تفسير القمي - علي بن ابراهيم القمي ج 1
تفسير القمي
علي بن ابراهيم القمي ج 1
[ 1 ]
منشورات مكتبة الهدى تفسير القميي لابي الحسن علي بن ابراهيم القمي (رحمه الله) (من اعلام قرني 3 - 4 ه) صححه وعلق عليه وقدم له حجة الاسلام العلامة السيد طيب الموسوي الجزائري الجزء الاول حقوق الطبع محفوظه مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم - ايران تلفن 24568
[ 2 ]
مشخصات الكتاب الاسم: تفسير القمي المؤلف: لابي الحسن على بن ابراهيم القمي (ره) المصحح: السيد طيب الجزائري عدد الصفحة: 396 صفحة الناشر: مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم / ايران - تلفن 24568 الطبعة: الثالثة / شهر صفر عام 1404 القطع: وزيري
[ 3 ]
هو من اقذم التفاسير التي كشفت القناع عن الايات النازلة في اهل البيت عليهم السلام
[ 4 ]
لا يسمح بطبع هذا الكتاب الشريف المزدان بهذه التصحيحات والحواشي إلا باجازة من حضرة المحشي دام ظله. النسخة الممتازة بدقة النظر في صحتها متنا وباضافات مفيدة نعليقا فجاءت بحمد الله احسنها ضورة واكملها مادة ومتداركة لما فات من النسخ القديمة والحديثة - وذلك اجابة الى رغبة الطالبين، وحفاظا لتراث الماضين والله الموفق وخير معين. الرموز: 1 - " م " اشارة الى نسخة مكتبة آية الله الحكيم 2 - " ك " اشارة الى نسحة مكتبة آية الله كاشف الغطاء 3 - " ط " اشارة الى نسخة مطإبوعة في ايران سنة 1313 ه. 4 - " خ " أو " خ ل " اشارة الى " نسخة بدل " 5 - ق: لقاموس اللغة 6 - " ج. ز " مخفف " الجزائري " المحشي.
[ 5 ]
هذا ما سمح به سماحة العلامة المجاهد حجة الاسلام الشيخ آقا بزرك الطهراني دام ظله العالي، في هذا الكتاب. بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لوليه والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا ابي القاسم محمد نبيه وعلى الاثنى عشر المعصومين اوصياء نبيه (وبعد) فقد عرض علي العالم الفاضل الكامل ثقة الاسلام السيد طيب الجزائري حفظه الله تعالى وزاد في توفيقاته بعض الملازم من كتاب (تفسير القمي) الذي قصد نشره ثالثا وطلب منى تقريظه والادلاء برأيي في الاعتماد إليه، ولقد سررت بنشره واعتذرت إليه من اطراء الكتاب وابداء رأيي لعجزي والضعف المستولي علي ورعشة اليد التي صارت العائق عن كثير الاعمال، إلا انه رعاه الله لم يقنع بذلك وألح في الطلب فعز علي ان ألح في الامتناع فاكتفيت بهذا القدر الذي لم تسمح الحال باكثر منه فعلى كل من يريد الاطلاع التام على مزايا الكتاب ان يرجع كتابنا (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ج 4 ص 302 ليجد تفصيل ما كتبناه وخلاصة ما عرفناه عن هذا الاثر النفيس والسفر الخالد المأثور عن الامامية الهمامين ابي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام من طريق ابي الجارود وابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام
[ 6 ]
من طريق علي بن ابراهيم القمي رضوان الله عليهم وارجو للسيد حفظ الله تعالى ولامثاله من اهل العلم النابهين مزيد التوفيق لنشر آثار الائمة الاطهار عليهم السلام واحياء مآثر السلف الصالح، كتبه بانامله المرتعشة في مكتبته العامة في النجف الاشرف في السبت غرة ربيع المولود (1387) الفاني آقا بزرك الطهراني عفي عنه
[ 7 ]
المقدمة من حجة الاسلام العلامة السيد طيب الموسوي الجزائري دام ظله
بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا رب على ما منحتنا من قوة فكرية جوالة في الاذهان، وفتحت مغالقها بمفاتح القرآن الذى هو اكبر آياته وتبيان، واحسن دليل وبرهان، ونصلي ونسلم على من انزله عليه فجاء به احسن الاديان، الذي ازدهر على الارجاء والاركان، واشتهر في الآفاق والازمان، وعلى آله الذين جعل قولهم وفعلهم مفسر القرآن، فلولا هم لم يكن الفرقان بين ما شان وما زان، ولا بين الطاعة والعدوان، بهم عبد الرحمن ومنهم يئس الشيطان (اما بعد) فاني منذ اليوم الذي بدأت المطالعة في تفاسير القرآن التي وردت عن اهل بيت العصمة صلوات الله عليهم اجمعين، كنت معجبا بتفسير القمي ومشتاقا إليه لاجل الاسرار المودعة فيه واحتياج التفاسير الكثيرة إليه، وتقدم مؤلفه زمانا وشرفا، فكان ينمو هذا الشوق في بالي شيئا فشيئا إلى ان صادفت الكتاب في النجف فابتهجت لحسن الحظ والشرف، ولكن ما تم سروري به إذ أخذ مكانه اسف، لانى وجدت كثيرا من عبارات هذه النسخة ملحونة، وبالاغلاط والسقطات مشحونة، بحيث لم تخل الاستفادة منها من التعب، وكانت مع هذه الحالة اغلى من الذهب، فاشرت بعض من اثق به من الاحباب ان يدخر له الاجر بطبع هذا الكتاب ولما كان الرأي قريبا إلى الصواب قبله ولبانى، ورحب بي على هذا وحياني، وكلفني بتصحيحه وان اكتب شيئا مقدمة للكتاب
[ 8 ]
ليكون تبصرة لاولى الالباب فقبلت مسؤله متوكلا على الله ومستمدا به وهو حسبي واليه انيب. صاحب التفسير: هو الثقة الجليل أبو الحسن علي بن ابراهيم بن هاشم القمي، قال النجاشي
(على ما حكاه صاحب التنقيح) " ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صحيح المذهب سمع فاكثر " ومثله في الخلاصة وعده في القسم الاول منها، وعنونه ابن داود في الباب الاول ووثقه في الوجيزة والبلغة، وعن اعلام الورى انه من اجل رواة اصحابنا، كان في عصر الامام العسكري عليه السلام وعاش إلى سنة 307 - وقد اكثر ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله الرواية عنه في الكافي - ومما يدل على جلالته ان الادعية والاعمال الشائعة في مسجد السهلة المتداولة المتلقاة بالقبول المذكورة في المزار الكبير وغيره مما ينتهي سندها إليه لا غير رضوان الله عليه - اما مؤلفاته غير هذا التفسير فهي - (1) كتاب الناسخ والمنسوخ (2) كتاب قرب الاسناد (3) كتاب الشرائع. (4) كتاب الحيض. (5) كتاب التوحيد والشرك. (6) كتاب فضائل امير المؤمنين عليه السلام. (7) كتاب المغازي. (8) كتاب الانبياء. (9) كتاب المشذر. (10) كتاب المناقب. (11) كتاب اختيار القرآن (1). واكثر ما يرويه علي بن ابراهيم فعن ابيه ابراهيم بن هاشم كما هو دأبه في هذا التفسير وغيره من كتبه فيجدر بنا الاشارة إلى ترجمته مختصرا. ترجمة ابراهيم بن هاشم القمي: لا يخفى على ارباب النهى ما ورد من الثناء على القميين وما هي مرتبتهم
(1) تنقيح المقال 260 / 2. (*)
[ 9 ]
باعتبار خدمتهم للدين المبين - فعن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي (ره) ان الامام الصادق الناطق بالحق يقول - قم بلدنا وبلد شيعتنا مطهرة مقدسة قبلت ولايتنا اهل البيت لا يريدهم أحد بسوء إلا عجلت عقوبته ما لم يخونوا اخوانهم فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم جبابرة سوء، اما انهم انصار قائمنا ورعاة حقنا، ثم
رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم اعصمهم من كل فتنة ونجهم من هلكة (1). ففضل اهل قم لا ينكر لانه ابهر من الشمس واشهر من القمر وكيف لا يكون كذلك وقد خرج منها جهابذة العلوم الجعفرية وعباقرة البحور الباقرية كابي جرير وزكريا بن ادريس وزكريا بن آدم وعيسى بن عبد الله إلا ان منهم من نال حظه ازيد واكثر كابراهيم بي علي هذا فانه شيخ القميين ووجههم، فضله على القميين باعتبار تقدمه في رواية الكوفيين، قد حكى الشيخ والنجاشي وغيرهما من الاصحاب انه اول من نشر احاديث الكوفيين بقم - قال السيد الداماد في محكي الرواشح ان مدحهم اياه بانه اول من نشر احاديث الكوفيين بقم كلمة جامعة (وكل الصيد في جنب القرا) وقال ايضا الصحيح والصريح عندي ان الطريق من جهته صحيح فأمره اجل وحاله اعظم من ان يتعدل ويتوثق بمعدل وموثق غيره بل غيره يتعدل ويتوثق بتعديله وتوثيقه اياه، كيف واعاظم اشياخنا الفخام كرئيس المحدثين والصدوق والمفيد وشيخ الطائفة ونظرائهم ومن في طبقتهم ودرجتهم ورتبتهم من الاقدمين والاحدثين شأنهم اجل وخطبهم اكبر من ان يظن باحد منهم قد احتاج إلى تنصيص ناص وتوثيق موثق وهو شيخ الشيوخ وقطب الاشياخ ووتد الاوتاد وسند الاسناد فهو أحق وأجدر بان يستغنى عن ذلك (انتهى).
(1) الكنى والالقاب 76 / 3. (*)
[ 10 ]
وقال في الفهرست " ابراهيم بن هاشم أبو اسحاق القمي اصله من الكوفة وانتقل إلى قم واصحابنا يقولون انه اول من نشر حديث الكوفيين بقم وذكروا انه لقي الرضا عليه السلام. والذي اعرف من كتبه كتاب النوادر وكتاب القضاء لامير المؤمنين عليه السلام ".
وقال في التنقيح ما لفظه: انه شيخ من مشائخ الاجازة فقيه، محدث من اعيان الطائفة وكبرائهم واعاظهم وانه كثير الرواية سديد النقل قد روى عنه ثقات الاصحاب واجلاؤهم وقد اعتنوا بحديثه واكثر والنقل عنه كما لا يخفى على من راجع الكتب الاربعة للمشائخ الثلاثة رضي الله عنهم فانها مشحونة بالنقل عنه اصولا وفروعا (انتهى). ولاجل كونه راويا في اكثر رواياته عن محمد بن ابى عمير لا بأس في تحرير نبذة من ترجمته. محمد بن ابي عمير: قال في التنقيح محمد بن ابي عمير زياد بن عيسى الازدي أبو احمد الذي اجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عنه وعد مراسيله مسانيد، عاصر مولانا الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام. وقال النجاشي انه من موالى المهلب بن ابى صفرة وقيل مولى بني امية والاول اصح، بغدادي الاصل والمقام لقي ابا الحسن موسى وسمع منه احاديث كناه في بعضها فقال يا ابا محمد وروى عن الرضا عليه السلام، جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين، ذكره الجاحظ يحكي عنه في كتبه وقد ذكره في المفاخرة بين العدنانية والقحطانية وقال في البيان والتبيين حدثني ابراهيم بن داحية عن ابن ابي عمير وكان وجها من وجوه الرافضة وكان حبس في ايام الرشيد فقيل ليلي القضاء وقيل انه ولى بعد ذلك وقيل ليدل مواضع الشيعة واصحاب موسى بن
[ 11 ]
جعفر عليه السلام، وروي انه ضرب اسواطا بلغت منه مائة فكاد ان يقر لعظيم الالم فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمن وهو يقول اتق الله يا محمد بن ابي عمير ففرج الله عنه، وروي انه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد (انتهى).
وعن الفهرست - محمد بن ابي عمير يكنى ابا محمد من مولى الازد واسم ابى عمير زياد رحمه الله، وكان من اوثق الناس عند الخاصة والعامة وانسكهم نسكا واعبدهم وأورعهم وقد ذكره الجاحظ في كتابه في فخر قحطان على عدنان بهذه الصفة التي وصفناه وذكر انه كان اوحد أهل زمانه في الاشياء كلها ادرك من الائمة عليهم السلام ثلاثة ابا ابراهيم موسى بن جعفر عليه السلام ولم يرو عنه، وروى عن ابي الحسن الرضا والجواد عليهما السلام، وروى عنه احمد بن محمد عيسى انه كتب مائة رجل من رجال ابي عبد الله الصادق عليه السلام وله مصنفات كثيرة ذكر ابن بطة ان له اربعة وتسعين كتابا (انتهى) وعن الكشي في عنوان تسمية الفقهاء من اصحاب ابي ابراهيم وابي الحسن الرضا عليهما السلام: اجتمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم واقروا لهم بالفقه والعلم وهم ستة نفر آخر دون الستة النفر الذين ذكرناهم في اصحاب ابي عبد الله عليه السلام منهم يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمد بن ابى عمير وعبد الله بن المغيرة والحسن بن المحبوب واحمد بن محمد ابى نصر. وكان من خصائص ابن ابى عمير انه لم يرو عن العامة ابدا مع رواياتهم عنه فلذا كانت مروياته خالصة محصنة غير مشوبة برواياتهم كما يظهر من سؤال شاذان بن الخليل النيسابوري اياه فقال له انك قد لقيت مشائخ العامة فكيف لم تسمع منهم ؟ فقال قد سمعت منهم غير انى رأيت كثيرا من اصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة
[ 12 ]
وحديث الخاصة عن العامة فكرهت ان يختلط علي فتركت ذلك واقبلت على هذا (1). عبادته:
(قال الفضل بن شاذان) دخلت العراق فرأيت واحدا يعاتب صاحبه ويقول له انت رجل عليك عيال وتحتاج ان تكسب عليهم وما آمن من ان تذهب عيناك لطول سجودك (قال) فلما اكثر عليه قال اكثرت علي ويحك لو ذهبت عين احد من السجود لذهبت عين ابن ابى عمير ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد الصلاة الفجر فما يرفع رأسه إلا عند الزوال (وسمعته يقول) اخذ يوما شيخي بيدي وذهب بي إلى ابن ابي عمير فصعدنا إليه في غرفة وحوله مشائخ له يعظمونه ويبجلونه فقلت لابي من هذا ؟ فقال هذا ابن ابي عمير قلت الرجل الصالح العابد ؟ قال: نعم (2). سخاؤه: اما سخاؤه فقد بلغ إلى مرتبة لم يكن في ذلك العصر من يفضل عليه في هذه المنقبة العليا غير مواليه الكرام عليهم السلام الذين اقتدى بقدوتهم واقتبس من جذوتهم فانه يذكر في جوده وكرمه وايثاره على نفسه ما يجمد في قباله بحر متلاطم وينسى دونه جود حاتم. روى الشيخ والصدوق رضوان الله عليهما ان محمد بن ابى عمير كان رجلا بزازا فذهب ماله وافتقر وكان له على رجل عشرة آلاف درهم فباع دارا له كان يسكنها بشعرة آلاف درهم وحمل المال إلى بابه فخرج إليه محمد بن ابى عمير فقال ما هذا ؟ قال هذا مالك الذي علي، قال ورثته ؟ قال لا، قال وهب
(1) التنقيح 62 / 2 (2) التنقيح 62 باب محمد (*)
[ 13 ]
لك ؟ قال لا بل هو من ثمن ضيعة بعتها، قال ما هو ؟ فقال بعت داري التى اسكنها لاقضي ديني فقال محمد بن ابى عمير حدثني ذريح المحاربي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين) ارفعها فلا حاجة لي فيها
وانى والله لمحتاج في وقتي هذا إلى درهم ولا يدخل في ملكي من هذا درهم واحد (1). جهاده: اما جهاده في سبيل الحق واحتمال الشدائد له فهو حسب ما روي عن الكشي انه قال وجدت بخط ابى عبد الله الشاذانى سمعت ابا محمد الفضل بن شاذان يقول سعي بمحمد بن ابى عمير (واسم ابي عمير زياد) إلى السلطان انه يعرف اسامي الشيعة بالعراق فأمره السلطان ان يسميهم فامتنع فجرد وعلق بين القفازين فضرب مائة سوط (قال الفضل سمعت ابن ابى عمير) لما ضربت فبلغ الضرب مائة سوط ابلغ الضرب الالم إلي فكدت ان اسمي فسمعت نداء محمد بن يونس يقول يا محمد بن ابى عمير اذكر موقفك بين يدي الله تعالى فتقويت بقوله وصبرت ولم اخبر والحمد لله (2). وروي انه تولى ضربه السندي بن شاهك امام هارون الرشيد فادى مائة وواحدا وعشرين الف درهم حتى خلى عنه وكان رب خمسمائة الف درهم (3). ويظهر من سير التاريخ والحديث انه رحمه الله قاسى من الجهد والبلاء في عصري الهارون والمأمون فان المأمون حبسه في سجنه اربع سنين وكان ذلك بعد وفاة الرضا عليه السلام واختلفت الاقوال في ذهاب كتبه فقيل ان اخته دفنتها حال
(1) التنقيح 421 / 1. (2) 62 باب محمد (3) التنقيح 63 باب محمد (*)
[ 14 ]
استتاره في السجن خوفا عليه كما ذكره جدي الامجد السيد الجزائري رحمه الله في شرحه على التهذيب (1) وقيل تركها في غرفة فسال عليها المطر فلما اطلق من حبسه حدثهم من حفظه وكان يحفظ ما يبلغ من اربعين جلدا فسماه نوادر فلذلك
توجد احاديثه منقطعة الاسانيد الا ان الاصحاب سكنوا إليها وعاملوها معاملة الصحاح ثقة به. مؤلفاته: انه صنف كتبا كثيرة ذكر ابن بطة ان له اربعة وتسعين كتابا منها كتاب النوادر، كتاب الاستطاعة والافعال والرد على اهل القدر والجبر، كتاب المبدأ، كتاب الامامة، كتاب المتعة، كتاب المغازي، كتاب الكفر والايمان، كتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الامامة، كتاب الحج، كتاب فضائل الحج، كتاب الملاحم، كتاب يوم وليلة، كتاب الصلاة، كتاب مناسك الحج، كتاب الصيام، كتاب اختلاف الحديث، كتاب المعارف، كتاب التوحيد، كتاب النكاح، كتاب الرضاع. توفي رحمه الله سنة 217 (2). الثناء على التفسير: لا ريب في ان هذا التفسير الذي بين ايدينا من اقدم التفاسير التى وصلت الينا ولولا هذا لما كان متنا متينا في هذا الفن ولما سكن إليه جهابذة الزمن، فكم من تفسير قيم مقتبس من اخباره ولم تره إلا منورا بانواره كالصافي والمجمع والبرهان، إلا ان هذا الاصل لم يكن متيسرا في زماننا هذا لانه لم يطبع منه في الاخير إلا نسختان، طبعتا في ايران احديهما طبعت سنة 1313 وثانيتهما التي
(1) النسخة موجودة عندي بخطي. (2) التنقيح 62 باب محمد (*)
[ 15 ]
عندي طبعت سنة 1315 مع تفسير الامام العسكري على هامشه وكلتا النسختين مع كثرة الخطأ والاشتباهات فيهما كانتا نادرتين جدا حتى لم نجدهما في اكثر مكتبات النجف الاشرف حتى مكتبة امير المؤمنين عليه السلام التي اسسها العلامة المجاهد
الاميني مد ظله مع اتساعها وطول باعها في حيازة الكتب القيمة كانت فاقدة لها فاحتيج إلى طباعته لئلا يندرس هذا الاثر الاثري والتأليف الزهري فشمرت الباع لرفع القناع عن هذه المؤلفة المألوفة ليرى محياها كل من احبها وحياها فانها تحفة عصرية ونخبة اثرية لانها مشتملة على خصائص شتى قلما تجدها في غيرها فمنها: (1) ان هذا التفسير اصل اصول للتفاسير الكثيرة كما تقدم. (2) ان رواياته مروية عن الصادقين عليهما السلام مع قلة الوسائط والاسناد ولهذا قال في الذريعة: انه في الحقيقة تفسير الصادقين عليهما السلام. (3) مؤلفه كان في زمن الامام العسكري عليه السلام. (4) ابوه الذي روى هذه الاخبار لابنه كان صحابيا للامام الرضا عليه السلام. (5) ان فيه علما جما من فضائل اهل البيت عليهم السلام التي سعى اعداؤهم لاخراجها من القرآن الكريم. (6) انه متكفل لبيان كثير من الآيات القرآنية التى لم يفهم مرادها تماما إلا بمعونة ارشاد اهل البيت عليهم السلام التالين للقرآن. بقي شئ: وهو ان الراوي الاول الذي املا عليه علي بن ابراهيم القمي هذا التفسير على ما يتضمنه بعض نسخ هذا التفسير (كما في نسختي) هو أبو الفضل العباس ابن محمد بن قاسم بن حمزه بن موسى بن جعفر عليه السلام، تلميذ علي بن ابراهيم،
[ 16 ]
وهذا الشخص وان لم يوجد له ذكر في الاصول الرجالية كما ذكره صاحب الذريعة إلا ان ما يدل على علو شأنه وسمو مكانه كونه من اولاد الامام موسى ابن جعفر عليه السلام ومنتهيا إليه بثلاث وسائط فقط، وقد ذكره غير واحد من كتب
الانساب كبحر الانساب والمجدي وعمدة الطالب، ومما يرفع غبار الريب عن اعتبار الراوي ركون الاصحاب إلى هذا الكتاب وعملهم به بلا ارتياب فلو كان فيه ضعف لما ركنوا إليه، ولذا قال الحر العاملي رحمه الله في الوسائل، وهو من الذين اخذوا من هذا الكتاب ما لفظه. " ولم اقتصر فيه على كتب الحديث الاربعة وان كانت اشهر مما سواها بين العلماء، لوجود كتب كثيرة معتمدة من مؤلفات الثقات الاجلاء، وكلها متواترة النسبة إلى مؤلفيها، لا يختلف العلماء، ولا يشك الفضلاء فيها " (الوسائل 1 / 5) وقد عرضت هذا الكتاب قبل نشره على الشيخ الكبير والمجاهد الشهير سماحة العلامة آقا بزرك الطهراني (صاحب الذريعة) دام ظله فابدى سروره على طبعه ودعا لي على هذا المجهود وكتب التقريظ عليه مع ضعف حاله وارتعاش يده الشريفة، حيث عبر عن هذا الكتاب ب " الاثر النفيس والسفر الخالد المأثور عن الامامين عليهما السلام ". ولا ريب في انه عريف هذا الفن وغطريف من غطارفة الزمن فقليله في مقام الاطراء كثير. وبالجملة انه تفسير رباني، وتنوير شعشعاني، عميق المعاني، قوي المباني عجيب في طوره، بعيد في غوره، لا يخرج مثله إلا من العالم عليه السلام ولا يعقله إلا العالمون، ولم آل جهدا في تصحيحه وتنظيفه من الاغلاط المشحونة فيه فاعتمدت في تصحيحه على اربع نسخ منه:
[ 17 ]
(الاولى نسخة مطبوعة 1315 ه ج على هامشها تفسير الامام العسكري عليه السلام، وهي التي كانت عندي.
(الثانية) نسخة مطبوعة 1313 ه ج وجعلت رمزها في هذا الكتاب (ط). (الثالثة) نسخة خطية من مكتبة آية الله الحكيم مد ظله وجعلت رمزها (م). (الرابعة) نسخة خطية نادرة من مكتبة الشيخ كاشف الغطاء طاب ثراه، وجعلت رمزها (ك) واسأل الله ان يوفقنا لذلك فان بلغت فيه مناي فهو شفائى، وان بقي شئ منها فاني معتذر إلى مولاي فانه ذو الصفح الجسيم والمن القديم وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم. تنبيه يتعلق بهذا التفسير لابد لقارئ هذا التفسير من الالتفات إلى امر بدونه يصعب فهم المراد بل ربما ينفتح للعنود والمستضعف باب اللجاج والعناد، فيورد علي هذا التفسير وما شاكله بان كثيرا من مطالبه بعيد عن ظاهر اللفظ وقريب إلى التأويلات التي يستنكف العقل منها - مثلا - اي ربط للآيات النازلة في اقوام بائدة كقوم عاد وثمود باعداء اهل البيت عليهم السلام حيث فسرت بانها نزلت فيهم ونحو ذلك. وجوابه يتوقف على بيان امور: (الاول) انه قد ظهر من الادلة الباهرة والاخبار المتضافرة من الفريقين ان ذوات محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين هي علة ايجاد هذا الكون كما يظهر من الحديث المعروف " لولاك لما خلقت الافلاك " المشهور بين الفريقين وحديث " اول ما خلق الله نوري " المؤيد بقوله تعالى " قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين ؟ ؟ " فهذه الآية تدل على ان محمدا صلى الله عليه وآله اول الكل وجودا
[ 18 ]
وان كان خاتم الرسل زمانا وعلي بن ابي طالب اما نفسه كما تدل على آية المباهلة أو قسيم نوره كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وآله " انا وعلي من نور واحد "
واولاده المعصومون كلهم مظاهر جماله وكماله صلى الله عليه وآله كما قال صلى الله عليه وآله: فيهم " اولنا محمد واوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد " وتدل على هذا المقصد روايات كثيرة من السنة من شاء فليراجع معارج النبوة ومدارج النبوة وينابيع المودة ونحو ذلك. وكذا وردت روايات كثيرة معتبرة ايضا كحديث الكساء المتسالم عليه بين العلماء الاعلام والمعمول به بين الخواص والعوام وفيه: " وعزتي وجلالي اني ما خلقت سماءا مبنية ولا ارضا مدحية ولا قمرا منيرا ولا شمسا مضيئا.. إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء ". وفي اكمال الدين والعيون والعلل عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام انه قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما خلق الله خلقا افضل مني ولا اكرم عليه مني، فقلت يا رسول الله فانت افضل أو جبرئيل ؟ فقال يا علي ان الله فضل انبيائه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلني على جميع النبيين والمرسلين والفضل من بعدي لك يا علي وللائمة من بعدك وان الملائكة لخدامنا وخدام محبينا، يا علي ! الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا يا علي ! لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الارض فكيف لا نكون افضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتقديسه لان اول ما خلق الله خلق ارواحنا فانطقنا بتوحيده وبتمجيده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا. استعظموا امرنا فسبحنا لتعلم الملائكة، فسبحت الملائكة بتسبيحنا. (الثاني) لما ثبت ان ذواتهم المقدسة هي اول الخلق وغرض الحق فبدليل العقل يجب على الله تعالى لطفا ان يعرفهم جميع خلقه ويعرض محبتهم على جميع
[ 19 ]
عباده وإلا ليلزم الانفكاك بين الغاية والمغيى فهم غرض الخلق وغرض خلقهم ذات
الحق وان شئت فقل ان الله لم يخلق الخلق، إلا للعبادة ولا يعبد إلا بعد المعرفة وهي إنما تحصل بقبول الايمان بالله كما هو، وهو موقوف على الاقرار بالرسول المخبر عن الله، وهو موقوف على الاقرار بالامام المخبر عن الرسول فعلى الله ان يرشد إليه ويدل عليه فلا بعد ان ينزل القرآن فيهم ولهم. (الثالث) ان الله تعالى كان عالما باعمال امة نبيه صلى الله عليه وآله بعد وفاته صلى الله عليه وآله بانهم يلعبون بالدين ويهتكون بنو اميس حماته في كل حين، كما ظهر من شنائع بني امية وبني العباس وقد نبأ به النبي الصادق كما في صحيحي البخاري ومسلم فقال صلى الله عليه وآله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟ (1) وكما في الاحتجاج عن امير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى " لتركبن طبقا عن طبق " اي لتسلكن سبل من كان قبلكم من الامم في الغدر بالاوصياء بعد الانبياء، وفي هذا المعنى روايات كثيرة من الفريقين فحينئذ لم يؤمن منهم ان لا يبقوا اسامي الائمة أو فضائلهم في القرآن فلذا لم يكن بد إلا يبينها الله تعالى بالكناية والاستعارة كما هو دأب القرآن واسلوبه في اكثر آياته فان له ظاهرا يتعلق بشئ وباطنا بشئ آخر، روى العياشي وغيره عن جابر قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن شئ من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانيا فأجابني بجواب آخر، فقلت جعلت فداك كنت اجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم ! فقال لي يا جابر ان للقرآن بطنا وللبطن بطنا وظهرا وللظهر ظهرا، يا جابر وليس شئ ابعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ان الآية لتكون اولها في
(1) صحيح البخاري 4 / 176 (*)
[ 20 ]
شئ وآخرها في شئ وهو كلا متصل ينصرف على وجوه ".
وعن الغزالي في احياء العلوم والحافظ ابي نعيم في حلية الاولياء عن ابن مسعود قال: ان القرآن نزل علي سبعة احرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن وان علي بن ابي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن والمراد من بطن القرآن تأويله كما قال: ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. ومثال ذلك آية الشجرة حيث قال: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة - إلى قوله - مالها من قرار (1) فالمراد من " الشجرة الطيبة " شجرة محمد وآله صلوات الله عليهم والمراد من " الشجرة الخبيثة " و " الشجرة الملعونة " في سورة بني اسرائيل هم بنو امية (2) فهذا تأويله فمن الذي له علم بهذا التأويل بمجرد اللفظ غير الذين انزل القرآن في بيتهم وهم اهل البيت سلام الله عليهم الملقبون في القرآن ب " الراسخون في العلم " مرة وب " الذين اوتوا العلم " مرة اخرى، فانهم العرفاء بوجوه القرآن ومعانيه والعلماء بناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، عامه وخاصه، مطلقه ومقيده، مجمله ومبينه، كما قال امير المؤمنين عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت واين نزلت وعلى من نزلت، ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا (3). فانقدح من ذلك كله انه إذا ورد منهم معنى آية من الآيات القرآنية في مقام التأويل والتعبير عن بطن القرآن فلا مجال لانكاره أو استغرابه وان كان خلافا للظاهر وهل هبط الروح الامين بالقرآن إلا في بيتهم، وهل استنارت آياته إلا من زيتهم، فهم اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل ومنبت
(1) ابراهيم 24. (2) الطبري 3 / 4 (3) تاريخ الخلفاء ص 142. (*)
[ 21 ]
التفسير والتأويل كما قال أبو عبد الله الحسين عليه السلام قدام جمهور من الناس حين
خروجه من المدينة " نحن اهل البيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة " (1) فالقرآن ظاهره انيق وباطنه عميق وان ظاهره وان كان مخصوصا بفرد خاص أو زمان خاص لكن باطنه ينطبق على كل من كان اهلا له إلى يوم القيامة ومن هنا قال أبو جعفر عليه السلام: ان القرآن نزل اثلاثا: ثلث فينا وفي احبائنا وثلث في اعدائنا وعدو من كان قبلنا وثلث سنة ومثل، ولو ان الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اولئك ماتت الآية لما بقي من القرآن شئ، ولكن القرآن يجرى على آخره ما دامت السماوات والارض (2). ومن هنا علم سر ذكر الامم السابقة كآل فرعون ونمرود، وامة موسى وهود، وقصص النصارى واليهود، وتكرير اعمالهم القبيحة واطوارهم الشنيعة مع ان الله تعالى ستار العيوب وغفار الذنوب فلا حكمة في نشر فضائحهم وذكر شنائعهم بعد ما حقت عليهم كلمة العقاب وتمت فيهم مواعيد العذاب، فليس المقصود منه إلا اعتبار المعتبرين وتنبيه من لحقهم من الفاسقين الذين شابهوهم بسوء اعمالهم ولهذا عبر عن بعضهم في لسان النبي صلى الله عليه وآله بيهود هذه الامة ومجوسها. فانكشف مما ذكرنا ان كل ما ورد في القرآن من المدح كناية وصراحة فهو راجع إلى محمد وآله الطاهرين، وكل ما ورد فيه من القدح كذلك فهو لاعدائهم اجمعين السابقين منهم واللاحقين ويحمل عليه جميع الآيات من هذا القبيل وان كان خلافا للظاهر لان اسلوب البيان وحفظه عن النقصان يقتضي الكناية وهي ابلغ من التصريح والطف، فلا مشاحة فيها بعد ورود دليل قاطع من العقل
(1) ناسخ التواريخ 6 / 119. (2) تفسير فرات. (*)
[ 22 ]
والنقل، ولا ينكره إلا من كان دأبه على المكابرة والدجل، والله ولي التوفيق
يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. تحريف القرآن: بقى شئ يهمنا ذكره وهو ان هذا التفسير كغيره من التفاسير القديمة يشتمل على روايات مفادها ان المصحف الذي بين ايدينا لم يسلم من التحريف والتغيير وجوابه انه لم ينفرد المصنف (رح) بذكرها بل وافقه فيه غيره من المحدثين المتقدمين والمتأخرين عامة وخاصة اما العامة فقد صنفوا فيه كتبا كالسجستاني حيث صنف " كتاب المصاحف " والشعراني حيث قال: ولولا ما يسبق للقلوب الضعيفة ووضع الحكمة في غير اهلها لبينت جميع ما سقط من مصحف عثمان (1). والآلوسي حيث اعترف بعد سرد الاخبار التي تدل على التحريف قائلا: والروايات في هذا الباب اكثر من ان تحصى (2). وقال فخر الدين الرازي في تفسيره: نقل في الكتب القديمة ان ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن (3). ونقل السيوطي عن ابن عباس وابن مسعود انه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، انهما ليستا من كتاب الله، انما امر النبي صلى الله عليه وآله ان يتعوذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما (4).
(1) الكبريت الاحمر على هامش اليواقيت والجواهر ص 143. (2) روح المعاني 1 / 24 (3) مفاتيح الغيب 1 / 169. (4) الدر المنثور 6 / 416. (*)
[ 23 ]
وقال الصبحي الصالحي:
" اما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها نحو اوصى ووصى، وتجري تحتها ومن تحتها، وسيقولون الله ولله، وما عملت ايديهم وما عملته فكتابته على نحو قراءته وكل ذلك وجد في مصحف الامام (1) " وهذا اعتراف منه بان مصحف الامام مشتمل على زيادة لوضوح ان هذه القراءات كلها لم تنزل من الله تعالى لان الافصح والابلغ في المقام واحدة منها، وكلام الخالق لا يكون إلا بالافصح والابلغ، فإذا وجد كل ذلك في مصحف الامام فيحصل لنا العلم ولو اجمالا بزيادة ما ليس من الله في القرآن. وكذلك ذهب كثير منهم إلى عدم كون البسملة من القرآن، ومن هنا لا يقرؤنها في الصلاة، قال السيد الخوئي دام ظله في البيان: " فالبسملة مثلا مما تسالم المسلمون على ان النبي صلى الله عليه وآله قرأها قبل كل سورة غير التوبة، وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بل ذهبت المالكية إلى كراهة الاتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة " (2). اما الخاصة فقد تسالموا على عدم الزيادة في القرآن بل ادعى الاجماع عليه، اما النقيصة فان ذهب جماعة من العلماء الامامية إلى عدمها ايضا وانكروها غاية الانكار كالصدوق والسيد مرتضى وابي علي الطبرسي في " مجمع البيان " والشيخ الطوسي في " التبيان " ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين المتقدمين منهم والمتأخرين القول بالنقيصة كالكليني والبرقي، والعياشي والنعماني، وفرات بن ابراهيم، واحمد بن ابى طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني، والسيد البحراني
(1) مباحث في علوم القرآن ص 98. (2) البيان ص 138. (*)
[ 24 ]
وقد تمسكوا في اثبات مذهبهم بالآيات والروايات التى لا يمكن الاغماض عنها.
والذي يهون الخطب ان التحريف اللازم على قولهم يسير جدا مخصوص بآيات الولاية فهو غير مغير للاحكام ولا للمفهوم الجامع الذي هو روح القرآن، فهو ليس بتحريف في الحقيقة فلا ينال لغير الشيعة ان يشنع عليهم من هذه الجهة. وتفصيل ذلك ان غيرهم الذي يمكن ان يورد عليهم فهو اما من جمهور المسلمين أو اهل الكتاب كالنصارى واليهود وكلاهما لا يقدران على ذلك اما جمهور المسلمين فلكون كتبهم مملوءة من الاخبار الدالة على التحريف الذي هو ازيد بمراتب من التحريف المستفاد من روايات الامامية، إذ هو عند اولئك بمعنى النقيصة والزيادة وفي سائر مواضيع القرآن حتى قد روي عن عمر انه قال: (1) لا يقولن احدكم قد اخذت القرآن كله وما يدريه ما كله ؟ قد ذهبت منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد اخذت منه ما ظهر (1). (2) وعنه ايضا كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر فيما فقدنا من كتاب الله (2). (3) وايضا روي عنه: فكان فيما انزل عليه آية الرجم فرجم ورجمنا بعده (3). (4) وعن ابي موسى الاشعري: انا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة بالبراءة فانسيتها، غير انى قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من المال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم الا تراب (4) ومثله كثير مما يظهر منه ذهاب كثير من القرآن عندهم من آيات الاحكام والسور
(1) الاتقان 2 / 40. (2) الدر المنثور 1 / 106. (3) سنن ابن ماجة ص 141. (4) صحيح المسلم 3 / 100. (*)
[ 25 ]
كسورتي الخلع والحفد (1) واين هذا من القول بان الساقط منه آيات تتعلق
بالولاية فقط مع بقاء جميع آيات الاحكام. وهذا هو السر في ان الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين امروا بالتشبث بالقرآن الكريم وامروا بارجاع الاحاديث المشكوكة على القرآن والاخذ بما وافقه ورد ما خالفه وإنما هو نص واضح على ان التحريف والتغيير لم يقع فيها وما وقع منه يسيرا فانما هو بالنسبة إلى الآيات الراجعة إلى آل بيت النبي صلوات الله عليهم مع بقاء كثيرة منها على حالها لم تحرف مع كفايتها في مقام استعلام فضائلهم مع احتمال كون الساقط من قبيل الشرح لا المتن كما ذهب إليه الكاشانى رح اما اهل الكتاب فانهم ايضا لا يقدرون على الايراد المذكور لوروده على انفسهم حقيقة لذهاب التوراة والانجيل من البين كما يشهد به مطالعة هذين الكتابين، وقد اعترف علماؤهم اجمع بحدوث الاناجيل الاربعة بعد وفاة عيسى حتى سموها NEW TESTAMENT اعني " العهد الجديد ". وهذا الاناجيل عبارة عن: 1 - انجيل متى. 2 - انجيل مرقس. 3 - انجيل لوقا. 4 - انجيل يوحنا، وليس واحد منها من كلام عيسى ولا حواريه بل انها نسبت إلى متى ولوقا لتحصيل الاشتهار وجلب رغبة الناس إليها، وقد جرت هذه الاناجيل في الناس دهرا طويلا يقرأ مسودة فحدثت فيها التغييرات والاضافات حينا بعد حين واضيفت فيها الاساطير التي كان بناء اكثرها على المبالغة وانها كانت على السنة ضعفة العقول في ذلك الزمان حتى حسبت بعد
(1) روح المعاني 1 / 24. (*)
[ 26 ]
مدة حقائق تاريخية وحوادث واقعية. قد صرح بذلك كله علماؤهم المعروفون في كتبهم (1). وقال القسيس المعروف ارنست وليام Earnest William ان مرقس
اقدم الاناجيل كما سنذكره في الباب الثامن كتب حين انتشرت النصرانية في الارجاء، وكانت الفترة بين صلب عيسى وكتابته اربعين سنة أو ازيد (1). وهذا بخلاف القرآن الحكيم فان مكتوبا مدونا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله عند امير المؤمنين عليه السلام على قول أو كان مكتوبا متفرقا على الواح وعسب والفه الخلفاء على قول آخر مع اجماع الفريقين على ان ما بين الدفتين كله من الله تعالى فهو باق على اعجازه منزه عن الدخل في حقيقته ومجازه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، متحد على اعلانه القويم القديم (قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) طيب الموسوي الجزائري النجف الاشرف 8 رجب المرجب سنة 1386
(1) وهذه اساميهم مع اسامي كتبهم:.) 1 (The Rise Of Christanity By Earnest William.) 2 (History Of Syria By Philip. K. Hitti.) 3 (The Life Of Juses By Earnest 84. The Rise Of Christanity p تفسير القمي لابي الحسن علي بن ابراهيم القمي رحمه الله (من اعلام قرني 3 - 4 ه.) صححه وعلق عليه وقدم له حجة الاسلام العلامة السيد طيب الموسوي الجزائري
الجزء الاول
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الاحد الصمد المتفرد الذى لا من شئ خلق (1) ما كون بل بقدرته، بان بها من الاشياء وبانت الاشياء منه فليست له صفة تنال ولا حد يضرب فيه الامثال كل دون صفاته تحبير (2) اللغات، وضل هنالك تصاريف الصفات وحار في اداني ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبة المكنون حجب من الغيوب وتاهت في ادنى ادانيها طامحات العقول، فتبارك الله الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن وتعالى الذي ليس لنعته حد محدود ولا وقت ممدود، ولا اجل معدود، فسبحان الذي ليس له اول متبداء ولا غاية منتهى، سبحانه كما هو وصف نفسه والواصفون لا يبلغون نعته، حد الاشياء كلها بعلمه عند حلقه وابانها ابانة لها من شبهها بما لم يحلل فيها فيقال هو فيها كاين ولم يناء عنها فيقال هو منها باين، ولم يخل منها فيقال له اين، لكنه سبحانه احاط بها علمه واتقنها صنعه واحصاها حفظه فلم يعزب عنه خفيات هبوب الهواء ولا غامض سرائر مكنون ظلم الدجى، ولا ما في السموات العلى إلى الارضين السفلى وعلى كل شئ منها حافظ ورقيب وبكل شئ منها محيط هو الله الواحد الاحد رب العالمين والحمد لله الذي جعل العمل في الدنيا والجزاء في الآخرة وجعل لكل شئ قدرا ولكل قدر اجلا ولكل اجل كتابا يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب والحمد لله الذي جعل الحمد شكرا والشكر طاعة والتكبير جلالة وتعظيما
(1) اي لم يخلق الكون من شئ انما خلقه بقدرته بدون شئ فلفظ " قدرته " مجرور من بواسطة العطف على " شئ ". ج - ز (2) حبر الكلام اي حسنه وزينه. ج - ز (*)
[ 2 ]
فلا اله الا هو اخلاصا نشهد به فانه قال عزوجل " ستكتب شهادتهم ويسألون " وقال " الا من شهد بالحق وهم يعلمون " تشهد به بلجة (1) صدرونا وعارفة قلوبنا قد شيط به (2) لحومنا ودماؤنا واشعارنا وابشارنا واسماعنا وابصارنا واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلوات الله عليه ارسله بكتاب قد فصله واحكمه واعزه وحفظه بعلمه وواضحه بنوره وايده بسلطانه واحكمه من ان يميل سهوا ويأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد، لا تفنى عجائبه من قال به صدق ومن عمل به احيز ؟ ومن خاصم به فلج ومن قال به نصر ومن قام به هدى إلى صراط مستقيم ومن تركه من الجبابرة قصمه الله ومن ابتغى العلم من غيره اضله الله وهو حبل الله المتين فيه بيان ما كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخبر معادكم انزله الله بعلمه واشهد الملائكة بتصديقه فقال " لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " فجعله نورا يهدى التي هي اقوم فقال " اتبعوه ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلا ما يتذكرون " ففي اتباع ما جاء من الله عزوجل الفوز العظيم وفي تركه الخطا المبين فجعل في اتباعه كل خير يرجى في الدنيا والآخرة، والقرآن آمر وزاجر حد فيه الحدود وسن فيه السنن وضرب فيه الامثال وشرع فيه الدين وغدا من سببه حجة على خلقه اخذ عليهم ميثاقهم وارتهن لهم انفسهم لينبئ لهم ما يأتون وما يبتغون ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حي عن بينة وان الله سميع عليم وقال امير المؤمنين صلوات الله عليه وآله " ايها الناس ان الله عزوجل بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وآله بالهدى وانزل عليه الكتاب بالحق وانتم اميون عن الكتاب ومن انزله وعن الرسول ومن ارسله، ارسله على حين فترة من الرسل وطول هجعة (3) من الامم وانبساط من
(1) بلج صدره أي انشرح (2) شيط اي نضج (3) الهجعة النوم. (*)
[ 3 ]
الجهل واعترض من الفتنة وانتقاص من البرم وعمى عن الحق وانتشار من الخوف واعتساف من الجور وامتحاق من الدين وتلظى من الحروب وعلى حين اصفرار من رياض جنات الدنيا ويبوس من اغصانها وانتشار من ورقها ويأس من ثمرها واغورار من مائها، فقد درست اعلام الهدى وظهرت اعلام الردى والدنيا متهجمة (1) في وجوه اهلها متكفهرة مدبرة غير مقبلة ثمرتها الفتنة وطعامها الجيفة وشعارها الخوف ودثارها السيف قد مزقهم كل ممزق فقد اعمت عيون اهلها واظلمت عليهم ايامها قد قطعوا ارحامهم وسفكوا دمائهم ودفنو في التراب الموؤدة بينهم من اولادهم يجتاز دونهم طيب العيش ورفاهته، خوط (2) لا يرجون من الله ثوابا ولا يخافون الله عقابا حيهم اعمى نجس ميتهم في النار مبلس فجاءهم النبي صلى الله عليه وآله بنسخة ما في الصحف الاولى وتصديق الذي بين يديه وتفصيل الحلال وبيان الحرام وذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم، اخبركم عنه ان فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم وبيان ما اصبحتم فيه مختلفون فلو سألتموني عنه لاخبرتكم عنه لانى اعلمكم ". وقال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع في مسجد الخيف " انى فرطكم (3) وانكم واردون على الحوض، حوض عرضه ما بين بصرة وصنعاء، فيه قد حان من فضة عدد النجوم الاواني سائلكم عن الثقلين قالوا يا رسول الله وما الثقلان ؟ قال كتاب الله الثقل الاكبر طرف بيد الله وطرف بايديكم فتمسكوا به لن تضلوا ولن تزلوا والثقل الاصغر عترتي واهل بيتي فانه قد نبأنى اللطيف الخبير انهما لن يفترقا
(1) الهجمة اول ما يهجم من ظلام الليل والمراد هنا مطلق الظلمة وكذا مكفهرة، وفى ط متجهمة أي عابسة ج. ز (2) الخوط الغصن الناعم أو كل قضيب يعني انهم كانوا غير ذوى حنك وتدبير (3) الفرط المتقدم والمعنى انى اتقدمكم إلى الحوض. ج. ز (*)
[ 4 ]
حتى يردا على الحوض كاصبعي هاتين - وجمع بين سبابتيه - ولا اقول كهاتين - وجمع بين سبابته والوسطى - فتفضل هذه على هذه " فالقرآن عظيم قدره جليل خطره بين ذكره من تمسك به هدى ومن تولى عنه ضل وزل فافضل ما عمل به القرآن لقول الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " وقال " وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " ففرض الله عزوجل على نبيه صلى الله عليه وآله ان يبين الناس ما في القرآن من الاحكام والقوانين والفرايض والسنن وفرض على الناس التفقه والتعليم والعمل بما فيه حتى لا يسع احدا جهله ولا يعذر في تركه ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهى الينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم واوجب ولايتهم ولا يقبل عمل الا بهم وهم الذين وصفهم الله تبارك وتعالى وفرض سؤالهم والاخذ منهم فقال " فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " فعلمهم عن رسول الله وهم الذين قال في كتابه وخاطبهم في قوله تعالى " يا ايها الناس آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا (القرآن) ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا - انتم يا معشر الائمة - شهداء على الناس " فرسول الله صلى الله عليه وآله شهيد عليهم وهم شهداء على الناس فالعلم عندهم والقرآن معهم ودين الله عزوجل الذي ارتضاه لانبيائه وملائكته ورسله منهم يقتبس وهو قول امير المؤمنين عليه السلام " الا ان العلم الذي هبط به آدم عليه السلام من السماء إلى الارض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين عندي وعند عترة خاتم النبيين فاين يتاه بكم بل اين تذهبون وقال ايضا امير المؤمنين عليه السلام في خطبته " ولقد علم المستحفظون من اصحاب محمد صلى الله عليه وآله انه قال انى واهل بيتي مطهرون فلا تسبقوهم
فتضلوا ولا تتخلفوا عنهم فتزلوا ولا تخالفوهم فتجهلوا ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم
[ 5 ]
هم اعلم الناس كبارا واحلم الناس صغارا فاتبعوا الحق واهله حيث كان ففي الذي ذكرنا من عظيم خطر القرآن وعلم الائمة عليهم السلام كفاية لمن شرح الله صدره ونور قلبه وهداه لايمانه ومن عليه بدينه وبالله نستعين وعليه نتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل " (قال أبو الحسن على بن ابراهيم الهاشمي القمى ط) فالقرآن منه ناسخ، ومنه منسوخ، ومنه محكم، ومنه متشابه، ومنه عام، ومنه خاص، ومنه تقديم، ومنه تأخير، ومنه منقطع، ومنه معطوف، ومنه حرف مكان حرف، ومنه على خلاف ما انزل الله (1)، ومنه ما لفظه عام ومعناه خاص، ومنه ما لفظه خاص ومعناه عام، ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة اخرى ومنه ما تأويله في تنزيله ومنه ما تأويله مع تنزيله، ومنه ما تأويله قبل تنزيله، ومنه تأويله بعد تنزيله، ومنه رخصة اطلاق بعد الحظر، ومنه رخصة صاحبها فيها بالخيار ان شاء فعل وان شاء ترك، ومنه رخصة ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها ولا يدان بباطنها، ومنها ما على لفظ الخبر ومعناه حكاية عن قوم، ومنه آيات نصفها منسوخة ونصفها متروكة على حالها، ومنه مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين، ومنه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى امته، ومنه ما لفظه مفرد ومعناه جمع، ومنه ما لا يعرف تحريمه الا بتحليله، ومنه رد على الملحدين، ومنه رد على الزنادقة، ومنه رد على الثنوية ومنه رد على الجهمية، ومنه رد على الدهرية، ومنه رد على عبدة النيران، ومنه رد على عبدة الاوثان، ومنه رد على المعتزلة، ومنه رد على القدرية، ومنه رد على المجبرة، ومنه رد على من انكر من المسلمين الثواب والعقاب بعد الموت يوم القيامة، ومنه رد على من انكر المعراج والاسراء، ومنه رد على من انكر الميثاق
(1) مراده رحمه الله منه الآيات التي حذفت منها الفاظ على الظاهر
كالآيات التي نزلت في امير المؤمنين عليه السلام مثل قوله تعالى يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك (في علي عليه السلام) وسيأتى تفصيل القول في ذلك عند محله. - ز. (*)
[ 6 ]
في الذر، ومنه رد على من انكر خلق الجنة والنار، ومنه رد على من انكر المتعة والرجعة، ومنه رد على من وصف الله عزوجل، ومنه مخاطبة الله عزوجل لامير المؤمنين والائمة عليهم السلام وما ذكره الله من فضايلهم وفيه خروج القائم واخبار الرجعة وما وعد الله تبارك وتعالى الائمة عليهم السلام من النصرة والانتقام من اعدائهم، وفيه شرايع الاسلام واخبار الانبياء عليهم السلام ومولدهم ومبعثهم وشريعتهم وهلاك امتهم، وفيه ما نزل بمغازي النبي صلى الله عليه وآله، وفيه ترهيب وفيه ترغيب، وفيه امثال، وفيه اخبار وقصص، ونحن ذاكرون جميع ما ذكرنا ان شاء الله في اول الكتاب مع خبرها ليستدل بها على غيرها وعلم ما في الكتاب وبالله التوفيق والاستعانة وعليه نتوكل وبه نستعين ونستجير والصلاة على محمد وآله الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فاما الناسخ والمنسوخ فان عدة النساء كانت في الجاهلية إذا مات الرجل تعتد امرأته سنة فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينقلهم عن ذلك وتركهم على عاداتهم وانزل الله تعالى بذلك قرآنا فقال " والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج " (1) فكانت العدة حولا فلما قوى الاسلام انزل الله " الذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشر (2) فنسخت قوله " متاعا إلى الحول غير اخراج " ومثله ان المرأة كانت في الجاهلية إذا زنت تحبس في بيتها حتى تموت والرجل يوذى فانزل الله في ذلك " واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (3) "
وفى الرجل " واللذان يأتيانها منكم فاذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما ان الله كان توابا
(1) البقرة 240 (2) البقرة 234 (3) النساء 14 (*)
[ 7 ]
رحيما (1) " فلما قوى الاسلام انزل الله " الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منها ماءة جلدة (2) " فمسخت تلك ومثله كثير نذكره في مواضعه ان شاء الله تعالى واما المحكم فمثل قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين (3) " ومثله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (4) " ومنه قوله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم (5) " الآية إلى آخرها فهذه كله محكم قد استغنى بتنزيله عن تأويله ومثله كثير. واما المتشابه فما ذكرنا مما لفظه واحد ومعناه مختلف فمنه الفتنة التي ذكرها الله تعالى في القرآن فمنها عذاب وهو قوله " يوم هم على النار يفتنون (6) " اي يعذبون وقوله " الفتنة اكبر من القتل (7) " وهي الكفر ومنه الحب وهو قوله " انما اموالكم واولادكم فتنة (8) " يعني بها الحب ومنها اختبار وهو قوله " الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا امنا وهم لا يفتنون (9) " اي لا يختبرون ومثله كثير نذكره في مواضعه ومنه الحق وهو على وجوه كثيرة ومنه الضلال وهو على وجوه كثيرة فهذا من المتشابه الذي لفظه واحد ومعناه مختلف. واما ما لفظه عام ومعناه خاص فمثل قوله تعالى " يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وانى فضلتكم على العالمين (10) " فلفظه عام ومعناه خاص لانه فضلهم على عالمي زمانهم باشياء خصهم بها وقوله " واوتيت من كل شئ (11) "
(1) النساء 15 (2) النور 2 (3) المائدة 7
(4) المائدة 173 (5) النساء 22 (6) الذاريات 13 (7) البقرة 191 (8) الانفال 28 (9) العنكبوت 2 (10) البقرة 122 (11) النمل 23 (*)
[ 8 ]
يعني بلقيس فلفظه عام ومعناه خاص لانها لم توت اشياء كثيرة منها الذكر واللحية وقوله " ريح فيها عذاب اليم تدمر كل شئ بامر ربها (1) " لفظه عام ومعناه خاص لانها تركت اشياء كثيرة لم تدمرها. واما ما لفظه خاص ومعناه عام فقوله " من اجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا (2) " فلفظ الآية خاص في بني اسرائيل ومعناها عام في الناس كلهم. واما التقديم والتأخير فان آية عدة النساء الناسخة مقدمة على المنسوخة لان في التأليف قد قدمت آية " عدة النساء اربعة اشهر وعشرا (3) " على آية " عدة سنة كاملة (4) " وكان يجب اولا ان تقرأ المنسوخة التي نزلت قبل ثم الناسخة التي نزلت بعده وقوله " افمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة (5) " فقال الصادق عليه السلام انما نزل " افمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه اماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى " وقوله " وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيى (5) " وانما هو يحيى ويميت لان الدهرية لم يقروا بالبعث بعد الموت وانما قالوا " نحيا ونموت " فقدموا حرفا على حرف وقوله " يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي (7) " ايضا هو " اركعي واسجدي " وقوله " فلعلك باخع (8) نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا " وانما
(1) الاحقاف 25 (2) المائدة 35 (3) الذين يتوفون منكم ويذرون ازواحا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر
وعشرا - البقرة 234. (4) والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج البقرة 240. (5) الهود 17 (6) الجاثية 23 (7) آل عمران 43 (8) بخع نفسه كاد ان يهلكها من غضب أو غم (*)
[ 9 ]
هو " فلعلك باخع نفسك على آثارهم اسفا ان لم يؤمنوا بهذا الحديث " ومثله كثير. واما المنقطع المعطوف فهي آيات نزلت في خبر ثم انقطعت قبل تمامها وجائت آيات غيرها ثم عطف بعد ذلك على الخبر الاول مثل قوله عزوجل " وابراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون انما تعبدون من دون الله اوثانا وتخلقون افكا ان الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون " ثم انقطع خبر ابراهيم فقال مخاطبة لامة محمد " وان تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول الا البلاغ المبين أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير " إلى قوله " اولئك يئسوا من رحمتي واولئك لهم عذاب اليم " ثم عطف بعد هذه الآيات على قصة ابراهيم فقال " وما كان جواب قومه الا ان قالوا اقتلوه أو حرقوه فانجاه الله من النار (1) " ومثله في قصة لقمان قوله " واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم " ثم انقطعت وصية لقمان لابنه فقال " ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن " إلى قوله " فانبئكم بما كنتم تعملون " ثم عطف على خبر لقمان فقال " يا بنى انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها.. الخ (2) " ومثله كثير. واما ما هو حرف مكان حرف فقوله " لئلا يكون للناس على الله حجة
الا الذين ظلموا منهم (3) " يعني ولا للذين ظلموا منهم وقوله " يا موسى لا تخف انى لا يخاف لدي المرسلون الا من ظلم (4) " يعني ولا من ظلم وقوله " ما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ (5) " يعني ولا خطأ وقوله " ولا
(1) العنكبوت 24 (2) لقمن 16 (3) البقرة 150 (4) النمل 10 (5) النساء 91 (*)
[ 10 ]
يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم الا ان تقطع قلوبهم (1) " يعني حتى تنقطع قلوبهم ومثله كثير. واما ما هو كان على خلاف ما انزل الله فهو قوله " كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (2) " فقال أبو عبد الله عليه السلام لقاري هذه الآية " خير امة " يقتلون امير المؤمنين والحسن والحسين بن علي عليه السلام ؟ فقيل له وكيف نزلت يابن رسول الله ؟ فقال انما نزلت " كنتم خير ائمة اخرجت للناس " الا ترى مدح الله لهم في آخر الآية " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " ومثله آية قرئت على ابى عبد الله عليه السلام " الذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين اماما (3) " فقال أبو عبد الله عليه السلام لقد سألوا الله عظيما ان يجعلهم للمتقين اماما فقيل له يابن رسول الله كيف نزلت ؟ فقال انما نزلت " الذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعل لنا من المتقين اماما " وقوله " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله (4) " فقال أبو عبد الله كيف يحفظ الشئ من امر الله وكيف يكون المعقب من بين يديه فقيل له وكيف ذلك يابن رسول الله ؟ فقال انما نزلت " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله ومثله كثير.
