الحزن قال نعم علم أنه حي قيل وكيف علم قال أنه دعا في السحر أن يهبط عليه ملك الموت فهبط عليه ترابال وهو ملك الموت فقال له ترابال ما حاجتك يا يعقوب قال أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة فقال بل متفرقة روحا روحا قال فمر بك روح يوسف قال لا فعند ذلك علم أنه حي فقال لولده اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه. وفي الأكمال عن الصادق عليه السلام مثله باختصار وفي الخرايج عنه عليه السلام إن اعرابيا اشترى من يوسف طعاما فقال له إذا مررت بوادي كذا فناد يا

[ 40 ]

يعقوب فإنه يخرج إليك شيخ فقل له إني رأيت رجلا بمصر يقرؤك السلام ويقول إن وديعتك عند الله محفوظة لن تضيع فلما بلغه الأعرابي خر يعقوب مغشيا عليه فلما أفاق قال هل لك من حاجة قال لي إبنة عم وهي زوجتي لم تلد فدعا له فرزق منها أربعة أبطن في كل بطن اثنين. وفي الأكمال مثله بأبسط منه وقال سيخرج إليك رجل عظيم جميل وسيم وقال في آخره فكان يعقوب يعلم أن يوسف حي لم يمت وأن الله سيظهره له بعد غيبته وكان يقول لبنيه إني أعلم من الله ما لا تعلمون وكان أبناؤه وأهله وأقرباؤه يفندونه على ذكر يوسف. (88) فلما دخلوا عليه بعدما رجعوا إلى مصر قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر الشدة وجئنا ببضعة مزجاة ردية. العياشي عن الرضا عليه السلام كانت المقل وكانت بلادهم بلاد المقل وهي البضاعة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا وتفضل علينا بالمسامحة وزدنا على حقنا أو بأخينا بنيامين كما يأتي إن الله يجزى المتصدقين يثيبهم على صدقاتهم بأفضل منها فرق لهم يوسف ولم يتمالك أن عرفهم نفسه. (89) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قاله شفقة ونصحا لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبا إيثارا لحق الله على حق نفسه في ذلك المقام الذي ينفث فيه المصدور ولعل فعلهم بأخيه إفراده عن يوسف قيل وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة. في المجمع عن الصادق عليه السلام كل ذنب عمله العبد إن كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربه فقد حكى الله سبحانه قول يوسف لأخوته قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله.

[ 41 ]

(90) قالوا (1) ءأنك لاءنت يوسف استفهام تقرير وقرئ على الأيجاب قال أنا يوسف وهذا أخي من أبي وأمي ذكره تعريفا لنفسه وتفخيما لشأنه قد من الله علينا أي بالسلامة والكرامة إنه من يتق أي من يتق الله ويصبر على البليات وعن المعاصي فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. (91) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا اختارك علينا بحسن الصورة وكمال السيرة وإن كنا لخطئين وإن شأننا وحالنا إنا كنا مذنبين بما فعلنا معك لا جرم أن الله أعزك واذلنا. العياشي عن الباقر عليه السلام قالوا فلا تفضحنا ولا تعاقبنا اليوم واغفر لنا (92) قال لا تثريب لا عيب ولا تعيير ولا تأنيب عليكم اليوم فيما فعلتم يغفر الله لكم وهو أرحم الرحمين. في المجمع عن الصادق عليه السلام في حديث طويل أن يعقوب كتب إلى يوسف بسم الله الرحمن الرحيم الى عزيز مصر ومظهر العدل وموفي الكيل من يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن صاحب نمرود الذي جمع له النار ليحرقه بها فجعلها الله عليه بردا وسلاما وأنجاه منها اخبرك أيها العزيز إنا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعا من الله ليبلونا عند السراء والضراء وإن المصائب تتابعت علي منذ عشرين سنة أولها أنه كان لي ابن سميته يوسف وكان سروري من بين ولدي وقرة عيني وثمرة فؤادي وأن إخوته من غير امه سألوني أن أبعثه معهم يرتع ويلعب فبعثته معهم بكرة فجاؤني عشيا يبكون وجاؤوا على قميصه بدم كذب وزعموا أن الذئب أكله فاشتد لفقده حزني وكثر على فراقه بكائي حتى ابيضت عيناي من الحزن وأنه كان له أخ وكنت به معجبا وكان لي أنيسا وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري وأن إخوته ذكروا أنك سألتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به وإن لم يأتوك به منعتهم الميرة فبعثته معهم


1 - قيل ان يوسف لما قال لهم هل علمتم الاية تبسم فلما ابصروا ثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف وقالوا له إنك لانت يوسف وقيل يرفع التاج عن رأسه فعرفوه م‍ ن (*)

[ 42 ]

ليمتاروا لنا قمحا فرجعوا إلي وليس هو معهم وذكروا أنه سرق مكيال الملك ونحن أهل بيت لا نسرق وقد حبسته عني وفجعتني به وقد اشتد لفراقه حزني حتى تقوس لذلك ظهري وعظمت به مصيبتي مع مصائب تتابعت علي فمن علي بتخلية سبيله وإطلاقه من حبسك وطيب لنا القمح واسمح لنا في السعر وأوف لنا الكيل وعجل سراح (1) آل إبراهيم قال فمضوا بكتابه حتى دخلوا على يوسف في دار الملك وقالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر إلى آخر الاية وتصدق علينا بأخينا بنيامين وهذا كتاب أبينا يعقوب أرسله إليك في أمره يسألك تخلية سبيله فمن به علينا فأخذ يوسف كتاب يعقوب وقبله ووضعه على عينيه وبكى وانتحب (2) حتى بلت دموعه القميص الذي عليه ثم أقبل عليهم وقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه من قبل. والعياشي عن الباقر عليه السلام في حديث له قال واشتد حزن يعقوب حتى تقوس (3) ظهره وأدبرت الدنيا عنه وعن ولده حتى احتاجوا حاجة شديدة وفنيت ميرتهم فعند ذلك قال يعقوب لولده اذهبوا فتحسسوا الاية فخرج منهم نفر وبعث منهم ببضاعة يسيرة وكتب معهم كتابا إلى عزيز مصر يتعطفه على نفسه وولده وأوصى ولده أن يبدؤا بدفع كتابه قبل البضاعة فكتب وذكر صفة الكتاب مثل ما ذكر في المجمع إلى قوله وعجل سراح آل إبرهيم وأورد آل يعقوب بدل آل إبراهيم ثم قال فلما مضى ولد يعقوب من عنده نحو مصر بكتابه نزل جبرئيل على يعقوب فقال له يا يعقوب إن ربك يقول لك من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر قال يعقوب أنت بلوتني بها عقوبة منك وأدبالي قال الله فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري قال يعقوب اللهم لا قال فما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري ولم تستغث بي وتشكو ما بك إلي فقال يعقوب أستغفرك يا إلهي وأتوب إليك وأشكو بثي وحزني


1 - سرحت فلانا الى موضع كذا إذا أرسلته وتسريح المرأة تطليقها والاسم السراح مثل التبليغ والبلاغ وتسريح الشعر إرساله وحله قبل المشق 2 - النحب أشد البكاء كالنحيب وقد نحب كمنع وانتحب 3 - قوس تقويسا انحنى كتقوس (*)

[ 43 ]

إليك فقال الله وتعالى قد بلغت بك يا يعقوب وبولدك الخاطئين الغاية في أدبي ولو كنت يا يعقوب شكوت مصائبك إلي عند نزولها بك واستغفرت وتبت إلي من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري إياها عليك ولكن الشيطان أنساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي وأنا الله الجواد الكريم أحب عبادي المستغفرين التائبين الراغبين إلي فيما عندي يا يعقوب أنا راد إليك يوسف وأخاه ومعيد إليك ما ذهب من مالك ولحمك ودمك وراد إليك بصرك ومقوم لك ظهرك وطب نفسا وقر عينا وإنما الذي فعلته بك كان أدبا مني لك فأقبل أدبي قال ومضى ولد يعقوب بكتابه إلى آخر ما ذكر في المجمع إلا أنه قال وأنه كان له أخ من خالته وكنت به معجبا ثم ذكر صفة الكتاب برواية اخرى أخصر منه وقال في آخره فلما اوتي يوسف عليه السلام بالكتاب فتحه وقرأه فصاح ثم قام فدخل منزله فقرأه وبكى ثم غسل وجهه ثم خرج إلى إخوته ثم عاد فقرأه فصاح وبكى ثم قام فدخل منزله فقرأه وبكى ثم غسل وجهه وعاد إلى اخوته فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون وأعطاهم قميصه وهو قميص إبراهيم وكان يعقوب بالرملة. (93) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني أنتم وأبي بأهلكم أجمعين. (94) ولما فصلت العير من مصر وخرجت من عمرانها قال أبوهم لمن حضره إنى لاجد ريح يوسف لو لا أن تفندون تنسبوني إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث من الهرم وجواب لولا محذوف وتقديره لصدقتموني. (95) قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم لفي ذهابك عن الصواب قدما بإفراطك في محبة يوسف واكثارك ذكره والتوقع للقائه. (96) فلما أن جاء البشير في الأكمال عن الصادق عليه السلام وهو يهودا إبنه ألقيه على وجهه طرح القميص على وجهه فارتد بصيرا عاد بصيرا لما انتعش فيه من القوة قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف وإنزال

[ 44 ]

الفرج من الله ويحتمل أن يكون إني أعلم مستأنفا والمقول محذوفا دل عليه الكلام السابق. العياشي عن الصادق عليه السلام كتب عزيز مصر إلى يعقوب أما بعد فهذا ابنك يوسف اشتريته بثمن بخس دراهم معدودة واتخذته عبدا وهذا ابنك بنيامين قد سرق فاتخذته عبدا قال فما ورد على يعقوب بشئ أشد عليه من ذلك الكتاب فقال للرسول مكانك حتى أجيبه فكتب إليه يعقوب أما بعد فقد فهمت كتابك إنك أخذت ابني بثمن بخس وأخذته عبدا وإنك أتخذت ابني بنيامين وقد سرق واتخذته عبدا فإنا أهل بيت لا نسرق ولكنا أهل بيت نبتلى وقد ابتلى أبونا ابراهيم بالنار فوقاه الله وابتلى أبونا اسحاق بالذبح فوقاه الله وإني قد ابتليت بذهاب بصري وذهاب ابني وعسى الله أن يأتيني بهم جميعا قال فلما ولى الرسول عنه رفع يده إلى السماء ثم قال يا حسن الصحبة يا كريم المعونة يا خيرا كله إئتني بروح وفرج من عندك قال فهبط عليه جبرئيل فقال ليعقوب ألا اعلمك دعوات يرد الله عليك بها بصرك ويرد عليك ابنيك فقال بلى فقال قل يا من لا يعلم أحد كيف هو وحيث هو وقدرته إلا هو يامن سد الهواء بالسماء وكبس الأرض على الماء واختار لنفسه أحسن الأسماء إئتني بروح منك وفرج من عندك فما انفجر عمود الصبح حتى اتي بالقميص وطرح على وجهه فرد الله عليه بصره ورد عليه ولده. والقمي أورد هذا الحديث بأبسط من هذا وذكر في كتاب العزيز مكان قد سرق قد وجدت متاعي عنده وذكر في جواب يعقوب ابتلاءه بإبنيه على نحو كتابه الذي قد سبق ذكره. وقال فيه وقد كان له أخ من امه كنت انس به فخرج مع إخوته إلى أن قال وقد حبسته وأنا أسألك بإله ابراهيم وإسحق ويعقوب إلا مننت علي به وتقربت إلى الله ورددته إلي قال فلما ورد الكتاب على يوسف أخذه ووضعه على وجهه وقبله وبكى بكاء شديدا ثم نظر إلى إخوته فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف الايات قال فلما ولى الرسول الحديث.

[ 45 ]

والعياشي عن الباقر عليه السلام قال اذهبوا بقميصي هذا الذي بلته دموع عيني فألقوه على وجه أبي يرتد بصيرا لو قد شم ريحي وأتوني بأهلكم أجمعين وردهم إلى يعقوب في ذلك اليوم وجهزهم بجميع ما يحتاجون إليه فلما فصلت عيرهم من مصر وجد يعقوب ريح يوسف فقال لمن بحضرته من ولده إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون قال وأقبل ولده يحثون السير بالقميص فرحا وسرورا بما رأوا من حال يوسف والملك الذي أعطاه الله والعز الذي صاروا إليه في سلطان يوسف وكان مسيرهم من مصر إلى يعقوب تسعة أيام فلما أن جاء البشير ألقى القميص على وجهه فارتد بصيرا وقال لهم ما فعل ابن ياميل قالوا خلفناه عند أخيه صالحا قال فحمد الله يعقوب عند ذلك وسجد لربه سجدات الشكر ورجع إليه بصره وتقوم له ظهره وقال لولده تحولوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم فصاروا إلى يوسف ومعهم يعقوب وخالة يوسف ياميل فحثوا السير فرحا وسرورا فساروا تسعة أيام إلى مصروعن الصادق عليه السلام وجد يعقوب ريح قميص ابراهيم حين فصلت العير من مصر وهو بفلسطين. وفي الكافي والأكمال والقمي والعياشي عنه عليه السلام أتدري ما كان قميص يوسف قيل لا قال إن إبراهيم لما أوقدت له النار نزل إليه جبرئيل بالقميص. والقمي بثوب من ثياب الجنة وألبسه إياه فلم يضر معه حر ولا برد فلما أحضرته الوفاة جعله في تميمة وعلقه على اسحاق وعلقه إسحاق على يعقوب عليه السلام فلما ولد يوسف علقه عليه وكان في عضده حتى كان من أمره ما كان فلما أخرجه يوسف عليه السلام بمصر من التميمة وجد يعقوب ريحه وهو قوله عز وجل حكاية عنه إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون وهو ذلك القميص الذي انزل من الجنة قيل جعلت فداك فإلى من صار هذا القميص قال إلى أهله ثم يكون مع قائمنا إذا خرج ثم قال كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وزاد القمي وكان يعقوب بفلسطين وفصلت العير من مصر فوجد يعقوب ريحه وهو من ذلك القميص الذي انزل من الجنة ونحن ورثته.

[ 46 ]

والعياشي مرفوعا إن يعقوب وجد ريح قميص يوسف من مسيرة عشرة ليال وكان يعقوب ببيت المقدس ويوسف بمصر وهو القميص الذي نزل على إبراهيم من الجنة في قصبة من فضة وكان إذا لبس كان واسعا كبيرا فلما فصلوا ويعقوب بالرملة ويوسف بمصر قال يعقوب إنى لاجد ريح يوسف يعني ريح الجنة حين فصلوا بالقميص لأنه كان من الجنة. أقول: يعني إنه كان من عالم الملكوت والباطن قد برز إلى عالم الملك والظاهر وصار محسوسا. (97) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. (98) قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير وقت دعوتم الله فيه الأسحار وتلا هذه الاية في قول يعقوب سوف أستغفر لكم ربي وقال أخرهم إلى السحر. وفي الفقيه والمجمع والعياشي عنه عليه السلام اخره الى السحر ليلة الجمعة. والعياشي عنه عليه السلام أخره إلى السحر وقال يا رب إنما ذنبهم فيما بيني وبينهم فأوحى الله قد غفرت لهم. وفي العلل عنه عليه السلام إنه سئل عن يعقوب إنه لما قال له بنوه يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي فأخر الاستغفار لهم ويوسف عليه السلام لما قالوا له تا لله لقد آثرك علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرحمين قال لأن قلب الشاب ارق من قلب الشيخ وكانت جناية ولد يعقوب على يوسف وجنايتهم على يعقوب إنما كانت بجنايتهم على يوسف فبادر يوسف إلى العفو عن حقه وأخر يعقوب العفو لأن عفوه إنما كان عن حق غيره فأخرهم إلى السحر ليلة الجمعة. في الكافي عن الباقر عليه السلام أنه سئل ما كان أولاد يعقوب أنبياء قال لا

[ 47 ]

ولكنهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء ولم يكن يفارقوا الدنيا إلا سعداء تابوا وتذكروا ما صنعوا وإن الشيخين فارقا الدنيا ولم يكن يتوبا ولم يذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين عليه السلام فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل أكان إخوة يوسف أنبياء قال لا ولكن بررة أتقياء كيف وهم يقولون لأبيهم يعقوب تا لله إنك لفي ضلالك القديم. وعنه عليه السلام إنه سئل ما حال بني يعقوب هل خرجوا من الأيمان فقال نعم قلت فما تقول في آدم قال. (99) فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه ضم إليه أباه وامه راحيل كما مضى عن الباقر عليه السلام في أول السورة في تأويل الرؤيا أو أباه وخالته ياميل لما سبق في رواية العياشي إنها هي التي صارت معهم إلى مصر ولما يأتي في روايته أنه رفع أباه وخالته على سرير الملك فإن صحت هذه الرواية فلعلها نزلت منزلة الام كما نزل العم منزلة الأب في قوله وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل ولما روى أنها ربته بعد أمه والرابة تدعى اما وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين يعني (1) إن شاء الله دخلتموه آمنين وإنما دخلوا عليه قبل دخولهم مصر لأنه استقبلهم يوسف ونزل لهم في بيت أو مضرب هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه. في الكافي عن الصادق عليه السلام إن يوسف لما قدم عليه الشيخ يعقوب دخله عز الملك فلم ينزل إليه فهبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال يا يوسف إبسط راحتك فخرج منها نور ساطع فصار في جو السماء فقال يوسف يا جبرئيل ما هذا النور الذي خرج من راحتي فقال نزعت النبوة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبي. وفي العلل عنه عليه السلام لما تلقى يوسف يعقوب ترجل له يعقوب ولم


1 - والاستثناء يعود الى الامن وإنما قال آمنين لانهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر ولا يدخلونها إلا بجوازهم قال وهب إنهم دخلوا مصر وهم ثلاث وسبعون إنسانا وخرجوا مع موسى وهم ستمائة الف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا مجمع البيان (*)

[ 48 ]

يترجل له يوسف فلم ينفصلا من العناق حتى أتاه جبرئيل فقال له يا يوسف ترجل لك الصديق ولم تترجل له إبسط يدك وذكر مثل ما في الكافي وفي رواية اخرى هم بأن يترجل ليعقوب ثم نظر إلى ما هو فيه من الملك فلم يفعل الحديث. القمي لما وافى يعقوب وأهله وولده مصر قعد يوسف على سريره ووضع تاج الملك على رأسه فأراد أن يراه أبوه على تلك الحالة فلما دخل عليه أبوه لم يقم له فخروا كلهم سجداثم روى عن الهادي عليه السلام إخراج جبرائيل نور النبوة من بين أصابعه ومحوها من صلبه وجعلها في ولد لاوى أخيه لأنه نهى إخوته عن قتله ولأنه قال لن أبرح الارض الاية قال فشكر الله له ذلك وكان أنبياء بني اسرائيل من ولده وكان موسى من ولده وهو موسى ابن عمران بن يصهر بن واهث بن لاوي بن يعقوب. (100) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا. العياشي عن الصادق عليه السلام العرش السرير وكان سجودهم ذلك عبادة لله وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل رأيتها في أيام الصباقد جعلها ربى حقا صدقا. العياشي عن الكاظم عليه السلام إنه سئل في كم دخل يعقوب من ولده على يوسف قال في أحد عشر إبنا له فقيل له أسباط قال نعم. وعن الباقر عليه السلام لما دخلوا على يوسف في دار الملك إعتنق أباه وبكى ورفعه ورفع خالته على سرير الملك ثم دخل منزله فادهن واكتحل ولبس ثياب العز والملك ثم خرج إليهم فلما رأوه سجدوا له إعظاما له وشكرا لله فعند ذلك قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قال ولم يكن يوسف في تلك العشرين سنة يدهن ولا يكتحل ولا يتطيب ولا يضحك ولا يمس النساء حتى جمع الله بيعقوب شمله وجمع بينه وبين يعقوب واخوته وفي المجمع عنه عليه السلام مثله. أقول: لعل المراد بنفي مسه النساء عدم مسهن للألتذاذ والشهوة فلا ينافي ما

[ 49 ]

سبق أنه كان له ابن يلعب برمانة بين يديه حين خاصمه أخوه في أخيه فلعله إنما مسهن لتثقيل الأرض بتسبيح الولد كما مضى في إعتذار أخيه في مثله. والقمي عن الباقر عليه السلام لما دخلوا عليه سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه وكان ذلك السجود لله. وعن الهادي عليه السلام وقد سئل عن سجود يعقوب وولده ليوسف عليه السلام وهم أنبياء قال أما سجود يعقوب وولده فإنه لم يكن ليوسف وإنما كان من يعقوب وولده طاعة لله وتحية ليوسف كما كان السجود من الملائكة لأدم وإنما كان ذلك منهم طاعة لله وتحية لادم فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكرا لله لأجتماع شملهم ألم تر أنه يقول في شكره ذلك الوقت رب قد آتيتني من الملك الاية. وفي الجوامع عن الصادق عليه السلام إنه قرأ (وخروا لله سجدين) وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن لعله لم يذكر الجب لئلا يكون تثريبا عليهم وجاء بكم من البدو من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو ينتقلون في المياه والمناجع (1) من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين إخوتى أفسد بيننا وحرش إن ربى لطيف لما يشاء في تدبير عباده يسهل لهم العسر ويلطفه إنه هو العليم بوجوه المصالح والتدابير الحكيم الذي يفعل كل شئ في وقته وعلى وجه. القمي عن الهادي عليه السلام قال يعقوب لأبنه أخبرني ما فعل بك إخوتك حين أخرجوك من عندي قال يا أبت إعفني من ذلك قال فأخبرني ببعضه قال إنهم لما أدنوني من الجب قالوا انزع القميص فقلت لهم يا إخوتي اتقوا الله ولا تجردوني فسلوا علي السكين وقالوا لئن لم تنزع لنذبحنك فنزعت القميص وألقوني في الجب عريانا قال فشهق يعقوب شهقة واغمي عليه فلما أفاق قال يا بني حدثني قال يا أبت أسألك بإله


1 - في حديث علي عليه السلام هي يعني الدنيا منزل قلعة وليست بدار نجعة قوله منزل قلعة بضم القاف إذا لم تصلح للاستيطان والنجعة بضم النون ايضا طلب الكلاء وحاصله انها ليست دار راحة وطيب عيش والانتجاع طلب الاحسان ومنه انتجعت فلانا إذا اتيته تطلب معروفه والانتجاع طلب النبات والعلف والماء م‍ (*)

[ 50 ]

إبراهيم واسحق ويعقوب إلا أعفيتني فاعفاه. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام والعياشي عن الباقر عليه السلام ما في معناه. وفي المجمع روى أن يوسف عليه السلام قال ليعقوب لا تسألني عن صنيع إخوتي واسأل عن صنيع الله بي. (101) رب قد آتيتني من الملك بعض الملك وهو ملك مصر. في الكافي عن الصادق عليه السلام في حديث يذكر فيه يوسف فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك [ مصر ظ ] وما حولها إلى اليمن. وفي الخصال عن الباقر عليه السلام إن الله تبارك وتعالى لم يبعث أنبياء ملوكا في الأرض إلا أربعة إلى أن قال وأما يوسف فملك مصر وبراريها ولم يتجاوزها إلى غيرها وعلمتني من تأويل الاحاديث بعض تأويلها فاطر السموت والأرض مبدعهما أنت ولى ناصري ومتولي أمري في الدنيا والاخرة تتولاني بالنعمة فيهما وتوصل الملك الفاني بالملك الباقي توفنى مسلما وألحقني بالصلحين في الرتبة والكرامة. في الأكمال عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاش يعقوب بن إسحاق مائة وأربعين سنة وعاش يوسف بن يعقوب مائة وعشرين سنة. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال دخل يوسف السجن وهو إبن اثنتي عشرة سنة ومكث فيها ثماني عشرة سنة وبقي بعد خروجه ثمانين سنة فذلك مائة سنة وعشر سنين. وعن الباقر عليه السلام إنه سئل كم عاش يعقوب مع يوسف بمصر قال عاش حولين قيل فمن كان الحجة لله في الأرض يعقوب أم يوسف قال كان يعقوب وكان الملك ليوسف فلما مات يعقوب حمله يوسف في تابوت إلى أرض الشام فدفن في بيت المقدس

[ 51 ]

فكان يوسف عليه السلام بعد يعقوب الحجة قيل فكان يوسف رسولا نبيا قال نعم أما تسمع قوله عز وجل ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات. والعياشي عنه عليه السلام ما يقرب منه. وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام إن الله أوحى إلى موسى بن عمران أن أخرج عظام يوسف من مصر فاستخرجه من شاطئ النيل وكان في صندوق مرمر فحمله إلى الشام فلذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم إلى الشام وهو يوسف بن يعقوب وما ذكر الله يوسف في القرآن غيره. وفي العلل عنه عليه السلام إستأذنت زليخا على يوسف فقيل لها إنا نكره أن نقدم بك عليه لما كان منك إليه قالت إني لا أخاف من يخاف الله فلما دخلت قال لها يا زليخا مالي أراك قد تغير لونك قالت الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا وجعل العبيد بطاعتهم ملوكا فقال لها ما الذي دعاك إلى ما كان منك قالت حسن وجهك يا يوسف فقال كيف لو رأيت نبيا يقال له محمد صلى الله عليه وآله يكون في آخر الزمان أحسن مني وجها وأحسن مني خلقا وأسمح مني كفا قالت صدقت قال وكيف علمت أني صدقت قالت لأنك حين ذكرته وقع حبه في قلبي فأوحى الله عز وجل إلى يوسف أنها قد صدقت وإني قد أحببتها لحبها محمدا صلى الله عليه وآله فأمره الله عز وجل أن يتزوجها. والقمي عن الهادي عليه السلام لما مات العزيز في السنين الجدبة افتقرت إمرأة العزيز واحتاجت حتى سألت فقالوا لها لو قعدت للعزيز وكان يوسف سمى العزيز وكل ملك كان لهم سمي بهذا الأسم فقالت أستحي منه فلم يزالوا بها حتى قعدت له فأقبل يوسف في موكبه فقامت إليه فقالت سبحان الذي جعل الملوك بالمعصية عبيدا وجعل العبيد بالطاعة ملوكا فقال لها يوسف أنت تيك [ هاتيك خ ل ] فقالت نعم وكان اسمها زليخا فقال لها هل لك في رغبة قالت دعني بعد ما كبرت أتهزأ بي قال لا قالت نعم فأمر بها فحولت إلى منزله وكانت هرمة فقال لها ألست فعلت بي كذا وكذا فقالت يا

[ 52 ]

نبي الله لا تلمني فإني بليت بثلاثة لم يبل [ يبتل خ ك ] بها أحد قال وما هي قالت بليت بحبك ولم يخلق الله لك في الدنيا نظيرا وبليت بأنه لم يكن بمصر إمرأة أجمل مني ولا أكثر مالا مني نزع عني وبليت بزوج عنين (1) فقال لها يوسف فما تريدين فقالت تسأل الله أن يرد علي شبابي فسأل الله فرد عليها شبابها فتزوجها وهي بكر. (102) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك يا محمد وما كنت لديهم لدى إخوة يوسف إذ أجمعوا أمرهم عزموا على ما هموا به وهم يمكرون لم تعرف ذلك إلا بالوحي. (103) وما أكثر الناس ولو حرصت على إيمانهم وبالغت في إظهار الايات عليهم بمؤمنين لعنادهم وتصميمهم على الكفر. (104) وما تسألهم عليه على التبليغ من أجر من جعل إن هو إلا ذكر عظة من الله للعالمين عامة. (105) وكأين من آية في السموات والارض تدل على حكمة الله وقدرته في صنعه يمرون عليها ويشاهدونها وهم عنها معرضون لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. (106) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون في الطاعة وبالنظر إلى الأسباب. في الكافي عن الصادق عليه السلام. والقمي والعياشي عن الباقر عليه السلام شرك طاعة وليس شرك عبادة. وزاد القمي والعياشي والمعاصي التي يرتكبون فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا بالله في الطاعة لغيره وليس باشراك عبادة أن يعبدوا غير الله.


1 - العنين الذي لا يقدر على اتيان النساء ولا يشتهي النساء وامرأة عنينة لا تشتهي الرجال (*)

[ 53 ]

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية يطيع الشيطان من حيث لا يعلم فيشرك. وفي التوحيد عنه عليه السلام هم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها. والعياشي عنه عليه السلام هو الرجل يقول لولا فلان لهلكت ولولا فلان لأصبت كذا وكذا ولولا فلان لضاع عيالي ألا ترى أنه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه قيل فيقول لولا أن من الله علي بفلان لهلكت قال نعم لا بأس بهذا. وعن الباقر عليه السلام من ذلك قول الرجل لا وحياتك وعنهما عليهما السلام شرك النعم وعن الرضا عليه السلام شرك لا يبلغ به الكفر. (107) أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله عقوبة تغشيهم وتشملهم أو تأتيهم الساعة بغتة فجأة من غير سابقة علامة وهم لا يشعرون بإتيانها غير مستعدين لها. (108) قل هذه سبيلى يعني الدعوة إلى التوحيد والأعداد للمعاد أدعوا إلى الله تفسير للسبيل على بصيرة أنا ومن اتبعنى. في الكافي عن الباقر عليه السلام ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والأوصياء عليهم السلام من بعدهما. وعنه عليه السلام علي اتبعه. وعن الجواد عليه السلام حين أنكروا عليه حداثة سنه قال وما ينكرون قال الله لنبيه قل هذه سبيلي الاية فوالله ما تبعه إلا علي وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين. والقمي والعياشي ما يقرب من هذه الروايات وسبحن الله وانزهه تنزيها وما أنا من المشركين. في الكافي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن تفسير سبحان الله قال أنفة

[ 54 ]

لله أما ترى الرجل إذا عجب من الشئ قال سبحان الله وفي رواية اخرى قال تنزيه. (109) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا رد لقولهم لو شاء ربك لانزل ملائكة يوحى إليهم كما أوحى إليك وتميزوا بذلك عن غيرهم وقرئ نوحي بالنون من أهل القرى لأن أهلها أعلم وأحكم من إهل البدو. وفي العيون عن الرضا عليه السلام وما أرسلنا من قبلك يعني إلى الخلق إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى فأخبر أنه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ليكونوا أئمة أو حكاما وإنما أرسلوا إلى أنبياء الله أفلم يسيروا في الارض قد سبق تفسيرها بأرض القرآن فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم من المكذبين بالرسل والايات فيحذروا تكذيبك ومن المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فينقلعوا عن حبها ويزهدوا فيها ولدار الاخرة خير للذين اتقوا الشرك والمعاصي أفلا تعقلون يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير وقرئ بالتاء حتى إذا استيأس الرسل غاية لكلام محذوف دل عليه الكلام كأنه قيل قد تأخر نصرنا إياهم كما أخرناه عن هذه الامة حتى إذا استيأسوا عن النصر وظنوا أنهم قد كذبوا أي وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوا من العذاب والنصرة عليهم وقرئ كذبوا بالتخفيف في الجوامع أنه قراءة أئمة الهدى عليهم السلام ومعناه وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم من نصرة الله اياهم. والعياشي عن الصادق عليه السلام وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة قال ظنت الرسل أن الشياطين تمثل لهم على صورة الملائكة جاءهم نصرنا بارسال العذاب على الكفار فننجى من نشاء فنخلص من نشاء من العذاب عند نزوله وهم المؤمنون وقرئ فنجي على الماضي المبني للمفعول ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين إذا نزل. في العيون عن الرضا عليه السلام فيما سأله المأمون في عصمة الأنبياء يقول الله حتى إذا استيأس الرسل من قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا. والقمي عن الصادق عليه السلام وكلهم الله إلى أنفسهم فظنوا أن الشياطين

[ 55 ]

قد تمثلت لهم في صورة الملائكة. والعياشي عنه عليه السلام وكلهم الله إلى أنفسهم أقل من طرفة عين وعنه عليه السلام أنه سأل كيف لم يخف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك ما ينزغ به الشيطان فقال إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا أنزل عليه السكينة والوقار وكان يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه. (111) لقد كان في قصصهم قصص الأنبياء واممهم عبرة لاولي الالباب يعني أولي العقول الكاملة ما كان القرآن حديثا يفترى يختلق ولكن تصديق الذى بين يديه قبله من الكتب الألهية. القمي يعني من كتب الأنبياء وتفصيل كل شئ يحتاج إليه في الدين وهدى من الضلال ورحمة ينال بها خير الدارين لقوم يؤمنون يصدقونه. في ثواب الأعمال والعياشي عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة يوسف في كل يوم أو في كل ليلة بعثه الله يوم القيامة وجماله على جمال يوسف ولا يصيبه فزع يوم القيامة وكان من خيار عباد الله الصالحين. وزاد العياشي وأومن في الدنيا أن يكون زانياأو فحاشاوفي ثواب الأعمال قال وكانت في التوراة مكتوبة. وفي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام لا تعلموا نساءكم سورة يوسف عليه السلام ولا تقرؤهن إياه فإن فيها الفتن وعلموهن سورة النور فإن فيها المواعظ. وفي الخصال عن الباقر عليه السلام يكره لهن تعلم سورة يوسف عليه السلام.

[ 56 ]

سورة الرعد مكية كلها وقيل إلا آخر آية منها وقيل مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة ولو أن قرآنا سيرت به الجبال وما بعدها عدد آيها ثلاث وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) المر قد سبق الكلام فيه وفي نظائره. وفي المعاني عن الصادق عليه السلام معناه أنا الله المحي المميت الرزاق تلك آيات الكتاب (1) والذى أنزل إليك من ربك يعني القرآن الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. (2) الله الذى رفع السموات بغير عمد بغير أساطين ترونها صفة لعمد. القمي والعياشي عن الرضا عليه السلام فثم عمد ولكن لا ترونهاثم استوى على العرش سبق معناه في سورة الأعراف وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى لمدة معينة يتم فيها أدواره أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت يدبر الامر أمر ملكوته من الأيجاد والأعدام والأحياء والأماتة وغير ذلك يفصل الايات ينزلها ويبينها لعلكم بلقاء ربكم توقنون لكي تتفكروا فيها وتتحققوا كمال قدرته وصنعه في كل شئ فتعلموا أنه بكل شئ محيط وهذا كقوله ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط.

[ 57 ]

(3) وهو الذى مد الارض بسطها طولا وعرضا ليثبت فيه الأقدام ويتقلب عليها الحيوان وجعل فيها راوسي جبالا ثوابت (1) وأنهارا تتولد منها ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين وجعل فيها من جميع أنواعها صنفين إثنين أسود وأبيض حلوا وحامضا رطبا ويابسا صغيرا وكبيرا وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة يغشى اليل النهار يلبس ظلمة الليل ضياء النهار فيصير الهواء مظلما بعد ما كان مضيئا وقرئ يغشي بالتشديد إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون (2). (4) وفي الارض قطع متجاورات متلاصقة من طيبة وسبخة (3) ورخوة وصلبة وصالحة للزرع دون الشجر وبالعكس وغير صالحة لشئ منهما وجنات من أعناب وزرع ونخيل فيها أنواع الأعناب والزرع والنخيل وقرئ وزرع ونخيل بالرفع وكذلك في معطوفهما صنوان نخلات أصلها واحد وغير صنوان متفرقات مختلفة الاصول أو أمثال وغير أمثال وفي الحديث النبوي عم الرجل صنو أبيه يسقى وقرئ بالياء بماء وحد ونفضل وقرئ بالياء بعضها على بعض في الاكل (4) في الثمر شكلا وقدرا ورائحة وطعما. العياشي عنهم عليهم السلام يعني هذه الأرض الطيبة مجاورة لهذه الأرض المالحة وليست منها كما يجاور القوم القوم وليسوا منهم. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم إنه قال لعلي عليه السلام الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ثم قرأ هذه الاية إن في ذلك لايات لقوم يعقلون يستعملون عقولهم بالتفكر فيهتدون إلى عظمة الصانع وعلمه وحكمته


1 - فيهما فان تكونهما وتخصصهما بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبر أمرهما وهيأ أسبابهما 2 - لتمسك الارض ولو أراد ان يمسكها من غير جبال لفعل الا انه امسكها بالرواسي لان ذلك أقرب الى افهام الناس وادعى لهم الى الاستدلال والنظر م‍ 3 - السبخة بالفتح واحدة السباخ وهي ارض مالحة يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت الا بعض الاشجار يقال سبخت الارض من باب تعب فهي سبخة بكسر الباء واسكانها تخفيف ويجمع المكسور على سبخات مثل كلمة وكلمات والساكن على سباخ مثل كلبة وكلاب م‍ 4 - وفي هذا اوضح دلالة على ان لهذه الاشياء صانعا قادرا احدثها وابدعها ودبرها على ما تقتضيه حكمته والاكل الثمر الذي يؤكل م‍ ن (*)

[ 58 ]

البالغة وقدرته النافذة وتدبيره الكامل ولطفه الشامل وحسن تربيته وصنايعه شيئا فشيئا إلى بلوغها منتهى كمالاتها اللايقة بها. (5) وإن تعجب يا محمد من قولهم في إنكار البعث فعجب من قولهم فحقيق بأن يتعجب منه فإن من قدر على إنشاء ما قص عليك كانت الأعادة أهون عليه أءذا كنا ترابا أءنا لفى خلق جديد (1) أولئك الذين كفروا بربهم لأنكارهم قدرته وتماديهم في الكفر (2) وألئك الاغلال في أعناقهم مقيدون بالضلال لا يرجى خلاصهم لأصرارهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لا ينفكون عنها. (6) ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة بالعقوبة قبل العافية وذلك أنهم استعجلوا بالعذاب استهزاءا وقد خلت مضت من قبلهم المثلات عقوبات أمثالهم من المكذبين فما بالهم لم يعتبروا بها في نهج البلاغة إحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال فتذكروا في الخير والشر أحوالهم واحذروا أن تكونوا أمثالهم وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب وإن ربك لشديد العقاب. في المجمع لما نزلت هذه الاية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيد الله وعقابه لاتكل كل أحد. وفي التوحيد عن الرضا عليه السلام حين تذاكروا الكباير وقول المعتزلة فيها إنها لا تغفر قال أبو عبد الله عليه السلام قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة قال جل جلاله وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم (7) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه لم يعتدوا بالايات المنزلة عنادا واقترحوا نحو ما أوتي موسى وعيسى إنما أنت منذر مرسل للأنذار كغيرك من الرسل وما عليك إلا الأتيان بما يصح به أنك رسول مخوف ومنذر والايات كلها متساوية


1 - بدل من قولهم أو مفعول له والفاعل في إذا محذوف دل عليه لفي خلق جديد 2 - تمادى في الذنوب لج وداوم وتوسع فيها ومثله تمادى في الجهل وتمادى في غيه م‍ (*)

[ 59 ]

في حصول الغرض ولكل قوم هاد يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية وبآية خص بها. في المجمع لما نزلت هذه الاية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا المنذر وعلي الهادي من بعدي يا علي بك يهتدي المهتدون. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم المنذر ولكل زمان منا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله ثم الهداة من بعده علي ثم الأوصياء واحد بعد واحد. وعن الصادق عليه السلام كل إمام هاد للقرن الذي هو فيهم ومثله في الأكمال ورواه القمي والعياشي وغير واحد من الخاصة والعامة في غير واحد من الأسانيد. والقمي هو رد على من أنكر أن في كل عصر وزمان إماما وأنه لا تخلو الأرض من حجة. (8) الله يعلم ما تحمل كل أنثى من ذكر أو أنثى تام وناقص حسن وقبيح سعيد وشقي وما تغيض (1) الارحام وما تنقصه وما تزداد في المدة والعدد والخلقة. في الكافي والعياشي عن أحدهما عليهما السلام الغيض كل حمل دون تسعة أشهر وما تزداد كل شئ يزداد على تسعة أشهر فكلما رأت المرأة الدم في حملها من الحيض فإنها تزداد بعدد الأيام التي رأت في حملها من الدم. والعياشي عن الصادق عليه السلام ما تحمل كل انثى الذكر والأنثى وما تغيض الأرحام ما كان من دون التسعة وهو غيض وما تزداد ما رأت الدم في حال حملها إزداد به على التسعة أشهر وفي رواية ما تغيض ما لم يكن حملا وما تزداد الذكر والانثى جميعا والقمي وما تغيض ما تسقط من قبل التمام وما تزداد على تسعة أشهر


1 - غاض الماء يغيض غيضا من باب سار ومغاض أي قل ونضب في الارض وانغاض مثله وغيض الماء فعل به ذلك قوله وما تغيض الارحام اي تنقص عن مقدار الحمل الذي يسلم معه الولد م‍ (*)

[ 60 ]

كلما رأت المرأة من حيض في أيام حملها زاد ذلك على حملها وكل شئ عنده بمقدار بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه. (9) عالم الغيب ما لا يدركه الحس والشهادة ما يدركه (1) الكبير العظيم الشأن الذي كل شئ دونه حقير المتعال المستعلى على كل شئ بعظمته. (10) سواء منكم من أسر القول في نفسه ومن جهر به لغيره ومن هو مستخف بالليل طالب للخفاء في مختبأ (2) بالليل وسارب (3) بارز بالنهار يراه كل أحد. القمي عن الباقر عليه السلام يعني السر والعلانية عنده سواء. (11) له لمن أسر أو جهر أو استخفي أو سرب معقبات ملائكة يعقب بعضهم بعضا في حفظه وكلاءته من بين يديه ومن خلفه من جوانبه يحفظونه من أمر الله قيل من أجل أمر الله أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه. والقمي عن الصادق عليه السلام إن هذه الاية قرئت عنده فقال لقارئيها ألستم عرباء فكيف يكون المعقبات من بين يديه وإنما المعقب من خلفه فقال الرجل جعلت فداك كيف هذا فقال إنما انزلت له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله ومن ذا الذي يقدر أن يحفظ الشئ من أمر الله وهم الملائكة الموكلون بالناس ومثله العياشي عنه عليه السلام. وفي المناقب والقمي عن الباقر عليه السلام من أمر الله يقول بأمر الله من أن يقع في ركي (4) أو يقع عليه حائط أو يصيبه شئ حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه يدفعونه إلى المقادير وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان بالنهار يتعاقبانه.


1 - وقيل عالم بالمعدوم والموجود والغيب هو المعدوم وقيل عالم السر والعلانية والاولى ان يحمل على العموم ويدخل في هاتين الكلمتين كل معلوم نبه سبحانه على انه عالم بجميع الموجودات منها والمعدومات منها م‍ ن 2 - خبأه كمنعه سره كخبأه واختبأه ق 3 - من سرب سروبا إذا برز وهو عطف على من أو مستخف على ان من في معنى الاثنين كقوله تكن مثل من يا ذئب يصطحبان كأنه قال سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار 4 - الركية البئر جمع ركي وركايا ق (*)

[ 61 ]

والعياشي عن الصادق عليه السلام ما يقرب منه وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام إنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير فيخلون بينه وبين المقادير إن الله لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة. العياشي عن الباقر عليه السلام إن الله قضى قضاءا حتما لا ينعم على عبده نعمة فيسلبها إياه قبل أن يحدث العبد ذنبا يستوجب بذلك الذنب سلب تلك النعمة وذلك قول الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وفي المعاني عن السجاد عليه السلام الذنوب التي تغير النعم البغي على الناس والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف وكفران النعم وترك الشكر ثم تلا الاية وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال من يلي أمرهم ويدفع عنهم السوء. (12) هو الذى يريكم البرق خوفا من أذاه وطمعا في الغيث. في العيون عن الرضا عليه السلام خوفا للمسافرو طمعا للمقيم وينشئ السحاب الثقال القمي يعني يرفعها من الأرض (13) ويسبح الرعد بحمده روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن الرعد فقال ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب. وفي الفقيه روي أن الرعد صوت ملك أكبر من الذباب وأصغر من الزنبور. وفيه والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه بمنزلة الرجل يكون في الأبل فيزجرها هاي هاي كهيئة ذلك. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا سمع صوت الرعد قال سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته من خوفه وإجلاله ويرسل

[ 62 ]

الصواعق فيصيب بها من يشاء فيهلكه وهم يجادلون في الله حيث يكذبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم فيما يصفه من التفرد بالالوهية وإعادة الناس ومجازاتهم وهو شديد المحال أي المماحلة والمكايدة لأعدائه وقيل من المحل بمعنى القوة. والقمي أي شديد الغضب وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام شديد الأخذ. وفي الأمالي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم بعث رجلا إلى فرعون من فراعنة العرب يدعوه إلى الله عز وجل فقال للرسول أخبرني عن الذي تدعوني إليه أمن فضة هو أم من ذهب أم من حديد فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم فأخبره بقوله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم إرجع إليه فادعه قال يا نبي الله إنه أعتى من ذلك قال ارجع إليه فرجع إليه فقال كقوله فبينا هو يكلمه إذ رعدت سحابة رعدة فألقت على رأسه صاعقة ذهب بقحف رأسه فأنزل الله جل ثناؤه يرسل الصوعق الاية. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن الصواعق لا تصيب ذاكرا قيل وما الذاكر قال من قرأ مائة آية. (14) له دعوة الحق فإنه يدعى فيستجيب والذين يدعون يدعوهم المشركون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ من الطلبات إلا كباسط كفيه إلا إستجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه يطلب منه أن يبلغه من بعيد أو يغترف مع بسط كفيه ليشربه وما هو ببالغه لأن الماء جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته ولا يستقر في الكف المبسوطة وكذلك آلهتهم. القمي عن الباقر عليه السلام هذا مثل ضربه الله للذين يعبدون الأصنام والذين يعبدون الالهة من دون الله فلا يستجيبون لهم بشئ ولا ينفعهم إلا كباسط كفيه إلى الماء ليتناوله من بعيد ولا يناله وما دعاء الكافرين إلا في ضلال في ضياع وبطلان. (15) ولله يسجد من في السموت والارض طوعا وكرها وظلالهم

[ 63 ]

بالغدو والاصال العشي القمي عن الباقر عليه السلام أما من يسجد من أهل السموات طوعا فالملائكة يسجدون لله طوعا ومن يسجد من أهل الأرض فمن ولد في الأسلام فهو يسجد له طوعا وأما من يسجد له كرها فمن جبر على الأسلام وأما من لم يسجد فظله يسجد بالغداة والعشي. والقمي قال تحويل كل ظل خلقه الله هو سجود لله لأنه ليس شئ إلا له ظل يتحرك بتحريكه وتحويله سجوده ذكره في سورة النحل وقيل اريد بالظل الجسد وإن ما يقال للجسم الظل لأنه عنه الظل ولأنه ظل للروح لأنه ظلماني والروح نوراني وهو تابع له يتحرك بحركته النفسانية ويسكن بسكونه النفساني. القمي قال ظل المؤمن يسجد طوعا وظل الكافر يسجد كرها وهو نموهم وحركتهم وزيادتهم ونقصانهم. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله وظلالهم بالغدو والاصال قال هو الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وهي ساعة إجابة وفي نهج البلاغة فتبارك الذي يسجد له من في السموات والأرض طوعا وكرها ويعفر له خدا ووجها ويلقي بالطاعة إليه سلما وضعفا ويعطي القياد (1) رهبة وخوفا قال وسجدت له بالغدو والاصال الأشجار. أقول: كما يجوز أن يراد بكل من السجود والظل والغدو والاصال معناه المعروف كذلك يجوز أن يراد بالسجود الأنقياد وبالظل الجسد وبالغدو والاصال الدوام ويجوز ايضا أن يراد بكل منها ما يشمل كلا المعنيين فيكون في كل شئ بحسبه وعلى ما يليق به وبهذا تتلايم الروايات والأقوال ويأتي لهذا المعنى زيادة بيان في سورة النحل إن شاء الله. (16) قل من رب السموت والارض خالقهما ومتولي أمرهما [ أمورهما خ ل ]


1 - فلان سلس قياد أي سهل الانقياد من غير توقف (*)

[ 64 ]

قل الله اجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه ولأنه البين الذي لا مرية فيه قل أفاتخذتم من دونه أولياء ثم ألزمهم بذلك لا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم قل هل يستوى الاعمى والبصير. القمي يعني الكافر والمؤمن أم هل تستوى الظلمات والنور قال الكفر والأيمان وقرئ يستوي بالياء أم جعلوا لله شركاء بل أجعلوا والهمزة للأنكار خلقوا كخلقه صفة لشركاء داخلة في حكم الأنكار فتشابه الخلق عليهم خلق الله وخلقهم والمعنى أنهم ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله حتى يتشابه الخلق عليهم فيقولوا هؤلاء خلقوا كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق قل الله خلق كل شئ ولا خالق غيره فيشاركه في العبادة وهو الوحد القهار المتوحد بالالوهية الغالب على كل شئ. (17) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها في الصغر والكبر وعلى حسب المصلحة فاحتمل السيل زبدا رابيا مرتفعا ومما يوقدون عليه في النار من أنواع الفلزات كالذهب والفضة والحديد والنحاس وقرئ توقدون بالتاء ابتغاء حلية طلب حلية أو متاع كالأواني والات الحرث والحرب زبد مثله أي ومما توقدون عليه زبد مثل زبد الماء وهو خبثه كذلك يضرب الله الحق والبطل أي مثلهما مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية على وجه الحاجة والمصلحة فينتفع به أنواع المنافع ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منابعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والابار وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلي وإتخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدة متطاولة والباطل في قلة نفعه وسرعة اضمحلاله بزبدهما فأما الزبد فيذهب جفاء يجفأ به أي يرمي به السيل والفلز المذاب وأما ما ينفع الناس كالماء وخلاصة الفلز فيمكث في الارض ينتفع به أهلها كذلك يضرب الله الامثال لايضاح المشتبهات. القمي يقول أنزل الحق من السماء فاحتمله القلوب بأهوائها ذو اليقين على

[ 65 ]

قدر يقينه وذو الشك على قدر شكه فاحتمل الهوى باطلا كثيرا وجفاءا فالماء هو الحق والأودية هي القلوب والسيل هو الهوى والزبد وخبث الحلية هو الباطل والحلية والمتاع هو الحق من أصاب الحلية والمتاع في الدنيا انتفع به وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينفعه ومن أصاب الزبد وخبث الحلية في الدنيا لم ينتفع به وكذلك صاحب الباطل يوم القيامة لا ينتفع به. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام قد بين الله تعالى قصص المغيرين فضرب مثلهم بقوله فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله والأرض في هذا الموضع هي محل العلم وقراره الحديث وقد مضى تمامه في المقدمة السادسة. (18) للذين استجابوا لربهم الحسنى الاستجابة الحسنى والذين لم يستجيبوا له يعني كذلك يضرب الله الأمثال للفريقين وما بعده كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين ويحتمل عدم تعلقه بما قبله ويراد بالحسنى المثوبة الحسنى ويكون ما بعده متعلقا به لو أن له ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب. في المجمع عن الصادق عليه السلام هو أن لا تقبل لهم حسنة ولا تغفر لهم سيئة. وفي الحديث من نوقش في الحساب عذب ومأويهم جهنم وبئس المهاد المستقر القمي يمهدون في النار. (19) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق فيستجيب كمن هو أعمى القلب لا يستبصر فيستجيب والهمزة للأنكار يعني لا شبهة في عدم تشابههما بعدما ضرب من المثل فإن بينهما من البون ما بين الزبد والماء والخبث والأبريز إنما يتذكر

[ 66 ]

أولوا الالباب ذوو العقول المبرأة عن مشابهة الألف ومعارضة الوهم. العياشي عن الصادق عليه السلام إنه خاطب شيعته بقوله أنتم اولو الألباب في كتاب الله قال الله إنما يتذكر أولوا الالباب. (20) الذين يوفون بعهد الله ما عقدوه على أنفسهم لله ولا ينقضون الميثاق ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد وهو تعميم بعد التخصيص. القمي عن الكاظم عليه السلام نزلت هذه الاية في آل محمد عليهم السلام وما عاهدهم عليه وما أخذ عليهم من الميثاق في الذر من ولاية أمير المؤمنين والأئمة بعده عليهم السلام. (21) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل من الرحم ولا سيما رحم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلم ويندرج فيه موالاة أمير المؤمنين ومراعاة حقوقهم. في الكافي عن الصادق عليه السلام نزلت في رحم آل محمد وقد تكون في قرابتك ثم قال فلا تكونن ممن يقول للشئ إنه في شئ واحد وفيه. والعياشي عنه عليه السلام الرحم معلقة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني وهو رحم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلم وهو قول الله والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ورحم كل ذي رحم. والعياشي ورحم كل مؤمن. وفي المجمع والقمي والعياشي عن الكاظم عليه السلام مثله. وفي الكافي والعياشي عن الصادق ومما فرض الله في المال من غير الزكوة قوله تعالى الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل. وفي المجمع مثله عن الرضا عليه السلام ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا. في الكافي والعياشي والمعاني والقمي عن الصادق عليه السلام إنه تلا هذه

[ 67 ]

الاية حين وافي رجلا استقصى حقه من أخيه وقال أتراهم يخافون أن يظلمهم أو يجور عليهم لا ولكنهم خافوا الأستقصاء والمداقة فسماه الله سوء الحساب فمن استقصى فقد أساء. وفي المجمع والعياشي عنه عليه السلام أن تحسب عليهم السيئات وتحسب لهم الحسنات وهو الأستقصاء وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام لو لم يكن للحساب مهولة إلا حياء العرض على الله وفضيحة هتك الستر على المخفيات لحق للمرء أن لا يهبط من رؤس الجبال ولا يأوي إلى عمران ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام إلا عن اضطرار متصل بالتلف. (22) والذين صبروا على القيام بأوامر الله ومشاق التكاليف وعلى المصائب في النفوس والأموال وعن معاصي الله ابتغآء وجه ربهم طلبا لرضاه وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة يدفعونها بها فيجازون الأساءة بالأحسان ويتبعون الحسنة السيئة فتمحوها. القمي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم لعلي عليه السلام يا علي ما من دار فيها قرحة إلا تبعها ترحة [ نوحة خ ل ] وما من هم إلا وله فرج إلا هم أهل النار إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها سريعا وعليك بصنائع الخير فانها تدفع مصاريع السوء وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام على حد تأديب الناس لا بأن لأمير المؤمنين عليه السلام سيئات عملها أولئك لهم عقبى الدار عاقبة الدار وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة. (23) جنات عدن يدخلونها العدن الأقامة أي جنات يقيمون فيها وقد مضى في شأنها أخبار في سورة التوبة ومن صلح من أآبائهم وأزواجهم وذريتهم يلحق بهم من صلح منهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم وليكونوا مسرورين بهم آنسين بصحبتهم.

[ 68 ]

العياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن الرجل المؤمن له امرأة مؤمنة يدخلان الجنة يتزوج أحدهما الاخر فقال إن الله حكم عدل إذا كان أفضل منها خيره فإن اختارها كانت في أزواجه وإن كانت هي خيرا منه خيرها فإن اختارته كان زوجا لها. وفي الخصال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم أن أم سلمة قالت له بأبي أنت وامي المرأة يكون لها زوجان فيموتان فيدخلان الجنة لأيهما تكون فقال يا ام سلمة تخير أحسنهما خلقا وخيرهما لأهله يا أم سلمة إن حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والاخرة والملائكة يدخلون عليهم من كل باب من أبواب غرفهم وقصورهم. (24) سلام عليكم بما صبرتم هذا بسبب صبركم فنعم عقبى الدار. القمي نزلت في الأئمة عليهم السلام وشيعتهم الذين صبروا وعن الصادق عليه السلام نحن صبرو شيعتنا أصبر منا لأنا صبرنا بعلم وشيعتنا صبروا على ما لا يعلمون. في الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث يصف فيه حال المؤمن إذا دخل الجنان والغرف وسنذكر صدره في سورتي فاطر والزمر إن شاء الله قال ثم يبعث الله له [ إليه خ ل ] ألف ملك يهنؤونه بالجنة ويزوجونه بالحوراء فينتهون إلى أول باب من جنانه فيقولون للملك الموكل بأبواب الجنان إستأذن لنا على ولي الله فإن الله قد بعثنا مهنئين فيقول الملك حتى أقول للحاجب فيعلمه مكانكم قال فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب فيقول للحاجب إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين جاؤوا يهنئون ولي الله وقد سألوني أن أستأذن لهم عليه فيقول له الحاجب إنه ليعظم علي أن أستأذن لأحد على ولي الله وهو مع زوجته قال وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان فيدخل الحاجب على القيم فيقول له إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين يهنئون ولي الله فأستأذن لهم فيقوم القيم إلى الخدام فيقول لهم أن رسل

[ 69 ]

الجبار على باب العرصة وهم ألف ملك أرسلهم يهنئون ولي الله فأعلموه مكانهم قال فيعلمونه قال فيؤذن لهم فيدخلون على ولي الله وهو في الغرفة ولها ألف باب وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الذي قد وكل به فيدخل كل ملك من باب من أبواب الغرفة فيبلغونه رسالة الجبار وذلك قول الله عز وجل والملئكة يدخلون عليهم من كل باب يعني من أبواب الغرفة سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. (25) والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه من بعد ما أوثقوه به من الأقرار والقبول. القمي يعني في أمير المؤمنين وهو الذي أخذ الله عليهم في الذر وأخذ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الرحم وغيرها ويفسدون في الارض بالظلم وتهييج الفتن أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار عذاب النار. (26) الله وحده يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يوسعه ويضيقه دون غيره وفرحوا بالحيوة الدنيا بما بسط لهم فيها وما الحيوة الدنيا في الاخرة في جنب الاخرة إلا متاع إلا شئ قليل يتمتع به ثم يفنى ولا يدوم كعجالة الراكب يعني أنهم اشروا (1) بما نالوا من الدنيا ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الاخرة واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع سريع الزوال. (28) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه اية من ربه قل إن الله يضل من يشآء باقتراح الايات بعد ظهور المعجزات ويهدى إليه من أناب من أقبل إلى الحق ورجع عن العناد. (28) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله تسكن إليه أنسابه واعتمادا عليه ورجاء منه.


1 - اشر كفرح فهو أشر واشر واشر بالفتح ويحرك واشران مرح ج اشرون واشرون واشرى واشارى (*)

[ 70 ]

العياشي عن الصادق عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم تطمئن وهو ذكر الله وحجابه. والقمي الذين آمنوا الشيعة وذكر الله أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام ألا بذكر الله تطمئن القلوب. (29) الذين آمنوا وعملوا الصلحت طوبى لهم من الطيب مصدر كبشرى وزلفى وحسن مآب مرجع. في الكافي عن الصادق عليه السلام طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها لا يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما ألا ففي هذا فارغبوا. والعياشي عن الباقر عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلم مثله. وفي الأكمال عن الصادق عليه السلام طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية فقيل له وما طوبى قال شجرة في الجنة أصلها في دار علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وليس مؤمن إلا وفي داره غصن من أغصانها وذلك قول الله طوبى لهم وحسن مآب. والأخبار في تفسير طوبى بالشجرة التي في الجنة وذكر أوصاف تلك الشجرة كثيرة رواها القمي والعياشي وفي العيون والخصال والأحتجاج وغيرها. وفي المجمع عن الكاظم عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه سئل عن طوبى قال شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة ثم سئل عنها مرة أخرى فقال صلى الله عليه وآله وسلم في دار علي عليه السلام فقيل له في ذلك فقال إن داري ودار علي عليه السلام في الجنة بمكان واحد. (30) كذلك مثل ذلك الأرسال أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها تقدمتها

[ 71 ]

أمم ارسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليها التتلوا عليهم الذى أوحينا إليك لتقرأ عليهم الكتاب الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن وحالهم إنهم يكفرون بالواسع الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شئ رحمته فلم يشكروا نعمه وخصوصا إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز عليهم قل هو ربى أي الرحمن خالقي ومتولي أمري لا إله إلا هو لا يستحق العبادة إلا هو تعالى عن الشركاء عليه توكلت في نصرتي عليكم وإليه متاب مرجعي فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم. (31) ولو أن قرآنا سيرت به الجبال زعزعت عن مقارها أو قطعت به الارض تصدعت من خشية الله وتشققت أو كلم به الموتى فتسمع فتجيب لكان هذا القرآن لعظم قدره وجلالة شأنه. القمي قال لو كان شئ من القرآن كذلك لكان هذا. وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان وتحيي به الموتى بل لله الامر جميعا بل لله القدرة على كل شئ أفلم ييأس الذين آمنوا قيل أي أفلم يعلم وهي لغة قوم من النخع وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه لأن اليائس عن الشئ عالم بأنه لا يكون. وفي المجمع قرأ علي وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد عليهم السلام أفلم يتبين قيل وينسب هذه القراءة إلى جماعة من الصحابة والتابعين وهو تفسيره أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من الكفر وسوء الأفعال قارعة (1) داهية تقرعهم من صنوف المصائب في نفوسهم وأموالهم أو تحل القارعة قريبا من دارهم فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها كالسرايا التي يبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتغير أحوالهم وتختطف مواشيهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد. القمي عن الباقر عليه السلام ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة


1 - القارعة البلية التي تقرع القلب لشدة المخافة والقرع الضرب بشدة الاعتماد وقوارع الدهر دواهيه. (*)

[ 72 ]

وهي النقمة أو تحل قريبا من دارهم فتحل بقوم غيرهم فيرون ذلك ويسمعون به والذين حلت بهم عصاة كفار مثلهم ولا يتعظ بعضهم ببعض ولن يزالوا كذلك حتى يأتي وعد الله الذي وعد المؤمنين من النصر ويخزي الله الكافرين. (32) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه والأملاء أن يترك ملأة من الزمان في أمن ودعة. والقمي أي طولت لهم الأمل ثم أهلكتهم فكيف كان عقاب عقابي إياهم. (33) أفمن هو قائم على كل نفس رقيب عليه وحافظ بما كسبت من خير وشر فلا يخفي عليه شئ من أعمالهم ولا يفوت عنده شئ من جزائهم كمن ليس كذلك وجعلوا لله شركاء قل سموهم من هم أو صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة أم تنبئونه بل أتنبؤنه بما لا يعلم في الارض بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض فإذا لم يعلمهم فإنهم ليسوا بشئ يتعلق به العلم والمراد نفي أن يكون له شركاء أم بظاهر من القول أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار كتسمية الزنجي كافورا وهذه الأساليب. في الأحتجاج ينادي بلسان فصيح إنها ليست من كلام البشربل زين للذين كفروا مكرهم تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها وصدوا عن السبيل سبيل الحق وقرئ بفتح الصاد ومن يضلل الله يخذله فما له من هاد يوفقه للهدى. (34) لهم عذاب في الحيوة الدنيا بالقتل والأسر وسائر المصائب ولعذاب الاخرة أشق لشدته ودوامه وما لهم من الله من واق من دافع. (35) مثل الجنة التى وعد المتقون صفتها التي هي مثل في الغرابة تجرى من تحتها الانهار أكلها دائم لا مقطوعة ولا ممنوعة وظلها كذلك تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكفرين النار. (36) والذين آتيناهم الكتب يفرحون بما أنزل إليك.

[ 73 ]

القمي عن الباقر عليه السلام أي يفرحون بكتاب الله إذا يتلى عليهم وإذا تلوه تفيض أعينهم دمعا من الفزع والحزن ومن الاحزاب وممن تحزب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعداوة من ينكر بعضه وهو ما يخالف شرائعهم قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به فإنكاركم إنكار لعبادة الله وتوحيده إليه أدعوا لا إلى غيره وإليه مآب وإليه مرجعي لا إلى غيره قيل يعني هذا هو المتفق عليه بين الأنبياء فأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالعصور والامم فلا معنى لأنكاركم والمخالفة فيه وأنتم تقولون مثل ذلك. (37) وكذلك أنزلنه ومثل هذا الانزال أنزلناه مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه حكما عربيا حكمة عربية مترجمة بلسان العرب ولئن اتبعت أهوائهم في امور يدعونك إلى أن توافقهم عليها بعد ما جاءك من العلم بنسخ ذلك ما لك من الله من ولي ينصرك ولا واق يمنع العقاب عنك وهو حسم لأطماعهم وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم. (38) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك بشرا مثلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية نساء وأولادا كما هي لك. في الجوامع كانوا يعيرون رسول الله بكثرة تزوج النساء فقيل إن الرسل قبله كانوا مثله ذوي أزواج وذرية. العياشي عن الصادق عليه السلام فما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا كأحد أولئك جعل الله له أزواجا وجعل له ذرية لم يسلم مع أحد من الأنبياء من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته أكرم الله بذلك رسوله وفي رواية اخرى فنحن ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان لرسول وما صح له ولم يكن في وسعه أن يأتي بآية يقترح عليه وحكم يلتمس منه إلا بإذن الله فإنه القادر على ذلك لكل أجل كتاب لكل وقت حكم يكتب على العباد ولهم ما يقتضيه صلاحهم.

[ 74 ]

يمحوا الله ما يشآء ويثبت وقرئ بالتشديد وعنده أم الكتاب يعني أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ عن المحو والتبديل وهو جامع للكل ففيه إثبات المثبت وإثبات الممحو ومحوه وإثبات بدله ينسخ ما ينبغي نسخه ويثبت ما يقتضيه حكمته ويمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها ويمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاءا ويترك غيره مثبتا أو يثبت ما رآه في صميم قلب عبده ويمحو الفاسدات ويثبت الكائنات ويمحو قرنا ويثبت آخرين والأخير مروي عن أمير المؤمنين عليه السلام رواه في المجمع وهو أحد معانيها المراد بها كلها قال وهو كقوله تعالى ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين وقوله كم أهلكنا قبلهم من القرون. في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام هل يمحي إلا ما كان ثابتا وهل يثبت إلا ما لم يكن. والقمي والعياشي عنه عليه السلام إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فكتبوا ما يكون من قضاء الله تعالى تلك السنة فإذا أراد الله أن يقدم شيئا أو يؤخره أو ينقص شيئا أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثم أثبت الذي أراد. وفي الكافي ما في معناه. والعياشي عن الباقر عليه السلام إن الله عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم الحديث وقد مضى في أواخر سورة البقرة نقلا من العلل. وعن الصادق عليه السلام إنه سئل عن قوله الله تعالى ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم قال كتبها لهم ثم محاها ثم كتبها لأبنائهم فدخلوها والله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب. وعنه عن أبيه عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن المرء ليصل رحمه وما بقى من عمره إلا ثلاث سنين فيمدها الله إلى ثلاث وثلاثين سنة وإن المرء ليقطع رحمه وقد بقى من عمره ثلاث وثلاثون سنة فينقصها الله إلى ثلاث سنين أو أدنى قال وكان الصادق عليه السلام يتلو هذه الاية.

[ 75 ]

وعنه عليه السلام إنه سئل عن قول الله تعالى يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب قال إن ذلك الكتاب كتاب يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت فمن ذلك الذي يرد الدعاء القضاء وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يرد به القضاء حتى إذا صار إلى ام الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئا. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هما كتابان كتاب سوي أم الكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وأم الكتاب لا يغير منه شئ وعن الصادق عليه السلام هما أمران موقوف ومحتوم فما كان من محتوم أمضاه وما كان من موقوف فله فيه المشية يقضي فيه ما يشاء. والعياشي عن الباقر عليه السلام إنه قال كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول لولا آية في كتاب الله لحدثتكم ما يكون إلى يوم القيامة فقلت له أية آية قال قول الله يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتب ومثله في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام. وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام العلم (1) علمان فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه وعلم علمه ملائكته ورسله فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويثبت ما يشاء. أقول: وربما يعلم نادرا من علمه المخزون بعض رسله كما جاءت به الأخبار وبه يحصل التوفيق بين هذا الحديث والذي قبله وتمام تحقيق هذا المقام يطلب من كتابنا المسمى بالوافي في أبواب معرفة مخلوقات الله وأفعاله من الجزء الأول منه.


1 - بيان وذلك لان صورة الكائنات كلها منتقشة في أم الكتاب المسمى باللوح المحفوظ تارة وهو العالم العقلي والخلق الاول وفي كتاب المحو والاثبات أخرى وهو العالم النفسي والخلق الثاني واكثر اطلاع الانبياء والرسل على الاول وهو محفوظ من المحو والاثبات وحكمه محتوم بخلاف الثاني فانه موقوف وفي الاول اثبات المحو في الثاني واثبات الاثبات فيه ومحو الاثبات عند وقوع الحكم وانشاء امر آخر فهو مقدس عن المحو يحكم باختلاف الامور وعواقبها مفصلة مسطرة بتقدير العزيز العليم (وافي) (*)

[ 76 ]

(40) وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك وكيف ما دارت الحال أريناك بعض ما وعدناهم أو توفيناك قبله فإنما عليك البلاغ لا غير وعلينا الحساب للمجازاة لا عليك فلا تحتفل بإعراضهم (1) ولا تستعجل بعذابهم فاعلون له وهذا طلائعه (2). (41) أولم يروا أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها بذهاب أهلها في الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام يعني بذلك ما يهلك من القرون فسماه اتيانا. وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال فقد العلماء. والقمي قال موت علمائها وفي الكافي عن الباقر عليه السلام كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول إنه يسخى نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله تعالى أولم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها وهو ذهاب العلماء. أقول: وعلى هذا التفسير يكون الأطراف جمع طرف (3) أو طرف بالتسكين بمعنى العلماء والأشراف كما ذكره في الغريبين والله يحكم لا معقب لحكمه لا راد له والمعقب الذي يعقب الشئ فيبطله وهو سريع الحساب فيحاسبهم عما قليل. (42) وقد مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم والمؤمنين منهم فلله المكر جميعا إذ لا يؤبه بمكر دون مكره فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره. القمي قال المكر من الله هو العذاب يعلم ما تكسب كل نفس فيعد جزاؤه فيأتيه من حيث لا يشعر وسيعلم الكفار وقرئ الكافر لمن عقبى الدار من الحزبين يعني العاقبة الممدوحه وهذا كالتفسير لمكر الله بهم. (43) ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفي بالله شهيدا بينى


1 - وما حفله وبه يحفله وما احتفل به ما بالي ق 2 - وطليعة الجيش من يبعث ليطلع طلع العدو للواحد والجميع جمعه طلايع ق 3 - الطرف محركة الناحية والطائفة من الشئ والرجل الكريم والاطراف الجمع ومن البدن اليدان والرجلان والرأس ومن الارض اشرافها وعلماؤها ومنك ابواك وأخوتك واعمامك وكل قريب محرم ق (*)

[ 77 ]

وبينكم فإنه أظهر من الحجج على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها ومن عنده علم الكتاب. في الكافي والخرايج والعياشي عن الباقر عليه السلام إيانا عنى وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام مثله. وفي الأحتجاج سأل رجل علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عن أفضل منقبة له فقرأ الاية وقال إياي عني بمن عنده علم الكتاب. وفي المجالس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه سئل عن هذه الاية قال ذاك أخي علي بن أبي طالب عليه السلام. والعياشي عن الباقر عليه السلام إنه قيل له هذا إبن عبد الله بن سلام يزعم أن أباه الذي يقول الله قل كفي بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتب قال كذب هو علي بن أبي طالب عليه السلام. وعنه عليه السلام نزلت في علي عليه السلام إنه عالم هذه الامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والقمي عن الصادق عليه السلام هو أمير المؤمنين عليه السلام وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم ام الكتاب فقال ماكان الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر وقال أمير المؤمنين عليه السلام ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين. وفي الكافي عنه عليه السلام هل وجدت فيما قرأت في كتاب الله تعالى قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ثم ذكر ما يقرب مما ذكر بنحو أبسط وقال في آخره علم الكتاب والله كله عندنا علم الكتاب والله كله عندنا.

[ 78 ]

في ثواب الأعمال والعياشي عن الصادق صلوات الله عليه من أكثر قراءة سورة الرعد لم يصبه الله بصاعقة أبدا ولو كان ناصبيا وإذا كان مؤمنا دخل الجنة بغير حساب ويشفع في جميع من يعرفه من أهل بيته وإخوانه.

[ 79 ]

سورة إبراهيم عليه السلام هي مكية إلا آيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله) إلى قوله (فبئس القرار) عدد آيها خمس وخمسون آية. بسم الله الرحمن الرحيم (1) الر كتاب أنزلنه إليك لتخرج الناس بدعوتهم إلى ما فيه من الظلمت من الكفر وأنواع الضلال إلى النور إلى الأيمان والهدى بإذن ربهم بتوفيقه وتسهيله إلى صراط العزيز الحميد بدل من قوله إلى النور. (2) الله الذى له ما في السموات وما في الارض وقرئ الله بالرفع وويل للكافرين من عذاب شديد الويل الهلاك نقيض الوال وهو النجاة. (3) الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الاخرة يختارونها عليها ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا يطلبون لسبيل الله اعوجاجا ليقدحوا فيها أولئك في ضلال بعيد ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل. (4) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه إلا بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم ليبين لهم ما امروا به فيفقهوه بيسر وسرعة في الخصال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ومن علي ربي وقال يا محمد قد أرسلت كل رسول إلى امته بلسانها وأرسلتك إلى كل أحمر وأسود من خلقي فيضل الله من يشاء بالخذلان ويهدى من يشاء بالتوفيق وهو العزيز فلا يغالب على مشيته الحكيم الذي لا يفعل ما يفعل إلا لحكمته.

[ 80 ]

(5) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله قيل بوقايعه الواقعة على الامم الماضية وأيام العرب يقال لحروبها. وفي المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام بنعم الله وآلائه. والقمي أيام الله ثلاثة يوم القائم ويوم الموت ويوم القيامة. وفي الخصال عن الباقر عليه السلام أيام الله يوم يقوم القائم ويوم الكرة ويوم القيامة. أقول: لا منافاة بين هذه التفاسير لأن النعمة على المؤمن نقمة على الكافر وكذا الأيام المذكورة نعم لقوم ونقم لاخرين إن في ذلك لايات لكل صبار شكور يصبر على بلائه ويشكر لنعمائه. (6) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجكم من آل فرعون يسومونكم يكلفونكم سوء العذاب إستعبادكم بالأفعال الشاقة كما مضى في سورة البقرة ويذبحون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم إبتلاء منه أو وفي الأنجاء نعمة. (7) وإذ تأذن ربكم واذكروا إذ أعلم أنه لئن شكرتم يا بني اسرائيل ما أنعمت عليكم من الأنجاء وغيره بالأيمان والعمل الصالح لازيدنكم نعمة إلى نعمة ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. في الكافي عن الصادق عليه السلام ما أنعم الله على عبد من نعمة فعرفها بقلبه وحمد الله ظاهرا بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد وفي المجمع ما في معناه والقمي والعياشي مثله وزادا وهو قوله تعالى لئن شكرتم لازيدنكم. وفي الكافي عنه عليه السلام من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله قبل أن يظهر شكرها على لسانه.

[ 81 ]

وعنه عليه السلام ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال الحمد لله إلا أدى شكرها وفي رواية اخرى وكان الحمد أفضل من تلك النعمة وعنه عليه السلام في تفسير وجوه الكفر الوجه الثالث من الكفر كفر النعم قال لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. (8) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا من الثقلين فإن الله لغنى عن شكركم حميد مستحق للحمد في ذاته وإن لم يحمده حامد محمود يحمده نفسه وتحمده الملائكة وينطق بنعمته ذرات المخلوقات فما ضررتم بالكفران إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الأنعام وعرضتموها للعذاب الشديد. (9) ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله لكثرة عددهم جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم القمي أي في أفواه الأنبياء. أقول: يعني منعوهم من التكلم وهو تمثيل وفي تفسير هذه الكلمة وجوه أخر ذكرها المفسرون وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب. (10) قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والارض يدعوكم ليغفر لكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إلى وقت سماه الله وجعله آخر أعماركم قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا لا فضل لكم علينا فلم خصصتم بالنبوة دوننا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين بحجة واضحة أرادوا بذلك ما اقترحوه من الايات تعنتا وعنادا. (11) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده سلموا مشاركتهم في البشرية وجعلوا الموجب لأختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم بخصايص فيهم ليست في أبناء جنسهم وما كان لنا أن نأتيكم بسلطن إلا بإذن الله أي ليس إلينا الأتيان بما اقترحتموه وإنما هو أمر يتعلق بمشية الله فيخص كل نبي بنوع من الايات وعلى الله فليتوكل المؤمنون فليتوكل بالصبر على معاداتكم

[ 82 ]

عمموا للأشعار بما يوجب التوكل وهو الأيمان وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا. (12) وما لنا ألا نتوكل على الله أي أي عذر لنا في أن لا نتوكل وقد هدينا سبلنا التي بها نعرفه ونعلم أن الأمور كلها بيده ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون. (13) وقال الذين كفروا الرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا حلفوا على أن يكون أحد الأمرين والعود بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم قط فأوحى إليهم ربهم أي إلى الرسل لنهلكن الظلمين. (14) ولنسكننكم الارض من بعدهم أي أرضهم وديارهم. القمي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه الله داره وقرأ هذه الاية. وفي المجمع جاء في الحديث من آذى جاره ورثه الله داره ذلك أي إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين لمن خاف مقامي أي موقفي للحساب وخاف وعيد أي وعيدي بالعذاب. (15) واستفتحوا سألوا من الله الفتح على أعدائهم أو القضاء بينهم وبين أعاديهم من الفتاحة بمعنى الحكومة وخاب كل جبار عنيد في التوحيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني من أبى أن يقول لا إله إلا الله. والقمي عن الباقر عليه السلام العنيد المعرض عن الحق. (16) من ورائه جهنم من بين يدي هذا الجبار نار جهنم فإنه مرصد بها واقف على شفيرها في الدنيا مبعوث إليها في الاخرة ويسقى أي يلقى فيها ويسقى من ماء صديد. في المجمع عن الصادق عليه السلام أي ويسقى مما يسيل من الدم والقيح من فروج الزواني في النار. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يقرب إليه فيكرهه فإذا ادني منه

[ 83 ]

شوي وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شرب قطع أمعاؤه حتى يخرج من دبره يقول الله عز وجل وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ويقول وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه والقمي ما يقرب منه. (17) يتجرعه يتكلف جرعه ولا يكاد يسيغه ولا يقارب أن يسيغه فكيف يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان أي أسبابه من الشدائد فيحيط به من جميع الجهات وما هو بميت فيستريح ومن ورائه ومن بين يديه عذاب غليظ أي يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه. العياشي عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليهم السلام إن أهل النار لما غلى الزقوم والضريع في بطونهم كغلي الحميم سألوا الشراب فأتوا بشراب غساق وصديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ حميم تغلي به جهنم منذ خلقت كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا. (18) مثل الذين كفروا بربهم صفتهم التي هي مثل في الغرابة أعمالهم كرماد اشتدت به الريح حملته وأسرعت الذهاب به. في يوم عاصف العصف اشتداد الريح وصف اليوم به للمبالغة كقولهم نهاره صائم شبه مكارمهم من الصدقة وصلة الرحم وعتق الرقاب وإغاثة الملهوف في حبوطها وذهابها هباءا منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله والتوجه به إليه برماد طيرته الريح العاصف لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا منها على شئ يعني لا يرون لشئ منها ثوابا ذلك أي ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون هو الضلال البعيد في غاية البعد عن الحق. (19) ألم تر أن الله خلق السموت والارض بالحق بالحكمة والغرض الصحيح ولم يخلقها عبثا باطلا وقرئ خالق السماوات إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد يعدمكم ويخلق مكانكم خلقا آخرين (20) وما ذلك على الله بعزيز بمتعذر أو متعسر.

[ 84 ]

(21) وبرزوا لله جميعا يعني يبرزون يوم القيامة وذكر بلفظ الماضي لتحقق وقوعه فقال الضعفاء ضعفاء الرأي يعني الأتباع للذين استكبروا لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغو وهم في مصباح المتهجد في خطبة الغدير لأمير المؤمنين عليه السلام بعد تلاوته لها أفتدرون الأستكبار ما هو هو ترك الطاعة لمن امروا بطاعته والترفع على من ندبوا إلى متابعته إنا كنا لكم تبعا في تكذيب الرسل والأعراض عن نصايحهم فهل أنتم مغنون عنا دافعون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدينا الله للأيمان والنجاة من العذاب. والقمي الهدي هنا الثواب لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص منجى ومهرب من العذاب. (22) وقال الشيطان لما قضى الامر. القمي لما فرغ من أمر الدنيا من أوليائه. والقمي والعياشي عن الباقر عليه السلام كلما في القرآن وقال الشيطان يريد به الثاني إن الله وعدكم وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفي لكم بما وعدكم ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم ولم أوف لكم بما وعدتكم وما كان لى عليكم من سلطان تسلط فاجبركم على الكفر والعصيان إلا أن دعوتكم إلا دعائي إياكم إليهما بتسويلي ووسوستي فاستجبتم لى أسرعتم اجابتي فلا تلوموني بوسوستي فإن من صرح بعداوته لا يلام بأمثال ذلك ولوموا أنفسكم حيث اغتررتم بي واطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم ما أنا بمصرخكم بمغيثكم من العذاب وما أنتم بمصرخي بمغيثي لا ينجي بعضنا بعضا إنى كفرت بما أشركتمون من قبل تبرأت منه واستنكرته كقوله ويوم القيمة يكفرون بشرككم. في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن الكفر في هذه الاية البراءة إن الظالمين لهم عذاب أليم من تتمة كلامه أو إستيناف وفي حكاية أمثاله لطف للسامعين

[ 85 ]

وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم. (23) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنت تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام. (24) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة قولا حقا ودعاءا إلى صلاح كشجرة طيبة يطيب ثمرها كالنخلة. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن هذه الشجرة الطيبة النخلة أصلها ثابت في الأرض ضارب بعروقه فيها وفرعها في السماء. (25) تؤتي أكلها تعطي ثمرها كل حين كل وقت وقته الله لأثمارها بإذن ربها بإرادة خالقها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون لأن في ضرب الأمثال تذكيرا وتصويرا للمعاني بالمحسوسات لتقريبها من الأفهام. والعياشي عن الصادق عليه السلام هذا مثل ضربه الله لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولمن عاداهم. وفي الكافي عنه عليه السلام إنه سئل عن الشجرة في هذه الاية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلها وأمير المؤمنين عليه السلام فرعها والأئمة من ذريتهما أغصانها وعلم الأئمة ثمرتها وشيعتهم المؤمنون ورقها قال والله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها وأن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها وفي الأكمال والحسن والحسين ثمرها والتسعة من ولد الحسين عليهم السلام أغصانها وفي المعاني وغصن الشجرة فاطمة عليها السلام وثمرها أولادها وورقها شيعتها. وزاد في الأكمال تؤتي أكلها كل حين مايخرج من علم الأمام إليكم في كل سنة من كل فج عميق. وفي المجمع والقمي والعياشي ما يقرب من هذه الأخبار ويأتي فيه حديث آخر في سورة بني إسرائيل عند قوله تعالى والشجرة الملعونة في القرآن إن شاء الله.

