تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي ج 2

تفسير جوامع الجامع

الشيخ الطبرسي ج 2


[ 1 ]

تفسير جوامع الجامع للمفسر الكبير والمحقق النحرير الشيخ ابي علي الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره من اعلام القرن السادس الهجري الجزء الثاني تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

شابك 5 - 158 - 470 - 964 5 - 158 - 470 - 964 ISBN جوامع الجامع ج 2 تأليف: المفسر الكبير الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي الموضوع: التفسير عدد الاجزاء: 3 أجزاء الطبعة: الاولى المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: 1420 ه‍ مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

سورة الأنفال مدنية (1)، وهي ست وسبعون آية بصري، خمس كوفي، * (ثم يغلبون) * (2) و * (مفعولا) * (3) الأول بصري، * (بنصره وبالمؤمنين) * (4) كوفي. في خبر أبي: " ومن قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له وشاهد له يوم القيامة أنه برئ من النفاق، وأعطي من الأجر بعدد كل منافق ومنافقة في دار الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان العرش وحملته يصلون عليه أيام حياته في دار الدنيا " (5). قال الصادق (عليه السلام): " من قرأهما في كل شهر لم يدخله نفاق أبدا، وكان من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) حقا، ويأكل يوم القيامة من موائد الجنة معهم حتى يفرغ الناس من الحساب " (6).


(1) قال الشيخ في التبيان: ج 5 ص 71: هذه السورة مدنية في قول قتادة وابن عباس ومجاهد وعثمان وقال: هي أول ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة، وحكي عن ابن عباس: أنها مدنية إلا سبع آيات: أولها * (وإذ يمكر بك الذين كفروا) * الى آخر سبع آيات بعدها، وهي خمس وسبعون آية في الكوفي، وسبع وسبعون آية في الشامي، وست وسبعون في المدنيين والبصري. وفي الكشاف: ج 2 ص 193: انها نزلت بعد البقرة. (2) الآية: 36. (3) الآية: 42. (4) الآية: 62. (5) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 240 مرسلا. (6) ثواب الأعمال: ص 132 الى قوله: " أمير المؤمنين (عليه السلام) "، تفسير العياشي: ج 2 ص 46 ح 1. (*)

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (يسلونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1)) * قرأ ابن مسعود وعلي بن الحسين زين العابدين والباقر والصادق (عليهم السلام): " يسئلونك الانفال " (1)، وهذه القراءة مؤدية للسبب في القراءة الأخرى التي هي * (عن الانفال) * وذلك أنهم إنما سألوه عنها استعلاما لحالها، هل يسوغ طلبها ؟ وفي القراءة (2) بالنصب تصريح بطلبها، وبيان عن الغرض في السؤال عنها. والنفل: الزيادة على الشئ، قال لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل (3) قال الصادق (عليه السلام): الانفال كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال أيضا - وسماها الفقهاء فيئا - والارضون الموات والاجام وبطون الأودية وقطائع الملوك وميراث من لا وارث له، وهي لله والرسول ولمن قام مقامه بعده (4) * (فاتقوا الله) * باتقاء مخالفة مايأمركم هو ورسوله به * (وأصلحوا ذات بينكم) * حقيقة أحوال بينكم، والمعنى: أصلحوا ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة واتفاق ومودة، ونحوه: " ذات الصدور " وهي مضمراتها.


(1) ذكرها الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 72، وابن خالويه في الشواذ: ص 54. (2) في نسخة بزيادة: الاخرى. (3) وعجزه: وبإذن الله ريثي وعجل. والمعنى: ان تقوى الله خير عطية، وأن بطئي وسرعتي في الامور كلها فبإذن الله. انظر ديوان لبيد: ص 139. (4) التبيان: ج 5 ص 72. (*)

[ 5 ]

* (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمنا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلوة ومما رزقنهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجت عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4)) * أي: * (إنما) * الكاملون في الايمان * (الذين) * من صفتهم أنهم * (إذا ذكر الله) * عندهم واقتداره وأليم عقابه على المعاصي * (وجلت قلوبهم) * أي: خافت * (وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمنا) * أي: ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس وتصديقا إلى تصديقهم بما أنزل قبل ذلك من القرآن * (وعلى ربهم يتوكلون) * وإليه يفوضون أمورهم فيما يخافون ويرجون، وخص الصلاة والزكاة بالذكر لعظم شأنهما وتأكد الامر فيهما. * (أولئك) * المستجمعون لهذه الخصال * (هم) * الذين استحقوا إطلاق اسم الايمان على الحقيقة، و * (حقا) * صفة لمصدر محذوف، أي: إيمانا حقا، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي * (أولئك هم المؤمنون) * كما تقول: هو عبد الله حقا، أي: حق ذلك حقا * (درجت) * شرف وكرامة وعلو رتبة * (ومغفرة) * وتجاوز لسيئاتهم * (ورزق كريم) * نعيم الجنة، أي: منافع دائمة، على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب. * (كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكرهون (5) يجدلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكفرين (7) ليحق الحق ويبطل البطل ولو كره المجرمون (8)) *

[ 6 ]

الكاف في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الحال كحال إخراجك، والمعنى: أن حالهم في كراهة ماحكم الله في الانفال مثل حالهم في كراهة خروجك من بيتك للحرب. ويجوز أن يكون في محل النصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر في قولك: " الانفال لله والرسول "، أي: الانفال استقرت لله والرسول، وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك مع كراهتهم، فعلى هذا لا يكون الوقف من قوله: * (قل الانفال) * إلى قوله: * (بالحق) *، وعلى الاول جاز الوقف على قوله: * (والرسول) * وقوله: * (مؤمنين) *، و * (من بيتك) * يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مهاجره ومسكنه * (بالحق) * أي: إخراجا متلبسا بالحكمة والصواب الذي لامحيد عنه، وهو الجهاد * (وإن فريقا من المؤمنين لكرهون) * في موضع الحال، أي: أخرجك في حال كراهتهم. * (يجدلونك في الحق) * فيما دعوتهم إليه، وهو تلقي النفير، وهو جيش قريش لإيثارهم عليه تلقي العير * (بعد ما تبين) * بعد إعلام رسول الله بأنهم ينصرون، وجدالهم أنهم قالوا: ما خرجنا إلا للعير، وذلك: أن عير قريش أقبلت من الشام معها أربعون راكبا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص، فأخبر جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبر المسلمين، فأعجبهم تلقي العير، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النجا النجا (1) على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم، إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا، وخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير، وفي المثل السائر: " لافي العير ولا في النفير " (2)، فقيل له:


(1) أي: أسرع أسرع، وأصلها النجائك النجائك، فيقصران. (القاموس المحيط: نجا). (2) قال المفضل: أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب بعدما أقبل بعير قريش وعلم بتحين المسلمين انصرافه الى مكة فيقطعوا عليه، فخاف خوفا شديدا وضرب وجوه عيره فساحل بها وترك بدرا يسارا، وقد كان بعث إلى قريش يخبرهم بما يخافه ويأمرهم بالرجوع، = (*)

[ 7 ]

إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا والله حتى ننحر الجزر ونشرب الخمر ببدر، فتتسامع العرب بأن محمدا - (صلى الله عليه وآله) - لم يصب العير، وأنا أغضضناه، فمضى بهم إلى بدر. وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة، ونزل جبرئيل فقال: يا محمد - (صلى الله عليه وآله) - إن الله وعدكم * (إحدى الطائفتين) *: إما العير وإما قريشا، فاستشار النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه وقال: ما تقولون ؟ إن القوم قد خرجوا من مكة فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يارسول الله عليك بالعير ودع العدو، فقام رجال من أصحابه وقالوا، ثم قام المقداد بن عمرو وقال: والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضى (1) وشوك الهراس (2) لخضنا (3) معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: * (فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قعدون) * (4) ولكنا نقول: امض لما أمرك ربك فإنا معك مقاتلون مادامت منا عين تطرف، وقام سعد بن معاذ وقال: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) امض لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله، وقال: سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله وعدني * (إحدى الطائفتين) * والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم (5).


= فأقبلت قريش، ورجعت بنو زهرة فصادفهم أبو سفيان فقال: يا بني زهرة لا في العير ولا في النفير. راجع مجمع الأمثال للميداني: ج 2 ص 172. (1) الغضى: شجر ذو شوك. (مجمع البحرين: مادة غضا). (2) الهراس: شجر شائك ثمره كالنبق. (القاموس المحيط: هرس). (3) في بعض النسخ: لخضناه. (4) المائدة: 24. (5) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 197 - 198. (*)

[ 8 ]

وقوله: * (كأنما يساقون إلى الموت) * تشبيه حالهم بحال من يعتل إلى القتل وهو ناظر إلى أسباب الموت لا يشك فيه. * (وإذ) * منصوب بإضمار " اذكروا "، * (أنها لكم) * بدل من * (إحدى الطائفتين) *، و * (غير ذات الشوكة) *: العير، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، والشوكة: الحدة، مستعارة من حدة الشوك، أي: تتمنون أن يكون العير لكم، ولاتريدون الطائفة الأخرى التي هي ذات الشوكة (1) والحدة * (ويريد الله أن يحق الحق) * أي: يثبته، بأن يعز الإسلام ويعلي كلمته ويهلك وجوه قريش على أيديكم * (بكلمته) * بآياته المنزلة في محاربتهم * (ويقطع دابر الكفرين) * باستئصالهم وقتلهم وأسرهم وطرحهم في قليب بدر، والدابر: الآخر، من دبر: إذا أدبر، والمعنى: أنكم تريدون الفائدة العاجلة والله يريد ما يرجع إلى علو أمور الدين ونصرة الحق، ولذلك اختارلكم الطائفة الأخرى ذات الشوكة، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأذلهم وأعزكم، وقوله: * (ليحق الحق) * تعلق بمحذوف، تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك. * (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملئكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) إذيغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطن وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام (11) إذ يوحى ربك إلى الملئكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك بأنهم شاقوا الله


(1) في نسخة: الشدة. (*)

[ 9 ]

ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ذا لكم فذوقوه وأن للكفرين عذاب النار (14)) * * (إذ تستغيثون ربكم) * بدل من * (إذ يعدكم الله) *، وقيل: إنه يتعلق بقوله: * (ليحق الحق ويبطل ا لبطل) * (1)، واستغاثتهم: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، استقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة (2) لاتعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه من منكبه (3) (4)، * (فاستجاب لكم) * فأغاثكم وأجاب دعوتكم * (أني ممدكم) * أصله: بأني ممدكم، فحذف الجار، وقرئ: * (مردفين) * بكسر الدال وفتحها (5)، من قولك: ردفه: إذا تبعه، وأردفته إياه: إذا أتبعته، ويقال: أردفته وأتبعته: إذا جئت بعده، فعلى الأول يكون معنى * (مردفين) * بكسر الدال: متبعين بعضهم بعضا، أو متبعين أنفسهم المؤمنين، وعلى الثاني يكون معناه: متبعين بعضهم لبعض، أو متبعين للمؤمنين يحفظونهم، ومن قرأ بفتح الدال فمعناه: متبعين أو متبعين. * (وما جعله الله) * أي: وما جعل الله إمدادكم بالملائكة * (إلا بشرى) * أي: بشارة لكم بالنصر كالسكينة لبني إسرائيل، والمعنى: أنكم استغثتم ربكم وتضرعتم، فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر، وتسكينا منكم، وربطا على قلوبكم * (وما النصر إلا من عند الله) * أي: وما النصر بالملائكة وغيرهم من


(1) قاله الطبري في تفسيره: ج 6 ص 188. (2) العصابة: الجماعة من الناس والخيل والطير. (الصحاح: مادة عصب). (3) المنكب: مجمع عظم العضد والكتف. (الصحاح: مادة نكب). (4) رواه مسلم في صحيحه: ج 3 ب 18 ص 1384 ح 58، وأحمد في مسنده: ج 1 ص 30 و 32. (5) وبالفتح هي قراءة نافع ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 82. (*)

[ 10 ]

الأسباب إلا من عند الله، ينصر من يشاء، قل العدد أم كثر. * (إذ يغشيكم النعاس) * بدل ثان من * (إذ يعدكم الله) *، أو (1) منصوب ب‍ * (- النصر) * أو ب‍ * (- ما جعله الله) *، وقرئ: * (يغشيكم) * بالتخفيف (2) والتشديد ونصب * (النعاس) *، والضمير لله عزوجل، و * (أمنة) * مفعول له، و * (منه) * صفة ل‍ * (أمنة) *، أي: أمنة حاصلة لكم من الله، والمعنى: إذ تنعسون لامنكم الحاصل من الله بإزالة الرعب من قلوبكم * (وينزل عليكم) * قرئ بالتشديد والتخفيف (3) * (من السماء ماء) * أي: مطرا، و * (رجز الشيطن) *: وسوسته إليهم، وذلك أن المشركين قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المسلمون في كثيب أعفر (4) تسوخ فيه الأقدام، وناموا، فاحتلم أكثرهم، فتمثل لهم إبليس وقال: يا أصحاب محمد أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة وقد عطشتم، ولو كنتم على حق ماغلبكم هؤلاء على الماء، وهاهم الآن يمشون إليكم ويقتلونكم ويسوقون بقيتكم إلى مكة، فحزنوا لذلك، فأنزل الله المطر فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، واغتسلوا وتوضأوا، واتخذوا الحياض على عدوة (5) الوادي، وتلبد (6) الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتى ثبت الأقدام عليه، وزالت وسوسة الشيطان، والضمير في * (به) * للماء أو للربط، لأن الجرأة تثبت القدم في مواطن الحرب.


(1) في نسخة: إما. (2) وهي قراءة نافع. راجع الكشف عن وجوه القراءات السبع للقيسي: ج 1 ص 489، وفي التبيان: ج 5 ص 85: هي قراءة أهل المدينة. (3) وقراءة التخفيف هي قراءة ابن كثير وسهل ويعقوب وأبي عمرو. راجع تفسير الآلوسي: ج 9 ص 176. (4) الأعفر: الأبيض (الصحاح: مادة عفر). (5) العدوة والعدوة: جانب الوادي وحافته. (الصحاح: مادة عدا). (6) تلبد: تداخل ولزق بعضه ببعض. (القاموس المحيط: مادة لبد). (*)

[ 11 ]

* (إذ يوحى) * يجوز أن يكون بدلا ثالثا من * (إذ يعدكم) *، وأن ينتصب ب‍ * (يثبت) *، * (أني معكم) * أعينكم على التثبيت فثبتوهم. وقوله: * (سألقى) * إلى قوله: * (فاضربوا) * يجوز أن يكون تفسيرا لقوله: * (أني معكم فثبتوا) *، ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفار، ولاتثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يظهروا ما تيقن به المؤمنون أنهم أمدوا بهم * (فاضربوا فوق الاعناق) * التي هي المذابح، وقيل: أراد الرؤوس (1)، وال‍ * (بنان) *: الأصابع، يريد به الأطراف، والمعنى: * (فاضربوا) * المقاتل والأطراف من اليدين والرجلين، ويجوز أن يكون من قوله: * (سألقى) * إلى قوله: * (كل بنان) * عقيب قوله: * (فثبتوا الذين ءامنوا) * تلقينا للملائكة مايثبتونهم به، أي: قولوا لهم قولي: * (سألقى) *. * (ذلك) * إشارة إلى ما وقع بهم من القتل والعقاب العاجل، أي: ذلك العقاب وقع بهم بسبب مشاقتهم، والمشاقة مشتقة من الشق لأن كلا من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، والكاف في * (ذلك) * لخطاب الرسول (صلى الله عليه وآله) أو لخطاب كل أحد. وفي * (ذا لكم) * للكفرة على طريقة الالتفات، و * (ذلك) * مبتدأ و * (بأنهم) * خبره، و * (ذا لكم) * في محل الرفع أيضا، أي: ذلكم العقاب أو العقاب ذلكم * (فذوقوه) *، ويجوز أن يكون في محل النصب على تقدير: عليكم ذلكم * (فذوقوه) *، كقولك: زيدا فاضربه * (وأن للكفرين) * عطف على * (ذا لكم) * في الوجهين أو نصب على أن الواو بمعنى " مع "، أي: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهر موضع الضمير.


(1) قاله عكرمة. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 230. (*)

[ 12 ]

* (يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأوبه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17)) * الزحف: الجيش الذي يرى لكثرته، كأنه يزحف أي: يدب دبيبا، من زحف الصبي: إذا دب على استه، سمي بالمصدر، والجمع زحوف، والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلاتفروا، فضلا عن أن تساووهم في العدد أو تدانوهم، فيكون * (زحفا) * حالا من * (الذين كفروا) *، ويجوز أن يكون حالا من الفريقين، أي: إذا لقيتموهم متزاحفين أنتم وهم، أو حالا من " المؤمنين "، كأنهم أخبروا بما سيكون منهم يوم حنين (1) حين ولوا مدبرين وهم زحف: اثنا عشر ألفا، وفي قوله: * (ومن يولهم يومئذ دبره) * أمارة عليه * (إلا متحرفا لقتال) * هو الكر بعد الفر، يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو نوع من مكائد الحرب * (أو متحيزا) * أي: أو منحازا * (إلى فئة) * إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها، وانتصابهما على الحال و * (إلا) * لغو، أو على الاستثناء من " المولين "، أي: ومن يولهم إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا، ووزن متحيز متفيعل لامتفعل، لأنه من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوز. * (فلم تقتلوهم) * الفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم


(1) حنين: موضع بين الطائف ومكة، حارب فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمون هوازن وثقيف فهزمهم وغنم ما كانوا ساقوه معهم من النساء والصبيان والماشية. انظر تفصيل يوم حنين في تاريخ الطبري: ج 2 ص 344 - 362. (*)

[ 13 ]

لم تقتلوهم * (ولكن الله قتلهم) * بأن أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم * (وما رميت) * أنت يا محمد (صلى الله عليه وآله) * (إذ رميت) * (1)، وذلك أن قريشا لما جاءت بخيلائها (2) أتاه جبرئيل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال لعلي (عليه السلام): أعطني قبضة من حصباء الوادي، فأعطاه، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم * (ولكن الله رمى) * حيث أثرت الرمية ذلك الأثر العظيم، أثبت الرمي لرسول الله لأنه وجد منه صورة، ونفاه عنه معنى لأن أثره الذي لايدخل في قدرة البشر فعل الله عزوعلا، فكأنه فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول أصلا. وقرئ: " ولكن الله قتلهم... ولكن الله رمى " (3)، * (وليبلى المؤمنين) * وليعطيهم * (بلاء) * عطاء * (حسنا) * جميلا، قال زهير: وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (4) والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين والإنعام عليهم فعل ما فعل، ولم يفعله إلا لذلك * (إن الله سميع) * لاقوالهم * (عليم) * بأحوالهم. * (ذا لكم وأن الله موهن كيد الكفرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يأيها الذين ءامنوا أطيعوا


(1) قال الزجاج: ليس هذا نفي رمي النبي (صلى الله عليه وآله) ولكن العرب خوطبت بما تعقل. انظر معاني القرآن: ج 2 ص 406. (2) الخال والخيلاء والخيلاء: الكبر. (الصحاح: مادة خيل). (3) قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. راجع التبيان: ج 5 ص 93. (4) وصدره: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم. وهو من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المري شيخ بني مرة من غطفان، ومعناه واضح. انظر ديوان زهير: ص 61. (*)

[ 14 ]

الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21)) * * (ذا لكم) * إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع، أي: الغرض ذلكم * (وأن الله موهن) * عطف على * (ذا لكم) * يعني: أن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، وقرئ: " موهن " بالتشديد (1)، وقرئ على الإضافة (2)، وعلى الأصل الذي هو التنوين والإعمال (3). * (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) * خطاب لأهل مكة على طريق التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، وروي: أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه (4) اليوم (5)، أي: فأهلكه، وقيل: * (إن تستفتحوا) * خطاب للمؤمنين و * (إن تنتهوا) * للكافرين (6)، أي: وإن تنتهوا عن عداوة رسول الله * (فهو خير لكم وإن تعودوا) * لمحاربته * (نعد) * لنصرته عليكم. وقرئ: * (وأن الله) * بالفتح على: ولان الله مع المؤمنين كان ذلك، وبالكسر (7)


(1) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. راجع التبيان: ج 5 ص 94، وفي تفسير البغوي ج 2 ص 238: انها قراءة أهل البصرة. (2) وهي قراءة حفص عن عاصم. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 433، وفي إعراب القرآن للنحاس: ج 2 ص 182، هي قراءة أهل الكوفة. (3) قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم والحسن وأبو رجاء والأعمش وابن محيصن. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 305، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 4 ص 478. (4) في بعض النسخ: فأهنه. (5) رواه ابن كثير في تفسيره: ج 2 ص 284 عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة. (6) قاله أبو علي الجبائي كما في التبيان: ج 5 ص 96. (7) قرأه ابن كثير وعاصم برواية أبي بكر وأبو عمرو وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 305. (*)

[ 15 ]

وهو الأوجه، ويقويه قراءة عبد الله: " والله مع المؤمنين " (1). وقرئ: * (ولا تولوا) * بحذف التاء وإدغامها في الثاني (2)، والضمير في * (عنه) * لرسول الله، لأن المعنى: أطيعوا رسول الله، كقوله: * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) * (3)، ولأن طاعة الله وطاعة الرسول شئ واحد ورجوع الضمير إلى أحدهما رجوع إليهما، كما تقول: الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان * (وأنتم تسمعون) * دعاءه لكم. * (ولا تكونوا كالذين) * ادعوا السماع * (وهم لا يسمعون) * لأنهم ليسوا بمصدقين فكأنهم غير سامعين. * (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (25)) * * (إن شر) * من يدب على وجه الأرض، أو: إن شر البهائم، جعلهم من جنس البهائم ثم جعلهم شرها * (الصم البكم) * أي: الذين هم صم عن الحق لايسمعونه، بكم لا يقرون به. * (ولو علم الله) * في هؤلاء الصم البكم * (خيرا) * أي: انتفاعا باللطف * (لاسمعهم) * للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين * (ولو أسمعهم لتولوا) * أعرضوا، وفي هذا دلالة على أنه سبحانه لايمنع أحدا اللطف، وإنما لا يلطف لمن يعلم أنه لا ينتفع به.


(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 95. (2) في الكشاف: " قرئ بطرح إحدى التائين وادغامها " وهو الأوجه، إذ لم نعثر على قراءة باثبات التاء من غير ادغام أصلا في المصادر المعتمدة لكي يقال: " وقرئ بحذف التاء وادعامها ". (3) التوبة: 62. (*)

[ 16 ]

وقال الباقر (عليه السلام): " هم بنو عبد الدار لم يسلم منهم غير مصعب بن عمير وسويد بن حرملة، كانوا يقولون: نحن صم بكم عما جاء به محمد، وقد قتلوا جميعا بأحد، كانوا أصحاب اللواء " (1). * (إذا دعاكم) * وحد الضمير، لأن استجابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) استجابة الله، والمراد بالاستجابة: الطاعة والامتثال * (لما يحييكم) * من علوم الدين والشرائع، لأن العلم حياة والجهل موت، وقيل: لمجاهدة الكفار وللشهادة (2) لقوله: * (بل أحياء عند ربهم) * (3). * (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) * أي: يملك على المرء قلبه فيغير نياته ويفسخ عزائمه، ويبدله بالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا وبالخوف أمنا وبالأمن خوفا، وقيل: معناه: أن المرء لايستطيع أن يكتم الله بقلبه شيئا وهو يطلع على ضمائره وخواطره، فكأنه حال بينه وبين قلبه (4)، وقيل: معناه: أنه يميت المرء فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه ورده سليما كما يريده الله (5)، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم، واعلموا أنكم * (إليه تحشرون) * فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة. وعن الصادق (عليه السلام): " يحول بين المرء وبين أن يعلم أن الباطل حق " (6). * (واتقوا فتنة) * أي: بلية (7)، وقيل: ذنبا (8)، وقيل: عذابا (9)، وقيل: هو إقرار


(1) رواه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 99. (2) وهو قول الفراء وابن إسحاق والجبائي والقتيبي. راجع التبيان: ج 5 ص 101. (3) آل عمران: 169. (4) قاله قتادة كما حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 308. (5) وهو قول علي بن عيسى الرماني على ما حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 308. (6) رواه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 101. (7) وهو قول الحسن. راجع تفسيره: ج 1 ص 401. (8) وهو قول الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 211. (9) قاله ابن عباس والجبائي راجع التبيان: ج 5 ص 103، وأحكام القرآن لابن العربي: ج 2 = (*)

[ 17 ]

المنكر بين أظهرهم (1). وقوله: * (لا تصيبن) * لا يخلو أن يكون جوابا للأمر، أو نهيا بعد أمر معطوفا عليه بحذف الواو، أو صفة ل‍ * (فتنة) *، فإذا كان جوابا فالمعنى: إن أصابتكم لا تصيب الظالمين * (منكم خاصة) * ولكنها تعمكم، وإنما جاز دخول النون في جواب الأمر لأن فيه معنى النهي، كما تقول: انزل عن الدابة لاتطرحك، ويجوز: لاتطرحنك، وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل: واحذروا بلية أو ذنبا أو عقابا، ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم فتصيب البلية أو العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول كأنه قيل: * (واتقوا فتنة) * مقولا فيها: * (لا تصيبن) *، ونظيره قول الشاعر: حتى إذا جن الظلام واختلط * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (2) أي: بمذق يقال فيه هذا القول، لأن فيه لون الورقة التي هي لون الذئب، ويعضده قراءة ابن مسعود: " لتصيبن " (3) على جواب القسم المحذوف، ويكون " من " للتبيين على هذا، لأن المعنى: لاتصيبنكم أو لتصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس. وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قال النبي (صلى الله عليه وآله): " من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي "، أورده الحاكم


= ج 2 ص 390. (1) قاله ابن عباس كما في التبيان: ج 5 ص 103. (2) البيت للعجاج، يصف فيه قوما بالشح وعدم إكرامهم للضيف، وبالغ في أنهم لم يكرموه ولم يأتوا بما أتوا به إليه إلا بعد سعي ومضي جانب من الليل، ثم لم يأتوه إلا بلبن ممزوج بالماء وهو يشبه لون الذئب لأن فيه غبرة وكدورة. انظر خزانة الأدب: ج 2 ص 109 و 112. (3) حكاها عنه الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 212. (*)

[ 18 ]

أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل (1) مرفوعا. وعن ابن عباس أيضا: أنه سئل عن هذه الفتنة، فقال: أبهموا ما أبهم الله، وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل (2). * (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فاوبكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبت لعلكم تشكرون (26) يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم وأنتم تعلمون (27) واعلموا أنما أموا لكم وأولدكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28)) * * (واذكروا) * معاشر المهاجرين * (إذ أنتم قليل) * أي: وقت كونكم أقلة أذلة، ف‍ * (إذ) * هنا مذكور مفعول به وليس بظرف * (مستضعفون) * يستضعفكم قريش * (في الارض) * يعني: أرض مكة قبل الهجرة * (تخافون أن يتخطفكم الناس) * أي: يستلبكم المشركون من العرب إن خرجتم منها * (فاوبكم) * إلى المدينة * (وأيدكم بنصره) * أي: قواكم بمظاهر النصر بإمداد الملائكة يوم بدر * (ورزقكم من الطيبت) * يعني: الغنائم * (لعلكم تشكرون) * إرادة أن تشكروا هذه النعم. وعن قتادة: كانت العرب أذل الناس وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلدا، يؤكلون ولا يأكلون، فمكن الله لهم في البلاد، ووسع عليهم في الرزق والغنائم، وجعلهم ملوكا (3). ومعنى الخون: النقص، كما أن معنى الوفاء: التمام، ومنه تخونه أي: تنقصه،


(1) شواهد التنزيل: ج 1 ص 206 - 207. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 212. (3) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 219. (*)

[ 19 ]

ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء (1)، لأنك إذا خنت الرجل في شئ فقد أدخلت عليه النقصان فيه، والمعنى: لا تخونوا الله بترك أوامره، والرسول بترك سنته وشرائعه، و * (أمنتكم) * فيما بينكم بأن لاتحفظوها * (وأنتم تعلمون) * وبال ذلك وعقابه، وقيل: * (وأنتم تعلمون) * أنكم تخونون (2)، يعني: أن الخيانة توجد منكم عن عمد، ويحتمل أن يكون * (وتخونوا) * جزما داخلا في حكم النهي، وأن يكون نصبا بإضمار " أن "، نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. * (واعلموا أنما أموا لكم وأولدكم فتنة) * جعلهم فتنة، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب، أو يريد: محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده * (وأن الله عنده أجر عظيم) * فعليكم أن تزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد، ولا تؤثروهما على نعيم الأبد. * (يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيأتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين (30)) * * (فرقانا) * أي: فتحا ونصرا، كقوله: * (يوم الفرقان) * (3) لانه يفرق بين الحق بإعزاز أهله والباطل بإذلال أهله، أو هداية ونورا وتوفيقا وشرحا للصدور، أو بيانا وظهورا يشهر أمركم في أقطار الأرض.


(1) قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد، إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارا بالدين، ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة: الأمانة، يقال: خنت فلانا وخنت أمانة فلان. راجع المفردات: مادة (خون). (2) حكاه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 311. (3) الأنفال: 41. (*)

[ 20 ]

* (وإذ يمكر بك الذين كفروا) * لما فتح الله عليه، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر النعمة الجليلة في إنجائه منهم واستيلائه عليهم، أي: واذكر إذ يمكرون بك حين اجتمعوا في دار الندوة وتآمروا في أمرك، فقال بعضهم: نحبسه في بيت ونلقي إليه الطعام والشراب، وقال بعضهم: نحمله على جمل ونخرجه من بين أظهرنا، وقال أبو جهل: نأخذ من كل بطن غلاما ونعطيه سيفا صارما فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه، فقال إبليس وكان قد دخل عليهم في صورة شيخ من أهل نجد: هذا الفتى أجودكم رأيا، فتفرقوا على رأيه مجمعين على قتله. وعن ابن عباس: * (ليثبتوك) *: ليقيدوك ويوثقوك (1)، وقيل: ليثخنوك (2) بالضرب والجرح (3) من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لاحراك به، وفلان مثبت وجعا * (ويمكرون) * ويخفون المكائد * (ويمكر الله) * ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة * (والله خير المكرين) * (4) أي: مكره أنفذ من مكر غيره، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل. * (وإذا تتلى عليهم ءايتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن


(1) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 225. (2) أثخن في العدو: بالغ في الجراحة فيهم. (القاموس المحيط: مادة ثخن). (3) وهو قول عطاء والسدي كما حكاه عنهما أبو حيان في البحر المحيط: ج 4 ص 487، وفي تفسير القرطبي ج 7 ص 397: قاله أبان بن تغلب وأبو حاتم، وفي التبيان: ج 5 ص 109 عن الجبائي. (4) قال الراغب: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مكر محمود وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل، وعلى ذلك قال: * (والله خير المكرين) *، ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح. راجع المفردات: مادة (مكر). (*)

[ 21 ]

هذا إلا أسطير الاولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أوائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) ومالهم ألايعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34)) * * (لو نشاء لقلنا مثل هذا) * قائله: النضر بن الحارث بن كلدة، وأسر يوم بدر فقتله النبي (صلى الله عليه وآله) صبرا بيد علي (عليه السلام)، وإنما قاله صلفا (1) ونفاجة (2)، فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو استطاعوا ذلك، وإلا فما منعهم أن يشاءوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالمعجز حتى يغلبوه مع فرط حرصهم على قهره وغلبته ؟ ! * (إن هذا إلا أسطير الاولين) * قاله النضر أيضا، وذلك أنه جاء بحديث رستم وإسفنديار من بلاد فارس، وزعم أن هذا مثل ذلك، وهو القائل: اللهم إن كان هذا هو الحق - أي: إن كان القرآن هو الحق - فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر، ومراده أن ينفي كونه حقا، وإذا انتفي كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا، فكان تعليق العذاب بكونه حقا مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال. * (ليعذبهم) * اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أن تعذيبهم وهو بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة، ومن قضية حكمة الله أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ونبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم بدلالة


(1) الصلف - بالتحريك -: هو التكلم بما يكرهه صاحبك، والتمدح بما ليس عندك، أو مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا. (القاموس المحيط: مادة صلف). (2) رجل نفاج: إذا كان صاحب فخر وكبر. (الصحاح: مادة نفج). (*)

[ 22 ]

قوله: * (ومالهم ألايعذبهم الله) *، فكأنه قال: ما يعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم * (ومالهم ألايعذبهم) *، وقوله: * (وهم يستغفرون) * في موضع الحال، أي: * (وما كان الله معذبهم) * وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم من المستضعفين الذين تخلفوا بعد خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم على عزم الهجرة، وقيل: معناه نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفر لما عذبهم، ولكنهم لا يؤمنون ولايستغفرون (1). * (ومالهم ألايعذبهم الله) * وأي شئ لهم في انتفاء العذاب عنهم، يعني: لاحظ لهم في ذلك * (وهم) * معذبون لا محالة، وكيف لايعذبون وحالهم أنهم * (يصدون عن المسجد الحرام) * أولياءه * (وما كانوا أولياءه) * أي: وما استحقوا مع شركهم بالله وعداوتهم لرسوله أن يكونوا ولاة أمره * (إن أولياؤه إلا المتقون) * إنما يستحق ولايته من كان تقيا من المسلمين * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * كأنه استثنى من يعلم ويعاند، أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم. * (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) إن الذين كفروا ينفقون أموا لهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخسرون (37)) * المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وهو ضرب اليد على اليد، وهو تفعلة من الصدى، والمعنى: أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، كما أن الشاعر في قوله:


(1) قاله مجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وابن زيد. راجع التبيان: ج 5 ص 113. (

[ 23 ]

وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا (1) وضع القيود والسياط موضع العطاء، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صلاته يخلطون عليه * (فذوقوا) * عذاب القتل والأسر يوم بدر بسبب كفركم. * (ينفقون أموا لهم) * نزلت في المطعمين يوم بدر، كان كل يوم يطعم واحد منهم عشر جزر، وقيل: إنهم قالوا لكل من كانت له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حرب محمد - (صلى الله عليه وآله) - لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر (2) * (ليصدوا عن سبيل الله) * أي: كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد (صلى الله عليه وآله) وهو سبيل الله * (ثم تكون عليهم حسرة) * ثم تكون عاقبة إنفاقها حسرة * (ثم يغلبون) * آخر الأمر يغلبهم المؤمنون، والكافرون * (إلى جهنم يحشرون) *. * (ليميز الله) * الفريق الخبيث من الفريق الطيب * (ويجعل الخبيث بعضه) * فوق * (بعض) * في جهنم يضيقها عليهم * (فيركمه) * عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا، كقوله: * (كادوا يكونون عليه لبدا) * (3)، وقيل: نفقة الكافر من نفقة المؤمن، ويجعل نفقة الكافر بعضها * (على بعض) * فوق بعض * (فيركمه) * ويجمعه


(1) البيت للفرزدق، وروي: فلما خشيت أن يكون عطاؤه...، واخرى: أخاف زيادا أن يكون عطاؤه...، وهي من قصيدة يذم بها زيادا بعدما فر منه، إذ أراد زياد أن يختدعه ليقع في يديه فأشاع أنه لو أتاه لحباه وأكرمه، فبلغ ذلك الفرزدق فانطلق ينشأ هذه القصيدة، يقول: ما كنت أظن أن يكون عطاء زياد قيودا سودا تلسع كما تلسع الحية السوداء أو سياطا مفتولة سمراء يجلدني بها. انظر ديوان الفرزدق: ج 1 ص 320. (2) قاله محمد بن مسلم ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن. راجع تفسير الطبري: ج 6 ص 242 - 243. (3) الجن: 19. (*)

[ 24 ]

* (جميعا فيجعله في جهنم) * يعاقبهم به (1)، كما قال: * (يوم يحمى عليها في نار جهنم) * الآية (2)، وقرئ: * (ليميز) * على التخفيف (3). * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الاولين (38) وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم المولى ونعم النصير (40)) * * (قل للذين كفروا) * أي: قل لاجلهم هذا القول وهو * (إن ينتهوا) *، ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا - بالتاء - يغفر لكم، أي: إن ينتهوا عما هم عليه بالدخول في الإسلام * (يغفر لهم ما قد سلف) * من الشرك وعداوة الرسول * (وإن يعودوا) * لعداوته وقتاله * (فقد مضت سنت الاولين) * الذين تحزبوا على أنبياء الله في تدميرهم، فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا. * (وقتلوهم حتى لا تكون فتنة) * أي: إلى أن لا يوجد فيهم شرك * (ويكون الدين كله لله) * ويضمحل كل دين باطل ويبقى دين الإسلام وحده. قال الصادق (4) (عليه السلام): " لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغن دين محمد (صلى الله عليه وآله) ما بلغ الليل حتى لا يكون شرك (5) على ظهر الأرض " (6). * (فإن انتهوا) * عن الكفر وأسلموا * (فإن الله بما يعملون بصير) * يثيبهم على


(1) قاله مقاتل على ما حكاه عنه السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 17. (2) التوبة: 35. (3) الظاهر أن القراءة المعتمدة عند المصنف هي قراءة وتشديد. (4) في بعض النسخ: بعض الأئمة. (5) في المجمع: مشرك. (6) تفسير العياشي: ج 2 ص 56 ح 48. (*)

[ 25 ]

توبتهم وإسلامهم، وقرئ: " تعملون " بالتاء (1)، فيكون المعنى: فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله * (بصير) * يجازيكم عليه أحسن الجزاء. * (وإن تولوا) * ولم ينتهوا فثقوا بولاية الله ونصرته. * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير (41) إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم (42)) * " ما " موصولة، و * (من شئ) * بيانه * (فأن لله) * مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: فواجب، أو فحق أن * (لله خمسه) *. قال أصحابنا رضوان الله عليهم أجمعين: إن الخمس يقسم على ستة أسهم كما في الآية: سهم لله، وسهم للرسول (صلى الله عليه وآله)، وسهم لذوي القربى، فهذه الأسهم الثلاثة اليوم للإمام القائم مقام الرسول (صلى الله عليه وآله)، وسهم ليتامى آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم، لأن الله سبحانه حرم عليهم الصدقة لكونها أوساخ الناس وعوضهم من ذلك الخمس (2). روى ذلك الطبري (3) عن علي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر صلوات الله عليهما.


(1) وهي قراءة الحسن ويعقوب ورويس وسلام بن سليمان. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 4 ص 495. (2) انظر شرائع الإسلام: ج 1 ص 181 - 182، واللمعة الدمشقية: ج 2 ص 78 - 79. (3) تفسير الطبري: ج 6 ص 252 ح 16127 وص 254 ح 16142. (*)

[ 26 ]

ورووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قيل له: إن الله تعالى قال: * (واليتمى والمسكين) * فقال: " أيتامنا ومساكيننا " (1). وقوله: * (إن كنتم ءامنتم بالله) * تعلق بمحذوف يدل عليه * (واعلموا) *، والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة * (وما أنزلنا) * معطوف على * (بالله) * أي: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل * (على عبدنا يوم الفرقان) * يعني: يوم بدر (2)، و * (الجمعان) *: الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد: ما أنزل من الآيات والملائكة والفتح يومئذ. * (إذ) * بدل من * (يوم الفرقان) *، و " العدوة ": شط الوادي، بالكسر والضم، و * (الدنيا) * و * (القصوى) * تأنيث الأدنى والأقصى، والقياس أن تقلب الواو ياء كالعليا إلا أن القصوى جاءت على الأصل شاذا كالقود، والعدوة الدنيا مما يلي المدينة، والعدوة القصوى مما يلي مكة * (والركب أسفل منكم) * يعني أبا سفيان والعير * (أسفل) * نصب على الظرف، معناه: مكانا أسفل من مكانكم يقودون العير بالساحل، ومحله رفع لأنه خبر المبتدأ. والفائدة في ذكر هذه المراكز الإخبار عن الحال الدالة على قوة المشركين وضعف المسلمين، وأن غلبتهم على مثل هذه الحال أمر إلهي لم يتيسر إلا بحوله وقوته، وذلك أن العدوة القصوى كان فيها الماء، ولاماء بالعدوة الدنيا وهي خبار (3) تسوخ فيها الأرجل، وكانت العير وراء ظهورهم مع كثرة عددهم، وكانت


(1) عوالي اللآلئ لابن جمهور: ج 2 ص 75 - 76 ح 201. (2) في نسخة زيادة: في يوم الجمعة السابع عشر أو التاسع عشر من شهر رمضان سنة الثاني من الهجرة، مروي عن الصادق (عليه السلام). (3) الخبار: الأرض الرخوة. (الصحاح: مادة خبر). (*)

[ 27 ]

الحماية دونها تضاعف حميتهم وتحملهم على أن يبرحوا مواطنهم ويبذلوا نهاية نجدتهم، وفيه تصوير مادبره عز اسمه من أمر وقعة بدر * (ليقضى الله أمرا كان مفعولا) * من إعزاز دينه وإعلاء كلمته * (ولو تواعدتم) * أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال لخالف بعضكم بعضا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من الرعب، فلم يتفق لكم من اللقاء ما وفقه الله * (ليقضى) * متعلق بمحذوف، أي: ليقضي أمرا كان واجبا أن يفعل دبر ذلك، وقوله: * (ليهلك) * بدل منه، واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، أي: ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة وقيام حجة عليه، ويصدر إسلام من أسلم عن يقين وعلم بأنه الدين الحق الذي يجب التمسك به * (لسميع عليم) * يعلم كيف يدبر أموركم. * (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أربكهم كثيرا لفشلتم ولتنزعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الامور (44)) * * (إذ) * نصب بإضمار " اذكر "، أو هو بدل ثان من * (يوم الفرقان) *، أو متعلق بقوله: * (لسميع عليم) * أي: يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك * (في منامك) * أي: في رؤياك، وذلك أن الله سبحانه أراهم إياه في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فكان (1) تشجيعا لهم عليهم، وعن الحسن: * (في منامك) * في عينك لأنها مكان النوم (2)، والفشل: الجبن، أي: لجبنتم وهبتم الاقدام، ولتنازعتم في الرأي وتفرقت كلمتكم فيما تصنعون * (ولكن الله سلم) * أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع


(1) في نسخة زيادة: تثبيتا لهم و. (2) تفسير الحسن البصري: ج 1 ص 403. (*)

[ 28 ]

* (إنه عليم بذات الصدور) * يعلم ماسيكون فيها من الجرأة والجبن. * (وإذ يريكموهم) * أي: يبصركم إياهم، و * (قليلا) * نصب على الحال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله. وعن ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين ؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم ؟ قال: ألفا (1). * (ويقللكم في أعينهم) * حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور، وإنما قللهم في أعينهم ليجترئوا عليهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعد اللقاء لتفجأهم الكثرة فيهابوا وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم، وذلك قوله: * (يرونهم مثليهم رأى العين) * (2)، ويمكن أن يكونوا قد أبصروا الكثير قليلا بأن ستر الله عنهم بعض أولئك بساتر. * (يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصبرين (46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم بطرا ورئآء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47)) * أي: إذا حاربتم جماعة كافرة، وإنما لم يصفهم لأن المؤمنين لايحاربون إلا الكفار، واللقاء اسم للقتال غالب * (فاثبتوا) * لقتالهم ولاتفروا * (واذكروا الله كثيرا) * في مواطن القتال، مستعينين به مستظهرين بذكره * (لعلكم تفلحون) * أي: تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة. * (ولا تنزعوا) * أي: لا تتنازعوا فيما بينكم فتضعفوا عن قتال عدوكم، و * (تفشلوا) * منصوب بإضمار " أن "، والريح: الدولة،


(1) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 259 ح 16171. (2) آل عمران: 13. (*)

[ 29 ]

شبهت في نفوذ أمرها بالريح وهبوبها، قالوا: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، وقيل: لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله (1). وفي الحديث: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " (2). * (كالذين خرجوا من ديرهم) * هم أهل مكة خرجوا ليحموا (3) عيرهم، فأتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة (4): أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدرا نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان، فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس: إطعامهم، فوافوها فسقوا كأس الحمام (5) مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. * (وإذ زين لهم الشيطن أعملهم وقال لاغالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئ منكم إنى أرى مالا ترون إنى أخاف الله والله شديد العقاب (48)) * قيل: إن قريشا لما اجتمعت للمسير ذكرت ما بينها وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني (6) وكان من أشرافهم، ف‍ * (قال لاغالب لكم اليوم... وإنى) * مجيركم من بني كنانة * (فلما) * رأى الملائكة تنزل * (نكص) * ولما نكص قال له


(1) قاله قتادة وابن زيد. راجع تفسير الطبري: ج 6 ص 261. (2) صحيح البخاري: ج 2 ص 41، مسند أحمد: ج 1 ص 228 و 324. (3) في نسخة: ليجمعوا. (4) الجحفة: موضع بين مكة والمدينة. (5) في نسخة: المنايا، والحمام - بالكسر -: قدر الموت. (الصحاح: مادة حمم). (6) ويكنى أبا سفيان، كان في الجاهلية قائفا، وقد روى البخاري قصته في إدراكه النبي (صلى الله عليه وآله) لما هاجر الى المدينة واقتفاءه أثره، ثم دعا النبي (صلى الله عليه وآله) عليه حتى ساخت رجلا فرسه، ثم طلبه من النبي (صلى الله عليه وآله) الخلاص وأن لا يدل عليه، ففعل (صلى الله عليه وآله)، وأسلم يوم الفتح، مات سنة 24 ه‍ في أول خلافة عثمان. انظر الإصابة في تمييز الصحابة: ج 2 ص 19. (*)

[ 30 ]

الحارث (1) وكانت يده في يده: إلى أين ؟ أتخذلنا في هذه الحال ؟ ف‍ * (قال... إنى أرى مالا ترون) * ودفع في صدره وانطلق، وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم (2). * (إذ يقول المنفقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) ولو ترى إذ يتوفي الذين كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبرهم وذوقوا عذاب الحريق (50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلم للعبيد (51)) * * (إذ يقول المنفقون) * بالمدينة * (والذين في قلوبهم مرض) * والشاكون في الإسلام * (غر هؤلاء دينهم) * يعنون المسلمين، أي: اغتروا بدينهم وأنهم ينصرون من أجله، فخرجوا مع قلتهم إلى قتال المشركين مع كثرتهم * (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز) * غالب ينصر الضعيف على القوي، والقليل على الكثير. * (ولو ترى) * أي: ولو عاينت وشاهدت، لأن " لو " يرد المضارع إلى معنى الماضي، كما أن " إن " ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، و * (إذ) * نصب على الظرف، وقرئ: * (يتوفي) * بالياء والتاء (3)، و * (يضربون) * حال، وعن مجاهد: * (أدبرهم) *: أستاههم ولكن الله كريم يكني (4)، وقيل: يضربون ما أقبل منه (5) وما أدبر،


(1) في نسخة زيادة: بن هشام. (2) قاله ابن عباس كما في تفسير ابن كثير: ج 2 ص 303. (3) بالتاء قرأه ابن عامر والأعرج. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 435، وإعراب القرآن للنحاس: ج 2 ص 190. (4) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 137. (5) لعل الصحيح المناسب لسياق الكلام: منهم. (*)

[ 31 ]

والمراد به قتلى بدر (1) * (وذوقوا) * معطوف على * (يضربون) * على إرادة القول، أي: * (و) * يقولون: * (ذوقوا عذاب الحريق) * بعد هذا في الآخرة، وقيل: كانت مع الملائكة مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار في جراحاتهم (2). * (ذلك بما قدمت أيديكم) * يحتمل أن يكون من كلام الله، ومن كلام الملائكة، و * (ذلك) * مبتدأ، و * (بما قدمت) * خبره * (وأن الله) * عطف عليه، أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم وبأن الله يعذب الكفار بالعدل، لأنه لا يظلم عباده في عقوبتهم، وقد بالغ في نفي الظلم عن نفسه بقوله: * (ليس بظلم للعبيد) *. * (كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كفروا بايت الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بايت ربهم فأهلكنهم بذنوبهم وأغرقنا ءال فرعون وكل كانوا ظلمين (54)) * الكاف في محل الرفع، أي: دأب هؤلاء مثل دأب * (ءال فرعون) *، ودأبهم: عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه، أي: داوموا عليه، و * (كفروا) * تفسير لدأب آل فرعون. و * (ذلك) * إشارة إلى ماحل بهم، أي: * (ذلك) * العذاب * (ب‍) * سبب * (أن الله) * لا يصح في حكمته أن يغير نعمته عند * (قوم حتى يغيروا ما) * بهم من الحال، وعن السدي (3): النعمة محمد (صلى الله عليه وآله) أنعم الله به على قريش فكفروا به


(1) وهو قول ابن عباس وابن جريج كما في تفسير البغوي: ج 2 ص 256. (2) قاله ابن عباس على ما حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 15 ص 178. (3) أبو محمد اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير، من أهل الكوفة، يروي = (*)

[ 32 ]

وكذبوه فنقله إلى الأنصار (1) * (وأن الله سميع) * لما يقول مكذبو الرسل * (عليم) * بما يفعلون. * (كدأب ءال فرعون) * تكرير للتأكيد، وفي قوله: * (بايت ربهم) * زيادة دلالة على كفران النعم، وفي ذكر الإغراق بيان للاخذ بالذنوب * (وكل كانوا ظلمين) * أي: وكل من غرقى آل فرعون وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بكفرهم ومعاصيهم. * (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين (58)) * * (الذين كفروا فهم لا يؤمنون) * أي: أصروا على الكفر فلا يتوقع منهم إيمان، وهم بنو قريظة عاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أن لا يمالئوا (2) عليه عدوا، فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح وقالوا: نسينا و (3) أخطأنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالأوا عليه الأحزاب يوم الخندق. * (الذين عهدت منهم) * بدل من * (الذين كفروا) * أي: الذين عاهدتهم من الذين كفروا، جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الذين ينقضون العهد


= عن أنس وعبد خير وأبي صالح، ورأى ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وكان ثقة مأمونا، وذكره الشيخ في رجاله من أصحاب علي بن الحسين (عليه السلام) ومن أصحاب الباقر (عليه السلام) ومن اصحاب الصادق (عليه السلام) توفي عام (127 ه‍). انظر اللباب لابن الأثير: ج 2 ص 110، ومعجم رجال الحديث للخوئي: ج 3 ص 148. (1) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 269 ح 16224. (2) مالاته على الأمر ممالاة: ساعدته عليه وشايعته. (لسان العرب: مادة ملأ). (3) في نسخة: أو. (*)

[ 33 ]

* (وهم لا يتقون) * أي: لا يخافون عاقبة الغدر، ولا يبالون ما فيه من العار والنار. * (فإما تثقفنهم) * أي: تصادفنهم في الحرب، والمعنى: إن ظفرت بهم وأدركتهم * (فشرد بهم من خلفهم) * أي: ففرق عن محاربتك ومناصبتك من وراءهم من الكفرة بقتلهم شر قتلة، حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد، اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم. * (وإما تخافن من قوم) * معاهدين * (خيانة) * ونكثا للعهد * (فانبذ إليهم) * أي: فاطرح إليهم العهد * (على سوآء) * على طريق مقتصد (1) مستو، وذلك بأن تخبرهم بنبذ العهد إخبارا ظاهرا مكشوفا، وتبين لهم أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولاتبدأهم بالقتال وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة * (إن الله لا يحب الخائنين) * فلاتخنهم بأن تناجزهم القتال من غير إعلامهم بالنبذ، وقيل: معناه على استواء في العلم بنقض العهد (2)، والجار والمجرور في موضع الحال، كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتا على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معا. * (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61)) * * (سبقوا) * أي: فاتوا من أن يظفر بهم * (إنهم لا يعجزون) * أي: لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، وقرئ: " أنهم " بالفتح (3) بمعنى " لانهم "،


(1) في نسخة: مستقيم. (2) قاله الأزهري على ما حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 8 ص 32. (3) قرأه ابن عامر. راجع التبيان: ج 5 ص 146. (*)

[ 34 ]

وكل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل، إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح، والمعنى: لا تحسبن (1) يا محمد - (صلى الله عليه وآله) - الكافرين قد فاتوك فإن الله يظفرك بهم ويظهرك عليهم، وفي الشواذ قراءة ابن محيصن (2): " لا يعجزون " بكسر النون (3)، وقرئ: * (ولا يحسبن) * بالياء على أن الفعل ل‍ * (الذين كفروا) * كأنه قيل: لا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فحذفت " أن "، كقوله: * (ومن ءايته يريكم البرق) * (4) أو على أن المعنى: ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا. والقوة: كل ما يتقوى به في الحرب من العدد، والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال جمع فصيل * (ترهبون) * قرئ بالتخفيف والتشديد (5)، يقال: أرهبته ورهبته، أي: تخيفون بما تعدونه * (عدو الله وعدوكم) * يعني أهل مكة * (وءاخرين) * أي: وترهبون كفارا آخرين * (من) * دون هؤلاء * (لا تعلمونهم) * لأنهم يصلون ويصومون ويقولون: لا إله إلا الله، محمد - (صلى الله عليه وآله) - رسول الله * (الله يعلمهم) * لأنه المطلع على الأسرار * (وما تنفقوا من شئ) * في الجهاد يوفر عليكم ثوابه * (وأنتم لا تظلمون) * لا تنقصون شيئا منه. * (وإن جنحوا) * جنح له وإليه: مال، و " السلم " بفتح السين وكسرها: الصلح،


(1) حيث إن القراءة المعتمدة لدى المصنف بالتاء كما هو ظاهر. (2) هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي المكي المقرئ، روى عنه عدة منهم مسلم، وقراءاته من شواذ القراءات، توفي سنة 123 ه‍ بمكة. راجع طبقات القراء للجزري: ج 2 ص 167 رقم 3118. (3) شواذ القرآن لابن خالويه: ص 55. (4) الروم: 24. (5) بالتشديد قرأه الحسن وورش. راجع إعراب القرآن للنحاس: ج 2 ص 194. والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 435. (*)

[ 35 ]

يؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، قال الشاعر: السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع (1) * (وتوكل على الله) * ولا تخف من خديعتهم ومكرهم فإن الله عاصمك وكافيك من مكرهم. * (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا مآألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصبرين (66)) * * (وإن يريدوا أن يخدعوك) * في الصلح بأن يقصدوا به دفع أصحابك عن القتال حتى يقوى أمرهم فيبدؤوكم بالقتال من غير استعداد منكم * (فإن حسبك الله) * أي محسبك الله * (هو الذي أيدك) * أي: قواك * (بنصره وبالمؤمنين) * الذين ينصرونك على أعدائك، يريد الأنصار وهم: الأوس والخزرج. * (وألف بين قلوبهم) * حتى صاروا متحابين متوادين بعد ماكان بينهم من التضاغن والتحارب


(1) والبيت لعباس بن مرداس السلمي، أنشده مخاطبا ابن عمه والمنافس له لزعامة بني سليم الخفاف بن ندبة، يقول: إن السلم وإن طالت لم تر فيها إلا ما تحب ولا تنال إلا ما تريد، ولا يضرك طولها، فإذا جاءت الحرب قطعتك عن لذاتك وشغلتك بنفسك، وهذا تحريض على الصلح وتثبيط عن الحرب. انظر ديوان العباس بن مرداس: ص 103. (*)

[ 36 ]

ولم يكن لبغضائهم أمد، فأنساهم الله ذلك كله حتى تصافوا وعادوا إخوانا * (لو أنفقت ما في الارض جميعا) * لما أمكنك التأليف * (بين قلوبهم) * وإزالة ضغائن الجاهلية عنهم * (ولكن الله ألف بينهم) * بالاسلام. * (ومن اتبعك) * الواو بمعنى " مع " وما بعده منصوب، لأن عطف الظاهر المجرور على المكني قبيح، والمعنى: كفاك وكفي متبعيك * (من المؤمنين) * الله ناصرا، أو يكون في محل الرفع أي: كفاك الله وكفاك المؤمنون، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال (1). والتحريض: المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي (2) على الموت، وهذه عدة من الله بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بتأييد الله * (بأنهم قوم لا يفقهون) * أي: بسبب أن الكفار جهلة يقاتلون على غير احتساب ثواب كالبهائم. وعن ابن جريج (3): كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب، فثقل عليهم ذلك وضجوا منه بعد مدة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين (4)، وقرئ: * (ضعفا) * بفتح الضاد وضمها (5)،


(1) انظر الكشاف: ج 2 ص 234. (2) أشفي على الشئ: إذا أشرف عليه. (الصحاح: مادة شفي). (3) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي، أصله رومي، مولى بني امية، روى عن عطاء والزهري وعكرمة وطاووس وغيرهم، كان من فقهاء أهل الحجاز وقرائهم، قال أبو غسان: سمعت جريرا يقول: كان ابن جريج يرى المتعة. توفي سنة 150 ه‍ وهو ابن سبعين سنة. انظر وفيات الاعيان: ج 2 ص 338. (4) حكاه عنه أبو حيان في البحر المحيط: ج 4 ص 517. (5) وبالضم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي. راجع كتاب السبعة في = (*)

[ 37 ]

و " ضعفاء " (1) جمع ضعيف، وقرئ: * (يكن) * في الموضعين بالياء والتاء (2)، والمراد بالضعف: الضعف في البدن، وقيل: في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك (3). * (ماكان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حللا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69)) * الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات حتى أثبتته، وأصله من الثخانة التي هي الغلظ (4) والكثافة، والمعنى: * (ما) * استقام * (لنبى) * وما صح له * (أن يكون له أسرى حتى) * يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل: * (فإما منا بعد وإما فداء) * (5) (6). وروي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتي بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه وعقيل بن


= القراءات لابن مجاهد: ص 308. (1) وهي قراءة ابن القعقاع. راجع الفريد في إعراب القرآن للهمداني: ج 2 ص 437. (2) وبالتاء وهي قراءة الحرميان وابن عامر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 436 وقال: وقرأ البصريان (أبو عمرو ويعقوب) الأول بالياء والثاني بالتاء من أجل * (صابرة) *. (3) قال الثعالبي: قال كثير من اللغويين: ضم الضاد في البدن، وفتحها في العقل، وهذه الآية انما يراد بها حال الجسم، والضعف الأول هو كون الانسان من ماء مهين، والقوة بعد ذلك الشبيبة وشدة الأسر، والضعف الثاني هو الهرم والشيخوخة. هذا قول قتادة وغيره. راجع تفسير الثعالبي: ج 2 ص 549. (4) في نسخة: الغلظة. (5) سورة محمد (صلى الله عليه وآله): 4. (6) وهو قول ابن عباس وقتادة. راجع التبيان: ج 5 ص 156. (*)

[ 38 ]

أبي طالب ولم يؤسر أحد من أصحاب رسول الله (1). * (عرض الدنيا) * حطامها، سمي بذلك لأنه حدث قليل اللبث، يريد الفداء، والخطاب للمؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الأسرى * (والله يريد الاخرة) * أي: تريدون عاجل الحظ من عرض الدنيا، والله يريد لكم ثواب الآخرة * (والله عزيز) * يغلب أولياءه على أعدائه، ويتمكنون منهم قتلا وأسرا ويطلق لهم الفداء، ولكنه * (حكيم) * يؤخر ذلك وهم يعجلون. * (لولا كتب من الله) * أي: حكم منه * (سبق) * إثباته في اللوح بإباحة الغنائم لكم * (لمسكم فيما) * استحللتم قبل الإباحة * (عذاب عظيم) *، وقيل: لولا كتاب من الله في القرآن: أنه لا يعذبكم والنبي بين أظهركم (2). * (فكلوا مما غنمتم) * هذا إباحة للفداء لانه من جملة الغنائم، وقيل: إنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت الآية (3)، ومعنى الفاء التسبيب، أي: قد أبحت لكم الغنائم * (فكلوا مما غنمتم) *، و * (حللا) * نصب على الحال من المغنوم، أو صفة للمصدر، أي: أكلا حلالا. * (يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71)) * وقرئ: * (من الاسرى) * وهو أقيس من " الأسارى " (4)، لأن الأسير فعيل


(1) رواها الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 236، والبغوي في تفسيره: ج 2 ص 263. (2) قاله الجبائي كما في التبيان: ج 5 ص 157. (3) حكاه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 262. (4) وقراءة " الاسارى " هي قراءة أبي عمرو وأبي جعفر. راجع التبيان: ج 5 ص 159، = (*)

[ 39 ]

بمعنى مفعول، وذلك يجمع على فعلى نحو جرحى وقتلى، وقالوا: أسارى، تشبيها بكسالى، كما شبهوا كسلى بأسرى * (قل لمن في أيديكم) * أي: لمن في ملكتكم، فكأن أيديكم قابضة عليهم * (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا) * خلوص عقيدة وصحة نية في الإيمان * (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) * من الفداء: إما أن يخلفكم أضعافه في الدنيا أو يثيبكم في الآخرة. وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال للعباس: افد ابني أخويك: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث، فقال: أتتركني أتكفف قريشا ما بقيت ؟ قال: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل، وقلت: إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل و عبد الله وقثم ؟ فقال العباس: وما يدريك ؟ قال: أخبرني به ربي، قال: أشهد أنك صادق، وأن لاإله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعت إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك: لي الآن عشرون عبدا إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي (1). * (وإن يريدوا خيانتك) * نكث ما بايعوك عليه، ومنع ما ضمنوا من الفداء * (فقد خانوا الله من قبل) * بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين * (فأمكن) * الله * (منهم) * وسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة. * (إن الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا بأموا لهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ءامنوا


= وكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 309. (1) رواه ابن كثير في تفسيره: ج 2 ص 313 وعزاه إلى البخاري في صحيحه وابن إسحاق في مغازيه، والبغوي في تفسيره أيضا: ج 2 ص 263، والزمخشري في كشافه: ج 2 ص 238. (*)

[ 40 ]

ولم يهاجروا مالكم من وليتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير (73) والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله إن الله بكل شئ عليم (75)) * * (هاجروا) * أي: فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ولرسوله، وهم المهاجرون من مكة إلى المدينة * (والذين ءاووا) * هم إلى ديارهم * (ونصروا) * هم على أعدائهم، هم الأنصار * (بعضهم أولياء بعض) * أي: يتولى بعضهم بعضا في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالمؤاخاة الأولى حتى نسخ ذلك بقوله: * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) * (1)، وقرئ: * (من وليتهم) * بالفتح والكسر (2)، قال الزجاج: هي بفتح الواو من النصرة والنسب، وبالكسر هي بمنزلة الإمارة (3)، والوجه في الآية أنه شبه تولي بعضهم بعضا بالصناعة والعمل، لأن كل ماكان من هذا الجنس فمكسور كالصياغة والكتابة، وكأن الرجل بتوليه صاحبه يباشر أمرا ويزاول عملا * (وإن استنصروكم) * أي: وإن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم النصرة لهم على الكفار * (فعليكم النصر) * لهم * (إلا على


(1) انظر كتاب الناسخ والمنسوخ لقتادة السدوسي: ص 46. (2) وبالكسر هي قراءة حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب. راجع التبيان: ج 5 ص 161، وتفسير القرطبي: ج 8 ص 56. (3) حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 1 ص 210. (*)

[ 41 ]

قوم بينكم وبينهم ميثق) * وعهد، فلا يجوز لكم نصركم عليهم. * (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) * معناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار ومعاونتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتولى بعضهم بعضا * (إلا تفعلوه) * أي: إن لا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولي بعضهم بعضا حتى في التوارث، تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار تحصل * (فتنة في الارض) * ومفسدة كبيرة، لأن المسلمين ما لم يكونوا يدا واحدة على أهل الشرك كان الشرك ظاهرا، وتجرأ أهله على أهل الإسلام ودعوهم إلى الكفر. ثم عاد سبحانه إلى ذكر المهاجرين والأنصار وأثنى عليهم بقوله: * (أولئك هم المؤمنون حقا) * لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة والانسلاخ من الأهل والمال لأجل الدين. * (والذين ءامنوا من بعد) * يريد: اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، كقوله: * (والذين جاءوا من بعدهم) * الآية (1) * (فأولئك منكم) * من جملتكم، وحكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ونصرتهم وإن تأخر إيمانهم وهجرتهم * (وأولوا الارحام) * وأولو القرابات أولى بالتوارث، بعضهم أحق بميراث بعض من غيرهم، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة (2) * (في كتب الله) * أي: في حكمه، وقيل: في اللوح المحفوظ (3)، وقيل: في القرآن (4)، وفيه دلالة على أن من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث.


(1) الحشر: 10. (2) انظر كتاب الناسخ والمنسوخ لابن حزم: ص 39. (3) قاله ابن عباس. راجع تفسيره: ص 153. (4) حكاه السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 29. (*)

[ 43 ]

سورة التوبة مدنية (1)، وهي مائة وتسع وعشرون آية كوفي، ثلاثون بصري، عد البصري * (برئ من المشركين) *. وعن الصادق (عليه السلام) قال: " الانفال وبراءة واحدة " (2). وعن علي (عليه السلام): " لم ينزل " بسم الله الرحمن الرحيم " على رأس سورة براءة، لأن " بسم الله " للأمان والرحمة، ونزلت براءة لرفع الامان وللسيف " (3). وقيل: إن السورتين كانتا تدعيان القرينتين، وتعدان السابعة من السبع الطوال (4).


(1) في التبيان للشيخ الطوسي: ج 5 ص 167: قال مجاهد وقتادة وعثمان: هي آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة. قال الزمخشري: لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب، لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم. وعن حذيفة (رضي الله عنه): إنكم تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه. راجع الكشاف: ج 2 ص 241. (2) تفسير العياشي: ج 2 ص 73 ح 3 وفيه: عن أحدهما (عليهما السلام). (3) تفسير السمرقندي: ج 2 ص 32. (4) قاله ابن عباس وحكاه عن عثمان بن عفان. انظر تفسير الماوردي: ج 2 ص 336. (*)

[ 44 ]

* * * * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الارض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزي الكفرين (2) وأذا ن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيا ولم يظهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4)) * * (براءة) * خبر مبتدأ محذوف، و * (من) * لابتداء الغاية، والمعنى: هذه براءة واصلة * (من الله ورسوله إلى الذين عهدتم) *، ويجوز أن تكون * (براءة) * مبتدأ وإن كانت نكرة لتخصصها بصفتها، والخبر * (إلى الذين عهدتم) * كما تقول: رجل من قريش في الدار، والمراد: أن الله ورسوله قد برئا * (من) * العهد الذي عاهدتم به * (المشركين) * وأن عهدهم منبوذ إليهم. * (فسيحوا في الارض أربعة أشهر) * هذا خطاب للمشركين، أمروا أن يسيحوا في الارض أربعة أشهر - وهي الأشهر الحرم - آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم، وذلك لصيانة الاشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وقيل: إن " براءة " نزلت في شوال سنة تسع من الهجرة والأشهر الأربعة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم (1)، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر


(1) قاله ابن عباس والزهري كما حكاه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 169. (*

[ 45 ]

وشهر ربيع الأول، وعشر من شهر ربيع الآخر (1)، وكانت حرما لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، وهو الأصح. وأجمع المفسرون على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين نزلت " براءة " دفعها إلى أبي بكر ثم أخذها منه ودفعها إلى علي (عليه السلام) (2) وإن اختلفوا في تفصيله، وقد شرحناه في الكتاب الكبير (3). وعن الباقر (عليه السلام) قال: " خطب علي (عليه السلام) الناس يوم النحر واخترط سيفه فقال: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن البيت مشرك، ومن كانت له مدة فهو إلى مدته، ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر، وقرأ عليهم سورة براءة " (4)، وقيل: إنه قرأ ثلاث عشرة آية من أول براءة (5)، وقيل: ثلاثين أو أربعين آية (6). * (فاعلموا أنكم غير معجزى الله) * أي: لاتفوتونه وإن أمهلكم * (وأن الله مخزي الكفرين) * أي: مذلهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالعذاب. * (وأذا ن من الله) * الوجه في رفعه ما ذكرناه في * (براءة) * بعينه، ثم الجملة معطوفة على مثلها، وهو بمعنى الإيذان كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، والجملة الأولى إخبار بثبوت البراءة، والجملة الثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت من البراءة الواصلة من الله ورسوله إلى المعاهدين والناكثين لجميع الناس، من عاهد منهم ومن لم يعاهد * (يوم الحج الاكبر) * يوم عرفة، وقيل:


(1) قاله محمد بن كعب القرظي ومجاهد والسدي والحسن وهو قول الصادق (عليه السلام). راجع التبيان: ج 5 ص 169، وتفسير الماوردي: ج 2 ص 338. (2) رواه ابن كثير من طرق عديدة في تفسيره: ج 2 ص 318 - 319. (3) يريد به مجمع البيان: ج 5 - 6 ص 3. (4) تفسير العياشي: ج 2 ص 74 ح 7. (5) قاله مجاهد على ما حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 243. (6) وهو قول محمد بن كلب القرظي وغيره كما في تاريخ الطبري: ج 2 ص 383. (*)

[ 46 ]

يوم النحر (1)، لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله (2). وروي أن عليا (عليه السلام) أخذ رجل بلجام دابته فقال: ما الحج الأكبر ؟ فقال: " يومك هذا، خل عن دابتي " (3). * (أن الله برئ) * حذفت الباء تخفيفا، وقرئ في الشواذ: " إن الله " بالكسر (4)، لأن الأذان في معنى القول * (ورسوله) * عطف على الضمير في * (برئ) * أو على محل " إن " المكسورة واسمها، وقرئ بالنصب (5) عطفا على اسم " إن "، أو لأن الواو بمعنى " مع "، * (فإن تبتم) * من الكفر والغدر * (فهو خير لكم) * من الإقامة عليهما * (وإن توليتم) * عن الإيمان * (فاعلموا أنكم غير معجزى الله) * غير سابقين الله، ولا فائتين بأسه وعذابه. * (إلا الذين عهدتم من المشركين) * استثناء من * (فسيحوا في الارض) * لأن الاستثناء بمعنى الاستدراك، والمعنى: ولكن الذين لم ينكثوا ولم ينقصوا من شرط العهد * (شيا ولم يظهروا عليكم أحدا) * من أعدائكم * (فأتموا إليهم عهدهم إلى) * انقضاء * (مدتهم) * التي وقع العهد إليها، ولا تجعلوا الوفي كالغادر. * (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم


(1) في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) والصادق (عليه السلام) وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير و عبد الله بن أبي أوفي وإبراهيم ومجاهد وابن مسعود والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة والشعبي والنخعي والزهري وعطاء وابن زيد والسدي واختاره الطبري. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 339، وتفسير الطبري: ج 6 ص 311 - 316. (2) في بعض النسخ: أحواله. (3) أخرجه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 312 ح 16422. (4) قرأه الحسن والأعرج. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 6. (5) وهي قراءة الحسن وزيد بن علي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق. راجع تفسير القرطبي: ج 8 ص 70، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 6. (*)

[ 47 ]

وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوا ة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلم الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)) * أي: * (إذا انسلخ الاشهر) * التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا في الأرض * (فاقتلوا المشركين) * فضعوا السيف فيهم حيث كانوا وأين وجدوا، في حل أو حرم * (وخذوهم) * أي: أيسروهم، والأخيذ: الأسير * (واحصروهم) * أي: قيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد، وقيل: حولوا بينهم وبين المسجد الحرام (1) * (واقعدوا لهم كل مرصد) * أي: كل ممر وطريق ترصدونهم به، وانتصب (2) على الظرف كقوله: * (لاقعدن لهم صرا طك المستقيم) * (3)، * (فخلوا سبيلهم) * أي: دعوهم يتصرفون في البلاد، أو: فكوا (4) عنهم ولا تتعرضوا لهم، أو: دعوهم يحجوا ويدخلوا المسجد الحرام * (إن الله غفور رحيم) * يغفر لهم ما قد سلف من كفرهم وغدرهم. * (أحد) * مرفوع بفعل الشرط وهو مضمر يفسره الظاهر، تقديره: وإن استجارك أحد استجارك، والمعنى: وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لاعهد بينك وبينه فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من القرآن والدين فأمنه * (حتى يسمع كلم الله) * ويتدبره، فإن معظم الأدلة فيه * (ثم أبلغه مأمنه) * بعد ذلك، يعني داره التي يأمن فيها إن لم يسلم، ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة، وهذا الحكم


(1) قاله ابن عباس على ما حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 247. (2) في بعض النسخ: والنصب. (3) الأعراف: 16. (4) في نسخة: فكفوا. (*)

[ 48 ]

ثابت في كل وقت * (ذلك) * أي: ذلك الأمر بالإجارة * (ب‍) * سبب * (أنهم قوم) * جهلة * (لا يعلمون) * الإيمان فأمنهم حتى يسمعوا ويعلموا. * (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام فما استقموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفوا ههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فسقون (8)) * * (كيف يكون للمشركين عهد) * صحيح ومحال أن يثبت لهم عهد مع إضمارهم الغدر والنكث، فلاتطمعوا في ذلك، ولكن * (الذين عهدتم) * منهم * (عند المسجد الحرام) * ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم * (فما استقموا لكم) * على العهد * (فاستقيموا لهم) * على مثله. * (كيف) * تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوما، أي: * (كيف) * يكون لهم عهد * (و) * حالهم أنهم * (إن يظهروا عليكم) * ويظفروا بكم بعد ما سبق لهم من الأيمان والمواثيق * (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) * أي: لا يحفظوا فيكم قرابة ولاعهدا، قال حسان (1): لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام (2)


(1) حسان بن ثابت، ويكنى أبا الوليد، أصله من الخزرج، ولد بالمدينة عام 563 م، كان أشعر أهل المدينة في زمانه وأهم شعراء الدعوة الإسلامية، فقد مدح الرسول (صلى الله عليه وآله)، ونظم المراثي في شهداء المسلمين، ونظم أيضا في هجاء الخصوم والمنافقين، وكانت أشعاره في هجاء قريش وحدها كثيرة جمعها المدائني في كتاب أسماه: " هجاء حسان لقريش " يقال: توفي وله من العمر مائة وعشرين عاما، وعدوه من المعمرين. انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة: ص 170 وما بعده. (2) انظر ديوان حسان بن ثابت: ج 1 ص 394. (*)

[ 49 ]

وقيل: إلا: حلفا (1)، وقيل: إلا: إلها (2) * (يرضونكم) * كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الباطن الظاهر، وإباء القلوب: مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل * (وأكثرهم فسقون) * متمردون في الكفر والشرك، لامروءة تردعهم كما توجد في بعض الكفار من التعفف عما يثلم العرض والتفادي عن النكث. * (اشتروا بايت الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فإخوا نكم في الدين ونفصل الايت لقوم يعلمون (11) وإن نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمن لهم لعلهم ينتهون (12) ألاتقتلون قوما نكثوا أيمنهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13)) * استبدلوا * (بايت الله) * أي: بالقرآن والإسلام * (ثمنا قليلا) * وهو اتباع الأهواء والشهوات * (فصدوا عن سبيله) * فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم. و * (المعتدون) * المجاوزون الغاية في الظلم والكفر. * (فإن تابوا) * عن الكفر ونقض العهد * (ف‍) * هم * (إخوا نكم) * حذف المبتدأ * (ونفصل الايت) * ونبينها، وهذا اعتراض، فكأنه قيل: ومن تأمل تفصيلها فهو العالم. * (وإن نكثوا) * أي: نقضوا عهودهم * (بعد) * أن عقدوها * (وطعنوا في


(1) قاله قتادة. راجع تفسير الطبري: ج 6 ص 326 ح 16522. (2) قاله سعيد بن جبير ومجاهد وأبو مجلز. راجع تفسير الطبري: ج 6 ص 325، وتفسير السمرقندي: ج 2 ص 35. (*)

[ 50 ]

دينكم) * وعابوه * (فقتلوا أئمة الكفر) * أي: فقاتلوهم، وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمردا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من العرب ثم آمنوا * (وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة) * وصاروا إخوانا للمسلمين * (في الدين) * ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا مابايعوا عليه من الايمان وطعنوا في دين الله فهم رؤساء الكفر والضلالة والمتقدمون فيه. وعن حذيفة: لم يأت أهل هذه الآية بعد (1). وقرأ علي (عليه السلام) هذه الآية يوم الجمل، ثم قال: " أما والله لقد عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لي: يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة والفئة الباغية والفئة المارقة " (2). * (إنهم لا أيمن لهم) * أي: لا عهود لهم يعني: لا يحفظونها، وقرئ بكسر الهمزة (3)، أي: فلا يعطون الأمان بعد النكث والردة، أو لا إسلام لهم ولا إيمان على الحقيقة، ولا اعتبار بما أظهروه من الإيمان * (لعلهم ينتهون) * يتعلق ب‍ " قتلوا " أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عما هم عليه، وهذا من غاية كرمه سبحانه وفضله. * (ألاتقتلون) * دخلت الهمزة للتقرير، ومعناه: الحض على المقاتلة * (نكثوا أيمنهم) * التي عقدوها * (وهموا بإخراج الرسول) * من مكة حين تشاوروا في أمره حتى أذن الله له في الهجرة فخرج بنفسه * (وهم بدءوكم) * بالمقاتلة والبادئ أظلم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم بمثله ؟ ! * (أتخشونهم) * تقريع بالخشية منهم وتوبيخ عليها * (فالله أحق أن تخشوه) * فقاتلوا أعداءه * (إن كنتم مؤمنين) * فإن المؤمن لا يخشى إلا الله.


(1) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 330. (2) تفسير العياشي: ج 2 ص 78 ح 25. (3) وهي قراءة الحسن وابن عامر. راجع التبيان: ج 5 ص 181. (*)

[ 51 ]

* (قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء والله عليم حكيم (15) أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولارسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16)) * وبخهم بترك القتال، ثم أكد ذلك بالأمر بالقتال فقال: * (قتلوهم) *، ثم وعدهم أنه * (يعذبهم) * بأيديهم قتلا، ويخزيهم أسرا، وينصرهم * (عليهم) * ويشفي * (صدور) * طائفة من المؤمنين وهم خزاعة (1)، وعن ابن عباس: هم بطون من اليمن قدموا مكة وأسلموا فلقوا منهم أذي، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أبشروا فإن الفرج قريب " (2). * (ويذهب غيظ قلوبهم) * لما لقوا منهم من المكروه، وقد أنجز الله هذه المواعيد كلها لهم، فكان ذلك دليلا على صحة نبوة نبيه (عليه السلام) * (ويتوب الله على من يشآء) * استئناف كلام، وفيه إخبار بأن بعض أهل مكة سيتوب عن كفره، وقد كان ذلك - أيضا - فقد أسلم كثير منهم * (والله عليم) * يعلم ماسيكون كما يعلم ما قد كان * (حكيم) * لا يفعل إلا ما فيه الحكمة. * (أم) * منقطعة وفي الهمزة معنى التوبيخ، يعني: أنكم لاتتركون على ما أنتم عليه حتى يميز المخلصون منكم وهم (3) المجاهدون في سبيل الله لوجه الله * (ولم يتخذوا... وليجة) * أي: بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم، و * (لما) * معناها التوقع، ودلت على أن تميز ذلك وإيضاحه متوقع، وقوله:


(1) وخزاعة: حي من الأزد، سموا ذلك لأن الأزد لما خرجت من مكة لتتفرق في البلاد تخلفت عنهم خزاعة وأقامت بها، وخزع فلان عن أصحابه: أي تخلف. انظر الصحاح: مادة خزع. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 252. (3) في نسخة زيادة: المهاجرون. (*)

[ 52 ]

* (ولم يتخذوا) * عطف على * (جهدوا) * فهو داخل - أيضا - في الصلة، فكأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله، والوليجة: فعيلة من ولج، كالدخيلة من دخل، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كما يقال: ما علم الله ما قيل في فلان أي: ما وجد ذلك منه. * (ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعملهم وفي النار هم خلدون (17) إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر وأقام الصلوة وءاتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18)) * * (ما) * صح * (للمشركين) * وما استقام لهم * (أن يعمروا مسجد الله) * يعني: عمارة المسجد الحرام، وإنما جمع لأن كل موضع منه مسجد، أو لأنه قبلة المساجد كلها فعامره كعامر جميع المساجد، أو أريد جنس المساجد فيدخل فيه ما هو صدرها ومقدمها، وقرئ: " مسجد الله " (1)، * (شهدين) * حال من الواو في * (يعمروا) *، ومعنى شهادتهم * (على أنفسهم بالكفر) *: ظهور كفرهم، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت وطافوا حول البيت عراة، وكلما طافوا شوطا سجدوا لها، وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هولك، تملكه وما ملك (2). وروي: أن المهاجرين والأنصار عيروا أسارى بدر، ووبخ علي العباس بقتال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقالوا: أولكم محاسن ؟ قالوا: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب


(1) قرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 188، وفي تفسير القرطبي: ج 8 ص 89: هي قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن محيصن. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 253. (*)

[ 53 ]

الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني (1)، فنزلت (2). * (أولئك حبطت أعملهم) * التي هي العمارة والسقاية والحجابة وفك العناة. * (إنما يعمر) * أي: إنما يستقيم عمارة هؤلاء، والعمارة تتناول: بناها ورم مااسترم منها، وكنسها وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وزيارتها للعبادة والذكر - ومن الذكر درس العلم بل هو أفضله وأجله - وصيانتها من فضول الكلام. وفي الحديث: " يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة " (3). * (ولم يخش إلا الله) * يعني: الخشية والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضاء الله رضاء غيره. * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الاخر وجهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظلمين (19) الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله بأموا لهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوا ن وجنت لهم فيها نعيم مقيم (21) خلدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22)) * التقدير: * (أجعلتم) * أهل * (سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله) * ويعضده قراءة من قرأ: " سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " (4)، وهو إنكار


(1) العاني: الأسير. (القاموس المحيط: مادة عنا). (2) رواها الطبري في تفسيره: ج 6 ص 336 ح 16572. (3) الكشاف: ج 2 ص 254، ونحوه في مستدرك الحاكم: ج 4 ص 323. (4) وهي قراءة ابي بن كعب وابن الزبير وأبي وجزة السعدي ويزيد بن القعقاع. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 276، وتفسير القرطبي: ج 8 ص 91. (*)

[ 54 ]

تشبيه المشركين بالمسلمين، وتشبيه أعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوى بينهم، وجعلت تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر، أي: هم * (أعظم درجة عند الله) * من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء * (وأولئك هم الفائزون) * المختصون بالفوز، ونكر المبشر به من الرحمة والرضوان والنعيم المقيم، لوقوع ذلك وراء صفة الواصف وتعريف المعرف. * (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءابآءكم وإخوا نكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمن ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظلمون (23) قل إن كان أآباؤكم وأبناؤكم وإخوا نكم وأزوا جكم وعشيرتكم وأموا ل اقترفتموها وتجرة تخشون كسادها ومسكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفسقين (24)) * لما أمر المؤمنون بالهجرة وأرادوا أن يهاجروا، فمنهم من تعلقت به زوجته، ومنهم من تعلق به أبواه وأولاده، فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركونها لأجلهم، فبين سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب، وإذا وجب قطع قرابة الوالدين والولد فالأجنبي أولى * (إن استحبوا الكفر) * أي: اختاروه * (على الإيمن) *. وفي الحديث: " لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يحب في الله ويبغض في الله " (1). وقرئ: * (عشيرتكم) * على الواحد (2)، * (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) * وعيد، عن الحسن: بعقوبة عاجلة أو آجلة (3)، وهذه آية شديدة كلف المؤمن


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 257 مرسلا، ونحوه البيهقي في السنن: ج 10 ص 232. (2) الظاهر أن المصنف قد اعتمد قراءة الجمع، أي بالف بعد الراء هنا. (3) تفسير الحسن البصري: ج 1 ص 411. (*)

[ 55 ]

فيها أن يتجرد من الآباء والأبناء والعشائر وجميع حظوظ الدنيا لأجل الدين. اللهم وفقنا لما يوافق رضاك حتى نحب فيك الأبعدين ونبغض فيك الاقربين. * (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكفرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء والله غفور رحيم (27)) * * (مواطن) * الحرب: مقاماتها ومواقفها، و * (حنين) *: واد بين مكة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفا منهم عشرة آلاف حضروا فتح مكة وقد انضم إليها من الطلقاء ألفان، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف في من انضوى إليهم من أمداد (1) العرب، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، فساءت مقالته رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقيل: إن قائلها أبو بكر (2) وذلك قوله: * (أعجبتكم كثرتكم) * فاقتتلوا قتالا شديدا، وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة فانهزموا حتى بلغ فلهم (3) مكة، وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مركزه لا يتحلحل (4)، وبقي علي (عليه السلام) ومعه الراية يقاتلهم والعباس بن عبد المطلب آخذ بلجام بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن يمينه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (5)


(1) بفتح الهمزة بمعنى الجيش والقوت، وبكسرها بمعنى الإعانة. (المصباح المنير: مادة مدد). (2) ذكره الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 259. (3) فلهم: انهزامهم. (القاموس المحيط: مادة فل). (4) تحلحل عن مكانه: زال. (القاموس المحيط: مادة حلحل). (5) هو المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخاه من الرضاعة، أرضعته حليمة السعدية، فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله) عاداه وهجاه، وكان شاعرا، وأسلم عام الفتح هو = (*)

[ 56 ]

عن يساره في تسعة من بني هاشم وعاشرهم أيمن بن أم أيمن (1)، وقتل يومئذ، وقال (عليه السلام) للعباس - وكان صيتا -: صح بالناس، فنادى: يا معشر المهاجرين والأنصار، يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، إلى أين تفرون ؟ هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكروا وهم يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق، فنظر رسول الله إلى قتال المسلمين فقال: الآن حمي الوطيس، أنا النبي لاكذب، أنا ابن عبد المطلب، ونزل النصر من عند الله وانهزمت هوازن (2). قوله: * (بما رحبت) *: * (ما) * مصدرية، والباء بمعنى " مع "، أي: مع رحبها، والجار والمجرور في موضع الحال، والمعنى: لا تجدون موضعا تستصلحونه لهربكم إليه لفرط رعبكم، فكأنها ضاقت عليكم * (ثم وليتم مدبرين) * ثم انهزمتم. * (ثم أنزل الله سكينته) * رحمته التي سكنوا بها * (على رسوله وعلى المؤمنين) * الذين ثبتوا معه * (وعذب الذين كفروا) * بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري وسلب الأموال. * (ثم يتوب الله) * أي: يسلم من بعد ذلك ناس منهم، وقيل: إنه سبي يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والبقر مالايحصى (3). * (يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم حكيم (28)) *


= وولده جعفر، مات في خلافة عمر سنة عشرين وصلى عليه عمر ودفن بالبقيع. انظر الكنى والألقاب للقمي: ج 1 ص 86. (1) هو أيمن بن عبيد بن عمرو بن الخزرج، وامه ام أيمن بركة مولاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر هو وامه ام أيمن مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما هاجر بالفواطم بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أحد العشرة الذين ثبتوا يوم حنين وفيها قتل. انظر أعيان الشيعة: ج 3 ص 522. (2) انظر تفسير القمي: ج 1 ص 285 - 288. (3) قاله سعيد بن المسيب على ما حكاه القرطبي في تفسيره: ج 8 ص 102. (*)

[ 57 ]

" النجس " مصدر، ومعناه: ذونجس، لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها، وعن ابن عباس: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير (1)، وعن الحسن: من صافح مشركا توضأ (2). وعن الصادقين (عليهما السلام): " من صافح الكافر ويده رطبة غسل يده، وإلا مسحها بالحائط " (3). * (فلا يقربوا المسجد الحرام) * فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية * (بعد) * حج * (عامهم هذا) * وهو عام تسع من الهجرة * (وإن خفتم عيلة) * أي: فقرا بسبب منع المشركين من الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الأرفاق والمكاسب * (فسوف يغنيكم الله من فضله) * من عطائه وتفضله على وجه آخر، فأسلم أهل جدة وصنعاء وجرش (4) وتبالة (5) فحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا أكثر بها خيرهم. * (قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 261. (2) تفسير الحسن البصري: ج 1 ص 412. (3) كذا في النسخ، والظاهر هو سهو، إذ لم نعثر عليه بهذه الألفاظ ولا قريب منها عنهما (عليهما السلام)، ولكن وجدناه قولا منسوبا الى أصحابنا - كما في مجمع البيان نسبه الى أصحابنا - وليس حديثا مرويا. انظر تهذيب الأحكام: ج 1 ص 262، ومجمع البيان: ج 5 - 6 ص 20. (4) جرش: من مخاليف اليمن من جهة مكة، وقيل: هي مدينة عظيمة باليمن وولاية واسعة، وذكر بعض أهل السير أن تبعا خرج من اليمن غازيا حتى إذا كان بجرش وهي إذ ذاك خربة فخلف بها جمعا ممن كان صحبه ورأى فيهم ضعفا وقال: اجرشوا هاهنا، أي: اثيروا فسميت جرش بذلك. انظر معجم البلدان للحموي: ج 2 ص 59 - 61. (5) تبالة: موضع باليمن أيضا، قال ياقوت: وأسلم أهل تبالة وجرش عن غير حرب، فأقرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيدي أهلهما على ما أسلموا عليه وجعل على كل حالم ممن بهما من أهل الكتاب دينارا واشترط عليهم ضيافة المسلمين. انظر المعم: ج 1 ص 816. (*)

[ 58 ]

الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون (29)) * عن ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال: من أين تأكلون ؟ فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب، وأغناهم بالجزية وبفتح البلاد والغنائم (1) * (من الذين أوتوا الكتب) * بيان ل‍ * (الذين) * مع ما في حيزه، نفي عن اليهود والنصارى الإيمان بالله، لأنهم أضافوا إليه مالا يليق به، ونفي عنهم الإيمان * (باليوم الاخر) * لأنهم في ذلك على خلاف ما ينبغي، ونفي عنهم تحريم * (ما حرم الله ورسوله) * لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة. وسميت الجزية جزية لأنها قطعة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه * (عن يد) *: إما أن يراد يد المعطي، أو يد الاخذ، فمعناه على الأول: * (حتى يعطو) * ها عن يد مؤاتية غير ممتنعة، كما يقال: أعطى بيده: إذا أصحب وانقاد، أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة ولامبعوثا على يد أحد. ومعناه على إرادة يد الآخذ: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أو عن إنعام عليهم * (وهم صغرون) * أي: تؤخذ منهم الجزية على الصغار والذل، وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب، ويسلمها وهو قائم والآخذ جالس، وأن يؤخذ بتلبيبه (2) ويقال له: أدها. * (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفوا ههم يضهون قول الذين كفروا من قبل قتلهم الله أنى


(1) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 346 ح 16612. (2) لببت الرجل تلبيبا: إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحوه في الخصومة ثم جررته. (الصحاح: مادة لبب). (*)

[ 59 ]

يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وا حدا لا إله إلا هو سبحنه عما يشركون (31) يريدون أن يطفوا نور الله بأفوا ههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكفرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)) * * (عزير ابن الله) * مبتدأ وخبر، وهو اسم أعجمي، ولعجمته وتعريفه امتنع من الصرف، ومن نونه جعله عربيا، وإنما قال ذلك جماعة من اليهود ولم يقله كلهم * (ذلك قولهم بأفوا ههم) * معناه: أنهم اخترعوه بأفواههم ولم يأتهم به كتاب، ومالهم به حجة * (يضهون قول الذين كفروا) * أي: يضاهي قولهم قولهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى: أن الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، يريد أنه كفر قديم فيهم، أو: يضاهي قولهم قول المشركين: " إن الملائكة بنات الله "، وقرئ: * (يضهون) * بالهمزة من قولهم: امرأة ضهيأ على فعيل، وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض * (قتلهم الله) * أي: لعنهم * (أنى يؤفكون) * كيف يصرفون عن الحق. * (اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا) * بأن أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ماحلله، كما يطاع الأرباب في أوامرهم * (والمسيح ابن مريم) * أهلوه للعبادة حين جعلوه ابنا لله * (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وا حدا) * أمرتهم بذلك أدلة العقل والنصوص في التوراة والإنجيل * (سبحنه) * تنزيه له عن الاشراك واستبعاد له. * (يريدون أن يطفوا نور الله بأفوا ههم) * مثل سبحانه حالهم في طلبهم إبطال

[ 60 ]

نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) بتكذيبه بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم، يريد الله أن يبلغه الغاية القصوى من الإضاءة والإنارة ليطفئه بنفخه * (ليظهره) * أي: ليظهر الرسول على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين، وقد أجرى " أبى " مجرى لم يرد، ولذلك قابل * (يريدون أن يطفوا) * بقوله: * (ويأبى الله) * فكأنه قال: ولا يريد الله إلا أن يتم نوره. * (يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموا ل الناس بالبطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35)) * أكل المال * (بالباطل) *: عبارة عن أخذه وتناوله من الجهة التي يحرم منها أخذه، والمعنى: أنهم كانوا يأخذون الرشا في الاحكام وفي تخفيف الشرائع عن عوامهم * (والذين يكنزون) * يحتمل أن يكون إشارة إلى الكثير من الاحبار والرهبان، ويحتمل أن يكون المراد به المسلمين الكانزين غير المنفقين، قرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى، وعنى بترك الإنفاق في سبيل الله: منع الزكاة. وفي الحديث: " ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهرا " (1). * (ولا ينفقونها) * الضمير يرجع إلى المعنى، لأن كل واحد من الذهب والفضة


(1) رواه الشيخ الطوسي في أماليه: ج 2 ص 133 باسناده عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلى الله عليه وآله). (*)

[ 61 ]

جملة وافية: دنانير ودراهم، فهو كقوله: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) * (1) وقيل: معناه: ولا ينفقونها والذهب (2)، كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب (3) وقيار كذلك، وإنما خص الذهب والفضة من بين الأموال بالذكر لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته. * (يوم يحمى عليها في نار جهنم) * أي: يوقد على الكنوز أو على الذهب والفضة حتى تصير نارا * (فتكوى بها) * أي: بتلك الكنوز المحماة * (جباههم وجنوبهم وظهورهم) * خصت هذه الأعضاء لأنهم لم يطلبوا بترك الإنفاق إلا الأغراض الدنيوية: من وجاهة عند الناس وأن يكون ماء وجوههم مصونا، ومن أكل الطيبات يتضلعون منها فينفخون جنوبهم، ومن لبس ثياب ناعمة يطرحونها على ظهورهم، وقيل: لأنهم كانوا يعبسون وجوههم للفقير ويولونه جنوبهم في المجالس وظهورهم (4) * (هذا ما كنزتم) * على إرادة القول * (لانفسكم) * لانتفاع أنفسكم * (فذوقوا) * وبال الذي * (كنتم تكنزون‍) * - ه، أو وبال كونكم كانزين. * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتب الله يوم خلق السموات والارض منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقتلوا المشركين كآفة كما يقتلونكم كآفة واعلموا


(1) الحجرات: 9. (2) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 2 ص 445. (3) وصدره: ومن يك أمسى بالمدينة رحله. وقائله ضابئ بن الحارث البرجمي، أنشده في حبس عثمان بن عفان، وكان يريد أن يفتك بعثمان فحبسه ولم يزل فيه الى أن مات. راجع الكامل للمبرد: ج 1 ص 320. (4) قاله أبو بكر الوراق كما حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 289. (*)

[ 62 ]

أن الله مع المتقين (36)) * * (في كتب الله) * أي: في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، أو فيما أثبته من حكمه ورآه حكمة وصوابا * (منهآ أربعة حرم) * ثلاثة سرد: ذوالقعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، ومنه قوله صلوات الله عليه في خطبته في حجة الوداع: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة: اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم " (1). والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسئ الذي كان في الجاهلية * (ذلك الدين القيم) * يعني: أن تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم: دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ويحرمون القتال فيها، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه (2) لم يهجه، وسموا رجبا: الأصم (3) ومنصل الأسنة (4) حتى أحدثوا النسئ فغيروا، وقيل: ذلك الحساب القيم لا ما أحدثوه من النسئ (5) * (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) * بأن تجعلوا حرامها حلالا * (كآفة) * حال من الفاعل أو المفعول * (مع المتقين) * أي: ناصرهم، حثهم على التقوى بضمان النصرة لأهلها. * (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما


(1) السيرة النبوية لابن هشام: ج 4 ص 251، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي: ج 3 ص 256، الكشاف: ج 2 ص 269، تفسير البغوي: ج 2 ص 290، تفسير القرطبي: ج 8 ص 133. (2) في نسخة زيادة: وأخيه. (3) قال الفيومي: إنما سمي شهر رجب بالأصم لأنه كان لا يسمع فيه حركة قتال ولانداء مستغيث. المصباح المنير: مادة " صمت ". (4) وقال: المنصل من أنصله، أي نزع نصله، والمراد: أن شهر رجب حيث إنهم لا يقاتلون فيه فكأنه هو الذي نزع نصل الأسنة. انظر المصدر نفسه: مادة نصل. (5) قاله ابن قتيبة. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 360. (*)

[ 63 ]

ويحرمونه عاما ليواطوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعملهم والله لا يهدي القوم الكفرين (37)) * * (النسئ) * تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فكانوا يحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر، وذلك قوله: * (ليواطوا عدة ما حرم الله) * أي: ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، وربما زادوا في عدة الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر شهرا ليتسع لهم الوقت، ولذلك قال: * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) * يعني: من غير زيادة زادوها، والضمير في * (يحلونه) * و * (يحرمونه) * ل‍ * (النسئ) * أي: إذا أحلوا شهرا من الاشهر الحرم * (عاما) * رجعوا فحرموه في العام القابل، وقرئ: * (يضل) * على البناء للمفعول، وقرئ: " يضل " (1) على أن الفعل لله تعالى، " ويضل " قراءة الأكثرين (2)، وقرئ: " النسي " بالتشديد (3)، وهو تخفيف الهمزة في " النسئ "، وعن الصادق (عليه السلام): " النسي " (4) على وزن الهدي، وهو على إبدال الياء من الهمزة، وهو مصدر نسأه: إذا أخره، يقال: نسأه نسئا ونسيئا نحو مسه مسا ومسيسا * (فيحلوا ما حرم الله) * معناه: فيحلوا بمواطأة العدة وحدها * (ما حرم الله) *


(1) قرأه ابن مسعود في رواية والحسن والأعمش وأبو عمرو ومجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون وأبو رجاء ويعقوب. راجع تفسير القرطبي: ج 8 ص 139، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 40. (2) وهي قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر. انظر تفسير القرطبي: ج 8 ص 139. (3) قرأه أبو جعفر وابن فرج عن البزي والزهري وحميد وورش عن نافع والحلواني. راجع تفسير القرطبي: ج 8 ص 136، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 39. (4) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط: ج 5 ص 39. (*)

[ 64 ]

من القتال * (زين لهم سوء أعملهم) * خذلهم الله فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة * (والله لا يهدي) * أي: لا يلطف بهم بل يخذلهم. * (يأيها الذين ءامنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة فما متع الحيوة الدنيا في الاخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيا والله على كل شئ قدير (39)) * أصله: تثاقلتم، فأدغمت التاء في الثاء ثم أدخلت همزة الوصل، أي: تباطأتم، وضمن معنى الميل فعدي ب‍ " إلى "، والمعنى: ملتم إلى الدنيا ولذاتها، وكرهتم مشاق السفر، ونحوه: * (أخلد إلى الارض واتبع هوبه) * (1)، وقيل: ملتم إلى الاقامة بأرضكم ودياركم (2)، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا في وقت قحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق ذلك عليهم، وقيل: إنه صلوات الله عليه ما خرج في غزوة إلا ورى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك، ليستعد الناس تمام العدة (3). * (من الاخرة) * بدل الآخرة، ونحوه: * (لجعلنا منكم ملئكة) * (4)، * (فما متع الحيوة الدنيا في) * جنب * (الاخرة إلا قليل) *. * (إلا تنفروا) * سخط عظيم على المتثاقلين، حيث هددهم بعذاب عظيم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم * (ويستبدل) * بهم * (قوما) * آخرين خيرا


(1) الأعراف: 176. (2) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 2 ص 447. (3) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية: ج 4 ص 159 عن الزهري ويزيد بن رومان و عبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم. (4) الزخرف: 60. (*)

[ 65 ]

منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يؤثر تثاقلهم فيها * (شيا) *، وقيل: الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله) (1)، أي: * (لاتضروه شيا) * لان الله وعد أن يعصمه من الناس ولا يخذله بل ينصره، ووعد الله كائن لا محالة. * (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40)) * أي: إن تركتم نصرته فإن الله قد أوجب له النصرة، وجعله منصورا حين لم يكن معه إلا رجل واحد، فلن يخذله من بعد * (إذ أخرجه الذين كفروا) * أسند الإخراج إلى الكفار كما في قوله: * (من قريتك التي أخرجتك) * (2)، لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج عنهم، فكأنهم أخرجوه * (ثانى اثنين) * أحد اثنين كقوله: * (ثالث ثلثة) * (3)، وهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر، وانتصابه على الحال، و * (إذ هما) * بدل من * (إذ أخرجه) *، و * (إذ يقول) * بدل ثان، و * (الغار) *: الثقب العظيم في الجبل، وهو هاهنا غار ثور، جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة * (لا تحزن) * أي: لا تخف * (إن الله معنا) * مطلع علينا وعالم بحالنا يحفظنا وينصرنا، ولما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اللهم أعم أبصارهم "، فجعلوا يترددون حول الغار ولايفطنون، أخذ الله بأبصارهم عنه * (فأنزل الله سكينته عليه) * قرأ الصادق (عليه السلام): " على رسوله " (4)، وسكينته: ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 2 ص 448. (2) محمد: 13. (3) المائدة: 73. (4) تفسير العياشي: ج 2 ص 88 - 89 ح 58 وفيه: عن أبي جعفر (عليه السلام). (

[ 66 ]

إليها، وأيقن أنهم لا يصلون إليه، والجنود: الملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين أو ذلك اليوم صرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه، و * (كلمة الذين كفروا) * دعوتهم إلى الكفر * (وكلمة الله) * دعوته إلى الإسلام، وقرئ: " وكلمة الله " بالنصب (1)، و * (هي) * فصل، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلو، وأنها المختصة به دون سائر الكلم. * (انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموا لكم وأنفسكم في سبيل الله ذا لكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكذبون (42) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكذبين (43)) * * (خفافا) * في النفور لنشاطكم له * (وثقالا) * عنه لمشقته عليكم، أو * (خفافا) * من السلاح * (وثقالا) * منه، أو * (خفافا) * لقلة عيالكم * (وثقالا) * لكثرته، أو ركبانا ومشاة، أو شبابا وشيوخا، أو صحاحا ومراضا. عن ابن عباس: نسخت بقوله: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * (2) (3)، * (وجهدوا بأموا لكم وأنفسكم) * إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة. والعرض: ما عرض لك من منافع الدنيا، والمعنى: * (لو كان) * ما دعوا إليه غنما * (قريبا وسفرا قاصدا) * أي: وسطا مقاربا * (لاتبعوك) *، و * (الشقة) *: المسافة الشاقة، وسيحلف المتخلفون عند رجوعك من غزوة تبوك * (بالله) * يقولون:


(1) وهي قراءة الحسن وأبي مجلز والأعمش ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 221، وشواذ القرآن لابن خالويه: ص 57. (2) التوبة: 91. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 273. (*)

[ 67 ]

* (لو استطعنا) *، وقوله: * (لخرجنا) * سد مسد جواب * (لو) * وجواب القسم جميعا، والإخبار بما سوف يكون بعد قفوله من خلفهم (1) واعتذارهم، وقد كان من جملة المعجزات، والمراد ب‍ * (لو استطعنا) *: استطاعة العدة، أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا * (يهلكون أنفسهم) * بدل من * (سيحلفون) *، أو حال بمعنى: مهلكين، أي: يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب. * (عفا الله عنك) * هذا من لطيف المعاتبة، بدأه بالعفو قبل العتاب، ويجوز العتاب من الله فيما غيره منه أولى، لاسيما للأنبياء، ولا يصح ما قاله جار الله: إن * (عفا الله عنك) * كناية عن الجناية (2)، حاشا سيد الأنبياء وخير بني حواء من أن ينسب إليه جناية (3). * (لا يستذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر أن يجهدوا بأموا لهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خللكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمعون لهم والله عليم بالظلمين (47) لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور


(1) في بعض النسخ: حلفهم بالحاء. (2) الكشاف: ج 2 ص 274. (3) قال العلامة الطباطبائي: والآية في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم وأنهم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به، ومن مناسبات هذا المقام إلقاء العتاب الى المخاطب وتوبيخه والإنكار عليه كأنه هو الذي ستر عليهم فضائح أعمالهم وسوء سريرتهم، وهو نوع من العناية الكلامية يتبين به ظهور الأمر ووضوحه لايراد أزيد من ذلك، فهو من أقسام البيان على طريق: إياك أعني واسمعي يا جارة، فالمراد بالكلام إظهار هذه الدعوى لا الكشف عن تقصير النبي (صلى الله عليه وآله) وسوء تدبيره في إحياء أمر الله. انظر تفسير الميزان: ج 9 ص 285. (*)

[ 68 ]

حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كرهون (48)) * أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في * (أن يجهدوا) *، أو كراهة أن يجاهدوا. * (إنما يستذنك) * المنافقون * (يترددون) * عبارة عن التحير، لأن التردد صفة المتحير كما أن الثبات صفة المستبصر. * (ولكن كره الله انبعاثهم) * خروجهم إلى الغزو لعلمه بأنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة من المسلمين * (فثبطهم) * أي: بطأ بهم وكسلهم وخذلهم لما علم منهم من الفساد، وإنما وقع الاستدراك ب‍ * (لكن) * لأن قوله: * (ولو أرادوا الخروج) * يعطي معنى النفي، فكأنه قيل: لم يخرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج، لأن الله كره انبعاثهم فضعف رغبتهم في الانبعاث * (وقيل اقعدوا مع) * النساء والصبيان، وهو إذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم في القعود، وفي هذا دلالة على أن إذنه (عليه السلام) لهم غير قبيح وإن كان الاولى أن لا يأذن ليظهر للناس نفاقهم. ثم بين سبحانه وجه الحكمة في تثبيطهم عن الخروج فقال: * (لو خرجوا فيكم) * أي: لو خرج هؤلاء معكم إلى الجهاد * (ما زادوكم) * بخروجهم * (إلا خبالا) * أي: فسادا وشرا، وتقديره: ما زادوكم شيئا إلا خبالا * (ولاوضعوا خللكم) * أي: ولسعوا بينكم بالتضريب (1) والنمائم وإفساد ذات البين، يقال: وضع البعير وضعا: إذا أسرع، وأوضعته أنا، والمعنى: ولاوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد: الإسراع بالفساد، لأن الراكب أسرع من الماشي * (يبغونكم الفتنة) * أي: يحاولون (2) أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم، ويفسدوا نياتكم في غزواتكم * (وفيكم سمعون لهم) * أي: عيون نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو: فيكم قوم يسمعون قول المنافقين ويقبلونه ويطيعونهم، يريد من كان ضعيف الإيمان من


(1) في نسخة: بالتفريق. (2) في بعض النسخ: يجادلون بالجيم. (*)

[ 69 ]

جملة المسلمين * (والله عليم بالظلمين) * المصرين على الفساد. * (لقد ابتغوا الفتنة من قبل) * الفتنة: اسم يقع على كل شر وفساد، أي: نصبوا لك الغوائل وسعوا في تشتيت شملك، وعن سعيد بن جبير: وقفوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك على الثنية (1) ليلة العقبة ليفتكوا به وهم اثنا عشر رجلا * (وقلبوا لك الامور) * أي: ودبروا لك الحيل والمكائد، واحتالوا في إبطال أمرك * (حتى جاء الحق) * وهو تأييدك ونصرتك * (وظهر أمر الله) * وغلب دينه وعلا أهله * (وهم كرهون) * في موضع الحال. * (ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكفرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا هو مولينا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52)) * ومن هؤلاء المنافقين * (من يقول ائذن لى) * في القعود عن الجهاد * (ولا تفتني) * ولاتوقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي، فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، وقيل: هو الجد بن قيس (2)، قال: قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلاتفتني ببنات الأصفر، يعني: نساء الروم، ولكني أعينك بمال فاتركني (3) * (ألا في الفتنة سقطوا) * أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة


(1) الثنية: طريق العقبة. (الصحاح: مادة ثنى). (2) هو جد بن قيس بن صخر بن خنساء الأنصاري، كان من المنافقين، تخلف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند بيعة الرضوان. راجع امتاع الأسماء للمقريزي: ج 1 ص 447. (3) قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة. راجع تفسير ابن عباس: ص 159، وتفسير الطبري: ج 6 ص 386 - 387. (*)

[ 70 ]

التخلف * (وإن جهنم لمحيطة بالكفرين) * أي: بهم يوم القيامة، أو محيطة بهم الآن، لأن أسباب إحاطتها بهم معهم، فكأنهم في وسطها. * (إن تصبك) * في بعض غزواتك * (حسنة) * أي: ظفر وغنم ونعمة من الله * (تسؤهم وإن تصبك مصيبة) * شدة وبلية ونكبة، نحو ماكان يوم أحد * (يقولوا قد أخذنا أمرنا) * الذي نحن متسمون به من الحذر والعمل بالحزم * (من قبل) * ما وقع هذا البلاء، وتولوا عن مقام التحدث بذلك والاجتماع له * (وهم فرحون) * مسرورون. وقرأ عبد الله: " هل يصيبنا " (1)، واللام في قوله: * (ماكتب الله لنا) * للاختصاص، أي: * (لن يصيبنا إلا ما) * اختصنا الله بإثباته وإيجابه: من النصرة أو الشهادة، و * (هو مولينا) * يتولانا ونتولاه * (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * أي: وحق المومنين أن لايتوكلوا على غير الله تعالى فليفعلوا ما هو حقهم. * (قل هل تربصون بنآ) * هل تتوقعون * (إلا إحدى الحسنيين) * أي: إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى العواقب، وهما: النصرة والشهادة * (ونحن نتربص بكم) * إحدى السوأتين من العواقب، وإنهما: * (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) * أي: من السماء كما نزل على عاد وثمود * (أو) * بعذاب * (بأيدينا) * وهو القتل على الكفر * (فتربصوا) * بنا ما ذكرنا من عواقبنا * (إنا معكم متربصون) * فلابد أن يلقى كلنا مايتربصه لا يتجاوزه. * (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلوة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم


(1) ذكره الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 278. (*)

[ 71 ]

كرهون (54) فلا تعجبك أموا لهم ولا أولدهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيواة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كفرون (55)) * * (طوعا أو كرها) * حال، أي: طائعين أو مكرهين، وهو أمر في معنى الخبر، والمعنى: * (لن يتقبل منكم) * ما أنفقتم طوعا أو كرها، ونحوه قوله: * (استغفر لهم أولا تستغفر لهم) * (1) وقول كثير (2): أسيئي بنا أو أحسني لاملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت (3) أي: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت إلينا أو أحسنت، وإنما يجوز هذا إذا دل الكلام عليه، كما جاز عكسه في قولك: رحم الله زيدا، أو الله غفر له * (إنكم كنتم قوما فسقين) * تعليل لرد إنفاقهم. * (أنهم كفروا) * فاعل " منع "، أي: لم يمنع المنافقين قبول نفقاتهم إلا كفرهم * (بالله وبرسوله) *، وقرئ: * (تقبل) * بالتاء والياء (4)، والإعجاب بالشئ أن تسر به سرور راض به متعجب من حسنه، والمعنى: فلا تستحسن ماأوتوا من زينة الدنيا، فإن الله أعطاهم ذلك للعذاب، بأن عرضه للغنائم والسبي وبلاهم فيه


(1) التوبة: 80. (2) هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي، شاعر مشهور من أهل الحجاز، وصاحبته عزة وإليها ينسب، وكان عفيفا، قال ابن قتيبة: وكان رافضيا، وقال لما حضرته الوفاة: برئت الى الإله من ابن أروى * ومن دين الخوارج أجمعينا ومن عمر برئت ومن عتيق * غداة دعي أمير المؤمنينا راجع الشعر والشعراء لابن قتيبة: ص 316 - 329. (3) وهي من قصيدة يجيب فيها عزة لما سمعها تسبه حين أرغمها زوجها على ذلك، وهي من منتخبات قصائده، والتزم فيها مالا يلزم الشاعر، وذلك اللام قبل حرف الروى، اقتدارا في الكلام وقوة في الصناعة. راجع ديوان كثير عزة: ص 57. (4) وبالياء قرأه حمزة والكسائي وزيد بن علي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 315، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 53. (*)

[ 72 ]

بالآفات والمصائب، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب الخير * (وهم كرهون) * على رغم أنوفهم، وأذاقهم أنواع الكلف في جمع الأموال وتربية الأولاد. وقوله: * (وتزهق أنفسهم وهم كفرون) * مثل قوله: * (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) * (1) ومعناه: الاستدراج بالنعم، أي: و * (يريد) * أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا * (وهم كفرون) * مشتغلون بالتمتع عن النظر للعاقبة. * (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجا أو مغرا ت أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ومنهم من يلمزك في الصدقت فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منهآ إذا هم يسخطون (58) ولو أنهم رضوا مآءاتيهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله را غبون (59)) * * (لمنكم) * أي: من جملة المسلمين * (يفرقون) * يخافون القتل والأسر فيتظاهرون بالإسلام تقية. * (لو يجدون) * مكانا يلجؤون إليه متحصنين به من رأس جبل أو قلعة * (أو مغرا ت) * أي: غيرانا * (أو مدخلا) * وهو: مفتعل من الدخول، وأصله: " مدتخلا " يبدل التاء بعد الدال دالا، وقرئ: " مدخلا " (2) أي: موضع دخول يأوون إليه ونفقا ينجحرون فيه * (لولوا إليه وهم يجمحون) * يسرعون إسراعا لا يردهم شئ، من الفرس الجموح. * (ومنهم من يلمزك) * أي: يعيبك * (في) * قسمة * (الصدقت) * ويطعن عليك، ثم وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين، و * (إذا) * للمفاجأة، أي: ف‍ * (- إن لم يعطوا منهآ) * فاجأوا السخط.


(1) آل عمران: 178. (2) وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق ومسلمة بن محارب وابن محيصن ويعقوب وابن كثير بخلاف عنه. راجع التبيان: ج 5 ص 240، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 55. (

[ 73 ]

* (ولو أنهم رضوا) * جواب * (لو) * محذوف، تقديره: ولو أنهم رضوا * (مآ) * أعطاهم * (الله ورسوله) * من الغنيمة والصدقة وطابت به نفوسهم * (وقالوا) * مع ذلك: * (حسبنا الله) * سيعطينا * (الله من فضله) * وإنعامه * (ورسوله إنآ إلى الله) * في أن يوسع علينا من فضله ل‍ * (را غبون) * لكان خيرا لهم. * (إنما الصدقت للفقراء والمسكين والعملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغرمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60)) * * (إنما) * لقصر * (الصدقت) * على هذه الأصناف الثمانية، وأنها مختصة بها لا تتجاوزها إلى غيرها، ونحوه: إنما السخاء لحاتم، أي: ليس لغيره، ويحتمل أن تصرف إلى بعضها، وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة أنهم قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزأك (1)، وهو مذهبنا (2)، و " الفقراء " هم: المتعففون الذين لا يسألون * (والمسكين) * الذين يسألون، وقيل بالعكس (3)، والأول أصح، وقيل: الفقير: الذي لا شئ له، والمسكين: الذي له بلغة من العيش لاتكفيه (4)، وقيل بالعكس (5)، * (والعملين عليها) * هم السعاة الذين يقبضونها


(1) انظر تفسير الطبري: ج 6 ص 404 ح 16902 و 16903 و 16907، وتفسير القرطبي: ج 8 ص 168 وزاد: وقال به من التابعين جماعة. (2) راجع الخلاف للشيخ الطوسي: ج 2 ص 154 مسألة 196. (3) رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع التبيان: ج 5 ص 243. (4) وهو قول الشيخ الطوسي وابن البراج وابن حمزة وابن إدريس، وبه قال الأصمعي وأحمد ابن حنبل وأحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه وأحمد بن عبيد وحكاه الطحاوي عن الكوفيين. انظر الجمل والعقود للشيخ الطوسي: ص 103، ومختلف الشيعة للعلامة: ج 3 ص 198، وتفسير القرطبي: ج 8 ص 169. (5) وهو قول الشيخ المفيد وابن الجنيد وسلار، وبه قال أبو حنيفة ويونس بن حبيب وابن = (*)

[ 74 ]

* (والمؤلفة قلوبهم) * أشراف من العرب كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتألفهم على أن يسلموا فيرضخ (1) لهم شيئا منها حين كان في المسلمين قلة، و * (الرقاب) * المكاتبون يعانون منها في فك رقابهم من الرق، والعبيد إذا كانوا في شدة يشترون ويعتقون ويكون ولاؤهم لأرباب الزكاة * (والغرمين) * وهم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا إسراف * (وفي سبيل الله) * وهو الجهاد وجميع مصالح المسلمين * (وابن السبيل) * وهو المسافر المنقطع به عن ماله فهو فقير حيث هو، غني حيث ماله * (فريضة) * في معنى المصدر المؤكد، لأن قوله: * (إنما الصدقت للفقراء) * معناه: فرض الله الصدقات لهم، وإنما عدل عن " اللام " إلى " في " في الأربعة الأخيرة ليدل على أنهم أحق بأن توضع فيهم الصدقات ممن سبق ذكره، لأن " في " للوعاء. وإنما وقعت الآية في أثناء ذكر المنافقين لتدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة، على أن أهل النفاق ليسوا من مستحقيها، وأنهم بعداء من مصارفها، فما لهم وللتكلم فيها ولمن قاسمها ؟ ! * (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خلدا فيها ذلك الخزى العظيم (63)) * الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد، سمي بالعضو


= السكيت وابن قتيبة والقتبي. انظر المقنعة للشيخ المفيد: ص 241، ومختلف الشيعة للعلامة: ج 3 ص 198 عن ابن الجنيد، وتفسير القرطبي: ج 8 ص 168. (1) الرضخ: العطاء ليس بالكثير. (الصحاح: مادة رضخ). (*)

[ 75 ]

الذي هو آلة السماع، كأن جملته أذن سامعة كما سموا الربيئة (1) بالعين، و * (أذن خير) * كقولك: رجل صدق، تريد الجودة والصلاح، كأنه سبحانه قال: * (قل) * نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، أو يريد: هو أذن في الخير وفيما يجب سماعه، وليس بأذن في غير ذلك، ويدل عليه قراءة حمزة: " ورحمة " (2) بالجر عطفا عليه، أي: هو أذن خير لكم ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله. ثم فسر كونه أذن خير بأنه يصدق * (بالله) * ويقبل من * (المؤمنين) * ويصدقهم فيما يخبرونه به، ولهذا عدي الأول بالباء والثاني باللام، كما في قوله: * (وما أنت بمؤمن لنا) * (3)، * (و) * هو * (رحمة) * لمن آمن * (منكم) * أي: أظهر الإيمان أيها المنافقون، حيث يسمع منكم ويقبل إيمانكم ولايفضحكم مراعاة لما رأى الله سبحانه من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن كما قلتم إلا أنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه، إلا أنه فسر بما هو مدح له وإن كانوا قصدوا به المذمة، وأنه من أهل سلامة القلب. وروي: أن جماعة ذموه وبلغه ذلك، فقال بعضهم: لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة، يسمع كلام المبلغ ونحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا أيضا (4). وقرئ: " أذن خير لكم " (5) وهو خبر مبتدأ محذوف، و " خير " مثله، أي: هو أذن، هو خير لكم، يعني: إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنه يقبل عذركم


(1) ربأهم ولهم: صار ربيئة لهم أي طليعة، وطليعة الجيش: من يبعث ليطلع طلع العدو. (الصحاح: مادة ربأ). (2) انظر الكشف عن وجوه القراءات السبع للقيسي: ج 1 ص 503. (3) يوسف: 17. (4) رواه ابن عباس. راجع تفسيره: ص 160. (5) قرأه الحسن ومجاهد وزيد بن علي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم. راجع تفسير القرطبي: ج 8 ص 192، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 63. (*)

[ 76 ]

ولا يكافئكم على سوء دخلتكم (1). * (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) * الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويحلفون ليرضوا عنهم، فقيل لهم: * (إن) * كنتم * (مؤمنين) * كما تزعمون فأحق من أرضيتم * (الله ورسوله) * بالطاعة والموافقة، وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورسوله، فهما في حكم مرضى واحد، أو: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. المحادة: مفاعلة من الحد، أي: المنع * (فأن له) * أي: فحق أن له * (نار جهنم) *، ويجوز أن يكون * (فأن له) * معطوفا على * (أنه) * على أن جواب * (من) * محذوف، والتقدير: * (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله) * يهلك * (فأن له نار جهنم) *. * (يحذر المنفقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ماتحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزءون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66)) * كانوا يستهزئون بالإسلام وأهله وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم، والضمير في * (عليهم) * و * (تنبئهم) * للمؤمنين، وفي * (قلوبهم) * للمنافقين، وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه، ويجوز أن يكون الضمير في الكل للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، والمعنى: أنها تذيع أسرارهم فكأنها تخبرهم بها، وقيل: معناه ليحذر * (المنفقون) * على الأمر (2)، * (قل استهزءوا) *


(1) داخلة الرجل ودخلته: باطن أمره. (الصحاح: مادة دخل). (2) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 2 ص 459. (*)

[ 77 ]

وعيد بلفظ الأمر * (إن الله مخرج) * أي: مظهر * (ماتحذرون) * إظهاره من نفاقكم. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يسير منصرفه من غزوة تبوك وبين يديه أربعة نفر يسيرون ويضحكون ويقولون: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأخبره جبرئيل (عليه السلام) بذلك، فقال (صلى الله عليه وآله) لعمار: إن هؤلاء يستهزئون بي وبالقرآن * (ولئن سألتهم ليقولن) *: * (كنا) * نتحدث بحديث الركب، فاتبعهم عمار وقال لهم: مم تضحكون ؟ قالوا: كنا نتحدث بحديث الركب، فقال عمار: صدق الله ورسوله احترقتم أحرقكم الله، فأقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعتذرون، فنزلت الآيات (1). وقيل: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: * (إنما كنا نخوض ونلعب) * (2). * (لا تعتذروا) * لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لاتنفعكم بعد ظهور أسراركم * (قد كفرتم) * قد أظهرتم كفركم * (بعد) * إظهاركم الإيمان * (إن نعف عن طائفة منكم) * بإحداثهم الإيمان بعد النفاق * (نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) * مصرين على النفاق، أو: إن نعف عن طائفة منكم لم يؤذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يستهزئوا به نعذب طائفة بأنهم كانوا مؤذين لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مستهزئين، وقرئ: " إن يعف عن طائفة يعذب طائفة " على البناء للفاعل (3) وهو الله عزوجل. * (المنفقون والمنفقت بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنفقين هم


(1) انظر أسباب النزول للواحدي: ص 207. (2) رواه العياشي في تفسيره: ج 2 ص 95 ح 84 عن الباقر (عليه السلام)، وفي البحر المحيط: ج 5 ص 66 عن ابن كيسان وفيه: " جماعة " بدل " اثني عشر رجلا ". (3) قرأه عاصم الجحدري. راجع إعراب القرآن للنحاس: ج 2 ص 226. (*)

[ 78 ]

الفسقون (67) وعد الله المنفقين والمنفقت والكفار نار جهنم خلدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموا لا وأولدا فاستمتعوا بخلقهم فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعملهم في الدنيا والاخرة وأولئك هم الخسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحب مدين والمؤتفكت أتتهم رسلهم بالبينت فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70)) * * (بعضهم من) * جملة * (بعض) * وبعضهم مضاف إلى بعض وهو تكذيب لهم فيما حلفوا: * (إنهم لمنكم) * (1)، وتحقيق لقوله: * (وماهم منكم) * (2)، ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين بقوله: * (يأمرون بالمنكر) * وهو الكفر والمعاصي * (وينهون عن المعروف) * من: الإيمان والطاعات * (ويقبضون أيديهم) * شحا بالخيرات والصدقات والإنفاق في سبيل الله * (نسوا الله) * أغفلوا ذكره * (فنسيهم) * فتركهم عن رحمته وفضله * (إن المنفقين هم الفسقون) * هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير. * (خلدين فيها) * أي: مقدرا لهم الخلود فيها * (هي حسبهم) * دلالة على عظم عذابها، وأنه لا شئ أبلغ منه، نعوذ بالله منها * (ولعنهم الله) * أبعدهم من خيره وأهانهم * (ولهم عذاب مقيم) * سوى الصلي بالنار، دائم كعذاب النار، أو: * (عذاب مقيم) * معهم في العاجل لا ينفكون منه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق وما يخافونه أبدا من الفضيحة. ومحل الكاف رفع تقديره: أنتم مثل * (الذين من قبلكم) *، أو نصب تقديره:


(1 و 2) الآية 56 المتقدمة. (*)

[ 79 ]

فعلتم مثل فعل * (الذين من قبلكم) * وهو أنكم استمتعتم وخضتم كما استمتعوا وخاضوا، وقوله: * (كانوا أشد منكم) * تفسير لتشبيههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، والخلاق: النصيب، وهو ما خلق للإنسان أي: قدر، كما قيل: له قسم ونصيب، لانه قسم له ونصب أي: أثبت * (وخضتم) * أي: دخلتم في الباطل واللهو * (كالذي خاضوا) * كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوا، وعن ابن عباس: هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه (1). * (وأصحب مدين) * قوم شعيب * (والمؤتفكت) * مدائن قوم لوط أهلكها الله بالخسف وقلبها عليهم، من الإفك وهو القلب والصرف * (فما كان الله ليظلمهم) * فما صح منه أن يظلمهم، لأنه حكيم لا يجوز أن يفعل القبيح ويعاقب بغير جرم * (ولكن) * ظلموا * (أنفسهم) * بالكفر فاستحقوا العقاب. * (والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنت جنت تجري من تحتها الانهر خلدين فيها ومسكن طيبة في جنت عدن ورضوا ن من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) يأيها النبي جهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم ومأوبهم جهنم وبئس المصير (73)) * * (بعضهم أولياء بعض) * في مقابلة قوله: * (بعضهم من بعض) * (2) أي: يلزم


(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 255. (2) الآية 67 المتقدمة. (*)

[ 80 ]

كل واحد منهم موالاة بعض ونصرته، وهم يد واحدة على من سواهم * (سيرحمهم الله) * السين تفيد وجود الرحمة لا محالة وتؤكد الوعد، ونحوه: * (سيجعل لهم الرحمن ودا) * (1)، و * (سوف يؤتيهم أجورهم) * (2)، * (عزيز) * غالب على كل شئ قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب * (حكيم) * واضع كل شئ موضعه. * (ومسكن طيبة) * يطيب العيش فيها، بناها الله من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، و * (عدن) * علم بدليل قوله: * (جنت عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب) * (3)، ويدل عليه ما رواه أبو الدرداء (4) عن النبي (صلى الله عليه وآله): " عدن: دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء، يقول الله عزوجل: طوبى لمن دخلك " (5)، وقيل: هي مدينة في الجنة (6)، * (ورضوا ن من الله) * أي: وشئ من رضوان الله * (أكبر) * من ذلك كله، لأن رضاه سبب كل سعادة وموجب كل فوز، وبه ينال تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب * (ذلك) * إشارة إلى ما وعد الله أو إلى الرضوان، أي: * (هو الفوز العظيم) * وحده دون ما يعده الناس فوزا. * (جهد الكفار) * بالسيف * (والمنفقين) * بالحجة. الصادق (عليه السلام): " جاهد الكفار بالمنافقين " وقال: " هل سمعتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاتل منافقا ؟ إنما كان يتألفهم " (7).


(1) مريم: 96. (2) النساء: 152. (3) مريم: 61. (4) هو عويمر بن زيد الأنصاري الخزرجي، وكان آخر أهل داره إسلاما، شهد احد، وكان عالم أهل الشام ومقرئ أهل دمشق وقاضيهم، مات فيها سنة اثنتين وثلاثين. انظر المعارف لابن قتيبة: ص 268. (5) أخرجه الطبري باسناده في تفسيره: ج 6 ص 416 ح 16958. (6) قاله الضحاك كما في تفسير الطبري: ج 6 ص 418 ح 16972. (7) التبيان: ج 5 ص 260 وج 10 ص 52 وفيه: هي قراءة أهل البيت (عليهم السلام). (*)

[ 81 ]

* (واغلظ عليهم) * ولاتحابهم، وعن الحسن: جهاد المنافقين إقامة الحدود عليهم (1). * (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلمهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغنيهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والاخرة ومالهم في الارض من ولى ولا نصير (74)) * حلفوا * (بالله ما قالوا) * ما حكي عنهم * (ولقد قالوا كلمة الكفر) * وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام * (وهموا بما لم ينالوا) * وهموا بالفتك برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك عند مرجعه من تبوك، تواثق اثنا عشر رجلا - وقيل: خمسة عشر - على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر بخطام ناقته يقودها، وحذيفة خلفها يسوقها، فبينا هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثمون، فقال: إليكم يا أعداء الله، وضرب وجوه رواحلهم حتى نحاهم، فلما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لحذيفة: من عرفت منهم ؟ قال: لم أعرف منهم أحدا، فقال (صلى الله عليه وآله): إنه فلان وفلان، حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تقتلهم يارسول الله ؟ فقال: أكره أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم (2). وعن الباقر (عليه السلام): " كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب " (3). * (وما نقموا) * أي: وما أنكروا وماعابوا * (إلا أن أغنيهم الله ورسوله من


(1) تفسير الحسن البصري: ج 1 ص 420. (2) رواها الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 291، والرازي في تفسيره: ج 16 ص 136. (3) أورده الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 261. (*)

[ 82 ]

فضله) * والمعنى: أنهم جعلوا موضع شكر النعمة كفرانها، وكان الواجب عليهم أن يقابلوها بالشكر. * (ومنهم من عهد الله لئن ءاتينا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصلحين (75) فلمآ ءاتيهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجوبهم وأن الله علم الغيوب (78)) * هو ثعلبة بن حاطب قال: يارسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت كما ينمي الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المصدق (1) ليأخذ الصدقة فأبى وبخل، فقال: وما هذه إلا أخت الجزية، فقال: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة. * (فأعقبهم) * عن الحسن: أن الضمير للبخل (2)، فأورثهم البخل * (نفاقا) * متمكنا * (في قلوبهم) * لأنه كان سببا فيه وداعيا إليه، والظاهر أن الضمير لله عزوجل، أي: فخذلهم حتى نافقوا وتمكن النفاق في قلوبهم فلا ينفك عنها حتى يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح، وبكونهم كاذبين، ومنه جعل خلف الموعد ثلث النفاق. وعن علي (عليه السلام): * (سرهم ونجوبهم) *: " ماأسروه من النفاق والعزم على


(1) المصدق: الذي يأخذ صدقات الغنم. (الصحاح: مادة صدق). (2) تفسير الحسن البصري: ج 1 ص 423. (*)

[ 83 ]

إخلاف ما وعدوه، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية " (1). * (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقت والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفسقين (80)) * * (الذين يلمزون) * في محل النصب أو الرفع على الذم، والمطوع: المتبرع، وأصله: المتطوع، أي: يعيبون المتطوعين بالصدقة * (من المؤمنين) * ويطعنون عليهم * (في الصدقت و) * يعيبون * (الذين لا يجدون إلا) * طاقتهم فيتصدقون بالقليل * (فيسخرون منهم) * ويستهزئون * (سخر الله منهم) * هو مثل قوله: * (الله يستهزئ بهم) * (2) في أنه خبر غير دعاء. وقوله: * (استغفر لهم) * أمر في معنى الخبر، والمعنى: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وفيه معنى الشرط، و " السبعون " جار في كلامهم مجرى المثل للتكثير (3)، قال علي (عليه السلام): لاصبحن العاص وابن العاصي * سبعين ألفا عاقدي النواصي (4)


(1) أخرجه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 293. (2) البقرة: 15. (3) قال الشيخ الطوسي (قدس سره): وتعليق الاستغفار بالسبعين مرة، والمراد به المبالغة لا العدد المخصوص، ويجري ذلك مجرى قول القائل: لو قلت ألف مرة ما قبلت، والمراد بذلك أنني لا أقبل منك، وكذلك الآية المراد بها نفي الغفران جملة. (التبيان: ج 5 ص 267 - 268). (4) أنشده (عليه السلام) في عمرو بن العاص، يقول: لاغازين الرجل العاصي عمرا بسبعين ألفا من الخيل عاقدي نواصيها، وعقد الناصية من أمارات الشجاعة والاشاحة في القتال. راجع الديوان المنسوب له (عليه السلام): ص 58 وفيه: " لأوردن " بدل " لاصبحن ". (*

[ 84 ]

* (فرح المخلفون بمقعدهم خلف رسول الله وكرهوا أن يجهدوا بأموا لهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقتلوا معى عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخلفين (83)) * * (فرح المخلفون) * الذين خلفهم النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يخرجهم معه إلى تبوك، لما استأذنوه في التأخر فأذن لهم * (بمقعدهم) * بقعودهم عن الغزو، و * (خلف رسول الله) *: خلفه، يقال: أقام خلاف الحي أي: بعدهم، وقيل: هو بمعنى المخالفة، لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض (1)، وانتصب بأنه مفعول له أو حال، أي: قعدوا لمخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو مخالفين له * (وكرهوا أن يجهدوا بأموا لهم وأنفسهم) * هو تعريض بالمؤمنين وبتحملهم المشاق العظيمة لوجه الله في بذل أموالهم ونفوسهم * (وقالوا) * لهم أو قال بعضهم لبعض: لا تخرجوا إلى الغزو * (في) * هذا * (الحر قل نار جهنم أشد حرا) * استجهال لهم، فإن من تصون من مشقة ساعة فوقع بذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل. * (فليضحكوا قليلا) * معناه: فسيضحكون قليلا ويبكون * (كثيرا جزاء) * إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره. وإنما قال: * (إلى طائفة منهم) * لأن منهم من تاب وندم على التخلف أو اعتذر بعذر صحيح * (فاستذنوك للخروج) * إلى غزوة بعد غزوة تبوك * (أول مرة) * هي الخرجة إلى غزوة تبوك * (مع الخلفين) * مر تفسيره.


(1) قاله الأخفش في معاني القرآن: ج 2 ص 558. (*)

[ 85 ]

* (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فسقون (84) ولا تعجبك أموا لهم وأولدهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كفرون (85)) * * (مات) * صفة ل‍ * (أحد) *، وإنما قيل بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير الكون والوجود، لأنه كائن موجود لا محالة * (إنهم كفروا) * تعليل للنهي، وكان (صلى الله عليه وآله) يصلي عليهم ويجريهم على أحكام المسلمين، وكان إذا صلى على ميت وقف على قبره ساعة ويدعو له، فنهي عن الأمرين بسبب كفرهم بالله وموتهم على النفاق. وأعيد قوله: * (ولا تعجبك أموا لهم) * لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده لاسيما إذا تراخى مابين النزولين، ويجوز أن يكون النزولان في فريقين من المنافقين. * (وإذآ أنزلت سورة أن ءامنوا بالله وجهدوا مع رسوله استذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين ءامنوا معه جهدوا بأموا لهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرا ت وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنت تجري من تحتها الانهر خلدين فيها ذلك الفوز العظيم (89)) * يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه * (أن ءامنوا) * هي " أن " المفسرة * (أولوا الطول) * ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولا * (مع القعدين) * الذين لهم عذر في التخلف. * (رضوا بأن يكونوا مع الخوا لف) * وهم النساء والصبيان والمرضى * (فهم لا يفقهون) *

[ 86 ]

ما في الجهاد من السعادة والفوز، وما في التخلف من الشقاوة. * (لكن الرسول) * إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو مع المؤمنين، ونحوه: * (فإن يكفر بها هؤلاء) * الآية (1) * (الخيرا ت) * الجنة ونعيمها، وقيل: منافع الدارين (2). * (وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90)) * * (المعذرون) * المقصرون، من عذر في الأمر: إذا توانى ولم يجد فيه، وحقيقته: أن يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولاعذر له، أو: " المعتذرون " بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين، ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها لاتباع الميم ولكن لم يثبت بهما قراءة، وهم: الذين يعتذرون بالباطل، وقرئ: " المعذرون " بالتخفيف (3) وهو الذي يجتهد في العذر ويبالغ فيه * (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) * في ادعائهم الإيمان، فلم يجيئوا ولم يعتذروا، وعن أبي عمرو بن العلاء (4): كلا الفريقين كان مسيئا: جاء فريق فعذروا وجنح آخرون فقعدوا (5) * (سيصيب الذين كفروا منهم) * من الأعراب * (عذاب أليم) * بالقتل في


(1) الأنعام: 89. (2) قاله الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 300. (3) وهي قراءة ابن عباس وزيد بن علي والضحاك ومجاهد والأعرج وأبي صالح وعيسى بن هلال ويعقوب وقتيبة والكسائي في رواية. راجع تفسير القرطبي: ج 8 ص 224، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 84. (4) هو زبان بن العلاء، أبو عمرو التميمي المازني البصري، أحد القراء السبعة، وأحد أئمة اللغة والأدب، ولد بمكة، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة، سمع أنس، وقرأ على الحسن البصري والأعرج وأبي العالية ومجاهد وعاصم وابن كثير، توفي سنة 155 ه‍، انظر غاية النهاية لابن الجوزي: ج 1 ص 288. (5) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 318 - 319. (*)

[ 87 ]

الدنيا وبالنار في الآخرة. * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين يستذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93)) * * (الضعفاء) * الزمنى (1) والهرمى، و * (الذين لا يجدون) * الفقراء، والنصح * (لله ورسوله) *: الإيمان والطاعة في السر والعلانية * (ما على المحسنين) * أي: المعذورين الناصحين * (من سبيل) * ومعنى لاسبيل عليهم: لا جناح عليهم ولا طريق للعاتب عليهم. * (قلت لا أجد) * حال من الكاف في * (أتوك) * " وقد " مضمر قبله، والمعنى: ولا على الذين إذا ما أتوك وأنت قائل: لا أجده * (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع) *، و * (من) * للبيان، والجار والمجرور في محل النصب على التمييز، أي: تفيض دمعا، وهو أبلغ من قولك: يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأنها كلها دمع فائض * (ألا يجدوا) * أي: لأن لا يجدوا، ومحله نصب لأنه مفعول له وناصبه المفعول له الذي هو * (حزنا) *. و * (رضوا) * استئناف، كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا * (وهم أغنياء) * فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة * (الخوالف وطبع الله على قلوبهم) * يعني: أن السبب في استئذانهم رضاهم بالدناءة وخذلان الله إياهم.


(1) زمن الشخص زمنا وزمانة: إذا مرض مرضا يدوم زمانا طويلا. (المصباح المنير: مادة زمن). (*)

[ 88 ]

* (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأوبهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفسقين (96)) * * (لن نؤمن لكم) * علة للنهي عن الاعتذار، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب فينبغي أن يترك الاعتذار، وقوله: * (قد نبأنا الله من أخباركم) * علة لانتفاء تصديقهم، لأن الله سبحانه إذا أعلم بأخبارهم وأحوالهم وأسرارهم لم يستقم تصديقهم في معاذيرهم * (وسيرى الله عملكم) * أتتوبون أم تثبتون على كفركم ؟ * (ثم تردون) * إليه وهو * (علم) * كل غيب وشهادة وسر وعلن، فيجازيكم على حسب ذلك. * (لتعرضوا عنهم) * لتصفحوا عن جرمهم ولا توبخوهم * (فأعرضوا عنهم) * فأعطوهم طلبتهم * (إنهم رجس) * تعليل لترك معاتبتهم، والمراد: أن العتاب لا ينجع فيهم ولايصلحهم، إنما يعاتب الأديم ذو البشرة، ويوبخ المؤمن على الزلة ليطهره التوبيخ بالحمل على التوبة، وهؤلاء أرجاس لاسبيل إلى تطهيرهم. * (لترضوا عنهم) * أي: غرضهم في الحلف طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم، ولا ينفعهم رضاكم إذا كان الله ساخطا عليهم. * (الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوآئر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98)

[ 89 ]

ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربت عند الله وصلوا ت الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99)) * * (الاعراب) * أهل البدو * (أشد كفرا ونفاقا) * من أهل الحضر لقسوة قلوبهم وجفائهم، ونشوئهم في بعد من مشاهدة العلماء وسماع التنزيل * (وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله) * من الشرائع والأحكام * (والله عليم) * بحال أهل الوبر والمدر * (حكيم) * فيما يحكم به عليهم. * (مغرما) * أي: غرامة وخسرانا، فلا ينفق إلا تقية من أهل الإسلام ورئاء، لا لوجه الله * (ويتربص بكم) * دوائر الزمان وحوادث الأيام، ليذهب غلبتكم عليه فيتخلص من إعطاء الصدقة * (عليهم دائرة السوء) * دعاء معترض، وقرئ: " السوء " بالضم (1) وهو العذاب، و * (السوء) * بالفتح ذم للدائرة، كما يقال: رجل سوء، ونقيضه رجل صدق، قال: وكنت كذئب السوء لما رأى دما * بصاحبه يوما أحال على الدم (2) * (والله سميع) * لاقوالهم * (عليم) * بأحوالهم. * (قربت) * مفعول ثان ل‍ * (يتخذ) * والمعنى: أن ما ينفقه سبب لحصول القربات * (عند الله وصلوا ت الرسول) *، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، كقوله: " اللهم صل على آل أبي أوفي " (3) لما أتاه أبو أوفي بصدقته،


(1) وهي قراءة شبل عن ابن كثير وأبي عمرو وابن محيصن. راجع التبيان: ج 5 ص 284، وكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 316. (2) قائله الفرزدق، وهو يذم صاحبا له ويصفه في الجفاء بأنه كذئب السوء. راجع ديوان الفرزدق: ج 2 ص 366. (3) انظر صحيح البخاري: ج 2 ص 159 وج 8 ص 90 و 96. (*)

[ 90 ]

فلما كان ما ينفق سببا لذلك قيل: * (يتخذ ما ينفق قربت... وصلوا ت) *، * (ألا إنها قربة لهم) * هذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقده من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتحققه، و * (سيدخلهم الله) * كذلك لما في السين من تحقق الوعد، وقرئ: " قربة " بضم الراء (1). * (والسبقون الاولون من المهجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسن رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنت تجري تحتها الانهر خلدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100)) * * (السبقون الاولون من المهجرين) * هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: الذين شهدوا بدرا (2)، * (و) * من * (الانصار) * أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا اثني عشر رجلا، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلا، والذين آمنوا حين قدم عليهم مصعب بن عمير فعلمهم القرآن، وقرئ: " الانصار " بالرفع (3) عطفا على * (والسبقون) *، وارتفع * (السبقون) * بالابتداء وخبره * (رضى الله عنهم) *، وقرأ ابن كثير (4): " من تحتها " (5).


(1) وهي قراءة نافع برواية ورش وإسماعيل والمفضل. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 317. (2) قاله عطاء بن أبي رباح كما في تفسير الماوردي: ج 2 ص 395. (3) قرأه عمر بن الخطاب والحسن وقتادة ويعقوب وعيسى الكوفي وسلام وسعيد بن ابي سعيد وطلحة. راجع التبيان: ج 5 ص 287، وإعراب القرآن للنحاس: ج 2 ص 232، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 92. (4) هو أبو بكر عبد الله بن كثير، أحد القراء السبعة، ولد عام 45 ه‍ في مكة، وينتسب الى اسرة فارسية هاجرت الى اليمن، ولقب بالداري أو الداراني لأنه كان يعمل عطارا، وقد كان قاضي الجماعة بمكة، توفي بها عام 120 ه‍. انظر دائرة المعارف الإسلامية: ج 1 ص 269. (5) حكاها عنه الشيخ في التبيان: ج 5 ص 287. (*)

[ 91 ]

* (وممن حولكم من الاعراب منفقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صلحا وءاخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) * (102) ومن جملة من حول بلدتكم وهي المدينة * (من الاعراب) * الذين يسكنون البدو * (منفقون) * وهم جهينة وأسلم وغفار وأشجع ومزينة، كانوا نازلين حول المدينة * (ومن أهل المدينة) * عطف على خبر المبتدأ الذي هو * (ممن حولكم) *، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت: ومن أهل المدينة قوم * (مردوا على النفاق) * على أن يكون * (مردوا) * صفة موصوف محذوف كقوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا (1) أي: ابن رجل وضح أمره، و * (مردوا على النفاق) * تمهروا فيه، من قولهم: مرد فلان على عمله، ومرد عليه: إذا درب به حتى لان عليه ومهر فيه، ودل على مهارتهم فيه بقوله: * (لا تعلمهم) * أي: يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوقهم (2) في تحامي (3) ما يشكك في أمرهم، ثم قال: * (نحن نعلمهم) * أي: لايعلمهم إلا الله المطلع على البواطن، لأنهم يبطنون الكفر في ضمائرهم ويظهرون لك الإيمان وظاهر الإخلاص الذي لا تشك معه في أمرهم * (سنعذبهم مرتين) * هما: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، وعذاب القبر


(1) وعجزه: متى أضع العمامة تعرفونني. والبيت منسوب تارة لسحيم بن وثيل الرياحي وكان عبدا حبشيا، وتارة للمثقب العبدي، واخرى للعرجي. وهو من باب المفاخرة بالشجاعة والبطولة في الصولات في ميدان القتال، وفيه استعارة على سبيل التصريح. راجع شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 76. (2) تنوق في الأمر: تجود وبالغ فيه. (القاموس المحيط: مادة نوق). (3) تحاماه الناس: أي توقوه واجتنبوه. (الصحاح: مادة حمى). (*)

[ 92 ]

* (ثم يردون إلى عذاب عظيم) * في النار. * (وءاخرون اعترفوا بذنوبهم) * ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، وهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن حذام، وثعلبة بن وديعة (1) * (خلطوا عملا صلحا وءاخر سيئا) * فيه دلالة على بطلان القول بالإحباط لأنه لو كان أحد العملين محبطا لم يكن لقوله: * (خلطوا) * معنى، لأن الخلط يستعمل في الجمع مع الامتزاج كخلط الماء واللبن، وبغير امتزاج كخلط الدنانير والدراهم * (وءاخر) * أي: وعملا آخر. * (خذ من أموا لهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوا تك سكن لهم والله سميع عليم (103) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقت وأن الله هو التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (105)) * * (تطهرهم) * صفة ل‍ * (صدقة) *، والتاء فيه للخطاب أو للتأنيث، أي: * (صدقة تطهرهم) * أنت * (وتزكيهم بها) * فيكون كلا الفعلين مسندا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، أو * (صدقة تطهرهم) * تلك الصدقة * (وتزكيهم) * أنت * (بها) * أي: تنسبهم إلى الزكاة، والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال * (وصل عليهم) * أي: وترحم عليهم بالدعاء لهم بقبول صدقاتهم * (إن صلوتك سكن لهم) * إن دعواتك يسكنون إليها وتطمئن قلوبهم بها * (والله سميع) * يسمع


(1) قال الشيخ الطوسي: روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن غزوة تبوك فيهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم الى سواري المسجد الى أن قبلت توبتهم، وقيل: كانوا سبعة منهم أبو لبابة، وقال أبو جعفر (عليه السلام): نزلت في أبي لبابة، ولم يذكر غيره، وبه قال مجاهد والزهري وأكثر المفسرين. انظر التبيان: ج 5 ص 290. (*)

[ 93 ]

دعاءك لهم * (عليم) * يعلم ما يكون منهم، وقرئ: * (صلوتك) * على التوحيد هنا وفي هود (1). * (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة) * إذا صحت * (و) * يقبل * (الصدقت) * إذا صدرت عن خلوص النية، و * (هو) * للتخصيص والتأكيد، و * (أن الله) * من شأنه قبول توبة التائبين. * (وقل) * لهؤلاء التائبين: * (اعملوا) * فإن * (عملكم) * لا يخفي على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين، خيرا كان أو شرا. وروى أصحابنا: أن أعمال الأمة تعرض على النبي (صلى الله عليه وآله) في كل اثنين وخميس فيعرفها، وكذلك تعرض على الأئمة القائمين مقامه وهم المعنيون بقوله: * (والمؤمنون) * (2). * (وستردون) * سترجعون * (إلى) * الله الذي يعلم السر والعلانية * (فينبئكم) * بأعمالكم ويجازيكم عليها. * (وءاخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106)) * قرئ: * (مرجون) * و " مرجؤون " (3) من أرجيته وأرجأته: إذا أخرته، أي: * (وءاخرون) * من المتخلفين موقوف أمرهم: * (إما) * أن * (يعذبهم) * الله إن بقوا على الإصرار ولم يتوبوا، * (وإما) * أن * (يتوب عليهم) * إن تابوا، وهم ثلاثة: كعب ابن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه أن


(1) الآية: 87 ويظهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا على الجمع تبعا للزمخشري. (2) راجع بصائر الدرجات للصفار: ص 424 باب 4 و 5 و 6، والكافي: ج 1 ص 219 باب عرض الأعمال على النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). (3) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 1 ص 506. (*)

[ 94 ]

لايكلموهم ففعلوا ذلك، ثم تاب الله عليهم بعد خمسين يوما، وتصدق كعب بثلث ماله شكرا لله على توبته. * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنينه على تقوى من الله ورضوا ن خير أم من أسس بنينه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظلمين (109) لا يزال بنينهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110)) * قرأ أهل المدينة والشام: " الذين اتخذوا " بغير واو (1)، وكذلك هو في مصاحفهم (2) لأنها قصة برأسها. روي: أن بني عمرو بن عوف (3) لما بنوا مسجد قباء وصلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف (4) وقالوا: نبني مسجدا نصلي فيه ولانحضر جماعة محمد، فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، وقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يتجهز إلى تبوك: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال (صلى الله عليه وآله): " إني على جناح سفر "، ولما انصرف من تبوك نزلت (5)، فأرسل من هدم المسجد وأحرقه، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة (6).


