تفسير القمي - علي بن ابراهيم القمي ج 1

تفسير القمي

علي بن ابراهيم القمي ج 1


[ 1 ]

منشورات مكتبة الهدى تفسير القميي لابي الحسن علي بن ابراهيم القمي (رحمه الله) (من اعلام قرني 3 - 4 ه‍) صححه وعلق عليه وقدم له حجة الاسلام العلامة السيد طيب الموسوي الجزائري الجزء الاول حقوق الطبع محفوظه مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم - ايران تلفن 24568

[ 2 ]

مشخصات الكتاب الاسم: تفسير القمي المؤلف: لابي الحسن على بن ابراهيم القمي (ره) المصحح: السيد طيب الجزائري عدد الصفحة: 396 صفحة الناشر: مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم / ايران - تلفن 24568 الطبعة: الثالثة / شهر صفر عام 1404 القطع: وزيري

[ 3 ]

هو من اقذم التفاسير التي كشفت القناع عن الايات النازلة في اهل البيت عليهم السلام

[ 4 ]

لا يسمح بطبع هذا الكتاب الشريف المزدان بهذه التصحيحات والحواشي إلا باجازة من حضرة المحشي دام ظله. النسخة الممتازة بدقة النظر في صحتها متنا وباضافات مفيدة نعليقا فجاءت بحمد الله احسنها ضورة واكملها مادة ومتداركة لما فات من النسخ القديمة والحديثة - وذلك اجابة الى رغبة الطالبين، وحفاظا لتراث الماضين والله الموفق وخير معين. الرموز: 1 - " م " اشارة الى نسخة مكتبة آية الله الحكيم 2 - " ك " اشارة الى نسحة مكتبة آية الله كاشف الغطاء 3 - " ط " اشارة الى نسخة مطإبوعة في ايران سنة 1313 ه‍. 4 - " خ " أو " خ ل " اشارة الى " نسخة بدل " 5 - ق: لقاموس اللغة 6 - " ج. ز " مخفف " الجزائري " المحشي.

[ 5 ]

هذا ما سمح به سماحة العلامة المجاهد حجة الاسلام الشيخ آقا بزرك الطهراني دام ظله العالي، في هذا الكتاب. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لوليه والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا ابي القاسم محمد نبيه وعلى الاثنى عشر المعصومين اوصياء نبيه (وبعد) فقد عرض علي العالم الفاضل الكامل ثقة الاسلام السيد طيب الجزائري حفظه الله تعالى وزاد في توفيقاته بعض الملازم من كتاب (تفسير القمي) الذي قصد نشره ثالثا وطلب منى تقريظه والادلاء برأيي في الاعتماد إليه، ولقد سررت بنشره واعتذرت إليه من اطراء الكتاب وابداء رأيي لعجزي والضعف المستولي علي ورعشة اليد التي صارت العائق عن كثير الاعمال، إلا انه رعاه الله لم يقنع بذلك وألح في الطلب فعز علي ان ألح في الامتناع فاكتفيت بهذا القدر الذي لم تسمح الحال باكثر منه فعلى كل من يريد الاطلاع التام على مزايا الكتاب ان يرجع كتابنا (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ج 4 ص 302 ليجد تفصيل ما كتبناه وخلاصة ما عرفناه عن هذا الاثر النفيس والسفر الخالد المأثور عن الامامية الهمامين ابي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام من طريق ابي الجارود وابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام

[ 6 ]

من طريق علي بن ابراهيم القمي رضوان الله عليهم وارجو للسيد حفظ الله تعالى ولامثاله من اهل العلم النابهين مزيد التوفيق لنشر آثار الائمة الاطهار عليهم السلام واحياء مآثر السلف الصالح، كتبه بانامله المرتعشة في مكتبته العامة في النجف الاشرف في السبت غرة ربيع المولود (1387) الفاني آقا بزرك الطهراني عفي عنه

[ 7 ]

المقدمة من حجة الاسلام العلامة السيد طيب الموسوي الجزائري دام ظله بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا رب على ما منحتنا من قوة فكرية جوالة في الاذهان، وفتحت مغالقها بمفاتح القرآن الذى هو اكبر آياته وتبيان، واحسن دليل وبرهان، ونصلي ونسلم على من انزله عليه فجاء به احسن الاديان، الذي ازدهر على الارجاء والاركان، واشتهر في الآفاق والازمان، وعلى آله الذين جعل قولهم وفعلهم مفسر القرآن، فلولا هم لم يكن الفرقان بين ما شان وما زان، ولا بين الطاعة والعدوان، بهم عبد الرحمن ومنهم يئس الشيطان (اما بعد) فاني منذ اليوم الذي بدأت المطالعة في تفاسير القرآن التي وردت عن اهل بيت العصمة صلوات الله عليهم اجمعين، كنت معجبا بتفسير القمي ومشتاقا إليه لاجل الاسرار المودعة فيه واحتياج التفاسير الكثيرة إليه، وتقدم مؤلفه زمانا وشرفا، فكان ينمو هذا الشوق في بالي شيئا فشيئا إلى ان صادفت الكتاب في النجف فابتهجت لحسن الحظ والشرف، ولكن ما تم سروري به إذ أخذ مكانه اسف، لانى وجدت كثيرا من عبارات هذه النسخة ملحونة، وبالاغلاط والسقطات مشحونة، بحيث لم تخل الاستفادة منها من التعب، وكانت مع هذه الحالة اغلى من الذهب، فاشرت بعض من اثق به من الاحباب ان يدخر له الاجر بطبع هذا الكتاب ولما كان الرأي قريبا إلى الصواب قبله ولبانى، ورحب بي على هذا وحياني، وكلفني بتصحيحه وان اكتب شيئا مقدمة للكتاب

[ 8 ]

ليكون تبصرة لاولى الالباب فقبلت مسؤله متوكلا على الله ومستمدا به وهو حسبي واليه انيب. صاحب التفسير: هو الثقة الجليل أبو الحسن علي بن ابراهيم بن هاشم القمي، قال النجاشي (على ما حكاه صاحب التنقيح) " ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صحيح المذهب سمع فاكثر " ومثله في الخلاصة وعده في القسم الاول منها، وعنونه ابن داود في الباب الاول ووثقه في الوجيزة والبلغة، وعن اعلام الورى انه من اجل رواة اصحابنا، كان في عصر الامام العسكري عليه السلام وعاش إلى سنة 307 - وقد اكثر ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله الرواية عنه في الكافي - ومما يدل على جلالته ان الادعية والاعمال الشائعة في مسجد السهلة المتداولة المتلقاة بالقبول المذكورة في المزار الكبير وغيره مما ينتهي سندها إليه لا غير رضوان الله عليه - اما مؤلفاته غير هذا التفسير فهي - (1) كتاب الناسخ والمنسوخ (2) كتاب قرب الاسناد (3) كتاب الشرائع. (4) كتاب الحيض. (5) كتاب التوحيد والشرك. (6) كتاب فضائل امير المؤمنين عليه السلام. (7) كتاب المغازي. (8) كتاب الانبياء. (9) كتاب المشذر. (10) كتاب المناقب. (11) كتاب اختيار القرآن (1). واكثر ما يرويه علي بن ابراهيم فعن ابيه ابراهيم بن هاشم كما هو دأبه في هذا التفسير وغيره من كتبه فيجدر بنا الاشارة إلى ترجمته مختصرا. ترجمة ابراهيم بن هاشم القمي: لا يخفى على ارباب النهى ما ورد من الثناء على القميين وما هي مرتبتهم


(1) تنقيح المقال 260 / 2. (*)

[ 9 ]

باعتبار خدمتهم للدين المبين - فعن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي (ره) ان الامام الصادق الناطق بالحق يقول - قم بلدنا وبلد شيعتنا مطهرة مقدسة قبلت ولايتنا اهل البيت لا يريدهم أحد بسوء إلا عجلت عقوبته ما لم يخونوا اخوانهم فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم جبابرة سوء، اما انهم انصار قائمنا ورعاة حقنا، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم اعصمهم من كل فتنة ونجهم من هلكة (1). ففضل اهل قم لا ينكر لانه ابهر من الشمس واشهر من القمر وكيف لا يكون كذلك وقد خرج منها جهابذة العلوم الجعفرية وعباقرة البحور الباقرية كابي جرير وزكريا بن ادريس وزكريا بن آدم وعيسى بن عبد الله إلا ان منهم من نال حظه ازيد واكثر كابراهيم بي علي هذا فانه شيخ القميين ووجههم، فضله على القميين باعتبار تقدمه في رواية الكوفيين، قد حكى الشيخ والنجاشي وغيرهما من الاصحاب انه اول من نشر احاديث الكوفيين بقم - قال السيد الداماد في محكي الرواشح ان مدحهم اياه بانه اول من نشر احاديث الكوفيين بقم كلمة جامعة (وكل الصيد في جنب القرا) وقال ايضا الصحيح والصريح عندي ان الطريق من جهته صحيح فأمره اجل وحاله اعظم من ان يتعدل ويتوثق بمعدل وموثق غيره بل غيره يتعدل ويتوثق بتعديله وتوثيقه اياه، كيف واعاظم اشياخنا الفخام كرئيس المحدثين والصدوق والمفيد وشيخ الطائفة ونظرائهم ومن في طبقتهم ودرجتهم ورتبتهم من الاقدمين والاحدثين شأنهم اجل وخطبهم اكبر من ان يظن باحد منهم قد احتاج إلى تنصيص ناص وتوثيق موثق وهو شيخ الشيوخ وقطب الاشياخ ووتد الاوتاد وسند الاسناد فهو أحق وأجدر بان يستغنى عن ذلك (انتهى).


(1) الكنى والالقاب 76 / 3. (*)

[ 10 ]

وقال في الفهرست " ابراهيم بن هاشم أبو اسحاق القمي اصله من الكوفة وانتقل إلى قم واصحابنا يقولون انه اول من نشر حديث الكوفيين بقم وذكروا انه لقي الرضا عليه السلام. والذي اعرف من كتبه كتاب النوادر وكتاب القضاء لامير المؤمنين عليه السلام ". وقال في التنقيح ما لفظه: انه شيخ من مشائخ الاجازة فقيه، محدث من اعيان الطائفة وكبرائهم واعاظهم وانه كثير الرواية سديد النقل قد روى عنه ثقات الاصحاب واجلاؤهم وقد اعتنوا بحديثه واكثر والنقل عنه كما لا يخفى على من راجع الكتب الاربعة للمشائخ الثلاثة رضي الله عنهم فانها مشحونة بالنقل عنه اصولا وفروعا (انتهى). ولاجل كونه راويا في اكثر رواياته عن محمد بن ابى عمير لا بأس في تحرير نبذة من ترجمته. محمد بن ابي عمير: قال في التنقيح محمد بن ابي عمير زياد بن عيسى الازدي أبو احمد الذي اجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عنه وعد مراسيله مسانيد، عاصر مولانا الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام. وقال النجاشي انه من موالى المهلب بن ابى صفرة وقيل مولى بني امية والاول اصح، بغدادي الاصل والمقام لقي ابا الحسن موسى وسمع منه احاديث كناه في بعضها فقال يا ابا محمد وروى عن الرضا عليه السلام، جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين، ذكره الجاحظ يحكي عنه في كتبه وقد ذكره في المفاخرة بين العدنانية والقحطانية وقال في البيان والتبيين حدثني ابراهيم بن داحية عن ابن ابي عمير وكان وجها من وجوه الرافضة وكان حبس في ايام الرشيد فقيل ليلي القضاء وقيل انه ولى بعد ذلك وقيل ليدل مواضع الشيعة واصحاب موسى بن

[ 11 ]

جعفر عليه السلام، وروي انه ضرب اسواطا بلغت منه مائة فكاد ان يقر لعظيم الالم فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمن وهو يقول اتق الله يا محمد بن ابي عمير ففرج الله عنه، وروي انه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد (انتهى). وعن الفهرست - محمد بن ابي عمير يكنى ابا محمد من مولى الازد واسم ابى عمير زياد رحمه الله، وكان من اوثق الناس عند الخاصة والعامة وانسكهم نسكا واعبدهم وأورعهم وقد ذكره الجاحظ في كتابه في فخر قحطان على عدنان بهذه الصفة التي وصفناه وذكر انه كان اوحد أهل زمانه في الاشياء كلها ادرك من الائمة عليهم السلام ثلاثة ابا ابراهيم موسى بن جعفر عليه السلام ولم يرو عنه، وروى عن ابي الحسن الرضا والجواد عليهما السلام، وروى عنه احمد بن محمد عيسى انه كتب مائة رجل من رجال ابي عبد الله الصادق عليه السلام وله مصنفات كثيرة ذكر ابن بطة ان له اربعة وتسعين كتابا (انتهى) وعن الكشي في عنوان تسمية الفقهاء من اصحاب ابي ابراهيم وابي الحسن الرضا عليهما السلام: اجتمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم واقروا لهم بالفقه والعلم وهم ستة نفر آخر دون الستة النفر الذين ذكرناهم في اصحاب ابي عبد الله عليه السلام منهم يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمد بن ابى عمير وعبد الله بن المغيرة والحسن بن المحبوب واحمد بن محمد ابى نصر. وكان من خصائص ابن ابى عمير انه لم يرو عن العامة ابدا مع رواياتهم عنه فلذا كانت مروياته خالصة محصنة غير مشوبة برواياتهم كما يظهر من سؤال شاذان بن الخليل النيسابوري اياه فقال له انك قد لقيت مشائخ العامة فكيف لم تسمع منهم ؟ فقال قد سمعت منهم غير انى رأيت كثيرا من اصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة

[ 12 ]

وحديث الخاصة عن العامة فكرهت ان يختلط علي فتركت ذلك واقبلت على هذا (1). عبادته: (قال الفضل بن شاذان) دخلت العراق فرأيت واحدا يعاتب صاحبه ويقول له انت رجل عليك عيال وتحتاج ان تكسب عليهم وما آمن من ان تذهب عيناك لطول سجودك (قال) فلما اكثر عليه قال اكثرت علي ويحك لو ذهبت عين احد من السجود لذهبت عين ابن ابى عمير ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد الصلاة الفجر فما يرفع رأسه إلا عند الزوال (وسمعته يقول) اخذ يوما شيخي بيدي وذهب بي إلى ابن ابي عمير فصعدنا إليه في غرفة وحوله مشائخ له يعظمونه ويبجلونه فقلت لابي من هذا ؟ فقال هذا ابن ابي عمير قلت الرجل الصالح العابد ؟ قال: نعم (2). سخاؤه: اما سخاؤه فقد بلغ إلى مرتبة لم يكن في ذلك العصر من يفضل عليه في هذه المنقبة العليا غير مواليه الكرام عليهم السلام الذين اقتدى بقدوتهم واقتبس من جذوتهم فانه يذكر في جوده وكرمه وايثاره على نفسه ما يجمد في قباله بحر متلاطم وينسى دونه جود حاتم. روى الشيخ والصدوق رضوان الله عليهما ان محمد بن ابى عمير كان رجلا بزازا فذهب ماله وافتقر وكان له على رجل عشرة آلاف درهم فباع دارا له كان يسكنها بشعرة آلاف درهم وحمل المال إلى بابه فخرج إليه محمد بن ابى عمير فقال ما هذا ؟ قال هذا مالك الذي علي، قال ورثته ؟ قال لا، قال وهب


(1) التنقيح 62 / 2 (2) التنقيح 62 باب محمد (*)

[ 13 ]

لك ؟ قال لا بل هو من ثمن ضيعة بعتها، قال ما هو ؟ فقال بعت داري التى اسكنها لاقضي ديني فقال محمد بن ابى عمير حدثني ذريح المحاربي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين) ارفعها فلا حاجة لي فيها وانى والله لمحتاج في وقتي هذا إلى درهم ولا يدخل في ملكي من هذا درهم واحد (1). جهاده: اما جهاده في سبيل الحق واحتمال الشدائد له فهو حسب ما روي عن الكشي انه قال وجدت بخط ابى عبد الله الشاذانى سمعت ابا محمد الفضل بن شاذان يقول سعي بمحمد بن ابى عمير (واسم ابي عمير زياد) إلى السلطان انه يعرف اسامي الشيعة بالعراق فأمره السلطان ان يسميهم فامتنع فجرد وعلق بين القفازين فضرب مائة سوط (قال الفضل سمعت ابن ابى عمير) لما ضربت فبلغ الضرب مائة سوط ابلغ الضرب الالم إلي فكدت ان اسمي فسمعت نداء محمد بن يونس يقول يا محمد بن ابى عمير اذكر موقفك بين يدي الله تعالى فتقويت بقوله وصبرت ولم اخبر والحمد لله (2). وروي انه تولى ضربه السندي بن شاهك امام هارون الرشيد فادى مائة وواحدا وعشرين الف درهم حتى خلى عنه وكان رب خمسمائة الف درهم (3). ويظهر من سير التاريخ والحديث انه رحمه الله قاسى من الجهد والبلاء في عصري الهارون والمأمون فان المأمون حبسه في سجنه اربع سنين وكان ذلك بعد وفاة الرضا عليه السلام واختلفت الاقوال في ذهاب كتبه فقيل ان اخته دفنتها حال


(1) التنقيح 421 / 1. (2) 62 باب محمد (3) التنقيح 63 باب محمد (*)

[ 14 ]

استتاره في السجن خوفا عليه كما ذكره جدي الامجد السيد الجزائري رحمه الله في شرحه على التهذيب (1) وقيل تركها في غرفة فسال عليها المطر فلما اطلق من حبسه حدثهم من حفظه وكان يحفظ ما يبلغ من اربعين جلدا فسماه نوادر فلذلك توجد احاديثه منقطعة الاسانيد الا ان الاصحاب سكنوا إليها وعاملوها معاملة الصحاح ثقة به. مؤلفاته: انه صنف كتبا كثيرة ذكر ابن بطة ان له اربعة وتسعين كتابا منها كتاب النوادر، كتاب الاستطاعة والافعال والرد على اهل القدر والجبر، كتاب المبدأ، كتاب الامامة، كتاب المتعة، كتاب المغازي، كتاب الكفر والايمان، كتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الامامة، كتاب الحج، كتاب فضائل الحج، كتاب الملاحم، كتاب يوم وليلة، كتاب الصلاة، كتاب مناسك الحج، كتاب الصيام، كتاب اختلاف الحديث، كتاب المعارف، كتاب التوحيد، كتاب النكاح، كتاب الرضاع. توفي رحمه الله سنة 217 (2). الثناء على التفسير: لا ريب في ان هذا التفسير الذي بين ايدينا من اقدم التفاسير التى وصلت الينا ولولا هذا لما كان متنا متينا في هذا الفن ولما سكن إليه جهابذة الزمن، فكم من تفسير قيم مقتبس من اخباره ولم تره إلا منورا بانواره كالصافي والمجمع والبرهان، إلا ان هذا الاصل لم يكن متيسرا في زماننا هذا لانه لم يطبع منه في الاخير إلا نسختان، طبعتا في ايران احديهما طبعت سنة 1313 وثانيتهما التي


(1) النسخة موجودة عندي بخطي. (2) التنقيح 62 باب محمد (*)

[ 15 ]

عندي طبعت سنة 1315 مع تفسير الامام العسكري على هامشه وكلتا النسختين مع كثرة الخطأ والاشتباهات فيهما كانتا نادرتين جدا حتى لم نجدهما في اكثر مكتبات النجف الاشرف حتى مكتبة امير المؤمنين عليه السلام التي اسسها العلامة المجاهد الاميني مد ظله مع اتساعها وطول باعها في حيازة الكتب القيمة كانت فاقدة لها فاحتيج إلى طباعته لئلا يندرس هذا الاثر الاثري والتأليف الزهري فشمرت الباع لرفع القناع عن هذه المؤلفة المألوفة ليرى محياها كل من احبها وحياها فانها تحفة عصرية ونخبة اثرية لانها مشتملة على خصائص شتى قلما تجدها في غيرها فمنها: (1) ان هذا التفسير اصل اصول للتفاسير الكثيرة كما تقدم. (2) ان رواياته مروية عن الصادقين عليهما السلام مع قلة الوسائط والاسناد ولهذا قال في الذريعة: انه في الحقيقة تفسير الصادقين عليهما السلام. (3) مؤلفه كان في زمن الامام العسكري عليه السلام. (4) ابوه الذي روى هذه الاخبار لابنه كان صحابيا للامام الرضا عليه السلام. (5) ان فيه علما جما من فضائل اهل البيت عليهم السلام التي سعى اعداؤهم لاخراجها من القرآن الكريم. (6) انه متكفل لبيان كثير من الآيات القرآنية التى لم يفهم مرادها تماما إلا بمعونة ارشاد اهل البيت عليهم السلام التالين للقرآن. بقي شئ: وهو ان الراوي الاول الذي املا عليه علي بن ابراهيم القمي هذا التفسير على ما يتضمنه بعض نسخ هذا التفسير (كما في نسختي) هو أبو الفضل العباس ابن محمد بن قاسم بن حمزه بن موسى بن جعفر عليه السلام، تلميذ علي بن ابراهيم،

[ 16 ]

وهذا الشخص وان لم يوجد له ذكر في الاصول الرجالية كما ذكره صاحب الذريعة إلا ان ما يدل على علو شأنه وسمو مكانه كونه من اولاد الامام موسى ابن جعفر عليه السلام ومنتهيا إليه بثلاث وسائط فقط، وقد ذكره غير واحد من كتب الانساب كبحر الانساب والمجدي وعمدة الطالب، ومما يرفع غبار الريب عن اعتبار الراوي ركون الاصحاب إلى هذا الكتاب وعملهم به بلا ارتياب فلو كان فيه ضعف لما ركنوا إليه، ولذا قال الحر العاملي رحمه الله في الوسائل، وهو من الذين اخذوا من هذا الكتاب ما لفظه. " ولم اقتصر فيه على كتب الحديث الاربعة وان كانت اشهر مما سواها بين العلماء، لوجود كتب كثيرة معتمدة من مؤلفات الثقات الاجلاء، وكلها متواترة النسبة إلى مؤلفيها، لا يختلف العلماء، ولا يشك الفضلاء فيها " (الوسائل 1 / 5) وقد عرضت هذا الكتاب قبل نشره على الشيخ الكبير والمجاهد الشهير سماحة العلامة آقا بزرك الطهراني (صاحب الذريعة) دام ظله فابدى سروره على طبعه ودعا لي على هذا المجهود وكتب التقريظ عليه مع ضعف حاله وارتعاش يده الشريفة، حيث عبر عن هذا الكتاب ب‍ " الاثر النفيس والسفر الخالد المأثور عن الامامين عليهما السلام ". ولا ريب في انه عريف هذا الفن وغطريف من غطارفة الزمن فقليله في مقام الاطراء كثير. وبالجملة انه تفسير رباني، وتنوير شعشعاني، عميق المعاني، قوي المباني عجيب في طوره، بعيد في غوره، لا يخرج مثله إلا من العالم عليه السلام ولا يعقله إلا العالمون، ولم آل جهدا في تصحيحه وتنظيفه من الاغلاط المشحونة فيه فاعتمدت في تصحيحه على اربع نسخ منه:

[ 17 ]

(الاولى نسخة مطبوعة 1315 ه‍ ج‍ على هامشها تفسير الامام العسكري عليه السلام، وهي التي كانت عندي. (الثانية) نسخة مطبوعة 1313 ه‍ ج‍ وجعلت رمزها في هذا الكتاب (ط). (الثالثة) نسخة خطية من مكتبة آية الله الحكيم مد ظله وجعلت رمزها (م). (الرابعة) نسخة خطية نادرة من مكتبة الشيخ كاشف الغطاء طاب ثراه، وجعلت رمزها (ك) واسأل الله ان يوفقنا لذلك فان بلغت فيه مناي فهو شفائى، وان بقي شئ منها فاني معتذر إلى مولاي فانه ذو الصفح الجسيم والمن القديم وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم. تنبيه يتعلق بهذا التفسير لابد لقارئ هذا التفسير من الالتفات إلى امر بدونه يصعب فهم المراد بل ربما ينفتح للعنود والمستضعف باب اللجاج والعناد، فيورد علي هذا التفسير وما شاكله بان كثيرا من مطالبه بعيد عن ظاهر اللفظ وقريب إلى التأويلات التي يستنكف العقل منها - مثلا - اي ربط للآيات النازلة في اقوام بائدة كقوم عاد وثمود باعداء اهل البيت عليهم السلام حيث فسرت بانها نزلت فيهم ونحو ذلك. وجوابه يتوقف على بيان امور: (الاول) انه قد ظهر من الادلة الباهرة والاخبار المتضافرة من الفريقين ان ذوات محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين هي علة ايجاد هذا الكون كما يظهر من الحديث المعروف " لولاك لما خلقت الافلاك " المشهور بين الفريقين وحديث " اول ما خلق الله نوري " المؤيد بقوله تعالى " قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين ؟ ؟ " فهذه الآية تدل على ان محمدا صلى الله عليه وآله اول الكل وجودا

[ 18 ]

وان كان خاتم الرسل زمانا وعلي بن ابي طالب اما نفسه كما تدل على آية المباهلة أو قسيم نوره كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وآله " انا وعلي من نور واحد " واولاده المعصومون كلهم مظاهر جماله وكماله صلى الله عليه وآله كما قال صلى الله عليه وآله: فيهم " اولنا محمد واوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد " وتدل على هذا المقصد روايات كثيرة من السنة من شاء فليراجع معارج النبوة ومدارج النبوة وينابيع المودة ونحو ذلك. وكذا وردت روايات كثيرة معتبرة ايضا كحديث الكساء المتسالم عليه بين العلماء الاعلام والمعمول به بين الخواص والعوام وفيه: " وعزتي وجلالي اني ما خلقت سماءا مبنية ولا ارضا مدحية ولا قمرا منيرا ولا شمسا مضيئا.. إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء ". وفي اكمال الدين والعيون والعلل عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام انه قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما خلق الله خلقا افضل مني ولا اكرم عليه مني، فقلت يا رسول الله فانت افضل أو جبرئيل ؟ فقال يا علي ان الله فضل انبيائه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلني على جميع النبيين والمرسلين والفضل من بعدي لك يا علي وللائمة من بعدك وان الملائكة لخدامنا وخدام محبينا، يا علي ! الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا يا علي ! لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الارض فكيف لا نكون افضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتقديسه لان اول ما خلق الله خلق ارواحنا فانطقنا بتوحيده وبتمجيده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا. استعظموا امرنا فسبحنا لتعلم الملائكة، فسبحت الملائكة بتسبيحنا. (الثاني) لما ثبت ان ذواتهم المقدسة هي اول الخلق وغرض الحق فبدليل العقل يجب على الله تعالى لطفا ان يعرفهم جميع خلقه ويعرض محبتهم على جميع

[ 19 ]

عباده وإلا ليلزم الانفكاك بين الغاية والمغيى فهم غرض الخلق وغرض خلقهم ذات الحق وان شئت فقل ان الله لم يخلق الخلق، إلا للعبادة ولا يعبد إلا بعد المعرفة وهي إنما تحصل بقبول الايمان بالله كما هو، وهو موقوف على الاقرار بالرسول المخبر عن الله، وهو موقوف على الاقرار بالامام المخبر عن الرسول فعلى الله ان يرشد إليه ويدل عليه فلا بعد ان ينزل القرآن فيهم ولهم. (الثالث) ان الله تعالى كان عالما باعمال امة نبيه صلى الله عليه وآله بعد وفاته صلى الله عليه وآله بانهم يلعبون بالدين ويهتكون بنو اميس حماته في كل حين، كما ظهر من شنائع بني امية وبني العباس وقد نبأ به النبي الصادق كما في صحيحي البخاري ومسلم فقال صلى الله عليه وآله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟ (1) وكما في الاحتجاج عن امير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى " لتركبن طبقا عن طبق " اي لتسلكن سبل من كان قبلكم من الامم في الغدر بالاوصياء بعد الانبياء، وفي هذا المعنى روايات كثيرة من الفريقين فحينئذ لم يؤمن منهم ان لا يبقوا اسامي الائمة أو فضائلهم في القرآن فلذا لم يكن بد إلا يبينها الله تعالى بالكناية والاستعارة كما هو دأب القرآن واسلوبه في اكثر آياته فان له ظاهرا يتعلق بشئ وباطنا بشئ آخر، روى العياشي وغيره عن جابر قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن شئ من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانيا فأجابني بجواب آخر، فقلت جعلت فداك كنت اجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم ! فقال لي يا جابر ان للقرآن بطنا وللبطن بطنا وظهرا وللظهر ظهرا، يا جابر وليس شئ ابعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ان الآية لتكون اولها في


(1) صحيح البخاري 4 / 176 (*)

[ 20 ]

شئ وآخرها في شئ وهو كلا متصل ينصرف على وجوه ". وعن الغزالي في احياء العلوم والحافظ ابي نعيم في حلية الاولياء عن ابن مسعود قال: ان القرآن نزل علي سبعة احرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن وان علي بن ابي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن والمراد من بطن القرآن تأويله كما قال: ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. ومثال ذلك آية الشجرة حيث قال: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة - إلى قوله - مالها من قرار (1) فالمراد من " الشجرة الطيبة " شجرة محمد وآله صلوات الله عليهم والمراد من " الشجرة الخبيثة " و " الشجرة الملعونة " في سورة بني اسرائيل هم بنو امية (2) فهذا تأويله فمن الذي له علم بهذا التأويل بمجرد اللفظ غير الذين انزل القرآن في بيتهم وهم اهل البيت سلام الله عليهم الملقبون في القرآن ب‍ " الراسخون في العلم " مرة وب‍ " الذين اوتوا العلم " مرة اخرى، فانهم العرفاء بوجوه القرآن ومعانيه والعلماء بناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، عامه وخاصه، مطلقه ومقيده، مجمله ومبينه، كما قال امير المؤمنين عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت واين نزلت وعلى من نزلت، ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا (3). فانقدح من ذلك كله انه إذا ورد منهم معنى آية من الآيات القرآنية في مقام التأويل والتعبير عن بطن القرآن فلا مجال لانكاره أو استغرابه وان كان خلافا للظاهر وهل هبط الروح الامين بالقرآن إلا في بيتهم، وهل استنارت آياته إلا من زيتهم، فهم اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل ومنبت


(1) ابراهيم 24. (2) الطبري 3 / 4 (3) تاريخ الخلفاء ص 142. (*)

[ 21 ]

التفسير والتأويل كما قال أبو عبد الله الحسين عليه السلام قدام جمهور من الناس حين خروجه من المدينة " نحن اهل البيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة " (1) فالقرآن ظاهره انيق وباطنه عميق وان ظاهره وان كان مخصوصا بفرد خاص أو زمان خاص لكن باطنه ينطبق على كل من كان اهلا له إلى يوم القيامة ومن هنا قال أبو جعفر عليه السلام: ان القرآن نزل اثلاثا: ثلث فينا وفي احبائنا وثلث في اعدائنا وعدو من كان قبلنا وثلث سنة ومثل، ولو ان الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اولئك ماتت الآية لما بقي من القرآن شئ، ولكن القرآن يجرى على آخره ما دامت السماوات والارض (2). ومن هنا علم سر ذكر الامم السابقة كآل فرعون ونمرود، وامة موسى وهود، وقصص النصارى واليهود، وتكرير اعمالهم القبيحة واطوارهم الشنيعة مع ان الله تعالى ستار العيوب وغفار الذنوب فلا حكمة في نشر فضائحهم وذكر شنائعهم بعد ما حقت عليهم كلمة العقاب وتمت فيهم مواعيد العذاب، فليس المقصود منه إلا اعتبار المعتبرين وتنبيه من لحقهم من الفاسقين الذين شابهوهم بسوء اعمالهم ولهذا عبر عن بعضهم في لسان النبي صلى الله عليه وآله بيهود هذه الامة ومجوسها. فانكشف مما ذكرنا ان كل ما ورد في القرآن من المدح كناية وصراحة فهو راجع إلى محمد وآله الطاهرين، وكل ما ورد فيه من القدح كذلك فهو لاعدائهم اجمعين السابقين منهم واللاحقين ويحمل عليه جميع الآيات من هذا القبيل وان كان خلافا للظاهر لان اسلوب البيان وحفظه عن النقصان يقتضي الكناية وهي ابلغ من التصريح والطف، فلا مشاحة فيها بعد ورود دليل قاطع من العقل


(1) ناسخ التواريخ 6 / 119. (2) تفسير فرات. (*)

[ 22 ]

والنقل، ولا ينكره إلا من كان دأبه على المكابرة والدجل، والله ولي التوفيق يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. تحريف القرآن: بقى شئ يهمنا ذكره وهو ان هذا التفسير كغيره من التفاسير القديمة يشتمل على روايات مفادها ان المصحف الذي بين ايدينا لم يسلم من التحريف والتغيير وجوابه انه لم ينفرد المصنف (رح) بذكرها بل وافقه فيه غيره من المحدثين المتقدمين والمتأخرين عامة وخاصة اما العامة فقد صنفوا فيه كتبا كالسجستاني حيث صنف " كتاب المصاحف " والشعراني حيث قال: ولولا ما يسبق للقلوب الضعيفة ووضع الحكمة في غير اهلها لبينت جميع ما سقط من مصحف عثمان (1). والآلوسي حيث اعترف بعد سرد الاخبار التي تدل على التحريف قائلا: والروايات في هذا الباب اكثر من ان تحصى (2). وقال فخر الدين الرازي في تفسيره: نقل في الكتب القديمة ان ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن (3). ونقل السيوطي عن ابن عباس وابن مسعود انه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، انهما ليستا من كتاب الله، انما امر النبي صلى الله عليه وآله ان يتعوذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما (4).


(1) الكبريت الاحمر على هامش اليواقيت والجواهر ص 143. (2) روح المعاني 1 / 24 (3) مفاتيح الغيب 1 / 169. (4) الدر المنثور 6 / 416. (*)

[ 23 ]

وقال الصبحي الصالحي: " اما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها نحو اوصى ووصى، وتجري تحتها ومن تحتها، وسيقولون الله ولله، وما عملت ايديهم وما عملته فكتابته على نحو قراءته وكل ذلك وجد في مصحف الامام (1) " وهذا اعتراف منه بان مصحف الامام مشتمل على زيادة لوضوح ان هذه القراءات كلها لم تنزل من الله تعالى لان الافصح والابلغ في المقام واحدة منها، وكلام الخالق لا يكون إلا بالافصح والابلغ، فإذا وجد كل ذلك في مصحف الامام فيحصل لنا العلم ولو اجمالا بزيادة ما ليس من الله في القرآن. وكذلك ذهب كثير منهم إلى عدم كون البسملة من القرآن، ومن هنا لا يقرؤنها في الصلاة، قال السيد الخوئي دام ظله في البيان: " فالبسملة مثلا مما تسالم المسلمون على ان النبي صلى الله عليه وآله قرأها قبل كل سورة غير التوبة، وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بل ذهبت المالكية إلى كراهة الاتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة " (2). اما الخاصة فقد تسالموا على عدم الزيادة في القرآن بل ادعى الاجماع عليه، اما النقيصة فان ذهب جماعة من العلماء الامامية إلى عدمها ايضا وانكروها غاية الانكار كالصدوق والسيد مرتضى وابي علي الطبرسي في " مجمع البيان " والشيخ الطوسي في " التبيان " ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين المتقدمين منهم والمتأخرين القول بالنقيصة كالكليني والبرقي، والعياشي والنعماني، وفرات بن ابراهيم، واحمد بن ابى طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني، والسيد البحراني


(1) مباحث في علوم القرآن ص 98. (2) البيان ص 138. (*)

[ 24 ]

وقد تمسكوا في اثبات مذهبهم بالآيات والروايات التى لا يمكن الاغماض عنها. والذي يهون الخطب ان التحريف اللازم على قولهم يسير جدا مخصوص بآيات الولاية فهو غير مغير للاحكام ولا للمفهوم الجامع الذي هو روح القرآن، فهو ليس بتحريف في الحقيقة فلا ينال لغير الشيعة ان يشنع عليهم من هذه الجهة. وتفصيل ذلك ان غيرهم الذي يمكن ان يورد عليهم فهو اما من جمهور المسلمين أو اهل الكتاب كالنصارى واليهود وكلاهما لا يقدران على ذلك اما جمهور المسلمين فلكون كتبهم مملوءة من الاخبار الدالة على التحريف الذي هو ازيد بمراتب من التحريف المستفاد من روايات الامامية، إذ هو عند اولئك بمعنى النقيصة والزيادة وفي سائر مواضيع القرآن حتى قد روي عن عمر انه قال: (1) لا يقولن احدكم قد اخذت القرآن كله وما يدريه ما كله ؟ قد ذهبت منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد اخذت منه ما ظهر (1). (2) وعنه ايضا كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر فيما فقدنا من كتاب الله (2). (3) وايضا روي عنه: فكان فيما انزل عليه آية الرجم فرجم ورجمنا بعده (3). (4) وعن ابي موسى الاشعري: انا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة بالبراءة فانسيتها، غير انى قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من المال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم الا تراب (4) ومثله كثير مما يظهر منه ذهاب كثير من القرآن عندهم من آيات الاحكام والسور


(1) الاتقان 2 / 40. (2) الدر المنثور 1 / 106. (3) سنن ابن ماجة ص 141. (4) صحيح المسلم 3 / 100. (*)

[ 25 ]

كسورتي الخلع والحفد (1) واين هذا من القول بان الساقط منه آيات تتعلق بالولاية فقط مع بقاء جميع آيات الاحكام. وهذا هو السر في ان الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين امروا بالتشبث بالقرآن الكريم وامروا بارجاع الاحاديث المشكوكة على القرآن والاخذ بما وافقه ورد ما خالفه وإنما هو نص واضح على ان التحريف والتغيير لم يقع فيها وما وقع منه يسيرا فانما هو بالنسبة إلى الآيات الراجعة إلى آل بيت النبي صلوات الله عليهم مع بقاء كثيرة منها على حالها لم تحرف مع كفايتها في مقام استعلام فضائلهم مع احتمال كون الساقط من قبيل الشرح لا المتن كما ذهب إليه الكاشانى رح اما اهل الكتاب فانهم ايضا لا يقدرون على الايراد المذكور لوروده على انفسهم حقيقة لذهاب التوراة والانجيل من البين كما يشهد به مطالعة هذين الكتابين، وقد اعترف علماؤهم اجمع بحدوث الاناجيل الاربعة بعد وفاة عيسى حتى سموها NEW TESTAMENT اعني " العهد الجديد ". وهذا الاناجيل عبارة عن: 1 - انجيل متى. 2 - انجيل مرقس. 3 - انجيل لوقا. 4 - انجيل يوحنا، وليس واحد منها من كلام عيسى ولا حواريه بل انها نسبت إلى متى ولوقا لتحصيل الاشتهار وجلب رغبة الناس إليها، وقد جرت هذه الاناجيل في الناس دهرا طويلا يقرأ مسودة فحدثت فيها التغييرات والاضافات حينا بعد حين واضيفت فيها الاساطير التي كان بناء اكثرها على المبالغة وانها كانت على السنة ضعفة العقول في ذلك الزمان حتى حسبت بعد


(1) روح المعاني 1 / 24. (*)

[ 26 ]

مدة حقائق تاريخية وحوادث واقعية. قد صرح بذلك كله علماؤهم المعروفون في كتبهم (1). وقال القسيس المعروف ارنست وليام Earnest William ان مرقس اقدم الاناجيل كما سنذكره في الباب الثامن كتب حين انتشرت النصرانية في الارجاء، وكانت الفترة بين صلب عيسى وكتابته اربعين سنة أو ازيد (1). وهذا بخلاف القرآن الحكيم فان مكتوبا مدونا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله عند امير المؤمنين عليه السلام على قول أو كان مكتوبا متفرقا على الواح وعسب والفه الخلفاء على قول آخر مع اجماع الفريقين على ان ما بين الدفتين كله من الله تعالى فهو باق على اعجازه منزه عن الدخل في حقيقته ومجازه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، متحد على اعلانه القويم القديم (قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) طيب الموسوي الجزائري النجف الاشرف 8 رجب المرجب سنة 1386


(1) وهذه اساميهم مع اسامي كتبهم:.) 1 (The Rise Of Christanity By Earnest William.) 2 (History Of Syria By Philip. K. Hitti.) 3 (The Life Of Juses By Earnest 84. The Rise Of Christanity p تفسير القمي لابي الحسن علي بن ابراهيم القمي رحمه الله (من اعلام قرني 3 - 4 ه‍.) صححه وعلق عليه وقدم له حجة الاسلام العلامة السيد طيب الموسوي الجزائري الجزء الاول

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الاحد الصمد المتفرد الذى لا من شئ خلق (1) ما كون بل بقدرته، بان بها من الاشياء وبانت الاشياء منه فليست له صفة تنال ولا حد يضرب فيه الامثال كل دون صفاته تحبير (2) اللغات، وضل هنالك تصاريف الصفات وحار في اداني ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبة المكنون حجب من الغيوب وتاهت في ادنى ادانيها طامحات العقول، فتبارك الله الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن وتعالى الذي ليس لنعته حد محدود ولا وقت ممدود، ولا اجل معدود، فسبحان الذي ليس له اول متبداء ولا غاية منتهى، سبحانه كما هو وصف نفسه والواصفون لا يبلغون نعته، حد الاشياء كلها بعلمه عند حلقه وابانها ابانة لها من شبهها بما لم يحلل فيها فيقال هو فيها كاين ولم يناء عنها فيقال هو منها باين، ولم يخل منها فيقال له اين، لكنه سبحانه احاط بها علمه واتقنها صنعه واحصاها حفظه فلم يعزب عنه خفيات هبوب الهواء ولا غامض سرائر مكنون ظلم الدجى، ولا ما في السموات العلى إلى الارضين السفلى وعلى كل شئ منها حافظ ورقيب وبكل شئ منها محيط هو الله الواحد الاحد رب العالمين والحمد لله الذي جعل العمل في الدنيا والجزاء في الآخرة وجعل لكل شئ قدرا ولكل قدر اجلا ولكل اجل كتابا يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب والحمد لله الذي جعل الحمد شكرا والشكر طاعة والتكبير جلالة وتعظيما


(1) اي لم يخلق الكون من شئ انما خلقه بقدرته بدون شئ فلفظ " قدرته " مجرور من بواسطة العطف على " شئ ". ج - ز (2) حبر الكلام اي حسنه وزينه. ج - ز (*)

[ 2 ]

فلا اله الا هو اخلاصا نشهد به فانه قال عزوجل " ستكتب شهادتهم ويسألون " وقال " الا من شهد بالحق وهم يعلمون " تشهد به بلجة (1) صدرونا وعارفة قلوبنا قد شيط به (2) لحومنا ودماؤنا واشعارنا وابشارنا واسماعنا وابصارنا واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلوات الله عليه ارسله بكتاب قد فصله واحكمه واعزه وحفظه بعلمه وواضحه بنوره وايده بسلطانه واحكمه من ان يميل سهوا ويأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد، لا تفنى عجائبه من قال به صدق ومن عمل به احيز ؟ ومن خاصم به فلج ومن قال به نصر ومن قام به هدى إلى صراط مستقيم ومن تركه من الجبابرة قصمه الله ومن ابتغى العلم من غيره اضله الله وهو حبل الله المتين فيه بيان ما كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخبر معادكم انزله الله بعلمه واشهد الملائكة بتصديقه فقال " لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " فجعله نورا يهدى التي هي اقوم فقال " اتبعوه ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلا ما يتذكرون " ففي اتباع ما جاء من الله عزوجل الفوز العظيم وفي تركه الخطا المبين فجعل في اتباعه كل خير يرجى في الدنيا والآخرة، والقرآن آمر وزاجر حد فيه الحدود وسن فيه السنن وضرب فيه الامثال وشرع فيه الدين وغدا من سببه حجة على خلقه اخذ عليهم ميثاقهم وارتهن لهم انفسهم لينبئ لهم ما يأتون وما يبتغون ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حي عن بينة وان الله سميع عليم وقال امير المؤمنين صلوات الله عليه وآله " ايها الناس ان الله عزوجل بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وآله بالهدى وانزل عليه الكتاب بالحق وانتم اميون عن الكتاب ومن انزله وعن الرسول ومن ارسله، ارسله على حين فترة من الرسل وطول هجعة (3) من الامم وانبساط من


(1) بلج صدره أي انشرح (2) شيط اي نضج (3) الهجعة النوم. (*)

[ 3 ]

الجهل واعترض من الفتنة وانتقاص من البرم وعمى عن الحق وانتشار من الخوف واعتساف من الجور وامتحاق من الدين وتلظى من الحروب وعلى حين اصفرار من رياض جنات الدنيا ويبوس من اغصانها وانتشار من ورقها ويأس من ثمرها واغورار من مائها، فقد درست اعلام الهدى وظهرت اعلام الردى والدنيا متهجمة (1) في وجوه اهلها متكفهرة مدبرة غير مقبلة ثمرتها الفتنة وطعامها الجيفة وشعارها الخوف ودثارها السيف قد مزقهم كل ممزق فقد اعمت عيون اهلها واظلمت عليهم ايامها قد قطعوا ارحامهم وسفكوا دمائهم ودفنو في التراب الموؤدة بينهم من اولادهم يجتاز دونهم طيب العيش ورفاهته، خوط (2) لا يرجون من الله ثوابا ولا يخافون الله عقابا حيهم اعمى نجس ميتهم في النار مبلس فجاءهم النبي صلى الله عليه وآله بنسخة ما في الصحف الاولى وتصديق الذي بين يديه وتفصيل الحلال وبيان الحرام وذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم، اخبركم عنه ان فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم وبيان ما اصبحتم فيه مختلفون فلو سألتموني عنه لاخبرتكم عنه لانى اعلمكم ". وقال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع في مسجد الخيف " انى فرطكم (3) وانكم واردون على الحوض، حوض عرضه ما بين بصرة وصنعاء، فيه قد حان من فضة عدد النجوم الاواني سائلكم عن الثقلين قالوا يا رسول الله وما الثقلان ؟ قال كتاب الله الثقل الاكبر طرف بيد الله وطرف بايديكم فتمسكوا به لن تضلوا ولن تزلوا والثقل الاصغر عترتي واهل بيتي فانه قد نبأنى اللطيف الخبير انهما لن يفترقا


(1) الهجمة اول ما يهجم من ظلام الليل والمراد هنا مطلق الظلمة وكذا مكفهرة، وفى ط متجهمة أي عابسة ج. ز (2) الخوط الغصن الناعم أو كل قضيب يعني انهم كانوا غير ذوى حنك وتدبير (3) الفرط المتقدم والمعنى انى اتقدمكم إلى الحوض. ج. ز (*)

[ 4 ]

حتى يردا على الحوض كاصبعي هاتين - وجمع بين سبابتيه - ولا اقول كهاتين - وجمع بين سبابته والوسطى - فتفضل هذه على هذه " فالقرآن عظيم قدره جليل خطره بين ذكره من تمسك به هدى ومن تولى عنه ضل وزل فافضل ما عمل به القرآن لقول الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " وقال " وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " ففرض الله عزوجل على نبيه صلى الله عليه وآله ان يبين الناس ما في القرآن من الاحكام والقوانين والفرايض والسنن وفرض على الناس التفقه والتعليم والعمل بما فيه حتى لا يسع احدا جهله ولا يعذر في تركه ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهى الينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم واوجب ولايتهم ولا يقبل عمل الا بهم وهم الذين وصفهم الله تبارك وتعالى وفرض سؤالهم والاخذ منهم فقال " فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " فعلمهم عن رسول الله وهم الذين قال في كتابه وخاطبهم في قوله تعالى " يا ايها الناس آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا (القرآن) ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا - انتم يا معشر الائمة - شهداء على الناس " فرسول الله صلى الله عليه وآله شهيد عليهم وهم شهداء على الناس فالعلم عندهم والقرآن معهم ودين الله عزوجل الذي ارتضاه لانبيائه وملائكته ورسله منهم يقتبس وهو قول امير المؤمنين عليه السلام " الا ان العلم الذي هبط به آدم عليه السلام من السماء إلى الارض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين عندي وعند عترة خاتم النبيين فاين يتاه بكم بل اين تذهبون وقال ايضا امير المؤمنين عليه السلام في خطبته " ولقد علم المستحفظون من اصحاب محمد صلى الله عليه وآله انه قال انى واهل بيتي مطهرون فلا تسبقوهم فتضلوا ولا تتخلفوا عنهم فتزلوا ولا تخالفوهم فتجهلوا ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم

[ 5 ]

هم اعلم الناس كبارا واحلم الناس صغارا فاتبعوا الحق واهله حيث كان ففي الذي ذكرنا من عظيم خطر القرآن وعلم الائمة عليهم السلام كفاية لمن شرح الله صدره ونور قلبه وهداه لايمانه ومن عليه بدينه وبالله نستعين وعليه نتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل " (قال أبو الحسن على بن ابراهيم الهاشمي القمى ط) فالقرآن منه ناسخ، ومنه منسوخ، ومنه محكم، ومنه متشابه، ومنه عام، ومنه خاص، ومنه تقديم، ومنه تأخير، ومنه منقطع، ومنه معطوف، ومنه حرف مكان حرف، ومنه على خلاف ما انزل الله (1)، ومنه ما لفظه عام ومعناه خاص، ومنه ما لفظه خاص ومعناه عام، ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة اخرى ومنه ما تأويله في تنزيله ومنه ما تأويله مع تنزيله، ومنه ما تأويله قبل تنزيله، ومنه تأويله بعد تنزيله، ومنه رخصة اطلاق بعد الحظر، ومنه رخصة صاحبها فيها بالخيار ان شاء فعل وان شاء ترك، ومنه رخصة ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها ولا يدان بباطنها، ومنها ما على لفظ الخبر ومعناه حكاية عن قوم، ومنه آيات نصفها منسوخة ونصفها متروكة على حالها، ومنه مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين، ومنه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى امته، ومنه ما لفظه مفرد ومعناه جمع، ومنه ما لا يعرف تحريمه الا بتحليله، ومنه رد على الملحدين، ومنه رد على الزنادقة، ومنه رد على الثنوية ومنه رد على الجهمية، ومنه رد على الدهرية، ومنه رد على عبدة النيران، ومنه رد على عبدة الاوثان، ومنه رد على المعتزلة، ومنه رد على القدرية، ومنه رد على المجبرة، ومنه رد على من انكر من المسلمين الثواب والعقاب بعد الموت يوم القيامة، ومنه رد على من انكر المعراج والاسراء، ومنه رد على من انكر الميثاق


(1) مراده رحمه الله منه الآيات التي حذفت منها الفاظ على الظاهر كالآيات التي نزلت في امير المؤمنين عليه السلام مثل قوله تعالى يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك (في علي عليه السلام) وسيأتى تفصيل القول في ذلك عند محله. - ز. (*)

[ 6 ]

في الذر، ومنه رد على من انكر خلق الجنة والنار، ومنه رد على من انكر المتعة والرجعة، ومنه رد على من وصف الله عزوجل، ومنه مخاطبة الله عزوجل لامير المؤمنين والائمة عليهم السلام وما ذكره الله من فضايلهم وفيه خروج القائم واخبار الرجعة وما وعد الله تبارك وتعالى الائمة عليهم السلام من النصرة والانتقام من اعدائهم، وفيه شرايع الاسلام واخبار الانبياء عليهم السلام ومولدهم ومبعثهم وشريعتهم وهلاك امتهم، وفيه ما نزل بمغازي النبي صلى الله عليه وآله، وفيه ترهيب وفيه ترغيب، وفيه امثال، وفيه اخبار وقصص، ونحن ذاكرون جميع ما ذكرنا ان شاء الله في اول الكتاب مع خبرها ليستدل بها على غيرها وعلم ما في الكتاب وبالله التوفيق والاستعانة وعليه نتوكل وبه نستعين ونستجير والصلاة على محمد وآله الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فاما الناسخ والمنسوخ فان عدة النساء كانت في الجاهلية إذا مات الرجل تعتد امرأته سنة فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينقلهم عن ذلك وتركهم على عاداتهم وانزل الله تعالى بذلك قرآنا فقال " والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج " (1) فكانت العدة حولا فلما قوى الاسلام انزل الله " الذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشر (2) فنسخت قوله " متاعا إلى الحول غير اخراج " ومثله ان المرأة كانت في الجاهلية إذا زنت تحبس في بيتها حتى تموت والرجل يوذى فانزل الله في ذلك " واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (3) " وفى الرجل " واللذان يأتيانها منكم فاذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما ان الله كان توابا


(1) البقرة 240 (2) البقرة 234 (3) النساء 14 (*)

[ 7 ]

رحيما (1) " فلما قوى الاسلام انزل الله " الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منها ماءة جلدة (2) " فمسخت تلك ومثله كثير نذكره في مواضعه ان شاء الله تعالى واما المحكم فمثل قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين (3) " ومثله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (4) " ومنه قوله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم (5) " الآية إلى آخرها فهذه كله محكم قد استغنى بتنزيله عن تأويله ومثله كثير. واما المتشابه فما ذكرنا مما لفظه واحد ومعناه مختلف فمنه الفتنة التي ذكرها الله تعالى في القرآن فمنها عذاب وهو قوله " يوم هم على النار يفتنون (6) " اي يعذبون وقوله " الفتنة اكبر من القتل (7) " وهي الكفر ومنه الحب وهو قوله " انما اموالكم واولادكم فتنة (8) " يعني بها الحب ومنها اختبار وهو قوله " الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا امنا وهم لا يفتنون (9) " اي لا يختبرون ومثله كثير نذكره في مواضعه ومنه الحق وهو على وجوه كثيرة ومنه الضلال وهو على وجوه كثيرة فهذا من المتشابه الذي لفظه واحد ومعناه مختلف. واما ما لفظه عام ومعناه خاص فمثل قوله تعالى " يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وانى فضلتكم على العالمين (10) " فلفظه عام ومعناه خاص لانه فضلهم على عالمي زمانهم باشياء خصهم بها وقوله " واوتيت من كل شئ (11) "


(1) النساء 15 (2) النور 2 (3) المائدة 7 (4) المائدة 173 (5) النساء 22 (6) الذاريات 13 (7) البقرة 191 (8) الانفال 28 (9) العنكبوت 2 (10) البقرة 122 (11) النمل 23 (*)

[ 8 ]

يعني بلقيس فلفظه عام ومعناه خاص لانها لم توت اشياء كثيرة منها الذكر واللحية وقوله " ريح فيها عذاب اليم تدمر كل شئ بامر ربها (1) " لفظه عام ومعناه خاص لانها تركت اشياء كثيرة لم تدمرها. واما ما لفظه خاص ومعناه عام فقوله " من اجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا (2) " فلفظ الآية خاص في بني اسرائيل ومعناها عام في الناس كلهم. واما التقديم والتأخير فان آية عدة النساء الناسخة مقدمة على المنسوخة لان في التأليف قد قدمت آية " عدة النساء اربعة اشهر وعشرا (3) " على آية " عدة سنة كاملة (4) " وكان يجب اولا ان تقرأ المنسوخة التي نزلت قبل ثم الناسخة التي نزلت بعده وقوله " افمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة (5) " فقال الصادق عليه السلام انما نزل " افمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه اماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى " وقوله " وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيى (5) " وانما هو يحيى ويميت لان الدهرية لم يقروا بالبعث بعد الموت وانما قالوا " نحيا ونموت " فقدموا حرفا على حرف وقوله " يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي (7) " ايضا هو " اركعي واسجدي " وقوله " فلعلك باخع (8) نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا " وانما


(1) الاحقاف 25 (2) المائدة 35 (3) الذين يتوفون منكم ويذرون ازواحا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا - البقرة 234. (4) والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج البقرة 240. (5) الهود 17 (6) الجاثية 23 (7) آل عمران 43 (8) بخع نفسه كاد ان يهلكها من غضب أو غم (*)

[ 9 ]

هو " فلعلك باخع نفسك على آثارهم اسفا ان لم يؤمنوا بهذا الحديث " ومثله كثير. واما المنقطع المعطوف فهي آيات نزلت في خبر ثم انقطعت قبل تمامها وجائت آيات غيرها ثم عطف بعد ذلك على الخبر الاول مثل قوله عزوجل " وابراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون انما تعبدون من دون الله اوثانا وتخلقون افكا ان الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون " ثم انقطع خبر ابراهيم فقال مخاطبة لامة محمد " وان تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول الا البلاغ المبين أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير " إلى قوله " اولئك يئسوا من رحمتي واولئك لهم عذاب اليم " ثم عطف بعد هذه الآيات على قصة ابراهيم فقال " وما كان جواب قومه الا ان قالوا اقتلوه أو حرقوه فانجاه الله من النار (1) " ومثله في قصة لقمان قوله " واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم " ثم انقطعت وصية لقمان لابنه فقال " ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن " إلى قوله " فانبئكم بما كنتم تعملون " ثم عطف على خبر لقمان فقال " يا بنى انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها.. الخ (2) " ومثله كثير. واما ما هو حرف مكان حرف فقوله " لئلا يكون للناس على الله حجة الا الذين ظلموا منهم (3) " يعني ولا للذين ظلموا منهم وقوله " يا موسى لا تخف انى لا يخاف لدي المرسلون الا من ظلم (4) " يعني ولا من ظلم وقوله " ما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ (5) " يعني ولا خطأ وقوله " ولا


(1) العنكبوت 24 (2) لقمن 16 (3) البقرة 150 (4) النمل 10 (5) النساء 91 (*)

[ 10 ]

يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم الا ان تقطع قلوبهم (1) " يعني حتى تنقطع قلوبهم ومثله كثير. واما ما هو كان على خلاف ما انزل الله فهو قوله " كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (2) " فقال أبو عبد الله عليه السلام لقاري هذه الآية " خير امة " يقتلون امير المؤمنين والحسن والحسين بن علي عليه السلام ؟ فقيل له وكيف نزلت يابن رسول الله ؟ فقال انما نزلت " كنتم خير ائمة اخرجت للناس " الا ترى مدح الله لهم في آخر الآية " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " ومثله آية قرئت على ابى عبد الله عليه السلام " الذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين اماما (3) " فقال أبو عبد الله عليه السلام لقد سألوا الله عظيما ان يجعلهم للمتقين اماما فقيل له يابن رسول الله كيف نزلت ؟ فقال انما نزلت " الذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعل لنا من المتقين اماما " وقوله " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله (4) " فقال أبو عبد الله كيف يحفظ الشئ من امر الله وكيف يكون المعقب من بين يديه فقيل له وكيف ذلك يابن رسول الله ؟ فقال انما نزلت " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله ومثله كثير. واما ما هو محرف منه فهو قوله " لكن الله يشهد بما انزل اليك في على انزله بعلمه والملائكة يشهدون (5) " وقوله " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك في على فان لم تفعل فما بلغت رسالته (6) " وقوله " ان الذين كفروا


(1) التوبة 111 (2) آل عمران 110 (3) الفرقان 74 (4) الرعد 10 (5) النساء 166 (6) المائدة 70. (*)

[ 11 ]

وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم (1) " وقوله " وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم اي منقلب ينقلبون (2) " وقوله " ولو ترى الذين ظلموا آل محمد حقهم في غمرات الموت (3) " ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما ما لفظه جمع ومعناه واحد وهو جار في الناس فقوله " يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم (4) " نزلت في ابي لبابة بن عبد الله بن المنذر خاصة وقوله " يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء (5) " نزلت في حاطب بن ابي بلتعه وقوله " الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا ليكم (6) " نزلت في نعيم ابن مسعود الاشجعي وقوله " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن (7) " نزلت في عبد الله بن نفيل خاصة ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما ما لفظه واحد ومعناه جمع فقوله " وجاء ربك والملك صفا صفا (8) " فاسم الملك واحد ومعناه جمع وقوله " الم تر ان الله يسجد له من في السموات والارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر (9) " فلفظ الشجر واحد ومعناه جمع. واما ما لفظه ماض وهو مستقبل فقوله " ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله وكل اتوه داخرين (10) " وقوله


(1) النساء 167 (2) الشعرا 227 (3) الآية الموجودة في المصحف هكذا " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " الانعام 93 (4) الانفال 27 (5) الممتحنة 1 (6) آل عمران 173 (7) التوبة 62 (8) الفجر 22 (9) الحج 18 (10) النمل 87 (*)

[ 12 ]

" ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فإذا هم قيام ينظرون واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو اعلم بما يفعلون (1) " إلى آخر الآية فهذا كله ما لم يكن بعد وفي لفظ الآية انه قد كان ومثله كثير. واما الآيات التي هي في سورة وتمامها في سورة اخرى فقوله في سورة البقرة في قصة بني اسرائيل حين عبر بهم موسى البحر وأغرق الله فرعون واصحابه وانزل موسى ببني اسرائيل فانزل الله عليهم المن والسلوى فقالوا لموسى " لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها فقال لهم موسى " اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصر فان لكم ما سألتم (2) فقالوا له يا موسى " ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون (3) " فنصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة المائدة وقوله " اكتتبها فهي تملئ عليه بكرة واصيلا (4) " فرد الله عليهم " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (5) " فنصف الآية في سورة الفرقان ونصفها في سورة القصص والعنكبوت ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما الآية التي نصفها منسوخة ونصفها متروكة على حالها فقوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن (6) " وذلك ان المسلمين كانوا ينكحون اهل الكتاب من اليهود والنصارى وينكحونهم فانزل الله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن


(1) الزمر 68 (2) البقرة 61 (3) المائدة 24 (4) الفرقان 5 (5) العنكبوت 48 (6) البقرة 221 (*)

[ 13 ]

ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو اعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو اعجبكم " فنهى الله ان ينكح المسلم المشركة أو ينكح المشرك المسلمة ثم نسخ قوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " بقوله في سورة المائدة " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم إذا اتيتموهن اجورهن (1) " فنسخت هذه الآية قوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " وترك قوله " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " لم ينسخ لانه لا يحل للمسلم ان ينكح المشركة ويحل له ان يتزوج المشركة من اليهود والنصارى، وقوله " وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص (2) " ثم نسخت هذه الآية بقوله " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى (3) " فنسخت قوله " النفس بالنفس إلى قوله السن بالسن " ولم ينسخ قوله " الجروح قصاص " فنصف الآية منسخوة ونصفها متروكة. واما ما تأويله في تنزيله فكل آية نزلت في حلال أو حرام مما لا يحتاج فيها إلى تأويل مثل قوله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم (4) " وقوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (5) " ومثله كثير مما تأويله في تنزيله وهو من المحكم الذي ذكرناه. واما ما تأويله مع تنزيله فمثل قوله " اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم (6) " فلم يستغن الناس بتنزيل الآية حتى فسر لهم الرسول من اولوا


(1) البقرة 5 (2) المائدة 48 (3) البقرة 178 (4) النساء 22 (5) المائدة 173 (6) النساء 58 (*)

[ 14 ]

الامر وقوله " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) " فلم تستغن الناس الذين سمعوا هذا من النبي بتنزيل الآية حتى عرفهم النبي صلى الله عليه وآله من الصادقون وقوله " يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم " فلم يستغن الناس حتى اخبرهم النبي صلى الله عليه وآله كم يصومون وقوله " اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فلم تستغن الناس بهذا حتى اخبرهم النبي كم يصلون وكم يصومون وكم يزكون. واما ما تأويله قبل تنزيله فالامور التي حدثت في عصر النبي صلى الله عليه وآله مما لم يكن عند النبي فيها حكم مثل الظهار فان العرب في الجاهلية كانوا إذا ظاهر الرجل من امرأته حرمت عليه إلى الابد فلما هاجر رسول الله إلى المدينة ظاهر رجل من امرأته يقال له اوس بن الصامت فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته بذلك فانتظر النبي صلى الله عليه وآله الحكم من الله فانزل الله تبارك وتعالى " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن امهاتهم ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم (2) " ومثله ما نزل في اللعان وغيره مما لم يكن عند النبي صلى الله عليه وآله فيه حكم حتى نزل عليه القرآن به من عند الله عزوجل فكان التأويل قد تقدم التنزيل. واما ما تأويله بعد تنزيله فالامور التي حدثت في عصر النبي صلى الله عليه وآله وبعده من غصب آل محمد حقهم وما وعدهم الله به من النصر على اعدائهم وما اخبر الله به من اخبار القائم وخروجه واخبار الرجعة والساعة في قوله " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون (3) " وقوله " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا (4) " نزلت في القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وقوله


(1) التوبة 120 (2) المجادلة 2 (3) الانبياء 105 (4) النور 55 (*)

[ 15 ]

" نريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض (1) " ومثله كثير مما تأويله بعد تنزيله. واما ما هو متفق اللفظ ومختلف المعنى فقوله " واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها (2) " يعني اهل القرية واهل العير وقوله " وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا " يعني اهل القرى، ومثله كثير نذكره. واما الرخصة التي هي بعد العزيمة فان الله تبارك وتعالى فرض الوضوء والغسل بالماء فقال " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا " ثم رخص لمن لم يجد الماء التيمم بالتراب فقال " وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغايط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه (3) " ومثله " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (4) " ثم رخص فقال " وان خفتم فرجالا أو ركبانا " وقوله " فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " فقال العالم عليه السلام الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي جالسا فمن لم يقدر فمضطجعا يؤمي ايماء فهذه رخصة بعد العزيمة. واما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار ان شاء اخذ وان شاء ترك فان الله عزوجل رخص ان يعاقب الرجل الرجل على فعله به فقال " وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى واصلح فاجره على الله (5) " فهذا بالخيار ان شاء عاقب وان شاء عفى واما الرخصة التي ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها ولا يدان بباطنها


(1) القصص 5 (2) يوسف 82 (3) المائدة 6 (4) البقرة 238 (5) الشورى 40 (*)

[ 16 ]

فان الله تبارك وتعالى نهى ان يتخذ المؤمن الكافر وليا فقال " لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ (1) " ثم رخص عند التقية ان يصلي بصلاته ويصوم بصيامه ويعمل بعمله في ظاهره وان يدين الله في باطنه بخلاف ذلك فقال " الا ان تتقوا منهم تقاة (2) " فهذا تفسير الرخص ومعنى قول الصادق عليه السلام ان الله تبارك وتعالى يحب ان يؤخذ برخصه كما يجب ان يؤخذ بعزايمه. واما ما لفظه خبر ومعناه حكاية فقوله " ولبثوا في كهفهم ثلاث ماءة سنين وازدادوا تسعا (3) " وهذا حكاية عنهم والدليل على انه حكاية ما رد الله عليهم بقوله " قل الله اعلم بما لبثوا له غيب السموات والارض " وقوله يحكي قول قريش " ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى (4) " فهو على لفظ الخبر ومعناه حكاية ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما ما هو مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى لامته فقوله " يا ايها النبي إذا طلقتم ؟ ؟ النساء فطلقوهن لعدتهن (5) " والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى لامته وقوله " لا تدع مع الله الها آخر فتلقى في جهنم مذموما مدحورا (6) " ومثله كثير مما خاطب الله به نبيه صلى الله عليه وآله والمعنى لامته وهو قول الصادق عليه السلام ان الله بعث نبيه صلى الله عليه وآله باياك اعني واسمعي يا جارة. واما ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين فقوله " وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن (انتم يا معشر امة محمد) في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (7) " فالمخاطبة لبني اسرائيل والمعنى لامة محمد صلى الله عليه وآله.


(1) آل عمران 28 (2) آل عمران 28 (3) الكهف 25 (4) الزمر 3 (5) الطلاق 1 (6) اسرى 18 (7) اسرى 4 (*)

[ 17 ]

واما الرد على الزنادقة فقوله " ومن نعمره ننكسه في الخلق افلا يعقلون (1) " وذلك ان الزنادقة زعمت ان الانسان انما يتولد بدوران الفلك فإذا وقعت النطفة في الرحم تلقتها الاشكال والغذاء ومر عليه الليل والنهار ويكبر لذلك فقال الله تبارك وتعالى ردا عليهم " ومن نعمره ننكسه في الخلق افلا يعقلون " يعني من يكبر ويعمر يرجع إلى حد الطفولية ويأخذ في النقصان والنكس فلو كان هذا كما زعموا لوجب ان يزيد الانسان ابدا ما دامت الاشكال قائمة والليل والنهار يدوران عليه فلما بطل هذا وكان من تدبير الله عزوجل اخذ في النقصان عند منتهى عمره. واما الرد على الثنوية فقوله " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق (2) " قال لو كان الهان لطلب كل واحد منهما العلو وإذا شاء واحد ان يخلق انسانا شاء الآخر ان يخالفه فيخلق بهيمة فتكون الخلق منهما على مشيتهما واختلف ارادتهما بخلق انسان وبهيمة في حالة واحدة وهذا من اعظم المحال غير موجود وإذا بطل هذا ولم يكن بينهما اختلاف بطل الاثنان وكان واحدا فهذا التدبير واتصاله وقوام بعضه ببعض بالاهوا والارادات والمشيات تدل على صانع واحد وهو قوله عزوعلا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض وقوله " ولو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا (3) ". واما الرد على عبدة الاوثان فقوله " ان الذين تدعون من دون الله عباد امثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ان كنتم صادقين ألهم ارجل يمشون بها ام لهم ايد يبطشون بها ام لهم اعين يبصرون بها ام لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا


(1) يس 68 (2) المؤمنون 92 (3) الانبياء 22 (*)

[ 18 ]

شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (1) " وقوله يحكى قول ابراهيم عليه السلام " اتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم اف لكم ولما تعبدون من دون الله افلا تعقلون (2) " وقوله " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (3) " وقوله " افمن يخلق كمن لا يخلق افلا تذكرون (4) " ومثله كثير مما هو رد على الزنادقة وعبدة الاوثان واما ما هو رد على الدهرية زعموا ان الدهر لم يزل ولا يزال ابدا وليس له مدبر ولا صانع وانكروا البعث... والنشور فحكى الله عزوجل قولهم فقال " وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وانما قالوا نحيى ونموت وما يهلكنا الا الدهر وما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون ؟ (5). فرد الله عليهم فقال عزوجل " يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء إلى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا (6) " ثم ضرب للبعث والنشور مثلا فقال: " وترى الارض هامدة - اي يابسة - مبتة فإذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج يهيج - اي حسن - ذلك بان الله هو الحق وانه يحيى الموتى وانه على كل شئ قدير وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور (7) " وقوله " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا اصاب به


(1) الاعراف 194 (2) الانبياء 67 (3) الاسراء 56 (4) النحل 17 (5) الجاثية 23 (6) الحج 5 (7) الحج 7 (*)

[ 19 ]

من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وان كانوا من قبل ان ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الارض بعد موتها ان ذلك لمحي الموتى (1) " وقوله " افلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج والارض مددناها والفينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل زوج بهيج إلى قوله واحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (2) " وقوله " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم قل يحييها الذى انشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم (3) " ومثله كثير مما هو رد على الدهرية. واما الرد على من انكر الثواب والعقاب (4) فقوله " يوم يأت لا تكلم نفس الا باذنه فمنهم شقي وسعيد فاما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالذين فيها ما دامت السموات والارض (5) " واما قوله ما دامت السموات والارض انما هو في الدنيا فإذا قامت القيامة تبدل السموات والارض وقوله النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (6) " فالغدو والعشي انما يكون في الدنيا في دار المشركين واما في القيامة فلا يكون غدوا ولا عشيا قوله " لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (7) " يعني في جنان الدنيا التي تنتقل إليها ارواح المؤمنين فاما في جنات الخلد فلا يكون غدوا ولا عشيا وقوله من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (8) " فقال الصادق عليه السلام البرزخ القبر وفيه الثواب والعقاب بين الدنيا


(1) الروم 50 (2) ق 11 (3) يس 79 (4) المراد من الثواب والعقاب ما هو في دار الدنيا المسمى بالبرزخ كما هو ظاهر من تقريب الاستدلال بالآيات الآتية. (5) هو 107 (6) المومن 46 (7) مريم 62 (8) المؤمنون 101 (*)

[ 20 ]

والآخرة والدليل على ذلك ايضا قول العالم عليه السلام والله ما نخاف عليكم الا البرزخ وقوله عزوجل " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (1) قال الصادق عليه السلام يستبشرون والله في الجنة بمن لم يلحقوا بهم من خلفهم من المؤمنين في الدنيا ومثله كثير مما هو رد على من انكر عذاب القبر. واما الرد على من انكر المعراج والاسراء فقوله " وهو بالافق الاعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو ادنى (2) " وقوله " وسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا (3) " وقوله " فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك (4) " يعني الانبياء عليه السلام وانما رآهم في السماء لما اسري به. واما الرد على من انكر الرؤية فقوله " ما كذب الفؤاد ما راى افتمارونه على ما يرى ولقد راه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى (5) " قال أبو الحسن علي بن ابراهيم بن هاشم حدثني ابي عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال قال يا احمد ما الخلاف بينكم وبين اصحاب هشام بن الحكم في التوحيد فقلت جعلت فداك قلنا نحن بالصورة للحديث الذي روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله راى ربه في صورة شاب وقال هشام بن الحكم بالنفي للجسم فقال يا احمد ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري به إلى السماء وبلغ عند سدرة المنتهى خرق له في الحجب مثل سم لابرة فرأى من نور العظمة ما شاء الله ان يرى واردتم انتم التشبيه دع هذا يا احمد لا ينفتح عليك هذا امر عظيم


(1) آل عمران 170 (2) النجم 9 (3) الزخرف 45 (4) يونس 94 (5) النجم 15 (*)

[ 21 ]

واما الرد على من انكر خلق الجنة والنار فقوله " عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى " والسدرة المنتهى في السماء السابعة وجنة المأوى عندها قال علي بن ابراهيم حدثني ابي عن حماد عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسرى بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت قصرا من ياقوتة حمراء يرى داخلها من خارجها وخارجها من داخلها من ضيائها وفيها بيتان من در وزبرجد فقلت يا جبرئيل لمن هذا القصر فقال هذا لمن اطاب الكلام وادام الصيام واطعم الطعام وتهجد بالليل والناس نيام فقال امير المؤمنين يارسول الله وفي امتك من يطيق هذا فقال ادن مني يا علي فدنا منه فقال اتدري ما اطابة الكلام قال الله ورسوله اعلم قال من قال سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر اتدري ما ادامة الصيام قال الله ورسوله اعلم قال من صام رمضان ولم يفطر منه يوما وتدري ما اطعام الطعام قال الله ورسوله اعلم قال من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس وتدري ما التهجد بالليل والناس نيام قال الله ورسوله اعلم قال من لم ينم حتى يصلي العشاء الآخرة ويعنى بالناس نيام اليهود والنصارى فانهم ينامون ما بينها وبهذا الاسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسرى بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قيعان (1) تفق ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة وربما امسكوا فقلت لهم مالكم ربما بنيتم وربما امسكتم فقالوا حتى تجيئنا النفقة فقلت وما نفقتكم فقالوا قول المؤمن في الدنيا سبحان الله والحمد لله ولا آله الا الله والله اكبر فإذا قال بنينا وإذا امسك امسكنا وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسرى بي إلى سبع سماواته اخذ بيدي جبرئيل فادخلني الجنة فاجلسني على


(1) القيعان جمع قاعة وهى ارض سهلة لا عوج فيها و " تفق " أي تعادل والمقصود العرصات المتساوية المتعادلة وفى ط " يقق " ككتف أي شديد البياض ج - ز (*)

[ 22 ]

درنوت (1) من درانيك الجنة فناولني سفرجلة فانفلقت نصفين فخرجت من بينهما حوراء فقامت بين يدي فقالت السلام عليك يا محمد السلام عليك يا احمد السلام عليك يا رسول الله فقلت وعليك السلام من انت فقالت انا الراضية المرضية خلقني الجبار من ثلاثة انواع اسفلى من المسك ووسطى من العنبر واعلاي من الكافور وعجنت بماء الحيوان ثم قال جل ذكره لي كوني فكنت (2) لاخيك ووصيك علي بن ابي طالب صلوات الله عليه قال وقال أبو عبد الله عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكثر تقبيل فاطمة عليها السلام فغضبت من ذلك عايشة صلى الله عليه وآله وقالت يا رسول الله صلى الله عليه وآله انك تكثر تقبيل فاطمة عليها السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا عايشة انه لما اسري بى إلى السماء دخلت الجنة فادنانى جبرائيل عليه السلام من شجرة طوبى وناولني من ثمارها فاكلته فلما هبطت إلى الارض حول الله ذلك ماء في ظهري فواقعت بخديجة فحملت بفاطمة فما قبلتها إلا وجدت رايحة شجرة طوبى منها ومثل ذلك كثير مما هو رد على من انكر المعراج وخلق الجنة والنار. واما الرد على المجبرة الذين قالوا ليس لنا صنع ونحن مجبرون يحدث الله لنا الفعل عند الفعل وانما الافعال هي منسوبة إلى الناس على المجاز لا على الحقيقة وتأولوا في ذلك آيات من كتاب الله عزوجل لم يعرفوا معناها مثل قوله " وما تشاؤن الا ان يشاء الله " وقوله " ومن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " وغير ذلك من الآيات التي تأويلها على خلاف معانيها وفيما قالوه ابطال للثواب والعقاب وإذا قالوا ذلك ثم اقروا بالثواب والعقاب نسبوا الله إلى الجور وانه يعذب العبد على غير اكتساب وفعل تعالى الله عن ذلك


(1) بضم الدال وكسرها نوع من البسط له خمل (2) هكذا موجود في العبارة لكن الاحتمال ان الساقط منها هو قول النبي صلى الله عليه وآله " لمن انت ؟ قالت ". ج - ز (*)

[ 23 ]

علوا كبيرا ان يعاقب احدا على غير فعله وبغير حجة واضحة عليه والقرآن كله رد عليهم قال الله تبارك وتعالى " لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (1) " فقوله عزوجل لها وعليها هو على الحقيقة لفعلها وقوله " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (2) " وقوله " كل نفس بما كسبت رهينة (3) " وقوله ذلك بما قدمت ايديكم (4) " وقوله " واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى (5) " وقوله " انا هديناه السبيل " يعني بينا له طريق الخير وطريق الشر " اما شاكرا واما كفورا " قوله " وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين فكلا اخذنا بذنبه - لم يقل لفعلنا - فمنهم من ارسلنا عليه حاصبا ومنهم من اخذته الصيحة ومنهم من حسفنا به وبداره الارض ومنهم من اغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون (6) " ومثله كثير نذكره ونذكر ما احتجت به المجبرة من القرآن الذي لم يعرفوا معناه وتفسيره في مواضعه ان شاء الله. واما الرد على المعتزلة فان الرد من القرآن عليهم كثير وذلك ان المعتزلة قالوا نحن نخلق افعالنا وليس لله فيها صنع ولا مشية ولا ارادة ويكون ما شاء ابليس ولا يكون ما شاء الله واحتجوا انهم خالقون لقول الله عزوجل تبارك الله احسن الخالقين فقالوا في الخلق خالقون غير الله فلم يعرفوا معنى الخلق وعلى كم


(1) البقرة 286 (2) الزلزال 8 (3) المدثر 38 (4) آل عمران 182 والانفعال 52 (5) حم السجدة 17 (6) العنكبوت 40 (*)

[ 24 ]

وجه هو فسئل الصادق عليه السلام أفوض الله إلى العباد امرا ؟ فقال الله اجل واعظم من ذلك فقيل فاجبرهم على ذلك ؟ فقال الله اعدل من ان يجيرهم على فعل ثم يعذبهم عليه فقيل له فهل بين هاتين المنزلتين منزلة قال نعم فقيل ما هي فقال سر من اسرار ما بين السماء والارض وفي حديث آخر قال سئل هل بين الجبر والقدر منزلة قال نعم قيل فما هي قال سر من اسرار الله قال هكذا خرج الينا قال وحدثني محمد بن عيسى ابن عبيد عن يونس قال قال الرضا عليه السلام يا يونس لا تقل بقول القدرية فان القدرية لم يقولوا بقول اهل الجنة ولا بقول اهل النار ولا بقول ابليس فان اهل الجنة قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ولم يقولوا بقول اهل النار فان اهل النار قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وقال ابليس رب بما اغويتني فقلت يا سيدي والله ما اقول بقولهم ولكني اقول لا يكون الا ما شاء الله وقضى وقدر فقال ليس هكذا يا يونس ولكن لا يكون الا ما شاء الله واراد وقدر وقضى أتدري ما المشية يا يونس قلت لا قال هو الذكر الاول أتدري ما الارادة قلت لا قال العزيمة على ما شاء الله وتدري ما التقدير قلت لا قال هو وضع الحدود من الآجال والارزاق والبقاء والفناء وتدري ما القضاء قلت لا قال هو اقامة العين ولا يكون الا ما شاء الله عني الذكر الاول. واما الرد على من انكر الرجعة فقوله " ويوم نحشر من كل امة فوجا (1) " قال وحدثني ابى عن ابن ابى عمير عن حماد عن ابى عبد الله عليه السلام قال ما يقول الناس في هذه الآية ويوم نحشر من كل امة فوجا قلت يقولون انها في القيامة قال ليس كما يقولون ان ذلك في الرجعة أيحشر الله في القيامة من كل امة فوجا ويدع الباقين انما آية القيامة قوله " وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا " وقوله " وحرام


(1) النمل 83 (*)

[ 25 ]

على قرية اهلكناها انهم لا يرجعون (1) " فقال الصادق عليه السلام كل قرية اهلك الله اهلها بالعذاب ومحضوا (2) الكفر محضا لا يرجعون في الرجعة واما في القيامة فيرجعون اما غيرهم ممن لم يهلكوا بالعذاب (ومحضو الايمان محصنا اوط) ومحضوا الكفر محضا يرجعون قال وحدثني ابي عن ابن ابى عمير عن عبد الله بن مسكان عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه (3) قال ما بعث الله نبيا من لدن آدم إلى عيسى عليه السلام الا ان يرجع إلى الدنيا فينصر امير المؤمنين (ع) وهو قوله " لتؤمنن به " يعني رسول الله ولتنصرنه يعني امير المؤمنين ومثله كثير وما وعد الله تبارك وتعالى الائمة عليهم السلام من الرجعة والنصرة فقال " وعد الله الذين آمنوا منكم (يا معشر الائمة) وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بى شيئا " فهذا مما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا وقوله " ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض " فهذا كله مما يكون في الرجعة قال وحدثني ابى عن احمد بن النضر عن عمر بن شمر قال ذكر عند ابى جعفر (ع) جابر فقال رحم الله جابرا لقد بلغ من علمه انه كان يعرف تأويل هذه الآية " ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " يعني الرجعة ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما الرد على من وصف الله عزوجل فقوله " وان إلى ربك المنتهى (4) " قال حدثني ابى عن ابن ابى عمير عن جميل عن ابى عبد الله (ع) قال إذا انتهى


(1) الانبياء 95 (2) محض فلان الود: اي اخلصه (3) آل عمران 81 (4) النجم 42 (*)

[ 26 ]

الكلام إلى الله فامسكوا وتكلموا فيما دون العرش ولا تكلموا فيما فوق (العرش، فان قوما تكلموا فيما فوق العرش فتاهت) فتاهت عقولهم حتى ان الرجل كان ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه وقوله (ع) انه من تعاطى ماثمة هلك فلا يوصف الله عزوجل الا بما وصف به نفسه عزوجل ومن قول امير المؤمنين (ع) في خطبته وكلامه في نفي الصفة (1) واما الترغيب فمثل قوله " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا " وقوله تعالى " هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار " ومثل قوله تعالى " من جاء بالحسنة فله خير منها وقوله من جاء بالحسنة فله عشر امثالها " وقوله " من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ". واما الترهيب فمثل قوله تعالى " يا ايها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم " وقوله " يا ايها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ان وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " ومثله كثير في القرآن نذكره في مواضعه. واما القصص فهو ما اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله من اخبار الانبياء وقصصهم في قوله: نحن نقص عليك نبأهم بالحق وقوله نحن نقص عليك احسن


(1) كمال الاخلاص نفي الصفات عنه فمن وصفه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ومن جهله فقد اشار إليه ومن اشار إليه فقد حده ومن حده فقد عده (نهج البلاغة). ج - ز (*)

[ 27 ]

القصص وقوله لقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك، ومثله كثير ونحن نذكر ذلك كله في مواضعه ان شاء الله تعالى وانما ذكرنا من الابواب التي اختصرناها من الكتاب آية واحدة ليستدل بها على غيرها ويعرف معنى ما ذكرناه مما في الكتاب من العلم وفي ذلك الذي ذكرناه كفاية لمن شرح الله صدره وقبله للاسلام ومن عليه بدينه الذي ارتضاه لملائكته وانبيائه ورسله وبالله نستعين وعليه نتوكل ونسأله العصمة والتوفيق والعون على ما يقربنا منه ويزلفنا لديه واستفتح الله الفتاح العليم الذي من استمسك بحبله ولجأ إلى سلطانه وعمل بطاعته وانتهى عن معصيته ولزم دين اوليائه وخلفائه نجى بحوله وقوته واسأله عزوجل ان يصلي على خيرته من خلقه محمد وآله الاخيار والابرار. اقول تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حدثنى (1) أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه السلام قال حدثنا أبو الحسن علي بن ابراهيم قال حدثني ابي رحمه الله عن محمد بن ابي عمير عن حماد بن عيسى عن حريث عن ابي عبد الله (ع) قال حدثنى ابى عن حماد وعبد الرحمان بن ابى نجران وابن فضال عن علي بن عقبة قال وحدثني ابى عن النضر بن سويد واحمد بن محمد بن ابى نصير (2) عن عمرو بن شمر عن جابر عن ابى جعفر (ع) قال وحدثني ابى عن ابن ابى عمير عن حماد عن الحلبي وهشام ابن سالم وعن كلثوم بن العدم (3) عن عبد الله بن سنان وعبد الله بن مسكان وعن


(1) حدثنا ط (2) نصرط (3) الهرم ج - ز (*)

[ 28 ]

صفوان وسيف بن عميرة وابى حمزة الثمالي وعن عبد الله بن جندب والحسين بن خالد عن ابى الحسن الرضا (ع) قال وحدثني ابى عن حنان وعبد الله بن ميمون القداح وابان بن عثمان عن عبد الله بن شريك العامري عن مفضل بن عمر وابى بصير عن ابى جعفر وابى عبد الله (ع) تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) قال وحدثني ابى عن عمرو بن ابراهيم الراشدي وصالح بن سعيد ويحيى بن ابى عمير بن عمران الحلبي واسماعيل بن فرار وابي طالب عبد الله بن الصلت عن علي ابن يحيى عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال سألته عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم فقال الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم ملك الله والله اله كل شئ والرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصة وعن ابن اذينه قال قال أبو عبد الله عليه السلام " بسم الله الرحمن الرحيم " احق ما اجهر به وهي الآية التي قال الله عزوجل وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ادبارهم نفورا. الجزء (1) سورة الفاتحة مكية (1) وهى سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قال وحدثني ابي عن محمد بن ابى عمير عن النضر ابن سويد عن ابي بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله الحمد لله قال الشكر لله في قوله رب العالمين قال خلق المخلوقين الرحمن بجميع خلقه الرحيم بالمؤمنين خاصة مالك يوم الدين قال يوم الحساب والدليل على ذلك قوله وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين يعنى يوم الحساب (اياك نعبد) مخاطبة الله عزوجل (واياك نستعين) مثله (اهدنا الصراط المستقيم) قال الطريق ومعرفة الامام قال وحدثني ابي عن حماد عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله الصراط المستقيم قال هو امير المؤمنين عليه السلام ومعرفته والدليل على انه امير المؤمنين


(1) وفى ط مدينة وكلاهما صحيح لانها نزلت مرتين. ج - ز (*)

[ 29 ]

قوله وانه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم (1) وهو امير المؤمنين عليه السلام في ام الكتاب وفي قوله الصراط المستقيم قال وحدثني ابي عن القاسم (القسم ط) بن محمد بن سليمان بن داود المنقري عن جعفر (حفص ط) بن غياث قال وصف أبو عبد الله عليه السلام الصراط فقال الف سنة صعود والف سنة هبوط والف سنة حدال (2) وعنه عن سعدان بن مسلم عن ابي عبد الله (ع) قال سألته عن الصراط فقال هو ادق من الشعر واحد من السيف فمنهم من يمر عليه مثل البرق ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس ومنهم من يمر عليه ماشيا ومنهم من يمر عليه حبوا (3) ومنهم من يمر عليه متعلقا فتأخذ النار منه شيئا وتترك منه شيئا قال وحدثني ابي عن حماد عن حريز عن ابي عبد الله عليه السلام انه قرأ اهدنا الصراط المستقيم صراط من انعمت عليهم وغير المغضوب عليهم ولا (4) الضالين قال المغضوب عليهم النصاب والضالين اليهود والنصارى وعنه عن ابن ابي عمير عن ابن اذينه عن ابي عبد الله (ع) في قوله غير المغضوب عليهم وغير الضالين قال المغضوب عليهم النصاب والضالين والشكاك والذين لا يعرفون الامام قال وحدثني ابي عن الحسين (الحسن ط) بن علي بن فضال عن علي بن عقبة عن ابي عبد الله (ع) قال ان ابليس ان انينا لما بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله على حين فترة من الرسل وحين انزلت ام الكتاب.


(1) الزخرف 4 (2) الحدال بضم الحاء كل شئ املس (3) حبى الصبى حبوا زحف على يديه وبطنه (4) وفى ط " غير الضالين " ج - ز (*)

[ 30 ]

سورة البقرة وهى مائتان وست وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم (آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) قال أبو الحسن علي بن ابراهيم حدثنى ابي عن يحيى بن ابن عمران عن يونس عن سعدان بن مسلم عن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال الكتاب علي (ع) لا شك فيه هدى للمتقين قال بيان لشيعتنا قوله (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) قال مما علمناهم ينبئون ومما علمناهم من القرآن يتلون وقال الم هو حرف من حروف اسم الله الاعظم المتقطع في القرآن الذي خوطب به النبي صلى الله عليه وآله والامام فإذا دعا به اجيب والهداية في كتاب الله على وجوه اربعة فمنها ما هو للبيان للذين يؤمنون بالغيب قال يصدقون بالبعث والنشور والوعد والوعيد والايمان في كتاب الله على اربعة اوجه فمنه اقرار باللسان قد سماه الله ايمانا ومنه تصديق بالقلب ومنه الاداء ومنه التأييد. (الاول) الايمان الذي هو اقرار باللسان وقد سماه الله تبارك وتعالى ايمانا ونادى اهله به لقوله (يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وان منكم لمن ليبطئن فان اصابتكم مصيبة قال قد انعم الله علي إذ لم اكن معهم شهيدا ولئن اصابكم فضل من الله ليقولن كان لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فافوز فوزا عظيما (1) قال الصادق عليه السلام لو ان هذه الكلمة قالها اهل المشرق واهل المغرب لكانوا بها خارجين من الايمان ولكن قد سماهم الله مؤمنين


(1) النساء 70 (*)

[ 31 ]

باقرارهم وقوله " يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " فقد سماهم الله مؤمنين باقرارهم ثم قال لهم صدقوا. (الثاني) الايمان الذي هو التصديق بالقلب فقوله " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة (1) " يعني صدقوا وقوله " وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " اي لا نصدقك وقوله " يا ايها الذين آمنوا آمنوا " اي يا ايها الذين اقروا صدقوا فالايمان الحق هو التصديق وللتصديق شروط لا يتم التصديق الا بها وقوله " ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون (2) " فمن اقام بهذه الشروط فهو مؤمن مصدق. (الثالث) الايمان الذي هو الاداء فهو قوله لما حول الله قبلة رسوله إلى الكعبة قال اصحاب رسول الله يا رسول الله صلواتنا إلى بيت المقدس بطلت فانزل الله تبارك وتعالى " وما كان الله ليضيع ايمانكم " فسمى الصلاة ايمانا. (الرابع) من الايمان وهو التأييد الذي جعله الله في قلوب المؤمنين من روح الايمان فقال " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه (3) " والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله " لا يزني الزانى وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن يفارقه روح الايمان ما دام على بطنها فإذا


(1) يونس 64 (2) البقرة 177 (3) المجادلة 22 (*)

[ 32 ]

قام عاد إليه " قيل وما الذي يفارقه قال " الذي يدعه (يرعد ط) في قلبه " ثم قال عليه السلام " ما من قلب إلا وله اذنان على احدهما ملك مرشد وعلى الآخر شيطان مغتر (1) هذا يأمره وهذا يزجره " ومن الايمان ما قد ذكره الله في القرآن (خبيث وطيب ط) حيث قال " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " ومنهم من يكون مؤمنا مصدقا ولكنه يلبس ايمانه بظلم وهو قوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون " فمن كان مؤمنا ثم دخل في المعاصي التي نهى الله عنها فقد لبس ايمانه بظلم فلا ينفعه الايمان حتى يتوب إلى الله من الظلم الذي لبس ايمانه حتى يخلص لله فهذه وجوه الايمان في كتاب الله. قوله (والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك) قال بما انزل من القرآن اليك وما انزل على الانبياء قبلك من الكتب. قوله (ان الذين كفروا سواء عليهم ءانذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون) فان حدثني ابي عن بكر بن صالح عن ابي عمر الزبيدي (الزبيري ط) عن ابي عبد الله (ع) قال الكفر في كتاب الله على خمسة وجوه فمنه كفر بجحود وهو على وجهين جحود بعلم وجحود بغير علم فاما الذين جحدوا بغير علم فهم الذين حكاه الله عنهم في قوله (وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الدهر وما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون) وقوله " ان الذين كفروا سواء عليهم أانذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون " فهؤلآء كفروا وجحدوا بغير علم واما الذين كفروا وجحدوا بعلم فهم الذين قال الله تبارك وتعالى وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فهؤلآء كفروا وجحدوا بعلم قال وحدثني ابي عن ابن ابى عمير عن حماد عن حريز عن ابى عبد الله (ع) قال هذه


(1) اغتره اي طلب غفلته ج - ز (*)

[ 33 ]

الآية نزلت في اليهود والنصارى بقول الله تبارك وتعالى " الذين آتيناهم الكتاب - يعني التورية والانجيل - يعرفونه - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله - كما يعرفون ابناءهم (1) " لان الله عزوجل قد انزل عليهم في التورية والزبور والانجيل صفة محمد صلى الله عليه وآله وصفة اصحابه ومبعثه وهجرته وهو قوله " محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله رضوانا ؟ سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التورية ومثلهم في الانجيل (2) " هذه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه في التورية والانجيل فلما بعثه الله عرفه اهل الكتاب كما قال جل جلاله " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " فكانت اليهود يقولون للعرب قبل مجئ النبي ايها العرب هذا اوان نبي يخرج بمكة ويكون هجرته بالمدينة وهو آخر الانبياء وافضلهم، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يلبس الشملة ويجتزي بالكسرة والتميرات ويركت الحمار عرية (3) وهو الضحوك القتال يضع سيفه على عاتقه ولا يبالي بمن لاقى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر وليقتلنكم الله به يا مشعر العرب قتل عاد، فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به كما قال الله " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " ومنه كفر البراءة وهو قوله " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض " اي يتبرأ بعضكم من بعض، ومنه كفر الشرك لما امر الله وهو قوله " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر " اي ترك الحج وهو مستطيع فقد كفر، ومنه كفر النعم وهو قوله " ليبلونئ اشكر ام اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر " - اي ومن لم يشكر - نعمة الله فقد كفر فهذه وجوه الكفر في كتاب الله.