واما ما هو محرف منه فهو قوله " لكن الله يشهد بما انزل اليك في على انزله بعلمه والملائكة يشهدون (5) " وقوله " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك في على فان لم تفعل فما بلغت رسالته (6) " وقوله " ان الذين كفروا
(1) التوبة 111 (2) آل عمران 110 (3) الفرقان 74 (4) الرعد 10 (5) النساء 166 (6) المائدة 70. (*)
[ 11 ]
وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم (1) " وقوله " وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم اي منقلب ينقلبون (2) " وقوله " ولو ترى الذين ظلموا آل محمد حقهم في غمرات الموت (3) " ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما ما لفظه جمع ومعناه واحد وهو جار في الناس فقوله " يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم (4) " نزلت في ابي لبابة بن عبد الله بن المنذر خاصة وقوله " يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء (5) " نزلت في حاطب بن ابي بلتعه وقوله " الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا ليكم (6) " نزلت في نعيم ابن مسعود الاشجعي وقوله " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن (7) " نزلت في عبد الله بن نفيل خاصة ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما ما لفظه واحد ومعناه جمع فقوله " وجاء ربك والملك صفا صفا (8) " فاسم الملك واحد ومعناه جمع وقوله " الم تر ان الله يسجد له من في السموات والارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر (9) " فلفظ الشجر واحد ومعناه جمع. واما ما لفظه ماض وهو مستقبل فقوله " ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله وكل اتوه داخرين (10) " وقوله
(1) النساء 167 (2) الشعرا 227 (3) الآية الموجودة في المصحف هكذا " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " الانعام 93 (4) الانفال 27 (5) الممتحنة 1 (6) آل عمران 173 (7) التوبة 62 (8) الفجر 22 (9) الحج 18 (10) النمل 87 (*)
[ 12 ]
" ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فإذا هم قيام ينظرون واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو اعلم بما يفعلون (1) " إلى آخر الآية فهذا كله ما لم يكن بعد وفي لفظ الآية انه قد كان ومثله كثير. واما الآيات التي هي في سورة وتمامها في سورة اخرى فقوله في سورة البقرة في قصة بني اسرائيل حين عبر بهم موسى البحر وأغرق الله فرعون واصحابه وانزل موسى ببني اسرائيل فانزل الله عليهم المن والسلوى فقالوا لموسى " لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها فقال لهم موسى " اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصر فان لكم ما سألتم (2) فقالوا له يا موسى " ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون (3) " فنصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة المائدة وقوله " اكتتبها فهي تملئ عليه بكرة واصيلا (4) " فرد الله عليهم " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (5) " فنصف الآية في سورة الفرقان ونصفها في سورة القصص والعنكبوت ومثله كثير نذكره في مواضعه.
واما الآية التي نصفها منسوخة ونصفها متروكة على حالها فقوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن (6) " وذلك ان المسلمين كانوا ينكحون اهل الكتاب من اليهود والنصارى وينكحونهم فانزل الله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
(1) الزمر 68 (2) البقرة 61 (3) المائدة 24 (4) الفرقان 5 (5) العنكبوت 48 (6) البقرة 221 (*)
[ 13 ]
ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو اعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو اعجبكم " فنهى الله ان ينكح المسلم المشركة أو ينكح المشرك المسلمة ثم نسخ قوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " بقوله في سورة المائدة " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم إذا اتيتموهن اجورهن (1) " فنسخت هذه الآية قوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " وترك قوله " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " لم ينسخ لانه لا يحل للمسلم ان ينكح المشركة ويحل له ان يتزوج المشركة من اليهود والنصارى، وقوله " وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص (2) " ثم نسخت هذه الآية بقوله " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى (3) " فنسخت قوله " النفس بالنفس إلى قوله السن بالسن " ولم ينسخ قوله " الجروح قصاص " فنصف الآية منسخوة ونصفها متروكة. واما ما تأويله في تنزيله فكل آية نزلت في حلال أو حرام مما لا يحتاج فيها إلى تأويل مثل قوله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم (4) " وقوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (5) " ومثله
كثير مما تأويله في تنزيله وهو من المحكم الذي ذكرناه. واما ما تأويله مع تنزيله فمثل قوله " اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم (6) " فلم يستغن الناس بتنزيل الآية حتى فسر لهم الرسول من اولوا
(1) البقرة 5 (2) المائدة 48 (3) البقرة 178 (4) النساء 22 (5) المائدة 173 (6) النساء 58 (*)
[ 14 ]
الامر وقوله " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) " فلم تستغن الناس الذين سمعوا هذا من النبي بتنزيل الآية حتى عرفهم النبي صلى الله عليه وآله من الصادقون وقوله " يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم " فلم يستغن الناس حتى اخبرهم النبي صلى الله عليه وآله كم يصومون وقوله " اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فلم تستغن الناس بهذا حتى اخبرهم النبي كم يصلون وكم يصومون وكم يزكون. واما ما تأويله قبل تنزيله فالامور التي حدثت في عصر النبي صلى الله عليه وآله مما لم يكن عند النبي فيها حكم مثل الظهار فان العرب في الجاهلية كانوا إذا ظاهر الرجل من امرأته حرمت عليه إلى الابد فلما هاجر رسول الله إلى المدينة ظاهر رجل من امرأته يقال له اوس بن الصامت فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته بذلك فانتظر النبي صلى الله عليه وآله الحكم من الله فانزل الله تبارك وتعالى " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن امهاتهم ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم (2) " ومثله ما نزل في اللعان وغيره مما لم يكن عند النبي صلى الله عليه وآله فيه حكم حتى نزل عليه القرآن به من عند الله عزوجل فكان التأويل قد تقدم التنزيل. واما ما تأويله بعد تنزيله فالامور التي حدثت في عصر النبي صلى الله عليه وآله وبعده من غصب آل محمد حقهم وما وعدهم الله به من النصر على اعدائهم وما اخبر الله به
من اخبار القائم وخروجه واخبار الرجعة والساعة في قوله " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون (3) " وقوله " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا (4) " نزلت في القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وقوله
(1) التوبة 120 (2) المجادلة 2 (3) الانبياء 105 (4) النور 55 (*)
[ 15 ]
" نريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض (1) " ومثله كثير مما تأويله بعد تنزيله. واما ما هو متفق اللفظ ومختلف المعنى فقوله " واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها (2) " يعني اهل القرية واهل العير وقوله " وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا " يعني اهل القرى، ومثله كثير نذكره. واما الرخصة التي هي بعد العزيمة فان الله تبارك وتعالى فرض الوضوء والغسل بالماء فقال " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا " ثم رخص لمن لم يجد الماء التيمم بالتراب فقال " وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغايط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه (3) " ومثله " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (4) " ثم رخص فقال " وان خفتم فرجالا أو ركبانا " وقوله " فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " فقال العالم عليه السلام الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي جالسا فمن لم يقدر فمضطجعا يؤمي ايماء فهذه رخصة بعد العزيمة.
واما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار ان شاء اخذ وان شاء ترك فان الله عزوجل رخص ان يعاقب الرجل الرجل على فعله به فقال " وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى واصلح فاجره على الله (5) " فهذا بالخيار ان شاء عاقب وان شاء عفى واما الرخصة التي ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها ولا يدان بباطنها
(1) القصص 5 (2) يوسف 82 (3) المائدة 6 (4) البقرة 238 (5) الشورى 40 (*)
[ 16 ]
فان الله تبارك وتعالى نهى ان يتخذ المؤمن الكافر وليا فقال " لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ (1) " ثم رخص عند التقية ان يصلي بصلاته ويصوم بصيامه ويعمل بعمله في ظاهره وان يدين الله في باطنه بخلاف ذلك فقال " الا ان تتقوا منهم تقاة (2) " فهذا تفسير الرخص ومعنى قول الصادق عليه السلام ان الله تبارك وتعالى يحب ان يؤخذ برخصه كما يجب ان يؤخذ بعزايمه. واما ما لفظه خبر ومعناه حكاية فقوله " ولبثوا في كهفهم ثلاث ماءة سنين وازدادوا تسعا (3) " وهذا حكاية عنهم والدليل على انه حكاية ما رد الله عليهم بقوله " قل الله اعلم بما لبثوا له غيب السموات والارض " وقوله يحكي قول قريش " ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى (4) " فهو على لفظ الخبر ومعناه حكاية ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما ما هو مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى لامته فقوله " يا ايها النبي إذا طلقتم ؟ ؟ النساء فطلقوهن لعدتهن (5) " والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى لامته وقوله " لا تدع مع الله الها آخر فتلقى في جهنم مذموما مدحورا (6) " ومثله كثير مما خاطب الله به نبيه صلى الله عليه وآله والمعنى لامته وهو قول الصادق عليه السلام ان الله بعث نبيه صلى الله عليه وآله
باياك اعني واسمعي يا جارة. واما ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين فقوله " وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن (انتم يا معشر امة محمد) في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (7) " فالمخاطبة لبني اسرائيل والمعنى لامة محمد صلى الله عليه وآله.
(1) آل عمران 28 (2) آل عمران 28 (3) الكهف 25 (4) الزمر 3 (5) الطلاق 1 (6) اسرى 18 (7) اسرى 4 (*)
[ 17 ]
واما الرد على الزنادقة فقوله " ومن نعمره ننكسه في الخلق افلا يعقلون (1) " وذلك ان الزنادقة زعمت ان الانسان انما يتولد بدوران الفلك فإذا وقعت النطفة في الرحم تلقتها الاشكال والغذاء ومر عليه الليل والنهار ويكبر لذلك فقال الله تبارك وتعالى ردا عليهم " ومن نعمره ننكسه في الخلق افلا يعقلون " يعني من يكبر ويعمر يرجع إلى حد الطفولية ويأخذ في النقصان والنكس فلو كان هذا كما زعموا لوجب ان يزيد الانسان ابدا ما دامت الاشكال قائمة والليل والنهار يدوران عليه فلما بطل هذا وكان من تدبير الله عزوجل اخذ في النقصان عند منتهى عمره. واما الرد على الثنوية فقوله " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق (2) " قال لو كان الهان لطلب كل واحد منهما العلو وإذا شاء واحد ان يخلق انسانا شاء الآخر ان يخالفه فيخلق بهيمة فتكون الخلق منهما على مشيتهما واختلف ارادتهما بخلق انسان وبهيمة في حالة واحدة وهذا من اعظم المحال غير موجود وإذا بطل هذا ولم يكن بينهما اختلاف بطل الاثنان وكان واحدا فهذا التدبير واتصاله وقوام بعضه ببعض بالاهوا والارادات والمشيات تدل على
صانع واحد وهو قوله عزوعلا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض وقوله " ولو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا (3) ". واما الرد على عبدة الاوثان فقوله " ان الذين تدعون من دون الله عباد امثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ان كنتم صادقين ألهم ارجل يمشون بها ام لهم ايد يبطشون بها ام لهم اعين يبصرون بها ام لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا
(1) يس 68 (2) المؤمنون 92 (3) الانبياء 22 (*)
[ 18 ]
شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (1) " وقوله يحكى قول ابراهيم عليه السلام " اتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم اف لكم ولما تعبدون من دون الله افلا تعقلون (2) " وقوله " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (3) " وقوله " افمن يخلق كمن لا يخلق افلا تذكرون (4) " ومثله كثير مما هو رد على الزنادقة وعبدة الاوثان واما ما هو رد على الدهرية زعموا ان الدهر لم يزل ولا يزال ابدا وليس له مدبر ولا صانع وانكروا البعث... والنشور فحكى الله عزوجل قولهم فقال " وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وانما قالوا نحيى ونموت وما يهلكنا الا الدهر وما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون ؟ (5). فرد الله عليهم فقال عزوجل " يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء إلى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا (6) " ثم ضرب للبعث والنشور مثلا فقال: " وترى الارض هامدة - اي يابسة - مبتة فإذا انزلنا عليها الماء
اهتزت وربت وانبتت من كل زوج يهيج - اي حسن - ذلك بان الله هو الحق وانه يحيى الموتى وانه على كل شئ قدير وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور (7) " وقوله " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا اصاب به
(1) الاعراف 194 (2) الانبياء 67 (3) الاسراء 56 (4) النحل 17 (5) الجاثية 23 (6) الحج 5 (7) الحج 7 (*)
[ 19 ]
من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وان كانوا من قبل ان ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الارض بعد موتها ان ذلك لمحي الموتى (1) " وقوله " افلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج والارض مددناها والفينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل زوج بهيج إلى قوله واحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (2) " وقوله " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم قل يحييها الذى انشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم (3) " ومثله كثير مما هو رد على الدهرية. واما الرد على من انكر الثواب والعقاب (4) فقوله " يوم يأت لا تكلم نفس الا باذنه فمنهم شقي وسعيد فاما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالذين فيها ما دامت السموات والارض (5) " واما قوله ما دامت السموات والارض انما هو في الدنيا فإذا قامت القيامة تبدل السموات والارض وقوله النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (6) " فالغدو والعشي انما يكون في الدنيا في دار المشركين واما في القيامة فلا يكون غدوا ولا عشيا قوله " لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (7) " يعني في جنان الدنيا التي تنتقل إليها ارواح المؤمنين فاما في
جنات الخلد فلا يكون غدوا ولا عشيا وقوله من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (8) " فقال الصادق عليه السلام البرزخ القبر وفيه الثواب والعقاب بين الدنيا
(1) الروم 50 (2) ق 11 (3) يس 79 (4) المراد من الثواب والعقاب ما هو في دار الدنيا المسمى بالبرزخ كما هو ظاهر من تقريب الاستدلال بالآيات الآتية. (5) هو 107 (6) المومن 46 (7) مريم 62 (8) المؤمنون 101 (*)
[ 20 ]
والآخرة والدليل على ذلك ايضا قول العالم عليه السلام والله ما نخاف عليكم الا البرزخ وقوله عزوجل " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (1) قال الصادق عليه السلام يستبشرون والله في الجنة بمن لم يلحقوا بهم من خلفهم من المؤمنين في الدنيا ومثله كثير مما هو رد على من انكر عذاب القبر. واما الرد على من انكر المعراج والاسراء فقوله " وهو بالافق الاعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو ادنى (2) " وقوله " وسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا (3) " وقوله " فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك (4) " يعني الانبياء عليه السلام وانما رآهم في السماء لما اسري به. واما الرد على من انكر الرؤية فقوله " ما كذب الفؤاد ما راى افتمارونه على ما يرى ولقد راه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى (5) " قال أبو الحسن علي بن ابراهيم بن هاشم حدثني ابي عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال قال يا احمد ما الخلاف بينكم وبين اصحاب
هشام بن الحكم في التوحيد فقلت جعلت فداك قلنا نحن بالصورة للحديث الذي روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله راى ربه في صورة شاب وقال هشام بن الحكم بالنفي للجسم فقال يا احمد ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري به إلى السماء وبلغ عند سدرة المنتهى خرق له في الحجب مثل سم لابرة فرأى من نور العظمة ما شاء الله ان يرى واردتم انتم التشبيه دع هذا يا احمد لا ينفتح عليك هذا امر عظيم
(1) آل عمران 170 (2) النجم 9 (3) الزخرف 45 (4) يونس 94 (5) النجم 15 (*)
[ 21 ]
واما الرد على من انكر خلق الجنة والنار فقوله " عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى " والسدرة المنتهى في السماء السابعة وجنة المأوى عندها قال علي بن ابراهيم حدثني ابي عن حماد عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسرى بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت قصرا من ياقوتة حمراء يرى داخلها من خارجها وخارجها من داخلها من ضيائها وفيها بيتان من در وزبرجد فقلت يا جبرئيل لمن هذا القصر فقال هذا لمن اطاب الكلام وادام الصيام واطعم الطعام وتهجد بالليل والناس نيام فقال امير المؤمنين يارسول الله وفي امتك من يطيق هذا فقال ادن مني يا علي فدنا منه فقال اتدري ما اطابة الكلام قال الله ورسوله اعلم قال من قال سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر اتدري ما ادامة الصيام قال الله ورسوله اعلم قال من صام رمضان ولم يفطر منه يوما وتدري ما اطعام الطعام قال الله ورسوله اعلم قال من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس وتدري ما التهجد بالليل والناس نيام قال الله ورسوله اعلم قال من لم ينم حتى يصلي العشاء الآخرة ويعنى بالناس نيام اليهود والنصارى فانهم ينامون ما بينها وبهذا الاسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسرى بي إلى السماء دخلت الجنة
فرأيت فيها قيعان (1) تفق ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة وربما امسكوا فقلت لهم مالكم ربما بنيتم وربما امسكتم فقالوا حتى تجيئنا النفقة فقلت وما نفقتكم فقالوا قول المؤمن في الدنيا سبحان الله والحمد لله ولا آله الا الله والله اكبر فإذا قال بنينا وإذا امسك امسكنا وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسرى بي إلى سبع سماواته اخذ بيدي جبرئيل فادخلني الجنة فاجلسني على
(1) القيعان جمع قاعة وهى ارض سهلة لا عوج فيها و " تفق " أي تعادل والمقصود العرصات المتساوية المتعادلة وفى ط " يقق " ككتف أي شديد البياض ج - ز (*)
[ 22 ]
درنوت (1) من درانيك الجنة فناولني سفرجلة فانفلقت نصفين فخرجت من بينهما حوراء فقامت بين يدي فقالت السلام عليك يا محمد السلام عليك يا احمد السلام عليك يا رسول الله فقلت وعليك السلام من انت فقالت انا الراضية المرضية خلقني الجبار من ثلاثة انواع اسفلى من المسك ووسطى من العنبر واعلاي من الكافور وعجنت بماء الحيوان ثم قال جل ذكره لي كوني فكنت (2) لاخيك ووصيك علي بن ابي طالب صلوات الله عليه قال وقال أبو عبد الله عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكثر تقبيل فاطمة عليها السلام فغضبت من ذلك عايشة صلى الله عليه وآله وقالت يا رسول الله صلى الله عليه وآله انك تكثر تقبيل فاطمة عليها السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا عايشة انه لما اسري بى إلى السماء دخلت الجنة فادنانى جبرائيل عليه السلام من شجرة طوبى وناولني من ثمارها فاكلته فلما هبطت إلى الارض حول الله ذلك ماء في ظهري فواقعت بخديجة فحملت بفاطمة فما قبلتها إلا وجدت رايحة شجرة طوبى منها ومثل ذلك كثير مما هو رد على من انكر المعراج وخلق الجنة والنار. واما الرد على المجبرة الذين قالوا ليس لنا صنع ونحن مجبرون يحدث الله لنا الفعل عند الفعل وانما الافعال هي منسوبة إلى الناس على المجاز لا على الحقيقة
وتأولوا في ذلك آيات من كتاب الله عزوجل لم يعرفوا معناها مثل قوله " وما تشاؤن الا ان يشاء الله " وقوله " ومن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " وغير ذلك من الآيات التي تأويلها على خلاف معانيها وفيما قالوه ابطال للثواب والعقاب وإذا قالوا ذلك ثم اقروا بالثواب والعقاب نسبوا الله إلى الجور وانه يعذب العبد على غير اكتساب وفعل تعالى الله عن ذلك
(1) بضم الدال وكسرها نوع من البسط له خمل (2) هكذا موجود في العبارة لكن الاحتمال ان الساقط منها هو قول النبي صلى الله عليه وآله " لمن انت ؟ قالت ". ج - ز (*)
[ 23 ]
علوا كبيرا ان يعاقب احدا على غير فعله وبغير حجة واضحة عليه والقرآن كله رد عليهم قال الله تبارك وتعالى " لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (1) " فقوله عزوجل لها وعليها هو على الحقيقة لفعلها وقوله " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (2) " وقوله " كل نفس بما كسبت رهينة (3) " وقوله ذلك بما قدمت ايديكم (4) " وقوله " واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى (5) " وقوله " انا هديناه السبيل " يعني بينا له طريق الخير وطريق الشر " اما شاكرا واما كفورا " قوله " وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين فكلا اخذنا بذنبه - لم يقل لفعلنا - فمنهم من ارسلنا عليه حاصبا ومنهم من اخذته الصيحة ومنهم من حسفنا به وبداره الارض ومنهم من اغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون (6) " ومثله كثير نذكره ونذكر ما احتجت به المجبرة من القرآن الذي لم يعرفوا معناه وتفسيره
في مواضعه ان شاء الله. واما الرد على المعتزلة فان الرد من القرآن عليهم كثير وذلك ان المعتزلة قالوا نحن نخلق افعالنا وليس لله فيها صنع ولا مشية ولا ارادة ويكون ما شاء ابليس ولا يكون ما شاء الله واحتجوا انهم خالقون لقول الله عزوجل تبارك الله احسن الخالقين فقالوا في الخلق خالقون غير الله فلم يعرفوا معنى الخلق وعلى كم
(1) البقرة 286 (2) الزلزال 8 (3) المدثر 38 (4) آل عمران 182 والانفعال 52 (5) حم السجدة 17 (6) العنكبوت 40 (*)
[ 24 ]
وجه هو فسئل الصادق عليه السلام أفوض الله إلى العباد امرا ؟ فقال الله اجل واعظم من ذلك فقيل فاجبرهم على ذلك ؟ فقال الله اعدل من ان يجيرهم على فعل ثم يعذبهم عليه فقيل له فهل بين هاتين المنزلتين منزلة قال نعم فقيل ما هي فقال سر من اسرار ما بين السماء والارض وفي حديث آخر قال سئل هل بين الجبر والقدر منزلة قال نعم قيل فما هي قال سر من اسرار الله قال هكذا خرج الينا قال وحدثني محمد بن عيسى ابن عبيد عن يونس قال قال الرضا عليه السلام يا يونس لا تقل بقول القدرية فان القدرية لم يقولوا بقول اهل الجنة ولا بقول اهل النار ولا بقول ابليس فان اهل الجنة قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ولم يقولوا بقول اهل النار فان اهل النار قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وقال ابليس رب بما اغويتني فقلت يا سيدي والله ما اقول بقولهم ولكني اقول لا يكون الا ما شاء الله وقضى وقدر فقال ليس هكذا يا يونس ولكن لا يكون الا ما شاء الله واراد وقدر وقضى أتدري ما المشية يا يونس قلت لا قال هو الذكر الاول أتدري ما الارادة قلت لا قال العزيمة على ما شاء الله وتدري ما التقدير قلت لا قال هو وضع الحدود من
الآجال والارزاق والبقاء والفناء وتدري ما القضاء قلت لا قال هو اقامة العين ولا يكون الا ما شاء الله عني الذكر الاول. واما الرد على من انكر الرجعة فقوله " ويوم نحشر من كل امة فوجا (1) " قال وحدثني ابى عن ابن ابى عمير عن حماد عن ابى عبد الله عليه السلام قال ما يقول الناس في هذه الآية ويوم نحشر من كل امة فوجا قلت يقولون انها في القيامة قال ليس كما يقولون ان ذلك في الرجعة أيحشر الله في القيامة من كل امة فوجا ويدع الباقين انما آية القيامة قوله " وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا " وقوله " وحرام
(1) النمل 83 (*)
[ 25 ]
على قرية اهلكناها انهم لا يرجعون (1) " فقال الصادق عليه السلام كل قرية اهلك الله اهلها بالعذاب ومحضوا (2) الكفر محضا لا يرجعون في الرجعة واما في القيامة فيرجعون اما غيرهم ممن لم يهلكوا بالعذاب (ومحضو الايمان محصنا اوط) ومحضوا الكفر محضا يرجعون قال وحدثني ابي عن ابن ابى عمير عن عبد الله بن مسكان عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه (3) قال ما بعث الله نبيا من لدن آدم إلى عيسى عليه السلام الا ان يرجع إلى الدنيا فينصر امير المؤمنين (ع) وهو قوله " لتؤمنن به " يعني رسول الله ولتنصرنه يعني امير المؤمنين ومثله كثير وما وعد الله تبارك وتعالى الائمة عليهم السلام من الرجعة والنصرة فقال " وعد الله الذين آمنوا منكم (يا معشر الائمة) وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بى شيئا " فهذا مما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا وقوله " ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم
في الارض " فهذا كله مما يكون في الرجعة قال وحدثني ابى عن احمد بن النضر عن عمر بن شمر قال ذكر عند ابى جعفر (ع) جابر فقال رحم الله جابرا لقد بلغ من علمه انه كان يعرف تأويل هذه الآية " ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " يعني الرجعة ومثله كثير نذكره في مواضعه. واما الرد على من وصف الله عزوجل فقوله " وان إلى ربك المنتهى (4) " قال حدثني ابى عن ابن ابى عمير عن جميل عن ابى عبد الله (ع) قال إذا انتهى
(1) الانبياء 95 (2) محض فلان الود: اي اخلصه (3) آل عمران 81 (4) النجم 42 (*)
[ 26 ]
الكلام إلى الله فامسكوا وتكلموا فيما دون العرش ولا تكلموا فيما فوق (العرش، فان قوما تكلموا فيما فوق العرش فتاهت) فتاهت عقولهم حتى ان الرجل كان ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه وقوله (ع) انه من تعاطى ماثمة هلك فلا يوصف الله عزوجل الا بما وصف به نفسه عزوجل ومن قول امير المؤمنين (ع) في خطبته وكلامه في نفي الصفة (1) واما الترغيب فمثل قوله " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا " وقوله تعالى " هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار " ومثل قوله تعالى " من جاء بالحسنة فله خير منها وقوله من جاء بالحسنة فله عشر امثالها " وقوله " من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ". واما الترهيب فمثل قوله تعالى " يا ايها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة
شئ عظيم " وقوله " يا ايها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ان وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " ومثله كثير في القرآن نذكره في مواضعه. واما القصص فهو ما اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله من اخبار الانبياء وقصصهم في قوله: نحن نقص عليك نبأهم بالحق وقوله نحن نقص عليك احسن
(1) كمال الاخلاص نفي الصفات عنه فمن وصفه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ومن جهله فقد اشار إليه ومن اشار إليه فقد حده ومن حده فقد عده (نهج البلاغة). ج - ز (*)
[ 27 ]
القصص وقوله لقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك، ومثله كثير ونحن نذكر ذلك كله في مواضعه ان شاء الله تعالى وانما ذكرنا من الابواب التي اختصرناها من الكتاب آية واحدة ليستدل بها على غيرها ويعرف معنى ما ذكرناه مما في الكتاب من العلم وفي ذلك الذي ذكرناه كفاية لمن شرح الله صدره وقبله للاسلام ومن عليه بدينه الذي ارتضاه لملائكته وانبيائه ورسله وبالله نستعين وعليه نتوكل ونسأله العصمة والتوفيق والعون على ما يقربنا منه ويزلفنا لديه واستفتح الله الفتاح العليم الذي من استمسك بحبله ولجأ إلى سلطانه وعمل بطاعته وانتهى عن معصيته ولزم دين اوليائه وخلفائه نجى بحوله وقوته واسأله عزوجل ان يصلي على خيرته من خلقه محمد وآله الاخيار والابرار. اقول تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حدثنى (1) أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه السلام قال حدثنا أبو الحسن علي بن ابراهيم قال حدثني ابي رحمه الله عن
محمد بن ابي عمير عن حماد بن عيسى عن حريث عن ابي عبد الله (ع) قال حدثنى ابى عن حماد وعبد الرحمان بن ابى نجران وابن فضال عن علي بن عقبة قال وحدثني ابى عن النضر بن سويد واحمد بن محمد بن ابى نصير (2) عن عمرو بن شمر عن جابر عن ابى جعفر (ع) قال وحدثني ابى عن ابن ابى عمير عن حماد عن الحلبي وهشام ابن سالم وعن كلثوم بن العدم (3) عن عبد الله بن سنان وعبد الله بن مسكان وعن
(1) حدثنا ط (2) نصرط (3) الهرم ج - ز (*)
[ 28 ]
صفوان وسيف بن عميرة وابى حمزة الثمالي وعن عبد الله بن جندب والحسين بن خالد عن ابى الحسن الرضا (ع) قال وحدثني ابى عن حنان وعبد الله بن ميمون القداح وابان بن عثمان عن عبد الله بن شريك العامري عن مفضل بن عمر وابى بصير عن ابى جعفر وابى عبد الله (ع) تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) قال وحدثني ابى عن عمرو بن ابراهيم الراشدي وصالح بن سعيد ويحيى بن ابى عمير بن عمران الحلبي واسماعيل بن فرار وابي طالب عبد الله بن الصلت عن علي ابن يحيى عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال سألته عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم فقال الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم ملك الله والله اله كل شئ والرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصة وعن ابن اذينه قال قال أبو عبد الله عليه السلام " بسم الله الرحمن الرحيم " احق ما اجهر به وهي الآية التي قال الله عزوجل وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ادبارهم نفورا. الجزء (1) سورة الفاتحة مكية (1) وهى سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قال وحدثني ابي عن محمد بن ابى عمير عن النضر ابن سويد عن ابي
بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله الحمد لله قال الشكر لله في قوله رب العالمين قال خلق المخلوقين الرحمن بجميع خلقه الرحيم بالمؤمنين خاصة مالك يوم الدين قال يوم الحساب والدليل على ذلك قوله وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين يعنى يوم الحساب (اياك نعبد) مخاطبة الله عزوجل (واياك نستعين) مثله (اهدنا الصراط المستقيم) قال الطريق ومعرفة الامام قال وحدثني ابي عن حماد عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله الصراط المستقيم قال هو امير المؤمنين عليه السلام ومعرفته والدليل على انه امير المؤمنين
(1) وفى ط مدينة وكلاهما صحيح لانها نزلت مرتين. ج - ز (*)
[ 29 ]
قوله وانه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم (1) وهو امير المؤمنين عليه السلام في ام الكتاب وفي قوله الصراط المستقيم قال وحدثني ابي عن القاسم (القسم ط) بن محمد بن سليمان بن داود المنقري عن جعفر (حفص ط) بن غياث قال وصف أبو عبد الله عليه السلام الصراط فقال الف سنة صعود والف سنة هبوط والف سنة حدال (2) وعنه عن سعدان بن مسلم عن ابي عبد الله (ع) قال سألته عن الصراط فقال هو ادق من الشعر واحد من السيف فمنهم من يمر عليه مثل البرق ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس ومنهم من يمر عليه ماشيا ومنهم من يمر عليه حبوا (3) ومنهم من يمر عليه متعلقا فتأخذ النار منه شيئا وتترك منه شيئا قال وحدثني ابي عن حماد عن حريز عن ابي عبد الله عليه السلام انه قرأ اهدنا الصراط المستقيم صراط من انعمت عليهم وغير المغضوب عليهم ولا (4) الضالين قال المغضوب عليهم النصاب والضالين اليهود والنصارى وعنه عن ابن ابي عمير عن ابن اذينه عن ابي عبد الله (ع) في قوله غير المغضوب عليهم وغير الضالين قال المغضوب عليهم النصاب والضالين والشكاك والذين لا يعرفون الامام قال وحدثني ابي عن الحسين (الحسن ط) بن علي بن فضال عن علي بن عقبة عن ابي عبد الله (ع) قال ان ابليس ان انينا لما بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله على حين فترة من الرسل وحين
انزلت ام الكتاب.
(1) الزخرف 4 (2) الحدال بضم الحاء كل شئ املس (3) حبى الصبى حبوا زحف على يديه وبطنه (4) وفى ط " غير الضالين " ج - ز (*)
[ 30 ]
سورة البقرة وهى مائتان وست وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم (آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) قال أبو الحسن علي بن ابراهيم حدثنى ابي عن يحيى بن ابن عمران عن يونس عن سعدان بن مسلم عن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال الكتاب علي (ع) لا شك فيه هدى للمتقين قال بيان لشيعتنا قوله (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) قال مما علمناهم ينبئون ومما علمناهم من القرآن يتلون وقال الم هو حرف من حروف اسم الله الاعظم المتقطع في القرآن الذي خوطب به النبي صلى الله عليه وآله والامام فإذا دعا به اجيب والهداية في كتاب الله على وجوه اربعة فمنها ما هو للبيان للذين يؤمنون بالغيب قال يصدقون بالبعث والنشور والوعد والوعيد والايمان في كتاب الله على اربعة اوجه فمنه اقرار باللسان قد سماه الله ايمانا ومنه تصديق بالقلب ومنه الاداء ومنه التأييد. (الاول) الايمان الذي هو اقرار باللسان وقد سماه الله تبارك وتعالى ايمانا ونادى اهله به لقوله (يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وان منكم لمن ليبطئن فان اصابتكم مصيبة قال قد انعم الله علي إذ لم اكن معهم شهيدا ولئن اصابكم فضل من الله ليقولن كان لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فافوز فوزا عظيما (1) قال الصادق عليه السلام لو ان هذه الكلمة قالها اهل
المشرق واهل المغرب لكانوا بها خارجين من الايمان ولكن قد سماهم الله مؤمنين
(1) النساء 70 (*)
[ 31 ]
باقرارهم وقوله " يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " فقد سماهم الله مؤمنين باقرارهم ثم قال لهم صدقوا. (الثاني) الايمان الذي هو التصديق بالقلب فقوله " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة (1) " يعني صدقوا وقوله " وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " اي لا نصدقك وقوله " يا ايها الذين آمنوا آمنوا " اي يا ايها الذين اقروا صدقوا فالايمان الحق هو التصديق وللتصديق شروط لا يتم التصديق الا بها وقوله " ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون (2) " فمن اقام بهذه الشروط فهو مؤمن مصدق. (الثالث) الايمان الذي هو الاداء فهو قوله لما حول الله قبلة رسوله إلى الكعبة قال اصحاب رسول الله يا رسول الله صلواتنا إلى بيت المقدس بطلت فانزل الله تبارك وتعالى " وما كان الله ليضيع ايمانكم " فسمى الصلاة ايمانا. (الرابع) من الايمان وهو التأييد الذي جعله الله في قلوب المؤمنين من روح الايمان فقال " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه (3) " والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله " لا يزني الزانى وهو
مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن يفارقه روح الايمان ما دام على بطنها فإذا
(1) يونس 64 (2) البقرة 177 (3) المجادلة 22 (*)
[ 32 ]
قام عاد إليه " قيل وما الذي يفارقه قال " الذي يدعه (يرعد ط) في قلبه " ثم قال عليه السلام " ما من قلب إلا وله اذنان على احدهما ملك مرشد وعلى الآخر شيطان مغتر (1) هذا يأمره وهذا يزجره " ومن الايمان ما قد ذكره الله في القرآن (خبيث وطيب ط) حيث قال " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " ومنهم من يكون مؤمنا مصدقا ولكنه يلبس ايمانه بظلم وهو قوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون " فمن كان مؤمنا ثم دخل في المعاصي التي نهى الله عنها فقد لبس ايمانه بظلم فلا ينفعه الايمان حتى يتوب إلى الله من الظلم الذي لبس ايمانه حتى يخلص لله فهذه وجوه الايمان في كتاب الله. قوله (والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك) قال بما انزل من القرآن اليك وما انزل على الانبياء قبلك من الكتب. قوله (ان الذين كفروا سواء عليهم ءانذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون) فان حدثني ابي عن بكر بن صالح عن ابي عمر الزبيدي (الزبيري ط) عن ابي عبد الله (ع) قال الكفر في كتاب الله على خمسة وجوه فمنه كفر بجحود وهو على وجهين جحود بعلم وجحود بغير علم فاما الذين جحدوا بغير علم فهم الذين حكاه الله عنهم في قوله (وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الدهر وما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون) وقوله " ان الذين كفروا سواء عليهم أانذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون " فهؤلآء كفروا وجحدوا بغير علم واما الذين كفروا وجحدوا بعلم فهم الذين قال الله تبارك وتعالى وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فهؤلآء كفروا وجحدوا بعلم قال
وحدثني ابي عن ابن ابى عمير عن حماد عن حريز عن ابى عبد الله (ع) قال هذه
(1) اغتره اي طلب غفلته ج - ز (*)
[ 33 ]
الآية نزلت في اليهود والنصارى بقول الله تبارك وتعالى " الذين آتيناهم الكتاب - يعني التورية والانجيل - يعرفونه - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله - كما يعرفون ابناءهم (1) " لان الله عزوجل قد انزل عليهم في التورية والزبور والانجيل صفة محمد صلى الله عليه وآله وصفة اصحابه ومبعثه وهجرته وهو قوله " محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله رضوانا ؟ سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التورية ومثلهم في الانجيل (2) " هذه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه في التورية والانجيل فلما بعثه الله عرفه اهل الكتاب كما قال جل جلاله " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " فكانت اليهود يقولون للعرب قبل مجئ النبي ايها العرب هذا اوان نبي يخرج بمكة ويكون هجرته بالمدينة وهو آخر الانبياء وافضلهم، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يلبس الشملة ويجتزي بالكسرة والتميرات ويركت الحمار عرية (3) وهو الضحوك القتال يضع سيفه على عاتقه ولا يبالي بمن لاقى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر وليقتلنكم الله به يا مشعر العرب قتل عاد، فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به كما قال الله " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " ومنه كفر البراءة وهو قوله " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض " اي يتبرأ بعضكم من بعض، ومنه كفر الشرك لما امر الله وهو قوله " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر " اي ترك الحج وهو مستطيع فقد كفر، ومنه كفر النعم وهو قوله " ليبلونئ اشكر ام اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر " - اي ومن لم يشكر - نعمة الله فقد كفر فهذه وجوه الكفر في
كتاب الله.
(1) البقرة 146 (2) الفتح 29 (3) أي بلا سرج (*)
[ 34 ]
قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين) فانها نزلت في قوم منافقين اظهروا لرسول الله الاسلام وكانوا إذا رأوا الكفار قالوا " انا معكم " وإذا لقوا المؤمنين قالوا نحن مؤمنون وكانوا يقولون للكفار " انا معكم انما نحن مستهزؤن " فرد الله عليهم " الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون " والاستهزاء من الله هو العذاب " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " اي يدعهم. قوله (اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) والضلالة هنا الحيرة والهدى هو البيان واختاروا الحيرة والضلالة على الهدى وعلى البيان فضرب الله فيهم مثلا فقال (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) قوله (صم بكم عمي) والصم الذي لا يسمع والبكم الذي يولد من امه اعمى والعمى الذي يكون بصيرا ثم يعمى قوله (أو كصيب من السماء) اي كمطر من السماء وهو مثل الكفار قوله (يخطف ابصارهم) اي يعمي قوله (ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) أي في شك، قوله (فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم - يعني الذين عبدوهم واطاعوهم - من دون الله إن كنتم صادقين) قوله (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) قال يؤتون من فاكهة واحدة على الوان متشابهة قوله (ولهم فيها ازواج مطهرة) اي لا يحضن ولا يحدثن. واما قوله " ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثل يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) فانه قال الصادق عليه السلام ان هذا القول من
الله عزوجل رد على من زعم ان الله تبارك وتعالى يضل العباد ثم يعذبهم على ضلالتهم فقال الله عزوجل ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها قال وحدثني ابى عن النضر بن سويد عن القسم بن سليمان عن المعلى بن خنيس
[ 35 ]
عن ابي عبد الله عليه السلام ان هذا المثل ضربه الله لامير المؤمنين عليه السلام فالبعوضة امير المؤمنين عليه السلام وما فوقها رسول الله صلى الله عليه وآله والدليل على ذلك قوله " فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم " يعنى امير المؤمنين كما اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الميثاق عليهم له " واما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " فرد الله عليهم فقال " وما يضل به الا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه - في علي - ويقطعون ما امر الله به ان يوصل " يعني من صلة امير المؤمنين (ع) والائمة عليهم السلام " ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون " قوله " وكيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فاحياكم) اي نطفة ميتة وعلقة واجري فيكم الروح فاحياكم (ثم يميتكم - بعد - ثم يحييكم) في القيامة (ثم إليه ترجعون) والحياة في كتاب الله على وجوه كثيرة، فمن الحياة ابتداء خلق الانسان في قوله " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " فهي الروح المخلوق خلقه الله واجري في الانسان " فقعوا له ساجدين ". والوجه الثاني من الحياة يعني به انبات الارض وهو قوله يحيى الارض بعد موتها والارض الميتة التي لا نبات لها فاحياؤها بنباتها. ووجه آخر من الحياة وهو دخول الجنة وهو قوله " استجيبوا لله ولرسوله إذا دعاكم لما يحييكم " يعني الخلود في الجنة والدليل على ذلك قوله " وان الدار الآخرة لهي الحيوان ". واما قوله (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابى
واستكبر وكان من الكافرين) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل عن ابي عبد الله (ع) قال سئل عما ندب الله الخلق إليه ادخل فيه الضلالة ؟ قال نعم والكافرون دخلوا فيه لان الله تبارك وتعالى امر الملائكة بالسجود لآدم فدخل في امره الملائكة وابليس فان ابليس كان من الملائكة في السماء يعبد الله وكانت
[ 36 ]
الملائكة تظن انه منهم ولم يكن منهم فلما امر الله الملائكة بالسجود لآدم (ع) اخرج ما كان في قلب ابليس من الحسد فعلم الملائكة عند ذلك ان ابليس لم يكن مثلهم فقيل له (ع) فكيف وقع الامر على ابليس وانما امر الله الملائكة بالسجود لآدم ؟ فقال كان ابليس منهم بالولاء (1) ولم يكن من جنس الملائكة وذلك ان الله خلق خلقا قبل آدم وكان ابليس منهم حاكما في الارض فعتوا وافسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله الملائكة فقتلوهم واسروا ابليس ورفعوه إلى السماء وكان مع الملائكة يعبد الله إلى ان خلق الله تبارك وتعالى آدم (ع). فحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن (ابى ط) مقدام عن ثابت الحذاء عن جابر بن يزيد الجعفي عن ابي جعفر محمد بن على بن الحسين عن ابيه عن آبائه عليهم السلام عن امير المؤمنين عليه السلام قال ان الله تبارك وتعالى اراد ان يخلق خلقا بيده وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الارض سبعة آلاف سنة وكان من شأنه خلق آدم كشط (2) عن اطباق السموات قال للملائكة انظروا إلى اهل الارض من خلقي من الجن والنسناس فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الارض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا وتأسنوا على اهل الارض ولم يملكوا غضبهم قالوا ربنا إنك أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن وهذا خلقك الضعيف الذليل يتقلبون في قبضتك ويعيشون برزقك ويتمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام لا تأسف عليهم ولا
تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى وقد عظم ذلك علينا واكبرناه فيك قال فلما سمع ذلك من الملائكة قال (اني جاعل في الارض خليفة) يكون حجة لي في الارض على خلقي فقالت الملائكة سبحانك (اتجعل فيها من يفسد فيها)
(1) يعني انه كان يحب الملائكة (2) اي كشف (*)
[ 37 ]
كما افسد بنو الجان ويسفكون الدماء كما سفك بنو الجان ويتحاسدون ويتباغضون فاجعل ذلك الخليفة منا فانا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء ونسبح بحمدك ونقدس لك قال عزوجل (اني اعلم ما لا تعلمون) اني اريد ان اخلق خلقا بيدي واجعل من ذريته انبياء ومرسلين وعبادا صالحين ائمة مهتدين واجعلهم خلفاء على خلقي في ارضي ينهونهم عن معصيتي وينذرونهم من عذابي ويهدونهم إلى طاعتي ويسلكون بهم طريق سبيلي وأجعلهم لي حجة عليهم وابيد النساس من ارضي واطهرها منهم وانقل مردة الجن العصاة من بريتي وخلقي وخيرتي واسكنهم في الهواء في اقطار الارض فلا يجاورون نسل خلقي وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا فلا يرى نسل خلقي الجن ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم واسكنتهم مساكن العصاة اوردتهم مواردهم ولا آبالي قال فقالت الملائكة يا ربنا افعل ما شئت (لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم) قال فباعدهم الله من العرش مسيرة خمس مأة عام، قال فلاذوا بالعرش واشاروا بالاصابع فنظر الرب عزوجل إليهم ونزلت الرحمة فوضع لهم البيت المعمور فقال طوفوا به ودعوا العرش فانه لي رضى فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون ابدا فوضع الله البيت المعمور توبة لاهل السماء ووضع الكعبة توبة لاهل الارض فقال الله تبارك وتعالى " اني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين " قال وكان ذلك من الله تعالى في آدم قبل ان يخلقه واحتجاجا منه عليهم (قال) فاغترف ربنا عزوجل غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات وكلتا يديه يمين فصلصلها في كفه حتى جمدت فقال لها منك اخلق النبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والائمة المهتدين والدعاة إلى الجنة وأتباعهم إلى يوم القيامة ولا ابالي ولا اسأل عما
[ 38 ]
أفعل وهم يسألون، ثم اغترف غرفة اخرى من الماء المالح الاجاج (1) فصلصلها في كفه فجمدت ثم قال لها منك اخلق الجبارين والفراعنة والعتاة واخوان الشياطين والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة واشياعهم ولا ابالي ولا اسأل عما افعل وهم يسألون قال وشرطه في ذلك البداء (2) ولم يشترط في اصحاب اليمين ثم اخلط
(1) لا يقال ان هذا الخبر مؤيد للمجبرة الذين يقولون بعدم اختيار العباد، لانه يقال انه الله تعالى عالم بسريرة العباد قبل خلقهم وخبير بمصيرهم إلى الحسن أو القبح بدون ان يكون لهذا العلم دخل في افعالهم لان العلم بالشئ لا يكون مؤثرا فيه، بل المؤثر في الافعال ارادة الفاعل، فلما علم الله سبحانه وتعالى ان فريقا من العباد يفعلون الخير والحسنات، وآخرين يرتكبون الفواحش والمنكرات جعل في طينة الاولين الماء العذب، انعاما عليهم واكراما لهم ليكون اوفق لهم في مقام الطاعة واسهل في الانقياد، وليس هذا على حد الالجاء ولا سببا لما صدر عنهم من الاعمال الحسنة بل انه من الموفقات - وكذلك جعل في طينة الاشرار الماء المالح الاجاج تخفيضا وتحقيرا لهم وليس فيه الزام والجاء على فعل القبيح بل هو تابع لارادتهم كما ذكر ويؤيد ما ذكرنا قوله عليه السلام " وشرطه في ذلك البداء " فاندفع من هذا ما يرد على الاخبار الواردة من هذا القبيل كاخبار الطينة، واخبار السعادة والشقاوة في بطون الامهات - (2) قال جدي السيد الجزائري رحمه الله في زهر الربيع في معنى البداء انه " تكثرت
الاحاديث من الفريقين في البداء " مثل " ما عظم الله بمثل البداء " وقوله " ما بعث الله نبيا حتى يقر له بالبداء " اي يقر له بقضاء مجدد في كل يوم بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهرا عندهم، وكان الاقرار عليهم بذلك للرد على اليهود حيث زعموا انه تعالى فرغ من الامر، يقولون انه تعالى عالم في الازل بمقتضيات الاشياء فقدر كل شئ على مقتضى علمه. (بقية الحاشية على الصفحة الآتية) (*)
[ 39 ]
المائتين جميعا في كفه فصلصلهما ثم كفهما قدام عرشه وهما سلالة من طين ثم امر الله
= وقال شيخنا الطوسي رحمه الله في العدة: واما البداء فحقيقته في اللغة الظهور، كما يقال " بدا لنا سور المدينة، وقد يستعمل في العلم بالشئ بعد ان لم يكن حاصلا، فإذا اضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز اطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز، فالاول هو ما افاد النسخ بعينه ويكون اطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع، وعلى هذا يحمل جميع ما ورد عن الصادق عليه السلام من الاخبار المتضمنة لاضافة البداء إلى الله تعالى دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد ان لم يكن، ويكون وجه اطلاق ذلك عليه تعالى التشبيه هو انه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهرا ويحصل لهم العلم به بعد ان لم يكن حاصلا واطلق على ذلك لفظ " البداء ". قال وذكر سيدنا المرتضى وجها آخر في ذلك وهو: انه قال يمكن حمل ذلك على حقيقته بان يقال بد الله بمعنى انه ظهر له من الامر ما لم يكن ظاهرا له، وبدا له من النهي ما لم يكن ظاهرا له، لان قبل وجود الامر والنهي لا يكونان ظاهرين مدركين وانما يعلم انه يأمر وينهى في المستقبل، فاما كونه آمرا وناهيا فلا يصح ان يعلمه الا إذا وجد الامر والنهي وجرى ذلك مجرى احد الوجهين المذكورين في قوله تعالى " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم " بان نحمله على
ان المراد به حتى نعلم جهادكم موجودا، لان قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا وانما يعلم كذلك بعد حصوله فكذلك القول في البداء (انتهى). ويظهر مما افاده الشيخ رحمه الله عدم الفرق بين البداء والنسخ ولكن يمكن ان يقال في مقام الفرق بينهما ان الاول يطلق على ما يتعلق بالاصول المنوطة - بالاعتقاد التي لا دخل له في العمل، والثاني مخصوص بالفروع والشرائع المتعلقة باعمال المكلفين، وهذا الفرق غير خفي على كل حفي - (بقية الحاشية على الصفحة الآتية) (*)
[ 40 ]
الملائكة الاربعة الشمال والجنوب والصبا والدبوران يجولوا على هذه السلالة من الطين
= واحسن ما يمكن التمثيل به في معنى البداء قوله تعالى " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ثم اتممناها بعشر (الاعراف 142) فواعد الله موسى لاعطاء التوارة ثلاثين ليلة، ثم غير الوعد المذكور على الظاهر باضافة عشر ليال، ولم يكن هذا التغيير لاجل سنوح مصلحة جديدة كانت خفية عنه سابقا بل المعنى ان الميعاد المقرر عند الله لم يكن إلا اربعين ليلة، لكنه بين اولا بانه ثلاثون لحكمة امتحان ايمان تابعي موسى، فمنهم من ثبت عند هذا الامتحان، ومنهم من خرج عن ربقة الايمان، وتعبد بالعجل والاوثان، وبعد ما انتهى هذا الابتلاء اتم الميعاد باضافة عشر ليال، والدليل على ان الميعاد المقرر عند الله كان اربعين ليلة لا غير قوله تعالى " واذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون. البقرة 51 " قال البلاغي " اربعين ليلة باعتبار مجموع العددين، الوعد الاول - وهو ثلاثون ليلة - والثاني، وهو اتمامها بعشر كما في سورة الاعراف ". فعلى هذا لا يرد على البداء من انه موجب لجهله تعالى عن عواقب الامور أو موجب للتغير في علمه، أو نقصانه، لان التغير في المعلوم دون العالم، وان سلم
فهو اعتباري غير قادح في وجوبه كما اشار إليه بقوله " كل يوم هو في شأن. الرحمن 29 ". ومن هذا يظهر ايضا دفع الاشكال الوارد على الحديث المشهور عن الصادق عليه السلام في ولده اسماعيل عند وفاته، وهو قوله عليه السلام: " ما بدالله في كل شئ كما بدا له في اسماعيل " وقد بين له معان لا يسعني ذكرها فنقتصر على ما خطر في خاطري وهو انه: = (*)
[ 41 ]
فأمرؤها (1) وأنشؤها ثم انزوها (2) وجزوها وفصلوها (3) واجروا فيها الطبايع الاربعة الريح والدم والمرة والبلغم فجالت الملائكة عليها وهى الشمال والجنوب والصبا والدبور واجروا فيها الطبايع الاربعة، الريح في الطبايع الاربعة من البدن من ناحية الشمال والبلغم في الطبايع الاربعة من ناحية الصبا والمرة في الطبايع الاربعة من ناحية الدبور والدم في الطبايع الاربعة من ناحية الجنوب، قال فاستفلت النسمة وكمل البدن فلزمه من ناحية الريح حب النساء وطول الامل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حب الطعام والشراب والبر والحلم والرفق، ولزمه من ناحية المرة الحب والغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حب الفساد واللذات وركوب المحارم والشهوات، قال أبو جعفر وجدناه هذا في كتاب امير المؤمنين عليه السلام، فخلق الله آدم فبقى اربعين سنة مصورا فكان يمر به ابليس اللعين فيقول لامر ما خلقت فقال العالم عليه السلام فقال ابليس لئن امرني الله بالسجود لهذا لاعصينه، قال ثم نفخ فيه فلما بلغت الروح إلى دماغه عطس عطسة جلس منها فقال الحمد لله فقال الله تعالى يرحمك الله قال الصادق عليه السلام فسبقت له من الله الرحمة ثم قال الله تبارك وتعالى للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا له فاخرج ابليس ما كان في قلبه من
= لما كان الغرض المهم من خلقه الكون خلقة الانسان، والمهم في خلقهم
بعث الانبياء، والمهم في بعثهم نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، والمهم في بقاء شريعته صلى الله عليه وآله امامة اثنى عشرة ائمة، فكانت النتيجة ان هذه الامامة مدار الكون، فكان الابتلاء فيها من اهم الابتلاءات، فكان ظهور البداء فيها من اعظم البدوات التي امتحن الله بها قلوب العباد - والله العالم - ج - ز (1) اي هذبوها وطيبوها (2) انز الشئ تصلب وتشدد (3) وروى " فابدؤها وانشاؤها ثم ابرؤها وتجزوها " وما ذكرناه اوفق. ج - ز (*)
[ 42 ]
الحسد فابى ان يسجد فقال الله عزوجل " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " قال الصادق عليه السلام فاول من قاس ابليس واستكبر والاستكبار هو اول معصية عصي الله بها قال فقال ابليس يا رب اعفني من السجود لآدم عليه السلام وانا اعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل قال الله تبارك وتعالى لا حاجة لي إلى عبادتك انما اريد ان اعبد من حيث اريد لا من حيث تريد فابى ان يسجد فقال الله تعالى " فاخرج منها فانك رجيم وان عليك لعنتي إلى يوم الدين " فقال ابليس يا رب كيف وانت العدل الذي لا تجور فثواب عملي بطل قال لا ولكن إسأل من امر الدنيا ما شئت ثوابا لعملك فاعطيتك فاول ما سأل البقاء إلى يوم الدين فقال الله قد اعطيتك قال سلطني على ولد آدم قال قد سلطتك قال اجرني منهم مجرى الدم في العروق قال قد اجريتك قال ولا يلد لهم ولد الا ويلد لى اثنان قال واراهم ولا يروني واتصور لهم في كل صورة شئت فقال قد اعطيتك قال يا رب زدني قال قد جعلت لك في صدورهم اوطانا قال رب حسبي فقال ابليس عند ذلك " فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين " قال وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل عن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام قال لما
اعطى الله تبارك وتعالى ابليس ما اعطاه من القوة قال آدم يا رب سلطته على ولدي واجريته مجرى الدم في العروق واعطيته ما اعطيته فما لي ولولدي ؟ فقال لك ولولدك السيئة بواحدة والحسنة بعشرة امثالها قال يا رب زدنى قال التوبة مبسوطة إلى حين يبلغ النفس الحلقوم فقال يا رب زدنى قال اغفر ولا ابالي قال حسبي قال قلت له جعلت فداك بماذا استوجب ابليس من الله ان اعطاه ما اعطاه فقال بشئ كان منه شكره الله عليه قلت وما كان منه جعلت فداك قال ركعتين ركعهما في السماء في اربعة آلاف سنة.