(1) انظر التبيان: ج 5 ص 297. (2) انظر الكشاف: ج 2 ص 309. (3) هم بطن من الأوس من الأزد، من القحطانية. (انظر معجم قبائل العرب: ج 2 ص 834). (4) وهم بطن من الخزرج من الأزد، من القحطانية. (انظر المصدر السابق: ج 3 ص 894). (5) أي نزلت هذه الآية. (6) رواها ابن كثير في تفسيره: ج 2 ص 371. (*)

[ 95 ]

* (ضرارا) * مضارة لإخوانهم: أصحاب مسجد قباء، معازة (1) * (وكفرا) * وتقوية للنفاق * (وتفريقا بين المؤمنين) * لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم * (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) * أي: وإعدادا لأجل من حارب الله ورسوله وهو أبو عامر الراهب (2)، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم النبي المدينة حسده وحزب عليه الأحزاب، ثم هرب بعد فتح مكة وخرج إلى الروم وتنصر، وهو أبو " حنظلة " غسيل الملائكة (3)، قتل يوم أحد وكان جنبا فغسلته الملائكة، وكان هؤلاء يتوقعون رجوع أبي عامر إليهم، وأعدوا هذا المسجد له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويتعلق * (من قبل) * ب‍ * (اتخذوا) * أي: اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف، أو يتعلق ب‍ * (حارب) * أي: لأجل من حارب الله ورسوله من قبل أن يتخذوا المسجد * (وليحلفن) * يعني هؤلاء المنافقين: ما * (أردنا إلا) * الفعلة * (الحسنى) * أو الإرادة الحسنى وهي: الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين. * (لا تقم فيه أبدا) * أي: لا تصل فيه أبدا، يقال: فلان يقوم بالليل أي: يصلي * (لمسجد أسس على التقوى) * هو مسجد قباء أسسه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وقيل: هو مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة (4) * (من أول يوم) * من أيام وجوده * (أحق أن تقوم فيه) * أي: أولى بأن تصلي فيه * (فيه رجال يحبون


(1) عازه معازة: إذا عارضه في العزة. (لسان العرب: مادة عزز). (2) هو أبو عامر عمرو بن صيفي الراهب الذي كان منافقا ومخالفا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان رأس المنافقين الذين أرادوا أن يلقوا النبي (صلى الله عليه وآله) من الثنية في غزوة تبوك، وله بني مسجد ضرار، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة. انظر الاستيعاب: ج 1 ص 380. (3) هو حنظلة بن أبي عامر المعروف بغسيل الملائكة، قتل يوم احد شهيدا، قتله أبو سفيان بن حرب وقال: حنظلة بحنظلة، يعني بابنه حنظلة المقتول ببدر. انظر الاستيعاب: ج 1 ص 381. (4) قاله ابن عمر وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري كما في تفسير الماوردي: ج 2 ص 402. (*)

[ 96 ]

أن يتطهروا) * روي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لهم: إن الله عزوجل قد أثنى عليكم فماذا تفعلون في طهوركم ؟ قالوا: نغسل أثر الغائط، فقال: أنزل الله فيكم: * (والله يحب المطهرين) * (1) أي: المتطهرين، ومحبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه، ومحبة الله إياهم: أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه. وقرئ: * (أسس بنينه) * و " أسس بنيانه " (2)، وفي الشواذ: " أسس بنيانه " على الإضافة (3)، وهو جمع أساس، والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه * (على) * قاعدة محكمة وهي الحق الذي هو * (تقوى... الله) * ورضوانه * (خير أم من) * أسسه * (على) * قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل * (شفا جرف هار) * في قلة الثبات، والشفا: الشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، والهار: الهائر الذي أشفي على السقوط والتهدم، ووزنه " فعل " قصر عن هائر كخلف عن خالف، ونظيره: شاك وصات من شائك وصائت، وألفه ليست بألف فاعل، وأصله هور وشوك وصوت، ولما جعل الجرف الهار مجازا عن الباطل قيل: * (فانهار به في نار جهنم) * والمعنى: فهوى به الباطل في نار جهنم، فكأن المبطل أسس بنيانا على شفير جهنم فطاح به إلى قعرها. * (ريبة) * أي: شكا في الدين ونفاقا، والمعنى: * (لا يزال) * هدم * (بنينهم الذي) * بنوه سبب شك ونفاق * (في قلوبهم) * لا يضمحل أثره * (إلا أن تقطع) * أي: تتقطع * (قلوبهم) * قطعا وتتفرق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه، والريبة باقية فيها مادامت سالمة، وقرئ: * (تقطع) * بالتخفيف (4) والتشديد، ويجوز أن يراد حقيقة


(1) التبيان للطوسي: ج 5 ص 300، مستدرك الحاكم: ج 1 ص 155. (2) وهي قراءة نافع وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 318. (3) قرأه نصر بن عاصم. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 59. (4) قرأها جابر ونصر على ما حكاه عنهما ابن خالويه في شواذ القرآن: ص 60. (*)

[ 97 ]

تقطيعها بقتلهم أو في النار، وقرئ: " إلى أن " (1)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (2)، وفي قراءة عبد الله: " ولو قطعت قلوبهم " (3)، وقيل: معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما على تفريطهم (4). * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموا لهم بأن لهم الجنة يقتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوربة والانجيل والقرءان ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (111) التئبون العبدون الحمدون السئحون الرا كعون السجدون الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحفظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112)) * عبر سبحانه عن إثابتهم بالجنة على بذلهم * (أنفسهم وأموا لهم) * في سبيله: بالاشتراء، وجعل الثواب ثمنا وأعمالهم الحسنة مثمنا تمثيلا، وروي: أنه تاجرهم فأغلى لهم الثمن (5). وعن الصادق (عليه السلام): " ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها " (6). وعن الحسن: أنفسا هو خلقها، وأموالا هو رزقها (7). وروي: أن الأنصار حين بايعوه على العقبة قال عبد الله بن رواحة (8): اشترط


(1) قرأه الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب وأبو حاتم. راجع التبيان: ج 5 ص 303، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 101. (2) رواها البرقي عنه (عليه السلام) كما في مجمع البيان: ج 5 - 6 ص 70. (3) حكاها عنه الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 313. (4) قاله سفيان كما حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 405. (5) رواه ابن عباس والحسن وقتادة. راجع تفسير الحسن البصري: ج 1 ص 429، وتفسير ابن كثير: ج 2 ص 374، وتفسير الطبري: ج 6 ص 482. (6) تحف العقول: 379. (7) تفسير الحسن البصري: ج 1 ص 429. (8) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا محمد، = (*)

[ 98 ]

لربك ولنفسك ما شئت، قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع لانقيل ولانستقيل (1). * (يقتلون) * فيه معنى الأمر، كقوله: * (تجهدون في سبيل الله) * (2)، ثم قال: * (يغفر لكم ذنوبكم) * (3)، وقرئ: * (فيقتلون ويقتلون) * وعلى العكس (4) * (وعدا عليه حقا) * مصدر مؤكد، يعني: أن الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته * (في التوربه والانجيل) * كما أثبته في * (القرءان ومن أوفي بعهده من الله) * أي: لا أحد أوفي بعهده من الله، لأن الخلف قبيح لا يقدم عليه الكريم (5) من الخلق مع جوازه عليهم لحاجتهم، فكيف بالكريم الغني الذي لا يجوز عليه فعل القبيح * (فاستبشروا) * أي: فافرحوا بهذه المبايعة إذ بعتم فانيا بباق وزائلا بدائم * (وذلك هو الفوز) * والظفر * (العظيم) * ولاترغيب في الجهاد أحسن وأبلغ منه. * (التئبون) * رفع على المدح، أي: هم التائبون، يعني: المؤمنين المذكورين، ويدل عليه قراءة أبي (6) و عبد الله والباقر والصادق (عليهما السلام): " التائبين " بالياء (7)


= أحد النقباء، شهد العقبة وبدرا واحدا والحديبية، استشهد يوم مؤتة وقد كان أحد الامراء في الوقعة، وكان أحد الشعراء الذين كانوا يردون الأذي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). انظر الاستيعاب: ج 3 ص 898. (1) رواها الطبري في تفسيره: ج 6 ص 482. (2 و 3) الصف: 11 و 12. (4) وهي قراءة النخعي ويحيى بن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي. راجع التبيان: ج 5 ص 305، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 102. (5) في نسخة: الكرام. (6) هو ابي بن كعب بن قيس النجار، شهد العقبة الثانية وبايع النبي (صلى الله عليه وآله) فيها، ثم شهد بدرا، وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم، توفي في خلافة عمر. انظر الاستيعاب: ج 1 ص 65. (7) انظر الكافي: ج 8 ص 377 - 378 ح 569، والكشاف: ج 2 ص 314. (*)

[ 99 ]

إلى قوله: " والحافظين " نصبا على المدح، أو جرا على الصفة ل‍ * (المؤمنين) *، ويجوز أن يكون * (التئبون) * مبتدأ وخبره * (العبدون) *، وما بعده خبر بعد خبر، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال، و * (العبدون) * هم الذين أخلصوا في عبادة الله، و * (السئحون) *: الصائمون، شبهوا بذوي السياحة في الأرض في امتناعهم من شهواتهم، وقيل: هم طلاب العلم يسيحون في الأرض يطلبونه من مظانه (1)، * (والحفظون لحدود الله) * القائمون بأوامره، والمجتنبون لنواهيه. * (ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاوا ه حليم (114)) * عن الحسن: أن المسلمين قالوا: ألا نستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية ؟ فنزلت (2)، أي: لا ينبغي لنبي ولا مؤمن أن يدعو لكافر ويستغفر له، ولا يصح ذلك في حكمة الله * (ولو كانوا) * قرابتهم * (من بعد ما تبين لهم أنهم) * ماتوا على الشرك. * (إلا عن موعدة وعدها إياه) * أي: وعدها إبراهيم أباه وهو قوله: * (لاستغفرن لك) * (3)، ويدل عليه قراءة الحسن: " وعدها أباه " (4)، * (فلما تبين له) * من جهة الوحي * (أنه) * لن يؤمن ويموت كافرا، وانقطع رجاؤه عن إيمانه * (تبرأ منه) *، والأواه: فعال من أوه، وهو الذي يكثر التأوه والبكاء والدعاء،


(1) قاله عكرمة. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 407. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 315. (3) الممتحنة: 4. (4) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 315. (*)

[ 100 ]

ويكثر ذكر الله عز اسمه. * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هدبهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم (115) إن الله له ملك السموات والارض يحى ى ويميت ومالكم من دون الله من ولى ولا نصير (116)) * أي: لا يؤاخذ * (الله) * عباده الذين * (هدبهم) * للإسلام، ولا يسميهم ضلالا ولا يخذلهم بارتكاب المحظورات إلا بعد أن * (يبين لهم) * حظرها عليهم، ويعلمهم أنها واجبة الاتقاء والاجتناب، فأما قبل البيان فلا سبيل عليهم، والمراد ب‍ * (ما يتقون) *: ما يجب اتقاؤه للنهي، فأما ما يعلم بالعقل من القبائح فغير موقوف على التوقيف. * (لقد تاب الله على النبي والمهجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم (117) وعلى الثلثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) يأ يها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصدقين (119)) * إنما ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) استفتاحا باسمه ولأنه سبب توبتهم، وإلا فمن المعلوم أنه لم يكن منه ما أوجب التوبة، وروي عن الرضا (عليه السلام): أنه قرأ: " لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين " (1) وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه مامن مؤمن إلا وهو محتاج إلى الاستغفار والتوبة * (في ساعة العسرة) * في وقتها، وقد يستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق كما يستعمل الغداة والعشية واليوم، نحو قوله:


(1) أوردها في الاحتجاج: ج 1 ص 76. (*)

[ 101 ]

عشية قارعنا جذام وحميرا (1) [ وقوله: ] غداة طفت علماء بكر بن وائل (2) أي: على الماء، و * (العسرة) *: حالهم في غزوة تبوك، كان يعتقب العشرة على بعير واحد، وكان زادهم الشعير المسوس والتمر المدود والإهالة (3) السنخة (4)، وبلغت الشدة بهم أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء، وكانوا في حمارة القيظ (5) وفي الضيقة الشديدة من القحط وقلة الماء " كاد تزيغ قلوب فريق منهم " عن الثبات على الإيمان، أو عن اتباع الرسول (صلى الله عليه وآله) في تلك الغزوة، وفي * (كاد) * ضمير الأمر والشأن، وشبهه سيبويه بقولهم: " ليس خلق الله مثله " (6)، وقرئ: * (يزيغ) * بالياء (7)، قيل: إن قوما منهم هموا بالانصراف من غزاتهم بغير استئذان، فعصمهم الله تعالى حتى مضوا (8)، * (ثم تاب عليهم) * من بعد ذلك الزيغ * (إنه بهم رءوف رحيم) * تداركهم


(1) قائله: زفر بن الحارث الكلابي، وصدره: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة. قاله يوم مرج راهط، وهو موضع كانت فيه وقعة بالشام وفيها قتل الضحاك بن قيس. أراد أنه حينما قابلنا القبيلتين علمنا أنهما ليسوا كما توهمنا في شأنهم ضعفاء بل هم أقوياء وغير منخذلين. انظر شرح شواهد المغني: ص 930. (2) وعجزه: وعاجت صدور الخيل شطر تميم. ذكره في شرح شواهد الكشاف ولم يذكر قائله. أراد انهم علوا في المنزلة والعز بحيث لايعلوهم أحد كما أن الشئ يطفو وجه الماء وغيره يرسب. انظر شرح شواهد الكشاف: ص 525. (3) الإهالة: الودك، أي دسم اللحم. (الصحاح: مادة أهل). (4) سنخ الدهن: إذا فسد وتغيرت ريحه. (الصحاح: مادة سنخ). (5) حمارة القيظ: أي شدة حر الصيف. (لسان العرب: مادة قيظ). (6) انظر كتاب سيبويه: ج 1 ص 69 - 70. (7) فان المصنف لم يعتمد إلا على القراءة بالتاء تبعا للزمخشري. (8) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 167. (*)

[ 102 ]

برأفته ورحمته. * (وعلى الثلثة الذين خلفوا) * وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال ابن أمية، خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبتهم، وقيل: خلفوا عن غزوة تبوك لما تخلفوا (1)، وقراءة أهل البيت (عليهم السلام) وأبي عبد الرحمن السلمي (2): " خالفوا " (3)، * (بما رحبت) * أي: برحبها، والمعنى: مع سعتها، وهو مثل لحيرتهم في أمرهم، كأنهم لا يجدون في الأرض موضع قرار * (وضاقت عليهم أنفسهم) * أي: قلوبهم من فرط الوحشة والغم * (وظنوا) * وعلموا * (أن لا ملجأ من) * سخط * (الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا) * ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا، أو ليتوبوا أيضا في المستقبل إن فرطت منهم خطيئة، علما منهم ب‍ * (ان الله) * تواب على من تاب ولو عاد في اليوم سبعين مرة. * (مع الصدقين) * الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا، وعن الباقر (عليه السلام): " كونوا مع آل محمد " (4). وقرأ ابن عباس: " من الصادقين " (5)، وروي أيضا ذلك عن الصادق (عليه السلام) (6).


(1) قاله الحسن وقتادة. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 109. (2) هو عبد الله بن حبيب الكوفي، من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان مقرئا وفقيها، فقد أقرأ القرآن في المسجد لمدة أربعين سنة، شهد مع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في صفين ثم صار عنه بعدها، توفي في زمن عبد الملك بن مروان عام (72 ه‍). راجع رجال السيد الخوئي: ج 10 ص 155. (3) انظر شواذ القرآن لابن خالويه: ص 60. (4) المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 92 - 93. (5) حكاها عنه أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: ج 5 ص 110. (6) رواها عنه (عليه السلام) في البحر المحيط: ج 5 ص 111. (*)

[ 103 ]

* (ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صلح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121)) * ظاهره خبر ومعناه نهي، مثل قوله: * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) * (1)، * (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) * أمروا بصحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على البأساء والضراء، وبأن يكابدوا معه الشدائد برغبة ونشاط * (ذلك) * إشارة إلى مادل عليه قوله: " ما كان لهم أن يتخلفوا " من وجوب مشايعته، أي * (ذلك) * الوجوب * (ب‍) * سبب * (أنهم لا يصيبهم) * شئ من عطش ولا تعب ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يضعون أقدامهم ولا يدوسون بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم موضعا * (يغيظ الكفار) * وطأهم إياه، ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا يضيق صدورهم * (ولا ينالون من عدو نيلا) * ولا يرزؤونهم شيئا بقتل أو أسر أو أمر يغمهم * (إلا كتب لهم به عمل صلح) * واستوجبوا الثواب عند الله، والموطئ: إما مصدر كالمورد وإما مكان، والنيل: يجوز أن يكون مصدرا مؤكدا وأن يكون بمعنى المنيل، وهو عام في كل مايسوؤهم ويضرهم. * (ولا يقطعون واديا) * أي: أرضا في ذهابهم ومجيئهم، والوادي: كل منعرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل، وهو في الأصل فاعل من ودى: إذا سال، ومنه الودي (2) * (إلا كتب لهم) *


(1) الأحزاب: 53. (2) الودي: مايخرج بعد البول. (الصحاح: مادة ودي). (*)

[ 104 ]

ذلك الإنفاق وقطع الوادي، وتعلق * (ليجزيهم) * ب‍ * (- كتب) * أي: أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء. * (وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) يأ يها الذين ءامنوا قتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا مآأنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمنا فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمنا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كفرون (125)) * * (لينفروا) * اللام لتأكيد النفي، والمعنى: أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب الفقه (1) والعلم غير صحيح ولا ممكن، وفيه: أنه لو صح وأمكن ولم يؤد إلى مفسدة لوجب على الكافة، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم * (فلولا نفر) * فحين لم يمكن نفير الكافة فهلا نفر * (من كل فرقة) * أي: جماعة كثيرة * (طائفة) * أي: جماعة قليلة " منهم ": * (ليتفقهوا في الدين) * ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا المشاق في تحصيلها * (ولينذروا قومهم) * وليجعلوا غرضهم بالتفقه إنذار قومهم وإرشادهم * (لعلهم يحذرون) * عقاب الله ويطيعونه. * (قتلوا الذين يلونكم من الكفار) * أي: يقربون منكم، فإن القتال واجب مع جميع الكفار، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب، ونظيره: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * (2)، وقد حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قومه ثم غيرهم من العرب، وقيل:


(1) في بعض النسخ: التفقه. (2) الشعراء: 214. (*)

[ 105 ]

هم قريظة والنضير (1) وفدك (2) وخيبر (3)، والأول أصح، لأن السورة نزلت في سنة تسع، وقد فرغ النبي من أولئك * (وليجدوا فيكم غلظة) * أي: شدة وصبرا على جهادهم، ونحوه: * (واغلظ عليهم) * (4). * (فمنهم من يقول) * فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض: * (أيكم زادته هذه) * السورة * (إيمنا) * استهزاء باعتقاد المؤمنين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي * (فزادتهم إيمنا) * أي: تصديقا ويقينا وثلجا لصدورهم. وقوله: * (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) * أي: كفرا مضموما إلى كفرهم، لأنهم بتجديد الوحي جددوا كفرا ونفاقا فازداد كفرهم عنده واستحكم. * (أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لايتوبون ولاهم يذكرون (126) وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يربكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم


(1) قريظة والنضير: قبيلتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم الى هارون أخي موسى (عليه السلام)، منهم محمد بن كعب القرظي. انظر الصحاح: مادة نضر. (2) فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، أفاءها الله على رسوله (صلى الله عليه وآله) سنة سبع صلحا فكانت خالصة له، وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة، وهي التي قالت فاطمة (عليها السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحلنيها فقال أبو بكر: اريد لذلك شهودا، وبقيت كذلك حتى ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب الى عامله بالمدينة يأمره برد فدك الى ولد فاطمة، فكانت في أيديهم حتى ولي يزيد بن عبد الملك فقبضها، فلم تزل في أيدي بني امية حتى ولي أبو العباس السفاح الخلافة فدفعها الى الحسن بن الحسن بن علي (عليه السلام) فكان هو القيم عليها يفرقها في بني علي بن أبي طالب، فلما ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، فلما ولي المهدي أعادها عليهم، ثم قبضها موسى الهادي ومن بعده الى أيام المأمون فأمر أن يسجل لهم بها فكتب لهم، وفيها يقول دعبل: أصبح وجه الزمان قد ضحكا * برد مأمون هاشم فدكا انظر معجم البلدان للحموي: ج 3 ص 856. (3) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 168. (4) الآية 73. (*)

[ 106 ]

لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129)) * قرئ: " أو لاترون " بالتاء (1) أيضا * (يفتنون) * أي: يبتلون ويمتحنون بالمرض والقحط وغيرهما من البلايا * (ثم) * لا ينتهون و * (لايتوبون) * من نفاقهم * (ولاهم يذكرون) * لا يعتبرون، أو يبتلون بالجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويعاينون أمره وما ينزل الله عليه من النصرة والتأييد، أو يفتنهم الشيطان فينقضون عهودهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقتلهم وينكل بهم ثم لاينزجرون. * (نظر بعضهم إلى بعض) * أي: تغامزوا بعيونهم إنكارا للوحي قائلين: * (هل يربكم من أحد) * من المسلمين لننصرف فإنا لانصبر على استماعه، أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال * (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) * دعاء عليهم بالخذلان، أو بصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح * (ب‍) * سبب * (أنهم قوم لا يفقهون) * لا يتدبرون حتى يفقهوا ويعلموا. * (من أنفسكم) * من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم، شديد * (عليه) * - لكونه بعضا منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب * (حريص عليكم) * حتى لا يخرج أحد منكم عن الاستسعاد به وبدينه الذي جاء به * (بالمؤمنين) * منكم ومن غيركم * (رءوف رحيم) *، وقرئ: " من أنفسكم " (2) أي: من أشرفكم وأفضلكم، وقيل:


(1) وهي قراءة حمزة ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 326. (2) قرأه ابن عباس والزهري وأبو العالية والضحاك وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو و عبد الله بن قسيط المكي ويعقوب من بعض طرقه. راجع تفسير القرطبي: ج 8 ص 301، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 118. (*)

[ 107 ]

هي قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام) (1). * (فإن تولوا) * عن الإيمان بك فاستعن بالله وفوض إليه، فإنه يكفيك أمرهم وينصرك عليهم. وقيل: هي آخر آية نزلت من السماء (2)، وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت (3). سعيد بن جبير، عن ابن عباس: سألته عن سورة التوبة ؟ فقال: تلك الفاضحة، ما زال ينزل منهم ومنهم، حتى خشينا أن لا يبقى منا أحد إلا ذكر (4).


(1) قاله ابن خالويه في شواذه: ص 60، وأبو حيان في بحره: ج 5 ص 118. (2) وهو قول ابي وسعيد بن جبير والحسن وقتادة. راجع التبيان: ج 5 ص 330، وتفسير القرطبي: ج 6 ص 524. (3) قاله البراء بن عازب. راجع تفسير ابن كثير: ج 2 ص 317، وفي التبيان: ج 5 ص 167: قال مجاهد وقتادة وعثمان: هي آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة. (4) ذكره الطوسي في التبيان: ج 5 ص 167. (*)

[ 109 ]

سورة يونس مكية (1)، وهي مائة وتسع آيات. وفي حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون " (2). وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل شهرين لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين، وكان يوم القيامة من المقربين " (3). بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك ءايت الكتب الحكيم (1) أكان للناس عجبا أن أوحينا


(1) قال الماوردي: هي مكية كلها عن الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس: إلا ثلاث آيات من قوله تعالى: * (فإن كنت في شك) * الى آخرهن. راجع تفسيره: ج 2 ص 420. وزاد القرطبي في تفسيره: ج 8 ص 304: وقال مقاتل: إلا آيتين وهي قوله: * (فإن كنت في شك) * نزلت بالمدينة، وقال الكلبي: مكية إلا قوله: * (ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به) * نزلت بالمدينة في اليهود، وقالت فرقة: نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة، انتهى. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 326: مكية، إلا الآيات 40 و 94 و 95 و 96 فمدنية، وهي مائة وتسع آيات، نزلت بعد الاسراء. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 376 مرسلا. (3) ثواب الأعمال للصدوق: ص 132. (*)

[ 110 ]

إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكفرون إن هذا لسحر مبين (2)) * * (تلك) * إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات * (الكتب الحكيم) * اللوح المحفوظ، أو القرآن ذي الحكمة لاشتماله عليها، أو نطقه بها. * (أكان للناس عجبا) * الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه، و * (أن أوحينا) * اسم * (كان) *، و * (عجبا) * خبره، ومعنى اللام في * (للناس) *: أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، والذي تعجبوا منه: أن يوحى * (إلى) * بشر يكون رجلا من جنس رجالهم دون أن يكون عظيما من عظمائهم، وهذا ليس بعجب، لأن الله إنما يختار من يستقل بما اختير له من أعباء الرسالة (1) * (أن أنذر الناس) *: * (أن) * هي المفسرة، لأن * (أوحينا) * فيه معنى القول، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه أنذر الناس، على معنى: أن الشأن قولنا: أنذر الناس * (أن لهم) * أي: بأن لهم، فحذف الباء * (قدم صدق) * أي: سابقة وفضلا * (عند ربهم) *، ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدما، كما سميت النعمة يدا وباعا (2) لأنها تعطى باليد وصاحبها يبوع بها، وإضافته إلى * (صدق) * دلالة على زيادة فضل، وأنه من السوابق العظيمة * (إن هذا) * الكتاب " لسحر " (3)، وقرئ: * (لسحر) * فعلى هذه القراءة يكون * (هذا) * إشارة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو دليل عجزهم واعترافهم بذلك وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرا. * (إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر مامن شفيع إلا من بعد إذنه ذا لكم الله


(1) في بعض النسخ: النبوة. (2) الباع: قدر مد اليدين. (الصحاح: مادة بوع). (3) الظاهر أن المصنف اعتمد هنا على هذه القراءة بحذف الألف متبعا للزمخشري. (*)

[ 111 ]

ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) * (4) * (يدبر الامر) * يقضيه ويقدره ويرتبه في مراتبه على أحكام عواقبه، كما يفعل الناظر في أدبار الأمور، والامر: أمر الخلق كله، وقد دل سبحانه بالجملة قبلها على عظمة ملكوته بخلق * (السموات والارض في) * وقت يسير مع بسطتها واتساعها، وبالاستواء * (على العرش) *، ثم أتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة في أنه لا يخرج شئ من قضائه وتقديره، وكذا قوله: * (مامن شفيع إلا من بعد إذنه) * دليل على العزة والكبرياء * (ذا لكم) * إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي: ذلك العظيم الموصوف بما وصف به هو * (الله) * الذي يستحق العبادة منكم، وهو * (ربكم فاعبدوه) * وحده ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع * (أفلا تذكرون) * وأصله " تتذكرون " يعني: أن أدنى تذكر ينبه على الخطاء فيما أنتم عليه. * (إليه مرجعكم جميعا) * أي: إليه رجوعكم جميعا في العاقبة فاستعدوا للقائه * (وعد الله) * مصدر مؤكد لقوله: * (إليه مرجعكم) *، و * (حقا) * مصدر مؤكد لقوله: * (وعد الله) *، * (إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده) * استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو: أن الغرض بابتداء الخلق وإعادته جزاء المكلفين على أعمالهم، وقرئ: " أنه " بالفتح (1)، بمعنى: لأنه، أو هو منصوب بالفعل الذي نصب * (وعد الله) * أي: وعد الله وعدا إبداء الخلق ثم إعادته، والمعنى: إعادة الخلق


(1) قرأه عبد الله بن مسعود ويزيد بن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب. راجع إعراب القرآن للنحاس: ج 2 ص 244، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 124. (*)

[ 112 ]

بعد إبدائه * (بالقسط) * أي: بالعدل، وهو متعلق ب‍ " يجزي " والمعنى: ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم، أو بقسطهم وعدلهم حين * (ءامنوا وعملوا الصلحت) * لأن الشرك ظلم، ويؤيد هذا الوجه أنه يقابل قوله: * (بما كانوا يكفرون) *. * (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الايت لقوم يعلمون (5) إن في اختلف اليل والنهار وما خلق الله في السموات والارض لايت لقوم يتقون (6)) * الياء في * (ضياء) * منقلبة عن واو (1) لكسرة ما قبلها، والضياء أقوى من النور * (وقدره) * أي: قدر * (القمر) *، * (منازل) * أي: ذا منازل، أو قدر مسيره منازل، كقوله: * (والقمر قدرنه منازل) * (2)، * (والحساب) * حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي * (ذلك) * إشارة إلى المذكور، أي: * (ما خلق‍) * - ه * (إلا) * ملتبسا * (بالحق) * الذي هو الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثا. وخص " المتقين " لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم ذلك إلى التأمل والنظر. * (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحيوا ة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءايتنا غفلون (7) أولئك مأوبهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت يهديهم ربهم بإيمنهم تجري من تحتهم الانهر في جنت النعيم (9) دعوبهم فيها سبحنك اللهم وتحيتهم فيهاسلم وءاخر دعويهم أن الحمدلله رب العلمين (10)) * أي: لا يأملون حسن * (لقاءنا) * كما يأمله السعداء، أو: لا يخافون سوء لقائنا * (ورضوا بالحيوا ة الدنيا) * قنعوا بها من الآخرة، واختاروا القليل الفاني على


(1) في نسخة زيادة: ضوء. (2) يس: 39. (*)

[ 113 ]

الكثير الباقي * (واطمأنوا بها) * وسكنوا إليها سكون من لا يزعج عنها * (والذين هم عن ءايتنا غفلون) * ذاهبون عن تأملها، ذاهلون عن النظر فيها. * (يهديهم ربهم بإيمنهم) * يوفقهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق الموصل إلى الثواب، ولذلك جعل قوله: * (تجري من تحتهم الانهر) * بيانا له وتفسيرا، لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها، أو: * (يهديهم) * في الآخرة بنور إيمانهم إلى سبيل الجنة، نحو قوله: * (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمنهم) * (1). * (دعوبهم) * أي: دعاؤهم * (فيها سبحنك اللهم) *، ومعناه: اللهم إنا نسبحك، كما ورد في دعاء القنوت: " اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد " (2)، ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة على معنى: أنه لا تكليف في الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، وينطقون بذلك تلذذا من غير كلفة * (وءاخر دعويهم) * وخاتمة دعائهم * (أن) * يقولوا: * (الحمد لله رب العلمين) *، وقوله: * (وتحيتهم فيها سلم) * معناه: أن بعضهم يحيي بعضا بالسلام، وقيل: هي تحية الملائكة إياهم (3)، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول، وقيل: هي تحية الله لهم (4)، و " أن " هي المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه الحمد لله. * (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغينهم يعمهون (11) وإذا مس الانسن الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12)) *


(1) الحديد: 12. (2) المزار للمشهدي: ص 139. (3) قاله الضحاك كما في تفسير السمرقندي: ج 2 ص 90. (4) حكاه الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 8. (*)

[ 114 ]

وضع * (استعجالهم بالخير) * موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل له، والمراد قول من قال: * (فأمطر علينا حجارة من السماء) * (1)، والمعنى: * (ولو) * عجلنا لهم * (الشر) * الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه * (لقضى إليهم أجلهم) * لأميتوا وأهلكوا، وقرئ: " لقضى إليهم أجلهم " (2) وتنصره قراءة عبد الله: " لقضينا إليهم أجلهم " (3)، * (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا) * معناه: فلا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم، فنذرهم * (في طغينهم) * أي: فنمهلهم ونملي لهم إلزاما للحجة عليهم. وقوله: * (لجنبه) * في موضع الحال أي: مضطجعا، والمعنى: أنه لا يزال داعيا لا يفتر في الدعاء حتى يزول عنه * (الضر) * فهو يدعو في حالاته كلها ليستدفع البلاء، و * (الانسن) * للجنس * (فلما كشفنا) * أي: أزلنا * (عنه ضره مر) * أي: مضى على طريقته الأولى قبل أن مسه الضر، أو مر عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به * (كأن) * تخفيف " كأن " وحذف ضمير الشأن منه، كقوله: كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم (4) * (كذلك) * أي: مثل ذلك التزيين * (زين للمسرفين) * زين الشيطان بوسوسته لهم ترك الدعاء عند الرخاء واتباع الشهوات والأماني الباطلة.


(1) الأنفال: 32. (2) وهي قراءة ابن عامر ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 344. (3) حكاها عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 332. (4) البيت منسوب لباعث بن صريم اليشكري عن سيبويه والنحاس، وقيل: لأرقم بن علباء اليشكري عن القالي، وقيل: لراشد بن شهاب اليشكري عن أبي عبيد البكري، وقيل لغيرهم. وصدره: ويوما توافينا بوجه مقسم. راجع خزانة الأدب للبغدادي: ج 10 ص 411. (*)

[ 115 ]

* (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينت وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين (13) ثم جعلنكم خلئف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14)) * * (لما) * ظرف ل‍ * (أهلكنا) *، والواو في * (وجاءتهم) * للحال، أي: * (ظلموا) * بالتكذيب وقد * (جاءتهم رسلهم) * بالمعجزات والدلالات * (وما كانوا ليؤمنوا) * اللام لتأكيد النفي، أي: وما كانوا يؤمنون حقا، والمعنى: أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم الرسل، وعلم الله إصرارهم على الكفر، وأنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن لزمتهم الحجة بإرسال الرسل * (كذلك) * أي: مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك * (نجزى) * المشركين في المستقبل إذا لم يؤمنوا، وهو وعيد لأهل مكة. * (ثم جعلنكم خلئف) * أي: استخلفناكم * (في الارض من بعد) * القرون التي أهلكناها * (لننظر) * أتعملون خيرا أم شرا فنعاملكم على حسب أعمالكم، و * (كيف) * في محل نصب ب‍ * (تعملون) *: إما حالا وإما مصدرا، والنظر هنا مستعار بمعنى العلم المحقق الذي هو العلم بالشئ موجودا، شبه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحققه. * (وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينت قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقآءى نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم (15) قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدربكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بايته إنه لا يفلح المجرمون (17)) * أي: قالوا: * (ائت بقرءان) * آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذم عبادة الأوثان

[ 116 ]

والوعيد لعابديها * (أو بدله) * بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها، فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه داخل تحت مقدور الإنسان، فأما الإتيان بقرآن آخر فغير مقدور عليه للإنسان * (ما يكون لى) * ما ينبغي لي * (أن أبدله من تلقآءى نفسي) * من قبل نفسي، من غير أن يأمرني بذلك ربي * (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) * لا آتي ولا أذر شيئا من نحو ذلك إلا متبعا لوحي الله، إن نسخت آية أو بدلت مكان أخرى تبعت ذلك، وليس إلي تبديل ولا نسخ * (إنى أخاف إن عصيت ربى) * في التبديل والنسخ من عند نفسي * (عذاب يوم عظيم) *. * (قل لو شآء الله ما تلوته عليكم) * يعني: أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإحداثه أمرا عجيبا خارقا للعادة، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ساعة من عمره ولا نشأ في بلد فيه العلماء فيقرأ عليكم كتابا بهر بفصاحته كل كلام فصيح، مشحونا بعلوم الأصول والفروع والإخبار بما كان ويكون لا يعلمها إلا الله، وقد نشأ فيكم لم تسمعوا منه حرفا من ذلك منذ أربعين سنة * (ولا أدربكم به) * أي: ولا أعلمكم به على لساني، وقرئ: " ولادربكم به " (1) على إثبات الإدراء، واللام لام الابتداء، والمعنى: لو شاء الله ماتلوته أنا عليكم ولاعلمكم به على لسان غيري ولكنه خصني بهذه الكرامة * (فقد لبثت فيكم عمرا) * أي: فقد أقمت فيما بينكم ناشئا وكهلا فلم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه فتتهموني باختراعه * (أفلا تعقلون) * فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله تعالى. * (ويعبدون من دون الله مالايضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء


(1) وهي قراءة ابن كثير إلا عن البزي وأبي ربيعة وقنبل إلا المالكي والعطار. راجع التبيان: ج 5 ص 351، والبحر المحيط لأبي حيان ج 5 ص 132. (*)

[ 117 ]

شفعؤنا عند الله قل أتنبون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الارض سبحنه وتعلى عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة وا حدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون (19)) * كان أهل الطائف * (يعبدون) * اللات (1)، وأهل مكة العزى (2) ومناة (3) وهبل (4)،


(1) قال هشام بن السائب الكلبي في كتابه الأصنام: ص 31 - 33: واللات بالطائف، وكانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق، وسدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك، وكانوا قد بنوا عليها بناء، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم، فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هدمها وحرقها بالنار، وفي ذلك يقول شداد بن عارض الجشمي: لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف نصركم من ليس ينتصر إن التي حرقت بالنار فاشتعلت * ولم تقاتل لدي أحجارها هدر (2) وقال: وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن اسعد، وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض، فبنى عليها بيتا، وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح، وسدنتها بنو شيبان بن جابر بن مرة من بني سليم، ولم تزل كذلك حتى بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فعابها وغيرها ونهاهم عن عبادتها، فلما كان عام الفتح دعا النبي (صلى الله عليه وآله) الى هدمها فهدمت. المصدر السابق: ص 33 - 42. (3) وقال: وكانت أقدمها كلها، وكانت منصوبة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعا تعظمها وتذبح لها ويهدون لها، ولم يكن أحد أشد إعظاما لها من الأوس والخزرج، فلم تزل ذلك حتى خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المدينة سنة (8) هجرية وهو عام فتح الله عليه، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس بعث عليا (عليه السلام) إليها فهدمها وأخذ ما كان لها، فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما لها، فوهبهما النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام). المصدر نفسه: ص 28 - 31. (4) وقال: وكان أعظمها عندهم، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الانسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة، وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقداح مكتوب في أولها صريح والآخر ملصق، فإذا شكوا في نسب مولود أهدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح ألحقوه، وإن كان ملصقا دفعوه، وقدح على الميت، وقدح على النكاح، فإذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به وانتهوا إليه. فلما ظفر = (*)

[ 118 ]

وإسافا ونائلة (1)، وكانوا يقولون: * (هؤلاء شفعؤنا عند الله قل أتنبون الله) * أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إخبار * (بما) * ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له وهو العالم بالذات المحيط بجميع المعلومات لم يكن شيئا، لأن الشئ ما يصح أن يعلم وقد أخبرتم بما لا يدخل تحت الصحة، وقوله: * (في السموات ولا في الارض) * تأكيد لنفيه، لأن ما لا يوجد فيهما فهو منتف معدوم * (عما يشركون) * " ما " موصولة أو مصدرية، أي: عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم، وقرئ: " تشركون " بالتاء (2) أيضا. * (وما كان الناس إلا أمة وا حدة) * متفقين على ملة واحدة ودين واحد من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل: بعد الطوفان (3) * (ولولا كلمة سبقت من ربك) * وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم


= رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة دخل المسجد والأصنام منصوبة حول الكعبة، فجعل يطعن بسية قوسه في عيونها ووجوهها ويقول: * (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) * ثم أمر بها فكفئت على وجوهها ثم اخرجت وحرقت، وفيه يقول راشد بن عبد الله السلمي: قالت: هلم الى الحديث فقلت: لا * يأبى الإله عليك والإسلام أو ما رأيت محمدا وقبيله * بالفتح حين تكسر الاصنام لرأيت نور الله أضحى ساطعا * والشرك يغشى وجهه الإظلام راجع المصدر السابق: ص 43 - 47. (1) وقال الكلبي: وكان لهم إساف ونائلة، وهما رجل وامرأة من جرهم من أرض اليمن، وكان أساف يتعشقها، فاقبلوا حجاجا الى الكعبة فدخلا الكعبة فوجدا خلوة ففجر بها فمسخا حجرين ووضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها، وكان أحدهما بلصق الكعبة الى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما. المصدر نفسه: ص 44 - 45. (2) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 448. (3) قاله الضحاك والكلبي، وروي عن الباقر (عليه السلام). راجع تفسير العياشي: ج 1 ص 104 ح 308، وتفسير الماوردي: ج 2 ص 428. (*)

[ 119 ]

القيامة * (لقضى بينهم فيما) * اختلفوا * (فيه) * ويميز المحق من المبطل، ولكن الحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار للتكليف وتلك للثواب والعقاب. * (ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين (20) وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في ءاياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21)) * أرادوا * (ءاية) * من الآيات التي كانوا يقترحونها * (فقل إنما الغيب لله) * هو المختص به، والصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو * (فانتظروا) * نزول ما اقترحتموه * (إنى معكم من المنتظرين) * لما يفعل الله بكم لعنادكم وتماديكم في جحود الآيات الباهرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، ومن جملتها القرآن المعجز الباقي على وجه الدهر. * (إذا) * الأولى للشرط والأخيرة جوابها، وهي ظرف مكان، والمكر: إخفاء المكيدة وطيها، من الجارية الممكورة: المطوية الخلق، و * (مستهم) * خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، وهو أنه سبحانه سلط على أهل مكة القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون، ثم لما رحمهم بالحيا (1) صاروا يطعنون في آيات الله ويعادون رسوله ويكيدونه، فلذلك وصفهم بسرعة المكر حتى أتى بكلمة المفاجأة، فكأنه قال: فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه * (قل الله أسرع مكرا) * يدبر عقابكم ويوقعه بكم قبل أن تدبروا في إطفاء نور الإسلام * (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون) * إعلام بأن ما يظنونه خافيا غير خاف عند الله تعالى. * (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين


(1) أحيا القوم: إذا صاروا في الحيا وهو الخصب، وأيضا: المطر. (الصحاح: مادة حيا). (*)

[ 120 ]

بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشكرين (22) فلمآ أنجيهم إذا هم يبغون في الارض بغير الحق يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متع الحيواة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23)) * قرئ: " ينشركم " (1) من النشر، ومثله: * (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) * (2) والمعنى: * (هو الذي) * يمكنكم من السير بما هيأ لكم من أسباب السير * (في البر) * بخلق الدواب وتسخيرها لكم * (و) * في * (البحر) * بإرسال الرياح التي تجري السفن في الجهات المختلفة * (حتى إذا كنتم في الفلك) * خص الخطاب براكبي البحر، أي: إذا كنتم في السفن * (وجرين بهم) * عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، أي: وجرت الفلك أي: السفن بالناس * (بريح طيبة) * لينة يستطيبونها، وجواب * (إذا) * قوله: * (جآءتها ريح عاصف) * أي: شديدة الهبوب هائلة * (وجاءهم الموج من كل مكان) * من أمكنة الموج * (وظنوا أنهم أحيط بهم) * وهو مثل في الهلاك * (دعوا الله) * هو بدل من * (ظنوا) * لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك، وهو ملتبس به، والجملة الشرطية الواقعة بعد * (حتى) * بما في حيزها غاية للتسيير، فكأنه قال: هو الذي يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجئ الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإنجاء، وقال: * (مخلصين له الدين) * لأنهم


(1) وهي قراءة زيد بن ثابت وابن عامر وأبي جعفر يزيد بن القعقاع والحسن وأبي العالية وزيد ابن علي و عبد الله بن جبير وأبي عبد الرحمن وشيبة. راجع التبيان: ج 5 ص 359، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 137. (2) الروم: 20. (*)

[ 121 ]

لا يدعون حينئذ غيره معه * (لئن أنجيتنا) * على إرادة القول، أو لأن * (دعوا) * من جملة القول. * (يبغون في الارض) * يفسدون فيها ويعيثون ممعنين في ذلك، وقرئ: * (متع الحيواة الدنيا) * بالنصب، والفرق بين القراءتين (1) أنك إذا رفعت كان " المتاع " خبر المبتدأ الذي هو * (بغيكم) *، و * (على أنفسكم) * صلته كقوله: * (فبغى عليهم) * (2)، ومعناه: إنما بغيكم على أمثالكم، أي: بغي بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا لا بقاء لها، وإذا نصبت فالخبر * (على أنفسكم) * والمعنى: إنما بغيكم وبال على أنفسكم، و * (متع) * مصدر مؤكد. وفي الحديث: " لا تمكر ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغيا، ولا تنكث ولا تعن ناكثا " وكان يتلوها (3). وروي: " ثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين " (4). * (إنما مثل الحيواة الدنيا كماء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعم حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قدرون عليها أتيهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلنها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الايت لقوم يتفكرون (24) والله يدعوا إلى دار السلم ويهدي من يشآء إلى صرا ط مستقيم (25) للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون (26)) *


(1) يظهر أن المصنف (قدس سره) اعتمد على القراءة الأخرى أي بالرفع كما هو واضح من عبارته. (2) القصص: 76. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 339. (4) رواه البخاري في تاريخه الكبير: ج 1 ص 166. (*)

[ 122 ]

شبه حال * (الدنيا) * في سرعة انقضائها بحال * (نبات الارض) * في جفافه بعد خضرته ونضرته * (فاختلط به) * فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا * (أخذت الارض زخرفها وازينت) * مثل الأرض بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من أنواع الزين، وأصل * (ازينت) *: تزينت * (قدرون عليها) * متمكنون منها محصلون لمنفعتها * (أتيهآ أمرنا) * وهو ضرب زروعها ببعض العاهات والآفات بعد أمنهم وإيقانهم أنه قد سلم * (فجعلنها) * أي: فجعلنا زرعها * (حصيدا) * شبيها بما يحصد من الزرع من قطعه واستئصاله * (كأن لم تغن) * أي: كأن لم تغن زرعها، فحذف المضاف، أي: لم ينبت، ولابد من حذف المضاف الذي هو الزرع في هذه المواضع وإلا لم يستقم المعنى. وعن الحسن: " كأن لم يغن " بالياء (1)، على أن الضمير للمضاف المحذوف الذي هو الزرع، و " الأمس ": مثل في الوقت القريب، كأنه قيل: كأن لم يوجد من قبل. * (دار السلم) * الجنة، أضافها إلى اسمه، وقيل: السلام: السلامة (2)، لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقيل: لفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم (3) * (ويهدي) * ويوفق * (من يشآء) * وهم الذين لهم في المعلوم لطف يجدي عليهم. و * (الحسنى) *: المثوبة الحسنى * (وزيادة) * وما يزيد على المثوبة وهي التفضل، ويدل عليه قوله: * (ويزيدهم من فضله) * (4)، وعن علي (عليه السلام): " الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة " (5)، وعن ابن عباس: الزيادة: عشر


(1) حكاها عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 341. (2) وهو قول الزجاج والجبائي. راجع معاني القرآن: ج 3 ص 15، والتبيان: ج 5 ص 364. (3) حكاه الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 341. (4) النساء: 173، والشورى: 26. (5) أخرجه الطبري من طرقه في تفسيره: ج 6 ص 552 ح 17649 و 17650 و 17651. (*)

[ 123 ]

أمثالها (1)، وعن مجاهد (2): الزيادة: مغفرة من الله ورضوان (3) * (ولا يرهق وجوههم) * ولا يغشاها * (قتر) * غبرة فيها سواد * (ولا ذلة) * ولا أثر هوان، والمعنى: لا يرهقهم ما يرهق أهل النار، كقوله: * (ترهقها قترة) * (4)، و * (ترهقهم ذلة) *. * (والذين كسبوا السيات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنمآ أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما أولئك أصحب النار هم فيها خلدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفي بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغفلين (29) هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30)) * * (والذين كسبوا) * إما أن يكون معطوفا على قوله: * (للذين أحسنوا) * كأنه قيل: * (و) * ل‍ * (الذين كسبوا السيات جزاء سيئة بمثلها) *، وإما أن يكون تقديره: * (و) * جزاء * (الذين كسبوا السيات جزاء سيئة بمثلها) *، والمعنى: جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بمثلها لا يزاد عليها، وهذا أوجه لأن في الأول


(1) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 433. (2) هو مجاهد بن جبر، مولى بني مخزوم، تابعي، مفسر من أهل مكة، قال الذهبي: أخذ التفسير عن ابن عباس، قرأه عليه ثلاث مرات. تنقل في الأسفار واستقر في الكوفة، أما كتابه في التفسير فيتقيه المفسرون، وسئل الأعمش عن ذلك فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب، يعني اليهود والنصارى، مات بمكة سنة ثلاث ومائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. انظر ميزان الاعتدال للذهبي: ج 3 ص 9. (3) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 552 ح 17655، والسيوطي في الدر المنثور: ج 4 ص 359 - 360 وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو حيان في البحر المحيط: ج 5 ص 146. (4) عبس: 41. (*)

[ 124 ]

عطفا على عاملين، وفي هذا دليل على أن المراد بالزيادة: الفضل * (ما لهم من الله من عاصم) * أي: لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، أو مالهم من جهة الله من يعصمهم كما يكون للمؤمنين * (مظلما) * حال من الليل، ومن قرأ: " قطعا " بالسكون (1) جعله صفة له * (مكانكم) * الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم، و * (أنتم) * تأكيد للضمير في * (مكانكم) *، لأنه سد مسد " الزموا " * (وشركاؤكم) * عطف عليه * (فزيلنا بينهم) * ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا * (ما كنتم إيانا تعبدون) * إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم. * (إن كنا) * هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولي العقل، وقيل: هم الأصنام ينطقها الله عزوجل بذلك مكان الشفاعة التي رجوها منهم (2). * (هنالك) * أي: في ذلك المقام، أو في ذلك الوقت على الاستعارة * (تبلوا) * أي: تختبر وتذوق * (كل نفس مآ أسلفت) * من العمل فتعرف كيف هو، أنافع أم ضار ؟ أو مقبول أو مردود ؟ ومنه * (يوم تبلى السرائر) * (3)، وقرئ: " تتلوا " (4) أي: تتبع ما أسلفت، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار، أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر * (موليهم الحق) * ربهم الصادق ربوبيته، أو الذي يتولى حسابهم العدل الذي لا يجور * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) *


(1) وهي قراءة ابن كثير والكسائي ويعقوب. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 325. (2) قاله مجاهد وابن زيد وابن عطية راجع تفسير الطبري: ج 6 ص 556. (3) الطارق: 9. (4) قرأه حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 325. (*

[ 125 ]

وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله. * (قل من يرزقكم من السماء والارض أمن يملك السمع والابصر ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الامر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) فذا لكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلل فأنى تصرفون (32) كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33)) * أي: * (من يرزقكم) * منهما جميعا ؟ لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة ليفيض عليكم نعمته * (أمن يملك السمع والابصر) * من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي هما عليه من الفطرة العجيبة ؟ أو من يحميهما ويحصنهما من الآفات ؟ * (ومن يدبر الامر) * ومن يلي تدبير أمر العالم كله ؟ * (أفلا تتقون) * عقابه في عبادة غيره. * (فذا لكم) * إشارة إلى من هذه صفته وأفعاله * (الله ربكم الحق) * الثابت ربوبيته وإلهيته ثباتا لاريب فيه لمن نظر * (فماذا بعد الحق إلا الضلل) * لأن الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تعدى الحق وقع في الضلال * (فأنى تصرفون) * عن الحق ؟ * (كذلك) * أي: مثل ذلك الحق * (حقت كلمت ربك) * أي: كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال فكذلك حقت كلمة ربك * (على الذين) * تمردوا في الكفر وخرجوا إلى الغاية القصوى فيه * (أنهم لا يؤمنون) * بدل من " الكلمة "، أي: حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله ذلك منهم، أو أراد بالكلمة: العذاب، و * (أنهم لا يؤمنون) * تعليل، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون. * (قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق

[ 126 ]

ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيا إن الله عليم بما يفعلون (36)) * وضع سبحانه إعادة الخلق موضع ما يكون دافعه مكابرا، لظهور برهانه، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده) * أمره أن ينوب عنهم في الجواب، إذ لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق، هداه للحق وإلى الحق: لغتان، فجمع سبحانه بين اللغتين، ويقال: هدى بنفسه، بمعنى: اهتدى، كما يقال: شرى بمعنى: اشترى، ومنه قراءة من قرأ: " أمن لا يهدي " (1)، وقرئ: " لا يهدي " بفتح الهاء (2) وبكسرها، وبكسر الهاء والياء (3)، وأصله: " يهتدي "، فأدغم وفتحت الهاء لحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين، وكسرت الياء لاتباع ما بعدها، ومعناه: أن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول ومكنهم من النظر في الأدلة ووقفهم (4) على الشرائع، ف‍ * (هل من شركائكم) * الذين جعلتموهم لله أندادا أحد * (يهدي إلى الحق) * مثل هداية الله ؟ ثم قال: * (أفمن يهدي إلى الحق) * هذه الهداية * (أحق) * بالاتباع أم الذي * (لا يهدي) * أي: لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدي غيره * (إلا أن) * يهديه الله،


(1) وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف والمفضل ويحيى بن وثاب والأعمش. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 326، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 156. (2) قرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وورش وابن محيصن. راجع التبيان: ج 5 ص 375، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 156. (3) وهي قراءة عاصم برواية أبي بكر كما في كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 326، وفي التبيان: ج 5 ص 375: هي قراءة أبي بكر إلا الأعشى والبرجمي. (4) في بعض النسخ: وفقهم، وفي بعض الآخر زيادة: وأعلمهم. (*)

[ 127 ]

أو لا يهتدي إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا فيهديه ؟ ! * (فما لكم كيف تحكمون) * بالباطل ؟ ! * (وما يتبع أكثرهم) * في إقرارهم بالله * (إلا ظنا) * لأنه قول لا يسند إلى دليل * (إن الظن) * في معرفة الله * (لا يغنى من الحق) * وهو العلم * (شيا إن الله عليم بما يفعلون) * وعيد. * (وما كان هذا القرءان أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتب لاريب فيه من رب العلمين (37) أم يقولون افتربه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صدقين (38) بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عقبة الظلمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40)) * أي: * (وما كان هذا القرءان) * افتراء * (من دون الله ولكن) * كان * (تصديق الذي بين يديه) * وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة، لأنه معجز دونها، وهو عيار عليها وشاهد بصحتها، ومعنى * (وما كان... أن يفترى) *: وما صح وما استقام وكان محالا أن يكون مثله في إعجازه وعلو شأنه مفترى * (وتفصيل الكتب) * وتبيين ما شرع وفرض من الأحكام من قوله: * (كتب الله عليكم) * (1)، * (ولكن) * كان القرآن تصديقا للكتب السماوية وتفصيلا للأحكام الشرعية، منتفيا عنه الريب كائنا * (من رب العلمين) *. * (أم يقولون افتربه) * بل أيقولون: اختلقه ؟ ! والهمزة: إما تقرير لإلزام الحجة عليهم، أو استبعاد لقولهم وإنكار، والمعنيان متقاربان * (قل) * إن افتريته كما


(1) النساء: 24. (*)

[ 128 ]

زعمتم * (فأتوا) * أنتم * (بسورة) * مفتراة * (مثله) * في البلاغة وحسن النظم، كما أنتم مثلي في العربية والفصاحة * (وادعوا من استطعتم) * للاستعانة به على الإتيان بمثله * (من دون الله) * يعني أن الله وحده هو القادر على أن يأتي بمثله، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فاستعينوا بكل من دونه على ذلك * (إن كنتم صدقين) * أنه افتراه. * (بل كذبوا) * بالقرآن قبل أن يعلموا كنه أمره، ويقفوا على * (تأويله) * ومعانيه، لنفورهم عما يخالف ما ألفوه من دين آبائهم، وقيل: * (ولما يأتهم تأويله) * أي: ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب - أي عاقبته - حتى تبين لهم أهو كذب أم صدق (1)، يعني: أنه كتاب معجز من جهتين: إعجاز نظمه، وما فيه من الإخبار بالغائبات، فسارعوا إلى التكذيب قبل أن ينظروا في بلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يختبروا إخباره بالمغيبات. * (ومنهم من يؤمن به) * في نفسه ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند * (ومنهم من لا) * يصدق * (به) *، أو: ومنهم من سيؤمن به في المستقبل، ومنهم من يصر على الكفر * (وربك أعلم بالمفسدين) * بالمعاندين، أو المصرين. * (وإن كذبوك فقل لى عملي ولكم عملكم أنتم بريون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون (41) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون (43) إن الله لا يظلم الناس شيا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44)) * * (وإن) * يئست من إجابتهم وأصروا على تكذيبك فتبرأ منهم وخلهم، فقد


(1) حكاه الشيخ في التبيان: ج 5 ص 380. (*)

[ 129 ]

أعذرت إليهم، ومثله: * (فإن عصوك فقل إنى برئ مما تعملون) * (1)، * (قل يأيها الكفرون) * إلى آخر السورة (2)، وقيل: هي منسوخة بآية القتال (3). * (ومنهم من يستمعون إليك) * أي: ناس يستمعون إذا قرأت القرآن وعلمت الأحكام ولكنهم لا يقبلون ولا يعون، وناس ينظرون إليك ويعاينون دلالاتك وأعلام نبوتك ولكنهم لا يصدقون، ثم قال: أتقدر على إسماع * (الصم) * ولو انضم إلى صممهم عدم العقل ؟ ! لأن الأصم العاقل ربما استدل وعلم، و: أتطمع أن تقدر على هداية * (العمى) * ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة ؟ ! يعني: أنهم في اليأس من قبولهم وتصديقهم كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر. * (إن الله لا يظلم الناس شيا) * لا ينقصهم شيئا مما يتصل بمصالحهم، أو لا يظلمهم في تعذيبهم يوم القيامة، بل العذاب لاحق بهم على سبيل العدل والاستحقاق. * (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47)) * يستقربون أيام لبثهم في الدنيا لقلة انتفاعهم بها، وقيل: في القبور لهول ما يرون (4) * (يتعارفون بينهم) * يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا (5) إلا قليلا، وذلك عند خروجهم من القبور، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم، قوله: * (كأن لم يلبثوا) * حال من " هم " أي: نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم


(1) الشعراء: 216. (2) سورة " الكافرون ". (3) قاله ابن زيد والكلبي ومقاتل. راجع التبيان: ج 5 ص 381، وتفسير البغوي: ج 2 ص 355. (4) قاله ابن عباس. راجع تفسيره: ص 174، وتفسير البغوي: ج 2 ص 355، واختاره الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 22. (5) في بعض النسخ: يتعارفوا. (*)

[ 130 ]

يلبث * (إلا ساعة) *، و * (يتعارفون) * جملة مبينة لقوله: * (كأن لم يلبثوا إلا ساعة) *، لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد ويصير تناكرا، أو يتعلق بالظرف * (قد خسر) * على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هو شهادة من الله على خسرانهم، والمعنى: قد خسروا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر * (وما كانوا مهتدين) * للتجارة عارفين بها، وهو استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قال: ما أخسرهم ! * (فإلينا مرجعهم) * جواب * (نتوفينك) *، وجواب * (نرينك) * محذوف كأنه قال: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة * (ثم الله شهيد) * ذكر الشهادة والمراد مقتضى الشهادة وهو العقاب، فكأنه قال: ثم الله معاقب * (على ما يفعلون) *. * (ولكل أمة رسول) * يبعث إليهم * (فإذا جاء رسولهم) * بالمعجزات فكذبوه * (قضى بينهم) * أي: بين النبي ومن كذبه * (بالقسط) * بالعدل، فأنجي الرسول وعذب المكذبون، وقيل: * (ولكل أمة) * يوم القيامة * (رسول) * تنسب إليه * (فإذا جاء رسولهم) * الموقف فيشهد عليهم بالكفر والإيمان * (قضى بينهم) * (1). * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولانفعا إلا ما شآء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرءيتم إن أتيكم عذابه بيتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع ءامنتم به ءآلن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52)) *


(1) قاله مجاهد ومقاتل. راجع التبيان: ج 5 ص 387، وتفسير البغوي: ج 2 ص 356. (*)

[ 131 ]

* (متى هذا الوعد) * استعجال لما وعدوا من العذاب على سبيل التكذيب والاستبعاد * (قل لا أملك لنفسي ضرا) * من فقر أو مرض * (ولا نفعا) * من غنى أو صحة * (إلا ما شآء الله) * استثناء منقطع، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر ؟ ! * (لكل أمة أجل) * في عذابهم وحد محدود من الزمان * (إذا جاء) * ذلك الوقت أنجز وعدكم فلا تستعجلوه. * (إن أتيكم عذابه بيتا) * ظرف، أي: وقت بيات فبيتكم وأنتم نائمون * (أو نهارا) * أي: أو في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلب معاشكم، والبيات بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم * (ماذا يستعجل منه المجرمون) * أي: أي شئ يستعجلون من العذاب وليس شئ منه يوجب الاستعجال ؟ ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قال: أي هول شديد يستعجلون منه ؟ ! وقيل: الضمير في * (منه) * لله تعالى وتعلق الاستفهام ب‍ * (أرءيتم) * (1)، والمعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون ؟ وجواب الشرط محذوف وهو " تندموا على الاستعجال " أو " تعرفوا الخطأ فيه "، ويجوز أن يكون * (ماذا يستعجل منه المجرمون) * جوابا للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني ؟ ثم تتعلق الجملة ب‍ * (أرءيتم) *، وأن يكون * (أثم إذا ما وقع ءامنتم به) * جواب الشرط، و * (ماذا يستعجل منه المجرمون) * اعتراضا، والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان به ؟ ودخول حرف الاستفهام على " ثم " كدخوله على الواو والفاء في قوله: * (أفأمن) * (2) * (أو أمن أهل القرى) * (3)، * (ءآلن) * على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به وقد كنتم تكذبون به ؟ لأن استعجالهم كان


(1) قاله الفراء في معاني القرآن: ج 1 ص 467. (2 و 3) الأعراف: 97 و 98. (*)

[ 132 ]

للتكذيب. * (ثم قيل للذين ظلموا) * عطف على " قيل " المضمر قبل * (ءآلن) *. * (ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الارض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السموات والارض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحى ى ويميت وإليه ترجعون (56)) * أي: ويستخبرونك فيقولون: * (أحق هو) *، وهو استفهام على وجه الإنكار والاستهزاء * (قل إى) * ومعناه: " نعم " في القسم، كما كان " هل " بمعنى " قد " في الاستفهام خاصة * (وما أنتم بمعجزين) * بفائتين العذاب، وهو لاحق بكم لا محالة. * (ظلمت) * صفة * (نفس) * أي: * (ولو أن لكل نفس) * ظالمة * (ما في) * الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها على كثرتها * (لافتدت به) * لجعلته فدية لها، يقال: فداه فافتدى * (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) * لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه، عاينوا من تفاقم الأمر ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندامة في القلوب، وقيل: أسروا الرؤساء منهم الندامة من أتباعهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم (1)، وقيل: * (أسروا الندامة) * أخلصوها، لأن سر الشئ خالصه (2)، وقيل: معناه: أظهروها (3) * (وقضى بينهم) * بين الظالمين والمظلومين. ثم ذكر سبحانه: أن له الملك كله، وأنه المثيب والمعاقب، وأن ما وعده * (حق) *، وهو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه


(1) قاله الفراء في معاني القرآن: ج 1 ص 469، والزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 25. (2) ذكره الشيخ في التبيان: ج 5 ص 392. (3) وهو قول أبي عبيدة كما حكاه عنه الشيخ في التبيان: ج 5 ص 393. (*)

[ 133 ]

المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك فيخاف ويرجى. * (يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) قل أرءيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحللا قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيمة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60)) * أي: قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من: * (موعظة) * وتنبيه على التوحيد * (وشفاء) * أي: دواء * (لما في الصدور) * من العقائد الفاسدة * (وهدى) * أي: دلالة تؤدي إلى الحق * (ورحمة) * لمن آمن به وعمل بما فيه. الأصل: * (قل بفضل الله وبرحمته) * فليفرحوا * (فبذلك فليفرحوا) * (1)، والتكرير للتأكيد والتقرير، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، وأحد الفعلين حذف لدلالة الآخر عليه، ودخلت الفاء لمعنى الشرط، أي: إن فرحوا بشئ فليخصوهما بالفرح فإنه لا مفروح به أحق منهما، وقرئ: " فلتفرحوا " بالتاء (2) على الأصل والقياس، وقيل: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن (3).


(1) ليس في بعض النسخ: " فبذلك فليفرحوا ". (2) قرأه ابي وعثمان والسلمي وأنس يزيد بن القعقاع وابن عامر والحسن ورويس وهلال بن يساف والأعمش وعمرو بن قائد والعباس بن الفضل الأنصاري وقتادة وأبو رجاء وابن هرمز وابن سيرين وأجازها الفراء ونسبها الى زيد بن ثابت، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع التبيان: ج 5 ص 395، والفريد في إعراب القرآن للهمداني: ج 2 ص 570، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 172. (3) وهو قول ابن عباس وأبي سعيد الخدري والحسن وقتادة ومجاهد. راجع تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 7، والتبيان: ج 5 ص 397. (*)

[ 134 ]

وعن الباقر (عليه السلام): " فضل الله: رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورحمته: علي بن أبي طالب (عليه السلام) " (1). * (أرأيتم) * أخبروني، و * (مآ أنزل الله) *: * (مآ) * منصوب ب‍ * (أنزل) * أو ب‍ * (أرأيتم) * في معنى: أخبرونيه * (فجعلتم منه حراما وحللا) * أي: أنزله الله رزقا حلالا كله، فجعلتم بعضه حلالا وبعضه حراما، كقولهم: * (هذه أنعم وحرث حجر) * (2)، * (قل ءالله أذن لكم) *: * (قل) * تكرير، و * (ءالله أذن لكم) * تعلق ب‍ * (أرأيتم) *، أي أخبروني: أالله أذن لكم في التحريم والتحليل * (أم) * تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه ؟ ويجوز أن يكون * (أم) * منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله ؟ تقريرا للافتراء. وكفي بهذه الآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل عنه من أحكام الشرع، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقال: جائز وغير جائز إلا بعد الإيقان والإتقان، حتى لا يكون مفتريا على الله. * (وما ظن الذين يفترون) * أي: وأي شئ ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه ؟ وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره * (إن الله لذو فضل على الناس) * بما فعل بهم من ضروب الإنعام * (ولكن أكثرهم لا يشكرون) * نعمه. * (وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتب مبين (61) ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون (62) الذين


(1) تفسير القمي: ج 1 ص 313. (2) الأنعام: 138. (*)

[ 135 ]

ءامنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفي الاخرة لا تبديل لكلمت الله ذلك هو الفوز العظيم (64) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65)) * * (ما) * نافية، والخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والشأن: الأمر، وهو من شأنت شأنه، ومعناه: قصدت قصده، والضمير في * (منه) * للشأن، لأن تلاوة القرآن شأن من معظم شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو للتنزيل، أي: * (وما تتلوا) * من التنزيل * (من قرءان) *، وهو إضمار قبل الذكر للتفخيم * (ولا تعملون) * أنتم جميعا * (من عمل إلا كنا عليكم) * شاهدين، به عالمين * (إذ تفيضون فيه) * من أفاض في العمل: إذا اندفع فيه * (وما يعزب) * قرئ بالضم والكسر (1)، أي وما يغيب وما يبعد * (عن) * علم * (ربك) *، * (من مثقال ذرة) * في موضع رفع * (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) * قرئ بالنصب والرفع (2)، فالرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه، والنصب على نفي الجنس، فأما العطف على موضع * (من مثقال ذرة) * في الرفع، والعطف على لفظ * (مثقال) * في النصب، إذا جعلته فتحا في موضع الجر، فليسا بالوجه، لأن قولك: لا يعزب عنه شئ إلا في كتاب لا وجه له. * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * وهم الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالحفظ والكرامة، وقد أبان عنهم بقوله: * (الذين ءامنوا وكانوا يتقون) *. وعن سعيد بن جبير، قال: سئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن أولياء الله، فقال: " هم الذين


(1) وبالكسر هي قراءة يحيى بن وثاب والأعمش وابن مصرف والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 328، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 174. (2) قرأه حمزة وخلف ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 399، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 451. (*)

[ 136 ]

يذكر الله برؤيتهم " (1)، يعني: في السمت (2) والهيئة، وقيل: هم المتحابون في الله (3). * (الذين ءامنوا) * نصب أو رفع على المدح أو الابتداء، والخبر: * (لهم البشرى) *، والبشرى * (في... الدنيا) *: ما بشر الله المتقين في غير موضع من كتابه. وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وفي الآخرة الجنة " (4). وعنه (عليه السلام): " ذهبت النبوة وبقيت المبشرات " (5). وعن عطاء (6): لهم البشرى عند الموت يأتيهم الملائكة بالرحمة، قال الله تعالى: * (تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا) * (7)، وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وغير ذلك من البشارات، نحو إعطاء الصحف بأيمانهم وما يرون من بياض وجوههم * (لا تبديل لكلمت الله) * لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده * (ذلك) * إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض. * (ولا يحزنك قولهم) * تكذيبهم وتدبيرهم في إبطال أمرك وسائر ما يتكلمون


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 355. (2) السمت: هيئة أهل الخير، يقال: ما أحسن سمته، أي سيرته. (الصحاح: مادة سمت). (3) أخرجه الطبري في تفسيره: ج 6 ص 575 - 576 باسناده الى أبي هريرة وعمر بن الخطاب وأبي مالك الأشعري كلهم عن النبي (صلى الله عليه وآله). (4) مسند أحمد: ج 6 ص 452، مستدرك الحاكم: ج 2 ص 340. (5) مسند أحمد: ج 6 ص 381، سنن الدارمي: ج 2 ص 123. (6) هو عطاء بن أبي رباح أسلم، أبو محمد، تابعي، من الفقهاء، كان عبدا أسود ولد في جند باليمن، ونشأ بمكة، فكان مفتي أهلها ومحدثهم، مات سنة خمس عشرة ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة بعدما عمي. راجع المعارف لابن قتيبة: ص 320. (7) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 356. (*)

[ 137 ]

به في شأنك * (إن العزة لله) * استئناف فيه تعليل، كأنه قال: مالي لا أحزن ؟ فأجيب: * (إن العزة لله جميعا) * أي: إن الغلبة والقهر جميعا لله وفي ملكته، لا يملك أحد شيئا منهما، لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم، إنا لننصر رسلنا * (هو السميع) * لما يقولون * (العليم) * بما يعزمون عليه، فيكافئهم بذلك. * (ألا إن لله من في السموات ومن في الارض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لايت لقوم يسمعون (67) قالوا اتخذ الله ولدا سبحنه هو الغنى له ما في السموات وما في الارض إن عندكم من سلطن بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70)) * * (من في السموات ومن في الارض) * هم العقلاء المميزون من الملائكة والجن والإنس، وإنما خصهم ليبين أنهم إذا كانوا عبيده وفي ملكته ولا يصلح أحد منهم للإلهية فما وراءهم مما لا يعقل ولا يميز أحق أن لا يكون شريكا له ؟ ! ومعنى * (وما) * يتبعون * (شركاء) *: وما يتبعون حقيقة الشركاء، لأن شركة الله في الإلهية محال * (إن يتبعون إلا) * ظنهم أنهم شركاء * (وإن هم إلا يخرصون) * يقدرون تقديرا باطلا، ويجوز أن يكون * (وما يتبع) * استفهاما، أي: وأي شئ يتبعون ؟ وعلى هذا فيكون * (شركاء) * نصبا ب‍ * (يدعون) *، وعلى الأول ب‍ * (يتبع) *، وكان حقه: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء، فاقتصر على أحدهما للدلالة، ويجوز أن يكون * (ما) * موصولة عطفا على * (من) *، بمعنى:

[ 138 ]

ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم. ثم نبه على عظيم نعمته بأنه * (جعل... اليل) * مظلما * (والنهار) * مضيئا * (مبصرا) * ليسكنوا في الليل، ويبصروا في النهار مطالب أرزاقهم. * (سبحنه) * تنزيه له عن اتخاذ الولد * (هو الغنى) * علة لنفي الولد، لأن ما يطلب به الولد من يلد، وما يطلبه له، السبب في كله الحاجة، وإذا كانت عنه منتفية كان الولد عنه منتفيا * (له ما في السموات وما في الارض) * فهو مستغن عن اتخاذ أحد منهم ولدا * (إن عندكم من سلطن) * أي: ما عندكم من حجة * (بهذا) * القول، ولما نفي عنهم الحجة جعلهم غير عالمين، فدل بذلك على أن كل قول ليس عليه برهان فهو جهل وليس بعلم. * (إن الذين يفترون على الله الكذب) * بإضافة الولد إليه. * (متع في الدنيا) * أي: افتراؤهم هذا متاع قليل ومنفعة يسيرة في الدنيا * (ثم) * يلقون الشقاء المؤبد بعده. * (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بايت الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجينه ومن معه في الفلك وجعلنهم خلئف وأغرقنا الذين كذبوا بايتنا فانظر كيف كان عقبة المنذرين (73)) * * (إن كان كبر عليكم) * أي: شق وثقل عليكم مكاني و * (مقامي) * يعني: نفسه، كما يقال: فعلت كذا لمكان فلان، ومنه * (ولمن خاف مقام ربه) * (1) يعني: خاف


(1) الرحمن: 46. (*)

[ 139 ]

ربه، أو يريد: قيامي ومكثي بين أظهركم مددا طوالا، أو مقامي (1) * (وتذكيري) * لأنهم كانوا إذا وعظوا قاموا على أرجلهم ليكون كلامهم مسموعا * (فأجمعوا أمركم) * من أجمع على الأمر وأجمع الأمر وأزمعه: إذا عزم عليه، والواو بمعنى " مع "، أي: فأجمعوا أمركم مع * (شركاءكم) * واحتشدوا (2) فيما تريدون من إهلاكي، وابذلوا وسعكم فيه * (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) * أي: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورا عليكم ولكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني به، والغمة: السترة، من غمه: إذا ستره، ومنه الحديث " لا غمة في فرائض الله " (3) أي: لا تستروا، ولكن تجاهروا بها، ويجوز أن يكون المعنى: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غمة، أي: غما وهما، والغمة والغم بمعنى كالكربة والكرب * (ثم اقضوا إلى) * ذلك الأمر الذي تريدون بي، أي: أدوا إلي ما هو حق عليكم عندكم، من إهلاكي كما يقضي الرجل غريمه * (ولا تنظرون‍) * ي ولا تمهلوني. * (فإن توليتم) * فإن أعرضتم عن نصيحتي وعن اتباع الحق * (فما سألتكم من أجر) * فما كان عندي ما ينفركم عني من طمع في أموالكم، وطلب أجر على موعظتكم * (إن أجرى إلا على الله) * وهو الثواب الذي يثيبني في الآخرة * (وأمرت أن أكون من المسلمين) * المستسلمين لأمر الله، أو الذين لا يطلبون على تعليم الدين أجرا ولا يأخذون به دنيا، يريدون: أن ذلك مقتضى الإسلام. * (فكذبوه) * أي: فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في آخر المدة الطويلة كتكذيبهم في أولها * (فنجينه ومن معه في) * السفينة * (وجعلنهم خلئف) * خلفاء لمن هلك بالغرق * (فانظر كيف كان عقبة المنذرين) * هذا تعظيم لما جرى عليهم،


(1) في نسخة: قيامي. (2) احتشد: إذا اجتمع. (الصحاح: مادة حشد). (3) رواه الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 360. (*)

[ 140 ]

وتحذير لمكذبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مثله. * (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينت فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملايه بايتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح السحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءابآءنا وتكون لكما الكبرياء في الارض وما نحن لكما بمؤمنين (78)) * أي: * (بعثنا من) * بعد نوح * (رسلا) * يعني: هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا * (فجاءوهم) * بالمعجزات والحجج المبينة (1) لدعواهم * (فما كانوا ليؤمنوا) * أي: فما كان إيمانهم إلا ممتنعا لتصميمهم على الكفر * (بما كذبوا به من قبل) * يريد: أنهم كانوا أهل جاهلية قبل بعثة الرسل، فلم يكن بين حالتيهم فرق: قبل البعثة وبعدها * (كذلك) * أي: مثل ذلك الطبع * (نطبع على قلوب المعتدين) * كأن الطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم، لأن الخذلان يتبعه، ألا ترى أنه وصفهم بالاعتداء وأسنده إليهم. * (من بعدهم) * أي: من بعد الرسل * (فاستكبروا) * عن قبول الآيات بعد تبينها * (وكانوا قوما مجرمين) * كفارا ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترأوا على ردها. * (فلما) * عرفوا أنه هو * (الحق) * وأنه * (من) * عند الله * (قالوا إن هذا السحر مبين) *.


(1) في نسخة: المثبتة. (*)

[ 141 ]

* (أتقولون للحق) * أي: أتعيبونه وتطعنون فيه ؟ ونحوه: * (سمعنا فتى يذكرهم) * (1) أي: يعيبهم * (أسحر هذا) * إنكار لما قالوه في عيبه والطعن عليه، ويجوز أن يكون مفعول * (أتقولون) * محذوفا، وهو مادل عليه قولهم: * (إن هذا لسحر مبين) *، ثم قال: * (أسحر هذا) *. * (لتلفتنا) * لتصرفنا، واللفت والفتل مثلان، مطاوعهما: الالتفات والانفتال * (عما وجدنا عليه ءابآءنا) * يريدون عبادة الأصنام * (وتكون لكما الكبرياء) * أي: الملك، لأن الملوك موصوفون بالكبر، وقرئ: " ويكون " بالياء (2). * (وقال فرعون ائتونى بكل سحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون (80) فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلمته ولو كره المجرمون (82) فما ءامن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملايهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الارض وإنه لمن المسرفين (83)) * * (ما جئتم به) *: * (ما) * موصولة، و * (السحر) * خبر المبتدأ، أي: الذي جئتم به هو السحر، لا الذي سميتموه سحرا من المعجزات، وقرئ: " السحر " على الاستفهام (3)، وعلى هذه القراءة تكون * (ما) * استفهامية، بمعنى: أي شئ جئتم به ؟ أهو السحر ؟ * (إن الله سيبطله) * سيظهر بطلانه * (لا يصلح عمل المفسدين) *


(1) الأنبياء: 60. (2) قرأه ابن مسعود والحسن وإسماعيل وابن أبي ليلى وأبو عمرو وعاصم بخلاف عنهما. راجع إعراب القرآن للنحاس: ج 2 ص 263، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 182. (3) وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد وأصحابه ويزيد بن القعقاع. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 182. (*)

[ 142 ]

لا يثبته ولا يديمه، بل يدمر عليه. * (ويحق الله الحق) * ويثبته * (بكلمته) * بقضاياه ووعده النصر. * (فما ءامن لموسى) * في أول أمره * (إلا ذرية من قومه) * أي: طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قال: إلا أولاد من أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا * (من فرعون) * وقيل: هم بنو إسرائيل، وكانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب دخل مصر منهم باثنين وسبعين، وإنما سماهم ذرية على وجه التصغير لقلتهم بالإضافة إلى قوم فرعون (1)، وقيل: الضمير في * (قومه) * لفرعون، و " الذرية ": مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطة امرأته (2)، والضمير في * (وملإيهم) * يرجع إلى فرعون، والمعنى: حزب آل فرعون كما يقال: ربيعة ومضر، ويجوز أن يرجع إلى " الذرية "، أي: على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعونهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم، ويدل عليه قوله: * (أن يفتنهم) * أي: يعذبهم * (وإن فرعون لعال) * أي: قاهر * (في الارض) *، * (وإنه لمن المسرفين) * في الظلم والفساد، وفي الكبر والعتو. * (وقال موسى يقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكفرين (86)) * * (فعليه توكلوا) * أي: إليه أسندوا أموركم في العصمة من فرعون، ثم شرط في التوكل الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله، أي: يجعلوها له سالمة خالصة


(1) وهو قول ابن عباس على ما حكاه عنه السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 107. (2) حكاه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 364 ونسبه الى ابن عباس. (*)

[ 143 ]

لاحظ للشيطان فيها. * (فقالوا على الله توكلنا) * لا جرم قبل الله توكلهم، وأجاب دعاءهم، ونجاهم وأهلك أعداءهم، وجعلهم خلفاء في أرضه * (لا تجعلنا فتنة) * أي: موضع فتنة لهم، أي: عذاب يعذبوننا أو يفتنوننا عن ديننا، أو فتنة لهم يفتتنون بنا، يقولون: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا. * (ونجنا برحمتك من) * قوم فرعون واستعبادهم إيانا. * (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوا ة وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموا لا في الحيواة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموا لهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولاتتبعآن سبيل الذين لا يعلمون (89)) * تبوأ المكان: اتخذه مباءة، نحو توطنه: اتخذه موطنا (1)، والمعنى: اجعلا * (بمصر بيوتا) * من بيوته مباءة * (لقومكما) * ومرجعا يرجعون إليه * (واجعلوا بيوتكم) * تلك * (قبلة) * أي: مساجد يذكر فيها اسم الله، وقيل: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا (2) * (وأقيموا الصلوا ة) * داوموا على فعلها * (وبشر المؤمنين) * خطاب لموسى، وقيل: لمحمد (صلى الله عليه وآله) (3). والزينة: ما يتزين به من لباس أو حلي أو فراش أو غير ذلك * (ليضلوا عن


(1) في بعض النسخ: وطنا. (2) قاله سعيد بن جبير على ما حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 447. (3) قاله ابن جرير الطبري ومكي. راجع تفسير الطبري: ج 6 ص 598، وتفسير الثعالبي: ج 2 ص 109. (*)

[ 144 ]

سبيلك) * قيل: هو دعاء بلفظ الأمر (1) كقوله: * (ربنا اطمس... واشدد) * لما لم يبق له طمع في إيمانهم اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، ليشهد عليهم أنهم لا يستحقون إلا الخذلان، وأن يخلي بينهم وبين ضلالهم، ومعنى الطمس على الأموال: تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها، قيل: صارت جميع أموالهم حجارة (2)، والشد على القلوب: عبارة عن الخذلان والطبع * (فلا يؤمنوا) * جواب للدعاء، وقيل: إن اللام في * (ليضلوا) * للتعليل (3) على أنهم جعلوا نعمة الله سببا في الضلال فكأنهم أعطوها ليضلوا، وقوله: * (فلا يؤمنوا) * عطف على * (ليضلوا) *، وقوله: * (ربنا اطمس على أموا لهم واشدد على قلوبهم) * دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، وكان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما داعيين (4). * (فاستقيما) * فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجة. الصادق (عليه السلام): " مكث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين سنة " (5). * (ولاتتبعآن سبيل الذين لا يعلمون) * أي: لاتتبعا طريق الجهلة ولا تعجلا، وقرئ: " ولاتتبعان " بنون الخفيفة وكسرها (6) لالتقاء الساكنين تشبيها بنون التثنية.


(1) قاله الحسن والكسائي وأبو عبيدة والفراء. راجع التبيان: ج 5 ص 423، ومجاز القرآن: ج 1 ص 281، ومعاني القرآن: ج 1 ص 477، والبحر المحيط: ج 5 ص 186. (2) وهو قول ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك وأبي صالح والسدي ومحمد بن سليمان المقدسي. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 187. (3) وهو قول الخليل وسيبويه على ما حكاه عنهما القرطبي في تفسيره: ج 8 ص 374. (4) وهو قول ابن عباس ومحمد بن كعب والربيع وابن زيد وعكرمة وأبي العالية. راجع التبيان: ج 5 ص 424، والبحر المحيط: ج 5 ص 187. (5) تفسير العياشي: ج 2 ص 127 ح 40. (6) وهي قراءة ابن ذكوان وابن عامر إلا الداحوني عن هشام. راجع التبيان: ج 5 ص 425. (*)

[ 145 ]

* (وجوزنا ببنى إسرا ءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنوا إسرا ءيل وأنا من المسلمين (90) ءآلن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية وإن كثيرا من الناس عن ءايتنا لغفلون (92)) * أي: عبرنا بهم * (البحر) * حتى جاوزوه سالمين * (فأتبعهم) * لحقهم * (فرعون وجنوده) * يقال: تبعته حتى أتبعته، قرئ: * (أنه) * بالفتح على حذف الباء، و " إنه " بالكسر (1) على الاستئناف، بدلا من * (ءامنت) * كرر المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصا على القبول، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته وقاله في وقت الإلجاء، وكانت المرة الواحدة كافية وقت الاختيار وبقاء التكليف. * (ءآلن) * أي: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق ؟ ويحكى: أنه حين قال: * (ءامنت) * أخذ جبرئيل من حال (2) البحر فدسه في فيه (3) * (وكنت من المفسدين) * أي: الضالين المضلين عن الإيمان. قرئ: * (ننجيك) * بالتشديد والتخفيف (4)، أي: نبعدك مما وقع فيه قومك، وقيل: نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع (5) * (ببدنك) * في موضع الحال، أي: في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن، أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شئ ولم يتغير، أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها * (لمن


(1) قرأه حمزة والكسائي. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 1 ص 522. (2) الحال: الطين الأسود. (الصحاح: مادة حول). (3) حكاها الطبري في تاريخه: ج 1 ص 292، وأخرجها الترمذي في سننه: ج 5 ص 268. (4) وبالتخفيف قرأه قتيبة ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 428. (5) قاله ابن عباس. راجع تفسيره: ص 179. (*)

[ 146 ]

خلفك ءاية) * لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن فرعون أجل شأنا من أن يغرق فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه، ومعنى كونه آية: أن يظهر للناس عبوديته ومهانته، وأن ما كان يدعيه من الربوبية محال، وأن يكون عبرة يعتبر بها الأمم بعده فلا يجترئوا على ما اجترأ عليه. * (ولقد بوأنا بنى إسرا ءيل مبوأ صدق ورزقنهم من الطيبت فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (93) فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسل الذين يقرءون الكتب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بايت الله فتكون من الخسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم (97)) * * (مبوأ صدق) * منزلا صالحا مرضيا وهو بيت المقدس والشام * (ورزقنهم من الطيبت) * وهي الأشياء اللذيذة * (فما اختلفوا) * في دينهم، وما تشعبوا فيه شعبا * (حتى جاءهم العلم) * بدين الحق ولزمهم الثبات عليه، وقيل: العلم بمحمد (صلى الله عليه وآله) ونعته (1)، واختلافهم فيه: أنه هو أم ليس به. * (فإن كنت في شك) * أي: فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا * (فسل) * علماء أهل * (الكتب) * فإنهم محيطون علما بصحة ما أنزل إليك، وعن الصادق (عليه السلام): " لم يشك ولم يسأل " (2)، * (لقد جاءك الحق من ربك) * أي: ثبت عندك بالآيات والبراهين أن ما أتاك هو الحق الذي لا مدخل فيه للمرية * (فلا تكونن من


(1) قاله ابن بحر على ما حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 450. (2) تفسير القمي: ج 1 ص 317. (*)

[ 147 ]

الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بايت الله) * أي: فاثبت على ما أنت عليه من انتفاء المرية والتكذيب بآيات الله عنك، وقيل: خوطب رسول الله والمراد أمته (1)، والمعنى: فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم، كقوله: * (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) * (2)، وقيل: الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشك (3)، كقول العرب: " إذا عز أخوك فهن " (4). وقيل: * (إن) * للنفي (5)، أي: فما كنت في شك... فسأل، والمعنى: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم بمعاينة إحياء الموتى * (حقت عليهم كلمت ربك) * ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا، فلا يكون غيره، وتلك كتابة علم لا كتابة إرادة، تعالى الله عن ذلك. * (فلولا كانت قرية ءامنت فنفعهآ إيمنهآ إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحيواة الدنيا ومتعنهم إلى حين (98) ولو شآء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99)) *


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 32. (2) النساء: 174. (3) حكاه السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 111 ونسبه الى القتبي. (4) أول من قال ذلك الهذيل بن هبيرة أخو بني ثعلبة التغلبي، وكان أغار على بني ضبة فغنم فأقبل بالغنائم، فقال له أصحابه: أقسمها بيننا، فقال: إني أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب، فأبوا، فعندها قال: إذا عز أخوك فهن، ثم نزل فقسم بينهم الغنائم. ويضرب لمن لا يخاف استدلاله وهوانه، أي إذا غلبك ولم تقاومه فلن له. راجع مجمع الأمثال للميداني: ج 1 ص 24. (5) ذكره الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 371. (*)

[ 148 ]

فهلا * (كانت قرية) * واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر، و * (ءامنت) * وقت بقاء التكليف قبل معاينة البأس، ولم تؤخر التوبة كما أخرها فرعون إلى أن أدركه الغرق * (فنفعهآ إيمنهآ) * بأن يقبله الله منها * (إلا قوم يونس) * استثناء من القرى، لأن المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس، ويجوز أن يكون متصلا والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وكان قد بعث إلى نينوى (1) من أرض الموصل (2)، فكذبوه، فذهب عنهم مغاضبا، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب، فلبسوا المسوح وعجوا وبكوا، فصرف الله * (عنهم) * العذاب وكان قد نزل وقرب منهم، وعن الفضيل بن عياض: أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله (3). * (ولو شآء ربك) * مشيئة الإلجاء * (لامن من في الارض كلهم) * على وجه الإحاطة والعموم * (جميعا) * مجتمعين على الإيمان، يدل عليه قوله: * (أفأنت تكره الناس) * يعني: إنما يقدر الله على إكراههم لا أنت، لأنه هو يقدر أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وليس ذلك في مقدور القدر، ولا يستطيعه البشر.


(1) وهي قرية قديمة لا تزال آثارها باقية قبالة مدينة الموصل في العراق، وهي مدينة يونس ابن متى النبي (عليه السلام). راجع معجم البلدان للحموي: ج 4 ص 870. (2) الموصل: وهي مدينة قديمة مشهورة، اختطها هرثمة بن عرفجة البارقي، وكان قبل ذلك حصنا فيه بيع ومنازل للنصارى واليهود، فانزل هرثمة المسلمين منازلهم، ومصر المدينة لهم، قالوا: وسميت بالموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، وقيل: وصلت بين دجلة والفرات، وفي وسطها قبر جرجيس النبي (عليه السلام). راجع فتوح البلدان للبلاذري: ج 2 ص 331 - 333. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 372. (*)

[ 149 ]

* (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السموات والارض وما تغنى الايت والنذر عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين ءامنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103)) * * (وما كان لنفس) * من النفوس التي علم الله أنها تؤمن * (أن تؤمن إلا بإذن الله) * أي: بتسهيله وتوفيقه له وتمكينه منه ودعائه إليه * (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) * قابل الإذن بالرجس وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها ب‍ * (الذين لا يعقلون) * وهم المصرون على الكفر، كقوله: * (صم بكم عمى فهم لا يعقلون) * (1)، وسمى الخذلان رجسا وهو العذاب لأنه سببه. * (ماذا في السموات والارض) * من العبر والآيات * (وما تغنى الايت والنذر) * الرسل المنذرون أو الإنذارات * (عن قوم لا يؤمنون) * أي: لا يتوقع إيمانهم، و * (ما) * نافية أو استفهامية. و * (أيام الذين خلوا من قبلهم) * وقائع الله فيهم، كما يقال: أيام العرب، لوقائعها. * (ثم ننجي رسلنا) * عطف على كلام محذوف يدل عليه ما قبله، كأنه قال: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا، على حكاية الأحوال الماضية * (والذين ءامنوا) * معهم، و * (كذلك... ننج المؤمنين) * أي: مثل ذلك الإنجاء ننج المؤمنين منكم ونهلك المشركين، و * (حقا علينا) * اعتراض، يعني: حق ذلك علينا حقا، وقرئ: " ننجي " بالتشديد (2).


(1) البقرة: 171. (2) وهي قراءة الجمهور غير الكسائي وحفص عن عاصم. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 330. (*)

[ 150 ]

* (قل يأيها الناس إن كنتم في شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفيكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظلمين (106) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحكمين (109)) * * (إن كنتم في شك من) * صحة * (دينى ف‍) * هذا ديني وهو: أني * (لاأعبد) * الحجارة التي * (تعبدون‍) * - ها * (من دون) * من هو ربكم وإلهكم * (ولكن أعبد الله الذي يتوفيكم) * فهو الحقيق بأن يخاف ويرجى ويعبد * (وأمرت أن أكون من) * المصدقين بالتوحيد. * (وأن أقم) * والباء مراد فحذف، أي: بأن أكون وبأن أقم، فإن " أن " قد توصل بالأمر والنهي، وشبه ذلك بقولهم: " أنت الذي تفعل " على الخطاب، لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي يدلان على المصدر كما يدل غيرهما من الأفعال. * (أقم وجهك) * استقم إليه فلا تلتفت يمينا ولا شمالا، و * (حنيفا) * حال من * (الدين) * أو من الوجه. * (فإن فعلت) * أي: فإن دعوت * (من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك) * فكنى عنه بالفعل إيجازا * (فإنك إذا من الظلمين) *: * (إذا) * جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة غير الله، فأعلم أن الشرك من أعظم الظلم.

[ 151 ]

ثم عقب النهي عن عبادة مالا ينفع ولا يضر بأن الله هو الضار والنافع الذي إن أصابك * (بضر) * لم يقدر على كشفه * (إلا هو وإن) * أرادك * (بخير) * لم يرد أحد ما يريد بك من * (فضله) * فهو الحقيق بأن يعبد دون الأوثان. * (قد جاءكم الحق) * فلم يبق لكم عذر، ولا لكم على الله حجة * (فمن) * اختار الهدى واتباع الحق لم ينفع إلا نفسه * (ومن) * اختار الضلال لم يضر إلا نفسه، واللام و " على " دليلان على معنى النفع والضرر * (وما أنا عليكم بوكيل) * بحفيظ موكل إلي أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير. * (واصبر) * على دعوتهم واحتمال أذاهم * (حتى يحكم الله) * لك بالنصر عليهم والغلبة * (وهو خير الحكمين) * لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل.

[ 153 ]

سورة هود مكية (1)، مائة وإحدى وعشرون آية بصري، ثلاث كوفي، عد الكوفي: * (برئ مما تشركون) * (2)، * (في قوم لوط) * (3). في حديث أبي: " ومن قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى، وكان يوم القيامة من السعداء " (4). الباقر (عليه السلام): " من قرأها في كل جمعة بعثه الله يوم القيامة في زمرة النبيين، وحوسب حسابا يسيرا، ولم تعرف له خطيئة عملها يوم القيامة " (5).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 5 ص 445: مكية في قراءة قتادة ومجاهد وغيرهما، وهي مائة وثلاث وعشرون آية في الكوفي، واثنتان في المدني، وواحدة في البصري وعند إسماعيل. وقال الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 455: مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية وهي قوله: * (وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من اليل) *. ونحوه القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 1. وعن الكشاف: ج 2 ص 377: مكية إلا الآيات: 12 و 17 و 114 فمدنية، وهي مائة وثلاث وعشرون آية، نزلت بعد سورة يونس. (2) الآية: 54. (3) الآية: 74. (4) رواه الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 439 مرسلا. (5) تفسير العياشي: ج 2 ص 139 ح 1. (*)

[ 154 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (الر كتب أحكمت ءايته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5)) * * (أحكمت ءايته) * نظمت محكما لا نقص (1) فيه ولا خلل كالبناء المحكم، أو جعلت آياته حكيمة، من حكم: إذا صار حكيما، كقوله: * (ءايت الكتب الحكيم) * (2)، أو منعت من الفساد، من أحكم الدابة: وضع عليها الحكمة (3) لتمنعها من الجماح، قال جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا (4) * (ثم فصلت) * كما تفصل القلائد، بدلائل التوحيد والمواعظ والأحكام والقصص، أو جعلت فصولا: آية آية وسورة سورة، أو فرقت في التنزيل فلم تنزل جملة واحدة، ومعنى * (ثم) *: التراخي في الحال لا في الوقت، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل، و * (كتب) *: خبر مبتدأ


(1) في بعض النسخ: " نقض ". (2) يونس: 1. (3) حكمة اللجام: ما أحاط بحنكي الدابة، وفيها العذاران، سميت بذلك لأنها تمنعه من الجري الشديد، مشتق من ذلك، وجمعه حكم. (لسان العرب: مادة حكم). (4) البيت واضح المعنى، ففيه ضرب من التهديد، راجع الشعر والشعراء لابن قتيبة: ص 374. (*)

[ 155 ]

محذوف * (من لدن حكيم) * أحكمها، و * (خبير) *: عالم فصلها، أي: بينها وشرحها. * (ألا تعبدوا) * مفعول له، أي: لأن لا تعبدوا، أو يكون " أن " مفسرة، لأن في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال: لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله، أي: أمركم بالتوحيد. * (وأن استغفروا) * أي: وأمركم بالاستغفار، والضمير في * (منه) * لله، أي: * (إننى لكم... نذير وبشير) * من جهته، كقوله: * (رسول من الله) * (1)، أو هي صلة ل‍ * (نذير) * أي: أنذركم * (منه) * ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم * (ثم توبوا إليه) * يعني: استغفروا من الشرك ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها كقوله: * (ثم استقموا) * (2)، * (يمتعكم) * في الدنيا بالنعم السابغة والمنافع المتتابعة * (إلى أجل مسمى) * إلى أن يتوفاكم * (ويؤت كل ذي فضل فضله) * أي: ويعط في الآخرة كل ذي فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس، أو فضله في الثواب والدرجات * (وإن تولوا) * أي: تتولوا، فحذف إحدى التاءين * (عذاب يوم كبير) * يوم القيامة، وبين العذاب بأن مرجعهم إلى القادر على ما يريده من عذابهم. * (يثنون صدورهم) * أي: يزورون عن الحق وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشئ استقبله بصدره، ومن انحرف عنه ثنى عنه صدره * (ليستخفوا منه) * أي: يريدون ليستخفوا من الله، فلا يطلع (3) رسوله والمؤمنين على ازورارهم * (ألا حين يستغشون ثيابهم) * معناه: يتغطون بثيابهم كراهة لاستماع كلام الله، كقوله: * (جعلوا أصبعهم في ءاذانهم واستغشوا ثيابهم) * (4)، ثم قال: * (يعلم ما يسرون وما يعلنون) * يعني: أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم.


(1) البينة: 2. (2) الأحقاف: 13. (3) في بعض النسخ: " يطلع " بالتشديد. (4) نوح: 7. (*)

[ 156 ]

وفي قراءة أهل البيت (عليهم السلام): " يثنوني صدورهم " (1) على يفعوعل، من الثني وهو بناء مبالغة، وقرئ بالتاء (2) والياء (3). * (وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتب مبين (6) وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (8)) * * (على الله رزقها) * لما ضمن سبحانه أن يتفضل بالرزق عليهم وتكفل به صار التفضل واجبا، فلذلك جاء بلفظ الوجوب كالنذور الواجبة على العباد * (ويعلم مستقرها) * موضع قرارها ومسكنها * (ومستودعها) * حيث كانت مودعة فيه قبل الاستقرار من: أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، أو البيض * (كل) * أي: كل واحدة من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها * (في كتب) * في اللوح المحفوظ، يعني: أن ذكرها مكتوب فيه ظاهر. * (وكان عرشه على الماء) * أي: ماكان تحته خلق إلا الماء، قبل خلق السماوات والأرض وارتفاعه فوقها، وفيه دلالة على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض (4) * (ليبلوكم) * يتعلق ب‍ * (خلق) * أي:


(1) انظر البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 202. (2) وهي قراءة ابن عباس ومجاهد ونصر بن عاصم على ما حكاه عنهم ابن خالويه في شواذ القرآن: ص 64. (3) وهي قراءة ابن عباس ومجاهد أيضا وابن يعمر وابن أبي اسحاق. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 202. (4) قال العلامة الطباطبائي (قدس سره): وكون العرش على الماء يومئذ كناية عن أن ملكه تعالى كان = (*)

[ 157 ]

خلقهن لحكمة بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم ويعرضهم لثواب الآخرة، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: * (ليبلوكم) * أي: ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون * (أيكم أحسن عملا) * تعليق، لأن في الاختبار معنى العلم، وهو طريق إليه، والذين هم أحسن عملا: هم المتقون، فخصهم بالذكر تشريفا لهم وترغيبا في حيازة فضلهم * (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت) * فتوقعوه لقالوا: * (إن هذا إلا سحر مبين) * أي: أمر باطل، وأشاروا بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره، وقرئ: " إلا ساحر " (1) يريدون الرسول. و * (العذاب) * عذاب الآخرة، وقيل: عذاب يوم بدر (2) * (إلى أمة) * أي: حين، والمعنى: إلى جماعة من الأوقات * (ليقولن ما يحبسه) * أي: ما يمنعه من النزول استعجالا له، و * (يوم يأتيهم) * منصوب بخبر * (ليس) *، وفيه دليل (3) على جواز تقديم خبر " ليس " على " ليس "، لأن المعمول لا يقع إلا حيث يجوز وقوع العامل فيه، ووضع * (يستهزءون) * موضع يستعجلون، لأن استعجالهم كان على وجه الاستهزاء * (وحاق) * في معنى: " يحيق " إلا أنه جاء على عادة الله في إخباره. * (ولئن أذقنا الانسن منا رحمة ثم نزعنها منه إنه ليوس كفور (9) ولئن أذقنه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيات عنى إنه لفرح


= مستقرا يومئذ على هذا الماء الذي هو مادة الحياة، فعرش الملك مظهر ملكه، واستقراره على محل هو استقرار ملكه عليه كما أن استواءه على العرش احتواؤه على الملك واخذه في تدبيره، وقول بعضهم: ان المراد بالعرش البناء بعيد عن الفهم. انظر الميزان: ج 10 ص 151. (1) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 391. (2) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 182. (3) في نسخة: دلالة. (*)

[ 158 ]

فخور (10) إلا الذين صبروا وعملوا الصلحت أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11)) * * (الانسن) * للجنس * (رحمة) * أي: نعمة من صحة أو ثروة أو نحو ذلك * (ثم نزعنها) * أي: سلبناها منه * (إنه ليوس) * شديد اليأس، قنوط من أن تعود إليه تلك النعمة المنزوعة، قاطع رجاءه من سعة فضل الله * (كفور) * عظيم الكفران لنعمه. * (ذهب السيات عنى) * أي: المصائب التي ساءتني وحزنتني * (إنه لفرح) * أي: أشر بطر * (فخور) * على الناس بما أنعم الله عليه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر. * (إلا الذين صبروا) * أي: قابلوا الشدة بالصبر، والنعمة بالشكر. * (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل (12) أم يقولون افتربه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريت وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صدقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14)) * كانوا يقترحون عليه أشياء تعنتا، فقالوا: * (لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) *، وكان يضيق صدره صلوات الله عليه وآله بما يقولونه * (أن يقولوا) * كراهة أن يقولوا: هلا * (أنزل عليه) * ما اقترحناه من الكنوز والملائكة ؟ ولم أنزل عليه مالا نريده ولا نقترحه ؟ * (إنما أنت نذير) * أي: ليس عليك إلا إنذارهم بما أوحي إليك * (والله على كل شئ وكيل) * يحفظ ما يقولون ثم يفعل بهم ما يجب أن يفعل، فكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحي غير مبال بمقالهم ولا ملتفت إلى فعالهم من: استكبارهم واستهزائهم. * (أم) * منقطعة، والضمير في * (افتربه) * ل‍ * (ما يوحى إليك) *، تحداهم * (بعشر

[ 159 ]

سور) * ثم تحداهم بسورة واحدة لما استبان عجزهم عن الإتيان بالعشر * (مثله) * بمعنى: أمثاله، لأنه أراد مماثلة كل واحدة منها له * (مفتريت) * صفة ل‍ " عشر سور "، والمعنى: هبوا أني افتريته من عند نفسي كما زعمتم * (فأتوا) * أنتم بكلام * (مثله) * في حسن النظم والفصاحة مفترى مختلق من عند أنفسكم، فأنتم فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه من الكلام. * (فإلم يستجيبوا لكم) * أي: لك وللمؤمنين * (فاعلموا) * أيها المؤمنون، أي: اثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقينا * (أنما أنزل بعلم الله) * أي: أنزل ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز لجميع الخلق وإخبار بغيوب لاسبيل لهم إليه * (و) * اعلموا عند ذلك: * (أن لا إله إلا) * الله وحده، وأن توحيده هو الحق، والشرك به هو الظلم الصريح * (فهل أنتم مسلمون) * مخلصون موقنون بعد قيام الحجة القاطعة ؟ ويجوز أن يكون الخطاب للكفار، فيكون المعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونهم إلى معارضته فقد قامت عليكم الحجة، * (فهل أنتم مسلمون) * متابعون بالإسلام معتقدون للتوحيد. * (من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعملهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلاتك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17)) * * (نوف إليهم) * نوصل إليهم ونوفر عليهم أجور * (أعملهم) * من غير بخس

[ 160 ]

في الدنيا، وهو مايرزقون * (فيها) * من الصحة والرزق، وقيل: هم أهل الرياء (1). * (وحبط ما صنعوا) * أي: ماصنعوه، أو صنيعهم * (فيها) * في الآخرة، يعني: لم يكن لصنيعهم ثواب، لأنهم لم يريدوا به الآخرة، وإنما أرادوا به الدنيا وقد وفي إليهم ما أرادوا * (وبطل ما كانوا يعملون) * أي: كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل للوجه الصحيح الذي هو ابتغاء وجه الله، فلا ثواب يستحق عليه ولا أجر. والتقدير: * (أفمن كان على بينة من ربه) * كمن كان يريد الحياة الدنيا على برهان من الله وبيان وحجة على أن دين الإسلام حق وهو دليل العقل، والمعنى: أنهم لا يقاربونهم في المنزلة، وبين الفريقين تفاوت شديد وبون بعيد * (ويتلوه) * ويتبع ذلك البرهان * (شاهد) * يشهد بصحته وهو القرآن * (منه) * من الله، وقيل: البينة: القرآن، والشاهد: جبرئيل يتلو القرآن (2)، وقيل: أفمن كان على بينة هو النبي، والشاهد منه: علي بن أبي طالب (عليه السلام) يشهد له وهو منه، وهو المروي عنهم (عليهم السلام) (3) * (ومن قبله) * من قبل القرآن * (كتب موسى) * وهو التوراة يتلوه أيضا في التصديق * (إماما) * مؤتما به في الدين قدوة فيه * (ورحمة) * ونعمة عظيمة على المنزل عليهم * (أولئك) * يعني: من كان على بينة * (يؤمنون به) * أي: بالقرآن * (ومن يكفر به من الأحزاب) * يعني: أهل مكة ومن وافقهم وضامهم من المتحزبين على رسول الله * (فالنار موعده فلاتك في مرية) * أي: شك من القرآن، أو من الموعد.


(1) قاله مجاهد على ما حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 377. (2) قاله ابن عباس و عبد الرحمن بن زيد والنخعي وعكرمة والضحاك. راجع تفسير ابن عباس: ص 183، وتفسير الماوردي: ج 2 ص 461. (3) تفسير القمي: ج 1 ص 324، وفي التبيان: ج 5 ص 460: روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفي تفسير الماوردي: ج 2 ص 461 عن علي بن الحسين، وذكره الطبري في تفسيره: ج 7 ص 17 باسناده عن جابر عن علي (عليه السلام). (*)

[ 161 ]

* (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظلمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة هم كفرون (19) أولئك لم يكونوا معجزين في الارض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لاجرم أنهم في الاخرة هم الاخسرون (22)) * * (يعرضون على ربهم) * أي: يحبسون ويوقفون موقفا يراهم الخلائق للمطالبة بما عملوا * (و) * يشهد عليهم * (الاشهد) * من: الملائكة الحفظة والأنبياء بأنهم الكاذبون * (على) * الله بأنه اتخذ ولدا وشريكا، وأنهم أضافوا إليه ما لم ينزله، ويقولون: * (ألا لعنة الله على الظلمين الذين يصدون عن سبيل الله) * أي: يغوون الخلق ويصرفونهم عن دين الله * (ويبغونها عوجا) * أي: يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد و * (هم) * الثانية: فصل أكد به كفرهم بالآخرة. * (أولئك لم يكونوا معجزين) * أي: فائتين الله * (في) * الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم * (وما كان لهم) * من يتولاهم فينصرهم ويمنعهم منه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام * (الاشهد) *، وقرئ: " يضعف " (1)، * (ما كانوا يستطيعون السمع) * المعنى: أنهم لفرط تصاممهم عن استماع الحق كأنهم لا يستطيعون السمع. * (خسروا أنفسهم) * بأن اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله * (وضل عنهم) * أي: وضاع عنهم مااشتروه،


(1) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 378. (*

[ 162 ]

وهو: * (ما كانوا يفترون) * من شفاعة آلهتهم لهم. * (لاجرم أنهم في الاخرة هم الاخسرون) * أي: لا ينفعهم ذلك، كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وقيل: معناه: حقا لهم أنهم أخسر الناس في الآخرة (1). * (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون (23) مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24)) * * (أخبتوا إلى ربهم) * اطمأنوا إليه وخشعوا له وانقطعوا إلى عبادته وذكره، من الخبت وهو الأرض المستوية. شبه فريق الكفار ب‍ * (الاعمى والاصم) * وفريق المؤمنين ب‍ * (البصير والسميع) * وهو من اللف والطباق، وفيه معنيان: أن يشبه الفريق بشيئين، كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب في قوله: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي (2) وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم، وبالذي جمع بين السمع والبصر، على أن يكون الواو في * (والاصم) * وفي * (والسميع) * لعطف الصفة على الصفة * (هل يستويان) * الفريقان * (مثلا) * تشبيها ؟ * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملا الذين كفروا من قومه مانربك إلا بشرا مثلنا وما نربك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كذبين (27) قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى وءاتينى رحمة من عنده فعميت


(1) ذكره الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 45. (2) البيت من قصيدة يصف فيها مغامراته وصيده العقبان. راجع ديوان امرئ القيس: ص 145. (*)

[ 163 ]

عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كرهون (28)) * قرئ: * (إنى) * بالفتح (1) والكسر، فالفتح على * (أرسلنا) * ه ب‍ " أني لكم نذير "، والمعنى: * (أرسلنا نوحا) * ملتبسا بهذا الكلام وهو قوله: * (إنى لكم نذير) * بالكسر، فلما اتصل به الجار فتح كما فتح " كأن " وأصله الكسر في قولك: إن زيدا كالأسد، وأما كسر " إن " فعلى إرادة القول. * (أن لا تعبدوا) * بدل من * (إنى لكم) * أي: أرسلنا بأن لا تعبدوا * (إلا الله) * أو تكون * (أن) * مفسرة متعلقة ب‍ * (أرسلنا) * أو ب‍ * (نذير) *، * (أليم) * مجاز في صفة * (يوم) * أو * (عذاب) *، لأن الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيره قولهم: نهاره صائم وليله قائم. * (الملا) * الأشراف، لأنهم يملؤون القلوب هيبة * (مانربك إلا بشرا مثلنا) * ظنوا أن الرسول ينبغي أن يكون من غير جنس المرسل إليه، وال‍ " أراذل ": جمع الأرذل، و * (بادي الرأى) * قرئ بالهمزة (2) وغير الهمزة، بمعنى: اتبعوك أول الرأي، أو ظاهر الرأي، وإنما انتصب على الظرف، وأصله: وقت حدوث أول رأيهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف، وأريد: أن اتباعهم لك إنما كان بديهة من غير روية ونظر، وإنما استرذلوهم لفقرهم وقلة ذات يدهم * (وما نرى لكم علينا من فضل) * أي: زيادة شرف تؤهلكم للنبوة. * (أرءيتم) * أخبروني * (إن كنت على) * برهان * (من ربى) * وشاهد يشهد بصحة نبوتي * (وءاتينى رحمة من عنده) * بإيتاء البينة، على أن البينة هي الرحمة


(1) قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 332. (2) وهي قراءة أبي عمرو ونصير. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 332، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 457. (*)

[ 164 ]

بعينها، ويجوز أن يريد بالبينة: المعجزة وبالرحمة: النبوة (1) " فعميت عليكم " (2) أي: خفيت بعد البينة (3)، وقرئ: * (فعميت) * أي: أخفيت عليكم * (أنلزمكموها وأنتم لها كرهون) * أنكرهكم على قبولها، ونجبركم على الاهتداء بها * (وأنتم) * تكرهونها ولا تختارونها ولا إكراه في الدين ؟ * (ويقوم لاأسلكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين ءامنوا إنهم ملقوا ربهم ولكني أربكم قوما تجهلون (29) ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إنى إذا لمن الظلمين (31)) * الضمير في * (عليه) * يرجع إلى قوله: * (إنى لكم نذير مبين) *، * (إنهم ملقوا ربهم) * معناه: إنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم، أو يلاقونه فيجازيهم على ما يعتقدونه من الإخلاص في الإيمان كما ظهر لي منهم، أو على ما تقرفونهم (4) به من خلاف ذلك * (تجهلون) * الحق وأهله، أو تسفهون على المؤمنين، أو تجهلون لقاء ربكم. * (من ينصرني من الله) * من يمنعني من انتقام الله وعذابه * (إن طردتهم) * ؟ وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء. * (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) * فأدعي فضلا عليكم في الدنيا حتى


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 389. (2 و 3) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا على التخفيف. (4) في بعض النسخ: تعرفونهم. (*)

[ 165 ]

تجحدوا فضلي بقولي: * (وما نرى لكم علينا من فضل) *، * (ولا) * أدعي أني * (أعلم الغيب) * حتى أطلع على نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم * (ولا أقول إنى ملك) * حتى تقولوا لي: ما أنت إلا بشر مثلنا، ولا أحكم على من تسترذلونه لفقرهم: أن الله * (لن يؤتيهم... خيرا) * كما تقولون، لهوانهم عليه * (إنى إذا لمن الظلمين) * إن قلت شيئا من ذلك، والازدراء: افتعال من زرى عليه: إذا عابه. * (قالوا ينوح قد جدلتنا فأكثرت جدا لنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شآء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتربه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون (35)) * أي: حاججتنا وزدت في مجادلتنا على قدر الكفاية * (فأتنا بما تعدنا) * من العذاب فإنا لا نؤمن بك. * (قال إنما يأتيكم به الله) * وليس الإتيان به إلي * (إن شآء) * تعجيله لكم. وقوله: * (إن كان الله يريد أن يغويكم) * شرط جزاؤه مادل عليه قوله: * (لا ينفعكم نصحي) *، وهذا الدال في حكم مادل عليه، فوصل بشرط كما يوصل الجزاء بالشرط في قولهم: إن أحسنت إلي أحسنت إليك إن أمكنني. وأما المعني في قوله: * (إن كان الله يريد أن يغويكم) * فهو أن الكافر إذا علم الله منه الإصرار على الكفر فخلاه وشأنه ولم يقسره على الإيمان سمي ذلك إغواء وإضلالا، كما أنه إذا عرف منه الإرعواء (1) إلى الإيمان فلطف به سمي إرشادا وهداية.


(1) الإرعواء: الكف عن الأمر، وقد ارعوى عن القبيح أي: ارتدع، والاسم: الرعيا والرعوى. (مجمع البحرين: مادة رعا). (*)

[ 166 ]

* (فعلى إجرامي) * معناه: إن صح وثبت أني * (افتريته) * فعلي عقوبة إجرامي أي: افترائي، وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عني * (وأنا برى ء) * أي: ولم يثبت ذلك وأنا برئ منه، ومعنى * (مما تجرمون) *: من إجرامكم في إسناد الافتراء علي، فلا وجه لإعراضكم عني. * (وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولاتخطبنى في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39)) * أقنطه الله سبحانه من إيمانهم * (إلا من قد ءامن) * إلا من وجد منه ماكان يتوقع من الإيمان، و * (قد) * للتوقع * (فلا تبتئس) * أي: فلا تحزن حزن بائس مسكين، قال: ما يقسم الله فاقبل غير مبتئس * منه واقعد كريما ناعم البال (1) أي: فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك، فقد حان وقت الانتقام لك منهم وإنجائك. * (بأعيننا) * في موضع الحال، أي: * (اصنع الفلك) * ملتبسا * (بأعيننا) *، كأن لله سبحانه معه أعينا تكلؤه (2) أن يزيغ في صنعته عن الصواب * (ووحينا) * وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع ؟ وعن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك،


(1) وقائله حسان بن ثابت، ومعناه واضح. راجع ديوان حسان: ص 121. (2) كلأه: أي حرسه. (القاموس المحيط: مادة كلأ). (*)

[ 167 ]

فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر (1) (2). * (ولاتخطبنى في الذين ظلموا) * ولاتدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك * (إنهم) * محكوم عليهم بالإغراق، وقد وجب ذلك فلا سبيل إلى كفه. * (ويصنع الفلك) * حكاية حال ماضية * (سخروا منه) * ومن عمله السفينة، وكان يعملها في برية في أبعد موضع من الماء، فكانوا يتضاحكون ويقولون: يا نوح، صرت نجارا بعدما كنت نبيا ! * (فإنا نسخر منكم) * في المستقبل * (كما تسخرون) * منا الساعة إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. * (من يأتيه) * في محل النصب ب‍ * (تعلمون) *، أي: * (فسوف تعلمون) * الذي * (يأتيه عذاب يخزيه) * وهو عذاب الدنيا * (ويحل عليه) * حلول الدين والحق اللازم * (عذاب مقيم) * وهو عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون * (من) * استفهامية ويكون تعليقا. * (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ءامن وما ءامن معه إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها بسم الله مجربها ومرسهآ إن ربى لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يبنى اركب معنا ولا تكن مع الكفرين (42) قال ساوى إلى جبل يعصمني من الماء قال لاعاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43)) * * (حتى) * هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من: الشرط


(1) جؤجؤ الطائر والسفينة: صدرهما، والجمع الجآجئ. (الصحاح: مادة جأجأ). (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 392. (*)

[ 168 ]

والجزاء * (وفار التنور) * بالماء، أي: ارتفع الماء بشدة اندفاع، وهو تنور الخابزة، وكان في ناحية الكوفة، وقيل: التنور: وجه الأرض (1)، * (وأهلك) * عطف على * (اثنين) *، وكذلك * (ومن ءامن) *، يعني: ف‍ * (احمل) * أهلك والمؤمنين من غيرهم، و * (اثنين) * مفعول * (احمل) *، والمراد ب‍ * (كل زوجين) *: الشياع، وقرئ: * (من كل) * بالتنوين (2) وحذف المضاف إليه من * (كل) *، والمراد: من كل شئ زوجين، فعلى هذا يكون انتصاب ال‍ * (اثنين) * على أنه صفة ل‍ * (زوجين) *، واستثني من أهله * (من سبق عليه القول) * أنه من أهل النار للعلم بأنه يختار الكفر، * (وما ءامن معه إلا قليل) * قيل: كانوا ثمانية (3)، وقيل: كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة (4). * (وقال) * نوح لمن معه: * (اركبوا فيها) *، وقرئ: * (مجربها) * بضم الميم (5) وفتحه، واتفقوا على ضم الميم في * (مرسيهآ) * إلا ماروي عن ابن محيصن: أنه فتح الميم فيهما (6)، من جرى ورسا: إما مصدرين، أو وقتين، أو مكانين، والمعنى: اركبوا فيها مسمين الله، أو قائلين: * (بسم الله) * وقت إجرائها ووقت إرسائها، أو وقت جريها ووقت رسوها، على القراءة الأخرى، ويجوز أن يكونا مصدرين حذف منهما الوقت المضاف، كقولهم: خفوق النجم ومقدم الحاج، ويجوز أن يكونا


(1) قاله ابن عباس وعكرمة والزهري، راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 472، وتفسير البغوي: ج 2 ص 383. (2) الظاهر من العبارة أن المصنف اعتمد هنا على قراءة الاضافة وحذف التنوين تبعا للزمخشري. (3) وهو قول قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 384. (4) قاله مقاتل على ما حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 384. (5) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 333. (6) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 1 ص 385. (*)

[ 169 ]

مكاني الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في * (بسم الله) * من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول، وروي: أن نوحا كان يقول إذا أراد أن تجري: " بسم الله " وإذا أراد أن ترسو: " بسم الله " (1)، ويجوز أن يراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي: بأمره ومشيئته، والاسم مقحم (2). * (وهي تجري بهم) * معناه: أن السفينة تجري بنوح ومن معه على الماء * (في) * أمواج * (كالجبال) * في عظمها وارتفاعها. وقرأ علي (عليه السلام): " ونادى نوح ابنه " بفتح الهاء (3)، اكتفي بالفتحة عن الألف، وروي أيضا: " ابنها " (4) والضمير لامرأته * (وكان في معزل) * وهو مفعل من عزله عنه: إذا نحاه وأبعده، يعني: وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين، وقيل: كان في معزل عن دين أبيه (5)، * (يبنى) * قرئ بفتح الياء وكسرها (6)، فالكسر للاقتصار عليه من ياء الإضافة، والفتح للاقتصار عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: يابنيا، أو سقطت الياء والألف لالتقاء


(1) رواها الطبري في تفسيره: ج 7 ص 45 عن الضحاك. (2) قحمه تقحيما: إذا أدخله في الأمر بلا روية. والمراد هنا: أن لفظ الاسم في قوله تعالى: * (بسم الله مجربها) * ادخل بين الجار والمجرور بقصد المبالغة في عظمة الله سبحانه وقدرته. (3) رويت هذه القراءة عن علي (عليه السلام) وعلي بن الحسين وابنه الباقر وابنه الصادق (عليهم السلام) وعروة ابن الزبير وهشام بن عروة. قال القرطبي: وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد " ابنها " فحذف الألف كما تقول: " ابنه " فتحذف الواو، وقال النحاس: وهذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه، لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها، والواو الثقيلة يجوز حذفها. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 38، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 226. (4) ورويت أيضا عن علي (عليه السلام) وعروة. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 65، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 226. (5) ذكره الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 54. (6) وبالكسر قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة وابن عامر والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 334. (*)

[ 170 ]

الساكنين، لأن الراء بعدهما ساكنة. * (لاعاصم اليوم من) * الطوفان * (إلا من رحم) * الله، أي: إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، يعني: السفينة، أو: لاعاصم اليوم إلا الراحم وهو الله تعالى، وقيل: لاعاصم بمعنى: لا ذاعصمة إلا من رحمه الله، كقولهم: ماء دافق، وعيشة راضية (1)، وقيل: * (إلا من رحم) * استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو معصوم (2). * (وقيل يأرض ابلعى ماءك ويسمآء أقلعى وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظلمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين (45) قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صلح فلا تسلن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجهلين (46) قال رب إنى أعوذ بك أن أسلك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمني أكن من الخسرين (47) قيل ينوح اهبط بسلم منا وبركت عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ماكنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العقبة للمتقين (49)) * نداء ال‍ " أرض " وال‍ " سماء " بما ينادي به العقلاء مما يدل على كمال العزة والاقتدار، وأن هذه الأجرام العظيمة منقادة لتكوينه فيها ما يشاء، غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا جلالته وعظمته، فهم ينقادون له ويمتثلون


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 54. (2) وهو قول الزجاج كما حكاه القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 39. (*)

[ 171 ]

أمره على الفور من غير ريث، والبلع: عبارة عن النشف، والإقلاع: الإمساك * (وغيض الماء) * من غاضه: إذا نقصه * (وقضى الامر) * وأنجز الموعود في إهلاك القوم * (واستوت) * أي: استقرت السفينة * (على الجودي) * وهو جبل بالموصل * (وقيل بعدا) * يقال: بعد بعدا وبعدا: إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء، ومجئ إخباره عز اسمه على (1) الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والعظمة، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل قاهر قادر لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن غيره يقول: * (يأرض... ويسمآء) * وأن أحدا سواه يقضي ذلك الأمر. * (إن ابني من أهلى) * أي: من بعض أهلي، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله * (وإن وعدك الحق) * لاشك في إنجازه، وقد وعدتني أن تنجي أهلي * (وأنت أحكم الحكمين) * أي: أعدلهم وأعلمهم. * (إنه ليس من أهلك) * الذين وعدتك بنجاتهم معك، لأنه ليس على دينك * (إنه عمل غير صلح) * تعليل لانتفاء كونه من أهله، وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وجعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه، كقول الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار (2) وقرئ: " إنه عمل غير صالح " (3)، وقرئ: * (فلا تسلن) * بكسر النون بالياء (4)


(1) في بعض النسخ: عن. (2) صدره: ترتع مارتعت حتى إذا ادكرت. تقدم شرح البيت في ج 1 ص 177 و 205 فراجع. (3) وهي قراءة الكسائي ويعقوب. راجع التبيان: ج 5 ص 494. (4) قرأه أبو جعفر القارئ ويعقوب واحمد بن صالح عن ورش وأبو عمرو. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 459، وتفسير البغوي: ج 2 ص 386. (*)

[ 172 ]

وبغير ياء، وقرئ: " فلا تسلن " مشددة النون مفتوحة (1)، و " لا تسلني " بالتشديد وإثبات الياء (2) وغير ياء (3). والمعنى: فلا تلتمس مني التماسا لاتعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، وذكر السؤال دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق، وجعل سبحانه سؤال مالا يعرف كنهه جهلا، ثم وعظ أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من فعل * (الجهلين) *. * (أن أسلك) * أن أطلب منك في المستقبل * (ما) * لاعلم * (لى) * بصحته، تأدبا بأدبك واتعاظا بموعظتك * (وإلا تغفر لى وترحمني أكن من الخسرين) * قاله على سبيل الخضوع لله عز اسمه والتذلل له والاستكانة. * (بسلم منا) * أي: مسلما محفوظا من جهتنا، أو مسلما عليك مكرما * (وبركت عليك) * ومباركا عليك، والبركات: الخيرات النامية * (وعلى أمم ممن معك) *: " من " للبيان، يريد: الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعات، ولأن الأمم تشعبت منهم، ويجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، أي: على أمم ناشئة ممن معك، وهي الأمم إلى آخر الدهر، وهذا أوجه، و * (أمم) * رفع بالابتداء، و * (سنمتعهم) * صفته، والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم، والمعنى: أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا صائرون إلى النار، وكان نوح أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة. * (تلك) * إشارة إلى قصة نوح، ومحلها رفع بالابتداء، والجمل بعدها أخبار،


(1) قرأه ابن كثير وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 335. (2) وهي قراءة ورش عن نافع. راجع التبيان: ج 5 ص 494. (3) وهي قراءة نافع وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 335. (*)

[ 173 ]

أي: تلك القصة بعض * (أنباء الغيب) * موحاة * (إليك) * مجهولة عندك وعند * (قومك من قبل هذا) * أي: من قبل إيحائي إليك، أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت * (فاصبر) * على تبليغ الرسالة وعلى أذي قومك كما صبر نوح * (إن العقبة) * في الفوز والنصر والغلبة * (للمتقين) *. * (وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يقوم لاأسلكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتربك بعض ءالهتنا بسوء قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برئ مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إنى توكلت على الله ربى وربكم مامن دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها إن ربى على صرا ط مستقيم (56) فإن تولوا فقد أبلغتكم مآأرسلت به إليكم ويستخلف ربى قوما غيركم ولا تضرونه شيا إن ربى على كل شئ حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا ونجينهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بايت ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60)) * * (أخاهم) * في النسب دون الدين، أي: واحدا منهم، عطف على * (أرسلنا نوحا) *، و * (هودا) * عطف بيان * (إن أنتم إلا مفترون) * على الله كذبا باتخاذكم

[ 174 ]

الأوثان له شركاء. * (أفلا تعقلون) * إذ تردون نصيحة من لا يطلب عليها * (أجرا... إلا) * من الله، ولا شئ أنفي للتهمة من حسم المطامع. ال‍ " مدرار ": الكثير الدرور، كالمغزار، رغبهم في الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة، لأن القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين، وكانوا يدلون (1) بالقوة والبطش والنجدة. وعن الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه وفد على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه وقال: إني رجل ذو مال ولا يولد لي، فعلمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا، فقال: " عليك بالاستغفار "، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في اليوم سبعمائة مرة، فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية، فقال: هلا سألته مم قال ذلك ؟ فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل، فقال: " ألم تسمع قول الله عزوجل في قصة (2) هود: * (ويزدكم قوة إلى قوتكم) * وفي قصة نوح: * (ويمددكم بأموا ل وبنين) * (3) " (4). * (ولا تتولوا) * ولا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه * (مجرمين) * مصرين على أجرامكم وآثامكم. * (ما جئتنا ببينة) * كذب منهم وجحود، كما قالت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله): * (لولا أنزل عليه ءاية من ربه) * (5) مع كثرة آياته ومعجزاته، * (عن قولك) * حال من الضمير في * (تاركى ءالهتنا) * بمعنى: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك. * (اعتربك) * مفعول * (نقول) * و * (إلا) * لغو، والمعنى: ما نقول إلا قولنا: * (اعتربك


(1) يدل بفلان: أي يثق به. (الصحاح: مادة دلل). (2) في نسخة: سورة. (3) نوح: 12. (4) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 402. (5) يونس: 20. (*)

[ 175 ]

بعض ءالهتنا بسوء) * أي: خبلك ومسك بجنون، لسبك إياها وعداوتك لها، مكافاة منها لك، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين * (قال) * هود: * (إنى أشهد الله) * واجههم بهذا الكلام لثقته بربه واعتصامه به، كما قال نوح لقومه: * (ثم اقضوا إلى ولا تنظرون) * (1)، * (مما تشركون من دونه) * من إشراككم آلهة من دونه، أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي: أنتم تجعلونها شركاء له ولم يجعلها هو شركاء * (فكيدوني جميعا) * أنتم وآلهتكم من غير إنظار، فإني لا أبالي بكم ولا بكيدكم. ولما ذكر توكله على الله ووثوقه به وبكلاءته (2) وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، وكون كل * (دابة) * تحت ملكته (3) وقهره، والأخذ * (بناصيتها) *: تمثيل لذلك * (إن ربى على صرا ط مستقيم) * أي: على طريق الحق والعدل لا يفوته ظالم. * (فإن تولوا) * أي: تتولوا، لم أعاتب على التفريط في الإبلاغ * (فقد أبلغتكم مآأرسلت به إليكم) * فأبيتم إلا تكذيب الرسالة * (ويستخلف ربى) * كلام مستأنف، يريد: ويهلككم الله ويجئ بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم * (ولا تضرونه) * بتوليكم * (شيا) * من ضرر قط، وإنما تضرون أنفسكم * (إن ربى على كل شئ حفيظ) * أي: رقيب عليه مهيمن، فما تخفي عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم. * (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا) * حين أهلكنا عدوهم * (برحمة منا ونجينهم من عذاب غليظ) * وهو السموم (4) التي كانت تدخل في أنوفهم


(1) يونس: 71. (2) في بعض النسخ: بكلماته. وكلأه الله كلاءة: أي حفظه وحرسه. (الصحاح: مادة كلأ). (3) في بعض النسخ: مملكته. (4) السموم: الريح الحارة. (لسان العرب: مادة سمم). (*)

[ 176 ]

وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوا عضوا، وقيل: أراد بالتنجية الثانية إنجاءهم من عذاب الآخرة (1). * (وتلك عاد) * إشارة إلى آثارهم وقبورهم، ثم استأنف وصفهم فقال: * (جحدوا بايت ربهم وعصوا رسله) * لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله * (كل جبار عنيد) * يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل. * (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) * جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم على وجوههم في عذاب الله، وتكرير * (ألا) * مع الشهادة بكفرهم والدعاء عليهم تفظيع لأمرهم، وبعث على الاعتبار بهم، والحذر من مثل حالهم. * (وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب مجيب (61) قالوا يصلح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهينآ أن نعبد ما يعبد أآباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى وءاتينى منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويقوم هذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صلحا والذين ءامنوا معه برحمة منا ومن خزى يومئذ إن ربك هو القوى العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديرهم جثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68)) *


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 59. (*)

[ 177 ]

* (هو أنشأكم من الارض) * معناه: ماأنشأكم من الأرض إلا هو * (و) * لا * (استعمركم فيها) * غيره، وإنشاؤهم منها هو: خلق آدم من تراب، واستعمارهم فيها هو: أمرهم بعمارتها، والعمارة متنوعة إلى: واجب ومندوب ومباح ومكروه، وقيل: * (استعمركم) * من العمر، نحو: استبقاكم، من البقاء (1)، وقيل: هو من العمرى (2)، فيكون * (استعمركم) * بمعنى: أعمركم (3)، أي: أعمركم فيها دياركم ثم هو وارثها منكم إذا انقضت أعماركم، وبمعنى: جعلكم معمرين دياركم فيها، لأن الرجل إذا ورث داره غيره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره، ثم يتركها لغيره * (إن ربى قريب) * داني الرحمة * (مجيب) * لمن دعاه. * (كنت فينا) * فيما بيننا * (مرجوا) * نرجو منك الخير، لما كانت تلوح فيك من مخائله، فكنا نسترشدك في تدابيرنا، ونشاورك في أمورنا، فالآن انقطع رجاؤنا عنك، وعلمنا أن لاخير فيك * (يعبد أآباؤنا) * حكاية حال ماضية * (مريب) * من أرابه: إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة. * (وءاتينى منه رحمة) * وهي النبوة * (فما تزيدونني) * بما تقولون * (غير تخسير) * غير أن أخسركم، أي: أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم: إنكم خاسرون. * (ءاية) * نصب على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة، و * (لكم) * حال أيضا من * (ءاية) * متقدمة عليها، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال * (فذروها تأكل) * أي: فاتركوها آكلة * (في أرض الله) * ولا تصيبوها * (بسوء فيأخذكم) * إن فعلتم ذلك * (عذاب قريب) * عاجل لا يستأخر.


(1) قاله الضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 479. (2) العمرى، ما يجعل لك طول عمرك، وعمرته إياه وأعمرته: جعلته له عمره أو عمرى. (القاموس المحيط: مادة عمر). (3) قاله مجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 479. (*)

[ 178 ]

* (فعقروها فقال) * صالح: * (تمتعوا) * استمتعوا بالعيش * (في داركم) * في بلدكم، ويسمى البلد الدار، لأنه يدار فيه بالتصرف، يقال: ديار بكر، لبلادهم * (ثلثة أيام) * قيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت (1)، * (ذالك وعد غير مكذوب) * فيه، فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به، نحو قوله: ويوم شهدناه سليما وعامرا (2) أو * (مكذوب) * مصدر كالمعقول (3) والمجلود، أي: غير كذب. * (ومن خزى يومئذ) * قرئ مفتوح الميم (4)، لأنه مضاف إلى " إذ " وهو غير متمكن، كقوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا (5) وقرئ مكسور الميم، لأنه اسم معرب فانجر بالإضافة، والمعنى: و * (نجينا) * هم من خزي ذلك اليوم ومهانته وذلته وفضيحته، كما قال: * (ونجينهم من عذاب غليظ) * (6)، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وبأسه. وقرئ: * (إن ثمودا) * و * (لثمود) * بمنع الصرف وبالتنوين (7) في جميع القرآن،


(1) حكاه الزجاج في معاني القرآن: ج 2 ص 351. (2) وعجزه: قليل سوى الطعن النهال نوافله. والبيت منسوب لرجل من عامر، يفخر بشجاعته وكثرة غنائمه. قال البغدادي: وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي جهل قائلوها. راجع كتاب سيبويه: ج 1 ص 178، وخزانة الأدب للبغدادي: ج 7 ص 181 وج 8 ص 202. (3) في نسخة: المنقول. (4) قرأه الكسائي والأعشى ورجال نافع سوى إسماعيل. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 336، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 459. (5) وعجزه: وقلت: ألما أصح والشيب وازع. والبيت للنابغة الذبياني، يذكر فيه بكاءه على الديار في حين مشيبه، ومعاتبته لنفسه على طربه وصباه. انظر ديوان النابغة: ص 80. (6) الآية: 58. (7) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " ألا إن ثمودا " بالتنوين، وقرأ الكسائي وحده = (*)

[ 179 ]

فالصرف لأنه اسم الحي أو الأب الأكبر، ومنع الصرف للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة. * (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلما قال سلم فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) فلما رءآ أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنآ أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرنها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب (71) قالت يويلتى ءألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشئ عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجدلنا في قوم لوط (74) إن إبراهيم لحليم أوا ه منيب (75) يإبرا هيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم ءاتيهم عذاب غير مردود (76)) * * (رسلنا) * يعني: الملائكة، وكانوا ثلاثة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، الصادق (عليه السلام): " كانوا أربعة ورابعهم ملك آخر " (1)، وقيل: كانوا تسعة (2)، وقيل: أحد عشر (3)، وكانوا على صور الغلمان * (بالبشرى) * هي البشارة بإسحاق. وعن الباقر (عليه السلام): " إن هذه البشارة كانت بإسماعيل من هاجر " (4)، * (قالوا سلما) * أي: سلمنا عليك سلاما، أو أصبت سلاما أي: سلامة * (قال) * إبراهيم * (سلم) * أي: أمركم سلام، وقرئ: " سلم " (5) وهو بمعنى: سلام، مثل حل وحلال


= " ألا بعدا لثمود " بالخفض والتنوين. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 337. (1) تفسير العياشي: ج 2 ص 153 و 155 ح 46 و 53. (2) قاله الضحاك على ما حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 392. (3) وهو قول السدي. راجع الكشاف: ج 2 ص 409. (4) تفسير العياشي: ج 2 ص 152 ح 44. (5) قرأه حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 337. (

[ 180 ]

وحرم وحرام، قال الشاعر: مررنا فقلنا: إيه سلم فسلمت * كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح (1) * (فما لبث أن جاء بعجل) * أي: فما لبث في المجئ بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه، والحنيذ: المشوي بالحجارة المحماة في أخدود من الأرض، وقيل: هو المشوي يقطر دسمه (2)، ويدل عليه قوله: * (بعجل سمين) * (3). * (فلما رءآ) * إبراهيم أيدي الملائكة * (لا تصل) * إلى العجل الحنيذ، أنكرهم، يقال: نكره وأنكره واستنكره بمعنى، وإنما أنكرهم، لأنه خاف أن يكونوا نزلوا لأمر أنكره الله من قومه، ولذلك * (قالوا لا تخف إنآ أرسلنا إلى قوم لوط) *، * (وأوجس) * أي: أضمر * (منهم) * خوفا. * (وامرأته قائمة) * وراء الستر تسمع تحاورهم، وقيل: كانت قائمة تخدمهم (4) * (فضحكت) * سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الخبائث، وقيل: * (فضحكت) * حاضت (5) (6)، وهي سارة، وكانت ابنة عم إبراهيم * (فبشرنها بإسحق) * بنبي بين نبيين، والوراء: ولد الولد، وقرئ: * (يعقوب) * بالنصب، كأنه قال: ووهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا بشؤم غرابها (7)


(1) البيت لذي الرمة، ومعناه: قلنا: سلمي واستأنسي فأمرنا سلم، أي: نحن سالمون مستأنسون ومؤانسون. انظر ديوان ذي الرمة: ص 625 وفيه: " مررن ". (2) قاله السدي وشمر بن عطية وسفيان ووهب بن منبه. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 69. (3) الذاريات: 26. (4) قاله مجاهد على ما حكاه الماوردي في تفسيره: ج 2 ص 484. (5) قاله مجاهد وعكرمة. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 484. (6) قال الزجاج: فأما من قال: ضحكت: حاضت، فليس بشئ. وقال الفراء: فلم نسمعه من ثقة. انظر معاني القرآن للزجاج: ج 3 ص 62، ومعاني القرآن للفراء: ج 2 ص 22. (7) البيت للأخوص اليربوعي، فأراد بقوله: " مشائيم " بني دارم بن مالك، وهو من قصيدة = (*)

[ 181 ]

ومن قرأ: " يعقوب " بالرفع (1) فارتفاعه بالابتداء أو بالظرف. والألف في * (يويلتى) * مبدلة من ياء الإضافة، وكذا في " يا عجبا " و " يا لهفا "، * (شيخا) * نصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، وكان لها ثمان وسبعون (2) سنة ولإبراهيم مائة سنة * (إن هذا لشئ عجيب) * أن يولد ولد بين هرمين. * (رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت) * أي: إن هذه وأمثالها مما يكرمكم الله به يا أهل بيت النبوة، فليس هذا مكان عجب، وقيل: الرحمة: النبوة، والبركات: الأسباط من بني إسرائيل، لأن الأنبياء منهم (3)، * (حميد) * فاعل لما يستحق به الحمد من عباده * (مجيد) * كريم كثير الإحسان إليهم، و * (أهل البيت) * نصب على النداء، أو على المدح. * (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) * أي: لما اطمأن قلبه بعد الخوف وملئ سرورا بسبب البشرى بدل الغم، فرغ للمجادلة، وجواب " لما " محذوف تقديره: اجترأ على خطابنا، أو قال: كيت وكيت، ثم استأنف * (يجدلنا في قوم لوط) * وقيل: إن * (يجدلنا) * جواب " لما "، وإنما جئ به مضارعا لحكاية الحال (4)، وقيل: إن " لما " يرد المضارع إلى معنى الماضي، كما أن " إن " ترد الماضي إلى معنى الاستقبال (5)،


= يذم الدارميين وينسبهم الى الشؤم وقلة الصلاح والخير، ذلك انهم هربوا قاتلا كان بنو يربوع قد أودعوه عندهم بعدما كفلوه، ثم ادعوا أنه قد هرب وهذه ديته، فلما سمعهم الأخوص يذكرون الدية قال: دعوني أتكلم، فقال هذه الأبيات. انظر خزانة الأدب للبغدادي: ج 4 ص 158 وما بعدها وج 8 ص 295 و 554، وفيهن " ببين " بدل " بشؤم ". (1) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 338. (2) في نسخة: تسعون. (3) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 411. (4) اختاره الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 64. (5) قاله النحاس في اعراب القرآن: ج 2 ص 295. (*)

[ 182 ]

وقيل: معناه: أخذ يجادلنا، أو أقبل يجادلنا (1)، أي: يجادل رسلنا * (في قوم لوط) * أي: في معناهم، ومجادلته إياهم أنه قال لهم: إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم ؟ قالوا: لا، قال: فأربعون ؟ قالوا: لا، فما زال ينقص حتى قال: فواحد ؟ قالوا: لا، ف‍ * (قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) * (2). * (إن إبراهيم لحليم) * غير عجول على من أساء إليه * (أوا ه) * كثير الدعاء * (منيب) * راجع إلى الله بما يحب ويرضى، وفيه بيان: أن هذه الصفات مما حمله (3) على المجادلة فيهم، رجاء أن يرفع العذاب عنهم. * (يإبرا هيم) * على إرادة القول، أي: قالت له الملائكة: * (أعرض عن هذا) * الجدال وإن كانت الرحمة دأبك، فلا فائدة فيه * (إنه قد جاء أمر ربك) * أي: قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن حكمة، والعذاب نازل بهم لا محالة لامرد له بجدال ولا غيره. * (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيات قال يقوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لى بكم قوة أو ءاوى إلى ركن شديد (80) قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من اليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها مآأصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا عليها


(1) وهو قول الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 23. (2) العنكبوت: 32. (3) في بعض النسخ: حملته. (*)

[ 183 ]

سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وماهي من الظلمين ببعيد (83)) * يعني: ساء * (لوطا) * مجئ الرسل * (وضاق) * بمجيئهم ذرعه، وذلك لأنه حسب أنهم آدميون ورأى حسن صورتهم وجمال جملتهم، فخاف عليهم خبث قومه وسوء سيرتهم، و * (يوم عصيب) * وعصبصب: شديد، من عصبه: إذا شده. وروي (1): أن لوطا قد تقدمهم وهم يمشون خلفه إلى المنزل، فقال في نفسه: أي شئ صنعت ؟ آتي بهم قومي وأنا أعرفهم ؟ ! فالتفت إليهم وقال: إنكم لتأتون شرار خلق الله، وكان الله سبحانه قال لجبرئيل: لاتهلكهم حتى يشهد (2) عليهم ثلاث شهادات، فقال جبرئيل: هذه واحدة، ثم مشى لوط، ثم التفت إليهم ثانيا وقال ذلك، ثم التفت ثالثة عند باب المدينة وقال ذلك، فقال جبرئيل: هذه الثلاثة، فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فصعدت امرأته فوق السطح فصفقت، فلم يسمعوا، فدخنت، فلما رأوا الدخان أقبلوا * (يهرعون إليه) * أي: يسرعون كما (3) يدفعون دفعا * (ومن قبل) * ذلك الوقت * (كانوا يعملون) * الفواحش فضروا (4) بها ومرنوا عليها * (قال) * لوط * (هؤلاء بناتى) * فتزوجوهن، وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزا، كما زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل أن يسلما وهما كافران، وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه (5) * (هن أطهر لكم) * أي: أحل لكم من الرجال * (فاتقوا الله) *


(1) انظر الكافي: ج 5 ص 546 - 547 ح 6 قطعة. (2) في بعض النسخ: تشهد. (3) في بعض النسخ: كأنما. (4) ضري الكلب بالصيد يضرى ضراوة، أي: تعود. (الصحاح: مادة ضري). (5) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 414. (*)

[ 184 ]

في مواقعة الذكور * (ولا تخزون) * أي: لا تفضحون، من الخزي، أو: لاتخجلون، من الخزاية وهي الحياء * (في ضيفي) * في حق أضيافي (1)، فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزي الرجل، وذلك من الكرم * (أليس منكم رجل رشيد) * رجل واحد يهتدي إلى سبيل الرشد في الكف عن القبيح. * (قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق) * لأنا لانتزوجهن، أو مالنا فيهن من حاجة لأنا نرغب عن نكاح الإناث * (وإنك لتعلم ما نريد) * عنوا إتيان الذكور. وجواب * (لو) * محذوف، يعني: * (لو أن لى بكم قوة) * لفعلت بكم وصنعت، أي: لو قويت عليكم بنفسي * (أو) * أويت * (إلى) * قوي أمتنع به منكم لدفعتكم عن أضيافي، فشبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته، ولذلك قال جبرئيل: إن ركنك لشديد، افتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب ودخلوا، فضرب جبرئيل بجناحه وجوههم وطمس أعينهم فأعماهم. قالت الملائكة: * (إنا رسل ربك) * أرسلنا لهلاكهم فلا تغتم * (لن يصلوا إليك) * بسوء أبدا * (فأسر بأهلك) * قرئ بالقطع والوصل (2)، أي: سر بأهلك ليلا، والقطع: القطعة العظيمة من الليل، كأنما قطع بنصفين * (ولا يلتفت منكم أحد) * أي: ولا يتخلف منكم أحد، أو لا ينظر أحد منكم وراءه (3)، والأول أوجه * (إلا امرأتك) * قرئ بالنصب والرفع (4)، وروي: أنه قال: متى موعد إهلاكهم ؟ قالوا: * (الصبح) * فقال: أريد أسرع من ذلك، لضيق صدره بهم، فقالوا: * (أليس الصبح بقريب) * (5).