[ 86 ]

ومثل كلمة خبيثة قول باطل ودعاء إلى ضلال أو فساد كشجرة خبيثة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل اجتثت استوصلت واخذت جثته بالكلية من فوق الارض لأن عروقها قريبة منها مالها من قرار استقرار. في المجمع عن الباقر عليه السلام إن هذا مثل بني امية. والقمي عنه عليه السلام كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السماء وبنو امية لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد ولا تصعد أعمالهم إلى السماء إلا قليل منهم. (27) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت الذي ثبت بالحجة والبرهان عندهم وتمكن في قلوبهم وإطمأنت إليه أنفسهم في الحيوة الدنيا ولا يزالون إذا افتتنوا في دينهم وفي الاخرة فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم ويضل الله الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالجحود والأقتصار على التقليد فلا يهتدون إلى الحق ولا يثبتون في مواقف الفتن. في التوحيد عن الصادق عليه السلام يعني يضلهم يوم القيامة عن دار كرامته كما يأتي في سورة الكهف عند قوله تعالى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ويفعل الله ما يشاء من تثبيت المؤمنين وخذلان الظالمين. في الفقيه والعياشي عن الصادق عليه السلام إن الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته عن يمينه وعن شماله ليضله عما هو عليه فيأبى الله عز وجل له ذلك وذلك قول الله عز وجل يثبت الله الذين آمنوا الاية. وفي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث سؤال القبر فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول الله ربي وديني الأسلام ونبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقولان ثبتك الله فيما يحب ويرضى وهو قول الله يثبت الله الذين آمنوا الاية. وعن الصادق عليه السلام في سؤال القبر وإن كان كافرا إلى أن قال ويسلط

[ 87 ]

الله عليه في قبره الحيات تنهشه نهشا والشيطان يغمه غما قال ويسمع عذابه من خلق الله إلا الجن والأنس وإنه ليسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم وهو قول الله عز وجل يثبت الله إلى قوله ويفعل الله ما يشاء. والعياشي والقمي ما يقرب من الحديثين. (28) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار دار الهلاك بحملهم على الكفر. (29) جهنم يصلونها وبئس القرار وبئس المقر جهنم. في الكافي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال ما يقولون في ذلك قيل يقولون هما الأفجران من قريش بنو امية وبنوا المغيرة فقال هي والله قريش قاطبة إن الله تعالى خاطب به نبيه فقال إني فضلت قريشا على العرب وأتممت عليهم نعمتي وبعثت إليهم رسولي فبدلوا نعمتي كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. وعن الصادق عليه السلام عنى بها قريشا قاطبة الذين عادوا رسول الله ونصبوا له الحرب وجحدوا وصيه. وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام إنهم كفار قريش كذبوا نبيهم ونصبوا له الحرب والعداوة. قال وسأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام عن هذه الاية فقال هما الأفجران من قريش وبنو أمية وبنو المغيرة فأما بنو امية فمتعوا إلى حين وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. والقمي عن الصادق عليه السلام نزلت في الأفجرين من قريش بني المغيرة وبنو أمية فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم وأما بنو امية فمتعوا إلى حين ثم قال ونحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده وبنا يفوز من فاز. وفي الكافي والقمي عن أمير المؤمنين عليه السلام ما بال أقوام غيروا سنة

[ 88 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدلوا عن وصيه ولا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب ثم تلا هذه الاية ثم قال نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده وبنا يفوز من فاز يوم القيامة. والعياشي عنه عليه السلام آخر الحديث وشطرا مما سبق. (30) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله الذي هو التوحيد وقرئ بفتح الياء وليس الأضلال ولا الضلال غرضهم في إتخاذ الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض قل تمتعوا إيذان بأنهم كأنهم مأمورون بالتمتع لانغماسهم فيه وأنهم لا يعرفون غيره فإن مصيركم إلى النار. (31) قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوة أي أقيموا الصلوة يقيموا أو ليقيموا وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية العياشي مضمرا من الحقوق التي هي غير الزكوة المفروضة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره ويفدي به نفسه ولا خلال ولا مخالة فيشفع لك خليل. والقمي أي لا صداقة. (32) الله الذى خلق السموت والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس وغيرهما وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره إلى حيث توجهتم وسخر لكم الانهار جعلها معدة لأنتفاعكم وتصرفكم وعلمكم كيفية إتخاذها. (33) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين في مرضاته يد أبان في مسيرهما لا يفتران في منافع الخلق وإصلاح ما يصلحان من الأرض والنبات والأبدان وسخر لكم الليل والنهار يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم. (34) وآتيكم من كل ما سألتموه. في المجمع عنهما عليهما السلام إنهما قرءا من كل ما سألتموه بالتنوين

[ 89 ]

والعياشي عن الباقر عليه السلام الثوب والشئ الذي لم تسأله إياه أعطاك ولعل المراد بما سألتموه ما كان حقيقا بأن يسأل سئل أو لم يسأل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها لا تعدوها ولا تطيقوا حصر أنواعها فضلا عن إفرادها. في الكافي عن السجاد عليه السلام إنه إذا قرأ هذه الاية يقول سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمة إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم إنه لا يدرك فشكر تعالى معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما علم علم العالمين إنهم لا يدركونه فجعله إيمانا علما منه أنه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته وكيف يبلغ مدى عبادته من لأمدى له ولا كيف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا إن الانسان لظلوم للنعمة لا يشكرها كفار يكفرها. (35) وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا البلد بلد مكة آمنا ذا أمن لمن فيها قد سبق بيانه في سورة البقرة واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام. العياشي عن الصادق عليه السلام أنه أتاه رجل فسأله عن شئ فلم يجبه فقال له الرجل فإن كنت إبن أبيك فإنك من أبناء عبدة الأصنام فقال له كذبت إن الله أمر ابراهيم عليه السلام أن ينزل اسماعيل بمكة ففعل فقال إبراهيم عليه السلام رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما ولكن العرب عبدة الأصنام وقالت بنو اسماعيل هؤلاء شفعاؤنا وكفرت ولم تعبد الأصنام. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام قال قد حظر على من مسه الكفر تقلد مافوضه إلى أنبيائه وأوليائه بقوله لإبراهيم عليه السلام لا ينال عهدي الظلمين أي المشركين لأنه سمى الشرك ظلما بقوله إن لشرك لظلم عظيم فلما علم إبراهيم إن عهد الله بالأمامة لا ينال عبدة الأصنام قال واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام وفي الأمالي عن النبي صلى الله عليه وآله ما يقرب منه وقال في آخره فانتهت الدعوة إلي وإلى أخي

[ 90 ]

علي لم يسجد أحد منا لصنم قط فاتخذني الله نبيا وعليا وصيا. (36) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس صرن سببا لاضلالهم كقوله وغرتهم الحيوة الدنيا فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم. العياشي عن الصادق عليه السلام من اتقى الله منكم وأصلح فهو منا أهل البيت قيل منكم أهل البيت قال منا أهل البيت قال فيها إبراهيم فمن تبعني فإنه مني. وعن الباقر عليه السلام ومن أحبنا فهو منا أهل البيت قيل منكم قال منا والله أما سمعت قول إبراهيم فمن تبعني فإنه منى. وعن الصادق عليه السلام ومن عصاني فإنك غفور رحيم قال تقدر إن تغفر له وترحمه. (37) ربنا إنى أسكنت من ذريتي بعض ولدي وهو إسماعيل ومن ولد منه. العياشي عن الباقر عليه السلام نحن هم ونحن بقية تلك الذرية والعياشي والقمي عنه عليه السلام نحن والله بقية تلك العترة. وزاد في المجمع وكانت دعوة إبراهيم عليه السلام لنا خاصة بواد غير ذي زرع يعني وادي مكة (1) عند بيتك المحرم الذي حرمت التعرض له والتهاون به ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة من الناس بعضهم. العياشي عن الباقر عليه السلام أما إنه لم يعن الناس كلهم أنتم أولئك ونظراؤكم إنما مثلكم في الناس مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود أو مثل الشعرة السوداء


1 - انما اضافت البيت إليه سبحانه لانه مالكه لا يملكه احد سواه وما عداه من البيوت قد ملكه غيره من العباد ويسأل فيقال كيف سماه بيتا والمرتد عند بيتك الذي مضى في سابق علمك كونه والثاني ان البيت قد كان قبل ذلك وانما خربه طسم وجديس وقيل انه رفعه الله الى السماء أيام الطوفان وانما سماه المحرم لانه لا يستطيع احد الوصول إليه الا بالاحرام وقيل لانه حرم فيه ما احل غي غيره من البيوت من الجماع والملابسة لشئ من الاقذار والدماء وقيل معناه العظيم الحرمة مجمع البيان (*)

[ 91 ]

في الثور الأبيض ينبغي للناس ان يحجوا هذا البيت ويعظموه لتعظيم الله إياه وإن يلقونا حيث كنا نحن الأدلاء على الله تهوى إليهم تسرع إليهم شوقا وودادا وقرئ بفتح الواو ونسبها في الجوامع إلى أهل البيت عليهم السلام من هوى كرضى إذا أحب وتعديته بالى لتضمين معنى النزوع. في الكافي عن الباقر عليه السلام ولم يعن البيت فيقول إليه فنحن والله دعوة إبراهيم عليه السلام. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام والأفئدة من الناس تهوي إلينا وذلك دعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم. وفي البصاير عن الصادق عليه السلام في حديث وجعل أفئدة من الناس تهوى إلينا وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون تلك النعمة فأجاب الله دعوته فجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ. والقمي عن الصادق عليه السلام يعني من ثمرات القلوب أي حببهم إلى الناس ليأتوا إليهم ويعودوا. وفي الغوالي عنه عليه السلام هو ثمرات القلوب. وعن الباقر عليه السلام إن الثمرات تحمل إليهم من الافاق وقد استجاب الله له حتى لا توجد في بلاد الشرق والغرب ثمرة إلا توجد فيها حتى حكي أنه يوجد فيها في يوم واحد فواكه ربيعية وصيفية وخريفية وشتائية. وفي العلل عن الرضا عليه السلام حديث آخر سبق في سورة البقرة عند قوله وارزق أهله من الثمرات. القمي عن الصادق عليه السلام إن إبراهيم عليه السلام كان نازلا في بادية الشام فلما ولد له من هاجر إسماعيل إغتمت سارة من ذلك غما شديدا لأنه لم يكن له منها ولد وكانت تؤذي إبراهيم عليه السلام في هاجر وتغمه فشكا إبراهيم عليه السلام

[ 92 ]

ذلك إلى الله عز وجل فأوحى الله إليه إنما مثل المرأة مثل الضلع العوجاء إن تركتها استمتعت بها وإن أقمتها كسرتها ثم أمره أن يخرج اسماعيل وامه عنها فقال يا رب إلى أي مكان قال إلى حرمي وأمني وأول بقعة خلقتها من الأرض وهي مكة فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق فحمل هاجر واسماعيل وابراهيم عليهم السلام وكان إبراهيم عليه السلام لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع إلا وقال يا جبرئيل إلى ها هنا إلى هاهنا فيقول جبرئيل لا إمض امض حتى وافي مكة فوضعه في موضع البيت وقد كان إبراهيم عليه السلام عاهد سارة أن لا ينزل حتى يرجع إليها فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر فالقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها فاستظلوا تحته فلما سرحهم (1) إبراهيم ووضعهم وأراد الأنصراف عنهم إلى سارة قالت له هاجر يا إبراهيم لم تدعنا (2) في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع فقال إبراهيم عليه السلام الله الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان حاضر عليكم ثم انصرف عنهم فلما بلغ كدا (3) وهو جبل بذي طوى (4) التفت إليهم إبراهيم عليه السلام فقال عليه السلام ربنا إنى أسكنت من ذريتي الاية ثم مضى وبقيت هاجر فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل وطلب الماء فقامت هاجر في الوادي في موضع المسعى فنادت هل في الوادي من أنيس فغاب إسماعيل عليه السلام عنها فصعدت على الصفاء ولمع لها السراب في الوادي وظنت أنه ماء فنزلت في بطن الوادي وسعت فلما بلغت المسعى غاب عنها إسماعيل ثم لمع لها السراب في ناحية الصفا فهبطت إلى الوادي تطلب الماء فلما غاب عنها إسماعيل عادت حتى بلغت الصفا فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات فلما كان في الشوط السابع وهي على المروة نظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجله فعدت حتى جمعت حوله رملا فإنه كان سائلا


1 - سرحت فلانا الى موضع كذا إذا ارسلته صحاح 2 - ودع الشئ ودعا إذا تركه م‍ 3 - كدا بالمد والفتح والثنية بالعليا بمكة مما يلي المقابر وككذا بالضم والقصر الثنية السفلى مما يلي باب العمرة واما كدي بالضم وتشديد الياء فهو موضع بأسفل مكة وقد تكرر ذكر الاوليين في الحديث 4 - ذو طوى بالضم موضع بمكة ص وذو طوى مثلثة الطاء وينون عين قرب مكة ق (*)

[ 93 ]

فزمته (1) بما جعلته حوله فلذلك سميت زمزم وكان جرهم (2) نازلة بذي المجاز (3) وعرفات فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطيرو الوحش على الماء فنظرت جرهم على تعكف الطير في ذلك المكان واتبعوها حتى نظروا إلى إمرأة وصبي نازلين في ذلك الموضع قد استظلا بشجرة وقد ظهر الماء لهما فقالوا لهاجر من أنت وما شأنك وشأن هذا الصبي قالت أنا ام ولد إبراهيم خليل الرحمن وهذا إبنه أمره الله أن ينزلنا ها هنا فقالوا لها فتأذنين أن نكون بالقرب منكم فلما زارهم إبراهيم عليه السلام يوم الثالث قالت هاجر يا خليل الرحمان إن ها هنا قوما من جرهم يسألونك أن تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا أفتأذن لهم في ذلك فقال إبراهيم عليه السلام نعم فأذنت هاجر لجرهم فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فأنست هاجر وإسماعيل بهم فلما رآهم إبراهيم عليه السلام في المرة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا الحديث وقد مضى تمامه في سورة البقرة. والعياشي عن الكاظم عليه السلام إن إبراهيم عليه السلام لما أسكن إسماعيل عليه السلام وهاجر مكة وودعهما لينصرف عنهما بكيا فقال لهما إبراهيم عليه السلام ما يبكيكما فقد خلفتكما في أحب الأرض إلى الله وفي حرم الله فقالت له هاجر يا إبراهيم ما كنت أرى نبيا مثلك يفعل ما فعلت قال وما فعلت قالت إنك خلفت إمرأة ضعيفة وغلاما ضعيفا لا حيلة لهما بلا أنيس من بشر ولا ماء يظهر ولا زرع قد بلغ ولا ضرع يحلب قال فرق إبراهيم ودمعت عيناه عندما سمع منها فأقبل حتى إنتهى إلى باب بيت الله الحرام فأخذ بعضادتي الكعبة ثم قال اللهم إنى أسكنت من ذريتي الاية قال فأوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أن أصعد أبا قبيس فناد في الناس يا معشرا الخلايق إن الله يأمركم بحج هذا البيت الذي بمكة محرما من استطاع إليه سبيلا فريضة من الله فمد الله لإبراهيم عليه السلام في صوته حتى أسمع به أهل المشرق والمغرب وما بينهما من جميع ما قدر الله وقضى في أصلاب الرجال من النطف وجميع ما قدر الله وقضى في أرحام النساء إلى يوم


1 - زمه فانزم شده ق 2 - جرهم كقنفذ حي من اليمين تزوج فيه اسمعيل عليه السلام ق 3 - وذو المجاز سوق كانت لهم على فرسخ من عرفات ق (*)

[ 94 ]

القيامة فهناك وجب الحج على جميع الخلايق والتلبية من الحاج في أيام الحج هي إجابة لنداء إبراهيم عليه السلام يومئذ بالحج. وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام إنه نظر إلى الناس يطوفون حول الكعبة فقال هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية إنما امروا أن يطوفوا بها ثم ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ويعرضوا علينا نصرتهم ثم قرأ هذه الاية فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم. وزاد العياشي فقال آل محمد آل محمد صلوات الله عليهم ثم قال إلينا إلينا. (38) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن تعلم سرنا كما تعلم علانيتنا والمعنى إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منا بأنفسنا فلا حاجة لنا إلى الطلب لكنا ندعوك إظهارا لعبوديتك وإفتقارا إلى رحمتك وإستعجالا لنيل ما عندك. في الكافي عن الصادق عليه السلام إن الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعاه ولكنه يحب أن يبث إليه الحوائج فإذا دعوتم فسموا حاجتكم وما يخفي (1) على الله من شئ في الارض ولا في السماء لأنه العالم بعلم ذاتي يستوي نسبته إلى كل معلوم ومن للأستغراق. (39) الحمد لله الذى وهب لى على الكبرأي وهب لي وأنا كبير السن آيس عن الولد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة وإظهارا لما فيه من الاية إسمعيل وإسحق قيل إنه ولد له اسماعيل لتسع وتسعين واسحاق لمأة واثنتي عشر سنة إن ربى لسميع الدعاء أي لمجيبه من قولك سمع الملك كلامي إذا إعتد به وفيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد فأجابه حين ما وقع اليأس منه. (40) رب اجعلني مقيم الصلوة معدا لها مواظبا عليها ومن ذريتي وبعض ذريتي ربنا وتقبل دعاء عبادتي


1 - انما هو اخبار منه سبحانه بذلك وابتداء كلام من جهته لا على سبيل الحكاية عن ابراهيم بل هو اعتراض عن الجبائي قال ثم عاد الى حكاية كلام ابراهيم عليه السلام فقال الحمد لله آه م‍ ن (*)

[ 95 ]

(41) ربنا اغفر لى ولوالدي (1). العياشي عن أحدهما عليهما السلام قال آدم وحواء وقرئ ولولدي ونسبها في الجوامع إلى أهل البيت عليهم السلام. والقمي إنما نزلت ولولدي إسماعيل وإسحق. والعياشي عن أحدهما عليهما السلام إنه كان يقرء ربنا اغفر لي ولولدي يعني اسماعيل وإسحاق. وعن الباقر عليه السلام إنه سئل عنها فقال هذه الكلمة صحفها الكتاب إنما كان استغفاره لأبيه عن موعدة وعدها إياه وإنما قال ربنا اغفر لى ولولدي يعني إسماعيل وإسحق وللمؤمنين يوم يقوم الحساب يوم القيامة. (42) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظلمون وعيد للظالم وتسلية للمظلوم إنما يؤخرهم يؤخر عذابهم ليوم تشخص فيه الابصار. القمي قال تبقى أعينهم مفتوحة من هول جهنم لا يقدرون أن يطرفوا. (43) مهطعين مسرعين إلى الداعي أومقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة وخوفا والأهطاع الأقبال على الشئ مقنعي رؤسهم رافعيها (2) لا يرتد إليهم طرفهم بل بقيت عيونهم شاخصة لا تطرف وأفئدتهم هواء قيل خلاء أي خالية عن العقول لفرط الحيرة والدهشة لا قوة لها ولاجرأة ولا فهم. والقمي قال قلوبهم يتصدع من الخفقان


1 - واستدل اصحابنا بهذا على ما ذهبوا إليه من أن أبوي ابراهيم عليه السلام لم يكونا كافرين لانه انما يسأل المغفرة لهما يوم القيامة فلو كانا كافرين لما سأل ذلك لانه قال فلما تبين له انه عدو الله تبرأ منه فصح ان اباه الذي كان كافرا انما هو جده لامه أو عمه على الخلاف فيه ومن قال انما دعا لابيه لانه كان وعده ان يسلم فلما مات على الكفر تبرأ منه على ما روي عن الحسن فقوله فاسد لان ابراهيم انما دعا بهذا الدعاء بعد الكبر وبعد ان وهب له اسمعيل واسحق وقد تبين له في هذا الوقت عداوة ابيه الكافر لله فلا يجوز ان يقصده بدعائه مجمع البيان 2 - أي رافعي رؤوسهم الى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه من شدة رفع الرأس وذلك من هول يوم القيامة م‍ ن (*)

[ 96 ]

(44) وأنذر الناس يا محمد يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أمهلنا إلى أمد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك وإتباع رسلك أو لم تكونوا أقسمتم من قبل على إرادة القول ما لكم من زوال القمي لاتهلكون. (45) وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي وتبين لكم كيف فعلنا بهم بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم وضربنا لكم الامثال فلم تعتبروا. (46) وقد مكروا مكرهم المستفرغ فيه جهدهم لأبطال الحق وتقرير الباطل وعند الله مكرهم ومكتوب عنده مكرهم فهو مجازيهم عليه أو عنده ما يمكرهم به جزاء لمكرهم وابطالا له وإن كان مكرهم في العظم والشدة لتزول منه الجبال عن أماكنها. القمي قال مكر بني فلان وقرئ لتزول بفتح اللام والرفع. (47) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله مثل قوله إنا لننصر رسلنا كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله عزيز غالب ذو انتقام لأوليائه من أعدائه. (48) يوم تبدل الارض غير الارض والسموات يعني والسموات غير السموات من طريق العامة عن علي عليه السلام أرضا من فضة وسماوات من ذهب. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام خبزة نقية يأكل الناس منها حتى يفرغوا من الحساب قيل إن الناس لفي شغل يومئذ عن الأكل والشرب فقال لهم في النار لا يشتغلون عن أكل الضريع وشرب الحميم وهم في العذاب فكيف يشتغلون عنه في الحساب وفي رواية اخرى إن الله خلق ابن آدم أجوف لا بد له من الطعام والشراب أهم أشد شغلا يومئذ أم من في النار فقد استغاثوا والله يقول وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب. والقمي والعياشي عنه عليه السلام ما يقرب منهما وعن السجاد عليه السلام

[ 97 ]

تبدل الأرض غير الأرض يعني بأرض لم تكتسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها أول مرة. وفي المجمع من طريق العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم (1) العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الاولى ما كان في بطنها كان في بطنها وما كان في ظهرها كان على ظهرها. وعنه عليه السلام يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء (2) كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد. وعنه عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية وقيل له فأين الخلق عند ذلك فقال أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه. وفي الأحتجاج عنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن هذه الاية وقيل له فأين الناس يومئذ فقال في الظلمة دون المحشر وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم المتحابون في الله عز وجل يوم القيامة على أرض زبر جدة خضراء في ظل عرشه عن يمينه وكلتا يديه يمين. وفي الخصال والعياشي عن الباقر عليه السلام لقد خلق الله في الأرض منذ خلقها سبعة عوالم ليس هم من ولد آدم خلقهم من أديم الأرض فأسكنوها واحدا بعد واحد مع عالمه ثم خلق الله آدم أبا هذا البشر وخلق ذريته منه ولا والله ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها لعلكم ترون أنه إذا كان يوم القيامة وصير الله أبدان أهل الجنة مع أرواحهم في الجنة وصير أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار


1 - عكاظ كغراب سوق بصحراء بين نخلة والطائف كانت تقوم هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يوما تجتمع قبايل العرب فيتعاكظون اي يتفاخرون ويتناشدون ومنهم الاديم العكاظي ق. 2 - العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفر الارض وهو وجهها ومنه الحديث يحشر الناس يوم القيامة على ارض بيضاء عفراء نهاية. (*)

[ 98 ]

إن الله تبارك وتعالى لا يعبد في بلاده ولا يخلق خلقا يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه بلى وليخلقن خلقا من غير فحول ولا إناث يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه ويخلق لهم أرضا تحملهم وسماء تظلهم أليس الله يقول يوم تبدل الارض غير الارض والسموات وقال الله أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد وبرزوا (1) لله الوحد القهار لمحاسبته ومجازاته. (49) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد. القمي قال مقيدين بعضهم إلى بعض قيل ولعله بحسب مشاركتهم في العقائد والأخلاق والأعمال. (50) سرابيلهم قمصانهم من قطران وهو ما يطلى به الأبل الجربى فيحرق الجرب والجلد وهو أسود منتن تشتعل فيه النار بسرعة وقرئ من قطران والقطر النحاس والصفر المذاب والاني المتناهي حره وتغشى وجوههم النار خص الوجوه لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه كالقلب في باطنه ولذلك قال تطلع على الافئدة ولأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت لأجله كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوة بالجهالات. القمي عن الباقر عليه السلام سرابيلهم من قطران قال هو الصفر الحار الذائب يقول الله إنتهى حره وتغشى وجوههم النار سربلوا ذلك الصفر فتغشى وجوههم النار. وعن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال جبرئيل عليه السلام لو أن سربالا من سرابيل أهل النار علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من ريحه ووهجه. وفي نهج البلاغة وألبسهم سرابيل القطران ومقطعات النيران في عذاب قد


1 - أي يظهرون من أرض قبورهم للمحاسبة لا يسرهم شئ وجعل ذلك برزوا لله لان حسابهم معه وان كانت الاشياء كلها بارزة له لا يسرها عنه شئ م‍ ن. (*)

[ 99 ]

اشتد حره وباب قد اطبق على أهله. (51) ليجزى الله كل نفس أي يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب لأنه لا يشغله حساب عن حساب وقد سبق بيانه في سورة البقرة. (52) هذا بلاغ للناس كفاية لهم في الموعظة لينصحوا ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد بالنظر والتدبر فيه وليذكر أولوا الالباب أولو العقول والنهى. والقمي هذا بلاغ للناس يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. في ثواب الأعمال والعياشي عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة إبراهيم عليه السلام والحجر في ركعتين جميعا في كل جمعة لم يصبه فقر أبداولا جنون ولا بلوى إن شاء الله.

[ 100 ]

سورة الحجر مكية وقيل إلا قوله ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم وقوله كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين وهي تسع وتسعون آية. بسم اله الرحمن الرحيم (1) الر تلك آيات الكتب وقرآن مبين. (2) ربما وقرئ بالتخفيف يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين قالوا يا ليتنا كنا مسلمين. العياشي عن الباقر عليه السلام. والقمي عن الصادق عليه السلام إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله لا يدخل الجنة إلا مسلم فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وفي المجمع ما في معناه. وفيه مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا إجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين ألم تكونوا مسلمين قالوا بلى قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار قالوا كانت لنا ذنوب فاخذنا بها فسمع الله عز اسمه ما قالوا فأمر من كان في النار من أهل الأسلام فأخرجوا منها فحينئذ يقول الكفار يا ليتنا كنا مسلمين وقد سبق حديث آخر في هذه الاية في سورة البقرة عند قوله سبحانه لا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون.

[ 101 ]

(3) ذرهم دعهم يأكلوا ويتمتعوا بدنياهم ويلههم الامل ويشغلهم توقعهم لطول الأعمال واستقامة الأحوال من الأستعداد للمعاد فسوف يعلمون سوء صنيعهم إذا عاينوا الجزاء وهذا إيذان بأنهم لا ينفعهم الوعظ ولا ينجع فيهم النصح ومبالغة في الأنذار وإلزام للحجة وتحذير عن إيثار التنعم وتطويل الأمل. في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام إنما أخاف عليكم اثنتين إتباع الهوى وطول الأمل أما إتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الاخرة. وعنه عليه السلام ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل وكان يقول لو رأى العبد أجله وسرعته إليه لأبغض العمل في طلب الدنيا. وعن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استحقت ولاية الله والسعادة جاء الأجل بين العينين وذهب الأمل وراء الظهر وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة جاء الأمل بين العينين وذهب الأجل وراء الظهر. (4) وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ. (5) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون عنه. (6) وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر نادوه على سبيل التهكم والأستهزاء كما دل عليه ما بعده إنك لمجنون لتقول قول المجانين حين تدعي إن الله نزل عليك الذكر أي القرآن. (7) لو ما تأتينا هلا تأتينا بالملائكة ليصدقوك ويعضدوك على الدعوة كقوله لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا إن كنت من الصدقين في دعواك. (8) ما تنزل الملئكة أي تتنزل وقرئ بضم التاء وبالنون ونصب الملائكة إلا بالحق بالحكمة والمصلحة وما كانوا إذا منظرين ممهلين يعني لا يمهلهم ساعة.

[ 102 ]

القمي قال لو أنزلنا الملائكة لم ينظروا وهلكوا. (9) إنا نحن نزلنا الذكر رد لأنكارهم وإستهزائهم ولذلك أكده من وجوه وإنا له لحافظون من التحريف والزيادة والنقصان. (10) ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الاولين في فرقهم وطوائفهم والشيعة الفرقة إذا اتفقوا في مذهب وطريقة من شاعه إذا تبعه. (11) وما يأتيهم من رسول حكاية حال ماضية إلا كانوا به يستهزؤن كما يفعل هؤلاء وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. (12) كذلك نسلكه قيل ندخل الذكر وننظمه في قلوب المجرمين يعني نلقيه في قلوبهم مكذبا به غير مقبول وقيل الضمير للأستهزاء. (13) لا يؤمنون به بالذكر وقد خلت سنة الاولين أي سنة الله فيهم بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم أو بأن أهلكهم حين كذبوا رسلهم فيكون وعيدا لأهل مكة. (14) ولو فتحنا عليهم على هؤلاء المقترحين بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون يصعدون إليها طول نهارهم. (15) لقالوا إنما سكرت أبصرنا سدت من الأبصار بالسحر وخيل إلينا على غير حقيقة وقرئ سكرت بالتخفيف بل نحن قوم مسحورون قد سحرنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذلك. (16) ولقد جعلنا في السماء بروجا في المجمع عن الصادق عليه السلام هي اثنا عشر برجا. والقمي عن الباقر عليه السلام البروج الكواكب والبروج التي للربيع والصيف الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وبروج الخريف والشتاء الميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت وهي إثنا عشر برجا.

[ 103 ]

والقمي هي منازل الشمس والقمر أقول: معنى البروج القصور العالية سميت الكواكب بها لأنها للسيارات كالمنازل لسكانها وإشتقاقه من التبرج لظهوره. في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام إن للشمس ثلاث مائة وستين برجا كل برج منها مثل جزيرة من جزاير (1) العرب تنزل كل يوم فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان العرش فلم تزل ساجدة إلى الغد ثم ترد إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها. أقول: وذلك لأن سير الشمس إنما يكون في كل برج من البروج الاثني عشر ثلاثين يوما تقريبا فبهذا الأعتبار ينقسم كل منها إلى ثلاثين برجا فتصير ثلاثمائة وستين وزينها للنظرين في المجمع عن الصادق عليه السلام بالكواكب النيرة. (17) وحفظنها من كل شيطان رجيم فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها. (18) إلا من استرق السمع اختلسه سرا فأتبعه ولحقه شهاب مبين ظاهر للمتبصرين والشهاب شعلة نار ساطعة وقد يطلق للكواكب والسنان لما فيهما من البريق. في المجالس عن الصادق عليه السلام كان إبليس يخترق السموات السبع فلما ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سموات وكان يخترق أربع سماوات فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجب عن السبع كلها ورميت الشياطين بالنجوم وقالت قريش هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه وقال عمرو بن امية وكان من أرجز أهل الجاهلية انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها ويعرف بها أزمان


1 - جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات وما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا ومن جدة الى ريف العراق عرضا م‍ ن. (*)

[ 104 ]

الشتاء والصيف فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شئ وإن كانت تثبت ورمي بغيرها فهو أمر حدث. الحديث. والقمي قال لم تزل الشياطين تصعد إلى السماء وتتجسس حتى ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ذكر مقالة عمرو بن أمية ونسبها إلى وليد بن المغيرة ثم قال وكان بمكة يهودي يقال له يوسف فلما رأى النجوم تتحرك وتسير في السماء خرج إلى نادي (1) قريش فقال يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود فقالوا لا فقال أخطأتم والتورية قد ولد في هذه الليلة آخر الأنبياء وأفضلهم وهو الذي نجده في كتبنا أنه إذا ولد ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجمت الشياطين وحجبوا من السماء فرجع كل واحد إلى منزله فسأل أهله فقالوا قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب بن عبد مناف الحديث. (19) والارض مددناها بسطناها وألقينا فيها راوسى جبالا ثوابت وأنبتنا فيها من كل شئ موزون مقدر. القمي قال لكل ضرب من الحيوان قدرنا شيئا موزونا. وعن الباقر عليه السلام في هذه الاية إن الله تبارك وتعالى أنبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر والصفر والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ وأشباه ذلك لا تباع إلا وزنا. (20) وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون من المطاعم والملابس ومن (2) لستم له برازقين وجعلنا لكم من لستم له برازقين من العيال والخدم والمماليك والحيوانات وسائر ما تحسبون أنكم ترزقونه حسبانا كاذبا فإن الله يرزقكم وإياهم. (21) وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم قيل الخزائن


1 - والنادي والندوة والمنتدى مجلس القوم نهارا والمجلس ما داموا مجتمعين فيه وما يندوهم النادي ما يسعهم ق. 2 - واتى بلفظة من دون لفظة ما لانه غلب العقلاء على غيرهم م‍ ن. (*)

[ 105 ]

عبارة عن القدرة على إيجاده. القمي قال الخزانة الماء الذي ينزل من السماء فينبت لكل ضرب من الحيوان ما قدر الله له من الغذاء. أقول: الأول كلام من خلا عن التحصيل والثاني تمثيل للتقريب من أفهام الجمهور وتفسير في الظاهر وأما في الباطن والتأويل فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الأعلى أولا على الوجه الكلي في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل الذي منه يجري ثانيا على الوجه الجزئي في لوح القدر الذي فيه المحو والأثبات مدرجا على التنزيل فإلى الأول اشير بقوله وإن من شئ إلا عندنا خزآئنه وبقوله وعنده ام الكتب وإلى الثاني بقوله وما ننزله إلا بقدر معلوم ومنه ينزل ويظهر في عالم الشهادة. وعن السجاد عليه السلام إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله من البر والبحر قال وهذا تأويل قوله وإن من شئ الاية أراد عليه السلام به ما ذكرناه وتمام تحقيق هذا المقام يطلب من كتابنا المسمى بعلم اليقين فإنه كاف في بيانه. (22) وأرسلنا الريح لواقح (1). القمي قال التي تلقح الأشجار. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تسبوا الريح فإنها بشر وإنها نذر وإنها لواقح فاسألوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين نفي عنهم ما أثبته لنفسه في قوله وإن من شئ إلا عندنا خزائنه أي نحن الخازنون للماء القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها ولا تقدرون على ذلك. (23) وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الوارثون.


1 - يعني ملاقح جمع ملقحة اي تلقح الشجر والسحاب كأنها تهيجه ويقال لواقح جمع لاقح اي حوامل لانها تحمل السحاب م‍. (*)

[ 106 ]

القمي أي نرث الأرض ومن عليها. (24) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين. العياشي عن الباقر عليه السلام المؤمنون من هذه الامة. (25) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم. (26) ولقد خلقنا الانسان من صلصال. القمي قال هو الماء المتصلصل بالطين من حمإ مسنون قال حمأ متغير وفي حديث خلق آدم فاغترف جل جلاله غرفة من الماء فصلصلها فجمدت الحديث وقد مضى في سورة البقرة والصلصال يقال للطين اليابس الذي يصلصل أي يصوت إذا نقر وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار والحمأ الطين الأسود المتغير والمسنون يقال للمصور وللمصبوب المفرغ وللمنتن كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غير فصير إنسانا. وفي نهج البلاغة ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت ولاطها بالبلة حتى لزبت فجعل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصول أجمدها حتى إستمسكت وأصلدها حتى صلصلت لوقت معدود وأجل معلوم ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها وفكر يتصرف فيها وجوارح يختدمها وأدوات يقلبها ومعرفة يفرق بها بين الأذواق والمشام والألوان والأجناس معجونا بطينة الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة من الحر والبرد والبلة والجمود والمساءة والسرور الحديث. (27) والجان يعني أبا الجان. القمي قال أبو إبليس خلقنه من قبل من قبل خلق الأنسان من نار السموم من نار الشديد الحر النافذ في المسام. في الخصال عن الصادق عليه السلام الاباء ثلاثة آدم ولد مؤمنا والجان ولد

[ 107 ]

مؤمنا وكافرا وابليس ولد كافرا وليس فيهم نتاج إنما يبيض ويفرخ وولده ذكور وليس فيهم اناث. والقمي قال الجن من ولد الجان منهم مؤمنون وكافرون يهود ونصارى وتختلف أديانهم والشياطين من ولد إبليس وليس فيهم مؤمنون إلا واحد إسمه هام بن هيم بن لا قيس ابن إبليس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرآه جسيما عظيما وامرء مهولا فقال له من أنت قال أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس كنت يوم قتل قابيل هابيل غلام إبن أعوام أنهى عن الأعتصام وآمر بإفساد الطعام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بئس لعمري الشاب المؤمل والكهل المؤمر فقال دع عنك هذا يا محمد فقد جرت توبتي على يد نوح ولقد كنت معه في السفينة فعاتبته على دعائه على قومه ولقد كنت مع إبراهيم عليه السلام حيث القي في النار فجعلها الله بردا وسلاما ولقد كنت مع موسى حين غرق الله فرعون ونجى بني إسرائيل ولقد كنت مع هود حين دعا على قومه فعاتبته ولقد كنت مع صالح فعاتبته على دعائه على قومه ولقد قرأت الكتب فكلها يبشرني بك والأنبياء يقرؤونك السلام ويقولون أنت أفضل الأنبياء وأكرمهم فعلمني مما أنزل الله عليك شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام علمه فقال هام يا محمد إنا لا نطيع إلا نبيا أو وصي نبي فمن هذا قال هذا أخي ووصيي ووزيري ووارثي علي بن أبي طالب عليه السلام قال نعم نجد اسمه في الكتب إليا فعلمه أمير المؤمنين عليه السلام فلما كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام. (28) وإذ قال ربك واذكر وقت قوله للملئكة إنى خلق بشرا من صلصال من حمإ مسنون. (29) فإذا سويته عدلت خلقته ونفخت فيه من روحي حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فيحيى فقعوا له ساجدين. في العلل والقمي والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام وكان ذلك من الله

[ 108 ]

تقدمة في آدم قبل أن يخلقه واحتجاجا منه عليهم الحديث وقد سبق مع صدره وذيله في سورة البقرة عند قوله تعالى إنى جاعل في الارض خليفة. وفي التوحيد عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن قوله تعالى ونفخت فيه من روحي فقال روح إختاره الله واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه وفضله على جميع الأرواح فنفخ منه في آدم. وفيه والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عنه فقال إن الله خلق خلقا وخلق روحا ثم أمر ملكا فنفخ فيه فليست بالتي نقصت من الله شيئا هي من قدرته. وفيه وفي الكافي عن الباقر عليه السلام إنه سئل كيف هذا النفخ فقال إن الروح متحرك كالريح وإنما سمي روحا لأنه اشتق إسمه من الريح وإنما اخرجت على لفظة الروح لأن الروح مجانس الريح وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح كما اصطفي بيتا من البيوت فقال بيتي وقال رسول من الرسل خليلي وأشباه ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر. أقول: لما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب ويفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعليقه بالبدن نفخا فهو تمثيل لما به تحصل الحياة وذلك لأن الروح ليس من عالم الحس والشهادة وإنما هو من عالم الملكوت والغيب والبدن بمنزلة قشر وغلاف وقالب له وإنما حيوته به وهو الخلق الاخر المشار إليه بقوله سبحانه ثم أنشأناه خلقا آخر أي خلقا لا يشبه هذا الخلق. العياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن الروح فقال هي من قدرته من الملكوت ومما يدل على ذلك ما سبق من الأخبار في سورة آل عمران عند قوله سبحانه ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء. وفي البصائر عن الصادق عليه السلام مثل المؤمن وبدنه كجوهرة في صندوق إذا اخرجت الجوهرة منه طرح الصندوق ولم يعبأ به وقال إن الأرواح لا تمازج البدن ولا

[ 109 ]

تداخله إنما هي كالكلل للبدن محيطة به. وفي الأحتجاج عنه عليه السلام الروح لا توصف بثقل ولا خفة وهي جسم رقيق البس قالبا كثيفا فهي بمنزلة الريح في الزق فإذا نفخت فيه إمتلأ الزق منها فلا يزيد في وزن الزق ولوجها ولا ينقصه خروجها وكذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن قيل أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق قال بل هو باق إلى يوم ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس ثم اعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها وذلك أربعمائة سنة نسيت فيها الخلق وذلك بين النفختين. وقال عليه السلام أيضا إن الروح مقيمة في مكانها روح المحسن في ضياء وفسحة وروح المسيئ في ضيق وظلمة والبدن يصير ترابا الحديث. وروى إنه قال وبها يؤمر البدن وينهى ويثاب ويعاقب وقد تفارقه ويلبسها الله سبحانه غيره كما تقتضيه حكمته قوله عليه السلام وقد تفارقه ويلبسها الله غيره صريح في أنها مفارقة عن البدن مستقلة وأن ليس المراد بها الروح البخاري وأما اطلاق الجسم عليها فلأن نشأة الملكوت أيضا جسمانية من حيث الصورة وإن كانت روحانية من جهة المعنى غير مدركة بهذه الحواس وأما قوله فهي بمنزلة الريح في الزق فهي تمثيل لما به يحصل الحيوة وبيان لمعنى نفخها في البدن كما مرت الأشارة إليه آنفا. وليعلم أن الأرواح متعددة في بدن الأنسان ويزيد عددها بزيادة صاجها في الفضل والشرف كما إستفاض به الأخبار عن الأئمة الأطهار ففي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه جاء رجل إليه فقال يا أمير المؤمنين إن اناسا زعموا أن العبد لا يزني وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ولا يأكل الربا وهو مؤمن ولا يسفك الدم الحرام وهو مؤمن فقد ثقل علي هذا وحرج منه صدري حين أزعم أن هذا العبد يصلي صلاتي ويدعو دعائي ويناكحني واناكحه ويوارثني واوارثه وقد خرج من الأيمان من أجل ذنب يسير أصابه فقال أمير المؤمنين عليه السلام صدقت (1) سمعت


1 - بيان صدقت على البناء للمفعول أي صدقوك فيما زعموا وليس بالذي يخرج من دين الله ان قيل قد ثبت ان = (*)

[ 110 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول والدليل عليه كتاب الله خلق الله عز وجل الناس على ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاث (1) منازل وذلك قول الله عز وجل في الكتاب أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون فأما ما ذكره من أمر (2) السابقين فإنهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين جعل الله فيهم خمسة أرواح روح القدس وروح الأيمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين وبها علموا الأشياء وبروح الأيمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معاشهم وبروح الشهوة أصابوا الذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شواب [ شباب ] النساء وبروح البدن دبوا ودرجوا فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم ثم قال قال الله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ثم قال في جماعتهم وأيدهم بروح منه يقول أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم ثم ذكر أصحاب الميمنة وهم المؤمنون حقا بأعيانهم جعل الله فيهم أربعة أرواح روح الأيمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن فلا يزال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتى يأتي عليه حالات فقال الرجل يا أمير المؤمنين ما هذه الحالات فقال أما اوليهن فهو كما قال الله عز وجل ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم بعد علم شيئا فهذا ينتقص منه جميع الأرواح وليس بالذي يخرج من دين الله لأن الفاعل به رده إلى أرذل العمر فهو لا يعرف للصلوة وقتا ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار ولا القيام في الصف مع الناس فهذا نقصان من روح الأيمان وليس يضره شيئا ومنهم من ينتقص


= الانسان انما يبعث على ما مات عليه فإذا مات الكبير على غير معرفة فكيف يبعث عارفا قلت لما كان مانعه عن الالتفات إلى معارفه أمرا عارضا فلما رال ذلك بالموت برزت له معارفه التي كانت كامنة في ذاته بخلاف من لم تحصل له المعرفة اصلا فانه ليس في ذاته شئ ليبرز له (وافي). 1 - ثلاث منارل عبارة عن ثلاث مراتب مذكورة للارواح الثلاثة وحاصل الجواب ان مرتكب الكبيرة بدون الاصرار ليس داخلا في اصحاب المشأمة فان المذكور في مرتبتهم انهم يصرون على الحنث العظيم فهم داخلون في اصحاب الميمنة. 2 - امر بفتح الميم وتشديد المهملة أي أقوى وأعقل مأخوذة من المرة بالكسر وهي القوة وشدة العقل. (*)

[ 111 ]

منه روح القوة ولا يستطيع جهاد عدوه ولا يستطيع طلب المعيشة ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها ولم يقم ويبقى روح البدن فيه فهو يدب ويدرج حتى يأتيه ملك الموت فهذا بحال خير لأن الله عز وجل هو الفاعل به وقد يأتي عليه حالات في قوته وشبابه فيهم بالخطيئة فتشجعه روح القوة ويزين له روح الشهوة ويقوده روح البدن حتى يوقعه في الخطيئة فإذا لامسها نقص من الأيمان وتفصى منه فليس يعود فيه حتى يتوب فإذا تاب تاب الله عليه وإن عاد أدخله الله نار جهنم فأما أصحاب المشأمة فهم اليهود والنصارى يقول الله عز وجل الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم يعرفون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم والولاية في التوراة والأنجيل كما يعرفون أبناءهم في منازلهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك إنك الرسول إليهم فلا تكونن من الممترين فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم بذلك فسلبهم روح الأيمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح روح القوة وروح الشهوة وروح البدن ثم أضافهم إلى الأنعام فقال إن هم كالانعام لأن الدابة إنما تحمل بروح القوة وتعتلف بروح الشهوة وتسير بروح البدن فقال السائل أحييت قلبي بإذن الله يا أمير المؤمنين. وروي عن كميل بن زياد أنه قال سألت مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عليا فقلت يا أمير المؤمنين اريد أن تعرفني نفسي قال يا كميل وأي الأنفس تريد أن اعرفك قلت يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة قال يا كميل إنما هي أربعة النامية النباتية والحسية الحيوانية والناطقة القدسية والكلية الألهية ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان فالنامية النباتية لها خمس قوى ماسكة وجاذبة وهاضمة ودافعة ومربية ولها خاصيتان الزيادة والنقصان وانبعاثها من الكبد والحسية الحيوانية لها خمس قوى سمع وبصر وشم وذوق ولمس ولها خاصيتان الرضا والغضب وانبعاثها من القلب والناطقة القدسية لها خمس قوى فكر وذكر وعلم وحلم ونباهة وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بالنفوس الملكية ولها خاصيتان النزاهة والحكمة والكلية الألهية لها خمس

[ 112 ]

قوى بقاء في فناء ونعيم في شقاء وعز في ذل وفقر في غناء وصبر في بلاء ولها خاصيتان الرضا والتسليم وهذه هي التي مبدؤها من الله وإليه تعود قال الله تعالى ونفخت فيه من روحي وقال تعالى يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية والعقل وسط الكل. (30) فسجد الملائكة كلهم أجمعون. (31) إلا إبليس أبى أن يكون مع السجدين. (32) قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع السجدين. (33) قال لم أكن لاسجد لا يصح مني وينافي حالي وأنا ملك روحاني أن أسجد لبشر جسماني كثيف خلقته من صلصال من حمإ مسنون وهو أخس العناصر وخلقتني من نار وهي أشرفها غرته الحمية وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال وقد سبق جوابه في سورة الأعراف مع كلمات اخر. (34) قال فاخرج منها من المنزلة التي أنت عليها في السماء وزمرة الملائكة فإنك رجيم مطرود من الخير والكرامة وقد سبق في معنى الرجيم حديث في الأستعاذة. (35) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين فإنه منتهى أمد اللعن. (36) قال رب فانظرني فأمهلني إلى يوم يبعثون أراد أن يجد فسحة في الأغواء ونجاة من الموت وقد سبق في سببه حديث في سورة الأعراف. (37) قال فإنك من المنظرين. (38) إلى يوم الوقت المعلوم. في العلل عن الصادق عليه السلام إنه سئل عنه فقال يوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الأولى والثانية. والعياشي عنه عليه السلام إنه سئل عنه فقال اتحسب أنه يوم يبعث فيه الناس إن الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتى يجثو بين يديه على ركبتيه فيقول يا ويله من هذا اليوم فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه فذلك يوم الوقت المعلوم.

[ 113 ]

والقمي عنه عليه السلام قال يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصخرة التي في بيت المقدس. أقول: يعني عند الرجعة. (39) قال رب بما أغويتني بسبب إغوائك إياي وهو تكليفه إياه بما وقع في الغي لازينن لهم المعاصي في الارض ولاغوينهم أجمعين. (40) إلا عبادك منهم المخلصين الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي وقرئ بكسر اللام أي الذين أخلصوا نفوسهم لك. (41) قال هذا صراط علي أي هذا طريق حق علي أن اراعيه مستقيم لا إنحراف عنه وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي المخلصين وقرئ علي على وزن فعيل بالرفع. ونسبها في المجمع إلى الصادق عليه السلام ويفسر بعلو الشرف. وفي الكافي عنه عليه السلام هذا صراط علي مستقيم وهذا يحتمل الأضافة أيضا. والعياشي عن السجاد عليه السلام هو أمير المؤمنين عليه السلام. (42) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (1) بيان لما أجمله العياشي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم أنه سئل عن تفسيره فقال قال الله إنك لا تملك أن تدخلهم جنة ولا نارا. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام والله ما أراد بهذا إلا الأئمة وشيعتهم. والعياشي عنه عليه السلام ما في معناه. (43) وإن جهنم لموعدهم أجمعين لموعد الغاوين المتبعين (2)


1 - لانه إذا قبل منه صار له عليه سلطان بعدوله عن الهدى الى ما يدعوه إليه من اتباع الهوى وقيل ان الاستثناء منقطع والمراد لكن من اتبعك من الغاوين جعل لك على نفسه سلطانا. 2 - أي موعد إبليس ومن تبعه. (*)

[ 114 ]

القمي عن الباقر عليه السلام وقوفهم على الصراط. (44) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم. القمي قال يدخل في كل باب أهل ملة. وفي الخصال عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده عليهم السلام إن للنار سبعة أبواب باب يدخل منه فرعون وهامان وقارون وباب يدخل منه المشركون والكفار ومن لم يؤمن بالله طرفة عين وباب يدخل منه بنو امية هو لهم خاصة لا يزاحمهم فيه أحد وهو باب لظى وهو باب سعير وهو باب الهاوية يهوي بهم سبعين خريفا فكلما هوى بهم سبعين خريفا فار بهم فورة قذف بهم في أعلاها سبعين خريفا ثم هوى بهم هكذا سبعين خريفا فلا يزالون هكذا أبدا خالدين مخلدين وباب يدخل منه مبغضونا ومحاربونا وخاذلونا وأنه لأعظم الأبواب وأشدها حرا ثم قال والباب الذي يدخل منه بنو امية هو لأبي سفيان ومعاوية وآل مروان خاصة يدخلون من ذلك الباب فتحطمهم النار فيه حطما لا يسمع لهم واعية ولا يحيون فيها ولا يموتون. وعن أمير المؤمنين عليه السلام سبعة أبواب النار مطابقات. وفي المجمع عنه عليه السلام إن جهنم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض ووضع إحدى يديه على الاخرى فقال هكذا وإن الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض فأسفلها جهنم وفوقها لظى وفوقها الحطمة وفوقها سقر وفوقها الجحيم وفوقها السعير وفوقها الهاوية وقال وفي رواية أسفلها الهاوية وأعلاها جهنم. والقمي سبع درجات ثم ذكر تفصيلها مبسوطا بنحو آخر ولم يذكر أصحابها. (45) إن المتقين في جنات وعيون. (46) ادخلوها بسلم آمنين على إرادة القول. (47) ونزعنا ما في صدورهم من غل.

[ 115 ]

القمي العداوة إخوانا على سرر متقبلين. في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام أنتم والله الذين قال الله ونزعنا ما في صدورهم الاية وفي رواية والله ما اراد بهذا غيركم. (48) لا يمسهم فيها نصب تعب وعناء وما هم منها بمخرجين فإن تمام النعمة بالخلود. (49) نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم. (50) وأن عذابي هو العذاب الاليم فارجوا رحمتي وخافوا عذابي. (51) ونبئهم عن ضيف إبرهيم. (52) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما نسلم عليك سلاما قال إنا منكم وجلون خائفون وذلك لأنهم امتنعوا عن الأكل كما سبق في سورة هود. (53) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. العياشي عن الباقر عليه السلام الغلام العليم هو إسماعيل من هاجر. وعن الصادق عليه السلام فمكث إبراهيم عليه السلام بعد البشارة ثلاث سنين ثم جاءته البشارة من الله بإسمعيل مرة بعد اخرى بعد ثلاث سنين. (54) قال أبشرتموني على أن مسنى الكبر تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه فبم تبشرون فإنه مما لا يتصور وقوعه عادة. (55) قالوا بشرناك بالحق بما يكون لا محالة يقينا فلا تكن من القانطين من الايسين من ذلك فإنه تعالى قادر عليه فإنه كما يفعل بالأسباب الجلية يفعل بالأسباب الخفية. (56) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون أي المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله وكمال قدرته وقرئ يقنط بكسر النون. (57) قال فما خطبكم بعد البشارة أيها المرسلون.

[ 116 ]

(58) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين يعني قوم لوط إنهم كانوا قوما فاسقين لننذرهم عذاب رب العالمين كذا في العلل والعياشي عن الباقر عليه السلام. وفي العلل عنه عليه السلام قال ولم يزل لوط وإبراهيم عليهما السلام يتوقعان نزول العذاب على قوم لوط وكانت لإبراهيم عليه السلام ولوط منزلة من الله عز وجل شريفة وأن الله عز وجل كان إذا أراد عذاب قوم لوط أدركته مودة إبراهيم عليه السلام وخلته ومحبة لوط فيراقبهم فيؤخر عذابهم قال فلما اشتد أسف الله على قوم لوط وقدر عذابهم وقضى أن يعوض إبراهيم من عذاب قوم لوط بغلام عليم فيسلي به مصابه بهلاك قوم لوط فبعث الله رسلا إلى إبراهيم عليه السلام يبشرونه باسمعيل فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم وخاف أن يكونوا سراقا فلما رأته الرسل فزعا مذعورا قالوا سلاما قال سلام إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا رسل ربك نبشرك بغلام عليم قال والغلام العليم هو اسمعيل من هاجر فقال إبراهيم عليه السلام للرسل أبشرتموني على أن مسنى الكبر الايات. والعياشي عنه عليه السلام قال إن الله تبارك وتعالى لما قضى عذاب قوم لوط وقدره أحب أن يعوض إبراهيم عليه السلام من عذاب قوم لوط بغلام عليم يسلي به مصابه بهلاك قوم لوط الحديث كما ذكر. (59) إلا آل لوط إنا لمنجوهم وقرئ بالتخفيف أجمعين. (60) إلا امرأته قدرناها وقرئ بالتخفيف إنها لمن الغابرين الباقين مع الكفرة لتهلك معهم. العياشي عن الصادق عليه السلام يا ويح القدرية إنما يقرؤون هذه الاية إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ويحهم من قدرها إلا الله تبارك وتعالى. (61) فلما جاء آل لوط المرسلون. (62) قال إنكم قوم منكرون تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بشر.

[ 117 ]

(63) قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون من عذاب الله. (64) وأتيناك بالحق لتنذر قومك بالعذاب وإنا لصادقون. (65) فأسر سر ليلا بأهلك يالوط بقطع من اليل إذا مضى نصف الليل واتبع أدبارهم وكن على أثرهم لتكون عينا عليهم فلا يتخلف أحد منهم ولا يلتفت منكم أحد إلى ما ورآه وامضوا حيث تؤمرون حيث أمرتم بالذهاب إليه. (66) وقضينا إليه إلى لوط ذلك الامر منهم يفسره ما بعده أن دابر هؤلاء آخرهم مقطوع يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد مصبحين داخلين في الصبح. (67) وجاء أهل المدينة مدينة سدوم يستبشرون بأضياف لوط طمعا فيهم. (68) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون بفضيحة ضيفي فإن من أسى إلى ضيفه فقد أسى إليه. (69) واتقوا الله في ركوب الفاحشة ولا تخزون ولا تذلوني من الخزي بمعنى الهوان أو ولا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء. (70) قالوا أو لم ننهك عن العالمين قد سبق عن الباقر عليه السلام إن المراد به النهي عن ضيافة الناس وإنزالهم. (71) قال هؤلاء بناتى إن كنتم فاعلين قد سبق تفسيره. (72) لعمرك. القمي أي وحياتك يا محمد قال فهذه فضيلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء إنهم لفي سكرتهم يعمهون لفي غوايتهم التي أزالت عقولهم يتحيرون فكيف يسمعون النصح. (73) فأخذتهم الصيحة صيحة جبرئيل مشرقين داخلين في وقت شروق الشمس.

[ 118 ]

(74 فجعلنا عاليها عالي قريتهم سافلها وصارت منقلبة بهم وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل من طين متحجر. (75) إن في ذلك لايات للمتوسمين للمتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشئ بسمته. (76) وإنها قيل وإن آثارها لبسبيل مقيم ثابت يسلكه الناس ولم يندرس بعدوهم يبصرون تلك الاثار وهو تنبيه لقريش كقوله وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وفي المجمع قد صح عن النبي عليه السلام أنه قال إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وقال إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم ثم قرأ هذه الاية. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى إن في ذلك لايات للمتوسمين كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتوسم وأنا من بعده والأئمة من ذريتي المتوسمون. وفيه والعياشي عنه عليه السلام في هذه الاية قال هم الأئمة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله في هذه الاية. وعن الصادق أنه سئل عن هذه الاية فقال نحن المتوسمون والسبيل فينا مقيم. وزاد القمي والسبيل طريق الجنة وعنه عليه السلام وإنها لبسبيل مقيم قال لا يخرج منا أبدا. وفي البصائر عن الباقر عليه السلام ليس مخلوق إلا وبين عينيه مكتوب مؤمن أو كافر وذلك محجوب عنكم وليس مجوبا عن الأئمة عليهم السلام من آل محمد صلوات الله عليهم ثم ليس يدخل عليهم أحد إلا عرفوه مؤمن أو كافر ثم تلا هذه الاية. وفي الأكمال عن الصادق عليه السلام إذا قام القائم عليه السلام لم يقم بين

[ 119 ]

يديه أحد من خلق الرحمان إلا عرفه صالح هو أم طالح وفيه آيات للمتوسمين وهو السبيل المقيم، والعياشي عنه عليه السلام في الأمام عليه السلام آية للمتوسمين وهو السبيل المقيم ينظر بنور الله وينطق عن الله لا يعزب عنه شئ مما أراد. (77) إن في ذلك لاية للمؤمنين. (78) وإن كان وإنه كان أصحب الايكة يعني الغيضة وهي الشجرة المتكاثفة لظالمين هم قوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة فبعث الله إليهم فكذبوه فاهلكوا بالظلة. (79) فانتقمنا منهم بالأهلاك وإنهما يعني سدوم والأيكة لبإمام مبين لبطريق واضح يؤم ويتبع ويهتدي. (80) ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين يعني ثمود كذبوا صالحا والحجر واديهم وهو ما بين المدينة والشام وكانوا يسكنونها. (81) وآتيناهم آياتنا كالناقة وسقيها وشربها ودرها فكانوا عنها معرضين. (82) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين من الأنهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها أو من العذاب لفرط غفلتهم. (83) فأخذتهم الصيحة مصبحين. (84) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من بناء البيوت الوثيقة وإستكثار الأموال والعدد. (85) وما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق فلا يلائم استمرار الفساد ودوام الشر فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء وإزاحة فسادهم من الأرض وإن الساعة لاتية فينتقم الله لك فيها ممن يكذبك فاصفح الصفح الجميل. في العيون عن الرضا عليه السلام يعني العفو من غير عتاب. (86) إن ربك هو الخلق الذي خلقك وخلقهم وبيده أمرك وأمرهم العليم

[ 120 ]

بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل إليه ليحكم بينكم. (87) ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم المثاني من التثنية أو الثناء. في العيون عن أمير المؤمنين عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب وهي سبع آيات تمامها بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله تعالى قال لي يا محمد ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم فافرد الأمتنان علي بفاتحة الكتاب وجعلها بإزاء القرآن العظيم. والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال هي سورة الحمد وهي سبع آيات منها بسم الله الرحمن الرحيم إنما سميت المثاني لأنها تثني في الركعتين وعن أحدهما عليهما السلام إنه سئل عنها فقال فاتحة الكتاب يثنى فيها لقول. وكذا في المجالس عن السجاد عليه السلام. وفي المجمع عن علي والباقر والصادق عليهم السلام. والقمي إنها الفاتحة وفي الكافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعطيت السور الطوال مكان التوراة واعطيت المئين مكان الأنجيل واعطيت المثاني مكان الزبور. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل زاد الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم السبع الطوال وفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم. وفي التوحيد والعياشي والقمي عن الباقر عليه السلام نحن المثاني التي أعطاها الله نبينا قال الصدوق (طاب ثراه) قوله نحن المثاني أي نحن الذين قرننا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى القرآن وأوصى بالتمسك بالقرآن وبنا وأخبر امته إنا لا نفرق حتى نرد حوضه.

[ 121 ]

أقول: لعلهم عليهم السلام إنما عدوا سبعا باعتبار أسمائهم فإنها سبعة وعلى هذا فيجوز أن يجعل المثاني من الثناء وأن يجعل من التثنية باعتبار تثنيتهم مع القرآن وأن يجعل كناية عن عددهم الأربعة عشر بأن يجعل نفسه واحدا منهم بالتغاير الأعتباري بين المعطي والمعطى له. (88) لا تمدن عينيك لا تطمح ببصرك طموح راغب إلى ما متعنا به أزواجا منهم أصنافا من الكفار فإنه مستحقر في جنب ما اوتيته ولا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا فيتقوى بهم الأسلام وأهله واخفض جناحك للمؤمنين وتواضع لمن معك من المؤمنين وارفق بهم وطب نفسا عن إيمان الأغنياء والأقوياء. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اوتي القرآن فظن إن أحدا من الناس اوتي أفضل مما اوتي فقد عظم ما حقر الله وحقر ما عظم الله. والقمي عنه عليه السلام لما نزلت هذه الاية لا تمدن عينيك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لم يتعز (2) بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ومن رمي ببصره ما في يدي غيره كثر همه ولم يشف غيظه ومن لم يعلم أن لله عليه نعمة إلا في مطعم أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه ومن أصبح على الدنيا حزينا أصبح على الله ساخطا ومن شكا مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه ومن دخل النار من هذه الامة ممن قرأ القرآن فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا ومن أتى ذا ميسرة فتخشع له طلب ما في يديه ذهب ثلثا دينه وفي المجمع كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينظر إلى ما يستحسن من الدنيا. (89) وقل إنى أنا النذير المبين انذركم ببيان وبرهان إن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا وابين لكم ما تحتاجون إليه وما أرسلت به إليكم.


1 - العزاء ممدودا الصبر يقال عزى يعزى من باب تعب صبر على ما نابه واراد بالتعزي بعزاء الله التصبر والتسلي عند المصيبة وشعاره ان يقول انا لله وانا إليه راجعون ومعنى بعزاء الله بتعزية الله اياه فاقام الاسم مقام المصدر م‍. (*)

[ 122 ]

(90) كما أنزلنا على المقتسمين. (91) الذين جعلوا القرآن عضين قيل أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على اليهود والنصارى الذين جعلوا القرآن أجزاء وأعضاء وقالوا العنادهم بعضه حق موافق للتوراة والأنجيل وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل وقيل مثل العذاب الذي أنزلنا عليهم. والقمي قال قسموا القرآن ولم يؤلفوه على ما أنزله الله والعياشي عنهما عليهما السلام إنهما سئلا عن هذه الاية فقالا هم قريش وعن أحدهما عليهما السلام في الذين أبرزوا القرآن عضين قالوا هم قريش. (92) فوربك لنسألنهم أجمعين. (93) عما كانوا يعملون فيجازيهم عليه. (94) فاصدع بما تؤمر فاجهر به وأظهره. العياشي عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال نسختها فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين فلا تلتفت إلى ما يقولون. (95) إنا كفيناك المستهزئين بقمعهم وإهلاكهم. (96) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدارين. في الأكمال عن الصادق عليه السلام إكتتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مختفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر أمره وعلي عليه السلام معه وخديجة ثم أمره الله أن يصدع بما امر فظهر فأظهر أمره قال وفي خبر آخر ثلاث سنين. والعياشي عنه عليه السلام قال إكتتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة سنين ليس يظهر وعلي عليه السلام معه وخديجة ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر فجعل يعرض نفسه على قبايل العرب فإذا أتاهم قالوا كذاب إمض عنا.

[ 123 ]

والقمي نزلت بمكة بعد أن نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله بثلاث سنين وذكر الحديث بأبسط مما في الأكمال قال وكان المستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث والحرث بن طلاطلة الخزاعي. والعياشي عن الباقر عليه السلام قال كان المستهزؤون خمسة من قريش وذكر هؤلاء ثم قال فلما قال الله إنا كفيناك المستهزئين علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه قد أخزاهم فأماتهم الله بشر ميتة. وفي الأحتجاج عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام في حديث فأما المستهزؤن فقال الله إنا كفيناك المستهزئين فقتل الله خمستهم كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد فأما الوليد بن المغيرة فمر بنبل الرجل من خزاعة قد راشه (1) ووضعه في الطريق فأصابه شظية (2) منه فقطع أكحله (3) حتى أدماه فمات وهو يقول قتلني رب محمد وأما العاص بن وائل السهمي فإنه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده تحته حجر فسقط فتقطع قطعة قطعة فمات وهو يقول قتلني رب محمد وأما الأسود ابن عبد يغوث فإنه خرج يستقبل إبنه زمعة فاستظل بشجرة فأتاه جبرئيل فأخذ رأسه فنطح به الشجرة فقال لغلامه إمنع هذا عني فقال ما أرى أحدا يصنع بك شيئا إلا نفسك فقتله وهو يقول قتلني رب محمد وأما الأسود بن المطلب فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليه أن يعمى بصره وأن يثكله ولده فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع فأتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي وبقي حتى أثكله الله ولده وأما الحرث بن الطلاطلة فإنه خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا فرجع إلى أهله فقال أنا الحرث فغضبوا عليه فقتلوه وهو يقول قتلني رب محمد.


1 - راش السهم يريشه الزق عليه الريش كريشه ق. 2 - والشظية القوس وعظم الساق وكل فلقة من شئ. قاموس. 3 - والاكحل عرق في وسط الذراع يكثر فصده. نهاية. أو عرق الحياة ق. (*)

[ 124 ]

قال وروي أن الأسود بن عبد يغوث أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى إنشقت بطنه فمات وهو يقول قتلني رب محمد كل ذلك في ساعة واحدة وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم منزله فأغلق عليه بابه مغتما لقولهم فأتاه جبرئيل عليه السلام عن الله من ساعته فقال يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين يعني أظهر أمرك لأهل مكة وادعهم إلى الأيمان قال يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني قال له إنا كفيناك المستهزئين قال يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي قال قد كفيتهم فأظهر أمره عند ذلك. والقمي بعد ما ذكر المستهزئين وكيفية كفايتهم قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام على الحجر فقال يا معشر قريش يا معشر العرب أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله آمركم بخلع الأنداد والأصنام فأجيبوني تملكوا به العرب وتدين لكم العجم وتكونوا ملوكا في الجنة فاستهزؤوا منه وقالوا جن محمد بن عبد الله ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب. (97) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون من تكذيبك والطعن فيك وفي القرآن. في الكافي عن الصادق عليه السلام يعني فيما يذكره في فضل وصيه. (98) فسبح بحمد ربك وكن من السجدين فافزع إلى الله فيما نابك بالتسبيح والتحميد والصلاة يكفك الهم ويكشف عنك الغم. في الكافي عن الصادق عليه السلام عليك بالصبر في جميع امورك فإن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فأمره بالصبر والرفق فصبر حتى نالوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره فأنزل الله عز وجل ولقد نعلم أنك يضيق صدرك الاية.

[ 125 ]

وفي المجمع كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلوة. (99) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ودم على عبادة ربك حتى يأتيك الموت يعني ما دمت حيا وفضل قراءة هذه السورة سبق في آخر سورة إبراهيم عليه السلام.

[ 126 ]

سورة النحل أربعون آية من أولها مكية والباقي من قوله (والذين هاجروا في الله) إلى آخر السورة مدنية وقيل مكية كلها غير ثلاث آيات (وإن عاقبتم) إلى آخر السورة عدد آياتها مأة وثمان وعشرون آية. بسم الله الرحمن الرحيم (1) أتى أمر الله فلا تستعجلوه قيل كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قيام الساعة وإهلاك الله إياهم كما فعل يوم بدر استهزاءا وتكذيبا ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت والمعنى إن الأمر الموعود به بمنزلة الاتي المتحقق من حيث أنه واجب الوقوع فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم عنه. القمي قال نزلت لما سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينزل عليهم العذاب فأنزل الله أتى أمر الله فلا تستعجلوه. والعياشي عن الصادق عليه السلام إذا أخبر الله إن شيئا كائن فكأنه قد كان سبحانه (1) وتعالى عما يشركون تبرأ وجل أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم وقرئ بالتاء


1 - هذه كلمة تنزيه لله تعالى عما لا يليق به وبصفاته وتنزيه له من ان يكون له شريك في عبادته اي جل وتقدس وتنزه من ان يكون له شريك تعالى وتعظم وارتفع من جميع صفات النقص. (*)

[ 127 ]

(2) ينزل الملائكة بالروح بما يحيى به القلوب الميتة بالجهل من الوحي والقرآن. القمي يعني بالقوة التي جعلها الله فيهم. وعن الباقر عليه السلام يقول بالكتاب والنبوة وقرئ ينزل من أنزل وينزل على المبني للمفعول والتشديد من أمره من ملكوته على من يشآء من عباده. في البصائر عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال جبرئيل الذي نزل على الأنبياء والروح يكون معهم ومع الأوصياء لا يفارقهم يفقههم ويسددهم من عند الله. الحديث. ويأتي كلام آخر في الروح في سورة بني إسرائيل إن شاء الله وقد سبق تمام تحقيقه في سورة الحجر أن أنذروا بأن اعلموا من أنذرت بكذا إذا أعلمته أنه لا إله إلا أنا فاتقون. (3) خلق السموت والارض بالحق تعالى عما يشركون. (4) خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. القمي قال خلقه من قطرة ماء منتن فيكون خصيما متكلما بليغا. (5) والانعام الأزواج الثمانية خلقها لكم فيها دف ء. القمي ما تستدفئون به مما يتخذ من صوفها ووبرها ومنافع نسلها ودرها وظهورها وإثارة الأرض وما يعوض بها ومنها تأكلون أي تأكلون مما يؤكل منها كاللحوم والشحوم والألبان. (6) ولكم فيها جمال زينة حين تريحون تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي وحين تسرحون تخرجونها بالغداة إلى المرعى فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها وتقديم الاراحة لأن الجمال فيها أظهر فإنها تقبل ملأ البطون حافلة الضروع ثم تأوى إلى الحظاير حاضرة لأهلها. (7) وتحمل أثقالكم أحمالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إن لم تكن فضلا عن

[ 128 ]

أن تحملوها على ظهوركم إليه إلا بشق الانفس إلا بكلفة ومشقة إن ربكم لرؤف رحيم حيث رحمكم بخلقها لأنتفاعكم بها وسهولة الأمر عليكم. (8) والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون. القمي قال العجائب التي خلقها الله في البر والبحر. (9) وعلى الله قصد السبيل هداية الطريق المستقيم الموصل إلى الحق ونحوه إن علينا للهدى ومنها جائر حائد عن القصد ولو شاء لهديكم أجمعين إلى القصد. (10) هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر ومنه يكون نبات فيه تسيمون ترعون مواشيكم. (11) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون فيستدلون بها على عظمة خالقها وكمال قدرته وحكمته وقرئ ننبت بالنون. (12) وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم بأن هيأها لمنافعكم مسخرات بأمره وقرئ برفع النجوم ومسخرات وبرفع الشمس والقمر أيضا إن في ذلك لايات لقوم يعقلون جمع الايات هنا وذكر العقل دون الفكر لأن في الاثار العلوية أنواعا من الدلالة ظاهرة للعقلاء على عظمة الله. (13) وما ذرأ لكم في الارض وسخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوان ونبات ومعدن مختلفا ألوانه أي أصنافه فإنها تتخالف باللون غالبا إن في ذلك لاية لقوم يذكرون. (14) وهو الذى سخر لكم البحر ذلله بحيث تتمكنون من الأنتفاع به بالركوب والأصطياد والغوص لتأكلوا منه لحما طريا هو السمك وتستخرجوا منه حلية تلبسونها (1) كاللؤلؤ والمرجان وترى الفلك السفن مواخر فيه جواري فيه تشقه بحيازيمها من المخر


1 - أي يتزينون بها وتلبسونها نساءكم ولولا تسخيره سبحانه ذلك لما قدرتم على الدنو منه والغوص فيه. م‍ ن. (*)

[ 129 ]

وهو شق الماء وقيل صوت جري الفلك ولتبتغوا من فضله من سعة رزقه بركوبها للتجارة ولعلكم تشكرون أي تعرفون نعمة الله فتقومون بحقها. (15) وألقى في الارض رواسي جبالا ثوابت أن تميد بكم كراهة أن تميل بكم وتضطرب. في الخصال عن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله تبارك وتعالى لما خلق البحار فخرت وزخرت وقالت أي شئ يغلبني فخلق الله الفلك فأدارها به وذللها ثم إن الأرض فخرت وقالت أي شئ يغلبني فخلق الله الجبال فاثبتها في ظهرها أوتادا منعها من أن تميد بما عليها فذلت الأرض واستقرت. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن الله جعل الأئمة عليهم السلام أركان الأرض أن تميد بأهلها. وفي الأكمال عن الباقر عليه السلام لو أن الأمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله وأنهارا وجعل فيها أنهارا وسبلا لعلكم تهتدون إلى مقاصدكم. (16) وعلامات هي معالم الطرق وكل ما يستدل به المارة من جبل وسهل وغير ذلك وبالنجم هم يهتدون بالليل في البراري والبحار. في الكافي والمجمع والقمي والعياشي في أخبار كثيرة عنهم عليهم السلام نحن العلامات والنجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنجم هم يهتدون هو الجدي لأنه نجم لا يزول وعليه بناء القبلة وبه يهتدي أهل البر والبحر. وعن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال ظاهر وباطن الجدي يبني عليه القبلة وبه يهتدي أهل البر والبحر لأنه لا يزول.

[ 130 ]

أقول: يعني معناه الظاهر الجدي والباطن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (17) أفمن يخلق كمن لا يخلق يعني الأصنام أفلا تذكرون فتعرفوا فساد ذلك. (18) وإن تعدوا (1) نعمة الله لا تحصوها لا تضبطوا عددها فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها إن الله لغفور حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها رحيم لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. (19) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون من عقايدكم وأعمالكم وهو وعيد. (20) والذين يدعون من دون الله والالهة الذين تعبدونهم من دونه وقرئ تدعون بالتاء لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. (21) أموات (2) غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ولا يعلمون وقت بعثهم أو بعث عبدتهم فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم. (22) إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون. (23) لا جرم حقا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون فيجازيهم وهو وعيد إنه لا يحب المستكبرين. القمي والعياشي عن الباقر عليه السلام لا يؤمنون بالاخرة يعني بالرجعة قلوبهم منكرة يعني كافرة وهم مستكبرون يعني عن ولاية علي عليه السلام إنه لا يحب المستكبرين يعني عن ولاية علي عليه السلام.


1 - معناه وان اردتم تعداد نعم الله سبحانه عليكم ومعرفة تفاصيلها لم يمكنكم احصاؤها ولا تعديدها وانما يمكنكم ان تعرفوا مجملها. من. 2 - اكد كونها امواتا بقوله غير احياء لنفي الحياة عنها على الاطلاق فان من الاموات من سبقت له حالة في الحياة وله حالة منتظرة من الحياة بخلاف الاصنام فانه ليس لها حياة سابقة ولا منتظرة وقال اموات ولم يقل موات وان كان الاموات جمع الميت الذي كان فيه حياة فزالت لانهم صوروا الاصنام على صور العقلاء وهيأتهم وعاملوها معاملة العقلاء تسمية واعتقادا ولذلك قال لا يخلقون شيئا وهم يخلقون مجمع البيان. (*)

[ 131 ]

والعياشي مر الحسين بن علي عليهما السلام على مساكين قد بسطوا كساء لهم وألقوا كسرا فقالوا هلم يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فثنى وركه فأكل معهم ثم تلا إن الله لا يحب المستكبرين. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام من ذهب يرى أن له على الاخر فضلا فهو من المستكبرين فقيل إنما يرى أن له عليه فضلا بالعافية إذا رآه مرتكبا بالمعاصي فقال هيهات هيهات فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف تحاسب أما تلوت قصة سحرة موسى عليه السلام. (24) وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الاولين أحاديث الأولين وأباطيلهم. (25) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون أي قالوا ذلك إضلالا للناس وصدا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحملوا أوزار ضلالتهم كاملة وبعض أوزار من أضلوهم لأن الضال والمضل شريكان هذا يضله وهذا يطاوعه على إضلاله بغير علم يعني يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وإنما لم يعذر الجاهل لأن عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل. العياشي عن الباقر عليه السلام ماذا أنزل ربكم في علي عليه السلام قالوا أساطير الاولين شجع أهل الجاهلية في جاهليتهم ليحملوا أوزارهم ليستكملوا الكفر يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم يعني كفر الذين يتولونهم. والقمي يحملون آثامهم يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام وآثام كل من اقتدى بهم وهو قول الصادق عليه السلام والله ما اهريقت محجمة من دم ولا قرع عصا بعصا ولا غصب فرج حرام ولا أخذ مال من غير حله إلا وزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص عن أوزار العاملين شئ. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع فله مثل اجورهم من غير أن ينقص من اجورهم شئ وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليه فإن عليه مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص من أوزارهم.

[ 132 ]

(26) قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد من الأساطين التي بنوا عليها فخر عليهم السقف من فوقهم هذا تمثيل لاستيصالهم بمكرهم والمعنى أنهم سووا منصوبات ليمكروا الله بها فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من جهة الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا ومن أمثالهم من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا والمراد بإتيان الله إتيان أمره من القواعد أي من جهة القواعد وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون لا يحتسبون ولا يتوقعون وفي الجوامع والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه قرأ فأتى الله بيتهم وزاد العياشي يعني بيت مكرهم. وعن الباقر عليه السلام كان بيت غدر يجتمعون فيه إذا أرادوا الشر. والقمي عنه عليه السلام بيت مكرهم أي ماتوا فألقاهم الله في النار قال وهو مثل لأعداء آل محمد صلوات الله عليهم. وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث فإتيانه بنيانهم من القواعد إرسال العذاب. (27) ثم يوم القيمة يخزيهم يذلهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم تعادون المؤمنين وتخاصمونهم في شأنهم وقرئ بكسر النون أي تشاققونني لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله قال الذين أوتوا العلم أي الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم إن الخزى اليوم والسوء الذلة والعذاب على الكفرين إظهارا للشماتة وزيادة في الأهانة. القمي الذين أوتوا العلم الأئمة عليهم السلام يقولون لأعدائهم أين شركاؤكم ومن أطعتموهم في الدنيا. (28) الذين تتوفيهم الملائكة أي ملائكة العذاب كما سبق بيانه في سورة النساء عند نظير هذه الاية وقرئ بالياء ظالمي أنفسهم بأن عرضوها للعذاب المخلد فألقوا السلم فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت ما كنا نعمل من سوء جحدوا ما وجد

[ 133 ]

منهم من الكفر والعدوان في الدنيا بلى رد عليهم اولو العلم إن الله عليم بما كنتم تعملون فهو يجازيكم عليه وهذا ايضا من الشماتة وكذلك. (29) فادخلوا أبواب جهنم كل صنف بابها المعد له خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين جهنم. (30) وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا أطبقوا الجواب على السؤال معترفين بالأنزال بخلاف الجاحدين إذ قالوا أساطير الاولين وليس من الأنزال في شئ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة مكافأة في الدنيا ولدار الاخرة خير أي ولثوابهم في الاخرة خير منها وهو عدة للذين إتقوا ويجوز أن يكون بما بعده من تتمة كلامهم بدلا وتفسيرا لخير ولنعم دار المتقين. (31) جنات عدن إقامة وخلود يدخلونها تجرى من تحتها الانهار لهم فيها ما يشاؤن من أنواع المشتهيات وقد مضى في شأن جنات عدن أخبار في سورة التوبة كذلك يجزى الله المتقين. في الأمالي عن أمير المؤمنين عليه السلام عليكم بتقوى الله فإنها تجمع الخير ولا خير غيرها ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا والاخرة قال الله عز وجل وقيل للذين اتقوا وتلا هذه الاية. والعياشي عن الباقر عليه السلام ولنعم دار المتقين. (32) الذين تتوفهم الملائكة أي ملائكة الرحمة كما سبق بيانه في سورة النساء طيبين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة يقولون سلام عليكم سلامة لكم من كل سوء ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. القمي في قوله طيبين قالوا هم المؤمنون الذين طابت مواليدهم وفي الأمالي عن أمير المؤمنين عليه السلام ليس من أحد من الناس يفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلين يصير إلى الجنة أم النار أعدو هو لله أو ولي فإن كان وليا لله فتحت له أبواب الجنة وشرع له طرقها ونظر إلى ما أعد الله له فيها ففرغ من كل شغل ووضع عنه كل ثقل وإن كان عدوا لله فتحت له أبواب النار وشرع له طرقها ونظر إلى ما أعد

[ 134 ]

الله له فيها فاستقبل كل مكروه ونزل كل شرور وكل هذا يكون عند الموت وعنده يكون بيقين قال الله تعالى الذين تتوفهم الملائكة ظالمي أنفسهم الاية. (33) هل ينظرون هل ينتظر الذين لا يؤمنون بالاخرة إلا أن تأتيهم الملائكة ملائكة العذاب لقبض أرواحهم وقرئ بالياء أو يأتي أمر ربك. القمي من العذاب والموت وخروج القائم عليه السلام كذلك مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله بتدميرهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بكفرهم ومعاصيهم المؤدية إليه. (34) فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن وأحاط بهم جزاؤه والحيق لا يستعمل إلا في الشر. القمي ما كانوا به يستهزؤون من العذاب في الرجعة. (35) وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم أشركوا بالله وحرموا ما أحل الله وارتكبوا ما حرم الله فلما نبهوا على قبح أعمالهم نسبوها إلى الله وقالوا لو شاء الله لم نفعلها فهل على الرسل إلا البلاغ المبين إلا الابلاغ الموضح للحق. (36) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله وفقهم للأيمان لكونهم من أهل اللطف ومنهم (1) من حقت عليه الضلالة إذ خذلهم ولم يوفقهم لتصميمهم على الكفر فسيروا في الارض. والعياشي عن الباقر عليه السلام ما بعث الله نبيا قط إلا بولايتنا والبراءة من أعدائنا وذلك قوله تعالى ولقد بعثنا الاية إلى قوله من حقت عليه الضلالة يعني بتكذيبهم والقمي أي في أخبار من هلك قبله فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين من


1 - ومنهم من اعرض عما دعاه إليه الرسول فخذله الله فثبت عليه الضلالة ولزمته فلا يؤمن قط وقيل معناه وجبت عليه الضلالة وهي العذاب والهلاك وقيل معناه ومنهم من حقت عليه عقوبة الضلالة وقد سمى الله سبحانه العقاب ضلالا بقوله ام المجرمين في ضلال وسعر. مجمع البيان. (*)

[ 135 ]

عاد وثمود وغيرهم لعلكم تعتبرون. (37) إن تحرص يا محمد على هديهم فإن الله لا يهدى من يضل من يخذله وما لهم من ناصرين من ينصرهم. (38) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت قيل يعني الذين أشركوا كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه بلى يبعثهم وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون إنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناعه. (39) ليبين لهم أي يبعثهم ليبين لهم الذى يختلفون فيه وهو الحق وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما كانوا يزعمون. (40) إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقرئ بفتح النون بيان لأمكان البعث هذا ما قاله المفسرون في تفسير هذه الايات. وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه قال لأبي بصير ما تقول في هذه الاية فقال إن المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله لا يبعث الموتى قال فقال تبا لمن قال هذا سلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى قال قلت جعلت فداك فأوجدنيه قال فقال لي يا أبا بصير لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوما من شيعتنا قبايع سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون بعث فلان وفلان وفلان من قبور وهم مع القائم فيبلغ ذلك قوما من عدونا فيقولون يا معشر الشيعة ما أكذبكم هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة قال فحكى الله قولهم فقال وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت. والقمي عنه عليه السلام إنه قال ما يقول الناس في هذه الاية قيل يقولون نزلت في الكفار قال إن الكفار لا يحلفون بالله وإنما نزلت في قوم من امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيل لهم ترجعون بعد الموت قبل يوم القيامة فيحلفون أنهم لا يرجعون فرد الله

[ 136 ]

عليهم فقال ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين يعني في الرجعة يردهم فيقتلهم ويشفي صدور المؤمنين منهم. والعياشي عنه عليه السلام إنه قال ما يقول الناس في هذه الاية قيل يقولون لا قيامة ولا بعث ولا نشور فقال كذبوا والله إنما ذلك إذا قام القائم وكر معه المكرون فقال أهل خلافكم قد ظهرت دولتكم يا معشر الشيعة وهذا من كذبكم تقولون رجع فلان وفلان لا والله لا يبعث الله من يموت ألا ترى أنه قال وأقسموا بالله جهد أيمانهم كانت المشركون أشد تعظيما لللات والعزى من أن يقسموا بغيرها فقال الله بلى وعدا عليه حقا ليبين لهم الذى يختلفون فيه الايات الثلاث. (41) والذين هاجروا في الله في حقه ولوجهه من بعد ما ظلموا قيل لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة والمحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه لنبوئنهم في الدنيا حسنة مبأة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب ولاجر الاخرة أكبر مما تعجل لهم في الدنيا لو كانوا يعلمون (1). (42) الذين صبروا على أذى الكفار ومفارقة الوطن وعلى ربهم يتوكلون يفوضون إليه الأمر كله. (43) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم رد لقولهم الله أعظم من أن يرسل إلينا بشرا مثلنا وقد سبق بيان الحكمة فيه في سورة الأنعام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولعله اشير إلى مثل ذلك بقوله فاسألوا أهل الذكر يعني وجه الحكمة فيه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. في الكافي والقمي والعياشي عنهم عليهم السلام في أخبار كثيرة أن رسول الله


1 - أي لو كان الكفار يعلمون ذلك وقيل معناه لو علم المؤمنون تفاصيل ما اعد الله لهم في الجنة لازدادوا سرورا وحرصا على التمسك بالدين م‍ ن. (*)

[ 137 ]

الذكر وأهل بيته المسؤولون وهم أهل الذكر وزاد في العيون عن الرضا عليه السلام قال الله تعالى قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله فالذكر رسول الله ونحن أهله. وفي البصائر عن الباقر عليه السلام والكافي عن الصادق عليه السلام الذكر القرآن وأهله آل محمد صلوات الله عليهم وزاد في الكافي أمر الله بسؤالهم ولم يؤمروا بسؤال الجهال وسمى الله القرآن ذكرا فقال وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. وفيه والعياشي عن الباقر عليه السلام إن من عندنا يزعمون أن قول الله فاسئلوا أهل الذكر أنهم اليهود والنصارى قال إذا يدعونكم إلى دينهم ثم قال بيده إلى صدره نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون. وفي العيون عن الرضا عليه السلام مثله وزاد العياشي قال: وقال الذكر القرآن. وفي الكافي عن السجاد عليه السلام على الأئمة من الفرض ما ليس على شيعتهم وعلى شيعتنا ما ليس علينا أمرهم الله أن يسألونا قال فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فأمرهم أن يسألونا وليس علينا الجواب إن شئنا أجبنا وإن شئنا أمسكنا ومثله عن الباقر والرضا عليهما السلام. أقول: المستفاد من هذه الأخبار أن المخاطبين بالسؤال هم المؤمنون دون المشركين وأن المسؤل عنه كل ما أشكل عليهم دون كون الرسل رجالا وهذا إنما يستقيم إذا لم يكن وما أرسلنا ردا للمشركين أو كان فاسألوا كلاما مستأنفا أو كانت الاية مما غير نظمه ولا سيما إذا علق قوله بالبينت والزبر بقوله أرسلنا فإن هذا الكلام بينهما وأما أمر المشركين بسؤال أهل البيت عن كون الرسل رجالا لا ملائكة مع عدم إيمانهم بالله ورسوله فمما لا وجه له إلا أن يسألوهم عن بيان وجه الحكمة فيه وفيه ما فيه. (44) بالبينت والزبر قيل أي أرسلناهم بالمعجزات والكتب كأنه جواب قائل

[ 138 ]

بم أرسلوا وأنزلنا إليك الذكر أي القرآن كما سبق آنفا سمي ذكرا لأنه موعظة وتنبيه لتبين للناس ما نزل إليهم مما امروا به ونهوا عنه ولعلهم يتفكرون وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقايق والمعارف. (45) أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض كما خسف بقارون أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون بغتة كما فعل بقوم لوط. (46) أو يأخذهم في تقلبهم إذا جاؤوا وذهبوا في متاجرهم وأعمالهم فما هم بمعجزين. (47) أو يأخذهم على تخوف على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون أو على تنقص بأن ينقصهم شيئا بعد شئ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته. القمي قال على تيقظ وبالجملة هو خلاف قوله من حيث لا يشعرون. والعياشي عن الصادق عليه السلام هم أعداء الله وهم يمسخون ويقذفون ويسيحون في الأرض. وفي الكافي عن السجاد عليه السلام في كلام له في الوعظ والزهد في الدنيا ولا تكونوا من الغافلين المايلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئات فإن الله يقول في محكم كتابه أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض الاية فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعد به القوم الظالمين في الكتاب والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم فإن السعيد من وعظ بغيره فإن ربكم لرءوف رحيم حيث لا يعاجلهم بالعقوبة. (48) أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ إستفهام إنكار أي قد رأوا أمثال هذه الصنايع فما بالهم لم يتفكروا فيها ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه وقرئ أو لم تروا بالتاء يتفيؤا ظلاله يعني أولم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة وقرئ تتفيؤ

[ 139 ]

بالتاء عن اليمين والشمائل عن إيماننا وشمائلنا وتوحيد بعض وجمع بعض باعتبار اللفظ والمعنى سجدا لله وهم داخرون مستسلمين له منقادين وهم صاغرون لأفعال الله فيها. القمي قال تحويل كل ظل خلقه الله هو سجود لله قيل ويجوز أن يكون المراد بقوله وهم داخرون أن الأجرام أنفسها أيضا داخرة صاغرة منقادة لله سبحانه فيما يفعل فيها وإنما جمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء. (49) ولله يسجد ما في السموت وما في الارض ينقاد من دابة بيان لهما لأن الدبيب هي الحركة الجسمانية سواء كانت في أرض أو سماء والملئكة ممن لا مكان له. والقمي قال الملائكة ما قدر الله لهم تمرون فيه وهم لا يستكبرون عن عبادته. (50) يخافون ربهم من فوقهم يخافونه وهو فوقهم بالقهر وهو القاهر فوق عباده ويفعلون ما يؤمرون. في المجمع قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن لله ملائكة في السماوات السابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافة الله لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صار ملكا فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم وقالوا ما عبدناك حق عبادتك قال بعض أهل المعرفة إن أمثال هذه الايات يدل على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة ألا كل مخلوق له قوة التفكر وليس إلا النفوس الناطقة الأنسانية والحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم فإن هياكلهم كساير العالم في التسبيح له والسجود فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر وجميع القوى فالحكم لله العلي الكبير ويأتي زيادة بيان لهذا المقام في سورة النور إن شاء الله. (51) وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله وحد أكد العدد في الموضعين

[ 140 ]

دلالة على العناية به فإنك لو قلت إنما هو إله لخيل أنك أثبت الألهية لا الوحدانية فاياي فارهبون كأنه قيل ف ءنا هو فإياي فارهبون لا غير. (52) وله ما في السموت والارض خلقا وملكا وله الدين الطاعة واصبا. العياشي عن الصادق عليه السلام قال واجبا أفغير الله تتقون. (53) وما بكم من نعمة فمن الله. القمي النعمة الصحة والسعة والعافية. وعن الصادق عليه السلام من لم يعلم أن لله عليه نعمة إلا في مطعم أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون فما تتضرعون إلا إليه والجور رفع الصوت بالدعاء والأستغاثة. (54) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون. (55) ليكفروا بما آتيناهم من نعمة الكشف عنهم كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة وإنكار كونها من الله فتمتعوا فسوف تعلمون تهديد ووعيد. (56) ويجعلون لما لا يعلمون لالهتهم التي لا علم لها أو لا علم لهم بها نصيبا مما رزقناهم (1) من الزروع والأنعام. القمي كانت العرب يجعلون للأصنام نصيبا في زرعهم وإبلهم وغنمهم فرد الله عليهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون من أنها آلهة وأنها أهل للتقرب إليها وهو وعيد لهم على ذلك. (57) ويجعلون لله البنات. القمي قالت قريش الملائكة هم بنات الله سبحنه (2) تنزيه له من قولهم أو


1 - يتقربون إليه بذلك كما يجب ان يتقرب الى الله تعالى وهو ما حكى الله عنهم في سورة الانعام من الحرث وغير ذلك وقولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا م‍ ن. 2 - فقد جعلوا لله ما يكرهونه لانفسهم وهذا غاية الجهل م‍ ن. (*)

[ 141 ]

تعجب منه ولهم ما يشتهون يعني البنين. (58) وإذا بشر أحدهم بالانثى اخبر بولادتها ظل صار وجهه مسودا من الكآبة والحياء من الناس وهو كظيم مملو غيظا من المرأة. (59) يتوارى من القوم يستخفي منهم من سوء ما بشر به أيمسكه محدثا نفسه متفكرا في أن يتركه على هون ذل أم يدسه في التراب أم يخفيه فيه ويئده (1) ألا ساء ما يحكمون حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محله عندهم (2). (60) للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء صفة السوء وهي الحاجة إلى الولد والأستظهار بالذكور وكراهة الاناث ووأدهن خشية الأملاق والعار ولله المثل الاعلى وهي الصفات الألهية والغنى عن الصاحبة والولد والنزاهة عن صفات المخلوقين وهو العزيز الحكيم المتفرد بكمال القدرة والحكمة. (61) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم بكفرهم ومعاصيهم ما ترك عليها على الأرض من دابة قط بشؤم ظلمهم أو من دابة ظالمة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى كي يتوالدوا فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. (62) ويجعلون لله ما يكرهون أي ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة والأستخفاف بالرسل وأراذل الأموال وتصف ألسنتهم الكذب مع ذلك. القمي يقول ألسنتهم الكاذبة أن لهم الحسنى أي عند الله كقول قائلهم ولئن رجعت إلى ربي أن لي عنده للحسنى لا جرم أن لهم النار رد لكلامهم وإثبات لضده وأنهم مفرطون مقدمون إلى النار معجلون وقرئ بكسر الراء من الأفراط في المعاصي. القمي أي معذبون.