(1) البقرة 146 (2) الفتح 29 (3) أي بلا سرج (*)

[ 34 ]

قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين) فانها نزلت في قوم منافقين اظهروا لرسول الله الاسلام وكانوا إذا رأوا الكفار قالوا " انا معكم " وإذا لقوا المؤمنين قالوا نحن مؤمنون وكانوا يقولون للكفار " انا معكم انما نحن مستهزؤن " فرد الله عليهم " الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون " والاستهزاء من الله هو العذاب " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " اي يدعهم. قوله (اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) والضلالة هنا الحيرة والهدى هو البيان واختاروا الحيرة والضلالة على الهدى وعلى البيان فضرب الله فيهم مثلا فقال (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) قوله (صم بكم عمي) والصم الذي لا يسمع والبكم الذي يولد من امه اعمى والعمى الذي يكون بصيرا ثم يعمى قوله (أو كصيب من السماء) اي كمطر من السماء وهو مثل الكفار قوله (يخطف ابصارهم) اي يعمي قوله (ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) أي في شك، قوله (فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم - يعني الذين عبدوهم واطاعوهم - من دون الله إن كنتم صادقين) قوله (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) قال يؤتون من فاكهة واحدة على الوان متشابهة قوله (ولهم فيها ازواج مطهرة) اي لا يحضن ولا يحدثن. واما قوله " ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثل يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) فانه قال الصادق عليه السلام ان هذا القول من الله عزوجل رد على من زعم ان الله تبارك وتعالى يضل العباد ثم يعذبهم على ضلالتهم فقال الله عزوجل ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها قال وحدثني ابى عن النضر بن سويد عن القسم بن سليمان عن المعلى بن خنيس

[ 35 ]

عن ابي عبد الله عليه السلام ان هذا المثل ضربه الله لامير المؤمنين عليه السلام فالبعوضة امير المؤمنين عليه السلام وما فوقها رسول الله صلى الله عليه وآله والدليل على ذلك قوله " فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم " يعنى امير المؤمنين كما اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الميثاق عليهم له " واما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " فرد الله عليهم فقال " وما يضل به الا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه - في علي - ويقطعون ما امر الله به ان يوصل " يعني من صلة امير المؤمنين (ع) والائمة عليهم السلام " ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون " قوله " وكيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فاحياكم) اي نطفة ميتة وعلقة واجري فيكم الروح فاحياكم (ثم يميتكم - بعد - ثم يحييكم) في القيامة (ثم إليه ترجعون) والحياة في كتاب الله على وجوه كثيرة، فمن الحياة ابتداء خلق الانسان في قوله " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " فهي الروح المخلوق خلقه الله واجري في الانسان " فقعوا له ساجدين ". والوجه الثاني من الحياة يعني به انبات الارض وهو قوله يحيى الارض بعد موتها والارض الميتة التي لا نبات لها فاحياؤها بنباتها. ووجه آخر من الحياة وهو دخول الجنة وهو قوله " استجيبوا لله ولرسوله إذا دعاكم لما يحييكم " يعني الخلود في الجنة والدليل على ذلك قوله " وان الدار الآخرة لهي الحيوان ". واما قوله (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل عن ابي عبد الله (ع) قال سئل عما ندب الله الخلق إليه ادخل فيه الضلالة ؟ قال نعم والكافرون دخلوا فيه لان الله تبارك وتعالى امر الملائكة بالسجود لآدم فدخل في امره الملائكة وابليس فان ابليس كان من الملائكة في السماء يعبد الله وكانت

[ 36 ]

الملائكة تظن انه منهم ولم يكن منهم فلما امر الله الملائكة بالسجود لآدم (ع) اخرج ما كان في قلب ابليس من الحسد فعلم الملائكة عند ذلك ان ابليس لم يكن مثلهم فقيل له (ع) فكيف وقع الامر على ابليس وانما امر الله الملائكة بالسجود لآدم ؟ فقال كان ابليس منهم بالولاء (1) ولم يكن من جنس الملائكة وذلك ان الله خلق خلقا قبل آدم وكان ابليس منهم حاكما في الارض فعتوا وافسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله الملائكة فقتلوهم واسروا ابليس ورفعوه إلى السماء وكان مع الملائكة يعبد الله إلى ان خلق الله تبارك وتعالى آدم (ع). فحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن (ابى ط) مقدام عن ثابت الحذاء عن جابر بن يزيد الجعفي عن ابي جعفر محمد بن على بن الحسين عن ابيه عن آبائه عليهم السلام عن امير المؤمنين عليه السلام قال ان الله تبارك وتعالى اراد ان يخلق خلقا بيده وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الارض سبعة آلاف سنة وكان من شأنه خلق آدم كشط (2) عن اطباق السموات قال للملائكة انظروا إلى اهل الارض من خلقي من الجن والنسناس فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الارض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا وتأسنوا على اهل الارض ولم يملكوا غضبهم قالوا ربنا إنك أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن وهذا خلقك الضعيف الذليل يتقلبون في قبضتك ويعيشون برزقك ويتمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام لا تأسف عليهم ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى وقد عظم ذلك علينا واكبرناه فيك قال فلما سمع ذلك من الملائكة قال (اني جاعل في الارض خليفة) يكون حجة لي في الارض على خلقي فقالت الملائكة سبحانك (اتجعل فيها من يفسد فيها)


(1) يعني انه كان يحب الملائكة (2) اي كشف (*)

[ 37 ]

كما افسد بنو الجان ويسفكون الدماء كما سفك بنو الجان ويتحاسدون ويتباغضون فاجعل ذلك الخليفة منا فانا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء ونسبح بحمدك ونقدس لك قال عزوجل (اني اعلم ما لا تعلمون) اني اريد ان اخلق خلقا بيدي واجعل من ذريته انبياء ومرسلين وعبادا صالحين ائمة مهتدين واجعلهم خلفاء على خلقي في ارضي ينهونهم عن معصيتي وينذرونهم من عذابي ويهدونهم إلى طاعتي ويسلكون بهم طريق سبيلي وأجعلهم لي حجة عليهم وابيد النساس من ارضي واطهرها منهم وانقل مردة الجن العصاة من بريتي وخلقي وخيرتي واسكنهم في الهواء في اقطار الارض فلا يجاورون نسل خلقي وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا فلا يرى نسل خلقي الجن ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم واسكنتهم مساكن العصاة اوردتهم مواردهم ولا آبالي قال فقالت الملائكة يا ربنا افعل ما شئت (لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم) قال فباعدهم الله من العرش مسيرة خمس مأة عام، قال فلاذوا بالعرش واشاروا بالاصابع فنظر الرب عزوجل إليهم ونزلت الرحمة فوضع لهم البيت المعمور فقال طوفوا به ودعوا العرش فانه لي رضى فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون ابدا فوضع الله البيت المعمور توبة لاهل السماء ووضع الكعبة توبة لاهل الارض فقال الله تبارك وتعالى " اني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " قال وكان ذلك من الله تعالى في آدم قبل ان يخلقه واحتجاجا منه عليهم (قال) فاغترف ربنا عزوجل غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات وكلتا يديه يمين فصلصلها في كفه حتى جمدت فقال لها منك اخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والائمة المهتدين والدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم القيامة ولا ابالي ولا اسأل عما

[ 38 ]

أفعل وهم يسألون، ثم اغترف غرفة اخرى من الماء المالح الاجاج (1) فصلصلها في كفه فجمدت ثم قال لها منك اخلق الجبارين والفراعنة والعتاة واخوان الشياطين والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة واشياعهم ولا ابالي ولا اسأل عما افعل وهم يسألون قال وشرطه في ذلك البداء (2) ولم يشترط في اصحاب اليمين ثم اخلط


(1) لا يقال ان هذا الخبر مؤيد للمجبرة الذين يقولون بعدم اختيار العباد، لانه يقال انه الله تعالى عالم بسريرة العباد قبل خلقهم وخبير بمصيرهم إلى الحسن أو القبح بدون ان يكون لهذا العلم دخل في افعالهم لان العلم بالشئ لا يكون مؤثرا فيه، بل المؤثر في الافعال ارادة الفاعل، فلما علم الله سبحانه وتعالى ان فريقا من العباد يفعلون الخير والحسنات، وآخرين يرتكبون الفواحش والمنكرات جعل في طينة الاولين الماء العذب، انعاما عليهم واكراما لهم ليكون اوفق لهم في مقام الطاعة واسهل في الانقياد، وليس هذا على حد الالجاء ولا سببا لما صدر عنهم من الاعمال الحسنة بل انه من الموفقات - وكذلك جعل في طينة الاشرار الماء المالح الاجاج تخفيضا وتحقيرا لهم وليس فيه الزام والجاء على فعل القبيح بل هو تابع لارادتهم كما ذكر ويؤيد ما ذكرنا قوله عليه السلام " وشرطه في ذلك البداء " فاندفع من هذا ما يرد على الاخبار الواردة من هذا القبيل كاخبار الطينة، واخبار السعادة والشقاوة في بطون الامهات - (2) قال جدي السيد الجزائري رحمه الله في زهر الربيع في معنى البداء انه " تكثرت الاحاديث من الفريقين في البداء " مثل " ما عظم الله بمثل البداء " وقوله " ما بعث الله نبيا حتى يقر له بالبداء " اي يقر له بقضاء مجدد في كل يوم بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهرا عندهم، وكان الاقرار عليهم بذلك للرد على اليهود حيث زعموا انه تعالى فرغ من الامر، يقولون انه تعالى عالم في الازل بمقتضيات الاشياء فقدر كل شئ على مقتضى علمه. (بقية الحاشية على الصفحة الآتية) (*)

[ 39 ]

المائتين جميعا في كفه فصلصلهما ثم كفهما قدام عرشه وهما سلالة من طين ثم امر الله


= وقال شيخنا الطوسي رحمه الله في العدة: واما البداء فحقيقته في اللغة الظهور، كما يقال " بدا لنا سور المدينة، وقد يستعمل في العلم بالشئ بعد ان لم يكن حاصلا، فإذا اضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز اطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز، فالاول هو ما افاد النسخ بعينه ويكون اطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع، وعلى هذا يحمل جميع ما ورد عن الصادق عليه السلام من الاخبار المتضمنة لاضافة البداء إلى الله تعالى دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد ان لم يكن، ويكون وجه اطلاق ذلك عليه تعالى التشبيه هو انه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهرا ويحصل لهم العلم به بعد ان لم يكن حاصلا واطلق على ذلك لفظ " البداء ". قال وذكر سيدنا المرتضى وجها آخر في ذلك وهو: انه قال يمكن حمل ذلك على حقيقته بان يقال بد الله بمعنى انه ظهر له من الامر ما لم يكن ظاهرا له، وبدا له من النهي ما لم يكن ظاهرا له، لان قبل وجود الامر والنهي لا يكونان ظاهرين مدركين وانما يعلم انه يأمر وينهى في المستقبل، فاما كونه آمرا وناهيا فلا يصح ان يعلمه الا إذا وجد الامر والنهي وجرى ذلك مجرى احد الوجهين المذكورين في قوله تعالى " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم " بان نحمله على ان المراد به حتى نعلم جهادكم موجودا، لان قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا وانما يعلم كذلك بعد حصوله فكذلك القول في البداء (انتهى). ويظهر مما افاده الشيخ رحمه الله عدم الفرق بين البداء والنسخ ولكن يمكن ان يقال في مقام الفرق بينهما ان الاول يطلق على ما يتعلق بالاصول المنوطة - بالاعتقاد التي لا دخل له في العمل، والثاني مخصوص بالفروع والشرائع المتعلقة باعمال المكلفين، وهذا الفرق غير خفي على كل حفي - (بقية الحاشية على الصفحة الآتية) (*)

[ 40 ]

الملائكة الاربعة الشمال والجنوب والصبا والدبوران يجولوا على هذه السلالة من الطين


= واحسن ما يمكن التمثيل به في معنى البداء قوله تعالى " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ثم اتممناها بعشر (الاعراف 142) فواعد الله موسى لاعطاء التوارة ثلاثين ليلة، ثم غير الوعد المذكور على الظاهر باضافة عشر ليال، ولم يكن هذا التغيير لاجل سنوح مصلحة جديدة كانت خفية عنه سابقا بل المعنى ان الميعاد المقرر عند الله لم يكن إلا اربعين ليلة، لكنه بين اولا بانه ثلاثون لحكمة امتحان ايمان تابعي موسى، فمنهم من ثبت عند هذا الامتحان، ومنهم من خرج عن ربقة الايمان، وتعبد بالعجل والاوثان، وبعد ما انتهى هذا الابتلاء اتم الميعاد باضافة عشر ليال، والدليل على ان الميعاد المقرر عند الله كان اربعين ليلة لا غير قوله تعالى " واذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون. البقرة 51 " قال البلاغي " اربعين ليلة باعتبار مجموع العددين، الوعد الاول - وهو ثلاثون ليلة - والثاني، وهو اتمامها بعشر كما في سورة الاعراف ". فعلى هذا لا يرد على البداء من انه موجب لجهله تعالى عن عواقب الامور أو موجب للتغير في علمه، أو نقصانه، لان التغير في المعلوم دون العالم، وان سلم فهو اعتباري غير قادح في وجوبه كما اشار إليه بقوله " كل يوم هو في شأن. الرحمن 29 ". ومن هذا يظهر ايضا دفع الاشكال الوارد على الحديث المشهور عن الصادق عليه السلام في ولده اسماعيل عند وفاته، وهو قوله عليه السلام: " ما بدالله في كل شئ كما بدا له في اسماعيل " وقد بين له معان لا يسعني ذكرها فنقتصر على ما خطر في خاطري وهو انه: = (*)

[ 41 ]

فأمرؤها (1) وأنشؤها ثم انزوها (2) وجزوها وفصلوها (3) واجروا فيها الطبايع الاربعة الريح والدم والمرة والبلغم فجالت الملائكة عليها وهى الشمال والجنوب والصبا والدبور واجروا فيها الطبايع الاربعة، الريح في الطبايع الاربعة من البدن من ناحية الشمال والبلغم في الطبايع الاربعة من ناحية الصبا والمرة في الطبايع الاربعة من ناحية الدبور والدم في الطبايع الاربعة من ناحية الجنوب، قال فاستفلت النسمة وكمل البدن فلزمه من ناحية الريح حب النساء وطول الامل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حب الطعام والشراب والبر والحلم والرفق، ولزمه من ناحية المرة الحب والغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حب الفساد واللذات وركوب المحارم والشهوات، قال أبو جعفر وجدناه هذا في كتاب امير المؤمنين عليه السلام، فخلق الله آدم فبقى اربعين سنة مصورا فكان يمر به ابليس اللعين فيقول لامر ما خلقت فقال العالم عليه السلام فقال ابليس لئن امرني الله بالسجود لهذا لاعصينه، قال ثم نفخ فيه فلما بلغت الروح إلى دماغه عطس عطسة جلس منها فقال الحمد لله فقال الله تعالى يرحمك الله قال الصادق عليه السلام فسبقت له من الله الرحمة ثم قال الله تبارك وتعالى للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا له فاخرج ابليس ما كان في قلبه من


= لما كان الغرض المهم من خلقه الكون خلقة الانسان، والمهم في خلقهم بعث الانبياء، والمهم في بعثهم نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، والمهم في بقاء شريعته صلى الله عليه وآله امامة اثنى عشرة ائمة، فكانت النتيجة ان هذه الامامة مدار الكون، فكان الابتلاء فيها من اهم الابتلاءات، فكان ظهور البداء فيها من اعظم البدوات التي امتحن الله بها قلوب العباد - والله العالم - ج - ز (1) اي هذبوها وطيبوها (2) انز الشئ تصلب وتشدد (3) وروى " فابدؤها وانشاؤها ثم ابرؤها وتجزوها " وما ذكرناه اوفق. ج - ز (*)

[ 42 ]

الحسد فابى ان يسجد فقال الله عزوجل " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " قال الصادق عليه السلام فاول من قاس ابليس واستكبر والاستكبار هو اول معصية عصي الله بها قال فقال ابليس يا رب اعفني من السجود لآدم عليه السلام وانا اعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل قال الله تبارك وتعالى لا حاجة لي إلى عبادتك انما اريد ان اعبد من حيث اريد لا من حيث تريد فابى ان يسجد فقال الله تعالى " فاخرج منها فانك رجيم وان عليك لعنتي إلى يوم الدين " فقال ابليس يا رب كيف وانت العدل الذي لا تجور فثواب عملي بطل قال لا ولكن إسأل من امر الدنيا ما شئت ثوابا لعملك فاعطيتك فاول ما سأل البقاء إلى يوم الدين فقال الله قد اعطيتك قال سلطني على ولد آدم قال قد سلطتك قال اجرني منهم مجرى الدم في العروق قال قد اجريتك قال ولا يلد لهم ولد الا ويلد لى اثنان قال واراهم ولا يروني واتصور لهم في كل صورة شئت فقال قد اعطيتك قال يا رب زدني قال قد جعلت لك في صدورهم اوطانا قال رب حسبي فقال ابليس عند ذلك " فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين " قال وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل عن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال لما اعطى الله تبارك وتعالى ابليس ما اعطاه من القوة قال آدم يا رب سلطته على ولدي واجريته مجرى الدم في العروق واعطيته ما اعطيته فما لي ولولدي ؟ فقال لك ولولدك السيئة بواحدة والحسنة بعشرة امثالها قال يا رب زدنى قال التوبة مبسوطة إلى حين يبلغ النفس الحلقوم فقال يا رب زدنى قال اغفر ولا ابالي قال حسبي قال قلت له جعلت فداك بماذا استوجب ابليس من الله ان اعطاه ما اعطاه فقال بشئ كان منه شكره الله عليه قلت وما كان منه جعلت فداك قال ركعتين ركعهما في السماء في اربعة آلاف سنة.

[ 43 ]

واما قوله (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) فانه حدثني ابى رفعه قال سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم أمن جنان الدنيا كانت ام من جنان الآخرة فقال كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ولو كانت من جنان الآخرة ما اخرج منها أبدا آدم ولم يدخلها إبليس قال اسكنه الله الجنة واتى جهالة إلى الشجرة فاخرجه لانه خلق خلقة لا تبقى الا بالامر والنهي واللباس والاكنان (1) والنكاح ولا يدرك ما ينفعه مما يضره الا بالتوقيف فجاءه ابليس فقال انكما ان اكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا وان لم تأكلا منها اخرجكما الله من الجنة وحلف لهما انه لهما ناصح كما قال الله تعالى حكاية عنه " ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما انى لكما لمن الناصحين " فقبل آدم قوله فاكلا من الشجرة فكان كما حكى الله " بدت لهما سوأتهما " وسقط عنهما ما البسهما الله من لباس الجنة واقبلا يستتران بورق الجنة " وناداهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين " فقالا كما حكى الله عزوجل عنهما " ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " فقال الله لهما (اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) قال إلى يوم القيامة، قوله (فازلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) فهبط آدم على الصفا وانما سميت الصفا لان صفوة الله نزل عليها ونزلت حواء على المروة وانما سميت المروة لان المرأة نزلت عليها فبقي آدم اربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنة فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال يا آدم الم يخلقك الله


(1) الاكنان جمع كن وهو ماكن من الحر والبرد. (*)

[ 44 ]

بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته قال بلى قال وأمرك ان لا تأكل من الشجرة فلم عصيته ؟ قال يا جبرئيل ان ابليس حلف لي بالله انه لي ناصح وما ظننت ان خلقا يخلقه الله ان يحلف بالله كاذبا، قال وحدثني ابى عن ابن ابى عمير عن إبن مسكان عن ابى عبد الله عليه السلام قال ان موسى عليه السلام سأل ربه ان يجمع بينه وبين آدم عليه السلام فجمع فقال له موسى يا ابة الم يخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته وامرك ان لا تأكل من الشجرة فلم عصيته ؟ فقال يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التورية ؟ قال بثلاثين الف سنة قبل ان خلق آدم قال فهو ذاك قال الصادق (ع) فحج آدم موسى عليهما السلام. واما قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم) فانه حدثني ابي عن ابن ابى عمير عن ابان بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام قال ان آدم عليه السلام بقي على الصفا اربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنة وعلى خروجه من الجنة من جوار الله عزوجل فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال يا آدم مالك تبكي فقال يا جبرئيل مالي لا أبكي وقد اخرجني الله من الجنة من جواره واهبطني إلى الدنيا فقال يا آدم تب إليه قال وكيف اتوب فانزل الله عليه قبة من نور فيه موضع البيت فسطع نورها في جبال مكة فهو الحرم فامر الله جبرئيل ان يضع عليه الاعلام قال قم يا آدم فخرج به يوم التروية وامره ان يغتسل ويحرم واخرج من الجنة اول يوم من ذي القعدة فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة اخرجه جبرئيل عليه السلام إلى منى فبات بها فلما اصبح اخرجه إلى عرفات وقد كان علمه حين اخرجه من مكة الاحرام وعلمه التلبية فلما زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية وامره ان يغتسل فلما صلى العصر اوقفه بعرفات وعلمه الكلمات التي تلقاها من ربه وهي " سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت عملت سوءا وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي انك انت الغفور الرحيم سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت عملت سوءا

[ 45 ]

وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي انك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت عملت سوءا وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي انك انت التواب الرحيم " فبقي إلى ان غابت الشمس رافعا يديه إلى السماء يتضرع ويبكي إلى الله فلما غابت الشمس رده إلى المشعر فبات بها فلما اصبح قام على المشعر الحرام فدعا الله تعالى بكلمات وتاب الله ثم افضى إلى منى وامره جبرئيل ان يحلق الشعر الذي عليه فحلقه ثم رده إلى مكة فاتى به عند الجمرة الاولى فعرض له ابليس عندها فقال يا آدم اين تريد ؟ فأمره جبرئيل ان يرميه بسبع حصيات فرمى وان يكبر مع كل حصاة تكبيرة ففعل ثم ذهب فعرض له ابليس عند الجمرة الثانية فأمره ان يرميه بسبع حصيات فرمى وكبر مع كل حصاة تكبيرة ثم ذهب فعرض له ابليس عند الجمرة الثالثة فأمره ان يرميه بسبع حصيات عند كل حصاة تكبيرة فذهب ابليس لعنه الله وقال له جبرئيل انك لن تراه بعد هذا اليوم ابدا، فانطلق به إلى البيت الحرام وامره ان يطوف به سبع مرات ففعل فقال له ان الله قد قبل توبتك وحلت لك زوجتك قال فلما قضى آدم حجه لقيته الملائكة بالابطح فقالوا يا آدم بر حجك اما انا قد حججنا قبلك هذا البيت بالفي عام، قال وحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابى جعفر (ع) قال كان عمر آدم (ع) من يوم خلقه الله إلى يوم قبضه تسعماءة وثلاثين سنة ودفن بمكة ونفخ فيه يوم الجمعة بعد الزوال ثم برأ زوجته من اسفل اضلاعه واسكنه جنته من يومه ذلك فما استقر فيها الا ست ساعات من يومه ذلك حتى عصى الله واخرجهما من الجنة بعد غروب الشمس وما بات فيها. واما قوله (وعلم آدم الاسماء كلها) قال اسماء الجبال والبحار والاودية والنبات والحيوان ثم قال الله عزوجل للملائكة (أنبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) فقالوا كما حكى الله (سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم) فقال الله (يا آدم انبئهم باسمائهم فلما ابنأهم باسمائهم) فقال الله (الم اقل لكم

[ 46 ]

انى اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) فجعل آدم عليه السلام حجة عليهم، واما قوله (يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واوفوا بعهدي اوف بعهدكم واياي فارهبون) فانه حدثني ابى عن محمد بن ابى عمير عن جميل عن ابى عبد الله (ع) قال له رجل جعلت فداك ان الله يقول " ادعوني استجب لكم " وانا ندعو فلا يستجاب لنا، قال لانكم لا تفون الله بعهده وان الله يقول " اوفوا بعهدي اوف بعهدكم " والله لو وفيتم لله لوفى الله لكم، واما قوله (اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم) قال نزلت في القصاص والخطاب وهو قول أمير المؤمنين (ع) وعلى كل منبر منهم خطيب مصقع يكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه، وقال الكميت في ذلك. مصيب على الاعواد يوم ركوبها * لما قال فيها، مخطئ حين ينزل ولغيره في هذا المعنى. وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي الناس وهو عليل وقوله جل ذكره (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال الصبر الصوم (وانها لكبيرة الا على الخاشعين) يعني الصلاة وقوله (الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم إليه راجعون) قال الظن في الكتاب على وجهين فمنه ظن يقين ومنه ظن شك ففي هذا الموضع الظن يقين وانما الشك قوله تعالى " ان نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين " وقوله " وظننتم ظن السوء " واما قوله " يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وانى فضلتكم على العالمين) قال لفظ العالمين عام ومعناه خاص وانما فضلهم على عالمي زمانهم باشياء خصهم بها مثل المن والسلوى والحجر الذي انفجر منه اثنتا عشرة عينا وقوله (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يوخذ منها عدل) وهو قوله (ع) والله لو ان كل ملك مقرب أو نبي مرسل شفعوا في ناصب ما شفعوا وقوله " واذ نجيناكم من آل

[ 47 ]

فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم) وان فرعون لما بلغه ان بني اسرائيل يقولون يولد فينا رجل يكون هلاك فرعون واصحابه على يده كان يقتل اولادهم الذكور ويدع الاناث، واما قوله (واذ واعدنا موسى اربعين ليلة الآية) فان الله تبارك وتعالى اوحى إلى موسى (ع) انى انزل عليكم التورية وفيها الاحكام التي يحتاج إليها إلى اربعين يوما وهو ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة فقال موسى (ع) لاصحابه ان الله قد وعدني ان ينزل على التورية والالواح إلى ثلاثين يوما فأمره الله ان لا يقول لهم إلى اربعين يوما فتضيق صدورهم ونكتب خبره في سورة طه وقوله (واذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم) فان موسى (ع) لما خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم " يا قوم انكم ظلمتم انفسكم " فقالوا وكيف نقتل انفسنا فقال لهم موسى اغدوا كل واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت انا منبر بني اسرائيل فكونوا انتم متلثمين لا يعرف احد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا فاجتمعوا سبعين الف رجل ممن كانوا عبدوا العجل إلى بيت المقدس فلما صلى بهم موسى (ع) وصعد المنبر اقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرئيل فقال قل لهم يا موسى ارفعوا القتل فقد تاب الله عليكم فقتل عشرة آلاف وانزل الله (ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم) وقوله (واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة الآية) فهم السبعون الذين اختارهم موسى ليسعموا كلام الله فلما سمعوا الكلام قالوا لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة فبعث الله عليهم صاعقة فاحترقوا ثم احياهم الله بعد ذلك وبعثهم انبياء فهذا دليل على الرجعة في امة محمد صلى الله عليه وآله فانه قال صلى الله عليه وآله لم يكن في بني اسرائيل شئ الا وفي امتي مثله وقوله (وظللنا عليكم الغمام وانزلنا عليكم

[ 48 ]

المن والسلوى الآية) فان بني إسرائيل لما عبر بهم موسى البحر نزلوا في مفازة فقالوا يا موسى اهلكتنا وقتلتنا واخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل ولا شجر ولا ماء وكانت تجئ بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه وبالعشي يأتيهم طائر مشوي فيقع على موايدهم فإذا اكلوا وشبعوا طار وكان مع موسى حجر يضعه في وسط العسكر ثم يضربه بعصاة فينفجر منه اثنتا عشرة عينا كما حكى الله فيذهب كل سبط في رحله وكانوا اثنى عشر سبطا فلما طال عليهم الامد قالوا يا موسى (لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) والفوم الحنطة فقال لهم موسى (اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم) فقالوا " يا موسى ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون " فنصفت الآية في سورة البقرة وتمامها وجوابها لموسى في المائدة وقوله (وقولوا حطة) اي حط عنا ذنوبنا فبدلوا ذلك وقالوا " حنطة " وقال الله (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم فانزلنا على الذين ظلموا - آل محمد حقهم (1) رجزا من السما بما كانوا يفسقون) وقوله (ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين) قال الصائبون قوم لا مجوس لا يهود ولا نصارى ولا مسلمين وهم يعبدون الكواكب والنجوم وقوله (واذ اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور


(1) وتفسير هذه الكلمة كما في تفسير الامام العسكري (ع) انه قيل لهم بالانقياد لولاية الله ولولاية محمد صلى الله عليه وآله وعلي (ع) وآلهما الطيبين وانهم لما لم ينقادوا وظلموا حق الله وحق محمد صلى الله عليه وآله وآله انزل الرجز عليهم من السماء. ج - ز (*)

[ 49 ]

خذوا ما آتيناكم بقوة) فان موسى (ع) لما رجع إلى بني إسرائيل ومعه النوربة لم يقبلوا منه فرفع الله جبل طور سينا عليهم وقال لهم موسى لئن لم تقبلوا ليقعن الجبل عليكم وليقتلنكم فنكسوا رؤسهم فقالوا نقبله. وأما قوله (واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة الآية) قال حدثني أبى عن ابن أبى عمير عن بعض رجالهم عن أبى عبد الله (ع) قال إن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب إمرأة منهم فانعمت له (1) وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا رديا فلم ينعموا له فحسد إبن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة ثم حمله إلى موسى (ع) فقال يا نبي الله هذا ابن عمى قد قتل قال موسى من قتله ؟ قال لا أدري وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا فعظم ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا ما ترى يا نبي الله ؟ وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائما وكره إبنه ان ينبهه وينغض عليه نومه فانصرف القوم ولم يشتروا سلعته فلما انتبه ابوه قال له يا بني ماذا صنعت في سلعتك ؟ قال هي قائمة لم ابعها لان المفتاح كان تحت رأسك فكرهت ان انبهك وانغض عليك نومك قال له أبوه قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك وشكر الله لابنه ما فعل بابيه وامر بني إسرائيل ان يذبحوا تلك البقرة بعينها فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى (ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة) فتعجبوا فقالوا (اتتخذنا هزوا) نأتيك بقتيل فتقول اذبحوا بقرة فقال لهم موسى (اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين) فعلموا انهم قد اخطأوا فقالوا (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا


(1) أنعم له أي قال له " نعم " ج - ز (*)

[ 50 ]

بكر) والفارض التي قد ضربها الفحل ولا تحمل والبكر التي لم يضربها الفحل (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها) اي شديدة الصفرة (تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال انه يقول انها بقرة لا ذلول تثير الارض) اي لم تذلل (ولا تسقى الحرث) اي لا تسقى الزرع (مسلمة لاشية فيها) اي لا نقط فيها الا الصفرة (قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال لا ابيعها الا بمل ء جلدها ذهبا فرجعوا إلى موسى فاخبروه فقال لهم موسى لابد لكم من ذبحها بعينها بمل ء جلدها ذهبا فذبحوها ثم قالوا ما تأمرنا يا نبي الله فأوحى الله تعالى إليه قل لهم اضربوه ببعضها وقولوا من قتلك ؟ فاخذوا الذنب فضربوه به وقالوا من قتلك يا فلان فقال فلان بن فلان إبن عمي الذي جاء به وهو قوله (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون). وقوله (افتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون الآية) فانما نزلت في اليهود وقد كانوا اظهروا الاسلام وكانوا منافقين وكانوا إذا رأوا رسول الله قالوا إنا معكم وإذا رأوا اليهود قالوا انا معكم وكانوا يخبرون المسلمين بما في التورية من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه وقالوا لهم كبراؤهم وعلماؤهم (اتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم افلا تعقلون) فرد الله عليهم فقال (أو لا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم اميون) أي من اليهود (لا يعلمون الكتاب الا اماني وان هم الا يظنون) وكان قوم منهم يحرفون التورية واحكامه ثم يدعون انه من عند الله فانزل الله فيهم (فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما

[ 51 ]

كتب أيديهم وويل لهم مما يكسبون) وقوله (وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودة) قال بنو إسرائيل لن تمسنا النار ولن نعذب الا الايام المعدودات التي عبدنا فيها العجل فرد الله عليهم فقال وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودة قل يا محمد لهم (أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ام تقولون على الله ما لا تعلمون) وقوله (وقولوا للناس حسنا) نزلت في اليهود ثم نسخت بقوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". واما قوله (وإذ اخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم ثم اقررتم وانتم تشهدون الآية) وإنما نزلت في ابي ذر رحمة الله عليه وعثمان (1) بن عفان وكان سبب ذلك لما امر عثمان بنفي ابي ذر إلى الربذة دخل عليه أبو ذر وكان عليلا متوكئا على عصاه وبين يدي عثمان مأة الف درهم قد حملت إليه من بعض النواحي واصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون ان يقسمها فيهم فقال أبو ذر لعثمان ما هذا المال ؟ فقال عثمان مأة الف درهم حملت الي من بعض النواحي اريد اضم إليها مثلها ثم ارى فيها رأي فقال أبو ذر " يا عثمان ايما اكثر مأة الف درهم أو اربعة دنانير " ؟ فقال عثمان بل " مأة الف درهم " قال اما تذكر انا وانت وقد دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله عشيا فرأيناه كئيبا حزينا فسلمنا عليه فلم (2) يرد علينا السلام فلما اصبحنا اتيناه فرأيناه ضاحكا مستبشرا فقلنا له


(1) إن قضية عثمان وابي ذر نالت من الشياع والظهور ما لا يكاد يخفى على من له مساس بالتاريخ، فمن شاء فليراجع: مروج الذهب 1 / 438، انساب البلاذري 5 / 53، تاريخ اليعقوبي 2 / 148، طبقات ابن سعد 4 / 168 صحيح البخاري كتاب الزكاة، عمدة القاري 4 / 291، شرح نهج البلاغة (محمد عبده) 2 / 17، كتاب أبو ذر الغفاري لعبد الحميد جودة السحار ص 144. (2) لعل هذه الواقعة كانت قبل نزول آية التحية. ج - ز (*)

[ 52 ]

بآبائنا وامهاتنا دخلنا اليك البارحة فرأيناك كئيبا حزينا ثم عدنا اليك اليوم فرأيناك فرحا مستبشرا فقال نعم كان قد بقي عندي من فئ المسلمين اربعة دنانير لم اكن قسمتها وخفت ان يدركني الموت وهي عندي وقد قسمتها اليوم واسترحت منها فنظر عثمان إلى كعب الاحبار، وقال له يا ابا اسحاق ما تقول في رجل ادى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيئا ؟ فقال لا ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شئ فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب ثم قال له يابن اليهودية الكافرة ما انت والنظر في احكام المسلمين قول الله اصدق من قولك حيث قال " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " فقال عثمان " يا ابا ذر انك شيخ قد خرفت وذهب عقلك ولولا صحبتك لرسول الله لقتلتك " فقال " كذبت يا عثمان اخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لا يفتنونك يا ابا ذر ولا يقتلونك واما عقلي فقد بقي منه ما احفظه حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك وفي قومك " فقال وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله في وفي قومي ؟ قال " سمعت يقول إذا بلغ آل ابي العاص ثلاثون رجلا صيروا مال الله دولا وكتاب الله دغلا وعباده خولا والفاسقين حزبا والصالحين حربا " فقال عثمان " يا معشر اصحاب محمد هل سمع احد منكم هذا من رسول الله " فقالوا لا ما سمعنا هذا من رسول الله " فقال عثمان ادع عليا فجاء امير المؤمنين عليه السلام فقال له عثمان: يا ابا الحسن انظر ما يقول هذا الشيخ الكذاب " فقال امير المؤمنين مه يا عثمان لا تقل كذاب فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذى لهجة (اللهجة اللسان) اصدق من ابي ذر " فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله صدق أبو ذر وقد سمعنا هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فبكى أبو ذر عند ذلك فقال ويلكم كلكم قد مد عنقه

[ 53 ]

إلى هذا المال ظنتم انى اكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نظر إليهم فقال من خيركم فقالوا من خيرنا فقال انا فقالوا انت تقول انك خيرنا قال نعم خلفت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الجبة وهو عني راض وانتم قد احدثتم احداثا كثيرة والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني فقال عثمان يا ابا ذر اسألك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله الا ما اخبرتني عن شئ اسألك عنه فقال أبو ذر والله لو لم تسألني بحق محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ايضا لاخبرتك فقال اي البلاد احب اليك ان تكون فيها فقال مكة حرم الله وحرم رسول الله ا عبد الله فيها حتى يأتيني الموت فقال لا ولا كرامة لك قال المدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا ولا كرامة لك فسكت أبو ذر فقال عثمان اي البلاد ابغض اليك ان تكون فيها قال الربذة التي كنت فيها على غير دين الاسلام فقال عثمان سر إليها فقال أبو ذر قد سألتني فصدقتك وانا اسألك فاصدقني قال نعم قال اخبرني لو بعثتني في بعث من اصحابك إلى المشركين فاسرونى فقالوا لا نفديه الا بثلث ما تملك قال كنت افديك قال فان قالوا لا نفديه الا بنصف ما تملك قال كنت افديك قال فان قالوا لا نفديه الا بكل ما تملك قال كنت افديك قال أبو ذر الله اكبر قال حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يوما " يا ابا ذر وكيف انت إذا قيل لك اي البلاد احب اليك ان تكون فيها فتقول مكة حرم الله وحرم رسوله ا عبد الله فيها حتى يأتيني الموت فيقال لك لا ولا كرامة لك فتقول فالمدينة حرم رسول الله فيقال لك لا ولا كرامة لك ثم يقال لك فاي البلاد ابغض اليك ان تكون فيها فتقول الربذة التي كنت فيها على غير دين الاسلام فيقال لك سر إليها " فقلت وان هذا لكائن فقال " اي والذي نفسي بيده انه لكائن " فقلت يا رسول الله افلا اضع سيفي هذا على عاتقي فاضرب به قدما قدما قالا لا اسمع واسكت ولو لعبد حبشي وقد انزل الله فيك وفي عثمان آية فقلت وما هي يا رسول الله فقال قوله تعالى " وإذ اخذنا ميثاقكم لا تسفكون

[ 54 ]

دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم ثم اقررتم وانتم تشهدون ثم انتم هؤلاء تقتلون انفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان يأتوكم اسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ". واما قوله (واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) احبوا العجل حتى عبدوه ثم قالوا نحن اولياء الله فقال الله عزوجل ان كنتم اولياء الله كما تقولون (فتمنوا الموت ان كنتم صادقين) لان في التورية مكتوب ان اولياء الله يتمنون الموت ولا يرهبونه وقوله (قل من كان عدوا لجبريل فانه نزل على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) فانما نزلت في اليهود الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ان لنا في الملائكة اصدقاء واعداء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من صديقكم ومن عدوكم ؟ فقالوا جبرئيل عدونا لانه يأتي بالعذاب ولو كان الذي ينزل عليك القرآن ميكائيل لآمنا بك فان ميكائيل صديقنا وجبريل ملك الفضاضة والعذاب وميكائيل ملك الرحمة فانزل الله (قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين) وقوله (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من احد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه إلى قوله - كانوا يعلمون) فانه حدثنى ابي عن ابن ابي عمير عن ابان بن عثمان عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام قال ان سليمان بن داود امر الجن والانس فبنوا له بيتا من قوارير قال فبينما هو متكئ على عصاه ينظر إلى الشياطين كيف يعملون

[ 55 ]

وينظرون إليه إذا حانت منه التفاتة فإذا هو برجل معه في القبة، ففزع منه وقال من انت ؟ قال انا الذي لا اقبل الرشى ولا اهاب الملوك، انا ملك الموت، فقبضه وهو متكئ على عصاه فمكثوا سنة يبنون وينظرون إليه ويدانون له ويعملون حتى بعث الله الارضة فاكلت منساته وهى العصا فلما خر تبينت الانس ان لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا سنة في العذاب المهين فالجن تشكر الارضة بما عملت بعصا سليمان، قال فلا تكاد تراها في مكان الا وجد عندها ماء وطين فلما هلك سليمان وضع ابليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره " هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخاير كنوز العلم من اراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا " ثم دفنه تحت السرير ثم استثاره لهم فقرأه فقال الكافرون ما كان سليمان عليه السلام يغلبنا الا بهذا وقال المؤمنون بل هو عبد الله ونبيه فقال الله جل ذكره " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " إلى قوله (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد الا باذن الله) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال سأله عطاء ونحن بمكة عن هاروت وماروت فقال أبو جعفر ان الملائكة كانوا ينزلون من السماء إلى الارض في كل يوم وليلة يحفظون اوساط اهل الارض من ولد آدم والجن ويكتبون اعمالهم ويعرجون بها إلى السماء قال فضج اهل السماء من معاصي اهل الارض فتوامروا (1) فيما بينهم مما يسمعون ويرون من افترائهم الكذب على الله تبارك وتعالى وجرءتهم عليه ونزهوا الله مما يقول فيه خلقه ويصفون، فقال طائفة من الملائكة " يا ربنا ما تغضب


(1) اي تشاوروا وتكلموا فيما بينهم. ج - ز (*)

[ 56 ]

مما يعمل خلقك في ارضك ومما يصفون فيك الكذب ويقولون الزور ويرتكبون المعاصي وقد نهيتهم عنها ثم انت تحلم عنهم وهم في قبضتك وقدرتك وخلال عافيتك " قال أبو جعفر (ع) فاحب الله ان يرى الملائكة القدرة ونافذ امره في جميع خلقه ويعرف الملائكة ما من به عليهم ومما عدله عنهم من صنع خلقه وما طبعهم عليه من الطاعة وعصمهم من الذنوب، قال فأوحى الله إلى الملائكة ان انتخبوا منكم ملكين حتى اهبطهما إلى الارض ثم اجعل فيهما من طبايع المطعم والمشرب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلته في ولد آدم ثم اختبرهما في الطاعة لي، فندبوا إلى ذلك هاروت وماروت وكانا من اشد الملائكة قولا في العيب لولد آدم واستيثار غضب الله عليهم، قال فأوحى الله اليهما ان اهبطا إلى الارض فقد جعلت فيكما من طبايع الطعام والشراب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلته في ولد آدم، قال ثم اوحى الله اليهما انظرا ان لا تشركا بي شيئا ولا تقتلا النفس التي حرم الله ولا تزنيا ولا تشربا الخمر قال ثم كشط عن السماوات السبع ليريهما قدرته ثم اهبطهما إلى الارض في صورة البشر ولباسهم فهبطا ناحية بابل فوقع لهما بناء مشرق فاقبلا نحوه فإذا بحضرته امرأة جميلة حسناء متزينة عطرة مقبلة مسفرة نحوهما، قال فلما نظرا إليها وناطقاها وتأملاها وقعت في قلوبهما موقعا شديدا لموقع الشهوة التي جعلت فيهما فرجعا إليها رجوع فتنة وخذلان وراوداها عن نفسهما فقالت لهما ان لي دينا ادين به وليس اقدر في ديني على ان اجيبكما إلى ما تريدان إلا ان تدخلا في ديني الذي ادين به فقالا لها وما دينك ؟ قالت لي آله من عبده وسجد له كان لي السبيل إلى ان اجيبه إلى كل ما سألني، فقالا لها وما الهك قالت الهي هذا الصنم قال فنظر احدهما إلى صاحبه فقال هاتان خصلتان مما نهانا عنهما الشرك والزنا لانا ان سجدنا لهذا الصنم وعبدناه اشركنا بالله وانما نشرك بالله لنصل إلى الزنا وهو ذا نحن نطلب الزنا وليس نخطأ الا بالشرك فائتمرا بينهما

[ 57 ]

فغلبتهما الشهوة التي جعلت فيهما، فقالا لها فانا نجيبك ما سألت، فقالت فدونكما فاشربا هذا الخمر فانه قربان لكما عنده به تصلان إلى ما تريدان، فائتمرا بينهما فقالا هذه ثلاث خصال مما نهانا ربنا عنها الشرك والزنا وشرب الخمر وانما ندخل في شرب الخمر والشرك حتى نصل إلى الزنا فائتمرا بينهما، فقالا ما اعظم البلية بك قد أجبناك إلى ما سألت، قالت فدونكما فاشربا من هذا الخمر واعبدا هذا الصنم واسجدا له، فشربا الخمر وعبدا الصنم ثم راوداها من نفسها فلما تهيأت لهما وتهيئا لها دخل عليهما سائل يسأل، فلما رأهما ورأياه ذعرا منه فقال لهما انكما لامرءان ذعران فدخلتما بهذه المرأة العطرة الحسناء، انكما لرجلا سوء وخرج عنهما فقالت لهما لا والهي لا تصلان الآن الي وقد اطلع هذا الرجل على حالكما وعرف مكانكما ويخرج الآن ويخبر بخبركما ولكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل ان يفضحكما ويفضحني ثم دونكما فاقضيا حاجتكما وانتما مطمئنان آمنان، قال فقاما إلى الرجل فادركاه فقتلاه ثم رجعا إليها فلم يرياها وبدت لهما سوأتهما ونزع عنهما رياشهما واسقط في ايديهما، قال فأوحى الله اليهما انما اهبطتكما إلى الارض مع خلقي ساعة من النهار فعصيتماني باربع من معاصي كلها قد نهيتكما عنها فلم تراقباني فلم تستحيا مني وقد كنتما اشد من نقم على اهل الارض للمعاصي واستسجز اسفى وغضبى عليهم، ولما جعلت فيكما من طبع خلقي وعصمني اياكما من المعاصي فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما، اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقال احدهما لصاحبه نتمتع من شهواتها في الدنيا إذ صرنا إليها إلى ان نصير إلى عذاب الآخرة، فقال الآخر ان عذاب الدنيا له مدة وانقطاع وعذاب الآخرة قائم لا انقضاء له فلسنا نختار عذاب الآخرة الدائم الشديد على عذاب الدنيا المنقطع الفاني قال فاختارا عذاب الدنيا وكانا يعلمان الناس السحر في ارض بابل ثم لما

[ 58 ]

علما الناس السحر رفعا من الارض إلى الهواء فهما معذبان منكسان معلقان في الهواء إلى يوم القيامة (1). واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) اي لا تقولوا تخليطا (2) وقولوا افهمنا وقوله (ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها) فقوله ننسها اي نتركها ونترك حكمها فسمى الترك بالنسيان في هذه الآية وقوله " أو مثلها " فهي زيادة انما نزل " نات بخير مثلها " واما قوله (ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) فانما نزلت في قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله دخول مكة وقوله (ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم


(1) لا يخفى ان هذه الرواية وان كان ظاهرها مما ينكره العقل والنقل لكونه قادحا في قداسة الملائكة الذين لا يعصون الله طرفة عين لانهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول، وانه قد ورد في الباب اخبار رادة لها كالخبر المروي في تفسير الامام العسكري عليه السلام، الا ان التأمل الدقيق يعطي عدم منافاتها للعقل - لان عصيان الملائكة مستحيل مع كونهم كذلك - اما بعد ان اعطاهما الله تعالى ما للبشر من القوى الشهوية والاحساسات النفسانية - كما يظهر من الرواية - فظاهره صيرورتهما بشرا أو مثل البشر في فقدان العصمة وامكان المعصية، واشكال الفلاسفة بعدم امكان انقلاب الماهيات مدفوع، بعموم قدرة الله تعالى، والمعاجز الصادرة عن المعصومين عليهم السلام شاهدة على ذلك - لكنه قد ورد في تفسير الامام العسكري عليه السلام ما يرد هذا الخبر فحينئذ يؤخذ بالاوضح متنا والاوثق سندا ويعمل بالمرجحات كما هو المناط في باب اختلاف الروايتين ولما لم يكن ثمة ثمرة عملية لم نطل الكلام في تنقيح المقام ج - ز. (2) خلط في الكلام اي هذى. (*)

[ 59 ]

وجه الله) فانها نزلت في صلاة النافلة فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر واما الفرايض فقوله " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " يعني الفرايض لا تصليها الا إلى القبلة واما قوله (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال إني جاعلك للناس اماما) قال هو ما ابتلاه الله (1) مما اراه في نومه بذبح ولده فاتمها ابراهيم عليه السلام وعزم عليها وسلم فلما عزم وعمل بما امره الله قال الله تعالى " إني جاعلك للناس اماما " قال ابراهيم ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) لا يكون بعهدي إمام ظالم ثم انزل عليه الحنيفية وهي الطهارة وهي عشرة اشياء خمسة في الرأس وخمسة في البدن فاما التي في الرأس فاخذ الشارب، واعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال واما التي في البدن فحلق الشعر من البدن والختان وقلم الاظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء فهذه خمسة في البدن وهو الحنفية الطهارة التي جاء بها ابراهيم فلم تنسخ إلى يوم القيامة وهو قوله " واتبع ملة ابراهيم حنيفا " واما قوله (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا) فالمثابة العود إليه وقوله (طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) قال الصادق عليه السلام يعني نحى عن المشركين وقال لما بنى ابراهيم البيت وحج الناس شكت الكعبة إلى الله تبارك وتعالى ما تلقى من ايدي المشركين وانفاسهم فأوحى الله إليها قرى كعبة فاني ابعث في آخر الزمان قوما يتنظفون بقضبان الشجر ويتخللون وقوله (وارزق اهله من الثمرات من آمن


(1) وفي تفسير الامام العسكري عليه السلام مرويا عن الصادق عليه السلام ان المراد من تلك الكلمات، الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه فتاب عليه وهي انه قال " يا رب اسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين الا تبت علي " - قيل له يابن رسول الله فما يعني بقوله " فاتمهن " ؟ قال " يعني فاتمهن إلى القائم عليه السلام (الرواية) ج - ز. (*)

[ 60 ]

منهم بالله واليوم الآخر) فانه دعا ابراهيم ربه ان يرزق من آمن به فقال الله يا ابراهيم ومن كفر ايضا ارزقه (فامتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) واما قوله (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل الآية) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان ابراهيم عليه السلام كان نازلا في بادية الشام فلما ولد له من هاجر اسماعيل اغتمت سارة من ذلك غما شديدا لانه لم يكن له منها ولد كانت تؤذي ابراهيم في هاجر وتغمه فشكى ابراهيم ذلك إلى الله عزوجل فأوحى الله إليه انما مثل المرأة مثل الضلع العوجا ان تركتها استمتعتها وان اقمتها كسرتها ثم امره ان يخرج اسماعيل وامه (فقال يا رب إلى اي مكان ؟ قال إلى حرمي وامني واول بقعة خلقتها من الارض وهي مكة فانزل الله عليه جبرائيل بالبراق (1) فحمل هاجر واسماعيل وكان ابراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع الا قال يا جبرئيل إلى ههنا إلى ههنا فيقول لا امض، امض حتى اتى مكة فوضعه في موضع البيت وقد كان ابراهيم (ع) عاهد سارة ان لا ينزل حتى يرجع إليها، فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة فالقت هاجر على ذلك الشجر كساءا وكان معها فاستظلوا تحته فلما سرحهم ابراهيم ووضعهم واراد الانصراف منهم إلى سارة قالت له هاجر يا ابراهيم لم تدعنا في موضع ليس فيه انيس ولا ماء ولا زرع فقال ابراهيم الله الذي امرني ان اضعكم في هذا المكان حاضر عليكم ثم انصرف عنهم فلما بلغ كداء وهو جبل بذى طوى التفت إليهم ابراهيم فقال (رب اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم


(1) لم تكن العبارة بين القوسين في نسخة تفسير القمي الموجودة عندي انما نقلتها على ما حكاها عنه البحراني في البرهان ج - ز. (*)

[ 61 ]

من الثمرات لعلهم يشكرون) ثم مضى وبقيت هاجر فلما ارتفع النهار عطش اسماعيل وطلب الماء فقامت هاجر في الوادي في مضوع المسعى ونادت هل في الوادي من انيس، فغاب عنها اسماعيل فصعدت على الصفا ولمع لها السراب في الوادي وظنت انه ماء فنزلت في بطن الوادي وسعت فلما بلغت المسعى غاب عنها اسماعيل ثم لمع لها السراب في ناحية الصفا فهبطت إلى الوادي تطلب الماء فلما غاب عنها اسماعيل عادت حتى بلغت الصفا فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات فلما كان في الشوط السابع وهي على المروة نظرت إلى اسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجله فعادت حتى جمعت حوله رملا فانه كان سائلا فزمته بما جعلته حوله فلذلك سميت " زمزم " وكانت جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء فنظرت جرهم إلى تعكف الطير على ذلك المكان فاتبعوها حتى نظروا إلى امرأة وصبي في ذلك الموضع قد استظلوا بشجرة وقد ظهر الماء لهما فقالوا لهاجر من انت وما شأنك وشأن هذا الصبي ؟ فقالت انا ام ولد ابراهيم خليل الرحمن وهذا ابنه امره الله ان ينزلنا هيهنا فقالوا لها ايها المباركة أفتاذني لنا ان نكون بالقرب منكما ؟ فقالت حتى ياتي ابراهيم فلما زارهم ابراهيم (ع) يوم الثالث فقالت هاجر يا خليل الله ان هيهنا قوما من جرهم يسألونك ان تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا افتأذن لهم في ذلك فقال ابراهيم نعم فاذنت فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فآنست هاجر واسماعيل بهم فلما زارهم ابراهيم في المرة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بهم سرورا شديدا فلما ترعرع اسماعيل عليه السلام وكانت جرهم قد وهبوا لاسماعيل كل واحد منهم شاة وشاتين فكانت هاجر واسماعيل يعيشان بها. فلما بلغ اسماعيل مبلغ الرجال امر الله ابراهيم (ع) ان يبني البيت فقال يا رب في اي بقعه قال في البقعة التي انزلت على آدم القبة فاضاء لها الحرم فلم تزل القبة التي انزلها الله على آدم قائمة حتى كان ايام الطوفان ايام نوح عليه السلام

[ 62 ]

فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة وغرقت الدنيا الا موضع البيت فسميت البيت العتيق لانه اعتق من الغرق فلما امر الله عزوجل ابراهيم عليه السلام ان يبني البيت ولم يدر في اي مكان يبنيه فبعث الله جبرئيل عليه السلام فخط له موضع البيت فانزل الله عليه القواعد من الجنة وكان الحجر الذي انزل الله على آدم اشد بياضا من الثلج فلما لمسته ايدي الكفار اسود، فبنى ابراهيم البيت ونقل اسماعيل الحجر من ذي طوى فرفعه إلى السماء تسعة ازرع ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه ابراهيم عليه السلام ووضعه في موضعه الذي هو فيه الاول وجعل له بابين باب إلى المشرق وباب إلى المغرب والباب الذي إلى المغرب يسمى المستجار ثم القى عليه الشجر والاذخر وعلقت هاجر على بابه كساء كان معها وكانوا يكنون تحته. فلما بناه وفرغ منه حج ابراهيم (ع) واسماعيل ونزل عليهما جبرئيل عليه السلام يوم التروية لثمان من ذي الحجة فقال يا إبراهيم قم فارتو من الماء لانه لم يكن بمنى وعرفات ماء فسميت التروية لذلك ثم أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم (ع) فقال إبراهيم لما فرغ من بناء البيت " رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " قال من ثمرات القلوب اي حببهم إلى الناس لينتابوا (1) إليهم ويعودوا إليهم. واما قوله (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) فانه يعني من ولد اسماعيل عليه السلام فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله " انا دعوة ابي ابراهيم عليه السلام " وقوله (فانما هم في شقاق) يعني في كفر، قوله (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) يعني به الاسلام. الجزء (2) وقوله (سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فان هذه الآية متقدمة على قوله " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك


(1) انتابهم انتيابا أي اتاهم مرة بعد اخرى قاموس (*)

[ 63 ]

قبلة ترضيها " لانه نزل اولا " قد نرى تقلب وجهك في السماء " ثم نزل " سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وذلك إن اليهود كانوا يعيرون برسول الله ويقولون أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا فاغتم من ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله غما شديدا وخرج في جوف الليل ينظر في آفاق السماء ينتظر بأمر الله تبارك وتعالى في ذلك، فلما أصبح وحضرت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى بهم الظهر ركعتين، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخذ بعضديه فحوله إلى الكعبة، فانزل الله عليه " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام " فصلى ركعتين إلى الكعبة فقالت اليهود والسفهاء ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وتحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة ثلاثة عشر سنة إلى البيت المقدس وبعد مهاجرته إلى المدينة صلى إلى البيت المقدس سبعة اشهر، ثم حول الله عزوجل القبلة إلى البيت الحرام ثم قال الله عزوجل (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) يعني ولا الذين ظلموا منهم " وإلا " في موضع " ولا " وليست هي استثناء، واما قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) يعنى أئمة وسطا اي عدلا وواسطة بين الرسول والناس والدليل على ان هذا مخاطبة للائمة عليهم السلام قوله في سورة الحج " ليكون الرسول شهيدا عليكم " يا معشر الائمة " وتكونوا - انتم - شهداء على الناس " وانما نزلت " وكذلك جعلناكم أئمة وسطا (1) ". وقوله (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح


(1) وقد فصلنا القول في مثل هذه الكلمات في مقدمتنا، فعلى القارئ الكريم مراجعتها ج - ز (*)

[ 64 ]

عليه ان يطوف بهما) فان قريشا كانت وضعت اصنامهم بين الصفا والمروة وكانوا يتمسحون بها إذا سعوا فلما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان في غزاة الحديبية وصده عن البيت وشرطوا له ان يخلوا له البيت في عام قابل حتى يقضي عمرته ثلاثة ايام ثم يخرج عنها فلما كان عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة دخل مكة وقال لقريش ارفعوا اصنامكم من بين الصفا والمروة حتى أسعى، فرفعوها فسعى رسول الله صلى الله عليه وآله بين الصفا والمروة وقد رفعت الاصنام، وبقي رجل من الطواف ردت قريش الاصنام بين الصفا والمروة فجاء الرجل الذي لم يسع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال قد ردت قريش الاصنام بين الصفا والمروة ولم اسع فانزل الله عزوجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما " والاصنام فيهما وقوله (اولئك يلعنهم الله وبلعنهم اللاعنون) قال كل من قد لعنه الله من الجن والانس يلعنهم، قوله (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) فانما البهايم إذا زجرها صاحبها فانها تسمع الصوت ولا تدري ما يريد وكذلك الكفار إذا قرأت عليهم وعرضت عليهم الايمان لا يعلمون مثل البهايم وقوله (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) فالباغي من يخرج في غير طاعة الله، والعادي الذي يعتدي على الناس ويقطع الطريق وقوله (فما اصبرهم على النار) يعني ما اجراهم، وقوله (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر) فهي شروط الايمان الذي هو التصديق، قوله (والصابرين في البأساء والضراء) قال في الجوع والعطش والخوف والمرض (وحين الباس) قال عند القتل، وقوله (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد

[ 65 ]

والانثى بالانثى) فهي ناسخة لقوله النفس بالنفس (1) وقوله (ولكم في القصاص حياة يا اولى الالباب) قال يعني لولا القصاص لقتل بعضكم بعضا وقوله (كتب عليكم إذا حضر احدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) فانما هي منسوخة بقوله " يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " وقوله (فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) يعني بذلك بعد الوصية ثم رخص فقال (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فاصلح بينهم فلا إثم عليه) قال الصادق عليه السلام إذا اوصى الرجل بوصية فلا يحل للوصي ان يغير وصيته يوصيها، بل يمضيها على ما اوصى، الا ان يوصي بغير ما امر الله فيعصي في الوصية ويظلم فالموصى إليه جائز له ان يرده إلى الحق مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كله لبعض ورثته ويحرم بعضا فالوصي جايز له ان يرده إلى الحق وهو قوله " جنفا أو إثما " فالجنف الميل إلى بعض ورثته دون بعض والاثم ان يأمر بعمارة بيوت النيران واتخاذ المسكر فيحل للوصي ان لا يعمل بشئ من ذلك. وقوله (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم تتقون) فانه قال اول ما فرض الله الصوم لم يفرضه في شهر رمضان على الانبياء، ولم يفرضه على الامم، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله خصه بفضل شهر رمضان هو وامته، وكان الصوم قبل ان ينزل شهر رمضان يصوم الناس اياما ثم نزل (شهر رمضان الذي


(1) النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص (المائدة 45) ولعل المراد من النسخ في المقام ان الآية " النفس بالنفس " تدل على حتمية القصاص والآية " الحر بالحر " تدل على رخصته بقوله: فمن عفي له من اخيه... الخ " ج - ز. (*)

[ 66 ]

انزل فيه القرآن) قال وسئل الصادق عليه السلام عن شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن كيف كان، وانما انزل القرآن في طول عشرين سنة ؟ فقال انه نزل جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم نزل من البيت المعمور إلى النبي صلى الله عليه وآله في طول عشرين سنة وقوله (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه ان يقضي ويتصدق عن كل يوم بمد من الطعام، وقوله (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم) فانه حدثني ابي رفعه قال قال الصادق عليه السلام كان النكاح والاكل محرمان في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم عليه الافطار وكان النكاح حراما في اليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقال له خوات بن جبير الانصاري اخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وكله بفم الشعب يوم احد في خمسين من الرماة ففارقه اصحابه وبقي في اثنى عشر رجلا فقتل على باب الشعب، وكان اخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا وكان صائما مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الخندق فجاء إلى اهله حين امسى فقال عندكم طعام ؟ فقالوا لا، نم حتى نصنع لك طعاما فابطئت اهله بالطعام فنام قبل ان يفطر فلما انتبه قال لاهله قد حرم الله علي الاكل في هذه الليلة فلما اصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فانزل الله عزوجل " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن واتبغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم اتموا الصيام إلى الليل " واحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل في شهر رمضان والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله " حتى يتبين لكم الخيط

[ 67 ]

الابيض من الخيط الاسود من الفجر " قال هو بياض النهار من سواد الليل وقوله (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) فانه حدثني ابي عن القسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حماد قال قلت لابي عبد الله عليه السلام اشغل نفسي بالدعاء لاخواني ولاهل الولاية فما ترى في ذلك ؟ فقال إن الله تبارك وتعالى يستجيب دعاء غائب لغائب ومن دعا للمؤمنين والمؤمنات ولاهل مودتنا رد الله عليه من آدم إلى ان تقوم الساعة لكل مؤمن حسنة ثم قال ان الله فرض الصلوات في افضل الساعات، عليكم بالدعاء في إدبار الصلاة ثم دعا لي ولمن حضره، وقوله (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم) قال العالم عليه السلام قد علم الله انه يكون حكاما يحكمون بغير الحق فنهى ان يتحاكم إليهم فانهم لا يحكمون بالحق فتبطل الاموال. وقوله (ويسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فان المواقيت منها معروفة مشهورة في اوقات معروفة، ومنها مبهمة فاما المواقيت المعروفة المشهورة فأربعة، والاشهر الحرم التي ذكرها الله في قوله " منها اربعة حرم " والاثنا عشر شهرا التي خلقها الله تعرف بالهلال، اولها المحرم وآخرها ذو الحجة، والاربعة الحرم رجب مفرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم متصلة، حرم الله فيها القتال، ويضاعف فيها الذنوب وكذلك الحسنات، واشهر السياحة معروفة وهي عشرون من شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر (ون ط) من شهر ربيع الآخر، وهي التي احل الله فيها قتال المشركين في قوله " فسيحوا في الارض اربعة اشهر " واشهر الحج معروفة، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة وانما صارت اشهر الحج لانه من اعتمر في هذه الاشهر في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة ونوى ان يقيم بمكة حتى يحج فقد تمتع بالعمرة إلى الحج،

[ 68 ]

ومن اعتمر في غير هذه الاشهر ثم نوى ان يقيم إلى الحج أو لم ينو فليس هو ممن تمتع بالعمرة إلى الحج لانه لم يدخل مكة في اشهر الحج فسمي هذه اشهر الحج فقال الله تبارك وتعالى " الحج اشهر معلومات " وشهر رمضان معروف، واما المواقيت المبهمة التي إذا حدث الامر وجب فيها انتظار تلك الاشهر فعدة النساء في الطلاق، والمتوفي عنها زوجها، فإذا طلقها زوجها فان كانت تحيض تمتد الاقراء التي قال الله عزوجل، وان كانت لا تحيض تعتد بثلاثة اشهر بيض لادم فيها، وعدة المتوفى عنها زوجها اربعة اشهر وعشرا، وعدة المطلقة الحبلى ان تضع ما في بطنها، وعدة الايلاء اربعة اشهر، وكذلك في الديون إلى الاجل الذي يكون بينهم وشهرين متتابعين في الظهار. ط وصيام شهرين متتابعين في كفارة قتل الخطأ وعشرة ايام للصوم في الحج لمن لم يجد الهدي، وصيام ثلاثة ايام في كفارة اليمين واجب، فهذه المواقيت المعروفة والمبهمة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه " يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج ". واما قوله (ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى واتوا البيوت من ابوابها) قال نزلت في امير المؤمنين عليه السلام لقول رسول الله صلى الله عليه وآله " انا مدينة العلم وعلي عليه السلام بابها ولا تدخلوا المدينة الا من بابها ". وقوله (واتموا الحج والعمرة لله فان احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به اذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فانه إذا عقد الرجل الاحرام بالتمتع بالعمرة إلى الحج واحرم ثم اصابته غلة في طريقه قبل ان يبلغ إلى مكة ولا يستطيع ان يمضي، فانه يقيم في مكانه الذي حوصر فيه ويبعث من عنده هديا ان كان غنيا فبدنة وان كان بين ذلك فبقرة وان كان فقيرا فشاة، لابد منها ولا يزال مقيما على احرامه، وان كان في رأسه وجع أو قروح حلق شعره واحل ولبس ثيابه ويفدي فلما ان يصوم ستة ايام أو يتصدق على عشرة مساكين أو نسك وهو الدم يعني ذبح شاة، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فعليه ان يشترط عند الاحرام فيقول

[ 69 ]

" اللهم اني اريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك فان عاقني عائق أو حبسني حابس فحلني حيث حبستني بقدرتك التي قدرت علي " ثم يلبي من الميقات الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله فيلبي ويقول " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك حجة (بحجة ط) بعمرة تمامها وبلاغها عليك " فإذا دخل مكة ونظر إلى ابيات مكة قطع التلبية وطاف بالبيت سبعة اشواط، وصلى عند مقام ابراهيم ركعتين وسعى بين الصفا والمروة سبعة اشواط ثم يحل ويتمتع بالثياب والنساء والطيب ويقيم على الحج إلى يوم التروية فإذا كان يوم التروية احرم عند زوال الشمس من عند المقام بالحج ثم خرج ملبيا إلى منى فلا يزال ملبيا إلى يوم عرفة عند زوال الشمس، فإذا زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية ويقف بعرفات في الدعاء والتكبير والتهليل والتحميد، فإذا غابت الشمس رجع إلى المزدلفة فبات بها فإذا اصبح قام بالمشعر الحرام ودعا وهلل الله وسبحه وكبره ثم ازدلف منها إلى منى ورمى الجمار وذبح وحلق، ان كان غنيا فعليه بدنة وان كان بين ذلك فعليه بقرة وان كان فقيرا فعليه شاة، فمن لم يجد ذلك فعليه ان يصوم ثلاثة ايام بمكة فإذا رجع إلى منزله صام سبعة ايام فتقوم هذه الايام العشرة مقام الهدي الذي كان عليه وهو قوله (فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) وذلك لمن ليس هو مقيم بمكة ولا من اهل مكة، اما اهل مكة ومن كان حول مكة على ثمانية واربعين ميلا فليست لهم متعة وانما يفردون الحج لقوله (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) واما قوله (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فالرفث الجماع، والفسوق الكذب، والجدال الخصومة، وهي قول " لا والله وبلى والله " وقوله (فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا) قال

[ 70 ]

كانت العرب إذا وقفوا بالمشعر يتفاخرون بآبائهم فيقولون لا وابيك لا وابي وأمر الله ان يقولوا لا والله وبلى والله وقوله (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وماله في الآخرة من خلاق) فانه حدثني ابي عن سليمان بن داود المنقري عن سفيان بن عيينة عن ابي عبد الله عليه السلام قال سأل رجل من ابي عبد الله عليه السلام بعد منصرفه من الموقف فقال اترى يجيب الله هذا الخلق كله ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام ما وقف بهذا الموقف أحد من الناس مؤمن ولا كافر الا غفر الله له، إلا أنهم في مغفرتهم على ثلاث منازل، مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر واعتقه من النار وذلك قوله " ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ومؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وقيل له احسن فيما بقي فذلك قوله " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى (1) الكبائر واما العامة فانهم يقولون فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد، افترى ان الله تبارك وتعالى حرم الصيد بعد ما احله لقوله " وإذا حللتم فاصطادوا " وفي تفسير العامة معناه فإذا حللتم فاتقوا الصيد، وكافر (2) وقف هذا الموقف يريد زينة الحياة الدنيا غفر الله له من ذنبه ما تقدم ان تاب من الشرك وان لم يتب وافاه الله اجره في الدنيا ولم يحرمه ثواب هذا


(1) اي تعجل في الذهاب إلى وطنه - عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان العبد المؤمن حين يخرج من بيته حاجا لا يخطو خطوة ولا تخطو به راحلته الا كتب له بها حسنة ومحي عنه سيئة، ورفع له بها درجة فإذا وقف بعرفات فلو كانت له ذنوب عدد الثرى رجع كما ولدته امه فقال له استأنف العمل يقول الله " فمن تعجل في يومين فلا اتم عليه " (الآية) البرهان. (2) عطف على قوله " مؤمن غفر الله له ". ج ز. (*)

[ 71 ]

الموقف وهو قوله " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون اولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " وقوله (واذكروا الله في ايام معدودات) قال ايام التشريق الثلاثة، والايام المعلومات العشرة من ذي الحجة، وقوله (ويهلك الحرث والنسل) قال الحرث في هذا الموضع الدين، والنسل الناس، ونزلت في فلان ويقال في معاوية وقوله (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله) قال ذلك امير المؤمنين عليه السلام ومعنى يشرى نفسه اي يبذل وقوله (ادخلوا في السلم كافة) قال في ولاية امير المؤمنين عليه السلام وقوله (كان الناس أمة واحدة) قال قبل نوح على مذهب واحد، فاختلفوا (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) وقوله (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) نزلت بالمدينة ونسخت آية " كفوا ايديكم " التي نزلت بمكة. واما قوله (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه اكبر عند الله والفتنة اكبر من القتل) فانه كان سبب نزولها انه لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة بعث السرايا إلى الطرقات التي تدخل مكة تتعرض لغير قريش، حتى بعث عبد الله ابن جحش في نفر من اصحابه إلى نخلة، وهي بستان بني عامر ليأخذوا عير قريش حين اقبلت من الطائف عليها الزبيب والادم والطعام، فوافوها وقد نزلت العير وفيهم عمر بن عبد الله الحضرمي وكان حليفا لعتبة بن ربيعة، فلما نظر الحضرمي إلى عبد الله بن جحش واصحابه فزعوا وتهيؤا للحرب وقالوا هؤلاء اصحاب محمد، فأمر عبد الله بن جحش اصحابه ان ينزلوا ويحلقوا رؤسهم، فنزلوا فحلقوا رؤسهم فقال ابن الحضرمي هؤلاء قوم عباد ليس علينا منهم باس، فلما

[ 72 ]

اطمأنوا ووضعوا السلاح حمل عليهم عبد الله بن جحش فقتل ابن الحضرمي وافلت اصحابه واخذوا العير بما فيها وساقوها إلى المدينة وكان ذلك في اول يوم من رجب من اشهر الحرم، فعزلوا العير وما كان عليها ولم ينالوا منها شيئا، فكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إنك استحللت الشهر الحرام وسفكت فيه الدم واخذت المال وكثر القول في هذا، وجاء اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله ايحل القتل في الشهر الحرام فانزل الله " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير.. الخ " قال القتال في الشهر الحرام عظيم ولكن الذي فعلت قريش بك يا محمد صلى الله عليه وآله من الصد عن المسجد الحرام والكفر بالله وإخراجك منها هو اكبر عند الله والفتنة يعني الكفر بالله اكبر من القتل ثم انزلت " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) وقوله (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) قال لا إقتار ولا إسراف (2) وقوله (يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم) فانه حدثني ابي عن صفوان عن عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله (ع) انه لما انزلت " ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " أخرج كل من كان عنده يتيم وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله في إخراجهم، فانزل الله تعالى " ويسألونك عن اليتامى.. الخ " وقال الصادق عليه السلام لا بأس ان تخلط طعامك بطعام اليتيم فان الصغير يوشك أن يأكل الكبير معه واما الكسوة وغيره فيحسب على كل رأس صغير وكبير كما يحتاج إليه، واما قوله (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة


(1) والحال انها قبل " يسألونك عن الشهر الحرام.. الخ " (2) انما ترك المؤلف تفسير آية: يسئلونك عن الخمر والميسر، لانه سيأتي في ذيل قوله تعالى: انما الخمر والميسر الخ في سورة المائدة ص 180 فراجع - ج - ز (*)

[ 73 ]

ولو اعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) فقوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " منسوخ بقوله " والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم " وقوله " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " على حاله لم ينسخ وقوله (ويسألونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) يعني النساء لا تأتوهن في الفرج حتى يغتسلن (فإذا تطهرن) اي اغتسلن (فاتوهن من حيث امركم الله) وقوله (نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انى شئتم) اي متى شئتم وتأولت العامة في قوله " انى شئتم " اي حيث شئتم في القبل والدبر، وقال الصادق عليه السلام " انى شئتم " اي متى شئتم في الفرج والدليل على قوله في الفرج قوله تعالى " نساؤكم حرث لكم " فالحرث الزرع في الفرج في موضع الولد، وقال الصادق عليه السلام من اتى امرأته في الفرج في اول ايام حيضها فعليه ان يتصدق بدينار وعليه ربع حد الزاني خمسة وعشرون جلدة، وان اتاها في آخر ايام حيضها فعليه ان يتصدق بنصف دينار ويضرب اثني عشر جلدة ونصف (1) وقوله (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) قال هو قول الرجل في كل حالة لا والله وبلى والله واما قوله (للذين يولون من نسائهم تربص اربعة اشهر فان فاءوا فان الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فان الله سميع عليم) فانه حدثني ابي عن صفوان إبن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال الايلاء هو ان يحلف الرجل على امرأته ألا يجامعها فان صبرت عليه فلها ان تصبر، فان رفعته إلى الامام انظره اربعة اشهر ثم يقول له بعد ذلك اما ان ترجع إلى المناكحة واما ان تطلق والا حبستك ابدا، وروي عن امير المؤمنين عليه السلام انه بنى حظيرة من قصب وجعل فيها رجل آلى من امرأته بعد اربعة اشهر وقال له اما


(1) بان يوخذ نصف السوط باليد ويضرب به ج ز. (*)

[ 74 ]

ترجع إلى المناكحة أو ان تطلق والا احرقت عليك الحظيرة، وقوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) قال والمطلقة تعتد ثلاثة قروء ان كانت تحيض قوله (ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في ارحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر) قال لا يحل للمرأة ان تكتم حملها أو حيضها أو طهرها وقد فرض الله على النساء ثلاثة اشياء الطهر والحيض والحبل وقوله (وللرجال عليهن درجة) قال حق الرجال على النساء افضل من حق النساء على الرجال. وقوله (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) قال في الثالثة (1) وهو طلاق السنة، حدثني ابي عن اسماعيل بن مهران (مرار ط) عن يونس عن عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن طلاق السنة، قال هو ان يطلق الرجل المرأة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ثم يتركها حتى تعتد ثلاثة قروء فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة، وحلت للازواج وكان زوجها خاطبا من الخطاب ان شائت تزوجته وان شائت لم تفعل فان تزوجها بمهر جديد كانت عنده بثنتين باقيتين ومضت بواحدة، فان هو طلقها واحدة على طهر بشهود ثم راجعها وواقعها ثم انتظر بها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها طلقة اخرى بشهادة شاهدين ثم تركها حتى تمضي اقراؤها الثلاثة، فإذا مضت اقراؤها الثلاثة قبل ان يراجعها فقد بانت منه بثنتين وقد ملكت امرها وحلت للازواج وكان زوجها خاطبا من الخطاب فان شائت تزوجته وان شائت لم تفعل، وان هو تزوجها تزويجا جديدا بمهر جديد كانت عنده بواحدة باقية وفد ؟ ؟ ثنتان، فان اراد ان يطلقها طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره تركها حتى إذا حاضت وطهرت اشهد على طلاقها تطليقة واحدة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.


(1) اي في التطليقة الثالثة تسرح باحسان ج - ز (*)

[ 75 ]

فاما طلاق الرجعة، فانه يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر، فان حاضت وطهرت اشهد شاهدين على تطليقة اخرى ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر فان حاضت وطهرت اشهد شاهدين على التطليقة الثالثة كل تطليقة على طهر بمراجعة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وعليها ان تعتد ثلاثة اقرء من يوم طلقها التطليقة الثالثة لدنس النكاح، وهما يتوارثان ما دامت في العدة، فان طلقها واحدة على طهر بشهود ثم انتظر بها حتى تحيض وتطهر ثم طلقها قبل ان يراجعها لم يكن طلاقه الثاني طلاقا جائزا، لانه طلق طالقا لانه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت خارجة من ملكه حتى يراجعها، فإذا راجعها صارت في ملكه ما لم يطلق التطليقة الثالثة فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج ملك الرجعة من يده فان طلقها على طهر بشهود ثم راجعها وانتظر بها الطهر من غير مواقعة فحاضت وطهرت وهي عنده ثم طلقها قبل ان يدنسها بمواقعة بعد الرجعة لم يكن طلاقه لها طلاقا لانه طلقها التطليقة الثانية في طهر الاولى، ولا ينقض الطهر الا بمواقعة بعد الرجعة وكذلك لا تكون التطليقة الثالثة الا بمراجعة ومواقعة بعد الرجعة ثم حيض وطهر بعد الحيض ثم طلاق بشهود حتى يكون لكل تطليقة طهر من تدنيس مواقعة بشهود. قوله (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله) فان هذه الآية نزلت في الخلع، حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال الخلع لا يكون الا أن تقول المرأة لزوجها لا أبر لك قسما ولاخرجن بغير اذنك ولاوطين فراشك غيرك ولا اغتسل لك من جنابة، أو تقول لا اطيع لك امرا أو تطلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له ان يأخذ منها جميع ما اعطاها وكل ما قدر عليه مما تعطيه من مالها فإذا تراضيا على ذلك طلقها

[ 76 ]

على طهر بشهود ففد بانت منه بواحدة، وهو خاطب من الخطاب فان شائت تزوجته وان شائت لم تفعل، فان تزوجها فهي عنده على اثنتين باقيتين، وينبغي له ان يشترط عليها كما اشترط صاحب المباراة إن ارتجعت في شئ مما اعطيتني فانا املك ببضعك، وقال لا خلع ولا مباراة ولا تخيير الا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين، والمختلعة إذا تزوجت زوجا آخر ثم طلقها تحل للاول ان يتزوج بها، وقال لا رجعة للزوج على المختلعة ولا المباراة الا ان يبدو للمرأة فيرد عليها ما اخذ منها وقوله (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) يعني الطلاق الثالث، وقوله (فلا جناح عليهما ان يتراجعا) في الطلاق الاول والثاني. وقوله (إذا طلقم النساء فبلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) قال إذا طلقها لا يجوز له ان يراجعها ان لم يردها فيضربها وهو قوله ولا تمسكوهن ضرارا اي لا تحبسوهن واما قوله (وإذا طلقم النساء فبلغن اجلهن فلا تعضلوهن (1) ان ينكحن ازواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) يعني إذا رضيت المرأة بالتزويج الحلال وقوله (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) يعني إذا مات الرجل وترك ولدا رضيعا لا ينبغي للوارث ان يضر بنفقة المولود بل ينبغي له ان يحزي عليه بالمعروف (2) وقوله (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) فانه حدثني ابي عن محمد بن الفضيل عن ابي الصباح الكناني عن ابي عبد الله عليه السلام قال لا ينبغي للرجل ان يمتنع من


(1) عضل المرأة عن الزواج اي منعها. (2) حز على كرم فلان اي زاد. ج - ز (*)

[ 77 ]

جماع المرأة فيضاربها إذا كان لها ولد مرضع، ويقول لها لا اقربك فاني اخاف عليك الحبل فتقتلين ولدي وكذا المرأة لا يحل لها ان تمتنع عن الرجل، فتقول إني اخاف ان احبل فاقتل ولدي فهذه المضارة في الجماع على الرجل والمرأة وقوله (وعلى الوارث مثل ذلك) لا تضار المرأة التي لها ولد وقد توفى زوجها فلا يحل للوارث ان يضار ام الولد في النفقة فيضيق عليها وقوله (فان ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) يعني إذا اصطلحت الام والوارث فيقول خذي الولد واذهبي به حيث شئت. وقوله (والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا) فهي ناسخة لقوله " والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج (1) " فقد قدمت الناسخة على المنسوخة في التأليف وقوله (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو اكننتم في انفسكم) فهو ان يقول الرجل للمرأة في ابعدة إذا توفى عنها زوجها لا تحدثي حدثا، ولا يصرح لها النكاح والتزويج، فنهى الله عزوجل عن ذلك والسر في النكاح وقال (ولا تواعدوهن سرا الا ان تقولوا قولا معروفا) وقال من السر ايضا ان يقول الرجل في عدة المرأة للمرأة موعدك بيت فلان وقال الاعشى في ذلك. فلا تنكحن جارة ان سرها * عليك حرام فانكحن أو تأبدا (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب اجله) اي تعتد وتبلغ الذي في الكتاب اجله اربعة اشهر وعشرا واما قوله (لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) فهو ان يطلق الرجل المرأة التي قد تزوجها ولم يدخل بها ولم يسم لها صداقا، فعليه إذا طلقها ان يمتعها على قدر حاله


(1) البقرة 140 (*)

[ 78 ]

كما قال الله عزوجل (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) فالموسع يمتع بالامة والدراهم والثوب على قدر سعته والمقتر يمتع باخمار وما يقدر عليه، وان تزوج بها وقد سمى لها الصداق ولم يدخل بها فعليه نصف المهر قوله (الا ان يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وهو الولي والاب ولا يعفوان الا بامرها وهو قوله (وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا ان يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وتتزوج من ساعتها ولا عدة عليها والعدة على اثنين وعشرين وجها فالمطلقة تعتد ثلاثة اقرء، والقرء هو اجتماع الدم في الرحم، والعدة الثانية إذا لم تحض فثلاثة اشهر بيض وإذا كانت تحيض في الشهر الاقل أو الاكثر وطلقت ثم حاضت قبل ان يأتي لها ثلاثة اشهر حيضة واحدة فلا تبين من زوجها الا بالحيض، وان مضي ثلاثة اشهر لها ولم تحض فانها تبين بالاشهر البيض، فان حاضت قبل ان يمضي لها ثلاثة اشهر فانها تبين بالدم، والمطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة فلا تبين حتى تطهر من الدم الثالث، والمطلقة الحامل لا تبين حتى تضع ما في بطنها فان طلقها اليوم ووضعت في الغد فقد بانت، والمتوفى عنها زوجها وهي الحامل تعتد بابعد الاجلين فان وضعت قبل ان يمضي لها اربعة اشهر وعشرا فلتتم اربعة اشهر وعشرا فان مضى لها اربعة اشهر وعشرا فلم تضع فعدتها ان تضع، والمطلقة وزوجها غائب عنها تعتد من يوم طلقها إذا شهد عندها شاهدان عدلان انه طلقها في يوم معروف تعتد من ذلك اليوم فان لم يشهد عندها احد ولم تعلم اي يوم طلقها تعتد من يوم يبلغها، والمنوفى عنها زوجها وهو غائب تعتد من يوم يبلغها، والتي لم يدخل بها زوجها ثم طلقها فلا عدة عليها، فان مات عنها ولم يدخل لها تعتد اربعة اشهر وعشرا. والعدة على الرجال ايضا ان كان له اربعة نسوة وطلق احديهن لم يحل

[ 79 ]

له ان يتزوج حتى تعتد التي طلقها، فإذا اراد ان يتزوج اخت امرأته لم تحل له حتى يطلق امرأته وتعتد ثم يتزوج اختها، والمتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت، والمطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة تعتد حيث شاءت ولا تبيت عن بيتها، والتي للزوج عليها رجعة لا تعتد الا في بيت زوجها وتراه ويراها ما دامت في العدة، وعدة الامة إذا كانت تحت الحر شهران وخمسة ايام. وعدة المتعة خمسة واربعون يوما، وعدة السبي استبراء الرحم، فهذه وجوه العدة. واما المرأة التي لا تحل لزوجها ابدا فهي التي طلقها زوجها ثلاث تطليقات على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين وتتزوج زوجا غيره فيطلقها ويتزوج بها الاول الذي كان طلقها ثلاث تطليقات ثم يطلقها ايضا ثلاث تطليقات للعدة (على طهر من غير جماع بشهادة عدلين ط) فتتزوج زوجا آخر ثم يطلقها فيتزوجها الاول الذي قد طلفها ست تطليقات على طهر وتزوجت زوجين غير زوجها الاول ثم يطلقها هذا زوجها الاول ثلاث تطليقات على طهر واحد من غير جماع بشهادة عدلين، فهذه التي لا تحل لزوجها الاول ابدا لانه قد طلقها تسع تطليقات وتزوج بها تسع مرات، وتزوجت ثلاثة ازواج فلا تحل للزوج الاول ابدا، ومن طلق إمرأته من غير ان تحيض أو كانت في دم الحيض أو نفساء من قبل ان تطهر فطلاقه باطل. وقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن ابن سنان ابي عبد الله عليه السلام انه قرأ " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين " فقوله " قوموا لله قانتين " قال إقبال الرجل على صلاته ومحافظته حتى لا يلهيه ولا يشغله عنها شئ وقوله (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فهي رخصة بعد العزيمة للخائف ان يصلي راكبا وراجلا، وصلاة الخوف على ثلاثة وجوه قال الله تبارك

[ 80 ]

وتعالى " وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا اسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فيصلوا معك وليأخذوا حذرهم واسلحتهم " فهذا وجه. والوجه الثاني من صلاة الخوف فهو الذي يخاف اللصوص والسباع في السفر فانه يتوجه إلى القبلة ويفتتح الصلاة ويمر على وجه الارض الذي هو فيه فإذا فرغ من القراءة واراد ان يركع ويسجد ولي وجهه إلى القبلة ان قدر عليه وان لم يقدر عليه ركع وسجد حيث ما توجه وان كان راكبا اومأ براسه. وصلاة المجادلة (المجاهدة ط) وهي المضاربة في الحرب إذا لم يقدر ان ينزل، يصلي ويكبر ولكل ركعة تكبيرة ويصلى وهو راكب فان امير المؤمنين عليه السلام صلي واصحابه خمس صلوات بصفين على ظهور الدواب لكل ركعة تكبيرة وصلى وهو راكب حيث ما توجهوا. ومنها صلاة الحيرة على ثلاثة وجوه، فوجه منها هو ان الرجل يكون في مفازة ولا يعرف القبلة يصلي إلى اربعة جوانب، والوجه الثاني، من فاتته الصلاة ولم يعرف اي صلاة هي فانه يجب ان يصلي ثلاث ركعات واربع ركعات وركعتين فان كانت المغرب فقد قضاها، وان فاتته العتمة فقد (1) قضاها وان كانت الفجر فقد قضاهاوان كانت الظهر والعصر فقد قامت الاربعة مقامها، ومن كان عليه ثوبان فاصاب احدهما بول أو قذر أو جنابة ولم يدر أي الثوبين اصاب القذر، فانه يصلي في هذا وفي هذا فإذا وجد الماء غسلهما جميعا. واما قوله (الم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم) فانه كان وقع الطاعون بالشام في بعض الكور (2)


(1) العتمة محركة صلوة العشاء - مجمع (2) الكور كصرد جمع كورة بضم الكاف وهي بقعة تجتمع فيها المساكن ج - ز (*)

[ 81 ]

فخرج منهم خلق كثير كما حكى الله هربا من الطاعون فصاروا إلى مفازة فماتوا في ليلة واحدة كلهم، فبقوا حتى كانت عظامهم يمر بهم المار فينحيها برجله عن الطريق ثم احياهم الله وردهم إلى منازلهم فبقوا دهرا طويلا ثم ماتوا ودفنوا. وقوله (الم تر إلى الملاء من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم إبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله - إلى قوله - والله عليم بالظالمين) قال حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام إن بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام عملوا المعاصي وغيروا دين الله وعتوا عن امر ربهم، وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروي انه ارميا النبي، فسلط الله عليهم جالوت، وهو من القبط فاذلهم وقتل رجالهم واخرجهم من ديارهم واموالهم واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم وقالوا سل الله ان يبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت والملك والسلطان في بيت آخر لم يجمع الله لهم الملك والنبوة في بيت واحد، فمن ذلك " قالوا ابعث لنا ملكا.. الخ " وقوله (فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) فغضبوا من ذلك (وقالوا انى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) وكانت النبوة في ولد لاوي والملك في ولد يوسف، وكان طالوت من ولد بن يامين اخي يوسف لامه لم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيهم (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) وكان اعظمهم جسما وكان شجاعا قويا وكان اعلمهم الا انه كان فقيرا فعابوه بالفقر فقالوا لم يؤت سعة من المال، فقال (لهم نبيهم إن آية ملكه ان يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة) وكان التابوت الذي انزل الله على موسى فوضعته فيه امه والقته في اليم، فكان في بني إسرائيل معظما

[ 82 ]

يتبركون به، فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الالواح وما كان عنده من آيات النبوة واودعه يوشع وصيه، فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلم يزل بنو إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم فلما سألوا النبي بعث الله طالوت عليهم يقاتل معهم رد الله عليهم التابوت وقوله " فيه سكينة من ربكم " فان التابوت كان يوضع بين يدي العدو وبين المسلمين فيخرج منه ريح طيبة لها وجه كوجه الانسان، حدثني ابي عن الحسن بن خالد عن الرضا عليه السلام انه قال السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الانسان فكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفار فان تقدم التابوت لا يرجع رجل حتى يقتل أو يغلب، ومن رجع عن التابوت كفر وقتله الامام. فأوحى الله إلى نبيهم ان جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى عليه السلام وهو رجل من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام اسمه داود بن آسي، وكان آسي راعيا وكان له عشرة بنين اصغرهم داود، فلما بعث طالوت إلى بني إسرائيل وجمعهم لحرب جالوت بعث إلى آسي ان احضر ولدك، فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فالبسه درع موسى عليه السلام، منهم من طالت عليه ومنهم من قصرت عنه فقال لآسي هل خلفت من ولدك احدا ؟ قال نعم اصغرهم تركته في الغنم يرعاها فبعث إليه ابنه فجاء به فلما دعي اقبل ومعه مقلاع (1) قال فنادته ثلاث صخرات في طريقه فقالت يا داود خذنا فاخذها في مخلاته وكان شديد البطش قويا في بدنه شجاعا، فلما جاء إلى طالوت البسه درع موسى فاستوت عليه، ففصل طالوت بالجنود


(1) مقلاع كمضراب آلة يرمى بها الاحجار إلى الصيد ونحوه. (*)

[ 83 ]

وقال لهم نبيهم يا بني إسرائيل (ان الله مبتليكم بنهر) في هذه المفازة (1) فمن شرب منه فليس من حزب الله، ومن لم يشرب منه فانه من حزب الله الا من اغترف غرفة بيده، فلما وردوا النهر اطلق الله لهم ان يغرف كل واحد منهم غرفة بيده (فشربوا منه الا قليلا منهم) فالذين شربوا منه كانوا ستين الفا وهذا امتحان امتحنوا به كما قال الله، وروي عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال القليل الذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاث مأة وثلاث عشر رجلا، فلما جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الذين شربوا منه (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) وقال الذين لم يشربوا (ربنا افرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) فجاء داود (ع) حتى وقف بحذاء جالوت، وكان جالوت على للفيل وعلى رأسه التاج وفي ياقوت يلمع نوره وجنوده بين يديه، فاخذ داود من تلك الاحجار حجرا فرمى به في ميمنة جالوت، فمر في الهواء ووقع عليهم فانهزموا واخذ حجرا آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا ورمى جالوت بحجر ثالث فصك الياقوتة في جبهته ووصل إلى دماغه ووقع إلى الارض ميتا فهو قوله (فهزموهم باذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة) واما قوله (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل قال قال أبو عبد الله (ع) إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا، ولو اجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا، وإن الله يدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي من شيعتنا ولو اجمعوا على ترك الزكاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن


(1) المفازة كمغارة الفلاة لا ماء فيها، قيل ان ذلك مأخوذ من فوز اي مات لان المفازة مظنة للموت، وقيل سميت مفازة لان من خرج منها وقطعها فاز. ج - ز (*)

[ 84 ]

يحج من شيعتنا عمن لا يحج من شيعتنا ولو اجمعوا على ترك الحج لهلكوا، وهو قول الله " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.. الخ " الجزء (3) واما قوله (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وايدناه بروح القدس الآية) فانه جاء رجل إلى امير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل فقال يا علي على ما تفاتل اصحاب رسول الله ومن شهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ؟ فقال على آية في كتاب الله اباحت لي قتالهم، فقال وما هي ؟ قال قوله تعالى " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وايدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " فقال الرجل كفر والله القوم وقوله (يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) اي صداقة. واما آية الكرسي فانه حدثني ابي عن الحسين بن خالد انه قره أبو الحسن الرضا عليه السلام: (1) الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم) قال " ما بين ايديهم " فامور الانبياء وما كان " وما خلفهم " اي ما لم يكن بعد، قوله " الا بما شاء " اي بما يوحى إليهم (ولا يؤده حفظهما) اي لا يثقل عليه حفظ ما في السماوات وما في الارض وقوله (لا إكراه في الدين) اي لا يكره احد على دينه الا بعد ان قد تبين له الرشد من الغي (فمن يكفر بالطاغوت) وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم (فقد استمسك بالعروة الوثقى) يعني الولاية


(1) ليس في ط الم - ج - ز (*)

[ 85 ]

(لا انفصام لها) اي حبل لا انقطاع له يعني امير المؤمنين والائمة بعده عليهم السلام (الله ولي الذين آمنوا) وهم الذين اتبعوا آل محمد عليهم السلام (يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت) هم الظالمون آل محمد والذين اتبعوا من غصبهم (يخرجونهم من النور إلى الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون والحمد لله رب العالمين) كذا نزلت، حدثني ابي عن النضر بن سويد عن موسى بن بكر عن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله (وسع كرسيه السموات والارض) سألته ايما اوسع الكرسي أو السموات والارض ؟ قال لا بل الكرسي وسع السموات والارض وكل شئ خلق الله في الكرسي. حدثني ابي عن اسحاق بن الهيثم عن سعد بن ظريف عن الاصبغ بن نباتة ان عليا عليه السلام سئل عن قول الله عزوجل " وسع كرسيه السموات والارض " قال السموات والارض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي وله اربعة املاك يحملونه باذن الله (فاما الملك الاول) ففي صورة الآدميين وهى اكرم الصور على الله وهو يدعو الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لبني آدم (والملك الثاني) في صورة الثور وهو سيد البهائم وهو يطلب إلى الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع البهائم (والملك الثالث) في صورة النسر وهو سيد الطير وهو يطلب إلى الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع الطير (والملك الرابع) في صورة الاسد وهو سيد السباع وهو يرغب إلى الله ويطلب الشفاعة والرزق لجميع السباع، ولم يكن في هذه الصور احسن من الثور ولا اشد انتصابا منه حتى اتخذ الملا من بني اسرائيل العجل الها، فلما عكفوا عليه وعبدوه من دون الله خفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياءا من الله ان عبد من دون الله شيئ يشبهه وتخوف ان ينزل به العذاب، ثم قال عليه السلام ان الشجر لم يزل حصيدا كله حتى دعي للرحمن ولد أعز الرحمن وجل ان يكون له ولد، فكادت

[ 86 ]

السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا (1)، فعند ذلك اقشعر الشجر وصار له شوك حذار ان ينزل به العذاب، فما بال قوم غيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعدلوا عن وصيته في حق علي والائمة عليهم السلام ولا يخافون ان ينزل بهم العذاب ثم تلا هذه الآية " الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار " ثم قال نحن والله نعمة الله التي انعم الله بها على عباده وبنا فاز من فاز وقوله (لم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال انا احيى واميت قال إبراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب) فانه لما القى نمرود إبراهيم (ع) في النار وجعلها الله عليه بردا وسلاما قال نمرود يا ابراهيم من ربك ؟ قال ربي الذي يحيى ويميت، قال نمرود انا احيي واميت فقال له ابراهيم كيف تحيي وتميت ؟ قال إلي برجلين ممن قد وجب عليهما القتل فاطلق عن واحد وقتل واحدا فاكون قد احييت وامت، فقال ابراهيم ان كنت صادقا فاحي الذي قتلته ثم قال دع هذا فان ربي يأتيني بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فكان كما قال الله عزوجل " فبهت الذي كفر " اي انقطع وذلك انه علم ان الشمس اقدم منه. واما قوله (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال انى يحيي هذه الله بعد موتها) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيي الحلبي عن هارون بن خارجة عن ابي عبد الله (ع) قال لما عملت بنو إسرائيل المعاصي وعتوا عن امر ربهم فاراد الله ان يسلط عليهم من يذلهم ويقتلهم فأوحى الله تعالى إلى إرميا يا إرميا ما بلد انتخبته من بين البلدان وغرست فيه من كرائم الشجر فاخلف فانبت خرنوبا ؟ (2) فاخبر إرميا اخيار علماء بني اسرائيل فقالوا له راجع


(1) هد البناء أي ضعضعه وهدمه (2) الخرنوب بالضم والفتح شجرة برية ذات شوك وحمل كالتفاح لكنه بشع ق (*)

[ 87 ]

ربك ليخبرنا ما معنى هذا المثل ؟ فصام إرميا سبعا، فأوحى الله إليه ياارميا اما البلد فبيت المقدس واما ما انبت فيها فبنو إسرائيل الذين اسكنتهم فيها فعملوا بالمعاصي وغيروا ديني وبدلوا نعمتي كفرا، فبى حلفت لامتحننهم بفتنة يظل الحكيم فيها حيرانا ولاسلطن عليهم شر عبادي ولادة وشرهم طعاما فليسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم ويسبي حريمهم ويخرب ديارهم التي يغترون بها ويلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مأة سنة، فاخبر ارميا احبار بني اسرائيل فقالوا له راجع ربك فقل له ما ذنب الفقراء والمساكين والضعفاء، فصام ارميا سبعا ثم اكل اكلة فلم يوح إليه شئ ثم صام سبعا واكل اكلة ولم يوح إليه شئ ثم صام سبعا فأوحى الله إليه يا ارميا لتكفن عن هذا أو لاردن وجهك في قفاك، قال ثم اوحى الله تعالى إليه قل لهم لانكم رأيتم المنكر فلم تنكروه، فقال ارميا رب اعلمني من هو حتى آتيه وآخد لنفسي واهل بيتي منه امانا قال إيت موضع كذا وكذا فانظر إلى غلام اشدهم زمانا واخبثهم ولادة واضعفهم جسما وشرهم غذاءا فهو ذلك، فاتى إرميا ذلك البلد فإذا هو غلام في خان زمن (1) ملقى على مزبلة وسط الخان وإذا له ام تزني بالكسر وتفت الكسر في القصعة وتحلب عليه خنزيرة لها ثم تدنيه من ذاك الغلام فيأكله، فقال ارميا ان كان في الدنيا الذي وضعه الله فهو هذا، فدنى منه فقال له ما اسمك ؟ فقال بخت نصر، فعرفه انه هو فعالجه حتى برأ ثم قال له تعرفني ؟ قال لا انت رجل صالح، قال انا ارميا نبي بني إسرائيل، اخبرني الله انه سيسلطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم وتفعل بهم كذا وكذا، قال فتاه في نفسه في ذاك الوقت ثم قال ارميا اكتب لي كتابا بامان منك فكتب له كتابا، وكان يخرج في الجبل ويحتطب ويدخله المدينة ويبيعه.