[ 43 ]
واما قوله (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) فانه حدثني ابى رفعه قال سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم أمن جنان الدنيا كانت ام من جنان الآخرة فقال كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ولو كانت من جنان الآخرة ما اخرج منها أبدا آدم ولم يدخلها إبليس قال اسكنه الله الجنة واتى جهالة إلى الشجرة فاخرجه لانه خلق خلقة لا تبقى الا بالامر والنهي واللباس والاكنان (1) والنكاح ولا يدرك ما ينفعه مما يضره الا بالتوقيف فجاءه ابليس فقال انكما ان اكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا وان لم تأكلا منها اخرجكما الله من الجنة وحلف لهما انه لهما ناصح كما قال الله تعالى حكاية عنه " ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما انى لكما لمن الناصحين " فقبل آدم قوله فاكلا من الشجرة فكان كما حكى الله " بدت لهما سوأتهما " وسقط عنهما ما البسهما الله من لباس الجنة واقبلا يستتران بورق الجنة " وناداهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين " فقالا كما حكى الله عزوجل عنهما " ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا
وترحمنا لنكونن من الخاسرين " فقال الله لهما (اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) قال إلى يوم القيامة، قوله (فازلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) فهبط آدم على الصفا وانما سميت الصفا لان صفوة الله نزل عليها ونزلت حواء على المروة وانما سميت المروة لان المرأة نزلت عليها فبقي آدم اربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنة فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال يا آدم الم يخلقك الله
(1) الاكنان جمع كن وهو ماكن من الحر والبرد. (*)
[ 44 ]
بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته قال بلى قال وأمرك ان لا تأكل من الشجرة فلم عصيته ؟ قال يا جبرئيل ان ابليس حلف لي بالله انه لي ناصح وما ظننت ان خلقا يخلقه الله ان يحلف بالله كاذبا، قال وحدثني ابى عن ابن ابى عمير عن إبن مسكان عن ابى عبد الله عليه السلام قال ان موسى عليه السلام سأل ربه ان يجمع بينه وبين آدم عليه السلام فجمع فقال له موسى يا ابة الم يخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته وامرك ان لا تأكل من الشجرة فلم عصيته ؟ فقال يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التورية ؟ قال بثلاثين الف سنة قبل ان خلق آدم قال فهو ذاك قال الصادق (ع) فحج آدم موسى عليهما السلام. واما قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم) فانه حدثني ابي عن ابن ابى عمير عن ابان بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام قال ان آدم عليه السلام بقي على الصفا اربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنة وعلى خروجه من الجنة من جوار الله عزوجل فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال يا آدم مالك تبكي فقال يا جبرئيل مالي لا أبكي وقد اخرجني الله من الجنة من جواره واهبطني إلى الدنيا فقال يا آدم تب إليه قال وكيف اتوب فانزل الله عليه قبة من نور فيه موضع البيت
فسطع نورها في جبال مكة فهو الحرم فامر الله جبرئيل ان يضع عليه الاعلام قال قم يا آدم فخرج به يوم التروية وامره ان يغتسل ويحرم واخرج من الجنة اول يوم من ذي القعدة فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة اخرجه جبرئيل عليه السلام إلى منى فبات بها فلما اصبح اخرجه إلى عرفات وقد كان علمه حين اخرجه من مكة الاحرام وعلمه التلبية فلما زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية وامره ان يغتسل فلما صلى العصر اوقفه بعرفات وعلمه الكلمات التي تلقاها من ربه وهي " سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت عملت سوءا وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي انك انت الغفور الرحيم سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت عملت سوءا
[ 45 ]
وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي انك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت عملت سوءا وظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي انك انت التواب الرحيم " فبقي إلى ان غابت الشمس رافعا يديه إلى السماء يتضرع ويبكي إلى الله فلما غابت الشمس رده إلى المشعر فبات بها فلما اصبح قام على المشعر الحرام فدعا الله تعالى بكلمات وتاب الله ثم افضى إلى منى وامره جبرئيل ان يحلق الشعر الذي عليه فحلقه ثم رده إلى مكة فاتى به عند الجمرة الاولى فعرض له ابليس عندها فقال يا آدم اين تريد ؟ فأمره جبرئيل ان يرميه بسبع حصيات فرمى وان يكبر مع كل حصاة تكبيرة ففعل ثم ذهب فعرض له ابليس عند الجمرة الثانية فأمره ان يرميه بسبع حصيات فرمى وكبر مع كل حصاة تكبيرة ثم ذهب فعرض له ابليس عند الجمرة الثالثة فأمره ان يرميه بسبع حصيات عند كل حصاة تكبيرة فذهب ابليس لعنه الله وقال له جبرئيل انك لن تراه بعد هذا اليوم ابدا، فانطلق به إلى البيت الحرام وامره ان يطوف به سبع مرات ففعل فقال له ان الله قد قبل توبتك وحلت لك زوجتك قال فلما قضى آدم حجه لقيته الملائكة بالابطح فقالوا يا آدم بر حجك
اما انا قد حججنا قبلك هذا البيت بالفي عام، قال وحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابى جعفر (ع) قال كان عمر آدم (ع) من يوم خلقه الله إلى يوم قبضه تسعماءة وثلاثين سنة ودفن بمكة ونفخ فيه يوم الجمعة بعد الزوال ثم برأ زوجته من اسفل اضلاعه واسكنه جنته من يومه ذلك فما استقر فيها الا ست ساعات من يومه ذلك حتى عصى الله واخرجهما من الجنة بعد غروب الشمس وما بات فيها. واما قوله (وعلم آدم الاسماء كلها) قال اسماء الجبال والبحار والاودية والنبات والحيوان ثم قال الله عزوجل للملائكة (أنبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) فقالوا كما حكى الله (سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم) فقال الله (يا آدم انبئهم باسمائهم فلما ابنأهم باسمائهم) فقال الله (الم اقل لكم
[ 46 ]
انى اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) فجعل آدم عليه السلام حجة عليهم، واما قوله (يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واوفوا بعهدي اوف بعهدكم واياي فارهبون) فانه حدثني ابى عن محمد بن ابى عمير عن جميل عن ابى عبد الله (ع) قال له رجل جعلت فداك ان الله يقول " ادعوني استجب لكم " وانا ندعو فلا يستجاب لنا، قال لانكم لا تفون الله بعهده وان الله يقول " اوفوا بعهدي اوف بعهدكم " والله لو وفيتم لله لوفى الله لكم، واما قوله (اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم) قال نزلت في القصاص والخطاب وهو قول أمير المؤمنين (ع) وعلى كل منبر منهم خطيب مصقع يكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه، وقال الكميت في ذلك. مصيب على الاعواد يوم ركوبها * لما قال فيها، مخطئ حين ينزل ولغيره في هذا المعنى. وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي الناس وهو عليل
وقوله جل ذكره (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال الصبر الصوم (وانها لكبيرة الا على الخاشعين) يعني الصلاة وقوله (الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم إليه راجعون) قال الظن في الكتاب على وجهين فمنه ظن يقين ومنه ظن شك ففي هذا الموضع الظن يقين وانما الشك قوله تعالى " ان نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين " وقوله " وظننتم ظن السوء " واما قوله " يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وانى فضلتكم على العالمين) قال لفظ العالمين عام ومعناه خاص وانما فضلهم على عالمي زمانهم باشياء خصهم بها مثل المن والسلوى والحجر الذي انفجر منه اثنتا عشرة عينا وقوله (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يوخذ منها عدل) وهو قوله (ع) والله لو ان كل ملك مقرب أو نبي مرسل شفعوا في ناصب ما شفعوا وقوله " واذ نجيناكم من آل
[ 47 ]
فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم) وان فرعون لما بلغه ان بني اسرائيل يقولون يولد فينا رجل يكون هلاك فرعون واصحابه على يده كان يقتل اولادهم الذكور ويدع الاناث، واما قوله (واذ واعدنا موسى اربعين ليلة الآية) فان الله تبارك وتعالى اوحى إلى موسى (ع) انى انزل عليكم التورية وفيها الاحكام التي يحتاج إليها إلى اربعين يوما وهو ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة فقال موسى (ع) لاصحابه ان الله قد وعدني ان ينزل على التورية والالواح إلى ثلاثين يوما فأمره الله ان لا يقول لهم إلى اربعين يوما فتضيق صدورهم ونكتب خبره في سورة طه وقوله (واذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم) فان موسى (ع) لما خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم " يا قوم انكم ظلمتم انفسكم " فقالوا وكيف نقتل انفسنا فقال لهم موسى اغدوا
كل واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت انا منبر بني اسرائيل فكونوا انتم متلثمين لا يعرف احد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا فاجتمعوا سبعين الف رجل ممن كانوا عبدوا العجل إلى بيت المقدس فلما صلى بهم موسى (ع) وصعد المنبر اقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرئيل فقال قل لهم يا موسى ارفعوا القتل فقد تاب الله عليكم فقتل عشرة آلاف وانزل الله (ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم) وقوله (واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة الآية) فهم السبعون الذين اختارهم موسى ليسعموا كلام الله فلما سمعوا الكلام قالوا لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة فبعث الله عليهم صاعقة فاحترقوا ثم احياهم الله بعد ذلك وبعثهم انبياء فهذا دليل على الرجعة في امة محمد صلى الله عليه وآله فانه قال صلى الله عليه وآله لم يكن في بني اسرائيل شئ الا وفي امتي مثله وقوله (وظللنا عليكم الغمام وانزلنا عليكم
[ 48 ]
المن والسلوى الآية) فان بني إسرائيل لما عبر بهم موسى البحر نزلوا في مفازة فقالوا يا موسى اهلكتنا وقتلتنا واخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل ولا شجر ولا ماء وكانت تجئ بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه وبالعشي يأتيهم طائر مشوي فيقع على موايدهم فإذا اكلوا وشبعوا طار وكان مع موسى حجر يضعه في وسط العسكر ثم يضربه بعصاة فينفجر منه اثنتا عشرة عينا كما حكى الله فيذهب كل سبط في رحله وكانوا اثنى عشر سبطا فلما طال عليهم الامد قالوا يا موسى (لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) والفوم الحنطة فقال لهم موسى (اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم) فقالوا " يا موسى ان فيها
قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون " فنصفت الآية في سورة البقرة وتمامها وجوابها لموسى في المائدة وقوله (وقولوا حطة) اي حط عنا ذنوبنا فبدلوا ذلك وقالوا " حنطة " وقال الله (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم فانزلنا على الذين ظلموا - آل محمد حقهم (1) رجزا من السما بما كانوا يفسقون) وقوله (ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين) قال الصائبون قوم لا مجوس لا يهود ولا نصارى ولا مسلمين وهم يعبدون الكواكب والنجوم وقوله (واذ اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور
(1) وتفسير هذه الكلمة كما في تفسير الامام العسكري (ع) انه قيل لهم بالانقياد لولاية الله ولولاية محمد صلى الله عليه وآله وعلي (ع) وآلهما الطيبين وانهم لما لم ينقادوا وظلموا حق الله وحق محمد صلى الله عليه وآله وآله انزل الرجز عليهم من السماء. ج - ز (*)
[ 49 ]
خذوا ما آتيناكم بقوة) فان موسى (ع) لما رجع إلى بني إسرائيل ومعه النوربة لم يقبلوا منه فرفع الله جبل طور سينا عليهم وقال لهم موسى لئن لم تقبلوا ليقعن الجبل عليكم وليقتلنكم فنكسوا رؤسهم فقالوا نقبله. وأما قوله (واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة الآية) قال حدثني أبى عن ابن أبى عمير عن بعض رجالهم عن أبى عبد الله (ع) قال إن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب إمرأة منهم فانعمت له (1) وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا رديا فلم ينعموا له فحسد إبن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة ثم حمله إلى موسى (ع) فقال يا نبي الله هذا ابن عمى قد قتل قال موسى من قتله ؟ قال لا أدري وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا فعظم ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا ما ترى يا نبي الله ؟ وكان في
بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائما وكره إبنه ان ينبهه وينغض عليه نومه فانصرف القوم ولم يشتروا سلعته فلما انتبه ابوه قال له يا بني ماذا صنعت في سلعتك ؟ قال هي قائمة لم ابعها لان المفتاح كان تحت رأسك فكرهت ان انبهك وانغض عليك نومك قال له أبوه قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك وشكر الله لابنه ما فعل بابيه وامر بني إسرائيل ان يذبحوا تلك البقرة بعينها فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى (ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة) فتعجبوا فقالوا (اتتخذنا هزوا) نأتيك بقتيل فتقول اذبحوا بقرة فقال لهم موسى (اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين) فعلموا انهم قد اخطأوا فقالوا (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا
(1) أنعم له أي قال له " نعم " ج - ز (*)
[ 50 ]
بكر) والفارض التي قد ضربها الفحل ولا تحمل والبكر التي لم يضربها الفحل (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها) اي شديدة الصفرة (تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال انه يقول انها بقرة لا ذلول تثير الارض) اي لم تذلل (ولا تسقى الحرث) اي لا تسقى الزرع (مسلمة لاشية فيها) اي لا نقط فيها الا الصفرة (قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال لا ابيعها الا بمل ء جلدها ذهبا فرجعوا إلى موسى فاخبروه فقال لهم موسى لابد لكم من ذبحها بعينها بمل ء جلدها ذهبا فذبحوها ثم قالوا ما تأمرنا يا نبي الله فأوحى الله تعالى إليه قل لهم اضربوه ببعضها وقولوا من قتلك ؟ فاخذوا الذنب فضربوه به وقالوا من قتلك يا فلان فقال فلان بن
فلان إبن عمي الذي جاء به وهو قوله (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون). وقوله (افتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون الآية) فانما نزلت في اليهود وقد كانوا اظهروا الاسلام وكانوا منافقين وكانوا إذا رأوا رسول الله قالوا إنا معكم وإذا رأوا اليهود قالوا انا معكم وكانوا يخبرون المسلمين بما في التورية من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه وقالوا لهم كبراؤهم وعلماؤهم (اتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم افلا تعقلون) فرد الله عليهم فقال (أو لا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم اميون) أي من اليهود (لا يعلمون الكتاب الا اماني وان هم الا يظنون) وكان قوم منهم يحرفون التورية واحكامه ثم يدعون انه من عند الله فانزل الله فيهم (فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما
[ 51 ]
كتب أيديهم وويل لهم مما يكسبون) وقوله (وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودة) قال بنو إسرائيل لن تمسنا النار ولن نعذب الا الايام المعدودات التي عبدنا فيها العجل فرد الله عليهم فقال وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودة قل يا محمد لهم (أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ام تقولون على الله ما لا تعلمون) وقوله (وقولوا للناس حسنا) نزلت في اليهود ثم نسخت بقوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". واما قوله (وإذ اخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم ثم اقررتم وانتم تشهدون الآية) وإنما نزلت في ابي ذر رحمة الله عليه وعثمان (1) بن عفان وكان سبب ذلك لما امر عثمان بنفي ابي ذر إلى الربذة دخل
عليه أبو ذر وكان عليلا متوكئا على عصاه وبين يدي عثمان مأة الف درهم قد حملت إليه من بعض النواحي واصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون ان يقسمها فيهم فقال أبو ذر لعثمان ما هذا المال ؟ فقال عثمان مأة الف درهم حملت الي من بعض النواحي اريد اضم إليها مثلها ثم ارى فيها رأي فقال أبو ذر " يا عثمان ايما اكثر مأة الف درهم أو اربعة دنانير " ؟ فقال عثمان بل " مأة الف درهم " قال اما تذكر انا وانت وقد دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله عشيا فرأيناه كئيبا حزينا فسلمنا عليه فلم (2) يرد علينا السلام فلما اصبحنا اتيناه فرأيناه ضاحكا مستبشرا فقلنا له
(1) إن قضية عثمان وابي ذر نالت من الشياع والظهور ما لا يكاد يخفى على من له مساس بالتاريخ، فمن شاء فليراجع: مروج الذهب 1 / 438، انساب البلاذري 5 / 53، تاريخ اليعقوبي 2 / 148، طبقات ابن سعد 4 / 168 صحيح البخاري كتاب الزكاة، عمدة القاري 4 / 291، شرح نهج البلاغة (محمد عبده) 2 / 17، كتاب أبو ذر الغفاري لعبد الحميد جودة السحار ص 144. (2) لعل هذه الواقعة كانت قبل نزول آية التحية. ج - ز (*)
[ 52 ]
بآبائنا وامهاتنا دخلنا اليك البارحة فرأيناك كئيبا حزينا ثم عدنا اليك اليوم فرأيناك فرحا مستبشرا فقال نعم كان قد بقي عندي من فئ المسلمين اربعة دنانير لم اكن قسمتها وخفت ان يدركني الموت وهي عندي وقد قسمتها اليوم واسترحت منها فنظر عثمان إلى كعب الاحبار، وقال له يا ابا اسحاق ما تقول في رجل ادى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيئا ؟ فقال لا ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شئ فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب ثم قال له يابن اليهودية الكافرة ما انت والنظر في احكام المسلمين قول الله اصدق من قولك حيث قال " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب
اليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " فقال عثمان " يا ابا ذر انك شيخ قد خرفت وذهب عقلك ولولا صحبتك لرسول الله لقتلتك " فقال " كذبت يا عثمان اخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لا يفتنونك يا ابا ذر ولا يقتلونك واما عقلي فقد بقي منه ما احفظه حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله فيك وفي قومك " فقال وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله في وفي قومي ؟ قال " سمعت يقول إذا بلغ آل ابي العاص ثلاثون رجلا صيروا مال الله دولا وكتاب الله دغلا وعباده خولا والفاسقين حزبا والصالحين حربا " فقال عثمان " يا معشر اصحاب محمد هل سمع احد منكم هذا من رسول الله " فقالوا لا ما سمعنا هذا من رسول الله " فقال عثمان ادع عليا فجاء امير المؤمنين عليه السلام فقال له عثمان: يا ابا الحسن انظر ما يقول هذا الشيخ الكذاب " فقال امير المؤمنين مه يا عثمان لا تقل كذاب فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول " ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذى لهجة (اللهجة اللسان) اصدق من ابي ذر " فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله صدق أبو ذر وقد سمعنا هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فبكى أبو ذر عند ذلك فقال ويلكم كلكم قد مد عنقه
[ 53 ]
إلى هذا المال ظنتم انى اكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نظر إليهم فقال من خيركم فقالوا من خيرنا فقال انا فقالوا انت تقول انك خيرنا قال نعم خلفت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الجبة وهو عني راض وانتم قد احدثتم احداثا كثيرة والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني فقال عثمان يا ابا ذر اسألك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله الا ما اخبرتني عن شئ اسألك عنه فقال أبو ذر والله لو لم تسألني بحق محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ايضا لاخبرتك فقال اي البلاد احب اليك ان تكون فيها فقال مكة حرم الله وحرم رسول الله ا عبد الله فيها حتى يأتيني الموت فقال لا ولا
كرامة لك قال المدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا ولا كرامة لك فسكت أبو ذر فقال عثمان اي البلاد ابغض اليك ان تكون فيها قال الربذة التي كنت فيها على غير دين الاسلام فقال عثمان سر إليها فقال أبو ذر قد سألتني فصدقتك وانا اسألك فاصدقني قال نعم قال اخبرني لو بعثتني في بعث من اصحابك إلى المشركين فاسرونى فقالوا لا نفديه الا بثلث ما تملك قال كنت افديك قال فان قالوا لا نفديه الا بنصف ما تملك قال كنت افديك قال فان قالوا لا نفديه الا بكل ما تملك قال كنت افديك قال أبو ذر الله اكبر قال حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يوما " يا ابا ذر وكيف انت إذا قيل لك اي البلاد احب اليك ان تكون فيها فتقول مكة حرم الله وحرم رسوله ا عبد الله فيها حتى يأتيني الموت فيقال لك لا ولا كرامة لك فتقول فالمدينة حرم رسول الله فيقال لك لا ولا كرامة لك ثم يقال لك فاي البلاد ابغض اليك ان تكون فيها فتقول الربذة التي كنت فيها على غير دين الاسلام فيقال لك سر إليها " فقلت وان هذا لكائن فقال " اي والذي نفسي بيده انه لكائن " فقلت يا رسول الله افلا اضع سيفي هذا على عاتقي فاضرب به قدما قدما قالا لا اسمع واسكت ولو لعبد حبشي وقد انزل الله فيك وفي عثمان آية فقلت وما هي يا رسول الله فقال قوله تعالى " وإذ اخذنا ميثاقكم لا تسفكون
[ 54 ]
دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم ثم اقررتم وانتم تشهدون ثم انتم هؤلاء تقتلون انفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان يأتوكم اسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ". واما قوله (واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) احبوا العجل حتى عبدوه
ثم قالوا نحن اولياء الله فقال الله عزوجل ان كنتم اولياء الله كما تقولون (فتمنوا الموت ان كنتم صادقين) لان في التورية مكتوب ان اولياء الله يتمنون الموت ولا يرهبونه وقوله (قل من كان عدوا لجبريل فانه نزل على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) فانما نزلت في اليهود الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ان لنا في الملائكة اصدقاء واعداء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من صديقكم ومن عدوكم ؟ فقالوا جبرئيل عدونا لانه يأتي بالعذاب ولو كان الذي ينزل عليك القرآن ميكائيل لآمنا بك فان ميكائيل صديقنا وجبريل ملك الفضاضة والعذاب وميكائيل ملك الرحمة فانزل الله (قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين) وقوله (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من احد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه إلى قوله - كانوا يعلمون) فانه حدثنى ابي عن ابن ابي عمير عن ابان بن عثمان عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام قال ان سليمان بن داود امر الجن والانس فبنوا له بيتا من قوارير قال فبينما هو متكئ على عصاه ينظر إلى الشياطين كيف يعملون
[ 55 ]
وينظرون إليه إذا حانت منه التفاتة فإذا هو برجل معه في القبة، ففزع منه وقال من انت ؟ قال انا الذي لا اقبل الرشى ولا اهاب الملوك، انا ملك الموت، فقبضه وهو متكئ على عصاه فمكثوا سنة يبنون وينظرون إليه ويدانون له ويعملون حتى بعث الله الارضة فاكلت منساته وهى العصا فلما خر تبينت الانس ان لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا سنة في العذاب المهين فالجن تشكر الارضة بما عملت بعصا
سليمان، قال فلا تكاد تراها في مكان الا وجد عندها ماء وطين فلما هلك سليمان وضع ابليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره " هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخاير كنوز العلم من اراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا " ثم دفنه تحت السرير ثم استثاره لهم فقرأه فقال الكافرون ما كان سليمان عليه السلام يغلبنا الا بهذا وقال المؤمنون بل هو عبد الله ونبيه فقال الله جل ذكره " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " إلى قوله (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد الا باذن الله) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال سأله عطاء ونحن بمكة عن هاروت وماروت فقال أبو جعفر ان الملائكة كانوا ينزلون من السماء إلى الارض في كل يوم وليلة يحفظون اوساط اهل الارض من ولد آدم والجن ويكتبون اعمالهم ويعرجون بها إلى السماء قال فضج اهل السماء من معاصي اهل الارض فتوامروا (1) فيما بينهم مما يسمعون ويرون من افترائهم الكذب على الله تبارك وتعالى وجرءتهم عليه ونزهوا الله مما يقول فيه خلقه ويصفون، فقال طائفة من الملائكة " يا ربنا ما تغضب
(1) اي تشاوروا وتكلموا فيما بينهم. ج - ز (*)
[ 56 ]
مما يعمل خلقك في ارضك ومما يصفون فيك الكذب ويقولون الزور ويرتكبون المعاصي وقد نهيتهم عنها ثم انت تحلم عنهم وهم في قبضتك وقدرتك وخلال عافيتك " قال أبو جعفر (ع) فاحب الله ان يرى الملائكة القدرة ونافذ امره في جميع خلقه ويعرف الملائكة ما من به عليهم ومما عدله عنهم من صنع خلقه وما طبعهم عليه من الطاعة وعصمهم من الذنوب، قال فأوحى الله إلى الملائكة ان انتخبوا
منكم ملكين حتى اهبطهما إلى الارض ثم اجعل فيهما من طبايع المطعم والمشرب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلته في ولد آدم ثم اختبرهما في الطاعة لي، فندبوا إلى ذلك هاروت وماروت وكانا من اشد الملائكة قولا في العيب لولد آدم واستيثار غضب الله عليهم، قال فأوحى الله اليهما ان اهبطا إلى الارض فقد جعلت فيكما من طبايع الطعام والشراب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلته في ولد آدم، قال ثم اوحى الله اليهما انظرا ان لا تشركا بي شيئا ولا تقتلا النفس التي حرم الله ولا تزنيا ولا تشربا الخمر قال ثم كشط عن السماوات السبع ليريهما قدرته ثم اهبطهما إلى الارض في صورة البشر ولباسهم فهبطا ناحية بابل فوقع لهما بناء مشرق فاقبلا نحوه فإذا بحضرته امرأة جميلة حسناء متزينة عطرة مقبلة مسفرة نحوهما، قال فلما نظرا إليها وناطقاها وتأملاها وقعت في قلوبهما موقعا شديدا لموقع الشهوة التي جعلت فيهما فرجعا إليها رجوع فتنة وخذلان وراوداها عن نفسهما فقالت لهما ان لي دينا ادين به وليس اقدر في ديني على ان اجيبكما إلى ما تريدان إلا ان تدخلا في ديني الذي ادين به فقالا لها وما دينك ؟ قالت لي آله من عبده وسجد له كان لي السبيل إلى ان اجيبه إلى كل ما سألني، فقالا لها وما الهك قالت الهي هذا الصنم قال فنظر احدهما إلى صاحبه فقال هاتان خصلتان مما نهانا عنهما الشرك والزنا لانا ان سجدنا لهذا الصنم وعبدناه اشركنا بالله وانما نشرك بالله لنصل إلى الزنا وهو ذا نحن نطلب الزنا وليس نخطأ الا بالشرك فائتمرا بينهما
[ 57 ]
فغلبتهما الشهوة التي جعلت فيهما، فقالا لها فانا نجيبك ما سألت، فقالت فدونكما فاشربا هذا الخمر فانه قربان لكما عنده به تصلان إلى ما تريدان، فائتمرا بينهما فقالا هذه ثلاث خصال مما نهانا ربنا عنها الشرك والزنا وشرب الخمر وانما ندخل في شرب الخمر والشرك حتى نصل إلى الزنا فائتمرا بينهما، فقالا ما اعظم البلية بك قد
أجبناك إلى ما سألت، قالت فدونكما فاشربا من هذا الخمر واعبدا هذا الصنم واسجدا له، فشربا الخمر وعبدا الصنم ثم راوداها من نفسها فلما تهيأت لهما وتهيئا لها دخل عليهما سائل يسأل، فلما رأهما ورأياه ذعرا منه فقال لهما انكما لامرءان ذعران فدخلتما بهذه المرأة العطرة الحسناء، انكما لرجلا سوء وخرج عنهما فقالت لهما لا والهي لا تصلان الآن الي وقد اطلع هذا الرجل على حالكما وعرف مكانكما ويخرج الآن ويخبر بخبركما ولكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل ان يفضحكما ويفضحني ثم دونكما فاقضيا حاجتكما وانتما مطمئنان آمنان، قال فقاما إلى الرجل فادركاه فقتلاه ثم رجعا إليها فلم يرياها وبدت لهما سوأتهما ونزع عنهما رياشهما واسقط في ايديهما، قال فأوحى الله اليهما انما اهبطتكما إلى الارض مع خلقي ساعة من النهار فعصيتماني باربع من معاصي كلها قد نهيتكما عنها فلم تراقباني فلم تستحيا مني وقد كنتما اشد من نقم على اهل الارض للمعاصي واستسجز اسفى وغضبى عليهم، ولما جعلت فيكما من طبع خلقي وعصمني اياكما من المعاصي فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما، اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقال احدهما لصاحبه نتمتع من شهواتها في الدنيا إذ صرنا إليها إلى ان نصير إلى عذاب الآخرة، فقال الآخر ان عذاب الدنيا له مدة وانقطاع وعذاب الآخرة قائم لا انقضاء له فلسنا نختار عذاب الآخرة الدائم الشديد على عذاب الدنيا المنقطع الفاني قال فاختارا عذاب الدنيا وكانا يعلمان الناس السحر في ارض بابل ثم لما
[ 58 ]
علما الناس السحر رفعا من الارض إلى الهواء فهما معذبان منكسان معلقان في الهواء إلى يوم القيامة (1). واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) اي لا تقولوا تخليطا (2) وقولوا افهمنا وقوله (ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها)
فقوله ننسها اي نتركها ونترك حكمها فسمى الترك بالنسيان في هذه الآية وقوله " أو مثلها " فهي زيادة انما نزل " نات بخير مثلها " واما قوله (ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) فانما نزلت في قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله دخول مكة وقوله (ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم
(1) لا يخفى ان هذه الرواية وان كان ظاهرها مما ينكره العقل والنقل لكونه قادحا في قداسة الملائكة الذين لا يعصون الله طرفة عين لانهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول، وانه قد ورد في الباب اخبار رادة لها كالخبر المروي في تفسير الامام العسكري عليه السلام، الا ان التأمل الدقيق يعطي عدم منافاتها للعقل - لان عصيان الملائكة مستحيل مع كونهم كذلك - اما بعد ان اعطاهما الله تعالى ما للبشر من القوى الشهوية والاحساسات النفسانية - كما يظهر من الرواية - فظاهره صيرورتهما بشرا أو مثل البشر في فقدان العصمة وامكان المعصية، واشكال الفلاسفة بعدم امكان انقلاب الماهيات مدفوع، بعموم قدرة الله تعالى، والمعاجز الصادرة عن المعصومين عليهم السلام شاهدة على ذلك - لكنه قد ورد في تفسير الامام العسكري عليه السلام ما يرد هذا الخبر فحينئذ يؤخذ بالاوضح متنا والاوثق سندا ويعمل بالمرجحات كما هو المناط في باب اختلاف الروايتين ولما لم يكن ثمة ثمرة عملية لم نطل الكلام في تنقيح المقام ج - ز. (2) خلط في الكلام اي هذى. (*)
[ 59 ]
وجه الله) فانها نزلت في صلاة النافلة فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر واما الفرايض فقوله " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " يعني الفرايض لا تصليها الا إلى القبلة واما قوله (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال إني جاعلك للناس اماما) قال هو ما ابتلاه الله (1) مما اراه في نومه بذبح ولده فاتمها ابراهيم
عليه السلام وعزم عليها وسلم فلما عزم وعمل بما امره الله قال الله تعالى " إني جاعلك للناس اماما " قال ابراهيم ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) لا يكون بعهدي إمام ظالم ثم انزل عليه الحنيفية وهي الطهارة وهي عشرة اشياء خمسة في الرأس وخمسة في البدن فاما التي في الرأس فاخذ الشارب، واعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال واما التي في البدن فحلق الشعر من البدن والختان وقلم الاظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء فهذه خمسة في البدن وهو الحنفية الطهارة التي جاء بها ابراهيم فلم تنسخ إلى يوم القيامة وهو قوله " واتبع ملة ابراهيم حنيفا " واما قوله (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا) فالمثابة العود إليه وقوله (طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) قال الصادق عليه السلام يعني نحى عن المشركين وقال لما بنى ابراهيم البيت وحج الناس شكت الكعبة إلى الله تبارك وتعالى ما تلقى من ايدي المشركين وانفاسهم فأوحى الله إليها قرى كعبة فاني ابعث في آخر الزمان قوما يتنظفون بقضبان الشجر ويتخللون وقوله (وارزق اهله من الثمرات من آمن
(1) وفي تفسير الامام العسكري عليه السلام مرويا عن الصادق عليه السلام ان المراد من تلك الكلمات، الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه فتاب عليه وهي انه قال " يا رب اسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين الا تبت علي " - قيل له يابن رسول الله فما يعني بقوله " فاتمهن " ؟ قال " يعني فاتمهن إلى القائم عليه السلام (الرواية) ج - ز. (*)
[ 60 ]
منهم بالله واليوم الآخر) فانه دعا ابراهيم ربه ان يرزق من آمن به فقال الله يا ابراهيم ومن كفر ايضا ارزقه (فامتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) واما قوله (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل الآية) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان ابراهيم
عليه السلام كان نازلا في بادية الشام فلما ولد له من هاجر اسماعيل اغتمت سارة من ذلك غما شديدا لانه لم يكن له منها ولد كانت تؤذي ابراهيم في هاجر وتغمه فشكى ابراهيم ذلك إلى الله عزوجل فأوحى الله إليه انما مثل المرأة مثل الضلع العوجا ان تركتها استمتعتها وان اقمتها كسرتها ثم امره ان يخرج اسماعيل وامه (فقال يا رب إلى اي مكان ؟ قال إلى حرمي وامني واول بقعة خلقتها من الارض وهي مكة فانزل الله عليه جبرائيل بالبراق (1) فحمل هاجر واسماعيل وكان ابراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع الا قال يا جبرئيل إلى ههنا إلى ههنا فيقول لا امض، امض حتى اتى مكة فوضعه في موضع البيت وقد كان ابراهيم (ع) عاهد سارة ان لا ينزل حتى يرجع إليها، فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة فالقت هاجر على ذلك الشجر كساءا وكان معها فاستظلوا تحته فلما سرحهم ابراهيم ووضعهم واراد الانصراف منهم إلى سارة قالت له هاجر يا ابراهيم لم تدعنا في موضع ليس فيه انيس ولا ماء ولا زرع فقال ابراهيم الله الذي امرني ان اضعكم في هذا المكان حاضر عليكم ثم انصرف عنهم فلما بلغ كداء وهو جبل بذى طوى التفت إليهم ابراهيم فقال (رب اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم
(1) لم تكن العبارة بين القوسين في نسخة تفسير القمي الموجودة عندي انما نقلتها على ما حكاها عنه البحراني في البرهان ج - ز. (*)
[ 61 ]
من الثمرات لعلهم يشكرون) ثم مضى وبقيت هاجر فلما ارتفع النهار عطش اسماعيل وطلب الماء فقامت هاجر في الوادي في مضوع المسعى ونادت هل في الوادي من انيس، فغاب عنها اسماعيل فصعدت على الصفا ولمع لها السراب في الوادي وظنت انه ماء فنزلت في بطن الوادي وسعت فلما بلغت المسعى غاب عنها اسماعيل ثم لمع لها
السراب في ناحية الصفا فهبطت إلى الوادي تطلب الماء فلما غاب عنها اسماعيل عادت حتى بلغت الصفا فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات فلما كان في الشوط السابع وهي على المروة نظرت إلى اسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجله فعادت حتى جمعت حوله رملا فانه كان سائلا فزمته بما جعلته حوله فلذلك سميت " زمزم " وكانت جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء فنظرت جرهم إلى تعكف الطير على ذلك المكان فاتبعوها حتى نظروا إلى امرأة وصبي في ذلك الموضع قد استظلوا بشجرة وقد ظهر الماء لهما فقالوا لهاجر من انت وما شأنك وشأن هذا الصبي ؟ فقالت انا ام ولد ابراهيم خليل الرحمن وهذا ابنه امره الله ان ينزلنا هيهنا فقالوا لها ايها المباركة أفتاذني لنا ان نكون بالقرب منكما ؟ فقالت حتى ياتي ابراهيم فلما زارهم ابراهيم (ع) يوم الثالث فقالت هاجر يا خليل الله ان هيهنا قوما من جرهم يسألونك ان تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا افتأذن لهم في ذلك فقال ابراهيم نعم فاذنت فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فآنست هاجر واسماعيل بهم فلما زارهم ابراهيم في المرة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بهم سرورا شديدا فلما ترعرع اسماعيل عليه السلام وكانت جرهم قد وهبوا لاسماعيل كل واحد منهم شاة وشاتين فكانت هاجر واسماعيل يعيشان بها. فلما بلغ اسماعيل مبلغ الرجال امر الله ابراهيم (ع) ان يبني البيت فقال يا رب في اي بقعه قال في البقعة التي انزلت على آدم القبة فاضاء لها الحرم فلم تزل القبة التي انزلها الله على آدم قائمة حتى كان ايام الطوفان ايام نوح عليه السلام
[ 62 ]
فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة وغرقت الدنيا الا موضع البيت فسميت البيت العتيق لانه اعتق من الغرق فلما امر الله عزوجل ابراهيم عليه السلام ان يبني البيت ولم يدر في اي مكان يبنيه فبعث الله جبرئيل عليه السلام فخط له موضع البيت فانزل الله
عليه القواعد من الجنة وكان الحجر الذي انزل الله على آدم اشد بياضا من الثلج فلما لمسته ايدي الكفار اسود، فبنى ابراهيم البيت ونقل اسماعيل الحجر من ذي طوى فرفعه إلى السماء تسعة ازرع ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه ابراهيم عليه السلام ووضعه في موضعه الذي هو فيه الاول وجعل له بابين باب إلى المشرق وباب إلى المغرب والباب الذي إلى المغرب يسمى المستجار ثم القى عليه الشجر والاذخر وعلقت هاجر على بابه كساء كان معها وكانوا يكنون تحته. فلما بناه وفرغ منه حج ابراهيم (ع) واسماعيل ونزل عليهما جبرئيل عليه السلام يوم التروية لثمان من ذي الحجة فقال يا إبراهيم قم فارتو من الماء لانه لم يكن بمنى وعرفات ماء فسميت التروية لذلك ثم أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم (ع) فقال إبراهيم لما فرغ من بناء البيت " رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " قال من ثمرات القلوب اي حببهم إلى الناس لينتابوا (1) إليهم ويعودوا إليهم. واما قوله (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) فانه يعني من ولد اسماعيل عليه السلام فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله " انا دعوة ابي ابراهيم عليه السلام " وقوله (فانما هم في شقاق) يعني في كفر، قوله (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) يعني به الاسلام. الجزء (2) وقوله (سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فان هذه الآية متقدمة على قوله " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك
(1) انتابهم انتيابا أي اتاهم مرة بعد اخرى قاموس (*)
[ 63 ]
قبلة ترضيها " لانه نزل اولا " قد نرى تقلب وجهك في السماء " ثم نزل " سيقول
السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وذلك إن اليهود كانوا يعيرون برسول الله ويقولون أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا فاغتم من ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله غما شديدا وخرج في جوف الليل ينظر في آفاق السماء ينتظر بأمر الله تبارك وتعالى في ذلك، فلما أصبح وحضرت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى بهم الظهر ركعتين، فنزل جبرئيل عليه السلام فأخذ بعضديه فحوله إلى الكعبة، فانزل الله عليه " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام " فصلى ركعتين إلى الكعبة فقالت اليهود والسفهاء ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وتحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة ثلاثة عشر سنة إلى البيت المقدس وبعد مهاجرته إلى المدينة صلى إلى البيت المقدس سبعة اشهر، ثم حول الله عزوجل القبلة إلى البيت الحرام ثم قال الله عزوجل (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) يعني ولا الذين ظلموا منهم " وإلا " في موضع " ولا " وليست هي استثناء، واما قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) يعنى أئمة وسطا اي عدلا وواسطة بين الرسول والناس والدليل على ان هذا مخاطبة للائمة عليهم السلام قوله في سورة الحج " ليكون الرسول شهيدا عليكم " يا معشر الائمة " وتكونوا - انتم - شهداء على الناس " وانما نزلت " وكذلك جعلناكم أئمة وسطا (1) ". وقوله (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح
(1) وقد فصلنا القول في مثل هذه الكلمات في مقدمتنا، فعلى القارئ الكريم مراجعتها ج - ز (*)
[ 64 ]
عليه ان يطوف بهما) فان قريشا كانت وضعت اصنامهم بين الصفا والمروة وكانوا
يتمسحون بها إذا سعوا فلما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان في غزاة الحديبية وصده عن البيت وشرطوا له ان يخلوا له البيت في عام قابل حتى يقضي عمرته ثلاثة ايام ثم يخرج عنها فلما كان عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة دخل مكة وقال لقريش ارفعوا اصنامكم من بين الصفا والمروة حتى أسعى، فرفعوها فسعى رسول الله صلى الله عليه وآله بين الصفا والمروة وقد رفعت الاصنام، وبقي رجل من الطواف ردت قريش الاصنام بين الصفا والمروة فجاء الرجل الذي لم يسع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال قد ردت قريش الاصنام بين الصفا والمروة ولم اسع فانزل الله عزوجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما " والاصنام فيهما وقوله (اولئك يلعنهم الله وبلعنهم اللاعنون) قال كل من قد لعنه الله من الجن والانس يلعنهم، قوله (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) فانما البهايم إذا زجرها صاحبها فانها تسمع الصوت ولا تدري ما يريد وكذلك الكفار إذا قرأت عليهم وعرضت عليهم الايمان لا يعلمون مثل البهايم وقوله (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) فالباغي من يخرج في غير طاعة الله، والعادي الذي يعتدي على الناس ويقطع الطريق وقوله (فما اصبرهم على النار) يعني ما اجراهم، وقوله (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر) فهي شروط الايمان الذي هو التصديق، قوله (والصابرين في البأساء والضراء) قال في الجوع والعطش والخوف والمرض (وحين الباس) قال عند القتل، وقوله (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد
[ 65 ]
والانثى بالانثى) فهي ناسخة لقوله النفس بالنفس (1) وقوله (ولكم في القصاص حياة يا اولى الالباب) قال يعني لولا القصاص لقتل بعضكم بعضا وقوله (كتب
عليكم إذا حضر احدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) فانما هي منسوخة بقوله " يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " وقوله (فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) يعني بذلك بعد الوصية ثم رخص فقال (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فاصلح بينهم فلا إثم عليه) قال الصادق عليه السلام إذا اوصى الرجل بوصية فلا يحل للوصي ان يغير وصيته يوصيها، بل يمضيها على ما اوصى، الا ان يوصي بغير ما امر الله فيعصي في الوصية ويظلم فالموصى إليه جائز له ان يرده إلى الحق مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كله لبعض ورثته ويحرم بعضا فالوصي جايز له ان يرده إلى الحق وهو قوله " جنفا أو إثما " فالجنف الميل إلى بعض ورثته دون بعض والاثم ان يأمر بعمارة بيوت النيران واتخاذ المسكر فيحل للوصي ان لا يعمل بشئ من ذلك. وقوله (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم تتقون) فانه قال اول ما فرض الله الصوم لم يفرضه في شهر رمضان على الانبياء، ولم يفرضه على الامم، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله خصه بفضل شهر رمضان هو وامته، وكان الصوم قبل ان ينزل شهر رمضان يصوم الناس اياما ثم نزل (شهر رمضان الذي
(1) النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص (المائدة 45) ولعل المراد من النسخ في المقام ان الآية " النفس بالنفس " تدل على حتمية القصاص والآية " الحر بالحر " تدل على رخصته بقوله: فمن عفي له من اخيه... الخ " ج - ز. (*)
[ 66 ]
انزل فيه القرآن) قال وسئل الصادق عليه السلام عن شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن كيف كان، وانما انزل القرآن في طول عشرين سنة ؟ فقال انه نزل جملة
واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم نزل من البيت المعمور إلى النبي صلى الله عليه وآله في طول عشرين سنة وقوله (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه ان يقضي ويتصدق عن كل يوم بمد من الطعام، وقوله (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم) فانه حدثني ابي رفعه قال قال الصادق عليه السلام كان النكاح والاكل محرمان في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم عليه الافطار وكان النكاح حراما في اليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقال له خوات بن جبير الانصاري اخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وكله بفم الشعب يوم احد في خمسين من الرماة ففارقه اصحابه وبقي في اثنى عشر رجلا فقتل على باب الشعب، وكان اخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا وكان صائما مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الخندق فجاء إلى اهله حين امسى فقال عندكم طعام ؟ فقالوا لا، نم حتى نصنع لك طعاما فابطئت اهله بالطعام فنام قبل ان يفطر فلما انتبه قال لاهله قد حرم الله علي الاكل في هذه الليلة فلما اصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فانزل الله عزوجل " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن واتبغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم اتموا الصيام إلى الليل " واحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل في شهر رمضان والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله " حتى يتبين لكم الخيط
[ 67 ]
الابيض من الخيط الاسود من الفجر " قال هو بياض النهار من سواد الليل وقوله (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) فانه حدثني ابي عن القسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حماد قال قلت لابي عبد الله عليه السلام اشغل نفسي بالدعاء لاخواني ولاهل الولاية فما ترى في ذلك ؟ فقال إن الله تبارك وتعالى يستجيب دعاء غائب لغائب ومن دعا للمؤمنين والمؤمنات ولاهل مودتنا رد الله عليه من آدم إلى ان تقوم الساعة لكل مؤمن حسنة ثم قال ان الله فرض الصلوات في افضل الساعات، عليكم بالدعاء في إدبار الصلاة ثم دعا لي ولمن حضره، وقوله (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم) قال العالم عليه السلام قد علم الله انه يكون حكاما يحكمون بغير الحق فنهى ان يتحاكم إليهم فانهم لا يحكمون بالحق فتبطل الاموال. وقوله (ويسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فان المواقيت منها معروفة مشهورة في اوقات معروفة، ومنها مبهمة فاما المواقيت المعروفة المشهورة فأربعة، والاشهر الحرم التي ذكرها الله في قوله " منها اربعة حرم " والاثنا عشر شهرا التي خلقها الله تعرف بالهلال، اولها المحرم وآخرها ذو الحجة، والاربعة الحرم رجب مفرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم متصلة، حرم الله فيها القتال، ويضاعف فيها الذنوب وكذلك الحسنات، واشهر السياحة معروفة وهي عشرون من شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر (ون ط) من شهر ربيع الآخر، وهي التي احل الله فيها قتال المشركين في قوله " فسيحوا في الارض اربعة اشهر " واشهر الحج معروفة، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة وانما صارت اشهر الحج لانه من اعتمر في هذه الاشهر في شوال أو في ذي القعدة
أو في ذي الحجة ونوى ان يقيم بمكة حتى يحج فقد تمتع بالعمرة إلى الحج،
[ 68 ]
ومن اعتمر في غير هذه الاشهر ثم نوى ان يقيم إلى الحج أو لم ينو فليس هو ممن تمتع بالعمرة إلى الحج لانه لم يدخل مكة في اشهر الحج فسمي هذه اشهر الحج فقال الله تبارك وتعالى " الحج اشهر معلومات " وشهر رمضان معروف، واما المواقيت المبهمة التي إذا حدث الامر وجب فيها انتظار تلك الاشهر فعدة النساء في الطلاق، والمتوفي عنها زوجها، فإذا طلقها زوجها فان كانت تحيض تمتد الاقراء التي قال الله عزوجل، وان كانت لا تحيض تعتد بثلاثة اشهر بيض لادم فيها، وعدة المتوفى عنها زوجها اربعة اشهر وعشرا، وعدة المطلقة الحبلى ان تضع ما في بطنها، وعدة الايلاء اربعة اشهر، وكذلك في الديون إلى الاجل الذي يكون بينهم وشهرين متتابعين في الظهار. ط وصيام شهرين متتابعين في كفارة قتل الخطأ وعشرة ايام للصوم في الحج لمن لم يجد الهدي، وصيام ثلاثة ايام في كفارة اليمين واجب، فهذه المواقيت المعروفة والمبهمة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه " يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج ". واما قوله (ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى واتوا البيوت من ابوابها) قال نزلت في امير المؤمنين عليه السلام لقول رسول الله صلى الله عليه وآله " انا مدينة العلم وعلي عليه السلام بابها ولا تدخلوا المدينة الا من بابها ". وقوله (واتموا الحج والعمرة لله فان احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به اذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فانه إذا عقد الرجل الاحرام بالتمتع بالعمرة إلى الحج واحرم ثم اصابته غلة في طريقه قبل ان يبلغ إلى مكة ولا يستطيع ان يمضي، فانه يقيم في مكانه الذي حوصر فيه ويبعث من عنده هديا ان كان غنيا
فبدنة وان كان بين ذلك فبقرة وان كان فقيرا فشاة، لابد منها ولا يزال مقيما على احرامه، وان كان في رأسه وجع أو قروح حلق شعره واحل ولبس ثيابه ويفدي فلما ان يصوم ستة ايام أو يتصدق على عشرة مساكين أو نسك وهو الدم يعني ذبح شاة، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فعليه ان يشترط عند الاحرام فيقول
[ 69 ]
" اللهم اني اريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك فان عاقني عائق أو حبسني حابس فحلني حيث حبستني بقدرتك التي قدرت علي " ثم يلبي من الميقات الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله فيلبي ويقول " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك حجة (بحجة ط) بعمرة تمامها وبلاغها عليك " فإذا دخل مكة ونظر إلى ابيات مكة قطع التلبية وطاف بالبيت سبعة اشواط، وصلى عند مقام ابراهيم ركعتين وسعى بين الصفا والمروة سبعة اشواط ثم يحل ويتمتع بالثياب والنساء والطيب ويقيم على الحج إلى يوم التروية فإذا كان يوم التروية احرم عند زوال الشمس من عند المقام بالحج ثم خرج ملبيا إلى منى فلا يزال ملبيا إلى يوم عرفة عند زوال الشمس، فإذا زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية ويقف بعرفات في الدعاء والتكبير والتهليل والتحميد، فإذا غابت الشمس رجع إلى المزدلفة فبات بها فإذا اصبح قام بالمشعر الحرام ودعا وهلل الله وسبحه وكبره ثم ازدلف منها إلى منى ورمى الجمار وذبح وحلق، ان كان غنيا فعليه بدنة وان كان بين ذلك فعليه بقرة وان كان فقيرا فعليه شاة، فمن لم يجد ذلك فعليه ان يصوم ثلاثة ايام بمكة فإذا رجع إلى منزله صام سبعة ايام فتقوم هذه الايام العشرة مقام الهدي الذي كان عليه وهو قوله (فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) وذلك لمن ليس
هو مقيم بمكة ولا من اهل مكة، اما اهل مكة ومن كان حول مكة على ثمانية واربعين ميلا فليست لهم متعة وانما يفردون الحج لقوله (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) واما قوله (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فالرفث الجماع، والفسوق الكذب، والجدال الخصومة، وهي قول " لا والله وبلى والله " وقوله (فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا) قال
[ 70 ]
كانت العرب إذا وقفوا بالمشعر يتفاخرون بآبائهم فيقولون لا وابيك لا وابي وأمر الله ان يقولوا لا والله وبلى والله وقوله (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وماله في الآخرة من خلاق) فانه حدثني ابي عن سليمان بن داود المنقري عن سفيان بن عيينة عن ابي عبد الله عليه السلام قال سأل رجل من ابي عبد الله عليه السلام بعد منصرفه من الموقف فقال اترى يجيب الله هذا الخلق كله ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام ما وقف بهذا الموقف أحد من الناس مؤمن ولا كافر الا غفر الله له، إلا أنهم في مغفرتهم على ثلاث منازل، مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر واعتقه من النار وذلك قوله " ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ومؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وقيل له احسن فيما بقي فذلك قوله " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى (1) الكبائر واما العامة فانهم يقولون فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد، افترى ان الله تبارك وتعالى حرم الصيد بعد ما احله لقوله " وإذا حللتم فاصطادوا " وفي تفسير العامة معناه فإذا حللتم فاتقوا الصيد، وكافر (2) وقف هذا الموقف يريد زينة الحياة الدنيا غفر الله له من ذنبه ما تقدم ان تاب من الشرك وان لم يتب وافاه الله اجره في الدنيا ولم يحرمه ثواب هذا
(1) اي تعجل في الذهاب إلى وطنه - عن ابي بصير عن ابي عبد الله
عليه السلام قال ان العبد المؤمن حين يخرج من بيته حاجا لا يخطو خطوة ولا تخطو به راحلته الا كتب له بها حسنة ومحي عنه سيئة، ورفع له بها درجة فإذا وقف بعرفات فلو كانت له ذنوب عدد الثرى رجع كما ولدته امه فقال له استأنف العمل يقول الله " فمن تعجل في يومين فلا اتم عليه " (الآية) البرهان. (2) عطف على قوله " مؤمن غفر الله له ". ج ز. (*)
[ 71 ]
الموقف وهو قوله " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون اولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " وقوله (واذكروا الله في ايام معدودات) قال ايام التشريق الثلاثة، والايام المعلومات العشرة من ذي الحجة، وقوله (ويهلك الحرث والنسل) قال الحرث في هذا الموضع الدين، والنسل الناس، ونزلت في فلان ويقال في معاوية وقوله (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله) قال ذلك امير المؤمنين عليه السلام ومعنى يشرى نفسه اي يبذل وقوله (ادخلوا في السلم كافة) قال في ولاية امير المؤمنين عليه السلام وقوله (كان الناس أمة واحدة) قال قبل نوح على مذهب واحد، فاختلفوا (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) وقوله (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) نزلت بالمدينة ونسخت آية " كفوا ايديكم " التي نزلت بمكة. واما قوله (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه اكبر عند الله والفتنة اكبر من القتل) فانه كان سبب نزولها انه لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة بعث السرايا إلى الطرقات التي تدخل مكة تتعرض لغير قريش، حتى بعث عبد الله
ابن جحش في نفر من اصحابه إلى نخلة، وهي بستان بني عامر ليأخذوا عير قريش حين اقبلت من الطائف عليها الزبيب والادم والطعام، فوافوها وقد نزلت العير وفيهم عمر بن عبد الله الحضرمي وكان حليفا لعتبة بن ربيعة، فلما نظر الحضرمي إلى عبد الله بن جحش واصحابه فزعوا وتهيؤا للحرب وقالوا هؤلاء اصحاب محمد، فأمر عبد الله بن جحش اصحابه ان ينزلوا ويحلقوا رؤسهم، فنزلوا فحلقوا رؤسهم فقال ابن الحضرمي هؤلاء قوم عباد ليس علينا منهم باس، فلما
[ 72 ]
اطمأنوا ووضعوا السلاح حمل عليهم عبد الله بن جحش فقتل ابن الحضرمي وافلت اصحابه واخذوا العير بما فيها وساقوها إلى المدينة وكان ذلك في اول يوم من رجب من اشهر الحرم، فعزلوا العير وما كان عليها ولم ينالوا منها شيئا، فكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إنك استحللت الشهر الحرام وسفكت فيه الدم واخذت المال وكثر القول في هذا، وجاء اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله ايحل القتل في الشهر الحرام فانزل الله " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير.. الخ " قال القتال في الشهر الحرام عظيم ولكن الذي فعلت قريش بك يا محمد صلى الله عليه وآله من الصد عن المسجد الحرام والكفر بالله وإخراجك منها هو اكبر عند الله والفتنة يعني الكفر بالله اكبر من القتل ثم انزلت " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) وقوله (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) قال لا إقتار ولا إسراف (2) وقوله (يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم) فانه حدثني ابي عن صفوان عن عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله (ع) انه لما انزلت " ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا
