تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج 8

تفسير مجمع البيان

الشيخ الطبرسي ج 8


[ 1 ]

مجمع البيان 8

[ 3 ]

مجمع البيان في تفسير القرآن تأليف أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري حققه وعلق عليه لجنة من العلماء والمحققين الاخصائيين قدم له الامام الأكبر السيد محسن الأمين العاملي الجزء الثامن منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص ب: 7120

[ 4 ]

الطبعة الأولى تمتاز هذه الطبعة بتحقيقات مهمة وإخراج فني عصري جيد، وجميع حقوق الطبع على هذه الطبعة محفوظة ومسجلة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م مؤسسة الأعلمي للمطبوعات: PUBLISHED BY بيروت - شارع المطمار - قرب كلية الهندسة. Al Alami Library ملك الاعلمي - ص. ب 7120 BEIRUT _ LEBANON الهاتف: 833447 - 33453. 7120 P. O. BOX

[ 5 ]

29 - سورة العنكبوت مكية وآياتها تسع وستون مكية كلها في قول عكرمة وعطاء والكلبي. ومدنية في أحد القولين، عن ابن عباس وقتادة. ومكية إلا عشر آيات من أولها فإنها مدنية، عن الحسن. وفي أحد القولين، عن ابن عباس، وهو عن يحيى بن سلام. عدد آيها: تسع وستون آية بالإجماع. إختلافها: ثلاث آيات (الم) كوفي، (وتقطعون السبيل) حجازي، (مخلصين له الدين) بصري شامي. فضلها: أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قرأ سورة العنكبوت، كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كل المؤمنين والمنافقين). وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: من قرأ سورة العنكبوت والروم، في شهر رمضان، ليلة ثلاث وعشرين، فهو والله يا أبا محمد من أهل الجنة، لا أستثني فيه أبدا، ولا أخاف أن يكتب الله علي في يميني إثما، وإن لهاتين السورتين من الله مكانا. تفسيرها: ختم الله سبحانه سورة القصص بذكر الوعد والوعيد، وافتتح هذه السورة بذكر تكليف العبيد، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجوا

[ 6 ]

لقاء الله فإن أجل الله لات وهو السميع العليم (5)). القراءة: قرأ علي عليه السلام: (فليعلمن الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) بضم الياء، وكسر اللام فيهما، وهو المروي عن جعفر بن محمد، ومحمد بن عبد الله بن الحسن، ووافقهم الزهري في (وليعلمن الكاذبين). وقرأ أيضا (وليعلمن المنافقين). الحجة: معناه: ليعرفن الناس من هم، فحذف المفعول الأول، كما قال سبحانه: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم). وقال: (يعرف المجرمون بسيماهم) وقال: (ونحشر المجرمين يومئذ زرقا). ويجوز أن يكون من قولهم: ثوب معلم، وفارس معلم، بالكسر إذا أعلم نفسه في الحرب، فيكون معناه: وليشهرن. فيرجع إلى المعنى الأول، لأنه على تقدير حذف المفعول. ويجوز أن يكون على حذف المفعول الثاني أي: وليعلمن الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم. الاعراب: قال الزجاج: موضع (أن) الأولى: نصب باسم (حسب) وخبره. وموضع (أن) الثانية: نصب من جهتين أجودهما أن تكون منصوبة بيتركوا، فيكون المعنى: أحسب الناس أن يتركوا لأن يقولوا، أو بأن يقولوا. فلما حذف حرف الخفض، وصل يتركوا إلى أن، فنصب. ويجوز أن تكون (أن) الثانية العامل فيها حسب أي: حسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. قال أبو علي: أما ما ذكره من أنه نصب بيتركوا، فإنه بين السقوط، لأن ترك فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا بني للمفعول لم يتعد إلى آخر. فأن يقولوا لا يتعلق به، ولا يتعدى إليه، حتى يقدر حرف، ثم يقدر الحذف فيصل الفعل. وأما ما ذكره من انتصابه، فلا يخلو إذا قدر انتصابه به، من أن يكون مفعولا أولا، أو ثانيا، أو صفة، أو بدلا، فلا يكون مفعولا أولا لتعديه إلى المفعول الذي قبله، وهو الترك. ولا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا من وجهين أحدهما: إن باب ظننت وأخواته إذا تعدى إلى هذا الضرب من المفعول، لم يتعد إلى مفعول ثان ظاهر في اللفظ والاخر: إن المفعول الثاني هو الأول في المعنى. وليس القول الترك. ولا يكون أيضا بدلا، لأنه ليس الأول، ولا بعضه مشتملا عليه. ولا يكون أيضا صفة لأن (أن) الثانية لحسب، وعمله فيها، لا يخلو مما ذكرناه. فإذا لم يستقم حمله على شئ مما ذكرناه، تبينت موضع إغفاله في المسألة.

[ 7 ]

وأقول وبالله التوفيق: إن البدل هنا صحيح، فإنه إذا قال (أحسبوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) وقوله (وهم لا يفتنون) جملة في موضع الحال، فكأنه قال: أحسبوا أن يدعوا الإيمان غير مختبرين ممتحنين بمشاق التكليف، فيكون التقدير في معنى الاية: أحسبوا أن يتركوا، أحسبوا أن يهملوا. ولا شك أن الإهمال في معنى الترك، فيكون الثاني في معنى الأول بعينه. وأما الوجه الأول، فانك لو قدرت اللام فقلت: لأن يقولوا، أو الباء فقلت: بأن يقولوا، فلا شك أن الحرف يتعلق بيتركوا. فإن الجار والمجرور في موضع نصب به، فتساهل الزجاج في العبارة عن المجرور بأنه منصوب. وقوله (ساء ما يحكمون): ما هذه يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون إسما مفردا نكرة في موضع النصب على التمييز، والتقدير: ساء حكما يحكمون والثاني: أن يكون حرفا موصولا، ويحكمون صلته، وتقديره: ساء الحكم حكمهم. النزول: قيل: نزلت الاية في عمار بن ياسر، وكان يعذب في الله، عن ابن جريج. وقيل: نزلت في أناس مسلمين كانوا بمكة، فكتب إليهم من كان في المدينة أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام حتى تهاجروا. فخرجوا إلى المدينة فاتبعهم المشركون فآذوهم، وقاتلوهم. فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، عن الشعبي. وقيل: إنه أراد بالناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام، وعياش ابن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وغيرهم، عن ابن عباس. المعنى: (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون) أي أظن الناس أن يقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط، ويقتصر منهم على هذا القدر، ولا يمتحنون بما تبين به حقيقة إيمانهم، هذا لا يكون. وهذا استفهام إنكار وتوبيخ. وقيل: إن معنى يفتنون: يبتلون في أنفسهم وأموالهم، عن مجاهد، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. ويكون المعنى ولا يشدد عليهم التكليف والتعبد، ولا يؤمرون، ولا ينهون. وقيل: معناه ولا يصابون بشدائد الدنيا ومصائبها، أي: إنها لا تندفع بقولهم آمنا. وقال الحسن: معناه أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، ولا يختبروا أصدقوا أم كذبوا. يعني أن مجرد الإقرار لا يكفي. والأولى حمله على الجميع، إذ لا تنافي، فإن المؤمن يكلف بعد الإيمان بالشرائع، ويمتحن في النفس والمال، ويمنى بالشدائد، والهموم، والمكاره. فينبغي أن يوطن نفسه على

[ 8 ]

هذه الفتنة، ليكون الأمر أيسر عليه إذا نزل به. ثم أقسم سبحانه فقال: (ولقد فتنا الذين من قبلهم) أي: ولقد ابتلينا الذين من قبل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سالف الأمم بالفرائض التي افترضناها عليهم، أو بالشدائد والمصائب على حسب اختلافهم، وذكر ذلك تسلية للمؤمنين. قال ابن عباس: منهم إبراهيم خليل الرحمن، وقوم كانوا معه ومن بعده نشروا بالمناشير على دين الله، فلم يرجعوا عنه. وقال غيره: يعني بني إسرائيل، ابتلوا بفرعون يسومونهم سوء العذاب. (فليعلمن الله الذين صدقوا) في إيمانهم (وليعلمن الكاذبين) فيه وإنما (قال فليعلمن) مع أن الله سبحانه كان عالما فيما لم يزل بأن المعلوم سيحدث، لأنه لا يصح وصفه سبحانه فيما لم يزل بأنه عالم بأنه حادث، وإنما يعلمه حادثا إذا حدث. وقيل: معناه فليميزن الله الذين صدقوا من الذين كذبوا بالجزاء والمكافاة. وعبر عن الجزاء والتمييز بالعلم، لأن كل ذلك إنما يحصل بالعلم، فأقام السبب مقام المسبب، ومثله في إقامة السبب مقام المسبب قوله تعالى: (كانا يأكلان الطعام) فهذا سبب قضاء الحاجة، فكنى بذكره عنها. ومعنى صدقوا أي: ثبتوا على الشدائد، وكذبوا أي: لم يثبتوا، ومنه قول زهير: (إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا) (1) (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) أم هذه استفهام منقطع عما قبله، وليست التي هي معادلة الهمزة، والمعنى بل أحسب الذين يفعلون الكفر والقبائح أن يفوتونا فوت السابق لغيره، ويعجزونا فلا نقدر على أخذهم، والإنتقام منهم. (ساء ما يحكمون) أي: بئس الشئ الذي يحكمون ظنهم أنهم يفوتوننا. وروى العياشي بالإسناد عن أبي الحسن عليه السلام قال: جاء العباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: إمش حتى نبايع لك الناس. فقال: أتراهم فاعلين ؟ قال: نعم فأين قول الله (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا) الايات. (من كان يرجو لقاء الله) أي: من كان يأمل لقاء ثواب الله. وقيل: معناه من كان يخاف عقاب الله، عن سعيد بن جبير، والسدي. والرجاء قد يكون بمعنى الخوف، كما في قول الشاعر:


(1) تمام البيت: (ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا) وعثر بتشديد الثاء - موضوع كثير الاسد (*).

[ 9 ]

إذا لسعته النحل، لم يرج لسعها، وحالفها في بيت نوب عواسل (1) والمعنى: من كان يخشى البعث، ويخاف الجزاء، والحساب، أو يأمل الثواب، فليبادر بالطاعة قبل أن يلحقه الأجل. (فإن أجل الله لات) أي: الوقت الذي وقته الله للثواب والعقاب جاء لا محالة (وهو السميع) لأقوالكم (العليم) بما في ضمائركم. (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين (6) والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون (7) ووصينا الانسان بولديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10). الاعراب: (حسنا): مفعول فعل محذوف تقديره: ووصينا الإنسان بأن يفعل بوالديه حسنا، أي: ما يحسن (ما ليس لك به علم): موصول وصلة في موضع نصب بأنه مفعول (تشرك). النزول: قال الكلبي: نزلت الاية الأخيرة في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك أنه أسلم، فخاف أهل بيته، فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحلفت أمه اسماء بنت مخزمة بن أبي جندل التميمي، أن لا تأكل، ولا تشرب، ولا تغسل رأسها، ولا تدخل كنا (2)، حتى يرجع إليها. فلما رأى ابناها أبو جهل والحرث ابنا هشام، وهما أخوا عياش لأمه، جزعها، ركبا في طلبه حتى أتيا المدينة، فلقياه، وذكرا له القصة. فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن


(1) مر البيت في الاجزاء السابقة. (2) الكن - بالكسر - البيت. (*)

[ 10 ]

دينه، وتبعهما. وقد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام، ثم أكلت وشربت. فلما خرجوا من المدينة، أخذاه وأوثقاه كثافا، وجلده كل واحد منهما مائة جلدة حتى برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم جزعا من الضرب. وقال ما لا ينبغي. فنزلت الاية، وكان الحرث أشدهما عليه، فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم، ليضربن عنقه. فلما رجعوا إلى مكة، مكثوا حينا، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون إلى المدينة، وهاجر عياش، وحسن إسلامه، وأسلم الحرث بن هشام، وهاجر إلى المدينة، وبايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإسلام، ولم يحضر عياش. فلقيه عياش يوما بظهر قبا. ولم يشعر بإسلامه فضرب عنقه، فقيل له: إن الرجل قد أسلم، فاسترجع عياش وبكى. ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك فنزل: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطا) الاية. وقيل: نزلت الاية في ناس من المنافقين، يقولون. آمنا، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك، عن الضحاك. وقيل: نزلت في قوم ردهم المشركون إلى مكة، عن قتادة. المعنى: لما رغب سبحانه في تحقيق الرجاء والخوف بفعل الطاعة، عقبه بالترغيب في المجاهدة، فقال: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) أي: ومن جاهد الشيطان بدفع وسوسته وإغوائه، وجاهد أعداء الدين لإحيائه، وجاهد نفسه التي هي أعدى أعدائه، فإنما يجاهد لنفسه، لأن ثواب ذلك عائد عليه، وواصل إليه، دون الله تعالى. (إن الله لغني عن العالمين) غير محتاج إلى طاعتهم، فلا يأمرهم ولا ينهاهم لمنفعة ترجع إليه، بل لمنفعتهم. (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم) التي اقترفوها قبل ذلك أي: لنطلبنها حتى تصير كأنهم لم يعملوها. (ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) أي: يجزيهم بأحسن أعمالهم، وهو ما أمروا به من العبادات والطاعات، والمعنى: لنكفرن سيئاتهم السابقة منهم في حال الكفر، ولنجزينهم بحسناتهم التي عملوها في الإسلام. ولما أمر سبحانه بمجاهدة الكفار ومباينتهم، بين حال الوالدين في ذلك فقال: (ووصينا الإنسان بوالديه) أي: أمرناه أن يفعل بوالديه (حسنا) وألزمناه ذلك. ثم خاطب سبحانه كل واحد من الناسن فقال: (وإن جاهداك) أي: وإن جاهدك أبواك أيها الإنسان، وألزماك واستفرغا مجهودهما في دعائك. (لتشرك بي) في العبادة (ما ليس لك به علم) أي: وليس لأحد به علم (فلا تطعهما) في ذلك. فأمر سبحانه

[ 11 ]

إطاعة الوالدين في الواجبات حتما، وفي المباحات ندبا. ونهى عن طاعتهما في المحظورات، ونفى العلم به كأنه كناية عن تعريه من الأدلة، لأنه إذا لم يكن عليه حجة ودليل لم يحصل العلم به فلا يحسن اعتقاده. (إلي مرجعكم) أي: إلى حكمي مصيركم (فأنبئكم بما كنتم تعملون) أي: أخبركم بأعمالكم فأجازيكم عليها. وروي عن سعد بن أبي وقاص قال: كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ! ما هذا الدين الذي أحدثت، لتدعن دينك هذا، أولا آكل، ولا أشرب حتى أموت، فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمه ! فقلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشئ. قال: فمكثت يوما لا تأكل وليلة، ثم مكثت يوما آخر وليلة، فلما رأيت ذلك، قلت: والله يا أمه لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا، فكلي واشربي، وإن شئت فلا تأكلي، ولا تشربي ! فلما رأت ذلك أكلت، فأنزلت هذه الآية: (وإن جاهداك). وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس. وروي عن بهربن أبي حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله ! من أبر ؟ قال: أمك. قلت: ثم من ؟ قال: ثم أمك. قلت: ثم من ؟ قال: ثم أمك. قلت: ثم من ؟ قال ثم أباك. ثم الأقرب فالأقرب. وعن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الجنة تحت أقدام الأمهات). ثم قال سبحانه: (والذين آمنوا) أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى، وإخلاص العبادة له (وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) أي: في زمرتهم وجملتهم في الجنة. ولما ذكر سبحانه خيار المؤمنين، عقبه بذكر ضعفائهم. وقيل: بل عقبه بذكر المنافقين فقال: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) بلسانه (فإذا أوذي في الله) أي: في دين الله، أو في ذات الله (جعل فتنة الناس كعذاب الله) والمعنى فإذا أوذي بسبب دين الله، رجع عن الدين مخافة عذاب الناس، كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله، فيسوي بين عذاب فان منقطع، وبين عذاب دائم غير منقطع أبدا، لقلة تمييزه. وسمى أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة. (ولئن جاء نصر من ربك) يا محمد أي. ولئن جاء نصر من الله للمؤمنين، ودولة لأولياء الله على الكافرين. (ليقولن إنا كنا معكم) أي: ليقولن هؤلاء المنافقون للمؤمنين: إنا كنا معكم على عدوكم طمعا في الغنيمة. ثم كذبهم الله فقال: (أو ليس الله بأعلم بما

[ 12 ]

في صدور العالمين) من الإيمان والنفاق، فلا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا. (وليعلمن الله الذين ءامنو وليعلمن المنفقين (11) وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطيكم وماهم بحملين من خطيهم من شئ إنهم لكذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيمة عما كانوا يفترون (13) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلاخمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظلمون (14). اللغة: الثقل: متاع البيت وجمعه أثقال، وهو من الثقل. يقال: ارتحل القوم بثقلهم وثقلتهم أي: بأمتعتهم، ومنه الحديث: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). قال ثعلب (1): سميا به لأن الأخذ بموجبهما ثقيل وقال غيره: إن العرب تقول لكل شئ خطير نفيس: ثقل، فسماهما ثقلين تفخيما لشأنهما، وكل شئ يتنافس فيه فهو ثقل، ومنه سمي الجن والإنس: ثقلين، لأنهما فضلا على غيرهما من الخلق. والطوفان: الماء الكثير الغامر لأنه يطوف بكثرته من نواحي الأرض. قال الراجز: (أفناهم الطوفان موت جارف) الجرف: الأخذ الكثير، وقد جرفت الشئ أجرفه بالضم جرفا أي: ذهبت به كله. شبه الموت في كثرته بالطوفان. الاعراب: قوله (بحاملين من خطاياهم من شئ): تقديره وما هم بحاملين من شئ من خطاياهم، فقوله (من خطاياهم) في الأصل: صفة لشئ، فقدم عليه فصار في موضع نصب على الحال. (ألف سنة): نصب على الظرف. (خمسين): نصب على الإستثناء. و (عاما): تمييزه. المعنى: ثم أقسم سبحانه فقال: (وليعلمن الله الذين آمنوا) بالله على الحقيقة


(1) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد النحوي الشيباني، وكان من المعروفين بالأدب، وكثرة العلم، وإمام الكوفيين في النحو واللغة، وسمي بثعلب لأنه كان إذا سئل عن مسألة، أجاب من ههنا ومن ههنا، فشبهوه بثعلب إذا أغار (*).

[ 13 ]

ظاهرا وباطنا (وليعلمن المنافقين) فيجازيهم بحسب أعمالهم. قال الجبائي: معناه وليميزن الله المؤمن من المنافق، فوضع العلم موضع التمييز توسعا، وقد مر بيانه. وفي هذه الآية تهديد للمنافقين بما هو معلوم من حالهم التي استهزؤا بها، وتوهموا أنهم قد نجوا من ضررها بإخفائها، فبين أنها ظاهرة عند من يملك الجزاء عليها، وأنه يحل الفضيحة العظمى بها. (وقال الذين كفروا) نعم الله، وجحدوها (للذين آمنوا) أي: صدقوا بتوحيده وصدق رسله (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) أي: ونحن نحمل آثامكم عنكم إن قلتم إن لكم في اتباع ديننا إثما، ويعنون بذلك أنه لا إثم عليكم باتباع ديننا، ولا يكون بعث، ولا نشور، فلا يلزمنا شئ مما ضمنا. والمأمور في قوله (ولنحمل): هو المتكلم به نفسه في مخرج اللفظ، والمراد به إلزام النفس هذا المعنى، كما يلزم الشئ بالأمر. وفيه معنى الجزاء، وتقديره: إن تتبعوا ديننا حملنا خطاياكم عنكم. ثم قال سبحانه: (وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ) أي: لا يمكنهم حمل ذنوبهم عنهم يوم القيامة، فإن الله سبحانه عدل، لا يعذب أحدا بذنب غيره، فلا يصح إذا أن يحتمل أحد ذنب غيره. وهذا مثل قوله (ولا تزر وازرة وزر اخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). ولا يجري هذا مجرى تحمل الدية عن الغير، لأن الغرض في الدية أداء المال عن نفس المقتول. فلا فرق بين أن يؤديه زيد عنه، وبين أن يؤديه عمرو فإنه بمنزلة قضاء الدين. (إنهم لكاذبون) فيما ضمنوا من حمل خطاياهم (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) يعني أنهم يحملون خطاياهم وأوزارهم في أنفسهم التي لم يعملوها بغيرهم، ويحملون الخطايا التي ظلموا بها غيرهم. وقيل: معناه يحملون عذاب ضلالهم، وعذاب إضلالهم غيرهم، ودعائهم لهم إلى الكفر. وهذا كقوله: (من سن سنة سيئة) الخبر. وهذا كقوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم). (وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون) ومعناه: إنهم يسئلون سؤال تعنيف وتوبيخ، وتبكيت وتقريع، لا سؤال استعلام واستخبار. (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) يدعوهم إلى توحيد الله، عز وجل. (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) فلم يجيبوه، وكفروا به. (فأخذهم الطوفان) جزاء على كفرهم فهلكوا (وهم ظالمون) لأنفسهم بما فعلوه من الشرك والعصيان. (فأنجيناه وأصحاب السفينة)

[ 14 ]

أي: فأنجينا نوحا من ذلك الطوفان، والذين ركبوا معه في السفينة من المؤمنين به (وجعلناها) أي: وجعلنا السفينة (1) (آية للعالمين) أي: علامة للخلائق أجمعين يعتبرون بها يوم القيامة، لأنها فرقت بين المؤمنين والكافرين، والأبرار والفجار، وهي دلالة للخلق على صدق نوح، وكفر قومه. النظم: إنما اتصل قوله: (وقال الذين كفروا) بما تقدمه من ذكر المنافقين، فإنه سبحانه لما بين حالهم عند إيراد الشبهة عليهم، بين في هذه الآية أن من الواجب أن لا يغتر المؤمنون بما يورده أهل الكفر عليهم من الشبه الفاسدة. وقد ذكر في اتصال قصة نوح بما قبلها وجوه أحدها: إنه لما قال (فتنا الذين من قبلهم) فصل ذلك، فبدأ بقصة نوح، ثم بما يليها وثانيها: إنه لما ذكر حال المجاهد الصابر، وحال من كان بخلافه، ذكر قصة نوح وصبره على أذى قومه وتكذيبهم تلك المدة الطويلة، ثم عقب ذلك بذكر غيره من الأنبياء وثالثها: إنه لما أمر ونهى، ووعد وأوعد على امتثال أوامره، وارتكاب نواهيه، أكد ذلك بقصص الأنبياء. (فأنجينه واصحب السفينة وجعلنها ءاية للعلمين (15) وإبراهيم إذ قا ل لقومه اعبدو الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثنا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلغ المبين (18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الاخرة إن الله على كل شئ قدير (20).


(1) قد يقال: الضمير يرجع إلى العقوبة، أو الواقعة، أو النجاة، ويؤيد الأول أي الذي اختاره المصنف (ره) قوله تعالى في سورة. يس: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) فإن المراد بالفلك على ما قاله أكثر المفسرين سفينة نوح عليه السلام (*).

[ 15 ]

القراءة: قرأ حمزة والكسائي وخلف: (ألم تروا) بالتاء. والباقون بالياء. وروي عن أبي بكر بالتاء والياء جميعا. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (النشاءة) بفتح الشين ممدودة مهموزة. وقرأ الباقون: (النشأة) بسكون الشين غير ممدودة. وفي الشواذ قراءة السلمي، وزيد بن علي (وتخلقون إفكا). الحجة: قال أبو علي: حجة التاء في (أولم تروا): أن قبلها (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم). وحجة الياء: أن المعنى قل لهم أولم يروا النشائة والنشأة مثل الرآفة والرأفة، والكآبة والكأبة. وقال أبو زيد: نشأت أنشأ نشأ: إذا شببت. ونشأت السحابة نشأ. ولم يذكر النشأة. وأما (تخلقون) فإنه على وزن تكذبون، وفي معناه. الاعراب: (كيف يبدئ الله الخلق): كيف في موضع نصب على الحال من الله، والتقدير. أمبدعا يبدئ الله الخلق أم لا. ويجوز أن يكون حالا من الخلق، فيكون تقديره: أمبدعا يبدئ الله الخلق أم لا، ثم يعيده أم لا. ويجوز أن يكون في موضع مصدر، والتقدير: أي إبداء يبدئ. ومثله كيف بدأ الخلق. و (النشأة): منصوبة على المصدر. ومفعول (ينشئ) محذوف تقديره: وينشئ الخلق. المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال (وإبراهيم) أي: وأرسلنا إبراهيم (إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه) أي: أطيعوا الله وخافوه بفعل طاعاته، واجتناب معاصيه. (ذلكم خير لكم) أي: ذلك التقوى خير لكم (إن كنتم تعلمون) ما هو خير مما هو شر لكم (إنما تعبدون من دون الله أوثانا) ما في هذا الموضع كافة، والمعنى: إنكم تعبدون أصناما من حجارة، لا تضر، ولا تنفع (وتخلقون إفكا) أي: تفتعلون كذبا بأن تسموا هذه الأوثان آلهة، عن السدي. وقيل: معناه وتصنعون أصناما بأيديكم. وسماها إفكا لادعائهم أنها آلهة، عن مجاهد، وقتادة، وأبي علي الجبائي. ثم ذكر عجز آلهتهم عن رزق عابديها فقال: (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا) أي: لا يقدرون على أن يرزقوكم. والملك: قدرة القادر على ماله أن يتصرف في ماله أتم التصرف، وليس ذلك إلا لله على الحقيقة، فإن الإنسان إنما يملك ما يملكه الله تعالى، ويأذن له في التصرف فيه. فأصل الملك لجميع الأشياء لله تعالى، فمن لا يملك أن يرزق غيره، لا يستحق العبادة، لأن العبادة

[ 16 ]

تجب بأعلى مراتب النعمة. ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى، فلا يستحق العبادة سواه. (فابتغوا عند الله الرزق) أي: اطلبوا الرزق من عنده دون من سواه (واعبدوه واشكروا له) على ما أنعم به عليكم من أصول النعم، من الحياة والرزق وغيرهما. (إليه ترجعون) أي: إلى حكمه تصيرون يوم القيامة، فيجازيكم على قدر أعمالكم. ثم خاطب العرب فقال: (وإن تكذبوا) أي: وإن تكذبوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم (فقد كذب أمم من قبلكم) أنبياءهم الذين بعثوا إليهم (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) أي: ليس عليه إلا التبليغ الظاهر البين، وليس عليه حمل من أرسل إليه على الإيمان. (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده) يعني كفار مكة الذين أنكروا البعث، وأقروا بأن الله هو الخالق، فقال: أو لم يتفكروا فيعلموا كيف أبدأ الله الخلق بعد العدم، ثم يعيدهم ثانيا إذا أعدمهم بعد وجودهم. قال ابن عباس: يريد الخلق الأول، والخلق الآخر. (إن ذلك على الله يسير) غير متعذر، لأن من قدر على الإنشاء والإبتداء فهو على الإعادة أقدر. ثم خاطب محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (قل) لهؤلاء الكفار (سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) وتفكروا في آثار من كان فيها قبلكم، وإلى أي شئ صار أمرهم لتعتبروا بذلك، ويؤديكم ذلك إلى العلم بربكم. وقيل: معناه انظروا وابحثوا هل تجدون خالقا غير الله. فإذا علموا أنه لا خالق ابتداء إلا الله، لزمتهم الحجة في الإعادة، وهو قوله (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) أي: ثم الله الذي خلقها وأنشأ خلقها ابتداء ينشئها نشأة ثانية. ومعنى الإنشاء: الإيجاد من غير سبب. (إن الله) تعالى (على كل شئ قدير) أي: إن الله على الإنشاء، والإفناء، والإعادة، وعلى كل شئ يشاؤه، قدير. (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير (22) والذين كفروا بئايت الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتى وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه

[ 17 ]

أو حرقوه فأنجه الله من النار إن في ذلك لايت لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثنا مودة بينكم في الحيوة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأوكم النار وما لكم من نصرين (25). القراءة: قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي: (مودة بينكم) بالرفع والإضافة. وقرأ حمزة وحفص: بنصب (مودة) وإضافتها إلى (بينكم). وقرأ الباقون: (مودة) منصوبة منونة، (بينكم) بالنصب إلا الشموني والبرجمي، فإنهما قرءا (مودة) مرفوعة منونة، (بينكم) بالنصب. الحجة: قال أبو علي: يجوز في قول من قال (مودة بينكم) أن يجعل (ما) اسم إن، ويضمر ذكرا يعود إلى (ما) كما جاء في قوله (واتخذتموه وراءكم ظهريا). فيكون التقدير إن الذين اتخذتموهم أوثانا ذوو مودة بينكم. ويكون دخول (إن) على (ما) لأنه بمنزلة الذي كقوله: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين) لعود الذكر إليه. ويجوز أن يضمر هو، ويجعل (مودة بينكم) خبرا عنه، والجملة في موضع خبر إن. ومن قرأ (مودة بينكم) بالنصب جعل (ما) مع (إن) كلمة ولم يعد إليها ذكرا، كما أعاد في الوجه الأول، وجعل الأوثان منتصبا باتخذتم، وعداه أبو عمرو إلى مفعول واحد كقوله: (قل اتخذتم عند الله عهدا). والمعنى إنما اتخذتم من دون الله أوثانا آلهة، فحذف. كما أن قوله: (إن الذين اتخذوا العجل معناه: اتخذوا العجل إلها، فحذف وانتصب (مودة) على أنه مفعول له، و (بينكم) نصب على الظرف، والعامل فيه المودة. ومن قال (مودة بينكم): أضاف المودة إلى البين، واتسع بأن جعل الظرف إسما لما أضاف إليه، ومثل ذلك قراءة من قرأ (لقد تقطع بينكم). ومن قرأ (مودة بينكم في الحياة الدنيا) جاز في قوله (بينكم) إذا نون (مودة) ضربان أحدهما: أن يجعله ظرفا متعلقا بالمصدر، لأن الظرفين أحدهما من المكان، والاخر من الزمان، وإنما الذي يمتنع أن يعلق به إذا كانا ظرفين من الزمان، أو ظرفين من المكان. فأما إن اختلفا فسائغ فقوله: (في الحياة الدنيا) ظرف زمان، لأن المعنى في وقت الحياة

[ 18 ]

الدنيا، ولا ذكر في واحد من الظرفين، كما أنك إذا قلت: لقيت زيدا اليوم في السوق، كان كذلك. فإن جعلت الظرف الأول صفة للنكرة، كان متعلقا بمحذوف، وصار فيه ذكر يعود إلى الموصوف. فإذا جعلته صفة للمصدر جاز أن يكون قوله (في الحياة الدنيا) في موضع حال، والعامل فيه الظرف الذي هو صفة للنكرة، وفيه ذكر يعود إلى ذي الحال. وذو الحال الضمير الذي في الظرف العائد إلى الموصوف الذي هو (مودة) وهو هي في المعنى. فإن قلت: هل يجوز أن يتعلق الظرف الذي قد جاز أن يكون حالا بالمودة، مع أنه قد وصف بقوله (بينكم) ؟ قيل: لا يمتنع ذلك، لأنك إذا وصفته، فمعنى الفعل قائم فيه، والظرف يتعلق بمعنى الفعل. وإنما الذي يمتنع أن يعمل فيه، إذا وصف المفعول به. فأما الحال والظرف فلا يمتنع أن يتعلق كل واحد منهما به، وإن كان قد وصف به. وقد جاء في الشعر ما يعمل عمل الفعل إذا وصف عاملا في المفعول به، وإذا جاز أن يعمل في المفعول به، فلا نظر في جواز عمله فيما ذكرناه من الظرف والحال، فمن ذلك قوله: إذا فاقد خطباء فرخين رجعت، ذكرت سليمى في الخليط المباين والتحقير في ذلك بمنزلة الوصف لو قال: هذا ضويرب زيدا، لقبح كما يقبح ذلك في الصفة، ولم يجز ذلك في حال السعة والإختيار. المعنى: ثم ذكر سبحانه الوعد والوعيد، فقال: (يعذب من يشاء) معناه أنه المالك للثواب والعقاب، وإن كان لا يشاء إلا الحكمة والعدل، وما هو الأحسن من الأفعال فيعذب من يشاء ممن يستحق العقاب (ويرحم من يشاء) ممن هو مستحق للرحمة، بأن يغفر له بالتوبة وغير التوبة (وإليه تقلبون) معاشر الخلق أي: إليه ترجعون يوم القيامة. والقلب هو الرجوع والرد، فمعناه: إنكم تردون إلى حال الحياة في الاخرة، حيث لا يملك فيه النفع والضر إلا الله. وهذا يتعلق بما قبله، كأن المنكرين للبعث قالوا: إذا كان العذاب غير كائن في الدنيا، فلا نبالي به. فقال:


(1) البيت منسوب إلى بشر بن أبي حازم، يقول: إذا رجعت الحمامة التي لونها الخطبة، وهي لون كدر مشرب حمرة في صفرة، في غنائها وصوتها، حزنا لفقد ولديها، ذكرت (سليمى) (معشوقته) في الأعداء. والشاهد في إعمال إسم الفاعل الموصوف - وهو فاقد - في فرخين. (*)

[ 19 ]

وإليه تقلبون. وكأنهم قالوا إذا صرفنا إلى حكم الله فررنا، فقال: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء) أي: ولستم بفائتين عن الله في الدنيا، ولا في الاخرة، فاحذروا مخالفته. ومتى قيل: كيف وصفهم بذلك، وليسوا من أهل السماء ؟ فالجواب عنه من وجهين أحدهما: إن المعنى لستم بمعجزين فرارا في الأرض، ولا في السماء، كقولك: ما يفوتني فلان ها هنا ولا بالبصرة، يعني ولا بالبصرة لو صار إليها، عن قطرب، وهو معنى قول مقاتل. والآخر: إن المعنى ولا من في السماء بمعجزين، فحذف من لدلالة الكلام عليه، كما قال حسان: أمن يهجو رسول الله منكم، ويمدحه، وينصره، سواء فكأنه قال: ومن يمدحه وينصره سواء أم لا يتساوون، عن الفراء. وهذا ضعيف عند البصريين. (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) ينصركم، ويدفع عذاب الله عنكم. فلا تغتروا بأن الأصنام تشفع لكم. وقيل: إن الولي الذي يتولى المعونة بنفسه، والنصير يتولى النصرة تارة بنفسه، وتارة بأن يأمر غيره به. (والذين كفروا بآيات الله) أي: جحدوا بالقرآن وبأدلة الله (ولقائه) أي: وجحدوا بالبعث بعد الموت (أولئك يئسوا من رحمتي) أخبر أنه سبحانه آيسهم من رحمته وجنته، أو يكون معناه يجب أن ييأسوا من رحمتي. (وأولئك لهم عذاب أليم) أي: مؤلم. وفي هذا دلالة على أن المؤمن بالله واليوم الآخر، لا ييأس من رحمة الله. ثم عاد سبحانه إلى قصة إبراهيم فقال: (فما كان جواب قومه) يعني حين دعاهم إلى الله تعالى، ونهاهم عن عبادة الأصنام (إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه) وفي هذا تسفيه لهم إذ قالوا حين انقطعت حجتهم لا تحاجوه، ولكن اقتلوه أو حرقوه، ليتخلصوا منه. (فأنجاه الله من النار) وها هنا حذف تقديره: ثم اتفقوا على إحراقه، فأججوا نارا فألقوه فيها، فأنجاه الله منها. (إن في ذلك لايات) أي: علامات واضحات، وحجج بينات (لقوم يؤمنون) بصحة ما أخبرناه به، وبتوحيد الله، وكمال قدرته. (وقال) إبراهيم لقومه (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم) أي: لتتوادوا بها (في الحياة الدنيا) وقد تقدم بيانه في الحجة (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) أي: يتبرأ القادة من

[ 20 ]

الأتباع (ويلعن بعضكم بعضا) أي: ويلعن الاتباع القادة، لأنهم زينوا لهم الكفر. وقال قتادة: كل خلة تنقلب يوم القيامة عداوة إلا خلة المتقين، قال سبحانه: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). (ومأواكم النار) أي: ومستقركم النار (وما لكم من ناصرين) يدفعون عنكم عذاب الله. (فئامن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنافى ذريته النبوة والكتب وءاتينه أجره في الدنيا وإنه في الاخرة لمن الصلحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفحشة ما سبقكم بها من أحد من العلمين (28) أئنكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصدقين 29 قال رب انصرني على القوم المفسدين 30 القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير حفص: (أئنكم لتأتون الفاحشة)، (أئنكم لتأتون الرجال) بهمزتين فيهما. وقرأ أبو عمرو بالإستفهام فيهما بهمزة ممدودة (آنكم). وقرأ الباقون: (إنكم لتأتون الفاحشة) بكسر الهمزة من غير استفهام، (أئنكم لتأتون الرجال) بالإستفهام إلا أن ابن كثير وورشا ويعقوب، قرؤا بهمزة واحدة غير ممدودة، وابن عامر وحفص بهمزتين. وأهل المدينة غير ورش بهمزة واحدة ممدودة. اللغة: هاجر القوم من دار إلى دار معناه: تركوا الأولى للثانية. قال الأزهري: أصل المهاجرة خروج البدوي من البادية إلى المدن. وتهجر أي: تشبه بالمهاجرين. ومنه حديث عمر: هاجروا ولا تهجروا أي: أخلصوا الهجرة لله. والنادي والندي: المجلس إذا اجتمعوا فيه. وتنادى القوم: اجتمعوا في النادي. ودار الندوة: دار قصي بن كلاب كانوا يجتمعون فيه للمشاورة تبركا به والأصل من النداء، لأن القوم ينادي بعضهم بعضا.

[ 21 ]

المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم بأن قال: (فآمن له لوط) أي: فصدق بإبراهيم لوط، وهو ابن أخته. وكان إبراهيم خاله، عن ابن عباس، وابن زيد، وجمهور المفسرين، وهو أول من صدق بإبراهيم عليه السلام (وقال) إبراهيم (إني مهاجر إلى ربي) أي خارج من جملة الظالمين على جهة الهجر لهم، لقبيح أعمالهم من حيث أمرني ربي. وقيل: معناه قال لوط إني مهاجر إلى ربي، عن الجبائي. وخرج إبراهيم عليه السلام ومعه لوط وامرأته سارة، وكانت ابنة عمه من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة إلى أرض الشام، عن قتادة. ومثل هذا هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة أولا، ثم إلى المدينة ثانيا، لأنهم هجروا ديارهم وأوطانهم بسبب أذى المشركين لهم. (إنه هو العزيز) الذي لا يذل من نصره (الحكيم) الذي لا يضيع من حفظه (ووهبنا له) أي: لإبراهيم من بعد إسماعيل (إسحاق ويعقوب) من وراء إسحاق (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) وذلك أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه، فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، كلها انزلت على أولاده (وآتيناه أجره في الدنيا) وهو الذكر الحسن، والولد الصالح، عن ابن عباس. وقيل: هو رضى أهل الأديان به، فكلهم يحبونه ويتولونه، عن قتادة. وقيل: هو أنه أري مكانه في الجنة، عن السدي. وقال بعض المتأخرين: هو بقاء ضيافته عند قبره، وليس ذلك لغيره من الأنبياء. قال البلخي: وفي هذا دلالة على أنه يجوز أن يثيب الله في دار التكليف ببعض الثواب. (وإنه في الاخرة لمن الصالحين) يعني أن إبراهيم مع ما أعطي من الأجر والثواب في الدنيا يحشره الله في جملة الصالحين العظيمي الأقدار مثل آدم ونوح. (ولوطا إذ قال لقومه) أي: وأرسلنا لوطا. ويجوز أن يريد، واذكر لوطا حين قال لقومه (إنكم لتأتون الفاحشة) من قرأ بلفظ الإستفهام، أراد به الإنكار دون الإستعلام. ومن قرأ إنكم على الخبر أراد أن لوطا قال ذلك لقومه منكرا لفعلهم، لا مفيدا معلما لهم، لأنهم قد علموا ما فعلوه. والفاحشة ها هنا ما كانوا يفعلونه من إتيان الذكران. (ما سبقكم بها) أي: بهذه الفاحشة (من أحد من العالمين) أي: أحد من الخلائق. ثم فسر الفاحشة بقوله (إنكم لتأتون الرجال) أي: تنكحونهم (وتقطعون

[ 22 ]

السبيل) قيل فيه وجوه أحدها: تقطعون سبيل الولد باختياركم الرجال على النساء. وثانيها: إنكم تقطعون الناس عن الأسفار بإتيان هذه الفاحشة، فإنهم كانوا يفعلون هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم، وكانوا يرمون ابن السبيل بالحجارة بالحذف فأيهم أصابته كان أولى به، ويأخذون ماله، وينكحونه، ويغرمونه ثلاثة دراهم، وكان لهم قاض يقضي بذلك. وثانيها: إنهم كانوا يقطعون الطريق على الناس، كما يفعل قطاع الطريق في زماننا. (وتأتون في ناديكم المنكر) قيل فيه أيضا وجوه أحدها: هو أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم من غير حشمة ولا حياء، عن ابن عباس، وروي عن الرضا عليه السلام. وثانيها: إنهم كانوا يأتون الرجال في مجالسهم، يرى بعضهم بعضا، عن مجاهد وثالثها: كانت مجالسهم تشتمل على أنواع من المناكير والقبائح، مثل الشتم، والسخف، والصفع، وحذف الأحجار، على من مر بهم، وضرب المعازف والمزامير، وكشف العورات، واللواط. قال الزجاج: وفي هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكير، ولا أن يجتمعوا على المناهي. ولما أنكر لوط على قومه ما كانوا يأتونه من الفضائح، قالوا له استهزاء: ائتنا بعذاب الله وذلك قوله (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) وعند ذلك (قال) لوط (رب انصرني على القوم المفسدين) الذين فعلوا المعاصي، وارتكبوا القبائح، وأفسدوا في الأرض. (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظلمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغبرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغبرين (33) إنا


(1) ضرب من الرمي والضرب. (2) صفعه صفعا: ضرب قفاه أو بدنه بكفه مبسوطة.، والقمار، وضرب المخراق (3) المخراق: المنديل (*)

[ 23 ]

منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها ءاية بينة لقوم يعقلون (35). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم ويعقوب: (لننجينه) خفيفة الجيم، ساكنة النون. والباقون: (لننجينه) " بالتشديد. وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة غير حفص ويعقوب: (إنا منجوك) بالتخفيف. والباقون بالتشديد. وقرأ ابن عامر: (منزلون) بالتشديد. والباقون: (منزلون) بالتخفيف. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ لننجينه، وإنا منجوك قوله: (فأنجاه الله من النار). وحجة من ثقل قوله: (ونجينا الذين آمنوا) يقال: نجا زيد ونجيته وأنجيته، مثل فرحته وأفرحته. وكذلك قولك نزل إذا عديته قلت نزلته وأنزلته. المعنى: ثم بين سبحانه أنه استجاب دعاء لوط، وبعث جبرائيل ومعه الملائكة لتعذيب قومه بقوله (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) أي: يبشرونه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. (قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية) يعنون قرية قوم لوط عليه السلام. وإنما قالوا هذا، لأن قريتهم كانت قريبة من قرية قوم إبراهيم (إن أهلها كانوا ظالمين) أي: مشركين مرتكبين للفواحش (قال) إبراهيم (إن فيها لوطا) فكيف تهلكونها (قالوا) في جوابه: (نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) أي: لنخلصن لوطا من العذاب بإخراجه منها، ولنخلصن أيضا أهله المؤمنين منهم (إلا امرأته) فإنها تبقى في العذاب لا تنجو منه، وذلك قوله (كانت من الغابرين) أي: من الباقين في العذاب (ولما أن جاءت رسلنا لوطا) أن هذه مزيدة (سئ بهم) معناه: سئ لوط بالملائكة أي: ساءه مجيئهم لما رآهم في أحسن صورة، لما كان يعلمه من خبث فعل قومه، عن قتادة. وقيل: معناه سئ لما علم من عظيم البلاء النازل بهم (وضاق بهم ذرعا) أي: ضاق قلبه. وقيل: ضاقت حيلته فيما أراد من حفظهم، وصيانتهم، عن الجبائي. فلما رأى الملائكة حزنه، وضيق صدره (قالوا لا تخف) علينا وعليك (ولا تحزن) بما نفعله بقومك. وقيل: لا تخف تحزن علينا، فإنا رسل الله، لا يقدرون علينا (إنا منجوك وأهلك) من العذاب (إلا امرأتك) الكافرة (كانت من الغابرين) أي: الباقين في العذاب (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا) أي:

[ 24 ]

عذابا (من السماء بما كانوا يفسقون) أي: يخرجون من طاعة الله إلى معصيته أي: جزاء بفسقهم. (ولقد تركنا منها أية بينة) أي: تركنا من تلك القرية عبرة واضحة، ودلالة على قدرتنا. قال قتادة: هي الحجارة التي امطرت عليهم. وقال ابن عباس: هي آثار منازلهم الخربة. وقال مجاهد: هي الماء الأسود على وجه الأرض. (لقوم يعقلون) ذلك، ويبصرونه، ويتفكرون فيه، ويتعظون به، فيزجرهم ذلك عن الكفر بالله، واتخاذ شريك معه في العبادة. (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الاخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جثمين (37) وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مسكنهم وزين لهم الشيطن أعملهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقرون وفرعون وهمن ولقد جاءهم موسى بالبينت فاستكبروا في الأرض وما كانوا سبقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40). اللغة: الرجفة: زعزعة الأرض تحت القدم، يقال: رجف السطح من تحت أهله، يرجف رجفا، ورجفة شديدة. والبحر رجاف: لاضطرابه. وأرجف الناس بالشئ أي: أخبروا بما يضطرب لأجله من غير تحقق به. والحاصب: الريح العاصفة التي فيها الحصباء وهي الحصى الصعار يشبه به البرد والجليد. قال الفرزدق: مستقبلين رياح الشام، تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور وقال الأخطل:

[ 25 ]

ولقد علمت إذا العشار تروحت هدج الرئال بكنهن شمالا ترمي العضاة بحاصب من ثلجها، حتى تبيت على العضاه جفالا والخسف: سوخ الأرض بما عليها، يقال: خسف الله به الأرض وخسف القمر: إذهاب نوره. والخسوف للقمر، والكسوف للشمس. الاعراب: (أخاهم): ينتصب بفعل مضمر، والتقدير: وأرسلنا إلى مدين أخاهم. (وعادا): منصوب بفعل مضمر تقديره وأهلكنا عادا وثمودا. (وقد تبين): فاعله مضمر تقديره وقد تبين إهلاكهم لكم. (وكانوا مستبصرين): في موضمع نصب على الحال. (ليظلمهم): اللام لتأكيد النفي، ولا يجوز إظهار أن بعده. المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال: (وإلى مدين) أي: وأرسلنا إلى مدين (أخاهم شعيبا) وهذا مفسر فيما مضى (فقال يا قوم اعبدوا الله) بدأ بالدعاء إلى التوحيد والعبادة (وارجوا اليوم الآخر) أي: وأملوا ثواب اليوم الآخر، واخشوا عقابه بفعل الطاعات، وتجنب السيئات (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) أي: لا تسعوا في الأرض بالفساد. ثم أخبر أن قومه كذبوه، ولم يقبلوا منه فعاقبهم الله، وذلك قوله: (فكذبوه فأخذتهم الرجفة) وقد مر بيانه. (فأصبحوا في دارهم جاثمين) أي: باركين على ركبهم ميتين (وعادا وثمودا) أي. وأهلكنا أيضا عادا وثمودا، جزاء لهم على كفرهم (وقد تبين لكم) معاشر الناس كثير (من مسكنهم) وقيل: معناه ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجر واليمن، آية في هلاكهم.


(1) قوله لقد علمت أي: أيها الأمير، إذا هو ظرف مفعول ثان لعلمت، والعشار: جمع عشر، أو هي الناقة يمضي لها من حين اللقاح عشرة أشهر، وتروحت استنشقت، ومفعوله شمالا، وهي ريح معروفة توصف بشدة البرد، وهدج الرئال: الهدج مصدر هدج الظليم أي: ذكر النعام إذا مشى في ارتعاش، والرئال: جمع رائل، وهو فرخ النعام وهو مفعول أول لعلمت. (بكنهن) الكن: ما يكتن به من الحر والبرد، وترمي العضاة: وهي شجرة كبيرة بحاصب أي: ريح عاصف، والمراد به هنا الثلج على التشبيه. فتكون (من) في قوله (من ثلجها) بيانية (حتى تبيت) أي: ذلك الحاصب على العضاة. جفالا وهو الصوف الكثير، والمعنى: ولقد علمت أيها الأمير مشي الفراخ في ارتعاش في مسكنهن عند هبوب هذه الريح الموصوفة بالصفات المذكورة، فارحمني وجد علي، والمراد من البيت الإسترحام والإستعطاف (كذا في هامش بعض المخطوطة). (*)

[ 26 ]

(وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل) أي: فمنعهم عن طريق الحق (وكانوا مستبصرين) أي: وكانوا عقلاء يمكنهم التمييز بين الحق والباطل بالإستدلال والنظر، ولكنهم أغفلوا ولم يتدبروا. وقيل: معناه أنهم كانوا مستبصرين عند أنفسهم فيما كانوا عليه من الضلالة، يحسبون أنهم على هدى، عن قتادة، والكلبي. (وقارون) أي: وأهلكنا قارون (وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات) أي: بالحجج الواضحات من قلب العصا حية، واليد البيضاء، وفلق البحر، وغيرها. (فاستكبروا) أي: طلبوا التجبر (في الأرض) ولم ينقادوا للحق (وما كانوا سابقين) أي: فائتين الله كما يفوت السابق. (فكلا أخذنا بذنبه) أي: فأخذنا كلا من هؤلاء بذنبه، وعاقبناهم بتكذيبهم الرسل (فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) أي: حجارة. وقيل: ريحا فيها حصى، وهم قوم لوط، عن ابن عباس، وقتادة. وقيل: هم عاد. (ومنهم من أخذته الصيحة) وهم ثمود، وقوم شعيب، عن ابن عباس، وقتادة. والصيحة: العذاب. وقيل: صاح بهم جبرائيل فهلكوا (ومنهم من خسفنا به الأرض) وهو قارون (ومنهم من أغرقنا) يعني قوم نوح، وفرعون وقومه (وما كان الله ليظلمهم) فيعذبهم على غير ذنب، أو قبل إزاحة العلة. (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بكفرهم وتكذيبهم الرسل. وفي هذا دلالة واضحة على فساد مذهب أهل الجبر، فإن الظلم لو كان من فعل الله كما يزعمون، لما كان هؤلاء هم الظالمين لنفوسهم بل كان الظالم لهم من فعل فيهم الظلم تعالى الله عن ذلك. (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثل نضربها للناس وما يعقلها إلا العلمون (43) خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لأية للمؤمنين (44) اتل مآ أوحى إليك من الكتب وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن

[ 27 ]

الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45). القراءة: قرأ أهل البصرة، وعاصم، إلا الأعمش، والبرجمي: (ما يدعون) بالياء. والباقون بالتاء. الحجة والاعراب: قال أبو علي: التاء على قوله قل لهم إن الله يعلم ما تدعون لا يكون إلا عند هذا، لأن المسلمين لا يخاطبون بذلك. وما: استفهام، وموضعه نصب بيدعون. ولا يجوز أن يكون نصبا بيعلم. ولكن صارت الجملة التي هي في موضع نصب بيعلم. ولا يكون يعلم بمعنى يعرف، كقوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) لأن ذلك لا يلغى. وما لا يلغى لا يعلق. ويبعد ذلك دخول من في الكلام. وهي إنما تدخل في نحو قولك: هل من طعام، وهل من رجل. ولا تدخل في الإيجاب، هذا قول الخليل. وكذلك قوله (فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار) المعنى: فستعلمون المسلم تكون له عاقبة الدار أم الكافر، وكل ما كان من هذا فهكذا القول فيه، وهو قياس قول الخليل. اللغة: جمع العنكبوت: عناكب، وتصغيره عنيكب، ووزنه فعللوت، وهو يذكر ويؤنث. قال الشاعر: على هطالهم منهم بيوت كان العنكبوت هو ابتناها ويقال فيه العنكباء. المعنى: ثم شبه سبحانه حال الكفار الذين اتخذوا من دونه آلهة بحال العنكبوت فقال: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء) أي: شبه من اتخذ الأصنام آلهة يريدون نصرها، ونفعها، وضرها، والرجوع إليها عند، الحاجة. (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) لنفسها لتأوي إليه، فكما أن بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئا، لكونه في غاية الوهن والضعف، ولا يجدي نفعا، كذلك الأصنام، لا تملك لهم خيرا وشرا، ونفعا وضرا. والولي: هو المتولي للنصرة، وهو أبلغ من الناصر، لأن الناصر قد يكون ناصرا بأن يأمر غيره بالنصرة، والولي: هو الذي يتولى النصرة بنفسه. (وإن أوهن البيوت) أي: أضعفها (لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون)


(1) هطال: اسم جبل. (*)

[ 28 ]

صحة ما أخبرناهم به، ويتحققون. ولو متعلقة بقوله اتخذوا أي: لو علموا أن اتخاذهم الاولياء كاتخاذ العنكبوت بيتا سخيفا، لم يتخذوهم أولياء. ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) لأنهم كانوا يعلمون أن بيت العنكبوت واه ضعيف. (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ) هذا وعيد منه سبحانه، ومعناه أنه يعلم ما يعبد هؤلاء الكفار، وما يتخذونه من دونه أربابا. (وهو العزيز) الذي لا يغالب فيما يريده (الحكيم) في جميع أفعاله (وتلك الأمثال) وهي الأشباه والنظائر يعني أمثال القرآن (نضربها للناس) أي نذكرها لهم لندعوهم إلى المعرفة والتوحيد، ونعرفهم قبح ما هم فيه من عبادة الأصنام (وما يعقلها إلا العالمون) أي: وما يفهمها إلا من يعلم وجه الشبه بين المثل والممثل به. وقيل: معناه وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله. وروى الواحدي بالإسناد عن جابر قال: تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية وقال: (العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سخطه). ثم بين سبحانه ما يدل على إلهيته واستحقاقه العبادة فقال: (خلق الله السموات والأرض) أي: أخرجهما من العدم إلى الوجود، ولم يخلقهما عبثا، بل خلقهما ليسكنهما خلقه، وليستدلوا بهما على إثباته ووحدانيته. (بالحق) أي: على وجه الحكمة. وقيل: معناه للحق، وإظهار الحق. (إن في ذلك لآية للمؤمنين) لأنهم المنتفعون بذلك. ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب) يعني القرآن أي. إقرأه على المكلفين، واعمل بما تضمنه (وأقم الصلاة) أي: أذها بحدودها في مواقيتها. (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) في هذا دلالة على أن فعل الصلاة لطف للمكلف في ترك القبيح والمعاصي التي ينكرها العقل والشرع. فإن انتهى عن القبيح يكون توفيقا، وإلا فقد أتي المكلف من قبل نفسه. وقيل: إن الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء والمنكر، وذلك لأن فيها التكبير والتسبيح والتهليل والقراءة، والوقوف بين يدي الله تعالى، وغير ذلك من صنوف العبادة، وكل ذلك يدعو إلى شكله، ويصرف عن ضده، فيكون مثل الأمر والنهي بالقول. وكل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق، فهو داع إليه، وصارف عن الباطل الذي هو ضده. وقيل:

[ 29 ]

معناه إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، ما دام فيها. وقيل: معناه أنه ينبغي أن تنهاه كقوله: (ومن دخله كان آمنا). وقال ابن عباس: في الصلاة منهى، ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي، لم يزدد من الله إلا بعدا. وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه. وروى أنس بن مالك الجهني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! قال: (إنه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا). وروي عن ابن مسعود أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر). ومعنى ذلك: إن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي، لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها، فإن تاب من بعد ذلك، وترك المعاصي، فقد تبين أن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان. وروى أنس: أن فتى من الانصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويرتكب الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (إن صلاته تنهاه يوما). وعن جابر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن فلانا يصلي بالنهار، ويسرق بالليل ! فقال: (إن صلاته لتردعه). وروى أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه. (ولذكر الله أكبر) أي: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، عن ابن عباس، وسلمان، وابن مسعود، ومجاهد. وقيل: معناه ذكر العبد لربه أكبر مما سواه، وأفضل من جميع أعماله، عن سلمان في رواية أخرى، وابن زيد، وقتادة، وروي ذلك عن أبي الدرداء. وعلى هذا فيكون تأويله إن أكبر شئ في النهي عن الفحشاء ذكر العبد ربه، وأوامره ونواهيه، وما أعده من الثواب والعقاب، فإنه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة، وترك المعصية، وهو أكبر من كل لطف. وقيل: معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة، عن أبي مالك. وقيل: إن ذكر الله هو التسبيح والتقديس، والتهليل، وهو أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر، عن الفراء أي: من كان ذاكرا لله، فيجب أن ينهاه ذكره عن الفحشاء والمنكر.

[ 30 ]

وروي عن ثابت البناني قال: إن رجلا أعتق أربع رقاب، فقال رجل آخر: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ثم دخل المسجد، فأتى حبيب بن أوفى السلمي وأصحابه، فقال: ما تقولون في رجل أعتق أربع رقاب، وإني أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فأيهما أفضل ؟ فنظروا هنيهة، فقالوا: ما نعلم شيئا أفضل من ذكر الله. وعن معاذ بن جبل قال: ما من عمل آدمي عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، عز وجل. وقيل: ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد، فإن الله، عز وجل، يقول (ولذكر الله أكبر). وعنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: (أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله، عز وجل). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا معاذ ! إن السابقين الذين يسهرون بذكر الله، عز وجل، ومن أحب أن يرتع في رياض الجنة، فليكثر ذكر الله عز وجل). وروي عن عطا بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، قال: قال ابن عباس. أرأيت قول الله عز وجل (ولذكر الله أكبر) قال قلت: ذكر الله بالقرآن حسن، وذكره بالصلاة حسن، وبالتسبيح والتكبير والتهليل حسن، وأفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربه عند المعصية، فينحجز عنها، فقال ابن عباس: لقد قلت قولا عجيبا، وما هو كما قلت، ولكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (والله يعلم ما تصنعون) من خيروشر، فيجازيكم بحسبه. (* ولاتجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم وحد ونحن له، مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتب فالذين ءاتينهم الكتب يؤمنون به ومن هؤلاء من يومن به وما يجحد بايتنا إلا الكفرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو ءايت بينت في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بايتنا إلا الظلمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه ءايت من ربه قل إنما الأيت عند الله وإنما أنا نذير مبين (50).

[ 31 ]

القراءة: قرأ ابن كثير، وأهل الكوفة، غير حفص، وقتيبة: (آية من ربه) على التوحيد. والباقون: (آيات) على الجمع. الحجة: قال أبو علي: حجة الإفراد قوله: (فليأتنا بآية). (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية). وحجة الجمع أن في حرف أبي (زعموا لولا يأتينا بآيات من ربه قل إنما الآيات عند الله). وقد تقع على لفظ الواحد، ويراد به كثرة، كما جاء: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)، وليس في قوله (قل إنما الآيات عند الله) دلالة على ترجيح من قرأ آيات، لأنه لما اقترحوا آية، قيل: إنما الآيات عند الله، والمعنى. الآية التي اقترحتموها، وآيات اخر لم تقترحوها. اللغة: أصل الجدل شدة الفتل، يقال: جدلته أجدله جدلا: إذا فتلته فتلا شديدا. والجدال: فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه. وقيل: إن أصله من الجدالة وهي الأرض. فإن كل واحد من الخصمين يروم أن يلقي صاحبه بالجدالة. الخط: معروف. والإرتياب والريبة. شك مع تهمة. الاعراب: (الذين ظلموا منهم): في محل النصب على الإستثناء من (أهل الكتاب) (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) تقديره: وكما أنزلنا إلى أهل الكتاب الكتاب، أنزلنا إليك الكتاب. (إذا لارتاب المبطلون): اللام للقسم. وفي الكلام حذف تقديره: ولو خططته بيمينك، أو تلوت قبله كتابا، إذا والله لارتابوا به. (من ربه): في موضع رفع بأنه صفة (آية). المعنى: لما تقدم الأمر بالدعاء إلى الله سبحانه، بين عقيبه كيف يدعونهم، وكيف يجادلونهم فقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب) وهم نصارى بني نجران. وقيل: اليهود والنصارى. (إلا بالتي هي أحسن) أي: بالطريق التي هي أحسن، وإنما يكون أحسن إذا كانت المناظرة برفق ولين لإرادة الخير والنفع بها، ومثله قوله: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى). والأحسن: الأعلى في الحسن من جهة قبول العقل له، وقد يكون أيضا أعلى في الحسن من جهة قبول الطبع، وقد يكون في الأمرين جميعا. وفي هذا دلالة على وجوب الدعاء إلى الله تعالى على أحسن الوجوه وألطفها، واستعمال القول الجميل في التنبيه على آيات الله وحججه.

[ 32 ]

(إلا الذين ظلموا منهم) أي: إلا من أبى أن يقر بالجزية منهم، ونصب الحرب، فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية، عن مجاهد، وسعيد بن جبير. وقيل: إلا الذين ظلموا منهم بالعناد، وكتمان صفة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بعد العلم به، عن أبي مسلم. وقيل: إلا الذين ظلموا منهم بالإقامة على الكفر، بعد قيام الحجة، عن ابن زيد. والأولى أن يكون معناه: إلا الذين ظلموك في جدالهم، أو في غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم، فيجوز أن يسلكوا معهم طريقة الغلظة. وقيل: إن الآية منسوخة بآية السيف، عن قتادة. والصحيح أنها غير منسوخة، لأن الجدال على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره. (وقولوا) لهم، في المجادلة، وفي الدعوة إلى الدين (ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم) أي: بالكتاب الذي أنزل إلينا، وبالكتاب الذي أنزل إليكم (وإلهنا وإلهكم واحد) لا شريك له (ونحن له مسلمون) أي: مخلصون طائعون (وكذلك) أي: ومثل ما أنزلنا الكتاب على موسى وعيسى. (أنزلنا إليك الكتاب) وهو القرآن (فالذين آتيناهم الكتاب) أي: علم الكتاب، فحذف المضاف (يؤمنون به) يعني مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، ونظرائه. (ومن هؤلاء) يعني كفار مكة (من يؤمن به) يعني من أسلم منهم. ويجوز أن تكون الهاء في به راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويجوز أن تكون راجعة إلى القرآن. ويحتمل أيضا أن يريد بقوله (الذين آتيناهم الكتاب) المسلمين. والكتاب: القرآن. (ومن هؤلاء): يعني ومن اليهود والنصارى من يضمن به. (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) أي: وما ينكر دلالاتنا إلا الكافرون، ولا يضرك جحودهم. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب) أي: وما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتابا، والمعنى. إنك لم تكن تحسن القراءة قبل أن يوحى إليك بالقرآن. (ولا تخطه بيمينك) معناه: وما كنت أيضا تكتبه بيدك (إذا لارتاب المبطلون) أي: ولو كنت تقرأ كتابا، أو تكتبه، لوجد المبطلون طريقا إلى اكتساب الشك في أمرك، وإلقاء الريبة لضعفة الناس في نبوتك، ولقالوا: إنما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الأولين. فلما ساويتهم في المولد والمنشأ، ثم أتيت بما عجزوا عنه، وجب أن يعلموا أنه من عند الله تعالى، وليس من عندك، إذ لم تجر العادة أن ينشأ الإنسان بين قوم يشاهدون أحواله من عند صغره إلى كبره، ويرونه في

[ 33 ]

حضره وسفره، لا يتعلم شيئا من غيره، ثم يأتي من عنده بشئ يعجز الكل عنه، وعن بعضه، ويقرأ عليهم أقاصيص الأولين. قال الشريف الأجل المرتضى علم الهدى، قدس الله روحه: هذه الآية تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة، فأما بعد النبوة، فالذي نعتقده في ذلك التجويز لكونه عالما بالكتابة والقراءة، والتجويز لكونه غير عالم بهما، من غير قطع على أحد الأمرين. وظاهر الآية يقتضي أن النفي قد تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها، ولأن التعليل في الاية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة، لأن المبطلين إنما يرتابون في نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة. فأما بعد النبوة فلا تعلق له بالريبة والتهمة، فيجوز أن يكون قد تعلمها من جبرائيل عليه السلام بعد النبوة. ثم قال سبحانه: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) يعني أن القرآن دلالات واضحات في صدور العلماء، وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمؤمنون به، لأنهم حفظوه ووعوه، ورسخ معناه في قلوبهم، عن الحسن. وقيل: هم الأئمة عليهم السلام من آل محمد، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، عليهم السلام. وقيل: إن هو كناية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي إنه في كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب، آيات بينات في صدور العلماء من أهل الكتاب، لأنه منعوت في كتبهم بهذه الصفة، عن الضحاك. وقال قتادة: المراد به القرآن وأعطى هذه الأمة الحفظ، ومن كان قبلها لا يقرؤون الكتاب إلا نظرا، فإذا طبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا اليسير. (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) الذين ظلموا أنفسهم بترك النظر فيها، والعناد لها بعد حصول العلم لهم بها. وقيل: يريد بالظالمين كفار قريش واليهود. (وقالوا): يعني كفار مكة. (لولا أنزل عليه آية من ربه) أراد به الآيات التي اقترحوها في قوله: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآيات. وأن يجعل الصفا ذهبا. وقيل: إنهم سألوا آية كآية موسى عليه السلام من فلق البحر، وقلب العصا حية، وجعلوا ما أتى به من المعجزات والآيات غير آية وحجة، إلقاء للشبهة بين العوام، فقال الله تعالى: (قل) يا محمد لهم (إنما الآيات عند الله) ينزلها ويظهرها بحسب ما يعلم من مصالح عباده، وينزل على كل نبي منها ما هو أصلح له ولأمته، ولذلك لم تتفق آيات الأنبياء كلها، وإنما جاء كل نبي بفن منها.

[ 34 ]

(وإنما أنا نذير مبين) أي: منذر مخوف من معصية الله، مظهر طريق الحق والباطل. وقد فعل الله سبحانه ما يشهد بصدقي من المعجزات. (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا يعلم ما في السموت والأرض والذين ءامنوا بالبطل وكفروا بالله أولئك هم الخسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكفرين (54) يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55). القراءة: قرأ نافع، وأهل الكوفة: (ويقول) بالياء. والآخرون بالنون. الحجة: قال أبو علي. ويقول أي: ويقول الموكل بعذابهم ذوقوا كقوله (والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم تجزون عذاب الهون) أي: يقولون لهم. ومن قرأ بالنون: فلأن ذلك لما كان بأمره سبحانه، جاز أن ينسب إليه، والمعنى: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون. وإنما قيل ذوقوا لوصول ذلك إلى المعذبين، واتصاله، كوصول المذوق إلى الذائق، قال: (دونك ما جنيته فأحس وذق) الاعراب: (يتلى): في موضع نصب على الحال من الكتاب أي: متلو عليهم. (يعلم ما في السموات): يجوز أن يكون صفة لقوله (شهيدا)، ويجوز أن يكون جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. (وليأتينهم): اللام جواب قسم مقدر. (بغتة): منصوب على الحال. (يوم يغشاهم): ظرف لقوله (محيطة). المعنى: لما تقدم طلبهم للآيات أجابهم سبحانه فقال: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك) يا محمد (الكتاب) أي: القرآن (يتلى عليهم) بين سبحانه أن في


(1) دونك أي: خذ. وأحس فعل أمر من حسا يحسو أي: إشرب. (*)

[ 35 ]

إنزال القرآن دلالة واضحة، ومعجزة لائحة، وحجة بالغة، تنزاح معه العلة، وتقوم به الحجة، فلا يحتاج في الوصول إلى العلم بصحة نبوته إلى غيره. على أن إظهار المعجزات، مع كونها إزاحة للعلة، تراعى فيه المصلحة. فإذا كانت المصلحة في إظهار نوع منها، لم يجز إظهار غيرها، ولو أظهر الله سبحانه الآيات التي اقترحوها، ثم لم يؤمنوا، لاقتضت الحكمة إهلاكهم بعذاب الإستئصال، كما اقتضت ذلك في الأمم السالفة. وقد وعد الله سبحانه أن لا يعذب هذه الأمة بعذاب الإستئصال. وفي هذا دلالة على أن القرآن كافي المعجز، وأنه في أعلى درجات الإعجاز، لأنه جعله كافيا عن جميع المعجزات. والكفاية: بلوغ حد ينافي الحاجة. (إن في ذلك) معناه إن في القرآن (لرحمة) أي: نعمة عظيمة الموقع، لأن من تبعه، وعمل به، نال الثواب، وفاز بالجنة (وذكرى) أي: وتذكير، أو موعظة (لقوم يؤمنون) أي: يصدقون به. وقيل: إن قوما من المسلمين كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب، فهددهم سبحانه في هذه الآية، ونهاهم عنه. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (جئتكم بها بيضاء نقية). (قل) يا محمد (كفى بالله بيني وبينكم شهيدا) لي بالصدق والإبلاغ، وعليكم بالتكذيب والعناد. وشهادة الله له قوله (محمد رسول الله) وهو في كلام معجز قد ثبت أنه من الله سبحانه. وقيل: إن شهادة الله له إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه. (يعلم ما في السموات والأرض) فيعلم أني على الهدى، وأنكم على الضلالة. (والذين آمنوا بالباطل) أي: صدقوا بغير الله، عن ابن عباس. وقيل: بعبادة الشيطان، عن مقاتل (وكفروا بالله) أي: جحدوا وحدانية الله (أولئك هم الخاسرون) خسروا ثواب الله بارتكاب المعاصي، والجحود بالله (ويستعجلونك بالعذاب) يا محمد أي: يسألونك نزول العذاب عاجلا، لجحودهم صحة ما توعدهم به، كما قال النضر بن الحرث: أمطر علينا حجارة من السماء. (ولولا أجل مسمى) أي: وقت قدرة الله تعالى أن يعاقبهم فيه، وهو يوم القيامة، أو أجل قدره الله تعالى أن يبقيهم إليه، لضرب من المصلحة. (لجاءهم العذاب) الذي استحقوه. (وليأتينهم) العذاب (بغتة وهم لا يشعرون) بإتيانه ووقت مجيئه. ثم ذكر أن موعد عذابهم النار فقال. (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) يعني. إن العذاب، وإن لم يأتهم في

[ 36 ]

الدنيا، فإن جهنم محيطة بهم أي: جامعة لهم، وهم معذبون فيها لا محالة. (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم رمن تحت أرجلهم) يعني: أن العذاب يحيط بهم، لا أنه يصل إلى موضع منهم دون موضع، فلا يبقى جزء منهم إلا وهو معذب في النار، عن الحسن. وهذا كقوله: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش). (ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) أي: جزاء أعمالكم وأفعالكم القبيحة. (يعبادى الذين ءامنوا إن أرضى وسعة فإيى فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنبوئنهم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها نعم أجر العملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لاتحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60). القراءة: قرأ (يرجعون) بالياء: يحيى عن أبي بكر وهشام. والباقون بالتاء. وقرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (لنثوينهم) بالثاء. والباقون: (لنبوئنهم) بالباء. الحجة: قال أبو علي: أما يرجعون بالياء فلأن الذي قبله على لفظ الغيبة، وترجعون على أنه انتقل من الغيبة إلى الخطاب مثل (إياك نعبد) بعد قوله (الحمد لله). وحجة من قرأ لنبوئنهم بالباء قوله: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوء صدق) و (إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) وتكون اللام هنا زائدة كزيادتها في قوله (ردف لكم). ويجوز أن يكون بوأنا لدعاء إبراهيم عليه السلام، ويكون المفعول محذوفا أي: بوأنا لدعائه ناسا مكان البيت. ومن قرأ (لنثوينهم) فحجته قوله (وما كنت ثاويا في أهل مدين) أي: مقيما نازلا فيهم. قال الأعشى: أثوى وقصر ليله ليزودا، ومضى وأخلف من قتيلة موعدا وقال حسان: (ثوى في قريش بضع عشرة حجة) أي: أقام فيهم. فإذا تعدى بحرف جر فزيدت عليه الهمزة، وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر،


(1) قوله: (وأخلف) أي: صادفها مخلفة وعدها، وقتيلة: إسم معشوقته. وقد مر البيت في ما سبق (*).

[ 37 ]

وليس في الآية حرف جر. قال أبو الحسن: قرأ الأعمش (لنثوينهم من الجنة غرفا) ولا يعجبني، لأنك لا تقول أثويته الدار. قال أبو علي: ووجهه أنه كان في الأصل لنثوينهم من الجنة في غرف، كما يقول: لننزلنهم من الجنة في غرف. وحذف الجار كما حذف من قولك. (أمرتك الخير فافعل ما أمرت به) ويقوي ذلك أن الغرف، وإن كانت أماكن مختصة، فقد أجريت المختصة من هذه الحروف مجرى غير المختص، نحو قوله: (كما عسل الطريق الثعلب)، ونحو: ذهبت الشام عند سيبويه. الاعراب: (خالدين): نصب على الحال من الهاء والميم. (الذين صبروا): في موضع جر صفة للعالمين، ويكون المخصوص بالمدح محذوفا أي: نعم أجر العاملين الصابرين المتوكلين أجرهم. ويجوز أن يكون المضاف محذوفا أي: نعم أجر العاملين أجر الذين صبروا. فحذف المخصوص بالمدح، وأقام المضاف إليه مقامه. (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله): موضع كأين مرفوع. ومن دابة في موضع التبيين له. وقوله (لا تحمل رزقها) صفة للمجرور ويكون قوله الله مبتدأ، ويرزقها خبره، والجملة خبر كأين. النزول: قيل: نزلت الاية الأولى في المستضعفين من المؤمنين بمكة، أمروا بالهجرة عنها، عن مقاتل، والكلبي. ونزل قوله (وكأين من دابة لا تحمل رزقها) في جماعة كانوا بمكة يؤذيهم المشركون، فأمروا بالهجرة إلى المدينة، فقالوا: كيف نخرج إليها وليس لنا بها دار، ولا عقار، ومن يطعمنا، ومن يسقينا ؟ المعنى: ثم بين سبحانه أنه لا عذر لعباده في ترك طاعته فقال: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة) يبعد أقطارها فاهربوا من أرض يمنعكم أهلها من الإيمان والإخلاص في عبادتي. وقال أبو عبد الله عليه السلام: معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها، فاخرج منها إلى غيرها. وقيل: معناه إن أرض الجنة واسعة، عن الجبائي، وأكثر المفسرين على القول الأول. (فإياي فاعبدون) أي: اعبدوني خالصا، ولا تطيعوا أحدا من خلقي في معصيتي. وإياي: منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده، وقد مر بيانه. وقيل: إن دخول الفاء للجزاء، والتقدير: إن ضاق


(1) وتمام البيت لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق... ا. ه‍ وهو مذكور في (جامع الشواهد). وقد مر في الكتاب أيضا غير مرة. (*)

[ 38 ]

بكم موضع، فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، إن أرضي واسعة. أمر سبحانه المؤمنين إذا كانوا في بلد، لا يلتئم فيه لهم أمر دينهم، أن ينتقلوا عنه إلى غيره. ثم خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة فقال: (كل نفس ذائقة الموت) أي: كل نفس أحياها الله بحياة خلقها فيه ذائقة مرارة الموت بأي أرض كان، فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت (ثم إلينا ترجعون) بعد الموت، فنجازيكم بأعمالكم. ثم ذكر سبحانه ثواب من هاجر فقال: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) يعني المهاجرين (لنبوئنهم) أي: لننزلنهم (من الجنة غرفا) أي: علالي عاليات (تجري من تحتها الأنهار) قال ابن عباس: لنسكننهم غرف الدر، والزبرجد، والياقوت، ولننزلنهم قصور الجنة. (خالدين فيها) يبقون فيها ببقاء الله (نعم أجر العاملين) لله تلك الغرف. ثم وصفهم فقال: (الذين صبروا) على دينهم فلم يتركوه لشدة نالتهم، وأذى لحقهم، وصبروا على مشاق الطاعات (وعلى ربهم يتوكلون) في مهمات أمورهم، ومهاجرة دورهم. ثم قال: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها) أي: وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا، عن الحسن. وقيل: معناه لا تطيق حمل رزقها لضعفها، وتأكل بأفواهما، عن مجاهد. وقيل: إن الحيوان أجمع من البهائم والطيور وغير هما مما يدب على وجه الأرض، لا تدخر القوت لغدها إلا ابن آدم، والنملة، الفارة، بل تأكل منه قدر كفايتها فقط، عن ابن عباس. (الله يرزقها وإياكم) أي: يرزق تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها، ويرزقكم أيضا، فلا تتركوا الهجرة بهذا السبب. وعن عطا عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلتقط من التمر ويأكل. فقال: يا ابن عمر ! ما لك لا تأكل ؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله. قال: (لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا بن عمر إذا بقيت مع قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف اليقين). فوالله ما برحنا حتى نزلت هذه الآية: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم). (وهو السميع العليم) أي: السميع لأقوالكم عند مفارقة أوطانكم، العليم بأحوالكم، لا يخفى عليه شئ من سركم وإعلانكم. (ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن

[ 39 ]

الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له إن الله بكل شئ عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيابه الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الأخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بماء اتينهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالبطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن أفترى على الله كذبا أو كذب بألحق لماجآءه أليس في جهنم مثوى للكفرين (68) والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69). القراءة: قرأ ابن كثير، وقالون، وأهل الكوفة، غير عاصم، إلا الأعمش، والبرجمي: (وليتمتعوا) ساكنة اللام. والباقون: (وليتمتعوا) بكسر اللام. الحجة: قال أبو علي: من كسر اللام وجعلها الجارة، كانت متعلقة بالإشراك المعنى يشركون ليكفروا أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر، وليس يرد عليهم الشرك نفعا إلا الكفر، والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة. ومن قرأ (وليتمتعوا) وأراد الأمر، كان على معنى التهديد والوعيد كقوله (واستفزز من استطعت) (واعملوا ما شئتم) ويدل على ذلك قوله في موضع آخر: (فتمتعوا فسوف تعلمون) والإسكان في لام الأمر سائغ. اللغة: قال أبو عبيدة: الحيوان والحياة واحد، وهما مصدران حي حياة وحيوانا. والحياة: عرض يصير الأجزاء بمنزلة الشئ الواحد، حتى يصح أن يكون قادرا عالما. وخاصية الحياة الإدراك. والتخطف: تناول الشئ بسرعة، ومنه اختطاف الطير لصيده.

[ 40 ]

الاعراب: أنى في قوله (وأنى يؤفكون): منصوب الموضع. فيجوز أن يكون حالا من يؤفكون. والتقدير: منكرين يؤفكون. ويجوز أن يكون مصدرا تقديره: أي إفك يؤفكون. (ويتخطف الناس من حولهم): جملة في موضع الحال. المعنى: ثم عجب سبحانه ورسوله والمؤمنون من إيمان المشركين بالباطل مع اعترافهم بأن الله هو الخالق الفاعل، فقال: (ولئن سئلتهم) أي: إن سالت يا محمد هؤلاء المشركين (من خلق السماوات والأرض) أي: من أنشأهما وأخرجهما من العدم إلى الوجود. (وسخر الشمس والقمر) أي: من ذللهما وسيرهما في دورانهما على طريقة واحدة لا تختلف. (ليقولن) في جواب ذلك (الله) الفاعل لذلك، لأنهم كانوا يقولون بحدوث العالم، والنشأة الأولى. (فأنى يؤفكون) أي: فكيف يصرفون عن عبادته إلى عبادة حجر لا ينفع، ولا يضر. (الله يبسط الرزق) أي: يوسعه (لمن يشاء من عباده ويقدر له) أي: ويضيق ذلك على قدر ما تقتضيه المصلحة. وإنما خص بذكر الرزق على الهجرة، لئلا يخلفهم عنها خوف العيلة (إن الله بكل شئ عليم) يعلم مصالح عباده فيرزقهم بحسبها (ولئن سئلتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن) في الجواب عن ذلك (الله) (قل) يا محمد عند ذلك (الحمد لله) على كمال قدرته، وتمام نعمته، وعلى ما وفقنا للاعتراف بتوحيده، والإخلاص في عبادته. ثم قال: (بل أكثرهم لا يعقلون) توحيد ربهم مع إقرارهم بأنه خالق الأشياء، ومنزل المطر من السماء، لأنهم لا يتدبرون، وعن الطريق المفضي إلى الحق يعدلون، فكأنهم لا يعقلون. (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) لأنها تزول كما يزول اللهو واللعب، ويستمتع بها الإنسان مدة، ثم تنصرم وتنقطع. (وإن الدار الاخرة) يعني الجنة (لهي الحيوان) أي: الحياة على الحقيقة، لأنها الدائمة الباقية التي لا زوال لها، ولا موت فيها. وتقديره: وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أو ذات الحيوان، لأن الحيوان مصدر كالنزوان والغليان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والمعنى: إن حياة الدار الآخرة هي الحياة التي لا تنغيص فيها، ولا تكدير. (لو كانوا يعلمون) الفرق بين الحياة الفانية، والحياة الباقية الدائمة أي: لو علموا لرغبوا في الباقي، وزهدوا في الفاني، ولكنهم لا يعلمون.

[ 41 ]

(فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) أخبر الله سبحانه عن حال هؤلاء الكفار فقال: إنهم إذا ركبوا في السفن في البحر، وهاجت به الرياح، وتلاطمت به الأمواج، وخافوا الهلاك، أخلصوا الدعاء لله مستيقنين أنه لا يكشف السوء إلا هو، وتركوا شركاءهم فلم يطلبوا منهم إنجاءهم. (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) أي: فلما خلصهم إلى البر، وأمنوا الهلاك، عادوا إلى ما كانوا عليه من الإشراك معه في العبادة (ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون) إن جعلت اللام للأمر فمعناه التهديد أي: ليجحدوا نعم الله في إنجائه إياهم، وليتمتعوا بباقي عمرهم، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم. وإن جعلتها لام كي: فالمعنى أنهم يشركون ليكفروا، وقد مر معناه. (أولم يروا) أي: ألم يعلم هؤلاء الكفار (أنا جعلنا حرما آمنا) يأمن أهله فيه من القتل والغارة (ويتخطف الناس من حولهم) أي: يقتل بعضهم بعضا فيما حولهم، وهم آمنون في الحرم. ذكرهم سبحانه النعمة بذلك، ليذعنوا له بالطاعة، وينزجروا عن عبادة غيره. ثم قال مهددا لهم: (أفبالباطل يؤمنون) أي: يصدقون بعبادة الأصنام، وهي باطلة مضمحلة (وبنعمة الله) التي أنعم بها عليهم (يكفرون). ثم قال: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي: لا ظالم أظلم ممن أضاف إلى الله ما لم يقله من عبادة الأصنام وغيرها. (أو كذب بالحق) أي بالقرآن. وقيل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. (لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) هذا استفهام تقرير أي: أما لهؤلاء الكفار المكذبين مثوى في جهنم. وهذا مبالغة في إنجاز الوعيد لهم. (والذين جاهدوا فينا) أي: جاهدوا الكفار ابتغاء مرضاتنا، وطاعة لنا، وجاهدوا أنفسهم في هواها خوفا منا. وقيل: معناه اجتهدوا في عبادتنا رغبة في ثوابنا، ورهبة في عقابنا. (لنهدينهم سبلنا) أي: لنهدينهم السبل الموصلة إلى ثوابنا، عن ابن عباس. وقيل: لنوفقنهم لازدياد الطاعات، فيزداد ثوابهم. وقيل: معناه والذين جاهدوا في إقامة السنة، لنهدينهم سبل الجنة. وقيل: معناه والذين يعملون بما يعلمون، لنهدينهم إلى ما لا يعلمون. (وإن الله لمع المحسنين) بالنصر والمعونة في دنياهم، والثواب والمغفرة في عقباهم، وبالله التوفيق.

[ 42 ]

30 - سورة الروم مكية وآياتها ستون هي مكية قال الحسن إلا قوله: (فسبحان الله حين تمسون) الآية. عدد آيها: تسع وخمسون مكية والمدني الأخير. والباقون. ستون آية. اختلافها: أربع آيات (الم) كوفي (غلبت الروم) غير الكوفي والمدني الأخير (في بضع سنين) غير الكوفي والمدني الأول (يقسم المجرمون) المدني الأول. فضلها: أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ومن قرأها كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كل ملك سبح لله ما بين السماء والأرض، وأدرك ما ضيع في يومه وليلته). تفسيرها: أجمل في آخر العنكبوت ذكر المجاهدين، ثم فصل في هذه السورة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله، وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الأخرة هم غفلون (7).

[ 43 ]

اللغة: قال الزجاج: الغلب والغلبة مصدر غلبت، مثل الجلب والجلبة. والغلبة: الإستيلاء على القرن بالقهر. والبضع: القطعة من العدد ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهو من بضعته أي: قطعته تبضيعا. ومنه البضاعة: القطعة من المال تدور في التجارة. قال المبرد: البضع ما بين العقدين في جميع الأعداد. والفرح والسرور نظيران، ونقيضهما الغم. وليس شئ من ذلك بجنس، والصحيح أنها من جنس الإعتقاد. الاعراب: (من بعد غلبهم): تقديره من بعد أن غلبوا. فالمصدر مضاف إلى المفعول. (وعد الله) مصدر مؤكد، لأن قوله (سيغلبون) وعد من الله للمؤمنين. فالمعنى: وعد الله ذلك وعدا. المعنى: (الم) مر تفسيره (غلبت الروم) قال المفسرون: غلبت فارس الروم وظهروا عليهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفرح بذلك كفار قريش من حيث إن أهل فارس لم يكونوا أهل كتاب، وساء ذلك المسلمين. وكان بيت المقدس لأهل الروم، كالكعبة للمسلمين. فدفعتهم فارس عنه. وقوله: (في أدنى الأرض) أي: في أدنى الأرض من أرض العرب، عن الزجاج. وقيل: في أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس، يريد الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، عن مجاهد. وقيل: يريد أذرعات وكسكر، عن عكرمة. (وهم) يعني الروم (من بعد غلبهم سيغلبون) أي: من بعد غلبة فارس إياهم، سيغلبون فارس. (في بضع سنين) وهذه من الآيات الدالة على أن القرآن من عند الله، عز وجل، لأن فيه أنباء ما سيكون، وما يعلم ذلك إلا الله، عز وجل. (لله الأمر من قبل ومن بعد) أي: من قبل أن غلبت الروم، ومن بعد أن غلبت، فإن شاء جعل الغلبة لأحد الفريقين على الآخر، وإن شاء جعل الغلبة للفريق الآخر عليهم، وإن شاء أهلكهما جميعا. (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) أي: ويوم يغلب الروم فارسا، يفرح المؤمنون بدفع الروم فارسا عن بيت المقدس، لا بغلبة الروم على بيت المقدس، فإنهم كفار. ويفرحون أيضا لوجوه أخر وهو اغتمام المشركين بذلك، ولتصديق خبر الله، عز وجل، وخبر رسوله، ولأنه مقدمة لنصرهم على المشركين (ينصر من يشاء) من عباده (وهو العزيز) في الإنتقام من أعدائه (الرحيم) بمن أناب إليه من خلقه.

