تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج 3

تفسير مجمع البيان

الشيخ الطبرسي ج 3


[ 1 ]

مجمع البيان

[ 3 ]

مجمع البيان في تفسير القرآن تأليف أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري حققه وعلق عليه لجنة من العلماء والمحققين الاخصائيين قدم له الامام الاكبر السيد محسن الامين العاملي الجزء الثالث منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص -: 7120

[ 4 ]

الطبعة الاولى تمتاز هذه الطبعة بتحقيقات مهمة وإخراج فني عصري جيد، وجميع حقوق الطبع على هذه الطبعة محفوظة ومسجلة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م مؤسسة الاعلمي للمطبوعات: بيروت - شارع المطار - قرب كلية الهندسة. ملك الاعلمي - ص. ب: 7210 الهاتف: 833447 - 833453

[ 5 ]

4 - سورة النساء وآياتها ست وسبعون ومائة بسم الله الرحمن الرحيم هي مدنية كلها، وقيل، إنها مدنية إلا قوله (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) الآية. وقوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم في الكلالة) إلى آخرها، فإن الآيتين نزلتا بمكة. عدد آيها: مائة وسبع وسبعون آية شامي، وست كوفي، وخمس في الباقين. خلافها: آيتان: (أن تضلوا السبيل) كوفي شامي، (فيعذبهم عذابا أليما) شامي. فضلها: أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من قرأها فكأنما تصدق على كل مؤمن ورث ميراثا، وأعطي من الاجر كمن اشترى محررا، وبرئ من الشرك، وكان في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم ". وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: " تعلموا سورة البقرة، وسورة المائدة، وسورة الحج، وسورة النور، فإن فيهن الفرائض ". وروى العياشي بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: " من قرأ سورة النساء في كل جمعة، أو من من ضغطة القبر، إذا أدخل في قبره " (1). تفسيرها: لما ختم الله السورة التي ذكر فيها آل عمران بالامر بالتقوى، افتتح أيضا هذه السورة به، إلا أن هناك خص به المؤمنين، وعم به هاهنا سائر المكلفين، فقال:


(1) ثواب الاعمال: ص 131. (*)

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم * يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا [ 1 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة (تسألون) بتخفيف السين، والباقون بتشديدها، وقرأ حمزة (والارحام) بالجر، والباقون بالنصب، وقرئ في الشواذ (والارحام) بالرفع. الحجة: من خفف تسألون أراد تتساءلون، فحذف التاء من تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة، ومن شدد فقال تسألون فإنه أدغم التاء في السين، وحسن ذلك لاجتماعهما في أنهما من حروف طرف اللسان، وأصول الثنايا، واجتماعهما في الهمس، فخفف هنا بالادغام كما خفف هناك بالحذف. قال أبو علي: من نصب (الارحام) احتمل انتصابه وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفا على موضع الجار والمجرور. والاخر: أن يكون معطوفا على (اتقوا) وتقديره: واتقوا الله، واتقوا الارحام، فصلوها ولا تقطعوها. وأما من جر فإنه عطف على الضمير المجرور بالباء، وهذا ضعيف في القياس، وقليل في الاستعمال، وما كان كذلك فترك الأخذ به أحسن، وإنما ضعف في القياس، لان الضمير قد صار عوضا مما كان متصلا بالاسم من التنوين، فقبح أن يعطف عليه، كما لا يعطف الظاهر على التنوين، ويدلك على أنه أجري عندهم مجرى التنوين، حذفهم الياء من المنادى المضاف إليها، كحذفهم التنوين، وذلك قولهم يا غلام وهو الأكثر من غيره، ووجه الشبه بينهما أنه على حرف، كما أن التنوين كذلك، واجتماعهما في السكون، ولأنه لا يوقف على الاسم منفصلا منه، كما أن التنوين، كذلك، " والمضمر أذهب في مشابهة التنوين من المظهر، لأنه قد يفصل بين المضاف والمضاف إليه إذا كان ظاهرا بالظروف وبغيرها نحو قول الشاعر: كأن أصوات من إيغالهن بنا * أواخر آلميس أصوات الفراريج (1)


(1) الميس: شجر يتخذ منه الرحال. والشاهد في فصل الجار بين المضاف وهو " أصوات " والمضاف إليه وهو " أواخر الميس ". والبيت لذي الرمة، (الخزانة: 2 / 120، 250). (*)

[ 7 ]

وقول الآخر: (من قرع القسي الكنائن)، وليس المضمر في هذا كالظاهر. فلما كان كذلك لم يستجيزوا عطف الظاهر عليه، لأن المعطوف ينبغي أن يكون مشاكلا للمعطوف عليه، وقد جاء ذلك في ضرورة الشعر، أنشد سيبويه: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والايام من عجب (1) فعطف الايام على موضع الكاف، وقال آخر: نعلق في مثل السواري سيوفنا * وما بينها والكعب غوط نفانف (2) فعطف الكعب على الهاء والالف في بينها، ومثل ذلك لا يجوز في القرآن والكلام الفصيح. قال المازني: وذلك لأن الثاني في العطف شريك للأول، فإن كان الأول يصلح أن يكون شريكا للثاني، وإلا لم يصلح أن يكون الثاني شريكا. فكما لا تقول: مررت بزيد وك، كذلك لا تقول: مررت بك وزيد. وأما القراءة الشاذة في رفع (الأرحام) فالوجه في رفعه على الابتداء أي: والارحام مما يجب أن تتقوه، وحذف الخبر للعلم به. اللغة: البث: النشر. يقال بث الله الخلق ومنه قوله (كالفراش المبثوث) وبعضهم يقول: أبث بمعناه يقال: بثثتك سري وأبثثتك سري لغتان. وأصل الرقيب من الترقب، وهو الانتطار، ومنه الرقبى، لان كل واحد منهما ينتظر موت صاحبه يقال: رقب، يرقب، رقوبا، ورقبة، ورقبا، فعلى هذا يكون الرقيب فعيلا، بمعنى الفاعل، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شئ. المعنى: ابتدأ الله سبحانه هذه السورة بالموعظة والامر بالتقوى فقال: (يا أيها الناس): وهو خطاب للمكلفين من جميع البشر، وقيل: النداء إنما كان في سائر كتب الله السالفة بيا أيها المساكين. وأما في القرآن فما نزل بمكة فالنداء بيا أيها الناس. وما نزل بالمدينة فمرة بيا أيها الذين آمنوا، ومرة بيا أيها الناس. (اتقوا ربكم): معناه اتقوا معصية ربكم، أو مخالفة ربكم، بترك ما أمر به،


(1) ذكر البغدادي (الخزانة: 2 / 338) أن هذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل. (2) قائله: مسكين الدارمي. الغوط: المطمئن من الارض، النفانف جمع نفنف: الهواء ما بين الشيئين، وقيل البيت كناية عن طول قامتهم. (*)

[ 8 ]

وارتكاب ما نهى عنه. وقيل، معناه: اتقوا حقه أن تضيعوه. وقيل: اتقوا عتابه، فكأنه قال: يحق عليكم أن تتقوا عقاب من أنعم عليكم بأعظم النعم، وهي أن خلقكم من نفس واحدة، وأوجدكم، ومن عظمت عنده النعمى، فهو بالتقوى أولى. وقيل إن المراد به بيان كمال قدرته، فكأنه قال: الذي قدر على أن خلقكم من نفس واحدة، فهو على عقابكم أقدر، فيحق عليكم أن تتركوا مخالفته، وتتقوا عقوبته. وقوله: (الذي خلقكم من نفس واحدة): المراد بالنفس هنا: آدم عند جميع المفسرين، وإنما لم يقل نفس واحد بالتذكير، وإن كان المراد آدم، لأن لفظ النفس مؤنث بالصيغة، فهو كقول الشاعر: أبوك خليفة، ولدته أخرى، * وأنت خليفة، ذاك الكمال (1) فأنث على اللفظ، ولو قال من نفس واحد لجاز. (وخلق منها زوجها): يعني حواء عليها السلام، ذهب أكثر المفسرين إلى أنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام، ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " خلقت المرأة من ضلع آدم عليه السلام، إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ". وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: إن الله تعالى خلق حواء من فضل الطينة التي خلق منها آدم. وفي تفسير علي بن إبراهيم: من أسفل أضلاعه. (وبث منهما رجالا كثيرا): أي نشر وفرق من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالا. (ونساء) وإنما من علينا تعالى بأن خلقنا من نفس واحدة، لانه أقرب إلى أن يعطف بعضنا على بعض، ويرحم بعضنا بعضا، لرجوعنا إلى أصل واحد، ولأن ذلك أبلغ في القدرة، وأدل على العلم والحكمة. وقوله (واتقوا الله الذي تساءلون به): قيل في معناه قولان: أحدهما أنه من قولهم أسألك بالله أن تفعل كذا، وأنشدك بالله وبالرحم، ونشدتك الله والرحم. وكذا كانت العرب تقول عن الحسن وإبراهيم وعلى هذا يكون قوله (والارحام) عطفا على موضع قوله به، والمعنى: انكم كما تعظمون الله بأقوالكم، فعظموه بطاعتكم إياه. والآخر: إن معنى تساءلون به: تطلبون حقوقكم وحوائجكم فيما بينكم به والارحام، معناه: واتقوا الارحام أن تقطعوها عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك،


(1) أورده الفراء في معاني القرآن: 1 / 208. (*)

[ 9 ]

والربيع، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. فعلى هذا يكون منصوبا عطفا على اسم الله تعالى، وهذا يدل على وجوب صلة الرحم، ويؤيده ما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال الله تعالى: " أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته " وفي أمثال هذا الخبر كثرة. وصلة الرحم، قد تكون بقبول النسب، وقد تكون بالانفاق على ذي الرحم، وما يجري مجراه. وروى الاصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " إن أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار، فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه، فليمسه فإن الرحم إذا مستها الرحم استقرت، وانها متعلقة بالعرش، تقول وتنادي: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني ". (إن الله كان عليكم رقيبا): أي حافظا، عن مجاهد. وقيل: الرقيب العالم عن ابن زيد. والمعنى متقارب، وإنما أتى بلفظة (كان) المفيدة للماضي، لأنه أراد أنه كان حفيظا على من تقدم زمانه من عهد آدم وولده إلى زمان المخاطبين، وعالما بما صدر منهم، لم يعزب عنه من ذلك شئ. (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا [ 2 ] اللغة: الحوب (1): الاثم. يقال: حاب، يحوب، حوبا، وحيابة. والإسم: الحوب. وروي عن الحسن أنه قرأ (حوبا) ذهب إلى المصدر. وتحوب فلان من كذا: إذا تحرج منه، ونزلنا بحوبة من الارض: أي بموضع سوء. والحوبة: الحزن. والتحوب: التحزن. والحوباء: الروح. المعنى: لما أمر الله سبحانه بالتقوى، وصلة الارحام، عقبه بباب آخر من التقوى، وهو توفير حقوق اليتامى، فقال (وآتوا اليتامى أموالهم)، وهذا خطاب لأوصياء اليتامى: أي أعطوهم أموالهم بالإنفاق عليهم في حالة الصغر، وبالتسليم إليهم عند البلوغ، إذا أونس منهم الرشد وسماهم يتامى بعد البلوغ مجازا لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا يتم بعد احتلام " كما قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يتيم أبي طالب بعد


(1) الحوب: الاثم العظيم. والحائب: القاتل. (*)

[ 10 ]

كبره، يعنون أنه رباه، وكقوله سبحانه (وألقي السحرة ساجدين): أي الذين كانوا سحرة. (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)، معناه: لا تستبدلوا ما حرمه الله تعالى عليكم من أموال اليتامى، بما أحله الله لكم من أموالكم. واختلف في صفة التبديل، فقيل: كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم، والرفيع منه، ويجعلون مكانه الخسيس والردئ، عن إبراهيم النخعي، والسدي، وسعيد بن المسيب، والزهري، والربيع، والضحاك. وقيل: معناه لا تتبدلوا الخبيث بالطيب، بأن تتعجلوا الحرام، قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم، عن أبي صالح، ومجاهد، وقيل: معناه ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، من أنهم لم يكونوا يورثون النساء، ولا الصغار، بل يأخذه الكبار، عن ابن زيد. وأقوى الوجوه الأول، لأنه إنما ذكر عقيب أموال اليتامى، فيكون معناه: لا تأخذوا السمين والجيد من أموالهم، وتضعوا مكانهما المهزول والردئ فتحفظون عليهم عدد أموالهم ومقاديرها، وتجحفون بهم في صفاتها ومعانيها. وقوله (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم): أي مع أموالكم. ومعناه: ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم، فتأكلوهما جميعا. ويحتمل أن يكون معناه: ولا تخلطوا الجيد من أموالهم بالردئ من أموالكم، فتأكلوها، فإن في ذلك إجحافا وإضرارا بهم، فأما إذا لم يكن في ذلك إضرار، ولا ظلم، فلا بأس بخلط مال اليتيم بماله. فقد روي أنه لما نزلت هذه الآية، كرهوا مخالطة اليتامى، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله سبحانه: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم في الدين) الآية. عن الحسن، وهو المروي عن السيدين الباقر عليه السلام، والصادق عليه السلام. (إنه كان حوبا كبيرا): أي إثما عظيما. (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا [ 3 ] وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا [ 4 ].

[ 11 ]

عد (ألا تعولوا) آية بالاتفاق، وهذا مما يشكل ويعسر. القراءة: قرأ أبو جعفر: فواحدة بالرفع، والباقون بالنصب. الحجة: القراءة بالنصب على أنه مفعول به، وتقديره: فانكحوا واحدة. ومن رفع فعلى أنه فواحدة كافية، أو فواحدة مجزية، كقوله (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان). اللغة: الإقساط: العدل والإنصاف، والقسط: الجور. ويقال: ثناء، ومثنى، وثلاث، ومثلث، ورباع، ومربع، ولم يسمع فيما زاد عليه مثل خماس، ومخمس، إلا عشار في بيت الكميت، وهو قوله: ولم يستريثوك حتى رميت * فوق الرجال خصالا عشارا (1) وقال صخر الغي: ولقد قتلتكم ثناء، وموحدا، * وتركت مرة مثل أمس الدابر (2) وعال الرجل، يعول، عولا، وعيالة: أي مال وجار. ومنه عول الفرائض، لان سهامها إذا زادت دخلها النقص. قال أبو طالب: (بميزان قسط وزنه غير عائل) (3). وعال، يعيل، عيلة، إذا احتاج، قال الشاعر: فما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل (4) أي يفتقر. فمن قال معنى قوله (ألا تعولوا) ألا تفتقروا، فقد أخطأ، لأنه من باب الياء كما ترى، ومن قال: إن معناه: لا تكثر عيالكم فقد أخطأ أيضا، لأن ذلك يكون من الإعالة، يقال: أعال الرجل، يعيل، فهو معيل: إذا كثر عياله. وعال العيال إذا مانهم من المؤونة. ومنه قوله: إبدأ بمن تعول. وقد حكى الكسائي: عال الرجل، يعول: إذا كثر عياله، والصداق، والصداق، والصدقة، والصدقة:


(1) استراث: استبطأ. عشار: أي عشرا عشرا. (2) ذكر الدابر هنا توكيد كقولهم رأيته بعيني. (3) الشاهد من بيت في ديوانه: بميزان قسط لا يخس شعيرة * له شاهد من نفسه، غير عائل (4) البيت من قصيدة في (جمهرة أشعار العرب: 2 / 647) لأحيحة بن الجلاح الاوسي. وانظر اللسان (عيل). (*)

[ 12 ]

المهر. والنحلة: عطية تكون على غير جهة المثامنة، يقال: نحلت الرجل إذا وهبت له نحلة،، ونحلا وسمي النحل نحلا، لأن الله نحل منها الناس العسل الذي في بطونها. و (هنيئا): مأخوذ من هنأت البعير بالقطران فالهنى شفاء من المرض كما أن الهناء الذي هو القطران، شفاء من الجرب قال: ما إن رأيت ولا سمعت به * كاليوم هاني أينق جرب متبذلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النقب (1) يقال منه هنأني الطعام ومرأني: أي صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهناني ومراني بالكسر وهي قليلة. وتقول في المستقبل: يهناني ويمراني، ويهنئني ويمرأني، وإذا أفردوا قالوا: أمراني، ولا يقولون أهناني، وقد مرؤ هذا الطعام مراءة. ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلانا المال إذا وهبته له، أهنأه هنأ، ومنه المثل إنما سميت هانئا لتهنئ: أي لتعطي. الإعراب: قوله ما طاب: (ما) ههنا مصدرية عن الفراء، أي فانكحوا الحلال، ويروى عن مجاهد أيضا فانكحوا النساء نكاحا طيبا. قال المبرد: (ما) ههنا للجنس، كقولك ما عندك ؟ فالجواب رجل أو امرأة. وقيل: لما كان المكان مكان إبهام، جاءت (ما) لما فيها من الإبهام، كقول العرب: خذ من عندي ما شئت. وقوله (مثنى وثلاث ورباع) بدل مما طاب، وموضعه النصب، وتقديره اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، إلا أنه لا ينصرف لعلتين: العدل والصفة. قال الزجاج: إنه لا ينصرف لجهتين، ولا أعلم أحدا من النحويين ذكرهما غير ما أنه معدول عن اثنتين اثنتين، وثلاث ثلاث، وأنه عدل عن تأنيث. وخطأه أبو علي الفارسي في ذلك، وأورد عليه كلاما كثيرا يطول بذكره الكتاب، ثم قال: لو جاز أن يقول قائل: إن مثنى، وبابه معدول عن مؤنث، لما جرى على النساء، وواحدتهن مؤنثة، لجاز لآخر أن يقول: إن مثنى وبابه معدول عن مذكر، لأنه أجري صفة على أجنحة وواحدها مذكر، وإنما جرى على النساء من حيث كان تأنيثها، وتأنيث الجمع. وهذا الضرب من التأنيث ليس بحقيقي، وإنما هو من أجل اللفظ، فهو مثل


(1) الهانئ: فاعل من هنا الابل: طلاها بالهناء أي القطران. أينق: جمع ناقة. جرب: جمع الأجرب والمتبذل: المتواضع. والنقب: بمعنى الجرب. والبيتان لدريد بن الصمة في قصيدة وصف بها الشاعرة الخنساء وهي تغتسل. (شرح شواهد المغني: 2 / 955). *

[ 13 ]

النار، والدار، وما أشبه ذلك، وقد جرت هذه الأسماء على المذكر الحقيقي، قال صخر الغي: منيت بأن تلاقيني المنايا * أحاد أحاد في شهر حلال (1) ولكنما أهلي بواد أنيسه * ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد (2) جرى فيه مثنى وموحد على ذئاب، وهو جمع مذكر. وقال تميم بن أبي مقبل: ترى النعرات الزرق تحت لبانه * أحاد ومثنى أصعقتها صواهله (3) فأحاد ومثنى هنا حال من النعرات. وقال أبو علي في القصريات: إن مثنى وثلاث ورباع حال من قوله ما طاب لكم من النساء، فهو كقولك: جئتك ماشيا، وراكبا، ومنحدرا، وصاعدا، تريد أنك جئته في كل حال من هذه الأحوال، ولست تريد أنك جئته وهذه الأحوال لك في وقت واحد. ومن قدرها على البدل من ما، قال: إنما جاءت الواو هنا، ولم تأت أو لأنه على طريق البدل، كأنه قال: وثلاث، بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث. ولو جاء بأو، لكان لا يجوز لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. وقوله (نحلة): نصب على المصدر. وقوله (نفسا) نصب على التمييز كما يقال ضقت بهذا الامر ذرعا، وقررت به عينا، والمعنى ضاق به ذرعي، وقرت به عيني، ولذلك وحد النفس لما كانت مفسرة، والنفس المراد به الجنس يقع على الواحد والجمع، كقول الشاعر: بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب (4) ولم يقل جلودها، ولو قال: فإن طبن لكم أنفسا، لجاز قوله بالاخسرين


(1) قائل البيت هو عمرو ذو الكلب، من كاهل، كان جارا لهذيل. وسمي ذا الكلب لأنه كان له كلب لا يفارقه، أنظر ديوان الهذليين: 3 / 117 ومعاني القرآن للاخفش 1 / 225 (حاشية). وقد يروى صدره: (منت لك أن تلاقيني المنايا). (2) البيت لساعدة بن جؤية الهذلي. (3) وفي بعض النسخ " أضعفتها " بدل " أصعقتها ". النعرات جمع نعرة: ذبابة ضخمة زرقاء تسقط على الدواب فتؤذيها. واللبان: صدر الدابة وأصعقتها أي قتلتها. والصواهل جمع الصاهلة: صهيل الفرس. والبيت شاهد في معاني القرآن للفراء: 1 / 255. (4) قائل البيت هو علقمة بن عبدة الفحل. *

[ 14 ]

أعمالا، إنما جمع لئلا يتوهم أنه عمل يضاف إلى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة، إذا رضوا به، ومن في قوله (عن شئ منه) لتبيين الجنس، لا للتبعيض، لأنها لو وهبت المهر كله، لجاز بلا خلاف، و (هنيئا مريئا) نصب على الحال. النزول والنظم: اختلف في سبب نزوله وكيفية نظم محصوله، واتصال فصوله على أقوال: أحدها: إنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن تقسطوا لهن في إكمال مهور أمثالهن، وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء إلى أربع، عن عائشة. وروي ذلك في تفسير أصحابنا وقالوا: إنها متصلة بقوله (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا) الآية. وبه قال الحسن، والجبائي، والمبرد. وثانيها: إنها نزلت في الرجل منهم كان يتزوج الأربع، والخمس، والست، والعشر، ويقول: ما يمنعني أن أتزوج كما يتزوج فلان، فإذا فني ماله، مال على مال اليتيم الذي في حجره، فأنفقه. فنهاهم الله عن أن يتجاوزوا الأربع، لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم. وإن خافوا ذلك مع الأربع أيضا، اقتصروا على واحدة، عن ابن عباس، وعكرمة. وثالثها: إنهم كانوا يشددون في أموال اليتامى، ولا يشددون في النساء، ينكح أحدهم النسوة، فلا يعدل بينهن، فقال تعالى: كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى أربع، عن سعيد بن جبير، والسدي، وقتادة، والربيع، والضحاك، وفي إحدى الروايتين، عن ابن عباس. ورابعها: إنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى، وأكل أموالهم، إيمانا وتصديقا، فقال سبحانه: إن تحرجتم من ذلك، فكذلك تحرجوا من الزنا، وانكحوا النكاح المباح، من واحدة إلى أربع، عن مجاهد. وخامسها: ما قالها الحسن: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجركم، فانكحوا ما طاب لكم من النساء، مما أحل لكم من يتامى قرباتكم، مثنى وثلاث ورباع، وبه قال الجبائي، وقال: الخطاب متوجه إلى ولي اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها. وسادسها: ما قاله الفراء: إن كنتم تتحرجون عن مواكلة اليتامى، فتحرجوا من الجمع بين النساء، وأن لا تعدلوا بين النساء، ولا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور. قال القاضي أبو عاصم: القول الأول أولى وأقرب إلى نظم الآية، ولفظها.

[ 15 ]

المعنى: (وإن خفتم ألا تقسطوا): أي لا تنصفوا ولا تعدلوا يا معاشر أولياء اليتامى. (في اليتامى): وذكرنا معناه والاختلاف فيه في النزول. (فانكحوا ما طاب لكم): أي ما حل لكم، ولم يقل من طاب لكم، لأن معناه فانكحوا الطيب. (من النساء): أي الحلال منهن، أي من اللاتي يحل نكاحهن دون المحرمات اللاتي ذكرن في قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية. ويكون تقديره على القول الاول: إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى إن نكحتموهن، فانكحوا البوالغ من النساء، وذلك أنه إن وقع حيف في حق البوالغ، أمكن طلب المخلص منهن، بتطييب نفوسهن، والتماس تحليلهن، لانهن من أهل التحليل وإسقاط الحقوق، بخلاف اليتامى، فإنه إن وقع حيف في حقهن، لم يمكن المخلص منه، لأنهن لسن من أهل التحليل، ولا من أهل إسقاط الحقوق. وقوله (مثنى وثلاث ورباع): معناها اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، فلا يقال إن هذا يؤدي إلى جواز نكاح التسع، فإن اثنتين وثلاثة وأربعة، تسعة لما ذكرناه، فإن من قال دخل القوم البلد مثنى، وثلاث، ورباع، لا يقتضي اجتماع الأعداد في الدخول، ولأن لهذا العدد لفظا موضوعا، وهو تسع، فالعدول عنه إلى مثنى وثلاث ورباع، نوع من العي، جل كلامه عن ذلك وتقدس. وقال الصادق عليه السلام: " لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر ". (فإن خفتم ألا تعدلوا) بين الأربع، أو الثلاث، في القسم، أو النفقة، وسائر وجوه التسوية. (فواحدة): أي فتزوجوا واحدة. (أو ما ملكت أيمانكم): أي واقتصروا على الإماء، حتى لا تحتاجوا إلى القسم بينهن، لأنهن لا حق لهن في القسم. (ذلك): إشارة إلى العقد على الواحدة، مع الخوف من الجور، فيما زاد عليها. (أدنى ألا تعولوا): أي أقرب أن لا تميلوا وتجوروا عن ابن عباس، والحسن، وقتادة. ومن قال معناه: أدنى أن لا تكثر عيالكم، فإنه مع ضعفه في اللغة، ففي الآية ما يبطله، وهو قوله (أو ما ملكت أيمانكم) ومعلوم أن ما يحتاج إليه من النفقة عند كثرة الحرائر من النساء، مثل ما يحتاج إليه عند كثرة الإماء. وقيل: كان الرجل قبل نزول هذه الآية يتزوج بما شاء من النساء. وقوله (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) معناه: واعطوا النساء مهورهن عطية من

[ 16 ]

الله، وذلك أن الله تعالى جعل الاستمتاع مشتركا بين الزوجين، ثم أوجب لها بازاء الاستمتاع مهرا على زوجها، فذلك عطية من الله للنساء. وقيل: أراد بالنحلة: فريضة مسماة، عن قتادة، وابن جريج. وقيل: أراد بالنحلة الدين، كما يقال فلان ينتحل كذا: أي يدين به، ذكره الزجاج، وابن خالويه، واختلف فيمن خوطب بقوله (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) فقيل هم الأزواج، أمرهم الله بإعطاء المهر للمدخول بها كملا، ولغير المدخول بها على النصف، على ما مر شرحه، من غير مطالبة منهن، ولا مخاصمة، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة، لا يقال له نحلة، وهو قول ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، واختاره الطبري، والجبائي، والرماني، والزجاج. وقيل: هم الأولياء، لأن الرجل منهم كان إذا تزوج أيمة، أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، عن أبي صالح، وهو المروي عن الباقر عليه السلام، رواه أبو الجارود عنه. والأول أشبه بالظاهر. (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا): خطاب للأزواج معناه فإن طابت نفوسهن بهبة شئ من الصداق. (فكلوه): أي كلوا الموهوب لكم. (هنيئا مريئا): فالهنئ: الطيب المساغ الذي لا ينقصه شئ. والمرئ: المحمود العاقبة، التام الهضم، الذي لا يضر ولا يؤذي. وفي كتاب العياشي مرفوعا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني يوجع بطني. فقال: ألك زوجة ؟ فقال: نعم. قال: " استوهب منها شيئا طيبة به نفسها من مالها، ثم اشتر به عسلا، ثم اسكب عليه من ماء السماء، ثم اشربه، فإني سمعت الله تعالى يقول في كتابه: (وأنزلنا من السماء ماء مباركا)، وقال: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) وقال: (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنئ المرئ شفيت إن شاء الله " (1). قال ففعل ذلك فشفي. وقد استدل بعض الناس على وجوب التزويج بقوله: (فانكحوا) من حيث إن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وهذا خطأ، لأنه يجوز العدول عن الظاهر بدليل، وقد قام الدليل على أن التزويج غير واجب. (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا [ 5 ]


(1) تفسير العياشي: 1 / 218، مع اختلاف في اللفظ. *

[ 17 ]

القراءة: قرأ نافع وابن عامر (قيما) بغير ألف والباقون (قياما) بالألف. الحجة: قال أبو الحسن في (قيام)، ثلاث لغات: قيام وقيم وقوام، وهو الذي يقيمك. قال لبيد (1). أفتلك أم وحشية مسبوعة * خذلت وهادية الصوار قوامها (2) قال أبو علي: ليس قول من قال إن القيم: جمع قيمة بشئ، إنما القيم بمعنى القيام، وهو مصدر يدل عليه قوله (دينا قيما) فالقيمة التي هي معادلة الشئ ومقاومته لا مذهب له ههنا، إنما المعنى دينا دائما ثابتا لا ينسخ كما نسخت الشرائع التي قبله، فيكون مصدر، وصف الدين به. ولا وجه للجمع ههنا، ولا للصفة، لقلة مجئ هذا البناء في الصفة. ألا ترى أنه إنما جاء في قولهم قوم عدى، ومكان سوى، وفعل في المصادر، كالشبع والرضى ونحوهما، أوسع في الوصف فإذا كان كذلك، حمل على الأكثر. المعنى: لما أمر تعالى فيما تقدم بدفع مال الأيتام إليهم، عقبه بذكر من لا يجوز الدفع إليه منهم وقال: (ولا تؤتوا السفهاء): أي لا تعطوا السفهاء (أموالكم): اختلف في المعني بالسفهاء على أقوال: أحدها: إنهم النساء والصبيان، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، وأبي مالك، وقتادة، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال ابن عباس: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة للمال، وعلم أن ولده سفيه يفسد المال، لم ينبغ له أن يسلطهما على ماله. وثانيها: إن المراد به النساء خاصة، عن مجاهد، وابن عمر، وروي عن أنس ابن مالك، قال: جاءت امرأة سوداء جرية المنطق، ذات ملح، إلى رسول الله، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قل فينا خيرا مرة واحدة، فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شر ! قال: أي شئ قلت لكن ؟ قالت: سميتنا السفهاء. قال: الله سماكن السفهاء في كتابه. قالت: وسميتنا النواقص ! فقال: وكفى نقصانا أن تدعن من كل


(1) أي في معلقته المعروفة. (2) سبعت الوحشية: أكل السبع ولدها فهي مسبوعة. خذلت الظبية: تخلفت عن صواحبها وانفردت عن القطيع. الصوار: قطيع البقر. وهاديتها: متقدمتها. (*)

[ 18 ]

شهر خمسة أيام لا تصلين فيها، ثم قال: أما يكفي إحداكن أنها إذا حملت، كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، فإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله، فإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل، فإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات، اللاتي لا يكفرن العشير (لا يكلفن العسير خ ل). قال، قالت السوداء: يا له فضلا لولا ما يتبعه من الشرط. وثالثها: إنها عام في كل سفيه من صبي، أو مجنون، أو محجور عليه، للتبذير، وقريب منه ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن السفيه شارب الخمر ومن جرى مجراه " وهذا القول أولى لعمومه. وقوله (التي جعل الله لكم قياما): أي أموالكم التي جعلها الله قواما لمعاشكم ومعادكم، تقيمكم فتقومون بها قياما. وقيل: معناه ما تعطي ولدك السفيه من مالك الذي جعله الله قواما لعيشك، فيفسده عليك، وتضطر إليه، فيصير ربا عليك ينفق مالك عليك. (وارزقوهم فيها واكسوهم): اختلف في معناه فقيل، يريد: لا تؤتوهم أموالكم التي تملكونها، ولكن ارزقوهم منها إن كانوا ممن يلزمكم نفقته، واكسوهم، الآية. عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وقيل يريد: لا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين ينفقون عليك، وأطعمهم من مالك، واكسهم. عن السدي وابن زيد، وهذا أمر بإحراز المال وحسن سياسته، كقوله (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) ويلتفت إليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " نعم المال الصالح للرجل الصالح " وقيل: عنى بقوله أموالكم أموالهم، كما قال (ولا تقتلوا أنفسكم) أي لا تؤتوا اليتامى أموالهم وارزقوهم منها واكسوهم. عن سعيد بن جبير. والأولى حمل الآية على العموم، فلا يجوز أن تعطي المال السفيه الذي يفسده، ولا اليتيم الذي لا يبلغ، ولا الذي بلغ ولم يؤنس منه الرشد، وإنما تكون إضافة مال اليتيم إلى من له القيام بأمرهم، ضربا من المجاز، أو يكون التقدير: لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي بعضها لكم، وبعضها لهم، فيضيعوها. وقد روي أنه سئل الصادق عليه السلام عن هذا فقيل: كيف يكون أموالهم أموالنا ؟ فقال: إذا كنت أنت الوارث له. (وقولوا لهم قولا معروفا): أي تلطفوا لهم في القول، ولا تخاشنوهم، وقولوا لهم ما ينبههم على الرشد والصلاح في أمور المعاش والمعاد، حتى إذا بلغوا،

[ 19 ]

كانوا على بصيرة من ذلك. وفي هذه الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ، ولم يؤنس منه الرشد، لأن الله منع من دفع المال إلى السفهاء، وفيها أيضا دلالة على وجوب الوصية، إذا كانت الورثة سفهاء، لأن ترك الوصية والحال هذه، بمنزلة إعطاء المال أهل السفه، وإنما سمي الناقص العقل سفيها، لأن السفه خفة الحلم، ولذلك سمي الفاسق أيضا سفيها، لأنه لا وزن له عند أهل الدين. (وابتلوا اليتمى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا [ 6 ] اللغة: الإيناس: الإبصار، من قوله (آنس من جانب الطور نارا) أخذ من إنسان العين، وهو حدقتها، التي تبصر بها، وأنست به أنسا: ألفته. وفي قراءة عبد الله أحستم: أي أحسستم بمعنى وجدتم، فحذف إحدى السينين نحو قوله (فظلتم تفكهون) وأصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط يقال منه أسرف يسرف إسرافا، وإذا كان في التقصير، يقال سرف يسرف سرفا، ويقال مررت بكم فسرفتكم: يراد به سهوت عنكم وأخطأتكم قال الشاعر: أعطوا هنيدة تحذوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف (1) يريد: إنهم يصيبون مواضع الاعطاء فلا يخطؤونها، والبدار: المبادرة، وأصل ذلك الامتلاء، ومنه البدر: القمر لامتلائه نورا. والبدرة: لامتلائها بالمال. والبيدر: لامتلائه بالطعام. وعين حدرة بدرة مكتنزة. والحسيب: الكافي من قولهم أحسبني الشئ، إذا كفاني. والحسيب من الرجال: المرتفع النسب. وقيل الحسيب: بمعنى المحاسب. الإعراب: إسرافا: مصدر وضع موضع الحال، وكذلك قوله بدارا، وموضع أن


(1) هنيدة اسم لكل مأة من الإبل. حدى الإبل: ساقها وغنى لها. والبيت لجرير. (*)

[ 20 ]

يكبروا: نصب بالمبادرة: أي لا تأكلوا مسرفين ومبادرين كبرهم. وقوله بالمعروف: الجار والمجرور في موضع نصب على الحال. وكفى بالله: الباء مزيدة، والجار والمجرور هنا في موضع رفع بأنه فاعل كفى. وحسيبا: منصوب على الحال أو التمييز، والتقدير: كفى الله في حال الحساب. المعنى: لما أمر الله بإيتاء الأيتام أموالهم، ومنع من دفع المال إلى السفهاء، بين هنا الحد الفاصل بين ما يحل من ذلك للولي، وما لا يحل فقال: (وابتلوا اليتامى): هذا خطاب لأولياء اليتامى، أمرهم الله أن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم في أموالهم، وهو قول قتادة، والحسن، والسدي، ومجاهد، وابن عباس. (حتى إذا بلغوا النكاح): معناه حتى يبلغوا الحد الذي يقدرون على المواقعة، وينزلون، وليس المراد بالبلوغ الاحتلام، لأن في الناس من لا يحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهو قول أكثر المفسرين. فمنهم من قال: إذا كمل عقله وأونس منه الرشد سلم إليه ماله، وهو الأولى. ومنهم من قال: لا يسلم إليه ماله وإن كان عاقلا، حتى يبلغ خمس عشرة سنة. قال أصحابنا: حد البلوغ إما كمال خمس عشرة سنة، أو بلوغ النكاح، أو الإنبات. وقوله (فإن آنستم منهم رشدا): معناه فإن وجدتم منهم رشدا، أو عرفتموه، واختلف في معنى قوله (رشدا) فقيل: عقلا ودينا وصلاحا، عن قتادة، والسدي. وقيل: صلاحا في الدين وإصلاحا في المال، عن الحسن، وابن عباس. وقيل: عقلا، عن مجاهد، والشعبي، قالا: لا يدفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشد العقل. والأقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال على ما قاله ابن عباس، والحسن وهو المروي عن الباقر، للاجماع على أن من يكون كذلك لا يجوز عليه الحجر في ماله، وإن كان فاجرا في دينه، فكذلك إذا بلغ، وهو بهذه الصفة، وجب تسليم ماله إليه، وفيه أيضا دلالة على جواز الحجر على العاقل، إذا كان مفسدا لماله، من حيث إنه إذا جاز أن يمنع المال عند البلوغ إذا كان مفسدا له، فكذلك يجوز الحجر عليه إذا كان مفسدا له بعد البلوغ، وهو المشهور في أخبارنا. وقوله (فادفعوا إليهم أموالهم): خطاب لأولياء اليتيم، وهو تعليق لجواز الدفع

[ 21 ]

بالشرطين: البلوغ، وإيناس الرشد، فلا يجوز الدفع قبلهما. (ولا تأكلوها إسرافا): أي بغير ما أباحه الله لكم. وقيل: معناه لا تأكلوا من مال اليتيم فوق ما تحتاجون إليه، فإن لولي اليتيم أن يتناول من ماله قدر القوت إذا كان محتاجا على وجه الأجرة على عمله في مال اليتيم. وقيل: إن كل شئ من مال اليتيم فهو الأكل على وجه الإسراف. والأول أليق بمذهبنا، فقد روى محمد بن مسلم عن أحدهما قال: سألته عن رجل بيده ماشية لابن أخ له يتيم في حجره، أيخلط أمرها بأمر ماشيته ! قال: إن كان يليط حياضها، ويقوم على مهنتها، ويرد نادتها، فليشرب من ألبانها، غير منهك للحلبات (1) ولا مضر بالولد. وقوله (وبدارا أن يكبروا): أي ومبادرة لكبرهم، معناه لا تبادروا بأكل مالهم كبرهم ورشدهم، حذرا أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم. (ومن كان غنيا فليستعفف): أي من كان غنيا من الأولياء، فليستعفف بماله عن أكل مال اليتيم، ولا يأخذ لنفسه منه لا قليلا ولا كثيرا، يقال استعف عن الشئ، وعف عنه، إذا امتنع منه وتركه. (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف): ومعناه من كان فقيرا، فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على جهة القرض، ثم يرد عليه ما أخذ منه إذا وجد، عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية، والزهري، وعبيدة السلماني، وهو مروي عن الباقر عليه السلام. وقيل: معناه يأخذ قدر ما يسد به جوعته، ويستر عورته، لا على جهة القرض، عن عطاء بن أبي رباح، وقتادة، وجماعة. ولم يوجبوا أجرة المثل، لأن أجرة المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة، والظاهر في روايات أصحابنا أن له أجرة المثل سواء كان قدر كفايته، أو لم يكن. وسئل ابن عباس عن ولي يتيم له إبل، هل له أن يصيب من ألبانها فقال: إن كنت تلوط حوضها، وتهنأ جرباها، أصبت من رسلها، غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب. والرسل: اللبن. والنهك: المبالغة في الحلب. (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم): وهذا خطاب أيضا لأولياء اليتيم، أي إذا دفعتم إلى اليتامى أموالهم بعد البلوغ، فاحتاطوا لأنفسكم بالإشهاد


(1) قوله يليط حياضها أي يطينها ويصلحها وأصلها من الإلصاق. النادة: النافرة الشاردة. قوله غير منهك للحلبات: أي غير مبالغ فيها. *

[ 22 ]

عليهم، كي لا يقع منهم جحود، وتكونوا أبعد من التهمة، فانظر إلى حسن نظر الله لليتامى، وللأوصياء، وكمال لطفه بهم، ورحمته لهم، وإنعامه عليهم، وكذلك نظره ولطفه بجميع عباده في أمور معاشهم ومعادهم. (وكفى بالله حسيبا): أي شاهدا على دفع المال إليهم، وكفى بعلمه وثيقة. وقيل: محاسبا، فاحذروا محاسبته في الآخرة، كما تحذرون محاسبة اليتيم بعد البلوغ. (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا [ 7 ] اللغة: الفرق بين الفرض والوجوب: إن الفرض يقتضي فارضا، وليس كذلك الوجوب، لأنه قد يجب الشئ في نفسه من غير إيجاب موجب، ولذلك صح وجوب الثواب والعوض عليه تعالى، ولم يجز أن يقال لذلك فرض ومفروض. وأصل الفرض الثبوت، فالفرض: الحز في سية القوس، حيث يثبت الوتر. والفرض: ما أثبته على نفسك من هبة أو صلة. والفرض: ما أعطيت من غير قرض، لثبوت تمليكه. وأصل الوجوب الوقوع، يقال وجب الحائط وجوبا، إذا وقع وسمعت وجبة: أي وقعة كالهدة. ووجب الحق وجوبا: إذا وقع سببه. ووجب القلب وجيبا: إذا خفق من فزع وقعة. الإعراب: نصيبا مفروضا: نصب على الحال، لأن المعنى فرض للرجال نصيب ثم قال نصيبا مفروضا حالا مؤكدا. وقيل: هو اسم في موضع المصدر، كقولك قسما واجبا، وفرضا لازما، ولو كان اسما لا شائبة للمصدرية فيه، لم يجز، نحو قولك: عندي حق درهما، ويجوز لك عندي درهم هبة مقبوضة. النزول: قيل: كانت العرب في الجاهلية يورثون الذكور دون الإناث، فنزلت الآية ردا لقولهم، عن قتادة، وابن جريج، وابن زيد. وقيل: كانوا لا يورثون إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحريم والمال، فقال تعالى مبينا حكم أموال الناس بعد موتهم، بعد أن بين حكمها في حال حياتهم. المعنى: (للرجال نصيب): أي حظ وسهم. (مما ترك الوالدان والأقربون): أي من تركة الوالدين والأقربين. (وللنساء نصيب مما ترك الوالدان

[ 23 ]

والأقربون): أي وللنساء من قرابة الميت حصة وسهم من تركته (مما قل منه أو كثر): أي من قليل التركة وكثيرها. (نصيبا مفروضا): أي حظا، فرض الله تسليمه إلى مستوجبيه ومستحقيه لا محالة، وهذه الآية تدل على بطلان القول بالعصبة، لأن الله تعالى فرض الميراث للرجال وللنساء، فلو جاز منع النساء من الميراث في موضع، لجاز أن يجري الرجال مجراهن في المنع من الميراث، وتدل أيضا على أن ذوي الأرحام يرثون لإنهم من جملة النساء والرجال الذين مات عنهم الأقربون على ما ذهبنا إليه، وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، ويدخل في عموم اللفظ أيضا الأنبياء وغير الأنبياء، فدل على أن الأنبياء يورثون كغيرهم على ما ذهبت إليه الفرقة المحقة. (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا [ 8 ] المعنى: لما بين سبحانه فيما تقدم، حال من يرث، بين هنا حال من لا يرث، واختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما: انها محكمة غير منسوخة، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وإبراهيم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، والسدي، وهو المروي عن الباقر، واختاره البلخي، والجبائي، والزجاج، وأكثر المفسرين، والفقهاء. والآخر: أنها منسوخة بآي المواريث، عن سعيد بن المسيب، وأبي مالك، والضحاك، واختلف من قال إنها محكمة على قولين. أحدهما: أن الأمر فيها على الوجوب واللزوم، عن مجاهد، وقال: هو ما طابت به نفس الورثة، وقال الآخرون: إن الأمر فيها على الندب. وقوله (وإذا حضر القسمة): معناه إذا شهد قسمة الميراث. (أولوا القربى): أي فقراء قرابة الميت. (واليتامى والمساكين): أي ويتاماهم ومساكينهم، يرجون أن تعودوا عليهم. (فارزقوهم منه): أي أعطوهم من التركة قبل القسمة شيئا. واختلف في المخاطبين بقوله (فارزقوهم) على قولين: أحدهما: أن المخاطب بذلك الورثة، أمروا بأن يرزقوا المذكورين، إذا كانوا لا سهم لهم في الميراث، عن ابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين. والآخر: أن المخاطب بذلك من حضرته الوفاة، وأراد الوصية، فقد أمر

[ 24 ]

بأن يوصي لمن لا يرثه من المذكورين بشئ من ماله، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، واختاره الطبري. (وقولوا لهم قولا معروفا): أي حسنا غير خشن، واختلف فيه أيضا فقال سعيد بن جبير: أمر الله الولي أن يقول للذي لا يرث من المذكورين قولا معروفا، إذا كانت الورثة صغارا، يقول: إن هذا ليتامى صغار، وليس لكم فيه حق، ولسنا نملك أن نعطيكم منه. وقيل: المأمور بذلك الرجل الذي يوصي في ماله، والقول المعروف أن يدعو لهم بالرزق، والغنى، وما أشبه ذلك. وقيل: الآية في الوصية على أن يوصوا للقرابة، ويقولوا لغيرهم قولا معروفا، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقد دلت الآية على أن الإنسان قد يرزق غيره على معنى التمليك، فهو حجة على المجبرة. (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا [ 9 ] * إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [ 10 ] القراءة: قرأ ابن عامر وأبو بكر، عن عاصم (سيصلون) بضم الياء، والباقون بفتحها. الحجة: قال أبو علي حجة من فتح الياء: قوله (اصلوها فاصبروا) و (جهنم يصلونها)، و (إلا من هو صال الجحيم)، وحجة من ضم الياء أنه من أصلاه الله النار كقوله (فسوف نصليه نارا). اللغة: ضعاف: جمع ضعيف وضعيفة. والسديد: السليم من خلل الفساد، وأصله من سد الخلل، تقول: سددته أسده سدا. والسداد الصوإب، وفيهم سداد من عوز (1) بالكسر. وسدد السهم: إذا قومه. والسد: الردم. وصلى الرجل النار يصليها صلى وصلاء وصليا: أي لزمها. وأصلاه الله إصلاء وهو صال النار: من قوم صلي وصالين، ويقال: صلي الأمر: إذا قاسى حره وشدته. قال العجاج (وصاليات


(1) أي ما تسد به الخلة والفقر. *

[ 25 ]

للصلى صلي)، وقال الفرزدق: وقاتل كلب الحي عن نار أهله * ليربض فيها والصلا متكنف (1) وشاة مصلية: أي مشوية. وسعير: بمعنى مسعورة، مثل كف خضيب. والسعر: اشتعال النار، واستعرت النار في الحطب، ومنه سعر السوق: لاستعارها به في النفاق. الإعراب: ظلما: نصبه على المصدر، لأن معنى قوله (يأكلون أموال اليتامى): يظلمونهم. ويجوز أن يكون في موضع الحال، كقولهم: جاءني فلان ركضا، أي يركض. المعنى: لما أمر الله تعالى بالقول المعروف، ونهاهم عن خلافه، أمر بالأقوال السديدة، والأفعال الحميدة فقال: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا)، فيه أقوال: أحدها أنه كان الرجل إذا حضرته الوفاة، قعد عنده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: أنظر لنفسك، فإن ولدك لا يغنون عنك من الله شيئا. فيقدم جل ماله. فقال: وليخش الذين لو تركوا من بعدهم أولادا صغارا (خافوا عليهم) الفقر، وهذا نهي عن الوصية بما يجحف بالورثة، وأمر لمن حضر الميت عند الوصية، أن يأمره بأن يبقي لورثته، ولا يزيد وصيته على الثلث، كما أن هذا القائل، لو كان هو الموصي، لأحب أن يحثه من حضره على حفظ ماله لورثته، ولا يدعهم عالة: أي كما تحبون ورثتكم فأحبوا ورثة غيركم، وهذا معنى قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك. وثانيها: إن الأمر في الآية لولي مال اليتيم، يأمره بأداء الأمانة فيه، والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه إذا كانوا ضعافا، وأحب أن يفعل بهم، عن ابن عباس أيضا، فيكون معناه: من كان في حجره يتيم، فليفعل به ما يحب أن يفعل بذريته من بعده، وإلى هذا المعنى يؤول ما روي عن موسى بن جعفر قال: إن الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين ثنتين أما إحداهما: فعقوبة الدنيا قوله (وليخش الذين لو تركوا) الآية قال: يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى.


(1) ربضت الدابة بركت. تكنف القوم فلانا أحاطوا به والمعنى أن الكلب يزاحم أهل الحي على النار. *

[ 26 ]

وثالثها: أنها وردت في حرمان ذوي القربى أن يوصى لهم، بأن يقول الحاضر: لا توص لأقاربك، ووفر على ورثتك. وقوله (خافوا عليهم): معناه خافوا من جفاء يلحقهم، أو ظلم يصيبهم، أو غضاضة، أو ضعة. (فليتقوا الله): أي فليتق كل واحد من هؤلاء في يتامى غيره أن يجفوهم ويظلمهم، وليعاملهم بما يحب أن يعامل به يتاماه، بعد موته. وقيل: فليتقوا الله في الإضرار بالمؤمنين. (وليقولوا قولا سديدا): أي مصيبا عدلا موافقا للشرع والحق. وقيل: انه يريد قولا لا خلل فيه. وقيل: معناه فليخاطبوا اليتامى بخطاب حسن، وقول جميل. وفي معنى الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من سره أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فليأته منيته، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويحب أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ". ونهى رسول الله أن يوصى بأكثر من الثلث، وقال: " والثلث كثير ". وقال لسعد: " لأن تدع ورثتك أغنياء، أحب إلي من أن تدعهم عالة، يتكففون الناس ". ثم أوعد الله آكلي مال اليتيم نار جهنم وقال: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما): أي ينتفعون بأموال اليتامى، ويأخذونها ظلما بغير حق، ولم يرد به قصر الحكم على الأكل، الذي هو عبارة عن المضغ والإبتلاع، وفائدة تخصيص الأكل بالذكر أنه معظم منافع المال المقصودة، فذكره الله تنبيها على ما في معناه من وجوه الإنتفاع، وكذلك معنى قوله (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تأكلوا الربى)، وإنما علق الوعيد بكونه ظلما، لأنه قد يأكله الانسان على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ منه أجرة المثل، أو يأكل منه بالمعروف، أو يأخذه قرضا على نفسه، على ما تقدم القول في ذلك، فلا يكون ظلما. فإن قيل: إذا أخذه قرضا، أو أجرة المثل، فإنما أكل مال نفسه، ولم يأكل مال اليتيم ؟ فجوابه: لا، بل يكون آكلا مال اليتيم، لكن لا على وجه يكون ظلما، بأن ألزم عوضه على نفسه، أو استحقه بالعمل. ولو سلمنا ذلك لجاز أن يكون إنما ذكر كونه ظلما لضرب من التأكيد والبيان، لان أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلما. وسئل الرضا: كم أدنى ما يدخل به آكل مال اليتيم تحت الوعيد في هذه الآية ؟ فقال: " قليله وكثيره واحد إذا كان من نيته أن لا يرده إليهم ". وقوله (إنما يأكلون في بطونهم نارا): قيل فيه وجهان: أحدهما: إن النار

[ 27 ]

ستلتهب من أفواههم، وأسماعهم، وآنافهم يوم القيامة، ليعلم أهل الموقف أنهم آكلة أموال اليتامى، عن السدي، وروي عن الباقر أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة، تأجج أفواههم نارا. فقيل له: يا رسول الله ! من هؤلاء ؟ فقرأ هذه الآية. والآخر: أنه ذكر على وجه المثل، من حيث إن من فعل ذلك يصير إلى جهنم، فتمتلئ بالنار أجوافهم، عقابا على أكلهم مال اليتيم، كما قال الشاعر: وإن الذي أصبحتم تحلبونه * دم غير أن اللون ليس بأحمرا (1) يصف أقواما أخذوا الابل في الدية يقول: إنما تحلبون دم القتيل منها، لا الألبان. (وسيصلون سعيرا): أي سيلزمون النار المسعرة للإحراق، وإنما ذكر البطون تأكيدا، كما يقال: نظرت بعيني، وقلت بلساني، وأخذت بيدي، ومشيت برجلي. وروى الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: " إن في كتاب علي بن أبي طالب أن من أكل مال اليتيم ظلما، سيدركه وبال ذلك في عقبه من بعده، ويلحقه وبال ذلك في الآخرة. أما في الدنيا فإن الله يقول (وليخش الذين لو تركوا) الآية، وأما في الآخرة، فإن الله يقول (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) الآية. (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما [ 11 ] القراءة: قرأ أهل المدينة: (وإن كانت واحدة) بالرفع، والباقون بالنصب.


(1) ورد في كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة: 2 / 1018: دم غير أن الدر ليس بأحمرا. (*)

[ 28 ]

وقرأ حمزة والكسائي (فلإمه)، وفي (إمها) ونحوه بكسر الهمزة والميم، وحمزة (بطون إمهاتكم) و (بيوت إمهاتكم) بكسرهما، والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم، والباقون بضم الهمزة في الجميع. وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم (يوصى) بفتح الصاد في الموضعين. وقرأ حفص: الأولى بكسر الصاد، والثانية بالفتح، والباقون بكسرهما. الحجة: الاختيار في (واحدة) النصب، لأن التي قبلها لها خبر منصوب وهو قوله (فإن كن نساء): أي وإن كانت الورثة واحدة. ووجه الرفع إن وقعت واحدة، أوجدت واحدة، أي إن حدث حكم واحدة، لأن المراد حكمها، لا ذاتها، ووجه قراءة حمزة والكسائي (فلإمه) بكسر الهمزة: إن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الكسرة والياء، ليكون العمل فيها من وجه واحد. ويقوي ذلك أنها تقارب الهاء، وقد فعلوا ذلك بالهاء في نحو عليه وبه. ومن قرأ (يوصي) فلأن ذكر الميت قد تقدم في قوله (فإن كان له أخوة فلأمه السدس) ومن قرأ (يوصى) فإنما يحسنه أنه ليس بميت معين، إنما هو شائع في الجميع، فهو في المعنى يؤول إلى (يوصي). الإعراب: (للذكر مثل حظ الأنثيين): جملة من مبتدأ وخبر تفسير لقوله (يوصيكم الله)، وإنما لم يقل للذكر مثل حظ الأنثيين بنصب لام مثل، فيعدي قوله (يوصيكم) إليه لأنه في تقرير القول في حكاية الجملة بعده، فكأنه قال. قال الله في أولادكم: للذكر مثل حظ الأنثيين. وقوله: الثلث والسدس والربع ونحوها، يجوز فيها التخفيف، لثقل الضم، فيقال: ثلث وسدس، وربع، وثمن. قال الزجاج: ومن زعم أن الأصل التخفيف فيها فثقل فخطأ، لأن الكلام موضوع على الإيجاز، لا على التثقيل، وإنما قيل للأب والأم أبوان تغليبا للفظ الأب، ولا يلزم أن يقال في ابن وابنة ابنان، لأنه يوهم، فإن لم يوهم جاز ذلك ذكره الزجاج. و (فريضة): منصوب على التأكيد والحال من قوله (لأبويه)، ولهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضا، ففريضة مؤكدة لقوله (يوصيكم الله)، ويجوز أن يكون نصبا على المصدر من (يوصيكم الله) لأن معناه: يفرض عليكم فريضة. النزول: روى محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: " مرضت فعادني رسول الله وأبو بكر، وهما يمشيان، فأغمي علي، فدعا بماء، فتوضأ ثم

[ 29 ]

صبه علي، فأفقت، فقلت: يا رسول الله ! كيف أصنع في مالي ؟ فسكت رسول الله، فنزلت آية المواريث في " وقيل: نزلت في عبد الرحمن، أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات، وترك امرأة وخمسة إخوان، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله آية المواريث، عن السدي. وقيل: كانت المواريث للأولاد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله: " إن الله لم يرض بملك مقرب، ولا نبي مرسل، حتى تولى قسم التركات، وأعطى كل ذي حق حقه " عن ابن عباس. المعنى: ثم بين تعالى ما أجمله فيما قبل من قوله (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) الآية، بما فصله في هذه الآية فقال (يوصيكم الله): أي يأمركم ويفرض عليكم، لأن الوصية منه تعالى أمر وفرض، يدل على ذلك قوله (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به) وهذا من الفرض المحكم علينا (في أولادكم): أي في ميراث أولادكم، أو في توريث أولادكم. وقيل: في أمور أولادكم إذا متم، ثم بين ما أوصى به فقال (للذكر مثل حظ الأنثيين): أي للابن من الميراث مثل نصيب البنتين. ثم ذكر نصيب الإناث من الأولاد فقال (فإن كن نساء فوق اثنتين): أي فإن كانت المتروكات أو الأولاد نساء فوق اثنتين (فلهن ثلثا ما ترك) من الميراث. ظاهر هذا الكلام يقتضي أن البنتين لا يستحقان الثلثين، لكن الأمة أجمعت على أن حكم البنتين حكم من زاد عليهما من البنات، وذكر في الظاهر وجوه: أحدها: إن في الآية بيان حكم البنتين فما فوقهما، لأن معناه فإن كن اثنتين فما فوقهما، فلهن ثلثا ما ترك، إلا أنه قدم ذكر الفوق على الأثنتين، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا تسافر المرأة سفرا فوق ثلاثة أيام، إلا ومعها زوجها، أو ذو محرم لها " ومعناه لا تسافر سفرا ثلاثة أيام فما فوقها. وثانيها: ما قاله أبو العباس المبرد: إن في الآية دليلا على أن للبنتين الثلثين، لأنه إذا قال للذكر مثل حظ الأنثيين، وكان أول العدد ذكرا وأنثى، وللذكر الثلثان وللأنثى الثلث، علم من ذلك أن للبنتين الثلثين، ثم أعلم الله بأن ما فوق البنتين لهن الثلثان وثالثها: إن البنتين أعطيتا الثلثين بدليل لا يفرض لهما مسمى، والدليل قوله تعالى (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرء هلك ليس له ولد وله أخت

[ 30 ]

فلها نصف ما ترك) فقد صار للأخت النصف، كما أن للبنت النصف، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان، وأعطيت الإبنتان الثلثين، كما أعطيت الأختان الثلثين، وأعطيت جملة الأخوات الثلثين، كما أعطيت البنات الثلثين، ويدل عليه أيضا الإجماع على أن حكم البنتين حكم البنات في استحقاق الثلثين، إلا ما روي عن ابن عباس: إن للبنتين النصف، وإن الثلثين فرض الثلث من البنات. وحكى النظام في كتاب النكت عن ابن عباس أنه قال: للبنتين نصف وقيراط، لأن للواحدة النصف، وللثلاث الثلثين، فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما (وإن كانت واحدة): أي وإن كانت المولودة أو المتروكة واحدة (فلها النصف): أي نصف ما ترك الميت. ثم ذكر ميراث الوالدين فقال (ولأبويه) يعني بالأبوين الأب والأم، والهاء الذي أضيف إليه الأبوان كناية عن غير مذكور تقديره ولأبوي الميت. (لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) فللأب السدس مع الولد، وكذلك الأم لها السدس معه ذكرا كان أو أنثى، واحدا كان أو أكثر، ثم إن كان الولد ذكرا، كان الباقي له، وإن كانوا ذكورا، فالباقي لهم بالسوية، وإن كانوا ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كانت بنتا، فلها النصف بالتسمية، ولأحد الأبوين السدس أو لهما السدسان، والباقي عند أئمتنا يرد على البنت وعلى أحد الأبوين، أو عليهما على قدر سهامهم بدلالة قوله (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقد ثبت أن قرابة الوالدين، وقرابة الولد متساوية لأن الولد يتقرب إلى الميت بنفسه، كما أن الوالدين يتقربان إليه بأنفسهما، وولد الولد يقوم مقام الولد للصلب مع الوالدين، كل منهم يقوم مقام من يتقرب به، وفي بعض هذه المسائل خلاف بين الفقهاء. (فإن لم يكن له): يعني للميت (ولد): أي ابن، ولا بنت، ولا أولادهما، لأن اسم الولد يعم الجميع (وورثه أبواه فلأمه الثلث) وظاهر هذا يدل علي أن الباقي للأب، وفيه إجماع، فإن كان في الفريضة زوج، فإن له النصف وللأم الثلث والباقي للأب، وهو مذهب ابن عباس وأئمتنا. ومن قال في هذه المسألة: إن للأم ثلث ما يبقى، فقد ترك الظاهر، وكذلك إن كان بدل الزوج الزوجة، فلها الربع، وللأم الثلث، والباقي للأب. وقوله: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) قال أصحابنا: إنما يكون لها

[ 31 ]

السدس إذا كان هناك أب، ويدل عليه ما تقدمه من قوله (وورثه أبواه) فإن هذه الجملة معطوفة على قوله (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) وتقديره: فإن كان له إخوة، وورثه أبواه، فلأمه السدس. وقال بعض أصحابنا: إن لها السدس مع وجود الأخوة، وإن لم يكن هناك أب، وبه قال جميع الفقهاء، واتفقوا على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس، بأقل من ثلاثة من الأخوة والأخوات كما تقتضيه ظاهر الآية. وأصحابنا يقولون: لا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس إلا بالأخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب خاصة دون الأم، وفي ذلك خلاف بين الفقهاء، قالوا: والعرب تسمي الاثنين بلفظ الجمع في كثير من كلامهم، حكى سيبويه أنهم يقولون: " وضعا رحالهما " يريدون رحلي راحلتيهما. وقال تعالى: (وكنا لحكمهم شاهدين): يعني حكم داود وسليمان. وقال قتادة: إنما تحجب الأخوة الأم مع أنهم لا يرثون من المال شيئا، معونة للأب، لان الاب يقوم بنفقتهم ونكاحهم دون الأم. وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن الاخوة للأم لا يحجبون على ما ذهب إليه أصحابنا، لان الأب لا يلزمه نفقتهم بلا خلاف. (من بعد وصية يوصي بها أو دين): أي تقسم التركة على ما ذكرنا بعد قضاء الديون، وإقرار الوصية، ولا خلاف في أن الدين مقدم على الوصية والميراث، وإن أحاط بالمال. فأما الوصية فقد قيل إنها مقدمة على الميراث. وقيل: بل الموصى له شريك الوارث له الثلث، ولهم الثلثان. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إنكم تقرأون في هذه الآية الوصية قبل الدين، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية. والوجه في تقديم الدين على الوصية في الآية: إن لفظ (أو) إنما هو لأحد الشيئين، أو الأشياء، ولا يوجب الترتيب، فكأنه قال من بعد أحد هذين مفردا، أو مضموما إلى الآخر، وهذا كقولهم جالس الحسن، أو ابن سيرين: أي جالس أحدهما مفردا، أو مضموما إلى الآخر. (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا): ذكر فيه وجوه أحدها: إن معناه لا تدرون أي هؤلاء أنفع لكم في الدنيا، فتعطونه من الميراث، ما يستحق، ولكن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، عن مجاهد. وثانيها: إن معناه: لا تدرون بأيهم أنتم أسعد في الدنيا والدين، والله يعلمه، فاقتسموه على ما بينه من المصلحة فيه، عن الحسن وثالثها: إن معناه لا تدرون أن نفعكم بتربية

[ 32 ]

آبائكم لكم، أكثر أم نفع آبائكم بخدمتكم إياهم، وإنفاقكم عليهم، عند كبرهم، عن الجبائي. ورابعها: إن المعنى أطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده، رفع الله إليه ولده في درجته، لتقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه، رفع الله والديه إلى درجته، لتقر بذلك أعينهم، عن ابن عباس. وخامسها: إن المراد لا تدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتا، فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث، ولا تستعجلوه، عن أبي مسلم. (فريضة من الله) أي فرض حمله ذلك فريضة، أو كما ذكرنا في الإعراب. (إن الله كان عليما حكيما): أي لم يزل عليما بمصالحكم، حكيما فيما يحكم به عليكم، من هذه الأموال وغيرها. قال الزجاج في كان هنا ثلاثة أقوال: قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما، وحكمة، ومغفرة، وتفضلا، فقيل لهم إن الله كان كذلك على ما شاهدتم. وقال الحسن: كان عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقدر تدبيره منها. وقال بعضهم: الخبر من الله في هذه الأشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال، والحال، لأن الأشياء عند الله في حال واحدة، ما مضى، وما يكون، وما هو كائن. (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم [ 12 ]

[ 33 ]

القراءة: روي في الشواذ قراءة الحسن (يورث) بكسر الراء كلالة وقراءة عيسى بن عمر الثقفي (يورث). وقرأ الحسن أيضا (غير مضار وصية) مضاف. الحجة: كلاهما منقول من (ورث) فهذا من أورث، وذاك من ورث. وفي كلتا القراءتين المفعولان محذوفان، فكأنه قال يورث وارثه ماله، وقد جاء حذف المفعولين جمععا قال الكميت: بأي كتاب، أم بأية سنة، * ترى حبهم عارا علي، وتحسب فلم يعد تحسب، وأما قوله (غير مضار وصية) فيعني به غير مضار من جهة الوصية، أو عند الوصية، كقول طرفة (بضة المتجرد) (1) أي بضة عند تجردها، وهذا كما يقال: شجاع حرب، وكريم مسألة: أي شجاع عند الحرب، وكريم عند المسألة. اللغة: أصل الكلالة (2) الإحاطة. ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، ومنه الكل لإحاطته بالعدد. فالكلالة: تحيط بأصل النسب الذي هو الولد والوالد. وقال أبو مسلم: أصلها من كل أي أعيى فكأن الكلالة تناول الميراث من بعد، على كلال وإعياء. وقال الحسين بن علي المغربي: أصله عندي ما تركه الانسان وراء ظهره، مأخوذا من الإكل وهو الظهر، تقول العرب ولاني فلان إكله، على وزن إطله: أي ولاني ظهره، والعرب تخبر بهذا الاسم عن جملة النسب والوراثة. قال عامر بن الطفيل: وإني وإن كنت ابن فارس عامر * وفي السر منها والصريح المهذب فما سودتني عامر عن كلالة * أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ويروى عن وراثة، وقال زيادة بن زيد العذري:


(1) بض بضاضة: كان رقيق الجلد ناعمه في سمن، فهو بض، وهي بضة وتمام البيت: " رحيب قطاب الجيب منها رفيقة * بجس الندامى بضة المتجرد ". (2) الكلالة: ما خلا الولد والوالد (معاني القرآن للفراء: 1 / 257). وقال مكي بن أبي طالب القيسي: " الكلالة: هو المال الذى لا يرثه ولد ولا والد وهو قول عطاء بن أبي رباح القرشي ". (مشكل إعراب القران: 1 / 192). (*)

[ 34 ]

ولم أرث المجد التليد كلالة * ولم يأن مني فترة لعقيب (1) ويقال: رجل كلالة، وقوم كلالة، وامرأة كلالة، لا تثنى ولا تجمع، لأنه مصدر. الإعراب: ينتصب (كلالة) على أنه مصدر وضع موضع الحال، ويكون كان التامة، ويورث صفة رجل، وتقديره: إن وجد رجل موروث متكلل النسب. والعامل في الحال (يورث)، وذو الحال الضمير في يورث. ويجوز أن ينتصب كلالة على أنه خبر كان، على أن يكون كان ناقصة. قال الزجاج: من قرأ (يورث) بكسر الراء، فكلالة مفعول، ومن قرأ (يورث) (2)، فكلالة منصوب على الحال، (غير مضار) منصوب على الحال أيضا. (وصية) ينصب على المصدر: أن يوصيكم الله بذلك وصية. المعنى: ثم خاطب الله الأزواج فقال: (ولكم) أيها الأزواج (نصف ما ترك أزواجكم): أي زوجاتكم (إن لم يكن لهن ولد) لا ذكر، ولا أنثى، ولا ولد ولد (فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن): أي من ميراثهن (من بعد وصية يوصين بها أو دين) قد مر تفسيره (ولهن): أي ولزوجاتكم (الربع مما تركتم) من الميراث (إن لم يكن لكم ولد) واحدة كانت الزوجة أو اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا، لم يكن لهن أكثر من ذلك (فإن كان لكم ولد) ذكر أو أنثى، أو ولد ولد (فلهن الثمن مما تركتم) من الميراث، واحدة كانت الزوجة، أو أكثر من ذلك (من بعد وصية توصون بها) أيها الأزواج (أو دين) وقد مر في ما مضى بيان ميراث الأزواج، ثم ذكر ميراث ولد الأم فقال (وإن كان رجل يورث كلالة): اختلف في معنى الكلالة فقال جماعة من الصحابة والتابعين، منهم أبو بكر، وعمر، وابن عباس، في إحدى الروايتين عنه، وقتادة، والزهري، وابن زيد، هو من عدا الوالد والولد، وفي الرواية الأخرى عن ابن عباس أنه من عدا الوالد. وقال الضحاك، والسدي: إنه اسم للميت الذي يورث عنه. والمروي عن أئمتنا: إن الكلالة الإخوة والأخوات. والمذكور في هذه الآية من كان من قبل الأم منهم. والمذكور في آخر السورة من كان منهم من قبل الأب والأم، أو من قبل الآباء (أو امرأة): هو عطف على قوله (وإن


(1) (القريب - خ ل)، والتليد: القديم. (2) [ بفتح الراء ]. (*)

[ 35 ]

كان رجل) معناه وإن كان رجل كلالة، يورث ماله، أو امرأة كلالة، تورث مالها على قول من قال: إن الميت نفسه يسمى كلالة. ومن قال: إنه الحي الوارث، فتقديره وإن كان رجل يورث في حال تكلل نسبه به، أو امرأة تورث كذلك، وهو قول ابن عمر، وأهل الكوفة. ويؤيده ما روي عن جابر أنه قال: أتاني رسول الله، وأنا مريض. فقلت: وكيف الميراث وإنما يرثني كلالة ؟ فنزلت آية الفرائض. فالكلالة في النسب: من أحاط بالميت، وتكلله من الأخوة والأخوات. والولد. والوالد ليسا بكلالة، لأنهما أصل النسب الذي ينتهي إلى الميت، ومن سواهما خارج عنهما، وإنما يشتمل عليهما بالأنساب من غير جهة الولادة. فعلى هذا تكون الكلالة كالإكليل يشتمل على الرأس، ويحيط به، وليس من أصله، فإن الوالد والولد طرفان للرجل، فإذا مات الرجل، ولم يخلفهما، فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب طرفيه كلالة. وقوله (وله أخ أو أخت): يعني الأخ والأخت من الأم (فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) جعل الذكر والأنثى ها هنا سواء، ولا خلاف بين الأمة أن الأخوة والأخوات من قبل الأم متساوون في الميراث (من بعد وصية يوصى بها أو دين) مر بيانه (غير مضار وصية من الله) منع الله من الضرار في الوصية أي غير موص وصية تضر بالورثة. وقيل: أراد غير مضار في الميراث، كره سبحانه الضرار في الحياة، وبعد الممات، عن قتادة. وتقديره: لا يضار بعض الورثة بعضا. وقيل: هو أن يوصي بدين ليس عليه، يريد بذلك ضرر الورثة. فالضرار في الوصية راجع إلى الميراث، وهو أن يضر في وصيته بماله، أو بعضه، لأجنبي، أو يقر بدين لا حقيقة له، دفعا للميراث عن وارثه، أو يقر باستيفاء دين له في مرضه، أو ببيع ماله في مرضه، واستيفاء ثمنه، لئلا يصل إلى وارثه. وجاء في الحديث: إن الضرار في الوصية من الكبائر (والله عليم) بمصالح عباده، يحكم بما توجب الحكمة في قسمة الميراث والوصايا وغيرها. (حليم) لا يعاجل العصاة بالعقوبة، ويمن عليهم بالانتظار والمهلة. وفي هاتين الآيتين دلالة على تقدير سهام أصحاب المواريث، ونحن نذكر من ذلك جملة موجزة منقولة عن أهل البيت دون غيرهم، فإن الاختلاف في مسائل المواريث بين الفقهاء كثير، يطول بذكره الكتاب، فمن أراده وجده في مظانه:

[ 36 ]

إعلم أن الإرث يستحق بأمرين: نسب وسبب. فالسبب الزوجية والولاء، فالميراث بالزوجية يثبت مع كل نسب. والميراث بالولاء لا يثبت إلا مع فقد كل نسب، وأما النسب فعلى ضربين: أحدهما: أبو الميت، ومن يتقرب به. والآخر: ولده، وولد ولده، وإن سفل، والمانع من الإرث بعد وجود سبب وجوبه ثلاثة: الكفر، والرق، وقتل الوارث من كان يرثه، لولا القتل، ولا يمنع الأبوين، والولد، والزوج، والزوجات، من أصل الإرث مانع. ثم هم على ثلاثة أضرب. الأول: الولد يمنع من يتقرب به ومن يجري مجراه من ولد إخوته وأخواته عن أصل الإرث، ويمنع من يتقرب بالأبوين، ويمنع الأبوين عما زاد على السدس إلا على سبيل الرد مع البنت أو البنات. والأبوان يمنعان من يتقرب بهما، أو بأحدهما، ولا يتعدى منعهما إلى غير ذلك. والزوج والزوجة، لا حظ لهما في المنع، وولد الولد، وإن سفل، يقوم مقام الولد الأدنى عند فقده في الإرث والمنع. ويترتبون الأقرب فالأقرب، وهذه سبيل ولد الأخوة والأخوات، وإن سفل عند فقد الأخوه والأخوات مع الأجداد والجدات. ثم إن الميراث بالنسب يستحق على وجهين: بالفرض والقرابة. فالفرض ما سماه الله، ولا يجتمع في ذلك إلا من كانت قرابته متساوية إلى الميت، مثل البنت، أو البنات مع الأبوين، أو أحدهما، لأن كل واحد منهم يتقرب إلى الميت بنفسه، فمتى انفرد أحدهم بالميراث، أخذ المال كله: بعضه بالفرض، والباقي بالقرابة. وعند الاجتماع يأخذ كل واحد منهم ما سمي له، والباقي يرد عليهم على قدر سهامهم. فإن نقصت التركة عن سهامهم لمزاحمة الزوج، أو الزوجة لهم، كان النقص داخلا على البنت أو البنات دون الأبوين، أو أحدهما، ودون الزوج والزوجة، ويصح اجتماع الكلالتين معا، لتساوي قرابتيهما. فإذا فضل التركة عن سهامهم، يرد الفاضل على كلالة الأب، والأم، أو الأب، دون كلالة الأم، وكذلك إذا نقصت عن سهامهم، لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم، كان النقص داخلا عليهم دون كلالة الأم، والزوج، والزوجة، لا يدخل عليهم النقصان على حال. فعلى هذا إذا اجتمع كلالة الأب مع كلالة الأم، كان لكلالة الأم للواحد السدس، وللاثنين فصاعدا الثلث، لا ينقصون منه، والباقي لكلالة الأب، ولا يرث كلالة الأب مع كلالة الأب والأم، ذكورا كانوا أو إناثا. فأما من يرث بالقرابة دون الفرض فأقواهم الولد للصلب، ثم ولد الولد،

[ 37 ]

يقوم مقام الولد، ويأخذ نصيب من يتقرب به ذكرا كان، أو أنثى، والبطن الأول يمنع من نزل عنه بدرجة، ثم الأب يأخذ جميع المال إذا انفرد، ثم من يتقرب به. أما ولده، أو والده، أو من يتقرب بهما من عم، أو عمة، فالجد أب الأب مع الأخ الذي هو ولده في درجة، وكذلك الجدة مع الأخت فهم يتقاسمون المال، للذكر مثل حظ الانثيين، ومن له سببان يمنع من له سبب واحد، وولد الأخوة والأخوات يقومون مقام آبائهم وأمهاتهم في مقاسمة الجد والجدة، كما يقوم ولد الولد مقام الولد للصلب مع الأب، وكذلك الجد والجدة، وإن عليا يقاسمان الإخوة والأخوات وأولادهم، وإن نزلوا على حد واحد. وأما من يرث بالقرابة ممن يتقرب بالأم فهم الجد والجدة (1)، أو من يتقرب بهما من الخال والخالة، فإن أولاد الأم يرثون بالفرض أو بالفرائض دون القرابة، فالجد والجدة من قبلها يقاسمان الإخوة والأخوات من قبلها، ومتى اجتمع قرابة الأب مع قرابة الأم مع استوائهم في الدرجة، كان لقرابة الأم الثلث بينهم بالسوية، والباقي لقرابة الأب للذكر مثل حظ الانثيين. ومتى بعد إحدى القرابتين بدرجة، سقطت مع التي هي أقرب، سواء كان الأقرب من قبل الأب، أو من قبل الأم، إلا في مسألة واحدة، وهو ابن عم للأب (2)، فإن المال لابن العم. هذه أصول مسائل الفرائض، ولتفريعها شرح طويل، دونه المشائخ في كتب الفقه. (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها وذلك الفوز العظيم [ 13 ] * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خلدا فيها وله عذاب مهين [ 14 ] القراءة: قرأ نافع، وابن عامر: (ندخله) بالنون في الموضعين، والباقون بالياء.


(1) [ من قبلها ]. (2) [ والام مع عم للأب ]. (*)

[ 38 ]

الحجة: من قرأ بالياء، فلأن ذكر الله قد تقدم، فحمل الكلام على الغيبة. ومن قرأ بالنون، عدل عن لفظ الغيبة إلى الإخبار عن الله بنون الكبرياء، ويقوي ذلك قوله (بل الله مولاكم)، ثم قال (سنلقي). اللغة: الحد: الحاجز بين الشيئين، وأصله المنع والفصل. وحدود الدار: تفصلها عن غيرها. والفوز، والفلاح، نظائر. الإعراب: (خالدين فيها) نصب على الحال. قال الزجاج: والتقدير يدخلهم، مقدرين الخلود فيها. والحال يستقبل بها، تقول: مررت برجل معه باز صائدا به غدا: أي مقدرا الصيد به غدا وقوله (خالدا فيها) منصوب على أحد وجهين: أحدهما الحال من الهاء في (يدخله نارا) والتقدير على ما ذكرناه. والآخر: أن يكون صفة لقوله (نارا) وهذا كما تقول: زيد مررت بدار ساكن فيها، فيكون على حذف الضمير من ساكن هو فيها، لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له، لم يتضمن الضمير، كما يتضمنه الفعل. ولو قلت: يسكن فيها، يجب إبرازه، فتقول: زيد مررت بدار ساكن هو فيها. المعنى: لما فرض الله فرائض المواريث، عقبها بذكر الوعد في الائتمار لها، والوعيد على التعدي لحدودها، فقال (تلك حدود الله): أي هذه التي بينت في أمر الفرائض، وأمر اليتامى، حدود الله: أي الأمكنة التي لا ينبغي أن تتجاوز، عن الزجاج، واختلف في معنى الحدود على أقوال أحدها: تلك شروط الله، عن السدي. وثانيها: تلك طاعة الله، عن ابن عباس. وثالثها: تلك تفصيلات الله لفرائضه، وهو الأقوى. فيكون المراد: هذه القسمة التي قسمها الله لكم، والفرائض التي فرضها الله لأحيائكم من أمواتكم، فصول بين طاعة الله ومعصيته، فإن معنى حدود الله: حدود طاعة الله، وإنما اختصر لوضوح معناه للمخاطبين (ومن يطع الله ورسوله) فيما أمر به من الأحكام. وقيل: فيما فرض له من فرائض المواريث (يدخله جنات تجري من تحتها) أي من تحت أشجارها وأبنيتها (الانهار): أي ماء الانهار، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، في الموضعين (خالدين فيها): أي دائمين فيها (وذلك الفوز العظيم) أي الفلاح العظيم، وصفه بالعظيم، ولم يبين بالإضافة إلى ماذا. والمراد: إنه عظيم بالاضافة إلى منفعة الحيازة في التركة من حيث كان أمر الدنيا حقيرا بالاضافة إلى أمر الآخرة، وإنما خص الله الطاعة في

[ 39 ]

قسمة الميراث بالوعد، مع أنه واجب في كل طاعة إذا فعلت، لوجوبها، أو لوجه وجوبها، ليبين عن عظم موقع هذه الطاعة بالترغيب فيها، والترهيب عن تجاوزها، وتعديها. (ومن يعص الله ورسوله) فيما بينه من الفرائض وغيرها (ويتعد حدوده): أي ويجاوز ما حد له من الطاعات، (يدخله نارا خالدا) أي دائما (فيها وله عذاب مهين) سماه مهينا، لأن الله يفعله على وجه الإهانة، كما أنه يثيب المؤمن على وجه الكرامة. ومن استدل بهذه الاية على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة مخلد في النار، ومعاقب فيها لا محالة، فقوله بعيد لأن قوله (ويتعد حدوده) يدل على أن المراد به: من تعدى جميع حدود الله، وهذه صفة الكفار، ولأن صاحب الصغيرة بلا خلاف، خارج عن عموم الاية، وإن كان فاعلا للمعصية، ومتعديا حدا من حدود الله. وإذا جاز إخراجه بدليل، جاز لغيره أن يخرج من عمومها من يشفع له النبي، أو يتفضل الله عليه بالعفو بدليل آخر، وأيضا فإن التائب لا بد من إخراجه من عموم الآية، لقيام الدليل على وجوب قبول التوبة، وكذلك يجب إخراج من يتفضل الله بإسقاط عقابه منها، لقيام الدلالة على جواز وقوع التفضل بالعفو، فإن جعلوا للآية دلالة على أن الله لا يختار العفو، جاز لغيرهم أن يجعلها دلالة على أن العاصي لا يختار التوبة. على أن في المفسرين من حمل الآية على من تعدى حدود الله وعصاه، مستحلا لذلك، ومن كان كذلك، لا يكون إلا كافرا. (والتي يأتين الفحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا [ 15 ] * والذان يأتينها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما [ 16 ] القراءة: قرأ ابن كثير (والذان يأتيانها) بتشديد النون، وكذلك فذانك، وهذان، أو هاتين. وقرأ الباقون بتخفيف ذلك كله، إلا أبا عمرو، فإنه شدد فذانك وحدها. الحجة: قال أبو علي: القول في تشديد نون التثنية أنه عوض عن الحذف الذي لحق الكلمة، ألا ترى أن ذا قد حذف لامها، وقد حذف الياء من اللذان في

[ 40 ]

التثنية، واتفق اللذان وهذان في التعويض، كما اتفقا في فتح الأوائل منهما في التحقير، مع ضمها في غيرهما، وذلك في نحو اللذيا واللتيا وذيا وتيا. اللغة: اللاتي: جمع التي وكذلك اللواتي، قال: من اللواتي والتي واللاتي * زعمن أني كبرت لداتي (1) وقد تحذف التاء من اللاتي فيقال اللاي قال: من اللاي لم يحججن يبغين حسبة * ولكن ليقتلن البرئ المغفلا (2) المعنى: لما بين سبحانه حكم الرجال والنساء في باب النكاح والميراث، بين حكم الحدود فيهن إذا ارتكبن الحرام فقال (واللاتي يأتين الفاحشة): أي يفعلن الزنا (من نسائكم) الحرائر، فالمعنى.: اللاتي يزنين (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم): أي من المسلمين، يخاطب الحكام والائمة، ويأمرهم بطلب أربعة من الشهود في ذلك، عند عدم الإقرار، وقيل: هو خطاب للازواج في نسائهم: أي فأشهدوا عليهم أربعة منكم. وقال أبو مسلم: المراد بالفاحشة في الاية هنا: الزنا، أن تخلو المرأة بالمرأة في الفاحشة المذكورة عنهن. وهذا القول مخالف للاجماع، ولما عليه المفسرون، فإنهم أجمعوا على أن المراد بالفاحشة هنا: الزنا. (فإن شهدوا) يعني الاربعة (فأمسكوهن): أي فاحبسوهن (في البيوت حتى يتوفاهن الموت): أي يدركهن الموت، فيمتن في البيوت. وكان في مبدأ الاسلام، إذا فجرت المرأة، وقام عليها أربعة شهود، حبست في البيت أبدا، حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين. (أو يجعل الله لهن سبيلا) قالوا: لما نزل قوله (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم " وقال بعض أصحابنا: إن من وجب عليه الرجم يجلد أولا، ثم يرجم. وبه قال الحسن، وقتادة، وجماعة من الفقهاء. وقال أكثر أصحابنا: إن ذلك يختص بالشيخ والشيخة، فأما غيرهما فليس عليه غير الرجم، وحكم هذه الاية منسوخ عند جمهور المفسرين،


(1) اللدة: الترب وهو الذي ولد معك، أو تربى معك. والبيت أنشده أبو عمرو في اللسان (لتأ). (2) قوله " لم يحجن اه‍ ". أي لم يطلبن من الحج ثواب الله. والمغفل. الذي لا فطنة له. (*)

[ 41 ]

وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله. وقال بعضهم: إنه غير منسوخ، لان الحبس لم يكن مؤبدا، بل كان مستندا إلى غاية، فلا يكون بيان الغاية نسخا له، كما لو قال افعلوا كذا إلى رأس الشهر. وقد فرق بين الموضعين، فإن الحكم المعلق بمجئ رأس الشهر، لا يحتاج إلى بيان صاحب الشرع، بخلاف ما في الآية. وقوله (واللذان يأتيانها منكم) أي يأتيان الفاحشة، وفيه ثلاثة أقوال أحدها: أنهما الرجل والمرأة، عن الحسن، وعطا وثانيها: أنهما البكران من الرجال والنساء، عن السدي، وابن زيد وثالثها: أنهما الرجلان الزانيان، عن مجاهد. وهذا لا يصح، لأنه لو كان كذلك لما كان للتثنية معنى، لان الوعد والوعيد، إنما يأتي بلفظ الجمع، فيكون لكل واحد منهم، أو بلفظ الواحد، لدلالته على الجنس. فأما التثنية فلا فائدة فيها. وقال أبو مسلم: هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما، والفاحشة في الآية الأولى عنده السحق، وفي الآية الثانية اللواط، فحكم الآيتين عنده ثابت غير منسوخ، وإلى هذا التأويل ذهب أهل العراق، فلا حد عندهم في اللواط والسحق. وهذا بعيد لأن الذي عليه جمهور المفسرين، أن الفاحشة في آية الزنا، وأن الحكم في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور، ذهب إليه الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك، وغيرهم، وإليه ذهب البلخي، والجبائي، والطبري. وقال بعضهم: نسخها الحدود بالرجم، أو الجلد. وقوله (فآذوهما): قيل في معناه قولان أحدهما: هو التعيير باللسان، والضرب بالنعال، عن ابن عباس والآخر: إنه التعيير والتوبيخ باللسان، عن قتادة والسدي، ومجاهد. واختلف في الأذى والحبس [ في الثيبين ] (1) كيف كان، فقال الحسن: كان الأذى أولا، والآية الاخيرة نزلت من قبل، ثم أمرت أن توضع في التلاوة من بعد، فكان الاول الاذى، ثم الحبس، ثم الجلد، أو الرجم. وقال السدي: كان الحبس في الثيبين، والاذى في البكرين، وقيل: كان الحبس للنساء، والاذى للرجال. وقال الفراء: إن الآية الاخيرة نسخت الاية الاولى. وقوله (فإن تابا): أي رجعا عن الفاحشة، (وأصلحا) العمل فيما بعده، (فأعرضوا عنهما): أي اصفحوا عنهما، وكفوا عن أذاهما. (إن الله كان توابا رحيما)، يقبل التوبة عن عباده، ويرحمهم. قال الجبائي: في الاية دلالة على


(1) ما بين المعقفتين إنما هو في نسخة صيدا دون غيرها. (*)

[ 42 ]

نسخ القرآن بالسنة، لانها نسخت بالرجم، أو الجلد، والرجم قد ثبت بالسنة، ومن لم يجوز نسخ القرآن بالسنة، يقول: إن هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا، وأضيف الرجم إليه زيادة، لا نسخا. وأما الاذى المذكور في الآية، فغير منسوخ، فإن الزاني يؤذى ويعنف على فعله، ويذم به، لكنه لم يقتصر عليه، بل زيد فيه بأن أضيف الجلد، أو الرجم إليه. - إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما [ 17 ] وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الئن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما [ 18 ] اللغة: أصل التوبة: الرجوع. وحقيقتها الندم على القبيح، مع العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح. وقيل: يكفي في حدها الندم على القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله. (أعتدنا) قيل إن أصله أعددنا، فالتاء بدل من الدال. وقيل: هو أفعلنا من العتاد، وهو العدة. قال عدي بن الرقاع: تأتيه أسلاب الأعزة عنوة * قسرا ويجمع للحروب عتادها (1) يقال للفرس المعد للحرب: عتد وعتد. الإعراب: موضع (الذين يموتون) جر بكونه عطفا على قوله (للذين يعملون السوء) وتقديره: ولا للذين يموتون. المعنى: لما وصف تعالى نفسه بالتواب الرحيم، بين عقيبه شرائط التوبة، فقال: (إنما التوبة) ولفظة (إنما) يتضمن النفي والإثبات، فمعناه لا توبة مقبولة (على الله): أي عند الله إلا (للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب). واختلف في معنى قوله (بجهالة) على وجوه أحدها: إن كل معصية يفعلها العبد


(1) الأسلاب جمع أسلب ما يسلب من القتيل. العتاد كلما هيئ من سلاح ودواب وآلة حرب. (*)

[ 43 ]

جهالة، وإن كان على سبيل العمد، لانه يدعو إليها الجهل، ويزينها للعبد، عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، فإنه قال: " كل ذنب عمله العبد، وإن كان عالما، فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه ". فقد حكى الله تعالى قول يوسف لإخوته: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون) فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله. وثانيها: إن معنى قوله (بجهالة) أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة، كما يعلم الشئ ضرورة، عن الفراء وثالثها: إن معناه أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاص، فيفعلونها إما بتأويل يخطئون فيه، وإما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها، عن الجبائي. وضعف الرماني هذا القول لأنه بخلاف ما اجمع عليه المفسرون، ولأنه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها ذنوب توبة، لأن قوله (إنما التوبة) تفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم. وقال أبو العالية وقتادة: " أجمعت الصحابة على أن كل ذنب أصابه العبد فهو جهالة " (1). وقال الزجاج: " إنما قال الجهالة، لأنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال، فهو جهل في الاختيار "، ومعنى (يتوبون من قريب): أي يتوبون قبل الموت، لان ما بين الانسان وبين الموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت. وقال الحسن، والضحاك، وابن عمر: " القريب ما لم يعاين الموت ". وقال السدي: " هو ما دام في الصحة قبل المرض والموت ". وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قيل له: فإن عاد وتاب مرارا ؟ قال: يغفر الله له. قيل: إلى متى ؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المسحور. وفي كتاب من لا يحضره الفقيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبة خطبها: " من تاب قبل موته بسنة، تاب الله عليه " ثم قال: " وإن السنة لكثيرة، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه " ثم قال: " وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه " ثم قال: " وإن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة، تاب الله عليه " ثم قال: " وإن الساعة لكثيرة، من تاب قبل موته، وقد بلغت نفسه هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - تاب الله عليه ". وروى الثعلبي بإسناده، عن عبادة بن الصامت، عن النبي هذا الخبر بعينه، إلا أنه قال في آخره: " وإن الساعة لكثيرة، من تاب قبل أن يغرغر بها، تاب الله عليه ".


(1) وفي نسختين من نسخنا " فبجهالة " بدل " فهو جهالة ". (*)

[ 44 ]

وروى أيضا بإسناده عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لما هبط إبليس، قال: وعزتك وجلالتك وعظمتك، لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده ! فقال الله سبحانه: وعزتي وعظمتي وجلالي، لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها ". (فأولئك يتوب الله عليهم): أي يقبل توبتهم، (وكان الله عليما) بمصالح العباد، (حكيما) فيما يعاملهم به. (وليست التوبة): التوبة المقبولة التي ينتفع بها صاحبها، (للذين يعملون السيئات): أي المعاصي، ويصرون عليها، ويسوفون التوبة، (حتى إذا حضر أحدهم الموت): أي أسباب الموت من معاينة ملك الموت، وانقطع الرجاء عن الحياة، وهو حال اليأس التي لا يعلمها أحد غير المحتضر، (قال إني تبت الآن): أي فليس عند ذلك اليأس التوبة. وأجمع أهل التأويل على أن هذه قد تناولت عصاة أهل الاسلام، إلا ما روي عن الربيع أنه قال: إنها في المنافقين. وهذا لا يصح، لان المنافقين من جملة الكفار، وقد بين الكفار بقوله (ولا الذين يموتون وهم كفار): ومعناه وليست التوبة أيضا للذين يموتون على الكفر، ثم يندمون بعد الموت، (أولئك أعتدنا): أي هيأنا (لهم عذابا أليما): أي موجعا. وإنما لم يقبل الله تعالى التوبة في حال اليأس، واليأس من الحياة، لانه يكون العبد هناك ملجأ إلى فعل الحسنات، وترك القبائح، فيكون خارجا عن حد التكليف، إذ لا يستحق على فعله المدح ولا الذم، وإذ زال عنه التكليف، لم تصح منه التوبة. ولهذا لم يكن أهل الآخرة مكلفين، ولا تقبل توبتهم. ومن استدل بظاهر قوله تعالى: (أعتدنا لهم عذابا أليما) على وجوب العقاب لمن مات من مرتكبي الكبائر من المؤمنين، قبل التوبة، فالانفصال عن استدلاله أن يقال: إن معنى إعداد العذاب لهم، إنما هو خلق النار التي هي مصيرهم، فالظاهر يقتضي استيجابهم لدخولها، وليس في الآية أن الله يفعل بهم ما يستحقونه لا محالة، ويحتمل أيضا أن يكون (أولئك) إشارة إلى الذين يموتون وهم كفار، لانه أقرب إليه من قوله (للذين يعملون السيئات). ويحتمل أيضا أن يكون التقدير أعتدنا لهم العذاب إن عاملناهم بالعدل، ولم نشأ العفو عنهم، وتكون الفائدة فيه إعلامهم ما يستحقونه من العقاب، وأن لا يأمنوا من أن يفعل بهم ذلك، فإن قوله (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) لا

[ 45 ]

تتناول المشيئة فيه إلا المؤمنين من أهل الكبائر، الذين يموتون قبل التوبة، لان المؤمن المطيع، خارج عن هذه الجملة، وكذلك التائب، إذ لا خلاف في أن الله لا يعذب أهل الطاعات من المؤمنين، ولا التائبين من المعصية، والكافر خارج أيضا عن المشيئة، لإخبار الله تعالى أنه لا يغفر الكفر، فلم يبق تحت المشيئة إلا من مات مؤمنا موحدا، وقد ارتكب كبيرة لم يتب منها. وقال الربيع: إن الاية منسوخة بقوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) لانه حكم من الله، والنسخ جائز في الاحكام، كما جاز في الاوامر والنواهي، وإنما يمتنع النسخ في الإخبار بأن يقول: كان كذا وكذا، ثم يقول: لم يكن، أو يقول: في المستقبل لا يكون كذا، ثم يقول: يكون كذا. وهذا لا يصح، لان قوله (أعتدنا) وارد مورد الخبر، فلا يجوز النسخ فيه، كما لا يجوز في سائر الأخبار. (يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ماء اتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا [ 19 ] القراءة: قرأ حمزة والكسائي (كرها) بضم الكاف، هنا، وفي التوبة، والأحقاف، ووافقهما عاصم، وابن عامر، ويعقوب في الأحقاف، وقرأ الباقون بفتح الكاف، في جميع ذلك. وقرأ (بفاحشة مبينة) بفتح الياء، ابن كثير وأبو بكر عن عاصم، والباقون بكسر الياء. وروي في الشواذ عن ابن عباس: (مبينة) بكسر الياء خفيفة. الحجة: الكره، والكره: لغتان مثل الضعف والضعف، والفقر والفقر، والدف والدف. وقال سيبويه: بين الشئ، وبينته، وأبان الشئ وأبنته، واستبان الشئ واستبنته، وتبين وتبينته، ومن أبيات الكتاب: سل الهموم بكل معطي رأسه * تاج مخالط صهبة متعيس

[ 46 ]

مغتال أحبله مبين عنقه * في منكب زين المطي عرندس (1) وفي نوادر أبي زيد: يبينهم ذو اللب حين يراهم * بسيماهم بيضا لحاهم وأصلعا (2) ومن كلامهم: " قد بين الصبح لذي عينين ". اللغة: العضل: التضييق بالمنع من التزويج. وأصله الامتناع. يقال: عضلت الدجاجة ببيضتها، إذا عسرت عليها. وعضل الفضاء بالجيش الكثير، إذا لم يمكن سلوكه لضيقه. ومنه الداء العضال الذي لا يبرأ، والفاحشة: مصدر كالعاقبة والعافية. قال أبو عبيدة: الفاحشة: الشنار. والفحش: القبيح. والمعاشرة: المصاحبة، وهو من العشرة. الإعراب: (أن ترثوا النساء) في موضمع رفع، بأنه فاعل (يحل). و (كرها) مصدر وضع موضع الحال من النساء. والعامل في الحال (ترثوا). (ولا تعضلوهن) يجوز أن يكون أيضا نصبا، بكونه معطوفا على (ترثوا). وتقديره: لا يحل لكم أن ترثوا، ولا أن تعضلوا. ويجوز أن يكون مجزوما على النهي. النزول: قيل إن أبا قيس بن الأسلت، لما مات عن زوجته كبيشة بنت معن، ألقى ابنه محصن بن أبي قيس ثوبه عليها، فورث نكاحها، ثم تركها ولم يقربها، ولم ينفق عليها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح ! فنزلت الآية، عن مقاتل، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وقيل: كان أهل الجاهلية إذا مات الرجل، جاء ابنه من غيرها، أو وليه، فورث امرأته، كما يرث ماله، وألقى عليها ثوبا، فإن شاء تزوجها بالصداق الاول، وإن شاء زوجها غيره، وأخذ صداقها، فنهوا عن ذلك، عن الحسن، ومجاهد، وروى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر عليه السلام. وقيل: نزلت في الرجل تكون تحته امرأة، يكره


(1) سلاه عن همه ومنه: كشفه وأزاله عنه. أعطى البعير: انقاد. وناج: فاعل من نجا: أسرف وسبق. وصهب صهبة الشعر: كان فيه حمرة أو شقرة. وتعيست الإبل صار لونها بياضا في سواد. ومغتال أحبله: أي مفسدها. وأحبل: جمع حبل. والمطي،: جمع مطية. والعرندس من الإبل: الشديدة. وورد البيت في اللسان (عردس). وجعله سيبويه للمرار الاسدي. (2) وفي بعض النسخ " حتى يراهم ". و " أضلعا " بالضاد المعجمة. (*)

[ 47 ]

صحبتها، ولها عليه مهر، فيطول عليها، ويضارها لتفتدي بالمهر، فنهوا عن ذلك، عن ابن عباس. وقيل: نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده، لا حاجة له إليها، وينتظر موتها حتى يرثها، عن الزهري، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام أيضا. المعنى: لما نهى الله فيما تقدم عن عادات أهل الجاهلية، في أمر اليتامى والأموال، عقبه بالنهي عن الإستنان بسنتهم في النساء فقال: (يا أيها الذين آمنوا): أي يا أيها المؤمنون (لا يحل لكم): أي لا يسعكم في دينكم (أن ترثوا النساء): أي نكاح النساء (كرها): أي على كره منهن. وقيل: ليس لكم أن تحبسوهن على كره منهن، طمعا في ميراثهن. وقيل: ليس لكم أن تسيئوا صحبتهن ليفتدين بمالهن أو بما سقتم إليهن من مهورهن، أو ليمتن فترثوهن. (ولا تعضلوهن): أي وأن لا تحبسوهن. وقيل: ولا تمنعوهن عن النكاح (لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن). واختلف في المعني بهذا النهي على أربعة أقوال أحدها: إنه الزوج أمره الله بتخلية سبيلها، إذا لم يكن له فيها حاجة، وأن لا يمسكها إضرارا بها، حتى تفتدي ببعض مالها، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وثانيها: إنه الوارث نهي عن منع المرأة من التزويج، كما كان يفعله أهل الجاهلية، على ما بيناه، عن الحسن وثالثها: إنه المطلق: أي لا يمنع المطلقة من التزويج، كما كانت تفعله قريش في الجاهلية، ينكح الرجل منه المرأة الشريفة، فإذا لم توافقه فارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد عليها بذلك، ويكتب كتابا، فإذا خطبها خاطب، فإن أرضته أذن لها، وإن لم تعطه شيئا عضلها، فنهى الله عن ذلك، عن ابن زيد ورابعها: إنه الولي: خوطب بأن لا يمنعها عن النكاح، عن مجاهد والقول الاول أصح (1). (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة): أي ظاهرة. وقيل فيه قولان أحدهما: إنه يعني إلا أن يزنين، عن الحسن، وأبي قلابة، والسدي. وقالوا: إذا اطلع منها على زنية فله أخذ الفدية. والآخر: إن الفاحشة النشوز، عن ابن عباس. والأولى حمل الاية على كل معصية، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، واختاره الطبري. واختلف في هذا الاستثناء، وهو قوله (إلا أن يأتين) من ماذا هو ؟ فقيل: هو من أخذ المال، وهو قول أهل التفسير. وقيل: كان هذا قبل الحدود، وكان الأخذ منهن على وجه


(1) [ وأظهر ]. (*)

[ 48 ]

العقوبة لهن، ثم نسخ، عن الاصم. وقيل: هو من الحبس والامساك على ما تقدم في قوله (فأمسكوهن في البيوت) عن أبي علي الجبائي، وأبي مسلم إلا أن أبا علي قال: إنها منسوخة، وأبى أبو مسلم النسخ. (وعاشروهن بالمعروف): أي خالطوهن: من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به، من أداء حقوقهن التي هي النصفة في القسم، والنفقة، والإجمال في القول والفعل. وقيل: المعروف أن لا يضر بها، ولا يسئ القول فيها، ويكون منبسط الوجه معها. وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له. (فإن كرهتموهن) أي كرهتم صحبتهن وإمساكهن (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه): أي في ذلك الشئ، وهو إمساكهن على كره منكم (خيرا كثيرا) من ولد يرزقكم، أو عطف لكم عليهن بعد الكراهة، وبه قال ابن عباس، ومجاهد. فعلى هذا يكون المعنى: إن كرهتموهن، فلا تعجلوا طلاقهن، لعل الله يجعل فيهن خيرا كثيرا. وفي هذا حث للأزواج على حسن الصبر فيما يكرهون من الأزواج، وترغيبهم في إمساكهن، مع كراهة صحبتهن، إذا لم يخافوا في ذلك من ضرر على النفس، أو الدين، أو المال. ويحتمل أن يكون الهاء عائدا إلى الذي تكرهونه: أي عسى أن يجعل الله فيما تكرهونه خيرا كثيرا، والمعنى مثل الأول. وقيل المعنى: ويجعل الله في فراقكم لهن خيرا، عن الاصم، قال: ونظيره (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) قال القاضي: وهذا بعيد، لان الله تعالى حث على الاستمرار على الصحبة، فكيف يحث على المفارقة. (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتنا وإثما مبينا [ 20 ] وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثقا غليظا [ 21 ] اللغة: القنطار: مأخوذ من القنطرة، ومنه القنطر للداهية، لأنها كالقنطرة في عظم الصورة، ويقال: قنطر في الامر، يقنطر، إذا عظمه بتكثير الكلام فيه، من غير حاجة إليه. والبهتان: الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة له، وأصله

[ 49 ]

التحير من قوله (فبهت الذي كفر) أي تحير لانقطاع حجته. فالبهتان: كذب يحير صاحبه لعظمه. والافضاء إلى شئ هو الوصول إليه بالملامسة، وأصله من الفضاء وهو السعة، فضا يفضو فضوا: إذا اتسع. الإعراب: (بهتانا) مصدر وضع موضع الحال، وكذلك قوله (وإثما) والمعنى أتأخذونه مباهتين وآثمين. المعنى: لما حث الله على حسن مصاحبة النساء عند الامساك، عقبه ببيان حال الاستبدال، فقال مخاطبا للازواج: (وإن أردتم) أيها الازواج (استبدال زوج مكان زوج): أي إقامة امرأة مقام امرأة (وآتيتم إحداهن): أي أعطيتم المطلقة التي تستبدلون بها غيرها (قنطارا): أي مالا كثيرا على ما قيل فيه من أنه مل ء مسك ثور ذهبا، أو أنه دية الانسان، أو غير ذلك من الاقوال التي ذكرناها في أول آل عمران، (فلا تأخذوا منه): أي من المؤتى: أي المعطى (شيئا): أي لا ترجعوا فيما أعطيتموهن من المهر، إذا كرهتموهن، وأردتم طلاقهن. (أتأخذونه بهتانا): هذا استفهام إنكاري: أي تأخذونه باطلا وظلما، كالظلم بالبهتان. وقيل معناه: أتأخذونه بإنكار التمليك، وسماه بهتانا، لان الزوج إذا أنكر تمليكه إياها بغير حق، استوجب المعطى لها في ظاهر الحكم، كان إنكاره بهتانا وكذبا، (وإثما مبينا): أي ظاهرا لا شك فيه. ومتى قيل في الآية: لم خص حال الاستبدال بالنهي عن الأخذ، مع أن الاخذ محرم، مع عدم الاستبدال ؟ فجوابه: إن مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع من حيث إن الثانية تقوم مقام الاولى، فيكون لها ما أخذت الاولى، فبين تعالى أن ذلك لا يجوز، وأزال هذا الاشكال. والمعنى: إن أردتم تخلية المرأة سواء استبدلتم مكانها أخرى، أم لم تستبدلوا، فلا تأخذوا مما آتيتموها شيئا. (وكيف تأخذونه): وهذا تعجيب من الله تعالى وتعظيم: أي عجبا من فعلكم، كيف تأخذون ذلك منهن، (وقد أفضى بعضكم إلى بعض): وهو كناية عن الجماع، عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي. وقيل: المراد به الخلوة الصحيحة، وإن لم يجامع، فسمى الخلوة إفضاء لوصوله بها إلى مكان الوطء، وكلا القولين قد رواه أصحابنا وفي تفسير الكلبي عن ابن عباس: إن الافضاء حصوله معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، فقد وجب المهر في الحالين.

[ 50 ]

(وأخذن منكم ميثاقا غليظا) قيل فيه أقوال أحدها: إن الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد، من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، عن الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وثانيها: إن المراد به كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج، عن مجاهد، وابن زيد. وثالثها: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، عن عكرمة، والشعبي، والربيع. وقد قيل في هاتين الايتين ثلاثة أقوال أحدها: إنهما محكمتان غير منسوختين، لكن للزوج أن ياخذ الفدية من المختلعة، لان النشوز حصل من جهتها، فالزوج يكون في حكم المكره لا المختار، للاستبدال، ولا يتنافى حكم الايتين، وحكم آية الخلع، فلا يحتاج إلى نسخهما بها، وهو قول الاكثرين، وثانيها: إنهما محكمتان، وليس للزوج أن يأخذ من المختلعة شيئا، ولا من غيرها، لاجل ظاهر الاية، عن بكير بن بكر بن عبد الله المزني. والثالث: إن حكمهما منسوخ بقوله (فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به)، عن الحسن. (ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فحشة ومقتا وساء سبيلا [ 22 ] اللغة: النكاح: اسم يقع على العقد، ومنه (وانكحوا الأيامى منكم)، ويقع على الوطء، ومنه (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة): أي لا يطأ بالحرام إلا من يطاوعه، ومنه: " ملعون من نكح يده، وملعون من نكح بهيمة " قال الشاعر: كبكر تشهى لذيذ النكاح * وتفزع من صولة الناكح وأصله الجمع، ومنه " أنكحنا الفرا فسنرى " (1). والمقت: بغض من أمر قبيح يرتكبه صاحبه، يقال: مقت الرجل إلى الناس، مقاتة، ومقته الناس، يمقته مقتا، فهو مقيت، وممقوت. ويقال إن ولد الرجل من امرأة أبيه كان يسمى المقتي، ومنهم أشعث بن قيس، وأبو معيط جد الوليد بن عقبة. الإعراب: (إلا ما قد سلف): استثناء منقطع، لانه لا يجوز استثناء الماضي


(1) مثل يضرب في التحذير من سوء العاقبة. والفرا: حمار الوحش. (*)

[ 51 ]

من المستقبل، ونظيره: لا تبع من مالي إلا ما بعت، ولا تأكل إلا ما أكلت، ومنه (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى) المعنى لكن ما قد سلف فلا جناج عليكم فيه. وقال المبرد: جاز أن يكون (كان) زائدة في قوله (إنه كان فاحشة) فالمعنى: إنه فاحشة، وأنشد في ذلك قول الشاعر: فكيف إذا حللت بدار قوم * وجيران لنا كانوا كرام (1) قال الزجاج: هذا غلط منه، لانه لو (كان) زائدة، لم يكن ينصب خبرها، والدليل عليه البيت الذي أنشده وجيران لنا كانوا كرام، ولم يقل كراما. قال علي بن عيسى: إنما دخلت (كان) ليدل على أن ذلك قبل تلك الحال فاحشة أيضا، كما دخلت في قوله (وكان الله غفورا رحيما). وقوله (وساء سبيلا): أي بئس طريقا ذلك الطريق، ف‍ (سبيلا) منصوب على التمييز، وفاعل (ساء) مضمر، يفسره الظاهر، والمخصوص بالذم محذوف. النزول: قيل: نزلت فيما كان يفعله أهل الجاهلية من نكاح امرأة الاب، عن ابن عباس، وقتادة، وعكرمة، وعطاء. وقالوا: تزوج صفوان بن أمية امرأة أبيه فاختة بنت الاسود بن المطلب، وتزوج حصين بن أبي قيس امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وتزوج منظور بن ريان بن المطلب امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، قال أشعث بن سوار: توفي أبو قيس، وكان من صالحي الانصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إرجعي إلى بيتك " فأنزل الله هذه الاية. المعنى: لما تقدم ذكر شرائط النكاح، عقبه تعالى بذكر من تحل له من النساء، ومن لا تحل، فقال: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء): أي لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم. وقيل: ما وطأ آباوكم من النساء حرم عليكم ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الاب، عن ابن عباس، وقتادة، وعطاء، وعكرمة.


(1) من قصيدة للفرزدق يمدح بها هشام بن عبد الملك ويهجو جريرا وأولها: ألستم عائجين بنا لعلنا * نرى العرصات أو أثر الخيام ويقول: فكيف إذا مررت بدار قوم * وجيران، لنا كانوا، كرام (الخزانة: 4 / 39). والبيت في شواهد سيبوبه. (*)

[ 52 ]

وقيل: إن تقديره لا تنكحوا نكاح آبائكم: أي مثل نكاح آبائكم، فيكون (ما نكح) بمنزلة المصدر، وتكون (ما) حرفا موصولا. فعلى هذا يكون النهي عن حلائل الآباء، وكل نكاح كان لهم فاسد، وهو اختيار الطبري. وفي الوجه الاول يكون (ما) اسما موصولا، يحتاج إلى عائد من صلته إليه. قال الطبري: إن الوجه الثاني أجود، لانه لو أراد حلائل الآباء لقال لا تنكحوا من نكح آباؤكم. وقد أجيب عن ذلك بأنه يجوز أن يكون ذهب به مذهب الجنس، كما يقول القائل: لا تأخذ ما أخذ أبوك من الإماء، فيذهب به مذهب الجنس، ثم يفسره بمن (إلا ما قد سلف) فإنكم لا تؤاخذون به. وقيل: معناه إلا ما قد سلف، فدعوه، فهو جائز لكم. قال البلخي: وهذا خلاف الاجماع، وما علم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: معناه لكن ما سلف فاجتنبوه ودعوه، عن قطرب. وقيل: إنما استثنى ما قد مضى، ليعلم أنه لم يكن مباحا لهم. (إنه كان فاحشة): أي زنا (ومقتا): أي بغضا، يعني يورث بغض الله، ويجوز أن يكون الهاء في إنه عائدا إلى النكاح بعد النهي، فيكون معناه: إن نكاح امرأة الاب فاحشة: أي معصية محرمة قبيحة، ويجوز أن يكون عائدا إلى النكاح الذي كان عليه أهل الجاهلية: أي أنه كان فاحشة قبل هذا، ولا يكون كذلك إلا وقد قامت عليكم الحجة بتحريمه من قبل الرسل. والاول أقوى، وهذا اختيار الجبائي، قال: وتكون السلامة مما قد سلف في الإقلاع منه بالتوبة والابانة. قال البلخي: وليس كل نكاح حرمه الله يكون زنا، لأن الزنا فعل مخصوص، لا يجري على طريقة لازمة، ولا سنة جارية، ولذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية أولاد زنا، ولا لأولاد أهل الذمة والمعاهدين أولاد زنا، إذ كان ذلك عقدا بينهم يتعارفونه. وقوله (وساء سبيلا): أي بئس الطريق ذلك النكاح الفاسد. وفي هذه الآية دلالة على أن كل من عقد عليها الاب من النساء تحرم على الابن، دخل بها الاب، أو لم يدخل. وهذا اجماع، فإن دخل بها الاب على وجه السفاح فهل تحرم على الابن ؟ ففيه خلاف، وعموم الآية يقتضي أنه يحرم عليه، لان النكاح قد يعبر به عن الوطء، وهو الاصل فيه، كما يعبر به عن العقد، فينبغي أن تحمل اللفظ في الاية على الامرين، وامرأة الاب وإن علا، تحرم على الابن، وإن سفل، بلا خلاف. (حرمت عليكم أمهتكم وبناتكم وأخواتكم وعمتكم

[ 53 ]

وخلتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضعة وأمهات نسائكم وربئبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما [ 23 ] اللغة: الربائب: جمع ربيبة، وهي بنت زوجة الرجل من غيره، سميت بذلك لتربيته إياها، فهي في معنى مربوبة، نحو قتيلة، في موضع مقتولة. ويجوز أن تسمى ربيبة، سواء تولى تربيتها، أو لم يتول، وسواء كانت في حجره، أو لم تكن، لانه إذا تزوج بأمها فهو رابها، وهي ربيبته. والعرب تسمي الفاعلين والمفعولين بما يقع بهم، ويوقعونه. يقولون: هذا مقتول، وإن لم يقتل بعد، وهذا ذبيح، وإن لم يذبح بعد، إذا كان يراد ذبحه وقتله، وكذلك يقولون: هذا أضحية لما أعد للتضحية، وهذه قتوبة وحلوبة: أي هي مما تقتب وتحلب (1)، وقد يقال لزوج المرأة ربيب ابن امرأته، بمعنى أنه رابه، كما يقال شهيد وخبير، بمعنى شاهد وخابر. والحلائل: جمع الحليلة، وهي بمعنى المحللة، مشتقة من الحلال، والذكر: حليل، وجمعه أحلة، كعزيز وأعزة، سميا بذلك لأن كل واحد منهما، يحل له مباشرة صاحبه. وقيل: هو من الحلول، لان كل واحد منهما يحال صاحبه: أي يحل معه في الفراش. المعنى: ثم بين المحرمات من النساء فقال: (حرمت عليكم أمهاتكم) لا بد فيه من محذوف، لان التحريم لا يتعلق بالأعيان، وإنما يتعلق بأفعال المكلف، ثم يختلف باختلاف ما أضيف إليه، فإذا أضيف إلى مأكول نحو قوله (حرمت عليكم الميتة والدم) فالمراد الأكل، وإذا أضيف إلى النساء، فالمراد العقد، فالتقدير حرم عليكم نكاح أمهاتكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، لدلالة مفهوم


(1) القتوبة: الإبل التي تجعل عليها القتب: أي الرحل. (*)

[ 54 ]

الكلام عليه، وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك، أو من جهة أمك بإناث رجعت إليها أو بذكور، فهي أمك. (وبناتكم): أي ونكاح بناتكم، وكل امرأة رجع نسبها إليك بالولادة، بدرجة أو درجات، بإناث رجع نسبها إليك أو بذكور، في بنتك. (وأخواتكم): هي جمع الاخت، وكل أنثى ولدها شخص ولدك في الدرجة الاولى، فهي أختك. (وعماتكم): هي جمع العمة، وكل ذكر رجع نسبك إليه، فأخته عمتك، وقد تكون العمة من جهة الام مثل أخت أبي أمك، وأخت جد أمك، فصاعدا (وخالاتكم): وهي جمع الخالة، وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة، فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الاب، مثل أخت أم أبيك، أو أخت جدة أبيك، فصاعدا، وإذا خاطب تعالى المكلفين بلفظ الجمع كقوله: (حرمت عليكم)، ثم أضاف المحرمات بعده إليهم بلفظ الجمع، فالآحاد تقع بإزاء الآحاد، فكأنه قال: حرم على كل واحد منكم نكاح أمه، ومن يقع عليها اسم الام، ونكاج بنته، ومن يقع عليها اسم البنت، وكذلك الجميع. (وبنات الاخ وبنات الاخت): فهذا أيضا على ما ذكرناه جمع بإزاء جمع، فيقع الآحاد بإزاء الآحاد، والتحديد في هؤلاء، كالتحديد في بنات الصلب، وهؤلاء السبع هن المحرمات بالنسب، وقد صح عن ابن عباس أنه قال: " حرم الله من النساء سبعا " (1) بالسبب، وتلا الآية. ثم قال: والسابعة (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء). ثم ذكر سبحانه المحرمات بالسبب، فقال: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم): سماهن أمهات، للحرمة، وكل أنثى انتسبت إليها باللبن فهي أمك، فالتي أرضعتك، أو أرضعت امرأة أرضعتك، أو رجلا أرضعت بلبانه من زوجته، أو أم ولد له، فهي أمك من الرضاعة. وكذلك كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك، أو رجلا أرضعك، فهي أمك من الرضاعة. (وأخواتكم من الرضاعة): يعني بنات المرضعة، وهن ثلاث: الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك، أو مع ولدها قبلك، أو بعدك. والثانية: أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضعتها أمك بلبان غير


(1) [ بالنسب وسبعا ]. (*)

[ 55 ]

أبيك. والثالثة: أختك لابيك دون أمك، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، وأم الرضاعة، وأخت الرضاعة، لولا الرضاعة لم تحرما، فإن الرضاعة سبب تحريمهما، وكل من تحرم بالنسب من اللاتي مضى ذكرهن، تحرم أمثالهن بالرضاع، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب " فثبت بهذا الخبر أن السبع من المحرمات بالنسب على التفصيل الذي ذكره، محرمات بالرضاع. والكلام في الرضاع يشتمل على ثلاثة فصول أحدها: مدة الرضاع، وقد اختلف فيها، فقال أكثر أهل العلم: لا يحرم إلا ما كان في مدة الحولين، وهو مذهب أصحابنا، وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: مدة الرضاع حولان ونصف، وقال مالك: حولان وشهر. وأتفقوا على أن رضاع الكبير لا يحرم وثانيها: قدر الرضاع: وقد اختلف فيه أيضا، فقال أبو حنيفة: إن قليله وكثيره يحرم، وروى ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وهو مذهب مالك، والاوزاعي، وقال الشافعي: إنما يحرم خمس رضعات، وبه قالت عائشة، وسعيد بن جبير. وقال أصحابنا: لا يحرم إلا ما أنبت اللحم، وشد العظم، وإنما يعتبر ذلك برضاع يوم وليلة، لا يفصل بينه برضاع امرأة أخرى، أو بخمس عشرة رضعة متواليات، لا يفصل بينها برضاع امرأة أخرى. وقال بعض أصحابنا: المحرم عشر رضعات متواليات. وثالثها: كيفية الرضاع فعند أصحابنا لا يحرم إلا ما وصل إلى الجوف من الثدي في المجرى المعتاد الذي هو الفم، فأما ما يوجر، أو يسعط، أو يحقن به، فلا يحرم بحال، ولبن الميتة لا حرمة له في التحريم، وفي جميع ذلك خلاف. وقوله (وأمهات نسائكم): أي حرم عليكم نكاحهن، وهذا يتضمن تحريم نكاح أمهات الزوجات، وجداتهن، قربن أو بعدن، من أي وجه كن، سواء كن من النسب، أو من الرضاع، وهن يحرمن بنفس العقد على البنت، سواء دخل بالبنت، أو لم يدخل، لان الله تعالى أطلق التحريم، ولم يقيده بالدخول.: (وربائبكم): يعني بنات نسائكم من غيركم، (اللاتي في حجوركم)، وهو جمع حجر الانسان: والمعنى في ضمانكم وتربيتكم، ويقال: فلان في حجر فلان: أي في تربيته، ولا خلاف بين العلماء أن كونهن في حجره ليس بشرط في التحريم، وإنما ذكر ذلك، لان الغالب أنها تكون كذلك، وهذا يقتضي تحريم بنت المرأة من غير زوجها على

[ 56 ]

زوجها، وتحريم بنت ابنها وبنت بنتها، قربت أم بعدت، لوقوع اسم الربيبة عليهن. (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن): وهذه نعت لامهات الربائب لا غير، لحصول الاجماع على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها. قال المبرد: واللاتي دخلتم بهن: نعت للنساء اللواتي هن أمهات الربائب لا غير، والدليل على ذلك إجماع الناس على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها، ومن أجاز أن يكون قوله (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) هو لامهات نسائكم، فيكون المعنى: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، ويخرج أن يكون اللاتي دخلتم بهن لامهات الربائب. قال الزجاج: والدليل على صحة ذلك، أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا، لا يجيز النحويون مررت بنسائك، وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون الظريفات نعتا لهؤلاء النساء، وهؤلاء النساء. وروى العياشي في تفسيره بإسناده عن إسحاق بن عمار، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام قال: إن عليا كان يقول: " الربائب عليكم حرام من الامهات اللاتي قد دخلتم بهن كن في الحجور أو في غير الحجور " والامهات مبهمات، دخل بالبنات أو لم يدخل بهن، فحرموا ما حرم الله، وأبهموا ما أبهم الله واختلف في معنى الدخول على قولين أحدهما: إن المراد به الجماع، عن ابن عباس. والآخر: إنه الجماع وما يجري مجراه من المسيس، والتجريد، عن عطاء، وهو مذهبنا، وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. (فإن لم تكونوا دخلتم بهن): يعني بأم الربيبة (فلا جناح عليكم): أي لا إثم عليكم في نكاح بناتهن، إذا طلقتموهن، أو متن. (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم): أي وحرم عليكم نكاح أزواج أبنائكم، ثم أزال الشبهة في أمر زوجة المتبنى به، فقال: (الذين من أصلابكم) لئلا يظن أن زوجة المتبنى به، تحرم على المتبني. وروي عن عطاء أن هذه نزلت حين نكح النبي امرأة زيد بن حارثة، فقال المشركون في ذلك فنزل (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم). وقوله (وما جعل أدعياءكم أبنائكم)، و (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم). وأما حلائل الابناء من الرضاعة فمحرمات أيضا، بقوله: " إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب ". (وان تجمعوا بين الاختين): أي وحرم عليكم الجمع بين الاختين لان (أن) مع صلتها، في حكم المصدر، وهذا يقتضي تحريم الجمع بين الاختين في

[ 57 ]

العقد على الحرائر، وتحريم الجمع بينهما في الوطء. بملك اليمين، فإذا وطئ إحداهما، فقد حرمت عليه الاخرى حتى تخرج تلك من ملكه، وهو قول الحسن، وأكثر المفسرين والفقهاء. (إلا ما قد سلف): استثناء منقطع، ومعناه لكن ما قد سلف لا يؤاخذكم الله به، وليس المراد به أن ما قد سلف حال النهي، يجوز استدامته بلا خلاف. وقيل: معناه إلا ما كان من يعقوب إذ جمع بين الاختين ليا أم يهوذا، وراحيل أم يوسف، عن عطاء، والسدي. (إن الله كان غفورا رحيما) لا يؤاخذكم الله بحكم ما قد سلف من هذه الانكحة قبل نزول التحريم، وكل ما حرم الله في هذه الاية، فإنما هو على وجه التأبيد، سواء كن مجتمعات، أو متفرقات، إلا الاختين، فإنهما يحرمان على وجه الجمع دون الانفراد. ويمكن أن يستدل بهذه الاية على أن هؤلاء المحرمات من ذوات الانساب، لا يصح أن تملك واحدة منهن، لان التحريم عام، والمحرمات بالنسب أو السبب، على وجه التأبيد، يسمون مبهمات، لانهن يحرمن من جميع الجهات، وهي مأخوذة من البهيم الذي لا يخالط معظم لونه لون آخر، يقال: فرس بهيم لا شية له. (إن الله كان غفورا) يغفر الذنوب (رحيما) يرحم العباد المؤمنين. (والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم كتب الله 2 عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسفحين فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما [ 24 ] القراءة: قرأ الكسائي وحده والمحصنات، و (محصنات) في سائر القرآن بكسر الصاد إلا قوله (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) فإنه فتح الصاد فيه. وقرأ الباقون بفتح الصاد في كل القرآن. وقرأ أهل الكوفة، إلا أبا بكر، وأبا جعفر (وأحل لكم) بالضم وكسر الحاء. وقرأ الباقون بفتح الهمزة والحاء. الحجة: وقع الاتفاق على فتح العين من قوله (والمحصنات) في هذه الاية ومعناها: النساء اللاتى أحصن بالازواج. والاحصان يقع على الحرة، يدل عليه قوله

[ 58 ]

(الذين يرمون المحصنات) الاية: يعني الحرائر، لان من قذف غير حرة، لم يجلد ثمانين، ويقع أيضا على العفة يدل عليه قوله: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها)، وقد فسر قوله (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات بالعفائف) ويقع على التزويج كما في الاية، ويقع على الاسلام كما فسر من قرأ: فإذا أحصن بفتح الهمزة بأسلمن، وأصل الجميع المنع، لان الحرية تمنع عن امتهان الرق، والعفة: حظر النفس عما حظره الشرع، والتزوج في المرأة يحظر خطبتها التي كانت مباحة قبل، ويمنع تصديها للتزويج، والاسلام يحظر الدم والمال اللذين كانا مباحين قبل الاسلام. ومن قرأ (وأحل لكم ما وراء ذلكم) قال: بناء الفعل للفاعل أشبه بما قبله، لان معنى (كتاب الله عليكم) كتب الله عليكم كتابا، والله أحل لكم. ومن قرأ: (وأحل لكم) قال: إنه في المعنى يؤول إلى الاول، وفيه مراعاة ما قبله وهو قوله (حرمت عليكم). اللغة: قال الازهري: يقال للرجل إذا تزوج: أحصن، فهو محصن، كقولهم ألفج فهو ملفج (1)، وأسهب فهو مسهب، إذا أكثر الكلام. وكلام العرب كله على أفعل فهو مفعل. وقال سيبويه: حصنت المرأة حصنا. فهي حصان، مثل جبن جبنا فهو جبان. وقد قالوا: حصناء كما قالوا علماء. والحصان: الفحل من الافراس. وأحصن الرجل امرأته، وأحصنت المرأة فرجها من الفجور. والمسافحة والسفاح: الزنا، أصله من السفح، لانه يصب الماء باطلا، وسفح الجبل: أسفله، لانه يصب الماء منه. وقال الزجاج: المسافحة والسفاح: الزانيان لا يمتنعان من أحد، فإذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن. الإعراب: (كتاب الله) نصب على المصدر، من فعل محذوف، وأصله كتب الله كتابا عليكم، ثم أضمر الفعل لدلالة ما تقدم من الكلام عليه، وهو قوله (حرمت عليكم)، فإنه يدل على أن ما هو مذكور مكتوب عليهم، فبقي كتاب الله عليكم، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل، كما أضيف إلى المفعول في قولهم: ضرب زيد، ومثل ذلك قوله (صنع الله الذي) وعلى ذلك قول الشاعر (2).


(1) قالوا: هذا أحد ما جاء على أفعل فهو مفعل، كملفج، من قولهم ألفج: بمعى أفلس. وقياسه ملفج بكسر الفاء. (2) حال كونه يصف رجلا بالضمر. والشاهد من الرجز، من شواهد سيبويه، وقد نسبه إلى أبي كبير الهذلي. (*)

[ 59 ]

ما إن يمس الارض إلا جانب منه * وحرف الساق طي المحمل (1) لان ما في البيت يدل على أنه طيان.، فكان لا تقديره طوى طي المحمل. وقال الزجاج: يجوز أن يكون منصوبا على جهة الامر، ويكون المعنى: إلزموا كتاب الله، ولا يجوز أن يكون منصوبا بعليكم، لان عليكم لا يجوز تقديم منصوبه، وقوله (ما وراء ذلكم) ما: اسم موصول في موضع نصب بأنه مفعول على قراءة من قرأ (وأحل لكم) بفتح الهمزة، ومن قرأ (وأحل) بالضم، فمحله رفع، ويجوز أن يكون محل (أن تبتغوا) نصبا على البدل من ما، إن كان منصوب الموضع، أو رفعا إن كان محله رفعا، ويجوز أن يكون على حذف اللام من (لان تبتغوا) على ما مر أمثاله، فيما مضى، فيكون مفعولا له. (محصنين) نصب على الحال، وذو الحال الواو من تبتغوا. (غير مسافحين): صفة لمحصنين. و (فريضة): نصب على المصدر، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال: أي مفروضة. المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم ذكرهن من المحرمات فقال: (والمحصنات): أي وحرمت عليكم اللاتي أحصن (من النساء)، واختلف في معناه على أقوال أحدها: إن المراد به ذوات الازواج (إلا ما ملكت أيمانكم) من سبي من كان له زوج، عن علي عليه السلام، وابن مسعود، وابن عباس، ومكحول، والزهري. واستدل بعضهم على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري أن الاية نزلت في سبي أوطاس، وأن المسلمين أصابوا نساء المشركين، وكان لهن أزواج في دار الحرب، فلما نزلت، نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة، ومن خالف فيه، ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الاوثان، ولم يدخلوا في الاسلام، ولا يحل نكاح الوثنية، وأجيب عن ذلك بأن الخبر محمول على ما بعد الاسلام. وثانيها: إن المراد به ذوات الازواج إلى ما ملكت أيمانكم ممن كان لها زوج، لان بيعها طلاقها، عن أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس، وابن المسيب، والحسن. وقال ابن عباس: " طلاق الامة يثبت بستة أشياء: سبيها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاق زوجها " وهو الظاهر من روايات أصحابنا. وقال عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف:


(1) حرف كل شئ: حده وطرفه. الطيان: الضامر، وأصله من طوى بمعنى الجوع. المحمل واحد الحمائل: علاقة السيف. (*)

[ 60 ]

" ليس بيع الامة طلاقها، بل طلاقها كطلاق الحرة، وإنما هو في السبي خاصة، لان النبي خير بريرة بعد ما أعتقتها عائشة، ولو بانت بالعتق لم يصح تخييرها " وقال الاولون: إن زوج بريرة كان عبدا، ولو كان حرا لم يخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وثالثها: إن المراد بالمحصنات: العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح، أو بالثمن، ملك استمتاع بالمهر والنفقة، أو ملك استخدام بالثمن، عن أبي العالية، وسعيد بن جبير، وعطاء، والسدي. (كتاب الله عليكم): يعني كتب الله تحريم ما حرم، وتحليل ما حلل عليكم، كتابا، فلا تخالفوه وتمسكوا به. وقوله (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم): قيل في معناه أربعة أقوال أحدها: أحل لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم، عن عطاء وثانيها: إن معناه: أحل لكم ما دون الخمس وهي الاربع فما دونها، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح، عن السدي وثالثها: ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، عن قتادة ورابعها: أحل لكم ما وراء ذات المحارم، والزيادة على الاربع، أن تبتغوا بأموالكم نكاحا. أو ملك يمين، وهذا الوجه أحسن الوجوه، ولا تنافي بين هذه الاقوال ومعنى (أن تبتغوا): أن تطلبوا، أو تلتمسوا بأموالكم، إما شراء بثمن، أو نكاحا بصداق، عن ابن عباس. (محصنين غير مسافحين): أي متزوجين غير زانين، وقيل: معناه أعفة غير زناة. وقوله (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) قيل: المراد بالاستمتاع هنا درك البغية، والمباشرة، وقضاء الوطر من اللذة، عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، والسدي، فمعناه على هذا: فما استمتعتم أو تلذذتم من النساء بالنكاح، فآتوهن مهورهن. وقيل المراد به: نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم، عن ابن عباس، والسدي، وابن سعيد، وجماعة من التابعين، وهو مذهب أصحابنا الامامية، وهو الواضح، لان لفظ الاستمتاع والتمتع، وإن كان في الاصل واقعا على الانتفاع والالتذاذ، فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعين، لا سيما إذا أضيف إلى النساء. فعلى هذا يكون معناه: فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمى متعة، فآتوهن أجورهن، ويدل على ذلك أن الله علق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع، وذلك يقتضي أن يكون معناه هذا العقد المخصوص دون الجماع والاستلذاذ، لان المهر لا يجب إلا به.