1 - الذي كان من عادة العرب وهو ان احدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا ولد له انثى جعلها فيها وحثى عليها التراب حتى تموت تحته وكان يفعلون ذلك مخافة الفقر عليهن فيطمع غير الاكفاء فيهن. م‍ ن. 2 - وقيل معناه ساء ما يحكمونه في قتل البنات من مساواتهن للبنين في حرمة الولادة ولعل الجارية خير من الغلام وروي عن ابن عباس لو اطاع الله الناس في الناس لما كان الناس لانه ليس احد الا ويحب ان يولد له ذكر ولو كان الجميع ذكورا لما كان لهم اولاد فيفنى الناس. (*)

[ 142 ]

(63) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فأصروا على قبايحها وكفروا بالمرسلين فهو وليهم اليوم قرينهم أو ناصرهم يعني لا ناصر لهم ولهم عذاب أليم. (64) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه من المبدأ والمعاد والحلال والحرام وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. (65) والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها إن في ذلك لاية لقوم يسمعون سماع تدبر وإنصاف. (66) وإن لكم في الانعام لعبرة (1) يعبر بها من الجهل إلى العلم نسقيكم مما في بطونه تذكير الضمير هاهنا بإعتبار اللفظ وتأنيثه في سورة المؤمنون بإعتبار المعنى لكونه اسم جمع من بين فرث ودم لبنا يكتنفانه خالصا صافيا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث ولا يشوبانه شيئا (2). القمي قال الفرث ما في الكرش سائغا للشاربين سهل المرور في حلقهم. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس أحد يغص بشرب اللبن لأن الله عز وجل يقول لبنا خالصا سائغا للشاربين. (67) ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا قيل خمرا. والقمي الخل والعياشي عن الصادق عليه السلام إنها نزلت قبل آية التحريم فنسخت بها وفيه دلالة على أن المراد به الخمر وقد جاء بالمعنيين جميعا وعلى إرادة الخمر لا يستلزم حلها في وقت لجواز أن يكون عتابا ومنة قبل بيان تحريمها ومعنى النسخ نسخ


1 - العبرة بالكسر اسم من الاعتبار وهو الاتعاظ وهو ما يفيده الفكر الى ما هو الحق من وجوب ترك الدنيا والعمل للاخرة واشتقاقها من العبور لان الانسان ينتقل فيا من أمر الى امر. م‍. 2 - عن ابن عباس قال إذا استقر العلف في الكرش صار اسفله فرثا واعلاه دما واوسطه لبنا فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقي الفرث كما هو فذلك قوله من بين فرث ودم لبنا خالصا لا يشوبه الدم ولا الفرث. مجمع البيان. (*)

[ 143 ]

السكوت فلا ينافي ما جاء في أنها لم تكن حلالا قط وفي مقابلتها بالرزق الحسن تنبيه على قبحها ورزقا حسنا كالتمر والزبيب والدبس إن في ذلك لاية لقوم يعقلون. (68) وأوحى ربك إلى النحل ألهمها وقذف في قلوبها فإن صنعتها الأنيقة ولطفها في تدبير أمرها ودقيق نظرها شواهد بينة على أن الله سبحانه وتعالى أودعها علما بذلك. القمي قال وحى إلهام. والعياشي عن الباقر عليه السلام مثله أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون يعرش الناس من كرم أو سقف. (69) ثم كلي من كل الثمرات من كل ثمرة تشتهيها حلوها ومرها فاسلكي سبل ربك الطرق التي ألهمك في عمل العسل ذللا مذللة ذللها وسهلها لك أو أنت منقادة لما أمرتك به يخرج من بطونها شراب يعني العسل فإنه مما يشرب مختلف ألوانه أبيض وأصفر وأحمر وأسود فيه شفاء للناس. في الكافي والخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام لعق العسل شفاء من كل داء ثم تلا هذه الاية قال وهو مع قراءة القرآن ومضغ اللسان يذيب البلغم. وفي العيون عنه عليه السلام ثلاثة يزدن في الحفظ ويذهبن بالبلغم وذكر هذه الثلاثة. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن يكن في شئ شفاء ففي شرطة الحجام وفي شربة عسل. وعنه عليه السلام لا تردوا شربة عسل من أتاكم بها وقد سبق في أول سورة النساء حديث في الأستشفاء به في المجمع في النحل والعسل وجوه من الأعتبار منها إختصاصه بخروج العسل من فيه ومنها جعل الشفاء من موضع السم فإن النحل يلسع ومنها ما ركب الله من البدايع والعجايب فيه وفي طباعه ومن أعجبها أن جعل سبحانه لكل فئة منه يعسوبا هو أميرها يقدمها ويحامي عنها ويدبر أمرها ويسوسها وهي

[ 144 ]

تتبعه وتقتفي أثره ومتى فقدته اختل نظامها وزال قوامها وتفرقت شذر (1) مذر وإلى هذا المعنى فيما أخال. أشار علي أمير المؤمنين عليه السلام في قوله أنا يعسوب المؤمنين. والقمي عن الصادق عليه السلام نحن والله النحل الذي أوحى الله إليه أن اتخذى من الجبال بيوتا أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة ومن الشجر يقول من العجم ومما يعرشون يقول من الموالي والذي يخرج من بطونها شراب مختلف ألونه أي العلم الذي يخرج منا إليكم. والعياشي عنه عليه السلام النحل الأئمة والجبال العرب والشجر الموالي عتاقه ومنها يعرشون يعني الأولاد والعبيد ممن لم يعتق وهو يتولى الله ورسوله والأئمة والثمرات المختلفة ألوانه فنون العلم الذي قد يعلم الأئمة شيعتهم فيه شفاء للناس والشيعة هم الناس وغيرهم الله أعلم بهم ما هم ولو كان كما تزعم أنه العسل الذي يأكله الناس إذا ما أكل منه ولا شرب ذو عاهة إلا شفي لقول الله تعالى فيه شفاء للناس ولا خلف لقول الله وإنما الشفاء في علم القرآن وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة لأهله لا شك فيه ولا مرية وأهله أئمة الهدى الذين قال الله ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون. (70) والله خلقكم (2) ثم يتوفيكم بآجال مختلفة ومنكم من يرد إلى أرذل العمر أخسه وأحقره يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام هو خمس وسبعون سنة. والقمي عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام إذا بلغ العبد مأة سنة فذلك أرذل العمر.


1 - تفرقوا شذر مذر بالتحريك والنصب شذر مذر إذا ذهبوا في كل وجه. ص. 2 - اي اوجدكم وانعم عليكم بضروب النعم الدينية والدنيوية م‍ ن. (*)

[ 145 ]

وفي الخصال مثله قال وقد روي أن أرذل العمر أن يكون عقله مثل عقل ابن سبع سنين لكى لا يعلم بعد علم شيئا. القمي قال إذا كبر لا يعلم ما علمه قبل ذلك. وفي الكافي في حديث الأرواح ذكر هذه الاية ثم قال فهذا ينقص منه جميع الأرواح وليس بالذي يخرج من دين الله لأن الفاعل به رده إلى أرذل العمر فهو لا يعرف للصلوة وقتا ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار ولا القيام في الصف مع الناس فهذا نقصان من روح الأيمان وليس يضره شيئا إن الله عليم بما ينبغي ويليق بكم من مقادير الأعمار قدير على أن لا يعمركم بذلك. (71) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فمنكم غني ومنكم فقير ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك احالهم على خلاف ذلك فما الذين فضلوا برادي رزقهم بمعطي رزقهم على ما ملكت أيامنهم على مماليكهم فهم فيه سواء قيل معناه أن الموالي والمماليك الله رازقهم جميعا فهم في رزقه سواء فلا يحسب الموالي أنهم يرزقون المماليك من عندهم وإنما هو رزق الله أجراه إليهم على أيديهم وقيل معناه فلم يردوا الموالي ما رزقوه على مماليككم حتى يتساووا في المطعم والملبس وقيل بل معناه إن الله جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم فأنتم لا تسوون بينكم وبينهم فيما أنعم الله عليكم ولا تجعلون لكم فيه شركاء ولا ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيده له شركاء في الالوهية وتوجهون في العبادة والقرب إليهم كما توجهون إليه أفبنعمة الله يجحدون فجعل ذلك من جملة جحود النعمة وقرئ بالخطاب. القمي قال لا يجوز للرجل أن يخص نفسه بشئ من المأكول دون عياله وفي الجوامع يحكى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إنما هم إخوانكم فأكسوهم مما تكتسون وأطعموهم مما تطعمون فما رأى عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت.

[ 146 ]

(72) والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا من جنسكم لتأنسوا بها وليكون أولادكم مثلكم. والقمي يعني خلق حواء من آدم وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة. العياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال الحفدة بنو البنت ونحن حفدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي رواية اخرى عنه عليه السلام بنين وحفدة قال هم الحفدة وهم العون يعني البنين. وفي المجمع عنه عليه السلام هم أختان الرجل على بناته. والقمي قال الأختان. أقول: ومعنى الحافد المسرع في الخدمة والطاعة ورزقكم من الطيبت من اللذائذ أي بعضها أفبالباطل يؤمنون قيل هو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وشفاعتها وبنعمة الله هم يكفرون بنعمة الله المشاهدة التي لا شبهة فيها قيل كفرهم بها إضافتهم إياها إلى الأصنام أو تحريمهم ما أحل الله وقيل يريد بنعمة الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن والأسلام أي هم كافرون بها منكرون لها. (73) ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والارض شيئا يعني لا يملك أن يرزق شيئا من مطر ونبات ولا يستطيعون أن يملكوه أولا استطاعة لهم قيل ويجوز أن يكون الضمير للكفار يعني ولا يستطيعون هم مع أنهم أحياء شيئا من ذلك فكيف بالجماد. (74) فلا تضربوا لله الامثال فلا تجعلوا له مثلا تشركون به أو تقيسونه عليه فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال قيل كانوا يقولون إن عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته إن الله يعلم كنه الأشياء وضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون (1)


1 - وان من كان الها فهو منزه عن الشركاء وانتم لا تعلمون ذلك بل تجهلونه ولو تفكرتم لعلمتم وقيل معناه والله يعلم ما عليكم من الضرة في عبادة غيره وانتم لا تعلمون ولو علمتم لتركتم عبادتها. من. (*)

[ 147 ]

(75) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون قيل معناه إذا لم يستويا هذان مع تشاركهما في الجنسية والمخلوقية فكيف يستوي الأصنام التي هي أعجز المخلوقات والغني القادر على كل شئ ويجوز أن يكون تمثيلا للكافر المخذول والمؤمن الموفق أو الجاهل والعالم المعلم الحمد لله لا يستحقه غيره فضلا عن العبادة لأن النعم كلها منه بل أكثرهم لا يعلمون فيضيفون النعم إلى غيره ويشركون به. العياشي عن الباقر والصادق عليهما السلام قالا المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا بإذن سيده قيل فإن كان السيد زوجه بيد من الطلاق قال بيد السيد ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ أفشئ الطلاق وفي معناه أخبار اخر. (76) وضرب الله مثلا (1) رجلين أحدهما أبكم ولد أخرس لا يفهم ولا يفهم لا يقدر على شئ من الصنايع والتدابير لنقصان عقله وهو كل ثقل وعيال على مولاه على من يلي أمره ويعوله أينما يوجهه حيثما يرسله مولاه في أمر لا يأت بخير بنجح (2) وكفاية مهم هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل ومن كان سليم الحواس نفاعا كافيا ذا رشد وديانة فهو يأمر الناس بالعدل والخير وهو على صراط مستقيم وهو في نفسه على دين قويم وسيرة صالحة وهذا المثل مثل سابقه في الأحتمالات. القمي الذي يأمر بالعدل أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام. (77) ولله غيب السموات والارض ما غاب منهما عن العباد وخفي علمه وما أمر الساعة في سرعته وسهولته إلا كلمح البصر كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها أو (3) هو أقرب لأنه يقع دفعة إن الله على كل شئ قدير فيقدر على أن يحيي الخلايق دفعة كما قدر أن أحياهم متدرجا.


1 - اي بين الله مثلا فيه بيان المقصود تقريبا للخطاب الى افهامهم ثم ذكر ذلك المثل فقال عبدا مملوكا لا يقدر من امره على شئ ومن رزقناه رزقا حسنا يريد وحرا رزقناه وملكناه مالا ونعمة م‍ ن. 2 - النجح والنجاح الظفر بالحوائج. ص. 3 - أو للتخيير أو بمعنى بل. (*)

[ 148 ]

(78) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة وركب فيكم هذه الأدوات لأزالة الجهل الذي ولدتم عليه وإكتساب العلم والعمل به لعلكم تشكرون كي تعرفوا ما أنعم عليكم طورا بعد طور فتشكروه. (79) ألم يروا إلى الطير وقرئ بالتاء مسخرات مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية له في جو السماء في الهواء المتباعد من الأرض ما يمسكهن فيه إلا الله فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون لأنهم هم المنتفعون بها. (80) والله جعل لكم من بيوتكم سكنا موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا يعني الخيم والمضارب المتخذة من الأدم والوبر والصوف والشعر تستخفونها تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها ووضعها وضربها يوم ظعنكم ترحالكم وسفركم وقرئ بفتح العين ويوم إقامتكم نزولكم ومن حضركم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها الصوف للضأن والوبر للأبل والشعر للمعز أثاثا ما يلبس ويفرش ومتعا ينتفع به إلى حين إلى مدة من الزمان. القمي في رواية أبي الجارود أثاثا قال المال ومتاعا قال المنافع إلى حين بلاغها. (81) والله جعل لكم مما خلق من الشجر والجبال والأبنية وغيرها ظلالا تتقون به حر الشمس. القمي قال ما يستظل به وجعل لكم من الجبال أكنانا مواضع تسكنون بها من الغيران والبيوت المنحوتة فيها وجعل لكم سرابيل ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها تقيكم الحر إكتفي بذكر أحد الضدين لدلالته على الاخر ولأن وقاية الحر كانت عندهم أهم وسرابيل تقيكم بأسكم يعني الدروع والجواشن والسربال يعم كل ما يلبس كذلك كإتمام هذه النعم التي تقدمت يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون أي تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به وتنقادون لحكمه.

[ 149 ]

(82) فإن تولوا أعرضوا ولم يقبلوا منك فإنما عليك البلاغ المبين وقد بلغت واعذرت. (83) يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون. القمي عن الصادق عليه السلام نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده وبنا فاز من فاز. وفي الكافي عنه عن أبيه عن جده عليهم السلام في هذه الاية قال لما نزلت إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الاية إجتمع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد المدينة فقال بعضهم لبعض ما تقولون في هذه الاية فقال بعضهم إن كفرنا بهذه الاية نكفر بسائرها وإن آمنا فهذا ذل حين يسلط علينا ابن أبي طالب عليه السلام فقالوا قد علمنا أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم صادق فيما يقول ولكنا لا نتولاه ولا نطيع عليا فيما أمرنا قال فنزلت هذه الاية يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها يعرفون يعني ولاية علي عليه السلام. والعياشي عن الكاظم عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال عرفوه ثم أنكروه. (84) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا وهو نبيها وإمامها القائم مقامه يشهد لهم وعليهم بالايمان والكفر. في المجمع والقمي عن الصادق عليه السلام لكل زمان وامة إمام تبعث كل امة مع إمامها ثم لا يؤذن للذين كفروا في الأعتذار إذ لا عذر لهم فدل بترك الأذن على أن لا حجة لهم ولا عذر ولا هم يستعتبون يسترضون أي لا يقال لهم ارضوا ربكم من العتبى وهو الرضا. (85) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ثقل عليهم فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون يمهلون.

[ 150 ]

(86) وإذا رأى الذين أشركوا شركائهم من الأصنام والشياطين قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك نعبدهم أو نطيعهم فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون يعني كذبهم الذين عبدوهم بإنطاق الله إياهم في أنهم شركاء الله وأنهم ما عبدوهم حقيقة وإنما عبدوا أهواءهم كقوله كلا سيكفرون بعبادتهم وألقوا والقى الذين ظلموا إلى الله يومئذ السلم الأستسلام والأنقياد لامره وضل عنهم وضاع عنهم وبطل ما كانوا يفترون من أن لله شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم. (88) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله بالمنع عن الأسلام والحمل على الكفر زدناهم عذابا لصدهم فوق العذاب المستحق لكفرهم (1) بما كانوا يفسدون بكونهم مفسدين الناس بصدهم. القمي قال كفروا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصدوا عن أمير المؤمنين. (89) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك يا محمد شهيدا على هؤلاء. القمي يعني من الأئمة على هؤلاء يعني على الأئمة عليهم السلام فرسول الله شهيد على الأئمة عليهم السلام وهم شهداء على الناس. أقول: وقد سبق تحقيق هذا المعنى في سورة البقرة والنساء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا (2) بيانا بليغا لكل شئ (3) وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين.


1 - وقيل زدناهم الافاعي والعقارب في النار لها أنياب كالنخل الطوال. م‍ ن. 2 - اي بيانا لكل امر مشكل ومعناه ليبين كل شئ يحتاج إليه من امور الشرع فانه ما من شئ يحتاج الخلق إليه في امر من لمور دينهم الا وهو مبين في الكتاب اما بالتضيص عليه وبالاحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي والحجج القائمين مقامه أو اجماع الامة فيكون حكم الجميع في الحاصل مستفادا من القرآن. م‍ ن. 3 - اي ونزلنا عليك القرآن دلالة الى الرشد ونعمة على الخلق لما فيه من الشرايع والاحكام أو لانه يؤدي الى نعم الاخرة وبشرى للمسلمين اي بشارة لهم بالثواب الدائم والنعيم المقيم. م‍ ن. (*)

[ 151 ]

العياشي عن الصادق عليه السلام نحن والله نعلم ما في السموات وما في الأرض وما في الجنة وما في النار وما بين ذلك ثم قال إن ذلك في كتاب الله ثم تلا هذه الاية. وعنه عليه السلام قال الله لموسى وكتبنا له في الالواح من كل شئ فعلمنا إنه لم يكتب لموسى الشئ كله وقال الله لعيسى عليه السلام ليبين لهم الذى يختلفون فيه وقال لمحمد عليه السلام وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شئ. وفي الكافي عنه عليه السلام إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون ثم سكت هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال علمت ذلك من كتاب الله عز وجل إن الله يقول فيه تبيان كل شئ. وعنه عليه السلام إن الله أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا انزل في القرآن إلا أنزله الله فيه. (90) إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وينهى عن الفحشاء ما جاوز حدود الله والمنكر ما ينكره العقول والبغى التطاول على الناس بغير حق في المعاني والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام العدل الأنصاف والأحسان التفضل. والقمي قال العدل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله والأحسان أمير المؤمنين والفحشاء والمنكر والبغي فلان وفلان وفلان. والعياشي عن الباقر عليه السلام مثله إلا أنه قال الفحشاء الأول والمنكر الثاني والبغي الثالث قال وفي رواية سعد عنه عليه السلام العدل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن أطاعه فقد عدل والاحسان علي عليه السلام فمن تولاه فقد أحسن

[ 152 ]

والمحسن في الجنة وإيتاء ذى القربى قرابتنا أمر الله العباد بمودتنا وإيتائنا ونهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي من بغى علينا أهل البيت ودعا إلى غيرنا. وعن الصادق عليه السلام إنه قرئ عنده هذه الاية فقال اقرأ كما أقول لك إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى حقه قيل إنا لا نقرأ هكذا في قراءة زيد قال ولكنا نقرؤها هكذا في قراءة علي عليه السلام قيل فما يعني بايتاء ذي القربى حقه قال أداء إمام إلى إمام بعد إمام وينهى عن الفحشاء والمنكر قال ولاية فلان يعظكم لعلكم تذكرون تتعظون في روضة الواعظين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماع التقوى في قوله إن الله يأمر بالعدل والاحسان الاية قيل لو لم يكن في القرآن غير هذه الاية لصدق عليه أنه تبيان لكل شئ. (91) وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا شاهدا ورقيبا إن الله يعلم ما تفعلون في نقض الأيمان والعهود. في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام لما نزلت ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وكان من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلموا على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين فكان مما أكد الله عليهم في ذلك اليوم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهما قوما فسلما عليه بإمرة المؤمنين فقالا أمن الله أو من رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الله ومن رسوله فأنزل الله تعالى ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون يعني به قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهما وقولهما أمن الله أو من رسوله. والعياشي ما يقرب منه. (92) ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها كالمرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها من بعد قوة من بعد إحكام (1) وفتل أنكاثا جمع نكث (2) بالكسر وهو ما ينكث فتله.


1 - احكمه اتقنه وضعه عن الفساد. ق. 2 - من النكث اي النقض. (*)

[ 153 ]

القمي عن الباقر عليه السلام التي نقضت غزلها إمرأة من بني تميم بن مرة يقال لها ريطة بنت كعب بن سعد بن تميم بن لوي ابن غالب كانت حمقاء وتغزل الشعر فإذا غزلته نقضته ثم عادت فغزلته فقال الله كالتى نقضت غزلها الاية قال إن الله تبارك وتعالى أمر بالوفاء ونهى عن نقض العهد فضرب لهم مثلا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم دخلا وخيانة ومكرا وخديعة وذلك لأنهم كانوا حين عهدهم يضمرون الخيانة والناس يسكنون إلى عهدهم والدخل أن يكون الباطن خلاف الظاهر وأصله يدخل الشئ ما لم يكن منه أن تكون أمة هي أربى من أمة يعني لا تنقضوا العهد بسبب أن تكون جماعة وهي كفرة قريش أزيد عددا وأوفر مالا من امة يعني جماعة المؤمنين إنما يبلوكم الله به إنما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتوفون بعهد الله أم تغترون بكثرة قريش وقوتهم وثروتهم وقلة المؤمنين وضعفهم وفقرهم وليبين لكم يوم القيمة ما كنتم فيه تختلفون وعيد وتحذير من مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. (93) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة مسلمة مؤمنة ولكن يضل من يشاء بالخذلان ويهدى من يشاء بالتوفيق ولتسألن عما كنتم تعملون سؤال تبكيت ومجاراة (1). (94) ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا ومبالغة في قبح المنهي عنه فتزل قدم عن محجة الأسلام بعد ثبوتها عليها أي فتضلوا عن الرشد بعد أن تكونوا على الهدى يقال زل قدم فلان في أمر كذا إذا عدل عن الصواب والمراد أقدامهم وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بأقدام كثيرة وتذوقوا السوء في الدنيا بما صددتم عن سبيل الله بصدودكم أو بصدكم غيركم عنها لأنهم لو نقضوا العهد وارتدوا لاتخذ نقضها سنة يستن بها ولكم عذاب عظيم في الاخرة. في الجوامع عن الصادق عليه السلام نزلت هذه الايات في ولاية علي عليه


1 - التبكيت التقريع والغلبة بالحجة. جاراه مجاراة وجراء جرى معه. ق. (*)

[ 154 ]

السلام والبيعة له حين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلموا على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين. وفي الكافي والقمي عنه عليه السلام إنه قرأ أن تكون أئمة هي أزكى من ائمتكم فقيل إنا نقرؤها هي أربى من أمة فقال وما أربى وأومأ بيده فطرحها قال إنما يبلوكم الله به يعني بعلي عليه السلام يختبركم بعد ثبوتها يعني بعد مقالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي عن سبيل الله يعني به عليا. وزاد القمي لجعلكم أمة واحدة قال على مذهب واحد وأمر واحد ولكن يضل من يشاء يعذب بنقض العهد ويهدى من يشآء قال يثيب. والعياشي ما يقرب منه. وعنه عليه السلام التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا عائشة هي نكثت إيمانها. (95) ولا تشتروا بعهد الله ولا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسول الله ثمنا قليلا عرضا يسيرا من متاع الدنيا إنما عند الله من الثواب على الوفاء بالعهد هو خير لكم إن كنتم تعلمون. (96) ما عندكم من متاع الدنيا ينفد أي ينقضي ويفنى وما عند الله من خزائن رحمته باق لا ينفد ولنجزين وقرئ بالنون الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. (97) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة في الدنيا يعيش عيشا طيبا. القمي قال القنوع بما رزقه الله. وفي نهج البلاغة أنه عليه السلام سئل عنها فقال هي القناعة وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنها القناعة والرضا بما قسم الله ولنجزينهم أجرهم

[ 155 ]

بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعة. (98) فإذا قرأت القرآن إذا أردت قراءته فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة. العياشي عن الصادق عليه السلام قيل له كيف أقول قال تقول أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال الرجيم أخبث الشياطين. وفي قرب الأسناد عن سدير قال صليت المغرب خلف أبي عبد الله عليه السلام فتعوذ بإجهار أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بالله أن يحضرون ثم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم وروت العامة عن ابن مسعود قال قرأت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبرئيل عن القلم عن اللوح المحفوظ وقد سبق تفسير الأستعاذة في أول الكتاب. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام إذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فلا تبالي إلا تستعيذ. (99) إنه ليس له سلطان تسلط وولاية على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون فإنهم لا يطيعون أوامره. (100) إنما سلطانه على الذين يتولونه يحبونه ويطيعونه والذين هم به مشركون. في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال يسلط والله على المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه قد سلط على أيوب فشوه خلقه ولم يسلط على دينه وقال الذين هم به مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم. والعياشي عنه عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال ليس له أن يزيلهم عن الولاية فأما الذنوب وأشباه ذلك فإنه ينال منهم كما ينال من غيرهم والقمي مثله.

[ 156 ]

(101) وإذا بدلنا آية مكان آية بالنسخ والله أعلم بما ينزل من المصالح فلعل ما يكون مصلحة في وقت يكون مفسدة في آخر وهو إعتراض لتوبيخ الكفار على قولهم أو حالهم قالوا أي الكفار إنما أنت مفتر متقول على الله تأمر بشئ ثم يبدو لك فتنهي عنه. القمي قال كانوا إذا نسخت آية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنت مفتر فرد الله عليهم بل أكثرهم لا يعلمون حكمة الأحكام ولا يميزون الخطأ من الصواب. (102) قل نزله روح القدس يعني جبرئيل عليه السلام من ربك بالحق متلبسا بالحكمة ليثبت الذين آمنوا على الأيمان بأنه كلام الله فإنهم إذا سمعوا الناصح وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم وهدى وبشرى للمسلمين المنقادين لحكمه. القمي عن الباقر عليه السلام روح القدس هو جبرئيل والقدس الطاهر ليثبت الذين آمنوا هم آل محمد صلوات الله عليهم. العياشي عن الصادق عليه السلام أن الله تبارك وتعالى خلق روح القدس فلم يخلق خلقا أقرب إليه منها وليست بأكرم خلقه عليه فإذا أراد الله أمرا ألقاه إليها فالقته إلى النجوم فجرت به. (103) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه يضيفون إليه التعليم ويميلون قولهم عن الأستقامة إليه وقرئ بفتح الياء والحاء أعجمى غير بين وهذا القرآن لسان عربي مبين (1) ذو بيان وفصاحة. القمي لسان الذي يلحدون إليه هو لسان أبي فكيهة مولى ابن الحضرمي كان أعجمي اللسان وكان قد إتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به وكان من


1 - يعني إذا كانت العرب يعجز عن الاتيان بمثله وهو بلغتهم فكيف يأتي الاعجمي بمثله م‍ ن. (*)

[ 157 ]

أهل الكتاب فقالت قريش هذا والله يعلم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم علمه بلسانه. (104) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يصدقون إنها من عند الله لا يهديهم الله لا يلطف بهم ويخذلهم ولهم عذاب أليم في الاخرة. - 105) إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله لأنهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه هذا رد لقولهم إنما أنت مفتر يعني إنما يليق إفتراء الكذب لمن لا يؤمن بالله لأن الأيمان يمنع الكذب وأولئك هم الكاذبون. (106) من كفر بالله (1) من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان لم تتغير عقيدته ولكن من شرح بالكفر صدرا اعتقده وطاب به نفسا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إذ لا جرم أعظم من جرمه. القمي إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان فهو عمار بن ياسر أخذته قريش بمكة فعذبوه بالنار حتى أعطاهم بلسانه ما أرادوا وقلبه مطمئن بالأيمان وقوله ولكن من شرح بالكفر صدرا فهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن لؤي قال وكان عاملا لعثمان بن عفان على مصر. أقول: قصة عمار على ما روته المفسرون في شأن نزول هذه الاية إن قريشا أكرهوه وأبويه ياسر وسمية على الأرتداد فأبى أبواه فقتلوهما وهما أول قتيلين في الأسلام وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها فقيل يا رسول الله إن عمارا كفر فقال كلا إن عمارا أملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الأيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمسح عينيه وقال مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. وفي الكافي قيل للصادق عليه السلام إن الناس يروون أن عليا عليه السلام


1 - قال الزجاج من كفر بالله في موضع رفع على البدل من الكاذبين ولا يجوز ان يكون رفعا بالابتداء لانه لا خبر ها هنا للابتداء فان قوله من كفر بالله بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ليس بكلام تام وقوله فعليهم غضب من الله خبر قوله من شرح بالكفر صدرا وقال الكوفيون من كفر شرط وجوابه يدل عليه جواب من شرح فكأنه قيل من كفر فعليه غضب من الله م‍ ن. (*)

[ 158 ]

قال على منبر الكوفة أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرأوا مني فقال ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام. قال إنما قال إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل لا تبرؤوا مني فقال له السائل أرأيت أن اختار القتل دون البراءة فقال والله ما ذاك عليه وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكره أهل مكة وقلبه مطمئن بالأيمان فأنزل الله فيه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالاءيمن فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا. والعياشي عن الباقر عليه السلام مثله. وعن الصادق عليه السلام إنه سئل مد الرقاب أحب إليك أم البراءة من علي عليه السلام فقال الرخصة أحب إلي أما سمعت قول الله في عمار إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان. (107) ذلك بأنهم استحبوا الحيوة الدنيا على الاخرة بسبب أنهم آثروها عليها وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أي الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الأيمان. (108) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فامتنعت عن إدراك الحق وأولئك هم الغفلون الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن التدبر في عاقبة أمرهم. (109) لا جرم أنهم في الاخرة هم الخسرون إذ ضيعوا أعمارهم بصرفها فيما أفضى إلى العذاب الدائم. العياشي عن الصادق عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو أصحابه فمن أراد الله به خيرا سمع وعرف ما يدعوه إليه ومن أراد به شرا طبع على قلبه فلا يسمع ولا يعقل وهو قوله تعالى أولئك الذين طبع الله الاية. (110) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا عذبوا في الله واكرهوا على الكفر فاعطوا بعض ما اريد منهم ليسلموا من شرهم كعمار وقرئ بفتح الفاء والتاء ثم

[ 159 ]

جاهدوا وصبروا على الجهاد وما أصابهم من المشاق إن ربك من بعدها من بعد الأفتتان والجهاد والصبر لغفور لما فعلوا من قبل رحيم ينعم عليهم مجازاة على مشاقهم لغفور خبر إن الاولى والثانية جميعا ونظير هذا التكرير في القرآن كثير وثم لتباعد حال هؤلاء من حال أولئك. (111) يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها أي ذاتها تحتج عنها وتعتذر لها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها فتقول نفسي نفسي وتوفي كل نفس ما عملت جزاء ما عملت وهم لا يظلمون. (112) وضرب الله مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا بها فأنزل الله بهم نقمته قرية كانت آمنة مطمئنة لا يزعج أهلها خوف يأتيها رزقها رغدا واسعا من كل مكان من نواحيها فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وقرء بنصب الخوف إستعار الذوق لأدراك أثر الضرر واللباس لما غشيهم وإشتمل عليهم من الجوع بما كانوا يصنعون. القمي قال نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له البليان وكانت بلادهم خصبة كثيرة الخير وكانوا يستنجون بالعجين ويقولون هو ألين لنا فكفروا بأنعم الله واستخفوا بنعمة الله فحبس الله عليهم البليان فجدبوا حتى أحوجهم الله إلى ما كانوا يستنجون به حتى كانوا يتقاسمون عليه. والعياشي عن الصادق عليه السلام كان أبي يكره أن يمسح يده بالمنديل وفيه شئ من الطعام تعظيما له إلا أن يمصها أو يكون إلى جانبه صبي فيمصها له قال وإني أجد اليسير يقع من الخوان فأتفقده فيضحك الخادم ثم قال إن أهل قرية ممن كان قبلكم كان الله قد وسع عليهم حتى طغوا فقال بعضهم لبعض لو عمدنا إلى شئ من هذا النقي فجعلناه نستنجي به كان ألين علينا من الحجارة قال فلما فعلوا ذلك بعث الله على أرضهم دوابا أصغر من الجراد فلم تدع لهم شيئا خلقه الله إلا أكلته من شجر أو غيره فبلغ بهم الجهد إلى أن أقبلوا على الذي كانوا يستنجون به فأكلوه وهي القرية التي قال

[ 160 ]

الله ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة إلى قوله بما كانوا يصنعون. (113) ولقد جائهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون. (114) فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون. (115) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم قد سبق تفسيره في سورة البقرة. (116) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام. القمي هو ما كانت اليهود يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. قيل: أي لا تحللوا ولا تحرموا بمجرد قول ينطق به ألسنتكم من غير حجة ونص ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا كقولهم وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر لتفتروا على الله الكذب من قبيل التعليل الذي لا يتضمنه الغرض إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. (117) متاع قليل أي ما يفترون لأجله منفعة قليلة تنقطع عن قريب ولهم عذاب أليم في الاخرة. في التوحيد عن الصادق عليه السلام إذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عنها كان خارجا من الأيمان وساقطا عنه إسم الأيمان وثابتا عليه إسم الأسلام فإن تاب واستغفر عاد إلى الأيمان ولم يخرجه إلى الكفر والجحود والأستحلال فإذا قال للحلال هذا حرام وللحرام هذا حلال ودان بذلك فعندنا يكون خارجا من الأيمان والأسلام إلى الكفر وكان بمنزلة رجل دخل الحرم ثم دخل الكعبة فأحدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار الحديث.

[ 161 ]

(118) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل أي في سورة الأنعام بقوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر الاية وما ظلمناهم بالتحريم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه وفيه دلالة على أن التحريم عليهم كان للعقوبة لا للمضرة. (119) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة جاهلين غير متدبرين للعاقبة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها من بعد التوبة لغفور لذلك السوء رحيم يثيب على الأنابة. (120) إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا. في الكافي عن الصادق عليه السلام والامة واحد فصاعدا كما قال الله وتلا الاية. والقمي عن الباقر عليه السلام وذلك أنه كان على دين لم يكن عليه أحد غيره فكأنه امة واحدة وأما قانتا فالمطيع وأما الحنيف فالمسلم. والعياشي عن الصادق عليه السلام شئ فضله الله به وعن الكاظم عليه السلام لقد كانت الدنيا وما كان فيها إلا واحد يعبد الله ولو كان معه غيره إذا لأضافه إليه حيث يقول إن إبرهيم كان أمة الاية فعبر بذلك ما شاء الله ثم إن الله آنسه باسمعيل وإسحق فصاروا ثلاثة ولم يك من المشركين تكذيب لقريش فيما كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام. (121) شاكرا لانعمه لأنعم الله معترفا بها روي أنه كان لا يتغذى إلا مع ضيفه اجتبيه اختاره وهديه إلى صراط مستقيم إلى الطريق الواضح. (122) وآتيناه في الدنيا حسنة بأن حببه إلى الناس حتى أن أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه ورزقه أولادا طيبة وعمرا طويلا في السعة والطاعة وإنه في الاخرة لمن الصالحين لمن أهل الجنة كما سأله بقوله وألحقني بالصالحين. (123) ثم أوحينا إليك يا محمد أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا وما كان من

[ 162 ]

المشركين قيل في ثم هذه تعظيم لمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإعلام بأن أفضل ما أوتي خليل الله من الكرامة إتباع نبينا ملته حيث دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام لا طريق للأكياس (1) من المؤمنين أسلم من الأقتداء لأنه المنهج الأوضح قال الله عز وجل ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا فلو كان لدين الله تعالى مسلك أقوم من الأقتداء لندب أولياءه وأنبياءه إليه. والعياشي عن الحسين بن علي عليهما السلام ما أحد على ملة إبراهيم إلا نحن وشعيتنا وساير الناس منها براء. (124) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. القمي وذلك أن موسى عليه السلام أمر قومه أن يتفرغوا لله كل سبعة أيام يوما يجعله الله عليهم وهم الذين اختلفوا فيه. أقول: قد سبقت قصتهم في سورة الأعراف. (125) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة بالمقالة المحكمة الصحيحة الموضحة للحق المزيحة للشبهة هذا للخواص والموعظة الحسنة الخطابات المقنعة والعبر النافعة التي لا يخفي عليهم إنك تناصحهم بها وتنفعهم فيها وهذا للعوام وجادلهم (2) بالتى هي أحسن بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة وهذا للمعاندين والجاحدين. في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام يعني بالقرآن.


1 - الكيس كفلس العقل والفطنة وجودة القريحة وقيل الكيس مخفف من كيس مثل هين وهين والاول اصح لان الكيس مصدر كاس كباع والكيس بالتثقيل اسم فاعل وجمعه اكياس مثل جيد واجياد م‍. 2 - أي ناظرهم بالقرآن وباحسن ما عندك من الحجج وتقديره بالكلمة التي هي احسن والمعنى افتل المشركين واصرفهم عما هم عليه من الشرك بالرفق والسكينة ولين الجانب في النصيحة ليكونوا اقرب الى الاجابة فان الجدل هو فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج وقيل هو ان يجادلهم على قدر ما يحتملونه كما جاء في الحديث امرنا معاشر الانبياء ان نكلم الناس على قدر عقولهم مجمع البيان. (*)

[ 163 ]

وفي الأحتجاج وتفسير الأمام عليه السلام عند قوله تعالى قل هاتوا برهنكم إن كنتم صادقين من سورة البقرة ذكر عند الصادق عليه السلام الجدال في الدين وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام نهوا عنه فقال الصادق عليه السلام لم ينه مطلقا ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن أما تسمعون قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن فالجدال بالتي هي أحسن قد أمر به العلماء بالدين والجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه الله على شيعتنا وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى قال الله تعالى تلك أمانيهم قل هاتوا برهنكم إن كنتم صادقين فجعل علم الصدق والأيمان بالبرهان وهل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن قيل يا ابن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن والتي ليست بأحسن قال أما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله تعالى ولكن تجحد حقا يريد بذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه فذلك حرام على شعيتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم وعلى المبطلين أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف في يده حجة له على باطله وأما الضعفاء فتغتم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل وأما الجدال بالتي هي أحسن وهو ما أمر الله به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياء الله تعالى له فقال الله له حاكيا عنه وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم وقال الله في الرد عليه قل يا محمد يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا إلى آخر السورة فأراد الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم فقال الله قل يحييها الذى أنشأها أول مرة أفيعجز من ابتدائه لا من شئ أن يعيده بعد أن يبلى بل إبتداؤه أصعب عندكم من إعادته ثم قال الذى جعل

[ 164 ]

لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أي إذا كمن [ تكن خ ل ] النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدرتم ثم قال أو ليس الذى خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إذا كان خلق السموات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ولم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي فقال الصادق عليه السلام فهذا الجدال بالتي هي أحسن لأن فيها قطع عذر الكافرين وإزالة شبهتهم وأما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق فهذا هو المحرم لأنك مثله جحد هو حقا وجحدت أنت حقا آخر إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين أي ليس عليك أن تهديهم ولا أن تردهم عن الضلالة وإنما عليك البلاغ فمن كان فيه خير كفاه البرهان والوعظ ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل فكأنك تضرب منه في حديد بارد. (126) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. القمي وذلك أن المشركين يوم احد مثلوا بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين استشهدوا فيهم حمزة فقال المسلمون أما والله لئن أدالنا الله عليهم لنمثلن بأخيارهم فذلك قول الله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به يعني بالاموات. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوم احد من له علم بعمي حمزة فقال الحارث بن الصمت أنا أعرف موضعه فجاء حتى وقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام أطلب يا علي عمك فجاء علي عليه السلام فوقف على حمزة فكره أن يرجع إليه فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وقف عليه فلما رأى ما فعل به بكى ثم قال ما وقفت موقفا قط أغيظ علي من هذا المكان لئن أمكنني

[ 165 ]

الله من قريش لأمثلن سبعين رجلا منهم فنزل عليه جبرئيل فقال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل أصبر. والعياشي عن الصادق عليه السلام لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما صنع بحمزة بن عبد المطلب قال اللهم لك الحمد واليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى ثم قال لئن ظفرت لأمثلن وامثلن قال فانزل الله وإن عاقبتم الاية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبر أصبر. (127) واصبر وما صبرك إلا بالله إلا بتوفيقه وتثبيته ولا تحزن عليهم على أصحابك وما فعل بهم فإن الله نقلهم إلى دار كرامته ولا تك في ضيق مما يمكرون في ضيق صدر من مكرهم وقرئ بكسر الضاد. (128) إن الله مع الذين اتقوا الشرك والمعاصي والذين هم محسنون في أعمالهم. في ثواب الأعمال والعياشي عن الباقر عليه السلام من قرأ سورة النحل في كل شهر كفى المغرم في الدنيا وسبعين نوعا من أنواع البلاء أهونه الجنون والجذام والبرص وكان مسكنه في جنة عدن وهي وسط الجنان اللهم ارزقنا بحق محمد وآله.

[ 166 ]

سورة الأسراء هي مكية وقيل إلا خمس آيات وقيل إلا ثمان وعدد آيها مأة وإحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) سبحن الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله أي إلى ملكوت المسجد الأقصى الذي هو في السماء كما يظهر من الأخبار الاتية لنريه من آياتنا إنه هو السميع لأقوال عبده البصير لأفعاله. القمي عن الباقر عليه السلام إنه كان جالسا في المسجد الحرام فنظر إلى السماء مرة وإلى الكعبة مرة ثم قال سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى وكرر ذلك ثلاث مرات ثم التفت إلى إسمعيل الجعفي فقال أي شئ يقول أهل العراق في هذه الاية يا عراقي قال يقولون أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس فقال ليس كما يقولون ولكنه اسرى به من هذه إلى هذه وأشار بيده إلى السماء وقال ما بينهما حرم. والعياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن المساجد التي لها الفضل فقال المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قيل والمسجد الأقصى فقال ذاك في السماء إليه أسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل إن الناس يقولون إنه بيت المقدس فقال مسجد الكوفة أفضل منه.

[ 167 ]

وفي الكافي عنه عليه السلام إنه سئل كم عرج برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال مرتين. والكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبراق أصغر من البغل وأكبر من الحمار مضطرب الأذنين عينيه في حافره وخطاه مد بصره. وزاد في الكافي فإذا إنتهى إلى جبل قصرت يداه وطالت رجلاه فإذا هبط طالت يداه وقصرت رجلاه أهدب (1) العرف (2) الأيمن له جناحان من خلفه. وفي العيون عن النبي صلى الله عليه وآله إن الله تعالى سخر لي البراق وهي دابة من دواب الجنة ليست بالقصير ولا بالطويل فلو أن الله أذن لها لجالت الدنيا والاخرة في جرية واحدة وهي أحسن الدواب لونا. والقمي عن الصادق عليه السلام جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ واحد باللجام وواحد بالركاب وسوى الاخر عليه ثيابه فتضعضعت (3) البراق فلطمها جبرئيل ثم قال اسكني يا براق فما ركبك نبي قبله ولا يركبك بعده مثله قال فترقت به ورفعته إرتفاعا ليس بالكثير ومعه جبرئيل عليه السلام يريه الايات من السماء والأرض قال صلى الله عليه وآله وسلم فبينا أنا في مسيرتي إذ نادى مناد عن يميني يا محمد فلم أجبه ولم ألتفت إليه ثم نادى مناد عن يساري يا محمد فلم أجبه ولم ألتفت إليه ثم استقبلتني إمرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كل زينة الدنيا فقالت يا محمد انتظرني حتى أكلمك فلم ألتفت إليها ثم سرت فسمعت صوتا أفزعني فجاوزته فنزل بي جبرئيل فقال صل فصليت فقال لي تدري أين صليت فقلت لا فقال صليت بطيبة (4) وإليها مهاجرك ثم ركبت فمضينا ما شاء الله ثم


1 - هدب الشجرة كفرح طال اغصانها وتدلت كاهدبت ق. 2 - وفي حدبيث ابن جبير ما اكلت لحما اطيب من مغرفة البرذون اي منبت عرفه من رقبته نهاية. 3 - ضعضعه هدمه حتى الارض وتضعضعت اركانه اي اتضعت م‍. 4 - وطيبة على وزن شيبة اسم مدينة الرسول صلى الله عليه وآله صحاح. (*)

[ 168 ]

قال لي إنزل فصل فنزلت وصليت فقال لي أتدري أين صليت فقلت لا فقال صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى تكليما ثم ركبت فمضينا ما شاء الله ثم قال لي أنزل فصل فنزلت وصليت فقال لي أتدري أين صليت فقلت لا فقال صليت ببيت لحم وبيت لحم بناحية بيت المقدس حيث ولد عيسى بن مريم عليهما السلام ثم ركبت فمضينا حتى إنتهينا إلى بيت المقدس فربطت البراق بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها فدخلت المسجد ومعي جبرئيل إلى جنبي فوجدنا إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فيمن شاء الله من أنبياء الله فقد جمعوا إلي وأقيمت الصلاة ولا أشك إلا وجبرئيل سيتقدمنا فلما استووا أخذ جبرئيل بعضدي فقدمني وأممتهم ولا فخر ثم أتاني الخازن بثلاثة أوان إناء فيه لبن وإناء فيه ماء وإناء فيه خمر وسمعت قائلا يقول إن أخذ الماء غرق وغرقت امته وإن أخذ الخمر غوى وغوت امته وإن أخذ اللبن هدى وهديت امته قال فأخذت اللبن وشربت منه فقال لي جبرئيل هديت وهديت امتك ثم قال لي ماذا رأيت في مسيرك فقلت ناداني مناد عن يميني فقال لي أو أجبته فقلت لا ولم ألتفت إليه فقال ذلك داعي اليهود ولو أجبته لتهودت امتك من بعدك ثم قال ماذا رأيت فقلت ناداني مناد عن يساري فقال لي أو أجبته فقلت لا ولم ألتفت إليه فقال ذلك داعي النصارى ولو أجبته لتنصرت امتك من بعدك ثم قال ماذا استقبلك فقلت لقيت إمرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كل زينة الدنيا فقالت يا محمد إنتظرني حتى اكلمك فقال أو كلمتها فقلت لم اكلمها ولم ألتفت إليها فقال تلك الدنيا ولو كلمتها لاختارت امتك الدنيا على الاخرة ثم سمعت صوتا أفزعني فقال لي جبرئيل تسمع يا محمد قلت نعم قال هذه صخرة قذفتها على شفير جهنم منذ سبعين عاما فهذا حين إستقرت قالوا فما ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبض قال فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى السماء الدنيا وعليها ملك يقال اسمعيل وهو صاحب الخطفة التي قال الله تعالى إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب وتحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك فقال يا جبرئيل من هذا معك فقال محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال وقد بعث قال نعم ثم

[ 169 ]

فتح الباب فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي وقال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وتلقتني الملائكة حتى دخلت السماء الدنيا فما لقيني ملك إلا ضاحك مستبشر حتى لقيني ملك من الملائكة لم أر خلقا أعظم منه كريه المنظر ظاهر الغضب فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء إلا أنه لم يضحك ولم أر فيه من الأستبشار مما رأيت فيمن ضحك من الملائكة فقلت من هذا يا جبرئيل فإني قد فزعت منه فقال يجوز أن يفزع منه فكلنا نفزع منه إن هذا مالك خازن النار لم يضحك قط ولم يزل منذ ولاه الله جهنم يزداد كل يوم غضبا وغيظا على أعداء الله وأهل معصيته فينتقم الله به منهم ولو ضحك إلى أحد كان قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك ولكنه لا يضحك فسلمت عليه فرد السلام علي وبشرني بالجنة فقلت لجبرئيل وجبرئيل بالمكان الذي وصفه الله مطاع ثم أمين ألا تأمره أن يريني النار فقال له جبرئيل يا مالك أر محمدا النار فكشف عنها غطاء وفتح بابا منها فخرج منها لهب ساطع في السماء وفارت وارتفعت حتى ظننت لتتناولني مما رأيت فقلت يا جبرئيل قل له فليرد عليها غطاءها فأمرها فقال ارجعي فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه ثم مضيت فرأيت رجلا أدما جسيما فقلت من هذا يا جبرئيل فقال هذا أبوك آدم عليه السلام فإذا هو يعرض عليه ذريته فيقول روح طيبة وريح طيبة من جسد طيب ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة المطففين على رأس سبع عشرة آية كلا إن كتاب الابرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إلى آخرها قال فسلمت على أبي آدم وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي وقال مرحبا بالأبن الصالح والنبي الصالح والمبعوث في الزمن الصالح ثم مررت بملك من الملائكة وهو جالس على مجلس وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه وإذا بيده لوح من نور ينظر إليه مكتوب فيه كتابا ينظر فيه لا يلتفت يمينا ولا شمالا مقبلا عليه به كهيئة الحزين فقلت من هذا يا جبرئيل فقال هذا ملك الموت دائب في قبض الأرواح فقلت يا جبرئيل أدنني منه حتى اكلمه فأدناني منه فسلمت عليه وقال له جبرئيل هذا نبي الرحمة الذي أرسله الله إلى العباد فرحب بي وحياني بالسلام

[ 170 ]

وقال إبشر يا محمد فإني أرى الخير كله في امتك فقلت الحمد لله المنان ذي النعم على عباده ذلك من فضل ربي ورحمته علي فقال جبرئيل هو أشد الملائكة عملا فقلت أكل من مات أو هو ميت فيما بعد هذا يقبض روحه قال نعم قلت ويراهم حيث كانوا ويشهدهم بنفسه فقال نعم. فقال ملك الموت ما الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله لي ومكنني عليها إلا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء وما من دار إلا وأنا أتصفحه كل يوم خمس مرات وأقول إذا بكى أهل البيت على ميتهم لا تبكوا عليه فإن لي فيكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفي بالموت طامة (1) يا جبرئيل فقال جبرئيل إن ما بعد الموت أطم وأطم من الموت قال ثم مضيت فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد من لحم طيب ولحم خبيث يأكلون اللحم الخبيث ويدعون الطيب فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء الذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال وهم من أمتك يا محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم رأيت ملكا من الملائكة جعل الله أمره عجيبا نصف جسده نارا ونصفه الاخر ثلجا فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفي النار وهو ينادى بصوت رفيع ويقول سبحان الذي كف حر هذه النار فلا تذيب الثلج وكف برد هذا الثلج فلا يطفي حر هذه النار اللهم يا مؤلف [ يا مؤلفا خ ل ] بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين فقلت من هذا يا جبرئيل فقال هذا ملك وكله الله بأكناف (2) السموات وأطراف الأرضين وهو أنصح ملائكة الله لأهل الأرضين من عباده المؤمنين يدعو لهم بما تسمع منذ خلق ملكين يناديان في السماء أحدهما يقول اللهم أعط كل منفق (3) خلفا والاخر يقول اللهم أعط كل ممسك تلفا ثم مضيت فإذا أنا بأقوام


1 - الطامة الدهية لانها تطم على كل شئ اي تعلوه من طم الامر اعلاه م‍. 2 - الكنف بالتحريك الجانب والناحية والاكناف الجوانب والنواحي م‍. 3 - وفي الخبر اللهم اعط كل منفق خلفا أي عوضا عاجلا مالا أو دفع سوء واجلا ثوابا فكم من منفق قلما يقع به الخلف المالي م‍. (*)

[ 171 ]

لهم مشافر (1) كمشافر الأبل يقرض اللحم من جنوبهم ويلقى في أفواههم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء الهمازون اللمازون ثم مضيت فإذا أنا بأقوام يرضخ (2) رؤسهم بالصخر فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء الذين ينامون عن صلوة العشاء ثم مضيت فإذا أنا بأقوام تقذف النار في أفواههم وتخرج من أدبارهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ثم مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر من عظم بطنه فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس وإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون عليها النار غدوا وعشيا ويقولون ربنا متى تقيم الساعة قال ثم مضيت فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن (3) فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء اللواتي يورثن أموال أزواجهن أولاد غيرهم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشتد غضب الله على إمرأة ادخلت على قوم في نسبهم من ليس منهم فاطلع على عوراتهم وأكل خزائنهم قال ثم مررنا بملائكة من ملائكة الله عز وجل خلقهم الله كيف شاء ووضع وجوههم كيف شاء ليس شئ من أطباق أجسادهم إلا وهو يسبح الله ويحمده من كل ناحية بأصوات مختلفة أصواتهم مرتفعة بالتحميد والبكاء من خشية الله فسألت جبرئيل عنهم فقال كما ترى خلقوا إن الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلمه قط ولا رفعوا رؤسهم إلى ما فوقها ولا خفضوها إلى ما تحتها خوفا لله وخشوعا فسلمت عليهم فردوا علي إيماءا برؤوسهم ولا ينظرون إلي من الخشوع فقال لهم جبرئيل هذا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة أرسله الله إلى العباد رسولا ونبيا وهو خاتم النبوة وسيدهم أفلا تكلموه قال فلما سمعوا ذلك من جبرئيل


1 - المشفر من البعير بفتح الميم وكسرها والشين مفتوحة فيها كالجحفلة من القرس وغيره من ذي الحافر والشفة من الانسان م‍. 2 - الرضخ الدق والكسر ومنه ضخت رأسه بالحجارة م‍. 3 - الثدي بالفتح وسكون المهملة وخفة الياء يذكر ويؤنث وهو للمرأة والرجل والجمع ثد وثدي بكسر الثاء وربما جاء على ثد اء كسهم وسهام م‍. (*)

[ 172 ]

أقبلوا علي بالسلام وأكرموني وبشروني بالخير لي ولأمتي قال ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا فيها رجلان متشابهان فقلت من هذان يا جبرئيل قال إبنا الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام فسلمت عليهما وسلما علي واستغفرت لهما واستغفرا لي وقالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وإذا فيها من الملائكة وعليهم الخشوع قد وضع الله وجوههم كيف شاء ليس منهم ملك إلا يسبح الله ويحمده بأصوات مختلفة ثم صعدنا إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل فضل حسنه على سائر الخلق كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم فقلت من هذا يا جبرئيل فقال هذا أخوك يوسف فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي وقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح والمبعوث في الزمن الصالح وإذا فيها ملائكة من الخشوع مثل ما وصفت في السماء الأولى والثانية وقال لهم جبرئيل في أمري ما قال للاخرين وصنعوا بي مثل ما صنع الاخرون ثم صعدنا إلى السماء الرابعة وإذا فيها رجل فقلت من هذا يا جبرئيل فقال هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي وإذا فيها من الملائكة عليهم من الخشوع مثل ما في السموات فبشروني بالخير لي ولامتي ثم رأيت ملكا جالسا على سرير تحت يديه سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه هو فصاح به جبرئيل فقال قم فهو قائم إلى يوم القيامة ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا فيها رجل كهل عظيم العين لم أر كهلا أعظم منه حوله ثلة من أمته فأعجبني كثرتهم فقلت من هذا يا جبرئيل فقال هذا المجيب في قومه هارون بن عمران فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي وإذا فيها من الملائكة عليهم الخشوع مثل ما في السموات ثم صعدنا إلى السماء السادسة وإذا فيها رجل أدم طويل كأنه من شعرة ولو أن عليه قميصين لنفذ شعره فيهما وسمعته يقول يزعم بنو إسرائيل إني أكرم ولد آدم على الله وهذا رجل أكرم على الله مني فقلت من هذا يا جبرئيل فقال أخوك موسى بن عمران فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السموات قال ثم صعدنا إلى السماء السابعة فما

[ 173 ]

مررت بملك من الملائكة إلا قالوا يا محمد احتجم وأمر امتك بالحجامة وإذا فيها رجل اشمط (1) الرأس واللحية جالس على كرسي فقلت يا جبرئيل من هذا الذي في السماء السابعة على باب بيت المعمور في جوار الله فقال يا محمد هذا أبوك إبراهيم عليه السلام وهذا محلك ومحل من إتقى من امتك ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولى المؤمنين فسلمت عليه وسلم علي وقال مرحبا بالنبي الصالح والأبن الصالح والمبعوث في الزمن الصالح وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السموات فبشروني بالخير لي ولأمتي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأيت في السماء السابعة بحارا من نور يتلألأ يكاد تلألؤها يخطف بالأبصار وفيها بحار مظلمة وبحار ثلج ترعد فلما فرغت ورأيت هؤلاء سألت جبرئيل فقال إبشر يا محمد واشكر كرامة ربك واشكر الله على ما صنع إليك قال فثبتني الله بقوته وعونه حتى كثر قولي لجبرئيل وتعجبي فقال جبرئيل يا محمد أتعظم ما ترى إنما هذا خلق من خلق ربك فكيف بالخالق الذي خلق ما ترى وما لا ترى أعظم من هذا من خلق ربك أن بين الله وبين خلقه تسعين ألف حجاب وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل وبيننا وبينه أربعة حجب حجاب من نور وحجاب من ظلمة وحجاب من الغمام وحجاب من ماء قال ورأيت من العجائب التي خلق الله وسخر به على ما أراد ديكا رجلاه في تخوم الأرضين السابعة ورأسه عند العرش وملكا من ملائكة الله تعالى خلقه الله كما أراد رجلاه في تخوم الأرضين السابعة ثم أقبل مصعدا حتى خرج من الهواء إلى السماء السابعة وإنتهى فيها مصعدا حتى إنتهى قرنه إلى قرب العرش وهو يقول سبحان ربي حيث ما كنت لا تدري أين ربك من عظم شأنه وله جناحان في منكبه إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب فإذا كان في السحر نشر جناحيه وخفق (2) بهما وصرخ (3) بالتسبيح يقول سبحان الله الملك القدوس سبحان الله الكبير المتعال لا إله إلا الله الحي القيوم


1 - الشمط - بالتحريك - بياض شعر الرأس مخالط السواد. 2 - وخفق الطائر إذا طار وخفقاته اضطراب جتاحيه م‍. 3 - والصراخ بالضم الصوت والتصرخ تكلف الصرخ وفي الحديث كان يقوم من الليل إذا سمع صوت الصارخ يعني بذلك الديك لانه كثير الصراخ بالليل م‍. (*)

[ 174 ]

وإذا قال ذلك سبحت ديوك الأرض كلها وخفقت بأجنحتها وأخذت بالصراخ فإذا سكت ذلك الديك في السماء سكتت ديوك الأرض كلها ولذلك الديك زغب (1) أخضر وريش أبيض كأشد بياض ما رأيته قط وله زغب أخضر أيضا تحت ريشه الأبيض كأشد خضرة ما رأيتها قط قال ثم مضيت مع جبرئيل فدخلت البيت المعمور فصليت فيها ركعتين ومعي اناس من أصحابي عليهم ثياب جدد وآخرين عليهم ثياب خلقان (2) فدخل أصحاب الجدد وحبس أصحاب الخلقان ثم خرجت فانقاد لي نهران نهر يسمى الكوثر ونهر يسمى الرحمة فشربت من الكوثر واغتسلت من الرحمة ثم انقادا لي جميعا حتى دخلت الجنة فإذا على حافتيها (3) بيوتي وبيوت أزواجي وإذا ترابها كالمسك فإذا جارية تنغمس في أنهار الجنة فقلت لمن أنت يا جارية فقالت لزيد بن حارثة فبشرته بها حين أصبحت وإذا بطيرها كالبخت (4) وإذا رمانها مثل الدلى (5) العظام وإذا شجرة لو أرسل طائر في أصلها ما دارها سبعمائة سنة وليس في الجنة منزل إلا وفيها فرع منها فقلت ما هذه يا جبرئيل فقال هذه شجرة طوبى قال الله تعالى طوبى لهم وحسن مآب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم فلما دخلت الجنة رجعت إلى نفسي فسألت جبرئيل عن تلك البحار وهولها وأعاجيبها فقال هو سرادقات الحجب التي إحتجب الله تبارك وتعالى بها ولولا تلك الحجب لهتك نور العرش وكل شئ فيه فانتهيت إلى سدرة المنتهى فإذا الورقة منها تظل امة من الأمم فكنت منها كما قال الله تعالى قاب قوسين أو أدنى فناداني آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون قال القمي قد كتبنا ذلك في سورة البقرة. أقول: وقد نقلناه عنه هناك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا

[ 175 ]

رب أعطيت أنبياءك فضائل فأعطني فقال الله وقد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله ولا منجا منك إلا إليك قال وعلمتني الملائكة قولا أقوله إذا أصبحت وأمسيت اللهم أن ظلمي أصبح مستجيرا بعفوك وذنبي أصبح مستجيرا بمغفرتك وذلي أصبح مستجيرا بعزك وفقري أصبح متسجيرا بغناك ووجهي البالي أصبح مستجيرا بوجهك الباقي الذي لا يفني وأقول ذلك إذا أمسيت ثم سمعت الأذان فإذا ملك يؤذن لم ير في السماء قبل تلك الليلة فقال الله أكبر الله أكبر فقال الله صدق عبدي أنا أكبر فقال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فقال الله صدق عبدي أنا الله لا إله غيري فقال أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله فقال صدق عبدي أن محمدا عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته فقال حي على الصلوة حي على الصلوة فقال صدق عبدي دعا إلى فريضتي فمن مشى إليها راغبا فيها محتسبا كانت كفارة لما مضى من ذنوبه فقال حي على الفلاح حي على الفلاح فقال الله هي الصلاح والنجاح والفلاح ثم أممت الملائكة في السماء كما أممت الأنبياء في بيت المقدس قال ثم غشيتني صبابة فخررت ساجدا فناداني ربي إني قد فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلوة وفرضتها عليك وعلى امتك فقم بها أنت في امتك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنحدرت حتى مررت على إبراهيم عليه السلام فلم يسألني عن شئ حتى إنتهيت إلى موسى عليه السلام فقال ما صنعت يا محمد فقلت قال ربي فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلوة وفرضتها عليك وعلى امتك فقال موسى يا محمد إن امتك آخر الأمم وأضعفها وإن ربك لا يرد عليك شيئا وإن امتك لا تستطيع أن تقوم بها فإرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لامتك فرجعت إلى ربي حتى إنتهيت إلى سدرة المنتهى فخررت ساجدا ثم قلت فرضت علي وعلى امتي خمسين صلوة ولا اطيق ذلك ولا امتي فخفف عني فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى عليه السلام فأخبرته فقال إرجع إلى ربك لا تطيق فرجعت إلى ربي فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى عليه السلام فأخبرته فقال ارجع وفي كل رجعة أرجع إليه أخر ساجدا حتى رجع إلى عشر صلوات فرجعت إلى موسى عليه السلام وأخبرته فقال لا تطيق فرجعت إلى ربي فوضع عني

[ 176 ]

خمسا فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال لا تطيق فقلت قد أستحييت من ربي ولكن أصبر عليها فناداني مناد كما صبرت عليها فهذه الخمس بخمسين كل صلاة بعشر ومن هم من امتك بحسنة يعملها فعملها كتبت له عشرا وإن لم يعمل كتبت له واحدة ومن هم من أمتك بسيئة فعملها كتبت عليه واحدة وإن لم يعملها لم أكتب عليه فقال الصادق عليه السلام جزى الله موسى عن هذه الامة خيرا فهذا تفسير قول الله عزوجل سبحان الذى أسرى بعبده الاية. وفي المجالس عن الصادق عليه السلام لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البراق فأتيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلى بها ورده فمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجوعه بعير (1) لقريش وإذا لهم ماء في آنية وقد أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه فشرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك الماء وأهرق باقيه فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لقريش إن الله تعالى قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم وإني مررت بعير في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك فقال أبو جهل قد أمكنتكم الفرصة فسألوه كم الأساطين فيها والقناديل فقالوا يا محمد أن هاهنا من قد دخل بيت المقدس فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه فجاء جبرئيل عليه السلام فعلق صورة بيت المقدس تجاه (2) وجهه فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه فلما أخبرهم قالوا حتى يجئ العير ونسألهم عما قلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصديق ذلك أن العير تطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق (3) فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون هذه الشمس تطلع الساعة فبيناهم كذلك إذ أطلعت عليهم العير حين طلع القرص يقدمها جمل أورق


1 - العير بالكسر القافلة مؤنثة والابل تحمل الميرة بلا واحد من لفظها أو كل ما امتير عليه ابلا كانت أو حميرا أو بغالا ج كعنبات ويسكن ق. 2 - ووجاهك وتجاهك مثلثين تلقاء وجهك ق. 3 - الاورق من الابل ما في لونه بياض الى سواد وهو من أطيب الابل لحما لا سيرا ولا عملا ق. (*)

[ 177 ]

فسألوهم عما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا لقد كان هذا ضل جمل لنا في موضع كذا وكذا ووضعنا ماءا فأصبحنا وقد اهريق الماء فلم يزدهم ذلك إلا عتوا. والقمي ما يقرب منه وفي كشف الغمة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج فقال خاطبني بلغة علي بن أبي طالب عليه السلام فألهمت أن قلت يا رب خاطبتني أم علي فقال يا أحمد أنا شئ ليس كالأشياء ولا أقاس بالناس ولا أوصف بالأشياء خلقتك من نوري وخلقت عليا من نورك فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد إلى قلبك أحب من علي بن أبي طالب فخاطبتك بلسانه كي ما يطمئن قلبك والأخبار في قصة المعراج كثيرة من أرادها فليطلبها في مواضعها وفيها أسرار لا يعثر عليها إلا الراسخون في العلم. (2) وآتينا موسى الكتاب (1) وجعلناه هدى لبنى إسرائيل ألا تتخذوا (2) وقرئ بالياء من دوني وكيلا ربا تكلون إليه أموركم. (3) ذرية من حملنا مع نوح (3) نصبه على الأختصاص أو النداء إنه كان عبدا شكورا كثير الشكر. في الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام أنه سئل ما عنى بقوله إنه كان عبدا شكورا فقال كلمات بالغ فيهن قيل وما هن قال كان إذا أصبح قال أصبحت أشهدك ما أصبحت بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فإنها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد على ذلك ولك الشكر كثيرا كان يقولها إذا أصبح ثلاثا وإذا أمسى ثلاثا. وفي الفقيه والعلل والقمي والعياشي ما يقرب منه على إختلاف في ألفاظ الذكر وعدده. (4) وقضينا إلى بنى إسرائيل وأوحينا إليهم وحيا مقضيا مبتوتا في


1 - اي وجعلنا التورية حجة وبيانا وارشادا لبني اسرائيل يهتدون به مجمع البيان. 2 - اي امرناهم لا يتخذوا من دوني معتمدا يرجعون إليه في النوائب وقيل ربا يتوكلون عليه من. 3 - أي أولاد من حملنا مع نوح في السفينة فأنجيناهم من الطوفان م‍ ن. (*)

[ 178 ]

الكتاب في التوراة لتفسدن (1) في الارض مرتين إفسادتين ولتعلن علوا كبيرا (2). (5) فإذا جاء وعد أوليهما وعد عقاب اوليهما بعثنا عليكم عبادا لنا. في الجوامع عن علي عليه السلام أنه قرأ عبيدا لنا أولي بأس شديد ذوي قوة وبطش في الحرب شديد فجاسوا ترددوا لطلبكم خلال الديار وسطها للقتل والغارة والسبي وكان وعدا مفعولا وكان وعد عقابهم لابد أن يفعل. (6) ثم رددنا لكم الكرة الدولة والغلبة عليهم على الذين بعثوا عليكم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا مما كنتم والنفير من ينفر مع الرجل من قومه والمجتمعون للذهاب إلى العد. (7) إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم (3) لأن ثوابه لها وإن أسأتم فلها فإن وبالها عليها. في الجوامع عن علي عليه السلام ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الاية قيل وإنما ذكر باللام إزدواجا. وفي العيون عن الرضا عليه السلام وإن أسأتم فلها رب يغفر فإذا جاء وعد الاخرة وعد عقوبة المرة الاخرة ليسوؤا وجوهكم بعثناهم ليسوؤا وجوهكم ليجعلوها بادية آثار المساءة فيها فحذف لدلالة ذكره أولا عليه وقرئ ليسوء على التوحيد أي الوعد أو البعث وبالنون وليدخلوا المسجد (4) كما دخلوه أول مرة وليتبروا وليهلكوا ما علوا ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم تتبيرا.


1 - اي حقا لا شك فيه ان اخلافكم سيفسدون في البلاد التي يسكنونها كرتين وهي بيت المقدس واراد بالفساد الظلم واخذ المال وقتل الانبياء وسفك الدماء م‍ ن. 2 - أي ولتستكبرن ولتظلمن الناس ظلما عظيما والعلو نظير العتو هنا وهو الجرأة على الله تعالى والتعرض لسخطه م‍ ن. 3 - معناه ان احسنتم في اقوالكم وافعالكم فتفع احسانكم عائد عليكم وثابه واصل اليكم تنصرون على اعدائكم الدنيا وتثابون في العقبى م‍ ن. 4 - أي بيت المقدس ونواحيه فكنى بالمسجد وهو المسجد الاقصى عن البلد كما كنى بالمسجد الحرام عن الحرم ومعناه ليستولوا على البلد لانه لا يمكنهم دخول المسجد الا بعد الاستيلاء م‍ ن. (*)

[ 179 ]

(8) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم نوبة أخرى عدنا مرة ثالثة إلى عقوبتكم وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا محبسا لا يقدرون الخروج منها أبدا والعامة فسروا الأفسادتين بقتل زكريا ويحيى والعلو الكبير بإستكبارهم عن طاعة الله وظلمهم الناس والعباد أولى بأس بخت نصر وجنوده ورد الكرة عليهم برد بهمن بن إسفنديار اسراءهم إلى الشام وتمليكه دانيال عليهم ووعد الاخرة بتسليط الله الفرس عليهم مرة اخرى. وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه فسر الأفسادتين بقتل علي بن أبي طالب عليه السلام وطعن الحسن عليه السلام والعلو الكبير بقتل الحسين عليه السلام والعباد أولى بأس بقوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وترا (1) لال محمد صلوات الله عليهم إلا قتلوه ووعد الله بخروج القائم عليه السلام ورد الكرة عليهم بخروج الحسين عليه السلام في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهب حين كان الحجة القائم بين أظهرهم. وزاد العياشي ثم يملكهم الحسين عليه السلام حتى يقع حاجباه على عينيه. والعياشي عنه عليه السلام أول من يكر إلى الدنيا الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه ويزيد بن معوية وأصحابه فيقتلهم حذوا القذة بالقذة ثم تلا هذه الاية ثم رددنا. وفي رواية أخرى للعياشي عن الباقر عليه السلام إن العباد أولى بأس هم القائم وأصحابه والقمي وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب أي أعلمناهم ثم إنقطعت مخاطبة بني إسرائيل وخاطب الله أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال لتفسدن في الارض مرتين يعني فلانا وفلانا وأصحابهما ونقضهم العهد ولتعلن علوا كبيرا يعني ما إدعوه من الخلافة فإذا جاء وعد أولاهما يعني يوم الجمل بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد يعني أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه فجاسوا خلال


1 - الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه وتره يتره وترا وترة ص. (*)

[ 180 ]

الديار أي طلبوكم وقتلوكم وكان وعدا مفعولا يعني يتم ويكون ثم رددنا لكم الكرة عليهم يعني لبني أمية على آل محمد وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا من الحسن والحسين عليهما السلام ابني علي وأصحابهما وسبوا نساء آل محمد صلوات الله عليهم فإذا جاء وعد الاخرة يعني القائم وأصحابه ليسوؤا وجوهكم يعني يسود وجوههم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وأمير المؤمنين عليه السلام وليتبروا ما علوا تتبيرا أي يعلو عليكم فيقتلوكم ثم عطف على آل محمد فقال عسى ربكم أن يرحمكم أي ينصركم على عدوكم ثم خاطب بني امية فقال وإن عدتم عدنا يعني إن عدتم بالسفياني عدنا بالقائم من آل محمد صلوات الله عليهم وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا حبسا يحصرون فيها. (9) إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم للطريقة التي هي أقوم الطرق وأشد استقامة. في الكافي عن الصادق عليه السلام أي يدعو وعنه عليه السلام يهدي إلى الأمام عليه السلام. والعياشي مقطوعا مثله. وعن الباقر عليه السلام يهدي إلى الولاية. وفي المعاني عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده السجاد عليهما السلام الأمام منا لا يكون إلا معصوما وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصا فقيل ما معنى المعصوم قال هو المعتصم بحبل الله وحبل الله هو القرآن والقرآن يهدي إلى الأمام وذلك قول الله عز وجل إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا. (10) وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما يعني يبشر المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم. (11) ويدع الانسان بالشر دعاءه بالخير مثل دعائه بالخير وكان الانسان

[ 181 ]

عجولا في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام وأعرف طريق نجاتك وهلاكك كيلا تدعوا الله بشئ عسى فيه هلاكك وأنت تظن أن فيه نجاتك قال الله تعالى ويدع الانسان الاية. والعياشي عنه عليه السلام قال لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه وثب ليقوم قبل أن يستتم خلقه فسقط فقال الله عز وجل وكان الانسان عجولا. (12) وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتطلبوا في بياض النهار أسباب معايشكم ولتعلموا بإختلافهما ومقاديرهما عدد السنين والحساب وكل شئ تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا فصلناه تفصيلا بيناه بيانا غير ملتبس في نهج البلاغة وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها وقمرها آية ممحوة من ليلها وأجراهما في مناقل مجراهما وقدر مسيرهما في مدارج مدرجهما ليتميز بين الليل والنهار بهما وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما. وفي العلل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل ما بال الشمس والقمر لا يستويان في الضوء والنور قال لما خلقهما الله عز وجل أطاعا ولم يعصيا شيئا فأمر الله جبرئيل أن يمحو ضوء القمر فمحاه فأثر المحو في القمر خطوطا سوداء ولو أن القمر ترك على حاله بمنزلة الشمس لم يمح لما عرف الليل من النهار ولا النهار من الليل ولا علم الصائم كم يصوم ولا عرف الناس عدد السنين وذلك قول الله عز وجل وجعلنا الليل والنهار آيتين الاية. وفي الأحتجاج قال ابن الكوا لأمير المؤمنين عليه السلام أخبرني عن المحو الذي يكون في القمر فقال الله أكبر الله أكبر الله أكبر رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء أما سمعت الله يقول وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة. وعن الصادق عليه السلام لما خلق الله القمر كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين عليه السلام وهو السواد الذي ترونه. والعياشي ما يقرب من الحديثين.

[ 182 ]

(13) وكل إنسان ألزمناه طائره عمله وما قدر له كأنه طير له من عش الغيب ووكر القدر في عنقه لزوم الطوق في عنقه. العياشي عنهما عليهما السلام. والقمي قال قدره الله الذي قدر عليه. والقمي عن الباقر عليه السلام خيره وشره معه حيث كان لا يستطيع فراقه حتى يعطى كتابه يوم القيامة بما عمل ونخرج له يوم القيمة كتابا هي صحيفة عمله. أقول: هي بعينها نفسه التي رسخت فيها آثار أعماله بحيث انتقشت بها يلقيه منشورا لكشف الغطاء وقرئ يلقاه بالتشديد والبناء للمفعول. (14) اقرأ كتابك على إرادة القول كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا في المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال يذكر العبد جميع ما عمل وما كتب عليه حتى كأنه فعله في تلك الساعة فلذلك قالوا يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. (15) من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا تحمل نفس حاملة وزرا وزرت نفس اخرى بل إنما تحمل وزرها وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا يبين الحجج ويمهد الشرايع فيلزمهم الحجة. في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة قال لا قيل فهل كلفوا المعرفة قال لا على الله البيان لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها. (16) وإذا أردنا أن نهلك قرية وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم بدنو وقته المقدر أمرنا مترفيها متنعميها ففسقوا فيها. القمي كثرنا جبابرتها. والعياشي عن الباقر عليه السلام أمرنا مشددة ميمه تفسيره كثرنا وقال لا قرأتها مخففة وعنه عليه السلام أمرنا أكابرها.

[ 183 ]

وفي المجمع عنه عليه السلام إنه قرأ أمرنا بتشديد الميم وعن علي عليه السلام إنه قرئ آمرنا على وزن عامرنا يقال آمرت الشئ وآمرته فأمر إذا كثرته وفي الحديث خير المال سكة مابورة (1) ومهرة مأمورة أي كثيرة النتاج والسكة النخل والمهرة الفرس وقيل تخصيص المترفين لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور فحق عليها القول يعني كلمة العذاب فدمرناها تدميرا أهلكناها. (17) وكم أهلكنا وكثيرا أهلكنا من القرون من بعد نوح كعاد وثمود وكفي بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها. (18) من كان يريد العاجلة النعمة الدنيوية مقصورا عليها همته عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والأرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ولا كل أحد جميع ما يهواه وليعلم إن الأمر بالمشيئة ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا مطرودا من رحمة الله. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معنى الاية من كان يريد ثواب الدنيا بعمله الذي إفترضه الله عليه لا يريد به وجه الله والدار الاخرة عجل له ما يشاء الله من عرض الدنيا وليس له ثواب في الاخرة وذلك إن الله سبحانه يؤتيه ذلك ليستعين به على الطاعة فيستعمله في معصية الله فيعاقبه الله عليه. (19) ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها حقها من السعي وهو الأتيان بما أمر به والأنتهاء عما نهي عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم وفائدة اللام إعتبار النية والأخلاص وهو مؤمن إيمانا لا شرك فيه ولا تكذيب فأولئك كان سعيهم مشكورا من الله مقبولا عنده مثابا عليه. روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن أراد الاخرة فليترك زينة الحياة الدنيا


1 - ابر فلان نخله اي لقمه واسلمه ومنه سكة مأبورة. (*)

[ 184 ]

(20) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك كل واحد من الفريقين نتفضل عليه بالعطاء مرة بعد أخرى نجعل الانف منه مددا للسالف لا نقطعه فنرزق المطيع والعاصي جميعا وما كان عطاء ربك محظورا ممنوعا لا يمنع العاصي لعصيانه. (21) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض في الدنيا وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا أي التفاوت في الاخرة أكثر. في المجمع روي أن ما بين أعلى درجات الجنة وأسفلها مثل ما بين السماء والأرض. والعياشي عن الصادق عليه السلام لا تقولن الجنة واحدة إن الله يقول ومن دونهما جنتان ولا تقولن درجة واحدة إن الله يقول درجات بعضها فوق بعض إنما تفاضل القوم بالأعمال قيل له إن المؤمنين يدخلان الجنة فيكون أحدهما أرفع مكانا من الاخر فيشتهي أن يلقى صاحبه قال من كان فوقه فله أن يهبط ومن كان تحته لم يكن له أن يصعد لأنه لم يبلغ ذلك المكان ولكنهم إذا أحبوا ذلك وإستهووه إلتقوا على الأسرة وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزلفي من ربهم على قدر عقولهم. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن الثواب على قدر العقل. (22) لا تجعل مع الله إلها آخر الخطاب لكل أحد أو للرسول والمراد به أمته كما قاله القمي فتقعد مذموما مخذولا يعني إذا فعلت ذلك بقيت ما عشت مذموما على ألسنة العقلاء مخذولا لا ناصر لك وإنما عبر عن ذلك بالقعود لأن في القعود معنى الذل والعجز والهوان يقال قعد به الضعف. (23) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وأمر أمرا مقطوعا به بأن لا تعبدوا إلا إياه لأن غاية التعظيم لا يحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الأنعام ويجوز أن يكون أن مفسرة ولا ناهية ويأتي فيه حديث بعد ثماني عشرة آية وبالوالدين إحسانا أن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش إما يبلغن إما أن

[ 185 ]

الشرطية زيدت عليها ما للتأكيد ولهذا صح لحوق النون عندك الكبر في كنفك وكفالتك أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف إن أضجراك ولا تنهرهما ولا تزجرهما. القمي أي لا تخاصمهما وقل لهما قولا كريما حسنا جميلا. (24) واخفض لهما جناح الذل جناحك الذليل أو جعل الذل جناحا للمبالغة أي تذلل لهما وتواضع من الرحمة من فرط رحمتك عليهما لأفتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما وقل رب ارحمهما وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية ولا تكتف برحمتك الفانية كما ربياني صغيرا جزاء لرحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري. في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل ما هذا الأحسان فقال أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا وإن كانا مستغنيين أليس الله يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما قال إن أضجراك فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما إن ضرباك وقل لهما قولا كريما قال إن ضرباك فقل لهما غفر الله لكما فذلك منك قول كريم واخفض لهما جناح الذل من الرحمة قال لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامهما. وعنه عليه السلام لو علم الله شيئا أدنى من أف لنهى عنه وهو من أدنى العقوق. وزاد في الكافي ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما. وعن الكاظم عليه السلام سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما حق الوالد على ولده قال لا يسميه باسمه ولا يمشي بين يديه ولا يجلس قبله ولا يستسب له. وفي الجوامع إن النبي صلى الله عليه وآله قال رغم أنفه ثلاث مرات قالوا من يا رسول الله قال من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنة.

[ 186 ]

وعن حذيفة أنه إستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قتل أبيه وهو في صف المشركين فقال دعه يله غيرك. (25) ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للاوابين غفورا. العياشي عن الصادق عليه السلام هم التوابون المتعبدون. وفي المجمع عنه عليه السلام الأواب التواب المتعبد الراجع عن ذنبه. وعنه عليه السلام صلاة أربع ركعات تقرأ في كل ركعة خمسين مرة قل هو الله أحد. (26) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل قيل في تفسير العامة وصى سبحانه بغير الوالدين من القرابات والمساكين وأبناء السبيل بأن تؤتى حقوقهم بعد أن وصى بهما وقيل فيه أن المراد بذي القربى قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والقمي يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزلت في فاطمة عليها السلام فجعل لها فدك والمسكين من ولد فاطمة وأبن السبيل من آل محمد صلوات الله عليهم وولد فاطمة عليها السلام وأورد في سورة الروم قصة فدك مفصلة في تفسير نظير هذه الاية. وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام في حديث له مع المهدي إن الله تبارك وتعالى لما فتح على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فدك وما وما والاها لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وآت ذا القربى حقه ولم يدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هم فراجع في ذلك جبرئيل وراجع جبرئيل ربه فأوحى الله إليه أن ادفع فدك إلى فاطمة عليها السلام فدعاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا فاطمة إن الله أمرني أن أدفع إليك فدك فقالت قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك الحديث. وفي العيون عن الرضا عليه السلام في حديث له مع المأمون والاية الخامسة قول الله تعالى وآت ذا القربى حقه خصوصية خصهم الله العزيز الجبار بها واصطفاهم

[ 187 ]

على الامة فلما نزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ادعوا لي فاطمة عليها السلام فدعيت له فقال يا فاطمة قالت لبيك يا رسول الله فقال هذه فدك هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وهي لي خاصة دون المسلمين فقد جعلتها لك لما أمرني الله به فخذيها لك ولولدك. والعياشي عن الصادق عليه السلام لما أنزل الله وآت ذا القربى حقه والمسكين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا جبرئيل قد عرفت المسكين من ذو القربى قال هم أقاربك فدعا حسنا وحسينا وفاطمة عليهم السلام فقال إن ربي أمرني أن أعطيكم مما أفاء الله علي قال اعطيكم فدك مع أخبار أخر في هذا المعنى. وفي الأحتجاج عن السجاد عليه السلام إنه قال لبعض الشاميين أما قرأت هذه الاية وآت ذا القربى حقه قال نعم قال فنحن أولئك الذين أمر الله نبيه أن يؤتيهم حقهم. وفي المجمع عنه عليه السلام برواية العامة ما في معناه. وعن أبي سعيد الخدري أنه لما نزلت هذه الاية أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فدك. وبالجملة الأخبار في هذا المعنى مستفيضة وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في حديث ثم قال جل ذكره وآت ذا القربى حقه وكان علي عليه السلام وكان حقه الوصية التي جعلت له والأسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة. أقول: لا تنافي بين هذا الحديث والأحاديث السابقة ولا بينهما وبين تفسيري العامة ولا بين تفسيريهم كما يظهر للمتدبر العارف بمخاطبات القرآن ومعنى الحقوق ومن الذي له الحق ومن الذي لا حق له والحمد لله ولا تبذر تبذيرا بصرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الأسراف وأصل التبذير التفريق في الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه مر بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف يا سعد قال أفي الوضوء سرف قال نعم وإن كنت على نهر جار.

[ 188 ]

وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه قال لرجل إتق الله ولا تسرف ولا تقتر وكن بين ذلك قواما إن التبذير من الأسراف قال الله ولا تبذر تبذيرا. والعياشي عنه عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال من أنفق شيئا في غير طاعة الله فهو مبذر ومن أنفق في سبيل الله فهو مقتصد. وعنه عليه السلام إنه سئل أفيكون تبذير في حلال قال نعم. وعنه عليه السلام أنه دعا برطب فأقبل بعضهم يرمي بالنوى فقال عليه السلام لا تفعل إن هذا من التبذير وأن الله لا يحب الفساد. وفي المجالس عنه عليه السلام في قول الله ولا تبذر تبذيرا قال لا تبذر في ولاية علي عليه السلام. (27) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين أمثالهم السالكين طريقتهم وهذا هو غاية الذم وكان الشيطان لربه كفورا مبالغا في الكفر فينبغي أن لا يطاع. (28) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك بإيتاء حقوقهم حياءا من الرد لتبتغي الفضل من ربك والسعة التي يمكنك معها البذل فقل لهم قولا لينا وعدهم عدة جميلة فوضع الأبتغاء موضع فقد الرزق لأن فاقد الرزق مبتغ له. وفي المجمع والعياشي روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لما نزلت هذه الاية إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال يرزقنا الله وإياكم من فضله. (29) ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك (1) ولا تبسطها كل البسط (2) تمثيل لمنع الشحيح وإسراف المبذر نهى عنهما وأمر بالأقتصاد بينهما الذي هو الكرم والجود فتقعد ملوما محسورا.


1 - أي لا تكن ممن لا يعطي شيئا ولا يهب فتكون بمنزلة من يده مغلولة الى عنقه لا يقدر على الاعطاء والبذل وهذا مبالغة في النهي عن الشح والامساك. 2 - أي ولا تعطي أيضا جميع ما عندك فتكون بمنزلة من بسط يده حتى لا يستقر فيها شئ وهذا كناية عن الاسراف. (*)

[ 189 ]

في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئا إلا أعطاه فأرسلت إليه إمرأة إبنا لها فقالت إنطلق إليه فاسأله فإن قال ليس عندنا شئ فقل اعطني قميصك قال فأخذ قميصه وأعطاه فأدبه الله على القصد فقال ولا تجعل يدك الاية. وفي الكافي عنه عليه السلام في حديث ثم علم الله نبيه كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده أوقية من الذهب فكره أن تبيت عنده فتصدق بها فأصبح وليس عنده شئ وجاء من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل وإغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رقيقا فأدب الله نبيه بأمره فقال ولا تجعل يدك الاية يقول قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال. وعنه عليه السلام في هذه الاية قال الأحسار الفاقة. والعياشي عنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الاية الأحسار الأقتار والقمي قال كان سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرد أحدا يسأله شيئا عنده فجاءه رجل فسأله فلم يحضره شئ فقال يكون إن شاء الله فقال يا رسول الله أعطني قميصك فأعطاه قميصه فأنزل الله ولا تجعل الاية فنهاه الله أن يبخل ويسرف ويقعد محسورا من الثياب فقال الصادق عليه السلام المحسور العريان. وفي التهذيب والعياشي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك قال ضم يديه فقال هكذا ولا تبسطها كل البسط قال بسط راحته وقال هكذا. (30) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يوسعه ويضيقه بحسب المصلحة إنه كان بعباده خبيرا بصيرا فيعلم مصالحهم وما ينبغي لهم وما لا ينبغي كما ورد في الحديث القدسي وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وقال وإني لأعلم بمصالح

[ 190 ]

عبادي وتمام الحديث يطلب في الكافي وفي نهج البلاغة وقدر الأرزاق فكثرها وقللها وقسمها على الضيق والسعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها. (31) ولا تقتلوا أولادكم (1) خشية إملاق. القمي يعني مخافة الفقر والجوع فإن العرب كانوا يقتلون أولادهم لذلك. والعياشي عن الصادق عليه السلام الحاج لا يملق أبدا قيل ما الأملاق فقال الأفلاس ثم تلا هذه الاية نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ذنبا كبيرا وقرئ بفتح الخاء والطاء وهو ضد الصواب أو بمعنى الخطاء وبالكسر والمد وهو إما لغة فيه أو مصدر. (32) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة قبيحة زائدة على حد القبح وساء سبيلا (2). القمي عن الباقر عليه السلام يقول معصية ومقتا فإن الله يمقته ويبغضه قال وساء سبيلا وهو أشد النار عذابا والزنا من أكبر الكباير. وفي الفقيه والخصال عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في وصيته له يا علي في الزنا ست خصال ثلاث منها في الدنيا وثلاث في الاخرة فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجل الفناء ويقطع الرزق وأما التي في الاخرة فسوء الحساب وسخط الرحمان والخلود في النار وعنه عليه السلام إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل. (33) ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق إلا بإحدى ثلاث كفر بعد الأيمان وزنا بعد إحصان وقتل مؤمن عمدا ومن قتل مظلوما غير مستوجب للقتل فقد


1 - وانما نهاهم الله عن ذلك لانهم كانوا يئدون البنات يدفنوهن أحياء. 2 - فيه إشارة الى ان العقل يقبح الزنا من حيث انه لا يكون للولد نسب إذ ليس بعض الزناة اولى به من بعض فيؤدي الى قطع الانساب وابطال المواريث وابطال صلة الرحم وحقوق الاباء على الاولاد وذلك مسنكر في العقول. (*)

[ 191 ]

جعلنا لوليه لمن يلي أمره بعد وفاته سلطانا تسلطا بالمؤاخذة فلا يسرف في القتل وقرئ بالتاء إنه كان منصورا. القمي يعني ينصر ولد المقتول على القاتل. وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية قيل فما هذا الأسراف الذي نهى الله عنه قال نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثل بالقاتل قيل فما معنى قوله إنه كان منصورا قال وأي نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى أولياء المقتول فتقتله ولا تبعة تلزمه من قتله في دين ولا دنيا. وفي الكافي والعياشي عنه عليه السلام إذا اجتمع العدة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيهم شاؤوا وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد إن الله عز وجل يقول ومن قتل مظلوما إلى قوله فلا يسرف في القتل. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام نزلت في الحسين عليه السلام لو قتل أهل الأرض به ما كان سرفا. (34) ولا تقربوا مال اليتيم فضلا عن أن تتصرفوا فيه إلا بالتى هي أحسن إلا بالطريقة التي هي أحسن وهي حفظه عليه حتى يبلغ أشده. في الفقيه عن الصادق عليه السلام إنقطاع يتم اليتيم الأحتلام وهو أشده وعنه عليه السلام إذا بلغ الغلام أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة سنة وجب عليه ما وجب على المحتلمين إحتلم أو لم يحتلم كتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات وجاز له كل شئ إلا أن يكون ضعيفا أو سفيها. والعياشي عنه عليه السلام ما يقرب منه وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا. في الخصال عن الصادق عليه السلام ثلاث لم يجعل الله لأحد من الناس فيهن رخصة وعد منها الوفاء بالعهد.