وسيصلون سعيرا " أخرج كل من كان عنده يتيم وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله في إخراجهم، فانزل الله تعالى " ويسألونك عن اليتامى.. الخ " وقال الصادق عليه السلام لا بأس ان تخلط طعامك بطعام اليتيم فان الصغير يوشك أن يأكل الكبير معه واما الكسوة وغيره فيحسب على كل رأس صغير وكبير كما يحتاج إليه، واما قوله (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة
(1) والحال انها قبل " يسألونك عن الشهر الحرام.. الخ " (2) انما ترك المؤلف تفسير آية: يسئلونك عن الخمر والميسر، لانه سيأتي في ذيل قوله تعالى: انما الخمر والميسر الخ في سورة المائدة ص 180 فراجع - ج - ز (*)
[ 73 ]
ولو اعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) فقوله " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " منسوخ بقوله " والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم " وقوله " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " على حاله لم ينسخ وقوله (ويسألونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) يعني النساء لا تأتوهن في الفرج حتى يغتسلن (فإذا تطهرن) اي اغتسلن (فاتوهن من حيث امركم الله) وقوله (نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انى شئتم) اي متى شئتم وتأولت العامة في قوله " انى شئتم " اي حيث شئتم في القبل والدبر، وقال الصادق عليه السلام " انى شئتم " اي متى شئتم في الفرج والدليل على قوله في الفرج قوله تعالى " نساؤكم حرث لكم " فالحرث الزرع في الفرج في موضع الولد، وقال الصادق عليه السلام من اتى امرأته في الفرج في اول ايام حيضها فعليه ان يتصدق بدينار وعليه ربع حد الزاني خمسة وعشرون جلدة، وان اتاها في آخر ايام حيضها فعليه ان يتصدق بنصف دينار ويضرب اثني عشر جلدة ونصف (1) وقوله (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) قال هو قول الرجل في
كل حالة لا والله وبلى والله واما قوله (للذين يولون من نسائهم تربص اربعة اشهر فان فاءوا فان الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فان الله سميع عليم) فانه حدثني ابي عن صفوان إبن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال الايلاء هو ان يحلف الرجل على امرأته ألا يجامعها فان صبرت عليه فلها ان تصبر، فان رفعته إلى الامام انظره اربعة اشهر ثم يقول له بعد ذلك اما ان ترجع إلى المناكحة واما ان تطلق والا حبستك ابدا، وروي عن امير المؤمنين عليه السلام انه بنى حظيرة من قصب وجعل فيها رجل آلى من امرأته بعد اربعة اشهر وقال له اما
(1) بان يوخذ نصف السوط باليد ويضرب به ج ز. (*)
[ 74 ]
ترجع إلى المناكحة أو ان تطلق والا احرقت عليك الحظيرة، وقوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) قال والمطلقة تعتد ثلاثة قروء ان كانت تحيض قوله (ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في ارحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر) قال لا يحل للمرأة ان تكتم حملها أو حيضها أو طهرها وقد فرض الله على النساء ثلاثة اشياء الطهر والحيض والحبل وقوله (وللرجال عليهن درجة) قال حق الرجال على النساء افضل من حق النساء على الرجال. وقوله (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) قال في الثالثة (1) وهو طلاق السنة، حدثني ابي عن اسماعيل بن مهران (مرار ط) عن يونس عن عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن طلاق السنة، قال هو ان يطلق الرجل المرأة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين ثم يتركها حتى تعتد ثلاثة قروء فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة، وحلت للازواج وكان زوجها خاطبا من الخطاب ان شائت تزوجته وان شائت لم تفعل فان تزوجها بمهر جديد كانت عنده بثنتين باقيتين ومضت بواحدة، فان هو
طلقها واحدة على طهر بشهود ثم راجعها وواقعها ثم انتظر بها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها طلقة اخرى بشهادة شاهدين ثم تركها حتى تمضي اقراؤها الثلاثة، فإذا مضت اقراؤها الثلاثة قبل ان يراجعها فقد بانت منه بثنتين وقد ملكت امرها وحلت للازواج وكان زوجها خاطبا من الخطاب فان شائت تزوجته وان شائت لم تفعل، وان هو تزوجها تزويجا جديدا بمهر جديد كانت عنده بواحدة باقية وفد ؟ ؟ ثنتان، فان اراد ان يطلقها طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره تركها حتى إذا حاضت وطهرت اشهد على طلاقها تطليقة واحدة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
(1) اي في التطليقة الثالثة تسرح باحسان ج - ز (*)
[ 75 ]
فاما طلاق الرجعة، فانه يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر، فان حاضت وطهرت اشهد شاهدين على تطليقة اخرى ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر فان حاضت وطهرت اشهد شاهدين على التطليقة الثالثة كل تطليقة على طهر بمراجعة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وعليها ان تعتد ثلاثة اقرء من يوم طلقها التطليقة الثالثة لدنس النكاح، وهما يتوارثان ما دامت في العدة، فان طلقها واحدة على طهر بشهود ثم انتظر بها حتى تحيض وتطهر ثم طلقها قبل ان يراجعها لم يكن طلاقه الثاني طلاقا جائزا، لانه طلق طالقا لانه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت خارجة من ملكه حتى يراجعها، فإذا راجعها صارت في ملكه ما لم يطلق التطليقة الثالثة فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج ملك الرجعة من يده فان طلقها على طهر بشهود ثم راجعها وانتظر بها الطهر من غير مواقعة فحاضت وطهرت وهي عنده ثم طلقها قبل ان يدنسها بمواقعة بعد الرجعة لم يكن طلاقه لها طلاقا لانه طلقها التطليقة الثانية
في طهر الاولى، ولا ينقض الطهر الا بمواقعة بعد الرجعة وكذلك لا تكون التطليقة الثالثة الا بمراجعة ومواقعة بعد الرجعة ثم حيض وطهر بعد الحيض ثم طلاق بشهود حتى يكون لكل تطليقة طهر من تدنيس مواقعة بشهود. قوله (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله) فان هذه الآية نزلت في الخلع، حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال الخلع لا يكون الا أن تقول المرأة لزوجها لا أبر لك قسما ولاخرجن بغير اذنك ولاوطين فراشك غيرك ولا اغتسل لك من جنابة، أو تقول لا اطيع لك امرا أو تطلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له ان يأخذ منها جميع ما اعطاها وكل ما قدر عليه مما تعطيه من مالها فإذا تراضيا على ذلك طلقها
[ 76 ]
على طهر بشهود ففد بانت منه بواحدة، وهو خاطب من الخطاب فان شائت تزوجته وان شائت لم تفعل، فان تزوجها فهي عنده على اثنتين باقيتين، وينبغي له ان يشترط عليها كما اشترط صاحب المباراة إن ارتجعت في شئ مما اعطيتني فانا املك ببضعك، وقال لا خلع ولا مباراة ولا تخيير الا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين، والمختلعة إذا تزوجت زوجا آخر ثم طلقها تحل للاول ان يتزوج بها، وقال لا رجعة للزوج على المختلعة ولا المباراة الا ان يبدو للمرأة فيرد عليها ما اخذ منها وقوله (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) يعني الطلاق الثالث، وقوله (فلا جناح عليهما ان يتراجعا) في الطلاق الاول والثاني. وقوله (إذا طلقم النساء فبلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) قال إذا طلقها لا يجوز له ان يراجعها
ان لم يردها فيضربها وهو قوله ولا تمسكوهن ضرارا اي لا تحبسوهن واما قوله (وإذا طلقم النساء فبلغن اجلهن فلا تعضلوهن (1) ان ينكحن ازواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) يعني إذا رضيت المرأة بالتزويج الحلال وقوله (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) يعني إذا مات الرجل وترك ولدا رضيعا لا ينبغي للوارث ان يضر بنفقة المولود بل ينبغي له ان يحزي عليه بالمعروف (2) وقوله (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) فانه حدثني ابي عن محمد بن الفضيل عن ابي الصباح الكناني عن ابي عبد الله عليه السلام قال لا ينبغي للرجل ان يمتنع من
(1) عضل المرأة عن الزواج اي منعها. (2) حز على كرم فلان اي زاد. ج - ز (*)
[ 77 ]
جماع المرأة فيضاربها إذا كان لها ولد مرضع، ويقول لها لا اقربك فاني اخاف عليك الحبل فتقتلين ولدي وكذا المرأة لا يحل لها ان تمتنع عن الرجل، فتقول إني اخاف ان احبل فاقتل ولدي فهذه المضارة في الجماع على الرجل والمرأة وقوله (وعلى الوارث مثل ذلك) لا تضار المرأة التي لها ولد وقد توفى زوجها فلا يحل للوارث ان يضار ام الولد في النفقة فيضيق عليها وقوله (فان ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) يعني إذا اصطلحت الام والوارث فيقول خذي الولد واذهبي به حيث شئت. وقوله (والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا) فهي ناسخة لقوله " والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج (1) " فقد قدمت الناسخة على المنسوخة في التأليف وقوله (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو اكننتم في
انفسكم) فهو ان يقول الرجل للمرأة في ابعدة إذا توفى عنها زوجها لا تحدثي حدثا، ولا يصرح لها النكاح والتزويج، فنهى الله عزوجل عن ذلك والسر في النكاح وقال (ولا تواعدوهن سرا الا ان تقولوا قولا معروفا) وقال من السر ايضا ان يقول الرجل في عدة المرأة للمرأة موعدك بيت فلان وقال الاعشى في ذلك. فلا تنكحن جارة ان سرها * عليك حرام فانكحن أو تأبدا (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب اجله) اي تعتد وتبلغ الذي في الكتاب اجله اربعة اشهر وعشرا واما قوله (لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) فهو ان يطلق الرجل المرأة التي قد تزوجها ولم يدخل بها ولم يسم لها صداقا، فعليه إذا طلقها ان يمتعها على قدر حاله
(1) البقرة 140 (*)
[ 78 ]
كما قال الله عزوجل (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) فالموسع يمتع بالامة والدراهم والثوب على قدر سعته والمقتر يمتع باخمار وما يقدر عليه، وان تزوج بها وقد سمى لها الصداق ولم يدخل بها فعليه نصف المهر قوله (الا ان يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وهو الولي والاب ولا يعفوان الا بامرها وهو قوله (وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا ان يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وتتزوج من ساعتها ولا عدة عليها والعدة على اثنين وعشرين وجها فالمطلقة تعتد ثلاثة اقرء، والقرء هو اجتماع الدم في الرحم، والعدة الثانية إذا لم تحض فثلاثة اشهر بيض وإذا كانت تحيض في الشهر الاقل أو الاكثر وطلقت ثم حاضت قبل ان يأتي لها ثلاثة اشهر حيضة واحدة فلا تبين من زوجها الا بالحيض، وان مضي ثلاثة اشهر لها ولم تحض فانها تبين بالاشهر البيض، فان حاضت قبل ان يمضي لها ثلاثة اشهر فانها
تبين بالدم، والمطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة فلا تبين حتى تطهر من الدم الثالث، والمطلقة الحامل لا تبين حتى تضع ما في بطنها فان طلقها اليوم ووضعت في الغد فقد بانت، والمتوفى عنها زوجها وهي الحامل تعتد بابعد الاجلين فان وضعت قبل ان يمضي لها اربعة اشهر وعشرا فلتتم اربعة اشهر وعشرا فان مضى لها اربعة اشهر وعشرا فلم تضع فعدتها ان تضع، والمطلقة وزوجها غائب عنها تعتد من يوم طلقها إذا شهد عندها شاهدان عدلان انه طلقها في يوم معروف تعتد من ذلك اليوم فان لم يشهد عندها احد ولم تعلم اي يوم طلقها تعتد من يوم يبلغها، والمنوفى عنها زوجها وهو غائب تعتد من يوم يبلغها، والتي لم يدخل بها زوجها ثم طلقها فلا عدة عليها، فان مات عنها ولم يدخل لها تعتد اربعة اشهر وعشرا. والعدة على الرجال ايضا ان كان له اربعة نسوة وطلق احديهن لم يحل
[ 79 ]
له ان يتزوج حتى تعتد التي طلقها، فإذا اراد ان يتزوج اخت امرأته لم تحل له حتى يطلق امرأته وتعتد ثم يتزوج اختها، والمتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت، والمطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة تعتد حيث شاءت ولا تبيت عن بيتها، والتي للزوج عليها رجعة لا تعتد الا في بيت زوجها وتراه ويراها ما دامت في العدة، وعدة الامة إذا كانت تحت الحر شهران وخمسة ايام. وعدة المتعة خمسة واربعون يوما، وعدة السبي استبراء الرحم، فهذه وجوه العدة. واما المرأة التي لا تحل لزوجها ابدا فهي التي طلقها زوجها ثلاث تطليقات على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين وتتزوج زوجا غيره فيطلقها ويتزوج بها الاول الذي كان طلقها ثلاث تطليقات ثم يطلقها ايضا ثلاث تطليقات للعدة (على طهر من غير جماع بشهادة عدلين ط)
فتتزوج زوجا آخر ثم يطلقها فيتزوجها الاول الذي قد طلفها ست تطليقات على طهر وتزوجت زوجين غير زوجها الاول ثم يطلقها هذا زوجها الاول ثلاث تطليقات على طهر واحد من غير جماع بشهادة عدلين، فهذه التي لا تحل لزوجها الاول ابدا لانه قد طلقها تسع تطليقات وتزوج بها تسع مرات، وتزوجت ثلاثة ازواج فلا تحل للزوج الاول ابدا، ومن طلق إمرأته من غير ان تحيض أو كانت في دم الحيض أو نفساء من قبل ان تطهر فطلاقه باطل. وقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن ابن سنان ابي عبد الله عليه السلام انه قرأ " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين " فقوله " قوموا لله قانتين " قال إقبال الرجل على صلاته ومحافظته حتى لا يلهيه ولا يشغله عنها شئ وقوله (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فهي رخصة بعد العزيمة للخائف ان يصلي راكبا وراجلا، وصلاة الخوف على ثلاثة وجوه قال الله تبارك
[ 80 ]
وتعالى " وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا اسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فيصلوا معك وليأخذوا حذرهم واسلحتهم " فهذا وجه. والوجه الثاني من صلاة الخوف فهو الذي يخاف اللصوص والسباع في السفر فانه يتوجه إلى القبلة ويفتتح الصلاة ويمر على وجه الارض الذي هو فيه فإذا فرغ من القراءة واراد ان يركع ويسجد ولي وجهه إلى القبلة ان قدر عليه وان لم يقدر عليه ركع وسجد حيث ما توجه وان كان راكبا اومأ براسه. وصلاة المجادلة (المجاهدة ط) وهي المضاربة في الحرب إذا لم يقدر ان ينزل، يصلي ويكبر ولكل ركعة تكبيرة ويصلى وهو راكب فان امير المؤمنين عليه السلام صلي واصحابه
خمس صلوات بصفين على ظهور الدواب لكل ركعة تكبيرة وصلى وهو راكب حيث ما توجهوا. ومنها صلاة الحيرة على ثلاثة وجوه، فوجه منها هو ان الرجل يكون في مفازة ولا يعرف القبلة يصلي إلى اربعة جوانب، والوجه الثاني، من فاتته الصلاة ولم يعرف اي صلاة هي فانه يجب ان يصلي ثلاث ركعات واربع ركعات وركعتين فان كانت المغرب فقد قضاها، وان فاتته العتمة فقد (1) قضاها وان كانت الفجر فقد قضاهاوان كانت الظهر والعصر فقد قامت الاربعة مقامها، ومن كان عليه ثوبان فاصاب احدهما بول أو قذر أو جنابة ولم يدر أي الثوبين اصاب القذر، فانه يصلي في هذا وفي هذا فإذا وجد الماء غسلهما جميعا. واما قوله (الم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم) فانه كان وقع الطاعون بالشام في بعض الكور (2)
(1) العتمة محركة صلوة العشاء - مجمع (2) الكور كصرد جمع كورة بضم الكاف وهي بقعة تجتمع فيها المساكن ج - ز (*)
[ 81 ]
فخرج منهم خلق كثير كما حكى الله هربا من الطاعون فصاروا إلى مفازة فماتوا في ليلة واحدة كلهم، فبقوا حتى كانت عظامهم يمر بهم المار فينحيها برجله عن الطريق ثم احياهم الله وردهم إلى منازلهم فبقوا دهرا طويلا ثم ماتوا ودفنوا. وقوله (الم تر إلى الملاء من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم إبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله - إلى قوله - والله عليم بالظالمين) قال حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام إن بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام عملوا المعاصي وغيروا دين الله
وعتوا عن امر ربهم، وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروي انه ارميا النبي، فسلط الله عليهم جالوت، وهو من القبط فاذلهم وقتل رجالهم واخرجهم من ديارهم واموالهم واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم وقالوا سل الله ان يبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت والملك والسلطان في بيت آخر لم يجمع الله لهم الملك والنبوة في بيت واحد، فمن ذلك " قالوا ابعث لنا ملكا.. الخ " وقوله (فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) فغضبوا من ذلك (وقالوا انى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) وكانت النبوة في ولد لاوي والملك في ولد يوسف، وكان طالوت من ولد بن يامين اخي يوسف لامه لم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيهم (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) وكان اعظمهم جسما وكان شجاعا قويا وكان اعلمهم الا انه كان فقيرا فعابوه بالفقر فقالوا لم يؤت سعة من المال، فقال (لهم نبيهم إن آية ملكه ان يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة) وكان التابوت الذي انزل الله على موسى فوضعته فيه امه والقته في اليم، فكان في بني إسرائيل معظما
[ 82 ]
يتبركون به، فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الالواح وما كان عنده من آيات النبوة واودعه يوشع وصيه، فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلم يزل بنو إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم فلما سألوا النبي بعث الله طالوت عليهم يقاتل معهم رد الله عليهم التابوت وقوله " فيه سكينة من ربكم " فان التابوت كان يوضع بين يدي العدو وبين المسلمين فيخرج منه ريح طيبة لها
وجه كوجه الانسان، حدثني ابي عن الحسن بن خالد عن الرضا عليه السلام انه قال السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الانسان فكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفار فان تقدم التابوت لا يرجع رجل حتى يقتل أو يغلب، ومن رجع عن التابوت كفر وقتله الامام. فأوحى الله إلى نبيهم ان جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى عليه السلام وهو رجل من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام اسمه داود بن آسي، وكان آسي راعيا وكان له عشرة بنين اصغرهم داود، فلما بعث طالوت إلى بني إسرائيل وجمعهم لحرب جالوت بعث إلى آسي ان احضر ولدك، فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فالبسه درع موسى عليه السلام، منهم من طالت عليه ومنهم من قصرت عنه فقال لآسي هل خلفت من ولدك احدا ؟ قال نعم اصغرهم تركته في الغنم يرعاها فبعث إليه ابنه فجاء به فلما دعي اقبل ومعه مقلاع (1) قال فنادته ثلاث صخرات في طريقه فقالت يا داود خذنا فاخذها في مخلاته وكان شديد البطش قويا في بدنه شجاعا، فلما جاء إلى طالوت البسه درع موسى فاستوت عليه، ففصل طالوت بالجنود
(1) مقلاع كمضراب آلة يرمى بها الاحجار إلى الصيد ونحوه. (*)
[ 83 ]
وقال لهم نبيهم يا بني إسرائيل (ان الله مبتليكم بنهر) في هذه المفازة (1) فمن شرب منه فليس من حزب الله، ومن لم يشرب منه فانه من حزب الله الا من اغترف غرفة بيده، فلما وردوا النهر اطلق الله لهم ان يغرف كل واحد منهم غرفة بيده (فشربوا منه الا قليلا منهم) فالذين شربوا منه كانوا ستين الفا وهذا امتحان امتحنوا به كما قال الله، وروي عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال القليل الذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاث مأة وثلاث عشر رجلا، فلما جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الذين شربوا منه (لا طاقة لنا اليوم بجالوت
وجنوده) وقال الذين لم يشربوا (ربنا افرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) فجاء داود (ع) حتى وقف بحذاء جالوت، وكان جالوت على للفيل وعلى رأسه التاج وفي ياقوت يلمع نوره وجنوده بين يديه، فاخذ داود من تلك الاحجار حجرا فرمى به في ميمنة جالوت، فمر في الهواء ووقع عليهم فانهزموا واخذ حجرا آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا ورمى جالوت بحجر ثالث فصك الياقوتة في جبهته ووصل إلى دماغه ووقع إلى الارض ميتا فهو قوله (فهزموهم باذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة) واما قوله (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل قال قال أبو عبد الله (ع) إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا، ولو اجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا، وإن الله يدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي من شيعتنا ولو اجمعوا على ترك الزكاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن
(1) المفازة كمغارة الفلاة لا ماء فيها، قيل ان ذلك مأخوذ من فوز اي مات لان المفازة مظنة للموت، وقيل سميت مفازة لان من خرج منها وقطعها فاز. ج - ز (*)
[ 84 ]
يحج من شيعتنا عمن لا يحج من شيعتنا ولو اجمعوا على ترك الحج لهلكوا، وهو قول الله " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.. الخ " الجزء (3) واما قوله (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وايدناه بروح القدس الآية) فانه جاء رجل إلى امير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل فقال يا علي على ما تفاتل اصحاب رسول الله ومن شهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ؟ فقال على آية في كتاب الله اباحت لي قتالهم، فقال وما هي ؟ قال قوله تعالى " تلك الرسل فضلنا
بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وايدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " فقال الرجل كفر والله القوم وقوله (يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) اي صداقة. واما آية الكرسي فانه حدثني ابي عن الحسين بن خالد انه قره أبو الحسن الرضا عليه السلام: (1) الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم) قال " ما بين ايديهم " فامور الانبياء وما كان " وما خلفهم " اي ما لم يكن بعد، قوله " الا بما شاء " اي بما يوحى إليهم (ولا يؤده حفظهما) اي لا يثقل عليه حفظ ما في السماوات وما في الارض وقوله (لا إكراه في الدين) اي لا يكره احد على دينه الا بعد ان قد تبين له الرشد من الغي (فمن يكفر بالطاغوت) وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم (فقد استمسك بالعروة الوثقى) يعني الولاية
(1) ليس في ط الم - ج - ز (*)
[ 85 ]
(لا انفصام لها) اي حبل لا انقطاع له يعني امير المؤمنين والائمة بعده عليهم السلام (الله ولي الذين آمنوا) وهم الذين اتبعوا آل محمد عليهم السلام (يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت) هم الظالمون آل محمد والذين اتبعوا من غصبهم (يخرجونهم من النور إلى الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون والحمد لله رب العالمين) كذا نزلت، حدثني ابي عن النضر بن
سويد عن موسى بن بكر عن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله (وسع كرسيه السموات والارض) سألته ايما اوسع الكرسي أو السموات والارض ؟ قال لا بل الكرسي وسع السموات والارض وكل شئ خلق الله في الكرسي. حدثني ابي عن اسحاق بن الهيثم عن سعد بن ظريف عن الاصبغ بن نباتة ان عليا عليه السلام سئل عن قول الله عزوجل " وسع كرسيه السموات والارض " قال السموات والارض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي وله اربعة املاك يحملونه باذن الله (فاما الملك الاول) ففي صورة الآدميين وهى اكرم الصور على الله وهو يدعو الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لبني آدم (والملك الثاني) في صورة الثور وهو سيد البهائم وهو يطلب إلى الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع البهائم (والملك الثالث) في صورة النسر وهو سيد الطير وهو يطلب إلى الله ويتضرع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع الطير (والملك الرابع) في صورة الاسد وهو سيد السباع وهو يرغب إلى الله ويطلب الشفاعة والرزق لجميع السباع، ولم يكن في هذه الصور احسن من الثور ولا اشد انتصابا منه حتى اتخذ الملا من بني اسرائيل العجل الها، فلما عكفوا عليه وعبدوه من دون الله خفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياءا من الله ان عبد من دون الله شيئ يشبهه وتخوف ان ينزل به العذاب، ثم قال عليه السلام ان الشجر لم يزل حصيدا كله حتى دعي للرحمن ولد أعز الرحمن وجل ان يكون له ولد، فكادت
[ 86 ]
السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا (1)، فعند ذلك اقشعر الشجر وصار له شوك حذار ان ينزل به العذاب، فما بال قوم غيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعدلوا عن وصيته في حق علي والائمة عليهم السلام ولا يخافون ان ينزل بهم العذاب ثم تلا هذه الآية " الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم
دار البوار " ثم قال نحن والله نعمة الله التي انعم الله بها على عباده وبنا فاز من فاز وقوله (لم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال انا احيى واميت قال إبراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب) فانه لما القى نمرود إبراهيم (ع) في النار وجعلها الله عليه بردا وسلاما قال نمرود يا ابراهيم من ربك ؟ قال ربي الذي يحيى ويميت، قال نمرود انا احيي واميت فقال له ابراهيم كيف تحيي وتميت ؟ قال إلي برجلين ممن قد وجب عليهما القتل فاطلق عن واحد وقتل واحدا فاكون قد احييت وامت، فقال ابراهيم ان كنت صادقا فاحي الذي قتلته ثم قال دع هذا فان ربي يأتيني بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فكان كما قال الله عزوجل " فبهت الذي كفر " اي انقطع وذلك انه علم ان الشمس اقدم منه. واما قوله (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال انى يحيي هذه الله بعد موتها) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيي الحلبي عن هارون بن خارجة عن ابي عبد الله (ع) قال لما عملت بنو إسرائيل المعاصي وعتوا عن امر ربهم فاراد الله ان يسلط عليهم من يذلهم ويقتلهم فأوحى الله تعالى إلى إرميا يا إرميا ما بلد انتخبته من بين البلدان وغرست فيه من كرائم الشجر فاخلف فانبت خرنوبا ؟ (2) فاخبر إرميا اخيار علماء بني اسرائيل فقالوا له راجع
(1) هد البناء أي ضعضعه وهدمه (2) الخرنوب بالضم والفتح شجرة برية ذات شوك وحمل كالتفاح لكنه بشع ق (*)
[ 87 ]
ربك ليخبرنا ما معنى هذا المثل ؟ فصام إرميا سبعا، فأوحى الله إليه ياارميا اما البلد فبيت المقدس واما ما انبت فيها فبنو إسرائيل الذين اسكنتهم فيها فعملوا
بالمعاصي وغيروا ديني وبدلوا نعمتي كفرا، فبى حلفت لامتحننهم بفتنة يظل الحكيم فيها حيرانا ولاسلطن عليهم شر عبادي ولادة وشرهم طعاما فليسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم ويسبي حريمهم ويخرب ديارهم التي يغترون بها ويلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مأة سنة، فاخبر ارميا احبار بني اسرائيل فقالوا له راجع ربك فقل له ما ذنب الفقراء والمساكين والضعفاء، فصام ارميا سبعا ثم اكل اكلة فلم يوح إليه شئ ثم صام سبعا واكل اكلة ولم يوح إليه شئ ثم صام سبعا فأوحى الله إليه يا ارميا لتكفن عن هذا أو لاردن وجهك في قفاك، قال ثم اوحى الله تعالى إليه قل لهم لانكم رأيتم المنكر فلم تنكروه، فقال ارميا رب اعلمني من هو حتى آتيه وآخد لنفسي واهل بيتي منه امانا قال إيت موضع كذا وكذا فانظر إلى غلام اشدهم زمانا واخبثهم ولادة واضعفهم جسما وشرهم غذاءا فهو ذلك، فاتى إرميا ذلك البلد فإذا هو غلام في خان زمن (1) ملقى على مزبلة وسط الخان وإذا له ام تزني بالكسر وتفت الكسر في القصعة وتحلب عليه خنزيرة لها ثم تدنيه من ذاك الغلام فيأكله، فقال ارميا ان كان في الدنيا الذي وضعه الله فهو هذا، فدنى منه فقال له ما اسمك ؟ فقال بخت نصر، فعرفه انه هو فعالجه حتى برأ ثم قال له تعرفني ؟ قال لا انت رجل صالح، قال انا ارميا نبي بني إسرائيل، اخبرني الله انه سيسلطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم وتفعل بهم كذا وكذا، قال فتاه في نفسه في ذاك الوقت ثم قال ارميا اكتب لي كتابا بامان منك فكتب له كتابا، وكان يخرج في الجبل ويحتطب ويدخله المدينة ويبيعه.
(1) اي مخروبة. (2) بخت نصر بضم الباء وتشديد الصاد اصله بوخت ومعناه ابن ونصر اسم صنم لانه كان وجد ملقى عنده فنسب إليه لانه لم يعرف له اب ق ومجمع ج. ز (*)
[ 88 ]
فدعا إلى حرب بني اسرائيل فأجابوه وكان مسكنهم في بيت المقدس واقبل بخت نصر نحو بيت المقدس واجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ ارميا اقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له ومعه الامان الذي كتب له بخت نصر فلم يصل إليه ارميا من كثرة جنوده واصحابه، فصير الامان على قصبة ورفعها، فقال من انت ؟ فقال انا ارميا النبي الذي بشرتك بانك سيسلطك الله على بني اسرائيل وهذا امانك لي، قال اما انت فقد امنتك واما اهل بيتك فانى ازمى من ههنا إلى بيت المقدس فان وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا امان لهم عندي وان لم تصل فهم آمنون، وانتزع قوسه ورمى نحو بيت المقدس فحملت الريح النشابة حتى علقتها في بيت المقدس، فقال لا امان لهم عندي، فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة وإذا دم يغلي وسطه كلما القي عليه التراب خرج وهو يغلي فقال ما هذا فقالوا هذا ؟ دم نبي كان لله فقتله ملوك بني اسرائيل ودمه يغلي وكلما القينا عليه التراب خرج يغلي، فقال بخت نصر لاقتلن بني اسرائيل ابدا حتى يسكن هذا الدم وكان ذلك الدم دم يحيى بن زكريا (ع) وكان في زمانه ملك جبار يزني بنساء بني إسرائيل وكان يمر بيحيى بن زكريا فقال له يحيى اتق الله ايها الملك، لا يحل لك هذا فقالت له امرأة من اللواتي كان يزني بهن حين سكر " ايها الملك اقتل هذا " فأمر ان يؤتى برأسه فأتوا برأس يحيى (ع) في طشت وكان الرأس يكلمه ويقول له يا هذا اتق الله لا يحل لك هذا، ثم غلى الدم في طشت حتى فاض إلى الارض فخرج يغلى ولا يسكن، وكان بين قتل يحيى وبين خروج بخت نصر مأة سنة، ولم يزل بخت نصر يقتلهم وكان يدخل قرية قرية فيقتل الرجال والنساء والصبيان وكل حيوان والدم يغلى ولا يسكن حتى افناهم، فقال أبقي احد في هذه البلاد ؟ قالوا عجوز في موضع كذا وكذا فبعث
إليها فضرب عنقها على الدم فسكن، وكانت آخر من بقي، ثم اتى بابل فبنى بها
[ 89 ]
مدينة واقام وحفر بئرا فالقى فيها دانيال والقى معه اللبوة (1) فجعلت اللبوة تأكل من طين البئر ويشرب دانيال لبنها فلبث بذلك زمانا، فأوحى الله إلى النبي الذي كان ببيت المقدس ان اذهب بهذا الطعام والشراب إلى دانيال واقرأه مني السلام، قال واين دانيال يا رب ؟ قال في بئر ببابل في موضع كذا وكذا قال فاتاه فاطلع في البئر فقال يا دانيال، فقال لبيك صوت غريب قال إن ربك يقرؤك السلام وقد بعث اليك بالطعام والشراب فأدلاه إليه فقال دانيال " الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه الحمدلله الذي من توكل عليه كفاه الحمدلله الذي لا ينسى من ذكره الحمدلله الذي لا يخيب من دعاه الحمدلله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره الحمد له الذي يجزي بالاحسان إحسانا الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة الحمدلله الذي يكشف حزننا (ضرنا ط) عند كربتنا الحمدلله الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منا الحمدلله الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننا باعمالنا ". قال فأوري بخت نصر في نومه كأن رأسه من حديد ورجليه من نحاس وصدره من ذهب، قال فدعا المنجمين فقال لهم ما رأيت ؟ قالوا ما ندري ولكن قص علينا ما رأيت ؟ فقال وانا اجري عليكم الارزاق منذ كذا وكذا ولا تدرون ما رأيت في المنام، فأمر بهم فقتلوا، قال فقال له بعض من كان عنده، ان كان عند احد شئ فعند صاحب الجب فان اللبوة لم تعرض له وهي تأكل الطين وترضعه فبعث إلى دانيال فقال ما رأيت في المنام ؟ قال رأيت كان رأسك من حديد ورجليك من نحاس وصدرك من ذهب، قال هكذا رأيت فما ذاك ؟ قال قد ذهب ملكك وانت مقتول إلى ثلاثة ايام يقتلك رجل من ولد فارس، قال فقال له ان علي سبع مدائن، على باب كل مدينة حرس وما رضيت بذلك حتى وضعت بطة
(1) اللبوة انثى الاسد، ج - ز (*)
[ 90 ]
من نحاس على باب كل مدينة لا يدخل غريب الا صاحت عليه حتى يؤخذ قال فقال له ان الامر كما قلت لك قال فبث الخيل وقال لا تلقون احدا من الخلق الا قتلتموه كائنا من كان وكان دانيال جالسا عنده، وقال لا تفارقني هذه الثلاثة ايام فان مضت قتلتك، فلما كان اليوم الثالث ممسيا اخذه الفم فخرج فتلقاه غلام كان يخدم ابنا له من اهل فارس وهو لا يعلم انه من اهل فارس، فدفع إليه سيفه وقال له يا غلام لا تلقى احدا من الخلق الا وقتلته وان لقيتني انا فاقتلني، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بخت نصر ضربة فقتله. فخرج إرميا على حماره ومعه تين قد تزوده وشئ من عصير فنظر إلى سباع البر وسباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعة ثم قال انى يحيي هذه الله بعد موتها وقداكلهم السباع، فأماته الله مكانه وهو قول الله تبارك وتعالى " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال انى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مأة عام ثم بعثه " اي احياه فلما رحم الله بني اسرائيل واهلك بخت نصر رد بني اسرائيل إلى الدنيا، وكان عزيز لما سلط الله بخت نصر على بني اسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي ارميا ميتا مأة سنة ثم احياه الله تعالى فاول ما احيا منه عينيه في مثل غرقئ (1) البيض فنظر فأوحى الله تعالى إليه (كم لبثت قال لبثت يوما) ثم نظر إلى الشمس وقد ارتفعت فقال (أو بعض يوم) فقال الله تعالى (بل لبثت مأة فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه - اي لم يتغير - وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما) فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطرة تجمع إليه والى اللحم الذي قد اكلته السباع يتألف إلى العظام من ههنا وههنا
(1) بكسر الغين بياض البيض. ج - ز (*)
[ 91 ]
ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال (اعلم إن الله على كل شئ قدير). واما قوله (وإذ قال إبراهيم رب ارني كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ اربعة من الطير فصر من اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم ان الله عزيز حكيم) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابي ايوب عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام ان ابراهيم عليه السلام نظر إلى جيفة على ساحل البحر تا كله سباع البر وسباع البحر ثم تحمل السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا فتعجب ابراهيم (ع) " فقال رب ارني كيف تحيي الموتى.. الخ " فأخذ ابراهيم عليه السلام الطاؤس والديك والحمام والغراب فقال الله عزوجل " فصرهن اليك، اي قطعهن ثم اخلط لحمهن وفرقهن على عشرة جبال ثم خذ مناقيرهن وادعهن ياتينك سعيا، ففعلى ابراهيم ذلك وفرقهن على عشرة جبال ثم دعاهن فقال اجيبنني باذن الله تعالى، فكانت تجمع ويتألف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه وطارت إلى ابراهيم، فعند ذلك قال ابراهيم ان الله عزيز حكيم. وقوله (والذين ينفقون اموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا منا ولا اذى الآية) فانه قال الصادق (ع) قال رسول الله صلى الله عليه وآله من اسدي إلى مؤمن معروفا ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد ابطل الله صدقته ثم ضرب الله فيه مثلا فقال كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) وقال من اكثر منه واذاه لمن يتصدق عليه بطلت صدقته كما يبطل التراب الذي يكون على صفوان، والصفوان الصخرة الكبيرة التي تكون
على مفازة فيجئ المطر فيغسل التراب عنها ويذهب به، فضرب الله هذا المثل لمن اصطنع معروفا ثم اتبعه بالمن والاذى " وقال الصادق (ع) ما شئ احب الي من
[ 92 ]
رجل سلف مني إليه يد اتبعته اختها واحسنت بها له لاني رأيت منع الاواخر فقطع لسان شكر الاوائل، ثم ضرب مثل المؤمنين (مثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من انفسهم كمثل جنة بربوة اصابها وابل فاتت اكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير) قال " مثلهم كمثل جنة " اي بستان في موضع مرتفع " اصابها وابل " اي مطر " فآتت اكلها ضعفين " اي يتضاعف ثمرها كما يتضاعف اجر من انفق ماله " ابتغاء مرضات الله " والطل ما يقع بالليل على الشجر والنبات، وقال أبو عبد الله عليه السلام (والله يضاعف لمن يشاء) لمن انفق ماله ابتغاء مرضات الله، قال فمن انفق ماله ابتغاء مرضات الله ثم امتن على من تصدق عليه كان كما قال الله (ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل واعناب تجري من تحتها الانهار له فيها من كل الثمرات واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها اعصار فيه نار فاحترقت) قال الاعصار الرياح، فمن امتن على من تصدق عليه كمن كان له جنة كثيرة الثمار وهو شيخ ضعيف له اولاد صغار ضعفاء فتجئ ريح أو نار فتحرق ماله كله، واما قوله (يا ايها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما اخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه) فانه كان سبب نزولها ان قوما كانوا إذا صرموا النخل عمدوا إلى ارذل تمورهم فيتصدقون بها، فنهاهم الله عن ذلك، فقال " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه " اي انتم لو دفع ذلك اليكم لم تأخذوه واما قوله (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) فان الشيطان يقول لا تنفق فانك تفتقر (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) اي يغفر لكم ان انفقتم لله " وفضلا "
قال يخلف عليكم، وقوله (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) قال الخير الكثير معرفة امير المؤمنين والائمة عليهم السلام، وقوله (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) قال الزكاة المفروضة تخرج علانية وتدفع علانية
[ 93 ]
وبعد ذلك غير الزكاة ان دفعته سرا فهو افضل وقوله (للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا) فهم الذين لا يسئلون الناس الحافا من الراضين والمتجملين في الدين الذين لا يسئلون الناس الحافا ولا يقدرون ان يضربوا في الارض فيحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف عن السؤال. وقوله (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بي إلى السماء رأيت قوما يريد احدهم ان يقوم فلا يقدر ان يقوم من عظم بطنه، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وقوله (يمحق الربا ويربى الصدقات) قال قيل للصادق عليه السلام قد نرى الرجل يربى وماله يكثر فقال يمحق الله دينه وان كان ماله يكثر وقوله (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين) فانه كان سبب نزولها انه لم انزل الله تعالى " الذين يأكلون الربا الخ " فقام خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ربا ابي في ثقيف وقد اوصاني عند موته باخذه فانزل الله تبارك وتعالى (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله) قال من اخذ الربا وجب عليه القتل وكل من اربى وجب عليه القتل،
واخبرني ابي عن ابن ابي عمير بن جميل عن ابي عبد الله عليه السلام قال درهم من ربا اعظم عند الله من سبعين زنية بذات محرم في بيت الله الحرام، قال ان
[ 94 ]
للربا سبعين جزءا ايسره ان ينكح الرجل امه في بيت الله الحرام. واما قوله (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) فانه حدثني ابي عن السكوني عن مالك بن مغيرة عن حماد بن سلمة عن جذعان عن سعيد بن المسيب عن عايشة انها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ما من غريم ذهب بغريمه إلى وال من ولاة المسلمين واستبان للوالي عسرته الا برئ هذا المعسر من دينه وصار دينه على والي المسلمين فيما في يديه من اموال المسلمين، قال عليه السلام ومن كان له على رجل مال اخده ولم ينفقه في اسراف أو في معصية فعسر عليه ان يقضيه فعلى من له المال ان ينظره حتى يرزقه الله فيقضيه، وان كان الامام العادل قائما فعليه ان يقتضي عنه دينه لقول رسول الله صلى الله عليه وآله من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فعلى الامام ما ضمنه الرسول، وان كان صاحب المال موسرا تصدق بماله عليه أو تركه فهو خير له لقوله (وإن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون) واما قوله (يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه) فقد روي في الخبر ان في سورة البقرة خمس مأة حكم وفي هذه الآية خمسة عشر حكما وهو قوله " يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه ويكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله " ثلاثة احكام " فليكتب " اربعة احكام " وليملل الذي عليه الحق " خمسة احكام وهو اقراره إذا املا " وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ولا يخونه " ستة احكام " فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ان يمل هو " اي لا يحسن ان يمل " فليملل وليه بالعدل " يعني ولي المال سبعة احكام
" استشهدوا شهيدين من رجالكم " ثمانية احكام " فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء إن تضل احديهما فتذكر احديهما الاخرى " يعني ان تنسى احديهما فتذكر اخرى تسعة احكام " ولا ياب الشهداء إذا ما دعوا " عشرة احكام " ولا تسأموا ان تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى اجله " اي لا تضجروا
[ 95 ]
ان تكتبوه صغير السن أو كبيرا احد عشر حكما " ذلكم اقسط عند الله واقوم للشهادة وادني ان لا ترتابوا " اي لا تشكوا " الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها " اثنا عشر حكما " واشهدوا إذا تبايعتم " ثلاثة عشر حكما " ولا يضار كاتب ولا شهيد " اربعة عشر حكما " وان تفعلوا فانه فسوق بكم " خمسة عشر حكما " واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم " وقوله (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان أمن بعضكم بعضا) اي يأخذ منه رهنا فان امنه ولم يأخذ منه رهنا " فليتق الله ربه " الذي اخذ المال وقوله " ولا تكتموا الشهادة " معطوف على قوله " واستشهدوا شهيدين من رجالكم ". واما قوله (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام ان هذه الآية مشافهة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ليلة أسرى به إلى السماء، قال النبي صلى الله عليه وآله انتهيت إلى محل سدرة المنتهى وإذا بورقة منها تظل امة من الامم فكنت من ربي كقاب قوسين أو ادنى كما حكى الله عزوجل فناداني ربي تبارك وتعالى " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " فقلت انا مجيب عني وعن امتي (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير) فقال الله (لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فقلت
(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وقال الله لا اؤاخذك، فقلت (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) فقال الله لا أحملك، فقلت (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا علي القوم الكافرين) فقال الله تعالى قد أعطيتك ذلك لك ولامتك، فقال الصادق (ع) ما وفد إلى الله تعالى احد اكرم من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث سأل لامته هذه الخصال.
[ 96 ]
[ سورة آل عمران مدنية وهى مأتا آية ] (بسم الله الرحمن الرحيم الم الله لا اله إلا هو الحي القيوم) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قول الله تبارك وتعالى (الم الله لا اله الا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التورية والانجيل من قبل، هدى للناس وأنزل الفرقان) قال الفرقان هو كل امر محكم والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدقه من كان قبله من الانبياء (وهو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء) يعني ذكرا أو انثى واسود وابيض واحمر وصحيحا وسقيما، وقوله (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) فاما المحكم من القرآن فهو ما تأويله في تنزيله مثل قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين " ومثل قوله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم " إلى آخر الآية ومثله كثير محكم مما تأويله في تنزيله. واما المتشابه فما كان في القرآن مما لفظه واحد ومعاينه مختلفة مما ذكرنا
من الكفر الذي هو على خمسة اوجه والايمان على اربعة وجوه ومثل الفتنة والضلال الذي هو على وجوه وتفسير كل آية نذكره في موضعه ان شاء الله تعالى واما قوله (فاما الذين في قلوبهم زيغ) اي شك وقوله (وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة عن يزيد بن معاوية عن ابي جعفر عليه السلام قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله افضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما انزل الله عليه من التنزيل والتأويل وما كان الله
[ 97 ]
لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله واوصياؤه من بعده يعلمونه كله، قال قلت جعلت فداك ان ابا الخطاب كان يقول فيكم قولا عظيما، قال وما كان يقول ؟ قلت انه يقول انكم تعلمون علم الحلال والحرام والقرآن قال علم الحلال والحرام والقرآن يسير في جنب العلم الذي يحدث في الليل والنهار وقوله (ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا) اي لا نشك وقوله (اولئك هم وقود النار) يعني حطب النار (كداب آل فرعون) اي فعل آل فرعون. وقوله (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) فانها نزلت بعد بدر لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر اتى بنى قينقاع وهو يناديهم وكان بها سوق يسمى سوق النبط فأتاهم رسول الله فقال يا معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم اكثر عددا وسلاما وكراعا منكم فادخلوا في الاسلام، فقالوا يا محمد ءانك تحسب حربنا مثل حرب قومك ؟ والله لو لقيتنا للقيت رجالا، فنزل عليه جبرئيل فقال يا محمد (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله) يعني فئة المسلمين وفئة الكفار (واخرى كافرة يرونهم مثليهم راي العين) اي كانوا مثلي المسلمين (والله يؤيد بنصره من يشاء) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر (إن في ذلك لعبرة
لاولي الابصار). وقوله (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث) قال القناطير جلود الثيران مملوءة دهبا " والخيل المسومة " يعني الراعية والانعام " والحرث " يعني الزرع " والله عنده حسن المآب " اي حسن المرجع إليه قال (أؤنبئكم بخير من ذلكم الذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) ثم اخبر ان هذا للذين (يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر ذنوبنا وقنا عذاب النار - إلى قوله - والمستغفرين
[ 98 ]
بالاسحار) ثم اخبر ان هؤلاء هم (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار) وهم الدعاؤن واما قوله (وازواج مطهرة) قال في الجنة لا يحضن ولا يحدثن. حدثني ابي عن اسماعيل بن ابان عن عمر (عمير ط) بن عبد الله الثقفي قال اخرج هشام بن عبد الملك ابا جعفر محمد بن علي زين العابدين عليهم السلام من المدينة إلى الشام، وكل ينزله معه فكان يقعد مع الناس في مجالسهم فبينما هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال ما لهؤلاء القوم ألهم عيد اليوم ؟ قالوا لا يابن رسول الله ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في مثل هذا اليوم فيخرجونه ويسألونه عما يريدون وعما يكون في عامهم، قال أبو جعفر عليه السلام وله علم ؟ فقالوا هو من اعلم الناس قد ادرك اصحاب الحواريين من اصحاب عيسى (ع)، قال لهم نذهب إليه، فقالوا ذاك اليك يابن رسول الله، قال فقنع أبو جعفر رأسه بثوبه ومضى هو واصحابه فاختلطوا بالناس حتى اتوا الجبل، قال فقعد أبو جعفر وسط النصاري هو واصحابه، فاخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد ثم دخلوا فاخرجوه ثم
ربطوا عينيه فقلب عينيه كأنهما عينا افعى، ثم قصد ابا جعفر (ع) فقال أمنا انت ام من الامة المرحومة ؟ فقال أبو جعفر (ع) من الامة المرحومة، قال فمن علمائهم انت ام من جهالهم ؟ قال لست من جهالهم، قال النصراني اسألك أو تسألني ؟ فقال أبو جعفر (ع) سلني، فقال يا معشر النصارى رجل من امة محمد يقول اسألني ان هذا لعالم بالمسائل ثم قال يا عبد الله اخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار أي ساعة هي ؟ قال أبو جعفر (ع) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصراني فإذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن اي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر (ع) من ساعات الجنة وفيها
[ 99 ]
تفيق مرضى، فقال النصراني اصبت فأسألك أو تسألني ؟ قال أبو جعفر (ع) سلني، قال يا معشر النصارى ان هذا لملئ بالمسائل اخبرني عن اهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون ؟ اعطني مثله في الدنيا، قال أبو جعفر (ع) هذا هو الجنين في بطن امه يأكل مما تأكل امه ولا يتغوط، قال النصراني اصبت الم تقل ما انا من علمائهم ؟ قال أبو جعفر (ع) انما قلت لك ما انا من جهالهم، قال النصراني فاسألك أو تسألني قال أبو جعفر (ع) سلني قال يا معشر النصارى لاسألنه مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل، فقال له سل قال اخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت منه بابنين حملتهما جميعا في ساعة واحدة ووضعتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة ودفنا في ساعة واحدة في قبر واحد عاش احدهما خمسين ومائة سنة وعاش الآخر خمسين سنة من هما ؟ قال أبو جعفر (ع) هما عزير وعزرة كانت حملت امهما على ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزرة وعزير ثلاثين سنة ثم امات الله عزيرا مأة سنة وبقي عزرة يحيى ثم بعث الله عزيرا فعاش مع عزرة عشرين سنة وماتا جميعا في ساعة واحدة فدفنا في قبر واحد،
قال النصراني يا معشر النصارى ما رأيت احدا قط اعلم من هذا الرجل لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردوني إلى كهفي فردوه إلى كهفه ورجع النصارى مع ابي جعفر (ع). وقوله (شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط) قال قائما بالقسط معطوف على قوله شهد الله والقسط العدل (ان الدين عند الله الاسلام) قال التسليم لله ولاوليائه وهو التصديق، وقد سمى الله الايمان تصديقا حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن حمران بن اعين عن ابى عن ابي جعفر (ع) قال ان الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام بدرجة قال وحدثني محمد بن يحيى البغدادي رفع الحديث إلى امير المؤمنين عليه السلام انه قال لانسبن
[ 100 ]
الاسلام نسبة لم ينسبها احل قبلي ولا ينسبها احد بعدي الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، فالتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل والمؤمن من اخذ دينه عن ربه إن المؤمن يعرف ايمانه في عمله وان الكافر يعرف كفره بانكاره، يا ايها الناس دينكم دينكم فان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، وان السيئة فيه تغفر، وان الحسنة في غيره لا تقبل وقوله (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة) فان هذه الآية رخصة ظاهرها خلاف باطنها يدان بظاهرها ولا يدان بباطنها الا عند التقية، ان التقية رخصة للمؤمن ان يراه (ان يدين بدين ط) الكافر فيصلي بصلاته ويصوم بصيامه إذا اتقاه في الظاهر وفي الباطن يدين الله بخلاف ذلك، وقوله (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله الآية) فحب الله للعباد رحمة منه لهم وحب العباد لله طاعتهم له (1). وقوله (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين)
فلفظ الآية عام ومعناه خاص وانما فضلهم على عالمي زمانهم وقال العالم عليه السلام نزل " وآل عمران وآل محمد على العالمين " فاسقطوا آل محمد من الكتاب. وقوله (إذ قالت امرأة عمران رب اني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك انت السميع العليم) فان الله تبارك وتعالى اوحى إلى عمران اني واهب لك ذكرا يبرئ الاكمه والابرص ويحيي الموتى باذن الله، فبشر عمران زوجته
(1) قال صادق آل محمد عليه السلام: ما احب الله من عصاه ثم تمثل فقال: تعصى الاله وانت تظهر حبه * هذا محال في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لاطعته * ان المحب لمن يحب مطيع. ج - ز (*)
[ 101 ]
بذلك فحملت، فقالت رب اني نذرت لك ما في بطني محررا للمحراب، وكانوا إذا نذروا نذرا جعلوا ولدهم للمحراب (فاما وضعتها قالت رب اني وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى) وانت وعدتني ذكرا (واني سميتها مريم واني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) فوهب الله لمريم عيسى عليه السلام قال وحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان قلنا لكم في الرجل منا قولا فلم يكن فيه كان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك ان الله اوحى إلى عمران اني واهب لك ذكرا مباركا يبرئ الاكمه والابرص ويحيي الموتى باذنى وجاعله رسولا إلى بني اسرائيل فحدث بذلك امرأته حنة وهي ام مريم فلما حملت بها كان حملها عند نفسها غلاما " فلما وضعتها انثى قالت رب اني وضعتها انثى وليس الذكر كالانثى " لان البنت لا تكون رسولا يقول الله " والله اعلم بما وضعت " فلما وهب الله لمريم عيسى عليه السلام كان هو الذي بشر الله به عمران ووعده اياه فإذا قلنا لكم في الرجل
منا شيئا فكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك. فلما بلغت مريم صارت في المحراب وارخت على نفسها سترا وكان لا يراها احد وكان يدخل عليها زكريا المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فكان يقول لها انى لك هذا ؟ فتقول (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) الحصور الذي لا يأتي النساء (قال رب انى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) والعاقر التي قد يئست من المحيض (قال كذلك الله يفعل ما يشاء) قال زكريا (رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ايام الا رمزا) وذلك ان زكريا ظن ان الذي بشره
[ 102 ]
هم الشياطين فقال " رب اجعل لي آية قال آيتك الا تكلم الناس ثلاثة ايام الا رمزا " فخرس ثلاثة ايام، وقوله (إذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العالمين) قال اصطفاها مرتين، اما الاولى اصطفاها اي اختارها واما الثانية فانها حملت من غير فحل فاصطفاها بذلك على نساء العالمين وقوله (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) وانما هو اركعي واسجدي ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك - يا محمد - وما كنا لديهم إذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) قال لما ولدت اختصم آل عمران فيها فكلهم قالوا نحن تكفلها فخرجوا وقارعوا بالسهام بينهم فخرج سهم زكريا فتكفلها زكريا. (إذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) اي ذا وجه وجاه ونكتب مولده
وخبره في سورة مريم وقوله (اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير) اي اقدر وهو خلق تقدير، حدثنا احمد بن محمد الهمداني قال حدثني جعفر بن عبد الله قال حدثنا كثير بن عياش عن زياد بن المنذر عن ابي الجارود عن ابي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام في قوله (وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) فان عيسى عليه السلام كان يقول لبني اسرائيل اني رسول الله اليكم واني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وابرئ الاكمه والابرص، الاكمه هو الاعمى قالوا ما نرى الذي تصنع الا سحرا فارنا آية نعلم انك صادق قال ارأيتم ان اخبرتكم " بما تأكلون وما تدخرون " يقول ما اكلتم في بيوتكم قبل ان تخرجوا وما ذخرتم الليل، تعلمون اني صادق ؟ قالوا نعم فكان يقول للرجل اكلت كذا وكذا وشربت كذا وكذا ورفعت كذا وكذا فمنهم من يقبل منه فيؤمن ومنهم من ينكر فيكفر، وكان لهم في ذلك آية ان كانوا مؤمنين.