(1) إذ " الضيف " يقع على الواحد والاثنين والجماعة. (2) بالوصل قرأه ابن كثير ونافع. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 338. (3) وهو قول مجاهد على ما حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 80. (4) بالرفع قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 338. (5) رواه السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 138. (*)

[ 185 ]

* (جعلنا عليها سافلها) * جعل جبرئيل جناحه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم، وأتبعوا الحجارة من فوقهم * (من سجيل) * هي كلمة معربة من: سنك كل، بدليل قوله: * (حجارة من طين) * (1)، * (منضود) * نضد في السماء نضدا معدا للعذاب، وقيل: أرسل بعضه في أثر بعض متتابعا (2). * (مسومة) * معلمة للعذاب * (وماهي من) * كل ظالم * (ببعيد) *، وفيه وعيد لكفار قريش. * (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أربكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يشعيب أصلوا تك تأمرك أن نترك ما يعبد ءابآؤنآ أو أن نفعل في أموا لنا مانشؤا إنك لانت الحليم الرشيد (87) قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهيكم عنه إن أريد إلا الاصلح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صلح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود (90)) * * (إنى أربكم بخير) * أي: برخص من السعر وثروة وسعة (3) تغنيكم عن


(1) الذاريات: 33. (2) قاله الربيع. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 493. (3) في بعض النسخ: ووسعة. (*)

[ 186 ]

التطفيف، أو: أراكم بخير ونعمة من الله فلاتزيلوه عنكم بما أنتم عليه * (يوم محيط) * مهلك من قوله: * (وأحيط بثمره) * (1)، وأصله من إحاطة العدو، وصف " اليوم " به لأن الزمان يشتمل على ما يحدث فيه. والبخس: النقص والهضم. * (ولا تعثوا في الارض مفسدين) * نهي عن السرقة والغارة وقطع السبيل. * (بقيت الله) * ما يبقي لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم * (خير لكم إن كنتم مؤمنين) * أي: بشرط الإيمان لظهور فائدتها مع الإيمان من حصول الثواب مع النجاة من العقاب، أو يريد: إن كنتم مصدقين لي في نصيحتي لكم * (وما أنا عليكم بحفيظ) * أحفظ أعمالكم (2) وأجازيكم عليها، إنما أنا نذير ناصح لكم. كان شعيب كثير الصلوات فقصدوا بقولهم: * (أصلوتك تأمرك) * الهزء، والمعنى: أصلواتك التي تداوم عليها تأمرك بتكليف * (أن نترك ما يعبد ءابآؤنآ أو أن) * نترك فعل * (مانشؤا) * في أموالنا ؟ فحذف المضاف، لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره، وقرئ: * (أصلوا تك) * على التوحيد (3)، * (إنك لانت الحليم الرشيد) * أرادوا بذلك نسبته إلى غاية السفه والغي، فعكسوا ليتهكموا به. * (ورزقني منه) * أي: من لدنه * (رزقا حسنا) * وهو ما رزقه من النبوة والحكمة، وقيل: أراد رزقا حلالا طيبا من غير بخس (4)، وجواب * (أرءيتم) * محذوف، والمعنى: أخبروني * (إن كنت على) * حجة واضحة ويقين * (من ربى) * وكنت نبيا على الحقيقة: أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن القبائح والأنبياء لايبعثون إلا لذلك ؟ ! * (وما أريد أن أخالفكم إلى مآأنهيكم عنه) *


(1) الكهف: 42. (2) في بعض النسخ زيادة: عليكم. (3) يظهر من عبارة المصنف أنه يعتمد على القراءة بالجمع كما هو ظاهر. (4) قاله الضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 497. (*)

[ 187 ]

معناه: وما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم * (إن أريد) * أي: ما أريد * (إلا الاصلح) * وهو أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي * (ما استطعت) * ظرف، أي: مدة استطاعتي للإصلاح ومادمت متمكنا منه، أو بدل من * (الاصلح) * أي: المقدار الذي استطعت منه، ويجوز أن يكون مفعولا * (الاصلح) * كقوله: ضعيف النكاية أعداءه (1) أي: ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم * (وما توفيقي إلا بالله) * وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما آتي وأذر إلا بمعونته وتوفيقه، والمعنى: أنه استوفق ربه في إمضاء أمره على رضاء الله، وطلب منه التأييد والنصر على عدوه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه. * (لا يجرمنكم) * لا يكسبنكم * (شقاقي) * أي: خلافي وعداوتي إصابة العذاب * (وما قوم لوط منكم ببعيد) * يعني: أنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدكم فهم أقرب الهالكين منكم. * (رحيم ودود) * عظيم الرحمة متودد إلى عباده بكثرة الإنعام عليهم، مريد لمنافعهم. * (قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنربك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمنك ومآأنت علينا بعزيز (91) قال يقوم أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربى بما تعملون محيط (92) ويقوم اعملوا على مكانتكم إنى عمل سوف تعلمون من


(1) وعجزه: يخال الفرار يراخي الأجل. لم نعثر على قائله، ذكره سيبويه ضمن شواهده. وبه يهجو الشاعر رجلا ويصفه بالجبن والضعف، وأنه دائما يلجأ الى الفرار ويظنه مؤخرا لأجله. انظر كتاب سيبويه: ج 1 ص 192، وخزانة الأدب للبغدادي: ج 8 ص 127. (

[ 188 ]

يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كذب وارتقبوا إنى معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديرهم جثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95)) * * (ما نفقه) * أي: ما نفهم * (كثيرا مما تقول) * وكانوا يفهمونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه * (وإنا لنربك فينا ضعيفا) * لاقوة لك ولاعز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها * (ولولا رهطك لرجمنك) * أي: قتلناك شر قتلة، والرهط: من الثلاثة إلى العشرة * (ومآأنت علينا بعزيز) * فندع قتلك لعزتك علينا، ولكن لم نقتلك لأجل قومك، والمراد: ما أنت بعزيز علينا بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: * (أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا) * ونسيتموه وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والظهري منسوب إلى الظهر، والكسر من تغييرات النسب * (إن ربى بما تعملون محيط) * قد أحاط بأعمالكم علما، فلا يخفي عليه شئ منها. * (اعملوا على مكانتكم) * المكانة: إما مصدر من مكن مكانة فهو مكين، أو اسم المكان، يقال: مكان ومكانة، والمعنى: اعملوا قارين على مكانكم الذي أنتم عليه من الشرك والعداوة لي، أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين (1) لها * (إنى عمل) * على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني * (سوف تعلمون من يأتيه) * يجوز أن يكون * (من) * استفهامية معلقة لفعل (2) العلم عن عمله فيها، كأنه قال: سوف تعلمون أينا يأتيه * (عذاب يخزيه و) * أينا * (هو كذب) *، ويجوز أن تكون موصولة، والمعنى: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه


(1) في نسخة: مطبقين. (2) في بعض النسخ: بفعل. (*)

[ 189 ]

عذاب يخزيه والذي هو كاذب * (وارتقبوا) * وانتظروا العاقبة * (إنى معكم رقيب) * منتظر، والرقيب بمعنى الراقب أو بمعنى المراقب أو بمعنى المرتقب، الجاثم: اللازم لمكانه لا يريم (1). روي: أن جبرئيل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم حيث هو (2). * (كأن لم يغنوا) * كأن لم يقيموا * (في ديرهم) * أحياء متصرفين مترددين. * (ولقد أرسلنا موسى بايتنا وسلطن مبين (96) إلى فرعون وملايه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيمة بئس الرفد المرفود (99) ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ظلمنهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم ءالهتهم التي يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظلمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لاية لمن خاف عذاب الاخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) يوم يأت لاتكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد (105)) * * (بايتنا) * أي: بحججنا ومعجزاتنا * (وسلطن مبين) * وحجة ظاهرة مخلصة من التلبيس والتمويه. * (وما أمر فرعون برشيد) * أي: ما في أمره رشد، إنما هو غي وضلال. * (يقدم قومه يوم القيمة) * يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه كما كان لهم


(1) رام يريم ريما: برح وزال. (القاموس المحيط: مادة رام). (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 425. (*)

[ 190 ]

قدوة في الضلال. ويجوز أن يريد بقوله: * (وما أمر فرعون برشيد) * وما أمره بصالح العاقبة حميدها، ويكون قوله: * (يقدم قومه) * تفسيرا لذلك وإيضاحا * (فأوردهم النار) * أتي بلفظ الماضي لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به، والمراد: يقدمهم فيوردهم النار لا محالة * (وبئس الورد) * الذي يردونه: النار، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده، والورد: الماء الذي يورد، والإبل الواردة أيضا. * (وأتبعوا في هذه) * أي: في الدنيا * (لعنة و) * يلعنون * (يوم القيمة بئس الرفد المرفود) * رفدهم، أي: بئس العون المعان، وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له وقد رفدت باللعنة في الآخرة، وقيل: بئس العطاء المعطى (1). * (ذلك من أنباء القرى) * أي: ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة * (نقصه عليك) * خبر بعد خبر * (منها) * الضمير ل‍ * (القرى) * أي: بعضها * (قائم) * أي: باق وبعضها عافي الأثر، كالزرع القائم على ساقه والمحصود، وهذه جملة مستأنفة لامحل لها. * (وما ظلمنهم) * بإهلاكنا * (ولكن ظلموا أنفسهم) * بارتكاب ما به أهلكوا * (فمآأغنت عنهم ءالهتهم) * فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله * (التي يدعون) * أي: يعبدونها، وهي حكاية حال ماضية * (لما جاء أمر ربك) * أي: عذابه ونقمته، و * (لما) * منصوب ب‍ * (مآأغنت) *، والتتبيب: التخسير، ومنه تببه: أوقعه في الخسران. * (وكذلك) * الكاف مرفوع المحل، أي: ومثل ذلك الأخذ * (أخذ ربك... القرى) *، * (وهي ظلمة) * حال من * (القرى) *، * (أليم شديد) * وجيع صعب على


(1) قاله القتبي على ما حكاه عنه السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 141. (*)

[ 191 ]

المأخوذ، حذر سبحانه من وخامة عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمة، بل لكل ظالم ظلم غيره أو نفسه. * (إن في ذلك) * إشارة إلى ما قص الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبها * (لاية) * لعبرة * (لمن خاف) * لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وهو أنموذج لما أعده لهم في الآخرة، فإذا رأى عظمه وشدته اعتبر به عظم العذاب الموعود في الآخرة فيكون له لطفا في زيادة الخشية، ونحوه: * (إن في ذلك لعبرة ذلك لمن يخشى) * (1)، * (ذلك) * إشارة إلى يوم القيامة يدل عليه قوله: * (عذاب الاخرة) *، و * (الناس) * رفع باسم المفعول الذي هو * (مجموع) * كما يرفع بفعله إذا قلت: يجمع له الناس، أي: * (ذلك يوم) * موصوف بأن يكون موعدا لجمع الناس له صفة لازمة * (ذلك يوم مشهود) * أي: مشهود فيه، يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد، قال الشاعر: في محفل من نواصي الناس مشهود (2) الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها، فيقولون: انتهى الأجل، وبلغ الأجل آخره، ويقولون: حل الأجل، * (فإذا جاء أجلهم) * (3) يراد آخر مدة التأجيل، والعد إنما هو للمدة لالغايتها ومنتهاها، فالمعنى: مايؤخره (4) إلا لانتهاء مدة معدودة فحذف المضاف. وقرئ: * (يوم يأت) * بغير ياء، ونحوه قولهم: " لاأدر " بحذف الياء للاجتزاء


(1) النازعات: 26. (2) وصدره: ومشهد قد كفيت الغائبين به. البيت منسوب لام قبيس الضبية، وهو من أبيات الحماسة والفخر، تقول: رب مشهد مشهود أو محفل ملتئم من أشراف الناس ورؤسائهم قد كفيت الغائبين بالنطق عنهم، فكشفت الغمة واثبتت الحجة وقلت الصواب عنهم. انظر شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 376. (3) فاطر: 45. (4) في بعض النسخ: نؤخره. (*)

[ 192 ]

بالكسرة عنها، وفاعل * (يأت) *: الله عزوجل، لقوله: * (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) * (1)، * (وجاء ربك) * (2)، ويدل عليه قراءة من قرأ: " وما يؤخره " بالياء (3) وقوله: * (بإذنه) *، ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا ل‍ * (يوم) * (4) كقوله: * (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم) * (5)، وانتصب الظرف ب‍ * (لاتكلم) * أي: لا تتكلم، والمراد بإتيان اليوم: إتيان هوله وشدائده * (فمنهم) * الضمير لأهل الموقف، ولم يذكروا، لأن ذلك معلوم. * (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خلدين فيها ما دامت السموات والارض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خلدين فيها مادامت السموات والارض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلاتك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد أآباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110)) * الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده (6) قال الشماخ (7):


(1) البقرة: 210. (2) الفجر: 22. (3) وهي قراءة المفضل والأعمش. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 461. (4) راجع تفصيله في الفريد في اعراب القرآن للهمداني: ج 2 ص 666 - 667. (5) الزخرف: 66. (6) قال الطريحي: شهيق الحمار: آخر صوته، والزفير: أوله، شبه حسيسها المفضع بشهيق الحمار الذي هو كذلك. وشهق الرجل: ردد نفسه مع سماع صوته من حلقه. مجمع البحرين: ج 5 ص 197 مادة (شهق). (7) هو الشماخ بن ضرار المازني الغطفاني، شاعر مخضرم، عاش اكثر حياته في العصر = (*)

[ 193 ]

بعيد مدى التطريب أول صوته * زفير ويتلوه شهيق محشرج (1) * (مادامت السموات والارض) * يعني: المبدلتين، أي: مادامت سماوات الآخرة وأرضها وهي مخلوقة للأبد، وكل ماعلاك وأظلك فهو سماء، ولابد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم، وقيل: إن ذلك عبارة عن التأبيد (2) كقول العرب: " مالاح كوكب وما أقام ثبير ورضوى "، وغير ذلك من كلمات التأبيد * (إلا ما شاء ربك) * هو استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل النار لايعذبون بالنار وحدها، بل يعذبون بأنواع من العذاب، وبما هو أغلظ من الجميع وهو سخط الله عليهم وإهانته إياهم، وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة مما هو أكبر منها وهو رضوان الله وإكرامه وتبجيله، فهو المراد بالاستثناء، وقيل: المراد بالاستثناء من * (الذين شقوا) * وخلودهم: من شاء الله أن يخرجه من النار بتوحيده وإيمانه لإيصال الثواب الذي استحقوه بطاعتهم إليهم (3)، ويكون " ما " بمعنى " من "، كما يروى عن العرب: " سبحان ما سبحت له " يقولونه عند سماع الرعد، وكقوله: * (سبح لله ما في السموات وما في الارض) * (4)، والمراد بالاستثناء من * (الذين سعدوا) * وخلودهم في الجنة أيضا: هؤلاء الذين ينقلون إلى الجنة من النار، والمعنى: * (خلدين فيها... إلا ما شآء ربك) * من الوقت الذي أدخلهم فيه النار قبل أن ينقلهم الى الجنة، ف‍ * (ما) * هاهنا على بابه والاستثناء


= الاسلامي، أقام في المدينة المنورة كثيرا، وقيل: إنه أنشد شعرا امام الرسول (صلى الله عليه وآله)، توفي في خلافة عثمان. انظر الاغاني لأبي فرج الاصفهاني: ج 9 ص 158. (1) يصف فيه حمار وحش بحسن الصوت وطول النفس. انظر شرح شواهد الكشاف للافندي: ص 355. (2) حكاه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 402 ونسبه الى أهل المعاني. (3) قاله ابن عباس والضحاك وقتادة، ويرويه أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 505. (4) الحشر: 1، الصف: 1. (*)

[ 194 ]

من الزمان، والاستثناء في الأول من الأعيان. وعن قتادة: الله أعلم بثنياه (1)، ذكر لنا أن ناسا يصيبهم سفع (2) من النار بذنوبهم ثم يتفضل الله عليهم فيدخلهم الجنة، يسمون الجهنميين، وهم الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة (3). وقرئ: * (سعدوا) * بضم السين، ويكون على هذا أسعده الله فهو مسعود، وسعد الرجل فهو سعيد، ونحوه: حزن الرجل وحزنته * (عطاء غير مجذوذ) * أي: غير مقطوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية. ولما قص قصص الكفار وماحل بهم من نقمة الله سبحانه قال: * (فلاتك في مرية مما يعبد هؤلاء) * أي: فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم للأوثان، وتعرضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم، تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووعدا له بالانتقام منهم ووعيدا لهم * (ما يعبدون إلا كما يعبد أآباؤهم من قبل) * أي: حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالتين، فسينزل بهم مثل ما نزل بآبائهم، وهو استئناف معناه: تعليل النهي عن المرية * (وإنا لموفوهم نصيبهم) * أي: حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم. * (فاختلف فيه) * أي: آمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف في القرآن * (ولولا كلمة) * يعني: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة * (لقضى) * بين قوم موسى أو بين قومك، وهذا من جملة التسلية أيضا. * (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعملهم إنه بما يعملون خبير (111)


(1) في مجمع البيان بلفظ: بمشيئته. قال الجوهري: الثنيا: الاسم من الاستثناء وكذا الثنوى. انظر الصحاح: مادة (ثنى). (2) سفعته النار: إذا أحرقته إحراقا يسيرا فغيرت لون البشرة. (الصحاح: مادة سفع). (3) حكاه عنه عبد الرزاق في تفسيره: ج 1 ص 273. (*)

[ 195 ]

فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (113)) * * (وإن كلا) * التنوين عوض عن المضاف إليه، يعني: وإن كلهم أي: جميع المختلفين فيه * (ليوفينهم) * جواب قسم محذوف، واللام في * (لما) * موطئة للقسم و " ما " مزيدة، والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم * (ربك أعملهم) * من حسن وقبيح وإيمان وكفر، وقرئ: " وإن كلا " بالتخفيف (1) على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتبارا لأصلها الذي هو الثقيل، وقرئ: * (لما) * بالتشديد مع * (إن) * الثقيلة والخفيفة، وكلاهما مشكل عند النحويين، إذ ليس يجوز أن يراد ب‍ * (لما) * معنى الحين، ولا معنى " إلا " كالتي في قولهم: نشدتك الله لما فعلت وإلا فعلت، ولا معنى " لم "، وأحسن ما يصرف إليه أن يقال: إنه أراد " لما " من قوله: * (أكلا لما) * (2)، ثم وقف فقال: * (لما) *، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويكون المعنى: وإن كلا ملمومين يعني: مجموعين، كأنه قال: وإن كلا جميعا، كقوله: * (فسجد الملئكة كلهم أجمعون) * (3)، ويجوز أن يكون * (لما) * مصدرا على زنة فعلى، مثل: الدعوى والشروى. * (فاستقم كمآ أمرت) * أي: فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير عادل عنها * (ومن تاب معك) * عطف على الضمير المستكن في " استقم "، وجاز ذلك من غير تأكيد بالضمير المنفصل لأن الفاصل قام (4) مقامه،


(1) قرأ ابن كثير ونافع (الحرميان) بتخفيف " إن " و " لما "، وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد الاولى وتخفيف الثانية، وأما أبو بكر عن عاصم فقد قرأ بتخفيف الاولى وتشديد الثانية. راجع التبيان: ج 6 ص 73 - 74، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 461. (2) الفجر: 19. (3) الحجر: 30. (4) في بعض النسخ: قائم. (*)

[ 196 ]

والمعنى: فاستقم أنت وليستقم من تاب عن الكفر وآمن معك * (ولا تطغوا) * ولا تخرجوا عن حدود الله * (إنه بما تعملون بصير) * عالم فهو مجازيكم به. وعن الصادق (عليه السلام): " * (فاستقم كمآ أمرت) * أي: افتقر إلى الله بصحة العزم " (1). وعن ابن عباس: ما نزلت آية كانت أشق على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الآية (2)، ولهذا قال: " شيبتني هود والواقعة وأخواتها " (3). * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) * ولا تميلوا إلى الذين وجد منهم الظلم، والنهي متناول للدخول معهم في ظلمهم، وإظهار الرضا بفعلهم ومصاحبتهم ومصادقتهم ومداهنتهم، وعن الحسن: جعل الله الدين بين لاين: * (لا تطغوا) * و * (لا تركنوا) * (4). وفي الحديث: " من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " (5). * (ومالكم من دون الله من أولياء) * حال من قوله: * (فتمسكم النار) * أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحال، ومعناه: ومالكم من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه غيره * (ثم) * لاينصركم هو. * (وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من اليل إن الحسنت يذهبن السيات ذلك ذكرى للذا كرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا


(1) أخرجه الطبري في تفسيره: ج 7 ص 115. (2) حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 107. (3) قد تواتر هذا الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) بهذا اللفظ أو قريب منه من طرق الخاصة والعامة، نذكر على سبيل المثال: أمالي الشيخ الصدوق: ج 1 ص 194، الخصال: ص 199، المعجم الكبير للطبراني: ج 6 ص 138 وج 17 ص 287، المصنف لابن أبي شيبة: ج 10 ص 554، وغيرها. (4) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 22. (5) اتحاف السادة المتقين للزبيدي: ج 6 ص 133. (*)

[ 197 ]

مآ أترفوا فيه وكانوا مجرمين (116)) * * (طرفي النهار) * غدوة وعشية * (وزلفا من اليل) * وساعات من الليل، وهي ساعته (1) القريبة من آخر النهار، من أزلفه: إذا قربه، وصلاة الغدوة: صلاة الفجر، وصلاة العشية: المغرب، وصلاة الزلف: العشاء الآخرة، وترك ذكر الظهر والعصر، لأنهما مذكوران على التبع للطرف الأخير لأنهما بعد الزوال، وقد قال سبحانه: * (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق اليل) * (2)، والدلوك: الزوال، وقرئ: " وزلفا " بضمتين (3) * (إن الحسنت يذهبن السيات) * قيل: معناه: إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب (4)، لأن * (الحسنت) * معرفة باللام، وقد تقدم ذكر الصلوات. وعن علي (عليه السلام): " أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية " (5). وقيل: * (إن الحسنت) * يكن لطفا في ترك * (السيات) * (6)، * (ذلك) * إشارة إلى قوله: * (فاستقم) * وما بعده * (ذكرى للذا كرين) *: عظة للمتعظين. * (واصبر) * على الامتثال بما أمرت به، والانتهاء عما نهيت عنه * (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) *. وهذه الآيات اشتملت على الاستقامة، وإقامة الصلوات، والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظلمة، وغير ذلك من الطاعات. * (فلولا كان) * أي: فهلا كان * (من القرون من قبلكم أولوا بقية) * أي: أولو


(1) في نسخة، ساعاته. (2) الاسراء: 78. (3) وهي قراءة أبي جعفر المدني وابن اسحاق وعيسى على ما حكاه عنهم ابن خالويه في شواذ القرآن: ص 66. (4) قاله ابن عباس وابن مسعود والحسن والضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 509. (5) تفسير العياشي: ج 2 ص 161 ح 74 قطعة. (6) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 435. (*)

[ 198 ]

فضل وخير، وسمي الفضل والجودة بقية، لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلا في الجودة والفضل، ويقال: فلان من بقية القوم أي: من خيارهم، وقد تكون البقية بمعنى: البقوى، وعلى ذلك فيكون معناه: فهلا كان منهم ذوو بقاء على أنفسهم، وصيانة لها من سخط الله وعقابه * (إلا قليلا) * استثناء منقطع معناه: ولكن قليلا * (ممن أنجينا منهم) *، و " من " للبيان * (واتبع الذين ظلموا مآأترفوا فيه) * أراد ب‍ * (الذين ظلموا) * تاركي النهي عن المنكرات، أي: اتبعوا ماعودوا من التنعم وطلب أسباب العيش الهنئ، ورفضوا ما وراء ذلك. * (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شآء ربك لجعل الناس أمة وا حدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عملون (121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السموات والارض وإليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغفل عما تعملون (123)) * * (كان) * بمعنى: صح واستقام، واللام لتأكيد النفي، و * (بظلم) * حال عن الفاعل، والمعنى: استحال في الحكمة أن يهلك الله * (القرى) * ظالما * (وأهلها) * قوم * (مصلحون) * تنزيها لذاته عن الظلم، وإيذانا بأن إهلاك المصلحين ظلم (1)، وقيل: الظلم: الشرك (2)، أي: لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون


(1) في بعض النسخ زيادة: مستحيل عليه. (2) قاله ابن عباس على ما حكاه عنه السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 146. (*)

[ 199 ]

يتعاطون الحق فيما بينهم، ولا يضمون إلى ظلمهم فسادا آخر. * (ولو شآء ربك) * لاضطر * (الناس) * إلى أن يكونوا أهل * (أمة وا حدة) * أي: ملة واحدة وهي ملة الإسلام، ولكنه مكنهم من الاختيار ليستحقوا الثواب، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل فاختلفوا * (ولا يزالون مختلفين إلا) * ناسا هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه * (ولذلك) *: " ذلك " إشارة إلى مادل عليه الكلام الأول، يعني: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف * (خلقهم) * ليثيب الذي يختار الحق بحسن اختياره * (وتمت كلمة ربك) * وهي قوله للملائكة: * (لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين) *. * (وكلا) * أي: وكل نبأ * (نقص عليك) *، و * (من أنباء الرسل) * بيان ل‍ * (كلا) *، و * (ما نثبت به فؤادك) * بدل من * (كلا) *، ويجوز أن يكون المعنى: وكل اقتصاص نقص، على معنى: وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك على الأساليب المختلفة، و * (ما نثبت) * مفعول * (نقص) *، ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وطمأنينة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب * (وجاءك في هذه) * السورة، أو في هذه الأنباء المقصوصة فيها ما هو حق * (وموعظة) * وتذكير. * (اعملوا على مكانتكم) * على حالكم التي أنتم عليها * (إنا عملون) *. * (وانتظروا) * بنا الدوائر * (إنا منتظرون) * أن ينزل بكم نحو ما قص الله من النقم النازلة بأمثالكم. * (ولله غيب السموات والارض) * لا يخفي عليه خافية، فلا يخفي عليه أعمالكم * (وإليه يرجع الامر كله) * فينتقم لك منهم * (فاعبده وتوكل عليه) * فإنه ينصرك ويكفيك أمرهم.

[ 201 ]

بسم الله الرحمن الرحيم سورة يوسف مكية، وهي مائة وإحدى عشرة آية بالإجماع (1). في حديث أبي: " علموا أرقاءكم سورة يوسف (عليه السلام)، فأيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلما " (2). وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ليلة بعثه الله يوم القيامة وجماله مثل جمال يوسف (عليه السلام)، ولا يصيبه فزع، وكان من خيار عباد الله الصالحين " (3). * (الر تلك ءايت الكتب المبين (1) إنآ أنزلنه قرءا نا عربيا لعلكم


(1) قال الشيخ الطوسي في تبيانه: ج 6 ص 91: مكية في قول مجاهد وقتادة، وهي مائة وإحدى عشرة آية بلا خلاف في ذلك. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 440: مكية الا الآيات 1 و 2 و 3 و 7 فمدنية، وهي مائة واحدى عشرة آية، نزلت بعد سورة هود. وقال الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 5: مكية كلها، وقال ابن عباس وقتادة: الا أربع آيات منها. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 511 مرسلا. (3) ثواب الأعمال للصدوق: ص 133. (*)

[ 202 ]

تعقلون (2) نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينا إليك هذا القرءان وإن كنت من قبله لمن الغفلين (3) إذ قال يوسف لابيه يأبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى سجدين (4) قال يبنى لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطن للانسن عدو مبين (5)) * * (الكتب المبين) * الظاهر أمره في الإعجاز، أو المبين أنه من عند الله لا من عند البشر، أو المبين الواضح الذي لا تشتبه معانيه على العرب لنزوله بلسانهم. * (قرءا نا عربيا) * حال * (لعلكم تعقلون) * إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه، * (ولو جعلنه قرءانا أعجميا) * (1) لالتبس عليكم. و * (القصص) * يكون مصدرا، أو يكون بمعنى المقصوص، كالنقص والحسب، فإن أريد المصدر فالمعنى: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص * (بمآ أوحينا إليك) * أي: بإيحائنا إليك هذه السورة، فيكون * (أحسن) * نصبا على المصدر لإضافته إلى المصدر، والمراد بأحسن الاقتصاص: أنه اقتص على أبدع أسلوب وأحسن طريقة وأعجب نظم، وإن أريد ب‍ * (القصص) * المقصوص فالمعنى: نحن نقص عليك أحسن مايقص من الأحاديث في بابه لما يتضمن من النكت والحكم والعبر التي ليست في غيرها * (وإن كنت) *: * (إن) * مخففة من الثقيلة (2)، والضمير في * (قبله) * يعود إلى * (مآ أوحينا) * أي: الحديث وإن كنت من قبل إيحائنا إليك من * (الغفلين) * عنه: ماكان لك به علم قط. * (إذ قال يوسف) * بدل من * (أحسن القصص) * وهو من بدل الاشتمال، لأن


(1) فصلت: 44. (2) في بعض النسخ: المثقلة. (*)

[ 203 ]

الوقت مشتمل على مايقص فيه * (يأبت) * قرئ بكسر التاء وفتحها (1)، وهي تاء التأنيث جعلت عوضا من ياء الإضافة، وإنما صح أن يكون عوضا منها لأن التأنيث والإضافة يتناسبان في أن كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره، ومن فتح حذف الألف من " يآأبتا " وأبقى الفتحة دليلا عليها * (إنى رأيت) * من الرؤيا، وعن ابن عباس: أن يوسف رأى في المنام ليلة القدر أحد عشر كوكبا نزلن من السماء فسجدن له، ورأى الشمس والقمر نزلا من السماء فسجدا له، فالشمس والقمر أبواه والكواكب إخوته الأحد عشر (2)، وقيل: الشمس أبوه والقمر خالته (3)، وذلك أن أمه " راحيل " قد ماتت، ويجوز أن يكون الواو في * (والشمس والقمر) * بمعنى " مع " أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر، و * (رأيتهم) * كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له، كأنه قال له يعقوب: كيف رأيتها ؟ فقال: * (رأيتهم لى سجدين) *. * (قال) * يعقوب: * (لاتقصص رؤياك على إخوتك) * خاف عليه حسد إخوته له وبغيهم عليه، لما عرف من دلالة رؤياه على أن الله يبلغه من شرف الدارين أمرا عظيما * (فيكيدوا) * منصوب بإضمار " أن "، والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك، ضمن قوله: " يكيدوا " معنى " يحتالوا " فعداه باللام ليفيد معنى الفعلين، ثم أكده بالمصدر فقال: * (كيدا) *، * (عدو مبين) * ظاهر العداوة. * (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب كمآ أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم (6) لقد كان في يوسف وإخوته ءايت للسائلين (7)


(1) وبالفتح هي قراءة ابن عامر وأبي جعفر والأعرج. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 121. (2) تفسير ابن عباس: ص 193. (3) قاله ابن عباس وقتادة والسدي. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 149. (*)

[ 204 ]

إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلل مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صلحين (9)) * الاجتباء: الاصطفاء، و * (الاحاديث) * الرؤى جمع الرؤيا، لأن الرؤيا: إما حديث نفس أو حديث ملك أو حديث شيطان، وتأويلها: عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف (عليه السلام) أعبر الناس للرؤيا وأصحهم عبارة لها، وقيل: هو معاني كتب الله تعالى وسنن الأنبياء وما غمض على الناس من مقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها (1)، وهي اسم جمع للحديث، ومعنى إتمام النعمة: أنه وصل نعمة الدنيا لهم بنعمة الآخرة فجعلهم أنبياء وملوكا ثم نقلهم إلى نعيم الآخرة والدرجات العلى من الجنة، و * (ءال يعقوب) * أهله ونسله، وأصل " آل ": أهل، بدليل أن تصغيره " أهيل " إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطرفيقال: آل النبي وآل الملك، و * (إبراهيم) * عطف بيان ل‍ * (أبويك) *، * (إن ربك عليم) * بموضع الاجتباء * (حكيم) * في إتمام الإنعام على من يستحقه. * (في يوسف وإخوته) * في قصتهم وحديثهم * (ءايت) * أي: علامات ودلائل على حكمته، أو عبر وأعاجيب * (للسائلين) * عن قصتهم، أو آيات على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) * (للسائلين) * للذين سألوه: من اليهود عنها فأخبرهم بالصحة (2) من غير سماع ولا قراءة كتاب، فقد روي: أنهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا: لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن قصة يوسف (3)، وقرئ: " ءاية " (4).


(1) قاله الجبائي والزجاج. راجع التبيان: ج 6 ص 98، ومعاني القرآن للزجاج: ج 3 ص 92. (2) في نسخة: بالقصة. (3) رواها القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 130. (4) قرأه ابن كثير وحده. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 465. (*

[ 205 ]

* (ليوسف) * لام الابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا: أن زيادة محبته ليوسف وأخيه بنيامين أمر ثابت لاشبهة فيه، وإنما قالوا: * (أخوه) * لأن أمهما كانت واحدة * (ونحن عصبة) * حال، والمراد: أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران لا كفاية فيهما، ونحن جماعة: عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقه * (إن أبانا لفي) * ذهاب عن طريق الحق والثواب، والعصبة والعصابة: العشرة فصاعدا، سموا بذلك لأنهم تعصب بهم الأمور. * (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا) * مجهولة بعيدة من العمران، هذا هو المعنى في تنكيرها وإخلائها من الوصف، ولإبهامها من هذا الوجه نصب نصب الظروف المبهمة * (يخل لكم وجه أبيكم) * يقبل عليكم إقبالة واحدة ولا يلتفت عنكم إلى غيركم، وقيل: * (يخل لكم) * يفرغ لكم من الشغل بيوسف (1)، * (وتكونوا من) * بعد يوسف، أي: بعد قتله أو تغريبه * (قوما صلحين) * تائبين إلى الله مما جنيتم عليه، أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم (2). * (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيبت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فعلين (10) قالوا يأبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لنصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحفظون (12) قال إنى ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غفلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنآ إذا لخسرون (14)) * القائل: يهودا، وكان أحسن إخوته رأيا فيه، وهو الذي قال: * (فلن أبرح الارض حتى يأذن لى أبى) * (3)، * (قال) * لهم: القتل أمر عظيم * (ألقوه في غيبت


(1) قاله الطبري في تفسيره: ج 7 ص 152. (2) قاله الحسن كما في تفسير الماوردي: ج 3 ص 11. (3) الآية: 80. (*)

[ 206 ]

الجب) * وهو غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله، وقرئ: " غيابات " في الموضعين على الجمع (1)، والجب: البئر التي لم تطو * (يلتقطه) * يأخذه * (بعض السيارة) * وهم الذين يسيرون في الأرض * (إن كنتم فعلين) * أي: إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم فهذا هو الرأي. " مالك لاتأمننا " بإظهار النونين (2)، وقرئ: * (لا تأمنا) * بالإدغام بإشمام وغير إشمام (3)، والمعنى: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه، وما فعلنا في أمره ما يدل على خلاف النصيحة ؟ وقرئ: " نرتع ونلعب " بالنون فيهما (4) وبالياء فيهما والجزم، وقرئ: الأول بالنون والثاني بالياء (5)، وأصل الرتعة: الخصب والسعة، والمعنى: ننال ما نحتاج إليه ونتسع في أكل الفواكه وغيرها، وقرئ: " يرتع " بكسر العين " ويلعب " بالياء فيهما (6) وبالنون (7) من ارتعى يرتعي، يقال: رعى وارتعى، مثل: شوى واشتوى، وقد يستقيم أن يقال: " نرتع " وإنما يرتع إبلهم، ونرتع وإنما يرتعي إبلهم (8)، فيكون على حذف المضاف، وأرادوا به اللعب المباح مثل الرمي والاستباق بالأقدام. * (ليحزنني أن تذهبوا به) * اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن مفارقته إياه مما


(1) قرأه نافع وأبو جعفر. راجع التبيان: ج 6 ص 102. (2) وهي قراءة طلحة بن مصرف. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 138. (3) حكاها ابن غلبون في التذكرة: ج 2 ص 465 عن الأعشى، والقرطبي في تفسيره: ج 9 ص 138 عن يزيد بن القعقاع وعمرو بن عبيد والزهري. (4) قرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو. راجع التبيان: ج 6 ص 104. (5) وهي قراءة ابن كثير برواية اسماعيل المكي وبه قرأ يعقوب. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 345. (6) قرأه نافع وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 345. (7) وهي قراءة النخعي وأبي اسحاق ويعقوب. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 285. (8) واليه ذهب أبو عبيدة في مجاز القرآن: ج 1 ص 303. (*)

[ 207 ]

يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والآخر: خوفه عليه من عدوة * (الذئب) * إذا غفلوا * (عنه) * برعيهم ولعبهم * (لئن أكله الذئب) * اللام موط - ئة للقسم، و * (إنآ إذا لخسرون) * جواب القسم وقد سد مسد جواب الشرط، والواو في * (ونحن عصبة) * واو الحال، حلفوا له: لئن كان ماخافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب الأمور وتستكفي الخطوب، إنهم إذا لقوم هالكون ضعفا وخورا وعجزا، أو مستحقون أن يهلكوا لأنه لاغناء عندهم، أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والدمار فيقال: خسرهم الله، حين أكل الذئب بعضهم وهم حضور. * (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجآءو أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب ومآأنت بمؤمن لنا ولو كنا صدقين (17) وجآءو على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18)) * * (أن يجعلوه) * مفعول * (أجمعوا) * من أجمع الأمر وأزمعه، جواب " لما " محذوف، والتقدير: فعلوا به ما فعلوا من الأذي، فقد روي: أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وأخذوا يضربونه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب ربطوا يديه ونزعوا قميصه ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها، وكان إبراهيم خليل الرحمن لما ألقي في النار عريانا أتاه جبرئيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، وجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف،

[ 208 ]

فجاء جبرئيل فأخرجه وألبسه إياه، وهو القميص الذي وجد يعقوب ريحه لما فصلت العير من مصر (1). * (وأوحينا إليه) * أوحى إليه في الصغر كما أوحى إلى يحيى وعيسى: * (لتنبئنهم بأمرهم هذا) *، وإنما أوحى إليه ليبشر بما يؤول إليه أمره، والمعنى: لتتخلصن مما أنت فيه، ولتحدثن إخوتك بما فعلوا بك * (وهم لا يشعرون) * أنك يوسف، لعلو شأنك ولطول عهدهم بك، وقيل: يريد * (وهم لا يشعرون) * بإيحائنا إليه وإزالتنا الوحشة عنه، ويحسبون أنه مستوحش لا أنيس له. وجاء إخوته * (أباهم عشاء) * آخر النهار، وأظهروا البكاء ليوهموه أنهم صادقون. * (قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق) * أي: نتسابق في العدو أو في الرمي، وقيل: في تفسيره: ننتضل (2) (3)، * (ومآأنت ب‍) * مصدق * (لنا ولو كنا) * من أهل الصدق عندك لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيئ الظن بنا غير واثق بقولنا ! * (بدم كذب) * أي: ذي كذب، أو (4) وصف بالمصدر مبالغة، كقول الشاعر: فهن به جود وأنتم به بخل (5) وروي: أن يعقوب أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه (6).


(1) رواها البغوي في تفسيره: ج 2 ص 414. (2) ننتضل: نتبارى في الرمي، ونستبق: نتبارى في الجري. انظر لسان العرب: مادتي (نضل) و (سبق). (3) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 95. (4) في بعض النسخ: " و " بدل " أو ". (5) أنشده الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 451. (6) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 451. (*)

[ 209 ]

* (على قميصه) * محله نصب على الظرف، أي: * (وجآءو) * فوق * (قميصه بدم كذب) *، ولا يجوز أن يكون حالا متقدمة، لأن الحال عن المجرور لايتقدم عليه * (قال بل سولت) * أي: سهلت * (لكم أنفسكم أمرا) * عظيما ارتكبتموه من يوسف وهونته في أعينكم (1)، والسول: الاسترخاء * (فصبر جميل) * أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل، وفي الحديث: " إن الصبر الجميل هو الذي لاشكوى فيه " (2) يعني: إلى الخلق، لقوله: * (إنما أشكوا بثى وحزني إلى الله) * (3)، * (والله المستعان على) * احتمال * (ما تصفون‍) * - ه من هلاك يوسف. * (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يبشرى هذا غلم وأسروه بضعة والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن بخس درا هم معدودة وكانوا فيه من الزا هدين (20)) * * (سيارة) * جماعة مارة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه * (فأرسلوا واردهم) * والوارد: الذي يرد ليستقي للقوم، أي: بعثوا رجلا يطلب لهم الماء، وهو مالك بن ذعر * (فأدلى دلوه) * في البئر، فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان، " قال يا بشراي " (4) أي: أضاف البشرى إلى نفسه، وقرئ: * (يبشرى) * نادى: البشرى، كأنه قال: تعالي فهذا أوانك * (وأسروه) * الضمير للوارد وأصحابه: أخفوه من الرفقة، وقيل: أخفوا أمره ووجد انهم له في الجب


(1) في بعض النسخ: في أنفسكم. (2) رواه الطبري في تفسيره: ج 7 ص 163 بإسنادة عن النبي (صلى الله عليه وآله). (3) الآية: 86. (4) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا بالألف والياء. (*)

[ 210 ]

وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر (1)، وعن ابن عباس: أن الضمير لإخوة يوسف وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه (2)، وانتصب * (بضعة) * على الحال، أي: أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة: مايبضع من المال للتجارة، أي: يقطع. * (وشروه) * باعوه * (بثمن بخس) * مبخوس ناقص عن القيمة نقصانا ظاهرا * (درا هم) * لادنانير * (معدودة) * قليلة تعد عدا ولا توزن، وعن ابن عباس: كانت عشرين درهما (3) * (وكانوا فيه من الزا هدين) * ممن يرغب عما في يده فيبيعه بما طف من الثمن، لأنهم التقطوه، والملتقط للشئ لا يبالي بم باعه، ويجوز أن يكون المعنى: واشتروه من إخوته يعني: الرفقة وكانوا من الزاهدين في نفس يوسف. * (وقال الذي اشتربه من مصر لامرأته أكرمي مثوبه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ولما بلغ أشده ءاتينه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (22) ورا ودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابوا ب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظلمون (23)) * * (الذي اشتربه من مصر) * هو العزيز الذي كان على خزائن مصر، واسمه قطفير أو اطفير، والملك يومئذ: الريان بن الوليد، وعن ابن عباس: العزيز ملك مصر (4)، وقيل: اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله الحكمة


(1) قاله مجاهد والسدي. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 165 و 166. (2) تفسير ابن عباس: ص 195. (3) المصدر السابق. (4) تفسير ابن عباس: 195. (*)

[ 211 ]

والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة (1)، وقيل: اشتراه العزيز بأربعين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين (2). * (وقال... لامرأته أكرمي مثوبه) * أي: اجعلي منزله ومقامه عندنا كريما، أي: حسنا مرضيا بدليل قوله: * (إنه ربى أحسن مثواى) * ومعناه: تعهديه بالإحسان حتى يكون نفسه طيبة في صحبتنا * (عسى أن ينفعنآ) * لعله ينفعنا بكفايته وأمانته، أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قد تفرس فيه الرشد فقال ذلك * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك الإنجاء والعطف، والمراد: كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز * (مكنا) * له * (في) * أرض مصر، وجعلناه ملكا يتصرف فيها بأمره ونهيه * (ولنعلمه من تأويل الاحاديث) * كان ذلك الإنجاء والتمكين * (والله غالب على أمره) * لايمنع مما يشاء ويقضي، أو على أمر يوسف يدبره ولا يكله إلى غيره. وقيل في ال‍ " أشد ": ثاني عشرة سنة (3)، وعشرون (4)، وثلاث وثلاثون (5)، وأربعون (6)، وقيل: أقصاه ثنتان وستون سنة (7)، * (حكما) * أي: حكمة، يعني: النبوة * (وعلما) * بالشريعة، وقيل: الحكم على الناس والعلم بوجوه المصالح (8)، * (وكذلك نجزى المحسنين) * فيه تنبيه على أن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه في العمل وتقواه.


(1) قاله ابن اسحاق على ما في تاريخ الطبري: ج 1 ص 235. (2) قاله ابن عباس كما في مجمع البيان: ج 5 - 6 ص 221. (3) قاله الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 21. (4) قاله ابن عباس والضحاك. راجع التبيان: ج 6 ص 117. (5) قاله الحسن ومجاهد وقتادة وابن عباس على رواية. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 175. (6) قاله الحسن. راجع تفسيره: ج 2 ص 30. (7) حكاه الطبري في تفسيره: ج 7 ص 174. (8) حكاه النحاس في إعراب القرآن: ج 2 ص 321. (*)

[ 212 ]

وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الحكمة في اكتهاله (1). والمراودة: مفاعلة من راد يرود: إذا جاء وذهب، والمعنى: خادعته * (عن نفسه) * أي: فعلت ما يفعله المخادع بصاحبه عن الشئ الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التمحل (2) لمواقعته إياها، و * (هيت لك) * أي: أقبل وتعال، وقرئ: " هيت لك " بضم التاء (3)، و " هيت لك " بكسر الهاء وفتح التاء (4)، و " هئت لك " بالهمزة وضم التاء (5)، بمعنى تهيأت لك، يقال: هاء يهئ، واللام من صلة الفعل وأما في الأصوات فللبيان، كأنه قيل: لك أقول هذا * (معاذ الله) * أعوذ بالله معاذا * (إنه) * الضمير للشأن والحديث * (ربى أحسن مثواى) * مبتدأ وخبر، يريد قطفير حين قال لامرأته: * (أكرمي مثوبه) * فليس جزاؤه أن أخلفه في أهله بسوء وأخونه. * (ولقد همت به وهم بها لولا أن رءا برهن ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ماجزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي را ودتنى عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 454. (2) تمحل: أي احتال. (الصحاح: مادة محل). (3) قرأه ابن كثير وأبو عبد الرحمن السلمي. راجع المحتسب لابن جني: ج 1 ص 337. (4) وهي قراءة نافع وابن عامر وذكوان. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 466. (5) وهي قراءة ابن عباس وابن عامر وهشام. راجع التبيان: ج 6 ص 118، ومعاني القرآن للزجاج: ج 3 ص 100. (*)

[ 213 ]

الصدقين (27) فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطين (29)) * هم بالأمر: إذا قصده وعزم عليه، والمعنى: * (ولقد همت) * بمخالطته * (وهم) * بمخالطتها * (لولا أن رءا برهن ربه) * جوابه محذوف تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف لأن قوله: * (وهم بها) * يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أني خفت الله، معناه: لولا أني خفت الله لقتلته، والمراد في قوله: * (وهم بها) *: أن نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب ميلا يشبه الهم بها والقصد إليها، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله بأنه: * (من عبادنا المخلصين) *، ويجوز أن يريد بقوله: * (وهم بها) *: وشارف أن يهم بها، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، ومن حق القارئ أن يقف على * (ولقد همت به) * ويبتدئ * (وهم بها لولا أن رءا برهن ربه) * (1)، * (كذلك) * الكاف في محل النصب أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه، أو في محل الرفع أي: الأمر مثل ذلك * (لنصرف عنه السوء) * من خيانة السيد * (والفحشاء) * من الزنا " إنه من عبادنا المخلصين " الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح: الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم. * (واستبقا الباب) * وتسابقا إلى الباب، على حذف الجار أو على تضمينه معنى " ابتدرا "، ففر منها يوسف فأسرع يريد الباب البراني ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج * (وقدت قميصه من دبر) * اجتذبته من خلفه فانقد، أي:


(1) قال الهمداني: والأحسن أن يقف القارئ على قوله: * (ولقد همت به) *، لا بل يجب عليه ليخرج * (وهم بها) * من حيز القسم، ليدل أنه لم يهم بها. انظر الفريد: ج 3 ص 48. (*)

[ 214 ]

انشق * (وألفيا سيدها) * وصادفا بعلها وهو قطفير، و * (ما) * نافية، أي: ليس جزاؤه إلا السجن، أو استفهامية بمعنى: أي شئ جزاؤه إلا السجن ؟ كما يقول: من في الدار إلا زيد ؟ وقيل: العذاب الأليم: الضرب بالسياط (1). ولما عرضته للسجن والعذاب وأغرت به وجب عليه الدفع عن النفس ف‍ * (قال هي را ودتنى عن نفسي) * ولولا ذلك لكتم عليها * (وشهد شاهد من أهلها) * قيل: كان ابن عم لها وكان جالسا مع زوجها عند الباب (2)، وقيل: كان ابن خال لها صبيا في المهد (3)، وسمي قوله شهادة لما أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها. * (فلما رءا) * يعني: قطفير، وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها * (قال إنه) * أي: إن قولك: * (ماجزآء من أراد بأهلك سوءا) * أو: إن هذا الأمر * (من كيدكن) *، واستعظم كيد النساء لأنهن ألطف مكيدة وأنفذ حيلة من الرجال. * (يوسف) * حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب * (أعرض عن هذا) * الأمر واكتمه ولاتحدث به * (واستغفرى) * أنت * (لذنبك إنك كنت من) * القوم المتعمدين للذنب، يقال: خطئ إذا أذنب متعمدا. * (وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز ترا ود فتيها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنربها في ضلل مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكا وءاتت كل وا حدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حش لله ما هذا بشرا


(1) حكاه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 421. (2) قاله السدي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 28. (3) قاله ابن عباس وأبو هريرة وسعيد بن جبير وهلال بن يساف والحسن الضحاك. راجع تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 33، وتفسير الطبري: ج 7 ص 191 - 192. (*)

[ 215 ]

إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذا لكن الذي لمتننى فيه ولقد را ودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل مآءامره ليسجنن وليكونا من الصغرين (32) قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الايت ليسجننه حتى حين (35)) * * (وقال) * جماعة من النساء، والنسوة: اسم مفرد لجمع المرأة، وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة (1)، وفيه (2) لغتان: كسر النون وضمها * (في المدينة) * في مصر * (امرأت العزيز) * يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب، * (فتيها) * غلامها * (شغفها) * خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف: حجاب القلب، وروي عن أهل البيت (عليهم السلام): " شعفها " بالعين (3)، من شعف البعير: إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال امرؤ القيس: كما شعف المهنوءة الرجل الطالي (4) و * (حبا) * نصب على التمييز * (إنا لنربها في ضلل مبين) * أي: في خطأ وبعد عن الصواب. * (فلما سمعت بمكرهن) * باغتيابهن وتعبيرهن وقولهن: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني * (أرسلت إليهن) * دعتهن * (وأعتدت لهن متكا) * مايتكئن عليه من نمارق (5)، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات


(1) اللمة: الصاحب والأصحاب في السفر والمؤنس، للواحد والجمع. (القاموس: مادة لمم). (2) أي: في " النسوة ". (3) انظر تفسير القرطبي: ج 9 ص 176، والبحر المحيط: ج 5 ص 301. (4) صدره: لتقتلني وقد شعفت فؤادها. ومعناه واضح. راجع ديوان امرئ القيس: ص 142. (5) النمرقة والنمرقة: الوسادة الصغيرة، والجمع نمارق. (الصحاح: مادة نمرق). (*)

[ 216 ]

والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فيقطعن أيديهن، وقيل: * (متكا) * مجلس طعام، لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين (1)، وقيل: * (متكا) * طعاما يجز جزا، أي: يعتمد بالسكين، لأن القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين (2)، * (أكبرنه) * أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الرائق، قيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلالؤ وجهه على الجدار كما يرى نور الشمس من الماء عليها (3)، وقيل: ورث الجمال من جدته سارة (4)، * (وقطعن أيديهن) * جرحنها * (حش) * كلمة تفيد معنى التنزيه (5) في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حاشا زيد، فمعنى حاشا لله: براءة الله وتنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، وأما قوله: * (حش لله ما علمنا عليه من سوء) * (6) فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله * (ماهذا بشرا) * نفين عنه البشرية، لغرابة حاله في الحسن، وأثبتن له الملكية لما هو مركوز في الطباع أنه لا أحسن من الملك. * (قالت فذا لكن الذي لمتننى فيه) * ولم تقل: فهذا، وهو حاضر، رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به، أو تقول: هو ذلك العبد الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه، ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتتان به * (فاستعصم) * أي: امتنع أشد امتناع كأنه في عصمة، واجتهد في الاستزادة منها،


(1) قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 423. (2) قاله أبو زيد الانصاري وعكرمة والضحاك. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 201. (3) وهو قول اسحاق بن أبي فروة. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 423. (4) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 465. (5) في بعض النسخ: " التبرئة " بدل " التنزيه ". (6) الآية: 51. (*)

[ 217 ]

ونحوه: استمسك، وفي هذا برهان قوي على أن يوسف برئ مما أضاف إليه الحشوية (1) من هم المعصية * (ولئن لم يفعل مآءامره) * الأصل: ما آمر به، فحذف الجار، كما في قولك: أمرتك الخير * (ليسجنن) * ليحبسن في السجن * (وليكونا) * بالنون الخفيفة ولذلك كتبت في المصحف ألفا. * (قال رب السجن أحب إلى) * أي: أسهل علي * (مما يدعونني إليه) * من الفاحشة، أو نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية، روي: أن النسوة لما خرجن من عندها أرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا تسأله الزيارة (2)، وقيل: إنهن قلن له: أطع مولاتك فإنها مظلومة وأنت تظلمها (3)، وقرئ: " السجن " بالفتح (4) على المصدر * (وإلا تصرف عنى كيدهن) * فزع إلى ألطاف الله تعالى وعصمته كعادة الأنبياء والأولياء فيما وطن عليه نفسه من الصبر * (أصب إليهن) * أمل إليهن * (وأكن من الجهلين) * الذين لا يعملون بما يعلمون، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.


(1) الحشوية - بسكون الشين وفتحها - وهم: قوم تمسكوا بالظواهر فذهبوا الى التجسم وغيره. قال الجرجاني: وسميت الحشوية حشوية لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الاحاديث المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال: وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه وتوصيفه تعالى بالنفس واليد والسمع والبصر، وقالوا: إن كل حديث يأتي به الثقة من العلماء فهو حجة أيا كانت الواسطة. وقال الصفدي: إن الغالب في الحنفية معتزلة، والغالب في الشافعية أشاعرة، والغالب في المالكية قدرية، والغالب في الحنابلة حشوية. راجع التعريفات للجرجاني: ص 341. (2) رواه المصنف في مجمع البيان: ج 5 - 6 ص 231 من حديث أبي حمزة الثمالي عن علي ابن الحسين (عليه السلام). (3) ذكره السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 160. (4) وهي قراءة عثمان بن عفان ومولاه طارق ويعقوب وابن أبي اسحاق و عبد الرحمن الأعرج وزيد بن علي والزهري وابن هرمز. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 467، وتفسير القرطبي: ج 9 ص 184 - 185، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 306. (*)

[ 218 ]

* (ثم بدا لهم) * الفاعل مضمر لدلالة ما يفسره عليه وهو * (ليسجننه) *، والمعنى: بدا لهم بداء، أي: ظهر لهم رأي: * (ليسجننه) *، * (من بعد ما رأوا الايت) * وهي الشواهد على براءته * (حتى حين) * إلى زمان، والضمير في * (لهم) * ل‍ * (العزيز) * وأهله. * (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إنى أربنى أعصر خمرا وقال الاخر إنى أربنى أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نربك من المحسنين (36) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذا لكما مما علمني ربى إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كفرون (37) واتبعت ملة ءابآءى إبراهيم وإسحق ويعقوب ماكان لنآ أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يصحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الوا حد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطن إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40)) * * (ودخل معه السجن فتيان) * أي: عبدان للملك: ملك مصر مصاحبين له، لأن " مع " تدل على الصحبة، والفتيان: خباز الملك وشرابيه أدخلا السجن ساعة أدخل يوسف، نمي (1) إلى الملك أنهما يسمانه * (إنى أربنى) * يعني: في المنام، وهي حكاية حال ماضية * (أعصر خمرا) * يعني: عنبا، تسمية للعنب بما يؤول إليه * (من المحسنين) * من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أو من المحسنين إلى أهل السجن، فأحسن إلينا: بأن تفرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا،


(1) نميت الحديث تنمية: إذا بلغته على وجه النميمة والافساد. (الصحاح: مادة نمم). (*)

[ 219 ]

روي: أنه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا ضاق على أحد منهم مكانه وسع له، وإن احتاج جمع له (1). وعن الشعبي: أن الفتيين امتحناه، فقال الشرابي: إني أراني في بستان فإذا بأصل حبلة (2) عليها ثلاث عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته، وقال الخباز: إني أراني فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة فإذا سباع الطير ينهبن منها (3). * (نبئنا) * بتأويل ذلك. ولما استعبراه ووصفاه بالإحسان ابتدأ فوصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما، ويصفه لهما ويقول: اليوم * (يأتيكما طعام) * بصفة كذا وكذا فيجدانه على ما أخبر به، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويقبح إليهما الشرك بالله * (ذا لكما) * إشارة إلى التأويل، أي: ذلك التأويل والاخبار بالغائبات * (مما علمني ربى) * وأوحى به إلي، ولم أقله عن تكهن وتنجم * (إنى تركت) * يجوز أن يكون استئناف كلام، وأن يكون تعليلا لما قبله أي: علمني ربي لأني تركت * (ملة) * أولئك * (واتبعت ملة ءابآءى) * الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وذكر آباءه ليريهما أنه من أهل بيت النبوة ومعدن الوحي بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه، ليقوي رغبتهما في الاستماع إليه * (ماكان لنآ) * أي: ماصح لنا - معشر الأنبياء - الشرك * (بالله) *، * (ذلك) * التمسك بالتوحيد * (من فضل الله علينا وعلى الناس) * على الرسل وعلى المرسل إليهم * (ولكن أكثر) * المرسل إليهم


(1) رواه قتادة والضحاك والسدي. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 214. (2) الحبلة - بالتحريك -: القضيب من الكرم. (الصحاح: مادة حبل). (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 469. (*)

[ 220 ]

* (لا يشكرون) * فضل الله فيشركون. * (يصحبى السجن) * يريد: يا صاحبي في السجن، فأضافهما إلى السجن، كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب، وإنما المصحوب غيره وهو يوسف (عليه السلام)، ويجوز أن يريد: يا ساكني السجن، كقوله عز اسمه: * (أصحب النار وأصحب الجنة) * (1)، * (ءأرباب متفرقون) * في العدد، أي: أأن يكون لكما أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا * (خير) * لكما * (أم) * أن يكون لكما رب واحد قاهر لا يغالب ولايشارك في الربوبية ؟ وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام. * (ما تعبدون من دونه إلا أسماء) * فارغة سميتم بها، يقال: سميته بزيد وسميته زيدا * (ما أنزل الله) * بتسميتها * (من سلطن) * أي: حجة * (إن الحكم) * في أمر الدين والعبادة * (إلا لله) *، ثم بين ماحكم الله فقال: * (أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) * الثابت بالدلائل. * (يصحبى السجن أمآ أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنسيه الشيطن ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42)) * * (أمآ أحدكما) * يعني: الشرابي * (فيسقى ربه خمرا) * أي: سيده * (قضى الامر) * أي: قطع وفرغ منه، وروي: أنهما قالا: ما رأينا شيئا، فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما (2).


(1) الحشر: 20. (2) قاله ابن مسعود. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 427. (*)

[ 221 ]

* (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) * الظن هنا بمعنى العلم، كما في قوله: * (إنى ظننت أنى ملق حسابيه) * (1)، * (اذكرني عند ربك) * صفني عند الملك بصفتي وأخبره بحالي وأني حبست ظلما، فأنسى الشرابي * (الشيطن ذكر ربه) * أن يذكره لربه، وقيل: أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه في تلك الحال حين وكل أمره إلى غيره حتى استغاث بمخلوق (2)، والبضع: مابين الثلاث إلى التسع، وأصح الأقوال: أنه * (لبث في السجن) * سبع * (سنين) *. * (وقال الملك إنى أرى سبع بقرا ت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر يابست يأيها الملا أفتوني في رءيى إن كنتم للرءيا تعبرون (43) قالوا أضغث أحلم وما نحن بتأويل الاحلم بعلمين (44) وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرا ت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر يابست لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49)) * قرأ الصادق (عليه السلام): " وسبع سنابل... يأكلن ما قربتم لهن " (3). لما دنا فرج يوسف من الحبس رأى الملك وهو الريان بن الوليد رؤيا هالته:


(1) الحاقة: 20. (2) قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 163. (3) تفسير القمي: ج 1 ص 345، تفسير العياشي: ج 2 ص 179 ح 33. (*)

[ 222 ]

رأى * (سبع بقرا ت سمان) * خرجن من نهر يابس، و * (سبع) * بقرات * (عجاف) * فأكلت العجاف السمان * (و) * رأى * (سبع سنبلت خضر) * قد انعقد حبها * (و) * سبعا * (أخر يابست) * قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع الأشراف والكهان وقص رؤياه عليهم * (وقال... أفتوني في رءيى) * أي: عبروا ما رأيت في منامي * (إن كنتم للرءيا تعبرون) * أي: إن كنتم تنتدبون (1) لعبارة الرؤيا، وحقيقة عبرت الرؤيا: ذكرت عاقبتها، كما تقول: عبرت النهر: إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وأما اللام في قوله: * (للرءيا) * إما أن تكون للبيان كقوله: * (وكانوا فيه من الزا هدين) * (2)، وإما أن تدخل لأن المعمول إذا تقدم على عامله لم يقو على العمل فعضد باللام كما يعضد به اسم الفاعل إذا قيل: هو عابر للرؤيا لانحطاطه عن الفعل في القوة، ويجوز أن يكون * (للرءيا) * خبر " كان "، كما تقول: كان فلان لهذا الأمر: إذا كان مستقلا به متمكنا منه، و * (تعبرون) * خبر بعد خبر أو حال، والسبب في وقوع * (عجاف) * جمعا ل‍ " عجفاء "، وأفعل وفعلاء لايجمعان على فعال، حمله على * (سمان) * لأنه نقيضه، وهم يحملون النظير على النظير والنقيض على النقيض * (وأخر يابست) * أي: وسبعا أخر. وأضغاث الاحلام: تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من وسوسة أو حديث نفس، وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط النبات وحزم، والواحد ضغث، والإضافة بمعنى " من "، أي: أضغاث من أحلام، والمعنى: هي أضغاث أحلام. * (وادكر بعد أمة) * أي: بعد مدة طويلة * (أنا أنبئكم بتأويله) * أنا أخبركم به عمن عنده علمه * (فأرسلون) * فابعثوني إليه لأسأله ومروني باستعباره، فأرسلوه


(1) ندبه لأمر فانتدب له: أي دعاه له فأجاب. (الصحاح: مادة ندب). (2) الآية: 20. (*)

[ 223 ]

إلى يوسف، فأتاه فقال: * (يوسف أيها الصديق) * أيها البليغ في الصدق، وإنما قاله لأنه تعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، ولذلك كلمه كلام محترز فقال: * (لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) * لأنه ليس على يقين من الرجوع فربما اخترم دونه، ولا من علمهم فربما لم يعلموا، ومعنى * (لعلهم يعلمون) *: لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم فيطلبونك ويخلصونك من حبسك، وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة (1). * (تزرعون) * خبر في معنى الأمر، كقوله: * (تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون) * (2)، ويدل عليه قوله: * (فذروه في سنبله) *، قرئ: * (دأبا) * بسكون الهمزة (3) وتحريكها، وهما مصدرا دأب في العمل، وهو حال من المأمورين، أي: دائبين: إما على تدأبون دأبا، وإما على إيقاع * (دأبا) * بمعنى: ذوي دأب * (فذروه في سنبله) * لئلا يتسوس، و * (يأكلن) * من الإسناد المجازي: جعل أكل أهلهن مسندا إليهن * (تحصنون) * تحرزون وتخبؤون. * (يغاث الناس) * من الغوث أو من الغيث، يقال: غيثت البلاد: إذا مطرت (4)، ومنه قول الأعرابية: غثنا ما شئنا * (يعصرون) * العنب والسمسم، وقرئ: " يعصرون " (5) من عصره: إذا أنجاه، وقيل: معناه: يمطرون (6). تأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف


(1) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 429. (2) الصف: 11. (3) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 349. (4) في بعض النسخ: أمطرت. (5) وهي قراءة عيسى والأعرج. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 316. (6) قاله عيسى بن عمر الثقفي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 45. (*)

[ 224 ]

واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجئ مباركا خصيبا كثير الخير، وذلك من جهة الوحي. * (وقال الملك ائتونى به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسله ما بال النسوة التى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ را ودتن يوسف عن نفسه قلن حش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الن حصحص الحق أنا را ودته عن نفسه وإنه لمن الصدقين (51) ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا مارحم ربى إن ربى غفور رحيم (53)) * تأنى (عليه السلام) وتثبت في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما اتهم به وحبس لأجله، ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر امرأة العزيز مع ما صنعت به من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر * (النسوة التى قطعن أيديهن) *. * (ما خطبكن) * ما شأنكن * (إذ را ودتن يوسف عن نفسه) * هل وجدتن منه ميلا إليكن ؟ * (قلن حش لله) * تعجبا من عفته ونزاهته عن الريبة * (الن حصحص الحق) * أي: ثبت الحق واستقر، وهو من حصحص البعير: إذا ألقى ثفناته للإناخة، ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يفعل شيئا مما قرفنه به لأنهن خصومه، وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد كلام. * (ذلك) * أي: ذلك التشمر والتمكن والتثبت * (ليعلم) * العزيز * (أنى لم أخنه) * بظهر الغيب في حرمته، وقوله: * (بالغيب) * في محل النصب على الحال من الفاعل أو المفعول، بمعنى: وأنا غائب عنه أو هو غائب عني * (و) * ليعلم * (أن الله

[ 225 ]

لا يهدي كيد الخائنين) * أي: لا ينفذه ولا يسدده. ثم تواضع لله وبين أن ما فيه من الأمانة إنما هو بتوفيق الله وعصمته، فقال: * (وما أبرئ نفسي) * من الزلل * (إن النفس لامارة بالسوء) * أراد الجنس * (إلا مارحم ربى) * إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة، ويجوز أن يكون بمعنى الزمان، أي: وقت رحمة ربي، وقيل: هو من كلام امرأة العزيز (1)، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيبة وصدقت فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة فإني خنته حين قذفته وسجنته، تريد الاعتذار مما كان منها. * (وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين (54) قال اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشآء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) ولاجر الاخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون (57)) * * (أستخلصه) * وأستخصه متقاربان، والمعنى: أنه جعله خالصا لنفسه وخاصا به يرجع إليه في تدبيره * (فلما كلمه) * وعرف فضله وأمانته، لأنه استدل بكلامه على عقله، وبعفته على أمانته * (قال إنك) * أيها الصديق * (اليوم لدينا مكين) * ذو مكانة ومنزلة * (أمين) * مؤتمن على كل شئ. ثم قال: أيها الصديق، إني أحب أن أسمع رؤياي منك، قال: نعم أيها الملك رأيت سبع بقرات، فوصف لونهن وأحوالهن ووصف السنابل على الهيئة التي رآها، ثم قال له: من حقك أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين


(1) حكاه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 48. (*)

[ 226 ]

المخصبة، وتبني الأهراء (1) فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: من لي بهذا ؟ ف‍ * (قال اجعلني على خزائن الارض) * أي: ولني خزائن أرضك * (إنى حفيظ) * لما استودعتني أحفظه عن أن تجري فيه خيانة * (عليم) * بوجوه التصرف، وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين يطلبهما الملوك ممن يولونه، وإنما طلب يوسف الولاية ليتوصل بذلك إلى إمضاء أحكام الله وبسط العدل، ووضع الحقوق مواضعها، ويتمكن من الأمور التي كانت مفوضة إليه من حيث كان نبيا إماما، ولعلمه أن غيره لا يقوم في ذلك مقامه، وفي ذلك دلالة على جواز تولي القضاء من جهة السلطان الجائر إذا كان فيه تمكن من إقامة الحق وتنفيذ أحكام الدين، وقيل: إن الملك كان يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع (2). * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك التمكين الظاهر * (مكنا ليوسف في) * أرض مصر * (يتبوأ منها حيث يشآء) * أي: كل مكان أراد أن يتخذه منزلا ومتبوأ لم يمتنع منه لاستيلائه على جميعها، وقرئ: " نشاء " بالنون (3) * (نصيب برحمتنا) * بعطائنا في الدنيا والدين * (من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) * في الدنيا. * (ولاجر الاخرة خير) * لهم. * (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما جهزهم بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلاكيل لكم عندي


(1) الهرى: بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان، والجمع: أهراء. (القاموس المحيط: مادة هرى). (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 482. (3) قرأه ابن كثير والمفضل. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 468. (*)

[ 227 ]

ولاتقربون (60) قالوا سنرا ود عنه أباه وإنا لفعلون (61) وقال لفتينه اجعلوا بضعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62)) * لما تمكن يوسف بمصر وقحط الناس جمع يعقوب بنيه وقال: بلغني أنه يباع الطعام بمصر وأن صاحبه رجل صالح، فاذهبوا إليه، فتجهزوا وساروا حتى وردوا مصر * (فدخلوا) * على يوسف * (فعرفهم) * لأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم * (وهم له منكرون) * لم يعرفوه لطول العهد، ولاعتقادهم أنه قد هلك. * (ولما جهزهم بجهازهم) * أي: أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما طلبوه من الميرة * (قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم) * لابد من مقدمة سبقت معهم حتى جرت هذه المسألة، روي (1): أنه لما رآهم قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن إخوة عشرة وأبونا نبي من الأنبياء اسمه: يعقوب، وكنا اثني عشر إخوة (2) فهلك منا واحد، قال: فأين الأخ الحادي عشر ؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به من الهالك * (قال) * يوسف: * (ائتونى) * به * (ألا ترون أني أوفي الكيل) * ولا أبخس أحدا شيئا * (وأنا خير المنزلين) * المضيفين. * (فإن لم تأتوني به ف‍) * ليس * (لكم عندي) * طعام أكيله عليكم، وقوله: * (ولاتقربون) * يجوز أن يكون مجزوما عطفا على محل قوله: * (فلاكيل لكم) * كأنه قال: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا، ويجوز أن يكون بمعنى النهي. * (قالوا سنرا ود عنه أباه) * أي: سنخادعه عنه ونحتال حتى ننتزعه من يده * (وإنا لفعلون) * لقادرون على ذلك.


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 484. (2) كذا في النسخ، والصحيح: " أخا ". (*)

[ 228 ]

" وقال لفتيته " (1) وقرئ: * (لفتينه) * وهما: جمع فتى، مثل إخوة وإخوان في جمع أخ، وفعلة: جمع القلة، وفعلان: جمع الكثرة، أي: لغلمانه الكيالين * (اجعلوا بضعتهم في رحالهم) * يعني: ثمن طعامهم وما كانوا جاؤوا به في أوعيتهم، واحدها رحل، يقال للوعاء: رحل، وللمسكن: رحل، واصله: الشئ المعد للرحيل * (لعلهم يعرفونها) * لعلهم يعرفون حق ردها وحق التكرم بإعطاء البدلين * (إذا انقلبوا إلى أهلهم) * وفرغوا ظروفهم * (لعلهم يرجعون) * لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، قيل: لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنا (2). * (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل فأرسل معنآ أخانا نكتل وإنا له لحفظون (63) قال هل ءامنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حفظا وهو أرحم الرا حمين (64) ولما فتحوا متعهم وجدوا بضعتهم ردت إليهم قالوا يأبانا مانبغى هذه بضعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلمآ ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66)) * * (منع منا الكيل) * أرادوا قول يوسف (عليه السلام): * (فلاكيل لكم عندي) * لأنه إذا أعلمهم بمنع الكيل فقد منعهم الكيل * (فأرسل معنآ أخانا) * بنيامين * (نكتل) * برفع المانع من الكيل فنكتل ما نحتاج إليه من الطعام، وقرئ: " يكتل " بالياء (3)، أي: يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا، أو يكن سببا للاكتيال. * (قال هل ءامنكم) *


(1) الظاهر أن المصنف اعتمد هنا على قراءة الياء ثم التاء بعدها تبعا للزمخشري. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 485. (3) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 350. (*)

[ 229 ]

أي: لاآمنكم * (على) * بنيامين في الذهاب به * (إلا كمآ أمنتكم على أخيه) * يوسف إذ قلتم فيه: * (إنا له لحفظون) * (1) كما تقولونه في أخيه ثم لم تفوا بضمانكم * (فالله خير حفظا) * فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم، و * (حفظا) * نصب على التمييز كقولهم: " لله دره فارسا "، ويجوز أن يكون حالا، وقرئ: " حفظا " (2)، * (وهو أرحم الرا حمين) * يرحم ضعفي وكبر سني، فيحفظه ويرده علي ولايجمع علي مصيبتين. * (ولما فتحوا متعهم) * أي: أوعية طعامهم * (وجدوا بضعتهم ردت إليهم) *، وقرأ يحيى بن وثاب (3): " ردت " بكسر الراء (4) على أن كسر الدال المدغمة نقلت إلى الراء * (مانبغى) *: * (ما) * للنفي، أي: ما نبغي في القول، أو ما نبتغي شيئا وراء ما فعل بنا من الإحسان والإكرام، أو للاستفهام بمعنى: أي شئ نطلب وراء هذا من الإحسان ؟ وقيل: معناه: ما نريد منك بضاعة أخرى (5)، وقوله: * (هذه بضعتنا ردت إلينا) * جملة مستأنفة موضحة لقوله: * (مانبغى) * والجمل بعدها معطوفة عليها على معنى: أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها * (ونمير أهلنا) * في رجوعنا إلى الملك * (ونحفظ أخانا) * فما يصيبه شئ مما تخافه * (ونزداد) * باستحضار أخينا وسق (6) بعير زائدا على أوساق أباعرنا، فأي شئ نطلب وراء


(1) الآية: 12. (2) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 350. (3) هو يحيى بن وثاب الأسدي بالولاء، الكوفي، إمام أهل الكوفة في القرآن، قليل الحديث، سمع ابن عمر وابن عباس، وروى عن ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة مرسلا، وروى عنه الأعمش وقتادة. توفي سنة 103 ه‍. انظر تهذيب الاسماء واللغات للنووي: ج 2 ص 159. (4) حكاها عنه ابن جني في المحتسب: ج 1 ص 345. (5) قاله قتادة: راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 247، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 58. (6) الوسق: ستون صاعا، قال الخليل: هو حمل البعير. (الصحاح: مادة وسق). (*)

[ 230 ]

هذه المباغي التي نستصلح بها أحوالنا ؟ * (ذلك كيل يسير) * أي: ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعنون: ما يكال لهم فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم، أو يكون * (ذلك) * إشارة إلى كيل بعير، أي: ذلك الكيل شئ قليل لا يضايقنا فيه الملك، أو سهل عليه لا يتعاظمه. * (حتى تؤتون) * أي: تعطوني ماأتوثق به * (من) * عند * (الله) * من عهد أو حلف * (لتأتنني به) * جواب القسم، لأن المعنى: حتى تقسموا بالله لتأتنني به * (إلا أن يحاط بكم) * إلا أن تغلبوا فلم تقدروا على الإتيان به، أو إلا أن تهلكوا * (فلمآ ءاتوه موثقهم) * أي: أعطوه ما يوثق به من العهود والأيمان * (قال) * يعقوب * (الله على ما نقول وكيل) * أي: رقيب مطلع، إن أخلفتم انتصف لي منكم. * (وقال يبنى لا تدخلوا من باب وا حد وادخلوا من أبوا ب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ماكان يغنى عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضيها وإنه لذو علم لما علمنه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68)) * نهاهم أن يدخلوا * (من باب وا حد) * لأنهم كانوا ذوي جمال وبهاء وهيئة حسنة، قد شهروا في مصر بالقربة من الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، فخاف عليهم العين * (وما أغنى عنكم من الله من شئ) * يعني: إن أراد الله بكم سوء لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة * (إن الحكم إلا لله) *. * (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) * أي: متفرقين * (ماكان يغنى عنهم) * رأي يعقوب ودخولهم متفرقين شيئا قط * (إلا حاجة) * استثناء منقطع على معنى:

[ 231 ]

ولكن حاجة * (في نفس يعقوب قضيها) * وهي إظهار الشفقة عليهم بما قاله لهم * (وإنه لذو علم) * أي: إنه لذو يقين ومعرفة بالله * (لما علمنه) * أي: من أجل تعليمنا إياه. * (ولما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلاتبتئس بما كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسرقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سرقين (73) قالوا فما جزا ؤه إن كنتم كذبين (74) قالوا جزا ؤه من وجد في رحله فهو جزا ؤه كذلك نجزى الظلمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشآء الله نرفع درجت من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76)) * * (ءاوى إليه) * أي: ضم إليه * (أخاه) * بنيامين، روي: أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال: أحسنتم، فأنزلهم وأكرمهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده، فأجلسه معه على مائدته وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟ قال: من يجد أخا مثلك ؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له: * (إنى أنا أخوك فلاتبتئس) * فلا تحزن * (بما كانوا يعملون) * بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا، ولا تعلمهم بما أعلمتك (1).


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 489. (*)

[ 232 ]

و * (السقاية) *: مشربة يسقى بها وهي الصواع، قيل: كان يسقى بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به وكانت من فضة مموهة بالذهب (1)، وقيل: كانت من ذهب مرصعة بالجواهر (2) * (ثم أذن مؤذن) * ثم نادى مناد، يقال: آذن: أعلم، وأذن: أكثر الإعلام، و * (العير) *: الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير، أي: تجئ وتذهب، وقيل: هي قافلة الحمير ثم كثر حتى قيل لكل قافلة: عير (3)، والمراد: أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي. * (وأنا به زعيم) * أي: قال المنادي: من * (جاء) * بالصواع فله * (حمل بعير) * من الطعام * (وأنا) * بذلك كفيل: ضامن أؤديه إليه. * (تالله) * قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم، وإنما قالوا: * (لقد علمتم) * فاستشهدوا بعلمهم لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم وحسن سيرتهم في معاملتهم معهم مرة بعد أخرى، ولأنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم مخافة أن يكون وضع ذلك بغير إذن العزيز * (وما كنا سرقين) * وما كنا موصوفين بالسرقة قط. * (قالوا فما جزا ؤه) * الهاء للصواع، أي: فما جزاء سرقته * (إن كنتم كذبين) * في ادعائكم البراءة منه ؟ * (قالوا جزا ؤه) * أي: جزاء سرقته أخذ * (من وجد في رحله) *، وكانت السنة في بني إسرائيل أن يسترق السارق سنة فلذلك استفتوا في جزائه، وقولهم: * (فهو جزا ؤه) * معناه: فهو جزاؤه لاغير، كقولك: حق فلان أن يكرم وينعم عليه فذلك حقه، أي: فهو حقه، ويجوز أن يكون * (جزا ؤه) * مبتدأ والجملة الشرطية خبره، والأصل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فوضع * (جزا ؤه) * موضع " هو " إقامة للظاهر مقام المضمر.


(1) قاله قتادة. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 61. (2) قاله عبد الرحمن بن زيد. راجع المصدر السابق. (3) قاله مجاهد. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 254. (*)

[ 233 ]

* (فبدأ ب‍) * تفتيش * (أوعيتهم قبل وعاء أخيه) * بنيامين لنفي التهمة * (ثم استخرجها من) * وعائه، والصواع يذكر ويؤنث * (كذلك) * أي: مثل ذلك الكيد العظيم * (كدنا ليوسف) * يعني: علمناه إياه وأوحينا به إليه * (ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك) * هذا تفسير للكيد وبيان له، لأنه كان في دين ملك مصر وحكمه في السارق أن يضرب ويغرم مثل ما أخذ لا أن يستعبد * (إلا أن يشآء الله) * أي: ماكان يأخذ إلا بمشيئة الله وإذنه فيه * (نرفع درجت من نشاء) * في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه، وقرئ: " يرفع " بالياء (1) و * (درجت) * بالتنوين (2)، * (وفوق كل ذي علم عليم) * أرفع درجة منه في علمه حتى ينتهي إلى الله تعالى العالم لذاته، فلا يختص بمعلوم دون معلوم فيقف عليه ولا يتعداه. * (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نربك من المحسنين (78) قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده إنآ إذا لظلمون (79) فلما استيسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الارض حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى وهو خير الحكمين (80)) * * (أخ له) * عنوا به يوسف، واختلف فيما أضافوه إلى يوسف من السرقة، وأصح الأقوال (3) فيه: أن عمته كانت تحضنه بعد وفاة أمه وتحبه حبا شديدا،


(1) قرأه يعقوب والحسن وعيسى. راجع التبيان: ج 6 ص 174، والبحر المحيط لابي حيان: ج 5 ص 332. (2) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف من غير تنوين، أي بالإضافة كما لا يخفي. (3) وهو قول مجاهد على ما حكاه القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 239. (*)

[ 234 ]

فلما ترعرع أراد يعقوب استرداده منها، وكانت منطقة إسحاق عندها لكونها أكبر ولده وكانوا يتوارثونها بالكبر، فعمدت إلى المنطقة وشدته على يوسف تحت ثيابه وادعت أنه سرقها، فحبسته بذلك السبب عندها * (فأسرها يوسف) * هذا إضمار قبل الذكر على شريطة التفسير، وتفسيره: * (أنتم شر مكانا) * فكأنه قال: فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله: * (أنتم شر مكانا) *، والمعنى: قال * (في نفسه) *: أنتم شر مكانا، لأن قوله: * (قال أنتم شر مكانا) * بدل من * (فأسرها) * أي: أنتم شر منزلة في السرقة، لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم * (والله أعلم بما تصفون) * يعلم أنه ليس الأمر كما تصفون، ولم يصح لي ولا لأخي سرقة. ثم رفقوا في القول واستعطفوه بذكر أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السن أو كبير القدر، وأن بنيامين أحب إليه منهم * (فخذ أحدنا مكانه) * أي: بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد * (إنا نربك من المحسنين) * إلينا فأتمم إحسانك، أو اجر على عادتك في الإحسان فإنه عادتك. * (قال معاذ الله) * هو كلام موجه، ظاهره: أنه يجب أخذ من وجد الصواع في رحله على مقتضى فتياكم، فلو أخذنا غيره كان ظلما عندكم فلا تطلبوا مني ما تعرفون أنه ظلم، وباطنه: أن الله تعالى أمرني بأخذ بنيامين واحتباسه لمصالح علمها في ذلك، فلو أخذت غيره كنت ظالما: عاملا بخلاف ما أمرت به، ومعنى * (معاذ الله أن نأخذ) *: نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ، و * (إذا) * جواب لهم وجزاء، لأن المعنى: إن نأخذ بدله ظلمنا. * (فلما استيسوا) * يئسوا * (خلصوا) * أي: اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يشوبهم سواهم * (نجيا) *: ذوي نجوى، فيكون النجي مصدرا بمعنى التناجي، كما قيل: * (وإذ هم نجوى) * (1) تنزيلا للمصدر منزلة الوصف، أو قوما


(1) الاسراء: 47. (*)

[ 235 ]

نجيا أي: مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا، فيكون مثل العشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى: * (وقربنه نجيا) * (1)، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم: أيرجعون أم يقيمون، وإذا رجعوا فماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم * (قال كبيرهم) * في السن وهو روبيل، وقيل: رئيسهم وهو شمعون (2)، وقيل: كبيرهم في الرأي والعقل وهو يهوذا (3) أو لاوي (4) * (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله) * ذكرهم الوثيقة التي أخذها عليهم يعقوب * (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) * فيه وجوه: أن تكون * (ما) * مزيدة، أي: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم، وأن تكون مصدرية على أن تكون مبتدأ و * (من قبل) * خبره، أي: وقع من قبل تفريطكم في يوسف، أو يكون في محل نصب عطفا على مفعول * (ألم تعلموا) * أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقا عليكم وتفريطكم من قبل في يوسف ؟ وأن تكون موصولة بمعنى: ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة، ومحله الرفع أو النصب على الوجهين * (فلن أبرح الارض) * فلن أفارق أرض مصر * (حتى يأذن لى أبى) * في الانصراف إليه * (أو يحكم الله) * بالخروج منها، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده. * (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانآ إن ابنك سرق وماشهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب حفظين (81) وسل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصدقون (82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا


(1) مريم: 52. (2) قاله مجاهد. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 269. (3) وهو قول مجاهد على ما حكاه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 67. (4) وهو قول محمد بن كعب وابن إسحاق. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 241. (*)

[ 236 ]

فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) وتولى عنهم وقال يأسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهلكين (85) قال إنما أشكوا بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولاتايسوا من روح الله إنه لايايس من روح الله إلا القوم الكفرون (87)) * * (وماشهدنآ) * عليه * (إلا بما علمنا) * في الظاهر أن الصواع استخرج من وعائه * (وما كنا للغيب) * أي: للأمر الخفي * (حفظين) * ولم نشعر أسرق أم دس الصاع في رحله. * (وسل القرية التي كنا فيها) * هي مصر، أي: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة * (والعير التي أقبلنا فيها) * أي: أصحاب العير. والمعنى: فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له: ما قال أخوهم، ف‍ * (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا) * أردتموه، وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته لولا تعليمكم * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * بيوسف وأخيه وروبيل أو غيره * (إنه هو العليم) * بحالي في الحزن والأسف * (الحكيم) * الذي لم يبتلني إلا لحكمة ومصلحة. * (وتولى) * وأعرض * (عنهم) * كراهة لما جاؤوا به * (وقال يأسفي) * أضاف الأسف إلى نفسه، والألف بدل من ياء الإضافة، والأسف: أشد الحزن والحسرة، وتأسفه * (على يوسف) * دون غيره دليل على أنه لم يقع فائت عنده موقعه، وأن الرزء (1) فيه كان عنده غضا طريا مع طول العهد * (وابيضت عيناه من الحزن) *


(1) الرزء: المصيبة. (الصحاح: مادة رزأ). (*)

[ 237 ]

والبكاء حتى أشرف على العمى فكان لا يرى إلا رؤية ضعيفة، وقيل: إنه عمي (1) * (فهو كظيم) * أي: مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر مايسؤهم. * (تفتؤا) * أي: لاتفتأ، حذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات لأنه لو كان إثباتا لم يكن بد من اللام والنون، ونحوه: فقلت: يمين الله أبرح قاعدا (2) ومعنى " لاتفتأ ": لا تزال، كما يقال: ما فتئ يفعل كذا * (حتى تكون حرضا) * أي: مشفيا على الهلاك، وأحرضه المرض، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه مصدر، والصفة حرض، ومثله: دنف ودنف. البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس، أي: ينشره، و * (إنما أشكوا) * معناه: لاأشكو إلى أحد وإنما أشكو * (إلى الله وأعلم من) * صنع * (الله) * ورحمته * (ما لا تعلمون) * وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، وروي: أنه رأى ملك الموت (عليه السلام) فسأله: هل قبضت روح يوسف ؟ فقال: لا، فعلم أنه حي (3). فقال: * (اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) * أي: فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما، وهو تفعل من الإحساس وهو المعرفة * (من روح الله) * من فرجه وتنفيسه، وقيل: من رحمته (4) * (إنه لايايس من روح الله إلا القوم الكفرون) * لأن المؤمن من الله على خير، يرجوه عند البلاء، ويشكره في الرخاء.


(1) قاله مجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 70. (2) وعجزه: ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي. البيت لأمرئ القيس من قصيدته اللامية التي يصف فيها مغامراته وصيده وسعيه الى المجد. راجع ديوان امرئ القيس: ص 141. (3) رواه البغوي في تفسيره: ج 2 ص 445. (4) قاله قتادة والضحاك. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 284 - 285. (*)

[ 238 ]

* (فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضعة مزجبة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جهلون (89) قالوا أءنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذآ أخى قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد ءاثرك الله علينا وإن كنا لخطين (91) قال لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرا حمين (92) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93)) * * (الضر) * الهزال من الجوع والشدة، شكوا إلى يوسف ما نالهم من القحط وهلاك المواشي، والبضاعة المزجاة: المدفوعة، يدفعها كل تاجر رغبة عنها وتحقيرا لها، من أزجيته: إذا دفعته وطردته، قيل: كانت من متاع الأعراب: الصوف والسمن (1)، وقيل: كانت دراهم زيوفا (2) لا تنفق في ثمن الطعام (3)، * (فأوف لنا الكيل) * كما كنت توفيه في السنين الماضية * (وتصدق علينا) * وتفضل علينا بالمسامحة، وزدنا على حقنا * (إن الله يجزى المتصدقين) * يثيبهم على صدقاتهم بأفضل منها. فرق يوسف لهم ولم يتمالك أن عرفهم نفسه، و * (قال) * لهم: * (هل علمتم ما فعلتم) * استفهم عن وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب، أي: هل علمتم قبح * (ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جهلون) * لا تعلمون قبحه فلذلك أقدمتم عليه، يعني: هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه ؟ لأن علم القبح يجر إلى التوبة، فكان


(1) قاله عبد الله بن الحارث. راجع تفسير الماوردي: ج 2 ص 73. (2) زافت الدراهم: إذا صارت مردودة لغش فيها. (القاموس المحيط: مادة زفت). (3) قاله ابن عباس. راجع تفسير البغوي: ج 2 ص 446. (*)

[ 239 ]

كلامه شفقة عليهم ونصحا لهم في الدين، إيثارا لحق الله على حق نفسه في ذلك المقام الذي ينفث فيه المصدور ويتشفي المحنق المغيظ، وقيل: معناه: إذ أنتم صبيان أو شبان حين يغلب على الإنسان الجهل (1). وقرئ: * (أءنك) * على الاستفهام، و " إنك " على الإيجاب (2)، قيل: إنه تبسم فأبصروا ثناياه فعرفوه وكانت كاللؤلؤ المنظوم (3)، وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه (4) * (إنه من يتق) * الله: من يخف الله وعقابه * (ويصبر) * عن المعصية وعلى الطاعة * (فإن الله لا يضيع أجر) * هم، فوضع * (المحسنين) * موضع الضمير، لاشتماله على المتقين والصابرين. * (لقد ءاثرك الله علينا) * أي: فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، وإن شأننا وحالنا أنا * (كنا لخطين) * متعمدين للإثم، لاجرم أن الله أعزك وأذلنا. * (لاتثريب عليكم) * لاعتب ولا تعيير ولا تأنيب * (عليكم اليوم) * أي: لاأثربكم اليوم فيما فعلتم * (يغفر الله لكم) * ذنوبكم، دعا لهم بالمغفرة لما فرط منهم. * (اذهبوا بقميصي هذا) *، قيل: إنه القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة (5) * (يأت بصيرا) * أي: يرجع بصيرا، أو يأت إلي وهو بصير، وينصره قوله: * (وأتوني بأهلكم أجمعين) * أي: ليأتني أبي وآله جميعا. * (ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قالوا تالله إنك لفي ضللك القديم (95) فلمآ أن جاء البشير ألقبه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله


(1) قاله ابن عباس والحسن. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 256. (2) قرأه ابن كثير وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 351. (3 و 3) قاله ابن عباس على ما حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 256. (5) وهو قول مجاهد. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 258. (*)

[ 240 ]

ما لا تعلمون (96) قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خطين (97) قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم (98)) * * (ولما) * خرجت القافلة وانفصلت * (العير) * من مصر * (قال أبوهم) * يعقوب لولد ولده ومن حوله: * (إنى لاجد ريح يوسف) * أوجده الله تعالى ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمان أو عشر * (لولا أن تفندون) * أي: تنسبوني إلى الفند وهو الخرف، والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني. * (إنك لفي ضللك القديم) * أي: في ذهابك عن الصواب قدما (1) في إفراط محبتك ليوسف ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه قد مات. * (فلمآ أن جاء البشير ألقبه) * يعني: القميص، طرحه * (على) * وجه يعقوب، أو ألقاه يعقوب * (فارتد) * فرجع * (بصيرا قال ألم أقل لكم) * يعني قوله: * (ولا تايسوا من روح الله) * (2)، وقوله: * (إنى أعلم) * كلام مبتدأ لم يقع عليه القول، ويجوز أيضا أن يكون واقعا عليه. * (سوف أستغفر لكم) * قيل: إنه أخر الاستغفار إلى وقت السحر، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء (3)، وقيل: إلى سحر ليلة الجمعة (4). * (فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه ابويه وقال ادخلوا مصر إن شآء الله ءامنين (99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يأبت هذا تأويل رءيى من قبل قد جعلها ربى حقا وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين


(1) في نسخة: قديما. (2) الآية: 87. (3) قاله ابن مسعود وابراهيم التميمي وابن جريج. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 300. (4) كما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله)، أخرجه الطبري في تفسيره: ج 7 ص 300 وهو المروي عن الباقر والصادق (عليه السلام) كما في تفسير العياشي: ج 2 ص 196 ح 81. (*)

[ 241 ]

إخوتى إن ربى لطيف لما يشآء إنه هو العليم الحكيم (100) رب قد ءاتيتنى من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض أنت ولى ى في الدنيا والاخرة توفنى مسلما وألحقني بالصلحين (101) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102)) * معنى دخولهم * (على يوسف) * قبل دخولهم مصر: أنهم حين استقبلهم يوسف كأنه نزل لهم في بيت أو مضرب هناك، فدخلوا عليه وضم * (إليه ابويه) * ثم * (قال) * لهم: * (ادخلوا مصر إن شآء الله ءامنين) * وتعلقت المشيئة بالدخول مقيدا بالأمن، والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتموه آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال، وقوله: * (ءاوى إليه ابويه) * معناه: ضمهما إليه واعتنقهما. ولما دخل مصر وجلس في مجلسه مستويا على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه فرفعهما * (على) * السرير * (وخروا له) * يعني: الإخوة الأحد عشر * (سجدا) * وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة، وقيل: معناه: خر إخوته وأبواه لأجله سجدا لله شكرا (1)، ويعضده ماروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قرأ: " وخروا لله ساجدين "، * (وقدأحسن بى) * يقال: أحسن به وإليه، وأساء به وإليه، قال: أسيئي بنا أو أحسني لاملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت (2) و * (البدو) * البادية، وهم كانوا أهل بادية وأصحاب مواش، ينتقلون في المياه


(1) قاله ابن عباس كما في تفسير الماوردي: ج 3 ص 82، وأخرجه العياشي في تفسيره: ج 2 ص 197 مسندا الى أبي جعفر (عليه السلام) وبطريق آخر عن علي بن محمد بن الرضا (عليه السلام). (2) البيت لكثير بن عبد الرحمن الخزاعي المشهور بكثير عزة، وهي من قصيدة يجيب فيها عزة لما سمعها تسبه. تقدم شرح البيت وتفصيله في ص 71 فراجع. (*)

[ 242 ]

والمناجع (1) * (نزغ الشيطن بينى وبين إخوتى) * أي: أفسد بيننا وحرش * (إن ربى لطيف) * في تدبير عباده يسهل لهم العسير، وبلطفه اجتمعنا. وروي: أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات ودفن بالشام عن وصية منه بذلك (2)، وقيل: إنه عاش مع يوسف حولين، وعاش يوسف بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة (3)، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له ملكه طلبت نفسه الملك الدائم الذي لا يفنى، فتمنى الموت وماتمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيبا طاهرا. و * (من) * في قوله: * (من الملك) * و * (من تأويل الاحاديث) * للتبعيض، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل * (أنت ولى ى) * أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، وتوصل الملك الفاني بالملك الباقي * (فاطر السموات) * وصف لقوله: * (رب) * أو نصب على النداء * (وألحقني بالصلحين) * من آبائي، أو على العموم. * (ذلك) * إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف وهو مبتدأ، و * (من أنباء الغيب نوحيه إليك) * خبران، والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي، لأنك لم تحضر بني يعقوب حين * (أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) * بيوسف، ويبغون له الغوائل حتى ألقوه في الجب.


(1) النجعة: طلب الكلأ والعرف. (لسان العرب: مادة نجع). (2) انظر تاريخ الطبري: ج 1 ص 255 - 256. (3) أخرج العياشي عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كم عاش يعقوب مع يوسف بمصر بعد ما جمع الله يعقوب شمله، وأراه تأويل رؤيا يوسف الصادقة ؟ قال: عاش حولين، قلت: فمن كان يومئذ الحجة لله في الأرض يعقوب أم يوسف ؟ فقال: كان يعقوب الحجة وكان الملك ليوسف، فلما مات يعقوب حمل يوسف عظام يعقوب في تابوت الى الشام، فدفنه في بيت المقدس ثم كان يوسف بن يعقوب الحجة. تفسير العياشي: ج 2 ص 198 ح 87. (*)

[ 243 ]

* (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعلمين (104) وكأين من ءاية في السموات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن تأتيهم غشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحن الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم ولدار الاخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109)) * * (وما أكثر الناس) * يريد العموم، وعن ابن عباس: يريد أهل مكة (1)، أي: وماهم بمؤمنين * (ولو حرصت) * على إيمانهم، لعنادهم وتصميمهم على الكفر. * (وما تسلهم) * على تبليغ الرسالة أجرا فيصدهم ذلك عن الإيمان * (إن هو إلا ذكر) * عظة من الله تعالى * (للعلمين) * عامة، يعني: القرآن. * (و) * كم * (من ءاية) * أي: علامة ودلالة على توحيد الله * (يمرون عليها) * ويشاهدونها * (وهم... معرضون) * عنها، لا يعتبرون بها. * (وما يؤمن أكثرهم) * في إقرارهم * (بالله) * وبأنه خلقهم وخلق السماوات والأرض * (إلا وهم مشركون) * بعبادة الأوثان، يريد: مشركي قريش، وقيل: هم الذين يشبهون الله بخلقه (2)، وقيل: هم أهل الكتاب معهم شرك وإيمان (3).


(1) تفسير ابن عباس: ص 204. (2) قاله ابن عباس والسدي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 87. (3) قاله الحسن. راجع الكشاف: ج 2 ص 508. (*)

[ 244 ]

وعن الباقر (عليه السلام): " أنه شرك الطاعة لاشرك العبادة، أطاعوا الشيطان في ارتكاب المعاصي " (1). * (أفأمنوا أن تأتيهم غشية) * أي: نقمة تغشاهم، وعذاب يغمرهم. * (قل هذه سبيلى) * هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي، ثم فسر سبيله بقوله: * (أدعوا إلى الله على بصيرة) * أي: أدعو إلى دينه مع حجة واضحة، و * (أنا) *: تأكيد للضمير المستكن في * (أدعوا) *، و * (من اتبعنى) * عطف عليه، أي: أدعو إليها أنا ويدعو إليها من اتبعني، ويجوز أن يكون * (على بصيرة) * حالا من * (أدعوا) * عاملة الرفع في * (أنا ومن اتبعنى) *، * (وسبحن الله) * وأنزه الله من الشركاء. * (إلا رجالا) * لاملائكة، وقرئ: * (نوحي إليهم) * بالنون (2) * (من أهل القرى) * لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي أهل الجفاء والقسوة * (ولدار) * الساعة * (الاخرة) *، أو الحالة * (الاخرة خير للذين اتقوا) * أي: خافوا الله فلم يشركوا به. * (حتى إذا استيس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد كان في قصصهم عبرة لاولى الالبب ماكان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111)) * هنا حذف دل الكلام عليه، كأنه قيل: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا قد تأخر نصرنا إياهم كما أخرناه عن هذه الأمة * (حتى إذا) * استيأسوا عن النصر * (وظنوا أنهم قد كذبوا) * أي: فظن * (الرسل) * أنهم قد كذبهم قومهم فيما وعدوهم من


(1) تفسير العياشي: ج 2 ص 200 ح 98. (2) إذ الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف بالياء مبنيا للمجهول. (*)

[ 245 ]

العذاب والنصر عليهم، وقرئ: * (كذبوا) * بالتخفيف، وهو قراءة أئمة الهدى (عليهم السلام) (1)، ومعناه: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصرة الله إياهم (2)، جاء الرسل * (نصرنا) * بإرسال العذاب على الكفار " فننجى من نشاء " (3) أي: نخلص من نشاء من العذاب عند نزوله، وقرئ: * (فنجى) * بالتشديد على لفظ الماضي المبني للمفعول، والمراد ب‍ * (من نشاء) *: المؤمنون، ويبين ذلك قوله: * (ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) *. الضمير في * (قصصهم) * راجع إلى يوسف وإخوته * (عبرة) * أي: اعتبار للعقلاء، فإن نبينا (صلى الله عليه وآله) لم يقرأ كتابا ولا سمع حديثا ولا خالط أهله ثم حدثهم به في حسن نظمه ومعانيه بحيث لم يرد عليه أحد من ذلك شيئا، وفيه أوضح برهان على صحة نبوته * (ماكان) * القرآن * (حديثا يفترى) * أي: يختلق * (ولكن) * كان * (تصديق الذي بين يديه) * أي: قبله من الكتب السماوية * (وتفصيل كل شئ) * يحتاج إليه في الدين * (وهدى) * ودلالة * (ورحمة) * ونعمة ينتفع بها المؤمنون علما وعملا.


(1) انظر تفسير العياشي: ج 2 ص 201 ح 102. (2) وهو قول ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد والضحاك. راجع التبيان: ج 6 ص 207. (3) الظاهر من عبارة المصنف أنه يعتمد هنا على القراءة بنونين. (*)

[ 247 ]

سورة الرعد مختلف فيها (1)، وهي خمس وأربعون آية بصري، وثلاث كوفي، عد غير الكوفي * (لفي خلق جديد) * (2)، * (الظلمت والنور) * (3). في حديث أبي: " ومن قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة، وكان يوم القيامة من الموفين بعهد الله " (4). وعن الصادق (عليه السلام): " من أكثر قراءة الرعد لم يصبه الله بصاعقة أبدا، وأدخل الجنة بغير حساب " (5).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 6 ص 211: قال قتادة: هي مدنية إلا آية منها فانها مكية وهي قوله: * (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) *. وقال مجاهد: هي مكية وليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وهي ثلاث وأربعون آية في الكوفي وأربع في المدنيين وخمس في البصري. وقال الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 91: مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في قول الكلبي ومقاتل، وقال ابن عباس: مدنية إلا آيتين منها وهما قوله تعالى: * (ولو أن قرءانا سيرت به الجبال) * الى آخرهما. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 511: مدنية، نزلت بعد سورة محمد (صلى الله عليه وآله). (2) الآية: 5. (3) الآية: 16. (4) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 536 مرسلا. (5) ثواب الأعمال: ص 133، تفسير العياشي: ج 2 ص 202 ح 1. (*)

[ 248 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (المر تلك ءايت الكتب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1) الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الايت لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الارض وجعل فيها روا سى وأنهرا ومن كل الثمرا ت جعل فيها زوجين اثنين يغشى اليل النهار إن في ذلك لايت لقوم يتفكرون (3)) * * (تلك) * مبتدأ و * (ءايت الكتب) * خبره * (والذي أنزل إليك) * من القرآن كله هو * (الحق) * الذي لا مزيد عليه. * (الله) * مبتدأ و * (الذي رفع) * خبره، بدليل قوله: * (وهو الذي مد الارض) *، ويجوز أن يكون صفة وقوله: * (يدبر الامر يفصل الايت) * خبرا بعد خبر * (ترونها) * كلام مستأنف بمعنى: وأنتم ترونها كذلك، ليس دونها دعامة ولا فوقها علاقة، وقيل: * (ترونها) * صفة ل‍ * (عمد) * (1)، وقرئ: " عمد " بضمتين (2)، يعني: بغير عمد مرئية، وإنما تعمدها قدرة الله عزوجل * (يدبر) * أمر ملكوته وأمور خلقه على الوجه الذي توجبه الحكمة * (يفصل) * آياته في كتبه المنزلة * (لعلكم... توقنون) * بالجزاء، وبأن هذا المدبر المفصل قادر على البعث والنشور، ولابد لكم من الرجوع إليه. * (مد الارض) * بسطها طولا وعرضا * (وجعل فيها روا سى) * جبالا ثوابت


(1) قاله قتادة واياس بن معاوية وغيرهما. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 279. (2) قرأه أبو حيوة ويحيى بن وثاب. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 359. (

[ 249 ]

* (ومن كل الثمرا ت جعل فيها زوجين اثنين) * أي: خلق فيها من جميع أنواعها زوجين زوجين: أسود وأبيض وحلوا وحامضا ورطبا ويابسا وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة * (يغشى اليل النهار) * يلبس ظلمة الليل ضياء النهار فيصير مظلما بعد أن كان مضيئا. * (وفي الارض قطع متجورا ت وجنت من أعنب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء وا حد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لايت لقوم يعقلون (4) وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترا با أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الاغلل في أعناقهم وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون (5)) * * (قطع متجورا ت) * بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة: طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع والشجر إلى أخرى على عكسها مع انتظام جميعها في جنس الأرضية، وكذلك الكروم والزروع والنخيل النابتة (1) في هذه القطع مختلفة الأجناس والأنواع وهي تسقى * (بماء وا حد) *، وتراها متغايرة الثمار في الأشكال والهيئات والطعوم والروائح، متفاضلة فيها، و * (في ذلك) * دلالة على صنع القادر العالم الموقع أفعاله على وجه دون وجه، وقرئ: " وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان " بالجر (2) عطفا على * (أعنب) *، والصنوان: جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان واصلهما واحد، وقرئ بضم الصاد (3) وكسرها وهما


(1) في بعض النسخ: الثابتة. (2) وهي قراءة عاصم برواية أبي بكر ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 356. (3) قرأه مجاهد والسلمي والحسن بن العباس عن حفص والمفضل. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 356، وتفسير القرطبي: ج 9 ص 282. (*)

[ 250 ]

لغتان، وقرئ: * (يسقى) * بالتاء (1) والياء، وقرئ: * (نفضل) * بالنون والياء (2) * (في الاكل) * بضم الكاف وسكونها (3). * (وإن تعجب) * يا محمد من قولهم في إنكار البعث * (ف‍) * قولهم * (عجب) * حقيق بأن يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ماعدد عليك من الصنائع العجيبة والفطر البديعة كانت الإعادة أهون عليه * (أءذا كنا) * إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلا من * (قولهم) *، وأن يكون في محل نصب بالقول، و * (إذا) * نصب بما دل عليه قوله: * (أءنا لفي خلق جديد) * فكأنه قيل: أنبعث إذا متنا و * (كنا ترا با) *، * (أولئك الذين كفروا) * أولئك المتمادون في كفرهم الكاملون فيه * (وأولئك الاغلل في أعناقهم) * وصف لهم بالإصرار، كقوله: * (إنا جعلنا في أعنقهم أغللا) * (4)، وكقول الشاعر: لهم عن الرشد أغلال وأقياد (5) أو هو من جملة الوعيد. * (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلت وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل


(1) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 356. (2) وبالياء هي قراءة حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 475. (3) وبسكونها قرأه نافع وابن كثير. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 528. (4) يس: 8. (5) وصدره: ضلوا وإن سبيل الغي مقصدهم. لم نعثر على قائله، يقول في ذم قوم: إنهم اتخذوا سبيل الغي دون الرشد والهداية مقصدا لهم، فكأنهم عن سبيل الرشد مكبلين لا يقدرون أن يمشوا إليه بأرجلهم. راجع شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 377. (*)

[ 251 ]

شئ عنده بمقدار (8) علم الغيب والشهدة الكبير المتعال (9) سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار (10) له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذآ أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال (11)) * * (بالسيئة قبل الحسنة) * بالعذاب والنقمة قبل الرحمة، بالعافية والإحسان إليهم بالإمهال، وذلك أنهم سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأتيهم بالعذاب * (وقد خلت) * أي: وقد مضت * (من قبلهم المثلت) * أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين، وسميت العقوبة مثلة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، وجزاء السيئة سيئة مثلها، ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه، والمثال: القصاص * (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) * أي: مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب، ومحله النصب على الحال، بمعنى: ظالمين لأنفسهم. وعن سعيد بن المسيب (1): لما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لولا عفو الله وتجاوزه ماهنأ أحدا العيش، ولولا وعيد الله وعقابه لاتكل كل واحد " (2). * (لولا أنزل عليه ءاية) * لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنادا، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى (عليهما السلام) من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى، فقيل: * (إنما أنت) * يا محمد * (منذر) * مخوف لهم من سوء العاقبة، وما عليك


(1) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد، إذ كان يعيش من التجارة بالزيت ولم يأخذ عطاء. وكان قد سمع من الامام علي بن الحسين (عليه السلام) وروى عنه، عده الشيخ الطوسي والبرقي أيضا في أصحاب السجاد (عليه السلام). انظر طبقات ابن سعد: ج 5 ص 88، ورجال الخوئي: ج 8 ص 132. (2) المغني عن حمل الاسفار للعراقي: ج 3 ص 144. (*)

[ 252 ]

إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر، والآيات كلها متساوية في حصول صحة الدعوى بها * (ولكل قوم هاد) * يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية وبآية خص بها، ولم يجعل الأنبياء شرعا (1) سواء في الآيات والمعجزات. * (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) *: * (ما) * إما موصولة في * (ما تحمل) * و * (ما تغيض) * و * (ماتزداد) * وإما مصدرية، فإن كانت موصولة فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج (2) وحسن وقبح وغير ذلك من الصفات * (و) * يعلم * (ما) * تغيضه * (الارحام) * أي: تنقصه، يقال: غاض الماء وغضته أنا * (وما تزداد) * أي: تأخذه زائدا، ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد الولد، فإن الرحم يشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأكثر، ومنه حد الولد في أن يكون تاما ومخدجا، ومنه مدة الولادة. وإن كانت مصدرية فالمعنى: أنه يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفي عليه شئ من ذلك، ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى " الارحام " وهو لما فيها، على أن يكون الفعلان غير متعديين، ويعضده قول الحسن: الغيضوضة: أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد: أن تزيد على تسعة أشهر (3)، وعنه: الغيض: أن يكون سقطا لغير تمام والازدياد ما ولد لتمام (4)، * (وكل شئ عنده بمقدار) * بقدر (5) وحد لا يجاوزه ولا يقصر عنه. * (الكبير) * العظيم الشأن الذي كل شئ دونه * (المتعال) * المستعلي عل كل شئ بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين.


(1) الشرعة والشرع: مثل الشئ. (الصحاح: مادة شرع). (2) خدجت الناقة تخدج خداجا: إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام. (الصحاح: مادة خدج). (3) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 51. (4) نفس المصدر السابق. (5) في بعض النسخ: مقدر. (*)

[ 253 ]

* (سارب) * أي: ذاهب في سربه، بالفتح أي: في طريقه ومذهبه، يقال: سرب في الأرض سروبا، والمعنى: سواء عنده من استخفي أي: طلب الخفاء (1) في مختبأ * (باليل) * في ظلمته ومن يضطرب في كل وجه ظاهرا * (بالنهار) * يبصر كل أحد، والضمير في * (له) * راجع إلى * (من) * والمعنى: لمن أسر ومن جهر، ومن استخفي ومن سرب. * (معقبت) * أي: جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، أو مفعلات (2) من عقبه: إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأن بعضهم يعقب بعضا، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه * (يحفظونه من أمر الله) * هما صفتان جميعا، وليس * (من أمر الله) * بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله، أو: يحفظونه من أجل أمر الله تعالى أي: من أجل أن الله أمرهم بحفظه، والدليل عليه قراءة علي (عليه السلام) وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): " له رقيب من بين يديه ومعقبات من خلفه يحفظونه بأمر الله " (3)، * (إن الله لا يغير ما بقوم) * من العافية والنعمة * (حتى يغيروا ما بأنفسهم) * من الحال الجميلة بكثرة المعاصي * (ومالهم من دونه من وال) * يلي أمرهم ويدفع عنهم. * (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد بحمده والملئكة من خيفته ويرسل الصوا عق فيصيب بها من يشآء وهم يجدلون في الله وهو شديد المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببلغه وما دعاء الكفرين إلا في ضلل (14) ولله


(1) في نسخة: الاختفاء. (2) في بعض النسخ: معقبات. (3) انظر التبيان: ج 6 ص 228، وتفسير القرطبي: ج 9 ص 293. (*)

[ 254 ]

يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظللهم بالغدو والاصال (15)) * * (خوفا وطمعا) * لا يجوز أن يكون انتصابهما على المفعول له، لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا أن يكون على تقدير حذف مضاف، أي: إرادة خوف وطمع، أو على معنى: إخافة وإطماعا، ويجوز أن يكون انتصابهما على الحال من * (البرق) * كأنه في نفسه خوف وطمع، أو على: ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي: خائفين وطامعين، ومعنى الخوف والطمع: أنه يخاف عند لمع البرق من وقوع الصواعق ويطمع في الغيث، وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر ومن له بيت يكف (1) عليه، ويطمع فيه من له نفع فيه (2)، * (وينشئ السحاب الثقال) * بالماء: يرفعها من الأرض ويجريها في الجو. * (ويسبح الرعد) * أي: سامعو الرعد من العباد حامدين له، يقولون: سبحان الله والحمد لله، وقيل: إن الرعد ملك موكل بالسحاب يزجره بصوته، فهو يسبح الله ويحمده (3) * (والملئكة من خيفته) * أي: يسبح الملائكة من هيبته وجلاله. ولما ذكر سبحانه مادل على أنه العالم القادر على كل شئ قال: * (وهم) * يعني: الكفار الذين أنكروا آياته * (يجدلون في الله) * حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث والإعادة ويتخذون له الشركاء والأنداد، فهذا جدالهم، و * (المحال) *: المماحلة وهي المماكرة والمكايدة، ومنه تمحل لكذا: إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان: إذا سعى به إلى السلطان، ومنه


(1) وكف البيت: إذا قطر. (الصحاح: مادة وكف). (2) قاله قتادة. راجع التبيان: ج 6 ص 229. (3) وهو قول ابن عباس وعكرمة وسلمة بن كهيل. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 187، وتفسير البغوي: ج 3 ص 11. (*)

[ 255 ]

الحديث: " ولا تجعله بنا ماحلا مصدقا " يعني: القرآن، والمعنى: أنه شديد المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يشعرون. * (له دعوة الحق) * معناه: أنه سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، فأضيفت ال‍ * (دعوة) * إلى * (الحق) * لكونها مختصة بالحق وبمعزل من الباطل، وقيل: إن معناه: دعوة المدعو الحق الذي يسمع ويجيب وهو الله سبحانه (1)، وعن الحسن: الحق: هو الله، وكل دعاء إليه دعوة الحق (2)، * (والذين يدعون من دونه) * أي: والآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله * (لا يستجيبون لهم بشئ) * من طلباتهم * (إلا كبسط كفيه) * إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه، أي: كاستجابة * (الماء) * من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ * (فاه) *، والماء جماد لايشعر ببسط كفيه ولا بحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وقيل: معناه: أنهم كمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطهما ناشرا أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئا (3) * (إلا في ضلل) * أي: في ضياع لا جدوى فيه. * (ولله يسجد) * أي: ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله شاؤوا أم أبوا، وينقاد له (4) * (ظللهم) * أيضا، حيث يتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص والفئ والزوال. * (قل من رب السموات والارض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لانفسهم نفعا ولاضرا قل هل يستوى الاعمى والبصير أم هل تستوى الظلمت والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشبه


(1) قاله ابن عباس. راجع تفسيره: ص 206. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 521. (3) قاله ابن عباس. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 12. (4) في بعض النسخ: لهم. (*)

[ 256 ]

الخلق عليهم قل الله خلق كل شئ وهو الوا حد القهر (16)) * * (قل) * يا محمد لهؤلاء الكفار: * (من رب السموات والارض) * ومدبرهما ؟ فإذا استعجم (1) عليهم الجواب ولا يمكنهم أن يقولوا: الأصنام، فلقنهم و * (قل الله) *، فإنهم لا يقدرون أن ينكروه * (قل أفاتخذتم) * بعد أن علمتموه رب السماوات والأرض * (من دونه أولياء) * فجعلتم ماكان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم سبب الإشراك * (لا يملكون لانفسهم) * أي: لا يستطيعون لها * (نفعا ولاضرا) * فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق فما أبين ضلالكم ! * (أم جعلوا) * بل أجعلوا، وهي همزة الإنكار * (خلقوا) * صفة ل‍ * (شركاء) *، يعني: أنهم لم يتخذوا * (لله شركاء) * خالقين قد * (خلقوا) * مثل خلق الله * (فتشبه... عليهم) * خلق الله وخلقهم حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما عبدنا الله، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على شئ * (قل الله خلق كل شئ) * لاخالق سواه، فلا يكون له شريك في العبادة * (وهو الوا حد) * في الإلهية * (القهر) * لا يغالب، ومن سواه مربوب ومقهور. * (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والبطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأوبهم


(1) استعجم عليه الكلام: إذا استبهم. (الصحاح: مادة عجم). (*)

[ 257 ]

جهنم وبئس المهاد (18)) * هذا مثل ضربه * (الله) * تعالى للحق وأهله والباطل وأهله، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله * (من السماء) * فتسيل به * (أودية) * الناس فيحيون به وينتفعون منه بأنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في اتخاذ الحلي والآلات المختلفة، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرا، يثبت الماء في منافعه ويبقى آثاره في العيون والآبار والحبوب والثمار التي تنبت به، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة طويلة، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وخلوه من المنفعة بزبد السيل الذي يرمي به وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب. وقوله: * (بقدرها) * معناه: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع غير ضار، والفائدة في قوله: * (ابتغآء حلية) * كالفائدة في قوله: * (بقدرها) * لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله: * (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) *، فذكر وجه الانتفاع بما يوقد عليه منه ويذاب وهو الحلية والمتاع، وقوله: * (ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متع) * عبارة جامعة لأنواع الفلز مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به كما جاء في ذكر الآجر * (فأوقد لى يهمن على الطين) * (1)، و * (من) * لابتداء الغاية، أي: ومنه ينشأ * (زبد) * مثل زبد الماء، أو للتبعيض بمعنى: وبعضه زبد، والرابي: العالي المنتفخ على وجه الماء، والجفاء: المتفرق، جفأه السيل أي: رمى به، وجفأت القدر بزبدها، وقرئ: * (يوقدون) * بالياء (2)، أي: يوقد الناس. * (للذين استجابوا) * اللام متعلقة ب‍ * (يضرب) * أي: كذلك يضرب الله الأمثال


(1) القصص: 38. (2) يظهر من العبارة أن المصنف اعتمد القراءة بالتاء هنا. (*)

[ 258 ]

للذين استجابوا وهم المؤمنون * (و) * للذين * (لم يستجيبوا) * وهم الكافرون، أي: هما مثلا الفريقين، و * (الحسنى) * صفة لمصدر * (استجابوا) * أي: استجابوا الاستجابة الحسنى، وقوله: * (لو أن لهم) * كلام مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: * (كذلك يضرب الله الامثال) * وما بعده كلام مستأنف (1)، و * (الحسنى) * مبتدأ خبره * (للذين استجابوا) *، والمعنى: لهم المثوبة الحسنى وهي الجنة، و * (الذين لم يستجيبوا) * مبتدأ خبره * (لو) * مع ما في حيزه، و * (سوء الحساب) * المناقشة في الحساب، وعن النخعي (2): أن يحاسب الرجل بذنوبه كلها: لا يغفر منها شئ (3). الصادق (عليه السلام): " هو أن لا يقبل لهم حسنة، ولا يغفر لهم سيئة " (4). * (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الالبب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثق (20) والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) والذين صبروا ابتغآء وجه ربهم وأقاموا الصلوا ة وأنفقوا مما رزقنهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنت عدن يدخلونها ومن صلح من أآبائهم وأزوا جهم وذريتهم والملئكة يدخلون عليهم من كل


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 524. (2) هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي المذحجي، أبو عمران، مولى من أهل الكوفة، كان من أكابر التابعين صلاحا وحفظا للحديث، حمل عنه العلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب علي (عليه السلام)، توفي سنة 96 ه‍، وهو ابن ست وأربعين سنة. (طبقات ابن سعد: ج 6 ص 270، رجال السيد الخوئي: ج 1 ص 356). (3) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 107. (4) تفسير العياشي: ج 2 ص 210 ح 38 و 39. (*)

[ 259 ]

باب (23) سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24)) * دخلت همزة الإنكار على الفاء لإنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في أن حال من علم * (أنما أنزل إليك من ربك الحق) * فاستجاب، بخلاف حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب، وبينهما من البون مابين الزبد والماء والخبث والإبريز (1) * (إنما يتذكر أولوا الالبب) * الذين يعملون على قضايا عقولهم فيتفكرون ويستبصرون. * (الذين يوفون) * مبتدأ وخبره * (أولئك لهم عقبى الدار) *، ويجوز أن يكون صفة ل‍ * (أولوا الالبب) * والأول أوجه * (مآ أمر الله به أن يوصل) * من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقرابة المؤمنين (2) الثابتة بسبب الإيمان، بالإحسان إليهم بحسب الطاقة (3) والذب عنهم ونصرتهم والنصيحة لهم وعيادة مرضاهم وحضور جنائزهم، ومنه مراعاة حق الخدم والجيران والرفقاء في السفر * (ويخشون ربهم) * أي: يخافون وعيده كله * (ويخافون) * خصوصا * (سوء الحساب) * فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا. * (والذين صبروا) * على القيام بأوامر الله ومشاق التكليف، وعلى المصائب في النفوس والأموال، وعن معاصي الله * (ابتغآء وجه ربهم) * لا لغرض من الأغراض الدنيوية، أو ليقال: ما أصبره وأوقره ولئلا يشمت به الأعداء، كقوله: وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع (4)


(1) الإبريز: الخالص. (الصحاح: مادة برز). (2) في نسخة: قرابة أمير المؤمنين (عليه السلام). (3) في بعض النسخ: الطاعة. (4) البيت لأبي ذؤيب خويلد بن خالد المخزومي يرثي بنيه، وقبله: وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع يقول: إن هذا التجلد الذي اريه به من نفسي انما هو لدفع شماتة الشامتين فاريهم بأني = (*)

[ 260 ]

* (وأنفقوا مما رزقنهم) * من الحلال، لأن الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله * (سرا وعلانية) * يتناول النافلة، لأنها في السر أفضل، فأما الفرائض فالمجاهرة بها أفضل، نفيا للتهمة * (ويدرءون بالحسنة السيئة) * يدفعونها، ومنه الحديث: " أتبع السيئة الحسنة تمحها " (1)، وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم (2)، وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا (3) * (أولئك لهم عقبى الدار) * عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها، و * (جنت عدن) * بدل من * (عقبى الدار) *. * (من أآبائهم) * جمع أبوي كل واحد منهم، فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم، جعل سبحانه من ثواب المطيع سروره بما يريه في أهله وأنسابه وذريته وإلحاقهم به في الجنة * (والملئكة يدخلون عليهم من كل باب) * من أبواب قصورهم. * (سلم عليكم) * في موضع الحال، لأن المعنى: قائلين: سلام عليكم أو مسلمين، وتعلق قوله: * (بما صبرتم) * بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم، يعنون: هذا الثواب بما صبرتم، أي: بسبب صبركم، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر، والمعنى: لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة، ويجوز أن يتعلق ب‍ * (سلم) * أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم.


= لاأتخضع ولا أخشع لأجل حدثان الزمان الطارئ من حيث لاأشعر. ويذكر أن معاوية مرض واتفق أن جاء وفد العراق وفيهم الإمام الحسن الزكي (عليه السلام)، فصاح معاوية: كحلوني وزينوني وألبسوني العمامة، وحاول أن يظهر القوة فأنشد له البيت الثاني، فأجابه (عليه السلام) بغتة بالأول. انظر كتاب العين: مادة (ضع)، ولسان العرب: مادة (ضعع). (1) مسند أحمد: ج 5 ص 153 و 158 و 228 و 236. (2) تفسير ابن عباس: ص 207. (3) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 16. (*)

[ 261 ]

* (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه ويقطعون مآأمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر وفرحوا بالحيوا ة الدنيا وما الحيواة الدنيا في الاخرة إلا متع (26) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه قل إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب (27) الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين ءامنوا وعملوا الصلحت طوبى لهم وحسن ماب (29) كذلك أرسلنك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لاإله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30)) * * (من بعد ميثقه) * أي: من بعد ماأوثقوه به من الاعتراف والقبول * (ويفسدون في الارض) * بمعاصي الله وظلم عباده وإخراب بلاده * (ولهم سوء الدار) * أي: عذاب النار. * (الله يبسط الرزق) * أي: الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره، وهو الذي بسط رزق قريش * (وفرحوا) * بما بسط لهم منه فرح بطر لافرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، * (و) * ليست هذه * (الحيواة الدنيا في) * جنب نعيم * (الاخرة إلا متع) * أي: شئ قليل يتمتع به كعجالة الراكب ثم يفنى ويضمحل، وخفي عليهم ذلك حتى آثروه على النعيم الدائم. * (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه) * هو جار مجرى التعجب من قولهم، مع كثرة آياته الباهرة التي لم يؤتها نبي قبله، وكفي بالقرآن وحده آية معجزة، فإذا لم يعتدوا بها كان موضعا للتعجب، فكأنه قيل لهم: ما أشد عنادكم ! * (إن الله يضل من يشآء) * ممن كان مثلكم في التصميم على الكفر فلا سبيل إلى

[ 262 ]

اهتدائهم وإن أنزلت كل آية * (ويهدي إليه من) * كان على خلاف صفتكم، ومعنى الإنابة: الإقبال على الحق، والدخول في نوبة الخير. و * (الذين ءامنوا) * بدل من * (من أناب) *، * (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) * بذكر رحمة الله ومغفرته. * (الذين ءامنوا) * مبتدأ و * (طوبى لهم) * خبره، وطوبى: من طاب، مصدر كبشرى وزلفي، ومعنى طوبى لك: أصبت خيرا وطيبا، واللام للبيان، مثلها في: سقيا لك، والواو في " طوبى " منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها، كواو موقن وموسر. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): " أن طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة " (1). وقال مرة أخرى: " في دارعلي " فقيل له في ذلك، فقال: " إن داري ودار علي " في الجنة بمكان واحد " (2). * (كذلك) * أي: مثل ذلك الإرسال * (أرسلنك) * يعني: أرسلناك إرسالا له فضل على غيره من الإرسالات * (في أمة قد) * تقدمتها * (أمم) * كثيرة، فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء * (لتتلوا عليهم) * الكتاب العظيم * (الذي أوحينا إليك و) * حال هؤلاء أنهم * (يكفرون بالرحمن) * الواسع الرحمة، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم، وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم * (قل هو) * الرحمن * (ربى) * وخالقي * (لاإله إلا هو) * تعالى عن الشركاء والأنداد * (عليه توكلت) * في نصرتي عليكم * (وإليه) * مآبي، فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم. * (ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى بل لله الامر جميعا أفلم يايس الذين ءامنوا أن لو يشآء الله


(1 و 2) الكافي: ج 2 ص 239 ح 30، الخصال: ج 2 ص 556، تفسير القرطبي: ج 9 ص 317. (*)

[ 263 ]

لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبونه بما لا يعلم في الارض أم بظهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فماله من هاد (33) لهم عذاب في الحيواة الدنيا ولعذاب الاخرة أشق ومالهم من الله من واق (34)) * جواب * (لو) * محذوف، والمعنى: * (ولو أن قرءانا سيرت به الجبال) * عن مقارها، وزعزعت عن أماكنها * (أو قطعت به الارض) * حتى تتصدع وتشقق قطعا، وقيل: معناه: شققت فجعلت أنهارا وعيونا (1) * (أو كلم به الموتى) * فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن لعظم قدره وجلالة أمره، وقيل: لما آمنوا به (2)، كقوله: * (ولو أننا نزلنا...) * الآية (3). وعن الفراء (4): أنه يتعلق بما قبله، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، وما بينهما اعتراض (5) * (بل لله الامر جميعا) * بل لله القدرة على كل شئ، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها


(1) حكاه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 19. (2) وهو قول الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 148. (3) الأنعام: 111. (4) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله الأسلمي الكوفي، كان فقيها عالما بأيام العرب وأخبارها وأشعارها، عارفا بالطب والنجوم، متكلما فيلسوفا، وكان قد أخذ النحو من الكسائي، ولد بالكوفة وانتقل الى بغداد في أيام المأمون العباسي واتصل به، ألف كثيرا من المصنفات، توفي عام 207 ه‍ في طريق مكة عن عمر يناهز الثلاث وستون سنة. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان: ج 5 ص 225. (5) معاني القرآن: ج 2 ص 63. (*)

[ 264 ]

لكنه لا يفعل، لما يعلمه من المصلحة. * (أفلم يايس) * أي: أفلم يعلم، وهي لغة قوم من النخع (1)، وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه، لأن اليائس عن الشئ عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء بمعنى الخوف لذلك (2)، ويدل عليه أن أهل البيت (عليهم السلام) وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرأوا: " أفلم يتبين " (3) وهو تفسير * (أفلم يايس) *، ويجوز أن يكون المعنى: أولم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفار * (الذين ءامنوا) * ب‍ * (أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا) * ولهداهم * (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا) * من كفرهم وسوء أفعالهم * (قارعة) * أي: داهية تقرعهم من صنوف المصائب في نفوسهم وأموالهم * (أو تحل) * القارعة * (قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله) * وهو موتهم أو القيامة، وقيل: المراد بالقارعة: سرايا النبي (صلى الله عليه وآله) التي كان يبعثها إليهم فتغير حول مكة وتختطف منهم (4)، أو: تحل أنت يا محمد بجيشك قريبا من دارهم كما حل بالحديبية (5) حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، لأنه سبحانه وعده ذلك.


(1) النخع - بفتح النون والخاء -: وهي قبيلة من العرب نزلت الكوفة، ومنها انتشر ذكرهم، وجدهم جسر - بالفتح - ابن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد، سمي النخع لأنه ذهب عن قومه. انظر الأنساب للسمعاني: ج 5 ص 473. (2) حكاه الزجاج عن بعض أهل اللغة. راجع معاني القرآن: ج 3 ص 149. (3) انظر الكشاف: ج 2 ص 530، وتفسير القرطبي: ج 9 ص 320، والفريد في اعراب القرآن للهمداني: ج 3 ص 138، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 393. (4) قاله ابن عباس وعكرمة، راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 113، وتفسير البغوي: ج 3 ص 20. (5) الحديبية: قرية متوسطة قريبة من مكة، سميت ببئر فيها عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحتها، وقال الخطابي: سميت بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وقال محمد بن موسى الخوارزمي: اعتمر النبي (صلى الله عليه وآله) عمرة الحديبية ووادع المشركين لمضي خمس سنين وعشرة أشهر للهجرة النبوية. انظر معجم البلدان للحموي: ج 2 ص 222. (

[ 265 ]

والإملاء: الإمهال وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى، وهذا وعيد لهم. * (أفمن هو قائم) * احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعني: أفالله الذي هو رقيب * (على كل نفس) * صالحة أو طالحة * (بما كسبت) * يعلم خيره وشره، ويعد لكل جزاءه، كمن ليس كذلك ؟ ويجوز أن يقدر ما يكون خبرا للمبتدأ ويعطف عليه * (وجعلوا) * وتقديره: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له وهو الله الذي يستحق العبادة وحده * (شركاء قل سموهم) * أي: جعلتم له شركاء فسموهم له من هم، وأنبئوه بأسمائهم، ثم قال: * (أم تنبونه) * هي " أم " المنقطعة، أي: بل أتنبونه بشركاء لايعلمهم * (في الارض) * وهو العالم بما في السماوات والأرض، فإذا لم يعلمهم فإنهم ليسوا بشئ يتعلق بهم العلم، والمراد: نفي أن يكون له شركاء، ونحوه: * (قل أتنبون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الارض) * (1)، * (أم بظهر من القول) * بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول ليس له حقيقة، وهذه الأساليب العجيبة في الاحتجاج تنادي بلسان فصيح أنها ليست من كلام البشر * (وصدوا) * قرئ: بفتح الصاد (2) وضمها * (ومن يضلل الله) * ومن يخذله لعلمه بأنه لا يهتدي * (فماله من) * أحد يقدر على هدايته. * (لهم عذاب في الحيواة الدنيا) * بالقتل والسبي وسائر المحن تلحقهم، عقوبة لهم على كفرهم * (ومالهم من الله من واق) * أي: دافع يدفع عنهم عذابه. * (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الانهر أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكفرين النار (35) والذين


(1) يونس: 18. (2) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 359. (*)

[ 266 ]

ءاتينهم الكتب يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الاحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه ماب (36) وكذلك أنزلنه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولاواق (37)) * * (مثل الجنة) * صفتها التي هي في غرابة المثل، وهو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه (1)، أي: فيما نقص عليكم مثل الجنة، وعند غيره (2) الخبر: * (تجري من تحتها الانهر) * كما تقول: صفة زيد أسمر، وعن الزجاج: معناه: مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد (3) * (أكلها دائم) * كقوله: * (لا مقطوعة ولا ممنوعة) * (4)، * (وظلها) * دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس. * (والذين ءاتينهم الكتب) * وهم: عبد الله بن سلام (5) وكعب (6) وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا: أربعون بنجران واثنان وثلاثون بأرض الحبشة وثمانية باليمن * (يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الاحزاب) *


(1) انظر كتاب سيبويه: ج 1 ص 143. (2) كالفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 65. (3) معاني القرآن: ج 3 ص 150. (4) الواقعة: 33. (5) هو عبد الله بن سلام بن الحارث الاسرائيلي، ثم الانصاري، كان اسمه في الجاهلية: الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعبدالله، وهو أحد الأحبار أسلم عند قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، توفي فيها سنة 43 ه‍ أيام معاوية. انظر اسد الغابة: ج 3 ص 176. (6) كذا ذكره غيره من أعلام التفسير كالزمخشري، ولعله ايراده ل‍ " كعب " من باب التمثيل من قبيل القضايا الحقيقية التي لا يعتبر فيها وجود الموضوع خارجا، أو هو من سهو القلم، وإلا فالمعروف عن كعب هذا وهو من كبار علماء اليهود في اليمن في الجاهلية، أنه أدرك النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يره، وكان إسلامه في خلافة أبي بكر أو عمر، ووفاته في خلافة عثمان سنة 33 ه‍، وهذا يعني ان إسلامه جاء متأخرا عن وقت نزول هذه الآية، إذ لم نجد ممن أسلم قبل نزول هذه الآية وكان يهوديا واسمه كعبا على ما تشهد به كتب السير والتواريخ. راجع على سبيل المثال: اسد الغابة للجزري: ج 4 ص 249، وتهذيب التهذيب لابن حجر: ج 8 ص 438. (*)

[ 267 ]

أي: ومن أحزابهم، وهم كفارهم المتحزبون على رسول الله بالعداوة * (من ينكر بعضه) * مما يخالف أحكامهم وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع * (قل إنما أمرت) * فيما أنزل إلي ب‍ * (أن أعبد الله ولا أشرك به) * فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده * (إليه أدعوا) * خصوصا لاأدعو إلى غيره * (وإليه) * لا إلى غيره مرجعي، فلا معنى لإنكاركم وأنتم تقولون مثل ذلك. * (وكذلك) * ومثل ذلك الإنزال * (أنزلنه) * مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه * (حكما عربيا) * حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصابه على الحال * (ولئن اتبعت أهواءهم) * في أمور يدعونك إلى أن توافقهم عليها ماهي إلا أهواء وشبه * (بعد) * ثبوت * (العلم) * عندك بالحجج والدلائل والبينات، لم ينصرك الله وخذلك، فلا يقيك منه * (واق) *، وهذا من باب الإلهاب والتهييج والبعث للسامعين على الصلابة في الدين، والتثبت فيه من الزلة عند الشبهة بعد الاستمساك بالحجة. * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزوا جا وذرية وما كان لرسول أن يأتي باية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتب (39) وإن مانرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلغ وعلينا الحساب (40)) * كانوا يعيرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكثرة تزوج النساء، فقيل: إن الرسل قبله كانوا مثله ذوي أزواج وذرية * (وما كان) * لهم أن يأتوا بآيات برأيهم وبما يقترح عليهم منها، والشرائع: مصالح تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ف‍ * (لكل) * وقت حكم يكتب على العباد، أي: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم. * (يمحوا الله ما يشاء) * أي: ينسخ ما يستصوب نسخه * (ويثبت) * بدله ما يرى

[ 268 ]

المصلحة في إثباته أو يتركه غير منسوخ، وقيل: يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء من ذنوب المؤمنين فضلا فيسقط عقابه ويترك ذنوب من يريد عقابه مثبتا عدلا (1)، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضا من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، فيمحو من الرزق والأجل ويزيد فيهما ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما (2) * (وعنده أم الكتب) * أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأن كل كائن مكتوب فيه. * (وإن مانرينك) * وكيفما دارت الحال أريناك * (بعض الذي) * وعدنا هؤلاء الكفار من نصرة المؤمنين عليهم، وتمكينك منهم بالقتل والأسر واغتنام الأموال، أو توفيناك قبل ذلك * (فإنما) * يجب * (عليك) * تبليغ الرسالة فحسب * (وعلينا) * حسابهم لا عليك، نجازيهم وننتقم منهم إما عاجلا وإما آجلا. * (أولم يروا أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار (42) ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفي بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتب (43)) * يريد: أرض الكفر * (ننقصها من أطرافها) * بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص من بلاد الحرب ونزيد في بلاد الإسلام وذلك من آيات النصر، والمعنى: عليك البلاغ ولايهمنك ما وراء ذلك، فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر وإعلاء كلمة الإسلام، وقيل: ننقصها بذهاب علمائها وخيار أهلها (3)


(1) وهو قول الضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 118. (2) وهو قول عمر وابن مسعود. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 23. (3) قاله ابن عباس. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 119. (*)

[ 269 ]

* (لا معقب لحكمه) * لاراد لحكمه، والمعقب: الذي يكر على الشئ فيبطله، وهو جملة في موضع الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه. * (وقد مكر الذين من قبلهم) * وصفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم ك‍ " لامكر " بالإضافة إلى مكره فقال: * (فلله المكر جميعا) *، ثم فسر ذلك بقوله: * (يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار) *، لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها فهو المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون، وقرئ: " الكافر " (1) والمراد بالكافر: الجنس. * (كفي بالله شهيدا) * بما أظهر من المعجزات على نبوتي * (ومن عنده علم الكتب) * والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز، وقيل: ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم (2)، وقيل: هو الله عز وجل و * (الكتب) * اللوح المحفوظ (3)، وقيل: هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) (4). الصادق (عليه السلام): " إيانا عنى، وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) " (5).


(1) وهي قراءة نافع وابن كثيروأبي عمرو. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 480. (2) قاله قتادة وسعيد بن جبير وروي عن ابن عباس. راجع التبيان: ج 6 ص 267، وتفسير القرطبي: ج 9 ص 335. (3) قاله الحسن ومجاهد والضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 119. (4) روى القرطبي عن عبد الله بن عطاء أنه قال لأبي جعفر (عليه السلام): إن ناسا زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام، فقال: انما ذلك علي بن أبي طالب (عليه السلام). ثم قال القرطبي: وكذلك قال محمد بن الحنفية. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 336. (5) الكافي: ج 1 ص 229 ح 6، تفسير العياشي: ج 2 ص 220 ح 76، وفيهما عن الباقر (عليه السلام). (*)

[ 271 ]

سورة إبراهيم مكية إلا آيتين (1)، إحدى وخمسون آية بصري، اثنتان كوفي، عد الكوفي * (بخلق جديد) * (2) آية. في حديث أبي: " من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام ومن لم يعبدها " (3). الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة إبراهيم والحجر في ركعتين جميعا في كل جمعة لم يصبه فقر ولا جنون ولا بلوى " (4).


(1) قال الشيخ الطوسي: قال قتادة: هي مكية إلا آيتين: قوله: * (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله) * الى قوله: * (وبئس القرار) *، وقال مجاهد: هي مكية وليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وهي اثنان وخمسون آية في الكوفي، وأربع في المدنيين، وآية في البصري. انظر التبيان: ج 6 ص 269. وقال الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 120: هي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها مدنية وهي: * (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا) * والتي بعدها. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 537: هي مكية إلا آيتي 28 و 29 فمدنيتان، وآياتها 52، نزلت بعد سورة نوح. (2) الآية: 19. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 568 مرسلا. (4) تفسير العياشي: ج 2 ص 222 ح 1. (*)

[ 272 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (الر كتب أنزلنه إليك لتخرج الناس من الظلمت إلى النور بإذن ربهم إلى صرا ط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السموات وما في الارض وويل للكفرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحيواة الدنيا على الاخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلل بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو العزيز الحكيم (4)) * * (من الظلمت إلى النور) * من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان * (بإذن ربهم) * بتسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، والمراد: مايمنحهم سبحانه من التوفيق والألطاف * (إلى صرا ط العزيز) * بدل من قوله: * (إلى النور) * بتكرير العامل * (الله) * بالجر عطف بيان ل‍ * (العزيز الحميد) *، لأنه جرى مجرى الأعلام، لاختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة، كما غلب النجم للثريا، وقرئ بالرفع (1) على " هو الله "، و " الويل ": نقيض الوأل وهو النجاة، وهو اسم معنى كالهلاك، إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: " ويلا له " فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال: " ويل له " كما يقال: سلام عليك، والمعنى: أنهم يولولون * (من عذاب شديد) * ويضجون منه فيقولون: " يا ويلاه " كقوله تعالى: * (دعوا هنالك ثبورا) * (2). * (الذين يستحبون) * مبتدأ خبره * (أولئك في ضلل بعيد) *، ويجوز أن


(1) قرأه نافع وابن عامر والمفضل. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 481. (2) الفرقان: 13. (*)

[ 273 ]

يكون مجرورا صفة ل‍ " الكافرين " ومنصوبا على الذم أو مرفوعا على: أعني * (الذين يستحبون) *، أو: هم * (الذين يستحبون) *، والاستحباب: استفعال من المحبة ومعناه: الإيثار * (ويبغونها عوجا) * أي: ويطلبون لسبيل الله اعوجاجا، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: " يبغون لها " فحذف الجار وأوصل الفعل * (في ضلل بعيد) * أي: ضلوا عن طريق الحق ووقعوا دونه بمراحل، ووصف الضلال بالبعيد مجاز، وإنما البعد في الحقيقة للضال، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فهو نحو قولهم: جد جده. * (إلا بلسان قومه) * أي: بلغة قومه * (ليبين لهم) * أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه * (فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء) * هو مثل قوله: * (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) * (1) لأنه سبحانه لا يضل إلا من يعلم أنه لن يؤمن، ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن، والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، والمراد بالهداية: التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان. * (ولقد أرسلنا موسى بايتنآ أن أخرج قومك من الظلمت إلى النور وذكرهم بأيبم الله إن في ذلك لايت لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجيكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفي ذا لكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغنى حميد (8)) *


(1) التغابن: 2. (*)

[ 274 ]

* (أن أخرج) * هي " أن " المفسرة، لأن الإرسال فيه معنى القول، فكأنه قال: أرسلناه وقلنا له: * (أخرج قومك) *، ويجوز أن تكون " أن " الناصبة للفعل والتقدير: بأن أخرج قومك، ويجوز أن يوصل " أن " بفعل الأمر، لأن الغرض وصلها بما يكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل، والأمر وغيره سواء في الفعلية * (وذكرهم بأييم الله) * أي: وأنذرهم بوقائع الله الواقعة على الأمم قبلهم، ومنه: " أيام العرب " لحروبها وملاحمها، كيوم بعاث (1) ويوم النسار (2) ويوم الفجار (3) ونحوها، وعن ابن عباس: هي نعماؤه وبلاؤه (4) * (لكل صبار) * يصبر على بلاء الله * (شكور) * يشكر نعمه. * (إذ أنجيكم) * ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: إنعامه * (عليكم) * ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلا من * (نعمة الله) * أي: * (اذكروا) * وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال. * (وإذ تأذن ربكم) * من جملة ما * (قال موسى لقومه) * أي: واذكروا حين تأذن ربكم، وتأذن وآذن بمعنى، مثل توعد وأوعد وتفضل وأفضل، ولابد في تفعل من زيادة معنى ليس في " أفعل "، كأنه قال: وإذ آذن ربكم إيذانا بليغا


(1) وبعاث - بضم الباء -: موضع في نواحي المدينة على ليلتين منها، كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية. راجع تفاصيل هذه الوقائع في كتاب أيام العرب في الجاهلية: ص 73 - 84. (2) النسار - بكسر النون -: اسم موضع، وقيل: هي جبال صغار، وقيل: هو ماء لبني عامر، وقيل غير ذلك، كانت عنده وقعة بين الرباب وبين هوازن وسعد بن عمرو بن تميم. راجع تفصيل هذه الوقعة في أيام العرب قبل الاسلام لأبي عبيدة: ج 2 ص 527 - 542. (3) وأيام الفجار عدة، فأولها مابين كنانة وهوازن أثر حادثة حدثت في سوق عكاظ، وثانيها مابين قريش وبني عامر في سوق عكاظ أيضا، وثالثها مابين قريش وكنانة كلها وبين هوازن. انظر تفاصيلها في أيام العرب قبل الاسلام لأبي عبيدة: ص 503. (4) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 540. (*)

[ 275 ]

ينتفي عنده الشكوك، والمعنى: وإذ تأذن ربكم فقال: * (لئن شكرتم) * ماخولتم (1) من نعمة الإنجاء وغيرها * (لازيدنكم) * نعمة إلى نعمة * (ولئن كفرتم) * وغمطتم (2) ما أنعمت به عليكم * (إن عذابي لشديد) * لمن كفر نعمتي. * (إن تكفروا أنتم و) * الناس جميعهم فمضرة كفرانكم عائدة عليكم، و * (الله) * غني عن شكركم * (حميد) * مستوجب للحمد بكثرة أنعمه وإن لم يحمده حامد. * (ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لايعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينت فردوا أيديهم في أفوا ههم وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والارض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد أآباؤنا فأتونا بسلطن مبين (10)) * * (والذين من بعدهم) * مبتدأ وخبره * (لايعلمهم إلا الله) * وهي جملة اعتراضية، أو: * (والذين) * في محل جر عطفا على * (قوم نوح) *، و * (لايعلمهم إلا الله) * اعتراض، والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون (3)، وقيل: إن بين عدنان (4) وإسماعيل ثلاثين أبا لا يعرفون (5) * (فردوا أيديهم في أفوا ههم) * أي: فعضوا على


(1) خوله المال: أعطاه أياه. (لسان العرب: مادة خول). (2) غمط وغمط النعمة يغمطها غمطا: أي بطره وحقره. (الصحاح: مادة غمط). (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 542. (4) وعدنان هو أحد من تقف عندهم انساب العرب، والمؤرخون متفقون على أنه من أبناء اسماعيل بن ابراهيم (عليه السلام)، تقدم تفصيله في ج 1 ص 48 فراجع. (5) قاله ابن عباس. راجع الكشاف: ج 2 ص 542. (*)

[ 276 ]

أصابع أيديهم من شدة الغيظ والضجر لما جاءت به الرسل، كقوله: * (عضوا عليكم الانامل من الغيظ) * (1)، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم ومانطقت به من قولهم: * (إنا كفرنا بمآ أرسلتم به) * أي: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق، أو وضعوا أيديهم على أفواههم يقولون للأنبياء: اسكتوا، وقيل: ألايدي جمع يد وهي: النعمة، بمعنى الأيادي، أي: ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم والشرائع التي أوحيت إليهم في أفواههم، لأنهم إذا لم يقبلوها فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل (2) * (شك... مريب) * موقع في الريبة، أو ذي ريبة. * (أفي الله شك) * دخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لافي الشك * (يدعوكم ليغفر لكم) * أي: لأجل المغفرة، كما تقول: دعوته ليأكل معي، أو يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم * (ويؤخركم إلى أجل مسمى) * أي: إلى وقت بين مقداره وسماه يبلغكموه: إن آمنتم وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت * (إن أنتم) * أي: ما أنتم * (إلا بشر مثلنا) * لافضل لكم علينا، فلم خصصتم بالنبوة ؟ * (بسلطن مبين) * بحجة واضحة، أرادوا بذلك ما اقترحوه من الآيات تعنتا (3) وعنادا. * (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطن إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) ومالنآ ألا نتوكل على الله وقد هدبنا سبلنا


(1) آل عمران: 119. (2) قاله مجاهد وقتادة. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 125. (3) في نسخة: بغيا. (*)

[ 277 ]

ولنصبرن على مآ ءاذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12)) * * (إن نحن إلا بشر مثلكم) * تسليم لقولهم، يعنون: أنهم مثلهم في البشرية وحدها * (ولكن الله يمن على من يشآء من عباده) * بالنبوة، ولايخصهم بتلك الكرامة إلا لخصائص فيهم ليست في أبناء جنسهم * (وما) * صح * (لنآ أن نأتيكم) * بالآية التي اقترحتموها * (إلا) * بمشيئة * (الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل وقصدوا بذلك أنفسهم، أي: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاداتكم وعنادكم، وأي عذر * (لنآ) * في * (ألا نتوكل على الله وقد) * فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كل واحد منا إلى السبيل الذي يجب عليه سلوكه في الدين. * (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظلمين (13) ولنسكننكم الارض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم أعملهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلل البعيد (18)) * أي: * (لنخرجنكم من) * بلادنا، إلا أن ترجعوا إلى أدياننا ومذاهبنا * (لنهلكن الظلمين) * حكاية تقتضي إضمار القول أو أجري الإيحاء مجرى القول، والمراد ب‍ " الارض ": أرض الظالمين وديارهم.