(1) اي مخروبة. (2) بخت نصر بضم الباء وتشديد الصاد اصله بوخت ومعناه ابن ونصر اسم صنم لانه كان وجد ملقى عنده فنسب إليه لانه لم يعرف له اب ق ومجمع ج. ز (*)

[ 88 ]

فدعا إلى حرب بني اسرائيل فأجابوه وكان مسكنهم في بيت المقدس واقبل بخت نصر نحو بيت المقدس واجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ ارميا اقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له ومعه الامان الذي كتب له بخت نصر فلم يصل إليه ارميا من كثرة جنوده واصحابه، فصير الامان على قصبة ورفعها، فقال من انت ؟ فقال انا ارميا النبي الذي بشرتك بانك سيسلطك الله على بني اسرائيل وهذا امانك لي، قال اما انت فقد امنتك واما اهل بيتك فانى ازمى من ههنا إلى بيت المقدس فان وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا امان لهم عندي وان لم تصل فهم آمنون، وانتزع قوسه ورمى نحو بيت المقدس فحملت الريح النشابة حتى علقتها في بيت المقدس، فقال لا امان لهم عندي، فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة وإذا دم يغلي وسطه كلما القي عليه التراب خرج وهو يغلي فقال ما هذا فقالوا هذا ؟ دم نبي كان لله فقتله ملوك بني اسرائيل ودمه يغلي وكلما القينا عليه التراب خرج يغلي، فقال بخت نصر لاقتلن بني اسرائيل ابدا حتى يسكن هذا الدم وكان ذلك الدم دم يحيى بن زكريا (ع) وكان في زمانه ملك جبار يزني بنساء بني إسرائيل وكان يمر بيحيى بن زكريا فقال له يحيى اتق الله ايها الملك، لا يحل لك هذا فقالت له امرأة من اللواتي كان يزني بهن حين سكر " ايها الملك اقتل هذا " فأمر ان يؤتى برأسه فأتوا برأس يحيى (ع) في طشت وكان الرأس يكلمه ويقول له يا هذا اتق الله لا يحل لك هذا، ثم غلى الدم في طشت حتى فاض إلى الارض فخرج يغلى ولا يسكن، وكان بين قتل يحيى وبين خروج بخت نصر مأة سنة، ولم يزل بخت نصر يقتلهم وكان يدخل قرية قرية فيقتل الرجال والنساء والصبيان وكل حيوان والدم يغلى ولا يسكن حتى افناهم، فقال أبقي احد في هذه البلاد ؟ قالوا عجوز في موضع كذا وكذا فبعث إليها فضرب عنقها على الدم فسكن، وكانت آخر من بقي، ثم اتى بابل فبنى بها

[ 89 ]

مدينة واقام وحفر بئرا فالقى فيها دانيال والقى معه اللبوة (1) فجعلت اللبوة تأكل من طين البئر ويشرب دانيال لبنها فلبث بذلك زمانا، فأوحى الله إلى النبي الذي كان ببيت المقدس ان اذهب بهذا الطعام والشراب إلى دانيال واقرأه مني السلام، قال واين دانيال يا رب ؟ قال في بئر ببابل في موضع كذا وكذا قال فاتاه فاطلع في البئر فقال يا دانيال، فقال لبيك صوت غريب قال إن ربك يقرؤك السلام وقد بعث اليك بالطعام والشراب فأدلاه إليه فقال دانيال " الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه الحمدلله الذي من توكل عليه كفاه الحمدلله الذي لا ينسى من ذكره الحمدلله الذي لا يخيب من دعاه الحمدلله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره الحمد له الذي يجزي بالاحسان إحسانا الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة الحمدلله الذي يكشف حزننا (ضرنا ط) عند كربتنا الحمدلله الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منا الحمدلله الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننا باعمالنا ". قال فأوري بخت نصر في نومه كأن رأسه من حديد ورجليه من نحاس وصدره من ذهب، قال فدعا المنجمين فقال لهم ما رأيت ؟ قالوا ما ندري ولكن قص علينا ما رأيت ؟ فقال وانا اجري عليكم الارزاق منذ كذا وكذا ولا تدرون ما رأيت في المنام، فأمر بهم فقتلوا، قال فقال له بعض من كان عنده، ان كان عند احد شئ فعند صاحب الجب فان اللبوة لم تعرض له وهي تأكل الطين وترضعه فبعث إلى دانيال فقال ما رأيت في المنام ؟ قال رأيت كان رأسك من حديد ورجليك من نحاس وصدرك من ذهب، قال هكذا رأيت فما ذاك ؟ قال قد ذهب ملكك وانت مقتول إلى ثلاثة ايام يقتلك رجل من ولد فارس، قال فقال له ان علي سبع مدائن، على باب كل مدينة حرس وما رضيت بذلك حتى وضعت بطة


(1) اللبوة انثى الاسد، ج - ز (*)

[ 90 ]

من نحاس على باب كل مدينة لا يدخل غريب الا صاحت عليه حتى يؤخذ قال فقال له ان الامر كما قلت لك قال فبث الخيل وقال لا تلقون احدا من الخلق الا قتلتموه كائنا من كان وكان دانيال جالسا عنده، وقال لا تفارقني هذه الثلاثة ايام فان مضت قتلتك، فلما كان اليوم الثالث ممسيا اخذه الفم فخرج فتلقاه غلام كان يخدم ابنا له من اهل فارس وهو لا يعلم انه من اهل فارس، فدفع إليه سيفه وقال له يا غلام لا تلقى احدا من الخلق الا وقتلته وان لقيتني انا فاقتلني، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بخت نصر ضربة فقتله. فخرج إرميا على حماره ومعه تين قد تزوده وشئ من عصير فنظر إلى سباع البر وسباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعة ثم قال انى يحيي هذه الله بعد موتها وقداكلهم السباع، فأماته الله مكانه وهو قول الله تبارك وتعالى " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال انى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مأة عام ثم بعثه " اي احياه فلما رحم الله بني اسرائيل واهلك بخت نصر رد بني اسرائيل إلى الدنيا، وكان عزيز لما سلط الله بخت نصر على بني اسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي ارميا ميتا مأة سنة ثم احياه الله تعالى فاول ما احيا منه عينيه في مثل غرقئ (1) البيض فنظر فأوحى الله تعالى إليه (كم لبثت قال لبثت يوما) ثم نظر إلى الشمس وقد ارتفعت فقال (أو بعض يوم) فقال الله تعالى (بل لبثت مأة فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه - اي لم يتغير - وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما) فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطرة تجمع إليه والى اللحم الذي قد اكلته السباع يتألف إلى العظام من ههنا وههنا


(1) بكسر الغين بياض البيض. ج - ز (*)

[ 91 ]

ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال (اعلم إن الله على كل شئ قدير). واما قوله (وإذ قال إبراهيم رب ارني كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ اربعة من الطير فصر من اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم ان الله عزيز حكيم) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابي ايوب عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام ان ابراهيم عليه السلام نظر إلى جيفة على ساحل البحر تا كله سباع البر وسباع البحر ثم تحمل السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا فتعجب ابراهيم (ع) " فقال رب ارني كيف تحيي الموتى.. الخ " فأخذ ابراهيم عليه السلام الطاؤس والديك والحمام والغراب فقال الله عزوجل " فصرهن اليك، اي قطعهن ثم اخلط لحمهن وفرقهن على عشرة جبال ثم خذ مناقيرهن وادعهن ياتينك سعيا، ففعلى ابراهيم ذلك وفرقهن على عشرة جبال ثم دعاهن فقال اجيبنني باذن الله تعالى، فكانت تجمع ويتألف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه وطارت إلى ابراهيم، فعند ذلك قال ابراهيم ان الله عزيز حكيم. وقوله (والذين ينفقون اموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا منا ولا اذى الآية) فانه قال الصادق (ع) قال رسول الله صلى الله عليه وآله من اسدي إلى مؤمن معروفا ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد ابطل الله صدقته ثم ضرب الله فيه مثلا فقال كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) وقال من اكثر منه واذاه لمن يتصدق عليه بطلت صدقته كما يبطل التراب الذي يكون على صفوان، والصفوان الصخرة الكبيرة التي تكون على مفازة فيجئ المطر فيغسل التراب عنها ويذهب به، فضرب الله هذا المثل لمن اصطنع معروفا ثم اتبعه بالمن والاذى " وقال الصادق (ع) ما شئ احب الي من

[ 92 ]

رجل سلف مني إليه يد اتبعته اختها واحسنت بها له لاني رأيت منع الاواخر فقطع لسان شكر الاوائل، ثم ضرب مثل المؤمنين (مثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من انفسهم كمثل جنة بربوة اصابها وابل فاتت اكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير) قال " مثلهم كمثل جنة " اي بستان في موضع مرتفع " اصابها وابل " اي مطر " فآتت اكلها ضعفين " اي يتضاعف ثمرها كما يتضاعف اجر من انفق ماله " ابتغاء مرضات الله " والطل ما يقع بالليل على الشجر والنبات، وقال أبو عبد الله عليه السلام (والله يضاعف لمن يشاء) لمن انفق ماله ابتغاء مرضات الله، قال فمن انفق ماله ابتغاء مرضات الله ثم امتن على من تصدق عليه كان كما قال الله (ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل واعناب تجري من تحتها الانهار له فيها من كل الثمرات واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها اعصار فيه نار فاحترقت) قال الاعصار الرياح، فمن امتن على من تصدق عليه كمن كان له جنة كثيرة الثمار وهو شيخ ضعيف له اولاد صغار ضعفاء فتجئ ريح أو نار فتحرق ماله كله، واما قوله (يا ايها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما اخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه) فانه كان سبب نزولها ان قوما كانوا إذا صرموا النخل عمدوا إلى ارذل تمورهم فيتصدقون بها، فنهاهم الله عن ذلك، فقال " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه " اي انتم لو دفع ذلك اليكم لم تأخذوه واما قوله (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) فان الشيطان يقول لا تنفق فانك تفتقر (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) اي يغفر لكم ان انفقتم لله " وفضلا " قال يخلف عليكم، وقوله (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) قال الخير الكثير معرفة امير المؤمنين والائمة عليهم السلام، وقوله (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) قال الزكاة المفروضة تخرج علانية وتدفع علانية

[ 93 ]

وبعد ذلك غير الزكاة ان دفعته سرا فهو افضل وقوله (للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا) فهم الذين لا يسئلون الناس الحافا من الراضين والمتجملين في الدين الذين لا يسئلون الناس الحافا ولا يقدرون ان يضربوا في الارض فيحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف عن السؤال. وقوله (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بي إلى السماء رأيت قوما يريد احدهم ان يقوم فلا يقدر ان يقوم من عظم بطنه، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وقوله (يمحق الربا ويربى الصدقات) قال قيل للصادق عليه السلام قد نرى الرجل يربى وماله يكثر فقال يمحق الله دينه وان كان ماله يكثر وقوله (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين) فانه كان سبب نزولها انه لم انزل الله تعالى " الذين يأكلون الربا الخ " فقام خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ربا ابي في ثقيف وقد اوصاني عند موته باخذه فانزل الله تبارك وتعالى (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله) قال من اخذ الربا وجب عليه القتل وكل من اربى وجب عليه القتل، واخبرني ابي عن ابن ابي عمير بن جميل عن ابي عبد الله عليه السلام قال درهم من ربا اعظم عند الله من سبعين زنية بذات محرم في بيت الله الحرام، قال ان

[ 94 ]

للربا سبعين جزءا ايسره ان ينكح الرجل امه في بيت الله الحرام. واما قوله (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) فانه حدثني ابي عن السكوني عن مالك بن مغيرة عن حماد بن سلمة عن جذعان عن سعيد بن المسيب عن عايشة انها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ما من غريم ذهب بغريمه إلى وال من ولاة المسلمين واستبان للوالي عسرته الا برئ هذا المعسر من دينه وصار دينه على والي المسلمين فيما في يديه من اموال المسلمين، قال عليه السلام ومن كان له على رجل مال اخده ولم ينفقه في اسراف أو في معصية فعسر عليه ان يقضيه فعلى من له المال ان ينظره حتى يرزقه الله فيقضيه، وان كان الامام العادل قائما فعليه ان يقتضي عنه دينه لقول رسول الله صلى الله عليه وآله من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فعلى الامام ما ضمنه الرسول، وان كان صاحب المال موسرا تصدق بماله عليه أو تركه فهو خير له لقوله (وإن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون) واما قوله (يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه) فقد روي في الخبر ان في سورة البقرة خمس مأة حكم وفي هذه الآية خمسة عشر حكما وهو قوله " يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه ويكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله " ثلاثة احكام " فليكتب " اربعة احكام " وليملل الذي عليه الحق " خمسة احكام وهو اقراره إذا املا " وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ولا يخونه " ستة احكام " فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ان يمل هو " اي لا يحسن ان يمل " فليملل وليه بالعدل " يعني ولي المال سبعة احكام " استشهدوا شهيدين من رجالكم " ثمانية احكام " فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء إن تضل احديهما فتذكر احديهما الاخرى " يعني ان تنسى احديهما فتذكر اخرى تسعة احكام " ولا ياب الشهداء إذا ما دعوا " عشرة احكام " ولا تسأموا ان تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى اجله " اي لا تضجروا

[ 95 ]

ان تكتبوه صغير السن أو كبيرا احد عشر حكما " ذلكم اقسط عند الله واقوم للشهادة وادني ان لا ترتابوا " اي لا تشكوا " الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها " اثنا عشر حكما " واشهدوا إذا تبايعتم " ثلاثة عشر حكما " ولا يضار كاتب ولا شهيد " اربعة عشر حكما " وان تفعلوا فانه فسوق بكم " خمسة عشر حكما " واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم " وقوله (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان أمن بعضكم بعضا) اي يأخذ منه رهنا فان امنه ولم يأخذ منه رهنا " فليتق الله ربه " الذي اخذ المال وقوله " ولا تكتموا الشهادة " معطوف على قوله " واستشهدوا شهيدين من رجالكم ". واما قوله (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام ان هذه الآية مشافهة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ليلة أسرى به إلى السماء، قال النبي صلى الله عليه وآله انتهيت إلى محل سدرة المنتهى وإذا بورقة منها تظل امة من الامم فكنت من ربي كقاب قوسين أو ادنى كما حكى الله عزوجل فناداني ربي تبارك وتعالى " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " فقلت انا مجيب عني وعن امتي (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير) فقال الله (لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فقلت (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وقال الله لا اؤاخذك، فقلت (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) فقال الله لا أحملك، فقلت (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا علي القوم الكافرين) فقال الله تعالى قد أعطيتك ذلك لك ولامتك، فقال الصادق (ع) ما وفد إلى الله تعالى احد اكرم من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث سأل لامته هذه الخصال.

[ 96 ]

[ سورة آل عمران مدنية وهى مأتا آية ] (بسم الله الرحمن الرحيم الم الله لا اله إلا هو الحي القيوم) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قول الله تبارك وتعالى (الم الله لا اله الا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التورية والانجيل من قبل، هدى للناس وأنزل الفرقان) قال الفرقان هو كل امر محكم والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدقه من كان قبله من الانبياء (وهو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء) يعني ذكرا أو انثى واسود وابيض واحمر وصحيحا وسقيما، وقوله (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) فاما المحكم من القرآن فهو ما تأويله في تنزيله مثل قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين " ومثل قوله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم " إلى آخر الآية ومثله كثير محكم مما تأويله في تنزيله. واما المتشابه فما كان في القرآن مما لفظه واحد ومعاينه مختلفة مما ذكرنا من الكفر الذي هو على خمسة اوجه والايمان على اربعة وجوه ومثل الفتنة والضلال الذي هو على وجوه وتفسير كل آية نذكره في موضعه ان شاء الله تعالى واما قوله (فاما الذين في قلوبهم زيغ) اي شك وقوله (وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة عن يزيد بن معاوية عن ابي جعفر عليه السلام قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله افضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما انزل الله عليه من التنزيل والتأويل وما كان الله

[ 97 ]

لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله واوصياؤه من بعده يعلمونه كله، قال قلت جعلت فداك ان ابا الخطاب كان يقول فيكم قولا عظيما، قال وما كان يقول ؟ قلت انه يقول انكم تعلمون علم الحلال والحرام والقرآن قال علم الحلال والحرام والقرآن يسير في جنب العلم الذي يحدث في الليل والنهار وقوله (ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا) اي لا نشك وقوله (اولئك هم وقود النار) يعني حطب النار (كداب آل فرعون) اي فعل آل فرعون. وقوله (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) فانها نزلت بعد بدر لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر اتى بنى قينقاع وهو يناديهم وكان بها سوق يسمى سوق النبط فأتاهم رسول الله فقال يا معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم اكثر عددا وسلاما وكراعا منكم فادخلوا في الاسلام، فقالوا يا محمد ءانك تحسب حربنا مثل حرب قومك ؟ والله لو لقيتنا للقيت رجالا، فنزل عليه جبرئيل فقال يا محمد (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله) يعني فئة المسلمين وفئة الكفار (واخرى كافرة يرونهم مثليهم راي العين) اي كانوا مثلي المسلمين (والله يؤيد بنصره من يشاء) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر (إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار). وقوله (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث) قال القناطير جلود الثيران مملوءة دهبا " والخيل المسومة " يعني الراعية والانعام " والحرث " يعني الزرع " والله عنده حسن المآب " اي حسن المرجع إليه قال (أؤنبئكم بخير من ذلكم الذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) ثم اخبر ان هذا للذين (يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر ذنوبنا وقنا عذاب النار - إلى قوله - والمستغفرين

[ 98 ]

بالاسحار) ثم اخبر ان هؤلاء هم (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار) وهم الدعاؤن واما قوله (وازواج مطهرة) قال في الجنة لا يحضن ولا يحدثن. حدثني ابي عن اسماعيل بن ابان عن عمر (عمير ط) بن عبد الله الثقفي قال اخرج هشام بن عبد الملك ابا جعفر محمد بن علي زين العابدين عليهم السلام من المدينة إلى الشام، وكل ينزله معه فكان يقعد مع الناس في مجالسهم فبينما هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال ما لهؤلاء القوم ألهم عيد اليوم ؟ قالوا لا يابن رسول الله ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في مثل هذا اليوم فيخرجونه ويسألونه عما يريدون وعما يكون في عامهم، قال أبو جعفر عليه السلام وله علم ؟ فقالوا هو من اعلم الناس قد ادرك اصحاب الحواريين من اصحاب عيسى (ع)، قال لهم نذهب إليه، فقالوا ذاك اليك يابن رسول الله، قال فقنع أبو جعفر رأسه بثوبه ومضى هو واصحابه فاختلطوا بالناس حتى اتوا الجبل، قال فقعد أبو جعفر وسط النصاري هو واصحابه، فاخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد ثم دخلوا فاخرجوه ثم ربطوا عينيه فقلب عينيه كأنهما عينا افعى، ثم قصد ابا جعفر (ع) فقال أمنا انت ام من الامة المرحومة ؟ فقال أبو جعفر (ع) من الامة المرحومة، قال فمن علمائهم انت ام من جهالهم ؟ قال لست من جهالهم، قال النصراني اسألك أو تسألني ؟ فقال أبو جعفر (ع) سلني، فقال يا معشر النصارى رجل من امة محمد يقول اسألني ان هذا لعالم بالمسائل ثم قال يا عبد الله اخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار أي ساعة هي ؟ قال أبو جعفر (ع) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصراني فإذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن اي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر (ع) من ساعات الجنة وفيها

[ 99 ]

تفيق مرضى، فقال النصراني اصبت فأسألك أو تسألني ؟ قال أبو جعفر (ع) سلني، قال يا معشر النصارى ان هذا لملئ بالمسائل اخبرني عن اهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون ؟ اعطني مثله في الدنيا، قال أبو جعفر (ع) هذا هو الجنين في بطن امه يأكل مما تأكل امه ولا يتغوط، قال النصراني اصبت الم تقل ما انا من علمائهم ؟ قال أبو جعفر (ع) انما قلت لك ما انا من جهالهم، قال النصراني فاسألك أو تسألني قال أبو جعفر (ع) سلني قال يا معشر النصارى لاسألنه مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل، فقال له سل قال اخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت منه بابنين حملتهما جميعا في ساعة واحدة ووضعتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة ودفنا في ساعة واحدة في قبر واحد عاش احدهما خمسين ومائة سنة وعاش الآخر خمسين سنة من هما ؟ قال أبو جعفر (ع) هما عزير وعزرة كانت حملت امهما على ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزرة وعزير ثلاثين سنة ثم امات الله عزيرا مأة سنة وبقي عزرة يحيى ثم بعث الله عزيرا فعاش مع عزرة عشرين سنة وماتا جميعا في ساعة واحدة فدفنا في قبر واحد، قال النصراني يا معشر النصارى ما رأيت احدا قط اعلم من هذا الرجل لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردوني إلى كهفي فردوه إلى كهفه ورجع النصارى مع ابي جعفر (ع). وقوله (شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط) قال قائما بالقسط معطوف على قوله شهد الله والقسط العدل (ان الدين عند الله الاسلام) قال التسليم لله ولاوليائه وهو التصديق، وقد سمى الله الايمان تصديقا حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن حمران بن اعين عن ابى عن ابي جعفر (ع) قال ان الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام بدرجة قال وحدثني محمد بن يحيى البغدادي رفع الحديث إلى امير المؤمنين عليه السلام انه قال لانسبن

[ 100 ]

الاسلام نسبة لم ينسبها احل قبلي ولا ينسبها احد بعدي الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، فالتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل والمؤمن من اخذ دينه عن ربه إن المؤمن يعرف ايمانه في عمله وان الكافر يعرف كفره بانكاره، يا ايها الناس دينكم دينكم فان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، وان السيئة فيه تغفر، وان الحسنة في غيره لا تقبل وقوله (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة) فان هذه الآية رخصة ظاهرها خلاف باطنها يدان بظاهرها ولا يدان بباطنها الا عند التقية، ان التقية رخصة للمؤمن ان يراه (ان يدين بدين ط) الكافر فيصلي بصلاته ويصوم بصيامه إذا اتقاه في الظاهر وفي الباطن يدين الله بخلاف ذلك، وقوله (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله الآية) فحب الله للعباد رحمة منه لهم وحب العباد لله طاعتهم له (1). وقوله (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين) فلفظ الآية عام ومعناه خاص وانما فضلهم على عالمي زمانهم وقال العالم عليه السلام نزل " وآل عمران وآل محمد على العالمين " فاسقطوا آل محمد من الكتاب. وقوله (إذ قالت امرأة عمران رب اني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك انت السميع العليم) فان الله تبارك وتعالى اوحى إلى عمران اني واهب لك ذكرا يبرئ الاكمه والابرص ويحيي الموتى باذن الله، فبشر عمران زوجته


(1) قال صادق آل محمد عليه السلام: ما احب الله من عصاه ثم تمثل فقال: تعصى الاله وانت تظهر حبه * هذا محال في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لاطعته * ان المحب لمن يحب مطيع. ج - ز (*)

[ 101 ]

بذلك فحملت، فقالت رب اني نذرت لك ما في بطني محررا للمحراب، وكانوا إذا نذروا نذرا جعلوا ولدهم للمحراب (فاما وضعتها قالت رب اني وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى) وانت وعدتني ذكرا (واني سميتها مريم واني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) فوهب الله لمريم عيسى عليه السلام قال وحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان قلنا لكم في الرجل منا قولا فلم يكن فيه كان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك ان الله اوحى إلى عمران اني واهب لك ذكرا مباركا يبرئ الاكمه والابرص ويحيي الموتى باذنى وجاعله رسولا إلى بني اسرائيل فحدث بذلك امرأته حنة وهي ام مريم فلما حملت بها كان حملها عند نفسها غلاما " فلما وضعتها انثى قالت رب اني وضعتها انثى وليس الذكر كالانثى " لان البنت لا تكون رسولا يقول الله " والله اعلم بما وضعت " فلما وهب الله لمريم عيسى عليه السلام كان هو الذي بشر الله به عمران ووعده اياه فإذا قلنا لكم في الرجل منا شيئا فكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك. فلما بلغت مريم صارت في المحراب وارخت على نفسها سترا وكان لا يراها احد وكان يدخل عليها زكريا المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فكان يقول لها انى لك هذا ؟ فتقول (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) الحصور الذي لا يأتي النساء (قال رب انى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) والعاقر التي قد يئست من المحيض (قال كذلك الله يفعل ما يشاء) قال زكريا (رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ايام الا رمزا) وذلك ان زكريا ظن ان الذي بشره

[ 102 ]

هم الشياطين فقال " رب اجعل لي آية قال آيتك الا تكلم الناس ثلاثة ايام الا رمزا " فخرس ثلاثة ايام، وقوله (إذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العالمين) قال اصطفاها مرتين، اما الاولى اصطفاها اي اختارها واما الثانية فانها حملت من غير فحل فاصطفاها بذلك على نساء العالمين وقوله (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) وانما هو اركعي واسجدي ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك - يا محمد - وما كنا لديهم إذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) قال لما ولدت اختصم آل عمران فيها فكلهم قالوا نحن تكفلها فخرجوا وقارعوا بالسهام بينهم فخرج سهم زكريا فتكفلها زكريا. (إذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) اي ذا وجه وجاه ونكتب مولده وخبره في سورة مريم وقوله (اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير) اي اقدر وهو خلق تقدير، حدثنا احمد بن محمد الهمداني قال حدثني جعفر بن عبد الله قال حدثنا كثير بن عياش عن زياد بن المنذر عن ابي الجارود عن ابي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام في قوله (وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) فان عيسى عليه السلام كان يقول لبني اسرائيل اني رسول الله اليكم واني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وابرئ الاكمه والابرص، الاكمه هو الاعمى قالوا ما نرى الذي تصنع الا سحرا فارنا آية نعلم انك صادق قال ارأيتم ان اخبرتكم " بما تأكلون وما تدخرون " يقول ما اكلتم في بيوتكم قبل ان تخرجوا وما ذخرتم الليل، تعلمون اني صادق ؟ قالوا نعم فكان يقول للرجل اكلت كذا وكذا وشربت كذا وكذا ورفعت كذا وكذا فمنهم من يقبل منه فيؤمن ومنهم من ينكر فيكفر، وكان لهم في ذلك آية ان كانوا مؤمنين.

[ 103 ]

وقال علي بن ابراهيم في قوله (ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم) وهو السبت والشحوم والطير الذي حرمه الله على بني اسرائيل قال وروى ابن ابي عمير عن رجل عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى (فلما احس عيسى عليه السلام منهم الكفر) اي لما سمع ورأى انهم يكفرون، والحواس الخمس التي قدرها الله في الناس السمع للصوت، والبصر للالوان وتمييزها، والشم لمعرفة الروائح الطيبة والخبيثة، والذوق للطعوم وتمييزها، واللمس لمعرفة الحار والبارد واللين والخشن. واما قوله (إذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل بن صالح عن حمران بن اعين عن ابي جعفر عليه السلام قال ان عيسى عليه السلام وعد اصحابه ليلة رفعه الله إليه، فاجتمعوا إليه عند المساء وهم اثنا عشر رجلا فادخلهم بيتا ثم خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينقض رأسه من الماء، فقال ان الله اوحى الي انه رافعي إليه الساعة ومطهري من اليهود فايكم يلقى عليه شبحى فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي، فقال شاب منهم انا يا روح الله قال فانت هوذا فقال لهم عيسى عليه السلام اما ان منكم لمن يكفر بي قبل ان يصبح اثنتي عشرة كفرة، فقال له رجل منهم انا هو يا نبي الله ؟ فقال عيسى ان تحس بذلك في نفسك فلتكن هو ثم قال لهم عيسى (ع) اما انكم ستفترقون بعدي على ثلث فرق فرقتين مفتريتين على الله في النار وفرقة تتبع شمعون صادقة على الله في الجنة ثم رفع الله عيسى إليه من زاوية البيت وهم ينظرون إليه، ثم قال أبو جعفر (ع) ان اليهود جاءت في طلب عيسى (ع) من ليلتهم فاخذوا الرجل الذي قال له عيسى (ع) ان منكم لمن يكفر بي من قبل ان يصبح اثنتي عشرة كفرة واخذوا الشاب الذي القي عليه شبح عيسى فقتل وصلب وكفر الذي قال له عيسى (ع) تكفر قبل ان تصبح اثنتي عشرة كفرة.

[ 104 ]

واما قوله (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون - إلى قوله - فمن حاجك فيه بعد ما جاءك من العلم) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام ان نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وكان سيدهم الاهتم والعاقب والسيد وحضرت صلاتهم فاقبلوا يضربون بالناقوس وصلوا، فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هذا في مسجدك فقال دعوهم فلما فرغوا دتوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا إلى ما تدعون ؟ فقال إلى شهادة " ان لا اله الا الله واني رسول الله وان عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث " قالوا فمن ابوه ؟ فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال قل لهم ما تقولون في آدم (ع) اكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب وينكح فسألهم النبي صلى الله عليه وآله فقالوا نعم، فقال فمن ابوه ؟ فبهتوا فبقوا ساكتين فانزل الله (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الآية) واما قوله (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم إلى قوله فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فباهلوني فان كنت صادقا انزلت اللعنة عليكم وان كنت كاذبا نزلت علي، فقالوا انصفت فتواعدوا للمباهلة، فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والاهتم ان باهلنا بقومه باهلناه، فانه ليس بنبي وان باهلنا باهل بيته خاصة فلا نباهله فانه لا يقدم على اهل بيته إلا وهو صادق، فلما اصبحوا جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه امير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فقال النصارى من هؤلاء فقيل لهم هذا إبن عمه ووصيه وختنه علي بن ابي طالب وهذه بنته فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين عليهم السلام، فعرفوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله نعطيك الرضى فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله على الجزية وانصرفوا.

[ 105 ]

وقوله (يا اهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما انزلت التورية والانجيل الا من بعده افلا تعقلون) ثم قال (ها انتم هؤلاء) اي انتم يا هؤلاء (حاججتم فيما لكم به علم) يعني بما في التورية والانجيل (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) يعني بما في صحف إبراهيم (والله يعلم وانتم لا تعلمون) ثم قال (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ثم وصف الله عزوجل من اولى الناس بابراهيم يحتج به، فقال (ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) قال حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن منصور بن يونس عن عمر بن يزيد قال أبو عبد الله عليه السلام انتم والله من آل محمد فقلت من انفسهم جعلت فداك ؟ قال نعم والله من انفسهم ثلاثا ثم نظر الي ونظرت إليه فقال يا عمر إن الله يقول في كتابه " ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " وقوله (يا اهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) اي تعلمون ما في التورية من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وتكتمونه وقوله (وقالت طائفة من اهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) قال نزلت في قوم من اليهود قالوا آمنا بالذي جاء به محمد بالغداة وكفرنا به بالعشي وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما قد م المدينة وهو يصلي نحو بيت المقدس اعجب اليهود من ذلك فلما صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الحرام وجدت (1) وكان صرف القبلة صلاة الظهر فقالوا صلى محمد الغداة واستقبل قبلتنا فآمنوا بالذي انزل على محمد وجه النهار واكفروا آخره، يعنون القبلة حين استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد الحرام، لعلهم يرجعون إلى قبلتنا.


(1) وجدت اي حزنت. ج ز (*)

[ 106 ]

قال علي بن ابراهيم في قوله (ومن اهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يوده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يوده اليك الا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل) فان اليهود قالوا يحل لنا ان نأخذ مال الاميين والامييون الذين ليس معهم كتاب، فرد الله عليهم فقال (ويقولون علي الله الكذب وهم يعلمون) وقوله (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) قال يتقربون إلى الناس بانهم مسلمون فيأخذون منهم ويخونونهم وما هم بمسلمين على الحقيقة وقوله (وان منهم افريقا يلون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) قال كان اليهود يقولون شيئا ليس في التورية ويقولون هو في التورية فكذبهم الله وقوله (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين) اي ان عيسى لم يقل للناس اني خلقتكم فكونوا عبادا لي من دون الله ولكن قال لهم كونوا ربانيين اي علماء وقوله (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) قال كان قوم يعبدون الملائكة، وقوم من النصارى زعموا ان عيسى رب، واليهود قالوا عزير ابن الله فقال، الله لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا. واما وقوله (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاء كم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) فان الله اخذ ميثاق نببه اي محمد صلى الله عليه وآله على الانبياء ان يؤمنوا به وينصروه ويخبروا اممهم بخبره، حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال ما بعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر امير المؤمنين عليه السلام وهو قوله " لتؤمنن به " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " ولتنصرنه " يعني امير المؤمنين عليه السلام ثم قال لهم في الذر (ءاقررتم وأخذتم على ذلكم

[ 107 ]

اصري) اي عهدي (قالوا اقررنا قال) الله للملائكة (فاشهدوا وإنا معكم من الشاهدين) وهذه مع الآية التي في سورة الاحزاب في قوله " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية " والآية التي في سورة الاعراف قوله " وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قد كتبت هذه الثلاث آيات في ثلاث سور. ثم قال عزوجل (أفغير دين الله يبغون) قال أغير هذا الذي قلت لكم ان تقروا بمحمد ووصيه (وله اسلم من في السموات والارض طوعا وكرها) اي فرقا من السيف. ثم امر نبيه بالاقرار بالانبياء والرسل والكتب فقال قل يا محمد (آمنا بالله وما أنزل علينا وما انزل على إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) وقوله (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) فانه محكم. ثم ذكر الله عزوجل الذين ينقضون عهد الله في امير المؤمنين وكفروا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد ايمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجائهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين اولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون - إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من احدهم ملا الارض ذهبا ولو افتدى به اولئك لهم عذاب اليم وما لهم من ناصرين) فهذه كلها في اعداء آل محمد ثم قال (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) اي لن تنالوا الجزء الثواب حتى تردوا على آل محمد حقهم من الخمس والانفال والفئ. واما قوله (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التورية) قال ان يعقوب كان يصيبه عرق النساء فحرم على

[ 108 ]

نفسه لحم الجمل فقال اليهود ان لحم الجمل محرم في التورية، فقال عزوجل لهم (فاتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين) انما حرم هذا إسرائيل على نفسه ولم يحرمه على الناس وهذا حكاية عن اليهود ولفظه لفظ الخبر. (وقوله ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة) قال معنى بكة ان الناس يبك (1) بعضهم بعضا في الزحام وقوله (ومن دخله كان آمنا) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن حفص بن البحتري عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يجني الجناية في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم قال لا يقام عليه الحد ولا يكلم ولا يسقى ولا يطعم ولا يباع منه، إذا فعل ذلك به يوشك ان يخرج فيقام عليه الحد وإذا جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم لانه لم ير للحرم حرمة، وقوله (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر) اي من ترك الحج وهو مستطيع فقد كفر، والاستطاعة هي القوة والزاد والراحلة، وقوله (اتقوا الله حق تقاته) فانه منسوخ بقوله " اتقوا الله ما استطعتم " وقوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) قال التوحيد والولاية وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولا تفرقوا) قال ان الله تبارك وتعالى علم انهم سيفترقون بعد نبيهم ويختلفون فنهاهم عن التفرق كما نهى من كان قبلهم فامرهم ان يجتمعوا على ولاية آل محمد عليهم السلام ولا يتفرقوا. وقال على بن ابراهيم في قوله (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم) فانها نزلت في الاوس والخزرج كان الحرب بينهم مأة سنة لا يضعون السلاح بالليل ولا بالنهار حتى ولد عليه الاولاد فلما بعث الله نبيه اصلح بينهم فدخلوا في الاسلام وذهبت العداوة من قلوبهم برسول الله صلى الله عليه وآله وصاروا اخوانا، وفى رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولتكن


(1) بكبك القوم اي ازدحموا، ج - ز (*)

[ 109 ]

منكم امة يدعون إلى الخير) فهذه الآية لآل محمد صلى الله عليه وآله ومن تابعهم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. قال علي بن ابراهيم في قوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - إلى قوله - ففي رحمة الله هم فيها خالدون) فانه حدثني ابي عن صفوان بن يحيى عن ابي الجارود عن عمران بن هيثم عن مالك بن ضمرة عن ابي ذر رحمة الله عليه قال لما نزلت هذه الآية يوم " تبيض وجوه وتسود وجوه " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يرد علي امتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الامة فاسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فخرفناه ونبذناه وراء ظهورنا واما الاصغر فعاديناه وابغضناه وظلمناه، فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم يرد علي راية مع فرعون هذه الامة، فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه واما الاصغر فعاديناه وقاتلناه، فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد علي رأيه مع سامري هذه الامة فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فعصيناه وتركناه واما الاصغر فخذلناه وضيعناه وصنعنا به كل قبيح فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم ثم ترد علي راية ذى الثدية مع اول الخوارج وآخرهم فاسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر ففرقناه (فمزقناه ط) وبرئنا منه واما الاصغر فقاتلناه وقتلناه، فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد علي راية مع امام المتقين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ووصي رسول رب العالمين، فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدى فيقولون اما الاكبر فاتبعناه واطعناه واما الاصغر فاحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى اهرقت فيهم دماؤنا، فاقول ردوا الجنة رواء مرويين مبيضة وجوهكم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فاما الذين اسودت وجوههم اكفرتم بعد ايمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم

[ 110 ]

تكفرون واما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون " قوله (كنتم خير امة اخرجت للناس) وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن سنان قال قرئت عند ابي عبد الله عليه السلام " كنتم خير امة اخرجت للناس " فقال أبو عبد الله عليه السلام " خير امة " يقتلون امير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام ؟ فقال القاري جعلت فداك كيف نزلت ؟ قال نزلت " كنتم خير ائمة اخرجت للناس " الا ترى مدح الله لهم " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ". وقوله (ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا الا بحبل من الله وحبل من الناس وبآؤ بغضب من الله) يعني بعهد من الله وعقد من رسول الله (وضربت عليهم المسكنة) اي الجوع وقوله (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) اي لن تجحدوه ثم ضرب للكفار من انفق ماله في غير طاعة الله مثلا فقال (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر) اي برد (اصابت حرث قوم ظلموا انفسهم فاهلكته (أي زرعهم) وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون) وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) نزلت في اليهود وقوله (لا يالونكم خبالا) اي عداوة وقوله (عضوا عليكم الانامل من الغيظ) قال اطراف الاصابع وقوله (وإذ غدوت من اهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم) فانه حدثني ابي عن صفوان عن ابن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال سبب نزول هذه الآية ان قريشا خرجت من مكة تريد حرب رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج يبغي موضعا للقتال. وقوله (إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا) نزلت في عبد الله بن ابي وقوم من اصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله قال وكان سبب غزوة احد ان قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة وقد اصابهم ما اصابهم من القتل والاسر لانه قتل منهم سبعون واسر منهم سبعون، فلما رجعوا

[ 111 ]

إلى مكة قال أبو سفيان يا معشر قريش لا تدعوا النساء تبكى على قتلاكم فان البكاء والدمعة إذا خرجت اذهبت الحزن والحرقة والعداوة لمحمد ويشمت بنا محمد واصحابه، فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد اذنوا لنساءهم بعد ذلك في البكاء والنوح، فلما ارادوا ان يغزوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى احد ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها فجمعوا الجموع والسلاح وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس والفي راجل واخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثنهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله واخرج أبو سفيان هند بنت عتبة وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك جمع اصحابه واخبرهم ان الله قد اخبره ان قريشا قد تجمعت تريد المدينة، وحث اصحابه على الجهاد والخروج، فقال عبد الله بن ابي (سلول ط) وقومه يا رسول الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في ازقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والامة على افواه السكك وعلى السطوح فما ارادنا قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا وما خرجنا إلى اعدائنا قط الا كان الظفر لهم، فقام سعد بن معاذ رحمه الله وغيره من الاوس فقالوا يارسول الله ما طمع فينا احد من العرب ونحن مشركون نعبد الاصنام فكيف يطمعون فينا وانت فينا لا، حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيدا ومن نجى منا كان قد جاهد في سبيل الله فقبل رسول الله قوله وخرج مع نفر من اصحابه يبتغون موضع القتال كما قال الله " واذ غدوت من اهلك تبوء المؤمنين إلى قوله - إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا " يعني عبد الله بن ابي واصحابه، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله معسكره مما يلي من طريق العراق وقعد عبد الله بن ابي وقومه من الخزرج اتبعوا رأيه، ووافت قريش إلى احد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عد اصحابه وكانوا سبعماءة رجلا، فوضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب واشفق ان يأتي كمينهم في ذلك المكان فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعبدالله

[ 112 ]

ابن جبير واصحابه ان رأيتمونا قد هزمناهم حتى ادخلناهم مكة فلا تخرجوا من هذا المكان وان رأيتموهم قد هزمونا حتى ادخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم، ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مأتى فارس كمينا، وقال لهم إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من ورائهم فلما اقبلت الخيل واصطفوا وعبأ (1) رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه دفع الراية إلى امير المؤمنين صلوات الله عليه فحملت الانصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة ووقع اصحاب رسول الله في سوادهم وانحط خالد بن الوليد في مأتي فارس، فلقي عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجعوا ونظر اصحاب عبد الله بن جبير إلى اصحاب رسول الله ينهبون سواد القوم، قالوا لعبدالله بن جبير تقيمنا ههنا وقد غنم اصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة، فقال لهم عبد الله اتقوا الله فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد تقدم الينا ان لا نبرح، فلم يقبلوا منه واقبل ينسل رجل فرجل حتى اخلوا من مركزهم وبقي عبد الله بن جبير في اثنى عشر رجلا، وقد كانت راية قريش مع طلحة بن ابي طلحة العدوي من بني عبدالدار فبرز ونادى يا محمد ! تزعمون انكم تجهزونا باسيافكم إلى النار ونجهزكم باسيافنا إلى الجنة فمن شاء ان يلحق بجنته فليبرز الي، فبرز إليه امير المؤمنين عليه السلام يقول: يا طلح ان كنت كما تفول * لنا خيول ولكم نصول فاثبت لننظر اينا المقتول * واينا اولى بما تقول فقد اتاك الاسد الصؤل * بصارم ليس به فلول بنصرة القاهر والرسول فقال طلحة من انت يا غلام ؟ قال انا علي بن ابي طالب قال قد علمت


(1) عبأ الجيش اي رتبه في مواضعه وهيأه للقتال. ج - ز (*)

[ 113 ]

يا قضيم (1) انه لا يجسر علي أحد غيرك، فشد عليه طلحة فضربه فاتقاه امير المؤمنين عليه السلام بالجحفة (2) ثم ضربه امير المؤمنين عليه السلام على فخذيه فقطعهما جميعا فسقط على ظهره، وسقطت الراية، فذهب على عليه السلام ليجهز (3) عليه فحلفه بالرحم فانصرف عنه فقال المسلمون ألا أجهزت عليه ؟ قال قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبدا، واخذ الراية أبو سعيد بن ابي طلحه فقتله علي عليه السلام وسقطت الراية علي الارض، فاخذها شافع (مسافع ط) بن ابي طلحة فقتله علي (ع) فسقطت الراية إلى الارض فاخذها عثمان بن ابي طلحة فقتله علي (ع) فسقطت الراية إلى الارض فاخذها الحارث بن ابى طلحة فقتله علي (ع)، فسقطت الراية إلى الارض، واخذها ابوعذير بن عثمان ففتله علي (ع) وسقطت الراية الي الارض فاخذها عبد الله بن ابى جميلة بن زهير فقتله علي (ع) وسقطت الراية إلى الارض، فقتل امير المؤمنين عليه السلام التاسع من بني عبدالدار وهو ارطاة بن شرحبيل مبارزة وسقطت الراية إلى الارض، فاخذها مولاهم صواب فضربه امير المؤمنين عليه السلام على يمينه فقطعها وسقطت الراية إلى الارض فاخذها بشماله فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على شماله فقطعها وسقطت الراية إلى الارض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين ثم قال يا بني عبدالدار هل أعذرت فيما بيني وبينكم ؟ فضربه امير المؤمنين عليه السلام على رأسه فقتله، وسقطت الراية إلى الارض، فاخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فقبضتها وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير وقد فر أصحابه وبقى في نفر قليل فقتلوهم على باب شعب واستعقبوا المسلمين فوضعوا فيهم السيف، ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها واقبل خالد بن الوليد يقتلهم، فانهزم


(1) القضيم الكاسر وسيأتي شرحه في عبارة المصنف (رحمه الله). (2) الترس. (3) اجهز على الجريح أي اسرع في قتله واثمه. ج - ز (*)

[ 114 ]

اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة قبيحة واقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل وجه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال: " اني أنا رسول الله إلى اين تفرون عن الله وعن رسوله ؟ ". وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام انه سئل عن معنى قول طلحة بن ابي طلحة لما بارزه علي عليه السلام يا قضيم، قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان بمكة لم يجسر عليه احد لموضع أبي طالب واغروا به الصبيان وكانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يرمونه بالحجارة والتراب فشكى ذلك إلى علي عليه السلام فقال بابي أنت وامي يا رسول الله إذا خرجت فاخرجني معك فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه امير المؤمنين عليه السلام فتعرض الصبيان لرسول الله صلى الله عليه وآله كعادتهم فحمل عليهم امير المؤمنين عليه السلام وكان يقضمهم في وجوههم وآنا فيم وآذانهم فكانوا يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون قضمنا علي قضمنا علي فسمي لذلك " القضيم ". وروي عن ابي واثلة شقيق بن سلمة قال كنت اماشى فلانا إذ سمعت منه همهمة، فقلت له مه، ماذا يا فلان ؟ قال ويحك أما ترى الهزير (1) القضم ابن القضم، والضارب بالبهم، الشديد علي من طغى وبغى، بالسيفين والراية، فالتفت فإذا هو علي بن ابي طالب، فقلت له يا هذا هو علي بن ابي طالب، فقال ادن مني احدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي يوم احد على ان لا نفر ومن فر منا فهو ضال ومن قتل منا فهو شهيد والنبي زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون فازعجونا عن طحونتنا (2)


(1) الهزبر كمنبر: الاسد، القضم كلقن: السيف المتكسر الحد ولا يكون كذلك إلا مع كثرة استعماله في الحروب، البهم كصرد: الشجاع المستبهم على اقرانه (2) الطحون والطحانة الكتيبة العظيمة. ج - ز (*)

[ 115 ]

فرأيت عليا كالليث يتقي الذر (الدر ط) وإذ قد حمل كفا من حصى فرمى به في وجوهنا ثم قال شاهت الوجوه وقطت (1) وبطت ولطت، إلى اين تفرون، إلى النار، فلم ترجع، ثم كر علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت، فقال بايعتم ثم نكثتم، فوالله لانتم أولى بالقتل ممن قتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان (2) يتوقدان نارا، أو كالقدحين المملوين دما، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا، فبادرت انا إليه من بين اصحابي فقلت يا أبا الحسن الله الله، فان العرب تكر وتفر وان الكرة تنفي الفرة، فكأنه عليه السلام استحيى فولى بوجهه عني، فما زلت اسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة ". ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أبو دجانة الانصاري، وسماك بن خرشة وامير المؤمنين عليه السلام، فكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلهم امير المؤمنين فيدفعهم عن رسول الله ويقتلهم حتى انقطع سيفه، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله نسيبة بنت كعب المازنية، وكانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غزواته تداوي الجرحى، وكان ابنها معها فاراد ان ينهزم ويتراجع، فحملت عليه فقالت يا بني إلى اين تفر عن الله وعن رسوله ؟ فردته، فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها فحملت علي الرجل فضربته على فخذه فقتلته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بارك الله عليك يا نسيبة وكانت تقي رسول الله صلى الله عليه وآله بصدرها وثدييها ويديها حتى اصابتها جراحات كثيرة، وحمل ان قميتة (قمية ط) على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أروني محمدا لا نجوت ان نجا محمد، فضربه علي حبل


(1) كلها مبني للمفعول أي قطعت وشقت وضربت. (2) السليط كلقيط الزيت، ومنه خبر ابن عباس رأيت عليا وكأن عينيه سراجا سليط (مجمع) ج - ز (*)

[ 116 ]

عاتقه، ونادى قتلت محمدا واللات والعزى، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل من المهاجرين قد القى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة، فناداه " يا صاحب الترس ألق ترسك ومر إلى النار " فرمى بترسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يانسيبة خذي الترس فاخذت الترس وكانت تقاتل المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان " فلما انقطع سيف امير المؤمنين عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ان الرجل يقاتل بالسلاح وقد انقطع سيفي فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه " ذا الفقار " فقال قاتل بهذا، ولم يكن يحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله احدا إلا يستقبله امير المؤمنين عليه السلام، فإذا رأوه رجعوا فانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ناحية احد، فوقف وكان القتال من وجه واحد وقد انهزم اصحابه فلم يزل امير المؤمنين (ع) يقاتلهم حتى اصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة فتحاموه، وسمعوا مناديا ينادي من السماء " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " فنزل جبرئيل علي على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " هذه والله المواساة يا محمد " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " لاني منه وهو مني " وقال جبرئيل " وانا منكما ". وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر، فكلما انهزم رجل من قريش رفعت إليه ميلا ومكحلة وقالت إنما انت امرأة فاكتحل بهذا، وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له واحد وكانت هند بنت عتبة قد اعطت وحشيا عهدا لان قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لاعطيتك رضاك وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا، فقال وحشي اما محمد فلا اقدر عليه واما علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات فلم اطمع فيه قال فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا فمر بي فوطى على جرف نهر فسقط، فاخذت حربتي فهززتها

[ 117 ]

ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت من مثانته مغمسة بالدم فسقط فاتيته فشققت بطنه واخذت كبده واتيت بها إلى هند فقلت لها هذه كبد حمزة، فاخذتها في فيها فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة (1) فلفظتها ورمت بها فبعث الله ملكا فحملها وردها إلى موضعها، فقال أبو عبد الله عليه السلام يابى الله ان يدخل شيئا من بدن حمزة النار، فجاءت إليه هند فقطعت مذاكيره وقطعت اذنيه وجعلتهما خرصين (2) وشدتهما في عنقها، وقطعت يديه ورجليه وتراجعت الناس فصارت قريش على الجبل، فقال أبو سفيان وهو على الجبل " اعلا هبل " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام قل له " الله اعلا واجل " فقال يا علي انه قد انعم علينا فقال علي عليه السلام بل الله انعم علينا ثم قال أبو سفيان يا علي اسألك باللات والعزى هل قتل محمد ؟ فقال له امير المؤمنين عليه السلام لعنك الله ولعن الله اللات والعزى معك، والله ما قتل محمد صلى الله عليه وآله وهو يسمع كلامك، فقال انت اصدق، لعن الله ابن قميته زعم انه قتل محمدا. وكان عمرو بن قيس قد تأخر اسلامه فلما بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وآله في الحرب اخذ سيفه وترسه واقبل كالليث العادي يقول اشهد ان لاإله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم خالط القوم فاستشهد فمر به رجل من الانصار فرآه صريعا بين القتلى فقال يا عمرو أنت على دينك الاول ؟ فقال معاذ الله، والله اني اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم مات، فقال رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يا رسول الله ان عمرو بن قيس قد اسلم فهو شهيد ؟ فقال اي والله انه


(1) الداغصة عظم مدور في الركبة. وفى ط مثل الفضة وهو بعيد (2) الخرصان تثنية الخرص كفلس حلفة الذهب أو الفضة أو الخرص ككفل وهو الجراب. ج - ز (*)

[ 118 ]

شهيد، ما رجل لم يصل لله ركعة دخل الجنة غيره. وكان حنظلة بن ابي عامر رجل من الخزرج، قد تزوج في تلك الليلة التي كان في صببحتها حرب احد، بنت عبد الله بن ابي سلول ودخل بها في تلك الليلة، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله ان يقيم عندها فانزل الله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على امر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ان الذين يستأذنونك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم " فاذن له رسول الله صلى الله عليه وآله، فهذه الآية في سورة النور واخبار احد في سورة آل عمران فهذا دليل على ان التأليف على خلاف ما أنزله الله، فدخل حنظلة باهله وواقع عليها فاصبح وخرج وهو جنب، فحضر القتال فبعث امرأته إلى اربعة نفر من الانصار لما اراد حنظلة ان يخرج من عندها واشهدت عليه انه قد واقعها فقيل لها لم فعلت ذلك ؟ قالت رأيت في هذه الليلة في نومي كأن السماء قد انفرجت فوقع فيها حنظلة ثم انظمت، فعلمت انها الشهادة فكرهت ان لا اشهد عليه، فحملت منه. فلما حضر القتال نظر حنظلة إلى ابي سفيان على فرس يجول بين العسكرين فحمل عليه فضرب عرقوب (1) فرسه فاكتسعت الفرص وسقط أبو سفيان إلى الارض وصاح يا معشر قريش انا أبو سفيان وهذا حنظلة يريد قتلي وعدا أبو سفيان ومر حنظلة في طلبه فعرض له رجل من المشركين فطعنه فمشى إلى المشرك في طعنه فضربه فقتله، وسقط حنظلة إلى الارض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبد الله بن حزام وجماعة من الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت الملائكة يغسلون حنظلة بين السماء والارض بماء المزن في صحائف من ذهب، فكان يسمى غسيل الملائكة. وروي ان مغيرة بن العاص كان رجلا أعسر فحمل في طريقة إلى احد ثلاثة


(1) العرقوب بالضم عرق غليظ فوق عقب الانسان ومن الدابة في رجلها كالركبة في يدها. ق. ج ز (*)

[ 119 ]

احجار، فقال بهذه اقتل محمدا، فلما حضر القتال نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وبيده السيف فرماه بحجر، فاصاب به رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط السيف من يده فقال قتلته واللات والعزى فقال امير المؤمنين عليه السلام كذب لعنه الله، فرماه بحجر آخر فاصاب جبهته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم حيره، فلما انكشف الناس تحير فلحقه عمار بن ياسر فقتله، وسلط الله على ابن قميته الشجر فكان يمر بالشجرة فيقع وسطها فتأخذ من لحمه فلم يزل كذلك حتى صار مثل الصرر (1) ومات لعنه الله ورجع المنهزمون من اصحاب رسول صلى الله عليه وآله فانزل الله على رسوله: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) يعني ولما يرى لانه عزوجل قد علم قبل ذلك من يجاهد ومن لا يجاهد فاقام العلم مقام الرؤية لانه يعاقب الناس بفعلهم لا بعلمه. قوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه وانتم تنظرون) وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه الآية " فان المؤمنين لما اخبرهم الله بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة رغبوا في ذلك فقالوا اللهم ارنا القتال نستشهد فيه فاراهم الله اياه في يوم احد فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، فذلك قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه " واما قوله: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انفلبتم على اعقابكم (فان رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج يوم احد وعهد العاهد به على تلك الحال فجعل الرجل يقول لمن لقيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتل، النجاء (2) فلما رجعوا إلى المدينة انزل الله (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى قوله انقلبتم على اعقابكم) يقول إلى الكفر وقوله: (وكأين من نبي قاتل معه رببون كثير)


(1) الصرر كشرر: السنبل (2) النجاء كعلاء الخلاص. ج - ز (*)

[ 120 ]

يقول كاي من نبي قبل محمد قاتل معه ربيون كثير والربيون الجموع الكثيرة والزبوة الواحدة عشرة آلاف يقول الله تبارك وتعالى: (فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله) من قبل نبيهم (وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) يعنون خطاياهم (وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) قال علي بن ابراهيم في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين) يعني عبد الله بن ابي حيث خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رجع يجبن اصحابه قال للمؤمنين يوم احد يوم الهزيمة ارجعوا إلى دينكم عن علي عليه السلام (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) يعني قريش (بما اشركوا بالله) قوله: (ولقد صدقكم اله وعده) يعني أن ينصركم الله عليهم (إذ تحسونهم باذنه) إذ تقتلونهم باذن الله (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أريكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا) يعني اصحاب عبد الله بن جبير الذين تركوا مركزهم ومروا للغنيمة، قوله (ومنكم من يريد الآخرة) يعني عبد الله بن جبير واصحابه الذين بقوا حتى قتلوا (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) أي يختبركم (ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) ثم ذكر المنهزمين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم) إلى قوله (خبير بما تعملون) وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (فأثابكم غما بغم) فاما الغم الاول فالهزيمة والقتل، واما الغم الآخر فاشراف خالد بن الوليد عليهم يقول (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الغنيمة (ولا ما اصابكم) يعني قتل اخوانهم (فالله خبير بما تعملون ثم انزل عليكم من بعد الغم) قال يعني الهزيمة، ورجع إلى تفسير علي بن ابراهيم. قال وتراجع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله المجروحون وغيرهم، فاقبلوا

[ 121 ]

يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاحب الله يعرف رسوله من الصادق منهم ومن الكاذب، فانزل الله عليهم النعاس في تلك الحالة حتى كانوا يسقطون إلى الارض وكان المنافقون الذين يكذبون لا يستقرون قد طارت عقولهم وهم يتكلمون بكلام لا يفهم عنهم فانزل الله (نعاسا يغشى طائفة منكم) يعني المؤمنين و (طائفة قد اهمتهم انفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ) قال الله لمحمد صلى الله عليه وآله: (قل ان الامر كله لله، يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا) يقولون لو كنا في بيوتنا ما اصابنا القتل، قال الله: (لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور) فاخبر الله رسوله ما في قلوب القوم ومن كان منهم مؤمنا ومن كان منهم منافقا كاذبا بالنعاس فانزل الله عليه " ما كان الله ليدر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " يعني المنافق الكاذب من المؤمن الصادق بالنعاس الذي ميز بينهم، وقوله: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان) اي خدعهم حتى طلبوا الغنيمة (ببعض ما كسبوا) قال بذنوبهم (ولقد عفا الله عنهم) ثم قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) يعني عبد الله بن ابي واصحابه الذين قعدوا عن الحرب (وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير) ثم قال لنبيه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) اي انهزموا ولم يقيموا معك ثم قال تأديبا لرسوله (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم هم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل

[ 122 ]

المؤمنون) وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام قي قوله: (ما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) وصدق الله لم يكن الله ليجعل نبيا غالا (1) (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) ومن غل شيئا رآه يوم القيامة في النار ثم يكلف ان يدخل إليه فيخرجه من النار (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) واما قوله (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم) فهذه الآية لآل محمد صلى الله عليه وآله واما قوله (أو لما أصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم يقول بمعصيتكم اصابكم ما اصابكم ط - ان الله علي كل شئ قدير، وما أصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله) فهم ثلاث مائة منافق رجعوا مع عبد الله بن ابى سلول فقال لهم جابر ابن عبد الله انشدكم الله في نبيكم ودينكم ودياركم فقالوا والله لا يكون قتال اليوم ولو نعلم انه يكون قتال اتبعناكم يقول الله (هم للكفر يومئذ اقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله اعلم بما يكتمون) وفي رواية على بن ابراهيم قوله ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون، وقوله " ولقد نصركم الله ببدر وانتم أذلة " قال أبو عبد الله عليه السلام ما كانوا اذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وإنما نزل " لقد نصركم ببدر وانتم ضعفاء ". فلما سكن القتال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من له علم بسعد بن الربيع فقال رجل انا اطلبه فاشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع فقال اطلبه هناك فاني قد رأيته في ذلك الموضع قد شرعت حوله اثنا عشر رمحا، قال فاتيت ذلك الموضع فإذا هو صريع بين القتلى، فقلت يا سعد، فلم يجبني ثم قلت يا سعد فلم تجيبني فقلت يا سعد ان رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) غل غلولا خان. ج - ز (*)

[ 123 ]

قد سأل عنك، فرفع رأسه فانتعش كما ينتعش الفرخ ثم قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لحي ؟ قلت اي والله انه لحي وقد اخبرني انه رأى حولك اثنى عشر رمحا فقال الحمدلله صدق رسول الله صلى الله عليه وآله لقد طعنت اثنى عشر طعنة كله قد جأفتني (1) ابلغ قومي الانصار السلام وقل لهم والله ما لكم عند الله عذر إن تشوك رسول الله شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفس فخرج منه مثل دم الجزور وقد كان اختفى في جوفه وقضى نحبه رحمه الله ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته فقال رحم الله سعدا نصرنا حيا واوصى بنا ميتا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله من له علم بعمي حمزة، فقال الحرث بن سمية انا اعرف موضعه فجاء حتى وقف على حمزة فكره ان يرجع إلى رسول الله فيخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام يا علي اطلب عمك فجاء علي عليه السلام فوقف على حمزة فكره ان يرجع إليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقف عليه فلما رأى ما فعل به بكى ثم قال والله ما وقفت موقفا قط اغيظ علي من هذا المكان لان امكنني الله من قريش لامثلن بسبعين رجلا منهم، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بل اصبر، فهذه الآية في سورة النحل وكان يجب ان تكون في هذه السورة التي فيها اخبار احد، فالقى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة بردة كانت عليه فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه وإذا مدها على رجليه بدا رأسه، فمدها على رأسه والقى على رجليه الحشيش وقال لولا اني احذر نساء بني عبد المطلب لتركته للعادية والسباع حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع والطير، وامر رسول الله صلى الله عليه وآله بالقتلى فجمعوا فصلى عليهم ودفنهم في مضاجعهم


(2) جأفه اي صرعه. ج - ز (*)

[ 124 ]

وكبر على حمزة سبعين تكبيرة، قال وصاح ابليس لعنه الله بالمدينة " قتل محمد " فلم يبق احد من نساء المهاجرين والانصار الا خرجن، وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله تعدو على قدميها حتى وافت رسول الله صلى الله عليه وآله وقعدت بين يديه فكان إذا بكى رسول الله صلى الله عليه وآله بكت لبكائه وإذا انتحب انتحبت، ونادى ابو سفيان موعدنا وموعدكم في عام قابل فتقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام قل نعم، وارتحل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل المدينة واستقبلته النساء يولولن ويبكين فاستقبلته زينب بنت جحش، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله احتسبي فقالت من يارسول الله ؟ قال اخاك قالت إنا لله وإنا إليه راجعون هنيئا له الشهادة، ثم قال لها احتسبي قالت من يارسول الله ؟ قال حمزة بن عبد المطلب قالت إنا لله وإنا إليه راجعون هنيئا له الشهادة، ثم قال لها احتسبي قالت من يارسول الله ؟ قال زوجك مصعب بن عمير، قالت واحزناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ان للزوج عند المرأة لحدا ما لاحد مثله، فقيل لها لم قلت ذلك في زوجك ؟ قالت ذكرت يتم ولده. قال وتؤامرت قريش على ان يرجعوا على المدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من رجل يأتينا بخبر القوم ؟ فلم يجبه احد، فقال امير المؤمنين عليه السلام انا اتيك بخبرهم، قال اذهب فان كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الابل فهم يريدون المدينة والله لان ارادوا المدينة لا يأذن الله فيهم، وان كانوا ركبوا الابل وجنبوا الخيل فانهم يريدون مكة، فمضى امير المؤمنين (ع) على ما به من الالم والجراحات حتى كان قريبا من القوم فرآهم قد ركبوا الابل وجنبوا الخيل فرجع امير المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ارادوا مكة. فلما دخل رسول الله المدينة نزل عليه جبرئيل فقال يا محمد ان الله يأمرك ان تخرج في اثر القوم ولا يخرج معك الا من به جراحة، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديا

[ 125 ]

ينادي يا معشر المهاجرين والانصار من كانت به جراحة فليخرج ومن لم يكن به جراحة فليقم، فاقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها فانزل الله على نبيه " ولا تهنوا في ابتغاء إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " وهذه الآية في سورة النساء ويجب ان تكون في هذه السورة قال عزوجل (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء) فخرجوا على ما بهم من الالم والجراح فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله بحمراء الاسد وقريش قد نزلت الروحا قال عكرمة بن ابي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن عاص وخالد بن الوليد نرجع فنغير على المدينة فقد قتلنا سراتهم وكبشهم يعني حمزة، فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر فقال تركت محمدا واصحابه بحمراء الاسد يطلبونكم جد الطلب فقال أبو سفيان هذا النكد والبغي قد ظفرنا بالقوم وبغينا والله ما افلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الاشجعي فقال أبو سفيان اين تريد ؟ قال المدينة لامتار لاهلي طعاما، قال هل لك ان تمر بحمراء الاسد وتلقى اصحاب محمد وتعلمهم ان حلفاءنا وموالينا قد وافونا من الاحابيش (1) حتى يرجعوا عنا ولك عندي عشرة قلايص (2) املؤها تمرا وزبيبا ؟ قال نعم، فوافا من غد ذلك اليوم حمراء الاسد، فقال لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله اين تريدون ؟ قالوا قريش، قال ارجعوا فان قريشا قد اجنحت إليهم حلفاؤهم ومن كان تخلف عنهم وما اظن الا واوائل القوم قد طلعوا عليكم الساعة، فقالوا (حسبنا الله ونعم الوكيل) ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ارجع يا محمد فان الله قد ارهب قريشا، ومروا


(1) الاحابيش جمع احبوشة كاحدوثة وهي الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة. (2) جمع قلوص كمجوس وهى الابل ج - ز (*)

[ 126 ]

لا يلوون على شئ ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وانزل الله (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما اصابهم الفرح للذين احسنوا منهم واتقوا اجر عظيم الذين قال لهم الناس) يعني نعيم بن مسعود فهذا اللفظ عام ومعناه خاص (ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) فلما دخلوا المدينة قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الذي اصابنا ؟ قد كنت تعدنا النصر، فانزل الله (أو لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم) وذلك لان يوم بدر قتل من قريش سبعون وأسر منهم سبعون وكان الحكم في الاسارى القتل، فقامت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يارسول الله هبهم لنا ولا تقتلهم حتى نفاديهم، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال ان الله قد اباح لهم الفداء ان يأخذوا من هؤلاء ويطلقوهم، على ان يستشهد منهم في عام قابل بقدر من يأخذوا منه الفداء من هؤلاء، فاخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الشرط، فقالوا قد رضينا به نأخذ العام الفداء من هؤلاء نتقوى به ويقتل منا في عام قابل بعدد ما نأخذ منهم الفداء وندخل الجنة، فاخذوا منهم الفداء وأطلقوهم، فلما كان في هذا اليوم وهو يوم احد قتل من اصحاب رسول الله سبعون، فقالوا يارسول الله ما هذا الذي اصابنا وقد كنت تعدنا بالنصر فانزل الله " أو لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم " بما اشترطتم يوم بدر واما قوله (وما كان لنبي ان يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) فان هذه نزلت في حرب بدر، وهي مع الآيات التي في الانفال في اخبار بدر، وقد كتبت في هذه السورة مع اخبار احد، وكان سبب نزولها انه كان في الغنيمة التي اصابوها يوم بدر قطيفة حمراء ففقدت فقال رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما لنا لا نرى القطيفة ما اظن إلا أن

[ 127 ]

رسول الله أخذها، فانزل الله في ذلك، وما كان لنبي أن يغل.. الخ. فجاء رجل إلى رسول الله فقال ان فلانا غل قطيفة فاخبأها هنا لك، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر ذلك الموضع فاخرج القطيفة. واما قوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابي عبيدة الحذاء عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال هم والله شيعتنا إذا دخلوا الجنة واستقبلوا الكرامة من الله استبشروا بمن لم يلحق بهم من اخوانهم من المؤمنين في الدنيا (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وهو رد على من يبطل الثواب والعقاب بعد الموت واما قوله (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) قال من بخل ولم ينفق ماله في طاعة الله صار ذلك يوم القيامة طوقا من نار في عنقه وهو قوله (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) واما قوله: (لقد سمع الله قول الذين قالو ان الله فقير ونحن اغنياء) قال والله ما رأوا الله تعالى فيعلموا انه فقير ولكنهم رأوا اولياء الله فقراء فقالوا لو كان الله غنيا لاغنى اولياءوه واما قوله (الذين قالوا ان الله عهد الينا ان لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار) فان قوما من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار وكان عند بني اسرائيل طست كانوا يقربون القربان فيضعونه في الطست فتجيئ نار فتقع فيه فتحرقه، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار كما كان لبني اسرائيل فقال الله قل لهم يا محمد (قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين) وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات) هي الآيات (والزبر) وهى كتب الانبياء بالنبوة (والكتاب المنير) الحلال والحرام.

[ 128 ]

قال علي بن ابراهيم واما قوله (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) اي ؟ نجى ؟ من النار (وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) حدثني ابى عن سليمان الديلمي عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة يدعى محمد صلى الله عليه وآله فيكسى حلة وردية ثم يقام على يمين العرش ثم يدعى بابراهيم عليه السلام فيكسى حلة بيضاء فيقام عن يسار العرش، ثم يدعى بعلي امير المؤمنين عليه السلام فيكسى حلة وردية فيقام على يمين النبي صلى الله عليه وآله ثم يدعي باسماعيل فيكسى حلة بيضاء فيقام على يسار ابراهيم، ثم يدعى بالحسن عليه السلام فيكسى حلة وردية فيقام على يمين امير المؤمنين عليه السلام ثم يدعى بالحسين (ع) فيكسى حلة وردية فيقام على يمين الحسن (ع) ثم يدعى بالائمة فيكسون حللا وردية ويقام كل واحد على يمين صاحبه، ثم يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم ينادي مناد من بطنان العرش من قبل رب العزة والافق الاعلى نعم الاب ابوك يا محمد وهو ابراهيم ونعم الاخ اخوك وهو علي بن ابى طالب عليه السلام ونعم السبطان سبطاك وهما الحسن والحسين ونعم الجنين جنينك وهو محسن ونعم الائمة الراشدون من ذريتك وهم فلان وفلان، ونعم الشيعة شيعتك ألا ان محمدا ووصيه وسبطيه والائمة من ذريته هم الفائزون ثم يؤمر بهم إلى الجنة وذلك قوله: " فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز " وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر (ع) في قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وذلك ان الله اخذ ميثاق الذين اوتوا الكتاب في محمد لتبيننه للناس إذا خرج ولا يكتمونه (فنبذوه وراء ظهورهم) يقول نبذوا عهد الله وراء ظهورهم (واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون). قال علي بن ابراهيم في قوله (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون

[ 129 ]

أن يحمدوا بما لما يفعلوا) نزلت في المنافقين الذين يحبون ان يحمدوا على غير فعل، وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر (ع) قوله (ولا تحسبنهم بمفازة من العذاب) يقول ببعيد من العذاب (ولهم عذاب اليم). قال علي بن ابراهيم في قوله (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) يعني الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي جالسا وعلى جنوبهم يعني مضطجعا يؤمي إيماءا إلى قوله (ما للظالمين من انصار) فهو محكم (ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي للايمان) يعني رسول الله ينادي إلى الايمان إلى قوله (انك لا تخلف الميعاد) ثم ذكر امير المؤمنين عليه السلام واصحابه المؤمنين فقال (فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم) يعني امير المؤمنين وسلمان وأبا ذر حين اخرج (واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب) ثم قال لنبيه (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم ماويهم جهنم وبئس المهاد) واما قوله (وان من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل اليكم وما انزل إليهم خاشعين لله) فهم قوم من اليهود والنصارى دخلوا في الاسلام، منهم النجاشي واصحابه، واما قوله (اصبروا وصابروا ورابطوا) فانه حدثني ابي عن ابي بصير (ابن ابى عمير ط) عن ابن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال اصبروا على المصائب وصابروا على الفرائض ورابطوا على الائمة عليهم السلام، وحدثني ابي عن الحسن (الحسين ط) بن خالد عن الرضا عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة ينادي مناد اين الصابرون ؟ فيقوم فئام (1) من الناس ثم ينادي اين المتصبرون، فيقوم فئام من الناس، قلت جعلت فداك وما الصابرون ؟ قال على اداء الفرايض والمتصبرون علي اجتناب المحارم.


(1) الفئام جماعة من الناس، لا واجد له. ج - ز (*)

[ 130 ]

سورة النساء مدنية وهى مأة وست وسبعون آية (بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني آدم (عليه السلام) (وخلق منها زوجها) يعني حواء برأها الله من اسفل اضلاعه (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام) قال يساءلون يوم القيامة عن التقوى هل اتقيتم، وعن الارحام هل وصلتموها، وقوله (ان الله كان عليكم رقيبا) اي كفيلا، وفي رواية ابي الجارود الرقيب الحفيظ، قال علي بن ابراهيم في قوله (وآتوا الينامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا اموالهم إلى اموالكم) يعني لا تأكلوا مال اليتيم ظلما فتسرفوا وتتبدلوا الخبيث بالطيب والطيب ما قال الله " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " ولا تأكلوا اموالهم إلى اموالكم يعني مال اليتيم (انه كان حوبا كبيرا) أي اثما عظيما. واما قوله (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع) قال نزلت مع قوله تعالى " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون ان تنكحوهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فنصف الآية في اول السورة ونصفها على رأس المائة وعشرين آية، وذلك انهم كانوا لا يستحلون ان يتزوجوا يتيمة قد ربوها فسألوا الرسول صلى الله عليه وآله عن ذلك فانزل الله تعالى يستفتونك في النساء إلى قوله مثنى وثلاث ورباع قوله (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا اي لا تتزوجوا ما لا تقدرون ان تعولوا (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) اي هبة (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) يعني

[ 131 ]

ما يهبه لها من مهرها ان ردته عليه فهو هنيئ مرئ، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولا تؤتوا السفهاء اموالكم) فالسفهاء النسا والولد، إذا علم الرجل ان امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد لا ينبغي له يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعله الله له (قياما) يقول معاشا قال (وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) المعروف العدة (1) قال علي بن ابراهيم حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله شارب الخمر لا تصدقوه إذا حدث ولا تزوجوه إذا خطب ولا تعودوه إذا مرض ولا تحضروه إذا مات ولا تأتمنوه على أمانة فمن ائتمنه على امانة فاهلكها فليس على الله ان يخلف عليه ولا ان يأجره عليها، لان الله يقول ولا تؤتوا السفهاء اموالكم واي سفيه اسفه من شارب الخمر. واما قوله (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ان يكبروا) قال من كان في يده مال اليتامى فلا يجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح، فإذا احتلم وجب عليه الحدود واقامة الفرائض، ولا يكون مضيعا ولا شارب خمر ولا زانيا، فإذا أنس منه الرشد دفع إليه المال واشهد عليه وان كانوا لا يعلمون انه قد بلغ فانه يمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا، ولا يجوز ان يحبس عليه ماله ويعلل انه لم يكبر وقوله " ولا تأكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا " فان من كان في يده مال يتيم وهو غني فلا يحل له ان يأكل من مال اليتيم ومن كان فقيرا قد حبس نفسه على ماله فله ان يأكل بالمعروف، ومعنى قوله (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) فهي منسوخة بقوله " يوصيكم الله في اولادكم " وقوله (وإذا حضر القسمة اولوا


(1) العدة ما اعددته من مال وسلاح. ج. ز (*)

[ 132 ]

القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) منسوخ بقوله " يوصيكم الله في اولادكم " واما قوله (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) فان الله عزوجل يقول لا تظلموا اليتامي فيصيب اولادكم مثل ما فعلتم باليتامى وإن الله تبارك وتعالى يقول إذا ظلم الرجل اليتيم وكان مستحلا لم يحفظ ولده ووكلهم إلى ابيهم، وان كان صالحا حفظ ولده في صلاح ابيهم، والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى " واما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا إلى قوله - رحمة من ربك " لان الله لا يظلم اليتامى لفساد ابيهم ولكن يكل الولد إلى ابيه فان كان صالحا حفظ ولده بصلاحه، واما قوله (ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا الآية) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بي إلى السماء رأيت قوما تقذف في اجوافهم النار وتخرج من ادبارهم، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما. وقوله (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) قال إذا مات الرجل وترك بنين وبنات فللذكر مثل حظ الانثيين وقوله (فان كن نساء فوق انثتين فلهن ثلثا ما ترك) يعني إذا مات الرجل وترك ابوبن وابنتين فللابوين السدسان وللابنتين الثلثان، فان كانت البنت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس، وبقى سهم يقسم على خمسة اسهم فما أصاب ثلاثة اسهم فللبنت وما اصاب اثنين فللابوين، وقوله (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) يعني إذا ترك ابوين فللام الثلث وللاب الثلثان (من بعد وصية يوصي بها أو دين) اي لا تكون الوصية على المضارة يعني بولده ثم قال للرجال (ولكم نصف ما ترك

[ 133 ]

ازواجكم) فإذا ماتت المرأة فلزوجها النصف إذا لم يكن لها ولد فان كان لها ولد فلزوجها اربع وللمرأة إذا مات زوجها ولم يكن له ولد فلها الربع وان كان له ولد فلها الثمن. وقوله: (وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله اخ أو اخت فلكل واحد منهما السدس) فهذه كلالة الام وهي الاخوة والاخوات من الام فان كانوا اكثر من ذلك فهم يأخذون الثلث، فيقتسمون فيما بينهم بالسوية الذكر والانثى فيه سواء، فان كان للميت اخوة واخوات من قبل الاب والام أو من قبل الاب وحده فلامه السدس وللاب خمسة اسداس، فان الاخوة والاخوات من قبل الاب هم في عيال الاب ويلزمه مؤنتهم فهم يحجبون الام عن الثلث ولا يرثون وقوله (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) فانه في الجاهلية كان إذا زنى الرجل المرأة كانت تحبس في بيت إلى ان تموت ثم نسخ ذلك بقوله " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " وقوله (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) فانه محكم قوله (ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الآن) فانه حدثني ابي عن ابن فضال عن علي ابن عقبة عن ابي عبد الله عليه السلام قال نزل في القرآن ان زعلون (1) تاب حيث لم تنفعه التوبة ولم تقبل منه وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لنذهبوا ببعض ما آتيتموهن) قال لا بحل للرجل إذا نكح امرأة ولم يردها وكرهها ان لا يطلقها إذا لم يجبر (يجر ط) عليها، ويعضلها اي يحبسها ويقول لها حتى تؤدي ما اخذت مني فنهى الله عن ذلك (إلا ان يأتين


(1) اسم مشرك. ج - ز (*)

[ 134 ]

بفاحشة مبينة) وهو ما وصفناه في الخلع فان قالت له ما تقول المختلعة يجوز له ان يأخذ منها ما اعطاها وما فضل. وفي رواية ابي الجارود (1) عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها) فانه كان في الجاهلية في اول ما اسلموا من قبائل العرب إذا مات حميم (2) الرجل وله امرأة القى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذى كان اصدقها فكان يرث نكاحها كما يرث ماله، فلما مات أبو قيس بن الا سلب (أبو قيس بن الاسلت ط) القى محصن بن ابي قيس ثوبه على امرأة ابيه وهي كبيثة (كبيشة ط) بنت معمر بن معبد فورث نكاحها ثم تركها لا يدخل به ولا ينفق عليها فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت يا رسول الله مات أبو قيس بن الا سلب فورث ابنه محصن نكاحي فلا يدخل علي ولا ينفق علي ولا يخلى سبيلى فالحق باهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ارجعي إلى بيتك فان يحدث الله في شأنك شيئا اعلمتك به، فنزل (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) فلحقت باهلها، وكانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح كبيثة غير انه ورثهن عن الابناء فانزل الله " يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها " وقوله (وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) يعني الرجل يكره اهله فاما ان يمسكها فيعطفه الله عليها واما ان يخلي سبيلها فيتزوجها غيره


(1) لا يخفى ان الروايات التي صدرت بذكر ابى الجارود، ليست من عبارة تفسير القمى، بل انها مضافات ابي الفضل العباس تلميذ المصنف التي اضافها إلى اصل التفسير بمناسبة المقام. (2) القريب والصديق. ج - ز (*)

[ 135 ]

فيرزقها الله الود والولد ففي ذلك قد جعل الله خيرا كثيرا قال (وان اردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احديهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا) وذلك إذا كان الرجل هو الكاره للمرأة، فنهى الله ان يسئ إليها حتى تفتدي منه يقول الله (وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم إلى بعض) والافضاء المباشرة يقول الله (واخذن منكم ميثاقا غليظا) والميثاق الغليظ الذي اشترطه الله للنساء على الرجال امساك بمعروف أو تسريح باحسان. قال علي بن ابراهيم في قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " فان العرب كانوا ينكحون نساء آبائهم فكان إذا كان للرجال اولاد كثيرة وله اهل ولم تكن امهم ادعى كل واحد فيها فحرم الله مناكحتهم وله اهل ثم قال (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتي ارضعنكم وأخواتكم من الرصاعة وامهات نسائكم الآية) فان هذه المحرمات هي محرمة وما فوقها الي اقصاها وكذلك البنت والاخت، واما التي هي محرمة بنفسها وبنتها حلال فالعمة والخالة هي محرمة بنفسها وبنتها حلال وامهات النساء امها محرمة وبنتها حلال إذا ماتت ابنتها الاولى التي هي امرأته أو طلقها واما قوله (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) فالخوارج زعمت ان الرجل إذا كانت لاهله بنت ولم يربها ولم تكن في حجره حلت له لقول الله " واللاتي في حجوركم " قال الصادق عليه السلام لا تحل له (وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم) يعني امرأة الولد، وقوله (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت الجزء (5) ايمانكم) يعني امة الرجل إذا كان قد زوجها من عبده ثم اراد نكاحها فرق بينهما واستبرأ رحمها بحيضة أو حيضتين فإذا استبرأ رحمها حل له ان ينكحها وقوله (كتاب الله عليكم) يعني حجة الله عليكم فيما يقول (واحل لكم ما وراء ذلكم ان تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين) يعني يتزوج بمحصنة غير زانية

[ 136 ]

مسافحة قوله (فمن استمتعتم به منهن) قال الصادق عليه السلام: " فمن استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى فآتوهن اجورهن فريضة " قال الصادق عليه السلام فهذه الآية دليل على المتعة وقوله (ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات) قال ومن لم يستطع ان ينكح الحرة فالاماء باذن اصحابهن (والله اعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن اهلهن وآتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات) قال غير خديعة ولا فسق ولا فجور وقوله (ولا متخذات اخدان) اي لا يتخذها صديقة وقوله (فإذا احصن فان اتين بفاحشة مبينة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) يعني به العبيد والاماء إذا زنيا ضربا نصف الحد، فمن عاد فمثل ذلك حتى يفعلوا ذلك ثماني مرات ففي الثامنة يقتلون، قال الصادق عليه السلام وانما صار يقتل في الثامنة لان الله رحمه ان يجمع عليه ربق الرق وحد الحر. وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل) يعني الربا (إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم) يعني الشرى والبيع الحلال (ولا تقتلوا انفسكم) قال كان الرجل إذا خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الغزو يحمل علي العدو وحده من غير ان يأمره رسول اله صلى الله عليه وآله فنهى الله ان يقتل نفسه من غير امر رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله (ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) قال هي سبعة: الكفر وقتل النفس، وعقوق الوالدين، واكل مال اليتيم واكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وكلما وعد الله في القرآن عليه النار فهو من الكبائر، ثم قال (نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) وقوله (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) قال لا يجوز للرجل ان يتمنى امرأة رجل مسلم أو ماله ولكن يسأل الله من فضله (ان الله كان بكل شئ عليما).