[ 61 ]

هذا وقد روي عن جماعة من الصحابة، منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، أنهم قرأوا (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) وفي ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة. وقد أورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عباس مصحفا، فقال هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى). وبإسناده عن أبي نضرة قال: (سألت ابن عباس عن المتعة، فقال: أما تقرأ سورة النساء ؟ فقلت: بلى. فقال: فما تقرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) قلت لا أقرؤها هكذا. قال ابن عباس: والله هكذا أنزلها الله تعالى - ثلاث مرات ". وبإسناده، عن سعيد بن جبير أنه قرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى). وبإسناده عن شعبة عن الحكم بن عتيبة، قال: " سألته عن هذه الآية (فما استمتعتم به منهن) أمنسوخة هي ؟ قال الحكم: قال علي بن أبي طالب: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي ". وبإسناده عن عمران بن الحصين قال: " نزلت آية المتعة في كتاب الله، ولم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله، وتمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ومات ولم ينهنا عنها. فقال بعد رجل برأيه ما شاء ". ومما أورده مسلم بن حجاج في الصحيح قال: " حدثنا الحسن الحلواني قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: قدم جابر بن عبد الله معتمرا، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله، وأبي بكر، وعمر ". ومما يدل أيضا على أن لفظ الاستمتاع في الاية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع والجماع، أنه لو كان كذلك، لوجب أن لا يلزم شئ من المهر، من لا ينتفع من المرأة بشئ، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول، لزمه نصف المهر، ولو كان المراد به النكاح الدائم، لوجب للمرأة بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد، لانه قال (فآتوهن أجورهن): أي مهورهن. ولا خلاف في أن ذلك غير واجب، وإنما تجب الاجرة بكماله بنفس العقد في نكاح المتعة. ومما يمكن التعلق به في هذه المسألة الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب أنه قال: " متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالا، وأنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما ". فأخبر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله، أضاف النهي عنها إلى نفسه،

[ 62 ]

لضرب من الرأي، فلو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسخها، أو نهى عنها، أو أباحها في وقت مخصوص دون غيره، لأضاف التحريم إليه دون نفسه، وأيضا فإنه قرن بين متعة الحج ومتعة النساء في النهي. ولا خلاف أن متعة الحج غير منسوخة ولا محرمة، فوجب أن يكون حكم متعة النساء حكمها. وقوله (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) من قال إن المراد بالاستمتاع: الانتفاع والجماع، قال: المراد به لا حرج، ولا إثم عليكم، فيما تراضيتم به من زيادة مهر، أو نقصانه، أو حط أو إبراء، أو تأخير، وقال السدي: معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من إستئناف عقد آخر، بعد انقضاء مدة الأجل المضروب في عقد المتعة، يزيدها الرجل في الأجر، وتزيده في المدة، وهذا قول الامامية، وتظاهرت به الروايات عن أئمتهم. (إن الله كان عليما) بما يصلح أمر الخلق، (حكيما) فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي يحفظ الاموال والانساب. (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت والله أعلم بإيمنكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف محصنت غير مسفحت ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم [ 25 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة غير حفص (فإذا أحصن) مفتوحة الهمزة، والباقون (أحصن) بضم الهمزة وكسر الصاد. اللغة: الطول: الغناء، وهو مأخوذ من الطول، خلاف القصر، شبه الغني به، لانه ينال به معالي الامور. والتطول: الإفضال بالمال. والتطاول على الناس: التفضل عليهم، وكذلك الإستطالة. وطال فلان فلانا كذا: إذا فضله في القدرة. يقال طاولته فطلته. ولم يحل منه فلان بطائل: أي بشئ له من أي فضل. وطالت طولك وطيلك: أي طالت مدتك، قال الشاعر:

[ 63 ]

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل (1) * وإن بليت وإن طالت بك الطيل (2) والطول الحبل قال طرفة: لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى * لكالطول المرخى وثنياه باليد (3) والفتى: الشاب. والفتاة: الشابة. والفتاة: الأمة، وإن كانت عجوزا، إلا أنها كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الحرة. والفتوة: حالة الحداثة، ومنه الفتيا: تقول أفتى الفقيه، يفتي، لانه في مسألة حادثة. والخدن: الصديق، وجمعه أخدان، نحو ترب، وأتراب، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع، والخدين، بمعناه. والعنت: الجهد والشدة. وأكمة عنوت: صعبة المرتقى. قال المبرد: العنت: الهلاك. المعنى: ثم بين تعالى نكاح الاماء، فقال (ومن لم يستطع منكم طولا): أي لم يجد منكم غنى، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام (أن ينكح): أي يتزوج (المحصنات المؤمنات): أي الحرائر المؤمنات، يعني لم يقدر على شئ مما يصلح لنكاح الحرائر، من المهر والنفقة (فمن ما ملكت أيمانكم): أي فلينكح مما ملكت أيمانكم (من فتياتكم المؤمنات): أي إمائكم، فإن مهور الإماء أقل، ومؤنتهن أخف في العادة، والمراد به: إماء الغير، لأنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بأمة نفسه بالاجماع. وقيل: إن المعنى من هوى الأمة، فله أن يتزوجها، وإن كان ذا يسار، عن جابر، وعطاء، وإبراهيم، وربيعة. والقول الاول هو الصحيح، وعليه أكثر الفقهاء. وفي الاية دلالة على أنه لا يجوز نكاح الامة الكتابية، لانه قيد جواز العقد عليهن بالايمان بقوله (من فتياتكم المؤمنات) وهذا مذهب مالك، والشافعي. (والله أعلم بإيمانكم): أراد بهذا بيان أنه لم يؤخذ علينا إلا بأن نأخذ بالظاهر في هذا الحكم، إذ لا سبيل لنا إلى الوقوف على حقيقة الايمان، والله هو المنفرد بعلم


(1) الطلل: الطرى من كل شئ. (2) قائل البيت هو القطامي في اللسان (طول). (3) ثنيا الحبل: طرفاه يعني الفتى لا بد له من الموت، وان انسئ في أجله، كما أن الدابة وإن طول له طوله، وأرخي له فيه، حتى يرود في مرتعه، ويجئ ويذهب، فإنه غير منفلت لاحراز طرف الطول إياه. (*)

[ 64 ]

ذلك، ولا يطلع عليه غيره، فإنه العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر (بعضكم من بعض): قيل فيه قولان أحدهما: إن المراد به كلكم ولد آدم، فلا تستنكفوا من نكاح الاماء، فإنهن من جنسكم كالحرائر والآخر: إن معناه كلكم على الايمان، ودينكم واحد، فلا ينبغي أن يعير بعضكم بعضا بالهجنة. نهى الله عن عادة أهل الجاهلية في الطعن، والتعيير بالاماء. (فانكحوهن): يعني الفتيات المؤمنات: أي تزوجوهن (بإذن أهلهن): أي بأمر سادتهن ومواليهن. وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز نكاح الامة بغير إذن مالكها. (وآتوهن أجورهن) أي أعطوا مالكهن مهورهن (بالمعروف): أي بما لا ينكر في الشرع، وهو ما تراضى عليه الاهلون، ووقع عليه العقد. وقيل: معناه من غير مطل وضرار (محصنات): أي عفائف يريد تزوجوهن عفائف (غير مسافحات): أي غير زوان. وقيل: معناه متزوجات غير زانيات، وقد قرئ (محصنات) و (محصنات) بفتح الصاد وكسرها، على ما مر ذكره في الاية الاولى (ولا متخذات أخدان): أي أخلاء في السر، لان الرجل منهم كان يتخذ صديقة، فيزني بها، والمرأة تتخذ صديقا. فتزني به. وروي عن ابن عباس أنه قال: " كان قوم في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي منه، فنهى الله عن الزنا سرا وجهرا ". فعلى هذا يكون المراد بقوله (غير مسافحات ولا متخذات أخدان) غير زانيات لا سرا ولا جهرا. (فإذا أحصن): من قرأ بضم الهمزة معناه: فإذا زوجن فأحصنهن أزواجهن، وهو بمعنى تزوجن، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. ومن قرأ بالفتح فمعناه: أسلمن، عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وإبراهيم، والشعبي، والسدي. وقال الحسن: " يحصنها الزوج ويحصنها الاسلام ". (فإن أتين بفاحشة): أي زنين (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب): أي نصف ما على الحرائر من حد الزنا، وهو خمسون جلدة، نصف حد الحرة، و (ذلك) إشارة إلى نكاح الامة عند عدم الطول (لمن خشي العنت منكم): يعني الزنا، وهو أن يخاف أن تحمله شدة الشبق على الزنا، فيلقى الحد في الدنيا، أو العذاب في الآخرة، وعليه أكثر المفسرين. وقيل: معناه لمن يخاف أن يهواها، فيزني بها. وقيل: معنى العنت: الضرر الشديد في الدين، أو الدنيا،

[ 65 ]

لغلبة الشهوة. والاول أصح (وأن تصبروا خير لكم) معناه: وصبركم عن نكاح الاماء، وعن الزنا، خير لكم. (وأن تصبروا) مبتدأ، و (خير) خبره. (والله غفور) لذنوب عباده (رحيم) بهم. وفائدته أن من لم يصبر عما أمر بالصبر عنه، ثم تاب، غفر الله له، ورحمه. واستدلت الخوارج بهذه الاية على بطلان الرجم، قالوا: إن الرجم لا يمكن تبعيضه وقد قال: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، فعلمنا أن الرجم لا أصل له والجواب عن ذلك: إذا كان المراد بالمحصنات الحرائر، سقط هذا القول، ويدل على ذلك قوله في أول الاية: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات). ولا شك أنه أراد بها الحرائر والعفائف، لان اللاتي لهن أزواج، لا يمكن العقد عليهن. على أن في الناس من قال: إن المحصنات هنا المراد بها الحرائر، دون العفائف، لانه لو كان مختصا بالعفائف، لما جاز العقد على غيرهن، ومعلوم أن ذلك جائز. هذا والرجم أجمعت الامة على أنه من أحكام الشرع، وتواتر المسلمون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم ماعز بن مالك الاسلمي، ورجم يهوديا ويهودية، ولم يختلف فيه الفقهاء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، فخلاف الخوارج في ذلك شاذ عن الاجماع، فلا يعتد به. (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم [ 26 ] والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما [ 27 ] يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا [ 28 ] الإعراب: ذكر في اللام من قوله (ليبين لكم) ثلاثة أقوال: أحدها: إن معناه أن وأن تأتي مع أمرت وأردت، لانها تطلب الاستقبال، فلا يجوز أردت أن قمت، فلما كانت أن في سائر الافعال تطلب الاستقبال، استوثقوا لها باللام، وربما جمعوا بين اللام وكي لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر: أرادت لكيما لا ترى لي عثرة * ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل (1)


(1) ورد البيت شاهدا في (معاني القرآن للفراء: 1 / 262) و (خزانة الادب 3 / 586): وقالا: أنشدني أبو ثروان. (1 ه‍). (*)

[ 66 ]

وهذا قول الكسائي، والفراء، وأنكره الزجاج، وأنشد: أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود (1) قال: ولو كانت اللام بمعنى إن لم تدخل على كي كما لا تدخل إن على كي قال: ومذهب سيبويه وأصحابه ان اللام دخلت هنا على تقدير المصدر: أي لإرادة البيان نحو قوله تعالى (إن كنتم للرؤيا تعبرون): أي إن كانت عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله (والذين هم لربهم يرهبون): أي رهبتهم لربهم، قال كثير: أريد لأنسى ذكرها فكائما * تمثل لي ليلى بكل سبيل والقول الثالث: إن بعض النحويين ضعف هذين الوجهين، بأن جعل اللام بمعنى أن لم تقم به حجة قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز ضربت لزيد، بمعنى ضربت زيدا، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم دون التأخير، نحو لزيد ضربت، وللرؤيا تعبرون، ولأن عمل الفعل في التقديم، يضعف كعمل المصدر في التأخير، ولذلك لم يجز إلا من المتصرف، فأما ردف لكم فعلى تأويل ردف ما ردف لكم، وعلى ذلك ما يريد لكم، وكذلك قوله (وأمرنا لنسلم): أي أمرنا بما أمرنا، لنسلم، وهذه الاقوال كلها مضطربة. والوجه الصحيح فيه: إن مفعول يريد محذوف، تقديره: يريد الله تبصيركم، ليبين لكم. المعنى: ثم بين تعالى بعد التحليل والتحريم، أنه يريد بذلك مصالحنا ومنافعنا، فقال الله تعالى: (يريد الله) ما يريد (ليبين لكم) أحكام دينكم ودنياكم، وأمور معاشكم ومعادكم، (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) فيه قولان أحدهما: يهديكم إلى طريق الذين كانوا من قبلكم من أهل الحق والباطل، لتكونوا مقتدين بهم، متبعين آثارهم، لما لكم من المصلحة. والآخر: سنن الذين من قبلكم من أهل الحق والباطل، لتكونوا على بصيرة فيما تفعلون وتجتنبون من طرائقهم. (ويتوب عليكم): أي ويقبل توبتكم، ويقال: يريد التوبة عليكم بالدعاء إليها، والحث عليها، وتيسير السبيل إليها، وفي هذا دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانه بين تعالى أنه لا يريد إلا الخير والصلاح. (والله عليم حكيم) مر تفسيره. (والله يريد أن يتوب عليكم): أي يلطف في


(1) قائل البيت هو قيس بن سعد بن عبادة. (الخزانة: 2 / 597). (*)

[ 67 ]

توبتكم أن وقع منكم ذلك. وقيل: يريد أن يوفقكم لها، ويقوي دواعيكم إليها، (ويريد الذين يتبعون الشهوات) فيه أقوال: أحدها: إن المعني بذلك جميع المبطلين، فإن كل مبطل متبع شهوة نفسه في باطله، عن ابن زيد. وثانيها: إن المراد بذلك الزناة، عن مجاهد. وثالثها: انهم اليهود والنصارى، عن السدي. ورابعها: إنهم اليهود خاصة، إذ قالوا: إن الاخت من الاب حلال في التوراة، والقول الاول أقرب. (أن تميلوا ميلا عظيما): أي تعدلوا عن الاستقامة عدولا بينا بالاستكثار من المعصية، وذلك أن الاستقامة هي المؤدية إلى الثواب والفوز من العقاب، والميل عنها يؤدي إلى الهلاك واستحقاق العذاب، وإذا قيل لم كرر قوله تعالى (يتوب عليكم) ؟ فجوابه أنه للتأكيد، وأيضا فإن في الاول بيان أنه يريد الهداية والانابة، وفي الثاني بيان أن إرادته خلاف إرادة أصحاب الاهواء، وأيضا إنه أتي في الثاني ب‍ (أن) ليزول الابهام أنه يريد ليتوب، ولا يريد أن يتوب، وإنما قال تعالى (ميلا عظيما) لان العاصي يأنس بالعاصي، كما يأنس المطيع بالمطيع، ويسكن الشكل إلى الشكل، ويألف به، ولان العاصي يريد مشاركة الناس إياه في المعصية، ليسلم عن ذمهم وتوبيخهم، ونظيره قوله تعالى (ودوا لو تدهن فيدهنون)، (ودوا لو تكفرون كما كفروا) وفي المثل: " من أحرق كدسه (1) تمنى إحراق كدس غيره " وعلى هذا جبلت القلوب. (يريد الله أن يخفف عنكم): يعني في التكليف في أمر النساء والنكاح، بإباحة نكاح الاماء، عن مجاهد، وطاووس ويجوز أن يريد التخفيف بقبول التوبة، والتوفيق لها. ويجوز أن يريد التخفيف في التكليف على العموم، وذلك أنه تعالى خفف عن هذه الامة ما لم يخفف عن غيرها من الامم الماضية. (وخلق الانسان ضعيفا) في أمر النساء، وقلة الصبر عنهن. وقيل: خلق الانسان ضعيفا، يستميله هواه وشهوته، ويستشيطه خوفه وحزنه. (يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما


(1) الكدس بالضم: الحب المحصود المجموع ويقال له بالفارسية " خر من ". (*)

[ 68 ]

[ 29 ] ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا [ 30 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة (تجارة) نصبا، والباقون بالرفع. الحجة: قال أبو علي: من رفع، فتقديره إلا أن تقع تجارة، فالاستثناء منقطع لان التجارة عن تراض ليس من أكل المال بالباطل، ومن نصب تجارة، إحتمل ضربين أحدهما: إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض، ومثل ذلك قول الشاعر " إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا " (1): أي إذا كان اليوم يوما. والآخر: إلا أن تكون الاموال أموال تجارة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فالاستثناء على هذا الوجه أيضا منقطع. المعنى: لما بين سبحانه تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، عقبه بتحريم الاموال في الوجوه الباطلة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا): أي صدقوا الله ورسوله، (لا تأكلوا أموالكم بينكم) ذكر الأكل، وأراد سائر التصرفات، وإنما خص الأكل لأنه معظم المنافع، وقيل: لانه يطلق على وجوه الانفاقات إسم الاكل، يقال: أكل ماله بالباطل، وإن أنفقه في غير الاكل، ومعناه: لا يأكل بعضكم أموال بعض، وفي قوله (بالباطل) قولان أحدهما إنه الربا، والقمار، والبخس (2)، والظلم، عن السدي، وهو المروي عن الباقر. والآخر: إن معناه بغير استحقاق من طريق الاعواض، عن الحسن قال، وكان الرجل منهم يتحرج عن أن يأكل عند أحد من الناس، بعد ما نزلت هذه الآية إلى أن نسخ ذلك بقوله في سورة النور (وليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم) إلى قوله (أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا). والأول هو الأقوى، لان ما أكل على وجه مكارم الاخلاق، لا يكون أكلا باطلا. وثالثها: إن معناه أخذه من غير وجهه، وصرفه فيما لا يحل له. (إلا) أن تكون تجارة): أي مبايعة، ثم وصف التجارة فقال (عن تراض


(1) كنى بالكواكب عن السيوف لبريقها. يوم أشنع: قبيج. وصدر البيت: " بني أسد هل تعلمون بلاءنا " وهو لعمرو بن شأس. (2) وفي بعض النسخ " النجش " وهو أن يمدح السلعة في البيع لينفقها أو يزيد في قيمتها وهو لا يريد شرائها ليقع غيره فيها. (*)

[ 69 ]

منكم): أي يرضى كل واحد منكما بذلك. وقيل: في معنى التراضي في التجارة قولان: أحدهما: إنه إمضاء البيع بالتفرق، أو التخاير، بعد العقد، وهو قول شريح، والشعبي، وابن سيرين، ومذهب الشافعي، والامامية، لقوله: " البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يكون بيع خيار ". وربما قالوا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر والثاني: انه البيع بالعقد فقط، عن مالك، وأبي حنيفة. (ولا تقتلوا أنفسكم) فيه أربعة أقوال أحدها: إن معناه لا يقتل بعضكم بعضا، لأنكم أهل دين واحد، وأنتم كنفس واحد، كقوله (سلموا على أنفسكم)، عن الحسن، وعطا، والسدي، والجبائي. وثانيها: أنه نهى الانسان عن قتل نفسه في حال غضب، أو ضجر، عن أبي القاسم البلخي. وثالثها: إن معناه: لا تقتلوا أنفسكم بأن تهلكوها بارتكاب الآثام، والعدوان في أكل المال بالباطل، وغيره من المعاصي التي تستحقون بها العذاب. ورابعها: ما روى عن أبي عبد الله عليه السلام أن معناه: لا تخاطروا بنفوسكم في القتال، فتقاتلوا من لا تطيقونه. (إن الله كان بكم رحيما): أي لم يزل بكم رحيما، وكان من رحمته أن حرم عليكم قتل الانفس وإفساد الاموال، (ومن يفعل ذلك) قيل: إن ذلك إشارة إلى أكل الاموال بالباطل، وقتل النفس بغير حق، وقيل: إشارة إلى المحرمات في هذه السورة، من قوله (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها). وقيل: إشارة إلى فعل كل ما نهى الله عز وجل عنه، من أول السورة. وقيل: إلى قتل النفس المحرمة خاصة، عن عطا (عدوانا وظلما) قيل: هما واحد، وأتي بهما لاختلاف اللفظين، كما قال الشاعر " وألفى قولها كذبا ومينا " (1). وقيل: العدوان تجاوز ما أمر الله به، والظلم أن يأخذه على غير وجه الاستحقاق. وقيل: إنما قيده بالعدوان والظلم لانه أراد به المستحلين. (فسوف نصليه نارا): أي نجعله صلى نار، ونحرقه بها. (وكان ذلك): أي إدخاله النار، وتعذيبه فيها (على الله) سبحانه (يسيرا) هينا، لا يمنعه منه مانع، ولا يدفعه عنه دافع، ولا يشفع عنده إلا بإذنه شافع. (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم


(1) وصدر البيت: " فقددت الاديم لراهشيه " والقائل عدي بن زيد. اللسان (مين). (*)

[ 70 ]

وندخلكم مدخلا كريما [ 31 ] القراءة: قرأ أبو جعفر ونافع (مدخلا كريما) مفتوحة الميم. وقرأ الباقون: (مدخلا) بالضم. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (مدخلا) يحتمل أن يكون مصدرا، وأن يكون مكانا، فإن حملته على المصدر، أضمرت له فعلا، دل عليه الفعل المذكور، وتقديره ندخلكم فتدخلون مدخلا، وإن حملته على المكان، فتقديره ندخلكم مكانا كريما. وهذا أشبه هنا، لان المكان قد وصف بالكريم في قوله تعالى (ومقام كريم). ومن قرأ (مدخلا) فيجوز فيه أيضا أن يكون مكانا، وأن يكون مصدرا. اللغة: الاجتناب: المباعدة عن الشئ وتركه جانبا، ومنه الاجنبي. ويقال ما يأتينا فلان إلا عن جنابة: أي بعد، قال علقمة بن عبيدة: فلا تحرمني نائلا عن جنابة * وإني امرؤ وسط القباب غريب وقال الاعشى: أتيت حريثا زائرا عن جنابة * فكان حريث عن عطائي جامدا والتكفير: أصله الستر. المعنى: لما قدم ذكر السيئات، عقبه بالترغيب في اجتنابها، فقال (إن تجتنبوا): أي تتركوا جانبا (كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم): إختلف في معنى الكبيرة فقيل: كل ما أوعد الله تعالى عليه في الآخرة عقابا، وأوجب عليه في الدنيا حدا، فهو كبيرة، وهو المروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد. وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، عن ابن عباس، وإلى هذا ذهب أصحابنا، فإنهم قالوا: المعاصي كلها كبيرة من حيث كانت قبائح، لكن بعضها أكبر من بعض، وليس في الذنوب صغيرة، وإنما يكون صغيرا بالاضافة إلى ما هو أكبر منه، ويستحق العقاب عليه أكثر، والقولان متقاربان. وقالت المعتزلة: الصغيرة ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه، ثم إن العقاب اللازم عليه، ينحبط بالاتفاق بينهم، وهل ينحبط مثله من ثواب صاحبه ؟ فعند أبي هاشم من يقول بالموازنة ينحبط، وعند أبي علي الجبائي لا ينحبط، بل يسقط

[ 71 ]

الأقل، ويبقى الأكثر بحاله، والكبيرة عندهم ما يكبر عقابه عن ثواب صاحبه، قالوا: ولا يعرف شئ من الصغائر، ولا معصية، إلا ويجوز أن يكون كبيرة، فإن في تعريف الصغائر إغراء بالمعصية، لأنه إذا علم المكلف أنه لا ضرر عليه في فعلها، ودعته الشهوة إليها فعلها. وقالوا: عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، ولا يحسن معه المؤاخذة بها، وليس في ظاهر الآية ما يدل عليه، فإن معناه على ما رواه الكلبي، عن ابن عباس: إن تجتنبوا الذنوب التي أوجب الله فيها الحد، وسمى فيها النار نكفر عنكم ما سوى ذلك من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ومن شهر رمضان إلى شهر رمضان. وقيل: معنى ذلك إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح، وأكل الاموال بالباطل، وغيره من المحرمات، من أول السورة إلى هذا الموضع، وتركتموه في المستقبل، كفرنا عنكم ما كان منكم من ارتكابها فيما سلف. ولذا قال ابن مسعود: " كلما نهى الله عنه في أول السورة إلى رأس الثلاثين، فهو كبيرة " ويعضد هذا القول من التنزيل قوله (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، وقوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف). (وندخلكم مدخلا كريما): أي مكانا طيبا حسنا، لا ينقصه شئ. وقد ذكرنا المعنى في القراءتين قبل. فأما تفسير الكبائر الموبقة على ما وردت به الروايات، فسنذكر منه جملة مقنعة، وروى عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه علي بن موسى الرضا، عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: (دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد الله، جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، فلما سلم وجلس، تلا هذه الآية: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش)، ثم أمسك. فقال أبو عبد الله: ما أسكتك ؟ قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله. قال: نعم يا عمرو، أكبر الكبائر الشرك بالله، لقول الله عز وجل (إن الله لا يغفر أن يشرك به)، وقال: ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وبعده اليأس من روح الله، لان الله يقول (ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، ثم الأمن من مكر الله، لان الله يقول (ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون)، ومنها عقوق الوالدين لان الله تعالى جعل العاق جبارا شقيا في قوله: (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا)، ومنها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، لانه يقول: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) الاية.

[ 72 ]

وقذف المحصنات، لان الله يقول: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم)، وأكل مال اليتيم ظلما، لقوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) الاية، والفرار من الزحف، لان الله يقول: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)، وأكل الربا لان الله يقول (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) ويقول: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، والسحر لان الله يقول (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الاخرة من خلاق). والزنا لان الله يقول: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا)، واليمين الغموس، لان الله يقول: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الاخرة) الاية، والغلول قال الله: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)، ومنع الزكاة المفروضة لان الله يقول: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) الاية، وشهادة الزور وكتمان الشهادة، لان الله يقول (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)، وشرب الخمر لان الله تعالى عدل بها عبادة الاوثان، وترك الصلاة متعمدا، أو شيئا مما فرض الله تعالى، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من ترك الصلاة متعمدا فقد برئ من ذمة الله، وذمة رسوله) ونقض العهد (1)، وقطيعة الرحم لان الله يقول: (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار). قال فخرج عمرو وله صراخ من بكائه، وهو يقول: هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الكبائر سبع أعظمهن: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، فمن لقي الله تعالى وهو برئ منهن، كان معي في بحبوحة جنة، مصاريعها من ذهب ". وروى سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس: كم الكبائر سبع هي ؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى


(1) [ لان الله عز وجل يقول: (الذي ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض) الاية وأيضا قال الله تعالى شأنه: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود): أي بالعهود ]. (*)

[ 73 ]

سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار رواهما الواحدي في تفسيره، بالاسناد مرفوعا. (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما [ 32 ] القراءة: قرأ ابن كثير والكسائي: (وسلوا الله) بغير همز، وكذلك كل ما كان أمرا للمواجه في كل القرآن. والباقون بالهمز، ولم يختلفوا في (وليسألوا ما أنفقوا) أنه مهموز. الحجة: قال أبو علي: الهمز وترك الهمز حسنان، فلو خفف الهمزة في قوله (وليسألوا) لكان أيضا حسنا. اللغة: التمني: هو قول القائل لما لم يكن ليته كان كذا، وليته لم يكن كذا لما كان. وقال أبو هاشم في بعض كلامه: التمني معنى في القلب، ومن قال بذلك، قال ليس هو من قبيل الشهوة، ولا من قبيل الارادة، لان الارادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه، والشهوة لا تتعلق بما مضى كالارادة. والتمني: قد يتعلق بما مضى، وأهل اللغة ذكروا التمني في أقسام الكلام. النزول: قيل: " جاءت وافدة النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله ! أليس الله رب الرجال والنساء، وأنت رسول الله إليهم جميعا، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكرنا، نخشى أن لا يكون فينا خير، ولا لله فينا حاجة ؟ فنزلت هذه الاية " وقيل: إن أم سلمة قالت: يا رسول الله ! يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال. فنزلت الاية عن مجاهد. وقيل: لما نزلت آية المواريث قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الاخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء: إنا نرجو أن يكون الوزر علينا، نصف ما على الرجال في الاخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا فنزلت الاية عن قتادة، والسدي.

[ 74 ]

المعنى: لما بين سبحانه حكم الميراث، وفضل بعضهم على بعض في ذلك، ذكر تحريم التمني الذي هو سبب التباغض، فقال: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض): أي لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلان من المال، والنعمة، والمرأة الحسناء كان لي، فإن ذلك يكون حسدا، ولكن يجوز أن يقول: اللهم أعطني مثله، عن ابن عباس، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وقيل: إن المعنى لا يجوز للرجل أن يتمنى ان لو كان امرأة، ولا للمرأة أن تتمنى أن لو كانت رجلا، لان الله لا يفعل إلا ما هو الاصلح، فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، أو ما يكون مفسدة، عن البلخي. ويمكن أن يقال في ذلك: إنه يجوز ذلك بشرط، أن لا يكون مفسدة، كما يقوله في حسن السؤال، سواء (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) قيل فيه وجوه: أحدها: إن المعنى: لكل حظ من الثواب على حسب ما كلفه الله من الطاعات بحسن تدبيره، فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير، لما فيه من حرمان الحظ الجزيل، عن قتادة وثانيها: إن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعيم الدنيا بالتجارات، والزراعات، وغير ذلك من أنواع المكاسب، فينبغي أن يقنع كل منهم، ويرضى بما قسم الله له. وثالثها: إن لكل منهما نصيبا من الميراث على ما قسمه الله، عن ابن عباس. فالاكتساب على هذا القول بمعنى الاصابة والاحراز. (واسئلوا الله من فضله): معناه إن احتجتم إلى ما لغيركم، وأعجبكم أن يكون لكم مثل ما له، فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله، بشرط أن لا يكون فيه مفسدة لكم، ولا لغيركم، لان المسألة لا تحسن إلا كذلك. وجاء في الحديث، عن ابن مسعود، عن النبي قال: " سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج ". وقال سفيان بن عيينة: لم يأمرنا بالمسألة الا ليعطي. (إن الله كان بكل شئ عليما): معناه أن الله عليم بكل شئ، ولم يزل كذلك، فيعلم ما تظهرونه وما تضمرونه من الحسد، ويقسم الارزاق بين العباد على ما يعلم فيه من الصلاح والرشاد، فلا يتمنى أحدكم ما قسم لغيره، فإنه لا يحصل من تمنيه إلا الغم والاثم. (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والاقربون والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا [ 33 ]

[ 75 ]

القراءة: قرأ أهل الكوفة (عقدت) بغير ألف والباقون (عاقدت) بألف. الحجة: قال أبو علي: الذكر الذي يعود من الصلة إلى الموصول ينبغي أن يكون ضميرا منصوبا، فالتقدير والذين عاقدتهم أيمانكم فجعل الايمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى: على الحالفين الذين هم أصحاب الايمان، والمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فعاقدت أشبه بهذا المعنى، لان لكل نفر من المعاقدين يمينا على المحالفة، ومن قال: (عقدت أيمانكم) كان المعنى عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف الحلف، وأقام المضاف إليه مقامه والذين قالوا: (عاقدت) حملوا الكلام على (1) لفظ الايمان، لان الفعل لم يسند إلى أصحاب الايمان في اللفظ، إنما أسند إلى الايمان. اللغة: أصل المولى: من ولي الشئ، يليه، ولاية، وهو اتصال الشئ بالشئ من غير فاصل. والمولى: يقع على وجوه: المعتق، والمعتق، وابن العم، والورثة، والحليف، والولي، والسيد المطاع، والاولى بالشئ، والأحق، وهو الاصل في الجميع، فسمي المعتق مولى، لانه أولى بميراث المعتق، والمعتق أولى بنصرة المعتق من غيره، وابن العم أولى بنصرة ابن عمه لقرابته، والورثة أولى بميراث الميت من غيرهم، والحليف أولى بأمر محالفه للمحالفة التي جرت بينهما، والولي أولى بنصرة من يواليه، والسيد أولى بتدبير من يسوده من غيره. ومنه الخبر: " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها " أي من هو أولى بالعقد عليها. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى (النار مولاكم) معناه: أي هي أولى بكم، وأنشد بيت لبيد: فغدت، كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها (2) والايمان: جمع اليمين، وهو اسم يقع على القسم، والجارحة، والقوة. والاصل فيه الجارحة، وذلك أنهم كانوا يضربون الصفقة للبيع والبيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ثم يتحالفون عليه، فسمي القسم يمينا وقال:


(1) [ المعنى إذ كان من كل واحد من الفريقين يمين، والذين قالوا (عقدت) حملوا الكلام على ]. (2) الفرج: الثغر المخوف وهو موضع المخافة، فيريد أنه أولى موضع أن تكون فيه الحرب، وقوله: فغدت، تم الكلام، كأنه قال: فغدت هذه البقرة، وقطع الكلام ثم ابتدأ كأنه قال: تحسب أن كلا الفرجين مولى المخافة. (*)

[ 76 ]

إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين (1) أي بالقوة. الإعراب: قوله: (مما ترك الوالدان) الجار والمجرور وقع موقع الصفة، لقوله (موالي) أي موالي كائنين مما ترك: أي خلف الوالدان والاقربون، (والذين عقدت أيمانكم) معطوف على قوله (الوالدان والاقربون) فيكون مرفوع الموضع، ويحتمل أن يكون (مما ترك الوالدان والاقربون) متعلقا بفعل محذوف، وتقديره موالي يعطون مما ترك الوالدان والاقربون، ويكون (والذين عقدت أيمانكم) مبتدأ، وقوله: (فآتوهم نصيبهم) خبره. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى ذكر المواريث فقال: (ولكل) واحد من الرجال والنساء (جعلنا موالي): أي ورثة، هم أولى بميراثه، عن السدي. وقيل: عصبة، عن ابن عباس، والحسن. والاول أصح، لقوله سبحانه (فهب لي من لدنك وليا يرثني) فجعله مولى لما يرث، ووليا له لما كان أولى به من غيره، ومالكا له، كما يقال لمالك العبد مولاه (مما ترك الوالدان): أي يرثون أو يعطون مما ترك الوالدان (والاقربون): الموروثون، (والذين عقدت أيمانكم): أي ويرثون مما ترك الذين عقدت أيمانكم، لان لهم ورثة أولى بميراثهم، فيكون قوله (والذين عقدت أيمانكم) عطفا على قوله: (الوالدان والاقربون) (فآتوهم نصيبهم): أي فآتوا كلا نصيبه من الميراث، وهذا اختيار الجبائي، وقال: الحليف لم يؤمر له بشئ أصلا. وقال أكثر المفسرين: إن قوله (والذين عاقدت أيمانكم) مقطوع من الاول، فكأنه قال: والذين عاقدت أيمانكم أيضا، فآتوهم نصيبهم، ثم اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: إن المراد بهم الحلفاء، عن قتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك. وقالوا: إن الرجل في الجاهلية، كان يعاقد الرجل، فيقول دمي دمك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى فورثه، فذلك قوله (فآتوهم نصيبهم): أي أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: (وأولوا الارحام


(1) عرابة اسم رجل من الانصار. وقائل البيت هو الشماخ بن ضرار الاسدي. من اللسان (يمن). (*)

[ 77 ]

بعضهم أولى ببعض). وقال مجاهد: معناه فآتوهم نصيبهم من النصر، والعقل، والرفد، ولا ميراث، فعلى هذا تكون الاية غير منسوخة، ويؤيده قوله تعالى (أوفوا بالعقود) وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في خطبة يوم فتح مكة: " ما كان من حلف في الجاهلية، فتمسكوا به، فإنه لم يزده الاسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الاسلام ". وروى عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله قال: شهدت حلف المطيبين، وأنا غلام، مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكثه " وثانيها: إن المراد بهم قوم آخى بينهم رسول الله من المهاجرين والانصار، حين قدموا المدينة، وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، عن ابن عباس، وابن زيد. وثالثها: إنهم الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله، فأمروا في الاسلام أن يوصوا لهم عند الموت بوصية، فذلك قوله (فآتوهم نصيبهم) عن سعيد بن المسيب (إن الله كان على كل شئ شهيدا): أي لم يزل عالما بجميع الاشياء، مطلعا عليها، جليها وخفيها. (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصلحات قنتت حفظت للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا [ 34 ] (1) القراءة: قرأ أبو جعفر وحده (بما حفظ الله) بالنصب، والباقون بالرفع، وقرئ في الشواذ (فالصوالح قوانت) قرأه طلحة بن مصرف. الحجة: قوله (حفظ الله) يكون على حذف المضاف، كأنه قال حفظ عهد الله، أو دين الله، كقوله تعالى (وإن تنصروا الله): أي تنصروا دين الله، وحذف المضاف كثير في الكلام. والوجه في قراءة من قرأ (فالصوالح قوانت) أن جمع


(1) قال الفراء: جاء التفسير أن معنى (تخافون): تعلمون، وهي كالظن. (معاني القرآن: 1 / 265). (*)

[ 78 ]

التكسير يدل على الكثرة، والالف والتاء موضوعتان للقلة، فهما على حد التثنية بمنزلة الزيدين من الواحد، فيكون من الثلاث إلى العشرة، والكثرة أليق بهذا الموضع، غير أن الالف والتاء قد جاءا أيضا على معنى الكثرة، كقوله (المسلمين والمسلمات) إلى قوله (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات). والغرض في الجميع الكثرة لا ما هو لما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال ابن جني: كان أبو علي الفارسي ينكر الحكاية المروية عن النابغة، وقد عرض عليه حسان شعره، وأنه لما صار إلى قوله: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى (1) * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما قال له النابغة: " لقد قللت جفانك وسيوفك " وهذا خبر مجهول، لا أصل له، لان الله تعالى يقول: (وهم في الغرفات آمنون) ولا يجوز أن يكون الغرف التي في الجنة من الثلاث إلى العشرة. اللغة: يقال رجل قيم، وقيام، وقوام: وهذا البناء للمبالغة والتكثير، وأصل القنوت: دوام الطاعة، ومنه القنوت في الوتر، لطول القيام فيه، وأصل النشوز: الترفع على الزوج بخلافه، مأخوذ من قولهم فلان على نشز من الارض: أي ارتفاع. يقال: نشزت المرأة، تنشز، وتنشز، والهجر: الترك عن قلى. يقال: هجرت الرجل إذا تركت كلامه عن قلى. والهاجرة: نصف النهار، لانه وقت يهجر فيه العمل. وهجر الرجل البعير: إذا ربطه بالهجار. وأصل الضجوع: الاستلقاء، يقال ضجع ضجوعا، واضطجع اضطجاعا، إذا استلقى للنوم. وأضجعته أنا، وكل شئ أملته فقد أضجعته. والبغية: الطلب يقال بغيت الضالة، إذا طلبتها، وقال الشاعر يصف الموت: بغاك وما تبغيه حتى وجدته * كأنك قد واعدته أمس موعدا الاعراب: الباء في قوله (بما فضل الله) (وبما انفقوا) يتعلق بقوله (قوامون) وما في الموضعين مصدرية، لا تحتاج إلى عائد إليها من صلتها، لانها حرف. وقوله (بما حفظ الله) أيضا يكون ما فيه مصدرية، فيكون تقديره بأن يحفظهن الله، ومن قرأ (بما حفظ الله) نصبا يكون ما إسما موصولا، فيكون التقدير بالشئ الذي يحفظ الله: أي يحفظ أمر الله.


(1) الجفنات جمع الجفنة: القصعة الكبيرة. (*)

[ 79 ]

النزول: قال مقاتل: نزلت الاية في سعد بن الربيع بن عمرو، وكان من النقباء، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وهما من الانصار، وذلك أنها نشزت عليه، فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي، فقال: أفرشته كريمتي فلطمها ! فقال النبي: لتقتص من زوجها. فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبي: إرجعوا فهذا جبرائيل أتاني وأنزل الله هذه الاية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير " ورفع القصاص. وقال الكلبي: نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن مسلمة، وذكر القصة نحوها. وقال أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذكر قريبا منه. المعنى: لما بين تعالى فضل الرجال على النساء، ذكر عقيبه فضلهم في القيام بأمر النساء، فقال (الرجال قوامون على النساء): أي قيمون على النساء، مسلطون عليهن في التدبير، والتأديب، والرياضة، والتعليم، (بما فضل الله بعضهم على بعض): هذا بيان سبب تولية الرجال عليهن: أي إنما ولاهم الله أمرهن، لما لهم من زيادة الفضل عليهن، بالعلم، والعقل، وحسن الرأي، والعزم (وبما أنفقوا من أموالهم) عليهن من المهر والنفقة، كل ذلك بيان علة تقويمهم عليهن، وتوليتهم أمرهن. (فالصالحات قانتات): أي مطيعات لله ولازواجهن، عن قتادة، والثوري، وعطاء. ويقال: حافظات، ويدل عليه قوله: (يا مريم اقنتي لربك) أي أقيمي على طاعته، (حافظات للغيب): يعني لانفسهن وفروجهن في حال غيبة أزواجهن، عن قتادة، وعطاء، والثوري، ويقال: الحافظات لاموال أزواجهن في حال غيبتهم، راعيات بحقوقهم وحرمتهم. والاولى أن يحمل على الامرين، لانه لا تنافي بينهما (بما حفظ الله): أي بما حفظهن الله في مهورهن، وإلزام أزواجهن النفقة عليهن، عن الزجاج. وقيل: بحفظ الله لهن، وعصمته، ولولا أن حفظهن الله وعصمهن، لما حفظن أزواجهن بالغيب. (واللاتي تخافون نشوزهن) معناه: فالنساء اللاتي تخافون نشوزهن بظهور أسبابه وأماراته، ونشوز المرأة: عصيانها لزوجها، واستيلاؤها عليه، ومخالفتها إياه. وقال الفراء: " معناه تعلمون نشوزهن " (1) قال: (وقد يكون الخوف بمعنى العلم لان


(1) معاني القرآن: 1 / 265. (*)

[ 80 ]

خوف النشز العلم بموقعه " (فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) معناه: فعظوهن أولا بالقول والنصيحة، فإن لم ينجع الوعظ ولم يؤثر النصح بالقول، فاهجروهن في المضاجع، عن سعيد بن جبير قال: وعنى به الجماع، إلا أنه ذكر المضاجع لاختصاص الجماع بها. وقيل: معناه فاهجروهن في الفراش والمبيت، وذلك أنه يظهر بذلك حبها للزوج، وبغضها له، فإن كانت مائلة إليه، لم تصبر على فراقه في المضجع، وإن كانت بخلاف ذلك صبرت عنه، عن الحسن، وقتادة، وعطاء وإلى هذا المعنى يؤول ما روي عن أبي جعفر قال: " يحول ظهره إليها " وفي تفسير الكلبي: عن ابن عباس: " فعظوهن بكتاب الله أولا، وذلك أن يقول: إتقي الله وارجعي إلى طاعتي، فإن رجعت وإلا أغلظ لها القول، فإن رجعت وإلا ضربها ضربا غير مبرح " وقيل: في معنى غير المبرح أن لا يقطع لحما، ولا يكسر عظما وروي عن أبي جعفر أنه الضرب بالسواك. (فإن أطعنكم): أي رجعن إلى طاعتكم في الائتمار لامركم. (فلا تبغوا عليهن سبيلا): أي لا تطلبوا عليهن عللا بالباطل. وقيل: سبيلا للضرب والهجران مما أبيح لكم فعله عند النشوز، عن أبي مسلم، وأبي علي الجبائي. وقيل: معناه لا تكلفوهن الحب، عن سفيان بن عيينة. فيكون المعنى: إذا استقام لكم ظاهرهن، فلا تعللوا عليهن بما في باطنهن. (إن الله كان عليا كبيرا): أي متعاليا عن أن يكلف إلا الحق مقدار الطاقة. والعلو والكبرياء من صفات الله وفائدة ذكرهما هنا: بيان انتصاره لهن، وقوته على الانتصار إن هن ضعفن عنه. وقيل: المراد به أنه تعالى مع علوه وكبريائه، لم يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن إلا ما يطقن. (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا [ 35 ] اللغة: الشقاق: الخلاف والعداوة. واشتقاقه من الشق: وهو الجزء البائن. فالمتشاقان كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه، بالعداوة، أي في ناحية. وأصل التوفيق: الموافقة، وهي المساواة في أمر من الامور. والتوفيق: هو اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعات لمساواته في الوقت. والتوفيق بين نفسين: هو الاصلاح بينهما. والاتفاق في الجنس والمذهب: المساواة بينهما. والاتفاق في

[ 81 ]

الوقوع، كرمية من غير رام، لمساواتهما نادرا. الإعراب: أصل بين أن يكون ظرفا، ثم استعمل إسما هنا، بإضافة شقاق إليه، كما قال: (هذا فراق بيني وبينك)، وقال: (ومن بيننا وبينك حجاب). وكان في الاصل (فإن خفتم): أي خشيتم شقاقا بينهما. المعنى: لما قدم الله الحكم عند مخالفة أحد الزوجين صاحبه، عقبه بذكر الحكم عند التباس الامر في المخالفة فقال (وإن خفتم): أي خشيتم، وقيل: علمتم. والاول أصح لانه لو علم الشقاق يقينا، لما احتيج إلى الحكمين (شقاق بينهما): أي مخالفة وعداوة بين الزوجين، (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها): أي وجهوا حكما من قوم الزوج، وحكما من قوم الزوجة، لينظرا فيما بينهما. والحكم: القيم بما يسند إليه. واختلف في المخاطب بإنفاذ الحكمين من هو ؟ فقيل: هو السلطان الذي يترافع الزوجان إليه، عن سعيد بن جبير، والضحاك، وأكثر الفقهاء، وهو الظاهر في الاخبار عن الصادقين. وقيل: إنه الزوجان، وأهل الزوجين، عن السدي. واختلفوا في أن الحكمين هل لهما أن يفرقا بالطلاق إن رأياه ؟ أم لا ؟ فالذي رواه أصحابنا عنهم أنه ليس لهما ذلك، إلا بعد أن يستأمراهما ويرضيا بذلك، وقيل: إن لهما ذلك عن سعيد بن جبير، والشعبي، والسدي، وإبراهيم، ورواه عن علي عليه السلام. ومن ذهب إلى هذا القول، قال: إن الحكمين وكيلان. (إن يريدا إصلاحا): يعني الحكمين، (يوفق الله بينهما) حتى يحكما بما فيه الصلاح. والضمير في (بينهما) عائد إلى الحكمين، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. وقيل: إن يرد الحكمان إصلاحا بين الزوجين، يوفق الله بين الزوجين: أي يؤلف بينهما، ويرفع ما بينهما من العداوة، والشقاق. (إن الله كان عليما) بما يريد الحكمان من الاصلاح والافساد (خبيرا) بما فيه مصالحكم، ومنافعكم. (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسنا وبذي القربى واليتمى والمسكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمنكم إن الله لا يحب

[ 82 ]

من كان مختالا فخورا [ 36 ] اللغة: الجار: أصله من العدول، يقال: جاوره، يجاوره، مجاورة، وجوار، فهو مجاور له، وجار له بعدوله إلى ناحيته في مسكنه، من قولهم: جار عن الطريق، وجار السهم: إذا عدل عن القصد. واستجار بالله لانه يسأله العدول به عن النار. والجار ذي القربى: القريب. والجار الجنب: الغريب. قال أبو علي: الجنب صفة على فعل، مثل ناقة أجد، ومشي سجح (1)، فالجنب: المتباعد عن أهله، يدلك على ذلك مقابلته بقوله: (والجار ذي القربى) والقربى: من القرب، كاليسرى من اليسر. وأصل المختال: من التخيل، وهو التصور، لانه يتخيل بحاله مرح البطر، والمختال: الصلف (2) التياه، ومنه الخيل، لانها تختال في مشيها: أي تتبختر. والخول: الحشم. والفخور: الذي يعد مناقبه كبرا أو تطاولا، وأما الذي يعددها اعترافا بالنعمة فيها، فهو شكور، غير فخور. الإعراب: (إحسانا): نصب على المصدر، كما تقول ضربا لزيد، وتقديره أحسنوا بالوالدين إحسانا، أو يكون نصبا على تقدير استوصوا بالوالدين إحسانا، فيكون مفعولا به. المعنى: لما أمر سبحانه بمكارم الاخلاق في أمر اليتامى، والازواج، والعيال، عطف على ذلك بهذه الخلال المشتملة على معاني الامور، ومحاسن الافعال، فبدأ بالامر بعبادته فقال: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا): أي وحدوه وعظموه، ولا تشركوا في عبادته غيره، فإن العبادة لا تجوز لغيره، لانها لا تستحق إلا بفعل أصول النعم، ولا يقدر عليها سواه تعالى. (وبالوالدين إحسانا): أي فاستوصوا بهما برا، وإنعاما، وإحسانا، وإكراما، وقيل: إن فيه إضمار فعل: أي وأوصاكم الله بالوالدين إحسانا (وبذي القربى واليتامى والمسكين) معناه: أحسنوا بالوالدين خاصة، وبالقرابات عامة، يقال: أحسنت إليه، وأحسنت به، وأحسنوا إلى اليتامى بحفظ أموالهم، والقيام عليها، وغيرها من وجوه الاحسان، وأحسنوا إلى المساكين، فلا تضيعوهم، وأعطوهم ما يحتاجون إليه من الطعام، والكسوة، وسائر


(1) ناقة أجد: قوية موثقة الخلق. مشي سجح: لين سهل. (2) صلف صلفا: تمدح بما ليس فيه أو عنده، وادعى فوق ذلك إعجابا وتكبرا، فهو صلف. (*)

[ 83 ]

ما لا بد منه لهم. (والجار ذي القربى والجار الجنب) قيل: معناه الجار القريب في النسب، والجار الاجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة، عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وقيل: المراد به الجار ذي القربى منك بالاسلام، والجار الجنب: المشرك البعيد في الدين. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الاسلام. وجار له حقان: حق الجوار وحق الاسلام. وجار له حق الجوار: المشرك من أهل الكتاب ". وقال الزجاج: والجار ذي القربى: الذي يقاربك وتقاربه، ويعرفك وتعرفه، والجار الجنب: البعيد. وروي أن حد الجوار إلى أربعين دارا، ويروى إلى أربعين ذراعا. قال: ولا يجوز أن يكون المراد بذي القربى من القرابة، لانه قد سبق ذكر القرابة. والامر بالاحسان إليهم، بقوله: (وبذي القربى)، ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال: هذا جائز، وإن كان قد سبق ذكر القرابة، لان الجار إذا كان قريبا فله حق القرابة والجوار، والقريب الذي ليس بجار: له حق القرابة فحسب، فحسن إفراد الجار القريب بالذكر. (والصاحب بالجنب) في معناه أربعة أقوال أحدها: إنه الرفيق في السفر، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وجماعة، والاحسان إليه بالمواساة وحسن العشرة. وثانيها: أنه الزوجة، عن عبد الله بن مسعود، وابن أبي ليلى، والنخعي. وثالثها: إنه المنقطع إليك يرجو نفعك (1)، عن ابن عباس في إحدى الروايتين، وابن زيد. ورابعها: إنه الخادم الذي يخدمك. والاولى حمله على الجميع. (وابن السبيل) معناه: صاحب الطريق، وفيه قولان أحدهما: إنه المسافر، عن مجاهد، والربيع. وقيل: هو الضيف، عن ابن عباس قال: والضيافة ثلاثة أيام، وما فوقها فهو معروف، وكل معروف صدقة. وروى جابر عن النبي: " كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك ". (وما ملكت أيمانكم): يعني به المماليك من العبيد، والاماء. وذكر اليمين تأكيدا كما يقال مشت رجلك، وبطشت يدك. فموضع (ما) من قوله (وما ملكت


(1) ورفدك. () *

[ 84 ]

أيمانكم) جر بالعطف على ما تقدم: أي. وأحسنوا إلى عبيدكم وإمائكم بالنفقة، والسكنى، ولا تحملوهم من الاعمال ما لا يطيقونه، أمر الله عباده بالاحسان إلى هؤلاء أجمع (إن الله لا يحب): أي لا يرتضي (من كان مختالا) في مشيته (فخورا) على الناس بكثرة المال، تكبرا، عن ابن عباس، وإنما ذكرهما لانهما يأنفان من أقاربهم وجيرانهم إذا كانوا فقراء، لا يحسنان عشرتهم، وهذه آية جامعة تضمنت بيان أركان الاسلام، والتنبيه على مكارم الاخلاق، ومن تدبرها حق التدبر، وتذكرها حق التذكر، أغنته عن كثير من مواعظ البلغاء، وهدته إلى جم غفير من علوم العلماء. (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما ءاتاهم الله من فضله وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا [ 37 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم (بالبخل) بفتح الباء والخاء، وكذلك في سورة الحديد. والباقون (بالبخل) بالضم. الحجة: قال سيبويه هما لغتان. اللغة: البخل: أصله مشقة الاعطاء. وقيل في معناه: إنه منع الواجب. لانه إسم ذم، لا يطلق إلا على مرتكب الكبيرة. وقيل: هو منع ما لا ينفع منعه، ولا يضر بذله، ومثله الشح، وضده الجود. والاول أليق بالاية، لانه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة. وقال علي بن عيسى: معناه منع الاحسان لمشقة الطباع، ونقيضه الجود ومعناه بذل الاحسان، لانتفاء مشقة الطباع. الإعراب: (الذين): يحتمل أن يكون موضعه نصبا من وجهين، وأن يكون رفعا من وجهين، فأما النصب فعلى أن يكون بدلا من (من) في قوله: (لا يحب من كان) وعلى الذم أيضا. وأما الرفع فعلى الاستئناف بالذم على الابتداء، وتكون الاية الثانية عطفا عليها، ويكون الخبر: إن الله لا يظلم، وعلى البدل من الضمير في فخور. المعنى: (الذين يبخلون): أي يمنعون ما أوجب الله عليهم من الزكوات وغيرها، واختاره الجبائي، وأبو مسلم. وقيل: معناه الذين يبخلون بإظهار ما علموه من صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد (ويأمرون

[ 85 ]

الناس بالبخل) ويأمرون غيرهم بذلك. وقيل: يأمرون الانصار بترك الانفاق على رسول الله، وعلى أصحابه، عن ابن عباس. وقيل: يأمرون بكتمان الحق (ويكتمون ما آتاهم الله من فضله): أي ويجحدون ما آتاهم الله من اليسار والثروة، اعتذارا لهم في البخل. وقيل: معناه يكتمون ما عندهم من العلم، ببعث النبي ومبعثه. والأولى أن تكون الآية عامة في كل من يبخل بأداء ما يجب عليه أداؤه، ويأمرون الناس به، وعامة في كل من كتم فضلا آتاه الله تعالى من العلم وغيره من أنواع النعم التي يجب إظهارها، ويحرم كتمانها. وقد ورد في الحديث: " إذا أنعم الله تعالى على عبد نعمة، أحب أن يرى أثرها عليه " (وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا): أعددنا للجاحدين ما أنعم الله عليهم، عذابا يهانون فيه، ويذلون، فأضاف الاهانة إلى العذاب، إذ كان يحصل به. (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطن له قرينا فساء قرينا [ 38 ] وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما [ 39 ] اللغة: القرين: أصله من الاقتران، ومنه القرن لاهل العصر، لاقترانهم. والقرن: المقاوم في الحرب. والقرين: الصاحب المألوف. وقال عدي بن زيد: عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه * فإن القرين بالمقارن يقتدي الإعراب: اعراب (الذين) يحتمل أن يكون ما قلناه في الاية المتقدمة، ويحتمل أن يكون عطفا على (الكافرين)، فكأنه قال: وأعتدنا للكافرين، وللذين ينفقون أموالهم (رئاء الناس): رئاء: مصدر وضع موضع الحال، فكأنه قال ينفقون مرائين الناس، و (قرينا): نصب على التفسير. ومرضع ذا من (ماذا عليهم): يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مرفوعا، لانه في موضع الذي، وتقديره وما الذي عليهم لو آمنوا. والثاني: أن يكون لا موضع له، لانه مع ما بمنزلة اسم واحد، وتقديره وأي شئ عليهم لو آمنوا. المعنى: ثم عطف على ما تقدم بذكر المنافقين فقال: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس): أي مراءاة الناس. (ولا يؤمنون): أي ولا يصدقون (بالله

[ 86 ]

ولا باليوم الآخر) الذي فيه الثواب والعقاب، جمع الله سبحانه في الذم والوعيد، بين من ينفق ماله بالرياء والسمعة، ومن لم ينفق أصلا. (ومن يكن الشيطان له قرينا): أي صاحبا وخليلا في الدنيا، يتبع أمره، ويوافقه على الكفر. وقيل: يعني في القيامة، وفي النار (فساء قرينا): أي بئس القرين الشيطان، لانه يدعوه إلى المعصية المؤدية إلى النار. وقيل: بئس القرين الشيطان حيث يتلاعنان ويتباغضان في النار. (وماذا عليهم): أي أي شئ عليهم، (لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله): قطع الله سبحانه بهذا عذر الكفار في العدول عن الايمان، وأبطل به قول من قال: إنهم لا يقدرون على الايمان، لانه لا يحسن أن يقال للعاجز عن الشئ: ماذا عليك لو فعلت كذا، فلا يقال للقصير: ماذا عليك لو كنت طويلا ؟ وللاعمى: ماذا عليك لو كنت بصيرا ؟ وقيل: معناه ماذا عليهم لو جمعوا إلى إنفاقهم الايمان بالله، لينفعهم الانفاق (وكان الله بهم عليما) يجازيهم بما يسرون إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فلا ينفعهم ما ينفقون على جهة الرياء. وفي الاية دلالة أيضا على أن الحرام لا يكون رزقا من حيث إنه سبحانه حثهم على الانفاق مما رزقهم، وأجمعت الامة على أن الانفاق من الحرام محظور. (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [ 40 ] القراءة: قرأ ابن كثير ونافع: (وإن تك حسنة) بالرفع، والباقون بالنصب، وقرأ ابن كثير وابن عامر: (يضعفها) بالتشديد، والباقون: (يضاعفها) بالالف. الحجة: من نصب (حسنة) فمعناه: وإن تك زنة الذرة حسنة، أو إن تك فعلته حسنة. ومن رفعها فمعناه: وإن يقع حسنة، أو إن يحدث حسنة، فيكون كان تامة لا تحتاج إلى خبر. ويضاعف ويضعف: بمعنى واحد، قال سيبويه ؟ يجئ فاعلت ولا يراد به عمل اثنين، وكذلك قولهم: ناولته، وعاقبته، وعافاه الله، قال: ونحو ذلك، ضاعفت، وضعفت، وناعمت. ونعمت، وهذا يدل على أنهما لغتان. اللغة: الظلم: هو الالم الذي لا نفع فيه يوفي عليه، ولا دفع مضرة أعظم منه، عاجلا ولا آجلا، ولا يكون مستحقا ولا واقعا على وجه المدافعة، وأصله: وضع الشئ في غير موضعه. وقيل: أصله الانتقاص، من قوله (ولم تظلم منه

[ 87 ]

شيئا) فالظلم على هذا: انتقاص الحق، والظلمة: انتقاص النور بذهابه. وسقاء مظلوم: إذا شرب منه قبل أن يدرك. والظليم: ذكر النعام، لانه يضع الشئ غير موضعه، من حيث يحضن غير بيضه. وأصل المثقال: الثقل، فالمثقال: مقدار الشئ في الثقل، والثقل: ما ثقل من متاع السفر. الإعراب: أصل (تك) تكون، فحذفت الضمة للجزم لسكونها، وسكون النون. فأما سقوط النون فلكثرة الاستعمال، فكأنهم أرادوا أن يجزموا الكلمة مرة أخرى، فلم يجدوا حركة يسقطونها، فأسقطوا الحرف. وقد ورد القرآن بالحذف والاثبات، قال سبحانه: (إن يكن غنيا أو فقيرا) ومثل تك قولهم: لا أدر، ولم أبل، والاصل لا أدري، ولم أبال. و (لدن): في موضع جر، وفيه لغات: لد، ولدن، ولدى، ولدا، والمعنى واحد، ومعناه: من قبله. ولدن لما يليك. و (عند) تكون لما يليك ولما بعد منك، تقول: عندي مال، وإن كان بينك وبينه بعد، وإذا أضفته إلى نفسك زدت فيه نونا أخرى، ليسلم سكون النون، تقول: لدني ولدنا، وكذلك مني ومنا. المعنى: (إن الله لا يظلم) أحدا قط (مثقال ذرة): أي زنة ذرة، وهي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى، عن ابن عباس، وابن زيد، وهي أصغر النمل. وقيل: هي جزء من أجزاء الهباء في الكوة من أثر الشمس، وإنما لا يختار الله تعالى الظلم، ولا يجوز عليه الظلم، لانه عالم بقبحه، مستغن عنه، وعالم بغناه عنه، وإنما يختار القبيح من يختاره، لجهله بقبحه، أو لحاجته إليه، لدفع ضرر، أو لجر نفع، أو لجهله باستغنائه عنه، والله سبحانه منزه عن جميع ذلك، وعن سائر صفات النقص والعجز ولم يذكر سبحانه الذرة ليقصر الحكم عليها، بل إنما خصها بالذكر، لانها أقل شئ مما يدخل في وهم البشر. (وإن تك حسنة يضاعفها) ومعناه: وإن تك زنة الذرة حسنة، يقبلها ويجعلها أضعافا كثيرة. وقيل: يجعلها ضعفين عن أبي عبيدة. وقيل: معناه يديمها، ولا يقطعها، ومثله قوله: (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)، وكلتا الآيتين غاية في الحث على الطاعة، والنهي عن المعصية. وقوله (ويؤت من لدنه): أي يعطه من عنده (أجرا عظيما): أي جزاء عظيما، وهو ثواب الجنة. وفي هذه الآية دلالة على أن منع الثواب، والنقصان منه، ظلم، لانه لو لم يكن كذلك لما كان لهذا الترغيب

[ 88 ]

في الاية معنى، وفيها أيضا دلالة على أنه سبحانه قادر على الظلم، لانه نزه نفسه عن فعل الظلم، وتمدح بذلك، فلو لم يكن قادرا عليه، لم يكن فيه مدحة. (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [ 41 ] يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا [ 42 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (تسوي) مفتوحة التاء، خفيفة السين، وقرأ يزيد ونافع وابن عامر بفتح التاء، وتشديد السين، وقرأ الباقون: (تسوي) بضم التاء، وتخفيف السين. الحجة: قال أبو علي: قراءة نافع وابن عامر (لو تسوى) معناه: لو تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، وفي قراءة حمزة والكسائي حذف التاء، فالتاء اعتلت بالحذف، كما اعتلت بالادغام. وأما (تسوى) فهي تفعل من التسوية. الإعراب: (كيف) لفظها الاستفهام، ومعناه التوبيخ، وتقديره كيف حال هؤلاء يوم القيامة ؟ وحذف لدلالة الكلام عليه، والعامل في (كيف) المبتدأ المحذوف، فهو في موضع الرفع، بأنه خبر المبتدأ، ولا يجوز أن يكون العامل في (كيف) (جئنا) لانه في موضع جر بإضافة إذا إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصول، لانه من تمام الاسم. و (من كل أمة): في موضع نصب على الحال، لانه صفة (شهيد)، فلما تقدمه انتصب على الحال، والعامل في (إذا): جوابه المحذوف لدلالة ما تقدمه عليه. و (شهيدا): منصوب على الحال، والعامل في (يومئذ يود). وإنما عمل في (يومئذ يود) بعد (إذ)، ولم يجز ذلك في (إذا جئنا)، لانه لما أضيف (يوم) إلى (إذ) بطلت إضافته إلى الجملة، ونون (إذ) ليدل على تمام الاسم. المعنى: لما ذكر اليوم الآخر، وصف حال المنكرين له فقال (فكيف): أي فكيف حال الامم، وكيف يصنعون ؟ (إذا جئنا من كل أمة) من الامم (بشهيد وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء) يعني قومه (شهيدا). وهذا كما تقول العرب للرجل في الامر الهائل يتوقعه: كيف بك إذا كان كذا، يريد بذلك تعظيم الامر، وتهويله،

[ 89 ]

وتحذيره، وتحذير الرجل عنه، وإنذاره به، وحثه على الاستعداد له. ومعنى الاية: إن الله يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته، فيشهد لهم وعليهم، ويستشهد نبينا على أمته، وفي الاية مبالغة في الحث على الطاعة، واجتناب المعصية، والزجر عن كل ما يستحى منه على رؤوس الاشهاد، لانه يشهد للانسان، وعليه يوم القيامة شهود عدول، لا يتوقف في الحكم بشهادتهم، ولا يتوقع القدح فيهم، وهم الانبياء والمعصومون، والكرام الكاتبون، والجوارح، والمكان، والزمان، كما قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) وقال: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، وقال: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)، و (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). وفي بعض الاخبار: المكان والزمان يشهدان على الرجل بأعماله، فليتذكر العاقل هذه الشهادة، ليستعد بهذه الحالة، فكأن قد وقعت، وكأن الشهادة قد أقيمت. وروي أن عبد الله بن مسعود قرأ هذه الاية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففاضت عيناه، فإذا كان الشاهد يفيض عيناه، لهول هذه المقالة، وعظم هذه الحالة، فماذا لعمري ينبغي أن يصنع المشهود عليه ؟ (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض) معناه: لو تجعلون والارض سواء كما قال تعالى: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا)، ومن التسوية قوله: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه): أي نجعلها صفيحة واحدة، لا يفصل بعضها عن بعض، فيكون كالكف، فيعجز لذلك عما يستعان عليه من الاعمال بالبنان. وروي عن ابن عباس ان معناه يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع، يطأونهم بأقدامهم، كما يطأون الارض. وعلى القول الاول: فالمراد به أن الكفار يوم القيامة يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا والارض سواء، لعلمهم بما يصيرون إليه من العذاب، والخلود في النار. وروي أيضا أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا، فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا. وهذا لا يجيزه إلا من قال: إن العوض منقطع، وهو الصحيح. ومن قال: إن العوض دائم لم يصحح هذا الخبر. وقوله (ولا يكتمون الله حديثا) قيل فيه أقوال أحدها: إنه عطف على قوله (لو تسوى) أي ويودون أن لو لم يكتموا الله حديثا، لانهم إذا سئلوا قالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين) فتشهد عليهم جوارحهم،

[ 90 ]

بما عملوا فيقولون يا ليتنا كنا ترابا، ويا ليتنا لم نكتم الله شيئا، وليس ذلك بحقيقة الكتمان، فإنه لا يكتم شئ عن الله، لكنه في صورة الكتمان، وهذا قول ابن عباس. وثانيها: إنه كلام مستأنف، والمراد به أنهم لا يكتمون الله شيئا من أمور دنياهم وكفرهم، بل يعترفون به، فيدخلون النار باعترافهم، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنه لا ينفعهم الكتمان، وإنما يقولون: (والله ربنا ما كنا مشركين) في بعض الأحوال، فإن للقيامة مواطن وأحوالا، ففي موطن لا يسمع كلامهم إلا همسا، كما أخبر تعالى عنهم، وفي موطن ينكرون ما فعلوه من الكفر والمعاصي، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم، وفي موطن يعترفون بما فعلوه، عن الحسن وثالثها: إن المراد أنهم لا يقدرون على كتمان شئ من الله، لان جوارحهم تشهد عليهم بما فعلوه، فالتقدير لا تكتمه جوارحهم، وإن كتموه. ورابعها: إن المراد ودوا لو تسوى بهم الارض، وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد، وبعثه، عن عطا وخامسها: إن الآية على ظاهرها، فالمراد ولا يكتمون الله شيئا، لانهم ملجأون إلى ترك القبائح والكذب، وقولهم (والله ربنا ما كنا مشركين)، أي ما كنا مشركين عند أنفسنا، لانهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من حيث تقربهم إلى الله، عن أبي القاسم البلخي. (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا [ 43 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (أو لمستم) بغير (ألف) ههنا، وفي المائدة، وقرأ الباقون (لامستم) بألف. الحجة: حجة من قرأ (لمستم): إن هذا المعنى، جاء في التنزيل على فعلتم، في غير موضع، قال تعالى (لم يطمثهن إنس)، (ولم يمسسني بشر). وحجة من قرأ (لامستم): إن فاعل قد جاء في معنى فعل، نحو عاقبت اللص، وطارقت النعل.

[ 91 ]

اللغة: يقال: قرب، يقرب: متعد، وقرب يقرب: لازم، وقرب الماء، يقربه: إذا ورده. وأصل السكر: من السكر، وهو سد مجرى الماء، واسم الموضع السكر، فبالسكر ينسد طريق المعرفة. وسكرة الموت: غشيته. ورجل سكران: من قوم سكارى، وسكرى، والمرأة سكرى أيضا. ويقال رجل جنب: إذا أجنب، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، الواحد والجمع، يقال: رجل جنب، قوم جنب، وامرأة جنب. والعابر: من العبور، يقال عبرت النهر، والطريق، عبورا، إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. والغائط: أصله المطمئن من الارض، يقال: غائط وغيطان، وكانوا يتبرزون هناك ليغيبوا عن عيون الناس، ثم كثر ذلك حتى قالوا للحدث غائط، وكنوا بالتغوط عن الحدث في الغائط. وقيل: إنهم كانوا يلقون النجو في هذا المكان، فسمي باسمه على سبيل المجاز. والغوطة: موضع كثير الماء والشجر بدمشق. وقال: مؤرج الغائط: قرارة من الارض تحفها آكام تسترها، والفعل منه غاط يغوط، مثل عاد يعود. واللمس: يكون باليد، ثم اتسع فيه، فأوقع على غيره، وقالوا: التمس، وهو افتعل من اللمس، فأوقع على ما لا يقع عليه اللمس، قال: العبد والهجين والفلنقس * ثلاثة فأيهم تلمس (1) أراد: أيهم تطلب ؟ وملتمس المعروف: طالبه، وليس هنا مماسة ولا مباشرة. والتيمم: القصد، ومثله التأمم، قال الاعشى: تيممت قيسا وكم دونه * من الارض من مهمه ذي شزن (2) وقال آخر: (تيممت دارا ويممن دارا)، وقد صار في الشرع إسما لقصد مخصوص، وهو: أن يقصد الصعيد، ويستعمل التراب في أعضاء مخصوصة. والصعيد: وجه الارض من غير نبات، ولا شجر، وقال ذو الرمة: كأنه بالضحى ترمي الصعيد به * ذبابة في عظام الرأس خرطوم (3)


(1) الهجين: الذي أبوه عتيق وأمه مولاة. والفلنقس: الذي أبوه مولى وأمه عربية، وقيل غير ذلك. والبيت في اللسان (هجن). (2) المهمه: المفازة البعيدة. البلد المقفر: الشزن: الغلظ من الارض. (3) الخرطوم: الخمر الشديدة الاسكار. (*)

[ 92 ]

وقال الزجاج: الصعيد ليس هو التراب، إنما هو وجه الارض، ترابا كان أو غيره، وإنما سمي صعيدا، لانه نهاية ما يصعد إليه من باطن الارض. الإعراب: (وأنتم سكارى): جملة منصوبة الموضع على الحال، والعامل فيه (تقربوا)، وذو الحال الواو من (تقربوا). وقوله: (جنبا) إنما انتصب لكونه عطفا عليه، والمراد به الجمع. و (عابري سبيل): منصوب على الاستثناء. و (تعلموا): منصوب بإضمار أن، وعلامة النصب سقوط النون، ثم إنه مع أن المضمرة في موضع الجر بحتى، والجار والمجرور في موضع النصب بكونه مفعول (تقربوا)، وكذلك قوله (حتى تغتسلوا). وقوله: (على سفر) في موضع نصب، عطفا على قوله (مرضى)، وتقديره أو مسافرين. المعنى: لما أمر سبحانه في الاية المتقدمة بالعبادة، ذكر عقيبها ما هو من أكبر العبادات، وهو الصلاة، فقال (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة): أي لا تصلوا وأنتم سكارى، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد. وقيل: معناه لا تقربوا أماكن الصلاة: أي المساجد، للصلاة وغيرها، كقوله وصلوات: أي مواضع الصلوات، عن عبد الله، وسعيد بن المسيب، والضحاك، وعكرمة، والحسن، ويؤيد هذا قوله: (إلا عابري سبيل)، فإن العبور إنما يكون في الموضع دون الصلاة، وقوله (وأنتم سكارى): أي نشاوى، واختلف فيه على قولين أحدهما: إن المراد به سكر الشراب، عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. قالوا: ثم نسخها تحريم الخمر، وروي ذلك عن موسى بن جعفر عليه السلام، وقد يسأل عن هذا، فيقال: كيف يجوز نهي السكران في حال السكر، مع زوال العقل ؟ وأجيب عنه بجوابين أحدهما: إنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من نقصان العقل إلى ما لا يحمل الامر والنهي والآخر: إن النهي إنما ورد عن التعرض للسكر في حالة وجوب أداء الصلاة عليهم، وأجاب أبو علي الجبائي بجواب ثالث، وهو: إن النهي إنما دل على أن إعادة الصلاة واجبة عليهم إن أدوها في حال سكر. وقد سئل أيضا فقيل: إذا كان السكران مكلفا، فكيف يجوز أن ينهى عن الصلاة في حال سكره، مع أن عمل المسلمين على خلافه ؟ وأجيب عن ذلك بجوابين أحدهما: إنه منسوخ والآخر: إنهم لم يؤمروا بتركها، لكن أمروا بأن يصلوها في بيوتهم، ونهوا عن الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جماعته تعظيما له وتوقيرا القول الثاني: إن المراد بقوله (وأنتم

[ 93 ]

سكارى): سكر النوم خاصة، عن الضحاك، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، ويعضد ذلك ما روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف، لعله يدعو على نفسه وهو لا يدري ". (حتى تعلموا ما تقولون): أي حتى تميزوا ما تقولون من الكلام. وقيل: معناه حتى تحفظوا ما تتلون من القرآن. وقوله (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) في معناه قولان أحدهما: إن المراد به: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين، فيجوز لكم أداؤها بالتيمم، وإن كان لا يرفع حكم الجنابة، فإن التيمم وإن كان يبيح الصلاة، فإنه لا يرفع الحدث، عن علي عليه السلام، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد. والآخر: إن معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد، وأنتم جنب، إلا مجتازين، عن جابر، والحسن، وعطاء، والزهري وإبراهيم، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. (وعابري سبيل): أي مارين في طريق، (حتى تغتسلوا) من الجنابة. وهذا القول الأخير أقوى لانه سبحانه بين حكم الجنب في آخر الاية، إذا عدم الماء، فلو حملناه على ذلك، لكان تكرارا. وإنما أراد سبحانه أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد، في أول الاية، ويبين حكمه في الصلاة عند عدم الماء، في آخر الاية. (وإن كنتم مرضى): قيل نزلت في رجل من الانصار كان مريضا، ولم يستطع أن يقوم فيتوضأ، فالمرض الذي يجوز معه التيمم، مرض الجراح، والكسر، والقروح، إذا خاف أصحابها من مس الماء، عن ابن عباس، وابن مسعود، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة. وقيل: هو المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء، ولا يكون هناك من يناوله، عن الحسن، وابن زيد، وكان الحسن لا يرخص للجريح التيمم. والمروي عن السيدين الباقر والصادق عليه السلام، جواز التيمم في جميع ذلك (أو على سفر) معناه: أو كنتم مسافرين، (أو جاء أحد منكم من الغائط)، وهو كناية عن قضاء الحاجة. قيل: إن (أو) ههنا بمعنى الواو كقوله سبحانه (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) بمعنى وجاء أحد منكم من الغائط، وذلك لأن المجئ من الغائط، ليس من جنس المرض والسفر، حتى يصح عطفه عليهما، فإنهما سبب لاباحة التيمم، والرخصة، والمجئ من الغائط، سبب لإيجاب الطهارة (أو لامستم النساء): المراد به الجماع، عن علي عليه السلام، وابن

[ 94 ]

عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة، واختاره أبو حنيفة، والجبائي. وقيل: المراد به اللمس باليد وغيرها، عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والشعبي، وعطا، واختاره الشافعي. والصحيح الاول، لان الله سبحانه بين حكم الجنب في حال وجود الماء بقوله: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) ثم بين عند عدم الماء حكم المحدث بقوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط)، فلا يجوز أن يدع بيان حكم الجنب عند عدم الماء، مع أنه جرى له ذكر في الاية، ويبين فيه حكم المحدث، ولم يجر له ذكر، فعلمنا أن المراد بقوله (أو لامستم) الجماع، ليكون بيانا لحكم الجنب عند عدم الماء، واللمس، والملامسة، معناهما واحد، لانه لا يلمسها إلا وهي تلمسه. ويروى أن العرب والموالي اختلفوا فيه، فقالت الموالي: المراد به الجماع، وقال العرب: المراد به مس المرأة، فارتفعت أصواتهم إلى ابن عباس، فقال: غلب الموالي: المراد به الجماع، وسمي الجماع لمسا، لان به يتوصل إلى الجماع، كما يسمى المطر سماء. وقوله (فلم تجدوا ماء) راجع إلى المرضى والمسافرين جميعا، أي مسافر لا يجد الماء، ومريض لا يجد من يوضؤه، أو يخاف الضرر من استعمال الماء، لان الاصل أن حال المرض يغلب فيها خوف الضرر من استعمال الماء، وحال السفر يغلب فيها عدم الماء (فتيمموا): أي تعمدوا، وتحروا، واقصدوا (صعيدا) قال الزجاج: لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الارض، وهذا يوافق مذهب أصحابنا في أن التيمم يجوز بالحجر سواء كان عليه تراب، أو لم يكن (طيبا): أي طاهرا، وقيل: حلالا، عن سفيان. وقيل: منبتا عن السبخة التي لا تنبت كقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه) (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم): هذا هو التيمم بالصعيد الطيب، واختلف في كيفية التيمم على أقوال أحدها: إنه ضربة لليدين إلى المرفقين، وهو قول أكثر الفقهاء، وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهما، وبه قال قوم من أصحابنا. وثانيها: إنه ضربة للوجه، وضربة لليدين من الزندين، وإليه ذهب عمار بن ياسر، ومكحول، واختاره الطبري، وهو مذهبنا في التيمم، إذا كان بدلا من الجنابة، فإذا كان بدلا من الوضوء، كفاه ضربة واحدة، يمسح بها وجهه، من قصاص شعره، إلى طرف أنفه، ويديه من زنديه إلى أطراف أصابعهما، وهو المروي عن سعيد بن المسيب. وثالثها: إنه إلى الإبطين عن الزهري (إن الله كان عفوا) يقبل منكم العفو، لان في قبوله التيمم بدلا من الوضوء،

[ 95 ]

تسهيل الامر علينا. وقيل عفوا كثير الصفح والتجاوز (غفورا) كثير الستر لذنوب عباده. وفي الاية دلالة على أن السكران لا تصح صلاته، وقد حصل الاجماع على أنه يلزمه القضاء، ولا يصعح من السكران شئ من العقود، كالنكاح، والبيع، والشراء، وغير ذلك، ولا رفعها كالطلاق، والعتاق، وفي الطلاق خلاف بين الفريقين، فعند أبي حنيفة يقع طلاقه، وعند الشافعي لا يقع في أحد القولين. فأما ما يلزم به الحدود والقصاص: فعندنا أنه يلزمه جميع ذلك، فيقطع بالسرقة، ويحد بالقذف والزنا، لعموم الايات المتناولة لذلك، ولاجماع الطائفة عليه. (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضللة ويريدون أن تضلوا السبيل [ 44 ] والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا [ 45 ] في الكوفي: عدوا (أن تضلوا السبيل) آية، وآية واحدة في غيرهم. اللغة: العداوة: الابعاد من حال النصرة، وضدها الولاية ؟ وهي التقريب من حال النصرة. وأما البغض فهو إرادة الاستخفاف والاهانة، وضدها المحبة: وهي إرادة الاعظام، والكرامة. والكفاية: بلوغ الغاية في مقدار الحاجة، كفى، يكفي، كفاية، فهو كاف، والاكتفاء: الاجتزاء بالشئ دون الشئ، ومثله الاستغناء، والنصرة: الزيادة في القوة للغلبة، ومثلها المعونة. وضدها: الخذلان، ولا يكون ذلك إلا عقوبة، لان منع المعونة من يحتاج إليها، عقوبة. الاعراب: في دخول الباء في قوله (بالله) قولان: أحدهما. إنه لتأكيد الاتصال. والثاني: إنه دخله معنى اكتفوا بالله، ذكره الزجاج، وموضعه رفع بالاتفاق. النزول: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب، ومالك بن دخشم، كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لويا لسانهما، وعاباه، عن ابن عباس. المعنى: لما ذكر سبحانه الاحكام التي أوجب العمل بها، وصلها بالتحذير مما دعا إلى خلافها فقال (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب): أي ألم ينته علمك إلى الذين أعطوا حظا من علم الكتاب، يعني التوراة، وهم اليهود، عن ابن

[ 96 ]

عباس (يشترون الضلالة): أي يستبدلون الضلالة بالهدى، ويكذبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدلا من التصديق. وقيل: كانت اليهود تعطي أحبارها كثيرا من أموالهم، على ما كانوا يضعونه لهم، فجعل ذلك اشتراء منهم، عن أبي علي الجبائي. وقيل: كانوا يأخذون الرشى، عن الزجاج. (ويريدون أن تضلوا السبيل): أي يريد هؤلاء اليهود أن تزلوا أيها المؤمنون عن طريق الحق، وهو الدين والاسلام، فتكذبوا بمحمد، فتكونوا ضلالا، وفي ذلك تحذير للمؤمنين أن يستنصحوا أحدا من أعداء الدين، في شئ من أمورهم الدينية والدنيوية، ثم أخبر سبحانه بأنه أعلم بعداوة اليهود فقال: (والله أعلم بأعدائكم) أيها المؤمنون، فانتهوا إلى إطاعتي فيما نهيتكم عنه، من استنصاحهم في دينكم، فإني أعلم بباطنهم منكم، وما هو عليه من الغش، والحسد، والعداوة لكم. (وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) معناه: إن ولاية الله لكم، ونصرته إياكم، تغنيكم عن نصرة هؤلاء اليهود، ومن جرى مجراهم، ممن تطمعون في نصرته. (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [ 46 ] اللغة: أصل اللي: الفتل. يقال: لويت العود، ألويه، ليا، ولويت الغريم: إذا مطلته. واللوية: ما تتحف به المرأة ضيفها، لتلوي بقلبه إليها. وألوى بهم الدهر: إذا أفناهم. ولوى البقل: إذا اصفر ولم يستحكم يبسه والالسنة: جمع اللسان، وهو آلة الكلام. واللسان: اللغة، ومنه قوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) وتقول: لسنته ألسنه: إذا أخذته بلسانك. قال طرفة: وإذا تلسنني ألسنها * إنني لست بموهون فقر (1) وأصل الطعن بالرمح، ونحوه، الطعن باللسان.


(1) الموهون: الضعيف. الفقر ككتف. الذى اشتكى فقر ظهره، من مرض، أو كسر. (*)

[ 97 ]

الإعراب: قيل في (من) ههنا واتصاله وجهان أحدهما: إنه تبيين ل‍ (الذين أوتوا نصيبا من الكتاب)، فيكون العامل، فيه (أوتوا)، وهو في صلة (الذين)، ويجوز أن لا يكون في الصلة كما تقول: أنظر إلى النفر من قومك ما صنعوا. الثاني: أن يكون على الاستئناف، والتقدير: من الذين هادوا فريق يحرفون الكلم، فألقي الموصوف لدلالة الصفة عليه، كما قال ذو الرمة: فظلوا ومنهم دمعه سابق له * وآخر يثني دمعة العين بالمهل (1) وأنشد سيبويه: وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح (2) وقال الفراء: المحذوف من الموصولة، والتقدير من الذين هادوا، من يحرفون الكلم، كما يقولون منا يقول ذلك، ومنا لا يقوله. قال: والعرب تضمر من في مبتدأ الكلام ب (من)، لان من بعض لما هي منه كما قال تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم وإن منكم إلا واردها). وأنكر المبرد والزجاج هذا القول، قالا: لان من يحتاج إلى صلة، أو صفة تقوم مقام الصلة، فلا يحسن حذف الموصول مع بقاء الصلة، كما لا يحسن حذف بعض الكلمة، و (غير مسمع) نصب على الحال. (وراعنا): من نونها جعلها كلمة الامر، كقولك رويدا وهنيئا، ومن لم ينون جعلها من المراعاة كما تقول قاضنا. (ليا): مصدر وضع موضع الحال، وكذلك قوله: (وطعنا)، وتقديره يلوون ألسنتهم ليا، ويطعنون في الدين طعنا، إلا قليلا، تقديره يؤمنون، وهم قليل، فيكون (قليلا) منتصبا على الحال، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره إيمانا قليلا، كما قال الشاعر: فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا (3) يريد إلا ذكرا قليلا، وسقط التنوين من ذاكر، لاجتماع الساكنين.


(1) المهل بالتحريك والسكون: الرفق، وفي بعض النسخ " الهمل " بتقديم الهاء على الميم من قولهم: هملت عينه، إذا فاضت دموعا. (2) كدح في العمل: حد نفسه فيه وكد حتى يؤثر فيها. والبيت ورد في (خزانة الادب: 2 / 308) وهو للشاعر ابن مقبل: تميم بن أبي بن مقبل. (3) البيت للشاعر أبي الاسود الدؤلي وورد في (الخزانة: 4 / 554) وهو من شواهد سيبويه في (الكتاب: 1 / 85). راجع شرح شواهد سيبويه: ص 127. (*)

[ 98 ]

المعنى: ثم بين صفة من تقدم ذكرهم فقال (من الذين هادوا): أي ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، من اليهود، فيكون قوله (يحرفون) الكلم في موضع الحال. وإن جعلته كلاما مستأنفا، فمعناه: من اليهود فريق، (يحرفون الكلم عن مواضعه): أي يبدلون كلمات الله وأحكامه عن مواضعها. وقال مجاهد: يعني بالكلم التوراة، وذلك أنهم كتموا ما في التوراة من صفة النبي. (ويقولون سمعنا وعصينا) معناه: يقولون مكانه بألسنتهم: سمعنا، وفي قلوبهم: عصينا. وقيل: معناه سمعنا قولك، وعصينا أمرك (واسمع غير مسمع): أي ويقول هؤلاء اليهود للنبي: إسمع منا غير مسمع، كما يقول القائل لغيره إذا سبه بالقبيح: اسمع لا أسمعك الله، عن ابن عباس، وابن زيد. وقيل: بل تأويله: إسمع غير مجاب لك، ولا مقبول منك، عن الحسن، ومجاهد. وهذا كله إخبار من الله عن اليهود الذين كانوا حوالي المدينة في عصر النبي، لانهم كانوا يسبونه ويؤذونه بالسئ من القول (وراعنا) قد ذكرنا معناه في سورة البقرة، وقيل: إنه كان سبا للنبي تواضعوا عليه. ويقال: كانوا يقولونه استهزاء وسخرية: ويقال: إنهم كانوا يقولونه على وجه التجبر، كما يقول القائل لغيره، إنصت لكلامنا، وتفهم عنا، وإنما يكون هو من المراعاة التي هي المراقبة (ليا بألسنتهم): أي تحريكا منهم لالسنتهم، بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه. (وطعنا في الدين): أي وقيعة فيه. (ولو أنهم قالوا سمعنا) قولك، (وأطعنا) أمرك، وقبلنا ما جئتنا به، (واسمع) منا، (وانظرنا): أي انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا، (لكان خيرا لهم) يعني: أنفع لهم عاجلا وآجلا، (وأقوم): أي أعدل وأصوب في الكلام، من الطعن والكفر، في الدين. (ولكن لعنهم الله بكفرهم): أي طردهم عن ثوابه ورحمته، لسبب كفرهم. ثم أخبر الله عنهم فقال (فلا يؤمنون) في المستقبل (إلا قليلا) منهم، فخرج مخبره على وفق خبره، فلم يؤمن منهم إلا عبد الله بن سلام، وأصحابه، وهم نفر قليل. ويقال: معناه لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا: أي ضعيفا. لا إخلاص فيه، ولكنهم عصموا دماءهم وأموالهم به. ويجوز أن يكون المعنى: فلا يؤمنون إلا بقليل مما يجب الايمان به. (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل

[ 99 ]

أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا [ 47 ] اللغة: الطمس: هو عفو الاثر. والطامس، والداثر، والدارس، بمعنى. والأدبار: جمع دبر، وأصله من الدبر. يقال: دبره، يدبره، دبرا، فهو دابر، إذا صار خلفه. والدابر: التابع. وقوله (والليل إذا أدبر) معناه تبع النهار. والتدبير: إحكام أدبار الامور: وهي عواقبها. المعنى: ثم خاطب الله أهل الكتاب بالتخويف والتحذير فقال: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب): أي أعطوا علم الكتاب، (آمنوا): أي صدقوا (بما نزلنا) يعني: بما نزلناه على محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن، وغيره من أحكام الدين، (مصدقا لما معكم) من التوراة والانجيل، اللذين تضمنا صفة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وصحة ما جاء به، (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها): واختلف في معناه على أقوال أحدها: إن معناه من قبل أن نمحو آثار وجوهكم حتى تصير كالاقفية، ونجعل عيونها في أقفيتها، فتمشي القهقرى، عن ابن عباس، وعطية العوفي. وثانيها: إن المعنى: أن نطمسها عن الهدى، فنردها على أدبارها في ضلالتها، ذما لها بأنها لا تفلح أبدا، عن الحسن، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ورواه أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام. وثالثها: إن معناه: نجعل في وجوههم الشعر، كوجوه القرود، عن الفراء، وأبي القاسم البلخي، والحسين بن علي المغربي. ورابعها: إن المراد: حتى نمحو آثارهم من وجوههم: أي نواحيهم التي هم بها، وهي الحجاز الذي هو مسكنهم، ونردها على أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا وهو الشام، وحمله على إجلاء بني النضير إلى أريحا، وأذرعات، من الشام، عن ابن زيد. وهذا أضعف الوجوه، لانه ترك للظاهر. فإن قيل على القول الاول كيف أوعد سبحانه، ولم يفعل ؟ فجوابه على وجوه: أحدها: إن هذا الوعيد كان متوجها إليهم لو لم يؤمن واحد منهم، فلما آمن جماعة منهم، كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن شعبة، وأسد بن ربيعة، وأسعد بن عبيدة، ومخريق، وغيرهم، وأسلم كعب في أيام عمر، رفع العذاب عن الباقين، ويفعل بهم ذلك في الآخرة، على أنه سبحانه قال: (أو نلعنهم كما لعنا) والمعنى

[ 100 ]

أنه يفعل أحدهما، وقد لعنهم الله بذلك. وثانيها: إن الوعيد يقع بهم في الآخرة، لانه لم يذكر أنه يفعل بهم ذلك في الدنيا، تعجيلا للعقوبة، ذكره البلخي، والجبائي. وثالثها: إن هذا الوعيد باق منتظر لهم، ولا بد من أن يطمس الله وجوه اليهود، قبل قيام الساعة، بأن يمسخها، عن المبرد. (أو نلعنهم): أي نخزيهم ونعذبهم عاجلا، عن أبي مسلم. وقيل: معناه نمسخهم قردة. (كما لعنا أصحاب السبت): يعني الذين اعتدوا في السبت، عن السدي، وقتادة، والحسن. وإنما قال سبحانه: (نلعنهم) بلفظ الغيبة، وقد تقدم خطابهم لأحد أمرين: إما للتصرف في الكلام كقوله (حتى إذا كنتم في الفلك) فخاطب، ثم قال (وجرين بهم بريح طيبة) فكنى عنهم، وإما لأن الضمير عائد إلى أصحاب الوجوه، لانهم في حكم المذكورين. (وكان أمر الله مفعولا) فيه قولان: أحدهما: إن كل أمر من أمور الله سبحانه، من وعد، أو وعيد، أو خبر، فإنه يكون على ما أخبر به، عن الجبائي. والآخر: إن معناه أن الذي يأمر به بقول كن كائن لا محالة، وفي قوله سبحانه (من قبل أن نطمس وجوها) دلالة على أن لفظة (قبل) تستعمل في الشئ، أنه قبل غيره، ولم يوجد ذلك لغيره، ولا خلاف في أن استعماله يصح، ولذلك يقال: " كان الله سبحانه قبل خلقه ". (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما [ 48 ] اللغة: إفترى: إختلق وكذب، وأصله من خلق الأديم. يقال: فريت الأديم، أفريه، فريا، إذا قطعته على وجه الإصلاح. وأفريته: إذا قطعته على وجه الإفساد. الإعراب: (إثما عظيما): منصوب على المصدر، لان (افترى) بمعنى: أثم، وهذا كما تقول: حمدته شكرا. النزول: قال الكلبي: نزلت في المشركين: وحشي وأصحابه، وذلك أنه لما قتل حمزة، وكان قد جعل له على قتله أن يعتق، فلم يوف له بذلك، فلما قدم مكة، ندم على صنيعه، هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنا قد ندمنا على الذي صنعناه، وليس يمنعنا عن الاسلام إلا أنا سمعناك تقول، وأنت بمكة: (الذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا

[ 101 ]

يزنون) الآيتان. وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا. فلولا هذه لاتبعناك فنزلت الاية: (إلا من تاب وعمل عملا صالحا) الآيتين. فبعث بهما رسول الله إلى وحشي وأصحابه. فلما قرأهما، كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا، فلا نكون من أهل هذه الاية، فنزلت (إن الله لا يغفر) الاية. فبعث بها إليهم فقرأوها، فبعثوا إليه إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته (1) فنزلت: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا)، فبعث بها إليهم. فلما قرأوها دخل هو وأصحابه في الاسلام، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبل منهم، ثم قال لوحشي: أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ فلما أخبره. قال: ويحك غيب شخصك عني ! فلحق وحشي بعد ذلك بالشام وكان بها إلى أن مات. وقال أبو مجلز عن ابن عمر قال: نزلت في المؤمنين وذلك أنه لما نزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الاية، قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فتلاها على الناس. فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله ؟ فسكت. ثم قام إليه مرتين أو ثلاثا، فنزلت (إن الله لا يغفر أن يشرك به) الاية. أثبت هذه في الزمر، وهذه في النساء وروى مطرف بن الشخير عن عمر بن الخطاب، قال: " كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة، شهدنا بأنه من أهل النار، حتى نزلت الاية، فأمسكنا عن الشهادات ". المعنى: ثم إنه تعالى آيس الكفار من رحمته، فقال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء): معناه إن الله لا يغفر أن يشرك به أحد، ولا يغفر ذنب الشرك لاحد، ويغفر ما دونه من الذنوب، لمن يريد. قال المحققون: هذه الاية أرجى آية في القرآن، لان فيها إدخال ما دون الشرك، من جميع المعاصي في مشيئة الغفران. وقف الله المؤمنين الموحدين بهذه الاية بين الخوف والرجاء وبين العدل والفضل، وذلك صفة المؤمن، ولذلك قال الصادق عليه السلام: " لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا "، ويؤيده قوله سبحانه (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). وروي عن ابن عباس أنه قال.: ثماني آيات


(1) في الاصل (مشيئة)، والصواب ما أثبتاه. (*)

[ 102 ]

نزلت في سورة النساء، خير لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس، وغربت، قوله سبحانه: (يريد الله ليبين لكم)، و (يريد الله أن يخفف عنكم)، (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)، (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)، (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه يجز به)، (إن الله لا يغفر أن يشرك به)، في الموضعين، (ما يفعل الله بعذابكم). وبيان وجه الاستدلال بهذه الاية على أن الله تعالى يغفر الذنوب من غير توبة أنه نفى غفران الشرك، ولم ينف غفرانه على كل حال، بل نفى أن يغفر من غير توبة، لان الامة أجمعت على أن الله يغفر بالتوبة، وإن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب، وعندنا على وجه التفضل، فعلى هذا، يجب أن يكون المراد بقوله (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) أنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين غير الكافرين، وإنما قلنا ذلك، لان موضوع الكلام الذي يدخله النفي والاثبات، وينضم إليه الأعلى والأدون، أن يخالف الثاني الاول، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الرجل: أنا لا أدخل على الامير إلا إذا دعاني، وأدخل على من دونه إذا دعاني وإنما يكون الكلام مفيدا إذا قال وأدخل على من دونه وإن لم يدعني. ولا معنى لقول من يقول من المعتزلة إن في حمل الاية على ظاهرها، وإدخال ما دون الشرك في المشيئة، إغراء على المعصية، لان الاغراء إنما يحصل بالقطع على الغفران. فأما إذا كان الغفران متعلقا بالمشيئة فلا إغراء فيه، بل يكون العبد به واقفا بين الخوف والرجاء، على الصفة التي وصف الله بها عباده المرتضين، في قوله تعالى (يدعون ربهم خوفا وطمعا ويحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه). وبهذا وردت الأخبار الكثيرة من طريق الخاص والعام، وانعقد عليه إجماع سلف أهل الاسلام. ومن قال: إن في غفران ذنوب البعض دون البعض، ميلا ومحاباة، ولا يجوز الميل والمحاباة على الله، وجوابه: إن الله متفضل بالغفران. وللمتفضل أن يتفضل على قوم دون قوم، وإنسان دون إنسان، وهو عادل في تعذيب من يعذبه، وليس يمنع العقل ولا الشرع من الفضل والعدل. ومن قال منهم: إن لفظة (ما دون ذلك)، وإن كانت عامة في الذنوب التي هي دون الشرك، فإنما نخصها ونحملها على الصغائر، أو ما يقع منه التوبة، لاجل عموم ظاهر آيات الوعيد. فجوابه: إنا

[ 103 ]

نعكس عليكم ذلك، فنقول: بل قد خصصوا ظاهر تلك الآيات لعموم ظاهر هذه الاية، وهذا أولى لما روي عن بعض السلف أنه قال: " إن هذه الاية استثناء على جميع القرآن " يريد به والله أعلم جميع آيات الوعيد، وأيضا فإن الصغائر تقع عندكم محبطة، ولا تجوز المؤاخذة بها. وما هذا حكمه، فكيف يعلق بالمشيئة، فإن أحدا لا يقول إني أفعل الواجب إن شئت، وأرد الوديعة إن شئت، وقوله (ومن يشرك بالله فقد افترى): أي فقد كذب بقوله إن العبادة يستحقها غير الله، وأثم (إثما عظيما): أي غير مغفور، وجاءت الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الاية " !. (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا [ 49 ] أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا [ 50 ] اللغة: التزكية: التطهير والتنزيه. وقد يكون الوصف بالتطهير تزكية، وأصله من الزكاء: وهو النمو. يقال: زكا الزرع، يزكو، زكاء، وزكا الشئ: إذا نما في إصلاح. وأصل الفتيل: ما يفتل وهو لي الشئ. والفتيلة: معروفة. وناقة فتلاء: إذا كان في ذراعها فتل عن الجنب. والفتيل: بمعنى المفتول، وهو عبارة عن الشئ الحقير، قال النابغة: يجمع الجيش ذا الالوف ويغزو * ثم لا يرزأ العدو فتيلا (1) والنظر: هو الاقبال على الشئ بالبصر، ومنه النظر بالقلب، لانه إقبال على الشئ بالقلب، وكذلك النظر بالرحمة. والنظر إلى الشئ: التأمل له، والانتظار: الاقبال على الشئ بالتوقع. والمناظرة: إقبال كل واحد على الآخر بالمحاجة. والنظير: مثل الشئ لاقباله على نظيره بالمماثلة. والفرق بين النظر والرؤية أن الرؤية، هي إدراك المرئي، والنظر: الإقبال بالبصر نحو المرئي، ولذلك قد ينظر ولا يراه، ولذلك يجوز أن يقال لله تعالى إنه راء، ولا يجوز أن يقاد إنه ناظر. الإعراب: (فتيلا): منصوب على أنه مفعول ثان، كقولك ظلمته حقه. قال علي بن عيسى: ويحتمل أن يكون نصبا على التمييز، كقولك تصببت عرقا.


(1) رزأ الرجل ماله: أصاب منه شيئا مهما كان أي نقصه. (*)

[ 104 ]

النزول: قيل: نزلت في رجال من اليهود، أتوا بأطفالهم إلى النبي، فقالوا: هل على هؤلاء من ذنب ؟ فقال: لا. فقالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل، كفر عنا بالنهار، فكذبهم الله عن الكلبي. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، حين قالوا: نحن أبناء الله، وأحباؤه، قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، عن الضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. المعنى: ثم ذكر تعالى تزكية هؤلاء أنفسهم، مع كفرهم وتحريفهم الكتاب، فقال: (ألم تر): معناه ألم تعلم. وقيل: ألم تخبر، وهو سؤال على وجه الإعلام، وتأويله: اعلم قصتهم ألم ينته علمك (إلى) هؤلاء (الذين يزكون أنفسهم): أي يمدحونها، ويصفونها بالزكاة والطهارة، بأن يقولوا: نحن أزكياء. وقيل: هو تزكية بعضهم بعضا، عن ابن مسعود. وإنما قال (أنفسهم) لانهم على دين واحد، وهم كنفس واحدة. (بل الله يزكي من يشاء) رد الله ذلك عليهم، وبين أن التزكية إليه، يزكي من يشاء: أي يطهر من الذنب من يشاء. وقيل: معناه يقبل عمله فيصير زكيا، ولا يزكي اليهود، بل يعذبهم. (ولا يظلمون فتيلا) معناه: لا يظلمون في تعذيبهم. وترك تزكيتهم فتيلا: أي مقدار فتيل. وذكر الفتيل مثلا، واختلف في معناه فقيل: هو ما يكون في شق النواة، عن ابن عباس، ومجاهد، وعطا، وقتادة. وقيل: الفتيل ما في بطن النواة، والنقير: ما على ظهرها، والقطمير: قشرها، عن الحسن. وقيل: الفتيل ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ، عن ابن عباس، وأبي مالك، والسدي. وفي هذه الاية دلالة على تنزيه الله عن الظلم، وإنما ذكر الفتيل، ليعلم أنه لا يظلم قليلا ولا كثيرا (انظر) يا محمد (كيف يفترون على الله الكذب) في تحريفهم كتابه. وقيل: في تزكيتهم أنفسهم، وقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، عن ابن جريج، (وكفى به): أي كفى هو (إثما مبينا): أي وزرا بينا، وإنما قال: (كفى به) في العظم، على جهة المدح أو الذم، يقال: كفى بحال المؤمن نيلا، وكفى بحال الكافر خزيا، فكأنه قال: ليس يحتاج إلى حال أعظم منه. ويحتمل أن يكون معناه: كفى هذا إثما: أي ليس يقصر عن منزلة الاثم.

[ 105 ]

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا [ 51 ] أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا [ 52 ] اللغة: الجبت: لا تصريف له في اللغة العربية، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: " هو السحر (1) بلغة أهل الحبشة " وهذا يحمل على موافقة اللغتين، أو على أن العرب أدخلوها في لغتهم، فصارت لغة لهم. واللعنة: الابعاد من رحمة الله عقابا على معصيته، فلذلك لا يجوز لعن البهائم، ولا من ليس بعاقل من المجانين والاطفال، لانه سؤال العقوبة لمن يستحقها، فمن لعن بهيمة، أو حشرة، أو نحو ذلك، فقد أخطأ، لانه سأل الله تعالى ما لا يجوز في حكمته، فإن قصد بذلك الابعاد على وجه العقوبة، جاز. الإعراب: (سبيلا): منصوب على التمييز، كما تقول: هذا أحسن منك وجها. (أولئك): لفظة جمع واحده ذا في المعنى، كما يقال نسوة، في جمع امرأة. وغلب على أولاء هاء التي للتنبيه، وليس ذلك في (أولئك) لان في حرف الخطاب تنبيها للمخاطب، وصار الكاف معاقبا للهاء التي للتنبيه، في أكثر الاستعمال. النزول: قيل: كان أبو برزة كاهنا في الجاهلية، فتنافس إليه ناس ممن أسلم، فنزلت الاية، عن عكرمة. وقيل: وهو قول أكثر المفسرين، إن كعب بن الاشرف، خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة، بعد وقعة أحد، ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وينقضوا العهد الذي كان بينهم، وبين رسول الله، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين، وآمن بهما. ففعل. فذلك قوله (يؤمنون بالجبت والطاغوت)، ثم قال كعب: يا أهل مكة ! ليجئ منكم ثلاثون، ومنا ثلاثون، فنلصق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت، لنجهدن على قتال محمد !


(1) وفي المخطوطة " الساحر ". (*)

[ 106 ]

ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك أمرو تقرأ الكتاب، وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقا، وأقرب إلى الحق ؟ نحن أم محمد ؟ قال كعب: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء (1)، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني (2)، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث. فقال: " أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد صلى الله عليه وآله وسلم " فأنزل الله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب). المعنى: فالمعني بذلك: كعب بن الاشرف، وجماعة من اليهود، الذين كانوا معه، بين الله أفعالهم القبيحة، وضمها إلى ما عدده فيما تقدم، فقال: (يؤمنون بالجبت والطاغوت) يعني بهما الصنمين اللذين كانا لقريش، وسجد لهما كعب بن الاشرف. (ويقولون للذين كفروا) أبي سفيان، وأصحابه: (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا) محمد وأصحابه (سبيلا): أي دينا، عن عكرمة، وجماعة من المفسرين. وقيل: إن المعني بالاية حيي بن أخطب، وكعب بن الاشرف، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، في جماعة من علماء اليهود. والجبت: الاصنام. والطاغوت: تراجمة الاصنام، الذين كانوا يتكلمون بالتكذيب عنها، عن ابن عباس. وقيل: الجبت: الساحر. والطاغوت: الشيطان، عن ابن زيد. وقيل: الجبت: السحر، عن مجاهد، والشعبي. وقيل: الجبت: الساحر. والطاغوت: الكاهن، عن أبي العالية، وسعيد بن جبير. وقيل: الجبت: إبليس. والطاغوت: أولياؤه. وقيل: هما كل ما عبد من دون الله من حجر، أو صورة، أو شيطان، عن أبي عبيدة. وقيل: الجبت هنا: حيي بن أخطب. والطاغوت: كعب بن الاشرف، عن الضحاك، وبعض الروايات عن ابن عباس. والمراد بالسبيل في الاية: الدين، وإنما سمي سبيلا، لانه كالطريق في الاستمرار عليه، ليؤدي إلى المقصود. (أولئك) إشارة إلى الذين تقدم ذكرهم (الذين لعنهم الله): أي أبعدهم من رحمته، وأخزاهم، وخذلهم، وأقصاهم. (ومن يلعن الله): أي ومن يلعنه الله، (فلن تجد له نصيرا): أي معينا يدفع عنه عقاب الله تعالى، الذي أعده له.


(1) الكوماء: الناقة العظيمة السنام. (2) العاني: الاسير. (*)

[ 107 ]

وقيل: فلن تجد له نصيرا في الدنيا والاخرة، لانه لا يعتد بنصرة من ينصره، مع خذلان الله إياه. (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا [ 53 ] أم يحسدون الناس على ما ءاتهم الله من فضله فقد ءاتينا آل إبراهيم الكتب والحكمة وآتينهم ملكا عظيما [ 54 ] فمنهم من ءامن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا [ 55 ] اللغة: النقير: من النقر، وهو النكت، ومنه المنقار، لانه ينقر به. والناقور: الصور، لانه ينقر فيه بالنفخ المصوت. والنقير: خشبة ينقر وينبذ فيها. وانتقر: اختص كما تختص بالنقر واحدا واحدا، قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الآدب فيها ينتقر (1) والحسد: تمني زوال النعمة عن صاحبها، لما يلحق من المشقة في نيله لها، وهو خلاف الغبطة، لان الغبطة تمني مثل تلك النعمة، لاجل السرور بها لصاحبها، ولهذا صار الحسد مذموما، والغبطة غير مذمومة. وقيل: إن الحسد من إفراط البخل، لان البخل: منع النعمة لمشقة بذلها، والحسد: تمني زوالها لمشقة نيل صاحبها، فالعمل فيهما على المشقة بنيل النعمة. وأصل السعير من السعر: وهو إيقاد النار. واستعرت النار، أو الحرب، أو الشر، وسعرتها، أو أسعرتها (2). والسعر: سعر المتاع، وسعره تسعيرا، وذلك لاستعار السوق بحماها في البيع. والساعور كالتنور. الاعراب: (أم) هذه هي المنقطعة، وليست المعادلة لهمزة الاستفهام التي تسمى المتصلة، وتقديره بل ألهم نصيب من الملك. وقال بعضهم: إن همزة الاستفهام محذوفة من الكلام، لان أم لا تجئ مبتدأة بها، وتقديره: أهم أولى بالنبوة، أم لهم نصيب من الملك فيلزم الناس طاعتهم، وهذا ضعيف، لان حذف


(1) وفي بعض النسخ كالصحاح " فينا ينتقر " المشتاة: زمان الشتاء، أو موضع الشتاء، أو موضع الاقامة في الشتاء. الجفلى: هي أن تدعو الناس إلى طعامك دعوة عامة، من غير اختصاص. والآدب: الداعي إلى مأدبة. والانتقار: الدعوة الخاصة، وهو أن تدعو بعضا دون بعض. (2) وسعرتها. (*)

[ 108 ]

الهمزة إنما يجوز في ضرورة الشعر، ولا ضرورة في القرآن، وإذن لم يعمل في (يؤتون) لانها إذا وقعت بين الفاء والفعل، أو بين الواو والفعل، جاز أن تقدر متوسطة، فتلغى كما يلغى ظننت واخواتها، إذا توسطت أو تأخرت، لان النية به التأخير. فالتقدير: فلا يؤتون الناس نقيرا، إذن لا يلبثون خلافك إلا قليلا إذن، ويجوز أن تقدر مستأنفة، فتعمل مع حرف العطف، ولو قرأ (فإذا لا يؤتون الناس)، لجاز لكن القراءة سنة متبعة، وإذا لا تعمل في الفعل النصب إلا بشروط أربعة: أن تكون جوابا لكلام، وأن تكون مبتدأة في اللفظ، وأن لا يكون ما بعدها متعلقا بما قبلها، ويكون الفعل بعدها مستقبلا. المعنى: لما بين حكم اليهود، بأن المشركين أهدى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، بين الله سبحانه أن الحكم ليس إليهم، إذ الملك ليس لهم فقال: (أم لهم نصيب من الملك) وهذا استفهام معناه الانكار: أي ليس لهم ذلك. وقيل: المراد بالملك ههنا النبوة، عن الجبائي: أي ألهم نصيب من النبوة، فيلزم الناس اتباعهم وطاعتهم. وقيل: المراد بالملك ما كانت اليهود تدعيه من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان، وأنه يخرج منهم من يجدد ملتهم، ويدعو إلى دينهم، فكذبهم الله تعالى (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا): أي لو أعطوا الدنيا وملكها لما أعطوا الناس من الحقوق قليلا، ولا كثيرا. وفي تفسير ابن عباس: لو كان لهم نصيب من الملك لما أعطوا محمدا وأصحابه شيئا. وقيل: إنهم كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا لا يعطون الفقراء شيئا (أم يحسدون الناس): معناه بل يحسدون الناس، واختلف في معنى (الناس) هنا على أقوال، فقيل: أراد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسدوه (على ما آتاهم الله من فضله) من النبوة وإباحة تسع نسوة، وميله إليهن. وقالوا: لو كان نبيا لشغلته النبوة عن ذلك، فبين الله سبحانه أن النبوة ليست ببدع في آل إبراهيم عليه السلام، (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة): يعني النبوة، وقد آتينا داود، وسليمان المملكة، وكان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة. وقال بعضهم: كان لسليمان ألف امرأة: سبعمائة سرية، وثلاثمائة امرأة. وكان لداود مائة امرأة، فلا معنى لحسدهم محمدا على هذا، وهو من أولاد إبراهيم عليه السلام، وهم أكثر تزويجا، وأوسع مملكة منه، عن ابن عباس، والضحاك، والسدي. وقيل: لما كان قوام الدين به، صار

[ 109 ]

حسدهم له كحسدهم لجميع الناس. وثانيها: إن المراد بالناس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله، عن أبي جعفر عليه السلام، والمراد بالفضل فيه النبوة. وفي آله الامامة. وفي تفسير العياشي بإسناده عن أبي الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا الصباح ! نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الانفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله في كتابه: (أم يحسدون الناس) الاية. قال: والمراد بالكتاب: النبوة، وبالحكمة: الفهم والقضاء، وبالملك العظيم: افتراض الطاعة. وثالثها: إن المراد بالناس: محمد وأصحابه، لانه قد جرى ذكرهم في قوله (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) ومن فضله من نعمته، عن أبي علي الجبائي. ورابعها: إن المراد بالناس: العرب. أي يحسدون العرب لما صارت النبوة فيهم، عن الحسن، وقتادة، وابن جريج. وقيل: المراد بالكتاب: التوراة، والانجيل، والزبور، وبالحكمة: ما أوتوا من العلم. وقوله (وآتيناهم ملكا عظيما): المراد بالملك العظيم: النبوة، عن مجاهد، والحسن. وقيل: المراد بالملك العظيم: ملك سليمان، عن ابن عباس. وقيل: ما أحل لداود وسليمان من النساء، عن السدي. وقيل: الجمع بين سياسة الدنيا وشرع الدين. (فمنهم من آمن به) فيه قولان: أحدهما: إن المراد فمن أهل الكتاب من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. (ومنهم من صد عنه) أي أعرض عنه، ولم يؤمن به، عن مجاهد، والزجاج، والجبائي، ووجه اتصال هذا المعنى بالاية أنهم مع هذا الحسد وغيره من أفعالهم القبيحة، فقد آمن بعضهم به والآخر: إن المراد به: فمن أمة إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من أعرض عنه، كما أنكم في أمر محمد، كذلك، وليس ذلك بموهن أمره، كما لم يكن إعراضهم عن إبراهيم موهنا أمر إبراهيم (وكفى بجهنم سعيرا): أي كفى هؤلاء المعرضين عنه في العذاب النازل بهم، عذاب جهنم نارا موقدة إيقادا شديدا، يريد بذلك أنه إن صرف عنهم بعض العذاب في الدنيا، فقد أعد لهم عذاب جهنم في العقبى. (إن الذين كفروا بئايتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما [ 56 ] والذين آمنوا

[ 110 ]

وعملوا الصلحات سندخلهم جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا [ 57 ] اللغة: يقال أصليته النار: إذا ألقيته فيها. وصليته صليا: إذا شويته. وشاة مصلية: مشوية، والصلاء: الشواء. وصلى فلان بشر فلان. والتبديل: التغيير. يقال: أبدلت الشئ بالشئ: إذا أزلت عينا بعين، كما قال الشاعر " عزل الامير بالامير المبدل " (1). وبدلت بالتشديد: إذا غيرت هيئته والعين واحدة. يقولون: بدلت جبتي قميصا: أي جعلتها قميصا، ذكره المغربي. وقد يكون التبديل بأن يوضع غيره موضعه. قال الله: (يوم تبدل الارض غير الارض) والظل: أصله الستر، لانه يستر من الشمس. قال رؤبة: كل موضع تكون فيه الشمس وتزول عنه، فهو ظل وفئ، وما سوى ذلك فظل، ولا يقال فيه فئ. والظل: الليل، كأنه كالستر من الشمس. والظلة: السترة. والظليل: الكنين. المعنى: لما تقدم ذكر المؤمن والكافر، عقبه بذكر الوعد والوعيد، على الايمان والكفر، فقال: (إن الذين كفروا بآياتنا): أي جحدوا حججنا، وكذبوا أنبياءنا، ودفعوا الايات الدالة على توحدنا، وصدق نبينا (سوف نصليهم نارا): أي نلزمهم نارا نحرقهم فيها، ونعذبهم بها، ودخلت (سوف) لتدل على أنه يفعل ذلك بهم في المستقبل. (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها): قيل فيه أقوال أحدها: إن الله تعالى يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت على ظاهر القرآن، في أنها غيرها، عن قتادة، وجماعة من أهل التفسير، واختاره علي بن عيسى. ومن قال على هذا، إن هذا الجلد المجدد، لم يذنب، فكيف يعذب من لا يستحق العذاب ؟ فجوابه: إن المعذب الحي، ولا اعتبار بالاطراف والجلود. وقال علي بن عيسى: إن ما يزاد، لا يؤلم، ولا هو بعض لما يؤلم، وإنما هو شئ يصل به الالم إلى المستحق له. وثانيها: إن الله يجددها بأن يردها إلى الحالة التي كانت عليها غير محترقة، كما يقال: جئتني بغير ذلك الوجه، إذا كان قد تغير وجهه من الحالة الاولى، كما إذا انكسر خاتم، فاتخذ منه خاتما آخر. يقال: هذا غير الخاتم الاول، وإن كان أصلهما واحدا. فعلى هذا يكون الجلد واحدا، وإنما تتغير الاحوال


(1) قال ابن منظور: " ومنه قول أبي النجم ": " عزل الامير للامير المبدل ". اللسان [ بدل ]. (*)

[ 111 ]

عليه، وهو اختيار الزجاج، والبلخي، وأبي علي الجبائي. وثالثها: إن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله تعالى (سرابيلهم من قطران) وسميت السرابيل الجلود على سبيل المجاورة، للزومها الجلود. وهذا ترك للظاهر بغير دليل. وعلى القولين الاخيرين: لا يلزم سؤال التعذيب لغير العاصي. فأما من قال: إن الانسان غير هذه الجملة المشاهدة، وإنه المعذب في الحقيقة، فقد تخلص من هذا السؤال. وقوله (ليذوقوا العذاب) معناه: ليجدوا ألم العذاب. وإنما قال ذلك ليبين أنهم كالمبتدأ عليهم العذاب في كل حالة فيحسون في كل حالة ألما، لكن لا كمن يستمر به الشئ، فإنه يصير أخف عليه (إن الله كان عزيزا): أي لم يزل منيعا لا يدافع، ولا يمانع. وقيل: معناه أنه قادر لا يمتنع عليه إنجاز ما توعد به، أو وعده (حكيما) في تدبيره وتقديره، وفي تعذيب من يعذبه. وروى الكلبي عن الحسن قال: " بلغنا أن جلودهم تنضج كل يوم سبعين ألف مرة ". (والذين آمنوا) بكل ما يجب الايمان به (وعملوا الصالحات): أي الطاعات الصالحة الخالصة، (سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار): أي من تحت أشجارها وقصورها الانهار: أي ماء الانهار. (خالدين فيها): أي دائمين فيها (أبدا لهم فيها أزواج مطهرة) طهرن من الحيض والنفاس، ومن جميع المعائب، والادناس، والاخلاق الدنية، والطبائع الردية، لا يفعلن ما يوحش أزواجهن، ولا يوجد فيهن ما ينفر عنهن (وندخلهم) في ذلك (ظلا ظليلا): أي كنينا ليس فيه حر ولا برد، بخلاف ظل الدنيا. وقيل: ظلا دائما لا تنسخه الشمس كما في الدنيا. وقيل: ظلا متمكنا قويا، كما يقال يوم أيوم، وليل أليل، وداهية دهياء، يصفون الشئ بمثل لفظه، إذا أرادوا المبالغة. (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامنت إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا [ 58 ] القراءة: قد ذكرنا الاختلاف بين القراء في (نعما) ووجوه قراءتهم، وحججها، في سورة البقرة. اللغة: يقال: أديت الشئ تأدية، وقد يوضع الاداء موضع التأدية، فيقام الاسم مقام المصدر، والسميع: هو من كان على صفة يجب لاجلها أن يسمع المسموعات

[ 112 ]

إذا وجدت، والبصير: من كان على صفة يجب لاجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت. والسامع: هو المدرك للمسموعات. والمبصر: هو المدرك للمبصرات. ولهذا يوصف القديم فيما لم يزل بأنه سميع بصير، ولا يوصف في القدم بأنه سامع مبصر. الإعراب: قوله: (نعما يعظكم به) تقديره: نعم شيئا شئ يعظكم به، فيكون (شيئا) تبيينا لاسم الجنس المضمر الذي هو فاعل نعم، والمخصوص بالمدح قد حذف، وأقيمت صفته مقامه. وقوله (نعما يعظكم به) جملة في موضع رفع بأنه خبر (إن). المعنى: ثم أمر سبحانه بأداء الامانة فقال: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها): قيل في المعنى بهذه الاية أقوال أحدها: إنها في كل من اؤتمن أمانة من الامانات، وأمانات الله: أوامره ونواهيه. وأمانات عباده: فيما يأتمن بعضهم بعضا من المال وغيره، عن ابن عباس، وأبي بن كعب، وابن مسعود، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام. وثانيها: إن المراد به: ولاة الامر، أمرهم الله أن يقوموا برعاية الرعية، وحملهم على موجب الدين والشريعة، عن زيد بن أسلم، ومكحول، وشهر بن حوشب، وهو اختيار الجبائي، ورواه أصحابنا عن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق، قالا: " أمر الله تعالى كل واحد من الائمة أن يسلم الامر إلى من بعده، ويعضده أنه سبحانه أمر الرعية بعد هذا بطاعة ولاة الامر ". وروي عنهم أنهم قالوا: " آيتان إحداهما لنا، والاخرى لكم. قال الله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) الاية. ثم قال: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) الاية. وهذا القول داخل في القول الاول، لانه من جملة ما ائتمن الله عليه الائمة الصادقين، ولذلك قال أبو جعفر عليه السلام: إن أداء الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، من الامانة، ويكون من جملتها الامر لولاة الامر بقسم الصدقات والغنائم وغير ذلك مما يتعلق به حق الرعية، وقد عظم الله سبحانه أمر الامانة بقوله: (يعلم خائنة الاعين). وقوله: (ولا تخونوا الله والرسول). وقوله: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) الاية. وثالثها: إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم برد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، حين قبض

[ 113 ]

منه المفتاح، يوم فتح مكة، وأراد أن يدفعه إلى العباس، لتكون له الحجابة والسقاية، عن ابن جريج. والمعول على ما تقدم، وإن صح القول الاخير، والرواية فيه، فقد دل الدليل على أن الامر إذا ورد على سبب لا يجب قصره عليه بل يكون على عمومه. (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) أمر الله الولاة والحكام أن يحكموا بالعدل والنصفة، ونظيره قوله: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق). وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: " سو بين الخصمين في لحظك ولفظك ". وورد في الاثار أن الصبيين ارتفعا إلى الحسن بن علي في خط كتباه وحكماه في ذلك، ليحكم أي الخطين أجود، فبصر به علي، فقال: يا بني أنظر كيف تحكم، فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة. (إن الله نعما يعظكم به): أي نعم الشئ ما يعظكم به من الامر برد الامانة، والنهي عن الخيانة، والحكم بالعدل. ومعنى الوعظ: الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقيل: هو الامر بالخير، والنهي عن الشر (إن الله كان سميعا) بجميع المسموعات، و (بصيرا) بجميع المبصرات. وقيل: معناه عالم بأقوالكم وأفعالكم، وأدخل (كان) تنبيها على أن هذه الصفة، واجبة له فيما لم يزل. (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنزعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [ 59 ] المعنى: لما بدأ في الاية المتقدمة بحث الولاة على تأدية حقوق الرعية، والنصفة والتسوية بين البرية، ثناه في هذه الاية بحث الرعية على طاعتهم، والاقتداء بهم، والرد إليهم فقال (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله): أي الزموا طاعة الله سبحانه فيما أمركم به، ونهاكم عنه، (وأطيعوا الرسول): أي والزموا طاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أيضا، وإنما أفرد الامر بطاعة الرسول، وإن كانت طاعته مقترنة بطاعة الله، مبالغة في البيان، وقطعا لتوهم من توهم أنه لا يجب لزوم ما ليس في القرآن من الاوامر ونظيره قوله (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). (وما ينطق عن الهوى). وقيل: معناه أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا

[ 114 ]

الرسول في السنن، عن الكلبي. والاول أصح لان طاعة الرسول هي طاعة الله، وامتثال أوامره امتثال أوامر الله. وأما المعرفة بأنه رسول الله، فهي معرفة برسالته، ولا يتم ذلك إلا بعد معرفة الله، وليست إحداهما هي الاخرى. وطاعة الرسول واجبة في حياته، وبعد وفاته، لان اتباع شريعته لازم بعد وفاته، لجميع المكلفين. ومعلوم ضرورة أنه دعا إليها جميع العالمين إلى يوم القيامة، كما علم أنه رسول الله إليهم أجمعين. وقوله (وأولي الامر منكم) للمفسرين فيه قولان أحدهما: إنهم الامراء، عن أبي هريرة، وابن عباس، في إحدى الروايتين، وميمون بن مهران، والسدي، واختاره الجبائي، والبلخي، والطبري والآخر: إنهم العلماء عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، في الرواية الأخرى، ومجاهد، والحسن، وعطا، وجماعة، وقال بعضهم: لانهم الذين يرجع إليهم في الاحكام، ويجب الرجوع إليهم عند التنازع دون الولاة. وأما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر، والصادق عليه السلام أن أولي الامر هم الائمة من آل محمد، أوجب الله طاعتهم بالاطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الاطلاق إلا من ثبتت عصمته، وعلم أن باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط، والامر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الامراء، ولا العلماء سواهم، جل الله عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول، والفعل، لانه محال أن يطاع المختلفون، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. ومما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الامر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته، إلا وأولو الامر فوق الخلق جميعا، كما أن الرسول فوق أولي الامر، وفوق سائر الخلق. وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين ثبتت إمامتهم، وعصمتهم، واتفقت الامة على علو رتبتهم وعدالتهم. (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) معناه: فإن إختلفتم في شئ من أمور دينكم، فردوا التنازع فيه إلى كتاب الله وسنة الرسول، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والسدي. ونحن نقول: الرد إلى الائمة القائمين مقام الرسول بعد وفاته، هو مثل الرد إلى

[ 115 ]

الرسول في حياته، لانهم الحافظون لشريعته، وخلفاؤه في أمته، فجروا مجراه فيه. ثم أكد سبحانه ذلك وعظمه بقوله: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) فما أبين هذا وأوضحه ! (ذلك) إشارة إلى طاعة الله، وطاعة رسوله، وأولي الامر، والرد إلى الله والرسول (خير وأحسن تأويلا): أي أحمد عاقبة عن قتادة، والسدي، وابن زيد، قالوا: لان التأويل من آل يؤول، إذا رجع. والمال: المرجع، والعاقبة، سمي تأويلا لانه مآل الامر. وقيل: معناه أحسن جزاء، عن مجاهد، وقيل: خير لكم في الدنيا وأحسن عاقبة في الاخرة. وقيل: معناه أحسن من تأويلكم أنتم إياه، من غير رد إلى أصل من كتاب الله وسنة نبيه، عن الزجاج، وهو الاقوى، لان الرد إلى الله ورسوله، ومن يقوم مقامه، من المعصومين، أحسن لا محالة، من تأويل بغير حجة، واستدل بعضهم بقوله: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) على أن إجماع الامة حجة، بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسنة، بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا والاجماع حجة. وهذا الاستدلال إنما يصح لو فرض أن في الامة معصوما، حافظا للشرع، فأما إذا لم يفرض ذلك، فلا يصح لان تعليق الحكم بشرط، أو صفة، لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر العلماء، فكيف اعتمدوا عليه ههنا ؟ على أن الامة لا تجمع على شئ، إلا عن كتاب، أو سنة، وكيف يقال: إنها إذا اجتمعت على شئ لا يجب عليها الرد إلى الكتاب والسنة، وقد ردت إليهما ؟ ! (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطن أن يضلهم ضلالا بعيدا [ 60 ] وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنفقين يصدون عنك صدودا [ 61 ] اللغة: الطاغوت: ذو الطغيان على جهة المبالغة في الصفة، فكل من يعبد من دون الله فهو طاغوت. وقد يسمى به الاوثان كما يسمى بأنه رجس من عمل الشيطان، ويوصف به أيضا كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله. وأصل الضلال: الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، لانه ضد الهدى الذي هو

[ 116 ]

الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية، وله تصرف كثير يرجع جميعه إلى هذه النكتة. ذكرناها في سورة البقرة عند قوله (وما يضل به إلا الفاسقين) وتعالوا: أصله من العلو، فإذا قلت لغيرك تعال: فمعناه إرتفع إلي، وصددت: الاصل فيه أن لا يتعدى، تقول صددت عن فلان أصد: بمعنى أعرضت عنه. ويجوز صددت فلانا عن فلان بالتعدي، لانه دخله معنى: منعته عنه، ومثله رجعت أنا، ورجعت غيري، لانه دخله معنى: رددته. الإعراب: (صدودا): نصب على المصدر على وجه التأكيد للفعل، كقوله (وكلم الله موسى تكليما) والمعنى أنه ليس ذلك على بيان مثل الكلام، بل حكمه في الحقيقة. وقيل في معنى (تكليما) أنه كلمه تكليما شريفا عظيما، فيمكن تقدير مثل ذلك في الاية: أي يصدون عنك صدودا عظيما. النزول: كان بين رجل من اليهود، ورجل من المنافقين، خصومة. فقال اليهودي: أحاكم إلى محمد، لانه علم أنه لا يقبل الرشوة، ولا يجور في الحكم. فقال المنافق: لا بل بيني وبينك كعب بن الاشرف، لانه علم أنه يأخذ الرشوة، فنزلت الاية، عن أكثر المفسرين. المعنى: لما أمر الله أولي الامر بالحكم والعدل، وأمر المسلمين بطاعتهم، وصل ذلك بذكر المنافقين الذين لا يرضون بحكم الله ورسوله، فقال (ألم تر): أي ألم تعلم. وقيل: إنه تعجب منه أي: ألم تتعجب من صنيع هؤلاء. وقيل: ألم ينته علمك (إلى) هؤلاء (الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك) من القرآن، (وما أنزل من قبلك) من التوراة والانجيل، (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت): يعني كعب بن الاشرف، عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك. وقيل: إنه كاهن من جهينة، أراد المنافق أن يتحاكم إليه، عن الشعبي، وقتادة. وقيل: أراد به ما كانوا يتحاكمون فيه إلى الاوثان، بضرب القداح، عن الحسن. وروى أصحابنا عن السيدين الباقر عليه السلام، والصادق عليه السلام، أن المعني به كل من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحق. (وقد أمروا أن يكفروا به): يعني به قوله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها). (ويريد الشيطان) بما زين لهم (أن يضلهم ضلالا بعيدا) عن الحق. نسب

[ 117 ]

إضلالهم إلى الشيطان، فلو كان الله قد أضلهم بخلق الضلالة فيهم على ما يقوله المجبرة، لنسب إضلالهم إلى نفسه دون الشيطان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (وإذا قيل لهم): أي المنافقين (تعالوا إلى ما أنزل الله) في القرآن من الاحكام (وإلى الرسول) في حكمه (رأيت) يا محمد (المنافقين يصدون عنك صدودا): أي يعرضون عنك: أي عن المصير إليك إلى غيرك، إعراضا. (فكيف إذا أصبتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسنا وتوفيقا [ 62 ] أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [ 63 ] اللغة: الحلف: القسم، ومنه الحليف لتحالفهم فيه على الامر. وأصل البلاغة: البلوغ، يقال بلغ الرجل بالقول، يبلغ، بلاغة، فهو بليغ: إذا صار يبلغ بعبارته كثيرا من ما في قلبه. ويقال: أحمق بلغ وبلغ: إذا كان مع حماقته يبلغ حيث يريد. وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة. الإعراب: موضع (كيف): رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة، فكأنه قال: الاساءة صنيعهم بالجرأة على كذبهم، أم الاحسان صنيعهم بالتوبة من جرمهم. ويجوز أن يكون موضع (كيف) نصبا، وتقديره: كيف يكونوا أمصرين أم تائبين يكونون. ولو قلت إنه رفع على معنى كيف بك ؟ كأنه قال: أصلاح بك، أم فساد بك، فيكون مبتدأ محذوف الخبر. و (يحلفون): في موضع نصب على الحال. وإن أردنا إلا إحسانا جواب القسم، و (إحسانا): مفعول به: أي أردنا إحسانا. المعنى: ثم عطف تعالى على ما تقدم بقوله (فكيف) صنيع هولاء (إذا أصابتهم مصيبة): أي نالتهم من الله عقوبة (بما قدمت أيديهم): بما كسبت أيديهم من النفاق، وإظهار السخط لحكم النبي (ثم جاءوك) يا محمد (يحلفون): يقسمون (بالله إن أردنا إلا إحسانا): أي ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا التخفيف عنك، فإنا نحتشمك برفع الصوت في مجلسك، ونقتصر على من

[ 118 ]

يتوسط لنا برضاء الخصمين، دون الحكم المورث للضغائن. فقوله: (إلا إحسانا): أي إحسانا إلى الخصوم (وتوفيقا) بينهم بالتماس التوسعة دون الحمل على مر الحكم. وأراد (بالتوفيق): الجمع والتأليف. وقيل: (توفيقا): أي طلبا لما يوافق الحق. وقيل: إن المعني بالاية عبد الله بن أبي. والمصيبة: ما أصابه من الذل برجعتهم من غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، حين نزلت سورة المنافقين، فاضطر إلى الخشوع والاعتذار. وسنذكر ذلك إن شاء الله في سورة المنافقين، أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله في الاقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه، ليتقي به النار، يقولون: ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين (1) بني المصطلق، ذكره الحسين بن علي المغربي. وفي الاية دلالة على أنه قد تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد من الذنوب، ثم اختلف في ذلك، فقال أبو علي الجبائي: لا يكون ذلك إلا عقوبة إلا في التائب. وقال أبو هاشم: يكون ذلك لطفا. وقال القاضي عبد الجبار: قد يكون ذلك لطفا، وقد يكون جزاء، وهو موقوف على الدليل. (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) من الشرك، والنفاق، والخيانة، (فأعرض عنهم): أي لا تعاقبهم، (وعظهم) بلسانك، (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا): أي قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم. فهذا هو القول البليغ، لانه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، عن الحسن. وقيل معناه: فأعرض عن قبول الاعتذار منهم، وعظهم مع ذلك، وخوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم، إن عادوا لمثل ما فعلوه، عن أبي علي الجبائي. وفي قوله: (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) دلالة على فضل البلاغة، وحث على اعتمادها بأوضح بيان، لكونها أحد أقسام الحكمة، لما فيها من بلوغ المعنى الذي يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز، مع حسن الترتيب. (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله


(1) [ في غزوة ]. (*)

[ 119 ]

توابا رحيما [ 64 ] الإعراب: ما في قوله (وما أرسلنا): نافية فلذلك قال (من رسول) لان من لا تزاد في الإيجاب، وزيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك: ما جاءني من أحد. ولو موضوعة للفعل لما فيها من معنى الجزاء، تقول: لو كان كذا لكان كذا. ولا تأتي بعدها إلا أن خاصة، وإنما أجيز في أن خاصة أن تقع بعدها، لانها كالفعل في إفادة التأكيد. فموضع أن بعد لو مع اسمها وخبرها، رفع بكونه فاعل الفعل المضمر بعد لو، وتقديره لو وقع أنهم جاءوك وقت ظلمهم أنفسهم: أي لو وقع مجيئهم. المعنى: ثم لامهم سبحانه على ردهم أمره، وذكر أن غرضه من البعثة الطاعة، فقال: (وما أرسلنا من رسول): أي لم نرسل رسولا من رسلنا (إلا ليطاع) عني به أن الغرض من الإرسال أن يطاع الرسول، ويمتثل بما يأمر به، وإنما اقتضى ذكر طاعة الرسول هنا أن هؤلاء المنافقين الذين يتحاكمون إلى الطاغوت، زعموا أنهم يؤمنون به، وأعرضوا عن طاعته، فبين الله أنه لم يرسل رسولا إلا ليطاع. وقوله: (بإذن الله): أي بأمر الله الذي دل به على وجوب طاعتهم، والاذن على وجوه أحدها: يكون بمعنى اللطف كقوله (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله). وثانيها: بمعنى التخلية كقوله تعالى: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله). وثالثها: بمعنى الامر كما في الاية (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم): أي بخسوها حقها بإدخال الضرر عليها بفعل المعصية، من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب، بفعل الطاعة. وقيل: ظلموا أنفسهم بالكفر والنفاق. (جاءوك) تائبين مقبلين عليك، مؤمنين بك، (فاستغفروا الله) لذنوبهم، ونزعوا عما هم عليه، (واستغفر لهم الرسول) رجع من لفظ الخطاب في قوله (جاءوك) إلى لفظ الغيبة، جريا على عادة العرب المألوفة، واستغفرت لهم يا محمد ذنوبهم: أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم. (لوجدوا الله) هذا يحتمل معنيين: أحدهما: لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم، ورحمته إياهم. والثاني: لعلموا الله توابا رحيما، والوجدان يكون بمعنى العلم، وبمعنى الادراك، فلا يجوز أن يكون على ظاهره هنا بمعنى الادراك، لانه سبحانه غير مدرك في نفسه (توابا): أي قابلا لتوبتهم (رحيما) بهم في التجاوز عما قد سلف منهم. وفي قوله (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع) أوكد دلالة على بطلان

[ 120 ]

مذهب المجبرة، والقائلين بأن الله يريد أن يعصي أنبياءه قوم، ويطيعهم آخرون. وذكر الحسن في هذه الاية أن اثني عشر رجلا من المنافقين، ائتمروا فيما بينهم، واجتمعوا على أمر مكيدة لرسول الله، فأتاه جبرائيل، فأخبره بها، فقال عليه السلام: " إن قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه فليقوموا وليستغفروا الله وليعترفوا بذلك حتى أشفع لهم "، فلم يقوموا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرارا: ألا تقومون ؟ فلم يقم أحد منهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: قم يا فلان، قم يا فلان، حتى عد اثني عشر رجلا. فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا، فاشفع لنا. فقال: الآن أخرجوا عني، أنا كنت في أول أمركم أطيب نفسا بالشفاعة، وكان الله أسرع إلى الاجابة. فخرجوا عنه حتى لم يرهم. وفي الاية دلالة على أن مرتكب الكبيرة، يجب عليه الاستغفار، فإن الله سيتوب عليه بأن يقبل توبته. ويدل أيضا على أن مجرد الاستغفار لا يكفي مع كونه مصرا على المعصية، لانه لم يكن ليستغفر لهم الرسول، ما لم يتوبوا، بل ينبغي أن يتوب ويندم على ما فعله، ويعزم في القلب على أن لا يعود أبدا إلى مثله، ثم يستغفر الله باللسان، ليتوب الله عليه. (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ 65 ] اللغة: شجر الامر، شجرا، وشجورا: إذا اختلط. وشاجره في الامر: إذا نازعه، وتشاجروا فيه. وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض، كتداخل الشجر بالتفافه. وأصل الحرج: الضيق، وفي الحديث: " حدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج " أي لا ضيق. وقيل: لا إثم. الاعراب: (لا). دخلت في أول الكلام، لانها رد لكلام، فكأنه قيل: فليس الامر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم فقال (وربك لا يؤمنون) وقيل: إن (لا) ههنا توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد، لان ذكر النفي في أول الكلام وآخره، أوكد، فإن النفي يقتضي أن يكون له صدر الكلام. وقد اقتضى القسم أن يكون النفي في الجواب. و (تسليما): مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانيا، ومن حق التوكيد أن يكون محققا لما

[ 121 ]

تذكره في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضربا، فمعناه أحدثت ضربا أحقه حقا. النزول: قيل: نزلت في الزبير، ورجل من الانصار، خاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في شراج من الحرة (1)، كانا يسقيان بها النخل، كلاهما، فقال النبي للزبير: أسق، ثم أرسل إلى جارك. فغضب الانصاري، وقال: يا رسول الله لئن كان ابن عمتك ! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال للزبير: أسق يا زبير، ثم إحبس الماء، حتى يرجع إلى الجدر، واستوف حقك، ثم أرسل إلى جارك. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه. فلما أحفظ رسول الله، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم ويقال: إن الرجل كان حاطب بن أبي بلتعة. قال الراوي: ثم خرجا، فمرا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا بلتعة ؟ قال: قضى لابن عمته - ولوى شدقه - ففطن لذلك يهودي، كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء، يزعمون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله ! لقد أذنبنا مرة واحدة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة، فقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا، حتى رضي عنا ! فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت. فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وليه شدقه هذه الاية. وقال الشعبي: نزلت في قصة بشر المنافق واليهودي، اللذين اختصما إلى عمر، وقد مضى ذكرهما. المعنى: ثم بين الله أن الايمان إنما هو بالتزام حكم رسول الله، والرضاء به، فقال: (فلا): أي ليس كما تزعمون أنهم يؤمنون، مع محاكمتهم إلى الطاغوت (وربك لا يؤمنون): أقسم الله إن هؤلاء المنافقين لا يكونون مؤمنين، ولا يدخلون في الايمان (حتى يحكموك): أي حتى يجعلوك حكما، أو حاكما (فيما شجر بينهم): أي فيما وقع بينهم من الخصومة، والتبس عليهم من أحكام الشريعة (ثم لا يجدوا في أنفسهم): أي في قلوبهم (حرجا): أي شكا في أنما قلته حق، عن مجاهد. وقيل: إثما: أي لا يأثمون بإنكار ذلك، عن الضحاك. وقيل: ضيقا


(1) الشراج جمع الشرجة: وهي مسيل الماء من الحرة إلى السهل. الحرة: أرض ذات حجارة نخرة سود، كأنها احرقت بالنار. (*)

[ 122 ]

بشك، أو إثم، عن أبي علي الجبائي، وهو الوجه (مما قضيت): أي حكمت. (ويسلموا تسليما): أي ينقادوا لحكمك إذعانا لك، وخضوعا لامرك. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لو أن قوما عبدوا الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصاموا شهر رمضان، وحجوا البيت، ثم قالوا لشئ صنعه رسول الله ألا صنع خلاف ما صنع، أو وجدوا من ذلك حرجا في أنفسهم، لكانوا مشركين "، ثم تلا هذه الاية. (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ديركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا [ 66 ] وإذا لأتينهم من لدنا أجرا عظيما [ 67 ] ولهدينهم صراطا مستقيما [ 68 ] القراءة: قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، (أن اقتلوا) بضم النون، (أو اخرجوا) بضم الواو. وقرأ عاصم، وحمزة بكسرهما. وقرأ أبو عمرو بكسر النون، وضم الواو. وقرأ ابن عامر وحده: (إلا قليلا) بالنصب. وهو كذلك في مصاحف أهل الشام. وقرأ الباقون بالرفع. الحجة: قال أبو علي: أما فصل أبي عمرو بين الواو والنون، فلأن الضم بالواو أحسن، لانها تشبه واو الضمير. والجمهور في واو الضمير على الضم، نحو لا تنسوا الفضل بينكم. وقال: وإنما ضمت النون، لانها مكان الهمزة التي ضمت، لضم الحرف الثالث، فجعلت بمنزلتها، وإن كانت منفصلة. وفي الواو هذا المعنى. والمعنى الذي أشرنا إليه من مشابهته واو الضمير والضمة، في سائر هذه، أحسن، لانها في موضع الهمزة. قال أبو الحسن: وهي لغة حسنة، وهي أكثر في الكلام، وأقيس. ووجه قول من كسر أن هذه الحروف منفصلة من الفعل المضموم الثالث والهمزة متصلة بها، فلم يجروا المنفصل مجرى المتصل. قال: والوجه في قوله (إلا قليل) الرفع على البدل، فكأنه قال: ما فعله إلا قليل، فإن معنى ما أتاني أحد إلا زيد، وما أتاني إلا زيد واحد. ومن نصبه فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، فإن قولك: ما أتاني أحد، كلام تام، كما أن جاءني القوم، كذلك. فنصب مع النفي، كما نصب مع الإيجاب.