[ 44 ]

(وعد الله) أي: وعد الله ذلك (لا يخلف الله وعده) بظهور الروم على فارس. (ولكن أكثر الناس) يعني كفار مكة (لا يعلمون) صحة ما أخبرناه لجهلهم بالله تعالى. (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) أي: يعلمون منافع الدنيا ومضارها، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يجمعون، وكيف يبنون، وهم جهال بالآخرة. فعمروا دنياهم، وخربوا آخرتهم، عن ابن عباس. وقال الحسن: بلغ والله من علم أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظهره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي. وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن قوله: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) فقال: منه الزجر والنجوم. القصة: عن الزهري قال: كان المشركون يجادلون المسلمين وهم بمكة، يقولون: إن الروم أهل كتاب، وقد غلبهم الفرس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل إليكم على نبيكم، فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم. وأنزل الله تعالى: (الم غلبت الروم) إلى قوله: (في بضع سنين). قال: فأخبرني عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا بكر ناحب بعض المشركين قبل أن يحرم القمار على شئ، إن لم تغلب فارس في سبع سنين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم فعلت فكل ما دون العشرة بضع ؟ فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب. وروى أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن ابن عباس في قوله: (الم غلبت الروم) قال: قد مضى كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبت عليهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، ولقي نبي الله مشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المسلمين، على مشركي العرب ونصر أهل الكتاب على مشركي العجم. ففرح المسلمون بنصر الله إياهم، ونصر أهل الكتاب على العجم. قال عطية: وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك، فقال: إلتقينا مع رسول


(1) الزجر: التيمن والتشاؤم بالطير، والتفاؤل بطيرانها. وهو نوع من الكهانة والعيافة، قيل: وإنما سمي الكاهن زاجرا لانه إذا رأى ما يظن أنه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضي في تلك الحاجة برفع صوت وشدة. (2) ناحيه على كذا: راهنه (*).

[ 45 ]

الله صلى الله عليه وآله وسلم ومشركو العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس. ففرحنا بنصر الله إيانا على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله (يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله). وقال سفيان الثوري: سمعت أنهم ظهروا يوم بدر. وقال مقاتل: فلما كان يوم بدر، غلب المسلمون كفار مكة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الروم غلبت فارسا، ففرح المؤمنون بذلك. وروي أنهم استردوا بيت المقدس، وأن ملك الروم مشى إليه شكرا، وبسطت له الرياحين، فمشى عليها. وقال الشعبي. لم تمض تلك المدة التي عقدها أبو بكر مع أبي بن خلف، حتى غلبت الروم فارسا، وربطوا خيولهم بالمدائن، وبنوا الرومية فأخذ أبو بكر الخطر من ورثته، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتصدق به. وروي أن أبا بكر لما أراد الهجرة، تعلق به أبي، وأخذ ابنه عبد الله بن أبي بكر كفيلا. فلما أراد أن يخرج أبي إلى حرب أحد، تعلق به عبد الله بن أبي بكر، وأخذ منه ابنه كفيلا. وجرح أبي في أحد، وعاد إلى مكة فمات من تلك الجراحة، جرحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وجاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لفارس نطحة أو نطحتان) ثم قال: (لا فارس بعدها أبدا والروم ذات القرون كلما ذهب قرن خلف قرن هبهب إلى آخر الأبد). والمعنى: إن فارس تنطح نطحة أو نطحتين فيبطل ملكها، ويزول أمرها. (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموت والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاى ربهم لكفرون (8) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينت فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عقبة الذين أسئوا السوأى أن كذبوا بايت الله وكانوا بها يستهزءون (10).


(1) الرومية: بلد. (*).

[ 46 ]

القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير البرجمي والشموني عن أبي بكر: (عاقبة) بالنصب. والباقون بالرفع. الحجة: قال أبو علي: من نصب عاقبة جعلها خبر كان، ونصبها متقدمة، كما قال: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين). فأما اسمها على هذه القراءة، فيجوز أن يكون أحد الشيئين السوأى عاقبة الذين أساءوا ويكون أن كذبوا مفعولا له أي: لأن كذبوا. ولا يجوز أن يكون كذبوا متعلقا بقوله (أساءوا) على هذا، لأنك تفصل بين الصلة والموصول باسم كان، أو يكون إن كذبوا إسم كان، والتقدير ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا ويكون السوأى على هذا مصدرا لأساؤوا، لأن فعلى من أبنية المصادر، كالرجعى، والشورى، ويدل على أن السوأى والسؤ بمنزلة المصدر، ما أنشده أبو عمرو: أنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم، أم كيف يجزونني السوأى من الحسن ومن رفع عاقبة جاز أن يكون الخبر أحد الشيئين السوأى وان كذبوا. كما جاز في النصب أن يكون كل واحد منهما الإسم. ومعنى الذين أساءوا: الذين أشركوا، والتقدير: ثم كان عاقبة المسئ التكذيب بآيات الله أي: لم يظفر في كفره وشركه بشئ إلا بالتكذيب. وإذا جعلت كذبوا نفس الخبر، جعلت السوأى في موضع نصب بأنه مصدر، وقد يجوز أن يكون السوأى صفة لموصوف محذوف، كأنه قال الخلة السوأى أو الخلال السوأى. المعنى: ثم حث سبحانه على التفكر والتدبر فيما يدل على توحيده من خلق السماوات والأرض، ثم في أحوال القرون الخالية، والأمم الماضية فقال: (أولم يتفكروا في أنفسهم) أي: في حال الخلوة، لأن في تلك الحالة يتمكن الإنسان من نفسه، ويحضره ذهنه وقيل: معناه أو لم يتفكروا في خلق الله أنفسهم، والمعنى: أو لم يتفكروا فيعلموا. وحذف لأن في الكلام دليلا عليه. (ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) قال الزجاج: معناه إلا للحق أي: لإقامة الحق، ومعناه للدلالة على الصانع، والتعريض للثواب. (وأجل مسمى) أي: ولوقت معلوم توفى فيه كل نفس ما كسبت. وقيل: معناه خلقها في أوقات قدرها اقتضت المصلحة خلقها فيها، ولم يخلقها عبثا، عن الجبائي.

[ 47 ]

(سؤال): قالوا كيف يعلم المتفكر في نفسه أن الله سبحانه لم يخلق شيئا إلا بالحق ؟ وكيف يعلم الآخرة ؟ (جواب): قلنا إذا علم بالنظر في نفسه أنه محدث مخلوق، وأن له محدثا قديما، قادرا عالما حيا، وأنه لا يفعل القبيح، وأنه حكيم، علم أنه لم يخلقه عبثا، وإنما خلقه لغرض، وهو التعريض للثواب، وذلك لا يتم إلا بالتكليف، فلا بد إذا من الجزاء. فإذا لم يوجد في الدنيا، فلا بد من دار اخرى يجازى فيها. ويعلم إذا خلق ما لا ينتفع بنفسه، فلا بد أن يكون الغرض أن ينتفع الحي به. (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) أي: بلقاء جزاء ربهم، وبالبعث، وبيوم القيامة، لجاحدون غير معترفين، ثم نبههم سبحانه دفعة اخرى فقال: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) من الأمم (كانوا أشد منهم قوة) فهلكوا وبادوا، فيعتبروا بهم لعلمهم أنهم أهلكوا بتكذيبهم. (وأثاروا الأرض) أي: وقلبوها وحرثوها بعمارتها، عن مجاهد. (وعمروها أكثر مما عمروها) أي: أكثر مما عمرها هؤلاء الكفار، لأنهم كانوا أكثر أموالا، وأطول أعمارا، وأكثر أعدادا، فحفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، وبنوا الدور، وشيدوا القصور، ثم تركوها، وصاروا إلى القبور، وإلى الهلاك والثبور. (وجاءتهم رسلهم بالبينات) أي: أتتهم رسلهم بالدلالات من عند الله. وفي الكلام حذف تقديره: فجحدوا الرسل، وكذبوا بتلك الرسل، فأهلكهم الله بالعذاب (فما كان الله ليظلمهم) بأن يهلكهم من غير استحقاق (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بأن جحدوا رسل الله، وأشركوا معه في العبادة سواه، حتى استحقوا العذاب عاجلا وآجلا. (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا) إلى نفوسهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله، وارتكاب معاصيه (السوأى) أي: الخلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها، وهي عذاب النار، عن ابن عباس، وقتادة (أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون) أي: لتكذيبهم بآيات الله، واستهزائهم بها. (الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاؤا وكانوا بشركائهم

[ 48 ]

كفرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بايتنا ولقآى الأخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السموت والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ويحى الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ومن ءايته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20). القراءة: قرأ (يرجعون) بالياء أبو عمر وغير عباس وأوقية وسهل وحماد ويحيى مختلف عنهما والباقون: بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي: (وكذلك تخرجون) بفتح التاء. والباقون بضمها، وفتح الراء. وفي الشواذ قراءة عكرمة (حينا تمسون) وما بعده. الحجة: قال أبو علي: حجة الياء أن المتقدم ذكره غيبة (يبدؤا الخلق ثم يعيده) والخلق هم المخلوقون في المعنى وجاء قوله (ثم يعيده) على لفظ الخلق. وقوله (وإليه يرجعون) على المعنى، ولم يرجع على لفظ الواحد، ووجه التاء: أنه صار الكلام من الغيبة إلى الخطاب. وحجة من قرأ (يخرجون من الأجداث) قوله (إلى ربهم ينسلون) وحجة (تخرجون): (من بعثنا من مرقدنا) وقوله: (وكذلك نخرج الموتى وإليه تقلبون). وأما قوله: (حين تمسون) فالمراد تمسون فيه، فحذف فيه تخفيفا على مذهب صاحب الكتاب في نحوه. ومثله قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا) أي: لا تجزى فيه. قال ابن جني: قال سيبويه حذف فيه معتبطا لحرف الجر، والضمير، لدلالة الفعل عليهما. وقال أبو الحسن: حذف في، فبقي تجزيه، لأنه أوصل الفعل إليه، ثم حذف الضمير من بعد، فهما حذفان متتاليان شيئا على شئ. اللغة: الإبلاس: اليأس من الخير. وقيل: هو التحير عند لزوم الحجة. قال العجاج:

[ 49 ]

يا صاح ! هل تعرف رسما مكرسا ؟ قال: نعم أعرفه، وأبلسا (1) والحبرة: المسرة، ومنه الحبر العالم. والحبر: الجمال. وفي الحديث: (يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره) أي: جماله وسحناؤه. والتحبير: التحسين الذي يسر به وخص ذكر الروضة ها هنا لأنه ليس عند العرب شئ أحسن منها. قال الأعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل (2) يضاحك الشمس منها كوكب شرق موزر بعميم النبت، مكتهل (3) يوما بأطيب منها نشر رائحة، ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل (4) الاعراب: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون): يوم ظرف ليتفرقون، ويومئذ بدل عنه وموضع الكاف من (كذلك) نصب بقوله (يخرجون). المعنى: ثم ذكر سبحانه قدرته على الإعادة فقال: (الله يبدؤا الخلق ثم يعيده) أي: يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء، كما كانوا. (ثم إليه يرجعون، فيجازيهم بأعمالهم (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) أي: يوم تقوم القيامة ييأس الكافرون من رحمة الله تعالى، ونعمه التي يفيضها على المؤمنين. وقيل: يتحيرون، وتنقطع حججهم بظهور جلائل آيات الآخرة التي يقع عندها علم الضرورة. (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء) أي: لم يكن لهم من أوثانهم التي


(1) المكرس: الذي صار فيه الكرس - بالكسر -، وهو الأبوال والأبعار. وأبلس: سكت غما. (2) الأبيات من قصيدة معروفة له، واعتبرها بعض من المعلقات وأولها ودع هريرة إن الركب مرتحل، وهل تطيق وداعا أيها الرجل (ما روضة) (ما) نافية و (روضة) إسمها و (بأطيب) في البيت الثالث خبرها والحزن: ما غلظ من الارض واختص رياض الحزن لأنها أحسن من رياض الخفوض، والمعشبة: ذات العشب. والمسبل الهطل: المطر المتواتر. (3) (يضاحك الشمس) أي: يدور معها حيثما دارت، والمراد من الكواكب هنا الزهر. وقيل: الكواكب معظم النبات. والشرق: الريان الممتلئ ماء. والمؤزر: الذي صار النبت كالإزار له. والعميم: النبت الكثيف الحسن. واكتهل النبت: طال وانتهى منتهاه (4) الأصل - بضمتين - جمع الأصيل، والأصيل من العصر: العشاء، وإنما خص هذا الوقت لأن النبات يكون فيه أحسن ما يكون لتباعد الشمس والفئ عنه. و (نشر رائحة): منصوب على التمييز. وقيل: على البيان، وإن كان مضافا لأن المضاف إلى النكرة نكرة (*).

[ 50 ]

عبدوها ليشفعوا لهم شفعاء تشفع لهم، أو تدفع عنهم كما زعموا أنا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. (وكانوا بشركائهم كافرين) يعني أن المشركين يتبرأون من الأوثان، وينكرون كونها آلهة، ويقرون بأن الله لا شريك له، عن الجبائي، وأبي مسلم. (ويوم تقوم الساعة) أي: تظهر القيامة (يومئذ يتفرقون) فيصير المؤمنون أصحاب اليمين، والمشركون أصحاب الشمال، فيتفرقون تفرقا لا يجتمعون بعده. وقال الحسن: لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا، ليتفرقن يوم القيامة هؤلاء في أعلى عليين، وهؤلاء في أسفل السافلين، وهو قوله (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون) أي: في الجنة ينعمون ويسرون سرورا يبين أثره عليهم، عن قتادة، ومجاهد. ومنه قيل: كل حبرة تتبعها عبرة. والروضة: البستان المتناهي منظرا وطيبا. وقال ابن عباس: يحبرون أي: يكرمون. وقيل: يلذذون بالسماع عن يحيى بن أبي كثير، والاوزاعي. أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد البيهقي قال: أخبرنا جدي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال: حدثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن بندار قال: حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن القرباني قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة الباهلي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من عبد يدخل الجنة، إلا ويجلس عند رأسه، وعند رجليه، ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن، وليس بمزمار الشيطان، ولكن بتمجيد الله وتقديسه). وعن أبي الدرداء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الناس فذكر الجنة، وما فيها من الأزواج والنعيم، وفي القوم أعرابي، فجثا لركبتيه وقال: يا رسول الله ! هل في الجنة من سماع ؟ قال: (نعم يا أعرابي، إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء، يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم الجنة). قال الراوي: سألت أبا الدرداء: بم يتغنين ؟ قال: بالتسبيح. وعن إبراهيم: إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع، بعث الله ريحا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو

[ 51 ]

سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا (هذا الحديث ليس في بعض النسخ وفي أكثرها موجود) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها سموا، وأوسطها محلة، ومنها تنفجر أنهار الجنة). فقام إليه رجل، وقال: يا رسول الله ! إني رجل حبب إلي الصوت، فهل لي في الجنة صوت حسن ؟ فقال: (أي والذي نفسي بيده، إن الله تعالى يوحي إلى شجرة في الجنة: أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير. فترفع صوتا لم يسمع الخلائق بمثله قط من تسبيح الرب). ثم أخبر عن حال الكافرين فقال: (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة) أي: بدلائلنا، وبالبعث يوم القيامة (فأولئك في العذاب محضرون) أي: فيه محصلون. ولفظة الإحضار لا تستعمل إلا فيما يكرهه الإنسان، يقال: أحضر فلان مجلس القضاء: إذا جئ به لما لا يؤثره، ومنه حضور الوفاة. ثم ذكر سبحانه ما تدرك به الجنة فقال: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون) وهذا خبر، والمراد به الأمر أي: فسبحوه ونزهوه عما لا يليق به، أو ينافي تعظيمه من صفات النقص، بأن تصفوه بما يليق به من الصفات والأسماء. والإمساء: الدخول في المساء، وهو مجئ الليل. والإصباح نقيضه، وهو الدخول في الصباح، وهو مجئ ضياء النهار، وله الثناء والمدح في السموات والأرض أي: هو المستحق لمدح أهلها لإنعامه عليهم، وعشيا أي: وفي العشي. وحين تدخلون في الظهيرة وهي نصف النهار. وإنما خص تعالى هذه الأوقات بالذكر بالحمد، وإن كان حمده واجبا في جميع الأوقات، لأنها أوقات تذكر بإحسان الله، وذلك أن انقضاء إحسان أول إلى إحسان ثان يقتضي الحمد عند تمام الإحسان الأول، والأخذ في الآخر، كما أخبر سبحانه عن حمد أهل الجنة بقوله: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) لأن ذلك حال الإنتقال من نعيم الدنيا إلى الجنة.


(1) ما بين المعقفتين إنما هو في نسخة (صيدا) دون سائر النسخ (*).

[ 52 ]

وقيل: إن الآية تدل على الصلوات الخمس في اليوم والليلة، لأن قوله (حين تمسون) يقتضي المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون يقتضي صلاة الصبح، وعشيا يقتضي صلاة العصر، وحين تظهرون يقتضي صلاة الظهر، عن ابن عباس، ومجاهد، وهو الأحسن، لأنه خص هذه الأوقات بالذكر. وقيل: إنما خص صلاة الليل باسم التسبيح، وصلاة النهار باسم الحمد، لأن الإنسان في النهار متقلب في أحوال توجب الحمد لله عليها، وفي الليل على أحوال توجب تنزيه الله تعالى من الأسواء فيها، فلذلك صار الحمد في النهار أخص، فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص، فسميت به صلاة الليل. (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) أي: يخرج الإنسان من النطفة، ويخرج النطفة من الإنسان، عن ابن عباس، وابن مسعود. وقيل: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، عن مجاهد، وقد ذكرناه فيما تقدم. (ويحيي الأرض بعد موتها) بالنبات بعد جدوبها (وكذلك تخرجون) أي: كما أحيا الأرض بالنبات، كذلك يحييكم بالبعث، وتخرجون من قبوركم أحياء (ومن آياته) أي: ومن دلالته على وحدانيته، وكمال قدرته (أن خلقكم) أي: خلق آدم الذي هو أبوكم، وأصلكم (من تراب) ثم خلقكم منه، وذلك قوله (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) أي: ثم إذا أنتم ذرية بشر من لحم ودم، تنبسطون في الأرض، وتنصرفون على ظهرها، وتتفرقون في أطرافها، فهلا دلكم ذلك على أنه لا يقدر على ذلك غيره تعالى، وأنه لا يستحق العبادة سواه. (ومن ءايته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون (21) ومن ءايته خلق السموات والأرض واختلف ألسنتكم وألونكم إن في ذلك لأيت للعلمين (22) ومن ءايته منامكم باليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لأيت لقوم يسمعون (23) ومن ءايته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحى به الأرض بعد موتها إن في

[ 53 ]

ذلك لأيت لقوم يعقلون (24) ومن ءايته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذ ادعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون (25). القراءة: قرأ حفص: (للعالمين) بكسر اللام الأخيرة. والباقون بفتحها. الحجة: قال أبو علي: خص العالمين في رواية حفص، وإن كانت الآية لكافة الناس، عالمهم وجاهلهم، لأن العالم لما تدبر فاستدل بما شاهده على ما لم يستدل عليه غيره، صار كأنه ليس بآية لغير العالم لذهابه عنها، وتركه الإعتبار بها. ومن قال (للعالمين) فلأن ذلك في الحقيقة دلالة وموضع اعتبار، وإن ترك تاركون لغفلتهم، أو لجهلهم، التدبر بها، والإستدلال بها. الاعراب: في قوله: (ومن آياته يريكم البرق) أقوال أحدها: إن التقدير: ومن آياته أن يريكم، فلما حذف (أن) ارتفع الفعل كقول طرفة: ألا أي هذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي (1) وفي المثل: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه). وثانيها: إن التقدير: ومن آياته آية يريكم البرق بها. ثم حذف لدلالة من عليها، ومثله من الشعر: وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح (2) أي: فمنها تارة أموتها أي: أموت فيها وثالثها: أن يكون التقدير: ويريكم البرق خوفا وطمعا، ومن آياته، فيكون عطفا لجملة على جملة. وقوله (خوفا وطمعا): منصوبان على تقدير اللام، والتقدير: لتخافوا خوفا، ولتطمعوا طمعا. (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض): الجار يتعلق بمحذوف في موضع الحال من الكاف والميم أي: إذا دعاكم خارجين من الأرض، وإن شئت كان وصفا للنكرة أي: دعوة ثابتة من هذه الجهة. ولا يجوز أن يتعلق بيخرجون، لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبله.


(1) البيت في (جامع الشواهد). وضبط البيت الصحيح: (ألا أيهذا اللائمي أشهد الوغى وأن أحضر اللذات هل أنت مخلدي) راجع شرح القصائد السبع الطول الجاهليات) لابن الأنباري: ص 192. (2) قائله ابن مقبل. والكدح: السعي والحرص في العمل في أمر الدنيا أو الآخرة (*).

[ 54 ]

المعنى: ثم عطف سبحانه على ما قدمه من تنبيه العبيد على دلائل التوحيد، فقال: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم) أي: جعل لكم من شكل أنفسكم، ومن جنسكم (أزواجا). وإنما من سبحانه علينا بذلك، لأن الشكل إلى الشكل أميل، عن أبي مسلم. وقيل: معناه أن حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام، عن قتادة. وقيل: إن المراد بقوله (من أنفسكم) أن النساء خلقن من نطف الرجل. (لتسكنوا إليها) أي: لتطمئنوا إليها، وتألفوا بها، ويستأنس بعضكم ببعض. (وجعل بينكم مودة ورحمة) يريد بين المرأة وزوجها، جعل سبحانه بينهما المودة والرحمة، فهما يتوادان ويتراحمان، وما شئ أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما. قال السدي: المودة المحبة، والرحمة: الشفقة. (إن في ذلك) أي: في خلق الأزواج مشاكلة للرجال (لآيات) أي: لدلالات واضحات (لقوم يتفكرون) في ذلك، ويعتبرون به. ثم نبه سبحانه على آية أخرى، فقال: (ومن آياته) الدالة على توحيده (خلق السماوات والأرض) وما فيهما من عجائب خلقه، وبدائع صنعه، مثل ما في السماوات من النجوم والشمس والقمر، وجريها في مجاريها على غاية، الإتساق والنظام، وما في الأرض من أنواع الجماد والنبات والحيوان، المخلوقة على وجه الإحكام. (واختلاف ألسنتكم) فالألسنة جمع لسان، واختلافها هو أن ينشئها الله تعالى مختلفة في الشكل والهيئة والتركيب، فتختلف نغماتها وأصواتها، حتى إنه لا يشتبه صوتان من نفسين هما إخوان. وقيل: إن اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما. ولا شئ من الحيوانات تتفاوت لغاتها، كتفاوت لغات الإنسان، فإن كانت اللغات توقيفا من قبل الله تعالى، فهو الذي فعلها وابتدأها. وإن كانت مواضعة من قبل العباد، فهو الذي يسرها. (وألوانكم) أي: واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والصفرة والسمرة وغيرها، فلا يشبه أحد أحدا مع التشاكل في الخلقة، وما ذلك إلا للتراكيب البديعة، واللطائف العجيبة، الدالة على كمال قدرته وحكمته، حتى لا يشتبه اثنان من الناس، ولا يلتبسان مع كثرتهم. (إن في ذلك لآيات) أي: أدلة واضحات (للعالمين) أي: للمكلفين. (ومن آياته) الدالة على توحيده، وإخلاص العبادة له (منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) بالنهار. وهذا تقديره أي: يصرفكم في طلب

[ 55 ]

المعيشة. والمنام، والنوم بمعنى واحد. وقيل: إن الليل والنهار معا وقت للنوم، ووقت لابتغاء الفضل، لأن من الناس من يتصرف في كسبه ليلا، وينام نهارا، فيكون معناه: ومن دلائله النوم الذي جعله الله راحة لأبدانكم بالليل، وقد تنامون بالنهار، فإذا انتبهتم انتشرتم لابتغاء فضل الله. (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) ذلك، فيقبلونه ويتفكرون فيه، لأن من لا يتفكر فيه، لا ينتفع به، فكأنه لم يسمعه (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا) معناه: ومن دلالاته أن يريكم النار تنقدح من السحاب، يخافه المسافر، ويطمع فيه المقيم، عن قتادة. وقيل: خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث، عن الضحاك. وقيل: خوفا من أن يخلف ولا يمطر، وطمعا في المطر، عن أبي مسلم. (وينزل من السماء ماء) أي: غيثا ومطرا (فيحيي به) أي: بذلك الماء (الأرض بعد موتها) أي: بعد انقطاع الماء عنها وجدوبها. (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) أي: للعقلاء المكلفين. (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) بلا دعامة تدعمها، ولا علاقة تتعلق بها، بأمره لهما بالقيام كقوله تعالى (إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون). وقيل: بأمره أي: بفعله وإمساكه، إلا أن أفعال الله، عز اسمه، تضاف إليه بلفظ الأمر، لأنه أبلغ في الإقتدار. فإن قول القائل أراد فكان، أو أمر فكان، أبلغ في الدلالة على الإقتدار من أن يقول فعل فكان. ومعنى القيام الثبات والدوام. ويقال: السوق قائمة. (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض) أي: من القبر، عن ابن عباس، يأمر الله عز اسمه إسرافيل عليه السلام فينفخ في الصور بعد ما يصور الصور في القبور، فيخرج الخلائق كلهم من قبورهم. (إذا أنتم تخرجون) من الأرض أحياء. وقيل: إنه سبحانه جعل النفخة دعاء، لأن إسرافيل يقول أجيبوا داعي الله، فيدعو بأمر الله سبحانه. وقيل: إن معناه أخرجكم من قبوركم بعد أن كنتم أمواتا فيها. فعبر عن ذلك بالدعاء إذ هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة كن فيكون في سرعة تأتي ذلك، وامتناع التعذر. وإنما ذكر سبحانه هذه المقدورات على اختلافها، ليدل عباده على أنه القادر الذي لا يعجزه شئ، العالم الذي لا يعزب عنه شئ. وتدل هذه الآيات على فساد قول من قال: إن المعارف ضرورية، لأن ما يعرف ضرورة، لا يمكن الإستدلال عليه.

[ 56 ]

(وله من في السموت والأرض كل له قنتون (26) وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى في السموت والارض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمنكم من شركاء في ما رزقنكم فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الأيت لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواء هم بغير علم فمن يهدى من أضل الله وما لهم من نصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30). الاعراب: (هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء): لكم الجار والمجرور في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، والمبتدأ (من شركاء) ومن مزيدة. ومن في قوله: (مما ملكت أيمانكم) تتعلق بما يتعلق به اللام. ويجوز أن يتعلق بمحذوف، ويكون في موضع نصب على الحال، والعامل في الحال ما يتعلق به اللام. (فأنتم فيه سواء): جملة في موضع نصب، لأنه جواب قوله (هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء) وتقديره: فتستووا. وقوله (تخافونهم) أي: تخافون أن يساووكم كخيفتكم مساواة بعضكم بعضا. (حنيفا): نصب على الحال. (فطرة الله): منصوب بمعنى إتبع فطرة الله، لأن معنى (فأقم وجهك للدين القيم): إتبع الدين القيم، فيكون بدلا من (وجهك) في المعنى. المعنى: ثم قال سبحانه بعد أن ذكر الدلالات الدالة على توحيده: (وله من في السماوات والأرض) من العقلاء يملكهم، ويملك التصرف فيهم. وإنما خص العقلاء لأن ما عداهم في حكم التبع لهم. ثم أخبر سبحانه عن جميعهم فقال: (كل له قانتون) أي: كل له مطيعون في الحياة والبقاء، والموت والبعث، وإن عصوا في العبادة، عن ابن عباس. وهذا مفسر في سورة البقرة (وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده) أي: يخلقهم إنشاء، ويخترعهم ابتداء، ثم يعيدهم بعد الإفناء. فجعل سبحانه ما ظهر من ابتداء خلقه، دليلا على ما خفي من إعادته، استدلالا بالشاهد

[ 57 ]

على الغائب. ثم أكد ذلك بقوله: (وهو أهون عليه) هو يعود إلى مصدر يعيده فالمعنى: والإعادة أهون. وقيل فيه أقوال أحدها: إن معناه وهو هين عليه كقوله: (الله أكبر) أي: كبير لا يدانيه أحد في كبريائه، وكقول الشاعر: لعمرك ما أدري، وإني لأوجل على أينا تغدو المنية أول فمعنى لأوجل أي: وجل. وقال الفرزدق. إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز، وأطول أي: عزيزة طويلة، وقد قيل فيه: إنه أراد أعز وأطول من دعائم بيوت العرب. وقال آخر: تمنى رجال أن أموت، وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي: بواحد هذا قول أهل اللغة والثاني: إنه إنما قال (أهون) لما تقرر في العقول أن إعادة الشئ أهون من ابتدائه. ومعنى (أهون) أيسر وأسهل، وهم كانوا مقرين بالإبتداء. فكأنه قال لهم: كيف تقرون بما هو أصعب عندكم، وتنكرون ما هو أهون عندكم ؟ الثالث: إن الهاء في (عليه) يعود إلى الخلق، وهو المخلوق أي: والإعادة على المخلوق أهون من النشأة الأولى، لأنه إنما يقال له في الإعادة كن فيكون، وفي النشأة الأولى كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم كسيت العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح. فهذا على المخلوق أصعب، والإنشاء يكون أهون عليه، وهذا قول النحويين، ومثله يروى عن ابن عباس قال: وهو أهون على المخلوق، لأنه يقول له يوم القيامة: كن فيكون. وأما ما يروى عن مجاهد أنه قال: الإنشاء أهون عليه من الإبتداء، فقوله مرغوب عنه، لأنه تعالى لا يكون عليه شئ أهون من شئ. (وله المثل الأعلى) أي: وله الصفات العليا (في السماوات والأرض) وهي أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لأنها دائمة يصفه بها الثاني كما يصفه بها الأول، عن قتادة. وقيل: هي أنه ليس كمثله شئ، عن ابن عباس. وقيل: هي جميع ما يختص به، عز اسمه، من الصفات العلى التي لا يشاركه فيها سواه، والأسماء الحسنى التي تفيد التعظيم كالقاهر، والإله. (وهو العزيز) في ملكه (الحكيم) في خلقه. ثم احتج سبحانه على عبدة الأوثان فقال: (ضرب لكم) أيها

[ 58 ]

المشركون (مثلا من أنفسكم) أي: بين لكم شبها لحالكم ذلك المثل من أنفسكم. ثم بينه فقال: (هل لكم مما ملكت أيمانكم) أي. من عبيدكم وإمائكم (من شركاء فيما رزقناكم) من المال والأملاك والنعم أي: هل يشاركونكم في أموالكم، وهو قوله (فأنتم فيه سواء) أي: فأنتم وشركاؤكم من عبيدكم وإمائكم، فيما رزقناكم شرع سواء. (تخافونهم) أن يشاركوكم فيما ترثونه من آبائكم (كخيفتكم أنفسكم) أي: كما يخاف الرجل الحر شريكه الحر في المال، يكون بينهما أن ينفرد دونه فيه بأمر، وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث أن يشاركه، لأنه يحب أن ينفرد به، فهو يخاف شريكه، يعني أن هذه الصفة لا تكون بين المالكين والمملوكين، كما تكون بين الأحرار. ومعنى أنفسكم ههنا: أمثالكم من الأحرار كقوله: (ولا تلمزوا أنفسكم)، وكقوله: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) أي: بأمثالهم من المؤمنين والمؤمنات، والمعنى: إنكم إذا لم ترضوا في عبيدكم أن يكونوا شركاء لكم في أموالكم وأملاككم، فكيف ترضون لربكم أن يكون له شركاء في العبادة. قال سعيد بن جبير: لأنه كانت تلبية قريش: (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكا هولك، تملكه وما ملك). فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم، وإنكارا لقولهم. (كذلك) أي: كما ميزنا لكم هذه الأدلة (نفصل الآيات) أي: الأدلة (لقوم بعقلون) فيتدبرون ذلك. ثم قال سبحانه مبينا لهم أنهم إنما اتبعوا أهواءهم فيما اشركرا به: (بل اتبع الذين ظلموا) أي: أشركوا بالله (أهوائهم) في الشرك (بغير علم) يعلمونه جاءهم من الله (فمن يهدي من أضل الله) أي: فمن يهدي إلى الثواب والجنة من أضله الله عن ذلك، عن الجبائي. وقيل: معناه من أضل عن الله الذي هو خالقه، ورازقه، والمنعم عليه مع ما نصبه له من الأدلة، فمن يهديه بعد ذلك، عن أبي مسلم قال: وهو من قولهم: أضل فلان بعيره. بمعنى ضل بعيره عنه. قال الشاعر: هبوني امرأ منكم أضل بعيره له ذمة، إن الذمام كثير وإنما المعنى: ضل بعيره عنه. (وما لهم من ناصرين) ينصرونهم، ويدفعون عنهم عذاب الله تعالى إذا حل بهم. ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد جميع المكلفين، وقال: (فأقم وجهك للدين) أي: أقم قصدك للدين، والمعنى: كن معتقدا للدين. وقيل: معناه أثبت ودم على الإستقامة. وقيل: معناه أخلص دينك،

[ 59 ]

عن سعيد بن جبير. وقيل: معناه سدد عملك، فإن الوجه ما يتوجه إليه، وعمل الإنسان ودينه مما يتوجه الإنسان إليه لتشديده وإقامته. (حنيفا) أي: مائلا إليه، ثابتا عليه، مستقيما فيه، لا يرجع عنه إلى غيره. (فطرت الله التي فطر الناس عليها) فطرة الله: الملة وهي الدين والإسلام والتوحيد التي خلق الناس عليها، ولها، وبها أي: لأجلها، والتمسك بها، فيكون كقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وهو كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا، ولهذا، وبهذا، والمعنى واحد. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه). وقيل: معناه إتبع من الدين ما دلك عليه فطرة الله، وهو ابتداء خلقه للأشياء، لأنه خلقهم، وركبهم، وصورهم، على وجه يدل على أن لهم صانعا قادرا، عالما حيا، قديما واحدا، لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شئ، عن أبي مسلم. (لا تبديل لخلق الله) أي: لا تغيير لدين الله الذي أمر الناس بالثبات عليه في التوحيد، والعدل، وإخلاص العبادة لله، عن الضحاك، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وابن زيد، وقالوا: إن لا ههنا بمعنى النهي أي: لا تبدلوا دين الله الذي أمرتم بالثبات عليه. وقيل: المراد به النهي عن الخصاء، عن ابن عباس، وعكرمة. وقيل: معناه لا تبديل لخلق الله فيما دل عليه، بمعنى أنه فطرة الله على وجه يدل على صانع حكيم، فلا يمكن أن يجعله خلقا بغير الله، حتى يبطل وجه الإستدلال، عن أبي مسلم. والمعنى: إنما دلت عليه الفطرة لا يمكن فيه التبديل. (ذلك الذين القيم) أي: ذلك الدين المستقيم الذي يجب اتباعه (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) صحة ذلك، لعدولهم عن النظر فيه. (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما ءاتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35).

[ 60 ]

القراءة: قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف. والباقون: (فرقوا). وقد مضى بيانه في سورة الأنعام. وفي الشواذ قراءة أبي العالية: (فيمتعوا فسوف يعلمون). ومعناه: تطول أعمارهم على كفرهم، فسوف يعلمون تهديدا على ذلك. اللغة: الإنابة: الإنقطاع إلى الله بالطاعة، فأصله على هذا القطع، ومنه الناب لأنه قاطع. وينيب في الأمر: إذا نشب فيه، كما ينشب الناب القاطع. ويجوز أن يكون من ناب ينوب: إذا رجع مرة بعد مرة، فتكون الإنابة التوبة التي يجددها مرة بعد مرة. والشيع: الفرق، وكل فرقة شيعة على حدة سموا بذلك لأن بعضهم يشيع بعضا على مذهبه. فشيعة الحق هم الذين اجتمعوا على الحق، وكذلك شيعة أمير المؤمنين عليه السلام هم الذين اجتمعوا معه على الحق. المعنى: ثم قال سبحانه (منيبين إليه) قال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معناه فأقيموا وجوهكم منيبين إليه، لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تدخل معه فيها الأمة والدليل على ذلك قوله (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) فقوله: (فأقم وجهك) معناه فأقيموا وجوهكم منيبين إليه أي: راجعين إلى كل ما أمر به مع التقوى، وأداء الفرض، وهو قوله (واتقوه وأقيموا الصلاة). ثم أخبر سبحانه أنه لا ينفع ذلك إلا بالإخلاص في التوحيد، فقال: (ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم) أي: لا تكونوا من أهل الشرك من جملة الذين فرقوا دينهم، عن الفراء. ويجوز أن يكون قوله من الذين فرقوا دينهم. (وكانوا شيعا) إبتداء كلام ومعناه: الذين أوقعوا في دينهم الإختلاف، وصاروا ذوي أديان مختلفة، فصار بعضهم يعبدوننا، وبعضهم يعبد نارا وبعضهم شمسا، إلى غير ذلك. وقد تقدم تفسيره في سورة الأنعام. (كل حزب بما لديهم فرحون) أي: كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون، عن مقاتل. وقيل: كل فريق بدينهم معجبون مسرورون، يظنون أنهم على حق. (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم) أي: إذا أصابهم مرض، أو فقر، أو شدة، دعوا الله تعالى. (منيبين إليه) أي: منقطعين إليه، مخلصين في الدعاء له. (ثم إذا أذاقهم منه رحمة) بأن يعافيهم من المرض، أو يغنيهم من الفقر، أو ينجيهم من الشدة. (إذا فريق منهم بربهم يشركون) أي: يعودون إلى عبادة غير الله على خلاف ما يقتضيه العقل من مقابلة النعم بالشكر.

[ 61 ]

ثم بين سبحانه أنهم يفعلون ذلك (ليكفروا بما آتيناهم) من النعم إذ لا غرض في الشرك إلا كفران نعم الله سبحانه. وقيل: إن هذه اللام للأمر على معنى التهديد، مثل قوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ثم قال سبحانه يخاطبهم مهددا لهم: (فتمتعوا) بهذه الدنيا، وانتفعوا بنعيمها الفاني، كيف شئتم. (فسوف تعلمون) عاقبة كفركم (أم أنزلنا عليهم سلطانا) هذا استفهام مستأنف معناه: بل أنزلنا عليهم برهانا وحجة، يتسلطون بذلك على ما ذهبوا إليه. (فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) أي: فذلك البرهان كأنه يتكلم بصحة شركهم، ويحتج لهم به، والمعنى. إنهم لا يقدرون على تصحيح ذلك، ولا يمكنهم ادعاء برهان وحجة عليه. (وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن في ذلك لأيت لقوم يؤمنون (37) فئات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله واولئك هم المفلحون (38) وما ءاتيتم من ربا ليربوا في أمول الناس فلا يربوا عند الله وما ءاتيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحيكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحنه وتعلى عما يشركون (40). القراءة: قرأ ابن كثير: (ما أتيتم من ربا) مقصورة الألف غير ممدودة. وقرأ الباقون: (ما آتيتم) بالمد. وقرأ أهل المدينة ولمجقوب وسهل: (لتربوا) بالتاء، وضمها وسكون الواو. والباقون: (ليربوا) بالياء وفتحها ونصب الواو. الحجة: قال أبو علي: معنى ما آتيتم من ربا: ما أتيتم من هدية أهديتموها لتعوضوا ما هو أكثر منه، وتكافئوا أزيد منه، فلا يربو عند الله، لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العوض، فلم تبتغوا في ذلك وجه الله. ومثل هذا في المعنى قوله (ولا

[ 62 ]

تمنن تستكثر) فمن مد آتيتم فلأن المعنى أعطيتم. ومن قصر، فإنه يؤول في المعنى إلى قول من مد، إلا أن أتيتم على لفظ جئتم، كما تقول: جئت زيدا، فكأنه قال: ما جئتم من ربا. ومجيئهم لذلك إنما هو على وجه الإعطاء له، كما تقول: أتيت الخطأ، وأتيت الصواب. قال الشاعر: أتيت الذي يأتي السفيه لغرتي، إلى أن علا وخط من الشيب مفرقي فإتيانه الذي ياتيه السفيه، إنما هو فعل منه له. قال: ولم يختلفوا في مد وما آتيتم من زكاة فهو كقوله (وإيتاء الزكاة)، وإن كان لو قال أتيت الزكاة لجاز أن يعني به فعلتها، ولكن الذي جاء منه في التنزيل، وفي سائر الكلام الإيتاء. ومن قرأ (ليربو)، فإن فاعله الربا المذكور في قوله (وما آتيتم من ربا) وقدر المضاف وحذفه، كأنه في اجتلاب أموال الناس، واجتذابه، ونحو ذلك، وكأنه سمى هذا المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة ربا، ولو قصد به وجه الله، لما كان الغرض فيه الإستزادة على ما أعطى، فسمي باسم الزيادة. والرباء هو الزيادة بذلك سمي المحرم المتوعد فاعلة بالزيادة ما يأخذ على ما أعطى، والمدفوع ليس في الحقيقة ربا، إنما المحرم الزيادة التي يأخذها زيدا على ما أعطى، فسمي الجميع ربا. فكذلك ما أعطاه الواهب والمهدي لاستجلاب الزيادة سمي ربا، لمكان الزيادة المقصودة في المكافأة. فوجه (ليربوا في أموال الناس): ليربوا ما آتيتم، فلا يربو عند الله، لأنه لم يقصد به وجه البر والقربة، إنما قصد به اجتلاب الزيادة. ولو قصد به وجه الله تعالى لكان كقوله (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) أي. صاروا ذوي أضعاف من الثواب على ما أتوا من الزكاة يعطون بالحسنة عشرا فله عشر أمثالها. وقول نافع (لتربوا) أي: لتصيروا ذوي زيادة فيما أتيتم من أموال الناس أي: تستدعونها وتجتلبونها. وكأنه من أربى أي: صار ذا زيادة مثل أقطف وأجرب. المعنى: لقا تقدم ذكر المشركين، عقبه سبحانه بذكر أحوالهم في البطر عند النعمة، واليأس عند الشدة، فقال: (وإذا أذقنا الناس رحمة) أي: إذا آتيناهم نعمة من عافية، وصحة جسم، أو سعة رزق، أو أمن ودعة (فرحوا بها) أي: سروا بتلك الرحمة (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) أي: وإن أصابهم بلاء * (هامش) (1) الوخط: ظهور الشيب في الرأس. ووخط فلان: إذا شاب رأسه (*).

[ 63 ]

وعقوبة بذنوبهم التي قدموها. وسمي ذلك سيئة توسعا لكونه جزاء على السيئة، عن الجبائي. وقيل: وإن يصبهم قحط، وانقطاع مطر، وشدة، وسميت سيئة لأنها تسوء صاحبها (إذا هم يقنطون) أي: ييأسون من رحمة الله. وإنما قال (بما قدمت أيديهم) ولم يقل بما قدموا على التغليب للأظهر الأكثر، فإن أكثر العمل لليدين، والعمل للقلب وإن كان كثيرا، فإنه أخفى. ثم نبههم سبحانه على توحيده فقال: (أو لم يروا أن الله يبسط الرزق) أي: يوسعة (لمن يشاء ويقدر) أي: ويضيق لمن يشاء على حسب ما تقتضيه مصالح العباد (إن في ذلك) أي: في بسط الرزق لقوم، وتضييقه لقوم آخرين (لآيات) أي دلالات (لقوم يؤمنون) بالله. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (فلت ذا القربى حقه) أي:. وأعط ذوي قرباك يا محمد حقوقهم التي جعلها الله لهم من الأخماس، عن مجاهد، والسدي. وروى أبو سعيد الخدري وغيره. أنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة عليها السلام فدكا، وسلمه إليها، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام. وقيل: إنه خطاب له صلى الله عليه وآله وسلم ولغيره، والمراد بالقربى: قرابة الرجل، وهو أمر بصلة الرحم بالمال والنفس، عن الحسن. (والمسكين وابن السبيل) معناه: وآت المسكين، والمسافر المحتاج، ما فرض الله لهم في مالك. (ذلك خير) أي. إعطاء الحقوق مستحقيها خير (للذين يريدون وجه الله) بالإعطاء دون الرياء والسمعة (وأولئك هم المفلحون) أي: الفائزون بثواب الله (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله) قيل في الربا المذكور في الآية قولان أحدهما: إنه ربا حلال، وهو أن يعطي الرجل العطية، أو يهدي الهدية، ليثاب أكثر منها. فليس فيه أجر، ولا وزر، عن ابن عباس، وطاوس، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. والقول الآخر: إنه الربا المحرم، عن الحسن، والجبائي. فعلى هذا يكون كقوله: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات). (وما آتيتم من زكاة) أي: وما أعطيتموه أهله على وجه الزكاة (تريدون) بذلك (وجه الله) أي: ثواب الله ورضاه، ولا تطلبون بها المكافأة (فأولئك هم المضعفون) أي: فأهلها هم المضعفون يضاعف لهم الثواب. وقيل: المضعفون ذوو الإضعاف في الحسنات، كما يقال: رجل مقو أي: ذو قوة، وموسر أي: ذو

[ 64 ]

يسار. وقيل: هم المضعفون للمال في العاجل، وللثواب في الآجل، لأن الله سبحانه جعل الزكاة سببا لزيادة المال، ومنه الحديث: (ما نقص مال من صدقة). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: فرض الله تعالى الصلاة تنزيها عن الكبر، والزكاة تسبيبا للرزق، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، وصلة الأرحام منماة للعدد. في كلام طويل وبدأ سبحانه في الآية بالخطاب، ثم ثنى بالخبر، وذلك معدود في الفصاحة. ثم عاد إلى دليل التوحيد فقال: (الله الذي خلقكم) أي: أوجدكم، وأنشأ خلقكم. (ثم رزقكم) أي: أعطاكم أنواع النعم (ثم يميتكم) بعد ذلك ليصح إيصالكم إلى ما عرضكم له من الثواب الدائم (ثم يحييكم) ليجازيكم على أفعالكم (هل من شركائكم) التي عبدتموها من دونه (من يفعل من ذلكم من شئ) أو يقدر عليه، فيجوز لذلك توجه العبادة إليه. ثم نزه سبحانه نفسه عن أن يشرك معه في العبادة فقال: (سبحانه وتعالى عما يشركون). (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأزضن فانظروا كيف كان عقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لامردله من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صلحا فلأ نفسهم يمهدون (44) ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت من فضله إنه لا يحب الكفرين (45). اللغة: الصدع. الشق. وتصدع القوم: تفرقوا قال: وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا (1)


(1) البيت منسوب إلى متمم بن نويرة: قاله في مرثية أخيه مالك بن نويرة حين قتله خالد بن الوليد، وبعده: (فلما تفرقنا كأني ومالك بطول اجتماع لم نبت ليلة معا) وندماني جذيمة قيل: هما الفرقدان - قاله في منتهى الأرب - وقيل: هما مالك وعقيل نديما جذيمة الأبرش، ملك الحيرة، صاحب الزباء، قتلهما في حال السكر، فلما أصبح ندم وبنى على = (*)

[ 65 ]

المعنى: ثم ذكر سبحانه ما أصاب الخلق بسبب ترك التوحيد، فقال: (ظهر الفساد في البر والبحر) ومعناه: ظهر قحط المطر، وقلة النبات في البر، حيث لا يجري نهر وهو البوادي والبحر، وهو كل قرية على شاطئ نهر عظيم. (بما كسبت أيدي الناس) يعني كفار مكة، عن ابن عباس. وليس المراد بالبر والبحر في الآية كل بر وبحر في الدنيا، وإنما المراد به حيث ظهر القحط بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فعلى هذا يكون التقدير: ظهر عقوبة الفساد في البر والبحر. قال الفراء: أجدب البر، وانقطعت مادة البحر، بذنوبهم، وكان ذلك ليذوقوا الشدة في العاجل. ويجوز أيضا أن يسمى الهلاك والخراب فسادا، كما يسمى العذاب سوءا، وإن كان ذلك حكمة وعدلا. وقيل: البر ظهر الأرض، والبحر: المعروف، والفساد: ارتكاب المعاصي، عن أبي العالية. وقيل: فساد البر قتل قابيل بن آدم أخاه، وفساد البحر: أخذ السفينة غصبا، عن مجاهد. وقيل: ولاة السوء في البر والبحر. وقيل: فساد البر ما يحصل فيه من المخاوف المانعة من سلوكه، ويكون ذلك بخذلان الله تعالى لأهله، والعقاب به، وفساد البحر: اضطراب أمره حتى لا يكون للعباد متصرف فيه، وكل ذلك ليرتدع الخلق عن معاصيه. وقيل: البر البرية، والبحر: الريف والمواضع الخصبة. وأصل البر: من البر، لأنه يبر بصلاح المقام فيه، وكذلك البر لأنه يبر بصلاحه في الغذاء أتم صلاح. وأصل البحر الشق، لأنه شق في الأرض، ثم كثر فسمي الماء الملح بحرا، أنشد ثعلب: وقد عاد عذب الماء بحرا فزادني على مرضى أن أبحر المشرب العذب (بما كسبت أيدي الناس) أي: جزاء بما عمله الناس من الكفر والفسوق. وقيل: معناه بسوء أفعالهم، وشؤم معاصيهم (ليذيقهم بعض الذي عملوا) أي: ليصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها من المعاصي (لعلهم يرجعون)


- قبريهما طربان، وكان يغريهما بدم من يقتله يوم بؤسه.. ولكن الظاهر القول الأول وقد ورد نظيره في كلمات الشعراء. قال عمرو بن معد يكرب: (وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان) أي حتى الفرقدان. (1) الريف: أرض فيها زرع وخصب. (2) أبحر الماء: صار ملحا (*).

[ 66 ]

أي: ليرجعوا عنها في المستقبل. وقيل: معناه ليرجع من يأتي بعدهم عن المعاصي (قل) يا محمد (سيروا في الأرض) ليس بأمر ولكنه مبالغة في العظة. وروي عن ابن عباس أنه قال: من قرأ القرآن وعمله، سار في الأرض، لأن فيه أخبار الأمم. (فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) من الملوك العاتية، والقرون العاصية، كيف أهلكهم الله، وكيف صارت قصورهم قبورهم، ومحاضرهم مقابرهم، فلم يبق لهم عين ولا اثر. ثم بين أنه فعل ذلك بهم لسؤ صنيعهم فقال: (كان أكثرهم مشركين فأتم وجهك للدين القيم) أي: استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة أي: لا تعدل عنه يمينا، ولا شمالا، فإنك متى فعلت ذلك أداك إلى الجنة، وهو مثل قوله (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)، وقوله: (تتقلب فيه القلوب والابصار). (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له) أي: لذلك اليوم، وهو يوم القيامة. (من الله) أي: لا يرده أحد من الله (يومئذ يصدعون) أي: يتفرقون فيه فريق في الجنة، وفريق في السعير، عن قتادة، وغيره. (من كفر فعليه كفره) أي: عقوبة كفره لا يعاقب أحد بذنبه. (ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) أي: يوطئون لأنفسهم منازلهم. يقال: مهدت لنفسي خيرا أي: هيأته ووطأته. والمعنى: إن ثواب ذلك يصل إليهم، ويتمهد أحوالهم الحسنة عند الله. وهذا توسع يقول: من أصلح عمله، فكأنه فرش لنفسه في القبر والقيامة، وسوى مضجعه ومثواه. وروى منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العمل الصالح ليسبق صاحبه إلى الجنة، فيمهد له كما يمهد لأحدكم خادمه فراشه. (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله) أي: ليجزيهم على قدر استحقاقهم، ويزيدهم من فضله. وقيل: معناه بسبب فضله، لأنه خلقه وهداه ومكنه، وأزاح علته حتى استحق الثواب. وقيل من فضله يعني: فضلا من فضله، وثوابا لا ينقطع. (إنه لا يحب الكافرين) أي: لا يريد كرامتهم ومنفعتهم، وإنما يريد عقابهم جزاء على كفرهم. (ومن ءايته أن يرسل الرياح مبشرت وليذيقكم من رحمته ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد ارسلنا من قبلك رسلا إلى

[ 67 ]

قومهم فجاءوهم بالبينت فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المومنين (47) الله الذى يرسل الريح فتثير سحابا فيبسطه، في السماء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر إلئ اثر رحمت الله كيف يحى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحى الموتى وهو على كل شئ قدير (50). القراءة: قرأ أبو جعفر، وابن ذكوان: (كسفا) بسكون السين. والباقون بتحريكها. وقد مضى القول فيه. وقرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، غير أبي بكر: إلى آثار على الجمع. والباقون: (أثر) بغير الألف على الواحد. وروي عن علي عليه السلام، وابن عباس، والضحاك: (من خلله). وعن الجحدري، وابن السميقع، وأبي حيوة: (كيف تحيي) بالتاء. الحجة: قال أبو علي: الإفراد في أثر لأنه مضاف إلى مفرد، وجاز الجمع لأن رحمة الله يجوز أن يراد به الكثرة، كما قال سبحانه (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). وقوله (كيف يحيي الأرض): يجوز أن يكون فاعل (يحيي) الضمير العائد إلى (أثر)، ويجوز أن يكون الضمير العائد إلى اسم الله، وهو الأولى. ومن رد الضمير إلى (أثر) لزمه أن يقول (تحيي) بالتاء إذا قرأ: آثار رحمة الله. فأما من قرأ (من خلله)، فيجوز أن يكون خلل واحد خلال، كجبل وجبال. ويجوز أن يكون خلال واحدا عاقب خللا كالصلأ والصلاء. ومن قرأ (إلى أثر رحمت الله كيف تحيي (بالتاء)، فإنما جاز ذلك، وإن كان لا يجوز. أما ترى إلى غلام هند كيف تضرب زيدا بالتاء، لأن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها، ولا يقوم مقام هند غلامها، تقول: رأيت عليك النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة. ولا يعبر عن هند بغلامها. الاعراب: (وليذيقكم): عطف على المعنى، وتقديره: يرسل الرياح ليبشركم بها، وليذيقكم. وقوله (كيف يشاء) تقديره: أي مشيئة يشاء، فيكون مفعولا مطلقا ليشاء. وقوله (كيف يحيي الأرض): يجوز أن يكون (كيف في

[ 68 ]

موضع نصب على الحال من (يحيي)، وذو الحال الضمير المستكن في يحيي أو الأرض، والتقدير: أمبدعا يحيي الأرض أم لا، أو مبدعة يحيي الأرض أم لا. ويجوز أن يكون على تقدير المصدر أي: أي إحياء يحيي الأرض. قال ابن جني: والجملة منصوبة الموضع على الحال، حملا على المعنى، لا على اللفظ، وذلك أن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر. والإستفهام والخبر معنيان متدافعان، وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال: فانظر إلى آثار رحمة الله محيية للأرض، كما أن قوله: ما زلت أسعى بينهم، وأختبط، حتى إذا جاء الظلام المختلط جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قط (1) فقوله: (هل رأيت الذئب قط) جملة استفهامية في موضع وصف لضيح، حملا على المعنى دون اللفظ، فكأنه قال: جاؤوا بضيح يشبه لونه لون الذئب. والضيح: اللبن المخلوط بالماء، وهو يضرب إلى الخضرة والطلسة. المعنى: ولما وعد الله سبحانه وأوعد، فكأن قائلا قال: ما أصل ما يجزي الله عليه بالخير، فقيل: العبادة. وأصل عبادة الله معرفته، ومعرفته إنما تكون بأفعاله، فقال: (ومن آياته) أي: ومن أفعاله الدالة علن معرفته (أن يرسل الرياح مبشرات) بالمطر، فكأنها ناطقات بالبشارة لما فيها من الدلالة عليه، وإرسال الرياح تحريكها وإجراؤها في الجهات المختلفة، تارة شمالا، وتارة جنوبا، صبا وأخرى دبورا، على حسب ما يعلم الله في ذلك من المصلحة. (وليذيقكم من رحمته) أي: وليصيبكم من نعمته، وهي الغيث، وتقديره إنه يرسل الرياح للبشارة والإذاقة من الرحمة. (ولتجري الفلك) بها (بأمره ولتبتغوا من فضله) أي: ولتطلبوا بركوب السفن الارياح. وقيل: لتطلبوا بالامطار فيما تزرعونه من فضل الله (ولعلكم تشكرون) نعمة الله. تلطف سبحانه بلفظ (لعلكم) في الدعاء إلى الشكر، كما تلطف في الدعاء إلى البر بقوله (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا).


(1) نسبه في (جامع الشواهد) إلى أحمد الرجاز، ونسبه بعض إلى رؤبة بن العجاج، وقال في (شرح الأشموني): (ومن الناس من ينسب الرجز للعجاج بن رؤبه الراجز المشهور. ومنهم من يقول لرجل، ولم يعينوه) (انتهى). يصف الراجز قوما نزل بهم فأطالوا انتظاره في إطعامه. ثم جاءوه بضيح. وفي (جامع الشواهد)، وغيره: (جاؤوا بمذق)، ومعناهما واحد (*).

[ 69 ]

ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم تسلية له في تكذيب قومه إياه فقال: (ولقد أرسلنا من قبلك) يا محمد (رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات) أي: بالمعجزات والآيات الباهرات. وههنا حذف تقديره: فكذبوهم، وجحدوأ بآياتنا فاستحقوا العذاب. (فانتقمنا من الذين أجرموا) أي: عاقبناهم بتكذيبهم (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) معناه: ودفعنا السوء والعذاب عن المؤمنين، وكان واجبا علينا نصرهم، بإعلاء الحجة، ودفع الأعداء عنهم. إلا أنه دل على المحذوف قوله (وكان حقا علينا نصر المؤمنين). وجاءت الرواية عن أم الدرداء أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ما من امرى مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة) ثم قرأ (وكان حقا علينا نصر المؤمنين). ثم قال سبحانه مفسرا لما أجمله في الآية المتقدمة: (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا) أي: فتهيج سحابا فتزعجه (فيبسطه) الله (في السماء كيف يشاء) إن شاء بسطه مسيرة يوم، وإن شاء بسطه مسيرة يومين، ويجريها إلى أي جهة شاء، وإلى أي بلد شاء (ويجعله كسفا) أي: قطعا متفرقة، عن قتادة. وقيل: متراكبا بعضه على بعض حتى يغلظ، عن الجبائي. وقيل: قطعا تغطي ضوء الشمس، عن أبي مسلم. (فترى الودق) أي: القطر (يخرج من خلاله) أي: من خلال السحاب (فإذا أصاب به) أي: بذلك الودق (من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) أي: يفرحون، ويبشر بعضهم بعضا به (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين) معناه: وإنهم كانوا من قبل إنزال المطر عليهم، قانطين آيسين من نزول المطر، عن قتادة. وكرر كلمة (من قبل) للتوكيد، عن الأخفش. وقيل: إن الأول من قبل الإنزال للمطر، والثاني من قبل الإرسال للرياح. (فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض) حتى أنبت شجرا ومرعى (بعد موتها) أي: بعد أن كانت مواتا يابسة، جعل الله سبحانه اليبس والجدوبة بمنزلة الموت، وظهور النبات فيها بمنزلة الحياة توسعا. (إن ذلك لمحي الموتى) أي: إن الله تعالى يفعل ما ترون، وهو الله تعالى، ليحي الموتى في الآخرة بعد كونهم رفاتا (وهو على كل شئ قدير) مر معناه. (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فإنك لا

[ 70 ]

تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهد العمى عن ضللتهم إن تسمع إلا من يومن بايتنا فهم مسلمون (53) الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذ لك كانوا يؤفكون (55). القراءة: قرأ ابن كثير، وعباس، عن أبي عمرو: (ولا يسمع الصم) والباقون: (ولا تسمع الصم) وقد ذكرناه في سورة النمل. وقرأ عاصم، وحمزة: (من ضعف) بالضم. والباقون بفتح الضاد. وقد ذكرناه في سورة الأنفال. الاعراب: جواب الشرط من قوله (ولئن أرسلنا) قد حذف، لأنه قد أغنى عنه جواب القسم، لأن المعنى في قوله (لظلوا) ليظلن كما أن قوله (إن أرسلنا) بمعنى أن نرسل. فجواب القسم قد ناب عن الأمرين، وكان أحق بالحكم لتقدمه على الشرط. ولو تقدم الشرط لكان الجواب له كقولك: إن أرسلنا ريحا فظلوا والله يكفرون. واللام في قوله (ولئن) يسميها البصريون لام توطئة القسم، ويسميها الكوفيون لام إنذار القسم، والمعنى: ظل يفعل في صدر النهار، وهو الوقت الذي فيه الظل للشمس. المعنى: ثم عاب سبحانه كافر النعمة فقال: (ولئن أرسلنا ريحا) مؤذنة بالهلاك باردة (فرأوه مصفرا) أي: فرأوا النبت والزرع الذي كان من أثر رحمة الله مصفرا من البرد بعد الخضرة والنضارة. وقيل: إن الهاء يعود إلى السحاب، ومعناه: فرأوا السحاب مصفرا، لأنه إذا كان كذلك، لم يكن فيه مطر (لظلوا من بعده يكفرون) أي: لصاروا من بعد أن كانوا راجين مستبشرين، يكفرون بالله وبنعمته، ولم يرضوا بقضاء الله تعالى فيه، فعل من جهل صانعه ومدبره، ولا يعلم أنه حكيم لا يفعل إلا الأصلح، فيشكر عند النعمة، ويصبر عند الشدة. ثم قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (فإنك لا تسمع) يا محمد (الموتى ولا تسمع الصم الدعاء) شبه الكفار في ترك تدبرهم فيما يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة

[ 71 ]

بالأموات، وتارة بالصم، لأنهم لا ينتفعون بدعاء الداعي، فكأنهم لا يسمعونه. (إذا ولوا مدبرين) أي: إذا أعرضوا عن أدلتنا، ذاهبين إلى الضلال والفساد، غير سالكين سبيل الرشاد. (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) يعني: إنهم كالعمي لا يهتدون بالأدلة، ولا تقدر على ردهم عن العمى، إذ لم يطلبوا الإستبصار. (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) ليس تسمع إلا من يصدق بآياتنا وأدلتنا، فإنهم المنتفعون بدعائك وإسماعك. (فهم مسلمون) منقادون لأمر الله. ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأدلة فقالى: (الله الذي خلقكم من ضعف) أي: من نطف. وقيل: معناه خلقكم أطفالا لا تقدرون على البطش، والمشي، والتصرفات. (ثم جعل من بعد ضعف قوة) أي: شبابا. (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) يعني: حال الشيخوخة، والكبر (يخلق ما يشاء) من ضعف وقوة (وهو العليم) بما فيه مصالح خلقه (القدير) على فعله بحسب ما يعلمه من المصلحة. ثم بين سبحانه حال البعث فقال: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون) أي: يحلف المشركون (ما لبثوا) في القبور (غير ساعة) واحدة، عن الكلبي، ومقاتل. وقيل: يحلفون ما مكثوا في الدنيا غير ساعة لاستقلالهم مدة الدنيا. وقيل: يحلفون ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر غير ساعة، عن الجبائي. ومتى قيل: كيف يحلفون كاذبين مع أن معارفهم في الآخرة ضرورية ؟ قيل فيه أقوال أحدها: إنهم حلفوا على الظن، ولم يعلموا لبثهم في القبور، فكأنهم قالوا: ما لبثنا غير ساعة في ظنوننا، عن أبي علي، وأبي هاشم. وثانيها: إنهم استقلوا الدنيا لما عاينوا من أمر الآخرة، فكأنهم قالوا: ما الدنيا في الآخرة إلا ساعة، فاستقلوا حيث اشتغلوا في المدة اليسيرة بما أوردهم تلك الأهوال الكثيرة وثالثها: إن ذلك يجوز أن يقع منهم قبل إكمال عقولهم، عن أبي بكر بن الإخشيد. (كذلك كانوا يؤفكون) في دار الدنيا أي: يكذبون. وقيل: يصرفون. صرفهم جهلهم عن الحق في الدارين. ومن استدل في هذه الآية على نفي عذاب القبر، فقد أبعد لما بينا أنه يجوز أن يريدوا أنهم. لم يلبثوا بعد عذاب الله إلا ساعة. (وقال الذين أوتوا العلم والايمن لقد لبثتم في كتب الله إلى يوم البعث

[ 72 ]

فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرءان من كل مثل ولئن جئتهم باية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60). القراءة: قرأ أهل الكوفة: (لا ينفع) بالياء. والباقون بالتاء. وكذلك في حم المؤمن. ووافق نافع أهل الكوفة في. حم المؤمن. الحجة: قال أبو علي: التأنيث حسن لأن المعذرة إسم مؤنث. وأما التذكير فلأن التأنيث غير حقيقي. وقد وقع الفصل بين الفعل وفاعله، والفصل يحسن التذكير. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن علماء المؤمنين في ذلك اليوم فقال: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) أي: آتاهم الله العلم بما نصب لهم من الأدلة الموجبة له، فنظروا فيها، فحصل لهم العلم، فلذلك أضافه إلى نفسه، لما كان هو الناصب للأدلة على العلوم، والتصديق بالله وبرسوله. (لقد لبثتم) أي: مكثتم (في كتاب الله) ومعناه إن لبثكم ثابت في كتاب الله، ثبته الله فيه، وهو قوله (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). وهذا كما يقال: إن كل ما يكون فهو في اللوح المحفوظ أي: هو مثبت فيه، والمراد لقد لبثتم في قبوركم. (إلى يوم البعث). وقيل: إن الذين أوتوا العلم والإيمان هم الملائكة. وقيل: هم الأنبياء. وقيل: هم المؤمنون. وقيل: إن هذا على التقديم، وتقديره: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله، وهم الذين يعلمون كتاب الله والإيمان، لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال الزجاج: في كتاب الله أي: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ (فهذا يوم البعث) الذي كنتم تنكرونه في الدنيا. (ولكنكم كنتم لا تعلمون) وقوعه في الدنيا فلم ينفعكم العلم به الآن. ويدل على هذا المعنى قوله (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا) أنفسهم بالكفر (معذرتهم) فلا يمكنون من

[ 73 ]

الإعتذار، ولو اعتذروا لم يقبل عذرهم (ولا هم يستعتبون) أي: لا يطلب منهم الإعتاب والرجوع إلى الحق. (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي: بالغنا في البيان للمكلفين في هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا من كل مثل يدعوهم إلى التوحيد والإيمان. (ولئن جئتهم بآية) أي: معجزة باهرة مما اقترحوها منك (ليقولن الذين كفروا إن انتم إلا مبطلون) أي: أصحاب أباطيل. وهذا إخبار عن عناد القوم وتكذيبهم بالآيات (كذلك) أي مثل ما طبع الله على قلوب هؤلاء (يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) توحيد الله. والطبع والختم مفسران في سورة البقرة (فاصبر) يا محمد على أذى هؤلاء الكفار، وإصرارهم على كفرهم (إن وعد الله حق) بالعذاب والتنكيل لأعدائك، والنصر والتأييد لك، ولدينك. (ولا يستخفنك) أي: لا يستفزنك (الذين لا يوقنون) بالبعث والحساب فهم ضالون شاكون. وقيل: لا يستخفنك أي: لا يحملنك كفر هؤلاء على الخفة والعجلة، لشدة الغضب عليهم، لكفرهم بآياتنا، فتفعل خلاف ما أمرت به من الصبر والرفق، عن الجبائي.

[ 74 ]

31 - سورة لقمان مكية وآياتها اربع وثلاثون مكية عن ابن عباس، سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) إلى آخرهن. عدد آيها: ثلاث وثلاثون آية حجازي، أربع في الباقين. إختلافها: آيتان الم كوفي، مخلصين له الدين بصري شامي. فضلها: أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ومن قرأ سورة لقمان، كان لقمان له رفيقا يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرا بعدد من عمل بالمعروف، وعمل بالمنكر). وروى محمد بن جبير العزرمي، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قرأ سورة لقمان في كل ليلة، وكل الله به في ليلته ثلاثين ملكا يحفظونه من إبليس وجنوده حتى يصبح، فإن قرأها بالنهار لم يزالوا يحفظونه من إبليس وجنوده، حتى يمسي. تفسيرها: لما ختم الله سورة الروم بذكر الآيات الدالة على صحة نبوته، افتتح هذه السورة بذكر آيات القرآن، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (الم (1) تلك ءايت الكتب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالأخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى

[ 75 ]

عليه ءايتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم جنت النعيم (8) خلدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السموت بغير عمد ترونها وألقى في الارض روسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10). القراءة: قرأ حمزة: (ورحمة) بالرفع. والباقون: (ورحمة) بالنصب. وقرأ أهل الكوفة، غير أبي بكر ويعقوب: (ويتخذها) بالنصب. والباقون بالرفع. وقد ذكرنا فيما تقدم أن ابن كثير، وأبا عمرو، ويعقوب، قرؤوا: (ليضل) بفتح الياء. وإن نافعا يقرأ (الأذن) بسكون الذال كل القرآن. الحجة: قال أبو علي والزجاج: وجه النصب في (ورحمة): أنه انتصب عن الإسم المبهم على الحال أي: تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة، والرفع على إضمار المبتدأ أي: هو هدى ورحمة. ومن رفع (ويتخذها) جعله عطفا على الفعل الأول أي: من يشتري ويتخذ. ومن نصب عطفه على ليضل، ويتخذها. وأما الضمير في (يتخذها)، فيجوز أن يكون للحديث لأنه بمعنى الأحاديث. ويجوز أن يكون للسبيل، لأن السبيل يؤنث. قال: (قل هذه سبيلي). ويجوز أن يكون لآيات الله. وقد جرى ذكرها في قوله: (تلك آياث الكتاب). الاعراب: مفعول (يضل)، محذوف أي: ليضل الناس. (بغير علم) في موضع النصب على الحال، تقديره: ليضل الناس جاهلا، أو غير عالم. (كأن لم يسمعها): الكاف في موضع الحال وكذا قوله (كأن في أذنيه وقرا) في موضع الحال أي: ولى مستكبرا مشبها للصم. (لهم جنات النعيم): جنات ترتفع بالظرف على المذهبين، لأنه جرى خبرا على المبتدأ. (وعد الله): مصدر فعل محذوف. و (حقا): صفة للمصدر، وتقديره: وعد الله وعدا حقا. (بغير عمد): يجوز أن يكون غير صفة لمحذوف مجرور بالياء أي. بعمد غير عمد ترونها. و (ترونها): جملة في موضع جر بكونها صفة لعمد أي: بغيرعمد مرئية. ويجوز أن يكون غير

[ 76 ]

بمعنى لا، وعلى الوجهين يتعلق الباء بخلق. ويجوز أن يكون الباء للحال، فيكون حالا من السموات. ويجوز وجه آخر وهو: أن يتعلق الباء بترون، والجملة في موضع نصب على الحال من خلق. فالتقدير: خلق السموات مرئية بغير عمد. (أن تميد): في موضع نصب بأنه مفعول له، وتقديره حذر أن تميد، وكراهة أن تميد. النزول: نزل قوله (ومن الناس من يشتري لهو الحديث): في النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، كان يتجر فيخرج إلى فارس، فيشتري أخبار الأعاجم، ويحدث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم، وإسفنديار، وأخبار الأكاسرة. فيستمعون حديثه، ويتركون استماع القرآن، عن الكلبي. وقيل: نزل في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا ونهارا، عن ابن عباس. ويؤيده ما رواه أبو امامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، وأثمانهن حرام، وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: (ومن الناس من يشتري) الآية، والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته (1) يتغنى إلا ارتدفه شيطانان يضربان أرجلهما على صدره وظهره حتى يسكت). المعنى: (الم تلك آيات الكتاب الحكيم) تقدم تفسيره (هدى ورحمة للمحسنين) أي: بيان ودلالة ونعمة للمطيعين. وقيل: للموحدين. وقيل: للذين يحسنون العمل. ثم وصفهم فقال: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) إلى قوله (هم المفلحون) قد مر تفسيره في سورة البقرة. ثم وصف الذين حالهم تخالف حال هؤلاء فقال: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) أي: باطل الحديث، وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء. وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وأبي الحسن الرضا عليه السلام، قالوا: منه الغناء. وروي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: هو الطعن بالحق، والإستهزاء به، وما كان أبو جهل وأصحابه يجيئون به إذ قال: يا معشر قريش ألا أطعمكم من الزقوم الذي يخوفكم به صاحبكم ؟ ثم أرسل إلي زبدا


(1) عقيرة الرجل: صوته إذا غنى، وقيل: أصله أن رجلا عقرت رجله، فوضع العقيرة على الصحيحة بكى عليها بأعلى صوته، فقيل: رفع عقيرته ثم كثر ذلك حتى صير الصوت بالغناء عقيرة (*).

[ 77 ]

وتمرا فقال: هذا هو الزقوم الذي يخوفكم به. قال: ومنه الغناء. فعلى هذا فإنه يدخل فيه كل شئ يلهي عن سبيل الله، وعن طاعته من الأباطيل والمزامير والملاهي، والمعازف. ويدخل فيه السخرية بالقرآن، واللغو فيه، كما قاله أبو مسلم، والترهات، والبسابس على ما قاله عطا، وكل لهو ولعب على ما قاله قتادة. والأحاديث الكاذبة والأساطير الملهية عن القرآن على ما قاله الكلبي. وروى الواحدي بالإسناد عن نافع، عن ابن عمر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) قال: باللعب والباطل كثير النفقة، سمح فيه، ولا تطيب نفسه بدرهم يتصدق به. وروي أيضا بالإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة) قيل: وما الروحانيون يا رسول الله ؟ قال: قراء أهل الجنة. (ليضل عن سبيل الله) أي: ليضل غيره، ومن أضل غيره فقد ضل هو، ومن قرأ بفتح الياء، فالمعنى ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يكن يشتري للضلال، فإنه يصير أمره إلى ذلك. قال قتادة: حسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق وسبيل الله قراءة القرآن، وذكر الله، عن ابن عباس. (بغير علم) معناه: إنه جاهل فيما يفعله لا يفعل عن علم (ويتخذها هزوا) أي: ويتخذ آيات القرآن هزوا، أو ويتخذ سبيل الله هزوا يستهزأ بها (أولئك لهم عذاب مهين) أي: مضل يهينهم الله به (وإذا تتلى عليه آياتنا) أي: وإذا قرئ عليه القرآن (ولى مستكبرا كأن لم يسمعها) أي: أعرض عن سماعه إعراض من لا يسمعه، رافعا نفسه فوق مقدارها. (كأن في أذنيه وقرا) أي: كأن في مسامعه ثقلا يمنعه عن سماع تلك الآيات (فبشره) يا محمد (بعذاب أليم) أي: مؤلم موجع في القيامة. ثم أخبر سبحانه عن صفة المؤمنين المصدقين فقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم) يوم القيامة، يتنعمون فيها. (خالدين فيها) أي. مؤبدين في تلك الجنات (وعد الله حقا) أي: وعدا وعده الله حقا، لا خلف له. (وهو العزيز) في انتقامه (الحكيم) في جميع أفعاله وأحكامه، لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة. ثم أخبر سبحانه عن أفعاله الدالة على توحيده فقال: (خلق السموات) أي: أنشأها واخترعها (بغير عمد ترونها) إذ لو كان لها عمد لرأيتموها، لأنها لو كانت تكون أجساما عظاما حتى يصح منها أن تقل السموات، ولو كانت كذلك

[ 78 ]

لاحتاجت إلى عمد اخر فكان يتسلسل، فإذا لا عمد لها. وقيل: إن المراد بغير عمد مرئية، والمعنى: إن لها عمدا لا ترونها، عن مجاهد. والصحيح الأول. (وألقى في الأرض رواسي) أي: جبالا ثابتة (أن تميد بكم) أي: كراهة أن تميد بكم. وقيل: لئلا تميد بكم (وبث فيها) أي: فرق فيها أي في الأرض (من كل دابة) تدب على وجهها من أنواع الحيوانات (وأنزلنا من السماء ماء) أي: غيثا ومطرا (فأنبتنا فيها) أي: في الأرض بذلك الماء (من كل زوج) أي: صنف (كريم) أي: حسن النبتة، طيب الثمرة. (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظلمون في ضلل مبين (11) ولقد ءاتينا لقمن الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنى حميد (12) وإذ قال لقمن لابنه وهو يعظه يبنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسن بولديه حملته أمه وهنا على وهن وفصله في عامين أن اشكر لي ولولديك إلى المصير (14) وإن جهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدينا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15). القراءة: قرأ ابن كثير في رواية البزي: (يا بني لا تشرك بالله) ساكنة الياء. (يا بني إنها) مكسورة الياء (يا بني أقم الصلاة) مفتوحة الياء. وقرأ في. رواية القواس: (يا بني انها) مكسورة الياء. وقرأ ابن فليج: (يا بني لا تشرك) (يا بني انها) مكسورة الياء فيهما (يا بني أقم) مفتوحة الياء. وقرأ حفص: (يا بني) بفتح الياء في كل القرآن. والباقون بكسر الياء في كل القرآن. وفي الشواذ قراءة عيسى الثقفي، ورواية بعضهم عن أبي عمرو: (وهنا على وهن) بفتح الهاء. وقراءة الحسن بخلاف، وأبي رجا، والجحدري، وقتادة، ويعقوب: (وفصله في عامين). الحجة: قال أبو علي: من أسكن الياء في الوصل: فإنه يجوز أن يكون على

[ 79 ]

قول من قال: يا غلام أقبل. فلما وقف قال: يا غلام، فأسكن للوقف. ويكون أجرى الوصل مجرى الوقف وهذا يجئ في الشعر كقول عمران بن حطان: قد كنت عندك حولا لاتروعني فيه روائع من إنس، ومن جان فإنما خفف جان للقافية. ثم وصل بحرف الإطلاق وأجرى الوصل مجرى الوقف. وهذا لا نعلم جاء في الكلام. ومن قال (يا بني انها) فهو على قولك: يا غلام أقبل. ومن قال (يا بني) بفتح الياء فإنه على قولك (يا بنيا)، فأبدل ياء الإضافة ألفا، ومن الكسرة فتحة. وعلى هذا حمل أبو عثمان قوله: (يا أبت) وقد تقدم ذكر ذلك فيما سلف. ومن قرأ (وهنا على وهن) بفتح الهاء، فيمكن أن يكون حرك الهاء لأجل حرف الحلق كقراءة الحسن: (إلى يوم البعث فهذا يوم البعث) بفتح العين. وأما الفصل فإنه أعم من الفصال، لأنه يستعمل في الرضاع وغيره. والفصال ههنا أوجه لأن الموضع مختص بالرضاع. الاعراب: (فأروني ماذا خلق الذين من دونه)، تقديره: أي شئ خلق. فماذا بمنزلة إسم واحد في موضع نصب بأنه مفعول (خلق). والجملة معلقة بأروني. (أن اشكر لله) قال الزجاج معناه: لأن يشكر لله. ويجوز أن تكون أن مفسرة، فيكون المعنى: أن اشكر لله. وتأويل أن اشكر: قلنا له اشكر الله على ما آتاك. (حملته أمه): جملة في موضع النصب على الحال بإضمار قد والعامل في الحال معنى الفعل الذي يدل عليه قوله (ووصينا الإنسان بوالديه)، فإن معناه أمرناه، بالإحسان إلى والديه، وحاله أنه كان محمولا لأمه، ومثله قوله (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) أي: وحالكم أنكم كنتم أمواتا. (وهنا): مصدر فعل محذوف في موضع الحال أي: تهن وهنا. وقوله (على وهن): في موضع الصفة لقوله (وهنا). ويجوز أن يتعلق أيضا بالعامل في (وهنا). وقوله (معروفا): صفة لمصدر محذوف، وتقديره: مصاحبا معروفا بمعنى مصاحبة معروفة. المعنى: ثم أشار سبحانه إلى ما تقدم ذكره فقال: (هذا خلق الله) أي: هذا الذي ذكرت من السموات على عظمها، وكبر حجمها، والأرض وما فيها، خلق الله الذي أوجده وأحدثه. (فأروني ماذا خلق الذين من دونه) يعني آلهتهم التي يعبدونها (بل الظالمون في ضلال مبين) المعنى: إنهم لا يجدون لهذا الكلام جوابا. ولا يمكنهم أن يشيروا إلى شئ هو خلق آلهتهم، فلم يحملهم على عبادتهم خلقها

[ 80 ]

لشئ، ولكنهم في عدول ظاهر عن الحق. ولما ذكر سبحانه الأدلة الدالة على توحيده وقدرته وحكمته، بين عقيب ذلك قصة لقمان، وأنه أعطاه الحكمة فقال: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) أي أعطيناه العقل والعلم والعمل به، والإصابة في الأمور. واختلف فيه فقيل: إنه كان حكيما، ولم يكن نبيا، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وأكثر المفسرين. وقيل: إنه كان نبيا، عن عكرمة والسدي والشعبي، وفسروا الحكمة هنا بالنبوة. وقيل: إنه كان عبدا أسود حبشيا، غليظ المشافر، مشقوق الرجلين في زمن داود عليه السلام وقال له بعض النالس: ألست كنت ترعى معنا ؟ فقال: نعم. قال: فمن أين أوتيت ما أرى ؟ قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. وقيل: إنه كان ابن أخت أيوب، عن وهب. وقيل: كان ابن خالة أيوب، عن مقاتل. وروي عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (حقا أقول: لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه، ومن عليه بالحكمة، كان نائما نصف النهار، إذ جاءه نداء: يا لقمان ! هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس بالحق ؟ فأجاب الصوت: إن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم أنه إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني. فقالت الملائكة بصوت لا يراهم. لم يا لقمان ؟ قال: لأن الحكم أشد المنازل وآكدها، يغشاه الظلم من كل مكان، إن وقي فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة. ومن يكن في الدنيا ذليلا، وفي الآخرة شريفا، خير من أن يكون في الدنيا شريفا، وفي الآخرة ذليلا. ومن يختر الدنيا على الآخرة، تفته الدنيا، ولا يصيب الآخرة. فتعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه يتكلم بها. ثم كان يؤازر داود بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة وصرفت عنك البلوى). (أن اشكر لله) معناه. وقلنا له اشكر لله تعالى على ما أعطاك من الحكمة (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) أي: من يشكر نعمة الله، ونعمة من أنعم عليه، فإنه إنما يشكر لنفسه، لأن ثواب شكره عائد عليه، ويستحق مزيد النعمة، والزيادة الحاصلة بالشكر تكون له (ومن كفر فإن الله غني) عن شكر الشاكرين (حميد)


(1) جمع المشفر: الشفة (*).

[ 81 ]

أي: محمود على أفعاله. وقيل: مستحمد إلى خلقه بالإنعام عليهم، والشكر لا يكون إلا على نعمة سبقت، فهو يقتضي منعما. فعلى هذا لا يصح أن يشكر الإنسان نفسه، كما لا يصح أن يكون منعما على نفسه، ويجري مجرى الدين في أنه حق لغيره عليه، يلزمه أداؤه. فكما لا يصح أن يقرض نفسه، فكذلك لا يصح أن ينعم على نفسه. (وإذ قال لقمان لابنه) معناه. وأذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه. ويجوز أيضا أن يتعلق إذ بقوله (ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال لابنه) (وهو يعظه) أي: يؤدبه ويذكره أي في حال ما يعظه (يا بني لا تشرك بالله) أي: لا تعدل بالله شيئا في العبادة (إن الشرك لظلم عظيم) أصل الظلم النقصان ومنع الواجب، فمن أشرك بالله فقد منع ما وجب لله عليه من معرفة التوحيد، فكان ظالما. وقيل: إنه ظلم نفسه ظلما عظيما بأن أو بقها (ووصينا الإنسان بوالديه) لما قدم الأمر بشكر النعمة أتبعه بالتنبيه على وجوب الشكر لكل منعم فبدأ بالوالدين أي: أمرناه بطاعة الوالدين وشكرهما، والإحسان إليهما. وإنما قرن شكرهما بشكره لأنه الخالق المنشئ، وهما السبب في الإنشاء والتربية. ثم بين سبحانه زيادة نعمة الام، فقال: (حملته أمه وهنا على وهن) معناه ضعفا على ضعف، عن الضحاك، والحسن، يعني: ضعف نطفة الوالد على ضعف نطفة الأم، عن أبي مسلم. وقيل: لأن الحمل يؤثر فيها، فكلما ازداد الحمل، ازدادت ضعفا على ضعف. وقيل: لأنها ضعيفة الخلقة، فازدادت ضعفا بالحمل. وقيل: وهنا على وهن أي: شدة على شدة، وجهدا على جهد، عن ابن عباس، وقتادة. (وفصاله في عامين) أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين، لأن العامين جملة مدة الرضاع، فهو كقوله (يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) والمراد أنها بعد ما تلده ترضعه عامين وتربية فتلحقها المشقة بذلك أيضا (أن اشكر لي ولوالديك) هذا تفسير قوله (ووصينا الإنسان) أي: وصيناه بشكرنا وشكر والديه. فشكر الله سبحانه بالحمد والطاعة، وشكر الوالدين بالبر والصلة. (إلي المصير) وفيه تهديد أي: إلي مرجعكم فأجازيكم على حسب أعمالكم (وإن جاهداك) أيها الإنسان أي: جاهدك والداك. (على أن تشرك بي) معبودا آخر، فلا تطعهما، وهو قوله: (ما ليس لك به

[ 82 ]

علم) لأن ما يكون حقا تعلم صحته، فما لا تعلم صحته فهو باطل، فكأنه قال: فإن دعواك إلى باطل (فلا تطعهما) في ذلك (وصاحبهما في الدنيا معروفا) أي: وأحسن إليهما، وأرفق بهما في الأمور الدنيوية، وإن وجبت مخالفتهما في أبواب الدين لمكان كفرهما (واتبع سبيل من أناب إلي) أي: واسلك طريقة من رجع إلى طاعتي، وأقبل إلي بقلبه، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون. قال: (ثم إلي) أي: إلى حكمي (مرجعكم) " ومنقلبكم (فأنبئكم) أي: أخبركم (بما كنتم تعملون) في دار الدنيا من الأعمال، وأجازيكم عليها بحسبها. فصل في ذكر نبذ من حكم لقمان: ذكر في التفسير أن مولاه دعاه فقال: إذبح شاة فأتني بأطيب مضغتين منها. فذبح شاة وأتاه بالقلب واللسان (1)، فسأله عن ذلك، فقال: إنهما أطيب شئ إذا طابا، وأخبث شئ إذا خبثا، وقيل: إن مولاه دخل المخرج، فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إن طول الجلوس على الحاجة، يفجع منه الكبد، ويورث منه الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هونا، وقم هونا. قال: فكتب حكمته على باب الحش (2). قال عبد الله بن دينار: قدم لقمان من سفر، فلقي غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي ؟ قال: مات. قال: ملكت أمري. قال: ما فعلت امرأتي ؟ قال: ماتت. قال: جدد فراشي. قال: ما فعلت أختي ؟ قال: ماتت. قال: سترت عورتي. قال: ما فعل أخي ؟ قال: مات قال: انقطع ظهري. وقيل للقمان: أي الناس شر ؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وقيل له: ما أقبح وجهك ؟ قال: تعتب على النقش، أو على فاعل النقش ؟ وقيل: إنه دخل على داود وهو يسرد الدرع. وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت. فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت فقال:


(1) وفي بعض التفاسير كالبيضاوي والثعلبي: (ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأخرج القلب واللسان فسأله عن ذلك فقال...) واحتمل المجلسي (ره) في هامش البحار أنه سقط من الكتاب أيضا. (2) الحش - مثلثة -: المخرج، وأصله من البستان سمي بذلك لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين (*).