[ 137 ]

قوله (ولكل جعلناه موالي مما ترك الوالدان والاقربون والذين عقدت ايمانكم) وكان المواريث في الجاهلية علي الاخوة لا على الرحم وكانوا يورثون الحليف والموالي الذين اعتقوهم ثم نزل بعد ذلك " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) نسخت هذه، وقوله (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم) يعنى فرض الله على الرجال ان ينفقوا على النساء ثم مدح الله النساء فقال: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) يعني تخفظ نفسها إذا غاب زوجها عنها، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " قانتات " يقول مطيعات وقوله (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) وذلك ان نشزت المرأة عن فراش زوجها قال زوجها اتقى الله وارجعي إلى فراشك، فهذه الموعظة، فان اطاعته فسبيل ذلك وإلا سبها وهو الهجر فان رجعت إلى فراشها فذلك وإلا ضربها ضربا غير مبرح فان اطاعته وضاجعته يقول الله " فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " يقول لا تكلفوهن الحب فانما جعل الموعظة والسب والضرب لهن في المضجع (ان الله كان عليا كبيرا). وقوله (وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله وحكما من اهلها) فبما حكم به الحكمان فهو جائز يقول الله (ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما بعني الحكمين فإذا كانا عدلين دخل حكم المرأة فيقول اخبريني ما في نفسك، فاني لا احب ان اقطع شيئا دونك، فان كانت هي الناشزة قالت اعطوه من مالي ما شاء وفرق بيني وبينه، وان لم تكن ناشزة قالت انشدك الله ان لا تفرق بيني وبينه، ولكن استزد لي في النفقة فانه مسيئ ويخلو حكم الرجل يجئ إلى الرجل فيقول حدثني بما في نفسك فاني لا احب ان اقطع شيئا دونك، فان كان هو الناشز قال خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها فلا حاجة لي فيها،

[ 138 ]

وان لم يكن ناشزا قال انشدك الله ان لا تفرق بيني وبينها فانها احب الناس، الي فارضها من مالي بما شئت، ثم يلتقي الحكمان وقد علم كل واحد منهما ما افضى به إليه صاحبه فاخذ كل واحد منهما على صاحبه عهد الله وميثاقه لتصدقني ولاصدقنك، وذلك حين يريد الله ان يوفق بينهما) فإذا فعلا وحدث كل واحد منهم صاحبه بما افضى إليه عرفا من الناشز فان كانت المرأة هي الناشزة قالا انت عدوة الله الناشزة العاصية لزوجك ليس لك عليه نفقة ولا كرامة لك وهو احق ان يبغضك ابدا حتى ترجعي إلى امر الله، وان كان الرجل هو الناشز قالا له انت عدو الله وانت العاصي لامر الله المبغض لامر الله (لامرأثك ط) فعليك نفقتها ولا تدخل لها بيتا ولا ترى لها وجها ابدا حتى ترجع إلى امر الله وكتابه. قال واتى علي بن ابي طالب عليه السلام رجل وامرأته علي هذه الحال فبعث حكما من اهله وحكما من اهلها وقال للحكمين هل تدريان ما تحكمان ؟ ان شئتما فرقتما وان شئتما جمعتما، فقال الزوج لا ارضى بحكم فرقة ولا اطلقها، فاوجب عليه نفقتها ومنعه ان يدخل عليها، وان مات على ذلك الحال الزوج ورثته، وان ماتت لم يرثها إذا رضيت منه بحكم الحكمين وكره الزوج، فان رضى الزوج وكرهت المرأة انزلت بهذه المنزلة، ان كرهت لم يكن لها عليه نفقة وان مات لم ترثه وان ماتت ورثها حتى ترجع إلى حكم الحكمين. قال علي بن ابراهيم في قوله (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب) يعني صاحبك في السفر (وابن السببل) يعني ابناء الطريق الذين يستعينون بك في طريقهم (وما ملكت ايمانكم) يعني الاهل والخادم (ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكنمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا) فسمى الله البخيل كافرا ثم

[ 139 ]

ذكر المنافقين فقال: (والذين ينفقون اموالهم رئاه الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن بكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) ثم قال: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما) قال انفقوا في طاعة الله وقوله (ان الله لا يظلم مثقال ذرة) معطوفة على قوله " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " وقوله (فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد) يعني الائمة صلوات الله عليهم اجمعين (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء شهيدا) يعني على الائمة، فرسول الله صلى الله عليه وآله شهيد على الائمة وهم شهداء على الناس وقوله (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) قال يتمنى الذين غصبوا امير المؤمنين عليه السلام أن تكون الارض ابتلعتهم في اليوم الذي اجتمعوا فيه على غصبه وأن لم يكتموا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله فيه وقوله: (يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) قال من النوم (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) فانه سئل الصادق عليه السلام عن الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا ؟ فقال الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين فان الله تعالى يقول: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " ويضعان فيه الشئ ولا يأخذان منه فقلت ما بالهما يضعان فيه ولا يأخذان منه ؟ فقال لانهما يقدران على وضع الشئ فيه من غير دخول ولا يقدران على أخذ ما فيه حتى يدخلا فاوجب الغسل والوضوء من الجناية بالماء ثم رخص لمن لم يجد الماء التيمم بالتراب فقال وان كنتم جنبا فاطهروا (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ان الله كان عفوا غفورا) وقوله (ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة) يعني ضلوا في امير المؤمنين (ويريدون ان تضلوا السبيل) يعني اخرجوا الناس من ولاية امير المؤمنين، وهو

[ 140 ]

الصراط المستقيم، قوله (والله اعلم باعدائكم وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا، من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع) قال نزلت في اليهود، وقوله (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فانه حدثني ابي عن ابن ابى عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له دخلت الكبائر في الاستثناء ؟ قال: نعم، وقوله (ألم تر إلى الذين يزكون انفسهم بل الله يزكي من يشاء) قال هم الذين سموا انفسهم بالصديق والفاروق وذى النورين (ط)، وقوله: (ولا يظلمون فتيلا) قال: القشرة التي على النواة، ثم كنى عنهم فقال: (انظر كيف يفترون علي الله الكذب) وهم الذين غاصبوا آل محمد حقهم، قوله (ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء اهدى من الذين آمنوا سبيلا) قال نزلت في اليهود حين سألهم مشركوا العرب، فقالوا ديننا افضل ام دين محمد ؟ قالوا بل دينكم افضل، وقد روي فيه ايضا انها نزلت في الذين غصبوا آل محمد حقهم وحسدوا منزلتهم، فقال الله تعالى (اولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا، ام لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نفيرا) يعني النقطة في ظهر النواة، ثم قال: (ام يحسدون الناس) يعني بالناس ههنا امير المؤمنين والائمة عليهم السلام (على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) وهى الخلافة بعد النبوة، وهم الائمة عليهم السلام، حدثنا علي بن الحسين عن احمد بن ابي عبد الله عن ابيه عن يونس عن ابي جعفر الاحول عن حنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت قوله " فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب " قال: النبوة، قلت: والحكمة ؟ قال: الفهم والقضاء قلت: وآتيناهم ملكا عظيما ؟ قال: الطاعة المفروضة. قال علي بن ابراهيم في قوله (فمنهم من آمن به) يعني امير المؤمنين عليه السلام

[ 141 ]

وهم سلمان وابوذر والمقداد وعمار رضي الله عنهم (ومنهم من صد عنه) وهم غاصبوا آل محمد صلى الله عليه وآله حقهم، ومن تبعهم قال فيهم نزلت (وكفى بجهنم سعيرا) ثم ذكر عزوجل ما قد اعده لهؤلاء الذين قد تقدم ذكرهم وغصبهم فقال: (ان الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا) قال الآيات امير المؤمنين والائمة عليهم السلام، وقوله (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزا حكيما) فقيل لابي عبد الله عليه السلام كيف تبدل جلود غيرها ؟ قال أرأيت لو اخذت لبنة فكسرتها وصيرتها ترابا ثم ضربتها في الفالب اهي التى كانت، إنما هي ذلك، وحدث تفسيرا آخر والاصل واحد. ثم ذكر المؤمنين المقرين بولاية آل محمد عليهم السلام بقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا لهم فيها ازواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا) ثم خاطب الائمة عليهم السلام، فقال: (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى اهلها) قال فرض الله على الامام ان يؤدي الامانة إلى الذي امره الله من بعده ثم فرض على الامام ان يحكم بين الناس بالعدل فقال (وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) ثم فرض على الناس طاعتهم فقال: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم) يعني امير المؤمنين عليه السلام حدثني ابي عن حماد عن حريز عن ابي عبد الله عليه السلام قال نزلت " فان تنازعتم في شئ فارجعوه إلى الله والى الرسول والى اولي الامر منكم ". وقوله (ألم تر إلى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به) فانها نزلت في الزبير بن العوام فانه نازع رجلا من اليهود في حديقة فقال الزبير ترضى بابن شيبة اليهودي فقال اليهودي ترضى بمحمد ؟ فانزل الله " ألم تر إلى الذين يزعمون

[ 142 ]

انهم آمنوا.. الخ " وقوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) وهم اعداء آل محمد كلهم جرت فيهم هذه الآية واما قوله (فكيف إذا اصابتهم مصيبة بما قدمت ايديهم ثم جاؤك بحلفون بالله ان اردنا إلا احسانا وتوفيقا) فهذا مما تأويله بعد تنزيله في القيامة إذا بعثهم الله حلفوا لرسول الله إنما اردنا بما فعلنا من ازالة الخلافة عن موضعها إلا احسانا وتوفيقا، والدليل على ان ذلك في القيامة ما حدثني به ابي عن ابن ابي عمير عن منصور عن ابي عبد الله عليه السلام وعن ابي جعفر عليه السلام قالا المصيبة هي الخسف والله بالمنافقين عند الحوض، قول الله (فكيف إذا اصابتهم مصيبة بما قدمت ايديهم ثم جاؤك يحلفون بالله ان اردنا إلا احسانا وتوفيقا) ثم قال الله (اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) يعني من العداوة لعلى في الدنيا (فاعرض عنهم وعظهم وقل لهم في انفسهم قولا بليغا) اي ابلغهم في الحجة عليهم وآخر امرهم إلى يوم القيامة وقوله (وما ارسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله) اي بأمر الله وقوله (ولو انهم إذ ظلموا انفسهم جاؤك فاستغفروا الله) فانه حدثني ابي عن ابن ابى عمير عن ابن اذينة عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال " ولو انهم إذ ظلموا انفسهم جاؤك يا علي فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " هكذا نزلت. ثم قال (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) يا علي (فيما شجر بينهم) يعني فيما تعاهدوا وتعاقدوا عليه من خلافك بينهم وغصبك ثم (لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت) عليهم يا محمد على لسانك من ولايته (ويسلموا تسليما) لعلي (ع) ثم قال (ولو انا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم) إلى قوله (ولهديناهم صراطا مستقيما) فانه محكم واما قوله (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) قال النبيين رسول الله صلى الله عليه وآله، والصديقين علي (ع) والشهداء الحسن

[ 143 ]

والحسين عليهما السلام، والصالحين الائمة، وحسن أولئك رفيقا، القائم من آل محمد عليهم السلام، وقوله (يا ايها الذين آمنوا حذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وان منكم لمن ليبطئن فان اصابتكم مصيبة قال قد انعم الله علي إذ لم اكن معهم شهيدا) قال الصادق (ع) والله لو قال هذه الكلمة أهل الشرق والغرب لكانوا بها خارجين من الايمان (1) ولكن الله قد سماهم مؤمنين باقرارهم (وقوله فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة) أي يشترون وقوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان) بمكة معذبين فقاتلوا حتى يتخلصوا وهم يقولون (ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا الذين آمنوا) يعني المؤمنين من أصحاب النبي (يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) وهم مشركوا قريش يقاتلون على الاصنام وقوله (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ايديكم واقيموا الصلاة وآتوا الزكوة) فانها (2) نزلت بمكة قبل الهجرة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وكتب عليهم القتال نسخ هذا، فجزع اصحابه من هذا فانزل الله " ألم تر إلى الذين قيل لهم بمكة كفوا ايديكم " لانهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة ان يأذن لهم في محاربتهم فانزل الله " كفوا (1) لان قائل هذه الكلمة قد اظهر عدم وفائه لرسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين حيث اظهر فرحه على عدم اصابته المصيبة معه صلى الله عليه وآله مع انه من شأن المؤمن ان يشارك النبي صلى الله عليه وآله في المصائب حيث امكن، ومع عدم الامكان يتمنى المشاركة ويظهر حزنه على حزنه. ج - ز (2) يعني ان آية " كفوا ايديكم واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة " فقط نزلت بمكة، والباقي نزل في المدينة. ج - ز

[ 144 ]

ايديكم واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة " فلما كتب عليهم القتال بالمدينة (قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا اخرتنا إلى اجل قريب) فقال الله قل لهم يا محمد (متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) الفتيل القشر الذي في النواة ثم قال: (اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) يعني الظلمات الثلاث التي ذكرها وهى المشيمة والرحم والبطن وقوله (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله) يعني الحسنات والسيئات ثم قال في آخر الآية (ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك) وقد اشتبه هذا على عدة من العلماء، فقالوا يقول الله وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله الحسنة والسيئة، ثم قال في آخر الآية " وما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك، فكيف هذا وما معنى القولين ؟ فالجواب في ذلك ان معنى القولين جميعا عن الصادقين عليهم السلام انهم قالوا الحسنات في كتاب الله على وجهين والسيئات على وجهين (فمن الحسنات) التي ذكرها الله، الصحة والسلامة والامن والسعة والرزق وقد سماها الله حسنات " وان تصبهم سيئة " يعني بالسيئة ههنا المرض والخوف والجوع والشدة " يطيروا بموسى ومن معه " أي يتشاءموا به (والوجه الثاني من الحسنات) يعني به افعال العباد وهو قوله " من جاء بالحسنة فله عشر امثالها " ومثله كثير وكذلك السيئات على وجهين فمن السيئات الخوف والجوع والشدة وهو ما ذكرناه في قوله " وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " وعقوبات الذنوب فقد سماها الله السيئات (والوجه الثاني من السيئات) يعني بها ؟ افعال العباد التي يعاقبون عليها فهو قوله " ومن جاء بالسيئة فكبت وجوهم في النار " وقوله: " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " يعني ما عملت

[ 145 ]

من ذنوب فعوقبت عليها في الدنيا والآخرة فمن نفسك بافعالك لان السارق يقطع والزاني يجلد ويرجم والقاتل يقتل فقد سمى الله تعالى العلل والخوف والشدة وعقوبات الذنوب كلها سيئات فقال ما اصابك من سيئة فمن نفسك باعمالك وقوله (قل كل من عند الله) يعنى الصحة والعافية والسعة والسيئات التي هي عقوبات الذنوب من عند الله وقوله عزوجل يحكى قول المنافقين فقال (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون) أي يبدلون (فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) وقوله (وإذا جاءهم امر من الامن والخوف اذاعوا به) اي اخبروا به (ولو ردوه إلى الرسول والى اولي الامر منهم) يعنى امير المؤمنين عليه السلام (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) اي الذين يعلمون منهم وقوله (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) قال الفضل رسول الله صلى الله عليه وآله والرحمة امير المؤمنين عليه السلام (لاتبعتم الشيطان الا قليلا) وقوله (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) قال يكون كفيل ذلك الظلم الذي يظلم صاحب الشفاعة وقوله (وكان الله على كل شئ مقيتا) اي مقتدرا وقوله (وإذا حبيتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها ان الله كان على كل شئ حسيبا) أو ردوها قال السلام وغيره من البر. وقوله (الله لا اله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه - إلى قوله فلن تجد له سببلا) فانه محكم، وقوله (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تنخذوا منهم اولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا) فانها نزلت في اشجع وبنى ضمرة (وهما قبيلتان) وكان من خبرهما انه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى غزاة الحديبية (بدر ط) مر قريبا من بلادهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله هادن

[ 146 ]

بنى ضمرة ووادعهم (1) قبل ذلك فقال اصحاب رسول الله ص، يا رسول الله هذه بنو ضمرة قريبا منا ونخاف ان يخالفونا إلى المدينة أو يعينوا علينا قريشا فلو بدأنا بهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كلا إنهم أبر العرب بالوالدين، واوصلهم للرحم، وأوفاهم بالعهد، وكان اشجع بلادهم قريبا من بلاد بنى ضمرة وهم بطن من كنانة وكانت اشجع بينهم وبين بنى ضمرة حلف في المراعات والامان، فاجدبت بلاد اشجع واخصبت بلاد بنى ضمرة فصارت اشجع إلى بلاد بنى ضمرة فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مسيرهم إلى بنى ضمرة تهيأ للمصير إلى اشجع فيغزوهم للموادعة التي كانت بينه وبين بنى ضمرة فانزل الله ودوا لو تكفرون كما كفروا.. الخ ثم استثنى بأشجع فقال (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءكم حصرت صدورهم ان يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان اعتزلوكم ولم يقاتلوكم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) وكانت اشجع محالها البيضاء والجبل والمستباح، وقد كانوا قربوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فهابوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله ان يبعث إليهم من يغزوهم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد خافهم ان يصيبوا من اطرافه شيئا فهم بالمسير إليهم فبينما هو على ذلك إذ جاءت اشجع ورئيسها مسعود بن رجيلة وهم سبعمائة، فنزلوا شعب سلع وذلك في شهر ربيع الاول (الآخر ط) سنة ست فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله اسيد ابن حصين، فقال له اذهب في نفر من أصحابك حتى تنظر ما اقدم اشجع، فخرج اسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم، فقال ما اقدمكم ؟ فقام إليه مسعود بن رجيلة وهو رئيس اشجع فسلم على اسيد وعلى اصحابه وقالوا جئنا لنوادع محمدا فرجع اسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) اي صالحهم (*)

[ 147 ]

خاف القوم ان اغزوهم فأرادوا الصلح بينى وبينهم، ثم بعث إليهم بعشرة اجمال تمر فقدمها امامه، ثم قال نعم الشئ الهدية امام الحاجة، ثم اتاهم، فقال يا معشر اشجع ما اقدمكم ؟ قالوا قربت دارنا منك وليس في قومنا اقل عددا منا فضقنا بحربك لقرب دارنا منك، وضقنا بحرب قومك لقلتنا فيهم، فجئنا لنوادعك فقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم ووادعهم، فاقاموا يومهم ثم رجعوا إلى بلادهم وفيهم نزلت هذه الآية (الا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق - إلى قوله - فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) وقوله (ستجدون آخرين يريدون ان يأمنوكم ويامنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها) نزلت في عيينة بن حصين الفزاري اجدبت بلادهم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ووادعه على ان يقيم ببطن نخل، ولا يتعرض له وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الاحمق المطاع في قومه، ثم قال (فان لم يعتزلوكم ويلقوا اليكم السلم ويكفوا ايديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم واولئك جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا). وقوله (وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ) أي لا عمدا ولا خطأء والا في موضع لا وليست باستثناء (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى اهله الا ان يصدقوا) يعني يعفوا ثم قال (فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) وليست له دية يعني إذا قتل رجل من المؤمنين وهو نازل في دار الحرب فلا دية للمقتول وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله لمن نزل دار الحرب فقد برئت الذمة ثم قال (وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى اهله وتحرير رقبة مؤمنة) يعني ان كان المؤمن نازلا في دار الحرب، وبين اهل الشرك وبين الرسول أو الامام عهد ومدة ثم قتل ذلك المؤمن وهو بينهم فعلى القاتل دية مسلمة إلى اهله وتحرير رقبة مؤمنة (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) وقوله

[ 148 ]

(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) قال من قتل مؤمنا على دينه (2) لم تقبل توبته، ومن قتل نبيا أو وصي نبي فلا توبة له لانه لا يكون له مثله فيقاد به، وقد يكون الرجل بين المشركين واليهود والنصارى يقتل رجلا من المسلمين على انه مسلم فإذا دخل في الاسلام محاه الله عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وآله الاسلام يجب ما كان قبله اي يمحو، لان اعظم الذنوب عند الله هو الشرك بالله فإذا قبلت توبته في الشرك قبلت فيما سواه واما قول الصادق عليه السلام ليست له توبة فانه عنى من قتل نبيا أو وصيا فليست له توبة فانه لا يقاد احد بالانبياء إلا الانبياء وبالاوصياء إلا الاوصياء والانبياء والاوصياء لا تقتل بعضهم بعضا وغير النبي والوصي لا يكون مثل النبي والوصي فيقاد به وقاتلهما لا يوفق للتوبة. وقوله (يا ايها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا) فانها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة خيبر وبعث اسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الاسلام، وكان رجل من اليهود يقال ؟ له ؟ مرداس بن نهيك الفدكى في بعض القرى فلما احس بخيل رسول الله صلى الله عليه وآله جمع اهله وماله وصار في ناحية الجبل فاقبل يقول اشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فمر باسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله اخبر بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله قتلت رجلا شهد أن لا اله الا الله واني رسول الله فقال يارسول الله انما قال تعوذا من القتل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فلا شققت الغطاء عن قبله ولا ما قال بلسانه قبلت ولا ما كان في نفسه


(1) اي لاجل دينه. (2) من القود بالتحريك وهو القصاص ج (*)

[ 149 ]

علمت فحلف بعد ذلك انه لا يقتل احدا شهد ان لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فتخلف عن امير المؤمنين عليه السلام في حروبه، وأنزل الله في ذلك " ولا تقولوا لمن القى اليكم السلم لست مؤمنا.. الخ " ثم ذكر فضل المجاهدين على القاعدين فقال (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولى الضرر) يعني الزمن كما ليس على الاعمى حرج (والمجاهدون في سبيل الله باموالهم وانفسهم إلى آخر الآية) وقوله (ان الذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم) قال نزلت فيمن اعتزل امير المؤمنين عليه السلام ولم يقاتل معه فقالت الملائكة لهم عند الموت (فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض) اي لم نعلم مع من الحق فقال الله (الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها) اي دين الله وكتاب الله واسع فتنظروا فيه (فاولئك ماويهم جهنم وساءت مصيرا) ثم استثنى فقال (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) حدثنى ابي عن يحيى عن ابى عمران عن يونس عن حماد عن ابن طيار عن ابى جعفر ع ط) بن يحيى عن ابن ابي عمير عن يونس عن حماد بن الظبيان عن ابي جعفر عليه السلام قال سألت عن المستضعف فقال هو الذي لا يستطيع حيلة الكفر فيكفر ولا يهتدي سبيلا إلى الايمان لا يستطيع ان يؤمن ولا يستطيع ان يكفر فهم الصبيان، ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان من رفع عنه القلم، وقوله (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة) اي يجد خيرا إذا جاهد مع الامام وقوله (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله) قال إذا خرج إلى الامام ثم مات قبل ان يبلغه وقوله (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلوة ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا) فانه حدثني ابي عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام ستة لا يقصرون الصلوة، الجباة الذين يدورون في جبايتهم، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق والامير الذي يدور في امارته

[ 150 ]

والراعي الذي يطلب مواقع القطر ومنبت الشجر والرجل يخرج في طلب الصيد يريد لهوا للدنيا والمحارب الذي يقطع الطريق. واما قوله (وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك الآية) فانها نزلت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحديبية يريد مكة فلما وقع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا ليستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الجبال، فلما كان في بعض الطريق وحضرت صلوة الظهر فاذن بلال فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس، فقال خالد بن الوليد لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلوة لاصبناهم، فانهم لا يقطعون صلاتهم ولكن يجئ لهم الآن صلوة اخرى هي احب إليهم من ضياء ابصارهم فإذا دخلوا فيها حملنا عليهم، فنزل جبرئيل (ع) بصلوة الخوف بهذه الآية وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلوة.. الخ ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه فرقتين، فوقف بعضهم تجاه العدو وقد اخذوا سلاحهم وفرقة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله قياما، ومروا فوقفوا مواقف اصحابهم وجاء اولئك الذين لم يصلوا فصلى ربهم رسول الله صلى الله عليه وآله الركعة الثانية، ولهم الاولى وقعد وتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وقاموا اصحابه وصلوا هم الركعة الثانية وسلم عليهم وقوله (وإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) قال الصحيح يصلى قائما والعليل يصلى جالسا فمن لم يقدر فمضطجعا يؤمي ايماءا وقوله (ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) اي موجوبة وقوله (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) فانه معطوف على قوله في سورة آل عمران " ان يمسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " وقوله (انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) فانه كان سبب نزولها ان قوما من الانصار من بني ابيزق اخوة ثلاثة كانوا منافقين بشير وبشر ومبشر، فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وكان قتادة بدريا واخرجوا طعاما كان اعده لعياله وسيفا

[ 151 ]

ودرعا فشكى قتادة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يارسول الله ان قوما نقبوا على عمي واخذوا طعاما كان اعده لعياله ودرعا وسيفا وهم اهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له لبيد بن سهل فقال بنو ابيزق لقتادة هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك لبيدا فاخذ سيفه وخرج عليهم فقال يا بني ابيزق اترموننى بالسرقة وانتم اولى به مني وانتم المنافقون تهجون رسول الله صلى الله عليه وآله وتنسبون إلى قريش لتبينن ذلك أو لاملان سيفي منكم، فداروه فقالوا له ارجع يرحمك الله فانك برئ من ذلك، فمشوا بنو ابيزق إلى رجل من رهطهم يقال له اسيد بن عروة وكان منطيقا بليغا فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ان قتادة بن النعمان عمد إلى اهل بيت منا اهل شرف ونسب وحسب فرماهم بالسرقة، واتهمهم بما ليس فيهم، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك وجاء إليه قتادة فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له عمدت اهل بيت شرف وحسب نسب فرميتهم بالسرقة فعاتبه عتابا شديدا فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه وقال ياليتني مت ولم اكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقد كلمني بما كرهته، فقال عمه الله المستعان فانزل الله في ذلك على نبيه صلى الله عليه وآله (انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله ان الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون انفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا آثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) يعني الفعل فوقع القول مقام الفعل. ثم قال (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما، ومن يكسب إثما فانما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما، ومن يكسب خطيئة أو اثما ثم يرم به بريئا) يعني لبيد بن سهل (فقد احتمل

[ 152 ]

بهتانا واثما مبينا) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال ان اناسا من رهط بشير الادنين قالوا انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا نكلمه في صاحبنا ونعذره وان صاحبنا برئ فلما انزل الله " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم - إلى قوله - وكيلا " فاقبلت رهط بشير فقال يا بشير استغفر الله وتب الله من الذنب فقال والذي احلف به ما سرقها إلا لبيد فنزلت " ومن يكسب خطيئة أو اثما يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا " ثم أن بشيرا كفر ولحق بمكة وانزل الله في النفر الذين اعذروا بشيرا واتوا النبي ليعذروه قوله (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم ان يضلوك وما يضلون إلا انفسهم وما يضرونك من شئ وانزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) ونزلت في بشير وهو بمكة (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). وقال علي بن ابراهيم في قوله (لا خير في كثير من نجويهم) وقال لا خير في كثير من كلام الناس ومحاوراتهم إلا من امر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه اجرا عظيما) حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن حماد عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان الله فرض التحمل (التمحل ن) في القرآن، قلت وما التحمل ؟ جعلت فداك، قال ان يكون وجهك اعرض من وجه اخيك فتحمل له وهو قوله " لا خير في كثير من نجويهم " حدثني ابي عن بعض رجاله رفعه إلى امير المؤمنين عليه السلام قال ان الله فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض عليكم زكاة ما ملكت ايديكم، وقوله (من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) اي يخالفه (نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) وقوله (ان يدعون من دونه إلا اناثا) قال قالت قريش ان الملائكة هم بنات الله (وإن

[ 153 ]

يدعون... إلا شيطانا مريدا) قال كانوا يعبدون الجن وقوله (لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا) يعني ابليس حيث قال: (ولاضلنهم ولامنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ولآمرنهم فليغبرن خلق الله) اي امر الله وقوله (ليس بأمانيكم ولا أماني اهل الكتاب) يعني ليس ما تتمنون انتم ولا اهل الكتاب أن لا تعذبوا بافعالكم وقوله (ولا يظلمون نقيرا) وهي النقطة التي في النواة وقوله (واتبع ملة ابراهيم حنيفا) قال هي الحنفية العشرة التي جاء بها ابراهيم التي لم تنسخ إلى يوم القيامة (1) وقوله (واتخذ الله ابراهيم خليلا) فانه حدثني ابى عن هارون بن مسلم عن مسعود (مسعدة ط) بن صدقة عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال ان ابراهيم عليه السلام هو اول من حول له الرمل دقيقا، وذلك انه قصد صديقا له بمصر في قرض طعام، فلم يجده في منزله فكره ان يرجع بالحمار خاليا فملا جرابه رملا، فلما دخل منزله خلا بين الحمار وبين سارة، استحياءا منها ودخل البيت ونام، ففتحت سارة عن دقيق أجود ما يكون، فخبزت وقدمت إليه طعاما طيبا، فقال ابراهيم من اين لك هذا ؟ قالت من الدقيق الذي حملته من عند خليلك المصري، فقال ابراهيم اما انه خليلي وليس بمصري فلذلك اعطي الخلة فشكر الله وحمده واكل وقوله (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتى لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون ان تنكحوهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع) واما قوله (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) قال ان خافت المرأة من زوجها ان يطلقها ويعرض عنها فتقول له قد تركت لك كلما عليك ولا اسألك نفقة فلا تطلقني ولا تعرض عني فاني اكره شماتة الاعداء، فلا جناح عليه ان يقبل ذلك ولا يجري عليها شيئا، وفي رواية ابى الجارود


(1) وياتى ذكرها في ص 391 من هذا الكتاب. ج. ز (*)

[ 154 ]

عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ويستفتونك في النساء " فان نبي الله صلى الله عليه وآله سئل عن النساء ما لهن من الميراث فانزل الله الربع والثمن، وقوله (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) فان الرجل كان يكون في حجره يتيمة فتكون ذميمة أو ساقطة يعني حمقاء فيرغب الرجل عن ان يزوجها ولا يعطيها مالها فينكحها غيره من اخذ مالها ويمنعها النكاح ويتربص بها الموت ليرثها فنهى الله عن ذلك وقوله (والمستضعفين من الولدان) فان اهل الجاهلية كانوا لا يورثون الصبي الصغير ولا الجارية من ميراث آبائهم شيئا وكانوا لا يعطون الميراث إلا لمن يقاتل وكانوا يرون ذلك في دينهم حسنا، فلما انزل الله فرائض المواريث وجدوا من ذلك وجدا (1) شديدا، فقالوا انطلقوا الي رسول الله صلى الله عليه وآله فنذكره ذلك لعله يدعه أو يغيره فاتوه، فقالوا يارسول الله للجارية نصف ما ترك ابوها واخوها ويعطى الصبي الصغير الميراث وليس احد منهما يركب الفرس ولا يحوز الغنيمة ولا يقاتل العدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك امرت، واما قوله (وان تقوموا لليتامي بالقسط) فانهم كانوا يفسدون مال اليتيم فامرهم الله ان يصلحوا مالهم واما قوله (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) نزلت في ابنة محمد بن مسلمة كانت امرأة رافع بن جريح، وكانت امرأة قد دخلت في السن فتزوج عليها امرأة شابة كانت اعجب إليه من ابنة محمد بن مسلمة، فقالت له بنت محمد بن مسلمة ألا اراك معرضا عني مؤثرا علي ؟ فقال رافع هي امرأة شابة وهي اعجب الي فان شئت اقررت على ان لها يومين أو ثلاثة مني ولك يوم واحد، فابت ابنة محمد بن مسلمة ان ترضاها فطلقها تطليقة واحدة ثم طلقها اخرى، فقالت لا والله لا ارضى ان تسوي بيني وبينها يقول الله (واحضرت الانفس الشح)


(1) الفرح والحزن والمراد معني الاخير، فهو من لغات الاضداد. ج - ز. (*)

[ 155 ]

وابنة محمد لم تطب نفسها بنصيبها وشحت عليه، فعرض عليها رافع اما ان ترضى واما ان يطلقها الثالثة، فشحت على زوجها ورضيت فصالحته على ما ذكر فقال الله (فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) فلما رضيت واستقرت. لم يستطع ان يعدل بينهما فنزلت (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلفة) ان تأتي واحدة وتذر الاخرى لا ايم (1) ولا ذات بعل وهذه السنة فيما كان كذلك إذا اقرت المرأة ورضيت على ما صالحها عليه زوجها فلا جناح على الزوج ولا على المرأة وان هي ابت طلقها أو يساوي بينهما لا يسعه إلا ذلك. قال علي بن ابراهيم في قوله (واحضرت الانفس الشح) قال احضرت الشح فمها ما اختارته ومنها ما لم تختره وقوله (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء) انه روي انه سأل رجل من الزنادقة ابا جعفر الاحول فقال اخبرني عن قوله " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " وقال في آخر السورة " ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل " فبين القولين فرق، فقول أبو جعفر الاحول فلم يكن في ذلك عندي جواب فقدمت المدينة، فدخلت على ابي عبد الله (ع) فسألته. عن الآيتين، فقال اما قوله " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " فانما عنى به النفقة وقوله " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء فانما عنى به المودة، فانه لا يقدر احد ان يعدل بين امرأتين في المودة، فرجع أبو جعفر الاحول إلى الرجل فاخبره، فقال هذا حملته الابل من بالحجاز. واما قوله (يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي


(1) الايم كقيم امرأة لا بعل لها. ج. ز. (*)

[ 156 ]

أنفسكم أو الوالدين والاقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله اولى بهما - إلى قوله - فان الله كان بما تعملون خبيرا) فان الله امر الناس ان يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل ولو على انفسهم أو على والديهم أو على قراباتهم، قال أبو عبد الله عليه السلام ان على المؤمن سبع حقوق، فاوجبها ان يقول الرجل حقا وان كان على نفسه أو على والديه فلا يميل لهم عن الحق ثم قال (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا أو ان تلوا أو تعرضوا) يعني عن الحق (فان الله كان بما تعملون خبيرا) وقوله (يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) يعني ايها الذين اقروا صدقوا وقوله (ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) قال نزلت في الذين آمنوا برسول الله اقرارا لا تصديقا ثم كفروا لما كتبوا الكتاب فيما بينهم أن لا يردوا الامر إلى اهل بيته ابدا فلما نزلت الولاية واخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الميثاق عليهم لامير المؤمنين عليه السلام آمنوا اقرارا لا تصديقا، فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وآله كفروا وازدادوا كفرا (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) يعني طريقا إلا طريق جهنم، وقوله (الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا) يعني القوة، قال نزلت في بني امية حيث خالفوا نبيهم على ان لا يردوا الامر في بني هاشم وقوله (وقد نزل عليكم في الكتاب ان إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذا مثلهم) قال آيات الله هم الائمة عليهم السلام، وقوله (الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وان كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين) فانها نزلت في عبد الله ابن ابي واصحابه الذين قعدوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد، فكان إذا ظفر رسول الله صلى الله عليه وآله بالكفار قالوا له ألم نكن معكم وإذا ظفرتم ؟ الكفار قالوا ألم نستحوذ ان نعينكم

[ 157 ]

ولم نعن عليكم (1) قال الله (فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) واما قوله (ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) قال الخديعة من الله العذاب قوله (إذا قاموا) مع رسول الله صلى الله عليه وآله (إلى الصلاة قاموا كسالا يراؤن الناس) أنهم مؤمنون (ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) أي لم يكونوا من المؤمنين ولا من اليهود ثم قال (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار) نزلت في عبد الله بن ابي وجرت في كل منافق ومشرك وقوله (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) اي لا يحب ان يجهر الرجل الجزء (6 بالظلم والسوء ويظلم إلا من ظلم فقد اطلق له ان يعارضه بالظلم، وفي حديث آخر في تفسير هذا قال ان جاءك رجل وقال فيك ما ليس فيك من الخير والثناء والعمل الصالح فلا تقبله منه وكذبه فقد ظلمك، وقوله (ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) قال هم الذين اقروا برسول الله صلى الله عليه وآله وانكروا امير المؤمنين عليه السلام (ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا اولئك هم الكافرون حقا). وقوله (فبما نقضهم ميثاقهم) يعني فبنقضهم ميثاقهم (وكفرهم بآيات الله وقتلهم الانبياء بغير حق) قال هؤلاء لم يقتلوا الانبياء وإنما قتلهم اجدادهم واجداد اجدادهم فرضوا هؤلاء بذلك فالزمهم الله القتل بفعل اجدادهم، فكذلك من رضي بفعل فقد لزمه وان لم يفعله، والدليل على ذلك ايضا قوله في سورة البقرة " فلم تقتلون " انبياء الله من قبل ان كنتم مؤمنين " فهؤلاء لم يقتلوهم ولكنهم رضوا بقتل آبائهم فالزمهم فعلهم، وقوله (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما) اي قولهم انها فجرت وقوله (قولهم انا قتلنا عيسى بن مريم رسول الله) لما رفعه الله إليه وقوله


(1) اعان عليه اي ضره وفي الدعاء " رب اعني ولا تعن علي). ج. ز. (*)

[ 158 ]

(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وقوله (وان من اهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا) فانه روى ان رسول الله ص إذا رجع آمن به الناس كلهم قال حدثني ابي عن القاسم بن محمد بن سليمان بن داود المنقري عن ابي حمزة عن شهر بن حوشب قال قال لي الحجاج بان آية في كتاب الله قد اعيتني، فقلت ايها الامير أية آية هي ؟ فقال قوله " وان من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " والله اني لآمر باليهودي والنصراني فيضرب عنقه ثم ارمقه بعيني فما أراه يحرك شفتيه حتى يخمد، فقلت اصلح الله الامير ليس على ما تأولت، قال كيف هو ؟ قلت ان عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى اهل ملة يهودي ولا نصراني إلا آمن به قبل موته ويصلي خلف المهدي، قال ويحك انى لك هذا ومن اين جئت به، فقلت حدثني به محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام، فقال جئت بها والله من عين صافية، وقوله (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) فانه حدثني ابى عن ابن محبوب عن عبد الله بن ابى يعقوب (يعفور ط) قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول من زرع حنطة في ارض فلم يزك في ارضه وزرعه وخرج زرعه كثير الشعير فبظلم عمله في ملك رقبة الارض أو بظلم مزارعه واكرته لان الله يقول فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم الطيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا هكذا انزلها الله فاقرؤها هكذا وما كان الله ليحل شيئا في كتابه ثم يحرمه من بعد ما احله ولا ان يحرم شيئا ثم يحله من بعد ما حرمه، قلت وكذلك ايضا قوله ومن الابل والبقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، قال نعم، قلت فقوله إلا ما حرم اسرائيل على نفسه، قال ان اسرائيل كان إذا أكل من لحم الابل يهيج عليه وجع الخاصرة فحرم على نفسه لحم الابل وذلك من قبل ان تنزل التورية، فلما انزلت التورية

[ 159 ]

لم يحرمه ولم يأكله وقوله (لكن الراسخون في العلم إلى قوله وكان الله عزيزا حكيما) فانه محكم. وقوله (لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه) فانه حدثني ابى عن ابن ابي عمير عن ابي بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال إنما انزلت " لكن الله يشهد بما انزل اليك في علي انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " وقرأ أبو عبد الله عليه السلام ان الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها ابدا وكان ذلك على الله يسيرا وقوله (وآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة) فهم الذين قالوا بالله وبعيسى و مريم فقال الله (انتهوا خيرا لكم انما الله اله واحد سبحانه ان يكون له ولد له ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا) وقوله (ان يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله) اي لا يأنف ان يكون عبدا لله (ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) وقوله (يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا) فالنور امامة امير المؤمنين عليه السلام، ثم قال (فاما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) وهم الذين تمسكوا بولاية امير المؤمنين والائمة عليهم السلام، وقوله (يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ان لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وان كانوا اخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الانثيين) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن عمر بن اذينة عن بكير عن ابى جعفر عليه السلام قال إذا مات الرجل وله اخت تأخذ نصف ما ترك من الميراث، لها نصف الميراث بالآية كما تأخذ البنت لو كانت، والنصف الباقي يرد عليها بالرحم إذا لم يكن للميت وارث اقرب منها، فان كان موضع الاخت اخ اخذ الميراث كله بالآية لقوله الله (وهو يرثها ان لم يكن لها

[ 160 ]

ولد) وان كانتا اختين اخذتا الثلثين بالآية والثلث الباقي بالرحم وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين وذلك كله إذا لم يكن للميت ولد أو ابوان أو زوحة سورة المائدة مدنية وهى مأة وعشرون آية (بسم الله الرحمن الرحيم يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود احلت لكم بهيمة الانعام) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قوله " اوفوا بالعقود " قال بالعهود، واخبرنا الحسين بن محمد بن عامر عن المعلى بن محمد البصري عن ابن ابى عمير عن ابى جعفر الثاني عليه السلام في قوله: (يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود) قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله عقد عليهم لعلي بالخلافة في عشرة مواطن، ثم انزل الله " يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود التي عقدت عليكم لامير المؤمنين عليه السلام " وقال علي بن ابراهيم في قوله (احلت لكم بهيمة الانعام) قال الجنين في بطن امه إذا اوبر واشعر فذكانه ذكاة امه فذلك الذى عناه الله، وقوله (احلت لكم بهيمة الانعام) دليل على ان غير الانعام محرم، وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام) فالشعائر الاحرام، والطواف والصلاة في مقام ابراهيم، والسعى بين الصفا والمروة، ومناسك الحج كلها من شعائر الله، ومن الشعائر إذا ساق الرجل بدنة في الحج ثم اشعرها أي قطع سنامها أو جللها أو قلدها ليعلم الناس انها هدي فلا تتعرض لها احد، وانما سميت الشعائر لتشعر الناس بها فيعرفونها، وقوله " ولا الشهر الحرام " وهو ذو الحجة وهو من الاشهر الحرام، وقوله " ولا الهدي " وهو الذي يسوقه إذا احرم

[ 161 ]

" ولا القلائد " قال يقلدها النعل الذي قد صلى فيه وقوله " ولا آمين البيت الحرام " قال الذين يحجون البيت الحرام وقوله (وإذا حللتم فاصطادوا) فاحل لهم الصيد بعد تحريمه إذا أحلوا، وقوله (ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا) اي لا يحملنكم عداوة قريش ان صدوك عن المسجد الحرام في غزوة حديبية أن تعتدوا عليهم وتظلموهم ثم نسخت هذه الآية بقوله " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". واما قوله (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق) فالميتة والدم ولحم الخنزير معروف، وما اهل لغير الله به يعني به ما ذبح للاصنام، والمنخنقة: فان المجوس كانوا لا يأكلون الذبائح ويأكلون الميتة، وكانوا يخنقون البقر والغنم فإذا ماتت اكلوها، والموقوذة: كانوا يشدون عينيها وارجلها ويضربونها حتى تموت، فإذا ماتت اكلوها، والمتردية: كانوا يشدون عينها ويلقونها من السطح، فإذا ماتت اكلوها، والبطيحة: كانوا يتناطحون بالكباش فإذا مات احدهما اكلوه وما اكل السبع إلا ما ذكيتم: فانهم كانوا يأكلون ما يأكله الذئب والاسد والدب فحرم الله ذلك، وما ذبح على النصب: كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجر والصخر فيذبحون لها، وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق: قال كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزونه عشرة اجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، والسهام عشرة سبعة لها انصباء وثلاثة لا انصباء لها، فالتي لها إنصباء، الفذ والتوام، والمسبل، والنافس، والحلس (الحليس ط)، والرقيب، والمعلى، فالفذ له سهم والتوام له سهمان والمسبل له ثلاثة اسهم والنافس له اربعة اسهم والحلس له خمسة اسهم والرقيب له ستة اسهم والمعلى

[ 162 ]

له سبعة اسهم، والتي لا انصباء لها السفح والمنيح والوغد، وثمن الجزور على من لم يخرج له الانصباء شيئا، وهو القمار فحرمه الله عزوجل. وقوله (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) قال ذلك لما نزلت ولاية امير المؤمنين عليه السلام واما قوله (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) فانه حدثني ابي عن صفوان بن يحيى عن العلا عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال آخر فريضة انزلها الله الولاية ثم لم ينزل بعدها فريضة ثم انزل " اليوم اكملت لكم دينكم " بكراع الغنم (1) فاقامها رسول الله صلى الله عليه وآله بالجحفة فلم ينزل بعدها فريضة واما قوله (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم) فهو رخصة للمضطر ان يأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والمخمصة الجوع وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر (ع) في قوله غير متجانف لاثم، قال يقول غير متعمد لاثم، وقال علي بن ابراهيم في قوله غير متجانف لاثم، اي غير مائل في الاثم فلا يأكل الميتة إذا اضطر إليها إذا كان في سفر غير حق، وكذلك ان كان في قطع الطريق أو ظلم أو جور قوله (يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله) وهو صيد الكلاب المعلمة خاصة احله الله إذا ادركته و، قتلته لقوله " فكاوا مما امسكن عليكم " واخبرني ابى عن فضالة بن ايوب عن سيف بن عميرة عن ابى بكر الحضرمي عن ابى عبد الله (ع) قال سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب، قال لا تأكلوا إلا ما ذكيتم إلا الكلاب، قلت فان قتله قال كل فان الله يقول وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم، ثم قال (ع) كل شئ من السباع تمسك الصيد على نفسها


(1) كراع الغميم خ. ل. (*)

[ 163 ]

إلا الكلاب المعلمة فانها تمسك على صاحبها قال إذا ارسلت الكلب المعلم فاذكروا اسم الله عليه، فهو ذكاته وقوله (أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) قال عنى بطعامهم الحبوب والفاكهة غير الذبائح التي يذبحونها فانهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، ثم قال والله ما استحلوا ذبايحكم فكيف تستحلون ذبائحهم. وقوله (والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم) فقد احل الله نكاح اهل الكتاب بعد تحريمه في قوله في سورة البقرة (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) وإنما يحل نكاح اهل الكتاب الذين يؤدون الجزية على ما يجب فاما إذا كانوا في دار الشرك ولم يؤدوا الجزية لم يحل مناكحتهم وقوله (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله) قال من آمن ثم اطاع اهل الشرك فقد حبط عمله وكفر بالايمان (وهو في الآخرة من الخاسرين) وقوله (يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق) يعني من المرفق وهو محكم وقوله (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به) قال لما اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الميثاق عليهم بالولاية قالوا اسمعنا واطعنا، ثم نقضوا ميثاقهم وقول (اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم ايديهم فكف ايديهم عنكم) يعني اهل مكة من قبل ان فتحها فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية وقوله (فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم) يعني نقض عهد امير المؤمنين عليه السلام (وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه) قال من نحي امير المؤمنين عليه السلام (1) عن موضعه،


(1) كما ان بعض الآيات فيه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمراد منه امته على نحو " اياك اعني واسمعي يا جارة " كذلك هذه الآية - بناءا على التفسير المذكور - وان كان ظاهرها متعرضا لشأن بني اسرائيل اما باطنها متعلق باعداء آل محمد ج - ز. (*)

[ 164 ]

والدليل على ذلك ان الكلمة امير المؤمنين عليه السلام قوله " وجعلها كلمة باقية في عقبه " يعني به الامامة وقوله (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح) قال منسوخة بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وقوله (ومن الذين قالوا انا نصارى اخذنا ميثاقهم) قال على (ع) ان عيسى بن مريم عبد مخلوق فجعلوه ربا (فنسوا حظا مما ذكروا به). وقوله (يا اهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير) قال يبين النبي صلى الله عليه وآله ما اخفيتموه مما في التورية من اخباره ويدع كثيرا لا يبينه (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) يعني بالنور امير المؤمنين والائمة عليهم السلام: وقوله (قد جاءكم رسولنا يبين لكم) مخاطبة لاهل الكتاب (على فترة من الرسل) قال علي (ع) انقطاع من الرسل احتج عليهم فقال (ان تقولوا) اي لئلا تقولوا (ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير) وقوله (اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا) يعني في بني اسرائيل لم يجمع الله لهم النبوة والملك في بيت واحد، ثم جمع ذلك لنبيه وقوله (يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم) فان ذلك نزل لما قالوا لن نصبر على طعام واحد، فقال لهم موسى اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم، فقالوا ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون فنصف الآية ههنا ونصفها في سورة البقرة، فلما قالوا لموسى ان فيها قوما جبارين، وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، قال لهم موسى لابد ان تدخلوها، فقالوا له ؟ (فاذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون) فاخذ موسى بيد هارون وقال كما حكى الله (انى لا املك إلا نفسي واخي) يعني هارون (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) فقال الله (فانها محرمة عليهم اربعين سنة) يعني مصر لن يدخلوها اربعين سنة (يتيهون في

[ 165 ]

الارض) فلما أراد موسى ان يفارقهم فزعوا وقالوا ان خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب ففزعوا إليه وسألوه ان يقيم معهم ويسأل الله أن يتوب عليهم، فأوحى الله إليه قد تبت عليهم على ان يدخلوا مصر وحرمتها عليهم اربعين سنة يتيهون في الارض عقوبة لقولهم اذهب انت وربك فقاتلا فدخلا كلهم في التيه البرقادون (الاقارون ط)، فكانوا يقومون في اول الليل ويأخذون في قراءة التوراة فإذا اصبحوا على باب مصر دارت بهم الارض، فردتهم إلى مكانهم وكان بينهم وبين مصر اربع فراسخ، فبقوا في ذلك اربعين سنة، فمات هارون وموسى في التيه ودخلها ابناؤهم وابناء ابنائهم. وروي ان الذي حفر قبر موسى ملك الموت في صورة آدمي، ولذلك لا تعرف بنو اسرائيل قبر موسى، وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قبره فقال عند الطريق الاعظم عند الكثيب الاحمر، قال وكان بين موسى وداود خمس مائة سنة وبين داود وعيسى الف ومائة سنة واما قوله (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الآخر) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن ابى حمزة الثمالي عن ثوير بن ابى فاختة قال سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يحدث رجلا من قريش قال لما قرب ابنا آدم القربان، قرب احدهما أسمن كبش كان في ظأنيته وقرب الآخر ضغثا من سنبل، فقبل من صاحب الكبش وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر فغضب قابيل فقال لهابيل والله لاقتلنك، فقال هابيل (إنما يتقبل الله من المتقين لان بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك انى اخاف الله رب العالمين اني اريد ان تبوء باثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاؤ الظالمين فطوعت له نفسه قتل اخيه) فلم يدر كيف يقتله حتى جاء ابليس فعلمه، فقال ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه، فلما قتله لم يدر

[ 166 ]

ما يصنع به فجاء غرابان فاقبلا يتضاربان حتى قتل احدهما صاحبه ثم حفر الذي بقي الارض بمخالبه ودفن فيما صاحبه، قال قابيل (يا ويلتا اعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فاواري سوءة اخي فاصبح من النادمين) فحفر له حفيرة ودفنه فيها فصارت سنة يدفنون الموتى فرجع قابيل إلى ابيه فلم ير معه هابيل، فقال له آدم اين تركت ابني ؟ قال له قابيل ارسلتني عليه راعيا ؟ فقال آدم انطلق معي إلى مكان القربان واوجس قلب آدم بالذي فعل قابيل، فلما بلغ المكان استبان قتله، فلعن آدم الارض التي قبلت دم هابيل وامر آدم ان يلعن قابيل ونودي قابيل من السماء لعنت كما قتلت اخاك ولذلك لا تشرب الارض الدم، فانصرف آدم فبكى على هابيل اربعين يوما وليلة فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله فأوحى الله إليه اني واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل، فولدت حواء غلاما زكيا مباركا، فلما كان اليوم السابع اوحى الله إليه يا آدم ان هذا الغلام هبة مني لك فسمه هبة الله، فسماه آدم هبة الله قال وحدثني ابي عن عثمان بن عيسى عن (ابى ط) ايوب عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال كنت جالسا معه في المسجد الحرام فإذا طاووس في جانب الحرم يحدث اصحابه حتى قال اتدري أي يوم قتل نصف الناس، فاجابه ابو جعفر عليه السلام فقال أو ربع الناس يا طاووس، فقال أو ربع الناس، فقال أتدري ما صنع بالقاتل ؟ فقلت ان هذه المسألة، فلما كان من الغد غدوت على ابى جعفر عليه السلام فوجدته قد لبس ثيابه وهو قاعد على الباب ينتظر الغلام ان يسرج له، فاستقبلني بالحديث قبل ان اسأله فقال، ان بالهند أو من وراء الهند رجلا معقولا برجله اي واحدة، لبس المسح (1) موكل به عشرة نفر كلما مات رجل منهم اخرج اهل القرية بدله فالناس يموتون والعشرة لا ينقصون يستقبلونه بوجه الشمس حين تطلع ويديرونه معها حين تغيب ثم يصبون عليه في البرد الماء البارد


(1) المسح بالكسر كساء من صوف جمعه مسوح ج. ز (*)

[ 167 ]

وفي الحر الماء الحار، قال فمر به رجل من الناس فقال له من انت يا عبد الله ؟ فرفع رأسه ونظر إليه ثم قال له اما ان تكون احمق الناس واما ان تكون اعقل الناس، انى لقائم ههنا منذ قامت الدنيا ما سألني احد غيرك من أنت، ثم قال يزعمون انه ابن آدم (1). قال الله عزوجل (من اجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا) فلفظ الآية خاص في بني اسرائيل ومعناه جار في الناس كلهم، وقوله (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) قال من أنقذها من حرق أو غرق أو هدم أو سبع أو كلفة حتى يستغني أو اخرجه من فقر إلى غنى، وافضل من ذلك ان اخرجه من ضلال إلى هدى، وقوله فكأنما احيا الناس جميعا، قال يكون مكانه كمن احيا الناس جميعا واما قوله (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض) فانه حدثني ابي عن علي بن حسان عن ابي جعفر عليه السلام قال من حارب الله واخذ المال وقتل كان عليه ان يقتل ويصلب، ومن حارب وقتل ولم يأخذ المال


(1) ان هذا الخبر من غرائب الاخبار حيث لم يشاهد مثل هذا الشخص المعذب اي مكان، ولو كان لبان، فيمكن ان الامام عليه السلام لم يكن مقصوده بيان اعتقاده بل ذكره حسب ما كان على السنة الناس في ذاك الزمان كما يدل عليه لفظه " يزعمون انه ابن آدم " وعلى فرض كونه حاكيا عن اعتقاد نفسه يجوز ان تكون العشرة الموكلون على هذا الرجل من الاجنة المخفية عن انظار عامة البشر فلذا لم يطلعوا وعلمه الامام عليه السلام لانه عالم بخبايا الامور. ج. ز. (*)

[ 168 ]

كان عليه ان يقتل ولا يصلب، ومن حارب فاخذ المال ولم يقتل كان عليه ان تقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم يأخذ المال ولم يقتل كان عليه ان ينفى، ثم استثنى عزوجل فقال " إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم " يعني يتوب من قبل ان يأخذهم الامام، وقوله (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) فقال تقربوا إليه بالامام، وقوله (ان الذين كفروا لو ان لهم ما في الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم - إلى قوله - والله على كل شئ قدير) فانه محكم. واما قوله (يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم) فانه كان سبب نزولها انه كان في المدينة بطنان من اليهود من بني هارون وهم النضير وقريضة وكانت قريضة سبع مائة والنضير الفا، وكانت النضير اكثر مالا واحسن حالا من قريضة. وكانوا حلفاء لعبد الله بن ابي، فكان إذا وقع بين قريضة والنضير قتل وكان الفاتل من بني النضير قالوا لبني قريضة لا نرضى ان يكون قتيل منا بقتيل منكم فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا ان يقتتلوا حتى رضيت قريضة وكتبوا بينهم كتابا على انه اي رجل من اليهود من النضير قتل رجلا من بني قريضة ان يجنيه ويحمم، والتجنية ان يقعد على جمل ويولى وجهه إلى ذنب الجمل ويلطخ بالحماة ويدفع نصف الدية، وإيما رجل من بني قريضة قتل رجلا من بني النضير ان يدفع إليه دية كاملة ويقتل به، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ودخلت الاوس والخرج في الاسلام ضعف امر اليهود فقتل رجل من بني قريضة رجلا من بني النضير فبعثوا إليهم بنو النضير ابعثوا الينا فدية ؟ المقتول وبالقاتل حتى نقتله، فقالت قريضة ليس هذا حكم التوراة وإنما هو شئ غلبتمونا عليه فاما الدية واما القتل وإلا فهذا محمد بيننا وبينكم فهلموا لنتحاكم إليه، فمشت بنو

[ 169 ]

النضير إلى عبد الله بن ابي وقالوا سل محمدا ان لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا وبين بني قريضة في القتل، فقال عبد الله بن ابي ابعثوا معي رجلا يسمع كلامي وكلامه فان حكم لكم بما تريدون وإلا فلا ترضوا به، فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له يارسول الله ان هؤلاء القوم قريضة والنضير قد كتبوا بينهم كتابا وعهدا وثيقا تراضوا به والآن في قدومك يريدون نقضه وقد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض عليهم كتابهم وشرطهم، فان بني النضير لهم القوة والسلاح والكراع، ونحن نخاف الغوائل والدوائر، فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يجبه بشئ، فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات " يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا " يعني اليهود " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " يعني عبد الله بن ابي وبني النضير " يقولون ان اوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا " يعني عبد الله بن ابي حيث قال لبني النضير إن لم يحكم لكم بما تريدون فلا تقبلوا " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون للسحت فان جاؤك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم، وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين - إلى قوله - ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون " وقوله (وكتبنا عليهم فيها) يعني في التوراة (ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) فهي منسوخة بقوله (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) وقوله (والجروح قصاص) لم تنسخ ثم قال (فمن تصدق به) اي عفى (فهو كفارة له) وقوله (لكل جعلنا منكم شرعة

[ 170 ]

ومنهاجا) قال لكل نبي شريعة وطريق (ولكن ليبلوكم فيما آتاكم) أي يختبركم ثم قال لنبيه (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة) وهو قول عبد الله بن ابي لرسول الله صلى الله عليه وآله لا تنقض حكم بني النضير فانا نخاف الدوائر، فقال الله تعالى (فعسى الله ان يأتي بالفتح أو امر من عنده فيصبحوا علي ما اسروا في انفسهم نادمين) واما قوله (يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم وبحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله) قال هو محاطبة لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين غصبوا آل محمد حقهم وارتدوا عن دين الله " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم " نزلت في القائم عليه السلام واصحابه (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) واما قوله (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فانه حدثني ابي عن صفوان عن ابان بن عثمان بن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر عليه السلام قال بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالس وعنده قوم من اليهود فيهم عبد الله بن سلام، إذ نزلت عليه هذه الآية فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المسجد فاستقبله سائل، فقال هل اعطاك احد شيئا ؟ قال نعم، ذاك المصلي فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو علي امير المؤمنين عليه السلام وقوله (وإذا جاؤكم قالوا آمنا) قال نزلت في عبد الله بن ابي لما اظهر الاسلام (وقد دخلوا في الكفر) قال وخرجوا به من الايمان وقوله (واكلهم السحت) قال السحت هو بين الحلال والحرام وهو ان يؤاجر الرجل نفسه على حمل المسكر ولحم الخنزير واتخاذ الملاهي فاجارته نفسه خلال ومن جهة ما يحمل ويعلم هو سحت. وحدثني ابي عن النوفل عن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام من السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، ومهر البغى، والرشوة في الحكم، واجر الكاهن، وقوله (قالت اليهود يد الله مغلولة غلت

[ 171 ]

ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان) قال قالوا قد فرغ الله من الامر لا يحدث الله غير ما قد قدره في التقدير الاول، فرد الله عليهم فقال بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء اي يقدم ويؤخر ويزيد وينقص وله البداء والمشية، وقوله (كلما اوقدوا نارا للحرب اطفأها الله) قال كلما اراد جبار من الجبابرة هلاك آل محمد قصمه الله، وقوله (ولو انهم اقاموا التورية والانجيل وما انزل إليهم من ربهم) يعني اليهود والنصارى (لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم) قال من فوقهم المطر ومن تحت ارجلهم النعبات وقوله (منهم امة مقتصدة) قال قوم من اليهود دخلوا في الاسلام فسماهم الله مقتصدة. وقوله (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) قال نزلت هذه الآية في علي (وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) قال نزلت هذه الآية في منصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع وحج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة، فكان من قوله بمنى ان حمد الله واثنى عليه ثم قال: " ايها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني، فاني لا ادري لا القاكم بعد عامي هذا، ثم قال هل تعلمون اي يوم اعظم حرمة ؟ قال الناس هذا اليوم، قال فاي شهر ؟ قال الناس هذا، قال واي بلد اعظم حرمة ؟ قالوا بلدنا هذا، قال فان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم فيسألكم عن اعمالكم، ألا هل بلغت ايها الناس ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وكل مأثره أو بدعة كانت في الجاهلية أو دم أو مال فهو تحت قدمي هاتين، ليس احد أكرم من احد إلا بالتقوى، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم ؟ قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، واول موضوع منه ربا العباس بن عبد المطلب،

[ 172 ]

ألا وكل دم كان في الجاهلية فهو موضوع، واول موضوع دم ربيعة، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وان الشيطان قد يئس ان يعبد بارضكم هذه ولكنه راض بما تحتقرون من اعمالكم، ألا وانه إذا اطيع فقد عبد، ألا ايها الناس ان المسلم اخو المسلم حقا، لا يحل لامرء مسلم دم امرء مسلم وماله إلا ما اعطاه بطيبة نفس منه، واني امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم واموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ألا هل بلغت ايها الناس ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ايها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي وافهموه تنعشوا ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا، فان فعلتم ذلك ولتفعلن لنجدوني في كتيبة بين جبرئيل وميكائيل اضرب وجوهكم بالسيف، ثم التفت عن يمينه فسكت ساعة ثم قال - ان شاء الله أو علي بن ابى طالب، ثم قال ألا واني قد تركت فيكم امرين ان اخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي فانه قد نبأنى اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ألا فمن اعتصم بهما فقد نحبا ومن خالفهما فقد هلك، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وانه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني، فاقول رب اصحابي، فقال يا محمد انهم احدثوا بعدك وغيروا سنتك فاقول سحقا سحقا (1).


(1) وفي لفظ صحيح البخاري: ان اناسا من اصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فاقول اصحابي اصحابي ! فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم، وفي لفظ صحيح مسلم: اقول انهم مني فيقال انك لا تدري ما عملوا بعدك، فاقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي، قال النووي في ذيل هذه =

[ 173 ]

فلما كان آخر يوم من أيام التشريق انزل الله: إذا جاء نصر الله والفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعيت إلى نفسي ثم نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف فاجتمع الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال نصر الله امرءا، سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرء مسلم اخلص العمل لله والنصيحة لائمة المسلمين ولزم جماعتهم فان دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون اخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم ادناهم وهم يد على من سواهم. أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين، قالوا يارسول الله وما الثقلان ؟ قال كتاب الله وعترتي اهل بيتي، فانه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترفا حتى يردا علي الحوض كاصبعي هاتين، وجمع بين سبابتيه ولا اقول كهاتين وجمع سبابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه، فاجتمع قوم من اصحابه وقالوا يريد محمد ان يجعل الامامة في اهل بيته فخرج اربعة نفر منهم إلى مكه ودخلوا الكعبة تعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتابا ان مات محمد أو قتل أن لا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا فانزل الله على نبيه في ذلك " ام ابرموا امرا فانا مبرمون ام يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجويهم بلي ورسلنا لديهم يكتبون (1) " فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة يريد المدينة حتى نزل منزلا يقال له غدير خم، وقد


= الاحاديث (اي احاديث الحوض): قال القاضي عياض احاديث الحوض صحيحة والايمان به فرض والتصديق به من الايمان، متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة راجع صحيح البخاري ج 2 / 145 - 159 وج 3 / 79 وج 4 / 87 (باب الحوض) وصحيح مسلم ج 2 / 249 - 252. ج. ز. (1) الزخرف 79. (*)

[ 174 ]

علم الناس مناسكهم واوعز إليهم وصيته إذ نزلت عليه هذه الآية " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك فان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد ان حمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس هل تعلمون من وليكم ؟ فقالوا نعم الله ورسوله، ثم قال ألستم تعلمون اني اولى بكم من انفسكم ؟ قالوا بلى، قال اللهم اشهد فاعاد ذلك عليهم ثلاثا كل ذلك يقول مثل قوله الاول ويقول الناس كذلك ويقول اللهم اشهد، ثم اخذ بيد امير المؤمنين (ع) فرفعها حتى بدا للناس بياض ابطيهما ثم قال " ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله واحب من احبه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم اشهد عليهم وانا من الشاهدين " فاستفهمه عمر فقام من بين اصحابه فقال يارسول الله هذا من الله ومن رسوله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعم من الله ورسوله انه امير المؤمنين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل اولياءه الجنة واعداءه النار، فقال اصحابه الذين ارتدوا بعده قد قال محمد في مسجد الخيف ما قال وقال ههنا ما قال وان رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له فاجتمعوا اربعة عشر نفرا وتوامروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وقعدوا في العقبة، وهى عقبة هر شى (ارشى ط) بين الجحفة والابواء، فقعدوا سبعة عن يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله فلما جن الليل تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الليلة العسكر فاقبل ينعس على ناقته، فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل يا محمد ان فلانا وفلانا (وفلانا ط) قد قعدوا لك، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال من هذا خلفي فقال حذيفة اليماني انا يارسول الله حذيفة بن اليمان، قال سمعت ما سمعت قال بلى قال فاكتم، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله منهم فناداهم باسمائهم، فلما سمعوا نداء رسول الله صلى الله عليه وآله فروا ودخلوا في غمار الناس وقد كانوا عقلوا

[ 175 ]

رواحلهم فتركوها ولحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وطلبوهم وانتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رواحلهم فعرفهم، فلما نزل قال ما بال اقوام تحالفوا في الكعبة ان مات محمد أو قتل ألا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحلفوا انهم لم يقولوا من ذلك شيئا ولم يريدوه ولم يكتموا شيئا من رسول الله صلى الله عليه وآله، فانزل الله " يحلفون بالله ما قالوا " ان لا يردوا هذا الامر في اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله " ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم وهموا بما لم ينالوا " من قتل رسول الله صلى الله عليه وآله " وما نقموا إلا ان اغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وان يتولوا يعذبهم الله عذابا اليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الارض من ولي ولا نصير (1) " فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وبقي بها محرم والنصف من صفر لا يشتكي شيئا ثم ابتدأ به الوجع الذي توفى فيه صلى الله عليه وآله. فحدثني ابي عن مسلم بن خالد عن محمد بن جابر عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من حجة الوداع يابن مسعود قد قرب الاجل ونعيت الي نفسي فمن لذلك بعدي ؟ فاقبلت اعد عليه رجلا رجلا، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال ثكلتك الثواكل فاين انت عن علي بن ابي طالب لم لا تقدمه على الخلق اجمعين، يابن مسعود انه إذا كان يوم القيامة رفعت لهذه الامة اعلام، فاول الاعلام لوائي الاعظم مع علي بن ابى طالب والناس اجمعين تحت لوائه ينادي مناد هذا الفضل يا بن ابي طالب ثم نزل كتاب الله يخبر عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (وحسبوا ألا تكون فتنة) اي لا يكون اختبار ولا يمتحنهم الله بامير المؤمنين عليه السلام (فعموا وصموا) قال حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله بين اظهرهم (ثم عموا وصموا) حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله واقام امير المؤمنين عليه السلام عليهم


(1) التوبة 74. (*)

[ 176 ]

فعموا وصموا فيه حتى الساعة، ثم احتج عزوجل على النصارى في عيسى فقال: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا يأكلان الطعام) يعني كانا يحدثان فكنى الله عن الحدث وكل من اكل الطعام يحدث. ثم قال (يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) أي لا تقولوا ان عيسى هو الله وابن الله، وحدثني ابي قال حدثنى هارون بن مسلم عن مسعدة ابن صدقة قال سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام عن قوم من الشيعة يدخلون في اعمال السلطان ويعملون لهم ويجبونهم ويوالونهم، قال ليس هم من الشيعة ولكنهم من اولئك ثم قرأ أبو عبد الله عليه السلام هذه الآية (لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم - إلى قوله - ولكن كثيرا منهم فاسقون) قال الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى وقوله " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " قال كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر وياتون النساء ايام حيضهن، ثم احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار " وترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم - إلى قوله - ولكن كثيرا منهم فاسقون " فنهى الله عزوجل ان يوالى المؤمن الكافر إلا عند التقية واما قوله (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى) فانه كان سبب نزولها انه لما اشتدت قريش في اذى رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه الذين آمنوا به بمكة قبل الهجرة امرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ان يخرجوا إلى الحبشة، وامر جعفر بن ابي طالب عليه السلام ان يخرج معهم، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلا من المسلمين حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريش خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم، وكان عمرو وعمارة متعاديين، فقالت قريش كيف نبعث رجلين متعاديين فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة وبرئت بنو سهم من جناية

[ 177 ]

عمرو بن العاص، فخرج عمارة وكان حسنن ؟ الوجه شابا مترفا فاخرج عمرو بن العاص اهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص، قل لاهلك تقبلني، فقال عمرو ايجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشأ (1) عمرو وكان على صدر السفينة، دفعه عمارة والقاه في البحر فتشبث عمرو بصدر السفينة وادركوه فاخرجوه " فوردوا على النجاشي وقد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص ايها الملك ان قوما منا خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وصاروا اليك فردهم الينا، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاؤا به، فقال يا جعفر ما يقول هؤلاء ؟ فقال جعفر ايها الملك وما يقولون ؟ قال يسألون ان اردكم إليهم، قال ايها الملك سلهم أعبيد نحن لهم ؟ فقال عمرو لا بل احرار كرام، قال فسلهم الهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ قال لا مالنا عليكم ديون، قال فلكم في اعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو لا، قال فما تريدون منا آذيتمونا فخرجنا من بلادكم، فقال عمرو بن العاص ايها الملك خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وافسدوا شبابنا وفرقوا جماعتنا فردهم الينا لنجمع امرنا، فقال جعفر نعم ايها الملك خالفناهم بانه بعث الله فينا نبيا امر بخلع الانداد، ترك الاستقسام بالازلام، وأمرنا بالصلوة والزكوة، وحرم الظلم والجور، وسفك الدماء بغير حقها والزناء والربا والميتة والدم، وامرنا بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فقال النجاشي بهذا بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام، ثم قال النجاشي يا جعفر هل تحفظ مما انزل الله على نبيك شيئا ؟ قال نعم فقرأ عليه سورة مريم فلما بلغ إلى قوله " وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربي وقري عينا " فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاءا شديدا، وقال هذا


(1) اي سكر. مجمع ج - ز. (*)

[ 178 ]

والله هو الحق، فقال عمرو بن العاص ايها الملك ان هذا مخالفنا فرده الينا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ثم قال اسكت، والله يا هذا لان ذكرته بسوء لافقدنك نفسك، فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول ان كان هذا كما تقول ايها الملك فانا لا نتعرض له، وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا فاحبته فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله، قال لعمارة لو راسلت جارية الملك، فراسلها فأجابته، فقال عمرو قل لها تبعث اليك من طيب الملك شيئا، فقال لها فبعثت إليه فاخذ عمرو من ذلك الطيب، وكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين القاه في البحر فادخل الطيب على النجاشي، فقال ايها الملك ان حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يكرمنا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه ان لا نغشه ولا نريبه وان صاحبي هذا الذي معي قد ارسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك ثم وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة ثم قال لا يجوز قتله فانهم دخلوا بلادي فامان لهم، فدعا النجاشي السحرة فقال لهم اعملوا به شيئا اشد عليه من القتل، فأخذوه ونفخوا في احليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فاخذوه فما زال يضطرب في ايديهم ويصيح حتى مات. ورجع عمرو إلى قريش فاخبرهم ان جعفر في ارض الحبشة في اكرم كرامة فلم يزل بها حتى هادن رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا وصالحهم وفتح خيبر فوافى بجميع من معه وولد لجعفر بالحبشة من اسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر، وولد للنجاشي ابن فسماه محمدا، وكانت ام حبيب بنت ابي سفيان تحت عبد الله (1)


(1) وهي ام حبيبة رملة بنت ابي سفيان، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة ثم تنصر عبد الله هنالك ومات علي النصرانية وثبتت ام حبيبة = (*)

[ 179 ]

فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى النجاشي يخطب ام حبيب، فبعث إليها النجاشي فخطبها لرسول الله صلى الله عليه وآله فأجابته، فزوجها منه واصدقها اربعمائة دينار وساقها عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعث إليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعث إليه بمارية القبطية ام ابراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب وفرس، وبعث ثلاثين رجلا من القسيسين، فقال لهم انظروا إلى كلامه والى مقعده ومشربه ومصلاه فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاسلام وقرأ عليهم القرآن " واذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك - إلى قوله - فقال الذين كفروا منهم ان هذا إلا سحر مبين " فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله يكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فاخبروه خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقرأوا عليه ما قرأ عليهم، فبكي النجاشي وبكى القسيسون واسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة اسلامه وخافهم على نفسه وخرج من بلاد الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما عبر البحر توفي فانزل الله على رسوله (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود - إلى قوله - وذلك جزاء المحسنين " واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم) فانه حدثنى ابي عن ابن ابى عمير عن بعض رجاله عن ابى عبد الله عليه السلام قال نزلت هذه الآية في امير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون، فاما امير المؤمنين عليه السلام فحلف ان لا ينام بالليل ابدا واما بلال فانه حلف ان لا يفطر بالنهار ابدا، واما عثمان بن مظعون فانه حلف ان لا ينكح ابدا فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة ما لي اراك معطلة فقالت ولمن أتزين فوالله ما قاربني زوجي منذ كذا وكذا، فانه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله اخبرته عائشة


= على دينها الاسلام ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله (اعلام النساء) ج. ز. (*)

[ 180 ]

بذلك، فخرج فنادى الصلوة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال ما بال اقوام يحرمون على انفسهم الطيبات الا انى انام بالليل وانكح وافطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس منى، فقاموا هؤلاء فقالوا يارسول الله فقد الجزء (7) حلفنا على ذلك فانزل الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم الآية) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام) اما الخمر فكل مسكر من الشراب خمر إذا اخمر فهو حرام ؟ واما المسكر كثيره وقليله حرام وذلك ان الاول شرب قبل ان يحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر ويبكي على قتلى المشركين من اهل بدر، فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال اللهم امسك على لسانه، فامسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فانزل الله تحريمها بعد ذلك، وانما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر (1) والتمر فلما نزل تحريمها خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فاكفأ كلها ثم قال هذه كلها خمر وقد حرمها الله، قكان اكثر شئ اكفئ (2) من ذلك يومئذ من الاشربة الفضيخ، ولا اعلم اكفئ يومئذ من خمر العنب شئ الا اناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، واما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ، حرم الله الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشراءها والانتفاع بها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه، وقال حق على الله ان يسقي من شرب الخمر مما يخرج من فروج المومسات، والمومسات الزواني يخرج من فروجهن صديد والصديد قيح ودم غليظ مختلط يؤذي اهل النار حره ونتنه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله من شرب الخمر لم تقبل له صلاة اربعين ليلة، فان عاد فأربعين


(1) الفضيخ كنبيذ شراب يتخذ من البسر (2) كفأه كمنعه قلبه ق. ج - ز (*)

[ 181 ]

ليلة من يوم شربها فان مات في تلك الاربعين ليلة من غير توبة سقاه الله يوم القيامة من طينة خبال (1) وسمي المسجد الذي قعد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم اكفئت المشربة مسجد الفضيخ من يومئذ، لانه كان اكثر شئ اكفئ من الاشربة الفضيخ. واما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر، واما الانصاب فالاوثان التي كانوا يعبدونها المشركون، واما الازلام فالاقداح التي كانت تستقسم بها مشركوا العرب في الجاهلية، كل هذا بيعه وشراه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم، وهو رجس من عمل الشيطان، فقرن الله الخمر والميسر مع الاوثان، واما قوله (اطيعو الله واطيعوا الرسول واحذروا) يقول لا تعصوا ولا تركنوا إلى الشهوات من الخمر والميسر (فان توليتم) يقول عصيتم (فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين) إذ قد بلغ وبين فانتهوا، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله انه سيكون قوم يبيتون وهم على شرب الخمر واللهو والغناء فبينماهم كذلك إذ مسخوا من ليلتهم واصبحوا قردة وخنازير وهو قوله " واحذروا " ان تعتدوا كما اعتدى اصحاب السبت، فقد كان املي لهم حتى اثروا (2) وقالوا ان السبت لنا حلال وانما كان حرم على اولينا وكانوا يعاقبون على استحلالهم السبت، فاما نحن فليس علينا حرام وما زلنا بخير منذ استحللناه وقد كثرت اموالنا وصحت اجسامنا، ثم اخذهم الله ليلا وهم غافلون فهو قوله " واحذروا " ان يحل بكم مثل ماحل بمن تعدى وعصى فلما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في امرهما قال الناس من المهاجرين والانصار يا رسول الله قتل اصحابنا وهم يشربون الخمر وقد سماه الله رجسا وجعله من عمل الشيطان وقد قلت ما قلت أفيضر اصحابنا ذلك


(1) وهو الصديد يخرج من فروج الزناة. (2) اي عزموا على المعصية. ج - ز (*)

[ 182 ]

شيئا بعد ما ماتوا ؟ فانزل الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية) فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر، والجناح هو الاثم على من شربها بعد التحريم، قال علي بن ابراهيم في قوله (يا ايها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله ابديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب) قال نزلت في غزاة الحديبية قد جمع الله عليهم الصيد فدخل بين رحائلهم ليبلونهم الله اي يختبرهم وقوله (ليعلم الله من يخافه بالغيب قبل ذلك) ولكنه عزوجل لا يعذب احدا الا بحجة بعد اظهار الفعل وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) فواجب لفظ الآية ان الفداء يجب على من قتل الصيد متعمدا وفي المعنى والتفسير يجب الجزاء على من قتل الصيد متعمدا أو خطأ. حدثني محمد بن الحسين (الحسن ط) عن محمد بن عون النصيبي قال لما اراد المأمون ان يزوج ابا جعفر محمد بن علي بن موسى عليه السلام ابنته ام الفضل اجتمع إليه اهل بيته الادنين منه فقالوا له يا امير المؤمنين ننشدك الله ان لا تخرج عنا امرا قد ملكناه وتنزع عنا عزا قد البسنا الله فقد عرفت الامر الذي بيننا وبين آل علي قديما وحديثا، قال المأمون اسكتوا فوالله لاقبلت من احدكم في امره، فقالوا يا امير المؤمنين أفتزوج قرة عينك صبيا لم يتفقه في دين الله ولا يعرف فريضة ولا سنة ولا يميز بين الحق والباطل، ولا بي جعفر عليه السلام يومئذ عشرة سنين أو احد عشرة سنة، فلو صبرت عليه حتى يتأدب ويقرأ القرآن ويعرف فرضا من سنته، فقال لهم المأمون والله انه لافقه منكم واعلم بالله وبرسوله وفرائضه وسننه واحكامه واقرأ بكتاب الله واعلم بمحكمه ومتشابهه وخاصه وعامة وناسخه ومنسوخه وتنزيله وتأويله منكم فاسألوه فان كان الامر كما قلتم قبلت منكم في امره وان كان كما قلت علمتم ان الرجل خير منكم، فخرجوا من عنده وبعثوا إلى

[ 183 ]

يحيى بن اكثم واطمعوه في هدايا ان يحتال على ابي جعفر عليه السلام بمسألة لا يدري كيف الجواب فيها عند المأمون إذا اجتمعوا للتزويج، فلما حضروا وحضر ابو جعفر عليه السلام قالوا يا امير المؤمنين هذا يحيى بن اكثم ان اذنت له ان يسأل ابا جعفر عليه السلام عن مسألة، فقال المأمون يا يحيى سل ابا جعفر عليه السلام عن مسألة في الفقه لننظر كيف فقهه، فقال يحيى يا ابا جعفر اصلحك الله ما تقول في محرم قتل صيدا ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام قتله في حل أو حرم، عالما أو جاهلا، عمدا أو خطأ، عبدا أو حرا، صغيرا أو كبيرا، مبديا أو معيدا، من ذوات الطير أو من غيرها، من صغار الصيد أو من كبارها، مصرا عليها أو نادما، بالليل في وكرها أو بالنهار عيانا، محرما لعمرة أو للحج ؟ قال فانقطع يحيى بن اكثم انقطاعا لم يخف على اهل المجلس واكثر الناس تعجبا من جوابه، ونشط المأمون فقال نخطب يا ابا جعفر، فقال نعم يا امير المؤمنين فقال المأمون: الحمد لله اقرارا بنعمته ولا اله إلا الله اخلاصا لعظمته وصلى الله علي محمد عند ذكره وقد كان من فضل الله على الانام ان اغناهم بالحلال عن الحرام فقال وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ثم ان محمد بن علي ذكر ام الفضل بنت عبد الله وبذل لها من الصداق خمسمائة درهم وقد زوجتك فهل قبلت يا ابا جعفر، قال أبو جعفر عليه السلام نعم يا امير المؤمنين قد قبلت هذا التزويج بهذا الصداق ثم اولم عليه المأمون وجاء الناس على مراتبهم الخاص والعام، قال فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كلاما كأنه من كلام الملاحين في مجاوباتهم فإذا نحن بالخدم يجرون سفينة من فضة وفيها نسائج ابريسم مكان القلوس (1) مملوة غالية فخضبوا اهل الخاص بها ثم مروا بها إلى دار العامة فطيبوهم، فلما تفرق الناس قال المأمون يا ابا جعفر ان رأيت ان تبين لنا ما الذي يجب على كل صنف من هذه الاصناف التي ذكرت في قتل الصيد ؟ فقال أبو جعفر (ع)


(1) قلوص كفلوس جمع قلس حبل للسفينة ضخم. ج. ز (*)

[ 184 ]

نعم يا امير المؤمنين ان المحرم إذا قتل صيدا في الحل والصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، وإذا اصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، وإذا قتل فرخا في الحل فعليه جمل قد فطم وليس عليه قيمته لانه ليس في الحرم، وإذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمته لانه في الحرم، وإذا كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بدنة وكذلك في النعامة، فان لم يقدر فعليه اطعام ستين مسكينا، فان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما، وان كانت بقرة فعليه بقرة فان لم يقدر فعليه اطعام ثلاثين مسكينا، فمن لم يقدر فليصم تسعة ايام، وان كان ظبيا فعليه شاة، فان لم يقدر فاطعام عشرة مساكين، فان لم يقدر فصيام ثلاثة ايام، وان كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة حقا واجبا عليه ان ينحره، وان كان في حج بمنى حيث ينحر الناس فان كان في عمرة ينحره بمكة ويتصدق بمثل ثمنه حتى يكون مضاعفا، وكذلك إذا اصاب ارنبا فعليه شاة وإذا قتل الحمامة تصدق بدرهم أو يشتري به طعاما لحمامة الحرم، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم. وكلما اتى به المحرم بجهالة فلا شئ عليه فيه الا الصيد فان عليه الفداء بجهالة كان أو بعلم بخطأ كان أو بعمد، وكلما اتى به العبد فكفارته على صاحبه بمثل ما يلزم صاحبه، وكلما اتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شئ عليه فيه، وان كان ممن عاد فهو ممن ينتقم الله منه ليس عليه كفارة والنقمة في الآخرة، وان دل على الصيد وهو محرم فقتل فعليه الفداء، والمصر عليه يلزمه بعد الفداء عقوبة في الآخرة، والنادم عليه لا شئ عليه بعد الفداء وإذا اصاب ليلا في وكرها خطأ فلا شئ عليه الا ان يتعمده فان تعمد بليل أو نهار فعليه الفداء، والمحرم بالحج ينحر الفداء بمنى حيث ينحر الناس والمحرم للعمرة ينحر بمكة " فامر المأمون ان يكتب ذلك كله عن ابي جعفر (ع) ثم دعا اهل بيته الذين انكروا تزويجه عليه فقال لهم هل فيكم احد يجيب بمثل هذا الجواب ؟ قالوا لا والله ولا القاضي، ثم قال ويحكم ان اهل هذا البيت خلو من هذا الخلق اوما علمتم ان رسول الله صلى الله عليه وآله بايع للحسن والحسين وهما صبيان غير بالغين ولم ؟ يبايع ؟ طفلا غيرهما

[ 185 ]

أو ما علمتم ان اباه عليا آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وهو ابن اثني عشر سنة وقبل الله ورسوله منه ايمانه ولم يقبل من طفل غيره، ولا دعا رسول الله صلى الله عليه وآله طفلا غيره إلى الايمان أو ما علمتم انها ذرية بعضها من بعض يجري لآخرهم مثل ما يجري لاولهم، فقالوا صدقت يا امير المؤمنين كنت انت اعلم به منا. قال ثم امر المأمون ان ينثر على ابي جعفر عليه السلام ثلاثة اطباق رقاع زعفران ومسك معجون بماء الورد وجوفها رقاع على طبق رقاع عمالات، والثاني ضياع طعمة لمن اخذها، والثالث فيه بدر فامر أن يفرق الطبق الذي عليه عمالات على بني هاشم خاصة، والذي عليه ضياع طعمة على الوزراء، والذي عليه البدر على القواد، ولم يزل مكرما لابي جعفر عليه السلام ايام حياته حتى كان يؤثره على ولده (1) واما قوله (أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) فانه حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن سفين بن عيينة عن الزهري عن علي ابن الحسين عليهما السلام قال قال يوما يا زهري من اين جئت ؟ قلت من المسجد قال فيم كنتم، قلت تذاكرنا امر الصوم فاجتمع رأيي ورأي اصحابي انه ليس من الصوم شئ واجب إلا صوم شهر رمضان، فقال يا زهري ليس كما قلتم الصوم على اربعين وجها، فعشرة اوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان واربعة عشر


(1) نعم. انه كان مكرما له عليه السلام ايام حياته لكنه الذي قتل والده، الرضا عليه السلام لما اقتضت سياسته ان ينحيه عن طريق ملكه " وان الملك عقيم " دس إليه السم فقتله وممن ذكر كون المأمون قاتلا للامام علي الرضا عليه السلام: المسعودي في مروج الذهب 9 / 33، ابن طقطقي في الفخري ص 163، ابن الاثير في الكامل 6 / 111 الشبلنجى في نور الانصار ص 144 وكذا في روضة الصفا 3 / 16 وشواهد النبوة ص 202 ومطالب السئول ص 288 وحبيب السير 2 / 51. ج - ز

[ 186 ]

وجها صاحبها فيها بالخيار ان شاء صام وان شاء افطر، وعشرة اوجه منها حرام، وصوم الاذن على ثلاثة اوجه، وصوم التأديب وصوم الاباحة وصوم السفر والمرض، فقلت فسرهن لي جعلت فداك، فقال اما الواجب فصوم شهر رمضان، وصيام شهرين متتابعين فيمن افطر يوما من شهر رمضان متعمدا، وصيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق واجب، قال الله " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبه مؤمنة ودية مسلمة إلى اهله " وقوله " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " وصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار لمن لم يجد العتق واجب قال الله تعالى " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قل ان يتماسا " وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب لمن لم يجد الاطعام قال الله تعالى " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم " كل ذلك متتايع وليس بمتفرق، وصيام اذى حلق الرأس واجب قال الله " أو به اذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فصاحبها فيها بالخيار فان شاء صام ثلاثة ايام، وصوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدي قال الله: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة " وصوم جزاء الصيد واجب قال الله تعالى " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري ؟ قلت لا، قال يقوم الصيد قيمته ثم تنقض تلك القيمة على البر، ثم يكال ذلك البر اصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما، وصوم النذر واجب وصوم الاعتكاف واجب، واما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر ويوم الاضحى وثلاثة ايام التشريق وصوم يوم الشك امرنا به ونهينا عنه ان يتفرد للرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس، قلت فان لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع ؟ قال ينوي ليلة الشك

[ 187 ]

انه صائم من شعبان، فان كان من شهر رمضان اجزأ عنه وان كان من شعبان لم يضره، فقلت وكيف يجزى صوم تطوع من فريضة ؟ فقال لو ان رجلا صام شهر رمضان تطوعا وهو لا يعلم انه شهر رمضان ثم علم بعد ذلك اجزأه عنه لان الفرض إنما وقع على الشهر بعينه، وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر حرام، واما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار: فصوم يوم الجمعة والخميس والاثنين، وصوم أيام البيض، وصوم ستة ايام من شوال بعد شهر رمضان، وصوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشورا كل ذلك صاحبه فيه بالخيار ان شاء صام وان شاء ترك، واما صوم الاذن فان المرأة لا تصوم تطوعا إلا باذن زوجها، والعبد لا يصوم تطوعا إلا باذن سيده والضيف لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله من نزل على قوم فلا يصوم إلا باذنهم واما صوم التأديب فالصبي يؤمر بالصوم إذا راهق تأديبا وليس بفرض، وكذلك من افطر أول النهار ثم عوفي بقية يومه أمر بالامساك بقية يومه تأديبا وليس بفرض، وكذلك المسافر إذا اكل من اول النهار ثم دخل مصره أمر بالامساك بقية يومه تأديبا وليس بفرض، فاما صوم الاباحة فمن اكل أو شرب ناسيا أو تقيأ أو قاء من غير تعمد فقد اباح الله له ذلك واجزأ عنه صومه واما صوم السفر والمرض فان العامة اختلفت في ذلك، فقال قوم يصوم وقال قوم ان شاء صام وان شاء افطر، وقال قوم لا يصوم واما نحن فنقول يفطر في الحاتين جميعا فان صام في السفر أو في حال المرض فهو عاص وعليه القضاء وذلك لان الله يقول: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر ". وقوله (احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقوله (وجعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) قال ما دامت الكعبة قائمة ويحج الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت وتركوا الحج

[ 188 ]

هلكوا واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم) فانه حدثني ابي عن حنان بن سدير عن ابيه عن ابي جعفر عليه السلام ان صفية بنت عبد المطلب مات ابن لها فاقبلت فقال لها الثاني غطي قرطك فان قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله لا تنفعك شيئا، فقالت له هل رأيت لى قرطا يابن اللخناء، ثم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته بذلك وبكت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال ما بال اقوام يزعمون ان قرابتي لا تنفع لو قد قربت المقام المحمود لشفعت في احوجكم، لا يسألني اليوم احد من ابواه إلا اخبرته، فقام إليه رجل فقال من ابي فقال ابوك غير الذي تدعى له ابوك فلان بن فلان، فقام آخر فقال من ابى يارسول الله ؟ فقال ابوك الذي تدعى له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما بال الذي يزعم ان قرابتي لا تنفع لا يسئلني عن ابيه، فقام إليه الثاني فقال له اعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله اعف عني عفى الله عنك فانزل الله تعالى (يا ايها الذين آمنوا لا تسئلوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم - إلى قوله - ثم اصبحوا بها كافرين) واما قوله (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) فان البحيرة كانت إذا وضعت الشاة خمسة ابطن ففي السادسة قالت العرب قد بحرت فجعلوها للصنم ولا تمنع ماءا ولا مرعى، والوصيلة إذا وضعت الشاة خمسة ابطن ثم وضعت في السادسة جديا وعناقا في بطن واحد جعلوا الانثى للصنم، وقالوا وصلت اخاها وحرموا لحمها على النساء، والحام كان إذا كان الفحل من الابل جدا لجد قالوا قد حمي ظهره فسموه حاما فلا يركب ولا يمنع ماءا ولا مرعى، ولا يحمل عليه شئ، فرد الله عليهم فقال " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام - إلى قوله - واكثرهم لا يعقلون " وقوله (يا ايها الذين آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قال اصلحوا

[ 189 ]

انفسكم ولا تتبعوا عورات الناس ولا تذكروهم فانه لا يضركم ضلالتهم إذا كنتم انتم صالحين. وقوله (يا ايها الناس آمنوا شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ان انتم ضربتم في الارض فاصابكم مصيبة الموت) فانها نزلت في ابن بندي ابن ابى مارية النصرانيين، وكان رجل يقال له تميم الدارمي مسلم خرج معهما في سفر، وكان مع تميم خرح ومتاع وآنية منقوشة بالذهب وقلادة اخرجها إلى بعض اسواق العرب ليبيعها، فلما مروا بالمدينة اعتل تميم فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندى وابن ابى مارية وامرهما ان يوصلاه إلى ورثته فقدما المدينة واوصلا ما كان دفعه اليهما تميم وحبسا الآنية المنقوشة والقلادة، فقال ورثة الميت هل مرض صاحبنا مرضا طويلا انفق فيه نفقة كثيرة ؟ فقالا ما مرض إلا اياما قليلة، قالوا فهل سرق منه شئ في سفر ؟ قالا لا، قالوا فهل اتجر تجارة خسر فيها ؟ فقالا لا، قالوا فقد افتقدنا انبل شئ كان معه آنية منقوشة بالذهب مكللة وقلادة قالا ما دفعه الينا قد اديناه اليكم، فقدموهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاوجب عليهما اليمين فحلفا واطلقهما، ثم ظهرت القلادة والآنية عليهما فاخبروا ورثة الميت رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فانتظر الحكم من الله، فانزل الله " يا ايها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " يعني من اهل الكتاب " ان انتم ضربتم في الارض " فاطلق الله شهادة اهل الكتاب علي الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يجد المسلم ثم قال (فاصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة يعني صلاة العصر (فيقسمان بالله ان ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله انا إذا لمن الآثمين) فهذه الشهادة الاولى التي احلفها رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال عزوجل (فان عثرا على انهما استحقا اثما) اي حلفا على كذب (فآخران

[ 190 ]

يقومان مقامهما) يعني من اولياء المدعي (من الذين استحق عليهم الاوليان) فيقسمان بالله اي يحلفان بالله (لشهادتنا احق من شهادتهما وما اعتدينا انا إذا لمن الظالمين) وانهما قد كذبا فيما حلفا بالله (ذلك ادنى ان يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا ان ترد ايمان بعد ايمانهم) فامر رسول الله صلى الله عليه وآله اولياء تميم الدارمي ان يحلفوا بالله علي ما امرهم به فاخذ الآنية والقلادة من ابن بندي وابن ابى مارية وردهما على اولياء تميم. واما قوله (يوم يجمع الله الرسل فيقول ما إذا اجبتم) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن العلا بن العلا عن محمد عن ابي جعفر عليه السلام قال ماذا اجبنم في اوصيائكم يسأل الله تعالى يوم القيامة فيقولون لا علم لنا بما فعلوا بعدنا بهم. وقوله (وإذا قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك - إلى قوله - واشهد باننا مسلمون) فانه محكم، واما قوله (وإذ قال الحواربون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء) قال عيسى: (اتقو الله ان كنتم مؤمنين) قالوا كما حكى الله (نريد ان نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم ان قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين) فقال عيسى (اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وانت خير الرازقين) فقال الله احتجاجا عليهم (انى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فانى اعذبه عذابا لا اعذبه احدا من العالمين) فكانت تنزل المائدة عليهم فيجتمعون عليها ويأكلون حتى يشبعون ثم ترفع، فقال كبراؤهم ومترفوهم لا تدع سفلتنا يأكلون منها فرفع الله المائدة ومسخوا قردة وخنازير، قوله: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله) فلفظ الآية ماض ومعناه مستقبل ولم يقله بعد وسيقوله، وذلك ان النصارى

[ 191 ]

زعموا ان عيسى قال لهم اتخذوني وامي إلهين من دون الله، فإذا كان يوم القيامة يجمع الله بين النصارى وبين عيسى بن مريم فيقول له ءانت قلت لهم ما يدعون عليك اتخذوني وامي إلهين، فيقول عيسى (سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب - إلى قوله - وانت على كل شئ شهيد) والدليل على ان عيسى لم يقل لهم ذلك قوله: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم. وحدثني ابى عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان عن ضريس عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) قال إذا كان يوم القيامة وحشر الناس للحساب فيمرون باهوال يوم القيامة فلا ينتهون إلى العرصة حتى يجهدوا جهدا شديدا، قال فيقفون بفناء العرصة ويشرف الجبار عليهم وهو على عرشه (1) فاول من يدعى بنداء يسمع الخلائق اجمعون ان يهتف باسم محمد ابن عبد الله النبي القرشي العربي، قال فيتقدم حتى يقف على يمين العرش، قال ثم يدعى بصاحبكم علي عليه السلام، فيتقدم حتى يقف على يسار رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم يدعى بامة محمد فيقفون على يسار علي عليه السلام ثم يدعى بنبي نبي وامته معه من اول النبيين الي آخرهم وامتهم معهم، فيقفون عن يسار العرش، قال ثم اول من يدعى للمسائلة القلم قال فيتقدم، فيقف بين يدي الله في صورة الآدميين، فيقول الله هل سطرت في اللوح ما الهمتك وامرتك به من الوحي ؟ فيقول القلم نعم، يا رب قد علمت انى قد سطرت في اللوح ما امرتني والهمتني به من وحيك فيقول الله فمن يشهد لك بذلك، فيقول يا رب وهل اطلع على مكنون سرك خلق غيرك، قال فيقول له الله افلحت حجتك، قال ثم يدعى باللوح فيتقدم في صورة الآدميين حتى يقف مع القلم، فيقول له هل سطر فيك القلم ما الهمته وامرته به من وحيي، فيقول اللوح نعم يا رب وبلغته اسرافيل، فيتقدم مع


(1) يؤل كتا ويل قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى أي استولى. ج. ز (*)

[ 192 ]