[ 103 ]
وقال علي بن ابراهيم في قوله (ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم) وهو السبت والشحوم والطير الذي حرمه الله على بني اسرائيل قال وروى ابن ابي عمير عن رجل عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى (فلما احس عيسى عليه السلام منهم الكفر) اي لما سمع ورأى انهم يكفرون، والحواس الخمس التي قدرها الله في الناس السمع للصوت، والبصر للالوان وتمييزها، والشم لمعرفة الروائح الطيبة والخبيثة، والذوق للطعوم وتمييزها، واللمس لمعرفة الحار والبارد واللين والخشن. واما قوله (إذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل بن صالح عن حمران بن اعين عن ابي جعفر عليه السلام قال ان عيسى عليه السلام وعد اصحابه ليلة رفعه الله إليه، فاجتمعوا إليه عند المساء وهم
اثنا عشر رجلا فادخلهم بيتا ثم خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينقض رأسه من الماء، فقال ان الله اوحى الي انه رافعي إليه الساعة ومطهري من اليهود فايكم يلقى عليه شبحى فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي، فقال شاب منهم انا يا روح الله قال فانت هوذا فقال لهم عيسى عليه السلام اما ان منكم لمن يكفر بي قبل ان يصبح اثنتي عشرة كفرة، فقال له رجل منهم انا هو يا نبي الله ؟ فقال عيسى ان تحس بذلك في نفسك فلتكن هو ثم قال لهم عيسى (ع) اما انكم ستفترقون بعدي على ثلث فرق فرقتين مفتريتين على الله في النار وفرقة تتبع شمعون صادقة على الله في الجنة ثم رفع الله عيسى إليه من زاوية البيت وهم ينظرون إليه، ثم قال أبو جعفر (ع) ان اليهود جاءت في طلب عيسى (ع) من ليلتهم فاخذوا الرجل الذي قال له عيسى (ع) ان منكم لمن يكفر بي من قبل ان يصبح اثنتي عشرة كفرة واخذوا الشاب الذي القي عليه شبح عيسى فقتل وصلب وكفر الذي قال له عيسى (ع) تكفر قبل ان تصبح اثنتي عشرة كفرة.
[ 104 ]
واما قوله (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون - إلى قوله - فمن حاجك فيه بعد ما جاءك من العلم) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام ان نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وكان سيدهم الاهتم والعاقب والسيد وحضرت صلاتهم فاقبلوا يضربون بالناقوس وصلوا، فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هذا في مسجدك فقال دعوهم فلما فرغوا دتوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا إلى ما تدعون ؟ فقال إلى شهادة " ان لا اله الا الله واني رسول الله وان عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث " قالوا فمن ابوه ؟ فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال قل لهم ما تقولون في آدم (ع) اكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب وينكح فسألهم النبي صلى الله عليه وآله فقالوا نعم، فقال
فمن ابوه ؟ فبهتوا فبقوا ساكتين فانزل الله (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الآية) واما قوله (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم إلى قوله فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فباهلوني فان كنت صادقا انزلت اللعنة عليكم وان كنت كاذبا نزلت علي، فقالوا انصفت فتواعدوا للمباهلة، فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والاهتم ان باهلنا بقومه باهلناه، فانه ليس بنبي وان باهلنا باهل بيته خاصة فلا نباهله فانه لا يقدم على اهل بيته إلا وهو صادق، فلما اصبحوا جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه امير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فقال النصارى من هؤلاء فقيل لهم هذا إبن عمه ووصيه وختنه علي بن ابي طالب وهذه بنته فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين عليهم السلام، فعرفوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله نعطيك الرضى فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله على الجزية وانصرفوا.
[ 105 ]
وقوله (يا اهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما انزلت التورية والانجيل الا من بعده افلا تعقلون) ثم قال (ها انتم هؤلاء) اي انتم يا هؤلاء (حاججتم فيما لكم به علم) يعني بما في التورية والانجيل (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) يعني بما في صحف إبراهيم (والله يعلم وانتم لا تعلمون) ثم قال (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ثم وصف الله عزوجل من اولى الناس بابراهيم يحتج به، فقال (ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) قال حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن منصور بن يونس عن عمر بن يزيد قال أبو عبد الله عليه السلام انتم والله من آل محمد فقلت من انفسهم جعلت فداك ؟ قال نعم
والله من انفسهم ثلاثا ثم نظر الي ونظرت إليه فقال يا عمر إن الله يقول في كتابه " ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " وقوله (يا اهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) اي تعلمون ما في التورية من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وتكتمونه وقوله (وقالت طائفة من اهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) قال نزلت في قوم من اليهود قالوا آمنا بالذي جاء به محمد بالغداة وكفرنا به بالعشي وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما قد م المدينة وهو يصلي نحو بيت المقدس اعجب اليهود من ذلك فلما صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الحرام وجدت (1) وكان صرف القبلة صلاة الظهر فقالوا صلى محمد الغداة واستقبل قبلتنا فآمنوا بالذي انزل على محمد وجه النهار واكفروا آخره، يعنون القبلة حين استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد الحرام، لعلهم يرجعون إلى قبلتنا.
(1) وجدت اي حزنت. ج ز (*)
[ 106 ]
قال علي بن ابراهيم في قوله (ومن اهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يوده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يوده اليك الا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل) فان اليهود قالوا يحل لنا ان نأخذ مال الاميين والامييون الذين ليس معهم كتاب، فرد الله عليهم فقال (ويقولون علي الله الكذب وهم يعلمون) وقوله (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) قال يتقربون إلى الناس بانهم مسلمون فيأخذون منهم ويخونونهم وما هم بمسلمين على الحقيقة وقوله (وان منهم افريقا يلون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله)
قال كان اليهود يقولون شيئا ليس في التورية ويقولون هو في التورية فكذبهم الله وقوله (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين) اي ان عيسى لم يقل للناس اني خلقتكم فكونوا عبادا لي من دون الله ولكن قال لهم كونوا ربانيين اي علماء وقوله (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) قال كان قوم يعبدون الملائكة، وقوم من النصارى زعموا ان عيسى رب، واليهود قالوا عزير ابن الله فقال، الله لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا. واما وقوله (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاء كم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) فان الله اخذ ميثاق نببه اي محمد صلى الله عليه وآله على الانبياء ان يؤمنوا به وينصروه ويخبروا اممهم بخبره، حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال ما بعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر امير المؤمنين عليه السلام وهو قوله " لتؤمنن به " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " ولتنصرنه " يعني امير المؤمنين عليه السلام ثم قال لهم في الذر (ءاقررتم وأخذتم على ذلكم
[ 107 ]
اصري) اي عهدي (قالوا اقررنا قال) الله للملائكة (فاشهدوا وإنا معكم من الشاهدين) وهذه مع الآية التي في سورة الاحزاب في قوله " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية " والآية التي في سورة الاعراف قوله " وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قد كتبت هذه الثلاث آيات في ثلاث سور. ثم قال عزوجل (أفغير دين الله يبغون) قال أغير هذا الذي قلت لكم ان تقروا بمحمد ووصيه (وله اسلم من في السموات والارض طوعا وكرها) اي
فرقا من السيف. ثم امر نبيه بالاقرار بالانبياء والرسل والكتب فقال قل يا محمد (آمنا بالله وما أنزل علينا وما انزل على إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) وقوله (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) فانه محكم. ثم ذكر الله عزوجل الذين ينقضون عهد الله في امير المؤمنين وكفروا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد ايمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجائهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين اولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون - إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من احدهم ملا الارض ذهبا ولو افتدى به اولئك لهم عذاب اليم وما لهم من ناصرين) فهذه كلها في اعداء آل محمد ثم قال (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) اي لن تنالوا الجزء الثواب حتى تردوا على آل محمد حقهم من الخمس والانفال والفئ. واما قوله (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التورية) قال ان يعقوب كان يصيبه عرق النساء فحرم على
[ 108 ]
نفسه لحم الجمل فقال اليهود ان لحم الجمل محرم في التورية، فقال عزوجل لهم (فاتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين) انما حرم هذا إسرائيل على نفسه ولم يحرمه على الناس وهذا حكاية عن اليهود ولفظه لفظ الخبر. (وقوله ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة) قال معنى بكة ان الناس يبك (1) بعضهم بعضا في الزحام وقوله (ومن دخله كان آمنا) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن حفص بن البحتري عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يجني
الجناية في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم قال لا يقام عليه الحد ولا يكلم ولا يسقى ولا يطعم ولا يباع منه، إذا فعل ذلك به يوشك ان يخرج فيقام عليه الحد وإذا جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم لانه لم ير للحرم حرمة، وقوله (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر) اي من ترك الحج وهو مستطيع فقد كفر، والاستطاعة هي القوة والزاد والراحلة، وقوله (اتقوا الله حق تقاته) فانه منسوخ بقوله " اتقوا الله ما استطعتم " وقوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) قال التوحيد والولاية وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولا تفرقوا) قال ان الله تبارك وتعالى علم انهم سيفترقون بعد نبيهم ويختلفون فنهاهم عن التفرق كما نهى من كان قبلهم فامرهم ان يجتمعوا على ولاية آل محمد عليهم السلام ولا يتفرقوا. وقال على بن ابراهيم في قوله (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم) فانها نزلت في الاوس والخزرج كان الحرب بينهم مأة سنة لا يضعون السلاح بالليل ولا بالنهار حتى ولد عليه الاولاد فلما بعث الله نبيه اصلح بينهم فدخلوا في الاسلام وذهبت العداوة من قلوبهم برسول الله صلى الله عليه وآله وصاروا اخوانا، وفى رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولتكن
(1) بكبك القوم اي ازدحموا، ج - ز (*)
[ 109 ]
منكم امة يدعون إلى الخير) فهذه الآية لآل محمد صلى الله عليه وآله ومن تابعهم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. قال علي بن ابراهيم في قوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - إلى قوله - ففي رحمة الله هم فيها خالدون) فانه حدثني ابي عن صفوان بن يحيى عن ابي الجارود عن عمران بن هيثم عن مالك بن ضمرة عن ابي ذر رحمة الله عليه
قال لما نزلت هذه الآية يوم " تبيض وجوه وتسود وجوه " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يرد علي امتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الامة فاسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فخرفناه ونبذناه وراء ظهورنا واما الاصغر فعاديناه وابغضناه وظلمناه، فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم يرد علي راية مع فرعون هذه الامة، فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه واما الاصغر فعاديناه وقاتلناه، فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد علي رأيه مع سامري هذه الامة فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فعصيناه وتركناه واما الاصغر فخذلناه وضيعناه وصنعنا به كل قبيح فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم ثم ترد علي راية ذى الثدية مع اول الخوارج وآخرهم فاسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر ففرقناه (فمزقناه ط) وبرئنا منه واما الاصغر فقاتلناه وقتلناه، فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد علي راية مع امام المتقين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ووصي رسول رب العالمين، فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدى فيقولون اما الاكبر فاتبعناه واطعناه واما الاصغر فاحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى اهرقت فيهم دماؤنا، فاقول ردوا الجنة رواء مرويين مبيضة وجوهكم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فاما الذين اسودت وجوههم اكفرتم بعد ايمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم
[ 110 ]
تكفرون واما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون " قوله (كنتم خير امة اخرجت للناس) وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن سنان قال قرئت عند ابي عبد الله عليه السلام " كنتم خير امة اخرجت للناس " فقال أبو عبد الله عليه السلام " خير امة " يقتلون امير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام ؟ فقال القاري
جعلت فداك كيف نزلت ؟ قال نزلت " كنتم خير ائمة اخرجت للناس " الا ترى مدح الله لهم " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ". وقوله (ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا الا بحبل من الله وحبل من الناس وبآؤ بغضب من الله) يعني بعهد من الله وعقد من رسول الله (وضربت عليهم المسكنة) اي الجوع وقوله (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) اي لن تجحدوه ثم ضرب للكفار من انفق ماله في غير طاعة الله مثلا فقال (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر) اي برد (اصابت حرث قوم ظلموا انفسهم فاهلكته (أي زرعهم) وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون) وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) نزلت في اليهود وقوله (لا يالونكم خبالا) اي عداوة وقوله (عضوا عليكم الانامل من الغيظ) قال اطراف الاصابع وقوله (وإذ غدوت من اهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم) فانه حدثني ابي عن صفوان عن ابن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال سبب نزول هذه الآية ان قريشا خرجت من مكة تريد حرب رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج يبغي موضعا للقتال. وقوله (إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا) نزلت في عبد الله بن ابي وقوم من اصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله قال وكان سبب غزوة احد ان قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة وقد اصابهم ما اصابهم من القتل والاسر لانه قتل منهم سبعون واسر منهم سبعون، فلما رجعوا
[ 111 ]
إلى مكة قال أبو سفيان يا معشر قريش لا تدعوا النساء تبكى على قتلاكم فان البكاء والدمعة إذا خرجت اذهبت الحزن والحرقة والعداوة لمحمد ويشمت بنا محمد واصحابه، فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد اذنوا لنساءهم بعد ذلك في البكاء
والنوح، فلما ارادوا ان يغزوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى احد ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها فجمعوا الجموع والسلاح وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس والفي راجل واخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثنهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله واخرج أبو سفيان هند بنت عتبة وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك جمع اصحابه واخبرهم ان الله قد اخبره ان قريشا قد تجمعت تريد المدينة، وحث اصحابه على الجهاد والخروج، فقال عبد الله بن ابي (سلول ط) وقومه يا رسول الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في ازقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والامة على افواه السكك وعلى السطوح فما ارادنا قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا وما خرجنا إلى اعدائنا قط الا كان الظفر لهم، فقام سعد بن معاذ رحمه الله وغيره من الاوس فقالوا يارسول الله ما طمع فينا احد من العرب ونحن مشركون نعبد الاصنام فكيف يطمعون فينا وانت فينا لا، حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيدا ومن نجى منا كان قد جاهد في سبيل الله فقبل رسول الله قوله وخرج مع نفر من اصحابه يبتغون موضع القتال كما قال الله " واذ غدوت من اهلك تبوء المؤمنين إلى قوله - إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا " يعني عبد الله بن ابي واصحابه، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله معسكره مما يلي من طريق العراق وقعد عبد الله بن ابي وقومه من الخزرج اتبعوا رأيه، ووافت قريش إلى احد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عد اصحابه وكانوا سبعماءة رجلا، فوضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب واشفق ان يأتي كمينهم في ذلك المكان فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعبدالله
[ 112 ]
ابن جبير واصحابه ان رأيتمونا قد هزمناهم حتى ادخلناهم مكة فلا تخرجوا من هذا المكان وان رأيتموهم قد هزمونا حتى ادخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا
مراكزكم، ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مأتى فارس كمينا، وقال لهم إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من ورائهم فلما اقبلت الخيل واصطفوا وعبأ (1) رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه دفع الراية إلى امير المؤمنين صلوات الله عليه فحملت الانصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة ووقع اصحاب رسول الله في سوادهم وانحط خالد بن الوليد في مأتي فارس، فلقي عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجعوا ونظر اصحاب عبد الله بن جبير إلى اصحاب رسول الله ينهبون سواد القوم، قالوا لعبدالله بن جبير تقيمنا ههنا وقد غنم اصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة، فقال لهم عبد الله اتقوا الله فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد تقدم الينا ان لا نبرح، فلم يقبلوا منه واقبل ينسل رجل فرجل حتى اخلوا من مركزهم وبقي عبد الله بن جبير في اثنى عشر رجلا، وقد كانت راية قريش مع طلحة بن ابي طلحة العدوي من بني عبدالدار فبرز ونادى يا محمد ! تزعمون انكم تجهزونا باسيافكم إلى النار ونجهزكم باسيافنا إلى الجنة فمن شاء ان يلحق بجنته فليبرز الي، فبرز إليه امير المؤمنين عليه السلام يقول: يا طلح ان كنت كما تفول * لنا خيول ولكم نصول فاثبت لننظر اينا المقتول * واينا اولى بما تقول فقد اتاك الاسد الصؤل * بصارم ليس به فلول بنصرة القاهر والرسول فقال طلحة من انت يا غلام ؟ قال انا علي بن ابي طالب قال قد علمت
(1) عبأ الجيش اي رتبه في مواضعه وهيأه للقتال. ج - ز (*)
[ 113 ]
يا قضيم (1) انه لا يجسر علي أحد غيرك، فشد عليه طلحة فضربه فاتقاه امير المؤمنين عليه السلام بالجحفة (2) ثم ضربه امير المؤمنين عليه السلام على فخذيه فقطعهما
جميعا فسقط على ظهره، وسقطت الراية، فذهب على عليه السلام ليجهز (3) عليه فحلفه بالرحم فانصرف عنه فقال المسلمون ألا أجهزت عليه ؟ قال قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبدا، واخذ الراية أبو سعيد بن ابي طلحه فقتله علي عليه السلام وسقطت الراية علي الارض، فاخذها شافع (مسافع ط) بن ابي طلحة فقتله علي (ع) فسقطت الراية إلى الارض فاخذها عثمان بن ابي طلحة فقتله علي (ع) فسقطت الراية إلى الارض فاخذها الحارث بن ابى طلحة فقتله علي (ع)، فسقطت الراية إلى الارض، واخذها ابوعذير بن عثمان ففتله علي (ع) وسقطت الراية الي الارض فاخذها عبد الله بن ابى جميلة بن زهير فقتله علي (ع) وسقطت الراية إلى الارض، فقتل امير المؤمنين عليه السلام التاسع من بني عبدالدار وهو ارطاة بن شرحبيل مبارزة وسقطت الراية إلى الارض، فاخذها مولاهم صواب فضربه امير المؤمنين عليه السلام على يمينه فقطعها وسقطت الراية إلى الارض فاخذها بشماله فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على شماله فقطعها وسقطت الراية إلى الارض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين ثم قال يا بني عبدالدار هل أعذرت فيما بيني وبينكم ؟ فضربه امير المؤمنين عليه السلام على رأسه فقتله، وسقطت الراية إلى الارض، فاخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فقبضتها وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير وقد فر أصحابه وبقى في نفر قليل فقتلوهم على باب شعب واستعقبوا المسلمين فوضعوا فيهم السيف، ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها واقبل خالد بن الوليد يقتلهم، فانهزم
(1) القضيم الكاسر وسيأتي شرحه في عبارة المصنف (رحمه الله). (2) الترس. (3) اجهز على الجريح أي اسرع في قتله واثمه. ج - ز (*)
[ 114 ]
اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة قبيحة واقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل
وجه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال: " اني أنا رسول الله إلى اين تفرون عن الله وعن رسوله ؟ ". وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام انه سئل عن معنى قول طلحة بن ابي طلحة لما بارزه علي عليه السلام يا قضيم، قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان بمكة لم يجسر عليه احد لموضع أبي طالب واغروا به الصبيان وكانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يرمونه بالحجارة والتراب فشكى ذلك إلى علي عليه السلام فقال بابي أنت وامي يا رسول الله إذا خرجت فاخرجني معك فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه امير المؤمنين عليه السلام فتعرض الصبيان لرسول الله صلى الله عليه وآله كعادتهم فحمل عليهم امير المؤمنين عليه السلام وكان يقضمهم في وجوههم وآنا فيم وآذانهم فكانوا يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون قضمنا علي قضمنا علي فسمي لذلك " القضيم ". وروي عن ابي واثلة شقيق بن سلمة قال كنت اماشى فلانا إذ سمعت منه همهمة، فقلت له مه، ماذا يا فلان ؟ قال ويحك أما ترى الهزير (1) القضم ابن القضم، والضارب بالبهم، الشديد علي من طغى وبغى، بالسيفين والراية، فالتفت فإذا هو علي بن ابي طالب، فقلت له يا هذا هو علي بن ابي طالب، فقال ادن مني احدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي يوم احد على ان لا نفر ومن فر منا فهو ضال ومن قتل منا فهو شهيد والنبي زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون فازعجونا عن طحونتنا (2)
(1) الهزبر كمنبر: الاسد، القضم كلقن: السيف المتكسر الحد ولا يكون كذلك إلا مع كثرة استعماله في الحروب، البهم كصرد: الشجاع المستبهم على اقرانه (2) الطحون والطحانة الكتيبة العظيمة. ج - ز (*)
[ 115 ]
فرأيت عليا كالليث يتقي الذر (الدر ط) وإذ قد حمل كفا من حصى فرمى به في وجوهنا ثم
قال شاهت الوجوه وقطت (1) وبطت ولطت، إلى اين تفرون، إلى النار، فلم ترجع، ثم كر علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت، فقال بايعتم ثم نكثتم، فوالله لانتم أولى بالقتل ممن قتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان (2) يتوقدان نارا، أو كالقدحين المملوين دما، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا، فبادرت انا إليه من بين اصحابي فقلت يا أبا الحسن الله الله، فان العرب تكر وتفر وان الكرة تنفي الفرة، فكأنه عليه السلام استحيى فولى بوجهه عني، فما زلت اسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة ". ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أبو دجانة الانصاري، وسماك بن خرشة وامير المؤمنين عليه السلام، فكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلهم امير المؤمنين فيدفعهم عن رسول الله ويقتلهم حتى انقطع سيفه، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله نسيبة بنت كعب المازنية، وكانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غزواته تداوي الجرحى، وكان ابنها معها فاراد ان ينهزم ويتراجع، فحملت عليه فقالت يا بني إلى اين تفر عن الله وعن رسوله ؟ فردته، فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها فحملت علي الرجل فضربته على فخذه فقتلته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بارك الله عليك يا نسيبة وكانت تقي رسول الله صلى الله عليه وآله بصدرها وثدييها ويديها حتى اصابتها جراحات كثيرة، وحمل ان قميتة (قمية ط) على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أروني محمدا لا نجوت ان نجا محمد، فضربه علي حبل
(1) كلها مبني للمفعول أي قطعت وشقت وضربت. (2) السليط كلقيط الزيت، ومنه خبر ابن عباس رأيت عليا وكأن عينيه سراجا سليط (مجمع) ج - ز (*)
[ 116 ]
عاتقه، ونادى قتلت محمدا واللات والعزى، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل
من المهاجرين قد القى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة، فناداه " يا صاحب الترس ألق ترسك ومر إلى النار " فرمى بترسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يانسيبة خذي الترس فاخذت الترس وكانت تقاتل المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان " فلما انقطع سيف امير المؤمنين عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ان الرجل يقاتل بالسلاح وقد انقطع سيفي فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه " ذا الفقار " فقال قاتل بهذا، ولم يكن يحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله احدا إلا يستقبله امير المؤمنين عليه السلام، فإذا رأوه رجعوا فانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ناحية احد، فوقف وكان القتال من وجه واحد وقد انهزم اصحابه فلم يزل امير المؤمنين (ع) يقاتلهم حتى اصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة فتحاموه، وسمعوا مناديا ينادي من السماء " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " فنزل جبرئيل علي على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " هذه والله المواساة يا محمد " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " لاني منه وهو مني " وقال جبرئيل " وانا منكما ". وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر، فكلما انهزم رجل من قريش رفعت إليه ميلا ومكحلة وقالت إنما انت امرأة فاكتحل بهذا، وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له واحد وكانت هند بنت عتبة قد اعطت وحشيا عهدا لان قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لاعطيتك رضاك وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا، فقال وحشي اما محمد فلا اقدر عليه واما علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات فلم اطمع فيه قال فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا فمر بي فوطى على جرف نهر فسقط، فاخذت حربتي فهززتها
[ 117 ]
ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت من مثانته مغمسة بالدم فسقط فاتيته فشققت بطنه واخذت كبده واتيت بها إلى هند فقلت لها هذه كبد حمزة، فاخذتها في فيها فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة (1) فلفظتها ورمت بها فبعث الله ملكا فحملها وردها إلى موضعها، فقال أبو عبد الله عليه السلام يابى الله ان يدخل شيئا من بدن حمزة النار، فجاءت إليه هند فقطعت مذاكيره وقطعت اذنيه وجعلتهما خرصين (2) وشدتهما في عنقها، وقطعت يديه ورجليه وتراجعت الناس فصارت قريش على الجبل، فقال أبو سفيان وهو على الجبل " اعلا هبل " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام قل له " الله اعلا واجل " فقال يا علي انه قد انعم علينا فقال علي عليه السلام بل الله انعم علينا ثم قال أبو سفيان يا علي اسألك باللات والعزى هل قتل محمد ؟ فقال له امير المؤمنين عليه السلام لعنك الله ولعن الله اللات والعزى معك، والله ما قتل محمد صلى الله عليه وآله وهو يسمع كلامك، فقال انت اصدق، لعن الله ابن قميته زعم انه قتل محمدا. وكان عمرو بن قيس قد تأخر اسلامه فلما بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وآله في الحرب اخذ سيفه وترسه واقبل كالليث العادي يقول اشهد ان لاإله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم خالط القوم فاستشهد فمر به رجل من الانصار فرآه صريعا بين القتلى فقال يا عمرو أنت على دينك الاول ؟ فقال معاذ الله، والله اني اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم مات، فقال رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يا رسول الله ان عمرو بن قيس قد اسلم فهو شهيد ؟ فقال اي والله انه
(1) الداغصة عظم مدور في الركبة. وفى ط مثل الفضة وهو بعيد (2) الخرصان تثنية الخرص كفلس حلفة الذهب أو الفضة أو الخرص ككفل وهو الجراب. ج - ز (*)
[ 118 ]
شهيد، ما رجل لم يصل لله ركعة دخل الجنة غيره. وكان حنظلة بن ابي عامر رجل من الخزرج، قد تزوج في تلك الليلة التي كان في صببحتها حرب احد، بنت عبد الله بن ابي سلول ودخل بها في تلك الليلة، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله ان يقيم عندها فانزل الله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على امر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ان الذين يستأذنونك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم " فاذن له رسول الله صلى الله عليه وآله، فهذه الآية في سورة النور واخبار احد في سورة آل عمران فهذا دليل على ان التأليف على خلاف ما أنزله الله، فدخل حنظلة باهله وواقع عليها فاصبح وخرج وهو جنب، فحضر القتال فبعث امرأته إلى اربعة نفر من الانصار لما اراد حنظلة ان يخرج من عندها واشهدت عليه انه قد واقعها فقيل لها لم فعلت ذلك ؟ قالت رأيت في هذه الليلة في نومي كأن السماء قد انفرجت فوقع فيها حنظلة ثم انظمت، فعلمت انها الشهادة فكرهت ان لا اشهد عليه، فحملت منه. فلما حضر القتال نظر حنظلة إلى ابي سفيان على فرس يجول بين العسكرين فحمل عليه فضرب عرقوب (1) فرسه فاكتسعت الفرص وسقط أبو سفيان إلى الارض وصاح يا معشر قريش انا أبو سفيان وهذا حنظلة يريد قتلي وعدا أبو سفيان ومر حنظلة في طلبه فعرض له رجل من المشركين فطعنه فمشى إلى المشرك في طعنه فضربه فقتله، وسقط حنظلة إلى الارض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبد الله بن حزام وجماعة من الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت الملائكة يغسلون حنظلة بين السماء والارض بماء المزن في صحائف من ذهب، فكان يسمى غسيل الملائكة. وروي ان مغيرة بن العاص كان رجلا أعسر فحمل في طريقة إلى احد ثلاثة
(1) العرقوب بالضم عرق غليظ فوق عقب الانسان ومن الدابة في رجلها كالركبة في يدها. ق. ج ز (*)
[ 119 ]
احجار، فقال بهذه اقتل محمدا، فلما حضر القتال نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وبيده السيف فرماه بحجر، فاصاب به رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط السيف من يده فقال قتلته واللات والعزى فقال امير المؤمنين عليه السلام كذب لعنه الله، فرماه بحجر آخر فاصاب جبهته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم حيره، فلما انكشف الناس تحير فلحقه عمار بن ياسر فقتله، وسلط الله على ابن قميته الشجر فكان يمر بالشجرة فيقع وسطها فتأخذ من لحمه فلم يزل كذلك حتى صار مثل الصرر (1) ومات لعنه الله ورجع المنهزمون من اصحاب رسول صلى الله عليه وآله فانزل الله على رسوله: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) يعني ولما يرى لانه عزوجل قد علم قبل ذلك من يجاهد ومن لا يجاهد فاقام العلم مقام الرؤية لانه يعاقب الناس بفعلهم لا بعلمه. قوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه وانتم تنظرون) وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه الآية " فان المؤمنين لما اخبرهم الله بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة رغبوا في ذلك فقالوا اللهم ارنا القتال نستشهد فيه فاراهم الله اياه في يوم احد فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، فذلك قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه " واما قوله: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انفلبتم على اعقابكم (فان رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج يوم احد وعهد العاهد به على تلك الحال فجعل الرجل يقول لمن لقيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتل، النجاء (2) فلما رجعوا إلى المدينة
انزل الله (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى قوله انقلبتم على اعقابكم) يقول إلى الكفر وقوله: (وكأين من نبي قاتل معه رببون كثير)
(1) الصرر كشرر: السنبل (2) النجاء كعلاء الخلاص. ج - ز (*)
[ 120 ]
يقول كاي من نبي قبل محمد قاتل معه ربيون كثير والربيون الجموع الكثيرة والزبوة الواحدة عشرة آلاف يقول الله تبارك وتعالى: (فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله) من قبل نبيهم (وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) يعنون خطاياهم (وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) قال علي بن ابراهيم في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين) يعني عبد الله بن ابي حيث خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رجع يجبن اصحابه قال للمؤمنين يوم احد يوم الهزيمة ارجعوا إلى دينكم عن علي عليه السلام (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) يعني قريش (بما اشركوا بالله) قوله: (ولقد صدقكم اله وعده) يعني أن ينصركم الله عليهم (إذ تحسونهم باذنه) إذ تقتلونهم باذن الله (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أريكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا) يعني اصحاب عبد الله بن جبير الذين تركوا مركزهم ومروا للغنيمة، قوله (ومنكم من يريد الآخرة) يعني عبد الله بن جبير واصحابه الذين بقوا حتى قتلوا (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) أي يختبركم (ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) ثم ذكر المنهزمين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم) إلى قوله (خبير بما تعملون) وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (فأثابكم غما بغم) فاما الغم الاول فالهزيمة والقتل، واما الغم الآخر
فاشراف خالد بن الوليد عليهم يقول (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الغنيمة (ولا ما اصابكم) يعني قتل اخوانهم (فالله خبير بما تعملون ثم انزل عليكم من بعد الغم) قال يعني الهزيمة، ورجع إلى تفسير علي بن ابراهيم. قال وتراجع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله المجروحون وغيرهم، فاقبلوا
[ 121 ]
يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاحب الله يعرف رسوله من الصادق منهم ومن الكاذب، فانزل الله عليهم النعاس في تلك الحالة حتى كانوا يسقطون إلى الارض وكان المنافقون الذين يكذبون لا يستقرون قد طارت عقولهم وهم يتكلمون بكلام لا يفهم عنهم فانزل الله (نعاسا يغشى طائفة منكم) يعني المؤمنين و (طائفة قد اهمتهم انفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ) قال الله لمحمد صلى الله عليه وآله: (قل ان الامر كله لله، يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا) يقولون لو كنا في بيوتنا ما اصابنا القتل، قال الله: (لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور) فاخبر الله رسوله ما في قلوب القوم ومن كان منهم مؤمنا ومن كان منهم منافقا كاذبا بالنعاس فانزل الله عليه " ما كان الله ليدر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " يعني المنافق الكاذب من المؤمن الصادق بالنعاس الذي ميز بينهم، وقوله: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان) اي خدعهم حتى طلبوا الغنيمة (ببعض ما كسبوا) قال بذنوبهم (ولقد عفا الله عنهم) ثم قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) يعني عبد الله بن ابي واصحابه الذين قعدوا عن الحرب (وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله
ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير) ثم قال لنبيه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) اي انهزموا ولم يقيموا معك ثم قال تأديبا لرسوله (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم هم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل
[ 122 ]
المؤمنون) وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام قي قوله: (ما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) وصدق الله لم يكن الله ليجعل نبيا غالا (1) (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) ومن غل شيئا رآه يوم القيامة في النار ثم يكلف ان يدخل إليه فيخرجه من النار (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) واما قوله (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم) فهذه الآية لآل محمد صلى الله عليه وآله واما قوله (أو لما أصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم يقول بمعصيتكم اصابكم ما اصابكم ط - ان الله علي كل شئ قدير، وما أصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله) فهم ثلاث مائة منافق رجعوا مع عبد الله بن ابى سلول فقال لهم جابر ابن عبد الله انشدكم الله في نبيكم ودينكم ودياركم فقالوا والله لا يكون قتال اليوم ولو نعلم انه يكون قتال اتبعناكم يقول الله (هم للكفر يومئذ اقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله اعلم بما يكتمون) وفي رواية على بن ابراهيم قوله ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون، وقوله " ولقد نصركم الله ببدر وانتم أذلة " قال أبو عبد الله عليه السلام ما كانوا اذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وإنما نزل " لقد نصركم ببدر وانتم ضعفاء ".
فلما سكن القتال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من له علم بسعد بن الربيع فقال رجل انا اطلبه فاشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع فقال اطلبه هناك فاني قد رأيته في ذلك الموضع قد شرعت حوله اثنا عشر رمحا، قال فاتيت ذلك الموضع فإذا هو صريع بين القتلى، فقلت يا سعد، فلم يجبني ثم قلت يا سعد فلم تجيبني فقلت يا سعد ان رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) غل غلولا خان. ج - ز (*)
[ 123 ]
قد سأل عنك، فرفع رأسه فانتعش كما ينتعش الفرخ ثم قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لحي ؟ قلت اي والله انه لحي وقد اخبرني انه رأى حولك اثنى عشر رمحا فقال الحمدلله صدق رسول الله صلى الله عليه وآله لقد طعنت اثنى عشر طعنة كله قد جأفتني (1) ابلغ قومي الانصار السلام وقل لهم والله ما لكم عند الله عذر إن تشوك رسول الله شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفس فخرج منه مثل دم الجزور وقد كان اختفى في جوفه وقضى نحبه رحمه الله ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته فقال رحم الله سعدا نصرنا حيا واوصى بنا ميتا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله من له علم بعمي حمزة، فقال الحرث بن سمية انا اعرف موضعه فجاء حتى وقف على حمزة فكره ان يرجع إلى رسول الله فيخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام يا علي اطلب عمك فجاء علي عليه السلام فوقف على حمزة فكره ان يرجع إليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقف عليه فلما رأى ما فعل به بكى ثم قال والله ما وقفت موقفا قط اغيظ علي من هذا المكان لان امكنني الله من قريش لامثلن بسبعين رجلا منهم، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بل اصبر، فهذه الآية في سورة النحل وكان يجب ان تكون في هذه السورة التي فيها اخبار احد، فالقى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة بردة
كانت عليه فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه وإذا مدها على رجليه بدا رأسه، فمدها على رأسه والقى على رجليه الحشيش وقال لولا اني احذر نساء بني عبد المطلب لتركته للعادية والسباع حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع والطير، وامر رسول الله صلى الله عليه وآله بالقتلى فجمعوا فصلى عليهم ودفنهم في مضاجعهم
(2) جأفه اي صرعه. ج - ز (*)
[ 124 ]
وكبر على حمزة سبعين تكبيرة، قال وصاح ابليس لعنه الله بالمدينة " قتل محمد " فلم يبق احد من نساء المهاجرين والانصار الا خرجن، وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله تعدو على قدميها حتى وافت رسول الله صلى الله عليه وآله وقعدت بين يديه فكان إذا بكى رسول الله صلى الله عليه وآله بكت لبكائه وإذا انتحب انتحبت، ونادى ابو سفيان موعدنا وموعدكم في عام قابل فتقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام قل نعم، وارتحل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل المدينة واستقبلته النساء يولولن ويبكين فاستقبلته زينب بنت جحش، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله احتسبي فقالت من يارسول الله ؟ قال اخاك قالت إنا لله وإنا إليه راجعون هنيئا له الشهادة، ثم قال لها احتسبي قالت من يارسول الله ؟ قال حمزة بن عبد المطلب قالت إنا لله وإنا إليه راجعون هنيئا له الشهادة، ثم قال لها احتسبي قالت من يارسول الله ؟ قال زوجك مصعب بن عمير، قالت واحزناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ان للزوج عند المرأة لحدا ما لاحد مثله، فقيل لها لم قلت ذلك في زوجك ؟ قالت ذكرت يتم ولده. قال وتؤامرت قريش على ان يرجعوا على المدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من رجل يأتينا بخبر القوم ؟ فلم يجبه احد، فقال امير المؤمنين عليه السلام انا اتيك بخبرهم، قال اذهب فان كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الابل فهم يريدون المدينة
والله لان ارادوا المدينة لا يأذن الله فيهم، وان كانوا ركبوا الابل وجنبوا الخيل فانهم يريدون مكة، فمضى امير المؤمنين (ع) على ما به من الالم والجراحات حتى كان قريبا من القوم فرآهم قد ركبوا الابل وجنبوا الخيل فرجع امير المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ارادوا مكة. فلما دخل رسول الله المدينة نزل عليه جبرئيل فقال يا محمد ان الله يأمرك ان تخرج في اثر القوم ولا يخرج معك الا من به جراحة، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديا
[ 125 ]
ينادي يا معشر المهاجرين والانصار من كانت به جراحة فليخرج ومن لم يكن به جراحة فليقم، فاقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها فانزل الله على نبيه " ولا تهنوا في ابتغاء إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " وهذه الآية في سورة النساء ويجب ان تكون في هذه السورة قال عزوجل (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء) فخرجوا على ما بهم من الالم والجراح فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله بحمراء الاسد وقريش قد نزلت الروحا قال عكرمة بن ابي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن عاص وخالد بن الوليد نرجع فنغير على المدينة فقد قتلنا سراتهم وكبشهم يعني حمزة، فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر فقال تركت محمدا واصحابه بحمراء الاسد يطلبونكم جد الطلب فقال أبو سفيان هذا النكد والبغي قد ظفرنا بالقوم وبغينا والله ما افلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الاشجعي فقال أبو سفيان اين تريد ؟ قال المدينة لامتار لاهلي طعاما، قال هل لك ان تمر بحمراء الاسد وتلقى اصحاب محمد وتعلمهم ان حلفاءنا وموالينا قد وافونا من الاحابيش (1) حتى يرجعوا عنا ولك عندي عشرة قلايص (2) املؤها تمرا وزبيبا ؟ قال نعم، فوافا من غد ذلك اليوم حمراء الاسد، فقال لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله اين تريدون ؟ قالوا قريش، قال
ارجعوا فان قريشا قد اجنحت إليهم حلفاؤهم ومن كان تخلف عنهم وما اظن الا واوائل القوم قد طلعوا عليكم الساعة، فقالوا (حسبنا الله ونعم الوكيل) ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ارجع يا محمد فان الله قد ارهب قريشا، ومروا
(1) الاحابيش جمع احبوشة كاحدوثة وهي الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة. (2) جمع قلوص كمجوس وهى الابل ج - ز (*)
[ 126 ]
لا يلوون على شئ ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وانزل الله (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما اصابهم الفرح للذين احسنوا منهم واتقوا اجر عظيم الذين قال لهم الناس) يعني نعيم بن مسعود فهذا اللفظ عام ومعناه خاص (ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) فلما دخلوا المدينة قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الذي اصابنا ؟ قد كنت تعدنا النصر، فانزل الله (أو لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم) وذلك لان يوم بدر قتل من قريش سبعون وأسر منهم سبعون وكان الحكم في الاسارى القتل، فقامت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يارسول الله هبهم لنا ولا تقتلهم حتى نفاديهم، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال ان الله قد اباح لهم الفداء ان يأخذوا من هؤلاء ويطلقوهم، على ان يستشهد منهم في عام قابل بقدر من يأخذوا منه الفداء من هؤلاء، فاخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الشرط، فقالوا قد رضينا به نأخذ العام الفداء من هؤلاء نتقوى به ويقتل منا في عام قابل بعدد ما نأخذ منهم الفداء وندخل الجنة، فاخذوا منهم الفداء وأطلقوهم، فلما كان في هذا اليوم وهو يوم احد قتل من اصحاب رسول الله سبعون، فقالوا يارسول الله ما هذا الذي اصابنا وقد كنت تعدنا
بالنصر فانزل الله " أو لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم " بما اشترطتم يوم بدر واما قوله (وما كان لنبي ان يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) فان هذه نزلت في حرب بدر، وهي مع الآيات التي في الانفال في اخبار بدر، وقد كتبت في هذه السورة مع اخبار احد، وكان سبب نزولها انه كان في الغنيمة التي اصابوها يوم بدر قطيفة حمراء ففقدت فقال رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما لنا لا نرى القطيفة ما اظن إلا أن
[ 127 ]
رسول الله أخذها، فانزل الله في ذلك، وما كان لنبي أن يغل.. الخ. فجاء رجل إلى رسول الله فقال ان فلانا غل قطيفة فاخبأها هنا لك، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر ذلك الموضع فاخرج القطيفة. واما قوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابي عبيدة الحذاء عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال هم والله شيعتنا إذا دخلوا الجنة واستقبلوا الكرامة من الله استبشروا بمن لم يلحق بهم من اخوانهم من المؤمنين في الدنيا (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وهو رد على من يبطل الثواب والعقاب بعد الموت واما قوله (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) قال من بخل ولم ينفق ماله في طاعة الله صار ذلك يوم القيامة طوقا من نار في عنقه وهو قوله (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) واما قوله: (لقد سمع الله قول الذين قالو ان الله فقير ونحن اغنياء) قال والله ما رأوا الله تعالى فيعلموا انه فقير ولكنهم رأوا اولياء الله فقراء فقالوا لو كان الله غنيا لاغنى اولياءوه واما قوله (الذين قالوا ان الله عهد الينا ان لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار) فان قوما من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله
لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار وكان عند بني اسرائيل طست كانوا يقربون القربان فيضعونه في الطست فتجيئ نار فتقع فيه فتحرقه، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار كما كان لبني اسرائيل فقال الله قل لهم يا محمد (قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين) وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات) هي الآيات (والزبر) وهى كتب الانبياء بالنبوة (والكتاب المنير) الحلال والحرام.
[ 128 ]
قال علي بن ابراهيم واما قوله (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) اي ؟ نجى ؟ من النار (وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) حدثني ابى عن سليمان الديلمي عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة يدعى محمد صلى الله عليه وآله فيكسى حلة وردية ثم يقام على يمين العرش ثم يدعى بابراهيم عليه السلام فيكسى حلة بيضاء فيقام عن يسار العرش، ثم يدعى بعلي امير المؤمنين عليه السلام فيكسى حلة وردية فيقام على يمين النبي صلى الله عليه وآله ثم يدعي باسماعيل فيكسى حلة بيضاء فيقام على يسار ابراهيم، ثم يدعى بالحسن عليه السلام فيكسى حلة وردية فيقام على يمين امير المؤمنين عليه السلام ثم يدعى بالحسين (ع) فيكسى حلة وردية فيقام على يمين الحسن (ع) ثم يدعى بالائمة فيكسون حللا وردية ويقام كل واحد على يمين صاحبه، ثم يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم ينادي مناد من بطنان العرش من قبل رب العزة والافق الاعلى نعم الاب ابوك يا محمد وهو ابراهيم ونعم الاخ اخوك وهو علي بن ابى طالب عليه السلام ونعم السبطان سبطاك وهما الحسن والحسين ونعم الجنين جنينك وهو
محسن ونعم الائمة الراشدون من ذريتك وهم فلان وفلان، ونعم الشيعة شيعتك ألا ان محمدا ووصيه وسبطيه والائمة من ذريته هم الفائزون ثم يؤمر بهم إلى الجنة وذلك قوله: " فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز " وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر (ع) في قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وذلك ان الله اخذ ميثاق الذين اوتوا الكتاب في محمد لتبيننه للناس إذا خرج ولا يكتمونه (فنبذوه وراء ظهورهم) يقول نبذوا عهد الله وراء ظهورهم (واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون). قال علي بن ابراهيم في قوله (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون
[ 129 ]
أن يحمدوا بما لما يفعلوا) نزلت في المنافقين الذين يحبون ان يحمدوا على غير فعل، وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر (ع) قوله (ولا تحسبنهم بمفازة من العذاب) يقول ببعيد من العذاب (ولهم عذاب اليم). قال علي بن ابراهيم في قوله (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) يعني الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي جالسا وعلى جنوبهم يعني مضطجعا يؤمي إيماءا إلى قوله (ما للظالمين من انصار) فهو محكم (ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي للايمان) يعني رسول الله ينادي إلى الايمان إلى قوله (انك لا تخلف الميعاد) ثم ذكر امير المؤمنين عليه السلام واصحابه المؤمنين فقال (فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم) يعني امير المؤمنين وسلمان وأبا ذر حين اخرج (واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب) ثم قال لنبيه (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم ماويهم جهنم وبئس المهاد) واما قوله (وان من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل اليكم وما انزل إليهم
خاشعين لله) فهم قوم من اليهود والنصارى دخلوا في الاسلام، منهم النجاشي واصحابه، واما قوله (اصبروا وصابروا ورابطوا) فانه حدثني ابي عن ابي بصير (ابن ابى عمير ط) عن ابن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال اصبروا على المصائب وصابروا على الفرائض ورابطوا على الائمة عليهم السلام، وحدثني ابي عن الحسن (الحسين ط) بن خالد عن الرضا عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة ينادي مناد اين الصابرون ؟ فيقوم فئام (1) من الناس ثم ينادي اين المتصبرون، فيقوم فئام من الناس، قلت جعلت فداك وما الصابرون ؟ قال على اداء الفرايض والمتصبرون علي اجتناب المحارم.