[ 278 ]

وفي الحديث: " من آذي جاره ورثه الله داره " (1). * (ذلك) * إشارة إلى ما قضى الله به من الهلاك للظالمين (2) وإسكان المؤمنين ديارهم، أي: ذلك الأمر حق * (لمن خاف مقامي) * أي: موقفي وهو موقف الحساب، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده، أو على إقحام المقام. * (واستفتحوا) * واستنصروا الله على أعدائهم، أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم، من الفتاحة وهي الحكومة، ومنه: * (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) * (3)، وهو عطف على * (أوحى إليهم) *، * (وخاب كل جبار عنيد) * معناه: فنصروا وظفروا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم. * (من ورائه) * من بين يدي هذا الجبار نار * (جهنم) * يلقى فيها ما يلقى * (ويسقى من ماء صديد) * هو عطف بيان، كأنه قال: ويسقى من ماء، فأبهمه إبهاما ثم بينه بقوله: * (صديد) * وهو ما يسيل من جلود أهل النار من الدم والقيح. * (يتجرعه) * يتكلف جرعه * (ولا يكاد يسيغه) * دخل " كاد " للمبالغة، أي: ولا يقارب أن يسيغه فكيف يكون الإساغة، كقوله: * (لم يكد يربها) * (4) أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها * (ويأتيه الموت من كل مكان) * كأن أسباب الموت قد أحاطت به من كل الجهات * (وما هو بميت) * فيستريح * (ومن ورائه عذاب غليظ) * أي: ومن بين يديه عذاب أشد مما قبله وأغلظ. * (مثل الذين كفروا بربهم) * مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه (5)، والتقدير: فيما نقص عليكم مثل الذين كفروا، وقوله: * (أعملهم كرماد) * جملة مستأنفة على


(1) رواه الزمخشري الكشاف ج 2 ص 545. (2) في بعض النسخ: إهلاك الظالمين. (3) الأعراف: 89. (4) النور: 40. (5) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 547. (*)

[ 279 ]

تقدير جواب سائل يقول: كيف مثلهم ؟ فقيل: أعمالهم كرماد، أو يكون * (أعملهم) * بدلا من * (مثل الذين كفروا) * والتقدير: مثل أعمال الذين كفروا * (كرماد اشتدت به الريح) * فذرته وسفته * (في يوم عاصف) * جعل العصف لليوم وهو لما فيه، كما تقول: يوم ماطر، و * (أعملهم) * هي: المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وإغاثة الملهوفين وإكرام الأضياف وغير ذلك من صنائعهم، شبهت في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والإيمان به برماد طيرته الريح العاصف * (لا يقدرون) * يوم القيامة منها * (على شئ) * كما لا يقدر من الرماد المطير على شئ لا يرون بشئ منها ثوابا. * (ألم تر أن الله خلق السموات والارض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفؤا للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدبنا الله لهدينكم سوآء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص (21)) * * (بالحق) * بالحكمة والغرض الصحيح ولم يخلقهما عبثا ولا شهوة، وقرئ: " خالق السموات والارض " (1) * (إن يشأ يذهبكم) * أي: يعدمكم * (و) * يخلق مكانكم خلقا آخرين. * (وما ذلك على الله) * بممتنع متعذر، بل هو عليه هين يسير، لأنه قادر لذاته، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور. * (وبرزوا لله) * ويبرزون يوم القيامة لله، أي: يظهرون من قبورهم ويخرجون منها لحكم الله وحسابه، و * (الضعفؤا) *: الأتباع والعوام، والذين * (استكبروا) *: سادتهم وكبراؤهم الذين استتبعوهم واستغووهم وصدوهم عن اتباع الأنبياء


(1) قرأه حمزة والكسائي. راجع التبيان: ج 6 ص 286. (*)

[ 280 ]

واستماع كلامهم، و " التبع ": جمع التابع، مثل: خادم وخدم وغائب وغيب * (قالوا لو هدبنا الله لهدينكم) * أي: لو هدانا الله إلى طريق الخلاص من العقاب لهديناكم إلى ذلك * (سوآء علينا أجزعنا أم صبرنا) * مستويان علينا الجزع والصبر * (مالنا من محيص) * أي: منجى ومهرب. * (وقال الشيطن لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إنى كفرت بمآ أشركتمون من قبل إن الظلمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجري من تحتها الانهر خلدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلم (23)) * يقول * (الشيطن) * وهو إبليس، يقوم خطيبا في الأشقياء من الجن والإنس إذا * (قضى الامر) * أي: قطع وفرغ من الأمر وهو الحساب: * (إن الله وعدكم وعد الحق) * وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفي لكم بما وعدكم * (ووعدتكم) * خلاف ذلك * (فأخلفتكم) * ولم أوف لكم بما وعدتكم * (وما كان لى عليكم من سلطن) * أي: تسلط وقهر، فأقسركم على الكفر والمعاصي وأكرهكم عليها * (إلا أن دعوتكم) * إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقولهم: ماتحيتهم إلا الضرب * (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) * حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم * (مآ أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) * لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولايغيثه، والإصراخ: الإغاثة، و " ما " في * (بمآ أشركتمون) * مصدرية، يعني: * (كفرت) * اليوم بإشراككم إياي * (من قبل) * هذا اليوم أي: في الدنيا، ونحوه:

[ 281 ]

* (ويوم القيمة يكفرون بشرككم) * (1)، ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له، وقيل: تعلق * (من قبل) * ب‍ * (كفرت) * (2)، و " ما " موصولة أي: كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله جل جلاله، تقول: شركت زيدا، ثم تقول: أشركنيه فلان أي: جعلني له شريكا، وهذا آخر قول إبليس، وقوله: * (إن الظلمين) * قول الله عزوجل، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس. * (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض مالها من قرار (26) يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحيواة الدنيا وفي الاخرة ويضل الله الظلمين ويفعل الله ما يشاء (27) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30)) * * (ضرب الله مثلا) * أي: اعتمد مثلا ووضعه، و * (كلمة) * منصوبة بفعل مضمر، أي: جعل * (كلمة طيبة كشجرة طيبة) *، وهو تفسير لقوله: * (ضرب الله مثلا) * كما تقول: أكرم الأمير زيدا: كساه حلة وحمله على فرس، ويجوز أن ينتصب * (مثلا) * و * (كلمة) * ب‍ * (ضرب) * أي: ضرب كلمة طيبة مثلا، بمعنى: جعلها مثلا، ثم قال: * (كشجرة) * على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي كشجرة طيبة * (أصلها ثابت) *


(1) فاطر: 14. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 551. (*)

[ 282 ]

في الأرض: ضارب بعروقه فيها * (وفرعها في السماء) * أي: في جهة العلو والصعود، أي: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس، والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد (1)، وقيل: هي كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والتوبة والاستغفار (2)، وأما الشجرة: فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة والتين والرمان وغير ذلك، وعن ابن عباس: شجرة في الجنة (3). وعن الباقر (عليه السلام): " الشجرة: رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفرعها: علي (عليه السلام)، وعنصر (4) الشجرة: فاطمة (عليها السلام)، وثمرها: أولادها، وأغصانها (5) وورقها: شيعتها (6) " (7). وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " أنا شجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، وشيعتنا أوراقها " (8). * (تؤتى أكلها كل حين) * تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها * (بإذن ربها) * بتيسير خالقها وتكوينه * (كشجرة خبيثة) * كمثل شجرة، أي: صفتها كصفتها، والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك، وقيل: كل كلمة قبيحة (9)، وأما الشجرة الخبيثة: فكل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث (10).


(1) وهو قول ابن عباس. راجع تفسيره: ص 213. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 553. (3) حكاه عنه الشيخ في التبيان: ج 6 ص 291. (4) في نسخة: غصن. (5) ليس في بعض النسخ لفظة: " وأغصانها ". (6) في بعض النسخ: شيعتنا. (7) تفسير القمي: ج 1 ص 369، معاني الأخبار: ص 400 ح 61. (8) أمالي الطوسي: ج 2 ص 18 ح 20، تاريخ ابن عساكر: ج 4 ص 321. (9) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 553. (10) الكشوث: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض. (الصحاح: مادة كشث). (*)

[ 283 ]

وعن الباقر (عليه السلام): " أنها بنو أمية " (1). * (اجتثت) * أي: استوصلت، وهي في مقابلة قوله: * (أصلها ثابت) *، * (مالها من قرار) * أي: استقرار، يقال: قر قرارا مثل: ثبت ثباتا، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت يضمحل عن قريب، ونحوه: الباطل لجلج (2). والقول * (الثابت) * الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه واطمأنت إليه نفسه، وتثبيتهم به في الدنيا أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا * (وفي الاخرة) * أنهم إذا سئلوا في القبر عن معتقدهم ودينهم ونبيهم يقول كل منهم: الله ربي وديني الإسلام ونبيي محمد (صلى الله عليه وآله)، فيقول له الملكان: نم قرير العين نوم الشاب الناعم * (ويضل الله الظلمين) * الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم، واقتصروا على تقليد شيوخهم في الدنيا، فلا يثبتون في مواقف الفتن، وتزل أقدامهم عن الحق، وهم في الآخرة أضل وأزل * (ويفعل الله ما يشاء) * ولا يشاء إلا ما توجبه الحكمة من تثبيت المؤمنين وتأييدهم وخذلان الظالمين. * (بدلوا نعمت الله كفرا) * أي: شكر نعمة الله كفرا بأن وضعوه مكانه، وقيل: هم الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر (3) * (وأحلوا قومهم) * ممن تابعهم على الكفر * (دار البوار) * أي: الهلاك. * (جهنم) * عطف بيان ل‍ * (دار البوار) *. وقرئ: * (ليضلوا) * بفتح الياء (4) وضمها، ولما كان الضلال والإضلال نتيجة


(1) تفسير القمي: ج 1 ص 369. (2) أي يردد من غير أن ينفذ. (الصحاح: مادة لجج). (3) وهو قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والصادق (عليه السلام) وابن عباس وعمر وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك. راجع تفسير القمي: ج 1 ص 371، وتفسير العياشي: ج 2 ص 230 ح 28، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 136. (4) قرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 482. (*)

[ 284 ]

اتخاذ " الأنداد " أدخل اللام وإن لم يكن غرضا على طريق التشبيه والتقريب * (تمتعوا) * إيذان بأنهم كأنهم مأمورون بالتمتع (1) لانغماسهم فيه، وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه. * (قل لعبادي الذين ءامنوا يقيموا الصلوا ة وينفقوا مما رزقنهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه ولاخلل (31) الله الذي خلق السموات والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرا ت رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهر (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم اليل والنهار (33) وءاتيكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوهآ إن الانسن لظلوم كفار (34)) * المقول محذوف، لأن جواب * (قل) * يدل عليه، والتقدير: * (قل لعبادي) * أقيموا الصلاة وأنفقوا * (يقيموا الصلوا ة وينفقوا) *، وقيل: هو بمعنى: ليقيموا ولينفقوا وهو المقول (2)، وجاز حذف اللام لأن الأمر الذي هو * (قل) * عوض منه، ولو قيل ابتداء: * (يقيموا الصلوا ة وينفقوا) * لم يجز، وانتصب * (سرا وعلانية) * على الحال، بمعنى: مسرين ومعلنين، أو على الظرف أي: وقتي سر وعلانية، أو على المصدر أي: إنفاق سر وإنفاق علانية، والخلال: المخالة. * (الله) * مبتدأ و * (الذي خلق) * خبره، و * (من الثمرا ت) * بيان للرزق، أي: " أخرج به... رزقا " هو ثمرات، ويجوز أن يكون * (من الثمرا ت) * مفعول " أخرج " و * (رزقا) * حالا من المفعول أو نصبا على المصدر ل‍ " أخرج " لأنه في


(1) في نسخة: بالتمتيع، وفي نسخة اخرى زيادة: بالحاضر. (2) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 162 - 163. (*)

[ 285 ]

معنى: رزق * (لتجري في البحر بأمره) * أي: بقوله: كن فيكون. * (دائبين) * يد أبان في سيرهما، لايفتران في منافع الخلق وإصلاح مايصلحان من الأرض والأبدان والنبات * (وسخر لكم اليل والنهار) * يتعاقبان لمعاشكم وسباتكم. * (وءاتيكم من كل ما سألتموه) * من جميع ما سألتموه نظرا في مصالحكم، و * (من) * للتبعيض، وقيل: معناه: من كل شئ سألتموه ولم تسألوه (1)، فيكون * (ما) * موصوفة بالجملة وحذف " ولم تسألوه "، لأن ماأبقي يدل على ماألقي، ومثله: * (سرا بيل تقيكم الحر) * (2) وحذف " والبرد "، وقرئ: " من كل " بالتنوين (3) وهو قراءة السيدين: الباقر والصادق (عليهما السلام)، وعلى هذا فيكون * (ما سألتموه) * نفيا ومحله نصب على الحال، أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، أو تكون * (ما) * موصولة بمعنى: ما آتاكم من كل ذلك مااحتجتم إليه، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال * (لاتحصوهآ) * أي: لا تعدوها ولا تطيقوا حصرها * (لظلوم) * للنعمة لايشكرها * (كفار) * يكفرها، أو ظلوم في الشدة: يشكو ويجزع، كفار في النعمة: يجمع ويمنع. * (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد ءامنا واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوا ة فاجعل أفدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرا ت لعلهم يشكرون (37) ربنا إنك


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 163. (2) النحل: 81. (3) قرأه ابن عباس والحسن وسلام بن المنذر وقتادة والضحاك. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 36، وتفسير القرطبي: ج 9 ص 367. (*)

[ 286 ]

تعلم مانخفي ومانعلن ومايخفي على الله من شئ في الارض ولافي السماء (38) الحمد لله الذي وهب لى على الكبر إسمعيل وإسحق إن ربى لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلوا ة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لى ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)) * يريد * (البلد) * الحرام * (ءامنا) * ذا أمن، ويقال: جنبه الشر وجنبه الخير وأجنبه، والمعنى: ثبتني * (وبنى) * على اجتناب عبادة * (الاصنام) * وأراد بنيه من صلبه. * (إنهن أضللن كثيرا من الناس) * فأعوذ بك لأن تعصمني وبني من ذلك، ومعنى إضلالهن الناس: أنهم ضلوا بسببهن فكأنهن أضللنهم، كما يقال: غرته الدنيا بمعنى: اغتر بها وبسببها * (فمن تبعني) * على ملتي * (فإنه منى) * أي: هو بعضي، لاختصاصه بي وملابسته لي، ونحوه قوله (صلى الله عليه وآله): " من غشنا فليس منا " (1) أي: ليس بعض المؤمنين، لأن الغش ليس من أفعالهم * (ومن عصاني فإنك غفور) * تستر على العباد معاصيهم * (رحيم) * بهم. * (من ذريتي) * أي: بعض أولادي وهو إسماعيل وأولاده * (بواد) * هو وادي مكة * (غير ذي زرع) * لا يكون فيه شئ من زرع قط * (عند بيتك المحرم) * الذي لم يزل ممنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو جعل محرما على الطوفان ممنوعا منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه، أو هو محرم محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، وما حوله حرم لحرمته * (ربنا ليقيموا الصلوا ة) * يتعلق اللام ب‍ * (أسكنت) * أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك * (فاجعل أفدة من) * أفئدة


(1) مسند أحمد: ج 3 ص 498، سنن الدارمي: ج 2 ص 248. (*)

[ 287 ]

* (الناس) *، و * (من) * للتبعيض * (تهوى إليهم) * أي: تسرع إليهم وتفزع، وقرئ: " تهوى إليهم " (1) من هوى يهوى: إذا أحب، ضمن معنى " تنزع " فعدي تعديته، وهي قراءة أهل البيت (عليهم السلام) * (وارزقهم من الثمرا ت) * مع سكناهم واديا ليس فيه شئ منها بأن تجلب إليهم من البلاد * (لعلهم يشكرون) * النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب (2). * (إنك تعلم مانخفي ومانعلن) * أي: تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه، فلا حاجة بنا إلى الدعاء والطلب وإنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وافتقارا إلى ما عندك، واستعجالا لنيل مواهبك * (ومايخفي على الله) * الذي هو علام الغيوب * (من شئ في) * كل مكان من * (الارض و... السماء) * و * (من) * للاستغراق. * (على الكبر) * أي: مع الكبر، كقول الشاعر: إني على ماترين من كبري * أعلم من حيث يؤكل الكتف (3) وهو في موضع الحال، أي: وهب لي وأنا كبير أو في حال الكبر * (إن ربى لسميع الدعاء) * أي: مجيبه وقابله، وهو إضافة الصفة إلى مفعولها، والأصل: لسميع الدعاء. * (ومن ذريتي) * أي: وبعض ذريتي عطفا على الضمير المنصوب في * (اجعلني) *، * (وتقبل) * دعائي أي: عبادتي، أو: وأجب دعائي، لأن قبول الدعاء: الإجابة، وقبول الطاعة: الإثابة. * (ربنا اغفر لى ولولدي) * في هذا دلالة على أن


(1) وهي قراءة مجاهد على ما حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 9 ص 373. (2) أرض يباب: أي خراب. (الصحاح: مادة يبب). (3) لم نعثر على قائله، يقول: إني مع ماترين من هرمي وكبري الموجبين للخرف عادة، لكنني عارف بالامور متفطن لها على بصيرة منها، وقوله: " أعلم من أين يؤكل الكتف " مثل يضرب للمجرب العارف بالامور. راجع شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 458. (*)

[ 288 ]

أبويه لم يكونا كافرين وإنما كان آزر عمه أو جده لأمه على الخلاف فيه، لأنه سأل المغفرة لهما * (يوم يقوم الحساب) * وهو يوم القيامة، وقرئ: " ولولدي " (1) وهو قراءة أهل البيت (عليهم السلام)، وهما إسماعيل وإسحاق، و * (يقوم الحساب) * معناه: يثبت، وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، يدل عليه قولهم: قامت الحرب على ساق، ويجوز أن يسند إلى * (الحساب) * قيام أهله إسنادا مجازيا، أو أن يكون مثل * (وسل القرية) * (2). * (ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظلمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصر (42) مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفدتهم هواء (43) وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال (44) وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الامثال (45)) * هذا وعيد للظالم وتسلية للمظلوم * (تشخص فيه الابصر) * أي: أبصارهم لاتقر في أماكنها من هول ما ترى في ذلك اليوم. * (مهطعين) * مسرعين إلى الداعي، وقيل: الإهطاع: أن تقبل ببصرك على ما ترى تديم النظر إليه لاتطرف (3) * (مقنعي رؤوسهم) * رافعي رؤوسهم * (لا يرتد إليهم طرفهم) * لا ترجع إليهم أعينهم، فلا يغمضونها لكنها مفتوحة ممدودة من غير تحريك الأجفان * (وأفدتهم


(1) وهي قراءة ابراهيم النخعي ويحيى بن يعمر. راجع تفسير القرطبي: ج 9 ص 375. (2) يوسف: 82. (3) قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو الضحى. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 468. (*)

[ 289 ]

هواء) * أي خلاء: خالية عن العقول، وصفت الأفئدة بالهواء إذا كان صاحبها لاقوة في قلبه ولا جرأة، قال حسان: فأنت مجوف نخب هواء (1) وعن ابن جريج (2): هواء صفر من الخير خاوية منه (3). * (يوم يأتيهم العذاب) * مفعول ثان ل‍ * (أنذر) * وهو يوم القيامة * (أخرنا إلى أجل قريب) * ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك، ويجوز أن يكون المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين فيسألون يومئذ تأخيرهم إلى أجل كما في قوله: * (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق) * (4)، * (أولم تكونوا أقسمتم) * على إرادة القول، أي: حلفتم * (مالكم من) * انتقال إلى دار أخرى، أو قلتم ذلك بلسان الحال حيث بنيتم شديدا وأملتم بعيدا، و * (مالكم) * جواب القسم وإن جاء بلفظ الخطاب. يقال: سكن الدار وسكن فيها، من السكنى أو من السكون، أي: اطمأننتم فيها طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلكم في الظلم * (وتبين لكم) * بالإخبار والمشاهدة * (كيف) * أهلكناهم * (وضربنا لكم الامثال) * فلم تعتبروا. * (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) يوم تبدل الارض غير الارض والسموات وبرزوا لله


(1) وصدره: ألا أبلغ أبا سفيان عني. والبيت من قصيدة طويلة قالها قبل فتح مكة، مدح بها النبي (صلى الله عليه وآله) وهجا أبا سفيان وكان قد هجا النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل. راجع ديوان حسان: ج 1 ص 18. (2) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدمت ترجمته في ص 41 من سورة الأنفال. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 564. (4) المنافقون: 10. (*)

[ 290 ]

الوا حد القهار (48) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا بلغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله وا حد وليذكر أولوا الالبب (52)) * * (وقد مكروا مكرهم) * العظيم * (وعند الله مكرهم) * يمكن أن يكون مضافا إلى الفاعل كالأول، والمعنى: وعند الله مكرهم يجازيهم عليه، وأن يكون مضافا إلى المفعول، والمعنى: وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون * (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) * أي: وإن كان مكرهم لعظمه وكبره يكاد يزيل الجبال عن أماكنها، وعلى هذا تكون * (إن) * هي المخففة من الثقيلة، واللام في * (لتزول) * هي الفارقة، وقد جعلت * (إن) * نافية واللام مؤكدة لها، كقوله: * (وما كان الله ليضيع إيمنكم) * (1)، أي: وما كان مكرهم لتزول منه ما هو مثل الجبال من دلائل النبي (صلى الله عليه وآله) وشرائعه في الثبات والتمكن. وقرأ علي (عليه السلام) وعمر وابن مسعود: " وإن كاد مكرهم " (2). * (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) * مثل قوله: * (إنا لننصر رسلنا) * (3)، * (كتب الله لاغلبن أنا ورسلي) * (4)، وقدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا، ثم قال: * (رسله) * ليؤذن أنه إذا لم يخلف أحدا وعده فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته من عباده ؟ * (يوم تبدل الارض) * بدل من * (يوم يأتيهم) * أو على الظرف للانتقام،


(1) البقرة: 143. (2) راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 40، والكشاف: ج 2 ص 566. (3) غافر: 51. (4) المجادلة: 21. (*)

[ 291 ]

والمعنى: يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غيرها، وكذلك * (السموات) *، والتبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدلت الدراهم دنانير، ومنه: * (بدلنهم جلودا غيرها) * (1)، * (وبدلنهم بجنتيهم جنتين) * (2)، وقد يكون في الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتما: إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل. واختلف في تبديل الأرض والسماوات، فقيل: تبدل أوصافها فتسير على الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتسوى فلا يرى فيها عوج ولا أمت (3) (4)، وقيل: تخلق أرض وسماوات أخر (5). * (مقرنين) * قرن بعضهم مع بعض ومع الشياطين، أو مغللين قرنت أيديهم إلى أرجلهم * (في الاصفاد) * أي: الأغلال. * (سرابيلهم) * أي: قميصهم * (من قطران) * وهو ما يطلى به الإبل الجربى فيحرق الجرب والجلد، وقرئ: " من قطر ءان " (6)، والقطر: النحاس أو الصفر المذاب، والآني: المتناهي حره * (وتغشى وجوههم النار) * خص الوجوه لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه كالقلب في باطنه، ولذلك قال: * (تطلع على الافدة) * (7). * (ليجزى الله) * هو من صلة قوله: * (وترى المجرمين) * أي: يفعل بهم ما يفعل


(1) النساء: 56. (2) سبأ: 16. (3) الأمت: التلال الصغار. (الصحاح: مادة أمت). (4) وهو قول الحسن. راجع التبيان: ج 6 ص 309. (5) قاله ابن عباس وابن مسعود وأنس ومجاهد ومحمد بن كعب وكعب الأحبار وابن جبير وابن عيسى، ورووه عن علي (عليه السلام). راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 482 - 483، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 143 - 144. (6) قرأه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس وعيسى. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 145، وشواذ القرآن لابن خالويه: ص 74، والتبيان: ج 6 ص 311. (7) الهمزة: 7. (*)

[ 292 ]

ليجزي الله * (كل نفس ما كسبت) *. * (هذا بلغ للناس) * أي: كفاية للتذكير والموعظة، ويعني ب‍ * (هذا) * ما وصفه من قوله: * (فلا تحسبن الله) * إلى قوله: * (سريع الحساب) *، * (ولينذروا به) * معطوف على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا به أي: بهذا البلاغ * (وليعلموا أنما هو إله وا حد) * لأن الخوف يدعو إلى النظر الموصل إلى التوحيد، وقيل: معناه: هذا القرآن عظة بالغة كافية للناس، أنزل ليبلغوا ولينذروا بما فيه من الوعيد، وليعلموا أنما هو إله واحد بالنظر في الأدلة المؤدية إلى التوحيد المثبتة في القرآن (1)، وليتذكر وليتعظ به * (أولوا الالبب) * ذوو العقول والنهى.


(1) وهو قول ابن زيد. راجع التبيان: ج 6 ص 311. (*)

[ 293 ]

سورة الحجر مكية (1)، وهي تسع وتسعون آية بلا خلاف. في حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد (صلى الله عليه وآله) " (2). بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك ءايت الكتب وقرءان مبين (1) ربما يود الذين كفروا


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 6 ص 313: مكية في قول قتادة ومجاهد. وقال الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 147: مكية باتفاق، إلا قوله تعالى: * (ولقد ءاتينك سبعا من المثانى والقرءان العظيم) * فمدنية. وقال الزمخشري في كشافه: ج 2 ص 569: مكية إلا آية 87 فمدنية، وهي تسع وتسعون آية، نزلت بعد سورة يوسف. وفي تفسير الآلوسي: ج 14 ص 2 ما لفظه: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة، وروي ذلك عن قتادة ومجاهد، وفي مجمع البيان عن الحسن أنها مكية إلا قوله تعالى: * (ولقد ءاتينك سبعا من المثانى والقرءان العظيم) * وقوله سبحانه: * (كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرءان عضين) * وذكر الجلال السيوطي في الاتقان عن بعضهم استثناء الآية الاولى فقط ثم قال: قلت: وينبغي استثناء قوله تعالى: * (ولقد علمنا المستقدمين) * الآية لما أخرجه الترمذي. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 592 مرسلا. (*)

[ 294 ]

لو كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون (3) وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون (5) وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لوما تأتينا بالملئكة إن كنت من الصدقين (7) ما ننزل الملئكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8)) * * (ربما) * قرئ بتشديد الباء (1) وتخفيفها، ودخلت على الفعل المضارع وإن كانت إنما تدخل على الماضي فإنها إنما تدل على أمر قد مضى، لأن المترقب في أخبار الله عزوجل بمنزلة الماضي المقطوع به في التحقق، فكأنه قال: ربما ودوا، والمعنى: ربما يتمنى الكفار يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين، وروي: أن ذلك يكون إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار (2)، و * (لو كانوا مسلمين) * حكاية ودادتهم. * (ذرهم) * أي: اقطع طمعك منهم ودعهم عن النهي عما هم عليه وخلهم * (يأكلوا ويتمتعوا) * بدنياهم، ويشغلهم أملهم الكاذب عن اتباعك * (فسوف يعلمون) * سوء صنيعهم، وهذا إيذان بأنهم لا ينفعهم الوعظ ولاينجع فيهم النصح، ومبالغة في الإنذار وإلزام للحجة. * (إلا ولها كتاب) * صفة ل‍ * (قرية) *، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله: * (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون) * (3)، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما تقول في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه


(1) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 366. (2) رواها أبو موسى الاشعري عن النبي (صلى الله عليه وآله) كما في تفسير البغوي: ج 3 ص 43. (3) الشعراء: 208. (*)

[ 295 ]

ثوب، ومعناه: مكتوب * (معلوم) * وهو أجلها الذي كتب في اللوح المحفوظ، ألا ترى إلى قوله: * (ما تسبق من أمة أجلها) * في موضع كتابها، وأنث " الأمة " أولا ثم ذكرها ثانيا حملا على اللفظ والمعنى، وأراد: * (ما يستخرون) * عنه فحذف. * (يأيها الذي نزل عليه الذكر) * كان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون: * (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) * (1)، والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حين تدعي أن الله تعالى نزل عليك الذكر. وركبت " لو " مع " لا " و " ما " لمعنيين: أحدهما: امتناع الشئ لوجود غيره، والآخر: التحضيض، وأما " هل " فلم تركب إلا مع " لا " وحدها للتحضيض، قال ابن مقبل (2): لوما الحياء ولوما الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري (3) والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك، أو هلا يأتوننا الملائكة للعقاب على تكذيبنا إياك. " ما تنزل " أي: ما تتنزل الملائكة (4)، وقرئ: * (ننزل) * بالنونين * (الملئكة) * بالنصب، وقرئ: " تنزل الملائكة " على البناء للمفعول (5) * (إلا بالحق) * إلا تنزيلا ملتبسا بالحق أي: بالحكمة والمصلحة، وقيل: بالوحي أو بالعذاب (6)، و * (إذا) *


(1) الشعراء: 27. (2) هو تميم بن ابي بن مقبل، من بني العجلان، شاعر جاهلي أدرك الاسلام وأسلم، ورثى عثمان بن عفان، وكان يبكي اهل الجاهلية، عاش نيفا ومائة سنة، وعد من المخضرمين. انظر كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة: ص 276 - 278. (3) البيت من قصيدة قالها ردا على الذين سخروا منه لعوره، ومعنى البيت واضح. راجع الشعر والشعراء لابن قتيبة: ص 277. (4) يبدو أن المصنف اعتمد هنا - تبعا للزمخشري - على هذه القراءة كما لا يخفي. (5) قرأه أبو بكر والمفضل. راجع كتاب التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 485. (6) وهو قول الحسن ومجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 149. (*)

[ 296 ]

جواب وجزاء، والتقدير: * (و) * لو نزلنا الملائكة * (ما كانوا... منظرين) * أي: مؤخرين ممهلين، والمعنى: لانمهلهم ساعة. * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون (9) ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الاولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (11) كذا لك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الاولين (13) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت أبصرنا بل نحن قوم مسحورون (15) ولقد جعلنا في السماء بروجا وزينها للنظرين (16) وحفظنها من كل شيطن رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18)) * هذا رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم: * (يأيها الذي نزل عليه الذكر) * ولذلك قال: * (إنا نحن) * فأكد عليهم أنه هو المنزل للقرآن على القطع والثبات، وأنه حافظه من كل زيادة ونقصان وتغيير وتحريف، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين ولم يكل القرآن إلى غير حفظه، وعن الفراء: يجوز أن يكون الضمير في * (له) * لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (1)، كقوله: * (والله يعصمك من الناس) * (2). * (في شيع الاولين) * أي: في فرقهم وطوائفهم، والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا في (3) مذهب وطريقة، أي: نبأنا من قبلك رسلا فيهم. * (وما يأتيهم) * حكاية حال ماضية، لأن " ما " لايدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال.


(1) معاني القرآن: ج 2 ص 85. (2) المائدة: 67. (3) في نسخة: على. (*)

[ 297 ]

والضمير في * (نسلكه) * للذكر، وسلكت الخيط في الإبرة وأسلكته: أدخلته فيها ونظمته، أي: مثل ذلك السلك ونحوه نسلك الذكر * (في قلوب المجرمين) *، على معنى: أنه يلقيه في قلوبهم مكذبا به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها تقول: كذلك أنزلها باللئام، يعني: هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غيرمقضية. و * (لا يؤمنون به) * في محل النصب على الحال أي: غير مؤمنين به، أو هو بيان لقوله: * (كذلك نسلكه) *، * (وقد خلت سنة الاولين) * أي: طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسلهم، وهو وعيد. وقرئ: * (يعرجون) * بضم الراء وكسرها (1)، و * (سكرت) * بالتثقيل والتخفيف (2)، والمعنى: حبست عن الإبصار، من السكر أو السكر، أي: كما يحبس النهر من الجري، يريد: أن هؤلاء المشركين بلغ من عنادهم أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها لقالوا: هو شئ خيل إلينا على غير حقيقة، بل قالوا: قد سحرنا محمد - (صلى الله عليه وآله) - بذلك، وقيل: الضمير للملائكة (3)، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا * (لقالوا) * ذلك، وذكر " ظلوا " ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرونه، وقال: * (إنما) * ليدل على أنهم يقطعون بأن ذلك ليس إلا تسكيرا لأبصارهم. * (من استرق) * في محل النصب على الاستثناء. عن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد (صلى الله عليه وآله) منعوا من السماوات كلها (4). * (شهاب مبين) * أي: ظاهر للمبصرين.


(1) والقراءة بالكسر هي قراءة الأعمش وابن أبي الزناد وعيسى. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 74. (2) وبالتخفيف قرأه ابن كثير وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 366. (3) قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج والضحاك. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 496. (4) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 45. (*)

[ 298 ]

* (والارض مددنها وألقينا فيها روا سى وأنبتنا فيها من كل شئ موزون (19) وجعلنا لكم فيها معيش ومن لستم له برا زقين (20) وإن من شئ إلا عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الريح لوا قح فأنزلنا من السماء ماء فأسقينكموه وما أنتم له بخزنين (22) وإنا لنحن نحى ى ونميت ونحن الوا رثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستخرين (24) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25)) * * (مددنها) * بسطناها وجعلنا لها طولا وعرضا * (روا سى) * جبالا ثابتة، والموزون: المقدر (1) المعلوم، وزن بميزان الحكمة، أو الذي له وزن وقدر في أبواب المنفعة، وقيل: هو ما يوزن نحو الذهب والفضة وغيرهما (2). * (معيش) * بياء صريحة بخلاف " الشمائل " ونحوها فإنها تهمز، وتصريح الياء فيها خطأ، أو يخرج الياء بين بين (3) * (ومن لستم له برا زقين) * عطف على * (معيش) * أو على محل * (لكم) *، كأنه قيل: وجعلنا لكم فيها معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وأراد بهم العيال والمماليك الذين يحسبون أنهم يرزقونهم وإنما الله رازقهم وإياهم، ولايجوز أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور في * (لكم) *.


(1) في بعض النسخ: المقدار. (2) وهو قول الحسن وابن زيد. راجع التبيان: ج 6 ص 326. (3) قال الهمداني: " معايش " جمع معيشة، والياء أصلية متحركة في التقدير بإزاء الذال من " معذرة "، وأصلها معيشة بوزن مفعلة، فإذا جمعت على مفاعل فالوجه تصحيح الياء ردا الى أصلها، ولا يجوز فيه الهمز كما جاز في " صحائف " لأجل أن ياء " صحيفة " أتبعت ألف رسالة من حيث إنها مدة عارية من تقدير الحركة كالألف فهمزت لذلك... الى أن قال: والمعيشة: ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما. راجع الفريد في اعراب القرآن: ج 2 ص 274. (*)

[ 299 ]

* (و) * ما * (من شئ) * ينتفع به العباد * (إلا) * ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، وضرب " الخزائن " مثلا لاقتداره على كل مقدور * (وما ننزله) * أي: ومانعطيه * (إلا) * بمقدار * (معلوم) * نعلم أنه مصلحة لهم. * (لوا قح) * فيه قولان: أحدهما: أن معناها الملاقح، جمع ملقحة (1)، كما قال: ومختبط مما تطيح الطوائح (2). أراد المطاوح جمع مطيحة، والثاني: أنه يقال: ريح لاقح: إذا جاءت بخير وضدها العقيم (3)، ونحوه: سحاب ماطر * (فأسقينكموه) * فجعلناه لكم سقيا * (وما أنتم له بخزنين) * نفي عنهم ما أثبته لنفسه في قوله: * (وإن من شئ إلا عندنا خزآئنه) * أي: نحن الخازنون للماء، القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها، ولا تقدرون على ذلك. * (ونحن الوا رثون) * الباقون بعد هلاك الخلق كله، وهو استعارة من وارث الميت، لأنه يبقى بعد فناء الموروث منه. وفي حديثه صلوات الله عليه وآله: " واجعله الوارث منا " (4).


(1) قاله أبو عبيدة والجوهري. راجع مجاز القرآن: ج 1 ص 348، والصحاح: مادة (لقح). (2) وصدره: ليبك يزيد ضارع لخصومة. وقد اختلفوا في قائله، نسبه بعض الى الحارث بن نهيك، ونسبه الآخر الى لبيد، وفي الخزانة نسبه الى نهشل بن حري النهشلي من قصيدة يرثي بها أخاه يزيد بن نهشل ويصفه بالنصر والكرم للذليل وطالب المعروف. ونهشل هذا شاعر مخضرم شريف قومه، بقي الى أيام معاوية، وكان مع علي (عليه السلام) في حروبه، وقتل أخوه مالك بصفين وهو يومئذ رئيس بني حنظلة. راجع خزانة الأدب للبغدادي: ج 1 ص 303 وج 8 ص 139. (3) وهو قول الحسن في تفسيره: ج 2 ص 65. (4) وهو من دعاء كان (صلى الله عليه وآله) يدعو به وهو: " اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني، وأرني فيه ثاري " أخرجه الحاكم في المستدرك: ج 1 ص 523 وج 2 ص 142، والطبراني في المعجم الصغير: ج 2 ص 108، وأخرج الحاكم أيضا في المستدرك: ج 4 ص 413 - 414 عن أنس: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أصابه رمد أو أحدا من أهله وأصحابه دعا بهؤلاء الكلمات: " اللهم متعني ببصري، واجعله الوارث مني، = (*)

[ 300 ]

* (ولقد علمنا) * من استقدم ولادة وموتا، ومن استأخر أي: تأخر من الأولين والآخرين، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد، أو من تقدم في الإسلام، أو في صف الجماعة ومن تأخر. * (هو يحشرهم) * أي: هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم مع كثرتهم ووفور عدتهم * (إنه حكيم) * باهر الحكمة * (عليم) * واسع العلم، أحاط بكل شئ علما. * (ولقد خلقنا الانسن من صلصل من حمإ مسنون (26) والجآن خلقنه من قبل من نار السموم (27) وإذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من صلصل من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له سجدين (29) فسجد الملئكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع السجدين (31) قال يا إبليس مالك ألا تكون مع السجدين (32) قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصل من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بمآ أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40)) * الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار، والحمأ: الطين الأسود المتغير، والمسنون: المصور، وسنة الوجه: صورته، وقيل: هو المصبوب المفرغ كأنه أفرغ حتى صار صورة (1)، وحق * (مسنون) * بمعنى:


= وأرني في العدو ثاري، وانصرني على من ظلمني ". (1) وهو قول أبي عمرو بن العلاء وأبي عبيدة. راجع مجاز القرآن: ج 1 ص 351، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 158. (*)

[ 301 ]

مصور أن يكون صفة ل‍ * (صلصل) * كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غير بعد ذلك فصير إنسانا. * (والجآن) * للجن كآدم للناس * (من نار السموم) * من نار الحر الشديد النافذ في المسام. * (و) * اذكر * (إذ قال ربك) * وقت قوله: * (فإذا سويته) * أي: عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها * (ونفخت فيه من روحي) * معناه: أحييته، وليس ثم نفخ ولا منفوخ فيها وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيى به فيه (1). * (مالك ألا تكون) * حذف حرف الجر مع " أن " والتقدير: مالك في أن لا تكون * (مع السجدين) *، والمعنى: أي غرض لك في إبائك السجود، وأي داع لك إليه ؟ * (لم أكن لاسجد) * اللام لتأكيد النفي، أي: لا يصح مني أن أسجد ويستحيل مني ذلك. * (رجيم) * مرجوم، ملعون، مطرود من الرحمة، مبعد منها، والضمير في * (منها) * يعود إلى الجنة أو إلى السماء أو إلى الملائكة. و * (يوم الدين) * و * (يوم يبعثون) * و * (يوم الوقت المعلوم) * في معنى واحد خولف بين العبارات سلوكا لطريق البلاغة، وقيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت، لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك وأنظر إلى آخر أيام التكليف (2).


(1) قال العلامة الطباطبائي: النفخ: إدخال الهواء في داخل الاجسام بفم أو غيره، ويكنى به عن إلقاء أثر أو أمر غير محسوس في شئ، ويعني به في الآية: إيجاده تعالى الروح الانساني بما له من الرابطة والتعلق بالبدن، وليس بداخل فيه دخول الهواء في الجسم المنفوخ فيه. راجع تفسير الميزان: ج 12 ص 154. (2) ذكره العلامة الطباطبائي في تفسيره: ج 12 ص 160 وقال: نسب الى ابن عباس، ومال إليه الجمهور. (*)

[ 302 ]

* (بمآ أغويتني) * الباء للقسم و " ما " مصدرية، وجواب القسم * (لازينن) *، والمعنى: أقسم بإغوائك إياي * (لازينن لهم) *، ومعنى إغوائه إياه: تسبيبه لغيه بأن أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه، وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله، ولكن الملعون اختار الاستكبار فهلك وغوى باختياره. ويجوز أن لا يكون * (بمآ أغويتني) * قسما ويقدر قسم محذوف، ويكون المعنى: بسبب تسبيبك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم بأن ازين لهم المعاصي واوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم * (في الارض) * أي: في الدنيا التي هي دار الغرور، كقوله تعالى: * (أخلد إلى الارض واتبع هوبه) * (1)، أو أراد: لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض ولأوقعن تزييني فيها، أي: لأزيننها في أعينهم حتى يستحبوها على الآخرة ويطمئنوا إليها. ثم استثنى * (المخلصين) * لأنه علم أنهم لا يقبلون قوله. * (قال هذا صرا ط على مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطن إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبوا ب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) إن المتقين في جنت وعيون (45) ادخلوها بسلم ءامنين (46) ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوا نا على سرر متقبلين (47) لا يمسهم فيها نصب وماهم منها بمخرجين (48) نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الاليم (50)) * أي: * (هذا) * طريق حق * (على) * أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك * (سلطن) *


(1) الأعراف: 176. (*)

[ 303 ]

على عبادي إلا من اختار منهم متابعتك لغوايته، وقرئ: " صرا ط علي " (1) وهو من علو الشرف والفضل. * (لموعدهم) * الضمير ل‍ * (الغاوين) *. وأبواب جهنم: أطباقها، بعضها فوق بعض * (جزء مقسوم) * أي: نصيب مفروض (2). و * (المتقين) * الذين يتقون ما يجب عليهم اتقاؤه مما نهوا عنه، يقال لهم: * (ادخلوها بسلم) * أي: سالمين مسلمين من الآفات * (ءامنين) * من الإخراج منها. والغل: الحقد الكامن في القلب، معناه: وأزلنا ماكان في قلوبهم من أسباب العدواة في الدنيا، وقيل: معناه: طهرنا قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة (3)، و * (إخوا نا) * نصب على الحال، و * (على سرر متقبلين) * كذلك: أي: كائنين على مجالس السرور متواجهين، ينظر بعضهم إلى وجه بعض * (لا يمسهم فيها) * تعب وعناء. ثم قرر ما ذكره من الوعد ومكنه في نفوسهم بقوله: * (نبئ عبادي أنى أنا) * وحدي * (الغفور) * للذنوب * (الرحيم) * الكثير الرحمة * (وأن عذابي) * هو المستأهل لأن يسمى أليما، فارجوا رحمتي وخافوا عذابي. * (ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا تؤجل إنا نبشرك بغلم عليم (53) قال أبشرتموني على أن مسنى الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرنك بالحق فلا تكن من القنطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه


(1) قرأه يعقوب وابن سيرين وقتادة. راجع التبيان: ج 6 ص 337. (2) في نسخة: مفروز. (3) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 580. (*)

[ 304 ]

إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنآ أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا ءال لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغبرين (60)) * * (ونبئهم) * عطف على * (نبئ عبادي) *، أي: وأخبرهم عنهم ليتخذوا ما أحل بقوم لوط من العذاب، عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين، ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم * (فقالوا سلما) * أي: نسلم عليك سلاما، أو سلمت سلاما * (قال) * إبراهيم * (إنا منكم وجلون) * أي: خائفون، وكان خوفه لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت، أو لامتناعهم من الأكل. * (إنا نبشرك) * استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، المعنى: إنك آمن مبشر ف‍ * (لا تؤجل) *. * (قال أبشرتموني) * مع مس * (الكبر) * بأن يولد لي ؟ أي: أن الولادة أمر عجيب مع الكبر * (فبم تبشرون) * وهي " ما " الاستفهامية دخلها معنى التعجب، كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشرون، وقرئ بفتح النون وكسرها (1) على حذف نون الجمع، والأصل " تبشرونن "، وقرئ بإثبات الياء " تبشروني " (2) و " تبشرون " (3) بإدغام نون الجمع في نون العماد. * (قالوا بشرنك بالحق) * أي: باليقين الذي لالبس فيه * (فلا تكن من القنطين) * أي: الآيسين.


(1) وقراءة الكسر هي قراءة نافع وشيبة. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 486، وتفسير القرطبي: ج 10 ص 35. (2) حكاها في مجمع البيان: ج 5 - 6 ص 339 عن يعقوب. (3) أي: بكسر النون مشددة، وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن. راجع تفسير القرطبي: ج 10 ص 35. (*)

[ 305 ]

وقرئ: * (يقنط) * بكسر النون (1) وفتحها * (إلا الضالون) * أي: المخطئون سبيل الصواب، يعني: لم أستنكره قنوطا من رحمته ولكن استبعادا له في العادة الجارية بين الخلق * (فما خطبكم) * أي: فما شأنكم الذي بعثتم له ؟ وقوله: * (إلا ءال لوط) * إن كان استثناء من * (قوم) * كان منقطعا، لأن القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان، وإن كان استثناء من الضمير في * (مجرمين) * كان متصلا، كأنه قال: * (إلى قوم) * قد أجرموا كلهم إلا آل لوط. وقوله: * (إلا امرأته) * استثناء من الضمير المجرور في * (لمنجوهم) * وليس استثناء من الاستثناء * (إنها لمن الغبرين) * تعليق، لأن التقدير يتضمن معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله تعالى أعمال العباد بالعلم (2)، وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم وهو لله تعالى لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: فعلنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وقرئ: " قدرنا " بالتخفيف (3) وكذلك في النمل (4). * (فلما جاء ءال لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئنك بما كانوا فيه يمترون (63) وأتينك بالحق وإنا


(1) قرأه أبو عمرو والكسائي ويعقوب وخلف والحسن البصري والأعمش. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 2 ص 31، وتفسير البغوي: ج 3 ص 53. (2) قسم علماء الكلام التقدير الى مراتب أو أقسام ثلاثة: التشريعي والعيني والعلمي، وهذا الأخير عرفوه بأنه عبارة عن تحديد كل شئ بخصوصياته في علمه الأزلي سبحانه وتعالى قبل ايجادها، فهو تعالى يعلم حد كل شئ ومقداره وخصوصياته الجسمانية وغير الجسمانية، وقد اشير إليه في آيات الكتاب المجيد، قال سبحانه: * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتبا مؤجلا) *، وقال جل شأنه: * (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتب إن ذلك على الله يسير) *. انظر الالهيات للسبحاني: ص 266. (3) قرأه أبو بكر والمفضل. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 487. (4) الآية: 57. (*)

[ 306 ]

لصدقون (64) فأسر بأهلك بقطع من اليل واتبع أدبرهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلاتفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العلمين (70) قال هؤلاء بناتى إن كنتم فعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك لايت للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لاية للمؤمنين (77)) * * (منكرون) * أي: تنكركم نفسي وتنفر منكم فأخاف أن تطرقوني بشر، يدل عليه قولهم: * (بل جئنك بما كانوا فيه يمترون) * أي: ماجئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وتتوعدهم بنزوله فيمترون أي: يشكون فيه. * (وأتينك بالحق) * باليقين عن عذابهم * (وإنا لصدقون) * في الإخبار بنزوله بهم. * (فأسر بأهلك) * قرئ بقطع الهمزة ووصلها (1) من سرى وأسرى * (بقطع من اليل) * وهو من آخره بعدما يمضي أكثر الليل * (واتبع أدبرهم) * أي: اقتف آثارهم وكن وراءهم لتكون عينا عليهم فلا يتخلف أحد منهم * (ولا يلتفت منكم أحد) * إلى ما خلف وراءه في المدينة، أو هو كناية عن مواصلة السير وترك التوقف، لأن من يلتفت لابد له في ذلك من أدنى وقفة * (وامضوا) * أي: اذهبوا إلى * (حيث تؤمرون) * أي: إلى الموضع الذي أمرتم بالذهاب إليه وهو الشام، وعدي


(1) وبالوصل قرأه ابن كثير ونافع. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 222. (*)

[ 307 ]

* (امضوا) * إلى * (حيث) * كما يعدى إلى الظرف المبهم، لأن " حيث " مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في " تؤمرونه ". وعدي * (وقضينا) * ب‍ " الى " لأن المعنى: وأوحينا * (إليه ذلك الامر) * مقضيا، وفسر * (الامر) * بقوله: * (أن دابر هؤلاء مقطوع) * وفي إبهامه وتفسيره تعظيم للأمر، وقرئ: " إن " بالكسر (1) على الاستئناف، كأن قائلا قال: أخبرنا عن ذلك الأمر فقيل: إن دابر هؤلاء مقطوع، ودابرهم: آخرهم، يعني: يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد * (مصبحين) * أي: داخلين في وقت الصبح. * (وجاء أهل المدينة) * وهي سدوم (2) التي يضرب بقاضيها المثل في الجور (3)، مستبشرين بالملائكة. * (فلا تفضحون‍) * - ي بفضيحة ضيفي، لأن من أسئ إلى ضيفه وجاره فقد أسئ إليه. * (ولا تخزون‍) * - ي ولا تذلوني بإذلال ضيفي، من الخزي، أو لاتشوروا بي، من الخزاية وهي الحياء. * (عن العلمين) * أي: عن أن تجير منهم أحدا أو تدفع عنهم أو تمنع بيننا وبينهم وهو ماأوعدوه من قولهم: * (لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين) * (4)، وقيل: عن ضيافة الناس وإنزالهم (5). * (هؤلاء بناتى) * إشارة إلى النساء، لأن كل أمة أولاد نبيها، أي: هؤلاء بناتي فانكحوهن وخلوا بني فلا تتعرضوا لهم * (إن كنتم فعلين) * شك في قبولهم لقوله،


(1) وهي قراءة الأعمش وزيد بن علي. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 461. (2) سدوم بفتح السين وبالدال المهملة، وقيل: بالذال المعجمة، وهي مدينة من مدائن قوم لوط (عليه السلام). راجع معجم البلدان للحموي: ج 3 ص 59. (3) يقال: إن من جوره أنه حكم على أنه إذا ارتكبوا الفاحشة من أحد أخذ منه أربعة دراهم ! انظر مجمع الامثال للميداني: ج 1 ص 199. (4) الشعراء: 167. (5) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 182. (*)

[ 308 ]

فكأنه قال: إن فعلتم ماأقوله لكم وماأظنكم تفعلون، وقيل: معناه: إن كنتم متزوجين (1). * (لعمرك) * أي: وحياتك يا محمد ومدة بقائك، وعن المبرد (2): هو دعاء معناه: أسأل الله عمرك (3)، وتقديره: لعمرك مما أقسم به، والعمر والعمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لخفة الفتحة * (إنهم لفي سكرتهم) * أي: في غوايتهم التي أذهبت عقولهم يتحيرون. * (فأخذتهم الصيحة) * وهي صيحة جبرئيل * (مشرقين) * داخلين في الشروق وهو طلوع الشمس. * (من سجيل) * من طين عليه كتاب. والمتوسم: المتفرس، المتأمل، المتثبت في نظره حتى يعرف حقيقة سمة الشئ. الصادق (عليه السلام): " نحن المتوسمون " (4). وفي الحديث: " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم " (5). * (وإنها) * وإن آثارها * (لبسبيل مقيم) * ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد وهم يبصرون تلك الآثار، وهي تنبيه لقريش، كقوله: * (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين) * (6).


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 183. (2) هو أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي الثمالي البصري، نزيل بغداد، وكان إماما في النحو واللغة، أخذ الأدب عن ابي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وأخذ عنه نفطويه، توفي عام 286 ه‍ ببغداد. انظر وفيات الاعيان لابن خلكان: ج 3 ص 445. (3) حكاه عنه الشيخ في التبيان: ج 6 ص 348. (4) تفسير العياشي: ج 2 ص 247 ح 29. (5) مجمع الزوائد للهيثمي: ج 10 ص 268، اتحاف السادة المتقين للزبيدي: ج 6 ص 545. (6) الصافات: 137. (*)

[ 309 ]

* (وإن كان أصحب الايكة لظلمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين (80) وءاتينهم ءايتنا فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) وما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لاتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلق العليم (86)) * * (أصحب الايكة) * قوم شعيب، وتقديره: وإنه كان أصحاب الايكة ظالمين. * (وإنهما) * يعني: قرى قوم لوط والأيكة * (لبإمام مبين) * لبطريق واضح يؤم ويتبع ويهتدى به. و * (أصحب الحجر) *: ثمود، والحجر: واديهم، وهو بين المدينة والشام. * (ءامنين) * من أن تنهدم بيوتهم ومن نقب اللصوص لوثاقتها واستحكامها، أو آمنين من عذاب الله، يحسبون أن الجبال تحميهم منه. * (فما أغنى عنهم) * فما دفع عنهم العذاب * (ما كانوا) * يكسبونه من البناء الوثيق والمال والعدد. * (إلا بالحق) * أي: إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة والثواب لا باطلا وعبثا، أو بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال * (وإن الساعة لاتية) * فينتقم الله لك فيها من أعدائك، ويجازيك وإياهم وجميع الخلائق على أعمالهم * (فاصفح) * أي: فأعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم وإغضاء. * (إن ربك هو الخلق) * الذي خلقك وخلقهم * (العليم) * بحالك وحالهم. * (ولقد ءاتينك سبعا من المثانى والقرءان العظيم (87) لاتمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوا جا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك

[ 310 ]

للمؤمنين (88) وقل إنى أنا النذير المبين (89) كمآ أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرءان عضين (91) فوربك لنسلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفينك المستهزءين (95) الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر فسوف يعلمون (96)) * * (سبعا) * أي: سبع آيات وهي الفاتحة، أو سبع سور وهي السبع الطول (1)، والسابعة الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " والأول أصح، و * (المثانى) * من التثنية وهي التكرير، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة، أو من الثناء لاشتمالها على الثناء على الله، والواحدة مثناة: مفعلة، أي: موضع ثناء أو تثنية، و * (من) * إما للبيان أو للتبعيض. * (لاتمدن عينيك) * أي: لا تطمح ببصرك * (إلى ما متعنا به أزوا جا) * أي: أصنافا من المشركين من أنواع النعم طموح راغب فيه متمن له، واستغن بما أوتيت من النعمة التي كل نعمة وإن عظمت فهي بالإضافة إليها نزرة يسيرة وهي القرآن العظيم * (ولا تحزن عليهم) * أن لم يؤمنوا فيتقوى بهم الإسلام وأهله، وتواضع لمن معك من المؤمنين، وطب نفسا عن إيمان الأغنياء والأقوياء. * (وقل) * لهم * (إنى أنا النذير المبين) * أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم، وأبين لكم ما تحتاجون إليه وما أرسلت به إليكم. * (كمآ أنزلنا على المقتسمين) * فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بقوله: * (ولقد ءاتينك) * أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على اليهود والنصارى وهم


(1) في بعض النسخ: الطوال. (*)

[ 311 ]

المقتسمون * (الذين جعلوا القرءان عضين) * إذ قالوا بعنادهم: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه. والثاني: أن يتعلق بقوله: * (وقل إنى أنا النذير المبين) * أي: أنذركم عذابا مثل ما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، وهم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة فقعدوا في كل مدخل ينفرون الناس عن الإيمان برسول الله (صلى الله عليه وآله)، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا والمدعي النبوة فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، * (عضين) * اجزاء، جمع عضة، وأصله عضوة، فعلة من عضي الشاة إذا جعلها أعضاء. * (لنسلنهم) * عبارة عن الوعيد، وقيل: نسألهم سؤال توبيخ وتقريع: لم عصيتم ؟ ! (1). * (فاصدع بما تؤمر) * أي: فاجهر به وأظهره، يقال: صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا، من الصديع وهو الصبح، والأصل: بما تؤمر به من الشرائع، فحذف الجار، كما في قول الشاعر: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به (2) ثم حذف ضمير المفعول، ويجوز أن يكون " ما " مصدرية، أي: بأمرك، وهو مصدر من المبني للمفعول. والمستهزئون: خمسة نفر ذوو أسنان وشرف: الوليد بن المغيرة والعاص بن


(1) وهو قول ابن عباس. راجع تفسير القرطبي: ج 10 ص 61. (2) وعجزه: فقد تركتك ذا مال وذا نشب. واختلف في قائله، فقيل: لخفاف بن ندبة، وقيل: لعباس بن مرداس، وقيل: لعمرو بن معدي كرب واليه مال سيبويه، وقيل: لأعشى طرود وإليه مال البغدادي في خزانة الأدب، وقيل: لزرعة بن السائب وإليه ذهب المرزباني. انظر خزانة الأدب: ج 1 ص 339 - 345. (*)

[ 312 ]

وائل والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب بن عبد مناف والحارث بن الطلاطلة، ماتوا كلهم قبل بدر، قال جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله): أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمر وهو يجر ثوبه، فتعلقت بثوبه شوكة فمنعه الكبر أن يخفض رأسه فينزعها فخدشت ساقه فمات من ذلك، وأومأ إلى أخمص (1) العاص بن وائل فوطأ شبرمة (2) فدخلت فيها وقال: لدغت، ولم يزل يحكها حتى مات، وأشار إلى عيني الأسود فعمي، وجعل يضرب رأسه على الجدار حتى مات، وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات، وأشار إلى الأسود فاستسقى فمات * (فسوف يعلمون) * وعيد. * (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من السجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)) * أي: * (بما يقولون) * من تكذيبك، والطعن فيك وفي القرآن. * (فسبح) * أي: فافزع إلى الله عز اسمه فيما نابك (3) يكشف عنك الغم ويكفك المهم * (وكن من) * الذين يسجدون لله، كان صلوات الله عليه وآله وسلم إذاأحزنه أمر فزع إلى الصلاة. ودم على عبادة * (ربك حتى يأتيك اليقين) * أي: الموت، يعني: مادمت حيا.


(1) أخمص القدم: باطنها الذي لا يصيب الأرض، يقال: خمصت القدم: إذا ارتفعت عن الأرض فلم تمسه. (مجمع البحرين: مادة خمص). (2) الشبرم: ضرب من الشجر ذي شوك. (القاموس المحيط: مادة شبرم). (3) في بعض النسخ: يأتيك. (*)

[ 313 ]

سورة النحل وتسمى أيضاسورة النعم، أكثرها مكي (1)، مائة وثمان وعشرون آية بلا خلاف. في حديث أبي: " من قرأها لم يحاسبه الله تعالى على النعم التي أنعمها عليه في دار الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلة أعطي من الأجر كالذي مات فأحسن الوصية " (2). وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأها في كل شهر كفي المغرم في الدنيا وسبعين نوعا من أنواع البلاء أهونه الجنون والجذام والبرص، وكان مسكنه في جنة عدن وهي وسط الجنان " (3).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 6 ص 357: هي مكية الا آية هي قوله: * (والذين هاجروا في الله من بعدما ظلموا) * الآية. وقال الشعبي: نزلت النحل كلها بمكة إلا قوله: * (وإن عاقبتم) * الى آخرها. وقال قتادة: من أول السورة الى قوله: * (كن فيكون) * مكي، والباقي مدني. وقال مجاهد: أولها مكي وآخرها مدني، وهي مائة وعشرون آية ليس فيها خلاف. وقال القرطبي: ج 10 ص 65 ما لفظه: وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وتسمى سورة النعم بسبب ماعدد الله فيها من نعمه على عباده. وقيل: هي مكية الا قوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) * الآية، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى احد. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 592: مكية غير ثلاث آيات في آخرها، وتسمى سورة النعم، وهي مائة وثمان وعشرون آية، نزلت بعد سورة الكهف. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 645 مرسلا. (3) ثواب الأعمال: ص 133، تفسير العياشي: ج 2 ص 254 ح 1 باختلاف. (*)

[ 314 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحنه وتعلى عما يشركون (1) ينزل الملئكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لاإله إلا أنا فاتقون (2) خلق السموات والارض بالحق تعلى عما يشركون (3) خلق الاءنسن من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والانعم خلقها لكم فيها دف ء ومنفع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بلغيه إلا بشق الانفس إن ربكم لرءوف رحيم (7)) * قرب * (أمر الله) * بعذاب هؤلاء الكفار، أو * (أتى أمر) * (1) القيامة، أي: هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظرا لقرب وقوعه * (فلا تستعجلوه) *، كانوا يستعجلون ذلك كما حكى الله عنهم قولهم: * (فأمطر علينا حجارة من السماء) * (2)، * (سبحنه وتعلى عما يشركون) * تبرأ (3) عزوجل عن أن يكون له شريك وأن تكون آلهتهم له شركاء فتكون " ما " موصولة، أو عن إشراكهم فتكون مصدرية، وقرئ: * (يشركون) * بالياء والتاء (4). وقرئ: * (ينزل) * بالتخفيف (5) والتشديد و * (الملئكة) * بالنصب، وقرئ: " تنزل الملائكة " (6) أي: تتنزل * (بالروح من أمره) *: بما يحيي القلوب الميتة


(1) في نسخة زيادة: يوم. (2) الأنفال: 32. (3) في نسخة: تنزه. (4) وقراءة التاء هي قراءة حمزة والكسائي. راجع التبيان: ج 6 ص 357. (5) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وورش ورويس. راجع التبيان: ج 6 ص 359، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 489. (6) وهي قراءة المفضل عن عاصم وروح. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 = (*)

[ 315 ]

بالجهل من وحيه أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، و * (أن أنذروا) * بدل من " الروح " أي: ينزلهم بأن أنذروا، والتقدير: بأنه، والضمير للشأن أي: بأن الشأن أقول لكم: أنذروا، أو يكون * (أن) * مفسرة لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول، ومعنى أنذروا: أعلموا ب‍ * (أنه لاإله إلا أنا) * من نذرت بكذا: إذا علمته، أي: يقول لهم: أعلموا الناس قولي: * (لاإله إلا أنا فاتقون) *. ثم دل على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بذكر ما لا يقدر عليه غيره من خلق * (السموات والارض) * وخلق * (الاءنسن) * وما يصلحه وما لابد له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وحمل أثقاله وسائر حاجاته وخلق ما لا يعلمون من أصناف خلقه * (تعلى) * وجل من أن يشرك به غيره * (فإذا هو خصيم مبين) * معناه: فإذا هو مجادل للخصوم (1)، منطيق، مبين عن نفسه بعدما كان نطفة جمادا، وقيل: فإذا هو خصيم لربه، منكر لخالقه (2). و * (الانعم) *: الأزواج الثمانية، وأكثر ما يقع على الإبل، وانتصب بفعل مضمر يفسره الظاهر، و " الدف ء ": اسم ما يدفأ به، كالمل ء اسم مايملأ به، وهو اللباس المعمول من صوف أو وبر أو شعر، * (ومنفع) *: هي نسلها ودرها وغير ذلك من الحمل والركوب وإثارة الأرض. ومن سبحانه بالتجمل بها كما من بالانتفاع بها لأنها من أغراض أصحاب المواشي، لأنهم إذا أراحوها بالعشي وسرحوها بالغداة فزينت الأفنية (3)


= ص 489، وتفسير القرطبي: ج 10 ص 67. (1) في بعض النسخ زيادة: واو. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 593. (3) الأفنية جمع فناء، وهو ما امتد من جوانب الشئ، يقال: فناء الدار: إذا امتد جوانبها. (الصحاح: مادة فنى). (*)

[ 316 ]

وتجاوب فيها الثغاء (1) والرغاء (2) فرحت أربابها وأجلهم الناظرون إليها فكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس، وقدم الإراحة على السرح لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملاى البطون حافلة الضروع. وقرئ: * (بشق الانفس) * بفتح الشين (3) وكسرها، وهما لغتان في معنى المشقة، والفرق بينهما: أن المفتوح مصدر " شق الأمر عليه " وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع، وأما الشق: فالنصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد، والمعنى: * (وتحمل أثقالكم إلى بلد) * بعيد * (لم تكونوا بلغيه) * في التقدير: لو لم يخلق الإبل، إلا بجهد أنفسكم ومشقتها، ويجوز أن يكون المعنى: لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس، وقيل: إن البلد مكة (4) * (إن ربكم لرءوف رحيم) * حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح. * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شآء لهدبكم أجمعين (9) هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعنب ومن كل الثمرا ت إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرا ت بأمره إن في ذلك لايت لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الارض مختلفا ألوا نه إن في ذلك لاية لقوم يذكرون (13)) *


(1) الثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلهما. (لسان العرب: مادة ثغا). (2) قال الجوهري: الرغاء: صوت ذوات الخف. انظر الصحاح: مادة رغا. (3) وهي قراءة أبي جعفر المدني واليزيدي. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 76. (4) قاله عكرمة. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 561. (*)

[ 317 ]

عطف * (الخيل) * على * (الانعم) *، أي: خلق هؤلاء للركوب وللزينة، وعطف * (زينة) * على محل * (لتركبوها) * ولم يرد المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد، لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق عزاسمه * (ويخلق ما لا تعلمون) * من أنواع الحيوان والنبات والجماد لمنافعكم. والمراد ب‍ * (السبيل) *: الجنس، ولذلك أضاف إليها " القصد " وقال: * (ومنها جائر) *، والقصد مصدر بمعنى الفاعل، سبيل قصد وقاصد أي: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، ومعنى قوله: * (وعلى الله قصد السبيل) *: أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه، ونحوه: * (إن علينا للهدى) * (1)، * (ومنها) * أي: ومن السبيل * (جائر) * عن القصد، فأعلم سبحانه بأن السبيل العادل عن الحق لا يضاف إليه بقوله: * (ومنها جائر) *، ولو كان الأمر على ما ظنه المجبرة لقال: وعليه جائرها أو وعليه الجائر، * (ولو شآء لهدبكم أجمعين) * قسرا وإلجاء إلى السبيل القصد. * (أنزل من السماء ماء) * أي: مطرا * (لكم منه شراب) * أي: لكم هو شراب كقوله: يأبى الظلامة منه النوفل الزفر (2) والشراب: مايشرب، وقوله: * (شجر) * يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: معناه لكم من ذلك الماء شراب (3) * (ومنه) * شرب * (شجر) * أو سقي شجر فحذف المضاف، أو لكم من إنباته شجر أو من سقيه شجر فحذف المضاف إلى


(1) الليل: 12. (2) وصدره: أخو رغائب يعطيها ويسألها. والبيت منسوب لأعشى باهلة. انظر الكامل للمبرد: ج 1 ص 80. (3) قاله أبو جعفر الطبري في تفسيره: ج 7 ص 566. (*)

[ 318 ]

الهاء في * (منه) * كما قال زهير: أمن أم أوفي دمنة لم تكلم (1) أي: من ناحية أم أوفي * (تسيمون) * من سامت الماشية: إذا رعت فهي سائمة وأسمتها أنا. وقرئ: * (ينبت) * بالياء والنون (2)، * (ومن كل الثمرا ت) *: * (من) * للتبعيض، لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وأنبت في الأرض بعض من كلها * (يتفكرون) * ينظرون فيستدلون بها عليه وعلى كمال حكمته وقدرته. وقرئ جميعها بالنصب (3) فيكون المعنى: وجعل النجوم مسخرات، إذ لا يصلح أن يقال: وسخر النجوم مسخرات، ويجوز أن يكون المعنى: أنه سخرها أنواعا من التسخير، جمع " مسخر "، بمعنى " تسخير "، من قولك: سخره الله مسخرا، فكأنه قال: وسخرها لكم تسخيرات بأمره، وقرئ بنصب * (اليل والنهار) * وحدهما ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر (4)، وقرئ: * (والنجوم مسخرا ت) * بالرفع وما قبله بالنصب، * (إن في ذلك لايت لقوم يعقلون) * جمع الآية هنا، لأن الآثار (5) العلوية أظهر دلالة للعقلاء على عظمة الله وباهر قدرته.


(1) وعجزه: بحومانة الدراج فالمتثلم. والبيت مطلع معلقته الميمية، وهي القصيدة التي يمدح بها هرم بن سنان والحارث بن عوف، وهما سيدان من سادات ذبيان، قد تدخلا في اصلاح ذات البين بين عبس وذبيان ووقفا الحرب الضروس التي نشبت بينهما على أثر حرب داحس والغبراء، ودفعا من أموالهما حقنا للدماء ديات القتلى الذين لم يؤخذ بثأرهم، فكانت ثلاثة آلاف بعير. راجع ديوان زهير: ص 74، وخزانة الأدب للبغدادي: ج 8 ص 528. (2) وقراءة النون هي قراءة عاصم برواية أبي بكر إلا الأعشى والبرجمي ويحيى. راجع التبيان: ج 6 ص 364، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 489. (3) أراد من قوله تعالى: * (الليل) * ومعطوفاتها وحتى قوله: * (مسخرات) *، وهي قراءة ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر. انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 370. (4) قرأه ابن عامر وحده. راجع التبيان: ج 6 ص 365. (5) في بعض النسخ: الآيات. (*)

[ 319 ]

* (وما ذرأ لكم) * معطوف على * (اليل والنهار) *، يعني: ما خلق فيها من حيوان ونبات وغير ذلك من أنواع النعم مختلف الهيآت والأشكال لا يشبه بعضها بعضا. * (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في الارض روا سى أن تميد بكم وأنهرا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلمت وبالنجم هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوهآ إن الله لغفور رحيم (18)) * * (سخر البحر) * أي: ذلله لكم وسهل لكم الطريق إلى ركوبه، واستخراج ما فيه من المنافع، وأراد ب‍ " اللحم الطري ": السمك، وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله لئلا يفسد، و " الحلية " هي: اللؤلؤ والمرجان * (تلبسونها) * أي: تتزينون بها وتلبسونها نساءكم * (مواخر) * أي: شواق لماء البحر بحيازيمها (1)، وعن الفراء (2): المخر: صوت جري الفلك بالرياح، وابتغاء الفضل: التجارة * (أن تميد بكم) * كراهة أن تميل بكم وتضطرب * (وأنهرا) * وجعل فيها أنهارا، لأن في " ألقى " معنى " جعل " كما قال سبحانه: * (ألم نجعل الارض مهدا والجبال أوتادا) * (3)،


(1) الحيزوم: وسط الصدر. (الصحاح: مادة حزم). (2) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، مولى بني أسد، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة والأدب، ومن كلام ثعلب: لولا الفراء ما كانت اللغة، ويذكر إنه ابن خالة محمد ابن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وعرف أبوه زياد بالأقطع، لأن يده قطعت في معركة " فخ " عام 169 ه‍ التي شهدها مع الحسين بن علي بن الحسن الزكي (عليه السلام) في خلافة موسى الهادي العباسي. سمي بالفراء لأنه كان يفري الكلام أي: يحسن تقطيعه وتفصيله. توفي عام 207 ه‍ بطريق مكة. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان: ج 5 ص 225. (3) النبأ: 6 و 7. (*)

[ 320 ]

* (وسبلا) * أي: طرقا * (تهتدون) * بها إلى حيث شئتم من البلاد. * (وعلمت) * وهي معالم الطرق وكل ما يستدل به المارة من جبل وسهل وغير ذلك، والمراد ب‍ " النجم ": الجنس، كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس، وعن السدي: هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي (1)، فكأنه سبحانه بتقديم النجم وإقحام * (هم) * فيه والخروج من الخطاب إلى الغيبة أراد أن قريشا - خصوصا - لهم اهتداء بالنجوم - خصوصا - في أسفارهم، فكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم فلذلك خصصوا. الصادق (عليه السلام): " نحن العلامات، والنجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (2). * (كمن لا يخلق) * أريد به الأصنام، وجعل " من " فيما لا يعقل لما اتصل بذكر الخالق * (أفلا تذكرون) * فتعتبرون. * (لاتحصوهآ) * أي: لاتضبطوا عددها فضلا عن أن تطيقوا القيام بشكرها * (إن الله لغفور رحيم) * يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر نعمه ولا يقطعها عنكم. * (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيا وهم يخلقون (20) أموا ت غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) إلهكم إله وا حد فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23)) * * (يدعون) * قرئ بالياء والتاء (3)، نفي عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم


(1) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 64. (2) الكافي: ج 1 ص 206 - 207 باب ان الأئمة هم العلامات...، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 178. (3) وقراءة التاء هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي. راجع = (*)

[ 321 ]

خالقين، وأحياء لا يموتون، وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب، أي: لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات وأمرهم على العكس من ذلك، والضمير في * (يبعثون) * للداعين، أي: لا يشعرون متى يبعث عابدوهم، وفيه تهكم بالمشركين، وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم ! * (لاجرم) * حقا * (أن الله يعلم) * سرهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو وعيد. * (وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أسطير الاولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنينهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيمة يخزيهم ويقول أين شركاءي الذين كنتم تشقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكفرين (27) الذين تتوفيهم الملئكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ماكنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبوا ب جهنم خلدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29)) * * (ماذآ) * منصوب ب‍ * (أنزل) * بمعنى: أي شئ أنزل ربكم ؟ أو مرفوع بالابتداء بمعنى: أي شئ أنزله ربكم ؟ فإذا نصبت فمعنى * (أسطير الاولين) *: ما تدعون نزوله أساطير الأولين، وإذا رفعت فالمعنى: المنزل أساطير الأولين، أي: أحاديث الأولين وأباطيلهم.


= كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 371. (*)

[ 322 ]

* (ليحملوا أوزارهم) * أي: قالوا ذلك إضلالا للناس وصدا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فحملوا أوزار ضلالهم * (كاملة) * وبعض * (أوزار) * من أضلوهم، لأن المضل والضال شريكان، هذا يضله وهذا يطاوعه على إضلاله، وجاء باللام من غير أن يكون غرضا، نحو قولك: خرجت من البلد مخافة الشر، * (بغير علم) * حال من المفعول، أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وإنما وصف بالضلال من لا يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل. و * (القواعد) * أساطين البناء، وقيل: الأساس (1)، وهذا تمثيل لاستئصالهم، والمعنى: أنهم سووا منصوبات (2) ليمكروا الله بها فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا، ومن أمثالهم: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا (3)، والمراد بإتيان الله: إتيان أمره * (من القواعد) * من جهة القواعد. وقرأ الصادق (عليه السلام): " فأتى الله بيتهم " (4). * (يخزيهم) * أي: يذلهم بعذاب الخزي، يعني: هذا لهم في الدنيا ثم العذاب في الآخرة * (أين شركاءي) * أضافهم الى نفسه على طريق الاستهزاء بهم ليوبخهم بذلك * (تشقون) * أي: تعادون المؤمنين وتخاصمونهم في شأنهم ومعناهم (5)،


(1) قاله زيد بن أسلم. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 577. (2) المنصوبة: الحيلة، يقال: سوى فلان منصوبة. (أقرب الموارد: مادة نصب). (3) وهو من الأمثال المشهورة على ألسن الناطقين بلغة الضاد، ونحوه بألفاظ قريبة منه نقلته كتب الأمثال. راجع مجمع الأمثال للميداني: ج 2 ص 253. (4) تفسير العياشي: ج 2 ص 258 ح 21. (5) في بعض النسخ: مغناهم. (*)

[ 323 ]

وقرئ بكسر النون (1) بمعنى: تشاقونني، لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله، و * (الذين أوتوا العلم) * هم: الأنبياء والعلماء من أممهم، وقيل: هم الملائكة (2). * (تتوفيهم) * قرئ بالتاء والياء (3)، وبإدغام التاء في التاء (4) * (فألقوا السلم) * أي: تسالموا وأخبتوا (5) وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق (6) والكبر، وقالوا: * (ماكنا نعمل من سوء) * جحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان في الدنيا، فرد عليهم أولو العلم: * (إن الله عليم بما كنتم تعملون) * فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضا من الشماتة، وكذلك * (فادخلوا أبوا ب جهنم) *. * (وقيل للذين اتقوا ماذآ أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنت عدن يدخلونها تجري من تحتها الانهر لهم فيها مايشآءون كذلك يجزى الله المتقين (31) الذين تتوفيهم الملئكة طيبين يقولون سلم عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (34)) * * (خيرا) * أي: أنزل خيرا، ونصب هذا ورفع الأول فصلا بين جواب المقر


(1) قرأه نافع وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 371. (2) قاله ابن عباس. راجع تفسيره: ص 223. (3) وهي قراءة حمزة. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 491. (4) قرأه ابن كثير كما في شواذ القرآن لابن خالويه: ص 76. (5) الإخبات: الخشوع، يقال: أخبت لله أي: خشع له. (الصحاح: مادة خبت). (6) في بعض النسخ: النفاق. (*)

[ 324 ]

وبين جواب الجاحد، فهؤلاء أطبقوا الجواب على السؤال مفعولا للإنزال فقالوا: خيرا، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شئ * (للذين أحسنوا) * وما بعده بدل من * (خيرا) * حكاية لقول الذين اتقوا، أي: قالوا هذا القول، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين * (حسنة) * أي: مكافأة * (في... الدنيا) * بإحسانهم، ولهم في الآخرة ما هو خير منها * (ولنعم دار المتقين) * دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره. * (جنت عدن) * خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح. * (طيبين) * طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، لأنه في مقابلة * (ظالمي أنفسهم) *، * (يقولون سلم عليكم) * سلامة لكم من كل سوء. * (تأتيهم الملئكة) * لقبض الأرواح * (أو يأتي أمر ربك) * بالعذاب المستأصل أو القيامة * (كذلك) * أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب * (فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله) * بتدميرهم * (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * لأنهم فعلوا ما استوجبوا به التدمير. * (وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا أآباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضللة فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين (36) إن تحرص على هدبهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من نصرين (38)) * * (كذلك فعل الذين من قبلهم) * من الكفار والضلال: أشركوا بالله وحرموا ما أحل الله وارتكبوا ما حرمه، فلما نبهوا على قبح أفعالهم نسبوها إلى الله وقالوا:

[ 325 ]

* (لو شآء الله) * لم نفعلها * (فهل على الرسل إلا) * أن يبلغوا الحق وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان. * (في كل أمة) * أي: مامن أمة إلا وقد * (بعثنا) * فيهم * (رسولا) * يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله، وينهاهم عن الشر (1) الذي هو اجتناب (2) * (الطغوت فمنهم من هدى الله) * أي: لطف به لعلمه أنه من أهل اللطف * (ومنهم من حقت عليه الضللة) * أي: ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف لتصميمه على الكفر * (فسيروا في الارض فانظروا) * ما فعلت ب‍ * (المكذبين) * حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أريد الشر حيث أفعل ما أفعل بالأشرار. ثم ذكر سبحانه عناد قريش، وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) على إيمانهم، وعرفه أنهم ممن حقت عليهم الضلالة، وأنه * (لا يهدي من يضل) * أي: لا يلطف بمن يخذله، وقيل: معناه: لا يهتدي (3)، يقال: هداه الله فهدي، وقرئ: " لا يهدي " على البناء للمفعول (4) والعائد إلى * (من) * الموصولة الهاء المحذوف، أي: من يضله. * (وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كذبين (39) إنما قولنا لشئ إذا أردنه أن نقول له كن فيكون (40)) * * (بلى) * إثبات لما بعد النفي، أي: بلى يبعثهم، و * (وعدا) * مصدر مؤكد لما دل


(1) في نسخة: الشرك. (2) في بعض النسخ: اختيار. (3) وهو قول الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 605. (4) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر والحسن البصري والأعرج ومجاهد وشيبة وشبل ومزاحم الخراساني والعطاردي وابن سيرين. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 372، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 490. (*)

[ 326 ]

عليه * (بلى) * لأن * (يبعث) * موعد من الله، ثم بين أن الوفاء بذلك الوعد حق واجب على الله في الحكمة * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * أنهم يبعثون، أو أنه وعد واجب على الله لأنهم يقولون: لا يجب على الله شئ من مواجب الحكمة. * (ليبين لهم) * الضمير ل‍ * (من يموت) * وهو عام للمؤمنين والكافرين، و * (الذي) * اختلفوا * (فيه) * هو الحق * (وليعلم الذين كفروا أنهم) * كذبوا في قولهم: لا يبعث الله من يموت. * (قولنا) * مبتدأ و * (أن نقول) * خبره و * (كن فيكون) * من " كان " التامة، أي: إذا أردنا وجود شئ فليس إلا أن نقول * (له) *: احدث فهو محدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل في أن مرادا لا يمتنع عليه، وأن وجوده عند إرادته مثل وجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول هناك، وقرئ: " فيكون " بالنصب (1) عطفا على * (نقول) *. * (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينت والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44)) * * (والذين هاجروا) * هم: رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله، فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم بعد هاجروا إلى المدينة، وقيل: هم الذين كانوا محبوسين بمكة بعد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكلما خرجوا تبعوهم


(1) قرأه ابن عامر والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 373. (*)

[ 327 ]

وردوهم، منهم بلال وصهيب (1) وعمار وخباب (2) (3) * (في الله) * في حقه ولوجهه * (حسنة) * صفة لمصدر محذوف، أي: * (لنبوئنهم) * تبوئة حسنة، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): " لنثوينهم " (4) ومعناه: إثواءة حسنة، أي: لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب، وقيل: لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم الأنصار ونصروهم (5) * (لو كانوا يعلمون) * الضمير للكفار، أي: لو علموا أن الله يجمع للمهاجرين الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم، ويجوز أن يكون الضمير للمهاجرين، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. * (الذين صبروا) * أي: هم الذين صبروا، أو أعني الذين صبروا، وكلاهما مدح، صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن وعلى الجهاد. قالت قريش: الله لا يرسل إلينا بشرا مثلنا، فقال: * (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) * على ألسنة الملائكة * (فسلوا أهل الذكر) * وهم أهل


(1) هو صهيب بن سنان بن مالك، بدري، وجميع المدنيين يثبتون نسبه في النمر ابن قاسط، قال بعضهم: كان أبوه سنان بن مالك عاملا لكسرى على " الأبلة "، وكانت منازلهم بأرض الموصل وما يليها من الجزيرة، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبوا صهيبا وهو غلام صغير، فنشأ في الروم، فابتاعته " كلب " منهم، ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان، ويقال: إن ابن جدعان أعتقه وبعث به إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، توفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وهو ابن سبعين سنة، فدفن بالبقيع. انظر المعارف لابن قتيبة: ص 151. (2) خباب بن الأرت بن جندلة، من بني سعد بن تميم، ويكنى: أبا عبد الله، وكان أصابه سباء فبيع بمكة فاشترته أم أنمار - وهي أم سباع الخزاعية من حلفاء بني زهرة - فاعتقته، مات بالكوفة سنة سبع وثلاثين ه‍، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو أول من قبره علي (عليه السلام) بالكوفة وصلى عليه عند منصرفه من صفين. انظر المعارف لابن قتيبة: ص 179. (3) قاله الكلبي على ما حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 189. (4) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 607. (5) قاله الشعبي. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 585. (*)

[ 328 ]

الكتاب ليعلموكم أنه سبحانه لم يبعث إلى من تقدم من الأمم إلا البشر، وقيل: إن أهل الذكر: أهل القرآن، والذكر: القرآن (1)، وقيل: أهل العلم (2). وعن الباقر (عليه السلام): " نحن أهل الذكر " (3). * (بالبينت) * يتعلق ب‍ * (مآ أرسلنا) * ويدخل تحت الاستثناء، أي: وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، كما تقول: ما ضربت إلا زيدا بالسوط، وأصله: ضربت زيدا بالسوط، أو يتعلق ب‍ * (رجالا) * صفة له، أي: رجالا ملتبسين بالبينات، أو ب‍ * (نوحي) * أي: نوحي إليهم بالبينات، وقوله: * (فسلوا أهل الذكر) * اعتراض * (وأنزلنا إليك الذكر) * أي: القرآن، إنما سمي ذكرا لأنه موعظة وتنبيه للغافلين * (لتبين للناس ما) * نزل الله * (إليهم) * في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه إرادة أن يتفكروا فينتبهوا (4). * (أفأمن الذين مكروا السيات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم (47) أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم دا خرون (48) ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملئكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50)) *


(1) قاله ابن زيد. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 189. (2) وهو قول الرماني والأزهري والزجاج. راجع التبيان: ج 6 ص 384. (3) تفسير العياشي: ج 2 ص 260 ح 32، تفسير الطبري: ج 7 ص 587. (4) في بعض النسخ: فيتنبهوا. (*)

[ 329 ]

أي: * (مكروا) * المكرات * (السيات) *، يريد: أهل مكة وما مكروا به رسول الله (صلى الله عليه وآله). * (في تقلبهم) * حال، أي: متقلبين في أسفارهم ومتاجرهم. * (على تخوف) * أي: متخوفين، وهو أن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا، أي: * (يأخذهم) * العذاب وهم متخوفون متوقعون، وهو خلاف قوله: * (من حيث لا يشعرون) *، وقيل: معناه: على تنقص، أي: يأخذهم على أن يتنقصهم شيئا بعد شئ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا (1) * (فإن ربكم لرءوف رحيم) * حيث يحلم عنكم ولا يعذبكم عاجلا. وقرئ: " أو لم تروا " (2) و " تتفيؤا " بالتاء (3) والياء * (ما خلق الله) *: * (ما) * موصولة، وهو مبهم بيانه: * (من شئ يتفيؤا ظلله) *، و * (اليمين) * بمعنى الأيمان * (سجدا) * حال من الظلال * (وهم دا خرون) * حال من الضمير في * (ظلله) * لأنه في معنى الجمع، وهو ما خلق الله من كل شئ له ظل، وجمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب العقلاء، والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي: عن جانبي كل واحد منها، مستعار من يمين الإنسان وشماله، أي: يرجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها - أيضا - داخرة صاغرة منقادة لأفعال الله فيها. * (من دابة) * بيان ل‍ * (ما في السموات وما في الارض) * جميعا، على أن السماوات خلقا لله يدبون فيها، أو بيان ل‍ * (ما في الارض) * وحده ويراد


(1) قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. راجع التبيان: ج 6 ص 386. (2) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 373. (3) قرأه أبو عمرو وحده. راجع التيسير في القراءات السبع للداني: ص 138. (*

[ 330 ]

ب‍ * (ما في السموات) * الملائكة، وكرر ذكرهم على معنى: * (والملكة) * خصوصا من بين الساجدين لأنهم أعبد الخلق، أو يراد ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم، والمراد بسجود المكلفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم: انقيادها لإرادة الله وأنها غير ممتنعة عليه. * (يخافون) * حال من الضمير في * (لا يستكبرون) *، أو استئناف لبيان نفي الاستكبار وتأكيده، لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته * (من فوقهم) * إن تعلق ب‍ * (يخافون) * فالمعنى: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن تعلق ب‍ * (ربهم) * فهو حال منه، أي: يخافون ربهم غالبا لهم قاهرا، كقوله: * (وإنا فوقهم قهرون) * (1). * (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله وا حد فإيى فارهبون (51) وله ما في السموات والارض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجرون (53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بمآ ءاتينهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55)) * * (إلهين اثنين) * هو تأكيد للعدد ودلالة على العناية به، ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكده ب‍ " واحد " لم يحسن، وخيل أنك أثبت الإلهية لا الوحدانية * (فإيى فارهبون) * نقل الكلام من الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات، لأن الغائب هو المتكلم، ولأنه أبلغ في الترهيب من قوله: وإياه فارهبوه، ومن أن يجئ ما قبله على لفظ التكلم.


(1) الأعراف: 127. (*)

[ 331 ]

و * (الدين) *: الطاعة * (واصبا) * حال عمل فيها الظرف، والواصب: الواجب الثابت، لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه، ويجوز أن يكون من الوصب، أي: وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفا، أو: وله الجزاء دائما ثابتا سرمدا لا يزال (1) يعني: الثواب والعقاب. * (وما بكم من نعمة) * أي: ما اتصل بكم من نعمة في النفس أو المال * (ف‍) * هو * (من الله) *، * (فإليه تجرون) * أي: فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار: رفع الصوت بالدعاء، وقرئ: " تجرون " بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم (2). * (إذا فريق منكم) * يجوز أن يكون الضمير في * (وما بكم من نعمة) * عاما ويريد بالفريق فريق الكفرة، وأن يكون الخطاب للكفار، و * (منكم) * للبيان لا للتبعيض، كأنه قال: إذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر، كقوله: * (فلما نجيهم إلى البر فمنهم مقتصد) * (3). * (ليكفروا بمآ ءاتينهم) * من نعمة الكشف عنهم، كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة * (فتمتعوا فسوف تعلمون) * تخلية ووعيد، ويجوز أن يكون * (ليكفروا) * و * (فتمتعوا) * من الأمر الوارد بمعنى الخذلان والتخلية، واللام لام الأمر. * (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقنهم تالله لتسلن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنت سبحنه ولهم مايشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوا رى من القوم


(1) في نسخة: لا يزول. (2) وهي قراءة الزهري على ما حكاه عنه أبو حيان في البحر المحيط: ج 5 ص 502. (3) لقمان: 32. (*)

[ 332 ]

من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء ولله المثل الاعلى وهو العزيز الحكيم (60)) * أي: * (لما لا يعلمون‍) * - ها، يريد: آلهتهم، لأنهم اعتقدوا فيها أنها تضر وتنفع وتشفع وهي جماد، فهم إذن جاهلون بها، وقيل: الضمير في * (لا يعلمون) * للآلهة، أي: لأشياء غير موصوفة بالعلم، أي: يتقربون إليها (1)، ف‍ * (يجعلون) * لها * (نصيبا) * في أنعامهم وزروعهم وهي لا تشعر بذلك * (لتسلن) * وعيد * (عما كنتم تفترون) * من الإفك في زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها. زعموا أن الملائكة بنات الله * (سبحنه) * تنزيه لذاته من نسبة الولد إليه، أو تعجب من قولهم * (ولهم مايشتهون) * يعني: البنين، ومحله نصب عطفا على * (البنت) * أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهونه من الذكور، أو رفع على الابتداء. و * (ظل) * بمعنى: صار، كما يستعمل " أصبح " و " أمسى " و " بات " بمعنى الصيرورة، أي: صار * (وجهه مسودا) * مربدا (2) من الكآبة، ف‍ * (هو كظيم) *: مملوء حنقا على المرأة. * (يتوا رى) * أي: يستخفي * (من القوم من) * أجل * (سوء) * المبشر * (به) * ويحدث نفسه وينظر * (أيمسكه على) * هوان وذل * (أم يدسه في التراب) * أي: يئده * (ألا ساء ما يحكمون) * حيث يجعلون الولد الذي هو عندهم بهذا المحل لله تعالى، ويجعلون لأنفسهم من هو على العكس من هذه الصفة. * (مثل السوء) * أي: صفة السوء، وهي الحاجة إلى الولد، أو صفة النقص من الجهل والعجز * (ولله المثل الاعلى) * وهو صفات الإلهية والغنى عن الصاحبة


(1) قاله مجاهد وقتادة. راجع تفسير الطبري: ج 7 ص 598. (2) اربد وجهه وتربد: إذا احمر حمرة فيها سواد عند الغضب. (لسان العرب: مادة ربد). (*)

[ 333 ]

والولد، والنزاهة عن صفات المخلوقين. * (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لايستخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لاجرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطن أعملهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها إن في ذلك لاية لقوم يسمعون (65)) * * (بظلمهم) * أي: بكفرهم ومعاصيهم * (عليها) * أي: على الأرض، أي: لأهلك الدواب كلها بشؤم ظلم الظالمين، وقيل: ما ترك من دابة ظالمة تدب عليها (1)، وعن ابن عباس: من مشرك (2). * (ويجعلون لله ما يكرهون) * لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم ومن الاستخفاف برسولهم، ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها * (وتصف ألسنتهم) * مع ذلك * (الكذب) *، و * (أن لهم الحسنى) * بدل من * (الكذب) *، وهو قول قريش: لنا البنون، أو هو قولهم: إن كان ما يقوله محمد (صلى الله عليه وآله) حقا فإن لنا الجنة * (مفرطون) * قرئ مفتوح الراء ومكسورها (3)، وبالتخفيف والتشديد (4)، فالمفتوح بمعنى: مقدمون إلى النار معجلون إليها، من أفرطت فلانا وفرطته في


(1) حكاه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 196. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 613. (3) وبالكسر قرأه نافع. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 374. (4) وقراءة التشديد هي قراءة أبي جعفر المدني. راجع التبيان: ج 6 ص 395. (*)

[ 334 ]

طلب الماء، أي: قدمته، وقيل: منسيون متروكون (1)، من أفرطت فلانا خلفي: إذا خلفته ونسيته، والمكسور المخفف من الإفراط في المعاصي، وبالتشديد من التفريط في الطاعات. * (فهو وليهم اليوم) * أي: فهو قرينهم في الدنيا، جعل * (اليوم) * عبارة عن زمان الدنيا، ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش، أي: زين * (الشيطن) * للكفار قبلهم * (أعملهم) * فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم. * (وهدى ورحمة) * عطف على محل * (لتبين) *، و * (الذي اختلفوا فيه) * هو البعث، لأن بعضهم كان يؤمن به وأشياء من التحريم والتحليل. * (لقوم يسمعون) * سماع إنصاف وتدبر، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم. * (وإن لكم في الانعم لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشربين (66) ومن ثمرا ت النخيل والاعنب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لاية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلى من كل الثمرا ت فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوا نه فيه شفاء للناس إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون (69) والله خلقكم ثم يتوفيكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم بعد علم شيا إن الله عليم قدير (70)) * وقرئ: * (نسقيكم) * بفتح النون (2) وضمها، هاهنا وفي " المؤمنون " (3)


(1) قاله مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك. راجع المصدر السابق. (2) قرأه نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 492. (3) الآية: 21. (*)

[ 335 ]

وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة ؟ فقيل: نسقيكم * (مما في بطونه) *، وإذا ذكر * (الانعم) * فعلى أن يكون اسما مفردا بمعنى الجمع، مثل " نعم " في قوله: في كل عام نعم تحوونه * يلقحه قوم وتنتجونه (1) وإذا أنث فلأنه تكسير نعم، والمعنى: أنه سبحانه يخلق اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله عزوجل لايشوبانه ولا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله * (سائغا) * أي: سهل المرور في الحلق، و * (من) * الأولى للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونه، والثانية لابتداء الغاية، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدئ. * (ومن ثمرا ت النخيل) * يتعلق بمحذوف، والتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل * (والاعنب) * أي: من عصيرها، و * (تتخذون منه سكرا) * بيان لكيفية الإسقاء، أو يتعلق ب‍ * (تتخذون) * وتكون * (منه) * تكريرا للظرف للتوكيد، والهاء في * (منه) * يعود إلى " الثمرات " لأن " الثمر " بمعنى " الثمرات "، ويجوز أن يعود إلى موصوف محذوف و * (تتخذون) * صفة له، والتقدير: ما تتخذون منه سكرا، وتكون " ما " نكرة موصوفة، أو: ثمر تتخذون منه سكرا * (ورزقا حسنا) * لأنهم كانوا يأكلون بعضها ويتخذون بعضها سكرا، والسكر: الخمر وكل ما يسكر، سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا، قال: فجاؤونا بهم سكر علينا * فأجلى اليوم والسكران صاحي (2)


(1) وقائله: قيس بن الحصين الحارثي من بني سعد، يخاطب فيها قوما من اللصوص المغيرين، يقول لهم: انتم تحوون كل عام نعما لاناس ألقحوه وجهدوا في سبيله ثم إنكم تنتجونه وتستفيدون من فوائده في حيكم. انظر شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 554. (2) لم نعثر على قائله فيما توفرت لدينا من مصادر، وفيه يذم الشاعر قوما موصوفين بالغضب أرادوا الحرب مع قوم الشاعر، لكن لشجاعة قومه وبطشهم كشفوهم وهزموهم، فكأن قومه = (*)

[ 336 ]

والرزق الحسن: ما هو حلال منها كالخل والدبس والتمر (1) والزبيب. * (وأوحى ربك إلى النحل) * أي: ألهمها وقذف في قلوبها وعلمها على وجه لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، فإن صنعتها الأنيقة ولطفها في تدبير أمرها والعجائب المركبة في طباعها شواهد بينة على أن الله سبحانه أودعها علما بذلك * (أن اتخذي) * هي " أن " المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول، وقرئ: " بيوتا " بكسر الباء (2) لأجل الياء في جميع القرآن و * (يعرشون) * بضم الراء (3) وكسرها، أي: ومن الكرم الذي يعرشونه، أي: يتخذون منه العريش (4)، والضمير في * (يعرشون) * للناس و * (من) * في جميعها للبعضية، لأنها لاتبني بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل مايعرش ولا في كل مكان منها. * (ثم كلى من كل الثمرا ت) * أي: من أي ثمرة شئت واشتهيت، فإذا أكلتها * (فاسلكي سبل ربك) * أي: الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو: إذا أكلت الثمار فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لاتتوعر عليك ولا تضلين فيها، و * (ذللا) * جمع ذلول حال من * (سبل ربك) *، لأن الله ذللها لها وسهلها، أو من الضمير في * (فاسلكي) * أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به * (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوا نه) * يعني: العسل اختلف ألوانه: أبيض وأصفر وأحمر * (فيه شفاء للناس) * لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة، وتنكيره: إما لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء،


= كانوا في سكرة وحيرة وفي اللقاء صحوا من سكرتهم وشمروا عن ساعدهم فهزموا القوم. راجع شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 361. (1) في بعض النسخ ليس فيها " التمر ". (2) قرأه عاصم على ما حكاه عنه المشهدي في كنز الدقائق: ج 5 ص 355. (3) قرأه ابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والسلمي وعبيد بن نضلة. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 374، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 512. (4) العرش والعريش: ما يستظل به. (الصحاح: مادة عرش). (*)

[ 337 ]

وقال: * (يخرج من بطونها) * وإن كانت تلقيه من أفواهها كالريق، لئلا يظن أنه ليس من بطنها. * (إلى أرذل العمر) * أي: أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة عن علي (عليه السلام) (1)، وتسعون سنة عن قتادة (2)، لأنه لاعمر أسوء حالا من عمر الهرم * (لكى لا يعلم بعد علم شيا) * ليصير إلى حال شبيهة بحال الطفولية في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم ينسى فلا يعلمه إن سئل عنه، وقيل: لئلا يعلم زيادة علم على علمه (3). * (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمنهم فهم فيه سوآء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم من أنفسكم أزوا جا وجعل لكم من أزوا جكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبت أفبالبطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السموات والارض شيا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الامثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74)) * أي: جعلكم متفاوتين * (في الرزق) * فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم، فأنتم لاتسوون بينكم وبينهم فيما أنعم الله به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيده له شركاء وتوجهوا العبادة والقرب إليهم كما توجهون ذلك إليه ؟ ! وقيل: معناه: أن الموالي


(1) التبيان: ج 6 ص 405، تفسير الماوردي: ج 3 ص 200. (2) تفسير البغوي: ج 3 ص 76. (3) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 620. (*)

[ 338 ]

والمماليك الله رازقهم جميعا * (فهم) * في رزقه * (سوآء) * فلا يحسب الموالي أنهم يرزقونهم من عندهم وإنما هو رزق الله أجراه إليهم على أيديهم (1)، وقيل: معناه: فلم يرد الموالي فضل مارزقوه على مماليكهم حتى يتساووا في المطعم والملبس (2). ويحكى عن أبي ذر: أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون، فما رئي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت (3). * (أفبنعمة الله يجحدون) * فجعل ذلك من جملة جحود النعمة، وقرئ: * (يجحدون) * بالياء والتاء (4) * (من أنفسكم) * أي: من جنسكم * (حفدة) * أي: خدما وأعوانا. الصادق (عليه السلام): " هم أختان (5) الرجل على بناته " (6). وقيل: هم أولاد الأولاد (7)، وهو جمع حافد، وحفد الرجل: أسرع في الطاعة والخدمة. وفي الدعاء: " إليك نسعى ونحفد " (8). * (من الطيبت) * يعني: بعضها * (أفبالبطل يؤمنون) * وهو ما يعتقدون من


(1) حكاه ابن عيسى. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 201. (2) قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. راجع المصدر السابق. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 620، وابن حجر في الكاف الشاف: ص 94. (4) وقراءة التاء هي قراءة عاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 374. (5) الختن: كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ، وهم الأختان، هكذا في كلام العرب، وأما عند العامة فختن الرجل: زوج ابنته. (الصحاح: مادة ختن). (6) تفسير القمي: ج 1 ص 387. (7) قاله ابن عباس. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 202. (8) وهو من أدعية القنوت، رواه الجوهري في الصحاح وابن الأثير في النهاية. انظر الصحاح والنهاية: مادة " حفد ". (*)

[ 339 ]

منفعة الأصنام وشفاعتها * (و... يكفرون) *، * (بنعمت الله) * المشاهدة التي لاشبهة فيها، وقيل: يريد بنعمة الله رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقرآن والإسلام (1) أي: هم كافرون بها منكرون لها. * (رزقا) * مصدر و * (شيا) * منتصب به، كقوله: * (أو إطعم... يتيما... أو مسكينا) * (2)، أي: * (مالا يملك) * أن يرزق شيئا، ويجوز أن يكون بمعنى: " مايرزق " فيكون * (شيا) * بدلا منه بمعنى: قليلا، و * (من السموات والارض) * صلة للرزق إن كان مصدرا، بمعنى: لا يرزق من السماوات مطرا ومن الأرض نباتا، أو صفة إن كان اسما لما يرزق، والضمير في * (ولا يستطيعون) * ل‍ * (ما) * لأنه في معنى الآلهة بعدما قيل: * (لا يملك) * على اللفظ، ويجوز أن يكون للكفار، أي: ولا يستطيعون مع أنهم أحياء شيئا من ذلك فكيف بالجماد. * (فلا تضربوا لله الامثال) * تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال يشبه حالا بحال وقصة بقصة * (إن الله يعلم) * ما تفعلونه ويعاقبكم عليها * (وأنتم لا تعلمون) * ذلك. * (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقنه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على موليه أينما يوجهه لايأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صرا ط مستقيم (76) ولله غيب السموات والارض وما أمر الساعة إلا كلمح البصرأو هو أقرب إن الله على كل شئ قدير (77)) *


(1) قاله ابن عباس ومقاتل. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 515. (2) البلد: 14 - 16. (*)

[ 340 ]

ذكر * (مملوكا) * ليميز العبد من الحر لأنهما من عباد الله، و * (من) * في قوله: * (ومن رزقنه) * موصوفة، أي: وحرا رزقناه ليطابق * (عبدا) *، ويجوز أن يكون موصولة، و * (يستوون) * معناه: هل يستوي الأحرار والعبيد ؟ وإذا كان القادر والعاجز لا يستويان فكيف يسوى بين الحجارة وبين الله القادر على ما يشاء الرازق جميع خلقه ؟ ! الأبكم: الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم * (وهو كل على موليه) * أي: ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله * (أينما يوجهه) * حيثما يرسله في حاجة أو يصرفه في كفاية مهم لم ينفع ولم * (يأت) * بنجح ولا يهتدي إلى منفعة * (هل يستوى هو ومن) * كان سليم الحواس نفاعا كافيا ذا رشد وديانة فهو * (يأمر) * الناس * (بالعدل) * والخير * (وهو) * في نفسه * (على صرا ط مستقيم) * أي: دين قويم وسيرة صالحة ؟ ! وهذان مثلان ضربهما الله لنفسه ولما يفيضه على عباده من النعم الدينية والدنياوية، وللأصنام التي هي جماد وموات لا تنفع ولا تضر، وقيل: ضربهما الله مثلين للكافر والمؤمن (1). * (ولله غيب السموات والارض) * أي: يختص به علم ما غاب منهما عن العباد وخفي عليهم علمه * (إلا كلمح البصر) * أي: هو عند الله وإن تراخى، كما تقولون في الشئ الذي تستقربونه: هو كلمح البصر * (أو هو أقرب) * إذا بالغتم في استقرابه، ونحوه: * (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) * (2)، يعني: إنه عنده قريب دان وهو عندكم بعيد، وقيل: معناه: أن إقامة الساعة وإحياء جميع


(1) قاله ابن عباس. راجع تفسيره: ص 227. (2) الحج: 47. (*)

[ 341 ]

الأموات تكون في أقرب وقت وأوحاه (1) (2) * (إن الله على كل شئ قدير) * فهو يقدر على أن يقيم الساعة. * (والله أخرجكم من بطون أمهتكم لا تعلمون شيا وجعل لكم السمع والابصر والافدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرا ت في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لايت لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعم بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثثا ومتعا إلى حين (80)) * قرئ: * (أمهتكم) * بضم الهمزة وكسرها (3) في جميع القرآن * (لا تعلمون شيا) * في موضع الحال، المعنى: غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، ويجوز أن يكون * (شيا) * مصدرا والمعنى: لا تعلمون علما * (وجعل لكم) * أي: وركب فيكم هذه الأشياء لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واكتساب العلم والعمل به من شكر المنعم وطاعته وعبادته. وقرئ: * (ألم يروا) * بالياء والتاء (4) * (مسخرا ت) * مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية لذلك، والجو: الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو والسكاك واللوح أبعد منه * (ما يمسكهن) * في قبضهن وبسطهن ووقوفهن * (إلا الله) * جل جلاله.


(1) الوحى: السرعة، والوحي: السريع. (الصحاح: مادة وحى). (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 623. (3) وقراءة الكسر هي قراءة الكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 493. (4) وبالتاء قرأه ابن عامر وحمزة ويعقوب. راجع المصدر السابق. (*)

[ 342 ]

* (من بيوتكم) * التي تسكنونها من الحجر والمدر والخيام والأخبية (1) * (سكنا) * هو فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه من بيت أو إلف * (بيوتا) * هي القباب من الأدم والأنطاع * (تستخفونها) * ترونها خفيفة المحمل * (يوم ظعنكم) * أي: ارتحالكم من بلد إلى بلد، وقرئ بفتح العين (2) وسكونها * (ويوم إقامتكم) * أي: تخف عليكم في أوقات السفر والحضر جميعا * (ومتعا) * أي: شيئا ينتفع به * (إلى حين) * إلى أن تبلى، أو إلى أن تموتوا. * (والله جعل لكم مما خلق ظللا وجعل لكم من الجبال أكننا وجعل لكم سرا بيل تقيكم الحر وسرا بيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا فإنما عليك البلغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكفرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولاهم يستعتبون (84) وإذا رءا الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون (85)) * * (مما خلق) * من الأشجار والأبنية أشياء تستظلون بها في الحر والبرد * (أكننا) * جمع " كن " وهو ما يستكن به من الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال * (سرا بيل) * أي: قمصا من القطن والكتان والصوف وغيرها * (تقيكم الحر) * ولم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر عندهم أهم، ودل ذكر الحر على البرد * (وسرا بيل تقيكم بأسكم) * يريد الدروع والجواشن، والسربال عام يقع على كل ماكان من حديد أو غيره * (لعلكم تسلمون) * تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به وتنقادون له. * (فإن تولوا) * فلم يقبلوا منك فقد أعذرت وأديت ما وجب عليك من التبليغ.


(1) الأخبية جمع خباء: وهو بناء يكون من وبر أو صوف. (الصحاح: مادة خبا). (2) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 375. (*)

[ 343 ]

* (يعرفون نعمت الله) * التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من الله * (ثم ينكرونها) * بعبادتهم غير الله * (وأكثرهم) * الجاحدون، وقيل: نعمة الله: نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) (1) كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عنادا، وأكثرهم المنكرون بقلوبهم. * (شهيدا) * وهو نبيها أو إمامها القائم مقامه يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب * (ثم لا يؤذن للذين كفروا) * في الاعتذار، والمعنى: لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر * (ولاهم يستعتبون) * يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، وانتصب * (يوم نبعث) * بمحذوف، والتقدير: واذكر يوم نبعث، أو: يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه. وكذا قوله: * (وإذا) * رأوا * (العذاب) * أي: إذا رأوه ثقل عليهم * (فلا يخفف عنهم) *. * (وإذا رءا الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) إن الله يأمر بالعدل والاحسن وإيتآى ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون) * (90) * (شركاؤنا) * أي: آلهتنا التي دعوناها شركاء * (فألقوا إليهم القول) * أي: قال الذين عبدوهم لهم بإنطاق الله إياهم: * (إنكم لكذبون) * في أنا أمرناكم بعبادتنا


(1) قاله السدي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 207. (*)

[ 344 ]

أو في قولكم: إنا آلهة. * (وألقوا) * يعني: الذين أشركوا * (السلم) * أي: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا * (وضل عنهم) * أي: بطل عنهم * (ما كانوا يفترون) * من أن لله شركاء وأنهم يشفعون لهم. * (الذين كفروا) * وحملوا غيرهم على الكفر يضاعف الله عقابهم كما ضاعفوا كفرهم * (بما كانوا يفسدون) * بكونهم مفسدين للناس بصدهم * (عن سبيل الله) *. * (شهيدا عليهم من أنفسهم) * يعني: نبيهم الذي أرسل إليهم، أو الحجة الذي هو إمام عصرهم * (وجئنا بك) * يا محمد * (شهيدا على هؤلاء) * أي: أمتك * (تبينا) * أي: بيانا بليغا * (لكل شئ) * من أمور الدين، فما من شئ منها إلا وقد بين في القرآن: إما بالنص عليه، أو الإحالة على ما يوجب العلم من: بيان النبي (صلى الله عليه وآله) أو الحجج القائمين مقامه أو إجماع الأمة، فيكون على هذا حكم جميعها مستفادا من القرآن. * (بالعدل) * بالواجب من الإنصاف بين الخلق وغير ذلك * (والاحسن) * وهو التفضل والندب، ولفظ الإحسان جامع لكل خير * (وإيتآى ذي القربى) * وإعطاء الأقارب (1) حقهم بصلتهم، وقيل: هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) * (وينهى عن الفحشاء) * أي: الفاحشة وهي ما جاوز حدود الله * (والمنكر) * ما تنكره العقول * (والبغى) * طلب التطاول بالظلم. * (وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الايمن بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكثا تتخذون أيمنكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم


(1) في بعض النسخ زيادة: جميعا. (*)

[ 345 ]

فيه تختلفون (92) ولو شآء الله لجعلكم أمة وا حدة ولكن يضل من يشآء ويهدي من يشآء ولتسلن عما كنتم تعملون (93) ولا تتخذوا أيمنكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94)) * عهد الله: هو البيعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على الإسلام والإيمان لقوله تعالى: * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) * (1)، * (ولا تنقضوا الايمن) * البيعة * (بعد توكيدها) * أي: بعد توثيقها باسم الله، و " أكد " و " وكد " لغتان، والأصل: الواو والهمزة بدل منه * (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) * رقيبا وشاهدا، لأن الكفيل يراقب حال المكفول به ويراعيه. * (ولا تكونوا) * في نقض الأيمان * (ك‍) * المرأة * (التي) * غزلت ثم * (نقضت غزلها) * بعد إمراره (2) وإحكامه فجعلته * (أنكثا) * جمع نكث، وهو ماينكث فتله، وهي ريطة بنت سعد بن تيم بن مرة من قريش، كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن * (أن تكون أمة) * بسبب أن تكون أمة، يعني: جماعة قريش * (هي أربى من أمة) * أي: أزيد عددا وأوفر مالا من أمة من جماعة المؤمنين * (إنما يبلوكم الله به) * الضمير لقوله: * (أن تكون أمة) * لأنه في معنى المصدر، أي: إنما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتوفون بعهد الله وبيعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم تغترون بكثرة قريش وقوتهم وثروتهم وقلة غيرهم من المؤمنين وضعفهم وفقرهم * (وليبينن لكم يوم القيمة) * وعيد وتحذير من مخالفة الرسول. * (ولو شآء الله لجعلكم أمة وا حدة) * مسلمة مؤمنة * (ولكن يضل من يشآء) *


(1) الفتح: 10. (2) في بعض النسخ: إبرامه. وفي الصحاح: أمررت الحبل: إذا فتلته فتلا شديدا. (*)

[ 346 ]

وهو أن يخذل من علم أنه يختار الضلال والكفر، ويلطف بمن علم أنه يختار الإيمان، يعني: أنه بنى الأمر على الاختيار لا على الإجبار، وحقق ذلك بقوله: * (ولتسلن عما كنتم تعملون) *. ثم كرر النهي عن اتخاذ الأيمان * (دخلا) * بينهم، تأكيدا عليهم، والدخل: أن يكون الباطن خلاف الظاهر، فيكون داخل القلب على الكفاء (1) والظاهر على الوفاء * (فتزل قدم) * أي: فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام * (بعد ثبوتها) * عليها، وإنما وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة * (وتذوقوا السوء) * في الدنيا بصدودكم * (عن سبيل الله) * أو بصدكم غيركم عنها، لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها * (ولكم عذاب عظيم) * في الآخرة. الصادق (عليه السلام): " نزلت هذه الآية في ولاية علي (عليه السلام) والبيعة له حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): سلموا على علي بإمرة المؤمنين " (2). * (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوا ة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم (98) إنه ليس له سلطن على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطنه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100)) *


(1) في نسخة: اللفاء، وهو مقابل الوفاء. انظر لسان العرب: مادة " لفأ ". (2) تفسير العياشي: ج 2 ص 268 ح 64. (*)

[ 347 ]

* (ولا) * تستبدلوا * (بعهد الله) * وبيعة رسول الله * (ثمنا قليلا) * عرضا يسيرا من الدنيا * (إنما عند الله) * من الثواب على الوفاء بالعهود * (خير لكم) * وأشرف * (إن كنتم تعلمون) * الفرق بين الخير والشر. * (ما عندكم) * من متاع الدنيا * (ينفد) * أي: يفنى، وقرئ: * (لنجزين) * بالياء (1) والنون. * (حيوا ة طيبة) * يعني: في الدنيا، وهو الظاهر لقوله: * (ولنجزينهم) * وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، وعن ابن عباس: الحياة الطيبة: الرزق الحلال (2)، وعن الحسن: القناعة (3)، وقيل: يعني في الجنة (4)، ولا يطيب لمؤمن حياة إلا في الجنة. ولما ذكر العمل الصالح وثوابه وصل به قوله: * (فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله) * ليعلم أن الاستعاذة من جملة العمل الصالح، يعني: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله: * (إذا قمتم إلى الصلوا ة فاغسلوا وجوهكم) * (5) وكما تقول: إذا أكلت فسم الله، وإنما عبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل. * (ليس له سلطن) * أي: تسلط على أولياء الله، يعني: أنهم لا يقبلون منه ما يريده منهم * (إنما سلطنه على) * من يتولاه ويطيعه * (به مشركون) * الضمير في * (به) * يرجع إلى * (ربهم) *، ويجوز أن يرجع إلى * (الشيطن) * أي: بسببه مشركون. * (وإذا بدلنا ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت


(1) قرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 375. (2) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 212. (3) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 75. (4) قاله قتادة. راجع التبيان: ج 6 ص 424. (5) المائدة: 6. (*)

[ 348 ]

الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بايت الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بايت الله وأولئك هم الكذبون (105)) * تبديل الآية * (مكان) * الآية هو النسخ * (والله أعلم بما ينزل) * فينزل في كل وقت ما توجبه المصلحة، وما كان مصلحة أمس جاز أن يصير مفسدة اليوم وخلافه مصلحة، وهو سبحانه عالم بالمصالح كلها * (قالوا إنما أنت مفتر) * أي: كاذب تأمر أمس بأمر واليوم بخلافه * (بل أكثرهم لا يعلمون) * جواز النسخ، وأنه من عند الله لجهلهم. * (قل نزله روح القدس) * يعني: جبرئيل، أضيف إلى * (القدس) * وهو الطهر كقولهم: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد: الروح المقدس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدس: المطهر من المآثم، وفي * (ينزل) * و * (نزله) * من المعنى أنه نزله شيئا بعد شئ على حسب المصالح، وفيه إشارة إلى أن التنزيل (1) أيضا من باب المصالح * (بالحق) * في موضع الحال من الهاء في * (نزله) * أي: ملتبسا بالحكمة، يعني: أن النسخ من جملة الحق * (ليثبت الذين ءامنوا) * بما فيه من الحجج والبينات فيزدادوا تصديقا ويقولوا: هو الحق من ربنا * (وهدى وبشرى) * معطوفان على محل * (ليثبت) * والتقدير: تثبيتا لهم وهداية وتبشيرا. * (إنما يعلمه بشر) * قالوا: يعلمه غلام رومي كان لحويطب بن عبد العزى (2)،


(1) في بعض النسخ: التبديل. (2) وهو من بني عامر بن لؤي، عاش مائة وعشرين سنة، نصفها في الجاهلية، مات في خلافة معاوية، وكان من المؤلفة قلوبهم. راجع المعارف لابن قتيبة: ص 176. (*)

[ 349 ]

اسمه: عائش أو يعيش، أسلم وحسن إسلامه وكان صاحب كتاب، وقيل: هو سلمان الفارسي (رحمه الله)، قالوا: إنه يتعلم القصص منه (1) * (لسان الذي يلحدون إليه أعجمى) * أي: لغة الذي يضيفون إليه التعليم ويميلون إليه القول أعجمية، من ألحد القبر ولحده فهو ملحد وملحود: إذا أمال حفره عن الاستقامة، ثم استعير ذلك لكل إمالة عن استقامة، فقالوا: ألحد فلان في قوله، وألحد في دينه * (وهذا) * يعني: القرآن * (لسان عربي مبين) * ذو بيان وفصاحة، وقرئ: " يلحدون " بفتح الياء والحاء (2). * (إن الذين لا يؤمنون بايت الله) * أي: يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون * (لا يهديهم الله) * لا يلطف بهم ويخذلهم. * (إنما يفترى الكذب) * رد لقولهم: * (إنما أنت مفتر) *، أي: إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن بالله، لأن الإيمان يمنع من الكذب. * (من كفر بالله من بعد إيمنه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمن ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم استحبوا الحيواة الدنيا على الاخرة وأن الله لا يهدي القوم الكفرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصرهم وأولئك هم الغفلون (108) لاجرم أنهم في الاخرة هم الخسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110)) * * (من كفر) * بدل من * (الذين لا يؤمنون بايت الله) *، والمعنى: إنما يفتري


(1) قاله الضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 215. (2) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 375. (*)

[ 350 ]

الكذب * (من كفر بالله من بعد إيمنه) * واستثنى منهم المكره، ويجوز أن ينتصب على الذم، أو يكون شرطا مبتدأ محذوف الجواب، لأن جواب * (من شرح) * يدل عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب من الله، إلا من أكره. وروي: أن أناسا من أهل مكة ارتدوا عن الإسلام، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار وأبواه ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخباب، وقتل أبو عمار وأمه فأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا، فقال قوم من المسلمين: كفر عمار، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه "، وجاء عمار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يبكي، فقال له: " ما وراءك ؟ " قال: شر يارسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح عينيه ويقول: " مالك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت " (1). * (ذلك) * إشارة إلى الوعيد بسبب استحبابهم * (الدنيا على الاخرة) * واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم. * (أولئك هم) * الكاملون في الغفلة فلا أحد أغفل منهم، إذ غفلوا عن تدبر عاقبة حالهم في الآخرة وذلك غاية الغفلة. * (ثم إن ربك) * دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك وهم عمار وأصحابه، ومعنى " إن ربك لهم ": أنه لهم لا عليهم، بمعنى: أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم، وقيل: إن خبر * (إن) * قوله: * (لغفور رحيم) * (2)، وهذا من باب ما جاء في القرآن تكرير " إن "، وكذلك الآية التي فيما بعد: * (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة) * إلى آخره (3) * (من بعد ما فتنوا) * أي: عذبوا في الله


(1) انظر تفسير البغوي: ج 3 ص 86. (2) قاله أبو البقاء على ما في البحر المحيط لأبي حيان: ج 5 ص 541. (3) الآية: 119. (*)

[ 351 ]

وأكرهوا على الكفر فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم. * (يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها وتوفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذا قها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظلمون (113) فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115)) * انتصب * (يوم تأتى) * ب‍ * (رحيم) * أو ب‍ " اذكر "، والمعنى: يوم يأتي * (كل) * إنسان يجادل * (عن) * ذاته لا يهمه غيرها، كل يقول: نفسي نفسي، ومعنى المجادلة: الاحتجاج عنها والاعتذار لها، كقولهم: * (هؤلاء أضلونا) * (1) ونحو ذلك. * (وضرب الله مثلا قرية) * أي: جعل القرية التي هذه صفتها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فبطروا وكفروا النعمة وتولوا فأنزل الله بهم العذاب والنقمة * (مطمئنة) * أي: قارة ساكنة لايزعجها خوف أو ضيق * (رغدا) * أي: واسعا، وسمي أثر * (الجوع والخوف) * لباسا لأن أثرهما يظهر على الإنسان كما يظهر اللباس، وقيل: لأنه شملهم الجوع والخوف كما يشمل اللباس البدن، فكأنه قال: فأذاقهم ما غشيهم وشملهم من الجوع والخوف (2)، وقيل: هذه القرية هي مكة (3) عذبهم


(1) الأعراف: 38. (2) قاله الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 639. (3) وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. راجع التبيان: ج 6 ص 432. (*)

[ 352 ]

الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا القد والعلهز - وهو الوبر يختلط بالدم - والقراد (1)، وكانوا مع ذلك خائفين من النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه يغيرون على قوافلهم، وذلك حين دعا عليهم فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسني يوسف (عليه السلام) " (2). * (وهم ظلمون) * في موضع الحال. ثم خاطب المؤمنين بقوله: * (فكلوا) * أي: كلوا * (مما) * أعطاكم * (الله) * من الغنائم وأحلها لكم، وما بعده مفسر في سورة البقرة. * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمنهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119)) * يجوز أن تكون " ما " موصولة، وينتصب * (الكذب) * ب‍ * (لا تقولوا) *، والمعنى: ولا تقولوا الكذب * (لما) * تصفه * (ألسنتكم) * من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: * (ما في بطون هذه الانعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزوا جنا) * (3)، واللام مثلها في قولك: ولا تقولوا لما أحل الله: هو حرام، وقوله: * (هذا حلل وهذا حرام) * بدل من * (الكذب) *. ويجوز أن تكون " ما " مصدرية، وينتصب * (الكذب) * ب‍ * (تصف) *، والمعنى: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصف


(1) القراد: هو ما يتعلق بالبعير ونحوه، وهو كالقمل للانسان. (مجمع البحرين: مادة قرد). (2) المصنف لابن أبي شيبة: ج 2 ص 317، مشكل الآثار للطحاوي: ج 1 ص 236. (3) الأنعام: 139. (*)

[ 353 ]

ألسنتكم الكذب، أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول كذب نطقت به ألسنتكم لا لأجل حجة * (لتفتروا على الله) * في إضافة التحريم والتحليل إليه، واللام في * (لتفتروا) * من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض. * (متع قليل) * خبر مبتدأ محذوف، أي: منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعقابها عظيم. * (ما قصصنا عليك) * يعني في سورة الأنعام. * (بجهلة) * في موضع الحال، أي: * (عملوا السوء) * جاهلين غير متدبرين للعاقبة * (من بعدها) * أي: من بعد التوبة والجهالة. * (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا لانعمه اجتبيه وهدبه إلى صرا ط مستقيم (121) وءاتينه في الدنيا حسنة وإنه في الاخرة لمن الصلحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (124)) * * (كان أمة) * أي: كان وحده أمة من الأمم لكماله في صفات الخير، وعن مجاهد: كان مؤمنا وحده منفردا في دهره بالتوحيد والناس كفار (1)، وعن قتادة: كان إمام هدى قدوة يؤتم به (2) * (قانتا) * مطيعا * (لله) * دائما على عبادته * (حنيفا) * مستقيما في الطاعة، مائلا إلى الإسلام غير زائل عنه * (ولم يك من المشركين) * تكذيب لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم. * (شاكرا لانعمه) * يعني: لأنعم الله تعالى معترفا بها، روي: أنه كان لايتغذي


(1) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 89. (2) حكاه عنه ابن كثير في تفسيره: ج 2 ص 571. (*)

[ 354 ]

إلا مع ضيف (1) (2). * (حسنة) * عن قتادة: هي تنويه (3) الله باسمه وذكره حتى أنه ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه (4)، وقيل: هي النبوة (5)، وقيل: هي قول المصلي منا: كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم (6) * (لمن الصلحين) * أي: من أهل الجنة، وناهيك بهذا ترغيبا في الصلاح. * (ثم أوحينا إليك) * وفي * (ثم) * هذه تعظيم لمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإعلام بأن أفضل ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ملته من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها. المعنى: * (إنما جعل) * وبال * (السبت) * وهو المسخ * (على الذين اختلفوا فيه) * فأحلوا الصيد فيه تارة وحرموا أخرى، وكان الواجب عليهم أن يحرموه على كلمة واحدة ويتفقوا فيه. * (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجد لهم بالتى هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصبرين (126) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون (127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)) * * (ادع إلى) * دين * (ربك) * الذي هو طريق إلى مرضاته * (بالحكمة) * بالمقالة


(1) في نسخة زيادة: * (اجتبيه) * اختصه واصطفاه للنبوة * (وهدبه إلى صرا ط مستقيم) * الى ملة الاسلام. (2) انظر تفسير الرازي: ج 20 ص 135. (3) نوهته تنويها: إذا رفعته، ونوهت باسمه: إذا رفعت ذكره. (الصحاح: مادة نوه). (4) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 219. (5) قاله الحسن البصري في تفسيره: ج 2 ص 77. (6) قاله مقاتل بن حيان. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 89. (*)

[ 355 ]

المحكمة الصحيحة وهي الدليل الموضح للحق، وقيل: بالقرآن (1) * (والموعظة الحسنة) * وهي التي لا يخفي عليهم أنك تناصحهم بها وتنفعهم فيها * (وجد لهم بالتى هي أحسن) * أي: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة وعنف ليكونوا أقرب إلى الإجابة. * (وإن عاقبتم) * وإن أردتم معاقبة غيركم على وجه المجازاة فعاقبوه * (ب‍) * قدر * (ما عوقبتم به) * ولا تزيدوا عليه، وسمي الفعل الأول باسم الثاني للمزاوجة. كان المشركون قد مثلوا بقتلى أحد وبحمزة بن عبد المطلب (رحمه الله)، أخذت هند كبده فجعلت تلوكه (2)، وجدعوا أنفه وأذنه، فقال المسلمون: لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات، فنزلت. * (لهو خير) * الضمير يرجع إلى " الصبر " وهو مصدر * (صبرتم) *، ويراد ب‍ * (الصبرين) * المخاطبون، والمعنى: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع " الصابرون " موضع الضمير ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون، ويجوز أن يراد جنس الصابرين، أي: الصبر خير للصابرين. * (واصبر) * أنت يا محمد فيما تلقاه من الأذي * (وما صبرك إلا ب‍) * توفيق * (الله) * وتثبيته * (ولا تحزن عليهم) * أي: على المشركين في إعراضهم عنك، أو على قتلى أحد فإن الله تعالى نقلهم إلى كرامته، وقرئ: * (في ضيق) * بفتح الضاد وكسرها (3)، أي: لا يضيقن صدرك من مكرهم. * (مع الذين اتقوا) * أي: هو ولي الذين اتقوا الشرك والكبائر * (و) * ولي * (الذين هم محسنون) * في أعمالهم.


(1) قاله الكلبي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 220. (2) لكت الشئ في فمي ألوكه: إذا علكته، أي: مضغته. (الصحاح: مادة لوك). (3) وبالكسر قرأه ابن كثير والمسيبي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 494. (*)

[ 357 ]

سورة بني إسرائيل مكية (1)، وهي مائة وإحدى عشرة آية كوفي، عشر في غيرهم، عد الكوفي * (للاذقان سجدا) * (2). في حديث أبي: " من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين أعطي في الجنة قنطارين من الأجر " (3). الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ليلة جمعة لم يمت حتى يدرك القائم (عليه السلام)، ويكون من أصحابه " (4).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 6 ص 443 ما لفظه: هي مكية في قول مجاهد وقتادة، وهي مائة واحدى عشرة آية في الكوفي، ومائة وعشر آيات في البصري والمدني. وقال الماوردي البصري في تفسيره: ج 3 ص 223: مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثماني آيات من قوله تعالى: * (وإن كادوا ليفتنونك) * الى قوله: * (سلطنا نصيرا) *. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 646: مكية إلا الآيات 26 و 32 و 33 و 57، ومن آية 73 الى غاية آية 80 فمدنية، وآياتها 111، نزلت بعد القصص. وقال الثعالبي في جواهره: ج 2 ص 248: هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات، قال ابن مسعود في بني اسرائيل والكهف: إنهما من العتاق الأول، وهن من تلادي، يريد: انهن من قديم كسبه. (2) الآية: 107. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 701 مرسلا، وفيه " قنطار " بدل " قنطارين ". (4) ثواب الأعمال للصدوق: ص 133. (*)

[ 358 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (سبحن الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصا الذي بركنا حوله لنريه من ءايتنآ إنه هو السميع البصير (1) وءاتينا موسى الكتب وجعلنه هدى لبنى إسرا ءيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3)) * * (سبحن) * علم للتسبيح، وانتصابه بفعل مضمر ترك إظهاره، والتقدير: أسبح الله سبحان (1)، ثم نزل " سبحان " منزلة الفعل فسد مسده، ودل على التنزيه البليغ من جميع القبائح (2)، و * (أسرى) * وسرى بمعنى، ونكر قوله: * (ليلا) * لتقليل مدة الإسراء، وأنه أسري (3) في ليلة من جملة الليالي من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وقد عرج به إلى السماء من بيت المقدس في تلك الليلة وبلغ البيت المعمور وبلغ سدرة المنتهى، وقيل: إنه كان قبل الهجرة بسنة (4)، و * (المسجد الاقصا) *: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد * (بركنا حوله) * يريد بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة * (لنريه من ءايتنآ) * العجيبة التي منها إسراؤه في ليلة واحدة من مكة إلى هناك، والعروج به إلى السماء، ورؤية الأنبياء، والبلوغ إلى البيت المعمور وسدرة المنتهى.


(1) في بعض النسخ: سبحانا. (2) روي عن طلحة بن عبيد الله انه قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن معنى " سبحان الله " فقال: " تنزيها لله من كل سوء ". ذكرها النحاس في إعرابه: ج 2 ص 413. (3) في بعض النسخ زيادة: " به ". (4) قاله مقاتل. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 92. (*)

[ 359 ]

وروي: أنه لما رجع وحدث بذلك قريشا كذبوه، وفيهم من سافر إلى بيت المقدس فاستنعتوه مسجد بيت المقدس، فجلي له فطفق ينظر إليه وينعته لهم حتى وصف جملته، ثم قالوا له: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحمالها، وقال: يقدمها جمل أورق (1)، ويطلع عليكم عند طلوع الشمس، فخرجوا يشتدون نحو الثنية (2) فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد طلعت، وقال آخر: هذه والله الإبل قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم لم يؤمنوا وقالوا: هذا سحر (3). قرئ: " ألا يتخذوا " بالياء (4) على: لئلا يتخذوا، وبالتاء على: أي لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا * (وكيلا) * أي: معتمدا تكلون إليه أموركم. * (ذرية من حملنا مع نوح) * نصب على الاختصاص، وقيل: على النداء (5) في قراءة من قرأ: " لا تتخذوا " بالتاء على النهي، والمعنى: قلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح، أو: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا، فيكون * (وكيلا) * موحد اللفظ مجموع المعنى، كرفيق في قوله: * (وحسن أولئك رفيقا) * (6)، أي: لا تجعلوهم أربابا، ومن ذرية من حمل مع نوح عزير وعيسى، ذكرهم سبحانه نعمته في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم في السفينة * (إنه) * أي: إن نوحا * (كان عبدا شكورا) * كثير الشكر. روي عن الباقر والصادق (عليهما السلام): " أنه كان إذا أصبح وأمسى قال: اللهم


(1) الأورق من الإبل: الذي في لونه بياض الى سواد. (الصحاح: مادة ورق). (2) الثنية: طريق العقبة (الصحاح: مادة ثنى). (3) رواه الشيخ الطوسي في تبيانه: ج 6 ص 446. (4) وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء وحده. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 497. (5) وهو قول الزجاج في معانيه: ج 3 ص 226. (6) النساء: 69. (*)

[ 360 ]

إني أشهدك أن ما أصبح أو أمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر بها علي حتى ترضى وبعد الرضا، فهذا كان شكره " (1). * (وقضينا إلى بنى إسرا ءيل في الكتب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء وعد أوليهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولى بأس شديد فجاسوا خلل الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددنكم بأموا ل وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الاخرة ليسوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا (8)) * أي: * (و) * أوحينا * (إلى بنى إسرا ءيل) * وحيا مقضيا مقطوعا بأنهم يفسدون * (في الارض) * لا محالة، ويعلون أي: يتعظمون ويبغون، والمراد ب‍ * (الكتب) *: التوراة، وقوله: * (لتفسدن) * جواب قسم محذوف، أو يكون القضاء المقطوع به جاريا مجرى القسم فيكون * (لتفسدن) * جوابا له، فكأنه قال: أقسمنا لتفسدن * (مرتين) *: أوليهما: قتل زكريا وحبس إرميا حين أنذرهم سخط الله، والأخرى: قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى * (عبادا لنآ) * وعن علي (عليه السلام): " عبيدا لنا " (2)


(1) من لا يحضره الفقيه للصدوق: ج 1 ص 335 باب ما يستحب من الدعاء في كل صباح ح 981، علل الشرائع له: ج 1 ص 29 باب 21. (2) لم نعثر فيما توفرت لدينا من كتب الخاصة ممن تنسب هذه القراءة الى أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا وتعزيها الى كتب المصنف (رحمه الله)، وأما كتب العامة فتنسبها الى زيد بن علي (عليه السلام) والحسن. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 78، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 9. (*)

[ 361 ]

وهم سنحاريب وجنوده، وقيل: بختنصر (1)، فقتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد وقتلوا سبعين ألفا منهم وسبوا سبعين ألفا. ومعنى قوله: * (بعثنا عليكم) *: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، فهو كقوله: * (وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون) * (2)، وأسند الجوس إليهم وهو التردد * (خلل الديار) * بالفساد، وتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس، وقوله: * (وعد أوليهما) * معناه: وعد عقاب أولاهما * (وكان) * وعد العقاب * (وعدا) * لابد أن يفعل. * (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) * أي: الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم، وأظهرناكم عليهم وأكثرنا أموالكم وأولادكم * (وجعلنكم أكثر نفيرا) * أكثر عددا من أعدائكم، وهو جمع نفر كالمعيز والعبيد، وقيل: النفير: من ينفر مع الرجل من قومه (3). * (إن أحسنتم) * فالإحسان مختص ب‍ * (أنفسكم وإن أسأتم) * فالإساءة مختصة بها، لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. وعن علي (عليه السلام): " ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه " وتلا هذه الآية (4). * (فإذا جاء وعد) * المرة * (الاخرة) * بعثناهم * (ليسوا وجوهكم) * حذف لدلالة ذكره أولا عليه، والمعنى: ليجعلوا وجوهكم تبدو آثار المساءة والكآبة فيها، وقرئ: " ليسوء " (5) والضمير لله أو للوعد أو للبعث، و " لنسوء " بالنون (6)،


(1) وهو قول سعيد بن المسيب. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 229. (2) الأنعام: 129. (3) قاله أبو مسلم. راجع تفسير الآلوسي: ج 15 ص 18. (4) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 650. (5) قرأه ابن عامر وحمزة وأبو بكر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 497. (6) وهي قراءة الكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 378. (*

[ 362 ]

وقوله: * (ماعلوا) * محله نصب بأنه مفعول * (ليتبروا) * أي: ليهلكوا كل شئ غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون بمعنى: مدة علوهم. * (عسى ربكم أن يرحمكم) * بعد المرة الثانية إن تبتم * (وإن عدتم) * مرة ثالثة * (عدنا) * إلى عقوبتكم، وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة عليهم، وقيل: ببعث محمد (صلى الله عليه وآله)، فالمؤمنون يأخذون منهم الجزية إلى يوم القيامة (1)، والحصير: السجن. * (إن هذا القرءان يهدي للتى هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصلحت أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) ويدع الانسن بالشر دعاءه بالخير وكان الاءنسن عجولا (11) وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية اليل وجعلنآ ءاية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلنه تفصيلا (12)) * * (يهدي) * للملة * (التي هي أقوم) * الملل، أو للطريقة أو للحالة التي هي أشد استقامة، وعطف قوله: * (وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة) * على * (أن لهم أجرا كبيرا) * على معنى: أنه * (يبشر المؤمنين) * ببشارتين: بثوابهم وبعقاب أعدائهم. * (ويدع الانسن) * ربه عند غضبه * (بالشر) * على نفسه وأهله وماله كما يدعوه لهم * (بالخير وكان الاءنسن عجولا) * يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يتأنى فيه. * (ءايتين) * أي: دلالتين تدلان على وحدانية خالقهما، لما في كل واحد منهما من الفوائد، فكل واحد من * (اليل والنهار) * آية في نفسه، وعلى هذا فيكون إضافة


(1) قاله قتادة. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 107. (*)

[ 363 ]

* (ءاية) * إلى * (اليل) * و * (النهار) * للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود، أي: * (فمحونا) * الآية التي هي الليل * (وجعلنآ) * الآية التي هي النهار * (مبصرة) *، وقيل: إن المراد: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين (1)، يعني: الشمس والقمر * (فمحونا ءاية اليل) * أي: فجعلنا الليل ممحو الضوء مظلما * (وجعلنآ) * النهار مبصرا يبصر فيه الأشياء، أو: فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاعا كشعاع الشمس، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شئ * (لتبتغوا فضلا من ربكم) * لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم وطلب أرزاقكم * (ولتعلوا) * باختلاف الليل والنهار * (عدد السنين) * والشهور * (و) * جنس * (الحساب) * وآجال الديون وغير ذلك، ولولاهما لم يعلم شئ من ذلك، ولتعطلت الأمور * (وكل شئ فصلنه تفصيلا) * بيناه بيانا غير ملتبس، وميزناه تمييزا بينا غير خاف. * (وكل إنسن ألزمنه طئره في عنقه ونخرج له يوم القيمة كتبا يلقيه منشورا (13) اقرأ كتبك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15)) * * (طئره) * عمله، وقيل: هو من قولك: طار له سهم: إذا خرج (2)، يعني: * (ألزمنه) * ما طار من عمله، يريد: أن عمله له لازم لزوم القلادة أو الغل العنق لا ينفك عنه، كما قيل في المثل: تقلدها طوق الحمامة (3)، وقرئ: * (ونخرج له) * بالنون، و " يخرج له " بالياء (4) والضمير لله عزوجل، و " يخرج " على البناء


(1) قاله الرازي في تفسيره: ج 20 ص 164. (2) قاله ابن عيينة على ما حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 652. (3) ويضرب فيمن تلبس بخصلة قبيحة - على الأغلب - بحيث لاتزايله ولا تفارقه حتى يفارق طوق الحمامة الحمامة. وقد تقدم ذكره. راجع مجمع الأمثال للميداني: ج 1 ص 153. (4) قرأه يحيى بن وثاب. راجع تفسير القرطبي: ج 10 ص 229. (*)

[ 364 ]

للمفعول (1)، و " يخرج " (2) من خرج، والضمير للطائر أي: يخرج الطائر * (كتبا) *، وانتصب * (كتبا) * على الحال، وقرئ: " يلقيه " بالتشديد على البناء للمفعول (3)، و * (يلقيه منشورا) * صفتان ل‍ " الكتاب "، أو * (يلقيه) * صفة و * (منشورا) * حال من * (يلقيه) *. * (اقرأ) * على إرادة القول، وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا (4)، و * (بنفسك) * في محل الرفع فاعل * (كفي) *، و * (حسيبا) * تمييز، وهو بمعنى حاسب، كضريب القداح (5) بمعنى ضاربها، و * (عليك) * يتعلق به من قولهم: حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى " الكافي " وضع موضع " الشهيد " فعدي ب‍ " على "، لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه، وذكر * (حسيبا) * لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي، والأغلب أن ذلك يتولاه الرجال، فكأنه قال: كفي بنفسك رجلا حسيبا، أو تؤول النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * أي: كل نفس حاملة وزرها ولا تحمل وزر نفس أخرى * (وما كنا معذبين) * وما صح منا في الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن * (نبعث) * إليهم * (رسولا) * فنلزمهم الحجة. * (وإذآ أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تدميرا (16) وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفي بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) من كان يريد العاجلة عجلنا له


(1) قرأه أبو جعفر. راجع التبيان: ج 6 ص 455. (2) قرأه ابن عباس والحسن ومجاهد وابن محيصن وأبو جعفر ويعقوب. راجع تفسير القرطبي: ج 10 ص 229. (3) وهي قراءة ابن عامر وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 378. (4) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 653. (5) القداح: جمع قدح وهو السهم قبل أن يراش ويركب نصله. (الصحاح: مادة قدح). (*)

[ 365 ]

فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا (21) لا تجعل مع الله إلها ءاخر فتقعد مذموما مخذولا (22)) * المعنى: * (وإذآ أردنا أن نهلك) * أهل * (قرية) * بعد قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم * (أمرنا مترفيها) * المتنعمين فيها بالإيمان والطاعة توكيدا للحجة عليهم * (ففسقوا فيها) * بالمعاصي * (فحق عليها القول) * أي: فوجب حينئذ على أهلها الوعيد فأهلكناها إهلاكا، وإنما خص المترفين - وهم الرؤساء - بالذكر لأن غيرهم تبع لهم، وقيل: معناه: كثرنا مترفيها (1)، فيكون من باب أمرته فأمر، أي: كثرته فكثر، مثل: بشرته فبشر. وفي الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " (2) أي: كثيرة النتاج. وقرئ: " آمرنا " (3) أي: أفعلنا، من أمر وآمره غيره، وأمرنا بمعناه، أو من أمر إمارة وأمره الله، أي: جعلناهم أمراء وسلطناهم. * (وكم) * مفعول * (أهلكنا) *، و * (من القرون) * تبيين ل‍ * (كم) * وتمييز له، يعني: عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا. * (من) * كانت * (العاجلة) * وهي النعم الدنيوية همته ولم يرد غيرها تفضلنا


(1) قال الآلوسي: حكاه أبو حاتم عن أبي زيد، واختاره الفارسي. راجع روح المعاني: ج 15 ص 44. (2) رواه ابن حجر في فتح الباري: ج 8 ص 395، والهيثمي في مجمع الزوائد: ج 5 ص 258. والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: الملقحة، والمهرة: ولد الفرس إذا كانت انثى، ومأمورة: كثيرة النسل. (3) قرأه يعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 498. (*)

[ 366 ]

عليه ب‍ * (ما نشاء) * منها * (لمن نريد) * فقيد الأمر بقيدين: أحدهما: تقييد المعجل بالمشيئة، والثاني: تقييد المعجل له بإرادته، وقوله: * (لمن نريد) * بدل من * (له) * بدل البعض من الكل، لأن الضمير من * (له) * يرجع إلى * (من) * وهو للكثرة، وقيل: هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة كالمرائي والمنافق (1) * (مدحورا) * مطرودا من رحمة الله تعالى. * (وسعى لها سعيها) * أي: حقها من السعي، اشترط ثلاث شرائط في كون السعي * (مشكورا) *: إرادة الآخرة والسعي فيما كلف من الفعل والترك والإيمان الصحيح، وشكر الله سعيه هو ثوابه على الطاعة. * (كلا) * أي: كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه * (نمد) * هم: نزيدهم * (من) * عطائنا، ونجعل الآنف منه مددا للسالف لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل * (وما كان عطاء ربك) * وفضله ممنوعا: لايمنع من عاص لعصيانه. * (انظر) * بعين الاعتبار * (كيف) * جعلناهم متفاوتين في التفضل، ودرجات الآخرة ومراتبها * (أكبر) * والتفاوت فيها أكثر. * (فتقعد مذموما) * يعني: أنك إذا فعلت ذلك بقيت ما عشت مذموما على ألسنة العقلاء * (مخذولا) * لا ناصر لك، وقيل: معنى القعود: الذل والخزي والعجز لا الجلوس (2)، كما يقال: قعد به الضعف. * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوا لدين إحسنا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما


(1) قاله القفال على ما حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 20 ص 178. (2) قاله الفراء والزمخشري على ما حكاه عنهما أبو حيان في البحر المحيط: ج 6 ص 22. (*)

[ 367 ]

ربياني صغيرا (24) ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صلحين فإنه كان للاوا بين غفورا (25)) * معناه: أمر * (ربك) * أمرا مقطوعا به * (أن لا تعبدوا) * (1): * (أن) * بمعنى " أي "، و * (لا تعبدوا) * نهي، أو يريد: بأن لا تعبدوا، * (وبالوا لدين) * أي: وأحسنوا بالوالدين * (إحسنا) * أو: بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا. * (إما) * هي " إن " الشرطية زيدت عليها " ما " توكيدا، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، و * (أحدهما) * فاعل * (يبلغن) *، وقرئ: " يبلغان " (2) وعلى هذا فيكون * (أحدهما) * بدلا من ألف الضمير، و * (كلاهما) * عطف على * (أحدهما) *. " أف " (3) صوت يدل على تضجر، وقرئ: * (أف) * بالتنوين والكسر، و " أف " بالفتح (4) وكذلك في الأنبياء (5) والأحقاف (6)، وقرأ أبو السمال (7): " أف " بالضم (8)، فأما الكسر فعلى أصل البناء، وأما الفتح فتخفيف للضمة والتشديد ك‍ " ثم "، وأما الضم فللإتباع ك‍ " منذ "، ومعنى قوله: * (يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) *: أن يكبرا ويكونا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه وذلك أشق عليه، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال صغره، فأمر بأن يستعمل معهما لين الجانب وخفض الجناح والاحتمال حتى لا يقول لهما


(1) كذا في جميع النسخ. (2) قرأه حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 379. (3) الظاهر من عبارة المصنف هنا أنه يعتمد على قراءة الكسر من غير تنوين كما هو واضح. (4) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر. راجع المصدر نفسه. (5) الآية: 67. (6) الآية: 17. (7) هو قعنب بن أبي قعنب العدوي البصري، أبو السمال، واشتهر أن له اختيارا في القراءات شاذا عن الجمهور. انظر النهاية في طبقات القراء لابن الجزري: ج 2 ص 27. (8) انظر شواذ القرآن لابن خالويه: ص 79. (*)

[ 368 ]

عند الضجر بما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤونتهما: أف، فضلا عما يزيد عليه. ولقد بالغ عزوعلا في التوصية بهما حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ثم ضيق الأمر في البر بهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تدل على التضجر مع موجبات الضجر. وعن الصادق (عليه السلام): " أدنى العقوق: أف، ولو علم الله شيئا أهون من " أف " لنهى عنه " (1). * (ولا تنهرهما) * أي: لاتزجرهما عما يفعلانه، ولا تمتنع من شئ أراداه منك * (وقل لهما) * بدل التأفيف والنهر * (قولا كريما) * جميلا كما يقتضيه حسن الأدب، وقيل: هو أن يقول: يا أبتاه ويا أماه كما قال إبراهيم (عليه السلام) لأبيه مع كفره: * (يأبت) * (2) ولا تدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب (3). وفي * (جناح الذل) * وجهان: أحدهما: أن يكون كإضافة حاتم إلى الجود إذا قلت: حاتم الجود، أي: ف‍ * (اخفض لهما) * جناحك الذليل، والآخر: أن تجعل لذله جناحا منخفضا، كما جعل لبيد (4) للشمال يدا وللقرة زماما في قوله: وغداة ريح قد كشفت وقرة * قد أصبحت بيد الشمال زمامها (5) أراد المبالغة في التواضع والتذلل لهما * (من الرحمة) * من فرط رحمتك لهما


(1) تفسير العياشي: ج 2 ص 285 ح 38. (2) مريم: 42 و 43 و 44 و 45. (3) قاله مجاهد. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 110. (4) هو لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل، كان من شعراء الجاهلية وفرسانهم، أدرك الإسلام وترك الشعر وسكن الكوفة، عاش عمرا طويلا، وهو أحد أصحاب المعلقات، مات في أول خلافة معاوية وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة: ص 148 - 156. (5) البيت من معلقته التي مطلعها: عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها والتي قال له النابغة لما سمعها منه: اذهب فأنت أشعر العرب. وفيها تمجيد لأيامه وافتخار لأفعاله. انظر ديوان لبيد بن ربيعة: ص 176. (*)

[ 369 ]

لكبرهما، ولا تكتف برحمتك عليهما التي لابقاء لها بل ادع الله سبحانه بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في حال صغرك وتربيتهما لك. وفي الصحيح: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " رغم أنفه " ثلاث مرات، قالوا: من يا رسول الله ؟ قال: " من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما ولم يدخل الجنة " (1). وعن حذيفة: أنه استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): " دعه يله غيرك " (2). * (بما في نفوسكم) * بما في ضمائركم من البر والعقوق * (إن تكونوا) * قاصدين إلى الصلاح والبر * (فإنه كان للاوا بين) * أي: التوابين الراجعين إلى الله فيما يتوبهم * (غفورا) *. * (وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوا ن الشيطين وكان الشيطن لربه كفورا (27) وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30)) * وصى سبحانه بغير الوالدين من القرابات، وبأن يوتى حقهم بعد أن وصى بهما، وقيل: إن المراد ب‍ * (ذا القربى) * قرابة النبي (3).


(1) صحيح مسلم: ج 4 كتاب البر والصلة ب 3 ص 1978. (2) رواه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 660. (3) حكاه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 6 ص 468، والبغوي في تفسيره: ج 3 ص 112 = (*)

[ 370 ]

وعن أبي سعيد الخدري (1): أنه لما نزلت أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) فدك (2). * (والمسكين) * أي: وآت المسكين * (حقه) * الذي جعله الله له من الزكاة * (و) * آت * (ابن السبيل) * حقه وهو المنقطع به من المجتازين * (ولا تبذر) * والتبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه الإسراف. وعن مجاهد: لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا، ولو أنفق جميع ماله في الحق لم يكن مبذرا (3). ومر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسعد وهو يتوضأ فقال: " ماهذا السرف يا سعد ؟ ! " قال: أو في الوضوء سرف ؟ قال: " نعم وإن كنت على نهر جار " (4). * (إخوا ن الشيطين) * أمثالهم السالكون طريقتهم، وهذا غاية الذم * (وكان الشيطن لربه كفورا) * فلا ينبغي أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله من الشر، وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك بإيتاء حقوقهم حياء من الرد لتبتغي الفضل * (من ربك) * والسعة التي يمكنك معها البذل * (فقل لهم قولا ميسورا) * أي: عدهم عدة جميلة، فوضع الابتغاء موضع فقد الرزق، لأن فاقد الرزق مبتغ له، ويجوز أن يتعلق * (ابتغآء رحمة من ربك) * بجواب الشرط مقدما عليه، أي: فقل لهم قولا سهلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم، ويجوز أن


= كلاهما عن علي بن الحسين (عليهما السلام). (1) هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الخزرجي الأنصاري، صحابي وممن لازمه (صلى الله عليه وآله)، أول مشاهده الخندق، وكان ممن حفظ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سننا كثيرة، وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم، توفي بالمدينة سنة 74 ه‍. انظر الاستيعاب: ج 2 ص 602 برقم 954. (2) التبيان: ج 6 ص 468، تفسير ابن كثير: ج 3 ص 36. (3) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 6 ص 469. (4) مسند أحمد: ج 2 ص 221، اتحاف السادة المتقين للزبيدي: ج 2 ص 370. (*)

[ 371 ]

يكون الإعراض عنهم كناية عن عدم الاستطاعة، أي: وإن لم تنفعهم. ثم أمر سبحانه بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير، وهو تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف * (فتقعد ملوما) * أي: فتصير ملوما عند الله، لأن المسرف غير مرضي عنده وعند الناس * (محسورا) * منقطعا بك لا شئ عندك، وقيل: محسورا: عريانا (1). * (إن ربك) * يوسع * (الرزق) * ويضيقه بحسب المصلحة مع سعة خزائنه. * (ولا تقتلوا أولدكم خشية إملق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسولا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35)) * كانوا يئدون بناتهم * (خشية) * الفقر وهو الإملاق، فذلك قتلهم أولادهم، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك وضمن لهم أرزاقهم، وقرئ: * (خطئا) * يقال: خطئ خطأ أي: أثم إثما، والخطء والخطأ كالحذر والحذر (2)، وقرئ: " خطاء " بالكسر والمد (3). * (فحشة) * قبيحة زائدة على حد القبح * (وساء سبيلا) * أي: وبئس طريقا


(1) قاله جابر على ما حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 662. (2) يظهرمن عبارة المصنف (رحمه الله) أنه يعتمد هنا على قراءة فتح الخاء والطاء كما هو واضح من مثاله. (3) قرأه ابن كثير وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 379. (*

[ 372 ]

طريقه وهو أن يغصب على الغير امرأته أو أخته أو بنته من غير سبب، والسبب ممكن وهو النكاح المشروع. * (إلا بالحق) * وهو أن يكفر بعد إيمان أو يزني بعد إحصان أو يقتل مؤمنا عمدا * (ومن قتل مظلوما) * غير راكب واحدة من هذه الثلاث * (فقد جعلنا لوليه) * الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه * (سلطنا) * أي: تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه، وقرئ: * (فلا يسرف) * بالياء والتاء (1)، فالياء على أن الضمير للولي، أي: فلا يقتل الولي غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية، أو لا يمثل بالقاتل، وقيل: إن الضمير للقاتل الأول (2)، والتاء على أن الخطاب للولي أو قاتل المظلوم * (إنه كان منصورا) * والضمير: إما للولي أي: نصره الله بأن أوجب له القصاص، وإما للمظلوم، لأن الله ناصره بأن أوجب القصاص بقتله ويثيبه في الآخرة. * (بالتى هي أحسن) * وهي حفظه عليه * (إن العهد كان مسولا) * أي: مطلوبا يطلب من المعاهد أن يفي به، ويجوز أن يكون تخييلا، كأنه يقال للعهد: لم نكثت ؟ توبيخا للناكث كما تسأل الموءودة * (بأى ذنب قتلت) * (3). وقرئ: * (بالقسطاس) * بضم القاف (4) وكسرها، وهو الميزان صغيرا كان أو كبيرا * (وأحسن تأويلا) * وأحسن عاقبة، وهو تفعيل من آل: إذا رجع، وهو ما يؤول إليه.