القلم واللوح في صورة الآدميين، فيقول الله هل بلغك اللوح ما سطر فيه القلم من وحيي ؟ فيقول نعم يا رب وبلغته جبرئيل، فيدعى بجبرائيل فيتقدم حتى يقف مع اسرافيل، فيقول الله هل بلغك اسرافيل ما بلغ فيقول نعم يا رب وبلغته جميع انبيائك وانفذت إليهم جميع ما انتهى الي من امرك واديت رسالتك إلى نبي نبي ورسول رسول وبلغتهم كل وحيك وحكمتك وكتبك وان آخر من بلغته رسالاتك ووحيك وحكمتك وعلمك وكتابك وكلامك محمد بن عبد الله العربي القرشي الحرمي حبيبك، قال أبو جعفر عليه السلام فان اول من يدعى من ولد آدم للمسائلة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله فيدنيه الله (1) حتى لا يكون خلق اقرب إلى الله يومئذ منه، فيقول الله يا محمد هل بلغك جبرئيل ما اوحيت اليك وارسلته به اليك من كتابي وحكمتي وعلمي وهل اوحى ذلك اليك ؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله نعم يا رب قد بلغني جبرائيل جميع ما اوحيته إليه وارسلته من كتابك وحكمتك وعلمك واوحاه الي، فيقول الله لمحمد هل بلغت امتك ما بلغك جبرئيل من كتابي وحكمتي وعلمي ؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله نعم يا رب قد بلغت امتي ما اوحى الي من كتابك وحكمتك وعلمك وجاهدت في سبيلك، فيقول الله لمحمد فمن يشهد لك بذلك ؟ فيقول محمد صلى الله عليه وآله يا رب أنت الشاهد لي بتبليغ الرسالة وملائكتك والابرار من امتى وكفى بك شهيدا، فيدعى بالملائكة فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة ثم يدعى بامة محمد فيسألون هل بلغكم محمد رسالتي وكتابي وحكمتي وعلمي وعلمكم ذلك ؟ فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة والحكمة والعلم، فيقول الله لمحمد فهل استخلفت في امتك من بعدك من يقوم فيهم بحكمتى وعلمي ويفسر لهم كتابي ويبين لهم


(1) المراد من هذا هو القرب المعنوي وإلا فالله سبحانه برئ عن الجسم والمكان وكذا المراد من اشرافه ظهور جلاله. ج. ز. (*)

[ 193 ]

ما يختلفون فيه من بعدك حجة لي وخليفة في الارض ؟ فيقول محمد نعم يا رب قد خلفت فيهم علي بن ابي طالب اخي ووزيري وخير امتي ونصبته لهم علما في حياتي ودعوتهم إلى طاعته وجعلته خليفتي في امتي واماما يقتدي به الائمة من بعدي إلى يوم القيامة، فيدعى بعلي بن ابي طالب عليه السلام فيقال له هل اوصى اليك محمد واستخلفك في امته ونصبك علما لامته في حياته وهل قمت فيهم من بعده مقامه ؟ فيقول له علي نعم يا رب قد اوصى الي محمد وخلفني في امته ونصبني لهم علما في حياته فلما قبضت محمدا اليك جحدتني امته ومكروا بي واستضعفوني وكادوا يقتلونني وقدموا قدامي من اخرت، واخروا من قدمت ولم يسمعوا مني ولم يطيعوا امري فقاتلتهم في سبيلك حتى قتلوني، فيقال لعلي فهل خلفت من بعدك في امة محمد حجة وخليفة في الارض يدعو عبادي إلى ديني والى سبيلي ؟ فيقول علي نعم يا رب قد خلفت فيهم الحسن ابني وابن بنت نبيك، فيدعى بالحسن بن علي عليهما السلام فيسئل عما سئل عنه علي بن ابي طالب عليه السلام، قال ثم يدعى بامام امام وباهل عالمه فيحتجون بحجتهم فيقبل الله عذرهم ويجيز حجتهم قال ثم يقول الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قال ثم انقطع حديث ابي جعفر عليه وعلى آبائه السلام. سورة الانعام مكية وهى مأة وخمس وستون آية (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) فانه حدثني ابي عن الحسين بن خالد عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال نزلت الانعام جملة واحدة ويشيعها سبعون الف ملك لهم زجل (1) بالتسبيح والتهليل والتكبير فمن قرأها سبحوا له الي يوم القيامة، واما


(1) الزجلة بالضم صوت الناس ويفتح (ق) - ج - ز (*)

[ 194 ]

قوله (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى اجلا واجل مسمى عنده) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن الحلبي عن عبد الله عن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال الاجل المقضي هو المحتوم الذي قضاه الله وحتمه والمسمى هو الذي فيه البداء (1) يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير، وحدثني ياسر عن الرضا عليه السلام قال ما بعث الله نبيا إلا بتحريم الخمر وان يقر له بالبداء ان يفعل الله ما يشاء وان يكون في تراثه الكندر وقوله (وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) قال السر ما اسر في نفسه والجهر ما اظهره والكتمان ما عرض بقلبه ثم نسيه وقوله (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين - إلى قوله - وانشأنا من بعدهم قرنا آخرين ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بايديهم لقال الذين كفروا ان هذا إلا سحر مبين) فانه محكم ثم قال حكاية عن قريش (وقالوا لولا انزل عليه ملك) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله (ولو انزلنا ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون) فاخبر عزوجل ان الآية إذا جاءت والملك إذا نزل ولم يؤمنوا هلكوا، فاستعفي النبي صلى الله عليه وآله من الآيات رأفة ورحمة على امته واعطاه الله الشفاعة ثم قال الله (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا والبسنا عليهم ما يلبسون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن) أي نزل بهم العذاب ثم قال لهم قل لهم يا محمد (سيروا في الارض ثم انظروا) أي انظروا في القرآن واخبار الانبياء فانظروا (كيف كان عاقبة المكذبين) ثم قال قل لهم (لمن ما في السموات والارض) ثم رد عليهم فقال قل لهم (لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة) يعني اوجب الرحمة على نفسه وقوله (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) يعني ما خلق


(1) راجع حاشيتنا التفصيلية على البداء ص 38 من هذا الكتاب ج. ز. (*)

[ 195 ]

بالليل والنهار هو كله لله، ثم احتج عزوجل عليهم فقال قال لهم (أغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والارض) اي مخترعها وقوله (وهو يطعم ولا يطعم - إلى قوله - وهو الفاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) فانه محكم، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (قل اي شئ اكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم) وذلك ان مشركي اهل مكة قالوا يا محمد ما وجد الله رسولا يرسله غيرك، ما نرى احدا يصدقك بالذي تقول، وذلك في اول ما دعاهم وهو يومئذ بمكة، قالوا ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى وزعموا انه ليس لك ذكر عندهم فتأتينا من يشهد انك رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله " الله شهيد بيني وبينكم الآية " قال انكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى، يقول الله لحمد فان شهدوا فلا تشهد معهم، قال (لا اشهد قل إنما هو إله واحد وانني برئ مما تشركون) واما قوله (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم الآية) فان عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام هل تعرفون محمدا في كتابكم ؟ قال نعم والله نعرفه بالنعت الذي نعت الله لنا إذا رأيناه فيكم كما يعرف احدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان والذي يحلف به ابن سلام لانا بمحمد هذا اشد معرفة مني بابنى، قال الله (الذين خسروا انفسهم فهم لا يؤمنون) وقال علي بن ابراهيم ثم قال قل لهم يا محمد " أي شئ اكبر شهادة " يعني أي شئ اصدق قولا ثم قال " قل الله شهيد بيني وبينكم واوحى الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ " قال من بلغ هو الامام قال محمد ينذر وانا نقول كما انذر به النبي صلى الله عليه وآله وقوله (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته انه لا يفلح الظالمون) فانه محكم، وقوله (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين اشركوا اين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم) أي كذبهم (إلا ان قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) والدليل على ان الفتنة ههنا الكذب قوله (انظر كيف كذبوا على انفسهم وضل عنهم

[ 196 ]

ما كانوا يفترون) أي ضل عنهم كذبهم ثم ذكر قريشا فقال (ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه) يعني غطاء (وفي آذانهم وقرا) اي صمما (1) (وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك) أي يخلصمونك (يقول الذين كفروا ان هذا إلا اساطير الاولين) أي اكاذيب الاولين، وقوله (وهم ينهون عنه وينؤن عنه) قال بنو هاشم كانوا ينصرون رسول الله صلى الله عليه وآله ويمنعون قريشا عنه وينأون عنه اي يباعدون عنه ويساعدونه ولا يؤمنون، وقوله (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) قال نزلت في بني امية ثم قال: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) قال من عداوة امير المؤمنين عليه السلام (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون) ثم حكى عزوجل قول الدهرية فقال (وقالوا ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) فقال الله (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) قال قال حكاية عن قول من انكر قيام الساعة فقال: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون اوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون) يعني آثامهم وقوله (وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) محكم. وقوله (قد نعلم انه لبحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) فانها قرئت على ابي عبد الله عليه السلام فقال بلى والله لقد كذبوه اشد التكذيب وانما نزل " لا يأتونك " أي لا يأتون بحق يبطلون حقك، حدثنى ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث (البخترى ط) قال قال أبو عبد الله عليه السلام يا حفص ان من صبر صبر قليلا وان من جزع جزع قليلا ثم


(1) الصم كغنم فقدان حاسة السمع. ج - ز (*)

[ 197 ]

قال عليك بالصبر في جميع امورك فان الله بعث محمدا وامره بالصبر والرفق فقال " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا " (1) فقال " ادفع بالتي هي احسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " (2) فصبر رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قابلوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره، فانزل الله " ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون " (3) ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فانزل الله تعالى (قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى أتاهم نصرنا) فالزم نفسه الصبر صلى الله عليه وآله فقعدوا وذكروا الله تبارك وتعالى بالسوء وكذبوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قد صبرت في نفسي واهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكرهم إلهي فانزل الله " ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون " (4) فصبر رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع احواله، ثم بشر في الائمة من عترته ووصفوا بالصبر " وجعلنا منهم أئمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " (5) فعند ذلك قال عليه السلام الصبر من الايمان كالرأس من البدن فشكر الله له ذلك فانزل الله عليه " وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون " (6) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله آية بشرى وانتقام، فاباح الله قتل المشركين حيث وجدوا فقتلهم على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله واحبائه وعجل الله له ثواب صبره مع ما ادخر له في الآخرة. وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (وان كان كبر عليك


(1) المزمل 10. (2) حم السجدة 34. (3) الحجر 97. (4) ق 38. (5) ألم السجدة 24. (6) الاعراف 137. (*)

[ 198 ]

اعراضهم (قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب اسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله ان يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله فانزل الله (وان كان كبر عليك اعراضهم - إلى قوله - نفقا في الارض) يقول سربا، فقال علي بن ابراهيم في قوله (نفقا في الارض أو سلما في السماء) قال ان قدرت ان تحفر الارض وتصعد السماء أي لا تقدر على ذلك، ثم قال: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) اي جعلهم كلهم مؤمنين وقوله (فلا تكونن من الجاهلين) مخاطبة للنبي والمعنى للناس ثم قال (إنما يستجيب الذين يسمعون) يعني يعقلون ويصدقون (والموتى يبعثهم) الله اي يصدقون بان الموتى يبعثهم الله (وقالوا لولا نزل عليه آية) اي هلا انزل عليه آية، قال (ان الله قادر على ان ينزل آية ولكن اكثرهم لا يعلمون) قال لا يعلمون ان الآية إذا جاءت ولم يؤمنوا بها ليهلكوا وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ان الله قادر على ان ينزل آية " وسيريكم في آخر الزمان آيات، منها دابة في الارض، والدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها، وقوله (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا امم امثالكم) يعني خلق مثلكم، وقال كل شئ مما خلق خلق مثلكم (ما فرطنا في الكتاب من شئ) اي ما تركنا (ثم إلى ربهم يحشرون) وقوله (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات) يعني قد خفي عليهم ما تقوله (من يشاء الله يظله) اي يعذبه (ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم) يعني يبين له ويوفقه حتى يهتدي إلى الطريق. حدثنا احمد بن محمد قال حدثنا جعفر بن عبد الله قال حدثنا كثير بن عياش عن ابي الجارود عن ابي جعفر صلوات الله عليه في قوله " الذين كذبوا بآياتنا صم بكم " يقول صم عن الهدى وبكم لا يتكلمون بخير " في الظلمات " يعني

[ 199 ]

ظلمات الكفر " من يشاء الله يظلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم " وهو رد على قدرية هذه الامة، يحشرهم الله يوم القيامة مع الصابئين والنصارى والمجوس، فيقولون " والله ربنا ماكنا مشركين " يقول الله " انظر كيف كذبوا على انفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون " (1) قال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ان لكل امة مجوس، ومجوس هذه الامة الذين يقولون لا قدر ويزعمون ان المشية والقدرة إليهم ولهم اخبرنا الحسين بن محمد عن المعلى بن محمد عن علي بن اسباط عن على بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله " والله ربنا ما كنا مشركين " بولاية علي عليه السلام، حدثنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبد الكريم قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا محمد بن الفضيل عن ابى حمزة قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل " الذين كذبوا بآياتنا صم بكم في الظلمات من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم " فقال أبو جعفر نزلت في الذين كذبوا باوصيائهم، صم بكم، كما قال الله في الظلمات، من كان من ولد ابليس فانه لا يصدق بالاوصياء ولا يؤمن بهم ابدا وهم الذين اضلهم الله، ومن كان من ولد آدم آمن بالاوصياء فهم على صراط مستقيم، قال وسمعته يقول كذبوا بآياتنا كلها في بطن القرآن ان كذبوا بالاوصياء كلهم، ثم قال قل لهم يا محمد (أرأيتكم ان اتاكم عذاب الله أو اتتكم الساعة أغير الله تدعون ان كنتم صادقين) ثم رد عليهم فقال: (بل اياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ان شاء وتنسون ما تشركون) قال تدعون الله إذا اصابكم ضر ثم إذا كشف عنكم ذلك تنسون ما تشركون، أي تتركون الاصنام، وقوله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله (ولقد ارسلنا إلى امم من قبلك فاخذناهم بالبأساء والضراء


(1) الانعام 24. (*)

[ 200 ]

لعلم يتضرعون) يعني كي يتضرعوا ثم قال (فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) فلما لم يتضرعوا فتح الله عليهم الدنيا وأغناهم عقوبة لفعلهم الردي فلما (فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) اي آيسون وذلك قول الله تبارك وتعالى في مناجاته لموسى عليه السلام، حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن ابي عبد الله عليه السلام قال كانت مناجاة الله لموسى عليه السلام يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته، فما فتح الله على احد هذه الدنيا إلا بذنب لينسيه ذلك فلا يتوب فيكون اقبال الدنيا عليه عقوبة لذنوبه. حدثنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبد الكريم بن عبد الرحيم عن محمد بن علي عن محمد بن الفضيل عن ابي حمزة قال سألت ابا جعفر (ع) عن قول الله عز وجل (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شئ) قال اما قوله " فلما نسوا ما ذكروا به " يعني فلما تركوا ولاية علي امير المؤمنين عليه السلام وقد امروا به " فتحنا عليهم ابواب كل شئ " يعني دولتهم في الدنيا وما بسط لهم فيها واما قوله " حتى إذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " يعني بذلك قيام القائم حتى كأنهم لم يكن لهم سلطان قط، فذلك قوله بغتة فنزلت بخبره هذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وقوله (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) فانه حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن فضيل بن عياض عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الورع فقال الذي يتورع عن محارم الله ويجتنب الشبهات وإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه وإذا رأى المنكر ولم ينكره وهو يقدر عليه فقد احب ان يعصى الله اختيارا ومن احب ان يعصي الله فقد بارز الله بالعداوة ومن احب بقاء الظالمين فقد أحب ان يعصي

[ 201 ]

الله ان الله تبارك وتعالى حمد نفسه على هلاك الظالمين قال " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " وقوله (قل أرأيتم ان اخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون) قال قل لقريش ان اخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم من يرد ذلكم عليكم إلا الله) وقوله " ثم هم يصدفون " اي يكذبون، وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم " يقول ان اخذ الله منكم الهدى من آله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون يقول يعترضون، واما قوله (قل أرأيتكم ان اتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون) فانها نزلت لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وأصاب اصحابه الجهد والعلل والمرض فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فانزل الله عزوجل قل لهم يا محمد أرأيتم ان اتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظلمون، أي انهم لا يصيبهم إلا الجهد والضرر في الدنيا، فاما العذاب الاليم الذي فيه الهلاك فلا يصيب إلا القوم الظالمين. وقوله (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون - ثم قال قل لهم يا محمد - لا اقول لكم عندي خزائن الله ولا اعلم الغيب ولا اقول لكم انى ملك ان اتبع إلا ما يوحى الي) قال ما املك لكم خزائن الله ولا أعلم الغيب واما قوله (انها من عند الله - ثم قال - هل يستوي الاعمى والبصير) اي من يعلم ومن لا يعلم (أفلا تتفكرون) ثم قال (وانذر به) يعني بالقران (الذين يخافون) اي يرجون (ان يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون).

[ 202 ]

واما قوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين) فانه كان سبب نزولها انه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون اصحاب الصفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله امرهم ان يكونوا في الصفة يأوون إليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعاهدهم بنفسه وربما حمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم وكان إذا جاء الاغنياء والمترفون من اصحابه انكروا عليه ذلك ويقولون له اطردهم عنك فجاء يوما رجل من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل من اصحاب الصفة قد لزق برسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله صلى الله عليه وآله يحدثه، فقعد الانصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم فلم يفعل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله لعلك خفت ان يلزق فقره بك فقال الانصاري اطرد هؤلاء عنك، فانزل الله " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الخ) ثم قال: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) اي اختبرنا الاغنياء بالغناء لننظر كيف مواساتهم للفقراء وكيف يخرجون ما فرض الله عليهم في اموالهم، فاختبرنا الفقراء لننظر كيف صبرهم على الفقر وعما في ايدي الاغنياء (وليقولوا) اي الفقراء (أهؤلاء) الاغنياء (من الله عليهم من بيننا أليس الله باعلم بالشاكرين) ثم فرض الله على رسوله صلى الله عليه وآله ان يسلم على التوابين والذين عملوا السيئات ثم تابوا فقال (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) يعني اوجب الرحمة لمن تاب والدليل على ذلك قوله (انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم) وقوله (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) يعني مذهبهم وطريقتهم تستبين إذا وصفناهم، ثم قال (قل اني نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون الله قل لا اتبع اهواءكم قد ضللت إذا وما

[ 203 ]

انا من المهتدين، قل انى على بينة من ربي وكذبتم به) (1) اي بالبينة التي انا عليها (ما عندي ما تستعجلون به) يعني الآيات التي سألوها (ان الحكم إلا الله يقص الحق وهو خير الفاصلين) اي يفصل بين الحق والباطل ثم قال (قل لهم لو ان عندي ما تستعجلون به لقضي الامر بيني وبينكم) يعني إذا جاءت الآية هلكتم وانقضى ما بيني وبينكم وقوله (وعنده مفاتح الغيب) يعني عالم الغيب (لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) قال الورقة السقط، والحبة الولد، وظلمات الارض الارحام، والرطب ما يبقى ويحيى، واليابس ما تغيض الارحام، وكل ذلك في كتاب مبين وقوله (وهو الذي يتوفيكم بالليل) يعني بالنوم (ويعلم ما جرحتم بالنهار) يعني ما عملتم بالنهار وقوله (ثم يبعثكم فيه) يعنى ما عملتم من الخير والشر وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (ليقضى اجل مسمى) قال هو الموت (ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) واما قوله (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة) يعني الملائكة الذين يحفظونكم ويحفظون اعمالكم (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) وهم الملائكة (وهم لا يفرطون) اي لا يقصرون (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو اسرع الحاسبين) وقوله (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية إلى قوله (ثم انتم تشركون) فانه محكم وقوله (قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ارجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم باس بعض) فقوله " يبعث عليكم عذابا


(1) مرجع به في الآية القرآن والمراد من البينة ايضا القرآن، وتذكير الضمير بتأويل القرآن. ج. ز (*)

[ 204 ]

من فوقكم " قال السلطان الجائر (أو من تحت ارجلكم) قال السفلة ومن لا خير فيه (أو يلبسكم شيعا) قال العصبية (ويذيق بعضكم بأس بعض) قال سوء الجوار، وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله " وهو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم " هو الدخان والصيحة " أو من تحت ارجلكم " وهو الخسف " أو يلبسكم شيعا " وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض " ويذيق بعضكم بأس بعض " وهو ان يقتل بعضكم بعضا: وكل هذا في اهل القبلة كذا يقول الله (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك) وهم قريش وقوله (لكل نبأ مستقر) يقول لكل نبأ حقيقة (وسوف تعلمون) وايضا قال (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) يعني كي يفقهوا وقوله (وكذب به قومك وهو الحق) يعني القرآن كذبت به قريش (قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر) اي لكل خبر وقت وسوف تعلمون. وقوله (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) يعني الذين يكذبون بالقرآن ويستهزؤن، ثم قال فان انساك الشيطان في ذلك الوقت عما امرتك به (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) اخبرنا احمد بن ادريس عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن ايوب عن سيف بن عميرة عن عبد الاعلى بن اعين قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه امام أو يغتاب فيه مسلم ان الله يقول في كتابه " فإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا.. الخ " وقوله (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) أي ليس يؤخذ المتقون بحساب الذين لا يتقون (ولكن ذكرى) اي اذكر (لعلهم يتقون) كي يتقوا ثم قال (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا) يعني الملاهي

[ 205 ]

(وذكر به ان تبسل نفس) أي تسلم (ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها) يعني يوم القيامة لا يقبل منها فداء ولا صرف (اولئك الذين ابسلوا بما كسبوا) أي اسلموا باعمالهم (1) (لهم شراب من حميم وعذاب اليم بما كانوا يكفرون) وقوله احتجاجا على عبدة الاوثان (قل - لهم - أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد إذ هدانا الله) وقوله (كالذى استهوته الشياطين) أي خدعتهم في الارض فهو (حيران). وقوله (له اصحاب يدعونه إلى الهدى إئتنا) يعنيي ارجع الينا وهو كناية عن ابليس فرد الله عليهم فقال قل لهم يا محمد (ان هدى الله هو الهدى وامرنا لنسلم لرب العالمين) وقوله (واقيموا الصلوة واتقوه وهو الذى إليه تحشرون وهو الذى خلق السموات والارض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير) فانه محكم. ثم حكى عزوجل قول ابراهيم عليه السلام (واذ قال ابراهيم لابيه آزر أتتخذ اصناما آلهة انى اريك وقومك في ضلال مبين) فانه محكم واما قوله (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقتين) فانه حدثني ابى عن اسماعيل بن ضرار (مرار ط) عن يونس بن عبد الرحمان عن هشام عن ابى عبد الله عليه السلام قال كشط له عن الارض ومن عليها وعن السماء ومن فيها والملك الذي يحملها والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين عليه السلام، وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابي ايوب الخزاز عن ابى بصير عن


(1) اسلموا مبني للمفعول، ومعنى ابسل نفسه للهلاك: اسلم نفسه للهلاك ج. ز (*)

[ 206 ]

ابي عبد الله عليه السلام قال لما رأى ابراهيم ملكوت السموات والارض التفت فرأى رجلا يزني فدعا عليه فمات، ثم رأى آخر فدعا عليه فمات ثم رأى ثالثة فدعا عليهم فماتوا، فأوحى الله يا ابراهيم ان دعوتك مستجابة فلا تدع على عبادي فاني لو شئت لم اخلقهم، انى خلقت خلقي على ثلاثة اصناف، صنف يعبدني ولا يشركون بي شيئا فاثيبه، وصنف يعبدون غيري فليس يفوتني، وصنف يعبدون غيري فاخرج من صلبه من يعبدني، واما قوله (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما افل) اي غاب (قال لا احب الآفلين) فانه حدثني ابى عن صفوان عن ابن مسكان قال قال أبو عبد الله عليه السلام ان آزر (1) ابا ابراهيم كان منجما لنمرود بن كنعان فقال له انى ارى في حساب النجوم ان هذا الزمان يحدث رجلا فينسخ هذا الدين ويدعو إلى دين آخر، فقال نمرود في أي بلاد يكون ؟ قال في هذه البلاد، وكان منزل نمرود بكونى ربا (كوثي ريا خ ل)


(1) لا يخفى انه قد اختلف العلماء في والد ابراهيم عليه السلام، قال الرازي في تفسير قوله " واذ قال ابراهيم لابيه آزر " وظاهر هذه الآية يدل على ان اسم والد ابراهيم عليه السلام هو آزر. وقال الزجاج لا خلاف بين النسابين ان اسمه " تارخ " وعلى هذا فآزر كان عمه واطلاق لفظ الاب على العم في لغة العرب والقرآن شائع ومنه الحديث المعروف " عم الرجل صنو ابيه " وقال الله تعالى حاكيا عن اولاد يعقوب (ع) انهم قالوا: (نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق) ومن المعلوم ان اسماعيل كان عما ليعقوب، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم نزل ننتقل من اصلاب الطاهرين إلى ارحام الطاهرات، وقال الله تعالى إنما المشركون نجس، فلا يكون احد اجداد النبي ولو بعيدا نجسا وهذا هو معقد اجماع الطائفة المحقة فتحمل الروايات المخالفة له علي التقية. ج. ز (*)

[ 207 ]

فقال له نمرود قد خرج إلى الدنيا ؟ قال آزر لا، قال فينبغي ان يفرق بين الرجال والنساء، ففرق بين الرجال والنساء، وحملت ام ابراهيم عليه السلام ولم تبين حملها، فلما حان ولادتها قالت يا آزر انى قد اعتللت واريد ان اعتزل عنك، وكان في ذلك الزمان المرأة إذا اعتلت عتزلت عن زوجها، فخرجت واعتزلت عن زوجها واعتزلت في غار، ووضعت بابراهيم عليه السلام فهيئته وقمطته، ورجعت إلى منزلها وسدت باب الغار بالحجارة، فاجرى الله لابراهيم عليه السلام لبنا من ابهامه، وكانت امه تأتيه ووكل نمرود بكل امرأة حامل فكان يذبح كل ولد ذكر، فهربت ام ابراهيم بابراهيم من الذبح، وكان يشب ابراهيم في الغار يوما كما يشب غيره في الشهر، حتى اتى له في الغار ثلاثة عشر سنة فلما كان بعد ذلك زارته امه، فلما ارادت ان تفارقه تشبث بها، فقال يا امي اخرجيني، فقالت له يا بني ان الملك ان علم انك ولدت في هذا الزمان قتلك، فلما خرجت امه وخرج من الغار وقد غابت الشمس نظر إلى الزهرة في السماء، فقال هذا ربي فلما افلت قال لو كان هذا ربي ما تحرك ولا برح ثم قال لا احب الآفلين الآفل الغائب، فلما نظر إلى المشرق رأى وقد طلع القمر، قال هذا ربي هذا اكبر واحسن فلما تحرك وزال قال: (لان لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين) فلما اصبح وطلعت الشمس ورأى ضوءها وقد اضاءت الدنيا لطلوعها قال هذا ربي هذا اكبر واحسن فلما تحركت وزالت كشف الله له عن السموات حتى رأي العرش ومن عليه واراه الله ملكوت السموات والارض فعند ذلك قال (يا قوم اني برئ مما تشركون اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما انا من المشركين) فجاء إلى امه وادخلته دارها وجعلته بين اولادها. وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول ابراهيم هذا ربي اشرك في قوله هذا ربي ؟ فقال لا من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من ابراهيم شرك وانما

[ 208 ]

كان في طلب ربه وهو من غيره شرك، فلما دخلت ام ابراهيم بابراهيم دارها نظر إليه آزر فقال من هذا الذي قد بقى في سلطان الملك والملك يقتل اولاد الناس فقالت هذا ابنك ولدته في وقت كذا وكذا حين اعتزلت عنك، فقال ويحك ان علم الملك بهذا زالت منزلتنا عنده وكان آزر صاحب أمر نمرود ووزيره وكان يتخذ الاصنام له وللناس ويدفعها إلى ولده ويبيعونها، فقالت ام ابراهيم لآزر لا عليك ان لم يشعر الملك به، بقى لنا ولدنا وان شعر به كفيتك الاحتجاج عنه وكان آزر كلما نظر إلى ابراهيم احبه حبا شديدا وكان يدفع إليه الاصنام ليبيعها كما يبيع اخوته، فكان بعلق في اعناقها الخيوط ويجرها على الارض ويقول من يشتري ما (لا ط) يضره ولا ينفعه ويغرقها في الماء والحماة، ويقول لها كلي واشربي وتكلمي، فذكر اخوته ذلك لابيه فنهاه فلم ينته فحبسه في منزله ولم يدعه يخرج، وحاجه قومه فقال ابراهيم (اتحاجوني في الله وقد هدان) اي ؟ بين ؟ لي (ولا اخاف ما تشركون به إلا ان يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما افلا تتذكرون) ثم قال لهم (وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فاي الفريقين احق بالامن ان كنتم تعلمون) اي انا احق بالامن حيث ا عبد الله أو انتم الذين تعبدون الاصنام. واما قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي صدقوا ولم ينكثوا ولم يدخلوا في المعاصي فيبطل ايمانهم ثم قال (اولئك لهم الامن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم) يعني ما قد احتج ابراهيم على ابيه وعليهم. وقوله (ووهبنا له اسحق ويعقوب) يعني لابراهيم (كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمن وايوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين واسمعيل

[ 209 ]

واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم) أي اختبرناهم (وهديناهم إلى صراط مستقيم) فأنه محكم وحدثني ابي عن ظريف بن ناصح عن عبد الصمد بن بشير عن ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام قال قال لي أبو جعفر عليه السلام يا ابا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين ؟ قلت ينكرون علينا انهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال فبأي شئ احتججتم عليهم ؟ قلت يقول الله عزوجل في عيسى بن مريم " ومن ذريته داود وسليمن إلى قوله وكذلك نجزي المحسنين " فجعل عيسى بن مريم من ذرية ابراهيم، قال فبأي شئ قالوا لكم ؟ قلت قالوا قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب، قال فبأي شئ احتججتم عليهم ؟ قال قلت احتججنا عليهم بقول الله " قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم " قال فاي شئ قالوا لكم ؟ قلت قالوا قد يكون في كلام العرب ابناء رجل والاخر يقول ابناؤنا قال فقال أبو جعفر عليه السلام والله يا ابا الجارود لاعطينك من كتاب الله انهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يردها إلا كافر، قال قلت جعلت فداك واين ؟ قال من حيث قال الله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم الآية " إلى ان ينتهي إلى قوله " وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم " فسلهم يا ابا الجارود هل حل لرسول الله صلى الله عليه وآله نكاح حليلتيهما ؟ فان قالوا نعم فكذبوا والله وفجروا وان قالوا لا فهما والله ابناؤه لصلبه وما حرمتا عليه إلا للصلب. ثم قال عزوجل (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو اشركوا) يعني الانبياء الذين قد تقدم ذكرهم (لحبط عنهم ما كانوا يعملون) ثم قال (اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء) يعني اصحابه وقريش ومن انكروا بيعة امير المؤمنين عليه السلام (فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها

[ 210 ]

بكافرين) يعني شيعة امير المؤمنين عليه السلام ثم قال تأدبيا لرسول الله صلى الله عليه وآله (اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) يا محمد ثم قال قل لقومك (لا اسئلكم عليه اجرا) يعني على النبوة والقرآن اجرا (ان هو إلا ذكرى للعالمين) وقوله (وما قدروا الله حق قدره) قال لم يبلغوا من عظمة الله ان يصفوه بصفاته (إذ قالوا ما انزل الله على بشر من شئ) وهم قريش واليهود فرد الله عليهم واحتج وقال قل لهم يا محمد (من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها) يعني تقرؤن ببعضها (وتخفون كثيرا) يعني من اخبار رسول الله صلى الله عليه وآله (وعلمتم ما لم تعلموا انتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) يعني فيما خاضوا فيه من التكذيب ثم قال (وهذا كتاب) يعني القرآن (انزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه يعني التوراة والانجيل والزبور (ولتنذر ام القرى ومن حولها) يعني مكة وإنما سميت ام القرى لانها اول بقعة خلقت (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به) اي بالنبي والقرآن (وهم على صلاتهم يحافظون). قوله (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي الي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما انزل الله) فانها نزلت في عبد الله بن سعد بن ابي سرح وكان اخا عثمان من الرضاعة، حدثني ابي عن صفوان عن ابن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان عبد الله بن سعد بن ابي سرح اخا عثمان بن عفان من الرضاعة قدم المدينة واسلم وكان له خط حسن وكان إذا نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله دعاه فكتب ما يمليه عليه رسول الله صلى الله عليه وآله من الوحى وكان إذا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله سميع بصير يكتب سميع عليم وإذا قال والله بما تعملون خبير يكتب بصير، ويفرق بين التاء والياء وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول هو واحد، فارتد كافرا ورجع إلى مكة وقال لقريش والله ما يدري محمد ما يقول انا اقول مثل ما يقول فلاينكن علي ذلك فانا انزل مثل ما انزل الله فانزل الله على

[ 211 ]

نبيه صلى الله عليه وآله في ذلك " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا.. الخ " فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة امر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله، فجاء به عثمان قد اخذ بيده ورسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد فقال يارسول الله اعف عنه فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ثم اعاد فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ثم اعاد فقال هو لك، فلما مر قال رسول الله لاصحابه ألم اقل من رآه فليقتله، فقال رجل كانت عيني اليك يا رسول الله ان تشير الي فاقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ان الانبياء لا يقتلون بالاشارة، فكان من الطلقاء ثم حكى عزوجل ما يلقى اعداء آل محمد عليه وآله السلام عند الموت فقال: (ولو ترى إذ الظالمون - آل محمد حقهم - في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهون) قال العطش (بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) قال ما انزل الله في آل محمد تجحدون به ثم قال (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء) والشركاء أئمتهم (لقد تقطع بينكم) يعني المودة (وضل عنكم) اي بطل (ما كنتم تزعمون) حدثني ابي عن ابيه عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال نزلت هذه الآية في معاوية وبني امية وشركائهم وائمتهم وقوله (ان الله فالق الحب والنوى) قال الحب ما احبه والنوى ما ناء عن الحق وقال ايضا الحب ان يفلق العلم من الائمة والنوى ما بعد عنه (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) قال المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن (ذلكم الله فانى تؤفكون) اي تكذبون وقوله (فالق الاصباح وجعل الليل سكنا) فقوله فالق الاصباح يعني مجئ النهار والضوء بعد الظلمة وقوله (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) قال النجوم آل محمد عليهم السلام وقوله (وهو الذي انشأكم من نفس واحدة) قال من آدم

[ 212 ]

(فمستقر ومستودع) قال المستقر الايمان الذي يثبت في قلب الرجل إلى ان يموت والمستودع هو المسلوب منه الايمان وقوله (وهو الذي انزل من السماء ماءا فاخرجنا به نبات كل شئ فاخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا) يعني بعضه على بعض (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) وهو العنقود (وجنات من اعناب) يعني البساتين وقوله (انظروا إلى ثمره إذا اثمر وينعه) اي بلوغه (ان في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون وجعلوا لله شركاء الجن) قال وكانوا يعبدون الجن (وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) اي موهوا وحرفوا فقال الله عزوجل ردا عليهم (بديع السموات والارض انى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم) وقوله (لا تدركه الابصار) اي لا تحيط به (وهو يدرك الابصار) اي يحيط بها وخلق كل شئ (وهو اللطيف الخبير) وقوله (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه ومن عمي فعليها) يعني على النفس وذلك لاكتسابها المعاصي وهو رد على المجبرة الذين يزعمون انه ليس لهم فعل ولا اكتساب وقوله (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون) قال كانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله ان الذي تخبرنا به من الاخبار تتعلمه من علماء اليهود وتدرسه وقوله (اتبع ما اوحي اليك من ربك لا إله إلا هو واعرض عن المشركين) منسوخ بقوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وقوله (ولو شاء الله ما اشركوا) فهو الذي يحتج به المجبرة انا بمشيئة الله نفعل كل الافعال وليس لنا فيها صنع، فانما معنى ذلك انه لو شاء الله ان يجعل الناس كلهم معصومين حتى كان لا يعصيه احد لفعل ذلك ولكن امرهم ونهاهم وامتحنهم واعطاهم ما ازال علتهم وهي الحجة عليهم من الله يعني الاستطاعة ليستحقوا الثواب والعقاب وليصدقوا ما قال الله من التفضل والمغفرة والرحمة والعفو والصفح وقوله (ولا تسبوا الذين

[ 213 ]

يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) فانه حدثني ابى عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله عليه السلام قال انه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله ان الشرك اخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء، فقال كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله وكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتم لكيلا يسب الكفار إله المؤمنين فيكونوا المؤمنون قد اشركوا بالله من حيث لا يعلمون فقال: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " وقوله (كذلك زينا لكل امة عملهم) يعني بعد اختبارهم ودخولهم فيه فنسبه الله إلى نفسه والدليل علي ان ذلك لفعلهم المتقدم قوله (ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون). ثم حكى قولهم وهم قريش فقال (واقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) فقال الله عزوجل (قل انما الآيات عند الله وما يشعركم انها إذا جاءت لا يؤمنون) يعني قريشا وقوله (ونقلب افئدتهم وابصارهم) وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ونقلب افئدتهم وابصارهم " يقول ننكس قلوبهم فيكون اسفل قلوبهم اعلاها ونعمي ابصارهم فلا يبصرون بالهدى، وقال علي بن ابي طالب عليه السلام ان اول ما يغلبون (يقلبون خ ل) عليه من الجهاد الجهاد بايديكم ثم الجهاد بالسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر منكرا نكس قلبه فجعل اسفله اعلاه فلا يقبل خيرا ابدا (كما لم يؤمنوا به اول مرة) يعني في الذر والميثاق (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) اي يضلون ثم عرف الله نبيه صلى الله عليه وآله ما في ضمائرهم وانهم منافقون (ولو اننا نزلنا إليهم الملائكة الجزء (8) وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا) اي عيانا (ما كانوا ليؤمنوا إلا ان يشاء الله) وهذا ايضا ما يحتجون به المجبرة ومعنى قوله إلا ان يشاء الله إلا ان يجبرهم على الايمان.

[ 214 ]

وقوله (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) يعني ما بعث الله نبيا إلا وفي امته شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض اي يقول بعضهم لبعض لا تؤمنوا بزخرف القول غرورا (1) فهذا وحي كذب، وحدثني ابي عن الحسين بن سعيد عن بعض رجاله عن ابي عبد الله عليه السلام قال ما بعث الله نبيا إلا وفي امته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده فاما صاحبا نوح فقنطيفوص (فغنطيغوص خ ل) وخرام، واما صاحبا ابراهيم فمكثل (مكيل خ ل) ورزام، واما صاحبا موسى فالسامري ومر عقيبا (مر عتيبا خ ل) واما صاحبا عيسى فبولس (يرليس يرليش خ ل) ومريتون (مريبون خ ل) واما صاحبا محمد صلى الله عليه وآله فحبتر (جبتر خ ل) وزريق (زلام خ ل) وقوله (ولتصغى إليه افئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة) تصغي إليه اي يستمع لقوله المنافقون ويرضونه بالسنتهم ولا يؤمنون بقلوبهم (وليقترفوا) اي ينتظروا (ما هم مقترفون) ثم قال قل لهم يا محمد (افغير الله أبتغى حكما وهو الذي انزل اليكم الكتاب مفصلا) يعني يفصل بين الحق والباطل وقوله (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) فحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن مسكان عن ابي


(1) لا يخفى ان كلام الشياطين وايحاء بعضهم إلى بعض هو زخرف القول لانه مفعول " يوحي " لا أن الشياطين جعلوا كلام النبي مزخرفا كما هو الظاهر من عبارة المصنف واظن انه لاجل تصحيف في العبارة وكذا العبارة الآتية في شرح قوله تعالى " لتصغي إليه افئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة " لانه لا معنى لاستماع المنافقين لقول الشياطين ثم ارضائهم بمجرد اللسان دون الجنان والحال ان المنافقين شأنهم ان يؤمنوا بوحي الشياطين قلبا لا لسانا فهو بالعكس. ج. ز (*)

[ 215 ]

عبد الله عليه السلام قال إذا خلق الله الامام في بطن امه يكتب على عضده الايمن (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) وحدثني ابي عن حميد بن شعيب عن الحسن بن راشد قال قال أبو عبد الله عليه السلام ان الله إذا احب ان يخلق الامام اخذ شربة من تحت العرش من ماء المزن اعطاها ملكا فسقاها اباه فمن ذلك يخلق الامام، فإذا ولد بعث الله ذلك الملك إلى الامام ان يكتب بين عينيه " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " فإذا مضى ذلك الامام الذي قبله رفع له منارا يبصر به اعمال العباد، فلذلك يحتج به على خلقه. ثم قال عزوجل لنبيه عليه السلام (وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) يعني يحيروك عن الامام فانهم مختلفون فيه (ان يتبعون إلا الظن وان هم إلا يخرصون) اي يقولون بلا علم بالتخمين والتقريب (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) قال من الذبائح ثم قال (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم) يعني بين لكم (إلا ما اضطررتم إليه وان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمعتدين) وقوله (وذروا ظاهر الاثم وباطنه ان الذين يكفرون ؟ الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون) قال الظاهر من الاثم المعاصي والباطن الشرك والشك في القلب وقوله " بما كانوا يقترفون " اي يعلمون وقوله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) قال من ذبائح اليهود والنصارى وما يذبح على غير الاسلام ثم قال (وانه لفسق وان الشياطين ليوحون إلى اوليائهم) يعني وحي كذب وفسوق وفجور إلى اوليائهم من الانس ومن يطيعهم (ليجادلوكم) اي ليخاصموكم (وان اطعتموهم انكم لمشركون) وقوله (أو من كان ميتا فاحييناه) قال جاهلا عن الحق والولاية فهديناه إليها (وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) قال النور الولاية (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها يعني في ولاية غير

[ 216 ]

الائمة عليهم السلام (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) وقوله (وكذلك جعلنا في كل قرية اكابر مجرميها) يعني رؤساء (ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بانفسهم وما يشعرون) اي يمكرون بأنفسهم لان الله يعذبهم عليه (فإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما اوتي رسل الله) قال قالت الاكابر لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما اوتى الرسل من الوحي والتنزيل فقال الله تبارك وتعالى (الله اعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين اجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) اي يعصون الله في السر وقوله (فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) فالحرج (1) الذي لا مدخل له فيه والضيق ما يكون له المدخل الضيق (كانما يصعد في السماء) قال يكون مثل شجرة حولها اشجار كثيرة فلا تقدر ان تلقي اغصانها يمنة ويسرة فتمر في السماء وتسمى حرجة، فضرب بها مثلا ثم قال (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) وقوله (هذا صراط ربك مستقيما) يعني الطريق الواضح (قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون) وقوله (لهم دار السلام عند ربهم) يعني في الجنة والسلام الامان والعافية والسرور ثم قال (وهو وليهم اليوم بما كانوا يعملون) يعني الله عزوجل وليهم أي اولى بهم وقوله (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال اولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض) قال كل من والى قوما فهو منهم وان لم يكن من جنسهم (ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا اجلنا الذي اجلت لنا) يعني القيامة وقوله (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) قال نولي كل من تولى اولياءهم فيكونون معهم يوم القيامة، ثم ذكر عزوجل احتجاجا على الجن والانس يوم القيامة فقال: (يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على انفسنا وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا كافرين)


(1) الحرج بالتحريك جمع الحرجة مجتمع الشجر. ق (*)

[ 217 ]

وقوله (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم واهلها غافلون) يعني لا يظلم احدا حتى يبين لهم ما يرسل إليهم فإذا لم يؤمنوا هلكوا (ولكل درجات مما عملوا يعني لهم درجات على قدر اعمالهم (وما ربك بغافل عما يعملون) ثم قال (وربك الغني ذو الرحمة ان يشاء يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما انشأكم من ذرية قوم آخرين) وقوله (ان ما توعدون لآت) يعني من القيامة والثواب والعقاب (وما انتم بمعجزين) وقوله (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) فان العرب إذا زرعوا زرعا قالوا هذا لله وهذا لآلهتنا وكانوا إذا سقوها فحرف (1) الماء من الذي لله في الذي للاصنام لم يسدوه وقالوا الله اغنى، وإذا حرف من الذي للاصنام في الذي لله سدوه وقالوا الله اغني، وإذا وقع شئ من الذي لله في الذي للاصنام لم يردوه وقالوا الله اغنى، وإذا وقع شئ من الذي للاصنام في الذي لله ردوه وقالوا الله اغنى، فانزل الله في ذلك على نبيه صلى الله عليه وآله وحكى فعلهم، وقولهم فقال " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا.. الخ " وقوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم) قال يعني اسلافهم زينوا لهم قتل اولادهم (ليردوهم وليلبسوا ؟ ؟ عليهم دينهم) يعني يغيروهم (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) وقوله (وقالوا هذه انعام وحرث حجر) قال الحجر المحرم (لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم) قال كانوا يحرمونها على قوم (وانعام حرمت ظهورها) يعني البحيرة والسائبة والوصية والحام (وانعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم


(1) اي مال. (*)

[ 218 ]

على ازواجنا وان يكن ميتة فهم فيه شركاء) فكانوا يحرمون الجنين الذي يخرجوه من بطون الانعام يحرمونه على النساء فإذا كان ميتا يأكلوه الرجل والنساء، فحكى الله قولهم لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال (وقالوا ما في بطون هذه الانعام) - إلى قوله - (سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم) ثم قال (قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم) اي بغير فهم (وحرموا ما رزقهم الله) وهم قوم يقتلون اولادهم من البنات للغيرة وقوم كانوا يقتلون اولادهم من الجوع، وهذا معطوف على قوله " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم " فقال الله " ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقكم وإياهم " وقوله (وهو الذي انشأ جنات معروشات وغير معروشات) قال البساتين وقوله (والنخل والزرع مختلفا اكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا اثمر) وقوله (وآتوا حقه يوم حصاده) قال يوم حصاد وكذا نزلت، قال فرض الله يوم الحصاد من كل قطعة ارض قبضة للمساكين وكذا في جزاز (جذاذ خ ل) النخل وفي الثمرة وكذا عند البذر (1) اخبرنا احمد بن ادريس قال حدثنا احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن ابان بن عثمان عن شعيب العقرقوفي قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوله " وآتوا حقه يوم حصاده " قال الضغث من السنبل والكف من التمر إذا خرص، قال سألت هل يستقيم اعطاؤه إذا ادخله بيته ؟ قال لا هو اسخى لنفسه قبل ان يدخله بيته، وعنه عن احمد البرقي عن سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام قال قلت فان لم يحضر المساكين وهو يحصد كيف يصنع ؟ قال ليس عليه شئ وقوله (ومن الانعام حمولة وفرشا) يعني الثياب من الفرش) كلوا مما


(1) وفي الكافي عن معاوية بن الحجاج قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول في الزرع حقان حق يؤخذ به، وحق تعطيه، قلت فما الذي اؤخذ به وما الذى اعطيه ؟ قال اما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، واما الذي تعطيه = (*)

[ 219 ]

رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين) وقوله (ثمانية ازواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آ الذكرين حرم أم الانثيين اما اشتملت عليه ارحام الانثيين نئوني بعلم ان كنتم صادقين، ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل آ الذكرين حرم ام الانثيين اما اشتملت عليه ارحام الانثيين) فهذه التي احلها الله في كتابه في قوله " وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج " (1) ثم فسرها في هذه الآية فقال: من الضأن اثنيين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين، فقال: صلى الله عليه وآله " من الضأن اثنين " عنى الاهلي والجبلي " ومن المعز اثنين " عنى الاهلي والوحشي الجبلي " ومن البقر اثنين " يعني الاهلي والوحشي الجبلي " ومن الابل اثنين " يعني البخاتي (2) والعراب فهذه احلها الله، وقد احتج قوم بهذه الآية (قل لا اجد فيما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل لغير الله به) فتأولوا هذه الآية انه ليس شئ محرما إلا هذا، واحلوا كل شئ من البهائم، القردة والكلاب والسباع والذئاب والاسد والبغال والحمير والدواب، وزعموا ان ذلك كله حلال لقوله " قل لا اجد فيما اوحي إلى محرما على طاعم يطعمه " وغلطوا في هذا غلطا بينا وإنما هذه الآية رد على ما احلت العرب وحرمت، لان العرب كانت تحلل على نفسها اشياء وتحرم اشياء فحكى الله ذلك لنبيه صلى الله عليه وآله ما قالوا، فقال: وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة


= فقول الله عزوجل " وآتوا حقه يوم حصاده يعني " من حصدك الشئ بعد الشئ ولا اعلمه إلا قال الضغث تعطيه الضغث حتى تفرغ، فيظهر من هذه الرواية وغيرها ان المراد من الآية في المقام الزكاة المستحبة دون الواجبة منها. ج. ز. (1) الزمر 6. (2) البخت بالضم الابل الخراسانية والجمع بخاتى ق - (*)

[ 220 ]

لذكورنا ومحرم على ازواجنا فكان إذا سقط الجنين حيا اكله الرجال وحرم على النساء، وإذا كان ميتا اكله الرجال والنساء، وقد مضى ذكره وهو قوله " وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا.. الخ. " وقوله (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر " يعني اليهود، حرم الله عليهم لحوم الطير، وحرم عليهم الشحوم وكانوا يحبونها إلا ما كان على ظهور الغنم أو في جانبه خارجا من البطن وهو قوله (وحرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا) اي الجنبين (أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وانا لصادقون) ومعنى قوله جزيناهم ببغيهم انه كان ملوك بني اسرائيل يمنعون فقراءهم من اكل لحم الطير والشحوم فحرم الله ذلك عليهم ببغيهم على فقراءهم، ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين - ثم قال - سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) قل يا محمد لهم (هل عندكم من علم فنخرجوه لنا ان تتبعون إلا الظن وان انتم إلا تخرصون) ثم قال قل لهم (فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم اجمعين) قال لو شاء لجعلكم كلكم على امر واحد ولكن جعلكم على اختلاف، ثم قال قل يا محمد لهم (هلم شهداءكم الذين يشهدون ان الله حرم هذا) وهو معطوف على قوله " وقالوا ما في بطون هذه الانعام " ثم قال (فان شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع اهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم (تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا) قال الوالدين رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين صلوات الله عليه. وقوله (ولا تقتلوا اولادكم من املاق نحن نرزقكم واياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم

[ 221 ]

وصاكم به لعلكم تعقلون) فانه محكم وقوله (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي احسن حتى يبلغ اشده واوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف تفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله اوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) فهذا كله محكم وقوله (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) قال الصراط المستقيم الامام فاتبعوه (ولا تتبعوا السبل) يعني غير الامام (فتفرق بكم عن سبيله) يعنى لا تفرقوا ولا تختلفوا في الامام ان تختلفوا في الامام تضلوا عن سبيله، اخبرنا حسن بن علي عن ابيه عن الحسين بن سعيد عن محمد ابن سنان عن ابي خالد القماط عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " قال نحن السبيل فمن ابى فهذه السبل فقد كفر، ثم قال (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) يعني كي تتقوا، وقوله (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي احسن) يعنى تم له الكتاب لما احسن (وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون) هو محكم وقوله (وهذا كتاب انزلناه) يعنى القرآن (مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) يعنى كى ترحموا، قوله (ان تقولوا إنما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين) يعنى اليهود والنصارى وان كنا لم ندرس كتبهم (أو تقولوا لو انا انزل علينا الكتاب لكنا اهدى منهم) يعنى قريشا، قالوا لو انزل علينا الكتاب لكنا اهدى واطوع منهم (فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) يعني القرآن (فمن اظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها) يعني دفع عنها (سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا) أي يدفعون ويمنعون عن آياتنا (سوء العذاب بما كانوا يصدفون) ثم قال (هل ينظرون إلا ان تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك) فانه حدثني ابى عن صفوان عن ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام في قوله

[ 222 ]

(يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا) قال نزلت " أو اكتسبت في ايمانها خيرا " (قل انتظروا انا معكم منتظرون) قال إذا طلعت الشمس من مغربها فكل من آمن في ذلك اليوم لا ينفعه ايمانه، وقوله (ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ انما امر هم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) قال فارقوا امير المؤمنين عليه السلام وصاروا أحزابا، حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن معلي بن خنيس عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله " ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا " قال فارقوا القوم والله دينهم، وقوله (من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يظلمون) فهذه ناسخة لقوله " من جاء بالحسنة فله خير منها " وقوله (قل انني هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين) والحنيفية هي العشرة التي جاء بها ابراهيم عليه السلام (قل ان صلوتى ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين) ثم قال قل لهم يا محمد (اغير الله ابغي ربا وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر اخرى) اي لا تحمل آثمة اثم اخرى ثم (إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) وقوله (وهو الذي جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات) قال في القدر والمال (ليبلوكم) اي يختبركم (فيما آتاكم ان ربك سريع العقاب وانه لغفور رحيم). سورة الاعراف مكية وهى مأتان وست آيه (بسم الله الرحمن الرحيم، المص كتاب انزل اليك) مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله (فلا يكن في صدرك حرج منه) اي ضيق (لتنذر به وذكرى للمؤمنين)

[ 223 ]

حدثنى ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال ان حي بن اخطب واخاه ابا ياسر بن اخطب ونفرا من اليهود من اهل نجران اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له أليس فيما تذكر فيما انزل اليك الم ؟ قال بلى، قالوا اتاك بها جبرئيل من عند الله ؟ قال نعم، قالوا لقد بعثت انبياء قبلك، ما نعلم نبيا منهم اخبر ما مدة ملكه وما اكل امته غيرك، قال عليه السلام فاقبل حي ابن اخطب على اصحابه، فقال لهم الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون فهذه واحد وسبعون سنة، فعجب ممن يدخل في دينه ومدة ملكه واكل امته احد وسبعون سنة، قال عليه السلام ثم اقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له يا محمد هل مع هذا غيره ؟ قال نعم، قال هاته، قال المص قال اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون والصاد تسعون فهذه مائة واحد وستون سنة، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله هل مع هذا غيره ؟ قال نعم قال هات، قال الرا، قال هذا اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والراء مائتان فهل مع هذا غيره ؟ قال نعم، قال هات، قال: المرا قال هذا اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون والراء مائتان، ثم قال فهل مع هذا غيره ؟ قال نعم، قال لقد التبس علينا امرك فما ندري ما اعطيت، ثم قالوا عنه ثم قال أبو ياسر لحي اخيه ! وما يدريك لعل محمدا قد جمع هذا كله واكثر منه، فقال أبو جعفر عليه السلام ان هذه الآيات انزلت منهن آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات وهي تجري في وجوه اخر على غير ما تأول به حي وابو ياسر واصحابه. ثم خاطب الله تبارك وتعالى الخلق فقال (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء) غير محمد (قليلا ما تذكرون) وقوله (وكم من قرية اهلكناها فجاءها بأسنا بياتا) اي عذابا بالليل (أو هم قائلون) يعني نصف النهار وقوله (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا ان قالوا انا كنا ظالمين) فانه محكم

[ 224 ]

وقوله (فلنسئلن الذين ارسل إليهم ولنسئلن المرسلين) قال الانبياء، عما حملوا من الرسالة، وقوله (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) قال لم نغب عن افعالهم وقوله (والوزن يومئذ الحق) قال المجازات بالاعمال ان خيرا فخير وان شرا فشر وهو قوله (فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا انفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) قال بالائمة يجحدون وقوله (ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش) اي مختلفة (قليلا ما تشكرون) اي لا تشكرون الله وقوله (ولقد خلفناكم ثم صورناكم) اي خلقناكم في اصلاب الرجال وصورناكم في ارحام النساء ثم قال وصور ابن مريم في الرحم دون الصلب وان كان مخلوقا في اصلاب الانبياء، ورفع وعليه مدرعة من صوف، حدثنا احمد بن محمد عن جعفر بن عبد الله المحمدي قال حدثنا كثير ابن عياش عن ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ولقد خلقناكم ثم صورناكم " اما خلقناكم فنطقة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما، واما صورناكم فالعين والانف والاذنين والفم واليدين والرجلين صور هذا ونحوه ثم جعل الدميم والوسيم والطويل والقصير واشباه هذا، واما قوله (لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم) اما بين ايديهم فهو من قبل الآخرة لاخبرنهم انه لا جنة ولا نار ولا نشور، واما خلفهم يقول من قبل دنياهم آمرهم بجمع الاموال وآمرهم ان لا يصلوا في اموالهم رحما ولا يعطوا منه حقا وآمرهم ان يقللوا على ذرياتهم واخوفهم عليهم الضيعة، واما عن ايمانهم يقول من قبل دينهم فان كانوا على ضلالة زينتها لهم وان كانوا على اهدى جهدت عليهم حتى اخرجهم منه، واما عن شمائلهم يقول من قبل اللذات والشهوات، يقول الله ولقد صدق عليكم ابليس ظنه واما قوله (اخرج منها مذؤما مدحورا) فالمذؤم المعيب والمدحور المقصر وقوله " اخرج منها مذؤما مدحورا " اي ملقى في جهنم وقوله (يا آدم

[ 225 ]

اسكن انت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) وكان كما حكى الله (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوأتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما) اي حلفهما (انى لكما لمن الناصحين) روي عن ابي عبد الله عليه السلام قال لما اخرج آدم من الجنة نزل جبرئيل عليه السلام فقال يا آدم أليس الله خلقك بيده فنفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته وزوجك حواء امته واسكنك الجنة واباحها لك ونهاك مشافهة ان لا تأكل من هذه الشجرة فاكلت منها وعصيت الله. فقال آدم عليه السلام يا جبرئيل ان ابليس حلف لي بالله انه لي ناصح فما ظننت ان احدا من خلق الله يحلف بالله كاذبا، وقوله (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما) حدثنا احمد بن ادريس اخبرنا احمد بن محمد عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله " بدت لهما سوأتهما " قال كانت سوأتهما لا تبدو لهما يعني كانت داخلة (1) وقوله: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) اي يغطيان سوأتهما به (وناداهما ربهما ألم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين) فقالا كما حكى الله (ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) فقال الله (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) يعني آدم وابليس (ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) يعني إلى القيامة. وقوله (يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يوارى سوأتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) قال لباس التقوى لباس البياض وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يوارى سوأتكم


(1) اي مستترة. ج. ز. (*)

[ 226 ]

وريشا " فاما اللباس فالثياب التي يلبسون، واما الرياش فالمتاع والمال، واما لباس التقوى فالعفاف لان العفيف لا تبدو له عورة وان كان عاريا من الثياب، والفاجر بادي العورة وان كان كاسيا من الثياب، يقول (ولباس التقوى ذلك خير) يقول العفاف خير (ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) وقوله (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة) فانه محكم، واما قوله (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها) قال الذين عبدوا الاصنام، فرد الله عليهم فقال قل لهم (ان الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل امر ربي بالقسط) اي بالعدل (واقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون) اي في القيامة (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) يعني العذاب وجب عليهم، وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر ع في قوله " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " قال خلقهم حين خلقهم مؤمنا وكافرا وشقيا وسعيدا وكذلك يعودون يوم القيامة مهتديا وضالا يقول (انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله ويحسبون انهم مهتدون) وهم القدرية (1) الذين يقولون لا قدر ويزعمون انهم قادرون على الهدى والضلالة


(1) قال في مجمع البحرين: القدرية وهم المنسوبون إلى القدر يزعمون ان كل عبد خالق فعله ولا يرون المعاصي والكفر بتقدير الله ومشيته وفي الحديث لا يدخل الجنة قدري وهو الذي يقول لا يكون ما شاء الله ويكون ما شاء ابليس، ويسمون " بالمفوضة " ايضا لزعمهم ان الله فوض إليهم افعالهم. وبازاء هذه الفرقة " المجبرة " وهم الذين قالوا ليس لنا صنع ونحن مجبورون يحدث الله لنا الفعل عند الفعل وانما الافعال منسوبة إلى الناس مجازا ويسمون " بالمرجئة " ايضا فذاك افراط وهذا تفريط والحق الوسط ما ذهبت إليه الامامية = (*)

[ 227 ]

وذلك إليهم ان شاؤا اهتدوا وان شاؤا ضلوا وهم مجوس هذه الامة وكذب اعداء الله المشية والقدرة لله " كما بدأكم تعودون " من خلقه الله شقيا يوم خلقه كذلك يعود إليه شقيا ومن خلقه سعيدا يوم خلقه كذلك يعود إليه سعيدا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله الشقي من شقي في بطن امه والسعيد من سعد في بطن امه (1) واما قوله


= وهو ما افاده الامام الصادق عليه السلام: لا جبر ولا تفويض ولكن امر بين امرين سئل ما الامر بين الامرين ؟ قال مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته انت الذي امرته بالمعصية. وقال البصري لابي عبد الله عليه السلام: الناس مجبورون ؟ قال لو كانوا مجبورين لكانوا معذورين، قال ففوض إليهم ؟ قال لا، قال فما هم ؟ فقال علم منهم فعلا فاوجد فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين (مجمع البحرين مادة طوع). ج. ز (1) لا كلام في مذهب الامامية في ان العبد ليس بمجبور في افعاله بل هو الذي يفعل حسنته وسيئته وهو المسئول عنها يوم القيامة والقول بان الله تعالى فاعل افعالهم باطل عندهم اجماعا وقد دلت عليه قبله الآيات والروايات، فاما الآيات فناهيك منها: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وقوله تعالي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ومن الروايات مضافا إلى ما مضى سابقا قول الصادق عليه السلام حين سئل عن معنى القدر قال: ما استطعت ان تلوم العبد عليه فهو فعله وما لم تستطع ان تلوم العبد عليه فهو فعل الله تعالى، يقول الله للعبد لم عصيت ! لم فسقت ! فهذا فعل العبد ولا يقول له لم مرضت لم طلت لم قصرت ! لم ابيضضت لم اسوددت ! لانه فعل الله (الانوار النعمانية 2 / 261) = (*)

[ 228 ]

(خذوا زينتكم عند كل مسجد) فان اناسا كانوا يطوفون عراتا بالبيت الرجال


= وان خطر في بال بانه ما بال تلك الاخبار التي يجنح ظاهرها إلى الجبر كاخبار الطينة وكذا قوله عليه السلام: من خلقه الله شقيا يوم خلقه كذلك يعود إليه إلى آخر ما في متن الكتاب. (قلنا) انه قد اجيب عنه بوجوه: الاول: ما صار إليه علم الهدى السيد مرتضى (رح) فانه قد استراح بالقول بانها اخبار آحاد مخالفة للكتاب والاجماع فوجب ردها، فلذلك طرحها كما هو مذهبه في اخبار الاحاد اينما وردت، ذلك لان الكتاب والاجماع قد دلا على ان صدور الحسنة والسيئة انما هو باختيار العبد وليس فيه مدخل للطينة بوجه من الوجوه. والثانى: ما ذهب إليه ابن ادريس (رح) من انها اخبار متشابهة يجب الوقوف عندها وتسليم امرها إليهم عليهم السلام. والثالث: ما صار إليه بعض المحدثين من حملها على المجاز والكناية كما يقال في العرف لمن اسدي عرفه إلى عباد الله وحسن خلقه هذا رجل قد عجنت طينته بفعل الخير وحب الكرم والتقوى. والرابع: وهو المشهور في تأويل هذه الاخبار وما ضاهاها مما ظاهره الجبر ونفي الاختيار من انه منزل على العلم الالهي، فانه سبحانه قد علم في الازل احوال الخلق في الابد وما يأتونه وما يذرونه بالاختيار منهم فلما علم منهم هذه الاحوال وانها تقع باختيارهم عاملهم بهذه المعاملة كالخلق من الطينة الخبيثة أو الطينة الطيبة وحينئذ كتبت الشقاوة والسعادة في الناس قبل ان يجيئوا في حيز الوجود، وكما ان العلم بان زيدا اسود وبكرا البيض ليس علة للسواد والبياض = (*)

[ 229 ]

بالنهار والنساء بالليل، فامرهم الله بلبس الثياب وكانوا لا يأكلون إلا قوتا فامرهم الله ان يأكلوا ويشربوا ولا يسرفوا وقوله (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده) وهي الثياب (والطيبات من الرزق) وهي الحلال (قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا) اشترك فيها البر والفاجر (خالصة يوم القيامة للذين آمنوا كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) وقوله " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد " قال في العيدين والجمعة يغتسل ويلبس ثيابا بيضا، وروي ايضا المشط عند كل


= الموجودين فيهما كدلك علم الله تعالى بكون زيد سعيدا أو شقيا لا يكون علة للسعادة والشقاوة فيه بل انهما مستندتان إليه. الخامس: وهو ألطف الوجوه ما قال غواص بحار الاخبار، وطلاع جواهرها عن الاستار، جدنا السيد الجزائري رحمه الله في انواره من ان خلق الارواح قد كان قبل خلق عالم الذر، وقد اجج سبحانه نارا وكلف تلك الارواح بالدخول، كما سيأتي تفصيله عند تفسير الآية " وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " في هذا الكتاب فمنهم من بادر إلى الامتثال ومنهم من تأخر عنه ولم يأت به، فمن هناك جاء الايمان والكفر ولكن بالاختيار، فلما اراد سبحانه ان يخلق لتلك الارواح ابدانا تتعلق لكل نوع من الارواح نوعا مناسبا له من الابدان فيكون ما صنع بها سبحانه جزاءا لذلك التكليف السابق، نعم لما مزج الطينتين اثر ذلك المزج في قبول الاعمال الحسنة وضدها، هذا ما قبل في هذه المسألة، مضافا ال ما ذكرناه سابقا في ابتداء الكتاب في حاشيتنا ص 38، من اشتراط البداء في ذلك، فيتبين لك ان القول بالبداء يقلع اساس الجبرية والقدرية كلتيهما، نعم من ذهب إلى انكاره فلابد له من الاقرار بالجبر فاقروا به بل اعتنقوا به. ج. ز. (*)

[ 230 ]

صلاة، وقوله " قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق " وهى حكاية معناها قالوا من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق فقال الله قل لهم هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، قل من آمن في الدنيا فهذه الطيبات لهم خالصة عند الله يوم القيامة ثم قال قل لهم (إنما حرم ربي الواحش ما ظهر منها وما بطن) قال من ذلك أئمة الجور (والاثم) يعني به الخمر (والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون) وهذا رد على من قال في دين الله بغير علم وحكم فيه بغير حكم الله فعليه مثل ما على من اشرك بالله واستحل المحارم والفواحش، فالقول على الله محرم بغير علم مثل هذه المعاني، وقوله (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها الآية) فانه محكم وقوله (فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته اولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) اي ينالهم ما في كتابنا من عقوبات المعاصي وقوله (قالوا اين ما كنتم تدعون من دون اله قالوا ضلوا عنا) اي يضلوا وقوله: (قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت امة لعنت اختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا) يعني اجتمعوا وقوله " اختها " اي التي كانت بعدها تبعوهم على عبادة الاصنام وقوله (قالت اخريهم لاوليهم ربنا هؤلاء اضلونا) يعني أئمة الجور (فآتهم عذابا ضعفا من النار) فقال الله (لكل ضعف ولكن لا تعلمون) ثم قال ايضا (وقالت اوليهم لاخريهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) قالوا شماتة بهم. واما قوله (ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) فانه حدثني ابي عن فضالة عن ابان بن عثمان عن ضريس عن ابي جعفر عليه السلام قال نزلت هذه الآية في طلحة والزبير والجمل جملهم، والدليل على ان جنان الخلد في السماء قوله " لا تفتح لهم

[ 231 ]

ابواب السماء ولا يدخلون الجنة " والدليل ايضا على ان النيران في الارض قوله في سورة مريم " ويقول الانسان أإذا ما مت لسوف اخرج حيا أو لا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا " ومعنى حول جهنم البحر المحيط بالدنيا يتحول نيرانا وهو قوله " وإذا البحار سجرت " ثم يحضرهم الله حول جهنم ويوضع الصراط من الارض إلى الجنان وقوله جثيا اي على ركبهم ثم قال " ونذر الظالمين فيها جثيا " يعني في الارض إذا تحولت نيرانا وقوله (لهم من جهنم ؟ مهاد) اي مواضع (ومن فوقهم غواش) اي نار تغشاهم وقوله (لا نكلف نفسا إلا وسعها) اي ما يقدرون عليه وقوله (ونزعنا ما في صدورهم من غل) قال العداوة ينزع منهم اي من المؤمنين في الجنة فإذا دخلوا الجنة قالوا كما حكى الله (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون) واما قوله (ونادى اصحاب الجنة اصحاب النار ان قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فاذن مؤذن بينهم ان لعنة الله على الظالمين) فانه حدثني ابي عن محمد بن الفضيل عن ابى الحسن عليه السلام قال المؤذن امير المؤمنين صلوات الله عليه يؤذن اذانا يسمع الخلائق كلها، والدليل على ذلك قول الله عزوجل في سورة البراءة " واذان من الله ورسوله " فقال امير المؤمنين عليه السلام كنت أنا الاذان في الناس واما قوله (وبينهما حجاب وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابي ايوب عن بريد (يزيد ط) عن ابي عبد الله عليه السلام قال الاعراف كثبان بين الجنة والنار، والرجال الائمة صلوات الله عليهم، يقفون على الاعراف مع شيعتهم وقد سيق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب، فيقول الائمة لشيعتهم من اصحاب الذنوب انظروا إلى اخوانكم في الجنة قد سيقوا (سبقوا ط) إليها بلا

[ 232 ]

حساب، وهو قوله تبارك وتعالى (سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) ثم يقال لهم انظروا إلى اعدائكم في النار وهو قوله (وإذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى اصحاب الاعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم) في النار ف‍ (قالوا ما اغنى عنكم جمعكم) في الدنيا (وما كنتم تستكبرون) ثم يقولون لمن في النار من اعدائهم أهؤلاء شيعتي واخواني الذين كنتم انتم تحلفون في الدنيا ان لا ينالهم الله برحمة ثم يقول الائمة لشيعتهم (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا انتم تحزنون) ثم (نادى اصحاب النار اصحاب الجنة ان افيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله). حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابى حمزة الثمالي عن ابي الربيع قال حججت مع ابي جعفر عليه السلام في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب، فنظر نافع إلى ابي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال يا امير المؤمنين من هذا الذي تكافأ عليه الناس ؟ قال هذا ابن (بنى ط) اهل الكوفة محمد بن علي بن الحسين بن على بن ابى طالب عليهم السلام، فقال لآتينه فلاسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي، قال فاذهب إليه فاسأله لعلك تخجله، فجاء نافع حتى اتكأ على الناس فاشرف على ابى جعفر عليه السلام فقال يا محمد بن علي انى قرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت اسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي، فرفع أبو جعفر عليه السلام رأسه فقال سل عما بدا لك، قال اخبرني كم كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام من سنة ؟ فقال اخبرك بقولك ام بقولي ؟ قال اخبرني بالقولين جميعا، قال اما في قولي فخمس مائة سنة، واما في قولك فستمائة سنة، قال اخبرني عن قول الله تعالى " واسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " من الذي سأله محمد

[ 233 ]

صلى الله عليه وآله ؟ وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة، قال فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية " سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " كان من الآيات التي أراها محمدا صلى الله عليه وآله حيث اسرى به إلى البيت المقدس انه حشر الله له الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم امر جبرئيل عليه السلام فاذن شفعا واقام شفعا (1) وقال في اقامته حي على خير العمل، ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم فلما انصرف قال الله له: سل يا محمد من ارسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله على ما تشهدون وما كنتم تعبدون ؟ قالو نشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وانك رسول الله صلى الله عليه وآله أخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا، قال نافع صدقت يا ابا جعفر، فاخبرني عن قول الله تعالى: " يوم تبدل الارض غير الارض والسموات " باي ارض الذي تبدل ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام بخبزة بيضاء يأكلون منها (2) حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فقال


(1) شفعت الشئ شفعا من باب نفع، ضممته إلى الفرد وشفعت الركعة جعلتها ركعتين، ومنه قول الفقهاء: الشفع ركعتان والوتر واحدة. (مجمع) (2) تبدل الارض يوم القيامة بخبزة بيضاء قد وردت فيه روايات كثيرة خاصة وعامة، اما الروايات الخاصة فعن الكافي عن ابى جعفر عليه السلام، قال سأله الابرش الكلبي عن قول الله عزوجل " يوم تبدل الارض غير الارض " قال تبدل خبزة نقية يأكل الناس منها حتى يفرغوا من الحساب، فقال الابرش فقلت ان الناس يومئذ لفي شغل عن الاكل، إلى آخر ما اجاب به الامام عليه السلام عن الايراد المذكور، عن زرارة قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوله الله عزوجل " يوم تبدل الارض. الخ " قال تبدل خبزا نقيا يأكل منه الناس حتى يفرغوا من = (*)

[ 234 ]

نافع انهم عن الاكل لمشغولون، فقال أبو جعفر عليه السلام أهم حينئذ اشغل أو وهم في النار ؟ فقال نافع بل وهم في النار، قال عليه السلام فقد قال الله " ونادى اصحاب النار اصحاب الجنة ان افيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " ما شغلهم إذا


= الحساب، قال قائل انهم لفي شغل عن الاكل والشرب ؟ فقال ان الله خلق ابن آدم اجوف ولا بد له من الطعام والشراب الخ، وعن ارشاد المفيد (ر ح) عن عبد الرحمن بن عبد الله الزهري، قال حج هشام بن عبد الملك فدخل المسجد الحرام متكئا على ولد سالم مولاه، ومحد بن علي عليه السلام جالس في المسجد، فقال له سالم مولاه، يا امير المؤمنين ! هذا محمد بن علي، قال هشام المفتونون به اهل العراق ؟ قال نعم، قال اذهب إليه فقل له: ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى ان يفصل بينهم يوم القيامة ؟ قال أبو جعفر (ع) " يحشر الناس على مثل قرص نقي، فيها انهار متفجرة، يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب " إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة الواردة فيه واما الروايات العامة ففي روح المعاني عن ابن جبير: تبدل الارض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه وعن افلح مولى ابى ايوب: ان الارض تكون يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ احدكم خبزته في السفر، نزلا لاهل الجنة وهو في الصحيحين " ان تبدل الارض خبزا وان كان مما تستغربه الاذهان العامة لكن شيئا من التأمل يدفعه، لان المراد منها ليس هي الخبزة التي نأكلها، بل مادة شبيهة لها كما مضى في قول الامام عليه السلام في الرواية " على مثل قرص نقي " هذا ثم ان الغرابة اما من جهة الاستحالة الذاتية فهي ممنوعة، أو الاستحالة العادية وهى مرتفعة بعموم قدرة الله تعالى، واما من جهة اخرى كعدم المناسبة أو عدم الداعي إلى ذلك، وقد أجاب عنه الامام عليه السلام من ان ابن آدم خلق اجوف فما = (*)

[ 235 ]

دعوا الطعام فاطعموا الزقوم ودعوا بالشراب فسقوا الحيم، فقال صدقت يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وبقيت مسألة واحدة، قال وما هي ؟ قال اخبرني عن الله متى كان ؟ قال ويلك اخبرني متى لم يكن حتى أخبرك متى كان، سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم قال عليه السلام يا نافع اخبرني عما اسألك عنه، فقال هات يا ابا جعفر، قال عليه السلام: ما تقول في اصحاب النهروان ؟ قال فان قلت ان امير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت أي رجعت إلى الحق وان قلت انه قتلهم باطلا فقد كفرت، قال فولى عنه وهو يقول انت والله اعلم الناس حقا حقا، ثم اتى هشام بن عبد الملك فقال له ما صنعت ؟ قال دعني من كلامك هو والله اعلم الناس حقا حقا وهو ابن رسول الله حقا حقا ويحق لاصحابه ان يتخذوه نبيا. ثم قال عزوجل (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننساهم) أي نتركهم والنسيان منه عزوجل هو الترك وقوله (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) فهو من الآيات التي تأويلها بعد تنزيلها، قال ذلك


= دام فيه اثر من الحياة يحتاج إلى ما يملا جوفه، حتى في رحم الامهات وفي الجنان وجهنم كذلك، ففي يوم القيامة كيف لا يحتاج إليه مع طول مدته التي نص عليها القرآن بانه كالف سنة مما تعدون (الحج 47). وقد وردت فيه روايات اخر ايضا لا تقل غرابة مما ذكره القمي كتبدل الارض فضة والسماء ذهبا ذكرها تفاسير العامة. وفي رواية السجاد عليه السلام " تبدل الارض غير الارض " يعني بارض لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها اول مرة (الصافي) وعلى هذا التفسير لا حاجة الي تجشم الذب عنه. ج. ز. (*)

[ 236 ]

في القائم عليه السلام، ويوم القيامة (يقول الذين نسوه من قبل) اي تركوه (قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) قال هذا يوم القيامة (أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا انفسهم وضل عنهم) اي بطل عنهم (ما كانوا يفترون) وقوله (ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام) قال في ستة اوقات (ثم استوى على العرش) اي علا بقدرته على العرش (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا) اي سريعا وقوله (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) اي علانية وسرا وقوله (ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها وادعوه خوفا وطعما ان رحمة الله قريب من المحسنين) قال اصلحها برسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين عليه السلام فافسدوها حين تركوا امير المؤمنين عليه السلام وذريته عليهم السلام. وقوله (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته - إلى قوله - كذلك يخرج الموتى) دليل على البعث والنشور وهو رد على الزنادقة وقوله (والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه) وهو مثل الائمة صلوات الله عليهم يخرج علمهم باذن ربهم (والذي خبث) مثل اعدائهم (لا يخرج) علمهم (إلا نكدا) كذبا فاسدا، وقوله (ولقد ارسلنا نوحا إلى قومه) نكتب خبر نوح وهود وصالح الجزء (9) وشعيب في سورة هود ان شاء الله تعالى وقوله (أفأمنوا مكر الله) قال المكر من الله العذاب وقوله (أو لم يهد للذين يرثون الارض) يعني اولم يبين (من بعد اهلها ان لو نشاء اصبناهم بذبوبهم الآية) ثم قال (تلك القرى نقص عليك - يا محمد - من انبائها) يعني من اخبارها (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) في الذر الاول قال لا يؤمنون في الدنيا بما كذبوا في الذر الاول وهي رد على من انكر الميثاق في الذر الاول ثم قال (وما وجدنا لاكثرهم من عهد) اي ما عهدنا عليهم في الذر لم يفوا به في الدنيا (وان وجدنا اكثرهم لفاسقين) وقوله (وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويدرك وآلهتك) قال كان

[ 237 ]

فرعون يعبد الاصنام ثم ادعى بعد ذلك الربوبية، فقال فرعون (سنقتل ابناءهم ونستحيي نساءهم وانا فوقهم قاهرون) وقوله (قالوا اوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا) قال قال الذين آمنوا يا موسى قد اوذينا قبل مجيئك بقتل اولادنا ومن بعد ما جئتنا لما حبسهم فرعون لايمانهم بموسى، فقال موسى (عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون) ومعنى ينظر أي يرى كيف تعملون فوضع النظر مكان الرؤية، وقوله (ولقد اخذنا آل فرعون بالسنين ونقص ؟ من الثمرات) يعني بالسنين الجدبة لما انزل الله عليهم الطوفان والجراد والضفادع والدم، واما قوله (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه) قال الحسنة ههنا الصحة والسلامة والامن والسعة (وان تصبهم سيئة) قال السيئة ههنا الجوع والخوف والمرض (يطيروا بموسى ومن معه) اي يتشاءموا بموسى ومن معه. واما قوله (وقالوا مهما تأتنا به من آياتنا لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فارسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) فانه لما سجد السحرة ومن آمن به من الناس قال هامان لفرعون ان الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه فحبس كل من آمن به من بني اسرائيل، فجاء إليه موسى فقال له خل عن بني اسرائيل فلم يفعل فانزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان، فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام، فقال فرعون لموسى ادع ربك ربه يكف عنا الطوفان حتى اخلي عن بني اسرائيل واصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان وهم فرعون ان يخلي عن بني اسرائيل، فقال له هامان ان خلت عن بني اسرائيل غلبك موسى وازال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني اسرائيل، فانزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر

[ 238 ]

حتى كانت تجرد شعرهم ولحيتهم، فجزع من ذلك حزعا شديدا، وقال يا موسى ادع ربك ان يكف عنا الجراد حتى اخلي عن بني اسرائيل واصحابك، فدعا موسى ربه، فكف عنهم الجراد فلم يدعه هامان ان يخلي عن بني اسرائيل، فانزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل، فذهبت زروعهم واصابتهم المجاعة، فقال فرعون لموسى ان دفعت عنا القمل كففت عن بني اسرائيل، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل، وقال اول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني اسرائيل، فارسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم ويقال انها كانت تخرج من ادبارهم وآدانهم وآنافهم. فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فجاؤا إلى موسى فقالوا ادع الله ان يذهب عنا الضفادع فانا نؤمن بك ونرسل معك بني اسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك فلما ابوا ان يخلوا عن بني اسرائيل حول الله ماء النيل دما فكان القبطي يراه دما والاسرائيلي يراه ماءا فإذا شربه الاسرائيلي كان ماءا وإذا شربه القبطي كان دما فكان القبطي يقول للاسرائيلي خذ الماء في فمك وصبه في فمي فإذا صبه في فم القبطي تحول دما فجزعوا جزعا شديدا، فقالوا لموسى لان رفع الله عنا الدم لنرسلن معك بني اسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني اسرائيل فارسل الله عليهم الرجز وهو الثلج ولم يروه قبل ذلك فماتوا فيه وجزعوا جزعا شديدا واصابهم ما لم يعهدوا قبله فقالوا (ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني اسرائيل) فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني اسرائيل فلما خلى عنهم اجتمعوا إلى موسى عليه السلام وخرج موسن من مصر واجتمع إليه من كان هرب من فرعون وبلغ فرعون ذلك فقال له هامان قد نهيتك ان تخلي عن بني اسرائيل فقد اجتمعوا إليه فجزع فرعون وبعث في المداين حاشرين وخرج في طلب موسى.