(1) الفئام جماعة من الناس، لا واجد له. ج - ز (*)
[ 130 ]
سورة النساء مدنية وهى مأة وست وسبعون آية (بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني آدم (عليه السلام) (وخلق منها زوجها) يعني حواء برأها الله من اسفل اضلاعه (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام) قال يساءلون يوم القيامة عن التقوى هل اتقيتم، وعن الارحام هل وصلتموها، وقوله (ان الله كان عليكم رقيبا) اي كفيلا، وفي رواية ابي الجارود الرقيب الحفيظ، قال علي بن ابراهيم في قوله (وآتوا الينامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا اموالهم إلى اموالكم) يعني لا تأكلوا مال اليتيم ظلما فتسرفوا وتتبدلوا الخبيث بالطيب والطيب ما قال الله " ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " ولا تأكلوا اموالهم إلى اموالكم يعني مال اليتيم (انه كان حوبا كبيرا) أي اثما عظيما. واما قوله (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من
النساء مثنى وثلث ورباع) قال نزلت مع قوله تعالى " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون ان تنكحوهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فنصف الآية في اول السورة ونصفها على رأس المائة وعشرين آية، وذلك انهم كانوا لا يستحلون ان يتزوجوا يتيمة قد ربوها فسألوا الرسول صلى الله عليه وآله عن ذلك فانزل الله تعالى يستفتونك في النساء إلى قوله مثنى وثلاث ورباع قوله (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا اي لا تتزوجوا ما لا تقدرون ان تعولوا (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) اي هبة (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) يعني
[ 131 ]
ما يهبه لها من مهرها ان ردته عليه فهو هنيئ مرئ، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولا تؤتوا السفهاء اموالكم) فالسفهاء النسا والولد، إذا علم الرجل ان امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد لا ينبغي له يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعله الله له (قياما) يقول معاشا قال (وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) المعروف العدة (1) قال علي بن ابراهيم حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله شارب الخمر لا تصدقوه إذا حدث ولا تزوجوه إذا خطب ولا تعودوه إذا مرض ولا تحضروه إذا مات ولا تأتمنوه على أمانة فمن ائتمنه على امانة فاهلكها فليس على الله ان يخلف عليه ولا ان يأجره عليها، لان الله يقول ولا تؤتوا السفهاء اموالكم واي سفيه اسفه من شارب الخمر. واما قوله (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ان يكبروا) قال من كان في
يده مال اليتامى فلا يجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح، فإذا احتلم وجب عليه الحدود واقامة الفرائض، ولا يكون مضيعا ولا شارب خمر ولا زانيا، فإذا أنس منه الرشد دفع إليه المال واشهد عليه وان كانوا لا يعلمون انه قد بلغ فانه يمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا، ولا يجوز ان يحبس عليه ماله ويعلل انه لم يكبر وقوله " ولا تأكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا " فان من كان في يده مال يتيم وهو غني فلا يحل له ان يأكل من مال اليتيم ومن كان فقيرا قد حبس نفسه على ماله فله ان يأكل بالمعروف، ومعنى قوله (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) فهي منسوخة بقوله " يوصيكم الله في اولادكم " وقوله (وإذا حضر القسمة اولوا
(1) العدة ما اعددته من مال وسلاح. ج. ز (*)
[ 132 ]
القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) منسوخ بقوله " يوصيكم الله في اولادكم " واما قوله (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) فان الله عزوجل يقول لا تظلموا اليتامي فيصيب اولادكم مثل ما فعلتم باليتامى وإن الله تبارك وتعالى يقول إذا ظلم الرجل اليتيم وكان مستحلا لم يحفظ ولده ووكلهم إلى ابيهم، وان كان صالحا حفظ ولده في صلاح ابيهم، والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى " واما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا إلى قوله - رحمة من ربك " لان الله لا يظلم اليتامى لفساد ابيهم ولكن يكل الولد إلى ابيه فان كان صالحا حفظ ولده بصلاحه، واما قوله (ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا الآية) فانه
حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بي إلى السماء رأيت قوما تقذف في اجوافهم النار وتخرج من ادبارهم، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما. وقوله (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) قال إذا مات الرجل وترك بنين وبنات فللذكر مثل حظ الانثيين وقوله (فان كن نساء فوق انثتين فلهن ثلثا ما ترك) يعني إذا مات الرجل وترك ابوبن وابنتين فللابوين السدسان وللابنتين الثلثان، فان كانت البنت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس، وبقى سهم يقسم على خمسة اسهم فما أصاب ثلاثة اسهم فللبنت وما اصاب اثنين فللابوين، وقوله (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) يعني إذا ترك ابوين فللام الثلث وللاب الثلثان (من بعد وصية يوصي بها أو دين) اي لا تكون الوصية على المضارة يعني بولده ثم قال للرجال (ولكم نصف ما ترك
[ 133 ]
ازواجكم) فإذا ماتت المرأة فلزوجها النصف إذا لم يكن لها ولد فان كان لها ولد فلزوجها اربع وللمرأة إذا مات زوجها ولم يكن له ولد فلها الربع وان كان له ولد فلها الثمن. وقوله: (وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله اخ أو اخت فلكل واحد منهما السدس) فهذه كلالة الام وهي الاخوة والاخوات من الام فان كانوا اكثر من ذلك فهم يأخذون الثلث، فيقتسمون فيما بينهم بالسوية الذكر والانثى فيه سواء، فان كان للميت اخوة واخوات من قبل الاب والام أو من قبل الاب وحده فلامه السدس وللاب خمسة اسداس، فان الاخوة والاخوات من قبل الاب هم في عيال الاب ويلزمه مؤنتهم فهم يحجبون الام عن الثلث ولا يرثون
وقوله (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) فانه في الجاهلية كان إذا زنى الرجل المرأة كانت تحبس في بيت إلى ان تموت ثم نسخ ذلك بقوله " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " وقوله (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) فانه محكم قوله (ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الآن) فانه حدثني ابي عن ابن فضال عن علي ابن عقبة عن ابي عبد الله عليه السلام قال نزل في القرآن ان زعلون (1) تاب حيث لم تنفعه التوبة ولم تقبل منه وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لنذهبوا ببعض ما آتيتموهن) قال لا بحل للرجل إذا نكح امرأة ولم يردها وكرهها ان لا يطلقها إذا لم يجبر (يجر ط) عليها، ويعضلها اي يحبسها ويقول لها حتى تؤدي ما اخذت مني فنهى الله عن ذلك (إلا ان يأتين
(1) اسم مشرك. ج - ز (*)
[ 134 ]
بفاحشة مبينة) وهو ما وصفناه في الخلع فان قالت له ما تقول المختلعة يجوز له ان يأخذ منها ما اعطاها وما فضل. وفي رواية ابي الجارود (1) عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها) فانه كان في الجاهلية في اول ما اسلموا من قبائل العرب إذا مات حميم (2) الرجل وله امرأة القى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذى كان اصدقها فكان يرث نكاحها كما يرث ماله، فلما مات أبو قيس بن الا سلب (أبو قيس بن الاسلت ط) القى محصن بن ابي قيس ثوبه على امرأة ابيه وهي كبيثة (كبيشة ط) بنت معمر بن معبد فورث نكاحها ثم تركها لا يدخل به ولا ينفق عليها فأتت
رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت يا رسول الله مات أبو قيس بن الا سلب فورث ابنه محصن نكاحي فلا يدخل علي ولا ينفق علي ولا يخلى سبيلى فالحق باهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ارجعي إلى بيتك فان يحدث الله في شأنك شيئا اعلمتك به، فنزل (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) فلحقت باهلها، وكانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح كبيثة غير انه ورثهن عن الابناء فانزل الله " يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها " وقوله (وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) يعني الرجل يكره اهله فاما ان يمسكها فيعطفه الله عليها واما ان يخلي سبيلها فيتزوجها غيره
(1) لا يخفى ان الروايات التي صدرت بذكر ابى الجارود، ليست من عبارة تفسير القمى، بل انها مضافات ابي الفضل العباس تلميذ المصنف التي اضافها إلى اصل التفسير بمناسبة المقام. (2) القريب والصديق. ج - ز (*)
[ 135 ]
فيرزقها الله الود والولد ففي ذلك قد جعل الله خيرا كثيرا قال (وان اردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احديهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا) وذلك إذا كان الرجل هو الكاره للمرأة، فنهى الله ان يسئ إليها حتى تفتدي منه يقول الله (وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم إلى بعض) والافضاء المباشرة يقول الله (واخذن منكم ميثاقا غليظا) والميثاق الغليظ الذي اشترطه الله للنساء على الرجال امساك بمعروف أو تسريح باحسان. قال علي بن ابراهيم في قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " فان العرب كانوا ينكحون نساء آبائهم فكان إذا كان للرجال
اولاد كثيرة وله اهل ولم تكن امهم ادعى كل واحد فيها فحرم الله مناكحتهم وله اهل ثم قال (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتي ارضعنكم وأخواتكم من الرصاعة وامهات نسائكم الآية) فان هذه المحرمات هي محرمة وما فوقها الي اقصاها وكذلك البنت والاخت، واما التي هي محرمة بنفسها وبنتها حلال فالعمة والخالة هي محرمة بنفسها وبنتها حلال وامهات النساء امها محرمة وبنتها حلال إذا ماتت ابنتها الاولى التي هي امرأته أو طلقها واما قوله (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) فالخوارج زعمت ان الرجل إذا كانت لاهله بنت ولم يربها ولم تكن في حجره حلت له لقول الله " واللاتي في حجوركم " قال الصادق عليه السلام لا تحل له (وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم) يعني امرأة الولد، وقوله (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت الجزء (5) ايمانكم) يعني امة الرجل إذا كان قد زوجها من عبده ثم اراد نكاحها فرق بينهما واستبرأ رحمها بحيضة أو حيضتين فإذا استبرأ رحمها حل له ان ينكحها وقوله (كتاب الله عليكم) يعني حجة الله عليكم فيما يقول (واحل لكم ما وراء ذلكم ان تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين) يعني يتزوج بمحصنة غير زانية
[ 136 ]
مسافحة قوله (فمن استمتعتم به منهن) قال الصادق عليه السلام: " فمن استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى فآتوهن اجورهن فريضة " قال الصادق عليه السلام فهذه الآية دليل على المتعة وقوله (ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات) قال ومن لم يستطع ان ينكح الحرة فالاماء باذن اصحابهن (والله اعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن اهلهن وآتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات) قال غير خديعة ولا فسق ولا فجور وقوله (ولا متخذات اخدان) اي لا يتخذها صديقة وقوله
(فإذا احصن فان اتين بفاحشة مبينة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) يعني به العبيد والاماء إذا زنيا ضربا نصف الحد، فمن عاد فمثل ذلك حتى يفعلوا ذلك ثماني مرات ففي الثامنة يقتلون، قال الصادق عليه السلام وانما صار يقتل في الثامنة لان الله رحمه ان يجمع عليه ربق الرق وحد الحر. وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل) يعني الربا (إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم) يعني الشرى والبيع الحلال (ولا تقتلوا انفسكم) قال كان الرجل إذا خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الغزو يحمل علي العدو وحده من غير ان يأمره رسول اله صلى الله عليه وآله فنهى الله ان يقتل نفسه من غير امر رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله (ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) قال هي سبعة: الكفر وقتل النفس، وعقوق الوالدين، واكل مال اليتيم واكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وكلما وعد الله في القرآن عليه النار فهو من الكبائر، ثم قال (نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) وقوله (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) قال لا يجوز للرجل ان يتمنى امرأة رجل مسلم أو ماله ولكن يسأل الله من فضله (ان الله كان بكل شئ عليما).
[ 137 ]
قوله (ولكل جعلناه موالي مما ترك الوالدان والاقربون والذين عقدت ايمانكم) وكان المواريث في الجاهلية علي الاخوة لا على الرحم وكانوا يورثون الحليف والموالي الذين اعتقوهم ثم نزل بعد ذلك " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) نسخت هذه، وقوله (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم) يعنى فرض الله على الرجال ان ينفقوا على النساء ثم مدح الله النساء فقال: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ
الله) يعني تخفظ نفسها إذا غاب زوجها عنها، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " قانتات " يقول مطيعات وقوله (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) وذلك ان نشزت المرأة عن فراش زوجها قال زوجها اتقى الله وارجعي إلى فراشك، فهذه الموعظة، فان اطاعته فسبيل ذلك وإلا سبها وهو الهجر فان رجعت إلى فراشها فذلك وإلا ضربها ضربا غير مبرح فان اطاعته وضاجعته يقول الله " فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " يقول لا تكلفوهن الحب فانما جعل الموعظة والسب والضرب لهن في المضجع (ان الله كان عليا كبيرا). وقوله (وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله وحكما من اهلها) فبما حكم به الحكمان فهو جائز يقول الله (ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما بعني الحكمين فإذا كانا عدلين دخل حكم المرأة فيقول اخبريني ما في نفسك، فاني لا احب ان اقطع شيئا دونك، فان كانت هي الناشزة قالت اعطوه من مالي ما شاء وفرق بيني وبينه، وان لم تكن ناشزة قالت انشدك الله ان لا تفرق بيني وبينه، ولكن استزد لي في النفقة فانه مسيئ ويخلو حكم الرجل يجئ إلى الرجل فيقول حدثني بما في نفسك فاني لا احب ان اقطع شيئا دونك، فان كان هو الناشز قال خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها فلا حاجة لي فيها،
[ 138 ]
وان لم يكن ناشزا قال انشدك الله ان لا تفرق بيني وبينها فانها احب الناس، الي فارضها من مالي بما شئت، ثم يلتقي الحكمان وقد علم كل واحد منهما ما افضى به إليه صاحبه فاخذ كل واحد منهما على صاحبه عهد الله وميثاقه لتصدقني ولاصدقنك، وذلك حين يريد الله ان يوفق بينهما) فإذا فعلا وحدث كل واحد منهم صاحبه بما افضى إليه عرفا من الناشز فان كانت المرأة هي الناشزة قالا انت
عدوة الله الناشزة العاصية لزوجك ليس لك عليه نفقة ولا كرامة لك وهو احق ان يبغضك ابدا حتى ترجعي إلى امر الله، وان كان الرجل هو الناشز قالا له انت عدو الله وانت العاصي لامر الله المبغض لامر الله (لامرأثك ط) فعليك نفقتها ولا تدخل لها بيتا ولا ترى لها وجها ابدا حتى ترجع إلى امر الله وكتابه. قال واتى علي بن ابي طالب عليه السلام رجل وامرأته علي هذه الحال فبعث حكما من اهله وحكما من اهلها وقال للحكمين هل تدريان ما تحكمان ؟ ان شئتما فرقتما وان شئتما جمعتما، فقال الزوج لا ارضى بحكم فرقة ولا اطلقها، فاوجب عليه نفقتها ومنعه ان يدخل عليها، وان مات على ذلك الحال الزوج ورثته، وان ماتت لم يرثها إذا رضيت منه بحكم الحكمين وكره الزوج، فان رضى الزوج وكرهت المرأة انزلت بهذه المنزلة، ان كرهت لم يكن لها عليه نفقة وان مات لم ترثه وان ماتت ورثها حتى ترجع إلى حكم الحكمين. قال علي بن ابراهيم في قوله (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب) يعني صاحبك في السفر (وابن السببل) يعني ابناء الطريق الذين يستعينون بك في طريقهم (وما ملكت ايمانكم) يعني الاهل والخادم (ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكنمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا) فسمى الله البخيل كافرا ثم
[ 139 ]
ذكر المنافقين فقال: (والذين ينفقون اموالهم رئاه الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن بكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) ثم قال: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما) قال انفقوا في طاعة الله وقوله (ان الله لا يظلم مثقال ذرة) معطوفة على قوله " واعبدوا الله ولا
تشركوا به شيئا " وقوله (فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد) يعني الائمة صلوات الله عليهم اجمعين (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء شهيدا) يعني على الائمة، فرسول الله صلى الله عليه وآله شهيد على الائمة وهم شهداء على الناس وقوله (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) قال يتمنى الذين غصبوا امير المؤمنين عليه السلام أن تكون الارض ابتلعتهم في اليوم الذي اجتمعوا فيه على غصبه وأن لم يكتموا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله فيه وقوله: (يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) قال من النوم (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) فانه سئل الصادق عليه السلام عن الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا ؟ فقال الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين فان الله تعالى يقول: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " ويضعان فيه الشئ ولا يأخذان منه فقلت ما بالهما يضعان فيه ولا يأخذان منه ؟ فقال لانهما يقدران على وضع الشئ فيه من غير دخول ولا يقدران على أخذ ما فيه حتى يدخلا فاوجب الغسل والوضوء من الجناية بالماء ثم رخص لمن لم يجد الماء التيمم بالتراب فقال وان كنتم جنبا فاطهروا (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ان الله كان عفوا غفورا) وقوله (ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة) يعني ضلوا في امير المؤمنين (ويريدون ان تضلوا السبيل) يعني اخرجوا الناس من ولاية امير المؤمنين، وهو
[ 140 ]
الصراط المستقيم، قوله (والله اعلم باعدائكم وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا، من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع) قال نزلت في اليهود، وقوله (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء) فانه حدثني ابي عن ابن ابى عمير عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له دخلت الكبائر في الاستثناء ؟ قال: نعم، وقوله (ألم تر إلى الذين يزكون انفسهم بل الله يزكي من يشاء) قال هم الذين سموا انفسهم بالصديق والفاروق وذى النورين (ط)، وقوله: (ولا يظلمون فتيلا) قال: القشرة التي على النواة، ثم كنى عنهم فقال: (انظر كيف يفترون علي الله الكذب) وهم الذين غاصبوا آل محمد حقهم، قوله (ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء اهدى من الذين آمنوا سبيلا) قال نزلت في اليهود حين سألهم مشركوا العرب، فقالوا ديننا افضل ام دين محمد ؟ قالوا بل دينكم افضل، وقد روي فيه ايضا انها نزلت في الذين غصبوا آل محمد حقهم وحسدوا منزلتهم، فقال الله تعالى (اولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا، ام لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نفيرا) يعني النقطة في ظهر النواة، ثم قال: (ام يحسدون الناس) يعني بالناس ههنا امير المؤمنين والائمة عليهم السلام (على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) وهى الخلافة بعد النبوة، وهم الائمة عليهم السلام، حدثنا علي بن الحسين عن احمد بن ابي عبد الله عن ابيه عن يونس عن ابي جعفر الاحول عن حنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت قوله " فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب " قال: النبوة، قلت: والحكمة ؟ قال: الفهم والقضاء قلت: وآتيناهم ملكا عظيما ؟ قال: الطاعة المفروضة. قال علي بن ابراهيم في قوله (فمنهم من آمن به) يعني امير المؤمنين عليه السلام
[ 141 ]
وهم سلمان وابوذر والمقداد وعمار رضي الله عنهم (ومنهم من صد عنه) وهم غاصبوا آل محمد صلى الله عليه وآله حقهم، ومن تبعهم قال فيهم نزلت (وكفى بجهنم سعيرا)
ثم ذكر عزوجل ما قد اعده لهؤلاء الذين قد تقدم ذكرهم وغصبهم فقال: (ان الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا) قال الآيات امير المؤمنين والائمة عليهم السلام، وقوله (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزا حكيما) فقيل لابي عبد الله عليه السلام كيف تبدل جلود غيرها ؟ قال أرأيت لو اخذت لبنة فكسرتها وصيرتها ترابا ثم ضربتها في الفالب اهي التى كانت، إنما هي ذلك، وحدث تفسيرا آخر والاصل واحد. ثم ذكر المؤمنين المقرين بولاية آل محمد عليهم السلام بقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا لهم فيها ازواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا) ثم خاطب الائمة عليهم السلام، فقال: (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى اهلها) قال فرض الله على الامام ان يؤدي الامانة إلى الذي امره الله من بعده ثم فرض على الامام ان يحكم بين الناس بالعدل فقال (وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) ثم فرض على الناس طاعتهم فقال: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم) يعني امير المؤمنين عليه السلام حدثني ابي عن حماد عن حريز عن ابي عبد الله عليه السلام قال نزلت " فان تنازعتم في شئ فارجعوه إلى الله والى الرسول والى اولي الامر منكم ". وقوله (ألم تر إلى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به) فانها نزلت في الزبير بن العوام فانه نازع رجلا من اليهود في حديقة فقال الزبير ترضى بابن شيبة اليهودي فقال اليهودي ترضى بمحمد ؟ فانزل الله " ألم تر إلى الذين يزعمون
[ 142 ]
انهم آمنوا.. الخ " وقوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله والى الرسول
رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) وهم اعداء آل محمد كلهم جرت فيهم هذه الآية واما قوله (فكيف إذا اصابتهم مصيبة بما قدمت ايديهم ثم جاؤك بحلفون بالله ان اردنا إلا احسانا وتوفيقا) فهذا مما تأويله بعد تنزيله في القيامة إذا بعثهم الله حلفوا لرسول الله إنما اردنا بما فعلنا من ازالة الخلافة عن موضعها إلا احسانا وتوفيقا، والدليل على ان ذلك في القيامة ما حدثني به ابي عن ابن ابي عمير عن منصور عن ابي عبد الله عليه السلام وعن ابي جعفر عليه السلام قالا المصيبة هي الخسف والله بالمنافقين عند الحوض، قول الله (فكيف إذا اصابتهم مصيبة بما قدمت ايديهم ثم جاؤك يحلفون بالله ان اردنا إلا احسانا وتوفيقا) ثم قال الله (اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) يعني من العداوة لعلى في الدنيا (فاعرض عنهم وعظهم وقل لهم في انفسهم قولا بليغا) اي ابلغهم في الحجة عليهم وآخر امرهم إلى يوم القيامة وقوله (وما ارسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله) اي بأمر الله وقوله (ولو انهم إذ ظلموا انفسهم جاؤك فاستغفروا الله) فانه حدثني ابي عن ابن ابى عمير عن ابن اذينة عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال " ولو انهم إذ ظلموا انفسهم جاؤك يا علي فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " هكذا نزلت. ثم قال (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) يا علي (فيما شجر بينهم) يعني فيما تعاهدوا وتعاقدوا عليه من خلافك بينهم وغصبك ثم (لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت) عليهم يا محمد على لسانك من ولايته (ويسلموا تسليما) لعلي (ع) ثم قال (ولو انا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم) إلى قوله (ولهديناهم صراطا مستقيما) فانه محكم واما قوله (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) قال النبيين رسول الله صلى الله عليه وآله، والصديقين علي (ع) والشهداء الحسن
[ 143 ]
والحسين عليهما السلام، والصالحين الائمة، وحسن أولئك رفيقا، القائم من آل محمد عليهم السلام، وقوله (يا ايها الذين آمنوا حذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وان منكم لمن ليبطئن فان اصابتكم مصيبة قال قد انعم الله علي إذ لم اكن معهم شهيدا) قال الصادق (ع) والله لو قال هذه الكلمة أهل الشرق والغرب لكانوا بها خارجين من الايمان (1) ولكن الله قد سماهم مؤمنين باقرارهم (وقوله فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة) أي يشترون وقوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان) بمكة معذبين فقاتلوا حتى يتخلصوا وهم يقولون (ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا الذين آمنوا) يعني المؤمنين من أصحاب النبي (يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) وهم مشركوا قريش يقاتلون على الاصنام وقوله (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ايديكم واقيموا الصلاة وآتوا الزكوة) فانها (2) نزلت بمكة قبل الهجرة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وكتب عليهم القتال نسخ هذا، فجزع اصحابه من هذا فانزل الله " ألم تر إلى الذين قيل لهم بمكة كفوا ايديكم " لانهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة ان يأذن لهم في محاربتهم فانزل الله " كفوا (1) لان قائل هذه الكلمة قد اظهر عدم وفائه لرسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين حيث اظهر فرحه على عدم اصابته المصيبة معه صلى الله عليه وآله مع انه من شأن المؤمن ان يشارك النبي صلى الله عليه وآله في المصائب حيث امكن، ومع عدم الامكان يتمنى المشاركة ويظهر حزنه على حزنه. ج - ز (2) يعني ان آية " كفوا ايديكم واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة " فقط نزلت بمكة، والباقي نزل في المدينة. ج - ز
[ 144 ]
ايديكم واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة " فلما كتب عليهم القتال بالمدينة (قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا اخرتنا إلى اجل قريب) فقال الله قل لهم يا محمد (متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) الفتيل القشر الذي في النواة ثم قال: (اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) يعني الظلمات الثلاث التي ذكرها وهى المشيمة والرحم والبطن وقوله (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله) يعني الحسنات والسيئات ثم قال في آخر الآية (ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك) وقد اشتبه هذا على عدة من العلماء، فقالوا يقول الله وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله الحسنة والسيئة، ثم قال في آخر الآية " وما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك، فكيف هذا وما معنى القولين ؟ فالجواب في ذلك ان معنى القولين جميعا عن الصادقين عليهم السلام انهم قالوا الحسنات في كتاب الله على وجهين والسيئات على وجهين (فمن الحسنات) التي ذكرها الله، الصحة والسلامة والامن والسعة والرزق وقد سماها الله حسنات " وان تصبهم سيئة " يعني بالسيئة ههنا المرض والخوف والجوع والشدة " يطيروا بموسى ومن معه " أي يتشاءموا به (والوجه الثاني من الحسنات) يعني به افعال العباد وهو قوله " من جاء بالحسنة فله عشر امثالها " ومثله كثير وكذلك السيئات على وجهين فمن السيئات الخوف والجوع والشدة وهو ما ذكرناه في قوله " وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " وعقوبات الذنوب فقد سماها الله السيئات (والوجه الثاني من السيئات) يعني بها ؟ افعال العباد التي يعاقبون عليها فهو قوله " ومن جاء بالسيئة فكبت وجوهم في النار " وقوله: " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " يعني ما عملت
[ 145 ]
من ذنوب فعوقبت عليها في الدنيا والآخرة فمن نفسك بافعالك لان السارق يقطع والزاني يجلد ويرجم والقاتل يقتل فقد سمى الله تعالى العلل والخوف والشدة وعقوبات الذنوب كلها سيئات فقال ما اصابك من سيئة فمن نفسك باعمالك وقوله (قل كل من عند الله) يعنى الصحة والعافية والسعة والسيئات التي هي عقوبات الذنوب من عند الله وقوله عزوجل يحكى قول المنافقين فقال (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون) أي يبدلون (فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) وقوله (وإذا جاءهم امر من الامن والخوف اذاعوا به) اي اخبروا به (ولو ردوه إلى الرسول والى اولي الامر منهم) يعنى امير المؤمنين عليه السلام (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) اي الذين يعلمون منهم وقوله (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) قال الفضل رسول الله صلى الله عليه وآله والرحمة امير المؤمنين عليه السلام (لاتبعتم الشيطان الا قليلا) وقوله (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) قال يكون كفيل ذلك الظلم الذي يظلم صاحب الشفاعة وقوله (وكان الله على كل شئ مقيتا) اي مقتدرا وقوله (وإذا حبيتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها ان الله كان على كل شئ حسيبا) أو ردوها قال السلام وغيره من البر. وقوله (الله لا اله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه - إلى قوله فلن تجد له سببلا) فانه محكم، وقوله (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تنخذوا منهم اولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا) فانها نزلت في اشجع وبنى ضمرة (وهما قبيلتان) وكان من خبرهما انه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى غزاة الحديبية (بدر ط) مر قريبا من بلادهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله هادن
[ 146 ]
بنى ضمرة ووادعهم (1) قبل ذلك فقال اصحاب رسول الله ص، يا رسول الله هذه بنو ضمرة قريبا منا ونخاف ان يخالفونا إلى المدينة أو يعينوا علينا قريشا فلو بدأنا بهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كلا إنهم أبر العرب بالوالدين، واوصلهم للرحم، وأوفاهم بالعهد، وكان اشجع بلادهم قريبا من بلاد بنى ضمرة وهم بطن من كنانة وكانت اشجع بينهم وبين بنى ضمرة حلف في المراعات والامان، فاجدبت بلاد اشجع واخصبت بلاد بنى ضمرة فصارت اشجع إلى بلاد بنى ضمرة فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مسيرهم إلى بنى ضمرة تهيأ للمصير إلى اشجع فيغزوهم للموادعة التي كانت بينه وبين بنى ضمرة فانزل الله ودوا لو تكفرون كما كفروا.. الخ ثم استثنى بأشجع فقال (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءكم حصرت صدورهم ان يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان اعتزلوكم ولم يقاتلوكم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) وكانت اشجع محالها البيضاء والجبل والمستباح، وقد كانوا قربوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فهابوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله ان يبعث إليهم من يغزوهم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد خافهم ان يصيبوا من اطرافه شيئا فهم بالمسير إليهم فبينما هو على ذلك إذ جاءت اشجع ورئيسها مسعود بن رجيلة وهم سبعمائة، فنزلوا شعب سلع وذلك في شهر ربيع الاول (الآخر ط) سنة ست فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله اسيد ابن حصين، فقال له اذهب في نفر من أصحابك حتى تنظر ما اقدم اشجع، فخرج اسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم، فقال ما اقدمكم ؟ فقام إليه مسعود بن رجيلة وهو رئيس اشجع فسلم على اسيد وعلى اصحابه وقالوا جئنا لنوادع محمدا فرجع اسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) اي صالحهم (*)
[ 147 ]
خاف القوم ان اغزوهم فأرادوا الصلح بينى وبينهم، ثم بعث إليهم بعشرة اجمال تمر فقدمها امامه، ثم قال نعم الشئ الهدية امام الحاجة، ثم اتاهم، فقال يا معشر اشجع ما اقدمكم ؟ قالوا قربت دارنا منك وليس في قومنا اقل عددا منا فضقنا بحربك لقرب دارنا منك، وضقنا بحرب قومك لقلتنا فيهم، فجئنا لنوادعك فقبل النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم ووادعهم، فاقاموا يومهم ثم رجعوا إلى بلادهم وفيهم نزلت هذه الآية (الا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق - إلى قوله - فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) وقوله (ستجدون آخرين يريدون ان يأمنوكم ويامنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها) نزلت في عيينة بن حصين الفزاري اجدبت بلادهم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ووادعه على ان يقيم ببطن نخل، ولا يتعرض له وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الاحمق المطاع في قومه، ثم قال (فان لم يعتزلوكم ويلقوا اليكم السلم ويكفوا ايديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم واولئك جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا). وقوله (وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ) أي لا عمدا ولا خطأء والا في موضع لا وليست باستثناء (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى اهله الا ان يصدقوا) يعني يعفوا ثم قال (فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) وليست له دية يعني إذا قتل رجل من المؤمنين وهو نازل في دار الحرب فلا دية للمقتول وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله لمن نزل دار الحرب فقد برئت الذمة ثم قال (وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى اهله وتحرير رقبة مؤمنة) يعني ان كان المؤمن نازلا في دار الحرب، وبين اهل الشرك وبين الرسول أو الامام عهد ومدة ثم قتل ذلك المؤمن وهو بينهم فعلى القاتل دية مسلمة إلى اهله وتحرير رقبة مؤمنة
(فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) وقوله
[ 148 ]
(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) قال من قتل مؤمنا على دينه (2) لم تقبل توبته، ومن قتل نبيا أو وصي نبي فلا توبة له لانه لا يكون له مثله فيقاد به، وقد يكون الرجل بين المشركين واليهود والنصارى يقتل رجلا من المسلمين على انه مسلم فإذا دخل في الاسلام محاه الله عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وآله الاسلام يجب ما كان قبله اي يمحو، لان اعظم الذنوب عند الله هو الشرك بالله فإذا قبلت توبته في الشرك قبلت فيما سواه واما قول الصادق عليه السلام ليست له توبة فانه عنى من قتل نبيا أو وصيا فليست له توبة فانه لا يقاد احد بالانبياء إلا الانبياء وبالاوصياء إلا الاوصياء والانبياء والاوصياء لا تقتل بعضهم بعضا وغير النبي والوصي لا يكون مثل النبي والوصي فيقاد به وقاتلهما لا يوفق للتوبة. وقوله (يا ايها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا) فانها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة خيبر وبعث اسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الاسلام، وكان رجل من اليهود يقال ؟ له ؟ مرداس بن نهيك الفدكى في بعض القرى فلما احس بخيل رسول الله صلى الله عليه وآله جمع اهله وماله وصار في ناحية الجبل فاقبل يقول اشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فمر باسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله اخبر بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله قتلت رجلا شهد أن لا اله الا الله واني رسول الله فقال يارسول الله انما قال تعوذا من القتل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فلا شققت الغطاء عن قبله ولا ما قال بلسانه قبلت ولا ما كان في نفسه
(1) اي لاجل دينه. (2) من القود بالتحريك وهو القصاص ج (*)
[ 149 ]
علمت فحلف بعد ذلك انه لا يقتل احدا شهد ان لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فتخلف عن امير المؤمنين عليه السلام في حروبه، وأنزل الله في ذلك " ولا تقولوا لمن القى اليكم السلم لست مؤمنا.. الخ " ثم ذكر فضل المجاهدين على القاعدين فقال (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولى الضرر) يعني الزمن كما ليس على الاعمى حرج (والمجاهدون في سبيل الله باموالهم وانفسهم إلى آخر الآية) وقوله (ان الذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم) قال نزلت فيمن اعتزل امير المؤمنين عليه السلام ولم يقاتل معه فقالت الملائكة لهم عند الموت (فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض) اي لم نعلم مع من الحق فقال الله (الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها) اي دين الله وكتاب الله واسع فتنظروا فيه (فاولئك ماويهم جهنم وساءت مصيرا) ثم استثنى فقال (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) حدثنى ابي عن يحيى عن ابى عمران عن يونس عن حماد عن ابن طيار عن ابى جعفر ع ط) بن يحيى عن ابن ابي عمير عن يونس عن حماد بن الظبيان عن ابي جعفر عليه السلام قال سألت عن المستضعف فقال هو الذي لا يستطيع حيلة الكفر فيكفر ولا يهتدي سبيلا إلى الايمان لا يستطيع ان يؤمن ولا يستطيع ان يكفر فهم الصبيان، ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان من رفع عنه القلم، وقوله (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة) اي يجد خيرا إذا جاهد مع الامام وقوله (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله) قال إذا خرج إلى الامام ثم مات قبل ان يبلغه وقوله (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلوة ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا) فانه حدثني ابي عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال
امير المؤمنين عليه السلام ستة لا يقصرون الصلوة، الجباة الذين يدورون في جبايتهم، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق والامير الذي يدور في امارته
[ 150 ]
والراعي الذي يطلب مواقع القطر ومنبت الشجر والرجل يخرج في طلب الصيد يريد لهوا للدنيا والمحارب الذي يقطع الطريق. واما قوله (وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك الآية) فانها نزلت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحديبية يريد مكة فلما وقع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا ليستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الجبال، فلما كان في بعض الطريق وحضرت صلوة الظهر فاذن بلال فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس، فقال خالد بن الوليد لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلوة لاصبناهم، فانهم لا يقطعون صلاتهم ولكن يجئ لهم الآن صلوة اخرى هي احب إليهم من ضياء ابصارهم فإذا دخلوا فيها حملنا عليهم، فنزل جبرئيل (ع) بصلوة الخوف بهذه الآية وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلوة.. الخ ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه فرقتين، فوقف بعضهم تجاه العدو وقد اخذوا سلاحهم وفرقة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله قياما، ومروا فوقفوا مواقف اصحابهم وجاء اولئك الذين لم يصلوا فصلى ربهم رسول الله صلى الله عليه وآله الركعة الثانية، ولهم الاولى وقعد وتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وقاموا اصحابه وصلوا هم الركعة الثانية وسلم عليهم وقوله (وإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) قال الصحيح يصلى قائما والعليل يصلى جالسا فمن لم يقدر فمضطجعا يؤمي ايماءا وقوله (ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) اي موجوبة وقوله (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) فانه معطوف على قوله في سورة آل عمران " ان يمسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " وقوله (انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما
اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) فانه كان سبب نزولها ان قوما من الانصار من بني ابيزق اخوة ثلاثة كانوا منافقين بشير وبشر ومبشر، فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وكان قتادة بدريا واخرجوا طعاما كان اعده لعياله وسيفا
[ 151 ]
ودرعا فشكى قتادة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يارسول الله ان قوما نقبوا على عمي واخذوا طعاما كان اعده لعياله ودرعا وسيفا وهم اهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له لبيد بن سهل فقال بنو ابيزق لقتادة هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك لبيدا فاخذ سيفه وخرج عليهم فقال يا بني ابيزق اترموننى بالسرقة وانتم اولى به مني وانتم المنافقون تهجون رسول الله صلى الله عليه وآله وتنسبون إلى قريش لتبينن ذلك أو لاملان سيفي منكم، فداروه فقالوا له ارجع يرحمك الله فانك برئ من ذلك، فمشوا بنو ابيزق إلى رجل من رهطهم يقال له اسيد بن عروة وكان منطيقا بليغا فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ان قتادة بن النعمان عمد إلى اهل بيت منا اهل شرف ونسب وحسب فرماهم بالسرقة، واتهمهم بما ليس فيهم، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك وجاء إليه قتادة فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له عمدت اهل بيت شرف وحسب نسب فرميتهم بالسرقة فعاتبه عتابا شديدا فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه وقال ياليتني مت ولم اكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقد كلمني بما كرهته، فقال عمه الله المستعان فانزل الله في ذلك على نبيه صلى الله عليه وآله (انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله ان الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون انفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا آثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) يعني الفعل فوقع القول مقام الفعل.
ثم قال (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما، ومن يكسب إثما فانما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما، ومن يكسب خطيئة أو اثما ثم يرم به بريئا) يعني لبيد بن سهل (فقد احتمل
[ 152 ]
بهتانا واثما مبينا) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام قال ان اناسا من رهط بشير الادنين قالوا انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا نكلمه في صاحبنا ونعذره وان صاحبنا برئ فلما انزل الله " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم - إلى قوله - وكيلا " فاقبلت رهط بشير فقال يا بشير استغفر الله وتب الله من الذنب فقال والذي احلف به ما سرقها إلا لبيد فنزلت " ومن يكسب خطيئة أو اثما يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا " ثم أن بشيرا كفر ولحق بمكة وانزل الله في النفر الذين اعذروا بشيرا واتوا النبي ليعذروه قوله (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم ان يضلوك وما يضلون إلا انفسهم وما يضرونك من شئ وانزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) ونزلت في بشير وهو بمكة (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). وقال علي بن ابراهيم في قوله (لا خير في كثير من نجويهم) وقال لا خير في كثير من كلام الناس ومحاوراتهم إلا من امر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه اجرا عظيما) حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن حماد عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان الله فرض التحمل (التمحل ن) في القرآن، قلت وما التحمل ؟ جعلت فداك، قال ان يكون وجهك اعرض
من وجه اخيك فتحمل له وهو قوله " لا خير في كثير من نجويهم " حدثني ابي عن بعض رجاله رفعه إلى امير المؤمنين عليه السلام قال ان الله فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض عليكم زكاة ما ملكت ايديكم، وقوله (من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) اي يخالفه (نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) وقوله (ان يدعون من دونه إلا اناثا) قال قالت قريش ان الملائكة هم بنات الله (وإن
[ 153 ]
يدعون... إلا شيطانا مريدا) قال كانوا يعبدون الجن وقوله (لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا) يعني ابليس حيث قال: (ولاضلنهم ولامنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ولآمرنهم فليغبرن خلق الله) اي امر الله وقوله (ليس بأمانيكم ولا أماني اهل الكتاب) يعني ليس ما تتمنون انتم ولا اهل الكتاب أن لا تعذبوا بافعالكم وقوله (ولا يظلمون نقيرا) وهي النقطة التي في النواة وقوله (واتبع ملة ابراهيم حنيفا) قال هي الحنفية العشرة التي جاء بها ابراهيم التي لم تنسخ إلى يوم القيامة (1) وقوله (واتخذ الله ابراهيم خليلا) فانه حدثني ابى عن هارون بن مسلم عن مسعود (مسعدة ط) بن صدقة عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال ان ابراهيم عليه السلام هو اول من حول له الرمل دقيقا، وذلك انه قصد صديقا له بمصر في قرض طعام، فلم يجده في منزله فكره ان يرجع بالحمار خاليا فملا جرابه رملا، فلما دخل منزله خلا بين الحمار وبين سارة، استحياءا منها ودخل البيت ونام، ففتحت سارة عن دقيق أجود ما يكون، فخبزت وقدمت إليه طعاما طيبا، فقال ابراهيم من اين لك هذا ؟ قالت من الدقيق الذي حملته من عند خليلك المصري، فقال ابراهيم اما انه خليلي وليس بمصري فلذلك اعطي الخلة فشكر الله وحمده واكل وقوله (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في
الكتاب في يتامى النساء اللاتى لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون ان تنكحوهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع) واما قوله (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) قال ان خافت المرأة من زوجها ان يطلقها ويعرض عنها فتقول له قد تركت لك كلما عليك ولا اسألك نفقة فلا تطلقني ولا تعرض عني فاني اكره شماتة الاعداء، فلا جناح عليه ان يقبل ذلك ولا يجري عليها شيئا، وفي رواية ابى الجارود
(1) وياتى ذكرها في ص 391 من هذا الكتاب. ج. ز (*)
[ 154 ]
عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ويستفتونك في النساء " فان نبي الله صلى الله عليه وآله سئل عن النساء ما لهن من الميراث فانزل الله الربع والثمن، وقوله (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) فان الرجل كان يكون في حجره يتيمة فتكون ذميمة أو ساقطة يعني حمقاء فيرغب الرجل عن ان يزوجها ولا يعطيها مالها فينكحها غيره من اخذ مالها ويمنعها النكاح ويتربص بها الموت ليرثها فنهى الله عن ذلك وقوله (والمستضعفين من الولدان) فان اهل الجاهلية كانوا لا يورثون الصبي الصغير ولا الجارية من ميراث آبائهم شيئا وكانوا لا يعطون الميراث إلا لمن يقاتل وكانوا يرون ذلك في دينهم حسنا، فلما انزل الله فرائض المواريث وجدوا من ذلك وجدا (1) شديدا، فقالوا انطلقوا الي رسول الله صلى الله عليه وآله فنذكره ذلك لعله يدعه أو يغيره فاتوه، فقالوا يارسول الله للجارية نصف ما ترك ابوها واخوها ويعطى الصبي الصغير الميراث وليس احد منهما يركب الفرس ولا يحوز الغنيمة ولا يقاتل العدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك امرت، واما قوله (وان تقوموا لليتامي بالقسط) فانهم كانوا يفسدون مال اليتيم فامرهم الله ان يصلحوا مالهم واما قوله (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) نزلت في ابنة محمد بن
مسلمة كانت امرأة رافع بن جريح، وكانت امرأة قد دخلت في السن فتزوج عليها امرأة شابة كانت اعجب إليه من ابنة محمد بن مسلمة، فقالت له بنت محمد بن مسلمة ألا اراك معرضا عني مؤثرا علي ؟ فقال رافع هي امرأة شابة وهي اعجب الي فان شئت اقررت على ان لها يومين أو ثلاثة مني ولك يوم واحد، فابت ابنة محمد بن مسلمة ان ترضاها فطلقها تطليقة واحدة ثم طلقها اخرى، فقالت لا والله لا ارضى ان تسوي بيني وبينها يقول الله (واحضرت الانفس الشح)
(1) الفرح والحزن والمراد معني الاخير، فهو من لغات الاضداد. ج - ز. (*)
[ 155 ]
وابنة محمد لم تطب نفسها بنصيبها وشحت عليه، فعرض عليها رافع اما ان ترضى واما ان يطلقها الثالثة، فشحت على زوجها ورضيت فصالحته على ما ذكر فقال الله (فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) فلما رضيت واستقرت. لم يستطع ان يعدل بينهما فنزلت (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلفة) ان تأتي واحدة وتذر الاخرى لا ايم (1) ولا ذات بعل وهذه السنة فيما كان كذلك إذا اقرت المرأة ورضيت على ما صالحها عليه زوجها فلا جناح على الزوج ولا على المرأة وان هي ابت طلقها أو يساوي بينهما لا يسعه إلا ذلك. قال علي بن ابراهيم في قوله (واحضرت الانفس الشح) قال احضرت الشح فمها ما اختارته ومنها ما لم تختره وقوله (ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء) انه روي انه سأل رجل من الزنادقة ابا جعفر الاحول فقال اخبرني عن قوله " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " وقال في آخر السورة " ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل " فبين القولين فرق، فقول أبو جعفر الاحول فلم يكن
في ذلك عندي جواب فقدمت المدينة، فدخلت على ابي عبد الله (ع) فسألته. عن الآيتين، فقال اما قوله " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " فانما عنى به النفقة وقوله " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء فانما عنى به المودة، فانه لا يقدر احد ان يعدل بين امرأتين في المودة، فرجع أبو جعفر الاحول إلى الرجل فاخبره، فقال هذا حملته الابل من بالحجاز. واما قوله (يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي
(1) الايم كقيم امرأة لا بعل لها. ج. ز. (*)
[ 156 ]
أنفسكم أو الوالدين والاقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله اولى بهما - إلى قوله - فان الله كان بما تعملون خبيرا) فان الله امر الناس ان يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل ولو على انفسهم أو على والديهم أو على قراباتهم، قال أبو عبد الله عليه السلام ان على المؤمن سبع حقوق، فاوجبها ان يقول الرجل حقا وان كان على نفسه أو على والديه فلا يميل لهم عن الحق ثم قال (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا أو ان تلوا أو تعرضوا) يعني عن الحق (فان الله كان بما تعملون خبيرا) وقوله (يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) يعني ايها الذين اقروا صدقوا وقوله (ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) قال نزلت في الذين آمنوا برسول الله اقرارا لا تصديقا ثم كفروا لما كتبوا الكتاب فيما بينهم أن لا يردوا الامر إلى اهل بيته ابدا فلما نزلت الولاية واخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الميثاق عليهم لامير المؤمنين عليه السلام آمنوا اقرارا لا تصديقا، فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وآله كفروا وازدادوا كفرا (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) يعني طريقا إلا طريق جهنم، وقوله (الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا) يعني القوة، قال نزلت في بني امية حيث خالفوا نبيهم على ان
لا يردوا الامر في بني هاشم وقوله (وقد نزل عليكم في الكتاب ان إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم إذا مثلهم) قال آيات الله هم الائمة عليهم السلام، وقوله (الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وان كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين) فانها نزلت في عبد الله ابن ابي واصحابه الذين قعدوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد، فكان إذا ظفر رسول الله صلى الله عليه وآله بالكفار قالوا له ألم نكن معكم وإذا ظفرتم ؟ الكفار قالوا ألم نستحوذ ان نعينكم
[ 157 ]
ولم نعن عليكم (1) قال الله (فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) واما قوله (ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) قال الخديعة من الله العذاب قوله (إذا قاموا) مع رسول الله صلى الله عليه وآله (إلى الصلاة قاموا كسالا يراؤن الناس) أنهم مؤمنون (ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) أي لم يكونوا من المؤمنين ولا من اليهود ثم قال (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار) نزلت في عبد الله بن ابي وجرت في كل منافق ومشرك وقوله (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) اي لا يحب ان يجهر الرجل الجزء (6 بالظلم والسوء ويظلم إلا من ظلم فقد اطلق له ان يعارضه بالظلم، وفي حديث آخر في تفسير هذا قال ان جاءك رجل وقال فيك ما ليس فيك من الخير والثناء والعمل الصالح فلا تقبله منه وكذبه فقد ظلمك، وقوله (ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) قال هم الذين اقروا برسول الله صلى الله عليه وآله وانكروا امير المؤمنين عليه السلام (ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا اولئك هم الكافرون حقا). وقوله (فبما نقضهم ميثاقهم) يعني فبنقضهم ميثاقهم (وكفرهم بآيات الله
وقتلهم الانبياء بغير حق) قال هؤلاء لم يقتلوا الانبياء وإنما قتلهم اجدادهم واجداد اجدادهم فرضوا هؤلاء بذلك فالزمهم الله القتل بفعل اجدادهم، فكذلك من رضي بفعل فقد لزمه وان لم يفعله، والدليل على ذلك ايضا قوله في سورة البقرة " فلم تقتلون " انبياء الله من قبل ان كنتم مؤمنين " فهؤلاء لم يقتلوهم ولكنهم رضوا بقتل آبائهم فالزمهم فعلهم، وقوله (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما) اي قولهم انها فجرت وقوله (قولهم انا قتلنا عيسى بن مريم رسول الله) لما رفعه الله إليه وقوله
(1) اعان عليه اي ضره وفي الدعاء " رب اعني ولا تعن علي). ج. ز. (*)
[ 158 ]
(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وقوله (وان من اهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا) فانه روى ان رسول الله ص إذا رجع آمن به الناس كلهم قال حدثني ابي عن القاسم بن محمد بن سليمان بن داود المنقري عن ابي حمزة عن شهر بن حوشب قال قال لي الحجاج بان آية في كتاب الله قد اعيتني، فقلت ايها الامير أية آية هي ؟ فقال قوله " وان من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " والله اني لآمر باليهودي والنصراني فيضرب عنقه ثم ارمقه بعيني فما أراه يحرك شفتيه حتى يخمد، فقلت اصلح الله الامير ليس على ما تأولت، قال كيف هو ؟ قلت ان عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى اهل ملة يهودي ولا نصراني إلا آمن به قبل موته ويصلي خلف المهدي، قال ويحك انى لك هذا ومن اين جئت به، فقلت حدثني به محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام، فقال جئت بها والله من عين صافية، وقوله (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) فانه حدثني ابى عن ابن محبوب عن عبد الله بن ابى يعقوب (يعفور ط) قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول من زرع حنطة في ارض فلم يزك في ارضه وزرعه وخرج زرعه كثير الشعير فبظلم
عمله في ملك رقبة الارض أو بظلم مزارعه واكرته لان الله يقول فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم الطيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا هكذا انزلها الله فاقرؤها هكذا وما كان الله ليحل شيئا في كتابه ثم يحرمه من بعد ما احله ولا ان يحرم شيئا ثم يحله من بعد ما حرمه، قلت وكذلك ايضا قوله ومن الابل والبقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، قال نعم، قلت فقوله إلا ما حرم اسرائيل على نفسه، قال ان اسرائيل كان إذا أكل من لحم الابل يهيج عليه وجع الخاصرة فحرم على نفسه لحم الابل وذلك من قبل ان تنزل التورية، فلما انزلت التورية
[ 159 ]
لم يحرمه ولم يأكله وقوله (لكن الراسخون في العلم إلى قوله وكان الله عزيزا حكيما) فانه محكم. وقوله (لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه) فانه حدثني ابى عن ابن ابي عمير عن ابي بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال إنما انزلت " لكن الله يشهد بما انزل اليك في علي انزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " وقرأ أبو عبد الله عليه السلام ان الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها ابدا وكان ذلك على الله يسيرا وقوله (وآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة) فهم الذين قالوا بالله وبعيسى و مريم فقال الله (انتهوا خيرا لكم انما الله اله واحد سبحانه ان يكون له ولد له ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا) وقوله (ان يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله) اي لا يأنف ان يكون عبدا لله (ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) وقوله (يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا) فالنور امامة امير المؤمنين عليه السلام، ثم قال (فاما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) وهم
الذين تمسكوا بولاية امير المؤمنين والائمة عليهم السلام، وقوله (يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرؤ هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ان لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وان كانوا اخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الانثيين) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن عمر بن اذينة عن بكير عن ابى جعفر عليه السلام قال إذا مات الرجل وله اخت تأخذ نصف ما ترك من الميراث، لها نصف الميراث بالآية كما تأخذ البنت لو كانت، والنصف الباقي يرد عليها بالرحم إذا لم يكن للميت وارث اقرب منها، فان كان موضع الاخت اخ اخذ الميراث كله بالآية لقوله الله (وهو يرثها ان لم يكن لها
[ 160 ]
ولد) وان كانتا اختين اخذتا الثلثين بالآية والثلث الباقي بالرحم وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين وذلك كله إذا لم يكن للميت ولد أو ابوان أو زوحة سورة المائدة مدنية وهى مأة وعشرون آية (بسم الله الرحمن الرحيم يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود احلت لكم بهيمة الانعام) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام قوله " اوفوا بالعقود " قال بالعهود، واخبرنا الحسين بن محمد بن عامر عن المعلى بن محمد البصري عن ابن ابى عمير عن ابى جعفر الثاني عليه السلام في قوله: (يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود) قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله عقد عليهم لعلي بالخلافة في عشرة مواطن، ثم انزل الله " يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود التي عقدت عليكم لامير المؤمنين عليه السلام " وقال علي بن ابراهيم في قوله (احلت لكم بهيمة الانعام) قال الجنين في بطن امه إذا اوبر واشعر فذكانه ذكاة امه
فذلك الذى عناه الله، وقوله (احلت لكم بهيمة الانعام) دليل على ان غير الانعام محرم، وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام) فالشعائر الاحرام، والطواف والصلاة في مقام ابراهيم، والسعى بين الصفا والمروة، ومناسك الحج كلها من شعائر الله، ومن الشعائر إذا ساق الرجل بدنة في الحج ثم اشعرها أي قطع سنامها أو جللها أو قلدها ليعلم الناس انها هدي فلا تتعرض لها احد، وانما سميت الشعائر لتشعر الناس بها فيعرفونها، وقوله " ولا الشهر الحرام " وهو ذو الحجة وهو من الاشهر الحرام، وقوله " ولا الهدي " وهو الذي يسوقه إذا احرم
[ 161 ]
" ولا القلائد " قال يقلدها النعل الذي قد صلى فيه وقوله " ولا آمين البيت الحرام " قال الذين يحجون البيت الحرام وقوله (وإذا حللتم فاصطادوا) فاحل لهم الصيد بعد تحريمه إذا أحلوا، وقوله (ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا) اي لا يحملنكم عداوة قريش ان صدوك عن المسجد الحرام في غزوة حديبية أن تعتدوا عليهم وتظلموهم ثم نسخت هذه الآية بقوله " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". واما قوله (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق) فالميتة والدم ولحم الخنزير معروف، وما اهل لغير الله به يعني به ما ذبح للاصنام، والمنخنقة: فان المجوس كانوا لا يأكلون الذبائح ويأكلون الميتة، وكانوا يخنقون البقر والغنم فإذا ماتت اكلوها، والموقوذة: كانوا يشدون عينيها وارجلها ويضربونها حتى تموت، فإذا ماتت اكلوها، والمتردية: كانوا يشدون عينها ويلقونها من السطح،
فإذا ماتت اكلوها، والبطيحة: كانوا يتناطحون بالكباش فإذا مات احدهما اكلوه وما اكل السبع إلا ما ذكيتم: فانهم كانوا يأكلون ما يأكله الذئب والاسد والدب فحرم الله ذلك، وما ذبح على النصب: كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجر والصخر فيذبحون لها، وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق: قال كانوا يعمدون إلى الجزور فيجزونه عشرة اجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، والسهام عشرة سبعة لها انصباء وثلاثة لا انصباء لها، فالتي لها إنصباء، الفذ والتوام، والمسبل، والنافس، والحلس (الحليس ط)، والرقيب، والمعلى، فالفذ له سهم والتوام له سهمان والمسبل له ثلاثة اسهم والنافس له اربعة اسهم والحلس له خمسة اسهم والرقيب له ستة اسهم والمعلى
[ 162 ]
له سبعة اسهم، والتي لا انصباء لها السفح والمنيح والوغد، وثمن الجزور على من لم يخرج له الانصباء شيئا، وهو القمار فحرمه الله عزوجل. وقوله (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) قال ذلك لما نزلت ولاية امير المؤمنين عليه السلام واما قوله (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) فانه حدثني ابي عن صفوان بن يحيى عن العلا عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال آخر فريضة انزلها الله الولاية ثم لم ينزل بعدها فريضة ثم انزل " اليوم اكملت لكم دينكم " بكراع الغنم (1) فاقامها رسول الله صلى الله عليه وآله بالجحفة فلم ينزل بعدها فريضة واما قوله (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم) فهو رخصة للمضطر ان يأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والمخمصة الجوع وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر (ع) في قوله غير متجانف لاثم، قال يقول غير متعمد لاثم، وقال علي بن ابراهيم في قوله غير متجانف لاثم، اي غير مائل في الاثم فلا يأكل الميتة إذا اضطر إليها إذا كان في سفر غير حق،
وكذلك ان كان في قطع الطريق أو ظلم أو جور قوله (يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله) وهو صيد الكلاب المعلمة خاصة احله الله إذا ادركته و، قتلته لقوله " فكاوا مما امسكن عليكم " واخبرني ابى عن فضالة بن ايوب عن سيف بن عميرة عن ابى بكر الحضرمي عن ابى عبد الله (ع) قال سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب، قال لا تأكلوا إلا ما ذكيتم إلا الكلاب، قلت فان قتله قال كل فان الله يقول وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم، ثم قال (ع) كل شئ من السباع تمسك الصيد على نفسها
(1) كراع الغميم خ. ل. (*)
[ 163 ]
إلا الكلاب المعلمة فانها تمسك على صاحبها قال إذا ارسلت الكلب المعلم فاذكروا اسم الله عليه، فهو ذكاته وقوله (أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) قال عنى بطعامهم الحبوب والفاكهة غير الذبائح التي يذبحونها فانهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، ثم قال والله ما استحلوا ذبايحكم فكيف تستحلون ذبائحهم. وقوله (والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم) فقد احل الله نكاح اهل الكتاب بعد تحريمه في قوله في سورة البقرة (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) وإنما يحل نكاح اهل الكتاب الذين يؤدون الجزية على ما يجب فاما إذا كانوا في دار الشرك ولم يؤدوا الجزية لم يحل مناكحتهم وقوله (ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله) قال من آمن ثم اطاع اهل الشرك فقد حبط عمله وكفر بالايمان (وهو في الآخرة من الخاسرين) وقوله (يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق) يعني من المرفق وهو محكم
وقوله (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به) قال لما اخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الميثاق عليهم بالولاية قالوا اسمعنا واطعنا، ثم نقضوا ميثاقهم وقول (اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم ايديهم فكف ايديهم عنكم) يعني اهل مكة من قبل ان فتحها فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية وقوله (فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم) يعني نقض عهد امير المؤمنين عليه السلام (وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه) قال من نحي امير المؤمنين عليه السلام (1) عن موضعه،
(1) كما ان بعض الآيات فيه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمراد منه امته على نحو " اياك اعني واسمعي يا جارة " كذلك هذه الآية - بناءا على التفسير المذكور - وان كان ظاهرها متعرضا لشأن بني اسرائيل اما باطنها متعلق باعداء آل محمد ج - ز. (*)
[ 164 ]
والدليل على ذلك ان الكلمة امير المؤمنين عليه السلام قوله " وجعلها كلمة باقية في عقبه " يعني به الامامة وقوله (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح) قال منسوخة بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وقوله (ومن الذين قالوا انا نصارى اخذنا ميثاقهم) قال على (ع) ان عيسى بن مريم عبد مخلوق فجعلوه ربا (فنسوا حظا مما ذكروا به). وقوله (يا اهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير) قال يبين النبي صلى الله عليه وآله ما اخفيتموه مما في التورية من اخباره ويدع كثيرا لا يبينه (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) يعني بالنور امير المؤمنين والائمة عليهم السلام: وقوله (قد جاءكم رسولنا يبين لكم) مخاطبة لاهل الكتاب (على فترة من الرسل) قال علي (ع) انقطاع من الرسل احتج عليهم فقال (ان تقولوا) اي لئلا تقولوا (ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير) وقوله (اذكروا نعمة الله عليكم
إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا) يعني في بني اسرائيل لم يجمع الله لهم النبوة والملك في بيت واحد، ثم جمع ذلك لنبيه وقوله (يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم) فان ذلك نزل لما قالوا لن نصبر على طعام واحد، فقال لهم موسى اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم، فقالوا ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون فنصف الآية ههنا ونصفها في سورة البقرة، فلما قالوا لموسى ان فيها قوما جبارين، وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، قال لهم موسى لابد ان تدخلوها، فقالوا له ؟ (فاذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون) فاخذ موسى بيد هارون وقال كما حكى الله (انى لا املك إلا نفسي واخي) يعني هارون (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) فقال الله (فانها محرمة عليهم اربعين سنة) يعني مصر لن يدخلوها اربعين سنة (يتيهون في
[ 165 ]
الارض) فلما أراد موسى ان يفارقهم فزعوا وقالوا ان خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب ففزعوا إليه وسألوه ان يقيم معهم ويسأل الله أن يتوب عليهم، فأوحى الله إليه قد تبت عليهم على ان يدخلوا مصر وحرمتها عليهم اربعين سنة يتيهون في الارض عقوبة لقولهم اذهب انت وربك فقاتلا فدخلا كلهم في التيه البرقادون (الاقارون ط)، فكانوا يقومون في اول الليل ويأخذون في قراءة التوراة فإذا اصبحوا على باب مصر دارت بهم الارض، فردتهم إلى مكانهم وكان بينهم وبين مصر اربع فراسخ، فبقوا في ذلك اربعين سنة، فمات هارون وموسى في التيه ودخلها ابناؤهم وابناء ابنائهم. وروي ان الذي حفر قبر موسى ملك الموت في صورة آدمي، ولذلك لا تعرف بنو اسرائيل قبر موسى، وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قبره فقال عند الطريق الاعظم عند الكثيب الاحمر، قال وكان بين موسى وداود خمس مائة سنة
وبين داود وعيسى الف ومائة سنة واما قوله (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الآخر) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن ابى حمزة الثمالي عن ثوير بن ابى فاختة قال سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يحدث رجلا من قريش قال لما قرب ابنا آدم القربان، قرب احدهما أسمن كبش كان في ظأنيته وقرب الآخر ضغثا من سنبل، فقبل من صاحب الكبش وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر فغضب قابيل فقال لهابيل والله لاقتلنك، فقال هابيل (إنما يتقبل الله من المتقين لان بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك انى اخاف الله رب العالمين اني اريد ان تبوء باثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاؤ الظالمين فطوعت له نفسه قتل اخيه) فلم يدر كيف يقتله حتى جاء ابليس فعلمه، فقال ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه، فلما قتله لم يدر
[ 166 ]
ما يصنع به فجاء غرابان فاقبلا يتضاربان حتى قتل احدهما صاحبه ثم حفر الذي بقي الارض بمخالبه ودفن فيما صاحبه، قال قابيل (يا ويلتا اعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فاواري سوءة اخي فاصبح من النادمين) فحفر له حفيرة ودفنه فيها فصارت سنة يدفنون الموتى فرجع قابيل إلى ابيه فلم ير معه هابيل، فقال له آدم اين تركت ابني ؟ قال له قابيل ارسلتني عليه راعيا ؟ فقال آدم انطلق معي إلى مكان القربان واوجس قلب آدم بالذي فعل قابيل، فلما بلغ المكان استبان قتله، فلعن آدم الارض التي قبلت دم هابيل وامر آدم ان يلعن قابيل ونودي قابيل من السماء لعنت كما قتلت اخاك ولذلك لا تشرب الارض الدم، فانصرف آدم فبكى على هابيل اربعين يوما وليلة فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله فأوحى الله إليه اني واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل، فولدت حواء غلاما زكيا مباركا، فلما كان اليوم السابع
اوحى الله إليه يا آدم ان هذا الغلام هبة مني لك فسمه هبة الله، فسماه آدم هبة الله قال وحدثني ابي عن عثمان بن عيسى عن (ابى ط) ايوب عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال كنت جالسا معه في المسجد الحرام فإذا طاووس في جانب الحرم يحدث اصحابه حتى قال اتدري أي يوم قتل نصف الناس، فاجابه ابو جعفر عليه السلام فقال أو ربع الناس يا طاووس، فقال أو ربع الناس، فقال أتدري ما صنع بالقاتل ؟ فقلت ان هذه المسألة، فلما كان من الغد غدوت على ابى جعفر عليه السلام فوجدته قد لبس ثيابه وهو قاعد على الباب ينتظر الغلام ان يسرج له، فاستقبلني بالحديث قبل ان اسأله فقال، ان بالهند أو من وراء الهند رجلا معقولا برجله اي واحدة، لبس المسح (1) موكل به عشرة نفر كلما مات رجل منهم اخرج اهل القرية بدله فالناس يموتون والعشرة لا ينقصون يستقبلونه بوجه الشمس حين تطلع ويديرونه معها حين تغيب ثم يصبون عليه في البرد الماء البارد
(1) المسح بالكسر كساء من صوف جمعه مسوح ج. ز (*)
[ 167 ]
وفي الحر الماء الحار، قال فمر به رجل من الناس فقال له من انت يا عبد الله ؟ فرفع رأسه ونظر إليه ثم قال له اما ان تكون احمق الناس واما ان تكون اعقل الناس، انى لقائم ههنا منذ قامت الدنيا ما سألني احد غيرك من أنت، ثم قال يزعمون انه ابن آدم (1). قال الله عزوجل (من اجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا) فلفظ الآية خاص في بني اسرائيل ومعناه جار في الناس كلهم، وقوله (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) قال من أنقذها من حرق أو غرق أو هدم أو سبع أو
كلفة حتى يستغني أو اخرجه من فقر إلى غنى، وافضل من ذلك ان اخرجه من ضلال إلى هدى، وقوله فكأنما احيا الناس جميعا، قال يكون مكانه كمن احيا الناس جميعا واما قوله (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض) فانه حدثني ابي عن علي بن حسان عن ابي جعفر عليه السلام قال من حارب الله واخذ المال وقتل كان عليه ان يقتل ويصلب، ومن حارب وقتل ولم يأخذ المال
(1) ان هذا الخبر من غرائب الاخبار حيث لم يشاهد مثل هذا الشخص المعذب اي مكان، ولو كان لبان، فيمكن ان الامام عليه السلام لم يكن مقصوده بيان اعتقاده بل ذكره حسب ما كان على السنة الناس في ذاك الزمان كما يدل عليه لفظه " يزعمون انه ابن آدم " وعلى فرض كونه حاكيا عن اعتقاد نفسه يجوز ان تكون العشرة الموكلون على هذا الرجل من الاجنة المخفية عن انظار عامة البشر فلذا لم يطلعوا وعلمه الامام عليه السلام لانه عالم بخبايا الامور. ج. ز. (*)
[ 168 ]
كان عليه ان يقتل ولا يصلب، ومن حارب فاخذ المال ولم يقتل كان عليه ان تقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم يأخذ المال ولم يقتل كان عليه ان ينفى، ثم استثنى عزوجل فقال " إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم " يعني يتوب من قبل ان يأخذهم الامام، وقوله (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) فقال تقربوا إليه بالامام، وقوله (ان الذين كفروا لو ان لهم ما في الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم - إلى قوله - والله على كل شئ قدير) فانه محكم. واما قوله (يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين
قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم) فانه كان سبب نزولها انه كان في المدينة بطنان من اليهود من بني هارون وهم النضير وقريضة وكانت قريضة سبع مائة والنضير الفا، وكانت النضير اكثر مالا واحسن حالا من قريضة. وكانوا حلفاء لعبد الله بن ابي، فكان إذا وقع بين قريضة والنضير قتل وكان الفاتل من بني النضير قالوا لبني قريضة لا نرضى ان يكون قتيل منا بقتيل منكم فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا ان يقتتلوا حتى رضيت قريضة وكتبوا بينهم كتابا على انه اي رجل من اليهود من النضير قتل رجلا من بني قريضة ان يجنيه ويحمم، والتجنية ان يقعد على جمل ويولى وجهه إلى ذنب الجمل ويلطخ بالحماة ويدفع نصف الدية، وإيما رجل من بني قريضة قتل رجلا من بني النضير ان يدفع إليه دية كاملة ويقتل به، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ودخلت الاوس والخرج في الاسلام ضعف امر اليهود فقتل رجل من بني قريضة رجلا من بني النضير فبعثوا إليهم بنو النضير ابعثوا الينا فدية ؟ المقتول وبالقاتل حتى نقتله، فقالت قريضة ليس هذا حكم التوراة وإنما هو شئ غلبتمونا عليه فاما الدية واما القتل وإلا فهذا محمد بيننا وبينكم فهلموا لنتحاكم إليه، فمشت بنو
[ 169 ]
النضير إلى عبد الله بن ابي وقالوا سل محمدا ان لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا وبين بني قريضة في القتل، فقال عبد الله بن ابي ابعثوا معي رجلا يسمع كلامي وكلامه فان حكم لكم بما تريدون وإلا فلا ترضوا به، فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له يارسول الله ان هؤلاء القوم قريضة والنضير قد كتبوا بينهم كتابا وعهدا وثيقا تراضوا به والآن في قدومك يريدون نقضه وقد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض عليهم كتابهم وشرطهم، فان بني النضير لهم القوة والسلاح والكراع، ونحن نخاف الغوائل والدوائر، فاغتم لذلك
رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يجبه بشئ، فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات " يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا " يعني اليهود " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " يعني عبد الله بن ابي وبني النضير " يقولون ان اوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا " يعني عبد الله بن ابي حيث قال لبني النضير إن لم يحكم لكم بما تريدون فلا تقبلوا " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون للسحت فان جاؤك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم، وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين - إلى قوله - ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون " وقوله (وكتبنا عليهم فيها) يعني في التوراة (ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) فهي منسوخة بقوله (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) وقوله (والجروح قصاص) لم تنسخ ثم قال (فمن تصدق به) اي عفى (فهو كفارة له) وقوله (لكل جعلنا منكم شرعة
[ 170 ]
ومنهاجا) قال لكل نبي شريعة وطريق (ولكن ليبلوكم فيما آتاكم) أي يختبركم ثم قال لنبيه (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة) وهو قول عبد الله بن ابي لرسول الله صلى الله عليه وآله لا تنقض حكم بني النضير فانا نخاف الدوائر، فقال الله تعالى (فعسى الله ان يأتي بالفتح أو امر من عنده فيصبحوا علي ما اسروا في انفسهم نادمين) واما قوله (يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم وبحبونه اذلة على المؤمنين
اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله) قال هو محاطبة لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين غصبوا آل محمد حقهم وارتدوا عن دين الله " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم " نزلت في القائم عليه السلام واصحابه (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) واما قوله (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فانه حدثني ابي عن صفوان عن ابان بن عثمان بن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر عليه السلام قال بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالس وعنده قوم من اليهود فيهم عبد الله بن سلام، إذ نزلت عليه هذه الآية فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المسجد فاستقبله سائل، فقال هل اعطاك احد شيئا ؟ قال نعم، ذاك المصلي فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو علي امير المؤمنين عليه السلام وقوله (وإذا جاؤكم قالوا آمنا) قال نزلت في عبد الله بن ابي لما اظهر الاسلام (وقد دخلوا في الكفر) قال وخرجوا به من الايمان وقوله (واكلهم السحت) قال السحت هو بين الحلال والحرام وهو ان يؤاجر الرجل نفسه على حمل المسكر ولحم الخنزير واتخاذ الملاهي فاجارته نفسه خلال ومن جهة ما يحمل ويعلم هو سحت. وحدثني ابي عن النوفل عن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام من السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، ومهر البغى، والرشوة في الحكم، واجر الكاهن، وقوله (قالت اليهود يد الله مغلولة غلت
[ 171 ]
ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان) قال قالوا قد فرغ الله من الامر لا يحدث الله غير ما قد قدره في التقدير الاول، فرد الله عليهم فقال بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء اي يقدم ويؤخر ويزيد وينقص وله البداء والمشية، وقوله (كلما اوقدوا نارا للحرب اطفأها الله) قال كلما اراد جبار من الجبابرة هلاك آل محمد قصمه الله، وقوله (ولو انهم اقاموا التورية والانجيل وما انزل
إليهم من ربهم) يعني اليهود والنصارى (لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم) قال من فوقهم المطر ومن تحت ارجلهم النعبات وقوله (منهم امة مقتصدة) قال قوم من اليهود دخلوا في الاسلام فسماهم الله مقتصدة. وقوله (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) قال نزلت هذه الآية في علي (وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) قال نزلت هذه الآية في منصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع وحج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة، فكان من قوله بمنى ان حمد الله واثنى عليه ثم قال: " ايها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني، فاني لا ادري لا القاكم بعد عامي هذا، ثم قال هل تعلمون اي يوم اعظم حرمة ؟ قال الناس هذا اليوم، قال فاي شهر ؟ قال الناس هذا، قال واي بلد اعظم حرمة ؟ قالوا بلدنا هذا، قال فان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم فيسألكم عن اعمالكم، ألا هل بلغت ايها الناس ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وكل مأثره أو بدعة كانت في الجاهلية أو دم أو مال فهو تحت قدمي هاتين، ليس احد أكرم من احد إلا بالتقوى، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم ؟ قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، واول موضوع منه ربا العباس بن عبد المطلب،
[ 172 ]
ألا وكل دم كان في الجاهلية فهو موضوع، واول موضوع دم ربيعة، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وان الشيطان قد يئس ان يعبد بارضكم هذه ولكنه راض بما تحتقرون من اعمالكم، ألا وانه إذا اطيع فقد عبد، ألا ايها الناس ان المسلم اخو المسلم حقا، لا يحل لامرء مسلم دم
امرء مسلم وماله إلا ما اعطاه بطيبة نفس منه، واني امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم واموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ألا هل بلغت ايها الناس ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ايها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي وافهموه تنعشوا ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا، فان فعلتم ذلك ولتفعلن لنجدوني في كتيبة بين جبرئيل وميكائيل اضرب وجوهكم بالسيف، ثم التفت عن يمينه فسكت ساعة ثم قال - ان شاء الله أو علي بن ابى طالب، ثم قال ألا واني قد تركت فيكم امرين ان اخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي فانه قد نبأنى اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ألا فمن اعتصم بهما فقد نحبا ومن خالفهما فقد هلك، ألا هل بلغت ؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وانه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني، فاقول رب اصحابي، فقال يا محمد انهم احدثوا بعدك وغيروا سنتك فاقول سحقا سحقا (1).