[ 123 ]

الإعراب: (لو): يمتنع بها الشئ لامتناع غيره، تقول: لو أتاني زيد لأكرمته. فالمعنى إن إكرامي امتنع لامتناع إتيان زيد فحقها أن يليها الفعل، فالتقدير هنا: لو وقع كتبنا عليهم، ويجوز أن يكون أن الشديدة كما نابت عن الاسم والخبر في قولك: حسبت أن زيدا عالم، نابت هنا عن الفعل والاسم، فيكون المعنى في قوله (ولو أنا كتبنا عليهم) كالمعنى في: لو كتبنا عليهم. وإذن: دخلت هنا لتدل على معنى الجزاء، ومعنى (إذن) جواب وجزاء، وهي تقع متقدمة، ومتوسطة، ومتأخرة، وإنما تعمل متقدمة خاصة، إلا أن يكون الفعل بعدها للحال، نحو: إذن أظنك خارجا. واللام في قوله لأتيناهم ولهديناهم اللام التي تقع في جواب لو، كما تقع في جواب القسم في قول امرئ القيس: حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا فما إن من حديث ولا صال (1) والفرق بين لام الجواب، ولام الابتداء: إن لام الابتداء لا تدخل إلا على الاسم المبتدأ، إلا في باب إن خاصة، فإنها تدخل على يفعل لمضارعته الاسم، وتقول علمت إن زيدا ليقوم، وعلمت أن زيدا ليقومن، فتكسر إن الاولى، لان علمت صارت متعلقة باللام في ليقوم فإنها لام الابتداء، أخرت إلى الخبر، لئلا يجتمع حرفان متفقان في المعنى، وتفتح أن الثانية، لانها لام الجواب، فاعرفه فإنه من دقائق النحو، وأسراره. (صراطا): مفعول ثان لهديناهم. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن سرائر القوم فقال (ولو أنا كتبنا): أي أوجبنا (عليهم): أي على هؤلاء الذين تقدم ذكرهم (أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) كما أوجبنا على قوم موسى، وألزمناهم ذلك، فقتلوا أنفسهم، وخرجوا إلى التيه (ما فعلوه): أي ما فعله هؤلاء، للمشقة التي لا يتحملها إلا المخلصون (إلا قليل منهم): قيل إن القليل الذي استثنى الله هو: ثابت بن قيس بن شماس. وقيل: هو جماعة من أصحاب رسول الله، قالوا: والله ! لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا، ومنهم عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، فقال النبي: " إن من أمتي لرجالا الايمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي ". (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به): أي ما يؤمرون به (لكان) ذلك (خيرا لهم وأشد تثبيتا): أي بصيرة في أمر


(1) صال: مستدفئ بالنار. (*)

[ 124 ]

الدين، كني عن البصيرة بهذا اللفظ، لان ما كان على بصيرة من أمر دينه، كان ذلك أدعى له إلى الثبات عليه، وكان هو أقوى في اعتقاد الحق، وأدوم عليه ممن لم يكن على بصيرة منه. وقيل: معناه أن قبولهم وعظ الله، ووعظ رسوله، في أمور الدين والدنيا، أشد تثبيتا لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال، وأبعد من الشبهات، كما قال: (والذين اهتدوا زادهم هدى). وقيل: إن معناه وأكثر انتفاعا بالحق، لان الانتفاع بالحق يدوم، ولا يبطل، لانه يتصل بثواب الآخرة، والانتفاع بالباطل، يبطل ويضمحل، ويتصل بعقاب الآخرة. قال البلخي: معنى الاية " لو فرض عليهما القتل، أو الخروج من الديار، لم يفعلوا، فإذا لم يفرض عليهم ذلك، فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه، فإن ذلك خير لهم، وأشد تثبيتا لهم على الايمان " وفي الدعاء: " اللهم ثبتنا على دينك " ومعناه: ألطف لنا ما نثبت معه عليه. (وإذا لآتيناهم): هذا متصل بما قبله: أي ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم: أي لأعطيناهم (من لدنا): أي من عندنا (أجرا عظيما) لا يبلغ أحد كنهه، ولا يعرف منتهاه، ولا يدرك قصواه وإنما ذكر من لدنا تأكيدا بأنه لا يقدر عليه غيره، وليدل على الاختصاص، فإن الأجر يجوز أن يصل إلى المثاب على يد بعض العباد، فإذا وصل الثواب إليه بنفسه، كان أشرف للعبد، وأبلغ في النعمة. (ولهديناهم صراطا مستقيما): أي ولثبتناهم مع ذلك على الطريق المستقيم. وقيل: معناه بما نفعله من الألطاف التي يثبتون معها على الطاعة، ويلزمون الاستقامة، وتقديره: ووفقناهم للثبات على الصراط المستقيم. وقيل: معناه ولهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنة، عن أبي علي الجبائي، قال: " ولا يجوز أن تكون الهداية هنا الإرشاد إلى الدين، لانه سبحانه وعد بها المؤمن المطيع، ولا يكون كذلك إلا وقد اهتدى ". (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصلحين وحسن أولئك رفيقا [ 69 ] ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما [ 70 ] اللغة: الصديق: المداوم على التصديق بما يوجبه الحق. وقيل: الصديق الذي عادته الصدق، وهذا البناء يكون لمن غلب على عادته فعل. يقال لملازم

[ 125 ]

السكر سكير ولملازم الشرب شريب. والشهداء: جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل الله، وليست الشهادة في القتل الذي هو معصية، لكنها حال المقتول في إخلاص القيام بالحق لله، مقرا وداعيا إليه، وهي من أسماء المدح، ويجوز للمرء أن يتمناها، ولا يجوز أن يتمنى قتل الكافر إياه لانه معصية. وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمر الله به من قتال عدوه، فأما الصبر على الألم بترك الأنين، فليس بواجب، وليس الأنين بممنوع عنه، بل هو مباح، إذا لم يقل ما يكرهه الله تعالى. والصالح: من استقامت نفسه بحسن عمله. والرفيق: الصاحب، وهو مشتق من الرفق في العمل: وهو الارتفاق فيه، ومنه المرافقة، والمرفق، والمرفق: من اليد، بكسر الميم، لأنه يرتفق به. وقوله: (ويهئ لكم من أمركم مرفقا) أي رفقا يصلح به أمركم (1) والفضل: في أصل اللغة، هو الزيادة على المقدار، وقد استعمل في النفع أيضا، وأفعال الله تعالى كلها فضل، وتفضل وإفضال، لانه لا يقتصر بالعبد على مقدار ما يستحق بمثل عمله فيما بين الناس، بل هو يزيد عليه زيادات كثيرة، ولا يجري ذلك على طريق المساواة. الإعراب: (رفيقا): نصب على التمييز، ولذلك لم يجمع فكأنه قال: حسن أولئك رفيقا. وقيل: إنه لم يجمع لان المعنى حسن كل أحد منهم رفيقا، كقوله سبحانه: (ثم نخرجكم طفلا) وقال الشاعر: نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأعين أعداء وهن صديق (2) وقيل إنه نصب على الحال، فإنه قد يدخل من في مثله فإذا أسقطت من فالحال هو الاختيار، لانه من الصفات الداخلة في أسماء الاجناس، ويكون للتوحيد لما دخله من بمعنى حسن كل واحد منهم مرافقا، ونظيره: لله دره فارسا: أي في حال الفروسية. النزول: قيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه، ونحل جسمه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا ثوبان ! ما غير لونك ؟ فقال: يا رسول الله ! ما بي من


(1) [ والمرفق بفتح الميم: من مرافق الدار. والرفقة: الجماعة في السفر لارتفاق بعضهم لبعض ]. (2) ارتمى الصيد: رماه. وفي التبيان " بأسهم " بدل " بأعين ". والبيت لجرير، اللسان (صدق). (*)

[ 126 ]

مرض، ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أني لا أراك هناك، لاني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حتى لا أراك أبدا ! فنزلت الاية، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: والذى نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأبويه، وأهله، وولده، والناس أجمعين وقيل: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنا لا نراك إلا في الدنيا، وأما في الاخرة، فإنك ترفع فوقنا بفضلك، فلا نراك ! فنزلت الاية، عن قتادة، ومسروق بن الاجدع. المعنى: ثم بين سبحانه حال المطيعين فقال: (ومن يطع الله) بالانقياد لامره ونهيه، (والرسول) باتباع شريعته والرضى بحكمه، (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) في الجنة. ثم بين المنعم عليهم فقال: (من النبيين والصديقين) يريد أنه يستمتع برؤية النبيين والصديقين، وزيارتهم، والحضور معهم، فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين، أنه لا يراهم. وقيل، في معنى الصديق: إنه المصدق بكل ما أمر الله به وبأنبيائه، لا يدخله في ذلك شك، ويؤيده قوله (والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون). (والشهداء): يعني المقتولين في الجهاد، وإنما سمي الشهيد شهيدا، لقيامة بشهادة الحق على جهة الاخلاص، وإقراره به، ودعائه إليه، حتى قتل. وقيل: إنما سمي شهيدا، لانه من شهداء الآخرة على الناس، وإنما يستشهدهم الله بفضلهم وشرفهم، فهم عدول الآخرة، عن الجبائي. وقال الشيخ أبو جعفر (رض): هذا لا يصح على مذهبه، فعنده لا يجوز أن يدخل الجنة إلا من هو عدل، والله سبحانه وتقدس، وعد من يطيعه بأنه يحشره مع هؤلاء، وينبغي أن يكون الموعود له غير الموعود بالكون معه وإلا فيصير التقدير أنهم مع نفوسهم. (والصالحين)، معناه: صلحاء المؤمنين الذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيين، والصديقين، والشهداء. والصالح: الفاعل للصلاح، الملازم له، المتمسك به. ويقال: هو الذي صلحت حاله، واستقامت طريقته. والمصلح: الفاعل لما فيه إصلاح، ولذلك يجوز المصلح في صفات الله تعالى، ولا يجوز الصالح. وإنما يقال: رجل صالح، أو مصلح، لانه يصلح نفسه وعمله (وحسن أولئك رفيقا) معناه.: من يكون هؤلاء رفقاء

[ 127 ]

له فأحسن بهم من رفيق، أو فما أحسنهم من رفيق. وقد مر معناه وإعرابه. وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " يا أبا محمد ! لقد ذكركم الله في كتابه، ثم تلا هذه الاية وقال: فالنبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن الصديقون، والشهداء، وأنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله تعالى ". (ذلك) إشارة إلى أن الكون مع النبيين والصديقين (الفضل من الله) تفضل به على من أطاعه (وكفى بالله عليما) بالعصاة، والمطيعين، والمنافقين، والمخلصين، ومن يصلح لمرافقة هؤلاء، ومن لا يصلح، لانه يعلم خائنة الأعين. وقيل: معناه: حسبك به علما، بكيفية جزاء المطيعين على حقه، وتوفير الحظ فيه. (يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا [ 71 ] اللغة: الحذر والحذر، لغتان مثل الإذن والأذن، والمثل والمثل، والنفر: الخروج إلى الغزو، وأصله الفزع، نفر ينفر نفورا: فزع. ونفر إليه: فزع من أمر إليه. والنفر: جماعة تفزع إلى مثلها. والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها فيما تختلف فيه. وقيل: إنما سميت بذلك، لأنهم يسألون الحاكم عند التنافر: أينا أعز نفرا. والثبات: جماعات في تفرقة، واحدتها ثبة، قال أبو ذؤيب. فلما اجتلاها بالإيام تحيرت * ثبات عليها ذلها واكتئابها (1) والإيام: الدخان. يصف العاسل وتدخينه على النحل، وقد يجمع الثبة: ثبون، وإنما جمع على الواو، وإن كان هذا الجمع مختصا بما يعقل للتعويض عن النقص الذي لحقه، لان أصله ثبوه، ومثله عضون، وسنون، وعزون، فإن صغرت قلت: ثبيات وسنيات، لان النقص قد زال. الإعراب: (ثبات): منصوبة على الحال من (انفروا) وذو الحال الواو و (جميعا)، أيضا: منصوب على الحال. المعنى: ثم أمر الله سبحانه المؤمنين بمجاهدة الكفار، والتأهب لقتالهم فقال:


(1) اجتلى النحل: دخن عليها ليشتار العسل. اكتأب: كأن في غم وسوء حال وانكسار من حزن. (*)

[ 128 ]

(يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) قيل فيه قولان أحدهما: إن معناه: احذروا عدوكم بأخذ السلاح، كما يقال للانسان خذ حذرك: أي إحذر. والثاني: إن معناه: خذوا أسلحتكم، سمى الاسلحة حذرا، لانها الآلة التي بها يتقى الحذر، وهو المروي عن أبي جعفر، وغيره. وأقول: إن هذا القول أصح لانه أوفق بمقايس كلام العرب، ويكون من باب حذف المضاف، وتقديره خذوا آلات حذركم، وأهب حذركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار خذوا حذركم (فانفروا) إلى قتال عدوكم: أي اخرجوا إلى الجهاد (ثبات): أي جماعات في تفرقة، ومعناه: أخرجوا فرقة بعد فرقة، فرقة في جهة، وفرقة أخرى في جهة أخرى. (أو انفروا جميعا): أي مجتمعين في جهة واحدة (1)، إذا أوجب الرأي ذلك. وروي عن أبي جعفر عليه السلام أن المراد بالثبات: السرايا، وبالجميع: العسكر. (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصبتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا [ 72 ] ولئن أصبكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما [ 73 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير حفص، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، غير هشام (كأن لم يكن) بالياء. والباقون (كأن لم تكن) بالتاء. وروي في الشواذ بالياء عن الحسن (ليقولن) بضم اللام. وروي عن يزيد النحوي، والحسن: (فأفوز) بالرفع. الحجة: من قرأ بالياء فلان التأنيث غير حقيقي، وحسن التذكير للفصل الواقع بين الفاعل والفعل، ومثل التذكير: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) (فمن جاءه موعظة من ربه) وفي موضع آخر: (قد جاءتكم موعظة من ربكم) فكلا الامرين قد جاء التنزيل به. ومن قرأ (ليقولن) بالضم فإنه أعاد الضمير إلى معنى (من) مثل قوله (ومنهم من يستمعون إليك) فإن قوله: (لمن ليبطئن) لا يعني به رجل واحد، وإنما معناه أن هناك جماعة هذه صفتهم. وأما من قرأ (فأفوز) فإنه على أن يتمنى


(1) [ وحالة واحدة ]. (*)

[ 129 ]

الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز، ولو جعله جوابا لنصبه أي: إن أكن معهم أفز. اللغة: التبطئة: التأخر عن الامر، يقال: ما بطأ بك عنا: أي ما أخرك عنا، ومثله الإبطاء: وهو إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث. وضده الإسراع: وهو قصر مدة العمل للتدبير فيه. ويقال بطأ في مشيه يبطأ بطأ: إذا ثقل. الإعراب: اللام الأولى التي في قوله (لمن): لام إن التي هي لام الابتداء، بدلالة دخولها على الاسم، والثانية التي في (ليبطئن): لام القسم، بدلالة دخولها على الفعل مع نون التأكيد. ومن موصولة بالجالب للقسم وتقديره وإن منكم لمن حلف بالله ليبطئن، وإنما جاز صلة من بالقسم، ولم يجز بالأمر والنهي، لان القسم خبر يوضح الموصول، كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه، لانك خصصته بوقوع الاكرام به في المستقبل، من كل رجل غيره، وليس كذلك في قولك: مررت برجل اضربه، لانه لا يتخصص بالضرب في الامر، كما يتخصص بالخبر " كأن " خففت النون لانك أردت كأنه، فحذفت الهاء، وصارت " لم " عوضا مما حذفت منه. قوله: (وكأن لم يكن بينكم وبينه مودة) جملة اعترضت بين المفعول وفعله، فإن قوله: (يا ليتني كنت معهم)، في موضع نصب بكونه مفعول يقولن كما أن قوله: (قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا) في موضع نصب بكونه مفعول. قال: وقوله (فأفوز) منصوب على جواب التمني بالفاء، وانتصابه بإضمار أن فيكون عطف اسم على إسم، وتقديره: يا ليتني كان لي حضور معهم ففوز، ولو كان العطف على ظاهره لكان: يا ليتني معهم ففزت. النزول: قيل إنها نزلت في المؤمنين لانه خاطبهم بقوله وإن منكم وقد فرق بين المؤمنين والمنافقين بقوله ما هم منكم ولا (1) منهم وقال أكثر المفسرين نزلت في المنافقين وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب لا من جهة الايمان وهو اختيار الجبائي. المعنى: لما حث الله على الجهاد، بين حال المتخلفين عنه فقال: (وإن منكم). خاطب المؤمنين، ثم أضاف المنافقين إليهم فقال (لمن ليبطئن): أي هم منكم في الحال الظاهرة، أو في حكم الشريعة، من حقن الدم، والمناكحة،


(1) [ أنتم ]. (*)

[ 130 ]

والموارثة. وقيل: منكم: أي من عدادكم ودخلائكم ويبطئ ويبطئ بالتشديد والتخفيف معناهما واحد: أي من يتأخر عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فإن أصابتكم مصيبة) فيه من قتل أو هزيمة، قال قول الشامت المسرور بتخلفه (قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا): أي شاهدا حاضرا في القتال، فكان يصيبني ما أصابهم. وقال الصادق عليه السلام: " لو أن أهل السماء والارض قالوا: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن مع رسول الله لكانوا بذلك مشركين " (ولئن أصابكم فضل من الله): أي فتح، أو غنيمة (ليقولن) يتحسر ويقول: (يا ليتني كنت معهم) وقوله: (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) اعتراض يتصل بما تقدمه قال: وتقديره قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة): أي لا يعاضدكم على قتال عدوكم، ولا يراعي الذمام الذي بينكم، عن أبي علي الفارسي. وقيل: إنه اعتراض بين القول والتمني، وتقديره ليقولن (يا ليتني كنت معهم فأفوز) من الغنيمة (فوزا عظيما). (كأنه ليس بينكم وبينه مودة): أي يتمنى الحضور، لا لنصرتكم، وإنما يتمنى النفع لنفسه. وقيل: إن الكلام في موضعه من غير تقديم وتأخير، ومعناه: ولئن أصابكم فضل من الله، ليقولن هذا المبطئ قول من لا تكون بينه وبين المسلمين مودة: أي كأنه لم يعاقدكم على الايمان، ولم يظهر لكم مودة على حال: يا ليتني كنت معهم: أي يتمنى الغنيمة دون شهود الحرب، وليس هذا من قول المخلصين، فقد عدوا التخلف في إحدى الحالتين نقمة من الله، وتمنوا الخروج معهم في إحدى الحالتين، لاجل الغنيمة، وليس ذلك من إمارات المودة، وعلى هذا فيكون قوله (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) في موضع النصب على الحال. وقال أبو علي الجبائي: إنه حكاية عن المنافقين، قالوا للذين أقعدوهم عن الجهاد: (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة): أي بين محمد مودة، فتخرجوا معه لتأخذوا معه من الغنيمة. وإنما قالوا ذلك ليبغضوا إليهم رسول الله (يا ليتني كنت معهم) وهذا التمني من قول المبطئين القاعدين تمنوا أن يكونوا معهم في تلك الغزوة، (فأفوز فوزا عظيما): أي أصيب غنيمة عظيمة، وآخذ حظا وافرا منها. (فليقتل في سبيل الله الذين يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة ومن يقتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا

[ 131 ]

عظيما [ 74 ] اللغة: يقال: شريت بمعنى بعت، واشتريت بمعنى ابتعت. ويشرون: يبيعون. وقال يزيد بن مفرغ: وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه (1) وبرد: إسم غلامه. الإعراب: (فيقتل أو يغلب): عطف على (يقاتل). وجواب الشرط: (فسوف نؤتيه). المعنى: لما أخبر الله سبحانه في الآية الاولى: إن قوما يتأخرون عن القتال، أو يبطؤون المومنين عنه، حث في هذه الاية على القتال فقال: (فليقاتل في سبيل الله) هذا أمر من الله وظاهر أمره يقتضي الوجوب: أي فليجاهد في سبيل الله: أي في طريق دين الله (الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة): أي الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية، ويجوز: يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الاخرة: أي يبذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، بتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله، وبيعهم إياها بالآخرة: هو استبدالهم إياها بالاخرة. (ومن يقاتل في سبيل الله): أي يجاهد في طريق دين الله. وقيل: في طاعة ربه، بأن يبذل ماله ونفسه ابتغاء مرضاته (فيقتل): أي يستشهد (أو يغلب): أي يظفر بالعدو، وفيه حث على الجهاد، فكأنه قال: هو فائز بإحدى الحسنيين: إن غلب، أو غلب (فسوف نؤتيه أجرا عظيما) أي: نعطيه أعلى أثمان العمل. وقيل: ثوابا دائما لا تنغيص فيه. (وما لكم لا تقتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا [ 75 ] اللغة: الولدان: جمع ولد، وولد وولدان، مثل خرب وخربان، وبرق


(1) أي كنت ميتا. (*)

[ 132 ]

وبرقان، وورل وورلان، والأغلب على بابه فعال نحو: جبال وجمال. وقد ذكرنا القرية في سورة البقرة. الإعراب: (ما): للاستفهام في موضع رفع بالابتداء. و (لا تقاتلون): في موضع نصب على الحال، وتقديره: أي شئ لكم تاركين للقتال. (والمستضعفين): جر بالعطف على ما عملت فيه (في) أي: وفي المستضعفين. وقال المبرد: هو عطف على اسم الله، وإنما جاز أن يجري الظالم صفة على القرية، وهو في المعنى للاهل، لانها قوية على العمل لقربها من الفعل، وتمكنها في الوصفية، بأنها تؤنث وتذكر، وتثنى وتجمع، بخلاف باب أفعل منك، فلذلك جاز مررت برجل الظالم أبوه، ولم يجز مررت برجل خير منه أبوه، بل يقال: مررت برجل منه خير منه أبوه، لتكون الجملة في موضع الجر. المعنى: ثم حث سبحانه على تخليص المستضعفين فقال: (وما لكم) أيها المؤمنون (لا تقاتلون) أي: أي عذر لكم في ترك القتال مع اجتماع الاسباب الموجبة للقتال (في سبيل الله): أي في طاعة الله. ويقال: في دين الله. ويقال: في نصرة دين الله. ويقال: في إعزاز دين الله وإعلاء كلمته (والمستضعفين) أي: وفي المستضعفين، أو في سبيل المستضعفين: أي نصرة المستضعفين. وقيل: في إعزاز المستضعفين، وفي الذب عن المستضعفين. (من الرجال والنساء والولدان) قيل: يريد بذلك قوما من المسلمين، بقوا بمكة، ولم يستطيعوا الهجرة منهم: سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وأبو جندل بن سهيل، جماعة كانوا يدعون الله أن يخلصهم من أيدي المشركين، ويخرجهم من مكة، وهم (الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها): أي يقولون في دعائهم: ربنا سهل لنا الخروج من هذه القرية: يعني مكة، عن ابن عباس، والحسن، والسدي، وغيرهم. (الظالم أهلها) أي: التي ظلم أهلها بافتتان المؤمنين عن دينهم، ومنعهم عن الهجرة (واجعل لنا) بألطافك وتأييدك (من لدنك): أي من عندك (وليا) يلي أمرنا بالكفاية، حتى ينقذنا من أيدي الظلمة (واجعل لنا من لدنك نصيرا) ينصرنا على من ظلمنا، فاستجاب الله تعالى دعاءهم. فلما فتح رسول الله مكة صلى الله عليه وآله وسلم جعل الله نبيه لهم وليا، فاستعمل على مكة عتاب بن أسيد، فجعله الله لهم نصيرا، فكان

[ 133 ]

ينصف الضعيف من الشديد، فأغاثهم الله فكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك. وفي هذه الاية دلالة على عظم موقع الدعاء من الله وإبطال قول من يزعم أن العبد لا يستفيد بالدعاء شيئا، لان الله حكى عنهم أنهم دعوا وأجابهم الله، وآتاهم سؤلهم، ولولا أنه استجاب دعاءهم، لما كان لذكر دعائهم معنى. (الذين آمنوا يقتلون في سبيل الله والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت فقاتلوا أولياء الشيطن إن كيد الشيطن كان ضعيفا [ 76 ] اللغة: الطاغوت: قد مر ذكره. والكيد: السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال، تقول كاد، يكيد، كيدا، فهو كائد: إذا عمل في إيقاع الضرر به على وجه الحيلة فيه. المعنى: ثم شجع المجاهدين، ورغبهم في الجهاد بقوله (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله): أي في طاعة الله، وفي نصرة دينه، وإعلاء كلمته، وابتغاء مرضاته، بلا عجب، ولا صلف (1)، ولا طمع في غنيمة (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) وطاعته. (فقاتلوا أولياء الشيطان) يعني جميع الكفار. وهذا يقوي قول من قال: إن الطاغوت الشيطان (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) دخلت (كان) هاهنا مؤكدة لتدل على أن الضعف لكيد الشيطان لازم في جميع الاحوال والاوقات، ما مضى منها، وما يستقبل، وليس هو عارضا في حال دون حال، وإنما وصف سبحانه كيد الشيطان بالضعف، بالاضافة إلى نصرة الله المؤمنين، عن الجبائي. وقيل: لانه أخبر بأنه سيظهر عليهم المؤمنين، عن الحسن. وقيل: لضعف دواعي أولياء الشيطان إلى القتال، إذ لا بصيرة لهم، وإنما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة، والمؤمنون يقاتلون بما تدعو إليه الحجة. (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن


(1) صلف صلفا: تمدح بما ليس فيه أو عنده وادعى فوق ذلك إعجابا وتكبرا. (*)

[ 134 ]

اتقى ولا تظلمون فتيلا [ 77 ] القراءة: (لا يظلمون) بالياء مكي كوفي، غير عاصم. والباقون بالتاء. الحجة: من قرأ بالياء فلما تقدم من ذكر الغيبة، من قوله: (ألم تر إلى الذين قيل لهم) ومن قرأ بالتاء فلانه ضم إليهم في الخطاب المسلمين، فغلب الخطاب على الغيبة. الإعراب: إذا فريق منهم: إذا هذه ظرف مكان، وهي بمنزلة الفاء في تعليقه الجملة بالشرط، وتسمى ظرف المكان كما في قول الشاعر: وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا * إذا إنه عبد القفا واللهازم (1) فهي في محل النصب ب‍ (يخشون)، والكاف في (خشية الله): في محل النصب للمصدر و (أشد): معطوف عليه، و (خشية): منصوب على التمييز، وهو مما انتصب بعد تمام الاسم للمصدر. و (لولا): معناه التحضيض، ولا تدخل إلا على الفعل. النزول: قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الاسود الكندي، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، كانوا يلقون من المشركين أذى شديدا، وهم بمكة، قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون: يا رسول الله ! إئذن لنا في قتال هؤلاء، فإنهم قد آذونا. فلما أمروا بالقتال وبالمسير إلى بدر، شق على بعضهم، فنزلت هذه الاية. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى ذكر القتال ومن كرهه، فقال: (ألم تر إلى الذين قيل لهم) وهم بمكة (كفوا أيديكم): أي أمسكوا عن قتال الكفار، فإني لم أومر بقتالهم (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب) أي فرض (عليهم القتال) وهم بالمدينة (إذا فريق منهم) أي جماعة منهم (يخشون الناص كخشية الله) أي: يخافون القتل من الناس كما يخافون الموت من الله. وقيل: يخافون الناس أن


(1) اللهازم جمع اللهزمة: عظم ناتئ في اللحى تحت الاذن. أي فإذا علمت أنه ذليل يضرب على قفاه لهزمتيه. وقال في (الخزانة: 4 / 304): " وهذا البيت في أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائل بيت منها ". (*)

[ 135 ]

يقتلوهم كما يخافون الله أن يتوفاهم. وقيل: يخافون عقوبة الناس بالقتل، كما يخافون عقوبة الله (أو أشد خشية) قيل: إن (أو) هنا بمعنى الواو: أي أشد خشية. وقيل: إن (أو) هنا لإيهام الامر على المخاطب. وقد ذكرنا الوجوه في مثل هذا عند ذكر قوله سبحانه (أو أشد قسوة) في سورة البقرة. (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال) قال الحسن: لم يقولوا ذلك كراهية لأمر الله، ولكن لدخول الخوف عليهم بذلك، على ما يكون من طبع البشر. ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك استفهاما لا إنكارا. وقال: إنما قالوا ذلك لأنهم ركنوا إلى الدنيا، وآثروا نعيمها. وعلى الأقوال كلها فلو لم يقولوا ذلك لكان خيرا لهم (لولا أخرتنا): أي هلا أخرتنا (إلى أجل قريب) وهو إلى أن نموت بآجالنا، ثم أعلم الله تعالى أن الدنيا بما فيها من وجوه المنافع قليل، فقال (قل) يا محمد لهؤلاء (متاع الدنيا): أي ما يستمتع به من منافع الدنيا (قليل) لا يبقى (والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) أي: ولا تبخسون هذا القدر، فكيف ما زاد عليه. والفتيل: ما تفتله بيدك من الوسخ، ثم تلقيه، عن ابن عباس. وقيل: ما في شق النواة، لانه كالخيط المفتول. (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا [ 78 ] القراءة: روي في الشواذ أن طلحة بن سليمان قرأ (يدرككم الموت) برفع الكاف. الحجة: هذه القراءة ضعيفة على أن لها وجها وهو أن يكون على حذف الفاء، فكأنه قال: فيدرككم الموت، ومثله بيت الكتاب. من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان (1)


(1) قائل البيت هو عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقيل لكعب بن مالك. وقبله: فإنما هذه الدنيا وزهرتها * كالزاد لا بد يوما أنه فاني (راجع شرح شواهد المغني للسيوطي: 1 / 178). (*)

[ 136 ]

أي: فالله يشكرها. اللغة: البروج:. جمع برج، وأصله من الظهور. يقال: تبرجت المرأة إذا أظهرت محاسنها. والبرج: اتساع في العين لظهور العين بالاتساع. والمشيدة: المزينة بالشيد، وهو الجص. والشيد: رفع البناء. يقال شاد بناءه يشيده: إذا رفعه. وإنما قيل للجص: شيد، لانه مما يرتفع به البناء، ويجوز أشاد الرجل بناءه: إذا رفعه. فأما في الذكر، فإنه أشاد بذكره لا غير. والفقه: الفهم. يقال: فقه الرجل يفقه فقها، والاسم الفقيه. وصار بعرف الاستعمال علما على علم الفقهاء من علوم الدين. وفقه الرجل يفقه فقاهة: إذا صار فقيها. والتفقه: تعلم الفقه. الاعراب: أين: من الظروف التي يجازى بها بتضمنها معنى أن ولا يلزمه ما تقول أين تكن أكن، وأينما تكن أكن، وهي تستغرق الامكنة كما أن متى تستغرق الازمنة، وكتبت (أينما) هنا موصولة وفي قوله (أين ما كنتم توعدون) مفصولة، لان ما هاهنا مزيدة، وهنالك بمعنى الذي. فوصلت هذه كما توصل الحروف، وفصلت تيك، كما تفصل الاسماء، و (ما لهؤلاء) كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة بها وأنهما حرف واحد، ففصلوا اللام مما بعده في بعض المواضع، ووصلوها في بعضها، ولا يجوز الوقف على (اللام) لانها اللام الجارة. المعنى: ثم خاطبهم تعالى فقال: (أينما تكونوا يدرككم الموت): أينما كنتم من المواضع والاماكن ينزل بكم الموت، ويلحقكم (ولو كنتم في بروج مشيدة) قيل: يعني بالبروج: القصور، عن مجاهد، وقتادة، وابن جريج. وقيل: قصور في السماء بأعيانها، عن السدي، والربيع. وقيل: المراد به بروج السماء. وقيل: البيوت التي فوق الحصون، عن الجبائي وقيل: الحصون والقلاع، عن ابن عباس. فهذه خمسة أقوال. والمشيدة: المجصصة، عن عكرمة. وقيل: المزينة، عن أبي عبيدة. وقيل: المطولة في ارتفاع، عن الزجاج، وغيره. (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله) اختلف في من حكى عنهم هذه المقالة، فقيل: هم اليهود، قالوا: ما زلنا نعرف النقص في اثمارنا، ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل، عن الزجاج، والفراء. فعلى هذا يكون معناه: وإن أصابهم خصب ومطر، قالوا: هذا من عند الله، وإن أصابهم قحط وجدب، قالوا: هذا من شؤم محمد كما حكى

[ 137 ]

عن قوم موسى: (وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) ذكره البلخي، والجبائي، وهو المروي عن الحسن، وابن زيد. وقيل: هم المنافقون: عبد الله بن أبي، وأصحابه، الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد، وقالوا للذين قتلوا في الجهاد: لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا. فعلى هذا يكون معناه: إن يصبهم ظفر وغنيمة، قالوا: هذا من عند الله، وإن يصبهم مكروه وهزيمة، قالوا: هذه من عندك يا محمد، بسوء تدبيرك، وهو المروي عن ابن عباس، وقتادة. وقيل: هو عام في اليهود والمنافقين، وهو الاصح. وقيل: هو حكاية عمن سبق ذكره قبل الاية، وهم الذين يقولون ربنا لم كتبت علينا القتال، وتقديره: وإن تصب هؤلاء حسنة، يقولوا: هذه من عند الله (وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك): قال ابن عباس، وقتادة: الحسنة والسيئة: السراء والضراء، والبؤس والرخاء، والنعم والمصيبة، والخصب والجدب. وقال الحسن، وابن زيد: هو القتل والهزيمة، والظفر والغنيمة (قل) يا محمد (كل من عند الله): أي جميع ما مضى ذكره من الموت والحياة، والخصب والجدب، من عند الله، وبقضائه وقدره، ولا يقدر أحد على رده ودفعه. ابتلى بذلك عباده ليعرضهم لثوابه بالشكر عند العطية، والصبر على البلية (فما لهؤلاء القوم): أي ما شأن هؤلاء المنافقين (لا يكادون يفقهون حديثا): أي لا يقربون فقه معنى الحديث الذي هو القرآن، لانهم يبعدون منه بإعراضهم عنه، وكفرهم به. وقيل: معناه لا يفقهون حديثا: أي لا يعلمون حقيقة ما يخبرهم به أنه من عند الله من السراء والضراء، على ما وصفناه. (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلنك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا [ 79 ] الإعراب: (رسولا): منصوب ب‍ (أرسلناك) وإنما ذكره تأكيدا لان أرسلناك دل على أنه رسول. و (شهيدا): نصب على التمييز. ومعنى (من) في قوله (من حسنة)، و (من سيئة) التبيين. ولو قال: إن أصابك من حسنة كانت من زائدة، لا معنى لها. المعنى: (ما أصابك من حسنة فمن الله) قيل: هذا خطاب للنبي، والمراد به الامة، عن الزجاج. وقيل: خطاب للإنسان أي ما أصابك أيها الإنسان، عن قتادة،

[ 138 ]

والجبائي، قال: وعنى بقوله (من حسنة): من نعمة في الدين والدنيا، فإنها من الله (وما أصابك من سيئة): أي من المعاصي (فمن نفسك) وقيل: عنى بالحسنة: ما أصابهم يوم بدر من الغنيمة، وبالسيئة ما أصابهم يوم أحد من الهزيمة، عن ابن عباس. قال أبو مسلم: معناه لما جدوا في القتال يوم بدر، وأطاعوا الله، آتاهم النصر. ولما خالفوا يوم أحد، خلى بينهم، فهزموا. وقيل: الحسنة: الطاعة. والسيئة: المعصية، عن أبي العالية. قالى أبو القسم: وهذا كقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقيل: الحسنة: النعمة، والرخاء. والسيئة: القحط، والمرض، والبلاء، والمكاره، واللأواء، والشدائد، التي تصيبهم في الدنيا بسبب المعاصي التي يفعلونها، وربما يكون لطفا، وربما يكون على سبيل العقوبة، وإنما سماها (سيئة) مجازا، لان الطبع ينفر عنها، وإن كانت أفعالا حسنة غير قبيحة، فيكون المعنى على هذا: ما أصابك من الصحة، والسلامة، وسعة الرزق، وجميع نعم الدين، والدنيا فمن الله. وما أصابك من المحن، والشدائد، والآلام، والمصائب، فبسبب ما تكسبه من الذنوب، كما قال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقوله: (فمن نفسك) معناه: فبذنبك، عن الحسن، وجماعة من المفسرين. وفسره أبو القسم البلخي فقال: ما أصاب المكلف من مصيبة، فهي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة ذنب كبير، أو تأديب وقع لاجل تفريط، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ما من خدش بعود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر " وقيل: (فمن نفسك) أي: من فعلك. وقال علي بن عيسى: " وفي الاية دلالة على أن الله لا يفعل الالم إلا على وجه اللطف، أو العقاب، دون مجرد العوض، لان المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد، فهي إما أن تكون عقوبة، وإما أن تكون من قبل تأديب للمصلحة " وقوله: (وأرسلناك للناس رسولا) معناه: ومن الحسنة إرسالك يا محمد، ومن السيئة خلافك يا محمد (وكفى بالله شهيدا) لك وعليك. وقيل في معنى اتصاله بما قبلها: إن ما أصابهم فبشؤم ذنوبهم، وإنما أنت رسول، طاعتك طاعة الله، ومعصيتك معصية الله، لا يطير بك، بل الخير كله فيك (وكفى بالله شهيدا) أي كفى الله، ومعناه: حسبك الله

[ 139 ]

شاهدا لك على رسالتك. وقيل، معناه: كفى بالله شهيدا على عباده بما يعملون من خير وشر، فعلى هذا يكون متضمنا للترغيب في الخير، والتحذير عن الشر. (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا [ 80 ] ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [ 81 ] القراءة: قرأ أبو عمرو بادغام التاء في الطاء من (بيت طائفة)، وبه قرأ حمزة. والباقون بالإظهار. الحجة: إنما حسن إدغام التاء في الطاء، للتقارب الذي بينهما، بأنهما من حيز واحد، ولم يحسن إدغام الطاء في التاء، لان الطاء تزيد على التاء بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص صوتا من الحروف، في الأزيد صوتا، بحسب قبح إدغام الأزيد في الأنقص. ومن بين ولم يدغم فلانفصال الحرفين، واختلاف المخرجين. اللغة: قال المبرد: التبييت: كل شئ دبر ليلا، قال عبيدة بن هشام: أتوني فلم أرض ما بيتوا * وكانوا أتوني لأمر نكر والبيوت: الأمر يبيت عليه صاحبه مهتما به. والبيات والتبييت: أن يأتي العدو ليلا، فأصل التبيت: إحكام الامر ليلا، وأصل الوكيل: القائم بما فوض إليه التدبير. الإعراب: جواب الجزاء في قوله: (فما أرسلناك عليهم حفيظا) تقديره: ومن تولى فليس عليك بأس، لأنك لم ترسل حفيظا عليهم. و (طاعة): مبتدأ، أي: عندنا طاعة، أو خبر مبتدأ محذوف أي: أمرنا طاعة ولو نصبت على تطيع طاعة، جاز. المعنى: ثم رغب تعالى في طاعة الرسول فقال (من يطع الرسول فقد أطاع الله): بين أن طاعته طاعة الله، وإنما كانت كذلك لأنها وإن كانت طاعة للنبي من حيث وافقت إرادته المستدعية للفعل، فإنها طاعة الله أيضا على الحقيقة، إذ كانت

[ 140 ]

بأمره وإرادته. فأما الامر الواحد، فلا يكون على الحقيقة من أمرين، كما أن الفعل الواحد لا يكون من فاعلين (ومن تولى) أي: ومن أعرض، ولم يطع (فما أرسلناك عليهم حفيظا): أي حافظا لهم من التولي، حتى يسلموا، عن ابن زيد، قال: فكان هذا أول ما بعث، كما قال في موضع آخر: (إن عليك إلا البلاغ) ثم أمر فيما بعد بالجهاد. وقيل: معناه ما أرسلناك حافطا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لا تقوم بها، لأنا نحن نجازيهم عليها. وقيل: حافظا لهم من المعاصي حتى لا تقع، عن الجبائي. وفي هذه الاية تسلية للنبي في تولي الناس عنه، مع ما فيه من تعظيم شأنه، بكون طاعته طاعة الله، ثم بين أن المنافقين أظهروا طاعته، وأضمروا خلافه، بقوله: (ويقولون طاعة) يعني به المنافقين، عن الحسن، والسدي، والضحاك. وقيل: المراد به المسلمون الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، يقولون أمرك طاعة، كأنهم قالوا: قابلنا أمرك بالطاعة (فإذا برزوا): أي خرجوا (من عندك بيت طائفة منهم): أي قدر جماعة منهم ليلا (غير الذي تقول): أي غير ما تقولون على جهة التكذيب، عن الحسن، وقتادة. وقيل: معناه غيروا بالليل، وبدلوا ما قالوه، بأن أضمروا الخلاف عليك، فيما أمرتهم به، ونهيتهم عنه، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. وقيل: دبروا ليلا غير ما أعطوك نهارا، عن أبي عبيدة، والقتيبي. (والله يكتب ما يبيتون) في اللوح المحفوظ، ليجازيهم به. وقيل: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، عن الزجاج. (فأعرض عنهما) أمر الله نبيه بالإعراض عنهم، وأن لا يسميهم بأعيانهم إبقاء عليهم، وسترا لأمورهم إلى أن يستقر أمر الاسلام (وتوكل على الله): أي فوض أمرك إليه، وثق به (وكفى بالله وكيلا): أي حفيظا لما تفوضه إليه من التدبير. (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا [ 82 ] وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن إلا قليلا [ 83 ]

[ 141 ]

اللغة: التدبر: النظر في عواقب الامور. والتدابر: التقاطع، لان كل واحد يولي الآخر دبره بعداوته له. ودبر القوم، يدبرون، دبارا: هلكوا، لانهم يذهبون في جهة الإدبار عن الغرض. والفرق بين التدبر والتفكر: إن التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل. والاختلاف هو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته، كالسواد الذي لا يسد مسد البياض، وكذلك الذهاب في الجهات المختلفة. وأصل الإذاعة: التفريق، قال تبع لما ورد المدينة: ولقد شربت على براجم شربة * كادت بباقية الحياة تذيع أي تفرق، وبراجم: ماء بالمدينة كان يشرب منه، فتشبثت بحلقه علقة وذاع الخبر ذيعا، ورجل مذياع: لا يستطيع كتمان خبر. وأذاع الناس بما في الحوض: إذا شربوه، وأذاعوا بالمتاع: ذهبوا به. والإذاعة، والإشاعة، والإفشاء، والإعلان، والإظهار: نظائر. وضده الكتمان، والإسرار، والإخفاء. وأصل الإستنباط: الإستخراج. يقال لكل ما استخرج حتى يقع عليه رؤية العين، أو معرفة القلب: قد استنبط. والنبط: الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر. وأنبط فلان: أي استنبط الماء من طين حر، ومنه اشتقاق النبط لاستنباطهم العيون. المعنى: (أفلا يتدبرون القرآن) أي أفلا يتفكر اليهود والمنافقون في القرآن، إذ ليس فيه خلل، ولا تناقض، ليعلموا أنه حجة. وقيل: ليعلموا أنهم لا يقدرون على مثله، فيعرفوا أنه ليس بكلام أحد من الخلق. وقيل: ليعرفوا اتساق معانيه، وائتلاف أحكامه وشهادة بعضه لبعض، وحسن عباراته. وقيل: ليعلموا كيف اشتمل على أنواع الحكم من أمر بحسن، ونهي عن قبيح، وخبر عن مخبر صدق، ودعاء إلى مكارم الاخلاق، وحث على الخير والزهد، مع فصاحة اللفظ، وجودة النظم، وصحة المعنى، فيعرفوا أنه خلاف كلام البشر. والاولى أن تحمل على الجميع لان من تدبر فيه علم جميع ذلك (ولو كان من عند غير الله) أي كلام غير الله: أي لو كان من عند النبي، أو كان يعلمه بشر كما زعموا (لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه لوجدوا فيه اختلاف تناقض من جهة حق وباطل، عن قتادة، وابن عباس. والثاني: اختلافا في الإخبار عما يسرون. عن الزجاج. والثالث: من جهة بليغ ومرذول، عن أبي علي.

[ 142 ]

والرابع: تناقضا كثيرا، عن ابن عباس. وذلك أن كلام البشر إذا طال، وتضمن من المعاني ما تضمنه القرآن، لم يخل من التناقض في المعاني والاختلاف في اللفظ، وكل هذه المعاني منفي عن كلام الله كما قال: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وهذه الاية تضمنت الدلالة على معان كثيرة. منها: بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في أصول الدين، لانه دعا إلى التفكر والتدبر، وحث على ذلك. ومنها: فساد قول من زعم أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول من الحشوية، وغيرهم، لانه حث على تدبره ليعرفوه ويتبينوه ومنها: إنه لو كان من عند غيره لكان على وزان كلام عباده، ولوجدوا الاختلاف فيه. ومنها: إن المتناقض من الكلام، لا يكون من فعل الله، لانه لو كان من فعله، لكان من عنده، لا من عند غيره، والاختلاف في الكلام، يكون على ثلاثة أضرب: اختلاف تناقض، واختلاف تفاوت، واختلاف تلاوة: واختلاف التفاوت يكون في الحسن والقبح، والخطأ والصواب، ونحو ذلك، مما تدعو إليه الحكمة، وتصرف عنه، وهذا الجنس من الاختلاف لا يوجد في القرآن البتة، كما لا يوجد اختلاف التناقض. وأما اختلاف التلاوة: فهو ما يتلاوم في الجنس، كاختلاف وجوه القرآن، واختلاف مقادير الايات والسور، واختلاف الاحكام في الناسخ والمنسوخ، فذلك موجود في القرآن، وكله حق، وكله صواب، واستدل بعضهم بانتفاء التناقض عن القرآن على أنه من فعل الله، بأن قال: لو لم يكن ذلك دلالة لما أخبرنا الله به، ولو لم يخبر بذلك، لكان لقائل أن يقول إنه يمكن أن يتحفظ في الكلام، ويهذب تهذيبا لا يوجد لذلك فيه شئ من التناقض. وعلى هذا فلا يمكن أن يجعل انتفاء التناقض جهة إعجاز القرآن إلا بعد معرفة صحة السمع، وصدق النبي. ثم عاد تعالى إلى ذكر حالتهم فقال: (وإذا جاءهم) يعني هؤلاء الذين سبق ذكرهم من المنافقين. وقيل: هم الذين ذكرهم من ضعفة المسلمين (أمر من الأمن أو الخوف) يريد ما كان يرجف به من الاخبار في المدينة: إما من قبل عدو يقصدهم، وهو الخوف، أو من ظهور المؤمنين على عدوهم، وهو الأمن (أذاعوا به): أي تحدثوا به، وأفشوه من غير أن يعلموا صحته. كره الله ذلك، لان من فعل هذا، فلا يخلو كلامه من كذب، ولما يدخل على المؤمنين به من الخوف ثم قال

[ 143 ]

(ولو ردوه إلى الرسول) المعنى: ولو سكتوا إلى أن يظهره الرسول (وإلى أولي الامر منهم) قال أبو جعفر عليه السلام: " هم الائمة المعصومون ". وقال السدي، وابن زيد، وأبو علي، والجبائي: هم أمراء السرايا والولاة. وقال الحسن، وقتادة، وغيرهم: إنهم أهل العلم والفقه، الملازمون للنبي، لانهم لو سألوه عن حقيقة ما أرجفوا به، لعلموه. واختاره الزجاج، وأنكر أبو علي الجبائي هذا الوجه، وقال: " إنما يطلق أولو الامر على من له الامر على الناس ". (لعلمه الذين يستنبطونه): أي لعلم ذلك الخبر الذين يستخرجونه، عن الزجاج. وقيل: يتحسسونه، عن ابن عباس، وأبي العالية. وقيل: يبتغونه ويطلبون علم ذلك، عن الضحاك. وقيل: يسألون عنه، عن عكرمة. قال: استنباطهم: سؤالهم الرسول عنه. وجميع هذه الاقوال متقاربة المعنى (منهم) قيل: إن الضمير في (منهم) يعود إلى (أولي الامر) وهو الاظهر. وقيل: يعود إلى الفرقة المذكورة من المنافقين، أو الضعفة (ولولا فضل الله عليكم ورحمته): أي لولا إيصال مواد الالطاف من جهة الله. وقيل: فضل الله: الاسلام، ورحمته: القرآن، عن ابن عباس. وقيل: فضل الله: النبي، ورحمته: القرآن، عن الضحاك، والسدي، وهو اختيار الجبائي. وروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام: " فضل الله ورحمته، النبي وعلي " (لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) قيل فيه أقوال أحدها: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، والاستثناء من قوله (أذاعوا به)، عن ابن عباس. فيكون معناه: أذاعوا به إلا قليلا، وهو اختيار المبرد، والكسائي، والفراء، والبلخي، والطبري، قالوا: وهذا أولى لان الاذاعة أكثر من الاستنباط. وثانيها: إن الاستثناء من قوله (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) إلا قليلا ويكون تقديره ولو ردوه إلى الرسول، وإلى أولي الامر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلا، عن أكثر أهل اللغة. وثالثها: إن المراد: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) منكم على الظاهر، من غير تقديم ولا تأخير، وهذا كما اتبع الشيطان من كان قبل بعثة النبي، إلا قليلا منهم. لم يتبعوه، واهتدوا بعقولهم، لترك عبادة الاوثان، بغير رسول، ولا كتاب، وآمنوا بالله ووحدوه، مثل قس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء (1) الشني، وأبي ذر الغفاري، وطلاب


(1) لعله رئاب، فقد جاء في (المعارف لابن قتيبة) أنه من عبد القيس من شن، وقال: أرباب بن = (*)

[ 144 ]

الدين، وبه قال الانباري. ورابعها: إن معناه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالنصرة والفتح، مرة بعد أخرى (لاتبعتم الشيطان) فيما يلقي اليكم من الوساوس والخواطر الفاسدة المؤدية إلى الجبن، والفشل، الموجبة لضعف النية والبصيرة، إلا قليلا من أفاضل أصحاب رسول الله، الذين هم أهل البصائر النافذة، والعزائم الثابتة، والنيات الخالصة، لا ييأسون من رحمة الله، ولا يشكون في نصرته، وإنجاز وعده، وإن أبطأ بعض الإبطاء، والله أعلم. النظم: اختلف في وجه اتصال قوله: (أفلا يتدبرون القرآن) بما قبله. فقيل: إنه يتصل بقوله (ويقولون طاعة) الاية. فإن الله اطلع على سرائر المنافقين، ثم بين هنا أنه من جهة علام الغيوب، ولو كان من جهة غيره، لكان المخبر بخلاف الخبر. وقيل: إنه يتصل بقوله (وأرسلناك) لما بين إرساله أمر يتدبر معجزه. (فقتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا [ 84 ] اللغة: نكل به، وندد به، وشرد به، نظائر. وأصله، النكول: وهو الامتناع للخوف. يقال نكل عن اليمين وغيرها. والنكال: ما يمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب. والنكل: القيد. المعنى: ثم عاد تعالى إلى الامر بالقتال، فقال: (فقاتل في سبيل الله). قيل: في الفاء قولان أحدهما: إنه جواب لقوله (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما) (فقاتل في سبيل الله) فيكون المعنى: إن أردت الأجر العظيم، فقاتل في سبيل الله. والآخر: أن يكون متصلا بقوله: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) (فقاتل في سبيل الله) عن الزجاج، ووجهه أنه لاحظ لك في ترك القتال فتتركه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، أمره الله أن يقاتل في سبيل الله وحده، بنفسه. وقوله (لا تكلف إلا نفسك) معناه: لا تكلف إلا فعل نفسك، فإنه لا ضرر عليك في فعل غيرك، فلا تهتم بتخلف المنافقين عن الجهاد، فإن ضرر ذلك عليهم.


= رئاب وفي مروج الذهب (1 / 76) ورد: " وممن كان في الفترة رئاب الشني، وكان من عبد قيس، ثم من شن، وكان على دين المسيح، قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ". (*)

[ 145 ]

(وحرض المؤمنين) على القتال: أي حثهم عليه (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا): أي يمنع شدة الكفار. قال الحسن: عسى من الله واجب، ووجه ذلك أن أطماع الكريم إنجاز، وإنما الأطماع تقوية أحد الأمرين على الآخر، دون قيام الدليل على التكافؤ في الجواز، وخروج (عسى) في هذا من معنى الشك، كخروجها في قول القائل: " أطع ربك في كل ما أمرك به ونهاك عنه عسى أن تفلح بطاعتك " (والله أشد بأسا): أي أشد نكاية في الأعداء منكم (وأشد تنكيلا): أي عقوبة، عن الحسن، وقتادة. وقيل: التنكيل الشهرة بالامور الفاضحة، عن أبي علي الجبائي. وقيل: هو ما ينالهم على أيدي المسلمين من الإذلال، والسبي، والقتل، وتخريب الديار. وقيل: هو الانتقام والإهلاك. القصة: قال الكلبي: إن أبا سفيان لما رجع إلى مكة، يوم أحد، واعد رسول الله موسم بدر الصغرى، وهو سوق تقوم في ذي القعدة. فلما بلغ النبي الميعاد، قال للناس: أخرجوا إلى الميعاد فتثاقلوا وكرهوا ذلك كراهة شديدة، أو بعضهم. فأنزل الله هذه الاية، فحرض النبي المؤمنين، فتثاقلوا عنه، ولم يخرجوا. فخرج رسول الله في سبعين راكبا، حتى أتى موسم بدر، فكفاهم الله بأس العدو، ولم يوافهم أبو سفيان، ولم يكن قتال يومئذ، وانصرف رسول الله بمن معه سالمين. (من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا [ 85 ] اللغة: أصل الشفاعة: من الشفع الذي هو ضد الوتر، فإن الرجل إذا شفع بصاحبه فقد شفعه: أي صار ثانيه. ومنه الشفيع في الملك، لانه يضم ملك غيره إلى ملك نفسه. واختلفت الامة في كيفية شفاعة النبي يوم القيامة، فقالت المعتزلة ومن تابعهم: يشفع لأهل الجنة ليزيد الله درجاتهم. وقال غيرهم من فرق الأمة: بل يشفع لمذنبي الأمة ممن ارتضى الله دينهم، ليسقط عقابهم بشفاعته. والكفل في اللغة: النصيب، وأخذ من قولهم: إكتفلت البعير: إذا أدرت على سنامه كساء، وركبت عليه. وإنما يقال ذلك، لانه لم يستعمل الظهر كله، وإنما استعمل نصيب من الظهر. وقال الازهري: الكفل: الذي لا يحسن ركوب الفرس، وأصله الكفل، وهو ردف العجز. ومنه الكفالة بالنفس والمال. والكفل: المثل. والمقيت: أصله

[ 146 ]

من القوت، فإنه يقوته قوتا، إذا أعطاه ما يمسك به رمقه. والمقيت: المقتدر، لاقتداره على ذلك. وأقات، يقيت إقاتة، وينشد للزبير بن عبد المطلب: وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت على مساءته مقيتا فهذه لغة قريش. المعنى: (من يشفع شفاعة حسنة) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه من يصلح بين اثنين (يكن له نصيب منها) أي يكن له أجر منها (ومن يشفع شفاعة سيئة) أي يمشي بالنميمة (يكن له كفل منها): أي إثم منها، عن الكلبي، عن ابن عباس. وثانيها: إن الشفاعة الحسنة، والشفاعة السيئة، شفاعة الناس بعضهم لبعض، عن مجاهد، والحسن قال: ما يجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة. قال: ومن يشفع شفاعة حسنة، كان له فيها أجر وثواب، وإن لم يشفع لان الله قال (ومن يشفع) ولم يقل: ومن يشفع، ويؤيد هذا قوله: (إشفعوا تؤجروا) وقوله: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في ملكه، ومن أعان على خصومه بغير علم، كان في سخط الله حتى ينزع). وثالثها: إن المراد بالشفاعة الحسنة: الدعاء للمؤمنين، وبالشفاعة السيئة: الدعاء عليهم، عن أبي علي الجبائي، قال: لأن اليهود كانت تفعل ذلك، فتوعدهم الله عليه. ورابعها: ما قاله بعضهم: إن المراد بالشفاعة هنا أن يصير الانسان شفع صاحبه في جهاد عدوه، فيحصل له من هذه الشفاعة نصيب في العاجل من الغنيمة، والظفر، وفي الآجل من الثواب المنتظر. وان صار شفعا له في معصية، أو شر، حصل له نصيب من المذمة في العاجل، والعقوبة في الآجل. والكفل: الوزر، عن الحسن، وقتادة، وهو النصيب، والحظ، عن السدي، والربيع، وجميع أهل اللغة، فكأنه النصيب من الشر. (وكان الله على كل شئ مقيتا) قيل في معنى المقيت أقوال أحدها: إنه المقتدر، عن السدي، وابن زيد. وثانيها: الحفيظ الذي يعطي الشئ قدر الحاجة من الحفظ، عن ابن عباس. وثالثها: الشهيد عن مجاهد. ورابعها: الحسيب، عنه أيضا. وخامسها: المجازي عن أبي علي الجبائي: أي يجازي على كل شئ من الحسنات والسيئات. النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه سبحانه لما قال (لا تكلف إلا

[ 147 ]

نفسك) عقب ذلك بأن لك مع هذا في دعاء المؤمنين إلى الحق، ما للانسان في شفاعة صاحبه لخير يصل إلى المشفوع له، لئلا يتوهم ان العبد من أجل أنه لا يؤخذ بعمل غيره، لا يتزيد فعله بعمل غيره، عن علي بن عيسى. وقيل: الوجه فيه: إن كل من طلب لغيره خيرا، فوصل إليه حصل له نصيب منه، وأنت قد طلبت لهم الخير، حيث دعوتهم إلى الجهاد، وحرضتهم عليه. قال القاضي: هذا أحسن ما قيل فيه. (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا [ 86 ] اللغة: التحية: السلام يقال حيى، يحيي، تحية إذا سلم، قال الشاعر: إنا محيوك يا سلمى فحيينا * وإن سقيت كرام الناس فاسقينا (1) والتحية: البقا، قال: من كل ما نال الفتى * قد نلته إلا التحية (2) يعني الملك، وإنما سمي بذلك لان الملك يحيا بالسلام والثناء الحسن. والحسيب: الحفيظ لكل شئ، حتى لا يشذ منه شئ. والحسيب: الفعيل من الحساب الذي هو الاحصاء. يقال: حاسب فلان فلانا على كذا، وهو حسيبه: إذا كان صاحب حسابه. ومن قال الحسيب: الكافي، فهو من قولهم أحسبني فلان الشئ إحسابا: إذا كفاني. وحسبي كذا: أي كفاني. وقال الزجاج: معنى الحسيب أنه يعطي كل شئ من العلم والحفظ والجزاء مقدار ما يحسبه: أي يكفيه. ومنه قوله: (عطاء حسابا) أي كافيا. المعنى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها) أمر الله المسلمين برد السلام على المسلم، بأحسن مما سلم، إن كان مؤمنا، وإلا فليقل وعليكم، ولا يزيد على ذلك. فقوله: (بأحسن منها) للمسلمين خاصة. وقوله (أو ردوها) لاهل الكتاب،


(1) قائل البيت هو بشامة بن حزن النهشلي. (الخزانة: 2 / 510). (2) قائل البيت هو زهير بن جناب الكلبي. كان كثير الغارات، وعمر عمرا طويلا. وروي صدر البيت: " ولكل ما نال الفتى ". (*)

[ 148 ]

عن ابن عباس. فإذا قال المسلم: السلام عليكم. فقل: وعليكم السلام، ورحمة الله. وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقد حييته بأحسن منها، وهذا منتهى السلام. وقيل: إن قوله (أو ردوها) للمسلمين خاصة، أيضا، عن السدي، وعطا، وإبراهيم، وابن جريج، قالوا: إذا سلم عليك المسلم، فرد عليه بأحسن مما سلم عليك، أو بمثل ما قال. وهذا أقوى لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم " وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين عليهم السلام: " إن المراد بالتحية في الاية: السلام وغيره من البر " وذكر الحسن أن رجلا دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: السلام عليك. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام ورحمة الله. فجاءه آخر، فقال: السلام عليك ورحمة الله. فقال النبي: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فجاءه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقيل: يا رسول الله ! زدت للاول والثاني في التحية، ولم تزد في الثالث. فقال: إنه لم يبق لي من التحية شيئا فرددت عليه مثله. وروى الواحدي بإسناده عن أبي أمامة، عن مالك بن التيهان، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قال السلام عليكم، كتب له عشر حسنات، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله، كتب له عشرون حسنة، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كتب له ثلاثون حسنة " (إن الله كان على كل شئ حسيبا): أي حفيظا، عن مجاهد. وقيل: كافيا. وقيل: مجازيا، عن ابن عباس. وفي هذه الاية دلالة على وجوب رد السلام، لان ظاهر الامر يقتضي الوجوب. وقال الحسن، وجماعة من المفسرين: إن السلام تطوع، والرد فرض، ثم الرد ربما كان من فروض الكفاية، وقد يتعين بأن يخصه بالسلام، ولا أحد عنده، فيتعين عليه الرد. النظم: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها: إن المراد بالسلام: المسالمة التي هي ضد الحرب. فلما أمر سبحانه بقتال المشركين، عقبه بأن قال: من مال إلى السلم، وأعطى ذاك من نفسه، وحيى المؤمنين بتحية، فاقبلوا منه. (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق

[ 149 ]

من الله حديثا [ 87 ] الاعراب: اللام في (ليجمعنكم): لام القسم. و (حديثا): نصب على التمييز كما تقول: من أحسن من زيد فهما، فهو استفهام في اللفظ، وتقرير في المعنى. المعنى: (الله لا إله إلا هو) قد مر تفسيره (ليجمعنكم إلى يوم القيامة): أي ليبعثنكم من بعد مماتكم، ويحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب، الذي يقضي فيه بين أهل الطاعة والمعصية. وقال الزجاج، معناه: ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم. (لا ريب فيه): أي لا شك في هذا القول، وإنما سمي يوم القيامة، لان الناس يقومون فيه من قبورهم. وفي التنزيل (يوم يقول الناس لرب العالمين) (ومن أصدق من الله حديثا): أي موعدا لا خلف لوعده. وقيل معناه: لا أحد أصدق من الله في الخبر الذي يخبر به. النظم: لما أمر تعالى ونهى فيما قبل، بين بعده أنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه أي: فاعملوا على حسب ما أوجبه عليكم، فإنه يجازيكم به، ثم بين وقت الجزاء. وقيل: إنما اتصل بقوله (حسيبا) أي إنما الحسيب هو الله. (فما لكم في المنفقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا [ 88 ] اللغة: الإركاس: الرد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: فأركسوا في حميم النار إنهم * كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا قال الفراء: يقال أركسهم وركسهم. وقد ذكر أن عبد الله، وأبي بن كعب قرآ: (ركسهم) بغير ألف. الاعراب: (فئتين): نصب على الحال، كما تقول مالك قائما ؟ والعامل في الحال معنى الفعل الذي في الظرف، أعني قوله لك. النزول: إختلفوا فيمن نزلت هذه الاية فيه. فقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين الاسلام، ثم رجعوا إلى مكة، لانهم استوخموا

[ 150 ]

المدينة، فأظهروا الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة، فأراد المسلمون أن يغزوهم، فاختلفوا، فقال بعضهم: لا نفعل فإنهم مؤمنون. وقال آخرون: إنهم مشركون، فأنزل الله فيهم الآية، عن مجاهد، والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وقيل: نزلت في الذين تخلفوا عن أحد، وقالوا: (لو نعلم قتالا لاتبعناكم) الاية. فاختلف أصحاب رسول الله، فقال فريق منهم: نقتلهم. وقال آخرون: لا نقتلهم، فنزلت الاية، عن زيد بن ثابت. المعنى: ثم عاد الكلام إلى ذكر المنافقين فقال تعالى: (فما لكم) أيها المؤمنون صرتم (في) أمر هؤلاء (المنافقين فئتين): أي فرقتين مختلفتين، فمنكم من يكفرهم، ومنكم من لا يكفرهم (والله أركسهم بما كسبوا): أي ردهم إلى حكم الكفار، بما أظهروا من الكفر، عن ابن عباس. وقيل: معناه أهلكهم بكفرهم، عن قتادة. وقيل: خذلهم فأقاموا على كفرهم، وترددوا فيه، فأخبر عن خذلانه إياهم بأنه أركسهم، عن أبي مسلم (أتريدون أن تهدوا): أي تحكموا بهداية (من أضل الله) أي حكم الله بضلاله، وسماه ضالا. وقيل: معنى أضله الله: خذله ولم يوفقه، كما وفق المؤمنين، لأنهم لما عصوا وخالفوا، استحقوا هذا الخذلان، عقوبة لهم على معصيتهم: أي أتريدون الدفاع عن قتالهم، مع أن الله حكم بضلالهم، وخذلهم، ووكلهم إلى أنفسهم. وقال أبو علي الجبائي، معناه: أتريدون أن تهدوا إلى طريق الجنة من أضله تعالى عن طريق الجنة والثواب. وطعن على القول الاول بأنه لو أراد التسمية والحكم، لقال من ضلل الله. وهذا لا يصح، لان العرب تقول أكفرته وكفرته، قال الكميت: وطائفة قد أكفروني بحبكم * وطائفة قالوا مسئ ومذنب وأيضا فإنه تعالى، إنما وصف بهدايتهم، بأن سماهم مهتدين، لانهم كانوا يقولون إنهم مؤمنون، فقال تعالى: لا تختلفوا فيهم وقولوا بأجمعكم إنهم منافقون. (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) معناه: ومن نسبه الله إلى الضلالة، فلن ينفعه أن يحكم غيره بهدايته، كما يقال: من جرحه الحاكم، فلا ينفعه تعديل غيره. وقيل: معناه من يجعله الله في حكمه ضالا، فلن تجد له في ضلالته حجة، عن جعفر بن حرث قال: ويدل على أنهم هم الذين اكتسبوا ما صاروا إليه من الكفر، دون أن يكون الله تعالى اضطرهم إليه قوله على أثر ذلك: (ودوا لو تكفرون كما

[ 151 ]

كفروا) فأضاف الكفر إليهم. (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا [ 89 ] المعنى: ثم بين تعالى أحوال هؤلاء المنافقين فقال (ودوا): أي ود هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم في أمرهم، يعني تمنوا (لو تكفرون) أنتم بالله ورسوله (كما كفروا) هم (فتكونون سواء): أي فتستوون أنتم وهم، وتكونون مثلهم كفارا، ثم نهى تعالى المؤمنين أن يوادوهم، فقال (فلا تتخذوا منهم أولياء): أي فلا تستنصروهم، ولا تستنصحوهم، ولا تستعينوا بهم في الامور (حتى يهاجروا): أي حتى يخرجوا من دار الشرك، ويفارقوا أهلها المشركين بالله (في سبيل الله): أي في ابتغاء دينه، وهو سبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، وهذا قول ابن عباس. وإنما سمي الدين سبيلا وطريقا، لان من يسلكه أداه إلى النعمة، وساقه إلى الجنة (فإن تولوا): أي أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله، عن ابن عباس (فخذوهم) أيها المؤمنون (واقتلوهم حيث وجدتموهم): أي أين أصبتموهم من أرض الله من الحل والحرم. (ولا تتخذوا منهم وليا): أي خليلا (ولا نصيرا): أي ناصرا ينصركم على أعدائكم. (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقتلوكم أو يقتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا [ 90 ] اللغة: الحصر: الضيق، وكل من ضاقت نفسه عن شئ من فعل أو كلام يقال قد حصر، ومنه الحصر في القراءة. والحصر: إعتقال البطن. والاعتزال: أن يتنحى الرجل عن الشئ، يقال: اعتزلت البيت، وتعزلته، قال الاحوص:

[ 152 ]

يا بيت عاتكة الذي أتعزل * حذر العدى وبه الفؤاد موكل (1) وسميت المعتزلة معتزلة: لاعتزالهم مجلس الحسن البصري، بعد أن كانوا من أهله، وذلك أن واصل بن عطاء، لما أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، وتابعه عمرو بن عبيد على التدين به، ووافقهم جماعة على هذا المذهب، فآل الامر بهم إلى الاعتزال للحسن البصري وأصحابه، فسماهم الناس معتزلة، وجرى عليهم ذلك الاسم. الاعراب: (حصرت صدورهم): في موضع نصب على الحال، وقد مضمرة معه لان الفعل الماضي لا يكون حالا، حتى يكون معه قد إما مضمرة، أو مظهرة، فإن قد تقرب الماضي من الحال، فتقديره: جاؤوكم قد حصرت صدورهم، كما قالوا: جاء فلان ذهب عقله: أي قد ذهب عقله. ويجوز أي يكون (حصرت صدورهم) منصوب الموضع، بأنه صفة لموصوف، هو حال على تقدير جاؤوكم قوم حصرت صدورهم، فحذف الموصوف المنصوب على الحال، وأقيم صفته مقامه، وإنما جاز أن يكون هذا حالا، لانه بمنزلة قولك أو جاؤوكم موصوفين بحصر الصدور، أو معروفين بذلك. المعنى: لما أمر تعالى المؤمنين بقتال الذين لا يهاجرون عن بلاد الشرك، وإن لم يوالوهم، إستثنى من جملتهم فقال: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) معناه: إلا من وصل من هؤلاء إلى قوم بينكم وبينهم موادعة، وعهد، فدخلوا فيهم بالحلف أو الجوار، فحكمهم حكم أولئك في حقن دمائهم، واختلف في هؤلاء: فالمروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: المراد بقوله تعالى (قوم بينكم وبينهم ميثاق) هو هلال بن عويمر السلمي، واثق عن قومه رسول الله، فقال في موادعته: (على أن لا تحيف يا محمد من أتانا، ولا نحيف من أتاك ". فنهى الله أن يتعرض لأحد عهد إليهم، وبه قال السدي، وابن زيد. وقيل: هم بنو مدلج، وكان سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، جاء إلى النبي بعد أحد، فقال: أنشدك الله والنعمة. وأخذ منه ميثاقا أن لا يغزو قومه، فإن أسلم قريش أسلموا، لانهم كانوا في


(1) العدى: الأعداء. (*)

[ 153 ]

عقد قريش. فحكم الله فيهم ما حكم في قريش، ففيهم نزل هذا، ذكره عمر بن شيبة، ثم استثنى لهم حالة أخرى، فقال: (أو جاءوكم حصرت صدورهم): أي ضاقت قلوبهم من (أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم) يعني من قتالكم، وقتال قومهم، فلا عليكم ولا عليهم، وإنما عني به (1) أشجع، فإنهم قدموا المدينة في سبعمائة، يقودهم مسعود بن دخبلة، فأخرج إليهم النبي أحمال التمر ضيافة، وقال: " نعم الشئ الهدية أمام الحاجة " وقال لهم: " ما جاء بكم " ؟ قالوا: " لقرب دارنا منك، وكرهنا حربك، وحرب قومنا " يعنون بني ضمرة الذين بينهم وبينهم عهد، لقلتنا فيهم، فجئنا لنوادعك. فقبل النبي ذلك منهم، ووادعهم، فرجعوا إلى بلادهم. ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره، فأمر الله تعالى المسلمين، أن لا يتعرضوا لهؤلاء (ولو شاء الله لسلطهم عليكم) بتقوية قلوبهم، فيجترئون على قتالكم. وقيل: هذا إخبار عما في المقدور، وليس فيه أنه يفعل ذلك بأن يأمرهم به، أو يأذن لهم فيه، ومعناه أنه يقدر على ذلك لو شاء، لكنه لا يشاء ذلك، بل يلقي في قلوبهم الرعب، حتى يفزعوا، أو يطلبوا الموادعة، ويدخل بعضهم في حلف من بينكم وبينهم ميثاق (فلقاتلوكم): أي لو فعل ذلك لقاتلوكم (فإن اعتزلوكم) يعني: هؤلاء الذين أمر بالكف عن قتالهم، بدخولهم في عهدكم، أو بمصيرهم إليكم، حصرت صدورهم أن يقاتلوكم (فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم) يعني: صالحوكم، واستسلموا لكم، كما يقول القائل: ألقيت إليك قيادي، وألقيت إليك زمامي، إذا استسلم له، وانقاد لأمره. والسلم: الصلح. (فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) يعني إذا سالموكم، فلا سبيل لكم إلى نفوسهم وأموالهم. قال الحسن وعكرمة: نسخت هذه الاية والتي بعدها، والآيتان في سورة الممتحنة: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) إلى قوله (الظالمون) الآيات الأربع بقوله (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) الآية. (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم


(1) لعل السياق يقتضي إضافة " بنو "، وهي محذوفة من الاصل. (*)

[ 154 ]

فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطنا مبينا [ 91 ] النزول: اختلف في من عني بهذه الاية، فقيل: نزلت في أناس كانوا يأتون النبي، فيسلمون رئاء، ثم يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الاوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا قومهم، ويأمنوا نبي الله، فأبى الله ذلك عليهم، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الاشجعي، كان ينقل الحديث بين النبي وبين المشركين، عن السدي. وقيل: نزلت في أسد، وغطفان، عن مقاتل. وقيل: نزلت في عيينة بن حصين الفزاري، وذلك أنه أجدبت بلادهم، فجاء إلى رسول الله، ووادعه على أن يقيم ببطن نخل، ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله الاحمق المطاع في قومه، وهو المروي عن الصادق. المعنى: ثم بين تعالى طائفة أخرى منهم فقال (ستجدون آخرين) يعني: قوما آخرين غير الذين وصفتهم قبل (يريدون أن يأمنوكم) فيظهرون الاسلام (ويأمنوا قومهم) فيظهرون لهم الموافقة في دينهم (كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) المراد بالفتنة هنا: الشرك، أي كلما دعوا إلى الكفر، أجابوا ورجعوا إليه. والفتنة في اللغة: الاختبار. والإركاس: الرد. قال الزجاج: أركسوا فيها: إنتكسوا في عقدهم. فالمعنى كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر، رجعوا إليه (فإن لم يعتزلوكم) أيها المؤمنون: أي فإن لم يعتزل قتالكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم، ويأمنوا قومهم، (ويلقوا إليكم السلم) يعني: ولم يستسلموا لكم، فيعطوكم المقادة، ويصالحوكم (و) لم (يكفوا أيديهم) عن قتالكم (فخذوهم): أي فأسروهم (واقتلوهم حيث ثقفتموهم): أي وجدتموهم، وأصبتموهم (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا): أي حجة ظاهرة. وقيل: عذرا بينا في القتال، وسميت الحجة: سلطانا، لانه يتسلط بها على الخصم، كما يتسلط بالسلطان. (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان

[ 155 ]

من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما [ 92 ] اللغة: الخطأ: خلاف الصواب، والفعل منه خطأ، وأخطأ في الامر: أي لم يصب الصواب. والخطأ والخطاء بالفتح فيهما. والخطأ والخطأة بالتسكين فيهما. والخاطئة: الذنب والفعل منه خطأ يخطأ: إذا أذنب. والتحرير: تفعيل من الحرية، وهو إخراج العبد من الرق إلى الحرية. الإعراب: أجمع المحققون من النحويين على أن قوله (إلا خطأ) إستثناء منقطع من الأول على معنى ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة، إلا أن يخطأ المؤمن، ومثله قول الشاعر: من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ * على الارض إلا ريط برد مرجل (1) والمعنى: ولم تطأ على الارض إلا أن تطأ ريط البرد، إذ ليس ريط البرد من الارض، وقد مر ذكر ما قيل في مثله في سورة البقرة عند قوله (إلا الذين ظلموا منهم) وقال بعضهم: إن الاستثناء متصل، والمعنى لم يكن لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمدا، ومتى قتله متعمدا لم يكن مؤمنا، فإن ذلك يخرجه من الايمان. ثم قال: (إلا خطأ): أي فإن قتله له خطأ، لا يخرجه من الايمان. (فتحرير رقبة): مبتدأ محذوف الخبر لدلالة الكلام عليه وموضع (أن) في قوله (إلا أن تصدقوا): نصب لان المعنى: فعليه ذلك إلا أن يصدقوا: أي إلا على أن يصدقوا، ثم تسقط على، ويعمل فيه ما قبله على معنى الحال، فهو مصدر وقع موقع الحال، وأصل يصدقوا: يتصدقوا، فأدغمت التاء في الصاد، لقرب مخرجهما. وقيل إن في قراءة أبي (إلا أن يتصدقوا توبة من الله) كقولهم فعلت ذلك حذر الشر، عن الزجاج. فيكون مفعولا له. وقيل: إنه بمعنى تاب الله بذلك عليكم توبة،


(1) البيض جمع البيضاء. ظعن: سار ورحل. الريط: كل ثوب رقيق يشبه الملحفة. المرجل: الثوب المعلم أو الذي فيه صور الرجال. وقال امرؤ القيس: خرجت بها أمشي تجر وراءنا * على أثرينا ذيل مرط مرجل (*)

[ 156 ]

فيكون مصدرا مثل كتاب الله عليكم، وقد مر ذكره. النزول: نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، أخي أبي جهل لامه، لانه كان أسلم، وقتل بعد إسلامه رجلا مسلما، وهو لا يعلم إسلامه. والمقتول: الحارث بن يزيد بن أنسة العامري، عن مجاهد، وعكرمة، والسدي، قال: قتله بالحرة بعد الهجرة، وكان من أحد من رده عن الهجرة، وكان يعذب عياشا مع أبي جهل، وهو المروي عن أبي جعفر. وقيل: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كان في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله، فبدر فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم، ثم وجد في نفسه شيئا، فأتى رسول الله، فذكر ذلك له، فقال رسول الله: ألا شققت عن قلبه، وقد أخبرك بلسانه، فلم تصدقه ؟ ! قال: كيف بي يا رسول الله ؟ فقال: فكيف بلا إله إلا الله ؟ قال أبو الدرداء: فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إيماني، فنزلت الاية، عن ابن زيد. المعنى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) معناه: ما أذن الله، ولا أباح لمؤمن، فيما عهد إليه، أن يقتل مؤمنا إلا أن يقتله خطأ، عن قتادة، وغيره. وقيل: معناه ما كان له كما ليس له الآن، قتل مؤمن، إلا أن يقع القتل خطأ. وقيل: تقديره وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا، إلا خطأ كقوله (ما كان لله أن يتخذ من ولد) معناه: ما كان الله ليتخذ ولدا، وقوله (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها): أي ما كنتم لتنبتوا شجرها، وإنما قلنا: إن معناه ما ذكرنا، لان الله لا يلحقه الامر والنهي، وإنبات الشجر لا يدخل تحت قدرة العبد، فلا يصح النهي عنه. فمعنى الاية على ما وصفناه: ليس من صفة المؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا، ومن قال: إن الاستثناء منقطع، قال: قد تم الكلام عند قوله (أن يقتل مؤمنا) ثم قال: فإن كان القتل خطأ، فحكمه كذا، وإنما لم يحمل قوله إلا خطأ على حقيقة الاستثناء، لان ذلك يؤدي إلى الامر بقتل الخطأ، أو إباحته، ولا يجوز واحد منهما. والخطأ: هو أن يريد شيئا فيصيب غيره، مثل أن يرمي إلى غرض، أو إلى صيد، فيصيب إنسانا فيقتله. وكذلك لو قتل رجلا ظنه كافرا، كما ظن عياش بن أبي ربيعة، وأبو الدرداء، على ما قلناه قبل. (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) أي: فعليه إعتاق رقبة مؤمنة في

[ 157 ]

ماله، خاصة على وجه الكفارة، حقا لله. والرقبة المؤمنة: هي البالغة التي آمنت وصلت وصامت، فلا يجزي في كفارة القتل الطفل، ولا الكافر، عن ابن عباس، والشعبي، وإبراهيم، والحسن، وقتادة. وقيل: تجزي كل رقبة ولدت على الاسلام، عن عطاء. والاول أقوى، لان لفظ المؤمن لا يطلق إلا على البالغ الملتزم للفرائض، إلا أن من ولد بين مؤمنين، فلا خلاف أنه يحكم له بالايمان (ودية) أي: وعليه وعلى عاقلته دية (مسلمة إلى أهله) أي: إلى أهل القتيل. والمسلمة: هي المدفوعة إليهم، موفرة غير منقصة حقوق أهلها منها، تدفع إلى أهل القتيل. والمسلمة: هي المدفوعة إليهم فتقسم بينهم على حسب حساب الميراث (إلا ان يصدقوا) يعني: إلا أن يتصدق أولياء القتيل بالدية على عاقلة القاتل، ويتركوها عليهم. (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن) معناه: فإن كان القتيل من جملة قوم هم أعداء لكم يناصبونكم الحرب، وهو في نفسه مؤمن، ولم يعلم قاتله أنه مؤمن، فقتله وهو يظنه مشركا (فتحرير رقبة) أي: فعلى قاتله تحرير رقبة (مؤمنة) كفارة، وليس فيه دية، عن ابن عباس. وقيل: إن معناه إذا كان القتيل في عداد قوم أعداء، وهو مؤمن بين أظهرهم، ولم يهاجر، فمن قتله، فلا دية له، وعليه تحرير رقبة مؤمنة فقط، لان الدية ميراث، وأهله كفار لا يرثونه، عن ابن عباس في رواية أخرى، وإبراهيم، والسدي، وقتادة، وابن زيد (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي: عهد وذمة، وليسوا أهل حرب لكم (فدية مسلمة إلى أهله) تلزم عاقلة قاتله (وتحرير رقبة مؤمنة) أي: يلزم قاتله كفارة لقتله، وهو المروي عن الصادق عليه السلام. واختلف في صفة هذا القتيل، أهو مؤمن أم كافر ؟ فقيل: إنه كافر، إلا أنه يلزم قاتله ديته بسبب العهد، عن ابن عباس، والزهري، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وابن زيد. وقيل: بل هو مؤمن يلزم قاتله الدية، يؤديها إلى قومه المشركين، لانهم أهل ذمة، عن الحسن، وإبراهيم، ورواه أصحابنا أيضا، إلا أنهم قالوا: تعطى ديته ورثته المسلمين، دون الكفار ولفظ الميثاق: يقع على الذمة والعهد جميعا (فمن لم يجد): أي لم يقدر على عتق الرقبة، بأن لا يجد العبد، ولا ثمنه، (فصيام شهرين): أي فعليه صيام شهرين، (متتابعين توبة من الله): أي ليتوب الله به عليكم، فتكون التوبة من فعل الله. وقيل: إن المراد بالتوبة هنا:

[ 158 ]

التخفيف من الله، لان الله إنما جوز للقاتل العدول إلى الصيام، تخفيفا عليه، ويكون كقوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) (وكان الله عليما): أي لم يزل عليما بكل شئ (حكيما) فيما يأمر به وينهى عنه. وأما الدية الواجبة في قتل الخطأ فمائة من الابل، إن كانت العاقلة من أهل الابل، بلا خلاف، وإن اختلفوا في أسنانها، فقيل: هي أرباع: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون ذكر، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وروي ذلك عن عثمان، وزيد بن ثابت، ورواه أصحابنا أيضا، وقد روي أيضا في أخبارنا خمس وعشرون، بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة وبه قال الحسن، والشعبي. وقيل: إنها أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض، وهذا قول ابن مسعود، وابن عباس، والزهري، والثوري، وإليه ذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: هي أخماس أيضا، إلا أنه جعل مكان ابن لبون ابن مخاض، وبه قال النخعي، ورووه أيضا عن ابن مسعود. قال. الطبري: هذه الروايات متكافئة، والاولى التخيير. فأما الدية من الذهب، فألف دينار، ومن الورق (1) عشرة آلاف درهم، وهو الاصح. وقيل: إثنا عشر ألفا، ودية الخطأ تتأدى في ثلاث سنين، ولو خلينا وظاهر الاية، لقلنا: إن دية الخطأ على القاتل، لكن علمنا بسنة الرسول والاجماع، أن الدية في الخطأ على العاقلة، وهم الإخوة، وبنو الإخوة، والأعمام، وبنو الأعمام، وأعمام الأب، وأبناوهم، والموالي، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يدخل الوالد والولد فيها، ويعقل القاتل. وقد روى ابن مسعود عن النبي أنه قال: " لا يؤخذ الرجل بجريرة ابنه، ولا الابن بجريرة أبيه ". وليس إلزام الدية للعاقلة على سبيل مؤاخذة البرئ بالسقيم، لان ذلك ليس بعقوبة، بل هو حكم شرعي تابع للمصلحة، وقد قيل: إن ذلك على سبيل المؤاساة والمعاونة. النظم: إنه تعالى ذكر الكفار، وأمر بقتلهم، ثم ذكر من كان بينهم وبين


(1) الورق: الفضة. (*)

[ 159 ]

المسلمين عهد ومنع من قتلهم، ثم ذكر من نافق، وحكم قتلهم، ثم ذكر قتل المؤمن، ووصل به ذكر أحكامه، من دية، وغيرها. (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خلدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما [ 93 ] النزول: نزلت في مقيس بن صبابة الكناني، وجد أخاه هشاما قتيلا، في بني النجار، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل معه قيس بن هلال الفهري، وقال له: " قل لبني النجار إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه، ليقتص منه، وإن لم تعلموا، فادفعوا إليه ديته ". فبلغ الفهري الرسالة، فأعطوه الدية. فلما انصرف ومعه الفهري، وسوس إليه الشيطان فقال: ما صنعت شيئا، أخذت دية أخيك، فيكون سبة (1) عليك ! اقتل الذي معك، لتكون نفس بنفس، والدية فضل. فرماه بصخرة فقتله، وركب بعيرا، ورجع إلى مكة. كافرا، وأنشد يقول: قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع (2) فأدركت ثأري واضطجعت موسدا * وكنت إلى الأوثان أول راجع فقال النبي: " لا أؤمنه في حل ولا حرم " ! فقتل يوم الفتح. رواه الضحاك، وجماعة من المفسرين. المعنى: لما بين تعالى قتل الخطأ وحكمه، عقبه ببيان قتل العمد وحكمه، فقال: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا): أي قاصدا إلى قتله، عالما بإيمانه، وحرمة قتله، وعصمة دمه. وقيل: معناه مستحلا لقتله، عن عكرمة، وابن جريج، وجماعة. وقيل: معنى التعمد أن يقتله على دينه، رواه العياشي، بإسناده عن الصادق عليه السلام. (فجزاؤه جهنم خالدا) مقيما، (فيها وغضب الله عليه ولعنه) أبعده من الخير، وطرده عنه، على وجه العقوبة. (وأعد له عذابا عظيما) ظاهر المعنى، وصفة قتل العمد أن يقصد قتل غيره، بما جرت العادة بأن يقتل مثله سواء كان


(1) السبة بالضم: العار. (2) العقل: الدية. السراة بالفتح جمع السرى: السادات والاشراف. وفارع: اسم حصن: أي كلفت أشراف بني النجار دية أخي، وهم أرباب حصن فارع. (*)

[ 160 ]

بحديدة حادة كالسلاح، أو بخنق، أو سم، أو إحراق، أو تغريق، أو موالاة ضرب بالعصا، أو بالحجارة، حتى يموت، فإن جميع ذلك عمد، يوجب القود، وبه قال إبراهيم، والشافعي، وأصحابه. وقال قوم: لا يكون قتل العمد إلا بالحديد، وبه قال سعيد بن المسيب، وطاووس، وأبو حنيفة، وأصحابه. وأما القتل شبيه العمد فهو أن يضرب بعصا، أو غيرها مما لم تجر العادة بحصول الموت عنده، فيموت، ففيه الدية مغلظة تلزم القاتل خاصة في ماله، دون العاقلة. وفي هذه الاية وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا، حرم الله به قتل المؤمن، وغلظ فيه. وقال جماعة من التابعين: الآية اللينة وهي (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) نزلت بعد الشديدة، وهي: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) وقال أبو مجلز في قوله (فجزاؤه جهنم خالدا فيها): فهي جزاؤه إن جازاه، ويروى هذا أيضا عن أبي صالح، ورواه أيضا العياشي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام، وقد روي أيضا، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " هو جزاؤه إن جازاه ". وروى عاصم بن أبي النجود، عن ابن عباس في قوله (فجزاؤه جهنم) قال: " هي جزاؤه، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ". وروي عن أبي صالح، وبكر بن عبد الله، وغيره أنه كما يقول الانسان لمن يزجره عن أمره، إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا. واعترض على هذا أبو علي الجبائي فقال: ما لا يفعل، لا يسمى جزاء. ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة، فالدراهم التي مع مستأجره، لا تسمى بأنها جزاء عمله، وهذا لا يصح، لان الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل ذلك، أو لم يفعل، ولهذا يقال جزاء المحسن الإحسان، وجزاء المسئ الإساءة، وإن لم يتعين المحسن والمسئ، حتى يقال إنه فعل ذلك به، أو لم يفعل، ويقال لمن قتل غيره جزاء هذا أن يقتل، وإنما لا يقال للدراهم إنها جزاء الأجير، لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة، لا في دراهم معينة، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها. ومن تعلق بهذه الاية من أهل الوعيد، في أن مرتكب الكبيرة لا بد أن يخلد في النار، فإنا نقول له: ما أنكرت أن يكون المراد به من لا ثواب له أصلا، بأن يكون

[ 161 ]

كافرا، أو يكون قتله مستحلا لقتله، أو قتله لإيمانه، فإنه لا خلاف أن هذه صفة من يخلد في النار، ويعضده من الرواية ما تقدم ذكره في سبب نزول الاية، وأقوال الائمة في معناها. وبعد: فقد وافقنا على أن الاية مخصوصة بمن لا يتوب، وأن التائب خارج من عمومها. وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: " لا توبة لقاتل المؤمن إلا إذا قتله في حال الشرك ثم أسلم وتاب "، وبه قال ابن مسعود، وزيد بن ثابت، فالاولى أن يكون هذا القول منهم محمولا على سلوك سبيل التغليظ في القتل، كما روي عن سفيان الثوري أنه سئل عن توبة القاتل، فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: " لا توبة له وإذا ابتلي الرجل قالوا له تب " وروى الواحدي بإسناده مرفوعا إلى عطا، عن ابن عباس أن رجلا سأله ألقاتل المؤمن توبة ؟ فقال: لا. وسأله آخر ألقاتل المؤمن توبة ؟ فقال: نعم. فقيل له في ذلك، فقال: جاءني ذلك، ولم يكن قتل، فقلت: لا توبة لك، لكي لا يقتل. وجاءني هذا، وقد قتل، فقد قلت: لك توبة لكي لا يلقي نفسه بيده إلى التهلكة. ومن قال من أصحابنا: إن قاتل المؤمن لا يوفق للتوبة، لا ينافي ما قلناه، لان هذا القول إن صح، فانما يدل على أنه لا يختار التوبة مع أنها لو حصلت، لأزالت العقاب. وإذا كان لا بد من تخصيص الاية بالتوبة، جاز أن يختص أيضا بمن تفضل عليه بالعفو. وروى الواحدي بإسناده، مرفوعا إلى الاصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو ! أيخلف الله ما وعده ؟ فقال: لا. قال: أفرأيت من أوعده على عمل عقابا، أيخلف الله وعده فيه ؟ فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد: إن العرب لا تعد عارا، ولا خلفا، أن تعد شرا، ثم لا تفعله، يرى ذلك كرما وفضلا، وإنما الخلف في أن تعد خيرا، ثم لا تفعله. قال: فأوجدني هذا في كلام العرب. قال: نعم، سمعت قول الاول: وإني إن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (1)


(1) قال الازهري: " كلام العرب: وعدت الرجل خيرا، ووعدته شرا، وأوعدته خيرا، وأوعدته شرا. فإذا لم يذكروا الخير، قالوا: وعدته، ولم يدخلوا ألفا. وإذا لم يذكروا الشر، قالوا: أوعدته، ولم يسقطوا الألف. وأنشد لعامر بن الطفيل: وإني إن أوعدته، أو وعدته * لأخلف إيعادي، وأنجز موعدي (*)

[ 162 ]

ووجدنا في الدعاء المروي بالرواية الصحيحة، عن الصادقين عليهما السلام: " يا من إذا وعد وفى، وإذا توعد عفا " وهذا يؤيد ما تقدم، وقد أحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى، حيث قال: الوعد حق، والوعيد حق. فالوعد: حق العباد على الله، ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا، ومن أولى بالوفاء من الله. والوعيد: حقه على العباد، قال: لا تفعلوا كذا فأعذبكم، ففعلوا. فإن شاء عفا، وإن شاء عاقب، لانه حقه، وأولاهما بربنا العفو والكرم، إنه غفور رحيم. وروى إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت قيس بن أنس، يقول: كنت عند عمرو بن عبيد في بيته، فأنشأ يقول: يؤتى بي يوم القيامة، فأقام بين يدي الله، فيقول: قلت إن القاتل في النار ؟ فأقول: أنت قلت: (ومن يقتل مؤمنا) الاية. فقلت له، وما في البيت أصغر سنا مني: أرأيت أن لو قال لك: فإني قلت (فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا ؟ قال: فما استطاع أن يرد علي شيئا. (يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا [ 94 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (فتثبتوا) هنا في الموضعين بالثاء والتاء، وفي الحجرات. وقرأ الباقون: (فتبينوا) بالتاء والنون في الجميع. وقرأ أهل المدينة، والشام، وحمزة، وخلف: (السلم) بغير ألف. وقرئ في بعض الروايات عن عاصم: (السلم) بكسر السين وسكون اللام. وقرأ الباقون (السلام) بالالف. وروي عن أبي جعفر القارئ، من بعض الطرق: (لست مؤمنا) بفتح الميم الثانية، وحكى أبو القاسم البلخي أنه قراءة محمد بن علي الباقر عليه السلام. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (فتثبتوا) فحجته أن التثبت خلاف الاقدام، والمراد به التأني، وهو أشد اختصاصا بهذا الموضع، ويبين ذلك قوله (وأشد تثبيتا) أي أشد وقفا لهم عما وعظوا، بأن لا يقدموا عليه. ومن قرأ (فتبينوا) فحجته أن

[ 163 ]

التبين قد يكون أشد من التثبت، وقد جاء التبين من الله، والعجلة من الشيطان، فمقابلة التبين بالعجلة، دلالة على تقارب التثبت والتبين، قال الشاعر في موضع التوقف والزجر: أزيد مناة توعد يا ابن تيم * تبين أين تاه بك الوعيد (1) قال: ومن قرأ: السلام إحتمل ضربين أحدهما: أن يكون بمعنى التحية، أي ولا تقولوا لمن حياكم بتحية المسلمين إنما قالها تعوذا، ولكن إرفعوا السيف عنه. والآخر: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن لا يقاتلكم لست مؤمنا. قال أبو الحسن: يقال فلان سلام، إذا كان لا يخالط أحدا. ومن قرأ (السلم) أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين، ومنه قوله (وألقوا إلى الله يومئذ السلم): أي استسلموا لامره، ولما يراد منهم. ومن قرأ (السلم) بكسر السين. فمعناه: الاسلام مصدر أسلم: أي صار سلما، وخرج عن أن يكون حربا. ومن قرأ (مؤمنا) فإنه من الأمان، ومعناه: لا تقولوا لمن استسلم لكم لسنا نؤمنكم. اللغة: جميع متاع الدنيا عرض، يقال: إن الدنيا عرض حاضر، ويقال لكل شئ يقل لبثه: عرض. ومنه العرض: الذي هو خلاف الجوهر عند المتكلمين، لانه ما لا يجب له من اللبث ما يجب للاجسام. والعرض: ما يعرض للانسان من مرض، أو غيره. الإعراب: (تبتغون): في موضع نصب على الحال من الواو في (تقولوا). والكاف: من (كذلك) في موضع نصب، بكونه خبر كان من (كنتم). النزول: قيل: نزلت في أسامة بن زيد وأصحابه، بعثهم النبي في سرية، فلقوا رجلا قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم. لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فبدر إليه أسامة فقتله، واستاقوا غنمه، عن السدي. وروي عن ابن عباس، وقتادة أنه لما نزلت الاية، حلف أسامة أن لا يقتل رجلا، قال لا إله إلا الله. وبهذا اعتذر إلى علي لما تخلف عنه، وإن كان عذره غير مقبول، لانه قد دل الدليل على وجوب طاعة الامام في محاربة من حاربه من البغاة،


(1) زيد مناة: ابن تميم بن مر. تبين فعل أمر. وتاه بك أضلك. (*)

[ 164 ]

لا سيما وقد سمع النبي يقول: " حربك يا علي حربي، وسلمك سلمي ". وقيل: نزلت في محلم بن جثامة الليثي، وكان بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سرية، فلقيه عامر بن الاضبط الاشجعي، فحياه بتحية الاسلام، وكان بينهما إحنة (1)، فرماه بسهم فقتله، فلما جاء إلى النبي، جلس بين يديه، وسأله أن يستغفر له، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا غفر الله لك " ! فانصرف باكيا، فما مضت عليه سبعة أيام، حتى هلك، فدفن فلفظته الارض، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لما أخبر به: " إن الارض تقبل من هو شر من محلم صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم ". ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه الحجارة. فنزلت الاية، عن الواقدي، ومحمد بن إسحاق بن يسار، روياه عن ابن عمر، وابن مسعود، وابن حدرد. وقيل: كان صاحب السرية المقداد، عن سعيد بن جبير. وقيل: أبو الدرداء، عن ابن زيد. المعنى: لما بين تعالى أحكام القتل وأنواعه، عقب ذلك بالامر بالتثبت والتأني، حتى لا يفعل ما يعقب الندامة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم) أي صرتم، وسافرتم (في سبيل الله) للغزو والجهاد (فتبينوا).: أي ميزوا بين الكافر والمؤمن، وبالثاء والتاء، توقفوا وتأنوا، حتى تعلموا من يستحق القتل. والمعنيان متقاربان، والمراد بهما: لا تعجلوا في القتل لمن أظهر السلام، ظنا منكم بأنه لا حقيقة لذلك (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم): أي حياكم بتحية أهل الاسلام، أو من استسلم لكم، فلم يقاتلكم مظهرا أنه من أهل ملتكم: (لست مؤمنا) أي ليس لإيمانك حقيقة، وإنما أسلمت خوفا من القتل، أو لست بآمن (تبتغون) أي تطلبون (عرض الحياة الدنيا) يعني الغنيمة، والمال، ومتاع الحياة الدنيا، الذي لا بقاء له (فعند الله مغانم كثيرة): أي في مقدوره فواضل، ونعم، ورزق، إن أطعتموه فيما أمركم به. وقيل: معناه ثواب كثير لمن ترك قتل المؤمن. (كذلك كنتم من قبل): إختلف في معناه فقيل كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيا في قومه بدينه، خوفا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم، عن سعيد بن جبير. وقيل: كما كان هذا المقتول كافرا، فهداه الله، كذلك كنتم كفارا، فهداكم الله، عن ابن زيد، والجبائي.


(1) الاحنة: الحقد والعداوة. (*)

[ 165 ]

وقيل: كذلك كنتم أذلاء وآحادا، إذا سار الرجل منكم وحده، خاف أن يختطف عن المغربي. (فمن الله عليكم): فيه قولان أحدهما: فمن الله عليكم بإظهار دينه، وإعزاز أهله، حتى أظهرتم الاسلام بعد ما كنتم تكتمونه من أهل الشرك، عن سعيد بن جبير. وقيل: معناه فتاب الله عليكم (فتبينوا) أعاد هذا اللفظ للتأكيد، بعد ما طال الكلام. وقيل: الأول معناه تبينوا حاله، والثاني: معناه تبينوا هذه الفوائد بضمائركم، واعرفوها وابتغوها (إن الله كان): أي لم يزل، (بما تعملون): أي بما تعملونه (خبيرا) عليما قبل أن تعملوه. (لا يستوي القعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجهدين بأموالهم وأنفسهم على القعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجهدين على القعدين أجرا عظيما [ 95 ] درجت منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما [ 96 ] القراءة: قرأ أهل المدينة، والشام، والكسائي، وخلف: (غير أولي الضرر) بنصب الراء، والباقون بالرفع. الحجة: فالرفع على أن يجعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، وكذلك قال في (غير المغضوب) عليهم أنه صفة للذين (أنعمت عليهم) ومنه قول لبيد: وإذا جوزيت قرضا فاجزه * إنما يجزي الفتى غير الجمل (1) فغير صفة للفتى، فعلى هذا يكون التقدير: لا يستوي القاعدون الاصحاء والمجاهدون، والنصب على الاستثناء من القاعدين، ويستوي فعل يقتضي فاعلين فصاعدا، فالتقدير لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، والمجاهدون. قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على الحال، فيكون المعنى: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول جاءني زيد غير مريض، أي صحيحا. ويجوز في غير الجر على أن يكون صفة للمؤمنين، في غير القراءة.


(1) القرض: ما يعطيه الرجل أو يفعله ليجازى عليه. معناه إذا أسدي إليك معروف فكافئ. (*)

[ 166 ]

اللغة: الضرر: النقصان، وهو كل ما يضرك وينقصك من عمى، ومرض، وعلة. والدرجة: المنزلة. ودرجته إلى كذا: أي رقيته إليه منزلة بعد منزلة. وأدرجت الكتاب: طويته منزلة بعد منزلة. ودرج الرجل: مضى لسبيله، لانه صار إلى منزلة الآخرة، ومنه فلان أكذب من دب ودرج: أي أكذب الأحياء والأموات. الإعراب: (درجة): منصوب على أنه اسم وضع موضع المصدر: أي تفضيلا بدرجة. (وكلا): مفعول (وعد). و (الحسنى): مفعول ثان. و (درجات): في موضع نصب بدلا من قوله (أجرا عظيما) وهو مفسر للأجر. المعنى: فضل الله المجاهدين درجات ومغفرة ورحمة. ويجوز أن يكون منصوبا على التأكيد لأجرا عظيما لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من الله والمغفرة والرحمة، كما تقول: لك علي ألف درهم عرفا (1) مؤكد لقولك: لك علي ألف درهم لأن قولك لك علي ألف درهم، هو اعتراف، فكأنك قلت أعرفها عرفا، وكأنه قيل: غفر الله لهم مغفرة وآجرهم أجرا عظيما، لان قوله (أجرا عظيما) فيه معنى غفر، ورحم، وفضل. النزول: نزلت الاية في كعب بن مالك من بني سلمة، ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية من بني واقف، تخلفوا عن رسول الله يوم تبوك، وعذر الله أولي الضرر، وهو عبد الله بن أم مكتوم، رواه أبو حمزة الثمالي في تفسيره. وقال زيد بن ثابت: كنت عند النبي، حين نزلت عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) ولم يذكر أولي الضرر، فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر ؟ فتغشى النبي الوحي، ثم سري عنه، فقال: اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) فكتبتها. المعنى: لما حث سبحانه على الجهاد، عقبه بما فيه من الفضل والثواب، فقال: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين): أي لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الايمان بالله وبرسوله، والمؤثرون الدعة والرفاهية، على مقاساة الحرب، والمشقة بلقاء العدو، (غير أولي الضرر): أي إلا أهل الضرر منهم، بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها إلى الجهاد، للضرر الذي بهم (والمجاهدون في سبيل الله) ومنهاج دينه لتكون كلمة الله هي العليا، والمستفرغون جهدهم ووسعهم في قتال أعداء الله، وإعزاز دينه (بأموالهم) إنفاقا لها


(1) [ فقولك عرفا ]. (*)

[ 167 ]

فيما يوهن كيد الاعداء (وأنفسهم) حملا لها على الكفاح (1) في اللقاء (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) معناه فضيلة ومنزلة، (وكلا وعد الله الحسنى) معناه وكلا الفريقين من المجاهدين والقاعدين عن الجهاد، وعده الله الجنة، عن قتادة وغيره من المفسرين. وفي هذه دلالة على أن الجهاد فرض على الكفاية لانه لو كان فرضا على الاعيان، لما استحق القاعدون بغير عذر أجرا. وقيل: لان المراد بالكل هنا المجاهد والقاعد من أولي الضرر، المعذور عن مقاتل (وفضل الله المجاهدين على القاعدين) من غير أولي الضرر (أجرا عظيما درجات منه) أي منازل بعضها أعلى من بعض، من منازل الكرامة. وقيل: هي درجات الاعمال كما يقال الاسلام درجة، والفقه درجة، والهجرة درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة، عن قتادة. وقيل: معنى الدرجات هي الدرجات التسع التي درجها في سورة براءة في قوله (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم (2) ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) فهذه الدرجات التسع عن عبد الله بن زيد (ومغفرة ورحمة) هذا بيان خلوص النعيم، بأنه لا يشوبه غم بما كان منه من الذنوب، بل غفر له ذلك، ثم رحمه بإعطائه النعم والكرامات (وكان الله غفورا) لم يزل الله غفارا للذنوب، صفوحا لعبيده من العقوبة عليها (رحيما) بهم، متفضلا عليهم. وقد يسأل فيقال: كيف قال في أول الآية (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة)، ثم قال في آخرها (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) درجات وهذا متناقض الظاهر ؟ وأجيب عنه بجوابين: أحدهما: أن في أول الاية (فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر) درجة، وفي آخرها (فضلهم على القاعدين غير أولي الضرر) درجات، فلا تناقض لأن قوله (وكلا وعد الله الحسنى) يدل على أن القاعدين لم يكونوا عاصين وإن كانوا تاركين للفضل. والثاني: ما قاله أبو علي الجبائي: وهو أنه أراد بالدرجة الاولى علو المنزلة، وارتفاع القدر، على وجه المدح لهم، كما يقال فلان أعلى درجة عند الخليفة من فلان، يريدون بذلك أنه


(1) الكفاح: المواجهة. (2) [ به عمل صالح إلى قوله ]. (*)

[ 168 ]

أعظم منزلة، وبالثانية الدرجات في الجنة، التي يتفاضل بها المؤمنون، بعضهم على بعض، على قدر استحقاقهم. وقال المغربي: إنما كرر لفظ التفضيل، لان الاول أراد به تفضيلها في الدنيا، وأراد بالثاني تفضيلهم في الآخرة. وجاء في الحديث: " إن الله فضل المجاهدين على القاعدين سبعين درجة، بين كل درجتين مسيرة سبعين خريفا للفرس الجواد المضمر " (1). (إن الذين توفهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأويهم جهنم وساءت مصيرا [ 97 ] إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا [ 98 ] فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا [ 99 ] القراءة: روي في الشواذ عن إبراهيم، أنه قرأ (إن الذين توفاهم الملائكة) بضم التاء. الحجة: قال ابن جني: معنى هذا كقولك إن الذين يعدون على الملائكة: يردون إليهم، يحتسبون عليهم، فهو نحو عن قولك إن المال الذي توفاه امة الله: أي يدفع إليها، ويحتسب عليها، كأن كل ملك جعل إليه قبض نفس بعض الناس، ثم تمكن من ذلك وتوفاه. اللغة: التوفي: القبض. وتوفيت الشئ، واستوفيته: قبضته. والوفاة: الموت، لان الميت تقبض روحه. والتوفي: الإحصاء، قال الشاعر: إن بني أدرم ليسوا من أحد * ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد (2) * ولا توفاهم قريش في العدد *


(1) قال محمد بن أبي بكر الرازي: المراد بالاول: التفضيل على القاعدين عن الغزاة بعذر. فإن لهم فضلا لكونهم مع الغزاة بالهمة والعزيمة والقصد الصالح... والمراد بالثاني: التفضيل على القاعدين عن الغزاة بغير عذر، وأولئك لا فضل لهم، بل هم مقصرون ومسيئون، فظهر فضل الغزاة عليهم، بدرجات، لانتفاء الفضل لهم. (2) بنو ادرم: قبيلة من قريش. (*)

[ 169 ]

المعنى أحصاهم. والمأوى: المرجع من أوى إلى منزله، يأوي، أويا: إذا رجع إلى منزله. والاستضعاف: وجدان الشئ ضعيفا، كالاستطراف، ونحوه. الاعراب: (توفاهم): إن شئت كان لفظه ماضيا، فيكون مفتوحا، لان الماضي مبني على الفتح، ويجوز أن يكون مستقبلا، فيكون مرفوعا على معنى تتوفاهم، حذف التاء الثانية، لاجتماع تاءين وقد ذكرناه مشروحا فيما تقدم. (ظالمي أنفسهم): نصب على الحال، وأصله ظالمين أنفسهم، إلا أن النون حذفت استخفافا، وهي ثابتة في التقدير، كما قال سبحانه (هديا بالغ الكعبة) أي بالغا الكعبة. (فيم) حذفت الالف من ما الاستفهام، وهو في موضع جر بفي والجار مع المجرور، في موضع نصب لأنه خبر كان، وخبر إن قوله (قالوا فيما كنتم): أي قالوا لهم: فحذف لهم لدلالة الكلام عليه. ويقال خبر (إن) قوله (فأولئك مأواهم جهنم) ويكون (قالوا لهم) في موضع نصب بكونه صفة (لظالمي أنفسهم) لأنه نكرة. (المستضعفين): نصب على الاستثناء من قوله (مأواهم جهنم إلا المستضعفين) (لا يستطيعون حيلة): في موضع نصب على الحال من (المستضعفين). النزول: قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن المشركين يوم بدر، لم يخلفوا، إذ خرجوا أحدا، إلا صبيا، أو شيخا كبيرا، أو مريضا. فخرج معهم ناس ممن تكلم بالاسلام، فلما التقى المشركون، ورسول الله، نظر الذين كانوا قد تكلموا بالاسلام إلى قلة المسلمين، فارتابوا وأصيبوا فيمن أصيب من المشركين، فنزلت فيهم الاية، وهو المروي، عن ابن عباس، والسدي، وقتادة. وقيل: إنهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الاسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف، عن عكرمة، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر عليه السلام، قال ابن عباس: كنت أنا من المستضعفين، وكنت غلاما صغيرا، وذكر عنه أيضا أنه قال: " كان أبي من المستضعفين من الرجال، وأمي كانت من المستضعفات من النساء، وكنت أنا من المستضعفين من الولدان ". المعنى: ثم أخبر تعالى عن حال من قعد عن نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الوفاة، فقال (إن الذين توفاهم): أي قبض أرواحهم، أو تقبض أرواحهم (الملائكة)

[ 170 ]

الملائكة: ملك الموت، أو هو وغيره، فإن الملائكة تتوفى، وملك الموت يتوفى، والله يتوفى، وما يفعله ملك الموت، أو الملائكة، يجوز أن يضاف إلى الله إذ فعلوه بأمره، وما تفعله الملائكة جاز أن يضاف إلى ملك الموت، إذ فعلوه بأمره (ظالمي أنفسهم): أي في حال هم فيها ظالموا أنفسهم، إذ بخسوها حقها من الثواب، وأدخلوا عليها العقاب، بفعل الكفر (قالوا فيم كنتم): أي قالت لهم الملائكة: فيم كنتم ؟ أي في أي شئ كنتم من دينكم، على وجه التقرير لهم، أو التوبيخ لفعلهم. (قالوا كنا مستضعفين في الارض) يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا، بكثرة عددهم وقوتهم، ويمنعوننا من الايمان بالله، واتباع رسوله على جهة الاعتذار (قالوا) أي قالت الملائكة لهم: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها): أي فتخرجوا من أرضكم ودوركم، وتفارقوا من يمنعكم من الايمان بالله ورسوله، إلى أرض يمنعكم أهلها من أهل الشرك، فتوحدوه، وتعبدوه، وتتبعوا رسوله. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال في معناه: إذا عمل بالمعاصي في أرض، فاخرج منها. ثم قال تعالى (فأولئك مأواهم جهنم): أي مسكنهم جهنم (وساءت) هي: أي جهنم (مصيرا) لأهلها الذين صاروا إليها، ثم استثنى من ذلك فقال (إلا المستضعفين) الذين استضعفهم المشركون (من الرجال والنساء والولدان) وهم الذين يعجزون عن الهجرة، لإعسارهم، وقلة حيلتهم، وهو قوله (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) في الخلاص من مكة. وقيل: معناه لا يهتدون لسوء معرفتهم بالطريق، طريق الخروج منها: أي لا يعرفون طريقا إلى المدينة، عن مجاهد، وقتادة، وجماعة من المفسرين. (فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم) معناه: لعل الله أن يعفو عنهم لما هم عليه من الفقر، ويتفضل عليهم بالصفح عنهم، في تركهم الهجرة من حيث لم يتركوها اختيارا (وكان الله عفوا) أي لم يزل الله ذا صفح بفضله، عن ذنوب عباده، بترك عقوبتهم على معاصيهم. (غفورا) أي: ساترا عليهم ذنوبهم، بعفوه لهم عنها. قال عكرمة: وكان النبي يدعو عقيب صلاة الظهر: " اللهم خلص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين، من أيدي المشركين " ! (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من

[ 171 ]

بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما [ 100 ]. اللغة: المهاجرة: المفارقة، وأصله من الهجر الذي هو ضد الوصل. والمراغم: المضطرب في البلاد، والمذهب، وأصله من الرغام: وهو التراب. ومعنى راغمت فلانا: هاجرتة، ولم أبال رغم أنفه: أي وإن لصق بالتراب أنفه. وأرغم الله أنفه: ألصقه بالتراب. وقيل: أصله الذل والشدة. والمراغم: المعادي الذي يروم إذلال صاحبه، ومنه الحديث: " إذا صلى أحدكم فليزم جبينه وأنفه الارض، حتى يخرخ منه الرغم " أي حتى يذل ويخضع لله تعالى. وفعلته على رغمه: أي على ذله بما يكره. وأرغم الله أنفه: أذله. والمراغم الموضع والمصدر من المراغمة قال: إلى بلد غير داني المحل * بعيد المراغم والمضطرب (1) النزول: قيل: لما نزلت آيات الهجرة، سمعها رجل من المسلمين، وهو جندع، أو جندب بن ضمرة، وكان بمكة، فقال: والله ما أنا مما استثنى الله، إني لاجد قوة، وإني لعالم بالطريق ! وكان مريضا، شديد المرض، فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكة، حتى أخرج منها، فإني أخاف أن أموت فيها. فخرجوا يحملونه، على سرير، حتى إذا بلغ التنعيم مات، فنزلت الاية، عن أبي حمزة الثمالي، وعن قتادة، وعن سعيد بن جبير. وقال عكرمة: وخرج جماعة من مكة مهاجرين، فلحقهم المشركون، وفتنوهم عن دينهم، فافتتنوا، فأنزل الله فيهم: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله)، فكتب بها المسلمون إليهم، ثم نزلت فيهم (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم). المعنى: ثم قال سبحانه (ومن يهاجر) يعني: يفارق أهل الشرك ويهرب بدينه من وطنه إلى أرض الاسلام (في سبيل الله) أي: في منهاج دين الله، وطريقه الذي شرعه لخلقه، (يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة) أي: متحولا من


(1) أنشده أبو اسحق في تفسير قوله تعالى: (يجد في الأرض مراغما). (اللسان: رغم). (*)

[ 172 ]

الارض، وسعة في الرزق، عن ابن عباس، والضحاك، والربيع. وقيل: مزحزحا عما يكره، وسعة من الضلالة إلى الهدى، عن مجاهد وقتادة. وقيل: مهاجرا فسيحا متسعا، مما كان فيه من تضييق المشركين عليه. (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله): أخبر سبحانه أن من خرج من بلده مهاجرا من أرض الشرك، فارا بدينه إلى الله ورسوله (ثم يدركه الموت) قبل بلوغه دار الهجرة، وأرض الاسلام، (فقد وقع أجره على الله) أي ثواب عمله، وجزاء هجرته، على الله تعالى (وكان الله غفورا) أي: ساترا على عباده ذنوبهم بالعفو عنهم (رحيما) بهم رفيقا ومما جاء في معنى الاية من الحديث، ما رواه الحسن، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الارض، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم، ومحمد عليهما السلام ". وروى العياشي بإسناده، عن محمد بن أبي عمير: حدثني محمد بن حليم قال: وجه زرارة بن أعين ابنه عبيدا إلى المدينة، ليستخبر له خبر أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، وعبد الله، فمات قبل أن يرجع إليه عبيد ابنه. قال محمد بن أبي عمير: حدثني محمد بن حكيم قال: ذكرت لابي الحسن عليه السلام زرارة، وتوجيهه عبيدا ابنه إلى المدينة، فقال: إني لارجو أن يكون زرارة ممن قال الله فيهم: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله) الاية. (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكفرين كانوا لكم عدوا مبينا [ 101 ] اللغة: في قصر الصلاة ثلاث لغات: قصرت الصلاة أقصرها: وهي لغة القرآن. وقصرتها تقصيرا، وأقصرتها إقصارا، وفتنت الرجل أفتنه، فهو مفتون، لغة أهل الحجاز، وبني تميم، وربيعة، وأهل نجد كلهم، وأسد، يقولون: أفتنت الرجل، فهو فاتن، وقد فتن فتونا: إذا دخل في الفتنة. وإنما قال في الكافرين أنهم عدو لان لفظة فعول تقع على الواحد والجماعات. المعنى: (وإذا ضربتم في الارض) معناه: إذا سرتم فيها: أي سافرتم (فليس عليكم جناح): أي حرج وإثم (أن تقصروا من الصلاة) فيه أقوال أحدها: إن معناه أن تقصروا من عدد الصلاة، فتصلوا الرباعيات ركعتين، عن مجاهد، وجماعة من المفسرين، وهو قول أكثر الفقهاء، وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام.

[ 173 ]

وقيل: تقصر صلاة الخائف من صلاة المسافر، وهما قصران: قصر الأمن من أربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة واحدة، عن جابر، ومجاهد، وقد رواه أيضا أصحابنا وثانيها: إن معناه القصر من حدود الصلاة، عن ابن عباس، وطاوس، وهو الذي رواه أصحابنا في صلاة شدة الخوف، وإنها تصلى إيماء، والسجود أخفض من الركوع، فإن لم يقدر على ذلك، فالتسبيح المخصوص كاف عن كل ركعة. وثالثها: إن المراد بالقصر الجمع بين الصلاتين. والصحيح الاول. (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) يعني: خفتم فتنة الذين كفروا في أنفسكم، أو دينكم. وقيل: معناه إن خفتم أن يقتلكم الذين كفروا في الصلاة، عن ابن عباس. ومثله قوله تعالى (على خوف من فرعون وملائه أن يفتنهم) أي: يقتلهم. وقيل: معناه أن يعذبكم الذين كفروا بنوع من أنواع العذاب (إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) أي: ظاهري العداوة. وفي قراءة أبي بن كعب: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا) من غير أن يقرأ (إن خفتم). وقيل إن معنى هذه القراءة: أن لا يفتنكم. أو كراهة أن يفتنكم، كما في قوله (يبين الله لكم أن تضلوا) وظاهر الآية يقتضي أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف، لكنا قد علمنا جواز القصر عند الأمن ببيان النبي، ويحتمل أن يكون ذكر الخوف في الاية، قد خرج مخرج الأعم والأغلب عليهم في أسفارهم، فإنهم كانوا يخافون الأعداء في عامتها، ومثله في القرآن كثير. واختلف الفقهاء في قصر الصلاة في السفر: فقال الشافعي: هي رخصة، واختاره الجبائي. وقال أبو حنيفة: هو عزيمة وفرض، وهذا مذهب أهل البيت، قال زرارة، ومحمد بن مسلم: " قلنا لابي جعفر: ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي ؟ قال: إن الله يقول: (وإذا ضربتم في الارض، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) فصار التقصير واجبا في السفر، كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا إنه قال (لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة) ولم يقل إفعل، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام ؟ قال: أو ليس قال تعالى في الصفا والمروة (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ألا ترى أن الطواف واجب مفروض، لان الله تعالى ذكرهما في كتابه، وصنعهما نبيه، وكذا التقصير في السفر، شئ صنعه رسول الله، وذكره الله في الكتاب. قال، قلت: فمن صلى في السفر أربعا،

[ 174 ]

أيعيد أم لا ؟ قال: إن كان قرئت عليه آية التقصير، وفسرت له، فصلى أربعا، أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه، ولم يعلمها، فلا إعادة عليه. والصلاة في السفر: كل فريضة ركعتان، إلا المغرب، فإنها ثلاث، ليس فيها تقصير، تركها رسول الله في السفر والحضر ثلاث ركعات ". وفي هذا الخبر دلالة على أن فرض المسافر، مخالف لفرض المقيم، وقد أجمعت الطائفة على ذلك، وعلى أنه ليس بقصر. وقد روي عن النبي أنه قال: " فرض المسافر ركعتان غير قصر ". وعندهم إن الخوف بانفراده موجب للقصر، وفيه خلاف بين الفقهاء، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الله عنى بالقصر في الاية: قصر صلاة الخوف، من صلاة السفر، لا من صلاة الإقامة لأن صلاة السفر عندهم، ركعتان تمام، غير قصر، فمنهم جابر بن عبد الله، وحذيفة اليمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وأبو هريرة، وكعب، وكان من الصحابة قطعت يده يوم اليمامة، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والسدي. وأما حد السفر الذي يجب عنده القصر فعندنا ثمانية فراسخ، وقيل مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه. وقيل: ستة عشر فرسخا ثمانية وأربعين ميلا، وهو مذهب الشافعي. النظم: وجه اتصال الآية بما قبلها: إنه لما أمر بالجهاد والهجرة، بين صلاة السفر والخوف، رحمة منه، وتخفيفا لعباده. (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكفرين عذابا مهينا [ 102 ] اللغة: أسلحة: جمع سلاح، مثل حمار وأحمرة. والسلاح: إسم لجملة ما

[ 175 ]

يدفع به الناس عن أنفسهم في الحروب، مما يقاتل به خاصة. لا يقال للدواب وما أشبهها سلاح. والجناح: الاسم من جنحت عن المكان: إذا عدلت عنه وأخذت جانبا عن القصد. وأذى مقصور: يقال أذى فلان، يأذى، أذى: مثل فزع، يفزع، فزعا. الإعراب: (وليأخذوا): القراءة على سكون اللام، والاصل وليأخذوا بالكسر، إلا أن الكسر يستثقل، فيحذف استخفافا، وكذلك فلتقم، ولتأت. وموضع (أن تضعوا) نصب: أي لا إثم عليكم في أن تضعوا، فلما سقطت في عمل ما قبل (أن) فيها، وعلى المذهب الآخر يكون موضعها جرا بإضمار حرف الجر، وإنما قال (طائفة أخرى)، ولم يقل آخرون. وقال: (لم يصلوا فليصلوا)، ولم يقل لم تصل فلتصل، حملا للكلام تارة على اللفظ، وأخرى على المعنى، كما قال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) ولم يقل اقتتلا، ومثله كثير. المعنى: ثم ابتدأ تعالى ببيان صلاة الخوف في جماعة فقال: (وإذا كنت) يا محمد (فيهم) يعني: في أصحابك الضاربين في الارض، الخائفين عدوهم أن يغزوهم (فأقمت لهم الصلاة) بحدودها، وركوعها، وسجودها، عن الحسن. وقيل: معناه أقمت لهم الصلاة بأن تؤمهم (فلتقم طائفة منهم) أي: من أصحابك الذين أنت فيهم (معك) في صلاتك، وليكن سائرهم في وجه العدو، وتقديره: ولتقم طائفة منهم تجاه العدو، ولم يذكر ما ينبغي أن تفعله الطائفة غير المصلية، لدلالة الكلام عليه. (وليأخذوا أسلحتهم): إختلف في هذا، فقيل: المأمور بأخذ السلاح: الطائفة المصلية مع رسول الله، يأخذون من السلاح مثل السيف، يتقلدون به، والخنجر يشدونه إلى دروعهم، وكذلك السكين ونحو ذلك، وهو الصحيح. وقيل: هم الطائفة التي بإزاء العدو، دون المصلية، عن ابن عباس. (فإذا سجدوا) يعني: الطائفة التي تصلي معه، وفرغوا من سجودهم (فليكونوا من ورائكم) يعني: فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم، مصافين للعدو. واختلف في الطائفة الاولى إذا رفعت رؤوسهم من السجود، وفرغت من الركعة، كيف يصنعون. فعندنا أنهم يصلون ركعة أخرى، ويتشهدون، ويسلمون، والامام قائم في الثانية، ثم ينصرفون إلى مواقف أصحابهم، ويجئ الآخرون،

[ 176 ]

فيستفتحون الصلاة، ويصلي بهم الامام الركعة الثانية، حسب، ويطيل تشهده حتى يقوموا فيصلوا بقية صلاتهم، ثم يسلم بهم الامام، فيكون للطائفة الاولى تكبيرة الافتتاح، وللثانية التسليم، وهو مذهب الشافعي أيضا. وقيل: إن الطائفة الاولى إذا فرغت من ركعة، يسلمون ويمضون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الاخرى، ويصلي بهم ركعة، وهو مذهب مجاهد، وجابر، ومن يرى أن صلاة الخوف ركعة واحدة. وقيل: إن الامام يصلي بكل طائفة ركعتين، فيصلي بهم مرتين بكل طائفة مرة، عن الحسن. وقيل: إنه إذا صلى بالطائفة الاولى ركعة، مضوا إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الاخرى، فيكبرون ويصلي بهم الركعة الثانية، ويسلم الامام، ويعودون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الاولى، فيقضون ركعة بغير قراءة، لانهم لاحقون، ويسلمون ويرجعون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الثانية، فيقضون ركعة بغير قراءة، لانهم مسبوقون، عن عبد الله بن مسعود، وهو مذهب أبي حنيفة. (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا) وهم الذين كانوا بإزاء العدو (فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) يعني: وليكونوا حذرين من عدوهم، متأهبين لقتالهم بأخذ الاسلحة: أي آلات الحرب، وهذا يدل على أن الفرقة المأمورة بأخذ السلاح في الاول، هم المصلون دون غيرهم. (ود الذين كفروا) معناه: تمنى الذين كفروا (لو تغفلون): لو تعتزلون (عن أسلحتكم)، وتشتغلون عن أخذها تأهبا للقتال، (وأمتعتكم) أي: وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم، فتسهون عنها (فيميلون عليكم ميلة واحدة) أي: يحملون عليكم حملة واحدة، وأنتم متشاغلون بصلاتكم، فيصيبون منكم غرة، فيقتلونكم، ويستبيحون عسكركم، وما معكم. المعنى: لا تتشاغلوا بأجمعكم بالصلاة عند مواقفة العدو، فيتمكن عدوكم من أنفسكم، وأسلحتكم، ولكن أقيموها على ما أمرتم به. ومن عادة العرب أن يقولوا: ملنا عليهم بمعنى حملنا. قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري، لرسول الله، ليلة العقبة الثانية: " والذي بعثك بالحق ! إن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا ! فقال رسول الله: لم نؤمر بذلك ". يعني في ذلك الوقت (ولا جناج عليكم إن كان بكم أذى من مطر) معناه: لا حرج عليكم، ولا إثم، ولا ضيق، إن نالكم أذى من مطر، وأنتم مواقفو عدوكم (أو كنتم مرضى) يعني: أعلاء، أو جرحى،

[ 177 ]

(أن تضعوا أسلحتكم) إذا ضعفتم عن حملها، لكن إذا وضعتموها فاحترسوا منهم، (وخذوا حذركم) لئلا يميلوا عليكم، وأنتم غافلون (إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا). مذلا يبقون فيه أبدا. وفي الاية دلالة على صدق النبي، وصحة نبوته، وذلك أنها نزلت والنبي بعسفان، والمشركون بضجنان فتواقفوا، فصلى النبي وأصحابه صلاة الظهر، بتمام الركوع والسجود، فهم المشركون بأن يغيروا عليهم، فقال بعضهم: إن لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه، يعنون صلاة العصر، فأنزل الله عليه هذه الاية، فصلى بهم العصر صلاة الخوف، وكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد القصة. وفيها دلالة أخرى: ذكر أبو حمزة في تفسيره أن النبي غزا محاربا، وبني أنمار، فهزمهم الله، وأحرزوا الذراري والمال، فنزل رسول الله والمسلمون، ولا يرون من العدو واحدا، فوضعوا أسلحتهم، وخرج رسول الله ليقضي حاجته، وقد وضع سلاحه، فجعل بينه وبين أصحابه الوادي، فإلى أن يفرغ من حاجته، وقد درأ الوادي، والسماء ترش، فحال الوادي بين رسول الله وبين أصحابه، وجلس في ظل شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال له أصحابه: يا غورث هذا محمد قد انقلع من أصحابه ! فقال: قتلني الله إن لم أقتله ! وانحدر من الجبل، ومعه السيف، ولم يشعر به رسول الله إلا وهو قائم على رأسه، ومعه السيف قد سله من غمده، وقال: يا محمد من يعصمك مني الان ؟ فقال الرسول: الله، فانكب عدو الله لوجهه، فقام رسول الله، فأخذ سيفه وقال: يا غورث من يمنعك مني الان ؟ قال: لا أحد. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله ؟ قال: لا، ولكني أعهد أن لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوا. فأعطاه رسول الله سيفه، فقال له غورث: والله لأنت خير مني ! قال عليه السلام: إني أحق بذلك. وخرج غورث إلى أصحابه، فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه بالسيف، فما منعك منه ؟ قال: الله. أهويت له بالسيف لاضربه، فما أدري من زلجني (1) بين كتفي، فخررت لوجهي، وخر سيفي، وسبقني إليه محمد، وأخذه، ولم يلبث الوادي أن سكن.