[ 83 ]

الصمت حكم وقليل فاعله. فقال له داود: بحق ما سميت حكيما. وفي كتاب من لا يحضره الفقيه قال لقمان لابنه: يا بني ! إن الدنيا بحر عميق، وقد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان بالله، واجعل شراعها التوكل على الله. واجعل زادك فيها تقوى الله. فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك. وروى سليمان بن داود المنقري: عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، في وصية لقمان لابنه: يا بني ! سافر بسيفك، وخفك، وعمامتك، وخبائك، وسقائك، وخيوطك، ومخرزك، وتزود معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقا إلا في معصية الله، عز وجل. يا بني ! إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريما على زادك بينهم، فإذا دعوك فاجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم. واستعمل طول الصمت، وكثرة الصلاة، وسخاء النفس بما معك من دابة، أو ماء، أو زاد. وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك. ثم لا تعزم حتى تتثبت وتنظر، ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد، وتنام وتأكل، وتصلي، وأنت مستعمل فكرتك، وحكمتك في مشورته، فإن من لم يمحض النصيحة من استشاره، سلبه الله رأيه. وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، فإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سنا. وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئا فقل نعم، ولا تقل لا، فإن لا عي ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فانزلوا. وإذا شككتم في القصد فقفوا، وتوامروا. وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم، ولا تسترشدوه، فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب، لعله يكون عين اللصوص، أو يكون هو الشيطان الذي حيركم. واحذروا الشخصين أيضا إلا أن تروا ما لا أرى، لأن العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشئ، صلها واسترح منها، فإنها دين، وصل في جماعة ولو على رأس زج (1) ولا تنامن على دابتك، فإن ذلك


(1) الزج: الحديد التي في أسفل الرمح (*)

[ 84 ]

سريع في دبرها، وليس ذلك من فعل الحكماء، إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل، فإذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك، وابدأ بعلفها قبل نفسك، فإنها نفسك (1) وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لونا، وألينها تربة، وأكثرها عشبا، وإذا نزلت فصل ركعتين قبل أن تجلس. وإذا أردت قضاء حاجتك، فابعد المذهب في الأرض. وإذا ارتحلت فصل ركعتين، ثم ودع الأرض التي حللت بها، وسلم على أهلها، فإن لكل بقعة أهلا من الملائكة. وإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتى تبتدئ فتتصدق منه فافعل، وعليك بقراءة كتاب الله ما دمت راكبا، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملا عملا، وعليك بالدعاء ما دمت خاليا، وإياك والسير في أول الليل إلى آخره، وإياك ورفع الصوت في مسيرك. وقال أبو عبد الله عليه السلام: والله ما أوتي لقمان الحكمة لحسب، ولا مال، ولا بسط في جسم، ولا جمال، ولكنه كان رجلا قويا في أمر الله، متورعا في الله، ساكتا سكينا، عميق النظر، طويل التفكر، حديد البصر، لم ينم نهارا قط، ولم يتكئ في مجلس قوم قط، ولم يتفل في مجلس قوم قط، ولم يعبث بشئ قط، ولم يره أحد من الناس على بول، ولا غائط قط، ولا على اغتسال لشدة تستره وتحفظه في أمره، ولم يضحك من شئ قط، ولم يغضب قط، مخافة الإثم في دينه، ولم يمازح إنسانا قط، ولم يفرح بما أوتيه من الدنيا، ولا حزن منها على شئ قط. وقد نكح من النساء، وولد له الأولاد الكثيرة، وقدم أكثرهم أفراطا، فما بكى على موت أحد منهم، ولم يمر بين رجلين يقتتلان، أو يختصمان، إلا أصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتى تحاجزا، ولم يسمع قولا استحسنه من أحد قط إلا سأله عن تفسيره، وعن من أخذه. وكان يكثر مجالسة الفقهاء والعلماء، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين، فيرثي للقضاة بما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لعزتهم بالله، وطمأنينتهم في ذلك، ويتعلم ما يغلب به نفسه، ويجاهد به هواه، ويحترز من السلطان. وكان يداوي نفسه بالتفكر والعبر، وكان لا يظعن إلا فيما


(1) روى الكليني (ره) الحديث في (روضة الكافي) بأدنى اختلاف فيه وليس فيما رواه (فإنها نفسك) راجع الروضة: 348 - 349 (*).

[ 85 ]

ينفعه، ولا ينظر إلا فيما يعنيه، فبذلك أوتي الحكمة، ومنح القضية. (يبنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموت أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يبنى أقم الصلوة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوت لصوت الحمير (19) ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموت وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ولاهدى ولا كتب منير (20). القراءة: قد ذكرنا في سورة الأنبياء، إن قراءة أهل المدينة (مثقال حبة) بالرفع، وقراءة الباقين بالنصب. وقرأ أهل الكوفة، غير عاصم وأبو عمرو ونافع (ولا تصاعر) بالألف. والباقون: (ولا تصعر) بالتشديد. وقرأ أهل المدينة والبصرة غير يعقوب وحفص: (نعمه) على الجمع. والباقون: (نعمة) على الواحد. وفي الشواذ قراءة عبد الكريم الجزري: (فتكن في صخرة) بكسر الكاف. وقراءة يحيى بن عمارة: (وأصبغ) بالصاد (عليكم نعمة ظاهرة وباطنة). الحجة: قال أبو علي: من قرأ (إن تك مثقال) بالرفع، فألحق علامة التأنيث بالفعل، فلأن المثقال هو السيئة، أو الحسنة. فأنث على المعنى، كما قال: (فله عشر أمثالها)، فأنث. ومن قرأ (مثقال) بالنصب فالمعنى: إن تك المظلمة، أو السيئة، أو الحسنة، مثقال حبة، أتى بها الله، وأثاب عليها، أو عاقب. وأما قوله (ولا تصعر) فإنه يشبه أن يكون لا تصعر ولا تصاعر بمعنى، كما قال سيبويه في ضعف وضاعف. وقال أبو الحسن: لا تصاعر لغة أهل الحجاز، ولا تصعر لغة بني تميم. وقال أبو عبيدة: أصله من الصعر الذي يأخذ الإبل في رؤوسها وأعناقها. قال أبو علي: فكأنه يقول لا تعرض عنهم، ولا تزور كازورار الذي به هذا الداء الذي يلوي منه عنقه، ويعرض بوجهه. والنعم: جمع نعمة. فالنعم للكثير،

[ 86 ]

ونعم الله تعالى كثيرة، والمفرد أيضا يدل على الكثرة، قال: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). وأما قوله (ظاهرة وباطنة)، فلا ترجيح فيه لإحدى القراءتين على الاخرى، ألا ترى أن النعم توصف بالظاهرة والباطنة، كما توصف النعمة بذلك. ومن قرأ (فتكن)، فهو من وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنه. ومنه قول امرئ القيس: وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل (1) وقوله (أصبغ): أبدل فيه السين صادا لأجل الغين، كما قالوا سالغ وصالغ. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى الإخبار عن لقمان، ووصيته لابنه، وأنه قال له: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل) معناه: إن فعلة الإنسان من خير أو شر، إن كانت مقدار حبة خردل في الوزن. ويجوز أن يكون الهاء في أنها ضمير القصة كما في قوله (فإنها لا تعمى الأبصار). قال الزجاج: يروى أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر أي مغاص البحر، يقال: مقل يمقل إذا غاص، أيعلمها الله ؟ فقال: إنها أي إن التي سألتني عنها، إن تك مثقال حبة من خردل (فتكن في صخرة) أي فتكن تلك الحبة في جبل، عن قتادة. والمعنى في صخرة عظيمة، لأن الحبة فيها أخفى وأبعد من الإستخراج. (أو في السماوات أو في الأرض) ذكر السماوات والأرض بعد ذكر الصخرة، وإن كان لا بد وأن تكون الصخرة في الأرض على وجه التأكيد، كما قال: (إقرأ باسم ربك الذي خلق) ثم قال: (خلق الإنسان). وقال السدي هذه الصخرة ليست في السماوات، ولا في الأرض، هي تحت سبع أرضين. وهذا قول مرغوب عنه (يأت بها الله) أي: يحضرها الله يوم القيامة، ويجازي عليها أي: يأت بجزاء ما وازنها من خير أو شر. وقيل: معناه يعلمها الله، فيأتي بها إذا شاء، كذلك قليل


(1) البيت من معلقته المعروفة. قوله: (وقد أغتدي) أي أخرج وقت الغدادة. والوكنات: جمع الوكنة: - بتثليث الواو - عش الطائر - والمنجرد: الفرس الماضي في السير، أو القصير الشعر. والأوابد: الوحوش. والهيكل: الفرس العظيم الضخم. وقوله: (قيد الأوابد) يريد أن هذا الفرس لسرعة عدوه، وشدة جريه، يدرك الوحوش ويلحقها، ولا يمكنها من الشراد والنفار، فكأنه يقيدها. (2) وفي المخطوطتين: (في حجرة) بدل (في صخرة) (*).

[ 87 ]

العمل من خير، أو شر يعلمه الله، فيجازي عليه، فهو مثل قوله (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). وروى العياشي بالإسناد عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إتقوا المحقرات من الذنوب، فإن لها طالبا. لا يقولن أحدكم: أذنب وأستغفر الله، إن الله تعالى يقول (إن تك مثقال حبة من خردل) الآية. (إن الله لطيف) باستخراجها (خبير) بمستقرها، عن قتادة. وقيل: اللطيف العالم بالأمور الخفية، والخبير: العالم بالأشياء كلها. (يا بني) إنما صغر اسمه في هذه المواضيع للرقة، والشفقة، لا للتحقير (أقم الصلاة) أي: أد الصلاة المفروضة في ميقاتها بشروطها (وأمر بالمعروف) وهو الطاعة (وانه عن المنكر) وهو كل معصية وقبيح سواء كان من القبائح العقلية، أو الشرعية، فإن المعروف ما يدعو إليه العقل والشرع، والمنكر ما يزجر عنه العقل والشرع. (واصبر على ما أصابك) من المشقة والأذى في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عن علي عليه السلام. وقيل: ما أصابك من شدائد الدنيا ومكارهها، من الأمراض وغيرها، عن الجبائي. (إن ذلك من عزم الأمور) أي: من العقد الصحيح على فعل الحسن، بدلا من القبيح. والعزم: الإرادة المتقدمة للفعل بأكثر من وقت، وهو العقد على الأمر لتوطين النفس على فعله. والتلون في الرأي يناقض العزم. وقيل: معناه أن ذلك من الأمور التي يجب الثبات والدوام عليها. وقيل: العزم القوة، والحزم. الحذر، ومنه المثل الأخير. (في عزم بغير حزم). وقيل: الحزم التأهب للأمر، والعزم. النفاذ فيه، ومنه قيل في المثل: (رو بحزم فإذا استوضحت فاعزم). (ولا تصعر خدك للناس) أي. ولا تمل وجهك من الناس تكبرا، ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا به، وهذا معنى قول ابن عباس وأبي عبد الله عليه السلام. يقال: أصاب البعير صعر أي: داء يلوي منه عنقه، فكأن المعنى لا تلزم خدك للصعر، لأنه لا داء للإنسان أدوى من الكبر. قال: وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من درئه فتقوما (2)


(1) أمر من روى في الأمر: نظر فيه وتفكر. (2) قائله: جرير. والدرء: الميل والعوج، يقول: إذا أمال متكبر خده أذللنا حتى يتقوم ميله. وفي اللسان: (من ميله) مكان (من درئه) (*).

[ 88 ]

وقيل: هو أن يكون بينك وبين إنسان شئ، فإذا لقيته أعرضت عنه، عن مجاهد. وقيل: هو أن يسلم عليك، فتلوي عنقك تكبرا، عن عكرمة. (ولا تمش في الأرض مرحا) أي: بطرا وخيلاء (إن الله لا يحب كل مختال فخور) أي: كل متكبر فخور على الناس. (واقصد في مشيك) أي: إجعل في مشيك قصدا مستويا على وجه السكون والوقار، كقوله (الذين يمشون على الأرض هونا). قال قتادة. معناه تواضع في مشيك. وقال سعيد بن جبير: ولا تختل في مشيك. (واغضض من صوتك) أي: انقص من صوتك إذا دعوت وناجيت ربك، عن عطا. وقيل: لا تجهر كل الجهر، واخفض صوتك ولا ترفعه مطاولا به. (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) أي: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق، عن قتادة. يقال: وجه منكر أي: قبيح. أمر لقمان ابنه بالإقتصاد في المشي والنطق. وروي عن زيد بن علي أنه قال: أراد صوت الحمير من الناس، وهم الجهال، شبههم بالحمير كما شبههم بالأنعام في قوله: (أولئك كالأنعام) وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هي العطسة المرتفعة القبيحة، والرجل يرفع صوته بالحديث رفعا قبيحا، إلا أن يكون داعيا، أو يقرآ القرآن. ثم ذكر سبحانه نعمه على خلقه، ونبههم على معرفتها، فقال: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات) من الشمس والقمر والنجوم (وما في الأرض) من الحيوان والنبات، وغير ذلك مما تنتفعون به، وتتصرفون فيه، بحسب ما تريدون. (وأسبغ عليكم) أي: أوسع عليكم، وأتم عليكم (نعمه ظاهرة وباطنة) فالظاهرة: ما لا يمكنكم جحده من خلقكم، وإحيائكم، وإقداركم، وخلق الشهوة فيكم، وغيرها من ضروب النعم. والباطنة: ما لا يعرفها إلا من أمعن النظر فيها. وقيل: الباطنة مصالح الدين والدنيا مما يعلمه الله، وغاب عن العباد علمه، عن ابن عباس. وفي رواية الضحاك عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فقال: " يا بن عباس ! أما ما ظهر فالإسلام وما سوى الله من خلقك، وما أفاض عليك من الرزق. وأما ما بطن فستر مساوئ عملك، ولم يفضحك به. يا بن عباس ! إن الله تعالى يقول: ثلاثة جعلتهن للمؤمن، ولم تكن له: صلاة المؤمنين عليه من بعد انقطاع عمله، وجعلت له ثلث ماله أكفر به عنه خطاياه، والثالث: سترت مساوى عمله، ولم أفضحه بشئ منه، ولو أبديتها عليه لنبذه أهله فمن سواهم).

[ 89 ]

وقيل: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة: الشفاعة، عن عطا. وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة: نعم الآخرة. وقيل: الظاهرة نعم الجوارح، والباطنة: نعم القلب، عن الربيع. وقيل: الظاهرة ظهور الإسلام، والنصر على الأعداء، والباطنة: الإمداد بالملائكة، عن مجاهد. وقيل: الظاهرة حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة، عن الضحاك. وقيل: الظاهرة القرآن، والباطنة: تأويله ومعانيه. وقال الباقر عليه السلام: النعمة الظاهرة: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به النبي من معرفة الله، عز وجل، وتوحيده. وأما النعمة الباطنة. ولايتنا أهل البيت، وعقد مودتنا. ولا تنافي بين هذه الأقوال، وكلها نعم الله تعالى، ويجوز حمل الآية على الجميع. (ومن الناس من يجادل) أي: يخاصم (في الله بغير علم) بما يقوله (ولا هدى) أي: ولا دلالة وحجة (ولا كتاب منير) أي: ولا كتاب من عند الله ظاهر واضح. وقد مضى هذا مفسرا في سورة الحج. (وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا أولو كان الشيطن يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره الينا مرجعهم فننبئهم بما عملو إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليط (24) ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25). المعنى: لما أخبر سبحانه عمن جادل في الله بغير علم، ولم يذكر النعمة، زاد عقيبه في ذمهم، فقال: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من القرآن، وشرائع الإسلام. (قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبائنا) ذمهم على التقليد. ثم قال منكرا عليهم. (أو لو كان الشيطان يدعوهم) إلى تقليد آبائهم، واتباع ما يدعوهم (إلى عذاب السعير) أدخل على واو العطف همزة الإستفهام على وجه الإنكار. وجواب لو محذوف، تقديره: أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب

[ 90 ]

السعير، لاتبعوهم، والمعنى: إن الشيطان يدعوهم إلى تقليد آبائهم، وترك اتباع ما جاءت به الرسل، وذلك موجب لهم عذاب النار، فهو في الحقيقة يدعوهم إلى النار. ثم قال: (ومن يسلم وجهه إلى الله) أي: ومن يخلص دينه لله، ويقصد في أفعاله التقرب إليه (وهو محسن) فيها، فيفعلها على موجب العلم، ومقتضى الشرع. وقيل: إن إسلام الوجه إلى الله تعالى، هو الإنقياد لله تعالى في أوامره ونواهيه، وذلك يتضمن العلم والعمل. (فقد استمسك بالعروة الوثقى) أي: فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي لا يخشى انفصامها. والوثقى. تأنيث الأوثق. (وإلى الله عاقبة الأمور) أي: وعند الله ثواب ما صنع، عن مجاهد. والمعنى: وإلى الله ترجع أواخر الأمور على وجه لا يكون لأحد التصرف فيها بالأمر والنهي. (ومن كفر) من هؤلاء الناس (فلا يحزنك) يا محمد (كفره) أي: لا يغمك ذلك (إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا) أي: نخبرهم بأعمالهم، ونجازيهم بسوء أفعالهم. (إن الله عليم بذات الصدور) اي: بما تضمره الصدور لا يخفى عليه شئ منه (نمتعهم قليلا) أي: نعطيهم من متاع الدنيا ونعيمها ما يتمتعون به مدة قليلة. (ثم نضطرهم) في الآخرة (إلى عذاب غليظ) أي: ثم نصيرهم مكرهين إلى عذاب يغلظ عليهم، ويصعب. (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن) في جواب ذلك (الله) خلقهما (قل) يا محمد، أو أيها السامع (الحمد لله) على هدايته لنا، وتوفيقه إيانا لمعرفته. وقيل: معناه اشكر الله على دين يقر لك خصمك بصحته، لوضوح دلالته، عن الجبائي. (بل أكثرهم لا يعلمون) ما عليهم من الحجة. (لله ما في السموت والأرض إن الله هو الغنى الحميد (26) ولو أنما في الأرض من شجرة أقلم والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمت الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج اليل في النهار في اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29)

[ 91 ]

ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه البطل وأن الله هو العلى الكبير (30). القراءة: قرأ أبو عمرو ويعقوب: (والبحر) بالنصب. والباقون بالرفع. وقرأ جعفر بن محمد عليه السلام: (والبحر مداده). وفي قراءة ابن مسعود: (وبحر يمده)، وهي قراءة طلحة بن مصرف، وقراءة الحسن والأعرج: (والبحر يمده) بضم الياء. الحجة: قال أبو زيد: أمددت القوم بمال ورجال إمدادا، وقل ماء ركيتنا فمدتها ركية أخرى تمدها. قال أبو عبيدة. وههنا اختصار سبيله لو كتبت كلمات الله بهذه الأقلام، والبحر، ما نفدت. قال أبو علي: والمراد بذلك والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود. قال قتادة: يقول لو كان شجر الأرض أقلاما، ومع البحر سبعة أبحر مدادا، إذا لانكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، قبل أن تنفد عجائب الله وحكمته وخلقه وعلمه. فأما انتصاب البحر من قوله (والبحر يمده). فلأنه معطوف على إسم (أن) وهو (ما في الأرض) فما: اسم (أن)، و (أقلام) خبرها، والتقدير: لو أن شجر الأرض أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر. فإذا عطفت البحر على إسم (أن) فنصبته، كان خبره (يمده)، والراجع إلى (البحر) الضمير المنصوب المتصل بيمد. ومن رفع استأنف، كأنه قال: والبحر هذه حاله فيما قاله سيبويه. وأقول: إذا عطفت البحر على اسم (أن) فنصبته، فالأولى أن يكون خبره محذوفا، ويكون التقدير: ولو أن البحر مدادا، ويمده سبعة أبحر، يكون جملة منصوبة الموضع على الحال، وحذف الخبر الذي هو (مدادا) لدلالة الكلام عليه. وإذا نصبت البحر، أو رفعته، فالمعنى لو كتب ما في مقدور الله، لنفد ذلك قبل نفاد المقدور، ونحو هذا من الجمل قد يحذف لدلالة الكلام عليه كقوله (إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت يا أيها الملأ) والمعنى: فذهب فألقى الكتاب، فقرأته المرأة، أو فقرئ عليها، فقالت: يا أيها الملأ. ومن قرأ (وبحر يمده)، فتقديره وهناك بحر يمده من بعده سبعة أبحر. قال ابن جني: لا يجوز أن يكوت (وبحر) معطوفا على (أقلام)، لأن البحر وما فيه من

[ 92 ]

الماء، ليس من حديث الشجر والأقلام، وإنما هو من حديث المداد، كما قرأ جعفر الصادق عليه السلام مداده. فأما رفع (البحر)، فإن شئت كان معطوفا على موضع (أن) واسمها، كما عطف عليه في قوله: (أن الله برئ من المشركين ورسوله)، وقد مضى ذكر ذلك في موضعه. ومن قرأ (يمده) بضم الياء، فإنه تشبيه بإمداد الجيش، وليس يقوى أن يكون قراءة جعفر بن محمد عليه السلام والبحر مداده أي: زائد فيه، لأن ماء البحر لا يعتد في الشجر والأقلام، لأنه ليس من جنسه، والمداد هناك هو هذا الذي يكتب به. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم من خلقه السماوات والأرض بقوله: (لله ما في السماوات والأرض) أي. له جميع ذلك خلقا وملكا، يتصرف فيه كما يريده، ليس لأحد الإعتراض عليه في ذلك (إن الله هو الغني) عن حمد الحامدين، وعن كل شئ. (الحميد) أي: المستحق للحمد والتعظيم (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) أي: لو كان شجر الأرض أقلاما، وكان البحر مدادا، ويمده سبعة أبحر مثله أي: تزيده بمائها، فكتب بتلك الأقلام والبحور، لتكسرت تلك الأقلام، ونفد ماء البحور، وما نفدت كلمات الله. وقد ذكرنا تفسير (كلمات الله) في سورة الكهف، والأولى أن يكون عبارة عن مقدوراته، ومعلوماته، لأنها إذا كانت لا تتناهى، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عنها لا تتناهى. (إن الله عزيز) في اقتداره على جميع ذلك (حكيم) يفعل من ذلك ما يليق بحكمته. ثم قال: (ما خلقكم ولا بعثكم) يا معشر الخلائق (إلا كنفس واحدة) أي: كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة في قدرته، فإنه لا يشق عليه ابتداء جميع الخلق، ولا إعادتهم بعد إفنائهم. قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا. إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، لحما، فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة ؟ فنزلت الآية. (إن الله سميع) يسمع ما يقول القائلون في ذلك (بصير) بما يضمرونه. (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) أي: ينقص من الليل في النهار، ومن النهار في الليل، عن قتادة. وقيل: معناه أن كل واحد منهما

[ 93 ]

يتعقب الآخر. (وسخر الشمس والقمر) لأنهما يجريان على وتيرة واحدة لا يختلفان (كل يجري لأجل مسمى) قدره الله تعالى (وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق) الذي يجب توجيه العبادة إليه (وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير) أي: القادر القاهر. والآيتان مفسرتان في سورة الحج. (ألم تر أن الفلك تجرى في البحر بنعمت الله ليريكم من ءايته إن في ذلك لأيت لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بئايتنا إلا كل ختار كفور (32) يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير (34). القراءة: في الشواذ قراءة الأعرج: (بنعمات الله) ساكنة العين. الحجة: في جمع فعلة ثلاث لغات: فعلات بسكون العين، وفعلات بفتحها، وفعلات بكسر الفاء والعين. اللغة: الظلل: جمع ظلة، وهو ما أظلك. والختر: أقبح الغدر. والختار: صاحب الختل، والختر. قال عمرو بن معدي كرب: فإنك لو رأيت أبا عمير، ملأت يديك من غدر، وختر (1) ويقال: جزيت عنك أجزي أي: أغنيت عنك، وفيه لغة أخرى: أجزأت عنك، أجزئ، با لهمز.


(1) ملأت يديك: كناية عن الكثيرة، قيل: لأنهم كانوا يعدون الأشياء بأصابعهم، وإذا كان العدد كثيرا استوعب الأصابع (*).

[ 94 ]

الاعراب: (فلما نجاهم): العامل في (لما) معنى مقتصد، وتقديره: إقتصدوا. (واخشوا يوما): إنتصب (يوما) بأنه مفعول به. (لا يجزي): في موضع نصب بأنه صفة يوم، والتقدير لا يجزي فيه والد عن ولده، ولا يكون مولود هو جاز عن والده شيئا. إنتصب (شيئا) بأنه مفعول (جاز) ومفعول (يجزي) محذوف. ويجوز أن يكون سد مسد مفعوليهما جميعا. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم من الأدلة على وحدانيته، ونعمه على بريته، فقال: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله) أي: ألم تعلم أيها الإنسان أن السفن تجري في البحر بنعمة الله عليكم (ليريكم من آياته) أي: بعض أدلته الدالة على وحدانيته. ووجه الدلالة من ذلك أن الله تعالى يجري السفن بالرياح التي يرسلها في الوجوه التي يريدون المسير فيها، ولو اجتمع جميع الخلق ليجروا الفلك في بعض الجهات المخالفة لجهة الرياح، لما قدروا عليه، وفي ذلك أعظم دلالة على أن المجري لها بالرياح هو القادر الذي لا يعجزه شئ. فذلك بعض الأدلة الدالة عليه فلذلك قال (من آياته). (إن في ذلك) أي: في تسخير الفلك، وإجرائها على البحر، وإجراء الريح على وفقها. (لآيات) أي: دلالات (لكل صبار) على مشاق التكليف (شكور) لنعم الله تعالى عليه. وإنما قال ذلك ليدل على أن الصبر على بلائه، والشكر لنعمائه، أفضل الطاعات. قال الشعبي. الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وفي الحديث: (الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر). وعلى هذا فكأنه سبحانه قال: إن ذلك لآيات لكل مؤمن. (وإذا غشيهم) أي: إذا غشي أصحاب السفن الراكبي البحر (موج) وهو هيجان البحر (كالظلل) في ارتفاعه وتغطيته ما تحته. شبه الموج بالسحاب الذي يركب بعضه على بعض، عن قتادة. وقيل: يريد كالجبال، عن مقاتل. (دعوا الله مخلصين له الدين) أي: إن خافوا الغرق والهلاك فأخلصوا في الدعاء لله في هذه الحال. (فلما نجاهم) أي: خلصهم (إلى البر) وسلمهم من هول البحر (فمنهم مقتصد) أي: عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له. وقيل: إن هذا كان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل، وهو إخلاصهم الدعاء في البحر.

[ 95 ]

روى السدي عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة، أمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلا أربعة نفر قال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن أخطل، وقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم ريح عاصفة، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا. فقال عكرمة: لئن لم ينجي في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك علي عهدا، إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، حتى أضع يدي في يده، فلأ جدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم. وقيل: (فمنهم مقتصد) معناه: على طريقة مستقيمة، وصلاح من الأمر، عن ابن زيد. وقيل: ثابت على إيمانه، عن الحسن. وقيل: موف بعهده في البر، عن ابن عباس. وقيل: مقتصد في قوله، مضمر لكفره، عن مجاهد. ثم ذكر الذين تركوا التوحيد في البر فقال: (وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار) بعهده أي: غادر أسوأ الغدر وأقبحه. (كفور) لله في نعمه. ثم خاطب سبحانه جميع المكلفين فقال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده) يعني يوم القيامة لا يغني فيه أحد عن أحد، لا والد عن ولده (ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) كل امرئ تهمه نفسه (إن وعد الله) بالبعث والجزاء، والثواب والعقاب (حق) لا خلف فيه (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) أي: لا يغرنكم الإمهال عن الإنتقام، والامال والأموال عن الإسلام، ومعناه: لا تغتروا بطول السلامة، وكثرة النعمة، فإنهما عن قريب إلى زوال وانتقال. (ولا يغرنكم بالله الغرور) وهو الشيطان، عن مجاهد وقتادة والضحاك. وقيل: هوتمنيك المغفرة في عمل المعصية، عن سعيد بن جبير. وقيل: كل شئ غرك حتى تعصي الله، وتترك ما أمرك الله به، فهو غرور، شيطانا كان أو غيره، عن أبي عبيدة. وفي الحديث: (الكيس من دان نفسه، وعمل لها بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله). وفي الشواذ قراءة سماك بن حرب (الغرور) بضم الغين. وعلى هذا فيكون المعنى: ولا يغرنكم غرور الدنيا بخدعها الباطلة، أو غرور النفس بشهواتها الموبقة (إن الله عنده علم الساعة) أي: استأثر سبحانه به، ولم يطلع عليه أحد من خلقه، فلا يعلم وقت قيام الساعة سواه.

[ 96 ]

(وينزل الغيث) فيما يشاء من زمان أو مكان، والصحيح أن معناه: ويعلم نزول الغيث في مكانه وزمانه، كما جاء في الحديث: (إن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله) وقرأ هذه الآية. (ويعلم ما في الأرحام) أي: ويعلم ما في أرحام الحوامل، أذكر أم أنثى، أصحيح أم سقيم، واحد أو أكثر. (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) أي: ماذا تعمل في المستقبل. وقيل: ما يعلم بقاءه غدا، فكيف يعلم تصرفه. (وما تدري نفس بأي أرض تموت) أي: في أي أرض يكون موته. وقيل: إنه إذا رفع خطوة، لم يدر أنه يموت قبل أن يضع الخطوة أم لا. وإنما قال (بأي أرض): لأنه أراد بالأرض المكان، ولو قال بأية أرض، لجاز. وروي أن ذلك قراءة أبي. وقد روي عن أئمة الهدى عليهم السلام: أن هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى. (إن الله عليم) بهذه الأشياء (خبير) بها.

[ 97 ]

32 - سورة السجدة مكية وآياتها ثلاثون وسميت أيضا سجدة لقمان، لئلا تلتبس بحم السجدة، وهي مكية ما خلا ثلاث آيات فإنها نزلت بالمدينة (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) إلى تمام الآيات. عدد آيها: تسع وعشرون آية بصري، وثلاثون في الباقين. إختلافها: آيتان الم كوفي جديد حجازي شامي. فضلها: أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ومن قرأ (الم تنزيل)، و (تبارك الذي بيده الملك)، فكأنما أحيا ليلة القدر). وروى ليث بن أبي الزبير، عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأ (الم تنزيل)، و (تبارك الذي بيده الملك) قال ليث: فذكرت ذلك لطاوس، فقال: فضلتا على كل سورة في القرآن، ومن قرأهما كتب له ستون حسنة، ومحي عنه ستون سيئة، ورفع له ستون درجة. وروى الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قرأ سورة السجدة في كل ليلة جمعة، أعطاه الله كتابه بيمينه، ولم يحاسبه بما كان منه، وكان من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام. تفسيرها: ختم الله سبحانه السورة التي قبلها بدلائل الربوبية، وافتتح هذه السورة أيضا بها، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (الم (1) تنزيل الكتب لاريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افترئه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما مآ أتهم من نذير من قبلك لعلهم

[ 98 ]

يهتدون (3) الله الذى خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5). الاعراب: (تنزيل الكتاب): خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هدا تنزيل. ويجوز أن يكون (تنزيل الكتاب) مبتدأ، و (لا ريب فيه) خبره. وعلى القول الأول يكون (لا ريب فيه) في موضع نصب على الحال، أو في موضع رفع، على أنه خبر بعد خبر. وقوله: (من رب العالمين): يحتمل الوجهين أيضا. (أم يقولون افتراء) أم ههنا استفهام مستأنف، والتقدير: بل أيقولون. وقوله (ومن ربك) يجوز أن يتعلق بالحق على تقدير هو الذي حق من ربك. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال أي: كائنا من ربك، والعامل فيه (الحق). وذو الحال الضمير المستكن فيه. (لتنذر): اللام يتعلق بما يتعلق به من قوله (ما لكم من دونه من ولي) من الثانية زائدة، والتقدير ما ولي ثبت لكم. و (من دونه): في موضع نصب على الحال مما يتعلق به اللام في (لكم). المعنى: (الم) مفسر في أول البقرة (تنزيل الكتاب) أي: هذه الآيات تنزيل الكتاب الذي وعدتم به (لا ريب فيه) أي. لا شك فيه أنه وحي (من رب العالمين) والمعنى: إنه لا ريب فيه للمهتدين، وإن كان قد ارتاب فيه خلق من المبطلين لا يعتد بهم، لأنه ليس بموضمع الشك. وقيل: معناه أنه زال الشك في أنه كلام رب العزة لعجزهم عن الإتيان بمثله. وقيل: إن لفظه الخبر، ومعناه النهي أي: لا ترتابوا فيه. والريب: أقبح الشك. (أم يقولون) أي: بل يقولون (افتراه) وليس الأمر على ما يقولون (بل هو الحق) نزل عليك (من ربك) والحق: هو كل شئ من اعتقده كان معتقده على ما هو به مما يدعو العقل إلى استحقاق المدح عليه وتعظيمه، فالكتاب حق لأن من اعتقد أنه من عند الله، كان معتقده على ما هو به. والباطل: نقيض الحق. (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) يعني قريشا إذ لم يأتهم نبي قبل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أتى

[ 99 ]

غيرهم من قبائل العرب، مثل خالد بن سنان العبسي. وقيل: يعني أهل الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله، وما خلقهم له من العبادة، عن ابن عباس (لعلهم يهتدون) أي: ليهتدوا. ثم ذكر سبحانه الدلالة على وحدانيته فقال: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) أي: فيما قدره ستة أيام، لأن قبل الشمس لم يكن ليل، ولا نهار. (ثم استوى على العرش) بالقهر والإستعلاء. وهو مفسر في سورة الأعراف. (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع) أي: ليس لكم من دون عذابه ولي أي: قريب ينفعكم، ويرد عذابه عنكم، ولا شفيع يشفع لكم. وقيل: من ولي أي: من ناصر ينصركم من دون الله (أفلا تتذكرون) أي: أفلا تتفكرون فيما قلناه، وتعتبرون به، فتعلموا صحة ما بيناه لكم. (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) أي: خلقهما وما بينهما في هذه المدة، يدبر الأمور كلها، ويقدرها على حسب إرادته فيما بين السماء والأرض، وينزله مع الملك إلى الأرض. (ثم يعرج إليه) الملك أي: يصعد إلى المكان الذي أمره الله تعالى أن يصعد إليه (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) أي: يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة مما يعده البشر، خمس مائة عام نزوله، وخمس مائة عام صعوده. وقرله (يعرج إليه) يعني: إلى الموضع الذي أمره بالعروج إليه، كقول إبراهيم (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) أي: إلى أرض الشام التي أمرني ربي بالذهاب إليها. وقوله: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) يعني إلى المدينة، ولم يكن الله سبحانه بالشام، ولا بالمدينة، ومعناه: إنه ينزل الملك بالتدبير أو الوحي، ويصعد إلى السماء، فيقطع في يوم واحد من أيام الدنيا مسافة ألف سنة مما تعدونه أنتم، لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم، وهذا معنى قول ابن عباس والحسن والضحاك وقتادة، وهو اختيار الجبائي. وقيل: معناه أنه يدبر الأمر سبحانه، ويقضي أمر كل شئ، لألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه إلى ملائكته، فإذا مضى الألف سنة، قضى لألف سنة أخرى، ثم كذلك أبدا، عن مجاهد. وقيل: معناه يدبر أمر الدنيا، فينزل القضاء والتدبير من السماء إلى الأرض، مدة أيام الدنيا، ثم يرجع الأمر، ويعود التدبير إليه بعد انقضاء الدنيا وفنائها، حتى ينقطع أمر الأمراء، وحكم الحكام، وينفرد الله بالتدبير في يوم

[ 100 ]

كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. فالمدة المذكورة مدة يوم القيامة إلى أن يستقر الخلق في الدارين، عن ابن عباس أيضا. فأما قوله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، فإنه أراد سبحانه على الكافر، جعل الله ذلك اليوم مقدار خمسين ألف سنة، فإن المقامات في يوم القيامة مختلفة. وقيل: إن المراد بالأول أن مسافة الصعود والنزول إلى السماء الدنيا في يوم واحد للملك، مقدار مسيرة ألف سنة لغير الملك، من بني آدم، وإلى السماء السابعة مقدار مسيرة خمسين ألف سنة. وقيل: إن الألف سنة للنزول والعروج، والخمسين ألف سنة لمدة القيامة. (ذلك علم الغيب والشهدة العزيز الرحيم (6) الذى أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسن من طين (7) ثم جعل نسله من سللة من ماء مهين (8) ثم سوئه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا أءذا ضللنا في الأرض أءنا لفى خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كفرون (10). القراءة: قرأ أهل الكوفة ونافع وسهل: (خلقه) بفتح اللام. والباقون: (خلقه) بسكون اللام. وفي الشواذ قراءة الزهري. (وبدا خلق الإنسان) بغير همز. وقرأ علي، وابن عباس، وأبان بن سعيد بن العاص، والحسن، بخلاف: (أإذا ضللنا) بالضاد مكسورة اللام. وقرأ الحسن: (صللنا) بالصاد أيضا مفتوح اللام. الحجة: قال أبو علي: خلقه منتصب على أنه مصدر دل عليه ما تقدم من قوله (أحسن كل شئ). فأما الضمير الذي أضيف خلق إليه، فلا يخلو من أن يكون ضمير إسم الله تعالى، أو يكون كناية عن المفعول. فالذي يدل عليه نظائره أن الضمير لإسم الله تعالى، لأنه مصدر لم يسند الفعل المنتصب عنه إلى فاعل ظاهر. وما كان من هذا النحو أضيف المصدر فيه إلى الفاعل، نحو: صنع الله، ووعد الله، وكتاب الله عليكم. فكما أضيف هذه المصادر إلى الفاعل، فكذلك يكون خلقه مضافا إلى ضمير الفاعل، لأن قوله (أحسن كل شئ خلقه) يدل على خلق

[ 101 ]

كل شئ. فإن قلت. كيف يدل قوله (أحسن كل شئ) على خلق كل شئ، وقد نجد أشياء حسنة مما لم يخلقها ؟ قيل: هذا كما قال (خالق كل شئ) فأطلق اللفظ عاما. وروي أن عكرمة سئل عن قوله تعالى (أحسن كل شئ خلقه) فقال: إن إست القرد ليست بحسنة، ولكنه أبرم خلقها أي: أتقن، وما قلناه من أن انتصاب خلقه من المصدر الذي دل عليه فعل متقدم مذهب سيبويه. ويجوز أن يكون (خلقه) بدل من قوله (كل شئ)، فيصير التقدير: الذي أحسن خلق كل شئ. ومن قال (أحسن كل شئ خلقه) كان (خلقه) وصفا للنكرة المتقدمة. وموضع الجملة يحتمل وجهين: النصب على أن يكون صفة لكل، والجر على أن يكون صفة لشئ. وترك الهمزة في (بدا) محمول على البدل، لا على التخفيف القياسي، ومثله بيت الكتاب. راحت بمسلمة البغال عشية فارعي فزارة لاهناك المرتع (1) وتقول على البدل: أبديت إذا أخبرت عن نفسك. وتقول على التخفيف بدات بالألف بلا همزة. وقد مر القول في اختلافهم في قوله (أإذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد) وموضع (إذا): نصب بما دل عليه قوله (أإنا لفي خلق جديد) لأن هذا الكلام يدل على نعاد والتقدير: نعاد إذا ضللنا في الأرض. قال أبو عبيدة: معناه همدنا في الأرض. وقال غيره: صرنا ترابا فلم يتبين شئ من خلقنا. وقوله (صللنا) بالصاد من قولهم: صل اللحم إذا نتن يصل ويصل. والمعنى: إذا دفنا في الأرض، وصلت أجسامنا. وقيل: إن معناه من الصلة وهي الأرض اليابسة، ومنه الصلصال. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم من دلائل وحدانيته، وأعلام ربوبيته، فقال: (ذلك عالم الغيب والشهادة) أي: الذي يفعل ذلك، ويقدر عليه، هو العالم بما يشاهد، وما لا يشاهد، وبما غاب عن الخلق، وما حضر (العزيز) المنيع في ملكه


(1) البيت منسوب إلى الفرزدق، يهجو به عمر بن هبيرة الفزاري أي: المنسوب إلى فزارة، ويخاطبهم يقول: راحت البغال بمسلمة - وهومسلمة بن عبد الملك على ما قيل - فصفى لك العيش يا فزارة. ثم يدعو عليهم ويقول: لا يكن المرعى لك هنيئا (*).

[ 102 ]

(الرحيم) بأهل طاعته (الذي أحسن كل شئ خلقه) أي: أحكم كل شئ خلقه، وأتقنه، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: معناه علم كيف يخلق كل شئ قبل أن خلقه، من غير أن يعلمه أحد، عن مقاتل، والسدي، من قولهم فلان يحسن كذا أي: يعلمه. وقيل: الذي جعل كل شئ في خلقه حسنا حتى جعل الكلب في خلقه حسنا، عن ابن عباس. والمعنى: إنه أحسن خلقه من جهة الحكمة، فكل شئ خلقه وأوجده، فيه وجه من وجوه الحكمة تحسنه. وفي هذا دلالة على أن الكفر والقبائح لا يجوز أن يكون من خلقه. (وبدأ خلق الإنسان من طين) أي ابتدأ خلق آدم الذي هو أول البشر، من طين كان ترابا، ثم صار طينا، ثم صلصالا، ثم حيوانا. (ثم جعل نسله) أي نسل الإنسان الذي هو آدم يعني ولده (من سلالة) وهي الصفوة التي تنسل من غيرها. ويسمى ماء الرجل سلالة، لانسلاله من صلبه. (من ماءمهين) أي: ضعيف، عن قتادة. وقيل: حقير مهان. أشار إلى أنه من شئ حقير لا قيمة له، وإنما يصير ذا قيمة بالعلم والعمل. (ثم سواه) أي: جعله بشرا سويا، وعدله، ورتب جوارحه. (ونفخ فيه) أي: في ذلك المخلوق (من روحه) أضاف الروح إلى نفسه إضافة اختصاص وملك، على وجه التشريف. ثم قال سبحانه مخاطبا لذريته: (وجعل لكم) أيها الخلق (السمع والأبصار) لتسمعوا المسموعات، وتبصروا المبصرات (والأفئدة) أي: وجعل لكم القلوب لتعقلوا بها (قليلا ما تشكرون) أي: تشكرون نعم الله قليلا من كثير. وما: مزيدة. ويجوز أن يكون (ما) مصدرية، فيكون تقديره: قليلا شكركم لهذه النعم. (وقالوا) يعني منكري البعث (أإذا ضللنا في الأرض) أي: غبنا في الأرض، وصرنا ترابا، وكل شئ غلب عليه غيره حتى يغيب فيه، فقد ضل. قال الأخطل: فكنت القذا في موج أكدر مزبد قذف الأتى به، فضل ضلالا (1) وقيل: إن معنى ضللنا هلكنا، عن قتادة ومجاهد. (أإنا لفي خلق جديد) أي: نبعث ونحيى، فهو استفهام معناه الإنكار، والمعنى: كيف نخلق خلقا


(1) القذى: ما يحمله السيل من تبن ونحوه. ومزبد أي: ذو زبد. والأتي: السيل. الجدول قذف رجلا بقلة عنائه في الحرب، لى إنه كان في تلك الحرب بمنزلة القذى قي الماء الكدر الذي يقذف به السيل، أو بعض الجداول، لا يرى له عين، ولا أثر (*).

[ 103 ]

جديدا، ونعاد بعد أن هلكنا. وتفرقت أجسامنا. ثم قال سبحانه: (بل هم) أي: هؤلاء الكفار (بلقاء ربهم) أي: ما وعد ربهم به من الثواب والعقاب (كافرون) أي: جاحدون، فلهذا قالوا هذا القول. (قل يتوفكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صلحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لأتينا كل نفس هدها ولكن حق القول منى لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسينكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون (14) إنما يؤمن بايتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15). اللغة: التوفي: أخذ الشئ على تمام، قال الراجز. إن بني دارم ليسوا من أحد، ولا توفتهم قريش في العدد يقال استوفى الدين. إذا قبضه على كماله. والتوكيل: تفويض الأمر إلى غيره للقيام به. والنكس: قلبك الشئ على رأسه، ويقال في المرض: النكس بضم النون. وأما النكس بكسر النون، فهو السهم ينكس، فيجعل أعلاه أسفله. الاعراب: (ولو ترى إذ المجرمون): يجوز أن يكون مفعول (ترى) محذوفا، فيكون تقديره: ولو ترى المجرمين إذ هم ناكسوا رؤوسهم. ويجوز أن يكون المعنى: لو رأيت ببصرك مثل قوله (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما) فيكون (ترى) عاملا في (إذ)، وجواب (لو) محذوف تقديره. لو رأيت المجرمين على تلك الحالة، رأيت ما تعتبر به غاية الإعتبار. (فذوقوا) أي: فيقال لهم: ذوقوا العذاب بنسيانكم، وهذا في موضع جر على أنه صفة (ليومكم). المعنى: ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (قل) يا محمد للمكلفين

[ 104 ]

(يتوفاكم) أي: يقبض أرواحكم أجمعين. وقيل: يقبضكم واحدا واحدا حتى لا يبقي منكم أحدا (ملك الموت الذي وكل بكم) أي: وكل بقبض أرواحكم، عن ابن عباس قال: جعلت الدنيا بين يدي ملك الموت، مثل جام يأخذ منها ما شاء إذا قضى عليه الموت، من غير عناء، وخطوته ما بين المشرق والمغرب. وقيل: إن له أعوانا كثيرة من ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، عن قتادة والكلبي. فعلى هذا المراد بملك الموت الجنس، ويدل عليه قوله (توفته رسلنا) وقوله: (تتوفاهم الملائكة). وأما إضافة التوفي إلى نفسه في قوله (الله يتوفى الأنفس حين موتها) فلأنه سبحانه خلق الموت، ولا يقدر عليه أحد سواه (ثم إلى ربكم ترجعون) أي: إلى جزاء ربكم من الثواب والعقاب تردون. وجعل ذلك رجوعا إليه، تفخيما للأمر، وتعظيما للحال. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأمراض والأوجاع كلها بريد للموت، ورسل للموت، فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه فقال: يا أيها العبد ! كم خبر بعد خبر، وكم رسول بعد رسول، وكم بريد بعد بريد، أنا الخبر الذي ليس بعدي خبر، وأنا الرسول أجب ربك طائعا، أو مكرها. فإذا قبض روحه، وتصارخوا عليه، قال: على من تصرخون، وعلى من تبكون، فوالله ما ظلمت له أجلا، ولا أكلت له رزقا، بل دعاه ربه، فليبك الباكي على نفسه، فإن لي فيكم عودات وعودات، حتى لا أبقي منكم أحدا). ثم أخبر سبحانه عن حالهم في القيامة، وعند الحساب، فقال: (ولو ترى) يا محمد، أو أيها الإنسان. (إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) أي: يوم القيامة حين يكون المجرمون متطأطئي رؤوسهم ومطرقيها، حياء وندما وذلا. (عند ربهم) أي: عند ما يتولى الله سبحانه خلقه، يقولون: (ربنا أبصرنا وسمعنا) أي: أبصرنا الرشد، وسمعنا الحق. وقيل: معناه أبصرنا صدق وعدك، وسمعنا منك تصديق رسلك. وقيل: معناه إنا قد كنا بمنزلة العمي فأبصرنا، وبمنزلة الصم فسمعنا. (فارجعنا) أي: فارددنا إلى دار التكليف (نعمل صالحا) من الصالحات (إنا موقنون) اليوم لا نرتاب شيئا من الحق والرسالة. ثم قال سبحانه: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الإقرار بالتوحيد، ولكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف، لأن المقصود به

[ 105 ]

استحقاق الثواب، والإلجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب. قال الجبائي: ويجوز أن يكون المراد به. ولو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا من الرد إلى دار التكليف، ليعملوا بالطاعات، ولكن حق القول مني أن أجازيهم بالعقاب، ولا أردهم. وقيل: معناه ولو شئنا لهديناهم إلى الجنة. (ولكن حق القول مني) أي: الخبر والوعيد (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) أي: من كلا الصنفين بكفرهم بالله سبحانه، وجحدهم وحدانيته، وكفرانهم نعمته. والقول من الله سبحانه بمنزلة القسم، فلذلك أتى بجواب القسم، وهو قوله (لأملأن جهنم). ثم حكى سبحانه ما يقال لهؤلاء الذين طلبوا الرجعة إلى دار التكليف، إذا جعلوا في العذاب، بقوله: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) أي: بما فعلتم فعل من نسي لقاء جزاء هذا اليوم، فتركتم ما أمركم الله به، وعصيتموه. والنسيان: الترك، ومنه قول النابغة: (سفود شرب نسوه عند مفتأد) (1) أي: تركوه فلم يستعملوه. قال المبرد: لأنه لو كان المراد النسيان الذي هو ضد الذكر لجاز أن يكونوا استعملوه (إنا نسيناكم) أي: فعلنا معكم فعل من نسيكم من ثوابه أي: ترككم من نعيمه، جزاء على ترككم طاعتنا. (وذوقوا عذاب الخلد) الذي لا فناء له (بما كنتم تعملون) من الكفر والمعاصي. ثم أخبر سبحانه عن حال المؤمنين فقال: (إنما يؤمن بآياتنا) أي: يصدق بالقرآن، وسائر حججنا (الذين إذا ذكروا بها) تذكروا واتعظوا بمواعظها بأن (خروا سجدا) أي: ساجدين شكرا لله سبحانه على أن هداهم بمعرفته، وأنعم عليهم بفنون نعمته (وسبحوا بحمد ربهم) أي: نزهوه عما لا يليق به من الصفات، وعظموه وحمدوه (وهم لا يستكبرون) عن عبادته، ولا يستنكفون من طاعته، ولا يأنفون أن يعفروا وجوههم، صاغرين له.


(1) هذا عجز بيت بصف فيه فرسه وقبله: (كأنه خارجا من جنب صفحته) وهو من قصيدة قالها في مدح نعمان بن المنذر، ويعتذر إليه مما وشى له به المنخل اليشكري، من شأن امرأته المتجردة. واعنبر بعض العلماء هذه القصيدة من المعلقات. سفود: حديدة يشوى عليها اللحم. والشرب: القوم المجتمعون للشراب. والمفتأد: موضع الوقود. وقد مر في الجزء السادس أيضا.

[ 106 ]

تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا طمعا ومما رزقنهم ينففون (16) فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون (18) أما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم جنت المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأو - هم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون (20). القراءة: قرأ حمزة ويعقوب: (ما أخفي لهم) ساكنة الياء. والباقون بفتحها. وروي في الشواذ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن مسعود: (قرات أعين). الحجة: قال أبو علي: الذي يقوي بناء الفعل للمفعول به قوله: (فلهم جنات المأوى نزلا) فأبهم ذلك كما أبهم قوله (أخفي لهم) ولم يسند إلى فاعل بعينه، ولو كان أخفي لكان أعطاهم جنات المأوى. ويقوي قراءة حمزة أن أخفي مثل (آتينا كل نفس هداها)، وقوله: (حق القول مني)، وقوله: (مما رزقناهم ينفقون) وأما (ما) في قوله (ما أخفي) فالأبين فيه أن يكون استفهاما، وهو عندي قياس قول الخليل. فمن قال (أخفي): كان ما عنده مرفوعا بالإبتداء، والذكر الذي في أخفي، يعود إليه. والجملة التي هي (ما أخفي) في موضع نصب. ويعلم: هو الذي يتعدى إلى مفعولين، كما أن قوله (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ) كذالك ومن قال (ما أخفي لهم): فإن (ما): في موضعع نصب بأخفي. والجملة في موضع نصب بيعلم. كما كان في الأول، كذلك، ومثله قوله (فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار وسوف يعلمون من يأتيه عذاب يخزيه) وما أشبه ذلك، يحمل فيه العلم على التعدي إلى مفعولين ومن بعده للاستفهام. وأما قوله (قرات أعين)، فإن القرة مصدر، وكان القياس أن لا يجمع، لأن المصدر إسم الجنس، والأجناس أبعد شئ من الجمعية، لكن جعلت القرة نوعا ههنا فجمع، كما يقال: نحن في أشغال، ولنا علوم.

[ 107 ]

اللغة: التجافي: تعاطي الإرتفاع عن الشئ، ومثله النمو، يقال: جفا عنه يجفو جفاء، وتجافى عنه تجافيا: إذا نبا عنه. قال الشاعر: وصاحبي ذات هباب دمشق، وابن ملاط متجاف أرفق (1) والمضجع: موضع الإضطجاع. وقال عبد الله بن رواحة يصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع الاعراب: (خوفا وطمعا): مفعول له، كما يقال. فعلت ذلك مخافة الشر. قال الزجاج: وحقيقته أنه في موضع المصدر، لأن (يدعون ربهم) هنا: يدل على أنهم يخافون عذابه، ويرجون رحمته، فهو في تأويل يخافون خوفا، ويطمعون طمعا. وقوله (جزاء): منصوب أيضا بأنه مفعول له. (لا يستوون): جواب الإستفهام أي: لا يكون كذلك. والواو الثانية في (يستوون): فاعل من وجه، مفعول من وجه، لأن المعنى لا يساوي هؤلاء أولئك، ولا أولئك هؤلاء. ولو قال لا يستويان لكان جائزا، ولكنه جاء على معنى لا يستوي المؤمنون والكافرون. ويجوز أن يكون (لا يستوون) للإثنين، لأن معنى الإثنين جماعة. (نزلا): نصب على الحال، والعامل فيه ما يتعلق به اللام من لهم. (كلما): ظرف زمان لأعيدوا. المعنى: ثم وصف سبحانه المؤمنين المذكورين في الآية المتقدمة، فقال: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) أي: ترتفع جنوبهم عن مواضع اضطجاعهم لصلاة الليل، وهم المتهجدون بالليل الذين يقومون عن فرشهم للصلاة، عن الحسن ومجاهد وعطا، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهم السلام. وروى الواحدي بالإسناد عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحر، فتفرق القوم، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقربهم مني، فدنوت منه فقلت: يا رسول الله ! أنبئني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار. قال لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان. قال: وإن شئت


(1) الهباب: النشاط. والدمشق: الناقة الخفيفة السريعة. والملاط: الجنب. وابن الملاط: عضد البعير لأنه يلي الجنب (*).

[ 108 ]

أنبأتك بأبواب الخير. قال، قلت: أجل يا رسول الله. قال: الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله. ثم قرأ هذه الآية (تتجافى جنوبهم عن المضاجع). وبالإسناد عن بلال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة الداء عن الجسد). وقيل: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة. قال أنس: نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب، فلا نرجع إلى رحلنا حتى نصلي العشاء الآخرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: هم الذين يصلون ما بين المغرب والعشاء الآخرة، وهي صلاة الأوابين، عن قتادة. وقيل: هم الذين يصلون العشاء والفجر في جماعة. (يدعون ربهم خوفا) من عذاب الله (وطمعا) في رحمة الله (ومما رزقناهم ينفقون) في طاعة الله، وسبيل ثوابه. ووجه المدح في هذه الآية: أن هؤلاء المؤمنين يقطعهم اشتغالهم بالصلاة والدعاء، عن طيب المضجع، لانقطاعهم إلى الله تعالى، فآمالهم مصروفة إليه، واتكالهم في كل الأمور عليه. ثم ذكر سبحانه جزاءهم فقال: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) أي: لا يعلم أحد ما خبئ لهؤلاء الذين ذكروا مما تقر به أعينهم. قال ابن عباس: هذا ما لا تفسير له، فالأمر أعظم وأجل مما يعرف تفسيره. وقد ورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الله يقول أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله (1) ما أطلعتكم عليه اقرؤا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين). رواه البخاري ومسلم جميعا. وقد قيل في فائدة الإخفاء وجوه أحدها: إن الشئ إذا عظم خطره، وجل قدره، لا تستدرك صفاته على كنهه، إلا بشرح طويل، ومع ذلك فيكون إبهامه أبلغ. وثانيها. إن قرة العيون غير متناهية، فلا يمكن إحاطة العلم بتفاصيلها


(1) قال ابن الأثير، في حديث نعيم الجنة: (ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه: بله من أسماء الأفعال بمعنى: دع واترك، والمعنى: دع ما اطلعتم عليه من نعيم الجنة، وعرفتموه من لذاتها. وثقل في اللسان عن ابن الأحمر أنه قال: بله بمعنى كيف، ومعناه: كبف ما اطلعتم عليه (*).

[ 109 ]

وثالثها. إنه جعل ذلك في مقابلة صلاة الليل، وهي خفية، فكذلك ما بإزائها من جزائها، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ما من حسنة إلا ولها ثواب مبين في القرآن، إلا صلاة الليل، فإن الله، عز اسمه، لم يبين ثوابها، لعظم خطرها، قال: (فلا تعلم نفس) الآية. وقرة العين: رؤية ما تقر به العين، يقال: أقر الله عينك أي: صادف فؤادك ما يرضيك، فتقر عينك حتى لا تطمح بالنظر إلى ما فوقه. وقيل: هي من القر أي: البرد لأن المستبشر الضاحك يخرج من شؤون عينيه دمع بارد، والمحزون المهموم يخرج من عينيه دمع حار، ومنه قولهم: سخنت عينه، وهو قرير العين، وسخين العين. وإنما أضاف القرة إلى الأعين على الإطلاق، لا إلى أعينهم تنبيها على أنها غاية في الحسن والكمال، فتقر بها كل عين. (جزاء بما كانوا يعملون) من الطاعات في دار الدنيا (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) هذا استفهام يراد به التقرير أي: أيكون من هو مصدق بالله على الحقيقة، عارفا بالله وبأنبيائه، عاملا بما أوجبه الله عليه، وندبه إليه، مثل من هو فاسق، خارج عن طاعة الله، مرتكب لمعاصي الله. ثم قال: (لا يستوون) لأن منزلة المؤمن درجات الجنان، ومنزلة الفاسق دركات النيران. ثم فسر ذلك بقوله: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى) يأوون إليها (نزلا بما كانوا يعملون) أي: عطاء بما كانوا يعملون، عن الحسن. وقيل: ينزلهم الله فيها نزلا كما ينزل الضيف يعني أنهم في حكم الأضياف. (وأما الذين فسقوا فمأواهم) الذي يأوون إليه (النار) نعوذ بالله منها (كلما أرادوا أن يخرجوا منها) أي: كلما هموا بالخروج منها لما يلحقهم من ألم العذاب (أعيدوا) أي: ردوا (فيها) وقد مر بيانه في سورة الحج. (وقيل لهم) مع ذلك (ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) أي: لا تصدقون به، وتجحدونه. وفي هذا دلالة على أن المراد بالفاسق هنا الكافر المكذب. قال ابن أبي ليلى: نزل قوله (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) الآيات. في علي بن أبي طالب عليه السلام، ورجل من قريش. وقال غيره: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، والوليد بن عقبة. فالمؤمن: علي، والفاسق: الوليد. وذلك انه قال لعلي عليه السلام: أنا أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا. فقال علي عليه السلام: ليس كما

[ 110 ]

تقول يا فاسق. قال قتادة: لا والله ما استووا، لا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة. (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بايت ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد ءاتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلنه هدى لبنى إسرءيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون، بأمرنا لما صبروا وكانوا بايتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (25). القراءة: قرأ حمزة والكسائي ورويس عن يعقوب: (لما صبروا) بكسر اللام، والباقون: (لما) بالتشديد وفتح اللام. الحجة: قال أبو علي: من قرأ لما، فإنه جعله للمجازات، إلا أن الفعل المتقدم أغنى عن الجواب، كها أنك إذا قلت: أجيئك إذا جئت، تقديره إن جئت أجئك. فاستغنيت عن الجواب بالفعل المتقدم على الشرط، فكذلك المعنى هنا لما صبروا جعلناهم أئمة. ومن قال (لما صبروا): علق الجار بجعلنا، والتقدير: جعلنا منهم أئمة لصبرهم. المعنى: ثم أقسم سبحانه في هذه الآية، فقال: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) أما العذاب الأكبر فهو عذاب جهنم في الآخرة. وأما العذاب الأدنى، فهو في الدنيا. واختلف فيه فقيل: إنه المصائب والمحن في الأنفس والأموال، عن أبي بن كعب، وابن عباس، وأبي العالية، والحسن. وقيل: هو القتل يوم بدر بالسيف، عن ابن مسعود، وقتادة، والسدي. وقيل: هو ما ابتلوا به من الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف والكلاب، عن مقاتل. وقيل: هو الحدود، عن عكرمة، وابن عباس. وقيل: هو عذاب القبر، عن مجاهد. وروي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام، والأكثر في الرواية عن أبي جعفر عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام: أن العذاب الأدنى الدابة والدجال.

[ 111 ]

(لعلهم يرجعون) أي: ليرجعوا إلى الحق، ويتوبوا من الكفر. وقيل: ليرجع الآخرون عن أن يذنبوا مثل ذنوبهم. (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه) أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن نبه على حجج الله التي توصله إلى معرفته، ومعرفة ثوابه. (ثم أعرض عنها) جانبا، ولم ينظر فيها. (إنا من المجرمين) الذين يعصون الله تعالى بقطع طاعاته، وتركها (منتقمون) بأن نحل العقاب بهم (ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني التوراة (فلا تكن في مرية من لقائه) أي: في شك من لقائه أي من لقائك موسى ليلة الإسراء بك إلى السماء، عن ابن عباس. وقد ورد في الحديث أنه قال: (رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران، رجلا آدم طوالا جعدا، كأنه من رجال شنؤة (1). ورأيت عيسى بن مريم، رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس). فعلى هذا فقد وعد صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيلقى موسى قبل أن يموت، وبه قال مجاهد والسدي. وقيل: فلا تكن في مرية من لقاء موسى إياك في الآخرة. وقيل: معناه فلا تكن يا محمد في مرية من لقاء موسى الكتاب، عن الزجاج. وقيل: معناه فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى الأذى، عن الحسن. فكأنه قال: فلا تك في مرية من أن تلقى كما لقي موسى. (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) أي: وجعلنا موسى هاديا لهم، عن قتادة. وقيل: وجعلنا الكتاب هاديا لهم، عن الحسن. (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) أي: وجعلنا منهم رؤساء في الخير، يقتدى بهم، يهدون إلى أفعال الخير بإذن الله، عن قتادة. وقيل: هم الأنبياء الذين كانوا فيهم يدلون الناس على الطريق المستقيم بأمر الله (لما صبروا) أي: لما صبروا، وجعلوا أئمة (وكانوا بآياتنا يوقنون) لا يشكون فيها (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة) أي: يحكم بين المؤمن، والكافر، والفاسق. (فيما كانوا فيه يختلفون) من التصديق برسل الله، والإيمان بالبعث والنشور، وغير ذلك من أعمالهم، وأمور دينهم. النظم: وجه اتصال ذكر موسى عليه السلام بما قبله: أن المراد بالآية كما آتيناك القرآن يا محمد فكذبوك، كذلك آتينا موسى التوراة فكذبوه، فهو تسلية لنبي صلى الله عليه وآله وسلم،


(1) قبيلة من اليمن (*).

[ 112 ]

ووعيد للمكذبين به. (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لأيت أفلا يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعمهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صدقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمنهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30). القراءة: قرأ زيد: (أو لم نهد) بالنون. والقراء كلهم على الياء. وقد ذكرناه في سورة الأعراف. وفي الشواذ قراءة ابن السميقع. (يمشون) بضم الياء وتشديد الشين (وإنهم منتظرون) بفتح الظاء. الحجة: قال ابن جني: دفع أبو حاتم فتح الظاء، واستدل، على ذلك بقوله: (فارتقب إنهم مرتقبون). وقوله: (يمشون) للكثرة. وقال: يمشي بيننا حانوت كرم من الخرس الصراصرة القطاط (1) اللغة: يقال هداه في الدين يهديه هدى، وإلى طريق هداية. واهتدى: إذا قبل


(1) قائله المتنخل الهذلي، والبيت من قصيدة طويلة رواها في (ديوان الهذليين ج 2: 21) ونقله في (جمهرة أشعار العرب) أيضا. وقد اختلفت روايتهم في هذا البيت، ففي بعضها (يمشي) بالياء، و (خمر) بدل (كرم). وفي بعضها (الخرص) بالصاد. ويختلف المعنى حسب هذا الإختلاف. قال صاحب اللسان في مادة (حنت): و (خرس) يريد صاحب حانوت فاختصر الكلام. وقال غيره: كان الأصل (إلى حانوت) وهذا القائل يجعل الصراصرة فاعل (تمشي)، ومعناها نبط الشام. يعني: إنا كنا قاصدين حانوت الخمر، وتمشي بيننا نساء حسان الشعور من نبط الشام. و (الخرس): الدن الذي فيه الخمر. وقال: أراد بالكرم: الخمرة مجازا، لكن الظاهر أن قوله ساقط، والصحيح ما قاله صاحب اللسان وغيره: إن المراد يمشي بيننا صاحب حانوت خمر من الخرس السراسرة - بالسين - وهم خدم عجم، لا يفصحون، فلذلك جعلهم خرسا.

[ 113 ]

الهداية. والواجب من الهدى هو ما يؤدي إلى ما ليس للعبد عنه غنى في دينه. فاللطف على هذا هدى، والنظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى هدى. والسوق: الحث على السير ساقه يسوقه. والجرز. الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها، واشتقاقه من قولهم سيف جراز أي: قطاع لا يبقي شيئا إلا قطعه. وناقة جراز: إذا كانت تأكل كل شئ، فلا تبقي شيئا إلا قطعته بفيها. ورجل جروز أي: أكول. قال الراجز: (خب جروز وإذا جاع بكى) (1) وفي الجرز أربع لغات: بضم الجيم والراء، وبفتحهما، وبضم الجيم وإسكان الراء، وفتح الجيم وإسكان الراء. الاعراب: فاعل (يهد) مضمر يدل عليه قوله (كم أهلكنا)، وتقديره: أو لم يهد لهم إهلاكنا من أهلكناه من القرون الخالية. ولا يجوز أن يكون فاعله (كم أهلكنا) لأن ما قبل (كم) لا يجوز أن يعمل فيه إلا حروف الإضافة، لأن (كم) على تقدير الإستفهام الذي له صدر الكلام، فهو في محل النصب، لأنه مفعول (أهلك) و (يمشون) في محل النصب على الحال. المعنى: ثم نبه الله سبحانه خلقه على الإعتبار بمن تقدمهم من القرون، فقال: (أو لم يهد لهم) أي: أو لم يبصرهم، ويبين لهم (كم أهلكنا من قبلهم من القرون) الماضية جزاء على كفرهم بالله، وارتكابهم لمعاصيه. (يمشون في مساكنهم)، ويرون آثارهم. وقيل: معناه إنا أهلكناهم بغتة، وهم مشاغيل بنفوسهم، يمشون في منازلهم (إن في ذلك لآيات) أي: في إهلاكنا لهم دلالات واضحات على الحق (أفلا يسمعون) أي: أفلا يسمع هؤلاء الكفار ما يوعظون به من المواعظ. ثم نبههم سبحانه على وجه آخر فقال: (أو لم يرو) أي: أو لم يعلموا (أنا نسوق الماء) بالمطر والثلج. وقيل: بالأنهار والعيون (إلى الأرض الجرز) أي: اليابسة التي لا نبات فيها. وقيل: نسوق الماء بالسيول إليها، لأنها مواضع عالية، وهي قرى بين الشام واليمن، عن ابن عباس. (فنخرج به زرعا تأكل منه) أي: من ذلك الزرع (أنعامهم وأنفسهم) والمعنى: إن هذه الأرض تنبت ما يأكله الناس


(1) الخب: الخداع (*).

[ 114 ]

والأنعام (أفلا يبصرون) نعم الله تعالى عليهم. (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) قال الفراء: المراد به فتح مكة. وقال السدي: الفتح هو القضاء بعذابهم في الدنيا، وهو يوم بدر. وقال مجاهد: وهو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة، وكانوا يسمعون المسلمين يستفتحون الله عليهم، فقالوا لهم: متى هذا الفتح أي: متى هذا الحكم فينا. (قل) يا محمد (يوم الفتح) يوم (لا ينفع الذين كفروا إيمانهم) بين سبحانه أن يوم الفتح يكون يوم القيامة، وذلك اليوم لا ينفع الكافرين إيمانهم (ولا هم ينظرون) أي: لا يؤخر عنهم العذاب يعني الذين قتلوا يوم بدر، لم ينفعهم إيمانهم بعد القتل. (فأعرض عنهم) يا محمد، فإنه لا ينجع فيهم الدعاء والوعظ. وقيل: أعرض عن أذاهم، وانتظر حكم الله فيهم. قال ابن عباس: نسخت آية السيف (وانتظر) موعدي لك بالنصر على أعدائك (إنهم منتظرون) بك حوادث الزمان من موت، أو قتل، فيستريحون منك. وقيل: معناه أنهم سيأتيهم ما وعد الله فيهم، فكأنهم ينتظرونه.

[ 115 ]

33 - سورة الاحزاب مدنية وآياتها ثلاث وسبعون مدنية، وهي ثلاث وسبعون آية بالاجماع. فضلها: أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ومن قرأ سورة الأحزاب، وعلمها أهله، وما ملكت يمينه، أعطي الأمان من عذاب القبر). وروى عبد الله بن سنان: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب، كان يوم القيامة في جوار محمد وآله وأزواجه. تفسيرها: أمره سبحانه في مختتم تلك السورة بالإنتظار، ثم أمره هنا أن يكون في انتظاره متقيا، ونهاه عن طاعة الكفار، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكفرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزوجكم الئى تظهرون منهن أمهتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفوهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل (4) ادعوهم لأبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ءابآءهم فإخونكم في الدين وموليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5).

[ 116 ]

القراءة: قرأ أبو عمرو: (بما يعملون خبيرا) بالياء. والباقون بالتاء. وقرأ ابن عامر، وأهل الكوفة: (اللائي) مهموزة ممدودة مشبعة بعدها ياء، وفي سورة المجادلة، والطلاق مثله. وقرأ نافع، ويعقوب: (اللاء) مهموزة ممدودة مختلسة لا ياء بعدها. والباقون: (اللاي) بغير همزة ولا مد حيث كانت. قرأ عاصم: (تظاهرون) بضم التاء، وتخفيف الظاء. وقرأ بفتح التاء وتخفيف الظاء أهل الكوفة، غير عاصم. وقرأ ابن عامر: (تظاهرون) بفتح التاء، وتشديد الظاء. وقرأ الباقون (تظهرون) بغير الف، وتشديد الظاء والهاء. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (بما يعملون) بالياء، فعلى لا تطع الكافرين أنه بما يعملون والتاء على المخاطبة، ويدخل فيه الغيب. و (اللائي): أصله فاعل مثل شائي. فالقياس أن يثبت الياء فيه، كما يثبت في الشائي والنائي. وقد حذفوا الياء في حروف من ذلك قولهم: ما بالبيت به بالة، ومنه جابة، وكذا إذا حذفت من اللائي يصير اللاء. فإن خففت الهمزة فالقياس أن تجعل بين بين. وقد حكى سيبويه حذف الياء من (اللاي). ومن قرأ (تظهرون) فإنه تتظهرون، فأدغم التاء في الظاء. ومن قرأ (تظاهرون) مضمومة التاء، فهو من ظاهر من امرأته، ويقوي ذلك قولهم في مصدره: الظهار. ومن قرأ (تظاهرون) خفيفة الظاء فمعناه: تتظاهرون، فحذف تاء تتفاعلون التي أدغمها غيره وهو من قرأ (تظاهرون) بتشديد الظاء مع الألف. النزول: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور السلمي، قدموا المدينة، ونزلوا على عبد الله بن أبي، بعد غزوة أحد، بأمان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليكلموه، فقاموا وقام معهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد ! أرفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومنات، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك ! فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال عمربن الخطاب: إئذن لنا يا رسول الله في قتلهم ؟ فقال: إني أعطيتهم الأمان. وأمر صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجوا من المدينة، ونزلت الآية: (ولا تطع الكافرين) من أهل مكة. أبا سفيان، وأبا الأعور، وعكرمة، (والمنافقين) ابن أبي، وابن سعد، وطعمة. وقيل: نزلت في ناس من ثقيف، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فطلبوا منه أن

[ 117 ]

يمتعهم باللات والعزى سنة. قالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك. وقوله (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه): نزلت في أبي معمر، جميل بن معمر بن حبيب الفهري.، وكان لبيبا، حافظا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ! فكانت قريش تسميه ذا القلبين. فلما كان يوم بدر، وهزم المشركون، وفيهم أبو معمر، وتلقاه أبو سفيان بن حرب، وهو آخذ بيده إحدى نعليه، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ! ما حال الناس ؟ قال: انهزموا. قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك ؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لم يكن له إلا قلب واحد، لما نسي نعله في يده. المعنى: خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أيها النبي اتق الله) أي: أثبت على تقوى الله، ودم عليه. وقيل: معناه اتق الله في إجابة المشركين إلى ما التمسوه. وقيل: إن بعض المسلمين هموا بقتل أولئك الذين قدموا المدينة بأمان، فقال: اتق الله في نقض العهد. (ولا تطع الكافرين والمنافقين) مر بيانه. وقيل: إنه عام، وهو الوجه. والكافر هو الذي يظهر الكفر ويبطنه، والمنافق هو الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر. (إن الله كان عليما) بما يكون قبل كونه (حكيما) فيما يخلقه. ولما نهاه عن متابعة الكفار، وأهل النفاق، أمره باتباع أوامره ونواهيه على الإطلاق فقال: (واتبع ما يوحى إليك من ربك) من القرآن، والشرائع، فبلغه، واعمل به. (إن الله كان بما تعملون خبيرا) أي: لا يخفى عليه شئ من أعمالكم، فيجازيكم بحسبها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. (وتوكل على الله) أي. فوض أمورك إلى الله حتى لا تخاف غيره، ولا ترجو إلا خيره. (وكفى بالله وكيلا) أي: قائما بتدبيرك، حافظا لك، ودافعا عنك. (ما جعل لرجل من قلبين في جوفه) فإن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان، فكيف تنتظم أمور العالم وله إلهان معبودان ؟ وقيل. إنه نزل في أبي معمر على ما مر بيانه، عن مجاهد، وقتادة. وإحدى الروايتين، عن ابن عباس. وقيل: إن المنافقين كانوا يقولون إن لمحمد قلبين ينسبونه إلى الدهاء، فأكذبهم الله تعالى بذلك، عن ابن عباس. وقيل: إن رجلا كان يقول إن لي نفسين: نفسا تأمرني

[ 118 ]

ونفسا تنهاني. فنزل ذلك فيه، عن الحسن. وقيل: هو رد على المنافقين، والمعنى. ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما، ويكفر بالآخر، وإنما هو قلب واحد، فإما أن يؤمن، وإما أن يكفر، عن أبي مسلم. وقيل: إنه يتصل بقوله: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) والتقدير: إنه كما لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، لم يجعل ابن الإنسان إبنا لغيره. وقيل: بل يتصل بما قبله، والمعنى: إنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي والقرآن، واتباع أهل الكفر والطغيان، فكنى عن ذلك بذكر القلبين، لأن الاتباع يصدر عن الإعتقاد، والإعتقاد من أفعال القلوب، فكما لا يجتمع قلبان في جوف واحد، لا يجتمع اعتقادان متضادان في قلب واحد. وقال أبو عبد الله عليه السلام: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، يحب بهذا قوما، ويحب بهذا أعداءهم. واختلف العلماء في أنه هل يجوز أن يكون لإنسان واحد قلبان ؟ فمنع بعضهم من ذلك، وقال: إن ذلك يؤدي إلى أن لا ينفصل إنسان من إنسانين، لأنه يصح أن يريد بأحد قلبيه ما يكرهه بالقلب الآخر، فيصير كشخصين. وجؤز بعضهم ذلك، وقال: كما أن الإنسان الواحد يجوز أن يكون له قلب كثير الأجزاء، ويمتنع أن يريد ببعض الأجزاء ما يكرهه البعض الآخر، لأن الإرادة والكراهة وإن وجدتا في جزءين من القلب، فالحالتان الصادرتان عنهما يرجعان إلى الجملة، وهي جملة واحدة، فاستحال اجتماع معنيين ضدين في حي واحد. ويجوز أن يكون معنيان مختلفان، أو مثلان في جزءين من القلب، ويوجبان الصفتين للحي الواحد، فكذلك القياس إذا كان المعنيان في قلبين، إذا كان ما يوجد فيهما يرجع إلى حي واحد، إلا أن السمع ورد بالمنع من ذلك. (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) يقال: ظاهر من امرأته، وتظاهر، وتظهر، وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي. وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذا اللفظ. فلما جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت الكفارة على من ظاهر من امرأته، وسنذكره في سورة المجادلة. والمعنى: إن الله تعالى أعلمنا أن الزوجة لا تصير أما، فقال: وما جعل نساءكم اللائي تقولون: هن علينا كظهر أمهاتنا، أمهاتكم، لأن أمهاتكم على الحقيقة هن اللائي ولدنكم وأرضعنكم. (وما جعل أدعياءكم أبناءكم): الأدعياء: جمع الدعي وهو الذي يتبناه

[ 119 ]

الإنسان. بين سبحانه أنه ليس بابن على الحقيقة. ونزلت في زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، من بني عبدود، تبناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الوحي، وكان قد وقع عليه السبي، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوق عكاظ. فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاه إلى الإسلام فأسلم، فقدم أبو حارثة مكة، وأتى أبا طالب، وقال: سل ابن أخيك، فإما أن يبيعه، وإما أن يعتقه. فلما قال ذلك أبو طالب لرسول الله، قال: هو حر فليذهب حيث شاء. فأبى زيد أن يفارق رسول الله صلى الله وآله وسلم فقال حارثة: يا معشر قريش ! إشهدوا أنه ليس إبني. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إشهدوا أنه إبني - يعني زيدا - فكان يدعى زيد بن محمد. فلما تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت جحش، فكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها. فقال الله سبحانه: ما جعل الله من تدعونه ولدا، وهو ثابت النسب من غيركم، ولدا لكم. (ذلكم قولكم بأفواهكم) أي: إن قولكم الدعي ابن الرجل، شئ تقولونه بألسنتكم، لا حقيقة له، عند الله تعالى. (والله يقول الحق) الذي يلزم اعتقاده، وله حقيقة، وهو أن الزوجة لا تصير بالظهار أما والدعي لا يصير بالتبني إبنا. (وهو يهدي السبيل) أي: يرشد إلى طريق الحق، ويدل عليه (أدعوهم لآبائهم) الذين ولدوهم، وانسبوهم إليهم، أو إلى من ولدوا على فراشهم (هو أقسط عند الله) أي: أعدل عند الله قولا وحكما. وروى سالم عن ابن عمر، قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزل في القرآن: (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) أورده البخاري في الصحيح. (فإن لم تعلموا آباءهم) أي: لم تعرفوا بأعيانهم (فإخوانكم في الدين) أي: فهم إخوانكم في الملة، فقولوا: يا أخي. (ومواليكم) أي: بنو أعمامكم. قال الزجاج: ويجوز أن يكون المراد أولياءكم في الدين في وجوب النصرة. وقيل: معناه معتقوكم ومحرروكم إذا أعتقتموهم من رق، فلكم ولاؤهم. (وليس عليكم جناح فيما أخطاتم به) أي: ليس عليكم حرج في نسبته إلى المتبني، إذا ظننتم أنه أبوه، ولم تعلموا أنه ليس بابن له، فلا يؤاخذكم الله به. (ولكن ما تعمدت قلوبكم) أي: ولكن الإثم والجناح فيما تعمدت قلوبكم،

[ 120 ]

يعني. في الذي تعمدته قلوبكم، وقصدتموه من دعائهم إلى غير آبائهم، فإنكم تؤاخذون به. وقيل: ما أخطأتم قبل النهي، وما تعمدتموه بعد النهي، عن مجاهد. (وكان الله غفورا) لما سلف من قولكم (رحيما) بكم. وفي هذه الآية دلالة على أنه لا يجوز الإنتساب إلى غير الأب، وقد وردت السنة بتغليظ الأمر فيه قال عليه السلام: (من انتسب إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله). (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزوجه وأمهتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله من المؤمنين والمهاجرين إلآ أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتب مسطورا (6) وإذ أخذنا من النبين ميثقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثقا غليظا (7) ليسئل الصدقين عن صدقهم وأعد للكفرين عذابا أليما (8) يأيها الذين امنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10). القراءة. قرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر وقتيبة: الظنونا، والرسولا، والسبيلا بألف في الوصل والوقف. وقرأ أهل البصرة وحمزة بغير ألف في الوصل والوقف. والباقون بالألف في الوقف، وبغير ألف في الوصل. الحجة: قال أبو علي: وجه قول من أثبت في الوصل أنها في المصحف كذلك، وهو رأس آية. ورؤوس الآيات تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع. فلما شبه أكرمن، وأهانن بالقوافي في حذف الياء منهن، كما حذف في نحو قوله: (من حذر الموت أن يأتين)، (وإذا ما انتسبت له أنكرن) (1). كذلك يشبه هذا في إثبات


(1) والأصل: يأتيني، وأنكرني (*).