[ 239 ]

وقوله (واورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها) يعني بني اسرائيل لما اهلك الله فرعون ورثوا الارض وما كان لفرعون، وقوله (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا) يعني الرحمة بموسى تمت لهم (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانو يعرشون) يعني المصانع والعريش والقصور، واما قوله (وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على اصناهم لهم) فانه لما غرق الله فرعون واصحابه وعبر موسى واصحابه البحر نظر اصحاب موسى إلى قوم يعكفون على اصنام لهم، فقالوا لموسى (يا موسى اجعل لنا آلها كما لهم آلهة) فقال موسى (انكم قوم تجهلون، ان هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون، قال اغير الله ابغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين وإذا انجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) وهو محكم، واما قوله (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة واتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة) فان الله عزوجل اوحى إلى موسى اني انزل عليك التوراة التى فيها الاحكام إلى اربعين يوما وهو ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، فقال موسى لاصحابه ان الله تبارك وتعالى قد وعدني ان ينزل على التوراة والالواح إلى ثلاثين يوما، وامره الله ان لا يقول إلى اربعين يوما فتضيق صدورهم، فذهب موسى إلى الميقات واستخلف هارون على بني اسرائيل فلما جاوز الثلاثون يوما ولم يرجع موسى، غضبوا فارادوا ان يقتلوا هارون وقالوا ان موسى كذبنا وهرب منا واتخذوا العجل واعبدوه، فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة انزل الله على موسى الالواح وما يحتاجون إليه من الاحكام والاخبار والسنن والقصص، فلما انزل الله عليه التوراة وكلمه (قال ربى ارني انظر اليك) فأوحى الله (لن تراني) اي لا تقدر على ذلك (ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني)

[ 240 ]

قال فرفع الله الحجاب ونظر إلى الجبل فساخ الجبل في البحر فهو يهوى حتى الساعة (1) ونزلت الملائكة وفتحت ابواب السماء، فأوحى الله إلى الملائكة: ادركوا موسى لا يهرب، فنزلت الملائكة واحاطت بموسى وقالوا تب يا بن عمران: فقد سألت الله عظيما، فلما نظر موسى إلى الجبل قد ساخ والملائكة قد نزلت، وقع على وجهه، فمات من خشية الله وهول ما رأي، فرد الله عليه روحه فرفع رأسه وافاق وقال (سبحانك تبت اليك وأنا أول المؤمنين) أي اول من اصدق إنك لا ترى، فقال الله له (يا موسى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) فناداه جبرائيل يا موسى أنا اخوك جبرئيل. وقوله (وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا) اي كل شئ بانه مخلوق وقوله (فخذها بقوة) أي قوة القلب (وامر قومك يأخذوا باحسنها) أي باحسن ما فيها من الاحكام، وقوله (سأريكم دار الفاسقين) اي يجيئكم قوم فساق تكون الدولة لهم وقوله (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) يعني اصرف القرآن عن الذين يتكبرون في الارض بغير الحق (وان يروا كل آية لا يؤمنو بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) قال إذا رأوا الايمان والصدق والوفاء والعمل الصالح لا يتخذوه سبيلا وان يروا الشرك والزنا والمعاصي يأخذوا بها ويعملوا بها، وقوله (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت اعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) فانه محكم وقوله " هذا إلهكم وإله موسى فنسي " اي ترك وقوله " افلا يرون ألا يرجع إليهم قولا " (2)


(1) اي يرسب في وحل البحر شيئا فشيئا. (2) هاتان الآيتان من سورة طه 88. ج. ز (*)

[ 241 ]

يعني لا يتكلم العجل وليس له منطق واما قوله (ولما سقط في ايديهم) يعني لما جاءهم موسى (1) واحرق العجل قالوا (لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان اسفا قال بئس ما خلفتموني من بعدي اعجلتم امر ربكم والقى الالواح واخذ برأس اخيه يجره إليه - إلى قوله - ان ربك من بعدها لغفور رحيم) فانه محكم وقوله (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما اخذتهم الرجفة قال رب لو شئت اهلكتهم من قبل واياي) فان موسى عليه السلام لما قال لبني اسرائيل ان الله يكلمني ويناجيني لم يصدقوه، فقال لهم اختاروا منكم من يجئ معي حتى يسمع كلامه، فاختاروا سبعين رجلا من خيارهم وذهبوا مع موسى إلى الميقات فدنا موسى فناجا ربه وكلمه الله تعالى، فقال موسى لاصحابه اسمعوا واشهدوا عند بني اسرائيل بذلك فقالوا له لن نؤمن "، حتى نرى الله جهرة فاسئله ان يظهر لنا، فانزل الله عليهم صاعقة فاحترقوا وهو قوله " واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتهم الصاعقة وانتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " فهذه الآية في سورة البقرة وهى مع هذه الآية في سورة الاعراف فنصف الآية


(1) قال في مجمع البحرين: فلما سقط في ايديهم بالبناء للمفعول والظرف نائبه يقال لكل من ندم وعجز عن الشئ، قد سقط في يده واسقط في يده لغتان ومعنى سقط في ايديهم ندموا على ما فاتهم، وقرأ بعضهم سقط بالفتح كانه اضمر لندم انتهى فعلى هذا يكون معنى الآية الشريفة: لما لحقتهم الندامة، وكذا في مجمع البيان، اما على ما فسر به المصنف (رح) فهو " سقط " بالفتح مبني للفاعل، ومعناه جاء موسى نازلا من الجبل بين ايديهم، يقال على الخبير سقطت اي نزلت عنده وجئت عنده. ج. ز (*)

[ 242 ]

في سورة البقرة ونصفها في سورة الاعراف ههنا، فلما نظر موسى إلى اصحابه قد هلكوا حزن عليهم فقال (رب لو شئت اهلكتهم من قبل واياي اتهلكنا بما فعل السفهاء منا) وذلك ان موسى عليه السلام ظن ان هؤلاء هلكوا بذنوب بني اسرائيل فقال (ان هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء انت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة انا هدنا اليك) فقال الله تبارك وتعالى (عذابي اصيب به من اشاء ورحمتي وسعت كل شئ، فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) ثم ذكر فضل النبي صلى الله عليه وآله وفضل من تبعه فقال (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم) يعني الثقل الذي كان على بني اسرائيل وهو انه فرض الله عليهم الغسل والوضوء بالماء ولم يحل لهم التيمم ولا يحل لهم الصلاة الا في البيع والكنايس والمحاريب، وكان الرجل إذا اذنب خرج نفسه منتنا فيعلم انه اذنب، وإذا اصاب شيئا من بدنه البول قطعوه، ولم يحل لهم المغنم فرفع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله عن امته ثم قال (فالذين آمنوا به) يعني برسول الله صلى الله عليه وآله (وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه) يعني امير المؤمنين عليه السلام (اولئك هم المفلحون) فاخذ الله ميثاق رسول الله صلى الله عليه وآله على الانبياء ان بخبروا اممهم وينصرونه، فقد نصروه بالقول وامروا اممهم بذلك وسيرجع رسول الله صلى الله عليه وآله ويرجعون وبنصرونه في الدنيا. حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفض ابن غياث عن ابي عبد الله عليه السلام قال جاء ابليس لعنه الله إلى موسى عليه السلام وهو يناجي ربه، فقال له ملك من الملائكة ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحالة يناجي ربه، فقال ارجو منه ما رجوت من ابيه آدم وهو في الجنة، وكان

[ 243 ]

مما ناجى الله موسى عليه السلام يا موسى اني لا اقبل الصلاة الا لمن تواضع لعظمتي والزم قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري ولم يبت مصرا على الخطيئة وعرف حق اوليائي واحبائي، فقال موسى يا رب تعني باوليائك واحبائك ابراهيم واسحاق ويعقوب ؟ قال هو كذلك الا اني اردت بذلك من من اجله خلقت آدم وحواء ومن اجله خلقت الجنة والنار، فقال ومن هو يا رب ؟ فقال محمد احمد شققت اسمه من اسمي لاني انا المحمود، وهو محمد فقال موسى يا رب اجعلني من امته. فقال يا موسى انت من امته إذا عرفته وعرفت منزلته ومنزلة اهل بيته وان مثله ومثل اهل بيته فيمن خلقت كمثل الفردوس في الجنان لا ينتشر ورقها ولا يتغير طعمها، فمن عرفهم وعرف حقهم جعلت له عند الجهل علما وعند الظلمة نورا اجيبنه قبل ان يدعوني واعطينه قبل ان يسألني. يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب تعجلت عقوبته. يا موسى ان الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته وجعلتها ملعونة ملعونة بمن فيها الا ما كان فيها لي. يا موسى ان عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم وسائرهم من خلقي رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما احد من خلقي عظمها فقرت عيناه فيها، ولم يحقرها الا تمتع بها، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام ان قدرتم ان لا تعرفوها فافعلوا وما عليك ان لم يثن عليك الناس وما عليك ان تكون مذموما عند الناس وكنت عند الله محمودا، ان امير المؤمنين عليه السلام كان يقول: لا خير في الدنيا الا لاحد رجلين، رجل يزداد كل يوم احسانا، ورجل يتدارك منيته بالتوبة، وانى له بالتوبة والله ان سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه الا بولايتنا اهل البيت، الا ومن عرف حقنا ورجا الثواب فينا رضي بقوته نصف مد كل يوم وما يستر

[ 244 ]

به عورته وما اكن رأسه وهم في ذلك والله خائفون وجلون. واما قوله (وقطعناهم اثنتي عشرة اسباطا امما) اي ميزناهم به (وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) فانها قرية كانت لبني اسرائيل قريبا من البحر، وكان الماء يجري عليها في المد والجزر فيدخل انهارهم وزروعهم، وبخرج السمك من البحر حتى يبلغ آخر زرعهم، وقد كان الله قد حرم عليهم الصيد يوم السبت وكانوا يضعون الشباك في الانهار ليلة الاحد يصيدون بها السمك وكان السمك يخرج يوم السبت ويوم الاحد لا يخرج وهو وقوله (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) فنهاهم علماؤهم عن ذلك فلم ينتهوا فمسخوا قردة وخنازير، وكانت العلة في تحريم الصيد عليهم يوم السبت ان عيد جميع المسلمين وغيرهم كان يوم الجمعة فخالفت اليهود وقالوا عيدنا يوم السبت فحرم الله عليهم الصيد يوم السبت ومسخوا قردة وخنازير. حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن ابي عبيدة عن ابي جعفر عليه السلام قال وجدنا في كتاب علي عليه السلام ان قوما من اهل ايكة من قوم ثمود وان الحيتان كانت سبقت إليهم يوم السبت ليختبر الله طاعتهم في ذلك فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم وقدام ابوابهم في انهارهم وسواقيهم فبادروا إليها فاخذوا يصطادونها فلبثوا في ذلك ما شاء الله لا ينهاهم عنها الاحبار ولا يمنعهم العلماء من صيدها، ثم ان الشيطان اوحى إلى طائفة منهم انما نهيتم عن اكلها يوم السبت فلم تنهوا عن صيدها، فاصطادوا يوم السبت وكلوها فيما سوى ذلك من الايام، فقالت طائفة منهم الآن نصطادها، فعتت، وانحازت طائفة اخرى منهم ذات اليمين فقالوا ننهاكم عن عقوبة الله ان تتعرضوا لخلاف امره واعتزلت طائفة منهم ذات اليسار فسكتت فلم تعظهم، فقالت للطائفة التي وعظتهم

[ 245 ]

لم تعظون قوما الله مهلكم أو معذبهم عذابا شديدا، فقالت الطائفة التي وعظتهم (معذرة إلى ربكم لعلهم يتقون) قال فقال الله عزوجل فلما (نسوا ما ذكروا به) يعنى لما تركوا ما وعظوا به مضوا على الخطيئة، فقالت الطائفة التي وعظتهم لا والله لا نجامعكم ولا نبايتكم الليلة في مدينتكم هذه التي عصيتم الله فيها مخافة ان ينزل بكم البلاء فيعمنا معكم، قال فخرجوا عنهم من المدينة مخافة ان يصيبهم البلاء فنزلوا قريبا من المدينة فباتوا تحت السماء فلما اصبح اولياء الله المطيعون لامر الله غدوا لينظروا ما حال اهل المعصية، فاتوا باب المدينة فإذا هو مصمت، فدقوه فلم يجابوا ولم يسمعوا منها خبر واحد فوضعوا سلما على سور المدينة ثم اصعدوا رجلا منهم فاشرف على المدينة فنظر فإذا هو بالقوم قردة يتعاوون، فقال الرجل لاصحابه يا قوم ارى والله عجبا، قالوا وما ترى قال أرى القوم قد صاروا قردة يتعاوون ولها اذناب، فكسروا الباب قال فعرفت القردة انسابها من الانس ولم تعرف الانس انسابها من القردة، فقال القوم للقردة الم ننهكم فقال علي عليه السلام والذي فلق الحبة وبرأ النسمة اني لاعرف انسابها من هذه الامة لا ينكرون ولا يغيرون بل تركوا ما امروا به فتفرقوا وقد قال الله عزوجل (فبعدا للقوم الظالمين)، فقال الله (وانجينا الذين ينهون عن السوء واخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) واما قوله (واذ تأذن ربك ليبعثن عليهم) يعني يعلم ربك (إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب ان ربك لسريع العقاب وانه لغفور رحيم) نزلت في اليهود لا يكون لهم دولة ابدا (1) وقوله (وقطعناهم في


(1) وما حصل لاسرائيل من الملك الحقير الآن فهو بالنسبة إلى سعة الارض وطول الزمان ليس بشئ وان هو الا كشعرة سوداء في بقرة بيضاء. ج. ز. (*)

[ 246 ]

الارض) اي ميزهم (امما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم) اي اختبرناهم (بالحسنات والسيئات) يعني بالسعة والامن والفقر والفاقة والشدة (لعلهم يرجعون) يعني كي يرجعوا وقوله (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى) يعني ما يعرض لهم من الدنيا (ويقولون سيغفر لنا وان يأتهم عرض مثله ياخذوه الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه) يعني ضيعوه ثم قال (والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا - تعقلون والذين يمسكون بالكتاب واقاموا الصلوة انا لا نضيع اجر المصلحين) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في وقوله الذين يمسكون بالكتاب قال نزلت في آل محمد واشياعهم واما قوله (واذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب) فهم في امة محمد يسومون اهل الكتاب سوء العذاب ياخذون منهم الجزية. واما قوله (وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا انه واقع بهم) قال الصادق (ع) لما انزل الله التوراة على بني اسرائيل لم يقبلوه فرفع الله عليهم جبل طور سيناء، فقال لهم موسى (ع) ان لم تقبلوه وقع عليكم الجبل، فقبلوه وطأطؤا رؤسهم. واما قوله (واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن ابن سنان قال قال أبو عبد الله (ع) اول من سبق من الرسل الي بلى محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك انه كان اقرب الخلق إلى الله تبارك وتعالى، وكان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما اسرى به إلى السماء " تقدم يا محمد فقد وطأت موطئا لم يطأه ملك مقرب ولا نبي مرسل " ولولا ان روحه ونفسه كانت من ذلك المكان لما قدر ان يبلغه، فكان من الله عزوجل. كما قال الله قاب قوسين أو ادنى اي بل

[ 247 ]

ادنى، فلما خرج الامر من الله وقع إلى اوليائه عليهم السلام، فقال الصادق (ع) كان الميثاق مأخوذا عليهم لله بالربوبية ولرسوله بالنبوة ولامير المؤمنين والائمة بالامامة، فقال الست بربكم ومحمد نبيكم وعلي امامكم والائمة الهادون ائمتكم ؟ فقالوا بلى شهدنا فقال الله تعالى (ان تقولوا يوم القيمة) أي لئلا تقولوا يوم القيامة (انا كنا عن هذا غافلين) فاول ما اخذ الله عزوجل الميثاق على الانبياء له بالربوبية وهو قوله " وإذا اخذنا من النبيين ميثاقهم " فذكر جملة الانبياء ثم ابرز افضلهم بالاسامي فقال ومنك يا محمد، فقدم رسول الله صلى الله عليه وآله لانه افضلهم ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم، فهؤلاء الخمسة افضل الانبياء ورسول الله صلى الله عليه وآله افضلهم، ثم اخذ بعد ذلك ميثاق رسول الله صلى الله عليه وآله على الانبياء بالايمان به وعلى ان ينصروا امير المؤمنين عليه السلام فقال " واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم " (1) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " لتؤمنن به ولتنصرنه " يعنى امير المؤمنين عليه السلام واخبروا اممكم بخبره وخبر وليه من الائمة (ع) حدثني ابي عن محمد بن ابي عمير عن عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام وعن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " لتؤمنن به ولتنصرنه " قال قال ما بعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا الا ويرجع إلى الدنيا فيقاتل وينصر رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين (ع) ثم اخذ ايضا ميثاق الانبياء على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال قل يا محمد آمنا بالله وما انزل علينا وما انزل على ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب واالاسباط وما اوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا تفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون (2)


(1) آل عمران 81. (2) آل عمران 84. (*)

[ 248 ]

وحدثني ابي عن ابن ابى عمير عن ابن مسكان عن ابى عبد الله (ع) " واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي " قلت معاينة كان هذا قال نعم (1) فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ولولا ذلك لم يدر احد من خالقه ورازقه. فمنهم من اقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه فقال الله " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل " (2) واما قوله (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين) فانها نزلت في بلعم بن باعورا وكان من بني اسرائيل، وحدثني ابى عن الحسن (الحسين ط) بن خالد عن ابى الحسن الرضا (ع) انه اعطي بلعم بن باعورا الاسم الاعظم، فكان يدعو به فيستجاب له فمال إلى فرعون. فلما مر فرعون في طلب موسى واصحابه قال فرعون لبلعم ادعو الله على موسى واصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته ليمر في طلب موسى واصحابه فامتنعت عليه حمارته فاقبل يضربها فانطقها الله عزوجل فقالت ويلك علي ما تضربني اتريد اجئ معك لتدعو على موسى نبي الله وقوم مؤمنين، فلم يزل يضربها حتى قتلها وانسلخ الاسم الاعظم من لسانه، وهو قوله (فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد إلى الارض فاتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) وهو مثل ضربه، فقال الرضا (ع) فلا يدخل الجنة من البهائم الا ثلاثة حمارة بلعم وكلب اصحاب الكهف والذئب وكان سبب الذئب انه بعث ملك ظالم رجلا شرطيا ليحشر قوما من المؤمنين وبعذبهم وكان للشرطي ابن يحبه، فجاء ذئب فأكل ابنه فحزن الشرطي عليه


(1) اي معاينة لجلال الله تعالى لانفسه لانه منزه عن الجسم والجسمانيات. (2) الاعراف 101 ج. ز (*)

[ 249 ]

فأدخل الله ذلك الذئب الجنة لما احزن الشرطي وقوله (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس) اي خلقنا، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) في قوله (لهم قلوب لا يفقهون بها) اي طبع الله عليها فلا تعقل (ولهم اعين) عليها غطاء عن الهدى (لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) اي جعل في آذانهم وقرا فلن يسمعوا الهدى، وقوله (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) فهذه الآية لآل محمد واتباعهم، وقوله (عسى ان يكون قد اقترب اجلهم) هو هلاكهم وقوله (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) قال الرحمن الرحيم وقوله (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) قال تجديد النعم عند المعاصي وقوله (واملي لهم) اي اصبر لهم (ان كيدي متين) اي عذابي شديد ثم قال (أو لم يتفكروا) يعني قريش (ما بصاحبهم من جنة) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله اي ما هو مجنون كما يزعمون (ان هو الا نذير مبين) وقوله (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شئ وان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم فباي حديث بعده) يعني بعد القرآن (يؤمنون) اي يصدقون، وقوله (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون) قال يكله الي نفسه. واما قوله (يسألونك عن الساعة ايان مرساها) فان قريشا بعثت العاص بن وايل السهمي والنضر بن حارث بن كلدة وعتبة بن ابي معيط إلى نجران ليتعلموا من علماء اليهود مسائل ويسألوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان فيها سلوا محمدا متى تقوم الساعة ؟ فان ادعى علم ذلك فهو كاذب، فان قيام الساعة لم يطلع الله عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله متى تقوم الساعة ؟ انزل الله تعالي (يسألونك عن الساعة ايان مرسيها قل انما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السموات والارض لا تأتيكم الا بغتة يسئلونك كانك حفي عنها)

[ 250 ]

اي جاهل بها (1) قل لهم يا محمد (انما علمها عند الله ولكن اكثر الناس لا يعلمون) وقوله (ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) قال كنت اختار لنفسي الصحة والسلامة. واما قوله (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشيها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما اثقلت دعوا الله ربهما لان آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما


(1) لقد خالف المصنف (رح) في معنى هذه الكلمة سائر المفسرين حيث فسرها بالجاهل بها، وفسروها بالعالم بها، فالتفسيران متضادان ظاهرا، ويمكن ان يقال في مقام رفع التنافي بينهما ان معني " حفي عن الشي " انه استقصى في السؤال عنه، فبدؤه الجهل وختامه العلم، لان الجهل بالشئ ينشئ السؤال عنه ونتيجة الاستقصاء في السؤال العلم به غالبا، فكأن نظر المصنف (رح) إلى البداوة ونظر الذي فسرها بالعلم الي النهاية. وكلا المعنيين لهما ربط بالمقام الا ان الاول ارجح لان المستقصي في السؤال عن شئ لا يخلو من الجهل به قبل الاستقصاء وانه قد يخلو من العلم بعده إذا ليس كل مستقص عالما فالمعنى على تعبير المصنف (رح): ان مشركي قريش يسألونك عن الساعة كأنهم يحسبونك من الجهلاء الذين مدرك علمهم الناس، وقصدهم ان يعيروك لانك إذا عينت وقتها تكون كاذبا عند اليهود، وإذا فحمت عن الجواب يظهر جهلك عندهم والحال انك لست من الجهلاء الذين يسألون الناس عن كل شئ حتى إذا لم تجبهم عن هذه المسألة يكن لك عيبا بل انك كلما تعلم فهو من الله فعدم علمك بوقت الساعة ليس بعيب لك لان الله لم يخبرك به واختصه لنفسه كما قال " انما علمها عند الله لا يجليها لوقتها الا هو " ج. ز (*)

[ 251 ]

آتاهما) حدثني ابي قال حدثني الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان الاحول عن بريد العجلي عن ابي جعفر (ع) لما علقت حواء من آدم وتحرك ولدها في بطنها قالت لآدم ان في بطني شيئا يتحرك، فقال لها آدم الذي في بطنك نطفة مني استقرت في رحمك يخلق الله منها خلقا ليبلونا فيه فأتاها ابليس، فقال لها كيف انت ؟ فقالت له اما اني قد علقت وفي بطني من آدم ولد قد تحرك، فقال لها ابليس اما انك ان نويت ان تسميه عبد الحارث ولدتيه غلاما وبقي وعاش وان لم تنو ان تسميه عبد الحارث مات بعدما تلدينه بستة ايام، فوقع في نفسها مما قال لها شئ فاخبرت بما قال آدم، فقال لها آدم قد جاءك الخبيث لا تقبلي منه فاني ارجو ان يبقى لنا ويكون بخلاف ما قال لك، ووقع في نفس آدم مثل ما وقع في نفس حواء من مقالة الخبيث، فلما وضعته غلاما لم يعش الا ستة ايام حتى مات فقالت لآدم قد جاءك الذي قال لنا الحارث فيه، ودخلهما من قول الخبيث ما شككهما، قال فلم تلبث ان علقت من آدم حملا آخر فأتاها ابليس، فقال لها كيف انت ؟ فقالت له قد ولدت غلاما ولكنه مات اليوم السادس فقال لها الخبيث اما انك لو كانت نوبت ان تسميه عبد الحارث لعاش وبقي، وانما هو الذي في بطنك كبعض ما في بطون هذه الانعام التى بحضرتكم اما ناقة واما بقرة واما ضان واما معز فدخلها من قول الخبيث ما استمالها إلى تصديقه والركون إلى ما اخبرها الذي كان تقدم إليها في الحمل الاول، واخبرت بمقالته آدم فوقع في قلبه من قول الخبيث مثل ما وقع في قلب حواء " فلما اثقلت دعو الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهم صالحا " اي لم تلد ناقة أو بقرة أو ضانا أو معزا فأتاهما الخبيث، فقال لها كيف انت ؟ فقالت له قد ثقلت وقربت ولادتي، فقال اما انك ستندمين وترين من الذي في بطنك ما تكرهين ويدخل آدم منك ومن ولدك شئ لو قد ولدتيه ناقة أو بقرة أو ضانا أو معزا فاستمالها الي طاعته

[ 252 ]

والقبول لقوله، ثم قال لها اعلمي ان انت نويت ان تسميه عبد الحارث وجعلت لي فيه نصيبا ولدتيه غلاما سويا عاش وبقي لكم، فقالت فاني قد نويت ان اجعل لك فيه نصيبا، فقال لها الخبيث لا تدعي آدم حتى ينوي مثل ما نويتي ويجعل لى فيه نصيبا ويسميه عبد الحارث فقالت له نعم، فاقبلت على آدم فاخبرته بمقالة الحارث وبما قال لها ووقع في قلب آدم من مقالة ابليس ما خافه فركن إلى مقالة ابليس، وقالت حواء لآدم ائن انت لم تنو ان تسميه عبد الحارث وتجعل للحارث فيه نصيبا لم ادعك تقربني ولا تغشاني ولم يكن بيني وبينك مودة، فلما سمع ذلك منها آدم قال لها اما انك سبب المعصية الاولى وسيدليك بغرور قد تابعتك واجبت إلى ان اجعل للحارث فيه نصيبا وان اسميه عبد الحارث (1) فاسرا


(1) لا يخفى ان الحارث وان كان من اسامي ابليس لعنه الله كما يظهر من هذه الرواية، لكن له معان اخر ايضا كزارع الحرث والكاسب، وليس من قبيل " ابليس " أو " الشيطان " المختصين به، فانه لو كان كذلك لم يسم به اخيار الناس كحارث بن همام وحارث بن سراقة الذين كانا صحابيين جليلين لامير المؤمنين عليه السلام، فإذا لم يكن باس في التسمية بنفس الحارث كيف يكون التباس في النسمية بعبد الحارث لامكان ان اراد منه آدم (ع) هو الله لصدق الحارث بمعنى مخرج الحرث، عليه حقيقة واما قوله: اجعل للحارث فيه نصيبا معنا اجعل نصيبا في الطاعة لا في العبادة وهو المراد من شرك الطاعة في قول الامام (ع) الآتي ذكره فان قلت: كيف جاز لآدم ان جعل للشيطان نصيبا في واده ؟ وإذا جاز لم عاتبه الله تعالى بقوله: فلما آتاهم صالحا جعلا له شركاء قلت: كان ذلك جائزا لان الذي جعل للشيطان نصيبا في ولد آدم هو الله تعالى بقوله: وشاركهم في الاموال والاولاد، فإذا جعل آدم له فيهم نصيبا لم يكن = (*)

[ 253 ]

النية بينهما بذلك فلما وضعته سويا فرحا بذلك وامنا ما كان خافا من ان يكون ناقة أو بقرة أو ضانا أو معزا واملا ان يعيش لهما ويبقى ولا يموت في اليوم السادس فلما كان في اليوم السابع سمياه عبد الحارث. اخبرنا احمد بن ادريس عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن موسى ابن بكر عن الفضل عن ابي جعفر عليه السلام في قول الله " فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما " فقال هو آدم وحواء وانما كان شركهما شرك طاعة ولم يكن شرك عبادة فانزل الله على رسوله الله صلى الله عليه وآله (هو الذي خلقكم من نفس واحدة - إلى قوله - فتعالى الله عما يشركون) قال جعلا للحارث نصيبا في خلق الله ولم يكن اشركا ابليس في عبادة الله ثم قال (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) ثم احتج على اللمحدين فقال (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصرا ولا انفسهم ينصرون - إلى قوله وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون) ثم ادب الله رسوله صلى الله عليه وآله فقال (خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) ثم قال (واما ينزغنك من الشيطان نزغ) قال ان عرض في قلبك منه شئ ووسوسة (فاستعذ بالله انه سميع عليم) ثم قال (ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) قال وإذا ذكرهم الشيطان المعاصي وحملهم عليها يذكرون الله فاذاهم مبصرون، قال وإذا ذكرهم الشيطان واخوانهم من الجن (يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) اي لا يقصرون من


= مقدوحا الا ان آدم لما لم يكن له مقام كمقام الله حتى يجيز للشيطان في المشاركة كما اجاز الله، لم يكن سائغا له ان يرخصه بكذا خصوصا إذا كان مترشحا منه الانقياد للشيطان والرضا على طاعة ولده له فلذا عاتبه الله تعالى والله العالم. ج. ز (*)

[ 254 ]

تضليلهم (وإذا لم تأتهم بآية قالوا) قريش (لولا اجتبيتها) وجواب هذا في الانعام في قوله " قل لهم - يا محمد - لو ان عندي ما تستعجلون به " يعني من الآيات " لقضي الامر بيني وبينكم " وقوله في بني اسرائيل " وما نرسل بالآيات الا تخويفا " وقوله (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون) يعني في الصلاة إذا سمعت قراءة الامام الذي تأتم به فانصت (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) قال في الظهر والعصر (ودون الجهر من القول بالغدو والآصال) قال بالغداة والعشي (ولا تكن من الغافلين ان الذين عند ربك) يعني الانبياء والرسل والائمة (ع) (لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) سورة الانفال مدنية خمس وسبعون آية (بسم الله الرحمن الرحيم يسئلونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول واتقوا الله واصلحوا ذات بينكم واطيعو الله ورسوله ان كنتم مؤمنين) فحدثني ابي عن فضالة بن ايوب عن ابان بن عثمان عن اسحاق بن عمار قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الانفال فقال هي القرى التي قد خربت وانجلا اهلها فهي لله وللرسول وما كان للملوك فهو للامام وما كان من ارض الجزية لم يوجف (1) عليها بخيل ولا ركاب، وكل ارض لا رب لها والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى فما له من الانفال، وقال نزلت يوم بدر لما انهزم الناس كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله على ثلاث فرق، فصنف كانوا عند خيمة النبي صلى الله عليه وآله وصنف اغاروا علي النهب، وفرقة طلبت العدو واسروا وغنموا فلما جمعوا الغنائم والاسارى تكلمت الانصار في الاسارى فانزل الله تبارك وتعالي " ما كان لنبي


(1) اوجف دابته ايجافا جعله يعدو عدوا سريعا ج ز (الانفال) (*)

[ 255 ]

ان يكون له اسرى حتى يثخن (1) في الارض " فلما اباح الله لهم الاسارى والغنائم تكلم سعد بن معاذ وكان ممن اقام عند خيمة النبي صلى الله عليه وآله، فقال يارسول الله ما منعنا ان نطلب العدو زهادة في الجهاد ولا جبنا عن العدو ولكنا خفنا ان نعدو موضعك فتميل عليك خيل المشركين، وقد اقام عند الخيمة وجوه المهاجرين والانصار ولم يشك احد منهم والناس كثير يارسول الله والغنائم قليلة ومتى يعطي هؤلاء لم يبق لاصحاب شئ، وخاف ان يقسم رسول الله صلى الله عليه وآله الغنائم واسلاب القتلي بين من قاتل ولا يعطي من تخلف عليه عند خيمة رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا، فاختلفوا فيما بينهم حتى سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا لمن هذه الغنائم فانزل الله " يسئلونك عن الانفال قل الانفال لله وللرسول " فرجع الناس وليس لهم في الغنيمة شئ ثم انزل الله بعد ذلك (واعلموا ان ما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فقسم رسول الله صلى الله عليه وآله بينهم، فقال سعد بن ابي وقاص يا رسول الله ص أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف ؟ فقال النبي ص ثكلتك امك وهل تنصرون الا بضعفائكم ! قال فلم يخمس رسول الله ص ببدر وقسمه بين اصحابه ثم استقبل يأخذ الخمس بعد بدر، ونزل قوله " يسألونك عن الانفال " بعد انقضاء حرب بدر فقد كتب ذلك في اول السورة وكتب بعده خروج النبي صلى الله عليه وآله الي الحرب. (وقوله انما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم - إلى قوله - (لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) فانها نزلت في امير المؤمنين عليه السلام وابي ذر وسلمان والمقداد ثم ذكر بعد ذلك الانفال وقسمة الغنائم، خروج


(1) اي يغلب على الارض ويبالغ في قتل اعدائه (مجمع البحرين) (*)

[ 256 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله الي الحرب فقال (كما اخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كانما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) وكان سبب ذلك ان عيرا لقريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم، فامر رسول الله اصحابه بالخروج ليأخذوها فاخبرهم ان الله قد وعده احدى الطائفتين اما العير واما قريش ان اظفر بهم، فخرج في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما قارب بدر كان أبو سفيان في العير فلما بلغه ان الرسول صلى الله عليه وآله قد خرج يتعرض العير خاف خوفا شديدا ومضى إلى الشام فلما وافى البهرة (1) اكترى ضمضم الخزاعي بعشرة دنانير واعطاه قلوصا وقال له امض إلى قريش واخبرهم ان محمدا والصباة (2) من اهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فادركوا العير واوصاه ان يخرم ناقته ويقطع اذنها حتى يسيل الدم ويشق ثوبه من قبل ودبر فإذا دخل مكة ولى وجهه إلى ذنب البعير وصاح باعلي صوته يا آل غالب ! الطيمة اللطيمة العير العير (3) ادركوا ادركوا ! وما اراكم تدركون، فان محمدا والصباة من اهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم، فخرج ضمضم يبادر إلى مكة ورأت عاتكه بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة ايام كأن راكبا قد دخل مكة ينادي يا آل عذر يا آل فهر اغدوا إلى مصارعكم صبح ثالث ثم وافى بجملة على ابي قبيس فاخذ حجرا فدهده (4) من الجبل فما ترك من دور قريش الا اصابها منه فلذة وكان وادي مكة قد سال من اسفله دما فانتبهت ذعرة فاخبرت العباس بذلك فاخبر العباس عتبة بن ربيعة، فقال عتبة


(1) البهرة بالضم موضع بنواحي المدينة وموضع باليمامة. ق (2) جمع صبوة اي الجهلة. (3) السعير التى تحمل المسك ق (4) دهده الحجر اي دحرجه. (*)

[ 257 ]

مصيبة تحدث في قريش وفشت الرؤيا في قريش وبلغ ذلك ابا جهل فقال ما رأت عاتكة هذه الرؤيا وهذه نبية ثانية في بني عبد المطلب واللات والعزى لننتظر ثلاثة ايام فان كان ما رأت حقا فهو كما رأت وان كان غير ذلك لنكتبن بيننا كتابا انه ما من اهل بيت من العرب اكذب رجالا ولا نساءا من بني هاشم، فلما مضى يوم قال أبو جهل هذا يوم قد مضى فلما كان اليوم الثاني قال أبو جهل هذان يومان قد مضيا، فلما كان اليوم الثالث وافى ضمضم ينادي في الوادي " يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة العير العير ادركوا ادركوا وما اراكم تدركون فان محمدا والصباة من اهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم " فتصايح الناس بمكة وتهيئوا للخروج وقام سهيل بن عمرو وصفوان بن امية وابو البختري ابن هشام ومنية وبنية ابنا الحجاج ونوفل بن خويلد فقال يا معشر قريش والله ما اصابكم مصيبة اعظم من هذه ان يطمع محمد والصباة عن اهل يثرب ان يتعرضوا لعيركم التي فيها خزائنكم فوالله ما قرشي ولا قرشية الا ولها في هذه العير شئ فصاعدا وانه الذل والصغار ان يطمع محمد في اموالكم ويفرق بينكم وبين متجركم فاخرجوا، واخرج صفوان بن امية خمس مائة دينار وجهز بها، واخرج سهيل بن عمرو خمس مائة وما بقي احد من عظماء قريش الا اخرجوا مالا وحملوا وقووا واخرجوا على الصعب والذلول ما يملكون انفسهم كما قال الله تعالى: خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، وخرج معهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل ابن ابى طالب واخرجوا معهم القينان يشربون الخمر ويضربون بالدفوف ؟. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما كان بقرب بدر علي ليلة منها بعث بشير بن ابي الرعبا (بن ابي الدعناء خ ل) ومجد بن عمرو يتجسسان خبر العير فأتيا ماء بدر واناخا راحلتيهما ؟ واستعذبا من الماء، وسمعا جاريتين قد تشبثت احديهما بالاخرى وتطالبها بدرهم كان لها عليها فقالت


(1) النش بفتح النون وتشديد الشين نصف اوقية (عشرون درهما) مجمع (*)

[ 258 ]

عير قريش نزلت امس في موضع كذا وكذا وهى تنزل غدا هاهنا وانا اعمل لهم واقضيك، فرجع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إليه فاخبراه بما سمعا، فاقبل ابو سفيان بالعير فلما شارف بدر تقدم العير واقبل وحده حتى انتهى الي ماء بدر وكان بها جل من جهينية يقال له كسب الجهني فقال له ياكسب هل لك علم بمحمد واصحابه ؟ قال لا، قال واللات والعزى لان كتمتنا امر محمد لا يزال قريش معادية لك آخر الدهر فانه ليس احد من قريش الا وله في هذه العير النش فصاعدا فلا تكتمى، فقال والله مالي علم بمحمد وما بال محمد واصحابه بالتجار الا واني رأيت في هذا اليوم راكبين اقبلا واستعذبا من الماء واناخا راحلتيهما ورجعا فلا ادري من هما، فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ ابلهما ففت ابعار الابل بيده فوجد فيها النوى فقال هذه علايف يثرب هؤلاء عيون محمد، فرجع مسرعا وامر بالعير فاخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومروا مسرعين ونزل جبرئيل علي رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره ان العير قد افلتت وان قريشا قد اقبلت لتمنع عن عيرها وامره بالقتال ووعده النصر، وكان نازلا ماء الصفراء فاحب ان يبلو الانصار لانهم انما وعدوه ان ينصروه في الدار، فاخبرهم ان العير قد جازت وان قريشا قد اقبلت لتمنع عن عيرها وان الله قد امرني بمحاربتهم، فجزع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وخافوا خوفا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اشيروا علي، فقام الاول فقال يا رسول الله انها قريش وخيلاؤها (1) ما آمنت منذ كفرت ولا ذلت مند عزت، ولم تخرج علي هيئة الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله له اجلس فجلس قال اشيروا علي فقام الثاني فقال مثل مقالة الاول فقال صلى الله عليه وآله اجلس فجلس ثم


(1) الخيلاء بضم الخاء وفتح الياء: الكبر، وفي الحديث لا يدخل الجنة شيخ زان ولا جبار ازاره خيلاء. (*)

[ 259 ]

قام المقداد فقال يا رسول الله وانا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به حق من عند الله ولو امرتنا ان نخوض جمر الغضا وشوك الهراش (1) خضنا معك ولا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى " اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون " ولكنا نقول " امض لامر ربك فانا معك مقاتلون " فجزاه النبي صلى الله عليه وآله خيرا ثم جلس ثم قال اشيروا علي، فقام سعد بن معاذ، فقال بابى انت وامي يارسول الله كأنك اردتنا ؟ قال نعم قال فلعلك خرجت على امر قد امرت بغيره قال نعم قال بابي انت وامي يارسول الله انا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله فمرنا بما شئت وخذ من اموالنا ما شئت واترك منه ما شئت والذي اخذت منه احب الي من الذي تركت منه، والله لو امرتنا ان نخوض هذا البحر لخضناه معك، فجزاه خيرا ثم قال سعد بابي انت وامي يارسول الله والله ما خضت هذا الطريق قط ومالي به علم وقد خلفنا بالمدينة قوما ليس نحن باشد جهادا لك منهم ولو علموا انه الحرب لما تخلفوا ولكن نعد لك الرواحل ونلقى عدونا فانا نصبر عند اللقاء، انجاد في الحرب (2) وانا لنرجو ان يقر الله عينك بنا فان يك ما تحب فهو ذلك وان يكن غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أو يحدث الله غير ذلك، كأني بمصرع فلان ههنا وبمرصع فلان ههنا وبمصرع ابي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة ومنية وبنية ابني الحجاج فأن الله قد وعدني احدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد، فنزل جبرئيل عليه السلام علي رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية " كما اخرجك ربك من بيتك بالحق - إلى قوله - ولو كره المجرمون " فامر


(1) الغضا الواحدة منه غضاة شجر من الاثل جمرة تبقى زمنا طويلا، الهريشة نبات. جمعها الهراش (2) اي شجعان، وفي حديث علي عليه السلام: اما بنو هاشم فانجاد. ج ز (*)

[ 260 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل حتى نزل عشاءا علي ماء بدر وهى العدوة الشامية. واقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية، وبعثت عبيدها تستعذب من الماء فاخذهم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وحبسوهم، فقالوا لهم من انتم ؟ قالوا نحن عبيد قريش، قالوا فاين العير ؟ قالوا لا علم لنا بالعير، فاقبلوا يضربونهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فانقتل (1) من صلاته فقال ان صدقوكم ضربتموهم وان كذبوكم تركتموهم علي بهم، فاتوا بهم فقال لهم من انتم ؟ قالوا يا محمد نحن عبيد قريش، قال كم القوم قالوا لا علم لنا بعددهم، قال كم ينحرون في كل يوم جزورا ؟ قالوا تسعة أو عشرة، فقال صلى الله عليه وآله تسعمائة أو الف، ثم قال فمن فيهم من بني هاشم ؟ قال العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن ابي طالب، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله بهم فحبسوهم، وبلغ قريشا ذلك فخافوا خوفا شديدا، ولقي عتبة بن ربيعة ابا البختري بن هشام (بن هاشم بن عبد المطلب ك) فقال له اما ترى هذا البغي (2) والله ما ابصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد افلتت فجئنا بغيا وعدوانا، والله ما افلح قوم قط بغوا ولوددت ان ما في العير من اموال بني عبدمناف ذهب كله ولم نسر هذا الميسر، فقال له ابوالبختري انك سيد من سادات قريش، تحمل العير التي اصابها محمد صلى الله عليه وآله واصحابه بنخلة (بنخيلة خ ل) ودم ابن الحضرمي فانه حليفك، فقال عتبة انت علي بذلك وما علي احد منا خلاف الا ابن حنظلة يعني ابا جهل فسر إليه واعلمه اني قد تحملت العير التي قد اصابها محمد ودم ابن الحضرمي. فقال ابوالبختري فقصدت خباءه فإذا هو قد اخرج درعا له فقلت له ان


(1) اي صرف وجهه إليهم. (2) اي بغي المشركين ج. ز (*)

[ 261 ]

ابا الوليد بعثنى اليك برسالة، فغضب ثم قال اما وجد عتبة رسولا غيرك ؟ فقلت اما والله لو غيره ارسلني ما جئت ولكن ابا الوليد سيد العشيرة، فغضب اشد من الاولى، فقال تقول سيد العشيرة ! فقلت انا قوله ؟ وقريش كلها تقوله، انه قد تحمل العير ودم ابن الحضرمي، فقال ان عتبة اطول الناس لسانا وابلغهم في الكلام ويتعصب لمحمد فانه من بني عبد مناف وابنه معه، ويريد ان يحذر (يخذل ك) بين الناس لا واللات والعزى حتى نقتحم عليهم بيثرب ونأخذهم اسارى فندخلهم مكة وتتسامع العرب بذلك ولا يكونن بيننا وبين متجرنا احد نكرهه. وبلغ اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كثرة قريش ففزعوا فزعا شديدا وبكوا واستغائوا فانزل الله على رسوله (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين وما جعله الله الا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند الله ان الله عزيز حكيم) فلما مشى رسول الله صلى الله عليه وآله وجنه الليل القى الله علي اصحابه النعاس حتى ناموا وانزل الله تبارك وتعالى عليهم السماء وكان نزل الوليد في موضع لا يثبت فيه القدم فانزل الله عليهم السماء حتى تثبت اقدامهم علي الارض وهو قول الله تعالى (إذ يغشيكم النعاس امنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجس الشيطان) وذلك ان بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وآله احتلم (وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام) وكان المطر علي قريش مثل العزالى (1) وكان علي اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله رذاذا (2) بقدر ما لبد الارض. وخافت قريش خوفا شديدا فاقبلوا يتحارسون يخافون البيات فبعث


(1) جمع العزلاء: مصب الماء من الرواية اشارة إلى شدة المطر. (2) الرذاذ كالسحاب: المطر الضعيف. ق (*)

[ 262 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فقال ادخلا في القوم واتياني بأخبارهم، فكانا يجولان في عسكرهم لا يرون الا خائفا ذعرا إذا صهل الفرس وثب علي جحفلته (1) فسمعوا منبة بن الحجاج يقول: لا يترك الجزع (الجوع ط) لنا مبيتا * لا بد ان نموت أو نميتا قال صلى الله عليه وآله والله كانوا شباعى (سباعى) ولكنهم من الخوف قالوا هذا والقى الله على قلوبهم الرعب كما قال الله تعالى (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب) فلما اصبح رسول الله صلى الله عليه وآله عبأ اصحابه وكان في عسكره صلى الله عليه وآله فرسان فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد، وكان في عسكره سبعون جملا يتعاقبون عليها، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله ومرثد بن ابي مرثد الغنوي وعلى بن ابي طالب عليه السلام علي جمل يتعاقبون عليه والجمل لمرثد وكان في عسكر قريش اربعمائة فرس. فعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه بين يديه وقال غضوا ابصاركم لا تبدوهم بالقتال ولا يتكلمن احد، فلما نظر قريش إلى قلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قال ابو جهل: ما هم الا اكلة رأس ولو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم اخذا باليد، فقال عتبة بن ربيعة اترى لهم كمينا ومددا ؟ فبعثوا عمر بن وهب الجمحي، وكان فارسا شجاعا فجال بفرسه حتى طاف إلى معسكر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم صعد الوادي وصوت ثم رجع إلى قريش، فقال ما لهم كمين ولا مدد ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع، اما ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الافاعي (2) ما لهم ملجأ الا سيوفهم وما اراهم يولون حتى يقتلون، ولا يقتلون حتى يقتلون


(1) وهى لذي الحافر كالشفة لغيره. (2) تلمظ تتبع بلسانه لبقية الطعام في الفم واخرج لسانه فمسح شفته. (*)

[ 263 ]

بعددهم، فارتاؤا رأيكم، فقال أبو جهل كذبت وجبنت وانتفخ منخرك حين نظرت إلى سيوف يثرب. وفزع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حين نظروا إلى كثرة قريش وقوتهم فانزل الله على رسوله (وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله) وقد علم الله انهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السلم وانما اراد سبحانه بذلك ليطيب قلوب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قريش، فقال يا معشر قريش ما احد من العرب ابغض الي ممن بدأ بكم خلوني والعرب فان أك صادقا فانتم اعلي بي عينا وان اك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب امري فارجعوا، فقال عتبة والله ما افلح قوم قط ردوا هذا، ثم ركب جملا له احمر فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله يجول في العسكر وينهى عن القتال، فقال ان يكون عند احد خير فعند صاحب الجمل الاحمر فان يطيعوه يرجعوا ويرشدوا، فاقبل عتبة يقول يا معشر قريش اجتمعوا واستمعوا ثم خطبهم فقال يمن رحب فرحب مع يمن يا معشر قريش ! اطيعوني اليوم واعصوني الدهر وارجعوا الي مكة واشربوا الخمور وعانقوا الحور فان محمدا له ال (1) وذمة وهو ابن عمكم فارجعوا ولا تنبذوا رأيي وانما تطالبون محمدا بالعير التي اخذها محمد صلى الله عليه وآله بنخيلة ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله، فلما سمع أبو جهل ذلك عاظه (2) وقال ان عتبة اطول الناس لسانا وابلغهم في الكلام ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش آخر الدهر ثم قال يا عتبة ! نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سحرك (3) وتأمر الناس بالرجوع وقد رأينا ثارنا باعيننا، فنزل عتبة عن جمله وحمل علي ابي جهل


(1) الال بالكسر العهد (2) اداره في فيه (3) السحر والسحر والسحر: الرءة. ج ز (*)

[ 264 ]

وكان على فرس فاخذ بشعره فقال الناس يقتله، فمرقب فرسه وقال امثلي يجبن وستعلم قريش اليوم اينا ألام واجبن واينا المفسد لقومه، لا يمشي الا انا وانت إلى الموت عيانا ثم قال هذا حبائي وخياره فيه، وكل جان يده إلى فيه (ثم اخذ بشعره يجره ك) فاجتمع الناس فقالوا يا ابا الوليد الله الله لا تفت في اعضاد الناس (1) تنهى عن شئ وتكون اوله. فخلصوا ابا جهل من يده فنظر عتبة إلى اخيه شيبة، ونظر إلى ابنه الوليد، فقال قم يا بني فقام ثم لبس درعه وطلبوا له بيضة تسع رأسه، فلم يجدوها لعظم هامته، فاعتم بعمامتين ثم اخذ سيفه وتقدم هو واخوه وابنه، ونادى يا محمد اخرج الينا اكفاءنا من قريش. فبرز إليه ثلاثة نفر من الانصار عود ومعود وعوف من بني عفرا، فقال عتبة من انتم ؟ انتسبوا لنعرفكم فقالوا نحن بنو عفرا انصار الله وانصار رسول الله صلى الله عليه وآله، قالوا ارجعوا، فانا لسنا اياكم نريد، انما نريد الاكفاء من قريش، فبعث إليهم رسول الله ان ارجعوا فرجعوا وكره ان يكون اول الكرة بالانصار، فرجعوا ووقفوا موقفهم، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان له سبعون سنة، فقال له قم يا عبيدة ! فقام بين يديه بالسيف، ثم نظر إلى حمزة بن عبد المطلب، فقال قم يا عم ! ثم نظر إلى امير المؤمنين عليه السلام فقال له قم يا علي ! وكان اصغرهم، فقال فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم قد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد ان تطغي نور الله ويابي الله الا ان يتم نوره، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا عبيدة عليك بعتبة، وقال لحمزة عليك بشيبة. وقال لعلي عليك بالوليد بن عتبة، فمروا حتى اننهو إلى الفوم، فقال عتبة من انتم ؟ انتسبوا لنعرفكم،


(1) فت الشئ: كسره بالاصابع كسرا صغيرة ومنه فت الخبز في المرق ويقال فت في عضده، اي كسر قوته. (*)

[ 265 ]

فقال عبيدة: انا عبيدة بن حارث بن عبد المطلب، فقال كفو كريم فمن هذان ؟ قال حمزة بن عبد المطلب وعلي بن ابي طالب عليه السلام، فقال كفوان كريمان لعن الله من اوقفنا واياكم هذا الموقف، فقال شيبة لحمزة من انت ؟ فقال انا حمزة ابن عبد المطلب اسد الله واسد رسوله، وقال له شيبة لقد لقيت اسد الحلفاء فانظر كيف تكون صولتك يا اسد الله ! فحمل عبيدة على عتبة فضربه على راسه ضربة ففلق هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه قطعها، وسقطا جميعا، وحمل حمزة علي شيبة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما ؟، وكل واحد يتقى بدرقته (1) وحمل امير المؤمنين عليه السلام على الوليد بن عتبة فضربه على عاتقه فاخرج السيف من ابطه، فقال علي عليه السلام فاخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت ان السماء وقعت علي الارض، ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون يا علي اما ترى الكلب قد ابهر عمك، فحمل علي عليه السلام ثم قال يا عم طأطأ رأسك وكان حمزة اطول من شيبة فادخل حمزة رأسه في صدره فضربه امير المؤمنين عليه السلام علي رأسه فطير نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فاجهز عليه، وحمل عبيدة بين حمزة وعلي حتى اتيا به رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله واستعبر، فقال يارسول الله يا بي انت وامي الست شهيدا ؟ فقال بلي انت اول شهيد من اهل بيتي قال اما لو كان عمك حيا لعلم اني اولي بما قال منه، قال واي اعمامي تعني ؟ قال أبو طالب حيث يقول عليه السلام: كذبتم وبيت الله نبرأ محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل وننصره حتى نصرع حوله * ونذهل عن ابنائنا والحلائل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله وابنه الآخر في جهاد الله بارض الحبشة فقال يا رسول الله أسخطت علي في هذه الحالة


(1) الدرقة بفتحتين الترس. (*)

[ 266 ]

فقال ما سخطت عليك ولكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك. وقال أبو جهل لقريش لا تعجلوا ولا تبطروا كما عجل وبطر ابناء ربيعة، عليكم باهل يثرب فاجزروهم جزرا وعليكم بقريش فخذوهم اخذا حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ضلالتهم التي كانوا عليها وكان فتية من قريش اسلموا بمكة فاحتبسهم آباؤهم فخرجوا مع قريش إلى بدر وهم علي الشك والارتياب والنفاق منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وابو قيس بن الفاكهة والحارث بن ربيعة وعلي ابن امية بن خلف والعاص بن المنية، فلما نظروا إلى قلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا مساكين هؤلاء غرهم دينهم فيقتلون الساعة، فانزل الله علي رسوله ؟ (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فان الله عزيز حكيم) وجاء ابليس إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم انا جاركم ادفعوا الي رايتكم، فدفعوها إليه وجاء بشياطينه يهول بهم علي اصحاب رسول الله ويخيل إليهم ويفزعهم واقبلت قريش يقدمها ابليس معه الراية فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال غضوا ابصاركم وعضوا علي النواجذ ولا تسلوا سيفا حتى آذن لكم ثم رفع يده إلى السماء وقال " يا رب ان تهلك هذه العصانة ؟ لم تعبد وان شئت ان لا تعبد لا تعبد " ثم اصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه ويقول: هذا جبرئيل قد اتاكم في الف من الملائكة مردفين قال فنظرنا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لايح قد وقعت على عسكر رسول الله وقائل يقول اقدم حيزوم اقدم حيزوم ! وسمعنا قعقعة السلاح من الجو ونظر ابليس إلى جبرئيل فتراجع ورمى باللواء فاخذ منية بن الحجاج بمجامع ثوبة ثم قال ويلك ياسراقة تفت في اعضاد الناس فركله ابليس ركلة (1) في صدره وقال اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله وهو قول الله (واذ زين لهم الشيطان اعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص علي عقبيه


(1) الركل: الضرب برجل واحدة (*)

[ 267 ]

وقال اني برئ منكم اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب) ثم قال عزوجل (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم وذوقوا عذاب الحريق). قال وحمل جبرئيل علي ابليس فطلبه حتى غاص في البحر، وقال رب انجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم الدين، روي في الخبر ان ابليس التفت إلى جبرئيل وهو في الهزيمة فقال يا هذا أبدا لكم فيما اعطيتمونا ؟ فقيل لابي عبد الله عليه السلام أترى كان يخاف ان يقتله ؟ فقال لا ولكنه كان يضربه ضربا يشينه منها إلى يوم القيامة، وانزل علي رسوله صلى الله عليه وآله (إذ يوحي ربك إلى الملائكة اني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان) قال اطراف الاصابع، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد ان تطفئ نور الله ويأبي الله الا ان يتم نوره، وخرج أبو جهل من بين الصفين فقال ان محمدا صلى الله عليه وآله قطعنا الرحم واتانا بما لا نعرفه فاحنه (1) الغداة فانزل الله علي رسوله (ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وان تنتهوا فهو خير لكم وان تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وان الله مع المؤمنين) ثم اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفا من حصى فرمى به وجوه قريش وقال " شاهت الوجوه " فبعث الله رياحا تضرب في وجوه قريش فكانت الهزيمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم لا يفلتن فرعون هذه الامة أبو جهل بن هشام، فقتل منهم سبعون، واسر منهم سبعون، والتقى عمرو بن الجموح مع ابي جهل فصرب عمرو ابا جهل بن هشام علي فخذيه وضرب أبو جهل عمرو على يده فابانها من العضد فتعلقت بجلدة فاتكأ عمرو علي يده برجله ثم نزا في السماء حتى انقطعت


(1) يقال " حن عني شرك " اي كفه. (*)

[ 268 ]

الجلدة ورمى بيده، وقال عبد الله بن مسعود انتهيت إلى ابي جهل وهو يتشحط في دمه فقلت الحمد لله الذي اخزاك، فرفع رأسه فقال إنما اخزى الله عبد بن ام عبد الله لمن الدين ويلك قلت لله ولرسوله واني قاتلك ووضعت رجلي على عنقه فقال ارتقيت مرتقا صعبا يارويعي الغنم اما انه ليس شئ اشد من قتلك إياي في هذا اليوم الا تولى قتلي رجل من المطمئنين أو رجل من الاحلاف (1) فاقتلعت بيضة ؟ كانت على رأسه فقتلته واخذت رأسه وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت يا رسول الله البشرى هذا رأس ابي جهل بن هشام، فسجد لله شكرا واسر ابو بشر الانصاري العباس بن عبد المطلب وعقيل بن ابي طالب (ع) وجاء بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له هل اعانك عليهما احد ؟ قال نعم رجل عليه ثياب بياض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذاك من الملائكة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس افد نفسك وابن اخيك، فقال يا رسول الله قد كنت اسلمت ولكن القوم استكرهوني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اعلم باسلامك ان يكن ما تذكر حقا فان الله يجزيك عليه واما ظاهر امرك فقد كنت علينا ثم قال صلى الله عليه وآله يا عباس انكم خاصمتم الله فخصمكم، ثم قال افد نفسك وابن اخيك وقد كان العباس اخذ معه اربعين اوقية من ذهب فغنمها رسول الله صلى الله عليه وآله فلما قال صلى الله عليه وآله للعباس افد نفسك فقال يا رسول الله احسبها من فدائي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا، ذاك اعطانا الله منك، فافد نفسك وابن اخيك، فقال العباس فليس لي مال غير الذي ذهب مني، قال بلى المال الذي خلفته عند ام الفضل بمكة. فقلت لها ان حدث علي حدث فاقسموه بينكم. فقال ما تتركني إلا وانا اسئل الناس بكفي. فانزل


(1) وفى نسخة " الاجلاف " والجلف كالحلف: الاحمق، المطمئن من الارض: ما انخفض منها والمراد هنا الوضيع يعني لو تولى كل وضيع قتلى غيرك. ج. ز (*)

[ 269 ]

الله على رسوله في ذلك (يا ايها النبي قل لمن في ايديكم من الاسرى ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) ثم قال (وان يريدوا خيانتك - في علي - فقد خانوا الله من قبل فامكن منهم والله عليم حكيم) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعقيل. قد قتل الله يا ابا يزيد ابا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشبيب بن ربيعة ومنية وبنية ابني الحجاج ونوفل بن خويلد وسهيل بن عمرو والنظر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن ابي معيط وفلانا وفلانا، فقال عقيل إذا لا تنازع في تهامة فان كنت قد اثخنت القوم إلا فاركب اكتافهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله. وكان القتلى ببدر سبعين والاسرى سبعين قتل منهم امير المؤمنين (ع) سبعة وعشرين ولم يوسر احدا، فجمعوا الاسارى وقرنوهم في الجمال وساقوهم على اقدامهم وجمعوا الغنائم، وقتل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة رجال فمنهم سعد بن خثيمة وكان من النقباء فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل الاثيل عند غروب الشمس وهو من بدر علي ستة اميال فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عقبة بن ابي معيط والنضر بن الحارث بن كلدة وهما في قران واحد، فقال النضر لعقبة يا عقبة انا وانت من المقتولين فقال عقبة من بين قريش قال نعم لان محمدا قد نظر الينا نظرة رأيت فيها القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي علي بالنضر وعقبة وكان النضر رجلا جميلا عليه شعر فجاء علي فاخذ بشعره فجره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال النضر يا محمد اسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا اجريتني كرجل من قريش ان قتلتهم قتلتني وان فاديتهم فاديتني وان اطلقتهم اطلقتني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا رحم بينى وبينك قطع الله الرحم بالاسلام قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقال عقبة يا محمد ألم تقل لا تصبر قريش أي لا يقتلون صبرا، قال أفانت من قريش ؟ إنما أنت علج من اهل صفورية لانت في الميلاد اكبر من ابيك الذي تدعى له لست منها قدمه

[ 270 ]

يا علي فاضرب عنقه، فقدمه وضرب عنقه فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله النضر وعقبة خافت الانصار ان يقتل الاسارى كلهم فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتلنا سبعين واسرنا سبعين وهم قومك واساراك هبهم لنا يارسول الله وخذ منهم الفداء واطلقهم فانزل الله عليهم (ما كان النبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فاطلق لهم ان يأخذوا الفداء ويطلقوهم وشرط انه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذوا منهم الفداء فرضوا منه بذلك فلما كان يوم احد قتل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سبعون رجلا فقال من بقي من اصحابه يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الذي اصابنا وقد كنت تعدنا بالنصر ! فانزل الله عزوجل فيهم (أو لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها) ببدر قتلتم سبعين واسرتم سبعين (قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم) (1) بما اشترطتم. رجع الحديث إلى تفسير الآيات التي لم تكتب في قوله (وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم) قال العير أو قريش وقوله (وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم) قال ذات الشوكة الحرب قال تودون العير لا الحرب (ويريد الله ان يحق الحق بكلماته) قال الكلمات الائمة (ع) وقوله: (ذلك بانهم شاقوا الله ورسوله) اي عادوا الله ورسوله، ثم قال عزوجل (يا ايها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا) اي يدنوا بعضكم من بعض. (فلا تولوهم الادبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال) يعني يرجع (أو متحيزا إلى فئة) يعني يرجع إلى صاحبه وهو الرسول أو الامام، فقد كفرو (باء بغضب من الله وماواه جهنم وبئس المصير) ثم قال (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) اي انزل الملئكة حتى قتلوهم ثم قال (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) يعني الحصى الذي حمله


(1) آل عمران 165 (*)

[ 271 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله ورمى به في وجوه قريش وقال " شاهت الوجوه " ثم قال (ذلكم وان الله موهن كيد الكافرين) اي مضعف كيدهم وحيلتهم ومكرهم، وقوله (يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) قال الحياة الجنة وقوله (واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه) اي يحول بين ما يريد الله وبين ما يريده. حدثنا احمد بن محمد عن جعفر بن عبد الله عن كثير بن عياش عن ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) في قوله " يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " يقول ولاية علي بن ابي طالب (ع) فان اتباعكم إياه وولايته اجمع لامركم وابقى للعدل فيكم، واما قوله " واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه " يقول يحول بين المؤمن ومعصيته التي تقوده إلى النار ويحول بين الكافر وبين طاعته ان يستكمل به الايمان واعلموا ان الاعمال بخواتيمها، وقوله (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فهذه في اصحاب النبي صلى الله عليه وآله، قال الزبير يوم هزم اصحاب الجمل لقد قرأت هذه الآية وما احسب اني من اهلها حتى كان اليوم، لقد كنت اتقيها ولا اعلم اني من اهلها. رجع إلى تفسير علي بن ابراهيم قوله " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " قال نزلت في الزبير وطلحة لما حاربا امير المؤمنين (ع) وظلموه وقوله (واذكروا إذ انتم قليل مستضعفون في الارض تخافون ان يتخطفكم الناس فآواكم وايدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) نزلت في قريش خاصة وقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون) نزلت في ابي لبابة بن عبد المنذر فلفظ الآية عام ومعناها خاص وهذه الآية نزلت في غزوة بني قريظة في سنة خمس من الهجرة، وقد كتبت في هذه السورة مع اخبار بدر وكانت بدر على رأس ستة عشر شهرا

[ 272 ]

من مقدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة ونزلت مع الآية التي في سورة التوبة قوله " آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " الآية نزلت في ابي لبابة فهذا دليل على ان التأليف على خلاف ما انزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) في قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون " فخيانة الله والرسول معصيتهما واما خيانة الامانة فكل انسان مأمون على ما افترض الله عليه. رجع إلى تفسير علي بن ابراهيم قوله (يا أيها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) يعني العلم الذي تفرقون به بين الحق والباطل (ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم) وقوله (وإذا يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فانها نزلت بمكة قبل الهجرة وكان سبب نزولها انه لما اظهر رسول الله صلى الله عليه وآله الدعوة بمكة قدمت عليه الاوس والخزرج، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله تمنعوني وتكونون لي جارا حتى اتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة ؟ فقالوا نعم خذ لربك ولنفسك ما شئت، فقال لهم موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق فحجوا ورجعوا إلى منى، وكان فيهم ممن قد حج بشر كثير، فلما كان اليوم الثاني من ايام التشريق قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان الليل فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة ولا تنبهوا نائما ولينسل واحد فواحد، فجاء سبعون رجلا من الاوس والخزرج فدخلوا الدار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله تمنعوني وتجيروني حتى اتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة ؟ فقال سعد بن زرارة والبراء بن مغرور (معرور ط) وعبد الله بن حزام نعم با رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال اما ما اشترط لربي فان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا واشترط لنفسي ان تمنعوني مما تمنعون انفسكم وتمنعوا اهلي مما تمنعون اهاليكم

[ 273 ]

واولادكم، فقالوا ومالنا على ذلك ؟ فقال الجنة في الآخرة وتملكون العرب وتدين لكم العجم في الدنيا،... فقالوا قد رضينا، فقال اخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبا يكونون شهداء عليكم بذلك كما اخذ موسى من بني اسرائيل اثني عشر نقيبا فاشار إليهم جبرئيل فقال هذا نقيب هذا نقيب تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس فمن الخزرج سعد بن زرارة والبراء بن مغرور وعبد الله بن حزام و (وهوك) أبو جابر بن عبد الله ورافع بن مالك وسعد بن عبادة والمنذر بن عمر وعبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع وعبادة بن والصامت ومن الاوس أبو الهشيم بن التيهان وهو من اليمن واسد بن حصين وسعد ابن خثيمة، فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله صاح ابليس يا معشر قريش والعرب ! هذا محمد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم فاسمع اهل منى وهاجت قريش فاقبلوا بالسلاح وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله النداء فقال للانصار تفرقوا، فقالوا يا رسول الله ان امرتنا ان نميل عليهم باسيافنا فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لم اومر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم، قالوا أفتخرج معنا قال انتظر امر الله فجاءت قريش على بكره ابيها (1) قد اخذوا السلاح، وخرج حمزة وامير المؤمنين (ع) ومعهما السيوف فوقفا على العقبة فلما نظرت قريش اليهما قالوا ما هذا الذي اجتمعتم له ؟ فقال حمزة ما اجتمعنا وما ههنا احد والله لا يجوز هذه العقبة احد إلا ضربته بسيفي فرجعوا إلى مكة وقالوا لا نأمن من ان يفسد امرنا ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمد صلى الله عليه وآله، فاجتمعوا في الندوة وكان لا يدخل دار الندوة إلا من قد اتى عليه اربعون سنة، فدخلوا اربعون رجلا من مشايخ قريش، وجاء ابليس لعنه الله في صورة شيخ كبير فقال


(1) يقال جاء القوم على بكرة ابيهم: اي جاؤا جميعا لم يتخلف منهم احد ج. ز (*)

[ 274 ]

له البواب من أنت فقال انا شيخ من اهل نجد لا يعدمكم مني رأي صائب اني حيث بلغني اجتماعكم في امر هذا الرجل فجئت لاشير عليكم، فقال الرجل ادخل فدخل ابليس. فلما اخذوا مجلسهم قال أبو جهل يا معشر قريش انه لم يكن احد من العرب اعز منا، نحن اهل الله تغدو الينا العرب في السنة مرتين ويكرموننا ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد بن عبد الله فكنا نسميه الامين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته حتى إذا بلغ ما بلغ واكرمناه ادعى انه رسول الله صلى الله عليه وآله وان اخبار السماء تأتيه فسفه احلامنا وسب آلهتنا وافسد شبابنا وفرق جماعتنا وزعم انه من مات من اسلافنا ففي النار فلم يرد علينا شئ اعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأيا قالوا وما رأيت ؟ قال رأيت ان ندس إليه رجلا منا ليقتله، فان طلبت بنو هاشم بدمه اعطيناهم عشر ديات، فقال الخبيث هذا رأي خبيث قالوا وكيف ذلك ؟ قال لان قاتل محمد مقتول لا محالة فمن ذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم ؟ فانه إذا قتل محمد تغضب بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة وان بني هاشم لا ترضى ان يمشي قاتل محمد على الارض فيقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانوا. فقال آخر منهم فعندي رأي آخر، قال وما هو ؟ قال نثبته في ييت ونلقى إليه قوته حتى يأتي عليه ريب المنون فيموت كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس، فقال ابليس هذا اخبث من الآخر. قال وكيف ذلك ؟ قال لان بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم واجتمعوا عليكم فاخرجوه، قال آخر منهم لا ولكنا نخرجه من بلادنا ونتفرغ نحن لعبادة آلهتنا، قال ابليس هذا اخبث من الرأيين المتقدمين قالوا وكيف ذاك ؟ قال لانكم تعمدون إلى اصبح الناس وجها وانطق الناس لسانا وافصحهم لهجة فتحملونه إلى وادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه فلا يفجأكم

[ 275 ]

إلا وقد ملاها عليكم خيلا ورجلا، فبقوا حائرين ثم قالوا لابليس فما الرأي فيه يا شيخ ؟ قال ما فيه إلا رأي واحد، قالوا وما هو ؟ قال يجتمع من كل بطن من بطون قريش واحد ويكون معهم من بني هاشم رجل، فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها، فلا يستطيع بنو هاشم ان يطلبوا بدمه وقد شاركوا فيه، فان سألوكم ان تعطوا الدية فاعطوهم ثلاث ديات فقالوا نعم وعشر ديات، ثم قالوا الرأي رأي الشيخ النجدي، فاجتمعوا ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي، ونزل جبرئيل (ع) على رسول الله صلى الله عليه وآله واخبره ان قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك وانزل عليه في ذلك " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " واجتمعت قريش ان يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه وخرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت فانزل الله (وما كان صلوتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) فالمكاء التصفير والتصدية صفق اليدين وهذه الآية معطوفة على قوله " وإذ يمكر بك الذين كفروا " وقد كتبت. بعد آيات كثيرة. فلما امسى رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت قريش ليدخلوا عليه فقال أبو لهب لا ادعكم ان تدخلوا عليه بالليل فان في الدار صبيانا ونساءا ولا نأمن ان تقع بهم يد خاطئة فنحرسه الليلة، فإذا اصبحنا دخلنا عليه، فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وامر رسول الله صلى الله عليه وآله ان يفرش له ففرش له فقال لعلي بن ابي طالب افدني بنفسك، قال نعم يا رسول الله قال نم على فراشي والتحف ببردتي فنام علي على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله والتحف ببردته (1) وجاء جبرئيل فاخذ


(1) اقول وعند ذلك نزل جبرئيل بالآية: ومن الناس من يشري نفسه = (*)

[ 276 ]

بيد رسول الله صلى الله عليه وآله فاخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرأ عليهم " وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون " وقال له جبرئيل خذ على طريق ثور، وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور، فدخل الغار وكان من امره ما كان فلما اصبحت قريش واتوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش، فوثب علي في وجوههم، فقال ما شأنكم ؟ قالوا له اين محمد ؟ قال اجعلتموني عليه رقيبا ؟ الستم قلتم نخرجه من بلادنا، فقد خرج عنكم، فاقبلوا يضربون ابا لهب ويقولون أنت تخدعنا منذ الليلة، فتفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا له يا ابا كرز اليوم اليوم، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال هذه قدم محمد والله انها لاخت القدم التي في المقام وكان أبو بكر استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فرده معه، فقال أبو كرز وهذه قدم ابن ابي قحافة أو ابيه ثم قال وههنا عبر ابن ابي قحافة فما زال بهم حتى اوقفهم على باب الغار، ثم قال ما جاوزا هذا المكان اما ان يكونا صعدا إلى السماء أو دخلا تحت الارض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار ثم قال ما في الغار واحد فتفرقوا في الشعاب وصرفهم الله عن رسوله صلى الله عليه وآله ثم اذن لنبيه في الهجرة. وقوله (واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم) فانها نزلت لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لقريش ان


= ابتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد (البقرة 207) وقد ذكر القندوزي في الينا بيع وغيره قضية مباهاة الله على الملائكة من هذا الايثار والفداء العظيم الذي اظهره علي بن ابي طالب عليه السلام ليلة الهجرة فراجع. ج. ز (*)

[ 277 ]

الله بعثني ان اقتل جميع ملوك الدنيا واجر الملك اليكم فاجيبوني إلى ما ادعوكم إليه تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم وتكونوا ملوكا في الجنة، فقال ابو جهل اللهم ان كان هذا الذي يقوله محمد صلى الله عليه وآله هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء اوآتنا بعذاب اليم، حسدا لرسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال كنا وبنو هاشم كفرسي رهان نحمل إذا حملوا ونطعن إذا طعنوا ونوقد إذا اوقدوا (1) فلما استوى بنا وبهم الركب قال قائل منهم منا نبي، لا نرضى بذلك ان يكون في بني هاشم ولا يكون في بني مخزوم، ثم قال غفرانك اللهم فانزل الله في ذلك (وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) حين قال غفرانك اللهم، فلما هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله واخرجوه من مكة قال الله (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا اولياءه) يعني قريشا ما كانوا اولياء مكة (ان اولياؤه إلا المتقون) انت واصحابك يا محمد فعذبهم الله بالسيف يوم بدر فقتلوا، قال وحدثني ابي عن حنان بن سدير عن ابيه عن ابي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله مقامي بين اظهركم خير لكم فان الله يقول " وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم " ومفارقتي اياكم خير لكم فقالوا يارسول الله مقامك بين اظهرنا خير لنا فكيف تكون مفارقتك خيرا لنا ؟ قال اما ان مفارقتي اياكم خير لكم فان اعمالكم تعرض علي كل خميس واثنين فما كان من حسنة حمدت الله عليها وما كان من سيئة استغفرت الله لكم واما قوله (ان الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون) قال نزلت في قريش لما وافاهم ضمضم واخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب العير فاخرجوا اموالهم


(2) يقال " اوقدت بك زنادي " اي نجح بك امري. ج. ز (*)

[ 278 ]

وحملوا وانفقوا وخرجوا إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر فقتلوا وصاروا إلى النار وكان ما انفقوا حسرة عليهم وقوله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) اي كفرا وهى ناسخة لقوله " كفوا ايديكم " ولقوله " ودع اذاهم " قوله (واعلموا الجزء (10) انما غنتمهم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) وهو الامام (واليتامى والمساكين وابن السبيل) فهم أيتام آل محمد خاصة ومساكينهم وابناء سبيلهم خاصة فمن الغنيمة يخرج الخمس ويقسم علي ستة اسهم: سهم لله وسهم لرسول الله وسهم للامام، فسهم الله وسهم الرسول يرثه الامام (ع) فيكون للامام ثلاثة اسهم من ستة وثلاثة اسهم لايتام آل الرسول ومساكينهم وابناء سبيلهم، إنما صارت للامام وحده من الخمس ثلاثة اسهم لان الله قد الزمه ما ألزم النبي من تربية الايتام ومؤن المسلمين وقضاء ديونهم وحملهم في الحج والجهاد وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله لما انزل الله عليه " النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم " وهو اب لهم فلما جعله الله ابا للمؤمنين لزمه ما يلزم الوالد للولد فقال عند ذلك من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فعلى الوالي، فلزم الامام ما لزم الرسول فلذلك صار له من الخمس ثلاثة اسهم. قوله (واذ انتم بالعدوة (1) الدنيا وهم بالعدوة القصوى) يعني قريشا حيث نزلوا بالعدوة اليمانية ورسول الله صلى الله عليه وآله حيث نزل بالعدوة الشامية (والركب اسفل منكم) وهي العير التي افلتت ثم قال ولو تواعدتم للحرب لما وفيتم ولكن الله جمعكم من غير ميعاد كان بينكم (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) قال يعلم من بقي ان الله نصره وقوله (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو اريكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر) فالمخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله


(1) العدوة بضم العين وكسرها قرء بهما في السبعة: شاطي الوادي (مجمع) (*)

[ 279 ]

والمعنى لاصحابه اراهم الله قريشا في نومهم انهم قليل ولو اراهم كثيرا لفزعوا. حدثنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبد الكريم بن عبد الرحيم عن محمد بن على عن محمد بن الفضيل عن ابي حمزة عن ابي جعفر صلوات الله عليه في قوله (ان شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون) قال أبو جعفر (ع) نزلت في بني امية فهم شر خلق الله هم الذين كفروا في باطن القرآن فهم لا يؤمنون قوله (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل عام مرة) فهم اصحابه الذين فروا يوم احد قوله (واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على السواء) نزلت في معاوية لما خان امير المؤمنين (ع) قوله (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة) قال السلاح قوله (وان جنحوا للسلم فاجنح لها) قال هي منسوخة بقوله " ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الاعلون والله معكم " نزلت هذه الآية اعني قوله " وان جنحوا للسلم " قبل نزول قوله " يسئلونك عن الانفال " وقبل الحرب، وقد كتبت في آخر السورة بعد انقضاء اخبار بدر وقوله (وان يريدوا ان يخدعوك فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين والف بين قلوبهم لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم انه عزيز حكيم) قال نزلت في الاوس والخزرج. وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال ان هؤلاء قوم كانوا معه من قريش فقال الله " فان حسبك الله هو الذي ايدك بنصره وبالمؤمنين والف بين قلوبهم " إلى آخر الآية فهم الانصار كان بين الاوس والخزرج حرب شديد وعداوة في الجاهلية فالف الله بين قلوبهم ونصر بهم نبيه صلى الله عليه وآله فالذين الف بين قلوبهم هم الانصار خاصة، رجع إلى رواية علي بن ابراهيم قوله (يا ايها النبي حرض المؤمنين علي القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا الفا) قال كان الحكم في اول النبوة في اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ان

[ 280 ]

الرجل الواحد وجب عليه ان يقاتل عشرة من الكفار، فان هرب منهم فهو الفار من الزحف (1) والمائة يقاتلون الفا ثم علم الله ان فيهم ضعفا لا يقدرون على ذلك فانزل الله (ألآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) ففرض الله عليهم ان يقاتل رجل من المؤمنين رجلين من الكفار فان فر منهما فهو الفار من الزحف، فان كانوا ثلاثة من الكفار وواحد من المسلمين ففر المسلم منهم فليس هو الفار من الزحف، وقوله (ان الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا اولئك بعضهم اولياء بعض) فان الحكم كان في اول النبوة ان المواريث كانت على الاخوة لا على الولادة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة آخا بين المهاجرين وبين الانصار فكان إذا مات الرجل برثه اخوه في الدين ويأخذ المال وكان ما ترك له دون ورثته، فلما كان بعد ؟ بدر انزل الله " النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا ان تفعلوا إلى اوليائكم معروفا " فنسخت آية الاخوة بقوله " اولوا الارحام بعضهم اولى ببعض " قوله (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) فانها نزلت في الاعراب وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله صالحهم علي ان يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا إلى المدينة وعلى انه ان ارادهم رسول الله صلى الله عليه وآله غزا بهم وليس لهم في الغنيمة شئ واوجبوا على النبي انه ان ارادهم الاعراب من غيرهم أو دهاهم دهم من عدوهم ان ينصرهم إلا على قوم بينهم وبين الرسول عهد وميثاق إلى مدة (والذين كفروا بعضهم اولياء بعض) يعني هم يوالي بعضهم بعضا ثم قال (إلا تفعلوه) يعني ان لم تفعلوه فوضع حرف مكان حرف (تكن فتنة في الارض وفساد كبير)


(1) الزحف: الجيش. ق (*)

[ 281 ]

ثم قال (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاولئك منكم واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) قال نسخت قوله " والذين عقدت ايمانكم فاتوهم نصيبهم ". سورة التوبة مدنية مأة وتسع وعشرون آية (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) قال حدثني ابي عن محمد بن الفضيل عن ابى الصباح الكنانى عن ابى عبد الله عليه السلام قال نزلت هذه الآية بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة تبوك في سنة سبع من الهجرة قال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة وكان سنة في العرب في الحج انه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحل له امساكها وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، وكان من وافى مكة يستعير ثوبا ويطوف فيه ثم يرده ومن لم يجد عارية اكترى ثيابا ومن لم يجد عارية ولا كراءا ولم يكن له إلا ثوب واحد طاف بالبيت عريانا فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوبا عارية أو كراءا فلم تجده، فقالوا لها ان طفت في ثيابك احتجت ان تتصدقي بها فقالت وكيف اتصدق بها وليس لي غيرها فطافت بالبيت عريانة، واشرف عليها الناس فوضعت احدى يديها على قبلها والاخرى على دبرها فقالت مرتجزة: اليوم يبدو بعضه أو كله * فما بدا منه فلا احله فلما فرغت من الطواف خطبها جماعة فقالت ان لي زوجا. وكانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله قبل نزول سورة البراءة ان لا يقاتل إلا من قاتله ولا يحارب إلا من حاربه واراده وقد كان نزل عليه في ذلك من الله

[ 282 ]

عزوجل " فان اعتزلوكم ولم يقاتلوا كم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (1) " فكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يقاتل احدا قد تنحى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة البراءة وامره الله بقتل المشتركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلا الذين قد كان عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة إلى مدة، منهم صفوان بن امية وسهيل ابن عمرو، فقال الله عزوجل " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض اربعة اشهر " ثم يقتلون حيث ما وجدوا فهذه اشهر السياحة عشرون من ذى الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشرة من شهر ربيع الآخر، فلما نزلت الآيات من اول براءة دفعها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ابي بكر وامره ان يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر، فلما خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا محمد لا يؤدي عنك إلا رجل منك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله امير المؤمنين عليه السلام في طلبه فلحقه بالروحا فاخذ منه الآيات فرجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ءأنزل الله في شئ ؟ قال لا ان الله امرني ان لا يؤدي عني إلا انا أو رجل مني. قال فحدثني ابي عن محمد بن الفضيل عن ابي الحسن الرضا قال قال امير المؤمنين عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله امرني ان ابلغ عن الله ان لا يطوف بالبيت عريان ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام وقرأ عليهم " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض اربعة اشهر " فاحل الله للمشركين الذين حجوا تلك السنة اربعة اشهر حتى يرجعوا إلى مأمنهم ثم يقتلون حيث وجدوا، قال وحدثني ابي عن فضالة بن ايوب عن ابان بن عثمان عن حكيم بن جبير عن علي بن الحسين عليهما السلام في قوله (واذان من الله ورسوله) قال الاذان امير المؤمنين عليه السلام وفي حديث آخر قال امير المؤمنين عليه السلام كنت انا الاذان في الناس وقوله (يوم الحج الاكبر) قال هو يوم النحر ثم


(1) النساء 89. (*)

[ 283 ]

استثنى عزوجل فقال (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم احدا فاتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ان الله يحب المتقين فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد - إلى قوله - غفور رحيم) ثم قال (وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه) قال إقرأ عليه وعرفه لا تتعرض له حتى يرجع إلى مأمنه واما قوله (وان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ائمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون) فانها نزلت في اصحاب الجمل وقال امير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل والله ما قاتلت هذه الفئة الناكثة إلا بآية من كتاب الله عزوجل يقول الله " وان نكثوا ايمانهم من بعد بعهدهم وطعنوا في دينكم إلى آخر الآية " فقال امير المؤمنين عليه السلام في خطبته الزهراء: والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله غير مرة ولا اثنتين ولا ثلاث ولا اربع فقال يا علي ! انك ستقاتل بعدي الناكثين والمارقين والقاسطين أفاضيع ما امرني به رسول الله صلى الله عليه وآله أو أكفر بعد اسلامي ؟ " وقوله (ام حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) اي لما ير فاقام العلم مقام الرؤية لانه قد علم قبل ان يعلموا. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) يعني بالمؤمنين آل محمد والوليجة البطانة (1) وقال على بن ابراهيم في قوله (ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على انفسهم بالكفر) اي لا يعمروا وليس لهم ان يقيموا وقد اخرجوا رسول الله صلى الله عليه وآله منه ثم قال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر. الآية) وهي محكمة واما قوله (أجعلتم سفاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن


(1) اي خاصته وما يتخذه معتمدا عليه. (مجمع) (*)

[ 284 ]

آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله) فانه حدثني ابي عن صفوان عن ابن مسكان عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام قال نزلت في على وحمزة والعباس وشيبة قال العباس انا افضل لان سقاية الحاج بيدي وقال شيبة انا افضل لان حجابة البيت بيدي وقال حمزة انا افضل لان عمارة البيت بيدي وقال علي أنا افضل آمنت قبلكم ثم هاجرت وجاهدت فرضوا برسول الله صلى الله عليه وآله حكما فانزل الله " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام إلى قوله عنده اجر عظيم ". وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال نزلت هذه الآية في علي ابن ابي طالب عليه السلام قوله " كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين " ثم وصف علي بن ابي طالب عليه السلام (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله باموالهم وانفسهم اعظم درجة عند الله واولئك هم الفائزون) ثم وصف ما لعلي عليه السلام عنده فقال (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها ابدا ان الله عنده اجر عظيم) قوله (قل ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها) يقول اكتسبتموها. وقال علي بن ابراهيم لما اذن امير المؤمنين عليه السلام بمكة ان لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام جزعت قريش جزعا شديدا وقالوا ذهبت تجارتنا وضاعت عيالنا وخربت دورنا فانزل الله عزوجل في ذلك قل يا محمد (ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بامره والله لا يهدي القوم الفاسقين) قوله (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) حدثني محمد بن عمير قال كان المتوكل قد اعتل علة شديدة

[ 285 ]

فنذر ان عافاه الله ان يتصدق بدنانير كثيرة أو قال بدراهم كثيرة فعوفي، فجمع العلماء فسألهم عن ذلك فاختلفوا عليه، قال احدهم عشرة آلاف وقال بعضهم مائة الف فلما اختلفوا قال له عبادة ابعث إلى ابن عمك على بن محمد بن على الرضا عليهم السلام فاسأله فبعث إليه فسأله فقال الكثير ثمانون، فقالوا له رد إليه الرسول فقل من اين قلت ذلك ؟ فقال من قوله تعالى لرسوله " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " وكانت المواطن ثمانين موطنا، وقال علي بن ابراهيم في قوله (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) فانه كان سبب غزوة حنين انه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فتح مكة اظهر انه يريد هوازن وبلغ الخبر هوازن فتهيئوا وجمعوا الجموع والسلاح واجتمعوا رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النضري فرأسوه عليهم وخرجوا وساقوا معهم اموالهم ونساءهم وذراريهم ومروا حتى نزلوا باوطاس وكان دريد بن الصمة الجشمي في القوم وكان رئيس جشم وكان شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر فلمس الارض بيده فقال في اي واد انتم ؟ قالوا بوادي اوطاس قال نعم مجال خيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس (1) مالي اسمع رغاء البعير ونهيق الحمير وخوار البقر وثغاء الشاة وبكاء الصبي، فقالوا له ان مالك بن عوف ساق مع الناس اموالهم ونساءهم وذراريهم ليقاتل كل امرئ عن نفسه وماله واهله، فقال دريد: راعي ضأن ورب الكعبة ! ماله وللحرب، ثم قال ادعوهم لى مالكا فلما جاءه قال له يا مالك ما فعلت ؟ قال سقت مع الناس اموالهم ونساءهم وابناءهم ليجعل كل رجل اهله وماله وراء ظهره فيكون اشد


(1) الحزن: ما غلظ من الارض، الضرس: الامكنة الخشنة، الدهس: المكان السهل. (*)

[ 286 ]

لحربه، فقال يا مالك انك اصبحت رئيس قومك وانك تقاتل رجلا كبيرا وهذا اليوم لما بعده ولم تضع في تقدمة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا (1) ويحك وهل يلوي المنهزم على شئ ؟ اردد بيضة هوازن إلى عليا بلادهم وممتنع محالهم وابق الرجال على متون الخيل فانه لا ينفعك إلا رجل بسيفه ودرعه وفرسه فان كانت لك لحق بك من وراؤك وان كانت عليك لا تكون قد فضحت في اهلك وعيالك، فقال له مالك انك قد كبرت وذهب علمك وعقلك فلم يقبل من دريد فقال دريد ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا لم يحضر منهم أحد قال غاب الجد والحزم لو كان يوم علا وسعادة ما كانت تغيب كعب ولا كلاب قال فمن حضرها من هوازن ؟ قالوا عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال ذانك الجذعان لا ينفعان ولا يضران ثم تنفس دريد وقال حرب عوان ليتني فيها جذع احب فيها واضع اقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع. (2) وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله اجتماع هوازن باوطاس فجمع القبائل ورغبهم في الجهاد ووعدهم النصر وان الله قد وعده ان يغنمه اموالهم ونساءهم وذراريهم فرغب الناس وخرجوا على راياتهم وعقد اللواء الاكبر ودفعه إلى امير المؤمنين عليه السلام وكل من دخل مكة براية امره ان يحملها، وخرج في اثنى عشر الف رجل عشرة آلاف ممن كانوا معه. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال وكان معه من بني سليم الف رجل رئيسهم عباس بن مرداس السلمي ومن مزينة، الف رجل، رجع الحديث إلى علي بن ابراهيم قال فمضوا حتى كان من القوم على مسيرة بعض ليلة قال وقال مالك بن عوف لقومه ليصير كل رجل منكم اهله وماله خلف ظهره واكسروا


(1) اي لم تخف في عرض جميغة هوزان على سيوف العدو. (2) (العوان الحرب الشديدة) الجذع الشاب اخب واضع أي اسرع، الزمع الرعدة التى تكون عند الخوف، والصدع من الظباء والحمر: الفتى الشاب القوى. ج. ز (*)

[ 287 ]

جفون سيوفكم واكمنوا في شعاب هذا الوادي وفي الشجر فإذا كان في غلس الصبح فاحملوا حملة رجل واحد وهدوا القوم فان محمدا لم يلق احدا يحسن الحرب قال فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الغداة انحدر في وادي حنين وهو واد له انحدار بعيد وكانت بنو سليم على مقدمة فخرجت عليها كتائب هوازن من كل ناحية فانهزمت بنو سليم وانهزم من ورائهم ولم يبق أحد إلا انهزم وبقى امير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم في نفر قليل ومر المنهزمون برسول الله صلى الله عليه وآله لا يلوون على شئ وكان العباس أخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله عن يمينه وابو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب عن يساره فاقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ينادي يا معشر الانصار إلى اين المفر ؟ ألا انا رسول الله فلم يلو أحد عليه وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو التراب في وجوه المنهزمين وتقول: اين تفرون عن الله وعن رسوله ؟ ومر بها عمر فقالت له ويلك ما هذا الذي صنعت ؟ فقال لها هذا امر الله فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة ركض يحوم على بغلته قد شهر سيفه، فقال يا عباس اصعد هذا الطرب (1) وناد يا أصحاب البقرة ! ويااصحاب الشجرة ! إلى اين تفرون هذا رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله يده فقال: اللهم لك الحمد واليك المشتكى وانت المستعان، فنزل جبرئيل عليه السلام عليه فقال له يارسول الله دعوت بما دعا به موسى حين فلق الله له البحر ونجاه من فرعون ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي سفيان بن الحارث ناولني كفا من حصى فناوله فرماه في وجوه المشركين ثم قال شاهت الوجوه ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: " اللهم ان تهلك هذه العصابة لم تعبد وان شئت ان لا تعبد لا تعبد " فلما سمعت الانصار نداء العباس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم يقولون لبيك ومروا برسول الله صلى الله عليه وآله واستحيوا ان يرجعوا إليه ولحقوا بالراية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس من هؤلاء يا ابا الفضل ؟


(1) الطرب ككتف فرس النبي صلى الله عليه وآله ق (*)

[ 288 ]

فقال يارسول الله هؤلاء الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الآن حمي الوطيس (1) ونزل النصر من السماء وانهزمت هوازن فكانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو وانهزموا في كل وجه وغنم الله رسوله اموالهم ونساءهم وذراريهم وهو قول الله " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ". وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ثم انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وانزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا) وهو القتل (وذلك جزاء الكافرين) قال وقال رجل من بني نضر بن معاوية يقال له شجرة بن ربيعة للمؤمنين وهو اسير في ايديهم اين الخيل البلق والرجال عليهم الثياب البيض ؟ فانما كان قتلنا بايديهم وما كنا نريكم فيهم إلا كهيئة الشامة قالوا تلك الملائكة قوله (يا ايها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وان خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء ان الله عليم حكيم) وهي معطوفة علي قوله " قل ان كان آباؤكم الآية " قوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا بدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) حدثنا محمد بن عمير وقال حدثني ابراهيم بن مهزيار عن اخيه علي بن مهزيار عن اسماعيل بن سهل عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة قال قلت لابي عبد الله عليه السلام ما حد الجزية على اهل الكتاب وهل عليهم في ذلك شئ يوصف لا ينبغي ان يجوز إلى غيره ؟ فقال ذلك إلى الامام يأخذ من كل انسان منهم ما شاء على قدر ماله ما يطيق إنما هم قوم فدوا انفسهم من ان يستعبدوا أو يقتلوا فالجزية تؤخذ منهم ما يطيقون له أن يؤخذ منهم بها حتى يسلموا فان الله قال " حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون " (قلت ط) وكيف يكون صاغرا وهو لا يكترث لما يؤخذ منه (قال ط) لا حتى يجد ذلا لما اخذ منه فيتألم لذلك فيسلم وفي رواية


(1) الوطيس التنوراى اشتدت الحرب ق. (*)

[ 289 ]

ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله والمسيح بن مريم) اما المسيح فعصوه وعظموه في انفسهم حتى زعموا انه إله وانه ابن الله وطائفة منهم قالوا ثالث ثلاثة وطائفة منهم قالوا هو الله واما احبارهم ورهبانهم فانهم اطاعوهم واخذوا بقولهم واتبعوا ما امروهم به ودانوا بهم بما دعوهم إليه فاتخذوهم اربابا بطاعتهم لهم وتركهم ما امر الله وكتبه ورسله فنبذوه وراء ظهورهم وما امرهم به الاحبار والرهبان اتبعوه واطاعوهم وعصموا الله وإنما ذكر هذا في كتابنا لكى نتعظ بهم فعير الله بني اسرائيل بما صنعوا يقول الله (وما امروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون). قال علي بن ابراهيم في قوله (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) فانها نزلت في القائم من آل محمد وهو الذي ذكرناه مما تأويله بعد تنزيله وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم) فان الله حرم كنز الذهب والفضة وامر بانفاقه في سبيل الله وقوله (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) قال كان أبو ذر الغفاري يغدو كل يوم وهو بالشام وينادي باعلى صوته بشر اهل الكنوز بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي في الظهور ابدا حتى يتردد الحر في اجوافهم وقال علي بن ابراهيم في قوله (ان عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم) فالآن يعد الحرم منها ذوالقعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة متواليات ورجب مفرد وحرم الله فيها القتال. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (وقاتلوا المشركين

[ 290 ]

كافة) يقول جميعا كما يقاتلونكم كافة وقال على بن ابراهيم في قوله (انما النسئ زيادة في الكفر الخ) فانه كان سبب نزولها ان رجلا من كنانة كان يقف في الموسم فيقول قد احللت دماء المحدين ؟ من طى وخثعم في شهر المحرم وانسأته وحرمت بدله صفر فإذا كان العام المقبل يقول قد احللت صفر وانسأته وحرمت بدله شهر المحرم فانزل الله " انما النسى زيادة في الكفر - إلى قوله - زين لهم سوء اعمالهم " وقوله (الا تنصروه فقد نصره الله إذا خرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا) فانه حدثنى ابى عن بعض رجاله رفعه إلى ابى عبد الله قال لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار قال لفلان كانى انظر إلى سفينة جعفر في اصحابه يقوم في البحر وانظر إلى الانصار محتسبين في افنيتهم فقال فلان وتراهم يارسول الله قال نعم قال فارنيهم فمسح على عينيه فرآهم (فقال في نفسه الآن صدقت انك ساحر ط) فقال له رسول الله انت الصديق وقوله (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا) قول رسول الله صلى الله عليه وآله (والله عزيز حكيم) وقوله (انفروا خفافا وثقالا) قال شبابا وشيوخا يعنى إلى غزوة تبوك وفى رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (لو كان عرضا قريب) يقول غنيمة قريبة (لاتبعوك) وقال علي بن ابراهيم في قوله (ولكن بعدت عليهم الشقة) يعني إلى تبوك وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يسافر سفرا ابعد منه ولا اشد منه وكان سبب ذلك ان الصيافة كانوا يقدمون المدينة من الشام معهم الدرموك (1) والطعام وهم الانباط فاشاعوا بالمدينة ان الروم قد اجتمعوا يريدون غزوة رسول الله صلى الله عليه وآله في عسكر عظيم وان هرقل قد سار في جنود رحلت معهم غسان وجذام (حزام ك) وبهراء (فهرا ك) وعاملة وقد قدم عساكره البلقاء ونزل هو حمص، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه بالتهيؤ إلى تبوك وهي من بلاد البلقاء وبعث إلى القبائل حوله والي مكة والى من اسلم من خزاعة ومزينة وجهينة فحثهم على الجهاد، وامر رسول الله صلى الله عليه وآله بعسكره وضرب في ثنية الوداع وامر اهل الجدة (2) ان يعينوا من لا قوة به ومن كان عنده شئ اخرجه وحملوا وقووا وحثوا على ذلك وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد ان حمد الله واثنى عليه: " ايها الناس ان اصدق الحديث كتاب الله واولى القول كلمة التقوى وخير الملل ملة ابراهيم،


(1) البساط والثوب. (2) اي الاغنياء. (*)

[ 291 ]

وخير السنن سنة محمد، واشرف الحديث ذكر الله، واحسن القصص هذا القرآن وخير الامور عزايمها وشر الامور محدثاتها واحسن الهدى الانبياء، واشرف القتل قتل الشهداء، واعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر والهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا (1) ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن اعظم خطايا اللسان الكذب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما القي في القلب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول (2) من جمر جهنم، والسكر جمر النار والشعر من ابليس، والخمر جماع الاثم، والنساء حبائل ابليس، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل اكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن امه، وانما يصير أحدكم إلى موضع اربعة اذرع، والامر إلى آخره وملاك العمل خواتيمه واربا الربى الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسق، وقتال المؤمن كفر، واكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن توكل على الله كفاه، ومن صبر ظفر، ومن يعف يعف الله عنه. ومن كظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصم يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه، اللهم اغفر لي ولامتي اللهم اغفر لي ولامتى استغفر الله لي ولكم " قال فرغبوا الناس في الجهاد لما سمعوا هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وقدمت القبائل من العرب ممن استنفرهم، وقعد عنه قوم من المنافقين ولقي


(1) اي بطيئا. (2) أي الخيانة (*)

[ 292 ]

رسول الله الجد بن قيس (1) فقال له: يا ابا وهب ! ألا تنفر معنا في هذه الغزاة ؟ لعلك ان تستحفد (2) من بنات الاصغر (3) فقال يارسول الله والله ان قومي ليعلمون انه ليس فيهم احد اشد عجبا بالنساء مني واخاف ان خرجت معك ان لا اصبر إذا رأيت بنات الاصفر فلا تفتني وائذن لي ان اقيم، وقال لجماعة من قومه لا تخرجوا في الحر فقال ابنه: ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وتقول له ما تقول ! ثم تقول لقومك لا تنفروا في الحر والله لينزلن في هذا قرآنا تقرأه الناس إلى يوم القيامة فانزل الله على رسوله في ذلك (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين) ثم قال الجد بن القيس أيطمع محمد ان حرب الروم مثل حرب غيرهم لا يرجع من هؤلاء احد ابدا وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ان تصبك حسنة تسوءهم وان تصبك مصيبة) اما الحسنة فالغنيمة والعافية واما المصيبة فالبلاء والشدة (يقولوا قد اخذنا امرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولينا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) وقوله (قل هل تربصون بنا إلا احدى الحسنيين) يقول الغنيمة والجنة إلى قوله (انا معكم متربصون) ونزل ايضا في الجد بن قيس في رواية علي بن ابراهيم لما قال لقومه لا تخرجوا في الحر (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا ان يجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم اشد حرا لو كانوا يفقهون - إلى قوله - وماتوا وهم فاسقون) ففضح الله الجد بن قيس واصحابه فلما اجتمع لرسول الله صلى الله عليه وآله الخيول رحل من ثنية الوداع وخلف امير المؤمنين


(1) وفى ط الحر بن قيس وهو خطأ وان كان كلاهما صحابيين غير ممدوحين لكن المراد هنا هو الجد وفى قاموس الرجال ناقلا عن جماعة: انه يظن فيه النفاق وكل من حضر الحديبية بايع النبي صلى الله عليه وآله الاجد بن قيس فانه استتر تحت ناقة النبي ص (اقول) هذا عمله وذاك - أي الاستهزاء برسول الله عند ذكره بنات الاصفر - قوله أبعد اللتيا والتى يبقى المجال ان يقال فيه " يظن فيه النفاق (2) الاستحفاد والاستخدام (3) اسم اطلقه العرب على الغربيين لاسيما على اليونان والروم. ج. ز (*)

[ 293 ]

عليه السلام على المدينة فاوجف المنافقون بعلي عليه السلام فقالوا ما خلفه الا تشأما به فبلغ ذلك عليا فاخذ سيفه وسلاحه ولحق برسول الله صلى الله عليه وآله بالجرف، فقال له رسول الله يا علي ألم اخلفك علي المدينة ؟ قال نعم ولكن المنافقين زعموا انك خلفتني تشأما بي، فقال كذب المنافقون يا علي أما ترضى ان تكون اخى وانا اخوك بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي وان كان بعدى نبى لقلت انت وأنت خليفتي في امتي وانت وزيري واخى في الدنيا والآخرة، فرجع علي عليه السلام إلى المدينة وجاء البكاؤن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهم سبعة من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير قد شهد بدرا لا اختلاف فيه ومن بنى واقف هدمي (هرمي ط مدعى ك) بن عمير ومن بنى جارية علية بن زيد (يزيد خ ل) وهو الذي تصدق بعرضه وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله امر بصدقة فجعل الناس يأتون بها فجاء علية فقال يا رسول الله والله ما عندي ما اتصدق به وقد جعلت عرضي حلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبل الله صدقتك ومن بني مازن بن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ومن بني سلمة عمرو بن غنمة (عتمة ط) ومن بني زريق سلمة بن صخر ومن بني العرياض ناصر بن سارية السلمى هؤلاء جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يبكون فقالوا يارسول الله ليس بنا قوة ان تخرج معك فانزل الله فيهم (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذ ما اتوك لتحملهم قلت لا اجد ما احملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) قال وإنما سألوا هؤلاء البكاؤن نعلا يلبسونها ثم قال (إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم اغنياء رضوا بان يكونوا مع الخوالف) والمستأذنون ثمانون رجلا من قبائل شتى والخوالف النساء. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) في قوله (عفى الله عنك لم اذنت

[ 294 ]

لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) يقول تعرف اهل الغدر والذين جلسوا بغير عذر وفي رواية علي بن ابراهيم قوله (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر - إلى قوله - ما زادوكم إلا خبالا) اي وبالا (ولا وضعوا خلالكم) أي يهربوا عنكم. وتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوم من اهل ثبات وبصائر لم يكن يلحقهم شك ولا ارتياب ولكنهم قالوا نلحق برسول الله صلى الله عليه وآله منهم أبو خثيمة وكان قويا وكانت له زوجتان وعريشتان فكانت زوجتاه قد رشتا عريشتيه وبردتا له الماء وهيئتا له طعاما، فاشرف على عريشته، فلما نظر اليهما قال والله، ما هذا بانصاف رسول الله صلى الله عليه وآله فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قد خرج في الصخ (1) والريح وقد حمل السلاح مجاهدا في سبيل الله وابو خثيمة قوي قاعد في عريشته وامرأتين حسناوتين لا والله ما هذا بانصاف ثم اخذ ناقته فشد عليها رحله فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله فنظر الناس إلى راكب على الطريق فاخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كن ابا خثيمة، فاقبل واخبر النبي بما كان منه فجزاه خيرا ودعا له. وكان أبو ذر رحمه الله تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام وذلك ان جمله كان اعجف (2) فلحق بعد ثلاثة ايام به ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه علي ظهره فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كن أبا ذر فقالوا هو أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ادركوه بالماء فانه عشطان فادركوه بالماء ووافى أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه اداوة فيها ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا اباذر معك ماء وعطشت ؟ فقال نعم يارسول الله بابي انت وامي انتهيت


(1) الداهية. (2) أي هزل (*)

[ 295 ]

إلى صخرة وعليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد، فقلت لا اشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله: " يا ابا ذر أرحمك الله تعيش وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك، وتدخل الجنة وحدك، يسعد بك قوم من اهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك " فلما سير به عثمان إلى الربذة فمات بها ابنه ذر، فوقف على قبره فقال رحمك الله ياذر لقد كنت كريم الخلق بارا بالوالدين وما علي في موتك من غضاضة وما بي إلى غير الله من حاجة، وقد شغلني الاهتمام لك عن الاغتمام بك، ولولا هول المطلع لاحببت ان اكون مكانك، فليت شعري ما قالوا لك وما قلت لهم، ثم رفع يده فقال: اللهم انك فرضت لك عليه حقوقا وفرضت لي عليه حقوقا فاني قد وهبت له ما فرضت لي عليه من حقوقي فهب له ما فرضت عليه من حقوقك فانك اولى بالحق واكرم مني. وكانت لابي ذر غنيمات يعيش هو وعياله منها فأصابها داء يقال له النقار (1)، فماتت كلها فاصاب اباذر وابنته الجوع فماتت اهله، فقالت ابنته اصابنا الجوع وبقينا ثلاثة أيام لم نأكل شيئا فقال لي ابي يا بنية قومي بنا إلى الرمل نطلب القت وهو نبت له حب فصرنا إلى الرمل فلم نجد شيئا فجمع ابي رملا ووضع رأسه عليه ورأيت عينه قد انقلبت، فبكيت وقلت له يا ابت كيف اصنع بك وانا وحيدة ؟ فقال يا بنتي لا تخافي فاني إذا مت جاءك من اهل العراق من يكفيك امري، فانه اخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك. فقال يا اباذر تعيش وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك وتدخل الجنة وحدك يسعد بك اقوام من اهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك ودفنك فإذا انا مت فمدي الكساء على وجهي ثم اقعدي على طريق العراق فإذا اقبل ركب فقومي إليهم وقولي هذا ابو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله قد توفي، قال فدخل إليه قوم من اهل الربذة فقالوا يا ابا ذر ما تشتكي ؟ قال ذنوبي قالوا فما تشتهي ؟ قال رحمة ربي قالوا فهل لك


(1) النقار كالغراب داء الماشية كالطاعون. ق (*)

[ 296 ]

بطبيب ؟ قال الطبيب امرضني قالت ابنته فلما عاين ؟ الموت سمعته يقول مرحبا بحبيب اتى على فاقة لا افلح من ندم اللهم خنقني خناقك فوحقك انك لتعلم اني احب لقاءك قالت ابنته فلما مات مددت الكساء على وجهه ثم قعدت على طريق العراق فجاء نفر فقلت لهم يا معشر المسلمين هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله قد توفي فنزلوا ومشوا يبكون فجاءوا فغسلوه وكفنوه ودفنوه وكان فيهم الاشتر فروي انه قال دفنته في حلة كانت معي قيمتها اربعة آلاف درهم فقالت ابنته فكنت اصلي بصلاته واصوم بصيامه فبينما انا ذات ليلة نائمة عند قبره إذ سمعته يتهجد بالقرآن في نومي كما كان يتهجد به في حياته فقلت يا ابة ماذا فعل بك ربك ؟ فقال يا بنية قدمت على رب كريم فرضي عني ورضيت عنه، واكرمني وحباني فاعملي فلا تغتري. وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله بتبوك رجل يقال له المضرب من كثرة ضرباته التي اصابته ببدر واحد، فقال له رسول الله عد لي اهل العسكر فعددهم فقال هم خمسة وعشرون الف رجل سوى العبيد والتباع، فقال عد المؤمنين فعددهم فقال هم خمسة وعشرون رجلا، وقد كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوم من المنافقين وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق منهم كعب بن مالك الشاعر ومرادة بن الربيع وهلال بن امية الواقفي (الموافقى ط) فلما تاب الله عليهم قال كعب ما كنت قط اقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى تبوك وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك اليوم وكنت اقول اخرج غدا اخرج بعد غد فاني قوي وتوانيت وبقيت بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله اياما ادخل السوق فلا اقضي حاجة فلقيت هلال بن امية ومرادة بن الربيع وقد كانا تخلفا ايضا فتوافقنا ان نبكر إلى السوق ولم نقض حاجة فما زلنا نقول نخرج غدا بعد غد حتى بلغنا اقبال رسول الله فندمنا فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلناه نهنئه بالسلامة فسلمنا

[ 297 ]

عليه فلم يرد علينا السلام واعرض عنا وسلمنا على اخواننا فلم يردوا علينا السلام فبلغ ذلك اهلونا فقطعوا كلامنا وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا احد ولا يكلمنا فجئن نساؤنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلن قد بلغنا سخطك على ازواجنا فتعتزلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تعتزلنهم ولكن لا يقربوكن، فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم قالوا ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله ولا اخواننا ولا اهلونا فهلموا نخزج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت، فخرجوا إلى ذناب جبل بالمدينة فكانوا يصومون وكان اهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم، فبقوا على هذا اياما كثيرة يبكون بالليل والنهار ويدعون الله ان يغفر لهم فلما طال عليهم الامر، قال لهم كعب يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله قد سخط علينا واهلونا واخواننا قد سخطوا علينا فلا يكلمنا احد فلم لا يسخط بعضنا على بعض ؟ فتفرقوا في الليل وحلفوا ان لا يكلم احد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه فبقوا على هذه ثلاثة ايام كل واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلمه فلما كان في الليلة الثالثة ورسول الله صلى الله عليه وآله في بيت ام سلمة نزلت توبتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله (لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) قال الصادق عليه السلام هكذا نزلت (1) وهو أبو ذر وابو خثيمة وعمر بن وهب الذين تخلفوا ثم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال في هؤلاء الثلاثة (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) فقال العالم (ع) إنما انزل " وعلى الثلاثة الذين خالفوا " ولو خلفوا لم


(1) وفي المصحف لفظة " على النبي والمهاجرين " مكان " بالنبي على المهاجرين ". ج. ز (*)

[ 298 ]

يكن عليهم عيب (حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت) حيث لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ولا اهلوهم فضاقت عليهم المدينة حتى خرجوا منها وضاقت عليهم انفسهم حيث حلفوا ان لا يكلم بعضهم بعضا فتفرقوا وتاب الله عليهم لما عرف من صدق نياتهم، وقوله في المنافقين قل لهم يا محمد (انفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم انكم كنتم قوما فاسقين - إلى قوله - وتزهق انفسهم وهم كافرون) وكانوا يحلفون لرسول الله صلى الله عليه وآله انهم مؤمنون فانزل الله (ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات) يعني غارات في الجبال (أو مدخلا) قال موضعا يلتجئون إليه (لولوا إليه وهم يجمحون) اي يعرضون عنكم وقوله (ومنهم من يلمزك في الصدقات فان اعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) فانها نزلت لما جاءت الصدقات وجاء الاغنياء وظنوا ان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسمها بينهم فلما وضعها في الفقراء تغامزوا رسول الله صلى الله عليه وآله ولمزوه وقالوا نحن الذين نقوم في الحرب ونغزو معه ونقوي امره ثم يدفع الصدقات إلى هؤلاء الذين لا يعينونه ولا يغنون عنه شيئا فانزل الله (ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا إلى الله راغبون) ثم فسر الله الصدقات لمن هي وعلى من تجب فقال (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) فاخرج الله من الصدقات جميع الناس إلا هذه الثمانية الاصناف الذين سماهم الله، وبين الصادق عليه السلام منهم فقال الفقراء هم الذين لا يسألون وعليهم مؤنات من عيالهم والدليل على انهم هم الذين لا يسألون قول الله في سورة البقرة " للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس الحافا " والمساكين هم اهل الزمانة من العميان

[ 299 ]

والعرجان والمجذومين وجميع الاصناف الزمنى الرجال والنساء والصبيان " والعاملين عليها " هم السعاة والجباة في اخذها وجمعها وحفظها حتى يردوها إلى من يقسها " والمؤلفة قلوبهم " قوم وحدوا لله ولم تدخل المعرفة في قلوبهم من ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم ويعلمهم كيما يعرفوا فجعل الله لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) قال المؤلفة قلوبهم أبو سفيان ابن حرب بن امية وسهيل بن عمرو وهو من بني عامر بن لوي وهمام بن عمرو واخوه وصفوان بن امية بن خلف القرشي ثم الجشمي الجمحي والاقرع بن حابس التميمي ثم عمر احد بني حازم وعيينة بن حصين الفزاري ومالك بن عوف وعلقمة بن علاقة، بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعطي الرجل منهم مائة من من الابل ورعاتها واكثر من ذلك واقل، رجع إلى تفسير على بن ابراهيم في قوله " وفي الرقاب " قوم قد لزمهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وقتل الصيد في الحرم وفي الايمان وليس عندهم ما يكفرون وهم مؤمنون فجعل الله لهم منها سهما في الصدقات ليكفر عنهم " والغارمين " قوم قد وقعت عليهم ديون انفقوها في طاعة الله من غير اسراف فيجب على الامام ان يقضي ذلك عنهم ويفكهم من مال الصدقات " وفي سبيل الله " قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المسلمين ليس عندهم ما يحجون به أو في جميع سبل الخير فعلى الامام ان يعطيهم من مال الصدقات حتى ينفقوا به على الحج والجهاد و " ابن السبيل " ابناء الطريق الذين يكونون في الاسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب ما لهم فعلى الامام ان يردهم إلى اوطانهم من مال الصدقات، والصدقات تتجزى ثمانية اجزاء فيعطى كل انسان من هذه الثمانية على قدر ما يحتاجون إليه بلا اسراف ولا تقتير يقوم في ذلك الامام يعمل بما فيه الصلاح.