(1) كذا في النسخ وذكره الجزري في مادة (زلخ) وقال: رمى الله فلانا بالزلخة (مثل القبرة)، وهو وجع يأخذ في الظهر لا يتحرك الانسان من شدته. قال الخطابي: رواه بعضهم فزلج بين كتفيه: يعني بالجيم، وهو غلط " انتهى ". (*)

[ 178 ]

فقطع رسول الله إلى أصحابه، فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم: (إن كان بكم أذى من مطر) الاية كلها. (فإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا [ 103 ] اللغة: إطمأن الشئ: أي سكن. وطأمنه، وطمأنه: سكنه. وقد قيل: اطبأن بالباء، بمعنى اطمأن. المعنى: (فإذا قضيتم الصلاة) معناه: فإذا فرغتم من صلاتكم أيها المؤمنون، وأنتم مواقفو عدوكم (فاذكروا الله قياما وقعودا) أي: في حال قيامكم وقعودكم (وعلى جنوبكم) أي مضطجعين. فقوله (وعلى جنوبكم) في موضع نصب، عطفا على ما قبله من الحال: أي ادعوا الله في هذه الاحوال، لعله ينصركم على عدوكم، ويظفركم بهم، مثل قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) عن ابن عباس، وأكثر المفسرين. وقيل: معناه فإذا أردتم الصلاة، فصلوا قياما إذا كنتم أصحاء، وقعودا إذا كنتم مرضى، لا تقدرون على القيام، وعلى جنوبكم إذا لم تقدروا على القعود، عن ابن مسعود. وروي أنه قال عقيب تفسير الاية: " لم يعذر الله أحدا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله ". (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة): اختلف في تأويله، فقيل: معناه فإذا استقررتم في أوطانكم، وأقمتم في أمصاركم، فأتموا الصلاة التي أذن لكم في قصرها، عن مجاهد، وقتادة. وقيل: معناه إذا استقررتم بزوال خوفكم، فأتموا حدود الصلاة، عن السدي، وابن زيد، ومجاهد، في رواية أخرى. (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا): إختلف في تأويله فقيل: معناه إن الصلاة كانت على المؤمنين واجبة مفروضة، عن ابن عباس، وعطية العوفي، والسدي، ومجاهد، وهو المروي عن الباقر، والصادق عليه السلام. وقيل: معناه فرضا موقوتا: أي منجما تؤدونها في أنجمها، عن ابن مسعود، وقتادة، والقولان متقاربان.

[ 179 ]

(ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما [ 104 ] القراءة: روي في الشواذ عن عبد الرحمن الاعرج: (أن تكونوا تألمون) بفتح الالف. الحجة: قال ابن جني: إن محمولة على قوله (ولا تهنوا في ابتغاء القوم لانكم تألمون) فمن اعتقد نصب أن بعد حذف (1) الجر عنها فأن هنا منصوبة الموضع، وهي على مذهب الخليل مجرورة الموضع باللام المرادة، وصارت أن لكونها حرفا كالعوض في اللفظ من اللام. اللغة: الوهن: الضعف. وهن فلان في الامر، يهن، وهنا، ووهونا، فهو واهن. والالم: الوجع. والالم: جنس من الاعراض يكون من فعل الله ابتداء، وبسبب، وقد يكون من فعل العباد بسبب، والرجاء قد يستعمل بمعنى الخوف نحو قول الشاعر (2): لا ترتجي حين تلاقي الزائدا * أسبعة لاقت معا أو واحدا (3) وقال أبو ذؤيب: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عوامل (4) قال الفراء: نوب ونوب: وهي النحل. وقال تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقارا) والمعنى: لا تخافون لله عظمة، وإنما استعمل على معنى الخوف، لان الرجاء أمل، وقد يخاف أن لا يتم. النزول: قيل نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى، لموعد أبي سفيان، يوم أحد. وقيل: نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى حمراء


(1) [ حرف ]. (2) أنشده لامرأة قالت لزوجها. (3) ورد البيت في معاني القرآن: 1 / 286. (4) خالفه: ضد وافقه معناه دخل عليها وأخذ عسلها وهي ترعى فكأنه خالف هواها بذلك وفي بعض النسخ: حالفها بالحاء المهملة ومعناه لزمها. وفي بعض النسخ " عواسل " بدل " عوامل ". (*)

[ 180 ]

الاسد، عن عكرمة. المعنى: عاد الكلام إلى الحث على الجهاد، فقال تعالى (ولا تهنوا) أي: ولا تضعفوا (في ابتغاء القوم) أي: في طلب القوم الذين هم أعداء الله، وأعداء المؤمنين من أهل الشرك (إن تكونوا) أيها المؤمنون (تألمون) مما ينالكم من الجراح منهم (1)، (فإنهم) يعني المشركون (يألمون) أيضا مما ينالهم منكم من الجراح والاذى (كما تألمون) أي: مثل ما تألمون أنتم من جراحهم وأذاهم (وترجون) أنتم أيها المؤمنون (من الله) الظفر عاجلا، والثواب آجلا، على ما ينالكم منهم (ما لا يرجون) هم على ما ينالهم منكم: أي وأنتم إن كنتم موقنين من ثواب الله لكم، على ما يصيبكم منهم، بما هم مكذبون به، أولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم، منهم على حربكم وقتالكم، عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسدي (وكان الله عليما) بمصالح خلقه (حكيما) في تدبيره إياهم، وتقديره أحوالهم. قال ابن عباس وعكرمة (2). القصة: قال ابن عباس وعكرمة: " لما أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أحد، وصعد النبي الجبل، قال أبو سفيان: يا محمد ! لنا يوم ولكم يوم، فقال: أجيبوه. فقال المسلمون لا سواء (3) قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ! فقال أبو سفيان: لنا عزى، ولا عزى لكم. فقال النبي، قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم ! فقال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي: قولوا الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم يوم بدر الصغرى. ونام المسلمون وبهم الكلوم (4)، وفيهم نزلت (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) الاية. وفيهم نزلت: (إن تكونوا تألمون) الاية لان الله أمرهم على ما بهم من الجراح، أن يتبعوهم، وأراد بذلك إرهاب المشركين، وخرجوا إلى حمراء الاسد. وبلغ المشركين ذلك، فأسرعوا حتى دخلوا مكة. (إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك الله ولا تكن للخائنين خصيما [ 105 ] واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما [ 106 ]


(1) في الاصل (منكم)، والصواب ما أثبتناه. (3) [ لا سواء ]. (2) نعتقد أن الجملة زائدة ومكررة يبينها ما بعدها. (4) الكلوم: الجروح. (*)

[ 181 ]

النزول: نزلت في بني أبيرق، وكانوا ثلاثة أخوة: بشر، وبشير، ومبشر. وكان بشير يكنى أبا طعمة، وكان يقول الشعر، يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يقول: قاله فلان. وكانوا أهل حاجة في الجاهلية والاسلام، فنقب أبو طعمة على علية رفاعة بن زيد (1). وأخذ له طعاما، وسيفا، ودرعا، فشكا ذلك إلى أخيه قتادة بن النعمان، وكان قتادة بدريا، فتجسسا في الدار، وسألا أهل الدار في ذلك، فقال بنو أبيرق: والله ما صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل ذو حسب ونسب. فأصلت عليهم لبيد بن سهل سيفه، وخرج إليهم وقال: يا بني أبيرق أترمونني بالسرق، وأنتم أولى به مني، وأنتم منافقون تهجون رسول الله، وتنسبون ذلك إلى قريش ! لتبينن ذلك، أو لأضعن سيفي فيكم ! فداروه، وأتى قتادة رسول الله، فقال: يا رسول الله ! إن أهل بيت منا، أهل بيت سوء عدوا على عمي، فخرقوا علية له من ظهرها، وأصابوا له طعاما وسلاحا. فقال رسول الله: أنظروا في شأنكم. فلما سمع بذلك رجل من بطنهم الذي هم منه، يقال له أسير بن عروة، جمع رجالا من أهل الدار، ثم انطلق إلى رسول الله، فقال: إن قتادة بن النعمان، وعمه، عمدا إلى أهل بيت منا، لهم حسب، ونسب، وصلاح، وأبنوهم بالقبيح (2)، وقالوا لهم ما لا ينبغي، وانصرف، فلما أتى قتادة رسول الله بعد ذلك، ليكلمه، جبهه رسول الله جبها شديدا (3)، وقال: عمدت إلى أهل بيت حسب ونسب، تأتيهم بالقبيح، وتقول لهم ما لا ينبغي ؟ ! قال: فقام قتادة من عند رسول الله، ورجع إلى عمه، وقال: يا ليتني مت، ولم أكن كلمت رسول الله، فقد قال لي ما كرهت ! فقال عمه رفاعة: الله المستعان، فنزلت الايات (إنا أنزلنا إليك الكتاب) إلى قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به). فبلغ بشيرا ما نزل فيه من القرآن، فهرب إلى مكة، وارتد كافرا. فنزل على سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت امرأة من الاوس من بني عمرو بن عوف، نكحت من بني عبد الدار، فهجاها حسان فقال: فقد أنزلته بنت سعد وأصبحت * ينازعها جلد استها وتنازعه


(1) العلية: بيت منفصل عن الارض ببيت ونحوه. (2) ابنه بتقديم الموحدة: عابه وعيره. (3) جبه الرجل: ضربه على جبهته. رده عن حاجته. (*)

[ 182 ]

ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتموا * وفينا نبي عنده الوحي واضعه فحملت رحله على رأسها، فألقته بالابطح، وقالت: ما كنت تأتيني بخير. أهديت إلي شعر حسان، هذا قول مجاهد، وقتادة بن النعمان، وعكرمة، وابن جريج، إلا أن عكرمة قال (1): إن بني أبيرق طرحوا ذلك على يهودي يقال له زيد بن السهين، فجاء اليهودي إلى رسول الله، وجاء بنو أبيرق إليه، وكلموه أن يجادل عنهم، فهم رسول الله أن يفعل، وأن يعاقب اليهودي، فنزلت الاية وبه قال ابن عباس. وقال الضحاك: نزلت في رجل من الانصار، استودع درعا، فجحد صاحبها، فخونه رجال من أصحاب النبي، فغضب له قومه، فقالوا: يا نبي الله ! خون صاحبنا، وهو مسلم أمين ! فعذره النبي، وكذب عنه، وهو يرى أنه برئ مكذوب عليه، فأنزل الله فيه الايات. واختار الطبري هذا الوجه قال: لان الخيانة إنما تكون في الوديعة، لا في السرقة. المعنى: ثم خاطب الله نبيه فقال: (إنا أنزلنا إليك) يا محمد (الكتاب) يعني: القرآن (بالحق) الذي يجب لله على عباده. وقيل معناه: إنك به أحق (لتحكم) يا محمد (بين الناس بما أراك الله) أي أعلمك الله في كتابه (ولا تكن للخائنين خصيما) نهاه أن يكون لمن خان مسلما، أو معاهدا في نفسه، أو ماله، خصيما يدافع من طالبه عنه بحقه الذي خانه فيه، ويخاصم. ثم قال (واستغفر الله): أمره بأن يستغفر الله في مخاصمته عن الخائن (إن الله كان غفورا رحيما) يصفح عن ذنوب عباده المسلمين، ويترك مؤاخذتهم بها. والخطاب وإن توجه إلى النبي، من حيث خاصم عمن رآه على ظاهر الايمان والعدالة، وكان في الباطن بخلافه، فالمراد بذلك أمته، وإنما ذكر ذلك على وجه التأديب له في أن لا يبادر بالخصام والدفاع عن خصم، إلا بعد أن يتبين وجه الحق فيه، جل نبي الله عن جميع المعاصي والقبائح. وقيل: إنه لم يخاصم عن الخصم، وإنما هم بذلك، فعاتبه الله عليه. النظم: وجه اتصال الاية بما قبلها: إنه لما تقدم ذكر المنافقين والكافرين، والامر بمجانبتهم، عقب ذلك بذكر الخائنين، والامر باجتناب الدفع عنهم. وقيل:


(1) وفي نسخة مخطوطة " إلا أن قتادة وعكرمة قالا ". (*)

[ 183 ]

إنه تعالى لما بين الاحكام والشرائع في السورة، عقبها بأن جميع ذلك أنزل بالحق. (ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما [ 107 ] يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا [ 108 ] هأنتم هؤلاء جدلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا [ 109 ] اللغة: المخاصمة، والمجادلة، والمناظرة، والمحاجة، نظائر، وإن كان بينها فرق. فإن المجادلة هي المنازعة فيما وقع فيه خلاف بين اثنين. والمخاصمة: المنازعة بالمخالفة بين اثنين على وجه الغلظة. والمناظرة: فيما يقع بين النظيرين. والمحاجة: في محاولة إظهار الحجة. وأصل المجادلة من الجدل، وهو شدة الفتل. ورجل مجدول: كأنه قد جدل: أي فتل. والأجدل: الصقر، لانه من أشد الطيور قوة. والتبييت: التدبير للشئ بالليل، لأن ذلك يكون في وقت رواح الناس إلى بيوتهم. الإعراب: ها: للتنبيه، وأعيدت في أولاء، والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم عنهم، لان هؤلاء وهذا يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم، بمنزلة الذين. وقد يكونان لغير المخاطبين بمنزلة الذين نحو قول الشاعر: عدس ! ما لعباد عليك إمارة * أمنت، وهذا تحملين طليق (1) أي: والذي تحملين طليق. النزول: نزلت الايات في القصة التي ذكرناها قبل. المعنى: ثم نهى تعالى عن المجادلة، والدفع عن أهل الخيانة، مؤكدا لما تقدم، فقال: (ولا تجادل) قيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، حين هم أن يبرئ أبا طعمة، لما أتاه قوم ينفون عنه السرقة. وقيل: الخطاب له، والمراد قومه. وقيل:


(1) الشعر في جامع الشواهد وقد مر في الكتاب غير مرة. والبيت ليزيد بن مفرغ الحميري (إعراب القرآن للزجاج: 1 / 213). وفي اللسان: (نجوت) بدلا من " أمنت " اللفظة الواردة في البيت. (*)

[ 184 ]

تقديره ولا تجادل أيها الانسان (عن الذين يختانون أنفسهم) أي: يخونون أنفسهم، ويظلمونها. أراد من سرق الدرع، ومن شاركه في السرقة والخيانة. وقيل: إنه أراد به قومه الذين مشوا معه إلى النبي، وشهدوا له بالبراءة، عما نسب إليه من السرقة. وقيل: أراد به السارق وقومه، ومن هو في معناهم، وإنما قال (يختانون أنفسهم) وإن خانوا غيرهم، لأن ضرر خيانتهم، كأنه راجع إليهم، لاحق بهم، كما تقول لمن ظلم غيره: ما ظلمت إلا نفسك، وكقوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم). (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما): هو فعال الخيانة أي: من كان كثير الخيانة، وقد ألفها واعتادها، وقد يطلق الخوان على الخائن في شئ واحد، إذا عظمت تلك الخيانة. والأثيم: فاعل الإثم. وقيل معناه: لا يحب من كان خوانا، إذا سرق الدرع، وأثيما إذا رمى به اليهودي. وقال ابن عباس في معنى الاية: لا تجادل عن الذين يظلمون أنفسهم بالخيانة، ويرمون بالخيانة غيرهم، يريد به سارق الدرع سرق الدرع، ورمى بالسرقة اليهودي، فصار خائنا بالسرقة، أثيما في رميه غيره بها (يستخفون من الناس) أي: يكتمون عن الناس (ولا يستخفون من الله وهو معهم) يعني الذين مشوا في الدفع عن ابن أبيرق، ومعناه: يتسترون عن الناس بمعاصيهم في أخذ الاموال، لئلا يفتضحوا في الناس، ولا يتسترون من الله، وهو مطلع عليهم. وقيل معناه: يستحيون من الناس، ولا يستحيون من الله وعلمه معهم. فيكون معناه: يخفون الخيانة عن الناس، ويطلبون إخفاءها حياء منهم، ولا يتركونها حياء من الله، وهو عالم بأفعالهم (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) أي: يدبرون بالليل قولا لا يرضاه الله. وقيل: يغيرون القول من جهته، ويكذبون فيه. وقيل: إنه قول ابن أبيرق في نفسه بالليل، أرمي بهذا الدرع في دار اليهودي، ثم أحلف أني برئ منه، فيصدقني المسلمون، لأني على دينهم، ولا يصدقون اليهودي، لأنه ليس على دينهم. وقيل: إنه رمى بالدرع إلى دار لبيد بن سهل. (وكان الله بما يعملون محيطا) قال الحسن: حفيظا لأعمالهم. وقال غيره: عالما بأعمالهم، لا يخفى عليه شئ منها. وفي هذه الاية تقريع بليغ لمن يمنعه حياء الناس وحشمتهم، عن ارتكاب القبائح، ولا يمنعه خشية الله عن ارتكابها، وهو سبحانه أحق أن يراقب، وأجدر أن

[ 185 ]

يحذر، وفيها أيضا توبيخ لمن يعمل قبيحا، ثم يقرف غيره به سواء كان ذلك الغير مسلما، أو كافرا. (ها أنتم): خطاب للذابين عن السارق (هؤلاء) يعني الذين (جادلتم) أي: خاصمتم ودافعتم (عنهم): عن الخائنين (في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة): استفهام يراد به النفي، لانه في معنى التقريع والتوبيخ. أي: لا مجادل عنهم، ولا شاهد على برأتهم بين يدي الله، يوم القيامة. وفي هذه الاية النهي عن الدفع عن الظالم والمجادلة عنه. (أم من يكون عليهم وكيلا) أي: من يحفظهم، ويتولى معونتهم، يعني لا يكون يوم القيامة عليهم وكيل يقوم بأمرهم، ويخاصم عنهم وأصل الوكيل: من جعل إليه القيام بالامر، والله يسمى وكيلا بمعنى أنه القائم بالامر. ويقال: إنه يسمى وكيلا بمعنى الحافظ، ولا يقال إنه وكيل لنا، وإنما يقال إنه وكيل علينا. (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما [ 110 ] ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما [ 111 ] ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتنا وإثما مبينا [ 112 ] اللغة: السوء: القبيح، الذي يواجه به صاحبه من ساءه، يسوءه، سوءا: إذا واجهه بقبيح يكرهه. ورجل سوء: من شأنه أن يواجه الناس بالمكاره. فأما السيئة: فهي نقيض الحسنة، ويجد: أصله من الوجدان، وهو الإدراك. يقال: وجدت الضالة وجدانا: إذا أدركتها بعد ذهابك عنها، ووجدت وجودا: علمت. والوجود: ضد العدم، لانه يظهر بالوجود، كظهوره بالادراك. والكسب: فعل يجر به نفع، أو يدفع به ضر، ولذلك لا يوصف سبحانه به. المعنى: ثم بين تعالى طريق التلافي والتوبة مما سبق منهم من المعصية، فقال: (ومن يعمل سوءا) أي: معصية، أو أمرا قبيحا، (أو يظلم نفسه) بارتكاب جريمة. وقيل: يعمل سوءا بأن يسرق الدرع، أو يظلم نفسه بأن يرمي بها بريئا. وقيل: المراد بالسوء: الشرك، وبالظلم: ما دون الشرك. (ثم يستغفر الله) أي:

[ 186 ]

يتوب إليه، ويطلب منه المغفرة، (يجد الله غفورا رحيما) ثم بين الله تعالى أن جريمتهم، وإن عظمت، فإنها غير مانعة من المغفرة وقبول التوبة إذا استغفروا وتابوا. (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه) ظاهر المعنى ونظيره: (لا تكسب كل نفس إلا عليها)، (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها). (وكان الله عليما) بكسبه، (حكيما) في عقابه. وقيل: عليما (1) في قضائه فيهم. وقيل: عليما بالسارق، حكيما في إيجاب القطع عليه. ثم بين أن من ارتكب إثما، ثم قذف به غيره، كيف يعظم عقابه، فقال: (ومن يكسب خطيئة) أي: يعمل ذنبا على عمد، أو غير عمد، (أو إثما) أي: ذنبا تعمده. وقيل: الخطيئة الشرك، والاثم: ما دون الشرك (ثم يرم به بريئا): ثم ينسب ذنبه إلى برئ. وقيل: البرئ هو اليهودي الذي طرح عليه الدرع، عن الحسن، وغيره. وقيل: هو لبيد بن سهل. وقد مضى ذكرهما قبل. وقوله: (ثم يرم به بريئا) اختلف في الضمير الذي هو الهاء في به فقيل: يعود إلى الاثم أي: بالاثم. وقيل: إلى واحد منهما. وقيل: يعني يكسبه (فقد احتمل بهتانا) كذبا عظيما، يتحير من عظمه. (وإثما مبينا) أي: ذنبا ظاهرا بينا. وفي هذه الايات دلالة على أنه تعالى لا يجوز أن يخلق أفعال خلقه، ثم يعذبهم عليها، لانه إذا كان الخالق لها، فهم براء منها، فلو قيل: إن الكسب مضاف إلى العبد، فجوابه: إن الكسب لو كان مفهوما، وله معنى، لم يخرج العبد بذلك من أن يكون بريئا، لانه إذا قيل إن الله تعالى أوجد الفعل، وأحدثه، وأوجد الاختيار في القلب، والفعل لا يتجزى، فقد انتفى عن العبد من جميع جهاته. (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [ 113 ] لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة


(1) [ بأفعال عباده حكيما ]. (*)

[ 187 ]

أو معروف أو إصلح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما [ 114 ] القراءة: قرأ (فسوف يؤتيه) بالياء: أبو عمرو، وحمزة، وقتيبة، والكسائي، وسهل، وخلف، والباقون: بالنون. الحجة: من قرأ بالياء فلما تقدمه من قوله (ولولا فضل الله عليك) وأنزل عليك الكتاب. ومن قرأ بالنون فلانه أشبه بما بعده من قوله (نوله ما تولى ونصله جهنم). اللغة: الهم: ما هممت به، ومنه الهمة. والهمام: الملك العظيم الهمة. قال علي بن عيسى: النجوى: هو الإسرار عند أهل اللغة. وقال الزجاج: النجوى في الكلام ما ينفرد به الجماعة، أو الاثنان، سرا كان، أو ظاهرا. ومعنى نجوت الشئ في اللغة: خلصته وألقيته. يقال نجوت الجلد: إذا ألقيته عن البعير، أو غيره، قال الشاعر (1): فقلت انجوا منها نجا الجلد إنه * سيرضيكما منها سنام وغاربه (2) ونجوت فلانا إذا استنكهته قال: نجوت مجالدا فشممت منه * كريح الكلب مات حديث عهد (3) وأصله من النجوة: وهو ما ارتفع من الارض. فالمراد بنجواهم: ما يديرونه بينهم من الكلام، وفلان نجي فلان: أي مناجيه، والقوم أنجية. الاعراب: (إلا من أمر) يجوز أن يكون (من) في موضع جر، المعنى إلا في نجوى من أمر، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الاول، ويكون موضعها نصبا، ويكون معناه لكن من أمر بصدقة أو معروف، ففي نجواه خير ونصيب، ابتغاء مرضاة الله، لانه مفعول له، ويجوز أن يكون (من أمر) مجرور الموضع أيضا،


(1) يخاطب ضيفين طرقاه. (2) النجا: الجلد. قال الفراء: أضاف النجا إلى الجلد لان العرب تضيف الشئ إلى نفسه إذا اختلف اللفظان كقوله تعالى " حق اليقين " " ولدار الآخرة ". والغارب ما بين السنام والعنق. يقول: اسلخا الناقة فإن سنامها وغاربها يكفيكما. ورد البيت في (اللسان: نجا) ولم ينسبه لشاعر. (3) في (اللسان: نجا): أنشده ثعلب. (*)

[ 188 ]

على اتباع لكثير بمعنى: لا خير في كثير إلا فيمن أمر بصدقة، كما يقال: لا خير في القوم إلا نفر منهم، ويكون النجوى هنا بمعنى المتناجين نحو قوله (وإذ هم نجوى). ويجوز أيضا أن يكون استثناء حقيقيا على تقدير لا خير في نجوى الناس إلا نجوى من أمر. وهذا أولى مما تقدم من الاستثناء المنقطع لان حمل الكلام على الاتصال أولى، إذا لم يخل بالمعنى. النزول: قيل نزلت في بني أبيرق، وقد مضت قصتهم، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وقيل: نزلت في وفد من ثقيف، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: يا محمد ! جئناك نبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا، وعلى أن نمتع بالعزى سنة. فلم يجبهم إلى ذلك، وعصمه الله منهم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. المعنى: ثم بين سبحانه لطفه برسوله، وفضله عليه، إذ صرف كيدهم عنه، وعصمه من الميل إليهم فقال: (ولولا فضل الله عليك ورحمته) قيل: فضل الله النبوة، ورحمته نصرته إياه بالوحي. وقيل: فضله تأييده بألطافه، ورحمته: نعمته، عن الجبائي. وقيل: فضله النبوة، ورحمته العصمة (لهمت طائفة منهم) لقصدت وأضمرت جماعة من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم. (أن يضلوك) فيه أقوال أحدها: إن المعني بهم الذين شهدوا للخائنين من بني أبيرق بالبراءة، عن ابن عباس، والحسن، والجبائي، فيكون المعنى: همت طائفة منهم أن يزيلوك عن الحق، بشهادتهم للخائنين، حتى أطلعك الله على أسرارهم. وثانيها: إنهم وفد ثقيف الذين التمسوا من رسول الله ما لا يجوز، وقد مضى ذكرهم، عن ابن عباس أيضا. وثالثها: إنهم المنافقون الذي هموا بإهلاك النبي، والمراد بالإضلال القتل والإهلاك كما في قوله تعالى (أإذا ضللنا في الارض) فيكون المعنى: لولا حفظ الله تعالى لك، وحراسته إياك، لهمت طائفة من المنافقين أن يقتلوك ويهلكوك، ومثله: وهموا بما لم ينالوا، عن أبي مسلم (وما يضلون إلا أنفسهم) أي: وما يزيلون عن الحق إلا أنفسهم. وقيل: ما يهلكون إلا أنفسهم. ومعناه: إن وبال ما هموا به من الإهلاك والإذلال، يعود عليهم حتى استحقوا العذاب الدائم (وما يضرونك من شئ) أي: لا يضرونك بكيدهم ومكرهم شيئا، فإن الله حافظك، وناصرك، ومسددك، ومؤيدك.

[ 189 ]

(وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) أي: القرآن والسنة، واتصاله بما قبله أن المعنى كيف يضلونك وهو ينزل عليك الكتاب، ويوحي إليك بالاحكام (وعلمك ما لم تكن تعلم) أي: ما لم تعلمه من الشرائع وأنباء الرسل الاولين، وغير ذلك من العلوم (وكان فضل الله عليك عظيما) قيل: فضله عليك منذ خلقك إلى أن بعثك عظيم، إذ جعلك خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وأعطاك الشفاعة وغيرها. ثم قال (لا خير في كثير من نجواهم) أي: أسرارهم. ومعنى النجوى، لا يتم إلا بين اثنين فصاعدا، كالدعوى. (إلا من أمر بصدقة) فإن في نجواه خيرا (أو معروف) يعني بالمعروف: أبواب البر، لاعتراف العقول بها. وقيل: لان أهل الخير يعرفونها (أو إصلاح بين الناس) أي: تأليف بينهم بالمودة. وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن أبي عبد الله قال: إن الله فرض التجمل (1) في القرآن فقال، قلت: وما التجمل في القرآن جعلت فداك ؟ قال: أن يكون وجهك أعرض من وجه أخيك، فتجمل له وهو قوله (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف) الاية قال: وحدثني أبي رفعه إلى أمير المؤمنين أنه قال: " إن الله فرض عليكم زكاة جاهكم، كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيديكم ". (ومن يفعل ذلك) يعني ما تقدم ذكره (ابتغاء مرضات الله) أي: لطلب رضاء الله (فسوف نؤتيه) أي: نعطيه (أجرا عظيما) أي: مثوبة عظيمة في الكثرة، والمنزلة والصفة. أما الكثرة فلانه دائم، وأما المنزلة فلانه مقارن للتعظيم والاجلال، وأما الصفة فلانه غير مشوب بما ينغصه. وفي الاية دلالة على أن فاعل المعصية، هو الذي يضر بنفسه لما يعود عليه من وبال فعله. وفيها دلالة أيضا على أن الذي يدعو إلى الضلال، هو المضل، وعلى أن فاعل الضلال مضل لنفسه، وعلى أن الدعاء إلى الضلال، يسمى إضلالا. (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل


(1) كذا في الاصل وفي بعض النسخ " التحمل " بالحاء المهملة. وفي المصدر التمحل بتقديم الميم على الحاء. وكذا في (الصافي). وقال في هامشه: التمحل: الاحتيال والمراد هنا أن تصرف وجهك عن وجه أخيك بما بينك وبينه من الكدرة، وضيق خلقك عنه، ثم تذكرت أمر الله ووصيته، فصرفت وجهك إليه ببشر، وفرح، وبهجة، وتحية ابتغاءا لمرضاته تعالى (اه‍). (*)

[ 190 ]

المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [ 115 ] اللغة: الشقاق: الخلاف مع العداوة. وشن العصا: أي فارق الجماعة. والشق: النصف، وأصله من الشق، وهو القطع طولا. وسميت العداوة: مشاقة، لان أحد المتعاديين يصير في شق غير شق الآخر من أجل العداوة التي بينهما. ومنه الاشتقاق: فإنه قطع الفرع عن الاصل. نوله: من الولي، وهو القرب. يقال: ولي الشئ، يليه: إذا قرب منه. وكل ما يليك أي: ما يقاربك. والولي: المطر الذي يلي الوسمي (1). النزول: قيل: نزلت في شأن ابن أبي أبيرق، سارق الدرع. ولما أنزل الله في تقريعه وتقريع قومه الايات، كفر وارتد، ولحق بالمشركين من أهل مكة، ثم نقب حائطا للسرقة، فوقع عليه الحائط فقتله، عن الحسن. وقيل: إنه خرج من مكة نحو الشام، فنزل منزلا، وسرق بعض المتاع، وهرب فأخذ ورمي بالحجارة حتى قتل، عن الكلبي. المعنى: لما بين سبحانه التوبة عقبه بذكر حال الإصرار، فقال: (ومن يشاقق الرسول) أي: من يخالف محمدا ويعاده (من بعد ما تبين له الهدى) أي: ظهر له الحق والاسلام، وقامت له الحجة، وصحت الادلة بثبوت نبوته، ورسالته (ويتبع) طريقا (غير سبيل المؤمنين) أي: غير طريقهم الذي هو دينهم (نوله ما تولى) أي نكله إلى من انتصر به، واتكل عليه من الاوثان، وحقيقته: نجعله يلي ما اعتمده من دون الله أي: يقرب منه. وقيل: معناه نخلي بينه وبين ما اختاره لنفسه (ونصله) أي: نلزمه دخول (جهنم) عقوبة له على ما اختاره من الضلالة بعد الهدى (وساءت مصيرا) قد مر معناه. وقد استدل بهذه الاية على أن إجماع الامة حجة لانه توعد على مخالفة سبيل المؤمنين، كما توعد على مشاقة الرسول. والصحيح أنه لا يدل على ذلك، لان ظاهر الاية يقتضي إيجاب متابعة من هو مؤمن على الحقيقة ظاهرا وباطنا، لان من أظهر الإيمان لا يوصف بأنه مؤمن إلا مجازا، فكيف يحمل ذلك على إيجاب متابعة من أظهر الايمان، وليس كل من أظهر الايمان مؤمنا، ومتى حملوا الاية على بعض


(1) الوسمي: أول مطر الربيع. (*)

[ 191 ]

الأمة، حملها غيرهم على من هو مقطوع على عصمته عنده من المؤمنين، وهم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. على أن ظاهر الاية يقتضي أن الوعيد إنما يتناول من جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فمن أين لهم أن من فعل أحدهما يتناوله الوعيد، ونحن إنما علمنا يقينا أن الوعيد إنما يتناول بمشاقة الرسول بانفرادها، بدليل غير الاية، فيجب أن يسندوا تناول الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين، إلى دليل آخر. (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا [ 116 ] قد مر تفسيره فيما تقدم. وقوله (فقد ضل ضلالا بعيدا) أي: ذهب عن طريق الحق والغرض المطلوب، وهو النعيم المقيم في الجنة ذهابا بعيدا، لأن الذهاب عن نعيم الجنة، يكون على مراتب، أبعدها الشرك بالله. (إن يدعون من دونه إلا إنثا وإن يدعون إلا شيطنا مريدا [ 117 ] لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا [ 118 ] ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا [ 119 ] يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطن إلا غرورا [ 120 ] أولئك مأويهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا [ 121 ] القراءة: القراءة المشهورة (إلا إناثا) وروي في الشواذ عن النبي (إلا إثنا) بالثاء قبل النون، و (إلا إنثا) بالنون قبل الثاء، روتهما عائشة. وروي عن ابن عباس: (إلا وثنا) و (إلا أثنا) بضمتين، والثاء قبل النون. وعن عطاء بن أبي رباح: (إلا أثنا) الثاء قبل النون، وهي ساكنة. الحجة: أما أثن فجمع وثن، وأصله وثن، قلبت الواو همزة، نحو أجوه في وجوه، وأعد في وعد فأما أثن بسكون الثاء فهو كأسد بسكون السين، وأما أنثا بتقديم

[ 192 ]

النون على الثاء، فيمكن أن يكون جمع أنيث، كقولهم سيف أنيث الحديد (1)، ويمكن أن يكون جمع إناث. اللغة: المريد، والمارد، والمتمرد بمعنى: وهو العاتي، والخارج عن الطاعة، والمتملس منها. يقال: حائط ممرد: أي مملس، وشجرة مرداء: تناثر ورقها، ومنه سمي من لم تنبت له اللحية أمرد أي: أملس موضع اللحية. ومرد الرجل، يمرد، مرودا: إذا عتا، وخرج عن الطاعة. وأصل اللعن: البعد. ومنه قيل للطريد: اللعين. وأصل الفرض: القطع. والفرضة: الثلمة تكون في النهر. والفرض: الحز الذي يكون في السواك وغيره، يشد فيه الخيط. والفرض في القوس: الحز الذي يكون فيه الوتر. والفريضة: ما أمر الله به العباد، فجعله حتما عليهم، قاطعا، وأما قول الشاعر: إذا أكلت سمكا وفرضا * ذهبت طولا وذهبت عرضا (2) فالفرض هنا التمر، وإنما سمي التمر فرضا، لانه يؤخذ في فرائض الصدقة، التبتيك: التشقيق. والبتك: القطع، بتكته، أبتكه، تبتيكا، والبتكة، مثل القطعة. البتك: القطع، قال زهير: حتى إذا ما هوت كف الغلام له * طارت وفي كفه من ريشها بتك والمحيص: المعدل، يقال حصت عنه، أحيص، حيصا، وجضت، أجيض، جيضا، بمعنى. قال: ولم ندر إن جضنا عن الموت جيضة * كم العمر باق والمدى متطاول (3) روي باللغتين. الاعراب: إن: على أربعة أوجه أحدها: أن إن النافية كما في الاية: (إن يدعون) أي: ما يدعون. والثاني: إن المخففة من الثقيلة كما في قوله: (وإن كانت لكبيرة) ويلزمها لام التأكيد. والثالث: إن الجازمة كما في قوله (وإن تدعهم


(1) أي ليس بقاطع. (2) نسبهما سيبويه إلى رجل من عمان وهو العماني الراجز واسمه محمد بن ذؤيب الدارمي التميمي من بني فقيم. (شرح أبيات سيبويه للسيرافي: 1 / 403). (3) المدى: الغاية والمنتهى. والبيت لجعفر بن علية الحارثي. (اللسان: جيض). (*)

[ 193 ]

إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا). والرابع: إن المزيدة نحو: ما إن جاءني زيد. وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا (1) (لعنه الله): جملة في موضع النصب بأنها صفة لقوله: (شيطانا) واللام في (لأتخذن) وما بعده لام اليمين، وإنما يدخل على جواب القسم، لانه المقسم عليه، فعلى هذا يكون القسم هنا مضمرا في الجميع. المعنى: لما ذكر في الاية المتقدمة أهل الشرك وضلالهم، ذكر في هذه الاية حالهم وفعالهم، فقال: (إن يدعون) أي: ما يدعون هؤلاء المشركون، وما يعبدون (من دونه) أي: من دون الله (إلا إناثا): فيه أقوال أحدها: إلا أوثانا، وكانوا يسمون الأوثان باسم الإناث، اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وإساف، ونائلة، عن أبي مالك، والسدي، ومجاهد، وابن زيد، وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره قال: " كان في كل واحدة منهن شيطانة أنثى، تتراءى للسدنة (2)، وتكلمهم "، وذلك من صنع إبليس، وهو الشيطان الذي ذكره الله فقال: (لعنه الله) قالوا: واللات كان اسما لصخرة، والعزى كان إسما لشجرة، إلا أنهم نقلوهما إلى الوثن، وجعلوهما علما عليهما. وقيل: العزى: تأنيث الأعز. واللات: تأنيث لفظ الله. وقال الحسن: كان لكل حي من العرب وثن، يسمونه باسم الأنثى. وثانيها: إن المعنى: إلا مواتا، عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، فعلى هذا يكون تقديره: ما يعبدون من دون الله إلا جمادا ومواتا لا تعقل، ولا تنطق، ولا تضر، ولا تنفع، فدل ذلك على غاية جهلهم وضلالهم، وسماها إناثا، لاعتقاد مشركي العرب الأنوثة في كل ما اتضعت منزلته، ولأن الإناث من كل جنس أرذله. وقال الزجاج: " لأن الموات يخبر عنها بلفظ التأنيث، تقول: الأحجار تعجبني، ولا تقول يعجبونني ". ويجوز أن يكون إناثا سماها لضعفها، وقلة خيرها، وعدم نصرها. وثالثها: إن المعنى: إلا ملائكة، لانهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدون الملائكة، عن الضحاك. (وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) أي: ماردا


(1) الطبن بكسر الطاء وتشديد الباء: الشأن والعادة. والبيت لفروة بن مسيك المرادي (اللسان: طبب). (2) جمع سادن: خادم الكعبة. (*)

[ 194 ]

شديدا في كفره وعصيانه، متماديا في شركه وطغيانه، يسأل عن هذا فيقال: كيف نفى في أول الكلام عبادتهم لغير الأوثان، ثم أثبت في آخره عبادتهم الشيطان، فأثبت في الآخر ما نفاه في الاول ؟ أجاب الحسن عن هذا، فقال: إنهم لم يعبدوا إلا الشيطان في الحقيقة، لان الاوثان كانت مواتا، ما دعت أحدا إلى عبادتها، بل الداعي إلى عبادتها الشيطان، فأضيفت العبادة إلى الشيطان، بحكم الدعاء، وإلى الاوثان، لأجل أنهم كانوا يعبدونها، ويدل عليه قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهولاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن) أضافت الملائكة عبادتهم إلى الجن من قبل أن الجن دعتهم إلى عبادة الملائكة. وقال ابن عباس: " كان في كل واحد من أصنامهم التي كانوا يعبدونها شيطان مريد، يدعو المشركين إلى عبادتها، فلذلك حسن إضافة العبادة إلى الأصنام وإلى الشيطان ". وقيل: ليس في الاية إثبات المنفي، بل ما يعبدون إلا الأوثان وإلا الشيطان، وهو إبليس (لعنه الله): أبعده الله عن الخير، بإيجاب الخلود في نار جهنم (وقال) يعني الشيطان: لما لعنه الله: (لأتخذن من عبادك نصيبا) أي: حظا (مفروضا) أي: معلوما، عن الضحاك. وقيل: مقدرا محدودا، وأصل الإتخاذ: أخذ الشئ على وجه الاختصاص، فكل من أطاعه فإنه من نصيبه وحزبه، كما قال سبحانه (كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله). وروي أن النبي قال في هذه الاية: " من بني آدم تسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة " وفي رواية أخرى: " من كل ألف واحد لله، وسائرهم للنار ولإبليس " أوردهما أبو حمزة الثمالي في تفسيره. ويقال: كيف علم إبليس أن له أتباعا يتابعونه ؟ والجواب: علم ذلك من قوله (لأملان جهنم منك وممن تبعك) وقيل: إنه لما نال من آدم ما نال، طمع في ولده، وإنما قال ذلك ظنا، ويؤيده قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) (ولأضلنهم) هذا من مقالة إبليس يعني: لأضلنهم عن الحق والصواب. وإضلاله: دعاؤه إلى الضلال، وتسبيبه له بحبائله، وغروره، ووساوسه. (ولأمنينهم) يعني: أمنينهم طول البقاء في الدنيا، فيؤثرون بذلك الدنيا ونعيمها، على الآخرة. وقيل: معناه أقول لهم: ليس وراءكم بعث، ولا نشر، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب، ولا عقاب، فافعلوا ما شئتم، عن الكلبي. وقيل معناه أمنينهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية، وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها، وأدعو كلا منهم إلى نوع يميل طبعه إليه، فأصده بذلك عن الطاعة،

[ 195 ]

وألقيه في المعصية. (ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام) تقديره: ولآمرنهم بتبتيك آذان الانعام، فليبتكن أي: ليشققن آذانهم، عن الزجاج. وقيل: ليقطعن الآذان من أصلها، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وهذا شئ قد كان مشركو العرب يفعلونه، يجدعون آذان الانعام. ويقال: كانوا يفعلونه بالبحيرة، والسائبة، وسنذكر ذلك في سورة المائدة، إن شاء الله. (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) أي: لآمرنهم بتغيير خلق الله، فليغيرنه. واختلف في معناه فقيل: يريد دين الله وأمره، عن ابن عباس، وإبراهيم، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وجماعة، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. ويؤيده قوله سبحانه وتعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله)، وأراد بذلك تحريم الحلال، وتحليل الحرام. وقيل: أراد معنى الخصاء، عن عكرمة، وشهر بن حوشب، وأبي صالح، عن ابن عباس. وكرهوا الاخصاء في البهائم. وقيل: إنه الوشم، عن ابن مسعود، وقيل: إنه أراد الشمس، والقمر، والحجارة، عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها، عن الزجاج. (ومن يتخذ الشيطان وليا) أي: ناصرا. وقيل: ربا يطيعه (من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا) أي: ظاهرا. وأي خسران أعظم من استبدال الجنة بالنار، وأي صفقة أخسر من استبدال رضاء الشيطان برضاء الرحمن ؟ (يعدهم) الشيطان أن يكون لهم ناصرا، (ويمنيهم) الأكاذيب والأباطيل. وقيل: معناه يعدهم الفقر إن أنفقوا مالهم في أبواب البر، ويمنيهم طول البقاء في الدنيا، ودوام النعيم فيها، ليؤثروها على الآخرة. (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) أي: لا يكون لما يعدهم ويمنيهم أصل وحقيقة. والغرور: إيهام النفع فيما فيه ضرر. (أولئك) إشارة إلى الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله، فاغتروا بغروره، وتابعوه فيما دعاهم إليه. (مأواهم): مستقرهم جميعا، (جهنم ولا يجدون عنها محيصا) أي: مخلصا، ولا مهربا، ولا معدلا. (والذين ءامنوا وعملوا الصلحت سندخلهم جنت تجري من تحتها الانهر خلدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا [ 122 ]

[ 196 ]

قد مر تفسير صدر الآية في هذه السورة، وقوله: (ومن أصدق من الله قيلا) ومن أصدق من الله حديثا ونحوه بإشمام الزاي كوفي، غير عاصم، ورويس، والباقون بالصاد. وقد ذكرنا الوجه عند ذكر الصراط في الفاتحة وقوله (وعد الله) نصب على المصدر، وتقديره وعد الله ذلك وعدا، فهو مصدر دل معنى الكلام الذي تقدم على فعله الناصب له، و (حقا) أيضا مصدر مؤكد لما قبله، كأنه قال: أحقه حقا. و (قيلا): منصوب على التمييز، كما يقال: هو أكرم منك فعلا، ومعناه: وعد الله ذلك وعدا حقا، لا خلاف فيه (ومن أصدق): استفهام فيه معنى النفي: أي لا أحد أصدق من الله قولا، فيما أخبره، ووعدا فيما وعده. (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا [ 123 ] ومن يعمل من الصلحت من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا [ 124 ] القراءة: (يدخلون الجنة): بضم الياء. هناك، وفي مريم، وحم، مكي، بصري، وأبو جعفر، وأبو بكر، والباقون (يدخلون) بفتح الياء وضم الخاء. الحجة: حجة من قرأ (يدخلون) قوله (ادخلوا الجنة) (ادخلوها بسلام آمنين) ومن قرأ يدخلون فلأنهم لا يدخلونها حتى يدخلوها. اللغة: الأماني: جمع أمنية، وهي تقدير الأمن في النفس على جهة الاستمتاع به، ووزن أمنية: أفعولة من المنية، وأصله التقدير، يقال: منى له الماني: أي قدر له المقدر، ومنه سميت المنية وهي فعيلة أي: مقدرة. والنقير: النكتة في ظهر النواة، كأن ذلك نقر فيه. الإعراب: اسم ليس مضمر، لدلالة الكلام عليه، والتقدير ليس الأمر بأمانيكم أي: ليس الثواب بأمانيكم. (ولا يجد) مجزوم عطفا على الجزاء، لا على الشرط، وهو قوله (يجز) والوقف عند قوله (أهل الكتاب) وقف تام. ثم استؤنف الخبر بعدها بمن يعمل ومن: موضعه رفع بالابتداء على ما تقدم ذكر أمثاله. ومن في

[ 197 ]

قوله (من الصالحات) مزيدة. وقيل: هو للتبعيض، لأن العبد لا يطيق جميعها. وقيل: إنه لتبيين الجنس. وقال: (وهو مؤمن) فوحد، ثم قال: (فأولئك يدخلون الجنة) فجمع، لان من اسم مبهم موحد اللفظ، مجموع المعنى، فيعود الضمير إليه مرة على اللفظ، ومرة على المعنى. النزول: قيل تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم ! فقال المسلمون: نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب، وديننا الاسلام. فنزلت الاية، فقال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء. فأنزل الله الاية التي بعدها (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ففلح المسلمون)، عن قتادة، والضحاك. وقيل: لما قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباوه، وقال أهل الكتاب: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، نزلت الاية، عن مجاهد. المعنى: لما ذكر سبحانه الوعد والوعيد قال عقيب ذلك: (ليس بأمانيكم) معناه: ليس الثواب والعقاب بأمانيكم أيها المسلمون، عن مسروق، والسدى. وقيل: الخطاب لأهل الشرك من قريش، لانهم قالوا: لا نبعث، ولا نعذب، عن مجاهد، وابن زيد. (ولا أماني أهل الكتاب) أي: ولا بأماني أهل الكتاب في أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. وهذا يقوي القول الأخير على أنه لم يجر للمسلمين ذكر في الاماني، وذكر أماني الكفار قد جرى في قوله: (ولأمنينهم). هذا وقد وعد الله المؤمنين فيما بعد بما هو غاية الأماني. (من يعمل سوءا يجز به) اختلف في تأويله على أقوال أحدها: أنه يريد بذلك جميع المعاصي صغائرها وكبائرها، وإن من ارتكب شيثا منها، فإن الله سبحانه يجازيه عليها، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، عن عائشة، وقتادة، ومجاهد. وروي عن أبي هريرة أنه قال: " لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شئ ! فقال: أما والذي نفسي بيده، إنها لكما أنزلت، ولكن أبشروا، وقاربوا، وسددوا، إنه لا تصيب أحدا منكم مصيبة إلا كفر الله بها خطيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه " رواه الواحدي في تفسيره مرفوعا وقال القاضي أبو عاصم القارئ العامري: " في (1) هذا قطع لتوهم من توهم أن المعصية لا تضر مع


(1) [ جميع ]. (*)

[ 198 ]

الايمان، كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر ". وثانيها: إن المراد به مشركو قريش، وأهل الكتاب، عن الحسن، والضحاك، وابن زيد، قالوا: وهو كقوله (وهل نجازي إلا الكفور) وثالثها: إن المراد بالسوء هنا: الشرك، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير. (ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) معناه: ولا يجد هذا الذي يعمل سوءا من معاصي الله، وخلاف أمره، وليا يلي أمره ينصره، ويحامي عنه، ويدفع عنه ما ينزل به من عقوبة الله، ولا نصيرا أي: ناصرا ينصره وينجيه من عذاب الله. ومن استدل بهذه الاية على المنع من جواز العفو عن المعاصي، فإنا نقول له: إن من ذهب إلى أن العموم لا ينفرد في اللغة بصيغة مختصة به، لا يسلم أنها تستغرق جميع من فعل السوء، بل يجوز أن يكون المراد بها بعضهم على ما ذكره أهل التأويل، كابن عباس وغيره. على أنهم قد اتفقوا على أن الاية مخصوصة، فإن التائب ومن كانت معصيته صغيرة، لا يتناوله العموم، فإذا جاز لهم أن يخصصوا العموم في الاية بالفريقين، جاز لنا أن نخصها بمن يتفضل الله عليه بالعفو، وهذا بين والحمد لله. وقوله سبحانه: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) وإنما قال: (وهو مؤمن)، ليبين أن الطاعة لا تنفع من دون الايمان. (فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) وعد الله تعالى بهذه الاية جميع المكلفين من الرجال والنساء، إذا عملوا الأعمال الصالحة أي: الطاعات الخالصة، وهم مؤمنون، موحدون، مصدقون نبيه، بأن يدخلهم الجنة، ويثبتهم فيها، ولا يبخسهم شيئا مما يستحقونه من الثواب، وإن كان مقدار نقير في الصغر. وقد قابل سبحانه الوعيد العام في الاية التي قبل هذه الاية بالوعد العام في هذه الاية، ليقف المؤمن بين الخوف والرجاء. (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا [ 125 ] ولله ما في السماوات وما في الارض وكان الله بكل شئ محيطا [ 126 ]

[ 199 ]

اللغة: الخليل: مشتق من الخلة بضم الخاء التي هي المحبة، أو من الخلة بفتح الخاء: التي هي الحاجة وإنما استعمل بمعنى الصداقة، لان كل واحد من المتصادقين يسد خلل صاحبه. وقيل: لان كل واحد منهما يطلع صاحبه على أسراره، فكأنه في خلل قلبه، وإنما استعمل في الحاجة، للاختلال الذي يلحق الفقير فيما يحتاج إليه، ومنه قول زهير: وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب مالي ولا حرم (1) وقال الزهري: الخليل الذي خص بالمحبة، يقال: دعا فلان فخلل: أي خص. الاعراب: (دينا): منصوب على التمييز، وهو مما انتصب بعد تمام الاسم. وقوله: (وهو محسن): جملة في موضع النصب على الحال. وكذلك قوله (وهو مؤمن) في الاية التي قبل. و (حنيفا): منصوب على الحال، وذو الحال الضمير في (اتبع). والمضمر هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويجوز أن يكون حنيفا: حالا من (ملة إبراهيم)، وكان حقه أن يكون فيه الهاء، لان فعيلا إذا كان بمعنى فاعل للمؤنث، تثبت فيه الهاء. إلا أنه قد جاء مجئ ناقة سديس، وريح حريق. ويجوز أن يكون حالا من (إبراهيم). والحال من المضاف إليه عزيز، وقد جاء ذلك في الشعر، قال النابغة: قالت بنو عامر خالوا بني أسد * يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام أي يا بؤس الجهل ضرارا واللام مقمحة لتوكيد الاضافة وخليلا مفعول ثان لاتخذ. المعنى: ثم بين سبحانه، من يستحق الوعد الذي ذكره قبل، فقال (ومن أحسن دينا) وهو في صورة الاستفهام، والمراد به التقرير، ومعناه: من أصوب طريقا، وأهدى سبيلا، أي: لا أحد أحسن اعتقادا (ممن اسلم وجهه لله) أي: استسلم وجهه، والمراد بقوله (وجهه) هنا: ذاته ونفسه، كما قال تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) والمعنى: انقاد لله سبحانه بالطاعة، ولنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق.


(1) المسغبة: المجاعة. والحرم ككتف: اليأس والقنوط أي: ليس عندي حرمان، أو بمعنى محروم، وهو عطف على غائب. (*)

[ 200 ]

وقيل: معنى (أسلم وجهه لله): قصده بالعبادة وحده، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض). وقيل: معناه أخلص أعماله لله أي: أتى بها مخلصا لله فيها (وهو محسن) أي: فاعل للفعل الحسن الذي أمره الله تعالى. وقيل معناه: وهو محسن في جميع أقواله وأفعاله. وقيل: إن المحسن هنا الموحد، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الاحسان فقال: " أن تعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". (واتبع ملة إبراهيم) أي اقتدى بدينه وسيرته وطريقته، يعني ما كان عليه إبراهيم وأمر به بنيه من بعده، وأوصاهم به، من الإقرار بتوحيده، وعدله، وتنزيهه عما لا يليق به، ومن ذلك الصلاة إلى الكعبة، والطواف حولها، وسائر المناسك (حنيفا) أي: مسستقيما على منهاجه وطريقه. وقد مر معنى الحنيف في سورة البقرة (واتخذ الله إبراهيم خليلا) أي: محبا لا خلل في مودته لكمال خلته. والمراد بخلته لله أنه كان مواليا لأولياء الله، ومعاديا لأعداء الله. والمراد بخلة الله تعالى له: نصرته على من أراده بسوء، كما أنقذه من نار نمرود، وجعلها عليه بردا وسلاما، وكما فعله بملك مصر، حين راوده عن أهله، وجعله إماما للناس، وقدوة لهم. قال الزجاج: جايز أن يكون سمي خليل الله بأنه الذي أحبه الله، بأن اصطفاه محبة تامة كاملة، وأحب الله هو، محبة تامة كاملة، وقيل: سمي خليلا لانه افتقر إلى الله، وتوكل عليه، وانقطع بحوائجه إليه، وهو اختيار الفراء، وأبي القاسم البلخي. وإنما خصه الله بهذا الاسم، وإن كان الخلق كلهم فقراء إلى رحمته، تشريفا له بالنسبة إليه، من حيث أنه فقير إليه، لا يرجو لسد خلته سواء، كما خص موسى بأنه كليم الله، وعيسى بأنه روح الله، ومحمدا بأنه حبيب الله. وقيل: إنما سمي خليلا، لانه سبحانه خصه بما لم يخص به غيره، من إنزال الوحي عليه، وغير ذلك من خصائصه. وإنما خصه من بين سائر الانبياء بهذا الاسم على المعنيين اللذين ذكرناهما، وإن كان كل واحد من الانبياء خليل الله في زمانه، لانه سبحانه خصهم بالنبوة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " قد اتخذ الله صاحبكم خليلا - يعني نفسه " - وهذا الوحه اختيار أبي علي الجبائي. قال: وكل ما تعبد الله به إبراهيم فقد تعبد به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وزاده أشياء لم يتعبد بها إبراهيم عليه السلام. ومما قيل في وجه خلة

[ 201 ]

إبراهيم: ما روي في التفسير أن إبراهيم كان يضيف الضيفان، ويطعم المساكين، وإن الناس أصابهم جدب، فارتحل إبراهيم إلى خليل له بمصر، يلتمس منه طعاما لأهله، فلم يصب ذلك عنده، فلما قرب من أهله، مر بمفازة ذات رمل، لينة فملأ غرائره (1) من ذلك الرمل، لئلا يغم أهله برجوعه من غير مبرة (2)، فحول الله ما في غرائره دقيقا. فلما وصل إلى أهله، دخل البيت ونام استحياء منهم، ففتحوا الغرائر، وعجنوا من الدقيق، وخبزوا، وقدموا إليه طعاما طيبا فسألهم: من أين خبزوا ؟ قالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك المصري ! فقال: أما إنه خليلي، وليس بمصري. فسماه الله سبحانه خليلا ". رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام. ثم بين سبحانه أنه إنما اتخذ إبراهيم خليلا لطاعته، ومسارعته إلى رضاه، لا لحاجة منه سبحانه إلى خلته فقال: (ولله ما في السموات وما في الارض) ملكا وملكا، فهو مستغن عن جميع خلقه، والخلق محتاجون إليه (وكان الله بكل شئ محيطا) يعني: لم يزل سبحانه عالما بجميع ما يفعله عباده، ومعنى المحيط بالشئ أنه العالم به من جميع وجوهه " (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتب في يتمى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتمى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما [ 127 ] اللغة: الإستفتاء والإستقضاء بمعنى واحد، يقال فاتيته وقاضيته " قال الشاعر: تعالوا نفاتيكم أأعيا وفقعس * إلى المجد أدنى أم عشيرة حاتم (3) هكذا أنشده الحسن بن علي المغربي (4) وهو استفعال من الفتيا: وهو الفتوى.


(1) الغرائر جمع الغرارة: الجوالق. (2) الميرة الطعام الذي يدخره الانسان. (3) اعيا وفقعس ابنا طريف بن عمرو اسمان علمان. (4) وفي الصحاح: قال حريث بن عتاب النبهاني " تعالوا افاخركم " أأعيا اه‍ ". (*)

[ 202 ]

وأفتى في المسألة: بين حكمها. الاعراب: (وما يتلى عليكم): موضعه رفع بالابتداء تقديره: الله يفتيكم فيهن (وما يتلى عليكم) في الكتاب أيضا: يفتيكم فيهن. وقال الفراء: يجوز أن يكون موضعه جرا عطفا على المضمر المجرور في (فيهن) وهذا بعيد لان الظاهر لا يحسن عطفه على الضمير المجرور وقيل يجوز أن يكون عطفا على النساء في قوله (ويستفتونك في النساء) أي: ويستفتونك فيما يتلى عليكم، وفي المستضعفين. قال الواحدي: قوله (في يتامى النساء) قيل: إن تقديره في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الموصوف، نحو قولك: كتاب الكامل، ومسجد الجامع، ويوم الجمعة وهذا قول الكوفيين. وعند المحققين لا يجوز إضافة الصفة إلى الموصوف، بل (النساء) هنا أمهات اليتامى، أضيفت إليهن أولادهن. وأقول: يجوز أيضا أن يضاف اليتامى إلى النساء إذا كن من جملتهن فيكون الاضافة بمعنى من كما يقال خيار النساء، وشرار النساء وصغار النساء. وهذا أشبه بما ينساق إليه معنى الاية. (والمستضعفين) جر عطفا على يتامى النساء. (وأن تقوموا لليتامى بالقسط): في موضع جرا أيضا، والتقدير: وما يتلى عليكم من الآيات في يتامى النساء، وفي المستضعفين، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط، يفتيكم الله فيهن. المعنى: ثم عاد كلام الله تعالى إلى ذكر النساء والايتام، وقد جرى ذكرهم في أول السورة، فقال. (ويستفتونك) أي: يسألونك الفتوى: وهو تبيين المشكل من الاحكام (في النساء)، ويستخبرونك يا محمد، عن الحكم فيهن، وعما يجب لهن وعليهن، وإنما حذف ذلك لاحاطة العلم، بأن السؤال في أمر الدين، إنما يقع عما يجوز، وعما لا يجوز وعما يجب، وعما لا يجب. (قل الله يفتيكم فيهن) معناه: قل يا محمد، الله يبين لكم ما سألتم في شأنهن (وما يتلى عليكم في الكتاب) أي: ويفتيكم أيضا ما يقرأ عليكم في الكتاب: أي القرآن، وتقديره وكتابه يفتيكم: أي يبين لكم الفرائض المذكورة (في يتامى النساء) أي الصغار (اللاتي) لم يبلغن، وقوله اللاتي (لا تؤتونهن) أي لا تعطونهن. (ما كتب لهن): واختلف في تأويله على أقوال. أولها: إن المعنى وما يتلى عليكم في توريث صغار النساء، وهو آيات الفرائض التي في أول السورة وكان أهل

[ 203 ]

الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة. وكانوا يقولون: لا نورث إلا من قاتل ودفع عن الحريم، فأنزل الله آية المواريث في أول السورة، وهو معنى قوله (لا تؤتهن ما كتب لهن) أي: من الميراث، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وثانيها: إن المعنى اللاتي لا تؤتونهن ما وجب لهن من الصداق، وكانوا لا يؤتون اليتامى اللاتي يكون لهن من غيرهن ما طاب لكم) وقوله: (وما يتلى عليكم) هو ما ذكره في أول السورة من قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا) الاية، عن عائشة، وهو اختيار أبي علي الجبائي، واختار الطبري القول الاول، واعترض على هذا القول، بأن قال: ليس الصداق مما كتب الله للنساء إلا بالنكاح، فمن لم تنكح فلا صداق لها عند أحد وثالثها: إن المراد بقوله (لا تؤتونهن ما كتب لهن) النكاح الذي كتب الله لهن في قوله (وأنكحوا الايامى) الاية. فكان الولي يمنعهن من التزويج، عن الحسن، وقتادة، والسدي، وأبي مالك، وإبراهيم قالوا: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة بها دمامة (1)، ولها مال، وكان يرغب عن أن يتزوجها، ويحبسها، طمع أن تموت، فيرثها، قال السدي: وكان جابر بن عبد الله الانصاري له بنت عم عمياء دميمة، وقد ورثت عن أبيها مالا، فكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها، مخافة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي عن ذلك فنزلت الاية. وقوله: (وترغبون أن تنكحوهن) معناه على القول الاول والثالث: وترغبون عن أن تنكحوهن أي: عن نكاحهن، ولا تؤتونهن نصيبهن من الميراث، فيرغب فيهن غيركم، فقد ظلمتموهن من وجهين. وفي قول عائشة معناه: وترغبون في أن تنكحوهن أي: في نكاحهن لجمالهن أو لمالهن (والمستضعفين من الولدان) معناه: ويفتيكم في المستضعفين من الصبيان الصغار لان ما يتلى عليكم في باب اليتامى من قوله (وآتوا اليتامى بالقسط) أي: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط في أنفسهم، وفي مواريثهم، وأموالهم، وتصرفاتهم، وإعطاء كل ذي حق منهم حقه، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى، وفيه إشارة إلى قوله سبحانه (وإن خفتم ألا


(1) الدمامة: الحقارة. (*)

[ 204 ]

تقسطوا في اليتامى) الاية. (وما تفعلوا من خير) أي: مهما فعلتم من خير أيها المؤمنون من عدل وبر في أمر النساء واليتامى، وانتهيتم في ذلك إلى أمر الله وطاعته (فإن الله كان به عليما) أي لم يزل به عالما، ولا يزال كذلك، يجازيكم به، ولا يضيع عنده شئ منه. (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [ 128 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة (أن يصلحا) بضم الياء وكسر اللام وسكون الصاد. والباقون: (يصالحا) بتشديد الصاد، وفتح الياء واللام. الحجة: الأعرف في الاستعمال يصالحا، وزعم سيبويه أن بعضهم قرأ (يصلحا) فيصلحا يفتعلا. وافتعل بمعنى، ولذلك صحت الواو في اجتوروا واعتوروا لما كان بمعنى تجاوروا وتعاوروا. فهذا حجة لمن قرأ (أن يصالحا). ومن قرأ (يصلحا): فإن الإصلاح عند التنازع قد استعمل كما في قوله سبحانه (فاصلح بينهم). وقوله: (صلحا) يكون مفعولا على قراءة من قرأ (يصلحا) كما تقول: أصلحت ثوبا. ومن قرأ (يصالحا) فيجوز أن يكون (صلحا) مفعولا أيضا، لأن تفاعل قد جاء متعديا، ويجوز أن يكون مصدرا حذفت زوائده كما قال: (فإن تهلك فذلك كان قدري) أي تقديري، ويجوز أن يكون قد وضع المصدر موضع الاسم، كما وضع الاسم موضع المصدر في نحو قوله (باكرت حاجتها الدجاج بسحرة) (1) وقوله: (وبعد عطاءك المائة الرتاعا) (2). اللغة: النشوز: مر ذكره في هذه السورة. والشح: إفراط في الحرص على الشئ، ويكون بالمال وبغيره من الاعراض. يقال: هو شحيح بمودتك أي:


(1) أي بكور الدجاج. (2) الرتاع ككتاب جمع راتع من الرتع وهو الأكل والشرب على قدر ما يشاء في سعة وخصب وهو صفة المائة والشاهد في العطاء فإنه اسم مصدر وضع موضع المصدر وهو الاعطاء. (*)

[ 205 ]

حريص على دوامها، ولا يقال في ذلك بخيل. والبخل: يكون بالمال خاصة، قال الشاعر: لقد كنت في قوم عليك أشحة * بفقدك إلا أن من طاح طائح (1) يودون لو خاطوا عليك جلودهم * وهل يدفع الموت النفوس الشحائح الاعراب: (وإن امرأة خافت) امرأة ارتفعت بفعل مصدر يفسره الفعل الظاهر بعدها. وهو إضمار قبل الذكر، على شريطة التفسير، وتقديره: وإن خافت (2) لو قلت إن امرأة تخف، ففرقت بين إن الجزاء، والفعل المستقبل، فذلك قبيح لأن إن لا يفصل بينها وبين ما تجزم وذلك في الشعر جائز في إن وغيرها قال الشاعر: فمتى واغل ينبهم، يحيو * ه، وتعطف عليه كأس الساقي (3) فأما الماضي فإن غير عاملة في لفظه، وإن لم تكن من حروف الجزاء (4)، فجاز أن يفرق بينها وبين الفعل، فأما غير إن فالفصل يقبح فيه مع الماضي والمستقبل، جميعا. النزول: كانت بنت محمد بن سلمة، عند رافع بن خديج، وكانت قد دخلت في السن، وكانت عنده امرأة شابة سواها، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة (5)، وإن شئت تركتك ! قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة. فراجعها، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله تعالى أنزل فيه هذه الاية، عن أبي جعفر، وسعيد بن المسيب. وقيل: خشيت سودة بنت زمعة أن يطلقها رسول الله، فقالت: لا تطلقني وأجلسني مع نسائك، ولا تقسم لي، واجعل يومي لعائشة، فنزلت الاية، عن ابن عباس. المعنى: لما تقدم حكم نشوز المرأة، بين سبحانه تعالى نشوز الرجل، فقال (وإن امرأة خافت) أي: علمت. وقيل: ظنت (من بعلها) أي: من زوجها


(1) طاح: هلك. (2) [ امرأة خافت و ]. (3) الواغل: الذي يدخل على القوم في طعامهم وشرابهم، من غير أن يدعوه إليه: أي فمتى ينزلهم واغل يحبوه (اه‍). والبيت لعدي بن زيد. (4) وفي نسخة مخطوطة " وان ام حروف الجزاء " بدل " وان لم تكن من حروف الجزاء ". (5) الأثرة: الاختيار: أي اختياري للمرأة الشابة وتقديمي إياها عليك. (*)

[ 206 ]

(نشوزا) أي: استعلاء وارتفاعا بنفسه عنها، إلى غيرها، إما لبغضه، وإما لكراهته منها شيئا، إما دمامتها، وإما علو سنها، أو غير ذلك (أو إعراضا) يعني انصرافا بوجهه، أو ببعض منافعه التي كانت لها منه. وقيل: يعني بإعراضه عنها: هجرانه إياها، وجفاها، وميله إلى غيرها (فلا جناح عليهما) أي: لا حرج ولا إثم على كل واحد منهما من الزوج والزوجة (أن يصلحا بينهما صلحا) بأن تترك المرأة له يومها، أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة، أو كسوة، أو غير ذلك، لتستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله (والصلح خير) معناه والصلح بترك بعض الحق (خير) من طلب الفرقة بعد الألفة. هذا إذا كان بطيبة من نفسها، فإن لم يكن كذلك، فلا يجوز له إلا ما يسوغ في الشرع من القيام بالكسوة، والنفقة، والقسمة، وإلا طلقها. وبهذه الجملة قالت الصحابة والتابعون منهم علي، وابن عباس، وعائشة، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وغيرهم. (وأحضرت الأنفس الشح) إختلف في تأويله فقيل: معناه وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن، وأموالهن، وأيامهن منهم، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطا، والسدي. وقيل: معناه وأحضرت أنفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه، قبل صاحبه، فشح المرأة يكون بترك حقها من النفقة، والكسوة، والقسمة، وغيرها، وشح الرجل بإنفاقه على التي لا يريدها. وهذا أعم، وبه قال ابن وهب، وابن زيد. (وإن تحسنوا) خطاب للرجال أي: وإن تفعلوا الجميل بالصبر على ما تكرهون من النساء (وتتقوا) من الجور عليهن في النفقة، والكسوة، والعشرة بالمعروف. وقيل: إن تحسنوا في أقوالكم وأفعالكم، وتتقوا معاصي الله (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) أي: هو سبحانه خبير بما يكون منكم في أمرهن، بحفظه لكم، وعليكم، حتى يجازيكم بأعمالكم. (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما [ 129 ] وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما [ 130 ]

[ 207 ]

اللغة: الاستطاعة، والقوة، والقدرة، نظائر. والسعة: خلاف الضيق. والواسع: في صفات القديم إختلف في معناه وقيل: إنه واسع العطاء أي: المكرمة (1). وقيل: هو واسع الرحمة، ويؤيده قوله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شئ) وقيل: إنه واسع المقدور. المعنى: لما تقدم ذكر النشوز والصلح بين الزوجين، عقبه سبحانه بأنه لا يكلف من ذلك ما لا يستطاع، فقال: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في المحبة والمودة بالقلب، ولو حرصتم على ذلك كل الحرص، فإن ذلك ليس إليكم، ولا تملكونه، فلا تكلفونه، ولا تؤاخذون به، عن ابن عباس، والحسن، وقتادة. وقيل: معناه لم تقدروا أن تعدلوا بالتسوية بين النساء في كل الأمور، من جميع الوجوه، من النفقة، والكسوة، والعطية، والمسكن، والصحبة، والبر، والبشر، وغير ذلك، والمراد به أن ذلك لا يخفف عليكم، بل يثقل ويشق، لميلكم إلى بعضهن (فلا تميلوا كل الميل) أي: فلا تعدلوا بأهوائكم على من لم يتملكوا محبة منهم كل العدول، حتى يحملكم ذلكم على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهن عليكم، من حق القسمة، والنفقة، والكسوة، والعشرة بالمعروف (فتذروها كالمعلقة) أي: تذروا التي لا تميلون إليها، كالتي هي لا ذات زوج، ولا أيم عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله. وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره أنه سأل رجل من الزنادقة أبا جعفر الاحول، عن قوله سبحانه (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)، ثم قال: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) وبين القولين فرق ؟ قال: " فلم يكن عندي جواب في ذلك، حتى قدمت المدينة، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فسألته عن ذلك، فقال: أما قوله: (فان خفتم ألا تعدلوا) فإنه عنى في النفقة. وأما قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا) فإنه عنى في المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة. قال: فرجعت إلى الرجل فأخبرته، فقال: هذا ما حملته من الحجاز. وروى أبو قلابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقسم بين نسائه، ويقول: اللهم هذه


(1) وفي المخطوطة " المكثر منه " بدل " المكرمة " وهو الظاهر. (*)

[ 208 ]

قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك " قوله: (وإن تصلحوا) يعني في القسمة بين الازواج، والتسوية بينهن في النفقة، وغير ذلك (وتتقوا) الله في أمرهن، وتتركوا الميل الذي نهاكم الله عنه، في تفضيل واحدة على الاخرى، (فإن الله كان غفورا رحيما) يستر عليكم ما مضى منكم من الحيف في ذلك، إذا تبتم ورجعتم إلى الاستقامة، والتسوية بينهن، ويرحمكم بترك المؤاخذة على ذلك، وكذلك كان يفعل فيما مضى مع غيركم. وروي عن جعفر الصادق عليه السلام، عن آبائه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم بين نسائه في مرضه، فيطاف به بينهن. وروي أن عليا كان له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة، لا يتوضأ في بيت الاخرى. وكان معاذ بن جبل له امرأتان ماتتا في الطاعون، فأقرع بينهما أيهما تدفن قبل الاخرى. وقوله: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) يعني: إذا أبى كل واحد من الزوجين مصلحة الآخر، بأن تطالب المرأة بنصيبها من القسمة، والنفقة، والكسوة، وحسن العشرة، ويمتنع الرجل من إجابتها إلى ذلك، ويتفرقا حينئذ بالطلاق، فإنه سبحانه يغني كل واحد منهما من سعته أي: من سعة فضله ورزقه (وكان الله واسعا حكيما) أي لم يزل واسع الفضل على العباد، حكيما فيما يدبرهم به. وفي هذه الآية دلالة على أن الأرزاق كلها بيد الله، وهو الذي يتولاها بحمكته. وإن كان ربما أجراها على يدي من يشاء من بريته. (ولله ما في السموات وما في الارض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الارض وكان الله غنيا حميدا [ 131 ] ولله ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا [ 132 ] المعنى: ثم ذكر سبحانه بعد إخباره بإغناء كل واحد من الزوجين بعد الافتراق من سعة فضله، ما يوجب الرغبة إليه في ابتغاء الخير منه فقال: (ولله ما في السموات وما في الارض) إخبارا عن كمال قدرته، وسعة ملكه، أي: فإن من يملك ما في السماوات، وما في الارض، لا يتعذر عليه الإغناء بعد الفرقة، والإيناس بعد

[ 209 ]

الوحشة. ثم ذكر الوصية بالتقوى فإن بها ينال خير الدنيا والآخرة، فقال: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) من اليهود، والنصارى، وغيرهم (وإياكم) أي: وأوصيناكم أيها المسلمون في كتابكم (أن اتقوا الله) وتقديره بأن اتقوا الله أي: اتقوا عقابه باتقاء معاصيه، ولا تخالفوا أمره ونهيه (وإن تكفروا) أي: تجحدوا وصيته إياكم، وتخالفوها (فإن لله ما في السماوات وما في الارض) لا يضره كفرانكم وعصيانكم. وهذه إشارة إلى أن أمره جميع الامم بطاعته ونهيه إياهم عن معصيته، ليس استكثارا بهم عن قلة، ولا استنصارا بهم عن ذلة، ولا استغناء بهم عن حاجة، فإن له ما في السماوات وما في الارض ملكا، وملكا، وخلقا، لا يلحقه العجز، ولا يعتريه الضعف، ولا تجوز عليه الحاجة، وإنما أمرنا ونهانا نعمة منه علينا ورحمة بنا (وكان الله غنيا) أي لم يزل سبحانه غير محتاج إلى خلقه، بل الخلائق كلهم محتاجون إليه (حميدا) أي: مستوجبا للحمد عليكم بصنائعه الحميدة إليكم، وآلائه الجميلة لديكم، فاستديموا ذلك باتقاء معاصيه، والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به. ثم قال (ولله ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا) أي: حافظا لجميعه، لا يعزب عنه علم شئ منه، ولا يؤوده حفظه. وتدبيره، ولا يحتاج مع سعة ملكه إلى غيره. وأما وجه التكرار لقوله (ولله ما في السموات وما في الارض) في الآيتين ثلاث مرات، فقد قيل: إنه للتأكيد والتذكير. وقيل: إنه للإبانة عن علل ثلاث أحدها: بيان إيجاب طاعته فيما قضى به لأن له ملك السماوات والارض. والثاني: بيان غناه في الارض. والثالث: بيان حفظه إياهم، وتدبيره لهم، لأن له ملك السماوات والارض. (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بئاخرين وكان الله على ذلك قديرا [ 133 ] من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والأخرة وكان الله سميعا بصيرا [ 134 ]

[ 210 ]

المعنى: لما ذكر سبحانه غناه عن الخلق بأن له ملك السماوات والارض، عقب ذلك بذكر كمال قدرته على خلقه، وأن له الإهلاك، والإنجاء، والإستبدال بعد الإفناء، فقال (إن يشأ يذهبكم) يعني إن يشأ الله يهلككم (أيها الناس) ويفنكم. وقيل: فيه محذوف أي: إن يشأ أن يذهبكم، يذهبكم أيها الناس (ويأت بآخرين) أي: بقوم آخرين غيركم، ينصرون نبيه، ويوازرونه. ويروى أنه لما نزلت هذه الاية، ضرب النبي يده على ظهر سلمان، وقال: هم قوم هذا يعني عجم الفرس. (وكان الله على ذلك قديرا) أي لم يزل سبحانه، ولا يزال، قادرا على الإبدال والإفناء والإعادة، ثم ذكر سبحانه عظم ملكه وقدرته، بأن جزاء الدارين عنده، فقال: (من كان يريد ثواب الدنيا) أي: الغنيمة والمنافع الدنيوية، أخبر سبحانه عمن أظهر الايمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، من أهل النفاق، يريد عرض الحياة الدنيا، بإظهار ما أظهره من الايمان بلسانه. (فعند الله ثواب الدنيا والاخرة) أي: يملك سبحانه الدنيا والاخرة، فيطلب المجاهد الثوابين عند الله، عن أبي علي الجبائي. وقيل: إنه وعيد للمنافقين، وثوابهم في الدنيا ما يأخذونه من الفئ والغنيمة، إذا شهدوا الحرب مع المسلمين، وأمنهم على نفوسهم، وأموالهم، وذراريهم، وثوابهم في الاخرة النار (وكان الله سميعا بصيرا) أي: لم يزل على صفة يجب لأجلها أن يسمع المسموعات، ويبصر المبصرات، عند الوجود، وهذه الصفة هي كونه حيا لا آفة به. وقيل: إنما ذكر هذا ليبين أنه يسمع ما يقول المنافقون إذا خلوا إلى شياطينهم، ويعلم ما يسرونه من نفاقهم. (يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [ 135 ] القراءة: قرأ ابن عامر وحمزة: (أن تلوا) بضم اللام، وواو واحدة ساكنة. والباقون: (تلووا) بواوين: الاولى مضمومة، والثانية ساكنة. الحجة: من قرأ بواو واحدة، فحجته أن يقول: إنه من الولاية، وولاية الشئ

[ 211 ]

إقبال عليه، وخلاف الاعراض عنه، فيكون المعنى: إن تقبلوا أو تعرضوا، فإن الله خبير بأعمالكم، يجازي المحسن المقبل بإحسانه، والمسئ المعرض بإعراضه وتركه الاقبال على ما يلزمه، أن يقبل عليه. قال: وإذا قرأت (تلووا) فهي من اللي. واللي: مثل الاعراض، فيكون كالتكرير. ألا ترى أن قوله (لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون) معناه الاعراض، وترك الانقياد للحق ؟ ومن قرأ (تلووا) من لوى، فحجته أن يقول: لا ينكر أن يتكرر اللفظان بمعنى واحد، نحو قوله (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) وقول الشاعر: (وهند أتى من دونها النأي والبعد) (1) وقول آخر: (وألفى قولها كذبا ومينا) (2) وقيل: (إن تلوا) يجوز أن يكون تلووا، وإن الواو التي هي عين، همزت لانضمامها كما همزت في أدؤر، ثم طرحت الهمزة، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء، فصارت تلوا، كما تطرح الهمزة في أدؤر، وتلقى حركتها على الدال، فتصير آدر. اللغة: القسط والإقساط: العدل، يقال: أقسط الرجل إقساطا: إذا عدل وأتى بالقسط، وقسط الرجل، يقسط، قسوطا: إذا جار. ويقال قسط البعير، يقسط، قسطا: إذا يبست يده. ويد قسطاء: أي يابسة. فكأن معنى إقساط: إقام الشئ على حقيقته في التعديل، وكان قسط: أي جار معناه: يبس الشئ، وأفسد جهته المستقيمة، والقوام: فعال من القيام، وهو أن يكون عادته القيام. واللي: الدفع. يقال: لويت فلانا حقه: إذا دفعته ومطلته. ومنه الحديث: " لي الواجد ظلم " أي: مطل الغني جور. الاعراب: (شهداء): نصب على الحال من الضمير في قوله (قوامين) وهو ضمير (الذين آمنوا) ويجوز أن يكون خبر كان على أن لها خبرين نحو: هذا حلو حامض. ويجوز أن يكون صفة لقوامين إن يكن غنيا، أو فقيرا، فالله أولى بهما، لم يقل به، لانه أراد: فالله أولى بغناء الغني، وفقر الفقير، لان ذلك منه سبحانه. وقيل: إنما ثني الضمير، لان أو في هذا الموضع بمعنى الواو. وقيل: إنه لم يقصد غنيا بعينه، ولا فقيرا بعينه، فهو مجهول. وما ذلك حكمه يجوز أن يعود إليه الضمير بالتوحيد والتثنية (3). وقد ذكر أن في قراءة أبي (فالله أولى بهم). وقيل: إنما قال


(1) القائل هو الحطيئة. (اللسان: نأى). (2) القول لعدي بن زيد (اللسان: مين). (3) [ والجمع ]. (*)

[ 212 ]

بهما لانهما قد ذكرا كما قال (وله أخ أو أخت) فلكل واحد منهما. وقيل: إنما جاز ذلك لانه أضمر فيه من خاصم على ما نذكره في المعنى مشروحا و (أن تعدلوا): يجوز أن يكون في موضع نصب بأنه مفعول له: أي هربا من أن تعدلوا، وكراهة أن تعدلوا. ويجوز أن يكون في موضع جر على معنى: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا. المعنى: لما ذكر سبحانه أن عنده ثواب الدنيا والآخرة، عقبه بالامر بالقسط، والقيام بالحق، وترك الميل والجور، فقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) أي: دائمين على القيام بالعدل، ومعناه: ولتكن عادتكم القيام بالعدل في القول والفعل. (شهداء لله): وهو جمع شهيد، أمر الله تعالى عباده بالثبات والدوام على قول الحق، والشهادة بالصدق، تقربا إليه وطلبا لمرضاته، وعن ابن عباس: " كونوا قوالين بالحق في الشهادة على من كانت، ولمن كانت، من قريب أو بعيد " (ولو على أنفسكم) أي: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم (أو الوالدين والاقربين) أي: على والديكم، وعلى أقرب الناس إليكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على الصحة والحق، ولا تميلوا فيها لغنى غني، أو لفقر فقير، فإن الله قد سوى بين الغني والفقير فيما ألزمكم، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل. وفي هذا دلالة على جواز شهادة الولد لوالده، والوالد لولده، وعليه وشهادة كل ذي قرابة لقريبه، وعليه وإليه، ذهب ابن عباس في قوله: أمر الله سبحانه المؤمنين أن يقولوا الحق، ولو على أنفسهم، أو آبائهم، ولا يحابوا غنيا لغناه، ولا مسكينا لمسكنته. وقال ابن شهاب الزهري: كان سلف المسلمين على ذلك، حتى دخل الناس فيما بعدهم، وظهرت منهم أمور، حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم. وأما شهادة الانسان على نفسه، فيكون بالإقرار للخصم، فإقراره له شهادة منه على نفسه، وشهادته لنفسه لا تقبل. (إن يكن غنيا أو فقيرا) معناه: إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا، أو المشهود له غنيا أو فقيرا، فلا يمنعكم ذلك عن قول الحق، والشهادة بالصدق، وفائدة ذلك أن الشاهد ربما امتنع عن إقامة الشهادة للغني على الفقير، لاستغناء المشهود له، وفقر المشهود عليه فلا يقيم الشهادة شفقة على الفقير، وربما امتنع عن إقامة الشهادة للفقير على الغني، تهاونا للفقير، وتوقيرا للغني، أو خشية منه، أو حشمة له، فبين سبحانه بقوله (فالله أولى بهما) أنه أولى بالغني والفقير، وأنظر لهما من سائر الناس، أي: فلا تمتنعوا من إقامة الشهادة على

[ 213 ]

الفقير شفقة عليه، ونظرا له، ولا من إقامة الشهادة للغني لاستغنائه عن المشهود به، فإن الله تعالى أمركم بذلك مع علمه بغناء الغني، وفقر الفقير، فراعوا أمره فيما أمركم به، فإنه أعلم بمصالح العباد منكم. (فلا تتبعوا الهوى): يعني هوى الأنفس في إقامة الشهادة، فتشهدوا على إنسان لإحنة (1) بينكم وبينه، أو وحشة، أو عصبية، وتمتنعوا الشهادة له، لأحد هذه المعاني، وتشهدوا للانسان بغير حق، لميلكم إليه، بحكم صداقة أو قرابة (أن تعدلوا) أي: لأن تعدلوا يعني لأجل أن تعدلوا في الشهادة. قال الفراء: " هذا كقولهم لا تتبع هواك لترضي ربك ". أي كيما ترضي ربك. وقيل: إنه من العدول: الذي هو الميل والجور. ومعناه: ولا تتبعوا الهوى في أن تعدلوا عن الحق، أو لأن تعدلوا عن الحق (وإن تلووا) أي تمطلوا في أداء الشهادة، (أو تعرضوا) عن أدائها، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: إن الخطاب للحكام أي: وإن تلووا أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين، على الآخر، (أو تعرضوا) عن أحدهما إلى الآخر، عن ابن عباس، والسدي. وقيل معناه: ان تلووا أي تبدلوا الشهادة، أو تعرضوا، أي تكتموها، عن ابن زيد، والضحاك، وهو المروي عن أبي جعفر. (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) معناه: إنه كان عالما بما يكون منكم من إقامة الشهادة، أو تحريفها، والاعراض عنها. وفي هذه الاية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسلوك طريقة العدل في النفس والغير. وقد روي عن ابن عباس في معنى قوله (وإن تلووا أو تعرضوا) إنهما الرجلان، يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما عن الآخر. (يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله والكتب الذي نزل على رسوله والكتب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضللا بعيدا [ 136 ] القراءة: قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو (2) (أنزل) بالضم، وكسر


(1) الإحنة: الحقد والغضب. (2) [ نزل و ]. (*)

[ 214 ]

الزاي. والباقون (نزل) و (أنزل) بفتحهما. الحجة: من قرأ بالضم فحجته قوله سبحانه (ليبين للناس ما نزل إليهم ويعلمون أنه منزل من ربك بالحق). ومن قرأ (نزل وأنزل) فحجته: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (وأنزلنا إليك الذكر). المعنى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها: وهو الصحيح المعتمد عليه، إن معناه: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر بالإقرار بالله ورسوله، آمنوا في الباطن، ليوافق باطنكم ظاهركم، ويكون الخطاب للمنافقين الذين كانوا يظهرون خلاف ما يبطنون. (والكتاب الذي نزل على رسوله)، وهو القرآن (والكتاب الذي أنزل من قبل) هو التوراة والإنجيل، عن الزجاج. وغيره. وثانيها: أن يكون الخطاب للمؤمنين على الحقيقة، ظاهرا وباطنا، فيكون معناه اثبتوا على هذا الايمان في المستقبل، وداوموا عليه، ولا تنتقلوا عنه، عن الحسن، واختاره الجبائي قال: " لان الايمان الذي هو التصديق لا يبقى، وإنما يستمر بأن يجدده الانسان حالا بعد حال " وثالثها: إن الخطاب لاهل الكتاب، أمروا بأن يؤمنوا بالنبي والكتاب الذي أنزل عليه، كما آمنوا بما معهم من الكتب، ويكون قوله (والكتاب الذي أنزل من قبل) إشارة إلى ما معهم من التوراة والانجيل، ويكون وجه أمرهم بالتصديق بهما، وإن كانوا مصدقين بهما أحد أمرين: إما أن يكون لأن التوراة والانجيل فيهما صفات نبينا، وتصديقه، وتصحيح نبوته، فمن لم يصدقه ولم يصدق القرآن، لا يكون مصدقا بهما، لان في تكذيبه تكذيب التوراة والانجيل. وإما أن يكون الله تعالى أمرهم بالإقرار بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبالقرآن، وبالكتاب الذي أنزل من قبله، وهو الانجيل، وذلك لا يصح إلا بالاقرار بعيسى أيضا، وهو نبي مرسل، ويعضد هذا الوجه، ما روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: " إن الاية نزلت في مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام، وأسد، وأسيد، إبني كعب، وثعلبة بن قيس، وابن أخت عبد الله بن سلام، ويامين بن يامين، وهؤلاء من كبار أهل الكتاب، قالوا: نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، وبالتوراة، وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب، وبمن سواهم من الرسل. فقيل لهم: بل آمنوا بالله ورسوله الاية (فآمنوا كما أمرهم الله). (ومن يكفر بالله) أي:

[ 215 ]

يجحده، أو يشبهه بخلقه، أو يرد أمره ونهيه (وملائكته) أي: ينفيهم، أو ينزلهم منزلة لا يليق بهم، كما قالوا إنهم بنات الله. (وكتبه) فيجحدها، (ورسله) فينكرهم، (واليوم الاخر) أي: يوم القيامة. (فقد ضل ضلالا بعيدا) أي: ذهب عن الحق، وبعد قصد السبيل ذهابا بعيدا. وقال الحسن: " الضلال البعيد: هو ما لا ائتلاف له "، والمعنى: إن من كفر بمحمد، وجحد نبوته، فكأنه جحد جميع ذلك، لانه لا يصح إيمان أحد من الخلق بشئ مما أمر الله به إلا بالايمان به، وبما أنزل الله عليه. وفي هذا تهديد لاهل الكتاب، وإعلام لهم أن إقرارهم بالله، ووحدانيته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، لا ينفعهم مع جحدهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويكون وجوده وعدمه سواء. النظم: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها: إن الله سبحانه لما بين الاسلام، عقبه بالدعاء إلى الايمان وشرائطه. وقيل: إنها تتصل بقوله (كونوا قوامين بالقسط) والقيام بالقسط: هو الايمان على الوجه المذكور. (إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا [ 137 ] بشر المنفقين بأن لهم عذابا أليما [ 138 ] الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا [ 139 ] اللغة: اصل البشارة: الخبر السار الذي يظهر به السرور في بشرة الوجه، ثم يستعمل في الخبر الذي يغم أيضا. وضع إخبارهم بالعذاب موضع البشارة لهم، والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف: أي تضع الضرب موضع التحية، والسيف موضع العتاب. قال الشاعر: وخيل قد دلفت لهم بخيل * تحية بينهم ضرب وجيع (1)


(1) دلفت الكتيبة إلى الكتبية في الحرب: تقدمت. وقائل البيت هو عمرو بن معد يكرب الزبيدي. (*)

[ 216 ]

وأصل العزة: الشدة، ومنه قيل للارض الصلبة الشديدة عزاز، ومنه قيل: عز علي أن يكون كذا أي: شد علي وعز الشئ: إذا صعب وجوده واشتد حصوله. واعتز فلان بفلان: إذا اشتد ظهره به، والعزيز: القوي المنيع، بخلاف الذليل. المعنى: ثم قال تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا) قيل في معناه أقوال أحدها: إنه عنى به الذين آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، وغير ذلك (ثم آمنوا) يعني النصارى بعيسى (ثم كفروا) به (ثم ازدادوا كفرا) بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، عن قتادة. وثانيها: إنه عنى به الذين آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، عن الزجاج، والفراء. وثالثها: إنه عنى به طائفة من أهل الكتاب، أرادوا تشكيك نفر من أصحاب رسول الله، فكانوا يظهرون الايمان بحضرتهم، ثم يقولون: قد عرضت لنا شبهة أخرى فيكفرون، ثم ازدادوا كفرا بالثبات عليه إلى الموت، عن الحسن، وذلك معنى قوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون). ورابعها: إن المراد به المنافقون، آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، عن مجاهد، وابن زيد. وقال ابن عباس: " دخل في هذه الاية كل منافق كان في عهد النبي، في البحر والبر ". (لم يكن الله ليغفر لهم) بإظهارهم الايمان، فلو كانت بواطنهم كظواهرهم في الايمان، لما كفروا فيما بعد (ولا ليهديهم سبيلا) معناه: ولا يهديهم إلى سبيل الجنة، كما قال فيما بعد: ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم. ويجوز أن يكون المعنى أنه يخذلهم، ولا يلطف بهم، عقوبة لهم على كفرهم المتقدم. ثم قال (بشر المنافقين) أي: أخبرهم يا محمد (بأن لهم) في الاخرة (عذابا أليما) أي: وجيعا إن ماتوا على كفرهم ونفاقهم. وفي هذه الاية دلالة على أن الاية المتقدمة، نزلت في شأن المنافقين، وأنه الاصح من الاقوال المذكورة، ثم وصف هؤلاء المنافقين، فقال: (الذين يتخذون الكافرين) أي: مشركي العرب، وقيل: اليهود (أولياء) أي: ناصرين، ومعينين، وأخلاء (من دون المؤمنين) أي: من غيرهم (أيبتغون عندهم العزة) أي: أيطلبون عندهم القوة والمنعة، باتخاذهم هؤلاء أولياء من دون (1) الايمان بالله تعالى، ثم أخبر سبحانه أن العزة والمنعة له، فقال: (فإن


(1) [ أهل ]. (*)

[ 217 ]

العزة لله جميعا) يريد سبحانه: إنهم لو آمنوا مخلصين له، وطلبوا الاعتزاز بالله تعالى، وبدينه، ورسوله، والمؤمنين، لكان أولى بهم من الاعتزاز بالمشركين، فإن العزة جميعا لله سبحانه، ومن عنده، يعز من يشاء، ويذل من يشاء. (وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنفقين والكفرين في جهنم جميعا [ 140 ] القراءة: قرأ عاصم ويعقوب (نزل) بالفتح، والباقون (نزل) بضم النون وكسر الزاي. الحجة: والوجه في القراءتين ما ذكرناه قبل. الاعراب: إذا قرأت (نزل) بالفتح فأن في موضع نصب، لان تقديره نزل الله ذلك. وإذا قرأت (نزل) فأن في موضع الرفع، وأن هذه هي المخففة من الثقيلة. النزول: كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، عن ابن عباس. المعنى: لما تقدم ذكر المنافقين وموالاتهم الكفار، عقب ذلك بالنهي عن مجالستهم ومخالطتهم، فقال: (وقد نزل عليكم في الكتاب) أي: في القرآن (أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) أي: يكفر بها المشركون، والمنافقون، ويستهزئون بها (فلا تقعدوا معهم) أي: مع هؤلاء المستهزئين الكافرين (حتى يخوضوا في حديث غيره) أي: حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بالدين. وقيل: حتى يرجعوا إلى الايمان، ويتركوا الكفر والاستهزاء. والمنزل في الكتاب هو قوله سبحانه في سورة الانعام (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) وفي هذا دلالة على تحريم مجالسة الكفار عند كفرهم بآيات الله، واستهزائهم بها، وعلى إباحة مجالستهم عند خوضهم في حديث غيره. وروي عن الحسن أن اباحة القعود مع الكفار، عند خوضهم في حديث آخر غير كفرهم، واستهزائهم بالقرآن، منسوخ بقوله تعالى: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم

[ 218 ]

الظالمين) (إنكم إذا مثلهم) يعني إنكم إذا جالستموهم على الخوض في كتاب الله، والهزء به، فأنتم مثلهم. وإنما حكم بأنهم مثلهم، لانهم لم ينكروا عليهم مع قدرتهم على الإنكار، ولم يظهروا الكراهة لذلك، ومتى كانوا راضين بالكفر، كانوا كفارا لان الرضا بالكفر كفر. وفي الاية دلالة على وجوب إنكار المنكر مع القدرة، وزوال العذر، وأن من ترك ذلك مع القدرة عليه، فهو مخطئ آثم. وفيها أيضا دلالة على تحريم مجالسة الفساق والمبتدعين، من أي جنس كانوا، وبه قال جماعة من أهل التفسير، وذهب إليه عبد الله بن مسعود، وإبراهيم، وأبو وايل. قال إبراهيم: " ومن ذلك إذا تكلم الرجل في مجلس يكذب، فيضحك منه جلساؤه، فيسخط الله عليهم " وبه قال عمر بن عبد العزيز. وروي أنه ضرب رجلا صائما كان قاعدا مع قوم يشربون الخمر. وروى العياشي بإسناده، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام في تفسير هذه الاية، قال: " إذا سمعت الرجل يجحد الحق، ويكذب به، ويقع في أهله، فقم من عنده، ولا تقاعده " وروي عن ابن عباس أنه قال: " أمر الله تعالى في هذه الاية بالاتفاق، ونهى عن الاختلاف والفرقة، والمراء والخصومة " وبه قال الطبري، والبلخي، والجبائي، وجماعة من المفسرين. وقال الجبائي: " وأما الكون بالقرب منهم بحيث يسمع صوتهم، ولا يقدر على إنكارهم، فليس بمحظور، وإنما المحظور مجالستهم من غير إظهار كراهية، لما يسمعه، أو يراه. قال: وفي الاية دلالة على بطلان قول نفاة الاعراض، وقولهم ليس ها هنا شئ غير الاجسام، لانه قال: (حتى يخوضوا في حديث غيره) فأثبت غيرا لما كانوا فيه، وذلك هو العرض (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) أي: إن الله يجمع الفريقين من أهل الكفر والنفاق في القيامة، في النار، والعقوبة فيها، كما اتفقوا في الدنيا على عداوة المؤمنين، والمظاهرة عليهم. (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكفرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا [ 141 ]

[ 219 ]

اللغة: التربص: الانتظار. والاستحواذ: الغلبة والاستيلاء، يقال حاذ الحمار أتنه: إذا استولى عليها وجمعها، وكذلك حازها. قال العجاج يصف ثورا وكلابا (يحوذهن وله حوذي) (1) وروي (يحوزهن وله حوزي). واستحوذ مما خرج عن أصله. فمن قال أحاذ يحيذ، لم يقل إلا استحاذ يستحيذ. ومن قال: أحوذ كما قيل أحوذت وأطيبت بمعنى أحذت وأطبت، فأخرجه على الاصل، قال: استحوذ. والأحوذي الحاذ: المنكمش الخفيف في أموره. المعنى: قد وصف الله سبحانه المنافقين والكافرين فقال (الذي يتربصون بكم) أي: ينتظرون لكم أيها المؤمنون، لأنهم كانوا يقولون سيهلك محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فنستريح منهم، ويظهر قومنا وديننا (فإن كان لكم فتح من الله) أي: فإن اتفق لكم فتح وظفر على الاعداء (قالوا ألم نكن معكم) نجاهد عدوكم ونغزوهم معكم، فاعطونا نصيبنا من الغنيمة، فقد شهدنا القتال (وإن كان للكافرين نصيب) أي: حظ بإصابتهم من المؤمنين (قالوا) يعني المنافقين أي: قال المنافقون للكافرين (ألم نستحوذ عليكم) أي: ألم نغلب عليكم، عن السدي. ومعناه: ألم نغلبكم على رأيكم بالموالاة لكم (ونمنعكم من) الدخول في جملة (المؤمنين). وقيل معناه: ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه أي: ألم نضمكم إلى أنفسنا، ونطلعكم على أسرار محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ونكتب إليكم بأخبارهم حتى غلبتم عليهم، فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم، عن الحسن، وابن جريج. (ونمنعكم من المؤمنين) أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتحديثنا (2) إياهم عنكم، وكوننا عيونا لكم، حتى انصرفوا عنكم، وغلبتموهم (فالله يحكم بينكم يوم القيامة): هذا إخبار منه سبحانه عن نفسه، بأنه الذي يحكم بين الخلائق يوم القيامة، ويفصل بينهم بالحق (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) قيل فيه أقوال أحدها: إن المراد: لن يجعل الله لليهود على المؤمنين نصرا، ولا ظهورا، عن ابن عباس. وقيل: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا بالحجة، وإن جاز أن يغلبوهم بالقوة، لكن المؤمنين منصورون بالدلالة والحجة، عن السدي،


(1) الحوذى بالضم: الطارد المستحث على السير من الحوذ: وهو السير الشديد. وأما الحوز بالزاي: فهو السير برفق. (2) وفي المخطوطتين " بتخذيلنا " بدل " بتحديثنا ". (*)

[ 220 ]

والزجاج، والبلخي قال الجبائي: " ولو حملناه على الغلبة لكان ذلك صحيحا، لأن غلبة الكفار للمؤمنين ليس مما فعله الله، فإنه لا يفعل القبيح، وليس كذلك غلبة المؤمنين للكفار، فإنه يجوز أن ينسب إليه سبحانه ". وقيل: لن يجعل لهم في الآخرة عليهم سبيلا، لانه مذكور عقيب قوله (فالله يحكم بينكم يوم القيامة) بين الله سبحانه أنه إن يثبت لهم سبيل على المؤمنين في الدنيا بالقتل، والقهر، والنهب، والاسر، وغير ذلك من وجوه الغلبة، فلن يجعل لهم، يوم القيامة، عليهم سبيلا بحال. (إن المنفقين يخدعون الله وهو خدعهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا [ 142 ] مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا [ 143 ] القراءة: في الشواذ قراءة عبد الله بن أبي اسحاق (يرأون) مثل (يرعون) والقراءة المشهورة (يراؤون) مثل يراعون. وقراءة ابن عباس (مذبذبين) بكسر الذال الثانية. الحجة: قال ابن جني (يرأون): يفعلون: من رأيت، ومعناه يبصرون الناس ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطون، وهو أقوى من (يراءون) بالمد على يفاعلون، لان معناه يتعرضون لان يروهم. (يراؤون) معناه: يحملونهم على أن يروهم قال الشاعر: ترى وترائي عند معقد غرزها * تهاويل من أجلا دهر مأوم (1) وقوله (مذبذبين) مثل قول الشاعر (مسيرة شهر للبريد المذبذب): أي المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء. اللغة: يقال ذبذبته فتذبذب: أي حركته فتحرك، فهو كتحريك شئ معلق قال النابغة:


(1) الغرز: ركاب الرجل من جلد، والضمير للناقة. التهاويل: الالوان المختلفة من الاحمر، والاصفر، والاخضر: زينة التصاوير والنقوش والحلى. والاجلاد: جمع جلد. والهر: السنور. المأوم كمعظم: العظيم الخلق والرأس. يصف ناقتها وكثرة أوبارها عند معقد الركاب. (*)

[ 221 ]

ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب الاعراب: (كسالى): منصوب على الحال من الواو في (قاموا). و (مذبذبين) نصب على الحال من المنافقين. المعنى: ثم بين سبحانه أفعالهم القبيحة فقال (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) قد ذكرنا معناه في أول البقرة، وعلى الجملة خداع المنافقين لله إظهارهم الايمان الذي حقنوا به دماءهم وأموالهم. وقيل معناه: يخادعون النبي كما قال: (إنما يبايعون الله) فسمى مبايعة النبي مبايعة الله للاختصاص، ولان ذلك بأمره، عن الحسن، والزجاج. ومعنى خداع الله إياهم: أن يجازيهم على خداعهم، كما قلناه في قوله (الله يستهزئ بهم). وقيل: هو حكمه بحقن دمائهم مع علمه بباطنهم. وقيل: هو أن يعطيهم الله نورا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين ثم يسلبهم ذلك النور، ويضرب بينهم بسور، عن الحسن، والسدي، وجماعة من المفسرين. (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) أي: متثاقلين (يراؤن الناس) يعني أنهم لا يعملون شيئا من أعمال العبادات على وجه القربة إلى الله، وإنما يفعلون ذلك إبقاء على أنفسهم، وحذرا من القتل، وسلب الاموال، وإذا رآهم المسلمون صلوا ليروهم أنهم يدينون بدينهم، وإن لم يرهم أحد، لم يصلوا، وبه قال قتادة، وابن زيد. وروى العياشي بإسناده، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله، عن آبائه أن رسول الله سئل: فيم النجاة غدا ؟ قال: النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم، فإنه من يخادع الله يخدعه، ونفسه يخدع لو شعر. فقيل له: فكيف يخادع الله ؟ قال: يعمل بما أمره الله، ثم يريد به غيره، فاتقوا الرياء، فإنه شرك بالله، إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له. (ولا يذكرون الله إلا قليلا) أي: ذكرا قليلا، ومعناه: لا يذكرون الله عن نية خالصة، ولو ذكروه مخلصين.، لكان كثيرا، وإنما وصف بالقلة، لانه لغير الله، عن الحسن، وابن عباس. وقيل: لا يذكرون إلا ذكرا يسيرا، نحو التكبير والاذكار التي يجهر بها، ويتركون التسبيح وما يخافت به من القراءة وغيرها، عن أبي علي

[ 222 ]

الجبائي. وقيل: إنما وصف الذكر بالقلة لانه سبحانه لم يقبله، وكل ما رده الله فهو قليل (مذبذبين بين ذلك) أي: مرددين بين الكفر والايمان، يريد كأنه فعل بهم ذلك، وإن كان الفعل لهم على الحقيقة. وقيل: معنى مذبذبين مطرودين من هؤلاء ومن هؤلاء، من الذب: الذي هو الطرد، وصفهم سبحانه بالحيرة في دينهم، وأنهم لا يرجعون إلى صحة نية، لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع الكافرين على جهالة. وقال رسول الله: إن مثلهم مثل الشاة العايرة (1) بين الغنمين، تتحير فتنظر إلى هذه وهذه، لا تدري أيهما تتبع. (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) أي: لا مع هؤلاء في الحقيقة، ولا مع هؤلاء. يظهرون الايمان كما يظهره المؤمنون، ويضمرون الكفر كما يضمره المشركون، فلم يكونوا مع أحد الفريقين في الحقيقة، فإن المؤمنين يضمرون الايمان كما يظهرونه، والمشركون يظهرون الكفر كما يضمرونه. (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) أي: طريقا ومذهبا. وقد مضى ذكر معنى الاضلال مشروحا في سورة البقرة عند قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين) فلا معنى لإعادته. (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطنا مبينا [ 144 ] إن المنفقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا [ 145 ] إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما [ 146 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر: (الدرك) بسكون الراء، والباقون بفتحها. الحجة: هما لغتان كالنهر والنهر، والشمع والشمع، والقص والقصص. اللغة: السلطان: الحجة. قال الزجاج: وهو يذكر ويؤنث. قالوا: قضت عليك السلطان، وأمرك به السلطان، ولم يأت في القرآن إلا مذكرا. وقيل للامير:


(1) أي المترددة. (*)

[ 223 ]

سلطان، ومعناه ذو الحجة. وأصل الدرك: الحبل الذي يوصل به الرشا، ويعلق به الدلو. ثم لما كان في النار سفال من جهة الصورة والمعنى، قيل له درك ودرك. وجمع الدرك: أدراك ودروك وجمع الدرك: أدرك. المعنى: ثم نهى سبحانه عن موالاة المنافقين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء) أي: أنصار (من دون المؤمنين) فتكونوا مثلهم (أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) أي: حجة ظاهرة ؟ وهو استفهام يراد به التقرير، وفيه دلالة على أن الله لا يعاقب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، والاستحقاق، وأنه لا يعاقب الأطفال بذنوب الآباء، وأنه كان لا حجة له على الخلق لولا معاصيهم. قال الحسن: معناه أتريدون أن تجعلوا لله (1) سبيلا إلى عذابكم، بكفركم، وتكذيبكم ؟ (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) أي: في الطبق الأسفل من النار، فإن للنار طبقات ودركات، كما أن للجنة درجات، فيكون المنافق على أسفل طبقة منها، لقبح عمله، عن ابن كثير، وأبي عبيدة، وجماعة. وقيل: إن المنافقين في توابيت من حديد، مغلقة عليهم في النار، عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس. وقيل: إن الأدراك يجوز أن تكون منازل بعضها أسفل من بعض، بالمسافة. ويجوز أن يكون ذلك إخبارا عن بلوغ الغاية في العقاب، كما يقال إن السلطان بلغ فلانا الحضيض، وبلغ فلانا العرش: يريدون بذلك انحطاط المنزلة، وعلوها، لا المسافة، عن أبي القاسم البلخي. (ولن تجد لهم نصيرا) ولا تجد يا محمد لهؤلاء المنافقين ناصرا ينصرهم، فينقذهم من عذاب الله، إذ جعلهم في أسفل طبقة من النار. ثم استثنى تعالى فقال: (إلا الذين تابوا) من نفاقهم (وأصلحوا) نياتهم. وقيل: ثبتوا على التوبة في المستقبل (واعتصموا بالله) أي: تمسكوا بكتاب الله، وصدقوا رسله. وقيل: وثقوا بالله (وأخلصوا دينهم لله) أي تبرأوا من الآلهة والأنداد. وقيل: طلبوا بإيمانهم رحمة الله ورضاه، مخلصين، عن الحسن. (فأولئك مع المؤمنين) أي: فإنهم إذا فعلوا ذلك يكونون في الجنة مع المؤمنين، ومحل الكرامة. (وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما) سوف: كلمة ترجئة، وعدة، وإطماع، وهي من الله إيجاب، لانه أكرم الاكرمين، ووعد الكريم إنجاز، ولم


(1) [ عليكم ]. (*)

[ 224 ]

يشرط على غير المنافقين في التوبة من الاصلاح والاعتصام، ما شرطه عليهم، ثم شرط عليهم بعد ذلك الإخلاص، لان النفاق: ذنب القلب، والإخلاص: توبة القلب. ثم قال (فأولئك مع المؤمنين) ولم يقل فأولئك المؤمنون، أو من المؤمنين، غيظا عليهم. ثم أتى بلفظ (سوف) في أجر المؤمنين، لانضمام المنافقين إليهم، هذا إذا عنى به جميع المؤمنين من تقدم منه الكفر، ومن لم يتقدم. ويحتمل أن يكون المراد به زيادة الثواب، لمن لم يسبق منه كفر، ولا نفاق. (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكرا عليما [ 147 ] المعنى: خاطب سبحانه بهذه الاية المنافقين الذين تابوا، وآمنوا، وأصلحوا أعمالهم، فقال: (ما يفعل الله بعذابكم) أي: ما يصنع الله بعذابكم، والمعنى لا حاجة لله إلى عذابكم، وجعلكم في الدرك الاسفل من جهنم، لانه لا يجتلب بعذابكم نفعا، ولا يدفع به عن نفسه ضررا، إذ هما يستحيلان عليه (إن شكرتم) أي: أديتم الحق الواجب لله عليكم، وشكرتموه على نعمه (وآمنتم) به وبرسوله، وأقررتم بما جاء به من عنده (وكان الله شاكرا) يعني: لم يزل سبحانه مجازيا لكم على الشكر، فسمى الجزاء باسم المجزى عليه (عليما) بما يستحقونه من الثواب على الطاعات، فلا يضيع عنده شئ منها، عن قتادة، وغيره. وقيل: معناه إنه يشكر القليل من أعمالكم، ويعلم ما ظهر وما بطن من أفعالكم، وأقوالكم، ويجازيكم عليها. وقال الحسن: معناه أنه يشكر خلقه على طاعتهم، مع غناه عنهم (1)، فيعلم بأعمالهم. (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما [ 148 ] إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا [ 149 ] القراءة: القراءة على ضم الظاء من (ظلم). وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطاء بن السائب، وغيرهم: (إلا من ظلم) بفتح الظاء واللام.


(1) [ وعنها ]. (*)

[ 225 ]

الحجة: قال ابن جني: ظلم وظلم جميعا على الاستثناء المنقطع: أي لكن من ظلم فإن الله لا يخفى عليه أمره، ودل عليه قوله (وكان الله سميعا عليما) وموضع (من) نصب في الوجهين جميعا. قال الزجاج: فيكون المعنى: لكن المظلوم يجهر بظلامته تشكيا، ولكن الظالم يجهر بذلك ظلما، قال: ويجوز أن يكون موضع (من) رفعا على معنى: لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، فيكون (من) بدلا من معنى أحد. والمعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا المظلوم. قال: وفيها وجه آخر لا أعلم أحدا من النحويين ذكره، وهو أن يكون على معنى: لكن الظالم أجهروا له بالسوء من القول. المعنى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) قيل في معناه أقوال أحدها: لا يحب الله الشتم في الانتصار (إلا من ظلم) فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين، عن الحسن، والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. ونظيره: (وانتصروا من بعد ما ظلموا). قال الحسن: ولا يجوز للرجل إذا قيل له: يا زاني ! أن يقابل له بمثل ذلك من أنواع الشتم. وثانيها: إن معناه لا يحب الله الجهر بالدعاء على أحد إلا أن يظلم إنسان فيدعو على من ظلمه، فلا يكره ذلك، عن ابن عباس، وقريب منه قول قتادة. ويكره رفع الصوت بما يسوء الغير إلا المظلوم يدعو على من ظلمه. وثالثها: إن المراد لا يحب أن يذم أحدا أحد، أو يشكوه، أو يذكره بالسوء، إلا أن يظلم، فيجوز له أن يشكو من ظلمه، ويظهر أمره، ويذكره بسوء ما قد صنعه، ليحذره الناس، عن مجاهد. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه الضيف ينزل بالرجل، فلا يحسن ضيافته، فلا جناح عليه في أن يذكره بسوء ما فعله (وكان الله سميعا) لما يجهر به من سوء القول (عليما) بصدق الصادق، وكذب الكاذب، فيجازي كلا بعمله. وفي هذه الاية دلالة على أن الرجل إذا هتك ستره، وأظهر فسقه، جاز إظهار ما فيه. وقد جاء في الحديث: " قولوا في الفاسق ما فيه، يعرفه الناس، ولا غيبة لفاسق ". وفيها ترغيب في مكارم الاخلاق، ونهي عن كشف عيوب الخلق، وإخبار بتنزيه ذاته تعالى، عن إرادة القبائح، فإن المحبة إذا تعلقت بالفعل، فمعناها الارادة. ثم خاطب سبحانه جميع المكلفين فقال (إن تبدوا) أي تظهروا (خيرا) أي: حسنا جميلا من القول، لمن أحسن إليكم، شكرا على إنعامه عليكم. (أو تخفوه)

[ 226 ]

أي: تتركوا إظهاره. وقيل: معناه إن تفعلوا خيرا، أو تعزموا عليه. وقيل: يريد بالخير المال، أي: تظهروا صدقة، أو تخفوها (أو تعفوا عن سوء) معناه: أو تصفحوا عمن أساء إليكم، مع القدرة على الانتقام منه، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي أذنت لكم في أن تجهروا به. (فإن الله كان عفوا) أي: صفوحا عن خلقه، يصفح لهم عن معاصيهم (قديرا) أي: قادرا على الانتقام منهم. وهذا حث منه سبحانه لخلقه على العفو عن المسئ، مع القدرة على الانتقام والمكافاة، فإنه تعالى مع كمال قدرته، يعفو عنهم ذنوبا أكثر من ذنب من يسئ إليهم. وقد تضمنت الاية التي قبلها إباحة الانتصاف من الظالم، بشرط أن يقف فيه على حد الظلم، وموجب الشرع. النظم: الوجه في اتصال هذه الاية (1) بما قبلها: إنه لما سبق ذكر أهل النفاق، وهو الإظهار خلاف الإبطان، بين سبحانه أنه ليس كلما يقع في النفس، يجوز إظهاره، فإنه ربما يكون ظنا، فإذا تحقق ذلك جاز إظهاره عن علي بن عيسى. (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا [ 150 ] أولئك هم الكفرون حقا وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا [ 151 ] والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما [ 152 ] اللغة: قرأ حفص (يؤتيهم) بالياء، والباقون: (نؤتيهم) بالنون. الحجة: حجة حفص قوله: (سوف يؤتي الله المؤمنين). وحجة من قرأ (نؤتيهم) قوله: وآتيناه (أجرا عظيما) (أولئك سنؤتيهم أجرا). المعنى: لما قدم سبحانه ذكر المنافقين، عقبه بذكر أهل الكتاب والمؤمنين، فقال: (إن الذين يكفرون بالله ورسله) من اليهود، والنصارى، (ويريدون أن يفرقوا بين الله ررسله) أي: يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه، وأوحى


(1) أي الاولى. (*)

[ 227 ]

إليهم، وذلك معنى إرادتهم التفريق بين الله ورسله (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) أي: يقولون نصدق بهذا، ونكذب بذاك، كما فعل اليهود، صدقوا بموسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا بعيسى ومحمد، وكما فعلت النصارى، صدقوا عيسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا بمحمد (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) أي: طريقا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، يدعون جهال الناس إليه (أولئك هم الكافرون حقا) أي: هؤلاء الذين أخبرنا عنهم، بأنهم يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، هم الكافرون حقيقة، فاستيقنوا ذلك، ولا ترتابوا بدعوتهم أنهم يقرون بما زعموا أنهم مقرون به من الكتب والرسل، فإنهم لو كانوا صادقين في ذلك، لصدقوا جميع رسل الله. وإنما قال تعالى: (أولئك هم الكافرون حقا)، على وجه التأكيد، لئلا يتوهم متوهم أن قولهم (نؤمن ببعض) يخرجهم من جنس الكفار، ويلحقهم بالمؤمنين (وأعتدنا) أي: أعددنا، وهيأنا (للكافرين عذابا مهينا) يهينهم، ويذلهم. (والذين آمنوا بالله ورسله) أي: صدقوا الله، ووحدوه، وأقروا بنبوة رسله (ولم يفرقوا بين أحد منهم)، بل آمنوا بجميعهم (أولئك سوف نؤتيهم) (1) أي: سنعطيهم (أجورهم)، وسمى الله الثواب أجرا، دلالة على أنه مستحق أي: نعطيهم ثوابهم الذي استحقوه على إيمانهم بالله ورسله (وكان الله غفورا رحيما) أي: لم يزل، كان (غفورا) لمن هذه صفتهم، ما سلف لهم من المعاصي والآثام، (رحيما) متفضلا عليهم بأنواع الإنعام، هاديا لهم إلى دار السلام. (يسئلك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتبا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينت فعفونا عن ذلك وءاتينا موسى سلطانا مبينا [ 153 ] ورفعنا فوقهم الطور بميثقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثقا غليظا [ 154 ]


(1) هذا على قراءة الباقين. (*)

[ 228 ]

القراءة: قرأ أهل المدينة (لا تعدوا) بتسكين العين، وتشديد الدال (1). وروى ورش، عن نافع: (لا تعدوا) بفتح العين وتشديد الدال. وقرأ الباقون: (لا تعدوا) خفيفة. الحجة: من قرأ (لا تعدوا) فأصله لا تعتدوا، فأدغم التاء في الدال لتقاربهما، ولان الدال تزيد على التاء في الجهر. قال أبو علي: وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغما، ولا يكون الاول حرف مد، ولين، نحو دابة، وأصيم، وتمود الثوب، ويقولون: إن المد يصير عوضا من الحركة، وقد قالوا: ثوب بكر، وجيب بكر، فأدغموا المد الذي فيهما أقل من المد الذي يكون فيهما، إذا كان حركة ما قبلهما منهما، فإذا جاز ذلك مع نقصان المد الذي فيه، لم يمتنع أن يجمع بين الساكنين في نحو (لا تعدوا). ويقوي ذلك جواز نحو أصيم ودويبة، ومديق. ومن قرأ: (لا تعدوا) فإن الاصل فيه لا تعتدوا فسكن التاء ليدغمها في الدال، ونقل حركتها إلى العين الساكنة قبلها، فصار (لا تعدوا). ومن قرأ: (لا تعدوا) فهو لا تفعلوا مثل قوله تعالى: إذ يعدون في السبت. وحجة الأولين قوله (إعتدوا منكم في السبت). اللغة: قال أبو زيد يقول: عدا علي اللص أشد العدو، والعدوان، والعدا، والعدو، إذا سرقك، وظلمك، وعدا الرجل، يعدو، عدوا، في الحضر، وقد عدت عينه عن ذلك أشد العدو، تعدو، وعدا يعدو، إذا جاوز. يقال: ما عدوت إن زرتك: أي ما جاوزت ذلك. الإعراب: قوله (جهرة) يجوز أن يكون صفة لقولهم أي: قالوا جهرة، أي مجاهرة، أرنا الله. ويجوز أن يكون على: أرنا الله رؤية ظاهرة. النزول: روي أن كعب بن الاشرف، وجماعة من اليهود، قالوا: يا محمد ! إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة: أي كما أتى موسى بالتوراة جملة، فنزلت الآية، عن السدي. المعنى: لما أنكر سبحانه على اليهود التفريق بين الرسل في الايمان، عقبه بالانكار عليهم في طلبهم المحالات، مع ظهور الايات والمعجزات، فقال:


(1) وهذه قراءة ضعيفة لانه جمع بين الساكنين، وليس الثاني حرف مد. (*)

[ 229 ]

(يسئلك) يا محمد (أهل الكتاب)، يعني اليهود (أن تنزل عليهم كتابا من السماء)، واختلف في معناه على أقوال أحدها: إنهم سألوا أن ينزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا، كما كانت التوراة مكتوبة من عند الله في الالواح، عن محمد بن كعب، والسدي. وثانيها: إنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا، يأمرهم الله تعالى فيها بتصديقه واتباعه، عن ابن جريج، واختاره الطبري وثالثها: إنهم سألوا أن ينزل عليهم كتابا خاصا لهم، عن قتادة. وقال الحسن: إنما سألوا ذلك للتعنت والتحكم في طلب المعجزات، لا لظهور الحق، ولو سألوه ذلك استرشادا لا عنادا، لأعطاهم الله ذلك. (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) أي: لا يعظمن عليك يا محمد مسألتهم إياك إنزال الكتب عليهم من السماء، فإنهم سألوا موسى، يعني اليهود، أعظم من ذلك، بعد ما أتاهم بالآيات الظاهرة، والمعجزات القاهرة، التي يكفي الواحد منها في معرفة صدقه، وصحة نبوته، فلم يقنعهم ذلك (فقالوا أرنا الله جهرة) أي: معاينة، (فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) أنفسهم، بهذا القول وقد ذكرنا قصة هؤلاء، وتفسير أكثر ما في الآية في سورة البقرة عند قوله (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) الاية. قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) الاية، (ثم اتخذوا العجل) أي: عبدوه واتخذوه إلها (من بعد ما جاءتهم البينات) أي: الحجج الباهرات. قد دل الله بهذا على جهل القوم وعنادهم (فعفونا عن ذلك) مع عظم جريمتهم، وخيانتهم، وقد أخبر الله بهذا عن سعة رحمته، ومغفرته، وتمام نعمته وأنه لا جريمة تضيق عنها رحمته، ولا خيانة تقصر عنها مغفرته. (وآتينا موسى) أي: أعطيناه (سلطانا مبينا) أي: حجة ظاهرة تبين عن صدقه، وصحة نبوته (ورفعنا فوقهم الطور) أي: الجبل لما امتنعوا من العمل بما في التوراة، وقبول ما جاءهم به موسى (بميثاقهم) أي: بما أعطوا الله سبحانه من العهد، ليعملن بما في التوراة. وقيل: معناه ورفعنا الجبل فوقهم بنقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم، بأن يعملوا بما في التوراة، وإنما نقضوه بعبادة العجل وغيرها، عن أبي علي الجبائي. وقال أبو مسلم: إنما رفع الله الجبل فوقهم إظلالا لهم من الشمس، بميثاقهم أي: بعهدهم جزاء لهم على ذلك. وهذا القول يخالف أقوال المفسرين. (وقلنا

[ 230 ]

لهم ادخلوا الباب سجدا) يعني (باب حطة)، وقد مر بيانه هناك. (وقلنا لهم لا تعدوا في السبت) أي: لا تتجاوزوا في يوم السبت، ما أبيح لكم، إلى ما حرم عليكم، عن قتادة قال: أمرهم الله أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت، وأجاز لهم ما عداه (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) أي: عهدا وثيقا وكيدا بأن يأتمروا بأوامره، وينتهوا عن مناهيه وزواجره. (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بئايت الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [ 155 ] وبكفرهم وقولهم على مريم بهتنا عظيما [ 156 ] وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا [ 157 ] بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما [ 158 ] اللغة: البهتان: الكذب الذي يتحير فيه من شدته وعظمته، وقد مر معنى المسيح في سورة آل عمران. يقال: قتلت الشئ خبرا وعلما أي: علمته علما تاما، وذلك لان القتل هو التذليل، ويكون كالدرس أنه من التذليل، ومنه الرسم الدارس لذلته. فقولك: درست العلم بمعنى ذللته. ويقال في المثل: " قتل أرضا عالمها وقتلت أرض جاهلها ". قال الاصمعي: معناه ضبط الامر من يعلمه. وأقول: معناه إن العالم يغلب أهل أرضه، والجاهل مغلوب مقهور، كما أن الجاهل بالطريق لا يهتدي فيتردد فيه. الاعراب: ما في قوله (فبما نقضهم) لغو أي: فبنقضهم، ومعناه التوكيد أي: فبنقضهم ميثاقهم حقا والجالب للباء في (فبنقضهم) والعامل فيه قيل إنه محذوف أي: لعناهم. وقيل: العامل فيه قوله (حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم). وقوله: (فبظلم من الذين) بدل من قوله (فبنقضهم) عن الزجاج. وعلى هذا فقوله (بل طبع الله عليها بكفرهم) إلى آخر الاية إعتراض، وكذلك قوله (وما قتلوه وما صلبوه) إلى قوله (شهيدا) وقوله: (عيسى بن مريم) عطف بيان ركب مع ابن وجعل كإسم

[ 231 ]

واحد، لوقوع ابن بين علمين، مع كونه صفة، والصفة ربما ركبت مع الموصوف، فجعلا كإسم واحد نحو لا رجل ظريف في الدار، ورسول الله صفة للمسيح، أو بدل منه، (واتباع الظن) منصوب على الاستثناء، وهو استثناء منقطع، وليس من الأول. فالمعنى ما لهم به من علم، لكنهم يتبعون الظن. المعنى: ثم ذكر سبحانه أفعالهم القبيحة، ومجازاته إياهم بها، فقال (فبما نقضهم)، أي: فبنقض هؤلاء الذين تقدم ذكرهم ووصفهم (ميثاقهم) أي: عهودهم التي عاهدوا الله عليها أن يعملوا بها في التوراة (وكفرهم بآيات الله) أي: جحودهم بأعلام الله، وحججه، وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله (وقتلهم الانبياء) بعد قيام الحجة عليهم بصدقهم (بغير حق) أي: بغير استحقاق منهم لذلك، بكبيرة أتوها، أو خطيئة استوجبوا بها القتل، وقد قدمنا القول في أمثال هذا، وإنه إنما يذكر على سبيل التوكيد، فإن قتل الانبياء لا يمكن إلا أن يكون بغير حق، وهو مثل قوله: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به)، والمعنى أن ذلك لا يكون البتة عليه برهان (وقولهم قلوبنا غلف) مضى تفسيره في سورة البقرة (بل طبع الله عليها بكفرهم) قد شرحنا معنى الختم والطبع، عند قوله (ختم الله على قلوبهم). (فلا يؤمنون إلا قليلا) أي: لا يصدقون قوله إلا تصديقا قليلا، وإنما وصفه بالقلة، لانهم لم يصدقوا بجميع ما كان يجب عليهم التصديق به، ويجوز أن يكون الاستثناء من الذين نفى عنهم الايمان، فيكون المعنى: إلا جمعا قليلا، فكأنه سبحانه علم أنه يؤمن من جملتهم جماعة قليلة فيما بعد، فاستثناهم من جملة من أخبر عنهم، أنهم لا يؤمنون به. قال جماعة من المفسرين، مثل قتادة، وغيره، وذكر بعضهم أن الباء في قوله (فبما نقضهم) يتصل بما قبله. والمعنى: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، وبنقضهم ميثاقهم، وبكفرهم، وبكذا، وبكذا، فتبع الكلام بعضه بعضا، وقال الطبري: إن معناه منفصل مما قبله، يعني: فبهذه الاشياء لعناهم، وغضبنا عليهم. فترك ذكر ذلك لدلالة قوله (بل طبع الله عليها بكفرهم) على معنى ذلك، لان من طبع على قلبه، فقد لعن وسخط عليه. قال: وإنما قال ذلك لان الذين أخذتهم الصاعقة، كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا الانبياء، والذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا: قتلنا عيسى، كانوا بعد موسى بزمان

[ 232 ]

طويل. ومعلوم أن الذين أخذتهم الصاعقة، لم يكن ذلك عقوبة على رميهم مريم بالبهتان، ولا على قولهم: (إنا قتلنا المسيح). فبان بذلك أن الذين قالوا هذه المقالة، غير الذين عوقبوا بالصاعقة. وهذا الكلام إنما يتجه على قول من قال: إنه يتصل بما قبله، ولا يتجه على قول الزجاج. وهذا أقوى، لانه إذا أمكن إجراء الكلام على ظاهره، من غير تقدير حذف، فالاولى أن يحمل عليه. وقوله (وبكفرهم) أي: بجحود هؤلاء لعيسى (وقولهم على مريم بهتانا عظيما) أي: أعظم كذب وأشنعه، وهو رميهم إياها بالفاحشة، عن ابن عباس، والسدي. قال الكلبي: " مر عيسى برهط، فقال بعضهم لبعض: " قد جاءكم الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة " فقذفوه بأمه، فسمع ذلك عيسى، فقال: اللهم أنت ربي خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي، اللهم العن من سبني، وسب والدتي ! فاستجاب الله دعوته فمسخهم خنازير ". (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله) يعني: قول اليهود: (إنا قتلنا عيسى بن مريم رسول الله) حكاه الله تعالى عنهم، أي: رسول الله في زعمه، وقيل: إنه من قول الله سبحانه، لا على وجه الحكاية عنهم، وتقديره: الذي هو رسولي (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) واختلفوا في كيفية التشبيه: فروي عن ابن عباس أنه قال: لما مسخ الله تعالى الذين سبوا عيسى وأمه بدعائه، بلغ ذلك يهوذا وهو رأس اليهود، فخاف أن يدعو عليه، فجمع اليهود، فاتفقوا على قتله، فبعث الله تعالى جبرائيل يمنعه منهم، ويعينه عليهم. وذلك معنى قوله (وأيدناه بروح القدس)، فاجتمع اليهود حول عيسى، فجعلوا يسألونه فيقول لهم: يا معشر اليهود ! إن الله تعالى يبغضكم، فساروا إليه ليقتلوه، فأدخله جبرائيل في خوخة البيت الداخل لها روزنة في سقفها، فرفعه جبرائيل إلى السماء، فبعث يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه إسمه طيطانوس، ليدخل عليه الخوخة فيقتله، فدخل فلم يره، فأبطا عليهم، فظنوا أنه يقاتله في الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى. فلما خرج على أصحابه، قتلوه وصلبوه. وقيل: ألقى عليه شبه وجه عيسى، ولم يلق عليه شبه جسده، فقال بعض القوم: إن الوجه وجه عيسى، والجسد جسد طيطانوس. وقال بعضهم: إن كان هذا طيطانوس فأين عيسى ؟ وإن كان هذا عيسى، فأين طيطانوس ؟ فاشتبه الامر عليهم. وقال وهب بن منبه: أتى

[ 233 ]

عيسى ومعه سبعة من الحواريين في بيت، فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم، صيرهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا، ليبرزن لنا عيسى، أو لنقتلنكم جميعا ! فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة ؟ فقال رجل منهم إسمه سرجس: أنا. فخرج إليهم، فقال: أنا عيسى. فأخذوه، وقتلوه، وصلبوه، ورفع الله عيسى من يومه ذلك، وبه قال قتادة، ومجاهد، وابن إسحاق. وإن اختلفوا في عدد الحواريين، ولم يذكر أحد غير وهب، أن شبهه ألقي على جميعهم، بل قالوا: ألقي شبهه على واحد، ورفع عيسى من بينهم. قال الطبري: وقول وهب أقوى، لانه لو ألقي الشبه على واحد منهم، مع قول عيسى: " أيكم يلقى شبهي فله الجنة " ثم رأوا عيسى رفع من بينهم. قال الطبري: لما اشتبه عليهم، ولما اختلفوا فيه، وإن جاز أن يشتبه على أعدائهم من اليهود الذين ما عرفوه، لكن ألقي الشبه على جميعهم، وكانوا يرون كل واحد منهم بصورة عيسى، فلما قتل أحدهم، إشتبه الحال عليهم. وقال أبو علي الجبائي: إن رؤساء اليهود أخذوا إنسانا، فقتلوه وصلبوه، على موضع عال، ولم يمكنوا أحدا من الدنو إليه، فتغيرت حليته، وقالوا: قد قتلنا عيسى، ليوهموا بذلك على عوامهم، لانهم كانوا أحاطوا بالبيت الذي فيه عيسى، فلما دخلوه، كان عيسى قد رفع من بينهم، فخافوا أن يكون ذلك سببا لايمان اليهود به، ففعلوا ذلك. والذين اختلفوا فيه هم غير الذين صلبوه، وإنما باقي اليهود. وقيل: إن الذي دلهم عليه، وقال: هذا عيسى، أحد الحواريين، أخذ على ذلك ثلاثين درهما، وكان منافقا، ثم إنه ندم على ذلك، واختنق حتى قتل نفسه، وكان اسمه بودس زكريا بوطا، وهو ملعون في النصارى. وبعض النصارى يقول: إن بودس زكريا بوطا، هو الذي شبه لهم، فصلبوه، وهو يقول: لست بصاحبكم ! أنا الذي دللتكم عليه ! وقيل: إنهم حبسوا المسيح، مع عشرة من أصحابه، في بيت، فدخل عليهم رجل من اليهود، فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، فقتلوا الرجل، عن السدي. (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه) قيل: يعني بذلك عامتهم، لأن علماءهم علموا أنه غير مقتول، عن الجبائي. وقيل: أراد بذلك جماعة اختلفوا، فقال بعضهم: قتلناه، وقال بعضهم: لم نقتله. (ما لهم به من علم إلا اتباع

[ 234 ]

الظن) أي: لم يكن لهم بمن قتلوه علم، لكنهم اتبعوا ظنهم، فقتلوه ظنا منهم، أنه عيسى، ولم يكن به، وإنما شكوا في ذلك، لانهم عرفوا عدة من في البيت، فلما دخلوا عليهم، وفقدوا واحدا منهم، إلتبس عليهم أمر عيسى، وقتلوا من قتلوه على شك منهم في أمر عيسى، هذا على قول من قال: لم يتفرق أصحابه، حتى دخل عليهم اليهود. وأما من قال: تفرق أصحابه عنه، فإنه يقول: كان اختلافهم في أن عيسى هل كان فيمن بقي، أو كان فيمن خرج، اشتبه الأمر عليهم. وقال الحسن: معناه فاختلفوا في عيسى، فقالوا مرة هو عبد الله، ومرة هو ابن الله، ومرة هو الله. وقال الزجاج: معنى اختلاف النصارى فيه أن منهم من ادعى أنه إله لم يقتل، ومنهم من قال قتل. (وما قتلوه يقينا) إختلف في الهاء في (قتلوه) فقيل: إنه يعود إلى الظن، أي: ما قتلوا ظنهم يقينا، كما يقال: ما قتله علما، عن ابن عباس، وجويبر. ومعناه: ما قتلوا ظنهم الذي اتبعوه في المقتول الذي قتلوه، وهم يحسبونه عيسى، يقينا أنه عيسى، ولا أنه غيره، لكنهم كانوا منه على شبهة. وقيل: إن الهاء عائد إلى عيسى، يعني: ما قتلوه يقينا، أي: حقا، فهو من باب تأكيد الخبر، عن الحسن أراد أن الله تعالى نفى عن عيسى القتل، على وجه التحقيق واليقين. (بل رفعه الله إليه) يعني: بل رفع الله عيسى إليه، ولم يصلبوه، ولم يقتلوه، وقد مر تفسيره في سورة آل عمران عند قوله: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي). (وكان الله عزيزا حكيما) معناه: لم يزل الله سبحانه منتقما من أعدائه، حكيما في أفعاله وتقديراته، فاحذروا أيها السائلون محمدا أن ينزل عليكم كتابا من السماء، حلول عقوبة بكم، كما حل بأوائلكم في تكذيبهم رسله، عن ابن عباس. وما مر في تفسير هذه الاية من أن الله ألقى شبه عيسى على غيره، فإن ذلك من مقدور الله بلا خلاف بين المسلمين فيه، ويجوز أن يفعله الله سبحانه على وجه التغليظ للمحنة، والتشديد في التكليف، وإن كان ذلك خارقا للعادة، فإنه يكون معجزا للمسيح، كما روي أن جبرائيل كان يأتي نبينا في صورة دحية الكلبي. ومما يسأل عن هذه الاية أن يقال: قد تواترت اليهود والنصارى، مع كثرتهم، وأجمعت على أن المسيح قد قتل، وصلب، فكيف يجوز عليهم أن يخبروا عن الشئ بخلاف ما هو به ؟ ولو جاز ذلك، فكيف يوثق بشئ من الاخبار ؟ والجواب:

[ 235 ]

إن هؤلاء دخلت عليهم الشبهة، كما أخبر الله سبحانه عنهم بذلك، فلم يكن اليهود يعرفون عيسى بعينه، وإنما أخبروا أنهم قتلوا رجلا. قيل لهم: إنه عيسى، فهم في خبرهم صادقون، وإن لم يكن المقتول عيسى، وإنما اشتبه الامر على النصارى، لان شبه عيسى ألقي على غيره، فرأوا من هو على صورته مقتولا مسلوبا، فلم يخبر أحد من الفريقين إلا عما رآه، وظن أن الامر على ما أخبر به، فلا يؤدي ذلك إلى بطلان الأخبار بحال. (وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا [ 159 ] الاعراب: إن في قوله (وإن من أهل الكتاب) نافية، وأكثر ما تأتي مع الا، وقد تأتي من غير الا نحو قوله (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) أي: في الذي ما مكناكم فيه. قال الزجاج: المعنى وما منهم أحد إلا ليؤمنن به، وكذلك قوله: (وإن منكم إلا واردها) معناه: وما منكم أحد إلا واردها. وكذلك (وما منا إلا له مقام معلوم) أي: وما منا أحد إلا له مقام، ومثله قول الشاعر: لو قلت ما في قومها، لم تيثم (1) * يفضلها في حسب وميسم (2) أي: ما في قومها أحد يفضلها. وذهب الكوفيون إلى أن المعنى: وما من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن به، وما منكم إلا من هو واردها، وما منا إلا من له مقام. وأهل البصرة لا يجيزون حذف الموصول، وتبقية الصلة. المعنى: ثم أخبر تعالى أنه لا يبقى أحد منهم إلا ويؤمن به، فقال: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) اختلف فيه على أقوال أحدها: إن كلا الضميرين يعودان إلى المسيح، أي: ليس يبقى أحد من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، إلا ويؤمنن بالمسيح، قبل موت المسيح، إذا أنزله الله إلى الارض،


(1) تيثم: مضارع أثم. وأما كسر التاء فهي لغة لبعض العرب، وذلك أنهم يكسرون حرف المضارعة في نحو: نعلم وتعلم، فلما كسروا التاء في (تأثم) انقلبت الهمزة ياء. (2) الميسم: الحسن والجمال. ونسب البيت من رجز لحكيم بن معية الربعي. ونسب ابن يعيش البيت للاسود الحماني (الخزانة: 2 / 311). (*)

[ 236 ]

وقت خروج المهدي، في آخر الزمان، لقتل الدجال، فتصير الملل كلها ملة واحدة، وهي ملة الاسلام الحنيفية دين إبراهيم، عن ابن عباس، وأبي مالك، والحسن، وقتادة، وابن زيد، وذلك حين لا ينفعهم الايمان. واختاره الطبري قال: " والاية خاصة لمن يكون منهم في ذلك الزمان ". وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره أن أباه حدثه، عن سليمان بن داود المنقري، عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب قال: قال الحجاج بن يوسف: آية من كتاب الله قد أعيتني قوله (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) الاية، والله ! إني لآمر باليهودي والنصراني، فيضرب عنقه، ثم أرمقه بعيني، فما أراه يحرك شفتيه، حتى يحمل. فقلت: أصلح الله الامير ! ليس على ما أولت. قال: فكيف هو ؟ قلت: إن عيسى بن مريم ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، ولا يبقى أهل ملة يهودي، أو نصراني، أو غيره، إلا وآمن به قبل موت عيسى، ويصلي خلف المهدي. قال: ويحك أنى لك هذا ؟ ومن أين جئت به ؟ قال: قلت: حدثني به الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: جئت والله بها من عين صافية. فقيل لشهر: ما أردت بذلك ؟ قال: أردت أن أغيظه. وذكر أبو القاسم البلخي مثل ذلك. وضعف الزجاج هذا الوجه قال: إن الذين يبقون إلى زمن عيسى من أهل الكتاب، قليل، والاية تقتضي عموم إيمان أهل الكتاب، إلا أن (1) جميعهم يقولون: إن عيسى الذي ينزل في آخر الزمان نحن نؤمن به. وثانيها: إن الضمير في به يعود إلى المسيح، والضمير في موته يعود إلى الكتابي، ومعناه: لا يكون أحد من أهل الكتاب، يخرج من دار الدنيا، إلا ويؤمن بعيسى قبل موته، إذا زال تكليفه، وتحقق الموت، ولكن لا ينفعه الايمان حينئذ، وإنما ذكر اليهود والنصارى لان جميعهم مبطلون: اليهود بالكفر به، والنصارى بالغلو في أمره، وذهب إليه ابن عباس في رواية أخرى، ومجاهد، والضحاك، وابن سيرين، وجويبر، قالوا: ولو ضربت رقبته لم تخرج نفسه حتى يؤمن. وثالثها: أن يكون المعنى: ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل موت الكتابي، عن عكرمة، ورواه أيضا أصحابنا، وضعف الطبري هذا الوجه بأن قال: " لو كان ذلك صحيحا، لما جاز إجراء أحكام الكفار عليهم، إذا ماتوا ". وهذا لا يصح لان إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما يكون في


(1) [ تحمل أن ]. (*)

[ 237 ]

حال زوال التكليف، فلا يعتد به، وإنما ضعف هذا القول، من حيث لم يجر ذكر لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم ها هنا، ولا ضرورة توجب رد الكناية إليه، وقد جرى ذكر عيسى، فالاولى أن يصرف ذلك إليه. (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) يعني: عيسى يشهد عليهم بأنه قد بلغ رسالات ربه، وأقر على نفسه بالعبودية، وأنه لم يدعهم إلى أن يتخذوه إلها، عن قتادة، وابن جريج. وقيل: يشهد عليهم بتصديق من صدقه، وتكذيب من كذبه، عن أبي علي الجبائي. وفي هذه الاية دلالة على أن كل كافر يؤمن عند المعاينة، وعلى أن إيمانه ذلك غير مقبول، كما لم يقبل إيمان فرعون في حال اليأس عند زوال التكليف، ويقرب من هذا ما رواه الامامية أن المحتضرين من جميع الاديان، يرون رسول الله وخلفاءه عند الموت، ويروون في ذلك عن علي عليه السلام أنه قال للحارث الهمداني: ياحار همدان من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا يعرفني طرفه وأعرفه * بعينه واسمه وما فعلا فإن صحت هذه الرواية فالمراد برؤيتهم في تلك الحال: العلم بثمرة ولايتهم وعداوتهم، على اليقين، بعلامات يجدونها من نفوسهم، ومشاهدة أحوال يدركونها. كما قد روي أن الانسان إذا عاين الموت، أري في تلك الحالة ما يدله على أنه من أهل الجنة، أو من أهل النار. (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا [ 160 ] وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالبطل وأعتدنا للكفرين منهم عذابا أليما [ 161 ] المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم بقوله (فبظلم من الذين هادوا) أي: من اليهود، معناه فبما ظلموا أنفسهم، بارتكاب المعاصي التي تقدم ذكرها، وقد مضى فيما تقدم عن الزجاج أنه قال: (فبظلم من الذين هادوا) بدل من قوله (فبنقضهم ميثاقهم) وما بعده، والعامل في الباء قوله (حرمنا عليهم طيبات)، ولكنه لما طال الكلام، أجمل في قوله (فبظلم) ما ذكره قبل، وأخبر أنه حرم على

[ 238 ]

اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا الله عليه، وكفروا بآياته، وقتلوا أنبياءه، وقالوا على مريم بهتانا عظيما، وفعلوا ما وصفه الله، طيبات من المآكل، وغيرها (أحلت لهم) أي: كانت حلالا لهم، قبل ذلك، فلما فعلوا ما فعلوا، اقتضت المصلحة تحريم هذه الاشياء عليهم، عن مجاهد، وأكثر المفسرين. وقال أبو علي الجبائي: حرم الله سبحانه هذه الطيبات على الظالمين منهم، عقوبة لهم على ظلمهم، وهي ما بين في قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم) الاية. (وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) أي: وبمنعهم عباد الله عن دينه وسبيله التي شرعها لعباده، صدا كثيرا، وكان صدهم عن سبيل الله، تقولهم على الله الباطل، وادعاءهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله، وتحريفهم معانيه عن وجوهه، وأعظم من ذلك كله، جحدهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتركهم بيان ما علموه من أمره، لمن جهله من الناس، عن مجاهد، وغيره. (وأخذهم الربوا) أي: ما فضل على رؤوس أموالهم بتأخيرهم له عن محله إلى أجل آخر، (وقد نهوا عنه) أي: عن الربا (وأكلهم أموال الناس بالباطل) أي: بغير استحقاق، ولا استيجاب، وهو ما كانوا يأخذونه من الرشى في الاحكام، كقوله: (وأكلهم السحت) وما كانوا يأخذونه من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، وما أشبه ذلك من المآكل الخبيثة، عاقبهم الله تعالى على جميع ذلك بتحريم ما حرم عليهم من الطيبات (وأعتدنا للكافرين منهم) أي: هيأنا يوم القيامة لمن جحد الله، أو الرسل، من هؤلا اليهود (عذابا أليما) أي: مؤلما موجعا واختلف في أن التحريم هل كان على وجه العقوبة، أم لا ؟ فقال جماعة من المفسرين: إن ذلك كان عقوبة، وإذا جاز التحريم ابتداء على جهة المصلحة، جاز أيضا عند ارتكاب المعصية على جهة العقوبة. وقال أبو علي: كان تحريمه عقوبة فيمن تعاطى ذلك الظلم، ومصلحة في غيرهم، وقال أبو هاشم: إن التحريم لا يكون إلا للمصلحة، ولما صار التحريم مصلحة عند إقدامهم على هذا الظلم، جاز أن يقال حرم عليهم بظلمهم. قال: لان التحريم تكليف يستحق الثواب بفعله، ويجب الصبر على أدائه، فهو معدود في النعم، بخلاف العقوبات. (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلوة المؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر

[ 239 ]

أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما [ 162 ] القراءة: قرأ حمزة وحده (سيؤتيهم) بالياء، والباقون بالنون. الحجة: ذكرنا الوجه في ما قيل عن قوله (أولئك سوف نؤتيهم أجورهم). الاعراب: اختلف في نصب (المقيمين) فذهب سيبويه والبصريون إلى أنه نصب على المدح، على تقدير أعني المقيمين الصلاة. قالوا: إذا قلت مررت بزيد الكريم، وأنت تريد أن تعرف زيدا الكريم، من زيد غير الكريم، فالوجه الجر. وإذا أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، وقلت: مررت بزيد الكريم، كأنك قلت: أذكر الكريم، وإن شئت رفعت فقلت الكريم على تقدير هو الكريم. وقال الكسائي: موضع (المقيمين) جر، وهو معطوف على ما من قوله (بما أنزل إليك) أي: وبالمقيمين الصلاة. وقال قوم: إنه معطوف على الهاء والميم، من قوله منهم على معنى (لكن الراسخون في العلم منهم) وفي المقيمين الصلاة. وقال آخرون: إنه معطوف على الكاف من قبلك أي بما أنزل من قبلك، ومن قبل المقيمين الصلاة. وقيل: إنه معطوف على الكاف في إليك، أو الكاف في قبلك. وهذه الاقوال الاخيرة لا تجوز عند البصريين، لانه لا يعطف بالظاهر على الضمير المجرور، من غير إعادة الجار. وقد شرحنا هذا في مبتدأ السورة عند قوله (والارحام). وأما ما روي عن عروة، عن عائشة قال: سألتها عن قوله (والمقيمين الصلاة). وعن قوله (والصابئون)، وعن قوله (إن هذان)، فقالت: يا ابن أختي ! هذا عمل الكتاب، أخطأوا في الكتاب. وما روي عن بعضهم: إن في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها، قالوا: وفي مصحف ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة)، فمما لا يلتفت إليه، لأنه لو كان كذلك، لم يكن لتعلمه الصحابة الناس على الغلط، وهم القدوة، والذين أخذوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. المعنى: ثم ذكر سبحانه مؤمني أهل التوراة فقال: (لكن الراسخون في العلم) والدين، وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن اليهود لتعلم أن الذي جئت به حق، وإنك لعندهم مكتوب في التوراة، فقال اليهود: ليس كما يقولون إنهم لا يعلمون شيئا، وإنهم يغرونك ويحدثونك بالباطل، فقال الله تعالى (لكن الراسخون)، الثابتون المبالغون (في العلم)، المدارسون بالتوراة (منهم)

[ 240 ]

أي: من اليهود، يعني: ابن سلام وأصحابه من علماء اليهود، (والمؤمنون) يعني: أصحاب النبي من غير أهل الكتاب (يؤمنون بما أنزل إليك) يا محمد، من القرآن والشرائع، أنه حق (وما أنزل من قبلك) من الكتب، على الأنبياء والرسل. وقيل: إنما استثنى الله تعالى من وصفهم ممن هداه الله لدينه، ووفقه لرشده من اليهود الذين ذكرهم فيما مضى، من قوله (يسألك أهل الكتاب) إلى ها هنا. فقال: لكنهم لا يسألونك ما يسأل هؤلاء الجهال من إنزال الكتاب من السماء، لأنهم قد علموا مصداق قولك بما قرأوا في الكتب المنزلة على الأنبياء، ووجوب اتباعك عليهم، فلا حاجة إلى أن يسألوك معجزة أخرى. ولا دلالة غير ما علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم، عن قتادة، وغيره. (والمقيمين الصلاة) إذا كان نصبا على الثناء والمدح، على تقدير: واذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، ويكون على هذا عطفا على قوله (والراسخون في العلم منهم والمؤمنون) والمعنى: والذين يؤدون الصلاة بشرائطها، وإذا كان جرا، عطفا على ما أنزل، أي: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والمقيمين الصلاة. فقيل: إن المراد بهم الانبياء، أي: ويؤمنون بالانبياء المقيمين للصلاة. وقيل: المراد بهم الملائكة، وإقامتهم للصلاة تسبيحهم ربهم، واستغفارهم لمن في الارض، أي: وبالملائكة، واختاره الطبري، قال: لانه في قراءة أبي كذلك، وكذلك هو في مصحفه. وقيل: المراد بهم الائمة المعصومون (والمؤتون الزكاة) أي: والمعطون زكاة أموالهم، (والمؤمنون بالله) بأنه واحد لا شريك له (واليوم الآخر) وبالبعث الذي فيه جزاء الاعمال، (أولئك) أي: هؤلاء الذين وصفهم الله (سنؤتيهم) أي: سنعطيهم (أجرا) أي: ثوابا وجزاء على ما كان منهم من طاعة الله، واتباع أمره (عظيما) أي: جزيلا وهو الخلود في الجنة. (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمن وءاتينا داود زبورا [ 163 ] القراءة: قرأ حمزة وخلف: (زبورا) بضم الزاي، حيث وقعت. والباقون: (زبورا) بفتحها.