[ 121 ]

الألف بالقوافي. فاما من طرح الألف في الوصل، فإنه ذهب إلى أن ذلك في القوافي، وليس رؤوس الآي بقواف، فيحذف في الوصل كما يحذف غيرها مما يثبت في الوقف، نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه. وهذا إذا أثبت في الخط، فينبغي أن لا يحذف، كما لا يحذف هاء الوقف من حسابيه وكتابيه، وأن يجري مجرى الموقوف عليه، ولا يوصل. الاعراب: (أن تفعلوا): موصول وصلة في موضع رفع بالإبتداء، إلا أنه استثناء منقطع، وخبره محذوف تقديره: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز. (وإذ أخذنا) العامل في الظرف هنا محذوف تقديره: واذكروا نعمة الله عليكم كائنة وقت مجئ جنود. (إذ جاءوكم): بدل من (إذ) الأولى: (إذ زاغت) كذلك. النزول: قال الكلبي. آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الثاني منهما دون أهله، فمكثوا بذلك ما شاء الله حتى نزلت (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة. وورث الأدنى فالأدنى من القرابات. وقال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجرين شيئا. فنزلت هذه الآية. فصار المواريث بالقرابات. المعنى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي: هو أولى بهم منهم بأنفسهم. وقيل في معناه أقوال أحدها: إنه أحق بتدبيرهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمهم على أنفسهم، خلاف ما يحكم به، لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة الله تعالى، عن ابن زيد وثانيها: إنه أولى بهم في الدعوة، فإذا دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى شئ، ودعتهم أنفسهم إلى شئ، كانت طاعته أولى بهم من طاعة أنفسهم، عن ابن عباس، وعطا، وهذا قريب من الأول وثالثها: إن حكمه أنفذ عليهم من حكم بعضهما على بعض، كقوله: (فسلموا على أنفسكم) فإذا كان هو أحق بهم، وهو لا يرث أمته بما له من الحق، فكيف يرث من توجبون حقه بالتبني. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد غزوة تبوك، وأمر الناس بالخروج، قال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فنزلت هذه الآية. وروي عن أبي، وابن مسعود، وابن عباس: أنهم كانوا يقرؤون (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم)،

[ 122 ]

وهو أب لهم. وكذلك هو في مصحف أبي. وروي ذلك عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهم السلام. قال مجاهد: وكل نبي أب لأمته، ولذلك صار المؤمنون أخوة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبوهم في الدين. وواحدة الأنفس، وهي خاصة الحيوان الحساسة الداركة التي هي أنفس ما فيه. ويحتمل أن يكون اشتقاقه من التنفس الذي هو التروح. ويحتمل أن يكون من النفاسة لأنه أجل ما فيه وأكرمه. (وأزواجه أمهاتهم) المعنى: إنهن للمؤمنين كالأمهات في الحرمة، وتحريم النكاح. ولسن أمهات لهم على الحقيقة، إذ لو كن كذلك لكانت بنتاه أخوات المؤمنين على الحقيقة، فكان لا يحل للمؤمن التزويج بهن. فثبت أن المراد به يعود إلى حرمة العقد عليهن لا غير، لأنه لم يثبت من أحكام الأمومة بين المؤمنين وبينهن، سوى هذه الواحدة. ألا ترى أنه لا يحل للمؤمنين رؤيتهن، ولا يرثن المؤمنين، ولا يرثونهن. ولهذا قال الشافعي. (وأزواجه أمهاتهم): في معنى دون معنى، وهو: أنهن محرمات على التأبيد، وما كن محارم في الخلوة والمسافرة. وهذا معنى ما رواه مسروق، عن عائشة أن امرأة قالت لها. يا امه ! فقالت لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم. فعلى هذا لا يجوز أن يقال لإخوانهن وأخواتهن، أخوال المؤمنين، وخالات المؤمنين. قال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، ولم يقل هي خالة المؤمنين. (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله المؤمنين والمهاجرين): وهو مفسر في آخر الأنفال، وأولو الأرحام هم ذوو الأنساب. لما ذكر سبحانه أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين، عقبه بهذا، وبين أنه لا توارث إلا بالولادة والرحم، والمعنى: إن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من المؤمنين أي: من الأنصار والمهاجرين أي الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وقيل: معناه من المؤمنين والمتواخين والمهاجرين، فصارت هذه الآية ناسخة للتوارث بالهجرة والمؤاخاة في الدين، دالة على أن الميراث بالقرابة، فمن كان أقرب في قرباه فهو أحق بالميراث من الأبعد. (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) هذا استثناء منقطع، ومعناه. لكن إن فعلتم إلى أوليائكم المؤمنين وخلفائكم ما يعرف حسنه وصوابه، فهو حسن. قال السدي: عنى بذلك وصية الرجل لاخوانه في الدين. وقال غيره: لما نسخ التوارث

[ 123 ]

بالمؤاخاة والهجرة، أباح الوصية فيوصي لمن يتولاه بما أحب من الثلث، فمعنى المعروف هنا: الوصية. وحكي عن محمد بن الحنفية وعكرمة وقتادة. أن معناه الوصية لذوي القرابات من المشركين. وقيل: إن هذا لا يصح لأنه تعالى نهى عن ذلك بقوله إلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء). وقد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابة الكافرة. وقال أصحابنا: إنها جائزة للوالدين والولد. (كان ذلك) أي: نسخ الميراث بالهجرة، ورده إلى أولي الأرحام من القرابات. (في الكتاب) أي: في اللوح المحفوظ. وقيل: في القرآن. وقيل: في التوراة. (مسطورا) أي: مكتوبا. و (من) في قوله (من المؤمنين والمهاجرين) يحتمل أمرين أحدهما: ما ذكرناه والآخر: أن يكون التقدير: وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث. (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) أي: واذكر يا محمد حين أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصا، بأن يصدق بعضهم بعضا، ويتبع بعضهم بعضا، عن قتادة. وقيل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدق بعضهم بعضا، وأن ينصحوا لقومهم، عن مقاتل. (ومنك)، يا محمد. وإنما قدمه لفضله وشرفه (ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم) خص هؤلاء بالذكر لأنهم أصحاب الشرائع. (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) أي: عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا من أعباء الرسالة، وتبليغ الشرائع. وقيل: على أن يعلنوا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويعلن محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا نبي بعده وإنما أعاد ذكر الميثاق على وجه التغليظ، وذكره في أول الآية مطلقا، وفي آخرها مقيدا، بزيادة صفة. ثم بين سبحانه الفائدة في أخذ الميثاق فقال: (ليسئل الصادقين عن صدقهم) قيل: معناه إنما فعل ذلك ليسأل الأنبياء المرسلين: ما الذي جاءت به أممكم، عن مجاهد. وقيل: ليسأل الصادقين في توحيد الله، وعدله، والشرائع، عن صدقهم أي عما كانوا يقولونه فيه تعالى، فيقال لهم. هل ظلم الله تعالى أحدا، هل جازى كل إنسان بفعله، هل عذب بغير ذنب، ونحو ذلك، فيقولون: نعم، عدل في حكمه، وجازى كلا بفعله. وقيل: معناه ليسأل الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم. وقيل. ليسأل الصادقين: ماذا قصدتم بصدقكم وجه الله أو غيره، ويكون فيه

[ 124 ]

تهديد للكاذب. قال الصادق عليه السلام: إذا سأل عن صدقه على أي وجه قاله، فيجازي بحسبه، فكيف يكون حال الكاذب. ثم قال سبحانه: (وأعد للكافرين عذابا أليما) أي: مؤلما. ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم) ذكرهم سبحانه عظيم نعمته عليهم في دفع الأحزاب عنهم (إذ جاءتكم جنود) وهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام الخندق (فأرسلنا عليهم ريحا) وهي الصبا أرسلت عليهم حتى أكفأت قدورهم، ونزعت فساطيطهم (وجنودا لم تروها) من الملائكة. وقيل: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ، ولكن كانوا يشجعون المؤمنين، ويجبنون الكافرين. (وكان الله بما تعملون بصيرا) من قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين. ومن قرأ بالياء أراد أن الله عالم بما يعمله الكفار. ثم قال: (إذ جاءوكم) أي: واذكروا حين جاءكم جنود المشركين (من فوقكم) أي: من فوق الوادي قبل المشرق، قريظة والنضير وغطفان. (ومن أسفل منكم) أي: من قبل المغرب من ناحية مكة، أبو سفيان في قريش، ومن تبعه. (وإذ زاغت الأبصار) أي: مالت عن كل شئ، فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب. وقيل: معناه عدلت الأبصار عن مقرها من الدهش والحيرة، كما يكون الجبان، فلا يعلم ما يبصر. (وبلغت القلوب الحناجر) والحنجرة: جوف الحلقوم أي: شخصت القلوب من مكانها. فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، عن قتادة. وقال أبو سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله ! هل من شئ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ فقال: قولوا اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح فهزموا. قال الفراء: المعنى في قوله بلغت القلوب الحناجر: أنهم جبنوا، وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن ينتفخ سحره. والسحر: الرئة، فإذا انتفخت الرئة، رفعت القلوب إلى الحنجرة. (وتظنون بالله الظنونا) أي: اختلفت الظنون، فظن بعضكم بالله النصر، وبعضكم آيس وقنط. وقيل: تظنون ظنونا مختلفة، فظن المنافقون أنه يستأصل محمد، وظن المؤمنون أنه ينصر، عن الحسن. وقيل: إن من كان ضعيف القلب والإيمان، ظن ما ظنه المنافقون إلا أنه لم يرد ذلك. وقيل: اختلاف ظنونهم أن

[ 125 ]

بعضهم ظن أن الكفار تغلبهم، فظن بعضهم أنهم يستولون على المدينة، وظن بعضهم أن الجاهلية تعود كما كانت، وظن بعضهم أن ما وعد الله ورسوله من نصرة الدين وأهله غرور. فأقسام الظنون كثيرة، خصوصا ظن الجبناء. النظم: اتصل قوله (النبي أولى بالمؤمنين) بقوله: (وما جعل أدعياءكم ابناءكم)، فإنه سبحانه لما بين أن التبني عليه لا يجوز، بين عقيبه أنه مع ذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من حيث إنه ولاه الله أمرهم، فيلزمهم طاعته، والإنقياد له. وأصل الولاية لله تعالى كما قال (هنالك الولاية لله) فلا حظ فيها لأحد، إلا لمن ولاه سبحانه. وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الغدير في قوله (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم). فلما قالوا: بلى. قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) والمولى بمعنى الأولى بدلالة قوله (مأواكم النار هي مولاكم) أي: أولى بكم، وقول لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها، وأمامها (1) أي: أولى بالمخافة. ثم عاد سبحانه إلى الكلام في تأكيد نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بذكر ما أخذ على النبيين من الميثاق في هذا الباب، وعقب ذلك ببيان آياته ومعجزاته يوم الأحزاب، وذكر ما أنعم عليه وعلى المؤمنين من النصر، مع ما أعده لهم من الثواب. (قصة غروة الخندق) ذكر محمد بن كعب القرظي، وغيره من أصحاب السير، قالوا: كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم. فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود ! إنكم أهل الكتاب الأول، فديننا خير أم دين محمد ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، فأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين انزل الله فيهم: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، يؤمنون بالجبت


(1) البيت من المعلقات. والفرج: ما ببن قوائم الدواب فما بين اليدين: فرج. وما بين الرجلين: فرج، يصف بقرة وحشية سمعت صوتا. يقول: فغدت البقرة وهي تحسب أن كل فرج من فرجيها أولى بالمخافة منه، ولم تقف على أن صاحب الصوت خلفها، أم أمامها.

[ 126 ]

والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) إلى قوله (وكفى بجهنم سعيرا). فسر قريشا ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم إليه، فأجمعوا لذلك، وإستعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من اليهود، حتى جاؤوا غطفان، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم. فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحرث بن عوف في بني مرة، ومسعر بن جبلة الأشجعي فيمن تابعه من أشجع، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد. فأقبل طليحة في من اتبعه من بني أسد، وهما حليفان أسد وغطفان. وكتبت قريش إلى رجال من بني سليم، فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش. فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار عليه سلمان الفارسي (ره)، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يومئذ حر، قال: يا رسول الله ! إنا كنا بفارس إذا حوصرنا، خندقنا علينا. فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حتى أحكموه. فمما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق، ما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال: حدثني أبي عن أبيه قال: خظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق عام الأحزاب، أربعين ذراعا بين عشرة، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال الأنصار: سلمان منا. وقال المهاجرون. سلمان منا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (سلمان منا أهل البيت). قال عمرو بن عوف: فكنت أنا، وسلمان، وحذيفة بن اليمان، والنعمان بن مقرن، وستة من الأنصار، نقطع أربعين ذراعا. فحفرنا حتى إذا بلغنا الثرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فكسرت حديدنا، وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ! إرق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره عن الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خطه. فرقى سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضروب عليه قبة، فقال: يا رسول الله ! خرجت صخرة بيضاء من الخندق، مدورة، فكسرت حديدنا، وشقت

[ 127 ]

علينا حتى ما يحك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك. فهبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع سلمان في الخندق، وأخذ المعول (1)، وضرب به ضربة، فلمعت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها (2)، يعني لابتي المدينة، حتى لكأن مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرة فتح فكبر المسلمون. ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت برقة أخرى. ثم ضرب به الثالثة، فلمعت برقة أخرى، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي أرى ؟ فقال: أما الأولى فإن الله، عز وجل، فتح علي بها اليمن. وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب. وأما الثالثة، فإن الله فتح علي بها المشرق. فاستبشر المسلمون بذلك، وقالوا. الحمد لله موعد صادق. قال: وطلعت الأحزاب فقال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. وقال المنافقون: ألا تعجبون يحدثكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر في يثرب قصور الحيرة (3)، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا. ومما ظهر فيه أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال: حدثني أيمن المخزومي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الخندق نحفر الخندق، فعرضت فيه كدية (4) وهي الجبل، فقلنا: يا رسول الله ! إن كدية عرضت فيه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رشوا عليها ماء. ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة، فسمى ثلاثا، ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل (5). فقلت له: إئذن لي يا رسول الله إلى المنزل ؟ ففعل. فقلت للمرأة: هل عندك من شئ ؟ فقالت: عندي صاع من


(1) المعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر. (2) اللابة: الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود التي فد ألبستها لكثرتها. والمدينة المنورة ما بين حرتين عظيمتين. (3) قال الحموي: الحيرة. مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له (النجف). (4) هذا هو الظاهر الموافق لسيرة ابن هشام ج 2: 217، والبخاري ج 5 - 90، وغيره. لكن في الأصل (كذانة) قال ابن الأثبر في حديث الخندق: فعرضت فيه كدية فأخذ المسحاة... (اه). والكدية: قطعة غليظة صلبة لا يعمل فيها الفأس. (5) أي: رملا سائلا (*).

[ 128 ]

شعير، وعناق (1)، فطحنت الشعير وعجنته، وذبحت العناق وسلختها، وخليت بين المرأة وبين ذلك. ثم أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فجلست عنده ساعة، ثم قلت: إئذن لي يا رسول الله. ففعل، فأتيت المرأة، فإذا العجين واللحم قد أمكنا، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إن عندنا طعيما لنا، فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك. فقال: وكم هو ؟ قلت: صاع من شعير وعناق. فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر. فقاموا، فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله. فقلت: جاء بالخلق على صاع شعير وعناق. فدخلت على المرأة وقلت: قد افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخلق أجمعين ! فقالت: هل كان سألك كم طعامك ؟ قلت: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا. فكشفت عني غما شديدا. فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: خذي ودعيني من اللحم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يثرد ويفرق اللحم. ثم يجم هذا، ويجم (2) هذا. فما زال يقرب إلى الناس، حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كلي واهدي. فلم نزل نأكل ونهدي قومنا أجمع. أورده البخاري في الصحيح. وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا. ولا تصدقنا ولا صلينا. فأنزلن سكينة علينا. وثبت الأقدام إن لاقينا. إن الأولى قد بغوا علينا. إذا أرادوا فتنة أبينا) (3)، يرفع بها صوته. رواه البخاري أيضا في الصحيح، عن أبي الوليد، عن شعبة، عن أبي


(1) العناق: الأنثى من أولاد المعز قبل استكمال الحول. (2) كذا في النسخ. ولم أظفر له على معنى يناسب المقام والسياق في اللغة جم الإناء: ملأه. وفي (صحيح البخاري ج 5: 90) ما نصه: (ويخمر (أي يغطي) التنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه).. (اه). (3) قائلها: عبد الله بن رواحة، ارتجز بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (*).

[ 129 ]

إسحاق، عن البراء قالوا: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف والغابة (1)، في عشرة آلاف من أحابيشهم (2)، ومن تابعهم من بني كنانة، وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلوا إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (3)، في ثلاثة آلاف من المسلمين. فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم. وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام (4)، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري، حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب بني قريظة، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قومه، وعاهده على ذلك. فلما سمع كعب صوت ابن أخطب، أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه: يا كعب ! إفتح لي. فقال: ويحك يا حيي ! إنك رجل مشؤوم. إني قد عاهدت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ولست بناقض ما بيني وبينه، ولم أرمنه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك إفتح لي أكلمك ! قال: ما أنا بفاعل. قال: إن أغلقت دوني إلا على حشيشة، تكره أن آكل منها معك، فأحفظ الرجل (5). ففتح له فقال: ويحك يا كعب ! جئتك بعز الدهر، وببحر طام (6). جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على سادتها وقادتها. قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه ! فقال كعب. جئتني والله بذل الدهر بجهام (7) قد هراق ماؤه، يرعد ويبرق وليس فيه شئ، فدعني ومحمدا، وما أنا عليه. فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب (8)، حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا، أن أدخل معك


(1) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. والغابة أيضا: بينها وبين جبل سلع ثمانية أميال، قاله الحموي في المعجم. (2) الأحابيش: الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة. (3) سلع. جبل بالمدينة. (4) الآطام: الأبنية المرتفعة كالحصون. (5) أحفظه: بمعنى أغضبه. (6) طم الماء: كثر. (7) الجهام: السحاب. (8) أي. يدور من وراء خديعته (*).

[ 130 ]

في حصنك، حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب عهده، وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، أحد بني عبد الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير، فقال: إنطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس وخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم، قالوا: لا عقد بيننا وبين محمد، ولا عهد. فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه. وقال سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فإن ما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة. ثم أقبلوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: عضل والقارة (1) لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله خبيب بن عدي، وأصحاب الرجيع. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين، وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وظهر النفاق من بعض المنافقين، فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقام المشركون عليه بضعا منهم عمرو بن عبدود، أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيأوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان. ثم أقبلوا تعنق (2) بهم خيولهم، حتى وقفوا على الخندق، فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا


(1) قال الجوهري: عضل قبيلة، وهو عضل بن الهون بن خزيمة أخو الديش، ويقال لهما القارة. أي: غدروا كغدر عضل والقارة وقصة غدرهما بالسبعة نفر الذين بعثهم رسول الله معهم خبيب في الموضع الذي يقال له الرجيع معروف. (2) من العنق: وهو ضرب من السير (*).

[ 131 ]

خيولهم، فاقتحموا، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر من المسلمين، حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا، وأقبلت الفرسان نحوهم، وكان عمرو بي عبدود فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث وأثخنته الجراح، ولم يشهد أحدا. فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده، وكان يعد بألف فارس، وكان يسمى فارس يليل (يا ليل - خ ل) لأنه أقبل في ركب من قريش حتى إذا كانوا بيليل، وهو واد قريب من بدر، عرضت لهم بنو بكر في عدد فقال لأصحابه. امضوا فمضوا. فقام في وجوه بني بكر، حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك. وكان إسم الموضع الذي حفر فيه الخندق المذاد. وكان أول من طفره عمرو وأصحابه، فقيل في ذلك. عمرو بن عبد، كان أول فارس، جزع المذاد وكان فارس يليل وذكر ابن إسحاق: أن عمرو بن عبدود، كان ينادي: من يبارز ؟ فقام علي عليه السلام وهو مقنع في الحديد، فقال أنا له يا نبي الله. فقال: إنه عمرو، إجلس. ونادى عمرو: ألا رجل ! وهو يؤنبهم (1) ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها ؟ فقام علي عليه السلام فقال: أنا له يا رسول الله. ثم نادى الثالثة فقال: ولقد بححت (2) من النداء بجمعكم: هل من مبارز ؟ ووقفت إذ جبن المشجع موقف البطل المناجز إن السماحة والشجا عة في الفتى خير الغرائز فقام علي فقال: يا رسول الله ! أنا. فقال: إنه عمرو. فقال: وإن كان عمرا. فاستأذن رسول الله فأذن له رسول الله. وفيما رواه لنا السيد أبو محمد الحسيني القايني عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالإسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن حذيفة قال:


(1) أنبه: لا مه. (2) البحاح: غلظ في الصوت، وخشونة (*).

[ 132 ]

فألبسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم درعه (ذات الفضول)، وأعطاه سيفه (ذا الفقار)، وعممه عمامته (السحاب)، على رأسه تسعة أكوار، ثم قال له: تقدم. فقال لما ولى: (اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه) قال ابن إسحاق: فمشى إليه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز (1) قال له عمرو: من أنت ؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف ؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. فقال: غيرك يا بن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهرق دمك. فقال علي عليه السلام: لكني والله ما أكره أن أهرق دمك. فغضب ونزل، وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا، فاستقبله علي بدرقته (2)، فضربه عمرو بالدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه، فشجه. وضربه علي على حبل العاتق، فسقط. وفي رواية حذيفة: وتسيف على رجليه بالسيف من أسفل، فوقع على قفاه، وثارت بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قتله والذي نفسي بيده. فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب، فإذا علي يمسح سيفه بدرع عمرو. فكبر عمربن الخطاب وقال: يا رسول الله قتله. فحز علي (3) رأسه، وأقبل نحو رسول الله، ووجهه يتهلل. فقال عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها ؟ فقال. ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت ابن عمي أن أستلبه. قال حذيفة: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أبشر يا علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد، لرجح عملك بعملهم، وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد


(1) ضربة نجلاء: واسعة. والهزاهز بمعنى الحروب. (2) الدرقة: الترس من الحديد. (3) حز الشئ: قطعه (*).

[ 133 ]

دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو. وعن الحاكم أبي القاسم أيضا بالإسناد عن سفيان الثوري، عن زبيد الثاني، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان يقرأ (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي). وخرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق، وتبادر المسلمون، فوجدوا نوفل بن عبد العزى جوف الخندق، فجعلوا يرمونه بالحجارة. فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل بعضكم أقاتله، فقتله الزبير بن العوام. وذكر ابن إسحاق: أن عليا عليه السلام طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى. وذكر علي عليه السلام أبياتا منها. نصر الحجارة من سفاهة رأيه، ونصرت رب محمد بصواب فضربته، وتركته متجدلا، كالجذع بين دكادك ورواب (1) وعففت عن أثوابه، ولو أنني كنت المقطر بزني أثوابي (2) وروى عمرو بن عبيد عن الحسن البصري قال: إن عليا عليه السلام لما قتل عمرو بن عبدود، حمل رأسه فألقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي عليه السلام مط. وروي عن أبي بكربن عياش أنه قال: ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام أعز منها - يعني ضربة عمرو بن عبدود - وضرب علي ضربة ما كان في الإسلام ضربة أشأم منها - يعني ضربة ابن ملجم عليه لعائن الله -. قال ابن إسحاق: ورمى حيان بن قيس بن العرفة، سعد بن معاذ بسهم وقال: خذها وأنا ابن العرفة، فقطع أكحله. فقال سعد: عرف الله وجهك في النار. اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهد من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه. وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعله لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.


(1) دكادك: جمع دكدك، الرمل اللين. ورواب: جمع رابية. ما ارتفع من الأرض. (2) المقطر: الملقى على أحد قطريه أي: جنبيه. وبزه: سلبه (*).

[ 134 ]

قال: وجاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، ولم يعلم بي أحد من قومي، فمرني بأمرك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل (1) عنا ما استطعت، فإنما الحرب خدعة. فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، فقال لهم: إني لكم صديق، والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة واحدة، إن البلد بلدكم، وبه أموالكم، وأبناؤكم، ونساؤكم. وإنما قريش وغطفان بلادهم غيرها، وإنما جاؤوا حتى نزلوا معكم، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم، تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا. فقالوا له. قد أشرت برأي. ثم ذهب فأتى أبا سفيان وأشراف قريش، فقال. يا معشر قريش ! إنكم قد عرفتم ودي إياكم، وفراقي محمدا ودينه، وإني قد جئتكم بنصيحة فاكتموا علي. فقالوا. نفعل ما أنت عندنا بمتهم. فقال: تعلمون أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم، وندفعهم إليك، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك. فقال: بلى، فإن بعثوا إليكم يسألونكم نفرا من رجالكم، فلا تعطوهم رجلا واحدا واحذروا، ثم جاء غطفان، وقال. يا معشر غطفان ! إني رجل منكم. ثم قال لهم ما قال لقريش. فلما أصبح أبو سفيان وذلك يوم السبت، في شوال، سنة خمس من الهجرة، بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش. إن أبا سفيان يقول لكم: يا معشر اليهود ! إن الكراع والخف (2) قد هلكا، وإنا لسنا بدار مقام، فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه. فبعثوا إليه: أن اليوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم، نستوثق بهم، لا


(1) أمر من خذله: حمله على الفشل وترك القتال. (2) يريد بالكراع: الخيل وبالخف: الإبل.

[ 135 ]

تذهبوا وتدعونا، حتى نناجز محمدا. فقال أبو سفيان: والله قد حذرنا هذا نعيم. فبعث إليهم أبو سفيان: إنا لا نعطيكم رجلا واحدا، فإن شئتم أن تخرجوا وتقاتلوا، وإن شئتم فاقعدوا. فقالت اليهود: هذا والله الذي قال لنا نعيم. فبعثوا إليهم: إنا والله لا نقاتل حتى تعطونا رهنا. وخذل الله بينهم، وبعث سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة، شديدة البرد، حتى انصرفوا راجعين. قال محمد بن كعب: قال حذيفة بن اليمان. والله لقد رأيتنا يوم الخندق، وبنا من الجهد والجوع والخوف، ما لا يعلمه إلا الله. وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى ما شاء الله من الليل، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم، يجعله الله رفيقي في الجنة ؟ قال حذيفة: فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجهد والجوع. فلما لم يقم أحد، دعاني فلم أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك. قال: إذهب فجئني بخبر القوم، ولا تحدثن شيئا حتى ترجع. قال: وأتيت القوم فإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل، ما يستمسك لهم بناء، ولا تثبت لهم نار، ولا تطمئن لهم قدر. فإني لكذلك إذا خرج أبو سفيان من رحله، ثم قال: يا معشر قريش ! لينظر أحدكم من جليسه. قال حذيفة: فبدأت بالذي عن يميني، فقلت: من أنت ؟ قال: أنا فلان (1). ثم عاد أبو سفيان براحلته فقال: يا معشر قريش ! والله ما أنتم بدار مقام، هلك الخف والحافر، وأخلفتنا بنو قريظة، وهذا الريح لا يستمسك لنا معها شئ. ثم عجل فركب راحلته، وإنها لمعقولة ما حل عقالها، إلا بعد ما ركبها. قال: قلت في نفسي لو رميت عدو الله فقتلته، كنت قد صنعت شيئا. فوترت قوسي، ثم وضعت السهم في كبد القوس، وأنا أريد أن أرميه فأقتله، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحدثن شيئا حتى ترجع). قال: فحططت القوس، ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي. فلما سمع حسي فرج بين رجليه، فدخلت تحته، وأرسل علي طائفة من مرطه (2) فركع وسجد، ثم قال: ما الخبر ؟ فأخبرته.


(1) وفي المنقول عن (شرح المواهب): (فضربت بيدي على الذي عن يميني، فأخذت بيده فقلت: من أنت ؟ قال معاوية بن أبي سفيان. ثم ضربت بيدي على الذي عن شمالي، فقلت: من أنت قال: عمرو بن العاص). (2) المرط بالكسر -: الكساء (*).

[ 136 ]

وروى الحافظ بالإسناد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأحزاب فقال. (اللهم أنت منزل الكتاب، سريع الحساب، إهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم). وعن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) كان يقول: (لا إله إلا الله وحده وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شئ بعده). وعن سليمان بن صرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أجلى عنه الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) فكان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان هو يغزوهم حتى فخ عليهم مكة. (هنا لك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزا لا شديدا (11) وإذ يقول المنفقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو دلخت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لا توها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا عهدوا الله من قبل لا يولون الأدبر وكان عهد الله مسئولا (15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (16) قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعملهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قتلوا إلا قليلا (20).

[ 137 ]

القراءة: قرأ حفص: (لا مقام لكم) بضم الميم. والباقون بفتحها. وقرأ أهل الحجاز: (لأتوها) بغير مد. والباقون: (لآتوها) بالمد. وقرأ يعقوب: (يسائلون) بالتشديد والمد. والباقون: (يسئلون) بالتخفيف. وفي الشواذ قراءة ابن عباس، وابن يعمر، وقتادة: (إن بيوتنا عورة وما هي بعورة) بكسر الواو في الموضعين. وقراءة الحسن: (ثم سولوا الفتنة) مرفوعة السين ولا يجعل فيها ياء ولا يمدها. وقراءة ابن عباس (لو أنهم بدى في الأعراب). الحجة: قال أبو علي: المقام يحتمل أمرين أحدهما: لا موضع إقامة لكم، وهذا أشبه، لأنه في معنى لا مقام بفتح الميم أي: ليس لكم موضع تقومون فيه والآخر: لا إقامة لكم. ومن قصر (لأتوها) فلأنك تقول أتيت الشئ إذا فعلته، تقول أتيت الخير، وتركت الشر. ومعنى ثم سئلوا الفتنة لأتوها: سئلوا فعل الفتنة لفعلوها. ومن قرأ (لآتوها) فالمعنى لأعطوها أي: لم يمتنعوا فيها، والمعنى: لو قيل لهم كونوا على المسلمين، ومع المشركين، لفعلوا ذلك. ومن قرأ (يساءلون) فإنه يتساءلون أي: يسأل بعضهم بعضا، فأدغم التاء في السين. ومن قرأ (عورة) بكسر الواو فإنه شاذ من طريق الإستعمال، وذلك لتحرك الواو بعد الفتحة. والقياس أن تقول عارة، كما قالوا رجل مال وامرأة مالة، وكبش صاف، ونعجة صافة. ومثل عورة في صحة الواو قولهم رجل عوز: لا مال له وقول الأعشى: وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني شاومشل، شلول، شلشل، شول (1) وقوله (سولوا): من قولهم سال يسال، كخاف يخاف. فالعين على هذه اللغة واو. وحكى أبو زيد قولهم: (هما يتساولان) كما يقال يتقاومان. والأقيس على هذا أن يقال: سيلوا كعيدوا. وقيل: واللغة الأخرى إشمام الضمة نحو سئلوا. واللغة الثالثة سولوا على إخلاص ضمة فعل، إلا أنه أردأ اللغات. قال الشاعر: (وقول لا أهل له ولا مال) (2) أي: وقيل. وقال آخر: (نوط إلى صلب شديد الحل)


(1) من أبيات اعتبرها بعض من المعلقات. والحانوت: بيت الخمار. والشاوي: الذي يشوي اللحم. والمشل: المستحث، والجيد السوق، وقيل: الذي يشل اللحم في السفود. والشلول: مثل المشل. وشلشل: الخفيف في العمل والخدمة، وشول: الذي يشول بالشئ الذي يشتريه صاحبه أي: يرفعه. وقال في (اللسان) محكيا عن بعض: إن الألفاظ متقاربة. أريد بذكرها المبالغة. (2) هذا عجز بيت وقبله (وابتدأت غضبي وأم الرحال) (*).

[ 138 ]

أي: نيط. وقوله (بدى): جمع باد فهو مثل: غاز، وغزى. اللغة: يقال هنا: للقريب من المكان. وهنالك: للبعيد. وهناك: للمتوسط بين القريب والبعيد، وسبيله سبيل ذا وذلك وذاك. والزلزال: الإضطراب العظيم. والزلزلة: إضطراب الأرض. وقيل: إنه مضاعف زل وزلزله غيره. والشدة: قوة تدرك بالحاسة، لأن القوة التي هي القدرة لا تدرك بالحاسة، وإنما تعلم بالدلالة، فلذلك يوصف تعالى بأنه قوي، ولا يوصف بأنه شديد. والغرور: إيهام المحبوب بالمكروه. والغرور: الشيطان. قال الحرث بن حلزة: لم يغروكم غرورا، ولكن يرفع الآل جمعهم والضحاء (1) ويثرب: اسم أرض المدينة. قال أبو عبيدة: إن مدينة الرسول في ناحية من يثرب. وقيل: يثرب هي المدينة نفسها. وذكر المرتضى علم الهدى، قدس الله روحه: أن من أسماء المدينة يثرب، وطيبة، وطابة، والدار، والسكينة، وجائزة المحبورة، والمحبة، والمحبوبة، والعذراء، والمرحومة، والقاصمة، ويندد، فذلك ثلاثة عشر اسما. والعورة: كل شئ يتخوف منه في ثغر، أو حرب. ومكان معور، ودار معورة: إذا لم تكن حريزة. القطر: الناحية والجانب، وجمعه الأقطار. ويقال: طعنه فقطره: إذا ألقاه على أحد قطريه أي: أحد شقيه. والتعويق: التثبيت. والعوق: الصرف. ورجل عوق وعوقة: يعوق الناس عن الخير. والبأس. الحرب، وأصله الشدة. والأشحة: جمع شحيح. والشح: البخل مع حرص، يقال. شح يشح ويشح بضم الشين وفتحها. والسلق: أصله الضرب. وسلق: أي: صاح، ومنه خطيب مسلق ومصلق: فصيح. وسلقته بالكلام: أسمعته المكروه. وفي الحديث: (ليس منا من سلق أو حلق أو رفع صوته عند المصيبة. وقيل: هو أن تصك وجهها. ومعنى حلق أي: يحلق رأسه وشعره عند المصيبة. والحديد: ضد الكليل، والجمع حداد. والأحزاب: الجماعات واحدها حزب. وتحزبوا أي: تجمعوا من مواضمع. والبادي: الذي ينزل البادية، ومنه الحديث: (من بدا جفا) أي: من نزل البادية كان فيه جفوة الأعراب. والبداوة: الخروج إلى البادية بفتح الباء وكسرها، قال القطامي:


(1) الآل: السراب والضحاء ارتفاع النهار الأعلى (*).

[ 139 ]

ومن تكن الحضارة أعجبته، فأي أناس بادية ترانا (1) الاعراب: الضمير في (دخلت): عائد إلى (البيوت). (إلا يسيرا)، تقديره: إلا تلبسا يسيرا، أو زمانا يسيرا، فهو صفة ظرف زمان محذوف. (وإذا لا تمتعون): لم يعمل (إذا) لوقوعه بين الواو والفعل، وقد أعملت بعد ان في قول الشاعر: لا تتركني فيهم شطيرا إني إذا أهلك، أو أطيرا (2) (ولا يأتون): جملة معطوفة على صلة الموصول أي: الذين يعوقون ولا يأتون. وقوله (إلا قليلا): تقديره إلا زمانا قليلا. وإن شئت إلا إتيانا قليلا. (أشحة): منصوب على الحال في الموضعين. وقيل: هو نصب على الذم. (كالذي يغشى عليه من الموت) أي: تدور أعينهم دورانا مثل دوران أعين الذي يغشى عليه من الموت. فالكاف. صفة مصدر محذوف، وقد حذف بعد الكاف المضاف والمضاف إليه. (هلم): معناه أقبل، وتعال. وأهل الحجاز يقولون للواحد والإثنين والجمع والمذكر والمؤنث: هلم بلفظ الواحد. وإنما هي (لم) ضمت إليها (هاء) التي للتنبيه، ثم حذفت الألف منها إذ صارا شيئا واحدا، كقولهم: ويلمه، وأصله ويل لامه. فلما جعلوهما شيئا واحدا حذفوا وغيروا. وأما بنو تميم فيصرفونه تصريف الفعل، يقولون: هلم يا رجل، وهلما، وهلموا، وهلمي يا امرأة، وهلما، وهلممن يا نساء، إلا أنهم يفتحون آخر الواحد البتة. المعنى: لما وصف سبحانه شدة الأمر يوم الخندق، قال: (هنالك ابتلي المؤمنون) أي: اختبروا وامتحنوا، ليظهر لك حسن إيمانهم وصبرهم على ما أمرهم الله به من جهاد أعدائه، فظهر من كان ثابتا قويا في الإيمان، ومن كان ضعيفا فيه. (وزلزلوا زلزالا شديدا) أي: حركوا بالخوف تحريكا شديدا، وأزعجوا إزعاجا عظيما، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا، لا يستقر على مكانه. قال الجبائي: منهم من اضطرب خوفا على نفسه من القتل، ومنه من اضطرب عليه دينه. (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) أي شك، عن الحسن.


(1) الحضارة. الإقامة في الحضر. (2) الشطير: الغريب والبعيد. و (أطير) متكلم من طار بمعنى تفرق وانتشر (*).

[ 140 ]

وقيل: ضعف في الإيمان. (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) قال ابن عباس: إن المنافقين قالوا: يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر، ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء، هذا والله الغرور. (وإذ قالت طائفة منهم) يعني عبد الله بن أبي، وأصحابه، عن السدي. وقيل: هم بنو سالم من المنافقين، عن مقاتل. وقيل: إن القائل لذلك أوس بن قبطي، ومن وافقه على رأيه، عن يزيد بن رومان. (يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) أي: لا إقامة لكم ههنا، أو لا مكان لكم تقومون فيه للقتال إذا فتح الميم، فارجعوا إلى منازلكم بالمدينة، وأرادوا الهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (ويستأذن فريق منهم النبي) في الرجوع إلى المدينة، وهم بنو حارثة، وبنو سلمة (يقولون إن بيوتنا عورة) ليست بحريزة، مكشوفة ليست بحصينة، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: معناه بيوتنا خالية من الرجال، نخشى عليها السراق، عن الحسن. وقيل: قالوا بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلينا، عن قتادة، فكذبهم الله تعالى فقال: (وما هي بعورة) بل هي رفيعة السمك، حصينة، عن الصادق عليه السلام. (ان يريدون) أي: ما يريدون (إلا فرارا) وهربا من القتال ونصرة المؤمنين. (ولو دخلت) أي: ولو دخلت البيوت، أو دخلت المدينة (عليهم) أي: ولو دخل هؤلاء الذين يريدون القتال، وهم الأحزاب على الذين يقولون إن بيوتنا عورة، وهم المنافقون (من أقطارها) أي: من نواحي المدينة، أو البيوت (ثم سئلوا الفتنة لأتوها) أي: ثم دعوا هؤلاء إلى الشرك، لأشركوا. فالمراد بالفتنة الشرك، عن ابن عباس. (وما تلبثوا بها إلا يسيرا) أي: وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا، عن قتادة. وقيل: معناه وما أقاموا بالمدينة بعد إعطائهم الكفر، إلا قليلا حتى يعاجلهم الله بالعذاب، عن الحسن، والفراء. ثم ذكرهم الله سبحانه عهدهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالثبات في المواطن، فقال: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل) أي: من قبل الخندق. (لا يولون الأدبار) أي: بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحلفوا له أنهم ينصرونه، ويدفعون عنه، كما يدفعون عن نفوسهم، ولا يرجعون عن مقاتلة العدو، ولا ينهزمون. قال مقاتل: يريد ليلة

[ 141 ]

العقبة. (وكان عهد الله مسئولا) يسألون عنه في الآخرة. وإنما جاء بلفظ الماضي تأكيدا. ثم قال سبحانه: (قل) يا محمد للذين استأذنوك في الرجوع، واعتلوا بأن بيوتهم يخاف عليها (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل) إن كان حضرت آجالكم، فإنه لا بد من واحد منهما، وإن هربتم فالهرب لا يزيد في آجالكم (وإذا لا تمتعون إلا قليلا) معناه: وإن لم تحضر آجالكم، وسلمتم من الموت، أو القتل، في هذه الوقعة، لم تمتعوا في الدنيا إلا أياما قلائل. وإنما فرق بين الموت والقتل، لأن القتل غير الموت. فإن الموت ضد الحياة عند من أثبته معنى، وانتفاء الحياة عند من لم يثبته معنى. والقتل هو نقض البنية الحيوانية. فالقتل يقدر عليه غير الله تعالى، والموت لا يقدر عليه غيره. (قل) يا محمد (من ذا الذي يعصمكم من الله) أي: يدفع عنكم قضاء الله، ويمنعكم من الله (إن أراد بكم سؤءا) أي عذابا وعقوبة. (أو أراد بكم رحمة) أي نصرا وعزا، فإن أحدا لا يقدر على ذلك. (ولا يجدون لهم من دون الله وليا) يلي أمورهم (ولا نصيرا) ينصرهم، ويدفع عنهم. ثم قال سبحانه: (قد يعلم الله المعوقين منكم) وهم الذين يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويثبطونهم، ويشغلونهم، لينصرفوا عنه، وذلك بأنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم (1) أبو سفيان، وهؤلاء الأحزاب. (والقائلين لإخوانهم) يعني اليهود قالوا لإخوانهم المنافقين (هلم إلينا) أي تعالوا وأقبلوا إلينا ودعوا محمدا وقيل القائلون هم المنافقون قالوا لإخوانهم من ضعفة المسلمين. لا تحاربوا، وخلوا محمدا، فإنا نخاف عليكم الهلاك. (ولا يأتون البأس) أي: ولا يحضرون القتال في سبيل الله (إلا قليلا) يخرجون رياء وسمعة، قدر ما يوهمون أنهم معكم، يعلم الله سبحانه أحوالهم، لا يخفى عليه شئ منها، عن السدي. وقيل: معناه ولا يحضرون القتال إلا كارهين، تكون قلوبهم مع المشركين، عن قتادة. (أشحة عليكم) أي: لا يأتون الناس أشحة عليكم أي بخلاء بالقتال معكم.


(1) التهمه: ابتلعه بمرة.

[ 142 ]

وقيل. بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، عن قتادة، ومجاهد. ومعناه: لا ينصرونكم. ثم أخبر عن جبنهم، فقال: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى) أي: كعين الذي يغشى (عليه من الموت) وهو الذي قرب من حال الموت، وغشيته أسبابه، فيذهل ويذهب عقله، ويشخص بصره، فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم، وتحار أعينهم من شدة خوفهم. (فإذا ذهب الخوف) والفزع، وجاء الأمن والغنيمة (سلقوكم بألسنة حداد) أي: آذوكم بالكلام، وخاصموكم بألسنة سليطة ذربة، عن الفراء. وقيل: معناه بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون اعطونا اعطونا فلستم بأحق بها منا عن قتادة قال فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق وأما عند الغنيمة فأشح قوم، وهو قوله (أشحة على الخير) أي: بخلاء بالغنيمة، يشاحون المؤمنين عند القسمة. وقيل: معناه بخلاء بأن يتكلموا بكلام فيه خير، عن الجبائي. (أولئك) يعني من تقدم وصفهم (لم يؤمنوا)، كما آمن غيرهم، وإلا لما فعلوا ذلك. (فأحبط الله أعمالهم) لأنها لم تقع على الوجوه التي يستحق عليها الثواب، إذ لم يقصدوا بها وجه الله تعالى. وفي هذا دلالة على صحة مذهبنا في الإحباط (1) لأن المنافقين ليس لهم ثواب فيحبط، فليس إلا أن جهادهم الذي لم يقارنه إيمان، لم يستحقوا عليه ثوابا. (وكان ذلك) الإحباط، أو كان نفاقهم (على الله يسيرا) أي: هينا. ثم وصف سبحانه هؤلاء المنافقين فقال: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) أي: يظنون أن الجماعات من قريش وغطفان وأسد، واليهود الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم ينصرفوا، وقد انصرفوا. وإنما ظنوا ذلك لجبنهم، وفرط حبهم قهر


(1) وهو القول بأن كلا من الإيمان والكفر يتحقق بتحقق شروط المقارنة، وليس شئ عن استحقاق الثواب والعقاب مشروطا بشرط متأخر، بل إن تحقق الإيمان تحقق استحقاق الثواب، وكذا في الكفر، فإن كفر بعد الإيمان، كان كفره اللاحق كاشفا عن أنه لم يكن مؤمنا سابقا، ولم يكن مستحقا للثواب عليه وإطلاق المؤمن عليه بحسب اللفظ الظاهر، وهذا مذهب جمع من الإمامبة، رضوان الله عليهم، في الإحباط. وإن شئت مزيد تحقيق في الباب فراجع كتاب (بحار الأنوارج 15 ص 169) (*).

[ 143 ]

المسلمين. (وإن يأت الأحزاب) أي: وإن يرجع الأحزاب إليهم ثانية للقتال (يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم) أي: يود هؤلاء المنافقون أن يكونوا في البادية مع الأعراب، يسألون عن أخباركم، ولا يكونوا معكم حذرا من القتل، وتربصا للدوائر. (ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا) أي: ولو كان هؤلاء المنافقون معكم وفيكم، لم يقاتلوا معكم إلا قدرا يسيرا، ليوهموا أنهم في جملتكم، لا لينصروكم ويجاهدوا معكم. وقيل: معناه قتالا قليلا رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان لله تعالى لم يكن قليلا، عن الجبائي، ومقاتل. (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا (21) ولمارءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمنا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزى الله الصدقين بصدقهم ويعذب المنفقين إن شآء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25). القراءة: قرأ عاصم: (أسوة) بضم الألف حيث كان في جميع القرآن. والباقون بكسر الألف، وهما لغتان ومعناهما قدوة. اللغة: النحب: النذر. فان بشر بن أبي حازم: وإني والهجاء لآل لام كذات النحب توفي بالنذور والنحب: الموت. قال ذو الرمة: عشية مر الحارثيون بعدما قضى نحبه في ملتقى الخيل هو بر

[ 144 ]

وهوبر. اسم رجل. والنحب: الخطر قال جرير. بطخفة جالدنا الملوك، وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب (1) أي: على خطر. والنحب: المد في السير يوما وليلة. المعنى: ثم حث سبحانه على الجهاد، والصبر عليه، فقال: (لقد كان لكم) معاشر المكلفين (في رسول الله أسوة حسنة) أي: قدوة صالحة. يقال: لي في فلان أسوة أي: لي به اقتداء. والأسوة من الإتساء، كما أن القدوة من الإقتداء اسم وضع موضع المصدر. والمعنى: كان لكم برسول الله اقتداء، لو اقتديتم به في نصرته، والصبر معه في مواطن القتال، كما فعل هو يوم أحد، إذ انكسرت رباعيته، وشج حاجبه، وقتل عمه، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعله هو. وقوله (لمن كان يرجو الله): بدل من قوله (لكم)، وهو تخصيص بعد العموم للمؤمنين يعني أن الأسوة برسول الله، إنما تكون (لمن كان يرجوا الله) أي: يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم، عن ابن عباس. وقيل: معناه يخشى الله، ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال، وهو قوله (واليوم الآخر) عن مقاتل (وذكر الله كثيرا) أي: ذكرا كثيرا. وذلك أن ذاكر الله متبع لأوامره بخلاف الغافل عن ذكره. ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأحزاب فقال: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب) أي: ولما عاين المصدقون بالله ورسوله الجماعة التي تحزبت على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كثرتهم. (قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله) اختلف في معناه على قولين أحدهما: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أخبرهم أنه يتظاهر عليهم الأحزاب، ويقاتلونهم، ووعدهم الظفر بهم. فلما رأوهم تبين لهم مصداق قوله، وكان ذلك معجزا له. (وما زادهم) مشاهدة عدوهم (إلا إيمانا) أي: تصديقا بالله ورسوله (وتسليما) لأمره، عن الجبائي والآخر: إن الله تعالى وعدهم في سورة البقرة بقوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا) إلى قوله (إن نصر الله قريب) ما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق، قالوا هذه المقالة، علما منهم أنه لا يصيبهم إلا ما أصاب الأنبياء والمؤمنين قبلهم، وزادهم كثرة المشركين تصديقا ويقينا وثباتا في الحرب، عن قتادة وغيره.


(1) طخفة: اسم موضع. والمجالدة، المضاربة (*).

[ 145 ]

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) أي: بايعوا أن لا يفروا، فصدقوا في لقائهم العدو (فمنهم من قضى نحبه) أي: مات، أو قتل في سبيل الله، فأدرك ما تمنى، فذلك قضاء النحب. وقيل: قضى نحبه معناه فرغ من عمله، ورجع إلى ربه، يعني من استشهد يوم أحد، عن محمد بن إسحاق. وقيل: معناه قضى أجله على الوفاء والصدق، عن الحسن. وقال ابن قتيبة: أصل النحب النذر، وكان قوما نذروا إن يلقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا، أو يفتح الله، فقتلوا. فقيل: فلان قضى نحبه: إذا قتل. وروي عن أنس بن مالك أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله مع المشركين، لئن أراني الله قتالا للمشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فلقيه سعد دون أحد فقال: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم. كنا نقول فيه وفي أصحابه نزلت (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن سعيد الخزامي، عن عبد الأعلى، عن حميد بن أنس. وقال ابن إسحاق. فمنهم من قضى نحبه من استشهد يوم بدر وأحد، (ومنهم من ينتظر) ما وعد الله من نصرة أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه. (وما بذلوا تبديلا) أي: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم، كما غير المنافقون. قال ابن عباس: من قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب، ومن قتل معه، وأنس بن النضر وأصحابه. وقال الكلبي: ما بدلوا العهد بالصبر، ولا نكثوه بالفرار. وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن علي عليه السلام قال: فينا نزلت (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) فأنا والله المنتظر، وما بدلت تبديلا. (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) أي. صدق المؤمنون في عهودهم، ليجزيهم الله بصدقهم. (ويعذب المنافقين) بنقض العهد (إن شاء أو يتوب عليهم) إن تابوا. ويكون معناه: إنه سبحانه إن شاء قبل توبتهم، وأسقط عقابهم، وإن شاء لم يقبل توبتهم، وعذبهم. فإن إسقاط العذاب على المذهب الصحيح بالتوبة تفضل من الله تعالى، لا يجب عقلا. وإنما علمنا ذلك

[ 146 ]

بالسمع والإجماع على أن الله سبحانه يفعل ذلك. فالآية قاضية بما يقتضيه العقل من الحكم. ويؤكد ذلك قوله (إن الله كان غفورا رحيما) لأن المدح إنما يحصل إذا رحم سبحانه من يستحق العقاب، ويغفر ما جاز له المؤاخذة به، ولا مدح في مغفرة ورحمة من يجب عليه غفرانه ورحمته. وقيل: معناه ويعذب المنافقين بعذاب عاجل في الدنيا إن شاء، أو يتوبوا، عن الجبائي. ثم عاد سبحانه إلى تعداد نعمه فقال: (ورد الله الذين كفروا) يعني الأحزاب أبا سفيان وجنوده وغطفان، ومن معهم من قبائل العرب. (بغيظهم) أي: بغمهم الذي جاؤوا به، وحنقهم، لم يشفوا بنيل ما أرادوا و (لم ينالوا خيرا) أملوه، وأرادوه من الظفر بالنبي والمؤمنين. وإنما سماه خيرا لأن ذلك كان خيرا عندهم. وقيل: أراد بالخير المال كما في قوله (وإنه لحب الخير لشديد). (وكفى الله المؤمنين القتال) أي: مباشرة القتال بما أنزل الله على المشركين من الريح الشديدة الباردة التي أزعجتهم عن أماكنهم، وبما أرسل من الملائكة، وبما قذف في قلوبهم من الرعب. وقيل: بعلي بن أبي طالب عليه السلام، وقتله عمرو بن عبدود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم، عن عبد الله بن مسعود، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. (وكان الله قويا) أي: قادرا على ما يشاء (عزيزا) لا يمتنع عليه شئ من الأشياء. وقيل: قويا في ملكه وسلطانه، عزيزا في قهره وانتقامه. (وأنزل الذين ظهروهم من أهل الكتب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديرهم وأمولهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شئ قديرا (27). اللغة: المظاهرة: المعاونة، وهي زيادة القوة بأن يكون المعاون ظهيرا لصاحبه في الدفع عنه. والظهير: المعين. والصياصي: الحصون التي يمتنع بها واحدتها صيصية، يقال: جذ الله صيصية فلان أي: حصنه الذي يمتنع به. وكل ما امتنع به فهو صيصية، ومنه يقال لقرون البقر والظباء صياصي. ويقال أيضا لشوكة الديك، وشوكة الحايك: صيصية. قال: (كوقع الصياصي في النسيج الممدد) (1).


(1) هذا عجز بيت لدريد بن صمة في قصيدة له يقولها في رثاء أخيه وصدره: (نظرت إليه، والرما = (*)

[ 147 ]

المعنى: ثم ذكر سبحانه ما فعل باليهود من بني قريظة فقال: (وأنزل الذين ظاهروهم) أي: عاونوا المشركين من الأحزاب، ونقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن لا ينصروا عليه عدوا (من اهل الكتاب)، يعني من اليهود. واتفق المفسرون على أنهم بنو قريظة إلا الحسن فإنه قال: هم بنو النضير. والأول أصح وأليق بسياق الآيات، لأن بني النضير لم يكن لهم في قتال أهل الأحزاب شئ، وكانوا قد انجلوا قبل ذلك. (من صياصيهم) أي: من حصونهم (وقذف في قلوبهم الرعب) أي: ألقى في قلوبهم الخوف من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المؤمنين (فريقا تقتلون) منهم يعني الرجال (وتأسرون فريقا) يعني الذراري والنساء. (وأورثكم أرضهم) أي: وأعطاكم أرضهم (وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها) أي: وأورثكم أرضا لم تطؤوها بأقدامكم بعد، وسيفتحها الله عليكم، وهي خيبر فتحها الله عليهم بعد بني قريظة، عن ابن زيد، ويزيد بن رومان، ومقاتل. وقيل: هي مكة، عن قتادة. وقيل: هي الروم وفارس، عن الحسن. وقيل: هي كل أرض تفتح إلى يوم القيامة، عن عكرمة. وقيل: هي ما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، عن أبي مسلم (وكان الله على كل شئ قديرا) ظاهر المعنى.... القصة: روى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: لما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين عن الخندق، ووضع عنه اللأمة (1)، واغتسل واستحم، تبدى له جبرائيل عليه السلام فقال: عذيرك من محارب (2) ألا أراك قد وضعت عنك اللأمة، وما وضعناها بعد ! فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا قريظة. فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بنو قريظة حتى غربت الشمس، واختصم الناس فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي قريظة، فإنما نحن في عزمة رسول الله فليس علينا


= تنوشه) وفي (اللسان): (فجئت إليه والرماح....) وتنوشه: أي تتناوله من قريب. شبه وقوع الرماح على أخيه بوقوع شوك النساج في نسيجه. (1) اللامة: الدرع. وقيل: السلاح. (2) عذيرك من فلان أي: هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل (*).

[ 148 ]

إثم. وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوها حين جاؤوا بني قريظة احتسابا. فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدا من الفريقين وذكر عروة أنه بعث علي بن أبي طالب عليه السلام على المقدم، ودفع إليه اللواء، وأمره أن ينطلق حتى يقف بهم على حصن بني قريظة ففعل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على آثارهم، فمر على مجلس من الأنصار في بني غنم، ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فزعموا أنه قال: مر بكم الفارس آنفا فقالوا: مر بنا دحية الكلبي على بغلة شهباء، تحته قطيفة ديباج. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس ذلك بدحية، ولكنه جبرائيل عليه السلام أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب. قالوا: وسار علي عليه السلام حتى إذا دنا من الحصن، سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالطريق، فقال. يا رسول الله ! لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: أظنك سمعت لي منهم أذى ؟ فقال: نعم يا رسول الله. فقال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حصونها، قال: يا إخوة القردة والخنازير ! هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته ؟ فقالوا: يا أبا القاسم ! ما كنت جهولا. وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكان حيي بن أخطب، دخل مع بني قريظة في حصنهم، حين رجعت قريش وغطفان. فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد. يا معشر يهود ! قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم. قالوا: ما هن ؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبيين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم. فقالوا: نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم علي هذا، فهلموا فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف، ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا يهمنا. وإن نظهر لنجدن النساء والأبناء. فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير في العيش بعدهم. قال: فإذا أبيتم علي هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا فعلنا

[ 149 ]

نصيب منهم غرة. فقالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيها ما أحدث من كان قبلنا، فأصابهم ما قد علمت من المسخ. فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما. قال الزهري: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا: اختاروا من شئتم من أصحابي. فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسلاحهم، فجعل في قبته، وأمر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى سعد بن معاذ فجئ به، فحكم فيهم بأن يقتل مقاتليهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، وإن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار. وقال للأنصار: إنكم ذوو عقار، وليس للمهاجرين عقار. فكبر رسول الله وقال لسعد: (لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل). وفي بعض الروايات: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة). وأرقعة: جمع رقيع إسم سماء الدنيا. فقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقاتليهم، وكانوا فيما زعموا ست مائة مقاتل. وقيل: قتل منهم أربع مائة وخمسين رجلا، وسبى سبعمائة وخمسين. وروي أنهم قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إرسالا: يا كعب ! ما ترى يصنع بنا ؟ فقال كعب: أفي كل موطن تقولون ألا ترون أن الداعي لا ينزع، ومن يذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل. وأتى بحيي بن أخطب، عدو الله، عليه حلة فاختية، قد شقها عليه من كل ناحية، كموضع الأنملة، لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما بصر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أما والله مالمت نفسي على عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم قال: أيها الناس ! إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله وقدره، ملحمة كتبت على بني إسرائيل. ثم جلس فضرب عنقه. ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءهم، وأبناءهم، وأموالهم على المسلمين، وبعث بسبايا منهم إلى نجد مع سعد بن زيد الأنصاري، فابتاع بهم خيلا وسلاحا. قالوا: فلما انقضى شأن بني قريظة، انفجر جرح سعد بن معاذ، فرجعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. وروي عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبرائيل عليه السلام إلى رسول الله فقال: من هذا العبد الصالح الذي

[ 150 ]

مات، فتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش ؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا سعد بن معاذ قد قبض. (يأيها النبي قل لازوجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسر حكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الأخرة فإن الله أعد للمحسنت منكن أجرا عظيما (29) ينسآء النبي من يأت منكن بفحشة مبينة يضعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (20) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صلحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31). القراءة: قرأ ابن كثير، وابن عامر: (نضعف) بالنون والتشديد (العذاب) بالنصب. وقرأ أبو جعفر، وأهل البصرة: (يضعف) بالياء والتشديد (العذاب) بالرفع. والباقون: (يضاعف) بالياء والألف وفتح العين وقرأ أهل الكوفة، غير عاصم ومن يقنت ويعمل صالحا يؤتها الجميع بالياء. وقرأ روح وزيد: من تأت ومن تقنت وتعمل كلها بالتاء (نؤتها) بالنون. والباقون: من يأت ومن يقنت بالياء وتعمل بالتاء ونؤتها بالنون. الحجة: قال أبو علي: ضاعف وضعف بمعنى، فمن لم يسم الفاعل أسند الفعل إلى العذاب. ومن قرأ بكسر العين، فالفعل مسند إلى ضمير اسم الله تعالى. ومعنى يضاعف لها العذاب ضعفين: أنها لما تشاهد من الزواجر الرادعة عن مواقعة الذنوب، ينبغي أن يمتنع منها أكثر مما يمتنع من لا يشاهد ذلك. وقال (يضاعف لها العذاب) فعاد الضمير إلى معنى من دون لفظه، ولو عاد على لفظه لذكره. ومن قرأ (يقنت) بالياء، فلأن الفعل مسند إلى ضمير من، ولم يتبين فاعل الفعل بعد. فلما ذكر ما دل على أن الفعل لمؤنث، حمل على المعنى فأنث، وكذلك قوله (من آمن بالله) ثم قال: (فلا خوف عليهم). ومن قرأ كل ذلك بالياء فإنه حمل على اللفظ دون المعنى. ومن قرأ من تأت بالتاء، حمل على المعنى، فكأنه قال أية امرأة منكن أتت بفاحشة، أو تأت بفاحشة. ومثله في الكلام كثير للبيان، كقوله سبحانه:

[ 151 ]

(ومنهم من يستمعون إليك)، وقول الفرزدق: تعش فإن عاهدتني لاتخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (1) أي: مثل اللذين يصطحبان. قال ابن جني: أن تكون من هنا على الصلة أولى من أن تكون على الصفة. اللغة: الضعف: مثل الشئ الذي يضم إليه، يقال: ضاعفته أي: زدت عليه مثله - ومنه الضعف وهو نقصان القوة بأن يذهب أحد ضعفيها، فهو ذهاب ضعف القوة. النزول: قال المفسرون: إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه لغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهن شهرا، فنزلت آية التخيير، وهو قوله (قل لأزواجك) وكن يومئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، فهؤلاء من. قريش. وصفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. وروى الواحدي بالإسناد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا مع حفصة، فتشاجرا بينهما، فقال لها: هل لك أن أجعل بيني وبينك رجلا ؟ قالت: نعم. فأرسل إلى عمر. فلما أن دخل عليهما قال لها: تكلمي. فقالت: يا رسول الله ! تكلم ولا تقل إلا حقا. فرفع عمر يده فوجأ وجهها، ثم رفع يده فوجأ وجهها. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كف. فقال عمر: يا عدوة الله ! النبي لا يقول إلا حقا، والذي بعثه بالحق، لولا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي ! فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصعد إلى غرفة فمكث فيها شهرا، لا يقرب شيئا من نسائه، يتغذى ويتعشى فيها، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ! المعنى: ثم عاد سبحانه إلى ذكر نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم،


(1) تعش: أمر من تعشى: أكل العشاء. وفي رواية سيبويه في (الكتاب ج 1 ص 404): (تعال) مكان (تعش)، وهذا البيت من أبيات قالها في وصف ذئب أتاه ليلا في بعض أسفاره لما رأى ناره، ثم رمى إليه، وكان يخاطبه ويقول له: فإن عاهدتني لا تؤذيني نكن كالرجلين المصطحبين أي: كالصاحبين بأن لا تؤذيني ولا أؤذيك (*).

[ 152 ]

آمرا له أن يخير أزواجه فقال: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزيتها) أي: سعة العيش في الدنيا، وكثرة المال (فتعالين أمتعكن) أي: أعطكن متعة الطلاق. وقد مر بيانها في سورة البقرة. وقيل: أمتعكن بتوفير المهر. (وأسرحكن) أي: أطلقكن (سراحا جميلا) والسراح الجميل: الطلاق من غير خصومة، ولا مشاجرة بين الزوجين. (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة) أي: وإن أردتن طاعة الله، وطاعة رسوله، والصبر على ضيق العيش والجنة. (فإن الله أعد للمحسنات) أي: العارفات المريدات الإحسان، المطيعات له. (منكن أجرا عظيما). واختلف في هذا التخيير فقيل: إنه خير هن بين الدنيا والآخرة، فإن هن اخترن الدنيا ومحبتها، استأنف حينئذ طلاقهن بقوله: (أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) عن الحسن. وقيل: خير هن بين الطلاق، والمقام معه، عن مجاهد، والشعبي، وجماعة من المفسرين. واختلف العلماء في حكم التخيير على أقوال أحدها: إن الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها، فلا شئ. وإن اختارت نفسها، تقع تطليقة واحدة، وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وثانيها: إنه إذا اختارت نفسها تقع ثلاث تطليقات. لان اختارت زوجها، تقع واحدة، وهو قول زيد بن ثابت، وإليه ذهب مالك وثالثها: إنه إن نوى الطلاق كان طلاقا، وإلا فلا، وهو مذهب الشافعي ورابعها: إنه لا يقع بالتخيير طلاق، وإنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، ولو اخترن أنفسهن لما خيرهن، لبن منه. فأما غيره فلا يجوز له ذلك، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام. ثم خاطب سبحانه نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) أي: بمعصية ظاهرة (يضاعف لها العذاب) في الآخرة (ضعفين) أي مثلي ما يكون على غيرهن، وذلك لأن نعم الله سبحانه عليهن أكثر، لمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهن، ولنزول الوحي في بيوتهن. فإذا كانت النعمة عليهن أعظم وأوفر، كانت المعصية منهن أفحش، والعقوبة بها أعظم وأكثر. وقال أبو عبيدة: الضعفان أن يجعل الواحد ثلاثة، فيكون عليهن ثلاثة حدود، لأن ضعف الواحد مثله، وضعفي الشئ مثلاه. وقال غيره: المراد بالضعف المثل، فالمعنى أنها يزاد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله (نؤتها أجرها مرتين). (وكان

[ 153 ]

ذلك على الله يسيرا) أي: كان عذابها على الله هينا، عن مقاتل. (ومن يقنت منكن لله ورسوله) أي: ومن يطع الله ورسوله. والقنوت: الطاعة. وقيل: معناه من يواظب منكن على الطاعة لله ولرسوله، ومنه القنوت في الصلاة: وهو المداومة على الدعاء المعروف. (وتعمل صالحا) فيما بينها وبين ربها (نؤتها أجرها مرتين) أي: نؤتها ثوابها مثلي ثواب غيرها. وروى أبو حمزة الثمالي عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال: إني لأرجو للمحسن منا أجرين، وأخاف على المسئ منا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وروى محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم ابن عبد الحميد، عن علي بن عبد الله بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن الحسين زين العابدين، أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم. قال: فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن نكون كما تقول. إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب. ثم قرأ الآيتين. (وأعتدنا لها رزقا كريما) أي: عظيم القدر، رفيع الخيار. وقيل: إن الرزق الكريم ما سلم من كل آفة. وقيل: هو الثواب الذي لا يحسن الإبتداء بمثله. (ينسآء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجهلية الأولى وأقمن الصلوة وءاتين الزكوة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءايت الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقنتين والقنتت والصدقين والصدقت والصبرين والصبرت والخشعين والخشعت والمتصدقين والمتصدقات والصئمين والصئمت والحفظين فروجهم والحفظت والذكرين الله

[ 154 ]

كثيرا والذاكرت أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35). القراءة: قرأ أهل المدينة وعاصم: (وقرن) بفتح القاف. وقرأ الباقون وهبيرة عن حفص عن عاصم: (وقرن) بكسر القاف. وفي الشواذ قراءة الأعرج، وأبان بن عثمان: (فيطمع الذي) بكسر العين. الحجة: قال أبو علي: قوله (وقرن) لا يخلو إما أن يكون من القرار، أو من الوقار. فإن كان من الوقار، فهو مثل عدن وكلن، مما يحذف فيه الفاء، وهي واو، فيبقى من الكلمة علن. وإن كان من القرار فيكون الأمر أقررن، فيبدل من العين الياء، كراهة التضعيف، كما أبدل في قيراط ودينار. فيصير لها حركة الحرف المبدل منه. ثم تلقى الحركة على الفاء، فتسقط همزة الوصل، لتحرك ما بعدها، فتقول: قرن، لأن حركة الراء كانت كسرة في تقر ألا ترى أن القاف متحرك بها. وأما من فتح فقال (قرن)، فمن لم يجز قررت بالمكان أقر، وإنما يقول قررت أقر. فإن فتح الفاء عنده لا يجوز. ومن أجاز ذلك جاز على قوله (قرن) كما جاز (قرن)، وهي لغة حكاها الكسائي. وقال أبو عثمان. يقال قررت به عينا أقر، ولا يقال: قررت في هذا المعنى، وقررت في المكان، فأنا أقر فيه. يقال: قررت في هذا المعنى. ومن قرأ (فيطمع الذي) بالكسر، فهو معطوف علي (فلا تخضعن) أي: فلا يطمع الذي في قلبه مرض، فكلاهما منهي عنه، إلا أن النصب أقوى، لأنه يكون بمعنى إن طمعه مسبب عن خضوعهن بالقول. وإذا كان عطفا كان نهيا لهن، وله، وليس فيه دليل على أن الطمع واقع من أجلهن. اللغة: التبرج: إظهار المرأة محاسنها، مأخوذ من البرج، وهو السعة في العين. وطعنة برجاء. واسعة. وفي أسنانه برج: إذا تفرق ما بينها. الاعراب: قوله (ليذهب): اللام يتعلق بمحذوف تقديره وإرادته ليذهب. ويجوز أن يتعلق بيريد. (أهل البيت): منصوب على المدح، تقديره: أعني أهل البيت. ويجوز أن يكون منادى مضافا. ويجوز في العربية جر اللام ورفعها. فالجر على أن يكون بدلا من كم. والرفع على المدح. المعنى: ثم أظهر سبحانه فضيلتهن على سائر النسوان بقوله: (يا نساء النبي

[ 155 ]

لستن كأحد من النساء) قال الزجاج: لم يقل كواحدة من النساء، لأن أحدا للنفي العام. وقال ابن عباس: معناه ليس قدركن عندي كقدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، فأنا بكن أرحم، وثوابكن أعظم، لمكانكن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (إن اتقيتن) الله شرط عليهن التقوى ليبين سبحانه أن فضيلتهن بالتقوى، لا باتصالهن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. (فلا تخضعن بالقول) أي: لا ترققن القول، ولا تلن الكلام للرجال، ولا تخاطبن الأجانب مخاطبة تؤدي إلى طمعهم، فتكن كما تفعل المرأة التي تظهر الرغبة في الرجال. (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي: نفاق وفجور، عن قتادة. وقيل: من في قلبه شهوة للزنا، عن عكرمة. وقيل: إن المرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة. (وقلن قولا معروفا) أي: مستقيما جميلا بريئا من التهمة، بعيدا من الريبة، موافقا للدين والإسلام. (وقرن في بيوتكن) أمرهن بالإستقرار في بيوتهن، والمعنى. اثبتن في منازلكن، والزمنها وإن كان من وقر يقر فمعناه: كن أهل وقار وسكينة (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي: لا تخرجن على عادة النساء اللأتي في الجاهلية، ولا تظهرن زينتكن، كما كن يظهرن ذلك. وقيل: التبرج التبختر والتكبر في المشي، عن قتادة، ومجاهد. وقيل: هو أن تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فتواري قلائدها وقرطيها، فيبدو ذلك منها، عن مقاتل. والمراد بالجاهلية الأولى: ما كان قبل الإسلام، عن قتادة. وقيل: ما كان بين آدم عليه السلام، ونوح عليه السلام ثمان مائة سنة، عن الحكم. وقيل: ما بين عيسى ومحمد، عن الشعبي قال: وهذا لا يقتضي أن يكون بعدها جاهلية في الإسلام، لأن الأول اسم للسابق تأخر عنه غيره أو لم يتأخر. وقيل: إن معنى تبرج الجاهلية الأولى أنهم كانوا يجوزون أن تجمع امرأة واحدة زوجا وخلا، فتجعل لزوجها نصفها الأسفل، ولخلها نصفها الأعلى، يقبلها ويعانقها. ثم قال: (وأقمن الصلاة) أي: أدينها في أوقاتها بشرائطها (وآتين الزكاة) المفروضة في أموالكن، (وأطعن الله ورسوله) فيما يأمرانكن به، وينهانكن عنه. ثم قال عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال ابن عباس. الرجس عمل الشيطان، وما ليس لله فيه رضى. والبيت التعريف فيه للعهد، والمراد به: بيت النبوة والرسالة. والعرب تسمي ما يلتجأ إليه بيتا، ولهذا

[ 156 ]

سموا الأنساب بيوتا، وقالوا: بيوتات العرب، يريدون النسب. قال: ألا يا بيت بالعلياء بيت، ولولا حب أهلك ما أتيت (1) ألا يا بيت أهلك أو عدوني كأني كل ذنبهم جنيت يريد بيت النسب، وبيت النبوة والرسالة، كبيت النسب. قال الفرزدق: بيت زرارة محتب بفنائه ومجاشع، وأبو الفوارس نهشل (2) لايحتبي بفناء بيتك مثلهم أبدا، إذا عد الفعال الأكمل وقيل: البيت بيت الحرام، وأهله هم المتقون على الإطلاق لقوله (إن أولياؤه إلا المتقون). وقيل: البيت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأهله من مكنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، ولم يخرجه، ولم يسد بابه. وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. ثم اختلفوا فقال عكرمة: أراد أزواج النبي، لأن أول الآية متوجه إليهن. وقال أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعائشة، وأم سلمة. إن الآية مختصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام. ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره: حدثني شهربن حوشب، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة عليها السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحمل حريرة لها، فقال: ادعي زوجك وابنيك. فجاءت بهم، فطعموا، ثم ألقى عليهم كساء له خيبريا، فقال. (اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا) فقلت: يا رسول الله ! وأنا معهم ؟ قال: أنت إلى خير. وروى الثعلبي في تفسيره أيضا بالإسناد عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة عليها السلام ببرمة (3) فيها حريرة، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك. فذكرت الحديث نحو ذلك، ثم قالت: فأنزل الله تعالى (إنما يريد الله) الآية. قالت: فأخذ فضل الكساء، فغشاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وحامتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا)


(1) العلياء: رأس الجبل. المكان العالي. (2) الإحتباء: هو أن يجمع بين ظهره وساقيه بثوب ونحوه. (3) البرمة: القدر من الحجر (*).

[ 157 ]

فأدخلت رأسي البيت، وقلت: وأنا معكم يا رسول الله ؟ قال: إنك إلى خير، إنك إلى خير. وبإسناده قال مجمع: دخلت مع أمي على عائشة، فسألتها أمي أرأيت خروجك يوم الجمل ؟ قالت. إنه كان قدرا من الله. فسألتها عن علي عليه السلام فقالت: تسأليني عن أحب الناس كان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوج أحب الناس كان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لقد رأيت عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا عليهم السلام، وجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثوب عليهم، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وحامتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا) قالت، فقلت: يا رسول الله ! أنا من أهلك ؟ قال: تنحي فإنك إلى خير. وبإسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة عليهم السلام، وأخبرنا السيد أبو الحمد، قال: حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني، قال: حدثونا عن أبي بكر السبيعي، قال: حدثنا أبو عروة الحراني، قال: حدثنا ابن مصغي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن واقد، عن أيوب بن سيار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليست في البيت إلا فاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام، وعلي عليه السلام (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم هؤلاء أهلي). وحدثنا السيد أبو الحمد، قال: حدثنا الحاكم أبو القاسم بإسناده عن زاذان، عن الحسن بن علي عليه السلام قال: لما نزلت آية التطهير، جمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإياه في كساء لأم سلمة خيبري، ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، وعترتي)، والروايات في هذا كثيرة من طريق العامة والخاصة، لو قصدنا إلى إيرادها لطال الكتاب وفيما أوردناه كفاية واستدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة عليهم السلام بأن قالوا: إن لفظة إنما محققة لما أثبت بعدها، نافية لما لم يثبت. فإن قول القائل: إنما لك عندي درهم، وإنما في الدار زيد، يقتضي أنه ليس عنده سوى الدرهم، وليس في الدار سوى زيد. وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة، أو الإرادة التي يتبعها التطهير، وإذهاب الرجس. ولا يجوز الوجه الأول، لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل

[ 158 ]

البيت دون سائر الخلق، ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم، بغير شك وشبهة، ولا مدح في الإرادة المجردة. فثبت الوجه الثاني. وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح. وقد علمنا أن من عدا من ذكرناه من أهل البيت، غير مقطوع على عصمته، فثبت أن الآية مختصة بهم، لبطلان تعلقها بغيرهم. ومتى قيل: إن صدر الآية وما بعدها في الأزواج ؟ فالقول فيه: إن هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره، ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأزواج فقال: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) معناه: واشكرن الله تعالى إذ صيركن في بيوت يتلى فيها القرآن والسنة، عن قتادة. وقيل: اذكرن أي: إحفظن ذلك، وليكن منكن على بال أبدا، لتعملن بموجبه. وهذا حث لهن على حفظ القرآن والأخبار، ومذاكرتهن بهما، والخطاب وإن اختص بهن، فغيرهن يشاركهن فيه، لأن بناء الشريعة على القرآن والسنة. (إن الله كان لطيفا) بأوليائه (خبيرا) بجميع خلقه. وقيل: لطيفا في تدبير خلقه، وإيصال المنافع إليهم، خبيرا بما يكون منهم، ومصالحهم، ومفاسدهم، فيأمرهم بفعل ما فيه صلاحهم، واجتناب ما فيه فسادهم. قال مقاتل بن حيان: لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة، مع زوجها جعفر بن أبي طالب عليه السلام، دخلت على نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: هل نزل فينا شئ من القرآن ؟ قلن: لا. فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله ! إن النساء لفي خيبة وخسار. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ومم ذلك ؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير، كما يذكر الرجال. فأنزل الله تعالى هذه الآية. (إن المسلمين والمسلمات) أي: المخلصين الطاعة لله والمخلصات، من قوله ورجلا سلما لرجل أي: خالصا. وقيل معناه: إن الداخلين في الإسلام من الرجال والنساء. وقيل: يعني المستسلمين لأوامر الله، والمنقادين له من الرجال والنساء. (والمؤمنين والمؤمنات) أي: والمصدقين بالتوحيد والمصدقات، والإسلام والإيمان واحد، عند أكثر المفسرين. وإنما كرر لاختلاف اللفظين. وقيل: إنهما مختلفان، فالإسلام الإفرار باللسان، والإيمان: التصديق بالقلب. ويعضده قوله: (قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا). وقيل:

[ 159 ]

الإسلام هو اسم الدين، والإيمان التصديق به. قال البلخي: فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلم والمؤمن بقوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمن جاره بوائقه (1)، وما آمن بي من بات شبعان وجاره طاو) (2). (والقانتين والقانتات) يعني: الدائمين على الأعمال الصالحات والدائمات. وقيل: يعني الداعين والداعيات. (والصادقين) في إيمانهم، وفيما ساءهم وسرهم (والصادقات والصابرين) على طاعة الله، وعلى ما ابتلاهم الله به (والصابرات والخاشعين) أي: المتواضعين الخاضعين لله تعالى (والخاشعات) وقيل: معناه والخائفين والخائفات (والمتصدقين) أي: المخرجين الصدقات، والزكوات (والمتصدقات والصائمين) لله تعالى بنية صادقة (والصائمات والحافظين فروجهم) من الزنا، وارتكاب الفجور. (والحافظات) فروجهن. فحذف لدلالة الكلام عليه. (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) الله كثيرا، وحذف أيضا للدلالة عليه. (أعد الله لهم) أي: لهؤلاء الموصوفين بهذه الصفات والخصال (مغفرة) لذنوبهم (وأجرا عظيما) في الآخرة. وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فتوضئا وصليا، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات). وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا، حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من بات على تسبيح فاطمة عليها السسلام، كان من الذاكرين الله كثيرا، والذاكرات. (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا (36) وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشه فلما قضى زيد منها وطرا زوجنكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج في أزوج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان


(1) أي: غوائله وشروره، واحدها بائقة وهي الداهية. (2) طوى يطوي: بمعنى جاع، فهو طاو أي: خالي البطن، جائع (*).

[ 160 ]

أمر الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرح فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسلت الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبين وكان الله بكل شئ عليما (40). القراءة: قرأ أهل الكوفة وهشام: (أن يكون) بالياء. والباقون بالتاء. وقرأ عاصم وحده: (وخاتم النبيين) بفتح التاء. والباقون بكسرها. الحجة: قال أبو علي. التذكير والتأنيث حسنان، وهذه الآية تدل على أن ما في قوله: (يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) نفي، وليست بموصولة. ومن كسر التاء من (خاتم) فإنه ختمهم فهو خاتمهم. ومن فتح التاء فمعناه: آخر النبيين لا نبي بعده. قال الحسن: خاتم الذي ختم به. قال المبرد: خاتم فعل ماض على فاعل، وهو في معنى ختم النبيين، ونصب (النبيين) على هذا الوجه، بأنه مفعول به. وفي حرف عبد الله ولكن نبيا، وختم النبيين. اللغة: قال الزجاج: الخيرة التخيير. وقال علي بن عيسى: الخيرة إرادة اختيار الشئ على غيره. والوطر: الأرب والحاجة وقضاء الشهوة، قال: وكيف ثوائي في المدينة بعدما قضى وطرا منها جميل بن معمر (1) قال الخليل: الوطر كل حاجة يكون لك فيها همة، فإذا بلغها البالغ قيل. قد قضى وطره وأربه. الاعراب: (سنة الله): منصوب على المصدر، تقديره: سن الله له سنة. (الذين يبلغون): يجوز أن يكون رفعا على المدح، تقديره: هم الذين يبلغون رسالات الله. ويجوز أن يكون نصبا على أعني الذين. (ولكن رسول الله): تقديره: ولكن كان رسول الله، وكان خاتم النبيين. ولو قرئ رسول الله وخاتم النبيين بالرفع، لجاز أي: ولكن هو رسول الله، وخاتم النبيين. النزول: نزلت في زينب بنت جحش الأسدية، وكانت بنت أميمة بنت عبد


(1) ثوى ثواء بالمكان وفيه: أقام (*).

[ 161 ]

المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مولاه زيد بن حارثة، ورأت أنه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها على زيد أبت وأنكرت، وقالت: أنا ابنة عمتك، فلم أكن لافعل. وكذلك قال أخوها عبد الله بن جحش فنزل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) الآية. يعني عبد الله بن جحش، وأخته زينب. فلما نزلت الآية، قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك أخوها فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيدا، فدخل بها، وساق إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة دنانير، وستين درهما مهرا وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقالت زينب: خطبني عدة من قريش، فبعثت أختي حمنة بنت جحش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أستشيره، فأشار بزيد، فغضبت أختي، وقالت: تزوج بنت عمتك مولاك. ثم أعلمتني، فغضبت أشد من غضبها، فنزلت الآية. فأرسلت الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقلت: زوجني ممن شئت. فزوجني من زيد. وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: قد قبلت، وزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فزوجنا عبده ! فنزلت الآية عن ابن زيد. وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان شديد الحب لزيد، وكان إذا أبطأ عليه زيد أتى منزله، فيسأل عنه، فأبطأ عليه يوما، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزله، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها، نسحق طيبا بفهر لها (1). قال: فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الباب، فلما نظر إليها قال: سبحان الله خالق النور، تبارك الله أحسن الخالقين، ورجع. فجاء زيد وأخبرته زينب بما كان، فقال لها: لعلك وقعت في قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالت: أخشى أن تطلقني، ولا يتزوجني. فجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمام القصة، فنزلت الآية: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه) الآية. المعنى: لما تقدم ذكر نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عقبه سبحانه بذكر زيد وزوجته،


(1) الفهر. الحجر قدر ما يدق به الجوز، أو يملأ الكف (*).

[ 162 ]

فقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله) أي: إذا أوجب الله ورسوله (أمرا) وألزماه وحكما به (أن يكون لهم الخيرة) أي: الإختيار (من أمرهم) على اختيار الله تعالى، والمعنى أن كل شئ أمر الله تعالى به، أو حكم به، فليس لأحد مخالفته، وترك ما أمر به إلى غيره. (ومن يعص الله ورسوله) فيما يختاران له (فقد ضل ضلالا مبينا) أي: ذهب عن الحق ذهابا ظاهرا. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (وإذ تقول) أي: واذكر يا محمد حين تقول (للذي أنعم الله عليه) بالهداية إلى الإيمان (وأنعمت عليه) بالعتق. وقيل: أنعم الله عليه بمحبة رسوله، وأنعم الرسول عليه بالتبني، عن السدي، والثوري، وهو زيد بن حارثة (أمسك عليك زوجك) يعني زوجك زينب، تقول: أحبسها، ولا تطلقها. وهذا الكلام يقتضي مشاجرة جرت بينهما حتى وعظه الرسول، وقال له: أمسكها. (واتق الله) في مفارقتها ومضارتها. (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناص والله أن تخشاه)، والذي أخفاه في نفسه، هو أنه إن طلقها زيد تزوجها، وخشي لائمة الناس أن يقولوا أمره بطلاقها، ثم تزوجها. وقيل: إن الذي أخفاه في نفسه، هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وقيل وأن زيدا سيطلقها. فلما جاء زيد، وقال له: أريد أن أطلق زينب. قال له: أمسك عليك زوجك. فقال سبحانه: لم قلت أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك. روي ذلك عن علي بن الحسين عليه السلام. وهذا التأويل مطابق لتلاوة الآية وذلك أنه سبحانه أعلم أنه يبدي ما أخفاه، ولم يظهر غير التزويج. قال: زوجناكها، فلو كان الذي أضمره محبتها، أو إرادة طلاقها، لأظهر الله تعالى ذلك مع وعده بأنه يبديه. فدل ذلك على أنه إنما عوتب على قوله: أمسك عليك زوجك، مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أعلمه الله به، حيث استحيا أن يقول لزيد إن التي تحتك، ستكون امرأتي. قال البلخي. ويجوز أن يكون أيضا على ما يقولونه: إن النبي استحسنها، فتمنى أن يفارقها زيد، فيتزوجها، وكتم ذلك، لأن هذا التمني قد طبع عليه البشر. ولا حرج على أحد في أن يتمنى شيئا استحسنه. وقيل: إنه إنما أضمر أن يتزوجها إن طلقها زيد، من حيث إنها كانت ابنة عمته، فأراد ضمها إلى نفسه، لئلا يصيبها

[ 163 ]

ضيعة، كما يفعل الرجل بأقاربه، عن الجبائي قال: فأخبر الله سبحانه الناس بما كان يضمره من إيثار ضمها إلى نفسه، ليكون ظاهره مطابقا لباطنه، ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه يوم فتح مكة، وقد جاءه عثمان بعبد الله بن سعد بن أبي سرح يستأمنه منه، وكان صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك قد أهدر دمه، وأمر بقتله، فلما رأى عثمان استحيا من رده، وسكت طويلا، ليقتله بعض المؤمنين، ثم آمنه بعد تردد المسألة من عثمان، وقال: أما كان منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا فيقتله ؟ فقال له عباد بن بشر: يا رسول الله ! إن عيني ما زالت في عينك انتظار أن تومئ إلي فأقتله فقال: إن الأنبياء لا تكون لهم خائنة أعين. فلم يستحب الإشارة إلى قتل كافر، وإن كان مباحا. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يتزوج بها إذا فارقها، ولكنه عزم أن لا يتزوجها، مخافة أن يطعنوا عليه، فأنزل الله هذه الآية كيلا يمتنع عن فعل المباح، خشية الناس، ولم يرد بقوله: (والله أحق أن تخشاه) خشية التقوى لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتقي الله حق تقاته، ويخشاه فيما يجب أن يخشى فيه، ولكنه أراد خشية الإستحياء لأن الحياء كان غالبا على شيمته الكريمة صلى الله عليه وآله وسلم كما قال سبحانه: (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم). وقيل: إن زينب كانت شريفة، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من زيد مولاه، ولحقها بذلك بعض العار، فأراد صلى الله عليه وآله وسلم أن يزيدها شرفا، بأن يتزوجها، لأنه كان السبب في تزويجها من زيد، فعزم أن يتزوج بها إذا فارقها. وقيل: إن العرب كانوا ينزلون الأدعياء منزلة الأبناء في الحكم، فأراد صلى الله عليه وآله وسلم أن يبطل ذلك بالكلية، وينسخ سنة الجاهلية، فكان يخفي في نفسه تزويجها لهذا الغرض، كيلا يقول الناس إنه تزوج بامرأة ابنه، ويقرفونه بما هو منزه عنه، ولهذا قال: أمسك عليك زوجك، عن أبي مسلم. ويشهد لهذا التأويل قوله فيما بعد (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرا) ومعناه: فلما قضى زيد حاجته من نكاحها، فطلقها وانقضت عدتها، ولم يكن في قلبه ميل إليها، ولا وحشة من فراقها، فإن معنى القضاء هو الفراغ من الشئ على التمام، زوجناكها أي: أذنا لك في تزويجها، وإنما فعلنا ذلك توسعة على المؤمنين حتى لا يكون

[ 164 ]

عليهم إثم في أن يتزوجوا أزواج أدعيائهم الذين تبنوهم، إذا قضى الأدعياء منهن حاجتهم، وفارقوهن. فبين سبحانه أن الغرض في ذلك أن لا يجري المتبني في تحريم امرأته إذا طلقها على المتبني، مجرى الإبن من النسب والرضاع، في تحريم امرأته إذا طلقها على الاب. (وكان أمر الله مفعولا) أي: كائنا لا محالة. وفي الحديث أن زينب كانت تفتخر على سائر نساء النبي، وتقول: زوجني الله من النبي، وأنتن إنما زوجكن أولياؤكن. وروى ثابت عن أنس بن مالك قال: لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيد: إذهب فاذكرها علي. قال زيد: فانطلقت فقلت: يا زينب ! أبشري قد أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكرك، ونزل القرآن. وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل عليها بغير إذن لقوله تعالى (زوجناكها). وفي رواية أخرى قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في نفسي، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، حين علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، وقلت: يا زينب أبشري ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبك. ففرحت بذلك، وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل (زوجناكها) فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم، حتى امتد النهار. وعن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لي جبرائيل عليه السلام. ثم قال سبحانه: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) أي: ما كان على النبي من إثم وضيق، فيما أحل الله له من التزويج بامرأة الإبن المتبنى. وقيل: فيما فرض وأوجب عليه من التزويج بها، ليبطل حكم الجاهلية في الأدعياء. (سنة الله في الذين خلوا من قبل) أي: كسنة الله في الأنبياء الماضين وطريقته، وشريعته فيهم، في زوال الحرج عنهم، وعن أممهم، بما أحل سبحانه لهم من ملاذهم. وقيل: في كثرة الأزواج كما فعله داود وسليمان عليهما السلام، وكان لداود مائة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة، وسبعمائة سرية. وقيل: أشار بالسنة إلى أن النكاح من سنة الأنبياء، كما قال: (النكاح من سنتي فمن رغب عنه فقد رغب عن

[ 165 ]

سنتي). (وكان أمر الله قدرا مقدورا) أي: كان ما ينزله الله على أنبيائه من الأمر الذي يريده، قضاء مقضيا. وقيل: معناه جاريا على مقدار لا يكون فيه تفاوت من جهة الحكمة. وقيل: إن القدر المقدر هو ما كان على مقدار ما تقدم، من غير زيادة ولا نقصان، وعليه قول الشاعر: واعلم بأن ذا الجلال قد قدر في الصحف الألى التي كان سطر ثم وصف سبحانه الأنبياء الماضين، وأثنى عليهم فقال: (الذين يبلغون رسالات الله) أي: يؤدونها إلى من بعثوا إليهم، ولا يكتمونها (ويخشونه) أي: ويخافون الله مع ذلك في ترك ما أوجبه عليهم. (ولا يخشون أحدا إلا الله) ولا يخافون من سوى الله فيما يتعلق بالأداء والتبليغ. وفي هذا دلالة على أن الأنبياء لا يجوز عليهم التقية في تبليغ الرسالة. ومتى قيل: فكيف ما قال لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وتخشى الناس ؟ فالقول. إنه لم يكن ذلك فيما يتعلق بالتبليغ، وإنما خشي المقالة القبيحة فيه. والعاقل كما يتحرز عن المضار، يتحرز من إساءة الظنون به، والقول السئ فيه، ولا يتعلق شئ من ذلك بالتكليف. (وكفى بالله حسيبا) أي: حافظا لأعمال خلقه، ومحاسبا مجازيا عليها. ولما تزوج زينب بنت جحش قال الناس: إن محمدا تزوج امرأة ابنه، فقال سبحانه: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) الذين لم يلدهم. وفي هذا بيان أنه ليس باب لزيد فتحرم عليه زوجته، فإن تحريم زوجة الإبن معلق بثبوت النسب، فمن لا نسب له، لا حرمة لامرأته، ولهذا أشار إليهم فقال (من رجالكم)، وقد ولد له صلى الله عليه وآله وسلم أولاد ذكور: إبراهيم، والقاسم، والطيب، والمطهر، فكان أباهم. وقد صح أنه قال للحسن: (إن ابني هذا سيد). وقال أيضا للحسن والحسين: (إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن كل بني بنت ينتسبون إلى أبيهم إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم). وقيل: أراد بقوله (رجالكم) البالغين من رجال ذلك الوقت، ولم يكن أحد من أبنائه رجلا في ذلك الوقت. (ولكن رسول الله) أي: ولكن كان رسول الله، لا يترك ما أباحه الله تعالى بقول الجهال. وقيل: إن الوجه في اتصاله بما قبله أنه أراد سبحانه ليس يلزم طاعته وتعظيمه، لمكان النسب بينه وبينكم، ولمكان الابوة، بل إنما يجب ذلك عليكم،

[ 166 ]

لمكان النبوة. (وخاتم النبيين) أي: وآخر النبيين ختمت النبوة به، فشريعته باقية إلى يوم الدين. وهذا فضيلة له، صلوات الله عليه وآله، اختص بها من بين سائر المرسلين. فإن قيل: إن اليهود يدعون في موسى مثل ذلك ؟ فالجواب: إن بعض اليهود يدعون أن شريعته لا تنسخ، وهم مع ذلك يجوزون أن يكون بعده أنبياء، ونحن إذا أثبتنا نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات القاهرة، وجب نسخ شريعته بذلك. (وكان الله بكل شئ عليما) لا يخفى عليه شئ من مصالح العباد. وصح الحديث عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها، وحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخل فيها، فنظر إليها، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء. أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما. (يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) هو الذي يصلى عليكم وملئكته ليخرجكم من الظلمت إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلم وأعد لهم أجرا كريما (44) يأيها النبي إنا أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكفرين والمنفقين ودع أذ - هم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48). المعنى: ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال: (يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) روى ابن عباس عن النبي صلى الله عيله وآله وسلم قال: (من عجز عن الليل أن يكابده، وجبن عن العدو أن يجاهده، وبخل بالمال أن ينفقه، فليكثر ذكر الله، عز وجل). ثم اختلف في معنى الذكر الكثير فقيل: هو أن لا ينساه أبدا، عن مجاهد. وقيل: هو أن يذكره سبحانه بصفاته العلى، وأسمائه الحسنى، وينزهه عما لا يليق به. وقيل هو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر على كل حال، عن مقاتل. وقد ورد عن أئمتنا عليهم السلام أنهم قالوا: من قالها ثلاثين مرة، فقد ذكر الله

[ 167 ]

ذكرا كثيرا. وعن زرارة وحمران، ابني أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سبح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام، فقد ذكر الله ذكرا كثيرا. وروى الواحدي بإسناده عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: جاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد ! قل (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عدد ما علم، وزنة ما علم، ومل ء ما علم). فإن من قالها كتب الله له بها ست خصال: كتب من الذاكرين الله كثيرا، وكان أفضل من ذكره بالليل والنهار، وكان له غرسا في الجنة، وتحاتت (1) عنه خطاياه كما تحات ورق الشجرة اليابسة، وينظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لم يعذبه. (وسبحوه بكرة وأصيلا) أي: ونزهوه سبحانه عن جميع ما لا يليق به بالغداة والعشي، والأصيل: العشي. وقيل: يعني به صلاة الصبح، وصلاة العصر، عن قتادة. وصلاة الصبح وصلاة العشاء الآخرة، خصهما بالذكر، لأن لهما مزية على غيرهما من حيث أن ملائكة الليل والنهار يجتمعون فيهما. وقال الكلبي: أما بكرة فصلاة الفجر، وأما أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة. وسمى الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح والتنزيه. (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) الصلاة من الله تعالى المغفرة والرحمة عن سعيد بن جبير، والحسن. وقيل: الثناء عن أبي العالية. وقيل: هي الكرامة، عن سفيان. وأما صلاة الملائكة فهي دعاؤهم، عن ابن عباس، وأبي العالية. وقيل: طلبهم إنزال الرحمة من الله تعالى. (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) أي: من الجهل بالله سبحانه إلى معرفته، فشبه الجهل بالظلمات، وشبه المعرفة بالنور، لأن هذا يقود إلى الجنة، وذلك يقود إلى النار. وقيل: من الضلالة إلى الهدى بألطافه وهدايته. وقيل: من ظلمات النار إلى نور الجنة. (وكان بالمؤمنين رحيما) خص المؤمنين بالرحمة دون غيرهم، لأنه سبحانه جعل الإيمان بمنزلة العلة في إيجاب الرحمة، والنعمة العظيمة التي هي الثواب. (تحيتهم يوم يلقونه سلام) أي: يحيي بعضهم بعضا يوم يلقون ثواب


(1) تحات الورق من الشجر: تناثر وتساقط (*).