[ 192 ]

(35) وأوفوا الكيل إذا كلتم ولا تبخسوا فيه وزنوا بالقسطاس المستقيم بالميزان السوي وقرئ بكسر القاف. القمي عن الباقر عليه السلام هو الميزان الذي له لسان ذلك خير وأحسن تأويلا وأحسن عاقبة. (36) ولا تقف ولا تتبع. القمي أي لا تقل ما ليس لك به علم. القمي قال لا ترم أحدا بما ليس لك به علم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بهت (1) مؤمنا أو مؤمنة اقيم في طينة (2) خبال أو يخرج مما قال إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا. في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية يسئل السمع عما سمع والبصر عما نظر إليه والفؤاد عما عقد عليه. والكافي وفي الفقيه والقمي والعياشي عنه عليه السلام قال له رجل إن لي جيرانا ولهم جوار يتغنين ويضربن بالعود فربما دخلت المخرج فاطيل الجلوس إستماعا مني لهن فقال الصادق عليه السلام لا تفعل فقال والله ما هو شئ آتيه برجلي إنما هو سماع أسمعه باذني فقال له الصادق عليه السلام تالله أنت أما سمعت الله يقول إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا فقال الرجل كأني لم أسمع بهذه الاية من كتاب الله من عربي ولا عجمي لا جرم إني قد تركتها وأنا أستغفر الله الحديث. وفي العلل عن السجاد عليه السلام ليس لك أن تتكلم بما شئت لأن الله


1 - بهته كمنعه بهتا وبهتا وبهتانا قال عليه ما لم يفعل ق. 2 - قوله في طينة خبال بفتح خاء وباء موحدة وفسرت بصديد اهل النار وما يخرج من فروج الزناة فيجمع ذلك في قدر جهنم م‍. (*)

[ 193 ]

يقول ولا تقف ما ليس لك به علم ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو صمت فسلم وليس لك أن تسمع ما شئت لأن الله عز وجل يقول إن السمع والبصر الاية. وفي مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام ومن نام بعد فراغه من أداء الفرائض والسنن والواجبات من الحقوق فذلك نوم محمود وإني لا أعلم لأهل زماننا هذا إذا أتوا بهذه الخصال أسلم من النوم لأن الخلق تركوا مراعاة دينهم ومراقبة أحوالهم وأخذوا شمال الطريق والعبد إن إجتهد أن لا يتكلم كيف يمكنه أن لا يسمع إلا ما له مانع من ذلك وأن النوم من أحد تلك الالات قال الله عز وجل إن السمع والبصر وتلا الاية. (37) ولا تمش في الارض مرحا ذا مرح وهو الأختيال. القمي أي بطرا وفرحا إنك لن تخرق الارض لن تجعل فيها خرق لشدة وطأتك القمي أي لن تبلغها كلها ولن تبلغ الجبال طولا بتطاولك. القمي أي لا تقدر أن تبلغ قلل الجبال قيل هو تهكم بالمختال وتعليل للنهي بأن الأختيال حماقة مجردة لا يعود بجدوى ليس في التذلل في الفقيه عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لمحمد بن الحنفية وفرض على الرجلين أن تثقلهما في طاعته وأن لا تمشي بهما مشية عاص فقال عز وجل ولا تمش في الارض مرحا. (38) كل ذلك إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة من قوله ولا تجعل مع الله إلها آخر وعن إبن عباس إنها المكتوبة في ألواح موسى كان سيئه يعني المنهي عنه وقرئ سيئة عند ربك مكروها مبغوضا. (39) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه ورأس الحكمة وملاكها فتلقى في جهنم ملوما تلوم نفسك مدحورا مبعدا عن رحمة الله. القمي فالمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى للناس.

[ 194 ]

وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث ثم بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكة عشر سنين فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أدخله الجنة بإقراره وهو إيمان التصديق ولن يعذب الله أحدا ممن مات وهو متبع لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك إلا من أشرك بالرحمن وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالولدين إحسنا إلى قوله إنه كان بعباده خبيرا بصيرا أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف ولم يعد عليه ولم يتواعد على إجتراح شئ مما نهى عنه وأنذر نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها وقال ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق وتلا الايات إلى قوله ملوما مدحورا. (40) أفأصفيكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا. القمي هو رد على قريش فيما قالوا إن الملائكة هي بنات الله إنكم لتقولون قولا عظيما بإضافة الولد إليه ثم بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجلعون له ما تكرهون ثم يجعل الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله دونهم. (41) ولقد صرفنا كررنا الدلائل وفصلنا العبر في هذا القرآن ليذكروا ليتعظوا ويعتبروا وما يزيدهم إلا نفورا عن الحق. القمي قال إذا اسمعوا القرآن ينفروا عنه ويكذبوه. (42) قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا لطلبوا إلى مالك الملك سبيلا بالتقرب والطاعة كما يأتي في هذه السورة أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب. (43) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. (44) تسبح له وقرء بالتاء السموات السبع والارض ومن فيهن وإن من


1 - فيعلموا الحق وحذف ذكر الدلائل والعبر لدلالة الكلام عليه وعلم السامع به مجمع البيان. (*)

[ 195 ]

شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام تنقض الجدر تسبيحها. وعنه عليه السلام ما من طير يصاد إلا بتضييعه التسبيح وعن الباقر عليه السلام إنه سئل أتسبح الشجرة اليابسة فقال نعم أما سمعت خشب البيت كيف ينقض وذلك تسبيحه لله فسبحان الله على كل حال. أقول: وذلك لأن نقصانات الخلايق دلائل كمالات الخالق وكثراتها واختلافاتها شواهد وحدانيته وإنتفاء الشريك عنه والضد والند كما قال أمير المؤمنين عليه السلام بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له الحديث فهذا تسبيح فطري وإقتضاء ذاتي نشأ عن تجل تجلى لهم فأحبوه وابتعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف وهي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الأستحقاق الذي يستحقه جل جلاله ويأتي زيادة بيان لهذا في سورة النور إن شاء الله إنه كان حليما لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم غفورا لمن تاب منكم. (45) وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا عن الحسن من قدرة الله يحجبك عنهم. (46) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه أي يمنعهم أن يفقهوه تكنها وتحول دونها عن إدراك الحق وقبوله وفي آذانهم وقرا يمنعهم عن استماعه وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده غير مشفوع به آلهتهم ولوا على أدبارهم نفورا هربا من استماع التوحيد ونفرة. في الكافي عن الصادق عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل إلى منزله وإجتمعت عليه قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته فتولي قريش فرارا فأنزل الله عز وجل في ذلك وإذا ذكرت ربك الاية. والقمي قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى تهجد بالقرآن

[ 196 ]

ويستمع له قريش لحسن صوته فكان إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فروا عنه. والعياشي عنه عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى بالناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم فتخلف من خلفه من المنافقين عن الصفوف فإذا جازها في السورة عادوا إلى مواضعهم وقال بعضهم لبعض إنه ليردد إسم ربه ترددا إنه ليحب ربه فأنزل الله وإذا ذكرت ربك الاية. (47) نحن أعلم بما يستمعون به بسببه من اللغو والأستهزاء بالقرآن إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى متناجون إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا قد سحر به فجن واختلط عليه عقله. (48) انظر كيف ضربوا لك الامثال مثلوك بالساحر والشاعر والكاهن والمجنون فضلوا عن الحق فلا يستطيعون سبيلا إليه. (49) وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ترابا وغبارا وانتثر لحومنا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا على الأنكار والأستبعاد. العياشي عن الصادق عليه السلام جاء ابي بن خلف فأخذ عظما باليا من حائط ففته (1) ثم قال يا محمد إذا كنا عظاما ورفاتا (2) أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فأنزل الله تعالى قل من يحيى العظام وهى رميم قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. (50) قل جوابا لهم كونوا حجارة أو حديدا. (51) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فإنه يقدر على إعادتكم أحياءا. القمي عن الباقر عليه السلام الخلق الذي يكبر في صدوركم الموت فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة فإن من يقدر على الأنشاء كان على الأعادة


1 - الفت الدق والكسر بالاصابع والشق في الصخرة ق. 2 - الرفات ما يكسر ويبلى من كل شئ ويكثر بناء فعال في كل ما يحطم ويرضض يقال حطام ودقاق وتراب وقال المبرد كل شئ مدقوق مبالغ في دقه حتى انسحق فهو رفات. (*)

[ 197 ]

أقدر فسينغضون (1) إليك رؤسهم فيحركون نحوك رؤوسهم تعجبا واستهزاءا ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا فإن كل من هو آت قريب. (52) يوم يدعوكم فتستجيبون أي يوم يبعثكم فتبعثون منقادين استعار لهما الدعاء والأستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما بحمده حامدين لله على كمال قدرته. في الجوامع روي أنهم ينفضون (2) التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك وتظنون إن لبثتم إلا قليلا وتستقصرون مدة لبثكم. (53) وقل لعبادي يعني المؤمنين يقولوا التى هي أحسن أي يقولوا للمشركين الكلمة التي هي أحسن ولا يخاطبوهم بما يغيظهم ويغضبهم إن الشيطان ينزغ بينهم يهيج بينهم المراء والشر فلعل المخاشنة (3) بهم يفضي إلى العناد وإزدياد الفساد إن الشيطان كان للانسان عدوا مبينا ظاهر العداوة. (54) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم قيل هي تفسير للتي هي أحسن وما بينهما إعتراض أي يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا يصرحوا بأنهم من أهل النار فإن لك يهيجهم على الشر مع أن ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلا الله وما أرسلناك عليهم وكيلا موكولا إليك أمرهم تجبرهم على الأيمان وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالأحتمال منهم. (55) وربك أعلم بمن في السموت والارض وأحوالهم فيختار منهم لنبوته وولايته من يستأهل لهما وهو رد لأستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيا وأن يكون الفقراء أصحابه ولقد فضلنا بعض النبين على بعض وآتينا داود زبورا.


1 - يقال انغض رأسه ينغضه ونغض برأسه ينغضه نغضا إذا حركه قالوا والنغض تحريك الرأس بارتفاع وانخفاض م‍ ن. 2 - نفضت الثوب والشجر انفضه نفضا حركته لينتفض. 3 - خشن ككرم خشنا وخشانة ضد لان وخاشنه ضد لاينه. (*)

[ 198 ]

في الكافي عن الصادق عليه السلام سادة النبيين والمرسلين خمسة وهم أولوا العزم من الرسل وعليهم دارت الرحى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى جميع الأنبياء. وفي العلل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تعالى فضل أنبياءه المرسلين على الملائكة المقربين وفضلني على جميع النبيين والمرسلن والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من ولدك وأن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا الحديث. (56) قل ادعوا الذين زعمتم أنها آلهة من دونه كالملائكة والمسيح وعزير فلا يملكون فلا يستطيعون كشف الضر عنكم كالمرض والفقر والقحط ولا تحويلا ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم. (57) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة هؤلاء الالهة يبتغون إلى الله القربة بالطاعة أيهم أقرب أي يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة فكيف بغير الأقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه كسائر العباد فكيف يزعمون أنهم آلهة إن عذاب ربك كان محذورا حقيقا بأن يحذره كل أحد حتى الملائكة والرسل. (58) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا. في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال هو الفناء بالموت. والعياشي عن الباقر عليه السلام إنما أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأمم فمن مات فقد هلك. وعن الصادق عليه السلام قال بالقتل والموت وغيره. (59) وما منعنا أن نرسل بالايات التي اقترحتها قريش إلا أن كذب بها الاولون إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم كعاد وثمود وأنها لو أرسلت لكذبوا بها كما

[ 199 ]

كذب أولئك وإستوجبوا العذاب العاجل المستأصل ومن حكمته سبحانه في هذه الأمة أن لا يعذبهم بعذاب الأستيصال تشريفا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم كما قال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم. القمي عن الباقر عليه السلام إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم سأله قومه أن يأتيهم بآية فنزل جبرئيل وقال إن الله يقول وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون وكنا إذا أرسلنا إلى قرية آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم فلذلك أخرنا عن قومك الايات وآتينا ثمود الناقة بسؤالهم مبصرة آية بينة فظلموا بها فظلموا أنفسهم بسبب عقرها وما نرسل بالايات إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الاخرة فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة. (60) وإذ قلنا لك أوحينا إليك إن ربك أحاط بالناس فهم في قبضة قدرته وقيل يعني بقريش أي أهلكهم من أحاط بهم العدو أي أهلكهم يعني بشرناك بوقعة بدر ونصرتك عليهم وهو قوله سيهزم الجمع ويولون الدبر سيغلبون ويحشرون إلى جهنم فجعله سبحانه كأنه قد كان على عادته في إخباره وما جعلنا الرؤيا التى أريانك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن عطف على الرؤيا ونخوفهم بأنواع التخويف فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا إلا عتوا متجاوزا عن الحد. العياشي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التى أريناك فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رآى إن رجالا من بني تيم وعدي على المنابر يردون الناس عن الصراط القهقرى قيل والشجرة الملعونة قال هم بنو امية. وعن الصادق عليه السلام مثله إلا أنه قال رأى أن رجالا على المنابر يردون الناس ضلالا زريق وزفر. أقول: وهما كنايتان عن الأولين وتيم وعدي جداهما قال. وفي رواية اخرى عنه عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد

[ 200 ]

رأى رجالا من نار على منابر من نار يردون الناس على أعقابهم القهقري قال ولسنا نسمي أحدا وفي أخرى إنا لا نسمي الرجال بأسمائهم ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله رآى قوما على منبره يضلون الناس بعده عن الصراط القهقري وفي رواية اخرى قال رأيت الليلة صبيان بني امية يرقون على منبري هذا فقلت يا رب معي فقال لا ولكن بعدك وفي الكافي عن أحدهما عليهما السلام أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله يوما كئيبا حزينا فقال له علي عليه السلام ما لي أراك يا رسول الله كئيبا حزينا فقال وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني امية يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الأسلام القهقري فقلت يا رب في حياتي أو بعد موتي فقال بعد موتك. أقول: معنى هذا الخبر مستفيض بين الخاصة والعامة إلا أن العامة رووا تارة أنه رآى قوما من بني امية يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة فقال هو حظهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم وأخرى أن قرودا تصعد منبره وتنزل فساءه ذلك واغتم به. والقمي قال نزلت لما رأى النبي صلى الله عليه وآله في نومه كأن قرودا تصعد منبره فساءه ذلك وغمه غما شديدا فأنزل الله وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة لهم ليعمهوا (1) فيها والشجرة الملعونة كذا نزلت وهم بنو امية والعياشي عن الباقر عليه السلام وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة لهم ليعمهوا فيها والشجرة الملعونة في القرآن يعني بني امية ومضمرا أنه سئل عن هذه الاية فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله نام فرآى إن بني امية يصعدون منبره يصدون الناس كلما صعد منهم رجل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الذلة والمسكنة فاستيقظ جزوعا من ذلك فكان الذين رآهم إثنى عشر رجلا من بني أمية فأتاه جبرئيل بهذه الاية ثم قال جبرئيل إن بني امية لا يملكون شيئا إلا ملك أهل البيت ضعفيه. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث قال إن معاوية وابنه سيليانها بعد عثمان ثم يليها سبعة من ولد الحكم بن أبي العاص واحد بعد


1 - يقال عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيرا ومنه عامه وعمه اي متحير جائر عن الطريق فالعمه في الرأي خاصة م‍. (*)

[ 201 ]

واحد تكملة إثنى عشر إمام ضلالة وهم الذين رأى رسول الله صلى الله عليه وآله على منبره يردون الأمة على أدبارهم القهقر عشرة منهم من بني امية ورجلان أسسا ذلك لهم وعليهما أوزار هذه الأمة إلى يوم القيامة وفي مقدمة الصحيفة السجادية عن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذته نعسة (1) وهو على منبره فرآى في منامه رجالا ينزون على منبره نزو القردة يردون الناس على أعقابهم القهقري فاستوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا والحزن يعرف في وجهه فأتاه جبرئيل بهذه الاية وما جعلنا الرؤيا التى أريناك الاية يعني بني امية قال يا جبرئيل أعلى عهدي يكونون وفي زمني قال لا ولكن تدور رحى الأسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشرا ثم تدور رحى الأسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا ثم لابد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها ثم ملك الفراعنة قال وأنزل الله في ذلك إنا أنزلنه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ب ليلة القدر خير من ألف شهر تملكها بنو امية ليس فيها ليلة القدر قال فاطلع الله نبيه أن بني امية تملك سلطان هذه الامة وملكها طول هذه المدة فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن الله بزوال ملكهم وهم في ذلك مستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا أخبر الله نبيه بما يلقى أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وأهل مودتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم. أقول: وإنما اري صلى الله عليه وآله رد الناس عن الأسلام القهقرى لأن الناس كانوا يظهرون الأسلام وكانوا يصلون إلى القبلة ومع هذا كانوا يخرجون من الأسلام شيئا فشيئا كالذي يرتد عن الصراط السوي القهقرى ويكون وجهه إلى الحق حتى إذا بلغ غاية سعيه رآى نفسه في الجحيم. وفي الأحتجاج عن الحسن بن علي عليهما السلام في حديث أنه قال لمروان بن الحكم أما أنت يا مروان فلست أنا سببتك (2) ولا سببت أباك ولكن الله عز وجل لعنك ولعن أباك وأهل بيتك وذريتك وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان نبيه


1 - النعاس بالضم وأول النوم وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي العين ولا تصل الى القلب فإذا وصلت إليه كان نوما وقد نعست بالفتح انعس نعاسا ونعس ينعس من باب قتل ورجل ناعس اي وسنان م‍. 2 - سبه قطعه وطعنه في السبة اي الاست وشتمه سبا ق. (*)

[ 202 ]

محمد صلى الله عليه وآله وسلم والله يا مروان ما تنكر أنت ولا أحد ممن حضر هذه اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك ولأبيك من قبلك وما زادك الله يامروان بما خوفك إلا طغيانا كبيرا وصدق الله وصدق رسوله بقول الله تعالى والشجرة الملعونة في القرآن وخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا وأنت يا مروان وذريتك الشجرة الملعونة في القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث وجعل أهل الكتاب القائمين به والعالمين بظاهره وباطنه من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت وجعل أعدائها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الايات التي بينت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه. أقول: وفي قوله سبحانه فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا لطافة لا تخفي. (61) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد (1) لمن خلقت طينا قد سبق تفسيره. (62) قال أرأيتك هذا الذى كرمت على يعني أخبرني هذا الذي كرمته علي أي فضلته وإخترته علي لم إخترته علي وأنا خير منه فحذف للأختصار لئن أخرتن إلى يوم القيامة كلام مبتدأ واللام للقسم لاحتنكن (2) ذريته إلا قليلا أي لأستأصلنهم بالأغواء ولأستولين عليهم إلا قليلا لا أقدر أن اقاوم سكينتهم. (63) قال اذهب إمض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه


1 - فهو استفهام بمعنى الانكار اي كيف اسجد له وانا افضل منه واصلي اشرف من اصله وفي هذا دلالة على ان ابليس فهم من ذلك تفضيل آدم على الملائكة ولولا ذلك لما كان لامتناعه عن السجود وجه وانما جاز ان يأمرهم سبحانه بالسجود لادم ولم يجر ان يأمرهم بالعبادة له لان السجود يترتب في التعظيم بحسب ما يراد به وليس كذلك العبادد التي هي خضوع بالقلب ليس فوقه خضوع لانه يترتب في التعظيم لجنسه يبين ذلك انه لو سجد ساهيا لم يكن له منزلة في التعظيم على قياس غيره من افعال الجوارح م‍ ن. 2 - الاحتناك الاقتطاع من الاصل يقال احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم إذا استقصاه فاخذه كله واحتنك الجراد الزرع إذا اكله وقيل انه من قولهم حنك الدابة إذا جعل في حنكها الاسفل حبلا يقودها به م‍ ن. (*)

[ 203 ]

وقد سبق في هذا المعنى حديث في سورة الأعراف فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب جزاء موفورا مكملا. (64) واستفزز واستخف من استطعت منهم أن تستفزه والفز الخفيف بصوتك بدعائك إلى الفساد وأجلب عليهم وصح عليهم من الجلبة وهي الصياح بخيلك ورجلك بفرسانك وراجليك فأجسرهم عليهم تمثيل لتسلطه على من يغويه بمن صوت على قوم فاستفزهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده حتى إستأصلهم وشاركهم في الاموال بحملها على كسبها وجمعها من الحرام وانفاقها فيما لا ينبغي والاولاد. في الكافي والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذي (1) قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإن فتشته لم تجده إلا لغية (2) أو شرك شيطان قيل يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان فقال أما تقرء قول الله عز وجل وفي الاموال والاولاد. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قرء هذه الاية ثم قال إن الشيطان ليجئ حتى يقعد من المرأة كما يقعد الرجل منها ويحدث كما يحدث وينكح كما ينكح قيل بأي شئ يعرف ذلك قال بحبنا وبغضنا فمن أحبنا كان نطفة العبد ومن أبغضنا كان نطفة الشيطان. وعنه عليه السلام إن ذكر إسم الله تعالى تنحى الشيطان وإن فعل ولم يسم أدخل ذكره وكان العمل منهما جميعا والنطفة واحدة. وعنه عليه السلام إنه سئل عن النطفتين اللتين للادمي والشيطان إذا اشتركا فقال ربما خلق من أحدهما وربما خلق منهما جميعا.


1 - البذي كرضي الرجل الفاحش وبذوت عليهم وابذيتهم من البذاء وهو الكلام القبيح ق. 2 - قال المصنف ره في الوافي بيان لغية بكسر المعجمة وتشديد المثناة التحتانية الزنا يقال فلان لغية في مقابلة فلان لرشدة بكسر الراء ومعنى مشاركة الشيطان للانسان في الاموال حمله اياه على تحصيلها من الحرام وانفاقها فيما لا يجوز وعلى ما لا يجوز من الاسراف والتقتير والبخل والتبذير ومشاركته في الاولاد ادخاله معه في النكاح إذا لم يسم الله والنطفة واحدة. (*)

[ 204 ]

والقمي قال ما كان من مال حرام فهو شرك الشيطان فإذا إشترى به الأماء ونكحهن وولد له فهو شرك الشيطان كل ما تلد منه ويكون مع الرجل إذا جامع ويكون الولد من نطفته ونطفة الرجل إذا كان حراما. والعياشي عن الباقر عليه السلام مثله. وعنه عليه السلام إذا زنى الرجل أدخل الشيطان ذكره ثم عملا جميعا ثم يختلط النطفتان فيخلق الله منهما فيكون شرك الشيطان والأخبار في هذا المعنى كثيرة وعدهم (1) المواعيد الكاذبة كشفاعة الالهة وتأخير التوبة لطول الأمل وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إعتراض والغرور تزيين الخطإ بما يوهم أنه صواب. (65) إن عبادي يعني المخلصين بقرينة الأضافة إلى نفسه ولقوله إلا عبادك منهم المخلصين ليس لك عليهم سلطان أي لا تقدر أن تغويهم لأنهم لا يغترون بك وكفي بربك وكيلا لهم يتوكلون عليه في الأستعاذة منك فيحفظهم من شرك. العياشي مضمرا في هذه الاية نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ونحن نرجو أن تجري لمن أحب الله من عباده. في نهج البلاغة فاحذروا عدو الله أن يغويكم بداءه وأن يستفزكم بخيله ورجله قال فلعمر الله لقد فخر على أصلكم ووقع في حسبكم ودفع في نسبكم وأجلب بخيله عليكم وقصد برجله سبيلكم يقتنصونكم (2) بكل مكان ويضربون منكم كل بنان لا تمتنعون بحيلة ولا تدفعون بعزيمة في حومة ذل وحلقة ضيق وعرصة موت وجولة بلاء. (66) ربكم الذى يزجى هو الذي يجري لكم الفلك في البحر (3) لتبتغوا من فضله الريح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم إنه كان بكم رحيما حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل لكم ما تعسر من أسبابه. (67) وإذا مسكم الضر في البحر خوف الغرق ضل من تدعون ذهب عن


1 - وهذا زجر وتهديد في صورة الامر م‍. 2 - قنصه يقنصه صاده ق. 3 - بما خلق الرياح وبإن جعل الماء على وجه يمكن جري السفن فيه لتبتغوا من فضله اي لتطلبوا من فضل الله تعالى بركوب السفن على وجه الماء فيما فيه صلاح دنياكم من التجارة أو صلاح دينكم من الغزو مجمع البيان. (*)

[ 205 ]

خواطركم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده فلا ترجون هناك النجاة إلا من عنده وقد سبق في هذا المعنى حديث في سورة الفاتحة فلما نجيكم من الغرق إلى البر أعرضتم عن التوحيد وإتسعتم في كفران النعمة وكان الانسان كفورا كالتعليل للأعراض. (68) أفأمنتم أنجوتم من الغرق فأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أن يقلبه الله وأنتم عليه فإن من قدر أن يهلككم في البحر بالغرق قدر أن يهلككم في البر بالخسف وغيره وقرئ بالنون فيه وفي الأربعة التي بعده وفي ذكر الجانب تنبيه على أنهم كما وصلوا إلى الساحل كفروا وأعرضوا أو يرسل عليكم حاصبا ريح تحصب أي ترمي بالحصاة ثم لا تجدوا لكم وكيلا يحفظكم من ذلك فإنه لا راد لفعله. (69) أم أمنتم أن يعيدكم فيه في البحر تارة أخرى بتقوية دواعيكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر فيرسل عليكم قاصفا من الريح التي لا تمر بشئ إلا قصفته أي كسرته. القمي عن الباقر عليه السلام هي العاصف فيغرقكم بما كفرتم بسبب إشراككم أو كفرانكم نعمة الأنجاء ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا مطالبا يتبعنا بانتصار أو صرف. (70) ولقد كرمنا بنى آدم بالعقل والمنطق والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد والتسلط على ما في الأرض وتسخير سائر الحيوانات والتمكن إلى الصناعات إلى غير ذلك مما لا يحصى وحملنهم في البر والبحر على الدواب والسفن ورزقناهم من الطيبات المستلذات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا في الأمالي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية يقول فضلنا بني آدم على سائر الخلق وحملنهم في البر والبحر يقول على الرطب واليابس ورزقناهم من الطيبت يقول من طيبات الثمار كلها وفضلناهم يقول ما من دابة ولا طائر إلا وهي تأكل وتشرب بفيها لا ترفع بيدها إلى فيها طعاما ولا شرابا إلا ابن آدم فإنه يرفع إلى فيه بيده طعامه فهذا من التفضيل.

[ 206 ]

والعياشي عن الباقر عليه السلام وفضلناهم على كثير قال خلق كل شئ منكبا غير الأنسان خلق منتصبا. والقمي عنه عليه السلام إن الله لا يكرم روح كافر ولكن الله يكرم أرواح المؤمنين وإنما كرامة النفس والدم بالروح والرزق الطيب هو العلم وعن أمير المؤمنين عليه السلام في صورة الادميين إنها أكرم صورة على الله. (71) يوم ندعوا كل أناس بإمامهم بمن ائتموا به من نبي أو وصي أو شقي. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال بإمامهم الذي بين أظهرهم وهو قائم أهل زمانه. والقمي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال يجئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قومه وعلي عليه السلام في قومه والحسن عليه السلام في قومه والحسين عليه السلام في قومه وكل من مات بين ظهراني قوم جاؤوا معه. والعياشي ما يقرب من معناه. وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام لما نزلت هذه الاية قال المسلمون يا رسول الله ألست إمام الناس كلهم أجمعين فقال أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي يقومون في الناس فيكذبون ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم فمن والاهم وإتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني ألا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وأنا منه برئ. وفي المجالس عن الحسين عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها هؤلاء في الجنة وهؤلاء إلى النار وهو قوله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير. والعياشي عن الصادق عليه السلام سيدعى كل اناس بإمامهم أصحاب الشمس بالشمس وأصحاب القمر بالقمر وأصحاب النار بالنار وأصحاب الحجارة بالحجارة.

[ 207 ]

وفي المحاسن عنه عليه السلام أنتم والله على دين الله ثم تلا هذه الاية ثم قال علي عليه السلام إمامنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمامنا وكم من إمام يجئ يوم القيامة يلعن أصحابه ويلعنونه. وفي المجمع عنه عليه السلام ألا تحمدون الله إذا كان يوم القيامة فدعى كل قوم إلى من يتولونه وفزعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفزعتم إلينا فإلى أين ترون أين تذهب بكم إلى الجنة ورب الكعبة قالها ثلاثا فمن أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم مبتهجين بما يرون فيه ولا يظلمون فتيلا ولا ينقصون من اجورهم أدنى شئ والفتيل المفتول الذي في شق النواة. (72) ومن كان في هذه أعمى أعمى القلب لا يبصر رشده ولا يهتدي إلى طريق النجاة فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا لا يهتدي إلى طريق الجنة. في التوحيد عن الباقر عليه السلام في هذه الاية من لم يدله خلق السموات والأرض وإختلاف الليل والنهار ودوران الفلك والشمس والقمر والايات العجيبات على أن وراء ذلك أمر أعظم منه فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا. وفي العيون عن الرضا عليه السلام إياك وقول الجهال من أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جل وتقدس موجود في الاخرة للحساب والثواب والعقاب وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود لله عز وجل نقص وإهتضام لم يوجد في الاخرة أبدا ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون وذلك قوله عز وجل من كان في هذه أعمى فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا يعني أعمى عن الحقائق الموجودة. وفي الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام أشد العمى من عمي من فضلنا وناصبنا العداوة بلا ذنب سبق إليه منا إلا أن دعوناه إلى الحق ودعاه من سوانا إلى الفتنة والدنيا فأتاهما ونصب البراءة منا والعداوة. وفي الكافي والعياشي والقمي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية

[ 208 ]

فقال ذلك الذي يسوف نفسه الحج يعني حجة الأسلام حتى يأتيه الموت. (73) وإن كادوا ليفتنونك قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة بالأستنزال عن الذى أوحينا إليك أي عن حكمه لتفتري علينا غيره غير ما أوحينا إليك. القمي قال يعني في أمير المؤمنين عليه السلام. والعياشي ما في معناه في الاية الاتية وإذا لاتخذوك خليلا ولو اتبعت مرادهم لأظهروا خلتك. القمي يعني لاتخذوك صديقا لو أقمت غيره. (74) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم. العياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال لما كان يوم الفتح أخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصناما من المسجد وكان منها صنم على المروة وطلبت إليه قريش أن يتركه وكان مسخا فهم بتركه ثم أمر بكسره فنزلت. وفي المجمع قيل لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا. (75) إذا لاذقناك ضعف الحيوة وضعف الممات قيل أي عذاب النار وعذاب الاخرة ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير أخطر وكان أصل الكلام عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات يعني مضاعفا فاقيمت الصفة مقام الموصوف وأضيفت كما يضاف موصوفها ثم لا تجد لك علينا نصيرا يدفع عنك. في العيون عن الرضا عليه السلام في حديث المأمون في عصمة الأنبياء حيث سأله عن قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم قال هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة خاطب الله تعالى بذلك نبيه والمراد به امته وكذلك قوله عز وجل لئن أشركت ليحبطن

[ 209 ]

عملك ولتكونن من الخاسرين وقوله تعالى لولا أن ثبتنك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام ما عاتب الله نبيه فهو يعني به من قد مضى في القرآن مثل قوله ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا عنى بذلك غيره. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الزنديق الذي سأله عن أشياء من القرآن وكان في جملة ما سأل عنه عليه السلام هذه الاية وأما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأزراء به والتأنيب له مع ما أظهره الله تعالى من تفضيله إياه على سائر أنبيائه فإن الله جعل لكل نبي عدوا من المشركين ثم ذكر عليه السلام مساعي أعدائه في تغيير ملته وتحريف كتابه الذي جاء به وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل وكفر ذوي الكفر منه وتركهم منه ما قدروا أنه لهم وهو عليهم وزيادتهم فيه ما ظهر به تناكره وتنافره ثم قال والذي بدا في الكتاب من الأزراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فرية الملحدين وقد مضى هذا الحديث على وجهه وبيان الحديث السابق عليه المروي من الكافي والعياشي في المقدمة السادسة من هذا الكتاب مع ما هو التحقيق في هذا الباب. (76) وإن كادوا ليستفزونك ليزعجونك بمعاداتهم من الارض. القمي يعني أهل مكة ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا يعني لو خرجت لا يبقون بعد خروجك إلا زمانا قليلا. القمي يعني حتى قتلوا ببدر قيل وكان ذلك بعد الهجرة بسنة وقرئ خلفك. (77) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا أي سن الله ذلك سنة وهو أن يهلك كل امة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم ولا تجد لسنتنا تحويلا تغييرا. (78) أقم الصلوة لدلوك الشمس لزوالها إلى غسق الليل إلى ظلمته وهي انتصافه وقرآن الفجر صلاته إن قرآن الفجر كان مشهودا بملائكتي الليل والنهار.

[ 210 ]

وفي الكافي والفقيه والتهذيب والعياشي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عما فرض الله من الصلوة فقال خمس صلوات في الليل والنهار فقيل هل سماهن وبينهن في كتابه فقال نعم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق اليل ودلوكها زوالها ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن وغسق الليل إنتصافه ثم قال وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا فهذه الخامسة. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن أفضل المواقيت في صلوة الفجر فقال مع طلوع الفجر إن الله يقول وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا يعني صلوة الفجر يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار فإذا صلى العبد الصبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرتين أثبتها له ملائكة الليل وملائكة النهار. والعياشي عنهما عليهما السلام في هذه الاية قال جمعت الصلوة كلهن ودلوك الشمس زوالها وغسق الليل إنتصافه. وقال إنه ينادي مناد من السماء كل ليلة إذا إنتصف الليل من رقد عن صلاة العشاء إلى هذه الساعة فلا نامت عيناه وقرآن الفجر قال صلاة الصبح وأما قوله كان مشهودا قال تحضره ملائكة الليل والنهار وفي معنى هذه الأخبار أخبار كثيرة. (79) ومن اليل فتهجد به وبعض الليل فاترك الهجود للصلاة بالقرآن نافلة لك فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة. في التهذيب عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن النوافل فقال فريضة ففزع السامعون فقال عليه السلام إنما أعني صلوة الليل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله يقول ومن الليل فتهجد به نافلة لك في الخصال فيما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا يا علي ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا لقاء الأخوان والأفطار من الصيام والتهجد في آخر الليل. وفي العلل عن الصادق عليه السلام عليكم بصلوة الليل فإنها سنة نبيكم ودأب الصالحين قبلكم ومطردة الداء عن أجسادكم.

[ 211 ]

وعن السجاد عليه السلام إنه سئل ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجها قال لأنهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره والأخبار في فضل صلوة الليل لا تحصى تطلب من مواضعها عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث يذكر فيه أهل المحشر ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المقام المحمود فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن عليه أحد قبله ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة يبدأ بالصديقين والشهداء ثم بالصالحين فيحمده أهل السموات وأهل الأرض فذلك قوله عز وجل عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فطوبى لمن كان له في ذلك اليوم حظ ونصيب وويل لمن لم يكن له في ذلك اليوم حظ ولا نصيب. والعياشي عن أحدهما عليهما السلام في قوله عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال هي الشفاعة. وفي روضة الواعظين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو المقام الذي أشفع لامتي قال وقال صلى الله عليه وآله وسلم إذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من امتي فيشفعني الله فيهم والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي. والقمي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو قد قمت المقام المحمود تشفعت في أبي وامي وعمي وأخ لي كان في الجاهلية. وعنه عليه السلام إنه سئل عن شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة فقال أملج الناس يوم القيامة العرق فيقولون إنطلقوا بنا إلى آدم يشفع لنا فيأتون آدم فيقولون له إشفع لنا عند ربك فيقول إن لي ذنب وخطيئة فعليكم بنوح فيأتون نوحا فيردهم إلى من يليه ويردهم كل نبي إلى من يليه حتى ينتهوا إلى عيسى عليه السلام فيقول عليكم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله فيعرضون أنفسهم عليه ويسألونه فيقول إنطلقوا فينطلق بهم إلى باب الجنة ويستقبل باب الرحمن ويخر ساجدا فيمكث ما شاء الله فيقول إرفع رأسك وإشفع تشفع وسل تعط وذلك قوله تعالى

[ 212 ]

عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. والعياشي عنه وعن الكاظم عليهما السلام ما يقرب منه وعن الصادق عليه السلام حديثا في ذلك فيه بسط وتفصيل لهذا المعنى يطلب منه. (80) وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا حجة تنصرني. القمي نزلت يوم فتح مكة لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخولها أنزل الله قل يا محمد أدخلني مدخل صدق الاية وقيل أي أدخلني في جميع ما أرسلتني به إدخالا مرضيا وأخرجني إخراجا مرضيا يحمد عاقبته. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكرا قال نعم قيل ما هو قال يحمد الله على كل نعمة عليه في أهل ومال وإن كان فيما أنعم عليه في ماله حق أداه ومنه قوله تعالى سبحان الذى سخر لنا هذا الاية وقوله رب أنزلنى منزلا مباركا الاية وقوله رب أدخلني مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق الاية. وفي المحاسن عنه عليه السلام إذا دخلت مدخلا تخافه فاقرأ هذه الاية رب أدخلني مدخل صدق الاية وإذا عاينت الذي تخافه فاقرأ آية الكرسي. (81) وقل جاء الحق وزهق الباطل جاء الأسلام وذهب الشرك إن الباطل كان زهوقا مضمحلا. في الأمالي عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة والأصنام حول الكعبة وكانت ثلاثمائة وستين صنما فجعل يطعنها بمخصرة في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وما يبدئ الباطل وما يعيد فجعلت تنكب لوجهها. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل.

[ 213 ]

وفي الخرائج عن حكيمة لما ولد القائم كان نظيفا مفروغا منه وعلى ذراعه الأيمن مكتوب جاء الحق الاية. (82) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين في معانيه شفاء الأرواح وفي ألفاظه شفاء الأبدان ولا يزيد الظالمين إلا خسارا لتكذيبهم وكفرهم به (1). العياشي عن الصادق عليه السلام في حديث مر صدره في سورة النحل إنما الشفاء في علم القرآن لقوله وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة لأهله لا شك فيه ولا مرية وأهله أئمة الهدى الذين قال الله ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. وعن الباقر عليه السلام نزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يزيد الظالمين آل محمد حقهم إلا خسارا في طب الأئمة عن الصادق عليه السلام ما اشتكى أحد من المؤمنين شكاية قط وقال بإخلاص نية ومسح موضع العلة وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا إلا عوفي من تلك العلة أية علة كانت ومصداق ذلك في الاية حيث يقول شفاء ورحمة للمؤمنين. وعنه عليه السلام لا بأس بالرقية (2) والعوذة والنشرة إذا كانت من القرآن ومن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله وهل شئ أبلغ من هذه الأشياء من القرآن أليس الله يقول وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. (83) وإذا أنعمنا على الانسان بالصحة والسعة أعرض عن ذكر الله ونأى بجانبه لوى عطفه وبعد بنفسه عنه كأنه مستغن مستبد بأمره 481 وإذا مسه الشر من مرض أو فقر كان يؤسا شديد اليأس من روح الله. (84) قل كل يعمل على شاكلته على ما تشاكل حاله في الهدى والضلالة فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا.


1 - ويحتمل ان يريد ان القرآن يظهر حيث سرائرهم وما يأتمرون به من الكيد والمكر بالنبي فيفتضحون بذلك م‍ ن. 2 - الرقية بالضم العوذة والنشرة بالضم رقية يعالج بها المجنون والمريض ق. (*)

[ 214 ]

في الكافي عن الصادق عليه السلام النية أفضل من العمل ألا وإن النعمة هي العمل ثم تلا قل كل يعمل على شاكلته يعني على نيته. وفيه والعياشي عنه عليه السلام إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء ثم تلا قل كل يعمل على شاكلته. وفي الفقيه والتهذيب والعياشي عنه عليه السلام إنه سئل عن الصلوة في البيع والكنايس فقال صل فيها قلت أصلي فيها وإن كانوا يصلون فيها قال نعم أما تقرأ القرآن قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا صل إلى القبلة ودعهم. (85) ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى. في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مع الأئمة عليهم السلام وهو من الملكوت. والعياشي عنه عليه السلام أنه سئل عنها فقال خلق عظيم أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد صلى الله عليه وآله ومع الأئمة يسددهم وليس كلما طلب وجد وعنهما عليهما السلام في هذه الاية إنما الروح خلق من خلقه له نصر وقوة وتأييد يجعله في قلوب المؤمنين والرسل وعن أحدهما عليهما السلام في هذه الاية سئل ما الروح قال التي في الدواب والناس قيل وما هي قال هي من الملكوت من القدرة. أقول: قد سبق تمام الكلام في معنى الروح في سورة الحجر فلا نعيده وما ذكر في الأخبار أخبار عما يتميز به عن غيره وما أبهم في الاية حقيقته فلا منافاة وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

[ 215 ]

القمي إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الروح فقال الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا قالوا نحن خاصة قال بل الناس عامة قالوا فكيف يجتمع هذان يا محمد تزعم إنك لم تؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتيت القرآن وأوتينا التوراة وقد قرأت ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا فأنزل الله ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمت الله يقول علم الله أكثر من ذلك وما أوتيتم كثير فيكم قليل عند الله. والعياشي عن الباقر عليه السلام في قول الله وما أوتيتم من العلم إلا قليلا قال تفسيرها في الباطن أنه لم يؤت العلم إلا اناس يسير فقال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا منكم. وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام في حديث قال ووصف الذين لم يؤتوا من الله فوائد العلم فوصفوا ربهم بأدنى الأمثال وشبهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به فلذلك قال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فليس له شبه ولا مثل ولا عدل. (86) ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن المصاحف والصدور ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (1) من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا مستورا. (87) إلا رحمة من ربك إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك إن فضله كان عليك كبيرا (2). (88) قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في البلاغة وحسن النظم وجزالة (3) المعنى لا يأتون بمثله وفيهم العرباء وأرباب البيان


1 - اي لو فعلنا ذلك لم تجد علينا وكيلا يستوي ذلك منا وقيل معناه ولو شئنا لمحونا هذا القرآن من صدرك وصدر امتك حتى لا يوجد له اثر ثم لا تجد حفيظا يحفظه عليك ويحفط ذكره على قلبك. 2 - عظيما إذا اختارك للنبوة وخصك بالقرآن فقابله بالشكر وقال ابن عباس يريد حيث جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين واعطاك المقام المحمود. 3 - الجزل الكثير من الشئ الجزيل جمع كجبال والكريم المعطاء والعاقل الاصيل الرأي وهي جزلة وجزلاء وخلاف لركيك من الالفاظ جزل كفرح وهو اجزل وهي جزلاء ككرم وعظم وفلان صار ذا رأي جيد. (*)

[ 216 ]

وأهل التحقيق ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ولو تظاهروا على الأتيان به. في العيون عن أمير المؤمنين عليه السلام إن الله تعالى نزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب ثم قال قل لئن اجتمعت الاية. وفي الخرايج في اعلام الصادق عليه السلام إن ابن أبي العوجاء وثلاثة نفر من الدهرية إتفقوا على أن يعارض كل واحد منهم ربع القرآن وكانوا بمكة وعاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل فلما حال الحول واجتمعوا في مقام إبراهيم عليه السلام قال أحدهم إني لما رأيت قوله يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء كففت عن المعارضة وقال الاخر وكذا أنا لما وجدت قوله فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا أيست عن المعارضة وكانوا يسترون ذلك إذ مر عليهم الصادق عليه السلام فإلتفت إليهم وقرأ عليهم قل لئن اجتمعت الانس والجن الاية فبهتوا. (89) ولقد صرفنا كررنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان للناس في هذا القرآن من كل مثل يعني من كل معنى كالمثل في غرابته ووقوعه موقعا في الأنفس فأبى أكثر الناس إلا كفورا إلا جحودا. في الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام نزل جبرئيل بهذه الاية هكذا فأبى أكثر الناس بولاية علي عليه السلام إلا كفورا. (90) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا عينا قالوه عنادا ولجاجا وتعنتا وإقتراحا بعد ما لزمتهم الحجة ببيان إعجاز القرآن وإنضمام غيره من المعجزات إليه. (91) أو تكون لك جنة بستان من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا. (92) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا قطعا يعنون قوله تعالى وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم وقرئ بفتح السين أو تأتى بالله

[ 217 ]

والملائكة قبيلا كثيرا أو مقابلا أي وهم مقابلون لنا نشاهدهم ونعاينهم. (93) أو يكون لك بيت من زخرف من ذهب وأصله الزينة أو ترقى في السماء في معارجها ولن نؤمن لرقيك لصعودك وحدك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه فيه تصديقك قل سبحان ربى تنزيها لله من أن يتحكم عليه أحد ويأتي بما يقترحه الجهال وقرء قال أي الرسول هل كنت إلا بشرا رسولا كسائر الرسل وقد كانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الايات على ما يلائم حال قومهم وليس أمر الايات إلي إنما هو إلى الله وهو العالم بالمصالح فلا وجه لطلبكم إياها مني. القمي عن الباقر عليه السلام ينبوعا أي عينا لك جنة أي بستان تفجيرا أي من تلك العيون كسفا وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إنه سيسقط من السماء كسفا لقوله وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم قال والقبيل الكثير والزخرف الذهب كتابا يقرؤه يقول من الله إلى عبد الله بن أبي أمية إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم صادق وإني أنا بعثته ويجيئ معه أربعة من الملائكة يشهدون أن الله هو كتبه فأنزل الله قل سبحان ربى الاية. وفي الأحتجاج وتفسير الأمام عليه السلام في سورة البقرة عند قوله سبحانه أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل عن أبيه عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء (10) الكعبة إذا اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل السهمي وعبد الله بن أبي امية المخزومي وكان معهم جمع ممن يليهم كثير ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ويؤدى إليهم عن الله أمره ونهيه فقال المشركون بعضهم لبعض لقد


1 - فناء الدار ككساء ما اتسع من امامها ج افنية وفنى ق. (*)

[ 218 ]

استفحل (1) أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعظم خطبه (2) فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته (3) وتوبيخه والأحتجاج عليه وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه ويصغر قدره عندهم ولعله ينزع (4) عما هو فيه من غيه (5) وباطله وتمرده (6) وطغيانه (7) فإن إنتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر قال أبو جهل فمن الذي يلي كلامه ومجادلته قال عبد الله بن أبي امية المخزومي أنا إلى ذلك أفما ترضاني له قرنا (8) حسيبا (9) ومجادلا كفيا قال أبو جهل بلى فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أبي امية فقال يا محمد لقد إدعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هايلا زعمت أنك رسول رب العالمين وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسولا له بشرا مثلنا يأكل كما نأكل ويمشي في الأسواق كما نمشي فهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير مال عظيم خطر له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث الينا ملكا لا بشرا مثلنا ما أنت يا محمد إلا رجلا مسحورا ولست بنبي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل بقي من كلامك شئ فقال بلى لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من بيننا مالا وأحسنه حالا فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم إما الوليد بن المغيرة بمكة وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل بقي من كلامك شئ فقال بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا بمكة هذه فإنها


1 - حفل القوم واحتفلوا اي اجتمعوا واحتشدوا ص. 2 - وهذا خطب جليل اي امر عظيم وجل الخطب عظم الامر والشأن م‍. 3 - التبكيت كالتقريع والتعنيف وبكته بالحجة غلبه ص. 4 - نزع عن الامر نزعا اي انتهى عنها ص. 5 - غوى يغوي غيا وغواية ولا يكسر فهو غاو وغوي وغيان ضل وغواه غيره واغواه وغواه ق. 6 - مرد كنصر وكرم مرودا ومرادة فهو مارد ومريد ومتمرد اقدم وعتا أو هو ان يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف ج مردة ومرداء ومرده قطعه وفرق عرضه. 7 - طغى كرضي طغيا وطغيانا بالضم والكسر جاوز القدر وارتفع وغلا في الكفر واسرف في المعاصي والظلم ق. 8 - القرن مثلك في السن تقول هو على قرني اي على سني ص. 9 - حسبك الله اي انتقم الله عنك وكفي بالله حسيبا اي محاسبا أو كافيا ق. (*)

[ 219 ]

ذات حجارة وعرة (1) وجبال تكشح (2) أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فإنك قلت لنا وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فلعلنا نقول ذلك ثم قال أو تأتى بالله والملائكة قبيلا تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا به فلعلنا نطغى فإنك قلت لنا كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى ثم قال أو ترقى في السماء أي تصعد في السماء ولن نؤمن لرقيك لصعودك حتى تنزل علينا كتبا نقرؤه من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أبي امية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه رسولي وصدقوه في مقاله فإنه من عندي ثم لا أدري يا محمد إذا فعلت هذا كله أؤمن بك أو لا أؤمن بك بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا إنما سكرت أبصارنا وسحرتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أبقي شئ من كلامك يا عبد الله قال أو ليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ ما بقي شئ وقل ما بدا لك وأفصح عن نفسك إن كانت لك حجة وآتنا بما سألناك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم أنت السامع لكل صوت والعالم بكل شئ تعلم ما قاله عبادك فأنزل الله عليه ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق إلى قوله قصورا وأنزل عليه يا محمد فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك الاية وأنزل عليه يا محمد وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر الاية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما ما ذكرت من إني آكل الطعام كما تأكلون وساق الحديث كما يأتي في سورة الفرقان إن شاء الله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما قولك هذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم


1 - الوعر ضد السهل كالوعر والواعر والوعير والاوعر ق. 2 - كشحه على الامر اضمره وستره. (*)

[ 220 ]

عبيده فإن الله له التدبير والحكم لا يفعل على ظنك ولا حسبانك ولا بإقتراحك بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو محمود يا عبد الله إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى ربهم ويكد نفسه في ذلك إناء الليل ونهاره فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم يسترونه على الناس أليس كانت الرسالة تضيع والأمور تتباطأ أو ما ترى الملوك إذا إحتجبوا كيف يجري القبايح والفساد من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون يا عبد الله إنما بعثني الله ولا مال لي ليعرفكم قدرته وقوته وأنه هو الناصر لرسوله لا تقدرون على قتله ولا منعه من رسالته وهذا أبين في قدرته وفي عجزكم وسوف يظفرني الله بكم فاوسعكم قتلا وأسرا ثم يظفرني الله ببلادكم ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على دينكم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما قولك لي ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده وساق الحديث كما مضى في سورة الأنعام ثم ساق الحديث بما يأتي في سورة الفرقان والزخرف ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما قولك لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا إلى آخر ما قلته فإنك إقترحت على محمد رسول الله رب العالمين أشياء منها لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ورسول الله يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بمالا حجة فيه ومنها لو جاءك به لكان معه هلاكك وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الأيمان بما لا يهلكون بها وإنما إقترحت هلاكك ورب العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم بما يقترحون ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع معاذيرك ويضيق عليك سبيل مخالفته ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص ومنها ما قد إعترفت على نفسك إنك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان ومن كان كذلك فدواؤه عذاب النار النازل من سمائه أو في جحيمه أو بسيوف أوليائه. وأما قولك يا عبد الله لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا بمكة هذه فإنها ذات أحجار وصخور وجبال تكشح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون فإنك سألت هذا وأنت

[ 221 ]

جاهل بدلايل الله يا عبد الله أرأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيا أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكشحتها فأجريت فيها عيونا إستنبطتها قال بلى قال وهل لك فيها نظراء قال بلى قال أفصرت بذلك أنت وهم أنبياء قال لا قال فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لو فعله على نبوته فما هو إلا كقولك لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الأرض أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس وأما قولك يا عبد الله أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا فتفجر الانهار خلالها تفجيرا أو ليس لك ولأصحابك جنان من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيرا أفصرتم أنبياء بهذا قال لا قال فما بال إقتراحكم على رسول الله أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه بل لو تعاطاها لدل تعاطيه إياها على كذبه لأنه حينئذ يحتج بما لا حجة فيه ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا عبد الله وأما قولك أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فإنك قلت وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فإن في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم وإنما تريد بهذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يهلكك ورسول رب العالمين أرحم بك من ذلك ولا يهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب إقتراح عباده لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح وبما لا يجوز منه وبالفساد وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعها لو كان إلى اقتراحاتهم لجاز أن تقترح أنت أن تسقط السماء عليكم ويقترح غيرك أن لا يسقط عليكم السماء بل أن يرفع الأرض إلى السماء ويقع عليها وكان ذلك يتضاد ويتنافي ويستحيل وقوعه والله لا يجري تدبيره على ما يلزمه المحال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهل رأيت يا عبد الله طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب إقتراحاتهم وإنما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه أحبه العليل أو كرهه فأنتم المرضى والله طبيبكم فإن أنفذتم لدوائه شفاكم وإن تمردتم عليه أسقمكم وبعد

[ 222 ]

فمتى رأيت يا عبد الله مدعى حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب إقتراح المدعي عليه إذا ما كان يثبت لأحد على أحد دعوى ولا حق ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا صادق ولا كاذب فرق ثم قال يا عبد الله وأما قولك أو تأتي بالله والملائكة قبيلا يقابلوننا ونعانيه فإن هذا من المحال الذي لا خفاء فيه إن ربي عز وجل ليس كالمخلوقين يجئ ويذهب ويتحرك ويقابل شيئا حتى يؤتى به فقد سألتم بهذا المحال وإنما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم ولا تغني عنكم شيئا ولا عن أحد يا عبد الله أو ليس لك ضياع وجنان [ خيال ] بالطائف وعقار بمكة وقوام عليها قال بلى قال أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك قال بسفراء قال أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك وخدمك لسفرائك لا نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبد الله ابن أبي امية فنشاهده فتسمع [ ونسمع خ ل ] ما تقولون عنه شفاه أكنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك قال لا قال فما الذي يجب على سفراءك أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم قال بلى قال يا عبد الله أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك فقال قم معي فإنهم قد إقترحوا علي مجيئك أليس يكون هذا لك مخالفا وتقول له إنما أنت رسول لا مشير ولا آمر قال بلى قال فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا يسوغ أكرتك ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم فكيف أردت من رسول رب العالمين أن يستذم إلى ربه بأن يأمر عليه وينهى وأنت لا تسوغ مثل ذلك لرسول لك إلى أكرتك وقوامك هذه حجة قاطعة لأبطال جميع ما ذكرته في كل ما إقترحته. أما قولك يا عبد الله أو يكون لك بيت من زخرف وهو الذهب أما بلغك أن لعزيز مصر بيوتا من زخرف قال بلى قال أفصار بذلك نبيا قال لا قال فكذلك لا يوجب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لو كان له نبوة ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله وأما قولك يا عبد الله أو ترقى في السماء ثم قلت ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه يا عبد الله الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها

[ 223 ]

وإذا اعترفت على نفسك إنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول ثم قلت حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ومن بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أو لا أؤمن بك فأنت يا عبد الله مقر بأنك تعاند بعد حجة الله عليك فلا دواء لك إلا تأديبه على يد أوليائه من البشر أو ملائكته الزبانية وقد أنزل الله تعالى علي كلمة جامعة لبطلان كل ما إقترحته فقال الله تعالى قل يا محمد سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا ما أبعد ربي أن يفعل الأشياء على قدر ما يقترحه الجهال بما يجوزوبما لا يجوز وهل كنت إلا بشرا رسولا لا يلزمني إلا إقامة حجة الله التي أعطاني وليس لي أن آمر على ربي ولا أنهى ولا أشير فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه. (94) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا وما منعهم الأيمان بعد ظهور الحق إلا إنكارهم أن يرسل الله بشرا. (95) قل جوابا لشبهتهم لو كان في الارض ملائكة يمشون كما يمشي بنو آدم مطمئنين ساكنين فيها لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا لتمكنهم من الأجتماع به والتلقي عنه وأما الأنس فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس وليس إلا لمن يصلح للنبوة. (96) قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم على إني رسول إليكم وإني قد قضيت ما علي من التبليغ إنه كان بعباده خبيرا بصيرا بعلم أحوالهم الباطنة والظاهرة فيجازيهم عليه وفيه تسلية للرسول وتهديد للكفار. (97) ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه يهدونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا قال يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة

[ 224 ]

والعياشي عن أحدهما عليهما السلام على وجوههم قال على جباههم عميا وبكما وصما لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما ينفعهم ويقبل منهم لأنهم في الدنيا لم يستبصروا بالايات والعبر وتصاموا عن إستماع الحق وأبوا أن ينطقوا به مأويهم جهنم كلما خبت انطفت بأن أكلت جلودهم ولحومهم زدناهم سعيرا توقدا بأن نبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة متسعرة بهم كأنهم لما كذبوا بالأعادة بعد الأفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الأعادة والأفناء وإليه أشار بقوله. (98) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا أي فنفنيهم ونعيدهم ليزيد ذلك تحسرهم على التكذيب بالبعث. القمي والعياشي عن السجاد عليه السلام إن في جهنم واديا يقال له السعير إذا خبت جهنم فتح سعيرها وهو قوله تعالى كلما خبت زدناهم سعيرا أي كلما انطفت. (99) أو لم يروا أو لم يعلموا أن الله الذى خلق السموات والارض قادر على أن يخلق مثلهم فانهم ليسوا أشد خلقا منهن كما قال ءأنتم أشد خلقا أم السماء ولا الأعادة أصعب عليه من الأبداء كما قال بل هو أهون عليه وجعل لهم أجلا لا ريب فيه هو الموت القيامة فأبى الظالمون مع وضوح الحق إلا كفورا إلا جحودا. (100) قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى خزائن أرزاق الله ونعمه على خلقه إذا لامسكتم خشية الانفاق لبخلتم مخافة النفاد بالأنفاق إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه ولو آثر غيره بشئ فإنما يؤثره بعوض يفوقه فلا جواد إلا الله الذي يعطي بغير عوض وكان الانسان قتورا بخيلا لأن بناء أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما يبذل. القمي في هذه الاية قال لو كانت الأمور بيد الناس لما أعطوا الناس شيئا مخافة الفناء وكان الانسان قتورا أي بخيلا. (101) ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات.

[ 225 ]

في الخصال عن الصادق عليه السلام هي الجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان والبحر والحجر والعصا ويده. والعياشي عن الباقر عليه السلام والقمي مثله. وفي قرب الأسناد عن الكاظم عليه السلام وقد سأله نفر من اليهود عنها فقال العصا وإخراجه يده من جيبه بيضاء والجراد والقمل والضفادع والدم ورفع الطور والمن والسلوى آية واحدة وفلق البحر قالوا صدقت. وفي المجمع أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الايات فقال هي أن لا تشركوا به شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ليقتل ولا تسحروا ولا تأكلوا الربوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا للفرار يوم الزحف وعليكم خاصة يا يهود أن لا تعتدوا في السبت فقبل يده وقال أشهد أنك نبي فاسأل بنى إسرائيل إذ جاءهم قيل يعني فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون إذ جاءهم أو عن الايات ليظهر للمشركين صدقك ويتسلى نفسك ويزداد يقينك فهو إعتراض وإذ جاءهم متعلق بآياتنا فقال له فرعون إنى لاظنك يا موسى مسحورا سحرت فتخبط عقلك. (102) قال لقد علمت يا فرعون وقرئ بضم التاء ما أنزل هؤلاء يعني الايات إلا رب السموات والارض بصائر بينات تبصرك صدقي ولكنك معاند وإني لاظنك يا فرعون مثبورا مصروفا عن الخير [ الحق ] أو هالكا قابل ظنه المكذوب بظنه الصحيح. في المجمع روي أن عليا عليه السلام قال في علمت والله ما علم عدو الله ولكن موسى عليه السلام هو الذي علم فقال لقد علمت. أقول: يعني إنه بضم التاء ليس بفتحها. (103) فأراد أن يستفزهم من الارض أن يستخف موسى عليه السلام وقومه وينفيهم من الارض بالأستيصال وفي رواية القمي من أرض مصر فأغرقناه

[ 226 ]

ومن معه جميعا فاستفززناه وقومه بالأغراق. القمي عن الباقر عليه السلام أراد أن يخرجهم من الأرض وقد علم فرعون وقومه ما أنزل تلك الايات إلا الله. أقول: وهذه الرواية دليل فتح التاء. (104) وقلنا من بعده من بعد فرعون وإغراقه لبنى إسرائيل اسكنوا الارض التي أراد أن يستفزكم منها فإذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا مختلطين ثم نحكم بينكم واللفيف الجماعات من قبائل شتى. القمي عن الباقر عليه السلام لفيفا يقول جميعا وفي رواية اخرى من كل ناحية. (105) وبالحق أنزلناه وبالحق نزل أي وما أنزلنا القرآن إلا بالحق وما نزل إلا بالحق وما أرسلناك إلا مبشرا للمطيع بالثواب ونذيرا للعاصي بالعقاب. (106) وقرآنا فرقناه نزلناه منجما. في المجمع عن علي عليه السلام فرقناه بالتشديد لتقرأه على الناس على مكث على مهل وتؤدة فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم ونزلناه تنزيلا على حسب الحوادث. (107) قل آمنوا به أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيد كمالا وإمتناعكم عنه لا يورثه نقصانا إن الذين أوتوا العلم من قبله أي العلماء الذين قرؤا الكتب السابقة وعرفوا حقيقة الوحي وإمارات النبوة وتمكنوا من التمييز بين المحق والمبطل. القمي يعني أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله إذا يتلى عليهم القرآن يخرون للاذقان سجدا يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر الله وشكرا لأنجاز وعده في تلك الكتب ببعثه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل وإنزال القرآن عليه.

[ 227 ]

(108) ويقولون سبحان ربنا عن خلف الوعد إن كان وعد ربنا لمفعولا إنه كان وعده كائن لا محالة. (109) ويخرون للاذقان يبكون كرره لإختلاف الحالين وهما خرورهم للشكر وإنجاز الوعد حال كونهم ساجدين وخرورهم لما أثر فيهم من المواعظ حال كونهم باكين وذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الأرض من وجه الساجد. والقمي فسر الأذقان بالوجوه ومعنى اللام الأختصاص لأنهم جعلوا أذقانهم ووجوههم للسجود والخرور ويزيدهم سماع القرآن خشوعا لما يزيدهم علما ويقينا. (110) قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن سموا الله بأي الأسمين شئتم فإنهما سيان في حسن الأطلاق والمعنى بهما واحد أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى أي أي هذين الأسمين سميتم وذكرتم فهو حسن فوضع موضعه فله الاسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه فإنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الأسمان لأنهما منها وما مزيدة مؤكدة للشرط والضمير في له للمسمى لأن التسمية له لا للاسم ومعنى كون أسمائه أحسن الأسماء إستقلالها بمعاني التمجيد والتعظيم والتقديس ودلالتها على صفات الجلال والأكرام قيل نزلت حين سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يا الله يا رحمن فقالوا إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلها آخر وقيل قالت له اليهود إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثره الله في التوراة فنزلت ولا تجهر بصلوتك يعني بقراءتها ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا. القمي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية الجهر بها رفع الصوت والتخافت ما لا تسمع نفسك واقرأ بين ذلك. وعن الباقر عليه السلام فيها الأجهار أن ترفع صوتك تسمعه من بعد عنك والأخفات أن لا تسمع من معك إلا يسيرا. والعياشي عن الصادق عليه السلام الجهر بها رفع الصوت والمخافتة ما لم تسمع أذناك وما بين ذلك قدر ما تسمع أذنيك.

[ 228 ]

وفي الكافي والعياشي عنه عليه السلام المخافتة ما دون سمعك والجهر أن ترفع صوتك شديدا وعنه عليه السلام إنه سئل أعلى الأمام أن يسمع من خلفه وإن كثروا قال ليقرأ قراءة وسط ثم تلا هذه الاية. والعياشي عنهما عليهما السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان بمكة جهر صوته فيعلم بمكانه المشركون فكانوا يؤذونه فأنزلت هذه الاية عند ذلك. وعن الباقر عليه السلام إنه قال للصادق عليه السلام يا بني عليك بالحسنة بين السيئتين تمحوهما قال وكيف ذلك يا أبة قال مثل قول الله ولا تجهر الاية ومثل قوله ولا تجعل يدك مغلولة الاية ومثل قوله والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا الاية فأسرفوا سيئة واقتروا سيئة وكان بين ذلك قواما حسنة فعليك بالحسنة بين السيئتين. أقول: أراد عليه السلام أمره بالتوسط في الامور كلها ليسلم من الأفراط والتفريط. وعن الباقر عليه السلام في هذه الاية إنها نسختها فاصدع بما تؤمر وعنه عليه السلام تفسيرها ولا تجهر بولاية علي عليه السلام ولا بما أكرمته به حتى آمرك بذلك ولا تخافت بها يعني لا تكتمها عليا عليه السلام وإعلمه بما أكرمته به وإبتغ بين ذلك سبيلا سلني أن أذن لك أن تجهر بأمر علي بولايته فأذن له بإظهار ذلك يوم غدير خم. (111) وقل (1) الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل. القمي قال ولم يذل فيحتاج إلى ناصر ينصره وكبره تكبيرا. في الكافي عن الصادق قال رجل عنده الله أكبر فقال الله أكبر من أي شئ فقال من كل شئ فقال عليه السلام حددته فقال الرجل كيف أقول قال قل الله أكبر من أن يوصف وفي رواية اخرى فقال وكان ثمة شئ فيكون أكبر منه فقيل


1 - قيل ان في هذه الاية ردا على اليهود والنصارى حين قالوا اتخذ الله الولد وعلى مشركي العرب حيث قالوا لبليك لا شريك لك الا شريكا هو لك وعلى الصابئين والمجوس حين قالوا لولا اولياء الله لذل الله مجمع البيان. (*)

[ 229 ]

وما هو قال أكبر من أن يوصف وفي التهذيب عنه عليه السلام أنه أمر من قرأ هذه الاية أن يكبر ثلاثا. وفي الفقيه في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يا علي أمان لأمتي من السرق قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن إلى آخر السورة. وفي ثواب الأعمال والمجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة بني إسرائيل في كل ليلة جمعة لم يمت حتى يدرك القائم عجل الله تعالى فرجه ويكون مع أصحابه عليه السلام.

[ 230 ]

سورة الكهف مكية قال ابن عباس إلا آية واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم فإنها نزلت بالمدينة في قصة عيينة بن حصين عدد آيها مائة وإحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب يعني القرآن علم الله سبحانه عباده كيف يحمدونه على أجل نعمه عليهم الذي هو سبب نجاتهم ولم يجعل له عوجا باختلال في اللفظ وتناقض في المعنى والعوج بالكسر في المعاني كالعوج بالفتح في الأعيان. (2) قيما جعله مستقيما معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط. القمي قال هذا مقدم ومؤخر لأن معناه الذى أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا فقدم حرف على حرف لينذر بأسا شديدا أي لينذر الذين كفروا عذابا شديدا من لدنه صادرا من عنده. العياشي البأس الشديد علي عليه السلام وهو من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله قاتل معه عدوه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا هو الجنة. (3) ماكثين فيه أبدا بلا إنقطاع. (4) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا. القمي يعني قريشا حيث قالوا إن الملائكة بنات الله واليهود والنصارى في قولهم

[ 231 ]

عزير ابن الله والمسيح ابن الله. (5) ما لهم (1) به وبما يقولون من علم ولا لابائهم الذين يقلدونهم فيه بل يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب كبرت كلمة عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه والأشراك تخرج من أفواههم إستعظام لأجترائهم على إخراجها من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. (6) فلعلك باخع نفسك. القمي عن الباقر عليه السلام يقول قاتل نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث بهذا القرآن أسفا متعلق بباخع نفسك وهو فرط الحزن والغضب كأنهم إذ ولوا عن الأيمان فارقوه فشبهه بمن فارقته أعزته فهو يتحسر على آثارهم ويقتل نفسه تلهفا على فراقهم. (7) إنا جعلنا ما على الارض زينة لها ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارفها لنبلوهم أيهم أحسن عملا في تعاطيه وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بالكفاف. (8) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا. القمي يعني خرابا وعن الباقر عليه السلام قال لا نبات فيها وهو تزهيد في الدنيا وتنبيه على المقصود من حسن العمل. وفي الكافي عن السجاد عليه السلام إن الله لم يحب زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لاخرته. (9) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم في إبقاء حياتهم على تلك الحال مدة مديدة كانوا من آياتنا عجبا القمي يقول قد آتيناك من الايات ما هو أعجب منه قال وهم فتية كانوا في الفترة بين عيسى بن مريم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وأما الكهف والرقيم فهما لوحان من نحاس مرقوم مكتوب فيهما أمر الفتية وأمر إسلامهم وما أراد منهم دقيانوس الملك وكيف كان


1 - أي ليس لهؤلاء ولا لاسلافهم علم بهذا القول الشنيع وإنما يقولون ذلك عن جهل وتقليد من غير حجة. (*)

[ 232 ]

أمرهم وحالهم والعياشي عن الصادق عليه السلام هم قوم فقدوا وكتب ملك ذلك الديار بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم في صحف من رصاص فهو قوله أصحاب الكهف والرقيم. والقمي عنه عليه السلام كان سبب نزول سورة الكهف أن قريشا بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران النضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط والعاص بن وائل السهمي ليتعلموا من اليهود والنصارى مسائل يسألونها رسول الله صلى الله عليه وآله فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود فسألوهم فقالوا سلوه عن ثلاث مسائل فإن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق ثم سلوه عن مسألة واحدة فإن إدعى علمها فهو كاذب قالوا وما هذه المسائل قالوا سلوه عن فتية كانوا في الزمن الأول فخرجوا وغابوا وناموا كم بقوا في نومهم حتى انتبهوا وكم كان عددهم وأي شئ كان معهم من غيرهم وما كان قصتهم واسألوه عن موسى حين أمره الله عز وجل أن يتبع العالم ويتعلم منه من هو وكيف يتبعه وما كان قصته معه واسألوه عن طائف طاف مغرب الشمس ومطلعها حتى بلغ سد يأجوج ومأجوج من هو وكيف كان قصته ثم أملوا عليهم أخبار هذه الثلاث المسائل وقالوا لهم إن أجابكم بما قد أملينا عليكم فهو صادق وإن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدقوه قالوا فما المسألة الرابعة قالوا سلوه متى تقوم الساعة فإن إدعى علمها فهو كاذب فإن قيام الساعة لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى فرجعوا إلى مكة واجتمعوا إلى أبي طالب رضى الله عنه فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك يزعم أن خبر السماء يأتيه ونحن نسأله عن مسائل فإن أجابنا عنها علمنا أنه صادق وإن لم يخبرنا علمنا أنه كاذب فقال أبو طالب سلوه عما بدا لكم فسألوه عن الثلاث المسائل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله غدا اخبركم ولم يستثن فاحتبس الوحي عليه أربعين يوما حتى إغتم النبي صلى الله عليه وآله وشك أصحابه الذين كانوا آمنوا به وفرحت قريش واستهزؤوا وآذوا وحزن أبو طالب عليه السلام فلما كان بعد أربعين يوما نزل عليه جبرئيل عليه السلام بسورة الكهف فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لقد أبطأت فقال إنا لا نقدر أن ننزل إلا بإذن الله تعالى فأنزل الله عز وجل أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ثم قص قصتهم فقال إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فقال الصادق عليه السلام إن أصحاب الكهف والرقيم كانوا في زمن ملك جبار عات وكان يدعو أهل مملكته

[ 233 ]

إلى عبادة الأصنام فمن لم يجبه قتله وكانوا هؤلاء قوما مؤمنين يعبدون الله عز وجل وكل الملك بباب المدينة وكلاء ولم يدع أحدا يخرج حتى يسجد للأصنام فخرج هؤلاء بعلة الصيد وذلك إنهم مروا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم وكان مع الراعي كلب فأجابهم الكلب وخرج معهم فقال الصادق عليه السلام لا يدخل الجنة من البهائم إلا ثلاثة حمار بلعم بن باعورا وذئب يوسف عليه السلام وكلب أصحاب الكهف فخرج أصحاب الكهف من المدينة بعلة الصيد هربا من دين ذلك الملك فلما أمسوا دخلوا ذلك الكهف والكلب معهم فألقى الله عز وجل عليهم النعاس كما قال الله تبارك وتعالى فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا فناموا حتى أهلك الله عز وجل الملك وأهل مملكته وذهب ذلك الزمان وجاء زمان آخر وقوم آخرون ثم انتبهوا فقال بعضهم لبعض كم نمنا هاهنا فنظروا إلى الشمس قد إرتفعت فقالوا نمنا يوما أو بعض يوم ثم قالوا لواحد منهم خذ هذا الورق وادخل المدينة متنكرا لا يعرفونك فاشتر لنا طعاما فإنهم إن علموا بنا وعرفونا قتلونا أو ردونا في دينهم فجاء ذلك الرجل فرأى المدينة بخلاف الذي عهدها ورآى قوما بخلاف أولئك لم يعرفهم ولم يعرفوا لغته ولم يعرف لغتهم فقالوا له من أنت ومن أين جئت فأخبرهم فخرج ملك تلك المدينة مع أصحابه والرجل معهم حتى وقفوا على باب الكهف وأقبلوا يتطلعون فيه فقال بعضهم هؤلاء ثلاثة ورابعهم كلبهم وقال بعضهم هم خمسة وسادسهم كلبهم وقال بعضهم هم سبعة وثامنهم كلبهم وحجبهم الله عز وجل بحجاب من الرعب فلم يكن أحد يقدم بالدخول عليهم غير صاحبهم فإنه لما دخل عليهم وجدهم خائفين أن يكون أصحاب دقيانوس شعروا بهم فأخبرهم صاحبهم أنهم كانوا نائمين هذا الزمن الطويل وأنهم آية للناس فبكوا وسألوا الله تعالى أن يعيدهم إلى مضاجعهم نائمين كما كانوا ثم قال الملك ينبغي أن نبني ها هنا مسجدا ونزوره فإن هؤلاء قوم مؤمنون فلهم في كل سنة نقلتان ينامون ستة أشهر على جنوبهم الأيمن وستة أشهر على جنوبهم الأيسر والكلب معهم قد بسط ذراعيه بفناء الكهف. (10) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو وهيئ لنا من أمرنا من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رشدا نصير بسببه راشدين مهتدين.

[ 234 ]

(11) فضربنا على آذانهم أي ضربنا عليها حجابا يمنع السماع يعني أنمناهم إنامة لا ينبههم منها الأصوات في الكهف سنين عددا ذوات عدد. (12) ثم بعثناهم أيقظناهم لنعلم ليقع علمنا الأزلي على المعلوم بعد وقوعه ويظهر لهم أي الحزبين المختلفين أحصى لما لبثوا أمدا ضبط أمدا لزمان لبثهم أو أضبط له. (13) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قال لرجل ما الفتى عندكم فقال له الشاب فقال لا الفتى المؤمن إن أصحاب الكهف كانوا شيوخا فسماهم الله فتية بإيمانهم. والعياشي عنه عليه السلام مثله إلا أنه قال كانوا كلهم كهولا وزاد من آمن بالله واتقى فهو الفتى آمنوا بربهم وزدنهم هدى بالتوفيق والتثبيت. (14) وربطنا على قلوبهم أي قويناها وشددنا عليها حتى صبروا على هجر الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا قولا ذا شطط أي ذا بعد عن الحق مفرطا في الظلم. القمي عن الباقر عليه السلام يعني جورا على الله تعالى إن قلنا إن له شريكا أقول: قالوه سرا من الكفار ليس كما زعمه المفسرون أنهم جهروا به بين يدي دقيانوس الجبار وما فعلوه أعظم أجرا. ففي الكافي عن الصادق عليه السلام إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الأيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين. وفيه والعياشي عنه عليه السلام ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرتين. والعياشي عنه عليه السلام إن أصحاب الكهف أسروا الأيمان وأظهروا الكفر وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجرا منهم على الأسرار بالأيمان وعنه عليه السلام إنه ذكر أصحاب الكهف فقال لو كلفكم قومكم ما كلفهم قومهم فقيل له ما كلفهم قومهم فقال كلفوهم الشرك بالله العظيم فأظهروا لهم الشرك وأسروا الأيمان حتى جاءهم الفرج وعنه

[ 235 ]

عليه السلام خرج أصحاب الكهف على غير معرفة ولا ميعاد فلما صاروا في الصحراء أخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق فأخذ هذا على هذا وهذا على هذا ثم قالوا أظهروا أمركم فأظهروه فإذا هم على أمر واحد وعنه عليه السلام إنه ذكر أصحاب الكهف فقال كانوا صيارفة كلام ولم يكونوا صيارفة دراهم. (15) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون هلا يأتون عليهم على عبادتهم بسلطان بين ببرهان ظاهر وهو تبكيت لأن الأتيان بالحجة على ذلك محال فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا بنسبة الشرك إليه. أقول: في هذه الاية دلالة على أنهم كانوا يسرون الأيمان وكذا فيما بعدها. (16) وإذ اعتزلتموهم خطاب بعضهم لبعض وما يعبدون إلا الله وإعتزلتم معبوديهم أو عبادتهم إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ما ترتفقون به أي تنتفعون به وقرئ بفتح الميم وكسر الفاء وكان جزمهم بذلك لشدة وثوقهم بفضل الله وقوة يقينهم بالله. (17) وترى الشمس لو رأيتهم إذا طلعت تزاور تميل وقرئ بتشديد الزاي وتزور بتشديد الراء كتحمر عن كهفهم ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم ولعل الكهف كان جنوبيا ذات اليمين أي جهة يمين الكهف وإذا غربت تقرضهم تقطعهم وتصرم عنهم ذات الشمال جهة شمال الكهف وهم في فجوة منه وهم في متسع من الكهف يعني في وسط بحيث ينالهم برد النسيم وروح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس لا في طلوعها ولا في غروبها ذلك من آيات الله من يهد الله بالتوفيق فهو المهتد ثناء عليهم ومن يضلل من يخذله فلن تجد له وليا مرشدا من يليه ويرشده. في التوحيد والمعاني عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال إن الله تبارك وتعالى يضل الظالمين يوم القيامة عن دار كرامته ويهدي أهل الأيمان والعمل الصالح إلى جنته كما قال الله عز وجل ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار في جنات النعيم.

[ 236 ]

(18) وتحسبهم أيقاظا القمي عن الباقر عليه السلام قال ترى أعينهم مفتوحة وهم رقود نيام ونقلبهم في رقدتهم ذات اليمين وذات الشمال في كل عام مرتين كما سبق كي لا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزمان وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد بالفناء وقد سبق حديث الكلب لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا لهربت منهم ولملئت منهم رعبا خوفا يملأ صدرك وقرئ لملئت بالتشديد ورعبا بالتثقيل قيل وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. العياشي عن الباقر عليه السلام إن ذلك لم يعن به النبي صلى الله عليه وآله إنما عني به المؤمنين بعضهم لبعض لكنه حالهم التي هم عليها. (19) وكذلك بعثناهم وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا ليتساءلوا بينهم ليسأل بعضهم بعضا فيتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيزدادوا يقينا إلى يقينهم ويستبصروا به أمر البعث قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم بناء على غالب ظنهم المستفاد من النوم المعتاد قالوا ربكم أعلم بما لبثتم قيل قالوا ذلك لما رأوا من طول أظفارهم وشعورهم ثم لما علموا أن الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى العلم به أخذوا فيما يهمهم وقالوا فابعثوا أحدكم بورقكم هذه قرئ بسكون الراء إلى المدينة والورق الفضة فلينظر أيها أزكى طعاما القمي يقول أيها أطيب طعاما. وفي المحاسن عنهما عليهما السلام أزكى طعاما التمر. أقول: ويستفاد منه أن البارز في أيها راجع إلى الأطعمة دون المدينة المراد بها أهلها كما فهمه الجمهور فليأتكم برزق منه وليتلطف وليتكلف اللطف في التخفي والتنكر حتى لا يعرف كما سبق في حديث القمي ويفسره قوله ولا يشعرن بكم أحدا. (20) إنهم إن يظهروا عليكم إن يظفروا بكم يعني أهل المدينة يرجموكم يقتلوكم بالرجم وهي أخبث قتلة أو يعيدوكم في ملتهم يصيروكم إليها كرها ولن تفلحوا إذا أبدا إن دخلتم في ملتهم. (21) وكذلك أعثرنا عليهم وكما أنمناهم وبعثناهم لتزداد بصيرتهم إطلعنا عليهم


1 - أي لو رأيتهم لحسبتهم منتبهين وهم رقود أي نائمون. (*)

[ 237 ]

أهل مدينتهم. القمي وهم الذين ذهبوا إلى باب الكهف ليعلموا ليعلم الذين إطلعناهم على حالهم أن وعد الله بالبعث حق وأن الساعة لاتية لا ريب فيها بأنها كائنة لأن حالهم في نومهم وانتباههم كحال من يموت ويبعث. وفي الحديث النبوي كما تنامون تستيقظون وكما تموتون تبعثون. وفي حديث آخر النوم أخ الموت. وفي الأحتجاج عن الصادق عليه السلام في حديث وقد رجع إلى الدنيا ممن مات خلق كثير منهم أصحاب الكهف أماتهم الله ثلاثمائة عام وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ليقطع حجتهم وليريهم قدرته وليعلموا أن البعث حق إذ يتنازعون أعثرنا عليهم حين يتنازعون بينهم أمرهم أمر دينهم وكان بعضهم يقول تبعث الأرواح مجردة وبعضهم يقول تبعثان معا ليرتفع الخلاف ويتبين إنهما تبعثان معا كذا قيل وكان في حديث الأحتجاج ايماء إلى ذلك وقيل أمرهم أي أمر الفتية حين توفاهم ثانيا وكان بعضهم يقول ماتوا وبعضهم يقول ناموا كنومهم أول مرة وقد سبق في حديث القمي وكيف كان فقالوا ابنوا عليهم بناينا حين توفاهم ثانيا ربهم أعلم بهم إعتراض قال الذين غلبوا على أمرهم من المسلمين وملكهم لنتخذن عليهم مسجدا يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. (22) سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم يعني أهل المدينة وملكهم كما سبق في حديث القمي. وقيل بل يعني بهم الخائضين في قصتهم في عهد نبينا صلى الله عليه وآله من أهل الكتاب والمؤمنين ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب يرمون رميا بالخبر الخفي. والقمي ظنا بالغيب ما يستفتونهم ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل روت العامة عن علي عليه السلام وهم سبعة وثامنهم كلبهم ويدل عليه من طريق الخاصة ما روي في روضة الواعظين عن الصادق عليه السلام أنه يخرج مع

[ 238 ]

القائم من ظهر الكعبة سبعة وعشرون رجلا خمسة عشر من قوم موسى عليه السلام الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون وسلمان وأبو دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارا وحكاما فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا فلا تجادل أهل الكتاب في شأن الفتية إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم بما أوحى إليك من غير تجهيل لهم والرد عليهم ولا تستفت فيهم منهم أحدا. القمي يعني يقول حسبك ما قصصنا عليك من أمرهم ولا تسأل أحدا من أهل الكتاب عنهم. (23) ولا تقولن لشئ تعزم عليه إنى فاعل ذلك غدا. (24) إلا أن يشاء الله إلا متلبسا بمشيته قائلا إن شاء الله واذكر ربك إذا نسيت يعني إذا نسيت الأستثناء فاستثن إذا ذكرت. وفي الجوامع عن الصادق عليه السلام ما لم ينقطع الكلام. وفي الكافي عنه عليه السلام أنه سئل عن قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت قال ذلك في اليمين إذا قلت والله لا أفعل كذا وكذا فإذا ذكرت إنك لم تستثن فقل إن شاء الله. والعياشي عنه عليه السلام ما في معناه في عدة روايات. وفي الكافي والعياشي عنه عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام الأستثناء في اليمين متى ما ذكر وإن كان بعد أربعين صباحا ثم تلا هذه الاية. وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام للعبد أن يستثني ما بينه وبين أربعين يوما إذا نسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه ناس من اليهود فسألوه عن أشياء فقال لهم تعالوا غدا احدثكم ولم يستثن فاحتبس جبرئيل عنه أربعين يوما ثم أتاه فقال ولا تقولن لشئ الاية. والعياشي عنه عن أبيه عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في قول الله عز وجل ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما إن الله عز وجل لما قال لادم وزوجته لا تقربا هذه الشجرة ولا تأكلا

[ 239 ]

منها فقالا نعم يا ربنا لا نقربها ولا نأكل منها ولم يستثنيا في قولهما نعم فوكلهما الله في ذلك إلى أنفسهما وإلى ذكرهما قال وقد قال الله عز وجل لنبيه في الكتاب ولا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله أن لا أفعله فتسبق مشية الله في أن لا أفعله فلا أقدر على أن أفعله فلذلك قال الله عز وجل واذكر ربك إذا نسيت أي إستثن مشية الله في فعلك. والعياشي عنه عليه السلام قال قال الله عز وجل ولا تقولن إلى آخر الحديث كما ذكر في الكافي. وعنه عليه السلام إن آدم لما أسكنه الله الجنة فقال له يا آدم لا تقرب هذه الشجرة فقال نعم ولم يستثن فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فقال ولا تقولن لشئ إنى فاعل إلى قوله إذا نسيت ولو بعد سنة. قال في المجمع الوجه فيه إنه إذا إستثنى بعد النسيان فإنه يحصل له ثواب المستثنى من غير أن يؤثر الأستثناء بعد إنفصال الكلام في الكلام وإبطال الحنث وسقوط الكفارة في اليمين. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه أمر بكتاب في حاجة فكتب ثم عرض عليه ولم يكن فيه إستثناء فقال كيف رجوتم أن يتم هذا وليس فيه إستثناء انظروا كل موضع لا يكون فيه إستثناء فاستثنوا فيه وفي التهذيب ما يقرب منه وزاد ثم دعا بالدوات فقال الحق فيه إن شاء الله فألحق فيه في كل موضع إن شاء الله وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هذا رشدا قيل أي يهديني لشئ آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رشدا وأدنى خيرا ومنفعة أو لما هو ظهر دلالة على إني نبئ من نبأ أصحاب الكهف. (25) ولبثوا في كهفهم ثلثمأة سنين وقرء بالأضافة وازدادوا تسعا يعني ثلثمأة وتسعا. (26) قل الله أعلم بما لبثوا بمدة لبثهم من الذين إختلفوا فيها [ فيهم خ ل ] من أهل الكتاب والحق ما أخبر الله به وهو ما ذكر في المجمع روي أن يهوديا سأل علي بن أبي طالب عليه السلام عن مدة لبثهم فأخبر بما في القرآن فقال إنا نجد في كتابنا ثلثمأة فقال علي عليه السلام ذلك بسني الشمس وهذا بسني القمر.

[ 240 ]

والقمي عطف على الخبر الأول الذي حكى عنهم أنهم يقولون ثلثة رابعهم كلبهم فقال ولبثوا في كهفهم ثلثمأة سنين وإزدادوا تسعا وهو حكاية عنهم ولفظه خبر والدليل على أنه حكاية عنهم قوله قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والارض يختص بعلمه أبصر به وأسمع ما أبصره وأسمعه ذكره بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره في الأدراك خارج عن حد ما عليه إدراك كل مبصر وسامع إذ لا يحجبه شئ ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف وصغير وكبير وخفي وجلي ما لهم ما لأهل السماوات والأرض من دونه من ولى يتولى امورهم ولا يشرك في حكمه في قضائه أحدا منهم وقرئ بالتاء والجزم. (27) واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك من القرآن لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ملتجأ وموئلا يقال التحد إلى كذا إذا مال إليه. (28) واصبر نفسك احبسها مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي في طرفي النهار أو في مجامع أوقاتهم. العياشي عنهما عليهما السلام إنما عنى بهما الصلاة وقرئ بالغدوة يريدون وجهه رضاه وطاعته ولا تعد عيناك عنهم ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم من أبناء الدنيا تريد زينة الحيوة الدنيا في مجالسة أهل الغنى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا بالخذلان واتبع هواه وكان أمره فرطا إفراطا وتجاوزا للحد ونبذا للحق وراء ظهره القمي نزلت في سلمان الفارسي (رضى الله عنه) كان عليه كساء فيه يكون طعامه وهو دثاره وردائه وكان كساءا من صوف فدخل عيينة بن حصين على النبي صلى الله عليه وآله وسلمان عنده فتأذى عيينة بريح كساء سلمان وقد كان عرق فيه وكان يوما شديد الحر فعرق في الكساء فقال يا رسول الله إذا نحن دخلنا عليك فأخرج هذا وحزبه من عندك فإذا نحن خرجنا فدخل من شئت فأنزل الله عز وجل ولا تطع من أغفلنا قلبه الاية وهو عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر الفزاري. وفي المجمع نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وخباب وغيرهم من فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله عيينة بن حصين والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله إن جلست في صدر

[ 241 ]

المجلس ونحيت عنا هؤلاء وروايح صنانهم (1) وكانت عليهم جباب (جمع جبة) الصوف جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك فلا يمنعنا من الدخول عليك إلا هؤلاء فلما نزلت الاية قام النبي صلى الله عليه وآله يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله عز وجل فقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من امتي معهم المحيى ومعهم المماة. (29) وقل الحق من ربكم هو الحق من ربكم أو الحق ما يكون من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فلم يبق إلا إختياركم لنفوسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة وفي طريق الهلاك. العياشي عن الصادق عليه السلام قال وعيد إنا أعتدنا أعددنا وهيئنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها فسطاطها شبه به ما يحيط بهم من النار وإن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل كدردي الزيت وقيل كالنحاس المذاب يشوى الوجوه إذا قدم ليشرب من فرط حرارته بئس الشراب المهل وساءت النار مرتفقا متكئا من المرفق وهو يشاكل قوله وحسنت مرتفقا. في الكافي عن الباقر عليه السلام نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الاية هكذا وقل الحق من ربكم في ولاية علي عليه السلام فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين على آل محمد نارا. والقمي عن الصادق عليه السلام مثله وقال المهل الذي يبقى في أصل الزيت المغلى. (30) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا. (31) أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الانهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق مما رق من الديباج وما غلظ منه متكئين فيها على الارائك على السرر كما هو هيئة المتنعمين.