[ 241 ]

الحجة: (زبورا): يجوز أن يكون جمع زبور بحذف الزيادة، ومثله تخوم وتخوم، وعذوب وعذوب، ولا نظير لهذه الثلاثة. ويجوز أن يكون جمع زبر بمعنى المزبور، كقولهم ضرب الامير، وفسخ اليمين. اللغة: والزبر: إحكام العمل في البئر خاصة، يقال بئر مزبور أي: مطوية بالحجارة. ويقال ما لفلان زبر أي: عقل. وزبرة من الحديد: قطعة منه، وجمعه زبر. وزبرت الكتاب، أزبره، زبرا، وزبرته، أزبره، زبرا: أي كتبته. المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه بقوله (إنا أوحينا إليك) يا محمد، قدمه في الذكر، وإن تأخرت نبوته، لتقدمه في الفضل (كما أوحينا إلى نوح)، وقدم نوحا لانه أبو البشر كما قال: (وجعلنا ذريته هم الباقين) وقيل: لانه كان أطول الانبياء عمرا، وكانت معجزته في نفسه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، لم يسقط له سن، ولم تنقص قوته، ولم يشب شعره. وقيل: لانه لم يبالغ أحد منهم في الدعوة، مثل ما بالغ فيها، ولم يقاس أحد من قومه، ما قاساه، وهو أول من عذبت أمته بسبب أن ردت دعوته (والنبيين من بعده) أي: وأوحينا إلى النبيين من بعد نوح، (وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب) أعاد ذكر هؤلاء، بعد ذكر النبيين، تعظيما لامرهم، وتفخيما لشأنهم (والاسباط) وهم أولاد يعقوب. وقيل: إن الاسباط في ولد إسحاق، كالقبائل في ولد إسماعيل، وقد بعث منهم عدة رسل، كيوسف، وداود، وسليمان، وموسى، وعيسى، فيجوز أن يكون أراد بالوحي إليهم، الوحي إلى الانبياء منهم، كما تقول: أرسلت إلى بني تميم، إذا أرسلت إلى وجوههم. ولم يصح أن الاسباط الذين هم أخوة يوسف، كانوا أنبياء. (وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان) وقدم عيسى على أنبياء كانوا قبله، لشدة العناية بأمره، لغلو اليهود في الطعن فيه. والواو لا يوجب الترتيب (وآتينا داود زبورا) أي: كتابا يسمى (زبورا): واشتهر به كما اشتهر كتاب موسى بالتوراة، وكتاب عيسى بالانجيل. النظم: هذه الآية تتصل بما قبلها من قوله (يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء)، وهذا يدل على أنهم قد سألوه ما يدل على نبوته، فأخبر سبحانه أنه أرسله كما أرسل من تقدمه من الانبياء، وأظهر على يده المعجزات كما أظهرها على أيديهم. وقيل: إن اليهود، لما تلا النبي عليهم تلك الايات، قالوا: ما أنزل

[ 242 ]

الله على بشر من شئ بعد موسى، فكذبهم الله بهذه الايات، إذ أخبر أنه قد أنزل على من بعد موسى من الذين سماهم، وممن لم يسمهم، عن ابن عباس. (ورسلا قد قصصنهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما [ 164 ] رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما [ 165 ] الاعراب: (ورسلا) منصوب من وجهين أحدهما: أن يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره الذي ظهر: أي وقصصنا رسلا (قد قصصناهم عليك) كما تقول رأيت زيدا وعمرا أكرمته، أي: وأكرمت عمرا أكرمته. ويجوز أن ينصب (رسلا) على معنى (أوحينا)، لان معنى (أوحينا إليك) أنا أرسلناك موحين إليك، وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك، هذا قول الزجاج. وقال الفراء: إنه على تقدير إنا أوحينا إليك وإلى رسل قد قصصناهم عليك (ورسلا لم نقصصهم) فلما حذف إلى نصب الفعل، (رسلا مبشرين) منصوب على الحال، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح على تقدير: أعني رسلا مبشرين. المعنى: ثم أجمل ذكر الرسل بعد تسمية بعضهم فقال (ورسلا) أي: ورسلا آخرين (قد قصصناهم عليك) أي: ما حكينا لك أخبارهم، وعرفناك شأنهم وأمورهم، من قبل. قال بعضهم: قصهم عليه بالوحي في غير القرآن (من قبل) ثم قصهم عليه من بعد في القرآن. وقال بعضهم: قصهم عليه من قبل هؤلاء بمكة في سورة الانعام، وفي غيرها، لان هذه السورة مدنية (ورسلا لم نقصصهم عليك) هذا يدل على أن الله سبحانه أرسل رسلا كثيرة لم يذكرهم في القرآن، وإنما قص بعضهم على النبي لفضيلتهم على من لم يقصهم عليه. (وكلم الله موسى تكليما) فائدته أنه سبحانه كلم موسى بلا واسطة، إبانة له بذلك من سائر الانبياء، لان جميعهم كلمهم الله سبحانه بواسطة الوحي. وقيل: إنما قال تكليما، ليعلم أن كلام الله عز ذكره من جنس هذا المعقول الذي يشتق من التكليم، بخلاف ما قاله المبطلون. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قرأ الاية التي قبل هذه، على الناس، قالت اليهود فيما بينهم: ذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم النبيين، ولم يبين لنا أمر موسى. فلما نزلت

[ 243 ]

هذه الاية، وقرأها عليهم، قالوا: إن محمدا قد ذكره وفضله بالكلام عليهم (رسلا مبشرين) بالجنة والثواب، لمن آمن وأطاع. (ومنذرين) بالنار والعقاب لمن كفر وعصى (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فيقولوا: لم ترسل إلينا رسولا، ولو أرسلت لآمنا بك، كما أخبر سبحانه في آية أخرى بقوله (لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا). وفي هذه الاية دلالة على فساد قول من زعم أن عند الله تعالى من اللطف، ما لو فعله بالكافر لآمن، لانه لو كان كذلك، لكان للكافر الحجة بذلك على الله تعالى قائمة. فأما من لم يعلم من حاله أن له في إنفاذ الرسل إليه لطفا، فالحجة قائمة عليه بالعقل، وأدلته الدالة على توحيده وعدله، ولو لم يقم الحجة إلا بإنفاذ الرسل لفسد ذلك من وجهين أحدهما: إن صدق الرسول لا يمكن العلم به إلا بعد تقدم العلم بالتوحيد والعدل، فإن كانت الحجة عليه (1) غير قائمة، فلا طريق له إلى معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه. والثاني: إنه لو كانت الحجة لا تقوم إلا بالرسل، لاحتاج الرسول أيضا إلى رسول آخر، حتى تكون الحجة عليه قائمة، والكلام في رسوله كالكلام فيه، حتى يتسلسل، وذلك فاسد. فمن استدل بهذه الاية على أن التكليف لا يصح بحال إلا بعد إنفاذ الرسل، فقد أبعد لما قلناه. (وكان الله عزيزا) أي: مقتدرا على الانتقام ممن يعصيه، ويكفر به (حكيما) فيما أمر به عباده، وفي جميع أفعاله. (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملئكة يشهدون وكفى بالله شهيدا [ 166 ] النزول: قيل: إن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي لهم: إني أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله. فقالوا: لا نعلم ذلك، ولا نشهد به. فأنزل الله تعالى هذه الاية. المعنى: ثم قال سبحانه بعد إنكارهم وجحودهم: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك) معناه: إن لم يشهد لك هؤلاء بالنبوة، فالله يشهد لك بذلك. قال الزجاج:


(1) [ بالعقل ]. (*)

[ 244 ]

والشاهد هو المبين لما يشهد به، والله سبحانه يبين ما أنزل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بنصب المعجزات له، ويبين صدقه بما يغني عن بيان أهل الكتاب (أنزله بعلمه) معناه: أنزل القرآن، وهو عالم بأنك موضع لإنزاله عليك، لقيامك فيه بالحق، ودعائك الناس إليه. وقيل: معناه أنزل القرآن الذي فيه علمه، عن الزجاج. (والملائكة يشهدون) بأنك رسول الله، وأن القرآن نزل من عند الله (وكفى بالله شهيدا) معناه: إن شهادة الله تكفي في تثبيت المشهود به، ولا يحتاج معها إلى شهادة. وفي هذه الاية تسلية النبي على تكذيب من كذبه، ولا يصح قول من استدل على أن الله سبحانه عالم بعلم (1) بما في هذه الاية من قوله (أنزله بعلمه)، لانه لو أراد بالعلم ما ذهبوا إليه، من كونه ذاتا سواه، لوجب أن يكون آلة له في الإنزال، كما يقال: كتبت بالقلم، وعمل النجار بالقدوم (2)، ولا خلاف أن العلم ليس بآلة في الانزال. (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضللا بعيدا [ 167 ] إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا [ 168 ] إلا طريق جهنم خلدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا [ 169 ] المعنى: (إن الذين كفروا) بأنفسهم، (وصدوا) غيرهم، (عن سبيل الله): عن الدين الذي بعثك الله به إلى خلقه، (قد ضلوا ضعلالا بعيدا) يعني: جاوزوا عن قصد الطريق جوازا شديدا، وزالوا عن الحجة التي هي دين الله الذي ارتضاه لعباده، وبعثك به إلى خلقه، زوالا بعيدا عن الرشاد (إن الذين كفروا): جحدوا رسالة محمد، (وظلموا) محمدا بتكذيبهم إياه، ومقامهم على الكفر على علم منهم بظلمهم أولياء الله حسدا لهم، وبغيا عليهم، (لم يكن الله ليغفر لهم) أي: لم يكن الله ليعفو لهم عن ذنوبهم، بترك عقابهم عليها، (ولا ليهديهم طريقا) أي: لا يهديهم إلى طريق الجنة، لان الهداية إلى طريق الايمان قد سبقت، وعم الله بها جميع المكلفين، (إلا طريق جهنم) معناه لكن يهديهم طريق جهنم جزاء لهم على ما فعلوه من الكفر والظلم. (خالدين فيها) أي: مقيمين فيها (أبدا وكان


(1) أي زائدا على الذات. (2) القدوم: آلة للنحت والنجر. (*)

[ 245 ]

ذلك) أي: تخليد هؤلاء الذين وصفهم في جهنم (على الله يسيرا)، لانه إذا أراد ذلك لم يقدر على الامتناع منه أحد. النظم: واتصال هذه الايات بما قبلها، اتصال النقيض (1) على جهة المقابلة، لان ما قبلها يتضمن الشهادة له بالنبوة تسلية له عما لحقه من تكذيب الكفار، وهذه الايات تتضمن تخير الكفار بذهابهم من الرشد. (يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فئامنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والارض وكان الله عليما حكيما [ 170 ] الاعراب: الباء في قوله (بالحق): للتعدية كهمزة أفعل، تقول: جئت إلى عمرو، وأجاءني زيد، وجاء بي إلى عمرو. وقوله: (خيرا لكم) قال الزجاج: اختلفوا في نصب (خيرا)، فقال الكسائي: انتصب بخروجه عن الكلام، كقولهم لتقومن خيرا لك، وانته خيرا لك. فإذا كان الكلام ناقصا رفعوا، فقالوا: إن تنته خير لك. قال الفراء: انتصب هذا. وقوله: انتهوا خيرا لكم، لانه متصل بالامر، ولم يقل هو ولا الكسائي من أي المنصوبات هو، ولا شرحاه. وقال الخليل، وجميع البصريين: إن هذا محمول على معناه، لانك إذا قلت: انته خيرا لك، فأنت تدفعه عن أمر، وتدخله في غيره، كأنك قلت: انته وائت خيرا لك، وادخل فيما هو خير لك. وانشد سيبويه قول عمر بن أبي ربيعة: فواعدته سرحتي مالك * أو الربى بينهما أسهلا (2) كأنه قال: أتى مكانا أسهل. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى العظة، وعم الخلق بذلك فقال: (يا أيها الناس) خطاب لجميع المكلفين. وقيل خطاب للكفار (قد جاءكم الرسول) يعني: محمد صلى الله عليه وآله وسلم (بالحق) أي: بالدين الذي ارتضاه الله لعباده. وقيل: بولاية من أمر الله تعالى بولايته، عن أبي جعفر عليه السلام. (من ربكم) أي: من عند ربكم (فآمنوا) أي: صدقوه، وصدقوا ما جاءكم به من عند ربكم (خيرا لكم) أي: ائتوا خيرا مما


(1) بالنقيض. (2) السرح: فناء الدار واحدته سرحة. والربى جمع الربوة: ما ارتفع من الارض. (*)

[ 246 ]

أنتم عليه من الجحود والتكذيب (وإن تكفروا) أي: تكذبوه فيما جاءكم به من عند الله (فإن لله ما في السموات والارض) أي: فإن ضرر ذلك يعود عليكم دون الله، فإنه يملك ما في السماوات والارض، لا ينقص كفركم فيما كذبتم به نبيه شيئا من ملكه، وسلطانه (وكان الله عليما) بما أنتم صائرون إليه من طاعته أو معصيته، (حكيما) في أمره ونهيه إياكم، وتدبيره فيكم، وفي غيركم. (يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى مريم وروح منه فئامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا [ 171 ] اللغة: أصل الغلو: مجاوزة الحد. يقال: غلا في الدين، يغلو، غلوا، أو غلا بالجارية لحمها وعظمها: إذا أسرعت الشباب، وتجاوزت لداتها، تغلو، غلوا، وغلاء. قال الحرث بن خالد المخزومي: خمصانة قلق موشحها * رؤد الشباب غلا بها عظم (1) وغلا بسهمه غلوا: إذا رمى به أقصى الغاية. وتغالى الرجلان: تفاعلا من ذلك. وأصل المسيح: الممسوح، سماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين. وقيل: إنه سرياني، وأصله مشيحا، فعربت كما عربت أسماء الانبياء. وقيل: إنه ليس مثل ذلك، فإن إسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، وغيرها، أسماء لا صفات، والمسيح صفة، ولا يجوز أن يخاطب الله خلقه في صفة شئ إلا بما يفهم. وأما الدجال فإنه سمي المسيح، لانه ممسوح العين اليمنى، أو اليسرى. وعيسى ممسوح البدن من الأدناس والآثام، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الاعراب: (ثلاثة) خبر مبتدأ محذوف، دل عليه ظاهر الكلام، وتقديره لا


(1) خمصانة مؤنث الخميص: ضامر البطن. قلق: اضطرب فهو فلق. وثوب موشح: منقش. ورؤد الشباب: أي إنها في ريعان الشباب. (*)

[ 247 ]

تقولوا هم ثلاثة. وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه، ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم، وإنما جاز ذلك، لان القول حكاية، والحكاية تكون لكلام تام. (انتهوا خيرا لكم): قد ذكرنا وجه النصب في (خيرا) فيما قيل، وأن يكون في موضع نصب أي: سبحانه من أن يكون. فلما حذف حرف الجر، وصل إليه الفعل، فنصبه. وقيل: في موضع جر، وقد مر نظائره. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى حجاج أهل الكتاب فقال (يا أهل الكتاب) قيل: إنه خطاب لليهود والنصارى، عن الحسن، قال: لأن النصارى غلت في المسيح، فقالت: هو ابن الله، وبعضهم قال: هو الله، وبعضهم قال: هو ثالث ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، واليهود غلت فيه حتى قالوا ولد لغير رشدة (1)، فالغلو لازم للفريقين. وقيل: للنصارى خاصة، عن أبي علي، وأبي مسلم، وجماعة من المفسرين (لا تغلوا في دينكم) أي: لا تفرطوا في دينكم ولا تجاوزوا الحق فيه (ولا تقولوا على الله إلا الحق) أي: قولوا إنه، جل جلاله، واحد لا شريك له، ولا صاحبة، ولا ولد، ولا تقولوا في عيسى إنه ابن الله، أو شبهه، فإنه قول بغير الحق. (إنما المسيح) وقد ذكرنا معناه. وقيل: سمي بذلك لانه كان يمسح الارض مشيا (عيسى بن مريم): هذا بيان لقوله المسيح يعني: إنه ابن مريم، لا ابن الله، كما يزعمه النصارى، ولا ابن أب، كما تزعمه اليهود. (رسول الله) أرسله الله إلى الخلق، لا كما زعم الفرقتان المبطلتان (وكلمته) يعني أنه حصل بكلمته التي هي قوله كن، عن الحسن، وقتادة. وقيل: معناه أنه يهتدي به الخلق، كما اهتدوا بكلام الله ووحيه، عن أبي علي الجبائي. وقيل: معناه بشارة الله التي بشر بها مريم على لسان الملائكة، كما قال: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة) وهو المراد بقوله (ألقاها إلى مريم) كما يقال ألقيت إليك كلمة حسنة أي: قلت. وقيل: معنى (ألقاها إلى مريم): خلقها في رحمها، عن الجبائي (وروح منه) فيه أقوال أحدها: إنه إنما سماه روحا، لانه حدث عن نفخة جبرائيل في درع مريم، بأمر الله تعالى، وإنما نسبه إليه، لانه كان بأمره. وقيل: إنما أضافه إلى نفسه تفخيما لشأنه، كما قال: الصوم لي وأنا أجزي به. وقد يسمى النفخ روحا،


(1) الرشدة ضد الزنية. (*)

[ 248 ]

واستشهد على ذلك ببيت ذي الرمة، يصف نارا: فقلت له ارفعها إليك وأحيها * بروحك، واقتته لها قيتة قدرا وظاهر لها من يابس الشخت، واستعن (1) * عليه الصبا، واجعل يديك لها سترا ومعنى أحيها بروحك أي: بنفخك. ويقال أقتت النار: إذا أطعمتها حطبا. والثاني: إن المراد به: يحيي به الناس في دينهم، كما يحيون بالارواح، عن الجبائي، فيكون المعنى أنه جعله نبيا يقتدى به، ويستن بسنته، ويهتدى بهداه والثالث: إن معناه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع، أو نطفة كما جرت العادة بذلك، عن أبي عبيدة والرابع: إن معناه ورحمة منه، كما قال في موضع آخر (وأيدهم بروح منه) أي: برحمة منه، فجعل الله عيسى رحمة على من آمن به واتبعه، لانه هداهم إلى سبيل الرشاد والخامس: إن معناه روح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها إلى مريم، فدخلت في فيها، فصيرها الله تعالى عيسى، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب. السادس: إن معنى الروح ها هنا جبرائيل عليه السلام، فيكون عطفا على ما في ألقاها من ضمير ذكر الله، وتقديره: ألقاها الله إلى مريم وروح منه أي: من الله أي جبرائيل ألقاها أيضا إليها. (فآمنوا بالله ورسله) أمرهم الله بتصديقه، والاقرار بوحدانيته، وتصديق رسله، فيما جاؤوا به من عنده، وفيما أخبروهم به من أن الله سبحانه، لا شريك له، ولا صاحبة، ولا ولد (ولا تقولوا ثلاثة) هذا خطاب للنصارى أي: لا تقولوا إلهنا ثلاثة، عن الزجاج. وقيل: هذا لا يصح لان النصارى لم يقولوا بثلاثة آلهة، ولكنهم يقولون إله واحد، ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، ومعناه: لا تقولوا الله ثلاثة: أب، وابن، وروح القدس. وقد شبهوا قولهم: جوهر واحد ثلاثة أقانيم، بقولنا: سراج واحد. ثم تقول ثلاثة أشياء: دهن، وقطن، ونار. وشمس واحدة: وإنما هي جسم، وضوء، وشعاع. وهذا غلط بعيد، لانا لا نعني بقولنا سراج واحد: إنه شئ واحد، بل هو أشياء على الحقيقة، وكذلك الشمس كما تقول عشرة واحدة، وإنسان واحد، ودار واحدة، وإنما هي أشياء متغايرة، فإن قالوا: إن الله شئ واحد، وإله واحد حقيقة، فقولهم ثلاثة متناقضة. وإن قالوا: إنه في


(1) الشخت: الحطب الدقيق. (*)

[ 249 ]

الحقيقة أشياء مثل ما ذكرناه في الانسان، والسراج، وغيرهما، فقد تركوا القول بالتوحيد، والتحقوا بالمشبهة، وإلا فلا واسطة بين الأمرين (انتهوا) عن هذه المقالة الشنيعة أي: امتنعوا عنها (خيرا لكم) أي: ائتوا بالانتهاء عن قولكم، خيرا لكم مما تقولون (إنما الله إله واحد) أي: ليس كما تقولون إنه ثالث ثلاثة، لان من كان له ولد، أو صاحبة، لا يجوز أن يكون إلها معبودا، ولكن الله الذي له الإلهية، وتحق له العبادة، إله واحد، لا ولد له، ولا شبه له، ولا صاحبة له، ولا شريك له. ثم نزه سبحانه نفسه عما يقوله المبطلون فقال: (سبحانه أن يكون له ولد) ولفظة (سبحانه) تفيد التنزيه عما لا يليق به، أي: هو منزه عن أن يكون له ولد (له ما في السموات وما في الارض) ملكا، وملكا، وخلقا، وهو يملكها، وله التصرف فيها، وفيما بينهما، ومن جملة ذلك عيسى وأمه، فكيف يكون المملوك والمخلوق إبنا للمالك، والخالق ؟ (وكفى بالله وكيلا) أي: حسب ما في السماوات، وما في الارض، بالله قيما، ومدبرا، ورازقا. وقيل: معناه وكفى بالله حافظا لاعمال العباد، حتى يجازيهم عليها، فهو تسلية للرسول، ووعيد للقائلين فيه سبحانه، بما لا يليق (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملئكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا [ 172 ] فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا [ 173 ] اللغة: الإستنكاف: الأنفة من الشئ، وأصله في اللغة من نكفت الدمع: إذا نحيته بإصبعك من خدك، قال الشاعر: فباتوا فلولا ما تذكر منهم * من الحلف لم ينكف لعينك مدمع (1)


(1) وفي بعض النسخ " فباتوا " والمدمع: موضع الدمع ويستعار للدمع. وورد البيت في (اللسان: نكف). (*)

[ 250 ]

ودرهم منكوف: مبهرج ردئ، لانه يمتنع من أخذه لرداءته. ونكفت من الامر، بكسر الكاف، بمعنى: استنكفت أيضا، حكاها أبو عمرو. فتأويل (لن يستنكف): لن ينقبض، ولم يمتنع والاستكبار: طلب الكبر من غير استحقاق. والتكبر: قد يكون باستحقاق، فلذلك جاز في صفة الله تعالى المتكبر، ولا يجوز المستكبر. النزول: روي أن وفد نجران قالوا لنبينا: يا محمد لم تعيب صاحبنا ؟ قال: ومن صاحبكم ؟ قالوا: عيسى عليه السلام. قال: وأي شئ أقول فيه ؟ قالوا: تقول: إنه عبد الله ورسوله. فنزلت الاية. المعنى: لما تقدم ذكر النصارى، والحكاية عنهم في أمر المسيح، عقبه سبحانه بالرد عليهم، فقال: (لن يستنكف) أي: لن يأنف، ولم يمتنع (المسيح) يعني عيسى عليه السلام من (أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) أي: ولا الملائكة المقربون يأنفون، ويستكبرون عن الاقرار بعبوديته، والإذعان له بذلك، والمقربون الذين قربهم تعالى، ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه (ومن يستنكف عن عبادته) أي: من يأنف عن عبادته (ويستكبر) أي: يتعظم بترك الاذعان لطاعته (فسيحشرهم) أي: فسيبعثهم (إليه) يوم القيامة (جميعا) يجمعهم لموعدهم عنده. ومعنى قوله (إليه): أي: إلى الموضع الذي لا يملك التصرف فيه سواه، كما يقال صار أمر فلان إلى الامير أي: لا يملكه غير الامير، ولا يراد بذلك المكان الذي فيه الامير. واستدل بهذه الاية من قال بأن الملائكة أفضل من الانبياء، قالوا: إن تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب، يقتضي تفضيلهم، لان العادة لم تجر بأن يقال لن يستنكف الامير أن يفعل كذا، ولا الحارس، بل يقدم الأدون، ويؤخر الأعظم، فيقال: لن يستنكف الوزيران بفعل كذا، ولا السلطان. وهذا يقتضي فضل الملائكة على الانبياء. وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا: إنما أخر ذكر الملائكة، عن ذكر المسيح، لان جميع الملائكة أفضل، وأكثر ثوابا من المسيح، وهذا لا يقتضي أن يكون كل واحد منهم أفضل من المسيح، وإنما الخلاف في ذلك، وأيضا فإنا وإن ذهبنا إلى أن الانبياء أفضل من الملائكة، فإنا نقول، مع قولنا بالتفاوت، إنه لا تفاوت في الفضل بين الانبياء والملائكة، ومع التقارب والتداني، يحسن أن يقدم ذكر

[ 251 ]

الافضل، ألا ترى أنه يحسن أن يقال ما يستنكف الامير فلان من كذا، ولا الامير فلان، إذا كانا متساويين في المنزلة، أو متقاربين، وإنما لا يحسن أن يقال ما يستنكف الامير فلان من كذا، ولا الحارس، لأجل التفاوت. (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم) ويؤتيهم جزاء أعمالهم، وعد الله الذين يقرون بوحدانيته، ويعملون بطاعته، أنه يوفيهم أجورهم، ويؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة، وافيا تاما (ويزيدهم من فضله) أي: يزيدهم على ما كان وعدهم به من الجزاء على أعمالهم الحسنة، والثواب عليها، من الفضل والزيادة، ما لم يعرفهم مبلغه، لانه وعد على الحسنة عشر أمثالها من الثواب، إلى سبعين ضعفا، وإلى سبعمائة، وإلى الاضعاف الكثيرة، والزيادة على المثل، تفضل من الله تعالى عليهم (وأما الذين استنكفوا) أي: أنفوا عن الاقرار بوحدانيته (واستكبروا) أي: تعظموا عن الاذعان له بالطاعة والعبودية (فيعذبهم عذابا أليما) أي: مؤلما موجعا (ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) أي: ولا يجد المستنكفون المستكبرون لانفسهم، وليا ينجيهم من عذابه، وناصرا ينقذهم من عقابه. (يأيها الناس قد جاءكم برهن من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا [ 174 ] فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما [ 175 ] اللغة: البرهان: الشاهد بالحق. وقيل: البرهان: البيان. يقال: برهن قوله أي: بينه بحجة. والاعتصام الامتناع، واعتصم فلان بالله أي: امتنع من الشر به. والعصمة من الله: دفع الشر عن عبده. واعتصمت فلانا: هيأت له ما يعتصم به. والعصمة من الله تعالى على وجهين أحدهما: بمعنى الحفظ، وهو أن يمنع عبده كيد الكائدين، كما قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (والله يعصمك من الناس) والآخر: أن يلطف بعبده بشئ يمتنع عنده من المعاصي. الاعراب: (صراطا): انتصب على أنه مفعول ثان (ليهديهم)، فهو على معنى يعرفهم صراطا. ويجوز أن يكون حالا من الهاء في إليه بمعنى: ويهديهم إلى الحق صراطا.

[ 252 ]

المعنى: لما فصل الله ذكر الاحكام التي يجب العمل بها، ذكر البرهان بعد ذلك ليكون الانسان على ثقة ويقين، فقال: (يا أيها الناس) وهو خطاب للمكلفين من سائر الملل الذين قص قصصهم في هذه السورة (قد جاءكم برهان من ربكم) أي: أتاكم حجة من الله يبرهن لكم عن صحة ما أمركم به، وهو محمد، لما معه من المعجزات القاهرة، الشاهدة بصدقه. وقيل: هو القرآن (وأنزلنا إليكم) معه (نورا مبينا) يبين لكم الحجة الواضحة، ويهديكم إلى ما فيه النجاة لكم من عذابه، وأليم عقابه. وذلك النور: هو القرآن، عن مجاهد، وقتادة، والسدي، وقيل: النور ولاية علي عليه السلام، عن أبي عبد الله عليه السلام. (فأما الذين آمنوا بالله) أي: صدقوا بوحدانية الله، واعترفوا ببعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم (واعتصموا به) أي: تمسكوا بالنور الذي أنزله على نبيه، (فسيدخلهم في رحمة منه) أي: نعمة منه هي الجنة، عن ابن عباس (وفضل) يعني ما يبسط لهم من الكرامة، وتضعيف الحسنات، وما يزاد لهم من النعم، على ما يستحقونه. (ويهديهم إليه صراطا مستقيما) أي يوفقهم لإصابة فضله الذي يتفضل به على أوليائه، ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته، واقتفاء آثارهم، والاهتداء بهديهم، والاستنان بسنتهم، واتباع دينهم، وهو الصراط المستقيم، الذي ارتضاه الله منهجا لعباده. (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكللة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم [ 176 ] اللغة: قد ذكرنا معنى (الكلالة) في أول السورة. والاستفتاء: السؤال عن الحكم، وهو استفعال من الفتيا. ويقال أفتى في المسألة: إذا بين حكمها فتوى، وفتيا. الاعراب: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) يسأل عن أي الفعلين أعمل في الكلالة، والجواب: أن المعمل الثاني، وهو (يفتيكم) والتقدير: يستفتونك في

[ 253 ]

الكلالة قل الله يفتيكم في الكلالة (1)، وإعمال الفعل الثاني هو الاجود. وجاء عليه القرآن نحو قوله (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله) فأعمل (يستغفر). ولو اعمل (تعالوا) لقال: تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه قول طفيل: وكمتا مدماة كأن متونها * جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (2) فأعمل استشعرت، ولو أعمل جرى لقال: واستشعرته لون مذهب. ومثل ذلك قول كثير: قضى كل ذي دين فوفى غريمه * وعزة ممطول معنى غريمها (3) فأعمل وفى، ولو أعمل قضى لقال: قضى كل ذي دين فوفاه غريمه. وهو كثير في القرآن، والشعر وقوله: (إن امرؤ هلك) ارتفع (امرؤ) بإضمار فعل يفسره ما بعده، وتقديره: إن هلك امرؤ هلك. ولا يجوز اظهاره، لان الثاني يعبر عنه. وقوله (فإن كانتا اثنتين): إنما ذكرت اثنتين، وإن دلت الالف عليهما، لأحد أمرين: إما أن يكون تأكيدا للضمير كما تقول: أنا فعلت أنا. وإما أن يبين أن المطلوب في ذلك العدد دون غيره، من الصفات، من صغر، أو كبر، أو عقل، أو عدمه، بل متى حصل العدد، ثبت الميراث، وهذا قول أبي علي الفارسي، وهو الصحيح. وقوله: (رجالا ونساء) بدل من قوله (إخوة) وهو خبر كان. وقوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) في أن ثلاثة أقوال أحدها: إن المعنى أن لا تضلوا، أضمر حرف النفي، وتلخيصه: لئلا تضلوا، عن الكسائي، وانشد القطامي: رأينا ما يرى البصراء فيها * فآلينا عليها أن تباعا يريد: أن لا تباع وثانيها: ما قاله البصريون: إن المعنى كراهة أن تضلوا،


(1) [ فحذف الاول لدلالة الثاني عليه، ولو أعمل الاول لقال: يستفتونك، قل الله يفتيكم فيها: في الكلالة ]. (2) الكميت من الخيل: ما كان لونه بين الأسود والأحمر، وهو تصغير أكمت على غير القياس. والجمع: كمت المدمى: الشديد الحمرة من الخيل وغيرها. المتون جمع متن: الظهر. واستشعرت أي: لبست الشعار. ومذهب: المموه بالذهب. (3) عزة: اسم امرأة. مطله حقه: سوفه بوعد الوفاء مرة بعد الأخرى. وعنى تعنية الرجل: آذاه. (*)

[ 254 ]

فهو على هذا في موضع نصب بأنه مفعول له، ومثله قول عمرو بن كلثوم (فعجلنا القرى أن تشتمونا) أي: كراهة أن تشتمونا. قالوا: ولا يجوز أن يضمر لا لأنه حرف جاء لمعنى، فلا يجوز حذفه، ولكن يجوز أن تدخل لا في الكلام مؤكدة، وهي لغو، كقوله: (لان لا يعلم أهل الكتاب ان لا يقدرون) والمعنى: لأن يعلم، وكقول الشاعر: وما ألوم البيض أن لا تسخرا * إذا رأين الشمط القفندرا (1) والمعنى أن تسخرا. وثالثها: ما قاله الاخفش، وهو أن مع الفعل بتأويل المصدر، وموضع أن نصب يبين، وتقديره يبين الله لكم الضلال لتجتنبوه. النزول: اختلف في سبب نزول الاية، فروي عن جابر بن عبد الله، أنه قال: " اشتكيت وعندي تسع أخوات لي، أو سبع، فدخل علي النبي، فنفخ في وجهي، فأفقت، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا أوصي لاخواتي بالثلثين ؟ قال: أحسن. قلت: الشطر. قال: أحسن. ثم خرج وتركني، ورجع إلي، فقال: يا جابر ! إني لا أراك ميتا من وجعك هذا، وإن الله تعالى قد أنزل في الذي لأخواتك، فجعل لهن الثلثين ". قالوا: " وكان جابر يقول: أنزلت هذه الاية في ". وعن قتادة قال: إن الصحابة كان همهم شأن الكلالة، فأنزل الله فيها هذه الاية. وقال البراء بن عازب: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء (يستفتونك) الاية. أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما. وقال جابر: نزلت بالمدينة. وقال ابن سيرين: نزلت في مسير كان فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وتسمى هذه الاية، آية الصيف، وذلك أن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول هذه السورة، وأخرى في الصيف وهي هذه الاية. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلالة، فقال يكفيك، أو يجزيك آية الصيف. المعنى: لما بين سبحانه في أول السورة بعض سهام الفرائض، ختم السورة ببيان ما بقي من ذلك فقال: (يستفتونك) يا محمد أي: يطلبون منك الفتيا في ميراث الكلالة (قل الله يفتيكم) أي: يبين لكم الحكم (في الكلالة) وهو اسم


(1) البيض: اريد به النساء البيض الوجوه. الشمط في الرجل: شيب اللحية. القفندر: القبيح المنظر. والرجز لأبي النجم العجلي. (اللسان: قفندر). (*)

[ 255 ]

للإخوة والأخوات، عن الحسن، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام. وقيل: هي ما سوى الوالد والولد، عن أبي بكر، وجماعة من المفسرين. (إن امرؤ هلك ليس له ولد) قال السدي: يعني ليس له ولد ذكر وأنثى، وهو موافق لمذهب الامامية، فمعناه إن مات رجل ليس له ولد ولا والد، وإنما أضمرنا فيه الوالد للاجماع، ولان لفظة الكلالة ينبئ عنه، فإن الكلالة إسم للنسب المحيط بالميت، دون اللصيق. والوالد لصيق الولد، كما أن الولد لصيق الوالد، والإخوة والأخوات المحيطون بالميت (وله أخت) يعني: وللميت أخت لابيه وأمه، أو لابيه، لان ذكر أولاد الام، قد سبق في أول السورة. (فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) عنى به: إن الاخت إذا كانت الميتة، ولها أخ من أب وأم، أو من أب، فالمال كله له، بلا خلاف، إذا لم يكن هناك ولد، ولا والد. (فإن كانتا اثنتين) يعني: إن كانت الاختان اثنتين (فلهما الثلثان مما ترك) الاخ والاخت، من التركة (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء) أي: إخوة وأخوات مجتمعين لاب وأم، أو لاب، (فللذكر - مثل حظ الانثيين) وفي قوله سبحانه (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) دلالة على أن الاخ، أو الاخت، لا يرثان مع البنت، لانه سبحانه شرط في ميراث الاخ والاخت، عدم الولد، والولد يقع على الابن والبنت بلا خلاف فيه بين أهل اللغة، وما روي من الخبر في أن الاخوات مع البنات عصبة، خبر واحد، يخالف نص القرآن، وإلى هذا الذي ذكرناه ذهب ابن عباس، وهو المروي عن سادة أهل البيت عليهم السلام. (يبين الله لكم) أمور مواريثكم (أن تضلوا) معناه: كراهة أن تضلوا، أو لئلا تضلوا أي: لئلا تخطؤا في الحكم فيها. وقيل: معناه يبين الله لكم جميع الاحكام لتهتدوا في دينكم، عن أبي مسلم (والله بكل شئ عليم) فائدته هنا بيان كونه سبحانه عالما بجميع ما يحتاج إليه عباده من أمر معاشهم ومعادهم على ما توجبه الحكمة. وقد تضمنت الاية التي أنزلها الله في أول هذه السورة، بيان ميراث الولد، والوالد، والاية التي بعدها بيان ميراث الازواج، والزوجات، والاخوة، والاخوات، من قبل الام. وتضمنت هذه الاية التي ختم بها السورة، بيان ميراث الاخوة، والاخوات، من الاب والام، والاخوة والاخوات من قبل الاب، عند عدم الاخوة

[ 256 ]

والاخوات من الاب والام. وتضمن قوله سبحانه: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) أن تداني القربى سبب في استحقاق الميراث، فمن كان أقرب رحما، وأدنى قرابة، كان أولى بالميراث من الابعد. والخلاف بين الفقهاء في هذه المسائل وفروعها، مذكور في كتب الفقه.

[ 257 ]

5 - سورة المائدة وآياتها عشرون ومائة هي مدنية في قول ابن عباس، ومجاهد. وقال جعفر بن مبشر، والشعبي: هي مدنية كلها، إلا قوله (اليوم اكملت لكم دينكم) فإنه نزل، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف على راحلته في حجة الوداع. عدد آيها: هي مئة وعشرون آية كوفي: ثلاث وعشرون آية بصري، واثنتان وعشرون في الباقين. اختلاف: ثلث بالعقود، (ويعفو عن كثير) غير الكوفي، (فإنكم غالبون): بصري. فضلها: أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قرأ سورة المائدة، أعطي من الاجر بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في دار الدنيا، عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات. وروى العياشي بإسناده، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: " كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأخذه، وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة، نسخت ما قبلها، ولم ينسخها شئ، ولقد نزلت عليه، وهو على بغلة شهباء، وثقل عليه الوحي، حتى وقفت، وتدلى بطنها حتى رأيت سرتها تكاد تمس الارض، وأغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى وضع يده على رأس (1) شيبة بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسول الله، فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعملنا ". وبإسناده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: " من قرأ سورة المائدة في كل خميس، لم يلبس إيمانه بظلم، ولا يشرك أبدا ". وبإسناده عن


(1) وفي أكثر النسخ " ذؤابة " مكان " رأس ". (*)

[ 258 ]

أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام، يقول: " نزلت المائدة كملا، ونزل معها سبعون ألف ملك ". تفسيرها: لما ختم الله سورة النساء بذكر أحكام الشريعة، افتتح سورة المائدة أيضا ببيان الاحكام، وأجمل ذلك بقوله: (أوفوا بالعقود)، ثم أتبعه بذكر التفصيل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعم إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد [ 1 ] القراءة: المشهور في القراءة (حرم) بضمتين، وفي الشواذ، عن الحسن، ويحيى بن وثاب: (حرم) ساكنة الراء: الحجة: وهذا كما يقال في رسل وكتب: رسل وكتب. قال ابن جني: في إسكان (حرم) مزية، وذلك أن الراء فيه تكرير، فكادت الراء الساكنة لما فيها من التكرير، تكون في حكم المتحرك، كزيادة الصوت بالتكرير نحوا من زيادته بالحركة. اللغة: يقال: وفى بعهده، وفاء، وأوفى إيفاء بمعني. وأوفى لغة أهل الحجاز وهي لغة القرآن والعقود: جمع عقد بمعنى معقود، وهو أوكد العهود. والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين متعاقدين. والعهد قد ينفرد به الواحد، فكل عهد عقد، ولا يكون كل عقد عهدا (1)، وأصله عقد الشئ بغيره: وهو وصله به، كما يعقد الحبل. ويقال: أعقدت العسل (2) فهو معقد، وعقيد، قال عنترة:


(1) في الكلام احتمال التقديم والتأخير، ولعل العبارة كانت في الاصل " فكل عقد عهد، ولا يكون كل عهد عقدا ". (2) أعقد العسل ونحوه: أغلاه حتى غلظ. (*)

[ 259 ]

وكأن ربا أو كحيلا معقدا * حش الوقود به جوانب قمقم (1) والبهيمة: اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر. وقال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة، وإنما سميت بهيمة، لانها أبهمت عن أن يميز. والحرم: جمع حرام، يقال رجل حرام، وقوم حرم، قال الشاعر: فقلت لها فيئي إليك فإنني * حرام وإني بعد ذاك لبيب (2) أي ملب. الاعراب: موضع (ما يتلى عليكم): نصب بالاستثناء. و (غير محلي الصيد): اختلف فيه، فقيل: انه منصوب على الحال مما في قوله (أوفوا بالعقود) من ضمير (الذين آمنوا) عن الاخفش، وقيل: إنه حال من الكاف والميم في قوله (أحلت لكم بهيمة الانعام) عن الكسائي، وقيل: إنه حال من الكاف والميم في قوله (إلا ما يتلى عليكم)، عن الربيع. (وأنتم حرم): جملة في موضع الحال من (محلي الصيد). و (الصيد): مجرور في اللفظ، منصوب في المعنى. وقال الفراء: يجوز أن يكون (ما يتلى عليكم) في موضع رفع، كما يقال: جاء اخوتك إلا زيد. وقال الزجاج: وهذا عند البصريين باطل، لان المعنى على هذا التأويل: جاء اخوتك وزيد، كأنه يعطف بإلا، كما يعطف بلا، ويجوز عند البصريين جاء الرجل إلا زيد، على معنى جاء الرجل غير زيد، فيكون إلا زيد صفة للنكرة، أو ما قارب النكرة من الاجناس. المعنى: خاطب الله سبحانه المؤمنين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) وتقديره: يا أيها المؤمنون، وهو اسم تكريم وتعظيم (أوفوا بالعقود) أي: بالعهود، عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين، ثم اختلف في هذه العهود على أقوال أحدها: إن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة، والمؤازرة، والمظاهرة، على من حاول ظلمهم، أو بغاهم سوءا، وذلك


(1) الرب: ما يطبخ من التمر وسواه. الكحيل: الذي تطلى به الابل للجرب. حش النار: أوقدها وفي اللسان " في القيان " وهو جمع القين: بمعنى العبد. القمقم: وعاء من نحاس قيل يصف عرق ناقته. (2) قائل البيت هو المضرب بن كعب. (اللسان: لبب). (*)

[ 260 ]

هو معنى الحلف، عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن انس، والضحاك، وقتادة، والسدي. وثانيها: إنها العهود التي أخذ الله سبحانه على عباده بالايمان به وطاعته، فيما أحل لهم، أو حرم عليهم، عن ابن عباس أيضا، وفي رواية أخرى قال: هو ما أحل وحرم، وما فرض وما حد في القرآن كله أي: فلا تتعدوا فيه، ولا تنكثوا. ويؤيده قوله (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) إلى قوله (سوء الدار) وثالثها: إن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه، كعقد الايمان، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد البيع، وعقد الحلف، عن ابن زيد، وزيد بن اسلم ورابعها: إن ذلك أمر من الله لاهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والانجيل، في تصديق نبينا، وما جاء به من عند الله، عن ابن جريج، وأبي صالح، وأقوى هذه الاقوال قول ابن عباس: إن المراد بها عقود الله التي أوجبها الله على العباد في الحلال، والحرام، والفرائض، والحدود، ويدخل في ذلك جميع الاقوال الأخر، فيجب الوفاء بجميع ذلك، إلا ما كان عقدا في المعاونة على أمر قبيح، فإن ذلك محظور بلا خلاف. ثم ابتدأ سبحانه كلاما آخر فقال: (أحلت لكم بهيمة الانعام) واختلف في تأويله على اقوال أحدها: إن المراد به الانعام، وإنما ذكر البهيمة للتأكيد كما يقال: نفس الانسان. فمعناه أحلت لكم الانعام: الابل، والبقر، والغنم، عن الحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، والضحاك. وثانيها: إن المراد بذلك، أجنة الانعام التي توجد في بطون أمهاتها، إذا شعرت، وقد ذكيت الامهات، وهي ميتة، فذكاتها ذكاة أمهاتها، عن ابن عباس، وابن عمر، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام. وثالثها: إن بهيمة الانعام: وحشيها كالظباء، وبقر الوحش، وحمر الوحش، عن الكلبي، والفراء. والاولى حمل الاية على الجميع. (إلا ما يتلى عليكم)، معناه: إلا ما يقرأ عليكم تحريمه في القرآن، وهو قوله (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) الاية، عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي. (غير محلي الصيد وأنتم حرم) من قال إنه حال من (أوفوا) فمعناه: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأنتم محرمون أي في حال الاحرام. ومن قال: إنه حال من (أحلت لكم) فمعناه (أحلت لكم بهيمة الانعام) أي: الوحشية من الظباء، والبقر، والحمر، غير

[ 261 ]

مستحلين اصطيادها في حال الاحرام، ومن قال: إنه حال من (يتلى عليكم) فمعناه: أحلت لكم بهيمة الانعام كلها، إلا ما يتلى عليكم من الصيد في آخر السورة، غير مستحلين اصطيادها في حال إحرامكم (إن الله يحكم ما يريد) معناه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما يريد، وتحريم ما يريد تحريمه، وإيجاب ما يريد إيجابه، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه، فافعلوا ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه في قوله (أحلت لكم بهيمة الانعام) دلالة على تحليل أكلها وذبحها، والانتفاع بها. (يا أيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعئر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلئد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب [ 2 ] القراءة: قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم، وإسماعيل، عن نافع (شنآن) بسكون النون الاولى في موضعين، والباقون (شنآن) بفتحها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (إن صدوكم) بكسر الهمزة، والباقون بفتحها. الحجة: من قرأ (شنآن) بالفتح، فحجته أنه مصدر، والمصدر يكثر على فعلان، نحو: الضربان، والغليان. ومن قرأ (شنآن) فحجته أن المصدر يجئ على فعلان أيضا نحو: الليان كقول الشاعر (1): وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي * وإن لام فيه ذو الشنان وفندا (2) يدل على أن الشنان بالسكون أيضا، فخفف الهمزة، وألقى حركتها على الساكن قبلها على القياس، فيكون المعنى في القراءتين واحدا. وقوله (أن صدوكم) (3) وإن كان ماضيا، فإن الماضي قد يقع في الجزاء، وليس المراد على أن


(1) وهو الاحوص. (2) فنده: لامه. (3) [ من كسر ان جعل للجزاء وقوله صدوكم ]. (*)

[ 262 ]

الجزاء يكون بالماضي، ولكن المراد أن ما كان مثل هذا الفعل، فيكون اللفظ على الماضي، والمعنى على مثله، كأنه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل، يقع منكم كذا. وعلى هذا حمل الخليل وسيبويه قول الفرزدق: أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا * جهارا ولم تغضب لقتل ابن حازم (1) وعلى ذلك قول الشاعر: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * ولم تجدي من أن تقري به بدا فانتفاء الولادة أمر ماض، وقد جعله جزاء، والجزاء إنما يكون بالمستقبل، فيكون المعنى إن تنتسب لا تجدني مولود لئيمة، وجواب أن قد أغنى عنه ما تقدم من قوله (ولا يجرمنكم)، المعنى: إن صدوكم عن المسجد الحرام، فلا تكتسبوا عدوانا. ومن فتح (أن صدوكم) فقوله بين، لانه مفعول له، والتقدير: ولا يجرمنكم شنآن قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. فأن الثانية في موضع نصب بأنه المفعول الثاني، وأن الاولى منصوبة لانه مفعول له. اللغة: الشعائر: جمع شعيرة، وهي أعلام الحج وأعماله، واشتقاقها من قولهم شعر فلان بهذا الامر: إذا علم به. والمشاعر: المعالم. من ذلك الاشعار: الاعلام من جهة الحس. وقيل: الشعيرة، والعلامة، والاية واحدة. والحلال، والحل: المباح، وهو ما لا مزية لفعله على تركه. والحرام، والحرم ضده. وحريم البئر: ما حولها، لانها تحرم على غير حافرها. والحرم: الإحرام. وأحرم الرجل صار محرما. وأحرم: دخل في الشهر الحرام. ورجل حرمي: منسوب إلى الحرم. والهدي: ما يهدى إلى الحرم من النعم. وقلائد: جمع قلادة، وهي ما يقلد به الهدي. والتقليد في البدن أن يعلق في عنقها شئ ليعلم أنها هدي. والقلد: السوار، لانها كالقلادة لليد، والأم: القصد، يقال أممت كذا إذا قصدته، ويممت بمعناه، قال الشاعر: إني كذاك إذا ما ساءني بلد * يممت صدر بعيري غيره بلدا ومنه الإمام الذي يقتدى به. والأمة: الدين لانه يقصد والإمة بالكسر: النعمة


(1) اذنا: أصله اذنان سقطت نونه بالاضافة، الحز: القطع. (*)

[ 263 ]

لأنها تقصد. ويقال حللت من الإحرام تحل، والرجل حلال. وقالوا: أحرم الرجل فهو حرام. وقيس وتميم يقولون: أحل من إحرامه فهو محل، وأحرم فهو محرم. والجرم: القطع والكسب. (ولا يجرمنكم) أي: لا يكسبنكم، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين. وقيل: معناه لا يحملنكم، عن الكسائي. قال بعضهم: يقال جرمني فلان على أن صنعت كذا: أي حملني عليه، واستشهدوا بقول الشاعر: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي حملت. وقيل: معناه أحقت الطعنة لفزارة الغضب. وقيل: معناه كسبت فزارة الغضب. وشنئت الرجل أشنأه، شنأ، وشنأ، وشنآنا، ومشنأ: أبغضته. وذهب سيبويه إلى أن ما كان من المصادر على فعلان بالفتح، لم يتعد فعله إلا أن يشذ شئ نحو: شنئته شنآنا. قال سيبويه: وقالوا لويته حقه، ليانا، على فعلان. فعلى هذا يجوز أن يكون الشنان مصدرا مثله. وقال أبو زيد: رجل شنأن، وامرأة شنأنة، مصروفان. ويقال أيضا: رجل شنآن غير منصرف، وامرأة شنآء. فقد جاء الشنآن مصدرا ووصفا، وهما جميعا قليلان. النزول: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: نزلت هذه الاية في رجل من بني ربيعة يقال له الحطم. وقال السدي: أقبل الحطم بن هند البكري، حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال: إلى ما تدعو ؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لاصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة، يتكلم بلسان شيطان. فلما أجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنظرني لعلي أسلم، ولي من أشاوره. فخرج من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فمر بسرح (1) من سروح المدينة، فساقه وانطلق به، وهو يرتجز، ويقول: قد لفها الليل بسواق حطم * ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم (2) بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم (3)


(1) السرح: الماشية. (2) الحطم: الراعي الظلوم للماشية. الوضم: خشبة الجزار التي يقطع عليها اللحم. (3) قاسى الألم: كابده وعالج شدته. الزلم: السهم لا ريش عليه. الخدلج: الممتلي الساقين سمينهما. (*)

[ 264 ]

ثم أقبل من عام قابل حاجا، قد قلد هديا، فأراد رسول الله أن يبعث إليه، فنزلت هذه الاية: (ولا آمين البيت الحرام)، وهو قول عكرمة، وابن جريج. وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يأمون البيت من المشركين، يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله ! إن هؤلاء مشركون مثل هؤلاء، دعنا نغير عليهم، فأنزل الله تعالى الاية. المعنى: ثم ابتدأ سبحانه بتفصيل الاحكام فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله، فيما أوجب عليهم (لا تحلوا شعائر الله) اختلف في معنى شعائر الله على أقوال: أحدها: إن معناه لا تحلوا حرمات الله، ولا تتعدوا حدود الله، وحملوا الشعائر على المعالم أي: معالم حدود الله، وأمره ونهيه، وفرائضه، عن عطاء، وغيره. وثانيها: إن معناه لا تحلوا حرم الله، وحملوا الشعائر على المعالم أي: معالم حرم الله من البلاد، عن السدي وثالثها: إن معنى شعائر الله: مناسك الحج، أي: لا تحلوا مناسك الحج فتضيعوها، عن ابن جريج، وابن عباس. ورابعها: ما روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يحجون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم. فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله عن ذلك. وخامسها: إن شعائر الله هي: الصفا، والمروة، والهدي من البدن، وغيرها، عن مجاهد. وقال الفراء: كانت عامة العرب لا ترى الصفا والمروة من شعائر الله، ولا يطوفون بينهما، فنهاهم الله عن ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وسادسها: إن المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في إحرامكم، عن ابن عباس، في رواية أخرى. وسابعها: إن الشعائر هي العلامات المنصوبة للفرق بين الحل والحرم، نهاهم الله سبحانه أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام، عن أبي علي الجبائي. وثامنها: إن المعنى لا تحلوا الهدايا المشعرة أي: المعلمة، لتهدى إلى بيت الله الحرام، عن الزجاج، والحسين بن علي المغربي، واختاره البلخي. وأقوى الاقوال هو القول الاول، لانه يدخل فيه جميع الاقوال من مناسك الحج وغيرها، وحمل الاية على ما هو الاعم أولى. (ولا الشهر الحرام) معناه: ولا تستحلوا الشهر الحرام بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين، كما قال تعالى: (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) عن ابن عباس، وقتادة.

[ 265 ]

واختلف في معنى الشهر الحرام هنا، فقيل: هو رجب، وكانت مضر تحرم فيه القتال. وقيل: هو ذو القعدة، عن عكرمة. وقيل: هي الاشهر الحرم كلها، نهاهم الله عن القتال فيها، عن الجبائي، والبلخي، وهذا أليق بالعموم. وقيل: أراد به النسئ كقوله (إنما النسئ زيادة في الكفر) عن القتيبي. (ولا الهدي) أي: ولا تستحلوا الهدي: وهو ما يهديه الانسان من بعير، أو بقرة، أو شاة، إلى بيت الله، تقربا إليه، وطلبا لثوابه. فيكون المعنى: ولا تستحلوا ذلك، فتغصبوه أهله، ولا تحولوا بينهم وبين أن تبلغوه محله من الحرم، ولكن خلوهم حتى يبلغوا به المحل الذي جعله الله له. وقوله (ولا القلائد) معناه: ولا تحلوا القلائد، وفيه أقوال أحدها: إنه عنى بالقلائد الهدي المقلد، وإنما كرر لانه أراد المنع من حل الهدي الذي لم يقلد، والهدي الذي قلد، عن ابن عباس، واختاره الجبائي. وثانيها: إن المراد بذلك القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج، مقبلين إلى مكة، من لحاء السمر (1)، فإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها إلى المشعر، عن قتادة قال: كان في الجاهلية، إذا خرج الرجل من أهله، يريد الحج، يقلد من السمر، فلا يتعرض له أحد، وإذا رجع يقلد قلادة شعر، فلا يتعرض له أحد. وقال عطا: إنهم كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، يأمنون به إذا خرجوا من الحرم. وقال الفراء: أهل الحرم كانوا يتقلدون بلحاء الشجر، وأهل غير الحرم كانوا يتقلدون بالصوف، والشعر، وغيرهما. وثالثها: إنه عنى به المؤمنين، نهاهم أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم، يتقلدون به، كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم، عن عطا في رواية أخرى، والربيع بن أنس. ورابعها: إن القلائد ما يقلد به الهدي، نهاهم عن حلها، لانه كان يجب أن يتصدق بها، عن أبي علي الجبائي، قال: هو صوف يفتل ويعلق به على عنق الهدي. وقال الحسن: هو نعل يقلد بها الابل، والبقر، ويجب التصدق بها إن كانت لها قيمة. والاولى أن يكون نهيا عن استحلال القلائد، فيدخل الانسان والبهيمة، أو يكون نهيا عن استحلال حرمة المقلد، هديا كان ذلك، أو انسانا (ولا آمين البيت) أي: ولا تحلوا قاصدين البيت (الحرام) أي: لا تقاتلوهم لانه من


(1) اللحاء: قشر الشجرة. السمر: شجر معروف واحدتها سمرة. (*)

[ 266 ]

قاتل في الاشهر الحرم، فقد أحل، فقال: لا تحلوا قتال الآمين البيت الحرام: أي القاصدين. والبيت الحرام: بيت الله بمكة، وهو الكعبة، سمي حراما لحرمته. وقيل: لانه يحرم فيه ما يحل في غيره. واختلف في المعني بذلك فمنهم من حمله على الكفار، واستدل بقوله فيما بعد: (ولا يجرمنكم شنآن قوم) الاية. ومنهم من حمله على من أسلم، فكأنه نهى أن يؤخذ بعد الاسلام بذحل (1) الجاهلية، لان الاسلام يجب ما قبله. (يبتغون) أي: يطلبون يعني الذين يأمون البيت (فضلا من ربهم ورضوانا) أي: أرباحا في تجاراتهم من الله، وأن يرضى عنهم بنسكهم على زعمهم، فلا يرضى الله عنهم وهم مشركون. وقيل: يلتمسون رضوان الله عنهم، بأن لا يحل بهم ما حل بغيرهم من الأمم من العقوبة، في عاجل دنياهم، عن قتادة، ومجاهد. وقيل: فضلا من الله في الآخرة، ورضوانا منه فيها. وقيل: فضلا في الدنيا، ورضوانا في الآخرة، وقال ابن عباس: إن ذلك في كل من توجه حاجا، وبه قال الضحاك، والربيع. واختلف في هذا فقيل هو منسوخ بقوله (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) عن أكثر المفسرين. وقيل: لم ينسخ في هذه السورة شئ، ولا من هذه الاية، لانه لا يجوز أن يبتدئ المشركون في الاشهر الحرم بالقتال، إلا إذا قاتلوا، عن ابن جريج، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وروي نحوه عن الحسن. وذكر أبو مسلم: إن المراد به الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما زال العهد بسورة براءة، زال ذلك الحظر، ودخلوا في حكم قوله تعالى (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا). وقيل: لم ينسخ من المائدة غير هذه الاية (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد) عن الشعبي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وقيل: إنما نسخ منها قوله (ولا الشهر الحرام) إلى (آمين البيت الحرام) ذكر ذلك ابن أبي عروبة، عن قتادة قال: نسخها قوله (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقوله (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) وقوله (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) في السنة التي نادى فيها بالأذان، وهو قول ابن عباس. وقيل: لم ينسخ من هذه الاية إلا


(1) الذحل: الثأر. وقيل العداوة والحقد. وقيل طلب مكافأة بجناية جنيت عليك. (*)

[ 267 ]

القلائد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. (وإذا حللتم فاصطادوا) معناه: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا فيها الصيد الذي نهيتم أن تحلوا، فاصطادوه إن شئتم حينئذ، لان السبب المحرم قد زال، عند جميع المفسرين (ولا يجرمنكم) أي: ولا يحملنكم. وقيل: لا يكسبنكم (شنآن قوم) أي: بغضاء قوم (أن صدوكم) أي: لأن صدوكم أي: لأجل أنهم صدوكم (عن المسجد الحرام) يعني النبي وأصحابه، لما صدوهم عام الحديبية (أن تعتدوا) ومعناه: لا يكسبنكم بغضكم قوما الاعتداء عليهم، بصدهم إياكم عن المسجد الحرام. قال أبو علي الفارسي: معناه لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانا، ولا تقترفوه. هذا فيمن فتح أن، ويوقع النهي في اللفظ على الشنآن، والمعني بالنهي المخاطبون كما قالوا: لا أرينك ههنا (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون). ومن جعل (شنآن) صفة، فقد أقام الصفة مقام الموصوف، ويكون تقديره. ولا يحملنكم بغض قوم والمعنى على الاولى. ومن قرأ: (إن صدوكم) بكسر الألف، فقد مر ذكر معناه و (أن تعتدوا) معناه: أن تتجاوزوا حكم الله فيهم إلى ما نهاكم عنه. نهى الله المسلمين عن الطلب بذحول الجاهلية، عن مجاهد، وقال: هذا غير منسوخ، وهو الأولى. وقال ابن زيد: وهو منسوخ (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وهو استئناف كلام، وليس بعطف على (تعتدوا) فيكون في موضع نصب. أمر الله عباده بأن يعين بعضهم بعضا على البر والتقوى، وهو العمل بما أمرهم الله تعالى به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يعين بعضهم بعضا على الاثم، وهو ترك ما أمرهم به، وارتكاب ما نهاهم عنه، من العدوان، وهو مجاوزة ما حد الله لعباده في دينهم، وفرض لهم في أنفسهم، عن ابن عباس، وأبي العالية، وغيرهما من المفسرين. (واتقوا الله إن الله شديد العقاب): هذا أمر منه تعالى بالتقوى، ووعيد، وتهديد لمن تعدى حدوده، وتجاوز أمره يقول: احذروا معصية الله فيما أمركم به، ونهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا عذابه. ثم وصف تعالى عقابه بالشدة. لأنه نار لا يطفأ حرها، ولا يخمد جمرها، نعوذ بالله منها ! (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة

[ 268 ]

والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلم ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم [ 3 ] القراءة: روي في الشواذ قراءة ابن عباس (وأكيل السبع). وعن الحسن: (وما أكل السبع) بسكون الباء، وقراءة يحيى بن وثاب، وإبراهيم: (غير متجنف لإثم). الحجة: قال ابن جني: الاكيلة اسم للمأكول، كالنطيحة. والأكيل: للجنس والعموم، يصلح للمذكر والمؤنث، تقول: مررت بشاة أكيل أي: قد أكلها الأسد ونحوه، وتقول: وما لنا طعام إلا الأكيلة أي: الشاة، أو الجزور المعدة للاكل، وإن كانت قد أكلت فهي بلا هاء. فأكيل السبع: ما أكل بعضه السبع. والسبع: تخفيف للسبع، قال حسان في عتبة بن أبي لهب: من يرجع العام إلى أهله * فما أكيل السبع بالراجع وقوله: متجانف ومتجنف بمعنى وتفعل: أبلغ من تفاعل، فمتجنف: بمعنى متميل، ومتأود، ومتجانف: مثل متمايل ومتآود. اللغة: أصل الاهلال: رفع الصوت بالشئ، ومنه استهلال الصبي، وهو صياحه إذا سقط من بطن أمه، ومنه إهلال المحرم بالحج، أو العمرة، إذا لبى به قال ابن أحمر: يهل بالفرقد ركباننا * كما يهل الراكب المعتمر وسمي الهلال هلالا، لانه يرفع الصوت عنده، ويقال خنقه خنقا: إذا ضغطه، ومنه المخنقة للقلادة. والوقذ: شدة الضرب، يقال وقذتها، أقذها، وقذا، وأوقذتها إيقاذا: إذا أثخنتها ضربا، قال الفرزدق.

[ 269 ]

شغارة تقذ الفصيل برجلها * فطارة لقوادم الابكار (1) الردى: الهلاك. والتردي: التهور. والنطيحة: المنطوحة نقل عن مفعول إلى فعيل، وإنما يثبت فيها الهاء، وإن كان فعيل بمعنى المفعول لا تثبت فيه الهاء، مثل لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب، لانها دخلت في حيز الاسماء. وقال بعض الكوفيين: إنما تحذف الهاء من فعيلة، بمعنى مفعولة، إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها مثل: كف خضيب، وعين كحيل. فأما إذا حذفت الكف والعين، وما يكون فعيلة نعتا له، واجتزوا بفعيل أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة لمؤنث، فيقال: رأينا كحيلة، وخضيبة. والتذكية: فري الأوداج والحلقوم، لما كانت فيه حياة، ولا يكون بحكم الميت: وأصل الذكاء في اللغة: تمام الشئ، فمن ذلك الذكاء في السن والفم. قال الخليل: الذكاء: أن يأتي في السن على القروحة، وهي في ذات الحافر، وهي البزولة في ذات الخف، وهي الصلوغة في ذات الظلف، وذلك تمام استكمال القوة، قال زهير: يفضله إذا اجتهدا عليها (2) * تمام السن منه والذكاء وفي المثل: " جري المذكيات غلاب " (3) أي: جري المسان التي قد أسنت مغالبة. يريد أن المسان يحتمل أن تؤخذ بالغلبة، لفضل قوتها، والصغار لا تحمل على ذلك، وتداري. ويروى غلاء: وهي جمع غلوة أي: هي تمتد امتدادا كما تريد، وليست كالجذع الذي لا علم له، فيخرج في أول شوط، أقصى ما عنده من الحضر، ثم هو مسبوق، ومعنى تمام السن: النهاية في الشباب، فإذا نقص عن ذلك، أو زاد، فلا يقال له الذكاء. والذكاء في الفهم: أن يكون تاما، سريع القبول. وذكيت النار من هذا أي: أتممت إشعالها. والنصب: الحجارة التي كانوا يعبدونها، واحدها نصاب. وجائز أن يكون واحدا، وجمعه أنصاب. والأزلام: جمع زلم وزلم، وهو القدح. والاستقسام: طلب القسمة، والقسم المصدر. والقسم بالكسر: النصيب. والمخمصة: شدة ضمور البطن، وهو مفعلة مثل المجبنة والمبخلة، من خمص البطن: وهو طيه واضطماره من الجوع وشدة


(1) شغرت الناقة: رفعت رجلها فضربت الفصيل. فطره: شقه. (2) وفي اللسان " إذا اجتهدوا عليه ". (3) يضرب لمن يوصف بالتبريز على اقرانه. (*)

[ 270 ]

السغب، دون أن يكون مخلوقا كذلك، قال النابغة: والبطن ذو عكن خميص لين * والنحر تنفجه بثدي مقعد (1) لم يصفها بالجوع، وإنما وصفها بلطافة طي البطن، وأما قول الاعشى: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم * وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا (2) فمن الاضطمار من الجوع. والمتجانف: المتمايل للاثم، المنحرف إليه، من جنف القوم إذا مالوا. وكل أعوج فهو أجنف. المعنى: ثم بين سبحانه ما استثناه في الاية المتقدمة بقوله إلا ما يتلى عليكم، فقال مخاطبا للمكلفين (حرمت عليكم الميتة) أي: حرم عليكم أكل الميتة والانتفاع بها، وهو كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكله، أهليهما ووحشيهما، فارقه روحه من غير تذكية. وقيل الميتة: كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره، بغير تذكية، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمى الجراد والسمك ميتا، فقال: " ميتتان مباحتان الجراد والسمك " (والدم) أي: وحرم عليكم الدم، وكانوا يجعلونه في المباعر (3)، ويشوونه، ويأكلونه، فأعلم الله سبحانه أن الدم المسفوح أي: المصبوب، حرام. فأما المتلطخ باللحم، فإنه كاللحم، وما كان كاللحم مثل الكبد، فهو مباح. وأما الطحال فقد رووا الكراهية فيه، عن علي عليه السلام، وابن مسعود، وأصحابهما وأجمعت الامامية على أنه حرام، وذهب سائر الفقهاء إلى أنه مباح. (ولحم الخنزير) وإنما ذكر لحم الخنزير، ليبين أنه حرام بعينه، لا لكونه ميتة، حتى إنه لا يحل تناوله، وإن حصل فيه ما يكون ذكاة لغيره. وفائدة تخصيصه بالتحريم مع مشاركة الكلب إياه في التحريم، حالة وجود الحياة، وعدمها، وكذلك السباع، والمسوخ، وما لا يحل أكله من الحيوانات أن كثيرا من الكفار اعتادوا أكله،


(1) عكن جمع عكنة: ما انطوى وتثنى من لحم البطن. تنفجه: ترفعه. ثدي مقعد: ناتئ على النحر إذا كان ناهدا لم ينثن بعد. (2) المشتى: زمان الشتاء أو موضع الشتاء أو موضع الإقامة في الشتاء. والغرثى جمع الغرثان: الجائع. (3) المباعر جمع المبعر: مكان البعر من كل ذي أربع. (*)

[ 271 ]

وألفوه أكثر مما اعتادوا في غيره (وما أهل لغير الله به): موضع (ما) رفع، وتقديره وحرم عليكم ما أهل لغير الله به، وقد ذكرنا معناه في سورة البقرة، وفيه دلالة على أن ذبائح من خالف الاسلام لا يجوز أكله، لانهم يذكرون عليه اسم غير الله، لانهم يعنون به من أبد شرع موسى، أو اتحد بعيسى، أو اتخذه إبنا، وذلك غير الله. فأما من أظهر الاسلام، ودان بالتجسيم، والتشبيه، والجبر، وخالف الحق، فعن دنا لا يجوز أكل ذبيحته، وفيه خلاف بين الفقهاء (والمنخنقة) وهي التي يدخل رأسها بين شعبتين من شجرة، فتنخنق وتموت، عن السدي. وقيل: هي التي تخنق بحبل الصائد، فتموت، عن الضحاك، وقتادة. وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقونها فيأكلونها (والموقوذة) وهي التي تضرب حتى تموت، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. (والمتردية) وهي التي تقع من جبل، أو مكان عال، أو تقع في بئر فتموت، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. ومتى وقع في بئر، ولا يقدر على تذكيته، جاز أن يطعن ويضرب بالسكين في غير المذبح، حتى يبرد، ثم يؤكل (والنطيحة) وهي التي ينطحها غيرها، فتموت. (وما أكل السبع) أي: وحرم عليكم ما أكله السبع، بمعنى قتله السبع، وهي فريسة السبع، عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك. (إلا ما ذكيتم، يعني: إلا ما أدركتم ذكاته فذكيتموه، من هذه الاشياء. وموضع (ما) نصب بالاستثناء وروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام: إن أدنى ما يدرك به الذكاة، أن تدركه يتحرك أذنه، أو ذنبه، أو تطرف عينه، وبه قال الحسن، وقتادة، وإبراهيم، وطاوس، والضحاك، وابن زيد. واختلف في الاستثناء إلى ماذا يرجع، فقيل: إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات، سوى ما لا يقبل الذكاة من الخنزير والدم، عن علي عليه السلام، وابن عباس. وقيل: هو استثناء من التحريم لا من المحرمات، لان الميتة لا ذكاة لها، ولا الخنزير، فمعناه: حرمت عليكم سائر ما ذكر إلا ما ذكيتم، مما أحله الله لكم بالتذكية، فإنه حلال لكم، عن مالك، وجماعة من أهل المدينة، واختاره الجبائي. ومتى قيل: ما وجه التكرار في قوله: والمنخنقة والموقوذة إلى آخر ما عدد تحريمه، مع أنه افتتح الاية (حرمت عليكم الميتة) والميتة تعم جميع ذلك، وإن اختلفت أسباب الموت، من خنق، أو ترد، أو نطح، أو إهلال لغير الله به، أو أكل

[ 272 ]

سبع ؟ فالجواب: إن الفائدة في ذلك أنهم كانوا لا يعدون الميتة إلا ما مات حتف أنفه من دون شئ من هذه الاسباب، فأعلمهم الله سبحانه أن حكم الجميع واحد، وأن وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة فقط. قال السدي: إن ناسا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك، ولا يعدونه ميتا، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. (وما ذبح على النصب): يعني الحجارة التي كانوا يعبدونها، وهي الاوثان، عن مجاهد، وقتادة، وابن جريج: يعني وحرم عليكم ما ذبح على النصب، أي على اسم الاوثان. وقيل: معناه وما ذبح للاوثان تقربا إليها، واللام وعلى متعاقبان، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فسلام لك من أصحاب اليمين) بمعنى عليك، وكانوا يقربون ويلطخون أوثانهم بدمائها، قال ابن جريج: ليست النصب أصناما، إنما الاصنام ما تصور وتنقش، بل كانت أحجارا منصوبة حول الكعبة، وكانت ثلاثمائة وستين حجرا. وقيل: كانت ثلاثمائة منها لخزاعة، فكانوا إذا ذبحوا، نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة، فقال المسلمون: يا رسول الله ! كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق بتعظيمه ! فأنزل الله سبحانه: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) الاية. (وأن تستقسموا بالأزلام) موضعه رفع، أي: وحرم عليكم الاستقسام بالازلام، ومعناه: طلب قسم الارزاق بالقداح التي كانوا يتفاءلون بها في أسفارهم، وابتداء أمورهم، وهي سهام كانت للجاهلية، مكتوب على بعضها أمرني ربي، وعلى بعضها نهاني ربي وبعضها غفل، لم يكتب عليه شئ. فإذا أرادوا سفرا، أو أمرا، يهتمون به، ضربوا على تلك القداح، فإن خرج السهم الذي عليه " أمرني ربي " مضى الرجل في حاجته، وإن خرج الذي عليه " نهاني ربي " لم يمض. وإن خرج الذي ليس عليه شئ أعادوها. فيبين الله تعالى أن العمل بذلك حرام عن الحسن، وجماعة من المفسرين. وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين عليه السلام: إن الأزلام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها، فالتي لها أنصباء: الفذ، والتوأم، والمسبل، والنافس، والحلس، والرقيب، والمعلى. فالفذ له سهم. والتوأم سهمان. والمسبل له ثلاثة أسهم. والنافس له أربعة أسهم. والحلس له خمسة أسهم. والرقيب له ستة أسهم. والمعلى له سبعة أسهم.

[ 273 ]

والتي لا أنصباء لها: السفيح، والمنيح، والوغد، وكانوا يعمدون إلى الجزور، فيجزؤونه أجزاء، ثم يجتمعون عليه، فيخرجون السهام، ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على من تخرج له التي لا أنصباء لها، وهو القمار، فحرمه الله تعالى. وقيل: هي كعاب فارس والروم التي كانوا يتقامرون بها، عن مجاهد. وقيل: هو الشطرنج، عن أبي سفيان بن وكيع. (ذلكم فسق) معناه: إن جميع ما سبق ذكره فسق، أي: ذنب عظيم، وخروج من طاعة الله إلى معصيته، عن ابن عباس. وقيل: إن ذلكم إشارة إلى الاستقسام بالازلام أي: إن ذلك الاستقسام فسق، وهو الأظهر. (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) ليس يريد يوما بعينه، بل معناه: الآن يئس الكافرون من دينكم، كما يقول القائل: اليوم قد كبرت ! يريد إن الله تعالى حول الخوف الذي كان يلحقهم، من الكافرين اليوم إليهم، ويئسوا من بطلان الاسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون به في قوله: (ليظهره على الدين كله) والدين: إسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم بالقيام به، ومعنى (يئسوا): انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه، وترجعوا منه إلى الشرك، عن ابن عباس، والسدي، وعطا. وقيل: إن المراد باليوم يوم عرفة من حجة الوداع، بعد دخول العرب كلها في الاسلام، عن مجاهد، وابن جريج، وابن زيد. وكان يوم جمعة، ونظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ير إلا مسلما موحدا، ولم ير مشركا. (فلا تخشوهم) خطاب للمؤمنين، نهاهم الله أن يخشوا ويخافوا من الكفار أن يظهروا على دين الاسلام، ويقهروا المسلمين، ويردوهم عن دينهم (واخشون) أي: ولكن اخشوني، أي: خافوني إن خالفتم أمري، وارتكبتم معصيتي، أن أحل بكم عقابي، عن ابن جريج، وغيره. (اليوم أكملت لكم دينكم) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه أكملت لكم فرائضي وحدودي، وحلالي وحرامي، بتنزيلي ما أنزلت، وبياني ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم، وكان ذلك يوم عرفة عام حجة الوداع، عن ابن عباس، والسدي، واختاره الجبائي، والبلخي، قالوا: ولم ينزل بعد هذا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم شئ من الفرائض في تحليل ولا تحريم، وإنه مضى بعد ذلك بإحدى وثمانين ليلة.

[ 274 ]

فإن اعترض معترض، فقال: أكان دين الله ناقصا، وقتا من الأوقات، حتى أتمه في ذلك اليوم ؟ فجوابه: إن دين الله لم يكن إلا في كمال، كاملا في كل حال، ولكن لما كان معرضا للنسخ والزيادة فيه، ونزول الوحي بتحليل شئ، أو تحريمه، لم يمتنع أن يوصف بالكمال، إذا أمن من جميع ذلك فيه، كما توصف العشرة بأنها كاملة، ولا يلزم أن توصف بالنقصان، لما كانت المائة أكثر منها وأكمل. وثانيها: إن معناه اليوم أكملت لكم حجكم، وأفردتكم بالبلد الحرام، تحجونه دون المشركين، ولا يخالطكم مشرك، عن سعيد بن جبير، وقتادة، واختاره الطبري، قال: لان الله سبحانه أنزل بعده (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة). قال الفراء: وهي آخر آية نزلت، وهذا الذي ذكره لو صح لكان لهذا القول ترجيح، لكن فيه خلاف. وثالثها: إن معناه اليوم كفيتكم الأعداء، وأظهرتكم عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك، وكمل لنا ما نريد، بأن كفينا ما كنا نخافه، عن الزجاج، والمروي عن الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنه إنما أنزل بعد أن نصب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام للأنام، يوم غدير خم منصرفه عن حجة الوداع، قالا: وهو آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ثم لم ينزل بعدها فريضة. وقد حدثنا السيد العالم أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، قال: حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: أخبرنا أبو بكر الجرجاني، قال حدثنا أبو أحمد البصري، قال: حدثنا أحمد بن عمار بن خالد، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الاية، قال: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وولاية علي بن أبي طالب من بعدي، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاده، وانصر من نصره، واخذل من خذله. وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: حدثني أبي عن صفوان، عن العلا ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان نزولها بكراع الغميم (1)، فأقامها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجحفة. وقال الربيع بن أنس: نزلت في المسير في حجة الوداع.


(1) كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز ببن مكة والمدينة. (*)

[ 275 ]

(وأتممت عليكم نعمتي) خاطب سبحانه المؤمنين بأنه أتم النعمة عليهم بإظهارهم على المشركين، ونفيهم عن بلادهم، عن ابن عباس، وقتادة. وقيل: معناه أتممت عليكم نعمتي، بأن أعطيتكم من العلم والحكمة، ما لم يعط قبلكم نبي ولا أمة. وقيل: إن تمام النعمة دخول الجنة. (ورضيت لكم الاسلام دينا) أي: رضيت لكم الاسلام لأمري، والإنقياد لطاعتي، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه، ومعالمه، دينا أي: طاعة منكم لي، والفائدة في هذا أن الله سبحانه، لم يزل يصرف نبيه محمدا وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه، درجة بعد درجة، ومنزلة بعد منزلة، حتى أكمل لهم شرائعه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه، ثم قال: رضيت لكم الحال التي أنتم عليها اليوم، فالزموها ولا تفارقوها، ثم عاد الكلام إلى القضية المتقدمة في التحريم والتحليل وإنما ذكر قوله (اليوم يئس الذين كفروا) إلى قوله (ورضيت لكم الاسلام دينا) اعتراضا. (فمن اضطر في مخمصة) معناه: فمن دعته الضرورة في مجاعة، حتى لا يمكنه الامتناع من أكله، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي (غير متجانف لإثم) أي: غير مائل إلى إثم، وهو نصب على الحال، يعني: فمن اضطر إلى أكل الميتة، وما عدد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة، غير متعمد لذلك، ولا مختار له، ولا مستحل له، فإن الله سبحانه أباح تناول ذلك له، قدر ما يمسك به رمقه، بلا زيادة عليه، عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وبه قال أهل العراق. وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة. وقيل: إن معنى قوله: (غير متجانف لإثم) غير عاص، بأن يكون باغيا، أو عاديا، أو خارجا في معصية، عن قتادة (فإن الله غفور رحيم): في الكلام محذوف دل عليه ما ذكر، والمعنى: فمن اضطر إلى ما حرمت عليه، غير متجانف لإثم، فأكله، فإن الله غفور لذنوبه، ساترا عليه أكله، لا يؤاخذه به، وليس يريد أنه يغفر له عقاب ذلك الأكل، لانه أباحه له، ولا يستحق العقاب على فعل المباح، وهو رحيم: أي رفيق بعباده، ومن رحمته أباح لهم ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس. (يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبت وما علمتم من الجوارح

[ 276 ]

مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب [ 4 ] القراءة: المشهور في القراءة (مكلبين) بالتشديد. وروي عن ابن مسعود، والحسن: (مكلبين) بالتخفيف. الحجة: إكلاب الكلب: هو إغراؤه بالصيد، وايساده، يقال: كلب وأكلبته كما يقال أسد وأسدته. ويحتمل أن يكون من أكلب الرجل: إذا كثرت كلابه، كما يقال: أمشى، إذا كثرت ماشيته. والمكلب، بالتشديد: صاحب الكلاب. يقال: رجل مكلب وكلاب، إذا كان صاحب صيد بالكلاب. وقيل: هو الذي يعلم أخذ الصيد. اللغة: الطيب: هو الحلال. وقيل: هو المستلذ. والجوارح: الكواسب من الطير والسباع، والواحدة: جارحة، وسميت جوارح، لأنها تكسب أربابها الطعام بصيدها. يقال: جرح فلان أهله خير، إذا كسبهم خيرا، وفلان جارحة أهله أي: كاسبهم. ولا جارحة لفلانة أي: لا كاسبة لها، قال أعشى بني ثعلبة. ذات خد منصح مبسمها (1) * تذكر الجارح ما كان اجترح أي: اكتسب. الاعراب: (ماذا أحل لهم): يحتمل أن يكون ما وحدها إسما، وخبرها قوله ذا وأحل من صلة ذا، وتقديره أي الذي أحل لهم، ويحتمل أن تكون (ماذا) إسما واحدا مرفوعا بالابتداء، و (أحل) خبره، وتقديره أي شئ أحل لهم. و (مكلبين): نصب على الحال أي: وما علمتم من الجوارح في حال مصيركم أصحاب كلاب. (تعلمونهن): في موضع نصب أيضا بأنه حال من (مكلبين). وقوله (مما أمسكن عليكم): قيل إن من هنا زائدة، لان جميع ما يمسكه مباح، كقوله. (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) وتقديره: وينزل من السماء جبالا فيها برد. وذكر في هذه الاية غير ذا من الوجوه، سنذكرها إذا انتهينا إلى موضعها من الكتاب، إن شاء الله تعالى. وقيل: ان من للتبعيض، لانه لا يجوز أن يؤكل جميع


(1) وفي بعض النسخ " منفج ميسمها ". (*)

[ 277 ]

ما يمسكه الكلب، فإن في جملته ما هو حرام من الدم، والفرث، والغدد، وغير ذلك، مما لا يجوز أكله. فمعناه: فكلوا ما أباح الله لكم أكله، مما أمسكن عليكم. النزول: عن أبي رافع قال: جاء جبرائيل إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يستأذن عليه، فأذن له، وقال: قد أذنا لك يا رسول الله. قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب. قال أبو رافع: فأمرني رسول الله أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، وجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته، فأمرني، فرجعت وقتلت الكلب، فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماذا يحل لنا من هذه الامة التي أمرت بقتل كلبها ؟ فسكت رسول الله فأنزل الاية، فأذن رسول الله في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيها، وأمر بقتل العقور، وما يضر ويؤذي. وعن أبي حمزة الثمالي، والحكم بن ظهيرة: إن زيد الخيل، وعدي بن حاتم الطائيين، أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالا: إن فينا رجلين لهما ستة أكلب، تأخذ بقرة الوحش، والظباء، فمنها ما يدرك ذكاته، ومنها ما يموت، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا من هذا ؟ فأنزل الله (فكلوا مما أمسكن عليكم) وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد الخير. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر المحرمات، عقبه بذكر ما أحل، فقال: (يسئلونك) يا محمد (ماذا أحل لهم) معناه: أي شئ أحل لهم أي: يستخبرك المؤمنون ما الذي أحل لهم من المطاعم والمآكل. وقيل: من الصيد والذبائح (قل) يا محمد (أحل لكم الطيبات) منها، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من المأكولات، والذبائح، والصيد، عن أبي علي الجبائي، وأبي مسلم. وقيل: مما لم يرد بتحريمه كتاب، ولا سنة. وهذا أولى لما ورد أن الاشياء كلها على الإطلاق والإباحة، حتى يرد الشرع بالتحريم. وقال البلخي: الطيبات ما يستلذ (وما علمتم من الجوارح) أي: وأحل لكم أيضا مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح أي: الكواسب من سباع الطير، والبهائم. فحذف المضاف لدلالة قوله (مما أمسكن عليكم) عليه، ولأنه جواب عن سؤال السائل عن الصيد. وقيل: الجوارح هي الكلاب فقط، عن ابن عمر، والضحاك، والسدي، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام، فإنهم قالوا: هي الكلاب المعلمة خاصة، أحله الله إذا

[ 278 ]

أدركه صاحبه، وقد قتله، لقوله (فكلوا مما أمسكن عليكم). وروى علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن صيد البزاة، والصقور، والفهود، والكلاب، فقال: لا تأكل إلا ما ذكيت إلا الكلاب. فقلت: فإن قتله ؟ قال: كل فإن الله يقول: (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) ثم قال عليه السلام: كل شئ من السباع تمسك الصيد على نفسها، إلا الكلاب المعلمة، فإنها تمسك على صاحبها، وقال: إذا أرسلت الكلب المعلم، فاذكر اسم الله عليه، فهو ذكاته، وهو أن تقول: " بسم الله، والله أكبر ". ويؤيد هذا المذهب ما يأتي بعد من قوله (مكلبين) أي أصحاب الصيد بالكلاب. وقيل: أصحاب التعليم للكلاب (تعلمونهن مما علمكم الله) أي لأن تؤدبونهن حتى يصرن معلمة مما ألهمكم الله بعقولكم، حتى ميزتم بين المعلم، وغير المعلم. وفي هذا دلالة أيضا على أن صيد الكلب غير المعلم حرام، إذا لم يدرك ذكاته. وقيل: معناه تعلمونهن كما علمكم الله، عن السدي. وهذا بعيد، لأن من بمعنى الكاف، لا يعرف في اللغة، ولا تقارب بينهما، لان الكاف للتشبيه، ومن للتبعيض. واختلف في صفة الكلب المعلم فقيل: هو أن يستشلى (1) لطلب الصيد، إذا أرسله صاحبه، ويمسك عليه إذا أخذه، ويستجيب له إذا دعاه، ولا يفر منه، فإذا توالى منه ذلك، كان معلما، عن سعد بن أبي وقاص، وسلمان، وابن عمر. وقيل: هو ما ذكرناه كله، وأن لا يأكل منه، عن ابن عباس، وعدي بن حاتم، وعطا، والشعبي، وطاووس، والسدي، فروى عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد، فلا تأكل منه، فإنما أمسك على نفسه. وقيل: حد التعليم أن يفعل ذلك ثلاث مرات، عن أبي يوسف، ومحمد. وقيل: لا حد لتعليم الكلاب، وإذا فعل ما قلناه، فهو معلم. ويدل على ذلك ما رواه أصحابنا أنه إذا أخذ كلب المجوسي، فعلمه في الحال، فاصطاد به، جاز أكل ما يقتله، وقد تقدم أن عند أهل البيت لا يحل أكل صيد غير الكلب، إلا ما أدرك ذكاته. ومن أجاز ذلك قال: إن تعلم البازي، هو أن يرجع إلى صاحبه، وتعلم كل جارحة من البهائم والطير، هو أن يشلى على الصيد، فيستشلى، ويأخذ الصيد، ويدعوه صاحبه،


(1) استشلى: تهيج. (*)

[ 279 ]

فيجيب، فإذا كان كذلك، كان معلما، أكل منه أو لم يأكل، روي ذلك عن سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر. وقال آخرون: ما أكل منه فلا يؤكل، رووه عن علي عليه السلام، والشعبي، وعكرمة. وقوله (فكلوا مما أمسكن عليكم) أي: مما أمسك الجوارح عليكم، وهذا يقوي قول من قال: ما أكل منه الكلب، لا يجوز أكله، لأنه أمسك على نفسه. ومن شرط في استباحة ما يقتله الكلب أن يكون صاحبه قد سمى عند إرساله، فإذا لم يسم لم يجز له أكله، إلا إذا أدرك ذكاته، وأدنى ما يدرك به ذكاته، أن يجده تتحرك عينه، أو أذنه، أو ذنبه، فتذكيته حينئذ بفري الحلقوم، والأوداج. (واذكروا اسم الله عليه) أي: قبل الإرسال، عن ابن عباس، والحسن، والسدي. وقيل: معناه اذكروا اسم الله على ذبح ما تذبحونه، وهذا صريح في وجوب التسمية. والقول الأول أصح. (واتقوا الله) أي اجتنبوا ما نهاكم الله عنه، فلا تقربوه، واحذروا معاصيه التي منها أكل صيد الكلب غير المعلم، أو ما لم يمسكه عليكم، أو ما لم يذكر اسم الله عليه من الصيد والذبائح (إن الله سريع الحساب) قد مر تفسيره. (اليوم أحل لكم الطيبت وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنت من المؤمنت والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم إذا ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسفحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله وهو في الأخرة من الخسرين [ 5 ] المعنى: ثم بين سبحانه في هذه الاية ما يحل من الأطعمة والأنكحة، إتماما لما تقدم فقال: (اليوم أحل لكم الطيبات) وقد مر معناه، هذا يقتضي تحليل كل مستطاب من الأطعمة الإ ما قام الدليل على تحريمه (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) اختلف في الطعام المذكور في الاية، فقيل: المراد به ذبائح أهل الكتاب، عن أكثر المفسرين، وأكثر الفقهاء، وبه قال جماعة من أصحابنا. ثم اختلفوا، فمنهم من قال: أراد به ذباحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والإنجيل، ومن دخل

[ 280 ]

في ملتهم، ودان بدينهم، عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وعطا، وقتادة. وأجازوا ذبائح نصارى بني تغلب، ومنهم من قال: عنى به من أنزلت التوراة والإنجيل عليهم، أو كان من أبنائهم. فأما من كان دخيلا فيهم من سائر الأمم، ودان بدينهم، فلا تحل ذبائحهم، حكى ذلك الربيع، عن الشافعي. وحرم ذبائح بني تغلب من النصارى، ورووا ذلك عن علي عليه السلام، وسعيد بن جبير. وقيل: المراد بطعام الذين أوتوا الكتاب ذبائحهم، وغيرها من الأطعمة، عن أبي الدرداء، وعن ابن عباس، وإبراهيم، وقتادة، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وبه قال الطبري، والجبائي، والبلخي، وغيرهم، وقيل: إنه مختص بالحبوب، وما لا يحتاج فيه إلى التذكية، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وبه قال جماعة من الزيدية. فأما ذبائحهم فلا تحل (وطعامكم حل لهم) معناه: وطعامكم يحل لكم أن تطعموهم (والمحصنات من المؤمنات) معناه: وأحل لكم العقد على المحصنات أي: العفائف من المؤمنات، عن الحسن، والشعبي، وإبراهيم. وقيل: أراد الحرائر، عن مجاهد، واختاره أبو علي. فعلى هذا القول لا تدخل الإماء في الإباحة مع القدرة على طول الحرة. (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) وهم اليهود والنصارى. واختلف في معناه فقيل: هن العفائف حرائر كن، أو إماء حربيات كن، أو ذميات، عن مجاهد، والحسن، والشعبي، وغيرهم. وقيل: هن الحرائر، ذميات كن أو حربيات، وقال أصحابنا: لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابية، لقوله تعالى (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، ولقوله (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، وأولوا هذه الآية بأن المراد بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب: اللاتي أسلمن منهن، والمراد بالمحصنات من المؤمنات اللاتي كن في الأصل مؤمنات، بأن ولدن على الاسلام، وذلك أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر، فبين سبحانه أنه لا حرج في ذلك، فلهذا أفردهن بالذكر، حكى ذلك أبو القاسم البلخي. قالوا: ويجوز أن يكون مخصوصا أيضا بنكاح المتعة، وملك اليمين، فإن عندنا يجوز وطؤهن بكلا الوجهين، على أنه قد روى أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام أنه منسوخ بقوله (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، وبقوله (ولا

[ 281 ]

تمسكوا بعصم الكوافر)، وقوله (إذا آتيتموهن أجورهن) أي: مهورهن، وهو عوض الإستمتاع بهن، عن ابن عباس، وغيره (محصنين غير مسافحين) يعني: أعفاء غير زانين بكل فاجرة، وهو منصوب على الحال (ولا متخذي أخدان) أي: ولا متفردين ببغية واحدة خادنها وخادنته، اتخذها لنفسه صديقة يفجر بها. وقد مر معنى الإحصان، والسفاح، والأخدان، في سورة النساء (ومن يكفر بالإيمان) أي: ومن يجحد ما أمر الله بالإقرار به، والتصديق له، من توحيد الله، وعدله، ونبوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم (فقد حبط عمله) الذي عمله، واعتقده قربة إلى الله تعالى، وإنما تحبط الأعمال بأن لا يستحق عليها ثواب (وهو في الآخرة من الخاسرين) أي: الهالكين. وقيل: المعني بقوله: (ومن يكفر بالإيمان): أهل الكتاب، ويكون معناه: ومن يمتنع عن الإيمان، ولم يؤمن. وفي قوله: (فقد حبط عمله)، هنا، دلالة على أن حبوط الأعمال لا يترتب على ثبوت الثواب، فإن الكافر لا يكون له عمل قد ثبت عليه ثواب، وإنما يكون له عمل في الظاهر، لولا كفره، لكان يستحق الثواب عليه، فعبر سبحانه عن هذا العمل، بأنه حبط فهو حقيقة معناه. (يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون [ 6 ] القراءة: قرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب، والكسائي، وحفص، والاعشى، عن أبي بكر عن عاصم (وأرجلكم) بالنصب. والباقون: (وأرجلكم) بالجر، وقد ذكرنا اختلافهم في (لامستم) في سورة النساء وسنذكر ما قيل في (أرجلكم) على القراءتين في المعنى، لان الكلام فيه يتعلق بما اختلفت فيه الأمة من القول، بوجوب غسل الرجلين، أو مسحهما، أو التخيير بين الغسل والمسح، أو وجوب الأمرين

[ 282 ]

كليهما على ما سنبينه إن شاء تعالى. اللغة: الجنب: يقع على الوحدة، والجمع، والمذكر والمؤنث، كما يقال رجل عدل، وقوم عدل ورجل زور، وقوم زور، يقال: رجل جنب، وقوم جنب، ورجلان جنب، وأمرأة جنب، وإنما هو على تأويل ذو جنب، لأنه مصدر، والمصدر يقوم مقام ما أضيف إليه، ومن العرب من يثني، ويجمع، ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل، وأجنب الرجل، وجنب، واجتنب، وأصل الجنابة: البعد. قال علقمة: فلا تحرمني نائلا عن جنابة * فإني أمرؤ وسط القباب غريب (فاطهروا) معناه فتطهروا، إلا أن التاء أدغم في الطاء، فسكن أول الكلمة، فزيد فيها ألف الوصل، فقيل: اطهروا. المعنى: لما تقدم الامر بالوفاء بالعقود، ومن جملتها إقامة الصلاة ومن شرائطها الطهارة، بين سبحانه ذلك بقوله (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتهم إلى الصلاة) معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر. وحذف الإرادة، لان في الكلام دلالة على ذلك، ومثله قوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) والمعنى إذا أردت قراءة القرآن، وإذا كنت فيهم، فإذا أردت أن تقيم لهم الصلاة) وهو قول ابن عباس، وأكثر المفسرين. وقيل: معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فعليكم الوضوء، عن عكرمة، وإليه ذهب داود، قال: وكان علي عليه السلام يتوضأ لكل صلاة، ويقرأ هذه الاية، وكان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة. والقول الاول هو الصحيح، وإليه ذهب الفقهاء كلهم، وما رووه من تجديد الوضوء فمحمول على الندب والاستحباب. وقيل: إن الفرض كان في بدء الاسلام التوضؤ عند كل صلاة، ثم نسخ بالتخفيف، وبه قال ابن عمر، قال: حدثتني أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل، حدثها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمر بالسواك، ورفع عنه الوضوء، إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أن فرضه على ما كان عليه، فكان يتوضأ. وروى سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح، صلى الصلاة كلها بوضوء واحد، فقال عمر بن

[ 283 ]

الخطاب: يا رسول الله ! صنعت شيئا ما كنت تصنعه ؟ قال: أعمدا فعلته يا عمر ؟ وقيل: إن هذا إعلام بأن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، لانه روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أحدث، امتنع من الاعمال كلها، حتى إنه لا يرد جواب السلام، حتى يتطهر للصلاة، ثم يجيب حتى نزلت هذه الاية. (فاغسلوا وجوهكم) هذا أمر منه سبحانه بغسل الوجه والغسل، هو إمرار الماء على المحل، حتى يسيل، والمسح أن يبل المحل بالماء، من غير أن يسيل، واختلف في حد الوجه: فالمروي عن أئمتنا عليهم السلام، أنه من قصاص شعر الرأس، إلى محادر شعر الذقن، طولا، وما دخل بين الابهام والوسطى عرضا، وقيل: حده ما ظهر من بشرة الانسان من قصاص شعر رأسه، منحدرا إلى منقطع ذقنه طولا، وما بين الاذنين عرضا، دون ما غطاه الشعر من الذقن وغيره، أو كان داخل الفم، والانف، والعين، فإن الوجه عندهم ما ظهر لعين الناظر، ويواجهه دون غيره، كما قلناه، وهو المروي، عن ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وقتادة، والزهري، والشعبي، وغيرهم، وإليه ذهب أ بو حنيفة، وأصحابه. وقيل: الوجه كل ما دون منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذقن طولا، ومن الاذن إلى الاذن عرضا، ما ظهر من ذلك لعين الناظر، من منابت شعر اللحية والعارض، وما بطن، وما كان منه داخل الفم والانف، وما أقبل من الاذنين على الوجه، عن أنس بن مالك، وأم سلمة، وعمار، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وجماعة، وإليه ذهب الشافعي. (وأيديكم إلى المرافق) أي: واغسلوا ذلك أيضا، والمرافق: جمع مرفق، وهو المكان الذي يرتفق به أي: يتكأ عليه من اليد. قال الواحدي: كثير من النحويين يجعلون إلى هنا بمعنى مع ويوجبون غسل المرفق، وهو مذهب أكثر الفقهاء. وقال الزجاج: لو كان معناه مع المرافق لم يكن في المرافق فائدة، وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، لكنه لما قيل (إلى المرافق) أقتطعت في الغسل من حد المرفق. فالمرافق: حد ما ينتهي إليه في الغسل منها، والظاهر على ما ذكره، لكن الامة أجمعت على أن من بدأ من المرفقين في غسل اليدين، صح وضوؤه. واختلفوا في صحة وضوء من بدأ من الاصابع إلى المرفق، وأجمعت الامة أيضا على أن من غسل المرفقين، صح وضوؤه، واختلقوا في من لم يغسلهما، هل يصح وضوؤه. وقال الشافعي: لا أعلم خلافا في أن المرافق يحب غسلها، ومما جاء في القرآن إلى بمعنى مع قوله تعالى: (من أنصاري إلى الله) أي: مع الله، وقوله (ولا تأكلوا

[ 284 ]

أموالهم إلى أموالكم) أي: مع أموالكم ونحوه، قول امرئ القيس: له كفل كالدعص بلله الندى * إلى حارك مثل الرتاج المضبب (1) وفي أمثال ذلك كثرة. (وامسحوا برؤوسكم): وهذا أمر بمسح الرأس، والمسح: أن تمسح شيئا بيديك، كمسح العرق عن جبينك، والظاهر لا يوجب التعميم في مسح الرأس، لان من مسح البعض يسمى ماسحا، إلى هذا ذهب أصحابنا، قالوا: يجب أن يمسح منه ما يقع عليه اسم المسح، وبه قال ابن عمر، وإبراهيم، والشعبي، وهو مذهب الشافعي. وقيل: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك. وقيل: يجب مسح ربع الرأس، فإن رسول الله كان يمسح على ناصيته، وهي قريب من ربع الرأس، عن أبي حنيفة، ورويت عنه روايات في ذلك لا نطول بذكرها. (وأرجلكم إلى الكعبين): اختلف في ذلك فقال جمهور الفقهاء: إن فرضهما الغسل. وقالت الامامية: فرضهما المسح دون غيره، وبه قال عكرمة. وقد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن عباس، وأنس، وأبي العالية، والشعبي، وقال الحسن البصري بالتخيير بين المسح والغسل، وإليه ذهب الطبري، والجبائي، إلا أنهما قالا: يجب مسح جميع القدمين، ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدم. قال ناصر الحق، من جملة أئمة الزيدية: يجب الجمع بين المسح والغسل. وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمسح على رجليه. وروي عنه أنه قال: إن في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل. وقال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وقال قتادة: فرض الله غسلتين ومسحتين، وروى ابن علية، عن حميد، عن موسى بن أنس، أنه قال لأنس، ونحن عنده: إن الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم، وإنه ليس شئ من بني آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما، وظهورهما، وعواقيبهما. فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج. قال الله تعالى (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قال: فكان


(1) وفي بعض النسخ " لبده الثرى " الدعص: كثيب الرمل شبه به كفل فرسه والحارك: رأس الكتف. والرتاج: الباب العظيم. وضبب الباب جعل فيه ضبة، وهي حديدة أو خشبة يضبب بها الباب. (*)

[ 285 ]

أنس إذا مسح قدميه بلهما. وقال الشعبي: نزل جبرائيل عليه السلام بالمسح، ثم قال: إن في التيمم يمسح ما كان غسلا، ويلقى ما كان مسحا. وقال يونس: حدثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه، إنما كان يمسح عليهما. وأما ما روي عن سادة أهل البيت عليهم السلام في ذلك، فأكثر من أن يحصى، فمن ذلك ما روى الحسين بن سعيد الأهوازي، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن غالب بن هذيل، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المسح على الرجلين، فقال: " هو الذي نزل به جبرائيل ". وعنه عن أحمد بن محمد قال: " سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن المسح على القدمين، كيف هو ؟ فوضع بكفه على الأصابع، ثم مسحهما إلى الكعبين. فقلت له: لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين ؟ قال: لا إلا بكفه كلها ". وأما وجه القراءتين في (أرجلكم) فمن قال بالغسل، حمل الجر فيه على أنه عطف على (برؤوسكم) وقال: المراد بالمسح هو الغسل. وروي عن أبي زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل، فقد قالوا: تمسحت للصلاة. وقوى ذلك بأن التحديد والتوقيت إنما جاء في المغسول، ولم يجئ في الممسوح، فلما وقع التحديد في المسح، علم أنه في حكم الغسل، لموافقته الغسل في التحديد، وهذا قول أبي علي الفارسي. وقال بعضهم: هو خفض على الجوار، كما قالوا: جحر ضب خرب. وخرب: من صفات الجحر، لا الضب، وكما قال امرؤ القيس: كأن ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل (1) وقال الزجاج: إذا قرأ بالجر، يكون عطفا على الرؤوس، فيقتضي كونه ممسوحا، وذكره عن بعض السلف أنه قال: نزل جبرائيل بالمسح، والسنة الغسل، قال: والخفض على الجوار، لا يجوز في كتاب الله تعالى، ولكن المسح على هذا التحديد في القرآن كالغسل، وقال الاخفش: هو معطوف على الرؤوس في اللفظ، مقطوع عنه في المعنى، كقول الشاعر (علفتها تبنا وماء باردا) المعنى: وسقيتها ماء


(1) ثبير: أعظم جبال مكة بينها وبين عرفة. الوبل: المطر الشديد وعرانينه: أوائله. البجاد كساء مخصص من اكسية العرب. والشاهد في وقوع " مزمل " صفة الكبير لا البجاد. (*)

[ 286 ]

باردا. وأما القراءة بالنصب، فقالوا فيه: إنه معطوف على (أيديكم) لأنا رأينا فقهاء الأمصار، عملوا على الغسل دون المسح، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى قوما توضأوا وأعقابهم تلوح، فقال: " ويل للعراقيب من النار " ذكره أبو علي الفارسي وأما من قال بوجوب مسح الرجلين حمل الجر والنصب في (وأرجلكم) على ظاهره، من غير تعسف، فالجر للعطف على الرؤوس، والنصب للعطف على موضع الجار والمجرور، وأمثال ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى، قالوا: ليس فلان بقائم، ولا ذاهبا وأنشد: معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا (1) وقال تأبط شرا: هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد رب أخا عون بن مخراق فعطف عبد على موضع دينار، فإنه منصوب على المعنى، وأبعد من ذلك قول الشاعر: جئني بمثل بني بدر لقومهم * أو مثل إخوة منظور بن سيار فإنه لما كان معنى جئني هات، أو أحضر لي مثله، عطف بالنصب على المعنى، وأجابوا الأولين عما ذكروه في وجه الجر والنصب بأجوبة نوردها على وجه الإيجاز، قالوا: ما ذكروه أولا من أن المراد بالمسح الغسل فباطل من وجوه أحدها: إن فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة في المعنى. وقد فرق الله سبحانه بين الأعضاء المغسولة، وبين الأعضاء الممسوحة، فكيف يكون معنى المسح والغسل واحدا. وثانيها: إن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤوس، وكان الفرض في الرؤوس المسح الذي ليس بغسل، بلا خلاف، فيجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، لأن حقيقة العطف تقتضي ذلك. وثالثها: إن المسح لو كان بمعنى الغسل، لسقط استدلالهم بما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ، وغسل رجليه، لأن على هذا لا ينكر أن يكون مسحهما، فسموا المسح غسلا، وفي هذا ما فيه. فأما استشهاد أبي زيد


(1) قوله معاوي: مناد مرخم أي: يا معاوية ! (*)

[ 287 ]

بقولهم: " تمسحت للصلاة " فالمعنى فيه أنهم لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز، ولم يجز أن يقولوا تغسلت للصلاة، لأن ذلك تشبيه بالغسل، قالوا بدلا من ذلك: تمسحت لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضا، فتجوزوا لذلك تعويلا على أن المراد مفهوم. وهذا لا يقتضي أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل. وأما ما قالوه في تحديد طهارة الرجلين فقد ذكر المرتضى (ره) في الجواب عنه: إن ذلك لا يدل على الغسل، وذلك لان المسح فعل قد أوجبته الشريعة كالغسل، فلا ينكر تحديده كتحديد الغسل، ولو صرح سبحانه فقال: " وامسحوا أرجلكم وانتهوا بالمسح إلى الكعبين " لم يكن منكرا، فإن قالوا: إن تحديد اليدين لما اقتضى الغسل، فكذلك تحديد الرجلين يقتضي الغسل. قلنا: إنا لم نوجب الغسل في اليدين، للتحديد، بل للتصريح بغسلهما، وليس كذلك في الرجلين. وإن قالوا: عطف المحدود على المحدود أولى وأشبه بترتيب الكلام. قلنا: هذا لا يصح، لأن الأيدي محدودة، وهي معطوفة على الوجوه التي ليست في الآية محدودة، فإذا جاز عطف الأرجل وهي محدودة، على الرؤوس التي ليست محدودة، وهذا أشبه مما ذكرتموه، لأن الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود، وهو الوجه، وعطف عضو محدود مغسول عليه، ثم استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود، فيجب أن يكون الأرجل ممسوحة، وهي محدودة معطوفة على الرؤوس دون غيره، ليتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود، على مغسول غير محدود، وعطف ممسوح محدود، على ممسوح غير محدود. وأما من قال إنه عطف على الجواز فقد ذكرنا عن الزجاج أنه لم يجوز ذلك في القرآن، ومن أجاز ذلك في الكلام، فإنما يجوز مع فقد حرف العطف، وكل ما استشهد به على الإعراب بالمجاورة فلا حرف فيه حائل بين هذا وذاك، وأيضا فإن المجاورة إنما وردت في كلامهم عند ارتفاع اللبس، والأمن من الاشتباه فإن أحدا لا يشتبه عليه أن خربا لا يكون من صفة الضب، ولفظة مزمل لا يكون من صفة البجاد، وليس كذلك الأرجل، فإنها تجوز أن تكون ممسوحة كالرؤوس، وأيضا فإن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزا في كلام العرب، وقالوا: في " جحر ضب خرب " أنهم أرادوا خرب جحره، فحذف المضاف الذي هو جحر وأقيم المضاف إليه وهو الضمير المجرور مقامه، وإذا ارتفع الضمير استكن في خرب.