[ 168 ]

الله، بأن يقولوا السلامة لكم من جميع الآفات، ولقاء الله سبحانه معناه لقاء ثوابه، كما سبق القول فيه. وروي عن البراء بن عازب أنه قال: يوم يلقون ملك الموت، لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. فعلى هذا يكون المعنى تحية المؤمنين من ملك الموت، يوم يلقونه، أن يسلم عليهم. وملك الموت مذكور في الملائكة. (وأعد لهم أجرا كريما)، أي: ثوابا جزيلا. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا) على أمتك فيما يفعلونه من طاعة أو معصية، وإيمان أو كفر، لتشهد لهم وعليهم يوم القيامة، ونجازيهم بحسبه. (ومبشرا) أي: ومبشرا لمن أطاعني وأطاعك بالجنة (ونذيرا) لمن عصاني وعصاك بالنار. (وداعيا) أي: وبعثناك داعيا (إلى الله)، والإقرار بوحدانيته، وامتثال أوامره ونواهيه. (بإذنه) أي: بعلمه وأمره (وسراجا منيرا) يهتدى بك في الدين، كما يهتدى بالسراج. والمنير: الذي يصدر النور من جهته، إما بفعله، وإما لأنه سبب له. فالقمر منير، والسراج منير بهذا المعنى. والله منير السماوات والأرض. وقيل: عنى بالسراج المنير القرآن، والتقدير: وبعثناك ذا سراج منير، فحذف المضاف، عن الزجاج. (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) زيادة على ما يستحقونه من الثواب (ولا تطع الكافرين والمنافقين) هو مفسر في أول السورة في (دع أذاهم) أي: وأعرض عن أذاهم، فإني سأكفيك أمرهم إذا توكلت علي، وعملت بطاعتي، فإن جميعهم في سلطاني بمنزلة ما هو في قبضة عبدي. وقيل: معناه كف عن أذاهم وقتالهم، وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، عن الكلبي. (وتوكل على الله) أي: وأسند أمرك إلى الله، ينصرك عليهم (وكفى بالله وكيلا) أي: كافيا ومتكفلا بما يسند إليه. النظم: إنما اتصلت الآية بما تقدمها من قوله (ولكن رسول الله) فإنه من عليهم به، ثم أمرهم بأن يشكروه على ذلك. وقوله (هو الذي يصلي عليكم) يتصل بما قبله من الأمر بالذكر والتقدير. إن الله عز اسمه مع غناه عنكم، يذكركم، فأنتم أولى بأن تذكروه، وتقبلوا عليه مع احتياجكم إليه. وقيل: إنه سبحانه عدد نعمه على المؤمنين، وعدد من جملتها صلاته عليهم، ثم بين إرساله النبي إليهم، مع جلالة قدره، وعلو أمره. (يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل أن

[ 169 ]

تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) يأيها النبي إنا أحللنا لك أزوجك التئ اتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفآ ءالله عليك وبنات عمك وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خلتك التى هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزوجهم وما ملكت أيمنهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50). القراءة. في الشواذ قراءة أبي بن كعب والحسن والثقفي: (أن وهبت) بفتح الألف. الحجة: قال ابن جني: تقديره لأن وهبت نفسها أي: إنها تحل له من أجل أن وهبت نفسها له، وليس يعني بذلد امرأة بعينها قد كانت وهبت نفسها له، وإنما محصوله أنه إن وهبت امرأة نفسها للنبي حلت له من أجل هبتها إياه. فالحل إنما هو مسبب عن الهبة متى كانت، ويؤكد ذلك القراءة بالكسر، فصح به الشرط. الاعراب: العامل في الظرف من قوله (إذا نكحتم) ما يتعلق به لكم، والتقدير: إذا نكحتم المؤمنات، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، لم يثبت لكم عليهن عدة. (مما أفاء الله عليك): الجار والمجرور في موضع نصب على الحال من الضمير المحذوف في قوله (وما ملكت يمينك) أي: ما ملكته. (إن وهبت نفسها للنبي): جزاء شرط محذوف تقديره: إن وهبت نفسها للنبي أحللناها له، وجزاء الشرط الذي هو (إن أراد النبي أن يستنكحها) الشرط والجزاء المتقدم تقديره: إن أراد النبي أن يستنكحها، إن وهبت نفسها له، أحللناها له. و (أن يستنكحها): في موضع نصب بأنه مفعول أراد. (خالصة لك): نصب على الحال، والهاء فيه للمبالغة. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى ذكر النساء، فقال: (يا أيها الذين آمنوا إذا

[ 170 ]

نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) أي: من قبل أن تدخلوا بهن. (فمالكم عليهن من عدة تعتدونها) أي: تستوفونها بالعدد، وتحصون عليها بالأقراء وبالأشهر. أسقط الله سبحانه العدة عن المطلقة قبل المسيس، لبراءة رحمها، فإن شاءت تزوجت من يومها (فمتعوهن) قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا، فإذا فرض لها صداقا، فلها نصفه، ولا تستحق المتعة، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام. فالآية محمولة عندنا على التي لم يسم لها مهرا، فيجب لها المتعة. (وسرحوهن سراحا جميلا) أي: طلقوهن طلاقا للسنة من غير ظلم عليهن، عن الجبائي. وقيل: سرحوهن عن البيت، فإنه ليس عليها عدة، فلا يلزمها المقام في منزل الزوج، سراحا جميلا بغير جفوة، ولا أذية. وقيل: السراح الجميل هو رفع المتعة بحسب الميسرة والعسرة، عن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت قاعدا عند علي بن الحسين عليه السلام فجاءه رجل، فقال: إني قلت: يوم أتزوج فلانة فهي طالق. فقال: إذهب فتزوجها فإن الله تعالى بدأ بالنكاح قبل الطلاق، وقرأ هذه الآية. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجور هن) أي: أعطيت مهورهن. والإيتاء قد يكون بالأداء، وقد يكون بالإلتزام (وما ملكت يمينك) أي: وأحللنا لك ما ملكت يمينك من الإماء (مما أفاء الله عليك) من الغنائم والأنفال، فكانت من الغنائم مارية القبطية أم ابنه إبراهيم، ومن الأنفال صفية وجويرية، أعتقهما وتزوجهما. (وبنات عمك) أي: وأحللنا لك بنات عمك (وبنات عماتك) يعني نساء قريش (وبنات خالك وبنات خالاتك) يعني نساء بني زهرة (اللاتي هاجرن معك) إلى المدينة، وهذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل. (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) أي: وأحللنا لك امرأة مصدقة بتوحيد الله تعالى، وهبت نفسها منك بغير صداق، وغير المؤمنة إن وهبت نفسها منك، لا تحل لك. (إن أراد النبي أن يستنكحها) أي: آثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نكاحها، ورغب فيها (خالصة لك من دون المؤمنين) أي خالصة لك دون غيرك قال ابن عباس يقول لا يحل هذا لغيرك، وهو لك حلال. وهذا من خصائصه في النكاح، فكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة، ولا ينعقد ذلك لأحد غيره. واختلاف في أنه هل كانت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأة وهبت نفسها له أم لا، فقيل: إنه لم يكن عنده امرأة وهبت نفسها

[ 171 ]

له، عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: بل كانت عنده ميمونة بنت الحرث بلا مهر، قد وهبت نفسها للنبي في رواية أخرى، عن ابن عباس وقتادة. وقيل: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين، امرأة من الأنصار، عن الشعبي. وقيل: هي امرأة من بني أسد، يقال لها أم شريك بنت جابر، عن علي بن الحسين عليه السلام والضحاك ومقاتل. وقيل: هي خولة بنت حكيم، عن عروة بن الزبير. وقيل: إنها لما وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر ؟ فنزلت الآية، فقالت عائشة: ما أرى الله تعالى إلا يسارع في هواك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وإنك إن أطعت الله سارع في هواك). (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) معناه: قد علمنا ما أخذنا على المؤمنين في أزواجهم من المهر، والحصر بعدد محصور، ووضعناه عنك تخفيفا عنك. (وما ملكت أيمانهم) أي: وما أخذنا عليهم في ملك اليمين أن لا يقع لهم الملك إلا بوجوه معلومة من الشراء والهبة والإرث والسبي، وأبحنا لك غير ذلك، وهو الصفي الذي تصطفيه لنفسك من السبي، وإنما خصصناك على علم منا بالمصلحة فيه من غير محاباة، ولا جزاف (لكيلا يكون عليك حرج) أي: ليرتفع عنك الحرج، وهو الضيق والإثم (وكان الله غفورا) لذنوب عباده (رحيما) بهم، أو رحيما بك في رفع الحرج عنك.. (ترجي من تشاء منهن وتئوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ ءاتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا (52) يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبي فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق وإذا سألتموهن متاعا

[ 172 ]

فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولآ أن تمكحوا أزوجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما (54) لا جناح عليهن فئ ابآئهن ولآ أبنائهن ولآ إخونهن ولا أبناء إخونهن ولآ أبناء أخوتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمنهن واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا (55). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير أبي بكر، إلا الأعشى، وعباس، وأهل المدينة: (ترجي) بغير همز. والباقون بالهمز. وقرأ أبو عمرو، ويعقوب: (لا تحل) بالتاء. والباقون بالياء. وسهل أبو حاتم، يجيز فيهما. الحجة: قال أبو علي: جاء في هذا الحرف الهمز وغيره، وكذلك أرجئه وأرجه. فالقراءة بكل واحد من الأمرين حسنة. والتاء والياء في (لا تحل) حسنان، لأن النساء تأنيثه غير حقيقي، إنما هو تأنيث الجمع، فالتأنيث حسن، والتذكير كذلك. اللغة: الإرجاء هو التأخير، ويكون من تبعيد وقت الشئ عن وقت غيره، ومنه الإرجاء في فساق أهل الصلاة، وهو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله تعالى. والإيواء: ضم القادر غيره من الأحياء هم الذين من جنس ما يعقل إلى ناحيته، يقال: آويت الإنسان آويه إيواء، وأوى هو يأوي أويا إذا انضم إلى مأواه. ويقال: أنى الطعام يأني إنى مقصورا: إذا بلغ حالة النضج، وأدرك وقته. وإذا فتح مد فقيل: أناء. قال الحطيئة. (وآنيت العشاء إلى سهيل أو الشعرى فطال بي الأناء) (1) والإستئناس: ضد الإستيحاش. والانس: ضد الوحشة. الاعراب: (ذلك أدنى أن تقر): تقديره من أن تقر، أو إلى أن تقر أعينهن.


(1) آنيت الشئ: أخرته.

[ 173 ]

(كلهن): تأكيد للضمير، وهو النون في (يرضين)، ولو نصب جاز على تأكيد قوله هن في (آتيتهن). (غير ناظرين): منصوب على الحال. (ولا مستأنسين): معطوف عليه فهو حال معطوف على حال قبله، وتقديره: ولا تدخلوا مستأنسين لحديث. النزول: نزلت الآية الأولى حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وطلب بعضهن زيادة النفقة، فهجرهن شهرا حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله تعالى أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، وأن يخلي سبيل من اختار الدنيا، ويمسك من اختار الله تعالى ورسوله، على أنهن أمهات المؤمنين، ولا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوي من يشاء منهن، ويرجي من يشاء منهن، ويرضين به، قسم لهن، أو لم يقسم، أو قسم لبعضهن، ولم يقسم لبعضهن، أو فضل بعضهن على بعض في النفقة والقسمة والعشرة، أو سوى بينهن، والأمر في ذلك إليه، يفعل ما يشاء، وهذه من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم، فرضين بذلك كله، واخترنه على هذا الشرط. فكان صلى الله عليه وآله وسلم يسوي بينهن مع هذا إلا امرأة منهن أراد طلاقها، وهي سودة بنت زمعة، فرضيت بترك القسم، وجعلت يومها لعائشة، عن ابن زيد وغيره. وقيل: لما نزلت آية التخيير، أشفقن ان يطلقن، فقلن: يا نبي الله ! إجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا. فنزلت الآية. وكان ممن أرجى منهن سودة، وصفية، وجويرية، وميمونة، وأم حبيبة، فكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، وكان يقسم بينهن على السواء، لا يفضل بعضهن على بعض، عن ابن رزين. ونزلت آية الحجاب لما بنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزينب بنت جحش، وأولم عليها. قال أنس: أولم عليها بتمر وسويق، وذبح شاة، وبعثت إليه أمي أم سليم بحيس في تور (3) من حجارة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أدعو أصحابه إلى الطعام، فدعوتهم، فجعل القوم يجيئون ويأكلون، ويخرجون. ثم يجئ القوم فيأكلون ويخرجون. قلت: يا نبي الله ! قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه ؟ فقال:


(1) الحيس. تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن، ويدلك شديدا، حتى يمتزج، ثم يندر نواه. والتور: إناء صغير (*).

[ 174 ]

إرفعوا طعامكم، فرفعوا طعامهم، وخرج القوم، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، فأطالوا المكث. فقام صلى الله عليه وآله وسلم وقمت معه، لكي يخرجوا. فمشى حتى بلغ حجرة عائشة. ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فنزلت الآية. وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يخلو له المنزل، لأنه كان حديث عهد بعرس، وكان محبا لزينب، وكان يكره أذى المؤمنين. وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطعم معه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب، عن مجاهد. ونزل قوله: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) إلى آخر الآية، في رجل من الصحابة، قال: لئن قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنكحن عائشة بنت أبي بكر، عن ابن عباس، قال مقاتل: وهو طلحة بن عبيد الله. وقيل: إن رجلين قالا: أينكح محمد نساءنا، ولا ننكح نساءه، والله لئن مات لنكحنا نساءه ! وكان أحدهما يريد عائشة، والآخر يريد أم سلمة، عن أبي حمزة الثمالي. المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، يخيره في نسائه، فقال: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) أي: تؤخر وتبعد من تشاء من أزواجك، وتضم إليك من تشاء منهن. واختلف في معناه على أقوال أحدها: إن المراد تقدم من تشاء من نسائك في الإيواء إليك، وهو الدعاء إلى الفراش، وتؤخر من تشاء في ذلك، وتدخل من تشاء منهن في القسم، ولا تدخل من تشاء، عن قتادة قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم بين أزواجه، وأباح الله له ترك ذلك وثانيها: إن المراد تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، وترد إليك من تشاء منهن بعد عزلك إياها، بلا تجديد عقد، عن مجاهد، والجبائي، وأبي مسلم. وثالثها: إن المراد تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء، عن ابن عباس. ورابعها: إن المراد تترك نكاح من تشاء من نساء أمتك، وتنكح منهن من تشاء، عن الحسن قال: وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب امرأة، لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها وخامسها: تقبل من تشاء من المؤمنات اللائي يهبن أنفسهن لك، فتؤويها إليك، وتترك من تشاء منهن فلا تقبلها، عن زيد بن أسلم، والطبري.

[ 175 ]

قال أبو جعفر، وأبو عبد الله عليهما السلام: من أرجى لم ينكح، ومن أوى فقد نكح. (ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) أي: إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن عن ذلك، وتضمها إليك، فلا سبيل عليك بلوم، ولا عتب، ولا إثم عليك في ابتغائها. أباح الله سبحانه له ترك القسم في النساء، حتى يؤخر من يشاء عن وقت نوبتها، ويطأ من يشاء في غير وقت نوبتها، وله أن يعزل من يشاء، وله أن يرد المعزولة إن شاء. فضله الله تعالى بذلك على جميع الخلق. (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) معناه: إنهن إذا علمن أن له ردهن إلى فراشه بعدما اعتزلهن، قرت أعينهن، ولم يحزن، ويرضين بما يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التسوية والتفضيل، لأنهن يعلمن أنهن لم يطلقن، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: معناه ذلك أطيب لنفوسهن، وأقل لحزنهن، إذا علمن أن لك الرخصة بذلك من الله تعالى، ويرضين بما يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التسوية والتفضيل، عن قتادة. وقرة العين عبارة عن السرور. وقيل: ذلك المعرفة منهن بأنك إذا عزلت واحدة كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدنى بسرورهن، وقرة أعينهن، عن الجبائي. وقيل: معناه نزول الرخصة من الله تعالى، أقر لأعينهن، وأدنى إلى رضاهن بذلك، لعلمهن بما لهن في ذلك من الثواب في طاعة الله تعالى، ولو كان ذلك من قبلك، لحزن وحملن ذلك على ميلك إلى بعضهن. (والله يعلم ما في قلوبكم) من الرضا والسخط، والميل إلى بعض النساء، دون بعض. (وكان الله عليما) بمصالح عباده (حليما) في ترك معاجلتهم بالعقوبة. (لا يحل لك النساء من بعد) أي: من بعد النساء اللواتي أحللناهن لك في قوله (إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) الآية. وهن ستة أجناس: النساء اللاتي آتاهن أجور هن أي: أعطاهن مهورهن، وبنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ومن وهبت نفسها له، يجمع ما شاء من العدد، ولا تحل له غيرهن من النساء، عن أبي بن كعب، وعكرمة، والضحاك. وقيل: يريد المحرمات في سورة النساء، عن أبي عبد الله عليه السلام. وقيل: معناه لا تحل لك اليهوديات، ولا النصرانيات. (ولا أن تبدل بهن من أزواج) ولا أن تبدل الكتابيات بالمسلمات، لأنه لا ينبغي أن يكن أمهات المؤمنين.

[ 176 ]

(ولو أعجبك حسنهن) أي: وقع في قلبك حسنهن مكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله، عن الحسن، والشعبي. وقيل: إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس، بعد فصل جعفر بن أبي طالب عنها. وقيل: إنه منع من طلاق من اختارته من نسائه، كما أمر بطلاق من لم تختره. فأما تحريم النكاح عليه فلا، عن الضحاك. وقيل أيضا: إن هذه الآية منسوخة، وأبيح له بعدها تزويج ما شاء، فروي عن عائشة أنها قالت: ما فارق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا حتى حلل له ما أراد من النساء. وقوله: (ولا أن تبدل بهن من أزواج) فقيل أيضا في معناه. إن العرب كانت تتبادل بأزواجهم، فيعطي أحدهم زوجته رجلا، فيأخذ بها زوجة منه بدلا عنها، فنهى عن ذلك. وقيل في قوله (ولو أعجبك حسنهن). يعني إن أعجبك حسن ما حرم عليك من جملتهن، ولم يحللن لك، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. (إلا ما ملكت يمينك) من الكتابيات. فأحل له أن يتسراهن، عن مجاهد، وسعيد بن جبير. وقيل: معناه لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله، وهن التسع. صرت مقصورا عليهن، وممنوعا من غيرهن، ومن أن تستبدل بهن غيرهن. (وكان الله على كل شئ رقيبا) أي: عالما حافظا، عن الحسن، وقتادة. (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) نهاهم سبحانه عن دخول دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذن، وهو قوله (إلا أن يؤذن لكم) أي: في الدخول، يعني إلا أن يدعوكم إلى طعام، فادخلوا غير ناظرين إناه أي: غير منتظرين إدراك الطعام، فيطول مقامكم في منزله. والمعنى: لا تدخلوا بغير إذن وقبل نضج الطعام انتظارا لنضجه، فيطول لبثكم ومقامكم. (ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانشروا) أي: فإذا أكلتم الطعام، فتفرقوا واخرجوا. (ولا مستأنسين لحديث) أي: ولا تدخلوا فتقعدوا بعد الأكل، متحدثين يحدث بعضكم بعضا ليؤنسه. ثم بين المعنى في ذلك فقال: (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم) أي: طول مقامكم في منزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤذيه لضيق منزله، فيمنعه الحياء أن يأمركم بالخروج من المنزل. (والله لا يستحيي من الحق) أي: لا يترك إبانة الحق، فيأمركم بتعظيم رسوله، وترك دخول بيته من غير

[ 177 ]

إذن، والإمتناع عما يؤدي إلى أذاه وكراهيته. قالت عائشة: يحسب الثقلاء أن الله سبحانه لم يحتملهم فقال: (فإذا طعمتم فانتشروا). وقال بعض العلماء. هذا أدب أدب الله به الثقلاء. (وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب) يعني: فإذا سألتم أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا تحتاجون إليه، فاسألوهن من وراء الستر. قال مقاتل: أمر الله المؤمنين ألا يكلموا نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا من وراء حجاب. وروى مجاهد عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيسا في قعب (1)، فمر بنا عمر، فدعاه فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال. (حس (2) لو أطاع فيكن ما رأتكن عين) فنزل الحجاب. (ذلكم) أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) من الريبة ومن خواطر الشيطان التي تدعو إلى ميل الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال. (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) أي: ليس لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمخالفة ما أمر به في نسائه، ولا في شئ من الأشياء (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) أي: من بعد وفاته. المعنى: ولا يحل لكم أن تتزوجوا واحدة من نسائه بعد مماته، كما لا يحل لكم أن تؤذوه في حال حياته. وقيل: من بعده أي: من بعد فراقه في حياته، كما قال: (بئسما خلفتموني من بعدي). (إن ذلكم كان عند الله عظيما) أي: إيذاء الرسول بما ذكرنا كان ذنبا عظيم الموقع عند الله تعالى. (إن تبدوا شيئا أو تخفوه) أي: تظهروا شيئا، أو تضمروه مما نهيتم عنه من تزويجهن (فإن الله كان بكل شئ عظيما) من الظواهر والسرائر، وهذا تهديد. وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته: إن تريدي أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها، فلذلك حرم الله تعالى على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوجن بعده. وروي عن النبي سئل عن المرأة تكون لها زوجان، فتموت فتدخل الجنة، فلأيهما تكون ؟ قال: لأحسنهما خلقا كان معها في الدنيا، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا وإلآخرة. ولما نزلت آية الحجاب قال: ألآباء والأبناء والأقارب يا رسول الله، ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب ؟ فأنزل الله تعالى قوله: (لا جناح عليهن في


(1) مر معنى الحيس قريبا. والقعب: القدت الضخم الغليظ. (2) حس: كلمة يقولها الإنسان عند التوجع مما أذاه مثل (أوه) (*).

[ 178 ]

آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن) أن يروهن، ولا يحتجبن عنهم. (ولا نسائهن) قيل: يريد نساء المؤمنين لا نساء اليهود، ولا النصارى، فيصفن نساء رسول الله لأزواجهن إن رأينهن، عن ابن عباس. وقيل: يريد جميع النساء. (ولا ما ملكت أيمانهن) يعني العبيد والإماء. (واتقين الله) أي: اتركن معاصيه. وقيل: اتقين عقاب الله من دخول الأجانب عليكن (إن الله كان على كل شئ شهيدا) أي: حفيظا لا يغيب عنه شئ. قال الشعبي وعكرمة: وإنما لم يذكر العم والخال لئلا ينعتاهن لأبنائهما. (إن الله وملئكته يصلون على النبي يأيها الذين ءامنوا صحلوا عليه وسلموا تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنا وإثما مبينا (58) يأيها النبي قل لأزوجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلبيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته المنفقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62). القراءة: في الشواذ قراءة الحسن: (فصلوا عليه). الحجة: إنما جاز دخول الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، وذلك أن الصلاة إنما وجبت عليه منا، لأن الله قد صلى عليه، وملائكته، فجرى مجرى قول القائل: قد أعطيتك فخذ أي: إنما وجب عليك الأخذ من أجل، العطية. اللغة: الجلباب: خمار المرأة الذي يغطي رأسها ووجهها إذا خرجت لحاجة.

[ 179 ]

والإرجاف: إشاعة الباطل للإغتمام به، وأصله الإضطراب، ومنه يقال للبحر رجاف لاضطرابه. فإرجاف الناس بالشئ: إضطرابهم بالخوض فيه، ومنه ترجف الراجفة. والإغراء: الدعاء إلى تناول الشئ بالتحريض عليه، يقال: أغراه بالشئ إغراء، فغري به أي: أولع به. الاعراب: (يدنين): في موضع جزم بأنه جواب شرط مقدر، وتقديره: قل لأزواجك ادنين عليكن من جلابيبكن، فإنك إن تقل ذلك يدنين. (ملعونين): نصب على الذم. (أينما ثقفوا أخذوا): شرط وجزاء. وأين: ظرف لثقفوا، ومعمول له. وإنما جاز ذلك لأن الجازم في الأصل أن المحذوفة فصار (أينما) يتضمنها، فيغني عنها، ويقوم مقامها. ولا يجوز أن يعمل فيه (أخذوا) لأنه جواب الشرط، ولا يعمل الجواب فيما قبل الشرط. المعنى: لما صدر سبحانه هذه السورة بذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقرر في أثناء السورة ذكر تعظيمه، ختم ذلك بالتعظيم الذي ليس يقاربه تعظيم، ولا يدانيه فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)، معناه: إن الله يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويثني عليه بالثناء الجميل، ويبجله بأعظم التبجيل، وملائكته يصلون عليه (يثنون عليه) (1) بأحسن الثناء، ويدعون له بأزكى الدعاء. (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) قال أبو حمزة الثمالي: حدثني السدي، وحميد بن سعد الأنصاري، وبريد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله ! هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك ؟ قال: قولوا: (اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد). حدث عن عبد الله بن مسعود قال: إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا: فعلمنا. قال: قولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الدين، وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم


(1) ما بين المعقفتين غير موجود في المخطوطتين (*).

[ 180 ]

ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد. حدث عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الأية، فقلت: كيف صلاة الله على رسوله ؟ فقال: يا أبا محمد ! تزكيته له في السماوات العلى. فقلت: قد عرفت صلواتنا عليه، فكيف التسليم ؟ فقال: هو التسليم له في الأمور. فعلى هذا يكون معنى قوله وسلموا تسليما: انقادوا لأوامره، وابذلوا الجهد في طاعته، وفي جميع ما يأمركم به. وقيل: معناه سلموا عليه بالدعاء أي قولوا السلام عليك يا رسول الله. (الحديث). وحدث عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم أره أشد استبشارا منه يومئذ، ولا أطيب نفسا. قلت: يا رسول الله ! ما رأيتك قط أطيب نفسا، ولا أشد استبشارا منك اليوم ؟ فقال: وما يمنعني، وقد خرج آنفا جبرائيل من عندي قال: قال الله تعالى: من صلى عليك صلاة، صليت بها عليه عشر صلوات، ومحوت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات. (إن الذين يؤذون الله ورسوله) قيل: هم المنافقون والكافرون، والذين وصفوا الله بما لا يليق به، وكذبوا رسله، وكذبوا عليه. فعلى هذا يكون معنى يؤذون الله: يخالفون أمره، ويصفونه بما هو منزه عنه، ويشبهونه بغيره، فإن الله، عز اسمه، لا يلحقه أذى، ولكن لما كانت مخالفة الأمر فيما بيننا تسمى إيذاء، خوطبنا بما نتعارفه. وقيل: يؤذون الله: يلحدون في أسمائه وصفاته. وقيل: معناه يؤذون رسول الله. فقدم ذكر الله على وجه التعظيم، إذ جعل أذى رسوله أذى له تشريفا له وتكريما، فكأنه يقول لو جاز أن يناله أذى من شئ، لكان ينالني من هذا. واتصاله بما قبله انه كأنه يقول: صلوا عليه، ولا تؤذوه، فإن من آذاه فهو كافر. ثم أوعد عليه بقوله: (لعنهم الله في الدنيا والآخرة) أي: يبعدهم الله من رحمته، ويحل بهم وبال نقمته، بحرمان زيادات الهدى في الدنيا، والخلود في النار في الاخرة (وأعد لهم) في الآخرة (عذابا مهينا) أي: مذلا لهم. حدثنا السيد أبو الحمد قال: حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي دارم الحافظ قال: حدثنا علي بن أحمد العجلي قال: حدثنا عباد بن يعقوب قال. حدثنا أرطاة بن حبيب قال: حدثنا أبو خالد

[ 181 ]

الواسطي، وهو آخذ بشعره، قال: حدثني زيد بن علي بن الحسين عليه السلام وهو آخذ بشعره قال: حدثني علي بن الحسن، وهو آخذ بشعره، قال: حدثني الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو آخذ بشعره قال: حدثني علي بن أبي طالب، وهو آخذ بشعره، قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بشعره، فقال: (من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله). (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) أي: يؤذونهم من غير أن عملوا ما يوجب أذاهم. (فقد احتملوا بهتانا) أي: فقد فعلوا ما هو أعظم الاثم مع البهتان، وهو الكذب على الغير، يواجهه به. فجعل إيذاء المؤمنين والمؤمنات مثل البهتان. وقيل: يعني بذلك أذية اللسان، فيتحقق فيها البهتان. (وإثما مبينا) أي: ومعصية ظاهرة. قال قتادة، والحسن. إياكم وأذى المؤمنين، فإن الله تعالى يغضب له. وقيل. نزلت في قوم من الزناة، كانوا يمشون في الطرقات ليلا. فإذا رأوا امرأة غمزوها، وكانوا يطلبون الإماء، عن الضحاك والسدي والكلبي. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) أي: قل لهؤلاء فليسترن موضع الجيب بالجلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، عن الحسن. وقيل: الجلباب مقنعة المرأة أي: يغطين جباههن ورؤوسهن إذا خرجن لحاجة، بخلاف الإماء اللاتي يخرجن مكشفات الرؤوس، والجباه، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: أراد بالجلابيب الثياب والقميص والخمار، وما تستتر به المرأة، عن الجبائي وأبي مسلم. (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) أي: ذلك أقرب إلى أن يعرفن بزيهن أنهن حرائر ولسن بإماء، فلا يؤذيهن أهل الريبة، فإنهم كانوا يمازحون الإماء، وربما كان يتجاوز المنافقون إلى ممازحة الحرائر. فإذا قيل لهم في ذلك قالوا: حسبناهن إماء، فقطع الله عذرهم. وقيل: معناه ذلك أقرب إلى أن يعرفن بالستر والصلاح، فلا يتعرض لهن، لأن الفاسق إذا عرف امرأة بالستر والصلاح، لم يتعرض لها، عن الجبائي (وكان الله غفورا) أي: ستارا لذنوب عباده (رحيما) بهم. ثم أوعد سبحانه هؤلاء الفساق فقال: (لئن لم ينته المنافقون) أي: لئن لم يمتنع المنافقون (والذين في قلوبهم مرض) أي: فجور وضعف في الإيمان، وهم الذين لا دين لهم عما ذكرناه من مراودة النساء وإيذائهن. (والمرجفون في المدينة)

[ 182 ]

وهم المنافقون أيضا الذين كانوا يرجفون في المدينة بالأخبار الكاذبة المضعفة لقلوب المسلمين، بأن يقولوا اجتمع المشركون في موضع كذا، قاصدين لحرب المسلمين ونحو ذلك، ويقولوا لسرايا المسلمين: إنهم قتلوا وهزموا. وفي الكلام حذف وتقديره: لئن لم ينته هؤلاء عن أذى المسلمين، وعن الإرجاف بمايشغل قلوبهم (لنغرينك بهم) أي: لنسلطنك عليهم يا محمد، عن ابن عباس. والمعنى: أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم، وتخلي منهم المدينة. وقد حصل الإغراء بهم بقوله (جاهد الكفار والمنافقين) عن أبي مسلم. وقيل: لم يحصل الإغراء بهم لأنهم انتهوا، عن الجبائي قال: ولو حصل الإغراء لقتلوا وشردوا وأخرجوا عن المدينة (ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا) أي: ثم لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا، وهو ما بين الأمر بالقتل وما بين قتلهم (ملعونين) أي: مطرودين، منفيين عن المدينة، مبعدين عن الرحمة. وقيل: ملعونين على ألسنة المؤمنين. (أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) أي: أينما وجدوا وظفر بهم، أخذوا وقتلوا أبلغ القتل (سنة الله في الذين خلوا من قبل) والسنة: الطريقة في تدبير الحكم. وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: طريقته التي أجراها بأمر الله تعالى، فأضيفت إليه. ولا يقال سنته إذا فعلها مرة أو مرتين، لأن السنة الطريقة الجارية. والمعنى: سن الله في الذين ينافقون الأنبياء، ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا، عن الزجاج. (ولن تجد لسنة الله تبديلا) أي: تحويلا وتغييرا أي: لا يتهيأ لأحد تغييرها، ولا قلبها من جهتها، لأنه سبحانه القادر الذي لا يتهيأ لأحد منعه مما أراد فعله. (يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن الكفرين وأعد لهم سعيرا (64) خلدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا (67) ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يأيها الذين ءامنوا لا

[ 183 ]

تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69). القراءة: قرأ ابن عامر ويعقوب وسهل: (ساداتنا) بالألف وكسر التاء. والباقون: (سادتنا) بغير ألف. وقرأ عاصم: (كبيرا) بالباء. والباقون: (كثيرا) بالثاء. وفي الشواذ قراءة عيسى بن عمر: (يوم تقلب وجوههم)، وقراءة ابن مسعود، والأعمش: (وكان عبدا لله وجيها). الحجة: قال أبو علي: سادة فعلة مثل: كتبة وفجرة. قال: سليل قروم سادة مثل ذادة يبذون أهل الجمع يوم المحصب (1) ووجه الجمع بالألف والتاء. أنهم قد قالوا الطرقات والمعنات في المعن جمع معين. قال الأعشى: جندك التالد الطريف من السا دات أهل القباب، والآكال (2) قال أبو الحسن: هي غريبة. والكبر: مثل العظم. والكثرة أشبه بالموضع. لأنهم يلعنون مرة بعد مرة. وقد جاء: (يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون). فالكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر. وقوله: (يوم تقلب وجوههم) تقديره: يوم تقلب السعير وجوههم. نسب الفعل إلى النار، لما كان التقليب فيها كما قال: (مكر الليل والنهار) لوقوع المكر فيهما. وعليه قول رؤبة: (فنام ليلي وتجلى همي) (3) وقوله (عبدا لله وجيها) لا يفهم منه وجاهته عند الله. فقراءة الناس المشهورة أقوى منه لإسناده وجاهته إلى الله سبحانه.. المعنى: ثم قال سبحانه (يسئلك) يا محمد (الناس عن الساعة) يعني القيامة (قل إنما علمها عند الله) لا يعلمها غيره (وما يدريك) يا محمد أي: أي شئ يعلمك من أمر الساعة ؟ ومتى يكون قيامها أي. أنت لا تعرفه. ثم قال: (لعل الساعة تكون قريبا) أي: قريبا مجيئها. ويجوز أن يكون أمره أن يجيب كل من


(1) القروم هنا: بمعنى السادات. وبذ القوم: سبقهم وغلبهم أي: يسبقون أهل (عرفات)، و (منى). وأراد بيوم المحصب: يوم رمي الجمار في (منى). (2) التالد: القديم. والطريف: الحديث والقباب جمع القبة. وآكال الجند: أطماعهم. وفي بعض النسخ (جدك) بدل (جندك). (3) هذا عجز بيت وصدره: (وكنت ذا هم وراعي نجم) وراع النجوم: راقبها وانتظر مغيبها (*).

[ 184 ]

يسأله عن الساعة بهذا، فيقول: لعل ما تستبطئه قريب، وما تنكره كائن. ويجوز أن يكون تسلية له صلى الله عليه وآله وسلم أي: فاعلم أنه قريب، فلا يضيقن صدرك باستهزائهم بإخفائها. (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا) أي: نارا تستعر وتلتهب (خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا) أي: وليا ينصرهم، ونصيرا يدفع عنهم (يوم تقلب وجوههم في النار) العامل في (يوم تقلب) قوله: (وأعد لهم سعيرا)، والتقليب: تصريف الشئ في الجهات، ومعناه: تقلب وجوه هؤلاء السائلين عن الساعة وأشباههم من الكفار، فتسود، وتصفر، وتصير كالحة، بغد أن لم تكن. وقيل: معناه تنقل وجوههم من جهة إلى جهة في النار فيكون أبلغ فيما يصل إليها من العذاب. (يقولون) متمنين متأسفين (يا ليتنا أطعنا الله) فيما أمرنا به ونهانا عنه (وأطعنا الرسولا) فيما دعانا إليه (وقالوا ربنا إنا أطعنا) فيما فعلناه (سادتنا وكبرائنا) والسيد: المالك المعظم الذي يملك تدبير السواد الأعظم، وهو الجمع الأكثر. قال مقاتل: هم المطعمون في غزوة بدر (1). وقال طاوس: هم العلماء. والوجه أن المراد جميع قادة الكفر، وأئمة الضلال (فأضلونا السبيلا) أي: أضلنا هؤلاء عن سبيل الحق، وطريق الرشاد. (ربنا آتهم ضعفين من العذاب) بضلالهم في نفوسهم وإضلالهم إيانا أي: عذبهم مثلي ما تعذب غيرهم (والعنهم لعنا كبيرا) مرة بعد أخرى، وزدهم غضبا إلى غضبك، وسخطا إلى سخطك. ثم خاطب سبحانه المظهرين للإيمان فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) أي: لا تؤذوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى، فإن حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعظم ويبجل، لا أن يؤذى. واختلفوا فيما أوذي به موسى على أقوال أحدها. إن موسى وهارون صعدا الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته. فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرفوا أنه قد مات، وبرأه الله من ذلك،


(1) وهم على ما ذكره المؤرخون إثنا عشر نفرا من كبراء قريش: عباس بن عبد المطلب، وعتبة وشيبة إبنا ربيعة، وأبي بن خلف، وحكيم بن حزام، ونضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل وأبو البختري إبنا هشام، وحارث بن عامر بن نوفل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، فكل يوم كان كفيل إطعام جيش المشركين واحد منهم (*).

[ 185 ]

عن علي عليه السلام، وابن عباس، واختاره الجبائي. وثانيها: إن موسى كان حييا ستيرا يغتسل وحده، فقالوا ما يستتر منا إلا لعيب بجلده إما برص، وإما ادرة. فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، فمر الحجر بثوبه، فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا، كأحسن الرجال خلقا، فبرأه الله مما قالوا، رواه أبو هريرة مرفوعا. وقال قوم: إن ذلك لا يجوز لأن فيه إشهار النبي، وإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد، وذلك ينفر عنه وثالثها: إن قارون استأجر مومسة (1) لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ، فعصمه الله تعالى من ذلك، على ما مر ذكره عن أبي العالية. ورابعها: إنهم آذوه من حيث إنهم نسبوه إلى السحر والجنون والكذب، بعد ما رأوا الآيات، عن أبي مسلم (وكان عند الله وجيها) أي: عظيم القدر، رفيع المنزلة، يقال: وجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذا جاه وقدر. قال ابن عباس: كان عند الله خطيرا لا يسأله شيئا إلا أعطاه. (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعملكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله، فقد فاز فوزا عظيما (71) إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسن إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنفقين والمنفقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73). المعنى: ثم أمر الله سبحانه أهل الإيمان والتوحيد بالتقوى، والقول السديد، فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي: اتقوا عقاب الله باجتناب معاصيه، وفعل واجباته (وقولوا قولا سديدا) أي: صوابا بريئا من الفساد، خالصا من شائقة الكذب واللغو، موافق للظاهر وللباطن. وقال الحسن وعكرمة: صادقا يعني كلمة التوحيد لا إله إلا الله. وقال مقاتل: هذا يتصل بالنهي عن الإيذاء أي: قولوا قولا صوابا، ولا تنسبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما لا يجمل، ولا يليق به (يصلح لكم أعمالكم)


(1) إمرأة مومسة أي: فاجرة (*).

[ 186 ]

معناه: إن فعلتم ذلك يصلح لكم أعمالكم، بأن يلطف لكم فيها حتى تستقيموا على الطريقة المستقيمة السليمة من الفساد، ويوفقكم لما فيه الصلاح والرشاد. وقيل: معناه يزكي أعمالكم، ويتقبل حسناتكم، عن ابن عباس، ومقاتل. (ويغفر لكم ذنوبكم) باستقامتكم في الأقوال والأفعال (ومن يطع الله ورسوله) في الأوامر والنواهي (فقد فاز فوزا عظيما) أي: فقد أفلح إفلاحا عظيما. وقيل: فقد ظفر برضوان الله وكرامته. (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال) اختلف في معنى الأمانة فقيل: هي ما أمر الله به من طاعته، ونهى عنه من معصيته، عن أبي العالية. وقيل: هي الأحكام والفرائض التي أوجبها الله تعالى على العباد، عن ابن عباس، ومجاهد، وهذان القولان متقاربان. وقيل: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهود. فأولها ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، حين أراد التوجه إلى مكة، عن أمر ربه، فخان قابيل إذ قتل هابيل، عن السدي والضحاك. واختلف في معنى عرض الأمانة على هذه الأشياء. وقيل فيه أقوال أحدها: إن المراد العرض على أهلها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعرضها عليهم هو تعريفه إياهم أن في تضييع الأمانة الإثم العظيم، وكذلك في ترك أوامر الله تعالى وأحكامه. فبين سبحانه جرأة الإنسان على المعاصي، وإشفاق الملائكة من ذلك، فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض والجبال، من الملائكة والجن والإنس، (فأبين أن يحملنها) أي: فأبى أهلهن أن يحملوا تركها وعقابها، والمأثم فيها. (وأشفقن منها) أي: وأشفق أهلهن من حملها. (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما) لنفسه بارتكاب المعاصي. (جهولا) بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها، عن أبي علي الجبائي، وقال: إذا لم يصح حمله على نفس السماوات والأرض والجبال، فلا بد أن يكون المراد به أهلها، لأنه يجب أن يكون المراد به المكلفين دون غيرهم، لأن ذلك لا يصح إلا فيهم. ولا بد من أن يكون المراد بحمل الأمانة تضييعها، لأن نفس الأمانة قد حملتها الملائكة، وقامت بها. قال الزجاج: كل من خان الأمانة فقد حملها، ومن لم يحمل الأمانة فقد أداها، وكذلك كل من أثم فقد احتمل الإثم. قال الله سبحانه: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم). فقد أعلم الله سبحانه أن من

[ 187 ]

باء بالإثم يسمى حاملا للإثم، وهو قول الحسن، لأنه قال: الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا ولم يطيعا، وأنشد بعضهم في حمل الأمانة بمعنى الخيانة، قول الشاعر. إذا أنت لم تبرح تؤذي أمانة، وتحمل أخرى، أفرحتك الودائع (1) وأقول: إن الظاهر لا يدل على ذلك، لأنه لا يجوز أن يكون المراد بالحمل هنا قبول الأمانة، لأن الشاعر جعله في مقابلة الأداء، فكأنه قال: إذا كنت لا تزال تقبل أمانة، وتؤدي أخرى، شغلت نفسك بقبول الودائع وأدائها فأثقلتك. وثانيها: إن معنى عرضنا عارضنا وقابلنا، فإن عرض الشئ على الشئ ومعارضته به سواء. والأمانة: ما عهد الله سبحانه إلى عباده من أمره ونهيه، وأنزل فيه الكتب، وأرسل الرسل، وأخذ عليه الميثاق. والمعنى: إن هذه الأمانة في جلالة موقعها، وعظم شأنها، لو قيست بالسماوات والأرض والجبال، وعورضت بها، لكانت هذه الأمانة أرجح وأثقل وزنا. ومعنى قوله (فأبين أن يحملنها): ضعفن عن حملها كذلك، (وأشفقن منها) لأن الشفقة ضعف القلب، ولذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب. ثم قال: إن هذه الأمانة التي من صفتها أنها أعظم من هذه الأشياء العظيمة، تقلدها الإنسان فلم يحفظها، بل حملها وضيعها لظلمه على نفسه، ولجهله بمبلغ الثواب والعقاب، عن أبي مسلم. وثالثها: إنه على وجه التقدير إلا أنه أجري عليه لفظ الواقع، لأن الواقع أبلغ من المقدر. معناه: لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة، ثم عرضت عليها الأمانة، وهي وظائف الدين أصولا وفروعا، وما ذكرناه من الأقاويل فيها، بما فيها من الوعد والوعيد، عرض تخيير، لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها، وشدتها، وقوتها، ولا متنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها، ثم حملها الإنسان مع ضعف جسمه، ولم يخف الوعيد لظلمه وجهله. وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات والأرض فامتنعت من حملها.


(1) فمعنى قوله: (وتحمل أخرى) أي: تخونها ولا تؤديها. يدل على ذلك قوله: (أفرحتك الودائع) أي: أثقلتك الأمانات التي تخونها، ولا تؤديها. وهذا أحد المعنيين في البيت، والمعنى الآخر ما ذكره المصنف (ره) (*).

[ 188 ]

ورابعها: إن معنى العرض والإباء ليس هو ما يفهم بظاهر الكلام، بل المراد تعظيم شأن الأمانة، لا مخاطبة الجماد. والعرب تقول: سألت الربع، وخاطبت الدار، فامتنعت عن الجواب، وإنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب والسؤال، وتقول: أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال. وقال سبحانه: (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)، وخطاب من لا يفهم لا يصح. وقال الشاعر: فأجهشت للبوباة حين رأيته، وكبر للرحمن حين رآني (1) فقلت له: أين الذين عهدتهم بجنبك في خفض، وطيب زمان (2) فقال: مضوا واستودعوني بلادهم، ومن ذا الذي يبقى على الحدثان وقال آخر: فقال لي البحر إذ جئته وكيف يجيب ضرير ضريرا فالأمانة على هذا، ما أودع الله السماوات والأرض والجبال، من الدلائل على وحدانيته وربوبيته، فاظهرتها، والإنسان الكافر كتمها وجحدها لظلمه وجهله، وبالله التوفيق. ولم يرد بقوله الإنسان جميع الناس، بل هو مثل قوله (إن الإنسان لفي خسر، و (إن الإنسان لربه لكنود) و (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه)، والأنبياء، والأولياء، والمؤمنون، عن عموم هذه الآية خارجون. ولا يجوز أن يكون الإنسان محمولا على آدم عليه السلام لقوله: (إن الله اصطفى آدم) وكيف يكون من اصطفاه الله من بين خلقه موصوفا بالظلم والجهل. ثم بين سبحانه الغرض الصحيح والحكمة البالغة في عرضه هذه الأمانة فقال: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) يعني بتضييع الأمانة. قال الحسن: هما اللذان حملاهما ظلما وجهلا (ويتوب الله على المؤمنين


(1) نسب الأبيات في الأغاني إلى مجنون قوله: (فأجهشت للبوباة) كذا في السنخ. وأجهشت أي: فرغت، والبوباة: الفلاة. وعقبة كؤود بطريق اليمن. لكن في أمالي الشريف (ره) ج 2 ص 310، ومعجم البلدان ج 2: 55، والأغاني ج 1: 179 (للتوباذ). وقال في المعجم: إنه جبل في نجد. ويحتمل التصحيف. (2) وفي بعض النسخ: (وطول زمان) (*).

[ 189 ]

والمؤمنات) بحفظهم الامانة، ووفائهم. وهذا هو الغرض بالتكليف عند من عرف المكلف والمكلف. فالمعنى: إنا عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق، وشرك المشرك، فيعذبهم الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه، إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات (وكان الله غفورا) أي: ستارا لذنوب المؤمنين (رحيما) بهم.

[ 190 ]

34 - سورة سبأ مكية وآياتها اربع وخسمون عدد آيها: خمس وخمسون آية شامي أربع في الباقون. إختلافها: آية عن يمين وشمال. فضلها: أبي بن كعب، عن النبي قال: (من قرأ سورة سبا، لم يبق نبي، ولا رسول إلا كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا). وروى ابن اذينة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قرأ الحمدين جميعا، سبأ وفاطر، في ليلة، لم يزل ليلته في حفظ الله تعالى وكلائه، فإن قرأهما في نهاره، لم يصبه في نهاره مكروه، وأعطي من خير الدنيا وخير الاخرة، ما لم يخطر على قلبه، ولم يبلغ مناه. وتفسيرها: لما ختم الله سبحانه سورة الأحزاب، ببيان الغرض في التكليف، وأنه سبحانه يجزي المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته، افتتح هذه السورة بالحمد له على نعمته، وكمال قدرته، فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله الذى له ما في السموات وما في الارض وله الحمد في الاخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفرو لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتاتينكم علم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ولا اصغر من ذلك ولا اكبر الا في كتب مبين (3) ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4)

[ 191 ]

والذين سعو فئ ايتنا معجزين اولئك لهم عذاب من رجز اليم (5) القراءة: قرأ أهل المدينة والشام: (عالم الغيب) بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي: (علام الغيب) " بالجر واللام قبل الألف. والباقون: (عالم الغيب) بالجر. وقرأ ابن كثير وحفص ويعقوب: (من رجز أليم) هنا وفي الجاثية أيضا بالرفع. والباقون بالجر. الحجة: قال أبو علي: الجر على قوله الحمد الله عالم الغيب. وقال غيره: عالم الغيب بالجر صفة لقوله وربي، أو بد ل منه. فاما الرفع فيجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب، وأن يكون ابتداء، وخبره لا يعزب، وعلام أبلغ من عالم. والرجز: العذاب. بدلالة قوله: (لئن كشفت عنا الرجز) "، و (أنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء " فإذا كان العذاب يوصف باليم، كما أنه نفس العذاب، جاز أن يوصف به. والجر في (أليم) أبين، لأنه إذا كان عذاب من عذاب أليم، كان العذاب الأول أليما. وإذا جرى الأليم على العذاب، كان المعنى عذاب أليم من عذاب. والأول أكثر فائدة. اللغة: الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، ونقيضه الذم، وهو الوصف بالقبيح على جهة التحقير، ثم ينقسم، فمنه ما هو أعلى، ومنه ما هو أدنى. والأعلى: ما يقع على وجه العبادة، ولا يستحقها إلا الله سبحانه، لأن إحسان الله، عز اسمه، لا يوازيه إحسان أحد من المخلوقين، وليستحق الحمد على الإحسان، والإنعام، فلا يستحق أحد من المخلوقين مثل ما يستحقه سبحانه. والولوج: الدخول. والعروج. الصعود. والمعارج: الدرج من هذا. وعزب عنه يعزب ويعزب: إذا بعد. وفي الحديث: (من قرأ القرآن في أربعين ليلة فقد عزب) أي: بعد عهده بما ابتدأ منه، وأبطأ في تلاوته. الاعراب: (ليجزي الذين آمنوا): يتعلق بقوله (لا يعزب). المعنى: (الحمد لله) معناه قولوا الحمد لله، وهو تعريف لوجوب الشكر على نعم الله سبحانه، وتعليم لكيفية الشكر (الذي له ما في السموات وما في الأرض) أي: الذي يملك التصرف في جميع ما في السماوات، وجميع ما في الأرض، ليس لأحد الإعتراض عليه، ولا منعه (وله الحمد في الأخرة) أي. هو

[ 192 ]

المستحق للحمد على أفعاله الحسنى في الدارين، لكونه منعما فيهما، والأخرة وإن كانت ليست بدار تكليف، فلا يسقط فيها الحمد، والإعتراف بنعم الله تعالى، بل العباد ملجأون إلى ذلك، لمعرفتهم الضرورية بنعم الله عليهم من الثواب، والعوض، وضروب التفضل. ومن حمد أهل الجنة قولهم: (الحمد لله الذي هدانا لهذا)، و (الحمد لله الذي صد قنا وعده). وقيل: إنما يحمد أهل الجنة، لا على جهة التعبد، لكن على جهة السرور والتلذذ بالحمد، ولا يكون بالحمد عليهم فيه تعب، ولا مشقة. وقيل: يحمده أهل الجنة على نعمه وفضله، ويحمد ه أهل النار على عدله. (وهو الحكيم) في جميع افعاله لأنها كلها واقعة على وجه الحكمة (الخبير) بجميع المعلومات (يعلم ما يلج في الأرض) أي: ما يدخل فيها من مطر، وكنز، أو ميت (وما يخرج منها) من زرع، ونبات، أو جواهر، أو حيوان. (وما ينزل من السماء) من مطر، أو رزق، أو ملك. (وما يعرج) أي: يصعد (فيها) من الملا ئكة، واعمال العباد، فهو يجري جميع ذلك على تقدير تقتضيه الحكمة، وتد بير توجبه المصلحة. (وهو الرحيم) بعباده مع علمه بما يعملون من المعاصي، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ويمهلهم للتوبة (الغفور) أي: الساتر عليهم ذ نوبهم في الدنيا، المتجاوز عنها في العقبى، كما قال: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). (وقال الذين كفروا) يعني: منكري البعث والنشور. (لا تأتينا الساعة) يعني القيامة (قل) لهم يا محمد (بلى وربي) أي: وحق الله ربي الذي خلقني، وأوجد ني (لتاتينكم) القيامة (عالم الغيب) يعمل كل شئ يغيب عن العباد علمه (لا يعزب عنه) أي: لا يفوته (مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض) بل هو عالم بجميع ذلك (ولا أصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين) يعني اللوح المحفوظ. وقد مضى هذا مفسرا في سورة يونس. كذب الله سبحانه في هذه الأية الكفار الجاحدة للبعث، وبين أن القيامة آتية كائنة لا محالة، وأ مر رسوله صلى الله عليه واله وسلم بان يحلف على ذلك تأكيدا له. ثم مدح نفسه بانه يعلم ما غاب عن العباد علمه، مما هو كائن، أو سيكون، ولم يوجد بعد. ثم قال: (ليجزي الذين أمنوا وعملوا الصا لحات) أي: إنما أثبت ذلك في الكتاب المبين، ليكافئهم بما يستحقونه من الثواب على صالح أعمالهم. (أو لئك

[ 193 ]

لهم مغفرة) لذنوبهم، وستر لها (و) لهم مع ذلك (رزق كريم أي: هنئ لا تنغيص فيه ولا تكدير. وقيل: هو الجنة، عن قتادة (والذين سعوا في أياتنا معاجزين) أي: والذين عملوا بجهد هم وجدهم في إبطال حججنا، وفي تزهيد الناس عن قبولها، مقد رين إعجاز ربهم، وظانين أنهم يفوتونه. وقيل: معاجزين مسابقين، ومعجزين، ومثبطين، وقد مضى تفسير هذه الاية في سورة الحج. (أولئك لهم عذاب من رجز) أي: سئ العذاب، عن قتادة (أليم) أي. مؤلم. النضم: وجه اتصال قوله (عالم الغيب) بما قبله: أنه سبحانه لما حكى عن المشركين ما يضاد الإقرار له بالربوبية، والإعتراف بالنعمة من انكار القيامة، ذكر بعده ان من يعلم أفعال العباد، وما يستحقونه من الجزاء، لو لم يجعل دارا أخرى يجازي فيها المحسن على إحسانه، والمسئ على اساءته، وينتصف للمظلوم من الظالم، كان ذلك خروجا عن موجب الحكمة. (ويرى الذين أوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هوالحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ند لكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤ منو ن بالأخرة في العذاب والضلل البعيد (8) أفلم يروا الى مابين ايديهم وما خلفهم من السماء والارض ان نشا نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفامن السماءان في ذلك لاية لكل عبد منيب القراءة: قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (إن يشا يخسف بهم الأرض أو يسقط) بالياء في الجميع. والباقون كل ذلك بالنون. وأدغم الكسائي وحده الفاء في الباء في (يخسف بهم). الحجة: قال أبو علي. حجة النون قوله: (ولقد آتينا داود) فالنون أشبه بآتينا. وحجة الياء قوله: (افترى على الله كذبا)، فحمل على اسم الله تعالى قال: وإدغام الفاء في الباء لا يجوز لأن الفاء من باطن الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا، وانحدر الصوت به إلى الفم، حتى اتصل بمخرج الثاء، حتى جاء مثل

[ 194 ]

الجدث والجدف، والمغاثير والمغافير، فتعاقبا للمقاربة بينهما. فلما اتصلت بمخرج الثاء، صارت بمنزلة حرف من تلك الحروف، فلم يجز إدغامها في الباء، لأنه إذا اتصل بما ذكرنا، صار كحرف من ذلك الموضع. فكما أن ذلك الحرف الذي اتصل بالفاء لا يدغم في الباء، كذلك الفاء لا يدغم في الباء، وكذلك لا يجوز أن يدغم الفاء في الباء، لزيادة صوتها المتصل بحرف من حروف الفم. الاعراب: (ويرى): يحتمل أن يكون منصوبا عطفا على (ليجزي)، ويحتمل أن يكون مرفوعا على الإستئناف. (والذي أنزل إليك): في موضع نصب لأنه مفعول (يرى)، وهو فصل والحق. مفعول ثان ليرى. وقوله (إذا مزقتم) قال الزجاج: إذا في موضع نصب بمزقتم، ولا يجوز أن يعمل فيها جديد، لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها. والتأ ويل: هل ندلكم على رجل يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون (إذا) بمنزلة ان الجزاء، يعمل فيها الذي يليها. قال قيس بن الخطيم: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطا نا إلى أعدائنا فنضارب (1) والمعنى: يكن وصلها. والدليل عليه جزم فنضارب. ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمرا يدل عليه: (إنكم لفي خلق جديد)، ويكون المعنى: هل ندلكم على رجل يقول لكم إذا مزقتم بعثتم. قال أبو علي: إن جعل موضع (إذا) نصبا بمزقتم، لزم أن يحكم على موضعه بالجزم، لأن (إذا) هذه لا يجوز أن ينتصب به، حتى يقدر جزم الفعل الذي هو الشرط بها، والجزم بها لا يسوغ أن يحمل عليه الكتاب، لأن ذلك إنما يكون في ضرورة الشعر، فإن حمل موضع إذا على أنه نصب، والفعل غير مقدر في موضعه الجزم، لم يجز، لأنه إذا لم يجاز بها، أضيفت إلى الفعل. والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا فيما قبله. وموضع الفعل الواقع بعد (إذا) خفض. فلما لم يجز زيدا غلام ضارب عندك، تريد غلام ضارب زيدا عندك، فكذلك لا يجوز أن يكون موضع إذا نصبا بمزقتم، فالتقدير: ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو نشرتم، أو ما أشبه ذلك من الأفعال التي يكون قوله (انكم لفي خلق جديد) دالا عليه، ومفسرا له. وإن قدر هذا الفعل قبل إذا كان سائغا، فيكون التقدير ينبئكم فيقول لكم تبعثون


(1) يعني: إن قصرت أسيافنا نتدارك قصرها بخطواتنا إلى الأعداء (*).

[ 195 ]

إذا مزقتم كل ممزق، ويكون جواب إذا على هذا التقدير مضمرا، كانه تبعثون إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، فيستغنى إذا عن إظهار الجواب إذا تقد مها ما يدل عليه نحو: أنت ظالم إن فعلت، وكذلك يحذف الشرط لدلالة الجزاء عليه إذا وقع بعد كلام غير واجب، نحو الأمر، والإستفهام، وما أشبه ذلك فافهم ذلك، فإنه فصل جليل الموقع في النحو، استخرجته من كلام أبي علي. (أفترى): أصله افترى دخلت همزة الإستفهام على همزة الوصل فاسقطتها. المعنى: ثم ذكر سبحانه المؤمنين، واعترافهم بما جحده من تقدم ذكرهم من الكافرين فقال (ويرى الذين اوتوا العلم) أي: ويعلم الذين أعطوا المعرفة بوحدانية الله تعالى، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم، عن قتادة. وقيل: هم المؤمنون من أهل الكتاب، عن الضحاك. وقيل: هم كل من اوتي العلم بالدين، وهذا أولى لعمومه (الذي أنزل إليك من ربك) يعني القرآن (هو الحق) أي. يعلمونه الحق، لأنهم يتد برونه، ويتفكرون فيه، فيعلمون بالنظر والإستدلال أنه ليس من قبل البشر، فهؤلاء لطف الله سبحانه لهم بما أداهم إلى العلم، فكأنه سبحانه قد آتاهم العلم. وقوله: (ويهدي) أي: ويعلمون أنه يهدي إلى القرآن، ويرشد (إلى صراط العزيز الحميد) أي: دين القادر الذي لا يغالب المحمود على جميع أفعاله، وهو ا لله تعالى. وفي هذه الأية دلا لة على فضيلة العلم، وشرف العلماء، وعظم أقدارهم. ثم عاد سبحانه إلى الحكاية عن الكفار فقال: (وقال الذين كفروا) أي. بعضهم لبعض، أو القادة للأتباع على وجه الإستبعاد، والتعجب (هل ندلكم على رجل) يعنون محمدا صلى الله عليه واله وسلم (ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد) أي: يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظاما ورفاتا وترابا، وهو قوله (إذا مزقتم كل ممزق) أي: فرقتم كل تفريق، وقطعتم كل تقطيع، وأكلتكم الأرض والسباع والطيور، والجديد المستأنف المعاد. والمعنى: إنكم يجدد خلقكم بان تنشروا، وتبعثوا. (أفترى على الله كذبا) معناه: هل كذب على الله متعمدا، حين زعم أنا نبعث بعد الموت، وهو استفهام تعجب لانكار (أم به جنة) أي: جنون فهو يتكلم بما لا يعلم. ثم رد سبحانه عليهم قولهم فقال: (بل) ليس الأمر على ما قالوا من

[ 196 ]

الإفتراء، والجنون (الذين لا يؤمنون بالأخرة) أي: هؤلاء الذين لا يصدقون بالبعث والجزاء، والثواب والعقاب (في العذاب) في الاخرة (والضلال البعيد) من الحق في الدنيا. ثم وعظهم سبحانه ليعتبروا فقال: (أفلم يروا) أي: أفلم ينظر هؤلاء الكفار (إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض) كيف أحاطت بهم، وذلك أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء والأرض قدامه وخلفه، وعن يمينه، وعن شماله، فلا يقدر على الخروج منها. وقيل: معناه أفلم يتدبروا ويتفكروا في السماء والأرض، فيستد لوا بذلك على قدرة الله تعالى. ثم ذكر سبحانه قدرته على إهلا كهم فقال: (إن نشا نخسف بهم الأرض) كما خسفنا بقارون (أو نسقط عليهم كسفا من السماء) أي: قطعة من السماء تغطيهم، وتهلكهم. (إن في ذلك لأية) معناه: إن فيما ترون من السماء والأرض لدلالة على قدرة الله على البعث وعلى ما يشاء من الخسف بهم (لكل عبد منيب) أناب إلى الله، ورجع الى اطاعته، أفلا يرتد ع هؤلاء عن التكذيب بآيات الله، والإنكار لقدرته على البعث. (ولقد ءاتينا داود منا فضلا يجبال أوبى معه والطير وألنا له الحديد (10) أن اعمل سبغت وقدر في السرد واعملوا صلحا إنى بما تعملون بصير (11) ولسليمن الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له وعين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذ ن ر به ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) يعملون له، ما يشاء من محريب وتمثيل وجفان كالجواب وقدور را سيت أعملوا ءال داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته الا دابة الأزض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14). القراءة: قرأ يعقوب، وعبيد بن عمير، والأعرج. (والطير) بالرفع. وقرأ

[ 197 ]

سائر القراء: (والطير) بالنصب. وقرأ أبو بكر: (ولسليمان الريح) بالرفع. والباقون بالنصب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (كالجوابي) بالياء في الوصل، إلا ابن كثير وقف بياء، وأبو عمرو بغير ياء. والباقون بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أهل المدينة، وأبو عمرو، وابن فليح، وزيد، عن يعقوب: (منساته) بغير همز. وقرأ ابن عامر: (منسأ ته) بهمزة سا كنة. والباقون بهمزة مفتوحة. وقرأ يعقوب. (تبينت الجن) بضم التاء والباء وكسر الياء. والباقون: (تبينت) بفتح الجميع: وفي الشواذ قراءة ابن عباس، والضحاك: (تبينت الإنس) وهو قراءة علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام. الحجة: قال الزجاج: أما الرفع في (والطير) ففيه وجهان أحدهما: أن يكون نسقا على الياء في (أوبي) المعنى: يا جبال رجعي التسبيح أنت معه، والطير والاخر: أن يكون معطوفا على لفظ جبال، التقدير: يا جبال والطير. وأما النصب ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون عطفا على فضلا أي: آتينا داود منا فضلا، والطير بمعنى وسخرنا له الطير، حكى ذلك أبو عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء والثاني. أن يكون نصبا على النداء، ويكون معطوفا على محل جبال، كانه قال. ادعو الجبال والطير والثالث: أن يكون منصوبا على معنى مع، والمعنى أوبي معه ومع الطير. قال أبو علي. من قرأ (ولسليمان الريح) بالنصب حمله على التسخير في قوله (فسخرنا له الريح تجري بامره) ويقوي ذلك قوله: (ولسليمان الريح عاصفة) ووجه الرفع: أن الريح إذا سخرت لسليمان جاز أن يقال له الريح على معنى له تسخير الريح، فالرفع على هذا يؤول إلى معنى النصب، لأن المصدر المقدر في تقدير الإضافة إلى المفعول به قال: والقياس في (الجوابي) أن يثبت الياء مع الألف واللام، وإنما وقف أبو عمرو بغير ياء لأنه فاصلة أي مشبه بها من حيث تم الكلام. ومن حذف الياء في الوصل والوقف فلأن هذا النحو قد يحذف كثيرا والقياس في همزة (منسأته) إذا خففت الهمزة منها أن تجعل بين بين، إلا أنهم خففوا همزتها على غير القياس. قال الشاعر. أنشده أبو الحسن: إذادببت على المنساة من هرم فقد تبا عد عنك الئهو، والغزل (1)


(1) دب الشيخ مشى مشيا رويدا. والمنساة: العصا. (*)

[ 198 ]

وأما قوله (تبينت الإنس) فمعناه: تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب، وهكذا هو في مصحف عبد الله، ويؤول إلى هذا المعنى قراءة يعقوب: (تبينت الجن). اللغة: التأويب: الترجيع بالتسبيح. قال سلامة بن جندل. يومان: يوم مقامات، وأندية، ويوم سير إلى الأعداء تأويب (1) أي: رجوع بعد رجوع. والسابغ: التام من اللباس. وسرد الحديد: نظمه. قال الشاعر: على ابن أبي العاصي دلاص حصينة أجاد المسدي سردها، وأذالها (2) وقال أبو ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما داود، أو صنع السوابغ تبع (3) وهو ماخوذ من سرد الكلام يسرد سردا. إذا تابع بين بعض حروفه وبعض. قال المبرد. لا يسمى محرابا الا ما يرتقى إليه بدرج. قال عدي بن زيد: كدمي العاج في المحاريب، أو كالبيض في الروض زهره مستنير (4) وقال وضاح اليمن:


(1) وقبل هذا البيت قوله: (إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه تلذ ولا لذات للشيب) فسر الثاعر العواقب بقوله: (يومان) والأندية بمعنى الأفنية، وأراد بها أماكن اللهو التي يصرف فيها الشبان شبابهم. و (تأويب): صفة سير. (2) قائله. كثير من قصيدة يمدح فيها عبد الملك بن مروان. وابن أبي العاصي هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي. ودلاص. وصف للدرع اللينة. والحصينة: المحكمة المتدانية الحلق يكون صاحبها في حصن مما يصيبه. وسدى الدرع. نسجها. وأذال الدرع: أطال ذيلها. (3) من قصيدة قالها في رثاء ابنه وقد مر البيت في ج 2 (4) دمى العاج: الأصنام. (*)

[ 199 ]

ربة محراب إذا جئتها لم ألقها، أو أرتقي سلما والتماثيل: صور الأشياء، واحدها تمثال، وأصلها من المثول وهو القيام، كانه نصب قائما. ومنه الحديث. (من سره أن يمثل له الناس فليتبوأ مقعده من النار). والجوابي. جمع جابية، وهي الحوض العظيم يجبى فيه الماء. قال الأعشى: تروح على آل المحلق جفنة كجابيه الشيخ العراقي تفهق (1) والمنسأة: العصا الكبيرة التي يسوق بها الراعي غنمه، مفعلة من نسأت الناقة والبعير: إذا زجرته. الاعراب: (أن اعمل سابغات): أن ههنا في تأويل التفسير والقول، وهي تدعى المفسرة بمعنى أي، كانه قيل: وألنا له الحديد أي: اعمل سابغات. والتقدير: قلنا له اعمل، ويكون في معنى لأن يعمل وإنما اتصل. أن هذه بلفظ الأمر، ومثله في الكلام: أرسل إليه أن قم إلى فلان. وقدر مفعوله محذوف أي. قدر الحلق والمسامير. وقوله (غدوها شهر ورواحها شهر). في موضع نصب على الحال، والتقدير. غدوها مسيرة شهر، ورواحها كذلك، فحذف المضاف، والعامل في الحال معنى التسخير في قوله (ولسليمان الريح). و (من يعمل). في موضع نصب على تقدير: وسخرنا من الجن من يعمل. (شكرا): يجوز أن يكون مفعول إعملوا على تقدير: اشكروا شكرا، كما تقول: أحمد الله شكرا، فيكون مفعولا مطلقا، وهو المصدر. ويجوز أن يكون مفعولا له، ومفعول (اعمل) محذوف، وتقديره: اعملوا الطاعة شكرا. وقوله (أن لو كانوا يعلمون الغيب): ان هذه مخففة من الثقيلة على تقدير أنهم لو كانوا يعلمون الغيب. قال أبو علي: والتقدير فلما خر تبين أمر الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب، فحذف المضاف فإن (لو كانوا) بدل من الجن. ولفظ (تبين) هنا: لازم غير متعد مثله في قوله وتبين لكم كيف فعلنا بهم.


(1) الجفنة: القصعة الكبيرة. و " تفهق ": من الفهق بمعنى الإتساع والإمتلاء. قال ابن منظور: خص العراقي لجهله بالمياه لأنه حضري، فإذا وجدها ملأ جابيته واعدها، ولم يدر متى يجد الماء. وأما البدوي فهو عالم بالمياه، فهو لا يبالي أن يعدها. وقال بعض: لكثرة الماء في العراق فحياضهم واسعة، ويروى " كجابية السيح " وهو الماء الجاري.

[ 200 ]

وقوله: (فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) والمعنى: فلما خر انكشف للإنس أمر الجن من جهلهم بالغيب، وذلك لأن الجن ما ادعوا علم الغيب، وإنما اعتقد الإنس فيهم أنهم يعلمون الغيب، فابطل الله عقيدتهم فيهم بموت سليمان. المعنى. لما تقدم ذكر عباد الله المنيبين إليه، وصله سبحانه بذكر داود وسليمان، فقال. (ولقد آتينا داود منا فضلا) معناه: ولقد أعطينا داود من عندنا نعمة وإحسانا أي: فضلناه على غيره بما أعطيناه من النبوة، والكتاب، وفصل الخطاب، والمعجزات. ثم فصل سبحانه ما أعطاه، فقال: (يا جبال أوبى معه والطير) أي: قلنا للجبال. يا جبال سبحي معه إذا سبح، عن ابن عباس والحسن وقتادة، ومجاهد، قالوا. أمر الله الجبال أن تسبح معه إذا سبح، فسبحت معه، وتاوله عند أهل اللغة: رجعي معه التسبيح، من آب يؤوب. ويجوز أن يكون سبحانه فعل في الجبال ما يأتي به منها التسبيح معجزا له. وأما الطير فيجوز أن يسبح، ويحصل له من التمييز ما يتاتى منه ذلك، بأن يزيد الله في فطنته، فيفهم ذلك. وقيل. معناه سيري معه، فكانت الجبال والطير تسير معه أينما سار، وكان ذلك معجزا له، عن الجبائي. والتأويب. السير بالنهار. وقيل. معناه ارجعي إلى مراد داود فيما يريده من حفر بئر، واستنباط عين، واستخراج معدن، ووضع طريق. (وألنا له الحديد) فصار في يده كالشمع، يعمل به ما شاء من غير أن يدخله النار، ولا أن يضربه بالمطرقة، عن قتادة (أن اعمل سابغات) أي: قلنا له اعمل من الحديد دروعا تامات. وإنما ألان الله تعالى الحديد لداود، لأنه أحب أن ياكل من كسب يده، فالان الحديد له، وعلمه صنعة الدرع، وكان أول من اتخذها، وكان يبيعها وياكل من ثمنها، ويطعم عياله، ويتصدق منه. وروي عن الصادق عليه السلام قال: إن الله أوحى إلى داود عليه السلام: نعم العبد أنت إلا أنك تأكل من بيت المال ! فبكى داود أربعين صباحا، فالان الله له الحديد، وكان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بالف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعا، فباعها بثلاثمائة وستين ألفا، فاستغنى عن بيت المال. (وقدر في السرد) أي. عدل في نسج الدروع، ومنه قيل لصانعها: سراد وزراد، والمعنى: لا تجعل المسامير دقاقا، فتفلق، ولا غلاظا فتكسر الحلق.

[ 201 ]

وقيل: السرد المسامير التي في حلق الدروع، عن قتادة. حكي أن لقمان حضر داود عند أول درع عملها، فجعل يتفكر فيها، ولا يدري ما يريد، ولم يساله حتى فرغ منها، ثم قام فلبسها وقال: نعم جنة الحرب هذه ! فقال لقمان عند ذلك: الصمت حكمة، وقليل فاعله. (واعملوا صالحا) أي: وقلنا اعمل أنت وأهلك الصالحات، وهي الطاعات شكرا لله سبحانه على عظيم نعمه (إني بما تعملون بصير) أي: أنا عالم بما تفعلونه، لا يخفى علي شئ من أعمالكم. ثم ذكر سبحانه سليمان، وما آتاه من الفضل والكرامة، فقال. (ولسليمان الريح) أي: وسخرنا لسليمان الريح (غدوها شهر ورواحها شهر) أي: مسير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر، ومسير رواح تلك الريح مسيرة شهر والمعنى إنها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب. قال قتادة: كان يغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، ويروح مسيرة شهر إلى آخر النهار. وقال الحسن: كان يغدو من دمشق، فيقيل بإصطخر من أرض أصفهان: وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر، تحمله الريح مع جنوده أعطاه الله الريح بدلا من الصافنات الجياد. (وأسلنا له عين القطر) أي: أذبنا له عين النحاس، وأظهرناها له. قالوا: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن، جعلها الله له كالماء، وإنما يعمل الناس بما أعطي سليمان منه. (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه) المعنى. وسخرنا له من الجن من يعمل له بحضرته، وأمام عينه، ما يأمرهم به من الأعمال، كما يعمل الأدمي بين يدي الأدمي، بامر ربه تعالى. وكان يكلفهم الأعمال الشاقة مثل عمل الطين وغيره. وقال ابن عباس. سخرهم الله لسليمان، وأمرهم بطاعته فيما يامرهم به. وفي هذا دلالة على أنه قد كان من الجن من هو غير مسخر له. (ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) المعنى: ومن يعدل من هؤلاء الجن الذين سخرناهم لسليمان عما أمرناهم به من طاعة سليمان، نذقه من عذاب السعير أي: عذاب النار في الأخرة، عن أكثر المفسرين. وفي هذا دلالة على أنهم قد كانوا مكلفين. وقيل: معناه نذيقه العذاب في الدنيا، وإن الله سبحانه وكل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان، ضربه ضربة أحرقته.

[ 202 ]

(يعملون له ما يشاء من محاريب) وهي بيوت الشريعة. وقيل: هي القصور والمساجد يتعبد فيها، عن قتادة، والجبائي قال: وكان مما عملوه بيت المقدس، وقد كان الله عز وجل سلط على بني إسرائيل الطاعون، فهلك خلق كثير في يوم واحد، فامرهم داود أن يغتسلوا، ويبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين، ويتضرعون إلى الله لعله يرحمهم، وذلك صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد. وارتفع داود فوق الصخرة، فخر ساجدا يبتهل إلى الله سبحانه، وسجدوا معه فلم يرفعوا رؤوسهم حتى كشف الله عنهم الطاعون. فلما أن شفع الله داود في بني إسرائيل جمعهم داود بعد ثلاث، وقال لهم: إن الله تعالى قد من عليكم، ورحمكم، فجددوا له شكرا بان تتخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجدا. ففعلوا وأخذوا في بناء بيت المقدس، وكان داود ينقل الحجارة لهم على عاتقه، وكذلك خيار بني إسرائيل، حتى رفعوه قامة، ولداود يومئذ سبع وعشرون ومائة سنة. فأوحى الله إلى داود أن تمام بنائه يكون على يدي ابنه سليمان. فلما صار داود ابن أربعين ومائة سنة، توفاه الله، واستخلف سليمان، فاحب إتمام بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين، وقسم عليهم الأعمال، يخص كل طائفة منهم بعمل. فارسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها (1) الأبيض الصافي من معادنه، وأمر ببناء المدينة من الرخام والصفاح (2)، وجعلها اثني عشر ربضا (3)، وأنزل كل، ربض منها سبطا من الأسباط. ولما فرغ من بناء المدينة، ابتدأ في بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقا: فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها، وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من أماكنها، وفرقة ياتون بالمسك، والعنبر، وسائر الطيب، وفرقة ياتون بالدر من البحار. فأوتي من ذلك بشئ لا يحصيه إلا الله تعالى. ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الأحجار حتى صيروها ألواحا، ومعالجة تلك الجواهر واللآلئ.


(1) المها جمع المهاة. البلور. (2) الصفاح: الحجارة العريضة الرقيقة. (3) الربض: سور المدينة. الناحية. كل ما يؤوى إليه، ويستراح لديه، من مال وبيت ونحوه (*).

[ 203 ]

قال: وبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض، والأصفر، والأخضر، وعمده باساطين المها الصافي، وسقفه بالواح الجواهر، وفضض سقوفه وحيطانه باللالئ واليواقيت والجواهر، وبسط أرضه بالواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد. كان يضئ في الظلمة كالقمر ليلة البدر. فلما فرغ منه، جمع إليه أحبار بني إسرائيل، فاعلمهم أنه بناه لله تعالى، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا. فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان، حتى غزا بخت نصر بني إسرائيل، فخرب المدينة وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ ما في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة، والدر واليواقيت، والجواهر، فحملها إلى دار مملكته من أرض العراق. قال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس، تغلقت أبوابه، فعالجها سليمان فلم تنفتح، حتى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا فتحت الأبواب، ففتحت. ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار. فلا تاتي ساعة من ليل ولا نهار إلا ويعبد الله فيها. (وتماثيل) يعني صورا من نحاس، وشبه (1)، وزجاج، ورخام، كانت الجن تعملها. ثم اختلفوا فقال بعضهم: كانت صورا للحيوانات، وقال آخرون. كانوا يعملون صور السباع والبهائم على كرسيه، ليكون أهيب له، فذكروا أنهم صوروا أسدين أسفل كرسيه، ونسرين فوق عمودي كرسيه، فكان إذا أراد أن يصعد الكرسي، بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا علا على الكرسي، نشر النسران أجنحتهما فظللاه من الشمس. ويقال. إن ذلك كان مما لا يعرفه أحد من الناس.. فلما حاول بخت نصر صعود الكرسي بعد سليمان، حين غلب على بني إسرائيل، لم يعرف كيف كان يصعد سليمان، فرفع الأسد ذراعيه، فضرب ساقه فقدها، فوقع مغشيا عليه. فما جسر أحد بعده أن يصعد ذلك الكرسي. قال الحسن: ولم تكن يومئذ التصاوير محرمة، وهي محظورة في شريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فإنه قال: (لعن الله المصورين). ويجوز أن يكره ذلك في زمن دون


(1) الشبه: النحاس الأصفر (*).