(1) وفي لفظ صحيح البخاري: ان اناسا من اصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فاقول اصحابي اصحابي ! فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم، وفي لفظ صحيح مسلم: اقول انهم مني فيقال انك لا تدري ما عملوا بعدك، فاقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي، قال النووي في ذيل هذه =
[ 173 ]
فلما كان آخر يوم من أيام التشريق انزل الله: إذا جاء نصر الله والفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعيت إلى نفسي ثم نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف فاجتمع الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال نصر الله امرءا، سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو
افقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرء مسلم اخلص العمل لله والنصيحة لائمة المسلمين ولزم جماعتهم فان دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون اخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم ادناهم وهم يد على من سواهم. أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين، قالوا يارسول الله وما الثقلان ؟ قال كتاب الله وعترتي اهل بيتي، فانه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترفا حتى يردا علي الحوض كاصبعي هاتين، وجمع بين سبابتيه ولا اقول كهاتين وجمع سبابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه، فاجتمع قوم من اصحابه وقالوا يريد محمد ان يجعل الامامة في اهل بيته فخرج اربعة نفر منهم إلى مكه ودخلوا الكعبة تعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتابا ان مات محمد أو قتل أن لا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا فانزل الله على نبيه في ذلك " ام ابرموا امرا فانا مبرمون ام يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجويهم بلي ورسلنا لديهم يكتبون (1) " فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة يريد المدينة حتى نزل منزلا يقال له غدير خم، وقد
= الاحاديث (اي احاديث الحوض): قال القاضي عياض احاديث الحوض صحيحة والايمان به فرض والتصديق به من الايمان، متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة راجع صحيح البخاري ج 2 / 145 - 159 وج 3 / 79 وج 4 / 87 (باب الحوض) وصحيح مسلم ج 2 / 249 - 252. ج. ز. (1) الزخرف 79. (*)
[ 174 ]
علم الناس مناسكهم واوعز إليهم وصيته إذ نزلت عليه هذه الآية " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك فان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد ان حمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس هل تعلمون من وليكم ؟ فقالوا نعم الله ورسوله، ثم قال ألستم تعلمون اني اولى
بكم من انفسكم ؟ قالوا بلى، قال اللهم اشهد فاعاد ذلك عليهم ثلاثا كل ذلك يقول مثل قوله الاول ويقول الناس كذلك ويقول اللهم اشهد، ثم اخذ بيد امير المؤمنين (ع) فرفعها حتى بدا للناس بياض ابطيهما ثم قال " ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله واحب من احبه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم اشهد عليهم وانا من الشاهدين " فاستفهمه عمر فقام من بين اصحابه فقال يارسول الله هذا من الله ومن رسوله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعم من الله ورسوله انه امير المؤمنين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل اولياءه الجنة واعداءه النار، فقال اصحابه الذين ارتدوا بعده قد قال محمد في مسجد الخيف ما قال وقال ههنا ما قال وان رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له فاجتمعوا اربعة عشر نفرا وتوامروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وقعدوا في العقبة، وهى عقبة هر شى (ارشى ط) بين الجحفة والابواء، فقعدوا سبعة عن يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله فلما جن الليل تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الليلة العسكر فاقبل ينعس على ناقته، فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل يا محمد ان فلانا وفلانا (وفلانا ط) قد قعدوا لك، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال من هذا خلفي فقال حذيفة اليماني انا يارسول الله حذيفة بن اليمان، قال سمعت ما سمعت قال بلى قال فاكتم، ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله منهم فناداهم باسمائهم، فلما سمعوا نداء رسول الله صلى الله عليه وآله فروا ودخلوا في غمار الناس وقد كانوا عقلوا
[ 175 ]
رواحلهم فتركوها ولحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وطلبوهم وانتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رواحلهم فعرفهم، فلما نزل قال ما بال اقوام تحالفوا في الكعبة ان مات محمد أو قتل ألا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا، فجاؤا إلى رسول الله
صلى الله عليه وآله فحلفوا انهم لم يقولوا من ذلك شيئا ولم يريدوه ولم يكتموا شيئا من رسول الله صلى الله عليه وآله، فانزل الله " يحلفون بالله ما قالوا " ان لا يردوا هذا الامر في اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله " ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم وهموا بما لم ينالوا " من قتل رسول الله صلى الله عليه وآله " وما نقموا إلا ان اغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وان يتولوا يعذبهم الله عذابا اليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الارض من ولي ولا نصير (1) " فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وبقي بها محرم والنصف من صفر لا يشتكي شيئا ثم ابتدأ به الوجع الذي توفى فيه صلى الله عليه وآله. فحدثني ابي عن مسلم بن خالد عن محمد بن جابر عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من حجة الوداع يابن مسعود قد قرب الاجل ونعيت الي نفسي فمن لذلك بعدي ؟ فاقبلت اعد عليه رجلا رجلا، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال ثكلتك الثواكل فاين انت عن علي بن ابي طالب لم لا تقدمه على الخلق اجمعين، يابن مسعود انه إذا كان يوم القيامة رفعت لهذه الامة اعلام، فاول الاعلام لوائي الاعظم مع علي بن ابى طالب والناس اجمعين تحت لوائه ينادي مناد هذا الفضل يا بن ابي طالب ثم نزل كتاب الله يخبر عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (وحسبوا ألا تكون فتنة) اي لا يكون اختبار ولا يمتحنهم الله بامير المؤمنين عليه السلام (فعموا وصموا) قال حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله بين اظهرهم (ثم عموا وصموا) حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله واقام امير المؤمنين عليه السلام عليهم
(1) التوبة 74. (*)
[ 176 ]
فعموا وصموا فيه حتى الساعة، ثم احتج عزوجل على النصارى في عيسى فقال: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا يأكلان الطعام) يعني كانا يحدثان فكنى الله عن الحدث وكل من اكل الطعام يحدث.
ثم قال (يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) أي لا تقولوا ان عيسى هو الله وابن الله، وحدثني ابي قال حدثنى هارون بن مسلم عن مسعدة ابن صدقة قال سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام عن قوم من الشيعة يدخلون في اعمال السلطان ويعملون لهم ويجبونهم ويوالونهم، قال ليس هم من الشيعة ولكنهم من اولئك ثم قرأ أبو عبد الله عليه السلام هذه الآية (لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم - إلى قوله - ولكن كثيرا منهم فاسقون) قال الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى وقوله " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " قال كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر وياتون النساء ايام حيضهن، ثم احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار " وترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم - إلى قوله - ولكن كثيرا منهم فاسقون " فنهى الله عزوجل ان يوالى المؤمن الكافر إلا عند التقية واما قوله (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى) فانه كان سبب نزولها انه لما اشتدت قريش في اذى رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه الذين آمنوا به بمكة قبل الهجرة امرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ان يخرجوا إلى الحبشة، وامر جعفر بن ابي طالب عليه السلام ان يخرج معهم، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلا من المسلمين حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريش خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم، وكان عمرو وعمارة متعاديين، فقالت قريش كيف نبعث رجلين متعاديين فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة وبرئت بنو سهم من جناية
[ 177 ]
عمرو بن العاص، فخرج عمارة وكان حسنن ؟ الوجه شابا مترفا فاخرج عمرو بن العاص اهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص،
قل لاهلك تقبلني، فقال عمرو ايجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشأ (1) عمرو وكان على صدر السفينة، دفعه عمارة والقاه في البحر فتشبث عمرو بصدر السفينة وادركوه فاخرجوه " فوردوا على النجاشي وقد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص ايها الملك ان قوما منا خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وصاروا اليك فردهم الينا، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاؤا به، فقال يا جعفر ما يقول هؤلاء ؟ فقال جعفر ايها الملك وما يقولون ؟ قال يسألون ان اردكم إليهم، قال ايها الملك سلهم أعبيد نحن لهم ؟ فقال عمرو لا بل احرار كرام، قال فسلهم الهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ قال لا مالنا عليكم ديون، قال فلكم في اعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو لا، قال فما تريدون منا آذيتمونا فخرجنا من بلادكم، فقال عمرو بن العاص ايها الملك خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وافسدوا شبابنا وفرقوا جماعتنا فردهم الينا لنجمع امرنا، فقال جعفر نعم ايها الملك خالفناهم بانه بعث الله فينا نبيا امر بخلع الانداد، ترك الاستقسام بالازلام، وأمرنا بالصلوة والزكوة، وحرم الظلم والجور، وسفك الدماء بغير حقها والزناء والربا والميتة والدم، وامرنا بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فقال النجاشي بهذا بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام، ثم قال النجاشي يا جعفر هل تحفظ مما انزل الله على نبيك شيئا ؟ قال نعم فقرأ عليه سورة مريم فلما بلغ إلى قوله " وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربي وقري عينا " فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاءا شديدا، وقال هذا
(1) اي سكر. مجمع ج - ز. (*)
[ 178 ]
والله هو الحق، فقال عمرو بن العاص ايها الملك ان هذا مخالفنا فرده الينا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ثم قال اسكت، والله يا هذا لان ذكرته بسوء
لافقدنك نفسك، فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول ان كان هذا كما تقول ايها الملك فانا لا نتعرض له، وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا فاحبته فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله، قال لعمارة لو راسلت جارية الملك، فراسلها فأجابته، فقال عمرو قل لها تبعث اليك من طيب الملك شيئا، فقال لها فبعثت إليه فاخذ عمرو من ذلك الطيب، وكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين القاه في البحر فادخل الطيب على النجاشي، فقال ايها الملك ان حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يكرمنا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه ان لا نغشه ولا نريبه وان صاحبي هذا الذي معي قد ارسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك ثم وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة ثم قال لا يجوز قتله فانهم دخلوا بلادي فامان لهم، فدعا النجاشي السحرة فقال لهم اعملوا به شيئا اشد عليه من القتل، فأخذوه ونفخوا في احليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فاخذوه فما زال يضطرب في ايديهم ويصيح حتى مات. ورجع عمرو إلى قريش فاخبرهم ان جعفر في ارض الحبشة في اكرم كرامة فلم يزل بها حتى هادن رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا وصالحهم وفتح خيبر فوافى بجميع من معه وولد لجعفر بالحبشة من اسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر، وولد للنجاشي ابن فسماه محمدا، وكانت ام حبيب بنت ابي سفيان تحت عبد الله (1)
(1) وهي ام حبيبة رملة بنت ابي سفيان، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة ثم تنصر عبد الله هنالك ومات علي النصرانية وثبتت ام حبيبة = (*)
[ 179 ]
فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى النجاشي يخطب ام حبيب، فبعث إليها النجاشي
فخطبها لرسول الله صلى الله عليه وآله فأجابته، فزوجها منه واصدقها اربعمائة دينار وساقها عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعث إليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعث إليه بمارية القبطية ام ابراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب وفرس، وبعث ثلاثين رجلا من القسيسين، فقال لهم انظروا إلى كلامه والى مقعده ومشربه ومصلاه فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاسلام وقرأ عليهم القرآن " واذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك - إلى قوله - فقال الذين كفروا منهم ان هذا إلا سحر مبين " فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله يكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فاخبروه خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقرأوا عليه ما قرأ عليهم، فبكي النجاشي وبكى القسيسون واسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة اسلامه وخافهم على نفسه وخرج من بلاد الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما عبر البحر توفي فانزل الله على رسوله (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود - إلى قوله - وذلك جزاء المحسنين " واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم) فانه حدثنى ابي عن ابن ابى عمير عن بعض رجاله عن ابى عبد الله عليه السلام قال نزلت هذه الآية في امير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون، فاما امير المؤمنين عليه السلام فحلف ان لا ينام بالليل ابدا واما بلال فانه حلف ان لا يفطر بالنهار ابدا، واما عثمان بن مظعون فانه حلف ان لا ينكح ابدا فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة ما لي اراك معطلة فقالت ولمن أتزين فوالله ما قاربني زوجي منذ كذا وكذا، فانه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله اخبرته عائشة
= على دينها الاسلام ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله (اعلام النساء) ج. ز. (*)
[ 180 ]
بذلك، فخرج فنادى الصلوة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله واثنى
عليه ثم قال ما بال اقوام يحرمون على انفسهم الطيبات الا انى انام بالليل وانكح وافطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس منى، فقاموا هؤلاء فقالوا يارسول الله فقد الجزء (7) حلفنا على ذلك فانزل الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم الآية) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام) اما الخمر فكل مسكر من الشراب خمر إذا اخمر فهو حرام ؟ واما المسكر كثيره وقليله حرام وذلك ان الاول شرب قبل ان يحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر ويبكي على قتلى المشركين من اهل بدر، فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال اللهم امسك على لسانه، فامسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فانزل الله تحريمها بعد ذلك، وانما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر (1) والتمر فلما نزل تحريمها خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فاكفأ كلها ثم قال هذه كلها خمر وقد حرمها الله، قكان اكثر شئ اكفئ (2) من ذلك يومئذ من الاشربة الفضيخ، ولا اعلم اكفئ يومئذ من خمر العنب شئ الا اناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، واما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ، حرم الله الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشراءها والانتفاع بها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه، وقال حق على الله ان يسقي من شرب الخمر مما يخرج من فروج المومسات، والمومسات الزواني يخرج من فروجهن صديد والصديد قيح ودم غليظ مختلط يؤذي اهل النار حره ونتنه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله من شرب الخمر لم تقبل له صلاة اربعين ليلة، فان عاد فأربعين
(1) الفضيخ كنبيذ شراب يتخذ من البسر
(2) كفأه كمنعه قلبه ق. ج - ز (*)
[ 181 ]
ليلة من يوم شربها فان مات في تلك الاربعين ليلة من غير توبة سقاه الله يوم القيامة من طينة خبال (1) وسمي المسجد الذي قعد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم اكفئت المشربة مسجد الفضيخ من يومئذ، لانه كان اكثر شئ اكفئ من الاشربة الفضيخ. واما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر، واما الانصاب فالاوثان التي كانوا يعبدونها المشركون، واما الازلام فالاقداح التي كانت تستقسم بها مشركوا العرب في الجاهلية، كل هذا بيعه وشراه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم، وهو رجس من عمل الشيطان، فقرن الله الخمر والميسر مع الاوثان، واما قوله (اطيعو الله واطيعوا الرسول واحذروا) يقول لا تعصوا ولا تركنوا إلى الشهوات من الخمر والميسر (فان توليتم) يقول عصيتم (فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين) إذ قد بلغ وبين فانتهوا، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله انه سيكون قوم يبيتون وهم على شرب الخمر واللهو والغناء فبينماهم كذلك إذ مسخوا من ليلتهم واصبحوا قردة وخنازير وهو قوله " واحذروا " ان تعتدوا كما اعتدى اصحاب السبت، فقد كان املي لهم حتى اثروا (2) وقالوا ان السبت لنا حلال وانما كان حرم على اولينا وكانوا يعاقبون على استحلالهم السبت، فاما نحن فليس علينا حرام وما زلنا بخير منذ استحللناه وقد كثرت اموالنا وصحت اجسامنا، ثم اخذهم الله ليلا وهم غافلون فهو قوله " واحذروا " ان يحل بكم مثل ماحل بمن تعدى وعصى فلما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في امرهما قال الناس من المهاجرين والانصار يا رسول الله قتل اصحابنا وهم يشربون الخمر وقد سماه الله رجسا وجعله من عمل الشيطان وقد قلت ما قلت أفيضر اصحابنا ذلك
(1) وهو الصديد يخرج من فروج الزناة. (2) اي عزموا على المعصية. ج - ز (*)
[ 182 ]
شيئا بعد ما ماتوا ؟ فانزل الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية) فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر، والجناح هو الاثم على من شربها بعد التحريم، قال علي بن ابراهيم في قوله (يا ايها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله ابديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب) قال نزلت في غزاة الحديبية قد جمع الله عليهم الصيد فدخل بين رحائلهم ليبلونهم الله اي يختبرهم وقوله (ليعلم الله من يخافه بالغيب قبل ذلك) ولكنه عزوجل لا يعذب احدا الا بحجة بعد اظهار الفعل وقوله (يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) فواجب لفظ الآية ان الفداء يجب على من قتل الصيد متعمدا وفي المعنى والتفسير يجب الجزاء على من قتل الصيد متعمدا أو خطأ. حدثني محمد بن الحسين (الحسن ط) عن محمد بن عون النصيبي قال لما اراد المأمون ان يزوج ابا جعفر محمد بن علي بن موسى عليه السلام ابنته ام الفضل اجتمع إليه اهل بيته الادنين منه فقالوا له يا امير المؤمنين ننشدك الله ان لا تخرج عنا امرا قد ملكناه وتنزع عنا عزا قد البسنا الله فقد عرفت الامر الذي بيننا وبين آل علي قديما وحديثا، قال المأمون اسكتوا فوالله لاقبلت من احدكم في امره، فقالوا يا امير المؤمنين أفتزوج قرة عينك صبيا لم يتفقه في دين الله ولا يعرف فريضة ولا سنة ولا يميز بين الحق والباطل، ولا بي جعفر عليه السلام يومئذ عشرة سنين أو احد عشرة سنة، فلو صبرت عليه حتى يتأدب ويقرأ القرآن ويعرف فرضا من سنته، فقال لهم المأمون والله انه لافقه منكم واعلم بالله وبرسوله وفرائضه وسننه
واحكامه واقرأ بكتاب الله واعلم بمحكمه ومتشابهه وخاصه وعامة وناسخه ومنسوخه وتنزيله وتأويله منكم فاسألوه فان كان الامر كما قلتم قبلت منكم في امره وان كان كما قلت علمتم ان الرجل خير منكم، فخرجوا من عنده وبعثوا إلى
[ 183 ]
يحيى بن اكثم واطمعوه في هدايا ان يحتال على ابي جعفر عليه السلام بمسألة لا يدري كيف الجواب فيها عند المأمون إذا اجتمعوا للتزويج، فلما حضروا وحضر ابو جعفر عليه السلام قالوا يا امير المؤمنين هذا يحيى بن اكثم ان اذنت له ان يسأل ابا جعفر عليه السلام عن مسألة، فقال المأمون يا يحيى سل ابا جعفر عليه السلام عن مسألة في الفقه لننظر كيف فقهه، فقال يحيى يا ابا جعفر اصلحك الله ما تقول في محرم قتل صيدا ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام قتله في حل أو حرم، عالما أو جاهلا، عمدا أو خطأ، عبدا أو حرا، صغيرا أو كبيرا، مبديا أو معيدا، من ذوات الطير أو من غيرها، من صغار الصيد أو من كبارها، مصرا عليها أو نادما، بالليل في وكرها أو بالنهار عيانا، محرما لعمرة أو للحج ؟ قال فانقطع يحيى بن اكثم انقطاعا لم يخف على اهل المجلس واكثر الناس تعجبا من جوابه، ونشط المأمون فقال نخطب يا ابا جعفر، فقال نعم يا امير المؤمنين فقال المأمون: الحمد لله اقرارا بنعمته ولا اله إلا الله اخلاصا لعظمته وصلى الله علي محمد عند ذكره وقد كان من فضل الله على الانام ان اغناهم بالحلال عن الحرام فقال وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ثم ان محمد بن علي ذكر ام الفضل بنت عبد الله وبذل لها من الصداق خمسمائة درهم وقد زوجتك فهل قبلت يا ابا جعفر، قال أبو جعفر عليه السلام نعم يا امير المؤمنين قد قبلت هذا التزويج بهذا الصداق ثم اولم عليه المأمون وجاء الناس على مراتبهم الخاص والعام، قال فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كلاما كأنه من
كلام الملاحين في مجاوباتهم فإذا نحن بالخدم يجرون سفينة من فضة وفيها نسائج ابريسم مكان القلوس (1) مملوة غالية فخضبوا اهل الخاص بها ثم مروا بها إلى دار العامة فطيبوهم، فلما تفرق الناس قال المأمون يا ابا جعفر ان رأيت ان تبين لنا ما الذي يجب على كل صنف من هذه الاصناف التي ذكرت في قتل الصيد ؟ فقال أبو جعفر (ع)
(1) قلوص كفلوس جمع قلس حبل للسفينة ضخم. ج. ز (*)
[ 184 ]
نعم يا امير المؤمنين ان المحرم إذا قتل صيدا في الحل والصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، وإذا اصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، وإذا قتل فرخا في الحل فعليه جمل قد فطم وليس عليه قيمته لانه ليس في الحرم، وإذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمته لانه في الحرم، وإذا كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بدنة وكذلك في النعامة، فان لم يقدر فعليه اطعام ستين مسكينا، فان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما، وان كانت بقرة فعليه بقرة فان لم يقدر فعليه اطعام ثلاثين مسكينا، فمن لم يقدر فليصم تسعة ايام، وان كان ظبيا فعليه شاة، فان لم يقدر فاطعام عشرة مساكين، فان لم يقدر فصيام ثلاثة ايام، وان كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة حقا واجبا عليه ان ينحره، وان كان في حج بمنى حيث ينحر الناس فان كان في عمرة ينحره بمكة ويتصدق بمثل ثمنه حتى يكون مضاعفا، وكذلك إذا اصاب ارنبا فعليه شاة وإذا قتل الحمامة تصدق بدرهم أو يشتري به طعاما لحمامة الحرم، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم. وكلما اتى به المحرم بجهالة فلا شئ عليه فيه الا الصيد فان عليه الفداء بجهالة كان أو بعلم بخطأ كان أو بعمد، وكلما اتى به العبد فكفارته على صاحبه بمثل ما يلزم صاحبه، وكلما اتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شئ عليه فيه، وان كان ممن عاد فهو ممن ينتقم الله منه ليس عليه كفارة
والنقمة في الآخرة، وان دل على الصيد وهو محرم فقتل فعليه الفداء، والمصر عليه يلزمه بعد الفداء عقوبة في الآخرة، والنادم عليه لا شئ عليه بعد الفداء وإذا اصاب ليلا في وكرها خطأ فلا شئ عليه الا ان يتعمده فان تعمد بليل أو نهار فعليه الفداء، والمحرم بالحج ينحر الفداء بمنى حيث ينحر الناس والمحرم للعمرة ينحر بمكة " فامر المأمون ان يكتب ذلك كله عن ابي جعفر (ع) ثم دعا اهل بيته الذين انكروا تزويجه عليه فقال لهم هل فيكم احد يجيب بمثل هذا الجواب ؟ قالوا لا والله ولا القاضي، ثم قال ويحكم ان اهل هذا البيت خلو من هذا الخلق اوما علمتم ان رسول الله صلى الله عليه وآله بايع للحسن والحسين وهما صبيان غير بالغين ولم ؟ يبايع ؟ طفلا غيرهما
[ 185 ]
أو ما علمتم ان اباه عليا آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وهو ابن اثني عشر سنة وقبل الله ورسوله منه ايمانه ولم يقبل من طفل غيره، ولا دعا رسول الله صلى الله عليه وآله طفلا غيره إلى الايمان أو ما علمتم انها ذرية بعضها من بعض يجري لآخرهم مثل ما يجري لاولهم، فقالوا صدقت يا امير المؤمنين كنت انت اعلم به منا. قال ثم امر المأمون ان ينثر على ابي جعفر عليه السلام ثلاثة اطباق رقاع زعفران ومسك معجون بماء الورد وجوفها رقاع على طبق رقاع عمالات، والثاني ضياع طعمة لمن اخذها، والثالث فيه بدر فامر أن يفرق الطبق الذي عليه عمالات على بني هاشم خاصة، والذي عليه ضياع طعمة على الوزراء، والذي عليه البدر على القواد، ولم يزل مكرما لابي جعفر عليه السلام ايام حياته حتى كان يؤثره على ولده (1) واما قوله (أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) فانه حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن سفين بن عيينة عن الزهري عن علي ابن الحسين عليهما السلام قال قال يوما يا زهري من اين جئت ؟ قلت من المسجد
قال فيم كنتم، قلت تذاكرنا امر الصوم فاجتمع رأيي ورأي اصحابي انه ليس من الصوم شئ واجب إلا صوم شهر رمضان، فقال يا زهري ليس كما قلتم الصوم على اربعين وجها، فعشرة اوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان واربعة عشر
(1) نعم. انه كان مكرما له عليه السلام ايام حياته لكنه الذي قتل والده، الرضا عليه السلام لما اقتضت سياسته ان ينحيه عن طريق ملكه " وان الملك عقيم " دس إليه السم فقتله وممن ذكر كون المأمون قاتلا للامام علي الرضا عليه السلام: المسعودي في مروج الذهب 9 / 33، ابن طقطقي في الفخري ص 163، ابن الاثير في الكامل 6 / 111 الشبلنجى في نور الانصار ص 144 وكذا في روضة الصفا 3 / 16 وشواهد النبوة ص 202 ومطالب السئول ص 288 وحبيب السير 2 / 51. ج - ز
[ 186 ]
وجها صاحبها فيها بالخيار ان شاء صام وان شاء افطر، وعشرة اوجه منها حرام، وصوم الاذن على ثلاثة اوجه، وصوم التأديب وصوم الاباحة وصوم السفر والمرض، فقلت فسرهن لي جعلت فداك، فقال اما الواجب فصوم شهر رمضان، وصيام شهرين متتابعين فيمن افطر يوما من شهر رمضان متعمدا، وصيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق واجب، قال الله " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبه مؤمنة ودية مسلمة إلى اهله " وقوله " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " وصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار لمن لم يجد العتق واجب قال الله تعالى " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قل ان يتماسا " وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب لمن لم يجد الاطعام قال الله تعالى " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم " كل ذلك متتايع وليس بمتفرق، وصيام اذى حلق الرأس واجب قال الله " أو به اذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فصاحبها فيها بالخيار فان شاء صام ثلاثة ايام،
وصوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدي قال الله: " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة " وصوم جزاء الصيد واجب قال الله تعالى " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري ؟ قلت لا، قال يقوم الصيد قيمته ثم تنقض تلك القيمة على البر، ثم يكال ذلك البر اصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما، وصوم النذر واجب وصوم الاعتكاف واجب، واما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر ويوم الاضحى وثلاثة ايام التشريق وصوم يوم الشك امرنا به ونهينا عنه ان يتفرد للرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس، قلت فان لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع ؟ قال ينوي ليلة الشك
[ 187 ]
انه صائم من شعبان، فان كان من شهر رمضان اجزأ عنه وان كان من شعبان لم يضره، فقلت وكيف يجزى صوم تطوع من فريضة ؟ فقال لو ان رجلا صام شهر رمضان تطوعا وهو لا يعلم انه شهر رمضان ثم علم بعد ذلك اجزأه عنه لان الفرض إنما وقع على الشهر بعينه، وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر حرام، واما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار: فصوم يوم الجمعة والخميس والاثنين، وصوم أيام البيض، وصوم ستة ايام من شوال بعد شهر رمضان، وصوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشورا كل ذلك صاحبه فيه بالخيار ان شاء صام وان شاء ترك، واما صوم الاذن فان المرأة لا تصوم تطوعا إلا باذن زوجها، والعبد لا يصوم تطوعا إلا باذن سيده والضيف لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله من نزل على قوم فلا يصوم إلا باذنهم واما صوم التأديب فالصبي يؤمر بالصوم إذا راهق تأديبا
وليس بفرض، وكذلك من افطر أول النهار ثم عوفي بقية يومه أمر بالامساك بقية يومه تأديبا وليس بفرض، وكذلك المسافر إذا اكل من اول النهار ثم دخل مصره أمر بالامساك بقية يومه تأديبا وليس بفرض، فاما صوم الاباحة فمن اكل أو شرب ناسيا أو تقيأ أو قاء من غير تعمد فقد اباح الله له ذلك واجزأ عنه صومه واما صوم السفر والمرض فان العامة اختلفت في ذلك، فقال قوم يصوم وقال قوم ان شاء صام وان شاء افطر، وقال قوم لا يصوم واما نحن فنقول يفطر في الحاتين جميعا فان صام في السفر أو في حال المرض فهو عاص وعليه القضاء وذلك لان الله يقول: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر ". وقوله (احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقوله (وجعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) قال ما دامت الكعبة قائمة ويحج الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت وتركوا الحج
[ 188 ]
هلكوا واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم) فانه حدثني ابي عن حنان بن سدير عن ابيه عن ابي جعفر عليه السلام ان صفية بنت عبد المطلب مات ابن لها فاقبلت فقال لها الثاني غطي قرطك فان قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله لا تنفعك شيئا، فقالت له هل رأيت لى قرطا يابن اللخناء، ثم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته بذلك وبكت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال ما بال اقوام يزعمون ان قرابتي لا تنفع لو قد قربت المقام المحمود لشفعت في احوجكم، لا يسألني اليوم احد من ابواه إلا اخبرته، فقام إليه رجل فقال من ابي فقال ابوك غير الذي تدعى له ابوك فلان بن فلان، فقام آخر فقال من ابى يارسول الله ؟ فقال ابوك الذي تدعى له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما بال الذي يزعم ان قرابتي لا تنفع لا يسئلني
عن ابيه، فقام إليه الثاني فقال له اعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله اعف عني عفى الله عنك فانزل الله تعالى (يا ايها الذين آمنوا لا تسئلوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم - إلى قوله - ثم اصبحوا بها كافرين) واما قوله (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) فان البحيرة كانت إذا وضعت الشاة خمسة ابطن ففي السادسة قالت العرب قد بحرت فجعلوها للصنم ولا تمنع ماءا ولا مرعى، والوصيلة إذا وضعت الشاة خمسة ابطن ثم وضعت في السادسة جديا وعناقا في بطن واحد جعلوا الانثى للصنم، وقالوا وصلت اخاها وحرموا لحمها على النساء، والحام كان إذا كان الفحل من الابل جدا لجد قالوا قد حمي ظهره فسموه حاما فلا يركب ولا يمنع ماءا ولا مرعى، ولا يحمل عليه شئ، فرد الله عليهم فقال " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام - إلى قوله - واكثرهم لا يعقلون " وقوله (يا ايها الذين آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قال اصلحوا
[ 189 ]
انفسكم ولا تتبعوا عورات الناس ولا تذكروهم فانه لا يضركم ضلالتهم إذا كنتم انتم صالحين. وقوله (يا ايها الناس آمنوا شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ان انتم ضربتم في الارض فاصابكم مصيبة الموت) فانها نزلت في ابن بندي ابن ابى مارية النصرانيين، وكان رجل يقال له تميم الدارمي مسلم خرج معهما في سفر، وكان مع تميم خرح ومتاع وآنية منقوشة بالذهب وقلادة اخرجها إلى بعض اسواق العرب ليبيعها، فلما مروا بالمدينة اعتل تميم فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندى وابن ابى مارية وامرهما ان يوصلاه إلى ورثته فقدما المدينة واوصلا ما كان دفعه اليهما تميم وحبسا الآنية المنقوشة والقلادة، فقال ورثة الميت هل مرض صاحبنا مرضا طويلا انفق فيه نفقة
كثيرة ؟ فقالا ما مرض إلا اياما قليلة، قالوا فهل سرق منه شئ في سفر ؟ قالا لا، قالوا فهل اتجر تجارة خسر فيها ؟ فقالا لا، قالوا فقد افتقدنا انبل شئ كان معه آنية منقوشة بالذهب مكللة وقلادة قالا ما دفعه الينا قد اديناه اليكم، فقدموهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاوجب عليهما اليمين فحلفا واطلقهما، ثم ظهرت القلادة والآنية عليهما فاخبروا ورثة الميت رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فانتظر الحكم من الله، فانزل الله " يا ايها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " يعني من اهل الكتاب " ان انتم ضربتم في الارض " فاطلق الله شهادة اهل الكتاب علي الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يجد المسلم ثم قال (فاصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة يعني صلاة العصر (فيقسمان بالله ان ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله انا إذا لمن الآثمين) فهذه الشهادة الاولى التي احلفها رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال عزوجل (فان عثرا على انهما استحقا اثما) اي حلفا على كذب (فآخران
[ 190 ]
يقومان مقامهما) يعني من اولياء المدعي (من الذين استحق عليهم الاوليان) فيقسمان بالله اي يحلفان بالله (لشهادتنا احق من شهادتهما وما اعتدينا انا إذا لمن الظالمين) وانهما قد كذبا فيما حلفا بالله (ذلك ادنى ان يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا ان ترد ايمان بعد ايمانهم) فامر رسول الله صلى الله عليه وآله اولياء تميم الدارمي ان يحلفوا بالله علي ما امرهم به فاخذ الآنية والقلادة من ابن بندي وابن ابى مارية وردهما على اولياء تميم. واما قوله (يوم يجمع الله الرسل فيقول ما إذا اجبتم) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن العلا بن العلا عن محمد عن ابي جعفر عليه السلام قال ماذا اجبنم في اوصيائكم يسأل الله تعالى يوم القيامة فيقولون لا علم لنا بما
فعلوا بعدنا بهم. وقوله (وإذا قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك - إلى قوله - واشهد باننا مسلمون) فانه محكم، واما قوله (وإذ قال الحواربون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء) قال عيسى: (اتقو الله ان كنتم مؤمنين) قالوا كما حكى الله (نريد ان نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم ان قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين) فقال عيسى (اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وانت خير الرازقين) فقال الله احتجاجا عليهم (انى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فانى اعذبه عذابا لا اعذبه احدا من العالمين) فكانت تنزل المائدة عليهم فيجتمعون عليها ويأكلون حتى يشبعون ثم ترفع، فقال كبراؤهم ومترفوهم لا تدع سفلتنا يأكلون منها فرفع الله المائدة ومسخوا قردة وخنازير، قوله: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله) فلفظ الآية ماض ومعناه مستقبل ولم يقله بعد وسيقوله، وذلك ان النصارى
[ 191 ]
زعموا ان عيسى قال لهم اتخذوني وامي إلهين من دون الله، فإذا كان يوم القيامة يجمع الله بين النصارى وبين عيسى بن مريم فيقول له ءانت قلت لهم ما يدعون عليك اتخذوني وامي إلهين، فيقول عيسى (سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب - إلى قوله - وانت على كل شئ شهيد) والدليل على ان عيسى لم يقل لهم ذلك قوله: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم. وحدثني ابى عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان عن ضريس عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) قال إذا كان يوم
القيامة وحشر الناس للحساب فيمرون باهوال يوم القيامة فلا ينتهون إلى العرصة حتى يجهدوا جهدا شديدا، قال فيقفون بفناء العرصة ويشرف الجبار عليهم وهو على عرشه (1) فاول من يدعى بنداء يسمع الخلائق اجمعون ان يهتف باسم محمد ابن عبد الله النبي القرشي العربي، قال فيتقدم حتى يقف على يمين العرش، قال ثم يدعى بصاحبكم علي عليه السلام، فيتقدم حتى يقف على يسار رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم يدعى بامة محمد فيقفون على يسار علي عليه السلام ثم يدعى بنبي نبي وامته معه من اول النبيين الي آخرهم وامتهم معهم، فيقفون عن يسار العرش، قال ثم اول من يدعى للمسائلة القلم قال فيتقدم، فيقف بين يدي الله في صورة الآدميين، فيقول الله هل سطرت في اللوح ما الهمتك وامرتك به من الوحي ؟ فيقول القلم نعم، يا رب قد علمت انى قد سطرت في اللوح ما امرتني والهمتني به من وحيك فيقول الله فمن يشهد لك بذلك، فيقول يا رب وهل اطلع على مكنون سرك خلق غيرك، قال فيقول له الله افلحت حجتك، قال ثم يدعى باللوح فيتقدم في صورة الآدميين حتى يقف مع القلم، فيقول له هل سطر فيك القلم ما الهمته وامرته به من وحيي، فيقول اللوح نعم يا رب وبلغته اسرافيل، فيتقدم مع
(1) يؤل كتا ويل قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى أي استولى. ج. ز (*)
[ 192 ]
القلم واللوح في صورة الآدميين، فيقول الله هل بلغك اللوح ما سطر فيه القلم من وحيي ؟ فيقول نعم يا رب وبلغته جبرئيل، فيدعى بجبرائيل فيتقدم حتى يقف مع اسرافيل، فيقول الله هل بلغك اسرافيل ما بلغ فيقول نعم يا رب وبلغته جميع انبيائك وانفذت إليهم جميع ما انتهى الي من امرك واديت رسالتك إلى نبي نبي ورسول رسول وبلغتهم كل وحيك وحكمتك وكتبك وان آخر من بلغته رسالاتك ووحيك وحكمتك وعلمك وكتابك وكلامك محمد بن عبد الله العربي القرشي الحرمي
حبيبك، قال أبو جعفر عليه السلام فان اول من يدعى من ولد آدم للمسائلة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله فيدنيه الله (1) حتى لا يكون خلق اقرب إلى الله يومئذ منه، فيقول الله يا محمد هل بلغك جبرئيل ما اوحيت اليك وارسلته به اليك من كتابي وحكمتي وعلمي وهل اوحى ذلك اليك ؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله نعم يا رب قد بلغني جبرائيل جميع ما اوحيته إليه وارسلته من كتابك وحكمتك وعلمك واوحاه الي، فيقول الله لمحمد هل بلغت امتك ما بلغك جبرئيل من كتابي وحكمتي وعلمي ؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله نعم يا رب قد بلغت امتي ما اوحى الي من كتابك وحكمتك وعلمك وجاهدت في سبيلك، فيقول الله لمحمد فمن يشهد لك بذلك ؟ فيقول محمد صلى الله عليه وآله يا رب أنت الشاهد لي بتبليغ الرسالة وملائكتك والابرار من امتى وكفى بك شهيدا، فيدعى بالملائكة فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة ثم يدعى بامة محمد فيسألون هل بلغكم محمد رسالتي وكتابي وحكمتي وعلمي وعلمكم ذلك ؟ فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة والحكمة والعلم، فيقول الله لمحمد فهل استخلفت في امتك من بعدك من يقوم فيهم بحكمتى وعلمي ويفسر لهم كتابي ويبين لهم
(1) المراد من هذا هو القرب المعنوي وإلا فالله سبحانه برئ عن الجسم والمكان وكذا المراد من اشرافه ظهور جلاله. ج. ز. (*)
[ 193 ]
ما يختلفون فيه من بعدك حجة لي وخليفة في الارض ؟ فيقول محمد نعم يا رب قد خلفت فيهم علي بن ابي طالب اخي ووزيري وخير امتي ونصبته لهم علما في حياتي ودعوتهم إلى طاعته وجعلته خليفتي في امتي واماما يقتدي به الائمة من بعدي إلى يوم القيامة، فيدعى بعلي بن ابي طالب عليه السلام فيقال له هل اوصى اليك محمد واستخلفك في امته ونصبك علما لامته في حياته وهل قمت فيهم من بعده مقامه ؟ فيقول له علي نعم يا رب قد اوصى الي محمد وخلفني في امته ونصبني لهم
علما في حياته فلما قبضت محمدا اليك جحدتني امته ومكروا بي واستضعفوني وكادوا يقتلونني وقدموا قدامي من اخرت، واخروا من قدمت ولم يسمعوا مني ولم يطيعوا امري فقاتلتهم في سبيلك حتى قتلوني، فيقال لعلي فهل خلفت من بعدك في امة محمد حجة وخليفة في الارض يدعو عبادي إلى ديني والى سبيلي ؟ فيقول علي نعم يا رب قد خلفت فيهم الحسن ابني وابن بنت نبيك، فيدعى بالحسن بن علي عليهما السلام فيسئل عما سئل عنه علي بن ابي طالب عليه السلام، قال ثم يدعى بامام امام وباهل عالمه فيحتجون بحجتهم فيقبل الله عذرهم ويجيز حجتهم قال ثم يقول الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قال ثم انقطع حديث ابي جعفر عليه وعلى آبائه السلام. سورة الانعام مكية وهى مأة وخمس وستون آية (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) فانه حدثني ابي عن الحسين بن خالد عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال نزلت الانعام جملة واحدة ويشيعها سبعون الف ملك لهم زجل (1) بالتسبيح والتهليل والتكبير فمن قرأها سبحوا له الي يوم القيامة، واما
(1) الزجلة بالضم صوت الناس ويفتح (ق) - ج - ز (*)
[ 194 ]
قوله (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى اجلا واجل مسمى عنده) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن الحلبي عن عبد الله عن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام قال الاجل المقضي هو المحتوم الذي قضاه الله وحتمه والمسمى هو الذي فيه البداء (1) يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير، وحدثني ياسر عن الرضا عليه السلام قال ما بعث الله نبيا إلا بتحريم الخمر وان يقر له بالبداء ان يفعل
الله ما يشاء وان يكون في تراثه الكندر وقوله (وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) قال السر ما اسر في نفسه والجهر ما اظهره والكتمان ما عرض بقلبه ثم نسيه وقوله (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين - إلى قوله - وانشأنا من بعدهم قرنا آخرين ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بايديهم لقال الذين كفروا ان هذا إلا سحر مبين) فانه محكم ثم قال حكاية عن قريش (وقالوا لولا انزل عليه ملك) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله (ولو انزلنا ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون) فاخبر عزوجل ان الآية إذا جاءت والملك إذا نزل ولم يؤمنوا هلكوا، فاستعفي النبي صلى الله عليه وآله من الآيات رأفة ورحمة على امته واعطاه الله الشفاعة ثم قال الله (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا والبسنا عليهم ما يلبسون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن) أي نزل بهم العذاب ثم قال لهم قل لهم يا محمد (سيروا في الارض ثم انظروا) أي انظروا في القرآن واخبار الانبياء فانظروا (كيف كان عاقبة المكذبين) ثم قال قل لهم (لمن ما في السموات والارض) ثم رد عليهم فقال قل لهم (لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة) يعني اوجب الرحمة على نفسه وقوله (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) يعني ما خلق
(1) راجع حاشيتنا التفصيلية على البداء ص 38 من هذا الكتاب ج. ز. (*)
[ 195 ]
بالليل والنهار هو كله لله، ثم احتج عزوجل عليهم فقال قال لهم (أغير الله اتخذ وليا فاطر السموات والارض) اي مخترعها وقوله (وهو يطعم ولا يطعم - إلى قوله - وهو الفاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) فانه محكم، وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (قل اي شئ اكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم) وذلك ان مشركي اهل مكة قالوا يا محمد ما وجد الله رسولا يرسله
غيرك، ما نرى احدا يصدقك بالذي تقول، وذلك في اول ما دعاهم وهو يومئذ بمكة، قالوا ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى وزعموا انه ليس لك ذكر عندهم فتأتينا من يشهد انك رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله " الله شهيد بيني وبينكم الآية " قال انكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى، يقول الله لحمد فان شهدوا فلا تشهد معهم، قال (لا اشهد قل إنما هو إله واحد وانني برئ مما تشركون) واما قوله (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم الآية) فان عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام هل تعرفون محمدا في كتابكم ؟ قال نعم والله نعرفه بالنعت الذي نعت الله لنا إذا رأيناه فيكم كما يعرف احدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان والذي يحلف به ابن سلام لانا بمحمد هذا اشد معرفة مني بابنى، قال الله (الذين خسروا انفسهم فهم لا يؤمنون) وقال علي بن ابراهيم ثم قال قل لهم يا محمد " أي شئ اكبر شهادة " يعني أي شئ اصدق قولا ثم قال " قل الله شهيد بيني وبينكم واوحى الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ " قال من بلغ هو الامام قال محمد ينذر وانا نقول كما انذر به النبي صلى الله عليه وآله وقوله (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته انه لا يفلح الظالمون) فانه محكم، وقوله (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين اشركوا اين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم) أي كذبهم (إلا ان قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) والدليل على ان الفتنة ههنا الكذب قوله (انظر كيف كذبوا على انفسهم وضل عنهم
[ 196 ]
ما كانوا يفترون) أي ضل عنهم كذبهم ثم ذكر قريشا فقال (ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه) يعني غطاء (وفي آذانهم وقرا) اي صمما (1) (وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك) أي يخلصمونك (يقول الذين كفروا ان هذا إلا اساطير الاولين) أي اكاذيب
الاولين، وقوله (وهم ينهون عنه وينؤن عنه) قال بنو هاشم كانوا ينصرون رسول الله صلى الله عليه وآله ويمنعون قريشا عنه وينأون عنه اي يباعدون عنه ويساعدونه ولا يؤمنون، وقوله (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) قال نزلت في بني امية ثم قال: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) قال من عداوة امير المؤمنين عليه السلام (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون) ثم حكى عزوجل قول الدهرية فقال (وقالوا ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) فقال الله (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) قال قال حكاية عن قول من انكر قيام الساعة فقال: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون اوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون) يعني آثامهم وقوله (وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) محكم. وقوله (قد نعلم انه لبحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) فانها قرئت على ابي عبد الله عليه السلام فقال بلى والله لقد كذبوه اشد التكذيب وانما نزل " لا يأتونك " أي لا يأتون بحق يبطلون حقك، حدثنى ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث (البخترى ط) قال قال أبو عبد الله عليه السلام يا حفص ان من صبر صبر قليلا وان من جزع جزع قليلا ثم
(1) الصم كغنم فقدان حاسة السمع. ج - ز (*)
[ 197 ]
قال عليك بالصبر في جميع امورك فان الله بعث محمدا وامره بالصبر والرفق فقال " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا " (1) فقال " ادفع بالتي هي احسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " (2) فصبر رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قابلوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره، فانزل الله " ولقد نعلم انك يضيق
صدرك بما يقولون " (3) ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فانزل الله تعالى (قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى أتاهم نصرنا) فالزم نفسه الصبر صلى الله عليه وآله فقعدوا وذكروا الله تبارك وتعالى بالسوء وكذبوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قد صبرت في نفسي واهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكرهم إلهي فانزل الله " ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون " (4) فصبر رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع احواله، ثم بشر في الائمة من عترته ووصفوا بالصبر " وجعلنا منهم أئمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " (5) فعند ذلك قال عليه السلام الصبر من الايمان كالرأس من البدن فشكر الله له ذلك فانزل الله عليه " وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون " (6) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله آية بشرى وانتقام، فاباح الله قتل المشركين حيث وجدوا فقتلهم على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله واحبائه وعجل الله له ثواب صبره مع ما ادخر له في الآخرة. وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (وان كان كبر عليك
(1) المزمل 10. (2) حم السجدة 34. (3) الحجر 97. (4) ق 38. (5) ألم السجدة 24. (6) الاعراف 137. (*)
[ 198 ]
اعراضهم (قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب اسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله ان يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله فانزل الله (وان كان كبر عليك اعراضهم - إلى قوله - نفقا في الارض) يقول سربا، فقال علي بن ابراهيم في قوله (نفقا في الارض أو سلما
في السماء) قال ان قدرت ان تحفر الارض وتصعد السماء أي لا تقدر على ذلك، ثم قال: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) اي جعلهم كلهم مؤمنين وقوله (فلا تكونن من الجاهلين) مخاطبة للنبي والمعنى للناس ثم قال (إنما يستجيب الذين يسمعون) يعني يعقلون ويصدقون (والموتى يبعثهم) الله اي يصدقون بان الموتى يبعثهم الله (وقالوا لولا نزل عليه آية) اي هلا انزل عليه آية، قال (ان الله قادر على ان ينزل آية ولكن اكثرهم لا يعلمون) قال لا يعلمون ان الآية إذا جاءت ولم يؤمنوا بها ليهلكوا وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ان الله قادر على ان ينزل آية " وسيريكم في آخر الزمان آيات، منها دابة في الارض، والدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها، وقوله (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا امم امثالكم) يعني خلق مثلكم، وقال كل شئ مما خلق خلق مثلكم (ما فرطنا في الكتاب من شئ) اي ما تركنا (ثم إلى ربهم يحشرون) وقوله (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات) يعني قد خفي عليهم ما تقوله (من يشاء الله يظله) اي يعذبه (ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم) يعني يبين له ويوفقه حتى يهتدي إلى الطريق. حدثنا احمد بن محمد قال حدثنا جعفر بن عبد الله قال حدثنا كثير بن عياش عن ابي الجارود عن ابي جعفر صلوات الله عليه في قوله " الذين كذبوا بآياتنا صم بكم " يقول صم عن الهدى وبكم لا يتكلمون بخير " في الظلمات " يعني
[ 199 ]
ظلمات الكفر " من يشاء الله يظلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم " وهو رد على قدرية هذه الامة، يحشرهم الله يوم القيامة مع الصابئين والنصارى والمجوس، فيقولون " والله ربنا ماكنا مشركين " يقول الله " انظر كيف
كذبوا على انفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون " (1) قال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ان لكل امة مجوس، ومجوس هذه الامة الذين يقولون لا قدر ويزعمون ان المشية والقدرة إليهم ولهم اخبرنا الحسين بن محمد عن المعلى بن محمد عن علي بن اسباط عن على بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله " والله ربنا ما كنا مشركين " بولاية علي عليه السلام، حدثنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبد الكريم قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا محمد بن الفضيل عن ابى حمزة قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل " الذين كذبوا بآياتنا صم بكم في الظلمات من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم " فقال أبو جعفر نزلت في الذين كذبوا باوصيائهم، صم بكم، كما قال الله في الظلمات، من كان من ولد ابليس فانه لا يصدق بالاوصياء ولا يؤمن بهم ابدا وهم الذين اضلهم الله، ومن كان من ولد آدم آمن بالاوصياء فهم على صراط مستقيم، قال وسمعته يقول كذبوا بآياتنا كلها في بطن القرآن ان كذبوا بالاوصياء كلهم، ثم قال قل لهم يا محمد (أرأيتكم ان اتاكم عذاب الله أو اتتكم الساعة أغير الله تدعون ان كنتم صادقين) ثم رد عليهم فقال: (بل اياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ان شاء وتنسون ما تشركون) قال تدعون الله إذا اصابكم ضر ثم إذا كشف عنكم ذلك تنسون ما تشركون، أي تتركون الاصنام، وقوله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله (ولقد ارسلنا إلى امم من قبلك فاخذناهم بالبأساء والضراء
(1) الانعام 24. (*)
[ 200 ]
لعلم يتضرعون) يعني كي يتضرعوا ثم قال (فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) فلما لم يتضرعوا فتح الله عليهم الدنيا وأغناهم عقوبة لفعلهم الردي فلما (فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة
فإذا هم مبلسون) اي آيسون وذلك قول الله تبارك وتعالى في مناجاته لموسى عليه السلام، حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن ابي عبد الله عليه السلام قال كانت مناجاة الله لموسى عليه السلام يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته، فما فتح الله على احد هذه الدنيا إلا بذنب لينسيه ذلك فلا يتوب فيكون اقبال الدنيا عليه عقوبة لذنوبه. حدثنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبد الكريم بن عبد الرحيم عن محمد بن علي عن محمد بن الفضيل عن ابي حمزة قال سألت ابا جعفر (ع) عن قول الله عز وجل (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شئ) قال اما قوله " فلما نسوا ما ذكروا به " يعني فلما تركوا ولاية علي امير المؤمنين عليه السلام وقد امروا به " فتحنا عليهم ابواب كل شئ " يعني دولتهم في الدنيا وما بسط لهم فيها واما قوله " حتى إذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " يعني بذلك قيام القائم حتى كأنهم لم يكن لهم سلطان قط، فذلك قوله بغتة فنزلت بخبره هذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وقوله (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) فانه حدثني ابي عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن فضيل بن عياض عن ابي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الورع فقال الذي يتورع عن محارم الله ويجتنب الشبهات وإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه وإذا رأى المنكر ولم ينكره وهو يقدر عليه فقد احب ان يعصى الله اختيارا ومن احب ان يعصي الله فقد بارز الله بالعداوة ومن احب بقاء الظالمين فقد أحب ان يعصي
[ 201 ]
الله ان الله تبارك وتعالى حمد نفسه على هلاك الظالمين قال " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " وقوله (قل أرأيتم ان اخذ الله سمعكم
وابصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون) قال قل لقريش ان اخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم من يرد ذلكم عليكم إلا الله) وقوله " ثم هم يصدفون " اي يكذبون، وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم " يقول ان اخذ الله منكم الهدى من آله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون يقول يعترضون، واما قوله (قل أرأيتكم ان اتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون) فانها نزلت لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وأصاب اصحابه الجهد والعلل والمرض فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فانزل الله عزوجل قل لهم يا محمد أرأيتم ان اتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظلمون، أي انهم لا يصيبهم إلا الجهد والضرر في الدنيا، فاما العذاب الاليم الذي فيه الهلاك فلا يصيب إلا القوم الظالمين. وقوله (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون - ثم قال قل لهم يا محمد - لا اقول لكم عندي خزائن الله ولا اعلم الغيب ولا اقول لكم انى ملك ان اتبع إلا ما يوحى الي) قال ما املك لكم خزائن الله ولا أعلم الغيب واما قوله (انها من عند الله - ثم قال - هل يستوي الاعمى والبصير) اي من يعلم ومن لا يعلم (أفلا تتفكرون) ثم قال (وانذر به) يعني بالقران (الذين يخافون) اي يرجون (ان يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون).