(1) وقراءة التاء هي قراءة حمزة والكسائي وابن عامر. راجع المصدر السابق. (2) وهو قول أبي علي كما في التبيان: ج 6 ص 473. (3) التكوير: 9. (4) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 380. (*)

[ 373 ]

* (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسولا (36) ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها ءاخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) أفأصفيكم ربكم بالبنين واتخذ من الملئكة إنثا إنكم لتقولون قولا عظيما (40)) * يقال: قفا أثره وقافه واقتفاه واقتافه بمعنى: اتبعه، ومنه القافة (1)، أي: لا تكن في اتباعك * (ما) * لا علم * (لك به) * من قول أو فعل كمن يتبع مسلكا لا يعلم أنه يوصله إلى مقصده، والمراد: النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهي عن اتباع الظن وعن التقليد، وعن الحسن: لا تقف أخاك المسلم إذا مر بك فتقول: هذا يفعل كذا، ورأيته يفعل كذا ولم تر، وسمعته ولم تسمع (2). * (أولئك) * إشارة إلى * (السمع والبصر والفؤاد) *، و * (عنه) * في موضع الفاعل، أي: * (كل) * واحد منها كان * (مسولا) * عنه، ف‍ " مسؤول " مسند إلى الجار والمجرور، يقال للإنسان: لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه ؟ ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه ؟ * (مرحا) * حال، أي: ذا مرح * (لن تخرق الارض) * لن تجعل فيها خرقا بشدة وطئك لها * (ولن تبلغ الجبال طولا) * بتطاولك، وهذا تهكم بالمختال. قرئ: " سية " (3) و * (سيئه) * على إضافة " سئ " إلى ضمير * (كل) *، والسية في حكم الأسماء بمنزلة الإثم والذنب، فلذلك قال: * (سيئه) * مع قوله: * (مكروها) *


(1) في بعض النسخ: القافية. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 666. (3) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 380. (*)

[ 374 ]

إذ لا اعتبار بتأنيثه، أي: كل مانهي عنه من هذه الخصال المعدودة كان إثما مكروها. * (ذلك) * إشارة إلى ما تقدم من قوله: * (لا تجعل مع الله إلها ءاخر) * إلى هذه الغاية، وسماه حكمة، لأنه كلام محكم لا مجال فيه للفساد بوجه. وعن ابن عباس: أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى أولها: * (لا تجعل مع الله إلها ءاخر) *، جعل الله سبحانه فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة (1). * (أفأصفيكم) * أي: أفخصكم * (ربكم بالبنين) * وهم أفضل الأولاد لم يجعل فيهم نصيبا لنفسه واتخذ الأدون وهي البنات وهذا خلاف الحكمة، وهو خطاب للذين قالوا: الملائكة بنات الله * (إنكم لتقولون قولا عظيما) * بإضافتكم إليه الأولاد ثم بتفضيلكم أنفسكم عليه. * (ولقد صرفنا في هذا القرءان ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحنه وتعلى عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44)) * * (صرفنا) * أي: كررنا الدلائل وفصلنا العبر فيه، أو: أوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكانا للتكرير * (ليذكروا) * ليتعظوا ويعتبروا، وقرئ: " ليذكروا " (2)، ف‍ * (ما يزيدهم إلا نفورا) * عن الحق، وعن سفيان: زادني خضوعا ما زاد أعداءك نفورا (3).


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 668. (2) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 500. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 669. (*)

[ 375 ]

* (إذا) * يدل على أن قوله: * (لابتغوا) * جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل‍ * (لو) * والمعنى: لطلبوا * (إلى) * من له الملك والإلهية * (سبيلا) * بالمغالبة، كما يفعل الملوك بعضهم ببعض، وفيه إشارة إلى دليل التمانع كما في قوله: * (لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا) * (1). * (علوا كبيرا) * في معنى: تعاليا، والمراد: البراءة من ذلك والنزاهة، ووصف العلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة عما وصفوه به. * (تسبح له السموات) * بلسان الحال، حيث تدل على صانعها وعلى صفاته العلى، فكأنها تنطق بذلك، وكأنها تنزه الله عما لا يجوز عليه من الشركاء، وليس * (شئ) * من الموجودات * (إلا) * و * (يسبح) * بحمد الله على هذا الوجه، إذ كلها حادث مصنوع يحتاج إلى صانع غير مصنوع، فهو يدل على إثبات قديم غني عن كل شئ سواه، لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * أي: لا تعلمون تسبيح هذه الأشياء، إذ لم تنظروا فيها فتعلموا دلالتها على التوحيد * (إنه كان حليما غفورا) * لايعاجلكم بالعقاب على سوء نظركم وشرككم. * (وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا (45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرءان وحده ولوا على أدبرهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظلمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا (49)) *


(1) الأنبياء: 22. (*)

[ 376 ]

* (حجابا مستورا) * أي: ذا ستر كقولك: سيل مفعم (1) أي: ذو إفعام، وقيل: حجابا مستورا عن العيون من قدرة الله تعالى لا يبصر، حجبه الله سبحانه عن أبصار أعدائه من المشركين فكانوا يمرون به ولا يرونه (2). * (وحده) * من نوع قولهم: رجع عوده على بدئه (3) في أنه مصدر يسد مسد الحال، يقال: وحد يحد وحدا وحدة، والأصل يحد وحده، والنفور: مصدر بمعنى التولية، أو جمع نافر كشهود جمع شاهد، أي: أحبوا أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون، فإذا لم تذكرهم نفروا. * (بما يستمعون به) * من اللغو والاستهزاء بالقرآن، و * (به) * في موضع الحال، أي: يستمعون هازئين، و * (إذ يستمعون) * نصب ب‍ * (أعلم) * أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون * (وإذ هم نجوى) * وبما يتناجون به إذ هم ذوو نجوى، أي: متناجون * (إذ يقول) * بدل من * (إذ هم) * أي: ما * (تتبعون إلا رجلا) * قد سحر فجن واختلط عليه عقله، وإنما قالوا ذلك لينفروا عنه. * (كيف ضربوا لك الامثال) * مثلوك بالساحر والمجنون * (فضلوا) * في ذلك ضلال المتحير في أمره لا يدري كيف يتوجه. * (ورفتا) * أي: ترابا وغبارا وانتثر لحومنا أنبعث بعد ذلك * (خلقا جديدا) * ؟ * (قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم


(1) مفعم: مملوء، يقال: أفعمت الإناء: إذا ملأته. (الصحاح: مادة فعم). (2) وهو قول أسماء بنت أبي بكر كما في تفسير الآلوسي: ج 15 ص 88. (3) العود: الطريق القديم، يقال: رجع عوده على بدئه: إذا رجع في الطريق الذي جاء منه. (الصحاح: مادة عود). (*)

[ 377 ]

فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطن ينزغ بينهم إن الشيطن كان للانسن عدوا مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلنك عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السموات والارض ولقد فضلنا بعض النبين على بعض وءاتينا داوود زبورا (55)) * رد قوله: * (كونوا حجارة) * على قولهم: * (كنا عظما) *، فكأنه قال: كونوا حجارة * (أو حديدا) * ولا تكونوا عظاما فإنه يقدر على إعادتكم أحياء، وردكم إلى رطوبة الحي وغضاضته (1). * (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) * عن قبول الحياة، ويعظم عندكم أن يحييه الله * (قل الذي فطركم) * أي: خلقكم * (أول مرة) * فإن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر، وإنما قال ذلك لكونهم مقرين بالنشأة الأولى * (فسينغضون) * أي: فسيحركون نحوك * (رؤوسهم) * تعجبا واستهزاء. * (يوم يدعوكم) * أي: يبعثكم فتنبعثون منقادين غير ممتنعين، والدعاء والاستجابة كلاهما مجاز هنا * (بحمده) * حال منهم أي: حامدين لله، موحدين، وعن سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم قائلين: سبحانك اللهم وبحمدك (2) * (وتظنون) * أنكم ما * (لبثتم) * في الدنيا * (إلا قليلا) * لسرعة انقلاب الدنيا إلى الآخرة، أو لعلمكم بطول اللبث في الآخرة، ونزل النفي منزلة الاستفهام في التعليق. * (وقل) * للمؤمنين: * (يقولوا) * للمشركين الكلمة * (التي هي أحسن) *، وفسر * (التي هي أحسن) * بقوله: * (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم) * ولا تقولوا لهم مايغيظهم ويغضبهم، وقيل: معناه: مرهم يقولوا الكلمة الحسنى


(1) شئ غض وغضيض: أي طري. (الصحاح: مادة غضض). (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 672. (*)

[ 378 ]

وهي كلمة الشهادتين والأقوال المندوب إليها (1) * (إن الشيطن ينزغ بينهم) * أي: يفسد بينهم ويغري بعضهم على بعض ليوقع بينهم العداوة والبغضاء. * (ربكم أعلم) * بأحوالكم وبتدبير أموركم (2) * (إن يشأ يرحمكم) * بفضله * (أو إن يشأ يعذبكم) * بعدله * (وكيلا) * أي: ربا موكولا إليك أمرهم تجبرهم على الإسلام، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم واحتمل منهم. * (وربك أعلم) * رد على كفار قريش في إنكارهم نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله)، أي: ربك أعلم * (ب‍) * أحوال * (من في السموات والارض) * ومقاديرهم، فلا يختار من يختاره من الملائكة والأنبياء لميله إليهم، وإنما يختارهم لعلمه ببواطنهم وبما يستأهل كل واحد منهم * (ولقد فضلنا) * إشارة إلى تفضيل رسول الله * (وءاتينا داوود زبورا) * دلالة على تفضيله - أيضا - فإنه خاتم الأنبياء، ومكتوب في زبور داود: * (أن الارض يرثها عبادي الصلحون) * (3) وهم محمد وأهل بيته (عليهم السلام). * (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتب مسطورا (58) وما منعنا أن نرسل بالايت إلا أن كذب بها الاولون وءاتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالايت إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك


(1) قاله ابن عباس. راجع تفسير البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 49. (2) في بعض النسخ زيادة: لا يجبركم على الإسلام. (3) الأنبياء: 105. (*)

[ 379 ]

أحاط بالناس وما جعلنا الرءيا التي أرينك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرءان ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغينا كبيرا (60)) * * (الذين زعمتم من دونه) * هم الملائكة، وقيل: عيسى وعزير (1)، وقيل: نفر من الجن عبدهم قوم من العرب ثم أسلم الجن (2)، والمعنى: ادعوهم فإنهم لا يقدرون على أن يكشفوا * (عنكم) * الضر * (ولا) * أن يحولوه عنكم إلى غيركم. * (أولئك) * مبتدأ وخبره * (يبتغون) * يعني: أن آلهتهم يبتغون * (الوسيلة) * وهي القربة * (إلى) * الله عزوجل، و * (أيهم) * بدل من واو * (يبتغون) *، و " أي " اسم موصول، أي: يبتغي من هو * (أقرب) * منهم الوسيلة إلى الله فكيف غير الأقرب ! أو ضمن * (يبتغون) * معنى يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله، وذلك بأن يزيدوا في الطاعة والخير * (ويرجون... ويخافون) * كغيرهم فكيف تدعونهم آلهة ! * (إلا نحن مهلكوها) * بالموت * (أو معذبوها) * بالقتل وأنواع العذاب، وقيل: الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة (3)، و * (الكتب) *: اللوح المحفوظ، استعار سبحانه المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة. و * (أن) * الأولى منصوبة الموضع والثانية مرفوعة، والمعنى: ولم يمنعنا إرسال * (الايت إلا) * تكذيب الأولين، يريد الآيات التي اقترحوها من إحياء الموتى وأن يحول الصفا ذهبا وغير ذلك، وقد حكم الله تعالى في الأمم: أن من كذب بالآية المقترحة عوجل بعذاب الاستئصال، وقد علم سبحانه أنه لو أرسل هذه


(1) قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 120. (2) وهو قول ابن مسعود. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 250. (3) قاله مقاتل. راجع تفسير الرازي: ج 20 ص 233. (*)

[ 380 ]

الآيات لكذبوا بها واستوجبوا العذاب العاجل المستأصل، ومن حكمه (1) سبحانه في هذه الأمة أن لا يعذبهم بعذاب الاستئصال تشريفا لنبيه (صلى الله عليه وآله)، وأن يؤخر أمرهم إلى يوم القيامة. ثم ذكر سبحانه من الآيات التي * (كذب بها الاولون) * فأهلكوا: ناقة صالح، لأن آثارهم في بلاد العرب قريبة منهم * (مبصرة) * بينة * (فظلموا) * أي: فكفروا * (بها وما نرسل بالايت) * التي نظهرها على الأنبياء * (إلا تخويفا) * وإنذارا بعذاب الآخرة. * (و) * اذكر * (إذ قلنا لك) * أي: أوحينا إليك: * (إن ربك أحاط بالناس) * بقريش، يعني: بشرناك بوقعة بدر ونصرتك عليهم وهو قوله: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) * (2)، * (ستغلبون وتحشرون إلى جهنم) * (3)، فجعله سبحانه كأن قد كان، فقال: أحاط بالناس، على عادته سبحانه في إخباره، وقيل: معناه: أحاط علما بأحوال الناس وأفعالهم وما يستحقونه عليها من الثواب والعقاب وهو قادر على فعل ذلك بهم، عالم بما يصلحهم (4)، وهذا وعد له بالعصمة من أذي قومه. واختلف في * (الرءيا التي) * أريها النبي (صلى الله عليه وآله)، فقيل: هي رؤية العين المذكورة في أول السورة من الإسراء إلى بيت المقدس والمعراج (5)، وأراد بالفتنة: الامتحان وشدة التكليف ليعرض المصدق بذلك لجزيل الثواب والمكذب لأليم العقاب، وقيل: هي الرؤيا التي في قوله: * (لقد صدق الله رسوله الرءيا


(1) في نسخة: حكمته. (2) القمر: 45. (3) آل عمران: 12. (4) قاله الكلبي. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 274. (5) وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وابراهيم وابن جريج وابن زيد ومجاهد والضحاك. راجع التبيان: ج 6 ص 494، وتفسير الطبري: ج 8 ص 101. (*)

[ 381 ]

بالحق) * (1) رأى أنه سيدخل مكة وهو بالمدينة فصده المشركون عن دخولها يوم الحديبية، وإنما كانت فتنة لما دخل على بعض المسلمين من الشبهة والشك فقال: أليس قد أخبرتنا بأن ندخل المسجد الحرام آمنين ؟ فقال (صلى الله عليه وآله): لم أقل: إنكم تدخلونها العام، لتدخلنها إن شاء الله، ورجع ثم دخلها في العام القابل (2)، وقيل: هي رؤيا رآها في منامه أن قرودا تصعد منبره وتنزل (3)، وقيل - على هذا التأويل -: إن * (الشجرة الملعونة في القرءان) * هي بنو أمية أخبره الله سبحانه بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريته (4)، وقيل: إن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم لعنت في القرآن حيث لعن طاعموها من الكفار، فوصفت بلعن أصحابها على المجاز (5) * (ونخوفهم) * بمخاوف الدنيا والآخرة * (فما يزيدهم) * التخويف * (إلا طغينا كبيرا) * أي: عتوا في الكفر لا يرجعون عنه. * (وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا (61) قال أرءيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيمة لاحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموا ل والاولد وعدهم وما يعدهم الشيطن إلا غرورا (64) إن عبادي ليس لك عليهم


(1) الفتح: 27. (2) قاله ابن عباس. راجع التبيان: ج 6 ص 494. (3) قاله سهل بن سعد، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام). راجع التبيان: ج 6 ص 494، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 253. (4) قاله سعيد بن المسيب وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام). راجع التبيان: ج 6 ص 494. (5) وهو قول ابن عباس والحسن وأبي مالك وسعيد بن جبير وابراهيم ومجاهد وقتادة وابن زيد والضحاك. راجع التبيان: ج 6 ص 494، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 253. (*)

[ 382 ]

سلطن وكفي بربك وكيلا (65)) * * (طينا) * حال من الموصول الذي هو * (من خلقت) * على معنى: * (ءأسجد) * له وهو طين أي: أصله طين، أو من الضمير المحذوف من الصلة على معنى: * (لمن) * كان في وقت خلقه طينا. والكاف في * (أرءيتك) * للخطاب و * (هذا) * مفعول به، والمعنى: أخبرني عن * (هذا الذي) * كرمته * (على) * أي: فضلته واخترته علي: لم اخترته علي وأنا خير منه ؟ فحذف للاختصار، ثم ابتدأ فقال: * (لئن أخرتن‍) * - ي، واللام لتوطئة القسم * (لاحتنكن ذريته) * لأستأصلنهم بالإغواء ولأستولين عليهم، من احتنك الجراد الأرض: إذا أكل ما عليها، وأصله من الحنك، وإنما طمع الملعون في ذلك لأنه سبحانه أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء. * (اذهب) * معناه: امض لشأنك الذي اخترته، وليس هو من الذهاب الذي هو ضد المجئ، ثم قال: * (فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم) * كما قال موسى للسامري: * (فاذهب فإن لك في الحيواة أن تقول لامساس) * (1)، والتقدير: فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك، فغلب المخاطب على الغائب فقال: * (جزاؤكم جزاء موفورا) * مصدر على إضمار تجازون، أو لأن * (فإن جهنم جزاؤكم) * بمعنى: تجازون، والموفور: الموفر الكامل. * (واستفزز) * واستخف * (من استطعت منهم) * واستزلهم بوسوستك، والفز: الخفيف، و * (أجلب) * من الجلبة وهي الصياح، أي: صح " بخيلك ورجلك " واحشرهم عليهم، والرجل: اسم جمع للراجل، ونظيره الركب والصحب، وقرئ: * (ورجلك) * (2)


(1) طه: 97. (2) الظاهر أن المصنف قد اعتمد هنا على قراءة سكون الجيم تبعا للزمخشري كما هو واضح منه. (*)

[ 383 ]

على أن فعلا بمعنى فاعل، يقال: رجل ورجل، أي: راجل، ومعناه: وجمعك الرجل (1) * (وشاركهم في الاموا ل والاولد) * يريد كل معصية يحملهم عليها: في باب الأموال كالربا والإنفاق في الفسق ومنع الزكاة، وفي باب الأولاد بالزنا ودعوى الولد بغير سبب * (وعدهم) * بالمواعيد الكاذبة من: شفاعة الآلهة وتمني البقاء وطول الأمل. * (إن عبادي) * الصالحين * (ليس لك عليهم سلطن) * أي: لا تقدر أن تغويهم لأنهم لا يغترون بك * (وكفي بربك وكيلا) * لهم، يتوكلون عليه في الاستعاذة منك فيحفظهم من شرك. * (ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجيكم إلى البر أعرضتم وكان الانسن كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69)) * * (يزجى لكم الفلك) * أي: يسير ويجري لكم السفن * (في البحر) *. * (وإذا مسكم الضر) * أي: خوف الغرق * (ضل من تدعون) * أي: ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه * (إلا إياه) * وحده، فلا ترجون هناك النجاة إلا من عنده، ولا يخطر ببالكم أن غيره يقدر على إنقاذكم * (فلما نجيكم) * من البحر * (إلى البر) * فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض. و * (جانب البر) * منصوب ب‍ * (يخسف) * مفعول به، كالأرض في قوله:


(1) في نسخة: " الراجل ". (*)

[ 384 ]

* (فخسفنا به وبداره الارض) * (1)، و * (بكم) * حال، والمعنى: أن يقلب جانب البر وأنتم عليه * (أو يرسل عليكم حاصبا) * وهي الريح التي تحصب، أي: ترمي بالحصباء، والمعنى: وإن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها * (ثم لا تجدوا لكم وكيلا) * حافظا يصرف عنكم ذلك. * (أم أمنتم أن) * يقوي دواعيكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم * (ف‍) * ينتقم منكم بأن * (يرسل عليكم قاصفا) * وهي * (الريح) * التي لها قصيف، أي: صوت شديد، كأنها تتقصف أي: تتكسر، وقيل: هي التي لاتمر بشئ إلا قصفته (2) * (فيغرقكم) * وقرئ بالتاء (3) يعني: الريح، وبالنون (4)، وكذلك * (يخسف) * و * (يرسل) *، و * (يعيدكم) * قرئ بالياء والنون (5) * (بما كفرتم) * أي: بكفرانكم النعمة في الإنجاء، والتبيع: المطالب من قوله: * (فاتباع بالمعروف) * (6) أي: مطالبة، قال الشماخ: كما لاذ الغريم من التبيع (7) المعنى: أنانفعل ما نفعل بهم * (ثم لا تجدوا) * أحدا يطالبنا بما فعلنا، انتصارا منا.


(1) القصص: 81. (2) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن: ج 1 ص 385. (3) قرأه أبو جعفر ورويس ومجاهد وشيبة. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 501، وتفسير القرطبي: ج 10 ص 293. (4) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 501. (5) وبالنون قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع التبيان: ج 6 ص 501. (6) البقرة: 178. (7) وصدره: يلوذ ثعالب الشرقين منها. وفيه يصف فرار مجموعة من الثعالب من هجمات العقبان، يقول: إنها تلوذ من العقبان كما يفر الغريم من المطالب. انظر شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 443. (*)

[ 385 ]

* (ولقد كرمنا بنى ءادم وحملنهم في البر والبحر ورزقنهم من الطيبت وفضلنهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعوا كل أناس بإممهم فمن أوتى كتبه بيمينه فأولئك يقرءون كتبهم ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في هذه أعمى فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا (72)) * يعني: * (كرمنا) * هم بالنطق والعقل والتمييز والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، وبتسليطهم على ما في الأرض، وتسخير سائر الحيوانات لهم * (وحملنهم في البر) * على الدواب * (و) * في * (البحر) * على السفن * (وفضلنهم على كثير ممن خلقنا) * هو ما سوى الملائكة، لأن الفضل عام في جنس الملائكة وخاص في بني آدم. * (بإممهم) * بمن ائتموا به من نبي أو إمام أو كتاب. الصادق (عليه السلام): " ألا تحمدون الله ؟ إذا كان يوم القيامة فدعي كل قوم إلى من يتولونه، وفزعنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفزعتم إلينا، فإلى أين ترون يذهب بكم ؟ إلى الجنة ورب الكعبة " قالها ثلاثا (1). * (فمن أوتى) * من هؤلاء * (كتبه بيمينه فأولئك) * إشارة إلى * (من) * لأنه في معنى الجمع * (يقرءون كتبهم) * لايجبنون (2) عن قراءته لما يرون فيه من مواجب السرور * (ولا يظلمون فتيلا) * هو المفتول الذي في شق النواة، أي: لا ينقصون من ثوابهم أدنى شئ. * (ومن كان في) * الدنيا * (أعمى) * لا يهتدي إلى طريق النجاة * (فهو في الاخرة أعمى) * لا يهتدي إلى طريق الجنة، وجوز أن يكون الثاني بمعنى التفضيل،


(1) المناقب لابن شهر آشوب: ج 3 ص 65. (2) في بعض النسخ: لا يجتنبون. (*)

[ 386 ]

ولذلك قرأ أبو عمرو الأول ممالا والثاني بالتفخيم (1)، لأن أفعل التفضيل تمامه ب‍ " من " فكانت ألفه كأنها في وسط الكلمة، كقولك: أعمالكم. * (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ثبتنك لقد كدت تركن إليهم شيا قليلا (74) إذا لاذقنك ضعف الحيواة وضعف الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77)) * * (إن) * هذه مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، ومعناه: أن الحديث أو الأمر قاربوا أن يصرفوك * (عن) * القرآن * (الذي أوحينا إليك) * أي: عن حكمه، لتضيف إلينا ما لم ننزله عليك * (وإذا لاتخذوك خليلا) * أي: ولو اتبعت مرادهم لأظهروا خلتك. روي: أن قريشا قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تلم (2) بآلهتنا، فقال في نفسه: ما علي في أن ألم بها والله يعلم أني لها كاره ويدعوني أستلم الحجر، فأنزلت (3). وروي غير ذلك وهو مذكور في موضعه (4). * (ولولا أن ثبتنك) * أي: لولا تثبيتنا لك بالعصمة والألطاف * (لقد) * قاربت أن تميل * (إليهم) * أدنى ميل فتعطيهم بعض ما سألوك. * (إذا لاذقنك ضعف) * عذاب * (الحيواة وضعف) * عذاب * (الممات) * يعني: عذاب الدنيا والآخرة


(1) انظر تفسير القرطبي: ج 10 ص 299. (2) الإلمام: النزول، وألم به: إذا نزل به. (الصحاح: مادة لمم). (3) رواه سعيد بن جبير كما في تفسير الماوردي: ج 3 ص 259. (4) وهو ما رواه ابن عباس. راجع المصدر السابق. (*)

[ 387 ]

مضاعفين، أي: لضاعفنا لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا وما نؤخره لما بعد الموت، وفي هذا دليل على أن القبيح يكون عظم قبحه على مقدار عظم شأن فاعله. وعن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) معصوم، وإنما هو تخويف لئلا يركن مؤمن إلى مشرك في شئ من أحكام الله تعالى (1). * (وإن كادوا) * يعني: قريشا * (ليستفزونك) * ليزعجونك * (من الارض) * أرض مكة بالإخراج * (وإذا لا يلبثون) * أي: لا يبقون بعد إخراجك * (إلا) * زمانا * (قليلا) * فإن الله يهلكهم وقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل، أو: إلا ناسا قليلا منهم يريد من انفلت منهم يوم بدر ومن آمن، وقيل: من أرض المدينة، لأن اليهود قالوا له: إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لامنا بك، فهم بالخروج إلى الشام فنزلت (2)، وقرئ: " خلفك " (3) و * (خلفك) * ومعناهما واحد، قال: عفت الديار خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا (4) أي: بعدهم * (سنة من قد أرسلنا) * يعني: أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بينهم فسنة أن يهلكهم، وانتصابه بأنه مصدر مؤكد، أي: سن الله ذلك سنة. * (أقم الصلوا ة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر إن


(1) حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 10 ص 300. (2) وهو قول الكلبي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 127. (3) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 383. (4) قائله هو الحارث بن خالد المخزومي، وفيه يصف ديار الأحبة بعد رحيلهم، وأنها بقيت غير مكنوسة وفيها ركام السعف المتساقط، كأنها بسط فيها السعف بسطا. انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ج 1 ص 387. (*)

[ 388 ]

قرءان الفجر كان مشهودا (78) ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطنا نصيرا (80) وقل جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقا (81) وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظلمين إلا خسارا (82)) * الدلوك: الزوال، وقيل: هو الغروب (1)، والأول أصح، لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، فصلاتا دلوك الشمس: الظهر والعصر، وصلاتا * (غسق اليل) *: المغرب والعشاء الآخرة، والمراد ب‍ * (قرءان الفجر) *: صلاة الفجر، و * (غسق اليل) *: أول بدو الليل وظلمته * (مشهودا) * يشهده ملائكة الليل والنهار، يصعد هؤلاء وينزل هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، ويجوز أن يكون * (وقرءان الفجر) * حثا على طول القراءة في صلاة الفجر لكونها مشهودة بالجماعة الكثيرة ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب * (ومن اليل) * وعليك بعض الليل * (فتهجد به) * والتهجد: ترك الهجود للصلاة، ونحوه: التأثم والتحرج، ويقال للنوم: التهجد أيضا * (نافلة لك) * أي: عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع * (نافلة) * موضع تهجدا، لأن التهجد عبادة زائدة فجمعهما معنى واحد، فالمعنى: أن التهجد زيد لك على الصلوات المكتوبة فريضة عليك خاصة وتطوعا لغيرك، وقيل: معناه: نافلة لك ولغيرك (2)، وخص بالخطاب لما في ذلك من دعاء الغير (3) إلى الاستنان بسنته * (مقاما محمودا) * نصب على الظرف، أي: * (عسى أن يبعثك ربك) * فيقيمك


(1) قاله مجاهد عن ابن عباس وابن مسعود وابن زيد. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 262. (2) قاله مجاهد: راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 264. (3) في بعض النسخ: الخير. (*)

[ 389 ]

مقاما محمودا، أو ضمن * (يبعثك) * معنى: يقيمك، ويجوز أن يكون حالا بمعنى: ذا مقام محمود، ومعنى المقام المحمود: المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة، يسأل فيه فيعطى، ويشفع فيه فيشفع، ويشرف فيه على جميع الخلائق فيوضع في كفه لواء الحمد يجتمع تحته الأنبياء والملائكة. و * (مدخل) * و * (مخرج) * بمعنى المصدر، أي: * (أدخلني) * في جميع ما أرسلتني به إدخالا مرضيا * (وأخرجنى) * منه إخراجا مرضيا يحمد عاقبته، وقيل: يريد إدخاله مكة ظاهرا عليها بالفتح وإخراجه منها سالما (1)، وقيل: هو عام (2) * (سلطنا) * حجة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا ناصرا للإسلام على الكفر، فأجيبت دعوته بقوله: * (ليظهره على الدين كله) * (3)، * (فإن حزب الله هم الغلبون) * (4). وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما لقبائل العرب يحجون إليها، فلما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): خذ مخصرتك (5) ثم ألقها، فجعل يأتي صنما صنما وينكت بالمخصرة في عينه ويقول: * (جاء الحق وزهق البطل) *، فينكب الصنم لوجهه، فألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر، فقال: يا علي ارم به، فحمله رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد (صلى الله عليه وآله) (6).


(1) قاله الضحاك. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 132. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 688. (3) التوبة: 33. (4) المائدة: 56. (5) المخصرة: كل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوه. (الصحاح: مادة خصر). (6) وهو ما رواه ابن مسعود كما في تفسير القرطبي: ج 10 ص 314. (*)

[ 390 ]

* (وزهق البطل) * هلك وذهب، من قولهم: زهقت نفسه: إذا خرجت، و * (الحق) * الإسلام، و * (البطل) * الشرك * (كان زهوقا) * أي: مضمحلا غير ثابت. * (من القرءان) *: * (من) * للتبيين أو للتبعيض، أي: كل شئ نزل من القرآن فهو * (شفاء... للمؤمنين) * يزدادون به إيمانا، فيقع منهم موقع الشفاء من المرضى. وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله " (1). ولا يزداد به الكافرون * (إلا خسارا) * أي: نقصانا، لتكذيبهم به وكفرهم. * (وإذآ أنعمنا على الانسن أعرض ونا بجانبه وإذا مسه الشر كان يوسا (83) قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ويسلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لاتجد لك به علينا وكيلا (86) إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87)) * * (وإذآ أنعمنا على الانسن) * بالصحة والغناء * (أعرض) * عن ذكر الله تعالى كأنه مستغن عنه * (ونا بجانبه) * تأكيد للإعراض، لأن معنى الإعراض عن الشئ: أن يوليه عرض وجهه، ومعنى النأي بالجانب: أن يوليه ظهره، أو يريد التجبر والاستكبار، لأن ذلك من عادة المتكبر المعجب بنفسه * (وإذا مسه الشر) * أي: المحنة والشدة، أو الفقر * (كان يوسا) * شديد القنوط واليأس من رجاء الفرج، وقرئ: " وناء بجانبه " (2) قدم اللام على العين كما قالوا: " راء " في " رأى "، أو يكون من ناء: إذا نهض. * (قل كل) * أحد * (يعمل على شاكلته) * أي: مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله


(1) تفسير الرازي: ج 21 ص 34. (2) قرأه ابن ذكوان وابن عامر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 501. (*)

[ 391 ]

في الهدى والضلال، بدلالة قوله: * (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) * أي: أسد طريقة وأصوب مذهبا. * (الروح) * المسؤول عنه هو الروح الذي في الحيوان، سئل (صلى الله عليه وآله) عن حقيقته فأخبر أنه * (من أمر) * الله (1)، أي: مما استأثر الله به، وقيل: إن اليهود قالت: إن أجاب محمد عن الروح فليس بنبي، وإن لم يجب فهو نبي فإنا نجد في كتبنا ذلك (2)، وقيل: هو جبرئيل (3) أو ملك من الملائكة يقوم صفا والملائكة صفا (4)، وقيل: هو القرآن (5)، و * (من أمر ربى) * أي: من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر * (وما أوتيتم) * الخطاب عام * (إلا قليلا) * أي: شيئا يسيرا، لأن معلومات الله سبحانه لا نهاية لها. * (لنذهبن) * جواب قسم محذوف وسد مسد جواب الشرط، والمعنى: إن * (شئنا) * ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصدور فلم نترك له أثرا * (ثم لاتجد لك) * بعد الذهاب * (به) * من يتوكل * (علينا) * باسترداده وإعادته محفوظا مسطورا. * (إلا رحمة من ربك) * إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، كأن رحمته تتوكل عليه


(1) ذكر الشيخ المصنف (رحمه الله) الخبر مجملا، ولإتمام الفائدة نورده بلفظه: عن الاعمش عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا أمشي مع النبي (صلى الله عليه وآله) في حرث إذ مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: مارابكم إليه ؟ لا يستقبلكم بشئ تكرهونه، فقالوا: سلوه، فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح، قال: فأسكت النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يرد عليه شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني، فلما نزل الوحي قال: * (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما اوتيتم من العلم إلا قليلا) *. راجع صحيح مسلم: ج 4 ص 2152 ح 2794، سنن الترمذي: ج 5 ص 304 ح 3141. (2) قاله ابن عباس. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 142. (3) وقائله ابن عباس أيضا. راجع التبيان: ج 6 ص 515. (4) روي ذلك عن علي (عليه السلام). راجع المصدر السابق. (5) وهو قول الحسن. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 269. (*)

[ 392 ]

بالرد، أو يكون استثناء منقطعا بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان منه سبحانه ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة في تنزيله وتحفيظه. * (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) ولقد صرفنا للناس في هذا القرءان من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهر خللها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملئكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتبا نقرؤه قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا (93)) * أي: لو تظاهر الثقلان * (على أن يأتوا بمثل هذا القرءان) * في فصاحته وبلاغته وحسن تأليفه ونظمه لعجزوا عن الإتيان * (بمثله) *. * (ولقد صرفنا للناس) * أي: بينا لهم وكررنا * (من كل) * معنى هو كالمثل في حسنه وغرابته، وقد احتاجوا إليه في دينهم ودنياهم فلم يرضوا * (إلا كفورا) * أي: جحودا. ولما تبين إعجاز القرآن، وانضاف إليه غيره من المعجزات * (و) * لزمتهم الحجة " قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر " (1) أي: تفتح * (لنا من) * أرض مكة * (ينبوعا) * أي: عينا ينبع منه الماء لا ينقطع، وهو يفعول كيعبوب (2) من عب،


(1) الظاهر أن المصنف (رحمه الله) قد اعتمد على قراءة التشديد هنا تبعا للزمخشري، وهي القراءة المتداولة عند غير الكوفيين الذين قرؤوها بالتخفيف. (2) اليعبوب: الفرس الكثير الجري، وقيل: الطويل السريع، وقيل: السهل في عدوه. وأيضا النهر الشديد الجرية. (الصحاح ولسان العرب: مادة عبب). (*)

[ 393 ]

وقرئ: * (تفجر) * بالتخفيف. وقولهم: * (كما زعمت) * عنوا به قوله تعالى: * (إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء) * (1) وقرئ: * (كسفا) * بفتح السين وسكونه (2) جمع كسفة * (قبيلا) * أي: كفيلا بما تقول، شاهدا بصحته، والمعنى: * (أو تأتى بالله) * قبيلا * (و) * ب‍ * (الملئكة) * قبلا (3)، كقوله: رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن جول الطوي رماني (4) أو يريد: مقابلا لنا حتى نشاهده ونعاينه، أو جمع قبيلة أي: جماعة، حالا من * (الملئكة) *. والزخرف: الذهب * (أو ترقى في) * معارج * (السماء) * فحذف المضاف * (ولن نؤمن) * لأجل رقيك * (حتى تنزل علينا) * من السماء * (كتبا) * فيه تصديقك، وإنما قصدوا بهذه الاقتراحات اللجاج والعناد * (قل سبحان ربى) * وقرئ: " قال سبحان ربي " (5)، تعجب من اقتراحاتهم عليه * (هل كنت إلا بشرا) * مثل سائر الرسل، وقد كانوا لا يأتون أممهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، وليس أمر الآيات إلي، إنما هو إلى الله وهو العالم بالمصالح، فلا وجه لطلبكم إياها مني.


(1) سبأ: 9. (2) وبالسكون قرأه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 385. (3) في بعض النسخ: قبيلا. (4) اختلف في قائله، فقد نسبه سيبويه الى ابن أحمر، وقيل: للأزرق بن طرفة، كما نسبه الأفندي الى الفرزدق ولم نجده في ديوانه المطبوع. ومعناه واضح، وجول الطوي: جدار البئر من اعلاها الى أسفلها، وفي المثل: رماني من جول الطوي: أي رماني بما هو راجع إليه. انظر كتاب سيبويه: ج 1 ص 75، وشرح شواهد الكشاف: ص 549. (5) قرأه ابن كثير وابن عامر وكذا هي في مصاحف أهل مكة والشام. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 385. (*)

[ 394 ]

* (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (94) قل لو كان في الارض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (95) قل كفي بالله شهيدا بينى وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا وبكما وصما مأوبهم جهنم كلما خبت زدنهم سعيرا (97) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بايتنا وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والارض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لاريب فيه فأبى الظلمون إلا كفورا (99) قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لامسكتم خشية الانفاق وكان الانسن قتورا (100)) * أي: * (وما منع الناس) * الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) * (إلا) * إنكارهم أن يرسل الله البشر، ف‍ * (أن) * الأولى مفعول ثان ل‍ * (منع) *، و * (أن) * الثانية فاعل (1) والهمزة في * (أبعث الله) * للإنكار، فبين سبحانه أن ما أنكروه غير منكر وإنما المنكر خلافه عند الله، لأن حكمته البالغة تقتضي أن لا يرسل الملك بالوحي إلا إلى الأنبياء أو إلى أمثاله من الملائكة، ثم قرر سبحانه بأنه * (لو كان في الارض ملئكة يمشون) * على أرجلهم * (مطمئنين) * ساكنين في الأرض لنزل الله * (عليهم من السماء ملكا رسولا) * يهديهم إلى الرشد ويعلمهم الدين، فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى من يختاره منهم للنبوة فيقوم بدعوتهم وإرشادهم.


(1) في بعض النسخ: فاعله. (*)

[ 395 ]

* (شهيدا بينى وبينكم) * على أني قضيت ما علي من التبليغ وأنكم كذبتم * (إنه كان بعباده خبيرا) * عالما بأحوالهم، وهذا وعيد للكفار وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله)، و * (شهيدا) * تمييز أو حال. * (ومن يهد الله) * أي: يوفقه * (فهو المهتد ومن يضلل) * ومن يخذل * (فلن تجد لهم أولياء) * أي: أنصارا * (على وجوههم) * يسحبون عليها إلى النار كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه * (عميا) * عما يسرهم * (بكما) * عن التكلم بما ينفعهم * (صما) * عما يمتعهم، كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، ويجوز أن يحشروا وقد إيفت (1) حواسهم من الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم بأنهم يتكلمون * (كلما خبت) * أي: كلما احترقت (2) لحومهم فسكن لهبها بدلوا غيرها فرجعت ملتهبة مستعرة. * (ذلك جزاؤهم) * وهو تسليط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم إعادتها، ليزيد بذلك تحسرهم على التكذيب بالبعث. * (أولم) * يعلموا * (أن) * من قدر على خلق * (السموات والارض) * فهو * (قادر على) * خلق أمثالهم من الإنس، لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن كما قال: * (ءأنتم أشد خلقا أم السماء) * (3) * (وجعل لهم أجلا لاريب فيه) * وهو الموت أو القيامة، فأبوا مع وضوح الدليل * (إلا) * الجحود. * (قل لو أنتم تملكون) * تقديره: لو تملكون أنتم تملكون، لأن " لو " لا تدخل إلا على الفعل، فأضمر " تملكون " على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل وهو * (أنتم) *، ف‍ * (أنتم) * فاعل الفعل المضمر


(1) إيفت حواسهم: أي أصابتها آفة، يقال: إيف الزرع: إذا أصابته آفة. (الصحاح: مادة أوف). (2) في بعض النسخ زيادة: جلودهم. (3) النازعات: 27. (*)

[ 396 ]

و * (تملكون) * تفسيره، أي: لو ملكتم * (خزائن) * أرزاق الله ونعمه على خلقه * (لامسكتم) * شحا وبخلا، والقتور: البخيل، وقيل: هو جواب قولهم: * (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا) * (1) وما اقترحوه من الزخرف وغيره، ويريد: أنهم لو ملكوا خزائن الله لبخلوا بها (2). * (ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينت فسل بنى إسرا ءيل إذ جاءهم فقال له فرعون إنى لاظنك يموسى مسحورا (101) قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإنى لاظنك يفرعون مثبورا (102) فأراد أن يستفزهم من الارض فأغرقنه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده لبنى إسرا ءيل اسكنوا الارض فإذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا (104) وبالحق أنزلنه وبالحق نزل وما أرسلنك إلا مبشرا ونذيرا (105)) * الآيات التسع: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي رفع فوق بني إسرائيل، هذا قول ابن عباس (3)، وقد ذكر أيضا: الطوفان والسنون ونقص من الثمرات مكان الحجر والبحر والطور (4)، وقيل: إنها تسع آيات في الأحكام، فروي: أن بعض اليهود سأل رسول الله عن ذلك فقال: أوحى الله إلى موسى أن: قل لبني إسراءيل: لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة


(1) الآية: 90. (2) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 261. (3) حكاه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 277. (4) وهو ما ذكره الحسن البصري في تفسيره: ج 2 ص 95. (*)

[ 397 ]

ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقبل اليهودي يده وقال: أشهد أنك نبي (1). * (فسل بنى إسرا ءيل) * أي: سلهم من فرعون وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن حال دينهم، أو سلهم أن يعاضدوك، وقيل: معناه: فسأل يارسول الله المؤمنين من بني إسرائيل وهم عبد الله بن سلام وأصحابه لتزداد يقينا وطمأنينة قلب (2)، وعلى القول الأول تعلق * (إذ جاءهم) * بالقول المحذوف، أي فقلنا له: سلهم، وأما على القول الثاني فتعلق ب‍ * (ءاتينا) * أو بإضمار " اذكر "، والمعنى: إذ جاء آباءهم (3) * (مسحورا) * سحرت فخولط عقلك. * (لقد علمت) * يا فرعون * (ما أنزل هؤلاء) * الآيات * (إلا رب السموات والارض بصائر) * حججا وبينات مكشوفات ولكنك معاند، وقرئ: " علمت " (4) بمعنى: لست بمسحور بل أنا عالم بصحة الأمر، ثم قابل ظنه بظنه، فكأنه قال: إن ظننتني مسحورا ف‍ * (إنى) * أظنك * (مثبورا) * هالكا، وظني أصح من ظنك، فإن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما تعرف صحته وعنادك. * (فأراد) * فرعون * (أن) * يستخف موسى وقومه * (من) * أرض مصر ويخرجهم منها، أو ينفيهم عن ظهر * (الارض) * بالقتل، فاستفززناه: بأن أغرقناه وقومه بأجمعهم. * (وقلنا... لبنى إسرا ءيل اسكنوا) * أرض مصر * (فإذا جاء وعد الاخرة) * وهو قيام الساعة * (جئنا بكم لفيفا) * جميعا مختلطين ثم يحكم بينكم، واللفيف:


(1) هو ما رواه صفوان بن عسال عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع مسند أحمد: ج 4 ص 239، وسنن النسائي: ج 7 ص 111. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 697. (3) في نسخة: إياهم. (4) قرأه الكسائي والأعشى. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 503. (

[ 398 ]

الجماعات من قبائل شتى. * (وبالحق أنزلنه) * أي: ما أنزلنا القرآن إلا بالحق والحكمة * (و) * ما * (نزل) * إلا بالحكمة، لاشتماله على الهداية إلى الخيرات * (وما أرسلنك إلا) * لتبشرهم وتنذرهم. * (وقرءانا فرقنه لتقرأه على الناس على مكث ونزلنه تنزيلا (106) قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا (107) ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا (111)) * * (وقرءانا) * منصوب بفعل مضمر يفسره: " فرقناه " (1) وقرئ بالتخفيف، وروي عن علي (عليه السلام) بالتشديد وعن ابن عباس وأبي وغيرهم (2)، ومعنى المشدد: وجعلناه مفرقا منجما في النزول * (على مكث) * أي: على تثبت وتؤدة (3) وترتيل ليكون أمكن في قلوبهم * (ونزلنه) * على حسب الحاجة والحوادث. وعن ابن عباس: لان أقرأ سورة البقرة وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ


(1) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا على التشديد. (2) كابن مسعود وقتادة وأبي رجاء العطاردي والشعبي وحميد وعمرو بن قائد وزيد بن علي وعمرو بن ذر وعكرمة والحسن. انظر تفسير القرطبي: ج 10 ص 339، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 87. (3) التؤدة: التمهل والرزانة والتأني. (العين: مادة وأد). (*)

[ 399 ]

القرآن هذا (1) (2). * (قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا) * أمر بالإعراض عنهم وقلة الاكتراث بهم وبإيمانهم، وأنهم لم يدخلوا في الإيمان، فإن من هم أفضل منهم من الذين قرأوا الكتب وعلموا الشرائع قد آمنوا به وصح عندهم أنه النبي الموعود في كتبهم، ف‍ * (إذا) * تلي * (عليهم) * خروا * (سجدا) * تعظيما لأمر الله، ولإنجازه ما وعده في الكتب المنزلة من بعثة محمد (صلى الله عليه وآله) وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في قوله: * (إن كان وعد ربنا لمفعولا) * أي: إنه كان وعد الله حقا كائنا، وإنما ذكر الذقن لأن الساجد أقرب شئ منه إلى الأرض ذقنه، ومعنى اللام: الاختصاص، لأنهم جعلوا أذقانهم ووجوههم للسجود والخرور. وكرر قوله: * (يخرون للاذقان) * لاختلاف الحالين، وهما: خرورهم في حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين * (ويزيدهم) * القرآن * (خشوعا) * أي: لين قلب وتواضعا لله. والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا، ثم تترك أحد المفعولين استغناء عنه فتقول: دعوت زيدا، و * (الله) * و * (الرحمن) * يريد بهما الاسم لا المسمى، و * (أو) * للتخيير، أي: سموا الله بهذا الاسم أو بهذا، والتنوين في " أي " عوض من المضاف إليه، و * (ما) * مزيدة مؤكدة للشرط، و * (تدعوا) * مجزوم بالشرط الذي يتضمنه " أي " والمعنى: أي هذين الاسمين سميتم أو ذكرتم * (فله الاسماء الحسنى) *، والضمير في * (له) * لا يرجع إلى أحد الاسمين لكن إلى مسماهما وهو ذاته عز اسمه، لأن التسمية للذات


(1) الهذ: الاسراع في القراءة وفي القطع. (الصحاح: مادة هذذ). (2) سنن البيهقي: ج 2 ص 54 و 396 وج 3 ص 13. (*)

[ 400 ]

لا للاسم، والمراد: * (أيا) * ما تدعوه فهو حسن، فوضع موضعه * (فله الاسماء الحسنى) * لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما منها، والمعني في كون أسمائه أحسن الأسماء: أنها تستقل بمعاني التمجيد والتعظيم والتقديس. * (ولا تجهر ب‍) * قراءة * (صلاتك) * حذف المضاف لفقد الالتباس، لأن الجهر والمخافتة معلوم أنهما صفتان للصوت لاغير، والصلاة عبارة عن أفعال مخصوصة وأذكار * (وابتغ بين) * الجهر والمخافتة * (سبيلا) * وسطا، وقيل: بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار (1)، وقيل: بصلاتك: بدعائك (2). * (ولى من الذل) * ناصر من الذل ومانع له منه يتعزز به، أو: لايوالي أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.


(1) وهو قول الطبري في تفسيره: ج 8 ص 171. (2) قاله ابن عباس وعائشة وأبو عياض والنخعي وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن شداد والزبير ومكحول. راجع التبيان: ج 6 ص 534، وتفسير البغوي: ج 3 ص 142. (

[ 401 ]

سورة الكهف مكية (1)، مائة وإحدى عشرة آية بصري، عشر كوفي، عد البصري * (عندها قوما) * (2). في حديث أبي: " من قرأها فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة، ومن قرأ الآية التي في آخرها حين يأخذ مضجعه كان له في مضجعه نورا يتلألأ إلى الكعبة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم " (3). الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ليلة جمعة لم يمت إلا شهيدا، وبعثه الله مع الشهداء " (4).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 3: قال مجاهد وقتادة: هي مكية، وهي مائة وعشر في الكوفي، واحدى عشرة في البصري، وخمس في المدنيين. وقال الماوردي البصري في تفسيره: ج 3 ص 283: مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها وهي قوله تعالى: * (واصبر نفسك) *. وقال القرطبي في تفسيره: ج 10 ص 346: وهي مكية في قول جميع المفسرين، وروي عن فرقة: أن أول السورة نزل بالمدينة الى قوله: * (جرزا) *، والأول أصح. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 702: مكية إلا آية 38 ومن آية 83 الى غاية آية 101 فمدنية، وآياتها 110 نزلت بعد الغاشية. (2) الآية 86. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 751 مرسلا. (4) ثواب الأعمال للصدوق: ص 134. (*)

[ 402 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصلحت أن لهم أجرا حسنا (2) مكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفوا ههم إن يقولون إلا كذبا (5)) * علم سبحانه عباده كيف يحمدونه على أجل نعمه عليهم وهي ما أنزله * (على عبده) * محمد (صلى الله عليه وآله) من القرآن الذي هو سبب نجاتهم * (ولم يجعل له عوجا) * أي: شيئا من العوج، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد به: نفي التناقض عن معانيه. وانتصب * (قيما) * بمضمر وليس بحال من * (الكتب) *، لأن قوله: * (ولم يجعل له عوجا) * معطوف على * (أنزل) * فهو داخل في حيز الصلة، فمن جعله حالا من * (الكتب) * يكون فاصلا بين الحال وذي الحال ببعض الصلة وذلك غير جائز، والتقدير: ولم يجعل له عوجا بل جعله * (قيما) * لأنه إذا نفي عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة، وجمع بينهما للتأكيد، وقيل: معناه: قيما بمصالح العباد وقيما على سائر الكتب شاهدا بصحتها (1) * (لينذر) * الذين كفروا * (بأسا شديدا) * فاقتصر على أحد المفعولين * (من لدنه) * أي: صادرا من عنده، والأجر الحسن: الجنة. * (مكثين) * أي: لابثين * (فيه) * مؤبدين. * (مالهم به من علم) * لأنه ليس مما يعلم لاستحالته * (كلمة) * نصب على


(1) قاله الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 133. (*)

[ 403 ]

التمييز وفيه معنى التعجب، كأنه قال: ما أكبرها كلمة، وقيل: * (كبرت) * مثل " نعمت " (1)، و * (كلمة) * تفسير لفاعل * (كبرت) *، و * (تخرج) * صفة لموصوف محذوف، والتقدير: كبرت الكلمة كلمة خارجة * (من أفوا ههم) * والكلمة هي قولهم: * (اتخذ الله ولدا) * سميت كلمة كما سموا القصيدة كلمة. * (فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجعلون ما عليها صعيدا جرزا (8)) * * (بخع) * أي: قاتل * (نفسك) * وجدا وأسفا * (إن لم يؤمنوا) * بالقرآن، شبهه برجل فارقه أعزته فهو يتحسر * (على ءاثرهم) * ويبخع نفسه تلهفا على فراقهم، و * (أسفا) * حال أو مفعول له، والأسف: المبالغة في الحزن والغضب، ورجل أسف وأسيف. * (ما على الارض) * يعني: ما يصلح أن يكون * (زينة) * وحلية للأرض ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها * (لنبلوهم) * أي: لنختبرهم * (أيهم أحسن عملا) * وهو من كان أزهد فيها. ثم زهد سبحانه فيها بقوله: * (وإنا لجعلون ما عليها) * من هذه الزينة * (صعيدا جرزا) * أي: مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء مؤنقة (2) في زوال بهجته وذهاب رونقه وحسنه. * (أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم كانوا من ءايتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا


(1) قاله الفارسي وإليه ذهب أكثر النحاة على ما حكاه الآلوسي في تفسيره: ج 15 ص 204. (2) يقال: آنقني الشئ أي: أعجبني. (الصحاح: مادة أنق). (*)

[ 404 ]

من أمرنا رشدا (10) فضربنا على ءاذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثنهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12)) * * (الكهف) * الغار الواسع في الجبل، واختلف في * (الرقيم) *: فقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف (1)، وقيل: هو اسم الوادي الذي كان فيها الكهف (2)، وقيل: هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار فانسد عليهم فدعا كل واحد منهم بما عمله لله خالصا ففرج عنهم (3) * (كانوا) * آية عجبا * (من ءايتنا) * وصفا بالمصدر، أو ذات عجب. * (ءاتنا من لدنك رحمة) * أي: رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء * (وهيئ لنا من أمرنا) * الذي نحن فيه * (رشدا) * حتى نكون بسببه راشدين، أو: اجعل أمرنا رشدا كله كقولك: رأيت منك أسدا (4). * (فضربنا على ءاذانهم) * حجابا من أن تسمع، يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لاتنبههم منها الأصوات، فحذف المفعول الذي هو الحجاب، كما قالوا: بنى على امرأته، يعنون: بنى عليها القبة * (سنين عددا) * أي: ذوات عدد أي: سنين كثيرة. * (ثم بعثنهم) * أي: أيقظناهم من نومهم * (أي الحزبين) * فيه معنى الاستفهام، ولذلك علق عنه * (لنعلم) * فلم يعمل فيه، و * (أحصى) * فعل ماض ومعناه: أي الحزبين من المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف ضبط أمدا لأوقات لبثهم، ولا يكون * (أحصى) * من أفعل التفضيل في شئ، لأنه لايبنى من غير الثلاثي المجرد، ولم يزل سبحانه عالما بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور


(1) قاله سعيد بن جبير. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 145. (2) وهو قول الضحاك. راجع تفسير ابن كثير: ج 2 ص 72. (3) وهو ما رواه ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع صحيح مسلم: ج 4 ص 2099 ح 2743، ومسند أحمد 2: 116. (4) في نسخة: رشدا. (*)

[ 405 ]

الأمر لهم ليزدادوا إيمانا، وقيل: يعني بالحزبين: أصحاب الكهف وأنهم لما استيقظوا اختلفوا في مقدار لبثهم (1). * (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية ءامنوا بربهم وزدنهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنآ إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة لولا يأتون عليهم بسلطن بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16)) * * (وزدنهم هدى) * بالتوفيق والألطاف المقوية لدواعيهم. * (وربطنا على قلوبهم) * أي: قويناها وشددنا عليها حتى صبروا على هجر الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران * (إذ قاموا) * بين يدي ملكهم الجبار: دقيانوس من غير مبالاة به * (فقالوا ربنا) * الذي نعبده * (رب السموات والارض) *، * (شططا) * أي: قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم، من شط: إذا بعد. * (هؤلاء) * مبتدأ و * (قومنا) * عطف بيان وخبره * (اتخذوا) * وهو إخبار في معنى الإنكار * (لولا يأتون عليهم) * أي: هلا يأتون على عبادتهم * (بسلطن بين) * بحجة ظاهرة، وهو تبكيت (2) لأن الإتيان بالحجة على ذلك محال، وفيه دلالة على فساد التقليد * (افترى على الله كذبا) * بنسبة الشريك إليه. * (وإذ اعتزلتموهم) * خطاب من تمليخا - وهو رئيس أصحاب الكهف - لأصحابه * (وما يعبدون) * في محل النصب للعطف على الضمير، يعني: وإذ


(1) قاله مجاهد. راجع تفسير الرازي: ج 21 ص 84. (2) التبكيت: هو التعنيف واللوم، يقال: فلان بكت فلانا: إذا عنفه ولامه. (الصحاح: مادة بكت). (*)

[ 406 ]

اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم * (إلا الله) * يجوز أن يكون استثناء متصلا على أنهم كانوا يعترفون بالله ويشركون معه، وأن يكون منقطعا، وقيل: هو اعتراض ومعناه: الإخبار من الله تعالى أنهم لم يعبدوا غير الله (1) * (مرفقا) * قرئ بفتح الميم (2) وكسرها، وهو ما يرتفق به أي: ينتفع. * (وترى الشمس إذا طلعت تزا ور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من ءايت الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم بسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) وكذلك بعثنهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20)) * قرئ: * (تزا ور) * بالتخفيف والتشديد (3)، فالتخفيف لحذف التاء، والتشديد للإدغام، وقرئ: " تزور " على وزن " تحمر " (4) وكلها من الزور وهو الميل، و * (ذات اليمين) *: جهة اليمين، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين * (تقرضهم) *


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 707. (2) قرأه نافع وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 388. (3) وقراءة التشديد هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 388. (4) قرأه ابن عامر ويعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 508. (*)

[ 407 ]

تقطعهم لاتقربهم، من معنى القطيعة والصرم * (وهم في فجوة منه) * أي: في متسع من الكهف، ومعناه: أنهم لا تصيبهم الشمس في طلوع نهارهم ولا في غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح من غارهم، ينالهم فيه برد النسيم وروح الهواء * (ذا لك من ءايت الله) * وهو ما صنعه بهم من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة، وقوله: * (من يهد الله فهو المهتد) * ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله فلطف بهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة. * (وتحسبهم) * خطاب لكل أحد، والأيقاظ: جمع يقظ، أي: * (وهم) * نيام وعيونهم مفتحة، فيحسبهم من ينظر إليهم * (أيقاظا) * وقيل: لكثرة تقلبهم (1)، وقرأ الصادق (عليه السلام): " وكالبهم " (2) أي: صاحب كلبهم * (بسط ذراعيه) * حكاية حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان بمعنى المضارع، ولا يعمل (3) إذا كان في معنى الماضي، والوصيد: الفناء، وقيل: العتبة (4)، والرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أي: يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم (5)، وقيل: لوحشة مكانهم (6). * (و) * كما أنمناهم تلك النومة * (بعثنهم) * منها * (ليتسآءلوا بينهم) * أي: ليسأل بعضهم بعضا، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على معرفة صانعهم، ويزدادوا يقينا إلى يقينهم * (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) * لأنهم دخلوا


(1) قاله الزجاج على ما حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 21 ص 101. (2) حكاه عنه (عليه السلام) الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 709. (3) في بعض النسخ زيادة: إلا. (4) قاله عطاء. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 154. (5) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 709، والرازي في تفسيره: ج 21 ص 101. (6) حكاه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 155. (*)

[ 408 ]

الكهف غدوة وانتبهوا بعد الزوال فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وشعورهم * (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) * أي: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شئ آخر مما يهمكم، وقرئ: * (بورقكم) * بكسر الراء وسكونها (1) وهو الفضة * (أيها) * أي: أي أهلها، فحذف، مثل: * (وسل القرية) * (2)، * (أزكى طعاما) * أي: أطيب وأحل وأكثر وأرخص * (وليتلطف) * أي: وليتكلف اللطف في أمر البيع أو في أمر التخفي حتى لايعرف * (ولا يشعرن بكم أحدا) * أي: لايخبرن بمكانكم أحدا من أهل المدينة * (إنهم إن) * يعلموا بمكانكم ويطلعوا * (عليكم) * يقتلوكم بالرجم وهي أخبث القتلة * (أو) * يدخلوكم * (في ملتهم) * بالعنف ويصيروكم إليها * (ولن تفلحوا) * إن دخلتم في دينهم * (أبدا) *. * (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لاريب فيها إذ يتنزعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنينا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظهرا ولاتستفت فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشائ إنى فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هذا رشدا (24)) * * (و) * كما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة أطلعنا (3) * (عليهم) *


(1) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة وأبي بكر وروح. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 508. (2) يوسف: 82. (3) في بعض النسخ: اطلعنا، اطلعناهم. (*)

[ 409 ]

ليعلم الذين أطلعناهم (1) على حالهم * (أن وعد الله) * الذي هو البعث * (حق) * لأن حالهم في نومهم وانتباههم (2) كحال من يموت ثم يبعث، و * (إذ يتنزعون) * يتعلق ب‍ * (أعثرنا) * أي: أعثرناهم عليهم حين * (يتنزعون بينهم) * أمر دينهم، ويختلفون في البعث، فكان يقول بعضهم: يبعث الأرواح دون الأجساد، ويقول بعضهم: يبعث الأجساد مع الأرواح حتى يرتفع الخلاف ويتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت * (فقالوا) * حين توفي الله أصحاب الكهف: * (ابنوا) * على باب كهفهم * (بنينا) * كما يبنى المقابر * (قال الذين غلبوا على أمرهم) * من المسلمين وملكهم: * (لنتخذن) * على باب الكهف * (مسجدا) * يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم * (ربهم أعلم بهم) * أأحياء نيام هم أم أموات ؟ فقد قيل: إنهم ماتوا (3)، وقيل: إنهم لا يموتون إلى يوم القيامة (4). * (سيقولون) * الضمير لمن خاض في قصتهم في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أهل الكتاب والمسلمين، و * (ثلثة) * خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ثلاثة، وكذلك * (خمسة) * و * (سبعة) *، و * (رابعهم كلبهم) * جملة من مبتدأ وخبر وقعت صفة ل‍ * (ثلثة) *، وكذلك * (سادسهم كلبهم) * و * (ثامنهم كلبهم) *، وأما الواو الداخلة على الجملة الثالثة فإنها دخلت على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الجملة الواقعة حالا عن المعرفة، تقول: جاءني رجل ومعه آخر، وجاءني زيد ومعه غلامه، وفائدة الواو تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فهذه الواو تؤذن بأن قول الذين قالوا: * (سبعة وثامنهم


(1) في بعض النسخ: اطلعنا، اطلعناهم. (2) في نسخة زيادة: حالهم. (3) وهو قول الطبري في تفسيره: ج 8 ص 202. (4) حكاه الرازي في تفسيره: ج 21 ص 105. (*)

[ 410 ]

كلبهم) * قول صادر عن علم لا عن رجم ظن كقول غيرهم، ومعنى قوله: * (رجما بالغيب) *: رميا بالخبر الخفي وإتيانا به، نحو قوله: * (ويقذفون بالغيب) * (1) أي: يأتون به، أو وضع الرجم موضع الظن كأنه قال: ظنا بالغيب، قال زهير: وما هو عنها بالحديث المرجم (2) أي: المظنون، وعن ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة، يعني: لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع (3)، ويدل عليه أنه سبحانه أتبع القولين قوله: * (رجما بالغيب) * وأتبع القول الثالث قوله: * (ما يعلمهم إلا قليل) *، وقال ابن عباس: أنا من أولئك القليل (4) * (فلا تمار فيهم) * أي: فلا تجادل أهل الكتاب في أمر أصحاب الكهف * (إلا) * جدالا * (ظهرا) * بحجة ودلالة تقص عليهم ما أوحى الله إليك، وهو كقوله: * (وجد لهم بالتى هي أحسن) * (5)، * (ولاتستفت) * ولا تسأل * (أحدا) * منهم عن قصتهم. * (ولا تقولن ل‍) * أجل * (شائ) * تعزم عليه: * (إنى فاعل ذلك) * الشئ * (غدا) * أي: فيما يستقبل من الأوقات. * (إلا أن يشآء الله) * متعلق بالنهي لا بقوله: * (إنى فاعل) * لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله كان معناه: إلا أن تعترض


(1) سبأ: 53. (2) وصدره: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم. والبيت من معلقته التي مطلعها: أمن ام أوفي دمنة لم تكلم * بحومانة الدراج فالمتثلم وفيها يخاطب قبيلة ذبيان وأحلافهم ويحرضهم على الصلح مع بني عمهم بني عبس، ويخوفهم من الحرب، فإنهم قد علموا شدائدها في حرب داحس، فيقول لهم: ما الحرب إلا ماجربتم وذقتم مرارتها فاياكم أن تعودوا الى مثلها. انظر ديوان زهير بن أبي سلمى: ص 81. (3) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 297. (4) كما حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 156. (5) النحل: 125. (*)

[ 411 ]

مشيئة الله دون فعله، وذلك ما لا مدخل فيه للنهي، وتعلقه بالنهي على وجهين: أحدهما: لا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه، والثاني: لا تقولن ذلك إلا بأن يشاء الله أي: بمشيئة الله، وهو في موضع الحال يعني: إلا ملتبسا (1) بمشيئة الله، قائلا: إن شاء الله * (واذكر ربك) * أي: مشيئة ربك وقل: إن شاء الله * (إذا) * اعتراك نسيان لذلك، يعني: * (إذا نسيت) * كلمة الاستثناء ثم ذكرت فتداركها، وعن ابن عباس: ولو بعد سنة (2)، وعن الصادق (عليه السلام): " ما لم ينقطع الكلام "، وقيل: معناه: واذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي (3) * (وقل عسى أن) * يهديني * (ربى) * بشئ آخر بدل هذا المنسي أقرب منه * (رشدا) * وأدنى خيرا ومنفعة، وقيل: معناه: لعل ربي يؤتيني من البينات على أني نبي ما هو أعظم في (4) الدلالة من نبأ أصحاب الكهف (5)، وقد فعل سبحانه ذلك حيث قص عليه أخبار الأنبياء وأنبأه من الغيوب بما هو أعظم من ذلك. * (ولبثوا في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والارض أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولى ولا يشرك في حكمه أحدا (26) واتل مآأوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته ولن تجد من دونه ملتحدا (27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوا ة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيواة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هوبه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن


(1) في بعض النسخ: متلبسا. (2) حكاه عنه ابن كثير في تفسيره: ج 3 ص 78. (3) قاله عكرمة. راجع التبيان: ج 7 ص 29. (4) في بعض النسخ: " من ". (5) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 278. (*)

[ 412 ]

ومن شآء فليكفر إنآ أعتدنا للظلمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29)) * * (ولبثوا في كهفهم) * الآية بيان لما أجمل في قوله: * (فضربنا على ءاذانهم) * الآية (1)، و * (سنين) * عطف بيان ل‍ * (ثلث مائة) *، وقرئ: " ثلاث مائة سنين " مضافا (2)، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كما قال سبحانه: * (بالاخسرين أعملا) * (3)، * (وازدادوا تسعا) * أي: تسع سنين، لأن ما قبله دل عليه. * (قل الله أعلم بما لبثوا) * يريد أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم، والحق ما أخبرك به. وروي: أن يهوديا سأل عليا (عليه السلام) عن مدة لبثهم، فأخبر بما في القرآن، فقال: إنانجدفي كتابنا (4) ثلاثمائة، فقال (عليه السلام): " ذاك بسني الشمس وهذابسني القمر " (5). ثم ذكر اختصاصه بما غاب في * (السموات والارض) * وأنه العالم بذلك، ثم جاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك كل سامع ومبصر، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها * (مالهم) * الضمير لأهل السماوات والأرض * (من ولى) * أي: متول لأمورهم * (و) * ليس * (يشرك في) * قضائه * (أحدا) * منهم، قرئ: " ولا تشرك " بالتاء والجزم على النهي (6). * (لا مبدل لكلمته) * لا يقدر أحد على تبديل أحكام كلماته وتغييرها


(1) الآية: 11. (2) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 508. (3) الآية: 103. (4) في نسخة: كتبنا. (5) رواه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 158. (6) وهي قراءة ابن عامر وحده. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 509. (*)

[ 413 ]

* (و) * لا * (تجد من دونه ملتحدا) * (1) وموئلا، يقال: التحد إلى كذا: إذا مال إليه. * (واصبر نفسك) * أي: احبسها * (مع) * المؤمنين * (الذين) * يداومون على الدعاء عند الصباح والمساء، وقيل: المراد ب‍ * (الغدوا ة والعشي) *: صلاة الفجر والعصر (2) وقرئ: " بالغدوة " (3) * (ولا تعد عيناك عنهم) * أي: لا تتجاوز عيناك عنهم بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا * (تريد زينة الحيواة الدنيا) * في مجالسة أهل الغنى، وهي جملة في موضع الحال، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) حريصا على إيمان عظماء المشركين طمعا في إيمان أتباعهم، فأمر بالإقبال على فقراء المؤمنين كخباب وعمار وأبي ذر وغيرهم، وأن لا يرفع بصره عنهم * (من أغفلنا قلبه) * أي: جعلنا قلبه غافلا بالخذلان، أو وجدناه غافلا * (عن ذكرنا) *، أو: لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، من أغفل إبله: إذا تركها بغير وسم * (واتبع هوبه) * في أفعاله ومشتهياته * (فرطا) * أي: إفراطا وتجاوزا للحد، ونبذا للحق وراء ظهره، من قولهم: فرس فرط أي: متقدم للخيل. * (وقل الحق من ربكم) *: * (الحق) * خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لنفوسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك * (أعتدنا) * أي: أعددنا وهيأنا للذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله، وشبه سبحانه ما يحيط * (بهم) * من النار من جوانبهم بالسرادق * (يغاثوا بماء كالمهل) * وهو كل شئ أذيب كالنحاس والصفر، وقيل: هو دردي (4) الزيت (5)،


(1) في بعض النسخ زيادة: أي ملتجأ. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 717. (3) قرأه ابن عامر وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 390. (4) دردي الزيت: ما يبقى في أسفله. (الصحاح: مادة درد). (5) قاله ابن عباس. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 303. (*)

[ 414 ]

وروي: أنه كعكر (1) الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة رأسه (2) * (يشوى الوجوه) * إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته * (بئس الشراب) * ذلك * (وساءت) * النار * (مرتفقا) * متكأ، من المرفق، وهو يشاكل قوله: * (وحسنت مرتفقا) * (3). * (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك لهم جنت عدن تجري من تحتهم الانهر يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكين فيها على الارائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31)) * وقع قوله: * (من أحسن عملا) * موقع الضمير العائد إلى اسم * (إن) *، * (أولئك) * استئناف كلام، ويجوز أن يكون * (أولئك) * خبر * (إن) * و * (إنا لا نضيع) * اعتراضا. و * (من) * في * (من أساور) * لابتداء الغاية، وفي * (من ذهب) * للتبيين، والسندس: مارق من الديباج، والاستبرق: ما غلظ منه * (متكين فيها على الارائك) * أي: متنعمين في تلك الجنات على السرر في الحجال، لأن الاتكاء هيئة أهل التنعم من الملوك وغيرهم. * (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من أعنب وحففنهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيا وفجرنا خللهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصحبه


(1) العكر: هو دردي الزيت وغيره. (الصحاح: مادة عكر). (2) وهو ما رواه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 719 عن النبي (صلى الله عليه وآله) مرسلا. (3) الآية: 31. (*)

[ 415 ]

وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها منقلبا (36)) * مثل سبحانه حال المؤمنين والكافرين بحال * (رجلين) * متجاورين كان * (لاحدهما) * بستانان أجنهما الأشجار * (من أعنب) * وهما محفوفتان * (بنخل) * تطيف (1) النخل بهما، وبين البستانين مزرعه، وعن ابن عباس: كانا ابني ملك في بني إسرائيل ورثا مالا جزيلا، فأخذ المؤمن منهما حقه وتقرب به إلى الله تعالى، وأخذ الآخر حقه فتملك به الجنتين والضياع والأموال (2). * (كلتا الجنتين ءاتت أكلها) * أي: كل واحدة من البستانين أعطت غلتها، و * (ءاتت) * محمولة على اللفظ، لأن لفظ * (كلتا) * مفرد * (ولم تظلم منه شيا) * أي: لم تنقص * (وفجرنا) * أي: وشققنا وسط الجنتين ماء جاريا. * (وكان له ثمر) * أي: أنواع من المال، من ثمر ماله: إذا كثره، وقرئ: " ثمر " و " بثمره " (3) بضمتين (4) وبسكون الميم أيضا (5) في الموضعين، ويجوز أن يكون " ثمر " جمع " ثمرة " أو جمع " ثمار " ثم يخفف ويقال: " ثمر " مثل: " كتب "، وقرئ: بفتح الثاء والميم وهو جمع ثمرة: ما يجتني من ذي الثمرة، و * (أعز نفرا) * يعني: أنصارا وحشما، وقيل: أولادا ذكورا لأنهم ينفرون معه (6)، و * (يحاوره) *:


(1) في بعض النسخ: يطيف. (2) انظر تفسير ابن عباس: ص 247. (3) من الآية: 42. (4) قرأه ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي. كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 390. (5) وهي قراءة أبي عمرو. راجع التبيان: ج 7 ص 38. (6) قاله مقاتل. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 162. (*)

[ 416 ]

يراجعه الكلام، من حار يحور: إذا رجع. * (ودخل جنته) * آخذا بيد صاحبه المسلم يطوف به ويريه أملاكه ويفاخره بأمواله * (وهو ظالم لنفسه) * أي: معجب بما أوتي، مفتخر به، كافر لنعمة ربه. * (ولئن رددت إلى ربى) * أقسم على أنه إن رد إلى ربه على سبيل التقدير كما يزعم صاحبه ليجدن في الآخرة * (خيرا) * من جنته في الدنيا، وقرئ: " خيرا منهما " (1) بعود الضمير إلى * (الجنتين) *، * (منقلبا) * مرجعا وعاقبة، وانتصابه على التمييز. * (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوبك رجلا (37) لكنا هو الله ربى ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يليتنى لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) هنالك الولية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44)) * * (خلقك) * أي: خلق أصلك * (من تراب) * لأن خلق أصله سبب في خلقه، فكأن خلقه خلق له * (ثم سوبك) * أي: عدلك وأكملك إنسانا معتدل الخلق بالغا مبلغ الرجال. * (لكنا) * أصله: " لكن أنا " فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون " لكن "


(1) وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 509. (*)

[ 417 ]

فالتقت النونان فأدغم، و * (هو) * ضمير الشأن، أي: الشأن * (الله ربى) *، والجملة خبر " أنا " والراجع منها إليه ياء الضمير، وقرئ بحذف ألف " أنا " في الوصل (1)، وقرئ أيضا بإثباتها في الوصل والوقف جميعا (2)، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة، يقول لصاحبه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد. * (ما شاء الله) *: * (ما) * موصولة مرفوعة المحل على خبر الابتداء، والتقدير: الأمر ما شاء الله، أو شرطية منصوبة المحل والجزاء محذوف، والتقدير: أي شئ شاء الله كان، والمعنى هلا * (قلت) * عند دخول * (جنتك) *: الأمر ما شاء الله اعترافا بأنها حصلت لك بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده إن شاء حال بينك وبينها ونزع بركتها عنك * (لا قوة إلا بالله) * إقرار بأن قوته على عمارتها بمعونته، إذ لا يقوى أحد في بدنه وما يملكه إلا بالله، و * (أنا) * فصل و * (أقل) * مفعول ثان ل‍ * (ترن) *، وفي قوله: * (وولدا) * دلالة على أن النفر في قوله: * (وأعز نفرا) * المراد به الأولاد، والمعنى: * (إن) * ترني أفقر * (منك) * فأنا أتوقع من صنع الله * (أن) * يرزقني * (خيرا من جنتك) * ويسلبك نعمه، ويخرب جنتك لإيماني وكفرانك، و " الحسبان " مصدر بمعنى الحساب، أي: مقدارا قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها، وقيل: * (حسبانا) *: مرامي من عذابه: حجارة أو صاعقة (3) * (صعيدا) * أرضا مستوية لا نبات عليها، يزلق عنها القدم لملاستها، و * (زلقا) * و * (غورا) * كلاهما وصف بالمصدر. * (وأحيط) * به عبارة عن الهلاك، وأصل الإحاطة: إدارة الحائط على الشئ،


(1) وهي قراءة أبي عمرو رواية على ما حكاه ابن خالويه في شواذ القرآن: ص 83. (2) قرأه ابن عامر والمسيبي ورويس. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 509، والكشف عن وجوه القراءات السبع للقيسي: ج 2 ص 61. (3) قاله قتادة والقتيبي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 163. (*)

[ 418 ]

وتقليب الكفين عبارة عن الندم والتحسر، لأن النادم يفعل ذلك، فكأنه قال: فأصبح يندم * (على مآ أنفق فيها) * أي: في عمارتها * (وهي خاوية على عروشها) * يعني: سقطت عروش كرومها على الأرض وسقطت فوقها الكروم، قالوا: أرسل الله عليها نارا فأهلكتها (1) وغار * (ماؤها) * ثم تمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه، ويجوز أن يكون توبة من الشرك ودخولا في الإيمان. وقرئ: * (لم تكن) * بالتاء والياء (2) و * (ينصرونه) * محمول على المعنى دون اللفظ، والمعنى: * (لم تكن له) * جماعة تقدر على نصرته * (من دون الله) * أي: هو سبحانه وحده القادر على نصرته، لا يقدر أحد غيره أن ينصره، إلا أنه لم ينصره لأنه استوجب الخذلان * (وما كان منتصرا) * أي: ممتنعا بقوته عن انتقام الله. قرئ: * (الولية) * بفتح الواو وكسرها (3)، والفتح بمعنى النصرة، والكسر بمعنى السلطان والملك، و * (هنالك) * أي: في ذلك المقام وتلك الحال النصرة * (لله) * وحده لا يستطيعها أحد سواه، أو: السلطان لله لا يمتنع منه، أو: في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر، يعني: أن قوله: * (يليتنى لم أشرك) * كلمة ألجأته الضرورة إليها، و * (الحق) * قرئ بالرفع (4) صفة ل‍ * (الولية) *، وبالجر صفة لله * (هو خير ثوابا) * لأوليائه و * (خير عقبا) * أي: عاقبة، يعني: عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، وقرئ بضم القاف (5) وسكونها.


(1) في بعض النسخ: أهلكها. (2) وبالياء قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 510. (3) وقراءة الكسر هي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 392. (4) قرأه أبو عمرو والكسائي. راجع المصدر السابق. (5) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ونافع وابن كثير وابن عامر. راجع المصدر نفسه. (*)

[ 419 ]

* (واضرب لهم مثل الحيواة الدنيا كماء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الريح وكان الله على كل شئ مقتدرا (45) المال والبنون زينة الحيواة الدنيا والبقيت الصلحت خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46) ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة وحشرنهم فلم نغادر منهم أحدا (47) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقنكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) ووضع الكتب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا مال هذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (49)) * * (فاختلط به نبات الارض) * أي: تكاثف بسببه حتى خالط بعضه بعضا * (فأصبح هشيما) * متهشما متحطما * (تذروه الريح) * فتنقله من موضع إلى موضع، وقرئ: " تذروه الريح " (1) شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك بحال النبات يكون أخضر ثم يهيج فتطيره الرياح. * (والبقيت الصلحت) * هي الطاعات والحسنات يبقى ثوابها أبدا، وقيل: هي الصلوات الخمس (2) * (خير... ثوابا) * يعني: ما يتعلق بها من الثواب، وما يتعلق بها من الأمل، لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة. وقرئ: " تسير " (3) من سيرت و * (نسير) * من سيرنا، وتسييرها: قلعها من أماكنها وجعلها هباء منثورا، أو تسييرها في الجو * (بارزة) * ليس عليها ما يسترها


(1) قرأه طلحة بن مصرف. راجع تفسير القرطبي: ج 10 ص 413. (2) وهو قول سعيد بن جبير ومسروق وابراهيم. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 165. (3) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. راجع المصدر السابق. (*)

[ 420 ]

مما كان عليها * (وحشرنهم) * جمعناهم إلى الموقف، ويقال: غادره وأغدره أي: تركه، ومنه الغدير: ما غادره السيل، وشبهت حالهم بحال الجنود يعرضون على الملك. * (صفا) * مصطفين ظاهرين، ترى جماعتهم كما يرى كل واحد منهم * (لقد جئتمونا) * على إرادة القول، والمعنى: قلنا لهم: لقد بعثناكم * (كما) * أنشأناكم * (أول مرة) *، وقيل: جئتمونا عراة لا شئ معكم (1) * (موعدا) * أي: وقتا لإنجاز ماوعدتم على ألسنة الرسل من البعث. و * (الكتب) * للجنس، يعني: صحائف الأعمال * (يويلتنا) * ينادون هلكتهم الخاصة من بين الهلكات (2) * (صغيرة ولا كبيرة) * عبارة عن الإحاطة بالجميع * (إلا أحصيها) * أي: عدها وضبطها * (ووجدوا ما عملوا حاضرا) * في الصحف، أو وجدوا جزاء ما عملوا * (ولا يظلم ربك أحدا) * أي: لا ينقص ثواب محسن، ولا يزيد في عقاب مسئ. * (وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظلمين بدلا (50) مآ أشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (51) ويوم يقول نادوا شركاءي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم


(1) وهو ماروته عائشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا... "، وما رواه ابن عباس عنه (صلى الله عليه وآله) بلفظ: " قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطيبا بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم تحشرون الى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده... ". انظر صحيح مسلم: ج 4 ص 2194 ح 2859، وسنن الترمذي: ج 4 ص 615 ح 2423. (2) في نسخة: المهلكات. (*)

[ 421 ]

موبقا (52) ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) ولقد صرفنا في هذا القرءان للناس من كل مثل وكان الانسن أكثر شئ جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الاولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55)) * * (كان من الجن) * كلام مستأنف، والفاء للتسبيب، جعل كونه من الجن سببا في فسقه، ومعنى " فسق ": خرج عما أمره به ربه من السجود، أو صار فاسقا كافرا بسبب * (أمر ربه) * الذي هو قوله: * (اسجدوا) *، * (أفتتخذونه) * الهمزة للإنكار والتعجب، أي: أبعد ما وجد منه تتخذونه * (وذريته أولياء من دوني) * وتستبدلونهم بي ؟ ! * (بئس) * البدل من الله إبليس لمن استبدله. وقرئ: " مآ أشهدناهم " (1) أي: ما أحضرت إبليس وذريته * (خلق السموات والارض) * أي: اعتضادا بهم * (ولا) * أشهدت بعضهم * (خلق) * بعض، وهو كقوله: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (2)، * (وما كنت متخذ المضلين عضدا) * وضع * (المضلين) * موضع الضمير ذما لهم بالإضلال، أي: فما لكم تتخذونهم شركاء لي (3) في العبادة. وقرئ: * (يقول) * بالياء والنون (4)، وأضاف " الشركاء " إليه على زعمهم توبيخا لهم يريد الجن، والموبق: المهلك، من وبق يبق: إذا هلك، ويجوز أن يكون مصدرا أي: * (وجعلنا بينهم) * واديا من أودية جهنم، هو مكان الهلاك والعذاب


(1) وهي قراءة يزيد بن القعقاع والسجستاني وعون العقيلي. راجع شواذ القرآن: ص 83. (2) النساء: 29. (3) في بعض النسخ: شركائي. (4) وبالنون قرأه حمزة وحده. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 511. (*)

[ 422 ]

الشديد مشتركا يهلكون فيه جميعا، وعن الفراء: البين: الوصل، أي: جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة (1)، ويجوز أن يريد بالشركاء: الملائكة وعزيرا وعيسى، وبالموبق: البرزخ البعيد، أي: جعلنا بينهم أمدا بعيدا. * (فظنوا) * أي: فأيقنوا * (أنهم مواقعوها) * مخالطوها واقعون في عذابها * (مصرفا) * أي: معدلا (2). * (أكثر شئ جدلا) * أي: أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها، جدلا: خصومة ومماراة في الباطل، وانتصابه على التمييز. * (أن) * الأولى نصب، والثانية رفع وقبلها مضاف محذوف، والتقدير: * (وما منع الناس) * الإيمان والاستغفار * (إلا) * انتظار * (أن تأتيهم سنة الاولين) * وهي الإهلاك * (أو) * انتظار أن * (يأتيهم) * عذاب الآخرة " قبلا " (3) عيانا، وقرئ: * (قبلا) * أنواعا. * (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا به الحق واتخذوا ءايتى وما أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر بايت ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكنهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59)) * جدالهم: قولهم للأنبياء: * (مآأنتم إلا بشر مثلنا) * (4)، * (ولو شآء الله لانزل


(1) معاني القرآن للفراء: ج 2 ص 147. (2) في نسخة: معزلا. (3) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا بكسر القاف وفتح الباء تبعا للزمخشري. (4) يس: 15. (*)

[ 423 ]

ملئكة) * (1) ونحو ذلك * (ليدحضوا) * أي: ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها * (وما أنذروا) *: * (ما) * موصولة والعائد إليها من الصلة محذوف، أي: وما أنذروه من البعث والجزاء، أو مصدرية بمعنى: وإنذارهم * (هزوا) * أي: موضع استهزاء. * (بايت ربه) * بالقرآن، ولذلك عاد الضمير إليه مذكرا في قوله: * (أن يفقهوه) * أي: لا أحد أظلم ممن ذكر بالقرآن فلم يتذكر حين ذكر، و * (أعرض) * عنه جانبا * (ونسى) * عاقبة * (ما قدمت يداه) * من الكفر والمعاصي غير مفكر فيها، ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع * (على قلوبهم) *، وجمع بعد الإفراد للحمل على لفظ " من " ومعناه، * (فلن يهتدوا) * أي: فلا يكون منهم اهتداءالبتة، و * (إذا) * جواب وجزاء يعني: أنهم جعلوا ماكان يجب أن يكون سبب الاهتداء سببا في انتفائه. و * (الغفور) *: البليغ المغفرة * (ذو الرحمة) * الموصوف بالرحمة فلا * (يؤاخذهم) * عاجلا مع استحقاقهم العذاب * (بل لهم موعد) * يعني: يوم القيامة، وقيل: يوم بدر (2) * (لن يجدوا من دونه موئلا) * ملجأ ومنجى، يقال: وأل إليه: إذا لجأ إليه، ووأل: إذا نجى. * (وتلك القرى) * إشارة إلى قرى عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، و * (القرى) * صفة ل‍ * (تلك) * و * (تلك) * مبتدأ و * (أهلكنهم) * خبره، ويجوز أن يكون * (تلك القرى) * نصبا بفعل مضمر يفسره " أهلكنا "، والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم * (لما ظلموا) * مثل ظلم قريش " وجعلنا لمهلكهم " (3) أي: لإهلاكهم


(1) المؤمنون: 24. (2) قاله الطبري في تفسيره: ج 8 ص 243. (3) يظهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا بضم الميم وفتح اللام التي بعدها وهي قراءة الجمهور سوى عاصم على المشهور. (*)

[ 424 ]

أو لوقت إهلاكهم، وقرئ: * (لمهلكهم) * ومعناه: لهلاكهم، أو لوقت هلاكهم * (موعدا) * معلوما، والموعد: وقت أو مصدر. * (وإذ قال موسى لفتيه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا (60) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) فلما جاوزا قال لفتيه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) قال أرءيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسنيه إلا الشيطن أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ءاثارهما قصصا (64)) * * (فتيه) * يوشع بن نون، وسماه فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه ليأخذ منه العلم. وفي الحديث: " ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي " (1). و * (لا أبرح) * بمعنى: لا أزال، وخبره محذوف لدلالة الحال عليه، لأنها كانت حال سفر، فلو كان بمعنى: " لا أزول " لدل على الإقامة، فلابد أن يكون المعنى: * (لا أبرح) * أسير * (حتى أبلغ مجمع البحرين) * وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر (عليهما السلام)، وهو ملتقى بحري فارس والروم، فبحر الروم مما يلي المغرب وبحر فارس مما يلي المشرق * (أو أمضى حقبا) * أو أسير زمانا طويلا، والحقب: ثمانون سنة، أو سبعون. * (نسيا حوتهما) * أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على وجدان البغية، وقيل: نسي يوشع أن يقدمه ونسي موسى أن يأمره فيه بشئ وكان سمكة مملوحة (2)، وقيل: إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة ونام موسى، فلما أصاب


(1) رواه أحمد في مسنده: ج 2 ص 496، وفي صحيح مسلم: ج 4 ص 1764 ح 2249 بلفظ: " لا يقولن أحدكم... ". (2) قاله ابن عباس. راجع التبيان: ج 7 ص 67. (*)

[ 425 ]

السمكة روح الماء وبرده عاشت ووقعت في الماء (1)، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووثب في الماء (2) * (فاتخذ) * الحوت * (سبيله) * أي: طريقه * (في البحر سربا) * أي: مسلكا يذهب فيه، صار الماء عليه مثل الطاق وحصل من الماء في مثل السرب. * (فلما جاوزا) * الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت ونسيان يوشع أن يذكر لموسى ما رأه من حياته (3) ووقوعه في الماء ألقي على موسى النصب والجوع ولم يجع ولم يتعب قبل ذلك، فتذكر موسى الحوت وطلبه، وقوله: * (من سفرنا هذا) * إشارة إلى مسيرهما حين جاوزا الصخرة وسارا تلك الليلة والغد إلى الظهر، ولما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، فكأنه * (قال أرءيت) * مادهاني * (إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت) * ونسيت حديثه، وقيل: معناه: تركت الحوت وفقدته (4)، و * (أن أذكره) * بدل من الهاء في * (أنسنيه) * أي: وما أنساني ذكره * (إلا الشيطن) * وقرأ حمزة (5): * (وما أنسنيه) * وفي الفتح * (عليه الله) * (6) بضم الهاء (7)، و * (عجبا) * مفعول ثان ل‍ * (اتخذ) * مثل * (سربا) *، أي: واتخذ سبيله سبيلا عجبا وهو كونه مثل السرب، وقوله: * (وما


(1) وهو قول الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 154. (2) قاله الكلبي. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 305. (3) في نسخة: حوته. (4) قاله البغوي في تفسيره: ج 3 ص 172. (5) كذا في جميع النسخ، لكن لم نعثر فيما توفرت لدينا من مصادر عن قراءة كهذه منسوبة لحمزة، بل هي متواترة عن حفص وحده وقد، نسب هذه القراءة - في الموضعين - الى حفص في مجمع البيان: ج 5 - 6 ص 479. (6) الآية: 10. (7) انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 394. (*)

[ 426 ]

أنسنيه إلا الشيطن أن أذكره) * اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. و * (ذلك) * إشارة إلى اتخاذه سبيلا، أي: ذلك الذي * (كنا) * نطلب من العلامة * (فارتدا) * أي: رجعا في الطريق الذي جاءا منه يقصان آثارهما * (قصصا) *، وقرئ: * (نبغ) * بغير ياء في الوصل (1) وإثباتها أحسن (2). * (فوجدا عبدا من عبادنا ءاتينه رحمة من عندنا وعلمنه من لدنا علما (65) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع معى صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا (69) قال فإن اتبعتنى فلا تسلنى عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا (75)) * * (رحمة من عندنا) * هي الوحي والنبوة * (من لدنا) * مما يختص بنا من العلم وهو الإخبار عن الغيوب. وقرئ: " رشدا " (3) ومعناه: علما ذا رشد أرشد به في ديني، و * (لن تستطيع) * نفي استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد كأنها مما لا يصح ثبوته، وعلل ذلك بأنه يأتي بما لايعرف هو باطنه ولا يعلم حقيقته


(1) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 392. (2) والكسائي وحده أثبتها في الوصل. راجع المصدر السابق. (3) قرأه أبو عمرو وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 394. (*

[ 427 ]

فظاهره عنده منكر، والخبر: العلم، و * (خبرا) * تمييز، أي: * (لم) * يحط * (به) * خبرك. * (ولا أعصى) * في محل نصب عطف على * (صابرا) * أي: * (ستجدني) * صابرا وغير عاص، وعلق صبره بمشيئة الله علما منه بشدة الأمر. وقرئ: " فلا تسلني " بالنون الثقيلة (1)، والمعنى: أن من شرط اتباعك لي أن لا تسألني * (عن شئ) * أفعله مما تنكره علي إذ يخفي عليك وجه حسنه * (حتى) * أكون أنا مفسره * (لك) * وهذا من أدب المتعلم على العالم والمتبوع على التابع. * (فانطلقا) * على ساحل البحر يطلبان السفينة * (حتى إذا ركبا في السفينة) * أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين مما يلي الماء منها، فحشاها موسى بثوبه وجعل يقول: * (أخرقتها لتغرق أهلها) *، وقرئ: " ليغرق أهلها " (2)، * (لقد جئت شيا إمرا) * أي: عظيما، من قولهم: أمر الأمر: إذا عظم. * (بما نسيت) * أي: بشئ نسيته، أو بالذي نسيته، أو بنسياني، أراد: أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي، وعن أبي: أنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام (3)، أراد: أنه أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسي، ويجوز أن يريد بالنسيان: الترك، أي: * (لا تؤاخذني بما) * تركت من وصيتك أول مرة * (ولا ترهقني) * أي: لا تكلفني * (من أمرى) * مشقة، وعاملني باليسير، ورهقه: غشيه، وأرهقه إياه، فكأنه قال: ولا تغشني * (عسرا) * من أمري وهو اتباعه إياه، وقرئ: " عسرا " بضمتين (4).


(1) وهي قراءة نافع وابن عامر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 512. (2) قرأه الحسن وأبو رجاء. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 84. (3) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 8 ص 258. (4) قرأه عيسى ويحيى بن وثاب وأبو جعفر المدني. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 84. (*)

[ 428 ]

فخرجا من البحر وانطلقا يمشيان، ف‍ * (لقيا غلما فقتله) * الخضر، " زاكية " (1) أي: طاهرة من الذنوب، وقرئ: * (زكية) *، * (بغير نفس) * أي: لم يقتل نفسا فيقتص (2) منها * (نكرا) * أي: فظيعا منكرا، وقرئ بضمتين (3)، وفي زيادة * (لك) * هنا زيادة العتاب على ترك الوصية. * (قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصحبني قد بلغت من لدنى عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيآ أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا (77) قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) أما السفينة فكانت لمسكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلم فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغينا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوا ة وأقرب رحما (81) وأما الجدار فكان لغلمين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صلحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا (82)) * * (بعدها) * أي: بعد هذه المرة، أو بعد المسألة * (فلا تصحبني) * أي: فلا تتابعني على صحبتك وإن طلبتها، وقرئ: " فلا تصحبني " (4) أي: فلا تكن


(1) يبدو أن المصنف قد اعتمد على هذه القراءة بالألف هنا تبعا للكشاف. (2) في نسخة: فتقتص. (3) قرأه نافع برواية الأصمعي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم وابن ذكوان عن ابن عامر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 513، والتبيان: ج 7 ص 73. (4) وهي قراءة عيسى وابن عامر في رواية. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 84. (*)

[ 429 ]

صاحبي * (قد بلغت من لدنى عذرا) * أي: قد أعذرت فيما بيني وبينك إذ أخبرتني أن لا أستطيع معك صبرا. وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " استحيا نبي الله موسى، فلو صبر لرأى ألفا من العجائب " (1). وقرئ: " من لدني " بتخفيف النون (2). * (أهل قرية) * هي أنطاكية، وقيل: أيلة (3)، وقيل: قرية على ساحل البحر تسمى ناصرة (4) * (أن يضيفوهما) * أي: لم يضفهما أحد من أهلها، والتضييف والإضافة بمعنى، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " كانوا أهل قرية لئاما " (5)، وقيل: شر القرى: التي لا يضاف الضيف فيها، ولا يعرف لابن السبيل حقه (6) * (يريد أن ينقض) * أي: أشرف على أن ينهدم، استعيرت الإرادة للمشارفة والقرب كما استعير الهم والعزم لذلك، قال: يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل (7) وقال حسان: إن دهرا يلف شملي بجمل * لزمان يهم بالإحسان (8) وانقض: أسرع سقوطه، وهو انفعل مطاوع قضضته (9)، وقيل: هو افعل من


(1) رواه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 75. (2) وهي قراءة نافع والأعشى. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 513. (3) قاله قتادة وابن سيرين. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 175، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 330 وفيه: " الابلة ". (4) ذكره القرطبي في تفسيره: ج 11 ص 24 ونسبه الى الثعلبي. (5) أخرجه السيوطي في الدر: ج 5 ص 427 وعزاه الى الديلمي عن ابي بن كعب عنه (صلى الله عليه وآله). (6) وهو قول قتادة. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 175. (7) لم نعثر على قائله فيما توفرت لدينا من مصادر معتمدة، إلا صاحب مجاز القرآن فقد نسبه الى الحارثي ولم يبين من هو، ومعناه واضح. راجع مجاز القرآن لأبي عبيدة: ج 1 ص 410. (8) وفيه تشبيه الزمان بانسان يصح منه إرادة الإحسان على طريق المكنية، والهم في هذا البيت تخييل أو هو من باب المجاز العقلي. انظر ديوان حسان بن ثابت: ج 1 ص 517. (9) في نسخة: نقضته. (*)

[ 430 ]

النقض كاحمر من الحمرة (1) * (فأقامه) * بيده، وقيل: مسحه بيده فقام واستوى (2)، ولما أقام الجدار وكانت الحال حال افتقار إلى المطعم ولم يجدا مواسيا، لم يملك موسى نفسه أن * (قال لو شئت) * اتخذت * (عليه أجرا) * حتى نسد به جوعتنا (3)، وقرئ: " لتخذت " (4) والتاء من " تخذت " أصل، " اتخذ " افتعل منه ك‍ " اتبع " من " تبع " وليس من الأخذ في شئ. * (قال هذا) * أي: الاعتراض سبب الفراق، والأصل: هذا فراق بيني وبينك، فأضاف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به * (لمسكين) * لفقراء * (يعملون) * بها * (في البحر) * ويتعيشون بها * (وراءهم) * أمامهم كقوله: * (ومن ورائهم برزخ) * (5)، وقيل: خلفهم (6)، وكان طريقهم في رجوعهم عليه، وما كان عندهم خبره فأعلم الله به الخضر وهو جلندى (7)، وقرأ أبي و عبد الله (8): " كل سفينة صالحة غصبا " (9)، وقرأ أبي وابن عباس: " وأما الغلام فكان كافرا


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 739 - 740. (2) قاله سعيد بن جبير على ما حكاه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 175. (3) في بعض النسخ: جوعنا. (4) وهي قراءة ابن كثير والبصريين. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 514. (5) المؤمنون: 100. (6) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 305. (7) وجلندى: اسم ملك عمان. انظر الصحاح: مادة " جلد ". (8) والمراد به عبد الله بن مسعود بن غافل، أبو عبد الرحمن، من أكابر الصحابة والسابقين في الاسلام، أمره عثمان على الكوفة في خلافته ثم عزله وأمره بالرجوع الى المدينة، ثم جعله القيم على بيت المال، ثم استعفاه لخلاف حدث بينه وبينه فأعفاه وأخذ منه مفاتيح بيت المال، توفي في خلافة عثمان - أثر كسر ضلع حدث به بعد أن داسه الخليفة برجليه - عن نحو ستين عاما. انظر الإصابة: ج 2 ص 368 - 369، والاستيعاب: ج 3 ص 987 - 994. (9) حكاه عنهما الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 80. (*)

[ 431 ]

وأبواه مؤمنين " (1) وكلاهما قراءة أهل البيت (عليهم السلام) (2)، * (فخشينا) * أي: فخفنا * (أن) * يغشي الوالدين المؤمنين * (طغينا) * عليهما * (وكفرا) * لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما بلاء، أو يعذبهما برأيه (3) فيحملهما على الطغيان والكفران. وقرئ: * (يبدلهما) * بالتشديد (4) والتخفيف، والزكاة: الطهارة والنقاء من الذنوب، والرحم: الرحمة والعطف. الصادق (عليه السلام): " إنهما أبدلا بالغلام المقتول جارية فولدت سبعين نبيا " (5). واختلف في الكنز، فقيل: مال مدفون من الذهب والفضة (6)، وقيل: كتب علم مدفونة (7)، وقيل: لوح من ذهب مكتوب فيه: " عجبا لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " (8). الصادق (عليه السلام): " إنه كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء " (9).


(1) حكاها الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 334، والبغوي في تفسيره: ج 3 ص 176 وفيهما: وكان أبواه. (2) انظر تفسير العياشي: ج 2 ص 335 و 336 ح 54 و 55. (3) في بعض النسخ: بدائه. (4) وهي قراءة نافع وأبي عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 397. (5) تفسير العياشي: ج 2 ص 336 - 337 ح 60 و 61. (6) قاله عكرمة وقتادة. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 336. (7) قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 336. (8) وهو قول ابن عباس وعكرمة وعمر مولى غفرة والحسن، ورواه عثمان بن عفان وأنس عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 336، وتفسير القرطبي: ج 11 ص 38. وفي تفسير القمي: ج 2 ص 40 باسناده عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام). (9) حكاه عنه (عليه السلام) الرازي في تفسيره: ج 21 ص 162. (*)

[ 432 ]

* (رحمة) * مفعول له، أو مصدر منصوب ب‍ * (أراد ربك) * لأنه في معنى " رحمهما "، * (وما فعلته) * ما رأيت * (عن أمرى) * أي: عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله، وفي قراءة علي (عليه السلام): " وما فعلته يا موسى عن أمري ". * (ويسلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا له في الارض وءاتينه من كل شئ سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذفيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما من ءامن وعمل صلحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم أتبع سببا (92)) * * (ذي القرنين) * هو الإسكندر الذي ملك الدنيا، وقيل: ملك الدنيا مؤمنان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: نمرود وبخت نصر (1). واختلف فيه (2) فقيل: كان عبدا صالحا أعطاه الله العلم والحكمة وملكه الأرض (3)، وقيل: كان نبيا فتح الله على يديه الأرض (4). وعن علي (عليه السلام): " كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله


(1) قاله مجاهد في تفسيره: ص 450. (2) أي بذي القرنين. (3) وهو قول علي (عليه السلام) على ما حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 337. (4) وهو قول عكرمة ومجاهد عن ابن عمر وابن العاص. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 310. (*)

[ 433 ]

فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله، فسمي ذا القرنين، وفيكم مثله " (1). وقيل: سمي ذا القرنين لأنه قد بلغ قطري الأرض من المشرق والمغرب (2)، وقيل: كان لتاجه قرنان (3)، والسائلون: هم اليهود، سألوه على وجه الامتحان، وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه (4) * (وءاتينه من) * أسباب * (كل شئ) * أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه * (سببا) * طريقا موصلا إليه، فأراد بلوغ المغرب " فاتبع سببا " يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق " فاتبع سببا " وأراد بلوغ السدين " فاتبع سببا " (5)، وقرئ: * (فأتبع) * بقطع الهمزة، أي: فأتبع أمره سببا، أو أتبع ما هو عليه سببا. وقرئ: * (حمئة) * من حمئت البئر: إذا صارت فيها الحمأة (6)، و " حامية " (7) أي: حارة * (ووجد) * عند العين ناسا كانوا كفرة، فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام فاختار دعوتهم واستمالتهم، ف‍ * (قال أما من) * دعوته فأبى إلا البقاء على أعظم الظلم وهو الكفر فذاك هو المعذب في الدارين


(1) حكاه عنه (عليه السلام) الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 743، والرازي في تفسيره: ج 21 ص 164. (2) وهو قول الزهري. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 337. (3) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 743. (4) وهو ما رواه القمي في تفسيره: ج 2 ص 31 و 40 بإسناده عن الصادق (عليه السلام)، وإليه ذهب محمد بن إسحاق على ما حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 21 ص 82 و 164. (5) الظاهر أن القراءة المعتمدة عند المصنف هنا بوصل الهمزة وتشديد التاء المفتوحة. (6) الحمأة: الطين الأسود. (الصحاح: مادة حمأ). (7) وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 398. (*)

[ 434 ]

* (وأما من ءامن و) * أصلح " فله جزاء الحسنى " (1) أي: جزاء الفعلة الحسنى، وقرئ: * (جزاء) * بالنصب والتنوين، ومعناه: فله المثوبة الحسنى جزاء أي: مجزية، فهو مصدر وضع موضع الحال * (من أمرنا يسرا) * أي: لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر من الخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر. وقرئ: * (مطلع) * بفتح اللام (2) وكسرها وهو مصدر، والمعنى: * (بلغ) * مكان مطلع الشمس * (على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا) * لم يكن بها جبل ولا شجر ولا بناء، وعن كعب: كان أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوها، فإذا غربت تصرفوا في أمورهم ومعايشهم (3)، وقيل: الستر: اللباس (4)، وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض (5). * (كذلك) * أي: أمر ذي القرنين كذلك، أي: كما وصفناه تعظيما لأمره * (وقد أحطنا بما لديه) * من الجنود والآلات وأسباب الملك * (خبرا) * أي: علما تكثيرا لذلك، وقيل: يريد * (بلغ مطلع الشمس) * مثل ذلك أي: كما بلغ مغربها (6)، وقيل: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم (7)، ومعناه: أنهم كفرة مثلهم، وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر وإحسانه إلى من آمن منهم. * (حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون


(1) يبدو جليا أن المصنف (رحمه الله) قد اعتمد هنا على هذه القراءة أي بالرفع من غير تنوين. (2) قرأه ابن كثير برواية شبل وعيسى وابن محيصن. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 85. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 745. (4) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 252. (5) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 2 ص 745. (6) قاله السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 311. (7) وهو قول الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 309. (*)

[ 435 ]

قولا (93) قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) ءاتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال ءاتونى أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطعوا أن يظهروه وما استطعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكآء وكان وعد ربى حقا (98)) * السدان: جبلان سد ذو القرنين ما بينهما، وقرئ: بالضم (1) والفتح، وقيل: ما كان من عمل العباد فهو مفتوح، وما كان من خلق الله فهو مضموم، لأنه فعل بمعنى مفعول فعله الله وخلقه، والمفتوح مصدر فهو حدث يحدثه الناس (2)، و * (بين) * انتصب على أنه مفعول به، كما انجر بالإضافة في قوله: * (هذا فراق بينى وبينك) * (3)، وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق * (من دونهما قوما) * قيل: هم الترك (4) * (لا يكادون يفقهون قولا) * أي: لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها، وقرئ: " يفقهون " (5) أي: لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه، لأن لغتهم غريبة مجهولة. * (يأجوج ومأجوج) * اسمان أعجميان، وقرئا: بالهمزة * (مفسدون في


(1) قرأه حمزة والكسائي ونافع وعاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 399. (2) وهو قول عكرمة وأبي عبيدة. راجع مجاز القرآن لأبي عبيدة: ج 1 ص 414، والتبيان: ج 7 ص 89. (3) الآية: 78. (4) قاله السدي والضحاك. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 180. (5) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع العنوان في القراءات السبع لابن خلف: ص 124. (*)

[ 436 ]

الارض) * قيل: كانوا يأكلون الناس (1)، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه (2) (3). وعن النبي (صلى الله عليه وآله) في صفتهم: " أنه لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح " (4). وقيل: إنهم صنفان: طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر (5). وقرئ: * (خرجا) * و " خراجا " (6) أي: جعلا نخرجه من أموالنا، ونظيرهما النول والنوال. * (ما مكنى... ربى) * أي: ما جعلني ربي فيه مكينا من كثرة المال واليسار * (خير) * مما تبذلونه من الخراج فلا حاجة بي إليه، وقرئ: بالإدغام وفكه (7) * (فأعينوني بقوة) * أي: برجال وصناع يحسنون البناء وبالآلات * (ردما) * أي: حاجزا حصينا، والردم: أكبر من السد، قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من * (زبر الحديد) * بينهما الحطب والفحم * (حتى) * سد ما * (بين) * الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ * (حتى إذا) * صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق


(1) قاله سعيد بن جبير. راجع التبيان: ج 7 ص 91، وفي تفسير الطبري: ج 8 ص 279 نسبه الى سعيد بن عبد العزيز. (2) في نسخة: حملوه. (3) قاله الكلبي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 181 و 182. (4) أخرجه الطبري في تفسيره: ج 8 ص 284 باسناده عن أبي سعيد الخدري عنه (صلى الله عليه وآله) باختلاف يسير لا يضر. (5) حكاه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 181 ونسبه الى علي (عليه السلام). (6) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 400. (7) قرأ ابن كثير وحده بالتفكيك - أي: بنونين - والباقون بالادغام. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 516. (*)

[ 437 ]

بعضه ببعض وصار جبلا صلدا (1)، والصدفان بفتحتين: جانبا الجبلين، لأنهما يتصادفان أي: يتقابلان، وقرئ: " الصدفين " بضمتين (2) وبضمة وسكون (3)، والقطر: النحاس المذاب، و * (قطرا) * منصوب ب‍ * (أفرغ) * وتقديره: * (ءاتونى) * قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وقرئ: " قال ائتوني " (4) جيئوني. * (فما اسطعوا) * بحذف التاء للخفة، وقرئ: " فما اصطاعوا " بقلب السين صادا (5) * (أن يظهروه) * أن يعلوه، أي: لا حيلة لهم في صعوده لارتفاعه وملاسته، ولا في نقبه لصلابته وثخانته. * (هذا) * إشارة إلى السد، أي: هذا السد نعمة * (من) * الله و * (رحمة) * على عباده * (فإذا جاء وعد ربى) * أي: دنا مجئ يوم القيامة جعل السد " دكا " (6) أي: مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض، وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك، وقرئ: * (دكآء) * بالمد، أي: أرضا مستوية * (وكان وعد ربى حقا) * هذا آخر حكاية قول ذي القرنين. * (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعنهم جمعا (99) وعرضنا جهنم يومئذ للكفرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب


(1) انظر تفسير البغوي: ج 3 ص 182. (2) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 2 ص 79. (3) وهي قراءة عاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 401. (4) قرأه حمزة وعاصم برواية أبي بكر. راجع المصدر السابق. (5) وهي قراءة الأعشى على ما حكاه عنه ابن غلبون في تذكرته: ج 2 ص 518. (6) يبدو واضحا أن المصنف اعتمد هنا على القراءة بالقصر تبعا للكشاف، وهي قراءة المشهور غير الكوفيين. (*)

[ 438 ]

الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنآ أعتدنا جهنم للكفرين نزلا (102) قل هل ننبئكم بالاخسرين أعملا (103) الذين ضل سعيهم في الحيواة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بايت ربهم ولقآئه فحبطت أعملهم فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا ءايتى ورسلي هزوا (106)) * * (وتركنا بعضهم) * أي: وجعلنا بعض الخلق يوم خروج يأجوج ومأجوج * (يموج في بعض) * أي: يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى، أو يكون الضمير ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد. وقد روي: أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ثم يبعث الله نغفا (1) في أقفائهم فتدخل آذانهم فيهلكون بها (2). * (وعرضنا جهنم) * وأبرزناها لهم فرأوها وشاهدوها. * (عن ذكرى) * عن آياتي والتفكر فيها، ونحوه: * (صم بكم عمى) * (3). * (وكانوا لا يستطيعون سمعا) * أي: وكانوا صما عنه. وقراءة أمير المؤمنين (عليه السلام): " أفحسب الذين كفروا " (4) أي: أفكافيهم ومحسبهم * (أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء) * وهم الملائكة، فهو مبتدأ وخبر،


(1) النغف: نوع من الدود يكون في انوف الإبل والغنم. (الصحاح: مادة نغف). (2) قاله وهب. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 184. (3) البقرة: 18. (4) حكاه الطوسي في التبيان: ج 7 ص 96، وابن خالويه في شواذ القرآن: ص 85. (

[ 439 ]

أو بمنزلة الفعل والفاعل، لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل، كقولك: أقائم الزيدان، والمعنى: أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. وأما القراءة المشهورة فمعناها: أفحسبوا أن يتخذوهم من دوني أربابا ينصرونهم، أي: لا يكونون لهم أولياء ناصرين، والنزل: ما يقام للنزيل وهو الضيف، ونحوه: * (فبشرهم بعذاب أليم) * (1). * (الذين ضل سعيهم) * أي: ضاع وبطل عملهم، وهم الرهبان * (وهم) * يظنون * (أنهم) * محسنون، وأن أفعالهم طاعة وقربة. وعن علي (عليه السلام): هو كقوله: * (عاملة ناصبة) * (2) وقال: " منهم أهل حروراء " (3) (4). * (فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا) * أي: لا يكون لهم عندنا وزن ومقدار، ونزدري بهم (5). * (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت كانت لهم جنت الفردوس نزلا (107) خلدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمت ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110)) *


(1) آل عمران: 21. (2) الغاشية: 3. (3) حروراء: هو موضع على ميلين من الكوفة، نزل به الخوارج الذين خالفوا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فنسبوا إليها. وبها كان أول تحكيمهم واجتماعهم حين خالفوه (عليه السلام). انظر معجم البلدان للحموي: ج 2 ص 246. (4) التبيان: ج 7 ص 97 وزاد: وسأله ابن الكوا عن ذلك، فقال (عليه السلام): أنت وأصحابك منهم. (5) وفي بعض النسخ زيادة: أعينهم. (*)

[ 440 ]

الحول: التحول (1)، يقال: حال عن مكانه حولا، كما قالوا: عادني حبها عودا، أي: لا يطلبون تحولا * (عنها) * إلى موضع آخر لكمال طيبها. المداد: اسم ما يمد به الدواة، والمعنى: * (لو) * كتبت كلمات علم الله وحكمته و * (كان البحر مدادا) * لها، والمراد بالبحر: الجنس * (لنفد البحر قبل أن تنفد) * ال‍ * (كلمت) *، * (ولو جئنا) * بمثل البحر مدادا لنفد أيضا والكلمات لاتنفد، و * (مددا) * تمييز، كقولك: لي مثله رجلا، والمدد مثل المداد: وهو ما يمد به، وقرئ: " ينفد " بالياء (2). * (فمن كان يرجوا) * أي: يأمل حسن * (لقاء ربه) * وأن يلقاه لقاء رضا وقبول، أو: فمن كان يخاف سوء لقائه، والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة: أن لايرائي بعمله، وأن لا يبتغي به إلا وجه ربه خالصا لا يريد به غيره. وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " قال الله عزوجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، فهو للذي أشرك " (3). وعن الصادق (عليه السلام): " ما من أحد يقرأ آخر الكهف عند النوم إلا تيقظ في الساعة التي يريدها " (4) (5).


(1) في نسخة زيادة: الحول والتحول بمعنى. (2) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 402. (3) صحيح مسلم: ج 4 ص 2289 ح 2985 وفيه بعد " غيري ": تركته وشركه، سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1405 ح 4202. (4) اصول الكافي: ج 2 ص 540 ح 17. (5) إلى هنا يتم الجزء الأول من الكتاب حسب تجزئة المصنف (قدس سره) على ما يبدو من النسخ، حيث ورد في بعضها: " تم الجلد الأول من تفسير الجامع للشيخ الجليل أمين الاسلام الفضل ابن الحسن الطبرسي روح الله روحه "، وفي بعضها " تم الجلد الأول من تفسير جوامع الجامع... الخ "، وفي بعضها زيادة: " والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين " قبل عبارة: " تم الجلد الأول... الخ ". (*)

[ 441 ]

سورة مريم مكية (1)، ثمان وتسعون آية، عد الكوفي * (كهيعص) * آية ولم يعدها غيرهم، ولم يعدوا * (الرحمن مدا) * (2) وعدها غيرهم. وفي حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر بعدد كل من صدق بزكريا ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات " (3) الخبر بتمامه. وعن الصادق (عليه السلام): " من أدمن قراءة سورة مريم (عليها السلام) لم يمت في الدنيا حتى يصيب منها ما يغنيه في نفسه وماله وولده، وأعطي في الآخرة مثل ملك سليمان بن داود في الدنيا " (4) (5).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 101: هي مكية في قول قتادة ومجاهد، وهي ثمان وتسعون آية في المدني الأول والكوفي والبصري والشامي، وتسع وتسعون في المكي والمدني الأخير وفي عدد اسماعيل. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 3: مكية إلا آيتي 58 و 71 فمدنيتان، وآياتها 98، نزلت بعد سورة فاطر. وقال القرطبي في تفسيره: ج 11 ص 72: وهي مكية باجماع، وهي تسعون وثمان آيات. (2) الآية: 75. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 48 باختلاف يسير، وزاد: " وعشر حسنات بعدد من دعا الله في الدنيا وبعدد من لم يدع الله ". (4) في بعض النسخ زيادة: صدق ولي الله. (5) = (*)

[ 442 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه ندآء خفيا (3) قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا (4) وإنى خفت الموا لى من ورآءى وكانت امرأتي عاقرا فهب لى من لدنك وليا (5) يرثنى ويرث من ءال يعقوب واجعله رب رضيا (6) يزكريآ إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لى غلم وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيا (9)) * قرأ أبو عمرو (1) بإمالة * (- ه‍) * وتفخيم * (ي‍) * (2)، وقرئ على عكسه (3)، وقرئ بإمالتهما (4). أي: هذا * (ذكر رحمت ربك) * زكريا * (عبده) *، ف‍ * (ذكر) * مضاف إلى المفعول، و * (رحمت) * مضاف إلى الفاعل، وانتصب * (عبده) * لأنه مفعول * (رحمت ربك) *، والرحمة: إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد. * (إذ نادى ربه ندآء) * أي: دعا ربه دعاء * (خفيا) * يخفيه في نفسه.


= (5) ثواب الأعمال للصدوق: ص 134 ح 1 وزاد بعد " وولده ": وكان في الآخرة من أصحاب عيسى بن مريم (عليهما السلام). (1) وهو أبو عمرو زبان بن العلاء البصري القارئ. تقدمت ترجمته في ج 1 ص 26، فراجع. (2) انظر التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 523. (3) وهي قراءة ابن عامر وحمزة. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 406. (4) وهي قراءة يحيى والكسائي وأبي بكر عن عاصم. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 523. (*)

[ 443 ]

وفي الحديث: " خير الدعاء الخفي " (1). وعن الحسن: نداء (2) لا رياء فيه (3)، أو أخفاه لئلا يلام في طلب الولد وقت الشيخوخة، وأضاف الوهن إلى * (العظم) * لأن به قوام البدن، فإذا * (وهن) * تساقطت قوته، واللام للجنس، يعني: أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام قد أصابه الوهن، وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه، وانتشاره في الشعر باشتعال النار، وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو * (الرأس) * وجعل " الشيب " مميزا، ولم يقل: " رأسي " اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأسه، ثم توسل إليه سبحانه بما سلف له معه من الاستجابة. و * (الموا لى) *: هم العمومة وبنو العم * (من ورآءى) * أي: من بعد موتي، وقرأ علي بن الحسين ومحمد بن علي (عليهم السلام): " خفت الموالي من ورائي " (4)، ومعناه: قل بنو عمي وأهلي ومن أخلفه من بعدي * (وكانت امرأتي) * عقيما لا تلد * (فهب لى من لدنك وليا) * أي: ولدا يليني ويكون أولى بميراثي، وقوله: * (من لدنك) * تأكيد لكونه * (وليا) * مرضيا بكونه مضافا إلى الله وصادرا من عنده. * (يرثنى ويرث) * بالجزم (5) على الجواب للدعاء، وبالرفع على الصفة، كقوله: * (ردءا يصدقني) * (6)، وقرأ علي (عليه السلام) وابن عباس وجعفر بن محمد (عليه السلام) والحسن


(1) مسند أحمد: ج 1 ص 172 و 180 و 187، المصنف لابن أبي شيبة: ج 1 ص 376. (2) في بعض النسخ: دعاء. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 3. (4) حكاه عنهما (عليهما السلام) ابن خالويه في شواذ القرآن: ص 86. (5) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 523. (6) القصص: 34. (*)

[ 444 ]

وجماعة (1): " يرثني وارث من آل يعقوب " (2) ويسمى التجريد في علم البيان، وتقديره: فهب لي وليا يرثني به وارث من آل يعقوب وهو نفسه الوارث، وهذا ضرب غريب كأنه جرد منه وارثا، ومثله قوله: * (لهم فيها دار الخلد) * (3) وهي نفسها دار الخلد * (واجعله رب رضيا) * أي: واجعل يا رب هذا الولي مرضيا عندك ممتثلا لأمرك. * (لم نجعل له من قبل سميا) * لم يسم أحد ب‍ * (يحيى) * قبله. عن الصادق (عليه السلام): " وكذلك الحسين (عليه السلام) لم يكن له من قبل سمي، ولم تبك السماء إلا عليهما أربعين صباحا، قيل له: وما كان بكاؤها ؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء، وكان قاتل يحيى ولد زناء، وقاتل الحسين (عليه السلام) ولد زناء " (4). وعن مجاهد: * (سميا) * أي: مثلا وشبيها (5)، كقوله: * (هل تعلم له سميا) * (6)، وإنما قيل للمثل: سمي، لأن كل متشابهين يسمى كل واحد منهما باسم شبيهه، فكل واحد منهما سمي لصاحبه. * (وكانت امرأتي عاقرا) * أي: كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد لاختلال أحد السببين، أفحين اختل السببان جميعا أرزقه ؟ ! والعتي: اليبس والجسأة (7) في العظام والمفاصل من أجل الكبر، وقرئ: * (عتيا) *


(1) كعاصم الجحدري وابن يعمر وقتادة وأبي حرب بن أبي الاسود وأبي نهيك. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 174. (2) انظر شواذ القرآن لابن خالويه: ص 86، والبحر المحيط: ج 6 ص 174. (3) فصلت: 28. (4) مناقب ابن شهرآشوب: ج 4 ص 54 وليس فيه: " وكان قاتل يحيى... " الخ، وانظر كامل الزيارات لابن قولويه: ب 28 فصل في بكاء السماء والأرض على قتل الحسين (عليه السلام) ويحيى ابن زكريا (عليه السلام) ص 88 - 91. (5) تفسير مجاهد: ص 454. (6) الآية: 65. (7) في بعض النسخ: الجساوة. وجسأت يده: إذا صلبت. (الصحاح: مادة جسأ). (

[ 445 ]

بكسر العين (1)، وكذلك * (صليا) * (2) و * (جثيا) * (3) و * (بكيا) * (4) (5). * (كذلك) * الكاف رفع، أي: الأمر كذلك، تصديق له، ثم ابتدأ * (قال ربك) *، أو هو نصب ب‍ * (قال) *، و * (ذلك) * إشارة إلى مبهم يفسره * (هو على هين) *، ونحوه: * (وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) * (6)، * (ولم تك شيا) * يعتد به، وقرئ: " وقد خلقناك " (7). * (قال رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) ييحيى خذ الكتب بقوة وءاتينه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا (13) وبرا بوا لديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلم عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15)) * يعني: * (اجعل لى) * علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به * (قال) *: علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سوي الخلق ما بك خرس، ودل ذكر " الليالي " هنا و " الأيام " في آل عمران (8) على أن ذلك كان ثلاثة أيام بلياليها. * (فأوحى) * أي: أشار إليهم بيده، وقيل: كتب لهم على الأرض * (سبحوا) * (9) أي: صلوا، أو هو على الظاهر، و * (أن) * هي المفسرة. * (خذ الكتب) * أي: التوراة * (بقوة) * بجد وصحة عزيمة على القيام به


(1) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف بضم العين. (2) الآية: 70. (3) الآية: 68. (4) الآية: 58. (5) قراءة حمزة والكسائي بكسر الباء والباقون بضمها. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 407. (6) الحجر: 66. (7) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 524. (8) الإية: 41. (9) قاله مجاهد في تفسيره: ص 454. (*)

[ 446 ]

* (وءاتينه الحكم) * أي: الحكمة والنبوة في حال صباه وهو ابن ثلاث سنين. * (وحنانا) * وآتيناه رحمة * (من) * عندنا وتعطفا وتحننا على العباد، وقيل لله تعالى: حنان كما قيل: رحيم على سبيل الاستعارة (1) * (وزكوة) * لمن قبل دينه فيكون زكيا طاهرا. * (و) * بارا * (بوا لديه) * محسنا إليهما، مطيعا لهما، طالبا رضاهما * (ولم يكن) * متكبرا متطاولا على الناس * (عصيا) * عاصيا لربه. * (وسلم عليه) * منا في هذه الأحوال، وخصه سبحانه بالكرامة والسلامة في هذه المواطن الثلاثة التي هي أوحش المواطن: * (يوم ولد) * فيرى نفسه خارجا مما كان فيه * (ويوم يموت) * فيرى أشياء ليس له بها عهد * (ويوم يبعث) * فيرى نفسه في المحشر العظيم. * (واذكر في الكتب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلما زكيا (19) قالت أنى يكون لى غلم ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فنادبها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24)) * * (إذ) * بدل من * (مريم) * وهو بدل الاشتمال، وفيه دلالة على أن المقصود بذكر مريم ذكر هذا الوقت لوقوع قصتها العجيبة فيه، و * (انتبذت) * أي: اعتزلت


(1) انظر الكشاف: ج 3 ص 8. (*)

[ 447 ]

في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس قد تخلت للعبادة فيه، وإنما اتخذت النصارى الشرق قبلة لأن مريم انتبذت * (مكانا شرقيا) *. * (فاتخذت من) * دون أهلها * (حجابا) * أي: سترا وحاجزا بينها وبينهم * (فأرسلنا إليها روحنا) * يعني: جبرئيل (عليه السلام)، أضافه إلى نفسه تشريفا له، فأتاها فانتصب بين يديها في صورة آدمي شاب سوي الخلق، لم ينتقص (1) من الصورة الآدمية شيئا. * (قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) * أرادت: إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه فإني عائذة به منك. * (قال إنما أنا رسول) * من استعذت به * (لاهب لك) * لأكون سببا في هبة * (غلما زكيا) * طاهرا من الأدناس أو نام في أفعال الخير، أو هو حكاية لقول الله عزوجل، وقرئ: " ليهب " (2) والضمير للرب وهو الواهب. * (ولم يمسسني بشر) * جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، كقوله: * (من قبل أن تمسوهن) * (3)، ويقال في الزنا: فجر بها وما أشبه ذلك، والبغي: الفاجرة التي تبغي الرجال، وهي فعول عند المبرد بغوي فأدغمت الواو في الياء (4)، وقيل: هي فعيل، ولو كانت فعولا لكان يقال: بغو كما قيل: فلان نهو عن المنكر (5). * (ولنجعله ءاية للناس) * فعلنا ذلك، فحذف، أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية * (وكان أمرا مقضيا) * مقدرا، مسطورا في اللوح


(1) في نسخة: ينقص. (2) وهي قراءة أبي عمرو وورش والحلواني ويعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 524. (3) البقرة: 237. (4) انظر الكامل للمبرد: ج 2 ص 807. (5) وهو قول ابن جني. راجع الكشاف: ج 3 ص 10. (*)

[ 448 ]

لابد من جريه عليك، أو كان أمرا حقيقا بأن يقضى لكونه * (ءاية... ورحمة) *، والمراد بالآية: العبرة والبرهان على قدرة الله تعالى، وبالرحمة: الشرائع والألطاف، وما كان كذلك فهو جدير بالتكوين. وعن ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فحملت من ساعتها (1). وعن الباقر (عليه السلام): " فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء بتسعة أشهر " (2). وقيل: حملته وهي بنت ثلاث (3) عشرة سنة (4)، وقيل: بنت عشر (5) * (فانتبذت به) * أي: اعتزلت وهو في بطنها، كقوله تعالى: * (تنبت بالدهن) * (6) أي: تنبت ودهنها فيها، والجار والمجرور في موضع الحال * (قصيا) * بعيدا من أهلها. و " أجآء " منقول من " جاء " إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، ونظيره: " آتى " حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، و * (المخاض) *: تمخض الولد في بطنها، أي: ألجأها وجع الولادة * (إلى جذع) * نخلة في الصحراء يابسة، ليس لها ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف للعهد، أي: * (النخلة) * المعروفة في تلك الصحراء، وقرئ: * (مت) * بالضم (7) والكسر، يقال:


(1) حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 11 ص 91. (2) انظر تفسير الآلوسي: ج 16 ص 79، وفي روضة الكافي: ص 273 ح 516 نحوه عن الصادق (عليه السلام). (3) في نسخة: إحدى. (4) وهو قول الطبري في تاريخه: ج 1 ص 417. (5) قاله مقاتل. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 192. (6) المؤمنون: 20. (7) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 218. (*)

[ 449 ]

مات يموت، ومات يمات * (وكنت نسيا منسيا) * أي: شيئا حقيرا متروكا، وهو مامن حقه أن يطرح وينسى كخرقة الحائض، كما أن الذبح (1) اسم مامن شأنه (2) أن يذبح، وقرئ: * (نسيا) * بالفتح (3) وهما لغتان كالوتر والوتر. " فناد بها من تحتها " (4) عيسى أو جبرئيل، والضمير في " من تحتها " ل‍ * (النخلة) *، وقرئ: * (من تحتها) * (5)، وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة فصاح بها: * (ألاتحزنى) * (6)، وسئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن السري، فقال: " هوالجدول " (7)، قال لبيد: فتوسطا عرض السري فصدعا * مسجورة متجاورا قلامها (8) أي: * (قد جعل ربك) * تحت قدميك نهرا تشربين منه وتتطهرين، وقيل: السري: الشريف الرفيع، من السرو يعني: عيسى (عليه السلام) (9)، وعن الحسن: كان والله عبدا سريا (10). * (وهزى إليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا (25) فكلى واشربي وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إنى نذرت


(1) في بعض النسخ: الذبيح. (2) في بعض النسخ: حقه. (3) يستفاد من العبارة أن المصنف يعتمد على قراءة الكسر هنا. (4) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي بكر عن عاصم ورويس. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 408. (5) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا بفتح الميم من " من ". (6) قاله الكلبي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 364. (7) رواه الزمخشري في كشافه: ج 3 ص 12، والرازي في تفسيره: ج 21 ص 205. (8) والبيت من معلقته المشهورة التي مطلعها: عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها وفي البيت المذكور يصف الشاعر اثنين من العير وردا عينا ممتلئة ماء فدخلا من عرض نهرها وقد تجاوز نبتها. انظر ديوان لبيد بن ربيعة: ص 170. (9) قاله الحسن البصري في تفسيره: ج 2 ص 109. (10) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 109. (*)

[ 450 ]

للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيا فريا (27) يأخت هرون ماكان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إنى عبد الله ءاتينى الكتب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ماكنت وأوصينى بالصلوا ة والزكوا ة مادمت حيا (31) وبرا بوا لدتى ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33)) * أي: واجذبي * (إليك بجذع النخلة) *، وقرئ: " تساقط " بالتاء (1) والياء (2) والتشديد، والأصل: " تتساقط " و " يتساقط " فأدغم، و " تساقط " بطرح التاء الثانية (3)، و * (تسقط) * بضم التاء وكسر القاف، والتاء ل‍ * (النخلة) * والياء ل‍ * (جذع) *، و * (رطبا) * تمييز أو مفعول على حسب القراءة، والباء في * (بجذع النخلة) * مزيدة للتأكيد كما في قوله: * (ولا تلقوا بأيديكم) * (4)، أو على معنى: افعلي الهز به، والجني: المجني، من جنيت الثمرة. * (فكلى) * يا مريم من هذا الرطب * (واشربي) * من ماء السري، وقد جمعنا (5) لك في السري والرطب فائدتين: إحداهما: الأكل والشرب، والأخرى: قرة العين وسلوة الصدر لكونهما معجزتين.


(1) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وأبي بكر عن عاصم. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 409. (2) وهي قراءة يعقوب والعليمي ونصير والبراء بن عازب والأعمش في رواية. راجع التبيان: ج 7 ص 116، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 184. (3) قرأه حمزة والأعمش وطلحة وابن وثاب ومسروق. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 525، والبحر المحيط: ج 6 ص 184. (4) البقرة: 195. (5) في بعض النسخ: جعلنا. (*)

[ 451 ]

وعن الباقر (عليه السلام): " لم تستشف النفساء بمثل الرطب، لأن الله أطعمه مريم في نفاسها " (1). * (فإما ترين) * أصله: ترأين إلا أن الاستعمال بغير همز، والياء فيه ضمير المخاطب المؤنث، أي: إن تري * (أحدا) * من البشر يسألك عن ولدك * (فقولي إنى) * أوجبت على نفسي صوما أي: صمتا، يريد إمساكا عن الكلام، لأنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن صوم الصمت لأنه نسخ في شريعته. * (تحمله) * حال من الضمير المرفوع في * (فأتت) * أو من الهاء المجرور في * (به) * أو منهما جميعا * (شيا فريا) * أي: عظيما بديعا أو أمرا قبيحا. و * (هرون) * كان أخاها من أبيها، وكان معروفا بحسن الطريقة، وقيل: هو أخو موسى (عليه السلام)، وكانت من ولده كما يقال: يا أخا تميم أي: يا واحدا منهم (2)، وقيل: رجل صالح أو طالح في زمانها شبهوها به (3)، أي: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به (4). * (فأشارت إليه) * فأومأت إلى عيسى بأن كلموه * (من كان في المهد صبيا) * أي: من وجد صبيا في المهد. أنطقه الله أولا بأنه * (عبد الله) * ردا لقول النصارى * (ءاتينى الكتب) * يعني: الإنجيل * (وجعلني نبيا) * أكمل الله عقله واستنبأه طفلا. * (وجعلني مباركا) * أي: نفاعا، معلما (5) للخير حيث * (ما كنت وأوصينى بالصلوا ة والزكوا ة) * كلفنيهما


(1) المحاسن للبرقي: ج 2 ص 535 وفيه عن أبي عبد الله (عليه السلام). (2) قاله السدي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 194. (3) وهو قول قول مجاهد وكعب والمغيرة بن شعبة يرفعه للنبي (صلى الله عليه وآله). راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 368. (4) وفي بعض النسخ زيادة: في الفساد. (5) في بعض النسخ: معلما. (*)

[ 452 ]

* (ما) * بقيت * (حيا) * مكلفا. * (وبرا بوا لدتى) * أي: بارا بوالدتي مؤديا شكرها * (ولم يجعلني) * من الجبابرة الأشقياء. * (والسلم على) * أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك: جاءنا رجل فكان من فعل الرجل كذا، والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي. * (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ماكان لله أن يتخذ من ولد سبحنه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرا ط مستقيم (36) فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظلمون اليوم في ضلل مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الارض ومن عليها وإلينا يرجعون (40)) * أي: * (ذلك) * الذي قال: إني عبد الله * (عيسى ابن مريم) *، لا ما يقوله النصارى من: أنه ابن الله، وأنه إله * (قول الحق) * قرئ بالنصب والرفع (1)، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على أنه خبر بعد خبر أو بدل، والنصب على المدح إن فسر ب‍ " كلمة الله " وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الصدق كقولك: هو عبد الله الحق لا الباطل، وإنما قيل لعيسى (عليه السلام): " كلمة الله " و * (قول الحق) * لأنه لم يولد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: * (كن) * من غير واسطة أب، تسمية للمسبب باسم السبب كما سمي الغيث بالسماء، أي: أمره حق يقين، وهم * (فيه يمترون) * يشكون، أو يتمارون يتلاحون (2): قالت اليهود: ساحر


(1) وبالرفع قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 409. (2) تلاح القوم: إذا تنازعوا. (الصحاح: مادة تلح). (*)

[ 453 ]

كذاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة * (ماكان لله أن يتخذ من ولد) * تكذيب للنصارى وتبكيت (1) لهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، وأنه مما لا يتصور في العقول، وأن من المحال أن يكون ذاته كذات من ينشأ منه الولد، ثم بين * (سبحنه) * إحالته بأن من أراد شيئا من الأجناس كلها أوجده ب‍ * (كن) * فهو منزه من شبه الحيوان الوالد (2). وقرئ: * (وإن الله) * بفتح الهمزة (3) وكسرها، فالفتح على معنى: ولأنه * (ربى وربكم فاعبدوه) *، أو بأنه أي: بسبب ذلك فاعبدوه، والكسر على استئناف الكلام. و * (الاحزاب) *: اليهود والنصارى، وقيل: النصارى (4)، لأنهم تفرقوا ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكائية، وقال: * (من بينهم) * لأن منهم من ثبت على الحق * (من مشهد يوم عظيم) *: من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة، أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف، أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بسوء أعمالهم، أو من مكان الشهادة أو وقتها. * (أسمع بهم وأبصر) * أي: ما أسمعهم وأبصرهم (5)، ولا يوصف الله بالتعجب، والمراد: أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما (6) بعدما كانوا صما عميا في الدنيا * (لكن الظلمون) * وقع الظاهر موقع الضمير (7) إيذانا بأن


(1) التبكيت: التقريع، يقال: بكته بالحجة إذا غلبه. (الصحاح: مادة بكت). (2) في نسخة زيادة: والولد. (3) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو ويعقوب. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 410. (4) قاله أبو الليث السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 324. (5) في نسخة زيادة: يوم القيامة حيث لا ينفعهم، ومثله: * (فبصرك اليوم حديد) *. (6) في نسخة: منها. (7) في بعض النسخ: المضمر. (*)

[ 454 ]

لاظلم أعظم من ظلمهم حيث أغفلوا النظر والاستماع. * (قضى الامر) * فرغ من الحساب، وحكم بين الخلائق بالعدل، وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار، و * (إذ) * بدل من * (يوم الحسرة) * أو منصوب ب‍ * (الحسرة... وهم في غفلة) * يتعلق بقوله: * (في ضلل مبين) * و * (أنذرهم) * اعتراض، أو يتعلق ب‍ * (أنذرهم) * والمعنى: وأنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. * (إنا نحن نرث الارض ومن عليها) * أي: نميت سكانها، فلا يبقى فيها مالك ولا متصرف. * (واذكر في الكتب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لابيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيا (42) يأبت إنى قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صرا طا سويا (43) يأبت لاتعبد الشيطن إن الشيطن كان للرحمن عصيا (44) يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطن وليا (45) قال أراغب أنت عن ءالهتى يإبرا هيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا (46) قال سلم عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربى عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50)) * * (في الكتب) * في القرآن، والصديق: من أبنية المبالغة، أي: المبالغ في الصدق وكثير التصديق لكتب الله وأنبيائه، و * (كان... نبيا) * في نفسه. و * (إذ قال) * بدل من * (إبراهيم) * وما بينهما اعتراض، أو يتعلق ب‍ * (كان) * أي: كان جامعا

[ 455 ]

لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات في أحسن ترتيب، فطلب منه العلة أولا في عبادته * (ما لا يسمع ولا يبصر) * مع أن العبادة لا يستحقها إلا المنعم الذي له غاية الإنعام، وهو الله الخالق الرازق الذي منه أصول النعم، ثم دعاه إلى اتباعه بأن قال: * (قد جاءني من العلم) * بالله والمعرفة به * (ما لم يأتك) *، ثم نهاه عن عبادة * (الشيطن) * وطاعته فيما يدعوه إليه، وذكر عصيان * (الشيطن... للرحمن) * واستكباره، ثم خوفه سوء العاقبة لما هو فيه، وصدر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله: * (يأبت) * استعطافا له، والتاء في * (يأبت) * عوض من ياء الإضافة، فلا يقال: يا أبتي، وقرئ: " يا أبت " بفتح التاء (1)، و * (ما) * في * (ما لا يسمع) * و * (ما لم يأتك) * يجوز أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في * (لا يسمع) * و * (لا يبصر) * غير منوي، والمراد: ما ليس به استماع ولا إبصار، و * (شيا) * في موضع المصدر، أي: شيئا من الغناء، أو مفعول به من قولهم: أغن عني وجهك، أي: أبعد عني. * (أراغب أنت عن ءالهتى) * أي: أمعرض أنت عن عبادة آلهتي التي هي الأصنام، وزاهد فيها ؟ * (لئن لم) * تمتنع عن هذا * (لارجمنك) * أي: لأرمينك بلساني، يريد الشتم والذم، ومنه الرجيم: المرمي باللعن، أو لأقتلنك من رجم الزاني، أو لأطردنك رميا بالحجارة، وأصل الرجم: الرمي بالرجام * (مليا) * أي: زمانا طويلا، من الملاوة، وعطف * (واهجرني) * على محذوف، أي: لأرجمنك فاحذرني واهجرني. * (سلم عليك) * سلام توديع ومتاركة ومباعدة منه، كقوله: * (وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلما) * (2) ويجوز أن يكون دعاء له بالسلامة استمالة، ويدل عليه


(1) قرأه ابن عامر وحده. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 465. (2) الفرقان: 63. (*)

[ 456 ]

أنه وعده الاستغفار، والحفي: البليغ في البر والألطاف، يقال: حفي به وتحفي به. * (وأعتزلكم) * أي: وأتنحى منكم جانبا، أراد مهاجرته إلى الشام * (وأدعوا ربى) * أي: أعبده، ومنه قوله (عليه السلام): " الدعاء: هو العبادة " (1)، ويجوز أن يريد بالدعاء ما حكاه الله في سورة الشعراء (2)، وقوله: * (عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا) * فيه تعريض لشقاوتهم بدعاء آلهتهم مع التواضع لله عز اسمه في كلمة * (عسى) *. و * (لما) * فارقهم وتركهم وهب الله سبحانه * (له) * أولادا أنبياء، وأراد ب‍ " الرحمة ": النبوة، وعن الحسن: المال والولد (3) (4)، وهي عامة في كل خير ديني ودنيوي أوتوه، ولسان الصدق: الثناء الحسن، وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما يعبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية، قال: إني أتتني لسان لاأسر بها (5). أي: رسالة، ولسان العرب: لغتهم وكلامهم * (عليا) * أي: مرتفعا، فكل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه وعلى ذريته، وقيل: معناه: أعلينا ذكرهم بأن محمدا وأمته يذكرونهم بالجميل، ويصلون عليهم إلى يوم القيامة (6).


(1) مسند أحمد: ج 4 ص 271، المعجم الصغير للطبراني: ج 2 ص 97. (2) وهو قوله تعالى: * (فال هل يسمعونكم إذ تدعون) * الآية: 72. (3) في بعض النسخ: البنون. (4) كذا في جميع النسخ، لكنا لم نعثر فيما توفرت من مصادر على قول كهذا للحسن، بل نسبته المصادر المعتمدة الى الكلبي. راجع على سبيل المثال: الكشاف: ج 3 ص 22، وتفسير البغوي: ج 3 ص 198. (5) وعجزه: من علو لا عجب منها ولا سخر. والبيت منسوب لأعشى بأهلة، - واسمه عامر بن الحارث بن رياح الباهلي - وهو من قصيدة يرثي بها أخاه لامه المنتشر الباهلي، وكان رئيسا فارسا، والقصيدة هي من المراثي المفضلة المشهورة بالبراعة والبلاغة كما قاله السيد المرتضى في أماليه. انظر أمالي السيد المرتضى: ج 2 ص 20 - 24. (6) قاله ابن عباس والحسن. راجع التبيان: ج 7 ص 131. (*)

[ 457 ]

* (واذكر في الكتب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وندينه من جانب الطور الايمن وقربنه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا (53) واذكر في الكتب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلوا ة والزكوا ة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر في الكتب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعنه مكانا عليا (57) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرا ءيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)) * قرئ: * (مخلصا) * بفتح اللام وكسرها (1)، ومعناه بالكسر: أنه أخلص العبادة عن الشرك والرياء، وأخلص نفسه وأسلم وجهه لله، وبالفتح: أنه الذي أخلصه الله، والرسول: من الأنبياء الذي معه كتاب، والنبي: الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب. و * (الايمن) * من اليمين، أي: من ناحية * (الطور) * اليمنى، أو من اليمن فيكون صفة ل‍ * (الطور) *، * (وقربنه) * حيث كلمناه بغير واسطة ملك ورفعنا منزلته * (نجيا) * أي: مناجيا كليما. * (من رحمتنا) * أي: من أجل رحمتنا له * (وهبنا له... هرون) *. * (صادق الوعد) * إذا وعد بشئ وفي به، وذكر بصدق الوعد وإن كان غيره من الأنبياء كذلك، تشريفا له وإكراما، أو لأنه المشهور من خصاله، وناهيك أنه وعد من نفسه الصبر على الذبح حيث قال: * (ستجدني إن شاء الله من الصبرين) * (2)


(1) وبالكسر هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية الكسائي عن أبي بكر والمفضل عن عاصم. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 410. (2) الصافات: 102. (*)

[ 458 ]

فوفي، وعن ابن عباس: أنه واعد (1) رجلا أن ينتظره في مكان ونسي الرجل فانتظره سنة (2). * (وكان يأمر أهله) * وقومه * (بالصلوا ة) * والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى بذلك من سائر الناس، وهو كقوله: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * (3)، * (قوا أنفسكم وأهليكم) * (4)، * (وأمر أهلك بالصلوا ة) * (5). قيل: سمي * (إدريس) * لكثرة دراسته كتاب الله (6)، وفيه نظر، لأن الاسم أعجمي، ولذلك امتنع من الصرف، ولو كان " إفعيلا " من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية فكان يجب أن ينصرف. والمكان العلي: شرف النبوة والقربة من الله، وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وقيل: لأنه رفع إلى السماء الرابعة (7) أو السادسة (8). * (أولئك) * إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس (عليهم السلام)، و * (من) * في * (من النبين) * للبيان، لأن جميع الأنبياء منعم عليهم، و * (من) * الثانية للتبعيض، والبكي: جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد. * (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوا ة واتبعوا الشهوا ت فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وءامن وعمل صلحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيا (60) جنت عدن التي وعد الرحمن عباده


(1) في بعض النسخ: وعد. (2) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 376. (3) الشعراء: 214. (4) التحريم: 6. (5) طه: 132. (6) قاله وهب بن منبه اليهودي. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 326. (7) قاله أنس والخدري وكعب الأحبار ومجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 377. (8) واليه ذهب ابن عباس والضحاك. راجع المصدر السابق. (*)

[ 459 ]

بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له مابين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السموات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبدته هل تعلم له سميا (65)) * يقال: خلفه: إذا عقبه، ثم يقال في عقب الخير: خلف - بالفتح - وفي عقب السوء خلف - بالسكون - كما قيل: وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر، وعن ابن عباس: هم اليهود (1) (2)، وقيل: * (أضاعوا الصلوة) * بتأخيرها عن أوقاتها (3) * (واتبعوا الشهوا ت) *. رووا عن علي (عليه السلام): " من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور " (4). وكل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد، قال: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (5) وقيل: يريد جزاء غي (6)، كقوله: * (يلق أثاما) * (7) أي: مجازاة أثام،


(1) في نسخة زيادة: تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الاخت من الأب. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 26. (3) قاله ابن مسعود وابراهيم وعمر بن عبد العزيز. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 379 وتفسير البغوي: ج 3 ص 201. (4) رواه القرطبي في تفسيره: ج 11 ص 125. (5) والبيت منسوب للمرقش الأصغر، واسمه عمرو بن حرملة، وقيل: ربيعة بن سفيان، وهو من قصيدة مطلعها: ألا يا اسلمي لاصرم في اليوم فاطما * ولا أبدا مادام وصلك دائما ومعنى البيت: أن من يفعل الخير يحمده الناس ويثنون عليه، ومن يغو ويفعل الشر لا تتركه اللوائم على فعله. راجع شرح القصيدة ومناسبتها في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة: ص 106. (6) قاله الزجاج في معاني القرآن واعرابه: ج 3 ص 336. (7) الفرقان: 68. (*)

[ 460 ]

أو: * (غيا) * عن طريق الجنة، وقيل: غي: واد في جهنم (1). * (لا يظلمون) * أي: لا ينقصون * (شيا) * من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه. * (جنت عدن) * بدل من * (الجنة) *، لأن * (الجنة) * اشتملت عليها، قيل: إن " المأتي " مفعول بمعنى فاعل (2)، والوجه: أن " الوعد " هو الجنة وهم يأتونها، أو هو من قولك: أتى إليه إحسانا، فمعناه: * (كان وعده) * مفعولا منجزا. * (لغوا) * أي: فضول كلام لا طائل فيه، وهو تنبيه على وجوب تجنب اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها * (إلا) * تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم، أي: فإن كان ذلك لغوا ف‍ * (لا يسمعون) * إلا ذلك، فيكون من قبيل قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (3) كانت العرب تكره الوجبة، وهي الأكلة الواحدة في اليوم الواحد، فأخبر سبحانه أن * (لهم) * في الجنة * (رزقهم... بكرة وعشيا) * وهي العادة المحمودة، ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير. وقرئ: " نورث " بالتشديد (4)، والمعنى: نبقي عليه الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث، وقيل: أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا (5).