1 - أصن اللحم: إذا أنتن والصنان: زفر الابط. (*)

[ 242 ]

القمي عن الباقر عليه السلام الارائك السرر عليها الحجال نعم الثواب الجنة ونعيمها وحسنت الأرائك مرتفقا. أقول: وكأن الثياب الخضر كناية عن أبدانهم المثالية البرزخية المتوسطة بين سواد هذا العالم وبياض العالم الأعلى فإن الخضرة مركبة من سواد وبياض والرقة والغلظة كنايتان عن تفاوتهما في مراتب اللطافة. (32) واضرب لهم مثلا للكافر والمؤمن رجلين حال رجلين القمي قال نزلت في رجل كان له بستانان كبيران عظيمان كثيرا الثمار كما حكى الله عز وجل وفيهما نخل وزرع وماء وكان له جار فقير فافتخر الغني على الفقير جعلنا لاحدهما جنتين بستانين من أعناب من الكروم وحففنهما بنخل وجعلنا النخل محيطة بهما وجعلنا بينهما وسطهما زرعا ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه على شكل حسن وترتيب أنيق. (33) كلتا الجنتين آتت أكلها ثمرها ولم تظلم منه ولم تنقص من اكلها شيئا كما يكون في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالبا وفجرنا خلالهما نهرا ليدوم شربهما ويزيد بهاؤهما. (34) وكان له ثمر أنواع من المال سوى الجنتين من ثمر ماله إذا كاثره وقرئ بفتحتين وبضم الثاء وسكون الميم فقال لصحابه وهو يحاوره وهو يراجعه في الكلام من حار إذا رجع أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا أولادا وأعوانا. (35) ودخل جنته بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها وهو ظالم لنفسه ضار لها بعجبه وكفره قال ما أظن أن تبيد أن تفني هذه يعني هذه الجنة أبدا لطول أمله وتمادي غفلته وإغتراره بمهلته. (36) وما أظن الساعة قائمة كائنة ولئن رددت إلى ربى بالبعث كما زعمت لاجدن خيرا منها منقلبا مرجعا وعاقبة وقرئ منهما. (37) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب فإنه أصل

[ 243 ]

مادتك ومادة أصلك ثم من نطفة فإنها مادتك القريبة ثم سويك رجلا ثم عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. (38) لكنا هو الله ربى أصله لكن أنا وقرئ بالألف في الوصل والوقف جميعا ولا أشرك بربي أحدا. (39) ولولا إذ دخلت جنتك قلت وهلا قلت عند دخولها ما شاء الله كائن إقرار بأنها وما فيها بمشية الله إن شاء الله أبقاها وإن شاء أبادها لا قوة إلا بالله وقلت لا قوة إلا بالله إعترافا بالعجز على نفسك والقدرة لله وإن ما تيسر لك من عمارتها وتدبيرها فبمعونته واقتداره إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا. (40) فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك في الدنيا أو في الاخرة لأيماني ويرسل عليها على جنتك لكفرك حسبانا من السماء مرامي من عذابه كصاعقة ونحوها. وقيل هو بمعنى الحساب والمراد به التقدير بتخريبها فتصبح صعيدا زلقا أرضا ملساء يزلق عليها باستيصال نباتها وأشجارها. القمي محترقا. (41) أو يصبح ماؤها غورا غائرا في الأرض فلن تستطيع له طلبا. (42) وأحيط بثمره وأهلك أمواله حسبما أنذره صاحبه من أحاط به العدو فإنه إذا أحاط به غلبه وإذا غلبه أهلكه ونظيره أتى إذا أهلكه في المجمع وفي الخبر إن الله عز وجل أرسل عليها نارا فأهلكها وغار ماؤها فأصبح يقلب كفيه ظهرا لبطن تلهفا وتحسرا على ما أنفق فيها وهى خاوية ساقطة على عروشها يعني سقطت عروش كرومها على الأرض وسقطت الكروم فوقها ويقول يا ليتنى لم أشرك بربي أحدا كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه من قبل شركه فتمنى لو لم يكن مشركا فلم يهلك الله بستانه. (43) ولم تكن له فئة وقرئ بالياء ينصرونه بدفع الأهلاك أورد المهلك من دون

[ 244 ]

الله فإنه القادر على ذلك وحده وما كان منتصرا ممتنعا عن انتقام الله منه. (44) هنالك في ذلك المقام وتلك الحال. وقيل في الاخرة الولاية لله الحق النصرة له وحده لا يقدر عليها غيره وقرئ بالكسر أي السلطان والملك وقرئ الحق بالرفع صفة للولاية هو خير ثوابا وخير عقبا (1) أي لأوليائه وقرئ عقبا بالسكون. (45) واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا ما تشبهه في زهرتها وسرعة زوالها كماء هو كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض تكاثف بسببه والتف حتى خالط بعضه بعضا فأصبح هشيما مهشوما مكسورا تذروه الريح تفرقه فيصير كأن لم يكن وكان الله على كل شئ من الأنشاء والأفناء مقتدرا. (46) المال والبنون زينة الحيوة الدنيا ويفنى عن قريب والباقيات الصالحات وأعمال الخير والبر التي تبقى ثمرتها أبد الاباد خير عند ربك من المال والبنين ثوابا عائدة وخير أملا لأن صاحبها ينال في الاخرة ما كان يأمل بها في الدنيا. في التهذيب والعياشي عن الصادق عليه السلام إن كان الله عز وجل قال المال والبنون زينة الحياة الدنيا إن الثمانية ركعات يصليها العبد آخر الليل زينة الاخرة. والعياشي عنه عليه السلام إن الباقيات الصالحات هي الصلاة فحافظوا عليها. وفي المجمع عنه عليه السلام هي الصلوات الخمس. وعنه عليه السلام إن من الباقيات الصالحات القيام لصلاة الليل. وروى إبن عقده عنه عليه السلام إنه قال لحصين بن عبد الرحمن لا تستصغر مودتنا فإنها من الباقيات الصالحات. والعياشي عنه عليه السلام قال قال رسول الله خذوا جنتكم قالوا يا رسول الله عدو حضر فقال لا ولكن خذوا جنتكم من النار فقالوا بم نأخذ جنتنا يا رسول الله قال


1 - أي عاقبته طاعته خير من عاقبة طاعر غيره. (*)

[ 245 ]

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فإنهن يأتين يوم القيامة ولهن مقدمات ومؤخرات وهن الباقيات الصالحات. وفي المجمع بطريق العامة مثله. والقمي قال الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ذكر في سورة مريم. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام مر رسول الله صلى الله عليه وآله برجل يغرس غرسا في حايط له فوقف عليه وقال ألا أدلك على غرس أثبت أصلا وأسرع إيناعا وأطيب ثمرا وأبقى قال بلى فدلني يارسول الله فقال إذا أصبحت وأمسيت فقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإن لك إن قلته بكل تسبيحة عشر شجرات في الجنة من أنواع الفاكهة وهن من الباقيات الصالحات. (47) ويوم نسير الجبال نسيرها في الجو ونجعلها هباء منبثا وقرئ بالتاء والبناء للمفعول وترى الارض بارزة بادية برزت من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها وحشرناهم وجمعناهم إلى الموقف فلم نغادر فلم نترك منهم أحدا. (48) وعرضوا على ربك صفا ترى جماعتهم كما يرى كل واحد منهم لا يحجب أحد أحدا. في الأحتجاج عن الصادق عليه السلام هم يومئذ عشرون ومأة ألف صف في عرض الأرض لقد جئتمونا كما خلقنكم أول مرة أي قيل لهم لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة أو المعنى لقد جئتمونا عراة لا شئ معكم من المال والولد لقوله ولقد جئتمونا فرادى كما سبق في سورة الأنعام بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا وقتا لأنجاز الوعد بالبعث والنشور وأن الأنبياء كذبوكم به. (49) ووضع الكتاب صحايف الأعمال فترى المجرمين مشفقين مما فيه خائفين من الذنوب ويقولون يا ويلتنا ينادون هلكتهم مالهذا الكتاب تعجيبا من شأنه لا يغادر صغيرة هنة صغيرة ولا كبيرة عبارة عن الأحاطة بالجميع إلا أحصيها إلا عدها

[ 246 ]

وضبطها ووجدوا ما عملوا حاضرا مكتوبا في الصحف ولا يظلم ربك أحدا فيكتب عليه ما لم يفعل أو لا ينقص ثواب محسن ولا يزيد في عقاب مسئ. القمي قال يجدون ما عملوا كله مكتوبا. والعياشي عن الصادق عليه السلام إذا كان يوم القيامة دفع إلى الأنسان كتابه ثم قيل اقرأ فيقرأ ما فيه فيذكره فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم إلا ذكره كأنه فعله تلك الساعة فلذلك قالوا يا ويلتنا الاية. (50) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لاءدم فسجدوا إلا إبليس قد سبق تفسيره (ذكره خ ل) في سورة البقرة قيل كرره في مواضع لكونه مقدمة للامور المقصود بيانها في تلك المحال وهكذا كل تكرير في القرآن كان من الجن ففسق عن أمر ربه فخرج عن أمره بترك السجود أفتتخذونه أبعد ما وجد منه تتخذونه وذريته أولياء من دوني وتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا من الله إبليس وذريته. (51) ما أشهدتهم خلق السموات والارض ما أحضرت إبليس وذريته خلق السموات والأرض إعتضادا بهم ولا خلق أنفسهم ولا احضرت بعضهم خلق بعض وما كنت متخذ المضلين عضدا أعوانا يعني فما لكم تتخذونهم شركائي في العبادة أو الطاعة أو المعنى ما أشهدت المشركين خلق ذلك وماخصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا اتبعهم الناس كما يزعمون فلا تلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين لديني ويعضده قراءة من قرأ وما كنت على خطاب الرسول. والعياشي عن الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال اللهم أعز الأسلام بعمر الخطاب وبأبي جهل بن هشام فأنزل الله هذه الاية يعنيهما. أقول: ويمكن التوفيق بين التفسيرين بتعميم الشياطين الجن والأنس. وفي الكافي عن الجواد عليه السلام إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا

[ 247 ]

بوحدانيته ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة عليهم السلام فمكثوا ألف دهرثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمرها إليهم الحديث. (52) ويوم يقول أي يقول الله وقرئ بالنون نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم شركائي أضاف الشركاء إليه على زعمهم توبيخا لهم والمراد ما عبد من دونه من الجن والأنس وغيرهما فدعوهم فنادوهم للأغاثة فلم يستجيبوا لهم فلم يغيثوهم وجعلنا بينهم بين الكفار وآلهتهم موبقا مهلكا يشتركون فيه وهو واد من أودية جهنم القمي أي سترا وقيل البنين بمعنى الوصل أي جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة. (53) ورأى المجرمون النار فظنوا فأيقنوا أنهم مواقعوها مخالطوها واقعون فيها ولم يجدوا عنها مصرفا معدلا في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام يعني أيقنوا أنهم داخلوها في الاحتجاج عنه عليه السلام وقد يكون بعض ظن الكفار يقينا وذلك قوله ورأى المجرمون النار الاية أي أيقنوا أنهم مواقعوها. (54) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان أكثر شئ يتأتى منه الجدل جدلا خصومة بالباطل. (55) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جائهم الهدى ويستغفروا ربهم من ذنوبهم إلا أن تأتيهم سنة الاولين وهي الأهلاك والأستيصال أو يأتيهم العذاب عذاب الاخرة قبلا عيانا وقرئ بضمتين. (56) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل مثل قولهم للأنبياء ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو شآء الله لانزل ملائكة واقتراحهم الايات بعد ظهور المعجزات إلى غيرذلك ليدحضوا به ليزيلوا بالجدال الحق عن مقره ويبطلوه واتخذوا آياتى وما أنذروا هزوا إستهزاء. (57) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه أي القرآن فأعرض عنها فلم يتدبرها ولم يتذكرها ونسى ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي فلم يتفكر في عاقبتهما إنا جعلنا على قلوبهم أكنة تعليل لأعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم أن يفقهوه تمنعهم

[ 248 ]

أن يفقهوه وتذكير الضمير وإفراده للمعنى وفي آذانهم وقرا يمنعهم أن يسمعوه حق إستماعه وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا فلا يجوز منهم اهتداء البتة لا تحقيقا لأنهم لا يفقهون ولا تقليلا لأنهم لا يسمعون. (58) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب فلا يؤاخذهم عاجلا مع إستحقاقهم العذاب بل لهم موعد يعني يوم القيامة وقيل يوم بدر لن يجدوا من دونه موئلا ملجأ ومنجا. (59) وتلك القرى قرى عاد وثمود وأضرابهم أهلكناهم لما ظلموا مثل ظلم قريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي وجعلنا لمهلكهم لأهلاكهم وقرئ بكسر اللام وبفتح الميم واللام أي لهلاكهم موعدا وقتا معلوما لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخر العذاب عنهم. القمي أي يوم القيامة يدخلون النار. (60) وإذ قال موسى لفته. في الأكمال والعياشي والقمي عن الباقر عليه السلام وهو يوشع بن نون قيل هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه لا أبرح لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ملتقى بحري فارس والروم وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر أو أمضى حقبا أو أسير زمانا طويلا. القمي عن الباقر عليه السلام الحقب ثمانون سنة. والقمي لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا بخبر أصحاب الكهف قالوا أخبرنا عن العالم الذي أمر الله موسى أن يتبعه وما قصته فأنزل الله عز وجل وإذ قال موسى لفتيه قال وكان سبب ذلك أنه لما كلم الله موسى تكليما فأنزل الله عليه الألواح وفيها كما قال الله تعالى وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ رجع موسى إلى بني إسرائيل فصعد المنبر فأخبرهم أن الله قد أنزل عليه التوراة وكلمه قال في نفسه ما خلق الله خلقا أعلم مني فأوحى الله إلى جبرئيل أدرك موسى فقد

[ 249 ]

هلك وأعلمه إن عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلا أعلم منك فسر إليه وتعلم من علمه فنزل جبرئيل على موسى وأخبره وذل موسى في نفسه وعلم أنه أخطأ ودخله الرعب وقال لوصيه يوشع إن الله قد أمرني أن أتبع رجلا عند ملتقى البحرين وأتعلم منه فتزود يوشع حوتا مملوحا وخرجا. وفي العلل والعياشي عن الصادق عليه السلام ما يقرب من صدر هذا الحديث. والعياشي عنه عليه السلام قال بينا موسى قاعد في ملأ من بني إسرائيل إذ قال له رجل ما أرى أحدا أعلم بالله منك قال موسى ما أرى فأوحى الله إليه بل عبدي الخضر فسأل السبيل إليه فكان له آية الحوت إن إفتقده وكان من شأنه ما قص الله. (61) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما تركاه لذهولهما عنه أو ذهابه عنهما فاتخذ سبيله يعني الحوت في البحر سربا مسلكا. القمي فلما خرجا وبلغا ذلك المكان وجدا رجلا مستلقيا على قفاه فلم يعرفاه فأخرج وصي موسى الحوت وغسله بالماء ووضعه على الصخرة ومضيا ونسيا الحوت وكان ذلك الماء ماء الحيوان فحي الحوت ودخل في الماء فمضى موسى عليه السلام ويوشع معه حتى عييا. والعياشي ذكر قصة الحوت بنحوين آخرين فتارة عنه عليه السلام إنه شواه ثم حمله في مكتل (1) ثم إنطلقا يمشيان فإنتهيا إلى شيخ مستلقي معه عصاه موضوعة إلى جانبه وعليه كساء إذا قنع رأسه خرجت رجلاه وإذا غطى رجليه خرج رأسه قال فقام موسى عليه السلام يصلي وقال ليوشع أحفظ علي قال فقطرت قطرة من السماء في المكتل فاضطرب الحوت ثم جعل يثب من المكتل إلى البحر وهو قوله فاتخذ سبيله في البحر سربا قال ثم أنه جاء طير فوقع على ساحل البحر (شاطئ خ ل) ثم أدخل منقاره فقال يا موسى ما أخذت من علم ربك ما حمل ظهر منقاري من جميع البحر الحديث.


1 - المكتل - كمنبر -: الزنبيل الكبير. (*)

[ 250 ]

وتارة عنهما عليهما السلام لما كان من أمر موسى عليه السلام ما كان اعطي مكتل فيه حوت مملح قيل له هذا يدلك على صاحبك عند مجمع البحرين صخرة عندها عين لا يصيب منها شئ ميتا إلا حي يقال له عين الحياة فانطلقا حتى بلغا الصخرة فانطلق الفتى يغسل الحوت في العين فاضطرب في يده حتى خدشه وتفلت منه ونسيه الفتى. في الأكمال عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال لبعض اليهود وقد سأله عن مسائل وأما قولك أول عين نبعت على وجه الأرض فإن اليهود يزعمون إنها العين التي ببيت المقدس تحت الحجر وكذبوا وهي عين الحيوان التي إنتهى موسى وفتاه فغسل فيها السمكة المالحة فحييت وليس من ميت يصيبه ذلك الماء إلا حي وكان الخضر في مقدمة ذي القرنين يطلب عين الحياة فوجدها وشرب منها ولم يجدها ذو القرنين. (62) فلما جاوزا مجمع البحرين قال لفتيه آتنا غداءنا ما نتغدى به لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا أي عناء. العياشي عن الصادق عليه السلام وإنما أعيى حيث جاز الوقت. (63) قال أرايت يعني أرأيت ما دهاني إذ اوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت تركته وفقدته أو نسيت ذكر حاله وما رأيت منه لك وما أنسانيه وقرئ بضم الهاء إلا الشيطان أن أذكره أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان واتخذ سبيله في البحر عجبا. (64) قال ذلك ما كنا نبغ نطلب لأنه إمارة المطلوب. القمي قال ذلك الرجل الذي رأيناه عند الصخرة هو الذي نريده فارتدا على آثارهما فرجعا في الطريق الذي جاءا منه قصصا يقصان قصصا أي يتبعان آثارهما إتباعا. (65) فوجدا عبدا من عبادنا وهو الخضر عليه السلام كما استفاض به الأخبار عنهم عليهم السلام.

[ 251 ]

القمي وكان في الصلاة فقعد موسى حتى فرغ من الصلاة فسلم عليهما. والعياشي عن الصادق عليه السلام في الحديث السابق فرجع موسى عليه السلام فقص أثره حتى إنتهى إليه وهو على حاله مستلقي فقال له موسى السلام عليك فقال السلام عليك يا عالم بني إسرائيل قال ثم وثب فأخذ عصاه بيده فقال له موسى إني قد امرت أن أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا. وفي روايته الاخرى عنهما عليهما السلام فلما رجعا وجدا الحوت قد خر في البحر فاقتصا الأثر حتى أتيا صاحبهما في جزيرة من جزائر البحر إما متكئا وإما جالس فسلم عليه موسى عليه السلام فعجب من السلام إذ كان بأرض ليس فيها سلام قال من أنت قال أنا موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما قال نعم قال فما حاجتك قال جئت لتعلمني مما علمت رشدا قال إني وكلت بأمر لا تطيقه ووكلت أنت بأمر لا اطيقه ثم حدثه العالم عن آل محمد صلوات الله عليهم وعما يصيبهم صلوات الله عليهم من البلاء حتى إشتد بكاؤهما ثم حدثه عن فضل آل محمد صلوات الله عليهم حتى جعل موسى عليه السلام يقول ياليتني كنت من آل محمد عليهم السلام وحتى ذكر فلانا وفلانا ومبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قومه وما يلقى منهم ومن تكذيبهم إياه وذكر له تأويل هذه الاية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة حين أخذ الميثاق عليهم. والقمي عن الرضا عليه السلام أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزاير البحر إما جالس وإما متكئا الحديث كما ذكره العياشي. وفي العلل عن الصادق عليه السلام إن الخضر كان نبيا مرسلا بعثه الله إلى قومه فدعاهم إلى توحيده والأقرار بأنبيائه ورسله وكتبه وكانت آيته إنه كان لا يجلس على خشبة يابسة ولا أرض بيضاء إلا إهتزت خضراء وإنما سمى خضرا لذلك وكان إسمه بليا بن ملكا بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح آتيناه رحمة من عندنا هي الوحي والنبوة وعلمناه من لدنا علما قيل أي بما يختص بنا من العلم وهو علم الغيوب.

[ 252 ]

في المجمع عن الصادق عليه السلام قال كان عنده علم لم يكتب لموسى عليه السلام في الألواح وكان موسى عليه السلام يظن أن جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته وأن جميع العلم كتب له في الألواح. (66) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا وقرئ بفتحتين. (67) قال إنك لن تستطيع معى صبرا. في العلل عن الصادق عليه السلام قال الخضر إنك لن تستطيع معى صبرا لأني وكلت بأمر لا تطيقه ووكلت بعلم لا اطيقه قال موسى عليه السلام بل أستطيع معك صبرا فقال الخضر إن القياس لا مجال له في علم الله وأمره. (68) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. (69) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا قال فلما إستثنى المشية قبله. والعياشي عن أحدهما عليهما السلام. في حديث له ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى إلى العالم وسأله الصحبة ليتعلم منه العلم ويرشده فلما أن سأل العالم ذلك علم العالم أن موسى لا يستطيع صحبته ولا يحتمل علمه ولا يصير معه فعند ذلك قال العالم وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا فقال له موسى عليه السلام وهو خاضع له يستلطفه على نفسه كي يقبله ستجدني إن شاء الله الاية. وعن الصادق عليه السلام كان موسى عليه السلام أعلم من الخضر. وفي الكافي عنه عليه السلام لو كنت بين موسى عليه السلام والخضر لأخبرتهما إني أعلم منهما وأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى عليه السلام والخضر عليه السلام أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة.

[ 253 ]

(70) قال فإن اتبعتنى فلا تسئلني وقرئ بالنون الثقيلة عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا. القمي عن الرضا عليه السلام يقول لا تسألني عن شئ أفعله ولا تنكره علي حتى اخبرك أنا بخبره قال نعم. (71) فانطلقا على الساحل يطلبان السفينة حتى إذا ركبا في السفينة خرقها الخضر قال موسى أخرقتها لتغرق أهلها وقرئ بالأسناد إلى الأهل لقد جئت شيئا إمرا عظيما. القمي هو المنكر وكان موسى عليه السلام ينكر الظلم فأعظم ما رأى. (72) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا. (73) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا ولا تغشني عسرا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي فإن ذلك يعسر على متابعتك. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله كانت الأولى من موسى عليه السلام نسيانا. (74) فانطلقا أي بعد ما خرجا من السفينة حتى إذا لقيا غلاما فقتله من غير ترو واستكشاف حال قال أقتلت نفسا زكية طاهرة من الذنوب وقرئ زاكية بغير نفس من غير أن قتلت نفسا فتقاد (1) بها لقد جئت شيئا نكرا أي منكرا وقرئ بضمتين. في العلل عن الصادق عليه السلام فغضب موسى عليه السلام وأخذ بتلبيبه وقال أقتلت الاية قال الخضر إن العقول لا تحكم على أمر الله بل أمر الله يحكم عليها فسلم لما ترى مني واصبر عليه فقد كنت علمت إنك لن تستطيع معى صبرا. (75) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا قيل زاد لك فيه مكافحة بالعتاب على رفض الوصية ووسما بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والأستنكاف ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الأستنكار ثاني مرة.


1 - القود - بالتحريك -:: القصاص. (*)

[ 254 ]

(76) قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني وإن سألت صحبتك قد بلغت من لدنى عذرا قد وجدت عذرا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات وقرئ بتخفيف النون وبإسكان الدال. روي عن النبي صلى الله عليه وآله رحم الله أخي موسى إستحيى فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب. (77) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية. في العلل والعياشي عن الصادق عليه السلام هي الناصرة وإليها تنسب النصارى استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ينكسر يعني يداني ان يسقط استعيرت الأرادة للمشارفة وفي المجمع قرأته علي ابن أبي طالب ينقاص بالصاد غير معجمة وبالألف ومعناه الأنشقاق فأقامه بوضع يده عليه كذا في العلل عن الصادق عليه السلام. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا. العياشي عن الصادق عليه السلام أي خبزا نأكله فقد جعنا وقرئ لتخذت بكسر الخاء مخففة أي لأخذت. (78) قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا القمي عن الرضا عليه السلام في تتمة الحديث السابق فمروا ثلاثتهم حتى إنتهوا إلى ساحل البحر وقد شحنت سفينة وهي تريد أن تعبر فقال أرباب السفينة نحمل هؤلاء الثلاثة نفر فإنهم قوم صالحون فحملوهم فلما جنحت السفينة في البحر قام الخضر عليه السلام إلى جوانب السفينة فكسرها وحشاها بالخرق والطين فغضب موسى عليه السلام غضبا شديدا فقال للخضر أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا فقال له الخضر عليه السلام ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال موسى لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا فخرجوا من السفينة فنظر الخضر إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه كأنه قطعة قمر وفي أذنيه درتان فتأمله الخضر ثم أخذه وقتله فوثب

[ 255 ]

موسى عليه السلام على الخضر وجلد به الأرض فقال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا فقال الخضر عليه السلام ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا قال موسى إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصحبني قد بلغت من لدنى عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا بالعشي قرية تسمى الناصرة وإليها تنسب النصارى ولم يضيفوا أحدا قط ولم يطعموا غريبا فاستطعموهم فلم يطعموهم ولم يضيفوهم. وزاد العياشي ولن يضيفوا أحدا بعدهما حتى تقوم الساعة فنظر الخضر عليه السلام إلى حايط قد زال ليتهدم فوضع يده عليه وقال قم بإذن الله تعالى فقام فقال موسى عليه السلام لم ينبغ أن تقيم الجدار حتى يطعمونا ويأوونا وهو قوله لو شئت لاتخذت عليه أجرا فقال له الخضر هذا فراق بينى وبينك. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وددنا أن موسى عليه السلام كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما. (79) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها اجعلها ذات عيب وكان ورائهم ملك. العياشي عن الصادق عليه السلام إنه كان يقرأ وكان وراءهم ملك يعني أمامهم يأخذ كل سفينة من أصحابها غصبا. في المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام أنهما كانا يقرءان كل سفينة صالحة غصبا قال وهي قراءة أمير المؤمنين عليه السلام. والقمي هكذا نزلت قال وإذا كانت معيوبة لم يأخذ منها شيئا. أقول: بناء المعنى عليها. (80) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين. في المجمع عن الصادق عليه السلام إنه كان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وأبواه مؤمنين. والعياشي عن أحدهما عليهما السلام إنه قرأ وكان أبواه مؤمنين وطبع كافرا

[ 256 ]

وكذا في العلل عن الصادق عليه السلام والقمي وهو طبع كافرا قال كذا نزلت فنظرت إلى جبينه وعليه مكتوب طبع كافر فخشينا أن يرهقهما أن يغشيهما طغيانا وكفرا. في العلل عن الصادق عليه السلام علم الله أنه إن بقى كفر أبواه وإفتتنا به وضلا بإضلاله فأمرني الله بقتله وأراد بذلك نقلهم إلى محل كرامته في العاقبة. والعياشي عنه عليه السلام خشى إن أدرك الغلام أن يدعو أبويه إلى الكفر فيجيبانه. وعنه عليه السلام بينما العالم يمشي مع موسى عليه السلام إذا هم بغلام يلعب فوكزه وقتله قال له موسى أقتلت نفسا الاية قال فأدخل العالم يده فإقتلع كتفه فإذا عليه مكتوب كافر مطبوع ومرفوعا كان في كتف الغلام الذي قتله العالم مكتوب كافر. وعنه عليه السلام إن نجدة الحروري كتب إلى إبن عباس يسأله عن سبي الذراري فكتب إليه أما الذراري فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يقتلهم وكان الخضر عليه السلام يقتل كافرهم ويترك مؤمنهم فإن كنت تعلم ما يعلم الخضر فاقتلهم. (81) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه أن يرزقهما بدله ولدا خيرا منه وقرئ يبدلهما بالتشديد زكوة طهارة من الذنوب والأخلاق الردية وأقرب رحما رحمة وعطفا على والديه وقرئ بضمتين. في الكافي والفقيه والمجمع عن الصادق عليه السلام والعياشي عن أحدهما عليهما السلام أنهما ابدلا بالغلام المقتول إبنة فولد منها سبعون نبيا. (82) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما أي الحلم وكمال الرأي ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك. في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذا الكنز فقال أما أنه ما كان ذهبا ولا فضة وإنما كان أربع كلمات لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم

[ 257 ]

يضحك سنة ومن أيقن بالحساب لم يفرح قلبه ومن أيقن بالقدر لم يخش إلا الله وفيه عن الرضا عليه السلام كان فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها وينبغي لمن عقل عن الله أن لا يتهم الله في قضائه ولا يستبطئه في رزقه. وفي المعاني عن أمير المؤمنين عليه السلام. والقمي عن الصادق عليه السلام كان ذلك الكنز لوحا من ذهب فيه مكتوب بسم الله لا إله إلا الله محمد رسول الله عجبت لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن عجبت لمن يذكر النار كيف يضحك عجبت لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها وفي الكنز روايات اخر بزيادة ونقصان. والعياشي عن الصادق عليه السلام إن الله ليحفظ ولد المؤمن إلى ألف سنة وإن الغلامين كان بينهما وبين أبويهما سبعمأة سنة. وعنه عليه السلام إن الله ليصلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته ودويرات حوله فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله ثم ذكر الغلامين وقال ألم تر أن الله شكر صلاح أبويهما لهما. وفي العوالي عنه عليه السلام لما أقام العالم الجدار أوحى الله إلى موسى عليه السلام إني مجازي الأبناء بسعي الاباء إن خيرا فخير وإن شرا فشر لا تزنوا فتزني نساؤكم من وطى فراش مسلم وطي فراشه كما تدين تدان وما فعلته وما فعلت ما رأيته عن أمرى عن رأيي وإنما فعلته بأمر الله عز وجل. في العلل عن الصادق عليه السلام في قوله فأردت أن أعيبها فنسب الأرادة في هذا الفعل إلى نفسه لعلة ذكر التعييب لأنه أراد أن يعيبها عند الملك إذا شاهدها فلا يغصب المساكين عليها ولو أراد الله

[ 258 ]

عز وجل صلاحهم بما أمره به من ذلك وقال في قوله فخشينا أن يرهقهما إنما اشترك (اشرك خ ل) في الأنانية لأنه خشي والله لا يخشى لأنه لا يفوته شئ ولا يمتنع عليه أمر أراده وإنما خشى الخضر من أن يحال بينه وبين ما امر به فلا يدرك ثواب الأمضاء فيه ووقع في نفسه أن الله جعله سببا لرحمة أبوي الغلام فعمل فيه وسط الأمر من البشرية مثل ما كان عمل في موسى عليه السلام لأنه صار في الوقت مخبرا وكليم الله موسى مخبرا ولم يكن ذلك بإستحقاق الخضر الرتبة على موسى عليه السلام وهو أفضل من الخضر بل كان لأستحقاق موسى للتبيين وقال في قوله فأراد ربك فتبرأ من الأنانية في آخر القصص ونسب الأرادة كلها إلى الله تعالى ذكره في ذلك لأنه لم يكن بقي شئ مما فعله فيخبر به بعد ويصير موسى به مخبرا ومصغيا إلى كلامه تابعا له فتجرد عن الأنانية والأرادة تجرد العبد المخلص ثم صار متنصلا (1) مما أتاه من نسبة الأنانية في أول القصة ومن ادعاء الأشتراك في ثاني القصة فقال رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا أي ما لم تستطع فحذف التاء تخفيفا قيل ومن فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء بعلمه ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعل فيه سرا لا يعرفه وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم ويراعي الأدب في المقال وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق أصراره ثم يهاجر عنه. (83) ويسئلونك عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا. في قرب الأسناد عن الكاظم عليه السلام إن نفرا من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا لأبي الحسن عليه السلام جدي إستاذن لنا على إبن عمك نسأله قال فدخل علي عليه السلام فأعلمه فقال ما تريدون مني فإني عبد من عبيد الله لا أعلم إلا ما علمني ربي ثم قال إئذن لهم فدخلوا فقال أتسألوني عما جئتم له أم انبئكم قالوا نبئنا قال جئتم تسألوني عن ذي القرنين قالوا نعم قال كان غلاما من أهل الروم ثم ملك وأتى مطلع الشمس ومغربها ثم بنى السد فيها قالوا نشهد أن هذا كذا وكذا. والقمي لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بخبر موسى عليه السلام وفتاه والخضر


1 - تنصل منه تبرأ منه. (*)

[ 259 ]

قالوا فاخبرنا عن طائف طاف المشرق والمغرب من هو وما قصته فأنزل الله الاية. وعن أمير المؤمنين عليه السلام إنه سئل عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا فقال لا نبيا ولا ملكا بل عبد أحب الله فأحبه الله ونصح لله فنصح له وبعثه إلى قومه فضربوه على قرنه الأيمن فغاب عنهم ما شاء الله أن يغيب ثم بعثه الثانية فضربوه على قرنه الأيسر فغاب عنهم ما شاء الله ثم بعثه الثالثة فمكن الله له في الأرض وفيكم مثله يعني نفسه. وعن الصادق عليه السلام إن ذا القرنين بعثه الله إلى قومه فضرب على قرنه الأيمن فأماته الله خمسمأة عام ثم بعثه الله إليهم بعد ذلك فضرب على قرنه الأيسر فأماته الله خمسمأة عام ثم بعثه إليهم بعد ذلك فملكه مشارق الأرض ومغاربها من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغرب وهو قوله حتى إذا بلغ مغرب الشمس الاية. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام إن ذا القرنين لم يكن نبيا ولا رسولا كان عبدا أحب الله فأحبه وناصح لله فنصحه دعا قومه فضربوه على أحد قرنيه فقتلوه ثم بعثه الله فضربوه على قرنه الاخر فقتلوه. وفي رواية أخرى أنه سئل عنه عليه السلام أملكا كان أم نبيا وعن قرنيه أذهبا كان أم فضة فقال إنه لم يكن نبيا ولا ملكا ولم يكن قرناه ذهبا ولا فضة ولكنه الحديث كما ذكر. وفي الأكمال عن الباقر عليه السلام إن ذا القرنين لم يكن نبيا ولكنه كان عبدا صالحا أحب الله فأحبه ونصح لله فنصحه الله وإنما سمي ذا القرنين لأنه دعا قومه فضربوه على قرنه فغاب عنهم حينا ثم عاد إليهم فضرب على قرنه الاخر وفيكم مثله. والعياشي ما يقرب منه وعنه عليه السلام إن الله لم يبعث أنبياء ملوكا في الأرض إلا أربعة بعد نوح أولهم ذو القرنين وإسمه عياش وداود وسليمان ويوسف فأما عياش فملك ما بين المشرق والمغرب وأما داود فملك ما بين الشامات إلى بلاد اصطخر وكذلك كان ملك سليمان عليه السلام وأما يوسف فملك مصر وبراريها لم يجاوزها إلى غيرها.

[ 260 ]

وفي الخصال مرفوعا ملك الأرض كلها أربعة مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين وأما الكافران فنمرود وبخت النصر وإسم ذي القرنين عبد الله ابن ضحاك. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه سئل عن ذي القرنين فقال كان عبدا صالحا وإسمه عياش إختاره الله وابتعثه إلى قرن من القرون الأولى في ناحية المغرب وذلك بعد طوفان نوح عليه السلام فضربوه على قرن رأسه الأيمن فمات منها ثم أحياه الله بعد مأة عام ثم بعثه إلى قرن من القرون الأولى في ناحية المشرق فكذبوه وضربوه ضربة على قرن رأسه الأيسر فمات منها ثم أحياه الله بعد مأة عام وعوضه من الضربتين اللتين على رأسه قرنين في موضع الضربتين أجوفين وجعل عز ملكه وآية نبوته في قرنية ثم رفعه الله إلى السماء الدنيا فكشط له عن الأرض كلها جبالها وسهولها وفجاجها حتى أبصر ما بين المشرق والمغرب وآتاه الله من كل شئ فعرف به الحق والباطل وأيده في قرنيه بكسف من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ثم أهبط إلى الأرض وأوحى إليه أن في ناحية غربي الأرض وشرقيها فقد طويت لك البلاد وذللت لك العباد فأرهبتهم منك فسار إلى ناحية المغرب فكان إذا مر بقرية يزأر فيها كما يزأر الأسد المغضب فينبعث من قرنه ظلمات فيه رعد وبرق وصواعق تهلك من ناواه وخالفه فلم يبلغ مغرب الشمس حتى دان له أهل المشرق والمغرب قال وذلك قول الله إنا مكنا له في الارض الاية. وعن الباقر عليه السلام إن ذا القرنين خير بين السحاب الصعب والسحاب الذلول فاختار الذلول فركب الذلول فكان إذا إنتهى إلى قوم كان رسول نفسه إليهم لكيلا يكذب الرسل. وعن أمير المؤمنين عليه السلام إنه سئل عن ذي القرنين فقال سخر له السحاب وقربت له الأسباب وبسط له في النور فقيل له كيف بسط له في النور فقال كان يضئ بالليل كما يضئ بالنهار. وفي الأكمال والخرايج عنه عليه السلام إنه سئل عن ذي القرنين كيف استطاع

[ 261 ]

أن يبلغ المشرق والمغرب فقال سخر الله له السحاب ويسر له الأسباب وبسط له النور وكان الليل والنهار عليه سواء وزاد في الخرايج أنه رأى في المنام كأنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنها في شرقها وغربها فلما قص رؤياه على قومه وعرفهم سموه ذا القرنين فدعاهم إلى الله فأسلموا الحديث. (84) إنا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ أراده وتوجه إليه سببا قيل وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والالة. والقمي عن أمير المؤمنين عليه السلام أي دليلا. (85) فأتبع سببا أي فأراد بلوغ المغرب فاتبع سببا يوصله إليه وقرئ بقطع الهمزة مخففة التاء. (86) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ذات حماة وهي الطين الأسود وقرئ حامية أي حارة ويحتمل أن تكون جامعة للوصفين قيل لعله بلغ ساحل البحر المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال وجدها تغرب ولم يقل كانت تغرب. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام في عين حامية في بحر دون المدينة التي تلي مما يلي المغرب يعني جابلقا. وعنه عليه السلام لما انتهى مع الشمس إلى العين الحامية وجدها تغرب فيها ومعها سبعون ألف ملك يجرونها بسلاسل الحديد والكلاليب يجرونها من قعر البحر في قطر الأرض الأيمن كما تجري السفينة على ظهر الماء ووجد عندها عند تلك العين قوما ناسا كفرة قلنا يذا القرنين إما أن تعذب أي بالقتل على كفرهم وإما أن تتخذ فيهم حسنا بإرشادهم وتعليمهم الشرايع. (87) قال أما من ظلم أي أدعوهم إلى الأيمان أولا فأما من دعوته فظلم نفسه بالأصرار على كفره فسوف نعذبه بعذاب الدنيا ثم يرد إلى ربه في مرجعه فيعذبه عذابا نكرا عذابا منكرا لم يعهد مثله في الاخرة.

[ 262 ]

القمي عن الصادق عليه السلام أي في النار. (88) وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى جزاء فعلته الحسنى وقرئ جزاء منونا منصوبا أي فله المثوبة الحسنى جزاء وسنقول له من أمرنا مما نأمر به من الخراج وغيره يسرا سهلا ميسرا غير شاق. (89) ثم أتبع سببا ثم اتبع طريقا يوصله إلى المشرق. (90) حتى إذا بلغ مطلع الشمس قيل يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولا من معمورة الأرض وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا في المجمع والعياشي عن الباقر عليه السلام لم يعلموا صنعة البيوت والقمي قال لم يعلموا صنعة الثياب. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ورد على قوم قد أحرقهم الشمس وغيرت أجسادهم وألوانهم حتى صيرتهم كالظلمة. (91) كذلك أي أمره كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك أو امره فيه كأمره في أهل المغرب وقد أحطنا بما لديه خبرا من الجنود والايات والعدد والأسباب فإنها مع كثرتها لا يحيط بها إلا علم اللطيف الخبير. (92) ثم أتبع سببا يعني طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب آخذا من الجنوب إلى الشمال. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام سببا في ناحية الظلمة. (93) حتى إذا بلغ بين السدين بين الجبلين المبني بينهما سده وقرئ بضم السين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم وقرئ بضم الياء وكسر القاف أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتعلثمهم فيه. (94) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج وقرئ بالهمزة قيل هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل.

[ 263 ]

وفي العلل عن الهادي عليه السلام جميع الترك والسقالب ويأجوج ومأجوج والصير (والصين خ ل) من يافث حيث كانوا مفسدون في الارض أي في أرضنا بالقتل والتخريب واتلاف الزروع. والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج خلف هذين الجبلين وهم يفسدون في الأرض إذا كان أبان زروعنا وثمارنا خرجوا علينا من هذين السدين فرعوا في ثمارنا وفي زروعنا حتى لا يبقون منها شيئا فهل نجعل لك خرجا (1) قال أي مالا نؤديه إليك في كل عام وقرئ خراجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا يحجز دون خروجهم علينا وقرئ بضم السين. (95) قال ما مكنى فيه ربى خير ما جعلني فيه مكينا من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه وقرئ مكنني بالنونين فأعينوني بقوة بقوة فعلة أو بما أتقوى به من الالات أجعل بينكم وبينهم ردما حاجزا حصينا وهو أكبر من السد. (96) آتونى زبر الحديد قطعه والزبر القطعة الكبيرة قيل هو لا ينافي رد الخراج والأقتصار على المعونة لأن الأيتاء بمعنى المناولة وقرئ ء ائتوني بكسر الهمزة بمعنى جيئوني بها بحذف الياء حتى إذا ساوى بين الصدفين بين جانبي الجبلين بتنضيدها وقرئ بضمتين وبضم الصاد وسكون الدال قال انفخوا أي قال للعملة إنفخوا في الأكوار حتى إذا جعله نارا كالنار بالأحماء قال اتوني أفرغ عليه قطرا أي آتوني قطرا أفرغه عليه أي نحاسا وقرئ ائتوني. القمي فأمرهم أن يأتوه بالحديد فوضعه بين الصدفين يعني بين الجبلين حتى سوى بينهما ثم أمرهم أن يأتوا بالنار فأتوا بها فنفخوا تحت الحديد حتى صار الحديد مثل النار ثم صب عليه القطر وهو الصفر حتى سده. وعن الصادق عليه السلام في حديث فجعل ذو القرنين بينهم بابا من نحاس وحديد وزفت وقطران فحال بينهم وبين الخروج.


1 - الفرق بين الخرج والخراج: أن الاول لما يخرج من المال والثاني للغلة وما يخرج من الارض. (*)

[ 264 ]

والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام فاحتفروا له جبل حديد فقلعوا له أمثال اللبن فطرح بعضه على بعض فيما بين الصدفين وكان ذو القرنين هو أول من بني ردما على وجه الأرض ثم جعل عليه الحطب وألهب فيه النار ووضع عليه المنافيخ فنفخوا عليه قال فلما ذاب قال ائتوني بقطر فاحتفروا له جبلا من مس فطرحوه على الحديد فذاب معه واختلط به. (97) فما اسطاعوا أي فما إستطاعا بحذف التاء قال يعني يأجوج ومأجوج أن يظهروه أن يعلوه بالصعود لأرتفاعه وإنملاسه وما استطاعوا له نقبا لثخنه وصلابته. (98) قال هذا هذا السد أو الأقتدار على تسويته رحمة من ربى على عباده فإذا جاء وعد ربى بقيام الساعة جعله دكاء مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض وقرئ دكاء بالمد أي أرضا مستوية وكان وعد ربى حقا كائنا لا محالة. القمي إذا كان قبل يوم القيامة في آخر الزمان إنهدم ذلك السد وخرج يأجوج ومأجوج إلى الدنيا وأكلوا الناس وهو قوله حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. وعن الصادق عليه السلام ليس منهم رجل يموت حتى يولد له من صلبه ألف ولد ذكر ثم قال هم أكثر خلق خلقوا بعد الملائكة. وفي الخصال عنه عليه السلام الدنيا سبعة أقاليم يأجوج ومأجوج والروم والصين والزنج وقوم موسى عليه السلام وإقليم بابل وعن النبي صلى الله عليه وآله إنه عد من الايات التي تكون قبل الساعة خروج يأجوج ومأجوج. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن يأجوج ومأجوج فقال يأجوج امة ومأجوج امة وكل امة أربعمأة امة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كل قد حمل السلاح قيل يا رسول الله صفهم لنا قال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز قيل يا رسول الله وما الأرز قال شجر بالشام طويل وصنف منهم طولهم وعرضهم سواء وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد وصنف منهم

[ 265 ]

يفترش أحدهم إحدى اذنيه ويلتحف بالاخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. وفيه وجاء في الحديث إنهم يدأبون في حفره نهارهم حتى إذا أمسوا وكادوا يبصرون شعاع الشمس قالوا نرجع غدا ونفتحه ولا يستثنون فيعودون من الغد وقد استوى كما كان حتى إذا جاء وعد الله قالوا غدا نفتح ونخرج إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه بالأمس فيحفرونه فيخرجون على الناس فيسقون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون سهامهم إلى السماء فترجع وفيها كهيئة الدماء فيقولون قد قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم بققا في أقفائهم فتدخل في آذانهم فيهلكون بها. قال النبي صلى الله عليه وآله والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتسكر من لحومهم سكرا. وفي الأمالي عنه عليه السلام إنه سئل عن يأجوج ومأجوج فقال إن القوم لينقرون بمعاولهم دائبين فإذا كان الليل قالوا غدا نفرغ فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس حتى يسلم منهم رجل حين يريد الله أن يبلغ أمره فيقول المؤمن غدا نفتحه إن شاء الله فيصبحون ثم يغدون عليه فيفتحه الله فو الذي نفسي بيده ليمرن الرجل منهم على شاطئ الوادي الذي بكوفان وقد شربوه حتى نزحوه قيل يا رسول الله ومتى هذا قال حين لا يبقى من الدنيا إلا مثل صبابة الأناء. والعياشي عن الصادق عليه السلام في قوله عز وجل أجعل بينكم وبينهم ردما قال التقية فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين أعداء الله سدا لا يستطيعون له نقبا فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء قال رفع التقية عند الكشف فأنتقم من أعداء الله. (99) وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض يختلطون مزدحمين حيارى

[ 266 ]

والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام يعني يوم القيامة ونفخ في الصور لقيام الساعة فجمعناهم جمعا للحساب والجزاء. (100) وعرضنا جهنم يومئذ للكفرين عرضا وأبرزناها لهم فشاهدوها. (101) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى عن آياتي والتفكر فيها وكانوا لا يستطيعون سمعا أي وكانوا صما عنه. القمي كانوا لا ينظرون إلى ما خلق الله من الايات كالسموات والأرض. والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل تستطيع النفس المعرفة فقال لا قيل يقول الله الذين كانت أعينهم في غطاء الاية قال هو كقوله ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون قيل فعابهم قال لم يعبهم بما صنع هو بهم ولكن عابهم بما صنعوا ولو لم يتكلفوا لم يكن عليهم شئ. وفي العيون عن الرضا عليه السلام إن غطاء العين لا يمنع من الذكر والذكر لا يرى بالعين ولكن الله عز وجل شبه الكافرين بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام بالعميان لأنهم كانوا يستثقلون قول النبي صلى الله عليه وآله فيه ولا يستطيعون له سمعا. والقمي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال يعني بالذكر ولاية أمير المؤمنين عليه السلام قال كانوا لا يستطيعون إذا ذكر علي عليه السلام عندهم أن يسمعوا ذكره لشدة بغض له وعداوة منهم له ولأهل بيته. (102) أفحسب الذين كفروا أفظنوا والأستفهام للأنكار أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء قيل يعني إتخاذهم الملائكة والمسيح معبودين ينجيانهم من عذابي فحذف المفعول الثاني للقرينة. وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قرأ أفحسب برفع الباء وسكون السين فيكون معناه افكافيهم في النجاة. والقمي عن الصادق عليه السلام قال يعينهما وأشياعهما الذين اتخذوهما من

[ 267 ]

دون الله أولياء وكانوا يريدون أنهم بحبهم إياهما أنهما ينجيانهم من عذاب الله عز وجل وكانوا بحبهما كافرين إنا أعتدنا جهنم للكفرين نزلا قال مأوى ونزلا فهي لهما ولأشياعهما معدة عند الله تعالى. (103) قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا. (104) الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا ضاع وبطل لكفرهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لعجبهم وإعتقادهم أنهم على الحق. القمي نزلت في اليهود وجرت في الخوارج وعن الباقر عليه السلام هم النصارى والقسيسون والرهبان وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة والحرورية وأهل البدع. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال كفرة أهل الكتاب اليهود والنصارى وقد كانوا على الحق فابتدعوا في أديانهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ثم قال وما أهل النهروان منهم ببعيد. والعياشي عنه عليه السلام مثله. وفي الجوامع عنه عليه السلام هي كقوله عاملة ناصبة وقال منهم أهل حروراء. (105) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم بكفرهم فلا يثابون عليها فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقدارا واعتبارا أو لا نضع لهم ميزانا يوزن به أعمالهم لأنحباطها. في الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث يذكر فيه أهل الموقف وأحوالهم ومنهم أئمة الكفر وقادة الضلالة فأولئك لا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ولا يعبؤ بهم لأنهم لم يعبؤا بأمره ونهيه يوم القيامة فهم في جهنم خلدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه ليأتي الرجل السمين يوم القيامة

[ 268 ]

لا يزن جناح بعوضة. والقمي وزنا قال أي حسنة. (106) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتى ورسلي هزوا قال يعني الأوصياء الايات التي اتخذوها هزوا. وفي العيون عن الرضا عليه السلام فيما كتبه للمأمون ويجب البراءة من أهل الأستيثار من أبي موسى الأشعري وأهل ولايته الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولقائه كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا فهم كلاب أهل النار. (107) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله الجنة مأة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض الفردوس أعلاها درجة منها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس. والقمي عن الصادق عليه السلام هذه نزلت في أبي ذر والمقداد وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر جعل الله عز وجل لهم جنات الفردوس نزلا أي مأوى ومنزلا. (108) خالدين فيها قال لا يخرجون منها لا يبغون عنها حولا قال لا يريدون بها بدلا. (109) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى وقرئ بالياء ولو جئنا بمثله مددا قال إن كلام الله عز وجل ليس له آخر ولا غاية ولا ينقطع أبداوقرئ مدادا بكسر الميم جمع مدة وهي ما يستمدبه الكاتب قيل في سبب نزولها ما مر في سورة بني إسرائيل عند قوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. (110) قل إنما أنا بشر مثلكم قال يعني في الخلق أنه مثلهم مخلوق يوحى

[ 269 ]

إلي أنما إلهكم إله واحد. في الأحتجاج وتفسير الأمام عليه السلام في سورة البقرة قال عليه السلام في هذه الاية يعني قل لهم أنا في البشرية مثلكم ولكن ربي خصني بالنبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغني والصحة والجمال دون بعض البشر فلا تنكروا أن يخصني أيضا بالنبوة فمن كان يرجوا لقاء ربه يؤمن بإنه مبعوث. كذا في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام فليعمل عملا صالحا خالصا لله ولا يشرك بعبادة ربه احدا القمي فهذا الشرك شرك رياء. وعن الباقر عليه السلام سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن تفسير هذه الاية فقال من صلى مراياة الناس فهو مشرك ومن زكى مراياة الناس فهو مشرك ومن صام مراياة الناس فهو 0 مشرك ومن حج مراياة الناس فهو مشرك ومن عمل عملا مما أمره الله مراياة الناس فهو مشرك ولا يقبل الله عز وجل عمل مرائي. وفي الكافي عنه عليه السلام في هذه الاية الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه ثم قال ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا وما من عبد يسر شرا فذهبت الأيام حتى يظهر الله له شرا. وعنه عليه السلام أنه سئل عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك قال لا بأس ما من أحد إلا ويحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يصنع ذلك لذلك. وعن الرضا عليه السلام إنه كان يتوضأ للصلاة فأراد رجل أن يصب الماء على يديه فأبى وقرأ هذه الاية وقال وها انا ذا أتوضأ للصلاة وهي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد. أقول: وهذا تفسير آخر للاية ولعله تنزيه وذلك تحريم. والعياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن تفسير هذه الاية فقال من صلى

[ 270 ]

أو صام أو أعتق أو حج يريد محمدة الناس فقد أشرك في عمله وهو مشرك مغفور. أقول: يعني أنه ليس من الشرك الذي قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وذلك لأن المراد بذلك الشرك الجلي وهذا هو الشرك الخفي. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال الله عز وجل أنا اغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ فهو للذي أشرك. والعياشي عن الصادق عليه السلام قال إن الله يقول أنا خير شريك من عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له وعنهما عليهما السلام لو أن عبدا عمل عملا يطلب به رحمة الله والدار الاخرة ثم أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا. والعياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال العمل الصالح المعرفة بالأئمة ولا يشرك بعبادة ربه أحدا التسليم لعلي عليه السلام لا يشرك معه في الخلافة من ليس ذلك له ولا هو من أهله. والقمي عنه عليه السلام ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قال لا يتخذ مع ولاية آل محمد صلوات الله عليهم غيرهم وولايتهم العمل الصالح من أشرك بعبادة ربه فقد أشرك بولايتنا وكفر بها وجحد أمير المؤمنين عليه السلام حقه وولايته. في الفقيه عن النبي صلى الله عليه وآله من قرأ هذه الاية عند منامه قل إنما أنا بشر إلى آخرها سطع له نور من المسجد الحرام حشو ذلك النور ملائكة يستغفرون له حتى يصبح. وفي ثواب الأعمال عن أمير المؤمنين عليه السلام ما من عبد يقرأ قل إنما أنا بشر مثلكم إلى آخر السورة إلا كان له نور من مضجعه إلى بيت الله الحرام فإن كان من أهل بيت الله الحرام كان له نور إلى بيت المقدس. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ما من عبد يقرأ آخر الكهف عند النوم إلا تيقظ في الساعة التي يريد. وعنه عليه السلام من قرأ سورة الكهف في كل ليلة جمعة كانت كفارة ما بين

[ 271 ]

الجمعة إلى الجمعة قال وروي فيمن قرأها يوم الجمعة بعد الظهر والعصر مثل ذلك. وفي ثواب الأعمال والمجمع عنه عليه السلام من قرأ سورة الكهف في كل ليلة جمعة لم يمت إلا شهيدا ويبعثه الله من الشهداء ووقف يوم القيامة مع الشهداء اللهم ارزقنا تلاوته يا ارحم الراحمين.

[ 272 ]

سورة مريم هي مكية بالأجماع عدد آيها هي ثمان وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) كهيعص في الأكمال عن الحجة القائم عليه السلام في حديث أنه سئل من تأويلها فقال هذه الحروف من أنباء الغيب اطلع الله عبده زكريا عليها ثم قصها على محمد صلى الله عليه وآله وذلك أن زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة فاهبط الله عليه جبرئيل فعلمه إياها فكان زكريا إذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن عليهم السلام سرى عنه همه وانجلى كربه وإذا ذكر الحسين عليه السلام خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة فقال ذات يوم إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين عليه السلام تدمع عيني وتثور زفرتي فأنبأه تبارك وتعالى عن قصته فقال كهيعص فالكاف إسم كربلا والهاء هلاك العترة والياء يزيد لعنه الله وهو ظالم الحسين عليه السلام والعين عطشه والصاد صبره فلما سمع بذلك زكريا عليه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيها الناس من الدخول عليه وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته إلهي أتفجع خير خلقك بولده أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه إلهي أتلبس عليا وفاطمة عليهما السلام ثياب هذه المصيبة إلهي أتحل كرب هذه الفجيعة بساحتهما ثم كان يقول إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني عند الكبر واجعله وارثا وصيا واجعل محله مني محل الحسين عليه السلام فإذا رزقتنيه فافتني بحبه ثم افجعني به كما تفجع محمدا صلى الله عليه وآله حبيبك بولده فرزقه الله يحيى عليه السلام وفجعه به وكان حمل يحيى عليه السلام ستة أشهر وحمل الحسين عليه السلام كذلك.

[ 273 ]

وفي المناقب عنه عليه السلام مثله وفي المعاني عن الصادق عليه السلام معناه أنا الكافي الهادي الولي العالم الصادق الوعد. وعنه عليه السلام كاف لشيعتنا هاد لهم ولي لهم عالم بأهل طاعتنا صادق لهم وعده حتى يبلغ بهم المنزلة التي وعدهم إياها في بطن القرآن. والقمي عنه عليه السلام هذه أسماء الله مقطعة ثم ذكر قريبا مما سبق. وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في دعائه يا كهيعص. (2) ذكر رحمت ربك عبده زكريا أي هذا ذكر رحمة ربك. القمي عن الباقر عليه السلام ذكر ربك زكريا فرحمه. (3) إذ نادى ربه نداء خفيا لعل ذلك لأنه أشد إخباتا وأكثر إخلاصا. في المجمع في الحديث خير الدعاء الخفي وخير الرزق ما يكفي. (4) قال رب إنى وهن العظم منى القمي يقول ضعف واشتعل الرأس شيبا شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره في الشعر باشتعالها. وفي العلل عن الصادق عليه السلام كان الناس لا يشيبون فأبصر إبراهيم عليه السلام شيبا في لحيته فقال يا رب ما هذا فقال هذا وقار فقال يا رب زدني وقارا ولم أكن بدعائك ربى شقيا بل كلما دعوتك إستجبت لي وهو توسل بما سلف معه من الأستجابة وتنبيه على أن المدعو له إن لم يكن معتادا فإجابته معتادة وأنه تعالى عوده بالأجابة وأطمعه فيها ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه. (5) وإنى خفت الموالي من ورائي بعد موتي أن لا يحسنوا خلافتي على امتي ويبدلوا عليهم دينهم وقرئ بالقصر وفتح الياء. في المجمع عن الباقر عليه السلام هم العمومة وبنو العم. والقمي يقول خفت الورثة من بعدي.

[ 274 ]

وفي الجوامع قرأ السجاد والباقر عليهما السلام خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء أي قلوا وعجزوا من إقامة الدين من بعدي وكانت امرأتي عاقرا لا تلد فهب لى من لدنك رحمة فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك وليا من صلبي. (6) يرثنى ويرث من آل يعقوب وقرئ بالجزم. وفي المجمع عن السجاد والباقر عليهما السلام إنهما قرءا يرثني وأرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ترضاه قولا وعملا. القمي لم يكن يومئذ لزكريا ولد يقوم مقامه ويرثه وكانت هدايا بني إسرائيل ونذورهم للأحبار وكان زكريا رئيس الأحبار وكانت إمرأة زكريا اخت مريم بنت عمران بن ماتان ويعقوب بن ماتان وبنو ماتان إذ ذاك رؤساء بني إسرائيل وبنو ملوكهم وهم من ولد سليمان بن داود. (7) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى جواب لندائه ووعد بإجابة دعائه وإنما تولى تسميته تشريفا له لم نجعل له من قبل سميا. القمي يقول لم يسم بإسم يحيى أحد قبله. (8) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا من عتا الشيخ يعتو إذا كبر وأسن وأصله عتوا وإنما إستعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر إعترافا بأن المؤثر فيه كمال قدرته وإن الوسائط عند التحقيق ملغاة. في الكافي عنهم عليهم السلام فيما وعظ الله به عيسى عليه السلام ونظيرك يحيى من خلقي وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوة بها أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني وتظهر فيك قدرتي. (9) قال أي الله أو الملك المبشر كذلك أي الأمر كذلك أو هو منصوب بقال في قال ربك وذلك إشارة إلى مبهم يفسره هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا بل كنت معدوما صرفا. (10) قال رب اجعل لى آية علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به قال آيتك ألا

[ 275 ]

تكلم الناس ثلث ليال سويا سوي الخلق ما بك من خرس ولا بكم وفي سورة آل عمران ثلاثة أيام وفيه دلالة على أنه تجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام بلياليهن. (11) فخرج على قومه من المحراب من المصلى أو من الغرفة فأوحى إليهم فأومى إليهم لقوله إلا رمزا أن سبحوا صلوا أو نزهوا ربكم بكرة وعشيا طرفي النهار ولعله كان مأمورا بأن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه. (12) يا يحيى على تقدير القول خذ الكتب التوراة بقوة بجد وإستظهار بالتوفيق وآتيناه الحكم صبيا. في الكافي عن الباقر عليه السلام مات زكريا فورثه إبنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير ثم تلا هذه الاية وعن الجواد عليه السلام إن الله إحتج في الأمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال وآتيناه الحكم صبيا. وفي المجمع عن الرضا عليه السلام إن الصبيان قالوا ليحيى عليه السلام إذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال الله تعالى وآتيناه الحكم صبيا. (13) وحنانا من لدنا ورحمة منا عليه وتعطفا. في الكافي عن الباقر عليه السلام أنه سئل ما عني بقوله في يحيى وحنانا من لدنا قال تحنن الله سئل فما بلغ من تحنن الله عليه قال كان إذا قال يا رب قال الله عز وجل له لبيك يا يحيى. وفي المجمع ما في معناه وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام في هذه الاية إنه كان إذا قال في دعائه يا رب يا الله ناداه الله من السماء لبيك يا يحيى سل ما حاجتك وزكوة وطهارة وكان تقيا. (14) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا. في تفسير الأمام عليه السلام في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم ما ألحق الله صبيا برجال كاملي العقول إلا هؤلاء الأربعة عيسى بن

[ 276 ]

مريم ويحيى بن زكريا والحسن والحسين عليهما السلام ثم ذكر قصتهم وذكر في قصة يحيى قوله تعالى وآتيناه الحكم صبيا قال ومن ذلك الحكم أنه كان صبيا فقال له الصبيان هلم نلعب قال والله ما للعب خلقنا وإنما خلقنا للجد لأمر عظيم ثم قال وحنانا من لدنا يعني تحننا ورحمة على والديه وسائر عبادنا وزكوة يعني طهارة لمن آمن به وصدقه وكان تقيا يتقي الشرور والمعاصي وبرا بوالديه محسنا إليهما مطيعا لهما ولم يكن جبارا عصيا يقتل على الغضب ويضرب على الغضب لكنه ما من عبد لله تعالى إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا فلم يذنب ولم يهم بذنب. (15) وسلام (1) عليه يوم ولد من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم ويوم يموت من عذاب القبر ويوم يبعث حيا من هول القيامة وعذاب النار. في العيون عن الرضا عليه السلام إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن يوم ولد ويوم يخرج من بطن امه فيرى الدنيا ويوم يموت فيعاين الاخرة وأهلها ويوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا وقد سلم الله عز وجل على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال وتلا الاية قال وقد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال وتلا الاية الاتية. (16) واذكر في الكتاب في القرآن مريم قصتها إذ انتبذت إعتزلت من أهلها مكانا شرقيا. القمي قال خرجت إلى النخلة اليابسة. أقول ويأتي بيانه. (17) فاتخذت من دونهم حجابا سترا وحاجزا القمي قال في محرابها فأرسلنا إليها روحنا قال يعني جبرئيل فتمثل لها بشرا سويا قيل في صورة شاب سوي الخلق. (18) قالت إنى أعوذ بالرحمن منك من غاية عفافها إن كنت تقيا تقي الله وتحتفل بالأستعاذة وجواب الشرط محذوف دل عليه قال ما قبل أي فلا تتعرض لي وتتعظ بتعويذي أو


(1) أي سلام عليه منا في هذه الايام. (*)

[ 277 ]

متعلق بأعوذ فيكون مبالغة. (19) قال إنما أنا رسول ربك الذي إستعذت به لاهب لك غلاما لأكون سببا في هبته بالنفخ في الدرع وقرئ ليهب بالياء زكيا طاهرا من الذنوب أو ناميا على الخير. (20) قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسني بشر ولم يباشرني رجل بالحلال فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه ولم أك بغيا زانية. (21) قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله أي ونفعل ذلك فنجعله أو لنبين به قدرتنا ولنجعله آية للناس علامة لهم وبرهانا على كمال قدرتنا ورحمة منا على العباد يهتدون بارشاده وكان أمرا مقضيا تعلق به قضاء الله في الأزل. (22) فحملته بأن نفخ في جيب مدرعتها (1) فدخلت النفخة في جوفها. القمي قال فنفخ في جيبها فحملت بعيسى عليه السلام بالليل فوضعته بالغداة وكان حملها تسع ساعات جعل الله لها الشهور ساعات. وفي المجمع عن الباقر عليه السلام أنه تناول جيب مدرعتها فنفخ فيه نفخة فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء تسعة أشهر فخرجت من المستحم وهي حامل محجح ! مثقل فنظرت إليها خالتها فأنكرتها ومضت مريم على وجهها مستحية من خالتها ومن زكريا. وعن الصادق عليه السلام كانت مدة حملها تسع ساعات. وفي الكافي عنه عليه السلام إن مريم حملت بعيسى تسع ساعات كل ساعة شهر. أقول: يعني بمنزلة شهر فانتبذت به فاعتزلت وهو في بطنها مكانا قصيا بعيدا من أهلها. في التهذيب عن السجاد عليه السلام خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين عليه السلام ثم رجعت من ليلتها.


1 - المدرعة - كمكنسة -: ثوب كالدراعة ولا يكون الا من صوف. (*)

[ 278 ]

(23) فاجائها المخاض فاجائها المخاض وهو في الأصل من جاء لكنه خص في الأستعمال كأتى في أعطى ومخضت المرئة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج إلى جذع النخلة لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة وهو ما بين العرق والغصن قالت يا ليتنى مت وقرئ بضم الميم قبل هذا استحياء من الناس ومخافة لومهم. في المجمع عن الصادق عليه السلام لأنها لم تر في قومها رشيدا ذا فراسة ينزهها من السوء وكنت نسيا ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب وقرئ بالفتح وهو لغة فيه أو مصدر رسمي به منسيا منسي الذكر بحيث لا يخطر ببالهم. (24) فناديها من تحتها عيسى عليه السلام أو جبرئيل وقرئ من بالكسر ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا جدولا كذا في الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله. (25) وفي المجمع عن الباقر عليه السلام ضرب عيسى برجله فظهر عين ماء يجري وهزى إليك بجذع النخلة وأميليه إليك تساقط عليك رطبا جنيا طريا وقرئ بتخفيف السين وبضم التاء معه وكسر القاف. القمي وكان ذلك اليوم سوق فأستقبلها الحاكة وكانت الحياكة أنبل صناعة في ذلك الزمان فأقبلوا على بغال شهب فقالت لهم مريم أين النخلة اليابسة فاستهزؤوا بها وزجروها فقالت لهم جعل الله كسبكم نزرا وجعلكم في الناس عارا ثم استقبلها قوم من التجار فدلوها على النخلة اليابسة فقالت لهم جعل الله البركة في كسبكم وأحوج الناس إليكم فلما بلغت النخلة أخذها المخاض فوضعت بعيسى عليه السلام فلما نظرت إليه قالت يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ماذا أقول لخالي وماذا أقول لبني إسرائيل فناداها عيسى من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا أي نهرا وهزي إليك بجذع النخلة أي حركي النخلة تساقط عليك رطبا جنيا أي طريا وكانت النخلة قد يبست منذ دهر فمدت يدها إلى النخلة فأورقت وأثمرت وسقط عليها الرطب الطري فطابت نفسها فقال لها عيسى عليه السلام قمطيني وسويني ثم إفعلى كذا وكذا فقمطته وسوته. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه كان يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد فأحصيت في سجوده خمس مأة تسبيحة ثم استند إلى النخلة

[ 279 ]

فدعا بدعوات ثم قال إنها والله النخلة التي قال الله جل ذكره لمريم عليها السلام وهزى إليك الاية. (26) فكلى واشربي من الرطب وماء السري وقري عينا وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنك فإما ترين من البشر أحدا فقولي إنى نذرت للرحمن صوما صمتا. القمي وقال لها عيسى عليه السلام كلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما وصمتا كذا نزلت. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده ثم قال قالت مريم إنى نذرت للرحمن صوما أي صمتا فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم الحديث فلن أكلم اليوم إنسيا ولعله لكراهة المجادلة والأكتفاء بكلام عيسى عليه السلام فإنه قاطع في قطع الطاعن. (27) فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا بديعا منكرا. القمي ففقدوها في المحراب فخرجوا في طلبها وخرج خالها زكريا فأقبلت وهو في صدرها وأقبلن مؤمنات بني إسرائيل يبزقن في وجهها فلم تكلمهن حتى دخلت في محرابها فجاء إليها بنو إسرائيل فقالوا لها يا مريم لقد جئت شيئا فريا. (28) يا أخت هارون. في المجمع عن المغيرة بن شعبة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله إن هارون هذا كان رجلا صالحا في بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح. وفي سعد السعود لابن طاووس رحمه الله عنه عليه السلام مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وآله بعثه إلى نجران فقالوا ألستم تقرءون يا أخت هارون وبينهما كذا وكذا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فقال ألا قلت أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين منهم. والقمي إن هارون كان رجلا فاسقا زانيا فشبهوها به ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا. (29) فأشارت إليه إلى عيسى عليه السلام أي كلموه ليجيبكم قالوا كيف نكلم من كان

[ 280 ]

في المهد صبيا. (30) قال إنى عبد الله آتاني الكتاب الأنجيل وجعلني نبيا. (31) وجعلني مباركا أين ما كنت. في الكافي والمعاني. والقمي عن الصادق عليه السلام قال نفاعا. وفي الكافي عنهم عليهم السلام فيما وعظ الله به عيسى عليه السلام فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيث ما كنت أشهد أنك عبدي إبن أمتي. وفيه عن الباقر عليه السلام إنه سئل أكان عيسى بن مريم حين تكلم في المهد حجة الله على أهل زمانه فقال كان يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل أما تسمع لقوله حين قال إنى عبد الله آتاني الكتاب الاية. قيل فكان يومئذ حجة لله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد فقال كان عيسى عليه السلام في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلم فعبر عنها وكان نبيا حجة على من أسمع كلامه في تلك الحال ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان وكان زكريا الحجة لله تعالى بعد صمت عيسى عليه السلام بسنتين ثم مات زكريا فورثه إبنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير أما تسمع لقوله عز وجل يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا فلما بلغ عيسى عليه السلام سبع سنين تكلم بالنبوة والرسالة حين أوحى الله إليه فكان عيسى عليه السلام الحجة على يحيى وعلى الناس أجمعين الحديث. وعن الرضا عليه السلام قد قام عيسى عليه السلام بالحجة وهو ابن ثلاث سنين وأوصاني بالصلوة والزكوة مادمت حيا. القمي عن الصادق عليه السلام قال زكاة الرؤوس لأن كل الناس ليست لهم أموال وإنما الفطرة على الفقير والغني والصغير والكبير. (32) وبرا بوالدتي وبارا بها عطف على مباركا ولم يجعلني جبارا شقيا

[ 281 ]

في العيون عن الصادق عليه السلام إنه عد من الكباير العقوق قال لأن الله جعل العاق جبارا شقيا في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام وبرا بولدتى ولم يجعلني جبارا شقيا. (33) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا كما هو على يحيى. (34) ذلك عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ حيث جعله الموصوف بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم قول الحق أي هو قول الحق الذي لاريب فيه وقرئ بالنصب على المصدر المؤكد الذى فيه يمترون. القمي أي يتخاصمون. (35) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه تكذيب للنصارى وتنزيه لله عما بهتوه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون تبكيت لهم بأن من إذا أراد شيئا أوجده بكن كان منزها عن شبه الخلق والحاجة في إتخاذ الولد باحبال الأناث. (36) وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم سبق تفسيره في سورة آل عمران وقرئ أن بالفتح أي ولأن أو عطف على الصلاة. (37) فاختلف الاحزاب من بينهم اليهود والنصارى أو فرق النصارى فإن منهم من قال ابن الله ومنهم من قال هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء ومنهم من قال هو عبد الله ونبيه فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم من شهود يوم عظيم هوله وحسابه وجزاؤه. (38) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين أوقع الظاهر موقع المضمر إيذانا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الأستماع والنظر حين ينفعهم. (39) وأنذرهم يوم الحسرة يوم يتحسر لناس المسئ على اساءته والمحسن على قلة إحسانه.


1 - أي فشدة عذاب وقيل: ويل واد في جهنم. (*)

[ 282 ]

في المعاني عن الصادق عليه السلام قال يوم الحسرة يوم يؤتى بالموت فيذبح إذ قضى الامر فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. القمي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال ينادي مناد من عند الله عز وجل وذلك بعد ما صار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يا أهل الجنة ويا أهل النار هل تعرفون الموت في صورة من الصور فيقولون لا فيؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم ينادون جميعا أشرفوا وانظروا إلى الموت فيشرفون ثم يأمر الله عز وجل به فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت أبدا ويا أهل النار خلود فلا موت أبدا وهو قوله تعالى وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر أي قضي على أهل الجنة بالخلود فيها وقضى على أهل النار بالخلود فيها. وفي المجمع مثله من طريق العامة عن النبي صلى الله عليه وآله إلا أنه قال فيجاء بالموت كأنه كبش أملح فيقال لهم تعرفون الموت فيقولون هذا هذا وكل قد عرفه الحديث قال ورواه أصحابنا عن الباقر والصادق عليهما السلام ثم جاء في آخره فيفرح أهل الجنة فرحا لو كان أحد يومئذ ميتا لماتوا فرحا ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا لماتوا وهم في غفلة وهم لا يؤمنون متعلق بقوله في ضلال مبين وما بينهما إعتراض أو بأنذرهم أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين. (40) إنا نحن نرث الارض ومن عليها لا يبقى فيها مالك ولا متصرف. القمي قال كل شئ خلقه الله يرثه الله يوم القيامة وإلينا يرجعون مردودون للجزاء. (41) واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ملازما للصدق كثير التصديق لكتب الله وآياته وأنبيائه وكان نبيا في نفسه. (42) إذ قال لابيه قد سبق الكلام في كونه أباه أو أنه كان عمه أو جده لأمه لطهارة آباء الأنبياء عن الشرك يا أبت التاء معوضة عن ياء الأضافة وإنما يذكر للأستعطاف ولذلك كررها لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر فيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خضوعك ولا يغنى عنك شيئا في جلب نفع ودفع ضر.

[ 283 ]

(43) يا أبت إنى قد جائني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا. (44) يا أبت لاتعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا. (45) يا أبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا دعا صلوات الله عليه إلى الهدى وبين ضلاله واحتج عليه أبلغ إحتجاج وأرشقه برفق وحسن أدب حيث لم يصرح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما لا يستحق للعبادة بوجه ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن مستقلا بالنظر السوي ولم يسمه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان فإنه الامر به وبين أن الشيطان مستعص لربك المولى للنعم كلها وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم وينتقم منه ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجره إليه من صيرورته قرينا للشيطان في اللعن والعذاب. (46) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم قابل إستعطافه ولطفه في الأرشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه ولم يقابل بيا بني وأخره وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بهمزة الأنكار على ضرب من التعجب ثم هدده لئن لم تنته عن مقالك فيها أو الرغبة عنها لارجمنك بلساني أو بالحجارة واهجرني فاحذرني أو إهجرني بالذهاب عني مليا زمانا طويلا. (47) قال سلام عليك توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة أي لا اصيبك بمكروه ولا أقول لك بعد ما يؤذيك سأستغفر لك ربى لعله يوفقك للتوبة والأيمان إنه كان بى حفيا بليغا في البر والأعطاف. (48) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله بالمهاجرة بديني وأدعوا ربي وأعبده وحده عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا خائبا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم وفي تصدير الكلام بعسى التواضع وهضم النفس والتنبيه على أن الأجابة والأثابة تفضل غير واجب وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب.

[ 284 ]

(49) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله بالهجرة إلى الشام وهبنا له إسحق ويعقوب بدل من فارقهم من الكفرة وكلا جعلنا نبيا. (50) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا قيل الرحمة النبوة والأموال والأولاد وهي عامة في كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق الثناء الحسن عبر باللسان عما يوجد به كما يعبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية والعلي المرتفع فإن كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه وعلى ذريته ويفتخرون به وهي إجابة لدعوته حيث قال واجعل لي لسان صدق في الاخرين. والقمي عن الزكي عليه السلام ووهبنا لهم يعني لأبرهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام من رحمتنا رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلنا لهم لسان صدق عليا يعني أمير المؤمنين. وفي الكافي عن الصادق عن أمير المؤمنين عليهما السلام لسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس خير من المال يأكله ويورثه. (51) واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا موحدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء وأسلم وجهه لله وقرئ بفتح اللام أي أخلصه الله وكان رسولا نبيا قيل أرسله الله إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قدم رسولا مع أنه أخص وأعلى. في الكافي عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية ما الرسول وما النبي فقال النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك. (52) وناديناه من جانب الطور الايمن وقربنه نجيا مناجيا تقريب تشريف شبهه بمن قربه الملك لمناجاته. (53) ووهبنا له من رحمتنا أخاه معاضدة أخيه وموازرته إجابة لدعوته واجعل لى وزيرا من أهلى فإنه كان أسن من موسى عليه السلام هرون نبيا في الأكمال عاش موسى عليه السلام مأة وستة وعشرين سنة وعاش هارون مأة وثلاثة وثلاثين سنة. (54) واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا

[ 285 ]

في الكافي عن الصادق عليه السلام إنما سمي صادق الوعد لأنه وعد رجلا في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة فسماه الله عز وجل صادق الوعد ثم إن الرجل أتاه بعد ذلك فقال له إسماعيل ما زلت منتظرا لك. وفي العيون عن الرضا عليه السلام ما في معناه والقمي قال وعد وعدا وانتظر صاحبه سنة قال وهو إسماعيل بن حزقيل. وفي المجمع هو إسماعيل بن إبراهيم وكان إذا وعد بشئ وفي ولم يخلف وكان مع ذلك رسولا نبيا إلى جرهم. قال وقيل إن إسماعيل بن إبراهيم مات قبل أبيه وأن هذا هو إسماعيل بن حزقيل وذكر ما يأتي من العلل ونسبه إلى الصادق عليه السلام. وفي العلل عنه عليه السلام قال إن إسماعيل الذي قال الله في كتابه واذكر في الكتاب الاية لم يكن إسماعيل بن إبراهيم بل كان نبيا من الأنبياء بعثه الله إلى قومه فأخذوه فسلخوا فروة رأسه ووجهه فأتاه ملك فقال إن الله جل جلاله بعثني إليك فمرني بما شئت فقال لي أسوة بما يصنع بالأنبياء وفي رواية أخرى فقال لي بالحسين بن علي عليهما السلام أسوة. (55) وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا. (56) واذكر في الكتاب إدريس قيل هو سبط شيث وجد أبي نوح وإسمه أخنوخ. وروي أنه أنزل عليه ثلاثون صحيفة وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود. القمي قال وسمي إدريس لكثرة دراسته الكتب إنه كان صديقا نبيا. (57) ورفعنه مكانا عليا قيل شرف النبوة والزلفي عند الله. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني جبرئيل أن ملكا من الملائكة كانت له عند الله منزلة عظيمة فعتب عليه فأهبطه من السماء

[ 286 ]

إلى الأرض فأتى إدريس عليه السلام فقال له إن لك عند الله منزلة فاشفع لي عند ربك فصلى ثلاث ليال لا يفتر وصام أيامها لا يفطر ثم طلب إلى الله عزوجل في السحر في الملك فقال الملك إنك قد اعطيت سؤلك وقد أطلق الله لي جناحي وأنا أحب أن أكافيك فاطلب إلي حاجة فقال تريني ملك الموت لعلي آنس به فإنه ليس يهنئني مع ذكره شئ فبسط جناحه ثم قال إركب فصعد به فطلب ملك الموت في السماء الدنيا فقيل له إصعد فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة فقال الملك يا ملك الموت مالي أراك قاطبا قال العجب إني تحت ظل العرش حيث أمرت أن أقبض روح آدمي بين السماء الرابعة والخامسة فسمع إدريس فاستعض (فامتعض خ ل) فخر من جناح الملك فقبض روحه مكانه قال الله عز وجل ورفعناه مكانا عليا. والقمي ما يقرب منه. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قال في حديث يذكر فيه مسجد السهلة أما علمت إنه موضع بيت إدريس النبي صلى الله عليه الذي كان يخيط فيه. (58) أولئك إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس عليهما السلام الذين أنعم الله عليهم بأنواع النعم الدينية والدنياوية من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح أي ومن ذرية من حملنا خصوصا وهم من عدا إدريس فإن إبراهيم عليه السلام كان ومن ذرية سام بن نوح ومن ذرية إبرهيم الباقون وإسرائيل أي ومن ذرية إسرائيل وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام وفيه دلالة على أن أولاد البنات من الذرية وممن هدينا واجتبينا للنبوة والكرامة. في المناقب والمجمع عن السجاد عليه السلام نحن عنينا بها إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا خشية من الله وإخباتا له. روي عن النبي صلى الله عليه وآله أتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا والبكي جمع باك كالسجود في جمع ساجد وقرئ بكسر الباء. (59) فخلف من بعدهم خلف فعقبهم وجاء من بعدهم عقب سوء يقال خلف صدق

[ 287 ]

بالفتح وخلف سوء بالسكون أضاعوا الصلوة أخروها عن وقتها. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في حديث وليس أن عجلت قليلا أو أخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضيع تلك الأضاعة فإن الله عز وجل يقول لقوم أضاعوا الصلوة الاية. وفي المجمع عنه عليه السلام أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها من غير أن تركوها أصلا واتبعوا الشهوات. في الجوامع عن أمير المؤمنين عليه السلام من بنى الشديد وركب المنظور ولبس المشهور فسوف يلقون غيا شرا. (60) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة وقرء على البناء للمفعول ولا يظلمون شيئا. (61) جنات عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا يأتيه أجله الموعود لهم أو هو من أتى إليه إحسانا أي مفعولا منجزا. (62) لا يسمعون فيها لغوا فضول الكلام إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا على عادة المتغمين والتوسط بين الزهادة والرغابة. في المحاسن وطب الأئمة عن الصادق عليه السلام إنه شكى إليه رجل ما يلقى من الأوجاع والتخم فقال تغد وتعش ولا تأكل بينهما شيئا فإن فيه فساد البدن أما سمعت الله يقول لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا القمي قال ذلك في جنات الدنيا قبل القيامة لأن البكرة والعشي لا يكونان في الاخرة في جنات الخلد وإنما يكونان في جنات الدنيا التي ينتقل إليها أرواح المؤمنين وتطلع فيها الشمس والقمر. (63) تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا. في التهذيب في أدعية نوافل شهر رمضان سبحان من خلق الجنة لمحمد وآل محمد سبحان من يورثها محمدا وآل محمد وشيعتهم.

[ 288 ]

وما نتنزل إلا بأمر ربك حكاية عن قول جبرئيل. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لجبرئيل ما منعك أن تزورنا فنزلت له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحانين لا ننتقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيته وما كان ربك نسيا تاركا لك. في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الاية فإن ربنا تبارك وتعالى علوا كبيرا ليس بالذي ينسى ولا يغفل بل هو الحفيظ العليم. (65) رب السموات والارض وما بينهما بيان لأمتناع النسيان عليه فاعبده واصطبر لعبادته خطاب للرسول مرتب عليه هل تعلم له سميا. في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام تأويله هل تعلم أحدا إسمه الله غير الله. (66) ويقول الأنسان ء أذا ما مت لسوف أخرج حيا لما كانت هذه المقالة موجودة في جنسهم اسند إلى الجنس. وروي أن ابى بن خلف أخذ عظاما بالية ففتها وقال يزعم محمد صلى الله عليه وآله إنا نبعث بعد ما نموت. (67) أولا يذكر الانسان وقيل قرئ يذكر من الذكر الذي يراد به التفكر أنا خلقناه من قبل أي قدرناه في العلم حيث كان الله ولم يكن معه شئ ولم يك شيئا بل كان عدما صرفا. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال لا مقدرا ولا مكونا. وفي المحاسن عنه عليه السلام قال لم يكن شيئا في كتاب ولا علم والقمي أي لم يكن ثمة ذكره. (68) فوربك لنحشرنهم والشياطين عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا. القمي قال على ركبهم.