[ 204 ]

زمن. وقد بين الله سبحانه أن المسيح كان يصور بامر الله من الطين كهيئة الطير. وقال ابن عباس: كانوا يعملون صور الأنبياء والعباد في المساجد، ليقتدى بهم. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: والله ما هي تماثيل النساء والرجال، ولكنه الشجر وما أشبه. (وجفان كالجواب) أي: صحاف كالحياض التي يجبى فيها الماء أي: يجمع، وكان سليمان عليه السلام يصلح طعام جيشه في مثل هذه الجفان، فإنه لم يمكنه أن يطعمهم في مثل قصاع الناس لكثرتهم. وقيل: إنه كان يجمع على كل جفنة ألف رجل ياكلون بين يديه. (وقدور راسيات) أي: ثابتات لا يزلن عن أمكنتهن لعظمهن، عن قتادة، وكانت باليمن. وقيل. كانت عظيمة كالجبال يحملونها مع أنفسهم، وكان سليمان يطعم جنده. ثم نادى سبحانه آل داود، وأمرهم بالشكر على ما أنعم به عليهم من هذه النعمة العجيبة، لأن نعمته على سليمان نعمة عليهم، فقال: (اعملوا آل داود شكرا) أي: قلنا لهم: يا آل داود اعملوا بطاعة الله شكرا له على ما آتاكم من النعم، عن مجاهد. وفي هذا دلالة على وجوب شكر النعمة، وأن الشكر طاعة المنعم وتعظيمه. وفيه إشارة أيضا إلى أن لقرابة أنبياء الله تعالى أثرا في القرب إلى رضى الله، حين خص آل داود بالأمر. (وقليل من عبادي الشكور) والفرق بين الشكور والشاكر: أن الشكور من تكرر منه الشكر. والشاكر: من وقع منه الشكر. قال ابن عباس. أراد به المؤمن الموحد. وفي هذا دلالة على أن المؤمن الشاكر يقل في كل عصر. (فلما قضينا عليه الموت) أي: فلما حكمنا على سليمان بالموت. وقيل. معناه أوجبنا على سليمان الموت (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته) أي: ما دل الجن على موته إلا الأرضة، ولم يعلموا موته حتى أكلت عصاه، فسقط، فعلموا أنه ميت. وقيل: إن سليمان كان يعتكف في مسجد بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل وأكثر، يدخل فيه طعامه وشرابه، ويتعبد فيه. فلما كان في المرة التي مات فيها، لم يكن يصبح يوما إلا وتنبت شجرة كان يسألها سليمان فتخبره عن اسمها، ونفعها، وضرها. فرأى يوما نبتا فقال: ما اسمك ؟ قال: الخرنوب.

[ 205 ]

قال: لأي شئ أنت ؟ قال: للخراب. فعلم أنه سيموت، فقال: اللهم عم على الجن موتي، ليعلم الإنس أنهم لا يعلمون الغيب. وكان قد بقي من بنائه سنة، وقال لأهله. لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بنائه. ودخل محرابه، وقام متكئا على عصاه، فمات، وبقي قائما سنة. وتم إلبناء. ثم سلط الله على منسأته الأرضة حتى أكلتها، فخر ميتا، فعرف الجن موته وكانوا يحسبونه حيا، لما كانوا يشاهدون من طول قيامه قبل ذلك. وقيل: إن في إماتته قائما، وبقائه كذلك، أغراضا منها إتمام البناء. ومنها أن يعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب، وأنهم في ادعاء ذلك كاذبون ومنها: أن يعلم أن من حضر أجله فلا يتاخر إذ لم يؤخر سليمان مع جلالته. وروي أنه أطلعه الله سبحانه على حضور وفاته، فاغتسل، وتحنط، وتكفن، والجن في عملهم. وروى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن سليمان أمر الشياطين فعملوا له قبة من قوارير، فبينا هو قائم متكئ على عصاه في القبة، ينظر إلى الجن كيف يعملون، وهم ينظرون إليه، ولا يصلون إليه، إذا رجل معه في القبة، فقال: من أنت ؟ فقال. أنا الذي لا أقبل الرشى، ولا أهاب الملوك ! فقبضه وهو قائم متكئ على عصاه في القبة. قال: فمكثوا سنة يعملون له، حتى بعث الله الأرضة، فأكلت منساته. وفي حديث آخر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فكان آصف يدبر أمره حتى دبت الأرضة. (فلما خر) أي: سقط سليمان ميتا (تبينت الجن) أي: ظهرت الجن فانكشف للناس. (أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) معناه: في الأعمال الشاقة. وإنما سماها عذابا، للمشاق التي فيها، لا أنه كان عذابا، فليس ذلك إلا أن يكون عبادة له، أو بمنزلة ما يعوضون عليه أي: ما عملوا مسخرين لسليمان وهو ميت، وهم يظنون أنه حي. وقيل. إن المعنى تبينت عامة الجن وضعفتهم، أن رؤساءهم لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا يوهمونهم أنهم يعلمون الغيب. وقيل: معناه تبينت الإنس أن الجن كانوا لا يعلمون الغيب، فإنهم كانوا يوهمون الإنس إنا نعلم الغيب. وإنما قال: (تبينت الجن) كما يقول من يناظر غيره، ويلزمه الحجة. هل تبين لك أنك على باطل. وعلى هذا تدل قراءة من قرأ (تبينت الإنس) وقد مضى بيانه.

[ 206 ]

وذكر أهل التاريخ أن عمر سليمان كان ثلاثا وخمسين سنة، مدة ملكه منها أربعون سنة. وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، والله أعلم. وأما الوجه في عمل الجن تلك الأعمال العظيمة، فهو أن الله تعالى زاد في أجسامهم وقوتهم، وغير خلقهم عن خلق الجن الذين لا يرون للطافتهم، ورقة أجسامهم، على سبيل الإعجاز الدال على نبوة سليمان، فكانوا بمنزلة الأسراء في يده. وكانوا تتهيأ لهم الأعمال التي كان يكلفها إياهم. ثم لما مات عليه السلام، جعل الله خلقهم على ما كانوا عليه، فلا يتهيأ لهم في هذا الزمان شئ من ذلك. (لقد كان لسبإ في مسكنهم ءاية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور - 15 - فاعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلنهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل - 16 - ذلك جزينهم بما كفروا وهل نجزى إلا الكفور - 17 - وجعلنا بينهم وبين القرى التى بركنا فيها قرى ظهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما ءامنين - 18 - فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلنهم أحاديث ومزقنهم كل ممزق إن في ذلك لأيت لكل صبار شكور - 19 -). القراءة: قرأ (مسكنهم) على التوحيد بفتح الكاف حمزة، وحفص. وبكسر الكاف الكسائي، وخلف. والباقون: (مساكنهم) على الجمع. وقرأ (أكل خمط) مضاف غير منون أهل البصرة. وقرأ الباقون غير مضاف بالتنوين. وقرأ أهل الكوفة، غير أبي بكر، ويعقوب: (وهل نجازي) بالنون وكسر الزاي (إلا الكفور) بالنصب. وأدغم الكسائي اللام من (هل) في النون. وغيره لم يدغم. والباقون: (يجازى) بالياء وفتح الزاي (والكفور) بالرفع. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير. وهشام: (باعد بين أسفارنا) بالتشديد على لفظ الأمر. وقرأ يعقوب، وسهل: (ربنا) بالضم (باعد) بالألف، وفتح الباء والعين والدال مخففة، وهو قراءة محمد بن على الباقر عليه السلام، وابن عباس. وقرأ الباقون: (ربنا) بالنصب، (باعد)

[ 207 ]

بالألف على الدعاء. وفي الشواذ قراءة ابن يعمر، ومحمد بن السميقع: (ربنا) بالنصب، (بعد) بفتح الباء والدال وضم العين، (بين أسفارنا) بالرفع. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (مساكنهم)، أتى باللفظ وفقا للمعنى، لأن لكل ساكن مسكنا. ومن قرأ (مسكنهم)، فيشبه أن يكون جعل. المسكن مصدرا، وحذف المضاف، والتقدير: في مواضع سكناهم. فلما جعل المسكن كالسكنى، والسكون، أفرد كما يفرد المصدر، وهذا أشبه من أن تحمله على نحو: (كلوا في بعض بطنكم) (1). وعلى هذا قوله تعالى: (في مقعد صدق) أي: في موضع قعود. ألا ترى أن لكل واحد من المتقين موضع قعود، والأشبه في الكاف الفتح، لأن اسم المكان والمصدر، من باب يفعل على المفعل، وقد يشذ على القياس نحو هذا، كما جاء المسجد، وسيبويه يحمله على اسم البيت، وكذلك المطلع. إلا أن أبا الحسن يقول: إن المسكن إذا كسرته لغة كثيرة، وهي لغة الناس اليوم، والفتح لغة أهل الحجاز. فاما الإضافة في (أكل خمط)، فإن أبا عبيدة قال: الخمط كل شجرة مرة ذات شوكة. والأكل: الجنى. فعلى هذا التفسير تحسن الإضافة، وذلك أن الأكل إذا كان الجنى، فإن جنى كل شجرة منه. وغير الإضافة ليس في حسن الإضافة، لأن الخمط إنما هو اسم شجرة، وليس بوصف. فإذا لم يكن وصفا، لم يجر على ما قبله، كما يجري الوصف على الموصوف والبدل ليس بالسهل أيضا، لأنه ليس هو هو، ولا بعضه، لأن الجنى من الشجر، وليس الشجر من الجنى، فيكون إجراؤه عليه على وجه عطف البيان، كانه بين ان الجنى لهذا الشجر، ومنه قال أبو الحسن: الأحسن في كلام العرب أن يضيفوا ما كان من نحو هذا مثل: دار آجر، وثوب خز. قال: فاكل خمط. قراءة كثيرة، وليست بجيدة في العربية. وحجة من قرأ (وهل نجازي) بالنون قوله (جزيناهم). ومن قرأ (يجازى) على بناء الفعل للمفعول، فإن المجازي أيضا هو الله تعالى. وإنما خص الكفور بالجزاء، لأن المؤمن قد يكفر عن سيئاته. قال سبحانه: (ونتجاوز عن سيئاتهم).


(1) هذا جزء بيت وتمامه: (كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص) قوله: (تعفوا) أي: تعفوا عن السؤال. وزمن خميص: ذو مجاعة (*).

[ 208 ]

وقال: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، وليس كذلك الكافر، فإنه يجازى بكل سوء يعمله. وأما ادغام الكسائي اللام في النون فجائز، حكاه سيبويه. والبيان أحسن. وأما قوله (ربنا باعد بين أسفارنا)، فذكر سيبويه أن فاعل وفعل يجيئان بمعنى كقولهم: ضاعف وضعف، وقارب وقرب، واللفظان جميعا على معنى الطلب والدعاء. قال ابن جني: بين منصوب نصب المفعول به أي: بعد وباعد مسافة أسفارنا، وليس نصبه على الظرف. يدلك على ذلك قراءة من قرأ: (بعد بين أسفارنا) كما تقول: بعد مدى أسفارنا، فرفعه دليل كونه اسما، وعليه قوله: كأن رماحهم أشطان بئر بعيد بين جاليها جرور (1) أي: بعيد مدى جاليها، أو مسافة جاليها. اللغة: العرم. المسناة التي تحبس الماء، واحدها عرمة. أخذ من عرامة الماء، وهي ذهابه كل مذهب. قال الأعشى: ففي ذاك للمؤتسي أسوة، ومأرب قفى عليه العرم (2) رخام بنته له حمير إذا نجاء ماؤهنم لم يرم (3) وقيل: العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى. وقيل: العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر (4) عليهم، وهو الذي يقال له الخلد. وقيل: العرم المطر الشديد. الاعراب: (آية): اسم كان. (جنتان): رفع على أنه بدل من آية. ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما الأية ؟ فقال: الاية جنتان. و (عن يمين وشمال): صفة لجنتان. وعلى هذا تقف على قوله: (آية)، وتبتدئ بقوله: (جنتان). (كلوا من رزق ربكم) أي يقال: كلوا من رزق ربكم منهما، فحذف العائد من الصفة إلى الموصوف، كما حذف القول. (بلدة طيبة) تقديره:


(1) الاشطان جمع الشطن: الحبل الطويل يستقى به. والجال: جدار البئر. وبئر جرور: بعيدة القعر. (2) مأرب. موضع. وقفى عليه العرم أي: ذهب به السيل. (3) الرخام: حجر أبيض سهل رخو، ولم يرم أي لم يزل عن مكانه. (4) الجرذ كصرد ضرب من الفار. والسكر: اسم من سكر النهر أي: سده (*).

[ 209 ]

هذه بلدة طيبة، والله رب غفور. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن قصة سبأ بما دل على حسن عاقبة الشكور، وسوء عاقبة الكفور، فقال: (لقد كان لسبأ) وهو أبو عرب اليمن كلها، وقد تسمى به القبيلة. وفي الحديث عن فروة بن مسيك أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سبأ أرجل هو أم امرأة ؟ فقال: (هو رجل من العرب، ولد له عشرة، تيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة. فاما الذين تيامنوا فالأزد، وكندة، ومذحج، والأشعرون، وأنمار، وحمير. فقال رجل من القوم: ما أنمار قال: الذين منهم خثعم، وبجيلة. وأما الذين تشاءموا فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان). فالمراد بسبأ ههنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. (في مسكنهم) أي: في بلدهم (آية) أي: حجة على وحدانية الله، عز اسمه، وكمال قدرته، وعلامة على سبوغ نعمه. ثم فسر سبحانه الاية فقال: (جنتان عن يمين وشمال) أي: بستانين عن يمين من أتاهما وشماله. وقيل: عن يمين البلد وشماله. وقيل. إنه لم يرد جنتين اثنتين، والمراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة، إذ كانت البساتين عن يمينهم وشمالهم، متصلة بعضها ببعض، وكان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي والمكتل على رأسها، فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا. وقيل: الآية المذكورة هي أنه لم يكن في قريتهم بعوضة، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية. وكان الغريب إذا دخل بلدهم، وفي ثيابه قمل ودواب ماتت، عن ابن زيد. وقيل: إن المراد بالآية خروج الأزهار والثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها وطعومها. وقيل: إنما كانت ثلاث عشرة قرية، في كل قرية نبي يدعوهم إلى اللة سبحانه، يقولون لهم: (كلوا من رزق ربكم واشكروا له) أي: كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنان، واشكروا له يزدكم من نعمه واستغفروه يغفر لكم. (بلدة طيبة) أي هذه بلدة مخصبة نزهة، أرضها عذبة تخرج النبات، وليست بسبخة، وليس فيها شئ من الهوام المؤذية. قيل: أراد به صحة هواها، وعذوبة مائها، وسلامة تربتها، وأنه ليس فيها حر يؤذي في القيظ، ولا برد يؤذي في الشتاء. (ورب غفور) أي: كثير المغفرة للذنوب (فاعرضوا) عن الحق، ولم يشكروا الله سبحانه، ولم يقبلوا من دعاهم إلى الله من أنبيائه. (فارسلنا عليهم سيل العرم)

[ 210 ]

وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ، من أودية اليمن، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما، فسدوا ما بين الجبلين، فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة، فكانوا يسقون زروعهم وبساتينهم. فلما كذبوا رسلهم، وتركوا أمر الله، بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم، وفاض الماء عليهم فاغرقهم، عن وهب. وقد مر تفسير العرم. وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق. (وبدلناهم بجنتيهم) اللتين فيهما أنواع الفواكه، والخيرات (جنتين) أخراوين سماها جنتين لازدواج الكلام، كما قال (ومكروا ومكر الله)، (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). (ذواتي أكل خمط وأثل) أي: صاحبتي أكل، وهو اسم لثمر كل شجرة، وثمر الخمط البرير. قال ابن عباس: والخمط هو الأراك. وقيل: هو شجر الغضا. وقيل: هو كل شجر له شوك. والأثل. الطرفاء، عن ابن عباس. وقيل: ضرب من الخشب، عن قتادة. وقيل: هو السمر. (وشئ من سدر قليل) يعني: إن الأثل والخمط، كانا أكثر فيهما من السدر وهو النبق. قال قتادة: كان شجرهم خير شجر، فصيره الله شر شجر بسوء أعمالهم (ذلك) أي: ما فعلنا بهم (جزيناهم بما كفروا) أي: بكفرهم. (وهل نجازي) بهذا الجزاء (إلا الكفور) الذي يكفر نعم الله. وقد استدل الخوارج بهذا على أن مرتكب الكبيرة كافر. وهذا الإستدلال غير سديد من حيث إنه سبحانه، إنما بين بذلك أنه لا يجازي بهذا النوع من العذاب الذي هو الإستئصال إلا الكافر. ويجوز أن يعذب الفاسق بغير ذلك العذاب. وقيل: إن معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر، لأن المؤمن قد يكفر عنه بعض سيئاته. وقيل: إن المجازاة من التجازي، وهو التقاضي أي: لا يقتضي، ولا يرتجع ما أعطي إلا الكافر. وإنهم لما كفروا النعمة، اقتضوا ما أعطوا أي: ارتجع منهم، عن أبي مسلم. (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) أي: وقد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم وبين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء والشجر، قرى متواصلة. وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية، ويقيلون بأخرى، حتى يرجعوا. وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام. ومعنى الظاهرة: أن الثانية كان ترى من الأولى لقربها منها. (وقدرنا فيها السير) أي: جعلنا السير من القرية إلى القرية مقدارا واحدا نصف يوم، وقلنا لهم (سيروا فيها)

[ 211 ]

أي: في تلك القرى (ليالي وأياما) أي: ليلا شئتم المسير، أو نهارا (آمنين) من الجوع، والعطش، والتعب، ومن السباع، وكل المخاوف. وفي هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر، كما أنه كذلك في الحضر. ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا وبغوا، (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) أي: إجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز، لنركب إليها الرواحل، ونقطع المنازل. وهذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة (أخرج إلينا مما تنبت الأرض من بقلها) بدلا من المن والسلوى. (وظلموا أنفسهم) بارتكاب المعاصي، والكفر (فجعلناهم أحاديث) لمن بعدهم، يتحدثون بامرهم وشأنهم، ويضربون بهم المثل، فيقولون: (تفرقوا أيادي سبأ) إذا تشتتوا أعظم التشتت. (ومزقناهم كل ممزق) أي. فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق (إن في ذلك لأيات) أي: دلالات (لكل صبار) على الشدائد (شكور) على النعماء. وقيل: لكل صبار عن المعاصي، شكور للنعم بالطاعات. القصة: عن الكلبي، عن أبي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقياء بن ماء السماء، وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب، وأنه سيأتي سيل العرم، فيخرب الجنتين. فباع عمرو بن عامر أمواله، وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة، فاقاموا بها وما حولها، فاصابتهم الحمى، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى، فدعوا طريفة، فشكوا إليها الذي أصابهم، فقالت لهم. قد أصابني الذي تشكون، وهو مفرق بيننا. قالوا: فماذا تأمرين ؟ قالت. من كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بقصر عمان المشيد، وكانت أزد عمان. ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر، وصبر على أزمات الدهر، فعليه بالأراك من بطن مر، وكانت خزاعة. ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، وكانت الأوس والخزرج. ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتامير، وملابس التاج والحرير، فليئحق ببصرى وغوير، وهما من أرض الشام، وكان الذين سكنوها آل جفنة بن غسان. ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق، فليلحق بارض العراق، وكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة، وآل محرق.

[ 212 ]

(ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطن إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ (21) قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموت ولا في الارض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) قل من يرزقكم من السموت والارض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25) القراءة: قرأ أهل الكوفة: (صدق) بتشديد الدال. والباقون بتخفيفها. وقرأ يعقوب، وسهل: (صدق) بالتشديد، (ابليس) بالنصب، (ظنه) بالرفع. وقرأ أ بو عمرو، وأهل الكوفة، غير عاصم، إلا الأعشى، والبرجمي. (أذن) بضم الهمزة. والباقون بفتحها. وقرأ ابن عامر، ويعقوب: (فزع) بفتح الفاء، والزاي. والباقون بضم الفاء، وكسر الزاي. وفي الشواذ قراءة الحسن بخلاف، وقتادة: (فزع) بفتح الفاء، والزاي، والعين، والتشديد. وعن الحسن أيضا: (فزع) بضم الفاء، وكسر الزاي، والتشديد. وعنه عن قتادة: (فزع) بضم الفاء، وكسر الزاي، والتخفيف. الحجة: قال أبو علي: معنى التخفيف في (صدق): أنه صدق ظنه بهم من متابعتهم إياه إذا أغواهم، وذلك نحو قوله (فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ولأغوينهم أجمعين) فهذا ظنه، لأنه لم يقل ذلك عن يقين. فظنه على هذا ينتصب انتصاب المفعول به. ويجوز أن ينتصب انتصاب الظرف أي: في ظنه. وقد يقال: أصاب الظن، وأخطا الظن، وقال الشاعر: إن يك ظني صادقا، وهو صادق، بشملة يحبسهم بها محبسا وعرا (1)


(1) البيت منسوب إلى مكبرة بنت بردام شملة تقول: (إن يك ظني بشملة صادقا يحبسهم أي: القوم الذين قتلوا أباه بتلك المعركة، محبسا صعبا يدركه فيه ثأر أبيه) (*).

[ 213 ]

فعداه إلى المفعول به. ومن قرأ بالتشديد نصب الظن على أنه مفعول به. ومن قرأ (صدق عليهم إبليس) بالنصب (ظنه) بالرفع، فالمعنى إن إبليس كان سولت له نفسه شيئا فصدقه ظنه. ومن قرأ (إلا لمن أذن له) فالمعنى: لمن أذن الله له أن يشفع. ومن قرأ (اذن له) فبنى الفعل للمفعول به. فهو يريد هذا المعنى أيضا، كما أن قوله (حتى إذا فزع عن قلوبهم)، وفزع. (وهل نجازي إلا الكفور)، و (هل يجازى إلا الكفور): واحد في المعنى، وإن اختلفت الألفاظ. اللغة: يقال: صذقت زيدا وصدقته، وكذبته وكذبته. وينشد الأعشى: " وصدقته وكذبته والمرء ينفعه كذابه ". قال أبو عبيدة: فزع عن قلوبهم: نفس عنها، يقال:، فزع وفزع. إذا أزيل الفزع عنها. الاعراب: (لنعلم). قال الزجاج: معناه ما امتحناهم في إبليس إلا لنعلم ذلك علم وقوعه منهم، وهو الذي يجازون عليه. (لا يملكون): الأجود أن يكون جملة مستأنفة. ويجوز أن يكون حالا. وقوله (وإنا أو إتاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين). تقديره وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى، أو في ضلال مبين. المعنى: ثم قال سبحانه. (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) الضمير في (عليهم) يعود إلى أهل سبأ. وقيل: إلى الناس كلهم، إلا من أطاع الله، عن مجاهد. والمعنى: إن إبليس كان قال: لأغوينهم ولأضلنهم. وما كان ذلك عن علم وتحقيق، وإنما قاله ظنا، فلما تابعه أهل الزيغ والشرك، صذق ظنه وحققه. (فاتبعوه) فيما دعاهم إليه (إلا فريقا من المؤمنين) (من) هنا للتبيين، يعني المؤمنين كلهم، عن ابن عباس أي: علموا قبح متابعته، فلم يتبعوه، واتبعوا أمر الله تعالى. (وما كان له عليهم من سلطان) أي: ولم يكن لإبليس عليهم من سلطنة، ولا ولاية يتمكن بها من إجبارهم على الغي والضلال، وإنما كان يمكنه الوسوسة فقط، كما قال. (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي). (إلا لنعلم من يؤمن بالأخرة ممن هو منها في شك) المعنى: إنا لم نمكنه من إغوائهم ووسوستهم إلا لنميز بين من يقبل منه، ومن يمتنع ويأبى متابعته، فنعذب من تابعه، ونثيب من خالفه. فعبر عن التمييز بين الفريقين بالعلم، وهذا التمييز متجدد، لأنه لا يكون إلا بعد وقوع ما يستحقون به ذلك. وأما العلم فبخلاف ذلك

[ 214 ]

فإنه سبحانه كان عالما باحوالهم، وبما يكون منهم فيما لم يزل. وقيل: معناه لتعلم طاعاتهم موجودة، أو معاصيهم إن عصوا، فنجازيهم بحسبها، لأنه سبحانه لا يجازي أحدا على ما يعلم من حاله إلا بعد أن يقع ذلك منه. وقيل: معناه لنعامله معاملة من كانه لا يعلم، وإنما يعمل ليعلم من يصدق بالأخرة، ويعترف بها ممن يرتاب فيها أو يشك. (وربك) يا محمد (على كل شئ حفيظ) أي: عالم لا يفوته علم شئ من أحوالهم. ثم قال سبحانه (قل) يا محمد لهؤلاء المشركين (ادعوا الذين زعمتم من دون الله) أنهم آلهة، وأنهم شركاء لله تعالى، وأنهم شفعاؤكم، وأنها تستحق الإلهية، هل يستجيبون لكم إلى ما تسالونهم. وهذا نوع توبيخ لا أمر ليعلموا أن أوثانهم لا تنفعهم، ولا تضرهم. (لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) أي: لا يملكون زنة ذرة من خير وشر، ونفع وضر، فيهما (وما لهم فيهما) أي: وليس لهم في خلق السماوات والأرض (من شرك) ونصيب (وما له منهم من ظهير) أي: ليس لله سبحانه منهم معاون على خلق السماوات والأرض، ولا على شئ من الأشياء. (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) المعنى أنه لا تنفع الشفاعة عند الله تعالى إلا لمن رضيه الله وارتضاه، وأذن له في الشفاعة، مثل الملائكة، والأنبياء، والأولياء. ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له، فيكون مثل قوله (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). وإنما قال سبحانه ذلك، لأن الكفار كانوا يقولون: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. فحكم الله تعالى ببطلان اعتقاداتهم. (حتى إذا فزع عن قلوبهم) أي: كشف الفزع عن قلوبهم، وفزع: كشف الله الفزع عن قلوبهم. واختلف في الضمير في قوله (في قلوبهم) فقيل: يعود إلى المشركين الذين تقدم ذكرهم، فيكون المعنى: حتى إذا أخرج عن قلوبهم الفزع، وقت الفزع، ليسمعوا كلام الملائكة (قالوا) أي: قالت الملائكة لهم: (ماذا قال ربكم قالوا) أي قال هؤلاء المشركون مجيبين لهم (الحق) أي قال الحق فيعترفون ان ما جاء به الرسل، كان حقا، عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد. وقيل: إن الضمير يعود إلى الملائكة. ثم اختلف في معناه على وجوه أحدها: إن الملائكة إذا

[ 215 ]

صعدوا باعمال العباد، ولهم زجل وصوت عظيم، فتحسب الملائكة أنها الساعة، فيخرون سجدا، ويفزعون. فإذا علموا أنه ليس ذلك قالوا. ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الحق وثانيها: إن الفترة لما كانت بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، أنزل الله سبحانه جبرائيل بالوحي. فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل بشئ من أمر الساعة، فصعقوا لذلك. فجعل جبرائيل يمر بكل سماء، ويكشف عنهم الفزع، فرفعوا رؤوسهم، وقال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الحق، يعني الوحي، عن مقاتل، والكلبي وثالثها. إن الله تعالى إذا أوحى إلى بعض ملائكته، لحق الملائكة غشى عند سماع الوحي، ويصعقون ويخرون سجدا للآية العظيمة. فإذا فزع عن قلوبهم سألت الملائكة ذلك الملك الذي أوحي إليه. ماذا قال ربك ؟ أو يسأل بعضهم بعضا، فيعلمون أن الأمر في غيرهم، عن ابن مسعود، واختاره الجبائي. (وهو العلي) أي. السيد القادر المطاع. وقيل. العلي في صفاته (الكبير) في قدرته (قل من يرزقكم من السماوات والأرض) فإنهم لا يمكنهم أن يقولوا ترزقنا آلهتنا التي نعبدها. ثم عند ذلك (قل الله) الذي يرزقكم (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) إنما قال ذلك على وجه الإنصاف في الحجاج، دون الشك، كما يقول القائل لغيره: أحدنا كاذب، وإن كان هو عالما بالكاذب. وعلى هذا يقول أبو الأسود الدئلي، يمدح أهل البيت عليهم السلام: يقول الأرذلون بنوقشير: طوال الدهر لا تنسى عليا (1) بنو عم النبي، وأقربوه، أحب الناس كلهم إليا فإن يك حبهم رشدا أصبه، ولست بمخطئ إن كان غيا لم يقل هذا لكونه شاكا في محبتهم، وقد أيقن أن محبتهم رشد وهدى. وقيل: إنه جمع بين الخبرين، وفوض التمييز إلى العقول، فكأنه قال: أنا على هدى، وأنتم على ضلال، كقول امرئ القيس:


(1) بنو قشير. قبيلة من القيس، كان ينزل أبو الأسود فيهم، وكانوا يخالفونه في المذهب، لأن أبا الأسود كان شيعيا، فكانوا يؤذونه. وأنشأ هذه الأبيات في قصة ذكرها الشريف المرتض (ره) في (الأمالي راجع ج 1 ص 292 - 293) وذكره في (الأغاني ج 11: 130) مع اختلاف في ترتيب الابيات، وبعض ألفاظها (*).

[ 216 ]

كأن قلوب الطير، رطبا، ويابسا، لدى وكرها، العناب، والحشف البالي (1) فجمع بين القلوب الرطبة واليابسة، وجمع بين العناب والحشف البالي. وقيل: انما قاله على وجه الإستعطاف والمداراة، ليسمع الكلام. وهذا من أحسن ما ينسب به المحق نفسه إلى الهدى، وخصمه إلى الضلال، لأنه كلام من لا يكاشف خصمه بالتضليل، بل ينسبه إليه على أحسن وجه، ويحثه على النظر، ولا يجب النظر إلا بعد التردد. (قل) يا محمد إذا لم ينقادوا للحجة (لا تسئلون) أيها الكفار (عما أجرمنا) أي: اقترفنا من المعاصي (ولا نسئل) نحن (عما تعملون) أي: تعملونه أنتم بل كل إنسان يسال عما يعمله، ويجازى على فعله، دون فعل غيره. وفي هذا دلالة على أن أحدا لا يجوز أن يؤخذ بذنب غيره (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) وما أرسلنك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) الاعراب. (الذين ألحقتم به): العائد من الصلة إلى الموصول محذوف، والتقدير ألحقتموهم به. (وشركاء): حال من هم المحذوف. و (كافة): حال من الكاف في (أرسلناك) أي: ما أرسلناك إلا تكفهم وتردعهم. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة. وكافة: كالعافية، والعاقبة، وما أشبه ذلك (بشيرا): حال بعد حال. (ونذيرا): معطوف عليه. المعنى: ثم أمر سبحانه أن يحاكمهم إلى الله، لإعراضهم عن الحجة، فقال: (قل) يا محمد (يجمع بيننا ربنا) يوم القيامة (ثم يفتح بيننا) أي: يحكم (بالحق وهو الفتاح) أي: الحاكم (العليم) بالحكم لا يخفى عليه شئ منه (قل)


(1) الببت من قصيدة يصف فيها العقاب بكثرة الإصطياد. والوكر عش الطائر. والضمير في (وكرها) للعقاب، وهو طائر معروف بانه لا ياكل قلوب الطيور. والعناب: معروف. والحشف: أردأ أقسام التمر. والبالي. الفاسد والمدرس (*).

[ 217 ]

يا محمد (أروني الذين ألحقتم به شركاء) إنما ذكر هذا سبحانه على وجه التعظيم والتعجيب أي. أروني الذين زعمتم أنهم شركاء لله، تعبدونهم معه. وهذا كالتوبيخ لهم فيما اعتقدوه من الإشراك مع الله، كما يقول القائل لمن أفسد عملا: أرني ما عملته، توبيخا له بما أفسده. فإنهم سيفتضحون بذلك إذا أشاروا إلى الأصنام. ثم قال سبحانه: (كلا) أي: ليس كما تزعمون. وقيل: معناه ارتدعوا عن هذا المقال، وتنبهوا من الغي والضلال. (بل هو الله العزيز) أي: القادر الذي لا يغالب (الحكيم) في جميع أفعاله، فكيف يكون له شريك. ثم بين سبحانه نبوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (وما أرسلناك) يا محمد بالرسالة التي حملناكها (إلا كافة للناس) أي: عامة للناس كلهم، العرب والعجم، وسائر الأمم، عن الجبائي، وغيره. ويؤيده الحديث المروي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أعطيت خمسا ولا أقول فخرا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأحل لي المغنم ولا يحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي يوم القيامة). وقيل: معناه جامعا للناس بالإنذار والدعوة. وقيل: كافا للناس أي: مانعا لهم عما هم عليه من الكفر والمعاصي، بالأمر والنهي، والوعيد، والإنذار. والهاء للمبالغة، عن أبي مسلم. (بشيرا) لهم بالجنة (ونذيرا) بالنار (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) رسالتك لإعراضهم عن النظر في معجزتك. وقيل: لا يعلمون ما لهم في الأخرة في اتباعك من الثواب والنعيم، وما عليهم في مخالفتك من العذاب الأليم. ثم حكى سبحانه عن الكفار فقال. (ويقولون متى هذا الوعد) الذي تعدوننا به (إن كنتم صادقين) فيما تقولونه يا معشر المؤمنين. ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بإجابتهم فقال: (قل) يا محمد (لكم ميعاد يوم) أي: ميقات يوم ينزل بكم ما وعدتم به، وهو يوم القيامة. وقيل: يوم وفاتهم، وقبض أرواحهم، عن أبي مسلم. (لا تستاخرون عنه ساعة ولا تستقدمون) أي: لا تتاخرون عن ذلك اليوم، ولا تتقدمون عليه بان يزاد في آجالكم، أو ينقص منها. (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذى بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض

[ 218 ]

القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددنكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ أمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلل في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كفرون (34) وقالوا نحن أكثر أمولا وأولدا وما نحن بمعذبين (35) الاعراب: (بل مكر الليل والنهار) فيه وجهان أحدهما. أن يكون (مكر) مبتدأ، وخبره محذوفا أي. مكركم في الليل والنهار، صدنا عن ذلك، حين أمرتمونا أن نكفر بالله والأخر: أن يكون فاعل فعل محذوف تقديره: بل صدنا مكركم في الليل والنهار. والعرب تضيف الأحداث إلى الزمان على سبيل الإتساع، فتقول: صيام النهار، وقيام الليل، والمعنى: أن الصيام في النهار والقيام في الليل، قال الشاعر. لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى، ونمت، وما ليل المطي بنائم (1) فوصف الليل بالنوم. وهذا على حد قولك: نهارك صائم، وليلك قائم. المعنى: ثم بين سبحانه حالهم في القيامة، فقال حكاية عنهم: (وقال الذين كفروا) وهم اليهود. وقيل. هم مشركو العرب وهو الأصح. (لن نؤمن بهذا القرآن) أي: لا نصدق بأنه من الله تعالى، (ولا بالذي بين يديه) من أمر الأخرة. وقيل: يعنون به التوراة والإنجيل، وذلك أنه لما قال مؤمنو أهل الكتاب إن صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتابنا، وهو نبي مبعوث، كفر المشركون بكتابهم. ثم قال: (ولو ترى) يا محمد (إذ الظالمون موقوفون عند ربهم) أي: محبوسون للحساب يوم


(1) قائله: جرير. والبيت مذكور في (جامع الشواهد)، وقد مر في هذا المجلد أيضا (*).

[ 219 ]

القيامة (يرجع بعضهم إلى بعض القول) أي: يرد بعضهم إلى بعض القول في الجدال. (يقول الذين استضعفوا) وهم الأتباع (للذين استكبروا) وهم الأشراف والقادة (لولا أنتم لكنا مؤمنين) مصذقين بتوحيد الله أي: أنتم منعتمونا من الإيمان، والمعنى: لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر، لامنا بالله في الدنيا (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا) أي: قال المتبوعون للأتباع على طريق الإنكار (أنحن صددنكم عن الهدى بعد إذ جاءكم) أي: لم نصدكم نحن عن قبول الهدى (بل كنتم مجرمين) أي. بل أنتم كفرتم، ولم نحملكم على الكفر قهرا، فكل واحد من الفريقين ورك الذنب (1) على صاحبه، واتهمه، ولم يضف واحد منهم الذنب إلى الله تعالى. (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا) يعني الأتباع للمتبوعين (بل مكر الليل والنهار) أي: مكركم في الليل والنهار صدنا عن قبول الهدى (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا) أي: حين أمرتمونا أن نجحد وحدانية الله تعالى، ودعوتمونا إلى أن نجعل له شركاء في العبادة (وأسروا الندامة) فيه وجهان أحدهما: إن معناه أظهروا الندامة والأخر: إن المعنى أخفوها. وقد فسر الإسرار في بيت امرئ القيس: تجاوزت أحراسا إليها، ومعشرا علي حراصا، لو يسرون مقتلي (2) على الوجهين. فمن قال بالأول قال. معناه أظهر المتبوعون الندامة على الإضلال، وأظهر الأتباع الندامة على الضلال. وقيل: معناه أقبل بعضهم على بعض يلومه، ويظهر ندمه. ومن قال بالثاني قال: معناه أخفوا الندامة في أنفسهم خوف الفضيحة. وقيل: معناه إن الرؤساء أخفوا الندامة عن الأتباع (لما رأوا العذاب) أي: حين رأوا نزول العذاب بهم.


(1) ورك الذنب عليه: حمله. (2) الببت من المعلقات. وأحراس: جمع حارس. يقول: تجاوزت في ذهابي إلى المحبوبة أهوالا كثيرة، قوما يحرسونها وقوما حراصا على قتلي، لو قدروا عليه في خفية، لأنهم لا يجرؤون على قتلي جهارا، أو حراصا على قتلي لو أمكنهم قتالي ظاهرا، لأن الإسرار من الأضداد (*).

[ 220 ]

(وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا) قال ابن عباس: غلوا بها في النيران (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) أي: لا يجزون إلا بأعمالهم التي عملوها على قدر استحقاقهم (وما أرسلنا في قرية من نذير) أي: من نبي مخوف بالله تعالى (إلا قال مترفوها) أي: جبابرتها وأغنياؤها المتنعمون فيها. (إنا بما أرسلتم به كافرون) وفي هذا بيان للنيي صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل قريته جروا على منهاج الأولين، وإشارة إلى أنه كان أتباع الأنبياء فيما مضى الفقراء، وأوساط الناس، دون الأغنياء. ثم بين سبحانه علة كفرهم بأن قال: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا) أي: إفتخروا بأموالهم وأولادهم، ظنا بأن الله سبحانه إنما خولهم المال والولد، كرامة لهم عنده، فقالوا: إذا رزقنا وحرمتم، فنحن أكرم منكم، وأفضل عند الله تعالى، فلا يعذبنا على كفرنا بكم، وذلك قوله: (وما نحن بمعذبين) ولم يعلموا أن الأموال والأولاد عطاء من الله تعالى، يستحق به الشكر عليهم، وليس ذلك للإكرام والتفضل. (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ءامن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات ءامنون (37) والذين يسعون في ءاياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40)) القراءة: قرأ حمزة وحده: (في الغرفة). والباقون. (في الغرفات) على الجمع. وقرأ يعقوب. (جزاء) بالنصب، (الضعف) بالرفع. الحجة: حجة من قرأ الغرفة قوله تعالى (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) وفي الجنة غرفات وغرف غير أن العرب قد تجتزئ بالواحد عن الجمع، إذا كان إسم الجنس، قالوا: أهلك الناس الدينار والدرهم. ومن قرأ (فأولئك لهم جزاء

[ 221 ]

الضعف) فالتقدير: فأولئك لهم الضعف جزاء في حال المجازاة، فهو مصدر وضع موضع الحال أي: مجزيين جزاء. ويجوز أن يكون مفعولا له. وأما إضافة جزاء إلى الضعف في القراءة المشهورة، فهو على إضافته إلى المفعول. الاعراب. (زلفى). في موضع نصب على المصدر، تقديره: تقربكم قربة وتقريبا. وقوله (إلا من آمن) الموصول والصلة في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في تقربكم. ويجوز أن يكون نصبا على الإستثناء. المعنى: لما حكى الله سبحانه عن الكفار أنهم قالوا ما نحن بمعذبين، لأن الله تعالى أغنانا في الدنيا، فلا يعذبنا في الآخرة، قال ردا عليهم. (قل) يا محمد (إن ربي) الذي خلقني (يبسط الرزق لمن يشاء) على ما يعلمه من مصلحته، ومصلحة غيره (ويقدر) أي: ويضيق أيضا على حسب المصلحة. فبسط الرزق هو الزيادة فيه على قدر الكفاية. والقدر: تضييقه عن قدر الكفاية. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ذلك بجهلهم بالله، وبحكمته، فيظنون أن كثرة مال الإنسان يدل على كرامته عند الله تعالى. ثم صرح بهذا المعنى فقال: (وما أموالكم) أي: ليس أموالكم التي خولتموها (ولا أولادكم) التي رزقتموها (بالتي تقربكم عندنا زلفى) أي: قربى، عن مجاهد. قال الأخفش. أراد بالتي تقربكم عندنا تقريبا. فزلفى: اسم المصدر. وقال الفراء: التي يجوز أن يقع على الأموال والأولاد. وجاء الخبر بلفظ الواحدة، وإن دخل فيه الأخرى. (إلا من آمن وعمل صالحا) معناه: لكن من آمن بالله وعرفه، وصدق نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأطاعه فيما أمر به، وانتهى عما نهاه عنه. (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا) أي: يضاعف الله حسناتهم، فيجزي بالحسنة الواحدة عشرا إلى ما زاد. والضعف. اسم جنس يدل على الكثير والقليل. ويجوز أن يكون الأموال والأولاد تقرب إلى الله تعالى زلفى، بأن يكسب المؤمن المال، مستعينا به على القيام بحق التكليف، ويستولد الولد كذلك، فيقر بأنه عند الله زلفى. فعلى هذا يكون الإستثناء متصلا، ولا يكون بمعنى لكن. وقيل: إن جزاء الضعف أن يعطيهم في الاخرة مثل ما كان لهم في الدنيا من النعيم. والضعف: المثل، عن أبي مسلم. (وهم في الغرفات) أي: في غرف الجنة، وهي البيوت فوق الأبنية

[ 222 ]

(آمنون) فيها لا يخافون شيئا مما يخاف مثله في دار الدنيا من الموت، والغير، والأفات، والأحزان. (والذين يسعون في آياتنا) أي: يجتهدون في إبطال آياتنا وتكذيبها (معاجزين) لأنبيائنا، ومعاجزين أي: مثبطين غيرهم عن أفعال البر. (أولئك في العذاب محضرون قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) مر تفسيره. وإنما كرره سبحانه لاختلاف الفائدة، فالأول: توبيخ للكافرين، وهم المخاطبون به. والثاني: وعظ للمؤمنين، فكأنه قال: ليس إغناء الكفار وإعطاؤهم بدلالة على كرامتهم وسعادتهم، بل يزيدهم ذلك عقوبة. وإغناء المؤمنين يجوز أن يكون زيادة في سعادتهم بان ينفقوها في سبيل الله، ويدل على ذلك قوله: (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه " أي: وما أخرجتم من أموالكم في وجوه البر، فإنه سبحانه يعطيكم خلفه وعوضه. أما في الدنيا بزيادة النعمة، وأما في الأخرة بثواب الجنة. يقال: أخلف الله له وعليه. إذا أبدل له ما ذهب عنه. (وهو خير الرازقين) لأنه يعطي لمنافع عباده، لا لدفع ضرر، أو جر نفع، لاستحالة المنافع والمضار عليه. وقال الكلبي. ما تصدقتم به في خير، فهو يخلفه، إما أن يجعله لكم في الدنيا، أو يدخر لكم في الأخرة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال. (قال الله عز وجل لي: أنفق أنفق عليك). وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ينادي مناد كل ليلة: لدوا للموت، وينادي مناد: ابنوا للخراب، وينادي مناد: اللهم هب للمنفق خلفا. وينادي مناد: اللهم هب للممسك تلفا. وينادي مناد: ليت الناس لم يخلقوا. وينادي مناد: ليتهم إذ خلقوا فكروا فيما له خلقوا). وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال. (كل معروف صدقة، وما وقى به الرجل عرضه فهو صدقة، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها، ضامنا، إلا ما كان من نفقة في بنيان، أو معصية). وعن أبي أمامة قال: إنكم تؤولون هذه الأية في غير تأويلها (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه)، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وإلا فصمتا: (إياكم والسرف في المال والنفقة، وعليكم بالإقتصاد فما افتقر قوم قط اقتصدوا). ثم قال سبحانه: (ويوم نحشرهم جميعا) يعني يوم القيامة يجمع العابدين لغير الله، والمعبودين من الملائكة للحساب (ثم نقول للملائكة أهؤلاء) الكفار (إياكم كانوا يعبدون) أي: كانوا يعبدونكم ويقصدونكم بالعبادة، وعلى هذا وجه التقرير

[ 223 ]

والإستشهاد للملائكة على اعتقادات الكفار، حتى تتبرأ الملائكة منهم، ومن عبادتهم، كما قال سبحانه. (ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله). النظم: وجه اتصال هذه الأية بما قبلها: أنهم لما قالوا: (نحن أكثر أموالا وأولادا) بين أن دعواهم مردودة، وأنهم معذبون، محجوجون. (قالوا سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آيتنا بينت قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما ءاتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما ءاتينهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45)) الاعراب: (بينات): نصب على الحال. و (آباؤكم): فاعل يعبد. واسم كان محذوف يفسره آباؤكم. والتقدير: عما كان آباؤكم يعبدون. (يدرسونها): يجوز أن يكون في محل جر صفة لكتب. ويجوز أن يكون في محل نصب على موضع الجار والمجرور. لأن المعنى: وما آتيناهم كتبا مدرسة. و (كيف كان نكير): كيف خبر كان. و (نكير) اسمه. والنكير مصدر مثل عذير في قوله: (عذير الحي من عدوان كانوا حية الأرض) (1). المعنى: (قالوا) أي: قالت الملائكة (سبحانك) أي: تنزيها لك عن أن نعبد سواك، ونتخذ معبودا غيرك (أنت) يا الله (ولينا) أي: ناصرنا وأولى بنا (من


(1) قائله. ذو الأصبع العدواني، واسمه حرثان. قوله: (عذير الحي) أي: هات من يعذرهم. وفي هذا البيت وما بعده قصة لعبد الملك بن مروان مع جمع من قبيلة عدوان ذكرها في (الأمالي) الشريف المرتضى (قده) فراجع ان شثت (ج 1: 249 - 250) (*).

[ 224 ]

دونهم) أي. دون هؤلاء الكفار، ودون كل أحد، وما كنا نرضى بعبادتهم إيانا مع علمنا بانك ربنا وربهم. (بل كانوا يعبدون الجن) بطاعتهم إياهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة. وقيل: المراد بالجن إبليس، وذريته، وأعوانه (أكثرهم بهم مؤمنون) أي: مصدقون بالشياطين، مطيعون لهم. ثم يقول الله سبحانه: (فاليوم) يعني في الأخرة (لا يملك بعضكم لبعض) يعني العابدين والمعبودين (نفعا ولا ضرا) أي: نفعا بالشفاعة، ولا ضرا بالتعذيب (ونقول للذين ظلموا) بان عبدوا غير الله (ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) أي: لا تعترفون بها، وتجحدونها. ثم عاد سبحانه إلى الحكاية عن حال الكفار في الدنيا فقال. (وإذا تتلى عليهم آياتنا) أي: تقرأ عليهم حججنا (بينات) أي: واضحات من القرآن الذي أنزلناه على نبينا. (قالوا) عند ذلك (ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم) أي: يمنعكم (عما كان يعبد آباؤكم) فزعوا إلى تقليد الآباء لما أعوزتهم الحجة (وقالوا ما هذا) القران (إلا إفك) أي: كذب (مفترى) قد تخرصه وافتراه. (وقال الذين كفروا للحق) أي. للقرآن (لما جاءهم إن هذا) أي: ليس هذا (إلأ سحر مبين) أي: ظاهر. ثم أخبر سبحانه أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، فقال: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) أي: وما أعطينا مشركي قريش كتابا قط يدرسونه، فيعلمون بدرسه أن ما جئت به حق أو باطل، وإنما يكذبونك بهواهم من غير حجة (وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) أي: رسول أمرهم بتكذيبك، وأخبرهم ببطلان قولك، يعني أنهم لا يرجعون في تكذيبك إلا إلى الجهل والعناد، واتباع الهوى. ثم أخبر سبحانه عن عاقبة من كذب الرسل قبلهم تخويفا لهم، فقال: (وكذب الذين من قبلهم) بمن بعث إليهم من الرسل، وما آتاهم الله من الكتب (وما بلغوا معشار ما آتيناهم) أي: وما بلغ قومك يا محمد معشار ما أعطينا من قبلهم من القوة، وكثرة المال، وطول العمر، فاهلكهم الله، عن ابن عباس، وقتادة. (فكذبوا رسلي فكيف كان نكير) أي: عقوبتي وتغييري حالهم. وقيل: معناه أنظر في آثارهم كيف كان إنكاري عليهم بالهلاك، عن أبي مسلم، والمراد: إنا كما أهلكنا أولئك حين كذبوا رسلنا، فليحذر هؤلاء مثل ما نزل بهم من الهلاك والإستئصال.

[ 225 ]

(قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شئ شهيد (47) قل إن ربي يقذف بالحق علم الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ البطل وما يعيد (49) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) الاعراب: (أن تقوموا): في موضع جر على البدل من واحدة. ويجوز أن يكون في موضع نصب بحذف حرف الجر، وإفضاء الفعل إليه، والتقدير: أعظكم بطاعة الله لأن تقوموا، أو أعظكم بأن تقوموا. (مثنى وفرادى). نصب على الحال. (ما سألتكم): ما شرطية، وهي في محل النصب بانها مفعول ثان لسألت. ويجوز أن تكون موصولة، فيكون التقدير: ما سالتكموه، فيكون مع الصلة في موضع رفع بالإبتداء. (علام الغيوب). يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكن في يقذف. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: هو علام الغيوب. ولو نصب على أنه نعت لربي لكان جائزا، لكن الرفع أجود، لأنه جاء بعد تمام الكلام. المعنى: ثم خاطب سبحانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (قل) يا محمد لهم (إنما أعظكم بواحدة) أي: آمركم وأوصيكم بخصلة واحدة. وقيل: بكلمة واحدة، وهي كلمة التوحيد. وقيل: بطاعة الله، عن مجاهد. ومن قال بالأول قال: إنه فسر الواحدة بما بعده، فقال: (أن تقوموا لله مثنى وفرادى) أي: إثنين اثنين، وواحدا واحدا. (ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) معناه: أن يقوم الرجل منكم وحده، أو مع غيره، ثم تتساءلون هل جربنا على محمد كذبا، أو هل رأينا به جنة. ففي ذلك دلالة على بطلان ما ذكرتم فيه، وليس معنى القيام هنا القيام على الأرجل، وإنما المراد به القصد للإصلاح، والإقبال عليه مناظرا مع غيره، ومتفكرا في نفسه، لأن الحق إنما يتبين للإنسان بهما. وقد تم الكلام عند قوله (تتفكروا). وما: للنفي. قال قتادة: أي ليس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم جنون. وإن جعلت تمام الكلام آخر الأية،

[ 226 ]

فالمعنى. ثم تتفكروا أي شئ بصاحبكم من الجنون أي: هل رأيتم، من منشئه إلى مبعثه، وصمة تنافي النبوة، من كذب، أو ضعف في العقل، أو اختلاف في القول والفعل، فيدل ذلك على الجنون. (إن هو إلا نذير لكم) أي: مخوف من معاصي الله (بين يدي عذاب شديد): عذاب القيامة. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (قل) لهم يا محمد (ما سألتكم من أجر فهو لكم) يعني لا أسالكم على تبليغ الرسالة شيئا من عرض الدنيا فتتهموني، فما طلبته منكم من أجر على اداء الرسالة، وبيان الشريعة، فهو لكم. وهذا كما يقول الرجل لمن لا يقبل نصحه: ما أعطيتني من أجر فخذه، وما لي في هذا فقد وهبته لك. يريد: ليس لي فيه شئ، ومنه النصح مجان. وقال الماوردي: معناه إن أجر ما دعوتكم إليه من إجابتي وذخره، هو لكم دوني، وهر المروي عن أبي جعفر عليه السلام. (إن أجري إلا على الله) أي: ليس ثواب عملي إلا على الله، فهو يثيبني عليه، ولايضيعه (وهو على كل شئ شهيد) أي: عليم به، لم يغب عنه شئ فيعلم ما يلحقني من أذاكم (قل) يا محمد (إن ربي يقذف بالحق) ويلقيه إلى أنبيائه، عن قتادة، ومقاتل. (علام الغيوب) علم جميع الخفيات، وما غاب عن خلقه في الأرضين، والسنوات. (قل) يا محمد (جاء الحق) وهو أمر الله تعالى بالإسلام والتوحيد. وقيل: هو الجهاد بالسيف، عن ابن مسعود. (وما يبدئ الباطل وما يعيد) أي: ذهب الباطل ذهابا لم يبق منه إبداء، ولا إعادة، ولا إقبال، ولا إدبار، لأن الحق إذا جاء لا يبقى للباطل بقية. وقيل: إن الباطل إبليس لا يبدئ الخلق، ولا يعيدهم، عن قتادة، وقيل: معناه ما يبدئ الباطل لأهله خيرا في الدنيا، ولا يعيد خيرا في الاخرة، عن الحسن. وقال الزجاج: ويجوز أن يكون ما استفهاما في موضع نصب على معنى: وأي شئ يبدئ الباطل، وأي شئ يعيده. قال ابن مسعود: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد). (قل إن ضللت) عن الحق كما تدعون (فإنما أضل على نفسي) أي. فإنما يرجع وبال ضلالي علي، لأني ماخوذ به دون غيري (وإن اهتديت) إلى الحق (فبما يوحي إلي

[ 227 ]

ربي) أي: بفضل ربي حيث أوحى إلي، فله المنة بذلك علي، دون خلقه (إنه سمبع) لأقوالنا (قريب) منا فلا يخفى عليه المحق والمبطل. (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (54) القراءة: قرأ أبو عمرو، وأهل الكوفة، غير عاصم: (التناؤش) بالمد، والهمز. والباقون بغير مد، ولا همز. الحجة: التناوش: التناول من قولهم: نشت أنوش، قال الشاعر: فهي تنوش الحوض نوشامن علا نوشا به تقطع أجواز الفلا (1) فمن لم يهمزجعله تفاعلا منه. ومن همز احتمل أمرين أحدهما: إنه أبدل من الواو والهمز لانضمامها مثل: أقتت، وأدؤر، ونحو ذلك والأخر. يكون من النأش، وهو الطلب. قال رؤبة: أقحمني جار أبي الخاموش إليك نأش القدر المنئوش (2) والنأش: الحركة في الإبطاء. قال الشاعر: تمنى نئيشا أن يكون أطاعني، وقد حدثت بعد الأمور أمور (3)


(1) قائله: عيلان بن حريث. والضمير في قوله (في) للإبل. وقوله (من علا) أي: من فوق. يريد: إنها عالية الأجسام، طوال الأعناق، والأجواز: جمع جوز وهو الوسط أي. تتناول ماء الحوض من فوق، وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات، فلا يحتاج إلى ماء آخر. (2) قال ابن منظور: أبو الخاموش رجل معروف. يقال: وأقحمني أي: أدخلني، وكأن الشاعر يذم أبا الخاموش حيث ان جاره في الإحتياج والفقر أدخل الشاعر إلى من يخاطبه لأجل طلب الطعام (عن هامش بعض المخطوطة). (3) قائله: نهشل بن حرى. قال ابن منظور: أي تمنى بعد الفوت أن لو أطاعني، وقد حدثت أمور لا يستدرك بها ما فات. أي: أطاعني في وقت لا تنفعه فيه الطاعة (*).

[ 228 ]

أي: تمنى مدة مديدة، فنصب نئيشا على الظرف. المعنى: ثم قال سبحانه: (ولو ترى) يا محمد (إذ فزعوا) أي: عند البعث (فلا فوت) أي: فلا يفوتني منهم أحد، ولا ينجو مني ظالم (وأخذوا من مكان قريب) يعني القبور. وحيث كانوا فهم من الله قريب لا يفوتونه. وجواب (لو) محذوف، ويدل الكلام عليه، والتقدير: لرأيت أمرا عظيما. وقيل. إذ فزعوا في الدنيا حين رأوا بأس الله عند معاينة الملائكة لقبض أرواحهم، عن قتادة. وقيل. هو فزعهم يوم بدر، حين ضربت أعناقهم، فلم يستطيعوا فرارا من العذاب، ولا رجوعا إلى التوبة، عن الضحاك، والسدي. وقال أبو حمزة الثمالي: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام، والحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام هم، يقولان. هو جيش البيداء، يؤخذون من تحت أقدامهم، قال: وحدثني عمرو بن مرة، وحمران بن أعين أنهما سمعا مهاجرا المكي يقول: سمعت أم سلمة تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يعوذ عائذ بالبيت فيبعث الله إليه جيشا حتى إذا كانوا بالبيداء، بيداء المدينة، خسف بهم). وروي عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: (فبينا هم كذلك يخرج عليهم السفياني من الوادي اليابس، في فور ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين: جيشا إلى المشرق، وآخر إلى المدينة، حتى ينزلوا بارض بابل من المدينة الملعونة - يعني بغداد - فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويفضحون أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس. ثم ينحدرون إلى الكوفة، فيخربون ما حولها. ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فيخرج راية هدى من الكوفة، فيلحق ذلك الجيش، فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل الجيش الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام بلياليها. ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء، بعث الله جبرائيل، فيقول. يا جبرائيل ! إذهب فأبدهم. فيضربها برجله ضربة، يخسف الله بهم عندها، ولا يفلت منهم إلا رجلان من جهينة، فلذلك جاء القول: (وعند جهينة الخبر اليقين) (1). فذلك قوله (ولو ترى إذ فزعوا) إلى آخره أورده الثعلبي في تفسيره. وروى أصحابنا في أحاديث المهدي عن أبي عبد الله عليه السلام، وأبي


(1) ويروى: (عند جفينة) بالجيم. وروي (حفينة) بالحاء المهملة أيضا. وهذا من الأمثال، وتفصيل الكلام في المثل وتحقيقه مذكور في (لسان العرب) مادة (جفن)، و (جهن) فراجع (*).

[ 229 ]

جعفر عليه السلام مثله. (وقالوا) أي: ويقولون في ذلك الوقت، وهو يوم القيامة، أو عند رؤية الباس، أو عند الخسف في حديث السفياني (أمنا به وأنى لهم التناوش) أي: ومن أين لهم الإنتفاع بهذا الإيمان الذي ألجئوا إليه. بين سبحانه أنهم لا ينالون به نفعا، كما لا ينال أحد التناوش (من مكان بعيد) وقيل: معناه أنهم طلبوا الرد إلى الدنيا، فالمراد: أنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال، ولم يرد بعد المكان، وإنما أراد بعد انتفاعهم بذلك، وبعدهم عن الصواب. (وقد كفروا به من قبل) المعنى: وكيف تقبل توبتهم، أو يردون إلى الدنيا، وقد كفروا بالله من قبل ذلك. (ويقذفون بالغيب من مكان بعيد) أي. ويرجمون بالظن، فيقولون: لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وهذا أبعد ما يكون من الظن، عن قتادة. وقيل: معناه يرمون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالظنون من غير يقين، وذلك قولهم. هو ساحر، وهو شاعر، وهو مجنون. وجعله قذفا لخروجه في غير حق. وقيل: معناه ويبعدون أمر الأخرة، فيقولون لأتباعهم. هيهات هيهات لما توعدون، وذلك كالشئ يرى في موضع بعيد المرمى. (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) أي: وفرق بينهم وبين مشتهياتهم بالموت الذي حل بهم، كما حل بامثالهم، عن أبي مسلم. وقيل. مشتهاهم هو التوبة والإيمان أو الرد إلى الدنيا، وقد منعوا منه. وقيل: هو نعيم الجنة، عن الجبائي. وقيل: معناه منعوا من كل مشتهى فيلحق الله تعالى فيهم النفار، فلا يدركون شيئا إلا ويتالمون به. (كما فعل) مثل ذلك (باشياعهم من قبل) أي: بامثالهم من الكفار. وقيل: معناه بموافقيهم، وأهل دينهم من الأمم الماضية، حين لم تقبل منهم التوبة، وقت رؤية الباس والعذاب. قال الضحاك: المراد بذلك أصحاب الفيل حين أرادوا خراب الكعبة (إنهم كانوا في شك) من البعث والنشور. وقيل: في شك من وقوع العذاب بهم (مريب) أي: مشكك، كما قالوا: عجب عجيب.

[ 230 ]

35 - سورة فاطر مكية واياتها خمس وأربعون مكية قال الحسن إلا آيتين (إن الذين يتلون كتاب الله)، الأية (ثم أورثنا الكتاب) الأية. عدد أيها: ست وأربعون آية شامي، والمدني الأخير، وخمس في الباقين. اختلافها: سبع آيات (الذين كفروا لهم عذاب شديد) بصري شامي جديد والبصير والنور ثلاثهن غير البصري (من في القبور) غير شامي، (أن تزولا) بصري تبديلا بصري شامي والمدني الأخير. ر فضلها: أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من (قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثلاثة أبواب من الجنة أن أدخل من أي الأبواب شئت). تفسيرها: لما ختم الله سبحانه السورة المتقدمة بالرد على أهل الشرك، والشك، والعناد، افتتح هذه السورة بذكر كمال قدرته، ووحدانيته، ودلائل التوحيد، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله فاطر السموت والارض جاعل الملئكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلث وربع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير (1) ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خلق غير الله يرزقكم من السماء والارض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك

[ 231 ]

وإلى الله ترجع الامور (4) يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم، وأبو جعفر: (غير الله) بالجر. والباقون بالرفع. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (غير الله) بالجر، جعله صفة على اللفظ والخبر (يرزقكم من السماء والأرض). ومن قرأ (غير الله) بالرفع احتمل وجوها. أحدها: أن يكون خبر المبتدأ. والأخر. أن يكون صفة على الموضع، والخبر مضمر تقديره. هل خالق غير الله في الوجود، أو العالم والثالث: أن يكون غير استثناء والخبر مضمر، كانه قال: هل من خالق إلا الله. ويدل على جواز الإستثناء قوله (ما من اله إلا الله). اللغة: الفطر: الشق عن الشئ بإظهاره للحس. وفاطر السموات: خالقها. الاعراب. (مثنى وثلاث ورباع): صفة لأجنحة معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. (ما يفتح الله): ما شرطية في محل النصب لكونها مفعول (يفتح). المعنى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض) أي: خالقهما مبتدئا على غير مثال سبق، حمد سبحانه نفسه ليعلمنا كيف نحمده، وليبين لنا أن الحمد كله له (جاعل الملائكة رسلا) إلى الأنبياء بالرسالات والوحي (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) تقدم تفسيرها. وإنما جعلهم اولي أجنحة، ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء، ومن النزول إلى الأرض، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة، عن قتادة قال: ويزيد فيها ما يشاء، وهو قوله: (يزيد في الخلق ما يشاء). قال ابن عباس. رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرائيل ليلة المعراج، وله ستمائة جناح، وهذا اختيار الزجاج، والفراء. وقيل: أراد بقوله (يزيد في الخلق ما يشاء): حسن الصوت، عن الزهري، وابن جريج. وقيل: هو الملاحة في العينين، عن قتادة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن).

[ 232 ]

(إن الله على كل شئ قدير) لا شئ إلا وهو قادر عليه بعينه، أو قادر على مثله. ثم بين سبحانه إنعامه على خلقه فقال: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) أي. ما يأتيهم به من مطر، أو عافية، أو أي نعمة شاء، فإن أحدا لا يقدر على إمساكه. (وما يمسك) من ذلك (فلا مرسل له من بعده) أي: فإن أحدا لا يقدر على إرساله. وقيل. معناه ما يرسل الله من رسول إلى عباده في وقت دون وقت، فلا مانع له، لأن إرسال الرسول رحمة من الله، كما قال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وما يمسكه في زمان الفترة، أو عمن يقترحه من الكفار، فلا مرسل له، عن الحسن. واللفظ محتمل للجميع (وهو العزيز) أي: القادر الذي لا يعجز (الحكيم) في أفعاله، إن أنعم، وإن أمسك، لأنه يفعل ما تقتضيه الحكمة. ثم خاطب المؤمنين فقال: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم) الظاهرة والباطنة التي من جملتها أنه خلقكم، وأوجدكم، وأحياكم، وأقدركم، وشهاكم (1)، وخلق لكم أنواع الملاذ والمنافع (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض) هذا استفهام تقرير لهم، ومعناه النفي، ليقروا بانه لا خالق إلا الله، يرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات. وهل يجوز إطلاق لفظ الخالق على غير الله سبحانه ؟ فيه وجهان أحدهما: إنه لا تطلق هذه اللفظة على أحد سواه، وإنما يوصف به غيره على جهة التقييد، وإن جاز اطلاق لفظ الصانع، والفاعل، ونحوهما على غيره والأخر. إن المعنى لا خالق يرزق ويخلق الرزق، إلا الله تعالى. (لا إله إلا هو) أي: لا معبود يستحق العبادة سواه سبحانه. (فانى تؤفكون) أي: كيف تصرفون عن طريق الحق إلى الضلال. وقيل. معناه أنى يعدل بكم عن هذه الأدلة التي أقمتها لكم على التوحيد، مع وضوحها. ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن تكذيب قومه إياه، فقال. (وإن يكذبوك) يا محمد (فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور) فيجازي من كذب رسله، وينصر من كذب من رسله. ثم خاطب الخلق فقال. (يا أيها الناس إن وعد الله) من البعث والنشور، والجنة والنار، والجزاء والحساب. (حق) صدق كائن لا محالة (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) فتغترون بملاذها ونعيمها، ولا يخدعنكم حب الرياسة، وطول البقاء، فإن


(1) شهاه: حمله على الشهوة (*).

[ 233 ]

ذلك عن قليل نافد بائد، ويبقى الوبال والوزر (ولا يغرنكم بالله الغرور) وهو الذي عادته أن يغر غيره، والدنيا وزينتها بهذه الصفة، لأن الخلق يغترون بها. وقيل: إن الغرور الشيطان الذي هو إبليس، عن الحسن، ومجاهد. (إن الشيطن لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرت إن الله عليم بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقنه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) القراءة. قرأ أبو جعفر: (فلا تذهب) بضم التاء (نفسك) بالنصب. والباقون: (فلا تذهب نفسك) والوجه فيهما ظاهر. الاعراب. (حسرات): مصدر فعل محذوف تقديره: فلا تذهب نفسك تتحسر عليهم حسرات. و (جميعا) نصب على الحال، والعامل فيه ما يتعلق به اللام من لله. (ومكر أولئك هو يبور): هو فصل بين المبتدأ وخبره. المعنى: ثم إنه سبحانه حذرهم الشيطان فقال: (إن الشيطان لكم عدو) يدعوكم إلى ما فيه الهلاك والخسر، ويصرفكم عن أفعال الخير والبر، ويدعوكم إلى الشر (فاتخذوه عدوا) أي: فعادوه ولا تتبعوه بان تعملوا على وفق مراده، وتذعنوا لانقياده (إنما يدعو حزبه) أي. أتباعه، وأولياءه، وأصحابه (ليكونوا من أصحاب السعير) أي: النار المسعرة. والمعنى: إنه لا سلطان له على المؤمنين، ولكنه يدعو أتباعه إلى ما يستحقون به النار.

[ 234 ]

ثم بين سبحانه حال من أجابه، وحال من خالفه فقال: (الذين كفروا لهم عذاب شديد) جزاء على كفرهم (والذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة) من الله لذنوبهم (وأجر كبير) أي: ثواب عظيم. ثم قال سبحانه مقررا لهم: (أفمن زين له سوء عمله فرأه حسنا) يعني الكفار زينت لهم نفوسهم أعمالهم السيئة، فتصوروها حسنة، أو زينها الشيطان لهم بان أمالهم إلى الشبه المضلة، وترك النظر في الأدلة، وأغواهم حتى تشاغلوا بما فيه عاجل اللذة، وطرح الكلفة. وخبر قوله (أفمن زين له سوء عمله) محذوف أي: أهو كمن علم الحسن والقبيح، وعمل بما علم، ولم يزين له سوء عمله. وقيل: تقديره كمن هداه الله. وقيل: كمن زين له صالح عمله. (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء) مر بيانه. (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) أي: لا تهلك نفسك يا محمد عليهم حسرة، ولا يغمك حالهم إذ كفروا واستحقوا العقاب، وهو مثل قوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) والحسرة: شدة الحزن على ما فات من الأمر. (إن الله عليم بما يصنعون) فيجازيهم عليه. ثم عاد سبحانه إلى ذكر أدلة التوحيد، فقال. (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا) أي. تهتجه وتزعجه من حيث هو (فسقناه) أي. فسقنا السحاب (إلى بلد ميت) أي: قحط وجدب لم يمطر، فيمطر على ذلك البلد. (فاحيينا به) أي: بذلك المطر والماء (الأرض بعد موتها) بان أنبتنا فيها الزرع والكلأ بعد أن لم يكن (كذلك النشور) أي: كما فعل هذا بهذه الأرض الجدبة من إحيائها بالزرع والنبات، ينشر الخلائق بعد موتهم، ويحشرهم للجزاء من الثواب والعقاب. (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) اختلف في معناه فقيل: المعنى من كان يريد علم العزة، وهي القدرة على القهر والغلبة، لمن هي، فإنها لله جميعا، عن الفراء. وقيل. معناه من أراد العزة فليتعزز بطاعة الله، فإن الله تعالى يعزه، عن قتادة يعني: إن قوله (فلله العزة جميعا) معناه: الدعاء إلى طاعة من له العزة، كما يقال: من أراد المال فالمان لفلان أي: فليطلبه من عنده، يدل على صحة هذا ما رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز).

[ 235 ]

(إليه يصعد الكلم الطيب) والكلم: جمع الكلمة. يقال: هذا كلم، وهذه كلم، فيذكر ويؤنث، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، يجوز فيه التذكير والتأنيث. ومعنى الصعود ههنا: القبول من صاحبه، والإثابة عليه، وكلما يتقبله الله سبحانه من الطاعات يوصف بالرفع والصعود، لأن الملائكة يكتبون أعمال بني آدم، ويرفعونها إلى حيث شاء الله تعالى، وهذا كقوله (إن كتاب الأبرار لفي عليين). وقيل معنى إليه. يصعد إلى سمائه، وإلى حيث لا يملك الحكم سواه، فجعل صعوده إلى سمائه صعودا إليه تعالى، كما يقال: ارتفع أمرهم إلى السلطان. والكلم الطيب ؟ الكلمات الحسنة من التعظيم والتقديس، وأحسن الكلم لا إله إلا الله. (والعمل الصالح يرفعه) قيل فيه وجوه أحدها. العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، فالهاء من (يرفعه) يعود إلى (الكلم)، وهو معنى قول الحسن والثاني. على القلب من الأول أي: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، والمعنى. إن العمل الصالح لا ينفع إلا إذا صدر عن التوحيد، عن ابن عباس والثالث: إن المعنى العمل الصالح يرفعه الله لصاحبه أي: يقبله، عن قتادة. وعلى هذا فيكون ابتداء إخبار لا يتعلق بما قبله. ثم ذكر سبحانه من لا يوحد الله سبحانه فقال. (والذين يمكرون السيئات) أي: يعملون السيئات، عن الكلبي. وقيل: يمكرون أي يشركون بالله. وقيل: يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار الندوة، عن أبي العالية، وهو قوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الأية. (لهم عذاب شديد) في الأخرة. ثم أخبر سبحانه أن مكرهم يبطل فقال: (ومكر أولئك هو يبور) أي: يفسد ويهلك، ولا يكون شيئا، ولا ينفذ فيما أرادوه. (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزوجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتب إن ذلك على الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج اليل في

[ 236 ]

النهار ويولج النهار في اليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) القراءة: قرأ روح، وزيد، عن يعقوب: (ولا ينقص) بفتح الياء، وهو قراءة الحسن، وابن سيرين. والباقون: (ولا ينقص) على البناء للمفعول به. وقرأ قتيبة، عن الكسائي: (والذين يدعون) بالياء. والباقون بالتاء. وفي الشواذ قراءة عيسى الثقفي. (سيغ شرابه). الحجة: من قرأ (ينقص) فالتقدير: ولا ينقص الله من عمره. والقراءة المشهورة (ولا ينقص) وهي أوفق لما تقدمه من قوله (وما يعمر من معمر)، وكذلك قراءة (تدعون) على الخطاب أوفق بما تقدم من الكلام، وما تأخر، ويدعون بالياء على الغيبة. ومن قرأ (سيغ شرابه)، فإنه على التخفيف من سيغ بالتشديد على فيعل، وأصله سيوغ مثل هين وهيق، وميت وميت. اللغة: النطفة: الماء القليل، والماء الكثير، وهو من الأضداد، ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام لما قيل له إن الخوارج عبروا جسر النهروان. (مصارعهم دون النطفة). والعمر. البقاء، وأصله طول المدة. وقولهم: لعمر الله بالفتح لا غير. والقطمير: لفافة النواة. وقيل: الحبة في بطن النواة. والجديد: القريب العهد بانقطاع العمل عنه، وأصله من القطع. الاعراب: (لا ينقص). تقديره لا ينقص من عمره شئ، فمفعول ما لم يسم فاعله محذوف. وقوله (إلا في كتاب): الجار والمجرور في موضع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: إلا هو كائن في كتاب. (تلبسونها): يجوز أن يكون جملة منصوبة الموضع على الحال من (تستخرجون). ويجوز أن يكون صفة لحلية أي.

[ 237 ]

حلية ملبوسة. واللام من قوله (لتبتغوا) يتعلق بمواخر، لأن المعنى: إن الفلك يشق الماء للإبتغاء من فضل الله. وقوله (من دونه): في موضع الحال من الضمير المحذوف من قوله (تدعون) والتقدير: والذين تدعونهم كائنين من دونه. المعنى. ثم نسق سبحانه على ما تقدم من دلائل التوحيد، فقال. (والله خلقكم من تراب) بان خلق أباكم آدم منه، فإن الشئ يضاف إلى أصله. وقيل: أراد به آدم عليه السلام نفسه (ثم من نطفة) أي. ماء الرجل والمرأة (ثم جعلكم أزواجا) أي: ذكورا وإناثا. وقيل: ضروبا وأصنافا (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) أي: وما تحصل من الإناث حاملة ولدها في بطنها، إلا بعلم الله تعالى، والمعنى: إلا وهو عالم بذلك. (وما يعمر من معمر) معناه: وما يمد في عمر معمر أي. ولا يطول عمر أحد. (ولا ينقص من عمره) أي:. من عمر ذلك المعمر بانقضاء الأوقات عليه، عن أبي مالك، يعني: ولا يذهب بعض عمره بمضي الليل والنهار. وقيل: معناه ولا ينقص من عمر غير ذلك المعمر، عن الحسن، والضحاك، وابن زيد وقيل: هو ما يعلمه الله تعالى، أن فلانا لو أطاع لبقي إلى وقت كذا، وإذا عصى نقص عمره فلا يبقى، فالنقصان على ثلاثة أوجه: اما أن يكون من عمر المعمر، أو من عمر معمر آخر، أو يكون بشرط. (إلا في كتاب) أي: إلا وذلك مثبت في الكتاب، وهو الكتاب المحفوظ. أثبته الله تعالى قبل كونه. قال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا سنة، ثم يكتب أسفل ذلك ذهب يوم، ذهب يومان، ذهب ثلاثة أيام، حتى ياتي على آخر عمره. (إن ذلك على اليسير) يعني: إن تعمير من يعمره، ونقصان من ينقصه، وإثبات ذلك في الكتاب، سهل على الله تعالى، غير متعذر. ثم قال: (وما يستوي البحران) يعني العذب والمالح. ثم ذكرهما فقال: (هذا عذب فرات) أي: طيب بارد (سائغ شرابه) أي: جائز في الحلق هنئ (وهذا ملح أجاج) شديد الملوحة، عن ابن عباس، وما بعد هذا مفسر في سورة النحل إلى آخر الأية. (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) أي. يدخل أحدهما في الاخر بالزيادة والنقصان. (وسخر الشمس والقمر) أي: يجريهما كما يريد (كل يجري لأجل مسمى) أي: لوقت معلوم. وقد مضى تفسيره (ذلكم الله

[ 238 ]

ربكم " أي: مدبر هذه الأمور هو الله خالقكم. (له الملك) في الدنيا والأخرة (والذين تدعون من دونه) أي: تدعونهم آلهة من الأصنام والأوثان، وتوجهون عبادتكم إليهم (ما يملكون من قطمير) أي: قشر نواة، عن ابن عباس أي. لا يقدرون من ذلك على قليل ولا كثير (إن تدعوهم) لكشف ضر (لا يسمعوا دعاءكم) لأنها جماد لا تنفع، ولا تضر. (ولو سمعوا) بان يخلق الله لها سمعا (ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم) أي: يتبرأون من عبادتكم، ينطقهم الله يوم القيامة لتوبيخ عابديها، فيقولون: لم عبدتمونا وما دعوناكم إلى ذلك. قال البلخي: ويجوز أن يكون المراد به الملائكة، وعيسى، ويكون معنى قوله. (لا يسمعوا دعاءكم): أنهم بحيث لا يسمعونه، أو أنهم مشتغلون عنهم، لا يلتفتون إليهم. ويجوز أن يكون المرإد به الأصنام، ويكون ما يظهرمن بطلان ما ظنوه كفرا بشركهم، وجحودا له، كما أن ما يحصل في الجماد من الدلالة على الله تسبيح منهم. (ولا ينبئك مثل خبير) أي: لا يخبرك بما فيه الصلاح والفساد، والمنافع والمضار، مثل الله سبحانه، العليم بالأشياء كلها. (يا أيها الناس أنتم الفقراء) المحتاجون (إلى الله والله هو الغني) عن عبادتكم، لا يحتاج إلى شئ. (الحميد): المستحق للحمد على جميع أفعاله، فلا يفعل إلا ما يستحق به حمدا. ثم أخبر عن كمال قدرته، فقال: (إن يشا يذهبكم) ويفنكم (ويات بخلق جديد) سواكم كما خلقكم، ولم تكونوا شيئا (وما ذلك على الله بعزيز) أي: ممتنع، بل هو عليه هين يسير. (ولا تزر وازرة اخرى وان تدع مثقله الى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذاقربى انما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب واقاموا الصلوة ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه والى الله المصير (18) وما يستوى الاعمى والبصير ولا الظلمت ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوى الاحياء ولا الاموات ان الله يسمع من يشاء وما انت بمسمع من في القبور (22) ان انت الا نذير

[ 239 ]

انا ارسلنك بالحق بشيرا ونذيرا وان من امة الا خلافيها نذير (24) وان يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينت وبالزبر وبالكتب المنير (25) ثم اخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26). اللغة: الحرور: السموم، وهي الريح الحارة. قال الفراء: السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. والإستواء. حصول أحد الشيئين على مقدار الأخر، ومنه الإستواء في العود، والطريق، خلاف الإعوجاج لممره، على مقدار وضع له من غير انعدال. والإسماع: إيجاد المسموع بحيث يدركه السامع. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن عدله في حكمه، فقال: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي: لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وإنما يؤاخذ كل بما يقترفه من الأثام (وإن تدع مثقلة إلى حملها) أي: لان تدع نفس مثقلة بالأثام غيرها الى أن يتحمل عنها شيئا من إثمها (لا يحمل منه شئ) أي: لا يحمل غيرها شيئا من ذلك الحمل. (ولو كان ذا قربى) أي: ولو كان المدعو إلى التحمل ذا قرابة منها، وأقرب الناس إليها ما حمل عنها شيئا، فكل نفس بما كسبت رهينة. قال ابن عباس: يقول الأب والأم: يا بني ! إحمل عني. فيقول: حسبي ما علي. (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) أي: وهم غائبون عن أحكام الاخرة وأهوالها. وهذا كقوله: (إنما أنت منذر من يخشاها) والمعنى: إن إنذارك لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ينفعهم الإنذار. وقيل. الذين يخشون ربهم في خلواتهم، وغيبتهم عن الخلق. (وأقاموا الصلاة) أي: أداموها، وقاموا بشرائطها. وإنما عطف الماضي عئى المستقبل، إشعارا باختلاف المعنى، لأن الخشية لازمة في كل وقت، والصلاة لها أوقات مخصوصة. (ومن تزكى) أي: فعل الطاعات، وقام بما يجب عليه من الزكاة، وغيرها من الواجبات. وقيل: تطهر من الأثام (فإنما يتزكى لنفسه) لأن جزاء ذلك يصل إليه دون غيره (وإلى الله المصير) أي: مرجع الخلق كلهم إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله سبحانه، فيجازي كلا على قدر عمله.

[ 240 ]

(وما يستوي الأعمى والبصير) أي: لا يتساوى الأعمى عن طريق الحق، والذي اهتدى إليه قط. وقيل: المشرك والمؤمن (ولا الظلمات) أي. ظلمات الشرك والضلال (ولا النور) أي. نور الإيمان والهداية. وفي قوله (ولا النور) وما بعده من زيادة (لا) قولان أحدهما. إنها زائدة مؤكدة للنفي والثاني. إنها نافية لاستواء كل واحد منهما لصاحبه على التفصيل. (ولا الظل ولا الحرور) يعني الجنة والنار، عن الكلبي. وقيل: يعني ظل الليل، والسموم بالنهار (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) يعني المؤمنين والكافرين. وقيل: يعني العلماء والجهال. وقال بعضهم. أراد نفس الأعمى والبصير، والظل والحرور والظلمات والنور، على طريق ضرب المثل أي. كما لا يستوي هذه الأشياء، ولا يتماثل، ولا يتشاكل، فكذلك عبادة الله، لا تشبه عبادة غيره، ولا يستوي المؤمن والكافر، والحق والباطل، والعالم والجاهل. (إن الله يسمع من يشاء) أي. ينفع بالإسماع من يشاء أن يلطف له، ويوفقه، ولم يرد به نفي حقيقة السماع، لأنهم كانوا يسمعون آيات الله (وما أنت بمسمع من في القبور) أي: انك لا تقدر على أن تنفع الكفار بإسماعك إياهم، إذ لم يقبلوا، كما لا تسمع من في القبور من الأموات (إن أنت إلا نذير) أي: ما أنت إلا مخوف لهم بالله (إنا أرسلناك بالحق) أي: بالدين الصحيح (بشيرا ونذيرا) أي: مبشرا للمؤمنين، ونذيرا للكافرين (وإن من أمة) أي: وما من أمة من الأمم الماضية (إلا خلا فيها نذير) أي: مضى فيها مخوف، يخوفهم وينذرهم. فانت مثلهم نذير لمن جحد، بشير لمن وحد. قال الجبائي: وفي هذا دلالة على أنه لا أحد من المكلفين إلا وقد بعث إليه الرسول، وأنه سبحانه أقام الحجة على جميع الأمم. ثم قال تعالى تسلية لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم. (وإن يكذبوك) يا محمد، ولم يصدقوك (فقد كذب الذين من قبلهم) من الكفار أنبياء أرسلهم الله إليهم (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي: بالمعجزات الباهرات، والحجج الواضحات (وبالزبر) أي: وبالكتب (وبالكتاب المنير) أي. الواضح البين. لانما كرر ذكر الكتاب، وعطفه على الزبر، لاختلاف الصفتين، فإن الزبور أثبت في الكتاب من الكتاب، لأنه يكون منقرا، منقشا فيه، كالنقر في الحجر (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) أي. فلما كذبوا رسلهم، ولم يعترفوا بنبوتهم، أخذتهم بالعذاب، وأهلكتهم،

[ 241 ]

ودمرت عليهم، فكيف كان تعييري وإنكاري عليهم، وإنزالي العقاب بهم. (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلف ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلمؤا إن الله عزيز غفور (28) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) اللغة: واحد الجدد. جدة. واما الجدد فجمع جديد. قال المبرد: الجدد الطرائق والخطوط. قال امرؤ القيس: كأن سراته، وجدة متنه، كنائن يجري بينهن دليص (1) يعني الخطة السوداء في ظهر حمار الوحش. وكل طريقة جدة وجادة. وقال الفراء: هي الطرائق تكون في الجبال كالعروق، بيض، وسود، وحمر. والغربيب: الشديد السواد الذي يشبه لون الغراب. الاعراب: (مختلفا): صفة لثمرات. (وألوانها): مرفوع بأنه فاعله. (مختلف ألوانه): خبر مبتدأ محذوف تقديره: ما هو مختلف ألوانه. فالهاء في (ألوانه): عائد إلى هو. ويجوز أن يكون الهاء عائدا إلى موصوف لمختلف، تقديره جنس مختلف ألوانه، وهو الاصح. (سرا وعلانية): يجوز أن يكون نصبهما على الحال، على تقدير: أنفقوا مسرين ومعلنين. ويجوز أن يكون على صفة مصدر أنفق تقديره: أنفقوا إنفاقا مسرا ومعلنا و (يرجون): في موضع نصب على الحال. المعنى: ثم عاد الكلام إلى ذكر دلائل التوحيد، فقال سبحانه: (ألم تر أن الله


(1) سراة الفرس: أعلى متنه. والكنائن: جمع الكنانة،: جعبة السهام. والدليص: ذهب له بريق. (*)

[ 242 ]

أنزل من السماء ماء) أي: غيثا ومطرا (فأخرجنا) أخبر عن نفسه بنون الكبرياء والعظمة (به) أي: بذلك الماء (ثمرات) جمع ثمرة، وهي ما تجتنى من الشجر (مختلفا ألوانها) وطعومها وروائحها. إقتصر على ذكر الالوان، لانها أظهر، ولدلالة الكلام على الطعوم والروائح. (ومن الجبال جدد) أي: ومما خلقنا من الجبال جدد (بيض وحمر) أي: طرق بيض، وطرق حمر. (مختلف ألوانها وغرابيب سود) أي: ومن الجبال غرابيب سود على لون واحد، لا خطط فيها. قال الفراء: وهذا على التقديم والتأخير، تقديره: وسود غرابيب، لانه يقال: أسود غربيب، وأسود حالك. وأقول: ينبغي أن يكون (سود) عطف بيان بين غرابيب به، والاجود أن يكون تأكيدا، إذ الغرابيب لا تكون إلا سودا، فيكون كقولك: رأيت زيدا زيدا. وهذا أولى من أن يحمل على التقديم والتأخير. (ومن الناس) أيضا (والدواب) التي تدل على وجه الارض (والانعام) كالابل والغنم والبقر خلق (مختلف ألوانه كذلك) أي: كاختلاف الثمرات والجبال. وتم الكلام. ثم قال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) أي: ليس يخاف الله حق خوفه، ولا يحذر معاصيه خوفا من نقمته، إلا العلماء الذي يعرفونه حق معرفته. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم. وعن ابن عباس قال: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي، وعزتي، وسلطاني. وفي الحديث: " أعلمكم بالله أخوفكم لله ". قال مسروق: كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه. وإنما خص سبحانه العلماء بالخشية، لان العالم أحذر لعقاب الله من الجاهل، حيث يختص بمعرفة التوحيد، والعدل، ويصدق بالبعث، والحساب، والجنة، والنار. ومتى قيل: فقد نرى من العلماء من لا يخاف الله، ويرتكب المعاصي ؟ (فالجواب): إنه لابد من أن يخافه مع العلم به، وإن كان يؤثر المعصية عند غلبة الشهوة لعاجل اللذة (إن الله) تعالى (عزيز) في انتقامه من أعدائه (غفور) لزلات أوليائه. ثم وصف سبحانه العلماء، فقال: (إن الذين يتلون كتاب الله) أي: يقرؤون القرآن في الصلاة وغيرها. أثنى سبحانه عليهم بقراءة القرآن. قال مطرف بن عبد الله الشخير: هذه آية القراء.