(1) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 257. (2) قاله الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 170. (3) والبيت للنابغة الذبياني من قصيدته المشهورة التي مطلعها: كليني لهم يا اميمة ناصب * وليل أقاسيه بطئ الكواكب وقد تقدم شرح البيت في ج 1 ص 384 و 689 فراجع. (4) قرأه رويس. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 526. (5) قاله الطبري في تفسيره: ج 8 ص 358. (*)

[ 461 ]

* (وما نتنزل) * حكاية قول جبرئيل (عليه السلام) حين استبطأه رسول الله (1)، والتنزل له معنيان: أحدهما: النزول على مهل، والآخر: النزول على الإطلاق، والمراد هنا: أن نزولنا وقتا بعد وقت ليس * (إلا بأمر) * الله * (له ما) * قدامنا * (وما خلفنا) * من الجهات والأماكن وما نحن فيها، فلا ننتقل من جهة إلى جهة إلا بأمره ومشيئته، وقيل: ما مضى من أعمارنا وما بقي منها والحال التي نحن فيها (2)، وقيل: ما مضى من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة (3) * (وما بين ذلك) * مابين النفختين وهو أربعون سنة، وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض (4) * (وما كان ربك نسيا) * أي: تاركا لك يا محمد، كقوله: * (ما ودعك ربك وماقلى) * (5)، وقيل: وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين (6). وكيف يجوز النسيان والغفلة على من له ملك * (السموات والارض وما بينهما) * فحين عرفته بهذه الصفة * (فاعبده) * وحده * (واصطبر ل‍) * مشاق * (عبدته هل تعلم له سميا) * أي: مثلا وشبيها، أي: إذا صح أن لا معبود إلا هو وحده لم يكن بد من عبادته، وعن ابن عباس: لا يسمى أحد الرحمن غيره (7)، وقيل: لم يسم شئ بالله قط (8). * (ويقول الانسن أءذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر


(1) في نسخة زيادة هنا: عما سأله المشركون من قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 29. (3) قاله ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك وأبو العالية. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 360. (4) وهو قول ابن عباس على ما حكاه عنه القرطبي في تفسيره: ج 11 ص 129. (5) الضحى: 3. (6) وهو قول الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 30. (7) تفسير ابن عباس: ص 258. (8) قاله قتادة والكلبي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 382. (*)

[ 462 ]

الانسن أنا خلقنه من قبل ولم يك شيا (67) فوربك لنحشرنهم والشيطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظلمين فيها جثيا (72) وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قال الذين كفروا للذين ءامنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثثا ورءيا (74)) * يجوز أن يكون المراد ب‍ * (الانسن) * الجنس بأسره، لما كانت هذه المقالة موجودة في جنسهم أسندت إلى جميعهم، وأن يكون بعض الجنس وهم الكفرة، وانتصب * (إذا) * بفعل مضمر يدل عليه * (لسوف أخرج حيا) *، لأن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبله، ودخلت * (ما) * للتوكيد، كأنهم قالوا: أحقا أنا سنخرج أحياء بعد الموت ؟ ! والواو عطفت " لا يذكر " (1) على * (يقول) *، والمعنى: أيقول ذلك (2) ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر النشأة الأخرى، فإن تلك أعجب وأدل على قدرة الصانع، إذ أخرج الجواهر والأعراض (3) من العدم إلى الوجود على غير مثال سبق من غيره، وأما الثانية فقد تقدمت نظيرتها وليس فيها إلا ردها على ما كانت عليه مجموعة بعد التفريق، وقوله: * (ولم يك شيا) * دليل على هذا المعنى، وقرئ: * (أولا يذكر) * بالتخفيف * (من قبل) * أي: من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه. أقسم سبحانه باسمه مضافا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تفخيما لشأنه ورفعا لقدره،


(1) الظاهر من العبارة أن المصنف اعتمد على قراءة التشديد هنا كما هو واضح. (2) في نسخة زيادة: استهزاء. (3) ليس في بعض النسخ لفظة " الأعراض ". (*)

[ 463 ]

ويجوز أن يكون الواو في * (والشيطين) * للعطف، وأن يكون بمعنى " مع "، أي: يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أضلوهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة * (ثم) * يحضرون * (حول جهنم) * متجاثين (1) مستوفزين (2) على الركب، متخاصمين يتبرأ بعضهم من بعض، ومثله: * (وترى كل أمة جاثية) * (3). و " الشيعة " هنا هي الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاويا من الغواة، والمعنى: نستخرج * (من كل) * طائفة من طوائف الغي والضلال أعتاهم وأعصاهم، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب: نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ويجوز أن يريد بأشدهم * (عتيا) *: رؤساء الشيع وأئمتهم لتضاعف جرمهم، فإنهم ضلال ومضلون، كقوله: * (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) * (4). واختلف في إعراب * (أيهم أشد) * فقال الخليل (5): إنه مرفوع على الحكاية والتقدير: * (لننزعن) * الذين يقال فيهم: * (أيهم أشد) * (6)، وقال سيبويه: هو مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلة * (أيهم) * وأصله: لننزعن من كل شيعة أيهم هو أشد، منصوبا (7). * (وإن منكم) * التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن عباس: " وإن


(1) الجثو: الجلوس على الركبتين، أو القيام على أطراف الأصابع. (القاموس: مادة جثا). (2) يقال: استوفز في قعدته: إذا قعد قعودا منتصبا غير مطمئن. (الصحاح: مادة وفز). (3) الجاثية: 28. (4) العنكبوت: 13. (5) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي، من أئمة اللغة والأدب وواضع علم العروض في الشعر، ولد عام 100 ه‍ في البصرة، وعاش فيها فقيرا صابرا مغمورا في الناس لايعرف، وهو استاذ سيبويه النحوي، توفي عام 170 ه‍. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان: ج 2 ص 15. (6) حكاه عنه تلميذه سيبويه ومكي بن أبي طالب القيسي. راجع كتاب سيبويه: ج 2 ص 339، ومشكل اعراب القرآن: ج 1 - 2 ص 458. (7) انظر كتاب سيبويه: ج 2 ص 399. (*)

[ 464 ]

منهم " (1)، أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، فإن أريد الجنس كله فمعنى الورود: دخولهم فيها وهي خامدة (2) فيعبرها المؤمنون وتنهار النار بغيرهم، وعن ابن مسعود والحسن: هو الجواز على الصراط، لأن الصراط ممدود عليها (3)، وعن ابن عباس: قد يرد الشئ الشئ وإن لم يدخله، كقوله: * (ولما ورد ماء مدين) * (4) ووردت القافلة البلد وإن لم تدخله (5) (6)، وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا (7)، لقوله (عليه السلام): " الحمى من فيح جهنم " (8)، و " الحمى حظ كل مؤمن من النار " (9) (10) وإن أريد الكفار خاصة فالمعنى ظاهر، والحتم مصدر حتم الأمر: إذا أوجبه فسمي به الموجب، أي: * (كان) * ورودهم واجبا * (على) * الله، أوجبه على نفسه وقضى به. وقرئ: * (ننجي) * و " ننجي " (11) بالتشديد والتخفيف (12) * (جثيا) * حال، وهو جمع جاث.


(1) حكاه عنه ابن خالويه في شواذ القرآن: ص 89. (2) في نسخة: جامدة. (3 و 6) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 35. (4) القصص: 23. (5) في نسخة زيادة: ولكن قربت منه. (7) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 205. (8) تعددت ألفاظ الحديث في روايات من طرق العامة، انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري: ج 4 ص 246 ح 3261 وج 7 ص 236 ح 5725، سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1149 ح 3471 و 3473، ومسند احمد ج 1 ص 291 وج 2 ص 21 و 85. (9) مجمع الزوائد للهيثمي: ج 2 ص 306، الترغيب والترهيب للمنذري: ج 4 ص 300. (10) في نسخة زيادة: ويجوز أن يراد بالورود جثوهم حولها. (11) وهي قراءة الكسائي ويعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 527. (12) في نسخة زيادة: وينجى وينجى على ما لم يسم فاعله إن اريد الجنس باسره فهو ظاهر، وإن اريد الكفرة وحدهم، فمعنى * (ثم ننجي الذين اتقوا) *: ان المتقين يساقون الى الجنة عقيب ورود الكفار، لا أنهم يواردونهم ثم يتخلصون. (*)

[ 465 ]

* (بينت) * ظاهرات الحجج، مبينات المقاصد، وهي حال مؤكدة، كقوله تعالى: * (وهو الحق مصدقا) * (1)، وقرئ: " مقاما " (2) بالضم وهو موضع الإقامة، وقرئ بالفتح وهو موضع القيام، والندي: المجلس وحيث ينتدي القوم، والمعنى: أنهم إذا سمعوا الآيات (3) قالوا: * (أي الفريقين) * من المؤمنين بها والجاحدين لها أوفر حظا من الدنيا (4). و * (كم) * مفعول * (أهلكنا) *، و * (من) * تبيين لإبهامها، أي: كثيرا من القرون أهلكنا، و * (هم أحسن) * في موضع نصب صفة ل‍ * (كم) *، والأثاث: متاع البيت، وقرئ: * (ورءيا) * بالهمزة وغير الهمزة (5) وهو فعل بمعنى مفعول من رأيت، ومن لم يهمز قلب الهمزة ياء وأدغم، ويجوز أن يكون من الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: ريان من النعيم. * (قل من كان في الضللة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والبقيت الصلحت خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) أفرءيت الذي كفر بايتنا وقال لاوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند


(1) البقرة: 91. (2) قرأه ابن كثير وحده. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 527. (3) في نسخة زيادة: وهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، وذلك مبلغهم من العلم. (4) في نسخة هنا زيادة: حتى يجعل ذلك عيارا على الفضل والنقص والرفعة والضعة، ويروى انهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة، ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم اكرم عند الله منهم. (5) وهي قراءة نافع وابن عامر وابن ذكوان والأعشى. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 411، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 527. (*)

[ 466 ]

الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80)) * المعنى: مد * (له الرحمن) * أي: أمهله وأملى له في العمر (1)، فأتى به على لفظ الأمر ليعلم بذلك أنه حتم مفعول لا محالة كالمأمور به، ليقطع عذر الضال إذ عمره ما يمكنه التذكر فيه، أو يكون في معنى الدعاء بأن يمهله الله، أو بمعنى: فليعش ما شاء فإنه لا ينفعه طول عمره * (حتى إذا رأوا) * الموعود رأي عين: * (إما العذاب) * في الدنيا وهو ظفر المسلمين بهم وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا * (وإما الساعة) * أي: يوم القيامة، وما ينالهم من النكال * (ف‍) * حينئذ * (يعلمون) * أن الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم * (شر مكانا وأضعف جندا) * لا * (خير مقاما وأحسن نديا) * كما قالوه، و * (حتى) * هذه هي التي تحكى بعدها الجمل، والجملة هي قوله: * (إذا رأوا ما يوعدون... فسيعلمون) *، والندي: المجلس الجامع لوجوه القوم. * (ويزيد) * معطوف على موضع * (فليمدد) * والمعنى: يزيد في ضلال الضلال بخذلانه، ويزيد في هداية المهتدين بتوفيقه، و * (البقيت الصلحت) * وهي أعمال الآخرة كلها * (خير... ثوابا) * من مفاخرات الكفار * (وخير) * مرجعا وعاقبة أو خير منفعة، من قولهم: ليس لهذا الأمر مرد وهو أرد عليك أي: أنفع، قال: ولا يرد بكاي زندا (2) ولما كانت رؤية الشئ طريقا إلى علمه، وصحة الخبر عنه استعملوا " أرأيت "


(1) في نسخة زيادة: ويزيده بانواع التنعم: كقوله: * (ويمدهم في طغينهم) *. (2) وصدر البيت: ما إن جزعت ولا هلعت. وهو من قصيدة لعمرو بن معد يكرب، وقبله: كم من أخ لي صالح * بوأته بيدي لحدا يقول: إن هذا الأخ الصالح ماحزنت عليه حزنا شديدا ولا هينا، وهذا نفي الحزن رأسا، وهو لا يريد البكاء عليه، إذ لا يغني بكاه شيئا، فتعقيبه نفي الجزع بهذا تنبيها على أن صبره عن تأدب وتبصر ومعرفة بالعواقب. انظر خزانة الأدب للبغدادي: ج 11 ص 218 - 219. (*)

[ 467 ]

في معنى " أخبر "، والفاء جاءت للتعقيب، فكأنه قال: أخبر أيضا بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك وهو العاص بن وائل: كان لخباب بن الأرت عليه دين فتقاضاه، فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد، فقال: لا والله لا أكفر بمحمد حيا ولا ميتا، ولا حين تبعث (1)، قال: فإني لمبعوث ؟ فإذا بعثت سيكون لي مال وولد فأعطيك. * (أطلع الغيب) * من قولهم: اطلع الجبل: إذا ارتقى إلى أعلاه، والمعنى: أو قد بلغ من عظمة قدره أن ارتقى إلى علم الغيب حتى علم أنا سنؤتيه * (مالا وولدا... أم اتخذ عند) * الله * (عهدا) * ؟ فإن ما ادعاه لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الطريقين، وقرئ: " ولدا " (2) وهو جمع ولد. * (كلا) * ردع وتنبيه على الخطأ، أي: هو مخطئ فيما تصوره لنفسه وتمناه، فليرتدع عنه. * (ونرثه ما يقول) * أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه * (ويأتينا فردا) * وحيدا بلا مال ولا ولد ولا عدة ولا عدد. * (واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشيطين على الكفرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيا إدا (89) تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91)) *


(1) في نسخة زيادة: يا كافر. (2) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 527. (*)

[ 468 ]

أي: ليتعززوا بآلهتهم بأن يكونوا لهم شفعاء في الآخرة. * (كلا) * ردع لهم وإنكار لتعززهم بهم * (سيكفرون) * الضمير ل‍ " الآلهة " أي: سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون: والله ما عبدتمونا، كقوله: * (وإذا رءا الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون) * (1) أو للمشركين، أي: ينكرون أن يكونوا عبدوها كما في قوله: * (والله ربنا ماكنا مشركين) * (2)، * (ويكونون عليهم ضدا) * هو في مقابلة * (لهم عزا) * والمراد: ضد العز وهو الذل والهوان، أي: يكونون عليهم ضدا لما قصدوه وذلا لهم لا عزا، أو يكونون عليهم عونا، والضد: العون، لأنه يضاده بإعانته عليه، وإنما وحد لأنهم كشئ واحد في تضامهم وتوافقهم، كقوله (عليه السلام): " وهم يد على من سواهم " (3). * (تؤزهم أزا) * أي: تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية، وتهيجهم وتغريهم لها بالوساوس، والمعنى: خلينا بينهم وبينهم ولم نمنعهم (4) ولم نحل بينهم وبينهم بالإلجاء. * (فلا تعجل عليهم) * بأن يهلكوا ويبيدوا حتى تستريح منهم، فليس بينك وبين هلاكهم إلا أياما معدودة قليلة. وعن ابن عباس: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك (5).


(1) النحل: 86. (2) الانعام: 23. (3) أخرجه النسائي في سننه: ج 8 ص 20 من كتاب القسامة باسناده عن علي (عليه السلام). (4) في نسخة زيادة: ولم نعصمهم، وقيل: سلطناهم كقوله: * (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطنا) * وسميت التخلية باسم الإرسال مجازا كقوله: * (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل) * أي: سلطنا. (5) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 42. (*)

[ 469 ]

وعن ابن السماك (1): إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد (2). ذكر * (المتقين) * بلفظ التبجيل، وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفاد على الملوك ينتظرون فضله وإكرامه، وذكر الكافرين بأنهم يساقون إلى النار باستخفاف وإهانة كأنهم إبل عطاش تساق إلى الماء. * (لا يملكون) * الواو ضمير العباد، ودل عليه ذكر * (المتقين) * و * (المجرمين) *، و * (من اتخذ) * بدل، ويجوز أن تكون علامة الجمع على لغة من قال: أكلوني البراغيث، والفاعل * (من اتخذ) * لأنه في معنى الجمع، وإن نصبت * (من اتخذ) * على تقدير حذف المضاف جاز، أي: * (إلا) * شفاعة * (من اتخذ) *، والمراد: لا يملكون أن يشفع لهم، واتخاذ العهد هو الاستظهار بالإيمان والإقرار بوحدانية الله وتصديق أنبيائه وأوليائه، وقيل: إن المعنى: لا يشفع إلا من أطلق الرحمن له الشفاعة وأذن له فيه كالأنبياء والأئمة وخيار المؤمنين (3). وعن ابن مسعود: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه ذات يوم: " أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا ؟ " قالوا: وكيف ذلك ؟ قال: " يقول: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، وإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل


(1) هو أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق، المعروف بابن السماك، من أهل بغداد، كان مكثرا من الحديث، وله حلقة درس، مات عام 344 ه‍ ببغداد ودفن بمقبرة باب الدير. راجع الانساب للسمعاني: ج 3 ص 290. (2) حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 21 ص 252. (3) قاله ابن عطية. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 218. (*)

[ 470 ]

لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لاتخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة " (1). والإد: العظيم المنكر، وقيل: العجب (2). وقرئ: * (تكاد) * بالياء (3) والتاء، وقرئ: " ينفطرن " (4) من الانفطار، و * (يتفطرن) *، و * (هدا) * أي: مهدودة، أو تهد هدا، أو مفعول له أي: لأنها تهد (5). و * (أن دعوا) * يجوز أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في * (منه) *، ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي: لأن دعوا، فيكون قد علل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد * (للرحمن) *، ومرفوعا بأنه فاعل * (هدا) * أي: * (تخر) * لأن هدها دعاء الولد * (للرحمن) *. * (وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السموات والارض إلا ءاتى الرحمن عبدا (93) لقد أحصيهم وعدهم عدا (94) وكلهم ءاتيه يوم القيمة فردا (95) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت سيجعل لهم الرحمن ودا (96) فإنما يسرنه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98)) * " انبغى " مطاوع " بغى ": إذا طلب، أي: * (ما) * يتأتى لله اتخاذ الولد، وما


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 43 - 44، وابن حجر في الكاف الشاف: ص 108. (2) قاله ابن خالويه في شواذ القرآن: ص 89. (3) وهي قراءة نافع والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 413. (4) قرأه حمزة وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 2 ص 93. (5) هد البناء يهده هدا: إذا كسره وضعضعه. (الصحاح: مادة هدد). (*)

[ 471 ]

ينطلب له لو طلب مثلا لأنه مستحيل. * (لقد أحصيهم) * أي: حصرهم بعلمه، والمعنى: مامن معبود لهم * (في السموات والارض) * من الملائكة ومن الناس * (إلا) * وهو يأتي * (الرحمن) * أي: يأوي إليه * (عبدا) * منقادا لا يدعي لنفسه ما يدعيه هؤلاء له. * (وكلهم) * مقهورون، متقلبون (1) في ملكوته، وهو محيط بهم وبجمل (2) أمورهم وتفاصيلها وكيفيتهم وكميتهم لا يفوته شئ من أحوالهم، وكل واحد منهم يأتيه * (يوم القيمة) * منفردا، بريئا من هؤلاء المشركين. * (ودا) * عن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه (3). وروي عن الباقر (عليه السلام) وجابر بن عبد الله: " أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): قل: اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في قلوب المؤمنين ودا، فقالهما، فنزلت " (4). وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله تعالى إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه (5). بلغ هذا القرآن وبشر به وأنذر * (فإنما) * أنزلناه * (بلسانك) * أي: بلغتك وهو اللسان العربي، و * (يسرنه) * لك * (لتبشر... وتنذر) *، واللد: جمع الألد وهو الشديد الخصومة بالباطل، الآخذ في كل لديد أي: كل جانب من الجدال، يريد أهل مكة. * (وكم أهلكنا) * تخويف لهم، و * (تحس) * من أحسه: إذا شعر به، ومنه الحاسة، والركز: الصوت الخفي، أي: لا يرى لهم عين ولا يسمع لهم صوت، وكانوا أكثر أموالا وأكبر أجساما وأشد خصاما من هؤلاء، فحكم هؤلاء حكمهم.


(1) في بعض النسخ: منقلبون. (2) في نسخة: بمجمل. (3) تفسير ابن عباس: ص 259. (4) تفسير القمي: ج 2 ص 56 عن الصادق (عليه السلام)، ونحوه في تفسير العياشي: ج 2 ص 141 قطعة ح 11. (5) أخرجه عنه الطبري في تفسيره: ج 8 ص 386. (*)

[ 473 ]

سورة طه مكية (1)، وهي مائة وخمس وثلاثون آية كوفي، اثنتان بصري، عد الكوفي: * (طه) * * (نسبحك كثيرا) * (2) * (ونذكرك كثيرا) * (3) * (لنفسي) * (4) * (ما غشيهم) * (5) * (رأيتهم ضلوا) * (6)، وعد البصري: * (فتونا) * (7) * (منى هدى) * (8) * (زهرة الحيواة الدنيا) * (9). في حديث أبي: " من قرأها أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار " (10). وعن الصادق (عليه السلام): " لا تدعوا قراءة طه، فإن الله يحبها ويحب من قرأها، ومن أدمن قراءتها أعطاه الله كتابه بيمينه ولم يحاسبه بما عمل في الإسلام، وأعطي من الأجر حتى يرضى " (11).


(1) قال الزمخشري في كشافه: ج 3 ص 49: مكية إلا آيتي 130 و 131 فمدنيتان، وهي 135 آية، نزلت بعد مريم. (2 و 3) الآية: 33 و 34. (4) الآية: 41. (5) الآية: 78. (6) الآية: 92. (7) الآية: 40. (8) الآية: 123. (9) الآية: 131. (10) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 100 مرسلا. (11) ثواب الأعمال للصدوق: ص 134. (*)

[ 474 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (طه (1) مآ أنزلنا عليك القرءان لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفي (7) الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى (8)) * قرئ بتفخيم * (ط) * وإمالة * (- ه) * (1)، وقرئ بإمالتهما (2)، وتفخيمهما (3)، وعن الحسن: " طه " (4)، وفسر بأنه أمر بالوط ء (5)، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معا (6)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (7)، والأصل " طأ " فقلبت همزته هاء، أو قلبت ألفا في " يطأ " ثم بني عليه الأمر، والهاء للسكت. * (مآ أنزلنا) * إن جعلت * (طه) * اسما للسورة احتمل أن يكون خبرا عنه وهو مبتدأ و * (القرءان) * أوقع موقع الضمير لأن السورة قرآن، واحتمل أن يكون جوابا


(1) وهي قراءة أبي عمرو وورش وأبي اسحاق. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 531، وتفسير القرطبي: ج 11 ص 168. (2) قرأه حمزة والكسائي والأعمش وخلف وأبو بكر الا الأعشى والبرجمي. راجع التبيان: ج 7 ص 157، وتفسير القرطبي: ج 11 ص 168. (3) وهي قراءة الجمهور. راجع المصادر السابقة. (4) تفسير الحسن البصري: ج 3 ص 115. (5) وهو ما حكاه ابن الأنباري. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 393. (6) رواه ابن عباس والربيع بن أنس كلاهما عنه (صلى الله عليه وآله). راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 336، وتفسير ابن كثير: ج 3 ص 138. (7) انظر تفسير القمي: ج 2 ص 57 - 58. (*)

[ 475 ]

له وهو قسم * (لتشقى) * أي: لتتعب هذا التعب، وكان (عليه السلام) يصلي الليل كله ويعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم، فأمره الله سبحانه أن يخففه على نفسه، و " الشقاء " يجئ بمعنى " التعب " ومنه المثل: " أتعب من رائض مهر " و " أشقى من رائض مهر ". * (تذكرة) * علة للفعل و * (لتشقى) * كذلك، إلا أن هذا وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل (1)، والمعنى: لكن أنزلناه * (ل‍) * نذكر به * (من يخشى) * الله، والتذكرة بمعنى التذكير. * (تنزيلا) * أي: ننزل تنزيلا، ويجوز أن ينصب ب‍ * (أنزلنا) * لأن معنى " مآ أنزلناه إلا تذكرة ": أنزلناه تذكرة، أو يكون بمعنى: أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله، وما بعد * (تنزيلا) * إلى قوله: * (له الاسماء الحسنى) * تعظيم لشأن المنزل لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته، و * (العلى) * جمع " العليا " تأنيث " الأعلى "، ووصف * (السموات) * بذلك دلالة على عظم اقتدار من يخلق مثلها في علوها. و * (الرحمن) * مرفوع على المدح على تقدير: هو الرحمن، والجملة التي هي * (على العرش استوى) * يجوز أن تكون خبر لمبتدأ محذوف، وأن تكون مع * (الرحمن) * خبرين للمبتدأ، ولما كان الاستواء * (على العرش) * الذي هو سرير الملك مما يردف (2) الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى على العرش بمعنى: ملك، ونحوه: قولهم: يد فلان مبسوطة أي: هو جواد، ويده مغلولة أي: هو بخيل، من غير تصور يد ولا غل ولا بسط. * (وما تحت الثرى) * أي: ما في ضمن الأرض من الكنوز والأموات.


(1) في نسخة زيادة: به ففاتته شريطة الانتصاب. (2) في نسخة: يرادف. (*)

[ 476 ]

* (يعلم السر) * وهو ما أسررته إلى غيرك * (وأخفي) * من ذلك وهو ما أخطرته ببالك، أو ما أسررته في نفسك * (وأخفي) * منه وهو ما ستسره فيها، والمعنى: * (وإن تجهر) * بذكر الله وغيره فاعلم أنه غني عن جهرك لأنه علم * (السر وأخفي) * منه (1). و * (الحسنى) * تأنيث الأحسن. * (وهل أتيك حديث موسى (9) إذ رءا نارا فقال لاهله امكثوا إنى ءانست نارا لعلى ءاتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلمآ أتيها نودي يموسى (11) إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إننى أنا الله لاإله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلوا ة لذكرى (14) إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هويه فتردى (16)) * ثم قفاه بقصة * (موسى) * (عليه السلام) ليقتدي به في الصبر على تكاليف الرسالة ومقاساة الشدائد، و * (إذ) * ظرف ل‍ * (حديث) * أو مفعول ل‍ " اذكر "، استأذن موسى (عليه السلام) شعيبا في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله، فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة، وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولم ينقدح زنده (2)، ف‍ * (رءا نارا) * من بعيد * (فقال لاهله امكثوا) * في مكانكم * (إنى ءانست) * أي: أبصرت، والإيناس: الإبصار البين الذي لاشبهة فيه، وقيل: هو إبصار ما يؤنس به (3)، ولما كان الإيناس متيقنا حققه بلفظة " إن "، ولما كان الإتيان بالقبس - وهو النار المقتبسة -


(1) في نسخة زيادة: عنده. (2) الزند: العود الذي يقدح به النار. (الصحاح: مادة زند). (3) قاله ابن عباس. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 171. (*)

[ 477 ]

ووجود الهدى متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال: * (لعلى) * لئلا يعد ما ليس الوفاء به مستيقنا، وأراد ب‍ * (هدى) * قوما يهدونه إلى الطريق، أو ينفعونه بهداهم في أبواب الدين، لأن أفكار الأبرار مغمورة بالهمم الدينية في جميع أحوالهم، والمعنى: ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى. وقرئ: " أني " بالفتح (1)، أي: * (نودي) * بأني * (أنا ربك) * ومن كسر فالمعنى: نودي فقيل: * (يموسى) *، أو لأن النداء ضرب من القول، والمعنى في تكرير الضمير: توكيد الدلالة وتحقيق المعرفة. وروي (2): أنه حين انتهى رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها تتوقد فيها نار بيضاء، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما لم تكن الخضرة تطفئ النار ولا النار تحرق الخضرة، فعلم أنه لأمر عظيم، فبهت فألقيت عليه السكينة ثم نودي: * (فاخلع نعليك) * قيل: أمر بخلع النعلين لأنهما كانتا من جلد حمار ميت (3)، وقيل: ليباشر الوادي بقدميه متبركا به واحتراما له (4) (5) * (طوى) * قرئ بالتنوين وغير التنوين (6) بتأويل المكان والبقعة، وقيل: سمي به لأنه قدس مرتين فكأنه طوي بالبركة كرتين (7).


(1) قرأه ابن كثير وأبو عمرو ونصير. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 531. (2) وهو ما رواه ابن عباس. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 337. (3) قاله كعب الأحبار وعكرمة والحسن، وروته العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 213، وتفسير الحسن البصري: ج 2 ص 116، وتفسير ابن العربي: ج 3 ص 253. (4) في نسخة زيادة: وقيل: لأن الحفوة تواضع، ومن ثم طاف السلف بالكعبة حافين. (5) وهو قول علي (عليه السلام) والحسن وابن جريج ومجاهد وعكرمة. راجع التبيان: ج 7 ص 164، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 396. (6) وبغير التنوين قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو والحسن وأبو السمال والأعمش وابن محيصن. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 90، وكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 417. (7) قاله الحسن البصري في تفسيره: ج 2 ص 115. (*)

[ 478 ]

* (وأنا اخترتك) * أي: اصطفيتك للرسالة، وقرئ: " وإنا اخترناك " (1)، * (لما يوحى) * تعلق اللام ب‍ * (استمع) * أو ب‍ * (اخترتك) * و " ما " موصولة أو مصدرية. * (لذكرى) * أي: لتذكرني (2) فيها، لأن * (الصلوا ة) * تشتمل على الأذكار، وعن مجاهد: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها (3)، وقيل: لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل لك لسان صدق (4)، أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة، واللام مثلها في قولك: جئتك لوقت كذا ولست مضين، ومثله قوله: * (قدمت لحياتي) * (5)، وقيل: إنه ذكر الصلاة بعد نسيانها أي: أقمها متى ذكرت: كنت في وقتها أو لم تكن (6)، وروي ذلك عن الباقر (7) (عليه السلام) (8)، وكان ينبغي أن يقال: لذكرها ولكنه على حذف المضاف أي: لذكر صلاتي، أو لأنه إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله. * (أكاد أخفيها) * أي: فلا أقول: هي * (ءاتية) * لفرط إرادتي إخفاءها، ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به، وفي مصحف أبي: " أكاد أخفيها من نفسي " (9) وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (10) * (لتجزى) * يتعلق ب‍ * (ءاتية) *، * (بما تسعى) * أي: بسعيها.


(1) وهي قراءة حمزة والمفضل. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 532. (2) في بعض النسخ زيادة: فإن ذكري أن اعبد ويصلى لي أو لتذكرني. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 55. (4) حكاه الزمخشري أيضا في الكشاف. (5) الفجر: 24. (6) وهو قول ابن عباس وابراهيم، ورواه سعيد بن المسيب عن النبي (صلى الله عليه وآله). راجع تفسير ابن عباس: ص 260، وتفسير الماوردي: ج 3 ص 397، وتفسير السمرقندي: ج 2 ص 338. (7) في نسخة: الصادق (عليه السلام). (8) رواه الكليني في الكافي: ج 3 ص 293 ح 4، والآلوسي في تفسيره: ج 16 ص 171. (9) حكاها أبو الليث السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 338. (10) رواه عنه (عليه السلام) الآلوسي في تفسيره: ج 16 ص 172. (*)

[ 479 ]

* (فلا يصدنك) * عن تصديقها، والضمير للقيامة أو عن الصلاة * (من لا يؤمن بها) * بالقيامة، ولا يهولنك كثرة عددهم ووفور سوادهم فإن بناء أمرهم على اتباع الهوى * (فتردى) * أي: فتهلك. * (وما تلك بيمينك يموسى (17) قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولى فيها مارب أخرى (18) قال ألقها يموسى (19) فألقيها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ءاية أخرى (22) لنريك من ءايتنا الكبرى (23) اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لى صدري (25) ويسر لى أمرى (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولى (28) واجعل لى وزيرا من أهلى (29) هرون أخى (30) اشدد به أزرى (31) وأشركه في أمرى (32) كى نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يموسى (36)) * * (بيمينك) * في موضع الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، وإنما سأله ليريه عظم ما يفعله بها (1)، وينبهه على باهر قدرته. * (أتوكؤا عليها) * أعتمد عليها إذا مشيت أو وقفت على رأس القطيع * (وأهش) * أي: أخبط الورق * (بها على) * رؤوس * (غنمي) * تأكله * (ولى فيها مارب أخرى) * أي: حاجات أخر، قالوا: انقطع لسانه من الهيبة فأجمل (2). * (تسعى) * أي: تمشي بسرعة وخفة حركة، وعن ابن عباس: انقلب ثعبانا


(1) في نسخة زيادة: من قلبها حية. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 58. (*)

[ 480 ]

ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه موسى خاف (1). ولما * (قال) * سبحانه: * (خذها ولا تخف) * بلغ من ذهاب خوفه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيها، والسيرة: من السير كالركبة من الركوب ثم نقلت إلى معنى الطريقة (2) فقيل: سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي: * (سنعيدها) * في طريقتها * (الاولى) * أي: في حال ما كانت عصا، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ل‍ " أعاد "، أو ينتصب بفعل مضمر والمعنى: سنعيدها سائرة * (سيرتها الاولى) * حيث كنت تتوكأ عليها ولك * (فيها) * المآرب التي عرفتها. * (واضمم يدك إلى جناحك) * إلى جنبك (3) تحت العضد مستعار من جناح الطائر * (من غير سوء) * كناية عن البرص كما كني عن العورة بالسوءة (4). روي: أنه (عليه السلام) كان آدم (5)، فأخرج يده من مدرعته * (بيضاء) * لها شعاع كشعاع الشمس تغشي البصر (6). وقوله: * (بيضاء) * و * (ءاية) * حالان، و * (من غير سوء) * حال من معنى * (بيضاء) * أي: ابيضت من غير سوء، ويجوز أن ينتصب * (ءاية) * بإضمار " خذ " ونحوه، وتعلق به * (لنريك) * أي: خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا حية لنريك


(1) أخرجه عنه الطبري في تفسيره: ج 8 ص 407. (2) في نسخة هكذا: ثم اتسع فيها فنقلت الى معنى المذهب والطريقة. (3) في نسخة: جيبك. (4) كما في قوله تعالى: * (ليبدي لهما ماوورى عنهما من سوءا تهما) * الأعراف: 20، * (بدت لهما سوءا تهما) * الأعراف: 22، * (يوا رى سوءا تكم) * الأعراف: 26، * (ليريهما سوءا تهمآ) * الأعراف: 27، * (يوا رى سوءة أخيه) * و * (فأوا رى سوءة أخى) * المائدة: 31، * (فأكلا منها فبدت لهما سوءا تهما) * طه: 121. (5) الآدم من الناس: الأسمر. (الصحاح: مادة ادم). (6) رواه مجاهد ووهب بن منبه. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 408. (*)

[ 481 ]

بهاتين الآيتين بعض * (ءايتنا الكبرى) * أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا، ويجوز أن يكون التقدير: لنريك من آياتنا فعلنا ذلك. ولما أمره سبحانه بالذهاب * (إلى فرعون) * عرف أنه كلف أمرا عظيما، فسأل ربه أن يشرح صدره حتى لا يضجر ولا يغتم، ويستقبل الشدائد بجميل الصبر، وأن يسهل عليه أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مقاساة الخطوب الجليلة، وعن ابن عباس: كان في لسانه رتة (1) (2) لما روي من حديث الجمرة (3)، واختلف في زوال العقدة: فقيل: انحلت عن لسانه وزالت وهو الصحيح لقوله: * (أوتيت سؤلك يموسى) * (4)، وقيل: بقي بعضها لقوله: * (وأخى هرون هو أفصح منى لسانا) * (5) (6). والوزير من الوزر، لأنه يتحمل عن الملك أوزاره (7)، أو من الوزر (8) لأن الملك يعتصم برأيه (9)، أو من المؤازرة وهي المعاونة * (وزيرا) * و * (هرون) * مفعولان ل‍ * (اجعل) * أي: اجعل هارون وزيرا * (لى) * فقدم عناية بأمر الوزارة،


(1) الرتة بالضم: عجلة في الكلام وقلة أناة، وقيل: هو أن يقلب اللام ياء، وقيل: هي ردة قبيحة في اللسان من العيب، وقيل: هي العجمة في الكلام. (لسان العرب: مادة رتت). (2) انظر تفسير ابن عباس: ص 261. (3) أخرجه الطبري في تفسيره: ج 8 ص 410، وحديث الجمرة باختصار: أنه أراد فرعون قتل موسى (عليه السلام) وهو طفل لأنه أخذ بلحيته ونتفها، فقالت له آسية زوجته: انه صبي لا يعقل وعلامة جهله أنه لا يميز بين الدرة والجمرة، فاحضر فرعون الدرة والجمرة لامتحانه، فأراد موسى أن يأخذ الدرة فصرف جبرائيل يده الى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فاحترق لسانه. (4) قاله السدي. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 410. (5) القصص: 34. (6) وهو قول الحسن البصري في تفسيره: ج 2 ص 116. (7) في نسخة زيادة: ومؤنه. (8) الوزر: يعني الملجأ. (الصحاح: مادة وزر). (9) في نسخة زيادة: ويلتجئ إليه في اموره. (*)

[ 482 ]

وقيل: إن المفعولين * (لى وزيرا) * و * (هرون) * عطف بيان (1)، وقرأ ابن عامر: " اشدد... وأشركه " على الجواب (2)، والأزر: القوة، وأزره: قواه، أي: اجعله شريكي في الرسالة حتى نتعاون على عبادتك وذكرك ونتزايد الخير. * (إنك كنت بنا بصيرا) * أي: عالما بأحوالنا، وأن هارون نعم المعين (3) لي والشاد لعضدي، والسؤل: الطلبة، فعل في معنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول. * (ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى (39) إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعنك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجينك من الغم وفتنك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يموسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بايتى ولاتنيا في ذكرى (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إننى معكمآ أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنى إسرا ءيل ولاتعذبهم قد جئنك باية من ربك والسلم على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحى إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى (48)) *


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 3 ص 356. (2) انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 418. (3) في بعض النسخ: النصير. (*)

[ 483 ]

* (أوحينا إلى أمك) * أي: ألهمناها * (ما) * يلهم، وهو ماكان سبب نجاتك من القتل، أو بعثنا إليها ملكا كما بعثنا إلى مريم. * (أن اقذفيه... في اليم) * أي: ضعيه وألقيه، وهي * (أن) * المفسرة، لأن الوحي بمعنى القول، والضمائر كلها ترجع إلى * (موسى) *، * (فليلقه اليم بالساحل) * وهو شط البحر، كأنه أمر البحر كما أمر أم موسى، وهذا على طريق المجاز جعله كذي تمييز، أمر بذلك ليطيع لما كانت مشيئته عزاسمه إلقاءه إلى الساحل * (يأخذه عدو لى وعدو له) * وهو فرعون، لأنه تصور أن ملكه ينقرض على يده، و * (منى) * إن تعلق ب‍ * (ألقيت) * فالمعنى: إني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإن تعلق بمحذوف هو صفة ل‍ * (محبة) * فالمعنى: * (ألقيت عليك محبة) * واقعة * (منى) * قد ركزته أنا في القلوب وزرعته فيها ولذلك أحبك فرعون وكل من رآك، و * (لتصنع) * معطوف على علة مضمرة (1)، مثل: " ليعطف عليك " ونحوه، أو حذف المعلل أي: " ولتصنع فعلت ذلك " والمعنى: ولتربى وتغذي ويحسن إليك وأنا أراعيك كما يراعى الرجل الشئ بعينيه (2) إذا اعتنى به، وكما تقول للصانع، اصنع هذا على عيني أنظر إليك ليكون صنيعك على حسب ما أريده منك، وقرئ: " ولتصنع " بالجزم وسكون اللام (3) أو كسرها على أنه أمر. والعامل في * (إذ تمشى) *: * (ألقيت) * أو * (تصنع) * أو يكون بدلا من * (إذ أوحينا) *. وروي: أن أخت موسى (عليه السلام) لما قالت لها أمه: قصيه اتبعت موسى متعرفة خبره، فرأتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها لأنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فقالت: * (هل أدلكم) * فجاءت بأم موسى فقبل ثديها (4) * (وقتلت نفسا) * يعني: القبطي


(1) في نسخة: مقدرة. (2) في بعض النسخ: بعينه. (3) وهي قراءة أبي جعفر المدني. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 217. (4) رواه ابن اسحاق. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 414. (*)

[ 484 ]

الذي استغاثه عليه الذي هو من شيعته فوكزه فقتله * (فنجينك من) * غم القصاص ومن بأس فرعون، و * (فتونا) * يجوز أن يكون مصدرا على فعول في المتعدي كالشكور والثبور، وأن يكون جمع فتن أو فتنة كبدور في جمع بدرة، أي: * (فتنك) * ضروبا من الفتن فتنة بعد فتنة، وذاك أنه ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل القبطي، وآجر نفسه عشر سنين، والفتنة: المحنة وكل ما يشق على الإنسان، و * (مدين) * على ثماني مراحل من مصر * (على قدر) * على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، وقيل: معناه: سبق في قدري وقضائي أن أكلمك في وقت بعينه (1)، ف‍ * (جئت) * على ذلك القدر. * (واصطنعتك لنفسي) * اتخذتك صنيعتي وخالصتي، واختصصت (2) بكرامتي. * (ولاتنيا في ذكرى) * الونى: الفتور والتقصير، يعني: ولا تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما كنتما، أو يريد بالذكر تبليغ الرسالة أي: لاتضعفا في ذلك ولا تقصرا. و " القول اللين " نحو قوله تعالى: * (هل لك إلى أن تزكى) * (3) * (وأهديك إلى ربك فتخشى) * (4)، وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده وملكا لا ينزع منه إلا بالموت (5)، واذهبا على رجائكما وطمعكما فعل من يبذل أقصى وسعه وطاقته، وإنما أرسلهما إليه مع علمه بأنه لا يؤمن، إلزاما للحجة * (يتذكر) * أي: يتأمل فينصف من نفسه ويذعن للحق * (أو يخشى) * أن يكون الأمر كما تصفان.


(1) وهو قول الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 179. (2) في بعض النسخ: واختصصتك. (3) النازعات: 18. (4) النازعات: 19. (5) قاله السدي: راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 219. (*)

[ 485 ]

* (نخاف) * أي: نخاف * (أن) * يعجل * (علينا) * بالعقوبة، يقال: فرط منه فعل أي: سبق، وفرس فرط: يسبق الخيل * (أو أن يطغى) * أي: يجاوز الحد في الإساءة بنا. * (إننى معكمآ) * بالحفظ والنصرة، أي: حافظكما وناصركما * (أسمع وأرى) * ما يجري بينكما وبينه، وكانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون، والقبط يعذبونهم بتكليف الأعمال الشاقة والسخرة في كل شئ. * (قد جئنك باية من ربك) * أي: بمعجزة وبرهان على ما ادعيناه * (والسلم) * سلام الملائكة، أو السلامة من عذاب الله * (على) * المهتدين، و * (العذاب على) * المكذبين. * (قال فمن ربكما يموسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الاولى (51) قال علمها عند ربى في كتب لا يضل ربى ولا ينسى (52) الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزوا جا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعمكم إن في ذلك لايت لاولى النهى (54) منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أرينه ءايتنا كلها فكذب وأبى (56)) * خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى، لأن الأصل في النبوة موسى، أو حمله خبثه على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه لما عرف من فصاحة هارون. * (خلقه) * مفعول أول ل‍ * (أعطى) * أي: أعطى خلقه يعني: خليقته * (كل شئ) * يحتاجون إليه، أو مفعول ثان بمعنى: أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يوافق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن

[ 486 ]

الشكل الذي يطابق الاستماع، وكذلك باقي الأعضاء وقيل: أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة أي: زوجه (1)، وقرئ: " خلقه " (2) أي: كل شئ خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه. * (ما بال القرون الاولى) * أي: ما حال الأمم الماضية في السعادة والشقاوة ؟ فأجاب أن علم أحوالها مكتوب * (عند ربى في) * اللوح المحفوظ، لا يخطئ شيئا ولاينساه، وقيل: لا يتركه حتى يجازيه (3) أي: * (لا يضل) * كما تضل أنت * (ولا ينسى) * كما تنسى يا مدعي الربوبية. * (الذي جعل) * صفة ل‍ * (ربى) * أو خبر مبتدأ محذوف * (مهدا) * أي: مهدها مهدا، أو يمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يمهد للصبي، وقرئ: " مهادا " (4) أي: فراشا وبساطا، و * (سلك لكم) * أي: حصل لكم * (فيها سبلا... فأخرجنا) *، انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم على طريقة الالتفات، ومثله قوله تعالى: * (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ) * (5) وفيه تخصيص بأنا نحن نقدر على مثل ذلك ولا يدخل تحت قدرة أحد * (أزوا جا) * أصنافا، و * (شتى) * جمع شتيت، والنبات: مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل. والمعنى: قائلين: * (كلوا وارعوا) * حال من الضمير في * (أخرجنا) * أي: مبيحين أكلها والانتفاع بها.


(1) قاله ابن عباس والسدي. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 406. (2) وهي قراءة نصير عن الكسائي. راجع التبيان: ج 7 ص 177. (3) قاله ابن عباس. في تفسيره: ص 262. (4) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 418. (5) الأنعام: 99. (*)

[ 487 ]

* (أرينه ءايتنا كلها) * يعني: الآيات التسع، أي: معجزاتنا الدالة على صدق موسى (عليه السلام) * (فكذب) * بجميع ذلك * (وأبى) * أن يؤمن. * (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنزعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذا ن لسحرا ن يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يموسى إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66)) * قوله: * (بسحرك) * تعلل من فرعون، وإلا فلا يخفي على أحد أن ساحرا لا يقدر على أن يخرج ملكا مثله من أرضه بالسحر، ويلوح من كلامه هذا أنه كان يخاف منه أن يغلبه على ملكه. * (موعدا) * مصدر بمعنى " الوعد " على تقدير مضاف محذوف، أي: مكان موعد، والهاء في * (نخلفه) * للموعد، و * (مكانا) * بدل من المكان المحذوف، وهو بمعنى الوقت في قوله: * (موعدكم) * أي: وقت الوعد * (يوم الزينة) * وهو يطابق ما تقدم معنى وإن لم يطابقه لفظا من حيث إن الاجتماع يوم الزينة لابد أن يكون في مكان مشهور، فبذكر الزمان يعلم المكان، ويجوز أن لا يقدر في الأول مضاف محذوف ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لانخلفه، وينتصب * (مكانا) *

[ 488 ]

بالمصدر ويكون * (موعدكم) * معناه: وعدكم وعد يوم الزينة، وقرئ: " لانخلفه " بالجزم (1) على جواب (2) الأمر، وقرئ: " سوى " و * (سوى) * بكسر السين (3) وضمها ومعناه: منصفا بيننا وبينك أي: يستوي مسافته على الفريقين، وقرئ: " يوم الزينة " بالنصب (4) وهو مثل قولك: قيامك يوم الجمعة، فيكون * (موعدكم) * مصدرا والظرف خبرا عنه أو على تقدير: إنجاز موعدكم يوم الزينة، و * (أن يحشر) * في موضع جر، أي: موعدكم يوم الزينة وحشر * (الناس) * فيكون معطوفا على * (الزينة) *، أو في موضع رفع أي: إنجاز موعدكم وحشر الناس * (ضحى) * في يوم الزينة، وهو يوم عيد كان لهم في كل عام، وقيل: يوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون ذلك اليوم (5)، وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون ظهور دين الله وعلو كلمته وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك في الناس. * (فتولى فرعون) * أي: انصرف * (فجمع كيده) * أي: حيلته ومكره وذلك جمعه السحرة. * (لا تفتروا على الله كذبا) * أي: لا تكذبوا على الله بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحرا، قرئ: " فيسحتكم " (6) و * (فيسحتكم) *، والسحت والإسحات بمعنى وهو الاستئصال. * (فتنزعوا أمرهم بينهم) * أي: تشاوروا وتجاذبوا أهداب القول * (وأسروا


(1) وهي قراءة يزيد بن القعقاع وشيبة والأعرج. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 212. (2) في نسخة: وجوب. (3) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 418. (4) قرأه الحسن. راجع الكشاف: ج 3 ص 71. (5) قاله قتادة. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 409. (6) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 419. (*)

[ 489 ]

النجوى) * يعني: السحرة، ونجواهم: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: إن كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر (1)، ولما * (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا... قالوا) *: ماهذا بقول ساحر. قال فرعون وقومه للسحرة: " إن هذان لساحران " (2) وهي لغة بلحرث (3) ابن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف كعصا وسلمى ولم يقلبوها ياء في الجر والنصب، وقيل: " إن " هنا بمعنى: نعم و " ساحران " خبر مبتدأ محذوف تقديره: لهما ساحران (4)، وقرئ: * (إن هذا ن لسحرا ن) * وهو مثل قولك: إن زيد لمنطلق، واللام هي الفارقة بين " إن " النافية والمخففة من الثقيلة، وقرأ أبو عمرو: " إن هذين لساحران " (5) على الوجه الظاهر، وقرئ: " هذان " بتشديد النون (6) وهو لغة. و * (المثلى) * تأنيث الأمثل، وهو الأفضل والأشبه بالحق، والمعنى: * (يريدان أن) * يصرفا وجوه الناس إليهما، وقيل: الطريقة: اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم (7)، ويقال أيضا للواحد: هو طريقة قومه، وقيل: إن طريقتهم المثلى: بنو إسرائيل وكانوا أكثر القوم عددا ومالا (8)، أي: يريدان أن


(1) وهو قول قتادة. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 428. (2) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا بتشديد " إن ". (3) في نسخة: لحارث. و " بلحرث " مخفف " بني حرث ". والحرث بن كعب هو جد جاهلي. انظر القاموس المحيط: مادة " حرث ". (4) قاله المبرد واسماعيل بن اسحاق القاضي. راجع التبيان: ج 7 ص 184. (5) انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 419. (6) قرأه ابن كثير. راجع التيسير في القراءات للداني: ص 151. (7) وهو قول ابن عباس وأبي صالح. راجع التبيان: ج 7 ص 185، وتفسير البغوي: ج 3 ص 223. (8) قاله ابن عباس وقتادة. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 430. (*)

[ 490 ]

* (يذهبا) * بهم لأنفسهم لقول موسى: * (فأرسل معنا بنى إسرا ءيل) * (1). * (فأجمعوا كيدكم) * أي: أزمعوه واجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا، وهذا قول فرعون للسحرة أو قول بعض لبعض، وقرئ: " فاجمعوا " (2) ويعضده قوله: * (فجمع كيده) *، * (ثم ائتوا صفا) * أي: مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم * (وقد أفلح اليوم من استعلى) * أي: فاز من غلب وعلا. * (أن تلقى) * مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا، أو منصوب بفعل مضمر معناه: اختر أحد الأمرين، وهذا التخيير منهم حسن أدب وخفض جناح له. * (فإذا حبالهم) *: * (إذا) * هذه للمفاجأة، والتقدير: * (فإذا حبالهم وعصيهم) * مخيلة * (إليه) * السعي، وقوله: * (أنها تسعى) * فاعل (3) (يخيل) * والضمير في * (إليه) * يرجع إلى * (موسى) * (عليه السلام)، وقيل: إلى * (فرعون) * (4)، وقرئ: " تخيل " بالتاء (5) على أن يكون مسندا إلى ضمير " الحبال " و " العصي "، ويكون * (أنها تسعى) * بدلا من الضمير وهو بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد علمه. * (فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد سحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقى السحرة سجدا قالوا ءامنا برب هرون وموسى (70) قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي


(1) الآية: 47. (2) قرأه أبو عمرو. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 2 ص 100. (3) كذا في النسخ، والظاهر هو نائب فاعل ل‍ * (يخيل) * المبني للمجهول. (4) حكاه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 413. (5) وهي قراءة ابن عباس وأبي حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 222. (*)

[ 491 ]

علمكم السحر فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ماجآءنا من البينت والذي فطرنا فاقض مآأنت قاض إنما تقضى هذه الحيواة الدنيآ (72) إنآ ءامنا بربنا ليغفر لنا خطينا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصلحت فأولئك لهم الدرجت العلى (75) جنت عدن تجري من تحتها الانهر خلدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76)) * * (أوجس) * الخوف: أضمر شيئا منه، وكان إيجاس الخيفة من موسى (عليه السلام) للجبلة البشرية عند رؤية أمر فظيع، وقيل: لأجل أن يتخالج فيه شك على الناس فلا يتبعوه (1). * (إنك أنت الاعلى) * فيه تقرير لقهره (2) وغلبته، وتأكيد بالاستئناف وبكلمة التحقيق وبتكرير الضمير وبلام التعريف وبلفظ العلو - وهو الغلبة الظاهرة - وبلفظ التفضيل. قرئ: " تلقف " (3) بالرفع (4) على الاستئناف أو على الحال، أي: ألقها متلقفة، وقرئ: * (تلقف) * بالتخفيف * (ما صنعوا) * أي: ما زوروا وافتعلوا * (إنما صنعوا) * أي: الذي صنعوه " كيد سحر " (5) أي: ذوي سحر، أو بين الكيد بسحر كما يبين


(1) قاله مقاتل والجبائي والبلخي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 224، والتبيان: ج 7 ص 187. (2) في نسخة: لأمره. (3) لقفت الشئ ألقفه لقفا: أي تناولته بسرعة. (الصحاح: مادة لقف). (4) وهي قراءة ابن عامر وابن ذكوان. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 335. (5) يظهر من عبارته أنه اعتمد هنا - تبعا للزمخشري - على هذه القراءة كما هو واضح. (*)

[ 492 ]

المائة بدرهم، لأن الكيد يكون سحرا أو غير سحر، ومثله: علم فقه، وقرئ: * (كيد سحر) * وحد لأن القصد معنى الجنسية لا معنى العدد، يدل عليه قوله: * (ولا يفلح الساحر) * أي: هذا الجنس * (حيث أتى) * هو كقولهم: أينما كان، وأية سلك، وهاهنا حذف أي: فألقى عصاه فتلقفت ما صنعوا. * (فألقى السحرة سجدا) * وعن عكرمة: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة (1). * (قبل أن ءاذن لكم) * أي: من غير إذني * (إنه لكبيركم) * أي: رئيسكم و (2) أسحركم و (3) أستاذكم ومعلمكم * (من خلف) * هو أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر بشيئين: بأن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال، و * (من) * لابتداء الغاية، لأن القطع مبتدأ (4) من مخالفة العضو العضو، والجار والمجرور في موضع الحال، أي: لاقطعنها مختلفات * (في جذوع النخل) * شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشئ في وعائه فهذا معنى " في " * (ولتعلمن) * أيها السحرة * (أينآ أشد عذابا) * يريد الملعون نفسه وموسى (عليه السلام)، بدليل قوله: * (ءامنتم له) *، واللام مع الإيمان لغير الله في القرآن كقوله: * (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) * (5)، وقيل: يريد الله تعالى (6). * (قالوا لن نؤثرك) * أي: لن نختارك * (على ما) * أتانا * (من) * المعجزات * (و) * على * (الذي فطرنا) * أي: خلقنا، أو هو قسم أي: والله الذي فطرنا * (فاقض مآأنت قاض) * أي: فاصنع ما أنت صانعه فإنا لا نرجع عن الإيمان، أو: فاحكم ما أنت


(1) حكاه عنه الفخر الرازي في تفسيره: ج 22 ص 86. (2) في بعض النسخ: " أو " بدل الواو. (3) في بعض النسخ: " أو " بدل الواو. (4) في نسخة زيادة: وناش. (5) التوبة: 61. (6) حكاه الآلوسي في تفسيره: ج 16 ص 231. (*)

[ 493 ]

حاكمه * (هذه الحيواة الدنيآ) * منصوبة على الظرف. * (وما أكرهتنا عليه) * روي: أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ماهذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى فرعون إلا أن يعملوا، فذلك إكراههم (1) * (والله خير) * لنا منك * (و) * ثوابه * (أبقى) * لنا من ثوابك. والآيات الثلاث بعد حكاية قولهم، وقيل: هي خبر من الله عزوجل (2) * (مجرما) * أي: كافرا، و * (العلى) * جمع العليا تأنيث " الأعلى "، و * (تزكى) * تطهر من أدناس الذنوب، وعن ابن عباس: قال: لا إله إلا الله (3). * (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يبنى إسرا ءيل قد أنجينكم من عدوكم ووا عدنكم جانب الطور الايمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبت ما رزقنكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى (81) وإنى لغفار لمن تاب وءامن وعمل صلحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يموسى (83) قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبن أسفا قال يقوم ألم يعدكم ربكم


(1) رواه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 225 عن عبد العزيز بن أبان. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 77. (3) حكاه عنه الفخر الرازي في تفسيره: ج 22 ص 91. (*)

[ 494 ]

وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86)) * * (أن أسر بعبادي) * أي: سر بهم ليلا من أرض مصر، فاجعل * (لهم طريقا في البحر يبسا) * أي: يابسا، من قولهم: ضرب له في ماله سهما، أو ضرب اللبن أي: عمله، وأصل اليبس مصدر * (لا تخف) * حال من الضمير في * (فاضرب) *، وقرئ: " لا تخف " (1) على الجواب * (دركا) * هو اسم من الإدراك، أي: لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك، وإذا قرئ: " لا تخف " بالجزم ففي * (لا تخشى) * وجهان: أن يكون مقطوعا من الأول أي: وأنت لا تخشى، وأن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله: * (فأضلونا السبيلا) * (2). * (ما غشيهم) * من جوامع الكلم المستقلة بالمعاني الكثيرة مع قلتها، وفيه تفخيم للأمر، و * (ما هدى) * تهكم به لقوله: * (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) * (3). * (يبنى إسرا ءيل) * خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون، أي: قلنا لبني إسرائيل أو للذين كانوا في عهد نبينا (صلى الله عليه وآله): من الله عليهم بما فعل بأسلافهم، وقرئ: " أنجيتكم... وواعدتكم... ورزقتكم " (4)، وقرئ: " وعدناكم " (5)، ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم وفيما وعد موسى (عليه السلام) من المناجاة ب‍ * (جانب الطور) * وكتب التوراة في الألواح، ونسب المواعدة إليهم حيث كانت لنبيهم ولنقبائهم وإليهم رجعت منافعها التي بها قوام دينهم. * (ولا تطغوا فيه) * أي: لاتتعدوا حدود الله تعالى * (فيحل عليكم غضبى) * أي:


(1) وهي قراءة حمزة وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 421. (2) الأحزاب: 67. (3) غافر: 29. (4) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 422. (5) قرأه أبو عمرو ويعقوب. راجع التبيان: ج 7 ص 192. (*)

[ 495 ]

فيجب عليكم عقوبتي، من حل الدين يحل: إذا وجب أداؤه، وقرئ: " فيحل " بضم الحاء (1) أي: فينزل، لأن الغضب بمعنى العقوبة * (ومن يحلل) * بالضم (2) والكسر * (فقد هوى) * أي: هلك، وأصله: أن يسقط من جبل، كما قيل: هوى من رأس مرقبة * ففتت تحتها كبده (3) أو (4) سقط سقوطا لا نهوض بعده. * (ثم اهتدى) * أي: استقام واستمر عليه حتى يموت. وعن الباقر (عليه السلام): * (ثم اهتدى) * إلى ولايتنا أهل البيت (5). * (وما أعجلك) * أي شئ عجل بك عنهم ؟ ! وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور، ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه. * (قال) * موسى (عليه السلام) * (هم أولاء على أثرى) * يدركونني عن قريب، وسبقتهم إليك حرصا على تحصيل رضاك. * (فتنا قومك من بعدك) * يريد الذين خلفهم مع هارون، أضاف سبحانه الفتنة إلى نفسه والضلال إلى * (السامري) * ليدل على أن الفتنة غير الإضلال، أي: امتحناهم بخلق العجل وحملهم السامري على الضلال وأوقعهم فيه بقوله: * (هذا إلهكم وإله موسى) * (6) والمراد بالفتنة: تشديد التكليف عليهم بما حدث فيهم من أمر العجل ليظهر المؤمن المخلص من المنافق. والوعد الحسن: هو أن وعدهم إعطاء التوراة التي فيها هدى ونور (7)،


(1) قرأه الكسائي وحده. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 537. (2) وهي قراءة الكسائي. راجع العنوان في القراءات السبع لابن خلف: ص 130. (3) البيت منسوب لأعرابي يرثي ابنا له سقط من جبل. انظر شرح شواهد الكشاف: ص 381. (4) في بعض النسخ: " أي " بدل " أو ". (5) تفسير فرات الكوفي: ص 91. (6) الآية: 88. (7) في نسخة زيادة: ولا وعد أحسن من ذلك وأجمل، حكي لنا أنها كانت الف سورة، كل سورة نزلت يحمل أسفارها سبعون جملا. (*)

[ 496 ]

و * (العهد) *: الزمان، يريد مدة مفارقته لهم، يقال: طال عهدي بك أي: طال زماني بسبب مفارقتك، وهم وعدوه أن يقيموا على ماتركهم عليه من الإيمان فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل. * (قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفنها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هرون من قبل يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمرى (90) قالوا لن نبرح عليه عكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمرى (93) قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرا ءيل ولم ترقب قولى (94) قال فما خطبك يسمرى (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لى نفسي (96)) * * (بملكنا) * قرئ بالحركات الثلاث (1)، أي: * (مآأخلفنا موعدك) * بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه، ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده، والمعنى: " حملنا " (2) أحمالا * (من) * حلي القبط التي استعرناها منهم * (فقذفنها) * في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي،


(1) فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم، ونافع وعاصم بفتحها، وحمزة والكسائي بضمها. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 422. (2) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا بالتخفيف مبنيا للمعلوم. (*)

[ 497 ]

وقرئ: * (حملنا) * أي: جعلنا نحمل " أوزار " القوم * (فكذلك ألقى السامري) * أراهم أنه يلقي حليا في يده (1)، وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطئ فرس جبرئيل. * (فأخرج لهم) * من الحفرة * (عجلا جسدا... فنسى) * أي: فنسي موسى أن يطلبه هاهنا وذهب يطلبه عند الطور ويكون من قول السامري، أو: فنسي السامري أي: ترك ماكان عليه من الإيمان الظاهر. * (ألا يرجع) * من رفعه فعلى أن " أن " مخففة من الثقيلة، ومن نصبه فعلى أنها الناصبة للفعل. * (من قبل) * أي: من قبل أن يعود موسى إليهم، و " لا " مزيدة، والمعنى: " ما منعك... أن... تتبعني " في شدة الزجر عن الكفر وقتال من كفر بمن آمن، أو مالك لم تلحقني ؟ وكان موسى (عليه السلام) شديد الغضب لله ولدينه مجبولا على الحدة والخشونة في ذات الله، فلم يتمالك حين رأى القوم يعبدون العجل بعد رؤيتهم المعجزات والآيات أن ألقى الألواح لما عرته من الدهشة غضبا لله وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على قومه إذ أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على شعر رأسه ووجهه. * (إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرا ءيل) * أي: لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، فأردت أن تكون أنت المتلاقي لأمرهم بنفسك، وخشيت عتابك على ترك ما أوصيتني به حين قلت: * (اخلفنى في قومي وأصلح) * (2). * (فما خطبك يسمرى) * أي: ما شأنك وما دعاك إلى ما صنعت ؟ وهو مصدر خطب الأمر: إذا طلبه، فكأنه * (قال) *: ما طلبك ؟ * (قال بصرت بما لم يبصروا به) * أي: رأيت ما لم يروه، أو: علمت ما لم يعلموه، من البصيرة، وعن ابن مسعود وأبي


(1) في نسخة زيادة: مثل ماالقوا. (2) الأعراف: 142. (*)

[ 498 ]

والحسن: " فقبصت قبصة " بالصاد (1)، ومعنى الضاد (2): الأخذ بجميع الكف، والصاد (3): بأطراف الأصابع. روي: أن موسى (عليه السلام) لما حل ميعاد ذهابه إلى الطور أرسل الله تعالى جبرئيل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال: إن لهذا شأنا، فقبض * (قبضة) * من تربة موطئه، فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت * (من أثر) * فرس * (الرسول) * الذي أرسل إليك * (فنبذتها) * في العجل، وكما حدثتك يا موسى * (سولت) * أي: زينت * (لى نفسي) * من أخذ القبضة وإلقائها في صورة العجل (4). * (قال فاذهب فإن لك في الحيواة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد ءاتينك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا (100) خلدين فيه وساء لهم يوم القيمة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخفتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104)) * عوقب السامري في الدنيا بأن منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرمت عليهم مكالمته ومبايعته ومجالسته ومؤاكلته، وإذا اتفق أن يماس أحدا، رجلا كان أو امرأة حم الماس والممسوس، فكان يهيم في البرية مع الوحش، وإذا لقي أحدا


(1) حكاه القرطبي في تفسيره: ج 11 ص 240. (2) في بعض النسخ زيادة: المعجمة. (3) في بعض النسخ زيادة: المهملة. (4) رواه الرازي في تفسيره: ج 22 ص 110 عن علي (عليه السلام). (*)

[ 499 ]

قال: * (لامساس) * أي: لاتقربني ولا تمسني، وقيل: إن ذلك بقي في ولده إلى اليوم: إن مس واحد من غيرهم واحدا منهم حم كلاهما في الوقت (1) * (لن تخلفه) * أي: لن يخلفك الله تعالى موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، وقرئ: " لن تخلفه " بكسر اللام (2) وهو من أخلفت الموعد: إذا وجدته خلفا، وقرئ: " لن نخلفه " بالنون (3) حكاية لقوله عزوجل * (ظلت) * أي: ظللت، حذفت اللام الأولى، وقرئ: " لنحرقنه " (4) وهي قراءة علي (عليه السلام) (5)، ومعناه: لنبردنه بالمبرد ولنحتنه حتا، ويجوز أن يكون * (لنحرقنه) * مبالغة في حرق: إذا برد، وهذه القراءة تدل على أنه كان ذهبا وفضة ولم يصر حيوانا. * (كل شئ) * مفعول * (وسع) *، و * (علما) * منصوب على التمييز وهو في المعنى فاعل. * (كذلك) * أي: مثل ذلك الاقتصاص وهو ما قصصنا عليك من قصة موسى وفرعون * (نقص عليك من) * سائر أخبار الأمم السالفة وأحوالهم تكثيرا في آياتك ومعجزاتك، والمراد بالذكر: القرآن، لأن فيه ذكر كل ما يحتاج إليه من أمور الدين، أي: * (ذكرا) * مشتملا على هذه الأقاصيص وعلى الأخبار الحقيقة بالتفكر فيها، فمن أقبل عليه سعد ونجا، و * (من أعرض عنه) * فقد شقي وهوى، والمراد


(1) قاله ابن عباس. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 230. (2) قرأه ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 2 ص 105، والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 538. (3) قرأه ابن مسعود على ما حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 85. (4) قرأه ابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 242. (5) انظر معاني القرآن للفراء: ج 2 ص 191. (*)

[ 500 ]

ب‍ " الوزر ": العقوبة لما فيها من الثقل والصعوبة تشبيها بالحمل الثقيل الذي يفدح حامله، أو: لأنها جزاء الوزر الذي هو الإثم * (خلدين) * حمل على معنى * (من) * ووحد الضمير في * (أعرض) * حملا على اللفظ * (فيه) * أي: في ذلك الوزر أو في احتماله * (وساء) * حكمه حكم " بئس "، وفيه ضمير مبهم يفسره * (حملا) *، والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر الذي تقدم ذكره عليه، تقديره: وساء حملا وزرهم، ونحوه: * (وساءت مصيرا) * (1) جهنم، و * (لهم) * للبيان، مثله في * (هيت لك) * (2). وقرأ أبو عمرو: " ننفخ " بالنون (3)، وقيل في " الزرق ": إن المراد: العمى (4)، وقيل: العطاش (5) يظهر في عيونهم كالزرقة (6)، وقيل: زرق العيون: سود الوجوه (7). * (يتخفتون) * أي: يتسارون * (بينهم) * يقول بعضهم لبعض: ما * (لبثتم إلا) * عشر ليال، وإنما تخافتوا لما اعتراهم من الرعب والهول، استقصروا مدة لبثهم في الدنيا لاستطالتهم في الآخرة، أو مدة لبثهم في القبور. و * (أمثلهم طريقة) * أوفرهم عقلا وأصوبهم رأيا عند نفسه، ونحوه: * (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) * (8). * (ويسلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا (105) فيذرها قاعا


(1) النساء: 97 و 115. (2) يوسف: 23. (3) انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 424. (4) ذهب إليه الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 191. (5) العطاش: داء يصيب الإنسان يشرب الماء فلا يروى. (الصحاح: مادة عطش). (6) وهو قول الأزهري في تهذيب اللغة: ج 8 ص 428 مادة " زرق ". (7) قاله الضحاك ومقاتل. راجع تفسير الرازي: ج 22 ص 114. (8) الكهف: 19. (*)

[ 501 ]

صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا (109) يعلم مابين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصلحت وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلنه قرءانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعلى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدنى علما (114)) * * (ينسفها ربى) * أي: يجعلها بمنزلة الرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتذريها وتفرقها كما يذرى الطعام. * (فيذرها) * أي: فيذر مقارها ومراكزها، أو يكون الضمير للأرض وإن لم يجر لها ذكر. * (لا ترى فيها عوجا) * أي: اعوجاجا * (ولا أمتا) * ولا نتوا (1) يسيرا، وعن الحسن: العوج: ما انخفض من الأرض، والأمت: ما ارتفع من الروابي (2). وأضاف " اليوم " إلى وقت نسف الجبال في قوله: * (يومئذ) * أي: يوم إذ نسفت، ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل من * (يوم القيمة) * (3)، * (يتبعون) * صوت * (الداعي) * إلى المحشر، وهو إسرافيل الذي ينفخ في الصور يدعو الناس قائما على صخرة بيت المقدس، فيقبلون من كل أوب (4) إلى صوته * (لا عوج له) * أي:


(1) نتأ نتأ ونتوءا ونتوا: انتبر وانتفخ وارتفع. (لسان العرب: مادة نتأ). (2) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 231. (3) الآية: 100. (4) يقال: جاءوا من كل أوب: أي من كل ناحية. (الصحاح: مادة أوب). (*)

[ 502 ]

لايعوج له مدعو، بل يستوون إليه من غير انحراف * (وخشعت الاصوات) * أي: خفضت من شدة الفزع وخفتت * (فلا تسمع إلا همسا) * وهو الركز الخفي ومنه الحروف المهموسة، وقيل: هو من هميس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت، أي: لا تسمع إلا خفق (1) الأقدام ونقلها إلى المحشر (2). * (من) * يجوز فيه الرفع والنصب: فالرفع على البدل من * (الشفعة) * بتقدير حذف المضاف، أي: * (لا تنفع الشفعة إلا) * شفاعة * (من أذن له الرحمن) *، والنصب على المفعولية، ومعنى * (أذن له... ورضى له) *: لأجله، كاللام في قوله: * (وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه) * (3). * (يعلم ما بين أيديهم) * أي: ماتقدمهم من الأحوال * (وما خلفهم) * أي: ما يستقبلونه * (ولا يحيطون) * بمعلوماته * (علما) *. * (وعنت) * وجوه العصاة أي: خشعت وذلت إذا عاينت أهوال يوم القيامة، وقيل: المراد ب‍ * (الوجوه) * الرؤساء والملوك (4)، أي: صاروا كالعناة وهم الأسارى، وقوله: * (وقد خاب) * وما بعده اعتراض. * (فلا يخاف ظلما) * وهو أن يؤخذ بذنب لم يعمله، أو لا يجزى بعمله * (ولا هضما) * وهو أن يكسر من حقه فلا يوفي له، أو يبطل بعض حسناته، وقرئ: " فلايخف " على النهي (5)، والمعنى: فليأمن الظلم والهضم. * (وكذلك) * عطف على * (كذلك نقص) * (6) أي: مثل ذلك الإنزال، و (7) كما


(1) الخفق: صوت النعل وما أشبهها من الأصوات. (لسان العرب: مادة خفق). (2) وهو قول ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 459 - 460. (3) الأحقاف: 11. (4) حكاه الآلوسي في تفسيره: ج 16 ص 265. (5) قرأه ابن كثير. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 424. (6) الآية: 99. (7) في نسخة: " أو " بدل الواو. (*)

[ 503 ]

أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المتضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله * (وصرفنا) * أي: وكررنا * (فيه) * آيات * (الوعيد) * وبيناها على ألفاظ مختلفة ليتقوا المعاصي * (أو يحدث) * القرآن * (لهم) * شرفا بإيمانهم به، أو اعتبارا بأن يذكروا به عقاب الله للأمم. * (فتعلى الله الملك الحق) * استعظام له سبحانه، ولما يصرف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، وما يجري عليه أمور ملكوته. ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد: وإذا لقنك جبرئيل الوحي ف‍ * (لا تعجل) * بتلاوته قبل أن يفرغ من قراءته، ولا تكن قراءتك مساوقة لقراءته، ونحوه: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به) * (1)، وقيل: معناه: لاتقرئه أصحابك حتى يبين لك ماكان مجملا (2)، واستزد من الله سبحانه علما إلى علمك * (وقل رب زدنى علما) * إلى علم. * (ولقد عهدنا إلى ءادم من قبل فنسى ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يادم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولاتعرى (118) وأنك لاتظمؤا فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطن قال يادم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوءا تهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ءادم ربه فغوى (121) ثم اجتبه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم


(1) القيامة: 16. (2) وهو قول مجاهد وقتادة. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 233. (*)

[ 504 ]

منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى (123)) * عطف سبحانه قصة آدم على قوله: * (وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون) *، والمعنى: * (و) * أقسم قسما * (لقد) * وصينا أباهم بأن لا يقرب الشجرة * (فنسى) * العهد ولم يتذكر الوصية، يقال: عهد الملك إلى فلان وأوعز إليه وعزم عليه * (ولم نجد له عزما) * يجوز أن يكون من الوجود الذي هو بمعنى العلم ومفعولاه * (له عزما) *، وأن يكون نقيض العدم، كأنه قال: وعدمنا له عزما، وقيل: * (فنسى) * معناه: فترك الأمر (1). * (وإذ) * منصوب بمضمر، أي: واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس ووسوسته إليه، وتزيينه له الأكل من الشجرة * (أبى) * جملة مستأنفة كأنه جواب قائل يقول: لم لم يسجد ؟ والوجه: أن لا يقدر له مفعول وهو السجود، وأن يكون معناه: أظهر الإباء وتوقف. وقوله: * (فلا يخرجنكما) * معناه: فلا يكونن سببا لإخراجكما * (فتشقى) * أسند الشقاء إلى آدم دون حواء بعد اشتراكهما في الخروج، لأن المراد بالشقاء هنا: التعب في طلب القوت ومعاناة العمل وذلك معصوب برأس الرجل، وعن سعيد بن جبير: أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويرشح العرق من جبينه فذلك هو الشقاوة (2). وقرئ: * (وأنك) * بفتح الهمزة وكسرها (3)، ووجه الفتح: العطف على * (ألا تجوع) * والتقدير: وإن لك أنك لا تظمأ، والكسر: على الاستئناف، والشبع


(1) قاله مجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 430. (2) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 8 ص 467. (3) وبالكسر هي قراءة نافع وعاصم برواية أبي بكر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 539. (*)

[ 505 ]

والري والكسوة والكن (1) هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكر سبحانه استجماعها له في الجنة، وأنه لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما أن أهل الدنيا يحتاجون إلى ذلك، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحي ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتحرز عن السبب الموقع فيها كراهة لها. * (فوسوس إليه الشيطن) * أي: أنهى (2) إليه الوسوسة كما يقال: أسر إليه، وأضاف ال‍ * (شجرة) * إلى * (الخلد) * وهو الخلود، لأن من أكل * (منها) * خلد بزعمه. وطفق يفعل كذا مثل: جعل يفعل، وأخذ يفعل، وحكمها حكم " كاد " في أن خبرها الفعل المضارع، وهي للشروع في أول الأمر، و " كاد " للدنو من الأمر * (يخصفان عليهما) * أي: يلزقان بسوآتهما * (من ورق الجنة) * للتستر، وهو ورق التين * (وعصى ءادم ربه) * أي: خالف ما أمره به ربه، والمعصية: مخالفة الأمر، سواء كان الأمر واجبا أو ندبا * (فغوى) * أي: فخاب من الثواب الذي كان يستحقه على فعل المأمور به، أو خاب مما كان يطمع فيه بأكل الشجرة من الخلود، ويستشهد على ذلك بقول الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (3) * (ثم اجتبه ربه) * أي: اصطفاه ربه وقربه إليه، من قولهم: جبى إلي كذا فاجتبيته * (فتاب عليه) * أي: قبل توبته وهداه إلى ذكره، وقيل: هداه للكلمات التي تلقاها منه (4). ولما كان آدم وحواء أصلي البشر جعلا كأنهما البشر، فخوطبا


(1) الكن: البيت، والجمع: أكنان وأكنة. (لسان العرب: مادة كنن). (2) الانهاء: الإبلاغ. (الصحاح: مادة نهى). (3) والبيت للمرقش الأصغر. تقدم شرحه وبيان معناه. (4) قاله السمرقندي في تفسيره: ج 2 ص 357. (*)

[ 506 ]

مخاطبتهم فقيل: * (فإما يأتينكم) * على لفظ الجماعة كما أسند الفعل إلى السبب وهو في الحقيقة للمسبب، والمراد بالهدى: الكتاب والشريعة. وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا قوله: * (فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى) * (1). * (ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك ءايتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بايت ربه ولعذاب الاخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لايت لاولى النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءانآى اليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130)) * * (ومن أعرض عن) * القرآن، وقيل: عن الدلائل (2) فلم ينظر فيها * (فإن له معيشة ضنكا) * أي: عيشا ضيقا، والضنك مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث، والمعني فيه: أن مع الدين القناعة والتوكل على الله والرضا بقسمته، فصاحبه ينفق مما رزق بسهولة وسماح فيكون في رفاهية من عيشه، ومن أعرض عن الدين استولى عليه الحرص والجشع، ويتسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق فيعيش في ضنك * (ونحشره يوم القيمة أعمى) * البصر، وقيل: أعمى


(1) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 431. (2) ذكره القرطبي في تفسيره: ج 11 ص 258. (*)

[ 507 ]

عن الحجة لا يهتدي إليها (1)، والأول أوجه (2) لأنه الظاهر. * (كذلك) * أي: مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسره بأن آياتنا * (أتتك) * واضحة منيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر وتركتها وعميت عنها ف‍ * (كذلك) * نتركك على عماك، ولا نزيل غطاءه عن عينيك. ولما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا وحشره أعمى في الآخرة، ختم آيات الوعيد بقوله: * (ولعذاب الاخرة أشد وأبقى) * كأنه قال: وللحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشد من ضيق العيش المنقضي، أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا. وفاعل * (أفلم يهد) * الجملة بعده، والمراد: ألم يهد لهم هذا بمضمونه ومعناه، كما أن قوله تعالى: * (وتركنا عليه في الاخرين سلم على نوح في العلمين) * (3) معناه: تركنا عليه هذا الكلام، ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون (4) * (يمشون في مسكنهم) * يريد: أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار إهلاكهم * (إن في ذلك) * لعبرا ودلالات لذوي العقول. * (ولولا كلمة سبقت من ربك) * وهي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة * (لكان) * مثل إهلاكنا عادا وثمود لازما لهؤلاء الكفرة، واللزام: إما مصدر لازم وصف به، وإما فعال بمعنى مفعل كأنه آلة اللزوم، لفرط لزومه كما قيل: لزاز (5) خصم * (وأجل مسمى) * معطوف على * (كلمة) * أو على الضمير في * (كان) * أي:


(1) قاله مجاهد. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 235. (2) في بعض النسخ: أولى. (3) الصافات: 78 و 79. (4) وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي وأبي رجاء العطاردي. راجع الفريد في اعراب القرآن للهمداني: ج 3 ص 470. (5) لزه يلزه لزا ولززا، أي: شده وألصقه، وكز لز اتباع له، رجل ملز: إذا كان شديد الخصومة، لزوم إذا طالب. (الصحاح: مادة لزز). (*)

[ 508 ]

لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود. وقوله: * (بحمد ربك) * في موضع نصب على الحال، أي: وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والمراد بالتسبيح: الصلاة أو هو على الظاهر * (قبل طلوع الشمس) * يعني: صلاة الفجر * (وقبل غروبها) * يعني: الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها * (ومن ءانآى اليل) * أي: ساعاته، وعن ابن عباس: هي صلاة الليل كله (1)، وقيل: إن قبل غروبها هو صلاة العصر و * (أطراف النهار) * هو الظهر لأن وقته الزوال وهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني من النهار (2)، وقد تؤول أيضا التسبيح في * (ءانآئ اليل) * بصلاة العتمة وفي * (أطراف النهار) * بصلاة الفجر والمغرب، فيكون تكرارا على إرادة الاختصاص كما في قوله: * (حفظوا على الصلوا ت والصلوا ة الوسطى) * (3) ومن حمل التسبيح على الظاهر قال: أراد المداومة على التسبيح والتحميد في عموم الأوقات " لعلك ترضى " (4) بالشفاعة والدرجة الرفيعة، وقرئ بفتح التاء كما في قوله: * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) * (5). * (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوا جا منهم زهرة الحيواة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلوا ة واصطبر عليها لا نسلك رزقا نحن نرزقك والعقبة للتقوى (132) وقالوا لولا يأتينا باية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى (133) ولو أنا أهلكنهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا


(1) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 432. (2) وهو قول ابن جريج وقتادة. راجع تفسير الطبري: ج 8 ص 477. (3) البقرة: 238. (4) يظهر منه أنه يعتمد على هذه القراءة بضم التاء مبنيا للمجهول هنا تبعا للكشاف. (5) الضحى: 5. (*)

[ 509 ]

فنتبع ءايتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحب الصرا ط السوى ومن اهتدى (135)) * أي: * (لاتمدن) * نظر * (عينيك) *، ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنيا أن يكون ذلك له. وقد قال بعض الزهاد: ويجب غض البصر (1) عن أبنية الظلمة وملابسهم المحرمة، لأنهم اتخذوا ذلك لعيون النظارة (2)، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكأنه يحملهم على اتخاذها (3). * (أزوا جا منهم) * أصنافا من الكفرة، ويجوز أن ينتصب حالا من هاء الضمير، والفعل واقع على * (منهم) *، كأنه قال: إلى الذي متعنا به وهو أصناف بعضهم وناسا منهم، وفي انتصاب * (زهرة الحيواة) * وجوه: أن ينتصب على الذم وهو النصب على الاختصاص، وعلى تضمين * (متعنا) * معنى " أعطينا " و " خولنا " وكونه مفعولا ثانيا له، وعلى إبداله من محل الجار والمجرور، وعلى إبداله من * (أزوا جا) * على تقدير: ذوي زهرة، والزهرة: الزينة والبهجة، وقرئ بفتح الهاء (4) فيكون لغة في " الزهرة " كما جاء في " الجهرة ": " الجهرة "، أو يكون جمع زاهر وصفا لهم بأنهم زاهرو الدنيا، لتهلل وجوههم وصفاء ألوانهم مما يتنعمون * (لنفتنهم) * لنبلوهم، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه * (ورزق ربك) * المدخر لك في الآخرة * (خير) * منه وأدوم، أو: ما رزقت من نعمة النبوة خير مما متعناهم به. * (وأمر أهلك) * أي: أهل بيتك * (بالصلوا ة) * واستعينوا بها على خصاصتكم * (واصطبر عليها) * واصبر على فعلها والأمر بها، ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة،


(1) في بعض النسخ: الطرف. (2) في بعض النسخ: النظار، وفي اخرى: الناظرة. (3) حكاه عن هذا البعض الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 98. (4) وهي قراءة يعقوب. راجع التبيان: ج 7 ص 224. (*)

[ 510 ]

فإن رزقك مكفي من عندنا * (لا نسلك) * أن ترزق نفسك ولا أهلك. وعن أبي سعيد الخدري: لما نزلت هذه الآية كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأتي باب فاطمة وعلي (عليهما السلام) تسعة أشهر وقت كل صلاة فيقول: الصلاة رحمكم الله * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1) (2). وعن بكر بن عبد الله المزني (3): أنه كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، بهذا أمر الله (4) رسوله، ثم يتلو هذه الآية (5). * (والعقبة) * المحمودة * (للتقوى) * أي: لأهل التقوى. * (وقالوا لولا يأتينا باية) * اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة، فقيل لهم: * (أولم) * تأتكم آية هي أصل الآيات وأجلها في باب الإعجاز، يعني: القرآن، وذلك أن القرآن به يستدل على صحة سائر الكتب المنزلة، وجميعها مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها كما يحتاج المحتج عليه إلى شهادة الحجة، لأنه معجزة وتلك الكتب ليست بمعجزات، وذكر الضمير الراجع إلى " البينة " في * (من قبله) * لأنها في معنى الدليل والبرهان. * (كل) * أي: كل واحد منا ومنكم * (متربص) * منتظر للعاقبة، فنحن ننتظر وعد الله لنا فيكم، وأنتم تتربصون بنا الدوائر، و * (الصرا ط السوى) *: الدين المستقيم. وفي قوله: * (ولو أنا أهلكنهم) * الآية، دلالة على وجوب اللطف، وأنه إنما بعث الرسول لكونه لطفا، ولو لم يبعثه لكان للخلق الحجة عليه سبحانه وتعالى.


(1) الأحزاب: 33. (2) تفسير الحبري: ص 306 ح 55، شواهد التنزيل للحسكاني: ج 2 ص 47 ح 668. (3) هو بكر بن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني، أخو علقمة. راجع تهذيب التهذيب لابن حجر: ج 1 ص 484. (4) في نسخة زيادة: واو. (5) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 99. (*)

[ 511 ]

سورة الأنبياء مكية (1)، وهي مائة واثنتا عشرة آية كوفي، وإحدى عشرة آية غيرهم، عد الكوفي * (لا ينفعكم شيئا ولا يضركم) * (2). في حديث أبي: " من قرأ سورة الأنبياء حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن " (3). وقال أبو عبد الله (عليه السلام): " من قرأها حبا لها كان ممن رافق النبيين في جنات النعيم، وكان مهيبا في أعين الناس في الدنيا " (4). بسم الله الرحمن الرحيم * (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 227: هي مكية في قول قتادة ومجاهد، وهي مائة واثنتا عشرة آية في الكوفي، وإحدى عشرة في البصري والمدنيين. وقال الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 100: مكية، وآياتها 112، نزلت بعد سورة ابراهيم. وفي تفسير الآلوسي: ج 17 ص 2 ما لفظه: نزلت بمكة كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير، وفي البحر: أنها مكية بلا خلاف وأطلق ذلك فيها، واستثنى منها في الاتقان قوله تعالى: * (أفلا يرون أنا نأتى الأرض) * الآية. (2) الآية: 66. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 140 مرسلا. (4) ثواب الأعمال للصدوق: ص 135. (*)

[ 512 ]

ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربى يعلم القول في السماء والارض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغث أحلم بل افتربه بل هو شاعر فليأتنا باية كمآ أرسل الاولون (5)) *. اللام في * (للناس) * لتوكيد معنى إضافة " الحساب " إلى " الناس "، والأصل (1): اقتراب حساب الناس (2)، ثم اقترب للناس الحساب، ثم * (اقترب للناس حسابهم) * والمراد: اقتراب القيامة، وإذا اقتربت فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك، وإنما وصفت بالقرب لأن كل آت وإن طالت مدة ترقبه قريب، وإنما البعيد هو الذي وجد وانقرض. وفي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): " أن الدنيا ولت حذاء (3) ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء " (4). وصفهم بالغفلة مع الإعراض على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم، ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم، وإذا نبهوا عن سنة الغفلة بما يتلى عليهم من الآيات أعرضوا عن التفكر فيها والتدبر لها والإيمان بها، ثم قرر سبحانه إعراضهم عن تنبيه المنبه بأن الله يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليتعظوا، فما يزيدهم استماع الآي والسور إلا لعبا وتلهيا. وقوله: * (وهم يلعبون لاهية قلوبهم) * حالان مترادفتان أو متداخلتان، وأبدل


(1) أي: أصل العبارة قبل زيادة التوكيد عليه. (2) ليس في بعض النسخ جملة: " والأصل: اقتراب حساب الناس ". (3) حذاء: أي خفيفة سريعة النفاذ. (لسان العرب: مادة حذذ). (4) نهج البلاغة: ص 84 خطبة 42 ضبط صبحي الصالح. (*)

[ 513 ]

* (الذين ظلموا) * من واو * (وأسروا) * إذانا بأنهم الموسومون بالظلم فيما أسروا به، أو يكون على لغة من قال: أكلوني البراغيث، أو هو مبتدأ وخبره * (وأسروا النجوى) * قدم عليه، والمعنى: * (و) * هؤلاء * (أسروا النجوى) * بالغوا في إخفاتها، فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا على أفعالهم بأنه ظلم * (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) * هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من * (النجوى) * أي: وأسروا هذا الحديث، ويجوز أن يتعلق ب‍ " قالوا " مضمرا. اعتقدوا أن الرسول من الله لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وأتى بالمعجزات فهو ساحر، وما أتى به فهو سحر، فلذلك قالوا: * (أفتأتون السحر وأنتم) * تعاينون أنه سحر ؟ وقرئ: * (قال ربى) * على الخبر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يقل: يعلم السر، لأن القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادته (1)، ثم بين ذلك بقوله: * (وهو السميع العليم) * أي: العالم لذاته لا يخفي عليه خافية. ثم أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى: أنه تخاليط * (أحلم) *، ثم إلى: أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى: أنه قول شاعر، لأن الباطل لجلج، والمبطل متحير لا يثبت على قول واحد، وصحة التشبيه في قوله: * (كمآ أرسل الاولون) * من حيث إنه في معنى: كما أتى * (الاولون) * بالآيات، لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات، فلا فرق بين أن يقول: أرسل محمد (صلى الله عليه وآله)، وبين قولك: أتى محمد (صلى الله عليه وآله) بالمعجز. * (مآ ءامنت قبلهم من قرية أهلكنها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما


(1) في نسخة: " وزيادة ". (*)

[ 514 ]

جعلنهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خلدين (8) ثم صدقنهم الوعد فأنجينهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10)) * في قوله: * (أفهم يؤمنون) * دلالة على أنهم أعتى من الأمم التي اقترحت على أنبيائهم الآيات ووعدوهم أن يؤمنوا عندها، فلما جاءتهم خالفوا وأخلفوا الوعد فأهلكهم الله، أي: فلو أعطيناهم ما اقترحوا لكانوا أنكث منهم. واختلف في * (أهل الذكر) * فقيل: هم أهل الكتاب (1)، وقيل: هم أهل العلم بأخبار من مضى من الأمم (2). وعن علي (عليه السلام): " نحن أهل الذكر " (3). * (لا يأكلون الطعام) * صفة الجسد، والمعنى: وما جعلنا الأنبياء قبله ذوي جسد غير طاعمين، ووحد " الجسد " لإرادة الجنس، كأنه قال: ذوي ضرب من الأجساد، وهذا رد لقولهم: * (مال هذا الرسول يأكل الطعام) * (4)، * (وما كانوا خلدين) * أي: ما أخرجناك (5) وما أخرجناهم عن حد البشرية بأن أوحينا إليهم. * (ثم صدقنهم الوعد) * أي: في الوعد، فهو مثل قوله: * (واختار موسى قومه) * (6) أي: من قومه. ومنه قولهم: صدقني سن بكره، وصدقوهم القتال * (فأنجينهم) * من أعدائهم * (و) * أنجينا * (من نشاء) * من المؤمنين بهم * (وأهلكنا المسرفين) * وهم المشركون، أسرفوا على أنفسهم بتكذيبهم الأنبياء.


(1) قاله الحسن وقتادة. راجع تفسير التبيان: ج 7 ص 232. (2) وهو قول الرماني والأزهري والزجاج. راجع التبيان: ج 6 ص 384، ومعاني القرآن للزجاج: ج 3 ص 201. (3) رواه الطبري في تفسيره: ج 9 ص 6، والطوسي في التبيان: ج 7 ص 232. (4) الفرقان: 7. (5) ليس في بعض النسخ: " ما أخرجناك ". (6) الأعراف: 155. (*)

[ 515 ]

* (فيه ذكركم) * أي: شرفكم وصيتكم، كما في قوله: * (وإنه لذكر لك ولقومك) * (1)، أو: موعظتكم، أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر، كالسخاء وأداء الأمانة والوفاء وحسن الجوار وصدق الحديث وأشباهها من محاسن الأفعال. * (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين (11) فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومسكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يويلنآ إنا كنا ظلمين (14) فما زالت تلك دعوبهم حتى جعلنهم حصيدا خمدين (15) وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذنه من لدنآ إن كنا فعلين (17) بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السموات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون اليل والنهار لا يفترون (20)) * هذا كلام وارد عن غضب شديد، لأن القصم أفظع الكسر، بخلاف الفصم، وهو سبحانه قاصم الجبارين، وأراد بالقرية أهلها ولذلك وصفها بالظلم، والمعنى: أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين، وعن ابن عباس: أنها " حضور "، وهي و " سحول " قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب (2). وفي الحديث: كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثوبين سحوليين، ويروى: حضوريين (3).


(1) الزخرف: 44. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 105. (3) رواه أيضا في الكشاف: ج 3 ص 105. (*)

[ 516 ]

بعث الله إليهم نبيا اسمه " حنظلة " فقتلوه، فسلط عليهم " بختنصر " كما سلط على أهل بيت المقدس فاستأصلهم. وظاهر الآية على الكثرة، ولعل ابن عباس ذكر " حضور " بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية. فلما علموا شدة بطشنا (1) بأجسامهم وشاهدوا عذابنا ركضوا من ديارهم، والركض: ضرب الدابة بالرجل، أي: هربوا وانهزموا من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب، فقيل لهم: * (لا تركضوا) * والقول محذوف، ويحتمل أن يكون القائل بعض الملائكة، أو من هناك من المؤمنين * (وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه) * من العيش الرافه والحال الناعمة، والإتراف: إبطار النعمة، وهي الترفه * (لعلكم تسئلون) * تهكم بهم، أي: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو: ارجعوا واجلسوا في مجالسكم ومراتبكم كما كنتم كذلك حتى تسألكم حشمكم ومن تملكون أمره ويقولوا لكم: بم تأمرون ؟ وماذا ترسمون ؟ كعادة المنعمين، أو: يسألكم الناس في أنديتكم المعاونة في الخطوب النازلة، ويستشفون بآرائكم في المهمات الكادسة (2). * (تلك) * إشارة إلى * (يويلنآ) *، والدعوى بمعنى الدعوة، أي: * (فما زالت تلك) * الدعوى * (دعوبهم) *، وإنما سمي الدعوى لأن المولول كأنه يدعو الويل فيقول: تعال يا ويل فهذا وقتك، والحصيد: الزرع المحصود، أي: جعلناهم مثل الحصيد، شبههم به في استئصالهم، أي: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، كما يقال: جعلته حلوا حامضا أي: جامعا للطعمين.


(1) في نسخة: " بأسنا ". (2) في بعض النسخ: " الكارثة ". (*)

[ 517 ]

وما جعلنا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع * (وما بينهما) * من أنواع الخلائق للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الالهية. * (لاتخذنه من لدنآ) * أي: من جهة قدرتنا، واللهو: الولد، وقيل: المرأة (1)، وقيل: * (من لدنآ) * أي: من الملائكة لا من الإنس (2)، وهو رد لولادة المسيح وعزير، بل إضراب عن اتخاذ اللهو، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب. * (بل) * من موجب حكمتنا أن نغلب اللهو بالجد وندحض الباطل * (بالحق) *، واستعار لذلك القذف والدفع تصويرا لإبطاله به ومحقه، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه، ثم قال: * (ولكم الويل مما تصفون) * به مما لا يجوز عليه. * (ومن عنده) * هم الملائكة، يعني: أنهم منزلون منه منزلة المقربين عند الملوك، لشرفهم على الخلق وكرامتهم عليه * (ولا يستحسرون) * أي: لا يعيون ولا يملون. * (يسبحون) * أي: ينزهون الله تعالى عما لا يليق بصفاته على الدوام في * (اليل والنهار) * لا يضعفون عنه. * (أم اتخذوا ءالهة من الارض هم ينشرون (21) لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا فسبحن الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) أم اتخذوا من دونه ءالهة قل هاتوا برهنكم هذا ذكر من معى وذكر من قبلى بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحنه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين


(1) قاله ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد. راجع تفسير التبيان: ج 7 ص 236. (2) قاله ابن جريج. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 276. (*)

[ 518 ]

أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظلمين (29) أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقنهما وجعلنا من الماء كل شئ حى أفلا يؤمنون (30)) * * (أم) * هذه منقطعة بمعنى " بل "، والهمزة فقد دلت على الإضراب عما قبلها، والإنكار لما بعدها، وهو أن يتخذوا * (من الارض) * آلهة * (ينشرون) * الموتى، ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموات الأموات، وإذا ادعوا لها الإلهية لزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور، وقوله: * (من الارض) * من نحو قولك: فلان من الكوفة، تريد: أنه كوفي، فيه إيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض، أو يريد: * (ءالهة) * من جنس الأرض، لأنها: إما أن تنحت من بعض حجارة الأرض أو تعمل من بعض جواهرها، وقرئ: " ينشرون " (1)، ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها، وهما لغتان. ثم دل سبحانه على توحيده فقال: * (لو كان فيهما) * أي: في السماء والأرض * (ءالهة إلا الله لفسدتا) * وصفت الآلهة ب‍ * (إلا) * كما توصف ب‍ " غير "، كما لو قيل: آلهة غير الله، ولا يجوز أن يكون بدلا، لأن البدل لا يسوغ إلا في غير الموجب، كقوله: * (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) * (2) وذلك أن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه، والمعنى: لو كان يدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو منشئهما ومحدثهما * (لفسدتا) * ولم ينتظم أمرهما، وفي هذا دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلمون في مسألة التوحيد.


(1) قرأه الحسن ومجاهد. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 304. (2) هود: 81. (*)

[ 519 ]

* (لا يسئل عما يفعل) * لأن أفعاله كلها حكمة وصواب، ولا يجوز عليه فعل القبيح * (وهم يسئلون) * لأنهم مملوكون مستعبدون، يقع منهم الحسن والقبيح، فهم جدراء بأن يقال لهم: لم فعلتم في كل شئ فعلوه ؟ وكرر * (أم اتخذوا من دونه ءالهة) * استعظاما لكفرهم * (قل) * لهم: * (هاتوا برهنكم) * على ذلك من جهة العقل أو من جهة الوحي، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأولين إلا وفيه الدعاء إلى التوحيد والنهي عن الشرك * (هذا) * القرآن * (ذكر من معى) * أي: عظة الذي معي، يعني: أمته * (وذكر) * الذين * (قبلى) * من أمم الأنبياء ممن نجا بالإيمان أو هلك بالكفر. وعن الصادق (عليه السلام): يعني ب‍ * (ذكر من معى) * من معه وما هو كائن، وب‍ * (ذكر من قبلى) * ما قد كان (1). ثم ذمهم سبحانه بالجهل في قوله: * (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) * عن التأمل والنظر. وقرئ: * (نوحي) * و " يوحى " (2) وهذه الآية مقررة لما قبلها من آي التوحيد. * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) * هم خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله * (سبحنه) * نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم بأنهم * (عباد) *، والعبودية تنافي الولادة * (مكرمون) * أكرمهم الله وقربهم. * (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) * يعني: يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله، وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضا كذلك مبني على أمره، لا يعملون عملا لم يأمرهم به، وجميع ما يأتون ويذرون مما قدموا وأخروا بعين الله، يحيط علما بما عملوا وما هم عاملون، ولا يجترئون أن يشفعوا * (إلا لمن ارتضى) * الله دينه، أو: ارتضى


(1) رواه الصفار في بصائر الدرجات: ص 149 ح 1. (2) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالنون، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بالياء. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 428. (*)

[ 520 ]

أن يشفع فيه وأهله للشفاعة وهم المؤمنون، ثم إنهم مع هذا كله * (من) * خشية الله * (مشفقون) * خائفون وجلون من التقصير في عبادته. ثم أوعد بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، تقطيعا لأمر الشرك، كما قال: * (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) * (1) وقرئ: " ألم ير "، بغير واو (2)، والمعنى: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما، وكانت * (السموات) * متلاصقات وكذلك الأرضون لا فرج بينها ففتقها الله وفرج الله بينهما، وقيل: * (ففتقنهما) * بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة (3) وهو المروي عنهم (عليهم السلام) (4)، وإنما قال: * (كانتا) * ولم يقل: " كن "، لأن المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض، كما قيل: لقاحان سوداوان أي: جماعتان، فعل في المضمر مثل ما فعل في المظهر * (وجعلنا) * لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن كان الأول فالمعنى: خلقنا * (من الماء كل) * حيوان كقوله: * (والله خلق كل دابة من ماء) * (5)، أو: كأنما خلقناه من الماء لحاجته إليه وقلة صبره عنه كقوله: * (خلق الانسن من عجل) * (6)، وإن كان الثاني فالمعنى: صيرنا * (كل شئ حى) * بسبب * (من الماء) * لا بد له منه، ويكون * (من) * هنا كما في قوله (عليه السلام): " ما أنا من دد ولا الدد مني " (7).


(1) الأنعام: 88. (2) وهي قراءة ابن كثير. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 543. (3) قاله عكرمة وعطية وابن زيد والمهدوي عن ابن عباس. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 284. (4) رواه الطوسي في التبيان: ج 7 ص 242 عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام). (5) النور: 45. (6) الآية: 37. (7) والدد: اللعب، والمثل يضربه الرجل لمن لا يوافقه. انظر المستقصى في أمثال العرب للزمخشري: ج 2 ص 314. (*)

[ 521 ]

* (وجعلنا في الارض روا سى أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن ءايتها معرضون (32) وهو الذي خلق اليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخلدون (34) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35)) * * (روا سى) * أي: جبال ثوابت، أي: كراهة * (أن تميد بهم) * وتضطرب، أو لأن لا تميد بهم، فحذف " لا " واللام، وإنما حذف " لا " لعدم الالتباس، كما زيد لذلك في نحو قوله: * (لئلا يعلم أهل الكتب) * (1) وهذا مذهب الكوفيين * (وجعلنا فيها) * أي: في الرواسي * (فجاجا) * أي: طرقا واسعة بينها، جمع " فج " وهي صفة ل‍ " سبل "، فلما تقدمت عليها جعلت حالا منها. * (سقفا محفوظا) * من أن يسقط إلى الأرض ويتزلزل، أو: محفوظا بالشهب عن أن يتسمع الشياطين على سكانه من الملائكة * (وهم عن ءايتها) * أي: عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر الكواكب ومسائرها على الحساب القويم والترتيب المستقيم الدال على الحكمة البالغة، فمن أعرض عن الاستدلال بها على عظم شأن من أوجدها وبديع حكمته فلا جهل أعظم من جهله. * (كل) * التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، أي: كلهم * (في فلك يسبحون) *، والضمير ل‍ * (الشمس والقمر) * والمراد: جنس الطوالع كل يوم وليلة، ولذلك جعلت متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس والأقمار وإن كانت الشمس واحدة والقمر واحدا، وإنما جعل الضمير " واو " العقلاء للوصف


(1) الحديد: 29. (*)

[ 522 ]

بفعلهم وهو السباحة. كانوا قد تمنوا موته (عليه السلام) ليشمتوا بذلك فنفي الله عنه الشماتة بهذا، أي: قضى الله أن لا يخلد في الدنيا بشرا، فإن * (مت) * أنت أيبقى هؤلاء ؟ و * (فتنة) * مصدر مؤكد ل‍ * (نبلوكم) * من غير لفظه، أي: يختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من العطايا * (وإلينا) * مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر. * (وإذا رأك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر ءالهتكم وهم بذكر الرحمن هم كفرون (36) خلق الانسن من عجل سأوريكم ءايتى فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40)) * الذكر يكون بالخير وبالشر، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق، تقول للرجل: سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوا فهو ذم، ومنه قوله: * (أهذا الذي يذكر ءالهتكم) * وقوله: * (سمعنا فتى يذكرهم) * (1)، والمعنى: أنهم يذكرون آلهتهم بما يجب أن لا تذكر به لكونهم شفعاء وشهداء، ويسؤهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك و * (هم كفرون) * بما يجب أن يذكر الله به من الوحدانية لا يصدقون به، فهم أحق بأن يتخذوا * (هزوا) * منك لأنهم مبطلون وأنت محق، والجملة في موضع " الهزء " وهو الكفر بالله، ويجوز أن يكون في موضع الحال على حذف القول، أي: قائلين: * (أهذا الذي يذكر ءالهتكم) *.


(1) الآية: 60. (*)

[ 523 ]

كانوا يستعجلون عذاب الله ويقولون: * (متى هذا الوعد) *، فأراد الله سبحانه نهيهم عن الاستعجال فقدم أولا ذم * (الانسن) * على العجلة وأنه مطبوع عليها، ثم نهاهم وزجرهم، فكأنه قال: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا، فإنكم مجبولون على ذلك وهو سجيتكم، وعن ابن عباس: أنه أراد بالإنسان آدم، إنه لما بلغ الروح صدره أراد أن يقوم (1)، والظاهر أن المراد به الجنس، وقيل: العجل: الطين بلغة حمير (2) واستشهد بقول شاعرهم: والنبع ينبت بين الصخر صاخية * والنخل ينبت بين الماء والعجل (3) وجواب * (لو) * محذوف أي: لو علموا لما قاموا على الكفر ولما استعجلوا، و * (حين) * مفعول * (يعلم) *، أي: * (لو يعلم الذين كفروا) * الوقت الذي يستعجلون عنه بقولهم: متى هذا الوعد، وهو وقت صعب يحيط بهم فيه * (النار) * من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على رفعها من نفوسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء، ويجوز أن يكون * (يعلم) * متروكا بلا تعدية بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، ويكون * (حين) * منصوبا بمضمر، أي: * (حين لا يكفون عن وجوههم النار) * يعلمون أنهم كانوا على الباطل. * (بل) * تفجأهم الساعة أو النار التي وعدوا بها فتغلبهم، ويقال


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 117. (2) قاله أبو عبيد على ما حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 22 ص 172. (3) لم نعثر على اسم الشاعر الحميري فيما توفرت لدينا من مصادر، وروي صدره: والنبع في الصخرة الصماء منبته يقول: النبع - وهو شجر تتخذ منه القسي - انما نباته بين الصخور الصلبة لا في غيرها، بينما النخل ينبت في الارض الرخوة اللينة والريانة، فهو بين الماء والطين، والظاهر هما كناية على الصعب البخيل والسهل الجواد، أو على الشجاع والجبان لشدة الأول ورخاوة الثاني. انظر شرح شواهد الكشاف للافندي: ص 201. (*)

[ 524 ]

لمن غلب في الحجاج: مبهوت، وفي قوله: * (ولا هم ينظرون) * تذكير بإنظاره وإمهاله إياهم، أي: لا يمهلون بعد طول الإمهال. * (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون (41) قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم لهم ءالهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها أفهم الغلبون (44) قل إنما أنذركم بالوحى ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45)) * ثم سلى سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله) عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء قبله أسوة، وأنه يحل بهم وبال استهزائهم كما حل بأولئك. * (من الرحمن) * أي: من بأس الرحمن وعذابه، والكلاءة: الحفظ، بل هم * (معرضون) * عن ذكر ربهم لا يخطرونه ببالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه، والمراد: أنه أمر بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. ثم أضرب عن ذلك لما في * (أم) * من معنى " بل "، وقال: * (أم لهم ءالهة تمنعهم من) * العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا، ثم استأنف وبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها، ولا بمصحوب من الله بالنصر كيف يمنع غيره وينصره ؟ ! ثم قال: * (بل) * ما هم فيه من الكلاءة إنما هو منا أمهلناهم ومتعناهم بالحياة الدنيا كما متعنا * (ءابآءهم حتى طال عليهم) * الأمد، فظنوا أنهم لا ينزع عنهم ثوب الأمن والطمأنينة. * (أفلا يرون أنا) * ننقص أرض الكفر بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على

[ 525 ]

أهلها، وقيل: ننقصها بموت العلماء (1)، وعلى القول الأول ففي قوله: * (أنا نأتى الارض ننقصها) * تصوير لما كان ينجز به الله على أيدي المسلمين من الغلبة على ديار المشركين، والنقص من أطرافها. وقرئ: " لا تسمع الصم " (2) على الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله). * (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يويلنآ إنا كنا ظلمين (46) ونضع الموا زين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفي بنا حسبين (47) ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلنه أفأنتم له منكرون (50)) * أي: وإن مسهم مما أنذروا به أدنى شئ لذلوا وأقروا بالظلم على أنفسهم، وفي " النفحة " معنى القلة لبناء المرة، ولقولهم: نفحته الدابة وهو ريح يسير، ونفحه بعطية إذا رضخه (3). * (ونضع لموازين) * ذوات * (القسط) * فحذف المضاف، ووصفت * (الموازين) * ب‍ * (القسط) * وهو العدل مبالغة، كأنها في أنفسها قسط * (ل‍) * أهل * (يوم القيمة) * أي: لأجلهم، أو هو كاللام في قولك: لخمس ليال خلون من الشهر، ومنه قول النابغة: توسمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع (4)


(1) وهو قول عطاء والضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 449. (2) قرأه ابن عامر وحده. راجع التيسير في القراءات للداني: ص 155. (3) رضخه رضخا: إذا أعطاه عطية قليلة. (لسان العرب: مادة رضخ). (4) وهو من قصيدة يعتذر بها الى النعمان بن المنذر مما وشت به بنو قريع، ومطلعها: = (*)

[ 526 ]

* (فلا تظلم نفس شيا) * لا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسئ * (وإن كان) * الظلامة * (مثقال حبة من خردل أتينا بها) * أحضرناها للمجازاة، ويجوز أن يؤنث ضمير " المثقال " لإضافته إلى " الحبة "، كما يقال: ذهبت بعض أصابعه، وقرأ الصادق (عليه السلام) وابن عباس ومجاهد: " آتينا بها " بالمد (1)، وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى: المجازاة والمكافاة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء. و * (الفرقان) *: التوراة، و * (ضياء) * أي: وآتيناهما به ضياء * (وذكرا للمتقين) * والمعنى: أنه في نفسه ضياء وذكرى، أو يريد: أتيناهما بما فيه من الشرائع ضياء وذكرى، وقيل: * (الفرقان) * فلق البحر (2)، وقيل: المخرج من الشبهات (3). ومحل * (الذين) * جر على الوصف، أو نصب على المدح، أو رفع عليه. * (وهذا) * القرآن * (ذكر مبارك) * وبركته: خيره ومنافعه، ودوام ذلك إلى يوم القيامة. * (ولقد ءاتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به علمين (51) إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عكفون (52) قالوا وجدنا ءابآءنا لهآ عبدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلل مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللعبين (55) قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذا لكم من الشهدين (56) وتالله لاكيدن أصنمكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا


= اقارع عوف لا احاول غيرها * وجوه قرود تبتغي من تجادع انظر خزانة الأدب للبغدادي: ج 2 ص 453 وفيها: " توهمت " بدل " توسمت ". (1) انظر شواذ القرآن لابن خالويه: ص 94، وتفسير البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 316. (2) قاله الضحاك. راجع الكشاف: ج 3 ص 121. (3) وهو قول محمد بن كعب. راجع البحر المحيط لابن حيان: ج 6 ص 317. (*)

[ 527 ]

إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بالهتنآ إنه لمن الظلمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60)) * الرشد: الاهتداء لوجوه الصلاح، ومعنى إضافته إليه: أنه رشد مثله، وأنه رشد له شأن، وقيل: هو الحجج الموصلة إلى التوحيد (1)، وقيل: النبوة (2) * (من قبل) * أي: من قبل موسى وهارون * (وكنا به) * أي: بصفاته الرضية وأسراره * (علمين) * حتى أهلناه لخلتنا. * (إذ) * يتعلق ب‍ * (ءاتينآ) * أو ب‍ * (رشده) *، وقوله: * (ما هذه التماثيل) * تصغير لشأن آلهتهم، وتحقير لها، ولم ينو للعاكفين مفعولا وأجراه مجرى ما لا يتعدى، أي: فاعلون للعكوف لها، ولو قصد التعدية لقال: * (عكفون) * عليها. وروي عن الأصبغ بن نباتة أنه قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: * (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عكفون) * ؟ لقد عصيتم الله ورسوله (3). اعترفوا بتقليد الآباء حين لم يجدوا حجة في عبادتها، وكفي أهل التقليد عارا وسبة أن عابدي الأوثان منهم. * (أنتم) * من التوكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن العطف على ضمير " هو " في حكم بعض الفعل لا يجوز، أي: أنتم ومن قلدتموهم قد انخرطتم في سلك ضلال ظاهر غير خاف. * (قالوا) * له: هذا الذي * (جئتنا) * به أجد هو وحق * (أم) * هزل ولعب ؟ إذ تعجبوا من تضليله إياهم، واستبعدوا أن يكونوا على ضلال.


(1) وهو قول الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 255. (2) قاله ابن عيسى. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 450. (3) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي: ص 89، والبيهقي في شعب الإيمان: ج 5 ص 241 ح 6518. (*)

[ 528 ]

والضمير في * (فطرهن) * ل‍ * (السموات والارض) * أو ل‍ * (التماثيل) *. و * (تالله) * التاء فيها بدل من الواو المبدلة من الباء، وفي التاء زيادة معنى وهو التعجب، كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده، وتأنيه لصعوبته، وتعذره على يده (1) في زمن النمرود مع فرط عتوه واستكباره، وعن قتادة: قال ذلك سرا من قومه (2). وروي (3): أنهم خرجوا في يوم عيد لهم، فجعل إبراهيم أصنامهم جذاذا أي: قطعا، من الجذ وهو القطع، كسرها كلها بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الكبير علق الفأس في عنقه، وقرئ: " جذاذا " (4) جمع جذيذ، وإنما استبقى الكبير، لأنه غلب في ظنه أنهم لا يرجعون إلا * (إليه) * لما كانوا يسمعون من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم، فأراد أن يبكتهم بقوله: * (بل فعله كبيرهم هذا فسلوهم) * (5) وعن الكلبي: * (إليه) * أي: إلى * (كبيرهم) * كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات (6)، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحا والفأس على عاتقك ؟ فتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، وأنهم في عبادته على غاية الجهل * (إنه لمن الظلمين) * أي: من فعل هذا الكسر والحطم إنه لشديد الظلم، لجرأته على آلهتنا * (إبراهيم) * خبر مبتدأ محذوف، أو منادى، والأوجه أن يكون فاعل " يقال "، لأن المراد الاسم لا المسمى.


(1) ليس في نسخة: " على يده ". (2) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 247. (3) رواه السدي على ما حكاه الطبري في تفسيره: ج 9 ص 38. (4) قرأه الكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 544. (5) الآية: 63. (6) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 123. (*)

[ 529 ]

* (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا ءأنت فعلت هذا بالهتنا يإبرا هيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فسلوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظلمون (64) ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولمآ تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم فعلين (68) قلنا ينار كونى بردا وسلما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلنهم الاخسرين (70)) * أي: فجيئوا * (به على أعين الناس) * أي: معاينا مشاهدا بمرأى من الناس ومنظر، فهو في موضع الحال * (لعلهم يشهدون) * عليه بما فعله، أو يحضرون عقوبتنا له. * (فعله كبيرهم هذا) * من معاريض الكلام، ولم يكن قصدا من إبراهيم (عليه السلام) إلى أن ينسب الفعل إلى الصنم، وإنما قصد تقريره (عليه السلام) لنفسه على هذا الأسلوب تبكيتا لهم، كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط رائق وأنت مشهور بحسن الخط: أنت كتبت هذا ؟ وصاحبك أمي لا يحسن الكتابة، فقلت له: بل كتبت أنت، وقصدك بهذا الجواب تقرير الكتاب لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته لصاحبك الامي، وقيل: إن تقديره: * (بل فعله كبيرهم.... إن كانوا ينطقون) * فآسألوهم، فعلق الكلام بشرط لا يوجد (1)، وقيل إن التقدير: * (بل فعله) * من فعله ويوقف عليه، ويبتدأ فيقرأ * (كبيرهم هذا فسلوهم إن كانوا ينطقون) * (2).


(1) قاله القتيبي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 249. (2) وهو قول الكسائي. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 300. (*)

[ 530 ]

* (ف‍) * لما ألقمهم الحجر * (رجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظلمون) * على الحقيقة لا من ظلمتموه حين قلتم: * (من فعل هذا بالهتنآ إنه لمن الظلمين) *. ونكست الشئ: قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس: انقلب، والمعنى: انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم وصاروا مجادلين عنه حين نفوا عنها القدرة على النطق، أو يريد: قلبوا على * (رؤوسهم) * لفرط إطراقهم، خجلا مما بهتهم به إبراهيم، فما أجابوا جوابا إلا ما هو حجة عليهم. * (أف) * صوت يعلم به أن صاحبه متضجر، تأفف بهم: إذا ضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتهم (1) بعد وضوح الحق وانقطاع العذر، واللام لبيان المتأفف به، أي: * (لكم) * ولآلهتكم هذا التأفف. ولما غلبوا أزمعوا على إهلاكه وتحريقه، فجمعوا الحطب حتى إن الرجل ليمرض فيوصي بماله يشترى به حطب لإبراهيم ! ثم أشعلوا نارا عظيما كادت الطير تحترق في الجو من وهجها، ثم وضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فرموا به فيها، وذكر أن جبرائيل (عليه السلام) قال له حين رمي به: هل لك حاجة ؟ قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي (2). وعن الصادق (عليه السلام): أنه قال: يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فحسرت النار عنه، وإنه لمختبئ ومعه جبرائيل (عليه السلام) وهما يتحدثان في روضة خضراء (3). * (كونى بردا وسلما) * يعني: ذات برد وسلام، فبولغ في ذلك، كأن ذاتها برد


(1) في نسخة: " عبادتها ". (2) ذكره ابي بن كعب. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 250. (3) الكافي: ج 8 ص 369 ح 559. (*)

[ 531 ]

وسلام، والمراد: ابردي فيسلم منك إبراهيم (عليه السلام)، وابردي بردا غير ضار، وعن ابن عباس: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها (1)، نزع الله عن النار طبعها من الحر والإحراق وأبقاها على الإنارة والإشراق كما كانت، والتحقيق: أن النار من جهة مطاوعتها فعل الله تعالى وإرادته كانت كمأمور أمر بشئ فامتثله، وأرادوا أن يكيدوه فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين. * (ونجينه ولوطا إلى الارض التي بركنا فيها للعلمين (71) ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صلحين (72) وجعلنهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرا ت وإقام الصلوة وإيتآء الزكوة وكانوا لنا عبدين (73) ولوطا ءاتينه حكما وعلما ونجينه من القرية التي كانت تعمل الخبئث إنهم كانوا قوم سوء فسقين (74) وأدخلنه في رحمتنا إنه من الصلحين (75)) * أي: نجينا إبراهيم ولوطا - وهو ابن أخيه - من نمرود وكيده من كوثى (2) * (إلى الارض التي بركنا فيها) * وهي الشام، وبركاتها الواصلة إلى العالمين: إن أكثر الأنبياء بعثوا فيها فانتشرت في العالمين شرائعهم، وقيل: إنها بلاد خصب يكثر أشجارها وثمارها ويطيب العيش فيها (3)، روي: أنه نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة (4). والنافلة: ولد الولد، قيل: إنه سأل الولد فأعطي * (إسحق و) * أعطي * (يعقوب


(1) تفسير ابن عباس: ص 273. (2) كوثى: قرية في أرض بابل بسواد العراق، وبها مشهد ابراهيم الخليل (عليه السلام) وبها مولده. انظر معجم البلدان للحموي: ج 4 ص 317 - 318. (3) قاله البغوي في تفسيره: ج 3 ص 251. (4) رواه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 252. (*)

[ 532 ]

نافلة) * أي: زيادة وفضلا من غير سؤال (1)، أي: * (صلحين) * للنبوة والرسالة. * (وجعلنهم أئمة) * يقتدى بهم في دين الله * (يهدون) * إلى طريق الحق والدين القويم * (بأمرنا) * وكل من صلح أن يكون قدوة للخلق، فالهداية محتومة عليه، مأمور هو بها من جهة الله تعالى، وأولها أن يهتدي بنفسه ليعم الانتفاع بهداه، وتسكن النفوس إلى الاقتداء به. و * (لوطا) * منصوب بفعل مضمر * (ءاتينه) * يفسره * (حكما) * أي: حكمة وهو ما يجب فعله، أو فصلا بين الخصوم، وقيل: هو النبوة (2)، و * (القرية) * سدوم. * (في رحمتنا) * أي: في أهل رحمتنا، أو في الجنة. * (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجينه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرنه من القوم الذين كذبوا بايتنآ إنهم كانوا قوم سوء فأغرقنهم أجمعين (77) وداود وسليمن إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شهدين (78) ففهمنها سليمن وكلا ءاتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فعلين (79) وعلمنه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شكرون (80)) * أي: * (من قبل) * هؤلاء المذكورين * (ونصرنه من القوم) * أي: جعلناه منتصرا منهم، من: نصرته فانتصر * (الكرب العظيم) * الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه. * (و) * اذكر * (داود وسليمن) *، و * (إذ) * بدل منهما، والنفش: الانتشار بالليل


(1) قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد. راجع التبيان: ج 7 ص 264. (2) قاله مقاتل. راجع تفسير الرازي: ج 22 ص 192. (*)

[ 533 ]

* (لحكمهم) * جمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، والضمير في * (فهمنها) * للحكومة أو للفتوى، حكم داود (عليه السلام) بالغنم لصاحب الحرث، فقال سليمان (عليه السلام) وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا يا نبي الله، أرفق بالفريقين، فقال: وما ذاك ؟ قال: يدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بها، والحرث إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك. والصحيح: أنهما جميعا حكما بالوحي، إلا أن حكومة سليمان نسخت حكومة داود، لأن الأنبياء لا يجوز أن يحكموا بالظن والاجتهاد، ولهم طريق إلى العلم، وفي قوله: * (وكلا ءاتينا حكما وعلما) * دلالة على أن كلاهما كان مصيبا. * (يسبحن) * حال بمعنى: مسبحات، ويجوز أن يكون على الاستئناف، كأن قائلا قال: كيف سخرهن ؟ فقال: يسبحن * (والطير) *: إما معطوف على * (الجبال) * وإما مفعول معه، وكانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكانت الطير تسبح معه بالغداة والعشي * (وكنا فعلين) * أي: قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم، وقيل: وكنا نفعل مثل ذلك بالأنبياء (1). واللبوس: اللباس، والمراد هنا الدرع، وأول من صنع الدرع داود (عليه السلام)، وإنما كانت صفائح فسردها (2) وحلقها فجمعت الخفة والتحصين، وقرئ: * (لتحصنكم) * بالنون (3) والتاء والياء (4)، فالنون لله عزوجل، والياء لداود أو للبوس، والتاء


(1) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 274. (2) يقال: الخرز مسرود ومسرد أي: مثقوبة، وكذلك الدرع، وقيل: سردها: نسجها، وهو تداخل الحلق بعضها في بعض. (الصحاح: مادة سرد). (3) وهي قراءة أبي بكر عن عاصم ورويس وشيبة والمفضل وابن أبي اسحاق. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 544، وتفسير القرطبي: ج 11 ص 321. (4) وبالياء قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 430. (*)

[ 534 ]

للصنعة، والبأس: المراد به الحرب والقتال. * (ولسليمن الريح عاصفة تجري بأمره إلى الارض التي بركنا فيها وكنا بكل شئ علمين (81) ومن الشيطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حفظين (82) وأيوب إذ نادى ربه أني مسنى الضر وأنت أرحم الرا حمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وءاتينه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعبدين (84) وإسمعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصبرين (85) وأدخلنهم في رحمتنا إنهم من الصلحين (86)) * * (الريح) * عطف على * (الجبال) *، كانت الريح مطيعة * (لسليمن) * إذا أراد أن تعصف عصفت، وإذا أراد أن ترخي رخت، وذلك قوله: * (رخاء حيث أصاب) * (1)، وكان هبوبها على حسب ما يريد، ويحتكم آية إلى آية * (وكنا بكل شئ علمين) * تجري الأشياء على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا. * (يغوصون له) * في البحار فيستخرجون الجواهر * (ويعملون) * له أعمالا سواء من بناء المدائن والقصور، واختراع الصنائع العجيبة، والله جل اسمه يحفظهم من أن يمتنعوا عليه ويزيغوا عن أمره، أو يكون منهم فساد فيما عملوه. ناداه، ب‍ * (أني مسنى الضر) * والضر بالضم: الضرر في النفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضرر في كل شئ، ألطف في السؤال حيث ذكر عن نفسه ما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة وكنى عن المطلوب * (فكشفنا ما به من) * الضر (2) والأمراض، وكان أيوب كثير الأولاد والأموال، فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبالمرض في بدنه ثلاث عشرة سنة أو سبع سنين وسبعة أشهر، فلما


(1) ص: 36. (2) في نسخة: " الأوجاع ". (*)

[ 535 ]

كشف الله ضره أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم * (رحمة) * منا، أي: لرحمتنا العابدين وذكرنا إياهم بالإحسان لا ننساهم، أو: * (رحمة) * منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة. * (وذا الكفل) * قيل: هو إلياس (1)، وقيل: هو اليسع (2)، وقيل: إنه نبي كان بعد سليمان، يقضي بين الناس كقضاء داود (عليه السلام)، ولم يغضب قط إلا لله عزوجل (3). * (وذا النون إذ ذهب مغضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمت أن لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من الظلمين (87) فاستجبنا له ونجينه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوا رثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسرعون في الخيرا ت ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خشعين (90)) * * (النون) * الحوت، وصاحبه يونس بن متى، برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم، فراغمهم فظن أن ذلك سائغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله، وقد كان الأولى به أن يصابر وينتظر الإذن من الله جل اسمه في مهاجرتهم فابتلي ببطن الحوت، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. وسأل معاوية ابن عباس كيف يظن نبي الله (عليه السلام) أن لا يقدر عليه ؟ فقال: هو من القدر لا من القدرة، يعني: أن لن نضيق عليه كما في قوله: * (ومن قدر عليه


(1) قاله ابن عباس على ما حكاه عنه في السراج المنير: ج 2 ص 525. (2) حكاه الماوردي في تفسيره: ج 3 ص 464. (3) وهو ما روي عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، رواه الراوندي في قصصه: ص 213 ح 277. (*)

[ 536 ]

رزقه) * (1). وقيل: إنه استفهام تقديره: أفظن أن لن نقدر عليه ؟ فحذف الهمزة (2)، وقيل: معناه: فظن أن لم تعمل فيه قدرتنا (3) * (في الظلمت) * أي: في الظلمة الشديدة في البحر في بطن الحوت، أي: بأنه * (لا إله إلا أنت) *، أو هو بمعنى: * (إنى كنت من الظلمين) * أي: من الذين يقع منهم الظلم. وقرئ: * (ننجي) * و " ننجي " (4) و " نجي " بنون واحدة وبتشديد الجيم والنون لا تدغم في الجيم (5)، وربما أخفيت فحذفت في الكتابة وهي في اللفظ ثابتة، فظن الراوي ذلك إدغاما. سأل الله تعالى زكريا أن يرزقه وارثا، ولا يدعه * (فردا) * بلا ولد، ثم رد الأمر إلى الله واستسلم فقال: * (وأنت خير الوا رثين) * يعني: إن لم ترزقني ولدا يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث. * (وأصلحنا له زوجه) * أي: وجعلناها صالحة لأن تلد بعد أن كانت عاقرا. وقيل: معناه: جعلناها حسنة الخلق وكانت سيئة الخلق (6). وقيل: رددنا عليها شبابها (7) * (إنهم) * الضمير للأنبياء المذكورين، أي: استحقوا الإجابة منا لمسارعتهم * (في الخيرا ت) * ومبادرتهم إلى الطاعات * (رغبا ورهبا) * أي: راغبين وراهبين كقوله تعالى: * (يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه) * (8)


(1) الطلاق: 7. (2) قاله سليمان بن المعتمر. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 466. (3) وهو قول الفراء. راجع معاني القرآن للفراء: ج 2 ص 209. (4) قرأه عاصم الجحدري وحده. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 95. (5) وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 545. (6) قاله ابن عباس وعطاء ومحمد بن كعب وعون بن عبد الله وابن كامل. راجع تفسير الماوردي: ج 3 ص 468، وتفسير القرطبي: ج 11 ص 336. (7) قاله سعيد بن جبير وقتادة. راجع تفسير الآلوسي: ج 17 ص 87. (8) الزمر: 9. (*)

[ 537 ]

* (خشعين) * أي: ذللا لأمر الله، وقيل: متواضعين لأمر الله تعالى (1)، وعن مجاهد: الخشوع: الخوف الدائم في القلب (2). * (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلنها وابنها ءاية للعلمين (91) إن هذه أمتكم أمة وا حدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا را جعون (93) فمن يعمل من الصلحت وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كتبون (94) وحرا م على قرية أهلكنها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شخصة أبصر الذين كفروا يويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظلمين (97)) * * (أحصنت فرجها) * إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا، كقولها: * (ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا) * (3)، * (فنفخنا فيها من روحنا) * أي: فعلنا النفخ فيها من جهة روحنا وهو جبرائيل (عليه السلام)، لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها، وإن جعلت نفخ الروح بمعنى الإحياء كما في قوله: * (ونفخت فيه من روحي) * (4) أي: أحييته، فالمعنى: فنفخنا الروح في عيسى (عليه السلام) فيها أي: أحييناه في جوفها، كما يقول الزامر: نفخت في بيت فلان، أي: نفخت في المزمار في بيته * (وجعلنها وابنها ءاية للعلمين) * لم يقل: آيتين، لأن حالهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل. والمراد بالأمة: ملة الإسلام، يعني: أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن


(1) قاله ابن عباس ومجاهد. راجع تفسير ابن عباس: ص 275، وتفسير ابن كثير: ج 3 ص 188. (2) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 267. (3) مريم: 20. (4) الحجر: 29، ص: 72. (*)

[ 538 ]

تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشار إليها ملة * (وا حدة) * غير مختلفة * (وأنا) * إلهكم إله واحد * (فاعبدون‍) * - ي. الأصل: وتقطعتم، إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه يقبح عندهم فعلهم ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى ؟ والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتقسم الجماعة الشئ فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى يتبرأ بعضهم من بعض، ثم أوعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فيجازيهم بما عملوا. الكفران: مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في الإثابة إذا قيل لله: شكور، أي: لا يكفر سعيه * (وإنا له كتبون) * أي: نحن كاتبون ذلك السعي، ثبته في صحيفة عمله. * (وحرا م) * مستعار للممتنع وجوده، كما في قوله تعالى: * (إن الله حرمهما على الكفرين) * (1) أي: منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم، وقرئ: " وحرم " (2) ومعناه: ممتنع من * (قرية) * قدرنا إهلاكها وغير متصور رجوعهم من الكفر إلى الإسلام، و " لا " مزيدة، وقال الزجاج: تقديره: حرام على قرية أهلكناها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون (3). وعلى هذا فيكون * (حرام) * خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون التقدير: وحرام عليها ذلك المذكور في الآية المتقدمة من السعي المشكور غير المكفور، لأنهم لا يرجعون عن الكفر.


(1) الاعراف: 50. (2) قرأه حمزة والكسائي وعاصم برواية أبي بكر والمفضل ويحيى. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 431. (3) معاني القرآن واعرابه: ج 3 ص 405. (*)

[ 539 ]

وتعلقت * (حتى) * ب‍ * (حرا م) * وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى يوم القيامة، و * (حتى) * هذه هي التي يحكى بعدها الكلام، والجملة الشرطية هنا هي الكلام المحكي بعد * (حتى) * أعني: * (إذا) * وما في حيزها، أي: فتح سد * (يأجوج ومأجوج) * فحذف المضاف، وقرئ: " فتحت " بالتشديد (1)، والحدب: النشر من الأرض، والنسلان العسلان: الإسراع. و " إذا " هي ظرف المفاجأة وتسد في الجزاء مسد الفاء، فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل: إذا هي شاخصة أو: فهي شاخصة لجاز، وهي ضمير مبهم يفسره الإبصار، و * (يويلنا) * تعلق بمحذوف، والتقدير: يقولون: * (يويلنا) * وهو في موضع الحال من * (الذين كفروا) *. * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لهآ وا ردون (98) لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها وكل فيها خلدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خلدون (102) لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقبهم الملئكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصلحون (105)) * * (حصب جهنم) * وقودها وحطبها * (وما تعبدون من دون الله) * يحتمل الأوثان والشياطين، لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، والفائدة في مقارنتهم بآلهتهم: أنهم قدروا أنهم يشفعون لهم عند الله تعالى، فإذا صادفوا الأمر على


(1) وهي قراءة ابن عامر ويعقوب. راجع والتذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 398. (*)

[ 540 ]

عكس ما قدروه لم يكن شئ أبغض إليهم منهم. * (الحسنى) * الخصلة المفضلة في الحسن، وهي: السعادة أو البشارة بالثواب أو التوفيق للطاعات. والحسيس: الصوت الذي يحس، والشهوة: طلب النفس اللذة يقال: اشتهى شهوة. وقرئ: " لا يحزنهم " (1)، و * (الفزع الاكبر) *: النفخة الأخيرة، كقوله: * (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض) * (2) وعن الحسن: حين يؤمر بهم إلى النار (3)، وعن الضحاك: حين يطبق على النار (4)، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح وينادي: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت (5)، * (وتتلقيهم الملئكة) * أي: تستقبلهم على أبواب الجنة بالتهنئة، يقولون: * (هذا) * وقت ثوابكم * (الذي) * وعدكم ربكم قد حل. و * (يوم نطوى) * منصوب ب‍ * (لا يحزنهم) * أو ب‍ * (تتلقبهم) *، وقرئ: " يوم تطوى السماء " على البناء للمفعول (6)، و * (السجل) * الصحيفة، أي: كما يطوى الطومار (7) للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو: لما يكتب فيه، لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب، وقرئ: * (للكتب) * (8) والمراد بذلك المكتوبات أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، قيل: السجل: ملك يطوي كتب بني آدم


(1) قرأه أبو جعفر وابن محيصن. راجع تفسير القرطبي: ج 11 ص 346. (2) النمل: 87. (3) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 137. (4) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 270. (5) قاله مقاتل وابن شريح. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 380. (6) قرأه أبو جعفر المدني وشيبة بن نصاح والأعرج والزهري. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 95، وتفسير القرطبي: ج 11 ص 346. (7) الطامور والطومار: الصحيفة، قيل: هو دخيل، قال ابن سيده: وأراه عربيا محضا لأن سيبويه قد اعتد به في الأبنية فقال: هو ملحق بفسطاط. (لسان العرب: مادة طمر). (8) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هي على المفرد دون الجمع. (*)

[ 541 ]

إذا رفعت إليه (1)، وقيل: هو اسم كاتب للنبي (صلى الله عليه وآله) (2)، وعلى هذا فالكتاب: اسم للصحيفة المكتوب فيها * (أول خلق) * مفعول " نعيد " الذي يفسره * (نعيده) *، و * (ما) * كافة للكاف، والمعنى: نعيد أول الخلق كما بدأناه، تشبيها للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء، وأول الخلق: إيجاده عن عدم، أي: فكما أوجدناه أولا عن عدم نعيده ثانيا، وقوله: * (أول خلق) * كقولك: هو أول رجل جاءني، تريد: أول الرجال، ولكنك نكرته ووحدته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى * (أول خلق) *: أول الخلق، بمعنى: أول الخلائق، لأن " أول الخلق " مصدر لا يجمع. ويجوز فيه وجه آخر: وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره * (نعيده) * و * (ما) * موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، و * (أول خلق) * ظرف ل‍ * (بدأنآ) * أي: أول ما خلق، أو حال من الهاء المحذوف من الصلة * (وعدا) * مصدر مؤكد، لأن قوله: * (نعيده) * عدة للإعادة * (إنا كنا فعلين) * أي: قادرين على أن نفعل ذلك. قيل: * (الزبور) * اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب، و * (الذكر) *: أم الكتاب يعني: اللوح (3)، وقيل: زبور داود (عليه السلام)، والذكر: التوراة (4)، أي: * (يرثها) * المؤمنون، كقوله: * (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون) * الآية (5). وعن الباقر (عليه السلام): " هم أصحاب المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان " (6).


(1) رواه الرازي في تفسيره: ج 22 ص 228 عن علي (عليه السلام). (2) قاله ابن عباس. راجع التبيان: ج 7 ص 283. (3) قاله ابن زيد. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 97. (4) وهو قول الشعبي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 271. (5) الأعراف: 137. (6) تفسير القمي: ج 2 ص 77. (*)

[ 542 ]

وقيل: * (الارض) * هي أرض الجنة (1). * (إن في هذا لبلغا لقوم عبدين (106) وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين (107) قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله وا حد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل ءاذنتكم على سوآء وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتع إلى حين (111) قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112)) * * (هذا) * إشارة إلى المذكور في السورة من الأخبار والمواعظ * (لبلغا) * أي: كفاية (2) موصلة إلى البغية. كان صلوات الله عليه وآله * (رحمة للعلمين) * كافة، إذ جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبعه فقد أتى من عند نفسه، وقيل: إن الوجه في كونه * (رحمة) * للكافرين: أن عقابهم أخر بسببه، وأمنوا به عذاب الاستئصال (3). * (إنما) * لقصر الحكم على شئ، كما يقال: إنما زيد قائم، أو: لقصر الشئ على حكم، كقولك: إنما يقوم زيد، وقد اجتمع كلاهما في الآية، لأن * (إنما يوحى إلى) * مع فاعله بمنزلة: إنما يقوم زيد، و * (أنما إلهكم إله وا حد) * بمنزلة: إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما: الدلالة على أن الوحي إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) مقصور على أن الله عز اسمه استأثر بالوحدانية، وفي قوله: * (فهل أنتم مسلمون) * أن الوحي الوارد على هذه الطريقة موجب أن تخلصوا التوحيد لله، ويجوز أن يكون * (ما) * موصولة، فيكون معناه: أن الذي يوحى إلي.


(1) قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وابن زيد. راجع التبيان: ج 7 ص 283. (2) في نسخة: كفالة. (3) قاله ابن عباس. راجع التبيان: ج 7 ص 285. (*)

[ 543 ]

ومعنى * (ءاذنتكم) *: أعلمتكم، ولكنه كثر استعماله في معنى الإنذار، ومنه قول ابن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء (1) والمعنى: أني بعد إعراضكم عن قبول توحيد الله تعالى، وتنزيهه عن الأنداد كرجل بينه وبين أعدائه هدنة، فنبذ إليهم العهد وآذنهم جميعا بذلك * (على سوآء) * أي: مستوين في الإعلام به لم يطوه عن أحد منهم، و * (ما توعدون) * من غلبة المسلمين عليكم، أو: القيامة كائن لا محالة إلا أن الله تعالى لم يطلعني عليه. * (إنه) * سبحانه * (يعلم) * السر والعلانية منكم، وهو مجازيكم على ذلك. وما * (أدرى) * لعل تأخير هذا الموعد امتحان * (لكم) * لينظر كيف تعملون، أي: تمتيع لكم * (إلى حين) * ليكون ذلك حجة عليكم. وقرئ: * (قل) * على حكاية قول النبي (صلى الله عليه وآله) (2) و * (رب احكم) * على الاكتفاء بالكسرة، و " رب احكم " على الضم (3) و " ربي احكم " على أفعل التفضيل (4)، أمر (عليه السلام) باستعجال العذاب لقومه فعذبوا ببدر، ومعنى قوله: * (بالحق) *: لا تحابهم، وافعل بهم ما يستحقون * (على ما تصفون) * من الحال التي تجري على خلاف ما يظنون، وقد نصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، وخذلهم وخيب ظنونهم.


(1) وعجزه: رب ثاو يمل منه الثواء. والبيت هو مطلع معلقة الشاعر وهو الحارث بن حلزة من بني يشكر بن بكر بن وائل، قالها وهو ابن مائة وخمس وثلاثين سنة. أنظر خزانة الأدب للبغدادي: ج 1 ص 325 - 326، وج 3 ص 181 - 182. (2) يستفاد من عبارته أنه يعتمد على القراءة بصيغة الأمر كما هو ظاهر. (3) قرأه أبو جعفر المدني وابن محيصن وعن ابن كثير رواية. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 95 - 96. وتفسير القرطبي: ج 11 ص 351. (4) وهي قراءة الجحدري والضحاك وطلحة ويعقوب. راجع المصدرين السابقين. (*)

[ 545 ]

سورة الحج مكية (1)، وقيل: مدنية غير ست آيات (2)، وآياتها ثمانية وسبعون آية كوفي، خمس بصري، عد الكوفي: * (الحميم) * (3) * (الجلود) * (4) * (وقوم لوط) * (5). وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها، أو عمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر " (6). وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ثلاثة أيام لم تخرج سنته حتى يخرج إلى بيت الله الحرام " (7). بسم الله الرحمن الرحيم * (يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم (1) يوم


(1) كذا في النسخ تبعا لصاحب الكشاف، لكن المشهور أنها مدنية. ففي تفسير القمي: ج 2 ص 78: سورة الحج مدنية وآياتها ثمان وسبعون. وفي البرهان للبحراني: ج 3 ص 76: مدنية إلا الآيات 52 و 53 و 54 و 55 فبين مكة والمدينة، نزلت بعد النور. وفي التبيان: ج 7 ص 287: عن قتادة قال: هي مدنية إلا أربع آيات فانها مكية من قوله: * (وما أرسلنا من قبلك من رسول) * الى قوله: * (يوم عقيم) *، وقال مجاهد وعياش بن أبي ربيعة: هي مدنية كلها. (2) انظر تفسير البغوي: ج 3 ص 273. (3 و 4 و 5) الآية: 19 و 20 و 43 على التوالي. (6) رواه الزمخشري في كشافه: ج 3 ص 173 مرسلا. (7) ثواب الأعمال: ص 135. (*)

[ 546 ]

ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ويتبع كل شيطن مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقنكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الارض هامدة فإذآ أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5)) * الزلزلة والزلزال: شدة التحريك والإزعاج، وأن يضاعف ذليل الأشياء عن مراكزها ومقارها، وهي مضافة إلى الفاعل على تقدير: أن الساعة تزلزل الأشياء، أو: إلى تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله: * (بل مكر اليل والنهار) * (1)، علل سبحانه وجوب التقوى على الناس بذكر * (الساعة) * ووصفها بأهول صفة ليتصوروها بعقولهم ويتزودوا لها. فروي: أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق فقرأهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، ولما أصبحوا لم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا، وكانوا بين باك ومفكر (2). * (يوم) * منصوب ب‍ * (تذهل) * والضمير له " الزلزلة "، والذهول: الذهاب عن


(1) سبأ: 33. (2) رواه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 274 عن عمران بن حصين وأبي سعيد الخدري. (*

[ 547 ]

الأمر بدهشة، والمرضعة: هي التي ألقمت ثديها الصبي، والمرضع - بغير هاء - التي من شأنها أن ترضع، والمعنى: أن هول تلك الزلزلة إذا فاجأها وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة * (عما أرضعت) * عن إرضاعها، أو: عن الذي أرضعته، وعن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام (1)، وقرئ: " سكرى " و " بسكرى " (2) فهو نظير عطشى من عطشان، * (سكرى) * و * (بسكرى) * نحو: " كسالى "، والمعنى: وتراهم سكارى على التشبيه لما هم فيه من شدة الفزع، وما هم بسكارى من الشراب * (ولكن) * أذهب عقولهم خوف * (عذاب الله) *. والمجادل * (في الله بغير علم) * قيل: هو النضر بن الحارث وكان ينكر البعث ويقول: القرآن أساطير الأولين، والملائكة بنات الله (3)، وقيل: هي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وفيما لا يجوز من الصفات والأفعال ولا يرجع إلى علم ولا برهان (4) * (ويتبع) * في ذلك * (كل شيطن مريد) *: عات متجرد للفساد، يغويه عن الهدى ويدعوه إلى الضلال. وعلم من حاله أن من جعله وليا له فإن ثمرة ولايته الإضلال عن طريق الجنة والهداية إلى النار. وقوله: * (كتب عليه) * تمثيل، والهاء للشيطان، أي: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه، لظهور ذلك في حاله، وقرئ: * (أنه) * أي: فأنه بالفتح والكسر (5)، فأما الفتح فلأن الأول فاعل * (كتب) * والثاني عطف عليه، والأولى أن يكون الفاء


(1) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 139. (2) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 549. (3) قاله ابن عباس وابن جريح وأبو مالك. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 109. (4) قاله الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 143. (5) وبالكسر قرأه النخعي عن أبي عمرو، والأعمش. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 96، وتفسير الآلوسي: ج 17 ص 115. (*)

[ 548 ]

وما بعده في موضع جواب الشرط إن جعلت * (من) * شرطا، وفي موضع خبر المبتدأ إن جعلت * (من) * بمعنى " الذي " لكونه موصلا بالفعل، والجملة في موضع خبر " ان " الأولى. وأما الكسر فعلى حكاية المكتوب كما هو، أي: كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما تقول: كتبت إن الله على كل شئ قدير، أو: على تقدير " قيل "، أو على: أن كتب فيه معنى القول. المعنى: * (إن) * ارتبتم في * (البعث) * فالذي يزيل ريبكم أن تنظروا في مبدأ خلقكم، والعلقة: القطعة الجامدة من الدم، والمضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، والمخلقة: المسواة الملساء من العيب والنقص، يقال: خلق السواك إذا سواه وملسه، كأنه سبحانه يخلق بعض المضغ كاملا أملس من العيب وبعضها على عكسه، فيتفاوت لذلك الناس في خلقهم وصورهم وتمامهم ونقصهم * (لنبين لكم) * بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر * (من تراب) * أولا * (ثم من نطفة) * ثانيا، وقدر على أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما قدر على إعادة ما أبدأه * (ونقر) * أي: ونبقي * (في) * أرحام الأمهات * (ما نشاء) * أن نقره * (إلى أجل مسمى) * وهو وقت الوضع، وما لم نشأ إقراره أسقطته * (الارحام) *، ووحد قوله: * (طفلا) * لأن الغرض الدلالة على الجنس، أو أراد: * (ثم) * نخرج وكل واحد منكم طفلا، ثم * (لتبلغوا أشدكم) * وهو حال اجتماع العقل وتمام الخلق والقوة والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يأت لها واحد، كأنها شدة في غير شئ واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع، و * (أرذل العمر) *: الهرم والخرف حتى يعود كهيئته الأولى وقت الطفولية * (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) * أي: ليصير نساء، بحيث لو كسب علما في شئ زال عنه من ساعته ولا يستفيد علما، وينسى ما كان علمه.