[ 289 ]

أقول: وهذا كما يكون المعتاد في مواقف التقاول وهو كقوله تعالى وترى كل أمة جاثية. (69) ثم لننزعن من كل شيعة من كل امة شاعت دينا أي تبعت أيهم أشد على الرحمن عتيا من كان أعصى وأعتى منهم فنطرحهم فيها. (70) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا أولى بالصلي. (71) وإن منكم إلا واردها. القمي عن الصادق عليه السلام قال أما تسمع الرجل يقول وردنا ماء بني فلان فهو الورود ولم يدخل كان على ربك حتما مقضيا كان ورودهم واجبا أوجبه الله على نفسه وقضى به. (72) ثم ننجي الذين اتقوا فيساقون إلى الجنة وقرئ ننجي بالتخفيف ونذر الظالمين فيها جثيا على هيأتهم كما كانوا. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال يرد الناس النار ثم يصدرون بأعمالهم فأولهم كلمع البرق ثم كمر الريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب ثم كشد الرحل ثم كمشيه. وعنه صلى الله عليه وآله الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا يدخلها فيكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتي إن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردها ثم ينجى الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا. وعنه صلى الله عليه وآله تقول النار للمؤمن يوم القيامة جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. وفي رواية إن الله تعالى يجعل النار كالسمن الجامد ويجمع عليها الخلق ثم ينادي المنادي أن خذي أصحابك وذري أصحابي قال والذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها. قيل الفائدة في ذلك ما روي في بعض الأخبار أن الله تعالى لا يدخل أحدا الجنة حتى يطلعه

[ 290 ]

على النار وما فيها من العذاب ليعلم تمام فضل الله عليه وكمال لطفه وإحسانه إليه فيزداد لذلك فرحا وسرورا بالجنة ونعيمها ولا يدخل أحدا النار حتى يطلعه على الجنة وما فيها من أنواع النعيم والثواب ليكون ذلك زيادة عقوبة له وحسرة على ما فاته من الجنة ونعيمها قال وقد ورد في الخبر أن الحمى من قيح جهنم. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله عاد مريضا فقال أبشر إن الله عز وجل يقول هي ناري اسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا ليكون حظه من النار. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام الحمى رائد الموت وهي سجن المؤمن في الأرض وهي حظ المؤمن من النار. وعنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله الحمى رائد الموت وسجن الله تعالى في أرضه وفورها من جهنم وهي حظ كل مؤمن من النار. وفي الأعتقادات روي أنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها وإنما يصيبهم الألم عند الخروج منها فتكون تلك الالام جزاء بما كسبت أيديهم وما الله بظلام للعبيد إنتهى. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن هذه الاية فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار فقال لهم قد وردتموها وهي خامدة قيل وأما قوله تعالى أولئك عنها مبعدون فالمراد من عذابها. وقيل ورودها الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها. أقول: والكل صحيح ولا تنافي بينها عند اولي الألباب. (73) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات مرتلات الألفاظ مبينات المعاني أو واضحات الأعجاز قال الذين كفروا للذين آمنوا لأجلهم أو معهم أي الفريقين المؤمنين بها أو الجاحدين لهاخير مقاما مكانا أو موضع قيام وقرئ بضم الميم أي موضع إقامة وأحسن نديا مجلسا ومجتمعا والمعنى أنهم لما سمعوا الايات الواضحات وعجزوا عن معارضتها

[ 291 ]

والدخل عليها أخذوا في الأفتخار بما لهم من حظوظ الدنيا وزعموا أن زيادة حظهم فيها تدل على فضلهم وحسن حالهم عند الله. (74) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن آثاثا متاعا ورئيا منظرا وقرئ ريا على قلب الهمزة وإدغامها أو على أنه من الري بمعنى النعمة وقرء ريا على القلب. القمي قال عنى به الثياب والأكل والشرب. وعن الباقر عليه السلام الأثاث المتاع ورئيا الجمال والمنظر الحسن. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا قريشا إلى ولايتنا فنفروا وأنكروا فقال الذين كفروا من قريش للذين آمنوا الذين أقروا لأمير المؤمنين عليه السلام ولنا أهل البيت أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا تعبيرا منهم فقال الله ردا عليهم وكم أهلكنا قبلهم من قرن من الأمم السابقة الاية. (75) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا فيمده ويمهله بطول العمر والتمتع به وإنما أخرجه على لفظ الأمر إيذانا بإن إمهاله مما ينبغي أن يفعله إستدراجا وقطعا لمعاذيره كقوله إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقوله أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة تفصيل للموعود. القمي قال العذاب القتل والساعة الموت فسيعلمون (1) من هو شر مكانا من الفريقين بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدروه وعاد ما متعوا به خذلانا ووبالا عليهم وأضعف جندا أي فئة وأنصارا قابل به أحسن نديا فإن حسن الندى باجتماع وجوه القوم وظهور شوكتهم. (76) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى. في الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال كلهم كانوا في الضلالة لا يؤمنون بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولا بولايتنا فكانوا ضالين مضلين فيمدلهم في ضلالتهم وطغيانهم حتى يموتوا فيصيرهم الله شرا مكانا وأضعف جندا قال وأما قوله حتى إذا رأوا ما يوعدون فهو خروج القائم عليه السلام وهو الساعة فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من


1 - هذا رد لقولهم: أي الفريقين خير مقاما واحسن نديا. (*)

[ 292 ]

الله على يدي قائمه فذلك قوله من هو شر مكانا يعني عند القائم وأضعف جندا ويزيد الله قال يزيدهم في ذلك اليوم هدى على هدى بإتباعهم القائم عليه السلام حيث لا يجحدونه ولا ينكرونه والباقيات الصالحات الطاعات التي تبقى عايدتها أبد الاباد خير عند ربك ثوابا عايدة مما متع به كفرة من النعم مخدجة الغانية التي يفتخرون بها وخير مردا مرجعا وعاقبة فإن مالها النعيم المقيم ومئال هذه الحسرة والعذاب الدائم الصالحات تفسير الباقيات والخير هاهنا لمجرد الزيادة وقد سبق أخبار في سورة الكهف. (77) أفرايت الذى كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا يعني في الاخرة. القمي عن الباقر عليه السلام إن العاص بن وايل بن هشام القرشي ثم السهمي وهو أحد المستهزئين وكان لخباب بن الأرث عليه حق فأتاه يتقاضاه فقال له العاص ألستم تزعمون أن في الجنة الذهب والفضة والحرير قال بلى قال فموعد ما بيني وبينك الجنة فوالله لاوتين فيها خيرا مما اوتيت في الدنيا. (78) أطلع الغيب قد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار حتى إدعاه أن يؤتى في الاخرة مالا وولدا وتألى عليه أم اتخذ عند الرحمن عهدا أم اتخذ من علام الغيوب عهدا بذلك فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين. (79) كلا ردع وتنبيه على أنه مخطئ فيما تصوره لنفسه سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونطول له منه. (80) ونرثه بإهلاكنا إياه ما يقول يعني المال والولد مما عنده منهما ويأتينا يوم القيامة فردا لا يصحبه مال ولا ولد مما كان له في الدنيا فضلا أن يؤتى ثمة زائدا. (81) واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ليتعززوا بهم حيث يكونون لهم وصلة إلى الله وشفعاء عنده. (82) كلا ردع وإنكار لتعززهم بها سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا القمي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية أي يكونون هؤلاء الذين اتخذوهم

[ 293 ]

آلهة من دون الله ضدا يوم القيامة ويتبرؤون منهم ومن عبادتهم ثم قال ليس العبادة هي السجود ولا الركوع وإنما هي طاعة الرجال من أطاع مخلوقا في معصية الخالق فقد عبده. أقول: يعني عليه السلام بذلك أن المراد بالالهة المتخذة من دون الله رؤساؤهم الذين أطاعوهم في معصية الخالق. (83) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكفرين تؤزهم أزا تهزهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات. القمي قال لما طغوا فيها وفي فتنتها وفي طاعتهم ومد لهم في طغيانهم وضلالتهم أرسل عليهم شياطين الأنس والجن تؤزهم أزا أي تنخسهم نخسا وتحضهم على طاعتهم وعبادتهم. (84) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا قال أي في طغيانهم وفتنتهم وكفرهم. أقول: والمعنى لا تعجل بهلاكهم لتستريح من شرورهم فإنه لم يبق لهم إلا أنفاس معدودة. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن قوله تعالى إنما نعد لهم عدا فقال ما هو عندك قال السائل عدد الأيام قال إن الاباء والأمهات يحصون ذلك لا ولكنه عدد الأنفاس. والقمي مثله وفي نهج البلاغة نفس المرء خطاؤه إلى أجله وقال عليه السلام كل معدود منقض وكل متوقع آت.. (85) يوم نحشر المتقين نجمعهم الى الرحمن إلى ربهم الذي غمرهم برحمته وفدا وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وانعامهم. (86) ونسوق المجرمين كما يساق البهائم إلى جهنم وردا عطاشا فإن من يرد الماء لا يرده إلا لعطشه أو كالدواب التي ترد الماء وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله من رواية أهل البيت عليهم السلام يوم يحشر المتقون إلى الرحمن وفدا ويساق

[ 294 ]

المجرمون إلى جهنم وردا وقد سمع هكذا من قبر الرضا عليه السلام وقصته مذكورة في العيون. وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام يحشرون على النجائب. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام والقمي عن الصادق عليه السلام قال سأل علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله عن تفسير قوله تعالى يوم نحشر المتقين الاية قال يا علي أن الوفد لا يكون إلا ركبانا أولئك رجال إتقوا الله فأحبهم الله واختصهم ورضى أعمالهم فسماهم المتقين ثم قال يا علي أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم وأن الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العز عليها رحال الذهب مكللة بالدر والياقوت وجلالها الأستبرق والسندس وخطامها جدل الأرجوان وزمامها من زبرجد فتطير بهم إلى المحشر مع كل رجل منهم ألف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله يزفونهم زفا حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنة شجرة الورقة منها تستظل تحتها مأة ألف من الناس وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية قال فيسقون منها شربة شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ويسقط عن أبشارهم الشعر وذلك قوله تعالى وسقيهم ربهم شرابا طهورا من تلك العين المطهرة ثم ينصرفون إلى عين اخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبدا. ثم قال يوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الافات والأسقام والحر والبرد أبدا قال فيقول الجبار للملائكة الذين معهم احشروا أوليائي إلى الجنة ولا توقفوهم مع الخلايق فقد سبق رضائي عنهم ووجبت رحمتي لهم فيكف اريد أن أوقفهم مع أصحاب الحساب والسيئات قال فتسوقهم الملائكة إلى الجنة فإذا انتهوا إلى باب الجنة الأعظم ضربت الملائكة الحلقة ضربة فتصر صريرا فيبلغ صوت صريرها كل حوراء خلقها الله وأعدها لأوليائه فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة ويقول بعضهم لبعض قد جاءنا أولياء الله فينفتح لهم الباب ف يدخلون الجنة فيشرف عليهم

[ 295 ]

أزواجهم من الحور العين والادميين فيقلن مرحبا بكم فما كان أشد شوقنا إليكم ويقول لهن أولياء الله مثل ذلك. وزاد القمي فقال علي عليه السلام من هؤلاء يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء شيعتك يا علي وأنت امامهم وهو قول الله عز وجل يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا على الرحايل. (87) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا في الكافي عن الصادق عليه السلام قال إلا من دان الله بولاية أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام من بعده فهو العهد عند الله. والقمي عنه عليه السلام لا يشفع لهم ولا يشفعون إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا إلا من أذن له بولاية أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام من بعده فهو العهد عند الله. وفي الكافي والفقيه والتهذيب والقمي: عنه عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من لم يحسن وصيته عند موته كان نقصا في مروته قيل يا رسول الله وكيف يوصى عند الموت قال إذا حضرته الوفاة وإجتمع الناس إليه قال اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق والحساب حق والقدر حق والميزان حق وأن الدين كما وصفت وأن الأسلام كما شرعت وأن القول كما حدثت وأن القرآن كما أنزلت وأنك أنت الله الحق المبين جزى الله محمدا عنا خير الجزاء وحيا الله محمدا وآل محمد بالسلام اللهم يا عدتي عند كربتي ويا صاحبي عند شدتي ويا ولي في نعمتي إلهي وإله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا فإنك إن تكلني إلى نفسي طرفة عين كنت أقرب من الشر وأبعد من الخير فآنس في القبر وحشتي واجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا ثم يوصي

[ 296 ]

بحاجته وتصديق هذه الوصية في سورة مريم عليها السلام في قوله عز وجل لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا فهذا عهد الميت والوصية حق على كل مسلم وحق عليه أن يحفظ هذه الوصية ويتعلمها وقال علي عليه السلام علمنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وقال علمنيها جبرئيل عليه السلام. وفي الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لاصحابه ذات يوم أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا قالوا وكيف ذاك قال يقول اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وأني لا أثق إلا برحمتك فأجعل لي عندك عهدا توفنيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد فيدخلون الجنة. (88) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا وقرئ ولدا وهو جمع ولد. القمي عن الصادق عليه السلام قال هذا حيث قالت قريش إن لله عزوجل اتخذ ولدا من الملائكة اناثا. (89) لقد جئتم شيئا إدا قال أي عظيما. (90) تكاد السموات وقرئ بالياء يتفطرن منه وقرئ ينفطرن منه قال يعني مما قالوه ومما رموه به وتنشق الارض وتخر الجبال هدا أي مهدودة مكسورة أو تهد هدا أو تخر للهد مما قالوه. (91) أن دعوا للرحمن ولدا. (92) وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا لا يليق به ولا يطلب له لو طلب لأستحالته فإن ابتغى مطاوع بغى. (93) إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا يأوي إليه بالعبودية والأنقياد لا يدعي لنفسه ما يدعيه هؤلاء.

[ 297 ]

لقد أحصيهم أي حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوزة علمه وقبضة قدرته وعدهم عدا عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شئ عنده بمقدار. (95) وكلهم آتيه يوم القيمة فردا. القمي عن الصادق عليه السلام قال واحدا واحدا. قيل لعل ترتيب الحكم بصفة الرحمانية للأشعار بأن كل ما عداه نعمة ومنعم عليه فلا يجانس من هو مبدأ النعم كلها ومولى أصولها وفروعها فكيف يمكن أن يتخذه ولدا. القمي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال إن الشجر لم يزل خضيدا كله حتى دعا للرحمن ولد عز الرحمن وجل أن يكون له ولد فكادت السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا فعند ذلك إقشعر الشجر وصار له شوك حذار أن ينزل به العذاب (96) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا سيحدث لهم في القلوب مودة. القمي عن الصادق عليه السلام قال كان سبب نزول هذه الاية إن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له قل يا علي اللهم اجعل لي في قلوب المؤمنين ودا فأنزل الله. والعياشي عنه عليه السلام دعا رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام في آخر صلاته رافعا بها صوته يسمع الناس يقول اللهم هب لعلي عليه السلام المودة في صدور المؤمنين والهيبة والعظمة في صدور المنافقين فأنزل الله إن الذين آمنوا الاية. وفي الكافي عنه عليه السلام في هذه الاية مثله. وفي المجمع عن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 298 ]

لعلي عليه السلام قل اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في قلوب المؤمنين ودا فقالهما فنزلت هذه الاية. (97) فإنما يسرناه بلسانك بأن أنزلناه بلغتك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا أشداء الخصومة. القمي عن الصادق عليه السلام فإنما يسرناه يعني القرآن قوما لدا قال أصحاب الكلام والخصومة. وفي روضة الواعظين عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله إن الذين آمنوا قال هو علي عليه السلام قوما لدا قال بني امية قوما ظلمة. وفي الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام قال إنما يسره الله على لسانه حين أقام أمير المؤمنين عليه السلام علما فبشر به المؤمنين وأنذر به الكافرين وهم الذين ذكرهم الله في كتابه لدا أي كفارا. (98) وكم أهلكنا قبلهم من قرن تخويف للكفرة وتجسير للرسول على إنذارهم هل تحس منهم من أحد هل تشعر بأحد منهم وتراه أو تسمع لهم ركزا الركز الصوت الخفي. القمي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال أهلك الله من الامم ما لا تحصون فقال يا محمد هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا. في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام قال من أدمن قراءة سورة مريم عليها السلام لم يمت حتى يصيب ما يغنيه في نفسه وماله وولده وكان في الاخرة من أصحاب عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام وأعطى من الأمر مثل ملك سليمان بن داود عليه السلام في الدنيا.

[ 299 ]

سورة طه مكية عدد آيها مأة وخمس وثلاثون شامي وثلاثون كوفي وأربع حجازي وآيتان بصري بسم الله الرحمن الرحيم (1) طه سبق تأويله في سورة البقرة وفي المعاني عن الصادق عليه السلام وأما طه فإسم من أسماء النبي صلى الله عليه وآله ومعناه يا طالب الحق الهادي إليه. (2) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى قال بل لتسعد. والقمي عنهما عليهما السلام قالا كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى قام على أصابع رجليه حتى تورمت فأنزل الله تبارك وتعالى طه بلغة طي يا محمد مآ أنزلنا الاية. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله عند عايشة ليلتها فقالت يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال يا عايشة ألا أكون عبدا شكورا قال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقوم على أطراف أصابع رجليه فأنزل الله سبحانه طه ما أنزلنا الاية. وفي الأحتجاج عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه وأصفر وجهه يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بل لتسعد به قيل والشقاء شائع بمعنى التعب ومنه أشقى من رايض المهر وسيد القوم أشقاهم ولعله عدل إليه للأشعار بأنه انزل إليه ليسعد. (3) إلا تذكرة لكن تذكيرا لمن يخشى لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالأنذار.

[ 300 ]

(4) تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى جمع العليا مؤنث الأعلى عظم شأن المنزل بالفتح بنسبته إلى من هذه صفاته وأفعاله. (5) الرحمن على العرش استوى. في التوحيد عن الصادق عليه السلام يقول على الملك إحتوى وقد سبق تمام تفسيره في آية السحرة من سورة الأعراف. (6) له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى. في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه تلا هذه الاية فقال فكل شئ على الثرى والثرى على القدرة والقدرة تحمل كل شئ. والقمي عن الصادق عليه السلام إن الأرض على الحوت والحوت على الماء والماء على الصخرة والصخرة على قرن ثور أملس والثور على الثرى وعند ذلك ضل علم العلماء قيل بدأ بخلق الأرض والسموات التي هي اصول العالم وقدم الأرض لأنها أقرب إلى الحس وأظهر عنده من السموات ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما إقتضته حكمته وتعلقت به مشيته ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته ولما كانت القدرة تابعة للأرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه بجليات الامور وخفياتها على سواء فقال. (7) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى في المعاني عن الصادق عليه السلام وفي المجمع عنهما عليهما السلام في هذه الاية السر ما أكننته في نفسك وأخفي ما خطر ببالك ثم أنسيته. (8) الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إن لله تعالى تسعة وتسعين إسما من أحصاها دخل الجنة. وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام مثله.

[ 301 ]

(9) وهل أتيك حديث موسى قيل قفى تمهيد نبوته بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة وتبليغ الرسالة والصبر على مقاساة الشدايد فإن هذه السورة من أوائل ما نزل. (10) إذ راى نارا قيل إنه إستاذن شعيبا في الخروج إلى امه وخرج بأهله فلما وافي وادي طوى وفيه الطور ولد له عليه السلام ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد أضل الطريق وتفرقت ماشيته إذ رأى من جانب الطور نارا فقال لاهله امكثوا أقيموا مكانكم إنى آنست نارا أبصرتها إبصارا لا شبهة فيه. وقيل الأيناس إبصار ما يؤنس به لعلى آتيكم منها بقبس بشعلة من النار أو أجد على النار هدى. القمي عن الباقر عليه السلام يقول آتيكم بقبس من النار تصطلون من البرد أو أجد على النار هدى كان قد أخطأ الطريق يقول أو أجد عند النار طريقا. (11) فلما اتيها أي النار قيل وجد نارا بيضاء تتقد في شجرة خضراء. القمي عن الباقر عليه السلام فأقبل نحو النار يقتبس فإذا شجرة ونار تلتهب عليها فلما ذهب نحو النار ليقتبس منها أهوت النار إليه ففزع وعدا ورجعت النار إلى الشجرة فألتفت إليها وقد رجعت إلى الشجرة فرجع الثانية ليقتبس فأهوت إليه فعدا وتركها ثم إلتفت وقد رجعت إلى الشجرة فرجع إليها الثالثة فأهوت إليه فعدا ولم يعقب أي لم يرجع فناداه الله عز وجل ويأتي تمام الحديث في سورة القصص نودى يا موسى. (12) إنى أنا ربك وقرئ بفتح الهمزة فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى طوى عطف بيان للوادي فإنه كان مسمى به وقرئ بالتنوين قيل امر بخلع نعليه لأن الحفوة تواضع وأدب. وفي الفقيه والأكمال والعلل عن الصادق عليه السلام. والقمي قال إنه إنما أمر بخلعهما لأنهما كانتا من جلد حمار ميت.

[ 302 ]

وفي الأكمال عن الحجة القائم عليه السلام في حديث قيل له أخبرني يا بن رسول الله عن أمر الله لنبيه موسى عليه السلام فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس فإن فقهاء الفريقين يزعمون إنها كانت من إهاب الميتة قال صلوات الله عليه من قال ذلك فقد إفترى على موسى عليه السلام واستجهله في نبوته لأنه ما خلا الأمر فيها من خصلتين إما أن تكون صلاة موسى عليه السلام فيها جائزة أو غير جائزة فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسها في تلك البقعة إذا لم تكن مقدسة وإن كانت مقدسة مطهرة فليست بأقدس وأطهر من الصلاة وإن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب على موسى أنه لم يعرف الحلال من الحرام وعلم ما جاز فيه الصلاة وما لم تجز وهذا كفر قيل وأخبرني يا مولاي عن التأويل فيها قال صلوات الله عليه إن موسى عليه السلام ناجى ربه بالواد المقدس فقال يا رب إني قد أخلصت لك المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك وكان شديد الحب لأهله فقال الله تعالى اخلع نعليك أي أنزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة وقلبك من الميل إلى من سواي مغسول. وفي العلل عن الصادق عليه السلام يعني ارفع خوفيك يعني خوفه من ضياع أهله وقد خلفها تمخض وخوفه من فرعون. وفي الأكمال مرفوعا ما في معناه. وفي العلل عن النبي صلى الله عليه وآله إنه سئل عن الواد المقدس فقال لأنه قدست فيه الأرواح واصطفيت فيه الملائكة وكلم الله عز وجل موسى تكليما. (13) وأنا اخترتك إصطفيتك للنبوة وقرئ إنا إخترناك فاستمع لما يوحى للذي يوحى إليك أو للوحي واللام يحتمل التعلق بكل من الفعلين. (14) إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى بدل مما يوحي دال على أنه مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهي العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل وأقم الصلوة لذكري قيل خصها بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها وهو تذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت اخرى فإن

[ 303 ]

كنت تعلم أنك إذا صليت التي فاتتك كنت من الاخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك فإن الله يقول أقم الصلوة لذكرى الحديث. وفي المجمع عنه عليه السلام معناه أقم الصلوة متى ذكرت إن عليك صلوة كنت في وقتها أم لم تكن. وعن النبي صلى الله عليه وآله من نسى صلوة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك وقرأ أقم الصلوة لذكري. والقمي قال إذا نسيتها ثم ذكرتها فصلها. (15) إن الساعة آتية كائنة لا محالة أكاد أخفيها قيل أي اخفي وقتها. وفي المجمع والجوامع عن الصادق عليه السلام أكاد اخفيها من نفسي وانه كذلك في قراءة ابي. والقمي قال من نفسي هكذا نزلت قيل كيف يخفيها من نفسه قال جعلها من غير وقت وقيل معناه أكاد أظهرها من أخفاه إذا سلب خفاه لتجزى كل نفس بما تسعى متعلق بآتية أو بأخفيها على المعنى الأخير. (16) فلا يصدنك عنها عن تصديق الساعة أو الصلاة من لا يؤمن بها واتبع هويه فتردى فتهلك بالأنصداد أو بصده. (17) وما تلك بيمينك إستفهام يتضمن إستيقاظا لما يريه فيها من العجائب يا موسى تكرير لزيادة الأستيناس والتنبيه. (18) قال هي عصاي أتوكؤ عليها أعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس القطيع وأهش بها على غنمي وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي ولي فيها مآرب أخرى حاجات اخر مثل أنه كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل به وإذا قصر الرشا وصله بها وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها.

[ 304 ]

القمي فمن الفرق لم يستطع الكلام فجمع كلامه فقال ولى فيها مآرب أخرى يقول حوائج اخرى. (19) قال ألقها يا موسى. (20) فألقيها فإذا هي حية تسعى. (21) قال خذها ولا تخف. القمي عن الصادق عليه السلام ففزع منها موسى عليه السلام وعدا فناداه الله عز وجل خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى هيئتها وحالتها المتقدمة من السير تجوز بها للطريقة والهيئة. (22) واضمم يدك إلى جناحك تحت العضد تخرج بيضاء من غير سوء من غير عاهة كنى به عن البرص. في طب الأئمة عن الباقر عليه السلام يعني من غير برص. والقمي عن الصادق عليه السلام أي من غير علة وذلك أن موسى عليه السلام كان شديد السمرة فأخرج يده من جيبه فأضاءت له الدنيا آية أخرى معجزة ثانية. (23) لنريك من آياتنا الكبرى. (24) اذهب إلى فرعون بهاتين الايتين وادعه إلى العبادة إنه طغى عصى وتكبر (25) قال رب اشرح لى صدري. (26) ويسر لى أمري لما أمره الله بخطب عظيم سأله أن يشرح صدره ويفتح قلبه ليحمل أعباءه والصبر على مشاقه. (27) واحلل عقدة من لساني. (28) يفقهوا قولى قيل كان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه. القمي عن الباقر عليه السلام وكان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كلما يلدون

[ 305 ]

ويربي موسى ويكرمه ولا يعلم أن هلاكه على يديه ولما درج موسى كان يوما عند فرعون فعطس فقال الحمد لله رب العلمين فأنكر فرعون ذلك عليه ولطمه وقال ما هذا الذي تقول فوثب موسى عليه السلام على لحيته وكان طويل اللحية فهلبها أي قلعها فألمه ألما شديدا فهم فرعون بقتله فقالت له إمرأته هذا غلام حدث لا يدري ما يقول فقال فرعون بلى يدري فقالت له ضع بين يديك تمرا وجمرا فإن ميز بين التمر والجمر فهو الذي تقول فوضع بين يديه تمرا وجمرا وقال له كل فمد يده إلى التمر فجاء جبرئيل فصرفها إلى الجمر فأخذ الجمر في فيه فاحترق لسانه وصاح وبكى فقالت آسية لفرعون ألم أقل لك إنه لم يعقل فعفا عنه. (29) واجعل لى وزيرا من أهلي. (30) هرون أخي يعينني على ما كلفتني به. (31) اشدد به أزري قوتي. (32) وأشركه في أمري وقرئ بلفظ الخبر على إنهما جواب الأمر. (33) كى نسبحك كثيرا. (34) ونذكرك كثيرا فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده. (35) إنك كنت بنا بصيرا عالما بأحوالنا وإن التعاون مما يصلحنا وإن هارون نعم المعين لي فيما أمرتني به. (36) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى أي مسؤولك. (37) ولقد مننا عليك مرة أخرى أنعمنا عليك في وقت آخر. (38) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ما لم يعلم إلا بالوحي. (39) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم والقذف يقال للألقاء والوضع فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له تكرير عدو للمبالغة أو لأن الأول بإعتبار

[ 306 ]

الواقع والثاني بإعتبار المتوقع وألقيت عليك محبة منى أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك ولتصنع على عينى ولتربى ويحسن إليك وأنا راعيك وراغبك. (40) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها بلقائك ولا تحزن هي بفراقك أو أنت على فراقها وفقد إشفاقها. القمي عن الباقر عليه السلام قال إن موسى لما حملت امه به لم يظهر حملها إلا عند وضعه وكان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظنهن وذلك لما كان بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون أنه يلد فينا رجل يقال له موسى بن عمران يكون هلاك فرعون وأصحابه على يديه فقال فرعون عند ذلك لأقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون وفرق بين الرجال والنساء وحبس الرجال في المحابس فلما وضعت ام موسى بموسى نظرت إليه وحزنت واغتمت وبكت وقالت يذبح الساعة فعطف الله بقلب الموكلة بها عليه فقالت لام موسى مالك قد إصفر لونك فقالت أخاف أن يذبح ولدي فقالت لا تخافي وكان موسى لا يراه أحد إلا أحبه وهو قوله وألقيت عليك محبة منى فأحبته القبطية الموكلة به وأنزل الله على ام موسى التابوت ونوديت ضعيه في التابوت فاقذفيه في اليم وهو البحر ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فوضعته في التابوت وأطبقت عليه وألقته في النيل وكان لفرعون قصور على شط النيل متنزهات فنظر من قصره ومعه آسية إمرأته إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج والرياح تضربه حتى جاءت به إلى باب قصر فرعون فأمر فرعون بأخذه فاخذ التابوت ورفع إليه فلما فتحه وجد فيه صبيا فقال هذا إسرائيلي فألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة وكذلك في قلب آسية وأراد فرعون أن يقتله. فقالت آسية لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون إنه موسى عليه السلام ولم يكن لفرعون ولد فقال ادنوا له ظئرا لتربيته فجاؤوا بعدة نساء قد قتل أولادهن فلم يشرب لبن أحد من النساء وهو قول الله تعالى وحرمنا عليه المراضع من قبل وبلغ امه

[ 307 ]

أن فرعون قد أخذه فحزنت وبكت كما قال الله وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى به قال كادت أن تخبر بخبره أو تموت ثم حفظت نفسها فكانت كما قال الله لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ثم قالت لاخته قصيه أي إتبعيه فجاءت اخته إليه فبصرت به عن جنب أي عن بعد وهم لا يشعرون فلما لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء إغتم فرعون غما شديدا فقالت أخته فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فقال نعم فجاءت بامه فلما أخذته بحجرها وألقته ثديها إلتقمه وشرب ففرح فرعون وأهله وأكرموا امه فقال لها ربيه لنا فإنا نفعل بك ونفعل وسأله الراوي فكم مكث موسى عليه السلام غائبا عن امه حتى رده الله عليها قال ثلاثة أيام وقتلت نفسا نفس القبطي الذي إستغاثه عليه الأسرائيلي كما تأتي قصته في سورة القصص إن شاء الله تعالى فنجيناك من الغم غم قتله خوفا من عقاب الله وإقتصاص فرعون بالمغفرة والأمر بالهجرة إلى مدين وفتنك فتونا وابتليناك إبتلاءا أو أنواعا من الأبتلاء فتنة بعد فتنة وذلك أنه ولد في عام كان يقتل فيه الولدان وألقته امه في البحر وهم فرعون بقتله ونال في سفره ما نال من الهجرة عن الوطن ومفارقة الالاف والمشي راجلا على حذر وفقد الزاد وأجر نفسه عشر سنين إلى غير ذلك فلبثت سنين في أهل مدين لبثت فيهم عشر سنين ومدين على ثماني مراحل من مصر ثم جئت على قدر قيل أي على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة. وقيل معناه سبق في قدري وقضائي أن اكلمك في وقت بعينه فجئت على ذلك القدر يا موسى قيل كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك. (41) واصطنعتك لنفسي واتخذتك صنيعتي وخالصتي واصطفيتك لمحبتي ورسالتي وكلامي. (42) اذهب أنت وأخوك بآياتي بمعجزاتي ولا تنيا ولا تفترا ولا تقصرا في ذكري لا تنسياني حيثما تقلبتما وقيل في تبليغ ذكري والدعاء إلي. (43) اذهبا إلى فرعون إنه طغى.

[ 308 ]

(44) فقولا له قولا لينا مثل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة حذرا أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما لعله يتذكر أو يخشى. في العلل عن الكاظم عليه السلام قال أما قوله فقولا له قولا لينا أي ليناه وقولا له يا أبا مصعب وكان فرعون أبا مصعب الوليد بن مصعب وأما قوله لعله يتذكر أو يخشى فإنما قال ذلك ليكون أحرص لموسى على الذهاب وقد علم الله عز وجل أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى إلا عند رؤية البأس ألا تسمع قول الله يقول حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين فلم يقبل الله إيمانه وقال الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين. وفي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث له وأعلم أن الله جل ثناؤه قال لموسى عليه السلام حين أرسله إلى فرعون فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ولكن ليكون ذلك أحرص لموسى على الذهاب. (45) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصير إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة من فرط إذا تقدم أو أن يطغى أن يزداد طغيانا فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجرأته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب. (46) قال لا تخافا إننى معكما بالحفظ والنصرة أسمع وأرى ما يجري بينكما وبينه من قول أو فعل فأحدث في كل حال ما يصرف شره عنكما ويوجب نصرتي لكما. (47) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنى إسرائيل أطلقهم ولا تعذبهم بالتكاليف الصعبة قد جئناك بآية من ربك بمعجزة وبرهان والسلام على من اتبع الهدى والسلامة من عذاب الله على المهتدين. (48) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى إن العذاب على المكذبين للرسل.

[ 309 ]

(49) قال فمن ربكما يا موسى أي بعد ما أتياه وقالا له ما امرا به وإنما خاطب الأثنين وخص موسى بالنداء لأنه الأصل وهارون وزيره وتابعه أو حمله خبثه على إستدعاء كلام موسى دون كلام أخيه لما عرف من فصاحة هارون. (50) قال ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه صورته وشكله الذي يوافق المنفعة المنوطة ثم هدى عرفه كيف يرتفق بما أعطى. في الكافي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال ليس شئ من خلق الله إلا وهو يعرف من شكله الذكر من الانثى سئل ما معنى ثم هدى قال هدى للنكاح والسفاح من شكله قيل وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها ودلالته على أن الغني القادر بالذات المنعم على الأطلاق هو الله تعالى وأن جميع ما عداه مفتقر إليه وعليه في ذاته وصفاته وأفعاله لذلك بهت الذي كفر فلم ير إلا صرف الكلام عنه عليه السلام. (51) قال فما بال القرون الاولى فما حالهم من بعد موتهم من السعادة والشقاوة. (52) قال علمها عند ربي يعني أنه غيب لا يعلمه إلا الله وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به في كتاب مثبت في اللوح المحفوظ لا يضل ربى ولا ينسى الضلال أن يخطئ الشئ في مكانه فلم يهتد إليه والنسيان أن يذهب بحيث لا يخطر بالبال. (53) الذى جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وحصل لكم فيها سبلا بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به التفاوت من الغيبة إلى التكلم وله نظائر كثيرة في القرآن أزواجا أصنافا من نبات شتى. (54) كلوا وارعوا انعامكم على إرادة القول إن في ذلك لايات لاولى النهى لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وإرتكاب القبايح جمع نهية.

[ 310 ]

القمي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال نحن والله أولو النهى. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال قال النبي صلى الله عليه وآله إن خياركم أو لو النهى قيل يا رسول الله ومن أولو النهى قال هم اولوا الأخلاق الحسنة والأحلام الرزينة وصلة الأرحام والبررة بالامهات والاباء والمتعاهدون للفقراء والجيران واليتامى ويطعمون الطعام ويفشون السلام في العالم ويصلون والناس نيام غافلون. (55) منها خلقناكم فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم وفيها نعيدكم بالموت وتفكيك الأجزاء ومنها نخرجكم تارة أخرى بتأليف أجزائكم المفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الأرواح إليها. في الكافي عن الصادق عليه السلام إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله عز وجل ملكا فأخذ من التربة التي يدفن فيها فماثها في النطفة فلا يزال قلبه يحن إليها حتى يدفن فيها. (56) ولقد أريناه آياتنا بصرناه إياها وعرفناه صحتها كلها فكذب من فرط عناده وأبى الأيمان والطاعة لعتوه. (57) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا أرض مصر بسحرك يا موسى هذا تعلل منه ويلوح من كلامه أنه خاف منه أن يغلبه على ملكه. (58) فلنأتينك بسحر مثله مثل سحرك فاجعل بيننا وبينك موعدا وعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قيل أي منتصفا تستوي مسافته إلينا وإليك وقرئ بضم السين. (59) قال موعدكم يوم الزينة وهو يوم عيد كان لهم في كل عام وإنما عينه ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك في الأقطار وأن يحشر الناس ضحى وإجتماع الناس في ضحى. (60) فتولى فرعون فجمع كيده ما يكاد به من السحرة وآلاتهم ثم أتى الموعد.

[ 311 ]

(61) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا بأن تدعوا آياته سحرا فيسحتكم بعذاب فيهلككم ويستأصلكم به وقرئ بضم الياء وقد خاب من افترى. (62) فتنازعوا أمرهم بينهم قيل أي تنازعت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه فقال بعضهم ليس هذا من كلام السحرة وأسروا النجوى يعني السحرة قيل كان نجواهم إن غلبنا موسى إتبعناه وقيل إن كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر. (63) قالوا إن هذان لساحران قال فرعون وقومه وهو على لغة بلحارث بن كعب فإنهم جعلوا الألف للتثنية وأعربوا المثنى تقديرا وقرئ إن هذان على أنها هي المخففة واللام هي الفارقة أو النافية واللام بمعنى إلا وقرئ هذين وهو ظاهر يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بالأستيلاء عليها بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب أو بأهل طريقتكم ووجوه قومكم وأشرافكم. (64) فاجمعوا كيدكم فازمعوه واجعلوه مجمعا عليه لا يتخلف عنه واحد منكم وقرئ فأجمعوا ويعضده قوله فجمع كيده ثم ائتوا صفا مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين قيل كانوا سبعين ألفا مع كل واحد حبل وعصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة وقد أفلح اليوم من استعلى فاز بالمطلوب من غلب. (65) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى أي بعد ما اتوا مراعاة للأدب. (66) قال بل ألقوا مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم ولأن يأتوا بأقصى وسعهم ثم يظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى أي فألقوا فإذا حبالهم قيل أنهم لطخوها بالزيبق فلما ضربت عليها الشمس إضطربت فخيل إليه أنها تتحرك وقرئ تخيل بالتاء على بناء الفاعل. (67) فأوجس في نفسه خيفة موسى فأضمر فيها خوفا. في نهج البلاغة لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال.

[ 312 ]

(68) قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى تعليل للنهي وتقرير لغلبته مؤكدا. في الأحتجاج عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن موسى عليه السلام لما ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما امنتني قال الله عز وجل لا تخف إنك أنت الاعلى. (69) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا يبتلعه بقدرة الله تعالى وقرئ بالرفع وبالتخفيف إنما صنعوا الذي زوروا وافتعلوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى حيث كان وأين أقبل. (70) فألقي السحرة سجدا أي فألقى فتلقف فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر وإنما هو من آيات الله ومعجزاته فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا لله توبة عما صنعوا وتعظيما لما رأوا قالوا آمنا برب هرون وموسى. (71) قال آمنتم له أي لموسى واللام لتضمين الفعل معنى الأتباع وقرئ بدون الهمزة قبل أن آذن لكم في الأيمان له إنه لكبيركم لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به واستاذكم الذى علمكم السحر وأنتم تواطأتم على ما فعلتم فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف اليد اليمنى والرجل اليسرى ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا يريد به نفسه وموسى أو رب موسى أشد عذابا وأبقى أدوم عقابا. (72) قالوا لن نؤثرك لن نختارك على ما جائنا به موسى أو المستتر في جاء لما من البينات المعجزات الواضحات والذى فطرنا عطف على ما جاءنا أو قسم فاقض ما أنت قاض ما أنت قاضيه أي صانعه أو حاكمه إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا والاخرة خير وأبقى فهو كالتعليل لما قبله والتمهيد لما بعده. (73) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا من الكفر والمعاصي وما أكرهتنا عليه من السحر في معارضة المعجزة. في الجوامع روي أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى نائما فوجدوه يحرسه العصا

[ 313 ]

فقالوا ما هذا بسحر فإن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه والله خير وأبقى جزاءا أو خير ثوابا وأبقى عقابا. (74) إنه إن الأمر من يأت ربه مجرما بأن يموت على كفره وعصيانه فان له جهنم لا يموت فيها فيستريح ولا يحيى حياة مهنأة. (75) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات في الدنيا فأولئك لهم الدرجات العلى المنازل الرفيعة. (76) جنات عدن تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى من تطهر من أدناس الكفر والمعاصي والايات الثلاث يحتمل أن تكون من كلام السحرة وأن تكون إبتداءا كلام من الله. (77) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي أي من مصر فاضرب لهم فاجعل لهم طريقا في البحر يبسا يابسا لا تخاف دركا آمنا من أن يدرككم العدو وقرئ لا تخف ولا تخشى إستيناف أو عطف. (78) فأتبعهم فرعون بجنوده فأتبعهم نفسه ومعه جنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ما سمعت قصته ولا يعرف كنهه إلا الله فيه مبالغة ووجازة. (79) وأضل فرعون قومه وما هدى. نقل ابن طاوس رحمه الله عن تفسير الكلبي عن ابن عباس أن جبرئيل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وآله في حديث في حال فرعون وقومه وإنما قال لقومه أنا ربكم الاعلى حين انتهى إلى البحر فرآه قد يبست فيه الطريق فقال لقومه ترون البحر قد يبس من فرقي فصدقوه لما رأوا ذلك فذلك قوله تعالى وأضل فرعون قومه وما هدى ويأتي تمام القصة في سورة الشعراء. (80) يا بني إسرائيل خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون على إضمار قلنا أو للذين منهم في عهد النبي صلى الله عليه وآله بما فعل بآبائهم قد أنجيناكم من عدوكم فرعون وقومه وواعدناكم جانب الطور الايمن لمناجاة موسى

[ 314 ]

عليه السلام وإنزال التوراة عليه وقرئ أنجيتكم وواعدتكم ونزلنا عليكم المن والسلوى يعني في التيه كما سبق قصته في سورة البقرة. (81) كلوا من طيبات ما رزقناكم لذائذه ولا تطغوا فيه بالأخلال بشكره والتعدي لما حد الله لكم فيه كالسرف والبطر والمنع عن المستحق فيحل عليكم غضبي فيلزمكم عذابي ويجب لكم ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى فقد تردى وهلك وقرئ يحل ويحلل بالضم. في التوحيد عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية ما ذلك الغضب فقال هو العقاب ثم قال إنه من زعم أن الله عز وجل زال من شئ إلى شئ فقد وصفه صفة مخلوق إن الله عزوجل لا يستفزه شئ ولا يغيره. وفي الأحتجاج عنه عليه السلام ما يقرب منه. (82) وإنى لغفار لمن تاب عن الشرك وآمن بما يجب الأيمان به وعمل صالحا ثم اهتدى إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام. القمي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال ألا ترى كيف إشترط ولم تنفعه التوبة والأيمان والعمل الصالح حتى اهتدى والله لو جهد أن يعمل ما قبل منه حتى يهتدي قيل الى من جعلني الله فداك قال إلينا. وفي المجالس عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لعلي عليه السلام في حديث ولقد ضل من ضل عنك ولن يهتدي إلى الله من لم يهتد إليك وإلى ولايتك وهو قول ربي عز وجل وإنى لغفار الاية يعني إلى ولايتك. وفي المجمع والعياشي عن الباقر عليه السلام قال ثم إهتدى إلى ولايتنا أهل البيت فوالله لو أن رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام ثم مات ولم يجئ بولايتنا لأكبه الله في النار على وجهه. وفي المناقب عن السجاد عليه السلام في هذه الاية ثم اهتدى قال إلينا أهل البيت.

[ 315 ]

وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام ثم اهتدى قال إلى ولايتنا. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال وهو مستقبل البيت إنما امر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا وهو قول الله تعالى وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ثم أومأ بيده إلى صدره إلى ولايتنا. والعياشي عن الصادق عليه السلام قال لهذه الاية تفسير يدل ذلك التفسير على أن الله لا يقبل من أحد عملا إلا ممن لقاه بالوفاء منه بذلك التفسير وما اشترط فيه على المؤمنين. وفي الكافي عنه عليه السلام قال إنكم لا تكونوا صالحين حتى تعرفوا ولا تعرفوا حتى تصدقوا ولا تصدقوا حتى تسلموا أبوابا أربعة حتى لا يصلح أولها إلا بآخرها ضل أصحاب الثلاثة وتاهوا تيها عظيما إن الله تعالى لا يقبل إلا العمل الصالح ولا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط والعهود فمن وفي الله تعالى بشرطه واستعمل ما وصف في عهده نال ما عنده واستكمل وعده إن الله تعالى أخبر العباد بطرق الهدى وشرع لهم فيها المنار وأخبرهم كيف يسلكون فقال وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى وقال إنما يتقبل الله من المتقين فمن اتقى الله فيما أمره لقى الله مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله هيهات هيهات فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا وظنوا أنهم آمنوا وأشركوا من حيث لا يعلمون إنه من أتى البيوت من أبوابها إهتدى ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله وطاعة رسوله بطاعته فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولا رسوله وهو الأقرار بما نزل من عند الله تعالى. أقول: أشار بالأبواب الأربعة إلى التوبة عن الشرك والأيمان بالوحدانية والعمل الصالح والأهتداء إلى الحجج عليهم السلام كما يتبين فيما بعد وأصحاب الثلاثة إشارة إلى من لم يهتد إلى الحجج والشروط والعهود كناية عن الأمور الأربعة المذكورة إذ هي شروط للمغفرة وعهود وقوله فمن اتقى الله أي من الشرك في أمره. (83) وما أعجلك عن قومك يا موسى.

[ 316 ]

(84) قال هم أولاء على أثرى ما تقدمتهم إلا بخطى يسيرة لا يعتد بها عادة وعجلت إليك رب لترضى فإن المسارعة إلى إمتثال أمرك والوفاء بعهدك توجب مرضاتك. في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام قال المشتاق لا يشتهي طعاما ولا يلتذ شرابا ولا يستطيب رقادا ولا يأنس حميما ولا يأوى دارا ولا يسكن عمرانا ولا يلبس لباسا ولا يقر قرارا ويعبد الله ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه ويناجيه بلسان شوقه معبرا عما في سريرته كما أخبر الله عن موسى بن عمران عليه السلام في ميعاد ربه بقول وعجلت إليك رب لترضى وفسر النبي صلى الله عليه وآله عن حاله أنه ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه. (85) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم وأضلهم السامري بإتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته. (86) فرجع موسى إلى قومه بعد ما استوفي الأربعين وأخذ التوراة غضبان عليهم آسفا حزينا بما فعلوه قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا بأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور أفطال عليكم العهد أي الزمان زمان مفارقته لهم أم أردتم أن يحل عليكم يجب عليكم غضب من ربكم بعبادة ما هو مثل في الغباوة فأخلفتم موعدى وعدكم إياي بالثبات على الأيمان بالله والهدى والقيام على ما أمرتكم به. (87) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا بأن ملكنا أمرنا أي لو خلينا وأمرنا ولم يسول لنا السامري لما أخلفنا وهو مثلثا مصدر ملكت الشئ وقرئ بالفتح وبالضم ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم أحمالا من حلي القبط التي استعرناها منهم أو ألقاها البحر على الساحل بعد إغراقهم وقرئ حملنا بالفتح والتخفيف فقذفنها أي في النار فكذلك ألقى السامري أي ما كان معه منها. (88) فأخرج لهم عجلا جسدا من تلك الحلي المذابة له خوار صوت العجل فقالوا يعني السامري ومن افتتن به أول ما رآه هذا إلهكم وإله موسى فنسي قيل فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور أو فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من إظهار الأيمان.

[ 317 ]

(89) أفلا يرون أو لا يعلمون ألا يرجع إليهم قولا أنه لا يرجع إليه كلاما ولا يرد عليهم جوابا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. (90) ولقد قال لهم هرون من قبل من قبل رجوع موسى يا قوم إنما فتنتم به بالعجل وإن ربكم الرحمن لا غير فاتبعوني وأطيعوا أمرى في الثبات على الدين. (91) قالوا لن نبرح عليه على العجل وعبادته عاكفين مقيمين حتى يرجع إلينا موسى. القمي فهموا بهارون فهرب منهم وبقوا في ذلك حتى تم ميقات موسى أربعين ليلة فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله تعالى عليه الألواح فيها التوراة وما يحتاج إليه من أحكام السير والقصص فأوحى الله إلى موسى عليه السلام إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري وعبدوا العجل وله خوار فقال يا رب العجل من السامري فالخوار ممن فقال مني يا موسى إني لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة فرجع موسى إلى قومه كما حكى الله. (92) قال يا هرون أي قال له موسى لما رجع ما منعك إذ رأيتهم ضلوا بعبادة العجل. (93) ألا تتبعن أي في الغضب لله ومقاتلة من كفر به أو تأتي عقبى وتلحقني ولا مزيدة كما في قوله ما منعك ألا تسجد أفعصيت أمرى بالصلابة في الدين والمحاماة عليه. القمي ثم رمى بالألواح وأخذ بلحية أخيه ورأسه يجر إليه فقال ما منعك. (94) قال يا ابن ام خص الام إستعطافا وترقيقا لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنى خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل لو قاتلت بعضهم ببعض لم ترقب قولي حين قلت أخلفني في قومي وأصلح فإن الأصلاح كان في حفظ الدماء والمداراة بينهم إلى أن ترجع إليهم فتدارك الأمر برأيك. في العلل عن الصادق عليه السلام أنه سئل لم أخذ برأسه يجره إليه وبلحيته ولم يكن له في إتخاذهم العجل وعبادتهم له ذنب فقال إنما فعل ذلك لأنه لم يفارقهم لما فعلوا

[ 318 ]

ذلك ولم يلحق بموسى وكان إذا فارقهم ينزل بهم العذاب ألا ترى أنه قال لهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمرى قال هرون لو فعلت ذلك لتفرقوا. (95) قال فما خطبك يا سامري ثم أقبل عليه وقال له منكر ما طلبك له وما الذي حملك عليه. (96) قال بصرت بما لم يبصروا به علمت ما لم يعلموا وفطنت ما لم يفطنوا له وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني لا يمس أثره شيئا إلا أحياه وقرئ لم تبصروا على الخطاب فقبضت قبضة من أثر الرسول القمي يعني من تحت حافر رمكه جبرئيل في البحر فنبذتها يعني أمسكتها فنبذتها في جوف العجل وقد مضت هذه القصة في سورة البقرة ثم في سورة الأعراف وكذلك سولت لى نفسي أي زينت القمي فأخرج موسى العجل فأحرقه بالنار وألقاه في البحر. (97) قال فاذهب فإن لك في الحيوة عقوبة على ما فعلت أن تقول لا مساس خوفا أن يمسك أحد فيأخذك الحمى ومن مسك فتحامى الناس ويحاموك وتكون طريدا وحيدا كالوحشي النافر القمي يعني ما دمت حيا وعقبك هذه العلامة فيكم قائمة أن تقول لا مساس حتى يعرفوا أنكم سامرية فلا يغتر بكم الناس فهم إلى الساعة بمصر والشام معروفون لا مساس قال ثم هم موسى بقتل السامري فأوحى الله إليه لا تقتله يا موسى فإنه سخي. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام إن موسى هم الحديث. وإن لك موعدا في الاخرة لن تخلفه لن يخلفكه الله وينجزه لك في الاخرة بعد ما عاقبك في الدنيا وقرء بكسر اللام أي لن تخلف الوعد إياه وسيأتيه لا محالة وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا ظللت على عبادته مقيما فحذف اللام الاولى تخفيفا لنحرقنه أي بالنار وفي الجوامع وقرئ لنحرقنه وهى قراءة علي عليه السلام ومعناه لنبردنه بالمبرد قال ويجوز أن يكون لنحرقنه مبالغة في حرق إذا برد قال وهذه القراءة تدل على أنه كان ذهبا وفضة ولم يصر حيوانا.

[ 319 ]

أقول: قد سبق أنه برد العجل ثم أحرقه بالنار فذره في اليم وفي رواية ذريت (1) سحالته في الماء ثم لننسفنه لنذرينه رمادا أو مبرودا في اليم نسفا فلا يصادف منه شئ والمقصود زيادة العقوبة وإظهار غباوة المفتنين به. (98) إنما إلهكم الله المستحق لعبادتكم الذى لا إله إلا هو الذي لا أحد يماثله أو يدانه في كمال العلم والقدرة وسع كل شئ علما وسع علمه كل ما يصح أن يعلم لا العجل الذي يصاغ ويحرق وإن كان حيا في نفسه كان مثلا في الغباوة. (99) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق من أخبار الامور الماضية والامم الدارجة تبصرة لك وزيادة في علمك وتكثيرا لمعجزاتك وتنبيها وتذكيرا للمستبصرين من أمتك وقد آتيناك من لدنا ذكرا كتابا مشتملا على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقا بالتفكر والأعتبار. (100) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وذنوبه. (101) خالدين فيه في الوزر وساء لهم يوم القيمة حملا. (102) يوم ينفخ في الصور وقرئ نفخ بالنون ونحشر المجرمين يومئذ وقرء يحشر المجرمون زرقا قيل يعني زرق العيون لأن الزرقة أسوء ألوان العين وأبغضها عند العرب وقيل أي عمياء فإن حدقة الأعمى تزراق وقيل عطاشا يظهر في أعينهم كالزرقة. والقمي تكون أعينهم مزرقة لا يقدرون أن يطرفوها. (103) يتخافتون بينهم يخفظون أصواتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول إن لبثتم إلا عشرا يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبر لزوالها (104) نحن أعلم بما يقولون وهو مدة لبثهم إذ يقول أمثلهم طريقة أعدلهم.


1 - ذرت الريح الشئ ذرا: أطارته وأذهبته. (*)

[ 320 ]

القمي أعلمهم وأصلحهم إن لبثتم إلا يوما. (105) ويسئلونك عن الجبال عن مآل أمرها فقل ينسفها ربى نسفا يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فيفرقها. في المجمع إن رجلا من ثقيف سأل النبي صلى الله عليه وآله كيف يكون الجبال مع عظمها يوم القيامة فقال إن الله يسوقها بأن يجعلها كالرمال ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها. (106) فيذرها فيذر مقارها أو الأرض وإضمارها من غير ذكر لدلالة الجبال عليها كقوله ما ترك عليها من دابة قاعا خاليا صفصفا مستويا كان أجزاؤها على صف واحد. القمي القاع الذي لا تراب فيه والصفصف الذي لا نبات له. (107) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا إعوجاجا ولا نتوا القمي قال الأمت الأرتفاع والعوج الحزون والذكوات قيل الأحوال الثلاثة مرتبة فالأولان باعتبار الأحساس والثالث باعتبار المقياس ولذلك ذكر العوج بالكسر وهو يخص المعاني. (108) يومئذ يتبعون الداعي داعي الله إلى المحشر قيل هو إسرافيل يدعو الناس قائما على صخرة بيت المقدس فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا عوج له لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه وخشعت الاصوات للرحمن وخفضت لمهابته فلا تسمع إلا همسا صوتا خفيا. القمي عن الباقر عليه السلام إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد حفاة عراة فيوقفون في المحشر حتى يعرقوا عرقا شديدا وتشتد أنفاسهم فيمكثون في ذلك مقدار خمسين عاما وهو قول الله تعالى وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا قال ثم ينادي مناد من تلقاء العرش أين النبي الامي فيقول الناس قد أسمعت فسم باسمه فينادي أين نبي الرحمة أين محمد بن عبد الله الامي فيتقدم رسول الله أمام الناس كلهم حتى ينتهي إلى حوض طوله ما بين إيلة وصنعا

[ 321 ]

فيقف عليه فينادي بصاحبكم فيتقدم علي عليه السلام أمام الناس فيقف معه ثم يؤذن للناس فيمرون فبين وارد الحوض يومئذ وبين مصروف عنه فإذا رآى رسول الله صلى الله عليه وآله من يصرف عنه من محبينا بكى ويقول يا رب شيعة علي أراهم قد صرفوا تلقاء أصحاب النار ومنعوا ورود الحوض قال قال فيبعث الله إليه ملكا فيقول له ما يبكيك يا محمد فيقول للاناس من شيعة علي فيقول له الملك إن الله يقول لك يا محمد إن شيعة علي قد وهبتهم لك يا محمد وصفحت لهم عن ذنوبهم بحبهم لك ولعترتك وألحقتهم بك وبمن كانوا يقولون به وجعلناهم في زمرتك فأوردهم حوضك. قال أبو جعفر عليه السلام فكم من باك يومئذ وباكية ينادون يا محمداه إذا رأوا ذلك ولا يبقى أحد يومئذ يتولانا ويحبنا ويتبرأ من عدونا ويبغضهم إلا كانوا في حزبنا ومعنا ويرد حوضنا. (109) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا إلا شفاعة من أذن له ورضي لمكانه عند الله أو إلا من أذن في أن يشفع له ورضي لأجله قول الشافع في شأنه أو قوله لأجله وفي شأنه. (110) يعلم ما بين أيديهم ما تقدمهم من الأحوال وما خلفهم وما بعدهم مما يستقبلونه. القمي قال ما بين أيديهم ما مضى من أخبار الأنبياء وما خلفهم من أخبار القائم عليه السلام ولا يحيطون به علما. في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الاية لا يحيط الخلايق بالله عز وجل علما إذ هو تبارك وتعالى جعل على أبصار القلوب الغطاء فلا فهم يناله بالكيف ولا قلب يثبته بالحد فلا تصفه إلا كما وصف نفسه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير هو الاول والاخر والظاهر والباطن الخالق البارئ المصور خلق الأشياء فليس من الأشياء شئ مثله تبارك وتعالى. (111) وعنت الوجوه للحى القيوم ذلت وخضعت له خضوع العناة وهم

[ 322 ]

الاسارى في يد الملك القهار وقد خاب من حمل ظلما. (112) ومن يعمل من الصالحات بعض الطاعات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما منع ثواب مستحق بالوعد ولا هضما ولا كسرا منه بنقصان. القمي عن الباقر عليه السلام ولا ينقص من عمله شئ وأما ظلما يقول لن يذهب به. (113) وكذلك أنزلنه قرآنا عربيا كله على هذه الوتيرة وصرفنا فيه من الوعيد مكررين فيه آيات الوعيد لعلهم يتقون المعاصي فيصير التقوى لهم ملكة أو يحدث لهم ذكرا عظة واعتبارا حين يسمعونها فيثبطهم عنها ولهذه النكتة اسند التقوى إليهم والأحداث إلى القرآن. (114) فتعالى الله في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين الملك الحق النافذ أمره ونهيه بالأستحقاق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه. القمي قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه القرآن بادر بقراءته قبل تمام نزول الاية والمعنى فأنزل الله ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه أي يفرغ من قراءته وقل رب زدني علما أي سل الله زيادة العلم بدل الأستعجال فإن ما أوحي إليك تناله لا محالة. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله فلا بارك الله لي في طلوع شمسه. وفي الخصال عن الصادق عليه السلام سئل أمير المؤمنين عليه السلام من أعلم الناس قال من جمع علم الناس إلى علمه. وعنه عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال فضل العلم أحب إلى الله من فضل العبادة. (115) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل لقد أمرناه يقال تقدم الملك إليه واوعز إليه

[ 323 ]

وعزم عليه وعهد إليه إذا أمره فنسي العهد ولم يعن به ولم نجد له عزما تصميم رأي وثباتا على الأمر. القمي قال فيما نهاه عنه من أكل الشجرة. وفي الكافي والأكمال عن الباقر عليه السلام إن الله تعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها فنسي فأكل منها وهو قول الله تعالى ولقد عهدنا الاية. وفي الكافي عنه عليه السلام في هذه الاية قال إن الله تعالى قال لادم وزوجته لا تقرباها يعني لا تأكلا منها فقالا نعم يا ربنا لا نقربها ولا نأكل منها ولم يستثنيا في قولهما نعم فوكلهما الله في ذلك إلى أنفسهما وإلى ذكرهما. وفي العلل عن الصادق عليه السلام سمي الأنسان إنسانا لأنه ينسي قال الله ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى. والعياشي عن أحدهما عليهما السلام إنه سأل كيف أخذ الله آدم بالنسيان فقال إنه لم ينس وكيف ينسى وهو يذكره ويقول له إبليس ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. أقول: لعل المنسي عزيمة النهي بحيث لا يقبل التأويل والرخصة وغير المنسي أصل النهي أو يقال المنسي الأقرار بفضيلة النبي والوصي وذريتهما المعصومين عليهم السلام ويكون النسيان هنا بمعنى الترك كما يدل عليه الأخبار الأخر. ففي الكافي عن الصادق عليه السلام قال في قوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام من ذريتهم فنسي هكذا والله انزلت على محمد صلى الله عليه وآله وفيه. وفي العلل والبصائر عن الباقر عليه السلام قال عهد إليه في محمد صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام من بعده فترك ولم يكن له عزم فيهم إنهم هكذا وإنما

[ 324 ]

سموا اولو العزم لأنه عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وآله والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته فأجمع عزمهم إن ذلك كذلك والأقرار به. وفي العلل عنه عليه السلام في حديث قال وأخذ الميثاق على أولي العزم إنني ربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين وأوصيائه من بعده ولاة أمري وخزان علمي وأن المهدي عليه السلام أنتصربه لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي واعبد به طوعا وكرها قالوا أقررنا يا رب وشهدنا ولم يجحد آدم ولم يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي عليه السلام ولم يكن لادم عزم على الأقرار به وهو قوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما قال إنما هو فترك. (116) وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى قد سبق الكلام فيه. (117) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قيل أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد إشتراكهما في الخروج إكتفاء بإستلزام شقائه شقائها من حيث أنه قيم عليها ومحافظة على الفواصل أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش وذلك وظيفة الرجال ويؤيده ما بعده. (118) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. (119) وأنك لا تظمؤ فيها ولا تضحى. (120) فوسوس إليه الشيطان فأنهى إليه وسوسته قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد الشجرة التي من أكل منها خلد ولم يمت أصلا وملك لا يبلى لا يزول ولا يضعف. (121) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة أخذا يلزقان الورق على سؤاتهما للتستر وعصى آدم ربه بالأكل من الشجرة فغوى فضل عن المطلوب وخاب حيث طلب الخلد بأكلها. (122) ثم اجتبيه ربه واصطفاه وقربه بالحمل على التوبة والتوفيق له فتاب عليه

[ 325 ]

فقبل توبته لما تاب وهدى إلى الثبات على التوبة والتشبث بأسباب العصمة. (123) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو الخطاب لادم وحوا أو له ولأبليس ولما كانا أصلي الذرية خاطبهما فخاطبتهم وقد مضى تمام هذه القصة وتفسير هذه الايات في سورة البقرة فاما يأتينكم منى هدى كتاب ورسول فمن اتبع هداي فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الاخرة. في الكافي مضمرا أنه سأل عن هذه الاية فقال من قال بالأئمة واتبع أمرهم ولم يجز طاعتهم. (124) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ضيقا ونحشره يوم القيمة أعمى. (125) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. (126) قال كذلك أي مثل ذلك فعلت ثم فسره أتتك آياتنا واضحة نيرة فنسيتها فعميت عنها وتركتها غير منظور إليها وكذلك ومثل تركك إياها اليوم تنسى تترك في العمى والعذاب. القمي عن الصادق عليه السلام فإن له معيشة ضنكا قال هي والله للنصاب قيل له رأيناهم في دهرهم الأطول في الكفاية حتى ماتوا قال ذلك والله في الرجعة يأكلون العذرة. وفي الكافي في قوله تعالى ومن أعرض عن ذكري قال ولاية أمير المؤمنين عليه السلام أعمى قال يعني أعمى البصر في الاخرة وأعمى القلب في الدنيا عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وهو متحير في القيامة يقول لم حشرتني الاية قال الايات الأئمة عليهم السلام فنسيتها يعني تركتها وكذلك اليوم تترك في النار كما تركت الأئمة فلم تطع أمرهم ولم تسمع قولهم. وفي الفقيه والمجمع والقمي عنه عليه السلام سأل عن رجل لم يحج قط وله مال فقال هو ممن قال الله ونحشره يوم القيمة أعمى قيل سبحان الله أعمى فقال أعماه

[ 326 ]

الله عن طريق الخير. والقمي عن طريق الجنة وفي الكافي ما يقرب منه. (127) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه. في الكافي عن الصادق عليه السلام يعني من أشرك بولاية أمير المؤمنين عليه السلام غيره ولم يؤمن بآيات ربه ترك الأئمة معاندة فلم يتبع آثارهم ولم يتولهم ولعذاب الاخرة أشد وأبقى من ضنك العيش ومن العمى. (128) أفلم يهد لهم القمي يقول يبين لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون أهلاكنا إياهم يمشون في مساكنهم ويشاهدون آثار هلاكهم إن في ذلك لايات لاولي النهى لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي. (129) ولولا كلمة سبقت من ربك وهي العدة بتأخير عذاب هذه الامة إلى الاخرة لكان لزاما لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازما لهذه الكفرة وأجل مسمى عطف على كلمة أي ولولا العدة بتأخير العذاب وأجل مسمى لأعمارهم أو لعذابهم لكان العذاب لزاما والفصل للدلالة على استقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب. القمي قال اللزام الهلاك قال وكان ينزل بهم العذاب ولكن قد أخرهم إلى أجل مسمى. (130) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل ومن ساعاته جمع انا بالكسر والقصر وأناء بالفتح والمد فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى طمعا أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك وقرئ بالبناء على المفعول أي يرضيك ربك. وفي الخصال عن الصادق عليه السلام سئل عن هذه الاية فقال فريضة على كل مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس وقبل غروبها عشر مرات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير.

[ 327 ]

وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في قوله وأطراف النهار قال يعني تطوع بالنهار. (131) ولا تمدن عينيك أن نظرهما إلى ما متعنا به إستحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله أزواجا منهم أصنافا من الكفرة زهرة الحيوة الدنيا زينتها وبهجتها لنفتنهم فيه لنبلوهم ونختبرهم فيه أو لنعذبهم في الاخرة بسببه ورزق ربك خير وأبقى أي الهدى والنبوة لا ينقطع. القمي عن الصادق عليه السلام لما نزلت هذه الاية أستوى رسول الله جالسا ثم قال من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس طال همه ولم يشف غيظه ومن لم يعرف أن لله عليه نعمة الا في مطعم ومشرب قصر أجله ودنا عذابه. وفي الكافي عنه عليه السلام قال إياك وأن تطمح نفسك إلى من فوقك وكفي بما قال الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وآله فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم وقال لا تمدن عينيك الاية. (132) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها وداوم عليها لا نسئلك رزقا ان ترزق نفسك ولا أهلك نحن نرزقك وإياهم ففرغ بالك للاخرة والعاقبة المحمودة للتقوى لذي التقوى. في العوالي والمجمع عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال أمر الله نبيه أن يخص أهل بيته وأهله دون الناس ليعلم الناس أن لأهله عند الله منزلة ليست لغيرهم فأمرهم مع الناس عامة ثم أمرهم خاصة. وفي العيون عن الرضا عليه السلام في هذه الاية قال خصنا الله بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع الامة بإقامة الصلاة ثم خصنا من دون الامة فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يجئ إلى باب علي وفاطمة عليهما السلام بعد نزول هذه الاية تسعة أشهر في كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات فيقول الصلاة رحمكم الله وما أكرم الله

[ 328 ]

أحدا من ذراري الأنبياء عليهم السلام بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها وخصنا من دون جميع أهل بيتهم. وزاد القمي مرسلا وفي المجمع عن الخدري بعد قوله يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا القمي فلم يزل يفعل ذلك كل يوم إذا شهد المدينة حتى فارق الدنيا. وفي نهج البلاغة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها فكان يأمر بها ويصبر عليها نفسه وفي الكافي مثله. (133) وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه تدل على صدقه في إدعاء النبوة أولم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى من التوراة والأنجيل وساير الكتب السماوية فإن إشتمال القرآن على زبدة ما فيها من العقايد والأحكام الكلية مع أن الاتي بها لم يرها ولم يتعلم ممن علمها إعجاز بين. (134) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله من قبل محمد صلى الله عليه وآله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل بالقتل والسبي في الدنيا ونخزى بدخول النار في الاخرة. (135) قل كل متربص منتظر لما يؤل أمره فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي الوسط ومن اهتدى من الضلالة. في كشف المحجة عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله. في حديث قيل ومن الولي يا رسول الله قال وليكم في هذا الزمان أنا ومن بعدي وصيي ومن بعد وصيي لكل زمان حجج الله لكيلا تقولون كما قال الضلال من قبلكم فارقهم نبيهم ربنا لولا أرسلت الاية وإنما كان تمام ضلالتهم جهالتهم بالايات وهم الأوصياء فأجابهم الله قل كل متربص الاية وإنما كان تربصهم أن قالوا نحن في سعة

[ 329 ]

من معرفة الأوصياء حتى يعلن إمام علمه. في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام قال لا تدعوا قراءة سورة طه فإن الله يحبها ويحب من قرأها ومن أدمن قراءتها أعطاه الله يوم القيامة كتابه بيمينه ولم يحاسبه بما عمل في الأسلام واعطي في الاخرة من الأجر حتى يرضى رزقنا الله تلاوته.

[ 330 ]

سورة الأنبياء مكية كلها وهي مأة واثنتا عشرة آية كوفي وإحدى عشرة آية في الباقين اختلافها آية واحدة ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم كوفي بسم الله الرحمن الرحيم (1) اقترب للناس حسابهم. القمي قربت القيامة والساعة والحساب. وفي المجمع وإنما وصف بالقرب لأن أحد أشراط الساعة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله فقد قال بعثت أنا والساعة كهاتين. وفي الجوامع عن أمير المؤمنين عليه السلام إن الدنيا ولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وهم في غفلة معرضون في غفلة من الحساب معرضون عن التفكر فيه. (2) ما يأتيهم من ذكر من ربهم ينبههم عن سنة الغفلة والجهالة محدث ليكرر على أسماعهم التنبيه كي يتعظوا إلا استمعوه وهم يلعبون يستهزؤون يستسخرون منه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الامور والتفكر في العواقب. (3) لاهية قلوبهم. القمي قال من التلهي وأسروا النجوى بالغوا في إخفائها أو جعلوها بحيث خفي تناجيهم بها الذين ظلموا بدل من واو أسروا للايماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وانتم تبصرون قيل كأنهم إستدلوا بكونه بشرا على كذبه في إدعاء الرسالة لأعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكا واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر فأنكروا حضوره وإنما أسروا به تشاورا في

[ 331 ]

إستنباط ما يهدم أمره ويظهر فساده للناس عامة. (4) قل ربي يعلم القول في السماء والارض جهرا كان أو سرا وقرء قال بالأخبار عن الرسول وهو السميع العليم فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون. (5) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر إضراب لهم من قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط الأحلام ثم إلى أنه كلام افتراه ثم إلى أنه قول شاعر فليأتنا بآية كما أرسل به الاولون مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى. (6) ما آمنت قبلهم من قرية من أهل قرية أهلكناها باقتراح الايات لما جاءتهم أفهم يؤمنون وهم أعتى منهم القمي قال كيف يؤمنون ولم يؤمن من كان قبلهم بالايات حتى هلكوا. (7) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم وقرئ نوحي بالنون فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون قيل هو جواب لقولهم هل هذا إلا بشر مثلكم. في الكافي عن الباقر عليه السلام قيل له إن من عندنا يزعمون أن قول الله عز وجل فاسألوا أهل الذكر إنهم اليهود والنصارى قال إذن يدعوكم إلى دينهم ثم قال وأومأ بيده إلى صدره نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون وقد سبق هذا الحديث مع أخبار اخر في هذا المعنى في سورة النحل مع بيان. (8) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين نفي لما إعتقدوه أن الرسالة من خواص الملك. (9) ثم صدقناهم الوعد أي في الوعد فأنجيناهم ومن نشاء يعني المؤمنين بهم ومن في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو واحد من ذريته وأهلكنا المسرفين في الكفر والمعاصي. (10) لقد أنزلنا إليكم يا قريش كتابا يعني القرآن فيه ذكركم صيتكم أو موعظتكم أفلا تعقلون فتؤمنون. (11) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها بعد إهلاك أهلها قوما

[ 332 ]

آخرين مكانهم. (12) فلما أحسوا بأسنا فلما أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس إذا هم منها يركضون يهربون مسرعين. (13) لا تركضوا على إرادة القول أي قيل لهم إستهزاء وارجعوا إلى ما أترفتم فيه من التنعم والتلذذ والأتراف إبطار النعمة ومساكنكم التي كانت لكم لعلكم تسئلون (14) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين. (15) فما زالت تلك دعويهم فما زالوا يرددون ذلك وإنما سماه دعوى لأن المولول كأنه يدعو الويل ويقول يا ويل تعالى فهذا أوانك حتى جعلنهم حصيدا وهو النبت المحصود خامدين ميتين من خمدت النار قيل نزلت في أهل اليمن كذبوا نبيهم حنظلة وقتلوه فسلط الله عليهم بخت نصر حتى أهلكهم بالسيف ومعنى لعلكم تسئلون أي تسئلون شيئا من دنياكم فإنكم أهل ثروة ونعمة وهو إستهزاء بهم. وفي الكافي عن السجاد عليه السلام لقد أسمعكم الله في كتابه ما فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وإنما عنى بالقرية أهلها حيث يقول وأنشأنا بعدها قوما آخرين فقال عز وجل فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون يعني يهربون قال فلما آتهم العذاب قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين قال وأيم الله إن هذه عظة لكم وتخويف ان اتعظتم وخفتم. وعن الباقر عليه السلام قال إذا قام القائم وبعث إلى بني امية بالشام هربوا إلى الروم فيقول لهم الروم لا ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم عليه السلام طلبوا الأمان والصلح فيقول أصحاب القائم عليه السلام لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا قال فيدفعونهم إليهم فذلك قوله لا تركضوا إلى قوله لعلكم تسئلون قال يسألهم الكنوز وهو أعلم بها قال فيقولون يا ويلنا إلى قوله خامدين أي بالسيف وهو سعيد بن عبد الملك الأموي صاحب نهر سعيد بالرحبة.

[ 333 ]

والقمي ما يقرب منه قال وهذا كله مما لفظه ماض ومعناه مستقبل وهو مما ذكرناه مما تأويله بعد تنزيله. (16) وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين وإنما خلقناهما تبصرة للنظار وتذكرة لذوي الأعتبار وتسبيبا لما ينتظم به امور العباد في المعاش والمعاد فينبغي أن يتبلغوا بها إلى تحصيل الكمال ولا يغتروا بزخارفها السريعة الزوال. (17) لو أردنا أن نتخذ لهوا (1) ما يتلهى به ويلعب لاتخذناه من لدنا قيل أي من جهة قدرتنا أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من الروحانيات لا من الأجسام إن كنا فاعلين ذلك. (18) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فيمحقه فإذا هو زاهق هالك إضراب عن إتخاذ اللهو وتنزيه لذاته سبحانه من اللعب أي من شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من عداده اللهو واستعير القذف الذي هو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمي والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشق غشاءه المؤدي إلى زهوق الروح تصويرا لأبطاله به ومبالغة فيه ولكم الويل مما تصفون مما لا يجوز عليه. في المحاسن عن الصادق عليه السلام ليس من باطل يقوم بإزاء حق إلا غلب الحق الباطل وذلك قول الله تعالى بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وعنه عليه السلام ما من أحد إلا وقد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه قبله أو تركه وذلك أن الله يقول في كتابه بل نقذف بالحق الاية. (19) وله من في السموات والارض خلقا وملكا ومن عنده يعني الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ولا يعيون منها. (20) يسبحون اليل والنهار ينزهونه ويعظمونه دائما لا يفترون. في العيون عن الرضا عليه السلام إن الملائكة معصومون محفوظون من الكفر


1 - اللهو: المرأة وقيل هو الولد. (*)

[ 334 ]

والقبايح بألطاف الله تعالى قال الله فيهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقال عز وجل وله من في السموات والارض ومن عنده يعني الملائكة لا يستكبرون الاية. وفي الأكمال عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الملائكة أينامون فقال ما من حي إلا وهو ينام ما خلا الله وحده والملائكة ينامون فقيل يقول الله عز وجل يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال أنفاسهم تسبيح. وفي رواية ليس شئ من أطباق أجسادهم إلا ويسبح الله عز وجل ويحمده من ناحيته بأصوات مختلفة. (21) أم اتخذوا آلهة من الارض بل اتخذوا والهمزة لأنكار إتخاذهم هم ينشرون الموتى وهم وإن لم يصرحوا به لكن لزم إدعاؤهم لها الألهية فإن من لوازمها الأقتدار على ذلك والمراد به تجهيلهم والتهكم بهم. (22) لو كان فيهما آلهة إلا الله غير الله لفسدتا لبطلتا وتفطرتا ولقد وجد الصلاح وهو بقاء العالم ووجوده فدل على أن الموجد له واحد وهو الله جل جلاله. في التوحيد عن الصادق عليه السلام إنه سئل ما الدليل على أن الله واحد قال اتصال التدبير وكمال الصنع كما قال عز وجل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش المحيط بجميع الأجسام الا الذي هو محل التدابير ومنشأ المقادير عما يصفون من إتخاذ الشريك والصاحبة والولد. (23) لا يسئل عما يفعل لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالالوهية والسلطنة الذاتية وهم يسئلون لأنهم مملوكون مستعبدون. في العلل عن علي عليه السلام يعني بذلك خلقه أنهم يسئلوا. وفي التوحيد عن الباقر عليه السلام إنه سئل وكيف لا يسئل عما يفعل فقال لأنه لا يفعل إلا ما كان حكمة وصوابا وهو المتكبر الجبار والواحد القهار فمن وجد في نفسه حرجا في شئ مما قضى كفر ومن أنكر شيئا من أفعاله جحد.

[ 335 ]

وعن الرضا عليه السلام قال قال الله تعالى يا ابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت الي فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي جعلتك سميعا بصيرا قويا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وذلك إني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني وذلك إني لا اسأل عما أفعل وهم يسئلون. (24) أم اتخذوا من دونه آلهة كرره استعظاما لكفرهم واستفظاعا لأمرهم وتبكيتا وإظاهارا لجهدهم قل هاتوا برهانكم على ذلك فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه هذا ذكر من معي وذكر من قبلي قيل أي من الكتب السماوية فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الأشراك. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام يعني بذكر من معي ما هو كائن وبذكر من قبلي ما قد كان بل أكثرهم لا يعلمون الحق ولا يميزون بينه وبين الباطل فهم معرضون عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك. (25) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه وقرئ بالنون أنه لا إله إلا أنا فاعبدون تأكيد وتعميم. (26) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا قيل نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله. والقمي قال هو ما قالت النصارى إن المسيح ابن الله وما قالت اليهود عزير ابن الله وقالوا في الأئمة عليهم السلام ما قالوا فقال الله سبحانه سبحانه أنفة له بل عباد مكرمون يعني هؤلاء الذين زعموا أنهم ولد الله قال وجواب هؤلاء في سورة الزمر في قوله لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفي مما يخلق ما يشاء سبحانه. (27) لا يسبقونه بالقول لا يقولون شيئا حتى يقوله كما هو شيمة العبيد المؤدبين وهم بأمره يعملون لا يعملون قط ما لم يأمرهم به. في الخرائج عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه اختصم رجل وأمرأة إليه فعلا

[ 336 ]

صوت الرجل على المرأة فقال له علي عليه السلام اخسأ وكان خارجيا فإذا رأسه رأس الكلب فقال له رجل يا أمير المؤمنين صحت بهذا الخارجي فصار رأسه رأس الكلب فما يمنعك عن معاوية فقال ويحك لو أشاء أن آتي بمعاوية إلى هيهنا بسريره لدعوت الله حتى فعل ولكن لله خزان لا على ذهب ولا فضة ولكن على أسرار هذا تأويل ما تقرأ بل عباد مكرمون الاية. (28) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يخفي عليه خافية مما قدموا وأخروا وهو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده فإنهم لأحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. في العيون عن الرضا عليه السلام إلا لمن ارتضى الله دينه. وفي الخصال عن الصادق عليه السلام وأصحاب الحدود فساق لا مؤمنون ولا كافرون لا يخلدون في النار ويخرجون منها يوما والشفاعة جائزة لهم وللمستضعفين إذا ارتضى الله دينهم. وفي التوحيد عن الكاظم عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن رسول الله صلوات الله عليه وعليهم قال إنما شفاعتي لأهل الكباير من امتي فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل قيل يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله كيف يكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى يقول ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ومن يرتكب الكبيرة لا يكون مرتضى فقال ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا سائه ذلك وندم عليه. وقال النبي صلى الله عليه وآله كفى بالندم توبة وقال من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالما والله تعالى ذكره يقول ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع فقيل له يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمنا من لم يندم على ذنب يرتكبه فقال ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أن سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ومتى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة ومتى لم يندم عليها كان مصرا والمصر لا يغفر له لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ولو كان مؤمنا بالعقوبة لندم وقد قال النبي صلى الله عليه

[ 337 ]

وآله لا كبيرة مع الأستغفار ولا صغيرة مع الأصرار وأما قول الله عز وجل ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه والدين الأقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة وهم من خشيته من عظمته ومهابته مشفقون مرتعدون وأصل الخشية خوف مع تعظيم ولذلك خص بها العلماء والأشفاق خوف مع إعتناء فإن عدى بمن فمعنى الخوف فيه أظهر وإن عدى بعلى فبالعكس. (29) ومن يقل منهم من الملائكة أو من الخلايق إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم قيل يريد به نفي الربوبية وإدعاء نفي ذلك عن المخلوق وتهديد المشركين بتهديد مدعي الربوبية. والقمي قال من زعم إنه إمام وليس بإمام. أقول: لعل هذا التأويل وذاك التفسير كذلك نجزى الظالمين. (30) أو لم ير الذين كفروا أو لم يعلموا وقرئ بغير واو أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما. في الكافي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال فلعلك تزعم إنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان ففتقت إحداهما من الاخرى فقال نعم فقال عليه السلام إستغفر ربك فإن قول الله عز وجل كانتا رتقا يقول كانت السماء رتقا لا تنزل المطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت الحب فلما خلق الله الخلق وبث فيها من كل دابة فتق السماء بالمطر والأرض بنبات الحب فقال السائل أشهد أنك من ولد الأنبياء وأن علمك علمهم. وفي الأحتجاج عنه عليه السلام ما يقرب منه. وفي الكافي عنه إنه سئل عنها فقال إن الله تبارك وتعالى أهبط آدم إلى الأرض وكانت السماء رتقا لا تمطر شيئا وكانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا فلما تاب الله عز وجل على آدم أمر السماء فتقطرت بالغمام ثم أمرها فأرخت عزاليها ثم أمر الأرض

[ 338 ]

فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتشققت بالأنهار فكان ذلك رتقها وهذا فتقها. والقمي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن ذلك فقال هو كما وصف نفسه كان عرشه على الماء والماء على الهواء والهواء لا يحد ولم يكن يومئذ خلق غيرهما والماء يومئذ عذب فرات فلما أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد ثم دحا الأرض من تحته فقال الله تبارك وتعالى إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا ثم مكث الرب تبارك وتعالى ما شاء فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار فخلق منه السماء وجعل فيها البروج والنجوم ومنازل الشمس والقمر وأجراها في الفلك وكانت السماء خضراء على لون الماء الأخضر وكانت الأرض غبرا على لون الماء العذب وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب ولم يكن للأرض أبواب وهو النبت ولم تمطر السماء عليها ففتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات وذلك قوله أو لم ير الذين كفروا الاية وجعلنا من الماء كل شئ حي وخلقنا من الماء كل حيوان كقوله والله خلق كل دابة من ماء لأنه أعظم مواده ولفرط احتياجه إليه وإنتفاعه به بعينه أو صيرنا كل شئ حي بسبب من الماء لا يحيى دونه القمي قال نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا إلى غيره. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام مثله. وعن الصادق عليه السلام إنه سئل عن طعم الماء فقال طعم الماء طعم الحياة. وفي المجمع والعياشي وقرب الأسناد مثله وزاد قال الله تعالى وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون مع ظهور الايات. (31) وجعلنا في الارض راوسي ثابتات أن تميد بهم كراهة أن تميل بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا مسالك واسعة لعلهم يهتدون إلى مصالحهم. (32) وجعلنا السماء سقفا محفوظا عن الوقوع والزوال والأنحلال إلى الوقت

[ 339 ]

المعلوم بمشيته كقوله تعالى ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه وقوله إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا والقمي يعني من الشياطين أي لا يسترقون السمع وهم عن آياتها أحوالها الدالة على كمال قدرته وعظمته وتناهي علمه وحكمته معرضون غير متفكرين. (33) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر بيان لبعض تلك الايات كل في فلك يسبحون يسرعون إسراع السابح في الماء. (34) وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفان مت فهم الخالدون. (35) كل نفس ذائقة الموت. القمي لما أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله بما يصيب أهل بيته بعده صلوات الله عليهم وادعاء من ادعى الخلافة دونهم اغتم رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله عز وجل هذه الاية وقيل نزلت حين قالوا نتربص به ريب المنون وقد سبق عند تفسير هذه الاية من سورة آل عمران حديث في الفرق بين الموت والقتل ونبلوكم نعاملكم معاملة المختبرين بالشر والخير بالبلايا والنعم فتنة ابتلاء والينا ترجعون فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر. في المجمع عن الصادق عليه السلام إن أمير المؤمنين عليه السلام مرض فعاده إخوانه فقالوا كيف نجدك يا أمير المؤمنين قال بشر قالوا ما هذا كلام مثلك قال إن الله تعالى يقول ونبلوكم بالشر والخير فتنة فالخير الصحة والغنى والشر المرض والفقر. (36) وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذى يذكر آلهتكم أي بسوء وهم بذكر الرحمن هم كفرون فهم أحق أن يهزء بهم. (37) خلق الانسان من عجل كأنه خلق منه لفرط إستعجاله وقلة ثباته. القمي قال لما أجرى الله في آدم الروح من قدميه فبلغت إلى ركبتيه أراد أن يقوم فلم يقدر فقال الله عز وجل خلق الانسان من عجل.

[ 340 ]

وفي المجمع عن الصادق عليه السلام ما يقرب منه. وفي نهج البلاغة إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها والتساقط فيها عند إمكانها الحديث سأريكم آياتي فلا تستعجلون بالأتيان بها. (38) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين يعنون النبي وأصحابه. (39) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون محذوف الجواب يعني لما استعجلوا. (40) بل تأتيهم بغتة فجأة فتبهتهم فتغلبهم أو تحيرهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون يمهلون. (41) ولقد استهزء برسل من قبلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن وعد له بأن ما يفعلونه يحيق بهم. (42) قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمن من بأسه إن أراد بكم وفي لفظ الرحمن تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة وإن إندفاعه بها مهلة بل هم عن ذكر ربهم معرضون لا يخطرونه ببالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه. (43) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا بل الهم آلهة تمنعهم من العذاب يتجاوز منعنا أو من عذاب يكون من عندنا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون استيناف بإبطال ما إعتقدوه فإن من لا يقدر على نصر نفسه ولا يصحبه نصر من الله كيف ينصر غيره. (44) بل متعنا هؤلاء وآبائهم حتى طال عليهم العمر اضراب عما توهموا ببيان الداعي إلى حفظهم وهو الأستدراج والتمتيع بما قدر لهم من الأعمار أو اضراب عن الدلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم ذلك فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه وهذا أوفق لما بعده أفلا يرون أنا نأتي الارض قيل أرض الكفرة ننقصها من أطرافها قيل أي بتسليط المسلمين عليها وهو تصوير لما يجريه الله على أيدي المسلمين أفهم الغالبون رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين.

[ 341 ]

وفي الكافي والمجمع عن الصادق عليه السلام ننقصها يعني بموت العلماء قال نقصانها ذهاب عالمها وقد مر بيانه في سورة الرعد. (45) قل إنما أنذركم بالوحي بما أوحي إلي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون وضع الصم موضع الضمير للدلالة على تصامهم وعدم انتفاعهم بما يسمعون وقرء ولا تسمع الصم على خطاب النبي صلى الله عليه وآله. (46) ولئن مستهم نفحة أدنى شئ من عذاب ربك من الذي ينذرون به ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين لدعوا على أنفسهم بالويل واعترفوا عليها بالظلم. (47) ونضع الموازين القسط العدل يوزن بها الأعمال ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا من حقه أو من الظلم وإن كان مثقال حبة وقرء بالرفع من خردل أتينا بها أحضرناها. في الجوامع عن الصادق عليه السلام إنه قرء آتينا بالمد. والقمي أي جازينا بها وهي ممدودة وكفى بنا حاسبين إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا. في الكافي والمعاني عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال هم الأنبياء والأوصياء وفي رواية اخرى نحن الموازين القسط. وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في جواب من اشتبه عليه بعض الايات وأما قوله ونضع الموازين القسط فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلايق يوم القيامة يدين الله تبارك وتعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين. أقول: قد سبق منا معنى كون الأنبياء والأوصياء موازين وتحقيق معنى الميزان في تفسير والوزن يومئذ الحق من سورة الأعراف. وفي الكافي عن السجاد عليه السلام في كلامه في الوعظ والزهد قال ثم رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال عز وجل ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين فإن قلتم أيها الناس إن الله عز وجل

[ 342 ]

إنما عنى بهذا أهل الشرك فكيف ذلك وهو يقول ونضع الموازين القسط ليوم القيمة الاية إعلموا عباد الله إن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ولا ينشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الأسلام فاتقوا الله عباد الله. (48) ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين أي الكتاب الجامع لكونه فارقا بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة وذكرا يتعظ به المتقون. (49) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون خائفون. (50) وهذا ذكر مبارك وهذا القرآن ذكر كثير خيره أنزلناه على محمد صلى الله عليه وآله أفأنتم له منكرون استفهام توبيخ. (51) ولقد آتينا إبراهيم رشده الأهتداء لوجوه الصلاح وأضافه إليه ليدل على أنه رشد مثله وأن له لشأنا من قبل من قبل موسى وهارون عليهما السلام أو محمد صلى الله عليه وآله وكنا به عالمين علمنا أنه أهل لما اتيناه. (52) إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون تحقير لشأنها وتوبيخ على إجلالها فإن التمثال صورة لاروح فيها. (53) قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين فقلدناهم. (54) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين لعدم استناد الفريقين إلى برهان. (55) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين كأنهم لأستبعادهم تضليل آبائهم ظنوا أن ما قاله على وجه الملاعبة فقالوا أبجد تقوله أم تلعب به. (56) قال بل ربكم رب السموات والارض الذى فطرهن إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادعاه وأنا على ذلكم من الشاهدين من المحققين له والمبرهنين عليه فإن الشاهد من تحقق الشئ وحفظه.

[ 343 ]

(57) وتالله لاكيدن أصنامكم لأجتهدن في كسرها ولفظ الكيد وما في التاء من التعجب لصعوبة الأمر وتوقفه على نوع من الحيل بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدكم ولعله قال ذلك سرا. (58) فجعلهم جذاذا قطاعا فعال بمعنى مفعول كالحطام من الجذ وهو القطع وقرء بالكسر إلا كبيرا لهم للأصنام لعلهم إليه يرجعون. (59) قالوا حين رجعوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين. (60) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يعيبهم يقال له إبراهيم. (61) قالوا فأتوا به على أعين الناس بمرأى منهم لعلهم يشهدون بفعله أو قوله. (62) قالوا حين احضروه ء أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم. (63) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون في العيون عن الصادق عليه السلام إنما قال إبراهيم إن كانوا ينطقون فكبيرهم فعل وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا وما كذب إبراهيم. وفي الكافي عنه عليه السلام إنما قال بل فعله كبيرهم إرادة الأصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون ثم قال والله ما فعلوه وما كذب. (64) فرجعوا إلى أنفسهم وراجعوا عقولهم فقالوا فقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون بعبادة ما لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لا من ظلمتموه. (65) ثم نكسوا على رؤسهم قيل يعني إنقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشئ مستعليا الى أعلاه لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فكيف تأمر بسؤالهم وهو على إرادة القول. (66) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم إنكار لعبادتهم لها بعد إعترافهم بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر فإنه ينافي الالوهية.