[ 288 ]

وكذلك القول في كبير أناس في بجاد مزمل فتقديره مزمل كبيره، فبطل الإعراب بالمجاورة جملة. وهذا واضح لمن تدبره. وأما من جعله مثل قول الشاعر: (علفتها تبنا وماء باردا) كأنه قدر في الاية واغسلوا أرجلكم فقوله أبعد من الجميع، لان مثل ذلك لو جاز في كتاب الله تعالى على ضعفه وبعده في سائر الكلام، فإنما يجوز إذا استحال حمله على ظاهره. وأما إذا كان الكلام مستقيما، ومعناه ظاهرا، فكيف يجوز مثل هذا التقدير الشاذ البعيد. وأما ما قاله أبو علي في القراءة بالنصب، على أنه معطوف على الايدي، فقد أجاب عنه المرتضى (ره) بأن قال: جعل التأثير في الكلام للقريب، أولى من جعله للبعيد، فنصب الأرجل عطفا على الموضع، أولى من عطفها على الأيدي والوجوه. على أن الجملة الأولى المأمور فيها بالغسل، قد نقضت وبطل حكمها، باستئناف الجملة الثانية، ولا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الاولى، أن تعطف على ما فيها، فإن ذلك يجري مجرى قولهم: ضربت زيدا وعمرا، وأكرمت خالدا وبكرا، فإن رد بكر إلى خالد في الإكرام هو الوجه في الكلام الذي لا يسوغ سواه، ولا يجوز رده إلى الضرب الذي قد انقطع حكمه. ولو جاز ذلك أيضا لترجح ما ذكرناه لتطابق معنى القراءتين، ولا يتنافيان. فأما ما روي في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ويل للعراقيب من النار " وغير ذلك من الأخبار التي رووها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توضأ، وغسل رجليه، فالكلام في ذلك أنه لا يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن المعلوم بظاهر الأخبار، الذي لا يوجب علما، وإنما يقتضي الظن على أن هذه الأخبار معارضة بأخبار كثيرة وردت من طرقهم، ووجدت في كتبهم، ونقلت عن شيوخهم، مثل ما روي عن أوس بن أوس (1) أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، توضأ، ومسح على نعليه، ثم قام فصلى. وعن حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سباطة (2) قوم، فبال عليها، ثم دعا بماء، فتوضأ، ومسح على قدميه. وذكره أبو عبيدة في غريب الحديث إلى غير ذلك، مما يطول ذكره. وقوله: " ويل للعراقيب من النار " فقد روي فيه أن قوما من أجلاف الأعراب


(1) وفي بعض النسخ اوس بن أبي أوس كا وكلاهما محتمل. (2) السباطة: الموضع الذي تطرح فيه الأوساخ. (*)

[ 289 ]

كانوا يبولون وهم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم، فلا يغسلونها، ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سببا لهذا الوعيد. وأما الكعبان فقد اختلف في معناهما، فعند الامامية هما العظمان الناتئان في ظهر القدم عند معقد الشراك، ووافقهم في ذلك محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة، وإن كان يوجب غسل الرجلين إلى هذا الموضع. وقال جمهور المفسرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين، قالوا: ولو كان كما قالوه، لقال سبحانه وأرجلكم إلى الكعاب، ولم يقل (إلى الكعبين) لأن على ذلك القول، يكون في كل رجل كعبان (وإن كنتم جنبا فاطهروا) معناه إن كنتم جنبا عند القيام إلى الصلاة، فتطهروا بالاغتسال، وهو أن تغسلوا جميع البدن. والجنابة إنما تكون بإنزال الماء الدافق على كل حال، أو بالتقاء الختانين، وحده غيبوبة الحشفة في الفرج، سواء كان معه إنزال، أو لم يكن (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه): قد مر تفسيره في سورة النساء، فلا معنى لاعادته (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) معناه: ما يريد الله بما فرض عليكم من الوضوء، إذا قمتم إلى الصلاة، والغسل من الجنابة، والتيمم، عند عدم الماء، أو تعذر استعماله، ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولا ليعنتكم فيه، عن مجاهد، وجميع المفسرين. (ولكن يريد ليطهركم) بما فرض عليكم من الوضوء والغسل، من الإحداث والجنابة، أي: ينظف أجسادكم بذلك من الذنوب. واللام دخلت فيه، لتبيين الإرادة أي يريد ذلك لتطهيركم، كما قال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل ويؤيد ما قلناه ما روي عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الوضوء يكفر ما قبله " (وليتم نعمته عليكم) أي: ويريد الله تعالى مع تطهيركم من ذنوبكم بطاعتكم إياه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل، إذا قمتم إلى الصلاة، مع وجود الماء، أو التيمم عند عدمه، أن يتم نعمته بإباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورا، رخصة لكم منه، من سوابغ نعمه التي أنعم بها عليكم (لعلكم تشكرون) أي: لتشكروا الله على نعمته بطاعتكم إياه، فيما أمركم به، ونهاكم عنه. وقد تضمنت هذه الاية أحكام الوضوء وصفته،

[ 290 ]

وأحكام الغسل والتيمم، ومسائلها المتفرعة منها كثيرة، موضعها الكتب المؤلفة في الفقه. (واذكروا نعمة الله عليكم وميثقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور [ 7 ] اللغة: إنما قال (ذات الصدور) على لفظ التأنيث، لان المراد بذلك المعاني التي تحل القلوب، ولم يقل ذوات، لينبئ عن التفصيل في كل ذات. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر بيان الشرائع، عقبه بتذكير نعمه، فقال: (واذكروا نعمة الله عليكم)، ولم يقل نعم الله، للاشعار بعظم النعمة، لا من جهة التضعيف، إذ كل نعمة لله، فإنه يستحق عليها أعظم الشكر، لكونها أصل النعم، إذ هي مثل الخلق، والحياة، والعقل، والحواس، والقدرة، والآلات. وقيل: بل لانه ذهب مذهب الجنس في ذلك، وجملة النعم تسمى نعمة، كما أن قطاعا من الارض، تسمى أرضا (وميثاقه الذي واثقكم به) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه ما أخذ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند إسلامهم وبيعتهم، بأن يطيعوا الله في كل ما يفرضه عليهم، مما ساءهم أو سرهم، عن ابن عباس، والسدي. وثانيها: إن المراد بالميثاق ما بين لهم في حجة الوداع، من تحريم المحرمات، وكيفية الطهارة، وفرض الولاية، وغير ذلك، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام. وهذا داخل في القول الاول، إذ هو بعض ما فرض الله تعالى. وثالثها: إن المراد به متابعتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، عن أبي علي الجبائي. ورابعها: إن معناه ما أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، وأشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم قالوا بلى) عن، مجاهد. وهذا أضعف الأقوال (إذ قلتم سمعنا وأطعنا) يعني: سمعنا ما تقول، وأطعناك فيما سمعنا (واتقوا الله) مضى بيانه (إن الله عليم بذات الصدور) أي: بما تضمرونه في صدوركم من المعاني، والمراد بالصدور ها هنا القلوب، وإنما جاز ذلك، لان موضع القلب: الصدر. (يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله

[ 291 ]

إن الله خبير بما تعملون [ 8 ] وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة وأجر عظيم [ 9 ] والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب الجحيم [ 10 ] اللغة: جرمت وأجرمت بمعنى. وقيل: معنى (لا يجرمنكم): لا يدخلنكم في الجرم، كما يقال: أثمته أي: أدخلته في الاثم. وتقول وعدت الرجل: تريد الخير، وأوعدت الرجل: تريد الشر. فإذا ذكرت الموعود قلت فيهما جميعا وعدته، وأوعدته، فقوله سبحانه (وعد الله الذين آمنوا) يدل على الخير، ثم بين ذلك الخير فقال لهم: (مغفرة). الاعراب: (قوامين): نصب بأنه خبر كان. (شهداء): نصب على الحال. وقوله: (لهم مغفرة) جملة وقعت موقع المفرد كقول الشاعر: وجدنا الصالحين لهم جزاء، * وجنات، وعينا سلسبيلا وتكون الجملة التي هي (لهم مغفرة): في موضع نصب، ولذلك عطف في البيت وعينا نصب على الموضع، ويحتمل أن يكون موضع (لهم مغفرة) رفعا، ويكون الموعود به محذوفا. المعنى: لما ذكر سبحانه الوفاء بالعهود، بين سبحانه أن ما يلزم الوفاء به، ما ذكر في الاية، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين) أي: قائمين (لله) أي: ليكن من عادتكم القيام لله بالحق في أنفسكم، بالعمل الصالح، وفي غيركم بالامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويعني بقوله (لله) إفعلوا ذلك ابتغاء مرضاة الله (شهداء بالقسط) أي: بالعدل. وقيل: معناه: كونوا دعاة لله، مبينين عن دين الله بالعدل، والحق، والحجج، لان الشاهد يبين ما يشهد عليه. وقيل: معناه كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله تعالى بأن مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة. (ولا يجرمنكم شنآن قوم) قد ذكرنا معناه في أول السورة. قال الزجاج: من حرك النون من (شنآن) أراد: بغض قوم. ومن سكن، أراد بغيض قوم ذهب إلى أن الشنآن مصدر والشنآن بالسكون، صفة (على ألا تعدلوا) أي: لا يحملنكم

[ 292 ]

بغضهم، أي: بغضكم إياهم. وعلى القول الآخر فتقديره: لا يحملنكم بغيض قوم، وعدو قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم (اعدلوا) أي: اعملوا بالعدل أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم (هو أقرب للتقوى) أي: العدل أقرب إلى التقوى (واتقوا الله) أي: خافوا عقابه بفعل الطاعات، واجتناب السيئات، (إن الله خبير) أي: عالم (بما تعملون) أي: بأعمالكم يجازيكم عليها. (وعد الله الذين آمنوا) أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى، وأقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (وعملوا الصالحات) أي: الحسنات من الواجبات والمندوبات (لهم مغفرة) أي: مغفرة لذنوبهم، وتكفير لسيئاتهم، والمراد به: التغطية والستر (وأجر عظيم) يريد ثوابا عظيما. والفرق بين الثواب والأجر إن الثواب يكون جزاء على الطاعات، والأجر: قد يكون على سبيل المعاوضة بمعنى الأجرة، والوعد: هو الخبر الذي يتضمن النفع من المخبر. والوعيد: هو الخبر الذي يتضمن الضرر من المخبر (والذين كفروا) أي: جحدوا توحيد الله وصفاته وأنكروا نبوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم (وكذبوا بآياتنا) أي: بآيات الله، بدلائله وبراهينه (أولئك أصحاب الجحيم) معناه: إنهم يخلدون في النار، لان المصاحبة تقتضي الملازمة. (يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ 11 ] اللغة: الذكر: هو حضور المعنى للنفس، وقد يستعمل الذكر بمعنى القول، لان من شأنه أن يذكر به المعنى. والتذكر: طلب المعنى، لا طلب القول، والهم بالامر: هو حديث النفس بفعله، يقال هم بالامر، يهم هما، ومنه الهم: وهو الفكر الذي يغم، وجمعه: هموم. وأهمه الامر: إذا عني به، فحدث نفسه به. والفرق بين الهم بالشئ، والقصد إليه أنه قد يهم بالشئ قبل أن يريده ويقصده بأن يحدث نفسه به، وهو مع ذلك مقبل على فعله. المعنى: ثم خاطب الله سبحانه المؤمنين، وذكرهم نعمته عليهم بما دفع عنهم كيد الاعداء، فقال: (يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم) أي:

[ 293 ]

قصدوا (أن يبسطوا إليكم أيديهم)، واختلف فيمن بسط إليهم الأيدي على أقوال أحدها: إنهم اليهود هموا بأن يفتكوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم بنو النضير، دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع جماعة من أصحابه عليهم، وكانوا قد عاهدوه على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني " فقالوا: نعم اجلس حتى نطعمك، ونعطيك الذي تسألنا، وهموا بالفتك بهم، فآذن الله به رسوله، فأطلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه على ذلك، وانصرفوا " وكان ذلك إحدى معجزاته، عن مجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين وثانيها: إن قريشا بعثوا رجلا ليقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل عليه وفي يده سيف مسلول، فقال له: أرنيه. فأعطاه. فلما حصل في يده، قال: ما الذي يمنعني من قتلك ؟ قال: الله يمنعك. فرمى السيف وأسلم. واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي، بعثه صفوان بن أمية ليغتاله بعد بدر وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب، عن الحسن. وثالثها: إن المعني بذلك ما لطف الله للمسلمين من كف أعدائهم عنهم، حين هموا باستئصالهم، بأشياء شغلهم بها، من الأمراض، والقحط، وموت الأكابر، وهلاك المواشي، وغير ذلك من الأسباب التي انصرفوا عندها عن قتل المؤمنين، عن أبي علي الجبائي. ورابعها: ما قاله الواقدي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزا جمعا من بني ذبيان ومحارب بذي أمر فتحصنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يراهم، فذهب لحاجته، فأصابه مطر، فبل ثوبه، فنشره على شجرة، واضطجع تحته، والأعراب ينظرون إليه، فجاء سيدهم دعثور بن الحرث، حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد ! من يمنعك مني اليوم ؟ فقال: الله، ودفع جبرائيل في صدره، ووقع السيف من يده، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقام على رأسه، وقال: من يمنعك اليوم مني ؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فنزلت الاية. وعلى هذا: فيكون تخليص النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما هموا به، نعمة على المؤمنين من حيث إن مقامه بينهم نعمة عليهم، فلذلك اعتد به عليهم، وقوله (فكف أيديهم عنكم) أي: منعهم عن الفتك بكم. (واتقوا الله) ظاهر المعنى (وعلى الله فليتوكل) أي: فليتق (المؤمنون) بنصر الله، وليتوكلوا عليه، فإن الله تعالى

[ 294 ]

كافيهم، وناصرهم. (ولقد أخذ الله ميثق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلوة وءاتيتم الزكوة وءامنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنت تجري من تحتها الأنهر فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل [ 12 ] اللغة: الميثاق: اليمين المؤكدة، لأنها يستوثق بها من الأمر. وأصل النقيب: في اللغة من النقب، وهو: الثقب الواسع. ونقيب القوم: كالكفيل والضمين، ينقب عن الأسرار، ومكنون الإضمار، ومنه نقاب المرأة، ومنه المناقب: الفضائل، لانها تظهر بالتنقيب عليها. والنقب: الطريق في الجبل. ويقال نقب الرجل على القوم ينقب: إذا صار نقيبا، وصناعته النقابة، ولقد نقب، وكذلك عرف عليهم، إذا صار عريفا. ونكب عليهم، ينكب، نكابة: إذا صار منكبا، وهو عون العريف. والنقاب: الرجل العالم بالاشياء، الذكي القلب، الكثير البحث عن الامور. والنقبة: أول الجرب، وجمعها النقب، والنقب قال (1): متبذلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النقب (2) وأصل الباب كله معناه: التأثير الذي له عمق ودخول، فمن ذلك: نقبت الحائط أي: بلغت في النقب، آخره، ومن ذلك النقبة في الجرب: لانه داء شديد الدخول. والنقبة: السراويل التي لا رجلين لها، قد بولغ في فتحها، وإنما قيل: نقيب لانه يعلم دخيلة أمور القوم، ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم، قال أبو عبيدة، التعزير: التوقير، وأنشد:


(1) والقائل دريد بن الصمة. (2) التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة على جهة التواضع والهناء: القطران يداوى به الجرب. (*)

[ 295 ]

وكم من ماجد لهم كريم * ومن ليث يعزر في الندي (1) أي: يعظم. والعزر: الرد والمنع في قول الفراء، تقول: عزرت فلانا: إذا أدبته وفعلت به ما يردعه عن القبيح، ومنه التعزير في النصرة والتعظيم، لان ذلك يمنع صاحبه ممن أراده بسوء. والضلال: الركوب على غير هدى، وسواء كل شئ وسطه. الاعراب: إنما قال قرضا، ولم يقل إقراضا، لانه رده إلى قرض قرضا، فإن في أقرضتم معنى القرض، وهذا كقوله (والله أنبتكم من الارض نباتا)، ولم يقل إنباتا. وقال امرؤ القيس (ورضت فذلت صعبة أي إذلال) (2) لأن في رضت معنى: أذللت. المعنى: لما بين سبحانه اليهود، وهمهم بقتله، وأنه دفع عنه شرهم، عقبه بذكر أحوال اليهود، وخبث سرائرهم، وقبح عادتهم في خيانة الرسل، تسلية لنبيه فيما هموا به، فقال: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل) أي: عهدهم المؤكد باليمين، بإخلاص العبادة له، والإيمان برسله، وما يأتون به من الشرائع (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) أي: أمرنا موسى بأن يبعث من الأسباط الاثني عشر، إثني عشر رجلا، كالطلائع، يتجسسون، ويأتون بني إسرائيل بأخبار أرض الشام، وأهلها الجبارين، فاختار من كل سبط رجلا يكون لهم نقيبا أي: أمينا كفيلا، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم، لما رأوا من شدة بأسهم، وعظم خلقهم، إلا رجلين منهم: كالب بن يوفنا، ويوشع بن نون، عن مجاهد، والسدي. وقيل: معناه أخذنا من كل سبط منهم ضمينا بما عقدنا عليهم من الميثاق في أمر دينهم، عن الحسن، والجبائي وقيل: معناه اثني عشر رئيسا. وقيل: شهيدا على قومه، عن قتادة. وقال البلخي: يجوز أن يكونوا رسلا، ويجوز أن يكونوا قادة. وقال أبو مسلم: بعثوا أنبياء ليقيموا الدين، ويعلموا الاسباط التوراة، ويأمروهم بما فرض الله عليهم، وأمرهم به (وقال الله إني معكم) قيل: إنه خطاب للنقباء عن الربيع. وقيل: خطاب لبني إسرائيل الذين أخذ منهم الميثاق، ويجوز أن


(1) الندي: النادي بمعنى المجلس. (2) وقبله " وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا " وقوله رضت: من راض الدابة يروضها، روضا: وطأها وذللها. (*)

[ 296 ]

يدخل فيهم النقباء عن أكثر المفسرين أي: قال الله لهم، فحذف لدلالة الكلام عليه، إني معكم بالنصر والحفظ، أنصركم على عدوي وعدوكم، الذين أمرتكم بقتلهم، إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. ثم ابتدأ سبحانه فقال (لئن أقمتم الصلاة) يا معشر بني إسرائيل (وآتيتم الزكاة) أي: أعطيتموها (وآمنتم برسلي) أي: صدقتم بما أتاكم به رسلي من شرائع ديني. وقيل: إنه خطاب للنقباء (وعزرتموهم) أي: نصرتموهم، عن الحسن، ومجاهد، والزجاج. وقيل: عظمتموهم، ووقرتموهم، وأطعتموهم، عن ابن زيد، وأبي عبيدة (وأقرضتم الله قرضا حسنا) أي: أنفقتم في سبيل الله وأعمال البر نفقة حسنة، يجازيكم بها، فكأنه قرض من هذا الوجه. وقيل: معنى قوله حسنا عفوا عن طيبة نفس، وان لا يتبعه من، ولا أذى. وقيل: يعني حلالا (لأكفرن عنكم سيئاتكم) أي: لأعطين على ما مضى من إجرامكم بعفوي وإسقاطي عنكم، وبال ذلك (ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار) ظاهر المعنى (فمن كفر بعد ذلك منكم) أي: بعد بعث النقباء وأخذ الميثاق (فقد ضل سواء السبيل) أي: أخطأ قصد الطريق الواضح، وزال عن منهاج الحق. وفي هذا دلالة وإشارة إلى أن الحق بين الغلو والتفريط، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: " اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة " إلى آخر كلامه. (فبما نقضهم ميثقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين [ 13 ] القراءة: قرأ حمزة، والكسائي: (قسية) بغير ألف. وقرأ الباقون: (قاسية) بالالف. الحجة: حجة من قرأ (قسية) أن فعيلا قد يجئ بمعنى فاعل مثل: شاهد وشهيد، وعالم وعليم، وعارف وعريف. ومن قرأ (قاسية) فلأنه الأعرف، والأكثر في مجرى العادة. العادة: القسوة: خلاف اللين، والرقة، وأنشد أبو عبيدة " وقد قسوت وقسا

[ 297 ]

لداتي " أي: فارقني لين الشباب ولدونته، فالقاسي: الشديد الصلابة. قال أبو العباس: الدرهم إنما يسمى قسيا إذا كان فاسدا زائفا، لشدة صوته بالقسو الذي فيه. قال أبو زبيد يصف وقع المساحي (1) في الحجارة: لها صواهل في صم السلام كما * صاح القسيات في أيدي الصياريف (2) قال أبو علي: أحسب قسيا في الدراهم معربا، وإذا كان معربا لم يكن من القسي العربي في شئ، ألا ترى قابوس، وإبليس، وجالوت، وطالوت، ونحو ذلك، من الأسماء الأعجمية، التي من ألفاظها عربي، لا يكون مشتقة من باب القبس والإبلاس، يدلك على ذلك منعهم الصرف فيها. والخائنة: الخيانة. وفاعلة في أسماء المصادر كثير، نحو: عافاه الله عافية، وأهلكوا بالطاغية، وليس لوقعتها كاذبة، ويقال سمعت ثاغية الغنم، وراغية الابل، وقد يقال: رجل خائنة على المبالغة، قال الشاعر: حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن * للغدر خائنة مغل الإصبع (3) قوله: مغل الإصبع: بدل من خائنة. الاعراب: ما في قولهم (فبما نقضهم) زائدة مؤكدة أي: فبنقضهم ميثاقهم، ومثله قول الشاعر " لشئ ما يسود من يسود " (يحرفون): في موضع نصب على الحال من قوله (فبما نقضهم ميثاقهم) أي محرفين الكلم، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا، ويكون التمام عند قوله (قاسية). (وقليلا منهم): نصب على الاستثناء من الهاء والميم في قوله (على خائنة منهم). المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم) فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تعجبن يا محمد من هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك، وينكثوا العهد الذي بينك وبينهم، ويغدروا بك، فإن ذلك دأبهم وعادة أسلافهم الذين أخذت ميثاقهم على طاعتي في زمن


(1) جمع المسحاة ويقال لها بالفارسية " بيل ". (2) الصواهل جمع الصاهلة: مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل: وهو الصوت. السلام جمع السلمة: الحجارة. الصم جمع الصماء مؤنث الاصم: الصليب المتين. (3) مغل الاصبع: من يدخل يده في المتاع للخيانة. (*)

[ 298 ]

موسى، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا، فنقضوا ميثاقي وعهدي، فلعنتهم بنقضهم ذلك العهد والميثاق. وفي الكلام محذوف اكتفي بدلالة الظاهر عليه، وتقديره: فنقضوا ميثاقهم، فلعناهم بنقضهم ذلك الميثاق، والعهد المؤكد أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا على وجه العقوبة، عن عطاء، وجماعة. وقيل: معناه مسخناهم قردة وخنازير، عن الحسن، ومقاتل. وقيل: عذبناهم بالجزية عن ابن عباس. وكان نقضهم الميثاق من وجوه، فمنها أنهم كذبوا الرسل، وقتلوا الانبياء، ونبذوا الكتاب، وضيعوا حدوده وفرائضه، عن قتادة. ومنها أنهم كتموا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن ابن عباس (وجعلنا قلوبهم قاسية) أي: يابسة غليظة، تنبو عن قبول الحق، ولا تلين، عن ابن عباس ومعناه: سلبناهم التوفيق واللطف الذي تنشرح به صدورهم حتى ران على قلوبهم، ما كانوا يكسبون، وهذا كما يقول الانسان لغيره: أفسدت سيفك إذا ترك تعاهده حتى صدئ، وجعلت أظافيرك سلاحك: إذا لم يقصها. وقيل: معناه بينا عن حال قلوبهم، وما هي عليها من القساوة، وحكمنا بأنهم لا يؤمنون، ولا تنجع فيهم موعظة، عن الجبائي. وقيل: معنى قاسية: رديئة فاسدة مثل الدراهم القسية، إذا كانت زائفة، وهذا راجع إلى معنى اليبس أيضا، لانها تكون يابسة الصوت لما فيها من الغش والفساد. ويقال للرحيم لين القلب، ولغير الرحيم يابس القلب. (يحرفون الكلم عن مواضعه) أي: يفسرونه على غير ما أنزل، ويغيرون صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون التحريف بأمرين أحدهما: سوء التأويل، والآخر: التغيير والتبديل كقوله تعالى (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله). (ونسوا حظا مما ذكروا به) وتركوا نصيبا مما وعظوا به، ومما أمروا به في كتابهم من اتباع النبي، فصار كالمنسي عندهم، ولو آمنوا به واتبعوه، لكان ذلك لهم حظا. وقيل: معناه ضيعوا ما ذكرهم الله به في كتابه مما فيه رشدهم، وتركوا تلاوته، فنسوه على مر الايام (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) يعني على خيانة أي: معصية، عن ابن عباس. وقيل: كذب، وزور، ونقض عهد، ومظاهرة للمشركين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك مما كان يظهر من اليهود، من أنواع الخيانات. وقيل: إن معناه تطلع على فرقة خائنة أي: جماعة خائنة منهم، إذا قالوا قولا خالفوه، وإذا عاهدوا عهدا نقضوه (إلا قليلا منهم) لم يخونوا (فاعف عنهم واصفح) ما داموا

[ 299 ]

على عهدك، ولم يخونوك. عنى بهم القليل الذي استثناهم، عن أبي مسلم. وقيل: معناه فاعف عنهم إذا تابوا وبذلوا الجزية، عن الحسن، وجعفر بن مبشر، واختاره الطبري. وقيل: إنه منسوخ بقوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) الاية، عن قتادة. وقيل: منسوخ بقوله (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء)، عن الجبائي. (إن الله يحب المحسنين) ظاهر المعنى. (ومن الذين قالوا إنا نصرى أخذنا ميثقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون [ 14 ] اللغة: معنى الإغراء: تسليط بعضهم على بعض. وقيل: معناه التحريش، وأصله اللصوق. ويقال: غريت بالرجل غرى: إذا لصقت به، عن الاصمعي. وقال غيره: غريت به غراء، ممدود، وأغريت زيدا بكذا حتى غرى به، ومنه الغراء الذي تلصق به الأشياء. المعنى: ثم بين سبحانه حال النصارى في نقضهم ميثاق عيسى عليه السلام، كما بين حال اليهود في نقضهم ميثاق موسى عليه السلام، فقال (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) أي: ومن الذين ذكروا أنهم نصارى، أخذنا الميثاق بالتوحيد والإقرار بنبوة المسيح، وجميع أنبياء الله، وأنهم كانوا عبيد الله، فنقضوا هذا الميثاق، وأعرضوا عنه. وهذا إشارة إلى أنهم ابتدعوا النصرانية التي هم عليها اليوم، وتسموا بها، ولهذا لم يقل من النصارى، إلا أنه سبحانه أطلق هذا الاسم في مواضع عليهم، لانه صار سمة لهم، وعلامة، عن الحسن (فنسوا حظا مما ذكروا به) مر بيانه (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) اختلف فيه، فقيل: المراد بين اليهود والنصارى، عن الحسن، وجماعة من المفسرين. وقيل: المراد بين أصناف النصارى خاصة، من اليعقوبية، والملكائية، والنسطورية، من الخلاف والعداوة، عن الربيع، واختاره الزجاج، والطبري. وإنما أغرى بينهم العداوة بالأهواء المختلفة في الدين، وذلك أن النسطورية قالت: إن عيسى ابن الله. واليعقوبية قالت: إن الله هو المسيح ابن مريم. والملكائية، وهم الروم: قالوا: إن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى،

[ 300 ]

ومريم. وقيل: يأمر بعضهم أن يعادي بعضا، عن الجبائي. فكأنه يذهب إلى الامر بمعاداة الكفار، وأن هؤلاء يكفر بعضهم بعضا. وقوله (إلى يوم القيامة) عنى به أن المعاداة تبقى بينهم إلى يوم القيامة: إما بين اليهود والنصارى، وإما بين فرق النصارى. وقيل: الوجه في قوله تعالى (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) أنه أخبر أنهم اختلفوا فيما بينهم، وكلهم على خطأ وضلال، وقد جعل الله سبحانه على كل مقالة من مقالاتهم التي اخطأوا فيها، دلائل عرف بها بعضهم خطأ بعض، فتعادوا على ذلك، وتباغضوا، ولم تعرف كل فرقة منهم خطأ أنفسهم، فلما لم يصل كل منهم إلى المعرفة بخطأ صاحبه إلا من جهة كتاب الله ودلائله، والتعادي بينهم، كان من أجل ذلك، جاز أن يقول: (فأغرينا بينهم) على هذا الوجه، عن جعفر بن حرث. وقيل: الوجه في ذلك أنا أخطرنا على بال كل منهم ما يوجب الوحشة والنفرة عن صاحبه، وما يهيج العصبية والعداوة، عقوبة لهم على تركهم الميثاق (وسوف ينبئهم الله) عند المحاسبة (بما كانوا يصنعون) في الدنيا من نقض الميثاق، ويعاقبهم على ذلك بحسب استحقاقهم، فكأنه لما قال سبحانه (فاعف عنهم واصفح) بين بعد ذلك أنه من وراء الانتقام منهم، وأنه سيجازيهم على صنيعهم، وقبيح فعلهم. (يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتب مبين [ 15 ] يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلم ويخرجهم من الظلمت إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم [ 16 ] اللغة: الرضوان والرضا من الله: ضد السخط، وهو إرادة الثواب بمستحقه. وقال قوم: هو المدح على الطاعة والثناء وقال علي بن عيسى: هو جنس من الفعل، يقتضي وقوع الطاعة الخالصة مما يبطلها ويضاد الغضب، قال: لأن الرضا بما مضى يصح، وإرادة ما مضى لا يصح، إذ قد يصح أن يرضى بما كان، ولا يصح أن يريد ما كان، وهذا الذي ذكره غير صحيح، لان الرضا عبارة عن إرادة حدوث الشئ من

[ 301 ]

الغير، غير أنها لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتخللها كراهية، فتقف تسميتها بالرضا على وقوع المراد، إلا أن بعد وقوع المراد بفعل إرادة يسمى رضاء بما كان، فسقط ما قاله. المعنى: لما ذكر سبحانه، أن اليهود والنصارى نقضوا العهد، وتركوا ما أمروا به، عقب ذلك بدعائهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذكرهم ما أتاهم به من أسرار كتبهم، حجة عليهم، فقال: (يا أهل الكتاب) يخاطب اليهود والنصارى (قد جاءكم رسولنا) محمد (يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب) يعني ما بينه صلى الله عليه وآله وسلم من رجم الزانين، وأشياء كانوا يحرفونها من كتابهم بسوء التأويل، وإنما لم يقل يا أهل الكتابين، لأن الكتاب اسم جنس، وفيه معنى العهد، فسلك طريقة الإيجاز في اللفظ، من حيث كانوا كأنهم أهل كتاب واحد (ويعفوا عن كثير) معناه: يترك كثيرا لا يذكره، ولا يؤاخذكم به، لأنه لم يأمر به، عن أبي علي الجبائي. وقيل: معناه يصفح عن كثير منهم بالتوبة، عن الحسن. والوجه في تبيين بعضه، وترك بعضه أنه يبين ما فيه دلالة على نبوته من صفاته ونعته والبشارة به، وما يحتاج إلى علمه، من غير ذلك مما يتفق له الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلامه، كما اتفق ذلك في الرجم، وما عدا هذين مما ليس في تفصيله فائدة، كفى ذكره في الجملة (قد جاءكم من الله نور) يعني بالنور محمد صلى الله عليه وآله وسلم لانه يهتدي به الخلق، كما يهتدون بالنور، عن قتادة، واختاره الزجاج. وقيل: عنى به القرآن لانه يبين الحق من الباطل، عن أبي علي الجبائي. والاول أولى لقوله (وكتاب مبين) فيكون اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين. (يهدي به الله) أي: الكتاب المبين، وهو القرآن. وقيل: بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (من اتبع رضوانه) أي: من اتبع رضاء الله في قبول القرآن، والإيمان، وتصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واتباع الشرائع (سبل السلام) قيل: السلام هو الله تعالى، عن الحسن، والسدي، ومعناه سبل الله، وهو شرائعه التي شرعها لعباده، وهو الاسلام. وقيل: إنه السلامة من كل مخافة، ومضرة، إلا ما لا يعتد به، لأنه يؤول إلى النفع في العاقبة، عن الزجاج. أي: يهدي إلى طرق السلامة من اتبع ما فيه رضاء الله، فالسلام والسلامة، كالضلال والضلالة، والمراد بقوله (يهدي) أنه يفعل

[ 302 ]

اللطف المؤدي إلى سلوك طريق الحق (ويخرجهم من الظلمات إلى النور) (1) لأن الكفر يتحير فيه صاحبه، كما يتحير في الظلام، ويهتدي بالايمان إلى النجاة، كما يهتدي بالنور (بإذنه) أي: بلطفه (ويهديهم إلى صراط مستقيم) أي: ويرشدهم إلى طريق الحق، وهو دين الاسلام، عن الحسن. وقيل إلى طريق الجنة، عن أبي علي الجبائي. (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير [ 17 ] وقالت اليهود والنصرى نحن أبناء الله وأحبؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والارض وما بينهما وإليه المصير [ 18 ] اللغة: الأحباء: جمع الحبيب، والحب، المحبة، وقد يكون بمعنى الإرادة، وقد يكون بمعنى الشهوة، وقد يستعمل في كل واحد منهما. يقال: أحب استقامة أمورك، وأحب جاريتي. الإعراب: اللام في قوله (لقد كفر) جواب القسم، وتقديره. أقسم لقد كفر الذين قالوا، وإنما قال (وما بينهما) ولم يقل وما بينهن، مع أنه ذكر السماوات على الجمع، لأنه أراد به النوعين أو الصنفين، كما قال الشاعر: طرقا فتلك هماهمي أقريهما * قلصا لواقح كالقسي وحولا (2)


(1) [ معناه من الكفر إلى الايمان ]. (2) طرق القوم: أتاهم ليلا. والهماهم هنا: بمعنى الهموم. قرى الضيف: أضافه. القلص: جمع القلوص، وهي من الإبل الشابة منها. اللواقح: الحوامل. والقسي: جمع القوس. (*)

[ 303 ]

فقال: طرقا ثم قال: فتلك هماهمي. المعنى: ثم حكى سبحانه عن النصارى ما قالوا في المسيح: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم) كفرهم الله سبحانه بهذا القول، لانهم قالوه على وجه التدين به والاعتقاد لا على وجه (1) الانكار، وإنما كفروا بذلك لوجهين أحدهما أنهم كفروا بالنعمة من حيث أضافوها إلى غير الله ممن ادعوا إلهيته. والآخر أنهم كفروا بأنهم وصفوا المسيح، وهو محدث، بصفات الله سبحانه، فقالوا: هو إله، وكل جاهل بالله كافر، لانه لما ضيع نعمة الله تعالى، كان بمنزلة من أضافها إلى غيره (قل) يا محمد (فمن يملك من الله شيئا) أي: من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا، من قولهم: ملكت على فلان أمره إذا اقتدرت عليه، حتى لا يمكنه انفاذ شئ من أمره إلا بك، وتقديره: من يملك من أمر الله شيئا (إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الارض جميعا) عنى بذلك أنه لو كان المسيح إلها، لقدر على دفع أمر الله تعالى، إذا أراد إهلاكه، وإهلاك غيره، وليس بقادر عليه، لاستحالة القدرة على مغالبة القديم، أي: فكيف يجوز اعتقاد الربوبية فيه، مع أنه مسخر مربوب مقهور ؟ وقيل: معناه إن من قدر على هذا، لم يجز أن يكون معه إله، ولا أن يشبهه شئ (ولله ملك السموات والارض وما بينهما) ومن كان بهذه الصفة، فلا ثاني له، وذلك يدلك على أن المسيح ملك له، وإذا كان ملكا له، لم يكن إلها، ولا ابنا له، لان المملوك لا يجوز أن يكون مالكا، فكيف يكون إلها. وقوله (يخلق ما يشاء) أي: يخلق ما يشاء أن يخلقه، فإن شاء خلق من ذكر وأنثى، وإن شاء خلق من أنثى بغير ذكر، فدل بها على أنه ليس في كون المسيح من أنثى بغير ذكر دلالة على كونه إلها. وقوله (والله على كل شئ قدير) أي: يقدر على كل شئ يريد أن يخلقه. وفي هذه الاية رد على النصارى القائلين بأن الله جل جلاله اتحد بالمسيح، فصار الناسوت لاهوتا، يجب أن يعبد، ويتخذ إلها، فاحتج عليهم بأن من جاز عليه الهلاك، لا يجوز أن يكون إلها، وكذلك من كان مولودا مربوبا، لا يكون ربا، ثم حكى عن الفريقين من أهل الكتاب فقال (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله


(1) [ الحكاية ]. (*)

[ 304 ]

وأحباؤه) قيل: إن اليهود قالوا نحن في القرب من الله بمنزلة الابن من أبيه، والنصارى لما قالوا للمسيح ابن الله، جعلوا نفوسهم أبناء الله وأحباؤه، لأنهم تأولوا ما في الانجيل من قول المسيح: " أذهب إلى أبي وأبيكم " عن الحسن. وقيل: إن جماعة من اليهود منهم كعب بن الاشرف، وكعب بن أسيد، وزيد بن التابوه، وغيرهم، قالوا لنبي الله حين حذرهم بنقمات الله وعقوباته: لا تخوفنا فإنا أبناء الله وأحباؤه، فإن غضب علينا، فإنما يغضب كغضب الرجل على ولده، يعني أنه يزول عن قريب، عن ابن عباس. وقيل: إنه لما قال قوم إن المسيح ابن الله، أجرى ذلك على جميعهم، كما تقول العرب هذيل شعراء أي: فيهم شعراء، وكما قالوا في رهط مسيلمة: قالوا نحن أنبياء أي: قال قائلهم، وكما قال جرير (ندسنا أبا مندوسة القين بالقنا) (1) فقال ندسنا، وإنما كان النادس رجل من قوم جرير، ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) لهؤلاء المفترين على ربهم (فلم يعذبكم بذنوبكم) أي: فلأي شئ يعذبكم بذنوبكم إن كان الامر على ما زعمتم، فإن الاب يشفق على ولده، والحبيب على حبيبه، فلا يعذبه، وهم يقرون بأنهم يعذبون، لو لم يقولوا به كذبوا بكتابهم، وقد أقرت اليهود بأنهم يعذبون أربعين يوما، عدد الايام التي عبدوا فيها العجل. وقيل: إن معناه الماضي، وإن كان لفظه المستقبل، أي: فلم عذبكم الله، وقد أقررتم بأنه عذبكم عند عبادتكم العجل، وعذبكم بأن جعل منكم القردة والخنازير، وخلى بينكم وبين بخت نصر، حتى فعل بكم ما فعل، والحبيب لا يعذب حبيبه، فلو كنتم أحباءه لما عذبكم (بل أنتم بشر ممن خلق) أي ليس الامر على ما قلت، إنكم أبناء الله، وأحباؤه، بل أنتم خلق من بني آدم، إن أحسنتم جوزيتم على إحسانكم، وإن أسأتم جوزيتم على إساءتكم كما يجازى غيركم، وليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه. (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء): وإنما علق العذاب بالمشيئة، مع أنه سبحانه لا يشاء العقوبة، إلا لمن كان عاصيا، لما في ذلك من البلاغة والإيجاز، برد الامور إلى العالم الحكيم، الذي يجريها على وجه الحكمة (ولله ملك السموات


(1) وبعده " وما ردم من جاربيبة ناقع "، الندس: الطعن، القين العبد. الحداد ويطلق أيضا على كل صانع. (*)

[ 305 ]

والأرض) يملك ذلك وحده، لا شريك له يعارضه (وما بينهما) أي: ما بين الصنفين، ودل بذلك على أنه لا ولد له، لان الولد يكون من جنس الوالد، فلا يكون مملوكا له (وإليه المصير) معناه: ويؤول إليه أمر العباد، فلا يملك ضرهم ونفعهم غيره، لانه يبطل تمليكه لغيره ذلك اليوم، كما يقال صار أمرنا إلى القاضي، وإنما يراد بذلك أنه المتصرف فينا، والامر لنا، لا على معنى قرب المكان. (يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير [ 19 ] اللغة: الفترة: فعلة من فتر عن عمله يفتر فتورا: إذا سكن فيه، وفترته عنه، والفترة: انقطاع ما بين النبيين عند جميع المفسرين. والاصل فيها الانقطاع عما كان الامر عليه من الجد في العمل. وفتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة. وامرأة فاترة الطرف أي: منقطعة عن حدة النظر. الاعراب: موضع (أن تقولوا) نصب عند البصريين، وتقديره كراهة أن تقولوا، فحذف المضاف الذي هو مفعول له، وأقيم المضاف إليه مقامه. وقال الكسائي، والفراء: تقديره لئلا تقولوا. ومن في قوله (من بشير): مزيدة، وفائدتها نفي الجنس، وموضع الجار والمجرور رفع تقديره ما جاءنا بشير ولا نذير. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى خطاب أهل الكتاب، وحجاجهم، واستعطافهم، وإلزامهم الحجة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا) يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم (يبين لكم) أي: يوضح لكم أعلام الدين، وفيه دلالة على أنه سبحانه اختصه من العلم بما ليس مع غيره (على فترة من الرسل) أي على انقطاع من الرسل، ودروس من الدين والكتب، وفيه دلالة على أن زمان الفترة لم يكن فيه نبي، وكان الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت النبوة متصلة قبل ذلك في بني إسرائيل. وروي عن ابن عباس أنه لم يكن بينهما إلا أربعة من الرسل، واختلفوا في مدة

[ 306 ]

الفترة بينهما، فقيل: ستمائة سنة، عن الحسن، وقتادة. وقيل: خمسمائة سنة وستون عن قتادة في رواية أخرى. وقيل: أربعمائة وبضع وستون سنة، عن الضحاك. وقيل: خمسمائة وشئ، عن ابن عباس. وقيل: كان بين ميلاد عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة وتسع وستون سنة، وكان بعد عيسى أربعة من الرسل وهو قوله تعالى (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) ولا أدري من الرابع، فكان من تلك المدة مائة وأربع وثلاثون سنة نبوة، وسائرها فترة عن الكلبي. (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) معناه: قد جاءكم رسولنا كراهة أن تقولوا أو لأن لا تقولوا محتجين يوم القيامة: ما جاءنا بشير بالثواب على الطاعة، ولا نذير بالعقاب على المعصية. ثم بين سبحانه أنه قد قطع عنهم عذرهم، وأزاح علتهم بإرسال رسوله، فقال: (فقد جاءكم بشير ونذير) وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يبشر كل مطيع بالثواب، ويخوف كل عاص بالعقاب. (والله على كل شئ قدير) ظاهر المعنى. وفي هذه الاية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لان الحجة بمنع القدرة أوكد من الحجة بمنع اللطف، وتكون الحجة في ذلك لمن يعلم الله تعالى أن بعثة الانبياء مصلحة لهم، فإذا لم تبعث، تكون لهم الحجة، فأما من لا يعلم ذلك منهم فلا حجة لهم، وإن تبعث إليهم الرسل. (وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتكم ما لم يؤت أحدا من العلمين [ 20 ] يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خسرين [ 21 ] اللغة: أصل التقديس: التطهير، ومنه قيل للسطل الذي يتطهر به: القدس. ومنه تسبيح الله وتقديسه: وهو تنزيهه عما (1) لا يجوز عليه من الصاحبة، والولد، وفعل الظلم، والكذب. الاعراب: (أنبياء) لا ينصرف معرفة ولا نكرة، لعلامة التأنيث ولزومها بخلاف


(1) [ لا يليق و ]. (*)

[ 307 ]

علامة التأنيث في حمزة وقائمة، فإنها لا تلزم، فلذلك انصرف في النكرة. وقوله (خاسرين): منصوب على الحال من الواو في (فتنقلبوا). المعنى: ثم ذكر سبحانه صنع اليهود في المخالفة لنبيهم، تسلية لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ومخالفتهم إياه، فقال: (وإذ قال موسى لقومه) أي: واذكر يا محمد إذ قال موسى لهم (يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم) وأياديه لديكم، وآلاءه فيكم (إذ جعل فيكم أنبياء) يخبرونكم بأنباء الغيب، وتنصرون بهم على الاعداء، ويبينون لكم الشرائع. وقيل: هم الانبياء الذين كانوا بعد موسى مقيمين فيهم إلى زمن عيسى، يبينون لهم أمر دينهم (وجعلكم ملوكا) بأن سخر لكم من غيركم خدما يخدمونكم، عن قتادة. وقيل: إنما خاطبهم موسى بذلك لانهم كانوا يملكون الدور والخدم، ولهم نساء وأزواج، وكل من ملك ذلك، ولا يدخل عليه إلا بأمره، فهو ملك، كائنا من كان، عن عبد الله بن عمر، وابن العاص، وزيد بن أسلم، والحسن. ويؤيد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من أصبح آمنا في سربه " (1)، معافى في بدنه، وعنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذا فيرها ". وقيل: الملك هو الذي له ما يستغني به عن تكلف الاعمال، وتحمل المشاق، والتسكع في المعاش، عن أبي علي الجبائي. وقيل: إنهم جعلوا ملوكا بالمن، والسلوى، والحجر، والغمام، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: لا يمتنع أن يكون الله سبحانه جعل لهم الملك والسلطان، ووسع عليهم التوسعة التي يكون بها الانسان ملكا، عن أبي القاسم البلخي. (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) أي: أعطاكم ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانهم، عن الحسن، والبلخي. وقيل: معناه أعطاكم من اجتماع هذه الامور، وكثرة الانبياء عليهم السلام، والايات التي جاءتهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، عن الزجاج، والجبائي. واختلفوا في المخاطب بقوله: (وآتاكم) فقيل: هم قوم موسى عليه السلام، عن ابن عباس، ومجاهد، وغيره، وهو الاظهر. وقيل: هم أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن سعيد بن جبير، وأبي مالك. ثم كلفهم سبحانه دخول الارض المقدسة بعد ذكر النعم فقال (يا قوم) حكاية


(1) أي في نفسه. (*)

[ 308 ]

عن خطاب موسى عليه السلام لقومه (ادخلوا الارض المقدسة) وهي بيت المقدس، عن ابن عباس، والسدي، وابن زيد. وقيل: هي دمشق، وفلسطين، وبعض الاردن، عن الزجاج، والفراء. وقيل: هي الشام، عن قتادة. وقيل: هي أرض الطور، وما حوله، عن مجاهد. والمقدسة: المطهرة، طهرت من الشرك، وجعلت مكانا وقرارا للانبياء والمؤمنين (التي كتب الله لكم) أي: كتب في اللوح المحفوظ انها لكم. وقيل: معناه وهب الله لكم، عن ابن عباس. وقيل: معناه أمركم الله بدخولها، عن قتادة، والسدي. فإن اعترض معترض فقال: كيف كتب الله لهم مع قوله فإنها محرمة عليهم ؟ فجوابه: إنها كانت هبة من الله لهم، ثم حرمها عليهم، عن ابن إسحاق. وقيل: إن المراد به الخصوص، وإن كان الكلام على العموم، فصار كأنه مكتوب لبعضهم، وحرام على البعض، والذين كتب الله لهم دخولها، هم الذين كانوا مع يوشع بن نون، بعد موت موسى عليه السلام بشهرين (ولا ترتدوا على أدباركم) أي: لا ترجعوا عن الارض التي أمرتم بدخولها عن أكثر المفسرين. وقيل: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته، عن الجبائي (فتنقلبوا خاسرين) الثواب في الآخرة، وإنما قال ذلك لانهم كانوا أمروا بدخولها، كما أمروا بالصلاة وغيرها، عن قتادة، والسدي. وقيل: إنهم لم يؤمروا بذلك، فيكون المراد فتنقلبوا خاسرين حظكم في دخولها، كما يقال خسر في البيع فلان. القصة: قال المفسرون: لما عبر موسى وبنو إسرائيل البحر، وهلك فرعون، أمرهم الله سبحانه بدخول الارض المقدسة، فلما نزلوا على نهر الاردن، خافوا من الدخول، فبعث موسى من كل سبط رجلا، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) فعاينوا من عظم شأنهم وقوتهم، شيئا عجيبا، فرجعوا إلى بني إسرائيل، فأخبروا موسى عليه السلام بذلك، فأمرهم أن يكتموا ذلك، فوفى اثنان منهم: يوشع بن نون من سبط بن يامين، وقيل: إنه كان من سبط يوسف، وكالب بن يوفنا، من سبط يهوذا، وعصى العشرة، وأخبروا بذلك. وقيل: كتم الخمسة منهم، وأظهر الباقون، وفشا الخبر في الناس، فقالوا: إن دخلنا عليهم، تكون نساؤنا وأهالينا غنيمة لهم، وهموا بالإنصراف إلى مصر، وهموا بيوشع وكالب، وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة، فاغتاظ لذلك موسى، وقال: رب إني لا أملك إلا

[ 309 ]

نفسي وأخي، فأوحى الله إليه: إنهم يتيهون في الارض أربعين سنة، وإنما يخرج منهم من لم يعص الله في ذلك، فبقوا في التيه أربعين سنة في ستة عشر فرسخا، وقيل: تسعة فراسخ. وقيل: ستة، وهم ستمائة ألف مقاتل، لا تتخرق ثيابهم، وتثبت معهم، وينزل عليهم المن والسلوى، ومات النقباء، غير يوشع بن نون، وكالب، ومات أكثرهم، ونشأ ذراريهم. فخرجوا إلى حرب أريحا، وفتحوها، واختلفوا فيمن فتحها، فقيل: فتحها موسى، ويوشع على مقدمته. وقيل: فتحها يوشع بعد موت موسى عليه السلام، وكان قد توفي موسى، وبعثه الله نبيا، وروي أنهم كانوا في المحاربة إذ غابت الشمس، فدعا يوشع فرد الله تعالى عليهم الشمس، حتى فتحوا أريحا. وقيل: كانت وفاة موسى وهارون عليهما السلام في التيه، وتوفي هارون قبل موسى بسنة، وكان عمر موسى عليه السلام مائة وعشرين سنة، في ملك افريدون، ومنوجهر، وكان عمر يوشع مائة وستة وعشرين سنة، وبقي بعد وفاته مدبرا لأمر بني إسرائيل سبعا وعشرين سنة. (قالوا يموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون [ 22 ] قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غلبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [ 23 ] قالوا يموسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قعدون [ 24 ] بصري ثلاث عند الباقين، عد بصري (غالبون) وقوله: (جبارين) مما يشكل، ولا يعده الجميع. اللغة: الجبار: هو الذي لا ينال بالقهر، وأصله في النخل، وهو ما فات اليد طولا. والجبار من الناس: هو الذي يجبرهم على ما يريد. والجبر، جبر العظم: وهو كالاكراه على الصلاح. وقال العجاج: قد جبر الذين الاله فجبر وعور الرحمن من ولى العور (1)


(1) جبر: يستعمل لازما ومتعديا، وقد جمع بينهما العجاج في هذا الشعر، وقوله " وعور = (*)

[ 310 ]

والجبار في صفة الله تعالى صفة تعظيم، لأنه يفيد الاقتدار، وهو سبحانه لم يزل جبارا، بمعنى أن ذاته تدعو العارف بها إلى تعظيمها. والفرق بين الجبار والقهار أن القهار هو الغالب لمن ناواه، أو كان في حكم المناوي بمعصيته إياه، ولا يوصف سبحانه فيما لم يزل بأنه قهار. والجبار في صفة المخلوقين، صفة ذم، لأنه يتعظم بما ليس له، فإن العظمة لله سبحانه. الإعراب: (فاذهب أنت وربك): إنما أتى بالضمير المرفوع المنفصل، تأكيدا للضمير المستكن في (إذهب)، ليصح العطف عليه، فإنه يقبح العطف بالاسم الظاهر على الضمير المستكن، والمتصل، من غير أن يؤكد، لأنه يصير كأنه معطوف على الفعل، إذا عطف على ما هو متصل بالفعل، غير مفارق له، ولا يجوز أن يقال إنه أبرز الضمير، فإن الضمير إذا أبرز يصير الفعل خاليا منه، وقوله (اذهب): غير فارغ من الضمير، وإنما حسن العطف على الضمير المتصل في قوله (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) لأن ذكر المفعول صار عوضا من الضمير المنفصل كما كان لا في قوله (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) عوضا منه. المعنى: ثم ذكر جواب القوم فقال سبحانه: (قالوا) يعني بني إسرائيل (يا موسى إن فيها) أي: في الأرض المقدسة (قوما) أي: جماعة (جبارين): شديدي البطش والبأس والخلق، قال ابن عباس: بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى عليه السلام من قومه اثني عشر نقيبا ليخبروه خبرهم، رآهم رجل من الجبارين يقال له: عوج، فأخذهم في كمه مع فاكهة كان يحملها من بستانه، وأتى بهم الملك، فنثرهم بين يديه، وقال للملك تعجبا منهم: هؤلاء يريدون قتالنا ! فقال الملك إرجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا. قال مجاهد: وكان فاكهتهم لا يقدر على حمل عنقود منها خمسة رجال بالخشب، ويدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال، وإن موسى عليه السلام كان طوله عشرة أذرع، وله عصا طولها عشرة أذرع، ونزا من الارض مثل ذلك، فبلغ كعب عوج بن عنق، فقتله. وقيل: كان طول سريره ثمانمائة ذراع (وإنا لن ندخلها) يعني لقتالهم (حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا) يعني: الجبارين (منها فإنا داخلون). (قال رجلان): من جملة النقباء الذين بعثهم موسى ليعرف


= الرحمن " ا ه‍. قيل: معناه أفسد من ولاه وجعله وليا للعور، وهو قبح الأمر وفساده. والأعور: الذي قد عور، ولم تقض حاجته، ولم يصب ما طلب. وليس من عور العين. (*)

[ 311 ]

خبر القوم. وقيل: هما يوشع بن نون وكالب (1) بن يوفنا، عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع. وقيل: رجلان كانا من مدينة الجبارين، وكانا على دين موسى لما بلغهما خبر موسى، جاءاه فاتبعاه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. (من الذين يخافون) الله تعالى (أنعم الله عليهما) بالاسلام، عن قتادة، والحسن. وقيل: يخافون الجبارين أي: لم يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق، أنعم الله عليهما بالتوفيق للطاعة، عن الجبائي. وكان سعيد بن جبير يقرأ: (يخافون) بضم الياء. وروي تأويل ذلك عن ابن عباس، أنهما كانا من الجبارين، أنعم الله عليهما بالاسلام. (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) أخبر عن الرجلين أنهما قالا: ادخلوا يا بني اسرائيل على الجبارين باب مدينتهم، وإنما علما أنهم يظفرون بهم، ويغلبونهم إذا دخلوا باب مدينتهم، لما أخبر به موسى عليه السلام من وعد الله تعالى بالنصرة. وقيل: لما رأوه من إلقاء الله الرعب في قلوب الجبارين، فعلما أنهم إن دخلوا الباب غلبوا (وعلى الله فتوكلوا) في نصرة الله على الجبارين، (إن كنتم مؤمنين) بالله، وبما آتاكم به رسوله من عنده. ثم أخبر عن قوم موسى بأنهم (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها) أي: هذه المدينة (أبدا ما داموا) أي: ما دام الجبارون (فيها). وإنما قالوا ذلك لأنهم جبنوا وخافوا من قتالهم، لعظم أجسامهم، وشدة بطشهم، ولم يثقوا بوعد الله سبحانه بالنصرة لهم عليهم (فاذهب) يا موسى (أنت وربك فقاتلا) الجبارين (إنا ها هنا قاعدون) إلى أن تظفر بهم، وترجع إلينا، فحينئذ ندخل، وإنما لم ينكر موسى عليهم قولهم: (إذهب أنت وربك) لأمرين أحدهما: إن الكلام كله يدل على الإنكار عليهم، والتعجب من جهلهم في تلقيهم أمر ربهم، بالرد له، والمخالفة عليه والآخر: إنهم إنما قالوا ذلك مجازا بمعنى: وربك معين لك على ما قاله أبو القاسم البلخي. والأول أليق بجهل أولئك القوم. قال الحسن: هذا القول منهم يدل على أنهم كانوا مشبهة، ولذلك عبدوا العجل، ولو عرفوا الله تعالى حق معرفته، لما عبدوا العجل. وقال الجبائي: إن كانوا قالوا ذلك على وجه الذهاب من مكان إلى مكان، فإنه


(1) [ وقيل كلاب ]. (*)

[ 312 ]

كفر، وإن قالوا على وجه الخلاف، فإنه فسق. وأما قوله سبحانه: (قاتلهم الله أنى يؤفكون) فإنه مجاز، والمعنى: إنه يعاديهم عداوة المقاتل، ويحل بهم ما يحله المقاتل المستعلي بالإقتدار، وعظم السلطان، بمن يقاتله. (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [ 25 ] قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفسقين [ 26 ] اللغة: أصل التيه: التحير الذي لا يهتدى لأجله للخروج عن الطريق إلى الغرض المقصود، يقال: تاه، يتيه، تيها، وتيوها: إذا تحير. وتيهته وتوهته، والياء أكثر. والتيهاء من الارض: وهي التي لا يهتدى فيها، وأرض تيهاء. والأسى: الحزن، يقال أسي، يأسى، أسا: إذا حزن، قال امرؤ القيس: وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى، وتجمل الاعراب: (أخي): يجوز أن يكون في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب، ورفعه من وجهين أحدهما: أن يكون عطفا على موضع (إني)، ومثله: (إن الله برئ من المشركين ورسوله). والآخر: أن يكون معطوفا على ما في (أملك) أي: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا، ونصبه أيضا من وجهين: أحدهما: أن يكون عطفا على الياء في (إني) أي: إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا والآخر: أن يكون عطفا على (نفسي) أي: لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، و (أربعين) نصب على الظرف، والعامل فيه قوله: (يتيهون) وقيل: هو منصوب بقوله (محرمة). قال الزجاج: هذا خطأ، لأنه جاء في التفسير أنها محرمة عليهم أبدا. المعنى: ثم ذكر سبحانه دعاء موسى على قومه، عند مخالفتهم إياه، فقال تعالى: (قال) أي: قال موسى عليه السلام إذ غضب على قومه (رب إني لا أملك إلا نفسي) أي: لا أملك إلا تصريف نفسي في طاعتك، لأنها التي تجيبني إذا دعوت (وأخي) أي: وأخي كذلك لا يملك إلا نفسه، أو يكون معناه: ولا أملك أيضا إلا أخي، لأنه يجيبني إذا دعوت (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) أي: فافصل بيننا

[ 313 ]

وبينهم بحكمك، وسماهم فساقا، وإن كانوا قد كفروا بالرد على نبيهم، لخروجهم من الايمان إلى الكفر، والفسق، والخروج من الطاعة إلى المعصية، والكفر من أعظم المعاصي، قال الله تعالى: (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) وقيل، في سؤال موسى الفرق بينه وبينهم، قولان أحدهما: إنه سأل تعالى أن يحكم ويقضي بما يدل على بعدهم عن الحق والصواب فيما ارتكبوا من العصيان، ولذلك ألقوا في التيه، عن ابن عباس، والضحاك والأخر: إنه سأله أن يفرق بينه وبينهم في الآخرة، بأن يكون هؤلاء في النار، ويكون هو في الجنة، ولو دعا عليهم بالهلاك لأهلكوا عن الجبائي (قال) أي: قال الله سبحانه لموسى عليه السلام، (فإنها محرمة عليهم) أي: إن الارض المقدسة حرمت عليهم، وفي كيفية التحريم قولان: أحدهما: إنه تحريم منع، كقول امرئ القيس: جالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إني امرؤ صرعي عليك حرام يعني دابته التي هو راكبها، ويريد بذلك: إني فارس لا تملكين أن تصرعيني. وقيل: يجوز أن يكون تحريم تعبد، عن أبي علي الجبائي، والاول أظهر. وقال البلخي: يجوز أن يكونوا أمروا بأن يطوفوا فيه (أربعين سنة يتيهون في الارض) يعني: يتحيرون في المسافة التي بينهم وبينها، لا يهتدون إلى الخروج منها، وكان مقداره ستة فراسخ، عن الربيع، كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا، عن الحسن، ومجاهد. وقال أكثر المفسرين: إن موسى وهارون كانا معهم في التيه. وقيل أيضا: إنهما لم يكونا في التيه، لان التيه عذاب، وعذبوا عن كل يوم عبدوا فيه العجل سنة، والانبياء لا يعذبون. قال الزجاج: إن كانا في التيه، فجائز أن يكون الله تعالى سهل عليهما ذلك، كما سهل على إبراهيم النار، فجعلها عليه بردا وسلاما، وشأنها الاحراق، ومات موسى عليه السلام في التيه، وفتح المدينة يوشع وصي موسى بعده، وكان يوشع ابن أخت موسى، ووصيه، والنبي في قومه بعده، عن ابن عباس. وقيل: لم يمت في التيه، عن الحسن، ومجاهد، قالا: وفتح المدينة موسى. ومتى سئل فقيل: كيف يجوز على عقلاء كثيرين أن يسيروا في فراسخ يسيرة، فلا يهتدوا للخروج منها ؟ فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أن يكون ذلك بأن تحول الارض التي هم عليها إذا ناموا، فيردوا إلى المكان الذي ابتدأوا منه، عن أبي علي.

[ 314 ]

والآخر: أن يكون ذلك بالاسباب المانعة من الخروج عنها، إما بأن تمحى العلامات التي يستدل بها، أو بأن يلقى شبه بعضها على بعض، ولكون ذلك معجزا خارقا للعادة. وقال قتادة: لم يدخل بلد الجبارين أحد من القوم، إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، بعد موت موسى بشهرين، وإنما دخلها أولادهم معهما (فلا تأس على القوم الفاسقين) خطاب لموسى عليه السلام: أمره الله تعالى أن لا يحزن على إهلاكهم لفسقهم. وقال الزجاج: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. (واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الأخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين [ 27 ] اللغة: القربان: ما يقصد به القرب من رحمة الله من أعمال البر، وهو على وزن فعلان من القرب، كالفرقان من الفرق، والشكران، والكفران، من الشكر والكفر، وقرابين الملك جلساؤه: لقربهم إليه. الاعراب: (إذ قربا): متعلق بقوله نبأ، والتقدير خبر ابني آدم، وما جرى منهما، حين قربا قربانا أي: قرب كل واحد منهما قربانا، فجمعهما في الفعل، وأفرد الاسم، لانه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد منهما قربانا. وقيل: إن القربان: اسم جنس، فهو يصلح للواحد والمتعدد على أنه مصدر من: قرب الرجل قربانا. المعنى: (واتل) أي: واقرأ (عليهم) يا محمد (نبأ ابني آدم) أي: خبرهما (بالحق) أي: بالصدق، وأجمعوا على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، إلا الحسن فإنه قال: كانا رجلين من بني إسرائيل. (إذ قربا قربانا) أي: فعلا فعلا يتقرب به إلى الله تعالى (فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) تقبل الطاعة: إيجاب الثواب عليها. قالوا: وكانت علامة القبول في ذلك الزمان نارا تأتي فتأكل المتقبل، ولا تأكل المردود. وقيل: كانت النار تأكل المردود، عن مجاهد، والاول أظهر (قال لأقتلنك) في الكلام حذف. التقدير: قال الذي لم يتقبل منه للذي تقبل منه: لأقتلنك، فقال له: لم تقتلني (قال) إنه تقبل قربانك، ولم يتقبل قرباني، قال له:

[ 315 ]

وما ذنبي ! (إنما يتقبل الله من المتقين) للمعاصي، فأطلق للعلم بأن المراد أنها أحق ما يجب أن يخاف منه. قال ابن عباس: أراد إنما يتقبل الله ممن كان زاكي القلب، ورد عليك، لانك لست بزاكي القلب، واستدل بهذا على أن طاعة الفاسق غير مقبولة، لكنها تسقط عقاب تركها، وهذا لا يصح لأن المعنى: إن الثواب إنما يستحقه من يوقع الطاعة، لكونها طاعة، فأما إذا فعلها لغير ذلك، فلا يستحق عليها ثوابا، ولا يمتنع على هذا أن يقع من الفاسق طاعة يوقعها على الوجه الذي يستحق عليه الثواب فيستحقه. النظم: ووجه اتصال هذه الاية بما قبلها: إن الله تعالى أراد أن يبين أن حال اليهود في نقض العهد، وارتكاب الفواحش، كارتكاب ابن آدم في قتله أخاه، وما عاد عليه من الوبال بتعديه، فأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يتلو عليهم أخبارهما تسلية لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيما ناله من جهلهم وتكذيبهم، وتبكيتا لليهود. القصة: قالوا: إن حواء امرأة آدم، كانت تلد في كل بطن غلاما وجارية، فولدت أول بطن قابيل بن آدم، وقيل قابين وتوأمته إقليما بنت آدم، والبطن الثاني هابيل. وتوأمته لبوذا. فلما أدركوا جميعا، أمر الله تعالى أن ينكح آدم قابيل أخت هابيل، وهابيل أخت قابيل، فرضي هابيل، وأبى قابيل، لأن أخته كانت أحسنهما، وقال: ما أمر الله سبحانه بهذا، ولكن هذا من رأيك. فأمرهما آدم أن يقربا قربانا فرضيا بذلك. فغدا هابيل، وكان صاحب ماشية، فأخذ من خير غنمه زبدا ولبنا، وكان قابيل صاحب زرع، فأخذ من شر زرعه، ثم صعدا فوضعا القربانين على الجبل، فأتت النار، فأكلت قربان هابيل، وتجنبت قربان قابيل، وكان آدم غائبا عنهما بمكة، خرج إليها ليزور البيت بأمر ربه. فقال قابيل: لا عشت يا هابيل في الدنيا، وقد تقبل قربانك، ولم يتقبل قرباني، وتريد أن تأخذ أختي الحسناء، وآخذ أختك القبيحة ! فقال له هابيل: ما حكاه الله تعالى، فشدخه بحجر فقتله، روي ذلك عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، وغيره من المفسرين. وكان سبب قبول قربان أحدهما دون الآخر أن قابيل لم يكن زاكي القلب، وقرب بشر ماله وأخسه، وقرب هابيل بخير ماله

[ 316 ]

وأشرفه، وأضمر الرضا بحكم الله تعالى، فكانت تنزل نار من السماء فتأكله. وعن إسماعيل بن رافع: إن قربان هابيل كان يرتع في الجنة، حتى فدي به ابن إبراهيم. (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين [ 28 ] إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظلمين [ 29 ] فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخسرين [ 30 ] اللغة: البسط: المد وهو ضد القبض. تبوء: ترجع، يقال باء إذا رجع إلى المباءة، وهي المنزل، وباؤا بغضب من الله، أي: رجعوا. والبوء: الرجوع بالقود. وهم في هذا الامر بواء، أي: سواء. طوعت فعلت من الطوع، والعرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول هذه الشجرة، وطاع لفلان كذا، أي: أتاه طوعا، ولا يقال أطاعته نفسه، لأن أطاع: يدل على قصد موافقة معنى الامر، وليس كذلك طوع لأنه بمنزلة انطاع له أصول الشجرة. وفي الفعل ما يتعدى إلى نفس الفاعل، نحو حرك نفسه، وقتل نفسه، وفيه ما لا يتعدى إلى ذلك، نحو: أمر ونهى، لان الامر والنهي لا يكونان إلا بمن هو أعلى، إلى من هو دونه. الاعراب: (لئن بسطت): اللام للقسم، وجوابه: (ما أنا بباسط) ولا يقع ما جوابا للشرط، لأن ما يكون لها صدر الكلام بالقسم لا يخرجها عن ذلك، كما جاز أن يكون جواب القسم بأن ولام الابتداء، ولم يجز بالفاء، لأن المقسم عليه ليس يجب بوجوب القسم، وإنما القسم يؤكده، وجواب الشرط يجب بوجوب الشرط، فإذا اجتمع جواب القسم والجزاء، كان جواب القسم أولى من الجزاء، لأنه لما تقدم القسم، وصار الجزاء في حشو الكلام، غلبه على الجواب، فصار له، واكتفى به عن جواب الشرط، لدلالته عليه. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن هابيل أنه قال لأخيه حين هدده بالقتل، لما تقبل قربانه، ولم يتقبل قربان أخيه: (لئن بسطت إلي يدك) ومعناه: لئن مددت إلي يدك (لتقتلني) أي: لان تقتلني (ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) أي: لان أقتلك. قال أهل التفسير إن القتل على سبيل المدافعة، لم يكن مباحا في ذلك الوقت، وكان

[ 317 ]

الصبر عليه هو المأمور به، ليكون الله تعالى هو المتولي للانتصاف، عن الحسن، ومجاهد، واختاره الجبائي. وقيل: إن معنى الاية: (لئن بسطت إلي يدك) على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك على وجه الظلم والابتداء، عن ابن عباس، وجماعة، قالوا: إنه قتله غيلة، بأن ألقى عليه، وهو نائم، صخرة، شدخه بها. قال المرتضى: والظاهر بغير الوجهين أشبه، لانه تعالى أخبر عنه أنه وإن بسط إليه أخوه يده ليقتله (1) أي: وهو مريد لقتله، لان اللام بمعنى كي، وهي منبئة عن الارادة والغرض، ولا شبهة في قبح ذلك، لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم، طلبا للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله، فكأنه قال: لئن ظلمتني، لم أظلمك. (إني أخاف الله رب العالمين) (2) في مدي إليك يدي لقتلك (إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك) معناه: إني لا أبدؤك بالقتل، ولاني أريد أن ترجع بإثم قتلي، إن قتلتني، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي، عن ابن عباس، والحسن، وابن مسعود، وقتادة، ومجاهد، والضحاك. وقال الجبائي، والزجاج: وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك. وقيل: معناه بإثم قتلي، واثمك الذي هو قتل جميع الناس، حيث سننت القتل. ومعنى (تبوء بإثمي): تبوء بعقاب إثمي، لانه لا يجوز لأحد أن يريد معصية الله من غيره، ولكن يجوز أن يريد عقابه المستحق عليه بالمعصية. ومتى قيل: كيف يحسن إرداة عقاب لم يقع سببه، فإن القتل على هذا لم يكن واقعا ؟ فجوابه: إن ذلك بشرط وقوع ما يستحق به العقاب، فهابيل لما رأى من أخيه العزم على قتله، وغلب على ظنه ذلك، جاز أن يريد عقابه، بشرط أن يفعل ما عزم عليه. (فتكون من أصحاب النار) أي فتصير بذلك من الملازمين النار (وذلك جزاء الظالمين) أي: عقاب العاصين، ويحتمل أن يكون هذا إخبار عن قول هابيل، ويحتمل أن يكون ابتداء حكم من الله تعالى. (فطوعت له نفسه) فيه أقوال أحدها: إن معناه شجعته نفسه (على قتل أخيه) أي: على أن يقتل أخاه، عن مجاهد.


(1) [ لا يبسط يده ليقتله ]. (2) [ معناه إني أخاف الله ]. (*)

[ 318 ]

وثانيها: إن المراد زينت له نفسه قتل أخيه وثالثها: إن المراد ساعدته نفسه، وطاوعته نفسه على قتله أخاه، فلما حذف حرف الجر، نصب قتل أخيه. ومن قال: إن معناه زينت له، فيكون قتل أخيه مفعولا به. (فقتله) قال مجاهد: لم يدر قابيل كيف يقتله حتى ظهر له إبليس في صورة طير، فأخذ طيرا آخر، وترك رأسه بين حجرين، فشدخه، ففعل قابيل مثله. وقيل: هو أول قتيل كان في الناس (فأصبح من الخاسرين) أي: صار ممن خسر الدنيا والآخرة، وذهب عنه خيرهما، واستدل بعضهم بقوله: (فأصبح)، على أنه قتله ليلا، وهذا ليس بشئ، لان من عادة العرب أن يقولوا: أصبح فلان خاسر الصفقة: إذا فعل أمرا كانت ثمرته الخسران، يعنون حصوله كذلك، لا أنه تعلق بوقت دون وقت. (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من الندمين [ 31 ] اللغة: أصل البحث: طلب الشئ في التراب، ثم يقال: بحثت عن الامر بحثا وأصل السوأة: التكره، يقال ساءه يسوءه سوءا: إذا أتاه بما يتكرهه. قال سيبويه: الويل كلمة تقال عند الهلكة. وعجزت عن الامر: أعجز، عجزا، ومعجزة، ومعجزة. الاعراب: قال الزجاج: (يا ويلتى) ! الوقف عليها في غير القرآن: يا ويلتاه ! والنداء لغير الآدميين نحو: يا حسرتاه ! ويا ويلتاه ! إنما وقع في كلام العرب على تنبيه المخاطبين، وأن الوقت الذي تدعى له هذه الأشياء، هو وقتها. فالمعنى: يا ويلتي تعالي، فإنه من أوانك أي: قد لزمني الويل، وكذلك يا عجباه ! المعنى يا أيها العجب ! هذا وقتك، هذا على كلام العرب. وقرأ الحسن: (يا ويلتي) ! مضافا، وذكر الازهري أنهما بمعنى. المعنى: (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه) قالوا: كان هابيل أول ميت من الناس، فلذلك لم يدر قابيل كيف يواريه، وكيف يدفنه، حتى بعث الله غرابين أحدهما حي، والآخر ميت. وقيل: كانا حيين، فقتل أحدهما صاحبه، ثم

[ 319 ]

بحث الارض ودفنه فيها، ففعل قابيل به مثل ذلك، عن ابن عباس، وابن مسعود، وجماعة. وفي ذلك دلالة على فساد قول الحسن، والجبائي، وأبي مسلم: إن ابني آدم كانا من بني إسرائيل. وقيل: معناه بعث الله غرابا يبحث التراب على القتيل، فلما رأى قابيل ما أكرم الله به هابيل، وأنه بعث طيرا ليواريه، وتقبل قربانه، (قال يا ويلتى)، عن الاصم. وقيل: كان ملكا في صورة الغراب. وفي هذا دلالة على أن الفعل من الغراب، وإن كان المعني بذلك الطير كان مقصودا، ولذلك أضاف سبحانه بعثه إلى نفسه، ولم يقع اتفاقا كما قاله أبو مسلم، ولكنه تعالى، ألهمه. وقال الجبائي: كان ذلك معجزا مثل حديث الهدهد، وحمله الكتاب، ورده الجواب إلى سليمان، ويجوز أن يزيد الله في فهم الغراب حتى يعرف هذا القدر كما نأمر صبياننا فيفهمون عنا. (ليريه) أي: ليري الغراب قابيل (كيف يواري) أي: كيف يغطي، ويستر (سوأة أخيه) أي: عورة أخيه. وقال الجبائي: يريد جيفة أخيه، لأنه كان تركه حتى أنتن، فقيل لجيفته: سوأة. (قال يا ويلتى أعجزت) ههنا حذف، فإن التقدير ليريه كيف يواري سوأة أخيه، فواراه، فقال القاتل أخاه: يا ويلتى أعجزت (أن أكون) في هذا العلم (مثل هذا الغراب فأواري) أي: أستر (سوأة أخي) والسوأة: عبارة عما يكره. وعما ينكر (فأصبح من النادمين) على قتله، ولكن لم يندم على الوجه الذي يكون توبة، كمن يندم على الشرب، لانه يصدعه، فلذلك لم يقبل ندمه، عن الجبائي. وقيل: من النادمين على حمله، لا على قتله، وقيل من النادمين على موت أخيه، لا على ارتكاب الذنب. القصة: روت العامة عن جعفر الصادق عليه السلام قال: " قتل قابيل هابيل، وتركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره حتى أروح (1)، وعكفت عليه الطير والسباع، تنتظر متى يرمي به فتأكله، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره وبرجله، ثم ألقاه في الحفيرة، وواراه، وقابيل ينظر إليه، فدفن أخاه، وعن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل، أشاك (2) الشجر، وتغيرت الاطعمة، وحمضت الفواكه، وأمر الماء، واغبرت الارض، فقال آدم قد حدث في الارض حدث، فأتى الهند، فإذا قابيل قد قتل


(1) أي انتن. (2) أشاك الشجر: كثر شوكه والظاهر أن المعنى: نبت له الشوك. (*)

[ 320 ]

هابيل، فأنشأ يقول: تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه الصبيح وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل هابيل، مكث آدم سنة حزينا لا يضحك، ثم أتى آت فقيل له: حياك الله وبياك ! أي: أضحكك، قالوا: ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين، ولدت له حواء شيثا، وتفسيره: هبة الله، يعني أنه خلف من هابيل، وكان وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: إذهب طريدا شريدا، فزعا مذعورا، لا يأمن من يراه، وذهب إلى عدن من اليمن، فأتاه إبليس فقال: إنما أكلت النار قربان هابيل، لانه كان يعبدها، فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار، وهو أول من نصب النار وعبدها، واتخذ أولاده آلات اللهو من اليراع، والطبول، والمزامير، والعيدان، وانهمكوا في اللهو، وشرب الخمر، وعبادة النار، والزنا، والفواحش، حتى غرقهم الله أيام نوح بالطوفان، وبقي نسل شيث. (من أجل ذلك كتبنا على بني إسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينت ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون [ 32 ] القراءة: قرأ أبو جعفر يزيد وحده: (من أجل ذلك) مكسورة النون موصولة، والباقون: (من أجل) مقطوعة الهمزة مفتوحة. الحجة: قال ابن جني: يقال ذلك من أجلك، ومن أجلك، ومن جللك، ومن جلالك، ومن جراك، فيجب أن يكون على هذا قراءة أبي جعفر على تخفيف همزة أجل بحذفها، وإلقاء حركتها على نون من كقولك في تخفيف كم إبلك: كم بلك. اللغة: الأجل، في اللغة: الجناية. يقال: أجل عليهم شرا، يأجله أجلا،

[ 321 ]

إذا جنى عليهم جناية، قال خوات بن جبير: وأهل خباء صالح ذات (1) بينهم * قد احتربوا في عاجل أنا آجله أي أنا جانيه. وفي هذا المعنى يقال: جر عليهم جريرة، ثم يقال: فعلت ذلك من جراك، ومن أجلك، أي: من جريرتك، كأنه يقول: أنت جررتني إلى ذلك، وأنت جنيت علي هذا، ومنه الأجل: الوقت، لانه يجر إليه العقد الاول. وأجل: بمعنى نعم، لانه انقياد إلى ما جر إليه. والاجل: القطيع من بقر الوحش، واحد الآجال، لان بعضها ينجر إلى بعض، قال عدي بن زيد: أجل أن الله قد فضلكم * فوق من احكأ صلبا بازار (2) أراد من أجل، فحذف الجار، فوصل الفعل، فنصبه. والإسراف: الخروج من التقتير. والإقتصاد (3) هو التعديل بلا إسراف، ولا إقتار. الاعراب: اختلف في قوله: (من أجل ذلك)، فقيل: إنه من صلة النادمين، أي: من أجل أنه حين قتل أخاه، لم يواره، ندم. وروي عن نافع أنه كان يقف على قوله (من أجل ذلك) ويجعله من تمام الكلام الاول. وعامة المفسرين على أن قوله (من أجل ذلك) ابتداء كلام، وليس بمتصل بما قبله، واحتج ابن الانباري لهذا بأنه رأس آية، ورأس الآية فصل، قال: ولان من جعله من صلة الندم أسقط العلة للكتابة، ومن جعله من صلة الكتابة، لا يسقط معنى الندم، إذ قد يقدم ما كشف عنه، فكان هذا أولى. المعنى: ثم بين سبحانه التكليف في باب القتل، فقال: (من أجل ذلك)، قال الزجاج: معناه من جناية ذلك، وذلك إشارة إلى قتل أحد ابني آدم أخاه ظلما. (كتبنا على بني إسرائيل) أي: حكمنا عليهم، وفرضنا (أنه من قتل نفسا) أي: من قتل منهم نفسا ظلما (بغير نفس) أي: بغير قود، عن ابن عباس (أو فساد في الارض) أو من قتل منهم نفسا بغير فساد كان منها في الارض، فاستحقت بذلك


(1) في لسان العرب كنت بينهم. (2) أحكأ العقدة: شدها وأحكمها. أراد فوق من احكأ ازارا يصلب معناه فضلكم على من ائتزر فشد صلبه بازار أي فوق الناس اجمعين لان الناس كلهم يحكئون ازرهم بأصلابهم. (3) [ وضده التقتير والاقتصاد ]. (*)

[ 322 ]

قتلها. وفسادها في الارض، إنما يكون بالحرب لله ولرسوله، وإخافة السبيل على ما ذكره الله في قوله (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الاية. (فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) قيل في تأويله أقوال أحدها: إن معناه هو أن الناس كلهم خصماؤه في قتل ذلك الانسان، وقد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعا، فأوصل إليهم من المكر وما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول، فكأنه قتلهم كلهم، ومن استنقذها من غرق، أو حرق، أو هدم، أو ما يميت، لا محالة، أو استنقذها من ضلال، فكأنما أحيا الناس جميعا أي: أجره على الله أجر من أحياهم جميعا، لانه في إسدائه المعروف إليهم، بإحيائه أخاهم المؤمن، بمنزلة من أحيا كل واحد منهم، عن مجاهد، والزجاج، واختاره ابن الانباري، وهذا المعنى مروي عن أبي عبد الله عليه السلام. ثم قال: وأفضل من ذلك أن يخرجها من ضلال إلى هدى. وثانيها: إن معناه من قتل نبيا، أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعا أي: يعذب عليه كما لو قتل الناس كلهم، ومن شد على عضد نبي، أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعا في استحقاق الثواب، عن ابن عباس. وثالثها: إن معناه من قتل نفسا بغير حق فعليه (1) مأثم كل قاتل من الناس، لانه سن القتل وسهله لغيره، فكان بمنزلة المشارك فيه، ومن زجر عن قتلها بما فيه حياتها، على وجه يقتدى به فيه، بأن يعظم تحريم قتلها، كما حرمه الله، فلم يقدم على قتلها، لذلك فقد أحيا الناس بسلامتهم منه، فذلك إحياؤه إياها، عن أبي علي الجبائي، وهو اختيار الطبري. ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". ورابعها: إن المراد فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ، عن ابن مسعود، وغيره من الصحابة. وخامسها: إن معناه يجب عليه من القصاص بقتلها، مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا، ومن عفا عن دمها، وقد وجب القود عليها، كان كما لو عفا عن الناس جميعا، عن الحسن، وابن زيد، والله سبحانه هو المحيي للخلق، لا يقدر على خلق الحياة غيره، وإنما قال (أحياها) على سبيل المجاز، كما حكى عن نمرود أنه قال: " أنا


(1) [ مثل ]. (*)

[ 323 ]

أحيي وأميت، فاستبقي واحدا، وقتل الآخر. وقوله (ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات) معناه: ولقد أتت بني إسرائيل الذي ذكرنا قصصهم وأخبارهم رسلنا بالبينات الواضحة، والمعجزات الدالة على صدقهم، وصحة نبوتهم (ثم إن كثيرا منهم) يعني من بني إسرائيل (بعد ذلك في الارض لمسرفون) أي: مجاوزون حد الحق بالشرك، عن الكلبي وبالقتل عن غيره، والاولى أن يكون عاما في كل مجاوز عن حق، ويؤيده ما روي عن أبي جعفر عليه السلام المسرفون: هم الذين يستحلون المحارم، ويسفكون الدماء. (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ 33 ] إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم [ 34 ] اللغة: أصل النفي: الإهلاك بالإعدام، ومنه النفاية لردئ المتاع، ومنه النفي: وهو ما تطاير من الماء عن الدلو، قال الراجز: كأن متنيه من النفي * مواقع الطير على الصفي (1) والنفي: الطرد، قال أوس بن حجر: ينفون من طرق الكرام كما * ينفي المطارق ما يلي القرد (2) والخزي: الفضيحة، يقال خزي يخزى خزيا: إذا افتضح. وخزي يخزى خزاية، فهو خزيان: إذا استحيى. وخزوته أخزوه: إذا سسته، ومنه قول لبيد


(1) الصفي جمع الصفاة: الحجر الصلد الضخم، شبه الماء. وقد وقع على متن المستقى، بذرق الطائر على الصفي. (2) المطارق جمع المطرقة: القضيب يضرب به النجاد الصوف. القرد محركة: نفاية الصوف والوبر. (*)

[ 324 ]

(واخزها بالبر لله الأجل) (1). الاعراب: (فسادا): مصدر وضع موضع الحال أي: يسعون في الارض مفسدين و (أن يقتلوا): في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ الذي هو (جزاء الذين تابوا). ويحتمل أن يكون في موضع رفع بالابتداء وخبره (فاعلموا أن الله غفور رحيم). ويجوز أن يكون في موضع نصب بالاستثناء من قوله (أن يقتلوا) إلى ما بعده من الحد. النزول: إختلف في سبب نزول الاية، فقيل: نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي موادعة، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الارض، عن ابن عباس، والضحاك. وقيل: نزلت في أهل الشرك، عن الحسن، وعكرمة. وقيل: نزلت في العرينيين لما نزلوا المدينة (2) للاسلام واستوخموها (3)، واصفرت ألوانهم، فأمرهم النبي أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا ذلك، فصحوا، ثم مالوا إلى الرعاة، فقتلوهم واستاقوا الابل، وارتدوا عن الاسلام، فأخذهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم (4)، عن قتادة وسعيد بن جبير، والسدي. وقيل: نزلت في قطاع الطريق، عن أكثر المفسرين، وعليه جل الفقهاء. المعنى: لما قدم تعالى ذكر القتل وحكمه، عقبه بذكر قطاع الطريق، والحكم فيهم، فقال. (إنما جزاء الذين يحاربون الله) أي: أولياء الله، كقوله تعالى (والذين يؤذون الله) (ورسوله) أي: يحاربون رسوله (ويسعون في الارض فسادا) المروي عن أهل البيت عليهم السلام: إن المحارب هو كل من شهر السلاح وأخاف الطريق سواء كان في المصر، أو خارج المصر، فإن اللص المحارب في المصر، وخارج المصر، سواء، وهو مذهب الشافعي، والاوزاعي، ومالك. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المحارب هو قاطع الطريق في غير المصر، وهو المروي عن عطا


(1) وقبله: اكذب النفس إذا حدثتها * إن صدق النفس يزري بالامل * غير أن لا تكذبنها في التقى * واخزها الخ. (2) [ مظهرين ]. (3) استوخم المكان: استثقله ولم يوافق هواءه بدنه. (4) سمل عينه: فقأها. (*)

[ 325 ]

الخراساني. والمعنى في قوله (إنما جزاؤهم) (1) إلا هذا عن الزجاج، قال: لان القائل إذا قال: جزاؤك دينار، فجائز أن يكون معه غيره، وإذا قال: إنما جزاؤك دينار، كان المعنى ما جزاؤك إلا دينار. (أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم) قال أبو جعفر، وأبو عبد الله عليهما السلام: " إنما جزاء المحارب على قدر استحقاقه، فإن قتل فجزاؤه أن يقتل، وإن قتل وأخذ المال، فجزاؤه أن يقتل ويصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل، فجزاؤه أن تقطع يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط، فإنما عليه النفي لا غير " وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، والربيع. وعلى هذا فإن أو ليست للاباحة هنا، وإنما هي مرتبة الحكم باختلاف الجناية. وقال الشافعي: " إن أخذ المال جهرا، كان للامام صلبه حيا، ولم يقتل، قال: ويحد كل واحد بقدر فعله، فمن وجب عليه القتل. والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثا، ثم ينزل ". قال أبو عبيد: " سألت محمد بن الحسن عن قوله (أو يصلبوا) فقال: هو أن يصلب حيا، ثم يطعن بالرماح، حتى يقتل ". وهو رأي أبي حنيفة، فقيل له: هذا مثلة ؟ قال: المثلة يراد به. وقيل معنى أو ها هنا للاباحة والتخيير، أي: إن شاء الامام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، عن الحسن، وسعيد بن المسيب، ومجاهد. وقد روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. وقوله: (من خلاف) معناه اليد اليمنى، والرجل اليسرى (أو ينفوا من الارض) قيل فيه أقوال، والذي يذهب إليه أصحابنا الامامية: أن ينفى من بلد إلى. بلد، حتى يتوب ويرجع، وبه قال ابن عباس، والحسن، والسدي، وسعيد بن جبير، وغيرهم، وإليه ذهب الشافعي، قال أصحابنا: ولا يمكن من الدخول إلى بلاد الشرك، ويقاتل المشركون على تمكينهم من الدخول إلى بلادهم، حتى يتوبوا. وقيل: هو أن ينفى من بلده إلى بلد غيره، عن عمر بن عبد العزيز، وعن سعيد بن جبير، في رواية أخرى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن النفي هو الحبس والسجن، واحتجوا بأن المسجون يكون بمنزلة المخرج من الدنيا، إذا كان ممنوعا من التصرف، محولا بينه وبين أهله، مع مقاساته الشدائد في الحبس، وأنشد قول بعض المسجونين:


(1) [ ما جزاؤهم ]. (*)

[ 326 ]

خرجنا من الدنيا، ونحن من أهلها، * فلسنا من الاحياء فيها، ولا الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجة، * عجبنا وقلنا: جاء هذا من الذنيا (ذلك) أي: فعل ما ذكرناه (لهم خزي) أي: فضيحة وهوان (في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم) زيادة على ذلك. وفي هذا دلالة على بطلان قول من ذهب إلى أن إقامة الحدود تكفير للمعاصي، لانه سبحانه بين أن لهم في الاخرة عذابا عظيما، مع أنه أقيمت عليهم الحدود. والمعنى أنهم يستحقون العذاب العظيم، وليس في الاية أنه يفعل ذلك بهم لا محالة، لانه يجوز أن يعفو الله عنهم، ويتفضل عليهم بإسقاط ما يستحقونه من العذاب الاكبر. (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) لما بين سبحانه حكم المحارب، استثنى من جملتهم من يتوب مما ارتكبه، قبل أن يؤخذ ويقدر عليه، لان توبته بعد قيام البينة عليه، ووقوعه في يد الامام، لا تنفعه، بل يجب إقامة الحد عليه (فاعلموا أن الله غفور رحيم) يقبل توبته، ويدخله الجنة. وفي هذه الاية حجة على من قال: لا تصح التوبة من معصية مع الاقامة على معصية أخرى يعلم صاحبها أنها معصية، لانه تعالى علق بالتوبة حكما لا تخل به الاقامة على معصية، هي السكر، أو غيره. (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجهدوا في سبيله لعلكم تفلحون [ 35 ] اللغة: أصل الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: إتقى السيف بالترس، ويقال: اتقوا الغريم بحقه. والوسيلة: فعيلة من قولهم: توسلت إليه أي: تقربت، قال عنترة بن شداد: إن الرجال لهم إليك وسيلة * إن يأخذوك تلجلجي وتحصني (1) ويقال: وسل إليه أي: تقرب، قال لبيد " بلى كل ذي رأي إلى الله واسل " فمعنى الوسيلة: الوصلة والقربة.


(1) لجلج: تردد في الكلام. (*)

[ 327 ]

المعنى: لما تقدم ذكر القتل والمحاربين، عقب ذلك بالموعظة، والامر بالتقوى، فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي: اتقوا معاصيه واجتنبوها، (وابتغوا إليه الوسيلة) أي: اطلبوا إليه القربة بالطاعات، عن الحسن، ومجاهد، وعطا، والسدي، وغيرهم، فكأنه قال: تقربوا إليه بما يرضيه من الطاعات. وقيل: الوسيلة أفضل درجات الجنة، عن عطا، أيضا وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة، لا ينالها إلا عبد واحد، وأرجو أن أكون أنا هو ". وروى سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام، قال: في " الجنة لؤلؤتان إلى بطنان العرش، إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء، في كل واحدة منهما سبعون ألف غرفة، أبوابها وأكوابها من عرق واحدة، فالبيضاء الوسيلة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، والصفراء لإبراهيم وأهل بيته " (وجاهدوا في سبيله) أي: في طريق دينه مع أعدائه، أمر سبحانه بالجهاد في دين الله، لانه وصلة إلى ثوابه، والدليل على الشئ: طريق إلى العلم به، والتعرض للشئ: طريق إلى الوقوع فيه، واللطف: طريق إلى طاعة الله، والجهاد في سبيل الله: قد يكون باليد، واللسان، والقلب، وبالسيف، والقول، والكتاب. (لعلكم تفلحون) أي: لكي تظفروا بنعيم الابد. والمعنى: إعملوا على رجاء الفلاح والفوز. وقيل: لعل وعسى من الله واجب، فكأنه قال: إعملوا لتفلحوا. (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم [ 36 ] يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها ولهم عذاب مقيم [ 37 ] الاعراب: خبر إن في لو وجوابها. وقوله (ولهم عذاب أليم) يحتمل أن يكون في موضع الحال، وأن يكون عطفا على خبر إن، ولا يجوز أن يكون الخبر (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها) ولو في موضع الحال، كما تقول: مررت بزيد لو رآه عدوه لرحمه، لانه في موضع معتمد الفائدة، مع أن الثاني في استئناف

[ 328 ]

آية، وإنما أجيبت لو بما، ولم يجز أن يجاب إن بما، لان ما لها صدر الكلام، وجواب لو لا يخرجها من هذا المعنى، كما لا يخرجها جواب القسم، لانه غير عامل.، وإن عاملة، فلذلك صلح أن يجاب إن بلا، ولم يصلح أن يجاب بما تقول إن تأتني لا يلحقك سوء، ولا يجوز ما لان لا تنفي عما بعدها، ما وجب لما قبلها، في أصل موضوعها، كقولك: قام زيد لا عمرو، وما تنفي عما بعدها، ما لم يجب لغيرها، فلذلك كان لها صدر الكلام. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن وعيد الكفار، فقال: (إن الذين كفروا لو أن لهم) أي: لكل واحد منهم (ما في الارض جميعا) من المال، والولاية، والملك، (ومثله) أي: مثل ذلك، (معه ليفتدوا به) أي: ليجعلوا ذلك فداهم وبدلهم، (من عذاب يوم القيامة) الذي يستحقونه على كفرهم، فافتدوا بذلك (ما تقبل منهم) ذلك الفداء (ولهم عذاب أليم) أي: وجيع (يريدون أن يخرجوا من النار) أي: يتمنون أن يخرجوا من النار، عن أبي علي الجبائي، قال: لان الارادة هنا بمعنى التمني. وقيل: معناه الارادة على الحقيقة أي: كلما دفعتهم النار بلهبها، رجوا أن يخرجوا، وهو كقوله (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) عن الحسن. وقيل: معناه يكادون يخرجون منها إذا دفعتهم النار بلهبها، كما قال سبحانه: (جدارا يريد أن ينقض فأقامه) أي: يكاد ويقارب. فإن قال قائل كيف يجوز أن يريدوا الخروج من النار مع علمهم بأنهم لا يخرجون منها ؟ فالجواب: إن العلم بأن الشئ لا يكون، لا يصرف عن إرادته، كما أن العلم بأنه يكون، لا يصرف عن إرادته، وإنما الداعي إلى الارادة حسنها، والحاجة إليها. (وما هم بخارجين منها) يعني جهنم. (ولهم عذاب مقيم) أي: دائم ثابت لا يزول، ولا يحول، كما قال الشاعر: فإن لكم بيوم الشعب مني * عذابا دائما لكم مقيما (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله والله عزيز حكيم [ 38 ] فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب

[ 329 ]

عليه إن الله غفور رحيم [ 39 ] ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير [ 40 ] الاعراب: قال سيبويه، وكثير من النحويين: ارتفع السارق والسارقة على معنى: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة أي: حكم السارق والسارقة، ومثله قوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا) (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما). قال سيبويه: والاختيار في هذا النصب في العربية، كما تقول: زيدا اضربه، وأبت العامة القراءة إلا بالرفع، يعني بالعامة: الجماعة. وقرأ عيسى بن عمرو (السارق والسارقة)، وكذلك: (الزانية والزاني). وقال أبو العباس المبرد: الاختيار فيه الرفع بالابتداء، لان القصد ليس إلى واحد بعينه، فليس هو مثل قولك: زيدا فاضربه، إنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنى فاجلده. قال الزجاج: وهذا القول هو المختار، وإنما دخلت الفاء في الخبر للشرط المنوي، وذكر في قراءة ابن مسعود: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم). وإنما قال: (أيديهما)، ولم يقل: يديهما، لانه أراد يمينا من هذا، ويمينا من هذه، فجمع، إذ ليس في الجسد إلا يمين واحدة. قال الفراء: وكل شئ موحد من خلق الانسان، إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا، جمع فقيل: قد هشمت رؤوسهما، وملات ظهورهما وبطونهما ضربا. ومثله قوله (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) قال: وإنما اختير الجمع على التثنية، لان أكثر ما يكون عليه الجوارح اثنان اثنان في الانسان، كاليدين، والرجلين، واثنان من اثنين جمع لذلك، يقال: قطعت أرجلهما، وفقأت عيونهما، فلما جرى الأكثر على هذا، ذهب بالواحد إذا أضيف إلى اثنين، مذهب الاثنين. قال: ويجوز التثنية، كقول الهذلي: فتخالسا نفسيهما بنوافذ * كنوافذ العبط التي لا ترفع (1) لانه الاصل، ويجوز هذا أيضا فيما ليس من خلق الانسان، كقولك للاثنين: خليتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين. قال: ويجوز التوحيد أيضا، لو قلت في


(1) تخالس القرنان وتخالسا نفسيهما. رام كل واحد منهما اختلاس صاحبه. النوافذ: الجروح النافذة والجيوب. العبط جمع العبط: الشق. شبه سعة الجراحات بجيوب الاقمصة التي لا ترقع. (*)

[ 330 ]

الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يمينهما جاز، لان المعنى اليمين من كل واحد منهما، قال الشاعر: (كلوا في بعض بطنكم تعيشوا). ويجوز في الكلام أن تقول: ائتني برأس شاتين، وبرأسي شاة، فمن قال: برأس شاتين، أراد الرأس من كل شاة منهما. ومن قال: برأسي شاة، أراد رأسي هذا الجنس. قال الزجاج: إنما جمع ما كان في الشئ منه واحد عند الاضافة إلى الاثنين، لان الاضافة تبين أن المراد بذلك الجمع التثنية، لا الجمع، وذلك أنك إذا قلت: أشبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين فقط. وأصل التثنية الجمع، لانك إذا ثنيت الواحد فقد جمعت واحدا إلى واحد، وربما كان لفظ الجمع أخف من لفظ الاثنين، فيختار لفظ الجمع، ولا يشتبه ذلك بالتثنية عند الاضافة إلى اثنين، لانك إذا قلت: قلوبهما، فالتثنية في هما، قد أغنتك عن تثنية القلب. قال: وإن ثني ما كان في الشئ منه واحد، فذلك جائز عند جميع النحويين، وأنشد: (ظهراهما مثل ظهور الترسين) فجاء باللغتين، وهذا كما حكينا عن الفراء في قول الهذلي (فتخالسا نفسيهما) البيت. وقوله (جزاء بما كسبا) قال الزجاج: انتصب (جزاء) بأنه مفعول له، وكذلك (نكالا من الله) وإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه (فاقطعوا) لان معنى (فاقطعوا) جازوهم ونكلوا بهم. قال الازهري: تقديره لينكل غيره نكالا عن مثل فعله، من نكل ينكل: إذا جبن. المعنى: لما ذكر تعالى الحكم فيمن أخذ المال جهارا، عقبه ببيان الحكم فيمن أخذ المال إسرارا، فقال (والسارق والسارقة) والالف واللام للجنس، فالمعنى كل من سرق رجلا كان، أو امرأة، وبدأ بالسارق هنا، لان الغالب وجود السرقة في الرجال، وبدأ في آية الزنا بالنساء، فقال: (الزانية والزاني) لان الغالب وجود ذلك في النساء (فاقطعوا أيديهما) أي: أيمانهما، عن ابن عباس، والحسن، والسدي، وعامة التابعين. قال أبو علي: في تخطي المسلمين إلى قطع الرجل اليسرى بعد قطع اليمنى، وتركهم قطع اليد اليسرى، دلالة على أن اليد اليسرى لم ترد بقوله (فاقطعوا أيديهما)، ألا ترى أنها لو أريدت بذلك لم يكونوا ليدعوا نص القرآن إلى غيره، وهذا يدل على أن جمع اليد في هذه الاية على حد جمع القلب، في قوله (فقد صغت قلوبكما) ودلت قراءة عبد الله بن مسعود، على

[ 331 ]

أن المراد بالايدي الايمان. قال العلماء: إن هذه الاية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وبيان ذلك مأخوذ من السنة. واختلف في القدر الذي يقطع به يد السارق، فقال أصحابنا: يقطع في ربع دينار فصاعدا، وهو مذهب الشافعي، والاوزاعي، وأبي ثور، ورووا عن عائشة عن النبي أنه قال: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ". وذهب أبو حنيفة وأصحابه أنه يقطع في عشرة دراهم فصاعدا، واحتجوا بما روي عن عطا، عن ابن عباس: " إن أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن " (1) قال: وكان ثمن المجن على عهد رسول الله عشرة دراهم. وذهب مالك أنه يقطع في ثلاثة دراهم فصاعد !. وروي عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع سارقا في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. وقال بعضهم: لا تقطع الخمس إلا في خمسة دراهم، واختاره أبو علي الجبائي، وقال: لانه بمنزلة من منع خمسة دراهم من الزكاة في أنه فاسق. وقال بعضهم: تقطع يد السارق في القليل والكثير، وإليه ذهب الخوارج، واحتجوا بعموم الاية، وبما روي عن النبي أنه قال: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " وهذا الخبر قد طعن أصحاب الحديث في سنده، وذكر أيضا في تأويله: إن المراد بالبيضة بيضة الحديد التي تغفر الرأس في الحرب، وبالحبل حبل السفينة. واختلف أيضا في كيفية القطع، فقال أكثر الفقهاء: إنه إنما يقطع من الرسغ، وهو المفصل بين الكف والساعد، ثم إن عند الشافعي تقطع يده اليمنى في المرة الاولى، ورجله اليسرى في المرة الثانية، ويده اليسرى في المرة الثالثة، ورجله اليمنى في المرة الرابعة، ويحبس في المرة الخامسة، وعند أبي حنيفة لا تقطع في الثالثة. وقال أصحابنا: إنه تقطع من أصول الاصابع، وتترك له الابهام والكف، وفي المرة الثانية تقطع رجله اليسرى من أصل الساق، ويترك عقبه، يعتمد عليها في الصلاة، فإن سرق بعد ذلك خلد في السجن، وهو المشهور عن علي عليه السلام، وأجمعت الطائفة عليه، وقد استدل على ذلك أيضا بقوله (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) ولا شك في أنهم إنما يكتبونه بالاصابع. ولا خلاف أن السارق إنما يجب


(1) المجن: الترس. (*)

[ 332 ]

عليه القطع، إذا سرق من حرز، إلا ما روي عن داود، أنه قال: " يقطع السارق وإن سرق من غير حرز " والحرز في كل شئ إنما يعتبر فيه حرز مثله في العادة، وحده عندنا كل موضع لم يكن لغير مالكه الدخول إليه، والتصرف فيه إلا بإذنه (جزاء بما كسبا) أي: إفعلوا ذلك بهما مجازاة بكسبهما وفعلهما (نكالا من الله) أي: عقوبة على ما فعلاه قال زهير: ولولا أن ينال أبا طريف عذاب من خزيمة أو نكال أي: عقوبة (1). (فمن تاب من بعد ظلمه) أي: أقلع وندم على ما كان منه من فعل الظلم بالسرقة (وأصلح) أي: وفعل الفعل الصالح الجميل (فإن الله يتوب عليه) أي: يقبل توبته بإسقاط العقاب بها عن المعصية التي تاب منها، ووصف الله بأنه يتوب على التائب فيه فائدة عظيمة، وهي أن في ذلك ترغيبا للعاصي في فعل التوبة، ولذلك وصف نفسه تعالى بالتواب الرحيم، ووصف العبد بأنه تواب، ومعناه أواب، وهو من صفات المدح (إن الله غفور رحيم): فيه دلالة على أن قبول التوبة تفضل من الله. (ألم تعلم) قيل: هو خطاب للنبي، والمراد به أمته، كقوله (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) وقيل: هو خطاب للمكلفين، وتقديره: ألم تعلم يا إنسان، وإنما يتصل هذا الخطاب بما قبله اتصال الحجاج والبيان عن صحة ما تقدم من الوعد والوعيد، والاحكام، ومعناه: ألم تعلم يا إنسان (أن الله له ملك السموات والارض) أي: له التصرف فيهما بلا دافع، ولا منازع. (يعذب من يشاء) إذا كان مستحقا للعقاب، (ويغفر لمن يشاء) إذا عصاه، ولم يتب، لانه إذا تاب فقد وعده تعالى بأنه لا يؤاخذه بذلك بعد التوبة، وعند أهل الوعيد: يقبح منه أن يؤاخذه بعد التوبة. فعلى الوجهين مما لا تعلق لذلك بالمشيئة (والله على كل شئ قدير) مر معناه. (يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسرعون في الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمعون للكذب سمعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون


(1) [ (والله عزيز) لا يغلب، ولا يقهر عباده (حكيم) يفعل على وجه الحكمة ]. (*)

[ 333 ]

الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الأخرة عذاب عظيم [ 41 ] اللغة: (سماعون للكذب): أي قابلون له، يقال لا تستمع من فلان قوله أي: لا تقبل. ومنه: سمع الله لمن حمده أي: تقبل الله منه حمده، وفيه وجه آخر وهو: إن معناه أنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك، والسماع: الجاسوس. والفتنة: الاختبار، وأصله التخليص من قولهم فتنت الذهب في النار: أي خلصته من الغش. الاعراب: ارتفع (سماعون) لانه خبر مبتدأ محذوف: أي هم سماعون، ويجوز أن يرتفع على معنى (ومن الذين هادوا سماعون) فيكون مبتدئا على قول سيبويه، ومعمولا لمنهم، على قول الاخفش، تقديره: ومنهم فريق سماعون للكذب. وقوله (لم يأتوك) في موضع جر، لانه صفة لقوم. وقوله (يحرفون الكلم) صفة لقوله (سماعون)، فيكون موضعه رفعا، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على أنه حال من الضمير في اسم الفاعل، أي: محرفين الكلم بمعنى مقدرين تحريفه أي: يسمعون كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويقدرون في أنفسهم تحريف ما يسمعون، كقولهم: معه صقر صائدا به غدا وقوله: (من بعد مواضعه) من باب حذف المضاف، والتقدير: من بعد وضعه كلامه مواضعه، ولو قال في معناه: عن مواضعه لجاز، لان معناهما متقارب كما يقال: أتيتك بعد فراغي من الشغل، وعن فراغي منه، ولا يجوز أن يقول: رميت بعد القوس، بدلا من قولك: رميت عن القوس، لان المعنى يختلف، وذلك أن عن لما عدا الشئ الذي هو كالسبب له، وبعد: إنما هو لما تأخر عن كون الشئ، فما صح فيه معنى السبب، ومعنى التأخر، جاز فيه الامران، وما لم يصح فيه إلا أحد الامرين، لم يجز إلا أحد الحرفين. النزول: قال الباقر عليه السلام وجماعة من المفسرين: إن امرأة من خيبر، ذات شرف بينهم، زنت مع رجل من أشرافهم، وهما محصنان، فكرهوا رجمهما،

[ 334 ]

فأرسلوا إلى يهود المدينة، وكتبوا إليهم، أن يسألوا النبي عن ذلك، طمعا في أن يأتي لهم برخصة، فانطلق قوم منهم: كعب بن الاشرف، وكعب بن أسيد، وشعبة بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم، فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا، ما حدهما ؟ فقال: وهل ترضون بقضائي في ذلك ؟ قالوا: نعم. فنزل جبرائيل بالرجم، فأخبرهم بذلك، فأبوا أن يأخذوا به، فقال جبرائيل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه له. فقال النبي: هل تعرفون شابا أمرد، أبيض، أعور، يسكن فدكا يقال له ابن صوريا ؟ قالوا: نعم. قال: فأي رجل هو فيكم ؟ قالوا: أعلم يهودي بقي على ظهر الارض بما أنزل الله على موسى. قال: فأرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم عبد الله بن صوريا، فقال له النبي: إني أنشدك الله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق لكم البحر، وأنجاكم، وأغرق آل فرعون، وظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المن والسلوى، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن ؟ قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به، لولا خشية أن يحرقني رب التوراة إن كذبت أو غيرت، ما اعترفت لك، ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمد ؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول، أنه قد أدخله فيها، كما يدخل الميل في المكحلة، وجب عليه الرجم. قال ابن صوريا: هكذا أنزل الله في التوراة على موسى. فقال له النبي: فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله ؟ قال: كنا إذا زنى الشريف تركناه، وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنا في أشرافنا، حتى زنى ابن عم ملك لنا، فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر، فأراد الملك رجمه، فقال له قومه: لا حتى ترجم فلانا، يعنون ابن عمه. فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم، يكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة، ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين، ويجعل وجوههما من قبل دبر الحمار، ويطاف بهما. فجعلوا هذا مكان الرجم. فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت لما أتينا عليك بأهل، ولكنك كنت غائبا، فكرهنا أن نغتابك ! فقال: إنه أنشدني بالتوراة، ولولا ذلك لما أخبرته به. فأمر بهما النبي فرجما عند باب مسجده. وقال: أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأنزل الله فيه: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير) فقام ابن صوريا، فوضع يديه على ركبتي

[ 335 ]

رسول الله، ثم قال: هذا مقام العائذ بالله وبك، أن تذكر لنا الكثير الذي أمرت أن تعفو عنه، فأعرض النبي عن ذلك. ثم سأله ابن صوريا عن نومه ؟ فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي. فقال: صدقت، وأخبرني عن شبه الولد بأبيه، ليس فيه من شبه أمه شئ، أو بأمه ليس فيه من شبه أبيه شئ ؟ فقال أيهما علا وسبق (1) ماء صاحبه، كان الشبه له. قال: قد صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه ؟ قال: فأغمي على رسول الله طويلا، ثم خلي عنه محمرا وجهه، يفيض عرقا، فقال: اللحم، والدم، والظفر، والشحم (2) للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل. قال له: صدقت أمرك أمر نبي. فأسلم ابن صوريا عند ذلك، وقال: يا محمد من يأتيك من الملائكة ؟ قال: جبرائيل. قال: صفه لي. فوصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أشهد أنه في التوراة كما قلت، وأنك رسول الله حقا. فلما أسلم ابن صوريا، وقعت فيه اليهود وشتموه، فلما أرادوا أن ينهضوا، تعلقت بنو قريضة ببني النضير، فقالوا: يا محمد إخواننا بنو النضير: أبونا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا، لم يقد وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتيلا، قتلوا القاتل، وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة، قتلوا بها الرجل منا، وبالرجل منهم رجلين منا، وبالعبد الحر منا، وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم فأنزل الله في الرجم والقصاص الايات. المعنى: لما تقدم ذكر اليهود والنصارى، عقبه سبحانه بتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمانه من كيدهم فقال: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون) أي: لا يغمك. وقرئ لا يحزنك. ومعناهما واحد (الذين يسارعون) أي: مسارعة الذين يسارعون (في الكفر) أي: يبادرون فيه بالاصرار عليه والتمسك به (من) المنافقين (الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا) أي: ومن اليهود (سماعون للكذب) قيل: هو كناية عن اليهود والمنافقين. وقيل: عن اليهود خاصة. والمعنى: سماعون قولك ليكذبوا عليك (سماعون) كلامك (لقوم آخرين لم يأتوك) ليكذبوا عليك إذا رجعوا (3) أي: هم عيون عليك، لانهم كانوا رسل


(1) [ ماؤه ]. (2) وفي نسختين مخطوطتين " الشعر " بدل " الشحم ". (3) [ إليهم ]. (*)

[ 336 ]

خيبر، وأهل خيبر لم يحضروا، عن الحسن، والزجاج، واختاره أبو علي. وقيل: معنى (سماعون) أي: قائلون للكذب، سماعون لقوم آخرين، أرسلوهم في قصة زان محصن، فقالوا لهم: إن أفتاكم محمد بالجلد، فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فلا تقبلوه، لانهم كانوا حرفوا حكم الرجم الذي في التوراة، عن ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب، والسدي. وقيل: إنما كان ذلك في قتيل منهم قالوا: إن أفتاكم بالدية فاقبلوه، وإن أفتاكم بالقود فاحذروه، عن قتادة. وقال أبو جعفر: كان ذلك في أمر بني النضير، وبني قريضة (يحرفون الكلم) أي: كلام الله (من بعد مواضعه) أي: من بعد أن وضعه الله مواضعه أي: فرض فروضه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، يعني بذلك ما غيروه من حكم الله في الزنا، ونقلوه من الرجم إلى أربعين جلدة عن جماعة من المفسرين. وقيل: نقلوا حكم القتل من القود إلى الدية، حتى كثر القتل فيهم، عن قتادة. وقيل: أراد به تحريفهم التوراة بتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال فيها. وقيل: معناه يحرفون كلام النبي بعد سماعه، ويكذبون عليه، عن الحسن، وأبي علي الجبائي. وكانوا يكتبون بذلك إلى خيبر، وكان أهل خيبر حربا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: إن اليهود كيف يؤمنون بك مع أنهم يحرفون كلام الله في التوراة ويحرفون كلامك (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) أي: يقول يهود خيبر ليهود المدينة: إن أعطيتم هذا أي: إن أمركم محمد بالجلد، فاقبلوه، وإن لم تعطوه يعني الجلد أي: إن أفتاكم محمد بالرجم فاحذروه، عن الحسن (1) معناه: إن أوتيتم الدية فاقبلوه، وإن أوتيتم القود فلا تقبلوه. (ومن يرد الله فتنته) قيل فيه أقوال أحدها: إن الفتنة العذاب أي: من يرد الله عذابه كقوله تعالى (على النار يفتنون) أي: يعذبون، وقوله (ذوقوا فتنتكم) أي: عذابكم، عن الحسن، وقتادة، واختاره الجبائي، وأبو مسلم. وثانيها: إن معناه: من يرد الله هلاكه عن السدي، والضحاك. وثالثها: إن المراد من يرد الله خزيه وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه، عن الزجاج. ورابعها: إن المراد من يرد الله اختياره بما يبتليه به من القيام بحدوده، فيدع ذلك ويحرفه، والاصح الاول (فلن تملك له من الله شيئا) أي: فلن تستطيع ان تدفع لاجله من أمر الله الذي هو


(1) [ وقيل ]. (*)

[ 337 ]

العذاب، أو الفضيحة، أو الهلاك، شيئا (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) معناه: أولئك اليهود لم يرد الله أن يطهر من عقوبات الكفر التي هي الختم والطبع والضيق قلوبهم، كما طهر قلوب المؤمنين منها، بأن كتب في قلوبهم الايمان، وشرح صدورهم للاسلام، عن الجبائي، والحسن. وقيل: معناه لم يرد الله أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها، أنها بريئة منه، ممدوحة بالايمان، عن البلخي. قال القاضي: وهذا لا يدل على أنه سبحانه لم يرد منهم الايمان، لان ذلك لا يعقل من تطهير القلب إلا على جهة التوسع، ولان قوله: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، يقتضي نفي كونه مريدا، وليس فيه بيان الوجه الذي لم يرد ذلك عليه. والمراد بذلك أنه لم يرد تطهير قلوبهم مما يلحقها من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب. ولذلك قال عقيبه: (لهم في الدنيا خزي ولهم في الاخرة عذاب عظيم). ولو كان أراد ما قاله المجبرة، لم يجعل ذلك ذما لهم، ولا عقبه بالذم، ولا جعله في حكم الجزاء على ما لاجله عاقبهم، وأراد ذلك منهم، والخزي الذي لهم في الدنيا، هو ما لحقهم من الذل والصغار والفضيحة، بإلزام الجزية، وإظهار كذبهم في كتمان الرجم، وإجلاء بني النضير من ديارهم، وخزي المنافقين بإطلاع النبي على كفرهم. (سمعون للكذب أكلون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين [ 42 ] وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين [ 43 ] القراءة: (السحت): بضم السين والحاء مكي بصري، والكسائي وأبو جعفر، وقرأ الباقون: (السحت) بإسكان الحاء. الحجة: قال أبو علي: السحت والسحت لغتان، ويستمر التخفيف والتثقيل في هذا النحو، وهما اسم الشئ المسحوت، كما أوقع الضرب على المضروب في

[ 338 ]

قولهم: هذا الدرهم ضرب الامير، والصيد على المصيد في قوله (ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم). اللغة: أصل السحت: الاستئصال. يقال: سحته وأسحته أي: استأصله. ومن أسحت قول الفرزدق: وعض زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف (1) ويقال للحالق: إسحت أي: استأصل. وفلان مسحوت المعدة: إذا كان أكولا لا يشبع. وأسحت ماله: أفسده وأذهبه. والحكم: هو فصل الامر على وجه الحكمة فيما يفصل به، وقد يفصل به، لبيان أنه الحق، وقد يفصل بإلزام الحق والاخذ به، كما يفصل الحاكم بين الخصوم بما يقطع الخصومة ويثبت القضية. والتولي: الانصراف عن الشئ. والتولي عن الحق: الترك له وهو خلاف التولي إليه، لانه الاقبال عليه. والتولي له هو صرف النصرة والمعونة إليه. المعنى: ثم وصفهم تعالى فقال: (سماعون للكذب) قد مر تفسيره، أعاد الله تعالى ذمهم على استماع الكذب أو قبوله، تأكيدا وتشديدا ومبالغة في الزجر عنه (أكالون للسحت) أي: يكثرون الاكل للسحت، وهو الحرام، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن السحت هو الرشوة في الحكم وهو المروي عن ابن مسعود، والحسن. وقيل: السحت هو الرشوة في الحكم، ومهر البغي، وكسب الحجام، وعسيب الفحل (2)، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن (3)، والاستجعال (4) في المعصية، عن علي عليه السلام. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أن السحت أنواع كثيرة فأما الرشى في الحكم فهو الكفر بالله. وقيل في اشتقاق السحت أقوال. أحدها: إن الحرام إنما سمي سحتا، لانه يعقب عذاب الاستئصال والبوار،


(1) عضه الزمان: اشتد عليه. المجلف: الذي ذهب ماله. واما رفعه فباضمار كأنه قال أو هو مجلف. (2) أي اجرة ضرابه. (3) هو ما يعطى عند كهانته. (4) أي طلب الجعالة. (*)

[ 339 ]

عن الزجاج. وثانيها: إنه إنما سمي سحتا لانه لا بركة فيه لاهله، فيهلك هلاك الاستئصال، عن الجبائي. وثالثها: إنه إنما سمي سحتا، لانه القبيح الذي فيه العار نحو ثمن الكلب، والخمر، فعلى هذا يسحت مروءة الانسان عن الخليل (فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) أراد به اليهود الذين تحاكموا إلى النبي في حد الزنا، عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. وقيل: أراد بني قريظة، وبني النضير، لما تحكموا إليه، فخيره الله تعالى بين أن يحكم بينهم، وبين أن يعرض عنهم، عن ابن عباس في رواية أخرى، وقتادة، وابن زيد. والظاهر في روايات أصحابنا أن هذا التخيير ثابت في الشرع للائمة والحكام، وهو قول قتادة، وعطاء، والشعبي، وإبراهيم. وقيل: إنه منسوخ بقوله: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) عن الحسن، ومجاهد، وعكرمة. (وإن تعرض عنهم) أي. عن الحكم بينهم (فلن يضروك شيئا) أي: لا يقدرون لك على ضرر في دين أو دنيا، فدع النظر بينهم إن شئت (وإن حكمت) أي: وإن اخترت أن تحكم (1)، (فاحكم بينهم بالقسط) أي: العدل. وقيل: بما في القرآن، وشريعة الاسلام (إن الله يحب المقسطين) أي: العادلين. (وكيف يحكمونك) أي: كيف يحكمك يا محمد هؤلاء اليهود فيهم، فيرضون بك حكما (وعندهم التوراة) التي أنزلناها على موسى، وهي التي يقرون بها أنها كتابي الذي أنزلته، وأنه حق، وإن ما فيه من حكمي يعلمونه، ولا يتناكرونه (فيها حكم الله) أي: أحكامه التي لم تنسخ، عن أبي علي. وقيل: عنى به الحكم بالرجم، عن الحسن. وقيل: معناه فيها حكم الله بالقود، عن قتادة. (ثم يتولون من بعد ذلك) أي: يتركون الحكم به جرأة علي. وفي هذا تعجيب للنبي، وتقريع لليهود الذين نزلت الاية فيهم، فكأنه قال: كيف تقرون أيها اليهود بحكم نبيي محمد، مع إنكاركم نبوته، وتكذيبكم إياه، وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون بوجوبه، وتعترفون بأنه جاءكم من عندي. وقوله: (من بعد ذلك) إشارة إلى حكم الله في التوراة، عن عبد الله بن كثير. وقيل: (من بعد ذلك) أي: من بعد تحكيمك أو حكمك بالرجم، لانهم ليسوا منه على ثقة، وإنما طلبوا به


(1) [ بينهم ]. (*)

[ 340 ]

الرخصة (وما أولئك بالمؤمنين) أي: وما هم بمؤمنين بحكمك أنه من عند الله، مع جحدهم نبوتك. وقيل: إن هذا إخبار من الله سبحانه، عن أولئك اليهود، أنهم لا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبحكمه. (إنا أنزلنا التورية فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بئايتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون [ 44 ] القراءة: قرأ أهل البصرة، وأبو جعفر، وإسماعيل، عن نافع: (واخشوني) بياء في الوصل، ويعقوب يقف بالياء أيضا. والباقون (واخشون) بغير ياء في الوقف والوصل. الحجة: قال أبو علي: الاثبات حسن (1)، لان الفواصل في أنها أواخر الآي، مثل القوافي في أنها أواخر الأبيات، فمما حذف منه الياء في القوافي، قول الاعشى: فهل يمنعني ارتيادي البلاد * من حذر الموت أن يأتين ومن شانئ كاسف وجهه * إذا ما انتسبت له أنكرن (2) اللغة: (الربانيون): فسرناه فيما مضى، وهم العلماء البصراء بسياسة الامور، وتدبير الناس. والأحبار: جمع حبر، وهو العالم، مشتق من التحبير: وهو التحسين. فالعالم يحسن الحسن، ويقبح القبيح. قال الفراء: أكثر ما سمعت فيه حبر بالكسر. الاعراب: الباء في قوله (بما استحفظوا) يتعلق بالاحبار، فكأنه قال: العلماء بما استحفظوا. وقال الزجاج: تقديره يحكمون لتائبين من الكفر بما استحفظوا.