[ 300 ]

وقوله (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) فانه كان سبب نزولها ان عبد الله بن نفيل كان منافقا وكان يقعد لرسول الله صلى الله عليه وآله فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين وينم عليه، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا محمد ان رجلا من المنافقين ينم عليك وينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من هو ؟ فقال الرجل الاسود الكثير شعر الرأس ينظر بعينين كأنهما قدران وينطق بلسان شيطان، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره فخلف انه لم يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبلت منك فلا تقعد فرجع إلى اصحابه فقال ان محمدا أذن اخبره الله انى انم عليه وانقل اخباره فقبل واخبرته اني لم افعل ذلك فقبل فانزل الله على نبيه " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " اي يصدق الله فيما يقول له ويصدقك فيما تعتذر إليه في الظاهر ولا يصدقك في الباطن وقوله " ويؤمن للمؤمنين " يعني المقرين بالايمان من غير اعتقاد وقوله (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) فانها نزلت في المنافقين الذين كانوا يحلفون للمؤمنين انهم منهم لكي يرضى عنهم المؤمنين فقال الله (والله ورسوله احق ان يرضوه ان كانوا مؤمنين) وقوله (يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا ان الله مخرج ما تحذرون) قال كان قوم من المنافقين لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى تبوك كانوا يتحدثون فيما بينهم ويقولون أيرى محمد ان حرب الروم مثل حرب غيرهم لا يرجع منهم احد ابدا، فقال بعضهم ما اخلفه ان يخبر الله محمدا بما كنا فيه وبما في قلوبنا وينزل عليه بهذا قرآنا يقرأه الناس وقالوا هذا على حد الاستهزاء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار بن ياسر الحق القوم فانهم قد احترقوا فلحقهم عمار فقال ما قلتم قالوا ما قلنا شيئا انما كنا نقول شيئا على حد اللعب والمزاح فانزل الله (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بانهم كانوا مجرمين). وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) في قوله " لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم " قل هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين ارتابوا وشكوا

[ 301 ]

ونافقوا بعد ايمانهم وكانوا اربعة نفر وقوله " ان نعف عن طائفة منكم " كان أحد الاربعة محتبر (نحشى ط) بن الحمير واعترف وناب وقال يا رسول الله اهلكني اسمي فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن عبد الرحمن فقال يا رب اجعلني شهيد حيث لا يغلم احد اين انا فقتل يوم اليمامة ولم يعلم احد اين قتل فهو الذي عفى الله عنه قال علي بن ابراهيم ذكر المنافقين فقال (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض - إلى قوله - ولكن كانوا انفسهم يظلمون) فانه محكم ثم ذكر المؤمنين فقال (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار) الآية محكمة وقوله (يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) قال إنما نزلت " يا ايها النبي جاهد الكفار بالمنافقين " لان النبي صلى الله عليه وآله لم يجاهد المنافقين بالسيف. قال حدثني ابى عن ابن ابى عمير عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) قال جاهد الكفار والمنافقين بالزام الفرائض وقوله (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم) قال نزل في الذين تحالفوا في الكعبة ألا يردوا هذا الامر في بني هاشم فهى كلمة الكفر ثم قعدوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة وهموا بقتله وهو قوله " وهموا بما لم ينالوا " حدثنا (1) احمد بن الحسن التاجر قال حدثنا الحسن بن على بن عثمان الصوفى قال حدثنا زكريا بن محمد عن محمد بن على عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما اقام رسول الله صلى الله عليه وآله امير المؤمنين يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين وهم فلان وفلان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص وابو عبيدة وسالم مولى ابى حذيفه والمغيره بن شعبة قال الثاني اما ترون عينه كانما عينا مجنون يعنى النبي الساعة يقوم ويقول قال لى ربى فلما قام قال ايها الناس من اولى بكم من انفسكم قالوا الله ورسوله قال اللهم فاشهد ثم قال الا من كنت مولاه فعلى مولاه وسلموا عليه بامرة المؤمنين فنزل جبرئيل واعلم رسول الله بمقالة القوم فدعاهم وسألهم فانكروا وحلفوا فانزل الله (يحلفون بالله ما قالوا الخ) ثم ذكر البخلاء وسماهم منافقين وكاذبين فقال (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله - إلى قوله اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر ع قال هو ثعلبة بن خاطب بن


(1) هذه الرواية واردة في الصافى بعينها ج ز (*)

[ 302 ]

عمرو بن عوف كان محتاجا فعاهد الله فلما آتاه الله بخل به، ثم ذكر المنافقين فقال (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجويهم وان الله علام الغيوب) واما قوله (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم) فجاء سالم بن عمير الانصاري بصاع من تمر فقال يارسول الله كنت ليلتي اجيرا لجرير حتى نلت صاعين تمرا اما احدهما فامسكته واما الآخر فاقرضه ربي، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله ان ينثره في الصدقات، فسخر منه المنافقون وقالوا والله ان الله يغني عن هذا الصاع ما يصنع الله بصاعه شيئا ولكن ابا عقيل اراد ان يذكر نفسه ليعطى من الصدقات فقال: (سخر الله منهم ولهم عذاب اليم) قوله (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) قال علي بن ابراهيم انها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ومرض عبد الله ابن ابي وكان ابنه عبد الله بن عبد الله مؤمنا فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وابوه يجود بنفسه فقال يا رسول الله بابي انت وامي انك ان لم تأت ابي كان ذلك عارا علينا، فدخل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله والمنافقون عنده، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله يارسول الله استغفر له فاستغفر له، فقال الثاني ألم ينهك الله يارسول الله ان تصلى عليهم أو تستغفر لهم فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله فاعاد عليه فقال له ويلك انى خيرت فاخترت ان الله يقول " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بابي انت وامي يا رسول الله ان رأيت ان تحضر جنازته فحضره رسول الله صلى الله عليه وآله وقام على قبره فقال له الثاني يا رسول الله ألم ينهك الله ان تصلي على احد منهم مات ابدا وان تقوم على قبره ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله ويلك وهل تدري ما قلت ؟ انما قلت اللهم احش قبره نارا وجوفه نارا واصله النار، فبدا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن يحب. قال ولما قدم النبي صلى الله عليه وآله من تبوك كان اصحابه المؤمنون يتعرضون للمنافقين ويؤذونهم وكانوا يحلفون لهم انهم على الحق وليس هم بمنافقين لكي

[ 303 ]

يعرضوا عنهم ويرضوا عنهم فانزل الله (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا الجزء (11) عنهم فاعرضوا عنهم انهم رجس وماويهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فان ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) ثم وصف الاعراب فقال (الاعراب اشد كفرا ونفاقا واجدر ان لا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله والله عليم حكيم ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مفرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) ثم ذكر السابقين فقال (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) وهم النقباء ابو ذر والمقداد وسلمان وعمار ومن آمن وصدق وثبت على ولاية امير المؤمنين عليه السلام (والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم) وقوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم) نزلت في ابي لبابة بن عبد المنذر وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لما حاصر بني قريظة قالوا له ابعث الينا ابا لبابة نستشيره في امرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا أبا لبابة ائت حلفاءك ومواليك فأتاهم فقالوا له يا أبا لبابة ما ترى تنزل على حكم محمد ؟ فقال انزلوا واعلموا ان حكمه فيكم هو الذبح واشار إلى حلقه ثم ندم على ذلك، فقال خنت الله ورسوله ونزل من حصنهم ولم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومر إلى المسجد وشد في عنقه حبلا ثم شده إلى الاسطوانة التي تسمى اسطوانة التوبة وقال لا احله حتى اموت أو يتوب الله علي، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله فقال اما لو اتانا لاستغفرنا الله له، فاما إذا قصد إلى ربه فالله اولى به، وكان ابو لبابة يصوم النهار ويأكل بالليل ما يمسك به رمقه فكانت ابنته تأتيه بعشائه وتحله عند قضاء الحاجة فلما كان بعد ذلك ورسول الله صلى الله عليه وآله في بيت ام سلمة نزلت توبته فقال يا ام سلمة، قد ناب الله على ابي لبابة، فقالت يارسول الله

[ 304 ]

افأوذنه بذلك ؟ فقال لتفعلن، فاخرجت رأسها من الحجرة، فقالت يا ابا لبابة ابشر لقد تاب الله عليك، فقال الحمد لله فوثب المسلمون ليحلوه فقال لا والله حتى يحلني رسول الله فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا ابا لبابة قد تاب الله عليك توبة لو ولدت من امك يومك هذا لكفاك، فقال يا رسول الله أفأتصدق بمالي كله ؟ قال لا قال فبثلثيه قال لا قال فبنصفه قال لا قال فبثلثه قال نعم فانزل الله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ألم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وان الله هو التواب الرحيم) حدثني ابي عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) المؤمنون ههنا الائمة الطاهرون صلوات الله عليهم وعن محمد بن الحسن الصفار عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان اعمال ؟ العباد تعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله كل صباح ابرارها وفجارها فاحذروا فليستحيي احدكم ان يعرض على نبيه العمل القبيح، وعنه صلوات الله عليه وآله قال ما من مؤمن يموت أو كافر يوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى امير المؤمنين عليه السلام وهلم جرا إلى آخر من فرض الله طاعته فذلك قوله " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " واما قوله (وآخرون مرجون لامر الله اما يعذبهم واما يتوب عليهم) قال فانه حدثني ابي عن يحيى بن ابي عمران عن يونس عن ابى الطيار قال قال أبو عبد الله عليه السلام المرجون لامر الله قوم كانوا مشركين قتلوا حمزة وجعفر واشباههما من المؤمنين ثم دخلوا بعد ذلك في الاسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك ولم يعرفوا الايمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة ولم يكونوا على جحودهم فتجب لهم النار فهم على تلك الحالة مرجون لامر الله

[ 305 ]

اما يعذبهم واما يتوب عليهم وقوله (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا) فانه كان سبب نزولها انه جاء قوم من المنافقين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله اتأذن لنا ان نبني مسجدا في بني سالم للعليل والليلة المطيرة والشيخ الفاني فاذن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على الخروج إلى تبوك فقالوا يارسول الله لو اتيتنا فصليت فيه قال صلى الله عليه وآله انا على جناح السفر فإذا وافيت ان شاء الله اتيته فصليت فيه فلما اقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من تبوك نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد وابي عامر الراهب وقد كانوا حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله انهم يبنون ذلك للصلاح والحسنى فانزل الله على رسوله (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) يعني ابا عامر الراهب كان يأتيهم فيذكر رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه (وليحلفن ان ارادنا إلا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون لا تقم فيه ابدا لمسجد اسس على التقوى من اول يوم) يعني مسجد قبا (احق ان تقوم فيه فيه رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المتطهرين) قال كانوا يتطهرون بالماء وقوله (افمن اسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير من اسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال مسجد ضرار الذى " اسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم " قال علي ابن ابراهيم قوله (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلى ان تقطع قلوبهم) إلى في موضع حتى تنقطع قلوبهم (والله عليم حكيم) فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله مالك بن الدجشم (دجشم خ ل) الخزاعي وعامر بن عدي اخا بني عمرو بن عوف على ان يهدموه ويحرقوه فجاء مالك فقال لعامر انتظرني حتى اخرج نارا من منزلي فدخل فجاء بنار واشعل في سعف النخل ثم اشعله في المسجد فتفرقوا وقعد زيد ابن حارثة حتى احترقت البلية ثم امر بهدم حايطه.

[ 306 ]

واما قوله (ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة) قال نزلت في الائمة فالدليل على ان ذلك فيهم خاصة حين مدحهم وحلاهم ووصفهم بصفة لا يجوز في غيرهم فقال (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله) فالآمرون بالمعروف هم الذين يعرفون المعروف كله صغيره وكبيره ودقيقه وجليه والناهون عن المنكر هم الذين يعرفون المنكر كله صغيره وكبيره والحافظون لحدود الله هم الذين يعرفون حدود الله صغيرها وكبيرها ودقيقها وجليها ولا يجوز ان يكون بهذه الصفة غير الائمة عليهم السلام قال حدثني ابي عن بعض رجاله قال لقي الزهري علي بن الحسين عليه السلام في طريق الحج فقال له يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته واقبلت على الحج ولينته ان الله يقول " ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " قال له علي بن الحسين انهم الائمة فقال " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين " فقال علي ابن الحسين عليه السلام إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم افضل من الحج وقوله (ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى) اي ولو كانوا قراباتهم وقوله (وما كان استغفار ابراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه) قال ابراهيم لابيه ان لم تعبد الاصنام استغفرت لك فلما لم يدع الاصنام تبرأ منه ابراهيم (ان ابراهيم لاواه حليم) اي دعاء، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال الاواه المتضرع إلى الله في صلاته وإذا خلا في قفرة في (من خ ل) الارض وفي الخلوات.

[ 307 ]

وقوله (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) يقول كونوا مع علي بن ابى طالب وآل محمد عليهم السلام والدليل على ذلك قول الله " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه " فهو حمزة " ومنهم من ينتظر " وهو علي بن ابى طالب عليه السلام يقول الله " وما بدلوا تبديلا " وقال الله تعالى " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " وهم آل محمد عليهم السلام قال علي ابن ابراهيم في قوله " يا ايها آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " هم الائمة عليهم السلام وهو معطوف على قوله " وبشر المؤمنين " وقوله (ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بانفسهم عن نفسه ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ) أي عطش (ولا نصب) أي عناء (ولا مخمصة في سبيل الله) أي جوع (ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار) يعني لا يدخلون بلاد الكفار (ولا ينالون من عدو نيلا) يعني قتلا واسرا (إلا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع اجر المحسنين) وقوله (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله احسن ما كانوا يعملون) قال كلما فعلوا من ذلك لله جازاهم الله عليه وقوله (ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) يعني إذا بلغهم وفاة الامام يجب ان يخرج من كل بلاد فرقة من الناس ولا يخرجوا كلهم كافة ولم يفرض الله ان يخرج الناس كلهم فيعرفوا خبر الامام ولكن يخرج طائفة ويؤدوا ذلك إلى قومهم (لعلهم يحذرون) كي يعرفوا اليقين وقوله (يا ايها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) قال يجب على كل قوم ان يقاتلوا الذين من يليهم ممن يقرب من بلادهم من الكفار ولا يجوزوا ذلك الموضع والغلظة اي غلظوا لهم القول والقتل وقوله (وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه ايمانا فاما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون

[ 308 ]

واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم) اي شكا إلى شكهم فهو رد علي من يزعم ان الايمان لا يزيد ولا ينقص ومثله في سورة الانفال في قوله " انما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " ومثله كثير مما حكى الله من زيادة الايمان وقوله أو لا يرون انهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) أي يمرضون (ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون) وقوله (وإذا ما انزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض) يعني المنافقين (ثم انصرفوا) اي تفرقوا (صرف الله قلوبهم) عن الحق إلى الباطل باختيارهم الباطل على الحق ثم خاطب الله عزوجل الناس واحتج عليهم برسول الله فقال: (لقد جاءكم رسول من انفسكم) اي مثلكم في الخلقة ويقرأ من انفسكم (1) أي اشرفكم (عزيز عليه ما عنتم) أي انكرتم وجحدتم (حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) ثم عطف بالمخاطبة على النبي صلى الله عليه وآله (فان تولوا) يا محمد عما تدعوهم إليه (فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) سورة يونس مكية مأة وعشر آية (بسم الله الرحمن الرحيم الرا تلك آيات الكتاب الحكيم) قال الرا هو حرف من حروف الاسم الاعظم المنقطع في القرآن فإذا الفه الرسول أو الامام فدعا به اجيب ثم قال: (أكان للناس عجبا ان اوحينا إلى رجل منهم) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله (أن انذر الناس وبشر الذين آمنوا ان لهم قدم صدق عند ربهم) قال فحدثني ابي عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن


(1) اي بناءا على افعل التفضيل من النفاسة. ج ز (*)

[ 309 ]

ابي عبد الله عليه السلام في قوله " قدم صدق عند ربهم " قال هو رسول الله صلى الله عليه وآله قوله (ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش - إلى قوله - لآيات لقوم يتقون) فانه محكم وقوله (ان الذين لا يرجون لقاءنا) اي لا يؤمنون به (ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون) قال الآيات امير المؤمنين والائمة عليهم السلام والدليل على ذلك قول امير المؤمنين عليه السلام " ما لله آية اكبر مني " وقوله (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم تجري من تحتهم الانهار في جنات النعيم دعواهم فيها) اي تسبيحهم في الجنة (سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلم) قال بعضهم لبعض وقوله (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم اجلهم) قال لو عجل الله لهم الشر كما يستعجلون الخير لقضي إليهم اجلهم أي يفرغ من اجلهم قوله (وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قأئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) قال دعانا لجنبه العليل الذي لا يقدر ان يجلس أو قاعدا الذي لا يقدر ان يقوم أو قأئما قال الصحيح وقوله " فلما كشفنا عنه ضره مر كان لم يدعنا إلى ضر مسه " اي ترك ومر ونسي كان لم يدعنا إلى ضر مسه وقوله (ولقد اهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات) يعني عادا وثمود ومن اهلكه الله ثم قال (ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون) يعني حتى نرى فوضع النظر مكان الرؤية وقوله (وإذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي ان ابدله من تلقاء نفسي ان اتبع إلا ما يوحى إلي) فان قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله ائتنا بقرآن غير هذا فان هذا شئ تعلمته من اليهود والنصارى قال الله (قل لهم لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ادريكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) اي لقد لبثت فيكم اربعين سنة قبل ان يوحي الي لم آتكم بشئ منه

[ 310 ]

حتى اوحي الي واما قوله " أو بدله " فانه اخبرني الحسن بن على عن ابيه عن حماد بن عيسى عن ابي السفاتج عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله: ائت بقرآن غير هذا أو بدله يعني امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قل ما يكون لي ان ابدله من تلقاء نفسي ان اتبع إلا ما يوحى الي يعني في علي بن ابي طالب امير المؤمنين عليه السلام قال علي بن ابراهيم في قوله (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) قال كانت قريش يعبدون الاصنام ويقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فانا لا نقدر على عبادة الله فرد الله عليهم فقال قل لهم يا محمد (أتنبئون الله بما لا يعلم) اي ليس فوضع حرفا مكان حرف اي ليس له شريك يعبد وقوله (وما كان الناس إلا امة واحدة فاختلفوا) اي على مذهب واحد (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم) اي كان ذلك في علم الله السابق ان يختلفوا ويبعث فيهم الانبياء والائمة من بعد الانبياء ولولا ذلك لهلكوا عند اختلافهم. قوله: (إنما مثل الحيوة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا اخذت الارض زخرفها وازينت وظن اهلها انهم قادرون عليها اتاها امرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس) فانه حدثني ابي عن محمد بن الفضيل عن ابيه عن ابي جعفر عليه السلام قال قلت له جعلت فداك بلغنا ان لآل جعفر راية ولآل العباس رايتين فهل انتهى اليك من علم ذلك شئ ؟ قال اما آل جعفر فليس بشئ ولا إلى شئ واما آل العباس فان لهم ملكا مبطنا يقربون فيه البعيد ويبعدون فيه القريب وسلطانهم عسر ليس يسر حتى إذا امنوا مكر الله وامنوا عقابه صيح فيهم صيحة لا يبقى لهم منال يجمعهم ولا (رجال تمنعهم ك) وهو قول الله حتى إذا اخذت الارض زخرفها الآية، قلت جعلت فداك فمتى يكون ذلك قال اما انه لم يوقت لنا فيه

[ 311 ]

وقت ولكن إذا حدثناكم بشئ فكان كما نقول فقولوا صدق الله ورسوله وان كان بخلاف ذلك فقولوا صدق الله ورسوله تؤجروا مرتين ولكن إذا اشتدت الحاجة والفاقة وانكر الناس بعضهم بعضا فعند ذلك توقعوا هذا الامر صباحا أو مساءا، فقلت جعلت فداك الحاجة والفاقة قد عرفناهما فما انكار الناس بعضهم بعضا قال يأت الرجل اخاه في حاجة فيلقاه بغير الوجه الذي كان يلقاه فيه ويكلمه بغير الكلام الذي كان يكلمه قوله (والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) يعنى الجنة قوله (للذين احسنوا الحسنى وزيادة) قال النظر إلى وجه الله عزوجل (1) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله للذين احسنوا الحسنى وزيادة فاما الحسنى الجنة واما الزيادة فالدنيا ما اعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة ويجمع ثواب الدنيا والآخرة ويثيبهم باحسن اعمالهم في الدنيا والآخرة يقول الله (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون) قال على بن ابراهيم في قوله ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة القتر الجوع والفقر والذلة الخوف. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم) قال هؤلاء اهل البدع والشبهات والشهوات يسود الله وجوههم ثم يلقونه يقول الله (كانما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما) يسود الله وجوههم يوم القيامة ويلبسهم الذل والصغار يقول الله (اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) قال علي بن ابراهيم في قوله (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين اشركوا مكانكم انتم وشركاؤكم


(1) اي إلى نور وجه الله عزوجل كما في الدعاء: بنور وجهك الذي اضاء له كل شئ. ج. ز (*)

[ 312 ]

فزيلنا بينهم) قال يبعث الله نارا تزيل بين الكفار والمؤمنين قوله (هنالك تبلو كل نفس ما اسلفت) اي تتبع ما قدمت (وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون) اي بطل عنهم ما كانوا يفترون وقوله (قل من يرزقكم من السماء والارض - إلى قوله - وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين) فانه محكم وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (أفمن يهدي إلى الحق احق ان يتبع أمن لا يهدي إلا ان يهدى فما لما لكم كيف تحكمون) فاما من يهدي إلى الحق فهم محمد وآل محمد من بعده واما من لا يهدي إلا ان يهدى فهو من خالف من قريش وغيرهم اهل بيته من بعده، وقال علي بن ابراهيم في قوله (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله) اي لم يأتهم تأويله (كذلك كذب الذين من قبلهم) قال نزلت في الرجعة كذبوا بها اي انها لا تكون ثم قال: (ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك اعلم بالمفسدين) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله ومنهم من لا يؤمن به وفهم اعداء محمد وآل محمد من بعده " وربك اعلم بالمفسدين " والفساد المعصية لله ولرسوله. وقال علي بن ابراهيم في قوله (وان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم - إلى قوله - ما كانوا مهتدين) فانه محكم ثم قال (واما نرنيك - يا محمد - بعض الذي نعدهم) من الرجعة وقيام القائم (أو نتوفينك) قبل ذلك (فالينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (قل أرايتم ان اتاكم عذابه بياتا) يعني ليلا (أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون) فهذا عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة وهم يجحدون نزول العذاب عليهم قال علي بن ابراهيم في قوله (أثم إذا ما وقع آمنتم به) اي صدقتم في الرجعة فيقال لهم (الآن) تؤمنون يعني بامير المؤمنين عليه السلام (وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا) آل محمد حقهم (ذوقوا عذاب الخلد

[ 313 ]

هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) ثم قال (ويستنبئونك) يا محمد اهل مكة في علي (احق هو) اي امام (قل اي وربي انه لحق) امام ثم قال (ولو ان لكل نفس ظلمت) آل محمد حقهم (ما في الارض جميعا لافتدت به) في ذلك الوقت يعني الرجعة وقوله (واسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) حدثني محمد بن جعفر قال حدثني محمد بن احمد عن احمد بن الحسين عن صالح بن ابي عمار عن الحسن بن موسى الخشاب عن رجل عن حماد بن عيسى عمن رواه عن ابي عبد الله عليه السلام قال سئل عن قول الله تبارك وتعالى: (واسروا الندامة لما رأوا العذاب) قال قيل له ما ينفعهم اسرار الندامة وهم في العذاب ؟ قال كرهوا شماتة الاعداء وقوله (ألا ان لله ما في السموات والارض ألا ان وعد الله حق ولكن اكثرهم لا يعلمون هو يحيى ويميت واليه ترجعون) فانه محكم رجع إلى رواية علي بن ابراهيم بن هاشم قال ثم قال: (يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) قال رسول الله صلى الله عليه وآله والقرآن ثم قال قل لهم يا محمد (بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) قال: الفضل رسول الله صلى الله عليه وآله، ورحمته امير المؤمنين عليه السلام فبذلك فليفرحوا، قال فليفرح شيعتنا هو خير مما اعطوا اعداؤنا من الذهب والفضة وقوله (قل أرأيتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله اذن لكم ام على الله تفترون) وهو اما احلته وحرمته اهل الكتاب بقوله " وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا " وقوله " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا.. الآية " فاحتج الله عليهم فقال قل لهم " آلله اذن لكم ام علي الله تفترون " واما قوله (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن) مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله (ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا) قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا قرأ هذه الآية بكى بكاءا

[ 314 ]

شديدا، ومعنى قوله وما تكون في شأن اي في عمل نعمله خيرا أو شرا (وما يعزب عن ربك) اي لا يغيب عنه (من مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين) وقوله (الذين آمنوا) اي صدقوا (وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله) قال البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الحسنة يراها المؤمن وفي الآخرة عند الموت وهو قول الله " الذين تتوفيهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة " وقوله " لا تبديل لكلمات الله " أي لا تغير الامامة والدليل على ان الكلمات الامامة قوله " وجعلها كلمة باقية في عقبه " يعني الامامة وقوله (ولا يحزنك قولهم ان العزة لله جميعا وهو السميع العليم - إلى قوله - بما كانوا يكفرون) فانه محكم وقوله (واتل عليهم) مخاطبة لمحمد صلى لله عليه وآله (نبأ نوح) اي خبر نوح (إذا قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا امركم وشركاءكم) الذين تعبدون (ثم لا يكن امركم عليكم غمة) اي لا تغتموا (ثم اقضوا الي) اي ادعوا علي (ولا تنظرون). وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (وقال موسى يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) فان قوم موسى استعبدهم آل فرعون وقالوا لو كان لهؤلاء على الله كرامة كما يقولون ما سلطنا عليهم فقال موسى لقومه يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين وقال علي بن ابراهيم في قوله (واوحينا إلى موسى واخيه ان تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة) يعني بيت المقدس حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا جعفر بن محمد بن مالك عن عباد بن يعقور (معقودك يعقوب ط عن محمد بن يعفور) عن ابى جعفر


(بن ك) الاحول عن منصور

[ 315 ]

عن ابي ابراهيم عليه السلام قال لما خافت بنو اسرائيل جبابرتها اوحى الله إلى موسى وهارون عليهما السلام ان تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة قال امروا ان يصلوا في بيوتهم وقال علي بن ابراهيم في قوله (وقال موسى ربنا انك آتيت فرعون وملاه زينة) أي ملكا (واموالا في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك) اي يفتنوا الناس بالاموال والعطايا ليعبدوه ولا بعبدوك (ربنا اطمس على اموالهم) اي اهلكها (واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم) فقال الله عزوجل (قد اجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) اي لا تتبعا طريق فرعون واصحابه. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا - إلى قوله - وانا من المسلمين) فان بني اسرائيل قالوا يا موسى ادع الله ان يجعل لنا مما نحن فيه فرجا فدعا فأوحى الله إليه ان سر بهم، قال يا رب البحر امامهم، قال امض فاني آمره ان يطيعك وينفرج لك، فخرج موسى ببني اسرائيل واتبعهم فرعون حتى إذا كاد ان يلحقهم ونظروا إليه وقد اظلهم، قال موسى للبحر انفرج لي، قال ما كنت لافعل وقال بنو اسرائيل لموسى غررتنا واهلكتنا فليتك تركتنا يستعبدنا آل فرعون ولم نخرج الآن نقتل قتلة، قال كلا ان معي ربي سيهدين واشتد على موسي ما كان يصنع به عامة قومه وقالوا يا موسى انا لمدركون، زعمت ان البحر ينفرج لنا حتى نمضي ونذهب وقد رهقنا فرعون وقومه وهم هؤلاء تراهم قد دنوا منا، فدعا موسى ربه فأوحى الله إليه ان اضرب بعصاك البحر فضربه، فانفلق البحر فمضى موسى واصحابه حتى قطعوا البحر وادركهم آل فرعون، فلما نظروا إلى البحر قالوا لفرعون ما تعجب مما ترى ؟ قال انا فعلت هذا فمروا وامضوا فيه، فلما توسط فرعون ومن معه امر الله البحر فانطبق فغرقهم اجمعين، فلما

[ 316 ]

ادرك فرعون الغرق (قال آمنت انه إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين) يقول الله (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) يقول كنت من العاصين (فاليوم ننجيك ببدنك) قال ان قوم فرعون ذهبوا اجمعين في البحر فلم ير منهم احد هووا في البحر (إلا هوى بجسمه) إلى النار واما فرعون فنبذه الله وحده فالقاه بالساحل لينظروا إليه وليعرفوه ليكون لمن خلفه آية ولئلا يشك احد في هلاكه وانهم كانوا اتخذوه ربا فاراهم الله اياه جيفة ملقاة بالساحل ليكون لمن خلفه عبرة وعظة يقول الله (وان كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون). وقال علي بن ابراهيم قال الصادق عليه السلام ما اتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله إلا كئيبا حزينا ولم يزل كذلك منذ اهلك الله فرعون فلما امره الله بنزول هذه الآية " الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " نزل عليه وهو ضاحك مستبشر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله ما اتيتني يا جبرئيل إلا وتبينت الحزن في وجهك حتى الساعة، قال يا محمد لما أغرق الله فرعون قال آمنت انه لا إله إلا الله الذي آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين، فاخذت حماة (1) فوضعتها في فيه ثم قلت له الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، وعملت ذلك من غير امر الله خفت ان تلحقه الرحمة من الله ويعذبني على ما فعلت فلما كان الآن وامرني الله ان اؤدى اليك ما قلته انا لفرعون امنت وعلمت ان ذلك كان لله رضى وقوله (فاليوم ننجيك ببدنك) فان موسى عليه السلام اخبر بني اسرائيل ان الله قد أغرق فرعون فلم يصدقوه فامر الله البحر فلفظ به على ساحل البحر حتى رأوه ميتا وقوله (ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق) قال ردهم إلى مصر وغرق فرعون وقوله (فان كنت في شك مما انزلنا اليك فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك) يعني الانبياء حدثني ابي عن عمرو (عمران ط) بن سعيد الراشدي عن ابن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال لما اسري برسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء فأوحى


(1) الطين الاسود المنتن. ق (*)

[ 317 ]

الله إليه في علي صلوات الله عليه ما اوحى ما يشاء من شرفه وعظمه عند الله ورد إلى البيت المعمور وجمع له النبيين فصلوا خلفه عرض في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله من عظم ما اوحى إليه في علي عليه السلام فانزل الله " فان كنت في شك مما انزلنا اليك فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك " يعني الانبياء فقد انزلنا عليهم في كتبهم من فضله ما انزلنا في كتابك (لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين) فقال الصادق عليه السلام فوالله ما شك وما سأل وقوله (ان الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم) قال الذين جحدوا امير المؤمنين عليه السلام وقوله " ان الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون " قال عرضت عليهم الولاية وقد فرض الله عليهم الايمان بها فلم يؤمنوا بها. وقوله (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحيوة الدنيا ومتعناهم إلى حين) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل قال قال لي ابي عبد الله عليه السلام ما رد الله العذاب إلا عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الاسلام فيأبوا ذلك، فهم ان يدعو عليهم وكان فيهم رجلان عابد وعالم، وكان اسم احدهما مليخا والآخر اسمه روبيل، فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم وكان العالم ينهاه ويقول لا تدع عليهم فان الله يستجيب لك ولا يحب هلاك عباده فقبل قول العابد ولم يقبل من العالم، فدعا عليهم فأوحى الله عزوجل إليه يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا في شهر كذا وكذا في يوم كذا وكذا فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد وبقي العالم فيها فلما كان في ذلك اليوم نزل العذاب فقال العالم لهم يا قوم افزعوا إلى الله فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فقالوا كيف نصنع ؟ قال اجتمعوا واخرجوا إلى المفازة وفرقوا بين النساء والاولاد وبين

[ 318 ]

الابل واولادها وبين البقر واولادها وبين الغنم واولادها ثم ابكوا وادعوا فذهبوا وفعلوا ذلك وضجوا وبكوا فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب وفرق العذاب على الجبال وقد كان نزل وقرب منهم، فاقبل يونس لينظر كيف اهلكهم الله فرأى الزارعين يزرعون في ارضهم، قال لهم ما فعل قوم يونس ؟ فقالوا له ولم يعرفوه ان يونس دعا عليهم فاستجاب الله له ونزل للعذاب عليهم فاجتمعوا وبكوا ودعوا فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم وفرق العذاب على الجبال فهم إذا يطلبون يونس ليؤمنوا به، فغضب يونس ومر على وجهه مغاضبا لله كما حكى الله حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت واراذوا ان يدفعوها فسألهم يونس ان يحملوه فحملوه، فلما توسطوا البحر بعث الله حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة من قدامها فنظر إليه يونس ففزع منه وصار إلى مؤخر السفينة فدار إليه الحوت وفتح فاه فخرج اهل السفينة فقالوا فينا عاص فتساهموا فخرج سهم يونس وهو قول الله عزوجل " فساهم فكان من المدحضين " فاخرجوه فالقوه في البحر فالتقمه الحوت ومر به في الماء. وقد سأل بعض اليهود امير المؤمنين عليه السلام عن سجن طاف اقطار الارض بصاحبه، فقال يا يهودي اما السجن الذي طاف اقطار الارض بصاحبه فانه الحوت الذي حبس يونس في بطنه فدخل في بحر القلزم ثم خرج إلى بحر مصر ثم دخل في بحر طبرستان ثم خرج في دجلة الغورا ثم مرت به تحت الارض حتى لحقت بقارون، وكان قارون هلك في ايام موسى ووكل الله به ملكا يدخله في الارض كل يوم قامة رجل وكان يونس في بطن الحوت يسبح الله ويستغفره فسمع قارون صوته فقال للملك الموكل به انظرني فاني اسمع كلام آدمي فأوحى الله إلى الملك الموكل به انظره فانظره ثم قال قارون من أنت ؟ قال يونس انا المذنب الخاطئ يونس بن متى قال فما فعل الشديد الغضب لله موسى بن عمران

[ 319 ]

قال هيهات هلك، قال فما فعل الرؤف الرحيم علي قومه هارون بن عمران، قال هلك قال فما فعلت كلثم بنت عمران التى كانت سميت لي ؟ قال هيهات ما بقي من آل عمران احد، فقال قارون وااسفا على آل عمران ! فشكر الله له ذلك فامر الله الملك الموكل به ان يرفع عنه العذاب ايام الدنيا، فرفع عنه فلما رأى يونس ذلك فنادى في الظلمات: ان لا إله إلا انت سبحانك اني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له وامر الحوت ان تلفظه فلفظته علي ساحل البحر وقد ذهب جلده ولحمه وانبت الله عليه شجرة من يقطين وهى الدباء فاظلته من الشمس فشكر ثم امر الله الشجرة فتنحت عنه ووقع الشمس عليه فجزع فأوحى الله إليه يا يونس لم لم ترحم مائة الف أو يزيدون وانت تجزع من الم ساعة فقال يا رب عفوك عفوك، فرد الله عليه بدنه ورجع إلى قومه وآمنوا به وهو قوله (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) وقالوا مكث يونس في بطن الحوت تسع ساعات ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يعني لو شاء الله ان يجبر الناس كلهم علي الايمان لفعل. وفى رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة ايام ونادى في الظلمات ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر ان لاإله إلا انت سبحانك (تبت اليك ط) اني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له فاخرجه الحوت إلى الساحل ثم قذفه فالقاه بالساحل وانبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع فكان يمصه ويستظل به وبورقه وكان تساقط شعره ورق جلده وكان يونس يسبح ويذكر الله الليل والنهار فلما ان قوي واشتد بعث الله دودة فاكلت اسفل القرع فذبلت القرعة ثم يبست فشق ذلك على يونس فظل حزينا فأوحى

[ 320 ]

الله إليه مالك حزينا يا يونس ؟ قال يا رب هذه الشجرة التي كانت تنفعني سلطت عليها دودة فيبست، قال يا يونس أحزنت لشجرة لم تزرعها ولم تسقها ولم تعي بها ان يبست حين استغنيت عنها ولم تحزن لاهل نينوى اكثر من مائة الف اردت ان ينزل عليهم العذاب ان اهل نينوى قد آمنوا واتقوا فارجع إليهم، فانطلق يونس إلى قومه فلما دنى من نينوى استحيى ان يدخل فقال لراع لقيه، ائت اهل نينوى فقل لهم ان هذا يونس قد جاء قال الراعي أتكذب أما تستحيي ويونس قد غرق في البحر وذهب، قال له يونس اللهم ان هذه الشاة تشهد لك انى يونس فنطقت الشاة بانه يونس، فلما اتى الراعي قومه واخبره اخذوه وهموا بضربه، فقال ان لي بيته بما اقول قالوا من يشهد ؟ قال هذه الشاة تشهد ؟ فشهدت انه صادق وان يونس قد رده الله إليهم فخرجوا يطلبونه فوجده فجاءوا به وآمنوا وحسن ايمانهم فمتعهم الله إلى حين وهو الموت واجارهم من ذلك العذاب. وقوله: (قل انظروا ماذا في السموات والارض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) اخبرني الحسين بن محمد عن المعلي بن محمد قال حدثني احمد ابن محمد بن (عن ط) عبد الله عن احمد بن هلال عن امية بن علي عن داؤد بن كثير الرقي قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قول الله " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " قال الآيات الائمة والنذر الانبياء عليهم السلام وقال علي بن ابراهيم في قوله قل يا محمد (يا ايها الناس ان كنتم في شك من ديني فلا اعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن ا عبد الله الذي يتوفيكم) فانه محكم وقوله (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فان فعلت فانك إذا من الظالمين) فانه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعني الناس ثم قال (قل يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل) اي

[ 321 ]

لست بوكيل عليكم احفظ اعمالكم انما علي ان ادعوكم ثم قال (واتبع) يا محمد (ما يوحى اليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين). سورة هود مكية مأة واثنتان وعشرون آية (بسم الله الرحمن الرحيم الرا كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) يعني من عند الله (ألا تعبدوا إلا الله انني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى اجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله) وهو محكم، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام " الرا كتاب احكمت آياته " قال هو القرآن " من لدن حكيم خبير " قال من عند حكيم خبير " وان استغفروا ربكم " يعني المؤمنين قوله " ويؤت كل ذي فضل فضله " فهو علي بن ابي طالب عليه السلام وقوله (وان تولوا فاني اخاف عليكم عذاب يوم كبير) قال الدخان والصيحة وقوله (ألا انهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه) يقول يكتمون ما في صدورهم من بغض على، قال رسول الله صلى الله عليه وآله ان آية المنافق بغض علي فكان قوم يظهرون المودة لعلي (ع) عند النبي صلى الله عليه وآله ويسرون بغضه فقال (ألا حين يستغشون ثيابهم) فانه كان إذا حدث بشئ من فضل علي بن ابي طالب (ع) أو تلا عليهم ما انزل الله فيه نفضوا ثيابهم ثم قاموا يقول الله (يعلم ما يسرون وما يعلنون) حين قاموا (انه عليم بذات الصدور) وقوله (وما الجزء (12) من دابة في الارض إلا على الله رزقها) يقول يكفل بارزاق الخلق قوله (ويعلم مستقرها) يقول حيث يأوي بالليل (ومستودعها) حيث يموت وقوله (وهو الذي خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء) وذلك في مبتداء الخلق، ان الرب تبارك وتعالى خلق الهواء ثم خلق القلم فأمره ان يجري فقال يا رب بما

[ 322 ]

اجري ؟ فقال بما هو كائن ثم خلق الظامة من الهواء وخلق النور من الهواء وخلق الماء من الهواء وخلق العرش من الهواء وخلق العقيم من الهواء وهو الريح الشديد وخلق النار من الهواء وخلق الخلق كلهم من هذه الستة التي خلقت من الهواء فسلط العقيم على الماء فضربته فأكثرت الموج والزبد وجعل يثور دخانه في الهواء فلما بلغ الوقت الذي اراد قال للزبد اجمد فجمد وقال للموج اجمد فجمد فجعل الزبد ارضا وجعل الموج جبالا رواسي للارض فلما اجمدها قال للروح والقدرة سويا عرشي إلى السماء فسويا عرشه إلى السماء وقال للدخان اجمد فجمد ثم قال له ازفر فزفر (1) فناداها والارض جميعا ائتيا طوعا أو كرها قالتا اتينا طائعين ففضاهن سبع سموات في يومين ومن الارض مثلهن، فلما اخذ في رزق خلقه خلق السماء وجناتها والملائكة يوم الخميس وخلق الارض يوم الاحد وخلق دواب البحر والبر يوم الاثنين وهما اليومان اللذان يقول الله انكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وخلق الشجر ونبات الارض وانهارها وما فيها والهوام في يوم الثلاثاء وخلق الجان وهو أبو الجن في يوم السبت وخلق الطير يوم الاربعاء وخلق آدم في ست ساعات من يوم الجمعة فهذه الستة الايام خلق الله السموات والارض وما بينهما. قال علي ابراهيم في قوله (ليبلوكم ايكم احسن عملا) معطوف على قوله " الرا كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليبلوكم ايكم احسن عملا " وقوله (ولئن اخرنا عنهم العذاب إلى امة معدودة) قال ان متعناهم في هذه الدنيا إلى خروج القائم فنردهم ونعذبهم (ليقولن ما يحبسه) اي يقولون


(1) زفر زفيرا: اخرج نفسه والمراد هنا اخرج الصوت من اعماق النفس. ج. ز (*)

[ 323 ]

اما لا يقوم القائم ولا يخرج، على حد الاستهزاء فقال الله (الا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن) اخبرنا احمد بن ادريس قال حدثنا احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن سيف عن حسان عن هشام بن عمار عن ابيه وكان من اصحاب على ع عن على ع في قوله تعالى " لئن اخرنا عنهم العذاب الي امة معدودة ليقولن ما يحبسه " قال الامة المعدودة اصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر، قال علي بن ابراهيم والامة في كتاب الله على وجوه كثيرة فمنه المذهب وهو قوله " كان الناس امة واحدة " اي على مذهب واحد، ومنه الجماعة من الناس وهو قوله " وجد عليه امة من الناس يسقون " اي جماعة، ومنه الواحد قد سماه الله امة قوله " ان ابراهيم كان امة قانتا لله حنيفا " ومنه جميع اجناس الحيوان وهو قوله " وان من امة إلا خلا فيها نذير " ومنه امة محمد صلى الله عليه وآله وهو قوله " وكذلك ارسلناك في امة قد خلت من قبلها امم " وهى امة محمد صلى الله عليه وآله ومنه الوقت وهو قوله " وقال الذي نجا منهما وادكر بعد امة " اي بعد وقت وقوله: إلى امة معدودة، يعني به الوقت ومنه الخلق كله وهو قوله " وترى كل امة جاثية وكل امة تدعى إلى كتابها "، وقوله " يوم نبعث من كل امة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون " ومثله كثير. وقوله (ولان اذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه انه ليؤس كفور ولان اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني انه لفرح فخور) قال إذا اغنى الله العبد ثم افتقر اصابه الاياس والجزع والهلع فإذا كشف الله عنه ذلك فرح وقال ذهب السيئات عني انه لفرح فخور ثم قال (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) قال صبروا في الشدة وعملوا الصالحات في الرخاء. قوله (فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وضائق به صدرك ان يقولوا لو لا انزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله علي كل شئ وكيل) فانه

[ 324 ]

حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن عمارة بن سويد عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال سبب نزول هذه الآية ان رسول الله صلى الله عليه وآله خرج ذات يوم فقال لعلي يا علي اني سألت الله الليلة بان يجعلك وزيري ففعل وسألته ان يجعلك وصيي ففعل وسألته ان يجعلك خليفتي في امتي ففعل، فقال رجل من اصحابه المنافقين والله لصاع من تمر في شن (1) بال احب الي مما سأل محمد ربه ألا سأله ملكا يعضده أو مالا يستعين به علي ما فيه ووالله ما دعا عليا (2) قط إلى حق أو إلى باطل إلا اجابه فانزل الله علي رسوله الله " فلعلك تارك بعض ما يوحي اليك الآية " وقوله (أم يقولون افتريه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين) يعني قولهم ان الله لم يأمره بولاية علي عليه السلام وإنما يقول من عنده فيه فقال الله عزوجل (فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا إنما انزل بعلم الله) اي ولاية امير المؤمنين عليه السلام من عند الله وقوله (من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون اولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) قال من عمل الخير على ان يعطيه الله ثوابه في الدنيا اعطاه ثوابه في الدنيا وكان له في الآخرة النار وقوله (أفمن كان علي بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة اولئك يؤمنون به - إلى قوله - لا يؤمنون) فانه حدثني ابي عن يحيى بن ابي عمران عن يونس عن ابي بصير والفضيل عن ابي جعفر عليه السلام قال انما نزلت افمن كان على بينة من ربه، يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ويتلوه شاهد منه اماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى اولئك يؤمنون به فقدموا واخروا في التأليف وقوله (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا اولئك يعرضون علي ربهم ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا


(1) الشن القربة. (2) كذا في النسخ والمظنون ان يكون لفظ " ربه " مكان " عليا " ج ز (*)

[ 325 ]

علي ربهم) يعني بالاشهاد الائمة عليهم السلام (ألا لعنة الله على الظالمين) لآل محمد صلى لله عليه وآله حقهم وقوله (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) يعني يصدون عن طريق الله وهى الامامة " ويبغونها عوجا " يعنى حرفوها الي غيرها وقوله (ما كانوا يستطيعون السمع) قال ما قدروا ان يسمعوا بذكر امير المؤمنين عليه السلام وقوله (اولئك الذين خسروا انفسهم وضل) اي بطل (عنهم ما كانوا يفترون) يعني يوم القيامة بطل الذين دعوا غير امير المؤمنين عليه السلام (وقال ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا الي ربهم) اي تواضعوا لله وعبدوه وقوله (مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون) يعني المؤمنين والخاسرين وقوله (إلا الذين هم اراذلنا بادى الرأي وما نرى لكم علينا من فضل) يعني الفقراء والمساكين الذين تراهم بادي الرأي (فعميت عليكم) الانباء اي اشتبهت عليكم حتى لم تعرفوها ولم تفهموها (ويا قوم لا اسئلكم عليه مالا ان اجري إلا على الله وما انا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم) اي الفقراء الذين آمنوا به قوله (ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم أفلا تذكرون ولا اقول لكم عندي خزائن الله ولا اعلم الغيب - إلى قوله - للذين تزدري اعينكم) اي تقصر اعينكم عنهم وتستحقرونهم (لن يؤتيهم الله خيرا الله اعلم بما في انفسهم اني إذا لمن الظالمين) وقوله (واوحي إلى نوح انه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير من ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال بقي نوح في قومه ثلاثمائة سنة يدعوهم الي الله فلم يجيبوه فهم ان يدعو عليهم، فوافاه عند طلوع الشمس اثنا عشر الف قبيل من قبائل ملائكة سماء الدنيا وهم العظماء من الملائكة، فقال لهم نوح من انتم ؟ فقالوا نحن اثنا عشر الف قبيل من قبائل ملائكة سماء الدنيا وان مسيرة غلظ سماء الدنيا خمسمائة عام ومن سماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام

[ 326 ]

وخرجنا (اخرجنا الله ك) عند طلوع الشمس ووافيناك في هذا الوقت فنسألك ان لا تدعو علي قومك، فقال نوح قد اجلتهم ثلاثمائة سنة، فلما اتى عليهم ستمائة سنة ولم يؤمنوا هم ان يدعو عليهم فوافاه اثنا عشر الف قبيل من قبايل ملائكة السماء الثانية فقال نوح من انتم قالوا نحن اثنا عشر الف قبيل من قبايل ملائكة السماء الثانية وغلظ السماء الثانية مسيرة خمسمائة عام ومن السماء الثانية الي سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وغلظ سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام ومن سماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام خرجنا عند طلوع الشمس ووافيناك ضحوة نسألك ان لا تدعو على قومك فقال نوح قد اجلتهم ثلاثمائة سنة. فلما اتى عليهم تسعمائة سنة هم ان يدعو عليهم فانزل الله عزوجل " انه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " فقال نوح " رب لا تذر علي الارض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " فأمره الله ان يغرس النخل فكان قومه يمرون به فيسخرون منه ويستهزؤن به ويقولون شيخ قد اتى له تسعمائة سنة يغرس النخل وكانوا يرمونه بالحجارة فلما اتى لذلك خمسون سنة وبلغ النخل واستحكم أمر بقطعه فسخروا منه وقالوا بلغ النخل مبلغه وهو قوله (وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه وقال ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعملون) فأمره الله ان ينحت السفينة وامر جبرئيل ان ينزل عليه ويعلمه كيف يتخذها فقدر طولها في الارض الفا ومائتي ذراع وعرضها ثمانمائة ذراع، وطولها في السماء ثمانون ذراعا فقال يا رب من يعينني على اتخاذها ؟ فأوحى الله إليه ناد في قومك من اعانني عليها ونجر منها شيئا صار ما ينجره ذهبا وفضة، فنادى نوح فيهم بذلك فاعانوه عليها وكانوا يسخرون منه ويقولون ينحت سفينة في البر. قال حدثني ابي عن صفوان عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال لما

[ 327 ]

اراد الله عزوجل هلاك قوم نوح عقم ارحام النساء اربعين سنة فلم يولد فيهم مولود فلما فرغ نوح من اتخاذ السفينة امره الله ان ينادي بالسريانية لا يبقى بهيمة ولا حيوان إلا حضر، فادخل من كل جنس من اجناس الحيوان زوجين في السفينة وكان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا فقال الله عزوجل: (احمل فيها من كان زوجين اثنين واهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه الا قليل) وكان نجر السفينة في مسجد الكوفة (المدينة ك) فلما كان في اليوم الذي اراد الله هلاكهم كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الذي يعرف بفار التنور في مسجد الكوفة وقد كان نوح اتخذ لكل ضرب من اجناس الحيوان موضعا في السفينة وجمع لهم فيها ما يحتاجون من الغذاء، فصاحت امرأته لما فار التنور فجاء نوح إلى التنور فوضع عليها طينا وختمه حتى ادخل جميع الحيوان السفينة ثم جاء الي التنور ففض الخاتم ورفع الطين وانكسفت الشمس وجاء من السماء ماء منهمر صب بلا قطر وتفجرت الارض عيونا وهو قوله عز وجل " ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء علي امر قد قدر وحملناه على ذات الواح ودسر " فقال الله عزوجل (اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها) يقول مجربها اي مسيرها ومرسيها أي موقفها فدارت السفينة ونظر نوح إلى ابنه يقع ويقوم فقال له (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين) فقال ابنه كما حكى الله عزوجل (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) قال نوح (لا عاصم اليوم من امر الله الا من رحم) الله ثم قال نوح: (رب ان ابني من اهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين) فقال الله (يا نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين) فقال نوح كما حكى الله (رب اني اعوذ بك ان اسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني اكن من الخاسرين) فكان كما حكى الله

[ 328 ]

(وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) فقال أبو عبد الله عليه السلام فدارت السفينة وضربتها الامواج حتى وافت مكة وطافت بالبيت وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت إنما سمي البيت العتيق لانه اعتق من الغرق فبقي الماء ينصب من السماء اربعين صباحا ومن الارض العيون حتى ارتفعت السفينة فمسحت السماء قال فرفع نوح يده فقال يارهمان اخفرس (اتغرك) تفسيرها رب احسن فامر الله الارض ان تبلع ماءها وهو قوله (وقيل يا ارض ابلعي ماءك وياسماء اقلمي) يعني امسكي (وغيض الماء وقضي الامر واستوت على الجودي) فبلعت الارض ماءها فاراد ماء السماء ان يدخل في الارض فامتنعت الارض من قبولها وقالت إنما امرني الله عزوجل ان ابلع مائي فبقي ماء السماء على وجه الارض واستوت السفينة على جبل الجودي وهو بالموصل جبل عظيم، فبعث الله جبرئيل فساق الماء الي البحار حول الدنيا وانزل الله على نوح (يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم من معك وامم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب اليم) فنزل نوح بالموصل من السفينة مع الثمانين وبنوا مدينة الثمانين وكانت لنوح ابنة ركبت معه في السفينة فتناسل الناس منها وذلك قول النبي صلى الله عليه وآله نوح احد الابوين ثم قال الله عزوجل لنبيه (تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها انت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين) وروي في الخبر ان اسم نوح عبد الغفار وانما سمي نوحا لانه كان ينوح علي نفسه اخبرنا احمد بن ادريس قال حدثنا احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابان بن عثمان الاحمر عن موسى بن اكيل النميري عن العلا بن سيابة عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله ونادى نوح ابنه فقال ليس بابنه إنما هو ابنه من زوجته علي لغة طي يقولون لابن المرأة ابنه. قال علي بن ابراهيم ثم حكى الله عزوجل خبر هود عليه السلام وهلاك قومه

[ 329 ]

فقال (والي عاد اخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ان انتم إلا مفترون يا قوم لا اسئلكم عليه اجرا ان اجري إلا علي الذي فطرني أفلا تعقلون) قال ان عادا كانت بلادهم في البادية من الشقيق إلى الاجفر اربعة منازل وكان لهم زرع ونخيل كثير ولهم اعمار طويلة واجسام طويلة فعيدوا الاصنام فبعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الاسلام وخلع الانداد فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه فكفت السماء عنهم سبع سنين حتى قحطوا وكان هود زراعا وكان يسقي الزرع فجاء قوم إلى بابه يريدونه، فخرجت عليهم امرأة شمطاء عوراء (1) فقالت من انتم ؟ فقالوا نحن من بلاد كذا وكذا اجدبت بلادنا فجئنا إلى هود نسأله ان يدعو الله حتى تمطر وتخصب بلادنا، فقالت لو استجيب لهود لدعا لنفسه فقد احترق زرعه لقلة الماء، قالوا فاين هو ؟ قالت هو في موضع كذا وكذا فجاؤا إليه فقالوا يا نبي الله قد اجدبت بلادنا ولم تمصر ؟ فاسأل الله ان يخصب بلادنا وتمطر فتهيأ للصلاة وصلى ودعا لهم فقال لهم ارجعوا فقد امطرتم واخصبت بلادكم، فقالوا يا نبي الله انا رأينا عجبا قال وما رأيتم ؟ فقالوا رأينا في منزلك امرأة شمطاء عوراء قالت لنا من انتم وما تريدون قلنا جئنا إلى هود ليدعو الله فنمطر فقالت لو كان هود داعيا لدعا لنفسه فان زرعه قد احترق فقال هود تلك اهلي وانا ادعوا الله لها بطول البقاء فقالوا وكيف ذلك قال لانه ما خلق الله مؤمنا إلا وله عدو يؤذيه وهى عدوتي فلان يكون عدوى ممن املكه خير من ان يكون عدوي ممن يملكني، فبقي هود في قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن عبادة الاصنام حتى تخصب بلادهم وانزل الله عليهم المطر وهو قوله عزوجل (يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين) فقالوا كما حكى الله (ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إلى آخر الآية) فلما لم يؤمنوا ارسل الله


(1) الشمط محركة بياض الراس خالطه سواد والعور: محركة ذهاب حس احدى العينين ق (*)

[ 330 ]

عليهم " الريح الصرصر يعني الباردة وهو قوله في سورة اقتربت " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر انا ارسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر " وحكى في سورة الحاقة فقال " واما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " قال كان القمر منحوسا بزحل سبع ليال وثمانية أيام. قال فحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن عبد الله بن سنان عن معروف بن خربوذ عن ابي جعفر عليه السلام قال الريح العقيم تخرج من تحت الارضين السبع وما يخرج منها شئ قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم فامر الخزان ان يخرجوا منها مثل سعة الخاتم فعصت علي الخزنة فخرج منها مثل مقدار منخر الثور تغيظا منها على قوم عاد فضج الخزنة إلى الله من ذلك وقالوا يا ربنا انها قد عتت علينا ونحن نخاف ان يهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك فبعث الله جبرئيل فردها بجناحه وقال لها اخرجي علي ما امرت به فرجعت وخزجت علي ما امرت به فاهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم واما قوله (والى ثمود اخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو انشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه ان ربى قريب مجيب) إلى قوله (واما لفي شك مما تدعونا إليه مريب) فان الله تبارك وتعالى بعث صالحا إلى ثمود وهو ابن ستة عشر سنة لا يجيبوه إلى خير وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله فلما رأى ذلك منهم قال لهم يا قوم بعثت اليكم وانا ابن ستة عشر سنة وقد بلغت عشرين ومائة سنة وانا اعرض عليكم امرين ان شئتم فاسألوني مهما اردتم حتى اسأل إلهي فيجيبكم وان شئتم سألت آلهتكم فان اجابتني خرجت عنكم، فقالوا انصفت فامهلنا فاقبلوا يتعبدون ثلاثة ايام ويتمسحون بالاصنام ويذبون لها واخرجوها إلى سفح الجبل واقبلوا يتضرعون إليها، فلما كان اليوم

[ 331 ]

الثالث قال لهم صالح عليه السلام قد طال هذا الامر فقالوا له سل من شئت، فدنا إلى اكبر صنم لهم، فقال ما اسمك ؟ فلم يجبه، فقال لهم ما له لا يجبيني ؟ قالوا له تنح عنه فتنحى عنه واقبلوا إليه ووضعوا على رؤوسهم التراب وضجوا وقالوا فضحتنا ونكست رؤوسنا وقال صالح قد ذهب النهار، فقالوا سله فدنا منه فكلمه فلم يجبه فبكوا وتضرعوا حتى فعلوا ذلك ثلاث مرات فلم يجبهم بشئ، فقالوا ان هذا لا يجيبك ولكنا نسأل إلهك، فقال لهم سلوا ما شئتم فقالوا سله ان يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء شقراء عشراء اي حاملة تضرب بمنكبيها طرفي الجبلين وتلقى فصيلها من ساعتها وتدر لبنها، فقال صالح ان الذي سألتموني عندي عظيم وعند الله هين، فقام وصلي ركعتين ثم سجد وتضرع إلى الله فما رفع رأسه حتى تصدع الجبل وسمعوا له دويا شديدا ففزعوا منه وكادوا ان يموتوا منه فطلع رأس الناقة وهى تجتر فلما خرجت القت فصيلها ودرت لبنها فبهتوا وقالوا قد علمنا يا صالح ان ربك اعز واقدر من آلهتنا التي نعبدها. وكان لقريتهم ماء وهى الحجر التي ذكرها الله تعالى في كنابه وهو قوله " كذب اصحاب الحجر المرسلين " فقال لهم صالح لهذه الناقة شرب اي تشرب ماءكم يوما وتدر لبنها عليكم يوما وهو قوله عزوجل " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم " فكانت تشرب ماءهم يوما وإذا كان من الغد وقفت وسط قريتهم فلا يبقى في القرية احد إلا حلب منها حاجته وكان فيهم تسعة من رؤسائهم كما ذكر الله في سورة النمل " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون " فعقروا الناقة ورموها حتى قتلوها وقتلوا الفصيل فلما عقروا الناقة قالوا لصالح " ائتنا بما تعدنا ان كنت من المرسلين " قال صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة ايام ذلك وعد غير مكذوب)

[ 332 ]

ثم قال لهم وعلامة هلاككم انه تبيض وجوهكم غدا وتحمر بعد غد وتسود في اليوم الثالث فلما كان من الغد نظروا إلى وجوههم وقد ابيضت مثل القطن فلما كان اليوم الثاني احمرت مثل الدم فلما كان اليوم الثالث اسودت وجوههم فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا وهو قوله " فاخذتهم الرجفة فاصبحوا في ديارهم جاثمين " فما تخلص منهم غير صالح وقوم مستضعفين مؤمنين وهو قوله (فلما جاء امرنا نجينا صالحا - إلى قوله - ألا ان ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود). واما قوله (ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ان جاء بعجل حنيذ) اي مشوي نضج فانه لما القى نمرود ابراهيم عليه السلام في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما بقي ابراهيم مع نمرود وخاف نمرود من ابراهيم فقال يا ابراهيم اخرج من بلادي ولا تساكني فيها، وكان ابراهيم عليه السلام قد تزوج بسارة وهى بنت خاله وقد كانت آمنت به، وآمن له لوط وكان غلاما، وقد كان ابراهيم عليه السلام عنده غنيمات وكان معاشه منها فخرج ابراهيم من بلاد نمرود ومعه سارة في صندوق وذلك انه كان شديد الغيرة، فلما اراد الخروج من بلاد نمرود منعوه وارادوا ان يأخذوا منه غنيماته، وقالوا له هذا ما كسبته في سلطان الملك وبلاده وانت مخالف له فقال لهم ابراهيم بيني وبينكم قاضي الملك سدوم (سندوم ك) فصاروا إليه وقالوا ان هذا مخالف لدين الملك وما معه كسبه في بلاد الملك ولا ندعه يخرج معه شيئا فقال سندوم صدقوا خل عما في في يديك، فقال ابراهيم عليه السلام انك ان لم تقض بالحق تمت الساعة، قال وما الحق قال قل لهم يردوا علي عمري الذي افنيته في كسب ما معي حتى ارد عليهم، فقال سندوم يجب ان تردوا عمره فخلوا عنه عما كان في يده فخرج ابراهيم وكتب نمرود في الدنيا ألا تدعوه يسكن العمران فمر ببعض عمال نمرود وكان كل من مر به يأخذ عشر ما معه وكانت سارة مع ابراهيم في الصندوق، فاخذ

[ 333 ]

عشر ما كان مع ابراهيم ثم جاء إلى الصندوق فقال له لابد من ان افتحه فقال ابراهيم عليه السلام عده ما شئت وخذ عشره فقال لابد من ان تفتحه ففتحه فلما نظر إلى سارة تعجب من جمالها فقال لابراهيم ما هذه المرأة التى هي معك ؟ قال هي اختي وإنما عني اخته في الدين، قال (العاشر لست ادعك تبرح من مكانك حتى اعلم الملك بحالك وحالها فبعث رسولا إلى الملك) فامر اجناده فحملت الصندوق إليه فهم بها ومد يده إليها فقالت له اعوذ بالله منك فجفت يده والتصقت بصدره واصابته من ذلك شدة، فقال يا سارة ما هذا الذى اصابني منك ؟ فقالت بما هممت به، فقال قد هممت لك بالخير فادعي الله ان يردني الي ما كنت، فقالت اللهم ان كان صادقا فرده كما كان فرجع إلى ما كان وكانت على رأسه جارية فقال ياساره خذي هذه الجارية تخدمك وهى هاجر ام اسماعيل عليه السلام فحمل ابراهيم سارة وهاجر فنزلوا البادية علي ممر طريق اليمن والشام وجميع الدنيا فكان يمر به الناس فيدعوهم إلى الاسلام وقد كان شاع خبره في الدنيا ان الملك القاه في النار فلم يحترق وكانوا يقولون له لا تخالف دين الملك فانه يقتل من خالفه، وكان ابراهيم كل من يمر به يضيفه وكان على سبعة فراسخ منه بلاد عامرة كثيرة قالشجر والنبات والخير وكان الطريق عليهم، فكان كل من يمر بتلك البلاد يتناول من ثمارهم وزروعهم فجزعوا من ذلك فجاءهم ابليس في صورة شيخ فقال لهم ادلكم على ما ان فعلتموه لم يمر بكم احد، فقالوا ما هو ؟ قال من مر بكم فانكحوه في دبره فاسلبوه ثيابه ثم تصور لهم ابليس في صورة امرد حسن الوجه جميل الثياب فجاءهم فوثبوا عليه ففجروا به كما امرهم فاستطابوه فكانوا يفعلونه بالرجال فاستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فشكى الناس ذلك إلى ابراهيم عليه السلام فبعث الله إليهم لوطا يحذرهم وينذرهم فلما نظروا إلى لوط قالوا من أنت ؟ قال انا ابن خال ابراهيم الذي القاه الملك في النار فلم يحترق وجعلها الله بردا وسلاما وهو بالقرب منكم قاتقوا الله ولا تفعلوا هذا فان الله يهلككم فلم يجسروا

[ 334 ]

عليه وخافوه وكفوا عنه وكان لوط كلما مر به رجل يريدونه بسوء خلصه من ايديهم وتزوج لوط فيهم وولد له بنات، فلما طال ذلك علي لوط ولم يقبلوا منه قالوا له " لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين " الي لنرجمنك ولنخرجنك فدعا عليهم لوط فبينما ابراهيم عليه السلام قاعد في موضعه الذي كان فيه وقد كان اضاف قوما وخرجوا ولم يكن عنده شئ فنظر إلى اربعة نفر قد وقفوا عليه لا يشبهون الناس فقالوا سلاما فقال ابراهيم سلام، فجاء ابراهيم إلى سارة فقال لها قد جاء اضياف لا يشبهون الناس قال ما عندنا إلا هذا العجل فذبحه وشواه وحمله إليهم وذلك قول الله عزوجل " ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ان جاء بعجل حنيذ فلما رأى ايديهم لا تصل إليه نكرهم واوجس منهم خيفة " وجاءت سارة في جماعة معها فقالت لهم مالكم تمتنعون من طعام خليل الله فقالوا لابراهيم (لا تخف انا ارسلنا إلى قوم لوط) ففزعت سارة، وضحكت اي حاضت وقد كان ارتفع حيضها منذ دهر طويل فقال الله عزوجل (فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) فوضعت يدها على وجهها فقالت (يا ويلتي الد وانا عجوز وهذا بعلى شيخا ان هذا لشئ عجيب) فقال لها جبرئيل (أتعجبين من امر الله ورحمة الله وبركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى) باسحق اقبل يجادل كما حكى الله عزوجل (يجادلنا في قوم لوط ان ابراهيم لحليم اواه منيب) فقال ابراهيم لجبرئيل بما إذا ارسلت قال بهلاك قوم لوط فقال ابراهيم " ان فيها لوطا " قال جبرئيل نحن اعلم بمن فيها لننجيه واهله " إلا امرأته كانت من الغابرين " قال ابراهيم يا جبرئيل ان كان في المدينة مائة رجل من المؤمنين يهلكهم الله قال لا قال فان كان فيهم خمسون قال لا قال فان كان فيهم عشرة رجال قال لا قال فان كان واحد قال لا وهو قوله فما وجدنا فيها غير بيت من

[ 335 ]

المسلمين فقال ابراهيم يا جبرئيل راجع ربك فيهم فأوحى الله كلمح البصر (يا ابراهيم اعرض عن هذا انه قد جاء امر ربك وانهم اتاهم عذاب غير مردود) فخرجوا من عند ابراهيم عليه السلام فوقفوا على لوط في ذلك الوقت وهو يسقي زرعه فقال لهم لوط من انتم قالوا نحن ابناء السبيل اضفنا الليلة، فقال لهم يا قوم ان اهل هذه القرية قوم سوء لعنهم الله واهلكهم ينكحون الرجال ويأخذون الاموال فقالوا فقد ابطأنا فاضفنا فجاء لوط إلى اهله وكانت منهم فقال لها انه قد اتاني اضياف في هذه الليلة فاكتمي عليهم حتى اعفو عنك جميع ما كان منك الي هذا الوقت، قالت افعل وكانت العلامة بينها وبين قومها إذا كان عند لوط اضياف بالنهار تدخن فوق السطح وإذا كان بالليل توقد النار، فلما دخل جبرئيل والملائكة معه بيت لوط عليه السلام وثبت امرأته على السطح فاوقدت نارا فعلم اهل القرية واقبلوا إليه من كل ناحية كما حكى الله عزوجل (وجاءه قومه يهرعون إليه) اي يسرعون ويعدون فلما صاروا الي باب البيت قالوا يالوط أو لم ننهك عن العالمين فقال لهم كما حكى الله (هؤلاء بناتي هن اطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد). وحدثني ابى عن محمد بن عمرو رحمه الله في قول لوط عليه السلام " هؤلاء بناتي هن اطهر لكم " قال عني به ازواجهم وذلك ان النبي ابوامته، فدعاهم إلى الحلال ولم يكن يدعوهم إلى الحرام، فقال ازواجكم هن اطهر لكم (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وانك لتعلم ما نريد) فقال لوط لما يئس (لو ان لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) اخبرنا الحسن بن علي بن مهزيار عن ابيه عن ابى ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (ع) قال ما بعث الله نبيا بعد لوط إلا في عز من قومه، وحدثني محمد بن جعفر قال حدثنا محمد بن احمد (مسلم ط) عن محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القسم عن صالح عن

[ 336 ]

ابي عبد الله (ع) قال في قوله قوة قال القوة القائم (ع) والركن الشديد ثلاثمائة وثلاثة عشر قال علي بن ابراهيم فقال جبرئيل لو علم ما له من القوة، فقال من انتم ؟ فقال جبرئيل انا جبرئيل، فقال لوط بماذا امرت قال بهلاكهم فسأله الساعة قال (موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) فكسروا الباب ودخلوا البيت فضرب جبرئيل بجناحه على وجوههم فطمسها (1) وهو قول الله عزوجل " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا اعينهم فذوقوا عذابي ونذر " فلما رأوا ذلك وعلموا انهم قد اتاهم العذاب فقال جبرئيل يا لوط (فاسر باهلك بقطع من الليل) واخرج من بينهم انت وولدك (ولا يلتفت منكم احد إلا امرأتك انه مصيبها ما اصابهم) وكان في قوم لوط رجل عالم فقال لهم يا قوم قد جاءكم العذاب الذي كان يعدكم لوط فاحرسوه ولا تدعوه يخرج من بينكم فانه ما دام فيكم لا يأتيكم العذاب، فاجتمعوا حول داره يحرسونه فقال جبرئيل يا لوط اخرج من بينهم فقال كيف اخرج وقد اجتمعوا حول داري، فوضع بين يديه عمودا من نور فقال له اتبع هذا العمود ولا يلتفت منكم احد فخرجوا من القرية من تحت الارض فالتفتت امرأته فارسل الله عليها صخرة فقتلتها، فلما طلع الفجر صارت الملائكة الاربعة كل واحد في طرف من قريتهم فقلعوها من سبع ارضين إلى تخوم الارض ثم رفعوها في الهواء حتى سمع اهل السماء نباح الكلاب وصراخ الديكة ثم قلبوها عليهم وامطرهم الله (حجارة من سجيل منضودة مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) قوله " منضود " يعني بعضها على بعض منضدة وقوله " مسومة " أي منقوطة. حدثني ابي عن سليمان الديلمي عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله " وامطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة " قال ما من عبد يخرج من الدنيا يستحل عمل قوم لوط إلا رماه الله كبده من تلك الحجارة تكون منيته


(1) الطموس كالدروس لفظا ومعنى. ج ز (*)

[ 337 ]

فيها ولكن الخلق لا يرونه. ثم ذكر عزوجل هلاك اهل مدين فقال (والى مدين اخاهم شعيبا - إلى قوله - ولا تعثوا في الارض مفسدين) قال بعث الله شعيبا إلى مدين وهى قرية على طريق الشام فلم يؤمنوا به وحكى الله قولهم (قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك ان نترك ما يعبد آباؤنا - إلى قوله - الحليم الرشيد) قال قالوا انك لانت السفيه الجاهل فكنى الله عزوجل قولهم فقال (انك لانت الحليم الرشيد) وانما اهلكهم الله بنقص المكيال والميزان (قال يا قوم أرأيتم ان كنت علي بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما اريد ان اخالفكم إلى ما انهيكم عنه ان اريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيق إلا بالله عليه توكلت واليه انيب) ثم ذكرهم وخوفهم بما نزل بالامم الماضية فقال (يا قوم لا يجر منكم شقاقي ان يصيبكم مثل ما اصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وانا لنراك فينا ضعيفا) وقد كان ضعف بصره (ولولا رهطلك لرجمناك وما انت علينا بعزيز - إلى قوله - اني معكم رقيب) اي انتظروا فبعث الله عليهم صيحة فماتوا وهو قوله (فلما جاء امرنا نجيبنا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا واخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). ثم ذكر عزوجل قصة موسى (ع) فقال (ولقد ارسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين - إلى قوله - واتبعوا في هذه لعنة) يعني الهلاك والغرق (ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) اي يرفدهم الله بالعذاب ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (ذلك من انباء القرى) اي اخبارها (نقصه عليك - يا محمد - منها قائم وحصيد - إلى قوله - وما زادوهم غير تتبيب) اي غير تخسير (وكذلك اخذ ربك إذ اخذ القرى وهى ظالمة إن اخذه اليم شديد ان في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة

[ 338 ]

ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) اي يشهد عليهم الانبياء والرسل (وما نؤخره إلا لاجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا باذنه فمنهم شقي وسعيد فاما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والارض) فهذا هو في نار الدنيا قبل القيامة ما دامت السموات والارض وقوله (واما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها) يعني في جنات الدنيا التي تنقل إليها ارواح المؤمنين (ما دامت السموات والارض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) يعني غير مقطوع من نعيم الآخرة في الجنة يكون متصلا به وهو رد على من ينكر عذاب القبر والثواب والعقاب في الدنيا في البرزخ قبل يوم القيامة وقوله (وان كلا لما ليوفينهم ربك اعمالهم) قال في القيامة ثم قال لنبيه (فاستقم كما امرت ومن تاب معك ولا تطغوا) اي في الدنيا لا تطغوا (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) قال ركون مودة ونصيحة وطاعة (وما لكم من دون الله من اولياء ثم لا تنصرون) وقوله (أقم الصلاة طرفي النهار) الغداة والمغرب (وزلفا من الليل) العشاء الآخرة (ان الحسنات يذهبن السيئات) فان صلاة المؤمنين في الليل تذهب ما عملوا بالنهار من السيئات والذنوب ثم قال (ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة) اي على مذهب واحد (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال في قوله: لا يزالون مختلفين في الدين إلا من رحم ربك يعني آل محمد واتباعهم يقول الله ولذلك خلقهم يعني اهل رحمة لا يختلفون في الدين قوله (وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس اجمعين) وهم الذين سبق الشقاء لهم فحق عليهم القول انهم للنار خلقوا وهم الذين حقت عليهم كلمة ربك انهم لا يؤمنون قال علي بن ابراهيم ثم خاطب الله نبيه فقال (وكلا نقص عليك من انباء الرسل اي اخبارهم (ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق) في القرآن وهذه السورة من اخبار الانبياء وهلاك الامم ثم قال (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على

[ 339 ]

مكانكم انا عاملون) اي نعاقبكم (وانتظروا انا منتظرون ولله غيب السموات والارض واليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون). سورة يوسف مكية اياتها مأة واحدى عشر (بسم الله الرحمن الرحيم الرا تلك آيات الكتاب المبين انا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) اي كي تعقلوا ثم خاطب الله نبيه فقال (نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين) ثم قص قصة يوسف لابيه (يا ابت اني رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا محمد بن احمد قال حدثنا علي بن محمد عمن حدثه عن المنقري عن عمرو بن شمر عن اسماعيل السندي عن عبد الرحمن ابن سابط القرشي عن جابر بن عبد الله الانصاري في قول الله عزوجل " اني رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " قال في تسمية النجوم هو الطارق وحوبان والذيال (الدبال ك) وذو الكتفين (ذو الكنفين ط) ووثاب وقابس وعمودان وفليق (فيلق) ومصبح والصرح والفروع (والقروع) والضياء والنور يعني الشمس والقمر وكل هذه النجوم محيطة بالسماء، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال تأويل هذه الرؤيا انه سيملك مصر ويدخل عليه ابواه واخوته، اما الشمس فأم يوسف راحيل والقمر يعقوب واما احد عشر كوكبا فاخوته، فلما دخلوا عليه سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه وكان ذلك السجود لله. قال علي بن ابراهيم فحدثني ابي عن عمرو بن شمر عن جابر عن ابي جعفر عليه السلام انه كان من خبر يوسف عليه السلام انه كان له احد عشر اخا فكان له من امه

[ 340 ]

اخ واحد يسمى بنيامين وكان يعقوب اسرائيل الله ومعنى اسرائيل الله خالص الله بن اسحاق نبي الله ابن ابراهيم خليل الله، فرأى يوسف هذه الرؤيا وله تسع سنين فقصها على ابيه فقال يعقوب (يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا ان الشيطان للانسان عدو مبين) " يكيدوا لك كيدا " أي يحتالوا عليك، فقال يعقوب ليوسف (وكذلك يجبتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما اتمها على ابويك من قبل ابراهيم واسحق ان ربك عليم حكيم) وكان يوسف من احسن الناس وجها وكان يعقوب يحبه ويؤثره على اولاده فحسده اخوته علي ذلك وقالوا فيما بينهم كما حكى الله عزوجل (إذ قالوا ليوسف واخوه احب الي ابينا منا ونحن عصبة) اي جماعة (ان ابانا لفي ضلال مبين) فعمدوا علي قتل يوسف فقالوا نقتله حتى يخلو لنا وجه ابينا فقال لاوي لا يجوز قتله ولكن نغيبه عن ابينا ونخلو نحن به فقالوا كما حكى الله عزوجل (يا ابانا مالك لا تأمنا علي يوسف وانا له لناصحون ارسله معنا غدا يرتع ويلعب) اي يرعى الغنم ويلعب (وانا له لحافظون) فاجرى الله علي لسان يعقوب (انى ليحزنني ان تذهبوا به واخاف ان يأكله الذئب وانتم عنه غافلون) فقالوا كما حكى الله (لئن اكله الذئب ونحن عصبة انا إذا لخاسرون) والعصبة عشرة إلى ثلاثة عشر (فلما ذهبوا به واجمعوا ان يجعلوه في غيابة الجب واوحينا إليه لتنبئنهم بامرهم هذا وهم لا يشعرون) اي لاخبرنهم بما هموا به. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " لتنبئنهم بامرهم هذا وهم لا يشعرون " يقول لا يشعرون انك انت يوسف اتاه جبرئيل واخبره بذلك قال علي بن ابراهيم فقال لاوي القوة في هذا الجب (يلتقطه بعض السيارة ان كنتم فاعلين) فادنوه من رأس الجب فقالوا له انزع قميصك فبكى وقال يا اخوتي لا تجردوني، فسل واحد منهم عليه السكين وقال لئن لم تنزعه لاقتلنك

[ 341 ]

فنزعه فألقوه في اليم وتنحوا عنه فقال يوسف في الجب يا إله ابراهيم واسحق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغري، فنزلت سيارة من اهل مصر، فبعثوا رجلا ليستقي لهم الماء من الجب فلما ادلي الدلو على يوسف تشبت بالدلو فجروه فنظروا إلى غلام من احسن الناس وجها فعدوا الي صاحبهم فقالوا يا بشرى هذا غلام فنخرجه ونبيعه ونجعله بضاعة لنا فبلغ اخوته فجاؤا وقالوا هذا عبد لنا، ثم قالوا ليوسف لئن لم تقر بالعبودية لنقتلنك فقالت السيارة ليوسف ما تقول قال نعم انا عبدهم، فقالت السيارة أفتبيعونه منا ؟ قالوا نعم فباعوه منهم على ان يحملوه إلى مصر (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين) قال الذي بيع بها يوسف ثمانية عشر درهما وكان عندهم كما قال الله تعالى " وكانوا فيه من الزاهدين) اخبرنا احمد بن ادريس عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد ابن محمد عن ابي بصير عن الرضا عليه السلام في قول الله " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة " قال كانت عشرين درهما والبخس النقص وهى قيمة كلب الصيد إذا قتل كان قيمته عشرين درهما. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (وجاؤا على قميصه بدم كذب) قال انهم ذبحوا جديا على قميصه، قال علي بن ابراهيم ورجع اخوته فقالوا نعمد إلى قميصه فنلطخه بالدم ونقول لابينا ان الذئب اكله فلما فعلوا ذلك قال لهم لاوي يا قوم ألسنا بني يعقوب اسرائيل الله بن اسحق نبي الله ابن ابراهيم خليل الله أفتظنون ان الله يكتم هذا الخبر عن انبيائه، فقالوا وما الحيلة ؟ قال نقوم ونغتسل ونصلي جماعة ونتضرع إلى الله تعالى ان يكتم ذلك الخبر عن نبيه فانه جواد كريم، فقاموا واغتسلوا وكان في سنة ابراهيم واسحق ويعقوب انهم لا يصلون جماعة حتى يبلغوا احد عشر رجلا فيكون واحد

[ 342 ]

منهم اماما وعشرة يصلون خلفه فقالوا كيف نصنع وليس لنا امام (1) فقال لاوي نجعل الله امامنا فصلوا وتضرعوا وبكوا وقالوا يا رب اكتم علينا هذا ثم جاؤا إلى ابيهم عشاءا يبكون ومعهم القميص قد لطخوه بالدم فقالوا (يا ابانا انا ذهبنا نستبق) اي نعدو (وتركنا يوسف عند متاعنا فاكله الذئب وما انت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين - إلى قوله - على ما تصفون) ثم قال يعقوب ما كان اشد غضب ذلك الذئب على يوسف واشفقه علي قميصه حيث اكل يوسف ولم يمزق قميصه. قال فحملوا يوسف إلى مصر وباعوه من عزيز مصر فقال العزيز (لامرأته اكرمي مثواه) اي مكانه (عسى ان ينفعنا أو نتخذه ولدا) ولم يكن له ولد فأكرموه وربوه فلما بلغ اشده هوته امرأة العزيز وكانت لا تنظر إلى يوسف امرأة إلا هوته ولا رجل إلا احبه وكان وجهه مثل القمر ليلة البدر فراودته امرأة العزيز وهو قوله (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب وقالت هيت لك قال معاذ الله انه ربى احسن مثواي انه لا يفلح الظالمون) فما زالت تخدعه حتى كان كما قال الله عزوجل (ولقد همت به وهم بها لولا ان رأى برهان ربه) فقامت امرأة العزيز وغلفت الابواب فلما هما رأى يوسف صورة يعقوب في ناحية البيت عاضا على اصبعيه يقول يا يوسف ! انت في السماء مكتوب في النبيين وتريد ان تكتب في الارض من الزناة ؟ فعلم انه قد اخطأ وتعدى، وحدثني ابي عن بعض رجاله رفعه قال قال أبو عبد الله عليه السلام لما همت به وهم بها قامت إلى صنم في بيتها فالقت عليه الملاءة لها فقال لها يوسف ما تعملين ؟ قالت القي على هذا الصنم ثوبا لا يرانا فانى استحيي منه، فقال يوسف فانت


(1) وذلك لان بنيامين كان في البيت فكانوا عشرا. ج. ز (*)

[ 343 ]

تستحين من صنم لا يسمع ولا يبصر ولا استحي انا من ربي فوثب وعدا وعدت من خلفه وادركهما العزيز على هذه الحالة وهو قول الله تعالى (واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب) فبادرت امرأة العزيز فقالت للعزيز (ما جزاء من اراد باهلك سوءا إلا ان يسجن أو عذاب اليم) فقال يوسف للعزيز (هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من اهلها) فألهم الله يوسف ان قال للملك سل هذا الصبي في المهد فانه يشهد انها راودتني عن نفسي، فقال العزيز للصبي فانطق الله الصبي في المهد ليوسف حتى قال (ان كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وان كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) فلما رأى قميصه قد تخرق من دبر قال لامرأته (انه من كيدكن ان كيدكن عظيم (ثم قال ليوسف (أعرض عن هذا واستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين) وشاع الخبر بمصر وجعلت النساء يتحدثن بحديثها ويعيرنها ويذكرنها وهو قوله (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه) فبلغ ذلك امرأة العزيز فبعثت إلى كل امرأة رئيسة فجمعتهن في منزلها وهئيت لهن مجلسا ودفعت إلى كل امرأة اترنجة وسكينا فقالت اقطعن ثم قالت ليوسف (اخرج عليهن) وكان في بيت فخرج يوسف عليهن فلما نظرن إليه اقبلن يقطعن ايديهن وقلن كما حكى الله عزوجل (فلما سمعت بمكرهن ارسلت اليهن واعتدت لهن متكأ) اي اترنجة (وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه اكبرنه) إلى قوله (ان هذا إلا ملك كريم) فقالت امرأة العزيز (فذلكن الذي لمتنني فيه) اي في حبه (ولقد راودته عن نفسه) اي دعوته (فاستعصم) اي امتنع ثم قالت (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) فما امسى يوسف في ذلك البيت حتى بعثت إليه كل امرأة رأته تدعوه إلى نفسها فضجر يوسف فقال (رب السجن احب الي مما يدعونني إليه والا

[ 344 ]

تصرف عني كيدهن) اي حيلهن (اصب اليهن) اي اميل اليهن وامرت امرأة العزيز بحبسه فحبس في السجن وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) فالآيات شهادة الصبي والقميص المخرق من دبر واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها اياه على الباب فلما عصاها فلم تزل ملحة بزوجها حتى حبسه (ودخل معه السجن فتيان) يقول عبدان للملك احدهما خباز والآخر صاحب الشراب والذي كذب ولم ير المنام هو الخباز، رجع إلى حديث علي بن ابراهيم قال ووكل الملك بيوسف رجلين يحفظانه فلما دخلا السجن قالا له ما صناعتك ؟ قال اعبر الرؤيا فرأى احد الموكلين في نومه كما قال الله عزوعلى (اعصر خمرا) قال يوسف تخرج وتصير على شراب الملك وترتفع منزلتك عنده وقال الآخر (اني أرانى احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) ولم يكن رأى ذلك فقال له يوسف انت يقتلك الملك ويصلبك وتأكل الطير من دماغك، فجحد الرجل وقال اني لم أر ذلك، فقال يوسف كما قال الله تعالى (يا صاحبي السجن اما احدكما فيسقى ربه خمرا واما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان) فقال أبو عبد الله عليه السلام في قوله " انا نراك من المحسنين " قال كان يقوم على المريض ويلتمس المحتاج ويوسع على المحبوس فلما اراد من رأى في نومه يعصر الخمر الخروج من الحبس قال له يوسف (اذكرني عند ربك) فكان كما قال الله عزوجل (فانساه الشيطان ذكر ربه) اخبرنا الحسن به علي عن ابيه عن اسماعيل بن عمر عن شعيب العقرقوفي عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان يوسف اتاه جبرئيل فقال له: يا يوسف ان رب العالمين يقرؤك السلام ويقول لك من جعلك في احسن خلقه ؟ قال فصاح ووضع خده على الارض ثم قال انت يا رب، ثم قال له: ويقول لك من حببك إلى ابيك دون اخوتك ؟ قال فصاح ووضع خده على الارض