[ 344 ]

(67) أف لكم ولما تعبدون من دون الله تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين واف صوت المتضجر ومعناه قيحا ونتنا أفلا تعقلون قبح صنيعكم. (68) قالوا أخذا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة حرقوه فإن النار أهول ما يعاقب به وانصروا آلهتكم بالأنتقام لها إن كنتم فاعلين إن كنتم ناصرين لهانصرا مؤزرا. (69) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار على إبراهيم. (70) وأرادوا به كيدا مكرا في إضراره فجعلناهم الاخسرين أخسر من كل خاسر عاد سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل وإبراهيم عليه السلام على الحق وموجبا لمزيد درجته واستحقاقهم أشد العذاب. في الأحتجاج عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن إبراهيم عليه السلام لما القي في النار قال اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها فجعلها الله عليه بردا وسلاما. (71) ونجيناه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين إلى الشام قيل بركته العامة إن أكثر الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرايعهم التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية ولكثرة النعم فيها والخصب الغالب. القمي قال فلما نهاهم إبراهيم عليه السلام واحتج عليهم في عبادتهم الأصنام فلم ينتهوا فحضر عيد لهم فخرج نمرود وجميع أهل مملكته إلى عيد لهم وكره أن يخرج إبراهيم عليه السلام معه فوكله ببيت الأصنام فلما ذهبوا عمد إبراهيم عليه السلام إلى طعام فأدخله بيت أصنامهم فكان يدنو من صنم فصنم فيقول له كل وتكلم فإذا لم يجبه أخذ القدوم فكسر يده ورجله حتى فعل ذلك بجميع الأصنام ثم علق القدوم في عنق الكبير منهم الذي كان في الصدر فلما رجع الملك ومن معه من العيد نظروا إلى الأصنام مكسرة فقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم وهو ابن آزر فجاؤوا به إلى نمرود فقال نمرود لازر خنتني وكتمت هذا

[ 345 ]

الولد عني فقال أيها الملك هذا عمل امه وذكر إنها تقوم بحجبه فدعا نمرود ام إبراهيم عليه السلام فقال لها ما حملك على أن كتمتني أمر هذا الغلام حتى فعل بالهتنا ما فعل فقالت أيها الملك نظرا مني لرعيتك قال وكيف ذلك قالت رأيتك تقتل أولاد رعيتك فكان يذهب النسل فقلت إن كان هذا الذي يطلبه دفعته إليه ليقتله ويكف عن قتل أولاد الناس وإن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا وقد ظفرت به فشأنك فكف عن أولاد الناس وصوب رأيها ثم قال لإبراهيم عليه السلام من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال إبراهيم فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. فقال الصادق عليه السلام والله ما فعل كبيرهم وما كذب إبراهيم فقيل فكيف ذلك فقال إنما قال فعله كبيرهم هذا إن نطق وإن لم ينطق فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا فاستشار نمرود قومه في إبراهيم عليه السلام فقالوا له احرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. فقال الصادق عليه السلام كان فرعون إبراهيم عليه السلام وأصحابه لغير رشدة فإنهم قالوا لنمرود حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين وكان فرعون موسى وأصحابه لرشدة فإنه لما إستشار أصحابه في موسى قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فحبس إبراهيم عليه السلام وجمع له الحطب حتى إذا كان اليوم الذي ألقى فيه نمرود إبراهيم عليه السلام في النار برز نمرود وجنوده وقد كان بني لنمرود بناء ينظر منه إلى إبراهيم عليه السلام كيف تأخذه النار فجاء إبليس وإتخذ لهم المنجنيق لأنه لم يقدر أحد أن يتقارب من النار وكان الطائر إذا مر في الهواء يحترق فوضع إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وجاء أبوه فلطمه لطمة وقال له إرجع عما أنت عليه وأنزل الرب ملائكة إلى السماء الدنيا ولم يبق شئ إلا طلب إلى ربه وقالت الأرض يا رب ليس على ظهري أحد يعبدك غيره فيحرق وقالت الملائكة يا رب خليلك إبراهيم عليه السلام يحرق فقال الله عزوجل أما إنه إن دعاني كفيته وقال جبرئيل عليه السلام يا رب خليلك إبراهيم عليه السلام ليس في الأرض أحد يعبدك غيره سلطت عليه عدوه يحرقه بالنار قال اسكت إنما يقول هذا عبد مثلك يخاف الفوت هو عبدي آخذه إذا شئت فإن دعاني أجبته فدعا إبراهيم عليه السلام ربه بسورة الأخلاص يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد نجني من النار برحمتك قال فالتقى معه

[ 346 ]

جبرئيل في الهواء وقد وضع في المنجنيق فقال يا إبراهيم هل لك إلي من حاجة فقال إبراهيم أما إليك فلا وأما إلى رب العالمين فنعم فدفع إليه خاتما عليه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ألجأت ظهري إلى الله وأسندت أمري إلى الله وفوضت أمري إلى الله فأوحى الله إلى النار كوني بردا فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد حتى قال سلاما على إبراهيم عليه السلام وانحط جبرئيل وجلس معه يحدثه في النار ونظر نمرود إليه فقال من اتخذ إلها فليتخذ مثل إله إبراهيم فقال عظيم من عظماء أصحاب نمرود إني عزمت على أن لا تحرقه فخرج عمود من النار نحو الرجل فأحرقه فآمن له لوط فخرج مهاجرا إلى الشام فنظر نمرود إلى إبراهيم عليه السلام في روضة خضراء في النار مع شيخ يحدثه فقال لازر يا آزر ما أكرم إبنك على ربه قال وكان الوزغ ينفخ في نار إبراهيم عليه السلام وكان الضفدع يذهب بالماء ليطفي به النار قال ولما قال الله تبارك وتعالى للنار كونى بردا وسلاما لم تعمل النار في الدنيا ثلاثة أيام ثم قال الله تبارك وتعالى وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين فقال الله ونجينه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين إلى الشام وسواد الكوفة. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ما يقرب من صدر هذا الحديث على حذف واختصار. وعن الباقر عليه السلام ما يقرب من ذيله كذلك. وعن الصادق عليه السلام إن إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنام نمرود وأمر به نمرود فاوثق وعمل له حيرا وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ثم قذف إبراهيم عليه السلام في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم عليه السلام سليما مطلقا من وثاقه فاخبر نمرود خبره فأمر أن ينفوا إبراهيم من بلاده وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجهم إبراهيم عليه السلام عند ذلك فقال إن أخذتم ماشيتي ومالي فإن حقي عليكم أن تردوا علي ما ذهب من عمري في بلادكم واختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على إبراهيم أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم وقضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم عليه السلام ما ذهب من عمره في بلادهم فاخبر بذلك

[ 347 ]

نمرود فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وماله وأن يخرجوه وقال إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم. (72) ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة. في المعاني عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال ولد الولد نافلة والقمي نافلة قال ولد الولد وهو يعقوب عليه السلام وكلا جعلنا صالحين. (73) وجعلناهم أئمة يقتدى بهم يهدون الناس إلى الحق بأمرنا. في الكافي عن الصادق عليه السلام إن الأئمة في كتاب الله عز وجل إمامان قال الله تبارك وتعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لا بأمر الناس يقدمون ما أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم قال وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار يقدمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة من عطف الخاص على العام وكانوا لنا عابدين موحدين مخلصين في العبادة ولذا قدم الصلة. (74) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التى كانت تعمل الخبائث القمي قال كانوا ينكحون الرجال إنهم كانوا قوم سوء فسقين. (75) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين. (76) ونوحا إذ نادى إذ دعا الله على قومه بالهلاك من قبل من قبل من ذكر فاستجبنا له دعاءه فنجيناه وأهله من الكرب العظيم الغم الشديد وهو أذى قومه والطوفان. (77) ونصرنه جعلناه منتصرا من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين لتكذيبهم الحق وإنهماكهم في الشر. (78) وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث في الزرع أو الكرم إذ نفشت فيه غنم القوم رعته ليلا وكنا لحكمهم لحكم الحاكمين والمتحاكمين شاهدين

[ 348 ]

(79) ففهمنها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما. في الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال إنه كان أوحى الله عز وجل إلى النبيين قبل داود إلى أن بعث الله داود أي غنم نفشت في الحرث فلصاحب الحرث رقاب الغنم ولا يكون النفش إلا بالليل فإن على صاحب الزرع أن يحفظ زرعه بالنهار وعلى صاحب الغنم حفظ الغنم بالليل فحكم داود بما حكم به الأنبياء عليهم السلام من قبله فأوحى الله عز وجل إلى سليمان عليه السلام أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من بطونها وكذلك جرت السنة بعد سليمان وهو قول الله تعالى وكلا آتينا حكما وعلما فحكم كل واحد منهما بحكم الله عز وجل. وفي رواية اخرى عنه عليه السلام ما يقرب منه. وعنه عليه السلام قال أوحى الله إلى داود عليه السلام أن اتخذ وصيا من أهلك فإنه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبيا إلا وله وصي من أهله وكان لداود عليه السلام عدة أولاد وفيهم غلام كانت امه عند داود وكان لها محبا فدخل داود عليها حين أتاه الوحي فقال لها إن الله عز وجل أوحى إلي يأمرني أن أتخذ وصيا من أهلي فقالت له امرأته فليكن ابني قال ذاك اريد وكان السابق في علم الله المحتوم عنده إنه سليمان فأوحى الله تبارك وتعالى إلى داود أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري فلم يلبث داود أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم فأوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام أن اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصيك من بعدك فجمع داود عليه السلام ولده فلما أن قص الخصمان قال سليمان يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك قال دخلته ليلا قال قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا ثم قال له داود عليه السلام فكيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوم ذلك علماء بني إسرائيل فكان ثمن الكرم قيمة الغنم فقال سليمان إن الكرم لم يجتث من أصله وإنما أكل حمله وهو عايد في قابل فأوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام أن القضاء في هذه القضية ما قضى سليمان به يا داود أردت أمرا وأردنا أمرا غيره فدخل داود على إمرأته فقال أردنا أمرا

[ 349 ]

فأراد الله أمرا غيره ولم يكن إلا ما أراد الله فقد رضينا بأمر الله عز وجل وسلمنا وكذلك الأوصياء عليهم السلام ليس لهم أن يتعدوا بهذا الأمر فيجاوزون صاحبه إلى غيره. والقمي عنه عليه السلام قال كان في بني إسرائيل رجل وكان له كرم ونفشت فيه غنم لرجل بالليل وقصمته وأفسدته فجاء صاحب الكرم إلى داود فاستعدى على صاحب الغنم فقال داود عليه السلام إذهبا إلى سليمان ليحكم بينكما فذهبا إليه فقال سليمان إن كانت الغنم أكلت الأصل والفرع فعلى صاحب الغنم أن يدفع إلى صاحب الكرم الغنم وما في بطنها وإن كانت ذهبت بالفرع ولم تذهب بالأصل فإنه يدفع ولدها إلى صاحب الكرم وكان هذا حكم داود عليه السلام وإنما أراد أن يعرف بني إسرائيل أن سليمان وصيه بعده ولم يختلفا في الحكم ولو اختلف حكمهما لقال كنا لحكمهما شاهدين. وفي الفقيه عن الباقر عليه السلام قال لم يحكما إنما كانا يتناظران ففهمها سليمان وعن الكاظم عليه السلام كان حكم داود عليه السلام رقاب الغنم والذي فهم الله سليمان أن الحكم لصاحب الحرث باللبن والصوف ذلك العام كله. وفي المجمع عنهما عليهما السلام إنه كان كرما قد بدت عناقيده فحكم داود عليه السلام بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان غير هذا يا نبي الله أرفق قال وما ذاك قال تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان ثم دفع كل واحد منهما إلى صاحبه ماله. وعن النبي صلى الله عليه وآله إن سليمان قضى بحفظ المواشي على أربابها ليلا وقضى بحفظ الحرث على أربابه نهارا وسخرنا مع داود الجبال يسبحن يقدسن الله معه. وقيل يسرن من السباحة والطير. في الأكمال عن الصادق عليه السلام إن داود عليه السلام خرج يقرأ الزبور وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلا جاوبه.

[ 350 ]

وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام إن يهوديا قال له هذا داود عليه السلام بكى على خطيئته حتى سارت الجبال يسبحن معه لخوفه فقال انه صلى الله عليه وآله كان كذلك الحديث بطوله. وفي المناقب عن السجاد عليه السلام إنه صلى ركعتين فسبح في سجوده فلم يبق شجر ولامدر إلا سبحوا معه وكنا فاعلين لأمثاله فليس ببدع مناوإن كان عجيبا عندكم. (80) وعلمناه صنعة لبوس لكم عمل الدرع وهو في الأصل اللباس لتحصنكم من بأسكم وقرء بالتاء والنون فهل أنتم شاكرون ذلك. في الكافي عن الصادق عليه السلام إن أمير المؤمنين عليه السلام قال أوحى الله إلى داود عليه السلام إنك نعم العبد لولا إنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئا قال فبكى داود عليه السلام أربعين صباحا فأوحى الله إلى الحديد أن لن لعبدي داود فألان الله له الحديد فكان يعمل في كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم فعمل ثلاثمأة وستين درعا فباعها بثلاث مأة وستين ألفا واستغنى من بيت المال. (81) ولسليمان وسخرنا له الريح عاصفة شديدة الهبوب يقطع مسافة كثيرة في مدة يسيرة كما قال غدوها شهر ورواحها شهر تجرى بأمره. القمي قال تجري من كل جانب إلى الارض التى باركنا فيها قال إلى بيت المقدس والشام وكنا بكل شئ عالمين فيجريه على ما يقتضيه الحكمة. (82) ومن الشياطين من يغوصون له في البحار ويخرجون نفايسه ويعملون عملا دون ذلك ويتجاوزون ذلك إلى أعمال اخر كبناء المدن والقصور وإختراع الصنايع الغريبة لقوله تعالى يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وكنا لهم حافظين عن أن يزيغوا عن أمرنا أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم. (83) وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وهو بالفتح شايع في كل ضرر وبالضم خاص بما في النفس كمرض وهزال وأنت أرحم الرحمين وصف ربه

[ 351 ]

بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها اكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفا في السؤال قيل وكان روميا من ولد عيص بن إسحاق إستنبأه الله وكثر أهله وماله ثم ابتلاه الله بهلاك أولاده وذهاب أمواله والمرض في بدنه ويأتي ذكر قصته في سورة ص إن شاء الله تعالى. (84) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر بالشفاء من مرضه وآتيانه أهله ومثلهم معهم. في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل كيف اوتي مثلهم معهم قال أحيى له من ولده الذين كانوا ماتوا قبل ذلك بآجالهم مثل الذين هلكوا يومئذ رحمة من عندنا عليه وذكرى وتذكرة للعابدين. في الخصال عنه عليه السلام قال ابتلى أيوب سبع سنين بلا ذنب. وفي العلل عنه عليه السلام قال إنما كانت بلية أيوب عليه السلام التي إبتلى بها في الدنيا لنعمة أنعم الله بها عليه فأدى شكرها الحديث ويأتي تمامه إن شاء الله في سورة ص. (85) وإسمعيل وإدريس وذا الكفل هو يوشع بن نون. رواه في العيون عن الرضا عن أمير المؤمنين عليه السلام في خبر الشامي كل كل هؤلاء من الصابرين على مشاق التكاليف وشدائد المصائب. (86) وأدخلناهم في رحمتنا النبوة في الدنيا والنعيم في الاخرة إنهم من الصالحين. (87) وذا النون وصاحب الحوت يونس بن متي إذ ذهب مغاضبا لقومه لما برم لطول دعوتهم وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مهاجرا عنهم قبل أن يؤمر به كما سبق قصته في سورته فظن أن لن نقدر عليه قيل أي لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر أو لن نعمل فيه قدرتنا وقيل هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمة قومه من غير إنتظار لأمرنا أو خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه فسمي ظنا للمبالغة فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من

[ 352 ]

الظالمين قيل أي لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة. وفي العيون عن الرضا عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال ذاك يونس بن متي ذهب مغاضبا لقومه فظن بمعنى استيقن أن لن نقدر عليه أي لن نضيق عليه رزقه ومنه قول الله عز وجل وأما إذا ما ابتليه فقدر عليه رزقه أي ضيق عليه وقتر فنادى في الظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت فاستجاب الله وقال عز وجل فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون. وفي رواية اخرى عنه عليه السلام بعد تفسير لن نقدر بما ذكر ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر. والقمي عن الباقر عليه السلام في قوله وذا النون إذ ذهب مغاضبا يقول من أعمال قومه فظن أن لن نقدر عليه يقول ظن أن لن نعاقب بما صنع. وعن الصادق عليه السلام إنه سئل ما كان سببه حتى ظن أن لن نقدر عليه قال وكله الله إلى نفسه طرفة عين. وعن النبي صلى الله علليه وآله إنما وكل الله يونس بن متي إلى نفسه طرفة عين فكان منه ما كان. وعن الصادق عليه السلام بعد ما ذكر من قصة يونس ما سبق في سورته قال فغضب يونس وفر على وجهه مغاضبا لله كما حكى الله عنه حتى إنتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت الحديث. ويأتي تمامه في سورة الصافات إن شاء الله ويذكر فيه ما دعاه إلى ندائه في الظلمات. (88) فاستجبنا له ونجيناه من الغم بأن قذفه الحوت إلى الساحل وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وكذلك ننجي المؤمنين من عموم دعوا الله فيها بالأخلاص وقرء بنون واحدة وتشديد الجيم. في الفقيه والخصال عن الصادق عليه السلام عجبت لمن يفزع من أربع كيف

[ 353 ]

لا يفزع إلى أربع إلى قوله عليه السلام عجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله تعالى لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فإني سمعت الله يقول بعقبها فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ما من مكروب يدعوا بهذا الدعاء إلا استجيب له. (89) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وحيدا بلا ولد يرثني وأنت خير الوارثين فإن لم ترزقني من يرثني فلا ابالي به. (90) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه. القمي في روايته قال كانت لا تحيض فحاضت إنهم كانوا يسارعون في الخيرات يبادرون إلى أبواب الخير ويدعوننا رغبا ورهبا. القمي قال راغبين راهبين. أقول: لعل المراد الرغبة في الطاعة لا في الثواب والرهبة من المعصية لا من العقاب لارتفاع مقام الأنبياء عن ذلك. قال أمير المؤمنين عليه السلام إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. وفي الخصال عن الصادق عليه السلام إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه فطبقة يعبدون الله رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهي الطمع وآخرون يعبدونه فزعا من النار فتلك عبادة العبيد وهي الرهبة ولكني أعبده حبا له فتلك عبادة الكرام وفي بعض الألفاظ الاجراء مكان الحرصاء ولك أن تقول إن أولياء الله قد يعملون بعض الأعمال للجنة وصرف النار لأن حبيبهم يحب ذلك هذا أمير المؤمنين سيد الأولياء قد كتب كتابا لبعض ما وقفه من أمواله فصدر كتابه بعد التسمية بهذا هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله علي إبتغاء وجه الله ليولجني به الجنة ويصرفني به عن النار ويصرف النار عني يوم تبيض وجوه وتسود وجوه أو تقول إن جنة الأولياء لقاء الله وقربه ونارهم فراقه وبعده.

[ 354 ]

وفي الكافي عن الصادق الرغبة أن تستقبل ببطن كفيك إلى السماء والرهبة أن تجعل ظهر كفيك إلى السماء وكانوا لنا خاشعين مخبتين أو دائمي الوجل والمعنى أنهم نالوا من الله ما نالوا بهذه الخصال. (91) والتى أحصنت فرجها القمي قال مريم لم ينظر إليها شئ فنفخنا فيها من روحنا قد سبق تحقيق معنى الروح في سورة الحجر وجعلناها وابنها آية للعالمين فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الصانع تعالى. (92) إن هذه أمتكم ملتكم وهي ملة الأسلام والتوحيد أمة وحدة غير مختلفة فيما بين الأنبياء وأنا ربكم لا إله لكم غيري فاعبدون لا غيري. (93) وتقطعوا أمرهم بينهم تفرقوا في الدين وجعلوا أمره قطعا موزعة كل من الفرق المتجزية إلينا راجعون فنجازيهم. (94) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن بالله ورسله فلا كفران لسعيه فلا تضييع لسعيه استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لأعطائه وإنا له لسعيه كاتبون مثبتون في صحيفة عمله. (95) وحرام على قرية ممتنع على أهلها غير متصور منهم وقرئ حرم بكسر الحاء وسكون الراء أهلكناها أنهم لا يرجعون قيل أي حرام رجوعهم إلى الدنيا أو إلى التوبة ولا مزيدة وقيل أي حرام عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدأ وحرام خبره. في الفقيه في خطبة الجمعة لأمير المؤمنين عليه السلام ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون وإلى الخلف الباقين منكم لا يبقون قال الله تعالى وحرم على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون وهذا ناظر إلى المعنى الأول ويؤيده القراءة بالكسر في الشواذ كما أنها تؤيد المعنى الثاني أيضا والقراءة بالفتح المشهورة تؤيد المعنى الثالث. والقمي عنهما عليهما السلام قالا كل قرية أهلك الله عز وجل أهلها بالعذاب لا

[ 355 ]

يرجعون في الرجعة. وفي المجمع عن الباقر عليه السلام قال كل قرية أهلكها الله بعذاب فإنهم لا يرجعون. (96) حتى إذا فتحت وقرء بالتشديد يأجوج ومأجوج سدهما. القمي قال إذا كان في آخر الزمان خرج يأجوج ومأجوج إلى الدنيا ويأكلون الناس وهم من كل حدب نشز من الأرض ينسلون يسرعون. (97) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا جواب الشرط وإذا للمفاجأة يا ويلنا مقدر بالقول قد كنا في غفلة من هذا لم نعلم أنه حق بل كنا ظالمين لأنفسنا بالأخلال بالنظر والأعتداد بالنذر. (98) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم يرمى به إليها ويهيج به من حصبه يحصبه إذا رماه بالحصباء والقمي يقذفون فيها قذفا. وفي المجمع وقراءة علي حطب بالطاء أنتم لها واردون عوض اللام من على للأختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها. (99) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لا خلاص لهم عنها. (100) لهم فيها زفير أنين وتنفس شديد وهم فيها لا يسمعون. في قرب الأسناد عن الصادق عن أبيه عليهما السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال إن الله تبارك وتعالى يأتي يوم القيامة بكل شئ يعبد من دونه من شمس أو قمر أو غير ذلك ثم يسأل كل إنسان عما كان يعبد فيقول كل من عبد غير الله ربنا إنا كنا نعبدها لتقربنا إليك زلفي قال فيقول الله تبارك وتعالى للملائكة إذهبوا بهم وبما كانوا يعبدون إلى النار وما خلا من استثنيت فأولئك عنها مبعدون. وفي العلل عنه عليه السلام إذا كان يوم القيامة اتي بالشمس والقمر في صورة ثورين فيقذف بهما وبمن يعبدهما في النار وذلك إنهما عبدا فرضيا.

[ 356 ]

أقول ويأتي تأويل هذا الحديث في سورة الرحمن. والقمي عن الباقر عليه السلام لما نزلت هذه الاية وجد منها أهل مكة وجدا شديدا فدخل عليهم عبد الله بن الزبعرى وكفار قريش يخوضون في هذه الاية فقال ابن الزبعرى أتكلم محمد صلى الله عليه وآله بهذه الاية قالوا نعم قال ابن الزبعرى لئن إعترف بها لأخصمنه فجمع بينهما فقال يا محمد أرايت الاية التي قرأت آنفا فينا وفي آلهتنا خاصة أم في الامم وآلهتهم قال بلى فيكم وفي آلهتكم وفي الامم وآلهتهم إلا من استثنى الله فقال ابن الزبعرى خصمتك والله ألست تثني على عيسى عليه السلام خيرا وقد عرفت أن النصارى يعبدون عيسى وامه وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة أفليس هؤلاء مع الالهة في النار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا فضجت قريش وضحكوا قالت قريش خصمك ابن الزبعرى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قلتم الباطل أما قلت إلا من استثنى الله وهو قوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون إلى قوله أنفسهم خلدون. (101) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى الخصلة الحسنى أولئك عنها مبعدون. القمي يعني الملائكة وعيسى بن مريم عليه السلام. (102) لا يسمعون حسيسها صوتها الذي يحس به وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون. (103) لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقيهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون في الدنيا. في المجالس عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لعلي عليه السلام يا علي أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم وتمنعون من كرهتم وأنتم الامنون يوم الفزع الأكبر في ظل العرش يفزع الناس ولا تفزعون ويحزن الناس ولا تحزنون وفيكم نزلت هذه الاية إن الذين سبقت لهم منا الحسنى الاية وفيكم نزلت لا يحزنهم الفزع الاكبر الاية.

[ 357 ]

وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام قال إن الله يبعث شعيتنا يوم القيامة على ما فيهم من الذنوب وغيره مبيضة وجوههم مستورة عوراتهم آمنة روعتهم قد سهلت لهم الموارد وذهبت عنهم الشدائد يركبون نوقا من ياقوت فلا يزالون يدورون خلال الجنة عليهم شرك من نور يتلألؤ توضع لهم الموائد فلا يزالون يطعمون والناس في الحساب وهو قول الله تبارك وتعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى الاية. (104) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب قيل كطي الطومار لأجل الكتابة أو للمكتوب فيه وقرء على الجمع أي للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه. والقمي قال السجل إسم الملك الذي يطوي الكتب ومعنى نطويها أي نفنيها فتحول دخانا والأرض نيرانا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا أي علينا إنجازه إنا كنا فاعلين ذلك لا محالة. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال يحشرون يوم القيامة عراة حفاة عزلا كما بدأنا أول خلق نعيده الاية. (105) ولقد كتبنا في الزبور في كتاب داود عليه السلام من بعد الذكر. القمي قال الكتب كلها ذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون قال قال القائم عليه السلام وأصحابه قال والزبور فيه ملاحم وتحميد وتمجيد ودعاء. وفي رواية اخرى وأنزل الله عليه يعني على داود الزبور فيه تحميد وتمجيد ودعاء وأخبار رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة من ذريتهما عليهم السلام وأخبار الرجعة وذكر القائم عليه السلام. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية ما الزبور وما الذكر قال الذكر عند الله والزبور الذي أنزل على داود عليه السلام وكل كتاب نزل فهو عند أهل العلم ونحن هم. وفي المجمع عن الباقر عليه السلام في قوله أن الارض يرثها عبادي الصالحون قال هم أصحاب المهدي عليه السلام في آخر الزمان.

[ 358 ]

قال صاحب المجمع ويدل على ذلك ما رواه الخاص والعام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. (106) إن في هذا فيما ذكر من الأخبار والمواعظ لبلاغا لكفاية في البلوغ إلى البغية لقوم عابدين همهم العبادة دون العادة. (107) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين لأن ما بعث به سبب لاسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم وكونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الأستيصال. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث مجيبا لبعض الزنادقة وأما قوله لنبيه صلى الله عليه وآله وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين وإنك ترى أهل الملل المخالفة للأيمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية وأنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا ونجوا من عذاب السعير فإن الله تبارك وتعالى اسمه إنما عنى بذلك إنه جعله سبيلا لأنذار أهل هذه الدار لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض وكان النبي صلى الله عليه وآله منهم إذا صدع بأمر الله وأجابه قومه سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالافة التي كانت نبيهم يتوعدهم بها ويخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة أو غير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الامم الخالية وأن الله علم من نبينا صلى الله عليه وآله ومن الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح وأثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله في وصيه من كنت مولاه فهذا علي مولاه وهو مني بمنزلة هرون من موسى إلا إنه لا نبي بعدي وليس من خليقة النبي صلى الله عليه وآله ولا من شيمته أن يقول قولا لا معنى له فلزم الامة أن تعلم أنه لما كانت النبوة والاخوة موجودتين في خلق هرون ومعدومتين فيمن جعله النبي صلى الله عليه وآله بمنزلته أنه قد إستخلفه على امته كما إستخلف موسى هرون عليه السلام حيث

[ 359 ]

قال له اخلفنى في قومي ولو قال لهم لا تقلدوا الأمامة إلا فلانا بعينه وإلا نزل بكم العذاب لأتاهم العذاب وزال باب الأنظار والأمهال. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لجبرئيل لما نزلت هذه الاية هل أصابك من هذه الرحمة شئ قال نعم إني كنت أخشى عاقبة الامر فآمنت بك لما أثنى الله علي بقوله ذي قوة عند ذي العرش مكين. وفي العلل عن الباقر عليه السلام أما لو قد قام قائمنا ردت بالحميراء حتى يجلدها الحد وحتى ينتقم لأبنة محمد صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام منها قيل ولم يجلدها قال لفريتها على ام إبراهيم قيل فكيف أخره الله للقائم عليه السلام قال ان الله تبارك وتعالى بعث محمد صلى الله عليه وآله رحمة وبعث القائم عليه السلام نقمة. (108) قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد فهل أنتم مسلمون مخلصون العبادة لله على مقتضى الوحي. في المناقب عن الصادق عليه السلام فهل أنتم مسلمون الوصية لعلي بعدي نزلت مشددة. أقول: ومالهما واحد لأن مخالفة الوصية عبادة للهوى والشيطان. (109) فإن تولوا عن التوحيد أو الوصية فقل آذنتكم أعلمتكم ما أمرت به على سوآء عدل وإن أدري وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون لكنه كائن لا محالة. (110) إنه يعلم الجهر من القول ما تجاهرون به من الطعن في الأسلام ويعلم ما تكتمون من الاحن والاحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه. (111) وإن أدري لعله فتنة لكم وما أدري لعل تأخير جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم أو امتحان لينظر كيف تعملون ومتاع إلى حين تمتيع إلى أجل مقدر يقتضيه مشيته.

[ 360 ]

قال رب احكم بالحق. القمي قال معناه لا تدع للكفار والحق الأنتقام من الظالمين قال ومثله في سورة آل عمران ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون وقرئ قال على حكاية قول الرسول صلى الله عليه وآله وربنا الرحمن كثير الرحمة على خلقه المستعان المطلوب منه المعونة على ما يصفون من الحال بأن الشوكة تكون لهم وأن راية الأسلام تخفق أياما ثم تسكن وأن الموعد به لو كان حقا لنزل بهم فأجاب الله دعوة رسوله فخيب أمانيهم ونصر رسوله عليهم وقرء بالتاء. في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة الأنبياء حبا لها كان كمن رافق النبيين أجمعين في جنات النعيم وكان مهيبا في أعين الناس في حياة الدنيا.

[ 361 ]

سورة الحج مكية عن ابن عباس وعطا إلا آيات قال الحسن هي ست آيات وقال بعضهم غير أربع آيات عدد آيها ثمان وسبعون آية كوفي سبع مكي وست مدني خمس بصري أربع شامي. بسم الله الرحمن الرحيم (1) يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم. في الأحتجاج عن النبي صلى الله عليه وآله معاشر الناس التقوى التقوى إحذروا الساعة كما قال الله عز وجل إن زلزلة الساعة شئ عظيم. والقمي قال مخاطبة للناس عامة قيل هي زلزلة تكون قبل طلوع الشمس من مغربها وهي من أشراط الساعة. (2) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت قيل هو تصوير لهولها والضمير للزلزلة والمقصود الدلالة على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه وذهلت عنه وتضع كل ذات حمل حملها جنينها. القمي قال كل إمرأة تموت حاملة عند زلزلة الساعة تضع حملها يوم القيامة وترى الناس سكارى كأنهم سكارى وما هم بسكارى على الحقيقة وقرئ سكرى فيهما ولكن عذاب الله شديد. القمي قال يعني ذاهبة عقولهم من الحزن والفزع متحيرين في المجمع قال عمران بن الحصين وأبو سعيد الخدري نزلت الايتان من أول السورة ليلا في غزاة بني المصطلق وهم حي من خزاعة والناس يسيرون فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 362 ]

فحثوا المطى حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة فلما أصبحوا لم يحطوا السرج عن الدواب ولم يضربوا الخيام والناس بين باك وجالس حزين متفكر فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله أتدرون أي يوم ذاك قالوا الله ورسوله أعلم قال ذاك يوم يقول الله تعالى لادم إبعث بعث النار من ولدك فيقول آدم من كم كم فيقول عزوجل من كل ألف تسع مأة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة فكبر ذلك على المسلمين وبكوا فقالوا فمن ينجو يا رسول الله فقال ابشروا فإن معكم خليقتين يأجوج ومأجوج ما كانتا في شئ إلا كثرتاه ما أنتم في الناس إلا كشعرة بيضاء في الثور الأسود أو كرقم (1) في ذراع البكر أو كشامة في جنب البعير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله إني لأرجوا أن تكونوا ربع أهل الجنة ف كبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة فإن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها امتي ثم قال ويدخل من امتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب. وفي بعض الروايات ان عمر بن الخطاب قال يا رسول الله صلى الله عليه وآله سبعون ألفا قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفا فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله ادع الله أن يجعلني منهم فقال اللهم اجعله منهم فقام رجل من الأنصار فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال صلى الله عليه وآله سبقك بها عكاشة قال ابن عباس كان الأنصاري منافقا فلذلك لم يدع له. (3) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم يخاصم ويتبع كل شيطان مريد متجرد للفساد وأصله العري. والقمي قال المريد الخبيث قيل نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلا يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين ولا بعث بعد الموت وهي تعمه وأضرابه. (4) كتب عليه على الشيطان أنه من تولاه تبعه فأنه يضله أي كتب عليه إضلال من يتولاه لأنه جبل عليه ويهديه إلى عذاب السعير بالحمل على ما يؤدي إليه.


1 - الرقمتان: هنتان شبه ظفرين في قوائم الدابة. (*)

[ 363 ]

(5) يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث إمكانه وكونه مقدورا فإنا خلقناكم أي فانظروا في بدو خلقكم فإنه يريح ريبكم من تراب بخلق آدم منه وبخلق الأغذية المتكون منها المني عنه ثم من نطفة منى من النطف وهو الصب ثم من علقة قطعة من الدم جامدة ثم من مضغة قطعة من اللحم وهو في الأصل قدر ما يمضغ. في الكافي عن الباقر عليه السلام النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة فتمكث في الرحم إذا صارت فيه أربعين يوما ثم تصير إلى علقة قال وهي علقة كعلقة دم المحجمة الجامدة تمكث في الرحم بعد تحويلها من النطفة أربعين يوما ثم تصير مضغة قال وهي مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشتبكة ثم تصير إلى عظم وشق له السمع والبصر ورتبت جوارحه مخلقة وغير مخلقة. القمي قال المخلقة إذا صارت تاما وغير مخلقة السقط لنبين لكم قيل في حذف المفعول ايماء إلى أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر. والقمي عن الباقر عليه السلام لنبين لكم أنكم كنتم كذلك في الأرحام ونقر في الارحام ما نشاء قال فلا يخرج سقطا. وفي الكافي عنه عليه السلام إنه سئل عن ذلك فقال المخلقة هم الذر الذين خلقهم الله في صلب آدم أخذ عليهم الميثاق ثم أجراهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء وهم الذين يخرجون إلى الدنيا حتى يسئلوا عن الميثاق وأما قوله وغير مخلقة فهم كل نسمة لم يخلقهم الله عز وجل في صلب آدم حين خلق الذر وأخذ عليهم الميثاق وهم النطف من العزل والسقط قبل أن ينفخ فيه الروح والحياة والبقاء. وعنه عليه السلام قال إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة أربعين يوما فإذا أكمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلاقين فيقولان يا رب ما نخلقه ذكرا أو انثى فيؤمران فيقولان يا رب شقيا أو سعيدا فيؤمران فيقولان يا رب ما أجله وما رزقه وكل شئ من حاله وعدد من ذلك أشياء ويكتبان

[ 364 ]

الميثاق بين عينيه فإذا أكمل الله الأجل بعث الله ملكا فزجره زجرة فيخرج وقد نسي الميثاق إلى أجل مسمى وهو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر وأقصاه تسعة. ففي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لا تلد المرأة لأقل من ستة أشهر. وعن الباقر عليه السلام إنه سئل عن غاية الحمل بالولد في بطن امه كم هو فإن الناس يقولون ربما بقي في بطنها سنين فقال كذبوا أقصى حد الحمل تسعة أشهر لا يزيد لحظة لو زاد ساعة لقتل امه قبل أن يخرج. وعن الصادق والكاظم عليهما السلام إذا جاءت به لأكثرمن سنة لم تصدق ولو ساعة واحدة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم كمالكم في القوة والعقل. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال إنقطاع يتم اليتيم الأحتلام وهو أشده ومنكم من يتوفي عند بلوغ الأشد أو قبله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر الهرم والخرف. القمي عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال إذا بلغ العبد مأة سنة فذلك أرذل العمر. وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام خمسا وسبعين كما سبق في سورة النحل لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ليعود كهيئته في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما عمله وينكر ما عرفه وترى الارض هامدة ميتة يابسة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت تحركت بالنبات وربت وانتفخت وأنبتت من كل زوج صنف بهيج حسن رائق. (6) ذلك ما ذكر من خلق الأنسان في أطوار مختلفة وتحويله على أحوال متضادة وإحياء الأرض بعد موتها بأن الله هو الحق بأنه الثابت في ذاته الذي به يتحقق الأشياء وأنه يحيي الموتى وأنه يقدر على إحيائها وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة وأنه على كل شئ قدير لأن قدرته لذاته الذي نسبته إلى الكل على السواء. (7) وأن الساعة آتية لا ريب فيها فإن التغيير دليل على الأنصرام والتجدد وأن

[ 365 ]

الله يبعث من في القبور بمقتضى وعده. في قرب الأسناد عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل يا جبرئيل أرني كيف يبعث الله تبارك وتعالى العباد يوم القيامة قال نعم فخرج إلى مقبرة بني ساعدة فأتى قبرا فقال له اخرج بإذن الله فخرج رجل ينفض رأسه من التراب وهو يقول والهفاه واللهف الثبور ثم قال ادخل فدخل ثم قصد به إلى قبر آخر فقال له اخرج بإذن الله فخرج شاب ينفض رأسه من التراب وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ثم قال هكذا يبعثون يوم القيامة. والقمي ما يقرب منه ويأتي في سورة الزمر. وفي المجالس والقمي عن الصادق عليه السلام قال إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم. (8) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. (9) ثانى عطفه متكبرا فإن ثنى العطف كناية عن التكبر كلي الجيد ليضل عن سبيل الله وقرئ بفتح الياء له في الدنيا خزى ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق. القمي قال نزلت هذه الاية في أبي جهل ثانى عطفه قال تولى عن الحق عن سبيل الله قال عن طريق الله عز وجل والأيمان. في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام من خاصم الخلق في غير ما يؤمر به فقد نازع الخالقية والربوبية قال الله تعالى ومن الناس من يجادل الاية قال وليس أحد أشد عقابا ممن لبس قميص النسك بالدعوى بلا حقيقة ولا معنى. (10) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد. (11) ومن الناس من يعبد الله على حرف على طرف من الدين لا ثبات له فيه كالذي يكون على طرف الجيش فإن أحس على ظفر قر وإلا فر وإن أصابه خير اطمأن

[ 366 ]

به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة بذهاب عصمته وحبوط عمله بالأرتداد ذلك هو الخسران المبين إذ لا خسران مثله. في الكافي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية قال هم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله فخرجوا من الشرك ولم يعرفوا أن محمدا رسول الله فهم يعبدون الله على شك في محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا ننظر فإن كثرت أموالنا وعوفينا في أنفسنا وأولادنا علمنا أنه صادق وأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وإن كان غير ذلك نظرنا قال الله تعالى فإن أصابه خير اطمأن به يعني عافية في الدنيا وإن أصابته فتنة يعني بلاء في نفسه انقلب على وجهه إنقلب على شكه إلى الشرك. (12) يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه قال عليه السلام ينقلب مشركا يدعو غير الله ويعبد غيره فمنهم من يعرف فيدخل الأيمان قلبه فيؤمن ويصدق ويزول عن منزلته من الشك إلى الأيمان ومنهم من يثبت على شكه ومنهم من ينقلب إلى الشرك. والقمي عن الصادق عليه السلام مثله من دون تفسيري الخير والفتنة ذلك هو الضلال البعيد عن المقصد. (13) يدعوا لمن ضره بكونه معبودا لأنه يوجب القتل في الدنيا والعذاب في الاخرة أقرب من نفعه الذي يتوقع بعبادته وهو الشفاعة والتوسل بها إلى الله لبئس المولى الناصر ولبئس العشير الصاحب. (14) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار إن الله يفعل ما يريد من إثابة الموحد الصالح وعقاب المشرك لا دافع له ولا مانع. (15) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والاخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع وقرء بكسر اللام فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ قيل معناه ان الله

[ 367 ]

ناصر رسوله في الدنيا والاخرة فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه أو جزعه فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كما يفعله الممتلي غضبا أو المبالغ جزعا حتى يمد حبلا إلى سماء بيته فيختنق من قطع إذا إختنق فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه أو فليمدد حبلا إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانه فيجتهد في دفع نصره وقيل المراد بالنصر الرزق والضمير لمن. والقمي الظن في كتاب الله على وجهين ظن يقين وظن شك فهذا ظن شك قال من شك أن الله عز وجل لم ينصر رسوله في الدنيا والاخرة فليمدد بسبب إلى السماء أي يجعل بينه وبين الله دليلا وقال الله تعالى ثم ليقطع أي يميز والدليل على أن السبب هو الدليل قول الله عز وجل في سورة الكهف وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا أي دليلا وقال ثم ليقطع أي يميز والدليل على أن القطع هو التميز قوله تعالى وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا امما أي ميزناهم فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ أي حيلته والدليل على أن الكيد هو الحيلة قوله تعالى وكذلك كدنا ليوسف أي احتلنا له حتى حبس أخاه وقوله يحكي قول فرعون فاجمعوا كيدكم أي حيلتكم قال فإذا وضع لنفسه سببا وميز دله على الحق فأما العامة فإنهم رووا في ذلك أنه من لم يصدق بما قال الله عز وجل فليلق حبلا إلى سقف البيت ثم ليختنق. (16) وكذلك أنزلناه أنزلنا القرآن كله آيات بينات واضحات وأن الله يهدي به من يريد. (17) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة بالحكومة بينهم وإظهار المحق منهم من المبطل وجزاء كل بما يليق به إن الله على كل شئ شهيد عالم به مراقب لأحواله. (18) ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض ينقاد لأمره والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس يأتي في بيان هذا السجود كلام في سورة النور إن شاء الله وكثير حق عليه العذاب بكفره وابائه عن الطاعة والأنقياد ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء.

[ 368 ]

في التوحيد عن الصادق عن أبيه عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه قيل له إن رجلا يتكلم في المشية فقال ادعه لي قال فدعي له فقال له يا عبد الله خلقك الله لما شاء أو لما شئت قال لما شاء قال فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت قال إذا شاء قال فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت قال إذا شاء قال فيدخلك حيث شاء أو حيث شئت قال حيث يشاء قال فقال علي عليه السلام له لو قلت غير هذا لضربت الذي فيه عيناك. (19) هذان خصمان فوجان مختصمان المؤمنون والكافرون اختصموا في ربهم. القمي قال نحن وبنو امية نحن قلنا صدق الله ورسوله وقالت بنو امية كذب الله ورسوله. وفي الخصال عن الحسين عليه السلام مثله وزاد فنحن الخصمان يوم القيامة فالذين كفروا فصل لخصومتهم قيل وهو المعني بقوله تعالى إن الله يفصل بينهم يوم القيمة. القمي فالذين كفروا يعني بني امية قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم الماء الحار. (20) يصهر به ما في بطونهم والجلود أي يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم فيذاب به أحشاءهم كما يذاب به جلودهم. (21) ولهم مقامع سياط من حديد يجلدون بها. القمي قال تشويه النار فتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته وتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه ولهم مقامع من حديد قال الأعمدة التي يضربون بها. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال ولهم مقامع من حديد لو وضع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض. (22) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ضربا بتلك الأعمدة وذوقوا وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق النار البالغة في الأحراق.

[ 369 ]

القمي عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال قلت له يا ابن رسول الله خوفني فإن قلبي قد قسا فقال يا بامحمد إستعد للحياة الطويلة فإن جبرئيل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قاطب وقد كان قبل ذلك يجيئ متبسما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا جبرئيل جئتني اليوم قاطبا فقال يا محمد قد وضعت منافخ النار فقال وما منافخ النار يا جبرئيل فقال يا محمد إن الله عز وجل أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتى ابيضت ثم نفخ عليها ألف عام حتى احمرت ثم نفخ عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لو أن قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها ولو أن حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرها ولو أن سربالا من سرابيل أهل النار علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من ريحه ووهجه قال فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى جبرئيل فبعث الله إليهما ملكا فقال لهما إن ربكما يقرؤكما السلام ويقول قد أمنتكما أن تذنبا ذنبا اعذبكما عليه فقال أبو عبد الله فما رأي رسول الله صلى الله عليه وآله متبسما بعد ذلك ثم قال إن أهل النار يعظمون النار وأن أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم وأن جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد واعيدوا في دركها هذه حالهم وهو قول الله عز وجل كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق ثم تبدل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم فقال أبو عبد الله عليه السلام حسبك يا محمد قلت حسبي حسبي. (23) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار قيل غير الأسلوب فيه واسند الأدخال إلى الله مؤكدا تعظيما لشأن المؤمنين يحلون فيها من أساور جمع أسورة وهي جمع سوار من ذهب ولؤلؤ وقرء بالنصب وبترك الهمزة الاولى ولباسهم فيها حرير. (24) وهدوا إلى الطيب من القول. القمي قال التوحيد والأخلاص وهدوا إلى صراط الحميد قال إلى الولاية. وفي المحاسن عن الباقر عليه السلام هو والله هذا الأمر الذي أنتم عليه.

[ 370 ]

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد بن الأسود وعمار هدوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله ما أحد أحب إليه الحمد من الله عز ذكره. والقمي عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال قلت له جعلت فداك شوقني فقال يا أبا محمد إن من أدنى نعيم الجنة أن يوجد ريحها مسيرة ألف عام من مسافة الدنيا وإن أدنى أهل الجنة منزلا لو نزل به الثقلان الجن والأنس لوسعهم طعاما وشرابا ولا ينقص مما عنده شيئا وإن أيسر أهل الجنة منزلة من يدخل الجنة فيرفع له ثلاث حدائق فإذا دخل أدناهن رأى فيها من الأزواج والخدم والأنهار والثمار ما شاء الله مما يملأ عينيه قرة وقلبه مسرة فإذا شكر الله وحمده قيل له إرفع رأسك إلى الحديقة الثانية ففيها ما ليس في الاولى فيقول يا رب أعطني هذه فيقول الله تبارك وتعالى لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول رب هذه هذه فإذا هو دخلها شكر الله وحمده قال فيقال إفتحوا له بابا إلى الجنة ويقال له إرفع رأسك فإذا قد فتح له باب من الخلد ويرى أضعاف ما كان فيما قبل فيقول عند تضاعف مسراته رب لك الحمد الذي لا يحصى إذ مننت علي بالجنان وأنجيتني من النيران قال أبو بصير فبكيت وقلت له جعلت فداك زدني قال يا أبا محمد إن في الجنة نهرا في حافتيه جوار نابتات إذا مر المؤمن بجارية أعجبته قلعها وأنبت الله عز وجل مكانها اخرى قلت جعلت فداك زدني قال يا أبا محمد المؤمن يزوج ثمان مأة عذراء وأربعة آلاف ثيب وزوجتين من الحور العين قلت جعلت فداك ثمان مأة عذراء قال نعم ما يفترش منهن شيئا إلا وجدها كذلك قلت جعلت فداك من أي شئ خلقن الحور العين قال من تربة الجنة النورانية ويرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة كبدها مرآته وكبده مرآتها قلت جعلت فداك ألهن كلام يتكلمن به في الجنة قال نعم كلام لم يسمع الخلايق أعذب منه قلت ما هو قال يقلن بأصوات رخيمة نحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبؤس ونحن المقيمات فلا نظعن ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن خلق لنا وطوبى

[ 371 ]

لمن خلقنا له ونحن اللواتي لو أن قرن إحدانا علق في جو السماء لأغشى نوره الأبصار. (25) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذى جعلناه للناس سوآء العاكف فيه والباد المقيم والطاري حذف خبر إن لدلاة آخر الاية عليه أي معذبون وقرئ سواء بالنصب. القمي قال نزلت في قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن مكة وقوله سوآء العكف فيه والباد قال أهل مكة ومن جاء من البلدان فهم فيه سواء لا يمنع من النزول ودخول الحرم. وفي نهج البلاغة في كتاب كتبه إلى قثم بن العباس هو عامله على مكة وأمر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا فإن الله سبحانه يقول سواء العاكف فيه والباد والعاكف المقيم به والباد الذي يحج إليه من غير أهله. وفي قرب الأسناد عنه عليه السلام إنه كره إجارة بيوت مكة وقرء هذه الاية. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن معاوية أول من علق على بابه مصر اعين بمكة فمنع حاج بيت الله ما قال الله عز وجل سواء العاكف فيه والباد وكان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على الحاضر حتى يقضي حجه وكان معاوية صاحب السلسلة التي قال الله عز وجل في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا الاية وكان فرعون هذه الامة وفي التهذيب عنه عليه السلام كانت دور مكة ليس على شئ منها باب وكان أول من علق على بابه المصراعين معاوية بن أبي سفيان وليس ينبغي لأحد أن يمنع الحاج شيئا من الدور ومنازلها. وفي العلل عنه عليه السلام في هذه الاية قال لم يكن ينبغي أن يوضع على دور مكة أبواب لأن للحاج أن ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدار حتى يقضوا مناسكهم وأن أول من جعل لدور مكة أبوابا معاوية ومن يزد فيه بإلحاد عدول عن القصد بظلم بغير حق وهو مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول نذقه من عذاب أليم

[ 372 ]

في الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية من عبد فيه غير الله عز وجل أو تولى فيه غير أولياء الله فهو ملحد بظلم وعلى الله تبارك وتعالى أن يذيقه من عذاب أليم. وعنه عليه السلام فيها كل ظلم إلحاد وضرب الخادم من غير ذنب من ذلك الألحاد وسئل عن أدنى الألحاد فقال إن الكبر أدناه وفيه. وفي العلل عنه عليه السلام قال كل ظلم يظلم به الرجل نفسه بمكة من سرقة أو ظلم أحد أو شئ من الظلم فإني أراه إلحادا ولذلك كان ينهي أن يسكن الحرم. وفي العلل عنه عليه السلام إنه قيل له إن سبعا من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به شئ من حمام الحرم إلا ضربه فقال أنصبوا له واقتلوه فإنه قد ألحد في الحرم. وفي الكافي عنه عليه السلام في هذه الاية قال نزلت فيهم حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين عليه السلام فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه فبعدا للقوم الظالمين والقمي قال نزلت فيمن يلحد أمير المؤمنين عليه السلام ويظلمه. (26) وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود. في الكافي والتهذيب عن الصادق عليه السلام قال إن الله تعالى يقول وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود فينبغي للعبد أن لا يدخل مكة إلا وهو طاهر قد غسل عرقه والأذى وتطهر. وفي الكافي عنه عليه السلام قال إن لله تعالى حول الكعبة عشرين ومأة رحمة منها ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين وقد مضى في سورة البقرة أخبار اخر تتعلق بهذه الاية. (27) وأذن في الناس ناد فيهم بالحج بأن تدعوهم إليه يأتوك رجالا مشاة جمع راجل.

[ 373 ]

وفي المجمع عن الصادق عليه السلام إنه قرأ رجالا بالتشديد والضم وعلى كل ضامر أي وركبانا على كل بعير مهزول أتعبه بعد السفر وهزله يأتين صفة لضامر محمولة على معناه وقرء يأتون صفة الرجال والركبان أو استيناف ونسبها. في المجمع إلى الصادق عليه السلام من كل فج طريق عميق بعيد الأطراف. في الكافي والعلل عن الصادق عليه السلام قال لما امر إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ببناء البيت وتم بناؤه قعد إبراهيم عليه السلام على ركن ثم نادى هلم الحج فلو نادى هلموا إلى الحج فلم يحج إلا من كان يومئذ إنسيا مخلوقا ولكن نادى هلم هلم الحج الحج فلبى الناس في أصلاب الرجال لبيك داعي الله لبيك داعي الله فمن لبى عشرا حج عشرا ومن لبى خمسا حج خمسا ومن لبى أكثر فبعدد ذلك ومن لبى واحدة حج واحدة ومن لم يلب لم يحج. وفي العلل عن الباقر عليه السلام قال إن الله جل جلاله لما أمر إبراهيم عليه السلام ينادي في الناس بالحج قام على المقام فارتفع به حتى صار بإزاء أبي قبيس فنادى في الناس بالحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى أن تقوم الساعة. والقمي قال لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج فقال يا رب ما يبلغ صوتي فقال الله أذن عليك الأذان وعلي البلاغ وارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت فارتفع به المقام حتى كان أطول من الجبال فنادى وأدخل إصبعه في اذنه وأقبل بوجه شرقا وغربا يقول أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم فأجابوه من تحت البحور السبع ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها ومن أصلاب الرجال ومن أرحام النساء بالتلبية لبيك اللهم لبيك أولا ترونهم يأتون يلبون فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهم ممن إستجاب لله وقوله فيه آيات بينات مقام إبرهيم يعني نداء إبراهيم عليه السلام على المقام. وفي الكافي والتهذيب عن الصادق عليه السلام قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج ثم أنزل الله تعالى وأذن في الناس بالحج

[ 374 ]

الاية فأمر المؤذنين أن يأذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله يحج في عامه هذا فعلم به من حضر بالمدينة وأهل العوالي والأعراب واجتمعوا لحج رسول الله صلى الله عليه وآله وإنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون به فيتبعونه أو يصنع شيئا فيصنعونه الحديث. (28) ليشهدوا ليحضروا منافع لهم دينية ودنيوية. في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قيل له لو أرحت بدنك من المحمل فقال عليه السلام إني احب أن أشهد المنافع التي قال الله عز وجل ليشهدوا منافع لهم إنه لا يشهدها أحد إلا نفعه الله أما أنتم فترجعون مغفورا لكم وأما غيركم فيحفظون في أهاليهم وأموالهم. وعنه عليه السلام إنه يطاف به حول الكعبة في محمل وهو شديد المرض فكان كلما بلغ الركن اليماني أمرهم فوضعوه بالأرض فأخرج يده من كوة المحمل حتى يجرها على الأرض ثم يقول إرفعوني فلما فعل ذلك مرارا في كل شوط قيل له يابن رسول الله إن هذا يشق عليك فقال إني سمعت الله عز وجل يقول ليشهدوا منفع لهم فقيل منافع الدنيا أو منافع الاخرة فقال الكل. وفي المجمع عنه عليه السلام منافع الاخرة هي العفو والمغفرة. وفي العيون عن الرضا عليه السلام وعلة الحج الوفادة إلى الله تعالى وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف وليكون تائبا مما مضى مستأنفا لما يستقبل وما فيه من إستخراج الأموال وتعب الأبدان وحظرها عن الشهوات واللذات والتقرب بالعبادة إلى الله عز وجل والخضوع والأستكانة والذل شاخصا إليه في الحر والبرد والأمن والخوف دائبا في ذلك دائم وما في ذلك لجميع الخلق من المنافع والرغبة والرهبة إلى الله تعالى ومنه ترك قساوة القلب وجسارة الأنفس ونسيان الذكر وإنقطاع الرجاء والأمل وتجديد الحقوق وحظر الأنفس عن الفساد ومنفعة من في شرق الأرض وغربها ومن في البر والبحر ممن يحج وممن لا يحج من تاجر وجالب وبايع ومشتر وكاسب ومسكين وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الأجتماع فيها كذلك

[ 375 ]

ليشهدوا منافع لهم. وزاد في رواية اخرى مع ما فيه من التفقه ونقل أخبار الأئمة عليهم السلام إلى كل صقع وناحية كما قال الله عز وجل فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام قيل يعني عند ذبحها وقيل كنى عن الذبح بال ذكر لعدم إنفكاكه عنه. وفي العوالي عنهما عليهما السلام هو التكبير عقيب خمس عشرة صلاة أوليها ظهر العيد. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام مثله. وفي المعاني عنه عليه السلام قال قال علي عليه السلام في قول الله عز وجل ويذكروا اسم الله في أيام معلومات قال أيام العشر عنه عليه السلام قال هي أيام التشريق. وعنه عليه السلام قال المعلومات والمعدودات واحدة وهن أيام التشريق. وفي التهذيب عنه عن أبيه وفي رواية عن علي عليه السلام أن الأيام المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق. وفي الجوامع عن الباقر عليه السلام إن الأيام المعلومات يوم النحر والثلاثة بعده أيام التشريق والأيام المعدودات عشر ذي الحجة فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير الذي أصابه بؤس وشدة. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام هو الزمن الذي لا يستطيع أن يخرج لزمانته. وعنه عليه السلام البائس الفقير. (29) ثم ليقضوا تفثهم ثم ليزيلوا وسخهم بقص الأظفار والشارب وحلق

[ 376 ]

الرأس ونحوها وليوفوا نذورهم مناسك حجهم وقرئ بكسر اللام فيهما وبتشديد الفاء. في الكافي والفقيه عن الصادق عليه السلام التفث هو الحلق وما في جلد الأنسان. وعن الرضا عليه السلام التفث تقليم الأظفار وطرح الوسخ وطرح الأحرام عنه. وفي الفقيه عن الباقر عليه السلام التفث حفوف الرجل من الطيب فإذا قضى نسكه حل له الطيب. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام من التفث أن تتكلم في إحرامك بكلام قبيح فإذا دخلت مكة وطفت بالبيت تكلمت بكلام طيب فكان ذلك كفارة وعن عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعلمه قال وما ذاك قلت قول الله عز وجل ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم قال عليه السلام ليقضوا تفثهم لقاء الأمام وليوفوا نذورهم تلك المناسك قال عبد الله بن سنان فأتيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت جعلت فداك قول الله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم قال أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك قال قلت جعلت فداك إن ذريح المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له ليقضوا تفثهم لقاء الأمام وليوفوا نذورهم تلك المناسك فقال صدق وصدقت إن للقرآن ظاهرا وباطنا ومن يحتمل ما يحتمل ذريح. أقول: وجه الأشتراك بين التفسير والتأويل هو التطهير فإن أحدهما تطهير عن الأوساخ الظاهرة والاخر عن الجهل والعمى قال في الفقيه معنى التفث كل ما ورد به الأخبار. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام أنه يقول ويرى الناس بمكة وما يعملون فعال كفعال الجاهلية أما والله ما امروا بهذا وما امروا إلا أن يقضوا تفثهم وليوفوا

[ 377 ]

نذورهم فيمروا بنا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصر لهم وليطوفوا بالبيت العتيق وقرء بكسر اللام. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عنه عليه السلام فقال هو طواف النساء. وعن الباقر عليه السلام إنه سئل لم سمى الله البيت العتيق قال هو بيت حر عتيق من الناس لم يملكه أحد. وفي المحاسن والعلل والقمي عن الصادق عليه السلام سمي البيت العتيق لأنه اعتق من الغرق. (30) ذلك الأمر ذلك وهو وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين ومن يعظم حرمات الله أحكامه وما لا يحل هتكه فهو خير له عند ربه ثوابا وأحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم كالميتة وما اهل به لغير الله فلا تحرموا منها غير ما حرمه الله كالبحيرة والسائبة فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما يجتنب الأنجاس وكل افتراء. في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام قال الرجس من الأوثان الشطرنج وقول الزور والغناء وزاد في المجمع وسائر أنواع القمار وسائر الأقوال الملهية وعن النبي صلى الله عليه وآله عدلت شهادة الزور بالشرك بالله ثم قرأ هذه الاية. (31) حنفاء لله. القمي عن الصادق عليه السلام أي طاهرين غير مشركين به. في التوحيد عن الباقر عليه السلام إنه سئل عنه وعن الحنيفة فقال هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله قال فطرهم الله على المعرفة ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء لأنه سقط من اوج الأيمان إلى حضيض الكفر فتخطفه الطير فإن الأهواء المردية توزع أفكاره وقرئ بتشديد التاء أو تهوى به الريح في مكان

[ 378 ]

سحيق بعيد فإن الشيطان قد طرح به في الضلالة. (32) ذلك الأمر ذلك ومن يعظم شعائر الله اعلام دينه فإنها من تقوى القلوب القمي قال تعظيم البدن وجودتها. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنما يكون الجزاء مضاعفا فيما دون البدنة فإذا بلغ البدنة فلا تضاعف لأنه أعظم ما يكون قال الله تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. وعنه في قصة حجة الوداع وكان الهدي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة وستين أو ستة وستين وجاء علي عليه السلام بأربعة وثلاثين أو ستة وثلاثين. (33) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى. في الكافي والفقيه عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال إن احتاج إلى ظهرها ركبها من غير أن يعنف عليها وإن كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها ثم محلها إلى البيت العتيق. القمي قال البدن يركبها المحرم من موضعه الذي يحرم فيه غير مضر بها ولا معنف عليها وإن كان لها لبن يشرب من لبنها إلى يوم النحر. (34) ولكل أمة أهل دين جعلنا منسكا متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله وقرء بالكسر أي موضع نسك ليذكروا اسم الله دون غيره ويجعلوا نسكهم لوجهه علل الجعل به تنبيها على أن المقصود من المناسك تذكر المعبود على ما رزقهم من بهيمة الانعام عند ذبحها فإلهكم إله واحد فله أسلموا اخلصوا التقرب والذكر ولا تشوبوه بالأشراك وبشر المخبتين. القمي قال العابدين. (35) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم هيبة منه لأشراق أشعة جلاله عليها

[ 379 ]

والصابرين على ما أصابهم من المصائب والمقيمي الصلوة في افادتها ومما رزقناهم ينفقون في وجوه الخير. (36) والبدن جمع بدنة جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير منافع دينية ودنيوية فاذكروا اسم الله عليها صواف قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن. القمي قال ينحر قائمة. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ذلك حين تصف للنحر تربط يديها ما بين الخف إلى الركبة وقرئ صوافن بالنون ونسبها. في المجمع إلى الباقر عليه السلام وهو من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وعلى طرف سنبك الرابعة لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث فإذا وجبت جنوبها. في الكافي والمعاني عن الصادق عليه السلام قال إذا وقعت على الأرض فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر قال القانع الذي يرضى بما أعطيته ولا يسخط ولا يكلح ولا يلوي شدقه غضبا والمعتر المار بك لتطعمه. في المعاني عنه عليه السلام أطعم أهلك ثلثا وأطعم القانع ثلثا وأطعم المسكين ثلثا قيل المسكين هو السائل قال نعم والقانع يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها والمعتر يعتريك لا يسألك. وفي المجمع عنهم عليهم السلام إنه ينبغي أن يطعم ثلثه ويعطي القانع والمعتر ثلثه ويهدي لأصدقائه الثلث الباقي كذلك سخرناها لكم مع عظمها وقوتها حتى تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحبسونها صافة قوائمها ثم تطعنون في لباتها لعلكم تشكرون انعامنا عليكم بالتقرب والأخلاص. (37) لن ينال الله لن يصيب رضاه ولا يقع منه موقع القبول لحومها المتصدق بها ولا دماؤها المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء ولكن يناله التقوى منكم لكنه يصيبه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى أمر الله وتعظيمه والتقرب إليه

[ 380 ]

والأخلاص له. في الجوامع روي أن في الجاهلية كانوا إذا نحروا لطخوا البيت بالدم فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت. وفي العلل عن الصادق عليه السلام إنه سئل ما علة الاضحية قال إنه يغفر لصاحبها عند أول قطرة تقطر من دمها إلى الأرض وليعلم الله عز وجل من يتقيه بالغيب قال الله عز وجل لن ينال الله لحومها الاية ثم قال انظر كيف قبل الله قربان هابيل ورد قربان قابيل كذلك سخرها لكم كرره تذكيرا للنعمة وتعليلا له بما بعده لتكبروا الله لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء. والقمي قال التكبير أيام التشريق في الصلوات بمنى في عقيب خمس عشرة صلاة وفي الأمصار عقيب عشر صلوات على ما هديكم أرشدكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها وبشر المحسنين المخلصون فيما يأتونه ويذرونه. (38) إن الله يدافع عن الذين آمنوا غائلة المشركين وقرء يدفع إن الله لا يحب كل خوان في أمانة الله كفور لنعمته كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته. (39) أذن رخص وقرئ بفتح الهمزة أي الله للذين يقاتلون المشركين أي في القتال حذف لدلالته عليه وقرئ بفتح التاء أي للذين يقاتلهم المشركون بأنهم ظلموا بسبب أنهم ظلموا. في المجمع عن الباقر عليه السلام لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال ولا اذن له فيه حتى نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الاية وقلده سيفا وفيه وكان المشركون يؤذون المسلمين ولا يزال يجئ مشجوج ومضروب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويشكون ذلك إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله عليه هذه الاية بالمدينة وهي أول آية نزلت في القتال. والقمي قال نزلت في علي وجعفر وحمزة ثم جرت. وعن الصادق عليه السلام إن العامة يقولون نزلت في رسول الله صلى الله عليه

[ 381 ]

وآله لما أخرجته قريش من مكة وإنما هو القائم إذا خرج يطلب دم الحسين عليهما السلام وهو يقول نحن أولياء الدم وطلاب الترة وإن الله على نصرهم لقدير وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم. (40) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله يعني أنهم لم يخرجوا إلا لقولهم ربنا الله. في الكافي عن الباقر عليه السلام نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وحمزة وجعفر وجرت في الحسين عليه السلام. والقمي قال عليه السلام الحسين عليه السلام حين طلبه يزيد ليحمله إلى الشام فهرب إلى الكوفة وقتل بالطف. وفي المجمع عن الباقر عليه السلام نزلت في المهاجرين وجرت في آل محمد عليهم السلام الذين اخرجوا من ديارهم واخيفوا وفي المناقب عنه عليه السلام نحن نزلت فينا. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في حديث الزبيري ذلك لقوم لا يحل الا لهم ولا يقوم بذلك إلا من كان منهم ثم ذكر الشرائط مفصلا في حديث أورده في كتاب الجهاد من أراده فليطلب منه ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين وقرئ دفاع لهدمت وقرئ بالتخفيف لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل صوامع صوامع الرهبانية وبيع وبيع النصارى وصلوات وكنائس اليهود وقيل سميت بها لأنها تصلى فيها وقيل أصلها ثلوثا بالثاء المثلثة بالعبرية بمعنى المصلى فعربت. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام إنه قرأ صلوات بضم الصاد واللام ومساجد ومساجد المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز لا يمانعه شئ. (41) الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا

[ 382 ]

بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور. القمي عن الباقر عليه السلام فهذه لال محمد صلوات الله عليهم إلى آخر الاية والمهدي عليه السلام وأصحابه يملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها ويظهر الدين ويميت الله به وبأصحابه البدع والباطل كما أمات الشقاة الحق حتى لا يرى أين الظلم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وفي المجمع عنه عليه السلام نحن هم. وفي المناقب عن الكاظم وجده سيد الشهداء عليهما السلام هذه فينا أهل البيت. (42) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود. (43) وقوم إبرهيم وقوم لوط. (44) وأصحاب مدين تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وكذب موسى قيل غير فيه النظم لأن قومه لم يكذبوه وإنما كذبه القبط ولأن تكذيبه كان أشنع وآياته كانت أعظم وأشيع فأمليت للكافرين فأمهلتهم حتى إنصرمت آجالهم المقدرة ثم أخذتهم فكيف كان نكير إنكاري عليهم بتغير النعمة محنة والحياة هلاكا والعمارة خرابا. (45) فكأين من قرية أهلكناها بإهلاك أهلها وقرئ أهلكتها وهي ظالمة أي أهلها فهي خاوية على عروشها ساقطة حيطانها على سقوفها وبئر معطلة لا يستقي منها الهلاك أهلها وقصر مشيد مرتفع أخليناه عن ساكنيه. في المجمع وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام في قوله وبئر معطلة أي وكم من عالم لا يرجع إليه ولا ينتفع بعلمه. وفي الأكمال والمعاني وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام البئر المعطلة الأمام الصامت والقصر المشيد الأمام الناطق.

[ 383 ]

أقول: إنما كنى عن الأمام الصامت بالبئر لأنه منبع العلم الذي هو سبب حياة الأرواح مع خفائه إلا على من أتاه كما أن البئر منبع الماء الذي هو سبب حياة الأبدان مع خفائها إلا على من أتاها وكنى عن صمته بالتعطيل لعدم الأنتفاع بعلمه وكنى عن الأمام الناطق بالقصر المشيد لظهوره وعلو منصبه وإشادة ذكره. وفي المعاني مقطوعا أمير المؤمنين هو القصر المشيد والبئر المعطلة فاطمة وولدها معطلين من الملك. والقمي قال هو مثل لال محمد صلوات الله عليهم وبئر معطلة هو الذي لا يستقى منها وهو الأمام الذي قد غاب فلا يقتبس منه العلم إلى وقت ظهوره والقصر المشيد هو المرتفع وهو مثل لأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام منه وفضائلهم المنتشرة في العالمين المشرقة على الدنيا وهو قوله ليظهره على الدين كله وقال الشاعر. بئر معطلة وقصر مشرف مثل لال محمد مستظرف فالقصر مجدهم الذي لا يرتقى والبئر علمهم الذي لا ينزف. (46) أفلم يسيروا في الارض قيل حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا. وفي الخصال عن الصادق عليه السلام معناه أو لم ينظروا في القرآن فتكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يعقل أو آذان يسمعون بها ما يجب أن يسمع فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور عن الأعتبار أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أنفت عقولهم باتباع الهوى والأنهماك في التقليد. في التوحيد والخصال عن السجاد عليه السلام إن للعبد أربع أعين عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه وعينان يبصر بهما أمر آخرته فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته وإذا أراد الله به غير ذلك ترك القلب بما فيه. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين عينان

[ 384 ]

في الرأس وعينان في القلب ألا وأن الخلائق كلهم كذلك ألا إن الله عز وجل فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم. وفي الفقيه عن الباقر عليه السلام إنما العمى عمى القلب ثم تلا الاية. (47) ويستعجلونك بالعذاب المتوعد به. القمي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرهم أن العذاب أتاهم فقالوا فأين العذاب فاستعجلوه ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وقرء بالياء. وفي إرشاد المفيد عن الباقر عليه السلام إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فهدم فيها أربعة مساجد ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمها وجعلها جما ووسع الطريق الأعظم وكسر كل جناح خارج في الطريق وأبطل الكنف والميا زيب إلى الطرقات ولا ترك بدعة إلا أزالها ولا سنة إلا أقامها ويفتح قسطنطنية والصين وجبال الديلم فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كل سنة عشر سنين من سنينكم هذه ثم يفعل الله ما يشاء قيل فكيف تطول السنون قال يأمر الله الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون قيل إنهم يقولون إن الفلك إن تغير فسد قال ذاك قول الزنادقة فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك وقد شق الله القمر لنبيه صلى الله عليه وآله ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون وأخبر بطول يوم القيامة وإنه كألف سنة مما تعدون. وفي الكافي عنهم عليهم السلام قال فيما وعظ الله به عيسى عليه السلام واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون فيه أجزى بالحسنة أضعافها. (48) وكأين من قرية وكم من أهل قرية أمليت لها كما أمهلتكم وهى ظالمة مثلكم ثم أخذتها بالعذاب وإلي المصير وإلى حكمي مرجع الجميع. (49) قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين اوضح لكم ما انذركم به. (50) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم الكريم من كل

[ 385 ]

نوع ما يجمع فضائله. (51) والذين سعوا في آياتنا بالرد والأبطال معاجزين مسابقين مشتاقين للساعين فيها بالقبول والتحقيق من عاجزه فأعجزه إذا سابقه فسبقه لأن كلا من المتسابقين يطلب اعجاز الاخر عن اللحاق به وقرء معجزين بالتشديد أولئك أصحاب الجحيم النار الموقدة. (52) وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. في الكافي عنهما عليهما السلام في هذه الاية إنهما زادا ولا محدث بفتح الدال قيل ليست هذه قراءتنا فما الرسول والنبي والمحدث فقال الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه والنبي هو الذي يرى في منامه وربما إجتمعت النبوة والرسالة لواحد والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة قيل كيف يعلم أن الذي رآى في النوم حق وأنه من الملك قال يوفق لذلك حتى يعرفه لقد ختم الله بكتابكم الكتب وختم بنبيكم الأنبياء. وفي معناه أخبار اخر فيه وفي البصائر وغيرهما. وفي الكافي عن السجاد عليه السلام إن في القرآن آية كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعرف قاتله بها ويعرف بها الامور العظام التي كان يحدث بها الناس ثم قال بعد ما سئل عنها هو والله قول الله عز وجل وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي أو محدث وكان علي بن أبي طالب محدثا وفي البصائر ما يقرب منه وفيه إنه سئل من يحدثه قال ملك يحدثه قيل إنه نبي أو رسول قال لا ولكن مثله مثل صاحب سليمان ومثل صاحب موسى ومثل ذي القرنين. أقول: اريد بصاحب سليمان آصف بن برخيا وبصاحب موسى يوشع بن نون. وفي الكافي في عدة روايات أن الأئمة عليهم السلام كانوا محدثين كانوا يسمعون الصوت ولا يرون الملك إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي

[ 386 ]

الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم. في الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث مضى بعضه في المقدمة فيذكر الله جل ذكره لنبيه ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله وما أرسلنا من قبلك الاية يعني أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعانيه من نفاق قومه وعقوقهم والأنتقال عنهم إلى دار الأقامة إلا ألقى الشيطان المعرض بعداوته عند فقده في الكتاب الذي انزل عليه ذمه والقدح فيه والطعن عليه فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا يقبله ولا يصغي إليه غير قلوب المنافقين والجاهلين ويحكم الله آياته بأن يحمي أولياءه من الضلال والعدوان ومتابعة أهل الكفر والطغيان الذين لم يرض الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال بل هم أضل سبيلا والقمي وأما قوله عزوجل وما أرسلنا من قبلك من رسول الاية فإن العامة رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الصلاة فقرأ سورة النجم في المسجد الحرام وقريش يستمعون لقراءته فلما انتهى إلى هذه الاية أفرايتم اللات والعزى ومنوة الثالثة الاخرى أجرى ابليس على لسانه فإنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي ففرحت قريش وسجدوا وكان في القوم الوليد بن المغيرة المخزومي وهو شيخ كبير فأخذ كفا من حصى فسجد عليه وهو قاعد فقالت قريش قد أقر محمد بشفاعة اللات والعزى قال فنزل جبرئيل فقال له قرأت ما لم أنزل عليك وأنزل عليه وما أرسلنا من قبلك الاية وأما الخاصة. فإنه روي عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أصابه خصاصة فجاء إلى رجل من الأنصار فقال له هل عندك من طعام قال نعم يا رسول الله وذبح له عناقا وشواه فلما أدناه منه تمنى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون معه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فجاء أبو بكر وعمر ثم جاء علي بعدهما فأنزل الله عز وجل في ذلك وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته يعني أبا بكر وعمر فينسخ الله ما يلقي الشيطان يعني لما جاء علي عليه السلام بعدهما ثم يحكم الله آياته للناس يعني ينصر الله أمير المؤمنين عليه السلام.

[ 387 ]

(53) ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة قال يعني فلانا وفلانا للذين في قلوبهم مرض قال شك والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. (54) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك إن القرآن هو الحق النازل من عند الله فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم بالأنقياد والخشية وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. القمي إلى الأمام المستقيم. (55) ولا يزال الذين كفروا في مرية منه. القمي أي في شك من أمير المؤمنين عليه السلام حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم القمي العقيم الذي لا مثل له في الأيام. (56) الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم. (57) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين. القمي قال ولم يؤمنوا بولاية أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام. (58) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا في الجهاد وقرئ بالتشديد. أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين فإنه يرزق بغير حساب. (59) ليدخلنهم مدخلا يرضونه هو الجنة فيما يحبونه وقرئ بفتح الميم وإن الله لعليم بأحوالهم وأحوال معاديهم حليم لا يعاجل في العقوبة. في الجوامع روي أنهم قالوا يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا أن متنا معك فأنزل الله هاتين الايتين. (60) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ولم يزد في الأقتصاص ثم بغى عليه بالمعاودة إلى العقوبة لينصرنه الله لا محالة إن الله لعفو غفور للمنتصر.

[ 388 ]

القمي هو رسول الله صلى الله عليه وآله لما أخرجته قريش من مكة وهرب منهم إلى الغار وطلبوه ليقتلوه فعاقبهم الله يوم بدر وقتل عتبة وشيبة والوليد وأبو جهل وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهم فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله طلب بدمائهم فقتل الحسين عليه السلام وآل محمد صلوات الله عليهم بغيا وعدوانا وهو قول يزيد لعنه الله حين تمثل بهذا الشعر ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل قد قتلنا القوم من ساداتهم وعدلناهم ببدر فاعتدل وكذاك الشيخ أوصاني به فاتبعت الشيخ فيما قد سئل وقال يزيد حين أيضا يقلب الرأس نقول والرأس مطروح نقلبه يا ليت أشياخنا الماضون بالحضر حتى يقيسوا قياسا لو يقاس به أيام بدر لكان الوزن بالقدر فقال الله تبارك وتعالى ذلك ومن عاقب يعني رسول الله صلى الله عليه وآله بمثل ما عوقب به يعني حين أرادوا أن يقتلوه ثم بغي عليه لينصرنه الله بالقائم من ولده صلى الله عليه وآله. (61) ذلك أي ذلك النصر بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل بسبب أن الله قادر على تقليب بعض الامور على بعض والمداولة بين الأشياء المتعاندة وأن الله سميع بصير يسمع قول المعاقب والمعاقب يبصر أفعالهما فلا يمهلهما. (62) ذلك الوصف بكمال القدرة والعلم بأن الله هو الحق الثابت وأن ما يدعون من دونه إلها وقرء بالتاء هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير عن أن يكون له شريك لا شئ أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا. (63) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء إستفهام تقرير فتصبح الارض مخضرة

[ 389 ]

إنما عدل عن صيغة الماضي للدلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان إن الله لطيف يصل علمه إلى كل ما جل ودق خبير بالتدابير الظاهرة والباطنة. (64) له ما في السموات وما في الارض خلقا وملكا وإن الله لهو الغني في ذاته الحميد المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله. (65) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الارض جعلها مذللة لكم معدة لمنافعكم والفلك تجرى في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه إلا بمشيئته إن الله بالناس لرؤف رحيم في الأكمال عن النبي صلى الله عليه وآله بعد ذكر الأئمة الأثنى عشر بأسمائم قال ومن أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني بهم يمسك الله عز وجل السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وبهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها. (66) وهو الذي أحياكم بعد أن كنتم نطفا ثم يميتكم إذا جاء أجلكم ثم يحييكم في الاخرة إن الانسان لكفور لجحود للنعم مع ظهورها. (67) لكل أمة أهل دين جعلنا منسكا متعبدا وشريعة ومذهبا هم ناسكوه يذهبون إليه ويدينون به فلا ينازعنك سائر أرباب الملل في الامر في أمر الدين. في الجوامع أن بديل بن ورقاء وغيره من كفار خزاعة قالوا للمسلمين مالكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله يعنون الميتة فنزلت وادع إلى ربك إلى توحيده وعبادته إنك لعلى هدى مستقيم طريق إلى الحق سوي. (68) وإن جادلوك فقد ظهر الحق ولزمت الحجة فقل الله أعلم بما تعلمون من المجادلة الباطلة وغيرها فيجازيكم عليها وهو وعيد فيه رفق. (69) الله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر الدين. (70) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والارض فلا يخفي عليه شئ إن ذلك في كتاب هو اللوح كتبه فيه قبل أن يبراه إن ذلك إثباته في اللوح أو الحكم بينكم على الله يسير.

[ 390 ]

(71) يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا حجة تدل على جواز عبادته وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير. (72) وإذا تتلى عليهم آياتنا من القرآن بينات واضحات الدلالة على العقايد الحقة والأحكام الألهية تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر الأنكار لفرط نكيرهم للحق وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليدا وهذا منتهى الجهالة يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا يثبون ويبطشون بهم قل افأنبئكم بشر من ذلكم من غيظكم على التالين وضجركم مما تلوا عليكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير النار. (73) يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له استماع تدبر وتفكر ان الذين تدعون من دون الله يعني الاصنام لن يخلقوا ذبابا لا يقدرون على خلقه مع صغره ولو اجتمعوا له ولو تعاونوا على خلقه وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب فكيف يكونون آلهة قادرين على المقدورات كلها. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال كانت قريش تلطخ الأصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر وكان يغوث قبال الباب ويعوق عن يمين الكعبة ونسر عن يسارها وكانوا إذا دخلوا خروا سجدا ليغوث ولا ينحنون ثم يستديرون بحيالهم إلى يعوق ثم يستديرون عن يسارها بحيالهم إلى نسر ثم يلبون فيقولون لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك قال فبعث الله ذبابا أخضر له أربعة أجنحة فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئا إلا أكله فأنزل الله عز وجل يا أيها الناس ضرب مثل الاية. (74) ما قدروا الله حق قدره ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة وقد مر حديث فيه في سورة الأنعام ويأتي الحديث في تفسيره في سورة الزمر إن شاء الله إن الله لقوي عزيز لا يغلبه شئ. (75) الله يصطفي يختار من الملائكة رسلا سفرة يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي. القمي وهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومن الناس أي رسلا يدعون

[ 391 ]

سائرهم إلى الحق ويبلغون إليهم ما نزل عليهم. القمي هم الأنبياء والأوصياء فمن الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم السلام ومن هؤلاء الخمسة محمد صلى الله عليه وآله ومن الأوصياء علي والأئمة عليهم السلام قال وفيه تأويل غير هذا إن الله سميع بصير. (76) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم عالم بما وقع وما سيقع وإلى الله ترجع الامور كلها. (77) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم بساير ما تعبدكم به وافعلوا الخير وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق لعلكم تفلحون. في الكافي عن الصادق عليه السلام إن الله تبارك وتعالى فرض الأيمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين. وعنه عليه السلام جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. وفي الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله إن في سورة الحج سجدتين إن لم تسجدهما فلا تقرأها. (78) وجاهدوا في الله حق جهاده الأعداء الظاهرة والباطنة روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه لما رجع من غزوة تبوك قال رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يعني جهاد النفس هو اجتبيكم إختاركم لدينه ولنصرته. في الكافي عن الباقر عليه السلام إيانا عني ونحن المجتبون وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبرهيم عليه السلام قال إيانا عني خاصة هو سميكم المسلمين قال الله عز وجل سمانا المسلمين من قبل قال في الكتب الذي مضت وفي هذا القرآن ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس قال فرسول الله

[ 392 ]

صلى الله عليه وآله الشهيد علينا بما بلغنا عن الله تبارك وتعالى ونحن الشهداء على الناس يوم القيامة فمن صدق صدقناه يوم القيامة ومن كذب كذبناه. وفي الأكمال عن النبي صلى الله عليه وآله عني بذلك ثلاثة عشر رجلا خاصة دون هذه الامة ثم قال أنا وأخي علي وأحد عشر من ولدي. وفي المناقب وفي خبر أن قوله تعالى هو سميكم المسلمين فدعوة إبراهيم وإسمعيل لال محمد صلوات الله عليهم فإنه لمن لزم الحرم من قريش حتى جاء النبي صلى الله عليه وآله ثم أتبعه وآمن به وأما قوله ليكون الرسول شهيدا عليكم النبي صلى الله عليه وآله يكون على آل محمد صلوات الله عليهم شهيدا ويكونوا شهداء على الناس. وفي قرب الأسناد عن الصادق عن أبيه عن النبي صلوات الله عليهم قال مما أعطى الله امتي وفضلهم به على سائر الامم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلا نبي وذلك أن الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيا قال له إجتهد في دينك ولا حرج عليك وأن الله تبارك وتعالى أعطى امتي ذلك حيث يقول وما جعل عليكم في الدين من حرج يقول من ضيق قال وكان إذا بعث نبيا جعله شهيدا على قومه وأن الله تبارك وتعالى جعل امتي شهداء على الخلق حيث يقول ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس الحديث فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة فتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات لما خصكم بهذا الفضل والشرف واعتصموا بالله وثقوا به في مجامع اموركم ولا تطلبوا الأمانة والنصرة إلا منه هو مولكم ناصركم ومتولي اموركم فنعم المولى ونعم النصير هو إذ لا مثل له في الولاية والنصرة بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة. في ثواب الأعمال عن الصادق عليه السلام قال من قرأ سورة الحج في كل ثلاثة أيام لم تخرج سنة حتى يخرج إلى بيت الله الحرام وإن مات في سفره دخل الجنة قيل فإن كان مخالفا قال يخفف عنه بعض ما هو فيه. وفي المجمع مثله إلى قوله عليه السلام دخل الجنة.

[ 393 ]

سورة المؤمنون مكية عدد آيها مأة وثماني عشرة آية (1) قد أفلح المؤمنون. في الكافي عن الباقر عليه السلام قال أتدري من هم قيل أنت أعلم قال قد أفلح المؤمنون المسلمون إن المسلمين هم النجباء. والقمي عن الصادق عليه السلام قال لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون. (2) الذين هم في صلوتهم خاشعون القمي قال غضك بصرك في صلواتك وإقبالك عليها. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال إذا دخلت في صلواتك فعليك بالتخشع والأقبال على صلواتك فإن الله تعالى يقول الذين هم في صلوتهم خاشعون. وعنه عن النبي صلوات الله عليهما قال ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه رآى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه وروي أنه كان يرفع بصره إلى السماء في صلاته فلما نزلت الاية طأطأ رأسه ورمى ببصره إلى الأرض.

[ 394 ]

والذين هم عن اللغو معرضون القمي يعني عن الغناء والملاهي. وفي إرشاد المفيد عن أمير المؤمنين عليه السلام كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال إن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله. قال وفي رواية اخرى أنه الغناء والملاهي. وفي الأعتقادات عنه عليه السلام أنه سئل عن القصاص أيحل الأستماع لهم فقال لا. (4) والذين هم للزكوة فاعلون. القمي عن الصادق عليه السلام من منع قيراطا من الزكاة فليس هو بمؤمن ولا مسلم ولا كرامة. (5) والذين هم لفروجهم حافظون. (6) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيامنهم. القمي يعني الأماء قال والمتعة حدها الأماء. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن المتعة فقال حلال فلا تتزوج إلا عفيفة إن الله عزوجل يقول والذين هم لفروجهم حافظون وعنه عليه السلام تحل الفروج بثلاثة وجوه نكاح بميراث ونكاح بلا ميراث ونكاح بملك اليمين. وعن أبيه عن النبي صلوات الله عليهما إن الله أحل لكم الفروج على ثلاثة معان فرج مورث وهو الثبات وفرج غير مورث وهو المتعة وملك أيمانكم فإنهم غير ملومين. (7) فمن ابتغى وراء ذلك القمي قال من جاوز ذلك فأولئك هم العادون الكاملون في العدوان.

[ 395 ]

(8) والذين هم لاماناتهم وقرء لأمانتهم وعهدهم راعون لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق قائمون بحفظها وإصلاحها. (9) والذين هم على صلوتهم وقرء صلواتهم يحافظون القمي قال على أوقاتها وحدودها. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال هي الفريضة قيل الذين هم على صلوتهم دائمون قال هي النافلة. (10) أولئك الجامعون لهذه الصفات هم الوارثون. (11) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون. القمي عن الصادق عليه السلام قال ما خلق الله خلقا إلا جعل له في الجنة منزلا وفي النار منزلا فإذا سكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة أشرفوا فيشرفون على أهل النار وترفع لهم منازلهم فيها ثم يقال لهم هذه منازلكم التي في النار لو عصيتم الله لدخلتموها قال فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة في ذلك اليوم فرحا لما صرف عنهم من العذاب ثم ينادي مناد يا أهل النار إرفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى منازلهم في الجنة وما فيها من النعيم فيقال لهم هذه منازلكم التي لو أطعتم ربكم لدخلتموها قال فلو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار حزنا فيورث هؤلاء منازل هؤلاء ويورث هؤلاء منازل هؤلاء وذلك قول الله عز وجل أولئك هم الوارثون ب الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. وفي العيون عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال في هذه الاية. (12) ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين. القمي قال السلالة الصفوة من الطعام والشراب الذي يصير نطفة والنطفة

[ 396 ]

أصلها من السلالة والسلالة هو من صفو الطعام والشراب والطعام من أصل الطين فهذا معنى قوله جل ذكره من سلالة من طين. (13) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين قال يعني في الانثيين ثم في الرحم. (14) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما قد سبق تفسيرها في أوايل سورة الحج وقرء العظم على التوحيد فيهما ثم أنشأناه خلقا آخر. القمي عن الباقر عليه السلام قال هو نفخ الروح فيه فتبارك الله أحسن الخالقين. في التوحيد عن الرضا عليه السلام إنه سئل وغير الخالق الجليل خالق قال إن الله تبارك وتعالى قال تبارك الله أحسن الخالقين وقد أخبر أن في عباده خالقين وغير خالقين منهم عيسى بن مريم خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار. (15) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (16) ثم إنكم يوم القيمة تبعثون. (17) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق سبع سموات قيل سماها طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل وكل ما فوقه مثله وهو طريقه وما كنا عن الخلق غافلين. (18) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض. القمي عن الباقر عليه السلام فهي الأنهار والعيون والابار. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام يعني ماء العقيق. أقول: يعني بالعقيق الوادي.

[ 397 ]

وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال إن الله تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله وأنزلنا من السماء ماء بقدر الاية وإنا على ذهاب به بالأفساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر إستنباطه لقادرون كما كنا قادرين على إنزاله قيل في تنكير ذهاب إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الأيعاد به. (19) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة تتفكهون بها ومنها تأكلون تغذيا. (20) وشجرة تخرج من طور سيناء وقرء بكسر السين تنبت بالدهن وصبغ للاكلين أي تنبت بالشئ الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه وكونه إداما يصبغ فيه الخبز أي يغمس فيه للأيتدام وقرئ تنبت من أنبت بمعنى نبت. القمي قال شجرة الزيتون وهو مثل لرسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام فالطور الجبل وسيناء الشجرة. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال الزيت شجرة مباركة فائتدموا به وادهنوا. وفي التهذيب عن الباقر عليه السلام كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أن أخرجوني إلى الظهر فإذا تصوبت أقدامكم واستقبلتكم ريح فأدفنوني فهو أول طور سيناء ففعلوا ذلك. وعن الصادق عليه السلام وقد ذكر الغري قال وهي قطعة من الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما وقدس عليه عيسى عليه السلام تقديسا واتخذ عليه إبراهيم خليلا واتخذ محمدا حبيبا وجعله للنبيين عليهم السلام مسكنا فو الله ما سكن بعد أبويه الطيبين آدم ونوح أكرم من أمير المؤمنين عليه السلام. (21) وإن لكم في الانعام لعبرة تعتبرون محالها نسقيكم وقرء بفتح النون مما

[ 398 ]

في بطونها من الألبان ولكم فيها منافع كثيرة في ظهورها وأصوافها وشعورها ومنها تأكلون. (22) وعليها وعلى الفلك تحملون في البر والبحر فإن الأبل سفينة البر. (23) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وقرء بالجر أفلا تتقون أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه. (24) فقال الملؤ الأشراف الذين كفروا من قومه لعوامهم ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم ولو شاء الله أن يرسل رسولا لانزل ملئكة رسلا ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين أي بالتوحيد الذي يدعونا إليه. (25) إن هو إلا رجل به جنة جنون ولأجله يقول ذلك فتربصوا به فاحتملوا وانتظروا حتى حين لعله يفيق من جنونه. (26) قال رب انصرني عليهم بإهلاكهم بما كذبون بسبب تكذيبهم إياي. (27) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا بحفظنا أن تحظى فيه أو يفسد عليك مفسد ووحينا وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع فإذا جاء أمرنا بنزول العذاب وفار التنور في الجوامع روي أنه قيل لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة فلما نبع الماء من التنور أخبرته إمرأته فركب وقد سبق تمام القصة في سورة هود عليه السلام فاسلك فيها فأدخل فيها يقال سلك فيه وسلك غيره من كل زوجين اثنين الذكر والانثى وقرء كل بغير التنوين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم بإهلاكه ولكفره ولا تخاطبني في الذين ظلموا بالدعاء بالأنجاء إنهم مغرقون لا محالة. (28) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجينا من القوم الظالمين كقوله تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. (29) وقل رب أنزلني منزلا وقرء بفتح الميم وكسر الزاي مباركا وأنت خير المنزلين

[ 399 ]

في الفقيه قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يا علي إذا نزلت منزلا فقل اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ترزق خيره ويدفع شره. (30) إن في ذلك لايات وإن كنا لمبتلين وإن كنا لممتحنين عبادنا بهذه الايات وفي نهج البلاغة إن الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم ولم يعذكم من أن يبتليكم وقد قال جل من قائل إن في ذلك لايات وإن كنا لمبتلين. (31) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين هم عادا وثمود. (32) فأرسلنا فيهم رسولا منهم هو هودا وصالح أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون. (33) وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة وأترفنهم وأنعمناهم في الحيوة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون. (34) ولئن أطعتم بشرا مثلكم فيما يأمركم به إنكم إذا لخاسرون حيث أذللتم أنفسكم. (35) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مجردة عن اللحوم والأعصاب أنكم مخرجون من الأجداث. (36) هيهات هيهات لما توعدون اللام للبيان كما في هيت لك. (37) إن هي إلا حيوتنا الدنيا إن الحياة إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى يموت بعضنا ويولد بعض وما نحن بمبعوثين بعد الموت. (38) إن هو ما هو إلا رجل افترى على الله كذبا فيما يدعيه من إرسالنا فيما يعدنا من البعث وما نحن له بمؤمنين بمصدقين. (39) قال رب انصرني عليهم وانتقم لي منهم بما كذبون بسبب تكذيبهم إياي.