(1) [ والوقف حسن ]. (2) الارتياد: طلب الشئ. والشانئ: المبغض وكسف وجهه: عبس وتغير. (*)

[ 341 ]

المعنى: لما بين الله تعالى أن اليهود تولوا عن أحكام التوراة، وصف التوراة وما أنزل فيها فقال (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى) أي: بيان للحق، ودلالة على الاحكام (ونور) أي: ضياء لكل ما تشابه عليهم، وجلاء لما أظلم عليهم، عن ابن عباس. وقيل: معناه فيها هدى بيان للحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونور بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق، عن الزجاج. (يحكم بها النبيون الذين أسلموا) معناه: يحكم بالتوراة النبيون الذين أذعنوا بحكم الله، وأقروا به، ونبينا داخل فيهم، عن الحسن، وقتادة، وعكرمة، والسدي، والزهري. وقال أكثرهم: هو المعني بذلك، لما حكم في رجم المحصن، وهذا لا يدل على أنه كان متعبدا بشرع موسى، لان الله هو الذي أوجب ذلك بوحي أنزله عليه، لا بالرجوع إلى التوراة، فصار ذلك شرعا له، وإن وافق ما في التوراة، ونبه بذلك اليهود على صحة نبوته، من حيث أخبر عما في التوراة، من غامض العلم، الذي قد التبس على كثير منهم، وقد عرفوا جميعا أنه لم يقرأ كتابهم، ولم يرجع في ذلك إلى علمائهم، فكان من دلائل صدقه صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: يريد بالنبيين الانبياء الذين كانوا بعد موسى، وذلك أنه كان في بني إسرائيل ألوف من الانبياء، بعثهم الله لإقامة التوراة، يحدون حدودها، ويحلون حلالها، ويحرمون حرامها، عن ابن عباس. فمعناه: يقضي بها النبيون الذين أسلموا من وقت موسى إلى وقت عيسى، وصفهم بالاسلام، لان الاسلام دين الله، فكل نبي مسلم، وليس كل مسلم نبيا. وقوله (للذين هادوا) أي: تابوا عن الكفر، عن ابن عباس. وقيل: لليهود، واللام فيه يتعلق ب‍ (حكم) أي: يحكمون بالتوراة لهم، وفيما بينهم. قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، وتقديره: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا. (والربانيون) الذي علت درجاتهم في العلم. وقيل: الذين يعملون بما يعلمون (والأحبار): العلماء الخيار، عن الزجاج. (بما استحفظوا) به أي: بما استودعوا (من كتاب الله) عن ابن عباس. وقيل: بما أمروا بحفظ ذلك، والقيام به، وترك تضييعه، عن الجبائي. (وكانوا عليه شهداء) أي: وكانوا على حكم النبي في الرجم أنه ثابت في التوراة، شهداء، عن ابن عباس. وقيل: كانوا شهداء

[ 342 ]

على الكتاب أنه من عند الله وحده لا شريك له، عن عطاء. (فلا تخشوا الناس واخشون) أي: لا تخشوا يا علماء اليهود الناس، في إظهار صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر الرجم، واخشوني في كتمان ذلك، عن السدي، والكلبي. وقيل: الخطاب للنبي وأمته أي: لا تخشوهم في إقامة الحدود وإمضائها على أهلها، كائنا من كان، واخشوني في ترك أمري، فإن النفع والضر بيدي، عن الحسن (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) أي لا تأخذوا بترك الحكم الذي أنزلته على موسى، أيها الاحبار عوضا خسيسا، وهو الثمن القليل. نهاهم الله تعالى بهذا عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله، وتغييرهم حكمه (ومن لم يحكم بما أنزل الله) معناه: من كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه، وأخفاه، وحكم بغيره من رجم المحصن، والقود (فأولئك هم الكافرون) اختلف في ذلك: فمنهم من أجرى ظاهره على العموم، عن ابن مسعود، والحسن، وإبراهيم. ومنهم من خصه بالجاحد لحكم الله، عن ابن عباس. ومنهم من قال: هم اليهود خاصة، عن الجبائي، فإنه قال: لا حجة للخوارج فيها من حيث هي خاصة في اليهود، واختار علي بن عيسى القول الاول، ولذلك يقول من حكم بغير ما أنزل الله مستحلا لذلك، فهو كافر. وروى البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وبعده (فأولئك هم الظالمون)، وبعده (فأولئك هم الفاسقون) كل ذلك في الكفار خاصة، أورده مسلم في الصحيح، وبه قال ابن مسعود، وأبو صالح، والضحاك، وعكرمة، وقتادة. (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [ 45 ] القراءة: قرأ الكسائي العين وما بعده، كله بالرفع. وقرأ أبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمر: كلها بالنصب إلا قوله (والجروح قصاص) فإنهم قرأوا بالرفع. والباقون ينصبون جميع ذلك، وكلهم ثقل الأذن إلا نافعا، فإنه خففها في

[ 343 ]

كل القرآن. الحجة: قال أبو علي: حجة من نصب العين وما بعده، أنه عطف ذلك كله على أن يجعل الواو للاشتراك في نصب أن ولم يقطع الكلام عما قبله، كما فعل ذلك من رفع. وأما من رفع بعد النصب فقال: إن النفس بالنفس، والعين بالعين، فإنه يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون الواو عاطفة جملة على جملة، كما يعطف المفرد على المفرد والثاني: إنه حمل الكلام على المعنى، لانه إذا قال (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) فمعناه قلنا لهم: النفس بالنفس، فحمل (العين بالعين) على هذا، كما أنه لما كان المعنى في قوله (يطاف عليهم بكأس من معين) يمنحون كأسا من معين، حمل حورا عينا على ذلك، كأنه يمنحون كأسا، ويمنحون حورا عينا، ومن ذلك قوله: بادت وغير آيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج أما سواء قذاله * فبدا، وغيب ساره المعزاء (1) لما كان المعنى في (بادت وغير آيهن إلا رواكد): بها رواكد، حمل مشججا عليه، فكأنه قال: هناك رواكد ومشجج. ومثل هذا في الحمل على المعنى كثير. وأقول: إن من هذا القبيل بيت الفرزدق الذي آخره إلا " مسحتا أو مجلف ". وقد ذكرناه قبل (2)، لانه لما كان المعنى لم يبق من المال إلا مسحت، حمل مجلفا عليه والوجه الثالث: أن يكون عطف قوله (والعين بالعين) على الذكر المرفوع في الظرف الذي هو الخبر، وإن لم يؤكد المعطوف عليه بالضمير المنفصل، كما أكد في نحو قوله (إنه يراكم هو وقبيله) ألا ترى أنه قد جاء: (ولو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) فلم يؤكد بالمنفصل كما أكد في الاية الاخرى. قال: فإن قلت: فإن (لا) في قوله (ولا آباؤنا) عوض من التأكيد، لان الكلام قد طال كما في حضر القاضي اليوم امرأة. قيل: هذا إنما يستقيم أن يكون عوضا، إذا وقع قبل حرف العطف. فأما إذا وقع بعد حرف العطف، فإنه لم يسد ذلك المسد، وأما قوله: (والجروح قصاص) فمن رفعه، فإنه يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها، ويجوز أن يستأنف الجروح قصاص، استئناف إيجاب وابتداء


(1) مضى البيت ومعناه في الجزء الثاني. (2) في هذا الجزء. (*)

[ 344 ]

شريعة، لا على أنه مكتوب عليهم في التوراة. ويقوي أنه من المكتوب عليهم في التوراة نصب من نصب، فقال: (والجروح قصاص) وأما التخفيف في (الأذن) فلعله مثل السحت والسحت، وقد تقدم القول في ذلك. المعنى: ثم بين سبحانه حكم التوراة في القصاص فقال: (وكتبنا) أي: فرضنا (عليهم) أي: على اليهود الذين تقدم ذكرهم (فيها) أي: في التوراة (أن النفس بالنفس) معناه: إذا قتلت نفس نفسا أخرى، عمدا، فإنه يستحق عليه القود إذا كان القاتل عاقلا مميزا، وكان المقتول مكافئا للقاتل، إما بأن يكونا مسلمين حرين، أو كافرين، أو مملوكين فأما إذا كان القاتل حرا مسلما، والمقتول كافرا أو مملوكا، ففي وجوب القصاص هناك خلاف بين الفقهاء، وعندنا لا يجب القصاص، وبه قال الشافعي، وقال الضحاك: لم يجعل في التوراة دية في نفس ولا جرح، إنما كان العفو أو القصاص (والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن) قال العلماء. كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس، جرى القصاص بينهما في العين، والانف، والاذن، والسن، وجميع الاطراف، إذا تماثلا في السلامة من الشلل، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضا في الاطراف (والجررح قصاص) هذا عام في كل ما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين، والذكر، والانثيين، واليدين، والرجلين، وغيرهما، ويقتص الجراحات بمثلها الموضحة بالموضحة، والهاشمة بالهاشمة، والمنقلة بالمنقلة (1)، إلا المأمومة والجائفة، فإنه لا قصاص فيهما، وهي التي تبلغ أم الرأس، والتي تبلغ الجوف في البدن، لان في القصاص فيهما تغرير بالنفس. وأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضة لحم، أو فكة عظم، أو جراحة يخاف منها التلف، ففيه أروش مقدرة، والقصاص هنا مصدر يراد به المفعول أي: والجروح متقاصة بعضها ببعض، وأحكام الجراحات وتفاصيل الأروش في الجنايات كثيرة، وفروعها جمة، موضعها كتب الفقه (فمن تصدق به) أي: بالقصاص الذي وجب له، تصدق به على صاحبه بالعفو، وأسقطه عنه (فهو) أي: التصدق (كفارة


(1) الموضحة وتسمى الواضحة: من الشجاج التي بلغت العظم، فأوضحت عنه، والهاشمة: التي هشمته فتشعب وانتشر وتباين فراشه وهي قشوره التي تكون على العظم دون اللحم. والمنقلة، بتشديد القاف وكسرها: التي تنقل العظم أي: تكسره. (*)

[ 345 ]

له) أي: للمتصدق الذي هو المجروح، أو ولي الدم، هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: إن معناه فمن عفا، فهو مغفرة له، عند الله، وثواب عظيم، عن ابن عمر، وابن عباس، في رواية عطاء، والحسن، والشعبي، وهو المروي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يكفر عنه من ذنوبه، بقدر ما عفا من جراح أو غيره ". وروى عبادة بن الصامت، أن النبي. قال: " من تصدق من جسده بشئ، كفر الله عنه بقدره من ذنوبه ". وقيل: إن الضمير في له يعود إلى المتصدق عليه أي: كفارة للمتصدق عليه، لانه يقوم مقام أخذ الحق منه، عن ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير، ومجاهد، وإبراهيم، وزيد بن أسلم. وعلى هذا، فإن الجاني إذا عفا عنه المجني عليه، كان العفو كفارة لذنب الجاني، لا يؤاخذ به في الاخرة. والقول الاول أظهر، لان العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو من، وفي القول الثاني يعود إلى مدلول عليه، وهو المتصدق عليه، يدل عليه قوله (فمن تصدق به). (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) قيل: هم اليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله. وقيل: هو عام في كل من حكم بخلاف ما أنزل الله، فيكون ظالما لنفسه بارتكاب المعصية الموجبة للعقاب، وهذا الوجه يوجب أن يكون ما تقدم ذكره من الاحكام، يجب العمل به في شريعتنا، وإن كان مكتوبا في التوراة. (وقفينا علئ اثرهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التورية وءاتينه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التورية وهدى وموعظة للمتقين [ 46 ] وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفسقون [ 47 ] القراءة: قرأ حمزة وحده (وليحكم) بكسر اللام، ونصب الميم. والباقون: (وليحكم) بالجزم، وسكون اللام على الامر. الحجة: حجة حمزة أنه جعل اللام متعلقا بقوله (وآتيناه الانجيل) فإن معناه: وأنزلنا عليه الانجيل، فصار بمنزلة أنزلنا عليك الكتاب ليحكم. وحجة من قرأ بالجزم

[ 346 ]

أنه بمنزلة قوله (وأن احكم بينهم بما أنزل الله)، فكما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فكذلك أمروا به بالانجيل. اللغة: القفو: اتباع الاثر، يقال: قفاه يقفوه. والتقفية: الاتباع، يقال: قفيته بكذا أي: اتبعته. وإنما سميت قافية الشعر قافية، لانها تتبع الوزن. والآثار جمع الأثر: وهو العلم الذي يظهر للحس. وآثار القوم: ما أبقوا من أعمالهم. والمأثرة: المكرمة التي يأثرها الخلف عن السلف، لانها علم يظهر فضله للنفس. والاثير: الكريم على القوم، لانهم يؤثرونه بالبر ومنه الايثار للاختيار، فإنه إظهار فضل أحد العملين على الآخر. وقد مر تفسير الانجيل في أول آل عمران. والوعظ والموعظة هي الزجر عما يكرهه الله إلى ما يحبه، والتنبيه عليه. الاعراب: قوله: (بعيسى ابن مريم مصدقا) نصب مصدقا على الحال. و (هدى): رفع بالابتداء، وفيه خبره قدم عليه (ونور) عطف على (هدى) (ومصدقا لما بين يديه من التوراة) نصب على الحال، وليس بتكرير، لان الاول حال لعيسى، وبيان أنه يدعو إلى التصديق بالتوراة، والثاني حال من (الانجيل)، وبيان أن فيه ذكر التصديق بالتوراة، وهما مختلفان، وهو عطف على موضع قوله. (فيه هدى)، لانه نصب على الحال. وتقديره: آتيناه الانجيل مستقرا فيه هدى ونور مصدقا. وهدى: في موضع نصب بالعطف على (مصدقا). (وموعظة) عطف على (هدى). والتقدير: وهاديا وواعظا. المعنى: لما قدم تعالى ذكر اليهود، أتبعه بذكر النصارى، فقال: (وقفينا على آثارهم) أي: وأتبعنا على آثارهم النبيين الذين أسلموا، عن أكثر المفسرين، واختاره علي بن عيسى، والبلخي. وقيل: معناه على آثار الذين فرضنا عليهم الحكم الذي مضى ذكره، عن الجبائي. والاول أجود في العربية، وأوضح في المعنى. (بعيسى بن مريم) أي: بعثناه رسولا من بعدهم (مصدقا لما بين يديه) أي: لما مضى (من التوراة) التي أنزلت على موسى، صدق بها وآمن بها، وإنما قال لما مضى قبله لما بين يديه، لانه إذا كان يأتي بعده خلفه، فالذي مضى قبله يكون قدامه، وبين يديه (وآتيناه) أي: وأعطينا عيسى الكتاب المسمى الانجيل. والمعنى: وأنزلنا عليه (الانجيل فيه) يعني: في الانجيل (هدى) أي: بيان وحجة، ودلائل له على الاحكام (ونور) سماه نورا، لانه يهتدى به كما يهتدى بالنور

[ 347 ]

(ومصدقا لما بين يديه من التوراة) يعني الانجيل يصدق بالتوراة لان فيه أن التوراة حق. وقيل: معناه أنه تضمن وجوب العمل بالتوراة، وأنه لم تنسخ. وقيل: معناه أنه أتى على النحو الذي وصف في التوراة (وهدى) أي: ودلالة وإرشادا ومعناه: وهاديا وراشدا (وموعظة) أي: واعظا (للمتقين) يزجرهم عن المعاصي، ويدعوهم إلى الطاعة، وإنما خص المتقين بالذكر لانهم اختصوا بالانتفاع به، وإلا فإنه هدى لجميع الخلق (وليحكم أهل الانجيل) هذا أمر لهم. وقيل في معناه قولان أحدهما: إن تقديره وقلنا ليحكم أهل الانجيل، فيكون على حكاية ما فرض عليهم، وحذف القول لدلالة ما قبله عليه، من قوله (وقفينا) كما قال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) أي: يقولون: سلام عليكم والثاني: إنه تعالى استأنف أمر أهل الانجيل على غير الحكاية، لان أحكامه كانت حينئذ موافقة لاحكام القرآن، لم تنسخ بعد، عن أبي علي الجبائي. والقول الاول أقوى، وهو اختيار علي بن عيسى. (بما أنزل الله فيه) أي: في الانجيل (من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) قيل: إن من هاهنا بمعنى الذي، وهو خبر عن قوم معروفين، وهم اليهود الذين تقدم ذكرهم، عن الجبائي. وقيل: إن من للجزاء أي من لم يحكم من المكلفين، بما أنزل الله، فهو فاسق، لان هذا الاطلاق يدل على أن المراد من ذهب إلى أن الحكمة في خلاف ما أمر الله به، فلهذا قال فيما قبل (فأولئك هم الكافرون) فيكون معنى الفاسقين الخارجين عن الدين، وجعلوا الكفر، والظلم، والفسق، صفة لموصوف واحد. وقيل: إن الاول في الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك. (وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما ءاتكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون [ 48 ] اللغة: أصل مهيمن: مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء كما قيل في أرقت الماء:

[ 348 ]

هرقت. وقد صرف فقيل هيمن الرجل: إذا ارتقب، وحفظ، وشهد، يهيمن هيمنة، فهو مهيمن. وعلى هذا فيكون وزنه مفيعل، مثل مسيطر ومبيطر. وقال الازهري: كان في الاصل أيمن يؤيمن، كما أن الاصل في يفعل يؤفعل، فعلى هذا يكون على وزن مؤفعل، فقلبت الهمزة هاء. وروى في الشواذ: مهيمنا بفتح الميم، عن مجاهد، والشرعة والشريعة واحدة وهي الطريقة الظاهرة. والشريعة هي الطريقة التي توصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة، فقيل الشريعة في الدين: للطريق الذي توصل منه إلى الحياة في النعيم، وهي الامور التي يعبد الله بها من جهة السمع، قال الشاعر: أتنسونني يوم الشريعة والقنا * بصفين من لباتكم تتكسر (1) يريد شريعة الفرات، والاصل فيه الظهور، ويقال: أشرعت القنا: إذا أظهرت وشرعت في الامر شروعا: إذا دخلت فيه دخولا ظاهرا. والناس فيه شرع، أي: متساوون. والمنهاج: الطريق المستمر، يقال طريق نهج ومنهج أي: بين، قال الراجز: من يك ذا شك فهذا فلج * ماء رواء وطريق نهج (2) وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق. والمنهاج: الطريق المستقيم. قال: وهذه الالفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه، ومنه قول الحطيئة " وهند أتى من دونها النأي والبعد "، وقال: والنأي لما قل بعده، وقد جاء بمعنى واحد. قال عنترة: حييت من طلل تقادم عهده * أقوى واقفر بعد أم الهيثم (3) وأقوى وأقفر بمعنى، يقال: نهجت لك الطريق، وأنهجته، فهو منهوج ونهج الطريق وأنهج: إذا وضح والاستباق يكون بين اثنين فصاعدا يجتهد كل منهم ان يستبق غيره، قال تعالى (واستبقا الباب) يعني يوسف وصاحبته، تبادرا إلى الباب. الاعراب: (مصدقا): حال من الكتاب (ومهيمنا) كذلك. وقيل: إنه حال


(1) القنا جمع القناة: الرمح. اللبات جمع اللبة: وسط الصدر والمنحر. (2) الفلج: النهر الصغير. ماء رواء أي عذب. (3) الطلل: الموضع المرتفع. تقادم بمعنى قدم ضد حدث. أقوى المكان: خلا من الاهل وكذا أقفر. (*)

[ 349 ]

من الكاف الذي هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والاول أقوى، لأجل حرف العطف، لانه قال (وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا ومهيمنا) ولا يجوز أن يعطف حال على حال لغير الاول، لا تقول ضربت هند زيدا قاعدا وقائمة، ولو قلت قائمة بغير واو لجاز. ويجوز أن يكون عطفا على (مصدقا) ويكون (مصدقا) حالا للنبي، والاول أظهر. المعنى: لما بين تعالى نبوة موسى وعيسى، عقب ذلك ببيان نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم احتجاجا على اليهود والنصارى، بأن طريقته كطريقتهم في الوحي والمعجز، فقال: (وأنزلنا إليك) يا محمد (الكتاب) يعني: القرآن (بالحق) أي: بالعدل (مصدقا لما بين يديه من الكتاب): يعني التوراة والانجيل، وما فيهما من توحيد الله، وعدله، والدلالة على نبوته، والحكم بالرجم والقود على ما تقدم ذكره. وقيل: المراد بالكتاب الكتب المنزلة على الانبياء، ومعنى الكتاب: المكتوب، كقولهم هذه الدراهم ضرب الامير أي: مضروبه، عن أبي مسلم. (ومهيمنا عليه): معناه وأمينا عليه، شاهدا بأنه الحق، عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وقيل: مؤتمنا عن سعيد بن جبير، وأبي عبيدة، وابن جريج، وهو قريب من الاول. قال ابن جريج: أمانة القرآن أن ما أخبر به الكتب إن كان موافقا للقرآن يجب التصديق به، وإلا فلا. وقيل: معناه وحافظا ورقيبا عليه، عن الحسن، وأبي عبيدة، قالوا: وفيه دلالة على أن ما حكى الله أنه كتبه عليهم في التوراة، يلزمنا العمل به لانه جعل القرآن مصدقا لذلك، وشاهدا به (فاحكم بينهم بما أنزل الله) يعني بين اليهود بالقرآن في الرجم على الزانين، عن ابن عباس، قال: إذا ترافع أهل الكتاب إلى الحكام، يجب أن يحكموا بينهم بحكم القرآن، وشريعة الاسلام، لانه أمر من الله بالحكم بينهم، والامر يقتضي الايجاب، وبه قال الحسن، ومسروق، وقال الجبائي: وهذا ناسخ للتخيير في الحكم بين أهل الكتاب، أو الاعراض عنهم والترك. (ولا تتبع أهواءهم) يريد: فيما حرفوا وبدلوا من أمر الرجم، عن ابن عباس (عما جاءك من الحق) ويجوز أن يكون عن من صلة معنى لا تتبع أهواءهم، لان معناه لا تزغ، فكأنه قال لا تزغ عما جاءك باتباع أهوائهم. ومتى قيل: كيف يجوز أن يتبع النبي أهواءهم مع كونه معصوما ؟ فالجواب:

[ 350 ]

إن النبي يجوز أن يرد عما يعلم أنه لا يفعله، ويجوز أن يكون الخطاب له والمراد جميع الحكام. (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) الخطاب للامم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد، ولا يعني به قوم كل نبي، ألا ترى أن ذكر هؤلاء قد تقدم في قوله (إنا أنزلنا التوراة) الاية. ثم قال: (وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم) قال (أنزلنا إليك الكتاب)، ثم قال (لكل جعلنا منكم شرعة) فغلب المخاطب على الغائب شرعة: أي شريعة، فللتوراة شريعة، وللانجيل شريعة، وللقرآن شريعة، عن قتادة، وجماعة من المفسرين. وفي هذا دلالة على جواز النسخ. على أن نبينا كان متعبدا بشريعته فقط، وكذلك أمته. وقيل: الخطاب لامة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، عن مجاهد، والاول أقوى، لانه سبحانه بين أن لكل نبي شريعة ومنهاجا أي: سبيلا واضحا غير شريعة صاحبه وطريقته، ويقوي ذلك قوله (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) ومعناه ولو شاء الله لجمعكم على ملة واحدة في دعوة جميع الانبياء لا تبدل شريعة منها، ولا تنسخ، عن ابن عباس. وقيل: أراد به مشيئة القدرة أي: لو شاء الله لجمعكم على الحق، كما قال: (ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها "، عن الحسن، وقتادة. (ولكن ليبلوكم) أي: ولكن جعلكم على شرائع مختلفة، ليمتحنكم (فيما آتاكم) أي: فيما فرضه عليكم، وشرعه لكم. وقيل: فيما أعطاكم من السنن، والكتاب. وقال الحسين بن علي المغربي: " المعنى لو شاء الله لم يبعث إليكم نبيا فتكونون متعبدين بما في العقل، وتكونون أمة واحدة، ولكن ليختبركم فيما كلفكم من العبادات، وهو عالم بما يؤول إليه أمركم " (فاستبقوا الخيرات) أي: بادروا فوت الحظ بالتقدم في الخير. وقيل: معناه بادروا الفوت بالموت، أو العجز، وبادروا إلى ما أمرتكم به، فإني لا آمركم إلا بالصلاح، عن الجبائي. وقيل: معناه سابقوا الامم الماضية إلى الطاعات والاعمال الصالحة، عن الكلبي. وفي هذا دلالة على وجوب المبادرة إلى أفعال الخيرات، ويكون محمولا على الواجبات. ومن قال: إن الامر على الندب، حمله على جميع الطاعات، (إلى الله مرجعكم) أي: مصيركم (جميعا فينبئكم): فيخبركم. (بما كنتم فيه تختلفون) من أمر دينكم، ثم يجازيكم على حسب استحقاقكم. (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك

[ 351 ]

عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفسقون [ 49 ] أفحكم الجهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [ 50 ] القراءة: قرأ ابن عامر وحده: (مبتغون) بالتاء. والباقون بالياء. وروي في الشواذ قراءة يحيى بن يعمر، وإبراهيم النخعي: (أفحكم الجاهلية يبغون) برفع الميم. وقراءة الاعمش (أفحكم الجاهلية) بفتح الحاء، والكاف، والميم. الحجة: من قرأ (يبغون) بالياء، فلان ما قبله غيبة (وإن كثيرا من الناس لفاسقون). ومن قرأ بالتاء فعلى تقدير قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون. ومن قرأ: (فحكم الجاهلية) فعلى نحو ما جاء في الشعر: قد أصبحت أم الخيار تدعي * علي ذنبا كله لم أصنع أي: لم أصنعه. فيكون التقدير أفحكم الجاهلية يبغونه، فحذف العائد من الخير كما يحذف من الصفة. والحال في قولهم: الناس رجلان، رجل أكرمت، ورجل أهنت أي: أكرمته وأهنته. ومررت بهند يضرب زيد أي: يضربها زيد. وقوله (أفحكم الجاهلية) فيكون بمعنى الشياع أي: فحكام الجاهلية يبغون، وجاز أن يقع المضاف جنسا كما جاء عنهم من قولهم: " منعت العراق قفيزها ودرهمها "، ثم يرجع المعنى إلى قوله (أفحكم الجاهلية) لانه ليس المراد هنا نفس الحكم، فهو إذا على حذف المضاف، والمراد أفحكم حكم الجاهلية يبغون. الاعراب: موضع (أن احكم): نصب بالعطف على الكتاب، والتقدير أنزلنا إليك الكتاب وأن احكم (1) بينهم بما أنزل الله، ووصلت أن بالامر، وإن كان لا يجوز صلة الذي بالامر، لان الذي اسم ناقص، تجري صلته في البيان عنه، مجرى الصفة في بيان النكرة، ولذلك لا بد لها من عائد يعود إليها، كما أن الصفة لا بد لها من عائد يعود منها إلى الموصوف، وليس كذلك أن لانها حرف، وهي مع ما بعدها بمنزلة شئ واحد. فلما كان في فعل الامر معنى المصدر جاز وصل الحرف به على


(1) [ ويجوز أن يكون موضعه رفعا وتقديره ومن الواجب أن أحكم ]. (*)

[ 352 ]

معنى مصدره، و (حكم) نصب، لانه مفعول (يبغون) و (حكما) نصب على التمييز. المعنى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) إنما كرر سبحانه الامر بالحكم بينهم لامرين أحدهما: انهما حكمان أمر بهما جميعا، لانهم احتكموا إليه في الزنا لمحصن، ثم احتكموا إليه في قتيل كان بينهم، عن الجبائي، وجماعة من المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. والثاني: إن الامر الاول مطلق، والثاني يدل على أنه منزل، (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) قيل فيه قولان: أحدهما: إن معناه احذرهم أن يضلوك عن ذلك إلى ما يهوون من الاحكام، بأن يطمعوك منهم في الاجابة إلى الاسلام، عن ابن عباس والثاني: إن معناه احذرهم أن يضلوك بالكذب على التوراة، لانه ليس كذلك الحكم فيها، فإني قد بينت لك حكمها، عن ابن زيد. وفي هذه الاية دلالة على وجوب مجانبة أهل البدع والضلال، وذوي الاهواء، وترك مخالطتهم (فإن تولوا) أي: فإن أعرضوا عن حكمك بما أنزل الله (فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم): قيل في معناه أقوال أحدها: إن معناه، فاعلم يا محمد إنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض إجرامهم، ذكر البعض والمراد به الكل، كما يذكر العموم، ويراد به الخصوص، عن الجبائي، والثاني: إنه ذكر البعض تغليظا للعقاب، والمراد أنه يكفي أن يؤاخذوا ببعض ذنوبهم في إهلاكهم، والتدمير عليهم والثالث: إنه أراد تعجيل بعض العقاب بما كان من التمرد في الإجرام، لان عذاب الدنيا يختص ببعض الذنوب، دون بعض، وعذاب الاخرة يعم. وقيل: المراد بذلك إجلاء بني النضير لان علماءهم لما كفروا وكتموا الحق، عوقبوا بالجلاء، عن الحسن. وقيل: المراد بنو قريظة لما نقضوا العهد يوم الأحزاب، عوقبوا بالقتل. (وإن كثيرا من الناس لفاسقون) هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن امتناع القوم من الإقرار بنبوته، والإسراع إلى إجابته، بأن أهل الايمان قليل، وأهل الفسق كثير، فلا ينبغي أن يعظم عليك ذلك. ثم أنكر عليهم فعلهم فقال: (أفحكم الجاهلية يبغون) والمراد به اليهود، عن مجاهد، واختاره الجبائي قال: لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه، وإذا وجب على أقويائهم وأشرافهم لم يؤاخذوهم به، فقيل لهم: أفحكم الجاهلية أي: عبدة الأوثان تطلبون، وأنتم أهل الكتاب. وقيل:

[ 353 ]

المراد به كل من طلب غير حكم الله، فإنه يخرج منه إلى حكم الجاهلية، وكفى بذلك (1) أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم (ومن أحسن من الله حكما) أي: لا أحد حكمه أحسن من حكم الله (لقوم يوقنون) أي: عند قوم أقيمت اللام مقام عند، عن الجبائي. وهذا جائز إذا تقاربت المعاني، وارتفع اللبس، فإذا قيل: الحكم لهم، فلأنهم يستحسنونه، وإذا قيل: عندهم فلان عندهم العلم بصحته. (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظلمين [ 51 ] فترى الذين في قلوبهم مرض يسرعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ندمين [ 52 ] ويقول الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمنهم إنهم لمعكم حبطت أعملهم فأصبحوا خسرين [ 53 ] القراءة: قرأ ابن عامر، وابن كثير، ونافع: (يقول) بلا واو. والباقون بالواو، وكلهم قرأ بضم اللام، إلا أبا عمرو، فإنه فتحها. الحجة: من حذف الواو من قوله (ويقول الذين آمنوا) فلأن في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها، وذلك إن من وصف بقوله (يسارعون) إلى قوله (نادمين) هم الذين قال فيهم (الذين آمنوا أهؤلاء الذي أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم) فلما صار في كل واحدة من الجملتين، ذكر من الأخرى، حسن عطفها بالواو، وبغير الواو كما أن قوله (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم) لما كان في كل واحدة من الجملتين، ذكر مما تقدم، اكتفى بذلك عن الواو، لأنهما بالذكر وملابسة بعضهما ببعض، قد ترتبط إحداهما بالأخرى، كما ترتبط بحرف العطف، ويدلك على حسن دخول الواو قوله تعالى (وثامنهم كلبهم) فحذف الواو من (ويقول) كحذفها في هذه الاية، وإلحاقها كإلحاقها فيها. والوجه في قراءة أبي عمرو (ويقول) بالنصب: أن يحمله على أن تكون (أن


(1) [ خزيا ]. (*)

[ 354 ]

يأتي)، بدلا من اسم الله، كما كان (أن أذكره) بدلا من الهاء في (أنسانيه) من قوله (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) ثم يكون (ويقول) منصوبا عطفا على ذلك، فكأنه قال: عسى أن يأتي الله بالفتح، (ويقول الذين آمنوا). ومن رفع فحجته أن يعطف جملة على جملة، لا مفردا على مفرد. اللغة: الإتخاذ: هو الإعتماد على الشئ، لإعداده لأمره، وهو افتعال من الأخذ، وأصله ائتخاذ، فأبدلت الهمزة تاء، وأدغمتها في التاء التي بعدها، ومثله الإتعاد من الوعد والأخذ يكون على وجوه: تقول أخذ الكتاب: إذا تناوله، وأخذ القربان: إذا تقبله، وأخذه الله من مأمنه: إذا أهلكه. وأصله: جواز الشئ من جهة إلى جهة من الجهات. والأولياء جمع ولي وهو النصير، لانه يلي بالنصر صاحبه. والدائرة ههنا الدولة التي تتحول إلى من كانت له عمن في يده، قال حميد الأرقط: كنت حسبت الخندق المحفورا * يرد عنك القدر المقدورا * ودائرات الدهر أن تدورا * يعني دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم. وعسى: موضوعة للشك، وهي من الله تعالى تفيد الوجوب، لان الكريم إذا أطمع في خير يفعله، فهو بمنرلة الوعد به في تعلق النفس به ورجائها له، ولذلك حق لا يضيع، ومنزلة لا تخيب، والفتح: القضا والفصل، ويقال للحاكم: الفتاح، لانه يفتح الحكم، ويفصل به الامر. النزول: إختلف في سبب نزوله، وإن كان حكمه عاما لجميع المؤمنين، فقال عطية بن سعد العوفي، والزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن ضيف: أغركم أن أصبتم رهطا من قريش، لا علم لهم بالقتال، أما لو أمرونا (1) العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يدان بقتالنا ! فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله ! إن لي أولياء من اليهود كثيرا عددهم، قوية أنفسهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، لأني أخاف الدوائر، ولا بد لي منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا الحباب ! ما نفست به من


(1) لعله تصحيف " امرتنا ". (*)

[ 355 ]

ولاية اليهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه. قال: إذا أقبل. وأنزل الله الاية. وقال السدي: لما كانت وقعة أحد، اشتدت على طائفة من الناس، فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي، وآخذ منه أمانا. وقال آخر: أنا ألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام، فآخذ منه أمانا. فنزلت الاية. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين قال لبني قريظة، إذا رضوا بحكم سعد أنه الذبح. المعنى: لما تقدم ذكر اليهود والنصارى، أمر سبحانه عقيب ذلك بقطع موالاتهم، والتبرؤ منهم فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) أي: لا تعتمدوا على الاستنصار بهم، متوددين إليهم، وخص اليهود والنصارى بالذكر، لان سائر الكفار بمنزلتها في وجوب معاداتهم (بعضهم أولياء بعض) ابتداء كلام أخبر سبحانه: إن بعض الكفار ولي بعض في العون والنصرة، ويدهم واحدة على المسلمين. وفي هذه دلالة على أن الكفر كله كالملة الواحدة في أحكام المواريث، لعموم قوله (بعضهم أولياء بعض). وقال الصادق: لا تتوارث أهل ملتين، ونحن نرثهم ولا يورثوننا. (ومن يتولهم منكم) أي: من استنصر بهم واتخذهم أنصارا (فإنه منهم) أي: هو كافر مثلهم، عن ابن عباس. والمعنى أنه محكوم له حكمهم في وجوب لعنه، والبراءة منه، وأنه من أهل النار (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) إلى طريق الجنة لكفرهم واستحقاقهم العذاب الدائم، بل يضلهم عنها إلى طريق النار، عن أبي علي الجبائي. وقيل: معناه لا يحكم لهم بحكم المؤمنين في المدح، والثناء، والنصرة على الاعداء. (فترى) يا محمد (الذين في قلوبهم مرض) أي: شك ونفاق يعني عبد الله بن أبي، عن ابن عباس. (يسارعون فيهم) أي: في موالاة اليهود ومناصحتهم. وقيل: في معاونتهم على المسلمين. وقيل: موالاة اليهود، ونصارى نجران، لانهم كانوا يميرونهم (1)، عن الكلبي (يقولون) أي: قائلين وهو في موضع


(1) الميرة، جلب الطعام. (*)

[ 356 ]

الحال (نخشى أن تصيبنا دائرة) أي: دولة تدور لأعداء المسلمين على المسلمين، فنحتاج إلى نصرتهم، عن مجاهد، والسدي، وقتادة. وقيل: معناه نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه، يعنون الجدب، فلا يميروننا، عن الكلبي. (فعسى الله أن يأتي بالفتح) يعني: فتح مكة، عن السدي. وقيل: بفتح بلاد المشركين، عن الجبائي. وقيل: المراد بالقضاء الفصل، عن قتادة. ويجمع هذه الأقوال قول ابن عباس: يريد بفتح الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، على جميع خلقه (أو أمر من عنده) فيه إعزاز للمؤمنين، وإذلال للمشركين، وظهور الاسلام، عن السدي. وقيل: هو إظهار نفاق المنافقين مع الامر بقتالهم، عن الحسن، والزجاج. وقيل: هو أمر دون الفتح الأعظم، أو موت هذا المنافق، عن الجبائي. وقيل: هو القتل وسبي الذراري لبني قريظة، والإجلاء لبني النضير، عن مقاتل. وهذا معنى قول ابن عباس: أو أمر من عنده يريد فيه هلاكهم، وهو يحتمل هلاك اليهود، وهلاك المنافقين (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) أي: فيصبح أهل النفاق على ما كان منهم من نفاقهم وولايتهم لليهود، ودس الأخبار إليهم، نادمين (1)، عن ابن عباس، وقتادة. والمعنى: إذا فتح الله على المؤمنين، ندم المنافقون والكفار على تفويتهم أنفسهم ذلك، وكذلك إذا ماتوا وتحققوا دخول النار، ندموا على ما فعلوه في الدنيا من الكفر والنفاق (ويقول الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله ظاهرا وباطنا، تعجبا من نفاق المنافقين، واجترائهم على الله بالايمان الكاذبة (أهؤلاه الذين أقسموا بالله) يعني المنافقين حلفوا بالله (جهد أيمانهم) انتصب (جهد) لانه مصدر أي: جهدوا جهد أيمانهم. قال عطا: أي حلفوا بأغلظ الايمان وأوكدها (2) أنهم مؤمنون، ومعكم في معاونتكم على أعدائكم، ونصرتكم، يريد أنهم حلفوا أنهم لأمثالكم في الايمان. (حبطت أعمالهم) أي: ضاعت أعمالهم التي عملوها لأنهم أوقعوها على خلاف الوجه المأمور به، وبطل ما أظهروه من الايمان، لانه لم يوافق باطنهم ظاهرهم، فلم يستحقوا به الثواب (فأصبحوا) أي: صاروا (خاسرين) أي: خسروا الدنيا والاخرة. أما الدنيا فليسوا من الانصار. وأما الآخرة فقرنهم الله مع الكفار، عن ابن عباس. وقيل: مغبونين بأنفسهم ومنازلهم في الجنة، إذا صاروا إلى النار، وورثها المؤمنون، عن الكلبي.


(1) [ على ما فعلوا ]. (2) [ (إنهم لمعكم) أي ]. (*)

[ 357 ]

(يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين يجهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم [ 54 ] القراءة: قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: (يرتدد) بدالين. والباقون بدال واحدة مشددة. الحجة: حجة من أدغم أنه لما أسكن الحرف الاول ليدغمه في الثاني، وكان الثاني ساكنا، حرك المدغم فيه لالتقاء الساكنين، وهذه لغة بني تميم. وحجة من أظهر أن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنا، والمدغم إذا كان ساكنا والمدغم فيه كذلك، التقى ساكنان، والتقاء الساكنين في هذا النحو، ليس من كلامهم، فأظهر الحرف الاول، وحركه، وأسكن الثاني من المثلين، وهذه لغة أهل الحجاز. اللغة: (الذل) بكسر الذال: ضد الصعوبة. وبضمها ضد العز. يقال: ذلول بين الذل من قوم أذلة، وذليل بين الذل من قوم أذلاء، والاول من اللين والانقياد، والثاني من الهوان والاستخفاف. والعزة: الشدة، يقال عززت فلانا على أمره أي: غلبته عليه. والعزاز: الارض الصلبة. وعز يعز الشئ: إذا لم يقدر عليه. وأصل الباب: الامتناع. المعنى: لما بين تعالى حال المنافقين، وأنهم يتربصون الدوائر بالمؤمنين، وعلم أن قوما منهم يرتدون بعد وفاته، أعلم أن ذلك كائن، وأنهم لا ينالون أمانيهم، والله ينصر دينه بقوم لهم صفات مخصوصة، تميزوا بها من بين العالمين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) أي: من يرجع منكم أي: من جملتكم، إلى الكفر بعد إظهار الايمان، فلن يضر دين الله شيئا، فإن الله لا يخلي دينه من أنصار يحمونه (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) أي يحبهم الله، ويحبون الله (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) أي: رحماء على المؤمنين، غلاظ شداد على الكافرين، وهو من الذل: الذي هو اللين، لا من الذل الذي هو الهوان. قال ابن عباس: " تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته ". (يجاهدون في سبيل الله) بالقتال لإعلاء

[ 358 ]

كلمة الله، وإعزاز دينه (ولا يخافون لومة لائم) فيما يأتون من الجهاد والطاعات. واختلف فيمن وصف بهذه الاوصاف منهم، فقيل: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، عن الحسن، وقتادة، والضحاك. وقيل: هم الانصار، عن السدي. وقيل: هم أهل اليمن، عن مجاهد، قال: قال رسول الله: " أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا، وأرق أفئدة، الايمان يماني، والحكمة يمانية ". وقال عياض بن غنم الاشعري: " لما نزلت هذه الاية، أومأ رسول الله إلى أبي موسى الاشعري، فقال: هم قوم هذا ". وقيل: إنهم الفرس. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن هذه الاية، فضرب بيده على عاتق سلمان، فقال: " هذا وذووه "، ثم قال: " لو كان الدين معلقا بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس " وقيل: هم أمير المؤمنين علي عليه السلام وأصحابه، حين قاتل من قاتله من الناكثين، والقاسطين، والمارقين، وروي ذلك عن عمار، وحذيفة، وابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليه السلام. ويؤيد هذا القول أن النبي وصفه بهذه الصفات المذكورة في الاية، فقال فيه، وقد ندبه لفتح خيبر، بعد أن رد عنها حامل الراية إليه، مرة بعد أخرى، وهو يجبن الناس ويجبنونه: " لأعطين الراية غدا رجلا، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده " ثم أعطاها إياه. فأما الوصف باللين على أهل الايمان، والشدة على الكفار، والجهاد في سبيل الله، مع أنه لا يخاف فيه لومة لائم، فمما لا يمكن أحدا دفع علي عن استحقاق ذلك، لما ظهر من شدته على أهل الشرك والكفر، ونكايته فيهم، ومقاماته المشهورة في تشييد الملة، ونصرة الدين، والرأفة بالمؤمنين. ويؤيد ذلك أيضا إنذار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشا بقتال علي لهم من بعده، حيث جاء سهيل بن عمرو في جماعة منهم، فقالوا له: يا محمد ! إن أرقاءنا (1) لحقوا بك، فارددهم علينا. فقال رسول الله: لتنتهين يا معاشر قريش، أو ليبعثن الله عليكم رجلا، يضربكم على تأويل القرآن، كما ضربتكم على تنزيله ! فقال له بعض أصحابه: من هو يا رسول الله أبو بكر ؟ قال: لا (2). ولكنه خاصف النعل في


(1) جمع رقيق. (2) [ قال فعمر قال لا ]. (*)

[ 359 ]

الحجرة. وكان علي يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروي عن علي أنه قال يوم البصرة: " والله ما قوتل أهل هذه الاية حتى اليوم " وتلا هذه الاية. وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بالاسناد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: " يرد علي قوم من أصحابي يوم القيامة، فيجلون عن الحوض (1)، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي ! فيقال: إنك لا علم لك بما أحدثوا من بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ". وقيل: إن الاية عامة في كل من استجمع هذه الخصال إلى يوم القيامة. وذكر علي بن إبراهيم بن هاشم، أنها نزلت في مهدي الأمة وأصحابه، وأولها خطاب لمن ظلم آل محمد، وقتلهم، وغصبهم حقهم. ويمكن أن ينصر هذا القول بأن قوله تعالى (فسوف يأتي الله بقوم) يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول الخطاب، فهو يتناول من يكون بعدهم بهذه الصفة إلى قيام الساعة. (ذلك فضل الله) أي: محبتهم لله، ولين جانبهم للمؤمنين، وشدتهم على الكافرين، بفضل من الله، وتوفيق، ولطف منه، ومنة من جهته (يؤتيه من يشاء) أي يعطيه من يعلم أنه محل له (والله واسع) أي: جواد لا يخاف نفاد ما عنده (عليم) بموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلا لمن تقتضي الحكمة إعطاءه. وقيل: معناه واسع الرحمة (عليم) بمن يكون من أهلها. (إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون [ 55 ] ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغلبون [ 56 ] اللغة: الولي: هو الذي يلي النصرة والمعونة والولي: هو الذي يلي تدبير الامر، يقال فلان ولي المرأة: إذا كان يملك تدبير نكاحها. وولي الدم: من كان إليه المطالبة بالقود. والسلطان ولي أمر الرعية. ويقال لمن يرشحه لخلافته عليهم بعده: ولي عهد المسلمين، قال الكميت يمدح عليا: ونعم ولي الامر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب (2) ويروى الفتوى. وإنما أراد ولي الامر والقائم بتدبيره. قال المبرد في كتاب العبارة عن صفات الله: أصل الولي: الذي هو أولى، أي: أحق، ومثله المولى


(1) أي ينفون ويطردون عنه. (2) المنتجع: الموضع يقصده الناس. (*)

[ 360 ]

والركوع: هو التطأطؤ المخصوص، قال الخليل: كل شئ ينكب لوجهه، فتمس ركبته الارض، أو لا يمس بعد أن يطأطئ رأسه، فهو راكع، وأنشد لبيد: أخبر أخبار القرون التي مضت * أدب كأني كلما قمت راكع وقال ابن دريد: الراكع الذي يكبو على وجهه، ومنه الركوع في الصلاة، قال الشاعر: وأفلت حاجب فوق العوالي * على شقا تركع في الظراب (1) وقد يوصف الخاضع بأنه راكع على سبيل التشبيه والمجاز، لما يستعمله من التطامن والتطأطؤ، وعلى ذلك قول الشاعر: لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه والحزب: الطائفة والجماعة، وأصله من قولهم حزبه الامر، يحزبه: إذا نابه، وكل قوم تشابهت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب. وتحزب القوم: إذا اجتمعوا. وحمار حزابية: مجتمع الخلق غليظ. الاعراب: لفظة (إنما) مخصصة لما أثبت بعده، نافية لما لم يثبت. يقول القائل لغيره: إنما لك عندي درهم، فيكون مثل أن يقول إنه ليس لك عندي إلا درهم، وقالوا: إنما السخا حاتم، يريدون نفي السخا عن غيره، والتقدير إنما السخاء سخاء حاتم، فحذف المضاف. والمفهوم من قول القائل: إنما أكلت رغيفا، وإنما لقيت اليوم زيدا، نفي أكل أكثر من رغيف ونفي لقاء غير زيد، وقال الاعشى: ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر أراد نفي العزة عمن ليس بكاثر، وقوله (وهم راكعون) جملة في موضع النصب على الحال من (يؤتون) أي: يؤتون الزكاة راكعين، كما يقال الجواد من يجود بماله، وهو ضاحك. وموضع من رفع بالابتداء. وفي (يتول) ضمير يعود إلى من وهو مجزوم بالشرط. وموضع الفاء مع ما بعده جزم لما في ذلك من معنى


(1) الشقاء مؤنث الأشق: الفرس الطويل. الظراب: جمع الظرب الرابية الصغيرة، وهي التل. (*)

[ 361 ]

الجزاء، لان تقديره فهو غالب وفي من معنى إن فلهذا جزم الفعل المضارع. ومعنى هذا الحرف الذي في من مع الشرط والجزاء، في موضع رفع بكونه خبر المبتدأ. النزول: حدثنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسني القايني، قال: حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني (ره)، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الشعراني، قال: حدثنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين البياشاني، قال: حدثني المظفر بن الحسين الانصاري، قال: حدثنا السدي بن علي الوراق، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن قيس بن الربيع، عن الاعمش، عن عباية بن ربعي، قال: " بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم، يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله، إلا قال الرجل قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله، من أنت ؟ فكشف العمامة عن وجهه، وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري، أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا فصمتا، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا، يقول: " علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله، فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي راكعا، فأومأ بخنصره اليمنى إليه، وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته، رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إن أخي موسى، سألك فقال: " رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما) اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليا أشدد به ظهري. قال أبو ذر: فو الله ما استتم رسول الله الكلمة، حتى نزل عليه جبرائيل من عند

[ 362 ]

الله، فقال: يا محمد إقرأ. قال: وما أقرأ ؟ قال: إقرأ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الاية. وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الاسناد بعينه، وروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن على ما حكاه المغربي عنه، والرماني، والطبري، أنها نزلت في علي حين تصدق بخاتمه، وهو راكع، وهو قول مجاهد، والسدي، والمروي عن أبي جعفر عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام، وجميع علماء أهل البيت. وقال الكلبي نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، لما أسلموا، فقطعت اليهود موالاتهم، فنزلت الاية. وفي رواية عطا: قال عبد الله بن سلام يا رسول الله ! أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه وهو راكع، فنحن نتولاه. وقد رواه لنا السيد أبو الحمد، عن أبي القاسم الحسكاني، بالاسناد المتصل المرفوع إلى أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه، ممن قد آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا رسول الله إن منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس، ولا متحدث دون هذا المجلس، وإن قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله، وصدقناه، رفضونا وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا، ولا يناكحونا، ولا يكلمونا، فشق ذلك علينا ! فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنما وليكم الله ورسوله) الاية. ثم إن النبي خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل، فقال النبي: هل أعطاك أحد شيئا ؟ فقال: نعم خاتم من فضة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أعطاكه ؟ قال: ذلك القائم - وأومى بيده إلى علي - فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: على أي حال أعطاك ؟ قال: أعطاني وهو راكع. فكبر النبي، ثم قرأ: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) فأنشأ حسان بن ثابت يقول في ذلك: أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطئ في الهدى ومسارع أيذهب مدحيك المحبر ضائعا * وما المدح في جنب الاله بضائع فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا * زكاة فدتك النفس يا خير راكع فأنزل فيك الله خير ولاية * وثبتها مثنى (1) كتاب الشرائع وفي حديث إبراهيم بن الحكم بن ظهير: إن عبد الله بن سلام أتى رسول الله مع رهط من قومه، يشكون إلى رسول الله ما لقوا من قومهم، فبينا هم يشكون، إذ


(1) وفي المخطوطتين " ثنى ". (*)

[ 363 ]

نزلت هذه الاية، وأذن بلال، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد، وإذا مسكين يسأل، فقال عليه السلام: ماذا أعطيت ؟ قال: خاتم من فضة. قال: من أعطاكه ؟ قال: ذلك القائم، فإذا هو علي، قال: على أي حال أعطاكه ؟ قال: أعطاني وهو راكع. فكبر رسول الله وقال: (ومن يتول الله ورسوله) الاية. المعنى: ثم بين تعالى من له الولاية على الخلق، والقيام بأمورهم، وتجب طاعته عليهم، فقال (إنما وليكم الله ورسوله) أي: الذي يتولى مصالحكم، ويتحقق تدبيركم هو الله تعالى، ورسوله يفعله بأمر الله (والذين آمنوا)، ثم وصف الذين آمنوا فقال (الذين يقيمون الصلاة) بشرائطها (ويؤتون) أي: ويعطون (الزكاة وهم راكعون) أي: في حال الركوع. وهذه الاية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل، والوجه فيه أنه إذا ثبت أن لفظة (وليكم) تفيد من هو أولى بتدبير أموركم، ويجب طاعته عليكم، وثبت أن المراد ب‍ (الذين آمنوا) علي، ثبت النص عليه بالامامة ووضح والذي يدل على الاول هو الرجوع إلى اللغة، فمن تأملها علم أن القوم نصوا على ذلك، وقد ذكرنا قول أهل اللغة فيه قبل، فلا وجه لإعادته، ثم الذي يدل على أنها في الاية تفيد ذلك دون غيره، أن لفظة (إنما) على ما تقدم ذكره تقتضي التخصيص، ونفي الحكم عمن عدا المذكور، كما يقولون: إنما الفصاحة للجاهلية، يعنون نفي الفصاحة عن غيرهم، وإذا تقرر هذا لم يجز حمل لفظة الولي على الموالاة في الدين والمحبة، لانه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر، والمؤمنون كلهم مشتركون في هذا المعنى، كما قال سبحانه (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وإذا لم يجز حمله على ذلك، لم يبق إلا الوجه الآخر، وهو التحقق بالامور، وما يقتضي فرض الطاعة على الجمهور، لانه لا محتمل للفظه إلا الوجهان. فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر. والذي يدل على أن المعني ب‍ (الذين آمنوا) هو علي: الرواية الواردة من طريق العامة والخاصة بنزول الاية فيه، لما تصدق بخاتمه في حال الركوع، وقد تقدم ذكرها، وأيضا فإن كل من قال إن المراد بلفظة (ولي) ما يرجع إلى فرض الطاعة والإمامة، ذهب إلى أنه هو المقصود بالاية، والمتفرد بمعناها، ولا أحد من الامة يذهب إلى أن هذه اللفظة تقتضي ما ذكرناه، ويذهب إلى أن المعني بها سواه، وليس

[ 364 ]

لاحد أن يقول إن لفظ (الذين آمنوا) لفظ جمع، فلا يجوز أن يتوجه إليه على الانفراد، وذلك أن أهل اللغة قد يعبرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التفخيم والتعظيم، وذلك أشهر في كلامهم، من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه، وليس لهم أن يقولوا إن المراد بقوله (وهم راكعون) أن هذه شيمتهم وعادتهم، ولا يكون حالا لإيتاء الزكاة، وذلك لان قوله (يقيمون الصلاة) قد دخل فيه الركوع، فلو لم يحمل قوله (وهم راكعون) على أنه حال من يؤتون الزكاة، وحملناه على من صفتهم الركوع، كان ذلك كالتكرار غير المفيد، والتأويل المفيد أولى من البعيد الذي لا يفيد، ووجه آخر في الدلالة على أن الولاية في الاية مختصة، أنه سبحانه قال (إنما وليكم الله) فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره، ثم قال: (ورسوله) فأخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جملتهم، لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال: (والذين آمنوا) فوجب أن يكون الذي خوطب بالاية غير الذي جعلت له الولاية، وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وإلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه، وذلك محال. واستيفاء الكلام في هذا الباب يطول به الكتاب، فمن أراده فليطلبه من مظانه. قال الواحدي واستدل أهل العلم بهذه الاية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة، وأن دفع الزكاة إلى السائل في الصلاة، جائز مع نية الزكاة (ومن يتول الله) بالقيام بطاعته (ورسوله) باتباع أمره (والذين آمنوا) بالموالاة والنصرة (فإن حزب الله) أي: جند الله، عن الحسن. وقيل: أنصار الله (هم الغالبون) الظاهرون على أعدائهم، الظافرون بهم. (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين [ 57 ] القراءة: قرأ أهل البصرة والكسائي (والكفار) بالجر. وقرأ الباقون بالنصب. الحجة: حجة من قرأ بالجر أنه حمل الكلام على أقرب العاملين، وهو عامل الجر. وحجة من نصب: أنه عطف على العامل الناصب، فكأنه قال: لا تتخذوا الكفار أولياء. قال الزجاج: يجوز في هزوا أربعة أوجه (1): إن شئت قلت (هزؤا)


(1) مضى، الكلام فيه في الجزء الاول. (*)

[ 365 ]

بضم الزاي وتحقيق الهمزة، وهو الاصل والاجود. وإن شئت قلت (هزوا) وأبدلت من الهمزة واوا، لانضمام ما قبلها. وإن شئت قلت (هزءا) بإسكان الزاي وتحقيق الهمزة. فهذه الاوجه الثلاثة جيدة يقرأ بهن، وفيها وجه آخر لا يجوز القراءة به، وهو أن يقول هزا مثل هدى، وذلك أنه يجوز إذا أردت تخفيف همزة هزءا أن تطرح حركتها إلى الزاي، كما تقول رأيت خبا تريد خباء. اللغة: الهزؤ: السخرية، وهو إظهار ما يلهي تعجبا مما يجري، قال الله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) وقال الشاعر: ألا هزأت وأعجبها المشيب * فلا نكر لديك ولا عجيب يقال هزأ به هزأ وتهزأ واستهزأ. واللعب: الأخذ على غير طريق الحق، ومثله العبث: وأصله من لعاب الصبي، يقال لعب يلعب: إذا سال لعابه، لانه يخرج إلى غير جهته، فلذلك اللاعب يمر إلى غير جهة الصواب. النزول: قيل كان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحرث، قد أظهرا الاسلام، ثم نافقا، وكان رجال من المسلمس يوادونهما، فنزلت الاية، عن ابن عباس. المعنى: ثم أكد سبحانه النهي عن موالاة الكفار فقال (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا) أي: أظهروا الايمان باللسان، واستبطنوا الكفر، فذلك معنى تلاعبهم بالدين. (من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) يعني: اليهود والنصارى. (والكفار) بالجر أي: ومن الكفار (أولياء) بطانة وأخلاء، فيكون الهزء من الكتابي ومن المشرك والمنافق، ويدل على استهزاء المشركين، قوله سبحانه: (إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر) ويدل على استهزاء المنافقين قوله: (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون) وكل من ذكرنا من المشركين، والمنافقين، ومن لم يسلم من اليهود والنصارى، يقع عليه اسم كافر يدل على ذلك قوله (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين) فإذا وقع على المستهزئين اسم كافر حسن أن يكون قوله (والكفار) تبيينا للاسم الموصول، وهو الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا، كما كان قوله (من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) تبيينا له. ولو قال من الكفار فبين به، لعم الجميع، ولكن

[ 366 ]

الكفار كان إطلاقه على المشركين أغلب، وأهل الكتاب على من إذا عاهد دخل في ذمة المسلمين، وقبلت منه الجزية، وأقر على دينه، أغلب، فلذلك فصل بينهما. وأما القراءة بالنصب، فمعناه: لا تتخذوا المستهزئين من أهل الكتاب، ولا تتخذوا الكفار أولياء (واتقوا الله) في موالاتهم بعد النهي عنها (إن كنتم مؤمنين) بوعده ووعيده أي: ليس من صفات المؤمنين موالاة من يطعن في الدين، فمن كان مؤمنا غضب لايمانه على من طعن فيه، وكافأه بما يستحقه من المقت والعداوة. (وإذا ناديتم إلى الصلوة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون [ 58 ] اللغة: النداء: الدعاء بمد الصوت على طريقة يا فلان ! وأصله ندى الصوت: وهو بعد مذهبه وصحة جرمه (1). ومنه قوله: " أناديك ولا أناجيك " أي: أعالنك الندا، ولا أسر لك النجوى، قال أبو ذهيل: وأبرزتها من بطن مكة بعد ما * أصات المنادي بالصلاة فأعتما وأصل الباب الندو: وهو الاجتماع. يقال ندا القوم، يندون، ندوا أي: اجتمعوا في النادي. ومنه دار الندوة. وندى الماء: لانه يجتمع قليلا قليلا. وندى الصوت منه، لانه عن جرم الندى. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن صفة الكفار الذين نهى الله المؤمنين عن موالاتهم، فقال: (وإذا ناديتم) أيها المؤمنون (إلى الصلاة) أي: دعوتم إليها (اتخذوها) أي: اتخذوا الصلاة (هزوا ولعبا) وقيل في معناه قولان أحدهما: إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة، تضاحكوا فيما بينهم، وتغامزوا على طريق السخف والمجون (2)، تجهيلا لأهلها، وتنفيرا للناس عنها، وعن الداعي إليها. والآخر: إنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهازئ بفعلها، جهلا منهم بمنزلتها (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) وقيل فيه قولان أحدهما: إنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم لو أجابوا إليها من الثواب، وما عليهم في استهزائهم بها من العقاب والثاني: إنهم بمنزلة من لا عقل له، يمنعه من القبائح، ويردعه عن الفواحش. قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة، فسمع المؤذن ينادي: " أشهد أن لا إله إلا الله،


(1) الجرم: جهارة الصوت. (2) السخف: قلة العقل، المجون: الصلابة والغلظة. (*)

[ 367 ]

وأشهد أن محمدا رسول الله " فقال: حرق الكاذب. فدخلت خادمة له ليلة بنار وهو نائم وأهله. فسقطت بشرارة، فاحترق هو وأهله، واحترق البيت. (قل يأهل الكتب هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فسقون [ 59 ] اللغة: يقال نقم الامر، ينقم، نقما، ونقم ينقم: إذا أنكره، والاول أكثر. قال عبد الله بن قيس الرقيات: ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا وسمي العقاب: نقمة، لانه يجب على ما ينكر من الفعل. الاعراب: قوله (إن أكثركم فاسقون) في موضع نصب وكذلك قوله (أن آمنا بالله) والتقدير: هل تنقمون منا إلا إيماننا وفسقكم. النزول: قيل إن نفرا من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أؤمن بالله (1)، وما أنزل إلى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق إلى قوله (ونحن له مسلمون) فلما ذكر عيسى، جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين قط، أخطأ في الدنيا والآخرة، منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فأنزل الله الاية، وما بعدها. المعنى: ثم أمر الله سبحانه رسوله بحجاجهم فقال (قل) يا محمد (يا أهل الكتاب هل تنقمون منا) أي: هل تنكرون منا. وقيل: هل تسخطون منا. وقيل: هل تكرهون منا. والمعاني متقاربة (إلا أن آمنا بالله) فوجدناه ووصفناه بما يليق به من الصفات العلى، ونزهناه عما لا يجوز عليه في ذاته وصفاته (وما أنزل إلينا) من القرآن (وما أنزل من قبل) على الانبياء (وأن أكثركم فاسقون). قال الزجاج: معناه هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم أي: إنما كرهتم إيماننا، وأنتم تعلمون أنا على الحق، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة، وكسبكم بها الأموال. وهذا معنى قول الحسن. " لفسقكم نقمتم علينا ".


(1) [ وما أنزل إلينا ]. (*)

[ 368 ]

قال بعض أهل التحقيق: فعلى هذا يجب أن يكون موضع أن في قوله (وأن أكثركم فاسقون) نصبا بإضمار اللام على تأويل ولأن أكثركم فاسقون. وقيل: لما ذكر تعالى ما نقمه اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل، وليس هو مما ينقم ذكر في مقابلته فسقهم، وهو مما ينقم، ومثل هذا يحسن في الازدواج، يقول القائل: هل تنقم مني إلا اني عفيف وأنك فاجر ؟ وإلا أني غني وأنك فقير ؟ فيحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة، ومعنى (فاسقون): خارجون عن أمر الله طلبا للرئاسة، وحسدا على منزلة النبوة، والمراد بالأكثر من لم يؤمن منهم، لان قليلا من أهل الكتاب آمن. وقيل في قوله (وأن أكثركم فاسقون) قول آخر ذكره أبو علي الجرجاني صاحب النظم قال: يجعله منظوما بقوله (آمنا بالله) على تأويل آمنا بالله، وبأن أكثركم فاسقون. فيكون موضع ان جر بالباء، وهذا وجه حسن. (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل [ 60 ] القراءة: قرأ حمزة وحده: (وعبد الطاغوت) بضم الباء، وجر التاء. والباقون: (وعبد الطاغوت) بفتح الباء ونصب التاء. وروى في الشواذ قراءة الحسن، وابن هرمز: (مثوبة) ساكنة الثاء مفتوحة الواو، وكذلك في سورة البقرة (لمثوبة). وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والاعمش، وأبان بن تغلب: (وعبد الطاغوت) بضم العين والباء، وفتح الدال، وخفض الطاغوت. وقرأ أبي بن كعب (عبدوا الطاغوت). ورواية عكرمة عن ابن عباس: (وعبد الطاغوت) بتشديد الباء وفتح الدال. وقراءة أبي واقد: (وعباد الطاغوت) وقراءة أبي جعفر الرؤاسي النحوي: (وعبد الطاغوت) كقولك ضرب زيد، لم يسم فاعله. وقراءة عون العقيلي، وابن بريدة: (وعابد الطاغوت). ورواية علقمة، عن ابن مسعود (وعبد الطاغوت) على وزن صرد: فهذه عشر قراءات اثنتان منها في السبعة. الحجة: قال أبو علي: حجة حمزة في قراءة (وعبد الطاغوت) أن يحمله على ما عمل فيه، جعل كأنه وجعل منهم عبد الطاغوت. ومعنى جعل: خلق، كقوله (وجعل الظلمات والنور وجعل زوجها) وليس (عبد) لفظ جمع، لانه ليس من أبنية الجموع شئ على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، ألا ترى أن في

[ 369 ]

الاسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد، ومعناه الجمع، كما في قوله (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ولان بناء فعل، يراد به المبالغة والكثرة، نحو: يقظ وندس. فكان تقديره أنه قد ذهب في عباد الطاغوت كل مذهب، وتكرر ذلك منه. وأما من فتح فقال: (وعبد الطاغوت) فإنه عطفه على بناء الماضي الذي في الصلة، وهو قوله (لعنه الله) وأفرد الضمير في (عبد) وإن كان المعني فيه الكثرة، لان الكلام محمول على لفظه دون معناه، وفاعله ضمير من كما أن فاعل الامثلة المعطوفة عليه ضمير من، فأفرد لحمل ذلك جميعا على اللفظ، ولو حمل الكل على المعنى، أو البعض على اللفظ، والبعض على المعنى، لكان مستقيما. وأما الوجه في مثوبة فإنه قد خرج على الاصل شاذا، قال أبو الفتح: ومثله ما يحكى عنهم: لفكاهة مقودة إلى الاذى وقياسهما مثابة ومقادة، ومثله مزيد وقياسه مزاد إلا أن مزيدا علم، والأعلام قد يحتمل فيها ما يكره من الاجناس نحو محبب ومكوزة، ومريم، ومدين، ورجاء بن حيوة ومثوبة: مفعلة، ونظيرها المبطخة والمشرقة (1). وأصل مثوبة: مثوبة، فنقلت الضمة من الواو إلى الثاء، ومثلها معونة. وقيل: هي مفعولة مثل مقولة ومضوفة على معنى المصدر، قال الشاعر: وكنت إذا جاري دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري قال: وأما قوله (عبد الطاغوت). فهو جمع عبد، وأنشد: إنسب العبد إلى آبائه * أسود الجلد ومن قوم عبد هكذا قال أبو الحسن. وقال أحمد بن يحيى: عبد: جمع عابد، كبازل وبزل، وشارف وشرف، وكذلك عبد: جمع عابد. ومثله عباد وعباد، ويجوز أن يكون عباد: جمع عبد. وأما عبد الطاغوت وعبدوا الطاغوت فظاهر، وأما عابد الطاغوت فهو واحد في معنى جماعة، وكذلك وعبد الطاغوت، لانه كحطم ولبد، كما أن عبد كحذر، وفطن، ووظف، وعجز.


(1) المبطخة: منبت البطيخ. المشرقة: موضع القعود في الشمس بالشتاء. (*)

[ 370 ]

الاعراب: مثوبة: نصب على التمييز كذلك هو خير ثوابا، موضع من يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب أحدها: الجر على البدل، والتقدير هل أنبئكم بمن لعنه الله والثاني: الرفع على خبر المبتدأ المحذوف أي: هم من لعنه الله والثالث: النصب على البدل من موضع الجار والمجرور، والتقدير أنبئكم أي: هل اخبركم على من لعنه الله مكانا على التمييز. المعنى: ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخاطبهم فقال: (قل) يا محمد لهؤلاء المستهزئين من الكفار واليهود: (هل أنبئكم) أي: هل أخبركم (بشر من ذلك مثوبة عند الله) أي: بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابا أي: جزاء. المعنى: إن كان ذلك عندكم شرا فأنا أخبركم بشر منه عاقبة عند الله. وقيل: معناه هل أخبركم بشر من الذين طعنتم عليهم من المسلمين، وإنما قال (بشر من ذلك)، وإن لم يكن في المؤمن شر على الإنصاف في المخاطبة والمظاهرة في الحجاج، كقوله: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) (من لعنه الله) أي: أبعده من رحمته (وغضب عليه) بفسقه وكفره، وغضبه عليه أراد به العقوبة والاستخفاف به. وقيل: غضبه أن ضرب عليهم الذلة والمسكنة والجزية، أينما كانوا من الارض (وجعل منهم القردة والخنازير) أي: مسخهم قردة وخنازير. قال المفسرون: يعني بالقردة أصحاب السبت، وبالخنازير: كفار مائدة عيسى. وروى الوالبي، عن ابن عباس: " إن الممسوخين من أصحاب السبت، لان شبانهم مسخوا قردة، وشيوخهم مسخوا خنازير ". (وعبد الطاغوت) قال الزجاج: هو نسق على لعنه الله (1)، ومن عبد الطاغوت. وقال الفراء: " تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت " فعلى هذا يكون الموصول محذوفا، وذلك لا يجوز عند البصريين. فالصحيح الاول. والطاغوت هنا الشيطان، عن ابن عباس، والحسن، لانهم أطاعوه طاعة المعبود. وقيل: هو العجل الذي عبده اليهود، عن الجبائي، لان الكلام كله في صفتهم، ولا تعلق في هذه الاية للمجبرة، لان أكثر ما تضمنته الإخبار بأنه خلق من يعبد الطاغوت على قراءة حمزة، أو غيره ممن قرأ عبادا، أو عبادا، أو عبدا، وغير ذلك، ولا شبهة في أنه تعالى خلق الكافر، وأنه لا خالق للكافر سواه، غير أن ذلك لا يوجب أن


(1) [ والتقدير من لعنه الله ]. (*)

[ 371 ]

يكون خلق كفره، وجعله كافرا، وليس لهم أن يقولوا إنا نستفيد من قوله: " وجعل منهم من عبد الطاغوت " أو عبد الطاغوت، أنه خلق ما به كان عابدا، كما نستفيد من قوله (وجعل منهم القردة والخنازير) أنه جعل ما به كانوا كذلك، وذلك أنا إنما استفدنا ما ذكروه، لان الدليل قد دل على أن ما به يكون القرد قردا، والخنزير خنزيرا، لا يكون إلا من فعل الله، وليس كذلك ما به يكون الكافر كافرا، فإنه قد دل الدليل على أنه يتعالى عن فعله وخلقه فافترق الأمران. (أولئك شر مكانا) أي: هؤلاء الذين وصفهم الله بأنه لعنهم، وغضب عليهم، وأنهم عبدوا الطاغوت، شر مكانا، لان مكانهم سقر، ولا شر في مكان المؤمنين. ومثله أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا، وقيل: معناه أنهم شر مكانا في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة، ممن نقمتم من المؤمنين. أما في الدنيا فبالقتل والسبي، وضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإلزام الجزية. وأما في الآخرة فبعذاب الابد (وأضل عن سواء السبيل) أي: أجوز عن الطريق المستقيم، وأبعد من النجاة. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الاية عير المسلمون أهل الكتاب وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فنكسوا رؤوسهم وافتضحوا. (وإذا جاءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون [ 61 ] وترى كثيرا منهم يسرعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون [ 62 ] لولا ينههم الربنيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون [ 63 ] اللغة: الفرق بين الاثم والعدوان: إن الاثم الجرم كائنا ما كان. والعدوان الظلم. وقد مر معنى السحت قبل. والصنع والعمل واحد. وقيل الفرق بينهما: إن الصنع مضمن بالجودة من قولهم ثوب صنيع، وفلان صنيعة فلان: إذا استخلصه على غيره. وصنع الله لفلان أي: أحسن إليه، وكل ذلك كالفعل الجيد. الاعراب: قد تدخل في الكلام على وجهين: إذا كانت مع الماضي قريبة من الحال، وإذا كانت مع المستقبل دلت على التقليل، وموضع الباء من قوله: (وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) نصب على الحال، لان المعنى دخلوا كافرين،

[ 372 ]

وخرجوا كافرين، لانه لا يريد أنهم دخلوا يحملون شيئا، وهو كقولك: خرج زيد بثيابه أي: وثيابه عليه، يريد خرج لابسا ثيابه، ومثله قول الشاعر: ومستنة كاستنان الخرو * ف قد قطع الحبل بالمرود (1) أي: وفيه المرود، يعني وهذه صفته. والفرق بين قولك متى جاؤوكم، وإذا جاءوكم: إن متى يتضمن معنى أن الجزاء، ويعمل فيه جاؤوكم، ولا يجوز أن يعمل في إذا لان إذا مضاف إلى ما بعده، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، لانه من تمامه. (لبئس) اللام فيه: لام القسم، ولا يجوز أن يكون لام الابتداء، لانها لا تدخل على الفعل إلا في باب إن خاصة، لانها أخرت إلى الخبر، لئلا يجتمع حرفان متفقان في المعنى. وقوله: (لبئس ما كانوا يعملون) يدل على أن المدح والذم يكونان بالافعال، لانه بمنزلة لبئس العمل عملهم، وما يحتمل أمرين أحدهما: أن تكون كافة كما تكون في إنما زيد منطلق، وليتما عمرو قائم، فلا يكون لها على هذا موضع (2) الثاني: أن يكون نكرة موصوفة، كأنه قيل: لبئس شيئا كانوا يعملون. ولولا ههنا بمعنى هلا. قال علي بن عيسى: وأصلها التقرير لوجوب الشئ عن الاول، فنقلت إلى التحضيض على فعل الثاني، من أجل الاول، وإن لم يذكر لا، ولا بد معها من لا، لانه دخلها معنى لم لا تفعل. ومتى قيل: كيف تدخل لولا على الماضي، وهي للتحضيض، وفي التحضيض معنى الامر. قيل: لانها تدخل للتحضيض والتوبيخ، فإذا كانت مع الماضي، فهو توبيخ كقوله تعالى: (لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء). المعنى: ثم أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين بقوله (وإذا جاءوكم) أيها المؤمنون (قالوا أمنا) أي: صدقنا (وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) قيل فيه قولان أحدهما: إنهم دخلوا به على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخرجوا به من عنده، أي: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كلتا حالتيهم، عن الحسن، وقتادة. والثاني: إن معناه وقد دخلوا به في أحوالهم، وخرجوا به إلى أحوال أخر، كقولك:


(1) ومستنة يعي طعنة فار دمها باستنان. والاستنان والسن: المر على وجهه. الخروف: ولد الفرس إذا بلغ ستة أشهر أو سبعة. المرود: حديدة توتد في الارض يشد فيها حبل الدابة. يريد أن دمها مر على وجهه كما يمضي الخروف يقول: يئس العواد من صلاح هذه الطعنة. (2) [ من الاعراب ]. (*)

[ 373 ]

هو يتقلب في الكفر، ويتصرف فيه. وقوله: وهم قد خرجوا به أكد الكلام بالضمير تعيينا إياهم بالكفر، وتمييزا لهم من غيرهم بهذه الصفة (والله أعلم بما كانوا يكتمون) معناه: بما كانوا يكتمون من نفاقهم، إذا أظهروا بألسنتهم ما أضمروا خلافه في قلوبهم. ثم بين الله سبحانه أنهم يضمون إلى نفاقهم خصالا أخر ذميمة فقال (وترى) يا محمد (كثيرا منهم) قيل: المراد بالكثير: رؤساؤهم وعلماؤهم (يسارعون) يبادرون (في الاثم والعدوان) قيل: الاثم الكفر، عن السدي. والعدوان: مجاوزة حدود الله وتعديها. وقيل: الاثم كل معصية وهو الاولى. والعدوان: الظلم، أي: يسارعون في ظلم الناس، وفي الجرم الذي يعود عليهم بالوبال والخسران (وأكلهم السحت) أي: الرشوة في الحكم، عن الحسن، وسماها سحتا لانه يؤدي إلى الاستئصال. ويقال: لانها تذهب بالبركة من المال. قال أهل المعاني: أكثر ما تستعمل المسارعة في الخير كقوله تعالى (يسارعون) (1) وفائدة لفظة المسارعة وإن كان لفظ العجلة أدل على الذم أنهم يعملونه كأنهم محقون فيه، ولذلك قال ابن عباس في تفسيره: " وإنهم يجترئون على الخطأ " (لبئس ما كانوا يعملون) أي: لبئس العمل عملهم (لولا ينهاهم) أي: هلا ينهاهم، والكناية في هم تعود إلى الكثير (الربانيون) أي: العلماء بالدين الذين من قبل الرب على وجه تغير الاسم، كما قالوا روحاني بالنسبة إلى الروح، وبحراني بالنسبة إلى البحر. وقال الحسن: الربانيون علماء أهل الانجيل (والاحبار) علماء أهل التوراة، وقال غيره: كلهم من اليهود لانه يتصل بذكرهم (عن قولهم الاثم) أي: عن تحريفهم الكتاب. وقيل: عن كل ما قالوه بخلاف الحق (وأكلهم السحت) أي: الحرام والرشوة (لبئس ما كانوا يصنعون) أي: لبئس الصنع صنعهم، حيث اجتمعوا على معصية الله، وأنذر سبحانه علماءهم بترك التكبر عليهم، فيما ضيعوا منزلتهم، فذم هؤلاء بمثل اللفظة التي ذم بها أولئك وفي هذه الاية دلالة على أن تارك النهي عن المنكر، بمنزلة مرتكبه، وفيه وجوب الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان


(1) [ في الخيرات ]. (*)

[ 374 ]

ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغينا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الارض فسادا والله لا يحب المفسدين [ 64 ] اللغة: اليد: تذكر في اللغة على خمسة أوجه: الجارحة، والنعمة، والقوة، والملك، وتحقيق إضافة الفعل. فالنعمة في قولهم لفلان عندي يد أشكرها أي: نعمة، قال عدي بن زيد: ولن أذكر النعمان إلا بصالح * فإن له عندي يديا وأنعما جمع يدا على يدي: كالكليب والعبيد، وحسن التكرار لاختلاف اللفظين. واليد: للقوة في نحو قوله تعالى: (أولي الايدي والابصار) أي ذوي القوى والعقول، وأنشد الاصمعي للغنوي: فاعمد لما تعلو فمالك بالذي * لا تستطيع من الامور يدان يريد ليس لك به قوة، وعلى هذا ما ذكره سيبويه من قولهم: لا يدين بها لك، ومعنى هذه التثنية المبالغة في نفي الاقتدار، والقوة على الشئ. واليد بمعنى الملك: في نحو قوله: (الذي بيده عقدة النكاح) أي يملك ذلك، وهذه الضيعة في يد فلان أي: في ملكه. واليد بمعنى التولي للشئ، وإضافة الفعل، في نحو قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) أي لما توليت خلقه تخصيصا لآدم، وتشريفا له بهذا، وإن كان جميع المخلوقات هو خلقها لا غير، وتقول: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئا، وكأن معناه اجتهادي وطاقتي. وتستعمل أيضا حيث تراد النصرة، وذلك مثل ما جاء في الحديث: " وهم يد على من سواهم " أي. نصرتهم واحدة، وكلمتهم مجتمعة على من تشق عصاهم. قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: اليد الجماعة، ومنه الحديث: " وهم يد على من سواهم ". وقد يستعار اليد للشئ الذي لا يد له، تشبيها بمن له اليد. قال ابن الاعرابي: يد الدهر: الدهر كله يقال لا آتيه يد الدهر، ويد المسند (1)، قال ذو الرمة:


(1) المسند: الدهر. (*)

[ 375 ]

ألا طرقت مي هيوما بذكرها * وأيدي الثريا جنح في المغارب (1) وأصل هذه الاستعارة لثعلبة بن صعير في قوله (ألقت ذكاء يمينها في كافر) (2) فجعل للشمس يدا في المغيب، لما أراد أن يصفها بالغروب، ثم للبيد في قوله: حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها (3) وقد يستعار اليد في مواضع كثيرة يطول ذكرها، ولما كان الجواد ينفق باليد، والبخيل يمسك باليد، عن الانفاق، أضافوا الجود والبخل إلى اليد، فقالوا للجواد مبسوط اليد، وبسط البنان، فياض الكف، وللبخيل كز الاصابع، مقبوض الكف، جعل الانامل، في أشباه لهذا كثيرة معروفة في أشعارهم. وأنكر الزجاج على من ذهب إلى أن معنى اليد في الاية: النعمة، بأن قال: إن هذا ينقضه قوله: (بل يداه مبسوطتان) فيكون المعنى: بل نعمتاه مبسوطتان، ونعم الله أكثر من أن تحصى. قال أبو علي الفارسي: قوله: نعمتاه مبسوطتان، لا يدل على تقليل النعمة، وعلى أن نعمته نعمتان ثنتان، ولكنه يدل على الكثرة والمبالغة، فقد جاء بالتثنية، ويراد به الكثرة والمبالغة، وتعداد الشئ لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد، ألا ترى إلى قولهم: لبيك إنما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة، وكذلك سعديك إنما هو مساعدة بعد مساعدة، وليس المراد بذلك طاعتين اثنتين، ولا مساعدتين، فكذلك المعنى في الاية إن نعمه متظاهرة متتابعة، فهذا وجه. وإن شئت حملت المثنى على أنه تثنية جنس، لا تثنية واحد مفرد، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا، والآخر نعمة الآخرة، أو نعمة الدين، فلا يكون التثنية على هذا مرادا بها اثنتين. وقد جاء تثنية اسم الجنس في كلامهم مجيئا واسعا، قال الفرزدق: وكل رفيقي كل رحل وإن هما * تعاطى القنا قوما هما أخوان (4)


(1) مي: اسم امرأة. الهيوم: المتحير وجنح إليه: مال، أراد قرب الثريا من المغرب لأفولها فجعل لها أيديا جنحا نحوها. (2) ذكاء: اسم علم للشمس. (3) مضى البيت بمعناه. (4) الشعر في جامع الشواهد. (*)

[ 376 ]

فتأويل الرفيقين في البيت: العموم والاشاعة. ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون رفيقان اثنان لكل رحل، وبعده، فإذا كانوا قد استجازوا تثنية الجمع الذي بني للكثرة كقوله: لأصبح القوم أو بادا ولم يجدوا * عند التفرق في الهيجا جمالين (1) وقبله: سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا * فكيف لو قد سغى عمرو عقالين (2) وقول أبي النجم (بين رماحي نهشل، وعقيل) ونحو ما حكاه سيبويه من قولهم: لقاحان سوداوان، فإن تجوز تثنية اسم الجنس أجدر، لانه على لفظ الواحد، فالتثنية فيه أحسن إذ هو أشبه بألفاظ الأفراد. الاعراب: فال أبو علي: إعلم أن يدا كلمة نادرة، ووزنها فعل، يدلك على ذلك قولهم أيد وجمعهم له على أفعل، كأكلب وأنفس، يدل على أنه فعل كما دل آباء وآخاء على أن وزن أب وأخ فعل. واللام منه الياء، وهو من باب سلس وقلق، لا يعلم لذلك في الكلام نظير، والذي يدل على ذلك يديت إليه يدا، ولا يعلم في الواو مثله، ألا ترى أنه لم يجئ مثل دعوت، وقد جاء في الاسماء ذلك، وهو قولهم واو، وأما قولهم: " ذهبوا أيادي سبا " إذا أرادوا الافتراق، وقول ذي الرمة: فيالك من دار تحمل أهلها * أيادي سبا بعدي وطال احتيالها وهو في موضع حال، لانه كقولك ذهبوا متفرقين، وإذا كان كذلك لا يصلح إضافتها لان سبا معرفة، فيكون المضاف إليه معرفة، فإذا كان معرفة، وجب أن لا يكون حالا، قال: والوجه فيها عندي أن لا يقدر فيها الاضافة، ولكن يجعل الاسمان بمنزلة إسم واحد، كحضرموت فيمن لم يضف، وكان القياس أن يتحرك اللام من أيادي بالفتح في موضع النصب، إلا أنهم أسكنوه ولم يحركوه، وشبهوه بالحالتين


(1) الأوباد جمع الوبد: سوء الحال من كثرة العيال وقلة المال وقوله أوباد على حذف المضاف أي ذوي أوباد. وقوله جمالين يريد قطيعين من الجمال وأراد جمالا ههنا وجمالا ههنا وذلك أن أصحاب الإبل يعزلون الإناث عن الذكور. (2) سعى سعاية: مشى لأخذ الصدقة. والعقال ههنا صدقة عام واحد. السبد: القليل من الشعر يقال ماله سبد ولا لبد أي لا شعر ولا صوف يقال لمن لا شئ له. (*)

[ 377 ]

الاخيرتين. وهذا الضرب قد اطرد فيه الاسكان، فقالوا: معدي كرب وقالي، وبادي بدا، فأسكنوا جميع ذلك. المعنى: ثم أخبر الله تعالى بعظيم فريتهم، فقال: (وقالت اليهود يد الله مغلولة) أي: مقبوضة عن العطاء، ممسكة عن الرزق، فنسبوه إلى البخل، عن ابن عباس، وقتادة، وعكرمة، والضحاك، قالوا: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا، وأخصبهم ناحية، فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذبوه، كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة، فقال عند ذلك فنحاص بن عاذورا (يد الله مغلولة)، ولم يقل إلى عنقه. قال أهل المعاني: إنما قال فنحاص ولم ينهه الآخرون، ورضوا بقوله، فأشركهم الله في ذلك. وقيل: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه، قدر ما عبد آباؤنا العجل، عن الحسن. وقيل: إنه استفهام، وتقديره أيد الله مغلولة عنا، حيث قتر المعيشة علينا (1). وقال أبو القاسم البلخي: يجوز أن يكون اليهود قالوا قولا، واعتقدوا مذهبا، يؤدي معناه إلى أن الله يبخل في حال، ويجود في حالة أخرى، فحكى عنهم ذلك على وجه التعجيب منهم، والتكذيب لهم. ويجوز أن يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزؤ، من حيث لم يوسع على النبي، وعلى أصحابه. وليس ينبغي أن يتعجب من قوم يقولون لموسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ويتخذون العجل إلها أن يقولوا: إن الله يبخل تارة، ويجود أخرى. وقال الحسين بن علي المغربي: حدثني بعض اليهود بمصر أن طائفة منهم قالت ذلك. (غلت أيديهم) قيل فيه أقوال أحدها: إنه على سبيل الإخبار، أي: غلت أيديهم في جهنم، عن الحسن، واختاره الجبائي، ومعناه شدت إلى أعناقهم، وتأويله أنهم جوزوا على هذا القول بهذا الجزاء، فعلى هذا يكون في الكلام ضمير الفاء، أو الواو، وتقديره فغلت أيديهم، أو وغلت، لان كلامهم قد تم، واستؤنف بعده كلام آخر، ومن عاداتهم أنهم يحذفون فيما يجري هذا المجرى، ومن ذلك قوله (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا) والمراد فقالوا: لان كلام موسى قد تم. وثانيها: أن يكون القول خرج مخرج الدعاء، كما يقال: قاتله الله، عن أبي مسلم. وعلى هذا فيكون معناه تعليمنا


(1) التقتير: التضييق في النفقة. (*)

[ 378 ]

وتوفيقنا على الدعاء عليهم، كما علمنا الاستثناء في غير هذا الموضع، بقوله: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين). وثالثها: إن معناه جعلوا بخلاء، ألزموا البخل، فهم أبخل قوم. فلا يلفى يهودي أبدا غير لئيم بخيل، عن الزجاج (ولعنوا بما قالوا) أي: أبعدوا عن رحمة الله وثوابه، بسبب هذه المقالة، وقيل: عذبوا في الدنيا بالجزية، وفي الآخرة بالنار، عن الحسن. ثم رد الله عليهم بضد مقالتهم فقال (بل يداه مبسوطتان) أي: ليس الامر على ما وصفوه، بل هو جواد، فليس لذكر اليد هنا معنى غير إفادة معنى الجود، وإنما قال: (يداه) على التثنية، مبالغة في معنى الجود والإنعام، لان ذلك أبلغ فيه من أن يقول بل يده مبسوطة ويمكن أن يكون المراد باليد النعمة، ويكون الوجه في تثنية النعمة أنه أراد نعم الدنيا، ونعم الآخرة، لأن الكل، وان كانت نعم الله، فمن حيث اختص كل منهما بصفة تخالف صفة الآخر، كأنهما جنسان ويمكن أن يكون تثنية النعمة أنه أريد بهما النعم الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة). وقيل: إن المراد باليدين القوة والقدرة، عن الحسن. ومعناه قوتاه بالثواب والعقاب مبسوطتان، بخلاف قول اليهود: إن يده مقبوضة عن عذابنا. (ينفق كيف يشاء) معناه يعطي كيف يشاء من يشاء من عباده، ويمنع من يشاء من عباده، لانه متفضل بذلك، فيفعل على حسب المصلحة (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا) أي: سيزدادون عند إنزال القرآن إليك طغيانا وكفرا، ويريد بالكثير منهم: المقيمين على الكفر. وإنما ازدادوا كفرا لانه كلما أنزل الله حكما وأخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم به، جحدوه وازدادوا بذلك طغيانا، وهو التمادي والمجاوزة عن الحد، وكفرا انضم إلى كفرهم، وهذا كما يقول القائل: وعظتك فكانت موعظتي وبالا عليك، وما زادتك إلا شرا، على معنى أنك ازددت عندها شرا، وذلك مشهور في الاستعمال (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) أي بين اليهود والنصارى، عن الحسن، ومجاهد. وقيل: يريد به اليهود خاصة، وقد مر تفسيره في أول السورة عند قوله (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة). (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) أي: لحرب محمد، عن الحسن، ومجاهد. وفي هذا دلالة ومعجزة لان الله أخبره فوافق خبره المخبر، فقد كانت اليهود

[ 379 ]

أشد أهل الحجاز بأسا، وأمنعهم دارا، حتى إن قريشا كانت تعتضد بهم، والأوس والخزرج تستبق إلى محالفتهم، وتتكثر بنصرتهم، فأباد الله خضراءهم، واستأصل شأفتهم (1)، واجتث أصلهم، فأجلى النبي بني النضير وبني قينقاع، وقتل بني قريظة، وشرد أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان له أهل وادي القرى، فمحا الله تعالى آثارهم صاغرين. وقال قتالة: معناه إن الله أذلهم ذلا لا يعزون بعده أبدا، وإنما يطفئ نار حربهم بلطفه، وبما يطلع نبيه عليه من أسرارهم، وبما يمن به عليه من التأييد والنصر (ويسعون في الارض فسادا) بمعصية الله، وتكذيب رسله، ومخالفة أمره ونهيه، واجتهادهم في محو ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كتبهم (والله لا يحب المفسدين) العاملين بالفساد، والمعاصي، في أرضه. (ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنت النعيم [ 65 ] ولو أنهم أقاموا التورية والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون [ 66 ] اللغة: أصل التكفير: التغطية، ومنه تكفر في السلاح. والاقتصاد: الاستواء في العمل، الذي يودي إلى الغرض، واشتقاقه من القصد، لان القاصد إلى ما يعرف مكانه، فهو يمر على الاستقامة إليه، خلاف الطالب المتحير في طلبه. الاعراب: (ساء ما يعملون) يحتمل أن يكون (ما) مع ما بعدها، بمنزلة المصدر، ويحتمل أن يكون بمعنى الذي وما بعدها، صلة لها، والعائد محذوف. المعنى: (ولو أن أهل الكتاب) يعني: اليهود والنصارى (آمنوا) بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (واتقوا) الكفر والفواحش (لكفرنا عنهم سيئاتهم) أي: سترناها عليهم، وغفرناها لهم، (ولأدخلناهم جنات النعيم) ظاهر المعنى (ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل) أي: عملوا بما فيهما على ما فيهما، دون أن يحرفوا شيئا منهما، أو يغيروا، أو يبدلوا، كما كانوا يفعلونه. ويحتمل أن يكون معناه: عملوا بما


(1) شأفة الرجل. أهله وماله. (*)

[ 380 ]

فيهما، بأن أقاموهما نصب أعينهم، لئلا يزلوا في شئ من حدودهما (وما أنزل إليهم من ربهم) يريد به القرآن، عن ابن عباس، واختاره الجبائي. وقيل: المراد به كل ما دل الله عليه من أمور الدين (لأكلوا من فوقهم) بإرسال السماء عليهم مدرارا، (ومن تحت أرجلهم) بإعطاء الارض خيرها وبركتها، عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد. وقيل: المراد لأكلوا ثمار النخيل والأشجار من فوقهم، والزرع من تحت أرجلهم. والمعنى: لتركوا في ديارهم، ولم يجلوا عن بلادهم، ولم يقتلوا، فكانوا يتمتعون بأموالهم، وزروعهم، وثمارهم، وما رزقهم الله من النعم، وإنما خص سبحانه الأكل لأن ذلك معظم الانتفاع. وفي هذا تأسيف لليهود على ما فاتهم، واعتداد بسعة ما كانوا فيه من نعم الله عليهم، وهو جواب تبخيلهم إياه في قولهم (يد الله مغلولة). وقيل: إن المعنى في قوله (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) التوسعة كما يقال فلان في الخير من قرنه إلى قدمه أي: يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه منها، ونظير هذه الآية قوله (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) جعل الله تعالى التقوى من أسباب التوسعة في الرزق (منهم أمة مقتصدة) أي: من هؤلاء قوم معتدلون في العمل من غير غلو، ولا تقصير. قال أبو علي الجبائي: وهم الذين أسلموا منهم، وتابعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبه قال مجاهد، والسدي، وابن زيد، وهو المروي في تفسير أهل البيت عليهم السلام. وقيل: يريد به النجاشي وأصحابه. وقيل: إنهم قوم لم يناصبوا النبي مناصبة هؤلاء، حكاه الزجاج. ويحتمل أن يكون أراد به من يقر منهم بأن المسيح عبد الله ولا يدعي فيه الإلهية (وكثير منهم ساء ما يعملون) قبح عملهم أي: أكثر هؤلاء اليهود والنصارى، يعملون الاعمال السيئة، وهم الذين يقيمون على الكفر والجحود بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين [ 67 ] القراءة: قرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم: (رسالاته) على الجمع. والباقون: (رسالته) على التوحيد. الحجة: قال أبو علي: حجة من جمع أن الرسل يرسلون بضروب من الرسائل

[ 381 ]

كالتوحيد والشرائع، فلما اختلفت الرسائل، حسن أن تجمع، كما حسن أن تجمع أسماء الاجناس إذا اختلفت. ألا ترى أنك تقول: رأيت تمورا كثيرة، نظرت في علوم كثيرة، فتجمع هذه الاسماء إذا أردت ضروبها، كما تجمع غيرها من الاسماء. وحجة من أفرد هذه الاسماء أنها تدل على الكثرة، وإن لم تجمع، كما تدل الالفاظ المصوغة للجمع. فمما يدل على ذلك قوله: (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا) فوقع الاسم الشائع على الجميع، كما يقع على الواحد، فكذلك الرسالة. الاعراب: (أرسل) فعل يتعدى الى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني منهما بالجار، كقوله (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه وأرسلناه إلى مائة ألف). ويجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، كقوله (ثم أرسلنا رسلنا تترى) و (إنا أرسلناك شاهدا) وقال: (فأرسل إلى هارون) فعدى إلى الثاني. والاول مقدر في المعنى، وقال: فأرسلها العراك ولم يذدها * ولم يشفق على نغص الدخال (1) المعنى خلى بين هذه الابل وبين شربها، ولم يمنعها من ذلك، وأنشد أبو زيد: لعمري لقد جاءت رسالة مالك * إلى جسد بين العوائد مختبل (2) والرسالة هنا بمعنى الإرسال. والمصدر في تقدير الاضافة إلى الفاعل. والمفعول الاول في التقدير محذوف، كما كان في قوله (فأرسل إلى هارون) محذوفا، والتقدير رسالة المالك زيدا إلى جسد، والجار والمجرور في موضع نصب بكونه مفعولا ثانيا. والمعنى: إلى ذي جسد، لان الرسالة لم تأت الجسد دون سائر المرسل إليه، وهذا مثل قوله (وبعد عطائك المائة الرتاعا) في وضعه العطاء موضع الاعطاء، والرسول يكون بمعنى الرسالة، ويكون بمعنى المرسل، فأما كونه بمعنى الرسالة: فكقول الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عنهم * بسر ولا أرسلتهم برسول (3)


(1) الشعر في جامع الشواهد. (2) المختبل: الذي اختبل عقله أي جن. (3) الواشي: النمام. باح إليه بالسوء: أظهره. (*)

[ 382 ]

أي برسالة. وكونه بمعنى المرسل قوله (وما محمد إلا رسول) ومثله في أنه فعول بمعنى مفعول، قوله: وما زلت خيرا منك مذ عض كارها * بلحييك غادي الطريق ركوب (1) يريد: إنه طريق مركوب مسلوك. والعصمة: المنع، من عصام القربة: وهو وكاؤها الذي تشد به من سير أو خيط، قال الشاعر: وقلت عليكم مالكا إن مالكا * سيعصمكم إن كان في الناس عاصم أي: سيمنعكم. واعتصم فلان بفلان: أي امتنع به. المعنى: ثم أمر سبحانه نبيه بالتبليغ، ووعده العصمة والنصرة، فقال (يا أيها الرسول)، وهذا نداء تشريف وتعظيم (بلغ) أي: أوصل إليهم (ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته). أكثر المفسرون فيه الأقاويل فقيل: إن الله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم برسالة ضاق بها ذرعا، وكان يهاب قريشا، فأزال الله بهذه الاية تلك الهيبة، عن الحسن. وقيل يريد به إزالة التوهم من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئا من الوحي للتقية، عن عائشة. وقيل غير ذلك. وروى العياشي في تفسيره بإسناده عن ابن عمير، عن ابن أذينة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، قالا: أمر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن ينصب عليا عليه السلام للناس، فيخبرهم بولايته، فتخوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه هذه الاية، فقام بولايته يوم غدير خم وهذا الخبر بعينه قد حدثناه السيد أبو الحمد، عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني، بإسناده عن ابن أبي عمير في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفصيل والتأويل. وفيه أيضا بالاسناد المرفوع إلى حيان بن علي الغنوي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الاية في علي عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده عليه السلام، فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وقد أورد هذا الخبر بعينه أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في


(1) عضه: أمسكه بأسنانه ويقال أيضا عض به وعض عليه. اللحى عظم الحنك الذي عليه الاسنان. منبت اللحية وهما لحيان. العادي: الشئ القديم. ما بقي من آثار الامم القديمة نسبة إلى قبيلة عاد البائدة. (*)

[ 383 ]

تفسيره بإسناده مرفوعا إلى ابن عباس، قال: نزلت هذه الاية في علي عليه السلام أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي عليه السلام، فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام أن الله أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستخلف عليا عليه السلام، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الاية تشجيعا له على القيام بما أمره الله بأدائه. والمعنى: إن تركت تبليغ ما أنزل إليك، وكتمته، كنت كأنك لم تبلغ شيئا من رسالات ربك في استحقاق العقوبة. وقال ابن عباس: معناه إن كتمت آية مما أنزل إليك فما بلغت رسالته أي: لم تكن ممتثلا بجميع الامر (والله يعصمك من الناس) أي: يمنعك من أن ينالوك بسوء (إن الله لا يهدي القوم الكافرين) قيل فيه قولان أحدهما: إن معنى الهداية هنا أنه سبحانه لا يهديهم بالمعونة، والتوفيق، والألطاف إلى الكفر، بل إنما يهديهم إلى الايمان، لان من هداه إلى غرضه، فقد أعانه على بلوغه عن علي بن عيسى، قال: ولا يجوز أن يكون المراد لا يهديهم إلى الايمان، لانه تعالى هداهم إلى الايمان، بأن دلهم عليه، ورغبهم فيه، وحذرهم من خلافه والآخر إن المراد لا يهديهم إلى الجنة والثواب، عن الجبائي. وفي هذه الاية دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحة نبوته من وجهين أحدهما: انه وقع مخبره على ما أخبر به فيه وفي نظائره، فدل ذلك على أنه من عند عالم الغيوب والسرائر. والثاني: انه لا يقدم على الإخبار بذلك إلا وهو يأمن أن يكون مخبره على ما أخبر به، لانه لا داعي له إلى ذلك إلا الصدق. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما نزلت هذه الاية، قال لحراس من أصحابه، كانوا يحرسونه، منهم سعد وحذيفة: إلحقوا بملاحقكم، فإن الله تعالى عصمني من الناس. (قل يأهل الكتب لستم على شئ حتى تقيموا التورية والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغينا وكفرا فلا تأس على القوم الكفرين [ 68 ] النزول: قال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا

[ 384 ]

له: ألست تقر بأن التوراة من عند الله ؟ قال: بلى. قالوا: فإنا نؤمن بها، ولا نؤمن بما عداها. فنزلت الاية. المعنى: ثم أمر سبحانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخاطب اليهود فقال (قل) يا محمد (يا أهل الكتاب لستم على شئ) من الدين الصحيح (حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم) أي: حتى تقروا بالتوراة، والانجيل، والقرآن المنزل إلى جميع الخلق. وقيل: معناه حتى تقيموا التوراة والانجيل بالتصديق بما فيهما من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والعمل بما يوجب ذلك فيهما. وقيل: معناه الامر بإقامة التوراة والانجيل، وما فيهما، وإنما كان ذلك قبل النسخ لهما، عن الجبائي (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا) مر تفسيره قبل (فلا تأس على القوم الكافرين) أي: لا تحزن عليهم، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أي فلا تحزن، فإن تكذيب الانبياء عادتهم ودأبهم. وقيل: معناه لا تحزن على ذلك الكفر، وتجاوز الحد في الظلم منهم، فإن ضرر ذلك عائد عليهم. وقيل: معناه لا تحزن على هلاكهم وعذابهم، فذلك جزاؤهم بفعالهم. (إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئون والنصرى من ءامن بالله واليوم الأخر وعمل صلحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ 69 ] الاعراب: اختلف في وجه ارتفاع قوله (الصابئون)، فقال الكسائي: هو نسق على ما في (هادوا). قال الزجاج: وهذا خطأ من جهتين إحداهما: إن الصابي على هذا القول يشارك اليهودي في اليهودية، وليس كذلك، فإن الصابي غير اليهودي، فإن جعل (هادوا) بمعنى تابوا من قوله: (إنا هدنا إليك) لا من اليهودية، ويكون المعنى تابوا هم والصابئون. فالتفسير جاء بغير ذلك، لان معنى الذين آمنوا في هذه الاية، إنما هو الايمان بأفواههم، ثم ذكر اليهود والنصارى فقال: (من آمن منهم بالله) فله كذا، فجعلهم يهودا ونصارى، فلو كانوا مؤمنين، لم يحتج إلى أن يقال من آمن منهم فلهم أجرهم. وهذا قول الفراء، والزجاج، في الإنكار عليه. والجهة الأخرى أن العطف على الضمير المرفوع من غير توكيد قبيح، وإنما يأتي في ضرورة الشعر كما قال عمر بن أبي ربيعة.

[ 385 ]

قلت إذ أقبلت وزهر تهادى * كنعاج الملا تعسفن رملا (1) وقال الفراء: إنه عطف على ما لم يتبين فيه الاعراب مع ضعف إن، قال: وهذا يجوز في مثل الذين، والمضمر نحو إني وزيد قائمان، ولا يجوز إن زيدا وعمرو قائمان. قال الزجاج: وهذا غلط لأن إن تعمل النصب والرفع، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع، لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل، وكيف يكون نصب إن ضعيفا، وهو يتخطى الظروف، فتنصب ما بعدها نحو: (إن فيها قوما جبارين) ونصب إن من أقوى المنصوبات. وقال سيبويه، والخليل، وجميع البصريين: إن قوله (والصابئون) محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء. والمعنى: إن الذين آمنوا، والذين هادوا من آمن منهم بالله إلى آخره، والصابئون، والنصارى، كذلك أيضا، أي: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، فلا خوف عليهم، وانشدوا قول بشر بن حازم: وإلا فاعلموا إنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق والمعنى: فاعلموا إنا بغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضا كذلك، وقول ضابئ البرجمي (2): فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب (3) أي فإني بها غريب وقيار كذلك وزعم سيبويه أن قوما من العرب يغلطون فيقولون إنهم اجمعون ذاهبون وإنك وزيد قائمان فجعل سيبويه هذا غلطا وجعله كقول الشاعر: بدا لي اني لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (4)


(1) زهر: جمع زهراء وأراد بها المرأة المشرقة الوجه. تهادى أصله تتهادى فحذف إحدى التائين أي: تمايل وتبختر. النعاج جمع نعجة، والمراد بها هنا الظبية، أو بقرة الوحش. الملا: المكان الخالي الواسع. تعسفن: سرن سيرا شديدا. الرمل: الهرولة في المشي. (2) قاله حين حبسه عثمان بن عفان لجرم اقترفه. (3) قيار كشداد: اسم غلام الشاعر أو فرسه على اختلاف فيه. (4) الشاهد في جر " سابق " عطفا على مدرك مع كونه منصوبا بتوهم جره بالباء لكثرة دخوله على خبر ليس. (*)

[ 386 ]

المعنى: قد مضى تفسير هذه الاية مشروحا في سورة البقرة، وقد ذكرنا ههنا أن المعني ب‍ (الذين آمنوا) في قول الزجاج، هم المنافقون. ثم ذكر بعد من آمن بالقلب. وقيل: إن من آمن محمول على اليهود والنصارى أي: من آمن منهم و (الذين آمنوا) في الابتداء، محمول على ظاهره من حقيقة الايمان. وقيل: إن (من آمن) يرجع إلى الجميع، ويكون معناه: من يستديم الايمان ويستمر عليه. (لقد أخذنا ميثق بني إسراءيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون [ 70 ] وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون [ 71 ] القراءة: قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي (أن لا تكون) بالرفع. والباقون بالنصب، ولم يختلفوا في رفع (فتنة). الحجة: من قرأ (ألا تكون فتنة)، بالرفع، جعل أن مخففة من الثقيلة، وأضمر الهاء، وجعل (حسبوا) بمعنى العلم، وعلى هذا الوجه تثبت النون في الخط. وأما النصب فعلى أنه جعل أن الناصبة للفعل، ولم يجعل حسبوا بمعنى العلم، وعلى هذا الوجه تسقط النون من الخط. اللغة: الهوى: هو لطف محل الشئ من النفس، مع الميل إليه، بما لا ينبغي. فلذلك غلب على الهوى صفة الذم، ويقال هوى يهوى، هوى، وهوى يهوي هويا: إذا انحط من الهوى (1) وأهوى بيده: إذا انحط بها ليأخذ شيئا. وهاوية جهنم، لانها يهوي فيها. وهم يتهاوون في المهواة (2): إذا سقط بعضهم على بعض. والفرق بين الهوى والشهوة: إن الشهوة تتعلق بالمدركات، فيشتهي الانسان الطعام، ولا يهوى الطعام. والحسبان: هو قوة أحد النقيضين في النفس على الآخر، وأصله الحساب. فالنقيض القوي يحتسب به دون الآخر أي: هو مما


(1) والظاهر " الهواء ". (2) المهواة: الجو. (*)

[ 387 ]

يحتسب، ولا يطرح، ومنه الحسب: لانه مما يحتسب ولا يطرح لأجل الشرف، ومنه قولهم حسبك: أي يكفيك، لانه بحساب الكفاية، ومنه احتساب الاجر: لانه فيما يحتسب ولا يلغى. والفتنة ههنا العقوبة، وأصله الاختبار، ومنه افتتن فلان بفلانة: إذا هويها، لانه ظهر مايطوي من خبره بها. وفتنت الذهب بالنار: إذا خلصته ليظهر خبره في نفسه، متميزا من شائب غيره. الاعراب: اللام في لقد: لام القسم، ونصب فريقا في الموضعين بأنه مفعول به، قال أبو علي الفارسي: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشئ واستقراره، وذلك نحو العلم، واليقين، والتبيين. وفعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات، وفعل يجذب مرة إلى هذا القبيل، ومرة إلى هذا القبيل. فما كان معناه العلم وقع بعده إن الثقيلة، ولم يقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، وذلك أن الثقيلة معناها ثبات الشئ واستقراره. والعلم بأنه كذلك أيضا فإذا وقع عليه واستعمل معه كان وفقه، وأن الناصبة للفعل لا تقع على ما كان ثابتا مستقرا، فمن استعمال الثقيلة بعد العلم قوله: (ويعلمون أن الله هو الحق المبين). (أو لم يعلم بأن الله يرى) لان الباء زائدة. وأما ما كان معناه ما لم يثبت، ولم يستقر، فنحو: أطمع، وأخاف، وأرجو، وأخشى، ونحو ذلك. ويستعمل بعده الخفيفة الناصبة للفعل قال تعالى (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي). (وتخافون أن يتخطفكم الناس). (فخشينا أن يرهقهما) وأما ما يجذب مرة إلى هذا الباب، ومرة إلى هذا الباب، فنحو حسبت، وظننت، وزعمت، وهذا النحو يجعل مرة بمنزلة أرجو وأطمع من حيث كان أمرا غير مستقر، ومرة يجعل بمنزلة العلم من حيث يستعمل استعماله، ومن حيث كان خلافه. والشئ قد يجري مجرى الخلاف نحو: عطشان وريان. فأما استعمالهم إياه استعمال العلم فهو أنهم قد أجابوه بجواب القسم. حكى سيبويه: ظننت لتسبقني، وظنوا ما لهم من محيص، كما قالوا: ولقد علمت لتأتين منيتي. ولقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والارض. وكلهم قرأ فتنة بالرفع لانهم جعلوا كان بمنزلة وقع، ولو نصب فقيل: أن لا تكون فتنة على أن لا يكون قوله فتنة، لكان جائزا في العربية، وإنما رفع لإتباع الاثر، وإنما حسن وقوع أن الخفيفة من الشديدة، في قراءة من رفع، وإن كان بعده فعل، لدخول لا ولكونها عوضا عن حذف الضمير معه، وإيلائه ما لم يكن يليه، ولو

[ 388 ]

قلت: علمت أن تقول، لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضا نحو: قد، ولا، والسين، وسوف، كما في قوله: (علم أن سيكون منكم مرضى): فإن قلت قد جاء (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) فلم يدخل بين أن، وليس، شئ، فإنما جاء هذا لان ليس ليس بفعل على الحقيقة. وأما قوله (كثير منهم) فيرتفع من ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون بدلا من الواو في عموا وصموا. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: ذو العمى والصمم كثير منهم والثالث: أن يكون على لغة أكلوني البراغيث، وعليه قول الشاعر: يلومونني في اشتراء النخيل * أهلي فكلهم يعذل وقال الفرزدق: ألقيتا عيناك عند الققا * أولى فأولى لك ذا واقية وقال الهذلي: ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه (1) المعنى: ثم أقسم سبحانه بأنه أخذ عليهما الميثاق فقال (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل) يريد الأيمان المؤكدة التي أخذها أنبياؤهم عليهم في الإيمان بمحمد، والاقرار به. وقيل: أخذ ميثاقهم على الاخلاص في التوحيد، والعمل بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، والتصديق برسله، والبشارة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ووجه الاحتجاج عليهم بذلك وإن كان أخذ الميثاق على آبائهم، أنهم عرفوا ذلك في كتبهم، وأقروا بصحته. فالحجة لازمة لهم، وعتب المخالفة يلحقهم، كما يلحق آباءهم (وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم) أي: مما لا تهوى أنفسهم، أي: بما لا يوافق مرادهم (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) أي: كذبوا طائفة، وقتلوا طائفة. فإن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي ؟ فجوابه ليدل على أن ذلك من شأنهم، ففيه معنى كذبوا وقتلوا، ويكذبون ويقتلون، مع أن قوله يقتلون فاصلة،


(1) الدياف: قرية بالشام، وقيل بالجزيرة، أهلها نبط. الشام: حوران اسم موضع. والسليط: الزيت. (*)

[ 389 ]

يجب أن يكون موافقا لرؤوس الآي، ويمكن أن يقال التقدير فيه فريقا كذبوا لم يقتلوه، وفريقا كذبوا يقتلون، فيكون (يقتلون) صفة للفريق، ولم يكن فيه عطف المستقبل على الماضي. وعلى الجواب الاول لم يكن كذبوا ويقتلون صفة للفريق، لان التقدير كذبوا فريقا ويقتلون فريقا، وقد ذكرنا تفسير الفريقين في سورة البقرة، عند قوله (ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون). (وحسبوا) أي وظنوا (ألا تكون فتنة) أي: عقوبة على قتلهم وتكذيبهم، يريد وظنوا أن الله لا يعذبهم، عن عطاء، عن ابن عباس. وقيل: حسب القوم أن لا يكون بلية، عن قتادة، والحسن، والسدي. وقيل: فتنة: أي شدة وقحط، عن مقاتل. والكل متقارب. وقيل: وحسبوا فعلهم غير فاتن لهم، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه، عن الزجاج. وقيل: معناه وقدروا أن لا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر، وظنوا أن ذلك لا يكون موبقا لهم، عن ابن الانباري (فعموا وصموا) (1) على التشبيه بالاعمى والاصم، لانه لا يهتدي إلى طريق الرشد في الدين، لإعراضه عن النظر، كما لا يهتدي هذا إلى طريق الرشد في الدنيا، لأجل عماه وصممه. (ثم تاب الله عليهم) يريد: إن فريقا منهم تابوا، فتاب الله عليهم (ثم عموا وصموا) أي عادوا إلى ما كانوا عليه، يريد: فلما انقضت تلك القرون، ونشأت قرون أخر، تخلقوا بأخلاق آبائهم، فعموا عن الحق، وصموا عن استماعه. وقيل: معناه لما تابوا دفع الله عنهم البلاء، ثم صار (كثير منهم) كما كانوا. وقيل: أراد بكثير منهم من كان في عصر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، (والله بصير بما يعملون) أي: عليم بأعمالهم وهذا كالوعيد لهم. (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يبني إسراءيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأويه النار وما للظلمين من أنصار [ 72 ] لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون


(1) [ عن الحق ]. (*)

[ 390 ]

ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم [ 73 ] أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم [ 74 ] اللغة: الشرك: أصله الاجتماع في الملك، فإذا كان الملك بين نفسين، فهما شريكان، وكذلك كل شئ بين نفسين، ولا يلزم على ذلك ما يضاف إلى كل واحد منهما منفردا، كالعبد يكون ملكا لله، وهو ملك للانسان، لانه لو بطل ملك الانسان، لكان ملكا لله، كما كان لم يزد في ملكه شئ، لم يكن. والمس، ههنا معناه: ما يكون معه إحساس، وهو حلوله فيه، لان العذاب لا يمس الحيوان، إلا أحس له، وقد يكون المس بمعنى اللمسس. الاعراب: قال الفراء (ثالث ثلاثة) لا يكون إلا مضافا، ولا يجوز التنوين في (ثالث) فينصب (ثلاثة)، وكذلك قوله: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) لا يكون إلا مضافا، لان المعنى مذهب اسم، كأنك قلت واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، ولو قلت أنت ثالث اثنين، جاز الاضافة، وجاز التنوين، ونصب الاثنين، وكذلك رابع ثلاثة، لانه فعل واقع. وزاد الزجاج لهذا بيانا فقال: لا يجوز في ثلاثة إلا الخفض، لان المعنى أحد ثلاثة، فإن قلت ثالث اثنين، أو رابع ثلاثة، جاز الخفض والنصب، أما النصب فعلى قولك كان القوم ثلاثة، فربعتهم، وأنا رابعهم عددا، ومن خفض فعلى حذف التنوين، كما قال عز وجل: (هديا بالغ الكعبة)، وتقديره: بالغا للكعبة، وقوله (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن): فيه دلالة على اعتماد القسم في مثل قوله: (ولئن جئتم بآية ليقولن) على الفعل الثاني دون الاول، ألا ترى أنه لو كان اعتماد القسم على الاول، لما حذف اللام من قوله (وإن لم ينتهوا) كما لم يحذف اللام الثانية في موضع، ومثله في الشعر قول عارق الطائي: فأقسمت لا أحتل إلا بصهوة * حرام علي رملة وشقائقه فإن لم تغير بعض ما قد صنعتم * لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه (1) فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون اعتماد القسم على اللام الاولى إلا أنها حذفت


(1) احتل بالمكان: نزله. صهوة كل شئ: أعلاه. انتحى له: اعتمد عليه، ومال إليه. قوله " ذو أنا عارقه ": أي الذي أنا آكل ما عليه من اللحم. (*)

[ 391 ]

كما حذفت من قوله: (قد افلح من زكاها): فجوابه: إن ذلك لا يجوز، لان إنما حذفت من (قد أفلح) لطول الكلام لما اعترض بين القسم والمقسم عليه، ولم يطل في هذا الموضع، فيستجاز حذفها، وإنما هذه اللام بمنزلة أن في قولك والله أن لو فعلت لفعلت تثبتها تارة، وتحذفها أخرى، والقسم لا يعتمد على هذه اللام، كما لا يعتمد على أن هذه، أنشد سيبويه: فأقسم أن لو (1) التقينا وأنتم * لكان لكم يوم من الشر مظلم فالذي اعتمد عليه أقسم قوله لكان دون أن، ألا ترى أنك تقول: أقسمت لو جئت لجئت، فتحذف أن كما تحذف هذه اللام، فهذه اللام من الزيادات التي إذا أدخلت أكدت، وإذا سقطت لم يخل سقوطها بالكلام، إلا أن زيادتها في القسم دون غيره، كما أن إن تزاد في قولهم ما ان في النفي دون غيره. وعلى هذا فيكون المعقود بالقسم في قولك: لئن أتيتني لأكرمتك إنما هو لأكرمتك، ولكن الشرط يكون كالاستثناء من هذه الجملة المعقودة بالقسم، كأنك أردت أن تقسم على البتات أن تكرمه، ثم بدا لك إذا أردت ذلك، ثم علقت إكرامك إياه بإتيانه، فصار التقدير: والله لأكرمتك إن أتيتني أي: إن أتيتني لأكرمتك، فاستغنيت عن ذكر الجزاء لتقدير تقديم ما يدل عليه. فقولك: لأن أتيتني، متصل بما يدل عليه لأكرمتك من الجزاء. هذا الاتصال وهذه الجملة قد لخصتها من كلام الشيخ أبي علي. المعنى: ثم عاد تعالى إلى ذكر النصارى، فقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) وهذا مذهب اليعقوبية منهم، لانهم قالوا: إن الله اتحد بالمسيح اتحاد الذات، فصارا شيئا واحدا، وصار الناسوت لاهوتا، وذلك قولهم إنه الاله (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) أي: خالقي وخالقكم، ومالكي ومالككم، وإني وإياكم عبيده (إنه من يشرك بالله) أي بأن يزعم أن غيره يستحق العبادة مع ما ثبت أنه لا يقدر أحد على فعل ما يستحق به العبادة، سوى الله تعالى (فقد حرم الله عليه الجنة) والتحريم هاهنا تحريم منع، لا تحريم عبادة، ومعناه فإن الله يمنعه الجنة (ومأواه) أي: مصيره (النار) وهذا كله إخبار من المسيح لقومه (وما للظالمين من أنصار) معناه: لا ناصر لهم يخلصهم مما هم فيه


(1) بتشديد الواو للضرورة. (*)

[ 392 ]

من أنواع العذاب، ثم أقسم تعالى قسما آخر فقال (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) والقائلون بهذه المقالة جمهور النصارى من الملكانية، واليعقوبية، والنسطورية، لانهم يقولون: " ثلاثة أقاليم جوهر واحد: آب، وابن، وروح القدس، إله واحد "، ولا يقولون ثلاثة آلهة، ويمنعون من هذه العبارة وإن كان يلزمهم أن يقولوا ثلاثة آلهة، فصح أن يحكى عنهم بالعبارة اللازمة، وإنما قلنا إنه يلزمهم ذلك، لانهم يقولون: الابن إله، والاب إله، وروح القدس إله. والابن ليس هو الاب (وما من إله إلا إله واحد) أي: ليس إله إلا إلها واحدا، وإنما دخلت من للتوكيد (وإن لم ينتهوا عما يقولون) أي: وإن لم يرجعوا ويتوبوا عما يقولون من القول بالتثليث، أقسم (ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) وإنما خص سبحانه (1) الذين يستمرون على كفرهم، لانه علم أن بعضهم يؤمن، عن أبي علي الجبائي، والزجاج. وقيل: إنه عم بقوله (الذي كفروا) الفريقين الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، والذين قالوا: إن الله هو ثالث ثلاثة، والضمير عائد إلى أهل الكتاب. وليس في هذا دلالة على أن في أفعال الجوارح ما هو كفر، لانه إنما يتضمن أن من قال: إنه ثالث ثلاثة، فهو كافر، ولا خلاف في ذلك، فإن من قال: إن الكفر هو الجحود بالقلب، قال: إن في أفعال الجوارح ما يدل على الكفر الذي هو الجحود مثل هذه المقالة، ومثل السجود للصنم، وغير ذلك، فلا دلالة في الاية على ما قالوه (أفلا يتوبون إلى الله) قال الفراء: هذا أمر في لفظ الاستفهام، وقد يرد الامر بلفظ الاستفهام كقوله (فهل أنتم منتهون) وإنما دخلت (إلى) لان معنى التوبة الرجوع إلى طاعة الله، لان التائب بمنزلة من ذهب عنها، ثم عاد إليها (ويستغفرونه) الفرق بين التوبة والاستغفار أن الاستغفار: طلب المغفرة بالدعاء، والتوبة، أو غيرهما من الطاعة، والتوبة الندم على المعصية مع العزم على أن لا يعود إلى مثلها في القبح. والاستغفار مع الإصرار على القبيح لا يصح (والله غفور رحيم) يغفر الذنوب ويسترها رحمة منه لعباده، وفي هذه الاية تحريض على التوبة، وحث على الاستغفار. (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه


(1) [ منهم ]. (*)

[ 393 ]

صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الأيت ثم انظر أنى يؤفكون [ 75 ] قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم [ 76 ] قل يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [ 77 ] اللغة: الصديقة: المبالغة في الصدق. والصديق فعيل من أبنية المبالغة، كما يقال رجل سكيت أي: مبالغ في السكوت. يقال أفكه، يأفكه، أفكا: إذا صرفه. والإفك: الكذب، لانه صرف عن الحق، وكل مصروف عن شئ مأفوك عنه، قال ابن السكيت: إن تك عن أحسن المروءة مأ * فوكا ففي آخرين قد أفكوا (1) وقد أفكت الارض: إذا صرف عنها المطر. وأرض مأفوكة: لم يصبها مطر. والمؤتفكات: المتقلبات من الرياح، لانها صرفت عن وجهها. والملك: القدرة على تصريف ما للقادر عليه أن يصرفه، فملك الضرر والنفع أخص من القدرة عليهما، لان القادر قد يقدر من ذلك على ما له أن يفعل، وقد يقدر منه على ما ليس له أن يفعله. والنفع: هو فعل اللذة والسرور، أو ما أدى إليهما، أو إلى أحدهما، مثل الملاذ التي تحصل في الحيوان. والصلة بالمال، والوعد باللذة، فإن جميع ذلك نفع لانه يؤدي إلى اللذة. والضرر: هو فعل الالم والغم، أو ما يؤدي إليهما، أو إلى واحد منهما، كالآلام التي توجد في الحيوان، وكالقذف والسب، لان جميع ذلك يؤدي إلى الالم. والاهواء: جمع هوى النفس مقصور، لانه مثل فعل وفعل جمعه أفعال. الاعراب: إنتصاب (غير الحق) على وجهين أحدهما: أن يكون على الحال من (دينكم)، فكأنه قال: لا تغلوا في دينكم مخالفين للحق والثاني: أن يكون


(1) يقول إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا من ذلك أيضا. (*)

[ 394 ]

منصوبا على الاستثناء بمعنى لا تغلوا في دينكم إلا الحق، فيكون (الحق) مستثنى من النهي عن الغلو فيه، بأن يجوز الغلو فيما هو حق على معنى اتباعه. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر مقالات النصارى، عقبه بالرد عليهم والحجاج لهم، فقال: (ما المسيح بن مريم إلا رسول) أي: ليس هو بإله (قد خلت من قبله الرسل) أي: كما أن الرسل الذين مضوا قبله، ليسوا بآلهة، وإن أتوا بالمعجزات الباهرات، فكذلك المسيح. فمن ادعى له الإلهية، فهو كمن ادعى لهم الإلهية لتساويهم في المنزلة (وأمه صديقة) لانها تصدق بآيات ربها، ومنزلة ولدها، وتصدقه فيما أخبرها به، بدلالة قوله (وصدقت بكلمات ربها) عن الحسن، والجبائي، وقيل: سميت صديقة لكثرة صدقها، وعظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها (كانا يأكلان الطعام) قيل فيه قولان أحدهما: إنه احتجاج على النصارى بأن من ولده النساء، ويأكل الطعام، لا يكون إلها للعباد، لان سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر. والمعنى: إنهما كانا يعيشان بالغذاء، كما يعيش سائر الخلق، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام: وهذا معنى قول ابن عباس. والثاني: إن ذلك كناية عن قضاء الحاجة، لأن من أكل الطعام، لا بد له من الحدث، فلما ذكر الأكل، صار كأنه أخبر عن عاقبته (أنظر كيف نبين لهم الايات) أمر سبحانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته، بأن يفكروا فيما بين تعالى من الايات أي: الدلالات على بطلان ما اعتقدوه من ربوبية المسيح، ثم أمر بأن ينظر (ثم انظر أنى يؤفكون) أي: كيف يصرفون عن الحق الذي يؤدي إليه تدبر الايات. فالنظر الاول: إنما هو إلى فعله تعالى الجميل، في نصب الايات، وإزاحة العلل. والنظر الثاني إلى أفعالهم القبيحة وتركهم التدبر للايات، ثم زاد تعالى في الاحتجاج عليهم فقال (قل) يا محمد (أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا) أي: أتوجهون عبادتكم إلى من لا يقدر لكم على النفع والضر، لان القادر عليهما هو الله، أو من يمكنه الله تعالى من ذلك، والمستحق للعبادة إنما هو القادر على أصول النعم، والنفع، والضر، والخلق، والاحياء، والرزق، ولا يقدر على ذلك غير الله، فلا يستحق العبادة سواه (والله هو السميع) لأقوالكم (العليم) بضمائركم وفي هذا تحذير من الجزاء، واستدعاء إلى التوبة. ثم دعاهم إلى ترك الغلو فقال (قل) يا محمد للنصارى فإنهم المخاطبون هنا.

[ 395 ]

وقال قوم: إنه خطاب لليهود والنصارى، لان اليهود غلوا أيضا في تكذيب عيسى ومحمد (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) أي: لا تتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم إلى الازدياد، وضده التقصير، وهو الخروج عن الحد إلى النقصان، والزيادة في الحد، والنقصان عنه، كلاهما فساد. ودين الله الذي أمر به هو بين الغلو والتقصير، وهو الاقتصار. (غير الحق) أي: مجاوزين الحق إلى الغلو وإلى التقصير، فيفوتكم الحق. ومن قال: إن الخطاب لليهود والنصارى، فغلو النصارى في عيسى: ادعاؤهم له الالهية، وغلو اليهود فيه: تكذيبهم له، ونسبتهم إياه إلى أنه لغير رشدة (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل) قال ابن عباس: كل هوى ضلالة، يعني بالقوم الذين ضلوا من قبل رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى. والاية خطاب للذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم، وأن يقلدوهم فيما هووا. والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، لان الانسان قد يستثقل النظر لما فيه من المشقة، ويميل طبعه إلى بعض المذاهب، فيعتقده، وهو ضلال، فيهلك به. والإتباع هو سلوك الثاني طريقة الاول على وجه الاقتداء به، وقد يتبع الثاني الاول في الحق، وقد يتبعه في الباطل، وإنما يعلم أحدهما بدليل (وأضلوا كثيرا) يعني به هؤلاء الذين ضلوا عن الحق، أضلوا كثيرا من الخلق أيضا، ونسب الاضلال إليهم من حيث كان بدعائهم، وإغوائهم (وضلوا عن سواء السبيل) قيل في معناه قولان أحدهما: إنهم ضلوا بإضلالهم غيرهم، عن الزجاج والثاني: إنهم ضلوا من قبل، بكفرهم بعيسى، وأضلوا غيرهم من بعد، بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلذلك كرر. ومعنى سواء السبيل: مستقيم الطريق. وقيل له سواء، لاستمراره على استواء. وقيل: لانه يستقيم بصاحبه إلى الجنة والخلود في النعيم. (لعن الذين كفروا من بني إسراءيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون [ 78 ] كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون [ 79 ] ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خلدون [ 80 ]

[ 396 ]

اللغة: للتناهي هاهنا معنيان أحدهما: إنه تفاعل من النهي أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضا والثاني: إنه بمعنى الانتهاء. يقال: انتهى عن الامر، وتناهى عنه: إذا كف عنه. الاعراب: (لبئس ما): يجوز أن يكون ما ههنا كافة لبئس، كما تكف في إنما ولكنما وبعدما وربما. واللام فيه للقسم، ويجوز أن يكون إسما نكرة، فكأنه قال: بئس شيئا فعلوه، كما تقول بئس رجلا كان عندك، ومحل (أن سخط الله عليهم) رفع، كرفع زيد في قولك: بئس رجلا زيد، فيكون مبتدأ، وبئس وما عملت فيه خبره، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قال بئس رجلا، قيل: من هو ؟ فقال: زيد، أي: هو زيد، ويجوز أن يكون محله نصبا على تأويل بئس الشئ ذلك، لان سخط الله عليهم. المعنى: ثم أخبر تعالى عما جرى على أسلافهم فقال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) قيل في معناه أقوال أحدها: إن معناه لعنوا على لسان داود، فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى، فصاروا خنازير، وإنما خص عيسى وداود، لانهما أنبه الانبياء المبعوثين من بعد موسى، ولما ذكر داود أغنى عن ذكر سليمان، لان قولهما واحد، عن الحسن، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: " أما داود فإنه لعن أهل ايلة لما اعتدوا في سبتهم، وكان اعتداؤهم في زمانه، فقال: اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء، ومثل المنطقة على الحقوين (1)، فمسخهم الله قردة فأما عيسى عليه السلام، فإنه لعن الذين أنزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك ". وثانيها: ما قاله ابن عباس: " إنه يريد في الزبور وفي الانجيل "، ومعنى هذا إن الله تعالى لعن في الزبور من يكفر من بني إسرائيل، وفي الانجيل كذلك، فلذلك قيل: (على لسان داود وعيسى). وثالثها: أن يكون عيسى وداود علما أن محمدا نبي مبعوث، ولعنا من يكفر به، عن الزجاج. والاول أصح، والمراد أن الله أيسهم من المغفرة مع الاقامة على الكفر، لدعاء الانبياء عليهم بالعقوبة، ودعوتهم مستجابة، وإنما ذكر اللعن على لسانهما، إزالة للابهام بأن لهم منزلة بولادة الانبياء، تنجيهم من العقوبة. (ذلك) إشارة إلى اللعن المتقدم ذكره (بما عصوا وكانوا يعتدون) أي:


(1) المنطقة: ما يشد به الوسط. الحقو: معقد الإزار. (*)

[ 397 ]

بمعصيتهم واعتدائهم. ثم بين تعالى حالهم، فقال (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) أي: لم يكن ينهى بعضهم بعضا، ولا ينتهون أي: لا يكفون عما نهوا عنه. قال ابن عباس: " كان بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة اعتدوا في السبت، وفرقة نهوهم، ولكن لم يدعوا مجالستهم ولا مؤاكلتهم، وفرقة لما رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم، وبقيت الفرقتان المعتدية والناهية المخالطة، فلعنوا جميعا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا (1)، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم ". وإنما سمي القبيح منكرا: لانه ينكره العقل، من حيث ان العقل يقبل الحسن، ويعترف به، ولا يأباه، وينكر القبيح ويأباه: وما ينكره العقل فهو الباطل، وما يقر به، فهو الحق. وقيل: إن المراد بالمنكر هنا: صيدهم السمك يوم السبت. وقيل: هو أخذهم الرشى في الاحكام. وقيل: أكلهم الربا وأثمان الشحوم. ثم أقسم سبحانه فقال (لبئس ما كانوا يفعلون) أي: بئس شيئا فعلهم (ترى كثيرا منهم) أي: من اليهود (يتولون الذين كفروا) يريد كفار مكة، عنى بذلك كعب بن الاشرف وأصحابه، حين استجاشوا المشركين على رسول الله، وذكرنا ذلك عند قوله (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: " يتولون الملوك الجبار بن، ويزينون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم ". وفي، هذا توبيخ لأولئك القوم، وتنبيه على سوء فعالهم، وخبث عقائدهم (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) أي: بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة (أن سخط الله عليهم) أي: سخط الله عليهم (وفي العذاب هم خالدون) وذهب ابن عباس، ومجاهد، والحسن إلى أن هذه الاية في المنافقين من اليهود، والكناية في قوله (منهم) عائدة إليهم، ويؤكده ما بعد هذه الاية. (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فسقون [ 81 ] المعنى: (ولو كانوا يؤمنون بالله) أي: لو كانوا يصدقون الله (والنبي)


(1) اطره: عطفه وثناه. (*)

[ 398 ]

محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وما أنزل إليه) من القرآن، ويعتقدون ذلك على الحقيقة، كما يظهرونه (ما اتخذوهم) يعني الكافرين (أولياء) عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. وقيل: المراد بالنبي موسى، وبما أنزل إليه التوراة، فيكون المراد بهم اليهود الذين جاهروا بالعداوة لرسول الله، والتولي للمشركين، ويكون معنى الموالاة: التناصر والمعاونة على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعاداته. ويجوز أن يكون يريد الموالاة على الحقيقة (ولكن كثيرا منهم فاسقون) وصفهم بالفسق، وإن كان الكفر أبلغ في باب الذم لأمرين أحدهما: إنهم خارجون عن أمر الله، وهذا المعنى لا يظهر بأن يصفهم بالكفر والآخر: إن الفاسق في كفره هو المتمرد فيه، والكلام يدل على أنهم فاسقون في كفرهم أي: خارجون إلى التمرد فيه. (لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصرى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون [ 82 ] وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ءامنا فاكتبنا مع الشهدين [ 83 ] وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصلحين [ 84 ] اللغة: قال الزجاج: القسيس والقس: من رؤساء النصارى، فأما القس في اللغة: فهو النميمة ونشر الحديث، يقال قس فلان الحديث قسا. قال الفراء: ويجمع القسيس: قساوسة، جمعوه على مهالبة، فكانت قساسسه، فكسرت السينان، فأبدلوا إحداهن واوا. والقسوسة مصدر القس والقسيس، وقد تكلمت العرب بهما، وأنشد المازني: لو عرضت لأيبلي قس * أشعث في هيكله مندس * حن إليها كحنين الطس (1) *


(1) الأيبلي: الراهب. والاشعث: المغبر المتلبد. واندس: اندفن. الطس: الطشت. (*)

[ 399 ]

وقال أمية: لو كان منقلب كانت قساوسة * يحييهم الله في أيديهم الزبر والرهبان: جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، والرهبانية: مصدره. والترهب: التعبد في صومعة، وأصله من الرهبة المخافة، وقال جرير: رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف الجبال الفادر (1) وقال بعضهم: الرهبان يكون واحدا وجمعا، فمن جعله واحدا جعله بناء على فعلان وأنشد: لو عاينت رهبان دير في القلل * لانحدر الرهبان يمشي ونزل وفيض العين من الدمع، امتلاؤها منه، كفيض النهر من الماء، وفيض الاناء، وهو سيلانه من شدة امتلائه. وفاض صدر فلان بسره. وأفاض القوم من عرفات إلى منى إذا دفعوا. وأفاضوا في الحديث إذا تدافعوا فيه. والدمع: الماء الجاري من العين، ويشبه به الصافي، فيقال كأنه دمعة، والمدامع: مجاري الدمع. وشجة دامعة: تسيل دما. والطمع: تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى المحبوب، ونظيره الأمل والرجاء. والطمع: أن يكون معه الخوف أن لا يكون. والصالح هو الذي عمل الصلاح في نفسه، فإن كان عمله في غيره فهو مصلح. فلذلك يوصف الله تعالى بأنه مصلح، ولم يوصف بأنه صالح. الاعراب: اللام في (لتجدن) لام القسم، والنون دخلت ليفصل بين الحال والاستقبال، هذا مذهب الخليل، وسيبويه، و (عداوة): منصوب على التمييز، و (يقولون ربنا): في موضع نصب على الحال، وتقديره قائلين ربنا. و (لا نؤمن): في موضع نصب على الحال، تقديره أي شئ لنا تاركين الايمان أي: في حال تركنا الايمان و (من الحق): معنى (من) تبيين الاضافة التي تقوم مقام الصفة كأنه قيل: والجائي لنا الذي هو الحق. وقيل: إنها للتبعيض لانهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل. النزول والقصة: نزلت في النجاشي، وأصحابه. قال المفسرون: ائتمرت


(1) العصم جمع الأعصم: الظبي إذا كان في ذراعيه، أو في إحداهما بياض، وسائره أسود، أو أحمر. وشعفة كل شئ: أعلاه. والفادر: الحجر المشرف من القلل. (*)

[ 400 ]

قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب. فلما رأى رسول الله ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم، ولم يؤمر بعد بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: " إن بها ملكا صالحا، لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عز وجل للمسلمين فرجا " وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة، وهو بالحبشية عطية، وإنما النجاشي إسم الملك، كقولهم: تبع، وكسرى، وقيصر. فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا، وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو، وسهل بن البيضاء. فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وذلك في رجب، في السنة الخامسة من مبعث رسول الله، وهذه هي الهجرة الاولى. ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين، إثنين وثمانين رجلا، سوى النساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك، وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا، إلى النجاشي، وإلى بطارقته، ليردوهم إليهم. وكان عمارة بن الوليد شابا حسن الوجه، وأخرج عمرو بن العاص أهله معه. فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبلني. فأبى، فلما انتشى عمرو (1) دفعه عمارة في الماء، ونشب عمرو (2) في صدر السفينة، وأخرج من الماء، وألقى الله بينهما العداوة في مسيرهما، قبل أن يقدما إلى النجاشي. ثم وردا على النجاشي فقال عمرو بن العاص: أيها الملك ! إن قوما خالفونا في ديننا، وسبوا آلهتنا، وصاروا إليك، فردهم إلينا. فبعث النجاشي إلى جعفر،


(1) انتشى: سكر. (2) نشب الشئ في الشئ. علق. (*)

[ 401 ]

فجاءه، فقال: يا أيها الملك ! سلهم أنحن عبيد لهم ؟ فقال: لا بل أحرار. قال: فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ قال: لا، ما لنا عليكم ديون. قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبونا بها ؟ قال عمرو: لا، قال: فما تريدون منا، آذيتمونا فخرجنا من دياركم ؟ ثم قال: أيها الملك ! بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهانا عن الفحشاء، والمنكر، والبغي. فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى، ثم قال النجاشي لجعفر: هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا ؟ قال: نعم، فقرأ سورة مريم، فلما بلغ قوله (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) قال: هذا والله هو الحق ! فقال عمرو: إنه مخالف لنا، فرده إلينا. فرفع النجاشي يده، وضرب بها وجه عمرو، وقال: أسكت والله لئن ذكرته بعد بسوء لأفعلن بك. وقال: أرجعوا إلى هذا هديته، وقال لجعفر وأصحابه: امكثوا فإنكم سيوم، والسيوم: الآمنون، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار، وأحسن جوار، إلى أن هاجر رسول الله وعلا أمره وهادن قريشا، وفتح خيبر، فوافى جعفر إلى رسول الله بجميع من كانوا معه، فقال رسول الله: لا أدري أنا بفتح خيبر أسر، أم بقدوم جعفر. ووافى جعفر وأصحابه رسول الله في سبعين رجلا، منهم إثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، فيهم بحيراء الراهب، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله فيهم هذه الآيات. وقال مقاتل، والكلبي: كانوا أربعين رجلا: إثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وقال عطا: كانوا ثمانين رجلا: أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام. المعنى: ثم ذكر تعالى معاداة اليهود للمسلمين فقال: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) وصف اليهود والمشركين بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، لان اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين، مع أن المؤمنين يؤمنون بنبوة موسى والتوراة التي أتى بها، فكان ينبغي أن يكونوا إلى من وافقهم في الايمان

[ 402 ]

بنبيهم وكتابهم، أقرب وإنما فعلوا ذلك حسدا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) يعني الذين قدمنا ذكرهم من النجاشي ملك الحبشة، وأصحابه، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطا، والسدي، والذين جاؤوا مع جعفر مسلمين، عن مجاهد (ذلك بأن منهم) أي: من النصارى (قسيسين) أي: عبادا، عن ابن زيد. وقيل: علماء، عن قطرب. وقيل: إن النصارى ضيعت الانجيل، وأدخلوا فيه ما ليس فيه، وبقي من علمائهم واحد على الحق والاستقامة، فهو قسيسا، فمن كان على هداه ودينه فهو قسيس. (ورهبانا) أي: أصحاب الصوامع (وأنهم لا يستكبرون) معناه: أن هؤلاء النصارى الذين آمنوا، لا يستكبرون عن اتباع الحق، والانقياد له، كما استكبر اليهود وعباد الأوثان، وأنفوا عن قبول الحق. أخبر الله تعالى في هذه الآية عن عداوة مجاوري النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود، ومودة النجاشي وأصحابه الذين أسلموا معه من الحبشة، لان الهجرة كانت إلى المدينة، وبها اليهود، وإلى الحبشة، وبها النجاشي وأصحابه، ثم وصفهم فقال: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) من القرآن (ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) أي: لمعرفتهم بأن المتلو عليهم كلام الله، وأنه حق (يقولون ربنا آمنا) أي: صدقنا بأنه كلامك أنزلته على نبيك (فاكتبنا) أي: فاجعلنا بمنزلة من قد كتب ودون. وقيل: فاكتبنا في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ (مع الشاهدين) أي: مع محمد وأمته الذين يشهدون بالحق، عن ابن عباس. وقيل: مع الذين يشهدون بالايمان، عن الحسن. وقيل: مع الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك، عن الجبائي. (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق) معناه: لأي عذر لا نؤمن بالله ؟ وهذا جواب لمن قال لهم من قومهم تعنيفا لهم: لم آمنتم، عن الزجاج. وقيل: إنهم قدروا في أنفسهم كأن سائلا سألهم عنه، فأجابوا بذلك. والحق: هو القرآن والاسلام، ووصفه بالمجئ مجازا، كما يقال: نزل، وإنما نزل به الملك، فكذلك جاء به الملك. وقيل: إن جاء بمعنى حدث نحو قوله: (جاءت سكرة الموت بالحق). (ونطمع) أي: نرجو ونأمل (أن يدخلنا ربنا) يعني في الجنة لإيماننا بالحق، فحذف لدلالة الكلام عليه، (مع القوم الصالحين) المؤمنين من أمة محمد.

[ 403 ]

(فأثبهم الله بما قالوا جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها وذلك جزاء المحسنين [ 85 ] والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب الجحيم [ 86 ] اللغة: أثابهم: أي جازاهم، وأصل الثواب: الرجوع. والإحسان: إيصال النفع الحسن إلى الغير، وضده الإساءة: وهو إيصال الضرر القبيح إليه. وليس كل من كان من جهته إحسان، فهو محسن مطلقا، فالمحسن: فاعل الإحسان بشرط أن يكون خاليا من وجود القبح. والجحيم: النار الشدية الإيقاد، وهو هنا إسم من أسماء جهنم، وجحم فلان النار: إذا شدد إيقادها، ويقال لعين الأسد: جحمة، لشدة إيقادها. قال: " والحرب لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح ". المعنى: (فأثابهم) أي: جازاهم (الله بما قالوا) أي: بالتوحيد، عن الكلبي. وعلى هذا فإنما علق الثواب بمجرد القول، لأنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوه، وهو المعرفة في قوله: (مما عرفوا من الحق) والبكاء المؤذن بحقيقة الإخلاص، واستكانة القلب ومعرفته، والقول إذا اقترن به المعرفة والإخلاص، فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه الثواب. وقيل: إن المراد بما قالوا: ما سألوا، يعني قوله (فاكتبنا مع الشاهدين) (ونطمع أن يدخلنا) الآية، عن عطاء، عن ابن عباس. وعلى هذا فيكون القول معناه المسألة للجنة (جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) مر تفسيره (وذلك جزاء المحسنين) أي: المؤمنين، عن الكلبي، والموحدين، عن ابن عباس (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) لما ذكر سبحانه الوعد لمؤمنيهم، ذكر الوعيد لمن كفر منهم، وكذب، وأطلق اللفظ به، ليكون لهم ولمن جرى مجراهم في الكفر، وإنما شرط في الوعيد على الكفر التكذيب بالآيات، وإن كان كل منهما يستحق به العقاب، لأن صفة الكفار من أهل الكتاب، أنهم يكذبون بالآيات، فلم يصح ههنا، أو كذبوا، لأنهم جمعوا الأمرين، وليس من شرط المكذب أن يكون عالما، بأن ما كذب به صحيح، بل إذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذبا، وإن لم يعلم أنه كذب، وإنما يستحق به الذم لانه جعل له طريق إلى أن يعلم صحة ما كذب به.

[ 404 ]

(يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ 87 ] وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون [ 88 ] النزول والقصة: قال المفسرون: جلس رسول الله يوما، فذكر الناس، ووصف القيامة، فرق الناس وبكوا، واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم: علي، وأبو بكر، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، والمقداد بن الأسود الكندي، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا الودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح، ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الارض، وهم بعضهم أن يجب مذاكيره. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى دار عثمان، فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية، واسمها حولاء، وكانت عطارة: أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه ؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان، فقد صدقك. فانصرف رسول الله. فلما دخل عثمان، أخبرته بذلك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله: ألم أنبئكم أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما أردنا إلا الخير. فقال رسول الله: إني لم أؤمر بذلك. ثم قال: إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي، فليس مني. ثم جمع الناس وخطبهم، وقال: ما بال أقوام حرموا النساء، والطعام، والطيب، والنوم، وشهوات الدنيا ؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم، ولا النساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، وحجوا، واعتمروا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد: شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم

[ 405 ]

في الديارات والصوامع، فأنزل الله الاية. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نزلت في علي، وبلال، وعثمان بن مظعون. فأما علي عليه السلام فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلا ما شاء الله، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون، فإنه حلف أن لا ينكح أبدا. المعنى: لما تقدم ذكر الرهبان، وكانوا قد حرموا على أنفسهم الطيبات، نهى الله المؤمنين عن ذلك، فقال (يا أيها الذين آمنوا) أي: يا أيها المؤمنون (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) وهو يحتمل وجوها، منها: أن يريد لا تعتقدوا تحريمها. ومنها: أن يريد لا تظهروا تحريمها. ومنها: أن يريد لا تحرموها على غيركم بالفتوى والحكم. ومنها. أن يريد لا تجروها مجرى المحرمات في شدة الاجتناب. ومنها: أن يريد لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين. فوجب حمل الاية على جميع هذه الوجوه. والطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، وقد يقال الطيب: بمعنى الحلال، كما يقال يطيب له كذا: أي يحل له. ولا يليق ذلك بهذا الموضع. (ولا تعتدوا) أي: لا تتعدوا حدود الله وأحكامه. وقيل: معناه لا تجبوا أنفسكم فسمي الخصاء اعتداء، عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والاول أعم فائدة (إن الله لا يحب المعتدين) معناه يبغضهم، ويريد الانتقام منهم (وكلوا مما رزقكم الله) لفظه أمر، والمراد به الإباحة (حلالا طيبا) أي: مباحا لذيذا ويسأل هنا فيقال: إذا كان الرزق كله حلالا، فلم قيد ههنا فقال حلالا ؟ والجواب: إنه إنما ذكر حلالا على وجه التأكيد، كما قال (وكلم الله موسى تكليما) وقد أطلق الله تعالى في موضع آخر على وجه المدح، وهو قوله (ومما رزقناهم ينفقون) وقال ابن عباس: يريد من طيبات الرزق: اللحم وغيره (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه، وتقديره: أيها المؤمنون بالله، لا تضيعوا إيمانكم بالتقصير في التقوى، فيكون عليكم الحسرة العظمى، واتقوا في تحريم ما أحل الله لكم، وفي جميع معاصيه من به تؤمنون، وهو الله تعالى. وفي هاتين الآيتين، دلالة على كراهة التخلي، والتفرد، والتوحش، والخروج عما عليه الجمهور في التناسل، وطلب الولد، وعمارة الارض. وقد روي أن

[ 406 ]

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل الدجاج، والفالوذج، وكان يعجبه الحلواء والعسل، وقال: " إن المؤمن حلو يحب الحلاوة " وقال: " إن في بطن المؤمن زاوية لا يملؤها إلا الحلواء ". وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج، فدخل عليه فرقد السبخي، فقال: " يا فرقد ! ما تقول في هذا ؟ فقال فرقد: لا آكله، ولا أحب أكله. فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب، وقال: لعاب النحل بلباب البر، مع سمن البقر، هل يعيبه مسلم ؟ ! ". - لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمنكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمن فكفرته إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام ذلك كفرة أيمنكم إذا حلفتم واحفظوا أيمنكم كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون [ 89 ] القراءة: قرأ ابن عامر وحده: (عاقدتم) برواية ابن ذكوان، وقرأ أهل الكوفة، غير حفص: (عقدتم) بالتخفيف. والباقون بالتشديد. وروي أن قراءة جعفر بن محمد عليه السلام (تطعمون أهاليكم). الحجة: قال أبو علي: من قرأ (عقدتم) مشددة القاف: احتمل أمرين أحدهما: أن يكون لتكثير الفعل، والآخر: أن لا يراد به التكثير، كما إن ضاعف لا يراد به فعل الاثنين. ومن قرأ (عقدتم) خفيفة جاز أن يراد به الكثير من الفعل والقليل، إلا أن فعل يختص بالكثير، كما أن الركبة يختص الحال التي يكون عليها الركوب. ومن قرأ (عاقدتم) احتمل أمرين أحدهما: أن يكون يراد به عقدتم كما أن عافاه الله، وعاقبت اللص، وطارقت النعل، بمنزلة فعلت، فيكون على هذا قراءته كقراءة من خفف. ويحتمل أن يراد ب‍ (عاقدتم) فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعدا، كأنه قال يؤاخذكم بما عقدتم عليه اليمين. ولما كان عاقد في المعنى قريبا من عاهد، عداه بعلى، كما يعدى عاهد بها. قال: ومن أوفى بما عاهد عليه الله، واتسع فحذف الجار، ووصل الفعل إلى المفعول، ثم حذف من الصلة الضمير الذي كان يعود إلى الموصول، كما حذفه من قوله: (فاصدع بما تؤمر)، ومثله قول الشاعر:

[ 407 ]

كأنه واضح الأقراب في لقح * أسمى بهن وعزته الاناصيل (1) إنما هو عزت عليه، فاتسع، والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم عليه الايمان، ثم عاقدتموه الايمان فحذف الراجع. ويجوز أن يجعل ما التي مع الفعل بمعنى المصدر فيمن قرأ (عقدتم)، و (عقدتم)، فلا يقتضي راجعا، كما لا يقتضيه في قوله: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) وقوله: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون) وأما قوله (أهاليكم) فإن أهالي كليالي، كأن واحدها أهلاة وليلاة، وأنشد ابن الاعرابي: في كل يوم ما وكل ليلاه * يا ويحه من جمل ما أشقاه ومن قال (أهالي): جمع أهلون، فقد أبعد لان هذا الجمع لا يكسر. اللغة: اللغو في اللغة ما لا يعتد به، قال الشاعر: أو مائة تجعل أولادها * لغوا، وعرض المائة الجلمد (2) أي: الذي يعارضها في قوة الجلمد، يعني بالمائة: نوقا أي: لا يعتد بأولادها. ولغو اليمين: هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد، مثل قول القائل لا والله، وبلى والله، على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليه السلام. يقال عقدت الحبل، والعهد، واليمين، عقدا. فال الحطيئة: " قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم " البيت. وقال في بيت آخر: " وإن عاهدوا أوفوا، وإن عاقدوا شدوا "، وأعقدت العسل، فهو معقد، وعقيد. والتحرير: من الحرية، قال الفرزدق: أبني غدانة إنني حررتكم * فوهبتكم لعطية بن جعال يريد: أعتقتكم من ذل الهجا، ولزوم العار. النزول: قيل لما نزلت (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا ؟ فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة،


(1) الأقراب جمع القرب: الخاصرة. اللقح: النوق اللواقح. الاناصيل جمع أنصولة: زهر نبات البهمى. (2) الجلمد: القطعة الضخمة من الابل. (*)

[ 408 ]

كان عنده ضيف، فأخرت زوجته عشاه، فحلف لا ياكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل إن لم يأكلا، فأكل عبد الله بن رواحة، وأكلا معه فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال له: أحسنت. عن ابن زيد. المعنى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) مضى الكلام في لغو اليمين وحكمه في سورة البقرة، ولا كفارة فيه عند أكثر المفسرين والفقهاء، إلا ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: فيها الكفارة (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) إن جعلت ما موصولة فمعناه بالذي عقدتم. وإن جعلته مصدرية، فمعناه بعقدكم، أو بتعقيدكم الأيمان، أو بمعاقدتكم الأيمان، وتفسيره أن يضمر الامر، ثم يحلف بالله، فيعقد عليه اليمين، عن عطاء. وقيل: هو ما عقدت عليه قلبك وتعمدته، عن مجاهد (فكفارته) أي كفارة ما عقدتم إذا حنثتم، واستغني عن ذكره، لانه مدلول عليه، لأن الأمة قد اجتمعت على أن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث (إطعام عشرة مساكين) واختلف في مقدار ما يعطى كل مسكين، فقال الشافعي: مد من طعام، وهو ثلثا من. وقال أبو حنيفة: نصف صاع من حنطة، أو صاع من شعير، أو تمر، وكذلك سائر الكفارات. وقال أصحابنا: يعطى كل واحد مدين، أو مدا، والمد رطلان وربع، ويجوز أن يجمعهم على ما هذا قدره، ليأكلوه ولا يجوز أن يعطى خمسة ما يكفي عشرة، فإن كان المساكين ذكورا وإناثا، جاز ذلك، ولكن وقع بلفظ التذكير، لأنه يغلب في كلام العرب. (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قيل فيه قولان أحدهما: الخبز. والأدم، لأن أفضله الخبز واللحم، وأدونه الخبز والملح، وأوسطه الخبز والسمن، والزيت والآخر: إنه الأوسط في المقدار، أي: تعطيهم كما تعطي أهلك في العسر واليسر، عن ابن عباس (أو كسوتهم) قيل: لكل واحد منهم ثوب، عن الحسن، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وهو مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة: ما يقع عليه اسم الكسوة. والذي رواه أصحابنا أن لكل واحد ثوبين: مئزرا وقميصا، وعند الضرورة يجزي قميص واحد. (أو تحرير رقبة) معناه عتق رقبة عبد، أو أمة. والرقبة يعبر بها عن جملة الشخص، وهو كل رقبة سليمة من العاهات، صغيرة كانت، أو كبيرة، مؤمنة كانت أو كافرة، لأن اللفظة مطلقة مبهمة، إلا أن المؤمن أفضل، وهذه الثلاثة واجبة على التخيير. وقيل: إن الواجب منها واحد لا بعينه، وفائدة هذا الخلاف والكلام في شرحها، وفي الأدلة على صحة المذهب الأول مذكور في أصول الفقه.