[ 243 ]

(وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم) أي: ملكناهم التصرف فيه (سرا وعلانية) أي: في حال سرهم، وفي حال علانيتهم. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، قال قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ! مالي لا أحب الموت ؟ قال: ألك مال ؟ قال نعم. قال: فقدمه. قال: لا أستطيع. قال: " فإن قلب الرجل مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحق به، وإن أخره أحب أن يتأخر معه ". (يرجون تجارة لن تبور) أي: راجين بذلك تجارة لن تكسد، ولن تفسد، (ولن تهلك ليوفيهم أجورهم) أي: قصدوا بأعمالهم الصالحة، وفعلوها لان يوفيهم الله أجورهم بالثواب، (ويزيدهم) على قدر استحقاقهم. (من فضله إنه غفور) لذنوبهم (شكور) لحسناتهم عن الزجاج. وقال الفراء: خبر إن قوله (يرجون تجارة لن تبور). وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في قوله (ويزيدهم من فضله): هو الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليه معروفا في الدنيا. وعن الضحاك قال: يفسح لهم في قبورهم. وقيل: معنى شكور أنه يقبل اليسير، ويثيب عليه الكثير. تقول العرب: أشكر من بروقة، وتزعم أنها شجرة عارية من الورق، تغيم السماء فوقها، فتخضر وتورق من غير مطر. (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنت عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35)). القراءة: قرأ أبو عمرو: (يدخلونها) بضم الياء على ما لم يسم فاعله، ليشاكل قوله (يحلون). والباقون بفتح الياء، لانهم إذا أدخلوا فقد دخلوا، وقد ذكرنا اختلافهم في (لؤلؤا) في سورة الحج.

[ 244 ]

اللغة: المقامة: الاقامة، وموضع الاقامة. وإذا فتحت الميم كان بمعنى القيام، وموضع القيام، قال الشاعر: يومان: يوم مقامات وأندية، ويوم سير إلى الاعداء تأويب (1) والنصب: التعب، وفيه لغتان. النصب والنصب لغتان كالرشد والرشد، والحزن والحزن. واللغوب: الاعياء من التعب. الاعراب: (من الكتاب) في موضع الحال من الضمير المنصوب المحذوف في الصلة، والتقدير: والذي أوحيناه إليك كائنا من الكتاب. (جنات عدن يدخلونها): خبر مبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون بدلا من قوله الفضل الكبير. (يدخلونها): في موضع نصب على الحال، وكذلك (يحلون فيها من أساور): من يتعلق بيحلون. (من ذهب): في موضع الصفة لاساور أي: أساور كائنة من ذهب، المعنى: ذهبية. (لا يمسنا): في موضع نصب على الحال. المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقتل: (والذي أوحينا إليك) يا محمد، وأنزلناه. (من الكتاب) وهو القرآن (هو الحق) أي: الصحيح الذي لا يشوبه فساد، والصدق الذي لا يمازجه كذب، والعقل يدعو إلى الحق، ويصرف عن الباطل. (مصدقا لما بين يديه) أي: لما قبله من الكتب، لانه جاء موافقا لما بشرت به تلك الكتب من حاله، وحال من أتى به (إن الله بعباده لخبير) أي: عالم (بصير) بأحوالهم (ثم أورثنا الكتاب) يعني القرآن. وقيل: هو التوراة، عن أبي مسلم. وقيل: أراد الكتب لان الكتاب يطلق ويراد به الجنس، عن الجبائي. والصحيح الاول، لان ظاهر لفظ الكتاب لا يطلق إلا على القرآن. (الذين اصطفينا من عبادنا) أي: اخترناهم. ومعنى الارث انتهاء الحكم إليهم، ومصيره لهم، كما قال: (وتلك الجنة التي أورثتموها). وقيل: معناه أورثناهم الايمان بالكتب السالفة، إذ الميراث انتقال الشئ من قوم إلى قوم. والاول أصح. واختلف في الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده في الاية فقيل: هم الانبياء اختارهم الله برسالته وكتبه، عن الجبائي. وقيل: هم المصطفون الداخلون في قوله (إن الله اصطفى آدم) إلى قوله (وآل إبراهيم وآل عمران) يريد بني إسرائيل، عن * (هامش) (1) مر البيت في هذا الجزء. (*)

[ 245 ]

أبي مسلم قال: لان الانبياء لا يرثون الكتب، بل يورث علمهم. وقيل: هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أورثهم الله كل كتاب أنزله، عن ابن عباس، وقيل: هم علماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ورد في الحديث: " العلماء ورثة الانبياء ". والمروي عن الباقر والصادق عليهما السلام أنهما قالا: " هي لنا خاصة، وإيانا عنى ". وهذا أقرب الاقوال، لانهم أحق الناس بوصف الاصطفاء، والاجتباء، وإيراث علم الانبياء، إذ هم المتعبدون بحفظ القرآن، وبيان حقائقه، والعارفون بجلائله ودقائقه. (فمنهم ظالم لنفسه ومنه مقتصد ومن سابق بالخيرات) إختلف في أن الضمير في منهم إلى من يعود على قولين أحدهما: إنه يعود إلى العباد، وتقدير الكلام: فمن العباد ظالم. وروى نحو ذلك عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، واختاره المرتضى، قدس الله روحه، من أصحابنا، قال: والوجه فليه أنه لما علق توريث الكتاب بمن اصطفاه من عباده، بين عقيبه أنه إنما علق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض، لان فيهم من هو ظالم لنفسه، ومن هو مقتصد، ومن هو سابق بالخيرات. والقول الثاني: إن الضمير يعود إلى المصطفين من العباد، عن أكثر المفسرين. ثم اختلف في أحوال الفرق الثلاث على قولين أحدهما: إن جميعهم ناج، ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الاية: أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام، ثم يدخل الجنة، فهم الذين قالوا (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن). وعن عائشة أنها قالت: كلهم في الجنة أما السابق فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة. وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم. وأما الظالم: فمثلي ومثلكم وروي عنها أيضا أنها قالت: السابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد،: الذي أسلم بعد الهجرة، والظالم: نحن، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. وقيل: إن الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد الذى استوى ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: منهم ظالم لنفسه بالصغائر، ومنهم مقتصد بالطاعات في الدرجة الوسطى، ومنهم سابق بالخيرات في الدرجة العليا، عن جعفر بن حرب.

[ 246 ]

وروى أصحابنا عن ميسر بن عبد العزيز، عن الصادق عليه السلام أنه قال: الظالم لنفسه منا من لا يعرف حق الامام، والمقتصد منا: العارف بحق الامام. والسابق بالخيرات هو الامام، وهؤلاء كلهم مغفور لهم. وعن زياد بن المنذر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وأما الظالم لنفسه منه، فمن عمل عملا صالحا وآخر سيئا. وأما المقتصد فهو المتعبد المجتهد. وأما السابق بالخيرات: فعلي، والحسن، والحسين عليهم السلام، ومن قتل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهيدا. والقول الاخر: إن الفرقة الظالمة لنفسها غير ناجية. قال قتادة: الظالم لنفسه أصحاب المشأمة. والمقتصد: أصحاب الميمنة، والسابق بالخيرات هم السابقون المقربون من الناس كلهم، كما قال سبحانه: (وكنتم أزواجا ثلاثة). وقال عكرمة، عن ابن عباس: إن الظالم هو المنافق. والمقتصد والسابق من جميع الناس. وقال الحسن: السابقون هم الصحابة، والمقتصدون هم التابعون، والظالمون هم المنافقون (1). فإن قيل: لم قدم الظالم، وأخر السابق، وإنما يقدم الافضل ؟ فالجواب: إنهم يقدمون الادنى في الذكر على الافضل قال سبحانه: (يولج الليل في النهار)، وقال (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور)، وقال: (خلق الموت والحياة)، وقال: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن). وقيل: إنما قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته، وأخر السابق لئلا يعجب بعلمه. وقيل: إنما رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لان أحوال الناس ثلاث: معصية، وغفلة، ثم التوبة، ثم القربة. فإذا عصى فهو ظالم، وإذا تاب فهو مقتصد، وإذا صحت توبته وكثرت مجاهدته اتصل بالله، وصار من جملة السابقين. وقوله: (بإذن الله) أي: بأمره، وتوفيقه، ولطفه (ذلك هو الفضل الكبير) معناه: إن إيراث الكتاب، واصطفاء الله إياهم، هو الفضل العظيم من الله عليهم (جنات عدن يدخلونها) هذا تفسير للفضل، كأنه قيل: ما ذلك الفضل ؟ فقال: هي جنات أي: جزاء جنات، أو دخول جنات. ويجوز أن يكون بدلا من الفضل،


(1) وحكي عن بعض أهل العرفان أن الظالم: الذي يجزع عند البلاء والمقتصد: الذي يصبر على البلاء. والسابق الذي يتلذذ بالبلاء. (*)

[ 247 ]

كأنه قال: ذلك دخول الجنات. (يحلون فيها من أساور) جمع أسورة، وهي جمع سوار (من ذهب ولؤلؤا) ومن قرأ ولؤلؤا فالمعنى: ويحلون فيها لؤلؤا (ولباسهم فيها حرير) وهو الابريسم المحض. وإذا قلنا: إن المراد به الفرق الثالث، فالظالم إنما يدخلها بفضل الله تعالى، أو بالشفاعة. (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) أخبر سبحانه عن حالهم، أنهم إذا دخلوا الجنة، يقولون: الحمد لله، اعترافا منهم بنعمته، لا على وجه التكليف، وشكرا له على أن أذهب الغم الذي كانوا عليه مستحقين لذلك. فإذا تفضل الله عليهم بإسقاط عقابهم، وأدخلهم الجنة، حمدوه على ذلك، وشكروه (إن ربنا لغفور) لذنوب عباده، وقبيح أفعالهم (شكور) يقبل اليسير من محاسن أعمالهم. وقيل: إن شكره سبحانه، هو مكافاته لهم على الشكر له، والقيام بطاعته، وإن كان حقيقة الشكر لا يجوز عليه سبحانه، من حيث كان اعترافا بالنعمة، ولا يصح أن يكون سبحانه منعما عليه. (الذي أحلنا دار المقامة) أي: أنزلنا دار الخلود، يقيمون فيها أبدا لا يموتون، ولا يتحولون عنها (من فضله) أي: ذلك بتفضله وكرمه (لا يمسنا فيها نصب) لا يصيبنا في الجنة عناء ومشقة، (ولا يمسنا فيها لغوب) أي: ولا يصيبنا فيها إعياء ومتعبة في طلب المعاش وغيره. (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزى كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظلمين من نصير (37) إن الله علم غيب السموات والارض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذى جعلكم خلائف في الارض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أرونى

[ 248 ]

ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السموات أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظلمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40)). القراءة: قرأ أبو عمر، وخلف وحده: (يجزى كل كفور) على ما لم يسم فاعله. والباقون: (نجزي) بالنون (كل) بالنصب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص، وخلف: (على بينة) بالتوحيد. والباقون: (بينات) بالجمع. الحجة: من قرأ (نجزي) بالنون، فإنه على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. ومن قرأ على بناء الفعل للمفعول به، فحجته أن ما قبله (لا يقضى عليهم)، و (لا يخفف عنهم) والوجه في قراءه (بينة) على الافراد: أنه يجعل ما في الكتاب أو ما يأتي به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينة، كما قال: (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي)، و (قد جاءتكم بينة من ربكم). ومن قرأ بالجمع، فإن لكل نبي بينة، فإذا جمعوا جمعت البينة بجمعهم، على أن في الكتاب ضروبا من البينة، فجمع لذلك. اللغة: الاصطراخ: الصياح. والنداء بالاستعانة افتعال من الصراخ، قلبت التاء طاء لاجل الصاد الساكنة قبلها. وإنما فعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين، يوافق الصاد في الاستعلاء والاطباق، ويوافق التاء في المخرج. والمقت. البغض، مقته يمقته، وهو ممقوت ومقيت. الاعراب: (فيموتوا): جواب النفي و (يموتوا): منصوب بإضمار أن، وعلامة النصب سقوط النون. (ما يتذكر فيه من تذكر): الموصول والصلة في محل النصب على أنه ظرف زمان، لان المعنى: أو لم نعمركم زمانا طويلا يتذكر فيه من تذكر. والهاء فيه يعود إلى ما. وقلما يجئ ما في معنى الظرف، وهو إسم، وإنما يجئ حرفا مصدريا. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر ما أعده لاهل الجنة من أنواع الثواب، عقبه بذكر ما أعده للكفار من أليم العقاب، فقال: (والذين كفروا) بوحدانية الله، وجحدوا نبوة نبيه (لهم نار جهنم) جزاء على كفرهم (لا يقضى عليهم) بالموت (فيموتوا) فيستريحوا (ولا يخفف عنهم من عذابها) أي: ولا يسهل عليهم عذاب النار (كذلك) أي: ومثل هذا العذاب، ونظيره (نجزي كل كفور) جاحد، كثير الكفران، مكذب لانبياء الله (وهم يصطرخون فيها) أي: يتصايحون بالاستغاثة

[ 249 ]

يقولون: (ربنا أخرجنا) من عذاب النار (نعمل صالحا) أي: نؤمن بدل الكفر، ونطع بدل المعصية. والمعنى: ردنا إلى الدنيا لنعمل بالطاعات التي تأمرنا بها (غير الذي كنا نعمل) من المعاصي. فوبخهم الله تعالى، فقال: (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) أي: ألم نعطكم من العمر مقدار ما يمكن أن يتفكر ويعتبر، وينظر في أمور دينه، وعواقب حاله، من يريد أن يتفكر ويتذكر. واختلف في هذا المقدار فقيل: هو ستون سنة، وهو المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وهو إحدى الروايتين، عن ابن عباس. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا مرفوعا أنه قال: " من عمر الله ستين سنة فقد أعذر إليه ". وقيل: هو أربعون سنة، عن ابن عباس، ومسروق. وقيل: هو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة، عن وهب، وقتادة. وروي ذلك عن الصادق عليه السلام. (وجاءكم النذير) أي: المخوف من عذاب الله، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، عن ابن زيد، والجبائي، وجماعة. وقيل: النذير القرآن، عن زيد بن علي. وقيل: النذير الشيب، عن عكرمة، وسفيان بن عيينة، ومنه قيل: رأيت الشيب من نذر المنايا لصاحبه، وحسبك من نذير وقائلة تبيض والغواني نوافر عن معاينة القتير (1) فقلت لها: المشيب نذير عمري، ولست مسودا وجه النذير وقال عدي بن زيد: وابيضاض السواد من نذر الموت، وهل بعده يجئ نذير وقيل: النذير موت الاهل والاقارب. وقيل كمال العقل (فذوقوا) أي: فذوقوا العذاب وحسرة الندم. (فما للظالمين من نصير) يدفع عنهم العذاب (إن الله عالم غيب السماوات والارض) فلا يخفى عليه شئ مما يغيب عن الخلائق علمه (إنه عليم بذات الصدور) أي: فلا تضمروا في أنفسكم ما يكرهه سبحانه، فإنه عالم به. (هو الذي جعلكم خلائف في الارض) أي: جعلكم معاشر الكفار أمة بعد


(1) الغواني جمع الغانية: الجارية الحسناء، سميت غانية لانها غنيت بحسنها عن الزينة، والقتير: الشيب. (*)

[ 250 ]

أمة، وقرن بعد قرن، عن قتادة. وقيل: جعلكم خلائف القرون الماضية بأن أحدثكم بعدهم، وأورثكم ما كان لهم. (فمن كفر فعليه كفره) أي: فعليه ضرر كفره، وعقاب كفره. (ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا) أي: أشد البغض. (ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا) أي: خسرانا وهلاكا. (قل) يا محمد (أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الارض) معناه: أخبروني أيها المشركون عن الاوثان الذين أشركتموهم مع الله في العبادة، أروني ماذا خلقوا من الارض أي: بأي شئ أوجبتم لهم شركا مع الله تعالى في العبادة، أبشئ خلقوه من الارض. (أم لهم شرك في السماوات) أي: شركة في خلقها. ثم ترك هذا النظم فقال: (أم آتيناهم كتابا) أي: أم أنزلنا عليهم كتابا يصدق دعواهم فيما هم عليه من الشرك (فهم على بينة) أي: فهم على دلالات واضحات (منه) أي: من ذلك الكتاب. أراد فإن جميع ذلك محال لا يمكنهم إقامة حجة، ولا شبهة، على شئ منه. وقيل: أم آتيناهم كتابا بأن الله لا يعذبهم على كفرهم، فهم واثقون به (بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا) معناه: ليس شئ من ذلك، لكن ليس يعد بعض الظالمين بعضا إلى غرورا، لا حقيقة له يغرونهم، يقال: غره يغره غرورا: إذا أطعمه فيما لا يطمع فيه. النظم: إتصال قوله (إن الله عالم غيب السماوات والارض) الاية بما قبله: إن المعنى يعلم الله أنه لو ردكم إلى الدنيا لعدتم إلى كفركم، فاتصل بقوله (نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)، واتصل قوله (هو الذي جعلكم خلائف في الارض) بما قبله على معنى أنه كما أورثكم الكتاب أورثكم الارض لتشكروه على نعمه، وتعتبروا بمن سلف من الامم. (* إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الارض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل

[ 251 ]

ينظرون إلا سنت الاولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) أو لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ في السموات ولا في الارض إنه كان عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45)). القراءة: قرأ حمزة وحده: (ومكر السئ) بسكون الهمزة. والباقون بالجر. الحجة: قال الزجاج: تسكين هذه الهمزة لحن عند البصريين، وإنما يجوز في الشعر في الاضطرار أنشدوا " إذا أعوججن قلت صاحب قوم " (1). والاصل يا صاحب قوم، لكنه حذف مضطرا، وأنشدوا: فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله، ولا واغل (2) وأنشد أبو العباس المبرد (3): " إذا اعوججن قلت صاح قوم " (4). وقال أبو علي في إسكان الهمزة: أجراها في الوصل مجراها في الوقف، فهو مثل قوله: " ببازل وجناه أو عيهل " (5) وقوله: " مثل الحريق وافق القصبا " (6).


(1) هذا صدر بيت، وعجزه: " بالدو أمثال السفين العوم " يعني: إذا عدلت الابل عن الطريق قلت لصاحبي: قومها على الطريق، لا تتركها تعد عنه. والدو: الفلاة الواسعة. والعوم: السباحة. شبه دخول الابل في المفازة بدخول السفن في الماء. (2) قائله امرؤ القيس. والمستحقب: المكتسب للاثم الحامل له. والواغل: الذي يحضر شراب القوم من غير أن يدعى إليه، وحكى عن شرح الديوان: أنه كان حلف أن لا يشرب خمرا، ولا يأكل لحما، ولا يغسل رأسا، حتى يدرك بثأر أبيه، فلما أخذه شرب الخمر، قال البيت. (3) يعني أن المبرد ينكر ما رويناه ويروى هكذا. و " صاح ": مرخم " صاحب ". (4) (" واليوم فاشرب " وهذا جيد). (5) قائله منظور بن مرثد. والبازل: البعير إذا استكمل السنة الثامنة. وفطر نابه. والوجناء من النوق: التامة الخلق، الضخمة الشديدة. والعيهل: الشديدة. والشاهد في تشديد اللام عن (عيهل) للضرورة. (6) قائله: رؤبة، وبعده: " والتين والحفاء فالتهبا " والحلفاء: نبت. (*)

[ 252 ]

الاعراب: (أن تزولا) مفعول له أي: كراهة أن تزولا، أو لئلا تزولا. و (استكبارا): مفعول له أيضا. و (مكر السئ): معطوف عليه ويجوز أن يكون مصدرا على تقدير استكبروا استكبارا في الارض، وأن يكون حالا أيضا أي: مستكبرين في الارض، وأن يكون بدلا من نفورا أي: ما زادهم مجئ النذير إلا استكبارا في الارض. (من شئ): فاعل يعجز. ومن مزيدة و (من دابة): في محل نصب لانه مفعول ترك. ومن مزيدة أيضا. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن عظم قدرته، وسعه مملكته، فقال: (إن الله يمسك السماوات والارض) معناه أنه يمسك السماوات من غير علاقة فوقها، ولا عماد تحتها، ويمسك الارض كذلك (أن تزولا) أي: لئلا تزولا (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد) أي: وإن قدر أن تزولا عن مراكزهما ما أمسكهما أحد، ولا يقدر على إمساكهما أحد (من بعده) أي: من بعد الله تعالى. وقيل: من بعد زوالهما (إنه كان حليما) أي: قادرا لا يعاجل بالعقوبة من استحقها (غفورا) أي: ستارا للذنوب، كثير الغفران. ثم حكى عن الكفار فقال: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) يعني كفار مكة حلفوا بالله قبل أن يأتيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأيمان غليظة غاية وسعهم وطاقاتهم (لئن جاءهم نذير) أي: رسول مخوف من جهة الله تعالى (ليكونن أهدى) إلى قبول قوله واتباعه (من إحدى الامم) الماضية يعني اليهود، والنصارى والصابئين (فلما جاءهم نذير) محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ما زادهم) مجيئه (إلا نفورا) أي: تباعدا عن الهدى، وهربا من الحق، والمعنى: إنهم ازدادوا عند مجيئه نفورا (استكبارا) أي: تكبرا، وتجبرا، وعتوا على الله، وأنفة من أن يكونوا تبعا لغيرهم (في الارض ومكر السئ) أي: وقصد الضرر بالمؤمنين. والمكر السئ: كل مكر أصله الكذب والخديعة، وكان تأسيسه على فساد، لان من المكر ما هو حسن، وهو مكر المؤمنين بالكافرين إذا حاربوهم من الوجه الذي يحسن أن يمكروا بهم، فالمراد به ههنا المكر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبأهل دينه. وأضيف المصدر إلى صفة المصدر، فالتقدير: ومكروا المكر السئ بدلالة قوله (ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله) والمعنى: لا ينزل جزاء المكر السئ إلا بمن فعله. (فهل ينظرون إلا سنة الاولين) أي: فهل ينتظرون إلا عادة الله تعالى في

[ 253 ]

الامم الماضية أن يهلكهم، إذا كذبوا رسله، وينزل بهم العذاب، ويحل عليهم النقمة، جزاء على كفرهم وتكذيبهم، فإن ينتظرون ذلك (فلن تجد) يا محمد (لسنة الله تبديلا) أي: لا يغير الله عادته من عقوبة من كفر نعمته، وجحد ربوبيته، ولا يبدلها (ولن تجد لسنة الله تحويلا) فالتبديل تصيير الشئ مكان غيره، والتحويل: تصيير الشئ في غير المكان الذي كان فيه. والتغيير: تصيير الشئ على خلاف ما كان. (أولم يسيروا في الارض) أي: ألم يسم هؤلاء (الكفار) الذين أنكروا إهلاك الله الامم الماضية في الارض (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) أي: كيف أهلك الله المكذبين من قبلهم، مثل قوم لوط، وعاد، وثمود، فيعتبروا بهم (وكانوا) وكان أولئك (أشد منهم) أي: من هؤلاء (قوة وما كان الله ليعجزه من شئ) أي: لم يكن الله يفوته شئ (في السماوات ولا في الارض إنه كان عليما) بجيمع الاشياء (قديرا) على ما لا نهاية له. ثم من سبحانه على خلقه بتأخيره العقاب عنهم، فقال: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) من الشرك والتكذيب لعجل لهم العقوبة، وهو قوله: (ما ترك على ظهرها من دابة) والضمير عائد إلى الارض، وإن لم يجر لها ذكر لدلالة الكلام على ذلك، والعلم الحاصل به (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) والاية مفسرة في سورة النحل. (فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا) أي: هو بصير بمكانهم، فيؤاخذهم حيث كانوا، وقيل: بصيرا بأعمالهم، فيجازيهم عليها.

[ 254 ]

36 - سورة يس مكية وآياتها ثلاث وثمانون مكية عند الجميع. قال ابن عباس: إلا آية منها وهي قوله: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله) الاية. نزلت بالمدينة. عدد آيها: ثلاث وثمانون آية كوفي، اثنتان في الباقين. إختلافها: آية واحدة يس كوفي. فضلها: أبي بن كعب قال: من قرأ سورة يس يريد بها وجه الله، عز وجل، غفر الله له، وأعطي من الاجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة، وأيما مريض قرئت عنده سورة يس، نزل عليه بعدد كل حرف منها عشرة أملاك، يقومون بين يديه صفوفا، ويستغفرون له، ويشهدون قبضه، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون دفنه، وأيما مريض قرأها وهو في سكرات الموت، أو قرئت عنده، جاءه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة، فسقاه إياها، وهو على فراشه، فيشرب فيموت ريان، ويبعث ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الانبياء، حتى يدخل الجنة وهو ريان. أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " سورة يس تدعى في التوراة المعمة. قيل: وما المعمة ؟ قال: تعم صاحبها خير الدنيا والاخرة، وتكابد عنه بلوى الدنيا، وتدفع عنه أهاويل الاخرة، وتدعى المدافعة القاضية، تدفع عن صاحبها كل شر، وتقضي له كل حاجة. ومن قرأها عدلت له عشرين حجة، ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله، ومن كتبها ثم شربها أدخلت جوفه ألف دواء، وألف نور، وألف يقين، وألف بركة، وألف رحمة، ونزعت عنه كل داء وعلة ". وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن لكل شئ قلبا، وقلب القرآن يس ". وعنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من دخل المقابر فقرأ سورة يس، خفف عنهم

[ 255 ]

يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات). وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لكل شئ قلبا، وقلب القرآن يس، فمن قرأ يس في نهاره، قبل أن يمسي، كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي. ومن قرأها في ليله، قبل أن ينام، وكل به ألف ملك يحفظونه من كل شيطان رجيم، ومن كل آفة. وإن مات في نومه أدخله الله الجنة، وحضر غسله ثلاثون ألف ملك، كلهم يستغفرون له، ويشيعونه إلى قبره بالإستغفار له، فإذا أدخل لحده كانوا في جوف قبره يعبدون الله، وثواب عبادتهم له، وفسح له في قبره مد بصره، وأمن من ضغطة القبر، ولم يزل له في قبره نور ساطع إلى عنان السماء إلى أن يخرجه الله من قبره، فإذا أخرجه، لم تزل ملائكة الله معه يشيعونه، ويحدثونه، ويضحكون في وجهه، ويبشرونه بكل خير، حتى يجوزوا به الصراط، والميزان، ويوقفوه من الله موقفا لا يكون عند الله خلق أقرب منه إلا ملائكة الله المقربون، وأنبياؤه المرسلون، وهو مع النبيين واقف بين يدي الله، لا يحزن مع من يحزن، ولا يهتم مع من يهتم، ولا يجزع مع من يجزع. ثم يقول له الرب تعالى: إشفع عبدي أشفعك في جميع ما تشفع، وسلني عبدي أعطك جميع ما تسأل. فيسأل فيعطى، ويشفع فيشفع، ولا يحاسب فيمن يحاسب، ولا يذل مع من يذل، ولا يبكت بخطيئة، ولا بشئ من سوء عمله، ويعطى كتابه منشورا، فيقول الناس بأجمعهم: سبحان الله لما كان لهذا العبد خطيئة واحدة ! ويكون من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وروى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إثني عشر إسما: خمسة منها في القرآن: محمد، وأحمد، وعبد الله، ويس. ونون. تفسيرها: لما ذكر سبحانه في آخر السورة أنهم أقسموا بالله ليؤمنن أن جاءهم نذير، إفتتح هذه السورة بأنهم لم يؤمنوا، وقد جاءهم النذير، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (يس (1) والقرءان الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صرط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما مآ أنذر أآباؤهم فهم غفلون (6) لقد

[ 256 ]

حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعنقهم أغللا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشينهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10)). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم إلا حمادا ويحيى عن أبي بكر: (يس) بالإمالة. والباقون بالتفخيم. وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وحمزة وابن كثير برواية القواس والبزي ونافع برواية إسماعيل وورش بخلاف بإظهار النون من يس عند الواو وكذلك نون والقلم. وقرأ ابن عامر والكسائي وخلف بإخفاء النون فيهما. وقرأ قالون عن نافع بإظهار النون من نون وإخفائها من يس. وأما عاصم فإنه يظهر النون منهما في رواية حفص، ورواية البرجمي، عن أبي بكر، ومحمد بن غالب، عن الأعمش، عن أبي بكر. ويظهر النون من يس، ويخفيها من نون في رواية العليمي، عن حماد. وأما يعقوب فإنه يظهر النونين في رواية روح وزيد، ويخفيها في رواية رويس. وقرأ أهل الحجاز، والبصرة، وأبو بكر: (تنزيل) بالرفع. والباقون بالنصب. وفي الشواذ قراءة الثقفي: (يس) بفتح النون. وقراءة أبي السماك: (يس) بكسر النون، وقراءة الكلبي: (يس) بالرفع، وقراءة ابن عباس، وعكرمة، وابن يعمر، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز: (فأعشيناهم) بالعين، وقراءة ابن محيصن والزهري. (أنذرتهم) بهمزة واحدة. الحجة: قال أبو علي: مما يحسن إمالة الفتح من يس نحو الكسرة، أنهم قالوا: يا زيد ! في النداء، فأمالوا الفتحة نحو الكسرة، والألف نحو الياء، وإن كان قولهم يا حرفا على حرفين. والحروف التي على حرفين، لا يمال منها شئ نحو لا وما، فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف، من أجل الياء، فأن يميلوا الإسم الذي هو (يا) من ياسين أجدر. ألا ترى أن هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها. وأما من بين النون من يس، فإنما جاز ذلك، وإن كانت النون الساكنة تخفى مع حروف الفم، ولا تبين، لأن هذه الحروف مبنية على الوقف. ومما يدل على ذلك استجازتهم فيها الجمع بين ساكنين، كما يجتمعان في الكلم التي يوقف عليها،

[ 257 ]

ولولا ذلك لم يجز الجمع بينهما. وأما من لم يبين، فلأنه وإن كان في تقدير الوقف لم يقطع فيه همزة الوصل، وذلك قوله. (الم الله). ألا ترى أنه حذف همزة الوصل، ولم يثبت كما لم يثبت مع غيرها من الكلام الذي يوصل. ومن رفع (تنزيل)، فعلى تقدير هو تنزيل العزيز الرحيم، أو تنزيل العزيز الرحيم. هذا والنصب على نزل تنزيل العزيز الرحيم. وأما من قال يس بالنصب أو الجر، فكلاهما لالتقاء الساكنين. ومن رفع، فعلى ما روي عن الكلبي أنه قال: هي بلغة طي: يا إنسان. قال ابن جني: ويحتمل عندي أن يكون اكتفى من جميع الإسم بالسين فيما فيه حرف نداء، كقولك. يا رجل ! ونظير حذف بعض الإسم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كفى بالسيف شا) أي: شاهدا، فحذف العين واللام، فكذلك حذف من إنسان الفاء والعين، وجعل ما بقي منه إسما قائما برأسه، وهو السين، فقيل. ياسين، وهو شبيه بقول الشاعر: (قلنا لها قفي لنا قالت قاف) (1) أي: وقفت. ومن قرأ (فأعشيناهم) بالعين، فإنه منقول من عشى يعشى: إذا ضعف بصره، وأعشيته أنا. وأما (أغشيناهم) بالغين المعجمة فعلى حذف المضاف أي: فأغشينا أبصارهم أي: جعلنا عليها غشاوة. والغشاوة على العين كالغشي على القلب، فيلتقي معنى القراءتين. وأما من قرأ (أنذرتهم) بهمزة واحدة، فإنه حذف الهمزة التي للإستفهام تخفيفا، وهو يريدها كما قال الكميت: طربت، وما شوقا إلى البيض أطرب، ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب (2) والمعنى: أو ذو الشيب يلعب تناكرا لذلك. وكبيت الكتاب: لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا. شعيث بن سهم، أو شعيث بن منقر (3) اللغة: المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. وقيل: هو المقنع، وهو الذي يجذب ذقنه حتى يصير في صدره، ثم يرفع. وقيل للكانونين: شهر إقماح، لأن


(1) وبعده: (لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف). (2) البيض جمع البيضاء: المرأة الحسناء. يعني ليس هذا الطرب والشوق من المحبة إلى النساء. (3) الشعر في (جامع الشواهد). وفي بعض النسخ (شعيب) بالباء الموحدة، وهو تصحيف قاله في (شرح الأشموني ج 4: 455). (*)

[ 258 ]

الإبل إذا وردت الماء ترفع رؤوسها لشدة برده. ويقال: قمح البعير: إذا رفع رأسه، ولم يشرب الماء. وبعير قامح، وإبل قماح، وأقمحتها أنا. قال الشاعر يصف سفينة ركبها: ونحن على جوانبها قعود نغض الطرف كالإبل القماح الاعراب: (على) في قوله (على صراط): يتعلق بالمرسلين، تقديره: أرسلوا على صراط. ويجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع خبر إن، فيكون خبرا بعد خبر. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال، فكأنه قال: أرسلوا مستقيما طريقهم. (ما أنذر آباؤهم). الأجود أن يكون (ما) نافية، وتكون الجملة في موضع نصب، لأنها صفة قوم. ويجوز أن يكون (ما) حرفا موصولا مصدريا على تقدير لتنذر قوما أنذر آباؤهم. النزول: قيل: نزل قوله (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا): في أبي جهل، كان حلف لئن رأى محمدا يصلي، ليرضخن رأسه. فأتاه وهو يصلي، ومعه حجر ليدمغه. فلما رفعه انثنت يده إلى عنقه، ولزق الحجر بيده. فلما عاد إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى، سقط الحجر من يده. فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر. فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر، فأغشى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه: ما صنعت ؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته، وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني. وروى أبو حمزة الثمالي عن عمار بن عاصم، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود: أن قريشا اجتمعوا بباب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إليهم، فطرح التراب على رؤوسهم، وهم لا يبصرونه. قال عبد الله: هم الذين سحبوا (1) في القليب قليب بدر. وروى أبو حمزة عن مجاهد، عن ابن عباس: أن قريشا اجتمعت فقال: لئن دخل محمد لنقومن إليه قيام رجل واحد ! فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل الله من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا، فلم يبصروه. فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أتاهم، فجعل ينثر على رؤوسهم التراب، وهم لا يرونه. فلما خلى عنهم، رأوا التراب، وقالوا: هذا ما سحركم ابن أبي كبشة.


(1) سحبه - كمنعه -: جره على وجه الأرض فانسحب. (*)

[ 259 ]

المعنى: (يس) قد مضى الكلام في الحروف المعجمة عند مفتتح السور في أول البقرة، واختلاف الأقوال فيها. وقيل أيضا: يس معناه يا إنسان، عن ابن عباس، وأكثر المفسرين. وقيل: معناه يا رجل، عن الحسن، وأبي العالية. وقيل: معناه يا محمد، عن سعيد بن جبير، ومحمد بن الحنفية. وقيل: معناه يا سيد الأولين والآخرين. وقيل: هو اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن علي بن أبي طالب، وأبي جعفر عليه السلام. وقد ذكرنا الرواية فيه قبل. (والقرآن الحكيم) أقسم سبحانه بالقرآن المحكم من الباطل. وقيل: سماه حكيما لما فيه من الحكمة، فكأنه المظهر للحكمة، الناطق بها. (إنك لمن المرسلين) أي: ممن أرسله الله تعالى بالنبوة، والرسالة (على صراط مستقيم) يؤدي بسالكه إلى الحق أو إلى الجنة. وقيل: معناه على شريعة واضحة، وحجة لائحة. (تنزيل العزيز) أي. هذا القرآن تنزيل العزيز في ملكه (الرحيم) بخلقه، ولذلك أرسله، ثم بين سبحانه الغرض في بعثته فقال: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) أي: لتخوف به من معاصي الله قوما لم ينذر آباؤهم قبلهم، لأنهم كانوا في زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، عن قتادة. وقيل: لم يأتهم نذير من أنفسهم وقومهم، وإن جاءهم من غيرهم، عن الحسن. وقيل: معناه لم يأتهم من أنذرهم بالكتاب حسب ما آتيت. وهذا على قول من قال: كان في العرب قبل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من هو نبي كخالد بن سنان، وقس بن ساعدة، وغيرهما. وقيل: معناه لتنذر قوما كما أنذر آباؤهم، عن عكرمة. (فهم غافلون) عما تضمنه القرآن، وعما أنذر الله به من نزول العذاب. والغفلة مثل السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس. ثم أقسم سبحانه مرة أخرى، فقال: (لقد حق القول على أكثرهم) أي: وجب الوعيد، واستحقاق العقاب عليهم (فهم لا يؤمنون) ويموتون على كفرهم، وقد سبق ذلك في علم الله تعالى. وقيل: تقديره لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا يؤمنون، فهم لا يؤمنون، وذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا يؤمنون، فحق قوله عليهم. (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان) يعني أيديهم، كنى عنها، وإن لم يذكرها، لأن الأعناق والأغلال تدلان عليها، وذلك أن الغل إنما يجمع اليد إلى الذقن والعنق، ولا يجمع الغل العنق إلى الذقن. وروي عن ابن عباس، وابن

[ 260 ]

مسعود أنهما قرءا: إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا. وقرأ بعضهم: في أيديهم. والمعنى في الجميع واحد، لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، ومثل هذا قول الشاعر. وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الخير الذي لا يأتليني ذكر الخير وحده. ثم قال: أيهما يليني لأنه قد علم أن الخير والشر معرضان للإنسان، فلم يدر أيلقاه هذا أم ذلك. ومثله في التنزيل. (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) ولم يقل البرد، لأن ما يقي من الحر يقي من البرد. واختلف في معنى الآية على وجوه أحدها: إنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل، وتقديره: مثل هؤلاء المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه، كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه، لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير، ورجل طامح برأسه لا يبصر موطئ قدميه، عن الحسن، والجبائي قال: ونظيره قول الأفوه الأودي: كيف الرشاد، وقد صرنا إلى أمم، لهم عن الرشد أغلال، وأقياد ونحوه كثير في كلام العرب وثانيها: إن المعنى كأن هذا القرآن أغلال في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه وتدبره لثقله عليهم، وذلك أنهم لما استكبروا عنه، وأنفوا من اتباعه، وكان المستكبر رافعا رأسه، لاويا عنقه، شامخا بأنفه، لا ينظر إلى الأرض، صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم. وإنما أضاف ذلك إلى نفسه، لأن عند تلاوته القرآن عليهم، ودعوته إياهم، صاروا بهذه الصفة، فهو مثل قوله: (حتى أنسوكم ذكري) عن أبي مسلم وثالثها: إن المعني بذلك ناس من قريش، هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعلت أيديهم إلى) أعناقهم، فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يدا، عن ابن عباس، والسدي ورابعها: إن المراد به وصف حالهم يوم القيامة، فهو مثل قوله. (إذ الأغلال في أعناقهم)، وإنما ذكره بلفظ الماضي للتحقيق. وقوله: (فهم مقمحون) أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم، ورفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا، فهم مرفوعو الرأس برفع الأغلال إياها، عن الأزهري، ويدل على هذا المعنى قول قتادة: مقمحون مغلولون. (وجعلنا من بين

[ 261 ]

أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الإيمان، وقبول الحق، وذلك عبارة عن خذلان الله إياهم لما كفروا، فكأنه قال: وتركناهم مخذولين، فصار ذلك من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا. وإذا قلنا إنه وصف حالهم في الآخرة، فالكلام على حقيقته، ويكون عبارة عن ضيق المكان في النار، بحيث لا يجدون متقدما، ولا متأخرا، إذ سد عليهم جوانبهم. وإذا حملناه على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفار منعا، ومن خلفهم منعا، حتى لم يبصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقوله: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) أي: أغشينا أبصارهم فهم لا يبصرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد روي أن أبا جهل هم بقتله صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا خرج بالليل لا يراه، ويحول الله بينه وبينه. وقيل: فأغشيناهم فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى. وقيل: فأغشيناهم العذاب، فهم لا يبصرون النار. وقيل: معناه أنهم لما انصرفوا عن الإيمان والقرآن، لزمهم ذلك حتى لم يكادوا يتخلصون منه بوجه، كالمغلول والمسدود عليه طرقه (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) هذا مفسر في سورة البقرة. (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثرهم وكل شئ أحصينه في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا أصحب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلغ المبين (17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا طئركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19)

[ 262 ]

وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يقوم اتبعوا المرسلين (20)). القراءة: قرأ أبو بكر: (فعززنا) بالتخفيف. والباقون بتشديد الزاي. وقرأ أبو عمرو، وقالون، عن نافع، وزيد، عن يعقوب: (إن ذكرتم) بهمزة واحدة غير ممدودة. وقرأ ابن كثير، ويعقوب، ونافع: (آن ذكرتم) بهمزة واحدة ممدودة. وقرأ أبو جعفر: (أئن) بهمزة واحدة مطولة والثانية ملينة مفتوحة (ذكرتم) مخففة. والباقون: (أئن ذكرتم) بهمزتين. الحجة: قال أبو علي: قال بعضهم عززنا قوينا وكثرنا. وأما عززنا فغلبنا من قوله تعالى (وعزني في الخطاب). وقوله (ءإن ذكرتم)، فإنما هي إن الجزاء دخلت عليها ألف الإستفهام، والمعنى: ءإن ذكرتم تشاءمتم، فحذف الجواب لأن تطيرنا تفعلنا من الطائر عند العرب الذي به يتشاءمون ويتيمنون. ومن قرأ (أئن ذكرتم) بفتح (أن) فالمعنى: ألأن ذكرتم تشاءمتم. وأما تخفيف الهمزة وتحقيقها فقد تقدم ذكرهما في مواضع. الاعراب: (وكل شئ): منصوب بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر الذي هو (أحصيناه) والتقدير: أحصينا كل شئ أحصيناه. (أصحاب القرية): بدلا من (مثلا). (إذ جاءها المرسلون): العامل في (إذ) محذوف تقديره قصة أصحاب القرية كائنة إذ جاءها المرسلون. و (إذ أرسلنا): بدلا من الأول. المعنى: لما أخبر سبحانه عن أولئك الكفار أنهم لا يؤمنون، وأنهم سواء عليهم الإنذار وترك الإنذار، عقبه بذكر حال من ينتفع بالإنذار، فقال: (إنما تنذر من اتبع الذكر) والمعنى: إنما ينتفع بإنذارك وتخويفك من اتبع القرآن، لأن نفس الإنذار قد حصل للجميع. (وخشي الرحمن بالغيب) أي: في حال غيبته عن الناس بخلاف المنافق. وقيل: معناه وخشي الرحمن فيما غاب عنه من أمر الآخرة. (فبشره) أي: فبشر يا محمد من هذه صفته (بمغفرة) من الله لذنوبه (وأجر كريم) أي: ثواب خالص من الشوائب. ثم أخبر سبحانه عن نفسه فقال: (إنا نحن نحيي الموتى) في القيامة للجزاء (ونكتب ما قدموا) من طاعتهم ومعاصيهم في دار الدنيا، عن مجاهد، وقتادة. وقيل: نكتب ما قدموه من عمل ليس له أثر (وآثارهم) أي: ما يكون له أثر، عن

[ 263 ]

الجبائي. وقيل: يعني بآثارهم أعمالهم التي صارت سنة بعدهم يقتدى فيها بهم، حسنة كانت أم قبيحة. وقيل: معناه ونكتب خطاهم إلى المسجد، وسبب ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري: أن بني سلمة كانوا في ناحية المدينة، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد منازلهم من المسجد والصلاة معه، فنزلت الآية. وفي الحديث عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم) رواه البخاري ومسلم في الصحيح. (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) أي: وأحصينا وعددنا كل شئ من الحوادث في كتاب ظاهر، وهو اللوح المحفوظ. والوجه في إحصاء ذلك فيه اعتبار الملائكة به إذ قابلوا به ما يحدث من الأمور، ويكون فيه دلالة على معلومات الله سبحانه على التفصيل. وقيل: أراد به صحائف الأعمال، وسمي ذلك مبينا، لأنه لا يدرس أثره، عن الحسن. ثم قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (واضرب لهم) يا محمد (مثلا) أي: مثل لهم مثالا، وهو من قولهم: هؤلاء أضراب أي: أمثال. وقيل: معناه واذكر لهم مثلا (أصحاب القرية) وهذه القرية أنطاكية في قول المفسرين. (إذ جاءها المرسلون) أي: حين بعث الله إليهم المرسلين (إذ أرسلنا إليهم اثنين) أي: رسولين من رسلنا (فكذبوهما) أي: فكذبوا الرسولين. قال ابن عباس: ضربوهما، وسجنوهما. (فعززنا بثالث) أي: فقويناهما، وشددنا ظهورهما برسول ثالث، مأخوذ من العزة وهي القوة والمنعة، ومنه قولهم: من عز بز أي: من غلب سلب. قال شعبة: كان اسم الرسولين: شمعون ويوحنا، واسم الثالث: بولس. وقال ابن عباس، وكعب: صادق، وصدوق، والثالث سلوم. وقيل: إنهم رسل عيسى، وهم الحواريون، عن وهب وكعب قالا: وإنما أضافهم تعالى إلى نفسه، لأن عيسى عليه السلام أرسلهم بأمره. (فقالوا إنا إليكم مرسلون) أي قالوا لهم: يا أهل القرية ! إن الله أرسلنا إليكم. (قالوا) يعني أهل القرية (ما أنتم إلا بشر مثلنا) فلا تصلحون للرسالة، كما لا نصلح نحن لها (وما أنزل الرحمن من شئ) تدعوننا إليه (إن أنتم إلا تكذبون) أي: ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون. اعتقدوا أن من كان مثلهم في البشر، لا يصلح أن يكون رسولا، وذهب عليهم أن الله، عز اسمه، يختار من يشاء

[ 264 ]

لرسالته، وأنه علم من حال هؤلاء صلاحهم للرسالة، وتحمل أعبائها. (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) وإنما قالوا ذلك بعد ما قامت الحجة بظهور المعجزة، فلم يقبلوها. ووجه الإحتجاج بهذا القول أنهم ألزموهم بذلك النظر في معجزاتهم، ليعلموا أنهم صادقون على الله، ففي ذلك تحذير شديد. (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي: وليس يلزمنا إلا أداء الرسالة، والتبليغ الظاهر. وقيل: معناه وليس علينا أن نحملكم على الإيمان، فإنا لا نقدر عليه. (قالوا) أي: قال هؤلاء الكفار في جواب الرسل، حين عجزوا عن إيراد شبهة، وعدلوا عن النظر في المعجزة (إنا تطيرنا بكم) أي: تشاءمنا بكم (لئن لم تنتهوا) عما تدعونه من الرسالة، (لنرجمنكم) بالحجارة، عن قتادة. وقيل: معناه لنشتمنكم، عن مجاهد. (وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا) يعني الرسل (طائركم معكم) أي: الشؤم كله معكم، بإقامتكم على الكفر بالله تعالى. فأما الدعاء إلى التوحيد، وعبادة الله تعالى، ففيه غاية البركة، والخير، واليمن، ولا شئ فيه. وقيل: معنى طائركم حظكم ونصيبكم من الخير والشر، عن أبي عبيدة، والمبرد. (أئن ذكرتم) أي: إن ذكرتم قلتم هذا القول. وقيل: معناه إن ذكرناكم هددتمونا، وهو مثل الأول. وقيل: معناه إن تدبرتم، عرفتم صحة ما قلناه لكم. (بل أنتم قوم مسرفون) معناه: ليس فينا ما يوجب التشاؤم بنا، ولكنكم متجاوزون عن الحد في التكذيب للرسل والمعصية. والإسراف. الإفساد، ومجاوزة الحد. والسرف: الفساد قال طرفة: إن امرءا سرف الفؤاد يرى عسلا بماء سحابة شتمي (1) أي: فاسد القلب (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) وكان اسمه حبيب النجار، عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين. وكان قد آمن بالرسل عند ورودهم القرية. وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة. فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل، وهموا بقتلهم، جاء يعدو ويشتد. (قال يا قوم اتبعوا المرسلين) الذين أرسلهم الله إليكم، وأقروا برسالتهم. قالوا: وإنما علم هو بنبوتهم، لأنهم لما دعوه


(1) أي: يرى شتمي حلوا عذبا. (*)

[ 265 ]

قال: أتأخذون على ذلك أجرا ؟ قالوا: لا. وقيل: إنه كان به زمانة أو جذام، فأبرأوه فآمن بهم، عن ابن عباس. القصة: قالوا: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى مدينة انطاكية، فلما قربا من المدينة، رأيا شيخا يرعى غنيمات له، وهو حبيب صاحب يس، فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما ؟ قالا: رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن. فقال: أمعكما آية ؟ قالا: نعم، نحن نشفي المريض، ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. فقال الشيخ: إن لي إبنا مريضا صاحب فراش منذ سنين. قالا: فانطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله. فذهب بهما، فمسحا ابنه، فقام في الوقت بإذن الله صحيحا. ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى. وكان لهم ملك يعبد الأصنام، فأنهي الخبر إليه، فدعاهما فقال لهما: من أنتما ؟ قالا: رسولا عيسى، جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر، إلي عبادة من يسمع ويبصر. فقال الملك: ولنا إله سوى آلهتنا ؟ قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما. فأخذهما الناس في السوق، وضربوهما. قال وهب بن منبه: بعث عيسى هذين الرسولين إلى انطاكية فأتياها ولم يصلا إلى ملكها، وطالت مدة مقامهما، فخرج الملك ذات يوم، فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بحبسهما، وجلد كل واحد منهما مئة جلدة. فلما كذب الرسولان، وضربا، بعث عيسى شمعون الصفا، رأس الحواريين، على أثرهما، لينصرهما. فدخل شمعون البلدة متنكرا، فجعل يعاشر حاشية الملك، حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه ورضي عشرته، وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن، وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل سمعت قولهما ؟ قال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما. فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى ههنا ؟ قالا: الله الذي خلق كل شئ، لا شريك له. قال: وما آيتكما ؟ قالا: ما تتمناه. فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين، وموضع عينيه كالجبهة. فما زالا يدعوان الله حتى

[ 266 ]

انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين، فوضعا في حدقتيه، فصارتا مقلتين يبصر بهما. فتعجب الملك. فقال شمعون للملك: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع صنيعا مثل هذا، فيكون لك ولإلهك شرفا ؟ فقال الملك: ليس لي عنك سرا، إن إلهنا الذي نعبده، لا يضر ولا ينفع. ثم قال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا: إلهنا قادر على كل شئ. فقال الملك: إن ها هنا ميتا منذ سبعة أيام لم ندفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبا، فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح، فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرا، فقام الميت، وقال لهم: إني قد مت منذ سبعة أيام، وأدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله فتعجب الملك. فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك، دعاه إلى الله، فآمن وآمن من أهل مملكته قوم، وكفر آخرون. وقد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي، وغيره، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام، إلا أن في بعض الروايات: بعث الله الرسولين إلى أهل أنطاكية، ثم بعث الثالث. وفي بعضها: أن عيسى أوحى الله إليه أن يبعثهما، ثم بعث وصيه شمعون ليخلصهما، وأن الميت الذي أحياه الله تعالى بدعائهما، كان ابن الملك، وأنه قد خرج من قبره ينفض التراب عن رأسه، فقال له: يا بني ! ما حالك ؟ قال: كنت ميتا، فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله تعالى أن يحييني. قال: يا بني فتعرفهما إذا رأيتهما ؟ قال: نعم. فأخرج الناس إلى الصحراء فكان يمر عليه رجل بعد رجل، فمر أحدهما بعد جمع كثير، فقال: هذا أحدهما. ثم مر الآخر فعرفهما، وأشار بيده إليهما، فآمن الملك، وأهل مملكته (1). وقال ابن إسحاق: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم، يذكرهم، ويدعوهم إلى طاعة الرسل. (اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) ومالى لا أعبد الذى


(1) والأظهر الأوفق بسياق الآيات هو القول الأول، وأنهم ما آمنوا بأجمعهم، بل في بعض التفاسير أن الغلبة للكفار والمكذبين، وهم الذين قتلوا حبيب النجار صاحب يس. (*)

[ 267 ]

فطرني وإليه ترجعون (22) ءأتخذ من دونه ءالهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إنى إذا لفى ضلل مبين (24) إنئ امنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يليت قومي يعلمون (26) بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين (27) * وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة وحدة فإذا هم خمدون (29) يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (30)). القراءة: قرأ أبو جعفر: (صيحة واحدة) بالرفع. والباقون بالنصب. وفي الشواذ قراءة ابن مسعود، وعبد الرحمن بن الأسود: (الأزقية) وقرأ الأعرج، ومسلم بن جندب: (يا حسره على العباد) ساكنة الهاء. وقراءة علي بن الحسن عليه السلام، وأبي بن كعب، وابن عباس، والضحاك، ومجاهد: (يا حسرة العباد) مضافا. الحجة: قال ابن جني: الرفع ضعيف لتأنيث الفعل، فلا يقوى أن تقول: ما قامت إلا هند، والمختار ما قام إلا هند. وذلك أن الكلام محمول على معناه أي: ما قام أحد إلا هند. ثم إنه لما كان محصول الكلام: قد كانت هناك صيحة واحدة، جئ بالتأنيث حملا للظاهر عليه. ومثله قراءة الحسن: (فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم) بالتاء في (ترى)، وعليه قول ذي الرمة: طوى النحز والأجراز ما في غروضها فما بقيت إلا الصدور الجراشع (1) وأما الزقية فمن زقا الطائر يزقو ويزقى زقاء وزقوا: إذا صاح وهي الزقية والزقوة، وكأنه إنما استعمل ههنا صياح الديك ونحوه، تنبيها على أن البعث بما فيه من عظيم


(1) البيت في (جامع الشواهد)، وفي بعض النسخ: (ترى)، بدل (طوى)، وهو تصحيف وكذلك (برى). و (ما) في قوله (ما في غروضها) موصولة، وتكون مفعولا لطوى، وليست بنافية كما زعمه بعض. (*)

[ 268 ]

القدرة في استثارة الموتى من القبور، سهل على الله تعالى، كزقية زقاها طائر. فهذا كقوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة). وأما من قرأ (يا حسره على العباد) بسكون الهاء، فيمكن أن يكون حسرة غيره معلقة بعلى، فيحسن الوقف عليها. ثم يعلق على بمضمر يدل عليه قوله حسرة، فكأنه قال: أتحسر على العباد، ومثل ذلك كثير في التنزيل. وإذا كان حسرة معلقة بعلى، أو موصوفة، فلا يحسن الوقف عليها دونه. وعلى هذا فيمكن أن يكون ذلك لتقوية المعنى في النفس، وذلك أنه موضع تنبيه وتذكير، فطال الوفف على الهاء، كما يفعله المستعظم للأمر، المتعجب منه، الدال على أنه قد بهره، وملك عليه لفظه، وخاطره. ثم قال من بعد على العباد. وأما من قرأ (يا حسرة العباد) مضافا، فإن فيه وجهين أحدهما: أن يكون العباد فاعلين في المعنى، كقوله: يا قيام زيد، والمعنى: كان العباد إذا شاهدوا العذاب تحسروا والآخر: إن العباد مفعولون في المعنى، وتدل عليه القراءة الظاهرة (يا حسرة على العباد) أي: يتحسر عليهم من يعنيه أمرهم، وهذا واضح. وفتح أبو عمرو الياء من قوله: (وما لي لا أعبد) لئلا يكون الإبتداء بلا أعبد. وقرأ في النمل: (ما لي لا أرى الهدهد) بسكون الياء. المعنى: ثم ذكر سبحانه تمام الحكاية عن الرجل الذي جاءهم من أقصى المدينة، فقال. (اتبعوا من لا يسئلكم أجرا) أي: وقال لهم اتبعوا معاشر الكفار من لا يطلبون منكم الأجر، ولا يسألونكم أموالكم، على ما جاءوكم به من الهدى (وهم) مع ذلك (مهتدون) إلى طريق الحق، سالكون سبيله. قال: فلما قال هذا أخذوه ورفعوه إلى الملك، فقال له الملك: أفأنت تتبعهم، فقال: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) أي: وأي شئ لي إذا لم أعبد خالقي الذي أنشأني، وأنعم علي، وهداني (وإليه ترجعون) أي: تردون عند البعث، فيجزيكم بكفركم. ثم أنكر اتخاذ الأصنام وعبادتهم، فقال: (ءأتخذ من دونه آلهة) أعبدهم (إن يردن الرحمن بضر) أي: إن أراد الله إهلاكي، والإضرار بي (لا تغن عني شفاعتهم شيئا) أي: لا تدفع، ولا تمنع شفاعتهم عني شيئا، والمعنى لا شفاعة لهم فتغني (ولا ينقذون) أي: ولا يخلصوني من ذلك الهلاك، أو الضرر والمكروه (إني إذا لفي ضلال مبين) أي: إني إن فعلت ذلك في عدول عن الحق واضح. والوجه في

[ 269 ]

هذا الإحتجاج أن العبادة لا يستحقها إلا الله سبحانه المنعم بأصول النعم، وبما لا نوازيه نعمة منعم. (إني آمنت بربكم) الذي خلقكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود. (فاسمعوني) أي: فاسمعوا قولي واقبلوه، عن وهب. وقيل: إنه خاطب بذلك الرسل أي: فاسمعوا ذلك مني حتى تشهدوا لي به عند الله، عن ابن مسعود قال: ثم إن قومه لما سمعوا ذلك القول منه، وطأوه بأرجلهم حتى مات، فأدخله الله الجنة، وهو حي فيها يرزق، وهو قوله (قيل ادخل الجنة) وقيل: رجموه حتى قتلوه، عن قتادة. وقيل: إن القوم لما أرادوا أن يقتلوه، رفعه الله إليه، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء الدنيا، وهلاك الجنة، عن الحسن، ومجاهد، وقال: إن الجنة التي دخلها يجوز هلاكها. وقيل: إنهم قتلوه إلا أن الله سبحانه أحياه، وأدخله الجنة، فلما دخلها (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) تمنى أن يعلم قومه بما أعطاه الله تعالى من المغفرة، وجزيل الثواب، ليرغبوا في مثله، وليؤمنوا لينالوا ذلك. وفي تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال. (سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب عليه السلام، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون، وعلي أفضلهم). (وجعلني من المكرمين) أي: من المدخلين الجنة. والإكرام هو إعطاء المنزلة الرفيعة على وجه التبجيل والإعظام. وفي هذا دلالة على نعيم القبر، لأنه إنما قال ذلك وقومه أحياء، وإذا جاز نعيم القبر جاز عذاب القبر، فإن الخلاف فيهما واحد. وما: في قوله (بما غفر لي ربي) مصدرية، والمعنى بمغفرة الله لي. ويجوز أن يكون معناه: بالذي غفر لي به ربي، فيكون إسما موصولا. ويجوز أن يكون المعنى: بأي شئ غفر لي ربي، فيكون استفهاما، يقال: علمت بما صنعت هذا بإثبات الألف، وبم صنعت هذا بحذفها، إلا أن الحذف أجود في هذا المعنى. ثم حكى سبحانه ما أنزله بقوله من العذاب والإستئصال، فقال: (وما أنزلنا على قومه من بعده) أي: من بعد قتله، أو من بعد رفعه (من جند من السماء) يعني الملائكة أي: لم ننتصر منهم بجند من السماء، ولم ننزل لإهلاكهم بعد قتلهم الرسل، جندا من السماء يقاتلونهم (وما كنا منزلين) أي: وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم. وقيل: معناه وما أنزلنا على قومه من بعده، رسالة من السماء. قطع

[ 270 ]

الله عنهم الرسالة حين قتلوا رسله، عن مجاهد، والحسن، والمراد: أن الجند هم ملائكة الوحي الذين ينزلون على الأنبياء. ثم بين سبحانه بأي شئ كان هلاكهم، فقال: (إن كانت إلا صيحة واحدة) أي: كان إهلاكهم عن آخرهم، بأيسر أمر، صيحة واحدة، حتى هلكوا بأجمعهم. (فإذا هم خامدون) أي: ساكنون قد ماتوا. قيل: إنهم لما قتلوا حبيب بن مري النجار، غضب الله عليهم، فبعث جبرائيل حتى أخذ بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة، فماتوا عن آخرهم، لا يسمع لهم حس، كالنار إذا طفئت (يا حسرة على العباد) معناه: يا ندامة على العباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا. ثم بين سبب الحسرة فقال: (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون) عن مجاهد. وهذا من قول الله سبحانه. والمعنى: إنهم حلوا محل من يتحسر عليه. وقيل: إن المعنى يا ويلا على العباد، عن ابن عباس. ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الرجل المذكور. وقال أبو العالية: إنهم لما عاينوا العذاب قالوا: يا حسرة على العباد، يعني على الرسل، حيث لم نؤمن بهم، فتمنوا الإيمان، وندموا حين لم تنفعهم الندامة. قال الزجاج: إذا قال قائل: ما الفائدة في مناداة الحسرة، والحسرة مما لا تجيب ؟ فالفائدة في ذلك: أن النداء باب تنبيه، فإذا قلت للمخاطب: أنا أعجب مما فعلت، فقد أفدته أنك متعجب. وإذا قلت: واعجباه مما فعلت، ويا عجباه تفعل كذا، كان دعاؤك العجب أبلغ في الفائدة. والمعنى: يا عجب أقبل، فإنه من أوقاتك. وكذلك إذا قلت: ويل زيد لم فعل كذا، ثم قلت: يا ويل زيد لم فعل كذا، كان أبلغ، وكذلك في كتاب الله تعالى: يا ويلتا، ويا حسرتا، ويا حسرة على العباد والحسرة: أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية بعده، حتى يبقى قلبه حسيرا. (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وءاية لهم الأرض الميتة أحيينها وأخرجنا منها

[ 271 ]

حبا فمنه يأكلون (33) وجعلنا فيها جنت من نخيل وأعنب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35)). القراءة: قرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر. (لما جميع) بتشديد الميم. والباقون بالتخفيف. وقرأ أهل الكوفة، غير حفص: (وما عملت) بغير هاء. والباقون: (وما عملته). الحجة: من خفف الميم من (لما): فإن من قوله: (وإن كل) مخففة من الثقيلة وما من (لما) مزيدة، والتقدير وإنه كل لجميع لدينا محضرون، ومن شدد الميم من (لما) فإن ههنا بمعنى إلا، يقال: سألتك لما فعلت كذا، وإلا فعلت. وإن نافية فيكون التقدير ما كل إلا محضرون. وقوله (وما عملت أيديهم)، فإن الحذف في التنزيل من هذا كثير، نحو قوله (وسلام على عباده الذين اصطفى)، و (أهذا الذي بعث الله رسولا). وموضع (ما) جر، والتقدير وليأكلوا مما عملته أيديهم. ويجوز أن يكون (ما) نافية أي: ولم تعمله أيديهم. ويقوي ذلك قوله: (ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون). الاعراب: (إنهم إليهم لا يرجعون): بدل من (كم أهلكنا)، والتقدير: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. (كم) في موضع نصب بأهلكنا. المعنى: ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال: (ألم يروا) أي: ألم يعلم هؤلاء الكفار (كم أهلكنا قبلهم من القرون) أي: كم قرنا أهلكناهم مثل عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم (أنهم إليهم لا يرجعون) والمعنى: ألم يروا أن القرون التي أهلكناهم لا يرجعون إليهم أي: لا يعودون إلى الدنيا، أفلا يعتبرون بهم. ووجه التذكير بكثرة المهلكين أي: إنكم ستصيرون إلى مثل حالهم، فانظروا لأنفسكم، واحذروا أن يأتيكم الهلاك. وأنتم في غفلة وغرة، كما أتاهم. ويسمى أهل كل عصر قرنا، لاقترانهم في الوجود. (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) معناه: إن الأمم يوم القيامة يحضرون فيقفون على ما عملوه في الدنيا، أي: وكل الماضين والباقين مبعوثون للحساب والجزاء. ثم قال سبحان: (وآية لهم) أي: ودلالة وحجة قاطعة لهم على قدرتنا على البعث (الأرض الميتة أحييناها) أي: الأرض القحطة المجدبة التي لا تنبت،

[ 272 ]

أحييناها بالنبات (وأخرجنا منها حبا) أي: كل حب يتقوتونه مثل الحنطة والشعير والأرز، وغيرها من الحبوب. (فمنه يأكلون) أي: فمن الحب يأكلون (وجعلنا فيها جنات) أي: بساتين (من نخيل وأعناب). وإنما خص النوعين لكثرة أنواعهما، ومنافعهما (وفجرنا فيها من العيون) أي: وفجرنا في تلك الأرض الميتة، وفى تلك الجنات عيونا من الماء، ليسقوا بها الكرم والنخيل. ثم بين سبحانه أنه إنما فعل ذلك (ليأكلوا من ثمره) أي: من ثمر النخيل. رد الضمير إلى أحد المذكورين، كما قال: (ولا ينفقونها في سبيل الله) والمعنى: غرضنا نفعهم بذلك، وانتفاعهم بأكل ثمار الجنات. (وما عملته أيديهم) أي: ولم تعمل تلك الثمار أيديهم، هذا إذا كان (ما) بمعنى النفي. قال الضحاك أي: وجدوها معمولة، ولا صنع لهم فيها، أراد أنه من صنع الخالق، ولم يدخل في مقدورات الخلائق. وإذا كان بمعنى الذي فالتقدير: والذي عملته أيديهم من أنواع الأشياء المتخذة من النخل والعنب الكثيرة منافعها. وقيل: تقديره ومن ثمره ما عملته أيديهم يعني الغروس والزروع التي قاسوا حراثتها. (أفلا يشكرون) أي: ألا يشكرون الله تعالى على مثل هذه النعم. وهذا تنبيه منه سبحانه لخلقه على شكر نعمائه، وذكر جميل بلائه. (سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغى لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40)). القراءة: قرأ زيد عن يعقوب: (لمستقر لها) بكسر القاف. والباقون بفتحها. وقرأ أهل الحجاز، والبصرة، غير أبي جعفر، ورويس: (والقمر) بالرفع. والباقون: بالنصب. وروي عن علي بن الحسين، زين العابدين عليه السلام، وأبي جعفر الباقر، وجعفر الصادق عليهما السلام، وابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: (لا مستقر لها) بنصب الراء.

[ 273 ]

الحجة: قال أبو علي: الرفع على تقدير: (وآية لهم القمر قدرناه منازل) مثل قوله (وآية لهم الليل) فهو على هذا أشبه بالجمل التي قبلها. والقول في آية أنه يرتفع بالإبتداء، ولهم: صفة للنكرة. والخبر مضمر تقديره: وآية لهم في الشاهد، أو الوجود. وقوله (الليل نسلخ منه النهار والقمر قدرناه منازل) تفسير للآية، كما أن قوله تعالى. (لهم مغفرة) تفسير للوعد (1). (وللذكر مثل حظ الأنثيين): تفسير للوصية (2). ومن نصب، فقد حمله على زيدا ضربته. وأما قوله (لا مستقر لها)، فظاهره العموم والمعنى الخصوص فهو بمنزلة قوله: أبكي لفقدك ما ناحت مطوقة، وما سما فنن يوما على ساق (3) والمعنى لو عشت أبدا لبكيتك. وكذلك قوله (لا مستقر لها) أي: ما دامت السماوات على ما هي عليه، فإذا زالت السماوات استقرت الشمس، وبطل سيرها. اللغة: السلخ: إخراج الشئ من لباسه، ومنه إخراج الحيوان من جلده، ومنه قوله: (فانسلخ منها) أي: فخرج منها خروج الشئ مما لابسه. و (العرجون): العذق الذي فيه الشماريخ وهو العثكول والعثكال والكباسة، والقنو وهو فعلول. قال رؤبة. (في خدر مياس الدمى معرجن) (4). الاعراب: (والقمر قدرناه منازل): تقديره ذا منازل، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ولا يجوز أن يكون بلا حذف، لأن القمر غير المنازل، وإنما يجري فيها. ولا يجوز أن ينصب (منازل) على الظرف، لأنه محدود. والفعل لا يصل إلى المحدود إلا بحرف جر نحو: جلست في المسجد، ولا يجوز: جلست المسجد. المعنى: ثم نزه سبحانه نفسه، وعظمها دالا بذلك على أنه هو الذي يستحق


(1) أي في قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم) المائدة، الآية 9. (2) أي في قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) النساء: 11. (3) المطوقة: الحمامة التي في عنقها طوق. والفنن: الغصن. (4) الخدر: الستر. والمياس: المتبختر. والدمى: جمع الدمية: الصنم، وقيل: الصورة المنقشة من العاج، أو الرخام، و (معرجن) أي: مصور فيه صورة النخل من قولهم عرجن الثوب: صور فيه صور العراجين. (*)

[ 274 ]

منتهى الحمد، وغاية الشكر، فقال: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها) أي: تنزيها، وتعظيما، وبراءة عن السوء، للذي خلق الأصناف والأشكال من الأشياء، فالحيوان على مشاكلة الذكر للأنثى، وكذلك النخل والحبوب أشكال، والتين والكرم ونحوهما أشكال، فلذلك قال: (مما تنبت الأرض) أي: من سائر النبات (ومن أنفسهم) أي: وخلق منهم أولادا أزواجا، ذكورا وإناثا. (ومما لا يعلمون) مما في بطون الأرض، وقعر البحار، فلم يشاهدوه، ولم يتصل خبره بهم. (وآية لهم) أي: ودلالة لهم أخرى (الليل نسلخ منه النهار) أي: ننزع منه، ونخرج ضوء الشمس، فيبقى الهواء مظلما، كما كان، لأن الله سبحانه يضئ الهواء بضياء الشمس، فإذا سلخ منه الضياء أي: كشط وأزيل، يبقى مظلما. وقيل: إنما قال سبحانه (نسلخ منه النهار) لأنه تعالى جعل الليل كالجسم لظلمته، وجعل النهار كالقشر، ولأن النهار عارض، فهو كالكسوة، والليل أصل فهو كالجسم. وقوله: (فإذا هم مظلمون) أي: داخلون في الليل، لا ضياء لهم فيه (والشمس تجري لمستقر لها) معناه: ودلالة أخرى لهم الشمس. وفي قوله (لمستقر لها) أقوال أحدها: إنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا، فلا تزال تجري حتى تنقضي الدنيا، عن جماعة من المفسرين. قال أبو مسلم: ومعنى هذا، ومعنى لا مستقر لها واحد أي: لا قرار لها إلى انقضاء الدنيا وثانيها: إنها تجري لوقت واحد لا تعدوه، ولا يختلف، عن قتادة وثالثها: إنها تجري إلى أقصى منازلها في الشتاء والصيف، لا تتجاوزها. والمعنى أن لها في الإرتفاع غاية لا تتجاوزها، ولا تنقطع دونها، ولها في الهبوط غاية لا تتجاوزها، ولا تقصر عنها، فهو مستقرها. (ذلك تقدير العزيز) أي: القادر الذي لا يعجزه شئ (العليم) الذي لا يخفى عليه شئ. (والقمر قدرناه منازل) وهي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل كل يوم وليلة منزلة منها، لا يختلف حاله في ذلك إلى أن يقطع الفلك. (حتى عاد كالعرجون القديم) أي: عاد في آخر الشهر دقيقا كالعذق اليابس العتيق، ثم يخفى يومين آخر الشهر، وإنما شبهه سبحانه بالعذق، لأنه إذا مضت عليه الأيام جف وتقوس، فيكون أشبه الأشياء بالهلال. وقيل: إن العذق يصير كذلك في كل ستة أشهر.

[ 275 ]

روى علي بن إبراهيم بإسناده قال: دخل أبو سعيد المكاري، وكان واقفيا على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أبلغ من قدرك أنك تدعي ما ادعاه أبوك ؟ فقال له أبو الحسن: ما لك أطفأ الله نورك، وأدخل الفقر بيتك، أما علمت أن الله، عز وجل، أوحى إلى عمران: إني واهب لك ذكرا يبرئ الأكمه والأبرص، فوهب له مريم، ووهب لمريم عيسى، فعيسى من مريم، ومريم من عيسى، ومريم وعيسى شئ واحد، وأنا من أبي، وأبي مني، وأنا وأبي شئ واحد ؟ فقال له أبو سعيد: فأسألك عن مسألة ؟ قال: سل، ولا أخالك تقبل مني، ولست من غنمي، ولكن هلمها. قال: ما تقول في رجل قال عند موته: كل مملوك لي قديم، فهو حر لوجه الله ؟ فقال أبو الحسن: ما ملكه لستة أشهر فهو قديم، وهو حر. قال: وكيف صار كذلك ؟ قال: لأن الله تعالى يقول: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) أسماه الله قديما، ويعود كذلك لستة أشهر. قال: فخرج أبو سعيد من عنده، وذهب بصره، وكان يسأل على الأبواب حتى مات. (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) في سرعة سيره، لأن الشمس أبطأ سيرا من القمر، فإنها تقطع منازلها في سنة، والقمر يقطعها في شهر، والله سبحانه يجريهما إجراء التدوير، باين بين فلكيهما ومجاريهما، فلا يمكن أن يدرك أحدهما الآخر، ما داما على هذه الصفة. (ولا الليل سابق النهار) أي: ولا يسبق الليل النهار. وقيل: معناه لا يجتمع ليلتان ليس بينهما يوم، بل تتعاقبان كما قدره الله تعالى، عن عكرمة. وروى العياشي في تفسيره بالإسناد عن الأشعث بن حاتم، قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا عليه السلام والفضل بن سهل والمأمون، في إيوان الحبري بمرو، فوضعت المائدة، فقال الرضا عليه السلام إن رجلا من بني إسرائيل بالمدينة، فقال: النهار خلق قبل أم الليل ؟ فما عندكم ؟ قال: فأداروا الكلام، فلم يكن عندهم في ذلك شئ، فقال الفضل للرضا: أخبرنا بها أصلحك الله ! قال: نعم من القرآن أم من الحساب ؟ قال له الفضل: من جهة الحساب. فقال: قد علمت يا فضل أن طالع الدنيا السرطان، والكواكب في مواضع شرفها، فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والشمس في الحمل، والقمر في الثور، فذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل، في العاشر من الطالع، في وسط السماء. فالنهار خلق قبل الليل. وفي قوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار) أي: قد سبقه النهار.

[ 276 ]

ثم قال: (وكل) من الشمس، والقمر، والنجوم (في فلك يسبحون) يسيرون فيه بانبساط، وكل ما انبسط في شئ، فقد سبح فيه، ومنه السباحة في الماء، وإنما قال (يسبحون) بالواو والنون، لما أضاف إليها ما هو من فعل الآدميين، كما قال: (ما لكم لا تنطقون) لما وصفها بصفة من يعقل. وقال ابن عباس: يسبحون أي: يجري كل واحد منها في فلكه، كما يدور المغزل في الفلكة. (وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ءامنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلل مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (48) ما ينظرون إلا صيحة وحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50)). القراءة: قرأ أهل المدينة، وابن عامر، ويعقوب، وسهل: (ذرياتهم) على الجمع. والباقون: (ذريتهم) على التوحيد. وقرأ ابن كثير، وورش، ومحمد بن حبيب، عن الأعمس، وروح، وزيد عن يعقوب. (يخصمون) بفتح الياء والخاء، وتشديد الصاد. وقرأ أبو عمرو بفتح الخاء أيضا، إلا أنه يشمه الفتح، ولا يشبعه. وقرأ أهل المدينة، غير ورش: (يخصمون) ساكنة الخاء، مشددة الصاد. وقرأ حمزة: (يخصمون) ساكنة الخاء، خفيفة الصاد. والباقون: (يخصمون) بفتح الياء، وكسر الخاء، وتشديد الصاد. الحجة: من قرأ (يخصمون) حذف الحركة من التاء المدغم في يختصمون، وألقاها على الساكن الذي قبلها، وهو الخاء. وهذا أحسن الوجوه بدلالة قولهم رد،

[ 277 ]

وفر، وعض، ألقوا حركة العين على الساكن الذي قبلها. ومن قرأ (يخصمون): حذف الحركة من الحرف المدغم، إلا أنه لم يلقها على الساكن الذي قبلها، كما ألقاه في الأول، فالتقى الساكنان، فحرك الحرف الذي قبل المدغم بالكسر. ومن قرأ (يخصمون) جمع بين الساكنين الخاء، والحرف المدغم. قال أبو علي: ومن زعم أن ذلك ليس في طاقة اللسان، فقد ادعى ما يعلم فساده بغير استدلال. وأما من قرأ (يخصمون): وتقديره يخصم بعضهم بعضا، فحذف المضاف، وحذف المفعول به. ويجوز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عند أنفسهم، فحذف المفعول به، ومعنى يخصمون. يغلبون في الخصام خصومهم. اللغة: الحمل: منع الشئ أن يذهب إلى جهة السفل. والفلك: السفن لأنها تدور في الماء، ومنه الفلكة. لأنها تدور في المغزل. والفلك: لأنها تدور بالنجوم. وفلك ثدي المرأة: إذا استدار. والمشحون: المملوء. وشحنت الثغر بالرجال، أشحنه شحنا: إذا ملأته. ومنه الشحنة: لأنه يملأ بهم البلد. الاعراب: (رحمة منا): نصب على أنه مفعول له. و (متاعا): عطف عليه، ويمكن أن يكون على معنى إلا أن نرحمهم رحمة، ونمتعهم متاعا. المعنى: ثم امتن سبحانه على خلقه بذكر فنون نعمه، دالا بذلك على وحدانيته، فقال: (وآية لهم) أي: وحجة وعلامة لهم على اقتدارنا (أنا حملنا ذريتهم) يعني آباءهم وأجدادهم الذين هؤلاء من نسلهم (في الفلك المشحون) يعني سفينة نوح المملوءة من الناس، وما يحتاج إليه من فيها، فسلموا من الغرق، فانتشر منهم بشر كثير. ويسمى الآباء ذرية من ذرأ الله الخلق، لأن الأولاد خلقوا منهم. وسمي الأولاد ذرية لأنهم خلقوا من الآباء، عن الضحاك، وقتادة، وجماعة من المفسرين. وقيل: الذرية هم الصبيان والنساء. والفلك هي السفن الجارية في البحار. وخص الذرية بالحمل في الفلك لضعفهم، ولأنه لا قوة لهم على السفر، كقوة الرجال. فسخر الله لهم السفن، ليمكن الحمل في البحر، والإبل ليمكن الحمل في البر. يقول القائل: حملني فلان إذا أعطاه ما يحمل، أو هداه إلى ما يحمل عليه. قال الشاعر: ألا فتى عنده خفان يحملني عليهما. إنني شيخ على سفر

[ 278 ]

(وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) أي: وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح سفنا، يركبون فيها كما ركب نوح، يعني السفن التي عملت بعد سفينة نوح مثلها على صورتها وهيئتها، عن ابن عباس وغيره. وقيل: إن المراد به الإبل وهي سفن البر، عن مجاهد. وقيل: مثل السفينة من الدواب كالإبل، والبقر، والحمير، عن الجبائي. (وإن نشأ نغرقهم) أي: وإن نشأ إذا حملناهم في السفن، نغرقهم بتهييج الرياح، والأمواج. (فلا صريخ لهم) أي: لا مغيث لهم (ولا هم ينقذون) أي: ولا يخلصون من الغرق إذا أردناه. (إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين) أي: إلا أن نرحمهم بأن نخلصهم في الحال من أهوال البحر، ونمتعهم إلى وقت ما قدرناه، لتقضى آجالهم. وقيل: معناه بقيناهم نعمة منا عليهم، وإمتاعا إلى مدة (وإذا قيل لهم) أي: للمشركين (اتقوا ما بين أيديكم) من أمر الآخرة، فاعملوا لها (وما خلفكم) من أمر الدنيا فاحذروها، ولا تغتروا بها (لعلكم ترحمون) أي: لتكونوا على رجاء الرحمة من الله تعالى، عن ابن عباس. وقيل: معناه اتقوا ما مضى من الذنوب، وما يأتي من الذنوب، عن مجاهد أي: اتقوا عذاب الله بالتوبة للماضي، والإجتناب للمستقبل. وقيل: اتقوا العذاب المنزل على الأمم الماضية، وما خلفكم من عذاب الآخرة، عن قتادة. وروى الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: معناه اتقوا ما بين أيديكم من الذنوب، وما خلفكم من العقوبة. وجواب إذا محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا. ويدل على هذا المحذوف، قوله: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) أي: أعرضوا عن الداعي، وعن التفكر في الحجج، وفي المعجزات، و (من) في قوله (من آية): هي التي تزاد في النفي للإستغراق. و (من) الثانية. للتبعيض، أي: ليس تأتيهم آية، أية آية كانت، إلا ذهبوا عنها، وأعرضوا عن النظر فيها، وذلك سبيل من ضل عن الهدى، وخسر الدنيا والآخرة. (وإذا قيل لهم) أيضا (أنفقوا مما رزقكم الله) في طاعته، وأخرجوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم. (قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) أحتجوا في منع الحقوق بأن قالوا: كيف نطعم من يقدر الله على إطعامه، ولو شاء الله إطعامه أطعمه، فإذا لم يطعم دل على أنه لم يشأ إطعامه. وذهب عليهم أن الله سبحانه إنما تعبدهم بذلك لما لهم فيه من المصلحة. فأمر الغني بالإنفاق على

[ 279 ]

الفقير ليكسب به الأجر والثواب. واختلف في هؤلاء الذين قالوا ذلك فقيل: هم اليهود حين أمروا بإطعام الفقراء، عن الحسن. وقيل: هم مشركو قريش، قال لهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أطعمونا من أموالكم ما زعمتم أنه لله، وذلك قوله: (هذا لله بزعمهم) عن مقاتل. وقيل: هم الزنادقة الذين أنكروا الصانع، تعلقوا بقوله (رزقكم الله) فقالوا: إن كان هو الرزاق فلا فائدة في التماس الرزق منا، وقد رزقنا وحرمكم، فلم تأمرون بإعطاء من حرمه الله. (إن أنتم إلا في ضلال مبين) هذا من قول الكفار لمن أمرهم بالإطعام، عن قتادة. وقيل: إنه من قول الله تعالى لهم حين ردوا بهذا الجواب، عن علي بن عيسى. (ويقولون متى هذا الوعد) الذي تعدنا به من نزول العذاب بنا (إن كنتم صادقين) في ذلك أنت وأصحابك. وهذا استهزاء منهم بخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخبر المؤمنين. فقال تعالى في جوابهم: (ما ينظرون) أي: ما ينتظرون (إلا صيحة واحدة) يريد النفخة الأولى، عن ابن عباس، يعني أن القيامة تأتيهم بغتة (تأخذهم) الصيحة (وهم يخصمون) أي: يختصمون في أمورهم، ويتبايعون في الأسواق. وفي الحديث: (تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم) وقيل: وهم يختصمون هل ينزل بهم العذاب، أم لا (فلا يستطيعون توصية) يعني أن الساعة إذا أخذتهم بغتة، لم يقدروا على الإيصاء بشئ (ولا إلى أهلهم يرجعون) أي: ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق. وهذا إخبار عما يلقونه في النفخة الأولى عند قيام الساعة. (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة وحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحب الجنة اليوم

[ 280 ]

في شغل فكهون (55) هم وأزوجهم في ظلل على الأرآئك متكئون (56) لهم فيها فكهة ولهم ما يدعون (57) سلم قولا من رب رحيم (58) وامتزوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يبنئ ادم أن لا تعبدوا الشيطن إنه لكم عدو مبين (60)). القراءة: قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وروح: (في شغل) ساكنة الغين. والباقون: (في شغل) بضم الغين. وقرأ أبو جعفر: (فكهون) بغير ألف حيث وقع، ووافقه حفص في المطففين (انقلبوا فكهين). وقرأ الآخرون بالألف كل القرآن. وقرأ أهل الكوفة غير عاصم (في ظلل) بضم الظاء بلا ألف. والباقون: (في ظلال). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قرأ: (من بعثنا من مرقدنا) وفي الشواذ قراءة ابن أبي ليلى: (يا ويلتا). وقرأ أبي بن كعب. (من هبنا (1) من مرقدنا). الحجة: الشغل والشغل لغتان، وكذلك الفكه والفاكه. والظلل: جمع ظلة. والظلال يجوز أيضا أن يكون جمع ظلة، فيكون كبرمة وبرام، وعلبة وعلاب. ويجوز أن يكون جمع ظل. وأما قوله (من بعثنا) فهو كقولك: يا ويلي من أخذك مني. قال ابن جني: من الأولى متعلقة بالويل كقولك: يا تألمي منك. وإن شئت كان حالا فتعلقت بمحذوف حتى كأنه قال: يا ويلنا كائنا من بعثنا. فجاز أن يكون حالا منه كما جاز أن يكون خبرا عنه في مثل قول الأعشى: قالت هريرة لما جئت زائرها: ويلي عليك، وويلي منك، يا رجل وذلك أن الحال ضرب من الخبر. وأما (من) في قوله (من مرقدنا)، فمتعلقة بنفس البعث. ومن قرأ (يا ويلتا)، فأصله يا ويلتي، فأبدلت الياء ألفا، لأنه نداء، فهو موضع تخفيف. فتارة تحذف هذه الياء نحو: غلام، وتارة بالبدل نحو: يا غلاما. قال: (يا أبتا علك أو عساكا) (2).