[ 549 ]

والهامدة: الميتة اليابسة، وهذه دلالة أخرى على البعث، ولكونها معاينة ظاهرة كررها الله في كتابه * (اهتزت وربت) * تحركت بالنبات، وانتفخت لظهور نمائها * (وأنبتت من كل) * جنس مؤنق حسن الصورة سار للناظر إليه. * (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شئ قدير (6) وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير (8) ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزى ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلم للعبيد (10)) * أي: * (ذلك) * الذي ذكرنا من تصريف الخلق وإحياء الأرض وما فيهما (1) من البدائع والحكم حاصل * (ب‍) * سبب * (أن الله هو الحق) * أي: الثابت الموجود، وأنه قادر على إحياء * (الموتى) * وعلى كل مقدور، وهو حكيم لا يخلف الميعاد، وقد وعد البعث فلابد أن يفي بوعده. * (بغير علم) * ضروري * (ولا هدى) * أي: استدلال ونظر يهدي إلى المعرفة * (ولا كتب منير) * وهو الوحي. * (ثانى عطفه) * أي: متكبرا في نفسه، فإن ثني العطف عبارة عن الخيلاء والكبر كتصعير الخد * (ليضل عن سبيل الله) * لما كان جداله مؤديا إلى الضلال جعل كأنه الغرض في الضلال. * (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلل البعيد (12) يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس


(1) في نسخة: فيها. (*)

[ 550 ]

العشير (13) إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجري من تحتها الانهر إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والاخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلنه ءايت بينت وأن الله يهدي من يريد (16)) * * (على حرف) * أي: على طرف في الدين، لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على هيئة وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر وغنيمة اطمأن وقر، وإلا انهزم وفر، وقرئ: " خاسر الدنيا والآخرة " (1) وهو منصوب على الحال. و * (الضلل البعيد) * مستعارمن ضلال من أبعد في التيه، فبعدت مسافة ضلاله. سفه الله سبحانه هذا الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا، وهو يعتقد أنه ينتفع به حين يستشفع به، ثم قال: يقول هذا الكافر يوم القيامة بدعاء وصراخ حين يرى دخوله النار بعبادة الأصنام، ولا يرى أثر الشفاعة التي أملها منها * (لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) *، وكرر " يدعو " كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا لبئس المولى، والمولى: الناصر، والعشير: الصاحب، كقوله: * (فبئس القرين) * (2). * (من كان يظن) * من أعادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحساده أن الله لا ينصره ويطمع


(1) قرأه مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن من طريق الزعفراني وقعنب والجحدري وابن مقسم والزهري وابن ابي اسحاق وروي عن يعقوب. راجع تفسير القرطبي: ج 12 ص 18، وتفسير الآلوسي: ج 17 ص 124. (2) الزخرف: 38. (*)

[ 551 ]

فيه، ويغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه، فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعله من بلغ به الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلا * (إلى) * سماء بيته فاختنق، فلينظر أنه إن فعل ذلك * (هل) * يذهب نصر الله الذي يغيظه ؟ وسمى الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، ولذلك يقال للبهر (1): قطع، وسمى فعله " كيدا " لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو: على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه. وقيل: معناه: * (فليمدد) * بحبل * (إلى السماء) * المظلة ليصعد عليه و * (ليقطع) * الوحي أن ينزل عليه (2)، وقرئ: * (ثم ليقطع) * بكسر اللام (3) وسكونها، وأصل هذه اللام الكسر، إلا أنه جاز إسكانها مع الفاء والواو، لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه، فهو كحرف من نفس الكلمة فصار بمنزلة: فخذ وعضد، ثم شبه الميم في * (ثم) * بالواو والفاء كقولهم: أراك منتصبا. * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله * (ءايت بينت) *، ولأن * (الله يهدي) * به الذين علم أنهم يؤمنون، أو: يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى أنزله كذلك. * (إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئين والنصرى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شئ شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس


(1) البهر بالضم: تتابع النفس من الإعياء، وبالفتح: المصدر منه. (راجع لسان العرب: مادة بهر). (2) قاله ابن زيد. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 12. (3) قرأه أبو عمرو ورويس وورش وابن ذكوان وهشام. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 549 - 550. (*)

[ 552 ]

وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشآء (18)) * دخلت * (إن) * على واحدة من جزأي الجملة لزيادة التأكيد، كما في قول جرير: إن الخليفة إن الله سربله * سربال ملك به ترجى الخواتيم (1) والفصل: التمييز بين المحق والمبطل، أو: الحكم والقضاء بينهما، وسميت مطاوعة هذه الأشياء لله عزوجل اسمه فيما يحدث من أفعاله وتسخيره لها " سجودا " تشبيها لذلك بما يفعله المكلف من السجود الذي كل خضوع دونه. * (وكثير من الناس) * أي: ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، وقيل: التقدير: وكثير من الناس استحق الثواب إذ وحد الله وأطاعه * (وكثير حق عليه العذاب) * إذ أبى السجود ولم يوحده جل اسمه (2) * (ومن) * يهنه الله بأن كتب عليه الشقاوة وأدخله النار * (فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء) * من الإكرام والإهانة. * (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقمع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجري من تحتها الانهر يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب


(1) البيت من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، يريد: أن سلاطين الآفاق يرسلون إليه خواتمهم خوفا منه، فيضاف ملكهم الى ملكه. ويروى " تزجى " بالزاي. انظر ديوان جرير: ص 431 وفيه " يكفي الخليفة ". (2) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 278. (*)

[ 553 ]

من القول وهدوا إلى صرا ط الحميد (24)) * * (هذان) * فريقان أو جمعان مختصمان، والخصم مصدر وصف به، فاستوى فيه الواحد والجمع، وقوله: * (هذان) * للفظ و * (اختصموا) * للمعنى، كقوله: * (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك) * (1)، ولو قال: هؤلاء * (خصمان) * أو اختصما كان جائزا، وقيل: نزلت في النفر الستة من المؤمنين والكافرين تبارزوا يوم بدر، وهو حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن ربيعة، وعلي (عليه السلام) قتل الوليد بن عتبة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وقرنه شيبة بن ربيعة (2) * (في ربهم) * في دين ربهم وصفاته. * (فالذين كفروا) * هو فصل الخصومة المعني بقوله: * (إن الله يفصل بينهم يوم القيمة) *، * (قطعت لهم ثياب من نار) * أي: ألبسوا مقطعات النيران وهي الثياب القصار، كأنه سبحانه يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم كما يقطع الثياب الملبوسة، ونحوه: * (سرابيلهم من قطران) * (3) و * (الحميم) * الماء الحار، وعن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها (4). * (يصهر) * أي: يذاب وينضج بذلك الحميم أمعاؤهم وأحشاؤهم كما يذاب به جلودهم. المقامع: السياط، أي: * (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم) * فخرجوا * (أعيدوا فيها) * وعن الحسن: أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا (5)، وقيل لهم: * (ذوقوا عذاب الحريق) * وهو الغليظ من النار


(1) محمد: 16. (2) وهو قول أبي ذر وقيس بن عباد. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 123. (3) ابراهيم: 50. (4) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 150. (5) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 141. (*)

[ 554 ]

المنتشر العظيم الإحراق. وقرئ: * (لؤلؤا) * بالنصب (1) على تقدير: ويؤتون لؤلؤا. * (وهدوا) * أي: وهداهم الله إلى أن يقولوا: * (الحمد لله الذي صدقنا وعده) * (2)، وهداهم إلى طريق الجنة، و * (الحميد) * هو الله المستحمد على عباده بنعمه. والأساور: جمع أسوار، وفيه ثلاث لغات: أسوار، وسوار، وسوار. * (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلنه للناس سوآء العكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) وإذ بوأنا لابرا هيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيا وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منفع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومت على ما رزقهم من بهيمة الانعم فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمت الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الانعم إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الاوثن واجتنبوا قول الزور (30)) * * (ويصدون عن سبيل الله) * يعني: أن الصدود يقع منهم على سبيل الاستمرار والدوام * (للناس) * أي: للذين يقع عليهم اسم الناس، من غير فرق بين حاضر وباد، وناء وطارئ، وقرئ: * (سوآء) * بالرفع والنصب (3)، فالنصب على أنه


(1) يظهر من عبارة المصنف أنه المعتمد في قراءة هنا - تبعا للزمخشري - على قراءة الجر. (2) الزمر: 74. (3) كلهم قرأ * (سوآء) * رفعا غير عاصم في رواية حفص فإنه قرأها بالنصب. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 435. (*)

[ 555 ]

المفعول الثاني ل‍ * (جعلنه) * أي: جعلناه مستويا * (العكف فيه والباد) *، والرفع على أن الجملة في محل النصب على المفعول الثاني، وفيه دلالة على امتناع جواز بيع دور مكة، والمراد ب‍ * (المسجد الحرام) *: الحرم كله، كما قال: * (أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) * (1)، والإلحاد: العدول عن القصد، وقوله: * (بإلحاد بظلم) * حالان مترادفان، ومفعول * (يرد) * متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: * (ومن يرد فيه) * مرادا ما عادلا عن القصد ظالما * (نذقه من عذاب أليم) * يعني: أن الواجب على من كان فيه أن يسلك طريق العدل والسداد في جميع ما يهم به ويقصده، وخبر * (إن) * محذوف، لدلالة جواب الشرط عليه، وتقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. واذكر حين جعلنا * (لابرا هيم مكان البيت) * مباءة، أي: مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة، و * (أن) * هي المفسر، أي: تعبدنا إبراهيم وقلنا له: * (لا تشرك بى شيا وطهر بيتى) * من الأصنام والأقذار أن تطرح حوله. * (وأذن في الناس) * ناد فيهم، والنداء * (بالحج) * أن يقول: حجوا، أو: عليكم * (بالحج) *. وروي: أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمع الله صوته كل من سبق علمه بأنه يحج إلى يوم القيامة، فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال (2). وعن الحسن: أن الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أمر أن يعلم الناس بوجوب الحج في حجة الوداع (3). * (رجالا) * أي: مشاة، جمع راجل، كقائم وقيام * (وعلى كل


(1) الاسراء: 1. (2) رواه الماوردي في تفسيره: ج 4 ص 18. (3) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 283. (*)

[ 556 ]

ضامر) * حال معطوف على حال، كأنه قال: رجالا وركبانا * (يأتين) * صفة ل‍ * (كل ضامر) * لأنه في معنى الجمع، وقرأ الصادق (عليه السلام): " رجالا " بضم الراء مشددة، وقال: هم الرجالة (1)، وقرئ " يأتون " بالواو (2) صفة للرجال والركبان * (فج عميق) * طريق بعيد. ونكر * (منفع) * لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادات دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات، وقيل: هي منافع الآخرة من العفو والمغفرة (3). واختلف في " الأيام المعلومات ": فالمروي عن الباقر (عليه السلام): أنها يوم النحر والثلاثة بعده أيام التشريق، و " الأيام المعدودات " عشر ذي الحجة (4). وهو قول ابن عباس (5) واختيار الزجاج، قال: لأن الذكر هنا يدل على التسمية على ما يذبح وينحر، وهذه الأيام تختص بذلك (6). وعن الصادق (عليه السلام): " هو التكبير بمنى عقيب خمس عشرة صلاة أولها صلاة الظهر من يوم النحر، يقول: ألله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام (7). البهيمة: مبهمة في كل ذات أربع، فبينت ب‍ * (الانعم) * وهي: الإبل والبقر والضأن والمعز، والأمر بالأكل منها أمر إباحة، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون


(1) انظر البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 364. (2) قرأه ابن مسعود وابن أبي عبلة والضحاك. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 97، والبحر المحيط: ج 6 ص 364. (3) قاله سعيد بن المسيب والضحاك، وروي عن أبي جعفر (عليه السلام). راجع التبيان: ج 7 ص 310، وتفسير الطبري: ج 9 ص 137. (4) راجع التبيان: ج 7 ص 310 وليس فيه " يوم النحر ". (5) ذكره عنه الماوردي في تفسيره: ج 4 ص 19. (6) معاني القرآن للزجاج: ج 3 ص 423. (7) تفسير القمي: ج 2 ص 84 باختلاف يسير لا يضر. (*)

[ 557 ]

من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من المساواة للفقراء ومواساتهم * (البائس) * الذي أصابه بؤس، أي: شدة وقضاء. التفث: قص الشارب والأظفار والاستحداد (1) واستعمال الطيب، والتفث: الوسخ، والمراد: قضاء إزالة التفث * (وليوفوا نذورهم) * ما وجب حجهم، أو: ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * طواف الزيارة، وروى أصحابنا (2): أنه طواف النساء الذي يستباح به وطء النساء، وذلك بعد طواف الزيارة، والعتيق: القديم لأنه * (أول بيت وضع للناس) * (3) وقيل: أعتق من الجبابرة، كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله (4)، وقيل: أعتق من الغرق (5)، وقيل: هو الكريم من قولهم عتاق الطير (6). * (ذلك) * خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر والشأن ذلك، والحرمة: ما لا يحل هتكه، وجميع ما كلفه الله به من مناسك الحج وغيرها فهو بهذه الصفة، فيحتمل أن يكون عاما في جميع التكاليف، ويحتمل أن يكون خاصا في مناسك الحج * (فهو) * خبر له، فالتعظيم * (خير له) * ومعنى التعظيم: العلم بأنها واجبة الحفظ * (إلا ما يتلى عليكم) * آية تحريمه، وذلك قوله: * (حرمت عليكم الميتة) * الآية في سورة المائدة (7).


(1) الاستحداد: الحلاقة. (أقرب الموارد: مادة حدد). (2) انظر تهذيب الاحكام للطوسي: ج 5 ص 252 و 253 ح 14 و 15. (3) آل عمران: 96. (4) قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن الزبير. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 285. (5) قاله ابن زيد، وروي عن أبي جعفر (عليه السلام). راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 21، والتبيان: ج 7 ص 311. (6) وهو قول ابن جبير. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 365. (7) الآية: 3 منها. (*)

[ 558 ]

ثم لما حث الله سبحانه على تعظيم حرماته أمر عقيبه باجتناب الأوثان وقول الزور، لأن توحيد الله ونفي الشرك عنه وصدق القول من أعظم الحرمات، وقيل: * (قول الزور) * وهو قول أهل الجاهلية: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك (1). * (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعئر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منفع إلى أجل مسمى ثم محلهآ إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعم فإلهكم إله وا حد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصبرين على مآ أصابهم والمقيمي الصلوة ومما رزقنهم ينفقون (35)) * * (حنفاء) * أي: مستقيمي الطريقة على أمر الله، مائلين عن سائر الأديان، وقرئ: " فتخطفه الطير " (2) أي: فتتخطفه فحذف تاء التفعل، وهذا التشبيه يجوز أن يكون من المركب والمفرق، والمركب مثل أن يقول: * (من يشرك بالله) * فإن حاله كحال من * (خر من السماء) * فاختطفته الطير، أي: أخذته بسرعة فتفرق أجزاؤه في حواصلها، أو عصفت * (به الريح) * فهوت به إلى الأماكن البعيدة، والمفرق أن يكون الإيمان مشبها في علوه بالسماء، وتاركه مشبها بالساقط من السماء، والأهواء الموزعة أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يستهويه في الضلالة بالريح التي * (تهوى به) * في المهاوي المهلكة.


(1) حكاه السيوطي في الدر المنثور: ج 6 ص 45 عن مقاتل. (2) وهي قراءة نافع وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 436. (

[ 559 ]

وتعظيم ال‍ * (شعئر) * وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج استسمانها، واستحسانها أن يترك المكاس في شرائها، فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون المكاس فيهن: الهدي، والأضحية، والرقبة. وعن الباقر (عليه السلام): " لا تماكس في أربعة أشياء: في الأضحية، وفي ثمن النسمة، وفي الكفن، وفي الكراء إلى مكة " (1). * (فإنها من تقوى القلوب) * أي: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لابد من عائد من الجزاء إلى من ليرتبط به، وإنما ذكرت * (القلوب) * لأنها من مراكز التقوى، فإذا تمكنت فيها ظهر أثرها في الجوارح. * (لكم) * في الشعائر * (منفع) * بركوب ظهورها وشرب ألبانها * (إلى أجل مسمى) * إلى أن ينحر ويتصدق بلحومها، و * (ثم) * للتراخي في الوقت، فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى: أن لكم في الهدي منافع كثيرة في دينكم ودنياكم، وأعظم هذه المنافع * (محلهآ إلى البيت) * ومحلها: حيث يجب نحرها، أو: وقت وجوب نحرها، أو: وجوب نحرها منتهية إلى البيت كقوله: * (هديا بلغ الكعبة) * (2)، فإن كان الهدي للحج ينحر بمنى، وإن كان للعمرة بمكة. وقرئ: * (منسكا) * بفتح السين وكسرها (3)، وهو مصدر بمعنى النسك، والمكسور بمعنى: الموضع، أي: شرعنا * (لكل أمة) * أن ينسكوا، أي: يذبحوا لوجه الله تعالى لأن يذكروا اسمه على النسائك * (فله أسلموا) * أي: أخلصوا له


(1) الخصال للصدوق: ج 1 ص 245 ح 102. (2) المائدة: 95. (3) وبكسر السين هي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب العنوان في القراءات لابن خلف: ص 134. (*)

[ 560 ]

الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالما أي: خالصا لا يشوبه إشراك، والمخبتون: المتواضعون، من الخبت وهو المطمئن من الأرض. * (والبدن جعلنها لكم من شعئر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صوآف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرنها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هدبكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدا فع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديرهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوا مع وبيع وصلوا ت ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز (40)) * * (البدن) * جمع بدنة، سمي بذلك لعظم بدنها، وهي الإبل خاصة، وجعل البقر في حكم الإبل لقوله (عليه السلام): " البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " (1)، وهي منصوب بإضمار الفعل الذي ظهر تفسيره * (من شعئر الله) * من أعلام الشريعة التي شرعها الله، وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها * (لكم فيها خير) * أي: نفع في الدنيا والآخرة، وذكر * (اسم الله عليها) * أن يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك * (صوآف) * أي: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، قد ربطت اليدان من كل واحدة منها ما بين الرسغ إلى الركبة، وعن الباقر (عليه السلام): أنه قرأ " صوافن " (2)، وروي ذلك عن ابن


(1) رواه في الكشاف: ج 3 ص 158 مرفوعا. (2) راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 97 - 98، وتفسير القرطبي: ج 12 ص 62. (*

[ 561 ]

مسعود وابن عباس (1)، وهو من صفون الفرس، وهو أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه، لأن البدنة قد تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث * (فإذا وجبت جنوبها) * أي: سقطت على الأرض، من وجب الحائط وجبة، ووجبت الشمس جبة، وهو عبارة عن تمام خروج الروح منها * (فكلوا) * أي: فحل لكم الأكل * (منها) * والإطعام، و * (القانع) *: السائل، من قنعت إليه وكنعت: إذا خضعت له وسألته قنوعا * (والمعتر) * المعترض بغير سؤال، والقانع: الراضي يقنع بما أعطيته، والمعتر: المار بك تطعمه، يقال: عراه واعتراه وعره واعتره بمعنى * (سخرنها لكم) * تأخذونها مطيعة منقادة للأخذ فتعقلونها، من الله سبحانه بذلك على عباده. لن يصيب رضاء الله * (لحومها) * المتصدق بها * (ولا دماؤها) * المهراقة بالنحر * (ولكن) * يصيب رضاه * (التقوى منكم) * والإخلاص وصدق النية، وقرئ: * (ينال) * و * (يناله) * بالتاء (2) والياء. وروي (3): أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا لطخوا البيت بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلت. فكرر سبحانه تذكير النعمة بالتخير، ثم قال: * (لتكبروا الله على ما هدبكم) * وهو أن يقال: الله أكبر على ما هدانا، وقيل: إنه ضمن معنى الشكر فعداه تعدية، أي: لتشكروا الله على هدايتكم لأعلام دينه ومناسك حجه، بأن تكبروا وتهللوا (4). ثم خص المؤمنين بالدفع عنهم والنصرة لهم كما قال: * (إنا لننصر رسلنا


(1) راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 97 - 98، وتفسير القرطبي: ج 12 ص 62. (2) وهي قراءة يعقوب. راجع التبيان: ج 7 ص 316. (3) رواه ابن عباس في تفسيره: ص 280. (4) وهو قول الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 320. (*)

[ 562 ]

والذين ءامنوا) * (1)، وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم الذين يخونون الله ورسوله ويكفرون نعمه، وقرئ: * (يدافع) * (2) أي: يبالغ في الدفع عنهم كما يبالغ من يغالب فيه. وقرئ: * (أذن) * و * (يقتلون) * على البناء للفاعل (3) والمفعول جميعا، والمعنى: أذن لهم في القتال، فحذف المأذون فيه لدلالة * (يقتلون) * عليه * (بأنهم ظلموا) * بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهي أول آية نزلت في القتال، والإخبار بكونه قادرا على نصرهم عدة منه بالنصر، وما قبل الآية من قوله: * (يدا فع عن الذين ءامنوا) * مؤذن بهذه العدة أيضا. و * (أن يقولوا) * مجرور الموضع على البدل من * (حق) *، أي: * (بغير) * موجب سوى التوحيد الذي كان ينبغي أن يوجب التمكين والإقرار لا الإخراج من الديار، والمعنى: * (دفع الله الناس بعضهم ببعض) * تسليطه المسلمين على الكفار * (ولولا) * ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الملل وعلى متعبداتهم فهدموها، ولما تركوا للنصارى بيعا ولا لرهبانهم * (صوا مع) * ولا لليهود * (صلوا ت) * ولا للمسلمين * (مسجد) * وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها، وقرأ الصادق (عليه السلام): " صلوات " بضم الصاد واللام (4)، وفسرها بالحصون والآطام (5) وقرئ: " دفاع " (6)


(1) غافر: 51. (2) يظهر من عبارة المصنف هنا أنه اعتمد على قراءة فتح الياء وإسكان الدال من غير ألف. (3) قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي. راجع التبيان: ج 7 ص 316. (4) حكاه عنه (عليه السلام) أبو حيان في البحر المحيط: ج 6 ص 375. (5) قال الجوهري: الاطم مثل الاجم، يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهي حصون لأهل المدينة، وباليمن حصن يعرف باطم الأضبط. انظر الصحاح: مادة " أطم ". (6) قرأه نافع ويعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 552. (*

[ 563 ]

و " لهدمت " بالتخفيف (1) * (من ينصره) * أي: ينصر دينه وأولياءه. * (الذين إن مكنهم في الارض أقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عقبة الامور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحب مدين وكذب موسى فأمليت للكفرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكنها وهي ظالمة فهى خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45)) * هذا ثناء من الله عز اسمه على المؤمنين، وإخبار عما سيكون منهم بظهر الغيب: أن مكنهم * (في الارض) * وبسط لهم في الدنيا من القيام بأمور الدين. وعن الباقر (عليه السلام) أنه قال: " نحن هم " (2). و * (الذين إن مكنهم) * منصوب بدل من قوله: * (من ينصره) *، وقيل: هو تابع ل‍ * (الذين أخرجوا) * (3) فيكون المعني بهم: المهاجرين * (ولله عقبة الامور) * أي: مرجعها إلى حكمه وتقديره. أي: لست بواحد في التكذيب، فقد كذب الرسل أقوامهم، ولك بهم أسوة. وكذب موسى أيضا مع ظهور معجزاته * (فكيف كان نكير) * أي: إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعمة نقمة وبالمنحة محنة، وبالعمارة خرابا. والخاوي: الساقط، من خوى النجم: إذا سقط، أو الخالي من خوى المنزل: إذا خلا من أهله، وخوى بطن الحامل. وكل مرتفع أظلك من سقف بيت أو أظلة


(1) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأيوب وقتادة وطلحة وزائدة عن الأعمش والزعفراني. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 375. (2) تفسير القمي: ج 2 ص 87. (3) قاله الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 161. (*)

[ 564 ]

أو كرم فهو عرش، وقوله: * (على عروشها) * إن تعلق ب‍ * (خاوية) * فالمعنى: أنها ساقطة، على سقوفها، أي: خرت سقوفها على الأرض ثم سقطت حيطانها عليها، أو: أنها ساقطة أو: خالية مع بقاء عروشها، وإن كان خبرا بعد خبر فالمعنى: هي خالية وهي مطلة على عروشها، على معنى: أن العرش سقطت على الأرض وبقيت الحيطان مشرفة عليها، وقرئ: " أهلكتها " (1) ومعنى " المعطلة ": أنها عامرة، فيها الماء، ومعها آلات الاستسقاء إلا أنها عطلت أي: تركت لا يستسقى منها لهلاك أهلها، أي: وكم من * (بئر) * عطلناها عن سقائها * (وقصر مشيد) * أخليناه عن ساكنيه، فحذفت لدلالة * (معطلة) * عليه، وفي هذا دليل على أن * (على) * بمعنى " مع " في * (على عروشها) *، والمشيد المرتفع، وقيل: هو المجصص (2). * (أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ءاذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصر ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير (48) قل يأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوافي ءايتنا معجزين أولئك أصحب الجحيم (51)) * ثم حث سبحانه على السفار والاعتبار بمصارع من أهلكه (3) الله من الكفار، أي: * (يعقلون بها) * ما يجب أن يعقل من التوحيد، و * (يسمعون) * ما يجب سماعه


(1) وهي قراءة البصريين (أبي عمرو ويعقوب). راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 553. (2) قاله عكرمة ومجاهد. راجع التبيان: ج 7 ص 324. (3) في نسخة: أهلكهم. (*)

[ 565 ]

من الوحي * (فإنها) * الضمير للشأن والقصة، وقد يجئ مؤنثا، ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره * (الابصر) *، وفي * (تعمى) * راجع إليه، والمعنى: أن أبصارهم صحيحة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو يريد: أن لا اعتبار بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى (1) بالإضافة إلى عمى القلوب، وقوله: * (التي في الصدور) * توكيد كما في قوله: * (يقولون بأفوا ههم) * (2)، وذلك لتقرير: أن مكان العمى هو القلب لا البصر. ثم أنكر استعجالهم للعذاب المتوعد به، أي: كأنهم يجوزون فوته والله عز اسمه لا * (يخلف.. وعده) * ولا محالة أن يصيبهم ذلك إلا أنه عز اسمه حليم لا يعجل، ومن حلمه واستقصاره المدد الطويلة أن * (يوما) * واحدا عنده * (كألف سنة) * عندكم، وقيل: معناه: كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم، لأن أيام الشدائد طوال (3). وكم * (من) * أهل * (قرية) * قد أنظرتهم حينا * (ثم) * أخذتهم بالعذاب * (وإلى) * المرجع. * (سعوا في ءايتنا) * بالفساد: من الطعن فيها بأن سموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين، ومن تثبيط الناس عنها * (معجزين) * أي: مسابقين في زعمهم وتقديرهم، وقرئ: " معجزين " (4) أي: مسابقين عندهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم، أو: قاصدين تعجيز رسولنا، يقال: عاجزه أي: سابقه، لأن كل واحد من المتسابقين (5) في طلب عجز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه.


(1) في بعض النسخ: لعمى. (2) آل عمران: 167. (3) قاله عكرمة كما في تفسير القرطبي: ج 12 ص 78. (4) قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 439. (5) في نسخة: المسابقين. (*)

[ 566 ]

* (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطن في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطن ثم يحكم الله ءايته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقى الشيطن فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظلمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين ءامنوا إلى صرا ط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55)) * روي: أن السبب في نزول هذه الآية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا سورة النجم وهو في نادي قومه، فلما بلغ قوله: * (ومنوا ة الثالثة الاخرى) * (1) * (ألقى الشيطن في أمنيته) * أي: في تلاوته: " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي "، فسر بذلك المشركون، فنزلت الآية تسلية له صلوات الله عليه وآله (2)، ومعناه: أنه لم يبعث رسول ولا نبي * (إلا إذا تمنى) * أي: تلا، حاول الشيطان تغليطه فألقى في تلاوته ما يوهم أنه من جملة الوحي فيرفع الله ما ألقاه بمحكم آياته، وقيل: إنما ألقى ذلك في تلاوته بعض الكفار، فأضيف ذلك إلى الشيطان لما حصل بإغوائه (3). ومما يبين أن التمني يكون في معنى التلاوة، قول حسان بن ثابت: تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها لاقى حمام المقادر (4)


(1) النجم: 20. (2) رواه ابن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب ومحمد بن قبيس. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 174. ولا يخفي أن العديد من المحققين من علماء المسلمين الأبرار قد صرحوا أن ما روي في سبب نزول هذه الآية فهو من الموضوعات والخرافات التي لا أساس لها من الصحة، فما نقله بعض المفسرين لا يعبأ به. راجع تفصيل ذلك في كتاب الهدى إلى دين المصطفي للعلامة البلاغي: ج 1 ص 123 وما بعده. (3) حكاه ابن عيسى كما في تفسير الماوردي: ج 4 ص 35. (4) وروي الشطر الثاني: تمنى داود الزبور على رسل. قد تقدم ذكر البيت في ج 1 ص 119. (*)

[ 567 ]

وعن مجاهد: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا تأخر عنه الوحي تمنى أن ينزل عليه فيلقي الشيطان في أمنيته بما يوسوس إليه، وينسخ الله ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان (1). وقال: " تلك الغرانيق " إشارة إلى الملائكة، أي: هم الشفعاء لا الأصنام، والغرانيق: جمع غرنوق، وهو الشاب الجميل الممتلئ ريا (2) * (فينسخ الله ما يلقى الشيطن) * أي: يذهب به ويبطله * (ثم يحكم الله ءايته) * أي: يثبتها حتى لا يتطرق عليها ما يشعثها. * (ليجعل ما يلقى الشيطن) * في الأمنية وتمكينه من ذلك * (فتنة) * أي: محنة وابتلاء، يزداد المنافقون به شكا وظلمة، وهم الذين * (في قلوبهم مرض) *، والمؤمنون يقينا ونورا قد ازدادوا إيمانا إلى إيمانهم * (والقآسية قلوبهم) * هم المشركون المكذبون، * (وإن الظلمين) * يعني: وإن هؤلاء المنافقين والمشركين، والأصل: " وإنهم " إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير ليقضي عليهم بالظلم * (لفي شقاق) * أي: مشاقة الله تعالى. * (وليعلم الذين أوتوا العلم) * بالله وبحكمته * (أنه الحق من ربك) * في الحكمة فيصدقوا به * (فتخبت له قلوبهم) * أي: تطمئن وتسكن * (وإن الله) * لهادي * (الذين ءامنوا إلى) * أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، فلا تعتريهم شبهة ولا تخالجهم مرية. والضمير في قوله: * (في مرية منه) * للقرآن أو للرسول، والمراد باليوم العقيم: يوم بدر، وصفه بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو: لأن المقاتلين يوصفون بأنهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بأنه


(1) حكاه عنه الطوسي في التبيان: ج 7 ص 330. (2) كذا في النسخ. (*)

[ 568 ]

عقيم مجازا، أو: لأنه لا مثل لهذا اليوم في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، كما قيل: عقم النساء فما يلدن شبيهه * إن النساء بمثله لعقيم (1) وقيل: المراد به: يوم القيامة، وسماه عقيما لأنه لا ليلة له (2)، وكأنه قال: * (تأتيهم الساعة... أو يأتيهم) * عذابها، فوضع الظاهر موضع الضمير. * (الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت في جنت النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بايتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرا زقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60)) * التقدير في * (يومئذ) *: يوم يؤمنون، أو: يوم تزول مريتهم، سوى بين من مات من المهاجرين في سبيل الله وبين من قتل منهم في الموعد تفضلا منه، و * (الله) * عليم بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم * (حليم) * عن تفريط من فرط منهم بفضله وكرمه. وروي: أنهم قالوا: يا رسول الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك ؟ فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين (3). * (ومن عاقب بمثل ما عوقب به) * أي: ومن جازى الظالم بمثل ما ظلمه،


(1) البيت منسوب الى أبي دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي، وقيل: للحزين الليثي، ومعناه واضح. أنشده الزجاج في معاني القرآن: ج 4 ص 434. (2) قاله عكرمة والضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 37. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 167. (*)

[ 569 ]

سمي الابتداء بالمعاقبة من حيث إنه سبب وذاك مسبب عنه، كما حملوا النظير على النظير والنقيض على النقيض للملابسة * (لينصرنه الله) * الضمير للمبغي عليه * (لعفو غفور) * ولا يلومه على ترك ما بعثه عليه من العفو عن الجاني بقوله: * (وأن تعفوا أقرب للتقوى) * (1)، ومن عفا وأصلح فأجره على الله. * (ذلك بأن الله يولج اليل في النهار ويولج النهار في اليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو البطل وأن الله هو العلى الكبير (62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة إن الله لطيف خبير (63) له ما في السموات وما في الارض وإن الله لهو الغنى الحميد (64) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الارض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65)) * أي: * (ذلك) * النصر بسبب أنه قادر، ومن آيات قدرته أنه * (يولج اليل في النهار ويولج النهار في اليل) *، أو: بسبب أنه خالق الليل والنهار فلا يخفي عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من خير أو شر، فإنه * (سميع) * لما يقولون * (بصير) * بما يعملون. وقرئ: * (يدعون) * بالياء والتاء (2) * (ذلك) * أي: ذلك الوصف بخلق الليل والنهار وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أنه * (الله... الحق) * الثابت إلهيته، وأن كل ما يدعى إلها من دونه باطل الدعوة وأنه * (العلى) * عن الأشباه، ولا شئ أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا.


(1) البقرة: 237. (2) بالتاء قرأه الحرميان وابن عامر وأبو بكر. راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 553. (*)

[ 570 ]

* (فتصبح الارض مخضرة) * إنما رفع لأن المعنى إثبات الاخضرار، ولو نصب جوابا للاستفهام لآنقلب المعنى إلى نفي الآخضرار * (لطيف) * وأصل علمه وفضله إلى عباده * (خبير) * بمصالحهم. * (سخر لكم ما في الارض) * من البهائم مذللة للركوب في البر، ومن المراكب جارية * (في البحر) * وغير ذلك من المسخرات * (أن تقع) * أي: كراهة أن تقع إلا بمشيئته. * (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسن لكفور (66) لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينزعنك في الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جدلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والارض إن ذلك في كتب إن ذلك على الله يسير (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطنا وما ليس لهم به علم وما للظلمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءايتنا قل أفأنبئكم بشر من ذا لكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72)) * * (لكفور) * أي: جحود يجحد الخالق مع هذه الأدلة الدالة على الخلق. * (فلا ينزعنك) * نهي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي: لا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو: هو زجر لهم عن منازعته * (في الامر) * أي: في أمر الدين. روي: أن بديل بن ورقاء وغيره من كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله ؟ يعنون الميتة (1).


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 169. (*)

[ 571 ]

وإن أبوا إلا مجادلتك فادفعهم بأن تقول: * (الله أعلم) * بأعمالكم وبقبحها، فهو مجازيكم عليها، وهذا وعيد برفق ولطف. * (الله يحكم بينكم) * أي: يفصل بينكم (1) بالثواب والعقاب، وهذا تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مما كان يلقاه منهم، أي: وكيف تخفي عليه أعمالهم وقد علم بالدليل أنه سبحانه * (يعلم) * كل * (ما) * يحدث * (في السماء والارض) *، وقد كتبه في اللوح المحفوظ قبل حدوثه ؟ ! وحفظه ذلك وإثباته والإحاطة به عليه * (يسير) *. * (ويعبدون) * ما لم يتمسكوا في صحة عبادته ببرهان سماوي، ولا عرفوه بدليل عقلي * (وما) * لمن ظلم مثل هذا الظلم ناصر ينصره. * (المنكر) * (2) الفظيع من التجهم والعبوس، أو: الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام، و * (يسطون) * أي: يقعون ويبطشون من شدة الغيظ * (النار) * خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلا قال: ما هو ؟ فقال: النار، أي: هو النار * (من ذا لكم) * أي: من سطوكم على التالين للآيات وغيظكم عليهم، أو: مما أصابكم من الغيظ والكراهة بسبب ما تلي عليكم * (وعدها الله) * استئناف، أو تكون * (النار) * مبتدأ * (وعدها الله) * خبره. * (يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الامور (76) يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير


(1) ليس في نسخة: " أي يفصل بينكم ". (2) في بعض النسخ زيادة: " أي المنكر ". (*)

[ 572 ]

لعلكم تفلحون (77) وجهدوا في الله حق جهاده هو اجتبكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سمكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوا ة وءاتوا الزكوا ة واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير (78)) * قد تسمى الصفة أو القصة الرائعة " مثلا " لاستحسانها واستغرابها (1)، تشبيها ببعض الأمثال التي سيرت لكونها مستحسنة عندهم، وقرئ: * (تدعون) * بالياء (2) والتاء * (ولو اجتمعوا له) * في محل النصب على الحال، كأنه قال: إن خلق الذباب يستحيل منهم مشروطا عليهم اجتماعهم لخلقه، وهذا مبالغة في تجهيل قريش حيث وصفوا (3) صورا ممثلة يستحيل منها أن يقدروا على أقل ما خلق (4) الله وأحقره * (ولو اجتمعوا) * لذلك بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على كل أجناس المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، و * (الطالب) * الذباب * (والمطلوب) * الصنم، وقيل: بالعكس منه، والمعنى: ضعف السالب والمسلوب (5)، وقيل: معناه: جهل العابد والمعبود (6). * (ما قدروا الله حق قدره) * أي: ما عرفوه حق معرفته، وما عظموه حق عظمته حيث (7) جعلوا الأصنام شركاء له. * (الله يصطفي) * هذا رد لإنكارهم من أن يكون الرسول من البشر، وبيان أن


(1) في بعض النسخ: لاستحسانهما واستغرابهما. (2) قرأه يعقوب والسلمي وأبو العالية. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 554، وتفسير البغوي: ج 3 ص 298. (3) في نسخة: وضعوا. (4) في نسخة: خلقه. (5) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 284. (6) قاله الضحاك. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 298. (7) في نسخة: حين. (*)

[ 573 ]

رسل الله قد يكونون (1) * (من الملئكة) * ومن البشر. ثم ذكر أنه سبحانه عالم بأحوال المكلفين من مضى منهم ومن غبر، فلا يعترض عليه في حكمه واختياره. أمر سبحانه بالصلاة التي هي أجل العبادات، ثم بغيرها من العبادات كالصوم والحج والزكاة، ثم بفعل الخيرات على العموم، وعن ابن عباس: أن * (الخير) * صلة الأرحام ومكارم الأخلاق (2) * (لعلكم تفلحون) * أي: افعلوا هذا كله وأنتم طامعون في الفلاح، لا تتكلمون (3) على أعمالكم. وعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، في سورة الحج سجدتان ؟ قال: " نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما " (4). * (وجهدوا في الله) * أمر بالغزو، أو: بمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر، كما روي أنه (صلى الله عليه وآله) رجع من بعض الغزوات فقال: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر في الله " (5) أي في ذات الله، ومن أجله * (حق جهاده) * كما يقال: هو حق عالم أي: عالم حقا، فكان القياس: حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه، إلا أن الجهاد لما اختص بالله من حيث إنه يفعل لوجهه ومن أجله جازت إضافته إليه، لأن الإضافة قد تكون بأدنى اختصاص، ويجوز أن يتسع في الظرف، كقول الشاعر: ويوم شهدناه سليما وعامرا (6) * (اجتبكم) * أي: اختاركم لدينه ولنصرته * (ما جعل عليكم في الدين من


(1) في بعض النسخ: يكون. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 172. (3) في بعض النسخ: تتكلون. (4) ذكره البغوي في تفسيره: ج 3 ص 299. (5) إتحاف السادة المتقين للزبيدي: ج 6 ص 379 وج 7 ص 218. (6) وعجزه: قليل سوى الطعن النهال نوافله. وهو منسوب لرجل من بني عامر، وفيه يمدح قومه. أنشده سيبويه في كتابه: ج 1 ص 90. (*)

[ 574 ]

حرج) * أي: ضيق، فلم يكلفكم مالا تطيقونه، ورخص لكم عند الضرورات كالقصر والتيمم، وجعل التوبة مخلصا لكم من الذنوب، ونحوه: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * (1). وفي الحديث: " إن أمتي أمة مرحومة " (2). * (ملة أبيكم) * نصب على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم، أو بمضمون ما تقدمها، كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف، وجعل * (إبراهيم) * أبا الأمة كلها، لأن العرب من ولد إسماعيل، وأكثر العجم من ولد إسحاق، ولأنه أبو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أب لأمته، والأمة في حكم أولاده * (هو سمكم) * الضمير لله تعالى أو لإبراهيم * (من قبل) * القرآن في سائر الكتب * (وفي هذا) * القرآن، أي: فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم * (ليكون الرسول شهيدا عليكم) * بالطاعة والقبول * (وتكونوا شهداء على) * الأمم بأن الرسل قد بلغوهم، ومثله: * (كذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا) * الآية (3)، وقيل: * (شهيدا عليكم) * أنه قد بلغكم * (وتكونوا شهداء على الناس) * بعدكم بأن تبلغوا إليهم ما بلغه الرسول إليكم (4). وإذ خصكم سبحانه بهذه الكرامة فاعبدوه وثقوا به وتمسكوا بدينه (5) * (هو مولكم) * المتولي لأمركم، وهو خير مولى وناصر.


(1) البقرة: 185. (2) أخرجه أبو حنيفة في مسنده: ص 141، والحاكم في مستدركه: ج 4 ص 444. (3) البقرة: 143. (4) قاله مجاهد. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 194. (5) في نسخة: " به " بدل " بدينه ". (*)

[ 575 ]

سورة المؤمنون مكية (1) مائة وثمان عشرة آية كوفي، وتسع عشرة آية غيرهم، لم يعد الكوفي * (وأخاه هرون) * (2). في حديث أبي: " من قرأها بشرته الملائكة بالروح والريحان يوم القيامة، وبما تقر به عينه عند نزول ملك الموت " (3). وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها ختم الله له بالسعادة، [ و ] إذا كان يدمن قراءتها في كل جمعة كان منزله في الفردوس الأعلى مع النبيين والمرسلين " (4). بسم الله الرحمن الرحيم * (قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خشعون (2)


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 347: مكية بلا خلاف، وهو قول قتادة ومجاهد، وهي مائة وثمان عشرة آية في الكوفي، وتسع عشرة في البصري والمدنيين، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ، إلا ما روي أنهم كانوا يجيزون الالتفات يمينا وشمالا والى ما وراء، نسخ ذلك بقوله: * (في صلاتهم خشعون) * فلم يجيزوا أن ينظر المصلي إلا الى موضع سجوده. وفي الكشاف: ج 3 ص 174 ما لفظه: مكية، وهي مائة وتسع عشرة آية، وثماني عشرة عند الكوفيين، نزلت بعد سورة الأنبياء. (2) الآية: 45. (3) رواه الزمخشري في كشافه: ج 3 ص 207 مرسلا. (4) ثواب الأعمال للصدوق: ص 135. (*)

[ 576 ]

والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكوة فعلون (4) والذين هم لفروجهم حفظون (5) إلا على أزوا جهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لامنتهم وعهدهم را عون (8) والذين هم على صلوا تهم يحافظون (9) أولئك هم الوا رثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خلدون (11)) * الفلاح: الظفر بالمراد، وقيل: البقاء في الخير (1)، و * (أفلح) *: دخل في الفلاح، كأبشر دخل في البشارة. والخشوع * (في) * الصلاة: خشية القلب والتواضع، وأضيفت الصلاة إليهم لأنهم المنتفعون بها، وهي عدتهم وذخيرتهم، والذي يصلون له جل وتقدس عن الحاجة إليها. و * (اللغو) *: ما لا يعنيك من قول أو فعل كالهزل واللعب، والمعنى: أنهم شغلهم الجد عن الهزل (2) والباطل وجميع المعاصي، ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة وصفهم عقيبه بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك. والزكاة: اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين: ما يخرجه المزكي، والمعنى: فعله الذي هو التزكية، وهو المراد في الآية، وما من مصدر إلا وقد يعبر عن معناه بالفعل، ويقال لمحدثه: فاعل، كما يقال للضارب: فاعل الضرب، وأنشد لأمية بن أبي الصلت: المطعمون الطعام في السنة الأ * زمة والفاعلون للزكوات (3)


(1) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 4 ص 5. (2) في نسخة: " اللعب ". (3) والأزمة: الشدة والقحط، والبيت واضح المعنى، انظر تفسير الكشاف: ج 3 ص 176. (*)

[ 577 ]

ويجوز أن يراد بالزكاة: العين على تقدير مضاف محذوف وهو الأداء، ويحمل البيت على هذا أيضا. * (على أزوا جهم) * في موضع الحال، أي: الأوالين على أزواجهم، والمعنى: أنهم * (لفروجهم حفظون) * في جميع الأحوال * (إلا) * في حال تزويجهم أو تسريهم، ويجوز أن يتعلق * (على) * بمحذوف يدل عليه قوله تعالى: * (غير ملومين) * كأنه قال: يلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم * (فإنهم غير ملومين) * عليه. * (فمن ابتغى وراء ذلك) * أي: طلب سوى الأزواج والمملوكة * (فأولئك هم العادون) * الكاملون في العدوان المتناهون فيه. وقرئ: " لامانتهم " (1) و * (لامنتهم) *، و " على صلاتهم " (2) و * (على صلوا تهم) * على الواحد والجمع، وسمي الشئ المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا، ومثله: * (يأمركم أن تؤدوا الأمنت) * (3)، * (وتخونوا أمنتكم) * (4)، وإنما يؤدى المؤتمن عليه لا الأمانة نفسها، وكذلك الخيانة. ويحتمل العموم في كل ما أتمنوا عليه وعهدوا من جهة الله ومن جهة المخلوقين، والخصوص فيما حملوه من الأمانات للناس وعهودهم. وكرر ذكر الصلاة لأن في الأول وصفهم بالخشوع فيها، وفي الثاني وصفهم بالمحافظة عليها، وهو أن يؤدوها في أوقاتها ويراعوا أركانها، وكان أولئك الجامعون لهذه الصفات هم الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من عداهم، ثم بين


(1) قرأه ابن كثير. راجع التبيان: ج 7 ص 350. (2) وهي قراءة حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 444. (3) النساء: 58. (4) الأنفال: 27. (*)

[ 578 ]

الوارثين بقوله: * (الذين يرثون الفردوس) * وأنث * (الفردوس) * على تأويل الجنة. * (ولقد خلقنا الانسن من سللة من طين (12) ثم جعلنه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما ثم أنشأنه خلقا ءاخر فتبارك الله أحسن الخلقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيمة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غفلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنه في الارض وإنا على ذهاب به لقدرون (18) فأنشأنا لكم به جنت من نخيل وأعنب لكم فيها فوا كه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ للاكلين (20)) * السلالة: خلاصة تسل من بين الكدر، وعن الحسن: ماء بين ظهراني الطين (1)، والمعنى: * (خلقنا) * جوهر * (الانسن) * أولا * (من طين) * ثم جعلنا جوهره بعد ذلك * (نطفة) *، و * (من) * الأول للابتداء و * (من) * الثاني للبيان. والقرار: المستقر، يريد: الرحم، وصفها بالمكان (2) التي هي صفة المستقر فيها، كقولهم: طريق سائر، أو بمكانتها في نفسها لأنها مكنت، بحيث هي وأحرزت. وقرئ: " عظما فكسونا العظم " على الإفراد (3) وعلى الجمع في الموضعين، وضع الواحد موضع الجمع لزوال اللبس، لأن الإنسان ذو عظام كثيرة، أي: * (خلقا ءاخر) * مباينا للخلق الأول، حيث جعله حيوانا بعد كونه جمادا، وأودع كل جزء


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 178. (2) في نسخة: " بالمكانة ". (3) قرأه أبو بكر وابن عامر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 557. (*)

[ 579 ]

من أجزائه من عجائب فطرة وغرائب حكمة ما لا يكتنه بالوصف * (فتبارك الله) * تعالى واستحق التعظيم * (أحسن الخلقين) * أي: أحسن المقدرين تقديرا، فترك ذكر المميز لدلالة * (الخلقين) * عليه. والطرائق: السماوات، لأنه طورق بعضها فوق بعض، وكل شئ فوقه مثله فهو طريقه، أو: لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم، أو: هي الأفلاك لأنها طرائق الكواكب وفيها مسائرها. * (بقدر) * أي: بتقدير يصلون به إلى المنفعة ويسلمون من المضرة، أو: بمقدار ما علمنا من مصالحهم وحاجاتهم به * (فأسكنه في الارض) * كقوله: * (فسلكه ينبيع في الارض) * (1)، وكما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على رفعه وإزالته، وقوله: * (على ذهاب) * يعني على وجه من وجوه الذهاب * (به) *. وخص هذه الأنواع الثلاثة من جملة الأشجار لأنها أكرمها وأجمعها للمنافع، ووصف النخيل والأعناب بأن ثمرهما جامع بين أمرين: إنه فاكهة يتفكه بها، وطعام يؤكل رطبا ويابسا، ولذلك أتي بالواو، والزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا. * (وشجرة) * عطف على * (جنت) *، وقرئ: * (سينآء) * بكسر السين (2) وفتحها، فمن كسرها فإنما يمنع الصرف للتعريف والعجمة أو للتأنيث لأنها بقعة، لأن " فعلاء " بكسر الفاء لا يكون ألفه للتأنيث كألف " صحراء " و " طور سيناء "، وطور سينين لا يخلو: إما أن يكون مضافا إلى بقعة اسمها: " سيناء " أو " سينون "، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه ك‍ " امرئ القيس "


(1) الزمر: 21. (2) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 557. (*)

[ 580 ]

* (بالدهن) * في موضع الحال، أي: تنبت وفيها الدهن، وقرئ: " تنبت " (1)، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون " أنبت " بمعنى " نبت " كما في بيت زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل (2) والآخر: أن يكون مفعوله محذوفا، والمعنى: ينبت زيتونها، وفيه الزيت. * (وإن لكم في الانعم لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منفع كثيرة ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء الله لانزل ملئكة ما سمعنا بهذا في أآبائنا الاولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25)) * القصد ب‍ * (الانعم) * إلى الإبل لأنها مقرونة بالفلك التي هي السفن، وهي سفن البر، أي: * (ولكم فيها منفع) * من الركوب والحمل وغير ذلك، وفيها منفعة زائدة وهي الأكل الذي هو انتفاع بذواتها. * (غيره) * بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ (3)، والجملة استئناف يجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة. * (يريد أن يتفضل عليكم) * أي: يطلب الفضل عليكم والرئاسة، ونحوه: * (وتكون لكما الكبرياء في الارض) * (4)، * (بهذا) * أي: ما سمعنا بهذا (5) الكلام، أو: بمثل هذا الذي يدعي أنه رسول الله وهو * (بشر) *. والجنة: الجنون أو الجن


(1) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ورويس: راجع المصدر السابق: ص 558. (2) انظر ديوان زهير: ص 62، وفيه " قطينا بها ". (3) في نسخة: " الموضع ". (4) يونس: 78. (5) في نسخة: " بمثل هذا ". (*)

[ 581 ]

أي: به جن يخيلونه * (حتى حين) * أي: اصبروا عليه إلى زمان، فإن أفاق من جنونه وإلا فاقتلوه. * (قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجبنا من القوم الظلمين (28) وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ذلك لايت وإن كنا لمبتلين (30)) * أي: * (انصرني) * بإهلاكهم بسبب تكذيبهم إياي، و * (انصرني) * بدل " ما كذبوني "، كما يقال: هذا بذاك، أي: مكان ذاك، والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم النصرة عليهم، وانصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: * (إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) * (1). * (بأعيننا) * أي: بحفظنا وكلاءتنا، كان معه من الله حفظة يكلؤونه بعيونهم لئلا يتعرض له، ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة * (ووحينا) * أي: بأمرنا وتعليمنا إياك كيف تصنع. روي: أنه قيل لنوح (عليه السلام): إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب (2). وقيل: التنور: وجه الأرض (3)، وقد مر ذكره وبيانه (4)، وسلك فيه: دخله،


(1) الأعراف: 59، الشعراء: 135، الأحقاف: 21. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 183. (3) قاله ابن عباس، على ما حكاه عنه في الكشاف: ج 3 ص 184. (4) تقدم في ص 166 ضمن تفسير الآية: 40 من هود. (*)

[ 582 ]

وسلك غيره وأسلكه بمعنى * (ولا تخطبني) * أي: ولا تكلمني * (في الذين ظلموا) * أي: بشأنهم، نهاه عن الدعاء لهم لكونهم ظالمين، ولأن الحكمة أوجبت إغراقهم ليكونوا عبرة للمعتبرين. وكما نهى عن ذلك أمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أنفع له، وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها * (منزلا مباركا) * يبارك له فيه، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، وهو قوله: * (وأنت خير المنزلين) *، وقرئ: " منزلا " (1) بمعنى: إنزالا، أو موضع إنزال. * (وإن كنا) *: * (إن) * هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والمعنى: وإن الشأن والقصة كنا مبتلين، أي: مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم، أو: مختبرين بهذه الآيات عبادنا ليعتبروا. * (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة وأترفنهم في الحيواة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن ندمين (40)) *


(1) قرأه أبو بكر. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 2 ص 128. (*)

[ 583 ]

* (قرنا ءاخرين) * هم عاد قوم هود، لأنه المبعوث بعد نوح. * (أن) * مفسرة ل‍ * (أرسلنا) * أي: قلنا لهم على لسان الرسول: * (اعبدوا الله) *. * (كذبوا بلقاء الآخرة) * أي: بلقاء ما فيها من الحساب والجزاء * (مما تشربون) * منه، وحذف لدلالة ما قبله عليه، أو حذف الضمير، والمعنى: من مشروبكم. * (أنكم مخرجون) * في موضع الرفع بأنه فاعل فعل هو جزاء الشرط، كأنه قال: * (أيعدكم أنكم إذا متم) * وقع إخراجكم ؟ والجملة الشرطية في موضع الرفع بأنها خبر عن * (أنكم) * أو كرر * (أنكم) * للتأكيد، فيكون * (مخرجون) * خبرا عن الأول، وحسن التكرير بفصل ما بين الأول والثاني بالظرف، أو ارتفع قوله: * (أنكم مخرجون) * بالظرف على تقدير: أيعدكم أنكم وقت موتكم وكونكم * (ترابا وعظما) * إخراجكم بكون الظرف مع ما ارتفع به خبرا ل‍ " أن ". وقرئ * (هيهات) * بالفتح والكسر (1)، وعن الزجاج: معناه: أن البعد لما توعدون (2)، فنزله منزلة المصدر، ويجوز أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما أن اللام في * (هيت لك) * (3) لبيان المهيت له. * (إن هي إلا حياتنا) *: * (هي) * ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع * (هي) * موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها ويبينها، ومثله: هي النفس ما حملتها تتحمل، والمعنى: لا حياة إلا هذه الحياة * (نموت ونحيا) * أي: يموت بعض ويولد بعض، وينقرض قرن ويأتي قرن. * (قليل) * صفة للزمان، كقديم وحديث في قولك: ما رأيته قديما ولا حديثا،


(1) وقراءة الكسر هي قراءة أبي جعفر المدني وشيبة وعيسى. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 99، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 404. (2) معاني القرآن: ج 3 ص 12. (3) يوسف: 23. (*)

[ 584 ]

وفي معناه: عن قريب، و " ما " توكيد بمعنى: قلة المدة وقصرها. * (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلنهم غثاء فبعدا للقوم الظلمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستئخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنآ بعضهم بعضا وجعلنهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بايتنا وسلطن مبين (45) إلى فرعون وملايه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عبدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد ءاتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية وآوينهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50)) * * (الصيحة) * صيحة جبرائيل (عليه السلام)، صاح بهم فدمرهم * (بالحق) * باستحقاقهم العذاب أو: بالعدل من الله، والغثاء: حميل السيل مما اسود وبلي من العود والورق، وشبه دمارهم بذلك * (فبعدا) * أي: سحقا، وهو من المصادر الموضوعة مواضع أفعالها، أي: بعدوا وهلكوا، يقال: بعد بعدا وبعدا، قال: إخوتي لا تبعدوا أبدا * وبلى والله قد بعدوا و * (للقوم الظلمين) * بيان لمن دعي عليه بالبعد كما ذكرناه في * (لما توعدون) *. * (أجلها) * الوقت الذي حل لهلاكها. * (تترا) * فعلى، والألف للتأنيث، أي: أرسلناها متواترة يتبع بعضهم بعضا، واحدا بعد واحد، وقرئ: " تترى " بالتنوين (1)، والتاء بدل (2) الواو، وأضاف " الرسل " إلى نفسه هنا وإلى أممهم


(1) قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون ج 2 ص 559. (2) في نسختين زيادة: " من ". (*)

[ 585 ]

في قوله: * (جاءتهم رسلهم بالبينت) * (1) لأن الإضافة تكون بالملابسة، والوصول يلابس المرسل والمرسل إليه جميعا * (فأتبعنا) * الأمم والقرون * (بعضهم بعضا) * في الإهلاك * (وجعلنهم) * أخبارا يسمر بها، والأحاديث: اسم جمع للحديث، ويكون جمعا أيضا للأحدوثة التي هي مثل الأعجوبة والأضحوكة، وهي ما يتحدث به الناس تعجبا، وهو المراد هنا. والمراد ب‍ " السلطان المبين ": العصا، لأنها كانت أم آيات موسى، وقد تعلقت بها معجزات شتى، كانفلاق (2) البحر وانفجار العيون من الحجر يضربهما بها، فجعلت كأنها ليست بعضها، فعطفت عليها كقوله: جبرائيل وميكائيل، ويجوز أن يراد به الآيات أنفسها، أي: هي آيات وحجة ظاهرة بينة. * (قوما عالين) * أي: متكبرين، من قوله: * (إن فرعون علا في الارض) * (3) أي: متطاولين على الناس ببغيهم وظلمهم. * (لبشرين مثلنا) * لإنسانين خلقهما مثل خلقنا، والبشر يكون واحدا وجمعا، و " مثل " و " غير " يوصف بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، كقوله: * (إنكم إذا مثلهم) * (4) * (ومن الارض مثلهن) * (5) ويقال أيضا: هما مثلاه، وهم أمثاله * (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) * (6)، * (وقومهما) * يعني: بني إسرائيل * (عبدون) * أي: مطيعون لنا طاعة العبد لمولاه، أي: أعطينا قوم موسى التوراة لكي يهتدوا إلى طريق الحق، ويعملوا بشرائعها. * (ءاية) * أي: حجة على قدرتنا على الاختراع، فهو مثل قوله: * (وجعلنها


(1) الأعراف: 101، يونس: 13، إبراهيم: 9، الروم: 9، فاطر: 25، غافر: 83. (2) في نسخة: " كانقلاب ". (3) القصص: 4. (4) النساء: 140. (5) الطلاق: 12. (6) الأعراف: 194. (*)

[ 586 ]

وابنها ءاية للعلمين) * (1) وذلك أن الآية في كليهما واحدة، وهي: أن عيسى (عليه السلام) خلق من غير ذكر، ومريم حملت من غير فحل * (وءاوينهما إلى ربوة) * أي: وجعلنا مكانهما ومأواهما أرضا مرتفعة، وهي أرض بيت المقدس، فإنها كبد الأرض، وأقرب الأرض إلى السماء، وقيل: فلسطين والرملة (2)، وقيل: هي حيرة الكوفة وسوادها (3)، والقرار: المستقر من أرض مستوية منبسطة. وعن الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام): " القرار: مسجد الكوفة " (4). والمعين: الفرات، وأصله الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، واختلف في زيادة ميمه، فقيل: إنه مفعول من عانه: إذا أدركه بعينه (5)، وقيل: إنه فعيل من الماعون وهو المنفعة (6)، أي: نفاع لظهوره وجريه. * (يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صلحا إنى بما تعملون عليم (51) وإن هذه أمتكم أمة وا حدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بمآ لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرا ت بل لا يشعرون (56)) * قيل: إنه خطاب لنبينا (صلى الله عليه وآله) (7)، وفيه إعلام بأن كل رسول في زمانه مأمور


(1) الأنبياء: 91. (2) وهو قول أبي هريرة والحسن. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 218. (3) قاله القمي علي بن ابراهيم في تفسيره: ج 2 ص 91. (4) كامل الزيارات لابن قولويه: ص 48، معاني الأخبار للصدوق: ص 373. (5) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 4 ص 15. (6) قاله الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 190. (7) وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 310، وتفسير الآلوسي: ج 18 ص 40. (*)

[ 587 ]

بذلك وموصى به، والمراد ب‍ * (الطيبت) *: ما طاب وحل، وقيل: هنا كل ما يستطاب ويستلذ من الأكل والفواكه (1)، ويشهد لذلك مجيئه في إثر قوله: * (وءاوينهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) *، ويجوز أن يكون وقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى (عليه السلام) ومريم إلى الربوة، فذكر على سبيل الحكاية، أي: آويناهما وقلنا لهما هذا، فعلمهما أن الرسل كلهم خوطبوا به، فكلا مما رزقناكما واعملا صالحا اقتداء بالرسل. وقرئ: * (وإن هذه) * بالكسر على الاستئناف، " وأن " بالفتح (2) بمعنى: ولأن، " وأن " المخففة من الثقيلة (3)، و * (أمتكم) * مرفوعة معها. وقرئ: * (زبرا) * جمع زبور، أي: كتبا مختلفة، يعني: جعلوا دينهم أديانا، وقرئ: " زبرا " (4) أي: قطعا، استعيرت من زبر الفضة والحديد، و * (كل) * فرقة من فرق هؤلاء المختلفين الذين تقطعوا دينهم فرح بباطله، معتقدا أنه على الحق، راض بما عنده. * (في غمرتهم) * أي: فيما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم، وأصل الغمرة: الماء الذي يغمر القامة، أو: شبههم الله باللاعبين في الغمرة لما هم عليه من الباطل، قال ذو الرمة: كأنني ضارب في غمرة لعب (5) * (حتى حين) * إلى أن يقتلوا أو يموتوا، أي: يحسبون هذه الأمداد مسارعة


(1) قاله الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 190. (2) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 446. (3) وهي قراءة ابن عامر. راجع المصدر السابق. (4) قرأه ابن عامر والأعمش وأبو عمرو. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 415، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 4 ص 408. (5) وصدره: ليالي اللهو يطبيني فأتبعه، ومعناه واضح. انظر ديوان ذي الرمة: ص 27. (*)

[ 588 ]

* (لهم في الخيرا ت) * ومعاجلة بالثواب قبل وقته، وليس ذلك إلا استدراجا لهم إلى الهلاك، و * (بل) * استدراك لقوله: * (أيحسبون) * أي: بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم حتى يتأملوا ويتفكروا هو استدراج أم مسارعة في الخيرات، والراجع من خبر " أن " إلى اسمه محذوف، والتقدير: نسارع به. * (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بايت ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم را جعون (60) أولئك يسرعون في الخيرا ت وهم لها سبقون (61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمل من دون ذلك هم لهآ عملون (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجرون (64) لا تجروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت ءايتى تتلى عليكم فكنتم على أعقبكم تنكصون (66) مستكبرين به سمرا تهجرون (67)) * * (يؤتون مآ ءاتوا) * أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة، وقيل: أعمال البر كلها (1) * (وقلوبهم وجلة) * الصادق (عليه السلام): " أي: خائفة أن لا يقبل منهم " (2). وعنه (عليه السلام): " يؤتي ما آتى وهو خائف راج " (3). وعن الحسن: المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وأمنا (4)، لأنهم أو ب‍ * (- أنهم إلى ربهم را جعون) * وحذف الجار، أي: لإيقانهم بأنهم


(1) قاله ابن عباس وابن جبير. راجع البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 410. (2) روضة الكافي: ص 192 ح 294. (3) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الأهوازي: ص 24 ح 54. (4) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 377. (*)

[ 589 ]

راجعون إلى الله وجلت قلوبهم، إذ لم يأمنوا التفريط. * (أولئك يسارعون في الخيرات) * أي: هم الذين يبادرون إلى الطاعات رغبة منهم فيها * (وهم لها سبقون) * أي: فاعلون السبق لأجلها، أو: سابقون الناس لأجلها، أي: وهذا الذي وصف به الصالحون ليس بخارج من حد الوسع والطاقة، وكل ما عمله العباد من التكاليف مثبت عندنا في * (كتب) * ناطق بالحق، وهو صحيفة الأعمال يقرؤون فيه (1) يوم القيامة ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان، يوفون أجور أعمالهم * (وهم لا يظلمون) * أي: لا ينقص من ثوابهم ولا يزداد في عقابهم، ولا يؤاخذون بذنب غيرهم. * (بل) * قلوب الكفار * (في غمرة) * أي: غفلة غامرة لها * (من هذا) * أي: من هذا الكتاب المشتمل على الوعد والوعيد وهو القرآن، أو: من هذا الذي عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين * (ولهم أعمل) * متجاوزة ل‍ * (ذلك) * أي: لما وصف المؤمنون به * (هم لها) * معتادون، وبها مشتغلون. * (حتى) * يأخذهم الله * (بالعذاب) *: و " حتى " هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والعذاب: قتلهم يوم بدر، أو: الجوع حين دعا عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف (عليه السلام) (2) " فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقد والأولاد " تجأرون " أي: تصيحون وتصرخون باستغاثة، أي: يقال لهم حينئذ: * (لا تجروا) * فإن الجؤار غير نافع لكم * (إنكم منا لا تنصرون) * أي: لا تغاثون (3) ولا تمنعون منا، أو: من جهتنا لا يلحقكم نصر ومعونة.


(1) في نسخة: " منه ". (2) انظر تفسير القرطبي: ج 12 ص 135. (3) في نسخة: " لا تعاونون ". (*)

[ 590 ]

والضمير في * (به) * للبيت الحرام أو للحرم، والباء يتعلق ب‍ * (مستكبرين) * كانوا يستكبرون (1) على الناس ويفخرون بأنهم ولاته، أو يكون الضمير لا يأتي لأنها في معنى " كتابي "، ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكبارا، ضمن * (مستكبرين) * معنى " مكذبين " فعدي تعديته، أو: استكبروا بسببه فلم يقبلوه، وعلى هذا فالوقف يكون على * (به) *، ويجوز أن يتعلق الباء ب‍ * (سامرا) * أي: يستمرون بالطعن في القرآن وتسميته سحرا و (2) شعرا، وبسب النبي (صلى الله عليه وآله)، والسامر: القوم الذين (3) يسمرون ليلا، ويجوز أن يتعلق ب‍ * (تهجرون) * أيضا، أي: تهذون بذلك، وعلى هذين الوجهين يجوز الوقف على * (مستكبرين) *، وقرئ: " تهجرون " بضم التاء (4)، من أهجر الرجل في منطقه أي: أفحش، والهجر بالضم: الفحش، و * (تهجرون) * بالفتح يجوز أن يكون معناه: تهجرون آياتي وكتابي، لا تنقادون له وتكذبون به، من الهجر بالفتح. * (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت ءابآءهم الاولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كرهون (70) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن بل أتينهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرا زقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صرا ط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالاخرة عن الصرا ط لنكبون (74) ولو رحمنهم وكشفنا ما بهم من ضر


(1) في نسخة زيادة: " به ". (2) في نسختين: " أو " بدل " و ". (3) ليس في نسخة كلمة " الذين ". (4) قرأه نافع. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 560. (*)

[ 591 ]

للجوا في طغينهم يعمهون (75) ولقد أخذنهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77)) * * (القول) * القرآن، يقول: * (أفلم) * يتدبروا القرآن ليعرفوا أنه الحق الدال على صدق نبينا، بل أجاءهم * (ما لم يأت ءاباءهم) * فلذلك استبدعوه (1) وأنكروه، كما قال: * (لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم) * (2)، أو: ليخافوا عند تدبر آياته مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين * (أم جاءهم) * من الأمن (3) * (ما لم يأت ءاباءهم) * حيث خافوا الله فآمنوا به وأطاعوه، وآباؤهم: إسماعيل وأعقابه. وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين، ولا تسبوا حارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرة فإنهم كانوا على الإسلام، وما شككتم منه من شئ فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما " (4). * (أم لم يعرفوا) * محمدا وشرفه في نسبه وصدق لسانه وأمانته، وأنه كما قال أبو طالب في خطبته لنكاح خديجة: لا يوزن برجل إلا رجح. * (أم يقولون به جنة) * أي: جنون وهم يعلمون أنه برئ منها، وأنه أرجح الناس عقلا، وأجلهم قدرا، وأتقنهم (5) رأيا، ولكنه جاءهم بما خالف أهواءهم، ولم يوافق ما ألفوه ونشأوا عليه، ولم يمكنهم دفعه (6)، لأنه الحق المبين، فقولوا على البهت من النسبة إلى الجنون والسحر والشعر. ثم عظم سبحانه شأن الحق بأن السماوات والأرض ومن فيهن لم يقم إلا به


(1) في نسخة: " استبعدوه ". (2) يس: 6. (3) في نسختين: " الأمر ". (4) فتح الباري لابن حجر: ج 7 ص 146. (5) في نسخة: " وأوثقهم ". (6) في نسختين: " رفعه ". (*)

[ 592 ]

* (ولو اتبع... أهواءهم) * لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم، ويجوز أن يكون المراد بالحق الإسلام، أي: ولو اتبع أهواءهم وانقلب شركا لأهلك الله العالم، ولجاء بالقيامة ولم يؤخره، وعن قتادة: الحق هو الله تعالى (1)، أي: لو اتبع الله أهواءهم وأمر بالشرك لما كان إلها * (أتينهم بذكرهم) * أي: بالكتاب الذي هو ذكرهم، أي: شرفهم وصيتهم وفخرهم، أو: بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: * (لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين) * (2). وأصل الخرج والخراج واحد، وهو ما تخرجه إلى الإمام و (3) والعامل من أجرة أرضك، والخرج أخص من الخراج، يعني: لم * (تسألهم) * على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق، فالكثير (4) من عطاء الخالق خير. ألزمهم سبحانه الحجة في هذه الآيات بأن الذي أرسله إليهم رجل معروف أمره، مخبور علانيته وسره، صالح لان يصطفي للرسالة، جدير به، لأنه لم يعهد منه إلا الصدق ووفور العقل والشهامة والأمانة حتى يدعي النبوة بباطل، ولم يجعل ذلك ذريعة إلى استعطاف أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى الصراط السوي الذي هو دين الإسلام، هذا مع إبراز المكنون من أدوائهم، وهو إخلالهم بالتدبر، وشغفهم بتقليد آباء الضلال من غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ثبات تصديقه من الله بالمعجزات والدلالات، وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر والشرف * (لنكبون) * أي: عادلون عن هذا الصراط المذكور. ولما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من أهل مكة،


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 196. (2) الصافات: 168 و 169. (3) في نسخة: " أو " بدل " و ". (4) في نسخة: " فالكبير ". (*)

[ 593 ]

وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز - وهو دم القراد مع الصوف - جاء أبو سفيان بن حرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: أنشدك بالله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ فقال: " بلى "، قال: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. والمعنى: لو كشف الله تعالى عنهم هذا الضر وهو الهزال والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب لرجعوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار، ولتمادوا في غوايتهم يترددون. واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم بالسيوف، وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع، حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو آلم (1) العذاب وأشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم، وجاء أعتاهم في العناد والاستكبار يستعطفك، أو: محناهم بكل محنة من الجوع والقتل فما رئي منهم لين قياد وهم كذلك حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ " يبلسون "، كقوله: * (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) * (2)، والإبلاس: اليأس من كل خير، وقيل: هو السكوت مع التحير (3)، واستكان: (4) استفعل من الكون، أي: انتقل من كون إلى كون، كاستحال: إذا انتقل من حال إلى حال، أو: هو افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه، كما قيل:... بمنتزاح (5). * (وهو الذي أنشأ لكم السمع والابصر والافدة قليلا ما


(1) في نسخة: " أطم ". (2) الروم: 12. (3) في نسختين: " التحسير ". وهو قول العجاج على ما في تفسير الماوردي: ج 4 ص 302. (4) في نسخة زيادة: " هو ". (5) من قول ابراهيم بن هرمة يرثي ابنه: فأنت من الفوائل حين ترمى * وعن ذم الرجال بمنتزاح انظر الخصائص لابن جني: ج 2 ص 316 وج 3 ص 121. (*)

[ 594 ]

تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحى ويميت وله اختلف اليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الاولون (81) قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أسطير الاولين (83) قل لمن الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتينهم بالحق وإنهم لكذبون (90)) * إنما خص * (السمع والأبصر والأفئدة) * لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها، وإحدى منافعها أن يستعملوها في آيات الله تعالى وأفعاله، فيستدلوا بذلك على توحيده، ويشكروا نعمه، فإن مقدمة الشكر للنعمة الإقرار بالمنعم بها (1)، وأن لا يجعل معه شريك، أي: * (تشكرون) * شكرا قليلا، و " ما " مزيدة للتأكيد. ومعنى * (ذرأكم) *: خلقكم وبثكم بالتناسل * (وإليه) * تجمعون بعد تفرقكم. * (وله اختلف اليل والنهار) * أي: هو المختص به، وهو يتولاه ولا يقدر على تصريفهما غيره، وقرئ: " أفلا يعقلون " بالياء (2). * (بل قالوا) * أي: قال أهل مكة كما * (قال الأولون) * المنكرون للحشر.


(1) في نسخة: " لهم ". (2) قرأه أبو عمرو. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 100. (*)

[ 595 ]

والأساطير: جمع أسطورة، وهي ما كتبه الأولون وسطروه مما لا حقيقة له. ثم احتج عليهم بما فيه تجهيل لهم، والمراد: أجيبوني عما استعملتكم فيه (1): إن كان عندكم فيه علم * (أفلا) * تتذكرون فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها من العقلاء وغيرهم كان قادرا على الإعادة إذ ليس ذلك بأعظم منه، وكان حقيقا بأن لا يشرك به في الإلهية بعض مخلوقاته. قرئ الأول * (لله) * باللام، وفي الآيتين بعده باللام وغير اللام (2)، لأن قولك: " من ربه " و " لمن هو " في معنى واحد * (أفلا تتقون) * أي: أفلا تخافونه ؟ فلا تشركوا به. يقال: أجار الرجل فلانا على فلان أي: أغاثه منه ومنعه، أي: من يجير من يشاء على من يشاء ولا يجير عليه أحد من أراده بسوء. * (فأنى تسحرون) * أي: فكيف تخدعون عن توحيده ويموه عليكم ؟ ! كما قال امرؤ القيس: أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب (3) أي: نخدع، والخادع هو الشيطان، أو الهوى. * (بل) * جئناهم * (بالحق) * بأن الشرك باطل، ونسبة الولد إليه محال * (وإنهم لكذبون) * بادعائهم الشرك ونسبتهم إليه الولد. * (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحن الله عما يصفون (91) علم الغيب والشهدة فتعلى عما يشركون (92) قل رب إما ترينى ما يوعدون (93)


(1) في نسختين: " استعلمتكم منه ". (2) وممن قرأ الاخريتين بغير اللام: أبو عمرو ويعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 560. (3) انظر ديوان امرئ القيس: ص 72 وفيه " لأمر " بدل " لحتم ". (*)

[ 596 ]

رب فلا تجعلني في القوم الظلمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقدرون (95) ادفع بالتى هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزا ت الشيطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلى أعمل صلحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100)) * * (إذا) * تكون جزاء وجوابا لكلام مقدم، وها هنا شرط محذوف، والتقدير: ولو * (كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق) * أي: لا نفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه من الخلق واستبد به، ولرأيتم ملك كل واحد من الآلهة متميزا من ملك الآخرين، ولغلب بعضهم بعضا، كما أن ملوك الدنيا يتغالبون ويطلب بعضهم قهر بعض، وممالكهم متمايزة، فحين لم تروا أثرا لتمايز الممالك والتغالب فاعلموا أنه إله واحد منزه * (عما يصفون) * من الأولاد والأنداد. قرئ: * (علم الغيب) * بالجر صفة ل‍ " لله "، وبالرفع (1) خبر مبتدأ محذوف. والنون و " ما " مؤكدتان، " لأن " أي: إن كان لابد أن * (ترينى) * ما وعدوه من العذاب في الدنيا أو في الآخرة فلا تجعلني فيهم، وأخرجني من بينهم إذا أردت إحلال العذاب بهم. وعن الحسن: أخبره الله تعالى أن له في أمته نقمة، ولم يخبره أفي حياته هي أم بعد وفاته، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء (2). وعن ابن عباس رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله: أنه (صلى الله عليه وآله) قال في حجة الوداع وهو بمنى: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله


(1) قرأه نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي. راجع كتاب العنوان في القراءات: ص 137. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 201. (*)

[ 597 ]

لئن فعلتموها لتعرفني في كتيبة يضاربونكم "، فغمز من خلفه منكبه الأيسر، فالتفت فقال: " أو علي "، فنزلت الآيات (1). وقوله: * (رب) * مرتين قبل الشرط وقبل الجزاء، حث على فضل تضرع وجوار * (وإنا... لقدرون) * على إنجاز ما نعدهم، ولكن ننظرهم ونمهلهم. * (ادفع) * السيئة بالحسنى، وهو الصفح عنها ومقابلتها بالإحسان * (نحن أعلم بما) * يذكرونه من أحوالك بخلاف صفتها أو (2) بوصفهم وسوء ذكرهم، وأقدر على جزائهم. * (أعوذ بك) * أي: أعتصم بك * (من) * نزغات * (الشيطين) * والهمز: النخس، ومنه: مهماز الرائض، والشياطين يحثون الناس على المعاصي كما تهمز الراضة الدواب يحثونها على المشي، ونحوه: * (تؤزهم أزا) * (3)، فأمر عز اسمه بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المتضرع إلى ربه المكرر لندائه، وبالتعوذ من أن يحضروه أصلا ويشهدوه، وعن ابن عباس: عند تلاوة القرآن (4)، وعن عكرمة: عند النزع (5)، والأظهر أنه في الأحوال كلها حتى يتعلق ب‍ * (يصفون) * أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت. * (ارجعون) * خطاب لله تعالى بلفظ الجمع للتعظيم، إذا أيقن بالموت تحسر على ما فرط فيه فسأل ربه الرجعة وقال: * (لعلي أعمل صلحا) * في الذي * (تركت‍) * - ه من المال، وفيما ضيعته من الطاعات، وقيل: هو في الزكاة (6).


(1) شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ج 1 ص 404. (2) في نسخة: " أي " بدل " أو ". (3) مريم: 83. (4) حكاه عنه أبو السعود في تفسيره: ج 6 ص 150. (5) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 202. (6) وهو قول الصادق (عليه السلام). رواه عنه الكليني في الكافي: ج 3 ص 503 ح 3، والصدوق في ثواب الأعمال: ص 280. (*)

[ 598 ]

وسئل الرضا (عليه السلام): أيعرف القديم سبحانه الشئ الذي لم يكن أنه لو كان كيف كان يكون ؟ فقال: " أما قرأت قوله عز اسمه: * (لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا) * وفي موضع آخر: * (ولعلا بعضهم على بعض) * فقد عرف الشئ الذي لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وقوله سبحانه [ حين ] حكى قول الأشقياء: * (رب ارجعون لعلى أعمل صلحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها) * قال: * (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون) * فقد علم الشئ الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون " (1). و * (كلا) * معناه: ردع عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد * (إنها كلمة هو قائلها) * بلسانه لا حقيقة لها، أو: هو قائلها وحده لا تسمع منه * (ومن ورائهم برزخ) * والضمير للجماعة، أي: أمامهم حائل وحاجز بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث من القبور. * (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ثقلت موا زينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موا زينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خلدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كلحون (104) ألم تكن ءايتى تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظلمون (107) قال اخسوا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الرا حمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون (110)) *


(1) رواه العياشي في تفسيره على ما حكاه في المجمع: ج 7 ص 117. (*)

[ 599 ]

* (فلا أنساب بينهم) * أي: لا يتواصلون بالأنساب ولا يتعاطفون بها مع معرفة بعضهم بعضا، أو: يتفرقون معاقبين ومثابين. وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " كل حسب ونسب منقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي " (1). * (ولا يتساءلون) * أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله وخبره، لشغل كل واحد منهم بنفسه، وأما قوله: * (يتعارفون بينهم) * (2)، * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) * (3) فقد سئل عنه ابن عباس فقال: هذه تارات يوم القيامة (4)، يعني: أن للقيامة أحوالا مختلفة يتساءلون ويتعارفون في بعضها، ويشغلهم عظم الهول عن المسألة في بعضها. والموازين: جمع موزون، وهي الموزونات من الأعمال التي لها قدر ووزن عند الله، وقوله: * (في جهنم خلدون) * بدل من * (خسروا أنفسهم) *، أو يكون خبرا ل‍ * (أولئك) * بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. * (تلفح) * أي: يصيب وجوههم لفح النار، وعن الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلا أن اللفح أشد تأثيرا (5). و " الكلوح " أن تتقلص الشفتان عن الأسنان. * (غلبت علينا) * أي: ملكتنا، من قولهم: غلبني فلان على كذا إذا أخذه منه، وقرئ: * (شقوتنا) * و " شقاوتنا " (6) ومعناهما واحد، وهو سوء العاقبة الذي استحقوه لسوء أعمالهم. * (اخسوا فيها) * أي: ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت، يقال: خسئ الكلب فخسأ، لازم ومتعد * (ولا تكلمون‍) * - ي


(1) أخرجه ابن سعد في طبقاته: ج 8 ص 340. (2) يونس: 45. (3) الصافات: 27. (4) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 318. (5) معاني القرآن: ج 4 ص 23. (6) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 561. (

[ 600 ]

في رفع العذاب فإنه لا يرفع. * (سخريا) * قرئ بضم السين (1) وكسرها، وهو مصدر سخر كالسخر، إلا أن في الياء زيادة قوة في الفعل، وقيل: إن المكسور من الهزء، والمضموم من السخرة والعبودية (2)، أي: سخرتموهم واستعبدتموهم * (حتى أنسوكم) * بتشاغلكم بهم عن تلك الصفة * (ذكرى) * فتركتموه، أي: تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي. * (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قل كم لبثتم في الارض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين (113) قل إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعلى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهن له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكفرون (117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الرا حمين (118) قرئ: * (أنهم) * بفتح الهمزة وكسرها (3)، فالفتح على أنه مفعول * (جزيتهم) *، والكسر استئناف، أي: قد فازوا حيث صبروا فجزوا أحسن الجزاء بصبرهم. والضمير في * (قال) * لله تعالى، أو للسائل عن لبثهم، وقرئ: " قل " في الموضعين (4) على معنى: قل أيها السائل عن لبثهم، استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم في النار، أو: لم يشعروا بطول لبثهم في القبور لكونهم


(1) قرأه نافع وحمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 448. (2) قاله الفراء والكسائي. انظر الكشاف: ج 3 ص 205. (3) وممن قرأها بالكسر: حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 561. (4) قرأها حمزة والكسائي بصيغة الأمر في الموضعين، وقرأ ابن كثير الأول فقط كذلك. انظر المصدر السابق: ص 562. (*)

[ 601 ]

أمواتا أو: لأن المنقضي في حكم ما لم يكن. وصدقهم الله في تقالهم (1) لسني لبثهم في الدنيا، ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. والمراد ب‍ * (- العادين) * الملائكة، لأنهم أحصوا أعمال العباد وأيامهم، وقيل: هم الحساب (2)، أي: فاسأل الملائكة الذين عدوا أعمار الخلق، أو: من يقدر أن يلقي فكره إلى العد فإنا لا نعرف عدد تلك السنين إلا أن نستقلها ونحسبها * (يوما أو بعض يوم) *. * (عبثا) * حال، أي: عابثين، أو مفعول له، أي: ما * (خلقنكم) * للعبث بل للحكمة التي اقتضته، وهي أن نتعبدكم ونكلفكم الطاعات ثم نعيدكم في دار الجزاء لنثيب ونعاقب، وقرئ: * (ترجعون) * بفتح التاء (3). و * (الحق) * الثابت الذي لا يزول، أو: الذي يحق له الإلهية والملك فلا يزول ملكه، وكل ملك غيره فملكه مستعار، وإنما يملك بعض الأشياء من بعض الوجوه، وهو * (الملك) * المالك لجميع الأشياء من جميع الوجوه ووصف * (العرش) * بالكرم (4) لأن الرحمة تنزل منه، وينال الخير والبركة من جهته، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين. * (لا برهن له به) * صفة لازمة، نحو قوله: * (يطير بجناحيه) * (5) جئ بها للتوكيد، أو: هو اعتراض بين الشرط والجزاء، كما يقال: من أحسن إلى فلان لا أحق بالإحسان منه، فالله مثيبه.


(1) في نسخة: " مقالهم ". (2) قاله قتادة. راجع التبيان: ج 7 ص 401. (3) قرأه حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 450. (4) في نسخة: " بالكريم ". (5) الأنعام: 38. (*)

[ 603 ]

سورة النور مدنية (1)، أربع وستون آية. في حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وما بقي " (2). الصادق (عليه السلام): " حصنوا أموالكم وفروجكم بتلاوة سورة النور، وحصنوا بها نساءكم، فإن من أدمن قراءتها في كل يوم أو في كل ليلة لم يزن أحد من أهل بيته أبدا حتى يموت، فإذا هو مات شيعه الى قبره سبعون ألف ملك كلهم يدعون ويستغفرون الله له حتى يدخل في قبره " (3) صدق ولي الله.


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 403: مدنية بلا خلاف، وهي أربع وستون آية في البصري والكوفي، واثنتان في المدنيين. وفي الكشاف: ج 3 ص 208: مدنية، وهي اثنتان وستون آية، وقيل: أربع وستون، نزلت بعد الحشر. وفي تفسير الآلوسي: ج 18 ص 74 ما لفظه: مدنية كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير، وحكى أبو حيان الإجماع على مدنيتها ولم يستثن الكثير من آيها شيئا، وعن القرطبي أن آية * (يا أيها الذين ءامنوا ليستأذنكم) * الخ مكية. (2) رواه الزمخشري في كشافه: ج 3 ص 261 مرسلا. (3) ثواب الأعمال للصدوق: ص 135. (*)

[ 604 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (سورة أنزلنها وفرضنها وأنزلنا فيها ءايت بينت لعلكم تذكرون (1) الزانية والزانى فاجلدوا كل وا حد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2) الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3)) * * (سورة) * خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ موصوف ب‍ * (أنزلنها) * والخبر محذوف أي: فيما يتلى عليكم * (سورة أنزلنها) *، وقرئ في الشواذ: " سورة أنزلناها " بالنصب (1) على: زيدا ضربته، و * (أنزلنها) * تفسير للفعل المضمر، أو على: اقرأ سورة و * (أنزلنها) * صفة * (وفرضنها) * وفرضنا أحكامها التي فيها، أي (2): جعلناها واجبة مقطوعا بها، وأصل الفرض القطع، وقرئ: " فرضناها " بالتشديد (3) وهو للتوكيد وللمبالغة في الإيجاب، أو: لأن فيها فرائض شتى، تقول: فرضت الفريضة وفرضت الفرائض، وقرئ: * (تذكرون) * بتشديد الذال (4) وتخفيفها. * (الزانية والزانى) * رفعهما على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: فيما


(1) قرأه عيسى بن عمرو كما في شواذ القرآن لابن خالويه: ص 101. (2) في نسخة: " أو " بدل " أي ". (3) قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 565. (4) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 272. (*)

[ 605 ]

فرض عليكم الزانية والزاني أي: جلدهما، ويجوز أن يكون الخبر * (فاجلدوا) * لأن الألف واللام بمعنى " الذي " و " التي "، والتقدير: الذي زنى والتي زنت فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه. والجلد: ضرب الجلد، تقول: جلده كما تقول: ظهره وبطنه وركبه، وهذا حكم من ليس بمحصن من الزناة الأحرار البالغين، فأما المحصن فحكمه الرجم. وقرئ: " رأفة " بفتح الهمزة (1)، والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يستعملوا الجد في دين الله، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده، وقوله: * (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه، وقيل: معناه: * (لا تأخذكم بهما) * رحمة تمنعكم عن إقامة الحد عليهما فتعطلوا الحدود (2)، أو: من الضرب الشديد، بل أوجعوهما ضربا ولا تخففوا كما يخفف في حد الشارب. والرجل يجلد قائما على حالته التي وجد عليها ضربا وسطا مفرقا على الأعضاء كلها، لا يستثنى منها إلا ثلاثة: الوجه والرأس والفرج، وفي لفظ: " الجلد " إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم. والمرأة تجلد قاعدة عليها ثيابها قد ربطت عليها حتى لا تبدو عورتها. وفي تسميته " عذابا " دليل على أنه عقوبة، ويجوز أن يسمى " عذابا " لأنه يمنع من المعاودة كما يسمى " نكالا ". والطائفة: الفرقة الحافة حول الشئ، وهم ثلاثة فصاعدا، وهي صفة غالبة، وعن الباقر (عليه السلام) وابن عباس (رضي الله عنه) والحسن وغيرهم: " أن أقلها رجل واحد " (3).


(1) قرأه ابن كثير. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 565. (2) قاله عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وابراهيم. راجع التبيان: ج 7 ص 406. (3) تفسير التبيان: ج 7 ص 406، تفسير الطبري: ج 9 ص 258. (*)

[ 606 ]

وينبغي أن لا يشهد إلا خيار الناس. الفاسق: الذي من شأنه الزنا، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته، وإنما يرغب في زانية مثله أو مشركة، وكذلك الزانية المسافحة المشهورة بذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها. وإنما قرن سبحانه بين الزاني والمشرك تفخيما لأمر الزنا واستعظاما له، ومعنى الجملة الأولى: وصف الزاني بكونه غير راغب في العفائف لكن في الزواني، ومعنى الجملة الثانية: وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة، وبينهما فرق، وإنما قدمت الزانية على الزاني في الأولى لأن الآية مسوقة لعقوبتهما على جنايتهما، والمرأة منها منشأ الجناية، وهي الأصل والمادة في ذلك، ثم قدم الزاني عليها في الثانية (1) لأن الآية مسوقة لذكر النكاح، والرجل هو الأصل فيه والخاطب، ومنه مبدأ الطلب. وحرم الزنا (2) * (وحرم) * نكاح المشهورات بالزنا على المؤمنين. * (والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وأولئك هم الفسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5)) * ذكر سبحانه حد الزنا، ثم ذكر حد القذف بالزنا، أي: يقذفون العفائف من النساء بالزنا والفجور * (ثم لم يأتوا بأربعة) * عدول يشهدون بأنهم شاهدوهن يفعلن ذلك * (فاجلدوهم) * والواجب أن يحضروا في مجلس واحد، فإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة.


(1) في جميع النسخ: " الثاني "، والصحيح ما أثبتناه. (2) ليس في نسخة: " وحرم الزنا ". (*)

[ 607 ]

ويقتضي نظم الآية أن تكون هذه الجمل الثلاث بأجمعها جزاء للشرط، فيكون التقدير: من قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، أي: فاجمعوا لهم الجلد ورد الشهادة والتفسيق * (إلا الذين تابوا) * عن القذف * (وأصلحوا فإن الله) * يغفر لهم، فلا يجلدون ولا ترد شهادتهم ولا يفسقون. والأبد: اسم لزمان طويل انتهى أو لم ينته، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، سواء حد أو لم يحد، عن أئمة الهدى (عليهم السلام) وابن عباس (رضي الله عنه) (1)، وهو مذهب الشافعي (2). ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه، فإن لم يفعل ذلك لم تقبل شهادته. * (والذين يرمون أزوا جهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهدة أحدهم أربع شهدا ت بالله إنه لمن الصدقين (6) والخمسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدا ت بالله إنه لمن الكذبين (8) والخمسة أن غضب الله عليها إن كان من الصدقين (9) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10)) * روي: أنه لما نزلت آية القذف قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين ! وإلى أن يجئ بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى، قال: كذلك أنزلت يا عاصم، فخرج فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك ؟ قال: شر، وجدت على بطن امرأتي خولة شريك بن سمحاء، فقال: هذا والله سؤالي،


(1) انظر الكافي: ج 7 ص 397 ب 18 شهادة القاذف والمحدود. (2) كتاب الام للشافعي: ج 7 ص 45. (*)

[ 608 ]

فرجعا، فأخبر عاصم رسول الله، فبعث إليها فقال: ما يقول زوجك ؟ فقالت: لا أدري، الغيرة أدركته أم بخلا على الطعام، وكان شريك نزيلهم، فنزلت الآيات ولا عن بينهما (1). وقرئ: " أربع شهادات " بالنصب (2) لأنه في حكم المصدر الذي هو * (فشهدة أحدهم) * وهي مبتدأ محذوف الخبر، فيكون التقدير: فواجب أن يشهد أحدهم أربع شهادات، ويكون * (بالله) * من صلة * (شهدا ت) *، وفي الرفع يكون * (أربع شهدا ت) * خبرا. وقرئ: " أن لعنة الله " و " أن غضب الله " على تخفيف * (أن) * ورفع ما بعدهما (3). وقرئ بنصب * (الخمسة) * الثانية (4) على معنى: وتشهد الخامسة. وصفة اللعان: أن يوقف الرجل بين يدي الحاكم والمرأة عن يمينه، فيقول الرجل أربع مرات: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما ذكرته من الفجور عنها، ثم يقول في المرة الخامسة: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به. ويدرأ (5) عن المرأة العذاب - وهو حد الزنا - أن تقول: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما قذفني به، أربع مرات، مرة بعد أخرى، وتقول في الخامسة: غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما قذفني به، ثم يفرق الحاكم بينهما، ولا تحل له أبدا، وكان عليها العدة من وقت اللعان. وإن نكل الرجل عن اللعان قبل استكمال


(1) رواه الطبري في تفسيره: ج 9 ص 273. (2) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر، راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 452. (3) وهي قراءة نافع ويعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 566. (4) الظاهر من عبارة المصنف أنه اعتمد على قراءة الرفع هنا كما لا يخفي. (5) في نسخة: " يدفع "، واخرى: " يرفع ". (*)

[ 609 ]

الشهادات وجب عليه حد القذف. وجواب * (لولا) * متروك، وتركه دال على أمر عظيم لا يكتنه. * (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرى منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في مآ أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيئا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا سبحنك هذا بهتن عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الايت والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20)) * " الإفك ": أبلغ الكذب، وأصله من " الإفك " وهو القلب، لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد: ما أفك به على عائشة وصفوان بن المعطل. والعصبة: الجماعة من العشرة إلى أربعين، وكذلك العصابة، واعصوصبوا: اجتمعوا، وهم: عبد الله بن أبي وهو الذي * (تولى كبره) * أي: إثمه، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. * (لكل امرئ) * من تلك العصبة نصيبه * (من الإثم) * على مقدار خوضه في الإفك، والعذاب العظيم لابن أبي، لأن معظم الشر كان منه،

[ 610 ]

يشيع ذلك في الناس ويقول: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها، والله ما نجت منه ولا نجا منها. والخطاب في قوله: * (هو خير لكم) * لعائشة وصفوان لأنهما المقصودان بالإفك، ولمن ساءه ذلك من المؤمنين ولكل من رمي بسب، ومعنى كونه خيرا لهم: أن الله تعالى يعوضهم بصبرهم. وكان سبب الإفك: أن عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، وكانت قد خرجت لقضاء حاجة، فرجعت طالبة له، وحمل هودجها على بعيرها ظنا منهم أنها فيه، فلما عادت الى الموضع وجدتهم قد رحلوا، وكان صفوان من وراء الجيش، فلما وصل إلى ذلك الموضع وعرفها أناخ بعيره حتى ركبته وهو يسوقه حتى أتى الجيش وقد نزلوا في قائم الظهيرة. كذا رواه الزهري عن عائشة (1). وقرئ: " كبره " بضم الكاف (2)، أي: عظمه * (بأنفسهم) * أي: الذين هم كأنفسهم، لأن المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة. ونحوه: * (ولا تلمزوا أنفسكم) * (3) و * (فسلموا على أنفسكم) * (4)، وقيل: معناه: هلا ظننتم ما تظنونه بأنفسكم لو خلوتم بها (5)، ولم يقل: ظننتم بأنفسكم خيرا، عدولا عن المضمر إلى المظهر، وعن الخطاب إلى الغيبة، ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات. ويدل على أن الاشتراك في الإيمان مقتض أن لا يصدق مؤمن على أخيه قول غائب، وموجب أن يصرح ببراءة ساحته وتكذيب قاذفه.


(1) تفسير ابن كثير: ج 3 ص 260. (2) قرأه حميد ومجاهد وأبو البرهم ويعقوب وابن قطيب وأبو جعفر المدني. راجع التبيان: ج 7 ص 415، وشواذ القرآن لابن خالويه: ص 102. (3) الحجرات: 11. (4) النور: 61. (5) قاله مجاهد. راجع التبيان: ج 7 ص 416. (*)

[ 611 ]

* (لولا) * الأولى والثانية للتحضيض، وهذه لامتناع الشئ لوجود غيره، والمعنى: ولولا أني حكمت بأن أتفضل عليكم في الدنيا والآخرة لعاجلتكم بالعقاب فيما خضتم فيه. يقال: أفاض في الحديث واندفع وخاض. * (إذ) * ظرف * (لمسكم) * أو ل‍ * (أفضتم) *، * (تلقونه) * يأخذه بعضكم من بعض، يقال: تلقى القول وتلقنه وتلقفه بمعنى، والأصل تتلقونه، وصفهم بارتكاب آثام ثلاثة، وعلق مس العذاب العظيم بها، وهو: التحدث منهم به حتى انتشر وشاع، وقولهم بأفواههم ما لا علم لهم به، واستحقارهم لذلك. وفصل بين * (لولا) * و * (قلتم) * بالظرف لفائدة، وهي بيان أنه كان يجب عليهم أول ما سمعوا أن يتفادوا عن التكلم به، فكان ذكر الوقت أهم، فوجب تقديمه * (سبحنك) * فيه تعجب من عظم الأمر، أو تنزيه الله من أن تكون زوجة نبيه فاجرة. * (يعظكم الله) * في * (أن تعودوا) * من قولك: وعظت فلانا في كذا فتركه، أو كراهة أن تعودوا أبدا، أي: ما دمتم أحياء مكلفين، و * (إن كنتم مؤمنين) * تهييج (1) لهم، أو (2) تذكير بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان الصارف عن القبيح. * (تشيع الفحشة) * أي: تشيعونها عن قصد إلى الإشاعة ومحبة لها، وعذاب الدنيا: الحد * (والله يعلم) * ما في القلوب من الأسرار. * (يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوا ت الشيطن ومن يتبع خطوات الشيطن فإنه يأمر بآلفحشآء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشآء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمسكين


(1) في نسخة: " تقبيح ". (2) في نسخة: واو بدل " أو ". (*)

[ 612 ]

والمهجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون المحصنت الغفلت المؤمنت لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25)) * * (ما زكى منكم) * أي: ما طهر أحد منكم من وسوسة الشيطان، لكنه سبحانه يطهر بلطفه من يشاء، وهو من له لطف يفعله به ليزكو عنده ويصلح به. * (ولا يأتل) * أي: لا يحلف، وهو افتعال من الألية، وقرئ: " ولا يتأل " (1)، وعن الزجاج: يريد أن لا يؤتوا فحذف " لا "، والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى من يستحق الإحسان (2) * (أولوا الفضل) * أولو الغنى * (منكم والسعة) * في المال، وقيل: معناه: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم إحنة لجناية اقترفوها (3)، من قولهم: ما ألوت جهدا، إذا لم تدخر منه شيئا، نزلت في شأن مسطح، وكان ابن خالة أبي بكر، وكان فقيرا، وكان أبو بكر ينفق عليه، فلما خاض في الإفك حلف أن لا ينفق عليه. وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة حلفوا أن لا يتصدقوا على من تكلم بشئ من الإفك ولا يواسوهم (4). * (الغفلت) * عن الفواحش. وقرئ: * (يوم تشهد) * بالتاء والياء (5). والدين:


(1) قرأه الحسن وأبو جعفر المدني وزيد بن أسلم و عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 102، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 440. (2) معاني القرآن: ج 4 ص 36. (3) قاله ابن بحر كما في تفسير الماوردي: ج 4 ص 83. (4) قاله ابن عباس والضحاك كما في تفسير البغوي: ج 3 ص 334. (5) وبالياء قرأه حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 454. (*)

[ 613 ]

الجزاء، و * (الحق) * صفة للدين، أي: يوفيهم الجزاء الحق الذي هم أهله * (أن الله هو الحق المبين) * أي: العادل، الظاهر العدل الذي لا ظلم في حكمه. * (الخبيثت للخبيثين والخبيثون للخبيثت والطيبت للطيبين والطيبون للطيبت أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذا لكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29)) * * (الخبيثت) * من الكلم تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء * (والخبيثون) * منهم يتعرضون للخبيثات من القول، وكذلك * (الطيبت... والطيبون) *، و * (أولئك) * إشارة إلى الطيبين، وأنهم * (مبرءون) * مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم. ويجوز أن يكون المراد بالخبيثات والطيبات النساء، أي: الخبائث يتزوجن الخباث، والخباث الخبائث، فكذلك أهل الطيب. * (حتى تستأنسوا) * فيه وجهان: أحدهما: أنه من الاستئناس، خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش لخفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى: حتى يؤذن لكم، فهو كقوله: * (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * (1) فوضع الاستئناس موضع الإذن، لأن الاستئناس يرادف الإذن. والثاني: أنه استفعال من أنس الشئ: إذا أبصره مكشوفا، والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم


(1) الأحزاب: 53. (*)

[ 614 ]

أم لا ؟ ومنه قولهم: استأنست فلم أر أحدا، أي: استعلمت وتعرفت، ومنه قول النابغة: على مستأنس وحد (1) وعن أبي أيوب الأنصاري: قلنا: يا رسول الله، ما الاستئناس ؟ قال: " يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح، يؤذن أهل البيت، والتسليم: أن يقول: السلام عليكم، أأدخل، ثلاث مرات. فإن أذن له وإلا رجع " (2). * (ذا لكم) * الاستئذان والتسليم * (خير لكم) * من تحية الجاهلية وهو قولهم: حييتم صباحا أو مساء، أو من الدخول بغير إذن * (لعلكم تذكرون) * أي: أنزل عليكم هذا إرادة أن تتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان. * (فإن لم تجدوا فيها أحدا) * من الآذنين * (فلا تدخلوها) * واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم، أو: إن لم تجدوا فيها أحدا من أهلها فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها لأنه تصرف في ملك غيرك، فلابد أن يكون برضاه * (فارجعوا) * ولا تقفوا على الأبواب منتظرين، ولاتلحوا (3) في تسهيل الحجاب * (هوأزكى لكم) * الرجوع أطهر لكم، لما فيه من السلامة والبعد عن الريبة لكم، وأنفع لكم وأنمى خيرا، ثم أوعد المخاطبين بأنه * (عليم) * بما يأتون وما يذرون، فيجازي بحسب ذلك. ثم استثنى من البيوت التي لا يجب على داخلها الاستئذان: ما ليس بمسكون


(1) كأن رحلي وقد زال النهار بنا * بذي الجليل على مستأنس وحد وهو من قصيدة نظمها في مدح النعمان بن المنذر، وفيه يصف حاله كحال المسافر يجد في السير بعد الزوال ليصل الى منزل يجدفيه رفيقا مؤنسا وعلفا لدابته. ديوان النابغة: ص 21. (2) أخرجه ابن ماجة في السنن: ج 2 ص 1221 ح 3707. (3) في نسخة: " تلجوا ". (*)

[ 615 ]

منها نحو: الفنادق وهي الخانات والربط وحوانيت الباعة والأرحية والحمامات، والمتاع: المنفعة والارتفاق والبيع والشراء، وقيل: هي الخربات المعطلة يتبرز فيها، والمتاع: التبرز (1). * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ءابآئهن أو ءابآء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوا نهن أو بنى إخوا نهن أو بنى أخوا تهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمنهن أو التبعين غير أولى الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورا ت النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (31)) * * (من) * للتبعيض، والمراد: غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل. ويجوز عند الأخفش أن يكون " من " مزيدة (2)، ولم يجزه سيبويه (3). الصادق (عليه السلام): " حفظ الفروج عبارة عن التحفظ من الزنا في جميع القرآن، إلا هنا فإن المراد به الستر حتى لا ينظر إليها أحد، ولا يحل للرجل أن ينظر إلى فرج أخيه، ولا للمرأة أن تنظر الى فرج أختها " (4). ثم أخبر أنه * (خبير) * بأحوالهم وأفعالهم، ويعلم كيف * (يصنعون) *، فعليهم أن يكونوا على حذر واتقاء في كل حركة وسكون.


(1) قاله عطاء. راجع التبيان: ج 7 ص 427. (2) انظر معاني القرآن للأخفش: ج 1 ص 272. (3) انظر كتاب سيبويه: ج 4 ص 224. (4) الكافي: ج 2 ص 36 ح 1 قطعة. (*)

[ 616 ]

وأمر النساء أيضا بغض الأبصار وحفظ الفروج كما أمر الرجال. وعن ام سلمة قالت: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده ميمونة، فأقبل ابن ام مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصرنا ؟ فقال: أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه (1) ؟ الزينة: ما تزينت المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، وهي ظاهرة وباطنة، فالظاهر لا يجب سترها وهي الثياب، وقيل: الكحل والخاتم والخضاب في الكف (2)، وقيل: الوجه والكفان (3)، وعنهم (عليهم السلام): الكفان والأصابع، والباطنة كالخلخال والسوار والقلادة والقرط، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين (4). وسئل الشعبي: لم لم يذكر الله الأعمام والأخوال ؟ فقال: لئلا يصفها العم عند ابنه، وكذلك الخال (5). وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر، لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد، لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وأما الظاهرة فسومح فيها لهن، لأن المرأة لا تجد بدا من ذلك، خصوصا في الشهادة والمحاكمة. والخمر: المقانع، جمع خمار، أمرن بإلقائها على جيوبهن لأنها لو كانت واسعة تبدو منها نحورهن، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة، فأمرن بسدلها من قدامهن حتى تغطيها. ويجوز أن يكون المراد بالجيوب الصدور تسمية بما


(1) أخرجه الترمذي في سننه: ج 5 ص 102 ح 2778. (2) قاله ابن عباس. راجع التبيان: ج 7 ص 429. (3) وهو قول سعيد بن جبير والحسن وعطاء والأوزاعي. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 304، وتفسير الماوردي: ج 4 ص 91. (4) تفسير القمي: ج 2 ص 101 برواية أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام). (5) حكاه عنه الرازي في تفسيره: ج 23 ص 207. (*)

[ 617 ]

يليها، كما قيل: ناصح الجيب، وضربها بالخمار على الجيب وضعها عليه، كقولك: ضربت بيدي على الحائط. وقرئ: " جيوبهن " بكسر الجيم (1) لأجل الياء، و " بيوتا غير بيوتكم " (2) بكسر الباء (3). * (أو نسآئهن) * يعني: النساء المؤمنات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية، وعن ابن عباس: والظاهر أنه عنى بنسائهن و * (ما ملكت أيمنهن) * من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر والإماء (4). وقيل: * (ما ملكت أيمنهن) * هم الذكور والإناث جميعا (5). والتابع: هو الذي يتبعك لينال من طعامك، ولا حاجة له في النساء، وهو الأبله الذي لا يعرف شيئا من أمر النساء، وقرئ * (غير) * بالنصب (6) على الاستثناء أو الحال، وبالجر على الوصفية، و * (الإربة) * الحاجة * (أو الطفل) * وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، و * (لم يظهروا) * هو إما من ظهر على الشئ: إذا اطلع عليه، أي: لا يعرفون ما العورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان: إذا قوي عليه، أي: لم يبلغوا وقت القدرة على الوطء لعدم شهوتهم. وكانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الاخرى * (ليعلم) * أنها ذات خلخالين (7)، وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحلي علم أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ.


(1) قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وابن عامر وابن ذكوان والأعشى. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 330، وتفسير البغوي: ج 1 ص 161. (2) الآية: 27. (3) قرأه ابن كثير وابن عامر والكسائي. راجع التبيان: ج 7 ص 140. (4) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 231. (5) وهو قول ام سلمة وعائشة كما في تفسير البغوي: ج 3 ص 339. (6) وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر وأبي جعفر. راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 567. (7) قاله السدي. راجع تفسير السمرقندي: ج 2 ص 438. (*)

[ 618 ]

وقرئ: " أيه المؤمنون " بضم الهاء (1)، والوجه فيه: أن الألف لما سقطت من " أيها " لالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها. * (وأنكحوا الايمى منكم والصلحين من عبادكم وإمآئكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله وا سع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتب مما ملكت أيمنكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم من مال الله الذي ءاتكم ولا تكرهوا فتيتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكرا ههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم ءايت مبينت ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34)) * الأيامى واليتامى أصلهما " أياييم " و " تيايم " فقلبا، والأيم للرجل والمرأة، وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. وفي الحديث: " اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والأيمة والغيمة " (2). أي: * (أنكحوا) * من يأتم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم، وهذا أمر ندب واستحباب. وعنه (عليه السلام): " من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وهي النكاح " (3). وعنه (عليه السلام): " من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا " (4). وعنه (عليه السلام): " إلتمسوا الرزق بالنكاح " (5).


(1) وهي قراءة ابن عامر. راجع التبيان: ج 7 ص 429. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 233 مرسلا. (3) أخرجه البيهقي في سننه: ج 7 ص 78. (4) الكشاف: ج 3 ص 234. (5) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال: ج 16 ص 276 ح 44436 نقلا عن مسند الفردوس. (*)

[ 619 ]

الصادق (عليه السلام): " من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن بربه، لقوله تعالى: * (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) * " (1). * (لا يجدون نكاحا) * أي: استطاعة تزوج، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال * (والذين يبتغون) * مرفوع بالابتداء، أو منصوب بفعل مضمر يفسره * (فكاتبوهم) * كقولك: زيدا فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والمكاتبة والكتاب أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا، ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك، أو: كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق * (إن علمتم فيهم خيرا) * أي: صلاحا ورشدا، وقيل: قدرة على أداء مال الكتابة (2). * (وءاتوهم) * أمر بإعانتهم وإعطائهم سهمهم الذي جعله الله لهم في قوله: * (وفي الرقاب) * (3)، أو: حظهم من المال الذي عليهم وهو استحباب. * (ولا تكرهوا) * إماءكم على الزنا، وكانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكانت لعبدالله بن أبي ست جوار يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنزلت (4). ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة. وفي الحديث: " ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي " (5). و * (البغآء) * مصدر البغي، وإنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وهو التعفف. وكلمة * (إن) * وإيثارها على " إذا " تؤذن بأنهن كن يفعلن ذلك برغبة وطوع، ومن يجبرهن * (فإن الله من بعد إكرا ههن غفور) *


(1) الكافي: ج 5 ص 330 ح 5. (2) قاله مجاهد. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 314. (3) البقرة: 177. (4) أسباب النزول للواحدي: ص 273. (5) مسند أحمد: ج 2 ص 496. (*)

[ 620 ]

وللمكرهات لا للمكره * (رحيم) * بهن، وعن الصادق (عليه السلام): " لهن غفور رحيم ". و * (مبينت) * أي: واضحات ظاهرات في معاني الأحكام والحدود، و " مبينات " بالفتح: موضحات مفصلات * (ومثلا) * من أمثال * (من قبلكم) * وشبها من حالهم بحالكم. * (الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكوا ة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مبركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله الامثل للناس والله بكل شئ عليم (35) في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال (36) رجال لا تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوا ة وإيتآء الزكوا ة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصر (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشآء بغير حساب (38)) * قال: * (نور السموات) *، ثم قال: * (مثل نوره) * و * (يهدي الله لنوره) *، كما يقال: فلان كرم وجود، ثم يقول: ينعش الناس بكرمه ويشملهم جوده. ومعناه: ذو نور السماوات وصاحب نور السماوات، وإضافة النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين: إما لأن المراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون بنوره، وإما للدلالة على عموم إضاءته وشيوع إشراقه. ورووا عن علي (عليه السلام): * (الله نور السموات والأرض) * والمعنى: نشر فيها الحق فأضاءت بنوره، أو نور قلوب أهلها به (1).


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 242. (*)

[ 621 ]

* (مثل نوره) * أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة والإشراق * (كمشكوا ة) * أي: كصفة مشكاة، وهي الكوة في الجدار غير النافذة * (فيها مصباح) * أي: سراج ثاقب * (المصباح في زجاجة) * زهراء هي مشبهة في ظهورها (1) ب‍ * (كوكب درى) * من الكواكب المشهورة بمزيد الضوء والظهور (2) كالمشتري والزهرة ونحوهما، وهو منسوب إلى الدر، أي: أبيض متلألئ. وقرئ: " درئ " بالهمزة (3) على زنة " سكيت "، كأنه يدرأ الظلام أي: يدفعه بضيائه، و " دري " (4) كمريق، وهو العصفر * (يوقد) * هذا المصباح * (من شجرة) * أي: مبدأ ثقوبه من شجرة الزيتون، يعني: رويت ذبالته بزيتها، ومن قرأ " توقد " بالتاء (5) فالفعل للزجاجة، والتقدير: مصباحه الزجاجة، فحذف المضاف، وقرئ: * (يوقد) * بالياء أيضا * (مباركة) * كثيرة البركة والمنفعة، لأنه يسرج بدهنها، ويؤتدم بها، ويوقد بحطبه وثفله، ويغسل الإبريسم برماده، وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، وقيل: لأن سبعين نبيا باركوا فيها منهم إبراهيم (عليه السلام) (6) * (لا شرقية ولا غربية) * لأن منبتها الشام، وهي بين المشرق والمغرب، وأجود الزيتون زيتون الشام، وقيل: لا يفئ عليها ظل شرق ولا غرب، بل هي ضاحية للشمس لا يظلها شجر ولا جبل، فزيتها يكون أصفي (7)، وقيل: ليست في مقنأة (8) لا تصيبها الشمس، ولا في مضحى لا يصيبها الظل، لكن الشمس والظل


(1 و 2) في نسخة: " زهورها " و " الزهور ". (3) قرأه النحويان (أبو عمرو والكسائي). راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 568. (4) وهي قراءة المفضل. راجع المصدر السابق. (5) قرأه حمزة والكسائي وأبو بكر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 568. (6) قاله ابن عباس. راجع تفسير القرطبي: ج 12 ص 258. (7) قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة وابن سيرين. راجع التبيان: ج 7 ص 438. (8) المقنأة: الموضع الذي لا تطلع عليه الشمس، وضده: المضحاة. (لسان العرب: مادة قنأ). (*)

[ 622 ]

يتعاقبان عليها (1). وعن الحسن: ليست من شجرة الدنيا فتكون شرقية أو غربية (2) * (يكاد زيتها يضى ء) * من صفائه وفرط تلألئه وضيائه من غير نار، و * (نور على نور) * أي: هو نور متضاعف، قد تظاهر فيه نور الزيت ونور المصباح ونور الزجاجة، فلم يبق مما يقوي النور ويزيد في إضاءته بقية. واختلف في هذا النور الذي أضافه سبحانه إلى نفسه وما شبهه به، فذهب الأكثر من المفسرين إلى أنه نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، فكأنه قال: مثل محمد (صلى الله عليه وآله) رسول الله وهو المشكاة، والمصباح قلبه، والزجاجة صدره، شبهه بالكوكب الدري، ثم رجع إلى قلبه المشبه بالمصباح فقال: يوقد هذا المصباح من شجرة مباركة يعني: إبراهيم (عليه السلام)، لأن أكثر الأنبياء من صلبه، أو: شجرة الوحي لا شرقية ولا غربية: لا نصرانية ولا يهودية، لأن النصارى تصلي إلى المشرق واليهود إلى المغرب * (يكاد) * أعلام النبوة تشهد له قبل أن يدعو إليها، أو: يكاد صدقه في نبوته يتبين ويتميز وإن لم ير شئ من معجزاته، كما قال عبد الله بن رواحة: لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بديهته تنبئك بالخير (3) وعن الباقر (عليه السلام): " إن قوله: * (كمشكوا ة) * عليها مصباح هو نور العلم في صدر النبي (صلى الله عليه وآله)، والزجاجة صدر علي (عليه السلام)، علمه النبي (صلى الله عليه وآله) علمه فصار إلى صدره * (يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار) * يكاد العالم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) يتكلم بالعلم قبل أن يسأل * (نور على نور) * أي: إمام يؤيد بنوره العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وذلك من لدن آدم إلى قيام الساعة، هم خلفاء الله في أرضه، وحججه على خلقه، لا تخلو الأرض في كل عصر من واحد منهم " (4).


(1) قاله السدي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 346. (2) تفسير الحسن البصري: ج 2 ص 160. (3) حكاه الرازي في تفسيره: ج 23 ص 237. (4) التوحيد للصدوق: ص 158. (*)

[ 623 ]

وهذا يقتضي أن تكون الشجرة المباركة هي هذه الشجرة التي أشرقت الأرض بنورها من عهد آدم إلى منقرض العالم. وقيل: إن نور الله هو الحق (1)، كما في قوله: * (يخرجهم من الظلمات إلى النور) * (2) أي: من الباطل إلى الحق، وعن أبي بن كعب: أنه قرأ " مثل نور من آمن به " (3) يهدي الله بهذا النور الثاقب من يشاء من عباده، بأن يفعل به لطفا إذا علم أنه يصلح له، ويوفقه لاتباع دلائله. * (في بيوت) * يتعلق بما قبله، أي: كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد، أو بما بعده وهو * (يسبح له... رجال) * في بيوت. وقوله: * (فيها) * هو تكرير كما يقال: زيد في الدار جالس فيها، والمراد بالإذن: الأمر * (أن ترفع) * أي: تبنى، كقوله: بناها: رفع سمكها * (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) * (4)، أو: تعظم وترفع من قدرها، وقيل: هي بيوت الأنبياء (5)، وروي ذلك مرفوعا، وهو: أنه (عليه السلام) لما قرأ هذه الآية سئل: أي بيوت هذه ؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها، وأشار إلى بيت علي (عليه السلام) وفاطمة (عليهما السلام) ؟ فقال: نعم، من أفاضلها (6). * (ويذكر فيها اسمه) * أي: يتلى فيها كتابه، ويذكر أسماؤه الحسنى، وقرئ: " يسبح له " على البناء للمفعول (7)، وإسناده إلى أحد الظروف الثلاثة وهي: * (له فيها بالغدو والآصال) *.


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 242 ونسبه الى علي (عليه السلام). (2) البقرة: 257. (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 242. (4) البقرة: 127. (5) قاله مجاهد. راجع تفسير القرطبي: ج 12 ص 265. (6) رواه الآلوسي في تفسيره: ج 18 ص 174 عن أنس وبريدة. (7) قرأه ابن عامر وأبو بكر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 568. (*)

[ 624 ]

ويرتفع * (رجال) * بما دل عليه * (يسبح) * أي: يسبح رجال، والآصال: جمع أصل وهو العشي، والمعنى: بأوقات الغدو أي: بالغدوات، والتجارة: صناعة التاجر، أي: لا يشغلهم عن الذكر والصلاة، فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وقاموا إليها * (وإقام الصلوا ة) * أي: إقامتها، فإن التاء في " إقامة " عوض من العين الساقطة، إذ الأصل " إقوام " فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت، ونحوه: وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا (1) وتقلب القلوب والأبصار: أن تضطرب من الهول والفزع، و " تشخص " أي: تتقلب أحوالها فتفقه القلوب وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تفقه ولا تبصر، أي: يسبحون ليجزيهم جزاء أعمالهم مضاعفا، ويزيدهم على الثواب تفضلا، والتفضل يكون * (بغير حساب) *. * (والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمت في بحر لجى يغشه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمت بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يربها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والارض والطير صفت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السموات والارض وإلى الله المصير (42)) *


(1) وصدره: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا. والبيت منسوب لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان، وقيل: للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب. راجع ديوان زهير: 26. (*)

[ 625 ]

والسراب: ما يرى في الفلاة يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري، والقيعة: بمعنى القاع أو جمع القاع، وهو المستوي من الأرض، شبه ما يعمله الكفار من الأعمال التي يحسبها نافعة عند الله بسراب، يراه من غلبه العطش فيحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما يرتجيه * (ووجد الله) * عند عمله فجازاه على كفره، أو: وجد الله عنده بالمرصاد فأتم له جزاءه، وهذا في الظاهر خبر عن * (الظمان) * وفي المعنى خبر عن الكفار، وفي معناه: * (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنه هباء منثورا) * (1) * (عاملة ناصبة) * (2) * (يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * (3). والبحر اللجي: الكثير الماء، منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر * (يغشه) * أي: يعلو ذلك البحر * (موج) * من فوق ذلك الموج * (موج من) * فوق الموج * (سحاب... ظلمات) * ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب * (إذا أخرج) * الواقع فيها * (يده لم يكد يربها) * مبالغة في: لم يرها، أي: لم يقرب أن يراها، وهذا تشبيه ثان لأعمالهم في خلوها عن نور الحق وظلمتها لبطلانها بظلمات متراكمة * (ومن لم يجعل الله له نورا) * بتوفيقه ولطفه فهو في ظلمة الباطل لا نور له. وقرئ: " سحاب ظلمات " على الإضافة (4)، و " سحاب " بالرفع والتنوين " ظلمات " بالجر (5) بدلا من * (ظلمات) * الأولى. * (صفت) * يصففن أجنحتهن في الهواء، والضمير في * (علم) * ل‍ * (كل) * أو ل‍ * (الله) *، وكذلك في * (صلاته وتسبيحه) * كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.


(1) الفرقان: 23. (2) الغاشية: 3. (3) الكهف: 104. (4) قرأه ابن محيصن والبزي عن ابن كثير. راجع تفسير القرطبي: ج 12 ص 284. (5) وهي قراءة قنبل. راجع المصدر السابق. (*)

[ 626 ]

* (ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشآء ويصرفه عن من يشآء يكاد سنا برقه يذهب بالابصر (43) يقلب الله اليل والنهار إن في ذلك لعبرة لاولى الابصر (44) والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع يخلق الله ما يشآء إن الله على كل شئ قدير (45) لقد أنزلنا ءايت مبينت والله يهدي من يشآء إلى صرا ط مستقيم (46)) * * (يزجى) * يسوق، ومنه: البضاعة المزجاة، يزجيها كل أحد لا يرضاها، والسحاب قد يكون واحدا كالغماء وجمعا كالرباب * (ثم يؤلف بينه) * أي: بين أجزائه بأن يضم بعضها إلى بعض، ولذلك جاز " بينه " وهو واحد، كما قيل في قوله: بين الدخول فحومل (1) والركام: المتراكم، والودق: المطر * (من خلله) * من فتوقه ومخارج القطر منه جمع خلل، وقرئ في الشواذ: " من خلله " (2). ذكر من جملة الدلائل على ربوبيته: تسبيح من في السماوات والأرض وكل ما يطير، ثم ذكر سبحانه: تسخير السحاب، وإنزال المطر منه، وما يحدث فيه من الأفعال على ما تقتضيه الحكمة. و * (من) * الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والثالثة للتبيين، أو: الأولتان للابتداء، والآخرة للتبعيض، على معنى: ينزل البرد من السماء * (من جبال فيها) *،


(1) وتمام البيت: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل لامرئ القيس وهو مطلع معلقته المشهورة. انظر شرح المعلقات السبعة للزوزني: ص 4. (2) قرأه ابن عباس وابن مسعود والضحاك. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 104. (*)

[ 627 ]

وعلى الأول يكون * (من جبال) * مفعول * (ينزل) * وقرئ: * (يذهب بالأبصر) * على أن يكون الباء مزيدة كما في قوله: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (1) أي: يكاد ضوء برقه يخطف البصر لشدة لمعانه. * (يقلب الله اليل والنهار) * أي: يصرفهما ويخالف بينهما بالطول والقصر. ولما كان اسم " الدابة " يقع على المميز وغير المميز غلب حكم المميز بأن قال: * (فمنهم من يمشى) * في الماشي على بطنه، والماشي على * (أربع) * قوائم، ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع، لأنه كما يمشي على أربع في مرأى العين. وعن الباقر (عليه السلام): " ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك " (2). وإنما نكر قوله: * (من ماء) * لأن المعنى: أنه خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، فمنها ناس، ومنها بهائم، ومنها هوام، ومن نحوه قوله: * (يسقى بماء وا حد) * (3). وسمى الزحف على البطن مشيا على طريق الاستعارة، كما قالوا: مشى هذا الأمر، أو: على طريق المشاكلة لأنه ذكرها مع الماشين. وقرئ: " خالق " (4). * (ويقولون ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظلمون (50) إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك


(1) البقرة: 195. (2) تفسير القمي: ج 2 ص 107 وفيه عن الصادق (عليه السلام). (3) الرعد: 4. (4) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 569. (

[ 628 ]

هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52)) * يعني بقوله: * (إلى الله ورسوله) * إلى رسول الله بدلالة قوله: * (ليحكم بينهم) *، كما قيل: أعجبني زيد وكرمه، والمراد: كرم زيد. وروي: أن رجلا كانت بينه وبين علي (عليه السلام) خصومة في ماء وأرض، فقال الرجل: لا أحاكم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فإني أخاف أن يحكم له علي (1). وذكر أبو القاسم البلخي: أنها كانت بين علي (عليه السلام) وبين عثمان، وكان قد اشترى أرضا من علي (عليه السلام)، فخرجت فيها أحجار، فأراد ردها بالعيب، فقال: بيني وبينك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمه حكم له، فنزلت (2). * (مذعنين) * مسرعين منقادين، و * (إليه) * صلته أو صلة * (يأتوا) *، والمعنى: أنهم ينحرفون عن المحاكمة إليك إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم إلا بالحق المر والعدل البحت، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذ لهم ما ثبت لهم في ذمة الخصم. * (بل أولئك هم الظلمون) * أي: لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله، وإنما هم ظالمون يريدون ظلم من له الحق عليهم. وقرئ: * (يتقه) * بكسر القاف والهاء مع الوصل (3) وبغير وصل (4)، وبسكون


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 248. (2) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 450. (3) قرأه ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وورش وقالون وابن سعدان عن اسحاق المسيبي عن نافع. راجع التبيان: ج 7 ص 452. (4) قرأه قالون عن نافع والأعشى ويعقوب. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 570. (*)

[ 629 ]

الهاء (1)، وبسكون القاف وكسر الهاء. شبه " تقه " بكتف فخفف، كقول الشاعر: قالت سليمى: اشتر لنا سويقا (2) وعن ابن عباس: * (ومن يطع الله) * في فرائضه * (ورسوله) * في سننه، ويخشى * (الله) * على ما مضى من ذنوبه ويتقه في المستقبل (3). * (وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلغ المبين (54) وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصلحت ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بى شيا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفسقون (55)) * * (جهد أيمنهم) * أصله: يجهدون الأيمان جهدا، فحذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافا إلى المفعول، كقوله: * (فضرب الرقاب) * (4)، وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال: جاهدين أيمانهم، وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية وكادتها، وعن ابن عباس: من قال: بالله، فقد جهد يمينه (5). * (لئن أمرتهم) * بالخروج في غزواتك


(1) وهي قراءة أبي عمرو وأبي بكر وابن عامر ويحيى. راجع المصدر السابق. (2) وعجزه: وهات خبز البر أو دقيقا والبيت منسوب للعذافر الكندي، والسويق: ما تعمله العرب من الحنطة والشعير. انظر الكشاف: ج 3 ص 249. (3) تفسير ابن عباس: ص 298. (4) محمد (صلى الله عليه وآله): 4. (5) تفسير ابن عباس: ص 298. (*)

[ 630 ]

* (طاعة معروفة) * خبر مبتدأ محذوف، أي: أمركم، والذي يطلب منكم طاعة معلومة لا يشك فيها كطاعة المخلصين لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم لا تطابقها، أو: مبتدأ محذوف الخبر أي: طاعة معلومة (1) أولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة * (إن الله خبير بما) * في ضمائركم يجازيكم عليه. * (فإن) * تتولوا عن طاعة الله ورسوله فإنما ضررتم أنفسكم، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن العهدة * (وعليكم) * ما كلفتم من التلقي بالقبول والانقياد للطاعة، و * (البلغ) *: التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و * (المبين) * المقرون بالآيات والمعجزات. * (وعد الله) * المؤمنين المطيعين لله، ورسوله أن ينصر دين الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم خلفاء فيها كما فعل ببني إسرائيل إذ أهلك الجبابرة، وأورثهم أرضهم وأموالهم، وأن يمكن * (لهم دينهم الذي) * أمرهم أن يدينوا به، وتمكينه وتثبيته وتوطيده وإظهاره على الدين كله، كما قال (عليه السلام): " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " (2). وروى المقداد عنه (عليه السلام) أنه قال: " لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما أن يذلهم فيدينون لها " (3). وقرئ: " كما استخلف " بضم التاء (4) * (وليبدلنهم) * من الأبدال * (يعبدونني) * استئناف أو حال من " وعدهم ".


(1) في نسخة: " معروفة ". (2) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1304 ح 3952. (3) رواه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 455. (4) قرأه أبو بكر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 571. (*)

[ 631 ]

وروي عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، أنه قال: " هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل ذلك بهم على يدي رجل منا، وهومهدي هذه الأمة، وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " (1). وروي ذلك عن الباقر (عليه السلام) والصادق أيضا (عليه السلام). * (وأقيموا الصلوا ة وءاتوا الزكوا ة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض ومأوبهم النار ولبئس المصير (57) يأيها الذين ءامنوا ليستذنكم الذين ملكت أيمنكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلث مرا ت من قبل صلوا ة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوا ة العشاء ثلث عورا ت لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوا فون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الايت والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الاطفل منكم الحلم فليستئذنوا كما استذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم ءايته والله عليم حكيم (59) والقوا عد من النساء التى لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجت بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60)) * * (أقيموا) * معطوف على * (وأطيعوا الرسول) * وجاز وإن طال الفاصل بينهما، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. وقرئ: " لا يحسبن " بالياء (2)، والوجه فيه أن يكون فاعله ضمير النبي (صلى الله عليه وآله)


(1) رواه الميرزا المشهدي في كنز الدقائق: ج 7 ص 109 عن العياشي. (2) قرأه ابن عامر وحمزة. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 571. (

[ 632 ]

لتقدم ذكره، أو يكون أحد المفعولين محذوفا، أي: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين. أمر سبحانه بأن يستأذن العبيد والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار * (ثلث مرا ت) * في اليوم والليلة: * (قبل صلوا ة الفجر) * لأنه وقت القيام عن المضاجع ولبس الثياب، وب‍ * (الظهيرة) * لأنه وقت وضع الثياب للقائلة، و * (بعد صلوا ة العشاء) * لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم، وسمى كل وقت من هذه الأوقات عورة لأن الناس يختل تحفظهم وتسترهم فيها. والعورة: الخلل، ثم عذرهم في ترك الاستئذان في غير هذه الأحوال، وبين وجه العذر في ذلك بقوله: * (طوا فون عليكم) * أي: هم خدمكم يطوفونب عليكم للخدمة، فلا يجدون بدا من دخولهم عليكم * (بعضكم على بعض) * أي: يطوف بعضكم وهم المماليك على الموالي. وقرئ: " ثلاث عورات " بالنصب (1) بدلا عن * (ثلث مرات) * أي: أوقات ثلاث عورات، وإذا رفعت * (ثلث عورات) * كان قوله: * (ليس عليكم) * في محل الرفع على الوصف، والمعنى: هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت كان * (ليس عليكم) * كلاما مستأنفا مقررا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، و * (بعضكم) * مبتدأ، والتقدير: بعضكم طائف على بعض، فحذف لأن * (طوا فون) * يدل عليه. * (بلغ الأطفل منكم) * الأحرار دون المماليك، والمعنى: أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في الأحوال الثلاث، فإذا خرجوا من حد الطفولية * (فليستئذنوا) * في جميع الأوقات كالرجال الكبار. وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم وإخوانكم (2).


(1) قرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 459. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 254. (*)

[ 633 ]

القاعد: التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها * (لا يرجون نكاحا) * لا يطمعن فيه، والمراد بالثياب: الثياب الطاهرة (1) كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار، وفي قراءة أهل البيت (عليهم السلام): " أن يضعن من ثيابهن غير متبرجات بزينة " (2) غير مظهرات زينة بوضع ثيابهن. وحقيقة التبرج: تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، واختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها، وإظهار محاسنها، والاستعفاف بلبس الجلابيب * (خير لهن) * وإن سقط الحرج عنهن فيه. * (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أآبائكم أو بيوت أمهتكم أو بيوت إخوا نكم أو بيوت أخوا تكم أو بيوت أعممكم أو بيوت عمتكم أو بيوت أخوا لكم أو بيوت خلتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مبركة طيبة كذلك يبين الله لكم الايت لعلكم تعقلون (61) إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستذنوه إن الذين يستئذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم (62)) * كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم، وإلى بيوت أقربائهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخافوا أن يلحقهم فيه حرج فقيل: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على أنفسكم " يعني:


(1) في نسخة: " الظاهرة ". (2) التبيان: ج 7 ص 461. (*)

[ 634 ]

ليس عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين * (حرج) * في ذلك، وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومؤاكلتهم لما عسى أن يلحقهم من الكراهة من قبلهم (1). وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون، فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجون عنه ولا عليكم * (أن تأكلوا) * من هذه البيوت (2)، ولم يأت ذكر الأولاد لأن ذكرهم قد دخل في قوله: * (من بيوتكم) * لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه. وفي الحديث: " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " (3). وملك المفاتيح: كونها في يده وحفظه، و " الصديق " يكون واحدا أو (4) جمعا، وكذلك العدو، والمعنى: أو بيوت أصدقائكم، وعن أئمة الهدى (عليهم السلام) قالوا: " لا بأس بالأكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله تعالى بغير إذنهم قدر حاجتهم من غير إسراف " (5). وعن الحسن: أنه دخل داره فإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم يأكلون، فتهلل وجهه سرورا وقال: هكذا وجدناهم - يريد كبراء الصحابة - وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورا بذلك (6).


(1) قاله ابن عباس والضحاك والكلبي. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 122. (2) قاله سعيد بن المسيب. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 357. (3) مسند أحمد: ج 6 ص 31 و 42، سنن البيهقي: ج 7 ص 480. (4) في نسخة: " و " بدل " أو ". (5) التبيان: ج 7 ص 463. (6) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 358. (*)

[ 635 ]

وعن جعفر الصادق (عليه السلام): " من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن " (1). * (جميعا أو أشتاتا) * أي: مجتمعين أو متفرقين، كانوا لا يأكلون إلا مع ضيفهم، ويتحرج الرجل أن يأكل وحده، و * (إذا دخلتم بيوتا) * من هذه البيوت فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة * (تحية من عند الله) * ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه، ولأن التسليم طلب سلامة للمسلم عليه، والتحية طلب حياة للمحيى من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق. ومنه قوله (عليه السلام): " سلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك " (2) و * (تحية) * منصوبة ب‍ " سلموا " لأنها في معنى " تسليما "، كما تقول: حمدت شكرا. * (وإذا كانوا) * مع النبي (صلى الله عليه وآله) * (على أمر جامع) * يقتضي الاجتماع عليه والتعاون فيه، من حضور حرب أو مشورة في أمر أو صلاة جمعة وما أشبهها * (لم يذهبوا حتى يستئذنوه) * جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله مع تصدير الجملة ب‍ * (إنما) *، وإيقاع " المؤمنين " مبتدأ مخبرا عنه بموصول يحيط صلته بذكر الإيمانين، ثم أكد ذلك بأن أعاد ذكره على أسلوب آخر فقال: * (إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله) * ضمنه شيئا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، ثم خيره (صلى الله عليه وآله) بين أن يأذن وبين أن لا يأذن، وهكذا حكم من قام مقامه من الأئمة (عليهم السلام). * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم الله


(1) رواه عنه (عليه السلام) الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 257. (2) أخرجه ابن كثير في تفسيره: ج 3 ص 295. (*)

[ 636 ]

الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم مآ أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم (64)) * أي: * (لا تجعلوا) * تسميته ونداءه * (بينكم) * كما يسمي بعضكم بعضا ويناديه باسمه، فلا تقولوا: يا محمد (صلى الله عليه وآله)، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والتواضع وخفض الصوت، أو: لا تقيسوا دعاء (1) إياكم على * (دعاء بعضكم بعضا) * ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، فإن في القعود عن أمره قعودا عن أمر الله تعالى، أو: لا تجعلوا * (دعاء الرسول) * لكم أو عليكم مثل دعائكم، فإن دعوته مستجابة مسموعة * (يتسللون منكم) * قليلا * (لواذا) * أي: ملاوذة، يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، المعنى: يتسللون عن الجماعة في الخفية، يستتر بعضهم ببعض. و * (لواذا) * حال، أي: ملاوذين، وقيل: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن (2)، وقيل: كانوا يتسللون عن الجهاد يرجعون عنه (3)، وقيل: عن خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الجمعة (4). يقال: خالفه إلى الأمر: إذا ذهب هو إليه دونه، ومنه قوله تعالى: * (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه) * (5) وخالفه عن الأمر: إذا صد عنه دونه، ومعناه: الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين، والمفعول محذوف، والضمير في * (أمره) * لله أو للرسول، والمعنى:


(1) في نسخة: " دعاءه ". (2) قاله عروة ومحمد بن كعب القرظي. راجع الدر المنثور: ج 6 ص 229. (3) وهو قول مجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 128. (4) قاله الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 262. (5) هود: 88. (*)

[ 637 ]

عن طاعة الله ودينه * (أن تصيبهم فتنة) * أي: محنة في الدنيا تظهر نفاقهم أو بلية. وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام): " يسلط عليهم سلطانا جائرا، وعذابا أليما في الآخرة " (1)، وهذا يدل على أن أوامر النبي (صلى الله عليه وآله) على الوجوب. أدخل * (قد) * ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة، وتوكيد العلم لتوكيد الوعيد، وذلك أن " قد " إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى " ربما "، فوافقت " ربما " في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله: فإن تمس مهجور الغناء فربما * أقام به بعد الوفود وفود (2) ونحوه قول زهير: أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنه قد يهلك المال نائله (3) * (ألا إن لله ما في السموات والارض) * قد اختص جميعها به، خلقا وملكا وعلما، فكيف يخفي عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها، وس‍ * (ينبئهم) * يوم القيامة بما أبطنوه ويجازيهم عليه. والخطاب والغيبة في قوله: * (قد يعلم مآ أنتم عليه) *، * (ويوم يرجعون إليه) * يجوز أن يكونا معا (4) للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون * (ما أنتم عليه) * عاما و * (يرجعون) * خاصا. (5)


(1) رواه عنه (عليه السلام) الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 260. (2) البيت منسوب لابن عطاء السندي من قصيدة نظمها في رثاء ابن هبيرة لما قتله المنصور الدوانيقي، يقول: فإن هجر الناس بيتك الآن فلا حزن، لأنه كثيرا ما اجتمعوا فيه في حياتك ومنحوا خيرا. راجع شرح شواهد الكشاف للأفندي: ص 62. (3) البيت من قصيدة يمدح بها حصن بن حذيفة بن بدر ويصفه بالكريم، يقول: إن ماله " لا يتلفه " شئ بقدر ما " يتلفه " عطاؤه المتواصل. راجع ديوان زهير: ص 68. (4) في نسخة: " عاما ". (5) في المخطوطة زيادة: بهم. (*)

[ 639 ]

سورة الفرقان مكية إلا آيات (1)، وهي سبع وسبعون آية بلا خلاف. وفي حديث أبي: " من قرأها بعث يوم القيامة وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأدخل الجنة بغير نصب " (2). [ عن إسحاق بن عمار ] عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: " يابن عمار، لا تدع قراءة سورة * (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) * فإن من قرأها في كل ليلة لم يعذبه الله أبدا، ولم يحاسبه، وكان منزله في الفردوس الأعلى " (3).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 669: قال مجاهد وقتادة: هي مكية، وقال ابن عباس: نزلت ثلاث آيات منها بالمدينة، من قوله: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) * الى قوله: * (رحيما) *، عدد آياتها سبع وسبعون آية ليس فيها خلاف. وقال القرطبي في تفسيره: ج 13 ص 1: مكية كلها في قول الجمهور، وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي: * (والذين لا يدعون مع الله) * الى قوله: * (وكان الله غفورا رحيما) *، وقال الضحاك: هي مدنية، وفيها آيات مكية قوله: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) *. وفي الكشاف: ج 3 ص 262: مكية إلا الآيات 68 و 69 و 70 فمدنية وآياتها 77، نزلت بعد يس. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 298 مرسلا. (3) ثواب الأعمال للصدوق: ص 135. (*)

[ 640 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرا (1) الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا (2) واتخذوا من دونه ءالهة لا يخلقون شيا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيوا ة ولا نشورا (3) وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتربه وأعانه عليه قوم ءاخرون فقد جاءوا ظلما وزورا (4) وقالوا أسطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا (5) قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والارض إنه كان غفورا رحيما (6) وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظلمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الامثل فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنت تجري من تحتها الانهر ويجعل لك قصورا (10)) * البركة: الكثرة من الخير، ومنها: * (تبارك) * الله أي: عظمت خيراته وكثرت. وسمي القرآن " فرقانا " لفصله بين الحق والباطل، أو: لأنه لم ينزل جملة واحدة بل متفرقا مفصولا بين بعضه وبعض في الإنزال * (ليكون) * الضمير ل‍ * (عبده) * أو ل‍ * (الفرقان) *، * (للعلمين) * للجن والإنس * (نذيرا) * منذرا مخوفا، أو: إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار. * (الذي له) * بدل من * (الذي نزل) *، أو مدح * (وخلق كل شئ) * أي: وأوجد كل شئ * (فقدره) * هيأه لما يصلح له.

[ 641 ]

والخلق بمعنى الافتعال (1) في قوله: * (لا يخلقون شيئا) * (2) أي: لا يقدرون على شئ من أفعال الله ولا من أفعال العباد، فلا يفتعلون شيئا وهم يفتعلون، لأنهم عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم * (ولا يملكون) * لا يستطيعون * (لأنفسهم) * دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها، وإذا عجزوا عن ذلك فهم عن الموت والحياة أعجز. * (وأعانه عليه قوم ءاخرون) * وهم اليهود، وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي (3). " جاء " و " أتى " يستعملان في معنى فعل، فيعديان تعديته، ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل، وظلمهم أنهم جعلوا العربي يتلقن من العجمي كلاما عربيا أعجز الفصحاء (4) بفصاحته، والزور: بهتهم بنسبة ما هو برئ منه إليه. و * (أسطير الأولين) *: ما سطره المتقدمون في كتبهم * (اكتتبها) * كتبها لنفسه وأخذها، كما تقول: إصطب الماء: إذا صبه لنفسه وأخذه، * (فهي تملى عليه) * أي: تلقى عليه من كتابه يتحفظها * (بكرة وأصيلا) * أي: دائما، أو: في الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى مساكنهم، أي: يعلم الخفيات وبواطن الأمور، ومن جملتها: ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما تقولونه باطل وزور * (إنه كان غفورا رحيما) * لا يعاجل بعقابكم مع استيجابكم بمكابرتكم هذه أن يصب عليكم العذاب. * (مال هذا الرسول) * حاله مثل حالنا * (يأكل الطعام) * كما نأكل * (ويمشى في الأسواق) * لطلب المعاش كما نمشي وكان يجب أن يكون مستغنيا عن الأكل والتعيش بأن يكون ملكا، ثم نزلوا عن هذا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه


(1) في نسخة: " الاقتدار ". (2) النحل: 20. (3) قاله الكلبي ومقاتل. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 132. (4) في نسخة زيادة: " والبلغاء ". (*)

[ 642 ]

* (ملك) * يعينه على الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا بأن قالوا: * (أو يلقى إليه كنز) * يستظهر به ويستغني عن طلب المعاش، ثم نزلوا فاتسعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويأكلون منه، فقد قرئ: * (يأكل) * بالياء والنون (1) * (وقال الظلمون) * وضع الظاهر موضع المضمر، وإنما أرادهم، وقوله: * (فيكون) * نصب لأنه جواب، * (لولا) * بمعنى " هلا "، وحكمه حكم الاستفهام، وعطف * (يلقى) * و * (يكون) * على * (أنزل) * لأن محله الرفع، لأنه في معنى " ينزل " بالرفع. * (ضربوا لك الأمثل) * أي: قالوا فيك تلك الأقوال النادرة من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السماء وغير ذلك، فهم متحيرون ضلال لا يجدون قولا يستقرون عليه، أو: فضلوا عن الحق لا يهتدون إليه، تكاثر خير * (الذي إن شآء) * وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا. وقرئ: * (ويجعل لك) * بالرفع (2) والجزم عطفا على * (جعل) * لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع، كقول زهير: وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب مالي ولا حرم (3) * (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لهآ تغيظا وزفيرا (12) وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا وا حدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون


(1) وبالنون قرأه حمزة والكسائي. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 462. (2) وهي قراءة ابن كثير وعاصم برواية أبي بكر وابن عاصم. راجع الكشف عن وجوه القراءات السبع للقيسي: ج 2 ص 144. (3) والبيت من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان، ومعناه واضح. انظر ديوان زهير بن أبي سلمى: ص 91 وفيه " مسألة " بدل " مسغبة ". (*)

[ 643 ]

كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خلدين كان على ربك وعدا مسئولا (16) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحنك ما كان ينبغى لنآ أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20)) * * (بل كذبوا بالساعة) * عطف على ما حكى عنهم، يقول: بل أتوا بما هو أعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة، أو هو متصل بما يليه أي: كيف يصدقون بذلك وهم لا يؤمنون بالآخرة، والسعير: النار المستعرة. * (إذا رأتهم) * نسب الرؤية إلى النار، وإنما يرونها هم وهو كقولهم: دور بني فلان تترى (1) أي: كان بعضها يرى بعضا، فالمعنى: إذا كانت منهم بمرائي النظر (2) سمعوا صوت التهابها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر، وقيل: التغيظ للنار والزفير لأهلها (3). * (مكانا ضيقا) * جمع على أهل النار التضييق والإرهاق، نعوذ بالله منها. وعن ابن عباس: أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مصفدون، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع والأصفاد (4). وقيل: قرنوا مع الشياطين في السلاسل (5). والثبور: الهلاك، ودعاؤه أن يقولوا: واثبوراه،


(1) كذا في النسخ، وهو مصحف " تتراءى " كما هو واضح. (2) في نسخة: " الناظر ". (3) وهو قول قطرب. راجع تفسير الرازي: ج 24 ص 56. (4) تفسير ابن عباس: ص 301. (5) قاله يحيى بن سلام. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 134. (*)

[ 644 ]

أي: تعال فهذا زمانك. * (لا تدعوا) * أي: يقال لهم، أو: هم حري بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن هناك قول، أي: وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه بواحد، إنما هو ثبور كثير. أي: وعدها المتقون * (لهم فيها ما يشاءون‍) * - ه، * (كانت لهم جزاء) * أي: كان ذلك مكتوبا في اللوح، أو: لأن موعد الله في تحققه كأنه قد كان، والضمير في * (كان) * ل‍ * (ما يشاءون) * أي: كان ذلك موعودا واجبا * (على ربك) * إنجازه، حقيقا بأن يسأل ويطلب لأنه ثواب مستحق، وقيل: * (مسئولا) * يسأله الملائكة والناس في دعواتهم (1) * (ربنا وأدخلهم جنت عدن التي وعدتهم) * (2) * (ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك) * (3). وقرئ: * (يحشرهم... فيقول) * كلاهما بالنون (4) والياء * (وما يعبدون) * يريدون معبودهم من الملائكة والإنس والأصنام إذا أنطقهم الله. والفائدة في * (أنتم) * و * (هم) * وإيلائهما حرف الاستفهام: أن السؤال إنما وقع عن متولي الفعل لا عن الفعل ووجوده، فقدم ليعلم أنه المسؤول عنه. * (قالوا سبحنك) * أي: تنزيها لك عن الشريك، وهذا تعجب منهم مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون، أو: قالوا سبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون الموسومون بذلك * (ما كان) * يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحدا دونك، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولانا دونك ؟ وقرئ: " نتخذ " (5)، وروي ذلك


(1) قاله محمد بن كعب القرظي. راجع المصدر السابق: ص 135. (2) غافر: 8. (3) آل عمران: 194. (4) قرأه ابن عامر والحسن وطلحة. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 462، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 487. (5) قرأه أبو الدرداء وزيد بن علي (عليه السلام) والحسن وأبو جعفر والسلمي. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 105، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 10. (*)

[ 645 ]

عن الصادق (عليه السلام) (1). و " اتخذ " قد يتعدى إلى مفعول واحد وإلى مفعولين، فالقراءة الأولى من المتعدي إلى مفعول واحد وهو * (من أولياء) *، والأصل: " أن نتخذ أولياء " فزيدت * (من) * لتأكيد النفي، والثانية من المتعدي إلى مفعولين و * (من) * للتبعيض أي: نتخذ بعض أولياء، و * (الذكر) * ذكر الله والإيمان به، أو: القرآن والشرع، والبور: الهلاك يوصف به الواحد والجمع، أو: هو جمع بائر كعائذ وعوذ. وفي هذه الآية دلالة على أن بطلان قول من يزعم أن الله تعالى يضل عباده على الحقيقة، حيث يقول للمعبودين من دونه: * (ءأنتم أضللتم عبادي.. أم هم ضلوا) * بأنفسهم، فيتبرؤون من إضلالهم ويستعيذون به من أن يكونوا مضلين، ويقولون: بل أنت تفضلت على هؤلاء وآبائهم، فجعلوا النعمة التي هي سبب الشكر سببا للكفر ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم، فبرؤا أنفسهم من الإضلال ونزهوه سبحانه أيضا منه حيث أضافوا إليه " التمتيع بالنعمة "، وأضافوا نسيان الذكر الذي هو سبب البوار إليهم، فشرحوا الإضلال المجازي الذي نسبه الله إلى ذاته في قوله: * (يضل من يشآء) * (2)، ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. * (بما تقولون) * قرئ بالتاء والياء (3)، فالتاء على معنى: فقد كذبوكم بقولكم: لهم آلهة، والياء على معنى: فقد كذبوكم بقولهم: * (سبحنك ما كان ينبغى لنا) * الآية، وقرئ: * (فما تستطيعون) * بالتاء والياء (4) أيضا، فالتاء على: فما تستطيعون


(1) رواه أبو حيان في البحر المحيط: ج 6 ص 489 عن أبي جعفر (عليه السلام). (2) الرعد: 27، النحل: 93، فاطر: 8. (3) وبالياء قرأه ابن أبي بزة عن ابن كثير. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 463. (4) وبالياء هي قراءة الجمهور وأبي بكر عن عاصم، وروي عن علي (عليه السلام). راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 463، والبحر المحيط: ج 6 ص 490. (*)

[ 646 ]

أنتم صرف العذاب عنكم، وقيل: الصرف: التوبة (1)، وقيل: الحيلة (2) من قولهم: إنه ليتصرف، أي: ليحتال، والياء على: فما يستطيع آلهتكم ذلك * (نذقه عذابا كبيرا) * في الآخرة، والكافر ظالم لقوله: * (إن الشرك لظلم عظيم) * (3). والجملة بعد * (إلا) * صفة لمحذوف، والمعنى: وما أرسلنا أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف لدلالة الجار والمجرور عليه، ونحوه: * (وما منآ إلا له مقام معلوم) * (4) أي: وما منا أحد، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " ويمشون " على البناء للمفعول (5) أي: يمشيهم حوائجهم أو الناس * (فتنة) * أي: محنة وابتلاء، وهذا تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وتصبير له على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق، يعني: إنا نبتلي المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم. وموقع قوله: * (أتصبرون) * بعد ذكر الفتنة موقع " أيكم " بعد الابتلاء في قوله: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * (6)، * (وكان ربك بصيرا) * أي: عالما بالصواب فيما يبتلى به وغيره، فلا يضيقن صدرك بأقوالهم واصبر، وقيل: هو تسلية له عما عيروه به من الفقر حين قالوا: * (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة) * (7) أي: جعلنا الأغنياء فتنة للفقراء لننظر هل يصبرون، وقيل: جعلناك فتنة لهم لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بها، فبعثناك فقيرا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا من غير طمع وغرض دنيوي (8)، وقيل: كان أبو جهل وأضرابه يقولون: إن أسلمنا وقد أسلم


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 271. (2) حكاه ابن قتيبة، نقله عنه الماوردي في تفسيره: ج 4 ص 138. (3) لقمان: 13. (4) الصافات: 164. (5) تفسير القرطبي: ج 13 ص 13. (6) هود: 7، والملك: 2. (7) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 272، والآية: 8 من هذه السورة. (8) قاله ابن عطية. راجع تفسير الآلوسي: ج 18 ص 255. (*)

[ 647 ]

قبلنا صهيب وبلال وفلان وفلان، ترفعوا علينا إذلالا بالسابقة فذلك الفتنة (1). * (وقال الذين لا يرجون لقآءنآ لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملئكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنه هباء منثورا (23) أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمم ونزل الملئكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكفرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطن للانسن خذولا (29) وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا القرءان مهجورا (30)) * أي: لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة، أو: لا يخافون لقاءنا بالشر، والرجاء: الخوف في لغة تهامة، جعلت الصيرورة إلى دار جزائه بمنزلة لقائه لو كان ملقيا، هلا * (أنزل علينا الملئكة) * فتخبرنا بأن محمدا صادق * (أو نرى ربنا) * جهرة فيأمرنا بتصديقه واتباعه * (استكبروا في أنفسهم) * بأن أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم، ونحوه: * (إن في صدورهم إلا كبر) * (2)، و * (عتوا) * أي: تجاوزوا لحد في الطغيان، ووصف العتو بالكبير فبالغ في إفراطه، أي: أنهم لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا أقصى العتو وغاية الاستكبار، واللام جواب قسم محذوف.