[ 345 ]

وقال انت يا رب، قال ويقول لك: من اخرجك من الجب بعد ان طرحت فيها وايقنت بالهلكة ؟ قال فصاح ووضع خده على الارض ثم قال انت يا رب قال: فان ربك قد جعل لك جل عقوبة في استغاثتك بغيره فلبثت في السجن بضع سنين، قال فلما انقضت المدة واذن الله له في دعاء الفرج فوضع خده على الارض ثم قال " اللهم ان كانت ذنوبي قد اخلقت وجهي عندك فاني اتوجه اليك بوجه آبائي الصالحين ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب " ففرج الله عنه، قلت جعلت فداك أندعو نخن بهذا الدعاء ؟ فقال ادع بمثله " اللهم ان كانت ذنوبي قد اخلقت وجهي عندك فاني اتوجه اليك بنبيك نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة عليهم السلام ". قال علي بن ابراهيم ثم ان الملك رأى رؤيا فقال لوزرائه اني رأيت في نومي (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف) اي مهازيل، ورأيت (سبع سنبلات خضر واخر يابسات) وقرأ أبو عبد الله عليه السلام سبع سنابل خضر ثم قال (يا ايها الملا أفتوني في رؤياي ان كنتم للرؤيا تعبرون) فلم يعرفوا تأويل ذلك، فذكر الذي كان على رأس الملك رؤياه التي رآها وذكر يوسف بعد سبع سنين وهو قوله (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد امة) أي بعد حين (انا انبئكم بتأويله فارسلون) فجاء إلى يوسف فقال (ايها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات) قال يوسف (تزرعون سبع سنين دأبا) اي ولاءا (فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون) أي لا تدوسوه فانه يفسد في طول سبع سنين وإذا كان في سنبله لا ينفسد (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن) اي سبع سنين مجاعة شديدة يأكلن ما قدمتم لهن في السبع سنين الماضية قال الصادق عليه السلام إنما نزل ما قربتم لهن (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)

[ 346 ]

اي يمطرون، وقال أبو عبد الله عليه السلام قرأ رجل على امير المؤمنين عليه السلام ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون قال ويحك اي شئ يعصرون أيعصرون الخمر ؟ قال الرجل يا امير المؤمنين كيف اقرؤها ؟ قال إنما نزلت " عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " (1) اي يمطرون بعد سنين المجاعة والدليل على ذلك قوله " وانزلنا من المعصرات ماءا ثجاجا " فرجع الرجل إلى الملك فاخبره بما قال يوسف فقال الملك (إئتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) يعني إلى الملك (فسئله ما بال النسوة التي قطعن ايديهن ان ربي بكيدهن عليم) فجمع الملك النسوة فقال لهن (ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص (2) الحق انا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين ذلك ليعلم اني لم اخنه بالغيب وان الله لا يهدي كيد الخائنين) أي لا اكذب عليه الآن كما كذبت عليه من قبل ثم قالت الجزء (13) (وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء) اي تأمر بالسوء فقال الملك (إئتوني به استخلصه لنفسي) فلما نظر إلى يوسف (قال انك اليوم لدينا مكين امين) سل حاجتك (قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم) يعني على الكناديج والانابير فجعله عليها وهو قوله (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوء منها حيث يشاء) فامر يوسف ان يبنى كناديج (3) من صخر وطينها بالكلس (4) ثم امر بزروع مصر فحصدت ودفع إلى كل انسان حصته وترك الباقي في سنبله لم يدسه، فوضعها في الكناديج ففعل ذلك سبع سنين فلما جاء سني الجدب فكان يخرج السنبل فيبيع بما شاء، وكان بينه وبين ابيه ثمانية عشر يوما وكانوا في بادية وكان الناس من الآفاق يخرجون إلى مصر ليمتاروا طعاما وكان يعقوب


(1) أي مبنيا للمجهول. واعصروا أي امطروا. والمعصرات السحاب (2) جصحص. وضح (3) جمع كندوج كصندوق شبه المخزن (4) الكلس بالكسر الصاروج (النورة) (*)

[ 347 ]

وولده نزولا في بادية فيه مقل (1) فاخذ اخوة يوسف من ذلك المقل وحملوه إلى مصر ليمتاروا به وكان يوسف يتولى البيع بنفسه فلما دخلوا اخوته على يوسف عرفهم ولم يعرفوه كما حكى الله عزوعلا (وهم له منكرون ولما جهزهم بجهازهم) واعطاهم واحسن إليهم في الكيل قال لهم من انتم ؟ قالوا نحن بنو يعقوب بن اسحق بن ابراهيم خليل الله الذي القاه نمرود في النار فلم يحترق وجعلها الله عليه بردا وسلاما، قال فما فعل ابوكم ؟ قالوا شيخ ضعيف، قال فلكم اخ غيركم ؟ قالوا لنا اخ من ابينا لا من امنا، قال فإذا رجعتم الي فأتوني به وهو قوله (ائتوني باخ لكم من ابيكم ألا ترون انى اوفي الكيل وانا خير المنزلين فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه اباه وانا لفاعلون) ثم قال يوسف لقومه ردوا هذه البضاعة التى حملوها الينا واجعلوها فيما بين رحالهم حتى إذا رجعوا إلى منازلهم ورأوها رجعوا الينا وهو قوله (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى اهلهم لعلهم يرجعون) يعني كي يرجعوا (فلما رجعوا إلى ابيهم قالوا يا ابانا منع منا الكيل فارسل معنا اخانا نكتل وانا له لحافظون) فقال يعقوب (هل آمنكم عليه إلا كما آمنتكم على اخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين فلما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم) في رحالهم التي حملوها إلى مصر (قالوا يا ابانا ما نبغي) اي ما نريد (هذه بضاعتنا ردت الينا ونمير اهلنا ونحفظ اخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير) فقال يعقوب (لن ارسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا ان يحاط بكم فلما آتوه موثقهم) قال يعقوب (الله على ما نقول وكيل) فخرجوا وقال لهم يعقوب (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ابواب متفرقة


(1) المقل بالضم صمغ شجرة نافع للسعال وهش الهوام والبواسير وتنقية الرحم وتسهيل الولادة وانزال المشيمة وحصاة الكلية والرياح الغليظة مدرباه مسمن محلل للاورام ق. (*)

[ 348 ]

- إلى قوله - اكثر الناس لا يعلمون) فخرجوا وخرج معهم بنيامين وكان لا يؤاكلهم ولا يجالسهم ولا يكلمهم فلما وافوا مصر ودخلوا على يوسف وسلموا فنظر يوسف إلى اخيه فعرفه فجلس منهم بالبعد، فقال يوسف انت اخوهم ؟ قال نعم، قال فلم لا تجلس معهم ؟ قال لانهم اخرجوا من ابي وامي ثم رجعوا ولم يردوه وزعموا ان الذئب اكله فآليت على نفسي ألا اجتمع معهم على امر ما دمت حيا، قال فهل تزوجت ؟ قال بلى، قال فولد لك ولد ؟ قال بلى، قال كم ولد لك ؟ قال ثلاث بنين، قال فما سميتهم ؟ قال سميت واحدا منهم الذئب وواحدا القميص وواحدا الدم، قال وكيف اخترت هذه الاسماء ؟ قال لئلا انسى اخي كلما دعوت واحدا من ولدي ذكرت اخي، قال يوسف لهم اخرجوا وحبس بنيامين عنده فلما خرجوا من عنده قال يوسف لاخيه انا اخوك يوسف (فلا تبتئس بما كانوا يعملون) ثم قال له انا احب ان تكرن عندي، فقال لا يدعوني اخوتي فان ابي قد اخذ عليهم عهد الله وميثاقه ان يرودني إليه، قال فانا احتال بحيلة فلا تنكر إذا رأيت شيئا ولا تخبرهم فقال لا، فلما جهزهم بجهازهم واعطاهم واحسن إليهم قال لبعض قوامه اجعلوا هذا الصواع في رحل هذا وكان الصواع الذي يكيلون به من ذهب فجعلوه في رحله من حيث لم يقفوا عليه فلما ارتحلوا بعث إليهم يوسف وحبسهم ثم امر مناديا ينادي (ايتها العير انكم لسارقون) فقال اخوة يوسف (ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم) اي كفيل فقال اخوة يوسف ليوسف (تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين) قال يوسف (فما جزاؤه ان كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله) فخذه فاحبسه (فهو جزاؤه كذلك تجزي الظالمين فبدأ باوعيتهم قبل وعاء اخيه ثم استخرجها من وعاء اخيه) فتشبثوا باخيه وحبسوه وهو قوله (كذلك كدنا

[ 349 ]

ليوسف) اي احتلنا له (وما كان ليأخذ اخاه في دين الملك إلا ان يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) فسئل الصادق عليه السلام عن قوله " ايتها العير انكم لسارقون " قال ما سرقوا وما كذب يوسف فانما عني سرقتم يوسف من ابيه، وقوله ايتها العير معناه يا اهل العير ومثله قولهم لابيهم (واسئل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها) يعني اهل العير فلما اخرج ليوسف الصواع من رحل اخيه قال اخوته (ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل) يعنون يوسف فتغافل يوسف عليهم وهو قوله (فاسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال انتم شر مكانا والله اعلم بما تصفون) فاجتمعوا إلى يوسف وجلودهم تقطر دما اصفر فكانوا يجادلونه في حبسه. وكانوا ولد يعقوب إذا غضبوا خرج من ثيابهم شعر ويقطر من رؤسهم دم اصفر وهم يقولون (يا ايها العزيز ان له ابا شيخا كبيرا فخذ احدنا مكانه انا نراك من المحسنين فاطلق عن هذا فلما رأى يوسف ذلك (قال معاذ الله ان نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) ولم يقل إلا من سرق متاعنا (انا إذا لظالمون فلما استيأسوا منه) وارادوا الانصراف إلى ابيهم قال لهم لاوي بن يعقوب (ألم تعلموا ان اباكم قد اخذ عليكم موثقا من الله) في هذا (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) فارجعوا انتم إلى ابيكم فاما انا فلا ارجع إليه (حتى يأذن لي ابي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين) ثم قال لهم (ارجعوا إلى ابيكم فقولوا يا ابانا ان ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها) اي اهل القرية واهل العير (وانا لصادقون). قال فرجع اخوة يوسف إلى ابيهم وتخلف يهودا فدخل على يوسف فكلمه حتى ارتفع الكلام بينه وبين يوسف وغضب وكانت على كتف يهودا شعرة فقامت الشعرة فاقبلت تقذف بالدم وكان لا يسكن حتى يمسه بعض اولاد يعقوب، قال

[ 350 ]

فكان بين يدي يوسف ابن له في يده رمانة من ذهب يلعب بها فلما رأى يوسف ان يهودا قد غضب وقامت الشعرة تقذف بالدم اخذ الرمانة من الصبي ثم دحرجها نحو يهودا وتبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا فذهب غضبه، قال فارتاب يهودا ورجع الصبي بالرمانة إلى يوسف ثم ارتفع الكلام بينهما حتى غضب يهودا وقامت الشعرة تقذف بالدم فلما رأى ذلك يوسف دحرج الرمانة نحو يهودا فتبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا فسكن غضبه وقال ان في البيت لمن ولده يعقوب حتى صنع ذلك ثلاث مرات، فلما رجعوا اخوة يوسف إلى ابيهم واخبروه بخبر اخيهم قال يعقوب (بل سولت لكم انفسكم امرا فصبر جميل عسى الله ان يأتيني بهم جميعا انه هو العليم الحكيم ثم تولى عنهم وقال يا اسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن) يعني عميت من البكاء (فهو كظيم) اي محزون والاسف اشد الحزن وسئل أبو عبد الله عليه السلام ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف ؟ قال حزن سبعين ثكلى باولادها وقال إن يعقوب لم يعرف الاسترجاع ومن هنا قال وا اسفا على يوسف فقالوا له (تالله تفتؤ تذكر يوسف) اي لا تفتؤ عن ذكر يوسف (حتى تكون حرضا) اي ميتا (أو تكون من الهالكين) فقال (إنما اشكوا بثي وحزني إلى الله واعلم من الله ما لا تعلمون) حدثني ابي عن حسان بن سدير عن ابيه عن ابي جعفر عليه السلام قال قلت له اخبرني عن يعقوب حين قال لولده (اذهبوا فتحسسوا من يوسف واخيه) اكان علم انه حي وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه من البكاء عليه، قال نعم علم انه حي حتى انه دعا ربه في السحر ان يهبط عليه ملك الموت فهبط عليه ملك الموت في اطيب رائحة واحسن صورة فقال له من انت ؟ قال انا ملك الموت أليس سألت الله ان ينزلني عليك ؟ قال نعم قال ما حاجتك يا يعقوب ؟ قال له اخبرني عن الارواح تقبضها جملة أو تفاريقا ؟ قال يقبضها اعواني متفرقة ثم تعرض علي

[ 351 ]

مجتمعة ؟ قال يعقوب فاسألك بآله ابراهيم واسحق ويعقوب هل عرض عليك في الارواح روح يوسف فقال لا فعند ذلك علم انه حي فقال لولده (اذهبوا فتحسسوا من يوسف واخيه ولا تيئسوا من روح الله انه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون) فكتب عزيز مصر إلى يعقوب: اما بعد فهذا ابنك قد اشتريته بثمن بخس دراهم معدودة وهو يوسف واتخذته عبدا وهذا ابنك بنيامين وقد وجدت متاعي عنده واتخذته عبدا، فما ورد على يعقوب شئ اشد عليه من ذلك الكتاب فقال للرسول مكانك حتى اجيبه فكتب إليه يعقوب عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب اسرائيل الله ابن اسحق بن ابراهيم خليل الله اما بعد فقد فهمت كتابك تذكر فيه انك اشتريت ابني واتخذته عبدا وان البلاء موكل ببني آدم ان جدي ابراهيم القاه نمرود ملك الدنيا في النار فلم يحترق وجعلها الله عليه بردا وسلاما وان ابى اسحق (1) امر الله تعالى جدي


(1) قال جدي السيد الجزائري رحمه الله في قصص الانبياء: " اختلف علماء الاسلام في تعيين الذبيح هل هو اسماعيل أو اسحق (ع) فذهبت الطائفة المحقة من اصحابنا وجماعة من العامة إلى انه اسماعيل (ع) والاخبار الصحيحة دالة عليه مع دلالة غيرها من الآيات ودلائل العقل، وذهب طائفة من الجمهور إلى انه اسحق (ع) وبه اخبار واردة من الطرفين، وطريق تأويلها اما ان تحمل على التقية، واما حملها على ما قاله الصدوق (رح) صار ذبيحا بالنية والتمني قال الصدوق (رح) في العيون: " قد اختلفت الروايات في الذبح، فمنها ما ورد بانه اسماعيل، ومنها ما ورد بانه اسحق (ع) ولا سبيل إلى رد الاخبار متى صح طرقها وكان الذبيح اسماعيل عليه السلام لكن اسحق لما ولد بعد ذلك تمنى انه هو الذي امر ابوه بذبحه = (*)

[ 352 ]

ان يذبحه بيده فلما اراد ان يذبحه فداه الله بكبش عظيم وانه كان لي ولد لم يكن في الدنيا احد احب الي منه وكان قرة عيني وثمرة فؤادي فاخرجوه اخوته ثم رجعوا الي وزعموا ان الذئب اكله فاحدودب لذلك ظهري وذهب من كثرة البكاء عليه بصري وكان له اخ من امه كنت آنس به فخرج مع اخوته إلى ملكك ليمتاروا لنا طعاما فرجعوا وذكروا انه سرق صواع الملك وانك حبسته وانا اهل بيت لا يليق بنا السرق ولا الفاحشة وانا اسألك بآله ابراهيم واسحق ويعقوب إلا ما مننت علي به وتقربت إلى الله ورددته الي " فلما ورد الكتاب على يوسف اخذه ووضعه على وجهه وقبله وبكى بكاءا شديدا ثم نظر إلى اخوته فقال (هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه إذ انتم جاهلون فقالوا ءانك لانت يوسف فقال انا يوسف وهذا اخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين) فقالوا كما حكى الله عزوجل (لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم) اي لا تعيير (يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين) قال فلما ولي الرسول إلى الملك بكتاب يعقوب رفع يعقوب يديه إلى السماء فقال: " يا حسن الصحبة يا كريم المعونة ياخيرا كله ائتني بروح منك


= فكان يصبر لامر الله كصبر اخيه فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله عزوجل من قلبه فسماه بين ملائكته ذبيحا لتمنيه ذلك " ثم حمل رحمه الله قول النبي صلى الله عليه وآله: " انا ابن الذبيحين " علي ذلك (اقول) ان بعض الروايات المعتبرة كرواية هذا التفسير وغيره آب عن الحمل فانها مصرحة بذبح اسحق حقيقة لا مجازا وفداه بكبش، فعليه لا مجال إلى ما ذهب إليه الصدوق رحمه الله من الحمل فاما ان تحمل هذه الروايات - كما قال جدي رح - على التقية أو على تعدد الواقعة. ج. ز (*)

[ 353 ]

وفرج من عندك " عليه جبرئيل عليه السلام فقال يعقوب الا اعلمك دعوات يرد الله عليك بصرك وابنيك ؟ قال نعم قال قل: " يامن لا يعلم احد كيف هو إلا هو يامن شيد (سد ط) السماء بالهواء وكبس الارض على الماء واختار لنفسه احسن الاسماء ائتني بروح منك وفرج من عندك " قال فما انفجر عمود الصبح حتى اوتي بالقميص فطرح عليه فرد الله عليه بصره وولده قال ولما امر الملك بحبس يوسف في السجن الهمه الله تأويل الرؤيا فكان يعبر لاهل السجن فلما سألاه الفتيان الرؤيا وعبر لهما وقال للذي ظن انه ناج منهما اذكرني عند ربك ولم يفزع في تلك الحالة إلى الله فأوحى الله إليه من اراك الرؤيا التى رأيتها ؟ قال يوسف انت يا رب قال فمن حببك إلى ابيك ؟ قال انت يا رب، قال فمن وجه اليك السيارة التي رأيتها ؟ قال انت يا رب، قال فمن علمك الدعاء الذي دعوت به حتى جعلت لك من الجب فرجا ؟ قال انت يا رب قال فمن انطق لسان الصبي بعذرك ؟ قال انت يا رب قال فمن الهمك تأويل الرؤيا ؟ قال انت يا رب، قال فكيف استعنت بغيري ولم تستعن بي واملت عبدا من عبيدي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي وفي قبضتي ولم تفزع الي ولبثت السجن بضع سنين ! فقال يوسف: " اسئلك بحق آبائي واجدادي عليك إلا فرجت عني " فأوحى الله إليه يا يوسف وأي حق لآبائك واجدادك علي ؟ ان كان ابوك آدم خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي واسكنته جنتي وامرته ان لا يقرب شجرة منها فعصاني وسألني فتبت عليه، وان كان ابوك نوح انتجبته من بين خلقي وجعلته رسولا إليهم فلما عصوا دعاني فاستجبت له واغرقتهم وانجيته ومن معه في الفلك، وان كان ابوك ابراهيم اتخذته خليلا وانجيته من النار وجعلتها بردا وسلاما، وان كان ابوك يعقوب وهبت له اثنى عشر ولدا فغيبت عنه واحدا فما زال يبكي حتى ذهب بصره وقعد في الطريق يشكوني إلى خلقي فاي حق لآبائك

[ 354 ]

واجدادك علي ؟ قال فقال جبرئيل يا يوسف قل: أسألك بمنك العظيم وسلطانك القديم فقالها فرأى الملك الرؤيا فكان فرجه فيها وحدثني ابي عن العباس بن هلال عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال قال السجان ليوسف اني لاحبك ؟ فقال يوسف ما اصابني بلاء إلا من الحب ان كانت عمتي (خالتي ط) احبتني فسرقتني وان كان ابي احبني فحسدوني اخوتى وان كانت امرأة العزيز احبتني فحبستني، قال وشكى يوسف في السجن إلى الله فقال يا رب بماذا استحققت السجن ؟ فأوحى الله إليه انت اخترته حين قلت: رب السجن احب الي مما يدعونني إليه هلا قلت العافية احب الي مما يدعونني إليه، وحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن عمارة عن ابن سيارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال لما طرح اخوة يوسف يوسف في الجب دخل عليه جبرئيل وهو في الجب فقال يا غلام من طرحك في هذا الجب ؟ فقال له يوسف اخوتى لمنزلتي من ابى وحسدوني لذلك في الجب طرحوني، قال فتحب ان تخرج منها فقال له يوسف ذلك إلى إله ابراهيم واسحق ويعقوب، قال فان إله ابراهيم واسحق ويعقوب يقول لك قل: " اللهم انى اسألك فان لك الحمد كله لا إله إلا انت الحنان المنان بديع السموات والارض ذو الجلال والاكرام (وم) صل على محمد وآل محمد واجعل لي من امري فرجا ومخرجا وارزقني من حيث احتسب ومن حيث لا احتسب " فدعا ربه فجعل الله لا من الجب فرجا ومن كيد المرأة مخرجا وآتاه ملك مصر من حيث لا يحتسب. واما قوله (اذهبوا بقميصي هذا فالقوة على وجه ابي يأت بصيرا واتونى باهلكم اجمعين) فانه حدثني ابى عن علي بن مهزيار عن اسماعيل السراج عن يونس بن يعقوب عن المفضل الجعفي عن ابى عبد الله عليه السلام قال قال اخبرني ما كان قميص يوسف ؟ قلت لا ادري قال ان ابراهيم لما اوقدت لما اوقدت له النار اتاه جبرئيل

[ 355 ]

بثوب من ثياب الجنة فالبسه اياه فلم يصبه معه حر ولا برد، فلما حضر ابراهيم الموت جعله في تميمة وعلقه على اسحق وعلقه اسحق على يعقوب فلما ولد ليعقوب يوسف علقه عليه فكان في عنقه حتى كان من امره ما كان فلما اخرج يوسف القميص من التميمة وجد يعقوب ريحه وهو قوله (انى لاجد ريح يوسف لولا ان تفندون) وهو ذلك القميص الذي انزل من الجنة قلت له جعلت فداك فالى من صار ذلك القميص ؟ فقال إلى اهله ثم قال كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمد عليه وآله السلام وكان يعقوب بفلسطين وفصلت العير من مصر فوجد يعقوب ريحه وهو من ذلك القميص الذي اخرج من الجنة ونحن ورثته صلى الله عليه وآله. اخبرنا الحسن بن علي عن ابيه عن الحسين (الحسن ط) بن بنت الياس واسماعيل بن همام عن ابي الحسن قال كانت الحكومة في بني اسرائيل إذا سرق احد شيئا استرق وكان يوسف عند عمته وهو صغير، وكانت تحبه وكانت لاسحق منطقة البسها يعقوب وكانت عند اخته وان يعقوب طلب يوسف ليأخذه من عمته فاغتمت لذلك وقالت دعه حتى ارسله اليك واخذت المنطقة فشدت بها وسطه تحت الثياب فلما اتى يوسف اباه جاءت فقالت قد سرقت المنطقة ففتشته فوجدتها معه في وسطه فلذلك قالوا اخوة يوسف لما حبس يوسف اخاه حيث جعل الصواع في وعاء اخيه فقال يوسف ما جزاء من وجد في رحله قالوا جزاؤه السنة التي تجري فيهم فلذلك قالوا اخوة يوسف ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل فاسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم. قال علي بن ابراهيم ثم رجل يعقوب واهله من البادية بعد ما رجع إليه بنوه بالقميص فالقوه على وجهه فارتد بصيرا فقال لهم (ألم اقل لكم اني اعلم من الله ما لا تعلمون قالوا له يا ابانا استغفر لنا ذنوبنا انا كنا خاطئين قال لهم سوف استغفر لكم ربي انه هو الغفور الرحيم) قال اخره إلى السحر لان الدعاء

[ 356 ]

والاستغفار فيه مستجاب، فلما وافى يعقوب واهله وولده مصر قعد يوسف على سريره ووضع تاج الملك على رأسه فاراد ان يراه ابوه على تلك الحالة، فلما دخل ابوه لم يقم له فخروا كلهم له سجدا فقال يوسف (يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد احسن بي إذ اخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ان نزغ الشيطان بيني وبين اخوتى ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم). حدثني محمد بن عيسى عن يحيى بن اكثم وقال سأل موسى بن محمد بن علي بن موسى مسائل فعرضها على ابي الحسن عليه السلام فكانت احديها اخبرني عن قول الله عزوجل ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا سجد يعقوب وولده ليوسف وهم انبياء، فأجاب أبو الحسن عليه السلام اما سجود يعقوب وولده ليوسف فانه لم يكن ليوسف وإنما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة لله وتحية ليوسف كما كان السجود من الملائكة لآدم ولم يكن لآدم إنما كان ذلك منهم طاعة لله وتحية لآدم فسجد يعقوب وولده وسجد يوسف معهم شكر الله لاجتماع شملهم ألم تر انه يقول في شكره ذلك الوقت (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض انت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) فنزل جبرئيل فقال له يا يوسف اخرج يدك فاخرجها فخرج من بين اصابعه نور، فقال ما هذا النور يا جبرئيل ؟ فقال هذه النبوة اخرجها الله من صلبك لانك لم تقم لابيك فحط الله نوره ومحى النبوة من صلبه وجعلها في ولد لاوي اخي يوسف وذلك لانهم لما ارادوا قتل يوسف قال " لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب " فشكر الله له ذلك ولما أرادوا ان يرجعوا إلى ابيهم من مصر وقد حبس يوسف اخاه قال " لن ابرح الارض حتى يأذن لي ابي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين " فشكر الله له ذلك فكان انبياء بني إسرائيل من ولد لاوي وكان موسى من ولد لاوي

[ 357 ]

وهو موسى بن عمران بن يهصر بن واهث (واهب ك) بن لاوي بن يعقوب ابن اسحق بن ابراهيم، فقال يعقوب لابنه يا بني اخبرني ما فعل بك اخوتك حين اخرجوك من عندي ؟ قال يا ابت اعفني من ذلك، قال اخبرني ببعضه ؟ فقال يا ابت انهم لما ادنوني من الجب قالوا انزع قميصك فقلت لهم يا اخوتي اتقوا الله ولا تجردوني فسلوا علي السكين وقالوا لان لم تنزع لنذبحنك فنزعت القميص وألقوني في الجب عريانا، قال فشهق يعقوب شهقة واغمي عليه فلما افاق قال يا بني حدثني فقال يا ابت اسألك باله ابراهيم واسحق ويعقوب إلا اعفيتني فاعفاه قال ولما مات العزيز وذلك في السنين الجدبة افتقرت امرأة العزيز واحتاجت حتى سألت الناس فقالوا ما يضرك لو قعدت للعزيز وكان يوسف يسمى العزيز فقالت أستحي منه فلم يزالوا بها حتى قعدت له على الطريق فاقبل يوسف في موكبه فقامت إليه وقالت: سبحان من جعل الملوك بالمعصية عبيدا وجعل العبيد بالطاعة ملوكا، فقال لها يوسف، انت هاتيك ؟ فقالت نعم وكان اسمها زليخا فقال لها هل لك في ؟ قالت دعني بعد ما كبرت أتهزء بى ؟ قال لا قالت نعم فامر بها فحولت إلى منزله وكانت هرمة فقال لها يوسف ألست فعلت بى كذا وكذا فقالت يا نبي الله لا تلمني فانى بليت ببلية لم يبل بها احد قال وما هي ؟ قالت بليت بحبك ولم يخلق الله لك في الدنيا نظيرا وبليت بحسني بانه لم تكن بمصر امرأة اجمل مني ولا اكثر مالا مني نزع عني مالي وذهب عني جمالي (وبليت بزوج عنين ط) فقال لها يوسف فما حاجتك ؟ قالت تسأل الله ان يرد على شبابى فسأل الله فرد عليها شبابها فتزوجها وهى بكر، قالوا ان العزيز الذي كان زوجها اولا كان عنينا وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله: " قد شغفها حبا " يقول قد حجبها حبه عن الناس فلا تعقل غيره والحجاب هو الشغاف والشغاف هو حجاب القلب، قال علي بن ابراهيم ثم قال الله لنبيه

[ 358 ]

عليه السلام (ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم إذا اجمعوا امرهم وهم يمكرون ثم قال وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). وقوله (وكأين من آية في السموات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون) قال الكسوف والزلزلة والصواعق وقوله (وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فهذا شرك الطاعة اخبرنا احمد بن ادريس قال حدثنا احمد ابن محمد عن علي بن الحكم عن موسى بن بكر عن الفضيل عن ابي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى " وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم مشركون " قال شرك طاعة وليس شرك عبادة والمعاصي التي يرتكبون شرك طاعة اطاعوا فيها الشيطان فاشركوا بالله في الطاعة لغيره وليس باشراك عبادة ان يعبدوا غير الله وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة انا ومن اتبعني) يعني نفسه ومن تبعه يعني علي بن ابى طالب وآل محمد عليهم السلام، قال علي بن ابراهيم حدثني ابى عن علي بن اسباط قال قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام يا سيدي ان الناس ينكرون عليك حداثة سنك قال وما ينكرون علي من ذلك فوالله لقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله " قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة انا ومن اتبعني " فما اتبعه غير علي عليه السلام وكان ابن تسع سنين وانا ابن تسع سنين وقوله (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) فانه حدثنى ابى عن محمد بن ابى عمير عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال وكلهم الله إلى انفسهم فظنوا ان الشياطين قد تمثلت لهم في صورة الملائكة ثم قال عزوجل (لقد كان في قصصهم عبرة لاولى الالباب) يعني لاولى العقول (ما كان حديثا يفترى) يعني القرآن (ولكن تصديق الذي بين يديه) يعني من كتب الانبياء (وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).

[ 359 ]

سورة الرعد مكية آياتها ثلاث واربعون (بسم الله الرحمن الرحيم الرا تلك آيات الكتاب والذي انزل اليك من ربك الحق ولكن اكثر الناس لا يؤمنون الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها) يعني بغير اسطوانة ترونها (ثم استوى على العرش وسحر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى - الي قوله - يتفكرون) فانه محكم (وفي الارض قطع متجاورات) اي متصلة بعضها إلى بعض (وجنات من اعناب) اي بساتين (وزرع ونخيل صنوان) والصنوان الفتالة التي نبتت من اصل الشجرة (وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل فمنه جلو ومنه حامض ومنه مر يسقى بماء واحد (ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون) ثم حكى عزوجل قول الدهرية من قريش فقال (وان تعجب فعجب قولهم ءاذا كنا تراباءانا لفي خلق جديد) ثم قال (اولئك الذين كفروا بربهم واولئك الاغلال في اعناقهم واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) وكانوا يستعجلون العذاب فقال الله عزوجل (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات) اي العذاب وقوله (ويقول الذين كفروا لولا انزل عليه آية من ربه انما انت منذر ولكل قوم هاد) فانه حدثني ابى عن حماد عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال المنذر رسول الله صلى الله عليه وآله والهادي امير المؤمنين (ع) وبعده الائمة عليهم السلام وهو قوله ، ولكل قوم هاد " اي في كل زمان امام هاد مبين وهو رد على من ينكر ان في كل عصر وزمان اماما وانه لا تخلو الارض من حجة كما قال امير المؤمنين عليه السلام: " لا تخلو الارض من امام قائم بحجة الله اما ظاهر مشهور واما خائف مقهور لئلا يبطل حجج الله وبيناته " والهدى في كتاب الله عزوجل على

[ 360 ]

وجوه فمنه الائمة (ع) وهو قوله " ولكل قوم هاد " اي امام مبين ومنه: البيان وهو قوله " أو لم يهد لهم " اي يبين لهم وقوله " واما ثمود فهديناهم " اي بينا لهم ومثله كثير ومنه: الثواب وهو قوله " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين " اي لنثيبنهم ومنه: النجاة وهو قوله " كلا ان معي ربى سيهدين " أي سينجيني ومنه الدلالة وهو قوله " واهديك إلى ربك " اي ادلك. واما قوله (الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار) ما تغيض اي ما تسقط من قبل التمام " وما تزداد " يعني على تسعة اشهر كلما رأت المرأة من حيض في ايام حملها زاد ذلك على حملها وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر (ع) في قوله (سواء منكم من اسر القول ومن جهر به) فالسر والعلانية عنده سواء وقوله (مستخف بالليل) مستخف في جوف بيته، وقال علي بن ابراهيم في قوله (وسارب بالنهار) يعنى تحت الارض فذلك كله عند الله عزوجل واحد يعلمه وقوله (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله) فانها قرئت عند ابى عبد الله صلوات الله عليه فقال لقاريها الستم عربا فكيف تكون المعقبات من بين يديه ؟ وانما للعقب من خلفه، فقال الرجل جعلت فداك كيف هذا ؟ فقال إنما نزلت " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله " ومن ذا الذي يقدران يحفظ الشئ من امر الله وهم الملائكة الموكلون بالناس وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله يقول بامر الله من ان يقع في ركي أو يقع عليه حائط أو يصيبه شئ حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينهم يدفعونه إلى المقادير وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان بالنهار يتعاقبانه وقال علي بن ابراهيم في قوله (وإذا اراد الله بقوم

[ 361 ]

سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) اي من دافع وقوله (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا) يعني يخافه قوم ويطمع فيه قوم ان يمطروا (وينشئ السحاب الثقال) يعني يرفعها من الارض (ويسبح الرعد) الملك الذي يسوق السحاب (والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) اي شديد الغضب، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه) فهذا مثل ضربه الله للذين يعبدون الاصنام والذين يعبدون آلهة من دون الله فلا يستجيبون لهم بشئ ولا ينفعهم إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ليتناوله من بعيد ولا يناله، وقال علي بن ابراهيم في قوله (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) اي في بطلان وحدثني ابي عن احمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن ابي جعفر (ع) قال جاء رجل ؟ إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله رأيت امرا عظيما فقال وما رأيت ؟ قال كان لي مريض ونعت له ماء من بئر بالاحقاف يستشفى به في برهوت قال فانتهيت ومعي قربة وقدح لآخذ من مائها واصب في القربة وإذا بشئ قد هبط من جو السماء كهيئة السلسلة وهو يقول يا هذا اسقني الساعة اموت، فرفعت رأسي ورفعت إليه القدح لاسقيه فإذا رجل في عنقه سلسلة فلما ذهبت اناوله القدح فاجتذب مني حتى علق بالشمس ثم اقبلت على الماء اغرف إذ اقبل الثانية وهو يقول العطش العطش اسقني يا هذا الساعة اموت فرفعت القدح لاسقيه فاجتذب مني حتى علق بالشمس حتى فعل ذلك ثالثة فقمت وشددت قربتي ولم اسقه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك قابيل بن آدم الذي قتل اخاه وهو قول الله عزوجل " والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ - إلى قوله - إلا في ضلال " وقوله " ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) قال بالعشي

[ 362 ]

قال ظل المؤمن يسجد طوعا وظل الكافر يسجد كرها وهو نموهم وحركتهم وزيادتهم ونقصانهم. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) في قوله " ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها الآية " اما من يسجد من اهل السموات طوعا فالملائكة يسجدون لله طوعا ومن يسجد من اهل الارض طوعا فمن ولد في الاسلام فهو يسجد له طوعا واما من يسجد كرها فمن اجبر على الاسلام واما من لم يسجد فظله يسجد له بالغداة والعشي وقوله (قل من رب السموات والارض قل الله قل أفتخذتم من دونه اولياء لا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا قل هو يستوي الاعمى والبصير) يعني المؤمن والكافر (ام هل تستوي الظلمات والنور) اما الظلمات فالكفر واما النور فهو الايمان واما قوله (انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها) يقول الكبير على قدر كبره والصغير على قدر صغره (فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) قول الله " انزل من السماء ماءا " يقول انزل الحق من السماء فاحتملته القلوب باهوائها ذو اليقين على قدر يقينه وذو الشك على قدر شكه فاحتمل الهوى باطلا كثيرا وجفاءا، فالماء هو الحق والاودية هي القلوب والسيل هو الهوى والزبد هو الباطل والحلية والمتاع هو الحق قال الله (كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزبد فيذهب جفاءا واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) فالزبد خبث الحلية هو الباطل والمتاع والحلية هو الحق من اصاب الزبد وخبث الحلية في الدنيا لم ينتفع به وكذلك صاحب الباطل يوم القيامة لا ينتفع به واما الحلية والمتاع فهو الحق من اصاب الحلية والمتاع في الدنيا انتفع به وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع به (كذلك يضرب الله الامثال). وقال علي بن ابراهيم في قوله " قل رب السموات والارض قل الله "

[ 363 ]

الآية محكمة وقوله " انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا " اي مرتفعا " ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية " يعني ما يخرج من الماء من الجواهر وهو مثل اي يثبت الحق في قلوب المؤمنين وفي قلوب الكفار لا يثبت " كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزبد فيذهب جفاءا " يعني بطل " واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض " وهذا مثل للمؤمنين والمشركين فقال عزوجل (كذلك يضرب الله الامثال للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو ان لهم ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به اولئك لهم سوء الحساب ومأويهم جهنم وبئس المهاد) فالمؤمن إذا سمع الحديث ثبت في قلبه واجابه وآمن به فهو مثل الماء الذي يبقى في الارض فينبت النبات والذي لا ينتفع به يكون مثل الزبد الذي تضربه الرياح فيبطل وقوله " وبئس المهاد " قال يمهدون في النار ثم قال (أفمن يعلم إنما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمى إنما يتذكر اولو الالباب) اي اولو العقول وقوله (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما امر الله به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) فانه حدثني ابي عن محمد بن الفضيل عن ابي الحسن (ع) قال ان رحم آل محمد صلى الله عليه وآله معلقة بالعرش يقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني وهى تجري في كل رحم ونزلت هذه الآية في آل محمد وما عاهدهم عليه وما اخذ عليهم من الميثاق في الذر من ولاية امير المؤمنين عليه السلام والائمة عليهم السلام بعده وهو قوله " الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق الآية " ثم ذكر اعداءهم فقال (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) يعنى امير المؤمنين (ع) وهو الذي اخذ الله عليهم في الذر واخذ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم ثم قال (اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) وقوله (ويخافون سوء الحساب) فانه دخل رجل على ابي عبد الله

[ 364 ]

عليه السلام فقال أبو عبد الله ما لفلان يشكوك قال طالبته بحقي فقال أبو عبد الله (ع) وترى انك إذا استقصيت عليه لم تسئ به أترى الذي حكى الله عزوجل في قوله " ويخافون سوء الحساب " اي يجور الله عليهم (1) والله ما خافوا ذلك ولكنهم خافوا الاستقصاء فسماه الله سوء الحساب وقوله (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم واقاموا الصلاة وانفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة) يعني يدفعون وحدثني ابى عن حماد عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي يا علي ما من دار فيها فرحة إلا تبعها ترحة (2) وما من هم إلا وله فرج إلا هم اهل النار فإذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة تمحها سريعا وعليك بصنايع الخير فانها تدفع مصارع السوء وانما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام على حد التأديب للناس لا بان امير المؤمنين عليه السلام له سيئات عملها. وحدثني ابى عن النضر بن سويد عن محمد بن قيس عن ابن ابى يسار عن ابى عبد الله عليه السلام قال اقبل رسول الله صلى الله عليه وآله يوما واضعا يده علي كتف العباس فاستقبله امير المؤمنين عليه السلام فعانقه رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل ما بين عينيه ثم سلم العباس على علي فرد عليه ردا خفيفا فغضب العباس فقال يارسول الله صلى الله عليه وآله لا يدع على زهوه فقال رسول الله: يا عباس لا تقل ذلك في علي فاني لقيت جبرئيل آنفا فقال لي لقيني الملكان الموكلان بعلي الساعة فقالا ما كتبنا (3) عليه ذنبا منذ


(1) جار عن الشئ اي مال عنه. (2) الترحة كفرحة معناه الحزن. (3) ان الملك الموكل على السيئات واحد، فمشاركة الملك الثاني في هذا القول من باب التغليب والشهادة. ج. ز (*)

[ 365 ]

ولد إلى هذا اليوم، وقوله (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) قال نزلت في الائمة عليهم السلام وشيعتهم الذين صبروا وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل عن ابي عبد الله عليه السلام قال نحن صبرنا وشيعتنا اصبر منا لانا صبرنا بعلم وصبروا على ما لا يعلمون وقوله (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) قال الذين آمنوا الشيعة وذكر الله امير المؤمنين والائمة عليهم السلام ثم قال (ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب) اي حسن مرجع وحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي ابن رياب عن ابي عبيدة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: طوبى شجرة في الجنة في دار امير المؤمنين عليه السلام وليس احد من شيعته إلا وفي داره غصن من اغصانها وورقة من اوراقها يستظل تحتها امة من الامم وعنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكثر تقبيل فاطمة عليها السلام فانكرت ذلك عائشة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا عائشة اني لما اسري بى إلى السماء دخلت الجنة فادناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها فاكلت فحول الله ذلك ماءا في ظهري فلما هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فما قبلتها قط إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها وقوله (ولو ان قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى بل لله الامر جميعا) قال لو كان شئ من القرآن كذلك لكان هذا وقوله (أفلم ييئس الذين آمنوا ان لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) يعني جعلهم كلهم مؤمنين وقوله (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) اي عذاب. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة " وهى النقمة (أو تحل قريبا من دارهم) فتحل بقوم غيرهم فيرون ذلك ويسمعون به والذين حلت بهم عصاة كفار مثلهم، ولا

[ 366 ]

يتعظ بعضهم ببعض ولن يزالوا كذلك (حتى يأتي وعد الله) الذي وعد المؤمنين من النصر ويخزي الله الكافرين وقال علي بن ابراهيم في قوله (فامليت للذين كفروا ثم اخذتهم) اي طولت لهم الامل ثم اهلكتهم وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبؤنه بما لا يعلم في الارض ام بظاهر من القول) الظاهر من القول هو الرزق وقال علي بن ابراهيم في قوله (وما لهم من الله من واق) اي من دافع (وعقبى الكافرين النار) اي عاقبة ثوابهم النار قال أبو عبد الله عليه السلام ان ناركم هذه جزؤ من سبعين جزءا من نار جهنم وقد اطفئت سبعين مرة بالماء ثم التهبت ولولا ذلك ما استطاع آدمي ان يطفيها وانها ليؤت بها يوم القيامة حتى توضع على النار فتصرخ صرخة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتيه فزعا من صرختها، وفي رواية ابى الجارود في قوله (الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما انزل اليك) فرحوا بكتاب الله إذا تلي عليهم وإذا تلوه تفيض اعينهم دمعا من الفزع والحزن وهو علي بن ابى طالب عليه السلام وهى في قراءة ابن مسعود " والذي انزلنا اليك الكتاب هو الحق ومن يؤمن به " اي علي بن ابى طالب يؤمن به (ومن الاحزاب من ينكر بعضه) انكروا من تأويل ما انزله في علي وآل محمد صلوات الله عليهم وآمنوا ببعضه فاما المشركون فانكروه كله اوله وآخره وانكروا ان محمدا رسول الله، وقال علي بن ابراهيم في قوله (لكل اجل كتاب يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال إذا كانت ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون وما يكون من قضاء الله تبارك وتعالى في تلك السنة فإذا اراد الله ان يقدم أو يؤخر أو ينقص شيئا أو يزيده امر الله ان يمحوا ما يشاء ثم اثبت الذي اراد،

[ 367 ]

قلت وكل شئ عنده بمقدار مثبت في كتابه ؟ قال نعم قلت فاي شئ يكون بعده قال سبحان الله ثم يحدث الله ايضا ما يشاء تبارك الله وتعالى وقوله (أولم يروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها) فقال موت علمائها (والله يحكم لا معقب لحكمه) اي لا مانع وقوله (وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا) قال المكر من الله هو العذاب (وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار) اي ثواب القيامة وقوله (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة عن ابى عبد الله عليه السلام قال الذي عنده علم الكتاب هو امير المؤمنين عليه السلام وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب اعلم ام الذي عنده علم الكتاب فقال ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر، فقال امير المؤمنين عليه السلام ألا ان العلم الذى هبط به آدم من السماء إلى الارض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله سورة ابراهيم مكية وهى اثنتان وخمسون آية (بسم الله الرحمن الرحيم الرا كتاب انزلناه اليك - يا محمد - لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم) يعني من الكفر إلى الايمان (إلى صراط العزيز الحميد) والصراط الطريق الواضح وامامة الائمة عليهم السلام وقوله (الله الذي له ما في السموات وما في الارض - إلى قوله - وهو العزيز الحكيم) فهو محكم وقوله (ولقد ارسلنا موسى بآياتنا ان اخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بايام الله) قال ايام الله ثلاثة: يوم القائم ويوم الموت ويوم القيامة وقوله (وإذ تأذن ربكم لان شكرتم لازيدنكم ولان كفرتم ان عذابي لشديد) فهذا

[ 368 ]

كفر النعم ثم قال أبو عبد الله عليه السلام ايما عبد انعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه وحمد الله عليها بلسانه لم تنفد حتى يأمر الله له بالزيادة وهو قوله " لان شكرتم لازيدنكم " وقوله (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح إلى قوله - فردوا ايديهم في افواههم) يعني في افواه الانبياء (وقالوا انا كفرنا بما ارسلتم به وانا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) وقوله (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ارضنا أو لتعودن في ملتنا) فانه حدثني ابي رفعه الي النبي صلى الله عليه وآله قال من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه الله داره وهو قوله (وقال الذين كفروا - إلى قوله - فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الارض من بعدهم) وقوله (واستفتحوا) اي دعوا (وخاب كل جبار عنيد) اي خسروا وفي رواية ابي الجارود قال العنيد المعرض عن الحق. وقال علي بن ابراهيم في قوله (من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد) قال ما يخرج من فروج الزواني وقوله (يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) قال يقرب إليه فيكرهه وإذا ادني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شرب تقطعت امعاؤه ومزقت إلى تحت قدميه وانه ليخرج من احدهم مثل الوادي صديدا وقيحا ثم قال وانهم ليبكون حتى تسيل من دموعهم فوق وجوههم جداول ثم تنقطع الدموع فتسيل الدماء حتى لو ان السفن اجريت فيها لجرت وهو قوله " وسقوا ماءا حميما فقطع امعاءهم " وقوله (مثل الذين كفروا بربهم اعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) قال من لم يقر بولاية امير المؤمنين عليه السلام بطل عمله مثل الرماد الذي يجيئ الريح فتحمله (وبرزوا لله جميعا) معناه مستقبل انهم يبرزون واللفظ ماض وقوله (لو هدانا الله لهديناكم) فالهدى ههنا هو الثواب (سواء علينا أجزعنا ام صبرنا مالنا من محيص) اي مفر (وقال الشيطان لما قضي الامر) اي لما فرغ من امر الدنيا من

[ 369 ]

من اوليائه (ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ما انا بمصرخكم) اي بمعينكم (وما انتم بمصرخي) اي بمعيني (اني كفرت بما اشركتمون من قبل) يعني في الدنيا ثم قال عزوجل (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها نابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون) فحدثني ابى عن الحسن بن محبوب عن ابى جعفر الاحول عن سلام بن المستنير عن ابى جعفر عليه السلام قال سألته عن قول الله " مثل كلمة طيبة الآية " قال الشجرة رسول الله صلى الله عليه وآله اصلها نسبه ثابت في بني هاشم وفرع الشجرة علي بن ابي طالب عليه السلام وغصن الشجرة فاطمة عليها السلام وثمرتها الائمة من ولد على وفاطمة عليهم السلام وشيعتهم ورقها وان المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشجرة ورقة وان المؤمن ليولد فتورق الشجرة ورقة قلت أرأيت قوله " تؤتي اكلها كل حين باذن ربها " قال يعني بذلك ما يفتون به الائمة شيعتهم في كل حج وعمرة من الحلال والحرام ثم ضرب الله لاعداء محمد مثلا فقال (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار " وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام قال كذلك الكافرون لا تصعد اعمالهم إلى السماء وبنو امية لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد ولا تصعد اعمالهم إلى السماء إلا قليل منهم. قال علي بن ابراهيم في قوله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين) فانه حدثني ابى عن علي بن مهزيار عن عمر بن عثمان عن المفضل بن صالح عن جابر عن ابراهيم بن العلي عن سويد بن علقمة (غفلة ط) عن امير المؤمنين عليه السلام قال ان ابن آدم إذا كان في آخر يوم من ايام الدنيا واول يوم من ايام الآخرة مثل له اهله وما له وولده وعمله فيلتفت

[ 370 ]

إلى ماله فيقول والله اني كنت عليك لحريصا شحيحا فما عندك ؟ فيقول خذ مني كفنك " ثم يلتفت إلى ولده فيقول والله انى كنت لكم لمحبا واني كنت عليكم لمحاميا فماذا عندكم ؟ فيقولون نؤديك إلى حفرتك ونواريك فيها، ثم يلتفت إلى عمله فيقول والله اني كنت فيك لزاهدا وانك كنت علي لثقيلا فماذا عندك ؟ فيقول انا قربنك في قبرك ويوم حشرك حتى اعرض انا وانت على ربك فان كان لله وليا اتاه اطيب الناس ريحا واحسنهم منظرا وازينهم رياشا فيقول ابشر بروح من الله وريحان وجنة نعيم وقد قدمت خير مقدم فيقول من انت ؟ فيقول انا عملك الصالح ارتحل من الدنيا إلى الجنة وانه ليعرف غاسله ويناشد حامله ان يعجله فإذا ادخل قبره اتاه ملكان وهما فتانا القبر يجران اشعارهما وينحتان الارض بانيابهما واصواتهما كالرعد العاصف وابصارهما كالبرق الخاطف فيقولان له من ربك ومن نبيك وما دينك (1) ؟ فيقول: الله ربى ومحمد نبيي والاسلام ديني (2) فيقولان ثبتك الله بما تحب وترضى وهو قول الله " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " فيفسحان له في قبره مد بصره ويفتحان له بابا إلى الجنة ويقولان له نم قرير العين نوم الشاب الناعم وهو قوله " اصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا واحسن مقيلا " (3) وإذا كان لربه عدوا فانه يأتيه اقبح خلق الله رياشا وانتنه ريحا فيقول له من انت ؟ فيقول له انا عملك ابشر (بنزل من حميم وتصلية جحيم) وانه ليعرف غاسله ويناشد حامله ان يحبسه فإذا ادخل قبره اتياه مفتحيا


(1) وفى نسخة ط " من امامك " (2) وفى ط " وعلى عليه السلام والائمة امامى " (3) الفرقان 24، وفي تفسير الصافي ان المقيل مكان يبات فيه لوقت يسير فعلى هذا هذه الآية تدل على ثواب الله في البرزخ لان الجنة لا نوم فيها فلا تكون مرادا منها. ج. ز (*)

[ 371 ]

القبر فالقيا اكفانه ثم قالا له من ربك ومن نبيك وما دينك ؟ فيقول لا ادري فيقولان له لا دريت ولا هديت فيضربانه بمرزبة (1) ضربة ما خلق الله دابة إلا وتذعر لها ما خلا الثقلين ثم يفتحان له بابا الي النار ثم يقولان له نم بشر حال فهو من الضيق مثل ما فيه القنا من الزج (2) حتى ان دماغه يخرج مما بين ظفره ولحمه ويسلط عليه حيات الارض وعقاربها وهوامها فتنهشه حتى يبعثه الله من قبره وانه ليتمنى قيام الساعة مما هو فيه من الشر. واما قوله (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) قال نزلت في الافجرين من قريش حدثني ابي عن محمد ابن ابي عمير عن عثمان بن عيسى عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قول الله ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا قال نزلت في الافجرين من قريش ومن بني امية وبني المغيرة فاما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر، واما بنو امية فمتعوا إلى حين ثم قال ونحن والله نعمة الله التي انعم بها علي عباده وبنا يفوز من فاز ثم قال لهم تمتعوا فان مصيركم إلى النار وقوله (يوم لا بيع فيه ولا خلال) أي لا صداقة وقوله (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) اي على الولاء وقوله يحكى قول ابراهيم (وإذا قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا) يعني مكة (واجنبني وبني ان نعبد الاصنام رب انهن اضللن كثيرا من الناس) فان الاصنام لم تضل وانما ضل الناس بها وقوله (ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات) اي من ثمرات القلوب (لعلهم يشكرون) يعني كي يشكروا وحدثني ابي عن حماد عن ابى جعفر عليه السلام في قوله " ربنا انى اسكنت من ذريتي الآية " قال نحن والله بقية تلك العترة واما قوله (ربنا اغفر لي ولوالدي) قال إنما نزلت


(1) المرزبة بكسر الميم وتشديد الياء عصية حديد (2) الزج بالضم حديدة في اسفل الرمح. ج. ز (*)

[ 372 ]

" ولولدي اسماعيل واسحق " وقوله (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار) قال تبقى اعينهم مفتوحة من هول جهنم لا يقدرون ان يطرفوها وقوله (افئدتهم هواء) قال قلوبهم تنصدع من الخفقان ثم قال (وانذر الناس - يا محمد - يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا اخرنا إلى اجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا اقسمتم) اي حلفتم (من قبل ما لكم من زوال) اي ولا تهلكون (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا انفسهم) يعني ممن هلكوا من بني امية (وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الامثال وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم - ثم قال - وان كان مكرهم لتزول منه الجبال) قال مكر بني فلان وقوله (يوم تبدل الارض غير الارض) قال تبدل خبزة بيضاء نقية في الموقف يأكل منها المؤمنون (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد) قال مقيدين بعضهم إلى بعض (سرابيلهم من قطران) قال السرابيل القميص وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " سرابيلهم من قطران " وهو الصفر الحار الذائب يقول انتهى حره يقول الله (وتغشى وجوههم النار) سربلوا ذلك الصفر فتغشى وجوههم النار وقال علي ابن ابراهيم في قوله (هذا بلاغ للناس) يعني محمدا (ولينذروا به وليعلموا إنما هو إله واحد وليذكر اولو الالباب) اي اولو العقول. سورة الحجر مكية الجزء (14) آياتها تسع وتسعون (بسم الله الرحمن الرحيم الرا تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) حدثني ابي عن محمد بن ابى عمير عن عمر بن اذينة عن رفاعة عن ابي عبد الله عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند

[ 373 ]

الله لا يدخل الجنة إلا مسلم فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ثم قال (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل) اي يشغلهم (فسوف يعلمون) وقوله (وما اهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) اي اجل مكتوب ثم حكى قول قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله (وقالوا يا ايها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة ان كنت من الصادقين) اي هلا تأتينا فرد الله عزوجل عليهم فقال (ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين) فقال لو انزلنا الملائكة لم ينظروا وهلكوا ثم قال (ولو فتحنا) ايضا (عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون ولقد جعلنا في السماء بروجا) قال منازل الشمس والقمر (وزيناها للناظرين) بالكواكب (وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين) قال لم تزل الشياطين تصعد إلى السماء وتتجسس حتى ولد النبي صلى الله عليه وآله وروي عن آمنة ام النبي صلى الله عليه وآله انها قالت لما حملت برسول الله صلى الله عليه وآله لم اشعر بالحمل ولم يصبني ما يصيب النساء من ثقل الحمل ورأيت في نومي كأن آتيا اتاني فقال لي قد حملت بخير الانام ثم وضعته يتقي (قابض ك) الارض بيديه وركبتيه ورفع رأسه إلى السماء وخرج مني نور اضاء ما بين السماء إلى الارض ورميت الشياطين بالنجوم وحجبوا من السماء ورأت قريش الشهب تتحرك وتزول وتسير في السماء ففزعوا وقالوا هذا قيام الساعة واجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة وكان شيخا كبيرا مجربا فسألوه عن ذلك فقال انظروا إلى هذه النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر فان كانت قد زالت فهي الساعة وان كانت هذه ثابتة فهو لامر قد حدث وكان بمكة رجل يهودي يقال له يوسف فلما رأى النجوم تتحرك وتسير في السماء خرج إلى نادي قريش فقال: يا معشر قريش ! هل ولد منكم الليلة مولود ؟ فقالوا لا فقال اخطأتم والتوراة قد ولد في هذه الليلة آخر الانبياء وافضلهم وهو

[ 374 ]

الذي نجده في كتبنا انه إذا ولد ذلك النبي رجمت الشياطين وحجبوا من السماء فرجع كل واحد إلى منزله يسأل اهله فقالوا قد ولد لعبدالله بن عبد المطلب ابن، فقال اليهودي اعرضوه علي، فمشوا معه إلى باب آمنة فقالوا لها اخرجي ابنك بنظر إليه هذا اليهودي فاخرجته في قماطه فنظر في عينيه وكشف عن كتفه فرأى شامة سوداء عليه شعرات فسقط إلى الارض مغشيا عليه فضحكوا منه فقال أتضحكون يا معشر قريش هذا نبي السيف ليبيدنكم وذهبت النبوة من بني اسرائيل إلى آخر الابد وتفرق الناس يتحدثون بخبر اليهودي. فلما رميت الشياطين بالنجوم وانكروا ذلك اجتمعوا إلى ابليس فقالوا قد منعنا من السماء وقد رمينا بالشهب فقال اطلبوا فان امرا قد حدث في الدنيا فرجعوا وقالوا لم نر شيئا فقال ابليس انا له بنفسي فجال ما بين المشرق والمغرب حتى انتهى إلى الحرم فرآه محفوفا بالملائكة وجبرئيل على باب الحرم بيده حربة فاراد ابليس ان يدخل فصاح به جبرئيل فقال اخسأ يا ملعون فجاء من قبل حراء (فصار مثل الصد (2) ثم قال يا جبرئيل حرف اسئلك عنه ؟ قال وما هو قال ما هذا وما اجتماعكم في الدنيا فقال هذا نبي هذه الامة قد ولد وهو اخر الانبياء وافضلهم قال هل لي فيه نصيب قال لا قال ففي امته ؟ قال بلى قال قد رضيت وقوله (والارض مددناها والقينا فيها رواسي) اي الجبال (وانبتنا فيها من كل شئ موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين) قال لكل ضرب من الحيوان قدرنا شيئا مقدراء وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " وانبتنا فيها من كل شئ موزون " فان الله تبارك وتعالى انبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر


(1) حراء بالكسر والمد جبل بمكة. مجمع (2) الصد بالضم والفتح جبل أو سحاب مرتفع، وفى بعض الروايات انه صار مثل العصفور. ج ز (*)

[ 375 ]

والصفر والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ واشباه هذه لاتباع إلا وزنا، وقال علي بن ابراهيم في وقوله (وان من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) قال الخزانة الماء الذي ينزل من السماء وينبت لكل ضرب من الحيوان ما قدر الله له من الغذاء وقوله (ارسلنا الرياح لواقح) قال التي تلقح الاشجار وقوله (وانزلنا من السماء ماءا فاسقيناكموه وما اننم له بخازنين) أي لا تقدرون ان تخزنوه (وانا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون) اي نرث الارض ومن عليها وقوله (ولقد خلقنا الانسان من صلصال) قال الماء المتصلصل بالطين (من حمأ مسنون) قال حمأ متغير وقوله (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) وقال هو ابوابليس وقال الجن من ولد الجان منهم مؤمنون ومنهم كافرون ويهود ونصارى وتختلف اديانهم والشياطين من ولد ابليس وليس فيهم مؤمن إلا واحد اسمه هام بن هيم بن لاقيس بن ابليس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فرآه جسيما عظيما وامرءا مهولا فقال له من أنت ؟ قال انا هام بن هيم من لاقيس بن ابليس قال كنت يوم قتل هابيل غلاما ابن اعوام انهي عن الاعتصام وآمر بافساد الطعام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بئس لعمري الشاب المؤمل والكهل المؤمر فقال دع عنك هذا يا محمد ! فقد جرت توبتي علي يد نوح ولقد كنت معه في السفينة فعاتبته على دعائه على قومه ولقد كنت مع ابراهيم حيث القي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما ولقد كنت مع موسى حين اغرق الله فرعون ونجى بني اسرائيل ولقد كنت مع هود حين دعا على قومه فعاتبته ولقد كنت مع صالح فعاتبته على دعائه على قومه ولقد قرأت الكتب فكلها تبشرني بك والانبياء يقرؤنك السلام ويقولون أنت افضل الانبياء واكرمهم فعلمني مما انزل الله عليك شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام علمه فقال هام يا محمد انا لا نطيع الا نبيا أو وصي نبي فمن هذا ؟ قال هذا اخي ووصيي

[ 376 ]

ووزيري ووارثي علي بن ابى طالب قال نعم نجد اسمه في الكتب " اليا " فعلمه امير المؤمنين عليه السلام فلما كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى امير المؤمنين عليه السلام قوله (وإذا قال ربك للملائكة انى خالق بشرا من صلصال) فقد كتبنا خبره (1) وقوله (وان جهنم لموعدهم اجمعين لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم) قال يدخل في كل باب اهل ملة وللجنة ثمانية ابواب وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله " ان جهنم لموعدهم اجمعين " فوقوفهم على الصراط واما لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم فبلغني والله اعلم ان الله جعلها سبع درجات اعلاها: الجحيم يقوم اهلها على الصفا منها تغلى ادمغتهم فيها كغلي القدور بما فيها والثانية: لظى نزاعة للشوى تدعو من ادبر وتولى وجمع فاوعى والثالثة: سقر لا تبقى ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر، والرابعة: الحطمة ترمي بشرر كالقصر كأنها جمالات صفر، تدق كل من صار إليها مثل الكحل، فلا تموت الروح كلما صاروا مثل الكحل عادوا، والخامسة: الهاوية فيها ملك يدعون يا مالك اعثنا فإذا اغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيها صديد ماء يسيل من جلودهم كأنه مهل فإذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم فيها من شدة حرها وهو قول الله " وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسائت مرتفقا " ومن هوى فيها هوى سبعين عاما في النار كلما احترق جلده بدل جلد غيره، والسادسة: السعير فيها ثلاث مائة سرادق من نار في كل سرادق ثلاث مائة قصر من نار، في كل قصر ثلاث مائة بيت من نار، وفي كل بيت ثلاث مائة لون من عذاب النار، فيها جبات من نار وعقارب من نار وجوامع من نار وسلاسل واغلال من نار وهو الذي يقول الله " انا


(1) فراجع ص 37 من هذا الكتاب. (*)

[ 377 ]

اعتدنا للكافرين سلاسل واغلالا وسعيرا " والسابعة جهنم وفيها الفلق وهو جب في جهنم إذا فتح اسعر النار سعرا وهو اشد النار عذابا واما صعود، فجبل من صفر من نار وسط جهنم واما اثاما فهو واد من صفر مذاب يجري حول الجبل فهو اشد النار عذابا. وقال علي بن ابراهيم في قوله (ونزعنا ما في صدورهم من غل) قال العداوة وقوله (لا يمسنا فيها نصب) أي تعب وعناء وقوله (نبئ عبادي) اي اخبرهم (اني انا الغفور الرحيم وان عذابي هو العذاب الاليم ونبئهم عن ضيف ابراهيم) فقد كتبنا خبرهم (1) وقوله (وقضينا إليه ذلك الامر) اي اعلمناه (ان دابر هؤلاء) يعني قوم لوط (مقطوع مصبحين) وقوله (لعمرك) اي وحياتك يا محمد (انهم لفي سكرتهم يعمهون) فهذه فضيلة (2) لرسول الله صلى الله عليه وآله على الانبياء وقوله (ان في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم) قال نحن المتوسمون والسبيل فينا مقيم والسبيل طريق الجنة (وان كان اصحاب الايكة) يعني اصحاب الغيظة وهم قوم شعيب (لظالمين) وقوله (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) قال فاتحة الكتاب اخبرنا احمد بن ادريس قال حدثني احمد بن محمد عن (عن محمد بن سنان ط) محبوب بن سيار عن سورة بن كليب عن ابى جعفر عليه السلام قال نحن المثاني التي اعطاها الله تعالي نبينا ونحن وجه الله الذي نتقلب في الارض بين اظهركم من عرفنا فاماهه اليقين ومن جهلنا فامامه السعير، قال علي بن ابراهيم في قوله (الذين جعلوا القرآن عضين) قال قسموا القرآن ولم يؤلفوه على ما انزله الله فقال لنسئلنهم اجمعين عما كانوا يعملون وقوله (فاصدع بما تؤمر واعرض عن


(1) راجع ص 334 ج 1 (2) يعني ان الله اقسم بخياته صلى الله عليه وآله. ج. ز (*)

[ 378 ]

المشركين انا كفيناك المستهزئين) فانها نزلت بمكة بعد ان نبأ رسول الله صلى الله عليه وآله بثلاث سنين وذلك ان النبوة نزلت على رسول الله يوم الاثنين واسلم علي يوم الثلاثاء ثم اسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى الله عليه وآله ثم دخل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعلي عليه السلام بجنبه وكان مع ابي طالب عليه السلام جعفر فقال له أبو طالب صل جناح ابن عمك فوقف جعفر على يسار رسول الله صلى الله عليه وآله فبدر رسول الله صلى الله عليه وآله من بينهما فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي وعلي وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة يأتمون به فلما اتى لذلك ثلاث سنين انزل الله عليه (فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين انا كفيناك المستهزئين) والمستهزؤن برسول الله صلى الله عليه وآله خمسة: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والاسود بن (المطلب ط) عبد المطلب والاسود بن عبد يغوث والحرث بن طلاطلة الخزاعي، اما الوليد فكان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا عليه لما كان يبلغه من اذائه واستهزائه فقال اللهم اعم بصره واثكله بولده فعمي بصره وقتل ولده ببدر (وكذلك دعا على الاسود بن يغوث والحارث بن طلاطلة ط) فمر الوليد بن المغيرة برسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جبرئيل عليه السلام فقال جبرئيل يا محمد هذا الوليد بن المغيرة وهو من المستهزئين بك ؟ قال نعم وقد كان مر برجل من خزاعة وهو يريش نبالا له فوطى على بعضها فاصاب عقبه قطعة من ذلك فدميت فلما مر بجبرئيل اشار إلى ذلك الموضع فرجع الوليد إلى منزله ونام على سريره وكانت ابنته نائمة اسفل منه فانفجر الموضع الذي اشار إليه جبرئيل اسفل عقبه فسال منه الدم حتى صار إلى فراش ابنته فانتبهت فقالت الجارية انحل وكاء القربة، قال ما هذا وكاء القربة ولكنه دم ابيك فاجمعي لي ولدي وولد اخي فاني ميت، فجمعتهم فقال لعبد الله بن ابى ربيعة ان عمارة بن الوليد بارض الحبشة بدار مضيعة فخذ كتابا من محمد إلى النجاشي ان يرده ثم قال لابنه هاشم وهو اصغر اولاده يا بني اوصيك بخمس خصال فاحفظها: اوصيك

[ 379 ]

بقتل ابى درهم الدوسى فانه غلبني على امرأتي وهي بنته ولو تركها وبعلها كانت تلد لي ابنا مثلك ودمي في خزاعة وما تعمدوا قتلى واخاف ان تنسوا بعدي ودمي في بني خزيمة بن عامر ودياتى (رثاثى ك وديانى خ ل) في ثقيف فخذه ولاسقف نجران علي مائنا دينار فاقضها ثم فاضت نفسه ومر ربيعة بن الاسود برسول الله صلى الله عليه وآله فاشار جبرئيل إلى بصره فعمي ومات، ومر به الاسود بن عبد يغوث فاشار جبرئيل إلى بطنه فلم يزل يستسقي حتى انشق بطنه، ومر العاص بن وائل فاشار جبرئيل إلى رجليه فدخل عود في اخمص قدمه وخرج من ظاهره ومات ومر به الحرث ابن طلاطلة فاشار جبرئيل إلى وجه فخرج إلى جبال تهامة فاصابته من السماء ديم استسقى حتى انشق بطنه وهو قوله الله " انا كفيناك المستهزئين ". فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقام على الحجر فقال " يا معشر قريش يا معشر العرب ادعوكم إلى شهادة ان لا إله إلا الله وانى رسول الله وآمركم بخلع الانداد والاصنام فاجيبوني تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم وتكونوا ملوكا في الجنة " فاستهزؤا منه وقالوا جن محمد بن عبد الله ولم يجسروا عليه لموضع ابى طالب فاجتمعت قريش إلى ابى طالب فقالوا يا ابا طالب ان ابن اخيك قد سفه احلامنا وسب آلهتنا وافسد شباننا وفرق جماعتنا فان كان يحمله علي ذلك العدم جمعنا له مالا فيكون اكثر قريش مالا ونزوجه اي امرأة شاء من قريش، فقال له أبو طالب ما هذا يابن اخي ؟ فقال: يا عم هذا دين الله الذي ارتضاه لانبيائه ورسله بعثني الله رسولا إلى الناس، فقال يابن اخي ان قومك قد اتوني يسألوني ان اسئلك ان تكف عنهم، فقال يا عم لا استطيع ان اخالف امر ربي فكف عنه أبو طالب ثم اجتمعوا إلى ابي طالب فقالوا انت سيد من ساداتنا فادفع الينا محمدا لنقتله وتملك علينا، فقال أبو طالب قصيدته الطويلة يقول فيها: ولما رأيت القوم لا ود عندهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل

[ 380 ]

كذبتم وبيت الله يبرؤ محمد (نبرئ محمدا ط) * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن ابنائنا والحلائل فلما اجتمعت قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وكتبوا الصحيفة القاطعة جمع أبو طالب بني هاشم وحلف لهم بالبيت والركن والمقام والمشاعر في الكعبة لان شاكت محمدا شوكة لابثن عليكم بني هاشم فادخله الشعب وكان يحرسه بالليل والنهار قائما علي رأسه بالسيف اربع سنين، فلما خرجوا من الشعب حضر ابا طالب الوفاة فدخل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يجود بنفسه فقال: يا عم ربيت صغيرا وكفلت يتيما فجزاك الله عني خيرا اعطني كلمة اشفع لك فيها عند ربي، فروي انه لم يخرج من الدنيا حتى اعطى رسول الله الرضى، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لو قمت المقام المحمود لشفعت لابي وامي وعمي واخ لي كان مواخيا في الجاهلية. وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن سيف بن عميرة وعبد الله بن سنان وابن ابي حمزة الثمالي قالوا سمعنا ابا عبد الله جعفر بن محمد عليهم السلام يقول لما حج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع نزل بالابطح ووضعت له وسادة فجلس عليها ثم رفع يده إلى السماء وبكى بكاءا شديدا ثم قال: يا رب انك وعدتني في ابي وامي وعمي ان لا تعذبهم بالنار، قال فأوحى الله إليه اني آليت على نفسي ان لا يدخل جنتي إلا من شهدا ان لا إله إلا الله وانك عبدي ورسولي ولكن ائت الشعب فنادهم فان اجابوك فقد وجبت لهم رحمتي، فقام النبي صلى الله عليه وآله إلى الشعب فناداهم وقال يا ابتاه ويا اماه ويا عماه فخرجوا ينفضون التراب عن رؤوسهم فقال لهم رسول الله ألا ترون إلى هذه الكرامة التي اكرمني الله بها فقالوا نشهد ان لا إله إلا الله وانك رسول الله حقا حقا وان جميع ما اتيت به من عند الله فهو الحق فقال ارجعوا إلى مضاجعكم.

[ 381 ]

ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة وقدم إليه علي بن ابي طالب صلى الله عليه وآله من اليمن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ابشرك يا علي ! فقال امير المؤمنين بابي انت وامي لم تزل مبشرا، فقال ألا ترى إلى ما رزقنا الله تبارك وتعالى في سفرنا هذا واخبره الخبر (1) فقال له علي عليه السلام الحمد لله قال واشرك رسول الله صلى الله عليه وآله في بدنته اباه وامه وعمه ثم قال الله (ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون) أي بما يكذبونك ويذكرون الله (فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين) اخبرنا احمد ابن ادريس قال حدثنا احمد بن محمد عن محمد بن سيار (سنان ط) عن المفضل بن عمير (عمر ط) عن ابي عبد الله عليه السلام قال لما نزلت هذه الآية (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ازواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين) قال رسول الله صلى الله عليه وآله من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن رمى بنظره إلى ما في يد غيره كثر همه ولم يشف غيظه، ومن لم يعلم ان لله عليه نعمة لا (الا خ ل) في مطعم أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه ومن اصبح على الدنيا حزينا اصبح على الله ساخطا ومن شكى مصيبة نزلت به فانما يشكو ربه، ومن دخل النار من هذه الامة ممن قرأ القرآن فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا، ومن اتى ذا ميسرة فيخشع له طلب ما في يده ذهب ثلثا دينه ثم قال ولا تعجل، وليس يكون الرجل يسأل من الرجل الرفق فيجله ويوقره فقد يجب ذلك له عليه ولكن يراه انه يريد بتخشعه ما عند الله ويريد ان يحيله عما في يده.


(1) اي الخبر المذكور سابقا من اجابة ابيه وامه وعمه صلى الله عليه وآله وسلم. ج. ز (*)

[ 382 ]

سورة النحل مكية آياتها مأة وثمانية وعشرون (بسم الله الرحمن الرحيم اتى امر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون) قال نزلت لما سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله ان ينزل عليهم العذاب فانزل الله تبارك وتعالى " اتى امر الله فلا تستعجلوه " وقوله (ينزل الملائكة بالروح من امره) يعني بالقوة التي جعلها الله فيهم وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (على من يشاء من عباده ان انذروا انه لا إله إلا انا فاتقون) يقول بالكتاب والنبوة وقال علي بن ابراهيم في قوله (خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) قال خلقه من قطرة ماء منتن فيكون خصيما متكلما بليغا وقال أبو الجارود في قوله (والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع) والدف ء حواشي الابل ويقال بل هي الادفأ من البيوت والثياب وقال علي بن ابراهيم في قوله " دف ء " اي ما تستدفئون به مما يتخذ من صوفها ووبرها وقوله (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) قال حين ترجع من المرعى وحين تسرحون حين تخرج إلى المرعى (وتحمل اثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس) قال إلى مكة والمدينة وجميع البلدان ثم قال (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) ولم يقل عزوجل لتركبوها وتأكلوا منها كما قال في الانعام (ويخلق ما لا تعلمون) قال العجائب التي خلقها الله في البحر والبر (وعلي الله قصد السبيل ومنها جائر) يعني الطريق (ولو شاء لهديكم اجمعين) يعني الطريق وقوله عزوجل (هو الذي انزل من السماء ماءا لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون) اي تزرعون ثم قال (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب

[ 383 ]

ومن كل الثمرات) يعني بالمطر (ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون) وقوله (وه ذرأ لكم في الارض) اي خلق واخرج (مختلفا الوانه ان في ذلك لآية لقوم يذكرون) وقوله عزوجل (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) يعني ما يخرج من البحر من انواع الجواهر (وترى الفلك مواخر فيه) يعني السفن (والقى في الارض رواسي ان تميد بكم) يعنى الجبال وانهارا وسبلا اي طرقا (لعلكم تهتدون) يعني كي تهتدوا وقوله عزوجل (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن القسم بن سليمان عن المعلي بن خنيس عن ابي عبد الله عليه السلام قال النجم رسول الله صلى الله عليه وآله والعلامات الائمة عليه السلام وقوله (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) فانه رد علي عبدة الاصنام وقوله (وإدا قيل لهم ماذا انزل ربكم قالوا اساطير الاولين) يعني اكاذيب الاولين حدثني جعفر بن احمد قال حدثنا عبد الكريم بن عبد الرحيم عن محمد بن علي عن محمد بن الفضيل عن ابي حمزة الثمالي قال سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول في قوله (فالذين لا يؤمنون بالآخرة) يعني انهم لا يؤمنون بالرجعة انها حق (قلوبهم منكرة) يعني انها كافرة (وهم مستكبرون) يعني انهم عن ولاية علي مستكبرون (لا جرم ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون انه لا يحب المستكبرين) عن ولاية علي وقال نزلت هذه الآية هكذا " وإذا قيل لهم ماذا انزل ربكم في علي قالوا اساطير الاولين " وقال علي ابن ابراهيم فقال الله عزوجل (ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن اوزار الذين يضلونهم بغير علم) قال يحملون آثامهم يعني الذين غصبوا امير المؤمنين عليه السلام وآثام كل من اقتدى بهم وهو قول الصادق عليه السلام والله ما اهريقت محجمة من دم ولا قرع عصا بعصا ولا غصب فرج حرام ولا اخذ مال من غير حله إلا ووزر ذلك في اعناقهما من غير ان ينقص من اوزار العالمين بشئ.

[ 384 ]

قال علي بن ابراهيم حدثني ابي عن ابن ابى عمير عن جميل عن ابى عبد الله عليه السلام قال خطب امير المؤمنين عليه السلام بعد ما بويع له بخمسة ايام خطبة فقال فيها: " واعلموا ان لكل حق طالبا ولكل دم ثائرا والطالب (بحقنا ط) كقيام الثائر بدمائنا والحاكم في حق نفسه هو العادل الذي لا يحيف والحاكم الذي لا يجور وهو الله الواحد القهار، واعلموا ان على كل شارع بدعة وزره ووزر كل مقتد به من بعده من غير ان ينقص من اوزار العاملين شئ وسينتقم الله من الظلمة مأكلا بمأكل ومشربا بمشرب من لقم العلقم ومشارب الصبر الادهم فيشربوا بالصب من الراح السم المذاق وليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا ولهم بكل ما اتوا وعملوا من افاويق الصبر الادهم فوق ما اتوا وعملوا، اما انه لم يبق إلا الزمهرير من شتائهم وما لهم من الصيف إلا رقدة ويحهم ما تزودوا وجمعوا على ظهورهم من الآثام (1) فيا مطايا الخطايا (ويارزء الزورك) وزاد الآثام مع الذين ظلموا اسمعوا واعقلوا وتوبوا وابكوا على انفسكم فسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون، فاقسم ثم اقسم ليتحملنها بنو امية من بعدي وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل فلا يبعد الله إلا من ظلم وعلى البادي (يعني الاول) ما سهل لهم من سبيل الخطايا مثل اوزارهم واوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة ومن اوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون " وحدثني ابى عن محمد بن ابى عمير عن ابى ايوب عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (قد مكر الذين من قبلهم فاتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم واتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) قال ثبت مكرهم اي ماتوا فالقاهم الله في النار وهو مثل لاعداء آل محمد عليه وعليهم السلام (ثم يوم القيمة يخزيهم ويقول اين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين اوتوا العلم ان الخري ؟ اليوم والسوء علي الكافرين) قال الذين اوتوا العلم الائمة عليهم السلام يقولون لاعدائهم اين


(1) وفى ط بعد هذا: والخطايا وما تزاوروا اوزار الاثام من الذين ظلموا (*)

[ 385 ]

شركاؤكم ومن اطعتموهم في الدنيا ثم قال فيهم ايضا (الذين تتوفيهم الملائكة ظالمي انفسهم فالقوا السلم) اي سلموا لما أصابهم من البلاء ثم يقولون: (ما كنا نعمل من سوء) فرد الله عليهم فقال (بلى ان الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) ثم ذكر المؤمنين (فقال الذين تتوفيهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) قوله طيبين قال هم المؤمنون الذين طابت مواليدهم في الدنيا وقوله (هل ينظرون إلا ان تأتيهم الملئكة أو يأتي امر ربك) من العذاب والموت وخروج القائم (كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون) وقوله (فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن) من العذاب في الرجعة وقوله: (وقال الذين اشركوا - إلى قوله - البلاغ المبين) فانه محكم وقوله: (واجتنبوا الطاغوت) يعني الاصنام قوله (فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) أي انظروا في اخبار من هلك من قبل وقوله (ان تحرص على هديهم) مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله (فان الله لا يهدي) اي لا يثيب (من يضل) اي يعذب وقوله (واقسموا بالله جهد ايمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن اكثر الناس لا يعلمون) فانه حدثني ابي عن بعض رجاله يرفعه إلى ابى عبد الله عليه السلام قال ما يقول الناس فيها ؟ قال يقولون نزلت في الكفار قال ان الكفار كانوا لا يحلفون بالله وإنما نزلت في قوم من امة محمد صلى الله عليه وآله قيل لهم ترجعون بعد الموت قبل القيامة فحلفوا انهم لا يرجعون فرد الله عليهم فقال ليبينن لهم الذي يختلفون فيه (وليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين) يعني في الرجعة يردهم فيقتلهم ويشفى صدور المؤمنين فيهم وقوله (والذين هاجروا في الله) اي هاجروا وتركوا الكفار في الله (1) وقوله (افأمن الذين مكروا السيئات) يا محمد وهو استفهام (ان يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث


(1) وفى ط بعد ذلك: (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) أي لنؤتينهم (*)

[ 386 ]

لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين) قال إذا جاؤا وذهبوا في التجارات وفي اعمالهم فيأخذهم في تلك الحالة (أو يأخذهم على تخوف) قال على تيقظ وقوله (أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون) قال تحويل كل ظل خلقه الله وهو سجود لله لانه ليس شئ إلا له ظل يتحرك بتحريكه وتحريكه سجوده وقوله (ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملئكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) قال الملائكة ما قدر الله لهم يمرون فيه ثم احتج عزوجل على الثنوية فقال: (لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فاياي فارهبون) وقوله: (وله ما في السموات والارض وله الدين واصبا) اي واجبا ثم ذكر تفضله فقال: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون) أي تفزعون وترجعون والنعمة هي الصحة والسعة والعافية وقوله: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم) وهو الذي وصفناه مما كانت العرب يجعلون للاصنام نصيبا في زرعهم وابلهم وغنمهم فرد الله عليهم فقال: (تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) قال قالت قريش ان الملائكة هم بنات الله فنسبوا ما لا يشتهون إلى الله فقال الله عزوجل " ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون " يعني من البنين ثم قال: (وإذا بشر احدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سؤ ما بشر به أيمسكه على هون) اي يستهين به (ام يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) وقوله: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) أي عند معصيتهم وظلمهم (ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وقوله: (ويجعلون لله ما يكرهون وتصف السنتهم الكذب) يقول السنتهم الكاذبة (ان لهم الحسنى لا جرم ان لهم النار وانهم مفرطون) اي معذبون وقوله:

[ 387 ]

(والله انزل من السماء ماءا) الآية محكمة وقوله: (وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) قال الفرث ما في الكرش (1) وقوله: (ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا) قال الخل (ورزقا حسنا) قال الزبيب وقوله: (واوحى ربك إلى النحل) قال وحي إلهام تأخذ النحل من جميع النور ثم تتخذه عسلا. وحدثني ابي عن الحسن بن علي الوشاء عن رجل عن حريز بن عبد الله عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله واوحى ربك إلى النحل قال نحن النحل التى اوحى الله إليها (ان اتخذى من الجبال بيوتا) امرنا ان نتخذ من العرب شيعة (ومن الشجر) يقول من العجم (ومما يعرشون) يقول من الموالي والذي (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه) العلم الذي يخرج منا اليكم وقوله (والله خلقكم ثم يتوفيكم - إلى قوله - لكي لا يعلم من بعد علم شيئا) قال إذا كبر لا يعلم ما علمه قبل ذلك وقوله (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء) قال لا يجوز للرجل ان يخص نفسه بشئ من المأكول دون عياله وقوله (والله جعل لكم من انفسكم ازواجا) يعني حواء خلقت من آدم (وحفدة) قال الاختان وقوله: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) قال لا يتزوج ولا يطلق ثم ضرب الله مثلا في الكفار فقال: (وضرب الله مثلا رجلين احدهما ابكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه اين ما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) قال كيف يستوى هذا وهذا الذي يأمر بالعدل امير المؤمنين والائمة عليهم السلام وقوله (والله اخرجكم من بطون امهاتكم - إلى قوله - ان في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) فانه محكم وقوله: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) يعني المساكن (وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا) يعني الخيم والمضارب


(1) الكرش كظلف والكتف لذى اخف والحافر كالمعدة للانسان. ج ز (*)

[ 388 ]

(تستخفونها يوم ظعنكم) اي يوم سفركم (ويوم اقامتكم) يعني في مقامكم (ومن اصوافها واوبارها واشعارها اثاثا ومتاعا إلى حين) وفي رواية ابى الجارود في قوله (اثاثا) قال المال و (متاعا) قال المنافع (إلى حين) اي إلى حين بلاغها. وقال على بن ابراهيم في قوله (والله جعل لكم مما خلق ظلالها) قال ما يستظل به (وجعل لكم من الجبال اكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) يعني القمص وإنما جعل ما يجعل منه (وسرابيل تقيكم بأسكم) يعني الدروع وقوله: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) قال نعمة الله هم الائمة والدليل على ان الائمة نعمة الله قول الله تعالى: " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا " قال الصادق عليه السلام: نحن والله نعمة الله التي انعم الله بها على عباده وبنا فاز من فاز، وقوله: (ويوم نبعث من كل امة شهيدا) قال لكل زمان وامة امام يبعث كل امة مع امامها وقوله: (والذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب) قال كفروا بعد النبي صلى الله عليه وآله وصدوا عن امير المؤمنين عليه السلام (زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) ثم قال (ويوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم) يعني من الائمة ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (وجئنا بك - يا محمد - شهيدا على هؤلاء) يعني على الائمة فرسول الله شهيد على الائمة وهم شهداء على الناس وقوله: (ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم) قال: العدل شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والاحسان امير المؤمنين والفحشاء والمنكر والبغى فلان وفلان وفلان حدثنا محمد بن ابى عبد الله قال حدثنا موسى بن عمران قال حدثني الحسين ابن يزيد عن اسماعيل بن مسلم قال جاء رجل إلى ابى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وانا عنده فقال يا بن رسول الله ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون

[ 389 ]

وقوله: (امر) ربي (ألا تعبدوا إلا اياه) فقال نعم ليس لله في عباده امر إلا العدل والاحسان فالدعاء من الله عام والهدى خاص مثل قوله: (ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ولم يقل ويهدي جميع من دعا إلى صراط مستقيم. وقال على بن ابراهيم في قوله: (واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) فانه حدثني ابى رفعه قال قال أبو عبد الله عليه السلام: لما نزلت الولاية وكان من قول رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم سلموا علي علي بامرة المؤمنين عليه السلام فقالوا: أمن الله ورسوله ؟ فقال لهم نعم حقا من الله ورسوله، فقال انه امير المؤمنين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل اولياءه الجنة ويدخل اعداءه النار وانزل الله عزوجل (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها.. الخ) يعني قول رسول الله صلى الله عليه وآله من الله ورسوله ثم ضرب لهم مثلا فقال: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا تتخذون ايمانكم دخلا بينكم) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال: التى نقضت غزلها امرأة من بني تيم بن مرة يقال لها رابطة (ريطة ط) بنت كعب بن سعد بن تيم بن كعب بن لوي بن غالب كانت حمقاء تغزل الشعر فإذا غزلت نقضته ثم عادت فغزلته فقال الله كالتي نقضت غزلها قال إن الله تبارك وتعالى امر بالوفاء ونهى عن نقض العهد فضرب لهم مثلا. رجع إلى رواية علي بن ابراهيم في قوله " ان تكون أئمة هي ازكى من أئمتكم، فقيل يا بن رسول الله نحن نقرؤها (هي اربى من امة) قال ويحك وما اربى ؟ واومأ بيده بطرحها (انما يبلوكم الله به) يعني بعلي بن ابي طالب عليه السلام يختبركم (وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة) قال على مذهب واحد وامر واحد (ولكن يضل من يشاء) قال يعذب بنقض العهد (ويهدي من يشاء) قال يثيب (ولتسئلن عما كنتم تعملون

[ 390 ]

ولا تتخذوا ايمانكم دخلا بينكم) قال هو مثل لامير المؤمنين عليه السلام (فتزل قدم بعد ثبوتها) يعني بعد مقالة النبي صلى الله عليه وآله فيه (وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله) يعني عن علي (ولكم عذاب عظيم ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) معطوف على قوله: (واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) ثم قال: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) أي ما عندكم من الاموال والنعمة تزول وما عند الله مما تقدموه من خير أو شر فهو باق وقوله: (من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة) قال القنوع بما رزقه الله، ثم قال: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) قال الرجيم اخبث الشياطين فقلت له ولم سمي رجيما ؟ قال لانه يرجم وقوله (انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) قال ليس له ان يزيلهم عن الولاية فاما الذنوب فانهم ينالون منه كما ينالون من غيره وقوله (وإذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا إنما انت مفتر) قال كانت إذا نسخت آية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله انت مفتر فرد الله عليهم فقال: (قل لهم - يا محمد - نزله روح القدس من ربك بالحق) يعني جبرئيل عليه السلام وفي رواية ابي الجارود في قوله روح القدس قال هو جبرئيل عليه السلام والقدس الطاهر (ليثبت الذين آمنوا) هم آل محمد (وهدى وبشرى للمسلمين) واما قوله: ولقد نعلم انهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه اعجمي) وهو لسان ابي فكيهة مولى ابن الحضرمي كان اعجمي اللسان وكان قد اتبع نبي الله وآمن به وكان من اهل الكتاب فقالت قريش هذا والله يعلم محمدا بلسانه يقول الله: (وهذا لسان عربي مبين) واما قوله (من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان) فهو عمار بن ياسر اخذته قريش بمكة فعذبوه بالنار حتى اعطاهم بلسانه ما ارادوا وقلبه مطمئن بالايمان واما قوله (ولكن من شرح بالكفر صدرا) فهو عبد الله بن سعد بن ابى سرح بن الحارث من بني لوي يقول الله " ذلك بان

[ 391 ]

الله ختم على سمعهم وابصارهم وقلوبهم واولئك هم الغافلون لا جرم انهم في الآخرة هم الاخسرون " هكذا في قراءة ابن مسعود وقوله (اولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وابصار هم الآية) هكذا في القراءة المشهورة هذا كله في عبد الله ابن سعد بن ابى سرح كان عاملا لعثمان بن عفان على مصر ونزل فيه ايضا " ومن قال سأنزل مثل ما انزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " وقال على ابن ابراهيم ثم قال ايضا في عمار (ثم ان ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا ان ربك من بعدها لغفور رحيم). وقوله: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفروا بانعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) قال نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له الثلثان (الثرثار ك ط) وكانت بلادهم خصبة كثيرة الخير فكانوا يستنجون بالعجين ويقولون هو ألين لنا، فكفروا بانعم الله واستنجوا (واستخفوا خ ل) بنعمة الله فحبس الله عنهم الثلثان فجدبوا حتى احوجهم الله إلى اكل ما كانوا يستنجون به حتى كانوا يتقاسمون عليه ثم قال عزوجل (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) قال هو ما كانت اليهود يقولون ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا وقوله (ان ابراهيم كان امة قانتا لله حنيفا) اي طاهرا (اجتباه) اي اختاره (وهداه إلى صراط مستقيم) قال إلى الطريق الواضح ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا) وهي الحنفية العشر التي جاء بها ابراهيم عليه السلام خمسة في البدن وخمسة في الرأس فاما التي في البدن: فالغسل من الجنابة، والطهور بالماء وتقليم الاظفار وحلق الشعر من البدن، والختان، واما التي في الرأس: فطم الشعر، واخذ الشارب، واعفاء اللحى، والسواك، والخلال، فهذه لم تنسخ إلى يوم القيامة

[ 392 ]

وقوله (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه. الآية) وقد كتبنا خبره في سورة الاعراف وقوله (وجاد لهم بالتي هي احسن) قال بالقرآن وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر في قوله " ان ابراهيم كان امة قانتا لله حنيفا " وذلك انه كان على دين لم يكن عليه احد غيره فكان امة واحدة وإنما قال قانتا فالمطيع واما الحنيف فالمسلم قال وما كان من المشركين واما قوله (انما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وان ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وذلك ان موسى امر قومه ان يتفرغوا إلى الله في كل سبعة ايام يوما يجعله الله عليهم وهم الذين اختلفوا فيه واما قوله (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وذلك ان المشركين يوم احد مثلوا باصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين استشهدوا، منهم حمزة فقال المسلمون اما والله لان اولانا الله عليهم لنمثلن باخيارهم، فذلك قول الله " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " يقول بالاموات: " ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ". لقد تم - بحول الله وقوته - الجزء الاول من الكتاب المستطاب " تفسير القمي " تصحيحا وتعليقا بيد العبد المذنب السيد طيب الموسوي الجزائري في يوم السابع من ذي الحجة الحرام من سنة ثلاثمائة وست وثمانين بعد الالف مستقيم) قال إلى الطريق الواضح ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا) وهي الحنفية العشر التي جاء بها ابراهيم عليه السلام خمسة في البدن وخمسة في الرأس فاما التي في البدن: فالغسل من الجنابة، والطهور بالماء وتقليم الاظفار وحلق الشعر من البدن، والختان، واما التي في الرأس: فطم الشعر، واخذ الشارب، واعفاء اللحى، والسواك، والخلال، فهذه لم تنسخ إلى يوم القيامة

[ 392 ]

وقوله (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه. الآية) وقد كتبنا خبره في سورة الاعراف وقوله (وجاد لهم بالتي هي احسن) قال بالقرآن وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر في قوله " ان ابراهيم كان امة قانتا لله حنيفا " وذلك انه كان على دين لم يكن عليه احد غيره فكان امة واحدة وإنما قال قانتا فالمطيع واما الحنيف فالمسلم قال وما كان من المشركين واما قوله (انما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وان ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وذلك ان موسى امر قومه ان يتفرغوا إلى الله في كل سبعة ايام يوما يجعله الله عليهم وهم الذين اختلفوا فيه واما قوله (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وذلك ان المشركين يوم احد مثلوا باصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين استشهدوا، منهم حمزة فقال المسلمون اما والله لان اولانا الله عليهم لنمثلن باخيارهم، فذلك قول الله " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " يقول بالاموات: " ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ". لقد تم - بحول الله وقوته - الجزء الاول من الكتاب المستطاب " تفسير القمي " تصحيحا وتعليقا بيد العبد المذنب السيد طيب الموسوي الجزائري في يوم السابع من ذي الحجة الحرام من سنة ثلاثمائة وست وثمانين بعد الالف الهجرية ويتلوه ان شاء الله الجزء الثاني أوله سورة بني اسرائيل.

مكتبة شبكة أمل الثقافية