[ 400 ]

(40) قال عما قليل ليصبحن نادمين على التكذيب إذا رأوا العذاب. (41) فأخذتهم الصيحة بالحق صيحة جبرئيل صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها قلوبهم فماتوا وفيه دلالة على أن القرن قوم صالح فجعلناهم غثاء القمي عن الباقر عليه السلام الغثاء اليابس الهامد من نبات الأرض قيل شبههم في دمارهم بغثاء السيل وهو حميلة كقول العرب سار به الوادي لمن هلك فبعدا للقوم الظالمين يحتمل الأخبار والدعاء. ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين يعني قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم. (43) ما تسبق من أمة أجلها الوقت الذي قدر لهلاكها وما يستأخرون الأجل. (44) ثم أرسلنا رسلنا تترا متواترين واحدا بعد واحد من الوتر وهو الفرد وقرء بالتنوين كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضا في الهلاك وجعلناهم أحاديث لم يبق منهم إلا حكايات تمثل بها فبعدا لقوم لا يؤمنون. (45) ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بآياتنا بالايات التسع وسلطان مبين وحجة واضحة ملزمة للخصم. (46) إلى فرعون وملئه فاستكبروا عن الأيمان والمتابعة وكانوا قوما عالين متكبرين. (47) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون يعني إن بني إسرائيل لنا خادمون منقادون. (48) فكذبوهما فكانوا من المهلكين بالغرق. (49) ولقد آتينا موسى الكتب التوراة لعلهم لعل بني إسرائيل يهتدون إلى المعارف والأحكام.

[ 401 ]

وجعلنا ابن مريم وأمه آية بولادتها إياه من غير مسيس وآويناهما إلى ربوة وقرء بفتح الراء وجعلنا مأويهما مكانا مرتفعا ذات قرار منبسطة تصلح للأستقرار والزرع ومعين ماء طاهر جار على وجه الأرض. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال الربوة نجف الكوفة والمعين الفرات. وفي المجمع عنهما عليهما السلام الربوة حيرة الكوفة وسوادها والقرار مسجد الكوفة والمعين الفرات. (51) يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وأنه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم. (52) وإن هذه أمتكم أمة واحدة. القمي قال على مذهب واحد وقرء وإن بالكسر والفتح وبالتخفيف وانا ربكم فاتقون في شق (1) العصا ومخالفة الكلمة. (53) فتقطعوا أمرهم بينهم فتخربوا وافترقوا وجعلوا دينهم أديانا متفرقة زبرا قطعا جمع زبور الذي بمعنى الفرقة كل حزب من المتحزبين بما لديهم من الدين فرحون معجبون معتقدون أنهم على الحق. القمي قال كل من اختار لنفسه دينا فهو فرح به. (54) فذرهم في غمرتهم في جهالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة حتى حين إلى أن يقتلوا أو يموتوا. (55) أيحسبون أنما نمدهم به ما نعطيهم ونجعله مددا لهم من مال وبنين بيان لما.

[ 402 ]

(56) نسارع لهم في الخيرات فيما فيه خيرهم وإكرامهم بل لا يشعرون إن ذلك إستدراج. في المجمع عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله تعالى يقول يحزن عبدي المؤمن إذا قترت عليه شيئا من الدنيا وذلك أقرب له مني ويفرح إذا بسطت له الدنيا وذلك أبعد له مني ثم تلا هذه الاية ثم قال إن ذلك فتنة لهم. (57) إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون من خوف عذابه حذرون. (58) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون. (59) والذين هم بربهم لا يشركون شركا جليا ولا خفيا. (60) والذين يؤتون ما آتوا قيل يعطون ما اعطوه من الصدقات. والقمي قال من العبادة والطاعة ويؤيده قراءة يأتون ما أتوا في الشواذ وما يأتي من الروايات وقلوبهم وجلة خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذ به أنهم إلى ربهم راجعون لأن مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفى عليهم. في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال مم إشفاقهم ورجاؤهم يخافون أن ترد عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا الله عز ذكره ويرجون أن تقبل منهم. وفي المجمع عنه عليه السلام وقلوبهم وجلة معناه خائفة أن لا يقبل منهم قال: وفي رواية اخرى يؤتى ما أتى وهو خائف راج. وفي المحاسن عنه عليه السلام في هذه الاية قال يعملون ما عملوا من عمل وهم يعلمون أنهم يثابون عليه. وفي الكافي عنه عليه السلام قال إن استطعت أن لا تعرف فافعل وما عليك أن

[ 403 ]

لا يثني عليك الناس وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله ثم قال قال أبي علي ابن أبي طالب عليه السلام لا خير في العيش إلا لرجلين رجل يزداد كل يوم خيرا ورجل يتدارك السيئة بالتوبة وأنى له بالتوبة والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله تبارك وتعالى منه إلا بولايتنا أهل البيت ألا ومن عرف حقنا ورجا الثواب فينا ورضي بقوته نصف مد في كل يوم وما ستر عورته وما أكن رأسه وهم والله في ذلك خائفون وجلون ودوا أنه حظهم من الدنيا وكذلك وصفهم الله تعالى فقال والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ثم قال ما الذي اتوا اتوا والله الطاعة مع المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شك ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا. (61) أولئك يسارعون في الخيرات يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرون بها وهم لها سابقون. القمي عن الباقر عليه السلام هو علي بن أبي طالب عليه السلام لم يسبقه أحد. (62) ولا نكلف نفسا إلا وسعها دون طاقتها يريد به التحريض على ما وصف به الصالحون وتسهيله على النفوس ولدينا كتاب هو صحيفة الأعمال ينطق بالحق بالصدق لا يوجد فيه مايخالف الواقع وهم لا يظلمون بزيادة عقاب أو نقصان ثواب. في المناقب عن السجاد عليه السلام إنه كان إذا دخل شهر رمضان يكتب على غلمانه ذنوبهم حتى إذا كان آخر ليلة دعاهم ثم أظهر الكتاب وقال يا فلان فعلت كذا وكذا ولم اؤدبك فيقرون أجمع فيقوم وسطهم ويقول ارفعوا أصواتكم وقولوا يا علي بن الحسين ربك قد أحصى عليك ما عملت كما أحصيت علينا ولديه كتاب ينطق بالحق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها فاذكر ذل مقامك بين يدي ربك الذي لا يظلم مثقال ذرة وكفي بالله شهيدا فاعف واصفح يعف عنك المليك لقوله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويبكي وينوح. (63) بل قلوبهم قلوب الكفرة في غمرة في غفلة غامرة من هذا قيل من

[ 404 ]

الذي وصف به هؤلاء أو من كتاب الحفظة. والقمي يعني من القرآن ولهم أعمال خبيثة من دون ذلك سوى ماهم عليه من الشرك هم لها عاملون معتادون فعلها. (64) حتى إذا أخذنا مترفيهم متنعميهم القمي يعني كبرائهم بالعذاب في الجوامع هو قتلهم يوم بدرا والجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف عليه السلام فابتلاهم بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقدد والأولاد إذا هم يجارون فاجئوا الصراخ بالأستغاثة. (65) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قيل لهم ذلك. (66) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون تعرضون مدبرين عن سماعها وتصديقها والعمل بها والنكوص الرجوع قهقري. (67) مستكبرين به قيل أي بالقرآن بتضمين الأستكبار معنى التكذيب وقيل أي بالبيت العتيق وشهرة استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه أغنت عن سبق ذكره سامرا أي يسمرون بذكر القرآن والطعن فيه قيل كانوا يقصون بالليل في مجالسهم حول البيت تهجرون أما من الهجر بمعنى القطيعة أو الهذيان أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه أو من الهجر بالضم بمعنى الفحش وقرئ بضم التاء. (68) أفلم يدبروا القول أي القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم باعجاز لفظه ووضوح مدلوله أم جائهم ما لم يأت آبائهم الاولين من الرسول والكتاب وفي الجوامع حيث خافوا الله فآمنوا به وأطاعوه قال وآباؤهم إسمعيل وأعقابه. وعن النبي صلى الله عليه وآله لا تسبوامضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرة فإنهم كانوا على الأسلام وما شككتم فيه من شئ فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما. (69) أم لم يعرفوا رسولهم بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع

[ 405 ]

عدم التعلم إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء فهم له منكرون. (70) أم يقولون به جنة فلا يبالون بقوله وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلا وأثبتهم نظرا بل جائهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون لأنه يخالف شهواتهم وأهوائهم فلذلك أنكروه قيل إنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الأيمان استنكافا من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا لكراهة الحق. (71) ولو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن لذهب ما قام به العالم فلا يبقى. القمي قال الحق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام قال فساد السماء إذا لم تمطر وفساد الأرض إذا لم تنبت وفساد الناس في ذلك بل آتيناهم بذكرهم بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو صيتهم وفخرهم أو الذكر الذي تمنوه بقولهم لو أن عندنا ذكرا من الاولين فهم عن ذكرهم معرضون. (72) أم تسئلهم خرجا أجرا على أداء الرسالة فخراج ربك خير فأجره في الدنيا والاخرة خير لسعته ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم والخرج بإزاء الدخل والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار بالكثرة واللزوم وقرء الخرج في الموضعين وبالخراج فيهما. القمي عن الباقر عليه السلام يقول أم تسألهم أجرا فأجر ربك خير وهو خير الرازقين تقرير لخيرية خراجه. (73) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم. القمي قال إلى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. (74) وإن الذين لا يؤمنون بالاخرة عن الصراط لناكبون لعادلون عنه فإن خوف الاخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه. القمي قال عن الأمام لحادون.

[ 406 ]

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا فإنهم عن الصراط لناكبون. (75) ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر يعني القحط للجوا لتمادوا في طغيانهم إفراطهم في الكفر والأستكبار عن الحق وعداوة الرسول والمؤمنين يعمهون عن الهدى. روي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهر فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أنشدك الله والرحم ألست تزعم إنك بعثت رحمة للعالمين قتلت الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت كذا في الجوامع. (76) ولقد أخذناهم بالعذاب قيل يعني القتل يوم بدر. والقمي هو الجوع والخوف والقتل فما استكانوا لربهم وما يتضرعون بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم في الكافي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية قال الأستكانة هي الخضوع والتضرع رفع اليدين والتضرع بهما. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام الأستكانة الدعاء والتضرع رفع اليدين في الصلاة. (77) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد. في المجمع عنه عليه السلام وذلك حين دعا النبي صلى الله عليه وآله عليهم فقال اللهم إجعلها عليهم سنين كسني يوسف عليه السلام فجاعوا حتى أكلوا العلهر وهو الوبر بالدم. وعن الباقر عليه السلام هو في الرجعة إذا هم فيه مبلسون متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أغناهم يستعطفك


1 - العلهر: بالكسر القراد الضخم وطعام من الدم والوبر كان يتخذ في المجاعة. (*)

[ 407 ]

(78) وهو الذى أنشأ لكم السمع والابصار لتحسوا بهما ما نصب من الايات والافئدة لتتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع قليلا ما تشكرون تشكرونها شكرا قليلا لأن العمدة في شكرها إستعمالها فيما خلقت لأجلها والأذعان لمنعمهما من غير إشراك. (79) وهو الذى ذرأكم في الارض خلقكم وبثكم فيها بالتناسل واليه تحشرون تجمعون بعد تفرقتكم. (80) وهو الذى يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بالنظر والتأمل إن الكل منا وأن قدرتنا تعم كل شئ. (81) بل قالوا كفار مكة مثل ما قال الاولون. (82) قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظما أئنا لمبعوثون إستبعادا ولم يتأملوا إنهم كانوا قبل ذلك أيضا ترابا فخلقوا. (83) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الاولين إلا أكاذيبهم التي كتبوها جمع أسطور لأنه يستعمل فيما يتلهى به كالأعاجيب والأضاحيك وقيل جمع أسطار جمع سطر. (84) قل لمن الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون. (85) سيقولون لله لأن العقل الصريح إضطرهم بأدنى نظر بأنه خالقها قل بعد ما قالوه أفلا تذكرون فتعلمون أن من فطر الأرض ومن فيها إبتداء قدر على إيجادها ثانيا وأن بدء الخلق ليس بأهون من إعادته. (86) قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم فإنها أعظم من ذلك. (87) سيقولون لله فيه وقرء بغير لام فيه وفيما بعده على ما يقتضيه لفظ السؤال قل أفلا تتقون عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته.

[ 408 ]

(88) قل من بيده ملكوت كل شئ الملك الذي وكل به وهو يجير يغيث من يشاء ويحرسه ولا يجار عليه ولا يغاث أحد ولا يحرس وتعديته بعلى التضمين معنى النصرة إن كنتم تعلمون. (89) سيقولون لله قل فأنى تسحرون فمن أين تخدعون فتصرفون من الرشد مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة. (90) بل أتيناهم بالحق من التوحيد والوعد بالنشور وإنهم لكاذبون حيث أنكروا ذلك. (91) ما اتخذ الله من ولد لتقدسه عن مماثلة أحد وما كان معه من إله يساهمه في الألوهية إذا لذهب كل إله بما خلق وإستبد به وامتاز ملكه عن ملك آخر ولعلا بعضهم على بعض كما هو حال ملوك الدنيا فهذا التدبير المحكم وإتصاله وقوام بعضه ببعض يدل على صانع واحد سبحان الله عما يصفون من الولد والشريك. (92) عالم الغيب والشهادة وقرء بالرفع فتعالى عما يشركون. في المعاني عن الصادق عليه السلام الغيب ما لم يكن والشهادة ما قد كان. (93) قل رب إما تريني إن كان لابد من أن تريني فإن ما والنون للتأكيد ما يوعدون. (94) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين قرينا لهم. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال في حجة الوداع وهو بمني لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفني في كتيبة يضاربونكم قال الراوي فغمز من خلفه منكبه الأيسر فالتفت فقال أو علي فنزلت. أقول: ومن طريق الخاصة ما رواه سعد بن عبد الله في مختصر بصائره بإسناده عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وقد خطبنا يوم الفتح أيها الناس لأعرفنكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ولئن فعلتم

[ 409 ]

أضربكم بالسيف ثم التفت عن يمينه فقال الناس غمزه جبرئيل فقال له أو علي أو علي. وفي رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام قال فنزل عليه جبرئيل فقال يا محمد إن شاء الله أو يكون ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام فقال رسول الله أو يكون ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له جبرئيل واحدة لك وإثنتان لعلي عليه السلام وموعدكم السلام قال أبان جعلت فداك وأين السلام فقال يا أبان السلام من ظهر الكوفة. أقول: وذلك إنما يكون في الرجعة. (95) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون يعني الرجعة. (96) ادفع بالتي هي أحسن السيئة وهي الصفح عنها والأحسان في مقابلتها وهو أبلغ من ادفع بالحسنة السيئة لما فيه من التنصيص على التفصيل. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام التي هي أحسن التقية نحن أعلم بما يصفون بما يصفونك به. (97) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وساوسهم وأصل الهمزة النخس. القمي قال ما يقع في قلبك من وسوسة الشياطين. (98) وأعوذ بك رب أن يحضرون ويحوموا حولي في شئ من الأحوال. (99) حتى إذا جاء أحدهم الموت متعلق بيصفون وما بينهما اعتراض قال تحسرا على ما فرط فيه من الأيمان والطاعة لما اطلع على الأمر رب ارجعوني ردون إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب كقوله ألا فارحموني يا إله محمد فإن لم أكن أهل فأنت له أهل. (100) لعلي أعمل صالحا فيما تركت.

[ 410 ]

القمي نزلت في مانع الزكاة. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام من منع الزكاة سئل الرجعة عند الموت وهو قوله تعالى رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا ردع عن طلب الرجعة وإستبعاد لها إنها كلمة هو قائلها لتسلط الحسرة عليه ومن ورائهم أمامهم برزخ إلى يوم يبعثون. القمي قال البرزخ أمر بين أمرين وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والاخرة وهو قول الصادق عليه السلام والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ وأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قيل له إني سمعتك وأنت تقول كل شيعتنا في الجنة على ماكان منهم قال صدقتك كلهم والله في الجنة قيل إن الذنوب كثيرة كبار فقال أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي صلى الله عليه وآله ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ قيل وما البرزخ فقال القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة. وفي الخصال عن السجاد عليه السلام إنه تلا هذه الاية وقال هو القبر وأن لهم فيها معيشة ضنكا والله إن القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. (101) فإذا نفخ في الصور لقيام الساعة فلا أنساب بينهم تنفعهم بالتعاطف والتراحم أو يفتخرون بها وذلك من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وامه وأبيه وصاحبته وبنيه يومئذ كما هو اليوم. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله كل حسب ونسب منقطع إلا حسبي ونسبي ولا يتسائلون ولا يسئل بعضهم بعضا لاشتغاله بنفسه وهو لا يناقض قوله تعالى وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون لأن هذا عند النفخة وذلك عند المحاسبة. والقمي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال لا يتقدم يوم القيامة أحد إلا بالأعمال.

[ 411 ]

وفي المناقب عن السجاد عليه السلام فيها والله لا ينفعك غدا إلا مقدمة تقدمها من عمل صالح. (102) فمن ثقلت موزينه موزونات عقايده واعماله. القمي قال بالأعمال الحسنة فأولئك هم المفلحون. (103) ومن خفت موازينه قال من تلك الأعمال الحسنة. أقول: قد مضى تحقيق معنى الوزن في سورة الأعراف فأولئك الذين خسروا أنفسهم غبنوها حيث ضيعوا زمان استكمالها وأبطلوا إستعدادها لنيل كمالها في جهنم خالدون. (104) تلفح وجوههم النار تحرقها. القمي قال تلهب عليهم فتحرقهم قيل اللفح كالنفخ إلا أنه أشد تأثيرا من النفخ وهم فيها كالحون من شدة الأحتراق والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان. القمي أي مفتوحي الفم متربدي الوجوه. (105) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون أي يقال لهم ذلك تأنيبا وتذكيرا. (106) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ملكتنا بحيث صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة وقرئ شقاوتنا بالألف وفتح الشين. في التوحيد عن الصادق عليه السلام قال بأعمالهم شقوا وكنا قوما ضالين عن الحق. (107) ربنا أخرجنا منها من النار فإن عدنا إلى التكذيب فانا ظالمون لأنفسنا. (108) قال اخسئوا فيها اسكتوا سكوت هوان فانها ليست مقام سؤال من خسئات الكلب إذا زجرته فانزجر ولا تكلمون.

[ 412 ]

القمي بلغني والله أعلم أنهم تداكوا بعضهم على بعض سبعين عاما حتى انتهوا إلى قعر جهنم. (109) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. (110) فاتخذتموهم سخريا هزوا قرء بضم السين حتى أنسوكم ذكري من فرط تشاغلكم بالأستهزاء بهم فلم تخافوني في أوليائي وكنتم منهم تضحكون إستهزاء بهم. (111) إنى جزيتهم اليوم بما صبروا على أذاكم أنهم هم الفائزون مخصوصون بالفوز بمراداتهم وقرئ بكسر الهمزة. (112) قال قال الله تعالى أو الملك المأمور بسؤالهم وقرئ قل على الأمر للملك كم لبثتم في الارض احياء وأمواتا في القبور عدد سنين. (113) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم استقصارا لمدة لبثهم فيها فاسئل العادين. القمي قال سل الملائكة الذين يعدون علينا الايام ويكتبون ساعاتنا وأعمالنا التي اكتسبناها فيها. (114) قال وقرء قل إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون. (115) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا توبيخ لهم على تغافلهم أي لم نخلقكم تلهيا بكم وإنما خلقناكم لنتعبدكم ونجازيكم على أعمالكم وهو كالدليل على البعث وأنكم إلينا لا ترجعون وقرء بفتح التاء وكسر الجيم. في العلل عن الصادق عليه السلام إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى بل خلقهم لأظهار قدرته وليكلفهم على طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيمه. وعنه عليه السلام إنه قيل له خلقنا للفناء فقال مه خلقنا للبقاء وكيف وجنته

[ 413 ]

لا تبيد ونار لا تخمد ولكن إنما نتحول من دار إلى دار. (116) فتعالى الله الملك الحق الذي يحق له الملك لا إله إلا هو رب العرش الكريم. (117) ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإن الباطل لا برهان به نبه بذلك على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلا عما دل الدليل على خلافه فإنما حسابه عند ربه فإنه مجازيه مقدار ما يستحقه إنه لا يفلح الكافرون بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين. (118) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين. في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام قال من قرأ سورة المؤمنين ختم الله له بالسعادة وإذا كان يدمن قراءتها في كل جمعة كان منزله في الفردوس الأعلى مع النبيين والمرسلين اللهم ارزقنا تلاوته بحق محمد وآله صلوات الله عليه وآله.

[ 414 ]

سورة النور مدنية بلا خلاف عدد آيها أربع وستون آية عراقي شامي آيتان حجازي اختلافها آيتان بالغدو والاصال ويذهب بالابصار كلاهما عراقي بسم الله الرحمن الرحيم (1) سورة أنزلناها وفرضناها وفرضنا ما فيها من الأحكام وقرئ بالتشديد وأنزلنا فيها آيات بينات واضحات الدلالة لعلكم تذكرون فتتقون المحارم. (2) الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة القمي هي ناسخة لقوله والاتي يأتين الفاحشة من نسائكم الاية. في الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث وسورة النور انزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة النساء والاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى قوله لهن سبيلا والسبيل الذي قال الله عز وجل سورة أنزلناها إلى قوله من المؤمنين. وفيه وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام الحر والحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مائة جلدة فأما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم. وعنه عليه السلام الرجم في القرآن قوله تعالى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة فإنهما قضيا الشهوة القمي: وكانت آية الرجم نزلت في الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة فإنهما قضيا الشهوة نكالا من الله والله عليم حكيم. وفيهما وفي رواية في الشيخ والشيخة الجلد ثم الرجم وفي اخرى وفي المحصن والمحصنة أيضا كذلك وفي البكر والبكرة جلد مائة ونفي سنة في غير مصرهما وهما اللذان قد أملكا ولم يدخل بها.

[ 415 ]

وفي الكافي عنه عليه السلام إنه سئل عن المحصن فقال الذي يزني وعنده ما يغنيه. وفيهما عن الباقر عليه السلام من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن. وعن الكاظم عليه السلام إنه سئل عن الجارية أتحصن قال نعم إنما هو على وجه الأستغناء قيل المتعة قال لا إنما ذاك على الشئ الدائم. وعن الصادق عليه السلام لا يرجم الرجل ولا المرأة حتى تشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والأيلاج والأدخال كالميل في المكحلة. أقول: وتأتي العلة باعتبار الأربعة شهداء إن شاء الله وعن الاصبغ بن نباتة أن عمر اوتي بخمسة نفر اخذوا في الزنا فأمر أن يقام على كل واحد منهم الحد وكان أمير المؤمنين عليه السلام حاضرا فقال يا عمر ليس هذا حكمهم قال فأقم أنت الحد عليهم فقدم واحدا منهم فضرب عنقه وقدم الاخر فرجمه وقدم الثالث فضربه الحد وقدم الرابع فضربه نصف الحد وقدم الخامس فعزره فتحير عمر وتعجب الناس من فعله فقال له عمر يا أبا الحسن خمسة نفر في قضية واحدة أقمت عليهم خمسة حدود وليس شئ منها يشبه الاخر فقال أمير المؤمنين عليه السلام أما الأول فكان ذميا فخرج عن ذمته ولم يكن له حد إلا السيف وأما الثاني فرجل محصن كان حده الرجم وأما الثالث فغير محصن حده الجلد وأما الرابع فعبد ضربناه نصف الحد وأما الخامس فمجنون مغلوب على عقله. والقمي مثله إلا أنه قال ستة نفر قال وأطلق السادس ثم قال وأما الخامس فكان منه ذلك الفعل بالشبهة فعزرناه وأدبناه وأما السادس فمجنون مغلوب على عقله سقط منه التكليف. وفيهما عن الباقر عليه السلام قال يضرب الرجل الحد قائما والمرأة قاعدة ويضرب كل عضو ويترك الرأس والمذاكير. وعن الكاظم عليه السلام إنه سئل عن الزاني كيف يجلد قال أشد الجلد فقيل فوق الثياب فقال لا بل يجرد.

[ 416 ]

أقول: وباقي الأحكام تطلب من الوافي ولا تأخذكم بهما رأفة رحمة وقرئ بفتح الهمزة في دين الله في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أو تسامحوا فيه. وفي التهذيب عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في إقامة الحدود إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر فإن الأيمان يقتضي الجد في طاعة الله والاجتهاد في إقامة أحكامه وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين. القمي عن الباقر عليه السلام قال وليشهد عذابهما يقول ضربهما طائفة من المؤمنين يجمع لهما الناس إذا جلدوا. وفي التهذيب عن أمير المؤمنين عليه السلام قال الطائفة واحد. وفي العوالي عن الباقر عليه السلام قال الطائفة الحاضرة هي الواحدة. وفي الجوامع عنه عليه السلام إن أقلها رجل واحد. (3) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين. القمي هو رد على من يستحل التمتع بالزواني والتزويج بهن وهن المشهورات المعروفات في الدنيا لا يقدر الرجل على تحصينهن قال ونزلت هذه الاية في نساء مكة كن مستعلنات بالزنا سارة وخثيمة والرباب كن يغنين بهجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فحرم الله نكاحهن وجرت بعدهن في النساء من أمثالهن. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال هن نساء مشهورات بالزنا ورجال مشهورون بالزنا شهروا به وعرفوا به والناس اليوم بتلك المنزلة فمن اقيم عليه حد الزنا أو شهر بالزنا لم ينبغ لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه التوبة. وعنه عليه السلام إنما ذلك في الجهر ثم قال لو أن إنسانا زنى ثم تاب تزوج حيث شاء. وعن الباقر عليه السلام هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول الله صلى الله

[ 417 ]

عليه وآله مشهورين بالزنا فنهى الله عن أولئك الرجال والنساء والناس اليوم على تلك المنزلة من شهر شيئا من ذلك أو اقيم عليه الحد فلا تزوجوه حتى تعرف توبته. وعنه عليه السلام في حديث إنها نزلت بالمدينة قال فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الأيمان كخلع القميص. (4) والذين يرمون المحصنات يقذفوهن بالزنا ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة لا فرق في الطرفين بين الذكر والانثى. ففي الكافي والتهذيب عن الصادق عليه السلام في الرجل يقذف الرجل بالزنا قال يجلد هو في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله. وعن الباقر عليه السلام في امرأة قذفت رجلا قال تجلد ثمانين جلدة وأما إذا كان أحدهما غلاما أو جارية أو مجنونا لم يحد كما وردت به الأخبار عنهم عليهم السلام. وفيهما عن الصادق عليه السلام قال إذا قذف العبد الحر جلد ثمانين قال وهذا من حقوق الناس. وعنه عليه السلام لو أتيت برجل قد قذف عبدا مسلما بالزنا لا يعلم منه إلا خيرا لضربته الحد حد الحر إلا سوطا وعنه عليه السلام من افترى على مملوك عزر لحرمة الأسلام. وعنه عليه السلام في الحر يفتري على المملوك قال يسئل فإن كانت امه حرة جلد الحد. وعنه عليه السلام قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام إن الفرية ثلاثة يعني ثلاث وجوه إذا رمى الرجل الرجل بالزنا وإذا قال امه زانية وإذا دعي لغير أبيه فذلك فيه حد ثمانون.

[ 418 ]

وعنه عليه السلام في رجل قال لرجل يابن الفاعلة يعني الزنا فقال إن كانت امه حية شاهدة ثم جاءت تطلب حقها ضرب ثمانين جلدة وإن كانت غائبة انتظر بها حتى تقدم فتطلب حقها وإن كانت قد ماتت ولم يعلم منها إلا خيرا ضرب المفتري عليها الحد ثمانين جلدة. وعنه عليه السلام قال إذا قذف الرجل الرجل فقال إنك لتعمل عمل قوم لوط تنكح الرجال قال يجلد حد القاذف ثمانين جلدة. وعنه عليه السلام قال كان علي عليه السلام يقول إذا قال الرجل للرجل يا معفوج ويا منكوحا في دبره فإن عليه الحد حد القاذف. أقول: العفج بالمهملة والفاء والجيم الجماع. وعنه عليه السلام إنه سئل عن رجل افترى على قوم جماعة قال إن أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل واحد منهم حدا. وعن الباقر عليه السلام في الرجل يقذف القوم جميعا بكلمة واحدة قال إذا لم يسمهم فإنما عليه حد واحد وإن سمى فعليه لكل رجل حد. وعن الصادق عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا ينزع شئ من ثياب القاذف إلا الرداء وعنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله الزاني أشد ضربا من شارب الخمر وشارب الخمر أشد ضربا من القاذف والقاذف أشد ضربا من التعزير. وعن الكاظم عليه السلام يجلد المفتري ضربا بين الضربين يضرب جسده كله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون. في الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث ونزل بالمدينة والذين يرمون المحصنات الاية قال فبرأه الله ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالأيمان قال الله عز وجل أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون وجعله الله منافقا فقال الله إن المنافقين هم الفاسقون وجعله الله من أولياء ابليس فقال إلا ابليس كان من الجن ففسق

[ 419 ]

عن أمر ربه وجعله ملعونا فقال إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم ب يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عز وجل فأما من اوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا. (5) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم. القمي عن الصادق عليه السلام القاذف يجلد ثمانين جلدة ولا يقبل له شهادة أبدا إلا بعد التوبة أو يكذب نفسه وإن شهد ثلاثة وأبى واحد يجلد الثلاثة ولا تقبل شهادتهم حتى يقول أربعة رأينا مثل الميل في المكحلة ومن شهد على نفسه أنه زنى لم تقبل شهادته حتى يعيدها أربع مرات. وفي الكافي والتهذيب إنه عليه السلام سئل كيف تعرف توبته فقال يكذب نفسه على رؤوس الخلائق حين يضرب ويستغفر ربه فإذا فعل ذلك فقد ظهرت توبته. وعنه عليه السلام إنه سئل عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدا ثم يتوب ولا يعلم منه إلا خيرا تجوز شهادته قال نعم ما يقال عندكم قيل يقولون توبته فيما بينه وبين الله ولا تقبل شهادته أبدا فقال بئس ما قالوا كان أبي يقول إذا تاب ولم يعلم منه إلا خيرا اجازت شهادته. (6) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات وقرء بالرفع بالله لمن الصدقين أي فيما رماها به من الزنا. (7) والخامسة أن لعنة الله عليه وقرء بتخفيف ان ان كان من الكاذبين في الرمي. (8) ويدرء عنها العذاب الرجم أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به. (9) والخامسة وقرئ بالنصب أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين في

[ 420 ]

ذلك وقرئ بتخفيف أن وكسر الضاد. في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال هو القاذف الذي يقذف إمرأته فإذا قذفها ثم أقر أنه كذب عليها جلد الحد وردت إليه إمرأته وإن أبى إلا أن يمضي فليشهد عليها أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة يلعن فيها نفسه إن كان من الكاذبين وإن أرادت أن تدرء عن نفسها العذاب والعذاب هو الرجم شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فإن لم تفعل رجمت وإن فعلت درأت عن نفسها الحد ثم لا تحل له إلى يوم القيامة قيل أرأيت إن فرق بينهما ولها ولد فمات قال ترثه امه وإن ماتت امه ورثه أخواله ومن قال إنه ولد زنا جلد الحد قيل يرد إليه الولد إذا أقر به قال لا ولا كرامة ولا يرث الأبن ويرثه الأبن. وعنه عليه السلام إن رجلا من المسلمين أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله أرأيت لو أن رجلا دخل منزله فوجد مع إمرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع قال فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وانصرف الرجل وكان ذلك الرجل هو الذي ابتلي بذلك من إمرأته قال فنزل الوحي من عند الله بالحكم فيهما فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك الرجل فدعاه فقال له أنت الذي رأيت مع إمرأتك رجلا فقال نعم فقال له إنطلق فأتني بإمرأتك فإن الله قد أنزل الحكم فيك وفيها قال فأحضرها زوجها فأوقفهما رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال للزوج إشهد أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به قال فشهد ثم قال له إتق الله فإن لعنة الله شديدة ثم قال له إشهد الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين قال فشهد ثم أمر به فنحي ثم قال للمرأة إشهدي أربع شهادات بالله إن زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به قال فشهدت ثم قال لها إمسكي فوعظها وقال لها إتقي الله فإن غضب الله شديد ثم قال لها إشهدي الخامسة أن غضب الله عليك إن كان زوجك من الصادقين فيما رماك به قال فشهدت قال ففرق بينهما وقال لهما لا تجتمعا بنكاح أبدا بعد ما تلاعنتما. والقمي إنها نزلت في اللعان وكان سبب ذلك إنه لما رجع رسول الله صلى الله

[ 421 ]

عليه وآله من غزوة تبوك جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلاني وكان من الأنصار فقال يا رسول الله إن إمرأتي زنى بها شريك بن سمحا وهي منه حامل فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله فأعاد عليه القول فأعرض عنه حتى فعل ذلك أربع مرات فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله منزله فنزل عليه آية اللعان وخرج رسول الله وصلى بالناس العصر وقال لعويمر إيتني بأهلك فقد أنزل الله فيكما قرآنا فجاء إليها فقال الزوج لها رسول الله صلى الله عليه وآله يدعوك وكانت في شرف من قومها فجاء معها جماعة فلما دخلت المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعويمر تقدم إلى المنبر والتعنا فقال كيف أصنع فقال تقدم وقل أشهد بالله إني إذا لمن الصادقين فيما رميتها به فتقدم وقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أعدها فأعادها ثم قال أعدها فأعادها حتى فعل ذلك أربع مرات فقال له في الخامسة عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به فقال في الخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن اللعنة موجبة إن كنت كاذبا ثم قال له تنح فتنحى ثم قال لزوجته تشهدين كما شهد وإلا أقمت عليك حد الله فنظرت في وجوه قومها فقالت لا اسود هذه الوجوه في هذه العشية فتقدمت إلى المنبر وقالت أشهد بالله إن عويمر بن ساعدة من الكاذبين فيما رماني به فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله أعيديها فأعادتها حتى أعادتها أربع مرات فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله إلعني نفسك في الخامسة إن كان من الصادقين فيما رماك به فقالت في الخامسة إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ويلك إنها موجبة لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لزوجها إذهب فلا تحل لك أبدا قال يا رسول الله فمالي الذي أعطيتها قال إن كنت كاذبا فهو أبعد لك منه وإن كنت صادقا فهو لها بما استحللت من فرجها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن جاءت بالولد أحمش الساقين أنفس العينين جعد قطط فهو للأمر السيئ وإن جاءت به أشهل وأصهب فهو لأبيه فيقال إنها جاءت به على الأمر السيئ فهذه لا تحل لزوجها وإن جاءت بولد لا يرثه أبوه وميراثه لامه وإن لم يكن له ام فلأخواله وإن قذفه أحد جلد حد القاذف.

[ 422 ]

وفي العوالي روي إن هلال بن امية قذف زوجته بشريك بن السمحا فقال النبي صلى الله عليه وآله البينة وإلا حد في ظهرك فقال يا رسول الله يجد أحدنا مع إمرأته رجلا يلتمس البينة فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال والذي بعثك بالحق إنني لصادق وسينزل الله ما يبرأ ظهري من الجلد فنزل قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم الاية. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إذا قذف الرجل إمرأته فإنه لا يلاعنها حتى يقول رأيت بين رجليها رجلا يزني بها. وعن الباقر عليه السلام يجلس الأمام مستدبر القبلة فيقيمها بين يديه مستقبل القبلة بحذاه ويبدأ بالرجل ثم المرأة. وفي رواية ويجعل الرجل عن يمينه والمرأة عن يساره. وعن الصادق عليه السلام في رجل أوقفه الأمام للعان فشهد شهادتين ثم نكل فأكذب نفسه قبل أن يفرغ من اللعان قال يجلد جلد القاذف ولا يفرق بينه وبين إمرأته. وعن الجواد عليه السلام إنه قيل له كيف صار إذا قذف الرجل امرأته كانت شهادته أربع شهادات بالله وإذا قذفها غيره أب أو أخ أو ولد أو قريب جلد الحد ويقيم البينة على ما قال فقال قد سئل جعفر عليه السلام عن ذلك فقال إن الزوج إذا قذف إمرأته فقال رأيت ذلك بعيني كانت شهادته أربع شهادات بالله وإذا قال إنه لم يره قيل له أقم البينة على ما قلت وإلا كان بمنزلة غيره وذلك إن الله جعل للزوج مدخلا لم يجعله لغيره من والد ولا ولد يدخله بالليل والنهار وفجاز له أن يقول رأيت ولو قال غيره رأيت قيل له وما أدخلك بالمدخل الذي ترى هذا فيه وحدك أنت متهم فلابد أن يقام عليك الحد الذي أوجبه الله عليك قال وإنما صارت شهادة الزوج أربع شهادات لمكان الأربعة شهداء مكان كل شاهد يمين. وفي العلل عن الصادق عليه السلام إنه سئل لم يجعل في الزنا أربعة شهود

[ 423 ]

وفي القتل شاهدان فقال إن الله عز وجل حل لكم المتعة وعلم أنها ستنكر عليكم فجعل الأربعة الشهود إحتياطا لكم لولا ذلك لاتى عليكم وقلما يجتمع أربعة على شهادة بأمر واحد. وفي رواية اخرى قال عليه السلام الزنا فيه حدان ولا يجوز أن يشهد كل إثنين على واحد لأن الرجل والمرأة جميعا عليهما الحد والقتل إنما يقام الحد على القاتل ويدفع عن المقتول. (10) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة حذف الجواب لتعظيمه. (11) إن الذين جاؤوا بالافك بأبلغ ما يكون من الكذب عصبة منكم جماعة منكم لا تحسبوه شرا لكم إستيناف والهاء للأفك بل هو خير لكم لأكتسابكم به الثواب العظيم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم بقدر ما خاض فيه والذى تولى كبره معظمه منهم من الخائضين له عذاب عظيم. في الجوامع وكان سبب الأفك إن عايشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق وكانت قد خرجت لقضاء حاجة فرجعت طالبة له وحمل هودجها على بعيرها ظنا منهم إنها فيها فلما عادت إلى الموضع وجدتهم قد رحلوا وكان صفوان من وراء الجيش فلما وصل إلى ذلك الموضع وعرفها أناخ بعيره حتى ركبته وهو يسوقه حتى أتى الجيش وقد نزلوا في قائم الظهيرة. قال كذا رواه الزهري عن عايشة. والقمي روت العامة إنها نزلت في عايشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة. وأما الخاصة فإنهم رووا إنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عايشة. ثم روي عن الباقر عليه السلام قال لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وآله حزنا شديدا فقالت له عايشة ما

[ 424 ]

الذي يحزنك عليه فما هو إلا ابن جريح فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام وأمره بقتله فذهب علي عليه السلام إليه ومعه السيف وكان جريح القبطي في حايط فضرب علي باب البستان فأقبل إليه جريح ليفتح له الباب فلما رأى عليا عرف في وجهه الغضب فأدبر راجعا ولم يفتح باب البستان فوثب علي على الحائط ونزل إلى البستان واتبعه وولى جريح مدبرا فلما خشى أن يرهقه صعد في نخلة وصعد علي في أثره فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء فانصرف علي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له يا رسول الله إذا بعثتني في الأمر أكون فيه كالمسمار المحمي في الوبر أمضي على ذلك أم أثبت قال لا بل تثبت قال والذي بعثك بالحق ماله ما للرجال ولا له ما للنساء فقال الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت وهذه الرواية أوردها القمي بعبارة اخرى في سورة الحجرات عند قوله تعالى إن جائكم فاسق بنبإ فتبينوا اوزاد فاتي به رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له ما شأنك يا جريح فقال يا رسول لله إن القبط يحبون حشمهم ومن يدخل إلى أهاليهم والقبطيون لا يأنسون إلا بالقبطيين فبعثني أبوها لأدخل إليها وأخدمها واونسها. أقول إن صح هذا الخبر فلعله صلى الله عليه وآله إنما بعث عليا إلى جريح ليظهر الحق ويصرف السوء وكان قد علم أنه لا يقتله ولم يكن يأمر بقتله بمجرد قول عايشة. يدل على هذا ما رواه القمي في سورة الحجرات عن الصادق عليه السلام إنه سئل كان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقتل القبطي وقد علم أنها قد كذبت عليه أو لم يعلم وأنما دفع الله عن القبطي القتل بتثبت علي عليه السلام فقال بلى قد كان والله علم ولو كانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وآله القتل ما رجع علي عليه السلام حتى يقتله ولكن إنما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله لترجع عن ذنبها فما رجعت ولا اشتد عليها قتل رجل مسلم بكذبها. (12) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين كما يقول المستيقن المطلع على الحال وإنما عدل فيه من الخطاب إلى

[ 425 ]

الغيبة مبالغة في التوبيخ وإشعارا بأن الأيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين والكف عن الطعن فيهم وذب الطاعنين عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم. (13) لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون قيل إستيناف أو هو من جملة المقول تقريرا لكونه كذبا فإن ما لا حجة عليه مكذب عند الله أي في حكمه ولذلك رتب عليه الحد. (14) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والاخرة ولولا هذه لأمتناع الشئ لوجود غيره والمعنى ولولا فضل الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الأمهال للتوبة ورحمته في الاخرة بالعفو والمغفرة المقدرين لكم لمسكم عاجلا في ما أفضتم فيه خضتم فيه عذاب عظيم يستحقر دونه اللوم والجلد. (15) إذ تلقونه بألسنتكم يأخذه بعضكم عن بعض بالسؤال عنه وتقولون بأفواهكم بلا مساعدة من القلوب ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا سهلا لا تبعة له وهو عند الله عظيم في الوزر واستحرار العذاب فهذه ثلاثة آثام مترتبة علق بها مس العذاب العظيم. (16) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ما ينبغي وما يصح لنا أن نتكلم بهذا سبحانك تعجب ممن يقول ذلك فإن الله ينزه عند كل متعجب من أن يصعب عليه أو تنزيه لله من أن يكون حرمة نبيه صلى الله عليه وآله فاجرة فإن فجورها تنفير عنه بخلاف كفرها هذا بهتان عظيم لعظمته المبهوت عليه. (17) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين فإن الأيمان يمنع عنه وفيه تهييج وتقريع. (18) ويبين الله لكم الايات الدالة على الشرايع ومحاسن الاداب كي تتعظوا وتتأدبوا والله عليم بالأحوال كلها حكيم في تدابيره. (19) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

[ 426 ]

في الكافي والأمالي والقمي عن الصادق عليه السلام قال من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عز وجل إن الذين يحبون الاية. وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام إنه قيل له الرجل من إخواني بلغني عنه الشئ الذي أكرهه فأسئله عنه فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات فقال كذب سمعك وبصرك عن أخيك وإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم ولا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروته فتكون من الذين قال الله تعالى إن الذين يحبون الاية وعن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من أذاع فاحشة كان كمبتديها. (20) ولو لا فضل الله عليكم ورحمته تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة وحذف الجواب للأستغناء عنه بذكره مرة وأن الله لرؤف رحيم حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. (21) يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان بإشاعة الفاحشة. وفي المجمع عن علي عليه السلام خطأت بالهمزة ومن يتبع خطوات الشيطن فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر الفحشاء ما أفرط في قبحه والمنكر ما أنكره الشرع والعقل ولو لا فضل الله عليكم ورحمته بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها ما زكى ما طهر من دنسها منكم من أحد أبدا اخر الدهر ولكن الله يزكي من يشاء بحمله على التوبة وقبولها والله سميع لمقالتهم عليم بنياتهم. (22) ولا يأتل ولا يحلف من الالية على وزن فعيلة بمعنى اليمين أو ولا يقصر من الألو أولوا الفضل الغنى منكم والسعة في المال أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله في الجوامع قيل نزلت في جماعة من الصحابة حلفوا ألا يتصدقوا على من تكلم بشئ من الأفك ولا يواسوهم وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم. القمي عن الباقر عليه السلام أولو القربى هم قرابة رسول الله صلى الله عليه

[ 427 ]

وآله يقول يعفو بعضكم عن بعض ويصفح بعضكم بعضا فإذا فعلتم كانت رحمة من الله لكم يقول الله ألا تحبون الاية. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء كما روي بالياء أيضا وفي المناقب ما سبق عند تفسير ولدينا كتاب ينطق بالحق من سورة المؤمنين. (23) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات مما قذفن به المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والاخرة كما طعنوا فيهن ولهم عذاب عظيم لعظم ذنوبهم. (24) يوم تشهد عليهم قرء بالياء ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون بانطاق الله إياها بغير إختيارهم. (25) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق جزاءهم المستحق ويعلمون لمعاينتهم الأمر أن الله هو الحق المبين العادل الظاهر الذي لا ظلم في حكمه. في الكافي عن الباقر عليه السلام ليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب وقد مضى تمام الحديث في هذه السورة. (26) الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات في المجمع عنهما عليهما السلام الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء قالا هي مثل قوله الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة إلا أن اناسا هموا أن يتزوجوا منهن فنهاهم الله عن ذلك وكره ذلك لهم وقيل الخبيثات والطيبات من الأقوال والكلم والقمي يقول الخبيثات من الكلام والعمل للخبيثين من الرجال والنساء يسلمونهم ويصدق عليهم من قال والطيبون من الرجال والنساء للطيبات من الكلام والعمل وقد مر ما يقرب من هذا في سورة الأنفال في تفسير هذه الاية. وفي الأحتجاج عن الحسن المجتبى عليه السلام وقد قام من مجلس معاوية

[ 428 ]

وأصحابه وقد ألقمهم الحجر الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات هم والله يا معاوية أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك والطيبات للطيبين إلى آخر الاية هم علي بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه وشيعته أولئك يعني الطيبين والطيبات على الأول والطيبين على الأخير مبرؤن مما يقولون فيهم أو من أن يقولوا مثل قولهم لهم مغفرة ورزق كريم. (27) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم التي تسكنونها حتى تستأنسوا تستأذنوا من الأستيناس بمعنى الأستعلام من آنس الشئ إذا أبصره فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف هل يراد دخوله أو من الأستيناس الذي هو خلاف الاستيحاش فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له وتسلموا على أهلها بأن تقولوا السلام عليكم أأدخل. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إن رجلا إستأذن عليه فتنحنح فقال صلى الله عليه وآله لأمرأة يقال لها روضة قومي إلى هذا فعلميه وقولي له قل السلام عليكم ء أدخل فسمعها الرجل فقالها فقال ادخل. وعنه عليه السلام إنه سئل ما الأستيناس فقال يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح على أهل البيت. وفي المعاني والقمي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال الأستيناس وقع النعل والتسليم. وفي الكافي عنه عليه السلام يستأذن الرجل إذا دخل على أبيه ولا يستأذن الأب على الأبن ويستأذن الرجل على إبنته واخته إذا كانتا متزوجتين. وفي المجمع إن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله أستأذن على امي قال نعم قال إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن عليها كلما دخلت قال أتحب أن تراها عريانة قال الرجل لا قال فاستأذن عليها. وفي الفقيه عنه عليه السلام إنما الأذن على البيوت ليس على الدار إذن ذلكم

[ 429 ]

خير لكم أي الأستيذان والتسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة لعلكم تذكرون قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعملوا بما هو أصلح لكم. (28) فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ولا تلحوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم. (29) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم إستمتاع لكم كالأستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال والجلوس للمعاملة. القمي عن الصادق عليه السلام هي الحمامات والخانات والأرحية تدخلها بغير إذن والله يعلم ما تبدون وما تكتمون وعيد لمن دخل مدخلا لفساد أو تطلع على عورة. (30) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم أي ما يكون نحو محرم ويحفظوا فروجهم أي من النظر المحرم ذلك أزكى لهم أطهر لما فيه من البعد عن الريبة إن الله خبير بما يصنعون. (31) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن. القمي عن الصادق عليه السلام كل آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنا إلا هذه الاية فإنها من النظر فلا يحل لرجل مؤمن أن ينظر إلى فرج أخيه ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج اختها. وفي الكافي عنه عليه السلام في حديث يذكر فيه فرض الأيمان على الجوارح وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عليه وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له وهو من الأيمان فقال تبارك وتعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم فنهاهم عن أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه أن ينظر إليه وقال وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها وقال كل شئ في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الاية فإنها من النظر.

[ 430 ]

وعن الباقر عليه السلام قال إستقبل شاب من الأنصار إمرأة بالمدينة وكانت النساء يتقنعن خلف آذانهن فنظر إليها وهي مقبلة فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سماه ببني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال والله لاتين رسول الله صلى الله عليه وآله ولأخبرنه قال فأتاه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قال له ما هذا فأخبره فهبط جبرئيل بهذه الاية ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. في الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى إلا ما ظهر منها قال الزينة الظاهرة الكحل والخاتم وفي رواية الخاتم والمسكة وهي القلب. أقول: القلب بالضم السوار. في الجوامع عنهم عليهم السلام الكفان والأصابع. والقمي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال هي الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكف والسوار والزينة ثلاث زينة للناس وزينة للمحرم وزينة للزوج فأما زينة الناس فقد ذكرناها وأما زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها والدملج وما دونه والخلخال وما أسفل منه وأما زينة الزوج فالجسد كله. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال للزوج ما تحت الدرع وللابن والاخ ما فوق الدرع ولغير ذي محرم أربعة أثواب درع وخمار وجلباب وإزار. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما قال الوجه والكفان والقدمان وعنه عليه السلام لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج لأنهم إذا نهوا لا ينتهون قال والمجنونة والمغلوب على عقلها ولا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها ما لم يتعمد ذلك. وعنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهن وأيديهن وعنه عليه السلام إنه سئل عن الرجل يريد أن

[ 431 ]

يتزوج المرأة يتأملها وينظر إلى خلفها وإلى وجهها قال لا بأس وفي رواية لا بأس أن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها. أقول: المعصم كمنبر بكسر الميم موضع السوار وفي رواية اخرى ينظر إلى شعرها ومحاسنها إذا لم يكن متلذذا وفي اخرى إنما يشتريها بأغلى الثمن. وفي الخصال قال النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام يا علي أول نظرة لك والثانية عليك لا لك وفي رواية لكم أول نظرة من المرأة فلا تسحبوها بنظرة اخرى واحذروا الفتنة وليضربن بخمرهن على جيوبهن سترا لأعناقهن ولا يبدين زينتهن كرره لبيان من يحل له الابداء ومن لا يحل إلا لبعولتهن فأنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع جسدهن كما مر أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن قد سبق مالهم أن ينظروا إليه منها. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال الله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن قال نعم وما دون الخمار من الزينة وما دون السوارين أو نسائهن يعني النساء المؤمنات. وفي الكافي والفقيه عن الصادق عليه السلام قال لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين اليهودية والنصرانية فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن أو ما ملكت أيمانهن يعني العبيد والأماء كذا. في المجمع عن الصادق عليه السلام وفي الكافي عنه عليه السلام في هذه الاية قال لا بأس أن يرى المملوك الشعر والساق وفي رواية شعر مولاته وساقها وفي اخرى لا بأس أن ينظر إلى شعرها إذا كان مأمونا. وعنه عليه السلام لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شئ من جسدها إلا إلى شعرها غير متعمد لذلك أو التابعين غير أولي الاربة أي أولي الحاجة إلى النساء والأربة العقل وجودة الرأي وقرئ غير بالنصب من الرجال.

[ 432 ]

القمي هو الشيخ الفاني الذي لا حاجة له إلى النساء. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال هو الأحمق الذي لا يأتي النساء وعن الصادق عليه السلام الأحمق المولى عليه الذي لا يأتي النساء. وفي المجمع عنه عليه السلام إن التابع الذي يتبعك لينال من طعامك ولا حاجة له في النساء وهو الأبله المولى عليه. وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام إنه سئل عن الرجل يكون له الخصي يدخل على نسائه فيناولهن الوضوء فيرى شعورهن قال لا أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء لعدم تميزهم من الظهور بمعنى الأطلاع أو لعدم بلوغهم حد الشهوة من الظهور بمعنى الغلبة ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ليتقعقع خلخالها فيعلم إنها ذات خلخال فإن ذلك يورث ميلا في الرجال وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون إذ لا يكاد يخلو أحد منكم من تفريط سيما في الكف عن الشهوات وقرء أيه بضم الهاء لعلكم تفلحون بسعادة الدارين. (32) وانكحوا الايامى منكم هي مقلوب أيايم جمع أيم وهو العزب ذكرا كان أو انثى بكرا كان أو ثيبا والصالحين من عبادكم وإمائكم قيل خص الصالحين لأن إحصان دينهم أهم وقيل بل المراد الصالحون للنكاح إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله رد لما عسى أن يمنع من النكاح والله واسع ذو سعة لا تنفذ نعمه عليم يبسط الرزق ويقدر على ما تقتضيه حكمته. في الكافي عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء ظنه بالله عز وجل إن الله عز وجل يقول إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. وعنه عليه السلام جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكا إليه الحاجة فقال تزوج فوسع عليه. (33) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا أسبابه حتى يغنيهم الله من فضله المشهور

[ 433 ]

في تفسيرها ليجتهدوا في قمع الشهوة وطلب العفة بالرياضة لتسكين شهوتهم. كما قال النبي صلى الله عليه وآله يا معشر الشبان من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. أقول: الباءة الجماع والوجاء إن ترض أنثيا الفحل رضا شديدا يذهب بشهوة الجماع أراد أن الصوم يقطع النكاح كما يقطعه الوجاء قيل الاية الاولى وردت للنهي عن رد المؤمن وترك تزويج المؤمنة والثانية لأمر الفقير بالصبر على ترك النكاح حذرا من تعبه حالة الزواج فلا تناقض. أقول: بل الأولى حمل الاول على عموم النهي عن تركه مخافة الفقر اللاحق كما دل عليه حديث مخافة العيلة وحمل الثانية على الأمر بالأستعفاف للفقر الحاضر المانع خاصة. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في الاية الثانية قال يتزوجون حتى يغنيهم الله من فضله ولعل معناه إنهم يطلبون العفة بالتزويج والأحصان ليصيروا أغنياء وعلى هذا فالايتان متوافقتان في المعنى إلا أن هذا التفسير لا يلايم عدم الوجدان إلا بتكلف ويمكن أن يكون لفظة لا سقطت من صدر الحديث والعلم عند الله والذين يبتغون الكتاب المكاتبة وهي أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على كذا أي كتبت على نفسي عتقك إذا أديت كذا من المال مما ملكت أيمانكم عبدا كان أو أمة فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا. في الكافي والتهذيب عن الصادق عليه السلام إن علمتم لهم مالا وفي رواية دينا ومالا. وفي الفقيه عنه عليه السلام والخير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ويكون بيده عمل يكتسب به أو يكون له حرفة وفي الكافي عنه عليه السلام سئل عن العبد يكاتبه مولاه وهو يعلم أنه ليس له قليل ولا كثير قال يكاتبه وإن كان يسأل الناس ولا يمنعه المكاتبة من أجل أن ليس له مال فإن الله يرزق العباد بعضهم من بعض والمؤمن معان وآتوهم من مال الله الذى آتيكم أعطوهم مما

[ 434 ]

كاتبتموهم به شيئا. في الكافي عن الصادق عليه السلام تضع من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه ولا تزيد فوق ما في نفسك فقيل كم فقال وضع أبو جعفر عن مملوك ألفا من ستة آلاف. وعنه عليه السلام لا تقول اكاتبه بخمسة آلاف وأترك له ألفا ولكن انظر إلى الذي أضمرت عليه فأعطه ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء على الزنا إن أردن تحصنا تعففا شرط للأكراه فإنه لا يوجد بدونه وإن جعل شرطا للنهي لم يلزمه من عدمه جواز الأكراه لجواز أن يكون إرتفاع النهي بامتناع المنهي عنه لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا. القمي كانت العرب وقريش يشترون الأماء ويضعون عليهم الضريبة الثقيلة ويقولون إذهبوا وازنوا واكتسبوا فنهاهم الله عن ذلك ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم وقرء من بعد إكراههن لهن غفور رحيم. ونسبه في المجمع إلى الصادق عليه السلام القمي أي لا يؤاخذهن الله بذلك إذا اكرهن عليه. وعن الباقر عليه السلام هذه الاية منسوخة نسختها فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب. (34) ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا وقصة عجيبة من الذين من أمثال الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين خصهم بها لأنهم المنتفعون. (35) الله نور السموات والارض الظاهر بنفسه المظهر لهما بما فيهما. وفي التوحيد عن الرضا عليه السلام هاد لأهل السماء وهاد لأهل الأرض قال وفي رواية البرقي هدى من في السموات وهدى من في الأرض مثل نوره صفة نوره العجيبة الشأن كمشكوة كصفة مشكاة وهي الكوة غير النافذة فيها مصباح سراج ضخم ثاقب المصباح في زجاجة في قنديل من الزجاج الزجاجة كأنها كوكب درى مضئ متلألأ منسوب إلى الدر وقرء بالهمزة وبضم الدال وكسرها من الدرء كأنه يدفع الظلام

[ 435 ]

بضوئه يوقد المصباح وقرئ بالتاء على إسناده إلى الزجاجة بحذف المضاف أي مصباحها وبفتح التاء والدال وتشديد القاف من شجرة مباركة زيتونة إبتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت زبالته بزيتها لا شرقية ولا غربية تقع الشمس عليها حينا دون حين بل بحيث تقع عليها طول النهار فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفي يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار أي يكاد يضئ بنفسه من غير نار لتلألئه وفرط وميضه نور على نور نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لأشعته يهدي الله لنوره من يشآء أي لهذا النور الثاقب ويضرب الله الامثال للناس تقريب للمعقول إلى المحسوس توضيحا وبيانا والله بكل شئ عليم معقولا كان أو محسوسا. في التوحيد عن الصادق عليه السلام هو مثل ضربه الله تعالى لنا وعنه عليه السلام الله نور السموات والارض قال كذلك الله عز وجل مثل نوره قال محمد صلى الله عليه وآله كمشكاة قال صدر محمد صلى الله عليه وآله فيها مصباح قال فيه نور العلم يعني النبوة المصباح في زجاجة قال علم رسول الله صلى الله عليه وآله صدر إلى قلب علي عليه السلام الزجاجة كأنها قال كأنه كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية قال ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لا يهودي ولا نصراني يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار قال يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمد صلوات الله عليهم من قبل أن ينطق به نور على نور قال الأمام في أثر الأمام وفي معناه أخبار اخر. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث يقول أنا هادي السماوات والأرض مثل العلم الذي أعطيته وهو نوري الذي يهتدي به مثل المشكاة فيها المصباح فالمشكاة قلب محمد صلى الله عليه وآله والمصباح نوره الذي فيه العلم وقوله المصباح في زجاجة يقول إني اريد أن أقبضك فأجعل الذي عندك عند الوصي كما يجعل المصباح في الزجاجة كأنها كوكب دري فأعلمهم فضل الوصي يوقد من شجرة مباركة فأصل الشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام وهو قول الله عز وجل رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد وهو قول الله إن الله اصطفي آدم ونوحا وآل

[ 436 ]

إبرهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم لا شرقية ولا غربية يقول لستم بيهود فتصلوا قبل المغرب ولا نصارى فتصلوا قبل المشرق وأنتم على ملة إبراهيم عليه السلام وقد قال الله عز وجل ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين وقوله يكاد زيتها يضئ يقول مثل أولادكم الذين يولدون منكم مثل الزيت الذي يعصر من الزيتون يكادون أن يتكلموا بالنبوة ولو لم ينزل عليهم ملك. والقمي عن الصادق عن أبيه عليهما السلام في هذه الاية الله نور السموات والارض قال بدأ بنور نفسه مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح المشكاة جوف المؤمن والقنديل قلبه والمصباح النور الذي جعله الله فيه توقد من شجرة مباركة قال الشجرة المؤمن زيتونة لا شرقية ولا غربية قال على سواء الجبل لا غربية أي لا شرق لها ولا شرقية أي لا غرب لها إذا طلعت الشمس طلعت عليها وإذا غربت غربت عليها يكاد زيتها يعني يكاد النور الذي جعله الله في قلبه يضئ وإن لم يتكلم نور على نور فريضة على فريضة وسنة على سنة يهدي الله لنوره من يشاء قال يهدي الله لفرائضه وسننه من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس قال فهذا مثل ضربه الله للمؤمن قال فالمؤمن يتقلب في خمسة من النور مدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور وكلامه نور ومصيره يوم القيامة إلى الجنة نور قال الراوي قلت لجعفر عليه السلام إنهم يقولون مثل نور الرب قال سبحان الله ليس لله مثل أما قال فلا تضربوا لله الامثال. (36) في بيوت أي كمشكاة في بعض بيوت أو توقد في بيوت أذن الله أن ترفع بالتعظيم ويذكر فيها اسمه. في الكافي عن الصادق عليه السلام هي بيوت النبي صلى الله عليه وآله. وفيه وفي الأكمال عن الباقر عليه السلام هي بيوتات الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى. والقمي عنه عليه السلام هي بيوت الأنبياء وبيت علي عليه السلام منها.

[ 437 ]

وفي الكافي عنه عليه السلام إن قتادة قال له والله لقد جلست بين يدي فقهاء وقدامهم فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك فقال له أتدري أين أنت بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع إلى آخر الاية فأنت ثمة ونحن أولئك فقال له قتادة صدقت والله جعلني الله فداك والله ما هي بيوت حجارة ولا طين يسبح له فيها بالغدو والاصال وقرء بفتح الباء. (37) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتآء الزكوة. في الفقيه عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال كانوا أصحاب تجارة فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجرا ممن لا يتجر. وفي المجمع عنهما عليهما السلام مثله. وفي الكافي رفعه قال هم التجار الذين لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله إذا دخل مواقيت الصلاة أدوا إلى الله حقه فيها. وعن الصادق عليه السلام إنه سئل عن تاجر ما فعل فقيل صالح ولكنه قد ترك التجارة فقال عمل الشيطان ثلاثا أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله إشترى عيرا أتت من الشام فاستفضل فيها ما قضى دينه وقسم في قرابته يقول الله عز وجل رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله الاية يقول القصاص إن القوم لم يكونوا يتجرون كذبوا ولكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها وهو أفضل ممن حضر الصلاة ولم يتجر يخافون يوما مع ما هم عليه من الشكر والطاعة تتقلب فيه القلوب والابصار وتتغير من الهول. (38) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله أشياء لم يعدهم على أعمالهم ولا يخطر ببالهم والله يرزق من يشاء بغير حساب تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الأحسان. (39) والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة بأرض مستوية يحسبه الظمآن ماء

[ 438 ]

حتى إذا جائه لم يجده شيئا مما ظنه ووجد الله عنده محاسبا إياه فوفيه حسابه والله سريع الحساب لا يشغله حساب عن حساب وقد سبق معناه. روي أنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن امية تعبد في الجاهلية والتمس الدين فلما جاء الأسلام كفر. (40) أو كظلمات عطف على كسراب واو للتحييز فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات في بحر لجي عميق منسوب إلى اللجج وهو معظم الماء يغشيه يغشى البحر موج من فوقه موج أي أمواج مترادفة متراكمة من فوقه من فوق الموج الثاني سحاب غطى النجوم وحجب أنوارها ظلمات هذه ظلمات وقرء بالجر على ابدالها من الاولى أو بإضافة سحاب إليها بعضها فوق بعض إذا أخرج يده يعني من كان هناك لم يكد يراها لم يقرب أن يراها فضلا أن يريها ومن لم يجعل الله له نورا ومن لم يقدر له الهداية ولم يوفقه لأسبابها فما له من نور خلاف الموفق الذي له نور على نور. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أو كظلمات قال الأول وصاحبه يغشيه موج الثالث من فوقه موج ظلمات الثاني بعضها فوق بعض معاوية لعنه الله وفتن بني امية إذا أخرج يده المؤمن في ظلمة فتنتهم لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا إماما من ولد فاطمة عليها السلام فما له من نور إمام يوم القيامة. والقمي عنه عليه السلام أو كظلمات فلان وفلان في بحر لجي يغشه موج يعني نعثل من فوقه موج طلحة والزبير بعضها فوق بعض معاوية ويزيد لعنهم الله وفتن بني امية إذا أخرج يده في ظلمة فتنتهم لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا يعني إماما من ولد فاطمة عليها السلام فما له من نور فماله من إمام يمشي بنوره كما في قوله تعالى يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم قال إنما المؤمنون يوم القيامة نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم حتى ينزلوا منازلهم من الجنان.

[ 439 ]

(41) ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والارض والطير أيضا صافات واقفات في الجو مصطفات الأجنحة في الهواء كل قد علم صلوته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون قال بعض أهل المعرفة خلق الله الخلق ليسبحوه فنطقهم بالتسبيح له والثناء عليه والسجود له فقال ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والارض والطير الاية وقال أيضا ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم الاية وخاطب بهاتين الايتين نبيه الذي أشهده ذلك وأراه فقال ألم تر ولم يقل الم تروا فإنا ما رأيناه فهو لنا إيمان ولمحمد صلى الله عليه وآله عيان فأشهده سجود كل شئ وتواضعه لله وكل من أشهده الله ذلك ورآه دخل تحت هذا الخطاب وهذا تسبيح فطري وسجود ذاتي ينشأ عن تجل تجلى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل إقتضاء ذاتي وهذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الأستحقاق الذي يستحقه قال وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر ممن لا كشف له قال ونحن زدنا مع الأيمان بالأخبار الكشف فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه كل إنسان. أقول: قد سبق في سورتي النحل وبني إسرائيل زيادة بيان لهذا. والقمي عن الصادق عليه السلام ما من طير يصاد في بر ولا بحر ولا يصاد شئ من الوحش إلا بتضييعه التسبيح. وعن أمير المؤمنين عليه السلام إن لله ملكا في صورة الديك الأملح الأشهب براثنه في الأرضين السابعة وعرفه تحت العرش له جناحان جناح بالمشرق وجناح بالمغرب فأما الجناح الذي في المشرق فمن ثلج وأما الجناح الذي في المغرب فمن نار فكلما حضر وقت الصلاة قام على براثنه ورفع عرفه تحت العرش ثم أمال أحد جناحيه إلى الاخر يصفق بهما كما يصفق الديك في منازلكم فلا الذي في الثلج يطفي النار ولا الذي من النار يذيب الثلج ثم ينادي بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وأن وصيه خير الوصيين سبوح

[ 440 ]

قدوس رب الملائكة والروح فلا يبقى في الأرض ديك إلا أجابه وذلك قوله عز وجل والطير صافات كل قد علم صلوته وتسبيحه. وفي التوحيد عنه عليه السلام مثله. (42) ولله ملك السموات والارض وإلى الله المصير مرجع الجميع. (43) ألم تر أن الله يزجي يسوق سحابا ثم يؤلف بينه بأن يكون قطعا فيضم بعضه إلى بعض ثم يجعله ركاما متراكبا بعضه الى بعض فترى الودق المطر يخرج من خلاله من فتوقه جمع خلل وينزل من السماء من الغمام فإن كل ما علاك فهو سماء من جبال من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها وجمودها فيها من برد بيان للجبال فيصيب به بالبرد من يشاء ويصرفه عن من يشاء. في الكافي عن الصادق عن أبيه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله عز وجل جعل السحاب غرابيل للمطر هي تذيب البرد ماء لكيلا يضر شيئا يصيبه والذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من الله عز وجل يصيب بها من يشاء من عباده وفيه عنه عليه السلام قال البرد لا يؤكل لأن الله تعالى يقول يصيب به من يشاء وفي الأهليلجية عنه عليه السلام في حديث يذكر فيه الرياح قال وبها يتألف المفترق وبهما يفترق الغمام المطبق حتى ينبسط في السماء كيف يشاء مدبره فيجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله بقدر معلوم لمعاش مفهوم وأرزاق مقسومة وآجال مكتوبة. وفي الفقيه عن الباقر عليه السلام في حديث يذكر فيه أنواع الرياح قال ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والأرض ورياح تعصر السحاب فتمطر بإذن الله ورياح تفرق السحاب يكاد سنا برقه ضوء برقه يذهب بالابصار بأبصار الناظرين إليه من فرط الأضاءة. (44) يقلب الله الليل والنهار بالمعاقبة بينهما ونقص أحدهما وزيادة الاخر وتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور إن في ذلك فيما تقدم ذكره لعبرة لاولي الابصار.

[ 441 ]

(45) والله خلق كل دابة كل حيوان يدب على الأرض وقرئ خالق بالأضافة من ماء. القمي من مني وقيل من الماء الذي جزء مادته إذ من الحيوانات ما يتولد لا عن النطفة فمنهم من يمشى على بطنه كالحية ومنهم من يمشى على رجلين كالأنس والطير ومنهم من يمشى على أربع كالنعم والوحش. وفي المجمع عن الباقر عليه السلام. والقمي عن الصادق عليه السلام ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك يخلق الله ما يشآء مما ذكر ومما لم يذكر بمقتضى مشيته إن الله على كل شئ قدير. (46) لقد أنزلنا آيات مبينات للحقايق بأنواع الدلائل والله يهدي من يشاء بالتوفيق للنظر فيها والتدبر لمعانيها إلى صراط مستقيم الموصل إلى درك الحق والفوز بالجنة. (47) ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا لهما ثم يتولى فريق منهم بالأمتناع عن قبول حكمه من بعد ذلك بعد قولهم هذا وما أولئك بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الأيمان الثابتون عليه. (48) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أي ليحكم النبي صلى الله عليه وآله فإنه الحاكم ظاهرا والمدعو إليه وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله إذا فريق منهم معرضون فاجاء فريق منهم الأعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنه لا يحكم لهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه. (49) وإن يكن لهم الحق لا عليهم يأتوا إليه مذعنين منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم. (50) أفي قلوبهم مرض كفر وميل إلى الظلم أم ارتابوا بأن رأوا منك تهمة فزالت ثقتهم بك أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله في الحكومة بل أولئك هم الظالمون إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول والفصل لنفي ذلك

[ 442 ]

عن غيرهم سيما المدعو إلى حكمه. القمي عن الصادق عليه السلام نزلت هذه الاية في أمير المؤمنين عليه السلام وعثمان وذلك أنه كان بينهما منازعة في حديقة فقال أمير المؤمنين عليه السلام نرضى برسول الله صلى الله عليه وآله فقال عبد الرحمن بن عوف لعثمان لا تحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه يحكم له عليك ولكن حاكمه إلى ابن شيبة اليهودي فقال عثمان لأمير المؤمنين عليه السلام لا نرضى إلا بإبن شيبة اليهودي فقال ابن شيبة لعثمان تأتمنون رسول الله صلى الله عليه وآله على وحي السماء وتتهمونه في الأحكام فأنزل الله عز وجل على رسوله وإذا دعوا إلى الله ورسوله الايات وفي المجمع حكى البلخي إنه كانت بين علي وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي فخرجت فيها أحجار فأراد رده بالعيب فلم يأخذها فقال بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الحكم بن أبي العاص إن حاكمته إلى ابن عمه حكم له فلا تحاكمه إليه فيه فنزلت الايات قال وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام أو قريب منه. (51) إنما كان قول المؤمنين. في المجمع عن علي عليه السلام إنه قرأ قول المؤمنين بالرفع إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون. في المجمع عن الباقر عليه السلام والقمي أن المعني بالاية أمير المؤمنين عليه السلام. (52) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه وقرئ بغير الأشباع وبسكون الهاء وبسكون القاف فأولئك هم الفائزون بالنعيم المقيم. (53) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم بالخروج عن ديارهم وأموالهم ليخرجن قل لا تقسموا على الكذب طاعة معروفة المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة إن الله خبير بما تعملون فلا يخفي عليه سرائركم.

[ 443 ]

(54) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به على الحكاية مبالغة في تبكيتهم فإن تولوا فإنما عليه على محمد صلى الله عليه وآله ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من الأمتثال وإن تطيعوه تهتدوا إلى الحق وما على الرسول إلا البلاغ المبين التبليغ الواضح لما كلفتم وقد أدى وإنما بقى ما حملتم فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم. في الكافي عن الصادق عليه السلام في خطبة في وصف النبي صلى الله عليه وآله قال وأدى ما حمل من أثقال النبوة. وعن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا معشر قراء القرآن إتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه فإني مسؤول وإنكم مسؤولون إنى مسؤول عن تبليغ الرسالة وأما أنتم فتسئلون عما حملتم من كتاب الله وسنتي. (55) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض ليجعلنهم خلفاء بعد نبيكم كما استخلف الذين من قبلهم يعني وصاة الأنبياء عليهم السلام بعدهم وقرء بضم التاء وكسر اللام وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وهو الأسلام وليبدلنهم من بعد خوفهم من الأعداء وقرئ بالتخفيف أمنا منهم يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر ارتد أو كفر هذه النعمة بعد ذلك بعد حصوله فأولئك هم الفاسقون الكاملون في فسقهم حيث ارتدوا بعد وضوح الأمر وكفروا تلك النعمة العظيمة. في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال هم الأئمة عليهم السلام. وعن الباقر عليه السلام ولقد قال الله في كتابه لولاة الأمر من بعد محمد صلى الله عليه وآله خاصة وعد الله الذين آمنوا منكم إلى قوله وأولئك هم الفاسقون يقول استخلفكم لعلمي وديني وعبادتي بعد نبيكم كما استخلف وصاة آدم عليه السلام من بعده حتى يبعث النبي الذي يليه يعبدونني لا يشركون بي شيئا يقول يعبدونني بإيمان لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله فمن قال غير ذلك فأولئك هم الفاسقون فقد مكن ولاة الأمر بعد محمد صلى الله عليه وآله بالعلم ونحن هم فاسألونا فإن صدقناكم

[ 444 ]

فأقروا وما أنتم بفاعلين. والقمي نزلت في القائم من آل محمد عليهم السلام. أقول: تبديل خوفهم بالأمن يكون بالقائم عليه السلام أو مجموع ذلك معا يكون به فلا ينافي الخبر السابق. وفي المجمع المروي عن أهل البيت عليهم السلام إنها في المهدي من آل محمد عليهم السلام. قال وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين عليهما السلام إنه قرأ الاية وقال هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل ذلك بهم على يدي رجل منا وهو مهدي هذه الامة وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لو لم يبق من الدنيا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي إسمه إسمي يملا الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا. قال وروي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قال فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات النبي وأهل بيته. أقول: فقوله عليه السلام هم والله شيعتنا يفعل ذلك بهم يعني تبديل الخوف بالأمن إنما يكون لهم. وفي الأكمال عن الصادق عليه السلام في قصة نوح وذكر إنتظار المؤمنين من قومه الفرج حتى أراهم الله الأستخلاف والتمكين قال وكذلك القائم عليه السلام فإنه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو الأيمان عن الكدر بإرتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالأستخلاف والتمكين والأمر المنتشر في عهد القائم عليه السلام قال الراوي فقلت يابن رسول الله فإن هذه النواصب تزعم أن هذه الاية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فقال لا لا يهد الله قلوب الناصبة متى كان الدين الذي إرتضاه الله ورسوله متمكنا بإنتشار الأمر في الامة وذهاب الخوف من قلوبها وإرتفاع الشك من صدورها في عهد واحد من

[ 445 ]

هؤلاء وفي عهد علي عليه السلام مع إرتداد المسلمين والفتن التي كانت تثور في أيامهم والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم. وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث ذكر فيه مثالب الثلاثة وإمهال الله إياهم قال كل ذلك لتتم النظرة التي أوجبها الله لعدوه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله ويحق القول على الكافرين ويقرب الوعد الحق الذي بينه الله في كتابه بقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وذلك إذا لم يبق من الأسلام إلا إسمه ومن القرآن إلا رسمه وغاب صاحب الأمر بإيضاح العذر له في ذلك لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه أشد عداوة له وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها ويظهر دين نبيه على يديه ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وفي الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله قال زويت لي الأرض فاريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك امتي ما زوى لي منها. وروى المقداد عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الأسلام بعز عزيز وذل ذليل إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها وإما أن يذلهم فيدينون بها. (56) وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون. (57) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض معجزين الله عن ادراكهم واهلاكهم وقرئ بالياء ومأويهم النار ولبئس المصير. (58) يا أيها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت أيمانكم. في الكافي عن الصادق عليه السلام هي خاصة في الرجال دون النساء قيل فالنساء يستأذن في هذه الثلاث ساعات قال لا ولكن يدخلن ويخرجن وفي رواية اخرى هم المملوكون من الرجال والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا والذين لم يبلغوا الحلم منكم الصبيان من الأحرار.

[ 446 ]

في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: من أنفسكم قال: عليكم استيذان كاستيذان من قد بلغ في هذه الثلاث ساعات ثلاث مرات يعني في اليوم والليلة من قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة وحين تضعون ثيابكم يعني للقيلولة من الظهيرة بيان للحين أي وقت الظهر ومن بعد صلاة العشاء لأنه وقت التجرد عن اللباس والألتحاف باللحاف ثلاث عورات لكم أي ثلاث أوقات لكم يختل فيها تستركم وأصل العورة الخلل وقرء ثلاث بالنصب ليس عليكم جناح بعدهن بعد هذه الأوقات في ترك الأستيذان. في الكافي عن الصادق عليه السلام ويدخل مملوككم وغلمانكم من بعد هذه الثلاث عورات بغير إذن إن شاؤا طوافون عليكم أي هم طوافون إستيناف لبيان العذر المرخص في ترك الأستيذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة بعضكم طائف على بعض هؤلاء للخدمة وهؤلاء للأستخدام فإن الخادم إذا غاب احتيج إلى الطلب وكذا الأطفال للتربية كذلك يبين الله لكم الايات أي الأحكام والله عليم بأحوالكم حكيم فيما شرع لكم. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال ليستأذن الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات كما أمركم الله قال: ومن بلغ الحلم فلا يلج على امه ولا على اخته ولا على خالته ولا على من سوى ذلك إلا بإذن ولا تأذنوا حتى يسلم فإن السلام طاعة لله - عز وجل - وقال: وليستأذن عليك خادمك إذا بلغ الحلم في ثلاث عورات إذا دخل في شئ منهن ولو كان بيته في بيتك قال: وليستأذن عليك بعد العشاء التي تسمى العتمة وحين تصبح وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة إنما أمر الله - عز وجل - بذلك للخلوة فإنها ساعة عزة وخلوة. والقمي قال إن الله تعالى نهى أن يدخل أحد في هذه الثلاثة الأوقات على أحد لا أب ولا اخت ولا ام ولا خادم إلا بإذن. (59) وإذا بلغ الاطفال منكم أيها الأحرار الحلم فليستأذنوا أي في جميع الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم الذين بلغوا من قبلهم من الأحرار المستأذنين في الأوقات

[ 447 ]

كلها وإنما خوطب به الأحرار لأن بلوغ الأحرار يوجب رفع الحكم المذكور في تخصيص الأستيذان بالأوقات الثلاثة بخلاف بلوغ المماليك فإن الحكم باق معه في التخصيص للأحتياج إلى الخدمة والأستخدام وقد مضى ما يدل عليه من النص كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم كرره تأكيدا ومبالغة في الأمر بالأستيذان. (60) والقواعد من النساء العجايز اللاتي قعدن من الحيض والنكاح اللاتي لا يرجون نكاحا لا يطمعن فيه لكبرهن فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن أي الثياب الظاهرة. وفي المجمع قرأ الباقر والصادق عليهما السلام يضعن من ثيابهن. القمي قال نزلت في العجايز اللاتي يئسن من المحيض والتزويج أن يضعن الثياب. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قرأها فقال الجلباب والخمار إذا كانت المرأة مسنة. وعنه عليه السلام قال الخمار والجلباب قيل بين يدي من كان قال بين يدي من كان. وفي رواية قال تضع الجلباب وحده وفي اخرى إلا أن تكون أمة ليس عليها جناح أن تضع خمارها رواها في التهذيب. وفي العيون عن الرضا عليه السلام في هذه الاية قال عني الجلباب قال فلا بأس بالنظر إلى شعور مثلهن غير متبرجات بزينة غير مظهرات زينة مما أمرن بإخفائه في قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها كما رواه. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال والزينة التي يبدين لهن شئ في الاية الاخرى. أقول: وهو الوجه والكفان والقدمان كما مضى وما سوى ذلك داخل في النهي

[ 448 ]

عن التبرج بها وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفي وأن يستعففن خير لهن من الوضع. القمي قال أي لا يظهرن للرجال. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال فإن لم تفعل فهو خير لها والله سميع لمقالهن للرجال عليم بمقصودهن. (61) ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج نفي لما كانوا يتحرجون من مواكلة الأصحاء حذرا من إستقذارهم أو أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح ويبيح لهم التبسط فيه إذا خرج إلى الغزو وخلفهم على المنازل مخافة أن لا يكون ذلك من طيبة قلب أو من إجابة من يدعوهم إلى بيوت آبائهم وأولادهم وأقاربهم فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلا عليهم. القمي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال وذلك إن أهل المدينة قبل أن يسلموا كانوا يعتزلون الأعمى والأعرج والمريض وكانوا لا يأكلون معهم وكانت الأنصار فيهم تيه وتكرمة فقالوا إن الأعمى لا يبصر الطعام والأعرج لا يستطيع الزحام على الطعام والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح فعزلوا لهم طعامهم على ناحية وكانوا يرون عليهم في مواكلتهم جناح وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون لعلنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم فاعتزلوا من مواكلتهم فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله سألوه عن ذلك فأنزل الله عز وجل ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم قيل يعني من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته لقوله صلى الله عليه وآله أنت ومالك لأبيك وقوله إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وأن ولده من كسبه. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل ما يحل للرجل من مال ولده قال قوت بغير سرف إذا إضطر إليه قيل فقول رسول الله صلى الله عليه وآله للرجل الذي قدم أباه أنت ومالك لأبيك فقال إنما جاء بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من امي فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه وعلى

[ 449 ]

نفسه فقال أنت ومالك لأبيك ولم يكن عند الرجل شئ وما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبس الأب للأبن أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال الرجل له وكيل يقوم فيما له فيأكل بغير إذنه. وعن أحدهما عليهما السلام ليس عليك جناح فيما أطعمت وأكلت مما ملكت مفاتحه ما لم تفسده أو صديقكم. في المجمع عن أئمة الهدى عليهم السلام انهم قالوا لا بأس بالأكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله قدر حاجتهم من غير إسراف. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل ما يعني بقوله أو صديقكم قال هو والله الرجل يدخل بيت صديقه فيأكل بغير إذنه. وعنه عليه السلام هؤلاء الذين سمى الله عز وجل في هذه الاية يأكل بغير إذنهم من التمر والمادوم وكذلك تطعم المرأة من منزل زوجها بغير إذنه فأما ما خلا ذلك من الطعام فلا. وعنه عليه السلام قال للمرأة أن تأكل وأن تتصدق وللصديق أن يأكل من منزل أخيه ويتصدق. وفي الجوامع عنه عليه السلام من عظم حرمة الصديق أن جعله من الانس والثقة والأنبساط وترك الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والأبن ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا مجتمعين أو متفرقين. القمي لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وآخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار قال فكان بعد ذلك إذا بعث أحدا من أصحابه في غزاة أو سرية يدفع الرجل مفتاح بيته إلى أخيه في الدين ويقول له خذ ما شئت وكل ما

[ 450 ]

شئت فكانوا يمتنعون من ذلك حتى ربما فسد الطعام في البيت فأنزل الله ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا يعني إن حضر صاحبه أو لم يحضر إذا ملكتم مفاتحه. وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى ليس عليكم جناح قال بإذن وبغير إذن فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة. في المعاني عن الباقر عليه السلام قال هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثم يردون عليه فهو سلامكم على أنفسكم. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام مثله والقمي قال هو سلامكم على أهل البيت وردهم عليكم فهو سلامك على نفسك. وعن الباقر عليه السلام قال إذا دخل الرجل منكم بيته فإن كان فيه أحد يسلم عليهم وإن لم يكن فيه أحد فليقل السلام علينا من عند ربنا يقول الله تحية من عند الله مباركة طيبة. وفي الجوامع وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجو بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق. ومنه قوله عليه السلام سلم على أهل بيتك تكثر خير بيتك كذلك يبين الله لكم الايات مزيد تأكيد وتفخيم للأحكام المختتمة به لعلكم تعقلون الخير في الأمور. (62) إنما المؤمنون الكاملون في الأيمان الذين آمنوا بالله ورسوله من صميم قلوبهم وإذا كانوا معه على أمر جامع كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الامور لم يذهبوا حتى يستاذنوه يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله فيأذن لهم. القمي نزلت في قوم كانوا إذا جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله لأمر من الامور أو في بعث يبعثه أو في حرب قد حضرت يتفرقون بغير إذنه فنهاهم الله عن ذلك إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله أعاده مؤكدا على اسلوب

[ 451 ]

أبلغ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وإن الذاهب بغير إذن ليس كذك تنبيها على كونه مصداقا لصحة الأيمان ومميزا للمخلص عن المنافق وتعظيما للمجرم فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ما يعرض لهم من المهام وفيه أيضا مبالغة وتضييق للأمر فأذن لمن شئت منهم تفويض للأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله واستغفر لهم الله بعد الأذن فإن الأستيذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين إن الله غفور لفرطات العباد رحيم لتيسير. القمي نزلت في حنظلة بن أبي عياش وذلك أنه تزوج في الليلة التي كان في صبيحتها حرب احد فأستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقيم عند أهله فأنزل الله عز وجل هذه الاية فأذن لمن شئت منهم فأقام عند أهله ثم أصبح وهو جنب فحضر القتال واستشهد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت الملائكة تغسل الحنظلة بماء المزن في صحائف فضة بين السماء والأرض فكان سمي غسيل الملائكة. (63) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا القمي قال لا تدعوا رسول الله كما يدعو بعضكم بعضا. وعن الباقر عليه السلام قال يقول لا تقولوا يا محمد ولا يا أبا القاسم لكن قولوا يا نبي الله ويا رسول الله. وفي المناقب عن الصادق عليه السلام قالت فاطمة عليها السلام لما نزلت هذه الاية هبت رسول الله صلى الله عليه وآله أن أقول له يا أبة فكنت أقول يا رسول الله فأعرض عني مرة أو اثنتين أو ثلاثا ثم أقبل علي فقال يا فاطمة إنها لم تنزل فيك ولا في أهلك ولا في نسلك أنت مني وأنا منك إنما نزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش أصحاب البذخ والكبر قولي يا أبة فإنها أحيى للقلب وأرضى للرب قد يعلم الله الذين يتسللون منكم يخرجون قليلا قليلا من الجماعة لواذا ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج أو يلوذ بمن يؤذن فينطلق معه كأنه تابعه فليحذر الذين يخالون عن أمره. القمي أي يعصون أمره أن تصيبهم فتنة محنة في الدنيا القمي بلية أو يصيبهم عذاب أليم قال قال القتل.

[ 452 ]

وفي الجوامع عن الصادق عليه السلام قال يسلط عليهم سلطان جائرا أو عذاب أليم في الاخرة. (64) ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه من المخالفة والموافقة والنفاق والأخلاص وإنما أكد علمه بقدر لتأكيد الوعيد ويوم يرجعون إليه يرجع المنافقون إليه للجزاء أو الألتفات والكل مراد فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم لا يخفي عليه خافية. في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام قال حصنوا أموالكم وفروجكم بتلاوة سورة النور وحصنوا بها نسائكم فإن من أدمن قراءتها في كل يوم أو في كل ليلة لم يزن وفي المناقب عن الصادق عليه السلام قالت فاطمة عليها السلام لما نزلت هذه الاية هبت رسول الله صلى الله عليه وآله أن أقول له يا أبة فكنت أقول يا رسول الله فأعرض عني مرة أو اثنتين أو ثلاثا ثم أقبل علي فقال يا فاطمة إنها لم تنزل فيك ولا في أهلك ولا في نسلك أنت مني وأنا منك إنما نزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش أصحاب البذخ والكبر قولي يا أبة فإنها أحيى للقلب وأرضى للرب قد يعلم الله الذين يتسللون منكم يخرجون قليلا قليلا من الجماعة لواذا ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج أو يلوذ بمن يؤذن فينطلق معه كأنه تابعه فليحذر الذين يخالون عن أمره. القمي أي يعصون أمره أن تصيبهم فتنة محنة في الدنيا القمي بلية أو يصيبهم عذاب أليم قال قال القتل.

[ 452 ]

وفي الجوامع عن الصادق عليه السلام قال يسلط عليهم سلطان جائرا أو عذاب أليم في الاخرة. (64) ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه من المخالفة والموافقة والنفاق والأخلاص وإنما أكد علمه بقدر لتأكيد الوعيد ويوم يرجعون إليه يرجع المنافقون إليه للجزاء أو الألتفات والكل مراد فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم لا يخفي عليه خافية. في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام قال حصنوا أموالكم وفروجكم بتلاوة سورة النور وحصنوا بها نسائكم فإن من أدمن قراءتها في كل يوم أو في كل ليلة لم يزن أحد من أهل بيته أبدا حتى يموت فإذا هو مات شيعه إلى قبره سبعون ألف ملك كلهم يدعون ويستغفرون الله له حتى يدخل في قبره. وفي الكافي عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تنزل النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن المغزل وسورة النور اللهم ارزقنا تلاوته.

مكتبة شبكة أمل الثقافية