[ 409 ]

(فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) معناه: فكفارته صيام ثلاثة أيام، فيكون صيام مرفوعا بأنه خبر المبتدأ، أو فعليه صيام ثلاثة أيام، فيكون صيام مرفوعا بالابتداء، أو بالظرف. وحد من ليس بواجد هو من ليس عنده ما يفضل عن قوته، وقوت عياله، يومه وليلته، وبه قال الشافعي، ويجب التتابع في صوم هذه الأيام الثلاثة، وبه قال أبي، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأكثر الفقهاء. وفي قراءة ابن مسعود وأبي (ثلاثة أيام متتابعات) واليمين: على ثلاثة أقسام أحدها: ما يكون عقدها طاعة، وحلها معصية، وهذه تتعلق بحنثها الكفارة بلا خلاف، وهو كما لو قيل: والله لا شربت خمرا والثاني: أن يكون عقدها معصية، وحلها طاعة، كما يقال: والله لا صليت، وهذا لا كفارة في حنثه عند أصحابنا، وخالف سائر الفقهاء في ذلك والثالث: أن يكون عقدها مباحا، وحلها مباحا، كما يقول: والله لا لبست هذا الثوب، وهذه تتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف أيضا. (ذلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من الكفارة (كفارة أيمانكم إذا حلفتم) يعني: إذا حلفتم وحنثتم، لأن الكفارة لا تجب بنفس اليمين، وإنما تجب باليمين والحنث وقيل: تجب بالحنث بشرط تقدم اليمين. واختلف فيمن كفر بعد اليمين قبل الحنث، فقال أبو حنيفة: لا تجزي. وقال الشافعي: تجزي (واحفظوا أيمانكم) قيل في معناه قولان: قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا. وقال غيره: احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا، وهو اختيار الجبائي، وهذا هو الأقوى، لأن الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف، وإنما الواجب ترك الحنث، وفيه دلالة على أن اليمين في المعصية لا تنعقد، لأنها لو انعقدت للزم حفظها، وإذا كانت لا تنعقد، فلا يلزم فيها الكفارة (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) معناه كما بين أمر الكفارة، وجميع الاحكام، يبين لكم آياته وفروضه، لتشكروه على تبيينه لكم أموركم، ونعمه عليكم. (يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلكم تفلحون [ 90 ] إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون [ 91 ] اللغة: الخمر: عصير العنب المشتد، وهو العصير الذي يسكر كثيره، وسمي

[ 410 ]

خمرا لأنها بالسكر تغطي على العقل، وأصله في الباب: التغطية، من قولهم خمرت الإناء: إذا غطيته. ودخل في خمار الناس: إذا خفي فيما بينهم. والميسر: القمار كله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه، وأصله من اليسر: خلاف العسر. وسميت اليد اليسرى تفاؤلا بتيسير العمل بها. وقيل: لأنها تعين اليد اليمنى، فيكون العمل أيسر. والأنصاب: الأصنام واحدها نصب، وسمي ذلك، لأنها كانت تنصب للعبادة لها، والانتصاب: القيام، ومنه النصب: التعب عن العمل الذي ينتصب له. ونصاب السكين: لانه ينصب فيه. ومناصبة العدو: الانتصاب لعداوته، قال الاعشى: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه، * ولا تعبد الشيطان، والله فاعبدا والأزلام: القداح، وهي سهام كانوا يجيلونها للقمار. وقد ذكرنا ما قيل فيها في أول السورة والرجز: بالزاي، هو العذاب. وأصل الرجز: تتابع الحركات. يقال ناقة رجزاء: إذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. قال الزجاج: الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رجس، يرجس، ورجس يرجس: إذا عمل عملا قبيحا. والرجس بفتح الراء: شدة الصوت. يقال: رعد رجاس: شديد الصوت، فكأن الرجس الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح. المعنى: ثم عطف الله تعالى على ما بين من الاحكام، بالنهي عن أفعال أهل الجاهلية، والنقل عنها إلى شريعة الاسلام، فقال: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) مر معناهما في سورة البقرة. قال ابن عباس: يريد بالخمر جميع الأشربة التي تسكر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الخمر من تسع: من البتع وهو العسل، ومن العنب، ومن الزبيب، ومن التمر، ومن الحنطة، ومن الذرة، ومن الشعير، والسلت. وقال في الميسر يريد القمار، وهو في أشياء كثيرة انتهى كلامه. (والانصاب والازلام) ذكرناهما في أول السورة. (رجس من عمل الشيطان) لا بد من أن يكون في الكلام حذف، والمعنى شرب الخمر وتناوله، أو التصرف فيه، وعبادة الانصاب، والاستقسام بالازلام، رجس أي: خبيث من عمل الشيطان، وإنما نسبها إلى الشيطان، وهي أجسام من فعل الله، لما يأمر به الشيطان فيها من الفساد، فيأمر بشرب المسكر ليزيل العقل، ويأمر بالقمار ليستعمل فيه الأخلاق الدنية، ويأمر بعبادة الاصنام لما فيها من الشرك

[ 411 ]

بالله، ويأمر بالازلام لما فيها من ضعف الرأي، والاتكال على الاتفاق. وقال الباقر عليه السلام: يدخل في الميسر اللعب بالشطرنج، والنرد، وغير ذلك من أنواع القمار، حتى إن لعب الصبيان بالجوز من القمار. (فاجتنبوه) أي: كونوا على جانب منه أي: في ناحية (لعلكم تفلحون) معناه لكي تفوزوا بالثواب. وفي هذه الآية دلالة على تحريم الخمر، وهذه الاشياء من أربعة أوجه أحدها: إنه سبحانه وصفها بالرجس، وهو النجس. والنجس محرم بلا خلاف والثاني: إنه نسبها إلى عمل الشيطان، وذلك يوجب تحريمها والثالث: إنه أمر باجتنابها، والامر يقتضي الايجاب. والرابع: إنه جعل الفوز والفلاح في اجتنابها، والهاء في قوله (فاجتنبوه) راجعة إلى عمل الشيطان، تقديره فاجتنبوا عمل الشيطان، وكل واحد من شرب الخمر، وتعاطي القمار، واتخاذ الانصاب، والازلام، من عمل الشيطان. ويجوز أن تكون الهاء عائدة إلى الرجس، والرجس واقع على الخمر، وما ذكره بعدها، وقد قرن الله تعالى الخمر بعبادة الاوثان تغليظا في تحريمها، ولذلك قال الباقر عليه السلام: " مدمن الخمر كعابد الوثن " وفي هذا دلالة على تحريم سائر التصرفات في الخمر من الشرب، والبيع، والشراء، والاستعمال على جميع الوجوه. ثم بين تعالى أنه إنما نهى عن الخمر لما يعلم في اجتنابه من الصلاح وخير الدارين فقال (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) قال ابن عباس: يريد سعد بن أبي وقاص ورجلا من الانصار، كان مواخيا لسعد، فدعاه إلى الطعام، فأكلوا وشربوا نبيذا مسكرا، فوقع بين الانصاري وسعد مراء ومفاخرة، فأخذ الانصاري لحى جمل فضرب به سعدا ففزر انفه (1)، فأنزل الله تعالى ذلك فيهما. والمعنى يريد الشيطان إيقاع العداوة بينكم بالإغواء المزين لكم ذلك، حتى إذا سكرتم، زالت عقولكم، وأقدمتم من القبائح على ما كان يمنعه منه عقولكم. قال قتادة: إن الرجل كان يقامر في ماله وأهله، فيقمر، ويبقى حزينا سليبا، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. (ويصدكم عن ذكر الله) أي: يمنعكم عن الذكر لله بالتعظيم والشكر على آلائه (وعن الصلاة) التي هي قوام دينكم (فهل أنتم منتهون) صيغته الاستفهام ومعناه النهي، وإنما جاز في صيغة الاستفهام أن يكون


(1) فزره: شقه. كسره. (*)

[ 412 ]

على معنى النهي، لان الله ذم هذه الافعال، وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه، لم يسعه إلا الإقرار بالترك، فكأنه قيل له: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما ظهر ؟ فصار المنتهي بقوله: (فهل أنتم منتهون) في محل من عقد عليه ذلك بإقراره، وكان هذا أبلغ في باب النهي من أن يقال انتهوا ولا تشربوا. (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلغ المبين [ 92 ] المعنى: لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر، وما بعدها، عقبه بالامر بالطاعة له فيه، وفي غيره فقال (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) والطاعة هي امتثال الامر، والانتهاء عن المنهي عنه، ولذلك يصح أن يكون الطاعة طاعة الاثنين بأن يوافق أمرهما وإرادتهما (واحذروا) هذا أمر منه تعالى بالحذر من المحارم والمناهي. قال عطاء: يريد واحذروا سخطي، والحذر: هو امتناع القادر من الشئ لما فيه من الضرر (فإن توليتم) أي: فإن أعرضتم، ولم تعملوا بما آمركم به، (فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) معناه الوعيد والتهديد، كأنه قال: فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب، لتوليكم عما أدى رسولنا إليكم من البلاغ المبين، يعني الأداء الظاهر الواضح، فوضع كلام موضع كلام للإيجاز، ولو كان الكلام على صيغة من غير هذا التقدير لا يصح لان عليهم أن يعلموا ذلك، تولوا أو لم يتولوا. وما في قوله أنما كافة لأن عن عملها. (ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصلحت ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين [ 93 ] النزول: لما نزل تحريم الخمر والميسر، قالت الصحابة: يا رسول اللة ! ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر ؟ فأنزل الله هذه الاية، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. وقيل: إنها نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم، وسلكوا طريق الترهيب، كعثمان بن مظعون وغيره، فبين الله لهم أنه لا جناح في تناول المباح

[ 413 ]

مع اجتناب المحرمات. المعنى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح) أي: إثم وحرج (فيما طعموا) من الخمر والميسر، قبل نزول التحريم، وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام: فيما طعموا من الحلال، وهذه اللفظة صالحة للأكل والشرب جميعا (إذا ما اتقوا) شربها بعد التحريم (وأمنوا) بالله (وعملوا الصالحات) أي: الطاعات (ثم اتقوا) أي: داموا على الإتقاء (وآمنوا) أي: داموا على الإيمان (ثم اتقوا) بفعل الفرائض (وأحسنوا) بفعل النوافل. وعلى هذا يكون الإتقاء الأول: اتقاء الشرب بعد التحريم، والإتقاء الثاني هو الدوام على ذلك. والإتقاء الثالث: اتقاء جميع المعاصي، وضم الإحسان إليه. وقيل: إن الإتقاء الأول هو اتقاء المعاصي العقلية التي تختص المكلف، ولا تتعداه. والإيمان الأول هو الإيمان بالله تعالى وبما أوجب الله تعالى الإيمان به، والإيمان بقبح هذه المعاصي، ووجوب تجنبها. والإتقاء الثاني هو اتقاء المعاصي السمعية، والإيمان بقبحها، ووجوب اجتنابها. والإتقاء الثالث: يختص بمظالم العباد وبما يتعدى إلى الغير من الظلم والفساد. وقال أبو علي الجبائي: إن الشرط الأول يتعلق بالزمان الماضي، والشرط الثاني يتعلق بالدوام على ذلك، والإستمرار على فعله، والشرط الثالث يختص بمظالم العباد، ثم استدل على أن هذا الإتقاء يختص بمظالم العباد بقوله: (أحسنوا) فإن الإحسان إذا كان متعديا، وجب أن تكون المعاصي التي أمروا باتقائها قبله أيضا متعدية، وهذا ضعيف لأنه لا تصريح في الاية بأن المراد به الإحسان المتعدي، ولا يمتنع أن يريد بالإحسان فعل الحسن والمبالغة فيه، وإن اختص الفاعل، ولا يتعداه، كما يقولون لمن بالغ في فعل الحسن: أحسنت وأجملت، ثم لو سلم أن المراد به الإحسان المتعدي، فلم لا يجوز أن يعطف فعل متعد على فعل لا يتعدى ؟ ولو صرح تعالى فقال: واتقوا القبائح كلها، وأحسنوا إلى غيرهم، لم يمتنع. ولعل أبا علي إنما عدل في الشرط الثالث عن ذكر الأحوال، لما ظن أنه لا يمكن فيه ما أمكن في الاول والثاني، وهذا ممكن غير ممتنع بأن يحمل الشرط الاول على الماضي، والثاني على الحال، والثالث على المنتظر المستقبل. ومتى قيل: إن المتكلمين عندهم لا واسطة بين الماضي والمستقبل، فإن الفعل إما أن يكون

[ 414 ]

موجودا فيكون ماضيا، وإما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، وإنما ذكر الأحوال الثلاثة النحويون فجوابه: إن الصحيح أنه لا واسطة في الوجود بين المعدوم والموجود، كما ذكرت، غير أن الموجود في أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، ونفرق بينه وبين الغابر السالف، والغابر المنتظر. ووجدت السيد الأجل المرتضى علي بن الحسين الموسوي ذكر في بعض مسائله أن المفسرين تشاغلوا بإيضاح الوجه في التكرار الذي تضمنته هذه الاية، وظنوا أنه المشكل فيها، وتركوا ما هو أشد إشكالا من التكرار، وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيما يطعمونه بشرط الإتقاء والإيمان وعمل الصالحات، والإيمان وعمل الصالحات ليس بشرط في نفي الجناح، فإن المباح إذا وقع من الكافر، فلا إثم عليه ولا وزر. قال: ولنا في حل هذه الشبهة طريقان أحدهما: أن يضم إلى المشروط المصرح بذكره غيره، حتى يظهر تأثير ما شرط، فيكون تقدير الاية: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره، إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، لأن الشرط في نفي الجناح لا بد من أن يكون له تأثير حتى يكون متى انتفى، ثبت الجناح. وقد علمنا أن باتقاء المحارم ينتفي الجناح، فيما يطعم، فهو الشرط الذي لا زيادة عليه. ولما ولي ذكر الإتقاء الإيمان، وعمل الصالحات، ولا تأثير لهما في نفي الجناح، علمنا أنه أضمر ما تقدم ذكره ليصح الشرط، ويطابق المشروط، لان من اتقى المحارم فيما لا يطعم، لا جناح عليه فيما يطعمه، ولكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح، فيما أخل به من واجب، أو ضيعه من فرض، فإذا شرطنا انه وقع اتقاء القبيح ممن آمن بالله وعمل الصالحات، ارتفع الجناح عنه من كل وجه، وليس بمنكر حذف ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه، فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا المجرى وتكون قوة الدلالة عليه مغنية عن النطق به، ومثله قول الشاعر: تراه كأن الله يجدع أنفه * وعينيه إن مولاه ثاب له وفر (1) لما كان الجدع لا يليق بالعين، وكانت معطوفة على الانف الذي يليق الجدع


(1) ثاب: عاد. الوفر من المال أو المتاع: الكثير الواسع. (*)

[ 415 ]

به، أضمر ما يليق بالعين من البخص (1)، وما يجري مجراه. والطريق الثاني: هو أن يجعل الإيمان وعمل الصالحات هنا، ليس بشرط حقيقي، وإن كان معطوفا على الشرط، فكأنه تعالى لما أراد أن يبين وجوب الإيمان، وعمل الصالحات، عطفه على ما هو واجب من اتقاء المحارم لاشتراكهما في الوجوب، وإن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيما يطعم، وهذا توسع في البلاغة يحار فيه العقل استحسانا واستغرابا انتهى كلامه. وقد قيل أيضا في الجواب عن ذلك: إن المؤمن يصح أن يطلق عليه بأنه لا جناح عليه، والكافر مستحق للعقاب مغمور، فلا يطلق عليه هذا اللفظ، وأيضا فإن الكافر قد سد على نفسه طريق معرفة التحريم والتحليل، فلذلك خص المؤمن بالذكر. وقوله (والله يحب المحسنين) أي يريد ثوابهم، أو إجلالهم وإكرامهم، وتبجيلهم. ويروى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر بن الخطاب، فأراد أن يقيم عليه الحد فقال (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الاية، فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد فقال علي: " أديروه على الصحابة، فإن لم يسمع أحدا منهم، قرأ عليه آية التحريم، فادرؤوا عنه الحد، وإن كان قد سمع فاستتيبوه، وأقيموا عليه الحد، فإن لم يتب، وجب عليه القتل ". (يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم [ 94 ] يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة أو كفرة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام [ 95 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة ويعقوب: (فجزاء) منونا، (مثل) بالرفع. والباقون (فجزاء مثل ما قتل) بالاضافة. وقرأ أهل المدينة، وابن عامر: (أو كفارة بغير


(1) البخص: قلع العين بشحمها. (*)

[ 416 ]

تنوين (طعام) على الاضافة. والباقون (أو كفارة) بالتنوين (طعام) بالرفع، ولم يختلفوا في (مساكين) أنه جمع. وروي في الشواذ قراءة أبي عبد الرحمن (فجزاء) منون (مثل) منصوب. وقراءة محمد بن علي الباقر عليه السلام وجعفر بن محمد الصادق عليه السلام: " يحكم به ذو عدل منكم ". الحجة: قال أبو علي: حجة من رفع المثل أنه صفة الجزاء، والمعنى فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، والتقدير فعليه جزاء أي: فاللازم له، أو فالواجب عليه، جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد، وقوله: (من النعم) على هذه القراءة، صفة للنكرة التي هي (جزاء) وفيه ذكر له، ولا ينبغي إضافة (جزاء) إلى المثل لان عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثله، ولا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله، ولا يجوز أن يكون قوله (من النعم) على هذه القراءة متعلقا بالمصدر. كما جاز أن يكون الجار متعلقا به كما في قوله (جزاء (1) سيئة مثلها) لأنك قد وصفت الموصول، وإذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا، كما أنك إذا عطفت عليه، أو أكدته، لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه، والتأكيد له، فأما في قراءة من أضاف الجزاء إلى مثل فإن قوله (من النعم) يكون صفة الجزاء، كما كان في قول من نون، ولم يصف صفة له، ويجوز فيه وجه آخر لا يجوز في قول من نون ووصف، وهو أن تقدره متعلقا بالمصدر، ولا يجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر، كما يتضمن الذكر لما كان صفة، وإنما جاز تعلقا بالمصدر، ولا يجوز على قول من أضاف، لأنك لم تصف الموصول، كما وصفته في قول من نون، فيمتنع تعلقه به. وأما من أضاف الجزاء إلى مثل فإنه وإن كان عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثله، فإنهم قد يقولون أنا أكرم مثلك، يريدون أنا أكرمك، فكذلك إذا قال (فجزاء مثل ما قتل) فالمراد جزاء ما قتل، وإذا كان كذلك، كانت الاضافة في المعنى كغير الاضافة، ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر، فأضفته إلى المثل، كما تضيف المصدر إلى المفعول به، لكان جائزا في قول من جر مثلا على الاتساع الذي ذكرناه، ألا ترى أن المعنى (فجزاء مثل ما قتل) على ما قرأه أبو عبد الرحمن أي: يجازى مثل ما قتل، ومثله قول الشاعر:


(1) [ سيئة ]. (*)

[ 417 ]

بضرب بالسيوف رؤوس قوم * أزلنا هامهن على المقيل (1) لما نون المصدر، أعمله، وأما الوجه في قراءة من رفع (طعام مساكين) أنه جعله عطفا على الكفارة عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام، ومن أضاف الكفارة إلى الطعام، فلأنه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدي، والطعام، والصيام، استجاز الإضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام، لا كفارة هدي، ولا صوم، فاستقامت الإضافة. وأما (ذوا عدل) فقد قال أبو الفتح فيه: إنه لم يوحد ذوا لأن الواحد يكفي، لكنه أراد معنى من أي يحكم به من يعدل، ومن يكون للاثنين، كما يكون للواحد، كقوله " نكن مثل من يا ذئب يصطحبان " (2) وأقول: إن هذا الوجه الذي ذكره ابن جني بعيد غير مفهوم، وقد وجدت في تفسير أهل البيت منقولا عن السيدين عليهما السلام أن المراد بذي العدل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأولي الأمر من بعده، وكفى بصاحب القراءة خبرا بمعنى قراءته. اللغة: البلاء: الاختبار والامتحان، وأصله إظهار باطن الحال، ومنه البلاء: النعمة، لانه يظهر به باطن حال المنعم عليه في الشكر، أو الكفر. والبلى: الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه. والغيب: ما غاب عن الحواس، ومنه الغيبة: وهو الذكر بظهر الغيب بالقبيح. وحرم: جمع حرام، ورجل حرام ومحرم بمعنى. وحلال ومحل كذلك، وأحرم الرجل: دخل في الشهر الحرام، وأحرم أيضا دخل في الحرم، وأحرم: أهل بالحج. والحرم: الإحرام، ومنه الحديث: " كنت أطيب النبي لحرمه " وأصل الباب: المنع، وسميت النساء حرما، لانها تمنع. والمحروم: الممنوع الرزق. والمثل، والمثل، والشبه والشبه واحد. والنعم: في اللغة هي الإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل قيل لها نعم، وإن انفردت البقر والغنم لم تسم نعما، ذكره الزجاج. قال الفراء: العدل بفتح العين: ما عادل الشئ من غير جنسه. والعدل بالكسر: المثل. تقول عندي عدل غلامك أو شاتك: إذا كانت شاة تعدل شاة، أو غلام يعدل غلاما، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت فقلت:


(1) الهام جمع الهامة وهي رأس كل شئ والمقيل كأمير اسم مكان من القيلولة وأراد به الأعناق لأنها مقيل الرأس. (2) والشاهد في لفظة (من) حيث ثنى الضمير العائد إليها في (يصطحبان) على المعنى. (*)

[ 418 ]

عدل. وقال البصريون: العدل والعدل في معنى المثل كان من الجنس أو غير الجنس. والوبال: ثقل الشئ في المكروه، ومنه قولهم: طعام وبيل، وماء وبيل: إذا كانا ثقيلين غير ناميين في المآل، ومنه قوله (فأخذناه أخذا وبيلا) أي: ثقيلا شديدا، ويقال لخشبة القصار: وبيل من هذا قال طرفة بن العبد: فمرت كهاة ذات خيف جلالة * عقيلة شيخ كالوبيل يلندد (1) الاعراب: (ليبلونكم): هذه اللام لام القسم، ومن في قوله (من الصيد) للتبعيض ويحتمل وجهين أحدهما: أن يكون عنى صيد البر دون البحر والآخر: أن يكون لما عنى الصيد ما داموا في الإحرام، كان ذلك بعض الصيد، ويجوز أن تكون من لتبيين الجنس كما تقول لأمتحننك بشئ من الورق أي: لأمتحننك بالجنس الذي هو ورق، كقوله (فاجتنبوا الرجس من الاوثان) والاوثان كلها رجس، فالمعنى اجتنبوا الرجس الذي هو وثن. وأراد ب‍ (الصيد) المصيد بدلالة قوله (تناله أيديكم ورماحكم) ولو كان الصيد مصدرا يكون حدثا، فلا يوصف بنيل اليد والرمح، وإنما يوصف بذلك ما لو كان عينا، وقوله (بالغيب) في محل النصب على الحال، والمعنى من يخافه غائبا كما في قوله (من خشي الرحمن بالغيب) و (يخشون ربهم بالغيب) وقوله: (وأنتم حرم): في موضع النصب على الحال (هديا بالغ الكعبة): منصوب على الحال، والمعنى مقدرا أن يهدى قاله الزجاج، قال: وبالغ الكعبة لفظه لفظ معرفة، ومعناه النكرة أي: بالغا الكعبة، وحذف التنوين استخفافا. وأقول: يعني بذلك أن هذه الاضافة لفظية غير محضة، فيكون في تقدير الانفصال والمضاف إليه، وإن كان مجرورا في اللفظ، فهو منصوب في المعنى، لكن لما حذف التنوين من الاول طلبا للخفة، انجر الثاني في اللفظ، وقوله: (صياما) منصوب على التمييز، والمعنى ومثل ذلك من الصيام وقوله (فينتقم الله منه): فيه إضمار مقدر، كأنه قال: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط على الفعل، إذا كان مستغنى عنه مع الفعل، ويكون موضع الفاء مع ما بعدها، جزما. المعنى: لما تقدم في أول السورة تحريم الصيد على المحرم مجملا، بين


(1) الكهاة: الناقة الضخمة وجلالة بمعناها أيضا. والخيف جلد ضرع الناقة. والعقيلة من الابل الكريمة. اليلندد: الخصم الشديد الخصومة وهو وصف للشيخ. (*)

[ 419 ]

سبحانه ذلك هنا فقال (يا أيها الذين آمنوا) خص المؤمنين بالذكر، وإن كان الكفار أيضا مخاطبين بالشرائع، لأنهم القابلون لذلك، المنتفعون به. وقيل: لأنه لم يعتد بالكفار (ليبلونكم الله) أي: ليختبرن الله طاعتكم عن معصيتكم (بشئ من الصيد) أي: بتحريم شئ من الصيد، وإنما بعض لانه عنى صيد البر خاصة، عن الكلبي. وقد ذكرناه قبل مفسرا. ومعنى الاختبار من الله: أن يأمر وينهى، ليظهر المعلوم، ويصح الجزاء. قال أصحاب المعاني: امتحن الله أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيد البر، كما امتحن أمة موسى عليه السلام بصيد البحر (تناله أيديكم ورماحكم) قيل فيه أقوال: أحدها: إن المراد به تحريم صيد البر، والذي تناله الأيدي من فراخ الطير، وصغار الوحش، والبيض، والذي تناله الرماح الكبار من الصيد، عن ابن عباس، ومجاهد، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وثانيها: إن المراد به صيد الحرم، ينال بالأيدي والرماح، لأنه يأنس بالناس، ولا ينفر منهم فيه، كما ينفر في الحل، وذلك آية من آيات الله، عن أبي علي الجبائي. وثالثها: إن المراد به: ما قرب من الصيد، وما بعد (ليعلم الله من يخافه بالغيب) معناه: ليعاملكم معاملة من يطلب منكم أن يعلم مظاهرة في العدل، ووجه آخر ليظهر المعلوم، وهو أن يخاف بظهر الغيب، فينتهي عن صيد الحرم طاعة له تعالى. وقيل: ليعلم وجود خوف من يخافه بالوجود لانه لم يزل عالما بانه سيخاف، فإذا وجد الخوف علم ذلك موجودا، وهما معلوم واحد، وإن اختلفت العبارة عنه، فالحدوث إنما يدخل على الخوف، لا على العلم. وقوله (بالغيب) معناه: في حال الخلوة والتفرد. وقيل: معناه أن يخشى عقابه إذا توارى بحيث لا يقع عليه الحس، عن الحسن. وقال أبو القاسم البلخي: إن الله تعالى، وإن كان عالما بما يفعلونه فيما لم يزل، فإنه لا يجوز أن يثيبهم، ولا يعاقبهم على ما يعلمه منهم، وإنما يستحقون ذلك إذا علمه واقعا منهم على الوجه الذي كلفهم عليه، فإذا لا بد من التكليف والابتلاء (فمن اعتدى بعد ذلك) أي: من تجاوز حد الله، وخالف أمره بالصيد في الحرم، وفي حال الإحرام (فله عذاب أليم) أي: مؤلم. ثم ذكر سبحانه عقيب ذلك ما يجب على ذلك الاعتداء من الجزاء، فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد) اختلف في المعني بالصيد، فقيل: هو كل الوحش، أكل أو لم يؤكل، وهو قول أهل العراق، واستدلوا بقول علي عليه السلام:

[ 420 ]

صيد الملوك أرانب وثعالب * فإذا ركبت فصيدي الابطال وهو مذهب أصحابنا، رضي الله عنهم. وقيل: هو كل ما يؤكل لحمه، وهو قول الشافعي. (وأنتم حرم) أي: وأنتم محرمون بحج أو عمرة. وقيل: معناه وأنتم في الحرم. قال الجبائي: الآية تدل على تحريم قتل الصيد على الوجهين معا، وهو الصحيح. وقال علي بن عيسى: تدل على الإحرام بالحج أو العمرة فقط (ومن قتله منكم متعمدا) قيل: هو أن يتعمد القتل ناسيا لإحرامه، عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، وابن جريج، وإبراهيم، قالوا: فأما إذا تعمد القتل ذاكرا لإحرامه، فلا جزاء فيه، لانه أعظم من أن يكون له كفارة. وقيل: هو أن يتعمد القتل وإن كان ذاكرا لإحرامه، عن ابن عباس، وعطاء، والزهري، وهو قول أكثر الفقهاء. فأما إذا قتل الصيد خطأ، أو ناسيا، فهو كالمتعمد في وجوب الجزاء عليه، وهو مذهب عامة أهل التفسير والعلم وهو المروي عن أئمتنا عليه السلام. قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ (فجزاء مثل ما قتل من النعم) قد ذكرنا معناه في القراءتين، قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل، فيكون جزاء مبتدأ، ومثل خبره. واختلف في هذه المماثلة، أهي في القيمة، أو الخلقة: فالذي عليه معظم أهل العلم أن المماثلة معتبرة في الخلقة: ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وشبهه بقرة، وفي الظبي والأرنب شاة، وهو المروي عن أهل البيت عليه السلام، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي، وعطاء، والضحاك، وغيرهم. وقال إبراهيم النخعي: " يقوم الصيد قيمة عادلة، ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ". فاعتبر المماثلة بالقيمة، والصحيح القول الاول. (يحكم به ذوا عدل منكم) قال ابن عباس: يريد يحكم في الصيد بالجزاء: رجلان صالحان منكم أي: من أهل ملتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم، فيحكمان به (هديا بالغ الكعبة) أي يهديه هديا يبلغ الكعبة. قال ابن عباس: يريد إذا أتى مكة، ذبحه وتصدق به. وقال أصحابنا: إن كان أصاب الصيد وهو محرم بالعمرة، ذبح جزاءه، أو نحره بمكة قبالة الكعبة، وإن كان محرما بالحج، ذبحه أو نحره بمنى (أو كفارة طعام مسكين): قيل في معناه قولان أحدهما: أن يقوم عدله من النعم، ثم يجعل قيمته طعاما، ويتصدق به، عن

[ 421 ]

عطاء، وهو الصحيح والآخر: أن يقوم الصيد المقتول حيا، ثم يجعل طعاما، عن قتادة. (أو عدل ذلك صياما) وفيه أيضا قولان أحدهما: أن يصوم عن كل مد يقوم من الطعام يوما، عن عطاء، وهو مذهب الشافعي والآخر: أن يصوم عن كل مدين يوما، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام، وهو مذهب أبي حنيفة. واختلفوا في هذه الكفارات الثلاث، فقيل: إنها مرتبة عن ابن عباس، والشعبي، والسدي قالوا: وإنما دخلت أو لأنه لا يخرج حكمه عن إحدى الثلاث. وقيل: إنها على التخيير، عن ابن عباس في رواية أخرى، وعطاء، والحسن وإبراهيم، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وكلا القولين رواه أصحابنا (ليذوق وبال أمره) أي: عقوبة ما فعله في الآخرة إن لم يتب. وقيل معناه ليذوق وخامة عاقبة أمره، وثقله بما يلزمه من الجز اء. فإن سأل سائل فقال: كيف يسمى الجزاء وبالا، وإنما هي عبادة، فإذا كانت عبادة فهي نعمة ومصلحة ؟ فالجواب: إن الله سبحانه شدد عليه التكليف بعد أن عصاه، فثقل ذلك عليه، كما حرم الشحم على بني إسرائيل، لما اعتدوا في السبت، فثقل ذلك عليهم، وإن كان مصلحة لهم (عفا الله عما سلف) من أمر الجاهلية، عن الحسن (1). وقيل: عفا الله عما سلف من الدفعة الاولى في الاسلام اي: قبل التحريم (ومن عاد فينتقم الله منه) أي: من عاد إلى قتل الصيد محرما فالله سبحانه يكافيه عقوبة بما صنع، واختلف في لزوم الجزاء بالمعاودة، فقيل: إنه لا جزاء عليه، عن ابن عباس، والحسن، وهو الظاهر في روايات أصحابنا. وقيل: إنه يلزمه الجزاء، عن عطاء وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وبه قال بعض أصحابنا (والله عزيز ذو انتقام) معناه قادر لا يغلب، ذو انتقام: ينتقم ممن يتعدى أمره، ويرتكب نهيه. (أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون [ 96 ]


(1) [ وعطاء ]. (*)

[ 422 ]

اللغة: عنى بالبحر: جميع المياه، والعرب تسمي النهر بحرا، ومنه قوله: (ظهر الفساد في البر والبحر) والأغلب في البحر أن يكون ماؤه ملحا، ولكن إذا أطلق، دخل فيه الأنهار. والسيارة: المسافرون. الاعراب: (متاعا): نصب على المصدر، لأن قوله (أحل لكم) يدل على أنه قد متعهم به كما أنه لما قال (حرمت عليكم أمهاتكم) كان دليلا على أنه كتب عليهم فقال: كتاب الله عليكم. المعنى: ثم بين سبحانه ما يحل من الصيد، وما لا يحل، فقال: (أحل لكم صيد البحر) أي: أبيح لكم صيد الماء، وإنما أحل بهذه الاية الطري من صيد البحر، لان العتيق لا خلاف في كونه حلالا، عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ومجاهد. (وطعامه) يعني: طعام البحر. ثم اختلف فيه، فقيل: يريد به ما قذفه البحر ميتا، عن ابن عباس، وابن عمر، وقتادة. وقيل: يريد به المملوح، عن ابن عباس في رواية أخرى، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وهو الذي يليق بمذهبنا، وإنما سمي طعاما لانه يدخر ليطعم، فصار كالمقتات من الأغذية، فيكون المراد بصيد البحر: الطري، وبطعامه: المملوح، لان عندنا لا يجوز أكل ما يقذف به البحر ميتا للمحرم وغير المحرم. وقيل: المراد بطعامه ما ينبت بمائه من الزرع والثمار. (متاعا لكم وللسيارة) قيل: معناه منفعة للمقيم والمسافر، عن قتادة، وابن عباس، والحسن. وقيل: لأهل الأمصار، وأهل القرى. وقيل: للمحل والمحرم (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) هذا يقتضي تحريم الاصطياد في حال الإحرام، وتحريم أكل ما صاده الغير، وبه قال علي، وابن عباس، وإبن عمر، وسعيد بن جبير. وقيل: إن لحم الصيد لا يحرم على المحرم، إذا صاده غيره، عن عمر، وعثمان، والحسن. والصيد: قد يكون عبارة عن الاصطياد، فيكون مصدرا، ويكون عبارة عن المصيد، فيكون إسما، ويجب حمل الاية على الأمرين وتحريم الجميع (واتقوا الله الذي إليه تحشرون) هذا أمر منه تعالى بأن يتقي جميع معاصيه، ويجتنب جميع محارمه، لأن إليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضر والنفع سواه، وهو يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته. (جعل الله الكعبة البيت الحرام قيما للناس والشهر الحرام والهدي

[ 423 ]

والقلئد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض وأن الله بكل شئ عليم [ 97 ] القراءة: قرأ ابن عامر وحده: (قيما للناس) بغير ألف. والباقون (قياما) بالالف. الحجة: القيام مصدر كالصيام، والعياذ. وأما القيم فيجوز أن يكون مصدرا كالشبع، ويجوز أن يكون حذف الالف من القيام كما يقصر الممدود، وهذا إنما يجوز في الشعر دون حال السعة، وإذا كان مصدرا فإنما أعل، ولم يصحح كما صحح العوض والحول، لان المصدر يعل إذا اعتل فعله، لأن المصدر يجري على فعله، فإذا صح حرف العلة في الفعل، صح في مصدره، نحو اللواذ والجوار، فإذا اعتل في الفعل، اعتل في مصدره، نحو الصيام والقيام. اللغة: سميت الكعبة كعبة: لتربيعها، وإنما قيل للمربع كعبة لنتوء (1) زواياه الأربع. والكعوبة: النتوء، ومنه كعب الانسان لنتوئه. وكعبت المرأة: إذا نتا ثديها، وكعبت بمعناه. والعرب تسمي كل بيت مربع: كعبة. وقيل: سميت كعبة لانفرادها عن البنيان، وهذا أيضا يرجع إلى الاول لان المتفرد من البنيان كعبة لنتوئه من الارض. قال الرماني: والبيت الحرام سمي بذلك لان الله حرم أن يصاد صيده، وأن يعضد شجره، وأن يختلى خلاه، ولانه عظم حرمته. وفي الحديث: " مكتوب في أسفل المقام إني أنا الله، ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السموات والارض، ويوم وضعت هذين الجبلين، وحففتهما بسبعة أملاك حنفاء، من جاءني زائرا لهذا البيت، عارفا بحقه، مذعنا لي بالربوبية، حرمت جسده على النار ". المعنى: لما ذكر سبحانه حرمة الحرم، عقبه بذكر البيت الحرام، والشهر الحرام، فقال: (جعل الله الكعبة البيت الحرام) أي: جعل الله حج الكعبة، أو نصب الكعبة (قياما للناس) أي: لمعائش الناس ومكاسبهم، لانه مصدر قاموا، كأن المعنى قاموا بنصبه ذلك لهم، فاستتبت معائشهم بذلك، واستقامت أحوالهم به، لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة، وأنواع البركة، ولهذا قال سعيد بن


(1) نتأ نتوءا الشئ: خرج من موضعه من غير أن ينفصل. ارتفع وانتفخ. (*)

[ 424 ]

جبير: " من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة، أصابه " وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وقال ابن عباس: " معناه جعل الله الكعبة أمنا للناس بها يقومون أي يأمنون ولولاها لفنوا وهلكوا، وما قاموا، وكان أهل الجاهلية يأمنون به، فلو لقي الرجل قاتل أبيه وابنه في الحرم ما قتله ". وقيل إن معنى قوله (قياما للناس) أنه لو تركوه عاما واحدا لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا، عن عطاء، ورواه علي بن إبراهيم عنهم عليه السلام قال: (ما دامت الكعبة يحج الناس إليها لم يهلكوا، فإذا هدمت وتركوا الحج هلكوا " (والشهر الحرام) يعني الأشهر الحرم الأربعة واحد فرد، وثلاثة سرد أي: متتابعة، فالفرد رجب، والسرد ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وإنما خرج مخرج الواحد، لأنه ذهب به مذهب الجنس، وهو عطف على المفعول الاول لجعل كما يقال ظننت زيدا منطلقا وعمرا. (والهدي والقلائد) مر ذكرهما في أول السورة، وإنما ذكر هذه الجملة بعد ذكر البيت، لأنها من أسباب حج البيت، فدخلت في جملته، فذكرت معه، وكان أهل الجاهلية لا يغزون في أشهر الحرم، وكانوا ينصلون فيها الأسنة، ويتفرغ الناس فيها إلى معائشهم، وكان الرجل يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يخاف، وكانوا قد توارثوه من دين إسماعيل عليه السلام، فبقوا عليه رحمة من الله لخلقه، إلى أن قام الاسلام، فحجزهم عن البغي والظلم. وقال أبو بكر الأنباري: فقد حصل في الآية طريقان أحدهما: إن الله تعالى من على المسلمين بأن جعل الكعبة صلاحا لدينهم ودنياهم، وقياما لهم. والثاني: إنه أخبر عما فعله من أمر الكعبة في الجاهلية (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وان الله بكل شئ عليم) قد اعترض على هذا فقيل: أي تعلق لهذا بقوله (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) ؟ والجواب عنه من وجوه أحدها: إن فيما جعله الله تعالى في البلد الحرام، والشهر الحرام، من الآيات والأعاجيب، دلالة على أنه تعالى لا يخفى عليه شئ، وذلك أنه جعل الحرم أمنا يسكن فيه كل شئ، فالظبي يأنس فيه بالسبع والذئب ما دام في الحرم، فإذا خرج من الحرم خاف، وطلبه السبع، وهرب منه الظبي حتى يرجع إلى الحرم، فإذا رجع إليه كف السبع عنه، وكذلك الطير والحمام يأنس بالانسان، فإذا خرج من الحرم،

[ 425 ]

خافه مع أمور كثيرة، وعجائب شهيرة ذكرنا بعضها في أول سورة آل عمران عند قوله (فيه آيات بينات)، فيكون ما دبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق، وبكل شئ. وثانيها: إنه تعالى علم أن العرب يكونون أصحاب عداوات وطوائل، وأنهم يكونون حوالي الكعبة، فلما خلق السماوات والارض، جعل الكعبة موضع أمن، وعظم حرمتها في القلوب، وبقيت تلك الحرمة إلى يومنا هذا، فلولا كونه سبحانه عالما بالاشياء قبل كونها، لما كان هذا التدبير وفقا للصلاح وثالثها: إنه تعالى لما أخبر في هذه السورة بقصة موسى وعيسى عليهما السلام، والتوراة والإنجيل، وما فيهما من الأحكام والأخبار، وذلك كله مما لم يشاهده نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أحد في عصره، قال فيما بعد (ذلك لتعلموا أن الله يعلم) ومعناه لولا أنه سبحانه بكل شئ عليم، لما جاز أن يخبركم عنهم فقوله (ذلك) إشارة إلى ما أنباهم به من علم الغيب، والعلم بالكائنات. (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [ 98 ] ما على الرسول إلا البلغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون [ 99 ] اللغة: العلم: ما اقتضى سكون النفس، فإن شئت قلت: هو اعتقاد الشئ على ما هو به عليه مع سكون النفس إلى ما اعتقده. والأول أوجز، ولا يجوز أن يحد العلم بالمعرفة، لأن المعرفة هي العلم، فكيف يحد الشئ بنفسه ؟ والعلم يتناول الشئ على ما هو به وكذلك الرؤية، والفرق بينهما أن العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه، والرؤية لا تتعلق بالمرئي إلا على وجه واحد. والعلم معنى يحل القلب، والرؤية ليست معنى على الحقيقة، لكن للرائي صفة بكونه رائيا، والعقاب هو الضرر المستحق المقارن للاستخفاف، والإهانة، ولو اقتصرت على أن تقول هو الضرر المستحق، لكان كافيا، وكذلك لو قلت: هو الضرر الذي يقارنه استخفاف وإهانة، لكفى، وإنما سمي عقابا، لانه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه، والمغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها. وأصل الرسول من الإرسال، وهو الإطلاق، يقال أرسل الطير: إذا أطلقه، وترسل في القراءة: إذا تثبت. واسترسل الشئ: إذا تسلس. والرسل: اللبن لاسترساله من الضرع. والفرق بين الإرسال والإنباء أن الإنباء عن الشئ قد يكون من غير تحميل النبأ، والإرسال لا يكون إلا بتحميل

[ 426 ]

الرسالة. والبلاغ: وصول المعنى إلى غيره، وهو هاهنا وصول الإنذار إلى نفوس المكلفين، وأصل البلاغ: البلوغ، ومنه البلاغة: وهي إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ. والبلاغ: الكفاية، لانه يبلغ مقدار الحاجة. المعنى: لما تقدم بيان الاحكام، عقبه سبحانه بذكر الوعد والوعيد، فقال (إعلموا أن الله شديد العقاب) لمن عصاه (وأن الله غفور رحيم) لمن تاب، وأناب، وأطاع. وجمع بين المغفرة والرحمة، ليعلم أنه لا يقتصر على وضع العقاب عنه، بل ينعم عليه بفضله، ولما أنذر وبشر في هذه الاية، عقبها بقوله (ما على الرسول إلا البلاغ) أي: ليس على الرسول إلا أداء الرسالة، وبيان الشريعة. فأما القبول والامتثال فإنه يتعلق بالمكلفين المبعوث إليهم (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) أي: لا يخفى عليه شئ من أحوالكم التي تظهرونها وتخفونها، وفيه غاية الزجر والتهديد، وفي قوله سبحانه (إعلموا أن الله شديد العقاب) الاية، دلالة على وجوب معرفة العقاب والثواب، لكونهما لطفا في باب التكليف. (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يأولي الألبب لعلكم تفلحون [ 100 ] اللغة: الإستواء: على أربعة أقسام: استواء في المقدار، واستواء في المكان، واستواء في الذهاب، واستواء في الإنفاق. والإستواء: بمعنى الاستيلاء راجع إلى الاستواء في المكان، لانه تمكن واقتدار والخبيث: أصله الردي، مأخوذ من خبث الحديد، وهو رديه بعد ما يخلص بالنار جيده، ففي الحديد امتزاج جيد بردي. والإعجاب: سرور بما يتعجب منه. والعجب، والإعجاب، والتعجب، من أصل واحد، والعجب مذموم، لانه كبر يدخل على النفس بحال يتعجب منها. وعجب الذنب، أصله. وعجوب الرمل: أواخره لانفراده عن جملته، كانفراد ما يتعجب به. المعنى: لما بين سبحانه الحلال والحرام، بين أنهما لا يستويان فقال (قل) يا محمد (لا يستوي) أي لا يتساوى (الخبيث والطيب) أي: الحرام والحلال، عن الحسن، والجبائي. وقيل: الكافر والمؤمن، عن السدي (ولو أعجبك) أيها السامع أو أيها الانسان (كثرة الخبيث) أي: كثرة ما تراه من الحرام، لانه لا يكون

[ 427 ]

في الكثير من الحرام بركة، ويكون في القليل من الحلال بركة. وقيل: إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد أمته (فاتقوا الله) أي: فاجتنبوا ما حرم الله عليكم (يا أولي الألباب) يا ذوي العقول (لعلكم تفلحون) أي: لتفلحوا وتفوزوا بالثواب العظيم، والنعيم المقيم. (يأيها الذين ءامنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم [ 101 ] اللغة: أبدى الشئ: إذا أظهره، وبدا يبدو بدوا: إذا ظهر. وبدا له رأيه بداء: إذا تغير رأيه، لانه ظهر له. والبادية: خلاف الحاضرة. والبدو: خلاف الحضر. من الظهور، ومنه قوله تعالى (وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق) الاية (1)، ولم يجئ في أقوال العرب البداء بمعنى الندامة، وتغير الرأي، وإذا كان لفظ البداء يطلق على الله، فالمراد به الارادة والظهور، دون ما يظن قوم من الجهال، وعليه تشهد أقوال العرب وأشعارهم، فمن ذلك: قل ما بدا لك من زور ومن كذب * حلمي أصم، وأذني غير صماء (2) وأمثال ذلك، والله أعلم. الاعراب: أشياء: في موضع جر إلا أنها فتحت لأنها لا تنصرف، قال الكسائي: (أشياء أشياء آخرها آخر حمراء)، وكثر استعمالها فلم تصرف، وقد أجمع البصريون على أن قوله هذا خطأ، ألزموه أن لا يصرف أبناء وأسماء. وقال الخليل: إن أشياء إسم للجمع كان أصله شيآء على فعلاء، مثل الطرفاء، والقصباء، والحلفاء، في أنها على لفظ الآحاد، والمراد الجمع، فاستثقلت الهمزتان بينهما ألف، وليس بحاجز قوي، لأجل أنه ساكن، ومن جنس الهمزة، ألا تراه يعود إليها إذا تحركت، واستثقلت فقدموا الهمزة التي هي لام الفعل، إلى أول الكلمة، فقالوا أشياء، ووزنها لفعاء، كما قالوا في أنوق أينق، وفي أقوس قسي، وهو مذهب سيبويه، والمازني، وجميع البصريين قالوا: والدلالة على أن أشياء اسم مفرد ما روي من تكسيرها على أشاوى، كما كسروا صحراء على صحارى، حيث كانت مثلها * (هامش) (1) [ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ]. (2) استعار الصمم للحلم وليس بحقيقة. (*)

[ 428 ]

في الإفراد. وقال الاخفش أبو الحسن سعيد بن مسعدة، والفراء: أصل أشياء أشيياء على أفعلاء، فحذفت الهمزة التي هي لام، كما حذفت من قولهم سوائيه حيث قالوا سوايه، ولزم حذفها في أفعلاء لأمرين أحدهما: تقارب الهمزة، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة منفردة، فإذا تكررت لزم الحذف والآخر: إن الكلمة جمع، وقد يستثقل في الجمع ما لا يستثقل في الآحاد ووزن أشياء على هذا القول أفعاء. وذكروا أن المازني ناظر الاخفش في هذا الباب، فسأله: كيف تصغر أشياء ؟ فقال أشياء. فقال له: لو كانت أفعلاء لردت في التصغير إلى واحدها، فقال شييآت، كما قالوا في تصغير أصدقاء صديقات، فقطع الأخفش. فأجاب عنه أبو علي الفارسي فقال: إن أفعلاء في هذا الموضع جاز تحقيرها، وإن لم تحقر في غير هذا الموضع، لأنها صارت بدلا من أفعال، بدلالة استجازتهم إضافة العدد القليل إليها كما أضيف إلى أفعال، ويدل على كونها بدلا من أفعال تذكيرهم العدد المضاف إليها نحو ثلاثة أشياء، فجاز تصغيرها كما يجوز تصغير أفعال وقوله (إن تبد لكم تسؤكم) جملة شرطية في موضع جر بكونها صفة لأشياء. النزول: اختلف في نزولها فقيل: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا فقال: " سلوني، فوالله لا تسألوني عن شئ إلا بينته لكم. فقام رجل من بني سهم، يقال له عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه، فقال: يا نبي الله ! من أبي ؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس. فقام إليه رجل آخر، فقال: يا رسول الله أين أبي ؟ فقال في النار. فقام عمر بن الخطاب، وقبل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، فاعف عنا عفا الله عنك، فسكن غضبه، فقال: أما والذي نفسي بيده، لقد صورت لي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر "، عن الزهري، وقتادة، عن أنس. وقيل: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إستهزاء مرة، وامتحانا مرة، فيقول له بعضهم: من أبي ؟ ويقول الآخر أين أبي ؟ ويقول الآخر إذا ضلت ناقته: أين ناقتي ؟ فأنزل الله عز وجل هذه الاية، عن ابن عباس. وقيل: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن الله كتب عليكم الحج، فقام عكاشة بن محصن، وقيل: سراقة بن مالك، فقال: أفي كل عام يا رسول الله ؟ فاعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال رسول الله: ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت، ولو

[ 429 ]

وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني كما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وأبي أمامة الباهلي. وقيل: نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، عن مجاهد. المعنى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسوءكم) خاطب الله المؤمنين، ونهاهم عن المسالة عن أشياء، لا يحتاجون إليها في الدين، إذا أبديت وأظهرت ساءت وحزنت، وذلك نحو ما مضى ذكره من الرجل الذي سأل عن أبيه، وأشباه ذلك من أمور الجاهلية. وقيل: إن تقديره لا تسألوه عن أشياء عفا الله عنها، إن تبد لكم تسوءكم، فقدم وأخر فعلى هذا يكون قوله (عفا الله عنها) صفة لأشياء أيضا، ومعناه: كف الله عن ذكرها، ولم يوجب فيها حكما. وكلام الزجاج يدل على هذا، لأنه قال: أعلم الله ان السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، فإنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك، وخاصة في وقت سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جهة تبيين الآيات، فنهى الله عز وجل عن ذلك، وأعلم أنه قد عفا عنها، ولا وجه لمسألة ما عفا الله عنه، ولعل فيه فضيحة على السائل إن ظهر، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: (إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء، ولم يدعها نسيانا، فلا تتكلفوها. وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا سئل عن الشئ لم يجئ فيه أثر، يقول: هو من العفو، ثم يقرأ هذه الاية (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم) معناه وإن ألححتم وسألتم عنها عند نزول القرآن، أظهر لكم جوابها، إذا لم تقصدوا التعنت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلا تتكلفوا السؤال عنها في الحال. وقيل: معناه وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن، تحتاجون إليها في الدين، من بيان محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونحو ذلك، تكشف لكم، وهذه الأشياء غير الأشياء الأولى، إلا أنه قال: وإن تسألوا عنها، لأنه كان قد سبق ذكر الأشياء. وقيل: إن الهاء راجعة إلى الأشياء الأولى، فبين لهم أنكم إن سألتم عنها عند نزول القرآن في الوقت الذي يأتيه الملك بالقرآن، يظهر لكم ما تسألون عنه في ذلك الوقت، فلا تسألوه، ودعوه

[ 430 ]

مستورا ثم قال (عفا الله عنها) أي: عفا الله عن تبعة سؤالكم، ويكون تقديره عفا الله عن مسألتكم التي سلفت منكم، مما كرهه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (والله غفور حليم) فلا تعودوا إلى مثلها، وهذا قول ابن عباس في رواية عطا. وأما على ما ذكرنا من أن قوله (عفا الله) على التقديم، فيكون تقدير الاية: لا تسألوا عن أشياء ترك الله ذكرها وبيانها، لأنكم لا تحتاجون إليها في التكليف إن تظهر لكم تحزنكم وتغمكم وقال بعضهم: إنها نزلت فيما سألت الأمم أنبياءها من الآيات، ويؤيده الاية التي بعدها. النظم: قيل في اتصال هذه الاية بما قبلها وجوه أحدها: إنها تتصل بقوله (تفلحون) لأن من الفلاح: ترك السؤال عما لا يحتاج إليه وثانيها: إنها تتصل بقوله (ما على الرسول إلا البلاغ) فإنه يبلغ ما فيه المصلحة، فلا تسألوه عما لا يعنيكم وثالثها: إنها تتصل بقوله (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) أي: لا تسألوه فيظهر سرائركم. (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كفرين [ 102 ] ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون [ 103 ] اللغة: البحر: الشق، وبحرت أذن الناقة أبحرها بحرا: إذا شققتها شقا واسعا. والناقة بحيرة، وهي فعيلة بمعنى المفعول، مثل النطيحة والذبيحة، وأصل الباب السعة. وسمي البحر بحرا لسعته. وفرس بحر: واسع الجري. وفي الحديث أنه عليه السلام قال لفرس له: (وجدته بحرا). والسائبة: فاعلة من ساب الماء إذا جرى على وجه الارض، ويقال سيبت الدابة: أي تركتها تسيب حيث شاءت. ويقال للعبد يعتق ولا ولاء عليه لمعتقه: سائبة، لانه يضع ماله حيث شاء، وأصله المخلاة: وهي المسيبة، وأخذت من قولهم: سابت الحية وانسابت: إذا مضت مستمرة. والوصل نقيض الفصل. ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواصلة: وهي التي تصل شعر المرأة بشعر آخر. فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن يكون بمعنى الواصلة، لأنها وصلت أخاها، وهذا أظهر في الاية، وأنشد أهل اللغة في البحيرة. محرمة لا يأكل الناس لحمها * ولا نحن في شئ كذاك البحائر

[ 431 ]

وأنشدوا في السائبة: وسائبة لله ما لي تشكرا * إن الله عافى عامرا ومجاشعا وأنشدوا في الوصيلة، لتأبط شرا: أجدك أما كنت في الناس ناعقا * تراعي بأعلى ذي المجاز الوصائلا وأنشد في الحامي: حماها أبو قابوس في غير كنهه * كما قد حمى أولاد أولاده الفحلا المعنى: ثم أخبر سبحانه أن قوما سألوا مثل سؤالهم، فلما أجيبوا إلى ما سألوا، كفروا فقال (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) وفيه أقوال أحدها: إنهم قوم عيسى عليه السلام سألوه إنزال المائدة، ثم كفروا بها، عن ابن عباس وثانيها: إنهم قوم صالح، سألوه الناقة، ثم عقروها، وكفروا بها. وثالثها: إنهم قريش حين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحول الصفا ذهبا، عن السدي. ورابعها: إنهم كانوا سألوا النبي صلى اله عليه وآله وسلم عن مثل هذه الاشياء، يعني من أبي ونحوه، فلما أخبرهم بذلك، قالوا: ليس الامر كذلك، فكفروا به، فيكون على هذا نهيا عن سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أنساب الجاهلية، لأنهم لو سألوا عنها، ربما ظهر الامر فيها على خلاف حكمهم، فيحملهم ذلك على تكذيبه، عن أبي علي الجبائي. فإن قيل: ما الذي يجوز أن يسال عنه، وما الذي لا يجوز ؟ فالجواب: إن الذي يجوز السؤال عنه، هو ما يجوز العمل عليه في الامور الدينية أو الدنيوية، وما لا يجوز العمل عليه في أمور الدين والدنيا، لا يجوز السؤال عنه. فعلى هذا لا يجوز أن يسأل الانسان: من أبي ؟ لان المصلحة قد اقتضت أن يحكم على كل من ولد على فراش إنسان بأنه ولده، وإن لم يكن مخلوقا من مائه، فالمسألة بخلاف ذلك سفه لا يجوز. ثم ذكر سبحانه الجواب عما سألوه عنه. وقيل: إنه لما تقدم ذكر الحلال والحرام بين حال ما يعتقده أهل الجاهلية من ذلك فقال (ما جعل الله من بحيرة) يريد ما حرمها على ما حرمها أهل الجاهلية من ذلك، ولا أمر بها. والبحيرة: هي الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من مرعى، فإذا لقيها المعيى لم يركبها، عن الزجاج.

[ 432 ]

وقيل إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن، نظروا في البطن الخامس، فإن كان ذكرا نحروه، فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كانت أنثى، شقوا أذنها، فتلك البحيرة، ثم لا يجز لها وبر، ولا يذكر عليها اسم الله، إن ذكيت، ولا حمل عليها، وحرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئا، ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت، فإذا ماتت اشتركت الرجال والنساء في أكلها، عن ابن عباس. وقيل: إن البحيرة بنت السائبة، عن محمد بن إسحاق (ولا سائبة) وهي ما كانوا يسيبونه، فإن الرجل إذا نذر القدوم من سفر، أو البرء من علة، أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها، وأن لا تخلى عن ماء، ولا تمنع من مرعى، عن الزجاج، وهو قول علقمة. وقيل: هي التي تسيب للاصنام أي: تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجئ به إلى السدنة، وهم خدمة آلهتهم، فيطعمون من لبنها أبناء السبيل، ونحو ذلك، عن ابن عباس، وابن مسعود. وقيل: إن السائبة هي الناقة، إذا تابعت بين عشر إناث، ليس فيهن ذكر، سيبت، فلم يركبوها، ولم يجزوا وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها، ثم يخلى سبيلها مع أمها، وهي البحيرة، عن محمد بن إسحاق. (ولا وصيلة) وهي في الغنم: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، عن الزجاج. وقيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع جديا ذبحوه لآلهتهم، ولحمه للرجال دون النساء، وإن كان عناقا استحيوها، وكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جديا وعناقا، قالوا: إن الأخت وصلت أخاها، فحرمته علينا، فحرما جميعا، فكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود، ومقاتل. وقيل: الوصيلة: الشاة إذا أتأمت عشر إناث في خمسة أبطن، ليس فيها ذكر، جعلت وصيلة، فقالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث، عن محمد بن إسحاق. (ولا حام) وهو الذكر من الابل، كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن، قالوا: قد حمي ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء، ولا من مرعى، عن ابن عباس، وابن مسعود، وهو قول أبي عبيدة والزجاج. وقيل: إنه الفحل إذا لقح ولد ولده، قيل: حمي ظهره، فلا يركب، عن الفراء. أعلم الله أنه

[ 433 ]

لم يحرم من هذه الاشياء شيئا. وقال المفسرون، وروى ابن عباس عن النيي صلى الله عليه وآله وسلم أن عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، واتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه) ويروى: (يجر قصبه في النار). (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) هذا إخبار منه تعالى أن الكفار يكذبون على الله بادعائهم أن هذه الاشياء من فعل الله، أو أمره (وأكثرهم لا يعقلون) خص الأكثر بأنهم لا يعقلون، لأنهم أتباع، فهم لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء، كما يعقله الرؤساء، عن قتادة، والشعبي. وقيل: إن معناه أن أكثرهم لا يعقلون ما حرم عليهم، وما حلل لهم، يعني أن المعاند هو الأقل منهم، عن أبي علي الجبائي. وفي هذه الاية دلالة على بطلان قول المجبرة، لأنه سبحانه نفى أن يكون جعل البحيرة، وغيرها، وعندهم أنه سبحانه هو الجاعل والخالق له، ثم بين أن هؤلاء قد كفروا بهذا القول، وافتروا على الله الكذب، بأن نسبوا إليه ما ليس بفعل له، وهذا واضح. (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا أو لو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون [ 104 ] المعنى: ثم أخبر سبحانه عن الكفار الذين جعلوا البحيرة وغيرها، ويفترون على الله الكذب، من كفار قريش، وغيرهم فقال (وإذا قيل لهم تعالوا) أي: هلموا (إلى ما أنزل الله) من القرآن واتباع ما فيه، والإقرار بصحته (وإلى الرسول) وتصديقه، والاقتداء به وبأفعاله (قالوا) في الجواب عن ذلك (حسبنا) أي: كفانا (ما وجدنا عليه آباءنا) يعني مذاهب آبائنا، ثم أخبر سبحانه منكرا عليهم (أو لو كان آباؤهم) أي: إنهم يتبعون آباءهم فيما كانوا عليه من الشرك، وعبادة الاوثان، وإن كان آباؤهم (لا يعلمون شيئا) من الدين (ولا يهتدون) إليه. وقيل: في معنى لا يهتدون قولان أحدهما: إنه يذمهم بأنهم ضلال والآخر: بأنهم عمي عن الطريق، فلا يهتدون طريق العلم.

[ 434 ]

وفي هذه الاية دلالة على فساد التقليد، وأنه لا يجوز العمل في شئ من أمور الدين إلا بحجة، وفي هذه الاية دلالة أيضا على وجوب المعرفة، وأنها ليست بضرورية على ما قاله أصحاب المعارف، فإنه سبحانه بين الحجاج عليهم فيها، ليعرفوا صحة ما دعاهم الرسول إليه، ولو كانوا يعرفون الحق ضرورة، لم يكونوا مقلدين لآبائهم، ونفى سبحانه عنهم الاهتداء والعلم معا، لان بينهما فرقا، فإن الاهتداء لا يكون إلا عن حجة وبيان، والعلم قد يكون ابتداء عن ضرورة. (يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون [ 105 ] القراءة: روي في الشواذ عن الحسن: (لا يضركم)، وعن إبراهيم: (لا يضركم). الحجة: وفي ذلك أربع لغات: ضاره يضوره، وضاره يضيره، وضره يضره (1) وهي عربية أعني يفعل في المضاعف. متعدية، وإنما جزم يضركم ويضركم، لانه جواب الامر، وهو قوله (عليكم أنفسكم) ويجوز أن يكون لا هنا بمعنى النهي، فيكون يضركم مجزوما به. الاعراب: قال الزجاج: (عليكم أنفسكم): أجريت مجرى الفعل، فإذا قلت: عليك زيدا، فتأويله إلزم زيدا، و (عليكم أنفسكم): معناه: إلزموا أمر أنفسكم. وقال غيره: العرب تأمر من الصفات بعليك، وعندك، ودونك، فتعديها إلى المفعول، وتقيمها مقام الفعل، فينتصب بها على الإغراء تقول عليك زيدا، كأنه قيل خذ زيدا، فقد علاك أي: أشرف عليك، وعندك زيدا أي: حضرك فخذه، ودونك أي: قرب منك فخذه وقد تقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل، لكن لا تعديه إلى المفعول، وذلك نحو قولهم: إليك عني أي: تأخر عني، ووراءك: بمعناه. قالوا: ولا يجوز ذلك إلا في الخطاب. لو قلت عليه زيدا، لم يجز وقوله (لا يضركم) الأجود أن يكون إعرابه رفعا، ويكون على جهة الخبر، ويجوز أن يكون موضعه جزما، ويكون الاصل لا يضرركم إلا أن الراء الاولى أدغمت في


(1) (وضره يضره). (*)

[ 435 ]

الثانية، فضمت الثانية لالتقاء الساكنين. ويجوز في العربية لا يضركم بفتح الراء ولا يضركم بكسرها. فالضم لإتباع الضم، والفتح للخفة، والكسر لان أصل التقاء الساكنين الكسرة. وهذا النهي بلفظ غائب يراد به المخاطبون إذا قلت: لا يضررك كفر فلان: فمعناه لا تعدن أنت كفره ضررا، كما أنك إذا قلت: لا أرينك ههنا، فالنهي في اللفظ لنفسك، فمعناه لمخاطبك، ومعناه: لا تكونن هنا. المعنى: لما بين الله سبحانه حكم الكفار الذين قلدوا آباءهم وأسلافهم، وركنوا إلى أديانهم، عقبه بالأمر بالطاعة، وبيان أن المطيع لا يؤاخذ بذنوب العاصي، فقال: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) معناه: إحفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي، والإصرار على الذنوب، عن الفراء، وغيره. وقيل: معناه إلزموا أمر أنفسكم، فإنما ألزمكم الله أمرها، عن الزجاج. وهذا موافق لما روي عن ابن عباس أن معناه: أطيعوا أمري واحفظوا وصيتي (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) أي: لا يضركم ضلال من ضل من آبائكم وغيرهم، إذا كنتم مهتدين. ويقال: هل تدل هذه الاية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ وجوابه: إن في هذا وجوها أحدها: إن الاية لا تدل على ذلك، بل توجب أن المطيع لربه لا يؤاخذ بذنوب العاصي. وثانيها: إن الاقتصار على الاهتداء باتباع أمر الله، إنما يجوز في حال التقية، أو حال لا يجوز تأثير إنكاره فيها، أو يتعلق بإنكاره مفسدة. وروي أن أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الاية فقال: ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر الناس وعوامهم وثالثها: إن هذه أؤكد آية في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لان الله تعالى خاطب بها المؤمنين فقال (عليكم أنفسكم) يعني عليكم أهل دينكم، كما قال (ولا تقتلوا أنفسكم لا يضركم من ضل من الكفار) وهذا قول ابن عباس، في رواية عطا عنه، قال: يريد يعظ بعضكم بعضا. وينهى بعضكم بعضا. ويعلم بعضكم بعضا، ما يقربه إلى الله، ويبعده من الشيطان، ولا يضركم من ضل من المشركين، والمنافقين، وأهل الكتاب (إلى الله مرجعكم جميعا) أي: مصيركم، ومصير من خالفكم (فينبئكم بما كنتم تعملون) أي: يجازيكم بأعمالكم، وفي هذه غاية الزجر

[ 436 ]

والتهديد. وفي الاية دلالة على فساد قول من قال: إن الله يعذب الاطفال بذنوب الآباء، ويعذب الميت ببكاء الحي عليه. (يأيها الذين ءامنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصبتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهدة الله إنا إذا لمن الأثمين [ 106 ] القراءة: روي في الشواذ، عن الحسن، والشعبي، والاعرج: (شهادة بينكم). وعن الاعرج أيضا: (شهادة بينكم) بالنصب. وروي عن علي، والشعبي، بخلاف، ونعيم بن ميسرة، أنهم قرأوا: (شهادة آلله) بنصب (شهادة) والمد في (الله)، وهو قراءة يعقوب، والشعبي، برواية روح، وزيد. وروي (شهادة الله) مقصورة عن الحسن، ويحيى بن يعمر، وسعيد بن جبير، والكلبي، والشعبي.، الحجة: أما قول (شهادة) بالرفع (بينكم) بالنصب. فعلى نحو القراءة المشهورة (شهادة بينكم) إلا أنه حذف التنوين، فانجر الاسم، ويجوز أن يكون المضاف محذوفا من آخر الكلام، أي: شهادة بينكم شهادة إثنين أي: ينبغي أن تكون الشهادة المعتمدة هكذا. وأما شهادة بينكم بالنصب والتنوين فعلى إضمار فعل أي: ليقم شهادة بينكم إثنان ذوا عدل. وأما قوله (ولا نكتم شهادة) فهو أعم من قراءة الجماعة المشهورة (شهادة الله) بالاضافة. وأما المد في (الله) فعلى أن همزة الاستفهام صارت عوضا من حرف القسم، ووقوا همزة الله من الحذف الذي كان يجب فيها من حيث كانت موصولة، ثم فصل بين الهمزتين بألف كما في قوله (آلذكرين حرم أم الانثيين) وأما (الله) مقصورة بالجر، فعلى ما حكاه سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول: الله لقد كان كذا، وذلك لكثرة الاستعمال، وأما تقدير الكلام، فعلى أنه يقول: أتقسم بالله أي: أتقدم على هذا اليمين، وهذا إنما يكون على وجه الإعظام لليمين، والتهيب لها. الاعراب: قال الزجاج: (شهادة بينكم) يرتفع من وجهين أحدهما: أن يرتفع

[ 437 ]

بالابتداء ويكون خبرها اثنان. والمعنى: شهادة هذا الحال شهادة اثنين، فيحذف شهادة ويقام اثنان مقامها والآخر: أن يكون التقدير: وفيما فرض عليكم في شهادتكم أن يشهد اثنان، فيرتفع اثنان بشهادة، وهو قول الفراء، واختار أبو علي الفارسي القول الاول، قال: واتسع في بين فأضيف إليه المصدر، وهذا يدل على قول من قال إن الظرف يستعمل إسما في غير الشعر، ألا ترى أنه قد جاء ذلك في التنزيل، وهو (لقد تقطع بينكم) بالرفع كما جاء في الشعر نحو قوله (فصادف بين عينيه الحبونا) (1) وأما قوله (حضر أحدكم الموت) فيجوز أن يتعلق بالشهادة، فيكون معمولها، ولا يجوز أن يتعلق بالوصية لأمرين أحدهما: إن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لأنه لو عمل فيه، للزم أن يقدر وقوعه في موضعه، وإذا قدر ذلك، لزم أن يقدم المضاف إليه على المضاف، ومن ثم لم يجز القتال زيدا حين يأتي والآخر: إن الوصية مصدر فلا يتعلق به ما يتقدم عليه وأما قوله (حين الوصية إثنان) فلا يجوز حمله على الشهادة، لانه إذا عمل في ظرف من الزمان، لم يعمل في ظرف آخر منه، ولكن يحمله على أحد ثلاثة أوجه: إما أن يتعلق بالموت، كأنه يموت في ذلك الحين، وهذا إنما يكون على ما قرب منه كقوله (حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) وهذا القول إنما يكون قبل الموت. وإما أن يتعلق بحضر أي إذا حضر هذا الحين. وإما أن يكون محمولا على البدل من إذا لأنك ذلك الزمان في المعنى هو هذا الزمان، فتبدله منه، كما تبدل الشئ من الشئ إذا كان إياه. وقوله: منكم صفة لقوله: اثنان كما أن (ذوا عدل) صفة لهما. وفي الظرف ضميرهما. وقوله: (أو آخران من غيركم) تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، و (من غيركم): صفة لآخرين كما كان منكم صفة لاثنين (إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت) اعتراض بين الصفة والموصوف، وعلم به أن شهادة الآخرين اللذين هما من غير أهل ملتنا، إنما يجوز في السفر، فاستغنى عن جواب إن بما تقدم من قوله (أو آخران من غيركم) لانه، وإن كان على لفظ الخبر، فالمعنى على الامر، كان المعنى ينبغي أن تشهدوا إذا ضربتم في الارض آخرين من غير أهل ملتكم، ويجوز أيضا أن يستغنى عن جواب إذا في قوله (إذا حضر أحدكم الموت) بما تقدمها من قوله (شهادة بينكم) فإن جعلت إذا بمنزلة حين، فلم تجعل له * (هامش) (1) الحبون جمع الحبن كالحبر: الدمل. (*)

[ 438 ]

جوابا، كان بمنزلة الحين، وينتصب الموضع بالمصدر الذي هو (شهادة بينكم) كما تقدم، وإن قدرت له جوابا، كان قوله (شهادة بينكم) يدل عليه، ويكون موضع إذا في قوله (إذا حضر أحدكم الموت) نصبا بالجواب المقدر المستغنى عنه بقوله (شهادة بينكم) لان المعنى ينبغي أن تشهدوا وقوله: (تحبسونهما من بعد الصلاة) صفة ثانية لقوله (أو آخران) وقوله: (من بعد الصلاة) يتعلق بتحبسونهما (فيقسمان بالله) الفاء لعطف الجملة على الجملة، وإن شئت جعلت الفاء للجزاء، كما في قول ذي الرمة: وإنسان عيني يحبس الماء مرة * فيبدو وتارات يجم فيغرق (1) تقديره عندهم: إذا حبس بدا، فكذلك إذا حبستموهما أقسما وقوله: (لا نشتري به ثمنا) جواب ما يقتضيه قوله: (فيقسمان بالله) لان أقسم ونحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان. والتقدير لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنا أي: ذا ثمن، فحذف المضاف في الموضعين، وإنما ذكر الشهادة لان الشهادة قول كما قال: (وإذا حضر القسمة)، ثم قال: (فارزقوهم منه) لما كان القسمة يراد به المقسوم ألا ترى أن القسمة التي هي إفراز الأنصباء لا يرزق منه، وإنما يرزق من التركة المقسومة، ولو كان ذا قربى. التقدير: ولو كان المشهود له ذا قربى، وأضاف الشهادة إلى الله لأمره بإقامتها، ونهيه عن كتمانها في قوله: (وأقيموا الشهادة لله) وقوله: (من يكتمها فإنه آثم قلبه)، هذا كله مأخوذ من كلام أبي علي الفارسي، وناهيك به فارسا في هذا الميدان نقابا، يخبر عن مكنون هذا العلم، بواضح البيان. النزول: سبب نزول هذه الآية أن ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجارا إلى الشام: تميم بن أوس الداري، وأخوه عدي، وهما نصرانيان، وابن أبي مارية، مولى عمرو بن العاص السهمي، وكان مسلما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، مرض ابن أبي مارية، فكتب وصيته بيده، ودسها في متاعه، وأوصى إليهما، ودفع المال إليهما، وقال: أبلغا هذا أهلي. فلما مات، فتحا المتاع، وأخذا ما أعجبهما منه، ثم رجعا بالمال إلى الورثة. فلما فتش القوم المال، فقدوا بعض ما كان قد خرج به صاحبهم، فنظروا إلى الوصية، فوجدوا المال فيها تاما، فكلموا تميما وصاحبه،


(1) جم الماء: تجمع بكثرة. (*)

[ 439 ]

فقالا: لا علم لنا به وما دفعه إلينا أبلغناه، كما هو، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت الآية، عن الواقدي، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، وعن جماعة المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. المعنى: لما قدم الامر بالرجوع إلى ما أنزل، عقبه بذكر هذا الحكم المنزل فقال (يا أيها الذين آمنوا) أي: يا أيها المؤمنون (شهادة بينكم) قيل: في معنى الشهادة هنا أقوال أحدها: إنها الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام، وقد تقدم ذكر ما قيل في تقدير الاية على هذا المعنى، وهو قول ابن عباس. وثانيها: إنها بمعنى الحضور، كما يقال: شهدت وصية فلان، ومنه قوله (وليشهد عذابهما طائفة). (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت) فيكون تقديره ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت، وأردتم الوصية اثنان ذوا عدل منكم أي: وصيان من أهل العدالة، جعلهما اثنين تأكيدا للامر في الوصية، عن ابن الانباري، وهو قول سعيد بن جبير وابن زيد والثالث: إنها شهادة إيمان بالله، إن ارتاب الورثة بالوصيين، من قول القائل في اللعان: أشهد بالله أني لمن الصادقين، والاول أقوى وأليق بالآية. وقال صاحب كتاب نظم القرآن: (شهادة: مصدر بمعنى الشهود، كما يقال رجل عدل، ورضا، ورجلان عدل ورضا، ثم قدر حذف المضاف، فيكون المعنى عدد شهود بينكم اثنان، كقوله: (الحج أشهر معلومات) أي: وقت الحج أشهر). وقال ابن جني: ويجوز أن يكون التقدير: تقيموا شهادة بينكم اثنان، فيكون على هذين القولين حذف المضاف من المبتدأ، وعلى قول الزجاج، وأبي علي من الخبر (إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية) أي حضر أسباب الموت من مرض وغيره. وقال الزجاج: معناه إن الشهادة في وقت الوصية هي للموت ليس أن الموت حاضر، وهو يوصي، إنما يقول الموصي صحيحا كان أو غير صحيح: إذا حضرني الموت، وإذا مت فافعلوا واصنعوا. (إثنان ذوا عدل منكم) أي من أهل دينكم وملتكم (أو آخران من غيركم) أي من غير أهل ملتكم، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وشريح، ومجاهد وابن سيرين، وابن زيد، وإبراهيم، وهو المروي عن الباقر، والصادق عليهما السلام، فيكون أو هاهنا للتفصيل، لا للتخيير، لان المعنى أو آخران من

[ 440 ]

غيركم إن لم تجدوا شاهدين منكم. وقيل: معناه ذوا عدل من عشيرتكم، أو آخران من غير عشيرتكم، عن الحسن، والزهري، وعكرمة، والأصم. وقالوا: لأن عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم، وأجدر أن لا ينسوا ما شهدوا عليه. وقالوا: لا يجوز شهادة كافر في سفر، ولا حضر، واختاره الزجاج. وذهب جماعة إلى أن الاية كانت في شهادة أهل الذمة، فنسخت، وقد بين أبو عبيدة هذه الأقاويل، ثم قال: جل العلماء يتأولونها في أهل الذمة، ويرونها محكمة، ويقوي هذا القول تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ، وأنها من محكم القران، وآخر ما نزل (إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت) ومعناه فأصابكم الموت، علم الله تعالى أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب، دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين فقال (أو آخران من غيركم) أي: من غير دينكم، إن أنتم سافرتم، فأصابتكم مصيبة الموت، فالعدلان من المسلمين للحضر والسفر، إن أمكن إشهادهما في السفر، والذميان في السفر خاصة، إذا لم يوجد غيرهما. ثم قال (تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم) المعنى تحبسونهما من بعد صلاة العصر، لان الناس كانوا يحلفون بالحجاز بعد صلاة العصر، لاجتماع الناس وتكاثرهم في ذلك الوقت، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وقيل: هي صلاة الظهر، أو العصر، عن الحسن. وقيل: بعد صلاة أهل دينهما: يعني الذميين، عن ابن عباس، والسدي، ومعنى (تحبسونهما): تقفونهما (1) كما تقول مر بي فلان على فرس فحبس على دابته، أي: وقفه. وقيل: معناه تصبرونهما على اليمين، وهو أن يحمل على اليمين، وهو غير متبرع بها، إن ارتبتم في شهادتهما، وشككتم، وخشيتم أن يكونا قد غيرا، أو بدلا، أو كتما وخانا، والخطاب في (تحبسونهما) للورثة. ويجوز أن يكون خطابا للقضاة، ويكون بمعنى الامر أي: فاحبسوهما، ذكره ابن الانباري، وكان يقف على قوله (مصيبة الموت) ويبتدي بقوله (تحبسونهما)،


(1) (وتقيمونهما). (*)

[ 441 ]

ويحتمل أن يكون أراد به وصيي الميت إذا ارتاب بهما الورثة، وادعوا أنهما استبدا بشئ من التركة، فيصيران مدعى عليهما، فيحلفان بالله (لا نشتري به ثمنا) أي: لا نشتري بتحريف الشهادة ثمنا، والتقدير لا نشتري به ذا ثمن. ألا ترى أن الثمن لا يشترى، وإنما يشترى المبيع دون ثمنه وقيل: إن الهاء في به يعود إلى القسم بالله. وقيل: معناه لا نبيعه بعرض من الدنيا، لان من باع شيئا فقد اشترى ثمنه، ويريد: لا نحابي في شهادتنا (1) أحدا (ولو كان) المشهود له (ذا قربى) خص ذا القربى بالذكر لميل الناس إلى أقربائهم، ومن يناسبونه (ولا نكتم شهادة الله) أي: شهادة لزمنا أداؤها بأمر الله تعالى (إنا إذا لمن الآثمين) أي: إنا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين. (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فئاخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأولين فيقسمان بالله لشهدتنا أحق من شهدتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظلمين [ 107 ] ذلك أدنى أن يأتوا بالشهدة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمن بعد أيمنهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفسقين [ 108 ] القراءة: قرأ أبو بكر، عن عاصم، وحمزة، وخلف، ويعقوب: (استحق) بضم التاء (2) والحاء، (الاولين) جمع. وقرأ حفص عن عاصم: (استحق) بفتح التاء والحاء (الأوليان) بالألف، تثنية الأولى. وقرأ الباقون: (استحق) بضم التاء (الأوليان) بالألف. الحجة والاعراب: قال الزجاج: هذا الموضع من أصعب ما في القرآن في الاعراب، والاوليان في قول أكثر البصريين، يرتفعان على البدل، مما في يقومان المعنى: فليقم الاوليان بالميت مقام هذه الخائنين، فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، فإذا ارتفع الاوليان على البدل، فالذي في استحق من الضمير معنى الوصية، المعنى: فليقم الاوليان من الذين استحقت الوصية والايصاء عليهم. وجائز


(1) حاباه في البيع: ساهله. القاضي زيدا في الحكم: مال إليه منحرفا عن العدل. (2) (كسر). (*)

[ 442 ]

أن يرتفعا باستحق، ويكون معناهما: الأوليان باليمين، أي: بأن يحلفا من يشهد بعدهما، فإن جاز شهادة النصرانيين، كان الأوليان على هذا القول النصرانيين، والآخران من غير أهل بيت الميت. وقال أبو علي: لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء، وقد أخر كأنه في التقدير: فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله، أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر على خيانتهما، كقولهم تميمي أنا، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان، أو يكون مسندا إليه استحق. وقد أجاز أبو الحسن فيه شيئا آخر، وهو أن يكون الأوليان صفة لقوله فآخران من غيركم، لانه لما وصف آخران، اختص فوصف لأجل الاختصاص الذي صار له مما يوصف به المعارف، ومعنى الأوليان: الأوليان بالشهادة على وصية الميت، وإنما كانا أولى به ممن اتهم بالخيانة، لأنهما أعرف بأحوال الميت وأموره، ولانهما من المسلمين، ألا ترى أن وصفهم بأنه (استحق عليهم) يدل على أنهم مسلمون، لان الخطاب من أول الاية مصروف إليهم ؟ فأما ما يسند إليه استحق فلا يخلو من أن يكون الايصاء، والوصية، أو الاثم، أو الجار والمجرور، وإنما جاز (استحق الاثم)، لان أخذه بأخذه إثم، فسمي إثما، كما سمي ما يؤخذ منا بغير حق مظلمة. قال سيبويه، المظلمة: اسم ما أخذ منك، فلذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. فأما قوله: عليهم فيحتمل ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون على فيه، بمنزلة قولك: استحق على زيد مال بالشهادة، أي: لزمه ووجب عليه الخروج منه، لأن الشاهدين لما عثر على خيانتهما، استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة، والقيام بها، ووجب عليهما الخروج منها، وترك الولاية لها. فصار إخراجهما منها مستحقا عليهما، كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه، هذا كلام أبي علي. وأقول: إن الظاهر أن (الذين استحق عليهم) في الآية، ورثة الميت، والمفهوم من كلام أبي علي هذا، أن الشاهدين اللذين من غيرنا، هما المعنيان بذلك، على ما قرره. والذي يصح في نفسي أن التقدير من الذين استحقت عليهم

[ 443 ]

الوصية، أو استحق عليهم الايصاء، هم عشيرة الميت. والضرب الآخر: أن يكون على فيه، بمنزلة من كأنه قال: من الذين استحق منهم الإثم، ومثل هذا قوله: (إذا اكتالوا على الناس) أي من الناس. والثالث: أن يكون على، بمنزلة في، كأنه استحق فيهم، وقام على مقام في، كما قام في مقام على في قوله (ولأصلبنكم في جذوع النخل) والمعنى من الذي استحق عليهم بشهادة الآخرين اللذين هما من غيرنا. وأقول إن هذا المعنى أيضا إنما يلائم الضرب الاول، والذي يلائم هذا الضرب أن يقال المعني من الذين استحق فيهم الاثم، أي بسببهم استحق الآخران من غيرنا اللذان خانا في الوصية فيهما الإثم بخيانتهما ويمينهما الكاذبة. ثم قال أبو علي: فإن قلت هل يجوز أن يسند استحق إلى الأوليان ؟ فالقول في ذلك: إنه لا يجوز، لان المستحق إنما يكون الوصية، أو شيئا منها، ولا يجوز أن يستحقا فيسندا استحق اليهما. وأما من قرأ: (من الذين استحق عليهم الأولين) على الجمع، فهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله (من الذين استحق عليهم) تقديره من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم، وإنما قيل لهم (الأولين) من حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) وكذلك (اثنان ذوا عدل منكم) وذكرا في اللفظ قبل قوله (أو آخران من غيركم). واحتج من قرأ الأولين على من قرأ الأوليان بأن قال: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين أراد أنهما إن كانا صغيرين، لم يقوما مقام الكبيرين في الشهادة، ولم يكونا لصغرهما أولى بالميت، وإن كانا كبيرين كانا أولى به، فيقسمان بالله أي يقسم الآخران اللذان يقومان مقام الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا، وقوله: (لشهادتنا أحق من شهادتهما) متلقى به، فيقسمان بالله. ومن قرأ (استحق عليهم الأوليان): فاستحق ههنا بمعنى حق أي: وجب، فالمعنى فآخران من الذين وجب عليهم الإيصاء بتوصية ميتهم، وهم ورثته. وقال أبو علي: تقديره من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت، وصيته التي أوصى بها إلى غير أهل دينه، والمفعول محذوف، وحذف المفعول في نحو هذا كثير. وقال الإمام المحمود الزمخشري: " معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما، للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين ". وهذا أحسن الأقوال.

[ 444 ]

اللغة: عثر الرجل على الشئ، يعثر عثورا: إذا اطلع على أمر لم يطلع عليه غيره. وأعثرت فلانا على أمر: أطلعته عليه. ومنه قوله: (وكذلك أعثرنا عليهم) وأصله الوقوع بالشئ من قولهم: عثر الرجل عثارا: إذا وقعت إصبعه بشئ صدمته. وعثر الفرس عثارا، قال الاعشى: بذات لوث عفرناة إذا عثرت * فالتعس أولى بها من أن يقال لعا (1) والعثير: الغبار، لانه يقع على الوجه وغيره. والعاثور: حفرة تحفر ليعثر بها الاسد، فيصطاد. والاستحقاق والاستيجاب قريبان. واستحق عليه: كأنه ملك عليه حقا. وحققت عليه القضاء حقا، وأحققته: إذا أوجبته، ويكون حق بمعنى استحق. النزول: قالوا: لما نزلت الاية الأولى. صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصر ودعا تميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله، ما قبضنا له غير هذا، ولا كتمناه، فخلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبيلهما به، ثم اطلعوا على إناء من فضة منقوش بذهب معهما، فقالوا: هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه ونسينا أن نخبركم به، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزل قوله: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما) إلى آخره، فقام رجلان من أولياء الميت، أحدهما عمرو بن العاص، والآخر المطلب بن أبي وداعة السهمي، فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وكان تميم الداري بعد ما أسلم يقول: صدق الله، وصدق رسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله، وأستغفره. المعنى: ثم بين سبحانه الحكم بعد ظهور الخيانة من الوصيين، أو الشاهدين، فقال: (فإن عثر) أي: اطلع وظهر (على أنهما) أي: الشاهدين، عن ابن عباس، والوصيين عن سعيد بن جبير (استحقا) أي: استوجبا (إثما) أي: ذنبا بأيمانهما الكاذبة، وخيانتهما، وقصدهما في شهادتهما إلى غير الاستقامة. وقيل: معناه استحقا عقوبة إثم من قوله تعالى (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك)


(1) اللوث: القوة. وناقة عفرناة أي قوية. عثرت أي سقطت. ولعا: كلمة يدعى بها للعاثر معناها الارتفاع. قال أبو زيد: إذا دعي للعاثر بأن ينتعش قيل لعا لك عاليا، والعرب تدعو على العاثر من الدواب إذا كان جوادا بالتعسر وإذا كان بليدا بلعا لك. يصف ناقته: يقول: انها لا تعثر لقوتها فلو عثرت لقلت تعست. وقوله بذات لوث متعلق ب‍ " كلفت " في بيت قبله. (*)

[ 445 ]

أي: بعقوبة اثم قتلي وعقوبة معاصيك المتقدمة عن الجبائي. (فآخران يقومان مقامهما) أي: مقام الشاهدين اللذين هما من غيرنا، وقيل: مقام الوصيين (من الذين استحق عليهم الأوليان) المعنى: ليقم الأوليان بالميت من الذين استحقت عليهم الوصية. أو يكون التقدير: فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله، يقومان مقام الخائنين اللذين عثر على خيانتهما. وقد بينا ما قيل فيه، وفي القراءتين الأخريين، فيما قبل. ويجوز أن يكون الأوليان بدلا من قوله (آخران) فقد يجوز إبدال المعرفة من النكرة، ومعنى الأوليين الأقربان إلى الميت. ويجوز أن يكون معناه (الأوليان) باليمين، وإنما كان أوليين باليمين، لان الوصيين ادعيا أن الميت باع الاناء فانتقل اليمين إلى الأوليين، لانهما صارا مدعى عليهما، أن مورثهما باع الاناء. وهذا كما لو أقر إنسان لآخر بدين. وادعى قضاءه، حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الذين، لانه صار مدعى عليه أنه استوفى. وقيل: معناه الأوليان بالشهادة من المسلمين، عن ابن عباس، وشريح. (فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما) قيل: إنه على الظاهر أي: شهادتنا، وقولنا في وصية صاحبنا أحق بالقبول والصدق من شهادتهما، وقولهما. وقيل: يريد به فيقولان والله. ليميننا خير من يمينهما، عن ابن عباس، وسميت اليمين ها هنا شهادة، لان اليمين كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك. (وما اعتدينا) أي: وما جاوزنا الحق فيما طلبناه من حقنا، عن ابن عباس. وقيل: فيما قلناه من أن شهادتنا أحق من شهادتهما. (إنا إذا لمن الظالمين) تقديره: إنا إن اعتدينا لمن جملة الظالمين لنفوسنا. وهذه الاية مع الاية التي قبلها من أعوص آيات القرآن إعرابا ومعنى وحكما، ولست تجدهما في شئ من مظانهما أوفر فائدة، واغزر عائدة، وأجمع علما، وأوجز لفظا ومعنى، مما لخصته لك، وسقته إليك وبالله التوفيق. ثم بين سبحانه وجه الحكمة في استحلاف اليهود فقال: (ذلك ادنى) أي ذلك الإحلاف والإقسام، أو ذلك الحكم أقرب إلى (أن يأتوا بالشهادة على وجهها) أي: حقها وصدقها، لا يكتمون شيئا، ولا يزيدون شيئا، لان اليمين تردع عن أمور كثيرة لا يرتدع عنها مع عدم اليمين. (أو يخافوا) أي: أقرب إلى أن يخافوا (أن ترد أيمان) إلى أولياء الميت (بعد أيمانهم) فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا

[ 446 ]

ويغرموا، فربما لا يحلفون كاذبين، ويتحفظون في الشهادة مخافة رد اليمين والشهادة إلى المستحق عليهم. (واتقوا الله) أن تحلفوا أيمانا كاذبة، أو تخونوا أمانة (واسمعوا) الموعظة (والله لا يهدي القوم الفاسقين) إلى ثوابه وجنته. (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب [ 109 ] الاعراب: (يوم) ينتصب على تقدير واتقوا يوم يجمع ويتصل بقوله (واتقوا الله واسمعوا) عن الزجاج. وقيل: إنه يتعلق بقوله (لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل) عن المغربي. وقيل: انه يتعلق بمحذوف على تقدير احذروا، أو اذكروا ذلك اليوم. المعنى: (يوم يجمع الله الرسل) هو كقوله: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) وإنما انتصب (يوم) على أنه مفعول به، ولم ينتصب على الظرف، لانهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم. والمعنى: اتقوا عقاب يوم يجمع الله فيه الرسل، لان اليوم لا يتقى ولا يحذر، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه (فيقول) لهم: (ماذا أجبتم) أي: ما الذي أجابكم قومكم فيما دعوتموهم إليه، وهذا تقرير في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ للمنافقين عند إظهار فضيحتهم على رؤوس الإشهاد. (قالوا لا علم لنا) قيل فيه أقوال أحدها: إن للقيامة أهوالا حتى تزول القلوب من مواضعها، فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها، شهدوا لمن صدقهم على من كذبهم، يريد أنه عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامة، فقالوا: لا علم لنا، عن عطاء، عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي، والكلبي، وهو اختيار الفراء. وثانيها: إن المراد لا علم لنا كعلمك، لأنك تعلم باطنهم، وإنا لا نعلم غيبهم وباطنهم، وذلك هو الذي يقع عليه الجزاء، عن الحسن في رواية أخرى، واختاره الجبائي، وأنكر القول الاول، وقال: كيف يجوز ذهولهم من هول يوم القيامة، مع قوله: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)، وقوله: (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ؟ ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الفزع الأكبر دخول النار وقوله (لا خوف عليهم) إنما هو كالبشارة بالنجاة من أهوال ذلك اليوم، مثل ما يقال للمريض: لا

[ 447 ]

بأس عليك، ولا خوف عليك. وثالثها: إن معناه لا حقيقة لعلمنا إذ كنا نعلم جوابهم، وما كان من أفعالهم وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا، وإنما الثواب والجزاء يستحقان بما يقع به الخاتمة مما يموتون عليه، عن ابن الانباري. ورابعها: إن المراد لا علم لنا إلا ما علمتنا فحذف لدلالة الكلام عليه، عن ابن عباس، في رواية أخرى. وخامسها: إن المراد به: تحقيق فضيحتهم أي: أنت أعلم بحالهم منا، ولا تحتاج في ذلك إلى شهادتنا. (إنك أنت علام الغيوب) إنما قال (علام) للمبالغة، لا للتكثير. وقيل: أراد به تكثير المعلوم والمراد: أنت تعلم ما غاب وما بطن، ونحن إنما نعلم ما نشاهد، وفي هذه الاية دلالة على إثبات المعاد، والحشر. والنشر. وذكر الحاكم أبو سعيد في تفسيره أنها تدل على بطلان قول الإمامية: إن الأئمة يعلمون الغيب، وأقول: إن هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم، فإنا لا نعلم أحدا منهم، بل أحدا من أهل الاسلام، يصف أحدا من الناس بعلم الغيب، ومن وصف مخلوقا بذلك فقد فارق الدين، والشيعة الامامية براء من هذا القول، فمن نسبهم إلى ذلك، فالله فيما بينه وبينهم ! (إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتب والحكمة والتورية والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسراءيل عنك إذ جئتهم بالبينت فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين [ 110 ] القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم (ساحر مبين) بالألف، وكذلك في سورة يونس، وهود، والصف. وقرأ ابن كثير، وعاصم، في سورة يونس: (لساحر مبين) بالالف فقط. وأهل المدينة، والبصرة، والشام: (سحر مبين) بغير الألف.

[ 448 ]

في جميع ذلك. الحجة: من قرأ، (إلا سحر) جعله إشارة الى ما جاء به، كأنه قال ما الذي جئت به إلا سحر مبين. ومن قرأ (إلا ساحر) أشار إلى الشخص، لا إلى الحديث الذي أتى به، وكلاهما حسن لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد تقدم، غير أن الاختيار سحر لوقوعه على الحدث والشخص، أما وقوعه على الحدث فظاهر. وأما وقوعه على الشخص فهو أن يراد به ذو سحر، كما جاء: (ولكن البر من آمن) أي ذا البر. وقالوا إنما أنت سير، وإنما هي إقبال وإدبار. وقد جاء أيضا فاعل يراد به الكثرة في حروف ليست بالكثيرة، نحو: عائذا بالله من شرها أي: عياذا، ونحو: العافية، ولم تصر هذه الحروف من الكثرة بحيث يقاس عليها. الاعراب: العامل في إذ يحتمل أمرين أحدهما: الابتداء عطفا على قوله (يوم يجمع الله الرسل) ثم قال: وذلك إذ. قال: فيكون موضعه رفعا كما يقول القائل: كأنك بنا قد وردنا بلد كذا، وصنعنا فيه، وفعلنا إذ صاح بك صائح، فأجبته وتركتني. والثاني: أذكر (إذ قال الله) فيكون موضعه نصبا (يا عيسى بن مريم) يجوز أن يكون عيسى مضموما في التقدير، فإنه منادى مفرد، فيكون نداءين، وتقديره يا عيسى، يا بن مريم، أو تكون وصفت المضموم بمضاف فنصب المضاف كقول الشاعر: " يا زبرقان أخا بني خلف ". ويجوز أن يكون عيسى مبنيا مع الابن على الفتح في التقدير، لوقوع الابن بين علمين. وهذا كما أنشد النحويون من قول الشاعر: يا حكم بن المنذر بن الجارود * أنت الجواد بن الجواد بن الجود روي في حكم الضم والفتح (تكلم الناس) في موضع نصب على الحال. (وكهلا) عطف على موضع في المهد وهو جملة ظرفية في موضع نصب على الحال من (تكلم) فالمعنى مكلما الناس صغيرا، وكبيرا. المعنى: لما عرف سبحانه يوم القيامة بما وصفه به من جمع الرسل فيه، عطف عليه بذكر المسيح فقال: (إذ قال الله) ومعناه: إذ يقول الله في الآخرة، وذكر لفظ الماضي تقريبا للقيامة، لان ما هو آت فكأن قد وقع (يا عيسى بن مريم) وهذا إشارة إلى بطلان قول النصارى لان من له أم لا يكون إلها (أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك) أي اذكر ما أنعمت به عليك، وعلى أمك، واشكره. أفرد النعمة في

[ 449 ]

اللفظ، ويريد به الجمع، كما قال تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). وإنما جاز ذلك لانه مضاف، فصلح للجنس، ثم فسر نعمته بأن قال (إذ أيدتك بروح القدس) وهو جبرائيل عليه السلام، وقد مضى تفسيره في سورة البقرة عند قوله وأيدناه بروح القدس (تكلم الناس في المهد وكهلا) أي: في حال ما كنت صبيا في المهد، وفي حال ما كنت كهلا، وقال الحسن: المهد حجر أمه. (وإذ علمتك الكتاب) قيل: الكتابة يعني الخط (والحكمة) أي: العلم، والشريعة، وقيل: أراد الكتب فيكون الكتاب اسم جنس، ثم فصله بذكر التوراة والانجيل، فقال (والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) أي: واذكر ذلك أيضا إذ تصور الطين كهيئة الطير الذي تريد أي: كخلقته وصورته، وسماه خلقا لانه كان يقدره. وقوله: (بإذني) أي: تفعل ذلك بإذني وأمري (فتنفخ فيها) أي تنفخ فيها الروح، لان الروح جسم يجوز أن ينفخه المسيح بأمر الله. (فتكون طيرا بإذني) والطير: يؤنث ويذكر، فمن أنث فعلى الجمع، ومن ذكر فعلى اللفظ. وواحد الطير: طائر، فيكون مثل ظاعن وظعن، وراكب وركب. وبين بقوله: (فيكون طيرا بإذني) أنه إذا نفخ المسيح فيها الروح قلبها الله لحما ودما، ويخلق فيها الحياة، فصارت طائرا بإذن الله أي: بأمره وإرادته، لا بفعل المسيح (وتبرئ) أي: تصحح (الأكمه): الذي ولد أعمى، (والأبرص) من به برص مستحكم (بإذني) أي: بأمري. ومعناه أنك تدعوني حتى أبرئ الأكمه والأبرص، ونسب ذلك إلى المسيح، لما كان بدعائه وسؤاله. (وإذ تخرج الموتى بإذني) أي: أذكر إذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك، وأخرجهم من القبور حتى يشاهدهم الناس أحياء، ونسب ذلك إلى المسيح لما كان بدعائه (وإذ كففت بني إسرائيل عنك): عن قتلك وأذيتك (إذ جئتهم) أي: حين جئتهم (بالبينات) مع كفرهم وعنادهم. ويجوز أن يكون تعالى كفهم عنه بألطافه التي لا يقدر عليها غيره. ويجوز أن يكون كفهم بالمنع والقهر، كما منع من أراد قتل نبينا. ومعنى (جئتهم بالبينات): أتيتهم بالحجج والمعجزات. (فقال الذين كفروا) وجحدوا نبوتك (منهم) أي: من بني إسرائيل (إن هذا إلا سحر مبين) يعنون به عيسى، و (سحر مبين): يعني به أن ما جاء به سحر ظاهر واضح، وينبغي أن يكون قوله سبحانه في أول الاية (إذ قال الله يا عيسى اذكر نعمتي) يعني:

[ 450 ]

أخبر بها قومك الذين كذبوا عليك، ليكون حجة عليهم، لانهم ادعوا عليه أنه إله، ثم عدد النعمة نعمة نعمة، على ما بيناه. (وإذ أوحيت إلى الحوارين أن ءامنوا بي وبرسولي قالوا ءامنا واشهد بأننا مسلمون [ 111 ] اللغة: الوحي: إلقاء المعنى إلى النفس على وجه يخفى، ثم ينقسم، فيكون بإرسال الملك، ويكون بمعنى الإلهام. قال الشاعر: الحمد لله الذي استقلت * بإذنه السماء واطمأنت * أوحى لها القرار فاستقرت * أي ألقى إليها ويروى: " وحى لها القرار ". والفرق بين أوحى ووحى من وجهين: أحدهما: إن أوحى بمعنى جعلها على صفة. ووحى، بمعنى جعل فيها معنى الصفة، لان أفعل أصله التعدية. وقيل: إنهما لغتان والحواري: خالصة الرجل وخلصاؤه من الخبز الحواري (1)، لانه أخلص لبه من كل ما يشوبه، وأصله الخلوص. ومنه حار يحور: إذا رجع إلى حال الخلوص، ثم كثر حتى قيل لكل راجع. المعنى: ثم بين سبحانه تمام نعمته على عيسى فقال (وإذ أوحيت) أي: واذكر إذ أوحيت (إلى الحواريين) أي: ألهمتهم. وقيل: ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم إياها. ومضى الكلام في الحواريين في سورة آل عمران، وهم وزراء عيسى، عن قتادة، وأنصاره، عن الحسن. (أن آمنوا بي وبرسولي) أي: صدقوا بي وبصفاتي، وبعيسى أنه عبدي ونبيي (قالوا) أي: قال الحواريون (آمنا) أي: صدقنا (واشهد) يا الله (بأننا مسلمون). (إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين [ 112 ] قالوا نريد أن


(1) الحواري: الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق. (*)

[ 451 ]

نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين [ 113 ] القراءة: قرأ الكسائي وحده: (هل تستطيع) بالتاء (ربك) بالنصب. والباقون: (يستطيع) بالياء (ربك) مرفوع. وأدغم الكسائي اللام في التاء. الحجة: وجه قراءة الكسائي أن المراد هلى تستطيع سؤال ربك ؟ وذكروا الاستطاعة في سؤالهم، لا لأنهم شكوا في استطاعته، ولكن كأنهم ذكروه على وجه الاحتجاج عليه منهم، كأنهم قالوا: إنك مستطيع فما يمنعك ؟ ومثل ذلك قولك لصاحبك: أتستطيع أن تذهب عني، فإني مشغول أي: إذهب لأنك غير عاجز عن ذلك، و (أن ينزل) على هذه القراءة متعلق بالمصدر المحذوف، لا يستقيم الكلام إلا على تقدير ذلك، ألا ترى أنه لا يصح أن تقول: هل تستطيع أن يفعل غيرك ؟ ف‍ (أن ينزل) في موضع نصب بأنه مفعول به، والتقدير: هل تستطيع أن تسأل ربك إنزال مائدة من السماء علينا. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، ما يقارب هذا التقدير قال: يعني " هل تستطيع أن تدعو ربك ". وأما إدغام اللام في التاء، فإنه حسن، لأن أبا عمرو أدغم اللام في الثاء في: (هل ثوب الكفار). والتاء أقرب إلى اللام من الثاء. والإدغام إنما يحسن في المتقاربين، وأنشد سيبويه: فذر ذا ولكن هتعين متيما * على ضوء برق آخر الليل ناصب (1) بين الاستطاعة والقدرة: إن الاستطاعة انطباق الجوارح للفعل، والقدرة: هي ما أوجب كون القادر عليه قادرا، ولذلك لا يوصف تعالى بأنه مستطيع، ويوصف بأنه قادر. والمائدة: الخوان. قال الازهري في تهذيب اللغة: هي في المعنى مفعولة، ولفظها فاعلة، لانها من العطاء. وقد ماد زيد عمرا: إذا أعطاه. وقيل: هي من ماد يميد إذا تحرك، فهي فاعلة. ويقال: مائدة وميدة، قال الشاعر: وميدة كثيرة الألوان * تصنع للاخوان والجيران وماد به البحر، يميد فهو مائد: إذا تحرك به. وماد يميد: إذا تبختر. وماد


(1) قوله هتعين: أصله هل تعين. المتيم: المضلل. وقوله ناصب صفة لبرق. (*)

[ 452 ]

أهله: إذا مادهم وأصله الحركة. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن الحواريين وسؤالهم، فقال (إذ قال الحواريون) والعامل في إذ قوله: أوجبت. ويحتمل أن يكون معناه واذكر إذ قال الحواريون (يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء). قيل فيه أقوال أحدها: أن يكون معناه: هل يفعل ربك ذلك بمسألتك إياه، ليكون علما على صدقك، ولا يجوز أن يكونوا شكوا في قدرة الله تعالى، على ذلك، لانهم كانوا عارفين مؤمنين، وكأنهم سألوه ذلك، ليعرفوا صدقه، وصحة أمره، من حيث لا يعرض عليهم فيه إشكال ولا شبهة. ومن ثم قالوا (وتطمئن قلوبنا) كما قال إبراهيم (ولكن ليطمئن قلبي)، عن أبي علي الفارسي. وثانيها: إن المراد هل يقدر ربك وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله، ولذلك أنكر عليهم عيسى عليه السلام، فقال (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) لانهم لم يستكمل إيمانهم في ذاك الوقت. وثالثها: أن يكون معناه هل يستجيب لك ربك، وإليه ذهب السدي في قوله: يريد هل يطيعك ربك إن سألته. وهذا على أن يكون استطاع: بمعنى أطاع. كما يكون استجاب: بمعنى أجاب. قال الزجاج: يحتمل مسألة الحواريين عيسى عليه السلام المائدة، على ضربين: أحدهما: أن يكونوا أرادوا أن يزدادوا تثبيتا كما قال إبراهيم (ربي أرني كيف تحيي الموتى) (وجائز) أن يكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه، والأبرص، وأحيا الموتى (قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) معناه اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم قبلكم. وقيل: إن معناه الامر بالتقوى مطلقا، كما أمر الله المؤمنين بها في قوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) عن أبي علي الفارسي. وقيل: أمرهم أن لا يقترحوا الآيات، وأن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله، لان الله تعالى قد أراهم البراهين والمعجزات بإحياء الموتى وغيره مما هو أوكد مما سألوه وطلبوه، عن الزجاج (قالوا) أي: قال الحواريون (نريد أن نأكل منها) قيل في معناه قولان أحدهما: أن تكون الإرادة التي هي من أفعال القلوب، ويكون التقدير فيه: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرنا والآخر: أن يكون الإرادة هاهنا بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع أي: نحب ذلك (وتطمئن قلوبنا) يجوز أن يكونوا قالوا وهم مستبصرون في دينهم، ومعناه نريد أن نزداد يقينا، وذلك أن الدلائل كلما كثرت مكنت المعرفة في النفس عن عطاء

[ 453 ]

(ونعلم أن قد صدقتنا) بأنك رسول الله، وهذا يقوي قول من قال: إن هذا كان في ابتداء أمرهم. والصحيح أنهم طلبوا المعاينة والعلم الضروري والتأكيد في الإعجاز (ونكون عليها من الشاهدين) لله بالتوحيد، ولك بالنبوة. وقيل: من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم. (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين [ 114 ] قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العلمين [ 115 ] القراءة: قرأ أهل المدينة، والشام، وعاصم: (منزلها) بالتشديد. والباقون (منزلها) مخففة. الحجة: يقوي التخفيف قوله (أنزل علينا مائدة) والأولى أن يكون الجواب على وفق السؤال، والوجه في التشديد أن نزل وأنزل بمعنى واحد. اللغة: العيد: إسم لما عاد إليك من شئ في وقت معلوم، حتى قالوا للخيال عيد، ولما يعود إليك من الحزن عيد، قال الاعشى: فوا كبدي من لاعج الهم والهوى * إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها (1) وقال الليث: العيد كل يوم مجمع، قال العجاج " كما يعود العيد نصراني " قال المفضل: عادني عيدي أي: عادتي، وأنشد: " عاد قلبي من الطويلة عيد " وإنما قول تأبط شرا: " يا عيد ما لك من شوق وإبراق " فإنه أراد الخيال الذي يعتاده. الاعراب: (تكون لنا) في موضع النصب، صفة لمائدة ولنا في موضع الحال، لأن تقديره تكون عيدا لنا. فقوله لنا صفة لعيد فلما تقدمه، انتصب على الحال، وقوله: (لأولنا وآخرنا) بدل من قوله لنا. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن سؤال عيسى عليه السلام إياه فقال (قال عيسى بن


(1) الاعج: الهوى المحرق. اميمة: اسم امرأة. (*)

[ 454 ]

مريم) عن قومه، لما التمسوا منه. وقيل: إنه إنما سأل ربه ذلك حين أذن له في السؤال (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة) أي: خوانا عليه طعام (من السماء تكون لنا عيدا) قيل في معناه قولان: أحدهما: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا نعظمه نحن، ومن يأتي بعدنا، عن السدي، وقتادة، وابن جريج، وهو قول أبي علي الجبائي. والثاني: إن معناه تكون عائدة فضل من الله علينا، ونعمة منه لنا، والأول هو الوجه (لأولنا وآخرنا) أي: لأهل زماننا، ومن يجئ بعدنا. وقيل: معناه يأكل منها آخر الناس، كما يأكل أولهم، عن ابن عباس. (وآية منك) أي: ودلالة منك عظيمة الشأن في إزعاج قلوب العباد إلى الإقرار بمدلولها، والاعتراف بالحق الذي تشهد به ظاهرها، تدل على توحيدك، وصحة نبوة نبيك (وارزقنا) أي: واجعل ذلك رزقا لنا. وقيل: معناه وارزقنا الشكر عليها عن الجبائي (وأنت خير الرازقين) وفي هذا دلالة على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضا، لانه لو لم يكن كذلك لم يصح أن يقال له سبحانه (وأنت خير الرازقين) كما لا يجوز أن يقال أنت خير الآلهة، لما لم يكن غيره إلها (قال الله) مجيبا له إلى ما التمسه (إني منزلها) يعني: المائدة (عليكم فمن يكفر بعد منكم) أي: بعد إنزالها عليكم (فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) قيل في معناه أقوال أحدها: إنه أراد عالمي زمانه، فجحد القوم فكفروا بعد نزولها، فمسخوا قردة وخنازير، عن قتادة. وروي عن أبي الحسن موسى أنهم مسخوا خنازير وثانيها: إنه أراد عذاب الاستئصال. وثالثها: إنه أراد جنسا من العذاب، لا يعذب به أحدا غيرهم، وإنما استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة، لأنهم كفروا بعد ما رأوا الاية التي هي من أزجر الآيات عن الكفر بعد سؤالهم لها، فاقتضت الحكمة اختصاصهم بفن من العذاب عظيم الموضع، كما اختصت آيتهم بفن من الزجر عظيم الموقع. القصة: اختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا ؟ فقال الحسن، ومجاهد: إنها لم تنزل، وإن القوم لما سمعوا الشرط استعفوا عن نزولها، وقالوا: لا نريدها، ولا حاجة لنا فيها، فلم تنزل. والصحيح أنها نزلت، لقوله تعالى: (إني منزلها عليكم)، ولا يجوز أن يقع في خبره الخلف، ولأن الأخبار قد استفاضت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والصحابة، والتابعين، أنها نزلت. قال كعب: إنها نزلت يوم الأحد، ولذلك اتخذه النصارى عيدا.

[ 455 ]

واختلفوا في كيفية نزولها، وما عليها: فروي عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: " نزلت المائدة خبزا ولحما، وذلك لأنهم سألوا عيسى عليه السلام طعاما لا ينفد، يأكلون منها قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا، وتخبأوا، وترفعوا، فإن فعلتم ذلك عذبتم، قال: فما مضى يومهم حتى خبأوا ورفعوا وخانوا ". وقال ابن عباس: " إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما، ثم اسألوا الله ما شئتم، يعطيكم. فصاموا ثلاثين يوما، فلما فرغوا قالوا: يا عيسى ! إنا لو عملنا لأحد من الناس، فقضينا عمله، لأطعمنا طعاما، وإنا صمنا وجعنا، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات (1)، حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس، كما أكل أولهم). وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وروى عطاء بن السائب، عن زاذان، وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل، اختلف عليهم الأيدي من السماء، بكل طعام إلا اللحم، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل على المائدة كل شئ إلا الخبز واللحم. وقال عطاء: نزل عليها كل شئ إلا السمك واللحم. وقال عطية العوفي: نزل من السماء سمكة فيها طعم كل شئ. وقال عمار، وقتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل. وقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاؤوا. وروى عطاء بن أبي رباح، عن سلمان الفارسي أنه قال: والله ما تبع عيسى شيئا من المساوئ قط، ولا انتهر يتيما، ولا قهقه ضحكا، ولا ذب ذبابا عن وجهه، ولا أخذ على أنفه من شئ نتن قط، ولا عبث قط، ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة، لبس صوفا وبكى وقال: (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة) الاية. فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها، وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم. فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها مثلة وعقوبة. واليهود ينظرون إليها، ينظرون إلى شئ لم يروا مثله قط، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه.


(1) جمع الحوت. (*)

[ 456 ]

فقام عيسى فتوضأ، وصلى صلاة طويلة، ثم كشف المنديل عنها، وقال بسم الله خير الرازقين، فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها، تسيل سيلا من الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من أنواع البقول ما عدا الكراث. وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح الله ! أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟ فقال عيسى: ليس شئ مما ترون من طعام الدنيا، ولا من طعام الآخرة، ولكنه شئ افتعله الله بالقدرة الغالبة. كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله. فقال الحواريون: يا روح الله ! لو أريتنا من هذه الاية اليوم آية أخرى ؟ فقال عيسى: يا سمكة أحيي بإذن الله، فاضطربت السمكة، وعاد عليها فلوسها وشوكها، ففزعوا منها، فقال عيسى: ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها ما أخوفني عليكم أن تعذبوا يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله، فعادت السمكة مشوية كما كانت. فقالوا: يا روح الله ! كن أول من ياكل منها، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها. فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها عيسى أهل الفاقة (1)، والزمنى، والمرضى، والمبتلين، فقال: كلوا منها جميعا، ولكم المهنا ولغيركم البلاء. فأكل منها ألف وثلائمائة رجل وامرأة، من فقير، ومريض، ومبتلى، وكلهم شبعان يتجشى. ثم نظر عيسى إلى السمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء، ثم طارت المائدة صعدا، وهم ينظرون إليها، حتى توارت عنهم، فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صح، ولا مريض إلا أبرئ، ولا فقير إلا استغنى، ولم يزل غنيا حتى مات وندم الحواريون، ومن لم يأكل منها. وكانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، يتزاحمون عليها، فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى، فلا تزال منصوبة يؤكل منها، حتى إذا فاء الفئ طارت صعدا، وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم. وكانت تنزل غبا يوما، ويوما لا، فأوحى الله إلى عيسى: اجعل مائدتي للفقراء


(1) وفي بعض النسخ الخطية " العاهة " بدل " الفاقة ". (*)

[ 457 ]

دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء، حتى شكوا وشككوا الناس فيها، فأوحى الله إلى عيسى: إني شرطت على المكذبين شرطا أن من كفر بعد نزولها أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. فقال عيسى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم) فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا باتوا من ليلهم على فرشهم مع نسائهم في ديارهم، فأصبحوا خنازير، يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش. فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى، وبكوا وبكى على الممسوخين أهلوهم، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام: " كانت المائدة تنزل عليهم، فيجتمعون عليها، ويأكلون منها، ثم ترتفع. فقال كبراؤهم ومترفوهم: " لا ندع سفلتنا يأكلون منها معنا "، فرفع الله المائدة ببغيهم، ومسخوا قردة وخنازير ". (وإذ قال الله يعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحنك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علم الغيوب [ 116 ] ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد [ 117 ] إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ 118 ] اللغة: النفس: تقع على وجوه: فالنفس نفس الانسان وغيره من الحيوان، وهي التي إذا فارقها خرج من كونه حيا، ومنه قوله (كل نفس ذائقة الموت). والنفس أيضا: ذات الشئ الذي يخبر عنه، كقولهم فعل ذلك فلان نفسه. والنفس أيضا: الإرادة كما في قوله الشاعر: فنفساي نفس قالت ائت ابن بجدل * تجد فرجا من كل غمى تهابها (1)


(1) الغمى: الشدة. (*)

[ 458 ]

ونفس تقول اجهد بخائك (1) لا تكن * كخاضبة لم يغن شيئا خضابها وقال النمر بن تولب: أما خليلي فإني لست معجله * حتى يؤامر نفسيه كما زعما نفس له من نفوس القوم صالحة * تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما يريد أنه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل. وكنى برضاع الغنم عن البخل، كما يقال لئيم راضع. والنفس: العين التي تصيب الانسان. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرقي فيقول: " بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كل داء هو فيك، من كل عين عاين، ونفس نافس.، وحسد حاسد " قال ابن الاعرابي: النفوس الذي تصيب الناس بالنفس، وذكر رجلا فقال كان حسودا نفوسا كذوبا. وقال ابن قيس الرقيات: يتقي أهلها النفوس عليها * فعلى نحرها الرقى والتميم وقال مضرس: وإذا نموا صعدا فليس عليهم * منا الخيال ولا نفوس الحسد والنفس: الغيب يقال اني لأعلم نفس فلان أي غيبه، وعلى هذا تأويل الآية. ويقال النفس أيضا: العقوبة، وعليه حمل بعضهم قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه). والرقيب: أصله من الترقب وهو الانتظار، ومعناه: الحافظ. ورقيب القوم: حارسهم. والشهيد: الشاهد لما يكون، ويجوز أن يكون بمعنى العليم. الاعراب: حقيقة إذ: أن يكون لما مضى، وهذا معطوف على ما قبله، فكأنه قال يوم يجمع الله الرسل، فيقول: ماذا أجبتم، وذلك إذ يقول يا عيسى. وقيل: إنه تعالى إنما قال له ذلك حين رفعه إليه، فيكون القول ماضيا، عن البلخي، وهذا قول السدي، والصحيح الاول، لأن الله عقب هذه الاية بقوله (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) وأراد به يوم القيامة، وإنما خرج هذا مخرج الماضي، وهو للمستقبل تحقيقا لوقوعه، كقوله تعالى: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) ومثله قوله: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) يريد إذ يفزعون، وكذلك قوله: (ولو ترى إذ


(1) أي عجل. (*)

[ 459 ]

وقفوا على النار)، وقال أبو النجم: ثم جزاه الله عني إذ جزى * جنات عدن في العلالي العلا (1) (من دون الله): من زائدة مؤكدة للمعنى. قوله: (إن كنت قلته) المعنى إن أكن الآن قلته فيما مضى، وليس كان فيه على المعنى، لان الشرط والجزاء لا يقعان إلا فيما يستقبل، وحرف الجزاء يغير معنى المضي إلى الاستقبال لا محالة، هذا قول المحققين. وقوله (أن اعبدوا الله). ذكر في محله وجوه أحدها: النصب بدلا مما أمرتني به. والثاني: أن يكون مجرورا لموضع بدلا من الهاء في به. والثالث: أن يكون أن مفسرة لما أمر به بمعنى أي، وعلى هذا، فلا موضع لها من الاعراب. المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم من أمر المسيح فقال (وإذ قال الله) والمعنى: إذ يقول الله يوم القيامة لعيسى (يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) هذا، وإن خرج مخرج الاستفهام، فهو تقريع وتهديد لمن ادعى ذلك عليه من النصارى، كما جرى في العرف بين الناس أن من ادعى على غيره قولا، فيقال لذلك الغير بين يدي المدعى عليه ذلك القول أأنت قلت هذا القول، ليقول: لا. فيكون ذلك استعظاما لذلك القول، وتكذيبا لقائله. وذكر فيه وجه آخر وهو: أن يكون تعالى أراد بهذا القول تعريف عيسى أن قوما قد اعتقدوا فيه، وفي أمه، أنهما إلهان، لانه يمكن أن يكون عيسى لم يعرف ذلك إلا في تلك الحال، عن البلخي. والاول أصح. وقد اعترض على قوله: إلهين، فقيل: لا يعلم في النصارى من اتخذ مريم إلها ؟ والجواب عنه من وجوه أحدها: إنهم لما جعلوا المسيح إلها، لزمهم أن يجعلوا والدته أيضا إلها، لان الولد يكون من جنس الوالدة، فهذا على طريق الإلزام لهم. والثاني: إنهم لما عظموهما تعظيم الالهة، أطلق اسم الالهة عليهما، كما أطلق اسم الرب على الرهبان والأحبار في قوله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) لما عظموهم تعظيم الرب والثالث: إنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك، ويعضد هذا القول ما حكاه الشيخ أبو جعفر، عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم المريمية، يعتقدون في مريم أنها إله، فعلى هذا يكون القول فيه كالقول في


(1) العلالي جمع العلية وهي بيت منفصل عن الارض ببيت ونحوه. (*)

[ 460 ]

الحكاية عن اليهود وقولهم عزير ابن الله. (قال) يعني: عيسى (سبحانك) جل جلالك، وعظمت، وتعاليت، عن عطاء. وقيل: معناه تنزيها لك، وبراءة مما لا يجوز عليك. وقيل: تنزيها لك من أن تبعث رسولا يدعي إلهية لنفسه، ويكفر بنعمتك، فجمع بين التوحيد والعدل، ثم تبرأ من قول النصارى، فقال: (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) أي: لا يجوز لي أن أقول لنفسي ما لا يحق لي، فأمر الناس بعبادتي، وأنا عبد مثلهم، وإنما تحق العبادة لك لقدرتك على أصول النعم. ثم استشهد الله تعالى على براءته من ذلك القول فقال (إن كنت قلته فقد علمته) يريد أني لم أقله، لأني لو كنت قلته لما خفي عليك، لأنك علام الغيوب (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أي: تعلم غيبي وسري، ولا أعلم غيبك وسرك، عن ابن عباس. وإنما ذكر النفس لمزاوجة الكلام، والعادة جارية بأن الانسان يسر في نفسه، فصار قوله (ما في نفسي) عبارة عن الإخفاء، ثم قال: (ما في نفسك) على جهة المقابلة، وإلا فالله منزه عن أن يكون له نفس، أو قلب، تحل فيه المعاني، ويقوي هذا التأويل قوله تعالى (إنك أنت علام الغيوب) لانه علل علمه بما في نفس عيسى، بأنه علام الغيوب، وعيسى ليس كذلك، فلذلك لم يعلم ما يختص الله بعلمه. ثم قال حكاية عن عيسى في جواب ما قرره تعالى عليه: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم) أي: لم أقل للناس إلا ما أمرتني به من الإقرار لك بالعبودية، وإنك ربي وربهم، وإلهي وإلههم، وأمرتهم أن يعبدوك وحدك، ولا يشركوا معك غيرك في العبادة (وكنت عليهم شهيدا) أي: شاهدا (ما دمت) حيا (فيهم) بما شاهدته منهم، وعلمته، وبما أبلغتهم من رسالتك التي حملتنيها، وأمرتني بأدائها إليهم. (فلما توفيتني) أي: قبضتني إليك، وأمتني، عن الجبائي. وقيل: معناه وفاة الرفع إلى السماء، عن الحسن (كنت أنت الرقيب) أي: الحفيظ (عليهم) عن السدي، وقتادة. (وأنت على كل شئ شهيد) أي: أنت عالم بجميع الاشياء، لا تخفى عليك خافية، ولا يغيب عنك شئ. قال الجبائي: وفي هذه الاية دلالة على أنه أمات عيسى وتوفاه، ثم رفعه إليه لأنه بين أنه كان شهيدا عليهم ما

[ 461 ]

دام فيهم، فلما توفاه الله كان هو الشهيد عليهم، وهذا ضعيف لان التوفي لا يستفاد من إطلاقه الموت ألا ترى إلى قوله (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) فبين أنه تعالى يتوفى الأنفس التي لم تمت. (إن تعذبهم فإنهم عبادك) لا يقدرون على دفع شئ من أنفسهم (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) في هذا تسليم الأمر لمالكه، وتفويض إلى مدبره، وتبرؤ من أن يكون إليه شئ من أمور قومه، كما يقول الواحد منا إذا تبرأ من تدبير أمر من الامور، ويريد تفويضه إلى غيره: هذا الأمر لا مدخل لي فيه، فإن شئت فافعله، وإن شئت فاتركه، مع علمه وقطعه على أن أحد الأمرين لا يكون منه. وقيل: إن المعنى إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم عن الحسن، فكأنه اشترط التوبة، وإن لم يكن الشرط ظاهرا في الكلام، وإنما لم يقل فإنك أنت الغفور الرحيم، لان الكلام لم يخرج مخرج السؤال، ولو قال ذلك لأوهم الدعاء لهم بالمغفرة، على أن قوله (العزيز الحكيم) أبلغ في المعنى، وذلك أن المغفرة قد تكون حكمة، وقد لا تكون، والوصف بالعزيز الحكيم، يشتمل على معنى الغفران والرحمة، إذا كانا صوابين، ويزيد عليهما باستيفاء معان كثيرة، لان العزيز هو المنيع القادر، الذي لا يضام، والقاهر الذي لا يرام. وهذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم، والحكيم هو الذي يضع الاشياء مواضعها، ولا يفعل إلا الحسن الجميل. فالمغفرة والرحمة إن اقتضتهما الحكمة، دخلتا فيه، وزاد معنى هذا اللفظ عليهما، من حيث اقتضى وصفه بالحكمة في سائر أفعاله. (قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم لهم جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم [ 119 ] لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير [ 120 ] القراءة: قرأ نافع وحده: (يوم ينفع) بالنصب. والباقون بالرفع. الحجة: قال أبو علي: من رفع يوما جعله خبر المبتدأ الذي هو هذا، وأضاف يوما إلى ينفع. والجملة التي هي من المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد: عمرو أخوك. ومن قرأ (هذا يوم ينفع) احتمل أمرين

[ 462 ]

أحدهما: أن يكون مفعول قال تقديره: قال الله هذا القصص، أو هذا الكلام، يوم ينفع الصادقين صدقهم فيوم ظرف للقول. وهذا إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله (إذ قال الله يا عيسى بن مريم) وجاء على لفظ الماضي، وإن كان المراد به الآتي، كما قال (ونادى أصحاب الجنة) ونحو ذلك. وليس ما بعد قال حكاية في هذا الوجه، كما كان إياها في الوجه الآخر. ويجوز أن يكون المعنى على الحكاية، وتقديره قال الله هذا يوم ينفع أي: هذا الذي اقتصصنا، يقع أو يحدث يوم ينفع، وخبر المبتدأ الذي هو هذا الظرف، لانه إشارة إلى حدث، وظروف الزمان تكون أخبارا عن الأحداث. والجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال: ولا يجوز أن تكون في موضع رفع، وقد فتح لأن المضاف إليه معرب، وإنما يكتسب البناء من المضاف إليه، إذا كان المضاف إليه مبنيا، والمضاف مبهما، كما يكون ذلك في هذا الضرب من الأسماء، إذا أضيف إلى ما كان مبنيا، نحو: (ومن خزي يومئذ)، و (من عذاب يومئذ) وصار في المضاف البناء للاضافة إلى المبني، كما صار فيه الاستفهام للاضافة إلى المستفهم به، نحو: غلام من أنت ؟ وكما صار فيه الجزاء نحو: غلام من تضرب اضرب، وليس المضارع في هذا كالماضي في نحو قوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا * فقلت ألما أصح والشيب وازع (1) لأن الماضي مبني، والمضارع معرب. وإذا كان معربا لم يكن شئ يحدث من أجله البناء في المضاف، والاضافة إلى الفعل نفسه في الحقيقة، لا إلى مصدره، ولو كانت الاضافة إلى المصدر، لم يبن المضاف لبناء المضاف إليه. المعنى: لما بين عيسى بطلان ما عليه النصارى (قال الله) تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) يعني: ما صدقوا فيه في دار التكليف، لأن يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، ولا يخبر أحد فيه إلا بالصدق، ولا ينفع الكفار صدقهم في يوم القيامة، إذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم. وقيل: إن المراد بصدقهم تصديقهم لرسل الله تعالى وكتبه. وقيل: إنه الصدق في الآخرة، وإنه ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله. فعلى هذا يكون المراد به صدقهم في الشهادة لانبيائهم بالبلاغ (لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا) أي: دائمين فيها في نعيم مقيم لا يزول (رضي الله عنهم) بما فعلوا (ورضوا عنه) بما أعطاهم من الجزاء


(1) صحا الرجل: ترك جهل الصبا أو الباطل. الوزع: الكف. وقائل البيت هو النابغة. (*)

[ 463 ]

والثواب (ذلك الفوز العظيم) هو ما يحصلون فيه من الثواب. المعنى: لما بين عيسى بطلان ما عليه النصارى (قال الله) تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) يعني: ما صدقوا فيه في دار التكليف، لأن يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، ولا يخبر أحد فيه إلا بالصدق، ولا ينفع الكفار صدقهم في يوم القيامة، إذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم. وقيل: إن المراد بصدقهم تصديقهم لرسل الله تعالى وكتبه. وقيل: إنه الصدق في الآخرة، وإنه ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله. فعلى هذا يكون المراد به صدقهم في الشهادة لانبيائهم بالبلاغ (لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا) أي: دائمين فيها في نعيم مقيم لا يزول (رضي الله عنهم) بما فعلوا (ورضوا عنه) بما أعطاهم من الجزاء


(1) صحا الرجل: ترك جهل الصبا أو الباطل. الوزع: الكف. وقائل البيت هو النابغة. (*)

[ 463 ]

والثواب (ذلك الفوز العظيم) هو ما يحصلون فيه من الثواب. قال الحسن: فازوا بالجنة، ونجوا من النار، ثم بين تعالى عظيم قدرته واتساع مملكته فقال (لله ملك السموات والارض وما فيهن) نزه تعالى نفسه عما قالت النصارى إن معه إلها فقال (لله ملك السموات والارض) دون كل من سواه، لقدرته عليه وحده. وقيل: إن هذا جواب لسؤال مضمر في الكلام، كأنه قيل: من يعطيهم ذلك الفوز العظيم ؟ فقيل: الذي له ملك السماوات والارض، وجمع السماوات، ووحد الأرض، تفخيما لشأن السماوات (وهو على كل شئ قدير) فهو يقدر على المعدومات بأن يوجدها، وعلى الموجودات بأن يعدمها، وعلى كثير منها بأن يعيدها بعد الإفناء، وعلى مقدورات غيره بأن يقدر عليها ويمنع منها (1). وقيل: معناه أنه قادر على كل شئ يصح أن يكون مقدورا له كقوله (خالق كل شئ)، عن أبي علي الجبائي.


(1) [ ويمكن منها ]. (*)

مكتبة مكتبة شبكة أمل