(1) قاله مقاتل. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 365. (2) غافر: 56. (*)

[ 648 ]

* (يوم يرون) * منصوب بما دل عليه * (لا بشرى) * أي: يمنعون البشرى، و * (يومئذ) * تكرير، أو منصوب ب‍ " ذكر " أي: اذكر يوم * (يرون الملئكة) *، ثم ابتدأ * (لا بشرى يومئذ) *، وقوله: * (للمجرمين) * إما ظاهر في موضع مضمر، وإما لأنه عام، فقد تناولهم بعمومه * (حجرا محجورا) * منصوب بفعل ترك إظهاره، قال سيبويه: يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا ؟ فيقول: حجرا (1)، وهو من حجره: إذا منعه. والمعنى: أسأل الله أن يحجر ذلك حجرا، ومجيئه على فعل أو فعل تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، كما قيل: فديت وعمرك، قال: عوذ بربي منكم وحجر، وهذه كلمة كانوا يقولونها عند لقاء عدو أو هجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة * (محجورا) * صفة ل‍ * (حجرا) * جاءت لتأكيد معناه، كما قالوا: موت مائت. والمعنى: أنهم يطلبون الملائكة، وإذا رأوهم يوم القيامة كرهوا لقاءهم وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو الموتور، وقيل: هو من قول الملائكة (2)، ومعناه: حراما محرما عليكم الغفران والجنة أو البشرى، أي: جعل الله ذلك حراما عليكم. * (وقدمنا إلى ما عملوا) * ليس هنا قدوم ولكن شبه حالهم وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وقري ضيف وإغاثة ملهوف وغيرها من المكارم بحال قوم عصوا ملكهم فقدم إلى أسبابهم وأملاكهم فأبطلها ولم يترك لها أثرا، والهباء: ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس، شبيه بالغبار * (منثورا) * صفة ل‍ * (هباء) * أي: منتشرا متناثرا.


(1) كتاب سيبويه: ج 1 ص 193. (2) قاله قتادة والضحاك ومجاهد وعطية العوفي والحسن وعطاء وعكرمة وخصيف. راجع التبيان: ج 7 ص 483، وتفسير الماوردي: ج 4 ص 141. (*)

[ 649 ]

المستقر: المكان الذي يستقرون فيه متحادثين، والمقيل: المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، وسمي مقيلا على طريق التشبيه، وفي لفظ * (أحسن) * رمز إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه والصور وغير ذلك من التحاسين. وقرئ: * (تشقق) * والأصل " تتشقق " فحذف التاء في إحدى القراءتين وأدغم في القراءة الأخرى * (بالغمم) * الباء للحال، أي: تتشقق السماء وعليها الغمام، كما تقول: ركب الأمير بسلاحه، أي: وعليه سلاحه * (ونزل الملئكة) * ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد، وقرئ: " وننزل الملائكة " (1). * (الملك يومئذ الحق) * الثابت * (للرحمن) *، لأن كل ملك يزول يومئذ ويبطل ولا يبقى إلا ملكه، ف‍ * (الملك) * مبتدأ، و * (يومئذ) * ظرف له، و * (الحق) * صفة له، و * (للرحمن) * خبره. ويجوز أن يكون * (يومئذ) * ظرفا للخبر، ويجوز أن يكون * (الحق) * خبرا، والجار والمجرور في موضع الحال. العض على اليدين، والسقوط في اليد، وأكل البنان، وحرق الإرم، وقرع الأسنان، كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، واللام في * (الظالم) * يجوز أن يكون للعهد فيكون مخصوصا على ما ذكر في الرواية، ويجوز أن يكون للجنس فيتناول كل ظالم تبع خليله وتابعه على إضلاله تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه سبيل الحق. الأصل " يا ويلتي " فقلبت الياء ألفا كما في " صحارى " و " مدارى " * (فلانا) * كناية عن الأعلام، كما أن الهن كناية عن الأجناس (2).


(1) وهي قراءة ابن كثير. راجع التبيان: ج 7 ص 484. (2) في نسخة: " الأخباث ". (*)

[ 650 ]

* (عن الذكر) * ذكر الله أو القرآن أو متابعة الرسول، والشيطان إشارة إلى " خليله "، سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة، أو: أراد إبليس فإنه الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول ثم خذله، ويحتمل أن يكون * (وكان الشيطن) * حكاية كلام الظالم، وأن يكون كلام الله الرسول (1) محمد (صلى الله عليه وآله) وقومه قريش، حكى الله عنه شكواه قومه إليه. * (مهجورا) * أي: تركوه ولم يؤمنوا به، وقيل: هو من هجر إذا هذي (2)، أي: جعلوه مهجورا فيه، أي: زعموا أنه هذيان وباطل، أو: هجروا فيه حين سمعوه كقوله: * (لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه) * (3). * (وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفي بربك هاديا ونصيرا (31) وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جملة وا حدة كذلك لنثبت بهء فؤادك ورتلنه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئنك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) ولقد ءاتينا موسى الكتب وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا (35) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بايتنا فدمرنهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقنهم وجعلنهم للناس ءاية وأعتدنا للظلمين عذابا أليما (37) وعادا وثمودا وأصحب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الامثل وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40)) *


(1) في نسخة: " والرسول ". (2) قاله ابن قتيبة. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 143. (3) فصلت: 26. (*)

[ 651 ]

هذا تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله)، أي: * (كذلك) * كان كل نبي قبلك مبتلى بعداوة قومه، وكفاك بي * (هاديا) * إلى الانتصار منهم، وناصرا لك عليهم. والعدو يكون واحدا وجمعا. و * (نزل) * هنا بمعنى " أنزل "، كخبر وأخبر، أي: هلا أنزل * (عليه القرءان) * دفعة في وقت واحد كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور * (جملة وا حدة) *، وقوله: * (كذلك) * جواب لهم، أي: كذلك أنزل مفرقا. والحكمة فيه أن نثبت به قلبك ونقويه بتفريقه حتى تعيه وتحفظه، لأن المتلقن إنما يقوى قلبه بأن يحفظ العلم شيئا بعد شئ، وأيضا فإن فيه ناسخا ومنسوخا وما هو جواب للسائل على حسب سؤاله، ولا يتأتى ذلك فيما ينزل جملة واحدة، ولأنه كان (عليه السلام) أميا لا يقرأ ولا يكتب ولابد له من التلقن، فأنزل عليه مفرقا، وكان موسى وعيسى قارئين وكاتبين * (ورتلنه) * معطوف على الفعل الذي تعلق به * (كذلك) *، كأنه قال: فرقناه * (ورتلنه) * أي: قدرناه آية بعد آية، وسورة عقيب سورة، أو: أمرنا بترتيل قراءته وهو أن يقرأ بترتل (1) وتثبت، وأصل الترتيل: في الأسنان، يقال: ثغره رتل ومرتل أي: مفلج، وقيل: هو تنزيله على تمكث وتمهل في مدة بعيدة (2). * (ولا يأتونك) * بسؤال عجيب كأنه مثل في البطلان * (إلا) * أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد لهم عنه، وبما هو * (أحسن) * معنى من سؤالهم، وضع " التفسير " موضع " المعنى " لأن التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام، يعني: أن تنزيله مفرقا وتحديهم بسورة سورة منها أدخل في باب الاعجاز من أن ينزل جملة واحدة فيقال لهم: إئتوا بمثلها في الفصاحة، كأنه قال: إنما يحملكم على هذه


(1) في نسخة: " بترسل ". (2) قاله مجاهد. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 368. (*)

[ 652 ]

السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحقرون مكانه ومنزلته. وإذا سحبتم * (على) * وجوهكم * (إلى جهنم) * علمتم أن مكانكم شر من مكانه، وسبيلكم أضل من سبيله، ويجوز أن يراد بالمكان: الشرف والمنزلة، وأن يراد الدار والمسكن، كقوله: * (أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا) * (1). * (وزيرا) * أي: مؤازرا له على تأدية الرسالة. والمعنى: فذهبا إليهم فكذبوهما * (فدمرنهم) * فاختصر لأن المقصود من القصة إلزام الحجة بإرسال الرسل واستحقاق التدبير بتكذيبهم. ورووا عن علي (عليه السلام): " فدمراهم " (2)، و " فدمرانهم " على التأكيد بالنون المشددة (3). * (كذبوا الرسل) * لأن تكذيبهم له تكذيب لجميعهم، أو: كذبوه ومن قبله من الرسل، أو: لم يروا بعثة الرسل كالبراهمة * (وجعلنهم) * أي: إغراقهم وقصتهم * (وأعتدنا للظلمين) * أي: لهم، إلا أنه قصد تظليمهم فأظهر، أو تناول الظالمين بعمومه. * (وعادا) * عطف على " هم " في * (جعلنهم) *، * (وأصحب الرس) * كان لهم نبي اسمه حنظلة، فقتلوه فأهلكوا، والرس: البئر غير المطوية، وقيل: الرس: قرية باليمامة يقال لها فلج (4)، وروي عن الصادق (عليه السلام): " أن نساءهم كن سحاقات " (5). * (وقرونا بين ذلك) * المذكور، كما يحسب الحاسب أعدادا كثيرة ثم يقول: فذلك كذا، بمعنى: فذلك المحسوب أو المعدود.


(1) مريم: 73. (2) رواه عنه (عليه السلام) الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 280. (3) انظر البحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 498. (4) قاله قتادة. راجع التبيان: ج 7 ص 490. (5) رواه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 7 ص 491. (*)

[ 653 ]

* (وكلا) * منصوب بمضمر وهو " أنذرنا " و " حذرنا "، ودل عليه قوله: * (ضربنا له الأمثل) * أي: بينا له القصص العجيبة * (وكلا) * الثاني (1) بمضمر وهو * (تبرنا) * والتتبير: التكسير. وأراد ب‍ * (- القرية) * سدوم من قرى قوم لوط، وكانت خمسا، أهلك الله أربعا منها وبقيت واحدة، و * (مطر السوء) *: الحجارة، وكانت قريش يمرون في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة ويرونها * (لا يرجون) * أي: لا يتوقعون وضع الرجاء موضع التوقع، لأنه إنما يتوقع العاقبة من يكون مؤمنا، أو: لا يأملون * (نشورا) *، أو: لا يخافون فلذلك لم ينظروا ولم يتذكروا. * (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذاالذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرءيت من اتخذ إلهه هوبه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعم بل هم أضل سبيلا (44) ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الريح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعما وأناسى كثيرا (49) ولقد صرفنه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50)) * * (إن) * الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينهما، أي:


(1) في نسخة زيادة: " منصوب ". (*)

[ 654 ]

ما * (يتخذونك إلا) * موضع هزء ومهزوءا به، ومعناه: يستهزئون بك ويقولون: * (أهذا الذي) * بعثه * (الله) * ؟ ! وهذا استصغار. وفي قولهم: * (إن كاد ليضلنا) * دليل على بذل رسول الله (صلى الله عليه وآله) غاية المجهود في دعوتهم وعرض الآيات والمعجزات عليهم حتى قاربوا أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، و * (لولا) * هنا جار مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى و * (سوف يعلمون) * وعيد، وقوله: * (من أضل سبيلا) * كالجواب عن قولهم: * (إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا) * أي: من جعل هواه معبوده، أفتتوكل عليه بأن تدعوه إلى الهدى وتجبره عليه وتقول: لابد أن تسلم شئت أو أبيت ؟ كما قال: * (لست عليهم بمصيطر) * (1) * (وما أنت عليهم بجبار) * (2). * (أم) * منقطعة، أي: بل أ * (تحسب) *، * (بل هم أضل سبيلا) * لأن الأنعام تنقاد لمن يتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسئ إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يجتنبون العقاب الذي هو أشد المضار. * (ألم تر إلى ربك) * ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته * (كيف مد الظل) * أي: جعله ممتدا منبسطا لينتفع به الناس * (ولو شآء لجعله ساكنا) * أي: لاصقا بأصل كل ذي ظل من بناء أو شجر فلم ينتفع به أحد، سمى سبحانه انبساط الظل وامتداده تحركا منه، وعدم ذلك سكونا. ومعنى كون الشمس * (دليلا) *: أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان وزائلا (3)


(1) الغاشية: 22. (2) ق: 45. (3) في نسختين زيادة: " ومنبسطا ". (*)

[ 655 ]

ومتسعا ومتقلصا، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة. ومعنى " قبضه إليه ": ينسخه بضح الشمس * (قبضا يسيرا) * على مهل شيئا بعد شئ، وفي ذلك منافع غير محصورة، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا. وأما فائدة * (ثم) * في الموضعين فهو أنه بيان لتفاضل الأمور الثلاثة تشبيها لتباعد ما بينها في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. وفي الآية وجه آخر وهو: أنه سبحانه مد الظل حين بنى السماء كالقبة، فألقت القبة ظلها على وجه الأرض * (ولو شآء لجعله ساكنا) * مستقرا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق، فهو يزيد بها وينقص، ثم نسخه بها وقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير. ويمكن أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام ذوات الظل، أي: نعدمه بإعدام أسبابه كما أنشأه بإنشاء أسبابه، وفي قوله: * (قبضنه إلينا) * دلالة عليه، وكذلك في قوله: * (يسيرا) * كقوله: * (ذلك حشر علينا يسير) * (1). جعل ظلام الليل مثل اللباس الساتر، والنائم شبه الميت، والسبات: الموت لأن في مقابلته النشور، فالنوم واليقظة مشبهان بالموت والحياة، وقيل: * (سباتا) * راحة لابد منها للناس (2) وقطعا لأعمالهم (3) * (وجعل النهار نشورا) * ينتشر الناس فيه لطلب معاشهم، ويتفرقون لحوائجهم، نشرا أي: إحياء، ونشر جمع نشور وهي المحيية، و " نشرا " تخفيف " نشر ".


(1) ق: 44. (2) في بعض النسخ: " لأبدان الناس ". (3) قاله الخليل وأبو مسلم وابن عيسى. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 147، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 39. (*)

[ 656 ]

و " بشرا " تخفيف " بشر " جمع بشور وبشرى * (بين يدي رحمته) * أي: قدام المطر * (طهورا) * أي: بليغا في طهارته، وقيل: طاهرا في نفسه مطهرا لغيره (1)، وهو صفة في قولك: ماء طهور، واسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود. قال: * (بلدة ميتا) * لأن البلدة في معنى " البلد " في قوله: * (فسقنه إلى بلد ميت) * (2)، وقرئ: " نسقيه " بالفتح (3)، وسقى وأسقى لغتان، وقيل: أسقاه: جعل له سقيا (4)، والأناسي: جمع إنسي أو إنسان، كالظرابي في جمع ظربان، على قلب النون من " أناسين " و " ظرابين " ياء. * (ولقد) * صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة ليستدلوا بذلك على سعة مقدورنا، فأبوا * (إلا كفورا) * وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا (5). * (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكفرين وجهدهم به جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54)


(1) قاله أحمد بن عيسى. راجع الكشاف: ج 3 ص 284. (2) فاطر: 9. (3) قرأه المفضل والأعمش عن عاصم. راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 574. (4) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 285. (5) قال أبو عبيد: الأنواء ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلوم مسمى، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لابد من أن يكون عند ذلك مطر أو رياح، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك الى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا والدبران والسماك. انظر لسان العرب: مادة " نوأ ". (*)

[ 657 ]

ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا (55) وما أرسلنك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل مآ أسلكم عليه من أجر إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحى الذي لا يموت وسبح بحمده وكفي به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60)) * * (لبعثنا) * في كل قرية * (نذيرا) * ينذرها، وإنما قصرنا الأمر عليك تفضيلا لك على سائر الرسل، فقابل هذا التعظيم والتبجيل بالتصبر، و * (لا تطع الكفرين) * فيما يريدونك عليه. والضمير في * (به) * للقرآن، أو: لترك الطاعة الذي دل عليه * (فلا تطع) * والمراد: أن الكفار يجتهدون في توهين أمرك فقابلهم من جدك واجتهادك بما تغلبهم به، وجعله * (جهادا كبيرا) * للمشاق العظيمة التي يحتملها فيه. ويجوز أن يكون المراد: وجاهدهم بسبب كونك نذيرا للجميع جهادا كبيرا جامعا لكل مجاهدة. * (مرج البحرين) * خلاهما متجاورين كما يخلى الخيل في المرج، والفرات: البالغ في العذوبة، والأجاج ضده * (برزخا) * أي: حائلا من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج * (وحجرا محجورا) * مر تفسيره (1)، وهو هنا مجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له: حجرا محجورا، كما قال:


(1) تقدم في تفسير الآية: 22 فراجع إن شئت. (*)

[ 658 ]

* (لا يبغيان) * (1) أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه، فانتفاء البغي هناك كالتعوذ هنا، جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه. * (خلق من الماء) * أي: من النطفة * (بشرا فجعله نسبا) * أي: فقسم البشر قسمين: ذوي نسب ذكورا ينسب إليهم، و * (صهرا) * أي: إناثا يصاهر بهن * (وكان ربك قديرا) * يخلق من النطفة الواحدة نوعين: ذكرا وأنثى. والظهير بمعنى المظاهر، أي: يظاهر الشيطان على ربه بعبادة الأوثان. * (إلا من شاء) * معناه: إلا فعل من شاء أن ينفق المال في طلب رضا ربه، ويتقرب بالصدقة في سبيله، وهو معنى الاتخاذ إلى الله سبيلا. أي: تمسك بالتوكل * (على الحى الذي لا يموت) * وثق به في استكفاء شرورهم، وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق (2) * (وكفي به) * الباء زائدة، أي كفاك الله * (خبيرا) * تمييز أو حال، أراد بهذا أنه ليس إليه من أمر عباده شئ، آمنوا أم كفروا، وأنه خبير بأحوالهم، كاف في جزاء أعمالهم. * (الذي خلق) * مبتدأ و * (الرحمن) * خبره، أو: هو صفة ل‍ * (الحى) * و * (الرحمن) * خبر مبتدأ محذوف، أو بدل عن الضمير المستكن في * (استوى) *. وقرئ: " الرحمن " بالجر (3) صفة ل‍ * (الحى) *، وقرئ: " فأسأل " (4)، والباء في * (به) * صلة " سل " كقوله: * (سأل سائل بعذاب واقع) * (5) كما أن " عن " صلته


(1) الرحمن: 20. (2) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 288. (3) قرأه زيد بن علي كما في البحر المحيط: ج 6 ص 508. (4) وهي قراءة ابن كثير والكسائي في الوصل وحمزة في الوقف، كما في تفسير السراج المنير: ج 2 ص 670. (5) المعارج: 1. (*)

[ 659 ]

في قوله: * (لتسئلن يومئذ عن النعيم) * (1)، فقولك: " سأل به " مثل " اهتم به " و " اعتنى به "، و " سأل عنه " ك‍ " فتش عنه " و " بحث عنه ". ويجوز أن يكون صلة * (خبيرا) * ويجعل * (خبيرا) * مفعول " سل "، والمعنى: فسل عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته، أو: فسل رجلا خبيرا به وبرحمته، أو: فسل بسؤاله خبيرا، كما تقول: رأيت به أسدا، أي: برؤيته، والمعنى: إن سألته وجدته خبيرا، أو تجعله حالا عن الهاء تريد: فسل عنه عالما بكل شئ. وقيل: الرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة، ولم يكونوا يعرفونه، فقيل له: سل بهذا الاسم من يخبرك به من أهل الكتاب (2). * (وما الرحمن) * أنكروا إطلاق هذا الاسم على الله لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم * (أنسجد لما تأمرنا) * أي: للذي * (تأمرنا) * بالسجود له ؟ فحذف على ترتيب، وقرئ بالياء (3) أي: لما يأمرنا محمد (صلى الله عليه وآله)، ويأمرنا المسمى بالرحمن. ويجوز أن تكون " ما " مصدرية أي: لأمرك لنا، وفي * (زادهم) * ضمير * (اسجدوا للرحمن) * لأنه هو المقول. * (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سرا جا وقمرا منيرا (61) وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم


(1) التكاثر: 8. (2) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 4 ص 73. (3) قرأه حمزة والكسائي. راجع التبيان: ج 7 ص 500. (*)

[ 660 ]

يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا فأولئك يبدل الله سيأتهم حسنت وكان الله غفورا رحيما (70)) * يريد بالبروج: منازل الكواكب السيارة، وهي اثنا عشر برجا، سميت بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالبروج لسكانها، والسراج: الشمس. وقرئ: " سرجا " (1) وهي الشمس والكواكب الكبار معها. وعنهم (عليهم السلام): " لا تقرأ سرجا إنما هي سراجا، وهي الشمس ". والخلفة: الحالة التي يختلف عليها الليل والنهار، ويخلف كل واحد منهما الآخر، والمعنى: جعلهما ذوي خلفة، أي: ذوي عقبة، يعقب هذا ذاك وذاك هذا. وقرئ: " يذكر " (2) و * (يذكر) *، أي: لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أن لابد لهما من مغير وناقل من حال إلى حال، ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار، أو: ليكونا وقتا للمتذكرين والشاكرين، من فاته ورده في أحدهما قضاه في الآخر. * (وعباد الرحمن) * مبتدأ خبره في آخر السورة قوله: * (ألئك يجزون الغرفة) *، ويجوز أن يكون خبره * (الذين يمشون على الأرض...) *، * (هونا) * حال أو صفة للمشي، أي: هينين أو: مشيا هينا، إلا أن في وضع المصدر موضع


(1) قرأه حمزة والكسائي و عبد الله وعلقمة والأعمش. راجع التبيان: ج 7 ص 502، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 511. (2) وهي قراءة حمزة وحده. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 466. (

[ 661 ]

الصفة مبالغة، والهون: الرفق واللين، وفي المثل: " إذا عز أخوك فهن " (1) أي: يمشون بسكينة وتواضع * (سلاما) * تسلما منكم لا نجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ولا شرا، أي: نتسلم منكم تسلما، فأقيم السلام مقام التسلم، وقيل: قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الإثم (2). والمراد بالجهل السفه وقلة الأدب. " بات " خلاف " ظل "، وصفوا بإحياء الليل أو أكثره ساجدين وقائمين. * (غراما) * أي: هلاكا وخسرانا ملحا لازما، قال: إن يعاقب يكن غراما وإن يع‍ * - ط جزيلا فإنه لا يبالي (3) ومنه: الغريم لأنه يلح ويلزم، يعني: أنهم مع عبادتهم واجتهادهم خائفون متضرعون إلى الله في استدفاع العذاب عنهم. * (ساءت) * في حكم " بئست "، فيها ضمير مبهم يفسره * (مستقرا) *، والمخصوص بالذم محذوف، ومعناه: ساءت مستقرا * (ومقاما) * هي، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم " إن " وجعلها خبرا لها. ويجوز أن يكون " ساءت " بمعنى " أحزنت "، وفيها ضمير اسم " إن "، و * (مستقرا) * حال أو تمييز. التعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين، وأن يكونا من كلام الله وحكايته لقولهم. * (ولم يقتروا) * قرئ بكسر التاء (4) وضمها و " يقتروا " بضم الياء (5)، والقتر والإقتار نقيض الإسراف الذي هو مجاوزة الحد في النفقة، وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما،


(1) وهو من الأمثال الشائعة، يعني: إذا عاسرك صديقك فياسره، فإن مياسرتك إياه ليست بضيم يركبك منه، إنما هو حسن خلق وتفضل عليه. راجع مجمع الأمثال: ج 1 ص 24. (2) قاله مجاهد. راجع التبيان: ج 7 ص 504. (3) البيت للأعشى، ومعناه واضح. راجع شرح ديوان الأعشى لكامل سليمان: ص 171. (4) قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع التبيان: ج 7 ص 506. (5) قرأه نافع وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 466. (

[ 662 ]

ونظييره " السواء " من الاستواء. ويجوز أن يكون * (بين ذلك) * و * (قواما) * خبرين معا، وأن يكون * (بين ذلك) * لغوا، و * (قواما) * مستقرا، وأن يكون الظرف خبرا و * (قواما) * حال مؤكدة. * (النفس التي حرم الله) * أي: حرمها، والمعنى: حرم قتلها، وتعلق * (إلا بالحق) * بهذا القتل المحذوف أو ب‍ * (لا يقتلون) *، نفي عنهم هذه الخصال القبيحة، وبرأهم منها تعريضا بما كان عليه أعداؤهم من الكفار، كأنه قال: والذين برأهم الله مما أنتم عليه، والقتل بغير حق يدخل فيه الوأد وغيره. والأثام: جزاء الإثم كالوبال والنكال، وقيل: هو الإثم (1). والمعنى جزاء أثام. * (يضاعف) * بدل من * (يلق) * لأنهما في معنى واحد، وقرئ: " يضاعف " بالرفع و " يخلد " بالرفع (2)، و " يضعف " بالرفع (3) والجزم (4)، والرفع على الاستئناف أو على الحال. وتبديل السيئات حسنات أن تمحى السيئة وتثبت بدلها الحسنة، وقرئ: " يبدل " (5) من الإبدال، وقيل: يبدلون بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام (6). * (ومن تاب وعمل صلحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا


(1) قاله ابن عباس والسدي وأبو مسلم. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 158. (2) وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 575. (3) قرأه ابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 467. (4) وهي قراءة ابن كثير وحده. راجع المصدر السابق. (5) قرأه عاصم برواية أبي بكر عنه. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 107. (6) قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والسدي والضحاك. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 158. (*)

[ 663 ]

بايت ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوا جنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلما (75) خلدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77)) * * (ومن) * ترك المعاصي وندم عليها، ودخل في العمل الصالح فإنه يرجع * (إلى الله) * وإلى ثوابه مرجعا حسنا أي مرجع، أو: فإنه تاب بذلك إلى الله * (متابا) * مرضيا عنده. * (لا يشهدون الزور) * أي: مجالس الفساق، ولا يحضرون الباطل، وقيل: هو الغناء (1)، وروي ذلك عن السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام) (2)، وفي مواعظ عيسى ابن مريم: " إياكم ومجالسة الخطائين (3) ". وقيل: لا يشهدون شهادة الزور (4) فحذف المضاف * (وإذا مروا باللغو) * أي: بأهل اللغو والمشتغلين به * (مروا كراما) * مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم، معرضين عنهم، واللغو: كل ما ينبغي أن يلقى ويطرح. * (إذا ذكروا بايت ربهم) * أي: وعظوا بالقرآن والأدلة * (لم يخروا عليها صما) * ليس بنفي للخرور، بل هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، أي: إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها وهم سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية.


(1) قاله محمد بن الحنفية ومجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 159. (2) الكافي: ج 6 ص 431 ح 6 وص 433 ح 13. (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 295. (4) وهو قول علي والباقر (عليهما السلام) وعلي بن طلحة. راجع تفسير القرطبي: ج 13 ص 80. (*)

[ 664 ]

وقرئ: " وذريتنا " (1)، سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأولادا وأعقابا تقر بهم عيونهم، وتسر بهم نفوسهم، وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه (2) * (إماما) * أراد أئمة، واكتفي بالواحد لدلالته على الجنس، أو: أراد جمع " آم " كصائم وصيام، و * (من) * للبيان، أي: * (هب لنا... قرة أعين) * ثم بين القرة بقوله: * (من أزواجنا وذريتنا) *، وهو من قولهم: رأيت منك أسدا أي: أنت أسد. ويجوز أن يكون للابتداء بمعنى: هب لنا من جهتهم ما تقر به أعيننا من صلاح وعلم، ونكر القرة بتنكير المضاف إليه، فكأنه قال: هب لنا منهم سرورا وفرحا. وعن الصادق (عليه السلام) في قوله: * (واجعلنا للمتقين إماما) * قال (عليه السلام): " إيانا عنى " (3). وروي عنه (عليه السلام) أنه قال: " هذه فينا " (4). وعن أبي بصير قال: قلت: واجعلنا للمتقين إماما ؟ فقال (عليه السلام): " سألت ربك عظيما، إنما هي: واجعل لنا من المتقين إماما " (5). * (يجزون الغرفة) * يريد الغرفات، وهي العلالي في الجنة، فوحد اقتصارا على الواحد الدال على الجنس، يدل عليه قوله: * (وهم في الغرفت ءامنون) * (6)، * (بما صبروا) * بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات، وعلى مجاهدة الكفار ومقاساة الفقر ومشاق الدنيا، لشياع اللفظ في كل مصبور عليه. وقرئ: * (يلقون) *،


(1) قرأه عاصم برواية ابي بكر وأبو عمرو وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 467، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 82. (2) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 296. (3) تفسير القمي علي بن ابراهيم: ج 2 ص 117. (4) رواه البرقي في المحاسن: ص 170 ح 136. (5) تفسير القمي علي بن ابراهيم: ج 2 ص 117. (6) سبأ: 37. (*)

[ 665 ]

وهو كقوله: * (ولقاهم نضرة) * (1) و " يلقون " (2) كقوله: * (يلق أثاما) *، * (تحية) * قولا يسرون به، ودعاء بالتعمير تحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، أو: يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه، وقيل: يعطون ملكا عظيما وتخليدا مع السلامة من كل آفة (3). * (مستقرا ومقاما) * موضع استقرار وموضع إقامة. * (ما يعبؤا بكم) * أي: ما يبالي بكم ربي، ولم يعتد بكم * (لولا دعاؤكم) * أي: عبادتكم، وقيل: " ما " استفهامية في محل النصب، وهي عبارة عن المصدر (4)، كأنه قال: أي عب ء يعبأ بكم لولا دعاؤكم، أي: لا تستأهلون شيئا من العب ء بكم لولا عبادتكم، وحقيقة قولهم: ما عبأت به: ما اعتدت به من مهماتي وما يكون عبأ علي، وقيل: لولا دعاؤكم إياه إذا مسكم ضر رغبة إليه وخضوعا له (5). وفي هذا دلالة على أن الدعاء من الله بمكان، وقيل: معناه: ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام (6) * (فقد كذبتم) * بالتوحيد وبمن دعاكم إليه * (فسوف يكون) * العذاب * (لزاما) * أي: لازما لكم واقعا بكم لا محالة، وهو القتل يوم بدر أو عذاب الآخرة.


(1) الإنسان: 11. (2) قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى وخلف وطلحة ومحمد اليماني. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 468، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 6 ص 517. (3) حكاه الماوردي في تفسيره: ج 4 ص 161. (4) قاله الفراء في معاني القرآن: ج 2 ص 275. (5) قاله الماوردي في تفسيره: ج 4 ص 162. (6) قاله الفراء في معانيه: ج 2 ص 275. (*)

[ 667 ]

سورة الشعراء مكية كلها (1) إلا قوله: * (والشعراء يتبعهم الغاوون) * الى آخرها، مائتان وسبع وعشرون آية كوفي، ست في غيرهم، * (طسم) * كوفي، * (فلسوف تعلمون) * (2) غيرهم، * (أين ما كنتم تعبدون من دون الله) * (3) غير البصري. في حديث أبي: " من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر بعدد من صدق بنوح وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، وبعدد من كذب بعيسى، وصدق بمحمد (صلى الله عليه وآله) " (4). وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ الطواسين الثلاث في ليلة الجمعة كان من أولياء الله وفي جواره وكنفه، ولم يصبه في الدنيا بؤس أبدا، وأعطي في الآخرة من الجنة حتى يرضى وفوق رضاه، وزوجه الله مائة حوراء من حور العين " (5).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 8 ص 4: قال قتادة: هي مكية، وقيل: أربع آيات منها مدنية من قوله: * (والشعراء...) * الى آخرها، وهي مائتان وسبع وعشرون آية في الكوفي والمدني الأول، وست في البصري والمدني الآخر. وفي تفسير الآلوسي: ج 19 ص 58 ما لفظه: وفي تفسير الإمام مالك تسميتها بسورة الجامعة، وقد جاء في رواية عن ابن عباس وابن الزبير اطلاق القول بمكيتها. (2) الآية: 49. (3) الآية: 92 - 93. (4) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 346 مرسلا. (5) ثواب الأعمال للصدوق: ص 136. (*)

[ 668 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك ءايت الكتب المبين (2) لعلك بخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء ءاية فظلت أعنقهم لها خضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون (6) أو لم يروا إلى الارض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9)) * " طاء وياء وحاء " من * (طسم) * و * (يس) * و * (حم) *: قرئ بالإمالة (1) والتفخيم (2)، وقرئ نون " سين " بالإظهار (3) والإدغام (4). * (الكتب المبين) * هو اللوح المحفوظ يتبين للناظرين في كل ما هو كائن، أو: القرآن يبين ما أودع من الحكم والشرائع وأنواع العلوم، أو: هو الظاهر إعجازه وصحة أنه من عند الله. والبخع: الإهلاك، و * (لعلك) * للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك * (ألا يكونوا مؤمنين) * أي: خيفة أن لا يؤمنوا،


(1) ممن قرأهن بالإمالة: حمزة والكسائي وخلف ويحيى والعليمي والأعمش والمفضل وأبو بكر عن عاصم. راجع التبيان: ج 8 ص 3، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 88. (2) وممن قرأهن بالتفخيم: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 470. (3) ممن أظهر النون: حمزة وأبو جعفر والأعمش وما روى الكسائي عن اسماعيل عن نافع. راجع التبيان: ج 8 ص 3، وكتاب السبعة في القراءات: ص 470. (4) وممن أدغم النون: المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي على ما حكاه النحاس في إعراب القرآن: ج 3 ص 173. (*)

[ 669 ]

أو: لأن لا يؤمنوا. * (إن نشأ ننزل... آية) * ملجئة إلى الإيمان، كما نتق الجبل على بني إسرائيل * (فظلت) * معطوف على * (ننزل) *، والأصل: فظلوا * (لها خضعين) * فأقحمت " الأعناق " لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله. ويجوز أن يكون " الأعناق " لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل: * (خضعين) * كقوله: * (لى ساجدين) * (1)، وقيل: المراد بالأعناق الرؤساء والمقدمون (2)، شبهوا بالأعناق كما قيل لهم: الرؤوس والصدور والنواصي، قال: في محفل من نواصي الناس مشهود (3) وقيل: * (أعنقهم) * جماعاتهم (4). يقال: جاء عنق من الناس أي: جماعة. وما يجدد الله بوحيه موعظة وتذكيرا إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به. وصف " الزوج " وهو الصنف من النبات بالكرم والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: وجه كريم مرضي في حسنه وبهائه، وكتاب كريم مرضي في معانيه، فالنبات الكريم هو المرضي في المنافع المتعلقة به. * (إن في) * إنبات تلك الأصناف * (لآية) * على أن منبتها قادر على إحياء الأموات، وقد علم الله أن * (أكثرهم) * لا يؤمنون. * (وإن ربك لهو العزيز) * في انتقامه منهم * (الرحيم) * بمن يؤمن.


(1) قاله ابن عيسى كما في التبيان: ج 8 ص 6. والآية من سورة يوسف: 4. (2) قاله ابن شجرة وقطرب. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 165. (3) لام قيس الضبية، وصدره: ومشهد قد كفيت الغائبين به وقد تقدم ذكر البيت وشرحه في ص في سورة هود: 103. (4) قاله ابن عباس ومجاهد وأبو زيد والأخفش والنقاش. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 165، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 89. (*)

[ 670 ]

* (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظلمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إنى أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون (13) ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بايتنآ إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العلمين (16) أن أرسل معنا بنى إسرا ءيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكفرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسرا ءيل (22)) * * (قوم فرعون) * عطف بيان * (ألا يتقون) * كلام مستأنف، أي: أما آن لهم أن يتقوا الله ويحذروا من أيامه. * (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني) * بالرفع لأنهما معطوفان على خبر * (أن) *، وقرئا بالنصب (1) عطفا على صلة * (أن) *، والرفع يفيد أن فيه ثلاث علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان. والنصب يفيد أن خوفه يتعلق بهذه الثلاثة. * (فأرسل) * جبرائيل * (إلى هرون) * واجعله نبيا، وأزرني به واشدد به ظهري. * (ولهم على ذنب) * هو قتله القبطي، أي: ولهم علي تبعة ذنب، وهي قود ذلك القتل * (فأخاف أن يقتلون‍) * - ي به، فحذف المضاف، أو: سمى تبعة الذنب ذنبا، كما سمى جزاء السيئة سيئة. * (قال) * الله تعالى: * (كلا) * يعني: ارتدع يا موسى عما تظن، لأنهم لن يقتلوك به، فإني لا أسلطهم عليك، فاذهب أنت وهارون. وقوله: * (إنا معكم مستمعون) *


(1) قرأه يعقوب. راجع التبيان: ج 8 ص 8. (*)

[ 671 ]

من مجاز الكلام لأنه تعالى لا يوصف بالاستماع على الحقيقة، فإن الاستماع جار مجرى الإصغاء، وإنما يوصف بأنه سميع وسامع، والمراد: إنا لكما كالظهير المعين إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه، فأظهركما عليه وأكسر شوكته عنكما. ويجوز أن يكونا خبرين ل‍ " أن "، وأن يكون * (مستمعون) * مستقرا، و * (معكم) * لغوا. * (إنا رسول رب العالمين) * جعل " رسول " هنا بمعنى الرسالة، فلم يثن كما ثنى في قوله: * (إنا رسولا ربك) * (1)، كما يفعل في الصفة بالمصادر نحو: صوم وزور. ويجوز أن يوحد لأن حكمهما واحد بالاتفاق والأخوة، فكأنهما رسول واحد. * (أن أرسل) * بمعنى: أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإرسال، وفي الإرسال معنى القول، كما في المناداة ونحوها. ومعنى هذه الارسال التخلية والإطلاق، كما يقال: أرسل البازي، والمراد: خل بني إسرائيل يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما. وفي الكلام حذف تقديره: فذهبا إلى فرعون وبلغا الرسالة على ما أمرا به، فعند ذلك * (قال) * فرعون لموسى: * (ألم نربك) * وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل. الوليد: الصبي لقرب عهده بالولادة * (سنين) * قيل: لبث عندهم ثماني عشرة سنة (2)، وقيل: ثلاثين سنة (3)، وقال الكلبي: أربعين سنة (4). * (فعلت فعلتك) * يعني: قتلت القبطي، أي: * (وأنت) * لذلك * (من الكفرين) * لنعمتي وحق تربيتي.


(1) طه: 47. (2) قاله ابن عباس كما في مجمع البيان: ج 7 ص 186. (3) قاله ابن عباس ومقاتل. راجع مجمع البيان السابق. (4) حكاه عنه الآلوسي في تفسيره: ج 19 ص 68. (*)

[ 672 ]

وأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو * (من الضالين) * أي: الذاهبين عن الصواب أو الناسين من قوله: * (أن تضل إحدبهما فتذكر إحدبهما الأخرى) * (1). كذب فرعون ودفع الوصف بالكفر من نفسه بأن وضع " الضالين " موضع " الكافرين " رياء بمحل من رشح للنبوة عن تلك الصفة، ثم أبطل امتنانه عليه بالتربية، وأبى أن يسمي نعمته نعمة بأن بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل، لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه من عليه بتعبيد قومه، وتعبيدهم: اتخاذهم عبيدا وتذليلهم. * (وتلك) * إشارة إلى خصلة منكرة لا ندري إلا بتفسيرها، ومحل * (أن عبدت) * الرفع بأنه عطف بيان ل‍ * (- تلك) *، ونظيره * (وقضينا إليه ذا لك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع) * (2)، والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة * (تمنها على) * ؟ ! ويجوز أن يكون في محل نصب، والمعنى: إنما صارت نعمة علي لأن عبدت بني إسرائيل، أي: لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم. * (قال فرعون وما رب العلمين (23) قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب أآبائكم الاولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيرى لاجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشئ مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصدقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للنظرين (33) قال للملا حوله إن هذا لسحر عليم (34) يريد أن


(1) البقرة: 282. (2) الحجر: 66. (*)

[ 673 ]

يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقت يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغلبين (40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لاجرا إن كنا نحن الغلبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42)) * * (وما رب العلمين) * يريد: وأي شئ هو من الأشياء المشاهدة ؟ فأجابه موسى بما يستدل عليه من أفعاله ليعرفه أنه ليس بشئ يمكن أن يشاهد من الأجسام والأعراض، وإنما هو شئ مخالف لجميع الأشياء، ليس كمثله شئ، منشئ * (السموات والأرض) * ومبدعهما * (وما بينهما إن كنتم موقنين) * بأن هذه الأشياء محدثة منشأة وليست من فعلكم، والمحدث لابد له من محدث. فلما أجاب موسى بما أجاب عجب فرعون قومه من جوابه حيث نسب الربوبية إلى غيره. فلما ثنى موسى (عليه السلام) بتقرير قوله نسبه فرعون إلى الجنون وأضافه إلى قومه حيث سماه " رسولهم " طنزا به (1). فلما ثلث (عليه السلام) بتقرير آخر غضب وقال: * (لئن اتخذت إلها غيرى) * وعارض موسى (عليه السلام) قوله: * (إن رسولكم... لمجنون) * بقوله: * (إن كنتم تعقلون) *. * (أولو جئتك) * الواو للحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل ذلك بي ولو جئتك * (بشئ مبين) * أي: جائيا بالمعجز الظاهر. وفي قوله: * (إن كنت من الصدقين) * أن المعجز لا يأتي به إلا الصادق في دعواه، لأنه يجري مجرى التصديق من الله تعالى، فلابد من يدل على الصادق،


(1) طنز طنزا به: سخر منه. (لسان العرب: مادة طنز). (*)

[ 674 ]

وتقديره: إن كنت من الصادقين في دعواك إئت به، فحذف الجزاء لأن الأمر بالإتيان به يدل عليه. * (ثعبان مبين) * ظاهر الثعبانية، لا شئ يشبه الثعبان. * (بيضاء للنظرين) * فيه دلالة على أن بياضها كان شيئا تجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، فكان بياضا نورانيا له شعاع يغشى الأبصار ويسد الأفق. وقوله: * (حوله) * منصوب اللفظ على الظرف، ومنصوب المحل على الحال. * (فماذا تأمرون) * من المؤامرة وهي المشاورة، أو: من الأمر الذي هو ضد النهي، جعل العبيد آمرين وربهم مأمورا، لما دهاه من الدهش والحيرة حين أبصر الآيتين، واعترف لهم بما توقعه وأحس به من جهة موسى (عليه السلام) وغلبته على ملكه وأرضه. و * (ماذا) * منصوب: إما لكونه في معنى المصدر، وإما لأنه مفعول به من قولهم: أمرتك الخير. وقرئ: " أرجئه " وقد مر بيانه (1). * (يوم معلوم) * وهو يوم الزينة، وميقاته وقت الضحى لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى (عليه السلام) من يوم الزينة. * (هل أنتم مجتمعون) * استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه: استعجالهم، ومنه قول تأبط شرا: هل أنت باعث دينار لحاجتنا ؟ (2) يريد: إبعثه إلينا سريعا ولا تبطئ (3). * (لعلنا نتبع السحرة) * في دينهم إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه. * (قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم


(1) في ج 1 ص 686 من سورة الأعراف: 111 فراجع. (2) وعجزه: أو عبد رب أخا عون بن مخراق. انظر خزانة الأدب للبغدادي: ج 8 ص 215. (3) في نسخة زيادة: " به ". (*)

[ 675 ]

وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون (44) فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقى السحرة سجدين (46) قالوا ءامنا برب العلمين (47) رب موسى وهرون (48) قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولاصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون (50) إنانطمع أن يغفر لنا ربنا خطينا أن كنآ أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن حشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغآئظون (55) وإنا لجميع حذرون (56) فأخرجنهم من جنت وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثنها بنى إسرا ءيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما ترا ءا الجمعان قال أصحب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معى ربى سيهدين (62) فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الاخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الاخرين (66) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68)) * أقسموا * (بعزة فرعون) * وهي من أقسام الجاهلية، وفي الإسلام لا يصح الحلف إلا بالله تعالى أو ببعض أسمائه وصفاته، وفي الحديث: " لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون " (1). وعبر عن الخرور بالإلقاء على طريق المشاكلة إذ جرى ذكر الإلقاء، يعني:


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 312 مرسلا. (*)

[ 676 ]

أنهم إذا رأوا ما رأوا رموا بنفوسهم إلى الأرض * (سجدين) * كأنهم أخذوا وطرحوا وألقوا. الضير: الضر، أرادوا: لا ضرر علينا في ذلك بل لنا فيه أعظم النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه من الثواب العظيم، أو: * (لا ضير) * لنا في القتل إذ لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت، والقتل أهون أسبابه وأرضاها، لأننا ننقلب إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ورحمته لما رزقنا من السبق إلى الإيمان * (أن كنا) * معناه: لأن كنا. وعلل الأمر بالإسراء بقوله: * (إنكم متبعون) * على معنى: أن التدبير في أمرهم أن يتقدموا ويتبعهم فرعون وجنوده ويسلكوا مسالكهم في البحر فيهلكهم الله بإطباق البحر عليهم. * (إن هؤلاء) * محكي بعد قول مضمر، والشرذمة: الطائفة القليلة، ذكرهم بهذا الاسم الدال على القلة ثم وصفهم بالقلة. ويجوز أن يريد بالقلة المذلة والغمارة (1)، فلا يريد قلة العدد، يعني: أنهم لقلتهم لا يبالى بهم. * (وإنهم) * يفعلون أفعالا تغيظنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج بادرنا إلى حسم مادة فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من سلطانه. وقرئ: " حذرون " (2) و * (حذرون) *، فالحذر: المتيقظ، والحاذر: المستعد. * (ومقام كريم) * منازل حسنة، وقيل: مجالس الأمراء التي تحتف (3) بها


(1) في بعض النسخ: " والقماءة ". (2) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 471. (3) في نسخة: " تحفها ". (*)

[ 677 ]

الأتباع (1). * (كذلك) * الكاف رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، أو نصب أي: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه. * (فأتبعوهم) * فلحقوهم * (مشرقين) * داخلين في وقت الشروق. * (سيهدين‍) * - ي طريق النجاة من إدراكهم. أي: فضرب فانفلق البحر وظهر فيه اثنا عشر طريقا، والفرق: الجزء المتفرق فيه، والطود: الجبل العظيم. * (وأزلفنا ثم) * أي: حيث انفلق البحر * (الآخرين) * يعني: قوم فرعون قربناهم من بني إسرائيل، وأدنينا بعضهم من بعض، وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد. * (إن في ذلك لآية) * لا توصف، قد عاينها الناس وما انتبه عليها * (أكثرهم) *. * (واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لهآ عكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا ءابآءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الاقدمون (76) فإنهم عدو لى إلا رب العلمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمنى ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لى خطيتى يوم الدين (82) رب هب لى حكما وألحقني بالصلحين (83) واجعل لى لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لابي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم


(1) قاله ابن عيسى. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 172. (*)

[ 678 ]

تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلل مبين (97) إذ نسويكم برب العلمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شفعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104)) * سألهم إبراهيم (عليه السلام) وإن كان يعلم عبادتهم الأصنام ليريهم أن ما يعبدونه بعيد عن استحقاق العبادة. ولابد في * (يسمعونكم) * من تقدير حذف المضاف، معناه: هل يسمعون دعاءكم، وهل يقدرون على ذلك ؟ وجاء مضارعا مع إيقاعه على * (إذ) * لأنه حكاية حال ماضية. وإنما قال: * (عدو لى) * على معنى: أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو الذي هو الشيطان فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله منه، وأراهم بهذا القول أنه نصيحة نصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، ويكونوا إلى القبول أقرب، ولو قال: * (فإنهم عدو) * لكم لم يكن بهذه المثابة. والعدو والصديق يكونان بمعنى الواحد والجمع، قال: وقوم علي ذوي مئرة * أراهم عدوا وكانوا صديقا * (إلا رب العلمين) * استثناء منقطع، كأنه قال: لكن رب العالمين. وقال: * (إذا مرضت) * ولم يقل: أمرضني لأن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في طعامه وشرابه وغير ذلك. وإنما قال: * (أطمع أن يغفر لى خطيئتي) * على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى،

[ 679 ]

أو أراد: أطمع أن يغفر لأجلي خطيئة من يشفعني فيه، فإن الأنبياء (عليهم السلام) منزهون عن الخطايا (1) والآثام، فاستغفارهم محمول على تواضعهم لربهم وهضمهم لأنفسهم، ويدل على ذلك قوله: * (أطمع) * ولم يجزم القول بالمغفرة، وفيه تعليم لأممهم. * (هب لى حكما) * أي: حكمة أو حكما بين الناس بالحق، وقيل: الحكم: النبوة (2)، لأن النبي ذو حكم بين الناس وذو الحكمة والعلم * (وألحقني بالصلحين) * إجمع بيني وبينهم في الجنة. * (ولا تخزني يوم يبعثون) * من الخزي الذي هو الهوان، أو: من الخزاية التي هي الحياء، وهذا أيضا من نحو استغفارهم مع عصمتهم وبعدهم عما يوجب الاستغفار، وفي * (يبعثون) * ضمير للعباد لأنه معلوم. * (إلا) * حال من * (أتى الله بقلب سليم) * وهو من قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع (3). وبيانه أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون ؟ فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلا من ذلك. ويجوز حمل الكلام على المعنى بأن يجعل المال والبنين في معنى " الغنى "، إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. ويجوز أن يكون مفعولا ل‍ * (ينفع) * أي: لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. وقيل: القلب السليم الذي أسلم وسالم واستسلم (4). وعن الصادق (عليه السلام):


(1) في نسخة: " الخطاء ". (2) قاله السدي والكلبي. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 176، وتفسير البغوي: ج 3 ص 390. (3) وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل. وهو منسوب لعمرو بن معد يكرب، قد تقدم شرح البيت في ج 1 ص 73 فراجع. (4) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 321. (*)

[ 680 ]

" هو القلب الذي سلم من حب الدنيا ". * (وأزلفت الجنة للمتقين) * أي: قربت من موقفهم ينظرون إليها ويغتبطون بمكانهم منها. * (وبرزت الجحيم) * كشفت للأشقياء يتحسرون على أنهم المسوقون إليها، قال: * (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا) * (1) يجمع عليهم الغموم، فتجعل النار بمرأى منهم ويقال لهم: أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم ؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وما كانوا يعبدونهم وقود النار، وهو قوله: * (فكبكبوا فيها هم والغاوون) * أي: الآلهة، والغاوون أي: عبدتهم، والكبكبة: تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في النار يكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعر جهنم، اللهم أعذنا منها. وكبكب معهم * (جنود إبليس) * أي: أتباعه وشياطينه. * (يختصمون) * أي: يخاصم بعضهم بعضا. و " إن " هي المخففة من الثقيلة، أي: إنا كنا في * (ضلل مبين إذ) * سويناكم بالله في توجيه العبادة إليكم. والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم: رؤساؤهم وكبراؤهم والذين اقتدوا بهم * (ربنا إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا) * (2)، * (فما لنا من شفعين) * يشفعون لنا، ويسألون في أمرنا، كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من النبيين والأوصياء، ولا صديق كما نرى لهم أصدقاء. الصادق (عليه السلام): " والله لنشفعن في شيعتنا، قالها ثلاثا، حتى يقول عدونا: * (فما لنا من شفعين) * إلى قوله: * (من المؤمنين) * " (3). وعن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل


(1) الملك: 27. (2) الأحزاب: 67. (3) رواه في تأويل الآيات: ص 386 نقلا عن البرقي. (*)

[ 681 ]

صديقي فلان، وصديقه في الجحيم ؟ فيقول الله سبحانه: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي في النار: * (فما لنا من شفعين ولا صديق حميم) * " (1). والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك، أو من " الحامة " بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص. وإنما جمع " الشفعاء " ووحد " الصديق " لكثرة الشفعاء وقلة الصديق الصادق في الوداد. ويجوز أن يكون المراد بالصديق الجمع. والكرة: الرجعة إلى الدنيا، و " لو " هنا في معنى التمني، المعنى: فليت لنا كرة. ويمكن أن يكون " لو " على أصل معناه، ويكون محذوف الجواب والتقدير: لفعلنا كذا. * (كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إنى لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين (118) فأنجينه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122)) *


(1) رواه القرطبي في تفسيره: ج 13 ص 118. (*)

[ 682 ]

" القوم " مؤنث، وتصغيره " قويمة ". * (أخوهم) * مثل قول العرب: يا أخا بني أسد، يريدون: يا واحدا منهم، ومنه بيت الحماسة: لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا (1) * (رسول أمين) * على الرسالة، أو كان مشهورا فيهم بالأمانة كمحمد (صلى الله عليه وآله) في قريش. * (وأطيعون) * فيما أدعوكم إليه من الإيمان والتوحيد. * (وما أسئلكم) * على هذا الأمر * (من أجر) * يعني على دعائه ونصحه. * (فاتقوا الله) * في طاعتي، وكرر ذلك ليقرره في نفوسهم مع أن كل واحد منهما قد تعلق بعلة: جعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وعلة الثاني حسم طمعه عنهم. وقرئ: " وأتباعك " (2) جمع تابع كشاهد وأشهاد، أو جمع تبع كبطل وأبطال. والواو للحال، والتقدير: وقد اتبعك، فأضمر " قد "، والرذالة والنذالة: الخسة والدناءة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعات الدنيئة كالحياكة ونحوها (3). * (وما علمي) * وأي شئ علمي ؟ والمراد: انتفاء علمه بسر أمرهم وباطنه، وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم، وادعوا أنهم لم يؤمنوا على بصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة، كما حكى الله عنهم قولهم: * (الذين هم أراذلنا بادي الرأى) * (4). ويجوز أن يكون قد فسر نوح قولهم: * (الأرذلون) *


(1) البيت منسوب لقريط بن انيف العنبري، وهو أول أبيات ثمانية نظمها عندما أغار عليه ناس من بني شيبان فأخذوا له ثلاثين بعيرا، فاستنجد قومه فلم ينجدوه، فأتى مازن تميم فركب معه نفر فأطردوا لبني شيبان مائة بعير فدفعوها إليه. انظر خزانة الأدب: ج 7 ص 441. (2) قرأه عبد الله وابن عباس والأعمش وأبو حيوة والضحاك وابن السميقع وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري وطلحة ويعقوب. راجع التبيان: ج 8 ص 41، وتفسير الآلوسي: ج 19 ص 107. (3) قاله عكرمة ومجاهد. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 179، وتفسير البغوي: ج 3 ص 392. (4) هود: 27. (*)

[ 683 ]

بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقيدة، ثم بنى جوابه على ذلك فقال: ما علي إلا اعتبار الظواهر دون الفحص عن الضمائر، فإن كانوا على ما وصفتم فالله محاسبهم ومجازيهم * (وما.. أنا إلا نذير) * لا محاسب ولا مجاز، وليس من شأني أن أطرد * (المؤمنين) * طمعا في إيمانكم. * (قالوا لئن لم تنته) * أي: لئن لم ترجع عما تقول * (لتكونن من المرجومين) * بالحجارة أو بالشتم. * (قال رب) * إنهم * (كذبون‍) * - ي في وحيك ورسالتك فاحكم بيني وبينهم. والفتاح: الحاكم، والفتاحة: الحكومة. و * (الفلك) * السفينة، وهو واحد هنا، وجمع في قوله: * (وترى الفلك فيه مواخر) * (1) فالواحد كقفل، والجمع كأسد، جمعوا فعلاء (2) على " فعل " كما جمعوا " فعلى " على " فعل " لأنهما أخوان في قولك: العرب والعرب، والعجم والعجم، والرشد والرشد، و * (المشحون) * المملوء. * (كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إنى لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (127) أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعم وبنين (133) وجنت وعيون (134) إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سوآء علينا أوعظت أم لم تكن من الوا عظين (136) إن هذا إلا خلق الاولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكنهم إن في ذلك لآية


(1) فاطر: 12. (2) في بعض النسخ " فعلا ". (*)

[ 684 ]

وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140)) * الريع: المكان المرتفع، والآية: العلم، قيل: كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فاتخذوا في طرقهم أعلاما طوالا فعبثوا بذلك، لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم (1)، وقيل: كانوا يبنون أبنية لا يحتاجون إليها لسكناهم، فجعل بناء ما يستغنون عنه عبثا منهم (2). وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " كل بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مالابد منه " (3). وقيل: كانوا يبنون بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة فيعبثوا بهم (4). والمصانع: مآخذ الماء، وقيل: القصور المشيدة والحصون (5) * (لعلكم تخلدون) * أي: ترجون الخلود في الدنيا، أو: يشبه حالكم حال من يخلد. * (وإذا بطشتم) * بسوط أو سيف * (بطشتم) * ظالمين عالين، وقيل: الجبار: الذي يقتل ويضرب على الغضب (6)، وعن الحسن: مبادرين تعجيل العذاب لا يتفكرون في العواقب (7). ثم نبههم على نعم الله تعالى عليهم، فأجملها بقوله: * (أمدكم بما تعلمون) *، ثم فصلها وعددها عليهم، وعرفهم المنعم النعم بتعديدها، أي: * (سوآء علينا


(1) قاله عكرمة ومجاهد. راجع تفسير القرطبي: ج 13 ص 123. (2) قاله عطية والكلبي. راجع المصدر السابق. (3) أخرجه أبو داود في سننه: ج 4 ص 361 ح 5237 وليس فيه لفظة " يبنى ". (4) قاله الضحاك والكلبي. راجع تفسير الآلوسي: ج 19 ص 110. (5) وهو قول مجاهد والكلبي. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 181، وتفسير البغوي: ج 3 ص 393. (6) قاله الحسن والكلبي. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 182، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 124. (7) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 326. (*)

[ 685 ]

أوعظت أم لم تكن) * من أهل الوعظ. وقرئ: " خلق الأولين " بالفتح (1)، ومعناه: إن ما جئت به ليس إلا اختلاق الأولين وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الماضية، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب. وقرئ: " خلق الأولين " بالضم (2)، أي: ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر، أو: ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله. * (كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صلح ألا تتقون (142) إنى لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (145) أتتركون في ما ههنآ ءامنين (146) في جنت وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) مآ أنت إلا بشر مثلنا فأت باية إن كنت من الصدقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا ندمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159)) *


(1) قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر. راجع التبيان: ج 8 ص 46. (2) وهي قراءة أبي قلابة والأصمعي عن نافع. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: ص 109، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 7 ص 34. (*)

[ 686 ]

* (في ما ههنآ) * أي: في الذي استقر في هذا المكان من النعيم. ثم فسر ذلك بقوله: * (في جنت وعيون) * والمعنى: * (أتتركون) * فيما أنتم فيه من نعيم الدنيا لا تزالون عنه. وخص " النخل " بأفرادها من جملة الجنات لفضله، أو: لأنه أراد بالجنات غير النخل من الشجر ثم عطفها عليها، والطلع: الكفرى (1) لأنه يطلع من النخل، والهضيم: اللطيف الضامر من قولهم: كشح هضيم، وفي طلع إناث النخل لطف ليس ذلك في طلع فحالها، وقيل: الهضيم: اللين النضيج (2). وقرئ: " فرهين " (3) و * (فرهين) *، والفاره: الكيس الحاذق، أي: حاذقين بنحتها، والفره: الأشر البطر. أي: * (أطيعون‍) * - ي فيما آمركم به. * (ولا تطيعوا) * رؤساءكم المفسدين، ولا تمتثلوا (4) أو امرهم. والمسحر الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله، أي: سحرت مرة بعد أخرى فصرت لا تدري ما تقول، وقيل: معناه: أنت من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب مثلنا، فلم صرت أولى بالنبوة منا ؟ ! (5). والشرب: النصيب من الماء إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولهم * (شرب يوم) * لا تشرب فيه الماء، وإنما عظم اليوم لحلول العذاب العظيم فيه. * (كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إنى لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163)


(1) قال ابن الأثير: كفرى بالضم وتشديد الراء وفتح الفاء وضمها مقصور: هو وعاء الطلع وقشره الأعلى، وكذلك كافوره، وقيل: هو الطلع حين ينشق (النهاية: مادة كفر). (2) قاله ابن عباس وعكرمة. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 182. (3) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو. راجع التبيان: ج 8 ص 48. (4) في نسخة: " تقبلوا ". (5) قاله ابن عباس. راجع التبيان: ج 8 ص 48. (*)

[ 687 ]

وما أسلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (164) أتأتون الذكران من العلمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزوا جكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين (167) قال إنى لعملكم من القالين (168) رب نجنى وأهلي مما يعملون (169) فنجينه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغبرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175)) * أي: أتأتون من بين أولاد آدم ذكرانهم كأن الإناث قد أعوزتكم ؟ والمراد ب‍ * (- العلمين) * الناس، أو: أتأتون أنتم من بين ما عداكم من العالمين الذكران ؟ بمعنى: أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة. والمراد بالعالمين: كل ما ينكح من الحيوان. في * (من أزواجكم) * تبيين لما خلق * (عادون) * معتدون في الظلم، متجاوزون فيه الحد. * (لئن لم تنته) * عن نهينا، ولم تمتنع عن تقبيح أفعالنا * (لتكونن) * من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. * (من القالين) * أبلغ من أن يقول: * (إني لعملكم) * قال، كما يقول: فلان من العلماء، أي: معدود في جملتهم معروف بالعلم فيهم، ويجوز أن يكون المراد: إني من الكاملين في قلاكم، والقلى: البغض الشديد، كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد مما يعلمون من عقوبة عملهم. * (إلا عجوزا في الغبرين) * أي: مقدرا غبورها في العذاب والهلاك، قيل: إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة (1). قال قتادة:


(1) حكاه الشيخ الطوسي في التبيان: ج 8 ص 55. (*)

[ 688 ]

أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم (1)، وعن ابن زيد: لم يرض بالائتفاك (2) حتى أتبعه مطرا من حجارة (3)، والتقدير: * (فسآء مطر المنذرين) * مطرهم فحذف، ولم يرد بالمنذرين قوما بأعيانهم إنما هو للجنس. * (كذب أصحب ليكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إنى لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين (183) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الاولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصدقين (187) قال ربى أعلم بما تعملون (188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191)) * قرئ: * (أصحب ليكة) * بالهمزة وبتخفيفه وبالجر على الإضافة، وقرئ بالفتح (4) على أن " أيكة " إسم بلد، وروي: أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف، وكان شجرهم الدوم (5). ولم يقل: أخوهم شعيب كما في المواضع


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 331. (2) في نسخة " بالانقلاب ". قال الجوهري: ائتفكت البلدة بأهلها أي: انقلبت، والمؤتفكات: المدن التي قلبها الله تعالى على قوم لوط (عليه السلام). راجع الصحاح: مادة " أفك ". (3) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 331. (4) قرأه الحرميان وابن عامر. راجع التبيان: ج 8 ص 57. (5) رواه القرطبي في تفسيره: ج 13 ص 135 عن قتادة. (*)

[ 689 ]

المتقدمة، لأن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة، وفي الحديث: " أن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة " (1). بخسه حقه بمعنى: نقصه أياه * (ولا تبخسوا) * أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم، وهو عام في أن لا يهضم حق لأحد، ولا يغصب ملك ولا يتصرف فيه إلا بإذن مالكه، وعثا في الأرض يعثو، وعثا يعثي، وعاث يعيث بمعنى، وذلك نحو: قطع الطريق وإهلاك الزرع. * (والجبلة) * الخليقة، أي: ذوي الجبلة، وهو كقولك: والخلق الأولين. * (وما أنت إلا بشر مثلنا) * دخلت الواو هنا لمعنى، وهو أنهم قصدوا أن البشرية والتسحير كليهما مناف للرسالة عندهم * (إن) * المخففة من الثقيلة، وهي ولامها تفرقتا على فعل " الظن " وثاني مفعوليه، لأنهما في الأصل يتفرقان على المبتدأ والخبر، فلما كان باب " كان " وباب " ظننت " من جنس باب المبتدأ والخبر، قالوا أيضا في البابين: إن كان زيد لقائما * (وإن نظنك لمن الكذبين) *. وقرئ: * (كسفا) * بسكون السين (2) وفتحها، وكلاهما جمع كسفة، أي: إن كنت صادقا فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء. * (قال ربى أعلم بما تعملون) * أي: بأعمالكم وبما تستوجبون عليها من العقاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عقابا آخر فعل، فأخذهم الله بمثل ما اقترحوه من عذاب * (الظلة) *، يروى: أنه حبس عنهم الريح سبعا، وسلط عليهم الومد (3) فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا


(1) رواه الرازي في تفسيره: ج 24 ص 163. (2) وهي قراءة الجمهور إلا حفصافانه قرأبفتح السين. راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 581. (3) الومد: شدة حر الليل. (الصحاح: مادة ومد). (*)

[ 690 ]

ونسيما، فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا (1). * (وإنه لتنزيل رب العلمين (192) نزل به الروح الامين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الاولين (196) أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه علمؤا بنى إسرا ءيل (197) ولو نزلنه على بعض الاعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكنه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرءيت إن متعنهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظلمين (209) وما تنزلت به الشيطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212)) * * (وإنه) * الضمير للقرآن، والمراد بالتنزيل: المنزل. وقرئ: * (نزل به الروح الأمين) *، و " نزل به الروح " (2)، والباء في كلتا القراءتين للتعدية، أي: جعل الله الروح الأمين نازلا به. * (على قلبك) * أي: حفظك وفهمك إياه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله: * (سنقرئك فلا تنسى) * (3). * (بلسان) * الباء يتعلق ب‍ * (المنذرين) * أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، أو يتعلق ب‍ * (- نزل) *


(1) رواه السيوطي في الدر المنثور: ج 6 ص 320 عن ابن عباس. (2) قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 473. (3) الأعلى: 6. (*)

[ 691 ]

فيكون المعنى: نزله باللسان العربي لتنذر به، لأنه لو نزله باللسان الأعجمي وقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه ؟ فيتعذر الإنذار. وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه وتفهمه قومك، ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك، فكنت تسمع أجراس حروف ولا تفهم معانيها ولا تعيها. * (وإنه) * يعني القرآن * (لفي زبر الأولين) * يعني: ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية على وجه البشارة به وبمحمد (صلى الله عليه وآله)، وقيل: إن معانيه من الدعاء إلى التوحيد وغيره فيها (1). وقرئ: * (أولم يكن) * بالتذكير و * (آية) * بالنصب على أنها خبره و * (أن يعلمه) * هو الإسم، وقرئ: " تكن " بالتأنيث و " آية " بالرفع (2) على أن في " تكن " ضمير القصة و " آية " خبر المبتدأ الذي هو * (أن يعلمه) *، والجملة خبر " كان "، والمعنى: ألم يكن علم علماء بني إسرائيل بمجيئه دلالة لهم على صحة نبوته، وهم عبد الله بن سلام وغيره، كما قال سبحانه: * (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) * (3). والأعجم الذي لا يفصح، يقال: في لسانه عجمة واستعجام. * (كذلك سلكنه) * أي: كما أنزلنا القرآن عربيا مبينا أدخلناه وأوقعناه * (في قلوب) * الكافرين بأن قرأه رسولنا عليهم. ثم أسند ترك الإيمان إليهم بقوله: * (لا يؤمنون به) * ولا يزالون على التكذيب والجحود به حتى يعاينوا الوعيد ويروا العذاب، فيلحق بهم * (بغتة) * أي: مفاجأة * (وهم لا يشعرون) * بمجيئه. * (أفبعذابنا يستعجلون) * تبكيت لهم وتوبيخ.


(1) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 335. (2) وهي قراءة ابن عامر. راجع التبيان: ج 8 ص 61. (3) القصص: 53. (*)

[ 692 ]

ثم قال: هب أن الأمر كما يظنون من التمتيع والتعمير، فإذا أتاهم العذاب ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب عيشهم ؟ * (لها منذرون) * أي: رسل ينذرونهم. * (ذكرى) * منصوبة بمعنى " تذكرة "، إما لأن " أنذر " و " ذكر " متقاربان، فكأنه قال: مذكرون تذكرة، وإما لأنها حال من الضمير في * (منذرون) * أي: ينذرونهم ذوي تذكرة، وإما لأنها مفعول له بمعنى: أنهم ينذرونهم لأجل التذكرة. ويجوز أن يكون * (ذكرى) * متعلقة ب‍ * (أهلكنا) * مفعولا له، والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمة إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم * (وما كنا ظالمين) * فنهلك قوما غير ظالمين. كانوا يقولون: إنما يتنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) من جنس ما ينزل به الشياطين على الكهنة، فكذبهم الله بأن ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه، لأنهم مرجومون بالشهب * (معزولون) * عن استماع كلام أهل السماء. * (فلا تدع مع الله إلها ءاخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الاقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إنى برئ مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يربك حين تقوم (218) وتقلبك في السجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل الشيطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون مالا يفعلون (226) إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا

[ 693 ]

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)) * علم عز اسمه أن ذلك لا يكون، لكنه أراد أن يحرك منه لازدياد الإخلاص والتقوى، وهي (1) لطف للمكلفين كما قال: * (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) * (2). * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * أمر صلوات الله وسلامه عليه بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، وأن يقدم إنذارهم على إنذار غيرهم. وروي: أنه جمع بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس (3) على رجل شاة وقعب من لبن، فأكلوا وشربوا حتى صدروا، ثم أنذرهم فقال: " يا بني عبد المطلب، إني أنا النذير إليكم من الله عزوجل، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا "، ثم قال: " من يؤاخيني ويؤازرني فيكون وليي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهل بيتي " ؟ فسكت القوم، وأعادها ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ويقول علي (عليه السلام): أنا، وقال في المرة الثالثة: أنت، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمر عليك (4). و " خفض الجناح " مثل في التواضع ولين الجانب. * (فإن عصوك) * فتبرأ منهم ومن أعمالهم. * (وتوكل على) * الله يكفك شر من يعصيك، وفوض أمرك إلى من يقدر على نفعك وضرك، وقرئ " فتوكل " بالفاء (5) ويكون عطفا على: * (فقل) * أو * (فلا تدع) *. * (الذي يربك) * ويطلع عليك * (حين تقوم) * للتهجد، والمراد ب‍ * (- السجدين) * المصلون، وتقلبه فيهم: تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم، وقيل: معناه: وتقلبك في أصلاب الموحدين حتى


(1) في نسخة " فيه ". (2) الحاقة: 44. (3) العس: القدح العظيم، والرفد أكبر منه، وجمعه: عساس. (الصحاح: مادة عس). (4) رواه الطبري في تفسيره: ج 9 ص 483 عن ابن عباس. (5) قرأه نافع وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 473. (*

[ 694 ]

أخرجك نبيا (1)، وهو المروي عن أئمة الهدى (عليهم السلام) (2). ثم ذكر سبحانه من * (تنزل) * عليه الشياطين * (كل أفاك أثيم) * هم الكهنة: كشق وسطيح، والمتنبئة: كمسيلمة الكذاب وطليحة. * (يلقون السمع) * هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يستمعون إلى الملا الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم * (يلقون) * ما يسمعونه أي: يوحون به إليهم. وقوله: * (وإنه لتنزيل رب العلمين) * * (وما تنزلت به الشيطين) * * (هل أنبئكم على من تنزل الشيطين) * (3) أخوان، فرق سبحانه بينهن بآيات ليست في معناهن لتطرئة ذكر ما فيهن كرة بعد كرة، فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزل فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها. * (والشعراء) * مبتدأ و * (يتبعهم الغاوون) * خبره، أي: لا يتبعهم على كذبهم وباطلهم وفضول قولهم، وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون السفهاء (4)، وقيل: الغاوون: الراوون (5)، وقيل: الشياطين (6)، وقيل: هم شعراء المشركين: عبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو غرة، وأمية بن أبي الصلت وغيرهم، قالوا: نحن نقول مثل ما قال محمد (صلى الله عليه وآله) وكانوا يهجونه، ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم (7).


(1) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 315. (2) تفسير القمي علي بن ابراهيم: ج 2 ص 125 وفيه: " النبيين " بدل " الموحدين ". (3) الآيات حسب الترتيب: 192، 210، 221. (4) في نسخة: " والسفهاء ". (5) قاله ابن عباس في تفسيره: ص 315. (6) قاله مجاهد وقتادة. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 189. (7) قاله ابن عباس كما في تفسير الآلوسي: ج 19 ص 146. (*)

[ 695 ]

وقوله: * (في كل واد يهيمون) * مثل لذهابهم في كل شعب من القول، وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه، وقذف التقي وبهت البرئ. * (إلا الذين ءامنوا) * استثنى الشعراء المؤمنين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والحكمة والموعظة والآداب الحسنة ومدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلحاء المؤمنين، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار والرد على من هجا المسلمين، وهم: عبد الله بن رواحة، والكعبان - كعب بن مالك وكعب بن زهير - وحسان بن ثابت. قال (عليه السلام) لكعب بن مالك: " اهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل " (1). وقال لحسان: " قل وروح القدس معك " (2). * (وسيعلم الذين ظلموا) * وعيد بليغ وتهديد شديد * (أي منقلب ينقلبون) * أي منصرف ينصرفون، أي: سيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانقلاب وهو النجاة. وقرأ الصادق (عليه السلام): " وسيعلم الذين ظلموا آل محمد (صلى الله عليه وآله) حقهم " (3) ويشبه أن تكون قراءة على سبيل التأويل.


(1) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 345. (2) رواه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 404 عن البراء. (3) تفسير القمي علي بن ابراهيم: ج 2 ص 125. (*)

[ 697 ]

سورة النمل مكية (1) أربع وتسعون آية بصري، ثلاث كوفي، عد البصري * (من قوارير) * آية (2). وفي حديث أبي: " من قرأ طس سليمان، كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بسليمان وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله " (3). بسم الله الرحمن الرحيم * (طس تلك ءايت القرءان وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 8 ص 73: مكية بلا خلاف، وهي خمس وتسعون آية حجازي، وأربع وتسعون آية بصري وشامي، وثلاث وتسعون آية في عدد الكوفيين. وفي الكشاف: ج 3 ص 346: مكية، وهي ثلاث وتسعون آية، وقيل: أربع وتسعون، نزلت بعد الشعراء. وفي تفسير الآلوسي: ج 19 ص 154 ما لفظه: وتسمى أيضا كما في الدر المنثور: سورة سليمان، وهي مكية كما روي عن ابن عباس وابن الزبير، وذهب بعضهم إلى مدنية في بعض آياتها، وعدد آياتها خمس وتسعون آية حجازي وأربع بصري وشامي وثلاث كوفي، وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد: أن الشعراء نزلت ثم طس ثم القصص. (2) في نسخة زيادة: " على سبيل التأويل ". (3) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 390 مرسلا. (*)

[ 698 ]

(2) الذين يقيمون الصلوا ة ويؤتون الزكوا ة وهم بالاخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعملهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين لهم سؤء العذاب وهم في الاخرة هم الاخسرون (5) وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لاهله إنى ءانست نارا ساتيكم منها بخبر أو ءاتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحن الله رب العلمين (8) يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب يموسى لا تخف إنى لا يخاف لدي المرسلون (10)) * * (تلك) * مبتدأ و * (ءايت القرءان) * خبره و * (هدى) * خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ مضمر، أو نصب على الحال، أي: هادية ومبشرة. * (وهم بالآخرة هم يوقنون) * أي: هؤلاء هم الموقنون بالآخرة، ومعناه: وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. * (زينا لهم أعملهم) * أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسند ذلك إلى الشيطان في قوله: * (وزين لهم الشيطن أعملهم) * (1)، وبين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله عز اسمه استعارة أو مجاز حكمي، فالاستعارة هي أنه لما متعهم بطول العمر والتوسعة في الرزق فجعلوا إنعامه بذلك ذريعة إلى اتباع شهواتهم وإيثارهم الترفه ونفارهم عن لوازم التكليف، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإلى هذا أشارت الملائكة في قولهم:


(1) العنكبوت: 38. (*)

[ 699 ]

* (ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) * (1). وأما المجاز الحكمي: هو أن إمهاله الشيطان بتخليته حتى زين لهم أعمالهم القبيحة، وخلقه فيهم شهوة القبيح الداعية لهم إليها، وحرمانه إياهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم، كالأسباب للتزيين، فلذلك أضاف التزيين إلى ذاته. والعمه: التحير والتردد. و * (سوء العذاب) * هو القتل والأسر يوم بدر، و * (الأخسرون) * أشد الناس خسرانا لأنهم يخسرون الثواب الدائم ويحصلون في العقاب الدائم. * (تلقى القرءان) * أي: تؤتاه وتلقنه من عند أي * (حكيم) * وأي * (عليم) *، وهذا معنى مجيئهما نكرتين. وهذه الآية تمهيد لما يريد أن يقصه بعدها من الأقاصيص، لما فيها من لطائف حكمته ودقائق علمه. * (إذ) * منصوب بمضمر وهو " اذكر "، كأنه قال على أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى ويجوز أن ينتصب ب‍ * (عليم) *. لم يكن مع موسى غير امرأته وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل، فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله: * (امكثوا) * و * (ءاتيكم) *، * (إني ءانست نارا) * أي: أبصرتها، والشهاب: الشعلة، والقبس: النار المقبوسة، وأضاف " الشهاب " إلى " القبس " (2) لأنه يكون قبسا وغير قبس، وقرئ: * (بشهاب) * منونا، فيكون * (قبس) * بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس، وقال: * (ساتيكم) * فجاء بسين التسويف عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ وجاء بلفظه، أو لأنه بنى الأمر على أنه: إن لم يظفر بأحد الأمرين لم يعدم الآخر: إما هداية الطريق وإما اقتباس النار، لأنه كان قد ضل عن الطريق، وأراد بالخبر: معرفة حال الطريق * (لعلكم تصطلون) * تستدفئون بها، وما أدراه حين قال ذلك أنه يظفر على النار بعز الدنيا وعز الآخرة.


(1) الفرقان: 18. (2) الظاهر من عبارته أنه قدس سره اعتمدعلى قراءة الإضافة هنا دون التنوين تبعا للزمخشري. (*)

[ 700 ]

* (أن بورك) * مفسرة، لأن النداء فيه معنى القول، أي: قيل له: * (بورك من في النار ومن حولها) * والمعنى: بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة، ويدل عليه قراءة أبي: " تباركت الأرض ومن حولها " (1). والذي بوركت له البقعة وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها، وهو تكليم الله جل جلاله موسى (عليه السلام) واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه، وقيل: المراد بمن بورك: موسى والملائكة (2)، والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض وذلك الوادي وحواليها من أرض الشام، كما وسم سبحانه أرض الشام بالبركات في قوله: * (ونجينه ولوطا إلى الارض التي بركنا فيها للعلمين) * (3). والفائدة في ابتداء الخطاب من الله تعالى بذلك أنه بشارة من الله تعالى لموسى (عليه السلام) بأنه قد قضي أمر عظيم ينتشر (4) منه في أرض الشام كلها البركات والخيرات * (وسبحن الله رب العلمين) * إعلام بأن ذلك الأمر من جلائل الأمور، وأن مكونه رب العالمين. * (إنه) * الضمير للشأن * (أنا الله) * مبتدأ وخبر، و * (العزيز الحكيم) * صفتان له، أي: أنا القوي القادر الذي لا يمتنع عليه شئ، المحكم لتدابيره. * (وألق عصاك) * عطف على * (بورك) * وكلاهما تفسير ل‍ * (نودي) *، والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك، بدلالة قوله: * (وأن ألق عصاك) * في سورة القصص (5) على تكرير حرف التفسير * (ولم يعقب) * أي: لم يرجع، يقال: عقب المقاتل: إذا كر بعد الفرار، قال:


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 349. (2) قاله السدي. راجع تفسير القرطبي: ج 13 ص 158. (3) الأنبياء: 71. (4) في نسخة: " ينشر ". (5) الآية: 31. (*)

[ 701 ]

فماعقبوا إذ قيل هل من معقب * ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا (1) وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه قوله: * (إني لا يخاف لدي المرسلون) *. * (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنى غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع ءايت إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فسقين (12) فلما جاءتهم ءايتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقبة المفسدين (14)) * * (إلا) * بمعنى " لكن "، لأنه لما أطلق نفي الخوف عن الرسل كان ذلك مظنة لطروء الشبهة، فاستدرك ذلك ب‍ " لكن "، والمعنى: لكن * (من ظلم) * من غير المرسلين * (ثم بدل) * توبة وندما على ما فعله من السوء، وعزما على أن لا يعود فيما بعد * (فإني غفور رحيم) * لظلمه. * (في تسع ءايت) * كلام مستأنف، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف، والمعنى: واذهب في تسع آيات إلى فرعون، ونحوه: فقلت إلى الطعام فقال منهم * فريق: نحسد الإنس الطعاما (2) ويجوز أن يكون المعنى: * (ؤألق عصاك... وأدخل يدك) * في جملة " تسع آيات " وعدادهن.


(1) لم نعثر على قائله، وفيه يصف قوما بالجبن، إذ لم يقدموا مرة على العدو، ولم يلبوا مناديا مستغيثا فيدفعوا عنه. ذكره الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 351. (2) البيت منسوب لسعير بن الحارث الضبي، وقيل: لتأبط شرا، وقيل: شمر الغساني، و قيل: للفرزدق يصف نفسه بالجرأة واقتحام المخاوف ضمن قصيدة أنشأها. انظر الكشاف: ج 3 ص 351. (*)

[ 702 ]

المبصرة: الواضحة البينة، جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها لأنهم ملابسوها، وكانوا بسبب منها بنظرهم وتفكرهم فيها، أو: جعلت كأنها تبصر فتهتدي (1)، لأن الأعمى لا يهتدي فضلا عن أن يهدي غيره، ومنه قولهم: عوراء لأنها تغوي. وقرأ علي بن الحسين (عليهما السلام) وقتادة " مبصرة " (2) وهي نحو: مجنبة ومنجلة أي: مكانا يكثر فيه التبصرة (3). الواو في * (واستيقنتها) * واو الحال، و " قد " مضمرة، والعلو: الكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى، كقوله: * (وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) * (4) والمعنى: جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان. * (ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمن داوود وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمن جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم سليمن وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صلحاترضه وأدخلني برحمتك في عبادك الصلحين (19)) * أي: * (علما) * جليلا (5) سنيا أو كثيرا من العلم، أي: آتيناهما علما فعملا به


(1) في نسخة: " فتهدي ". (2) حكاه عنه (عليه السلام) الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 352. (3) في نسخة: " التبصر ". (4) المؤمنون: 46 و 47. (5) في نسخة: " جليا ". (*)

[ 703 ]

وعلماه * (وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) * وفي هذا دلالة على شرف العلم وفضله وتقدم أهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من الأمم. * (وورث سليمان داوود) * فيه دلالة على أن الأنبياء يورثون كتوريث غيرهم، لأن إطلاق اللفظ يقتضي ذلك * (وقال يأيها الناس علمنا) * فيه تشهير لنعمة الله واعتراف بها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجز الذي هو علم * (منطق الطير) * وغير ذلك مما أوتيه من جلائل الأمور، والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، والذي علم سليمان من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه، كما يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال: إنه يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء (1) * (وأوتينا من كل شئ) * يريد كثرة ما أوتيه * (إن هذا لهو الفضل المبين) * وعن الصادق (عليه السلام): يعني الملك والنبوة (2). سخر الله له الريح والجن والإنس والطير، فكان إذا خرج إلى مجلسه عكف عليه الطير، وقام الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان لا يسمع بملك في ناحية من الأرض إلا أذله وأدخله في الإسلام. ويروى أنه خرج من بيت المقدس مع ستمائة ألف كرسي عن يمينه ويساره، وأمر الطير فأظلتهم، وأمر الريح فحملتهم حتى وردت بهم المدائن، ثم رجع فبات في اصطخر، فقال بعضهم لبعض: هل رأيتم قط ملكا أعظم من هذا أو سمعتم ؟ قالوا: لا، فنادى ملك من السماء: لثواب تسبيحة واحدة في الله أعظم مما رأيتم ! * (فهم يوزعون) * أي: يحبس أولهم على آخرهم بأن توقف هواديهم حتى يلحقهم تواليهم، فيكونوا مجتمعين


(1) حكاه فرقد السنجي. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 409. (2) حكاه عنه (عليه السلام) الآلوسي في تفسيره: ج 19 ص 171. (*)

[ 704 ]

لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة. فسار سليمان بجنوده * (حتى إذا أتوا على واد النمل) * وهو واد بالطائف أو بالشام كثير النمل، وإنما عدي * (أتوا) * ب‍ * (على) * لأن إتيانهم كان من فوق، أو هو من قولهم: أتى على الشئ: إذا أنفذه وبلغ آخره، كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي، لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف عليهم الحطم. ويمكن أن يكون جنود سليمان كانوا ركبانا ومشاة في ذلك الوقت ولم تحملهم الريح، أو كانت القصة قبل أن سخر الله الريح له. ولما كان صوت النمل مفهوما لسليمان عبر عنه بالقول، ولما جعلت النملة قائلة والنمل مقولا لهم كما في " أولي العقول " أجرى خطابهم، و * (لا يحطمنكم) * جواب الأمر أو نهي بدل من الأمر، لأن " ادخلوا في مساكنكم " في معنى: لا تكونوا حيث أنتم، والمراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ، ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها. * (فتبسم ضاحكا من قولها) * أي: أخذ في الضحك، يعني: أنه قد تجاوز التبسم إلى الضحك، وكذلك ضحك الأنبياء، وإنما ضحك لإعجابه بما دل من قولها على ظهور شفقة جنوده وشهرة حالهم في التقوى حيث قالت: * (وهم لا يشعرون) *، أو لسروره بما آتاه الله من إدراكه بسمعه ما همس به أصغر خلق الله وإحاطته بمعناه، ولذلك قال: * (رب أوزعني) * أي: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأرتبطه لا ينفلت (1) عني، حتى لا أزال شاكرا لك وذاكرا إنعامك * (على وعلى والدي) * بأن أكرمته بالنبوة وغيرها، وعلى والدتي بأن زوجتها نبيك، جعل النعمة عليهما نعمة عليه يلزمه شكرها * (وأن أعمل صلحا ترضه) * استوقفه سبحانه لزيادة العمل الصالح في المستقبل * (في عبادك الصلحين) * إبراهيم


(1) في نسخة: " ينقلب ". (*)

[ 705 ]

وإسماعيل وإسحاق ومن بعدهم من النبيين، أي: أدخلني في جملتهم. * (وتفقد الطير فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطن مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطن أعملهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخب ء في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26)) * * (أم) * منقطعة، نظر سليمان (عليه السلام) إلى مكان الهدهد فلم يره، فقال: * (مالى) * لا أراه ؟ على معنى: أنه لا يراه وهو حاضر، لساتر أو غيره، ثم ظهر له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: هو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما ظهر له من غيبته، فهو نحو قولهم: إنها الإبل أم شاء. ويروى أن أبا حنيفة سأل أبا عبد الله الصادق (عليه السلام): كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير ؟ فقال: لأن الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فضحك أبو حنيفة وقال: كيف لا يرى الفخ في التراب ويرى الماء في بطن الأرض ؟ ! قال: يا نعمان، أو ما علمت أنه إذا نزل القدر غشي البصر (1). * (لأعذبنه) * بنتف ريشه وتشميسه، وقيل: بالتفريق بينه وبين إلفه (2)، وقرئ:


(1) رواه في مجمع البيان: ج 7 - 8 ص 217 عن العياشي. (2) حكاه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 412. (*)

[ 706 ]

" ليأتينني " بنونين أولهما مشددة (1)، وبنون واحدة مشددة، والسلطان: الحجة والعذر. قرئ * (فمكث) * بفتح الكاف وضمها (2)، * (غير بعيد) * كقولك: عن قريب، وصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان وتسخيره له، وقرئ: * (أحطت) * بإدغام الطاء بالتاء بإطباق (3) وغير إطباق (4). وعن ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة وعذر فقال: اطلعت على ما لم تطلع عليه * (وجئتك) * بخبر صادق لم تعلمه (5). ألهم الله الهدهد فكافحه بهذا الكلام مع ما أوتي من العلوم الكثيرة، ابتلاء له في علمه وتنبيها له على أن في أدنى خلقه من أحاط (6) * (بما لم تحط به) * ليكون لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وقرئ: * (سبإ) * بالهمزة منونا وغير منون على منع الصرف (7)، و " سبا " بالألف (8)، ومثله في سورة سبأ: * (لقد كان لسبإ) * (9)، وهو: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرفه، ومن جعله اسما للحي أو الأب الأكبر صرفه، ثم سميت مدينة مأرب ب‍ " سبأ "، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، كما سميت معافر ب‍ " معافر بن أد "، والنبأ: الخبر الذي له شأن. * (وجدت امرأة) * وهي بلقيس بنت شراحيل أو شرحيل، كان أبوها ملك


(1) قرأه ابن كثير. راجع التبيان: ج 8 ص 86. (2) قرأ عاصم وروح بفتح الكاف، وضمها الباقون. راجع المصدر السابق. (3 و 4) حكاهما الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 359. (5) حكاه عنه الماوردي في تفسيره: ج 4 ص 203. (6) في نسخة زيادة: " علما ". (7) وبغير التنوين على منع الصرف قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع التبيان: ج 8 ص 86. (8) وهي قراءة ابن كثير برواية قواص عنه. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 413. (9) الآية: 15. (*)

[ 707 ]

أرض اليمن كلها * (وأوتيت من كل شئ) * مما يحتاج إليه الملوك من زينة الدنيا * (ولها عرش عظيم) * سرير أعظم من سريرك، مقدمه من ذهب مرصع بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخره من فضة، وكان عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. وقال أبو مسلم: أراد بالعرش الملك (1). وقرئ: * (ألا يسجدوا) * بالتشديد على أن المراد: فصدهم الشيطان عن السبيل لأن لا يسجدوا، فحذف الجار، وقرئ بالتخفيف وهو " ألا يا اسجدوا " (2): " ألا " للتنبيه، و " يا " حرف النداء، والمنادى محذوف، كما حذفه من قال: ألا يا اسلمي... (3) * (الذي يخرج الخب ء) * أي: المخبوء في السماء (4)، سماه بالمصدر، وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه عزوجل من غيوبه، وقرئ: * (الخب ء) * بتخفيف الهمزة بالحذف (5). وقيل: إن الجميع من قوله: * (أحطت) * إلى قوله: * (العظيم) * من كلام الهدهد (6)، وقيل: * (ألا يسجدوا) * إلى آخره كلام رب العزة، أمر جميع خلقه بالسجود (7). وفي إحدى القراءتين أمر بالسجود وفي الأخرى ذم لتاركه، فسجدة التلاوة


(1) حكاه عنه الآلوسي في تفسيره: ج 19 ص 190. (2) وهي قراءة أبي جعفر والكسائي ورويس. راجع التذكرة في القراءات: ج 2 ص 585. (3) وتمام البيت: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر انظر ديوان ذي الرمة: ص 202. (4) ليس في نسخة: من السماء. (5) وهي قراءة ابي وعيسى. راجع شواذ القرآن لابن خالويه: 110. (6) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 362. (7) المصدر السابق. (*)

[ 708 ]

مسنونة في كلتيهما، وإذا خفف فالوقف على * (لا يهتدون) * ومن شدد لم يقف إلا على * (العرش العظيم) *، وقرئ: * (تخفون) * و * (تعلنون) * بالتاء (1). * (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكذبين (27) اذهب بكتبي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يأيها الملؤا إنى ألقى إلى كتب كريم (29) إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا على وأتوني مسلمين (31) قالت يأيها الملؤا أفتوني في أمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والامر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمن قال أتمدونن بمال فما ءاتبن الله خير مما ءاتبكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صغرون (37)) * * (سننظر) * هو من النظر بمعنى الفكر والتأمل، والمراد: * (أصدقت أم) * كذبت، إلا أن قوله: * (أم كنت من الكذبين) * أبلغ. * (تول عنهم) * تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه يسمع منك * (ماذا يرجعون) * أي: ماذا يردون من الجواب، ومنه قوله تعالى: * (يرجع بعضهم إلى بعض القول) * (2) قيل: دخل عليها من الكوة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة (3).


(1) الظاهر أن المصنف يعتمد على اقراءة الياء فيهما هنا كما هو واضح. (2) سبأ: 31. (3) قاله ابن زيد ووهب بن منبه. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 512. (*)

[ 709 ]

وفي الكلام اختصار كثير، أي: فمضى الهدهد وألقى إليهم الكتاب، فلما قرأته بلقيس * (قالت) * لقومها بعد أن جمعتهم: * (يأيها الملؤا) * يعني: الأشراف * (إنى ألقى إلى كتب كريم) * وصفته بالكرم لأنه من عند ملك كريم، أو كتاب حسن مضمونه وما فيه، أو مختوم لقوله (عليه السلام): " كرم الكتاب ختمه " (1)، أو: لأنه صدره ببسم الله الرحمن الرحيم. * (إنه من سليمن) * استئناف وتبيين لما ألقي إليها، كأنه قيل لها: ممن هو، وما هو ؟ فقالت: إنه من سليمان. و " أن " في * (ألا تعلوا) * مفسرة، والمعنى: لا تتكبروا كما يفعل الملوك * (وأتوني) * منقادين مستسلمين، أو: مؤمنين. الفتوى: الجواب في الحادثة، وأرادت أن يشيروا عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي والتدبير، وقصدت بالرجوع إلى استشارتهم استعطافهم ليوافقوها ويقوموا معها * (قاطعة أمرا) * أي: فاصلة، لا أقطع أمرا إلا بحضوركم. * (نحن أولوا قوة) * في الأجساد والآلات والعدد * (وأولوا بأس) *: أي نجدة وبلاء في الحرب * (والامر) * موكول * (إليك) * ونحن مطيعون لك، فمرينا بأمرك نطع أمرك ونتبع رأيك. فمالت إلى الصلح ورأت الابتداء بالأحسن، وذكرت في الجواب لهم عاقبة الحرب (2) وسوء مغبتها (3)، و * (إن الملوك إذا دخلوا قرية) * قسرا وعنوة خربوها، وأذلوا أعزتها، وقتلوا وأسروا، ثم قالت: * (وكذلك يفعلون) * أي: وهذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير، وقيل: هو تصديق من الله سبحانه لقولها (4). ثم ذكرت حديث الهدية، وما رأت من الرأي في ذلك، أي: * (مرسلة إليهم) *


(1) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء: ج 2 ص 160. (2) في نسخة: " الامور ". (3) غب الأمر ومغبته: عاقبته وآخره. (لسان العرب: مادة غيب). (4) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 365. (*)

[ 710 ]

رسلا * (بهدية) * أمانعه (1) بذلك عن ملكي * (فناظرة) * أي: منتظرة ما يكون منهم (2) حتى أعمل على حسب ذلك. وقرئ: * (أتمدونن) * بحذف الياء والاجتزاء بالكسرة، والهدية اسم " المهدي "، كما أن العطية اسم " المعطى "، فيضاف إلى المهدي والمهدى له، والمضاف إليه في قوله: * (بهديتكم) * هو المهدى إليه، والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله عز اسمه آتاني ما لا مزيد عليه، فلا يمد مثلي بمال * (بل أنتم) * قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك * (تفرحون) * بما تزادون ويهدى إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم، وليس حالي كحالكم، فما أرضى منكم بشئ إلا بالإيمان، ولما أنكر عليهم إمداده بالمال أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه. ويجوز أن تكون الهدية مضافة إلى المهدي، أي: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون. * (ارجع) * خطاب للرسول * (لا قبل لهم بها) * أي: لا طاقة، وحقيقته: المقابلة والمقاومة، والمعنى: لا يقدرون أن يقابلوهم منها من أرضها ومملكتها وهم ذليلون بذهاب ما كانوا فيه من العز والملك * (صغرون) * بوقوعهم في الاستعباد والأسر. * (قال يأيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رأه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى


(1) في نسخة: " أصانعه ". (2) في نسخة: " منه ". (*)

[ 711 ]

غنى كريم (40) قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كفرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمن لله رب العلمين (44)) * يروى أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات، ووكلت به حرسا يحفظونه (1)، فأراد سليمان أن يريها بعض ما يخصه به الله تعالى من المعجزات الشاهدة لنبوته. وعن الباقر (عليه السلام): " قال عفريت من عفاريت الجن " والعفريت: المارد القوي الداهي * (من مقامك) * أي: مجلسك الذي تقضي فيه * (وإنى) * على الإتيان به * (لقوى أمين) * آتي به كما هو لا أبدله. و * (الذي عنده علم من الكتب) * وزير سليمان وابن أخته، وهو آصف بن برخيا، وكان يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وهو قوله: " يا إلهنا وإله كل شئ، إلها واحدا لا إله إلا أنت "، وقيل هو: " يا حي يا قيوم "، وبالعبرانية: " آهيا شراهيا " (2)، وقيل هو: " يا ذا الجلال والإكرام " (3)، وقيل: الذي عنده علم من الكتاب ملك أيد الله به سليمان (4)، وقيل: هو جبرئيل والكتاب هو اللوح (5)، وقيل: من جنس كتب الله


(1) رواه الطبري في تفسيره: ج 9 ص 520 عن وهب بن منبه. (2) قاله الكلبي وعائشة. راجع تفسير البغوي: ج 3 ص 420. (3) قاله مجاهد ومقاتل. راجع تفسير الطبري: ج 9 ص 523. (4) وهو قول ابن بحر كما في تفسير الماوردي: ج 4 ص 213. (5) قاله ابن عباس والنخعي. راجع البحر المحيط: ج 6 ص 86. (*)

[ 712 ]

المنزلة على أنبيائه (1)، وقيل: هو علم الوحي والشرائع (2). وقوله: * (ءاتيك) * في الموضعين يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل، " الطرف ": تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر. ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قوله: وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر (3) وصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد، فعلى هذا يكون معنى قوله: * (قبل أن يرتد إليك طرفك) * إنك ترسل طرفك إلى شئ فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك، وروي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى تنتهي طرفك، فمد عينيه فنظر نحو اليمين، ودعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب ثم نبع عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتد طرفه (4). * (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) * لأنه يرتبط به النعمة، ويحط به عن نفسه عب ء الواجب، ويستوجب المزيد * (ربى) * غني عن الشكر * (كريم) * بالإنعام على الشاكر والكافر. * (نكروا لها عرشها) * إجعلوه متنكرا متغيرا عن شكله، أراد بذلك اعتبار عقلها * (ننظر أتهتدي) * لمعرفته، أو للجواب على الصواب إذا سئلت عنه، أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك المعجزة. * (أهكذا) * أربع كلمات: حرف الاستفهام، وحرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة. أي: أمثل هذا عرشك ؟ ولم يقل: أهذا عرشك ؟ لئلا يكون تلقينا


(1 و 2) وهو قول ابن لهيعة. راجع الكشاف: ج 3 ص 367 و 368. (3) البيت لاعرابية ترد خاطبا لها يسألها عن أحوالها، وقيل: هو لشاعر حماسي. انظر شرح شواهد الكشاف للافندي: 78. (4) رواه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 420 عن ابن عباس. (*)

[ 713 ]

* (قالت كأنه هو) * ولم تقل هو هو ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، إذ لم تقطع في موضع الاحتمال * (وأوتينا العلم من قبلها) * قيل: هو من كلام بلقيس (1) أي: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان من قبل هذه المعجزة، أو: من قبل هذه الحالة، وقيل: هو من كلام سليمان وقومه (2) أي: وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة قبل مجيئها، أو: أوتينا العلم بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام. * (وصدها) * عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشوؤها بين الكفار، وقيل: صدها الله أو سليمان عما * (كانت تعبد) * بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل (3). والصرح: القصر، والممرد: المملس، وقيل: الصرح: الموضع البسيط المنكشف من غير سقف (4)، أمر سليمان الشياطين ببنائه وأجرى تحته الماء، ثم وضع له فيه سرير فجلس عليه * (فلما رأته) * بلقيس * (حسبته لجة) * وهي معظم الماء * (وكشفت عن ساقيها) * لدخول الماء، فقال لها سليمان: * (إنه صرح) * مملس * (من قوارير) * وليس بماء * (ظلمت نفسي) * يريد بكفرها فيما تقدم. * (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صلحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طئركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله


(1) انظر تفسير الرازي: ج 24 ص 200. (2) قاله مجاهد والجبائي. راجع التبيان: ج 8 ص 98. (3) قاله النحاس في إعراب القرآن: ج 3 ص 213. (4) قاله محمد بن كعب القرظي. راجع البحر المحيط: ج 7 ص 79. (*)

[ 714 ]

ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصدقون (49) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عقبة مكرهم أنا دمرنهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لاية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون (53)) * * (هم فريقان) * مبتدأ وخبر، و * (إذا) * خبر ثان، و * (يختصمون) * حال أو صفة ل‍ * (فريقان) * أي: فريق مؤمن وفريق كافر، يقول كل فريق: الحق معي. والسيئة: العقوبة، والحسنة: التوبة من الشرك، ومعنى استعجالهم * (بالسيئة قبل الحسنة) * أنهم قالوا: إن كان ما أتيتنا به حقا فأتنا بالعذاب، هلا * (تستغفرون) * الله من الشرك بأن تؤمنوا * (لعلكم ترحمون) * فلا تعذبون في الدنيا. * (اطيرنا) * أي: تطيرنا بك، ومعناه: تشاءمنا بك وبمن على دينك، وكانوا قد قحطوا * (قال طئركم عند الله) * أي: سببكم الذي يجئ به خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمه، إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم. ويجوز أن يريد: عملكم مكتوب عند الله فمنه نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وابتلاء، ومنه قوله: * (طئركم معكم) * (1) * (وكل إنسن ألزمنه طئره في عنقه) * (2)، * (بل أنتم قوم تفتنون) * تختبرون وتبتلون أو تعذبون. * (وكان في المدينة) * التي بها صالح، وهي الحجر * (تسعة) * أنفس سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح ومن أبناء أشرافهم، أي: شأنهم الإفساد البحت الذي لا يختلط بشئ من الصلاح. * (تقاسموا) * يجوز أن يكون أمرا، ويجوز أن يكون خبرا في محل الحال بإضمار " قد "، أي: قالوا متقاسمين: * (لنبيتنه) * أي: لنقتلن صالحا وأهله، وقرئ: " لتبيتنه " بالتاء وضم التاء الثانية " ثم لتقولن " (3)،


(1) يس: 19. (2) الإسراء: 13. (3) وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. راجع التبيان: ج 8 ص 101. (*)

[ 715 ]

وعلى هذا يكون * (تقاسموا) * أمرا لا غير، والتقاسم: التحالف، والبيات: مباغتة العدو ليلا، وقرئ: " مهلك " من الهلاك و " مهلك " من الإهلاك (1). * (ومكروا مكرا) * بأن أخفوا تدبيرا للفتك بصالح وأهله * (ومكرنا) * بإهلاكهم من حيث * (لا يشعرون) * شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. " إنا دمرناهم " (2) استئناف، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من " العاقبة "، أو: على أنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هي تدميرهم، أو نصبه على خبر * (كان) * أي: كان عاقبة مكرهم الدمار، أو على معنى " لأنا ". و * (خاوية) * نصب على الحال من معنى الإشارة، أي: فارغة خالية بظلمهم وكفرهم (3). وعن ابن عباس: أجد في كتاب الله عز اسمه أن الظلم يخرب البيوت، وتلا هذه الآية (4). * (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجينه وأهله إلا امرأته قدرنها من الغبرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين (58)) * أرسلنا لوطا * (وأنتم تبصرون) * من: بصر القلب، أي: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، أو: تبصرونها، لأنهم كانوا يرتكبون ذلك معالنين به، لا يستتر بعضهم


(1) قرأ عاصم برواية أبي بكر " مهلك " وفي رواية حفص " مهلك "، والباقون " مهلك ". راجع المصدر السابق. (2) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا هي بكسر الألف كما لا يخفي. (3) في نسخة: " شركهم ". (4) حكاه عنه الآلوسي في تفسيره: ج 19 ص 215. (*)

[ 716 ]

من بعض خلاعة أو مجانة، أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. * (تجهلون) * تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو: تجهلون العاقبة. * (يتطهرون) * يتنزهون عن هذا الفعل وينكرونه، وعن ابن عباس: هو استهزاء (1). أي: قدرنا كونها * (من الغبرين) * أي: الباقين في العذاب، فالتقدير واقع على الغبور في المعنى. * (قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفي ءالله خير أمآ يشركون (59) أمن خلق السموات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أءله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الارض قرارا وجعل خللها أنهرا وجعل لها روا سى وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض أءله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمت البر والبحر ومن يرسل الريح بشرا بين يدي رحمته أءله مع الله تعلى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع الله قل هاتوا برهنكم إن كنتم صدقين (64) قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65)) * فيه بعث على الاستفتاح بالتحميد والسلام على المصطفين من عباده، والتيمن بالذكرين، والاستظهار بهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وقيل: اتصل بما قبله


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 374. (*)

[ 717 ]

إذا جعل تحميدا على الهالكين من كفار الأمم، والصلاة على الأنبياء وأشياعهم الناجين (1). وعنهم (عليهم السلام): أن * (الذين اصطفي) * محمد وآله (عليهم السلام) (2). * (ءالله خير) * لمن عبده أم الأصنام لعابديها ؟ وهذا إلزام للحجة على المشركين بعد ذكر هلاك الكفار. وعن الصادق (عليه السلام): يقول إذا قرأها: " الله خير " ثلاث مرات (3). و " أم " في * (أما يشركون) * متصلة، والمعنى: أيهما خير ؟ وهي في: * (أمن خلق) * منقطعة، والمعنى: بل أمن خلق السماوات والأرض خير. وفيه تقرير لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شئ. وفي قوله: * (فأنبتنا به) * وانتقاله إلى التكلم عن ذاته بعد الإخبار عن الغيبة على طريق الالتفات تأكيد لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وأنه لا يقدر على إنبات الحدائق مع بهجتها وبهائها إلا هو وحده. ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص بقوله: * (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) * ومعنى الكينونة: الابتغاء، يعني: أن تأتي ذلك من غيره محال، وكذلك قوله: * (بل هم) * بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم. والحديقة: البستان عليه حائط، من قولهم: أحدقوا به أي: أحاطوا به، و * (ذات بهجة) * بمعنى: جماعة حدائق ذات بهجة، كما يقال: النساء ذهبت، والبهجة: الحسن لأن الناظر يبتهج به * (أءله مع الله) * أغيره يقترن به ويجعل شريكا له ؟ ولك أن تحقق الهمزتين وتوسط بينهما مدة، وأن تخرج الثانية بين بين * (يعدلون) * به غيره، أو: يعدلون عن الحق والتوحيد.


(1) حكاه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 424. (2) رواه القمي في تفسيره: ج 2 ص 129. (3) انظر تهذيب الأحكام للطوسي: ج 2 ص 297 ح 51. (*)

[ 718 ]

* (أمن جعل) * وما بعده بدل من * (أمن خلق) * وحكمها حكمه * (قرارا) * سواها للاستقرار عليها * (حاجزا) * أي: برزخا. الاضطرار: افتعال من الضرورة، والمضطر: الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الأيام إلى التضرع إلى الله تعالى، يقال: إضطره إلى كذا، والفاعل والمفعول: مضطر * (ويكشف السوء) * أي: الشدة وكل ما يسوء * (ويجعلكم خلفاء الارض) * خلفاء فيها، تتوارثون التصرف فيها خلفا بعد سلف وقرنا بعد قرن، أو: أراد بالخلافة الملك والتسلط، و * (ما) * مزيدة أي: يذكرون تذكيرا قليلا، والمعنى: نفي التذكر، وقرئ بالياء مع الإدغام، وبالتاء مع الإدغام والحذف (1). * (أمن يهديكم) * بالنجوم في السماء، وبالعلامات في الأرض إذا جن عليكم الليل وأنتم مسافرون في البحر أو البر ؟ * (أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده) * أقروا بالابتداء والإنشاء فيلزمهم الإقرار بالإعادة بعد الفناء * (من السماء) * بإنزال الأمطار ومن * (الارض) * بالنبات والثمار. وجاء قوله: * (إلا الله) * على لغة بني تميم في قولهم: ما أتاني زيد إلا عمرو، وقول الشاعر: وبلدة ليس لها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس (2) وإنما اختير هذا ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممن في السماوات والأرض ففيهم من يعلم الغيب، كما كان المعنى في البيت: إن كان اليعافير أنيسا


(1) وبالياء قراءة أبي عمرو وابن عامر برواية هشام وابن ذكوان وروح والحسن والأعمش، وبالتاء الباقين. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 484، والبحر المحيط لأبي حيان: ج 7 ص 90. (2) لجران العود واسمه عامر بن الحارث بن كلفة وقيل: كلدة، والبيت من قصيدة يذم فيهما امرأتيه ويشكو منهما. راجع خزانة الأدب للبغدادي: ج 10 ص 15 وما بعده. (*)

[ 719 ]

ففيها أنيس * (أيان) * بمعنى " متى ". * (بل ادا رك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) وقال الذين كفروا أءذا كنا ترا با وءابآؤنآ أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أسطير الاولين (68) قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (71) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء والارض إلا في كتب مبين (75)) * قرئ: * (بل ادارك) * و " ادرك " (1)، وأصل " ادارك ": تدارك فأدغمت التاء في الدال، و " ادرك " افتعل، ومعنى: ادرك * (علمهم) *: انتهى وتكامل، و * (ادارك) *: تتابع واستحكم، يعني: أن أسباب استحكام علمهم وتكاملهم (2) بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم، ومكنوا منها ومن معرفتها، وهم شاكون جاهلون، وذلك قولهم: * (بل هم في شك منها بل هم منها عمون) * يريد المشركين ممن في السماوات والأرض، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع، كما يقال: بنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله ناس منهم. ووجه آخر وهو: أن يكون " ادرك " بمعنى " انتهى " و " فني "، من قولك: ادركت الثمرة، لأن تلك غايتها التي عندها تعدم، وقد فسره الحسن ب‍ " اضمحل


(1) وهي قراءة عاصم برواية أبي بكر. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 485. (2) في نسخة: " تكامله ". (*)

[ 720 ]

علمهم " (1). وتدارك من: تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك. ومعنى الإضراب ثلاث مرات أنه وصفهم أولا بأنهم " لا يشعرون " وقت البعث، ثم بأنهم * (لا يعلمون) * بأن القيامة كائنة، ثم بأنهم * (في شك) * يستطيعون إزالته ولا يزيلونه، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى، وجعل الآخرة مبدأ إعمائهم فلذلك عداه ب‍ " من " دون " عن "، لأن الكفر بالعاقبة هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون. والعامل في * (إذا) * ما دل عليه * (أئنا لمخرجون) * وهو تخرج، لأن بين يدي " عمل " اسم فاعل فيه موانع من العمل، وهي: همزة الاستفهام و " إن " ولام الابتداء، واحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمع الجميع. والمراد: الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى الحياة، وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على " إذا " و " إن " جميعا إنكار على إنكار وجحود بعد جحود، والضمير في * (إنا) * لهم ولآبائهم، لأن كونهم * (ترابا) * قد تناولهم وآباءهم. فانظر * (كيف كان عقبة المجرمين) * أي: الكافرين. * (ولا تحزن عليهم) * لأنهم لم يتبعوك، والمراد: لم يسلموا * (ولا تكن في) * حرج صدر من مكرهم وكيدهم، ولا تبال بذلك، فإن الله يعصمك منهم، يقال: ضاق الشئ ضيقا بالفتح والكسر، وقد قرئ بهما جميعا (2). إستعجلوا العذاب الموعود، فقيل لهم: * (عسى أن يكون) * ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر، فزيدت اللام للتأكيد كما زيدت الباء في * (ولا تلقوا بأيديكم) * (3)، أو ضمن * (ردف) * معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم، والمعنى: تبعكم ولحقكم، و " عسى " و " لعل " و " سوف " في وعد الملوك


(1) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 379. (2) قرأ ابن كثير والمسيبي واسماعيل كلاهما عن نافع بكسر الضاد، وقرأ الباقون بفتحها. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 485. (3) البقرة: 195. (*)

[ 721 ]

ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده، يعنون بذلك أنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بغلبتهم، وبأن الأمر لا يفوتهم. والفضل: الإفضال أي: هو مفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا يشكرونه. كننت الشئ وأكننته: سترته، أي: يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله وكيده، وهو معاقبهم على ذلك على حسب استحقاقهم. التاء في " الغائبة " و " الخافية " بمنزلتها في " العاقبة " و " العافية "، والمعنى: الشئ الذي يغيب ويخفي، وهما اسمان، ويجوز أن يكونا صفتين، والتاء تكون للمبالغة ك‍ " الراوية " في قولهم: حماد الراوية، كأنه قال: وما من شئ شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله وأثبته في اللوح. * (إن هذا القرءان يقص على بنى إسرا ءيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهدي العمى عن ضللتهم إن تسمع إلا من يؤمن بايتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم أن الناس كانوا بايتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بايتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بايتى ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85)) * أي: * (يقص) * عليهم ما اختلفوا فيه من أمر المسيح ومريم وأشياء كثيرة وقع بينهم الاختلاف فيه من الأحكام وغيرها، وكان ذلك من معجزات نبينا (صلى الله عليه وآله)،

[ 722 ]

إذ كان لا يدرس كتبهم وأخبرهم بما فيها. * (يقضى بينهم) * أي: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، أو: بين المختلفين في الدين يوم القيامة * (بحكمه) * أي: بما يحكم به وهو عدله، فسمى المحكوم به حكما، أو بحكمته * (وهو العزيز) * فلا يرد قضاؤه * (العليم) * بمن يقضي له وعليه. أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين، وعلل التوكل بأنه * (على الحق) * وصاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله. * (إنك لا تسمع الموتى) * ومن سمع آيات الله وهو حي صحيح الحواس فلا تعيها أذنه، وحاله كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع، وحاله كحال الصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون. و * (العمى) * الذين يضلون الطريق ولا يقدر أحد على أن يجعلهم هداة بصراء إلا الله، وقوله: * (إذا ولوا مدبرين) * تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا ولى عن الداعي مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته، وقرئ: " ولا يسمع الصم " (1) " وما أنت تهدي العمي " (2). وهداه عن الضلال كقوله: سقاه عن العيمة (3) أي: أبعده عنها بالسقي، وأبعده عن الضلال بالهدى * (إن تسمع) * أي: ما تسمع * (إلا) * من يطلب الحق، ويعلم الله أنه يؤمن بآياته ويصدق بها * (فهم مسلمون) * مخلصون. * (وإذا وقع القول) * أي: حصل ما وعده الله من علامات قيام الساعة وظهور أشراطها * (أخرجنا لهم دابة من الأرض) * تخرج من بين الصفا والمروة، فتخبر المؤمن بأنه مؤمن والكافر بأنه كافر. وعن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " دابة الأرض طولها ستون


(1) قرأه ابن كثير وابن محيص وحميد وابن أبي اسحاق وعباس عن أبي عمرو. راجع كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 486، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 232. (2) قرأه حمزة. راجع كتاب السبعة السابق. (3) عام الرجل الى اللبن يعام ويعيم عيما وعيمة. (لسان العرب: مادة عيم). (*

[ 723 ]

ذراعا، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، فتسم المؤمن بين عينيه، وتسم الكافر بين عينيه، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى يقال: يا مؤمن، ويا كافر " (1). وروي: " فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يبيض لها وجهه، ويكتب بين عينيه: مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه، ويكتب بين عينيه: كافر " (2). وعن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام (3). وعن محمد بن كعب قال: سئل علي (عليه السلام) عن الدابة فقال: " أما والله مالها ذنب، وإن لها للحية " (4). وفي هذا إشارة إلى أنها من الإنس. وقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: " أنا صاحب العصا والميسم " (5). وعن ابن عباس وغيره (6): * (تكلمهم) * من الكلم وهو الجرح، والمراد به الوسم بالعصا والخاتم، ويجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضا على معنى التكثير، يقال: فلان مكلم أي: مجرح، ويجوز أن يستدل بالتخفيف على أن المراد بالتكليم التجريح، كما فسر * (لنحرقنه) * بقراءة علي (عليه السلام): " لنحرقنه " (7)، ويستدل


(1) رواه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 429. (2) رواه الماوردي في تفسيره: ج 4 ص 226 عن ابن الزبير. (3) حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج 3 ص 428. (4) رواه الطوسي في التبيان: ج 8 ص 119، والماوردي في تفسيره: ج 4 ص 226. (5) وهو ما رواه الكليني في الكافي: ج 1 ص 198 باب أن الائمة هم أركان الأرض، والصدوق في العلل: ص 164 ب 130 ح 3. (6) كالحسن وسعيد بن جبير وأبي زرعة وأبي رجاء العطاردي وعاصم الجحدري. راجع التبيان: ج 8 ص 120، وتفسير القرطبي: ج 13 ص 238. (7) حكاها عنه (عليه السلام) ابن خالويه في الشواذ: ص 92، والآية من سورة طه: 97. (*)

[ 724 ]

بقراءة أبي " تنبئهم " (1)، وبقراءة ابن مسعود: * (تكلمهم) * بالتشديد " بأن الناس " (2) على أنه من الكلام. وعن الباقر (عليه السلام): كلم الله من قرأ " تكلمهم "، ولكن * (تكلمهم) * بالتشديد (3). وقرئ: " إن " بالكسر (4) على حكاية قول الدابة أو قوله تعالى عند ذلك، وإذا كانت حكاية لقول الدابة فمعنى * (بايتنا) *: بآيات ربنا، أو: لأنها من خواص خلق الله أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول بعض خاصة الملك: بلادنا وجندنا، وإنما هي بلاد مولاه وجنده. والقراءة بفتح * (أن) * على حذف الجار. * (فهم يوزعون) * أي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا * (ويوم نحشر) * منصوب بما دل عليه * (فهم يوزعون) * لأن * (يوم) * هاهنا بمنزلة " إذا ". وقد استدل بعض الإمامية (5) بهذه الآية على صحة الرجعة وقال: إن المذكور فيها: يوم نحشر فيه * (من كل) * جماعة فوجا، وصفة يوم القيامة أنه يحشر فيه الخلائق بأسرهم كما قال سبحانه: * (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) * (6). وورد عن آل محمد (عليهم السلام): أن الله تعالى يحيي عند قيام المهدي (عليه السلام) قوما من أعدائهم قد بلغوا الغاية في ظلمهم واعتدائهم، وقوما من مخلصي أوليائهم قد ابتلوا بمعاناة كل عناء ومحنة في ولائهم، لينتقم هؤلاء من أولئك، ويتشفوا مما


(1 و 2) انظر معاني القرآن للفراء: ج 2 ص 300. (3) تفسير القمي علي بن ابراهيم: ج 2 ص 130 وفيه عن أبي عبد الله (عليه السلام). (4) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 487. (5) كالشيخ الطوسي في التبيان: ج 8 ص 120. (6) روى القمي باسناده الى أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث الى أن قال: فقال رجل له: إن العامة تزعم أن قوله: * (ويوم نحشر من كل امة فوجا) * عنى يوم القيامة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أفيحشر الله من كل امة فوجا ويدع الباقين ؟ ! لا، ولكنه في الرجعة، وأما آية القيامة فهي: * (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) *. راجع تفسير القمي: ج 2 ص 131. (*)

[ 725 ]

تجرعوه من الغموم بذلك، وينال كل من الفريقين بعض ما استحقه من الثواب والعقاب (1). وهذا غير مستحيل في العقول فإن أحدا من المسلمين لا يشك في أنه مقدور لله تعالى، وقد نطق القرآن بوقوع أمثاله في الأمم الخالية ك‍ * (- الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) * (2)، والذي * (أماته الله مئة عام ثم بعثه) * (3) (4). وروي عنه (عليه السلام): " سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة " (5). وعلى هذا فيكون المراد بالآيات: الأئمة الهادية (عليهم السلام). وقوله: * (ولم تحيطوا بها علما) * الواو للحال، فكأنه قال: أكذبتم بها بادئ الرأي من غير فكر ونظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، أو للعطف أي: أجحدتموها ومع جحودكم لم تقصدوا معرفتها وتحققها * (أماذا كنتم تعملون) * من غير الكفر والتكذيب بآيات الله، يعني: لم يكن لكم عمل في الدنيا غير ذلك. * (ووقع القول عليهم) * أي: غشيهم العذاب بسبب ظلمهم فشغلهم عن الاعتذار والنطق به. * (ألم يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لايت لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض إلا من شآء الله وكل أتوه دا خرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ


(1) انظر روضة الكافي: ص 206 ح 250. (2) البقرة: 243. (3) البقرة: 259. (4) أنظر الاعتقادات في دين الإمامية للصدوق: ب 18 ص 39 - 43. (5) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 203 ح 609. (*)

[ 726 ]

ءامنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرءان فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم ءايته فتعرفونها وما ربك بغفل عما تعملون (93)) * * (مبصرا) * معناه: ليبصروا فيه طرق المكاسب. * (ففزع) * ولم يقل: فيفزع ليعلم أنه كائن لا محالة، والمراد: أن أهل السماوات والأرض يفزعون عند النفخة الأولى * (إلا من شاء الله) * من الملائكة الذين ثبتهم الله تعالى وهم: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل: الشهداء (1)، وقرئ: " وكل أتوه " (2) أي: فاعلوه، وكلاهما محمول على معنى " كل "، والداخر: الصاغر، ومعنى الإتيان: حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية، ويجوز أن يكون المراد: رجوعهم إلى أمرهم وانقيادهم له. * (تحسبها جامدة) * من جمد في المكان: إذا لم يبرح منه، تجمع الجبال وتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفة * (وهي تمر) * مرا حثيثا. وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت لا يتبين حركتها، كما قال النابغة الجعدي يصف جيشا: بأرعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج (3)


(1) قاله أبو هريرة كما في تفسير الماوردي: ج 4 ص 230. (2) وهي قراءة الجمهور إلا حمزة وحفصا. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 487. (3) الأرعن: الجبل العالي، والهملجة: السير السريع، يقول: إن جيشنا من الكثرة تظنهم واقفين لحاجة والحال أن ركابه تسرع السير. انظر شرح شواهد الكشاف للافندي: 99. (*)

[ 727 ]

* (صنع الله) * مصدر مؤكد، وانتصابه بما دل عليه ما تقدم من قوله: * (وهي تمر مر السحاب) * وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتى بها على وجه الحكمة والإتقان وهو حسن الاتساق * (إنه خبير) * بما يفعله العباد، وما يستحقونه عليه فيجازيهم بحسب ذلك، وقرئ: * (تفعلون) * بالتاء على الخطاب (1). وقرئ: " من فزع يومئذ " مجرورا بالإضافة (2) و " يومئذ " مفتوحا مع الإضافة (3) لأنه أضيف إلى غير متمكن، ومنصوبا مع تنوين " فزع ". ومن نون ففي انتصاب " يومئذ " ثلاثة أوجه: أن يكون ظرفا للمصدر، وأن يكون صفة له كأنه قال: من فزع يحدث يومئذ، وأن يتعلق ب‍ * (آمنون) * كأنه قال: وهم آمنون يومئذ من فزع شديد لا يكتنهه الوصف، وهو خوف النار. وعن علي (عليه السلام): " الحسنة حبنا أهل البيت، والسيئة بغضنا " (4). ويؤيده ما رووه عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " يا علي، لو أن أمتي صاموا حتى صاروا كالأوتار، وصلوا حتى صاروا كالحنايا، ثم أبغضوك، لأكبهم الله على مناخرهم في النار " (5). * (هل تجزون) * على إضمار القول. * (هذه البلدة) * يعني: مكة، خصها الله سبحانه بإضافة اسمه إليها، وأشار إليها إشارة تعظيم لها، ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص، وصفها: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها،


(1) الظاهر أن القراءة المعتمدة لدى المصنف هنا بالياء. (2) قرأه ابن كثير وابو عمرو ونافع وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات: ص 487. (3) قرأه ابن جماز وقالون وابن أبي اويس والمسيبي وورش كلهم عن نافع. راجع المصدر السابق. (4) أخرجه الكليني في الكافي: ج 1 ص 185 ح 14، والطوسي في الأمالي ج 2 ص 107. (5) العلل المتناهية لابن الجوزي: ج 1 ص 257. (*)

[ 728 ]

ومن التجأ إليها فهو آمن، ومن انتهك حرمتها فهو ظالم، وهو مالك * (كل شئ) * فيحرم ما يشاء ويحل ما يشاء. * (فمن اهتدى) * باتباعه إياي فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلي * (ومن ضل) * ولم يتبعني فلا علي، وما أنا إلا رسول منذر، وليس علي إلا البلاغ المبين. ثم أمر سبحانه أن يحمد الله على ما آتاه من نعمة النبوة، وأن يهدد أعداءه بما سيريهم سبحانه من الآيات التي تلجئهم إلى المعرفة والإقرار بأنها آيات الله، وذلك حين لا تنفعهم المعرفة، يعني: في الآخرة، وقيل: هي العذاب في الدنيا والقتل يوم بدر فيشاهدونها (1)، وقرئ: * (تعملون) * بالتاء والياء (2).


(1) وهو قول مقاتل. راجع مجمع البيان: ج 7 ص 237. (2) وبالياء قرأه ابن كثير وأبو عمرو وهشام. راجع الكشف عن وجوه القراءات: ج 2 ص 169. (*)

[ 729 ]

سورة القصص مكية (1)، وهي ثمان وثمانون آية، * (طسم) * كوفي، * (يسقون) * غيرهم. وفي حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق موسى (عليه السلام) ومن كذب به " (2).


(1) قال الشيخ الطوسي في التبيان: ج 8 ص 127: مكية في قول قتادة والحسن عطاء وعكرمة ومجاهد، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وقال ابن عباس: آية منها نزلت بالمدينة، وقيل بالجحفة، وهي قوله: * (ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد) *، وهي ثمانون وثمان آيات بلا خلاف في جملتها، واختلفوا في رأس آيتين. وفي الكشاف: ج 3 ص 391: مكية إلا من آية 52 إلى غاية آية 55 فمدنية، وآية 85 فبالجحفة أثناء الهجرة، وآياتها 88، نزلت بعد النمل. وفي تفسير الآلوسي: ج 20 ص 41 ما لفظه: مكية كلها على ما روي عن الحسن وعطاء وطاوس وعكرمة، وقال مقاتل: فيها من المدني قوله تعالى: * (الذين آتيناهم االكتاب) * إلى قوله: * (لا نبتغى الجاهلين) * فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنها نزلت هي وآخر الحديد في أصحاب النجاشي الذين قدموا وشهدوا واقعة أحد، وفي رواية عنه أن الآية المذكورة نزلت بالجحفة في خروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) للهجرة، وقيل: نزلت بين مكة والجحفة. (2) رواه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 437 مرسلا، وزاد في آخره: " ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقا أن كل شئ هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون ". (*)

[ 730 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك ءايت الكتب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحى ى نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوا رثين (5) ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهمن وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6)) * * (نتلوا عليك) * بعض * (نبإ موسى وفرعون بالحق) * أي: محقين كقوله: * (تنبت بالدهن) * (1)، * (لقوم يؤمنون) * سبق في علمنا أنهم يؤمنون، لأن التلاوة إنما ينفع هؤلاء. * (إن فرعون) * جملة مستأنفة كالتفسير لما تقدم * (علا) * أي: بغى وتجبر * (في) * أرض مصر، وتجاوز الحد في الظلم * (وجعل أهلها شيعا) * أي: فرقا يشيعونه على ما يريد، أو: يشيع بعضهم بعضا في طاعته، أو: فرقا مختلفة قد أوقع بينهم العداوة، وهم: بنو إسرائيل والقبط * (يستضعف طائفة منهم) * وهم بنو إسرائيل، وسبب ذبح الأبناء أن كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده، * (يذبح) * بدل من * (يستضعف) *، و * (يستضعف) *: إما حال من الضمير في * (جعل) * أو صفة ل‍ * (شيعا) * أو كلام مستأنف. * (ونريد أن نمن) * جملة معطوفة على الكلام المتقدم، لأن الجميع تفسير ل‍ * (نبأ موسى وفرعون) *، * (ونريد) * حكاية حال ماضية، ويجوز أن يكون حالا من * (يستضعف) * أي: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم


(1) المؤمنون: 20. (*)

[ 731 ]

* (ونجعلهم أئمة) * متقدمين في الدين والدنيا، وقادة في الخير يقتدى بهم. وعن سيد العابدين (عليه السلام): والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق بشيرا ونذيرا، إن الأبرار منا أهل البيت، وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإن عدونا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه. * (ونجعلهم الوا رثين) * يرثون فرعون وقومه ملكهم. * (ونمكن لهم) * في أرض مصر والشام، أي: نجعلها لهم ممهدة لا تنبو بهم كما كانت في أيام الجبابرة، وننفذ أمرهم، ونطلق أيديهم فيها ونسلطهم عليها. وقرئ: " ويرى " بالياء " فرعون وجنوده " بالرفع (1)، أي: يرون منه * (ما كانوا يحذرون‍) * - ه من ذهاب ملكهم وهلاكهم. * (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهمن وجنودهما كانوا خطين (8) وقالت امرأت فرعون قرت عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فرغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10)) * * (اليم) * البحر وهو نيل مصر، يعني: ألهمناها، أو أتاها جبرائيل بذلك * (أن أرضعيه) * ما لم تخافي عليه * (فإذا خفت عليه) * القتل فاقذفيه في النيل * (ولا تخافي) * عليه الغرق والضياع، والفرق بين الخوف والحزن: أن الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع، وهو فراقه والإخطار به، وقد


(1) قرأه حمزة والكسائي. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 593. (*

[ 732 ]

نهيت عن الأمرين جميعا، ووعدت بما يسليها ويطمئن قلبها ويبهجها، وهو رده إليها وجعله * (من المرسلين) *. واللام في * (ليكون) * لام " كي " التي معناها التعليل، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز، لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم * (عدوا وحزنا) * غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله. وقرئ: " حزنا " (1) هما لغتان كالرشد والرشد * (كانوا خطئين) * في كل شئ، وليس خطأهم في تربية عدوهم ببدع منهم، أو: كانوا مجرمين مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم الذي هو سبب هلاكهم على أيديهم. وقرئ: " خاطين " بتخفيف الهمزة (2)، أو: هو من خطوت أي: خاطين الصواب إلى الخطأ. وروي أنهم التقطوا التابوت فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا ففتحته فإذا بصبي يمص إبهامه فأحبوه، فقالت آسية لفرعون: * (قرت عين لى ولك) * أي: هو قرة عين. وعن ابن عباس: أن أصحاب فرعون جاءوا ليقتلوه فمنعتهم وقالت: لا تقتلوه، فقال فرعون: قرة عين لك، فأما لي فلا، ولو أنه أقر بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته لهداه الله به كما هداها (3). * (عسى أن ينفعنآ) * فإن فيه مخائل اليمن توسمت في سيمائه النجابة المؤذنة بكونه نفاعا * (أو نتخذه ولدا) * فإنه أهل لأن يكون ولدا للملوك * (وهم لا يشعرون) * أنهم وجدوا المطلوب الذي يطلبونه فارغا من الهم حين سمعت بعطف فرعون عليه وتبنيه له.


(1) قرأه حمزة والكسائي. راجع الكشف عن وجوه القراءات للقيسي: ج 2 ص 172. (2) حكاها الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 394. (3) حكاه عنه الطبري في تفسيره: ج 10 ص 33. (*)

[ 733 ]

وقيل: * (فرغا) * صفرا من العقل حين سمعت بوقوعه في يد فرعون (1)، ونحوه: * (وأفئدتهم هواء) * (2) أي: لا عقول فيها. قال حسان: ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف نخب هواء (3) * (إن كادت لتبدي به) * معناه: أنها كادت تذكر موسى فتقول: يا ابناه، من شدة الوجد * (لولا أن ربطنا على قلبها) * بإلهام الصبر * (لتكون من) * المصدقين بوعد الله في * (إنا رآدوه إليك) *، وقيل: كادت تخبر أنها أمه لما رأته عند فرعون لشدة سرورها به (4)، والهاء في * (به) * لموسى، والمراد بأمره وقصته. * (وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له نصحون (12) فرددنه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى ءاتينه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطن إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16)) *


(1) قاله مالك كما حكاه القرطبي في تفسيره: ج 13 ص 255. (2) ابراهيم: 43. (3) وهو من قصيدة يهجوبها أبا سفيان لما بلغه هجاؤه للنبي (صلى الله عليه وآله). راجع ديوان حسان بن ثابت: ص 28. (4) قاله ابن مسعود. راجع تفسير القرطبي: ج 13 ص 256. (*)

[ 734 ]

* (وقالت) * أم موسى لأخت موسى: * (قصيه) * أي: اتبعي أثره وتتبعي خبره * (فبصرت به عن جنب) * عن بعد، والمراد: فذهبت فوجدت آل فرعون أخرجوا التابوت وأخرجوا موسى، فرأت أخاها موسى وهم لا يحسون بأنها أخته. والتحريم: استعارة للمنع، لأن من حرم عليه الشئ فقد منع ذلك، وذلك أن الله منع موسى أن يرضع ثديا، فكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك، و * (المراضع) * جمع مرضع وهي التي ترضع، أو جمع مرضع وهو الرضاع أو موضع الرضاع يعني الثدي من قبل قصها أثره. وروي أنها لما قالت: * (وهم له نصحون) * قال هامان: إنها لتعرفه، وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت: وهم للملك ناصحون (1). والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد. فانطلقت إلى أمه فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يقبله شفقة عليه، إذ ألقى الله محبته في قلبه، وهو يبكي بطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس إليها والتقم ثديها، فقال فرعون: ومن أنت منه ؟ قالت: إني امرأة طيبة اللبن، لا أوتى بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وأجرى عليها، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله وعده في الرد، فعند ذلك استقر عندها أنه يكون نبيا، وذلك قوله: * (ولتعلم أن وعد الله حق) * والمراد: ليثبت علمها ويتمكن * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * أنه حق كما علمت. * (واستوى) * أي: اعتدل واستحكم وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه وهو أربعون سنة * (ءاتينه حكما) * وهو النبوة * (وعلما) * وهو التوراة. * (ودخل المدينة) * يعني: مصر، وقيل: مدينة من أرض مصر (2) * (على حين


(1) رواه الطبري في تفسيره: ج 10 ص 40 عن طرق. (2) قاله السدي. راجع تفسير الماوردي: ج 4 ص 241. (*)

[ 735 ]

غفلة) * يعني: ما بين العشاءين، وقيل: وقت القائلة (1) * (من شيعته) * ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل * (من عدوه) * من مخالفيه من القبط. والوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وقيل: بجمع الكف (2) * (قال هذا من عمل الشيطن) * يعني: أن العمل الذي وقع القتل بسببه من عمل الشيطان إذ حصل بوسوسته * (إنه عدو) * لبني آدم * (مضل) * ظاهر الإضلال. * (قال رب إنى ظلمت نفسي) * بهذا القتل لأن القوم لو علموا بذلك لقتلوني، وقيل: إنما قاله على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن أداء حقوق نعمه (3). * (قال رب بمآ أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوى مبين (18) فلمآ أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يموسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من النصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظلمين (21)) * * (بمآ أنعمت على) * يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف، والتقدير: أقسم بإنعامك علي لأتحفظن * (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) *، وأن يكون معناه:


(1) وهو قول الطبري في تفسيره: ج 10 ص 42. (2) قاله مجاهد. راجع المصدر السابق: ص 45. (3) قاله السيد المرتضى كما في مجمع البيان: ج 7 ص 245. (*)

[ 736 ]

* (بمآ أنعمت على) * من القوة فلن أستعملها إلا في مظاهرة أولئك (1) المؤمنين، ولا أدع قبطيا يغلب أحدا من بني إسرائيل. * (يترقب) * المكروه وهو أن يستقاد منه، أو ينتظر الأخبار في قتل القبطي ويتجسس، لأنه خاف من فرعون وقومه أن يكونوا عرفوا أنه قتله، وقال للإسرائيلي: * (إنك لغوى مبين) * لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر. * (فلمآ) * أخذته الرقة على الإسرائيلي و * (أراد) * أن يدفع القبطي الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي عنه و * (يبطش) * به، وقرئ: " يبطش " بالضم (2)، والجبار: الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، وقيل: هو المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله (3). فلما قال للإسرائيلي هذا اشتهر أمر القتل في المدينة، وأنهي إلى فرعون وهموا بقتله * (وجاء رجل) * قيل: هو من آل فرعون وكان ابن عم فرعون (4)، و * (يسعى) * يجوز أن يكون في محل الرفع وصفا ل‍ * (رجل) *، ويجوز أن يكون منصوبا حالا عنه، لأنه قد تخصص بوصفه الذي هو * (من أقصا المدينة) *، ويجوز أن يكون صلة ل‍ * (جاء) * فيكون * (يسعى) * صفة ل‍ * (رجل) * لا غير، * (يأتمرون) * يتشاورون بسببك، يقال: تأمر القوم وائتمروا، و * (لك) * ليس بصلة ل‍ * (النصحين) * بل هو بيان. * (فخرج) * موسى من مصر * (يترقب) * التعرض له في الطريق، أو: أن يلحق * (قال رب نجنى من) * فرعون وقومه. * (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدينى سوآء


(1) في نسخة: " أوليائك ". (2) حكاها الزجاج في معاني القرآن: ج 4 ص 137. (3) قاله الزجاج. راجع المصدر السابق. (4) قاله قتادة والضحاك والكلبي. راجع تفسير الطبري: ج 10 ص 49. (*)

[ 737 ]

السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير (24) فجاءته إحدبهما تمشى على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظلمين (25) قالت إحدبهما يأبت استجره إن خير من استجرت القوى الامين (26) قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هتين على أن تأجرني ثمني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شآء الله من الصلحين (27) قال ذلك بينى وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوا ن على والله على ما نقول وكيل (28)) * * (توجه تلقاء مدين) * صرف وجهه نحوها، وهي قرية شعيب، وعن ابن عباس: خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه (1) و * (سوآء السبيل) * وسطه، وقيل: خرج خافيا (2) لا يعيش إلا بورق الشجر (3). * (ولما ورد ماء مدين) * الذي يسقون منه وكان بئرا، ووروده: مجيئه والوصول إليه * (وجد) * فوق شفيره ومستقاه * (أمة) * جماعة كثيرة العدد من أناس مختلفين * (ووجد من دونهم) * أي: مكان أسفل من مكانهم * (امرأتين تذودان) * عنهما، والذود: الطرد والدفع، كانتا تكرهان المزاحمة على الماء، وقيل: كانتا لا تتمكنان من السقي، لأن على الماء من هو أقوى منهما (4) * (ما خطبكما) *


(1) تفسير ابن عباس: ص 325. (2) خائفا خ ل. (3) حكاه الزمخشري في الكشاف: ج 3 ص 400. (4) قاله الزجاج في معاني القرآن: ج 4 ص 139. (*)

[ 738 ]

ما شأنكما، وأصله: ما مخطوبكما أي: مطلوبكما من الذياد. وقرئ: " يصدر الرعاء " (1) أي: يصدروا مواشيهم من ورودهم، والرعاء: جمع الراعي كالصيام والقيام. * (فسقى لهما) * فسقى غنمهما لأجلهما، وروي: أن الرعاء كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال، وقيل: عشرة (2)، وقيل: أربعون (3)، فأقله وحده، وسألهم دلوا فأعطوه دلوهم، وكان لا ينزعها إلا عشرة، فاستقى بها وحده مرة (4) فروى غنمهما وأصدرهما، وإنما فعل ذلك رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف. ولم يذكر مفعول * (يسقون) * و * (تذودان) * و * (لا نسقي) * لأن الغرض هو الفعل لا المفعول. والوجه في مطابقة جوابهما لسؤاله أنه سألهما عن سبب ذودهما الغنم، فقالتا: سبب ذلك أنهما ضعيفتان لم تقدرا على مزاحمة الرجال، ولابد لهما من تأخير السقي إلى أن يصدروا * (وأبونا شيخ كبير) * ضعيف (5) لا يقدر على تولي السقي بنفسه، وكأنما قالتا ذلك تعريضا للطلب منه الإعانة على سقي غنمهما، وإبلاء للعذر في توليهما السقي بأنفسهما. * (ثم تولى إلى) * ظل سمرة من شدة الحر وهو جائع فقال: * (رب إنى لما أنزلت إلي) * أي: لأي شئ قليل أو كثير * (فقير) * وإنما تعدى * (فقير) * باللام لأنه ضمن معنى " سائل " و " طالب ". وروي أنه قال ذلك وخضرة البقل ترى في بطنه من الهزال، وما سأل إلا خبزا يأكله. * (على استحياء) * في موضع الحال، أي: مستحيية خفرة، وذلك أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان وقالتا: وجدنا رجلا صالحا


(1) قرأه ابن عامر وأبو عمرو. راجع التيسير في القراءات للداني: ص 171. (2) قاله شريح. راجع التبيان: ج 8 ص 142. (3) قاله الزجاج على ما حكاه القرطبي في تفسيره: ج 13 ص 269. (4) في المخطوطة زيادة: واحدة. (5) في نسخة زيادة: " كبير السن ". (*)

[ 739 ]

رحمنا وسقى لنا، قال لإحداهما: علي به، فرجعت فتبعها موسى، فألصقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته، فقال لها: إمشي خلفي وأريني السمت بقولك، فلما قص عليه قصته * (قال لا تخف) * فلا سلطان لفرعون بأرضنا، و * (القصص) * مصدر سمي به المقصوص. * (قالت إحدبهما) * وهي كبراهما، وهي التي ذهبت به، وهي التي تزوجها. وروي أن شعيبا قال لها: وكيف علمت قوته وأمانته ؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو، وأنه صوب رأسه حتى أبلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه، وفي قولها حكمة جامعة (1) لأنه إذا حصلت الأمانة والكفاية في القيام بالأمر فقد تم المراد. * (تأجرني) * من أجرته إذا كنت له أجيرا، و * (ثمني حجج) * ظرف له * (فمن عندك) * أي: فإتمامه من عندك، يعني: لا أوجبه عليك ولا ألزمكه، ولكنك إن فعلت فهو تبرع منك * (وما أريد أن أشق عليك) * بإتمام الأجلين وإيجابه * (من الصلحين) * في حسن المعاملة ولين الجانب. * (ذلك) * مبتدأ و * (بينى وبينك) * خبره، أي: ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه قائم بيننا لا تخرج عنه، أي أجل * (قضيت) * من الأجلين: الثماني أو العشر، فلا يعتدى * (على) * في طلب الزيادة عليه، و * (ما) * مؤكدة لإبهام " أي " زائدة في شياعها، والوكيل: الذي وكل الأمر إليه، ولما استعمل بمعنى الشاهد والمهيمن عدي ب‍ * (على) *. * (فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله ءانس من جانب الطور نارا قال لاهله امكثوا إنى ءانست نارا لعلى ءاتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) فلمآ أتيها نودي من شطر الواد الايمن في البقعة المبركة من الشجرة أن يموسى إنى أنا الله رب العلمين (30)


(1) في نسخة: " بالغة ". (*)

[ 740 ]

وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذا نك برهنان من ربك إلى فرعون وملايه إنهم كانوا قوما فسقين (32) قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقني إنى أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطنا فلا يصلون إليكما بايتنآ أنتما ومن اتبعكما الغلبون (35)) * قرئ: * (جذوة) * بالحركات الثلاث (1)، وفيها اللغات الثلاث، وهي العود الغليظ في رأسه نار. و * (من) * الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي: أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة. و * (من الشجرة) * بدل من * (شطئ الواد) * وهو بدل الاشتمال، لأن الشجرة قد نبتت على الشاطئ. والرهب: الخوف، والجناح المراد به اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل الإنسان يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، من الرهب أي: من أجل الرهب، يعني: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك * (فذا نك) * قرئ مخففا ومشددا (2)، فالمخفف تثنية " ذاك " والمشدد تثنية " ذلك "، * (برهنان) * حجتان (3)، وسميت الحجة برهانا لبياضها ووضوحها، وقالوا: امرأة برهرهة أي: بيضاء، وأبره الرجل: جاء بالبرهان، وكذلك " السلطان " مشتق من السليط وهو الزيت لإنارته.


(1) قرأ عاصم بفتح الجيم، وحمزة وخلف بضمها، والباقون بكسرها. راجع التبيان: ج 8 ص 144. (2) وبالتشديد قرأه ابن كثير وأبو عمرو. راجع المصدر السابق: ص 147. (3) في نسخة زيادة: " يثبتان ". (*)

[ 741 ]

والردء: اسم ما يعان به، فعل بمعنى مفعول به، كالدف ء لما يدفأ به، قال: وردئي كل أبيض مشرفي * شحيذ الحد عذب ذي فلول (1) وقرئ: " ردا " على التخفيف (2)، وقرئ: * (يصدقني) * بالرفع والجزم (3) صفة وجوابا كقوله: * (وليا يرثنى) * (4) سواء، والمراد بالتصديق أن يخلص بلسانه الحق ويجادل به الكفار كما يفعله المصقع البليغ، فإنه يجري مجرى التصديق، كما أن البرهان يصدق القول، أو يبين كلامه حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه. وأسند التصديق إليه لأنه السبب فيه على سبيل الاستعارة، ويدل عليه قوله: * (إني أخاف أن يكذبون) *. ومعنى * (سنشد عضدك بأخيك) * سنقويك به ونؤيدك بأن نقرنه إليك في النبوة، لأن العضد قوام اليد، قال طرفة: أبني لبينى لستم بيد * إلا يدأ ليست لها عضد (5) * (ونجعل لكما سلطنا) * أي: غلبة وتسلطا، أو حجة وبرهانا * (بآيتنا) * يتعلق ب‍ * (نجعل لكما سلطنا) * أي: نسلطكما، أو تعلق ب‍ * (لا يصلون) * أي: تمتنعان منهم بآياتنا، أو: هو بيان ل‍ * (الغلبون) * لا صلة، لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، أو على تقدير: إذهبا بآياتنا.


(1) البيت لسلامة بن جندل، يقول: وردئى الذي أتوقى به المكاره كل سيف قاطع أبيض. راجع الكشاف: ج 3 ص 409. (2) قرأه نافع. راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون: ج 2 ص 594. (3) قرأ حمزة وعاصم بالرفع والباقون بالجزم راجع التبيان: ج 8 ص 147. (4) مريم: 5 و 6. (5) البيت منسوب لطرفة بن العبد، وقيل: لأوس بن حجر، يهجو بني لبينى من بني أسد بن وائلة، يقول في مقام ذمهم: لستم مثل يد من الأيدي في القوة إلا مثل يد لاعضد لها، فهي صعبة ومشلولة. راجع ديوان طرفة: ص 147، وديوان أوس: ص 21. (*)

[ 742 ]

* (فلما جاءهم موسى بايتنا بينت قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في أآبائنا الاولين (36) وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عقبة الدار إنه لا يفلح الظلمون (37) وقال فرعون يأيها الملا ما علمت لكم من إله غيرى فأوقد لى يهمن على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى لاظنه من الكذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذنه وجنوده فنبذنهم في اليم فانظر كيف كان عقبة الظلمين (40) وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون (41) وأتبعنهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين (42)) * أي: * (سحر) * ظاهر افتراؤه، وليس بمعجز من الله * (في ءابائنا) * حال عن هذا، أي: كائنا في زمان آبائنا، أي: لم يسمع بكون ما يدعيهم (1). * (ربى أعلم) * منكم بحال من يؤهله النبوة ويبعثه بالهدى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون كاذبا مفتريا لما أهله لذلك، لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين والساحرين، و * (لا يفلح) * عنده * (الظلمون) *، و * (عقبة الدار) * هي العاقبة المحمودة، يدل عليه قوله: * (أولئك لهم عقبى الدار جنت عدن) * (2) والدار هي الدنيا، وعقباها وعاقبتها أن يختم للعبد بالرضوان والرحمة. وقرئ: " قال موسى " بغير