[ 202 ]
واما قوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين) فانه كان سبب نزولها انه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون اصحاب الصفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله امرهم ان يكونوا في الصفة يأوون إليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعاهدهم بنفسه وربما حمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم وكان إذا جاء الاغنياء والمترفون من اصحابه انكروا عليه ذلك ويقولون له اطردهم عنك فجاء يوما رجل من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل من اصحاب الصفة قد لزق برسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله صلى الله عليه وآله يحدثه، فقعد الانصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم فلم يفعل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله لعلك خفت ان يلزق فقره بك فقال الانصاري اطرد هؤلاء عنك، فانزل الله " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الخ) ثم قال: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) اي اختبرنا الاغنياء بالغناء لننظر كيف مواساتهم للفقراء وكيف يخرجون ما فرض الله عليهم في اموالهم، فاختبرنا الفقراء لننظر كيف صبرهم على الفقر وعما في ايدي الاغنياء (وليقولوا) اي الفقراء (أهؤلاء) الاغنياء (من الله عليهم من بيننا أليس الله باعلم بالشاكرين) ثم فرض الله على رسوله صلى الله عليه وآله ان يسلم على التوابين والذين عملوا السيئات ثم تابوا فقال (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) يعني اوجب الرحمة لمن تاب والدليل على ذلك قوله (انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم) وقوله (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) يعني مذهبهم وطريقتهم تستبين إذا وصفناهم، ثم قال (قل اني نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون الله قل لا اتبع اهواءكم قد ضللت إذا وما
[ 203 ]
انا من المهتدين، قل انى على بينة من ربي وكذبتم به) (1) اي بالبينة التي انا عليها (ما عندي ما تستعجلون به) يعني الآيات التي سألوها (ان الحكم إلا الله يقص الحق وهو خير الفاصلين) اي يفصل بين الحق والباطل ثم قال (قل لهم لو ان عندي ما تستعجلون به لقضي الامر بيني وبينكم) يعني إذا جاءت الآية هلكتم وانقضى ما بيني وبينكم وقوله (وعنده مفاتح الغيب) يعني عالم الغيب (لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) قال الورقة السقط، والحبة الولد، وظلمات الارض الارحام، والرطب ما يبقى ويحيى، واليابس ما تغيض الارحام، وكل ذلك في كتاب مبين وقوله (وهو الذي يتوفيكم بالليل) يعني بالنوم (ويعلم ما جرحتم بالنهار) يعني ما عملتم بالنهار وقوله (ثم يبعثكم فيه) يعنى ما عملتم من الخير والشر وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (ليقضى اجل مسمى) قال هو الموت (ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) واما قوله (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة) يعني الملائكة الذين يحفظونكم ويحفظون اعمالكم (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) وهم الملائكة (وهم لا يفرطون) اي لا يقصرون (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو اسرع الحاسبين) وقوله (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية إلى قوله (ثم انتم تشركون) فانه محكم وقوله (قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ارجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم باس بعض) فقوله " يبعث عليكم عذابا
(1) مرجع به في الآية القرآن والمراد من البينة ايضا القرآن، وتذكير الضمير بتأويل القرآن. ج. ز (*)
[ 204 ]
من فوقكم " قال السلطان الجائر (أو من تحت ارجلكم) قال السفلة ومن لا خير فيه (أو يلبسكم شيعا) قال العصبية (ويذيق بعضكم بأس بعض) قال سوء الجوار، وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله " وهو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم " هو الدخان والصيحة " أو من تحت ارجلكم " وهو الخسف " أو يلبسكم شيعا " وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض " ويذيق بعضكم بأس بعض " وهو ان يقتل بعضكم بعضا: وكل هذا في اهل القبلة كذا يقول الله (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك) وهم قريش وقوله (لكل نبأ مستقر) يقول لكل نبأ حقيقة (وسوف تعلمون) وايضا قال (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) يعني كي يفقهوا وقوله (وكذب به قومك وهو الحق) يعني القرآن كذبت به قريش (قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر) اي لكل خبر وقت وسوف تعلمون. وقوله (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) يعني الذين يكذبون بالقرآن ويستهزؤن، ثم قال فان انساك الشيطان في ذلك الوقت عما امرتك به (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) اخبرنا احمد بن ادريس عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن ايوب عن سيف بن عميرة عن عبد الاعلى بن اعين قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه امام أو يغتاب فيه مسلم ان الله يقول في كتابه " فإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا.. الخ " وقوله (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) أي ليس يؤخذ المتقون بحساب الذين لا يتقون (ولكن ذكرى) اي اذكر (لعلهم يتقون) كي يتقوا ثم قال (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا) يعني الملاهي
[ 205 ]
(وذكر به ان تبسل نفس) أي تسلم (ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها) يعني يوم القيامة لا يقبل منها فداء ولا صرف (اولئك الذين ابسلوا بما كسبوا) أي اسلموا باعمالهم (1) (لهم شراب من حميم وعذاب اليم بما كانوا يكفرون) وقوله احتجاجا على عبدة الاوثان (قل - لهم - أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد إذ هدانا الله) وقوله (كالذى استهوته الشياطين) أي خدعتهم في الارض فهو (حيران). وقوله (له اصحاب يدعونه إلى الهدى إئتنا) يعنيي ارجع الينا وهو كناية عن ابليس فرد الله عليهم فقال قل لهم يا محمد (ان هدى الله هو الهدى وامرنا لنسلم لرب العالمين) وقوله (واقيموا الصلوة واتقوه وهو الذى إليه تحشرون وهو الذى خلق السموات والارض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير) فانه محكم. ثم حكى عزوجل قول ابراهيم عليه السلام (واذ قال ابراهيم لابيه آزر أتتخذ اصناما آلهة انى اريك وقومك في ضلال مبين) فانه محكم واما قوله (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقتين) فانه حدثني ابى عن اسماعيل بن ضرار (مرار ط) عن يونس بن عبد الرحمان عن هشام عن ابى عبد الله عليه السلام قال كشط له عن الارض ومن عليها وعن السماء ومن فيها والملك الذي يحملها والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين عليه السلام، وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابي ايوب الخزاز عن ابى بصير عن
(1) اسلموا مبني للمفعول، ومعنى ابسل نفسه للهلاك: اسلم نفسه للهلاك ج. ز (*)
[ 206 ]
ابي عبد الله عليه السلام قال لما رأى ابراهيم ملكوت السموات والارض التفت فرأى رجلا يزني فدعا عليه فمات، ثم رأى آخر فدعا عليه فمات ثم رأى ثالثة فدعا عليهم فماتوا، فأوحى الله يا ابراهيم ان دعوتك مستجابة فلا تدع على عبادي فاني لو شئت لم اخلقهم، انى خلقت خلقي على ثلاثة اصناف، صنف يعبدني ولا يشركون بي شيئا فاثيبه، وصنف يعبدون غيري فليس يفوتني، وصنف يعبدون غيري فاخرج من صلبه من يعبدني، واما قوله (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما افل) اي غاب (قال لا احب الآفلين) فانه حدثني ابى عن صفوان عن ابن مسكان قال قال أبو عبد الله عليه السلام ان آزر (1) ابا ابراهيم كان منجما لنمرود بن كنعان فقال له انى ارى في حساب النجوم ان هذا الزمان يحدث رجلا فينسخ هذا الدين ويدعو إلى دين آخر، فقال نمرود في أي بلاد يكون ؟ قال في هذه البلاد، وكان منزل نمرود بكونى ربا (كوثي ريا خ ل)
(1) لا يخفى انه قد اختلف العلماء في والد ابراهيم عليه السلام، قال الرازي في تفسير قوله " واذ قال ابراهيم لابيه آزر " وظاهر هذه الآية يدل على ان اسم والد ابراهيم عليه السلام هو آزر. وقال الزجاج لا خلاف بين النسابين ان اسمه " تارخ " وعلى هذا فآزر كان عمه واطلاق لفظ الاب على العم في لغة العرب والقرآن شائع ومنه الحديث المعروف " عم الرجل صنو ابيه " وقال الله تعالى حاكيا عن اولاد يعقوب (ع) انهم قالوا: (نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق) ومن المعلوم ان اسماعيل كان عما ليعقوب، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم نزل ننتقل من اصلاب الطاهرين إلى ارحام الطاهرات، وقال الله تعالى إنما المشركون نجس، فلا يكون احد اجداد النبي ولو بعيدا نجسا وهذا هو معقد اجماع الطائفة المحقة فتحمل الروايات المخالفة له علي التقية. ج. ز (*)
[ 207 ]
فقال له نمرود قد خرج إلى الدنيا ؟ قال آزر لا، قال فينبغي ان يفرق بين الرجال والنساء، ففرق بين الرجال والنساء، وحملت ام ابراهيم عليه السلام ولم تبين حملها، فلما حان ولادتها قالت يا آزر انى قد اعتللت واريد ان اعتزل عنك، وكان في ذلك الزمان المرأة إذا اعتلت عتزلت عن زوجها، فخرجت واعتزلت عن زوجها واعتزلت في غار، ووضعت بابراهيم عليه السلام فهيئته وقمطته، ورجعت إلى منزلها وسدت باب الغار بالحجارة، فاجرى الله لابراهيم عليه السلام لبنا من ابهامه، وكانت امه تأتيه ووكل نمرود بكل امرأة حامل فكان يذبح كل ولد ذكر، فهربت ام ابراهيم بابراهيم من الذبح، وكان يشب ابراهيم في الغار يوما كما يشب غيره في الشهر، حتى اتى له في الغار ثلاثة عشر سنة فلما كان بعد ذلك زارته امه، فلما ارادت ان تفارقه تشبث بها، فقال يا امي اخرجيني، فقالت له يا بني ان الملك ان علم انك ولدت في هذا الزمان قتلك، فلما خرجت امه وخرج من الغار وقد غابت الشمس نظر إلى الزهرة في السماء، فقال هذا ربي فلما افلت قال لو كان هذا ربي ما تحرك ولا برح ثم قال لا احب الآفلين الآفل الغائب، فلما نظر إلى المشرق رأى وقد طلع القمر، قال هذا ربي هذا اكبر واحسن فلما تحرك وزال قال: (لان لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين) فلما اصبح وطلعت الشمس ورأى ضوءها وقد اضاءت الدنيا لطلوعها قال هذا ربي هذا اكبر واحسن فلما تحركت وزالت كشف الله له عن السموات حتى رأي العرش ومن عليه واراه الله ملكوت السموات والارض فعند ذلك قال (يا قوم اني برئ مما تشركون اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما انا من المشركين) فجاء إلى امه وادخلته دارها وجعلته بين اولادها. وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول ابراهيم هذا ربي اشرك في قوله هذا ربي ؟ فقال لا من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من ابراهيم شرك وانما
[ 208 ]
كان في طلب ربه وهو من غيره شرك، فلما دخلت ام ابراهيم بابراهيم دارها نظر إليه آزر فقال من هذا الذي قد بقى في سلطان الملك والملك يقتل اولاد الناس فقالت هذا ابنك ولدته في وقت كذا وكذا حين اعتزلت عنك، فقال ويحك ان علم الملك بهذا زالت منزلتنا عنده وكان آزر صاحب أمر نمرود ووزيره وكان يتخذ الاصنام له وللناس ويدفعها إلى ولده ويبيعونها، فقالت ام ابراهيم لآزر لا عليك ان لم يشعر الملك به، بقى لنا ولدنا وان شعر به كفيتك الاحتجاج عنه وكان آزر كلما نظر إلى ابراهيم احبه حبا شديدا وكان يدفع إليه الاصنام ليبيعها كما يبيع اخوته، فكان بعلق في اعناقها الخيوط ويجرها على الارض ويقول من يشتري ما (لا ط) يضره ولا ينفعه ويغرقها في الماء والحماة، ويقول لها كلي واشربي وتكلمي، فذكر اخوته ذلك لابيه فنهاه فلم ينته فحبسه في منزله ولم يدعه يخرج، وحاجه قومه فقال ابراهيم (اتحاجوني في الله وقد هدان) اي ؟ بين ؟ لي (ولا اخاف ما تشركون به إلا ان يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما افلا تتذكرون) ثم قال لهم (وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فاي الفريقين احق بالامن ان كنتم تعلمون) اي انا احق بالامن حيث ا عبد الله أو انتم الذين تعبدون الاصنام. واما قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي صدقوا ولم ينكثوا ولم يدخلوا في المعاصي فيبطل ايمانهم ثم قال (اولئك لهم الامن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم) يعني ما قد احتج ابراهيم على ابيه وعليهم. وقوله (ووهبنا له اسحق ويعقوب) يعني لابراهيم (كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمن وايوب ويوسف وموسى وهرون
وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين واسمعيل
[ 209 ]
واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم) أي اختبرناهم (وهديناهم إلى صراط مستقيم) فأنه محكم وحدثني ابي عن ظريف بن ناصح عن عبد الصمد بن بشير عن ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام قال قال لي أبو جعفر عليه السلام يا ابا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين ؟ قلت ينكرون علينا انهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال فبأي شئ احتججتم عليهم ؟ قلت يقول الله عزوجل في عيسى بن مريم " ومن ذريته داود وسليمن إلى قوله وكذلك نجزي المحسنين " فجعل عيسى بن مريم من ذرية ابراهيم، قال فبأي شئ قالوا لكم ؟ قلت قالوا قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب، قال فبأي شئ احتججتم عليهم ؟ قال قلت احتججنا عليهم بقول الله " قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم " قال فاي شئ قالوا لكم ؟ قلت قالوا قد يكون في كلام العرب ابناء رجل والاخر يقول ابناؤنا قال فقال أبو جعفر عليه السلام والله يا ابا الجارود لاعطينك من كتاب الله انهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يردها إلا كافر، قال قلت جعلت فداك واين ؟ قال من حيث قال الله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم الآية " إلى ان ينتهي إلى قوله " وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم " فسلهم يا ابا الجارود هل حل لرسول الله صلى الله عليه وآله نكاح حليلتيهما ؟ فان قالوا نعم فكذبوا والله وفجروا وان قالوا لا فهما والله ابناؤه لصلبه وما حرمتا عليه إلا للصلب. ثم قال عزوجل (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو اشركوا) يعني الانبياء الذين قد تقدم ذكرهم (لحبط عنهم ما كانوا يعملون) ثم قال (اولئك
الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء) يعني اصحابه وقريش ومن انكروا بيعة امير المؤمنين عليه السلام (فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها
[ 210 ]
بكافرين) يعني شيعة امير المؤمنين عليه السلام ثم قال تأدبيا لرسول الله صلى الله عليه وآله (اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) يا محمد ثم قال قل لقومك (لا اسئلكم عليه اجرا) يعني على النبوة والقرآن اجرا (ان هو إلا ذكرى للعالمين) وقوله (وما قدروا الله حق قدره) قال لم يبلغوا من عظمة الله ان يصفوه بصفاته (إذ قالوا ما انزل الله على بشر من شئ) وهم قريش واليهود فرد الله عليهم واحتج وقال قل لهم يا محمد (من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها) يعني تقرؤن ببعضها (وتخفون كثيرا) يعني من اخبار رسول الله صلى الله عليه وآله (وعلمتم ما لم تعلموا انتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) يعني فيما خاضوا فيه من التكذيب ثم قال (وهذا كتاب) يعني القرآن (انزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه يعني التوراة والانجيل والزبور (ولتنذر ام القرى ومن حولها) يعني مكة وإنما سميت ام القرى لانها اول بقعة خلقت (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به) اي بالنبي والقرآن (وهم على صلاتهم يحافظون). قوله (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي الي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما انزل الله) فانها نزلت في عبد الله بن سعد بن ابي سرح وكان اخا عثمان من الرضاعة، حدثني ابي عن صفوان عن ابن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال ان عبد الله بن سعد بن ابي سرح اخا عثمان بن عفان من الرضاعة قدم المدينة واسلم وكان له خط حسن وكان إذا نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله دعاه فكتب ما يمليه عليه رسول الله صلى الله عليه وآله من الوحى وكان إذا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله سميع بصير يكتب سميع عليم وإذا قال والله بما
تعملون خبير يكتب بصير، ويفرق بين التاء والياء وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول هو واحد، فارتد كافرا ورجع إلى مكة وقال لقريش والله ما يدري محمد ما يقول انا اقول مثل ما يقول فلاينكن علي ذلك فانا انزل مثل ما انزل الله فانزل الله على
[ 211 ]
نبيه صلى الله عليه وآله في ذلك " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا.. الخ " فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة امر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله، فجاء به عثمان قد اخذ بيده ورسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد فقال يارسول الله اعف عنه فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ثم اعاد فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ثم اعاد فقال هو لك، فلما مر قال رسول الله لاصحابه ألم اقل من رآه فليقتله، فقال رجل كانت عيني اليك يا رسول الله ان تشير الي فاقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ان الانبياء لا يقتلون بالاشارة، فكان من الطلقاء ثم حكى عزوجل ما يلقى اعداء آل محمد عليه وآله السلام عند الموت فقال: (ولو ترى إذ الظالمون - آل محمد حقهم - في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهون) قال العطش (بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) قال ما انزل الله في آل محمد تجحدون به ثم قال (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء) والشركاء أئمتهم (لقد تقطع بينكم) يعني المودة (وضل عنكم) اي بطل (ما كنتم تزعمون) حدثني ابي عن ابيه عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال نزلت هذه الآية في معاوية وبني امية وشركائهم وائمتهم وقوله (ان الله فالق الحب والنوى) قال الحب ما احبه والنوى ما ناء عن الحق وقال ايضا الحب ان يفلق العلم من الائمة والنوى ما بعد عنه (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) قال المؤمن من الكافر والكافر من
المؤمن (ذلكم الله فانى تؤفكون) اي تكذبون وقوله (فالق الاصباح وجعل الليل سكنا) فقوله فالق الاصباح يعني مجئ النهار والضوء بعد الظلمة وقوله (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) قال النجوم آل محمد عليهم السلام وقوله (وهو الذي انشأكم من نفس واحدة) قال من آدم
[ 212 ]
(فمستقر ومستودع) قال المستقر الايمان الذي يثبت في قلب الرجل إلى ان يموت والمستودع هو المسلوب منه الايمان وقوله (وهو الذي انزل من السماء ماءا فاخرجنا به نبات كل شئ فاخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا) يعني بعضه على بعض (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) وهو العنقود (وجنات من اعناب) يعني البساتين وقوله (انظروا إلى ثمره إذا اثمر وينعه) اي بلوغه (ان في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون وجعلوا لله شركاء الجن) قال وكانوا يعبدون الجن (وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) اي موهوا وحرفوا فقال الله عزوجل ردا عليهم (بديع السموات والارض انى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم) وقوله (لا تدركه الابصار) اي لا تحيط به (وهو يدرك الابصار) اي يحيط بها وخلق كل شئ (وهو اللطيف الخبير) وقوله (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه ومن عمي فعليها) يعني على النفس وذلك لاكتسابها المعاصي وهو رد على المجبرة الذين يزعمون انه ليس لهم فعل ولا اكتساب وقوله (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون) قال كانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله ان الذي تخبرنا به من الاخبار تتعلمه من علماء اليهود وتدرسه وقوله (اتبع ما اوحي اليك من ربك لا إله إلا هو واعرض عن المشركين) منسوخ بقوله " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وقوله (ولو شاء الله
ما اشركوا) فهو الذي يحتج به المجبرة انا بمشيئة الله نفعل كل الافعال وليس لنا فيها صنع، فانما معنى ذلك انه لو شاء الله ان يجعل الناس كلهم معصومين حتى كان لا يعصيه احد لفعل ذلك ولكن امرهم ونهاهم وامتحنهم واعطاهم ما ازال علتهم وهي الحجة عليهم من الله يعني الاستطاعة ليستحقوا الثواب والعقاب وليصدقوا ما قال الله من التفضل والمغفرة والرحمة والعفو والصفح وقوله (ولا تسبوا الذين
[ 213 ]
يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) فانه حدثني ابى عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله عليه السلام قال انه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله ان الشرك اخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء، فقال كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله وكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتم لكيلا يسب الكفار إله المؤمنين فيكونوا المؤمنون قد اشركوا بالله من حيث لا يعلمون فقال: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " وقوله (كذلك زينا لكل امة عملهم) يعني بعد اختبارهم ودخولهم فيه فنسبه الله إلى نفسه والدليل علي ان ذلك لفعلهم المتقدم قوله (ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون). ثم حكى قولهم وهم قريش فقال (واقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) فقال الله عزوجل (قل انما الآيات عند الله وما يشعركم انها إذا جاءت لا يؤمنون) يعني قريشا وقوله (ونقلب افئدتهم وابصارهم) وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ونقلب افئدتهم وابصارهم " يقول ننكس قلوبهم فيكون اسفل قلوبهم اعلاها ونعمي ابصارهم فلا يبصرون بالهدى، وقال علي بن ابي طالب عليه السلام ان اول ما يغلبون (يقلبون خ ل) عليه من الجهاد الجهاد بايديكم ثم الجهاد بالسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه معروفا ولم
ينكر منكرا نكس قلبه فجعل اسفله اعلاه فلا يقبل خيرا ابدا (كما لم يؤمنوا به اول مرة) يعني في الذر والميثاق (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) اي يضلون ثم عرف الله نبيه صلى الله عليه وآله ما في ضمائرهم وانهم منافقون (ولو اننا نزلنا إليهم الملائكة الجزء (8) وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا) اي عيانا (ما كانوا ليؤمنوا إلا ان يشاء الله) وهذا ايضا ما يحتجون به المجبرة ومعنى قوله إلا ان يشاء الله إلا ان يجبرهم على الايمان.
[ 214 ]
وقوله (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) يعني ما بعث الله نبيا إلا وفي امته شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض اي يقول بعضهم لبعض لا تؤمنوا بزخرف القول غرورا (1) فهذا وحي كذب، وحدثني ابي عن الحسين بن سعيد عن بعض رجاله عن ابي عبد الله عليه السلام قال ما بعث الله نبيا إلا وفي امته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده فاما صاحبا نوح فقنطيفوص (فغنطيغوص خ ل) وخرام، واما صاحبا ابراهيم فمكثل (مكيل خ ل) ورزام، واما صاحبا موسى فالسامري ومر عقيبا (مر عتيبا خ ل) واما صاحبا عيسى فبولس (يرليس يرليش خ ل) ومريتون (مريبون خ ل) واما صاحبا محمد صلى الله عليه وآله فحبتر (جبتر خ ل) وزريق (زلام خ ل) وقوله (ولتصغى إليه افئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة) تصغي إليه اي يستمع لقوله المنافقون ويرضونه بالسنتهم ولا يؤمنون بقلوبهم (وليقترفوا) اي ينتظروا (ما هم مقترفون) ثم قال قل لهم يا محمد (افغير الله أبتغى حكما وهو الذي انزل اليكم الكتاب مفصلا) يعني يفصل بين الحق والباطل وقوله (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) فحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن مسكان عن ابي
(1) لا يخفى ان كلام الشياطين وايحاء بعضهم إلى بعض هو زخرف القول لانه مفعول " يوحي " لا أن الشياطين جعلوا كلام النبي مزخرفا كما هو الظاهر من عبارة المصنف واظن انه لاجل تصحيف في العبارة وكذا العبارة الآتية في شرح قوله تعالى " لتصغي إليه افئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة " لانه لا معنى لاستماع المنافقين لقول الشياطين ثم ارضائهم بمجرد اللسان دون الجنان والحال ان المنافقين شأنهم ان يؤمنوا بوحي الشياطين قلبا لا لسانا فهو بالعكس. ج. ز (*)
[ 215 ]
عبد الله عليه السلام قال إذا خلق الله الامام في بطن امه يكتب على عضده الايمن (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) وحدثني ابي عن حميد بن شعيب عن الحسن بن راشد قال قال أبو عبد الله عليه السلام ان الله إذا احب ان يخلق الامام اخذ شربة من تحت العرش من ماء المزن اعطاها ملكا فسقاها اباه فمن ذلك يخلق الامام، فإذا ولد بعث الله ذلك الملك إلى الامام ان يكتب بين عينيه " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " فإذا مضى ذلك الامام الذي قبله رفع له منارا يبصر به اعمال العباد، فلذلك يحتج به على خلقه. ثم قال عزوجل لنبيه عليه السلام (وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) يعني يحيروك عن الامام فانهم مختلفون فيه (ان يتبعون إلا الظن وان هم إلا يخرصون) اي يقولون بلا علم بالتخمين والتقريب (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) قال من الذبائح ثم قال (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم) يعني بين لكم (إلا ما اضطررتم إليه وان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمعتدين) وقوله (وذروا ظاهر الاثم وباطنه ان الذين يكفرون ؟ الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون) قال الظاهر من الاثم المعاصي
والباطن الشرك والشك في القلب وقوله " بما كانوا يقترفون " اي يعلمون وقوله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) قال من ذبائح اليهود والنصارى وما يذبح على غير الاسلام ثم قال (وانه لفسق وان الشياطين ليوحون إلى اوليائهم) يعني وحي كذب وفسوق وفجور إلى اوليائهم من الانس ومن يطيعهم (ليجادلوكم) اي ليخاصموكم (وان اطعتموهم انكم لمشركون) وقوله (أو من كان ميتا فاحييناه) قال جاهلا عن الحق والولاية فهديناه إليها (وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) قال النور الولاية (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها يعني في ولاية غير
[ 216 ]
الائمة عليهم السلام (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) وقوله (وكذلك جعلنا في كل قرية اكابر مجرميها) يعني رؤساء (ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بانفسهم وما يشعرون) اي يمكرون بأنفسهم لان الله يعذبهم عليه (فإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما اوتي رسل الله) قال قالت الاكابر لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما اوتى الرسل من الوحي والتنزيل فقال الله تبارك وتعالى (الله اعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين اجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) اي يعصون الله في السر وقوله (فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) فالحرج (1) الذي لا مدخل له فيه والضيق ما يكون له المدخل الضيق (كانما يصعد في السماء) قال يكون مثل شجرة حولها اشجار كثيرة فلا تقدر ان تلقي اغصانها يمنة ويسرة فتمر في السماء وتسمى حرجة، فضرب بها مثلا ثم قال (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) وقوله (هذا صراط ربك مستقيما) يعني الطريق الواضح (قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون) وقوله (لهم دار السلام عند ربهم) يعني في الجنة والسلام الامان والعافية والسرور ثم قال (وهو وليهم اليوم بما كانوا يعملون)
يعني الله عزوجل وليهم أي اولى بهم وقوله (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال اولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض) قال كل من والى قوما فهو منهم وان لم يكن من جنسهم (ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا اجلنا الذي اجلت لنا) يعني القيامة وقوله (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) قال نولي كل من تولى اولياءهم فيكونون معهم يوم القيامة، ثم ذكر عزوجل احتجاجا على الجن والانس يوم القيامة فقال: (يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على انفسنا وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا كافرين)
(1) الحرج بالتحريك جمع الحرجة مجتمع الشجر. ق (*)
[ 217 ]
وقوله (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم واهلها غافلون) يعني لا يظلم احدا حتى يبين لهم ما يرسل إليهم فإذا لم يؤمنوا هلكوا (ولكل درجات مما عملوا يعني لهم درجات على قدر اعمالهم (وما ربك بغافل عما يعملون) ثم قال (وربك الغني ذو الرحمة ان يشاء يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما انشأكم من ذرية قوم آخرين) وقوله (ان ما توعدون لآت) يعني من القيامة والثواب والعقاب (وما انتم بمعجزين) وقوله (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) فان العرب إذا زرعوا زرعا قالوا هذا لله وهذا لآلهتنا وكانوا إذا سقوها فحرف (1) الماء من الذي لله في الذي للاصنام لم يسدوه وقالوا الله اغنى، وإذا حرف من الذي للاصنام في الذي لله سدوه وقالوا الله اغني، وإذا وقع شئ من الذي لله في الذي للاصنام لم يردوه وقالوا الله اغنى، وإذا وقع شئ من الذي للاصنام في الذي لله ردوه وقالوا الله اغنى، فانزل الله
في ذلك على نبيه صلى الله عليه وآله وحكى فعلهم، وقولهم فقال " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا.. الخ " وقوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم) قال يعني اسلافهم زينوا لهم قتل اولادهم (ليردوهم وليلبسوا ؟ ؟ عليهم دينهم) يعني يغيروهم (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) وقوله (وقالوا هذه انعام وحرث حجر) قال الحجر المحرم (لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم) قال كانوا يحرمونها على قوم (وانعام حرمت ظهورها) يعني البحيرة والسائبة والوصية والحام (وانعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم
(1) اي مال. (*)
[ 218 ]
على ازواجنا وان يكن ميتة فهم فيه شركاء) فكانوا يحرمون الجنين الذي يخرجوه من بطون الانعام يحرمونه على النساء فإذا كان ميتا يأكلوه الرجل والنساء، فحكى الله قولهم لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال (وقالوا ما في بطون هذه الانعام) - إلى قوله - (سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم) ثم قال (قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم) اي بغير فهم (وحرموا ما رزقهم الله) وهم قوم يقتلون اولادهم من البنات للغيرة وقوم كانوا يقتلون اولادهم من الجوع، وهذا معطوف على قوله " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم " فقال الله " ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقكم وإياهم " وقوله (وهو الذي انشأ جنات معروشات وغير معروشات) قال البساتين وقوله (والنخل والزرع مختلفا اكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا اثمر) وقوله (وآتوا حقه يوم حصاده) قال يوم حصاد وكذا نزلت، قال فرض الله يوم الحصاد من كل قطعة ارض قبضة للمساكين وكذا في جزاز (جذاذ خ ل)
النخل وفي الثمرة وكذا عند البذر (1) اخبرنا احمد بن ادريس قال حدثنا احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن ابان بن عثمان عن شعيب العقرقوفي قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوله " وآتوا حقه يوم حصاده " قال الضغث من السنبل والكف من التمر إذا خرص، قال سألت هل يستقيم اعطاؤه إذا ادخله بيته ؟ قال لا هو اسخى لنفسه قبل ان يدخله بيته، وعنه عن احمد البرقي عن سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام قال قلت فان لم يحضر المساكين وهو يحصد كيف يصنع ؟ قال ليس عليه شئ وقوله (ومن الانعام حمولة وفرشا) يعني الثياب من الفرش) كلوا مما
(1) وفي الكافي عن معاوية بن الحجاج قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول في الزرع حقان حق يؤخذ به، وحق تعطيه، قلت فما الذي اؤخذ به وما الذى اعطيه ؟ قال اما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، واما الذي تعطيه = (*)
[ 219 ]
رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين) وقوله (ثمانية ازواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آ الذكرين حرم أم الانثيين اما اشتملت عليه ارحام الانثيين نئوني بعلم ان كنتم صادقين، ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل آ الذكرين حرم ام الانثيين اما اشتملت عليه ارحام الانثيين) فهذه التي احلها الله في كتابه في قوله " وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج " (1) ثم فسرها في هذه الآية فقال: من الضأن اثنيين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين، فقال: صلى الله عليه وآله " من الضأن اثنين " عنى الاهلي والجبلي " ومن المعز اثنين " عنى الاهلي والوحشي الجبلي " ومن البقر اثنين " يعني الاهلي والوحشي الجبلي " ومن الابل اثنين " يعني البخاتي (2) والعراب فهذه احلها الله، وقد احتج قوم بهذه الآية (قل لا اجد فيما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل
لغير الله به) فتأولوا هذه الآية انه ليس شئ محرما إلا هذا، واحلوا كل شئ من البهائم، القردة والكلاب والسباع والذئاب والاسد والبغال والحمير والدواب، وزعموا ان ذلك كله حلال لقوله " قل لا اجد فيما اوحي إلى محرما على طاعم يطعمه " وغلطوا في هذا غلطا بينا وإنما هذه الآية رد على ما احلت العرب وحرمت، لان العرب كانت تحلل على نفسها اشياء وتحرم اشياء فحكى الله ذلك لنبيه صلى الله عليه وآله ما قالوا، فقال: وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة
= فقول الله عزوجل " وآتوا حقه يوم حصاده يعني " من حصدك الشئ بعد الشئ ولا اعلمه إلا قال الضغث تعطيه الضغث حتى تفرغ، فيظهر من هذه الرواية وغيرها ان المراد من الآية في المقام الزكاة المستحبة دون الواجبة منها. ج. ز. (1) الزمر 6. (2) البخت بالضم الابل الخراسانية والجمع بخاتى ق - (*)
[ 220 ]
لذكورنا ومحرم على ازواجنا فكان إذا سقط الجنين حيا اكله الرجال وحرم على النساء، وإذا كان ميتا اكله الرجال والنساء، وقد مضى ذكره وهو قوله " وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا.. الخ. " وقوله (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر " يعني اليهود، حرم الله عليهم لحوم الطير، وحرم عليهم الشحوم وكانوا يحبونها إلا ما كان على ظهور الغنم أو في جانبه خارجا من البطن وهو قوله (وحرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا) اي الجنبين (أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وانا لصادقون) ومعنى قوله جزيناهم ببغيهم انه كان ملوك بني اسرائيل يمنعون فقراءهم من اكل لحم الطير والشحوم فحرم الله ذلك عليهم ببغيهم على فقراءهم، ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين - ثم
قال - سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) قل يا محمد لهم (هل عندكم من علم فنخرجوه لنا ان تتبعون إلا الظن وان انتم إلا تخرصون) ثم قال قل لهم (فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم اجمعين) قال لو شاء لجعلكم كلكم على امر واحد ولكن جعلكم على اختلاف، ثم قال قل يا محمد لهم (هلم شهداءكم الذين يشهدون ان الله حرم هذا) وهو معطوف على قوله " وقالوا ما في بطون هذه الانعام " ثم قال (فان شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع اهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم (تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا) قال الوالدين رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين صلوات الله عليه. وقوله (ولا تقتلوا اولادكم من املاق نحن نرزقكم واياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم
[ 221 ]
وصاكم به لعلكم تعقلون) فانه محكم وقوله (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي احسن حتى يبلغ اشده واوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف تفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله اوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) فهذا كله محكم وقوله (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) قال الصراط المستقيم الامام فاتبعوه (ولا تتبعوا السبل) يعني غير الامام (فتفرق بكم عن سبيله) يعنى لا تفرقوا ولا تختلفوا في الامام ان تختلفوا في الامام تضلوا عن سبيله، اخبرنا حسن بن علي عن ابيه عن الحسين بن سعيد عن محمد ابن سنان عن ابي خالد القماط عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " قال نحن
السبيل فمن ابى فهذه السبل فقد كفر، ثم قال (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) يعني كي تتقوا، وقوله (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي احسن) يعنى تم له الكتاب لما احسن (وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون) هو محكم وقوله (وهذا كتاب انزلناه) يعنى القرآن (مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) يعنى كى ترحموا، قوله (ان تقولوا إنما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين) يعنى اليهود والنصارى وان كنا لم ندرس كتبهم (أو تقولوا لو انا انزل علينا الكتاب لكنا اهدى منهم) يعنى قريشا، قالوا لو انزل علينا الكتاب لكنا اهدى واطوع منهم (فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) يعني القرآن (فمن اظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها) يعني دفع عنها (سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا) أي يدفعون ويمنعون عن آياتنا (سوء العذاب بما كانوا يصدفون) ثم قال (هل ينظرون إلا ان تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك) فانه حدثني ابى عن صفوان عن ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام في قوله
[ 222 ]
(يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا) قال نزلت " أو اكتسبت في ايمانها خيرا " (قل انتظروا انا معكم منتظرون) قال إذا طلعت الشمس من مغربها فكل من آمن في ذلك اليوم لا ينفعه ايمانه، وقوله (ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ انما امر هم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) قال فارقوا امير المؤمنين عليه السلام وصاروا أحزابا، حدثني ابي عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن معلي بن خنيس عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله " ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا " قال فارقوا القوم والله دينهم، وقوله (من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء
بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يظلمون) فهذه ناسخة لقوله " من جاء بالحسنة فله خير منها " وقوله (قل انني هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين) والحنيفية هي العشرة التي جاء بها ابراهيم عليه السلام (قل ان صلوتى ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين) ثم قال قل لهم يا محمد (اغير الله ابغي ربا وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر اخرى) اي لا تحمل آثمة اثم اخرى ثم (إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) وقوله (وهو الذي جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات) قال في القدر والمال (ليبلوكم) اي يختبركم (فيما آتاكم ان ربك سريع العقاب وانه لغفور رحيم). سورة الاعراف مكية وهى مأتان وست آيه (بسم الله الرحمن الرحيم، المص كتاب انزل اليك) مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله (فلا يكن في صدرك حرج منه) اي ضيق (لتنذر به وذكرى للمؤمنين)
[ 223 ]
حدثنى ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال ان حي بن اخطب واخاه ابا ياسر بن اخطب ونفرا من اليهود من اهل نجران اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له أليس فيما تذكر فيما انزل اليك الم ؟ قال بلى، قالوا اتاك بها جبرئيل من عند الله ؟ قال نعم، قالوا لقد بعثت انبياء قبلك، ما نعلم نبيا منهم اخبر ما مدة ملكه وما اكل امته غيرك، قال عليه السلام فاقبل حي ابن اخطب على اصحابه، فقال لهم الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون فهذه واحد وسبعون سنة، فعجب ممن يدخل في دينه ومدة ملكه واكل امته
احد وسبعون سنة، قال عليه السلام ثم اقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له يا محمد هل مع هذا غيره ؟ قال نعم، قال هاته، قال المص قال اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون والصاد تسعون فهذه مائة واحد وستون سنة، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله هل مع هذا غيره ؟ قال نعم قال هات، قال الرا، قال هذا اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والراء مائتان فهل مع هذا غيره ؟ قال نعم، قال هات، قال: المرا قال هذا اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون والراء مائتان، ثم قال فهل مع هذا غيره ؟ قال نعم، قال لقد التبس علينا امرك فما ندري ما اعطيت، ثم قالوا عنه ثم قال أبو ياسر لحي اخيه ! وما يدريك لعل محمدا قد جمع هذا كله واكثر منه، فقال أبو جعفر عليه السلام ان هذه الآيات انزلت منهن آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات وهي تجري في وجوه اخر على غير ما تأول به حي وابو ياسر واصحابه. ثم خاطب الله تبارك وتعالى الخلق فقال (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء) غير محمد (قليلا ما تذكرون) وقوله (وكم من قرية اهلكناها فجاءها بأسنا بياتا) اي عذابا بالليل (أو هم قائلون) يعني نصف النهار وقوله (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا ان قالوا انا كنا ظالمين) فانه محكم
[ 224 ]
وقوله (فلنسئلن الذين ارسل إليهم ولنسئلن المرسلين) قال الانبياء، عما حملوا من الرسالة، وقوله (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) قال لم نغب عن افعالهم وقوله (والوزن يومئذ الحق) قال المجازات بالاعمال ان خيرا فخير وان شرا فشر وهو قوله (فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا انفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) قال بالائمة يجحدون وقوله (ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش) اي مختلفة (قليلا
ما تشكرون) اي لا تشكرون الله وقوله (ولقد خلفناكم ثم صورناكم) اي خلقناكم في اصلاب الرجال وصورناكم في ارحام النساء ثم قال وصور ابن مريم في الرحم دون الصلب وان كان مخلوقا في اصلاب الانبياء، ورفع وعليه مدرعة من صوف، حدثنا احمد بن محمد عن جعفر بن عبد الله المحمدي قال حدثنا كثير ابن عياش عن ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " ولقد خلقناكم ثم صورناكم " اما خلقناكم فنطقة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما، واما صورناكم فالعين والانف والاذنين والفم واليدين والرجلين صور هذا ونحوه ثم جعل الدميم والوسيم والطويل والقصير واشباه هذا، واما قوله (لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم) اما بين ايديهم فهو من قبل الآخرة لاخبرنهم انه لا جنة ولا نار ولا نشور، واما خلفهم يقول من قبل دنياهم آمرهم بجمع الاموال وآمرهم ان لا يصلوا في اموالهم رحما ولا يعطوا منه حقا وآمرهم ان يقللوا على ذرياتهم واخوفهم عليهم الضيعة، واما عن ايمانهم يقول من قبل دينهم فان كانوا على ضلالة زينتها لهم وان كانوا على اهدى جهدت عليهم حتى اخرجهم منه، واما عن شمائلهم يقول من قبل اللذات والشهوات، يقول الله ولقد صدق عليكم ابليس ظنه واما قوله (اخرج منها مذؤما مدحورا) فالمذؤم المعيب والمدحور المقصر وقوله " اخرج منها مذؤما مدحورا " اي ملقى في جهنم وقوله (يا آدم
[ 225 ]
اسكن انت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) وكان كما حكى الله (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوأتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما) اي حلفهما (انى لكما لمن الناصحين) روي عن ابي عبد الله عليه السلام قال لما اخرج آدم من الجنة نزل جبرئيل عليه السلام فقال يا آدم أليس
الله خلقك بيده فنفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته وزوجك حواء امته واسكنك الجنة واباحها لك ونهاك مشافهة ان لا تأكل من هذه الشجرة فاكلت منها وعصيت الله. فقال آدم عليه السلام يا جبرئيل ان ابليس حلف لي بالله انه لي ناصح فما ظننت ان احدا من خلق الله يحلف بالله كاذبا، وقوله (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما) حدثنا احمد بن ادريس اخبرنا احمد بن محمد عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله " بدت لهما سوأتهما " قال كانت سوأتهما لا تبدو لهما يعني كانت داخلة (1) وقوله: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) اي يغطيان سوأتهما به (وناداهما ربهما ألم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين) فقالا كما حكى الله (ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) فقال الله (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) يعني آدم وابليس (ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) يعني إلى القيامة. وقوله (يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يوارى سوأتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) قال لباس التقوى لباس البياض وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله " يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يوارى سوأتكم
(1) اي مستترة. ج. ز. (*)
[ 226 ]
وريشا " فاما اللباس فالثياب التي يلبسون، واما الرياش فالمتاع والمال، واما لباس التقوى فالعفاف لان العفيف لا تبدو له عورة وان كان عاريا من الثياب، والفاجر بادي العورة وان كان كاسيا من الثياب، يقول (ولباس التقوى ذلك خير) يقول العفاف خير (ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) وقوله (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة) فانه محكم، واما قوله (وإذا فعلوا فاحشة
قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها) قال الذين عبدوا الاصنام، فرد الله عليهم فقال قل لهم (ان الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل امر ربي بالقسط) اي بالعدل (واقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون) اي في القيامة (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) يعني العذاب وجب عليهم، وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر ع في قوله " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " قال خلقهم حين خلقهم مؤمنا وكافرا وشقيا وسعيدا وكذلك يعودون يوم القيامة مهتديا وضالا يقول (انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله ويحسبون انهم مهتدون) وهم القدرية (1) الذين يقولون لا قدر ويزعمون انهم قادرون على الهدى والضلالة