(1) على قول من قال: إن هب بمعنى أهب، يقال: أهبه من نومه أي: أيقظه. وأنكره ابن جني، وسيأتي الكلام فيه في الحجة. (2) هذا عجز بيت وصدره: (تقول بنتي قد أنى إناكا) وهو مذكور في (جامع الشواهد). (*)

[ 281 ]

فإن قلت: كيف قال (يا ويلتا) وهذا اللفظ للواحد، وهم جماعة ؟ فالقول: إنه يكون على أن كل واحد منهم قال: يا ويلتا من بعثنا من مرقدنا، ونحوه قوله: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) أي: فاجلدوا كل واحد منهم. ومثله ما حكاه أبو زيد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، وأعطانا كلنا مائة أي: كسا كل واحد منا حلة، وأعطى كل واحد منا مائة. وأما (هبنا)، فيمكن أن يكون هب لغة في أهب، ويمكن أن يكون على معنى هب بنا أي: أيقظنا. ثم حذف حرف الجر فوصل الفعل. اللغة: قال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، مثل بسرة وبسر، وهو مشتق من صاره يصوره صورا: إذا أماله. فالصورة تميل إلى مثلها بالمشاهدة. والجدث: القبر، وجمعه الأجداث، وهذه لغة أهل العالية. ويقول أهل السافلة بالفاء جدف. والنسول: الإسراع في الخروج، يقال: نسل ينسل وينسل. قال امرؤ القيس. وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (1) وقال آخر. عسلان الذئب أمسى قاربا برد الليل عليه فنسل (1) الاعراب: (هذا ما وعد الرحمن): مبتدأ وخبر، ويكون (من بعثنا من مرقدنا) كلاما تاما يوقف عليه. ويجوز أن يكون هذا من نعت (مرقدنا) أي: مرقدنا الذي كنا راقدين فيه، فيكون الوقف على (مرقدنا هذا)، ويكون (ما وعد الرحمن) خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر على تقدير: هذا ما وعد الرحمن، أو حق ما وعد الرحمن. (سلام) بدل من (ما)، والمعنى لهم ما يتمنون لهم سلام. و (قولا): منصوب على أنه مصدر فعل محذوف أي: يقوله الله قولا. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن النفخة الثانية، وما يلقونه فيها إذا بعثوا بعد الموت، فقال: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث) وهي القبور (إلى ربهم) أي: إلى الموضع الذي يحكم الله فيه، لا حكم لغيره هناك (ينسلون) أي:


(1) هذا بيت من المعلقة، وقد مر، وكذا البيت الآتي. (2) قائله لبيد، وقيل: هو للنابغة الجعدي، وعسل الذئب: مضى مسرعا، وأضطرب في عدوه، وهز رأسه. (*)

[ 282 ]

يخرجون سراعا. فلما رأوا أهوال القيامة. (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) أي: من حشرنا من منامنا الذي كنا فيه نياما. ثم يقولون: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) فيما أخبرونا عن هذا المقام وهذا البعث. قال قتادة: أول الآية للكافرين، وآخرها للمسلمين. قال الكافرون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. وقال المسلمون: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. وإنما وصفوا القبر بالمرقد، لأنهم لما أحيوا كانوا كالمنتبهين عن الرقدة. وقيل: إنهم لما عاينوا أحوالهم في القيامة، عدوا أحوالهم في قبورهم بالإضافة إلى تلك الأهوال رقادا. قال قتادة: هي النومة بين النفختين، لا يفتر عذاب القبر إلا فيما بينهما، فيرقدون. ثم أخبر سبحانه عن سرعة بعثهم فقال. (إن كانت إلا صيحة واحدة) أي: لم تكن المدة إلا مدة صيحة واحدة (فإذا هم جميع لدينا محضرون) أي: فإذا الأولون والآخرون مجموعون في عرصات القيامة، محصلون في موقف الحساب. ثم حكى سبحانه ما يقوله يومئذ للخلائق، فقال: (فاليوم لا تظلم نفس شيئا) أي: لا ينقص من له حق شيئا من حقه من الثواب، أو العوض، أو غير ذلك. ولا يفعل به ما لا يستحقه من العقاب، بل الأمور جارية على مقتضى العدل، وذلك قوله: (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون). ثم ذكر سبحانه أولياءه فقال: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل) شغلهم النعيم الذي شملهم، وغمرهم بسروره، عما فيه أهل النار من العذاب، عن الحسن، والكلبي، فلا يذكرونهم، ولا يهتمون بهم، وإن كانوا أقاربهم. وقيل: شغلوا بافتضاض العذارى، عن ابن عباس، وابن مسعود، وهو المروي عن الصادق عليه السلام، قال: وحواجبهن كالأهلة (1)، وأشفار أعينهن كقوادم النسور. وقيل: باستماع الألحان، عن وكيع. وقيل: شغلهم في الجنة سبعة أنواع من الثواب لسبعة أعضاء، فثواب الرجل بقوله (ادخلوها بسلام آمنين)، وثواب اليد: يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها. وثواب الفرج: (وحور عين). وثواب البطن: (كلوا واشربوا هنيئا) الآية. وثواب اللسان: (وآخر دعواهم) الآية. وثواب الأذن: (لا يسمعون فيها لغوا) ونظائرها، وثواب العين: (وتلذ الأعين).


(1) جمع الهلال. (*)

[ 283 ]

(فكهون) أي: فرحون، عن ابن عباس. وقيل: ناعمون متعجبون بما هم فيه. قال أبو زيد: الفكه الطيب النفس، الضحوك. رجل فكه وفاكه، ولم يسمع لهذا فعل في الثلاثي. وقال أبو مسلم: إنه مأخوذ عن الفكاهة، فهو كناية عن الأحاديث الطيبة. وقيل: فاكهون ذوو فاكهة، كما يقال لاحم شاحم أي: ذو لحم وشحم، وعاسل ذو عسل. قال الحطيئة. وغررتني، وزعمت أنك لابن في الصيف تامر أي: ذو لبن وتمر. ثم أخبر سبحانه عن حالهم، فقال: (هم وأزواجهم) أي: هم وحلائلهم في الدنيا ممن وافقهم على إيمانهم في أستار عن وهج (1) الشمس وسمومها، فهم في مثل تلك الحال الطيبة من الظلال التي لا حر فيها ولا برد. وقيل: أزواجهم اللاتي زوجهم الله من الحور العين. (في ظلال) أشجار الجنة. وقيل: في ظلال تسترهم من نظر العيون إليهم. (على الأرائك) وهي السرر عليها الحجال. وقيل: هي الوسائد (متكثون) أي: جالسون جلوس الملوك، إذ ليس عليهم من الأعمال شئ. قال الأزهري: كلما اتكئ عليه فهو أريكة، والجمع أرائك. (لهم فيها) أي: في الجنة (فاكهة ولهم ما يدعون) أي: ما يتمنون ويشتهون. قال أبو عبيدة: تقول العرب ادع لي ما شئت أي: تمن علي. وقيل: معناه أن كل من يدعي شيئا فهو له بحكم الله تعالى، لأنه قد هذب طباعهم، فلا يدعون إلا ما يحسن منهم. قال الزجاج: هو مأخوذ من الدعاء يعني أن أهل الجنة كلما يدعونه يأتيهم. ثم بين سبحانه ما يشتهون فقال: (سلام) أي: لهم سلام، ومنى أهل الجنة أن يسلم الله عليهم (قولا) أي: يقول الله قولا (من رب رحيم) بهم يسمعونه من الله، فيؤذنهم بدوام الأمن والسلامة، مع سبوغ النعمة والكرامة. وقيل: إن الملائكة تدخل عليهم من كل باب، يقولون سلام عليكم من ربكم الرحيم. ثم ذكر سبحانه أهل النار فقال: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) أي: يقال لهم انفصلوا معاشر العصاة، واعتزلوا من جملة المؤمنين. وقيل: معناه كونوا على


(1) الوهج: حر النار. (*)

[ 284 ]

حدة، عن السدي. وقيل: معناه أن لكل كافر بيتا في النار، يدخل فيردم بابه لا يرى ولا يرى، عن الضحاك. ثم خصهم سبحانه بالتوبيخ، فقال: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم) أي: ألم آمركم على ألسنة الأنبياء والرسل في الكتب المنزلة. (ألا تعبدوا الشيطان) أي: لا تطيعوا الشيطان فيما يأمركم به (إنه لكم عدو) أي: وقلت لكم إن الشيطان لكم عدو (مبين) ظاهر عداوته عليكم يدعوكم إلى ما فيه هلاككم، وفي هذه الآية دلالة على أنه سبحانه لا يخلق عبادة الشيطان، لأنه حذر من ذلك، ووبخ عليه. (وأن اعبدوني هذا صرط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التى كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على أفوههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65)). القراءة: قرأ أبو عمرو، وابن عامر: (جبلا) بضم الجيم، وسكون الباء. وقرأ أهل المدينة، وعاصم، وسهل: (جبلا) بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام. وقرأ روح، وزيد (جبلا) بضم الجيم والباء، وتشديد اللام، وهو قراءة الحسن، والأعرج، والزهري. وقرأ الباقون: (جبلا) بضمهما، وتخفيف اللام. الحجة: معناهن جميعا الخلق الكثير والجماعة، والجمع الذين جبلوا على خليقة أي: طبعوا. وأصل الجبل الطبع، ومنه الجبل لأنه مطبوع على الثبات. وقال أبو مسلم: أصله الغلظة والشدة. المعنى: ثم قال سبحانه في حكايته ما يقوله الكفار يوم القيامة: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) فوصف عبادته بأنه طريق مستقيم من حيث كان طريقا إلى الجنة. ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان ببني آدم، فقال: (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) أي: أضل الشيطان عن الدين خلقا كثيرا منكم، بأن دعاهم إلى الضلال، وحملهم على الضلال، وأغواهم. (أفلم تكونوا تعقلون) أنه يغويكم، ويصدكم عن الحق فتنبهون عنه. صورته استفهام، ومعناه الإنكار عليهم، والتبكيت لهم،

[ 285 ]

وفي هذا بطلان مذهب أهل الجبر في أن الله أراد إضلالهم، ولو كان كما قالوه، لكان ذلك أضر عليهم، وأنكر من إرادة الشيطان ذلك. (هذه جهنم التي كنتم توعدون) بها في دار التكليف، حاضرة لكم تشاهدونها (اصلوها اليوم) أي: إلزموا العذاب بها. وأصل، الصلاء: اللزوم، ومنه المصلي الذي يجئ في أثر السابق للزومه أثره. وقيل: معناه صيروا صلاها أي: وقودها، عن أبي مسلم (بما كنتم تكفرون) جزاء لكم على كفركم بالله، وتكذيبكم أنبياءه. (اليوم نختم على أفواههم) هذا حقيقة الختم، فتوضع على أفواه الكفار يوم القيامة، فلا يقدرون على الكلام والنطق (وتكلمنا أيديهم) بما عملوا (وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) أي: نستنطق الأعضاء التي كانت لا تنطق في الدنيا لتشهد عليهم، ونختم على أفواههم التي عهد منها النطق. واختلف في كيفية شهادة الجوارح على وجوه أحدها: إن الله تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف بذنوبها وثانيها. إن الله تعالى يجعل فيها كلاما، وإنما نسب الكلام إليها، لأنه لا يظهر إلا من جهتها وثالثها: إن معنى شهادتها وكلامها أن الله تعالى يجعل فيها من الآيات ما يدل على أن أصحابها عصوا الله بها، فسمى ذلك شهادة منها، كما يقال: عيناك تشهدان بسهرك. وقد ذكرنا أمثال ذلك فيما سلف. (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصرط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لمسخنهم على مكانتهم فما استطعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمنه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين (69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكفرين (70)). القراءة: قرأ أبو بكر وحده: (مكاناتهم) على الجمع. والباقون على التوحيد، وقد تقدم ذكر ذلك. وقرأ عاصم وحمزة وسهل: ننكسه بضم النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الكاف، وتشديدها. وقرأ الباقون بضم الكاف،

[ 286 ]

وتخفيفها. وقرأ أهل المدينة والشام ويعقوب وسهل: (لتنذر) بالتاء. والباقون بالياء. الحجة: يقال: نكسته ونكسته وأنكسه وأنكسه مثل رددت ورددت، غير أن التشديد للتكثير. والتخفيف يحتمل القليل والكثير. ومن قرأ (لتنذر) بالتاء، فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن قرأ بالياء أراد القرآن، ويجوز أن يريد لينذر الله. اللغة: الطمس: محو الشئ حتى يذهب أثره. فالطمس على العين، كالطمس على الكتاب، ومثله الطمس على المال، وهو إذهابه حتى لا يقع عليه إدراك. وأعمى مطموس وطميس، وهو أن يذهب الشق الذي بين الجفنين. والمسخ: قلب الصورة إلى خلقة مشوهة، كما مسخ قوم قردة وخنازير. الاعراب: (أنى): في محل النصب على الحال من (يبصرون)، أو على أنه في معنى مصدره. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن قدرته على إهلاك هؤلاء الكفار الذين جحدوا وحدانيته، فقال: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) أي لأعميناهم عن الهدى، عن ابن عباس. وقيل: معناه لتركناهم عميا يترددون، عن الحسن، وقتادة، والجبائي. (فاستبقوا الصراط) أي: فطلبوا طرين الحق، وقد عموا عنه (فأنى يبصرون) أي: فكيف يبصرون، عن ابن عباس. وقيل: معناه فطلبوا النجاة والسبق إليها، ولا بصر لهم، فكيف يبصرون وقد أعميناهم. وقيل: طلبوا الطريق إلى منازلهم فلم يهتدوا إليها. (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) أي: على مكانهم الذي هم فيه قعود، والمعنى: ولو نشاء لعذبناهم بنوع آخر من العذاب، فأقعدناهم في منازلهم ممسوخين قردة وخنازير. والمكانة والمكان واحد. وقيل: معناه ولو شئنا لمسخناهم حجارة في منازلهم ليس فيهم أرواحهم. (فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون) أي: فلم يقدروا على ذهاب ولا مجئ، لو فعلنا ذلك بهم. وقيل: معناه فما استطاعوا مضيا من العذاب، ولا رجوعا إلى الخلقة الأولى بعد المسخ، وهذا كله تهديد هددهم الله به. ثم قال سبحانه: (ومن نعمره ننكسه في الخلق) أي: من نطول عمره نصيره

[ 287 ]

بعد القوة إلى الضعف، وبعد زيادة الجسم إلى النقصان، وبعد الجدة والطراوة إلى البلى والخلوقة، فكأنه نكس خلقه. وقيل: ننكسه ونرده إلى حال الهرم التي تشبه حال الصبي في ضعف القوة، وعزوب العلم، عن قتادة. (أفلا تعقلون) أي: أفلا تتدبرون في أن الله تعالى يقدر على الإعادة، كما قدر على ذلك، وإنما قال على الخطاب لقوله (ألم أعهد إليكم) ومن قرأ بالياء، فالمعنى أفليس لهم عقل فيعتبروا ويعلموا ذلك. ثم أخبر سبحانه عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كيدا لقوله (إنك لمن المرسلين) فقال: (وما علمناه الشعر) يعني قول الشعراء، وصناعة الشعر أي: ما أعطيناه العلم بالشعر وإنشائه (وما ينبغي له) أن يقول الشعر من عند نفسه. وقيل: معناه ما يتسهل له الشعر، وما كان يتزين له بيت شعر حتى إنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسرا، كما روي عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتمثل بهذا البيت: (كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا) فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما قال الشاعر: (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) (1) أشهد أنك رسول الله، وما علمك الشعر، وما ينبغي لك. وعن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل ببيت أخي بني قيس: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول: (يأتيك من لم تزود بالأخبار) فيقول أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله. فيقول: إني لست بشاعر، وما ينبغي لي. فأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فقد قال قوم: إن هذا ليس بشعر. وقال آخرون: إنما هو اتفاق منه، وليس بقصد إلى قول الشعر. وقيل: إن معنى الآية: وما علمناه الشعر بتعليم القرآن، وما ينبغى للقرآن أن يكون شعرا، فإن نظمه ليس بنظم الشعر، وقد صح أنه كان يسمع الشعر، ويحث عليه. وقال لحسان بن ثابت: (لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك) (2).


(1) هذا عجز بيت لسحيم عبد بني الحسحاس، يخاطب صاحبته عميرة، وصدره: (وعميرة ودع إن تجمرت عاديا) وهو مذكور في (جامع الشواهد) وكذا البيت الآتي. (2) وللإمام الرازي في هذه الآية تحقيق لطيف، وكذا للفيض القاشاني (ره) من الخاصة فراجع: (التفسير الكبير ج 26: 104)، و (الصافي ج 2: 416). (*)

[ 288 ]

(إن هو) أي: من الذي أنزلناه عليه (إلا ذكر وقرآن مبين) من عند رب العالمين، ليس بشعر، ولا رجز، ولا خطبة. والمراد بالذكر: أنه يتضمن ذكر الحلال والحرام، والدلالات، وأخبار الأمم الماضية، وغيرها، وبالقرآن: أنه مجموع بعضه إلى بعض، فجمع سبحانه بينهما لاختلاف فائدتهما. (لتنذر من كان حيا) أي: أنزلناه لتخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا، لأن الكافر كالميت، بل أقل من الميت، لأن الميت وإن كان لا ينتفع، ولا يتضرر، والكافر لا ينتفع بدينه، ويتضرر به. ويجوز أن يكون المراد بمن كان حيا عاقلا، وروي ذلك عن علي عليه السلام. وقيل: من كان حي القلب، حي البصر، عن قتادة (ويحق القول على الكافرين) أي: يجب الوعيد والعذاب على الكافرين بكفرهم. (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعما فهم لها ملكون (71) وذللنها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منفع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76)). القراءة: في الشواذ قراءة الحسن، والأعمش: (ركوبهم)، وقراءة عائشة، وأبي بن كعب: (ركوبتهم). الحجة: أما الركوب فمصدر، والكلام على حذف المضاف، والتقدير: فمنها ذو ركوبهم، وذو الركوب هو المركوب. ويجوز أن يكون التقدير: فمن منافعها ركوبهم، كما يقول الإنسان لغيره: من بركاتك وصول الخير إلي على يدك. وأما ركوبتهم، فهي المركوبة كالقتوبة والحلوبة والجزورة، لما يقتب ويحلب ويجزر. المعنى: ثم عاد الكلام إلى ذكر الأدلة على التوحيد، فقال سبحانه: (أولم يروا) معناه: أولم يعلموا (أنا خلقنا لهم) أي: لمنافعهم (مما عملت أيدينا) أي: مما ولينا خلقه بإبداعنا وإنشائنا لم نشارك في خلقه، ولم نخلقه بإعانة معين. واليد في اللغة على أقسام، منها الجارحة، ومنها النعمة، ومنها القوة، ومنها تحقيق

[ 289 ]

الإضافة. يقال في معنى النعمة: لفلان عندي يد بيضاء. وبمعنى القدرة: تلقى فلان قولي باليدين أي: بالقوة والتقبل. وبمعنى تحقيق الإضافة قول الشاعر: دعوت لما نابني مسورا فلبى، فلبى يدي مسور (1) وإنما ثناه لتحقيق المبالغة في الإضافة إلى مسور. ويقولون: هذا ما جنت يداك، وهو المعني في الآية. وإذا قال لواحد منا: عملت هذا بيدي، دل ذلك على انفراده بعمله من غير أن يكله إلى أحد. (أنعاما) يعني الإبل والبقر، والغنم. (فهم لها مالكون) أي: ولو لم نخلقها لما ملكوها، ولما انتفعوا بها وبألبانها، وركوب ظهورها، ولحومها. وقيل: فهم لها ضابطون قاهرون، لم نخلقها وحشية نافرة منهم لا يقدرون على ضبطها، فهي مسخرة لهم. وهو قوله: (وذللناها لهم) أي: سخرناها لهم حتى صارت منقادة. (فمنها ركوبهم ومنها يأكلون) قسم الأنعام بأن جعل منها ما يركب، ومنها ما يذبح، فينتفع بلحمه ويؤكل. قال مقاتل: الركوب الحمولة يعني الإبل والبقر (ولهم فيها منافع ومشارب) فمن منافعها لبس أصوافها، وأشعارها، وأوبارها، وأكل لحومها، وركوب ظهورها، إلى غير ذلك من أنواع المنافع الكثيرة فيها، والمشارب من ألبانها (أفلا يشكرون) الله تعالى على هذه النعم. ثم ذكر سبحانه جهلهم فقال: (واتخذوا من دون الله آلهة) يعبدونها (لعلهم ينصرون) أي: لكي ينصروهم، ويدفعوا عنهم عذاب الله (لا يستطيعون نصرهم) يعني هذه الآلهة التي عبدوها، لا تقدر على نصرهم، والدفع عنهم (وهم لهم جند محضرون) يعني أن هذه الآلهة معهم في النار محضرون، لأن كل حزب مع ما عبده من الأوثان في النار، فلا الجند يدفعون عنها الإحراق، ولا هي تدفع عنهم العذاب. وهذا كما قال سبحانه: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)، عن الجبائي. وقيل: معناه أن الكفار جند للأصنام، يغضبون لهم، ويحضرونهم في الدنيا، عن قتادة أي: يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرا، ولا تدفع عنهم شرا. قال الزجاج: ينصرون الأصنام وهي لا تستطيع نصرهم، ثم عزى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن قال: (فلا يحزنك قولهم) في تكذيبك (إنا نعلم ما يسرون) في ضمائرهم (وما يعلنون) بألسنتهم، فنجازيهم على كل ذلك.


(1) البيت في جامع الشواهد. (*)

[ 290 ]

(أولم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحى العظم وهى رميم (78) قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أو ليس الذى خلق السموت والأرض بقدر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحن الذى بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون (83)). القراءة: قرأ يعقوب: (يقدر) بالياء، وكذلك في الأحقاف، والوجه فيه ظاهر. وفي الشواذ قراءة طلحة، وإبراهيم التيمي، والأعمش: (ملكة كل شئ) ومعناه: فسبحان الذي بيده القدرة على كل شئ، وهو من ملكت العجين: إذا أجدت عجنه فقويته بذلك. والملكوت: فعلوت منه، زادوا فيه الواو والتاء للمبالغة بزيادة اللفظ، ولهذا لا يطلق الملكوت إلا على الأمر العظيم. الاعراب: (الذي جعل لكم): بدل من (الذي أنشأها). ويجوز أن يكون مرفوعا، أو منصوبا على المدح. (أن يقول): في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ. النزول: قيل: إن أبي بن خلف، أو العاص بن وائل، جاء بعظم بال متفتت، وقال: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا ؟ فقال: نعم. فنزلت الآية (أولم ير الإنسان) إلى آخر السورة. المعنى: ثم نبه سبحانه خلقه على الإستدلال على صحة البعث والإعادة، فقال: (أولم ير) أولم يعلم (الإنسان أنا خلقناه من نطفة) والتقدير: ثم نقلناه من النطفة إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ومن المضغة إلى العظم، ومن العظم إلى أن جعلناه خلقا سويا، ثم جعلنا فيه الروح، وأخرجناه من بطن أمه، وربيناه، ونقلناه من حال إلى حال إلى أن كمل عقله، وصار متكلما خصيما، وذلك قوله (فإذا هو خصيم مبين) أي: مخاصم ذو بيان أي: فمن قدر على جميع ذلك، فكيف لا يقدر على الإعادة، وهي أسهل من الإنشاء والإبتداء. ولا يجوز أن يكون خلق

[ 291 ]

الإنسان واقعا بالطبيعة، لأن الطبيعة في حكم الموات في أنها ليست بحية قادرة، فكيف يصح منها الفعل، ولا أن يكون كذلك بالإتفاق لأن المحدث لا بد له من محدث قادر عالم. وفي الآية دلالة على صحة استعمال النظر في الدين، لأن الله سبحانه أقام الحجة على المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الأولى، وألزم من أقر بالأولى أن يقر بالثانية. ثم أحل سبحانه الإنكار عليه فقال: (وضرب لنا مثلا) أي: ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم البالي، وفته بيده، وتعجب ممن يقول إن الله يحييه (ونسي خلقه) أي: وترك النظر في خلق نفسه، إذ خلق من نطفة، ثم بين ذلك المثل بقوله: (قال من يحيى العظام وهي رميم) أي: بالية. واختلف في القائل لذلك فقيل: هو أبي بن خلف، عن قتادة، ومجاهد، وهو المروي عن إلصادق عليه السلام. وقيل: هو العاص بن وائل السهمي، عن سعيد بن جبير. وقيل: أمية بن خلف، عن الحسن. ثم قال سبحانه في الرد عليه: (قل) يا محمد لهذا المتعجب من الإعادة (يحييها الذي أنشاها أول مرة) لأن من قدر على اختراع ما يبقى، فهو على إعادته قادر، لا محالة (وهو بكل خلق عليم) من الإبتداء والإعادة، فيعلم به قبل أن يخلقه أنه إذا خلقه كيف يكون، ويعلم به قبل أن يعيده، إنه إذا أعاده كيف يكون. ثم زاد سبحانه في البيان، وأخبر عن صنعه بما هو عجيب الشأن، فقال: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون) أي: جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ للنار نارا محرقة، يعني بذلك المرخ والعفار، وهما شجرتان يتخذ الأعراب زنودها منهما، فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة، حتى إذا احتاج الإنسان، حك بعضه ببعض، فتخرج منه النار، وينقدح، قدر أيضا على الإعادة. وتقول العرب: (في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار) (1). وقال الكلبي: كل شجر تنقدح منه النار إلا العناب. ثم ذكر سبحانه من خلقه ما هو أعظم من الإنسان، فقال: (أو ليس الذي خلق


(1) قال ابن منظور بعد ذكر المثل: استمجد: استفضل أي استكثرا من النار، كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما، فصلحا للإقتداح بهما. (*)

[ 292 ]

السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) هذا استفهام معناه التقرير، يعني: من قدر على خلق السماوات والأرض، واختراعهما مع عظمهما، وكثرة أجزائهما يقدر على إعادة خلق البشر. ثم أجاب سبحانه هذا الإستفهام بقوله (بلى) أي هو قادر على ذلك (وهو الخلاق) أي يخلق خلقا بعد خلق (العليم) بجميع ما خلق. ثم ذكر قدرته على إيجاد الأشياء فقال: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) والتقدير: أن يكونه فيكون. فعبر عن هذا المعنى بكن لأنه أبلغ فيما يراد، وليس هنا قول، وإنما هو إخبار بحدوث ما يريده تعالى. وقيل: إن المعنى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول من أجله كن فيكون. فعبر عن هذا المعنى بكن. وقيل: إن هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله (كونوا قردة خاسئين) و (كونوا حجارة أو حديدا) وما أشبه ذلك. ولفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه أحدها: الأمر لمن هو دونك والثاني: الندب كقوله (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا). وثالثها: الإباحة نحو قوله (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا)، (وإذا حللتم فاصطادوا) والرابع: الدعاء (ربنا آتنا من لدنك رحمة). الخامس: الترفيه كقوله. أرفق بنفسك السادس: الشفاعة نحو قولك: شفعني فيه السابع: التحويل نحو: (كونوا قردة خاسئين) و (كونوا حجارة أو حديدا) الثامن: التهديد نحو قوله: (اعملوا ما شئتم) التاسع: الإختراع والإحداث نحو قوله: (كن فيكون). العاشر: التعجب نحو (أبصر بهم وأسمع). قال علي بن عيسى في قوله (كن فيكون) الأمر ههنا أفخم من الفعل، فجاء للتفخيم والتعظيم، قال: ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين، فإنه إذا أراد فعل شئ فعله بمنزلة ما يقول للشئ كن فيكون في الحال، وأنشد. فقالت له العينان: سمعا وطاعة، وحدرتا كالدر لما يثقب وإنما أخبر عن سرعة دمعه، دون أن يكون ذلك قولا على الحقيقة. ثم نزه سبحانه نفسه من أن يوصف بما لا يليق به فقال: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ) أي: تنزيها له من نفي القدرة على الإعادة، وغير ذلك مما لا يليق بصفاته الذي بيده أي: بقدرته ملك كل شئ، ومن قدر على كل شئ، قدر على إحياء العظام الرميم، وعلى خلق كل شئ، وإفنائه، وإعادته. (وإليه ترجعون) يوم القيامة أي: تردون إلى حيث لا يملك الأمر والنهي أحد سواه، فيجازيكم بالثواب والعقاب، على الطاعات والمعاصي، على قدر أعمالكم.

[ 293 ]

37 - سورة الصافات مكية وأياتها اثنتان وثمانون ومائة ء عدد آيها: مائة وإحدى وثمانون آية بصري، وآيتان في الباقي. اختلافها: آيتان وما كانوا يعبدون غير البصري، وكلهم يعدون، وإن كانوا ليقولون، غير أبي جعفر. فضلها: قال أبي بن كعب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ومن قرأ سورة الصافات، أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كل جني وشيطان، وتباعدت عنه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك، وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين ". وروى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من قرأ سورة الصافات في كل يوم جمعة، لم يزل محفوظا من كل آفة، مدفوعا عنه كل بلية في حياته الدنيا، مرزوقا في الدنيا بأوسع ما يكون من الرزق، ولم يصبه الله في ماله ولا ولده ولا بدنه، بسوء من شيطان رجيم، ولا جبار عنيد، وإن مات في يومه أو ليلته، بعثه الله شهيدا، وأماته شهيدا، وأدخله الجنة مع الشهداء، في درجة من الجنة. تفسيرها: افتتح الله هذه السورة بمثل ما اختتم به سورة يس من ذكر البعث، فقال: بسم الله الر حمن الرحيم (والصافات صفا (1) فالزجرت زجرا (2) فالتليت ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) رب السموات والارض وما بينهما ورب المشرق (5) إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملاء الاعلى

[ 294 ]

ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10). القراءة: أدغم أبو عمرو وحمزة التاء في الصاد وفي الزاي وفي الذال من: الصافات صفا. فالزاجرات زجرا. فالتاليات ذكرا. والذاريات ذروا. وقرأ أبو عمرو وحده: (والعاديات ضبحا) مدغما. فالمغيرات صبحا. فالملقيات ذكرا. والسابحات سبحا. والسابقات سبقا مدغما. وابن عباس لا يدغم شيئا من ذلك. والباقون بإظهار التاء في ذلك كله. وقرأ عاصم وحمزة: (بزينة) بالتنوين، (الكواكب) بالجر. وقرأ أبو بكر: (بزينة) منونا أيضا، (الكواكب) بالنصب. وقرأ الباقون. (بزينة الكواكب) مضافة. وقرأ أهل الكوفة، غير أبي بكر. (لا يسمعون) بتشديد السين والميم. والباقون: (لا يسمعون) بالتخفيف. الحجة: قال أبو علي: إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة اللفظين. ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بخلتين هما. الإطباق والصفير، ويحسن إدغام الأنقص في الأزيد. ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتا في الأنقص صوتا، فلهذا يحسن إدغام التاء في الزاي من قوله: (فالزاجرات زجرا)، لان التاء مهموسة، والزاي مجهورة، وفيها زيادة صفير، كما كان في الصاد. وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: (فالتاليات ذكرا) و (الذاريات ذروا)، لاثفاقهما في أنهما من طرف اللسان واصول الثنايا. فأما إدغام التاء في الضاد من قوله تعالى (والعاديات ضبحا)، فإن التاء أقرب إلى الذال، وإلي الزاي، منهما في الضاد، لان الذال والزاي والصاد من حروف طرف اللسان، واصول الثنايا، وطرفها، والضاد أبعد منهن، لانها من وسط اللسان. وكذلك حسن إدغام التاء فيها، لان الصاد تغشى الصوت بها، واتسع واستطال حتى اتصل صوتها بأصول الثنايا، وطرف اللسان، فادغم التاء فيها، وسائر حروف اللسان، وأصول الثنايا، إلا حروف الصفير، فإنها لم تدغم في الضاد، ولم تدغم الضاد في شئ من هذه الحروف، لما فيها من زيادة الصوت فأما الإدغام في (السابحات سبحا) و (السابقات سبقا)، فحسن لمقاربة الحروف. فأما من قرأ بالاظهار في هذه الحروف، فلاختلاف المخارج. وأما من قرأ

[ 295 ]

(بزينة الكواكب)، جعل الكواكب بدلا من الزينة، كما تقول: مررت بأبي عبد الله زيد. ومن قرأ الكواكب بالنصب، أعمل الزينة في الكواكب، والمعنى بأن زينا الكواكب فيها، ومثل ذلك (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما). ومن قرأ (بزينة الكواكب)، أضاف المصدر إلى المفعول، كقوله تعالى. (من دعاء الخير). و (بسؤال نعجتك). ومن قرأ (لا يسمعون)، فإنما هو لا يتسمعون، فأدغم التاء في السين، وقد يتسمع ولا يسمع، فإذا نفى التسمع عنهم، فقد نفى سمعهم من جهة التسمع، ومن جهة غيره، فهو أبلغ. ويقال: سمعت الشئ واستمعته، كما يقال حقرته واحتقرته، وشويته واشتويته. وقد قال تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له)، وقال: (ومنهم من يسمع إليك)، فعدى الفعل مرة بإلى، ومرة باللام. وحجة من قرأ (يسمعون) قوله: (إنهم عن السمع لمعزولرن). اللغة: قال أبو عبيدة. كل شئ بين السماء والأرض، لم يضم قطريه، فهو صاف، ومنه الطير صافات: إذا نشرت أجنحتها. والصافات: جمع الجمع، لانه جمع صافة. والزجر: الصرف عن الشئ، لخوف الذم والعقاب. المارد: الخارج إلى الفساد العظيم، وهو من وصف الشياطين، وهم المردة، وأصله الإنجراد، ومنه الأمرد. فالمارد: المنجرد من الخير. الدحور: الدفع بالعنف، يقال: دحر يدحر دحرا ودحورا. والواصب: الدائم الثابت. قال أبو الأسود: لا أشتري الحمد القليل بقاؤه * يوما، بذم الذهر أجمع واصبا والخطفة: الإستلاب بسرعة، يقال: خطفه واختطفه. والشهاب: شعلة نار ساطعة، يقال: فلان شهاب حرب: إذا كان ماضيا. والثاقب. المضئ، كأنه يثقب بضوئه، ومنه حسب ثاقب أي. شريف. الاعراب: (حفظا): مصدر فعل محذوف أي: زيناها وحفظناها حفظا. (لا يسمعون): جملة مجرورة الموضع بأنها صفة شيطان. (دحورا): مصدر فعل دل عليه (يقذفون) أي: يدحرون دحورا. (إلا من خطف الخطفة): يحتمل أن يكون (من خطف) في موضع نصب على الإستثناء، والعامل فيه ما يتعلق به اللام في (لهم عذاب)، والمستثنى منه هم من لهم، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا، فيكون (من خطف) مبتدأ، وخبره (فأتبعه شهاب ثاقب).

[ 296 ]

المعنى: (والصافات صفا) اختلف في معنى الصافات على وجوه أحدها: إنها الملائكة تصف أنفسها صفوفا في السماء، كصفوف المؤمنين في الصلاة، عن ابن عباس، ومسروق، والحسن، وقتادة، والسدي. وثانيها: إنها الملائكة تصف أجنحتها في الهواء إذا أرادت النزول إلى الأرض، واقفة تنتظر ما يأمرها الله تعالى، عن الجبائي. وثالثها: إنهم جماعة من المؤمنين يقومون مصطفين في الصلاة، وفي الجهاد، عن أبي مسلم. (فالزاجرات زجرا) اختلف فيها أيضا على وجوه أحدها: إنها الملائكة تزجر الخلق عن المعاصي زجرا، عن السدي، ومجاهد. وعلى هذا فإنه يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد، كما يوصل مفهوم إغواء الشيطان إلى قلوبهم، ليصح التكليف وثانيها: إنها الملائكة الموكلة بالسحاب، تزجرها وتسوقها، عن الجبائي وثالثها: إنها زواجر القرآن واياته الناهية عن القبائح، عن قتادة. ورابعها: إنهم المؤمنون يرفعون أصواتهم عند قراءة القرآن، لان الزجرة الصيحة، عن أبي مسلم. (فالتاليات ذكرا) اختلف فيها أيضا على أقوال أحدها. إنها الملائكة تقرأ كتب الله تعالى، والذكر الذي ينزل على الموحى إليه، عن مجاهد، والسدي وثانيها: إنها الملائكة تتلو كتاب الله الذي كتبه لملائكته، وفيه ذكر الحوادث، فتزداد يقينا بوجود المخبر على وفق الخبر. وثالثها: جماعة قراء القرآن من المؤمنين، يتلونه في الصلاة، عن أبي مسلم. وإنما لم يقل فالتاليات تلوا، كما قال (فالزاجرات زجرا)، لان التالي قد يكون بمعنى التابع، ومنه قوله (والقمر إذا تلاها). فلما كان اللفظ مشتركا، بينه بما يزيل الإبهام. (إن إليهكم لواحد) وهذه أقسام أقسم الله تعالى بها، أنه واحد ليس له شريك. ثم اختلف في مثل هذه الأقسام فقيل: إنها أقسام بالله تعالى على تقدير: ورب الصافات، ورب الزاجرات، ورب التين والزيتون، لان في القسم تعظيما للمقسم به، ولانه يجب على العباد أن لا يقسموا إلا بالله تعالى، إلا أنه حذف لان حجج العقول دالة على المحذوف، عن الجبائي، والقاضي. وقيل: بل أقسم الله سبحانه بهذه الأشياء، وإنما جاز ذلك لانه ينبئ عن تعظيمها بما فيها من الدلالة على توحيده، وصفاته العلى، فله سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به.

[ 297 ]

ثم قال سبحانه: (رب السماوات والأرض) أي: خالقهما ومدبرهما (وما بينهما) من سائر الأجناس من الحيوان، والنبات، والجماد. (ورب المشارق) وهي مشارق الشمس أي: مطالعها بعدد أيام السنة، ثلاثمائة وستون مشرقا، والمغارب مثل ذلك، تطلع الشمس كل يوم من مشرق، وتغرب في مغرب، عن ابن عباس، والسدي. وإنما خصن المشارق بالذكر، لان الشروق قبل الغروب. (إنا زينا السماء الدنيا) يعني التي هي أقرب السماوات إلينا. وإنما خصها بالذكر لاختصاصها بالمشاهدة. (بزينة الكواكب) أي: بحسنها وضوئها. والتزيين: تحسين الشئ، وجعله على صورة تميل إليها النفس. فالله سبحانه زين السماء على وجه تمتع الرائي لها. وفي ذلك أعظم النعمة على العباد، مع ما لهم من المنفعة بالتفكير فيها، والإستدلال بها على صانعها. (وحفظا من كل شيطان) أي: وحفظناها من كل شيطان (مارد) أي: خبيث خال من الخير، متمرد. والمعنى. وحفظناها من دنو كل شيطان للاستماع، فإنهم كانوا يسترقون السمع، يستمعون إلى كلام الملائكة، ويقولون ذلك إلى ضعفة الجن، وكانوا يوسوسون بها في قلوب الكهنة، ويوهمونهم أنهم يعرفون الغيب، فمنعهم الله تعالى عن ذلك. (لا يسمعون إلى الملا الأعلى) أي: لكيلا يتسمعوا إلى الكتبة من الملائكة في السماء، عن الكلبي. وقيل: إلى كلام الملا الأعلى أي. لكيلا يتسمعوا. والملا الأعلى عبارة عن الملائكة لانهم في السماء. (ويقذفون من كل جانب) أي: يرمون بالشهب من كل جانب من جوانب السماء، إذا أرادوا الصعود إلى السماء للاستماع. (دحورا) أي: دفعا لهم بالعنف، وطردا. (ولهم عذاب واصب) أي: ولهم مع ذلك أيضا عذاب دائم يوم القيامة (إلا من خطف الخطفة) والتقدير: لا يستمعون إلى الملائكة إلا من وثب الوثبة إلى قريب من السماء، فاختلس خلسة من الملائكة، واستلب استلابا بسرعة. (فأتبعه شهاب ثاقب) أي: فلحقه وأصابه نار مضيئة محرقة. والثاقب: المنير المضئ. وهذا كقوله: (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين).

[ 298 ]

(فأستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا ءاية يستسخرون (14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون (16) أو ءاباؤنا الاولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (بل عجبت) بضم التاء. والباقون بفتحها. وقرأ ابن عامر، وأهل المدينة، غير ورش: (أو آباؤنا) ساكنة الواو. والباقون بفتحهما، وكذلك في الواقعة. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (بل عجبت) بالفتح، فالمعنى بل عجبت من إنكارهم البعث، وهم يسخرون، أو عجبت من نزول الوحي عليك، وهم يسخرون. والضم فيما زعموا قراءة علي عليه السلام، وابن عباس. وروي عن شريح من إنكار له، فإنه قال: إن الله لا يعجب. وقد احتج بعضهم للضم بقوله: (وإن تعجب فعجب قولهم). وليس في هذا دلالة على أن الله سبحانه أضاف العجب إلى نفسه، ولكن المعنى: وإن تعجب فعجب قولهم عندكم. والمعنى في الضم أن إنكار البعث والنشر مع ثبات القدرة على الإبتداء والإنشاء عجيب. ويبين ذلك عند من استدل عندكم مما تقولون فيه هذا النحو من الكلام إذا ورد عليكم مثله. كما أن قوله (أسمع بهم وأبصر) معناه: إن هؤلاء ممن تقولون أنتم فيه هذا النحو. وكذلك قوله (فما أصبرهم على النار) عند من لم يجعل اللفظ على الإستفهام. وعلى هذا النحو قوله: (ويل للمطففين) و (ويل يومئذ للمكذبين) وقوله: (لعله يتذكر أو يخشى). ولا يجوز أن يكون العجب في وصف القديم سبحانه، كما يكون في وصف الإنسان، لان العجب فينا إنما يكون إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله، ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن القديم سبحانه. اللغة: اللازب واللازم بمعنى أبدلت من الميم الباء. قال النابغة: ولا يحسبون الخير لا شر عنده، * ولا يحسبون الشر ضربة لازب

[ 299 ]

وبعض بني عقيل يقولون لاتب أيضا بالتاء. والداخر: الصاغر أشد الصغر. المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (فاستفتهم) أي: فاسألهم يا محمد سؤال تقرير (أهم أشد خلقا) أي: أحكم صنعا (أم من خلقنا) قبلهم من الأمم الماضية، والقرون السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بالعذاب. وقيل: أهم أشد خلقا أم من خلقنا من الملائكة، والسماوات، والأرض. وغلب ما يعقل على ما لا يعقل. (إنا خلقناهم من طين لازب) معناه: إنهم إن قالوا نحن أشد فأعلمهم أن الله خلقهم من طين، فكيف صاروا أشد قوة منهم. والمراد أن آدم خلقه الله من طين، وأن هؤلاء نسله وذريته، فكأنهم منه. وقال ابن عباس: اللازب الملتصق من الطين الحر الجيد. (بل عجبت) يا محمد من تكذيبهم إياك (و) هم (يسخرون) من تعجبك. ومن ضم التاء فالمراد أنه سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر عن نفسه بأنه عجب من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه أهل الضلال، وتقديره: قل بل عجبت، عن المبرد. وقيل: يسخرون أي: يهزأون بدعائك إياهم إلى الله، والنظر في دلائله وآياته. وروي عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قرأ عبد الله بن مسعود (بل عجبت) بالضم، فقال شريح: إن الله لا يعجب، إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرته لابراهيم فقال. إن شريحا كان معجبا برأيه. إن عبد الله قرأ (بل عجبت)، وعبد الله أعلم من شريح. وإضافة العجب إلى الله تعالى ورد الخبر به كقوله: " عجب ربكم من شباب ليس له صبوة وعجب ربكم من إلكم وقنوطكم " (1). ويكون ذلك على وجهين. عجب مما يرضى، ومعناه الإستحسان، والخبر عن تمام الرضى، وعجب مما يكره، ومعناه الإنكار له والذم. (وإذا ذكروا لا يذكرون) أي: وإذا خوفوا بالله، ووعظوا بالقرآن، لا ينتفعون بذلك، ولا يتعظون به. (وإذا رأوا آية) من آيات الله، ومعجزة مثل انشقاق القمر، وغيرها. (يستسخررن) أي: يستهزؤون ويقولون: هذا عمل السحر. وسخر واستسخر بمعنى واحد. وقيل: معناه يستدعي بعضهم بعضا إلى إظهار


(1) قال ابن الأثير الصبوة: الميل إلى الهوى وقال في (ألل) في الحديث: " عجب ربكم من إلكم وقنوطكم " الال: شدة القنوط. ويجوز أن يكون من رفع الصوت بالبكاء. وقال أبو عبيدة: المحدثون يروونه بكسر الهمزة، والمحفوظ عند أهل اللغة الفتح، وهو أشبه بالمصادر. (*)

[ 300 ]

السخرية. وقيل: معناه يعتقدونه سخرية، كما تقول استقبحه أي: اعتقده قبيحا، واستحسنه أي: اعتقده حسنا. (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين) أي: وقالوا لتلك الآية ما هذا إلا سحر ظاهر وتمويه. (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون) بعد ذلك، ومحشورون أي: كيف نبعث بعدما صرنا ترابا. (أو آباؤنا الأولون) الذين تقدمونا بهذه الصفة أي: أو يبعث آباؤنا بعدما صاروا ترابا، يعنون: إن هذا لا يكون. ومن فتح الواو، وجعلها واو العطف، دخل عليها همزة الإستفهام، كقوله. (أو من أهل القرى). ثم قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (قل) لهم (نعم) تبعثون (وأنتم داخرون) صاغرون أشد الصغار. ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، فقال: (فإنما هي) أي: فإنما قصة البعث (زجرة واحدة) أي: صيحة واحدة من إسرافيل، يعني: نفخة البعث. والزجرة: الصرفة عن الشئ بالمخافة، فكأنهم زجروا عن الحال التي هم فيها إلى الحشر. (فإذا هم ينظرون) إلى البعث الذي كذبوا به. وقيل: معناه فإذا هم أحياء ينتظرون ما ينزل بهم من عذاب الله. (وقالوا) أي. ويقولون معترفين على نفوسهم بالعصيان. (يا ويلنا) من العذاب وهو كلمة يقولها القائل عند الوقوع في الهلكة، ومثله (يا حسرتنا) ينادون مثل هذه الأشياء على وجه التنبيه على عظم الحال (هذا يوم الدين) أي: يوم الحساب، عن ابن عباس. وقيل. يوم الجزاء، عن قتادة. والمراد أنهم اعترفوا بالحق، خاضعين، نادمين. (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) * احشروا الذين ظلموا وأزوجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صرط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسئولون (24) مالكم لاتنا صرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطن بل كنتم قوما طغين (30). المعنى: ثم أخبر سبحانه عن حالهم أيضا، فقال. (هذا يوم الفصل) بين الخلائق والحكم، وتمييز الحق من الباطل على وجه يظهر لجميعهم الحال فيه، وذلك بأن يدخل المطيع الجنة على وجه الإكرام، ويدخل العاصي النار على وجه

[ 301 ]

الإهانة. (الذي كنتم) يا معشر الكفار (به تكذبون) وهذا كلام بعضهم لبعض. وقيل: بل هو كلام الملائكة. ثم حكى سبحانه ما يقوله للملائكة بأن قال: (احشروا الذين ظلموا) أنفسهم بارتكاب المعاصي أي: اجمعوهم من كل جهة. وقيل: ظلموا أنفسهم بمخالفتهم أمر الله سبحانه، وبتكذيبهم الرسل. وقيل: ظلموا الناس. (وأزواجهم) أي: وأشباههم، عن ابن عباس، ومجاهد، ومثله: (وكنتم أزواجا ثلاثة) أي: أشباها وأشكالا ثلاثة، فيكون المعنى. إن صاحب الزنا يحشر مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر، إلى غيرهم. وقيل: وأشياعهم من الكفار، عن قتادة. وقيل: وأزواجهم المشركات كانه قال احشروا المشركين والمشركات، عن الحسن. وقيل: وأتباعهم على الكفر، ونظراؤهم، وضرباؤهم. (وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم) إنما عبر عن ذلك بالهداية من حيث كان بدلا من الهداية إلى الجنة، كقوله (فبشرهم بعذاب أليم) من حيث إن هذه البشارة، وقعت لهم بدلا من البشارة بالنعيم. (وقفوهم) أي: قفوا هؤلاء الكفار، واحبسوهم عن دخول النار. (إنهم مسئولون) روى أنس بن مالك مرفوعا: إنهم مسؤولون عما دعوا إليه من البدع. وقيل: مسئولون عن أعمالهم، وخطاياهم، عن الضحاك. وقيل. عن قول لا إله إلا الله، عن ابن عباس. وقيل: عن ولاية علي بن أبي طالب صلى الله عليه وآله وسلم، عن أبي سعيد الخدري، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا، حدثناه عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالاسناد. يقال: وقفت أنا، ووقفت غيري، وبعض بني تميم يقول: أوقفت الدابة والدار، وأنشد الفراء: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا، * وإن نحن أومأنا إلى الناس أوقفوا (ما لكم لا تناصرون) أي. لا تتناصرون. وهذا على وجه التوبيخ والتبكيت أي: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا في دفع العذاب، والتقدير: ما لكم غير متناصرين. ثم بين سبحانه أنهم لا يقدرون على التناصر، فقال: (بل هم اليوم مستسلمون) أي. منقادون خاضعون. ومعنى الإستسلام: أن يلقي بيده غير منازع فيما يراد منه.

[ 302 ]

(وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) هذا إخبار منه سبحانه، أن كل واحد منهم يقبل على صاحبه الذي أغواه، فيقول له على وجه التأنيب والتعنيف: لم غررتني ؟ ويقول ذلك له: لم قبلت مني ؟ وقيل. يقبل الأتباع على المتبوعين، والمتبوعون على الأتباع يتلاومون، ويتعاتبون، ويتخاصمون. (قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) أي: يقول الكفار لغواتهم، إنكم كنتم تأتوننا من جهة النصيحة، واليمن، والبركة، ولذلك أقررنا لكم. والعرب تتيمن بما جاء من اليمين، عن الجبائي. وقيل. معناه كنتم تأتوننا من قبل الدين، فتروننا أن الحق والدين ما يضلوننا به، واليمين عبارة عن الحق، عن الزجاج. وقيل: معناه كنتم تأتوننا من قبل القوة والقدرة، فتخدعوننا من أقوى الوجوه، ومنه قوله. (فراغ إليهم ضربا باليمين)، عن الفراء. (قالوا) في جواب ذلك: ليس الأمر كما قلتم (بل لم تكونوا مؤمنين) مصدقين بالله (وما كان لنا عليكم من سلطان) أي: قدرة وقوة، فنجبركم على الكفر، فلا تسقطوا اللوم عن أنفسكم، فإنه لازم لكم، ولاحق بكم. (بل كنتم قوما طاغين) أي: خارجين عن الحق، باغين، تجاوزتم الحد إلى أفحش الظلم، وأعظم المعاصي. (فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يوميئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذآئقوا العذاب الاليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعلمون (39) إلا عباد الله المخلصين (40). المعنى: هذا تمام الحكاية عن الكفار الذين قالوا. (وما كان لنا عليكم من سلطان) ثم قالوا: (فحق علينا قول ربنا) أي: وجب علينا قول ربنا، بأنا لا نؤمن، ونموت على الكفر، أو وجب علينا العذاب الذي نستحقه على الكفر والإغواء. (إنا لذائقون) العذاب الذي نستحقه على الكفر أي: ندركه كما ندرك المطعوم بالذوق. ثم يعترفون بأنهم أغووهم بأن قالوا (فأغوينكم) أي: أضللناكم

[ 303 ]

عن الحق، ودعوناكم إلى الغي (إنا كنا غاوين) أي: داخلين في الضلالة والغي. وقيل: معناه فخيبناكم إنا كنا خائبين (فإنهم يومئذ) أي: في ذلك اليوم (في العذاب مشتركون) واشتراكهم: اجتماعهم فيه. والمعنى: إن ذلك التخاصم لم ينفعهم إذا اجتمع الأتباع والمتبوعون كلهم في النار. الأتباع بقبول الكفر، والمتبوعون بالكفر وا لإغواء. (إنا كذلك نفعل بالمجرمين) أي: الذين جعلوا لله شركاء، عن ابن عباس. وقيل: معناه إنا مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بجميع المجرمين. ثم بين سبحانه أنه إنما فعل ذلك بهم من أجل (أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) عن قبول ذلك (ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون) أي: يأنفون من هذه المقالة، ويستخفون بمن يدعوهم إليها، ويقولون: لا ندع عبادة الأصنام لقول شاعر مجنون، يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعونا إلى خلافها. وقيل: لاجل شاعر، عن أبي مسلم. فرد الله هذا القول عليهم وكذبهم بأن قال: (بل جاء بالحق) أي. ليس بشاعر ولا مجنون، لكنه أتى بما تقبله العقول من الدين الحق، والكتاب. (وصدق المرسلين) أي. حقق ما أتى به المرسلون من بشاراتهم، والكتاب الحق بدين الإسلام. وقيل. صدقهم بأن أتى بمثل ما أتوا به من الدعاء إلى التوحيد. وقيل: صدقهم بالنبوة. ثم خاطب الكفار فقال: (إنكم) أيها المشركون (لذائقوا العذاب الأليم) على كفركم، ونسبتكم إياه إلى الشعر والجنون. (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون) أي: على قدر أعمالكم. ثم استثنى من جملة المخاطبين المعذبين، فقال. (إلا عباد الله المخلصين) الذين أخلصوا العبادة لله، وأطاعوه في كل ما أمرهم به، فإنهم لا يذوقون العذاب، وإنما ينالون الثواب. أولئك لهم رزق معلوم (41) فوكه وهم مكرمون (42) في جنت النعيم (43) على سرر متقبلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشربين (46) لا فيها غول ولاهم عنها ينزفون (47) وعندهم قاصرت الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50)

[ 304 ]

القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم. (ينزفون) بكسر الزاي. والباقون بفتح الزاي، وكذلك في سورة الواقعة، إلا عاصم، فإنه قرأ ههنا بفتح الزاي، وهناك بكسر الزاي. الحجة: قال أبو علي: أنزف يكون على معنين أحدهما: بمعنى سكر، قال. لعمري لئن أنزفتم، أوصحوتم، * لبئس الندامى كنتم آل أبجرا (1) فمقابلته صحوتم يدل على أنه أراد سكرتم والأخر: بمعنى أنفد شرابه. فمعنى أنزف: صار ذا إنفاد لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد من عقله. فمن قرأ (ينزفون)، يجوز أن يريد به لا يسكرون عن شربها. ويجوز أن يريد به: لا ينفد ذلك عندهم، كما ينفد شراب أهل الدنيا. ومن قرأ (ينزفون) بفتح الزاي، فإنه من نزف الرجل فهو منزوف ونزيف: إذا ذهب عقله بالسكر. اللغة: قال الأخفش: كل كأس في القرآن، فالمراد به الخمر. معين. يحتمل أن يكون فعيلا من أمعن في الأمر. إذا اشتد دخوله فيه، وهو الماء الشديد الجري. ويحتمل أن يكون مفعولا من عين الماء، لانه يجري ظاهرا للعين. واللذة: اللذيذة، يقال شراب لذ ولذيذ. والغول. فساد يلحق الشئ خفيا، يقال: اغتاله اغتيالا، وغاله غولا، ومنه الغيلة وهي القتل سرا. قال الشاعر: وما زالت الكأس تغتالنا، * وتذهب بالاول الأول (2) والقاصرات. جمع قاصرة، وهن اللاتي يقصرن طرفهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم. والقصر: معناه الحبس. والعين: النجل العيون الحسان. والمكنون: المصون من كل شئ. قال الشاعر: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا * ص ميزت من جوهر مكنون المعنى: ثم بين سبحانه ما أعده لعباده المخلصين من أنواع النعم، فقال: (أولئك لهم رزق معلوم) جعل لهم التصرف فيه، وحكم لهم به في الأوقات


(1) قائله أبيرد اليربوعي. الندامى جمع الندمان: المنادم على الشرب. وبعد هذا البيت قوله شربتم، ومدرتم، وكان أبوكم * كذاكم إذا ما يشرب الكأس مدرا وأبجر: هو ابن جابر العجلي. (2) قال في (اللسان) أي: توصل إلينا شرا. وتعدمنا عقولنا. (*)

[ 305 ]

المستأنفة في كل وقت، شيئا معلوما مقدرا. ثم فسر ذلك الرزق بأن قال: (فواكه) وهي جمع فاكهة يقع على الرطب واليابس من الثمار كلها، يتفكهون بها، ويتنعمون بالتصرف فيها (وهم مكرمون) مع ذلك أي: معظمون مبجلون، وضد الإكرام الإهانة (في جنات النعيم) أي: وهم مع ذلك في بساتين فيها أنواع النعيم يتنعمون بها (على سرر) وهي جمع سرير (متقابلين) يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه بعض، ولا يرى بعضهم قفا بعض. (يطاف عليهم بكأس) وهو الإناء بما فيه من الشراب (من معين) أي. من خمر جارية في أنهار ظاهرة العيون، عن الحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي. وقيل: شديد الجري. ثم وصف الخمر فقال: (بيضاء) وصفها بالبياض لانها في نهاية الرقة مع الصفاء واللطافة النورية التي لها. قال الحسن. خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، وذكر أن قراءة ابن مسعود صفراء، فيحتمل أن يكون بيضاء الكأس، صفراء اللون. (لذة) أي لذيذة (للشاربين) ليس فيها ما يعتري خمر الدنيا من المرارة والكراهة. (لا فيها غول) أي: لا تغتال عقولهم، فتذهب بها، ولا يصيبهم منها وجع في البطن، ولا في الرأس. ويقال للوجع غول، لانه يؤدي إلى الهلاك. (ولا هم عنها ينزفون) أي: يسكرون ولا ينزفون، لا يفنى خمرهم. وتحمل هذه القراءة على هذا لزيادة الفائدة. وعلى القراءة الأولى فيحمل الغول على الصداع، والوجع، وأذى الخمار. قال ابن عباس: معناه ولا يبولون. قال: وفي الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقئ، والبول. فنزه الله سبحانه خمر الجنة، عن هذه الخصا ل. (وعندهم قاصرات الطرف) قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهن لحبهن إياهم. وقيل: معناه لا يفتحن أعينهن دلالة وغنجا. (عين) أي: واسعات العيون، والواحدة عيناء. وقيل: هي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها، عن الحسن. (كأنهن بيض مكنون) شبههن ببيض النعام، مكنة بالريش من الغبار والريح، عن الحسن وابن زيد. وفي معناه قول امرئ القيس: كبكر المقاناة البياض بصفرة، * غذاها نمير الفاء غيرمحلل (1)


(1) هذا البيت من معلقته المعروفة. والبكرمن كل صنف: ما لم يسبقه مثله. والمراد هنا: بيض = (*)

[ 306 ]

وقيل: شبههن ببطن البيض قبل أن يقشر، وقبل أن تمسه الأيدي. والمكنون: المصون، ثم قال: (فأقبل بعضهم على بعض يتسائلون) يعني أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم، من حين بعثوا إلى أن أدخلوا الجنة، فيخبر كل صاحبه بإنعام الله تعالى عليه. (قال قائل منهم إنى كان لى قرين (51) يقول أءنك لمن المصدقين (52) أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمدينون (53) قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولو لا نعمة ربى لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الاولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60). القراءة: في الشواذ قراءة ابن عباس، وابن محيصن: (هل أنتم مطلعون) بالتخفيف (فأ طلع). الحجة: الإطلاع: الإقبال. فعلى هذا يكون معناه: فهل أنتم مقبلون. فأقبل وأطلع يكون مسندا إلى مصدره أي: فأطلع الإطلاع، كما يقال. قد قيم أي: قد قيم القيام. الا عراب: (إلا موتتنا الأولى): نصب بقوله (ميتين) انتصاب المصدر بالفعل الواقع قبل كما تقول: ما ضربت إلا ضربة واحدة، والتقدير: فما نموت إلا موتتنا الأولى. المعنى: هذا تمام الحكاية عن أحوال أهل الجنة، وإقبال بعضهم على بعض في المسألة عن الأخبار، والأحوال. (قال قائل منهم) أي: من أهل الجنة (إني


= النعام، وإضافته إلى المقاناة من قبيل قوله تعالى (وللدار الاخرة) والمقاناة: المخالطة. والنمير: الماء النامي في الجسد. وقيل: العذب من الماء. وغير محلل أي: غير يسير، أو من قولهم: مكان محلل: إذا أكثر الناس به الحلول أي: لم يكثر حلوت الناس عليه فيكدره ذلك، يصف معشوقته عنيزة، وشبه لونها ببيض نعام تشوب بياضها صفرة. وفي قوله: " البياض " تجوز الحركات الثلاث، وذكروا للبيت معان اخر ذكرها الزوزني في (شرح المعلقات) فراجع.

[ 307 ]

كان لي قرين) في دار الدنيا أي: صاحب يختص بي، إما من الإنس على قول ابن عباس، أو من الشيطان على قول مجاهد. (يقول) لي على وجه الإنكار علي، والتهجين لفعلي (أئنك لمن المصدقين) بيوم الدين، وبالبعث، والنشور، والحساب، والجزاء. والإستفهام هنا على وجه الإنكار. (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون) أي: مجزيون محاسبون من قولهم: كما تدين تدان، والمعنى: إن ذلك القرين كان يقول لي في الدنيا على طريق الإستبعاد والإستنكار: أنبعث بعد أن صرنا ترابا وعظاما بالية، ونجازى على أعمالنا أي: إن هذا لا يكون أبدا. وهذا أبلغ في النفي من أن يقول لا نبعث، ولا نجازى. (قال هل أنتم مطلعون) أي: ثم قال هذا المؤمن لاخوانه في الجنة: هل أنتم مطلعون على موضع من الجنة يرى منه هذا القرين ؟ يقال: طلع على كذا: إذا أشرف عليه، والمعنى: هل تؤثرون أن تروا مكان هذا القرين في النار ؟ وفي الكلام حذف أي: فيقولون له: نعم، إطلع أنت، فأنت أعرف بصاحبك. قال الكلبي: وذلك لان الله تعالى جعل لاهل الجنة كوة ينظرون منها إلى أهل النار. (فاطلع فرآه) أي: فاطلع هذا المؤمن، فرأى قرينه (في سواء الجحيم) أي: في وسط النار. (قال) أي: فقال له المؤمن (تالله إن كدت لترديني) هذه (إن) المخففة من الثقيلة بدلالة مصاحبة لام الإبتداء لها في قوله (لترديني). أقسم بالله سبحانه على وجه التعجب، إنك كدت تهلكني بما قلته لي، ودعوتني إليه، حتى يكون هلاكي كهلاك المتردي من شاهق. ومنه قوله: (وما يغني عنه ماله إذا تردى) أي: تردى في النار (ولولا نعمة ربي) علي بالعصمة واللطف والهداية حتى آمنت (لكنت من المحضرين) معك في النار، ولا يستعمل أحضر مطلقا إلا في الشر. قال قتادة: فوالله لولا أن الله عرفه إياه، لما كان يعرفه. لقد تغير حبره وسبره أي: حسنه وسحناؤه (1). (أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين) معناه: إن هذا المؤمن


(1) السحناء: الهيئة واللون. (*)

[ 308 ]

يقول لهذا القرين على وجه التوبيخ والتقريع: أليس كنت في الدنيا تقول. إنا لا نموت إلا الموتة التي تكون في الدنيا، ولا نعذب، فقد ظهر الأمر بخلاف ذلك. وقيل. إن هذا من قول أهل الجنة بعضهم لبعض على وجه إظهار السرور بدوام نعيم الجنة. ولهذا عقبه بقوله: (إن هذا لهو الفوز العظيم) معناه: فما نحن بميتين في هذه الجنة إلا موتتنا التي كانت في الدنيا، وما نحن بمعذبين كما وعدنا الله تعالى، ويريدون به التحقيق لا الشك. وإنما قالوا هذا القول، لان لهم في ذلك سرورا مجددا، وفرحا مضاعفا، وإن كانوا قد عرفوا أنهم سيخلدون في الجنة. وهذا كما أن الرجل يعطى المال الكثير، فيقول مستعجبا: كل هذا المال لي، وهو يعلم أن ذلك له، وهذا كقوله: أبطحاء مكة هذا الذي * أراه عيانا، وهذا أنا (لمثل هذا فليعمل العملون (61) أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلنها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشيطين (65) فإنهم لا كلون منها فما لئون منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لالى الجحيم (68) إنهم ألفوا ءابآءهم ضآلين (69) فهم علئ ءاثرهم يهرعون (70). اللغة: النزل: الريع والفضل، يقال لهذا الطعام: نزل ونزل. وقيل: هي الأنزال التي يتقوت بها، فتقيم الأبدان، وتبقى عليها الأرواح. ويقال: أقمت للقوم نزلهم أي: ما يصلح أن ينزلوا عليه من الغذاء. وزعم قطرب أن الزقوم شجرة مرة تكون بتهامة. قال أبو مسلم: وظاهر التلاوة يدل على أن العرب كانت لا تعرفها، فلذلك فسر بعد ذلك. والطلع. حمل النخلة، سمي بذلك لطلوعه. والشوب: خلط الشئ بما ليس منه، وهو شر منه. والحميم الحار: الذي يدني من الإحراق المهلك. قال: أحم الله ذلك من لقاء * أحاد أحاد في الشهر الحلال أي: أدناه. وحمم ريش الفرخ حين يدنو من الطيران. والحميم. الصديق القريب أي: الداني من القلب. وهرع الرجل وأهرع: إذا استحث فأسرع. قال

[ 309 ]

الأزهري: الإهراع الإسراع. والمهرع: الحريص. المعنى: ثم قال سبحانه في تمام الحكاية عن قول أهل الجنة: (لمثل هذا فليعمل العاملون) أي: لمثل هذا الثواب والفوز والفلاح، فليعمل العاملون في دار التكليف. وقيل: إن هذا من قول الله تعالى، أي: لمثل هذا النعيم الذي ذكرناه، وهو من قوله: (لهم رزق معلوم) إلى قوله (بيض مكنون). فليعمل العاملون. هذا ترغيب في طلب الثواب بالطاعة أي: من كان يريد أن يعمل لنفع يرجوه، فليعمل لمثل هذا النفع العظيم. (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم) أي: أذلك الذي ذكرناه من قرى أهل الجنة، وما أعد لهم خير في باب الأنزال التي يتقوت بها، ويمكن معها الإقامة، أم نزل أهل النار فيها، عن الزجاج. وقيل: معناه أسبب هذا المؤدي إليه خير، أم سبب ذلك لان الزقوم لا خير فيه. وقيل: إنما جاز ذلك لانهم لما عملوا بما أدى إليه، فكأنهم قالوا فيه خير. وقيل: إنما قال خير على وجه المقابلة، فهم مثل قوله: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) وهذا كما يقول الرجل لعبده. إن فعلت كذا أكرمتك، وإن فعلت كذا ضربتك هذا خير أم ذلك، وإن لم يكن في الضرب خيرا. والزقوم ثمر شجرة متكره جدا من قولهم: تزقم هذا الطعام إذا تناوله على تكره ومشقة شديدة. وقيل: الزقوم شجرة في النار يقتاتها أهل النار لها ثمرة مرة، خشنة اللمس، منتنة الرائحة. وقيل: إنها معروفة من شجر الدنيا، تعرفها العرب. وقيل: إنها لا تعرفه. فقد روي أن قريشا سمعت هذه الأية قالت: ما نعرف هذه الشجرة، فقال ابن الزبعرى: الزقوم بكلام البربر التمر والزبد. وفي رواية بلغة اليمن. فقال أبو جهل لجاريته. يا جارية ! زقمينا. فأتته الجارية بتمر وزبد. فقال لاصحابه: تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد، فيزعم أن النار تنبت الشجرة، والنار تحرق الشجرة. فأنزل الله سبحانه: (إنا جعلناها فتنة للظالمين) أي: خبرة لهم افتتنوا بها، وكذبوا بكونها، فصارت فتنة لهم، عن قتادة والزجاج. وقيل: إن المراد بالفتنة العذاب أي: جعلناها شدة عذاب لهم من قوله (يوم هم على النار يفتنون) أي. يعذبون، عن الجبائي وأبي مسلم. (إنها شجرة تخرج من أصل الجحيم) أي: إن الزقوم شجرة تنبت في قعر جهنم، وأغصانها ترفع إلى دركاتها، عن الحسن. ولا يبعد أن يخلق الله سبحانه

[ 310 ]

بكمال قدرته شجرة في النار من جنس النار، أو من جوهر لا تأكله النار، ولا تحرقه، كما أنها لا تحرق السلاسل والأغلال فيها، وكما لا تحرق حياتها وعقاربها، وكذلك الضريع وما أشبه ذلك. (طلعها كانه رؤوس الشياطين) يسأل عن هذا فيقال. كيف شبه طلع، هذه الشجرة برؤوس الشياطين، وهي لا تعرف، وإنما يشبه الشئ بما يعرف ؟ وأجيب عنه بثلاثة أجوبة أحدها: إن رؤوس الشياطين ثمرة يقال لها الأستن، وإلاه عنى النابغة بقوله: تحيدعن أستن سود أسافله * مثل الإماء اللواتي تحمل الحزما (1) وهذه الشجرة تشبه بني آدم. قال الأصمعي: ويقال له الصوم، وأنشد: موكل بشدوف الصوم يرقبه * من المعارم مهضوم الحشازرم (2) يصف وعلا يظن هذا الشجر قناصين (3)، فهو يرقبه. والشدوف: الشخوص، واحدها شدف. وثانيا: إن الشيطان جنس من الحيات، فشبه سبحانه طلع تلك الشجرة برؤوس تلك الحيات. أنشد الفراء: عنجرد تحلف حين أحلف * كمثل شيطان الحماط أعرف (4) أي: له عرف، وأنشد المبرد: وفي البقل إن لم يدفع الله شره، * شياطين يعدو بعضهن على بعض (5) وثالثها: إن قبح صور الشياطين متصور في النفوس، ولذلك يقولون لما


(1) حاد عنه: مال وعدل. والحزمة: ما حزم من الحطب. شته شجرة الأستن بأمة سوداء تحمل الحطب على رأسها قيل: وضمير تحيد يرجع إلى امرأة مذكورة في الأشعار السابقة. (2) العرم والعرمة: النقطة السرداء في أذن الشاة الضائنة والمعزى. يقال قطيع أعرم: إذا كان بين العرم. وفي بعض النسخ " من المعازب "، وفسره بعض فقال من المعازب: من حيث يعزب عنه الشئ أي: يتباعد، ومهضوم الحشا: ضامره، وزرم - ككتف - لا يثبت في مكان. (3) القناص: الصياد. (4) أمرأة عنجرد. خبيثة، سيئة الخلق. والحماط: شجر عظام تنبت في بلاد العرب تسكنها الحيات. شبه الشاعر المرأة بحية له عرف. (5) البقل: قوم من العرب. (*)

[ 311 ]

يستقبحونه جدا: كأنه شيطان، فشبه سبحانه طلع هذه الشجرة بما استقرت بشاعته في قلوب الناس. قال الراجز: أبصرتها تلتهم الثعبانا * شيطانة تزوجت شيطانا (1) وقال أبو النجم: الرأس قمل كله، وصئبان، * وليس في الرجلين إلا خيطان وهي التي يفزع منها الشيطان وقال امرؤ القيس. أتقتلني والمشرفي مضاجعي، * ومسنونة زرق كأنياب أغوا ل فشنه أسنته بأنياب الأغوال، ولم يقل أحد إنه رأى الغول. وهذا قول ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي. وقال الجبائي: إن الله تعالى يشوه خلق الشياطين في النار حتى إنه لو رآهم راء من العباد لاستوحش منهم، فلذلك شبه برؤوسهم. (فإنهم لاكلون منها) يعني أن أهل النار ليأكلون من ثمرة تلك الشجرة (فمالئون منها البطون) أي. يملاون بطونهم منها لشدة ما يلحقهم من ألم الجوع. وقد روي أن الله تعالى يجوعهم حتى ينسوا عذاب النار من شدة الجوع، فيصرخون إلى مالك، فيحملهم إلى تلك الشجرة، وفيهم أبو جهل، فيأكلون منها، فتغلي بطونهم كغلي الحميم، فيستسقون فيسقون شربة من الماء الحار الذي بلغ نهايته من الحرارة، فإذا قربوها من وجوههم، شوت وجوههم، فذلك قوله: (يشوي الوجوه). فإذا وصل إلى بطونهم صهر ما في بطونهم، كما قال سبحانه: (يصهر ما في بطونهم والجلود) فذلك شرابهم وطعامهم فذلك قوله: (ثم إن لهم عليها) زيادة على شجرة الزقوم (لشوبا من حميم) أي: خليطا ومزاجا من ماء حار يمزج ذلك الطعام بهذا الشراب. وقيل: إنهم يكرهون على ذلك عقوبة لهم. (ثم إن مرجعهم) بعد أكل الزقوم، وشراب الحميم (لالى الجحيم) وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه، وهو خارج عن الجحيم، كما تورد الإبل إلى الماء، ثم يردون إلى الجحيم. ويدل على ذلك قوله: (يطوفون بينها وبين حميم آن).


(1) إلتهمه: إبتلعه بمرة. (*)

[ 312 ]

والجحيم: النار الموقدة. والمعنى: إن الزقوم والحميم طعامهم وشرابهم، والجحيم المسعرة منقلبهم ومأواهم. (إنهم ألفوا آباءهم ضالين) أي: إن هؤلاء الكفار صادفوا آباءهم ذإهبين عن الحق والدين. (فهم على آثارهم يهرعون) في الضلال أي: يقلدونهم ويتبعونهم اتباعا في سرعة. وقيل: معناه يسرعون، عن ابن عباس، والحسن. وقيل. يعملون بمثل أعمالهم، عن الكلبي. وقيل. يستحثون، عن أبي عبيدة. (ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) فانظر كيف كان عقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) ولقد نادنا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجينه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الاخرين (78) سلم على نوح في العلمين (79) إنا كذلك نجزى المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الاخرين (82). المعنى: ثم أقسم سبحانه فقال: (ولقد) اللام هي التي تدخل في جواب القسم، وقد للتأكيد (ضل قبلهم) أي: قبل هؤلاء الكفار الذين هم في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق الهدى، واتباع الحق (أكثر الأولين) من الأمم الخالية، والأكثر هو الأعظم في العدد. والأول هو الكائن قبل غيره. والأول قبل كل شئ هو الله سبحانه، لان كل ما سواه موجود بعده. وفي هذه الاية دلالة على أن أهل الحق في كل زمان، كانوا أقل من أهل الباطل. (ولقد أرسلنا فيهم منذرين) من الأنبياء والمرسلين، يخوفونهم من عذاب الله تعالى، ويحذرونهم معاصيه. (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) أي: من المكذبين المعاندين للحق. والمعنى: فانظر يا محمد كيف أهلكتهم، وماذا حل بهم من العذاب، وكذلك يكون عاقبة المكذبين. ثم استثنى من المنذرين فقال: (إلا عباد الله المخلصين) الذين قبلوا من الأنبياء، وأخلصوا عبادتهم لله تعالى، فإن الله خلصهم من ذلك العذاب، ووعدهم بجزيل الثواب (ولقد نادانا نوح) أي: دعانا نوح بعد ما يئس من إيمان قومه، لننصره عليهم، وذلك قوله: (إني مغلوب فانتصر). (فلنعم المجيبون)

[ 313 ]

نحن لنوح في دعائه أجبناه إلى ما سأل، وخلصناه من أذى قومه بإهلاكهم. وقيل: هو على العموم أي: فلنعم المجيبون نحن لمن دعانا. (ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) أي: من المكروه الذي كان ينزل به من قومه. والكرب: كل غم يصل حره إلى الصدر. وأصل النجاة من النجوة للمكان المرتفع، فهي الرفع من الهلاك، وأهله هم الذين نجوا معه في السفينة. (وجعلنا ذريته هم الباقين) بعد الغرق. فالناس كلهم بعد نوح من ولد نوح، عن ابن عباس وقتادة، فالعرب والعجم من أولاد سام بن نوح. والترك والصقالبة والخزر ويأجوج ومأجوج من أولاد يافث بن نوح، والسودان من أولاد حام بن نوح. قال الكلبي: لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساؤهم. (وتركنا عليه في الأخرين) أي: تركنا عليه ذكرا جميلا، وأثنينا عليه في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحذف، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. ومعنى تركنا: أبقينا. قال الزجاج: معناه تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر قوله: (سلام على نوح في العالمين) أي: تركنا عليه أن يصلى عليه إلى يوم القيامة فكأنه قال وتركنا عليه التسليم في الآخرين. ثم فسر التسليم بقوله (سلام على نوح في العالمين). قال الكلبي: معناه سلامة منا على نوح، وهذا هو السلام. والمراد بقوله: (إهبط بسلام منا وبركات عليك). (إنا كذلك نجزي المحسنين) أي: جزيناه ذلك الثناء الحسن في العالمين بإحسانه، عن مقاتل. وقيل: إن معناه مثل ما فعلنا بنوح نجزي كل من أحسن بأفعال الطاعات، وتجنب المعاصي، ونكافيهم بإحسانهم (إنه من عبادنا المؤمنين) يعني نوحا. وهذه الآية تتضمن مدح المؤمنين حيث خرج من بينهم مثل نوح (ثم أغرقنا الاخرين) أي: من لم يؤمن به، والمعنى: ثم أخبركم أني أغرقت الآخرين. النظم: الوجه في اتصال قصة نوح والأنبياء بما قبلها، تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كفر قومه بأن حالهم معه شبيهة بحال من تقدم من الأمم مع أنبيائهم، وتحذير القوم عن سلوك مثل طريقتهم، لئلا يعاقبوا بمثل عقوبتهم. (* وإن من شيعته لابرهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا ءالهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب

[ 314 ]

العلمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إنى سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلئ الهتهم فقال ألا تأكلون (91) مالكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعلمون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين (98) وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهيدن (99) رب هب لى من الصالحين (100). القراءة: قرأ حمزة وحده: (يزفون) بضم الياء. والباقون بفتحها. وفي الشواذ قراءة: الحسن: (فراغ عليهم سفقا) وقراءة عبد الله بن زيد: (يزفون) خفيفة الفاء. الحجة: زفت الإبل تزف: إذا أسرعت. وقراءة حمزة (يزفون) أي: يحملون غيرهم على الزفيف. قال الأصمعي: أزففت الإبل: حملتها على أن تزف، وهو سرعة المشي، ومقاربة الخطو. والمفعول محذوف على قراءته. وقيل أيضا: إن أزف لغة في زف، ولما يزفون بالتخفيف. فذهب قطرب إلى أنها تخفيف يزفون كقوله (وقرن في بيوتكن) أي: أقررن قال الهذلي: وزفت الشول من برد العشي كما * زف النعام إلى حفانه الروح (1) والظاهر أن يزفون من وزف (2) يزف، مثل وعد يعد. وأما قوله (سفقا) فهو من قولهم سفقت الباب وصفقته، والصاد أعرف. وروي عن الحسن بالصاد أيضا. اللغة: الشيعة: الجماعة التابعة لرئيس لهم، وصار بالعرف عبارة عن شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام الذين كانوا معه على أعدائه، وبعده مع من قام مقامه من أبنائه. وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليهنكم الإسم ! قلت: وما هو ؟ قال: الشيعة. قلت. إن الناس يعيروننا بذلك ! قال: أما تسمع قول الله سبحانه:


(1) الشول: جمع الشائلة من الإبل، وهي التي أتى عليها من حملها، أو وضعها، سبعة أشهر، والحفان. فراخ النعام. والروح جمع الأروح: الواسع بين الفخذين، أو الرجلين، قال ابن منظور. وكل نعامة روحاء. (2) وهو أيضا بمعنى أسرع. (*)

[ 315 ]

(وإن من شيعته لابراهيم)، وقوله: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه). والروغ: الميل مات جهة إلى جهة، يقال: راغ يروغ روغانا أي: حاد. والرواغ. الحياد. قال عدي بن زيد: حين لا ينفع الرواغ، ولاين‍ * - ظع إلا المضادق النحرير الاعراب: (آلهة): بدل من قوله (إفكا) و (افكا): مفعول (تريدون). (فما ظنكم): ما مبتدأ. وظنكم خبره. وقوله (ضربا): مصدر فعل محذوف، والتقدير: يضربهم ضربا. والباء في قوله (باليمين) متعلق بذلك المحذوف. و (يزفون): حال من (اقبلوا). (والله خلتكم): في موضع نصب على الحال من (تعبدون)، والتقدير: أتعبدون ما تنحتون مخلوقين. (هب لي): مفعوله محذوف أي. ولدا. المعنى: ثم أتبعه، سبحانه وتعالى، بقصة إبراهيم عليه السلام فقال. (وإن من شيعته لابراهيم) أي: وإن من شيعة نوح إبراهيم، يعني: إنه على منهاجه وسنته في التوحيد والعدل واتباع الحق، عن مجاهد. وقيل إن معناه: لى إن من شيعة محمد إبراهيم، كما قال: (إنا حملنا ذريتهم) أي: ذرية من هو أب لهم، فجعلهم ذرية لهم، وقد سبقوهم، عن الفراء. (إذ جاء ربه بقلب سليم) أي: حين صدق الله، وآمن به بقلب سليم، خالص من الشرك، برئ من المعاصي والغل والغش، على ذلك عاش، وعليه مات. وقيل: بقلب سليم من كل ما سوى الله تعالى، لم يتعلق بشئ غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام. (إذ قال لابيه وقومه) حين رآهم يعبدون الأصنام من دون الله، على وجه التهجين لفعالهم، والتقريع لهم. (ماذا تعبدون) أي: أي شئ تعبدون (أئفكا آلهة) الإفك: هو أشنع الكذب وأفظعه، وأصله قلب الشئ عن جهته التي هي له، فلذلك كان الكذب إفكا. وإنما قال (آلهة) على اعتقاد المشركين، وتوهمهم الفاسد في إلهية الأصنام، لما اعتقدوا أنها تستحق العبادة. ثم أكد التقريع بقوله: (دون الله تريدون) أي. تريدون عبادة آلهة دون عبادة الرحمن، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، لان الإرادة لا يصح تعلقها إلا بما يصح حدوثه. والأجسام مما لا يصح أن تراد. (فما ظنكم برب العالمين)

[ 316 ]

أن يصنع بكم مع عبادتكم غيره. وقيل: معناه كيف تظنون برب تأكلون رزقه، وتعبدون غيره. وقيل: معناه ما تظنون بربكم أنه على أي صفة، ومن أي جنس من أجناس الأشياء، حين شبهتم به هذه الأصنام ؟ وفيه إشارة إلى أنه لا يشبه شيئا. (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) اختلف ني معناه على أقوال أحدها: إنه عليه السلام نظر في النجوم، فاستدل بها على وقت حمى كانت تعتاده، فقال: إني سقيم، أراد أنه قد حضر وقت علته، وزمان نوبتها، فكأنه قال: إفي سأسقم لا محالة، وحان الوقت الذي تعتريني فيه الحمى. وقد يسمى المشارف للشئ باسم الداخل فيه، قال الله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) ولم يكن نظره في النجوم على حسب ما ينظره المنجمون، طلبا للاحكام، ومثله قول الشاعر: إسهري ما سهرت أم حكيم، * واقعدي مرة لذاك، وقومي وافتحي الباب، وانظري في النجوم، * كم علينا من قطع ليل بهيم وثانيها. إنه نظر في النجوم كنظرهم، لانهم كانوا يتعاطون علم النجوم، فأوهمهم أنه يقول بمثل قولهم، فقال عند ذلك. إني سقيم، فتركوه ظنا منهم أن نجمه يدل على سقمه. ويجوز أن يكون الله تعالى أعلمه بالوحي أنه سيسقمه في وقت مستقبل، وجعل العلامة على ذلك إما طلوع نجم على وجه مخصوص، أو اتصاله بآخر على وجه مخصوص. فلما رأى إبراهيم تلك الإمارة قال: إني سقيم، تصديقا بما أخبره الله تعالى. وثالثها: إن معناه نظر في النجوم نظر تفكر، فاستدل بها كما قصه الله تعالى في سورة الأنعام على كونها محدثة غير قديمة، ولا آلهة، وأشار بقوله (إني سقيم) على أنه في حال مهلة النظر، وليس على يقين من الأمر، ولا شفاء من العلم. وقد يسمى الشك بأنه سقم، كما يسمى العلم بأنه شفاء. وإنما زال عنه هذا السقم عند زوال الشك، وكمال المعرفة، عن أبي مسلم. وهذا الوجه ضعيف، لان سياق الأية يمنع منه، فإن قوله (إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون) إلى هذا الموضع من قصته، يبين أنه عليه السلام لم يكن في زمان مهلة النظر، وأنه كان كامل المعرفة، خالص اليقين والبصيرة. ورابعها: إن معنى قوله (إني سقيم): إني سقيم القلب، أو الرأي، حزنا من إصرار القوم على عبادة الأصنام، وهي لا تسمع ولا تبصر، ويكون على هذا معنى نظره في النجوم: فكرته في أنها محدثة، مخلوقة،

[ 317 ]

مدبرة وتعجبه كيف ذهب على العقلاء ذلك من حالها حتى عبدوها. وما رواه العياشي بإسناده عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: والله ما كان سقيما، وما كذب، فيمكن أن يحمل على أحد الوجوه التي ذكرناها ويمكن أن يكون على وجه التعريض، بمعنى أن كل من كتب عليه الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به سقم في الحال. وما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات. قوله: (إني سقيم)، وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا)، وقوله في سارة: (إنها أختي)، فيمكن أن يحمل أيضا علي المعاريض أي: سأسقم، وفعله كبيرهم على ما ذكرناه في موضعه، وسارة اخته في الدين. وقد ورد في الخبر: " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ". والمعاريض: أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره، ويفهم عنه غير ما يقصده، ولا يكون ذلك كذبا. فإن الكذب قبيح بعينه، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، لانه يرفع الثقة بقولهم، جل أمناء الله تعالى وأصفياؤه عن ذلك، وقوله (فتولوا عنه مدبرين) إخبار عن قومه أنهم لما سمعوا قوله (اني سقيم)، تركوه وأعرضوا عنه، وخرجوا إلى عيدهم. (فراغ إلى آلهتهم) معناه: فمال إلى أصنامهم التي كانوا يدعونها آلهة. (فقال ألا تأكلون) خاطبها، وإن كانت جمادا على وجه التهجين لعابديها، وتنبيههم على أن من لا يتكلم، ولا يقدر على الجواب، كيف تصح عبادتها ؟ وكانوا صنعوا للاصنام طعاما تقربا إليها، وتبركا بها. فلما لم تجبه قال: (ما لكم لا تنطقون) زيادة في تهجين عابديها، كأنهم حاضرون لها أي: ما لكم لا تجيبون ؟ وفي هذا تنبيه على أنها جماد لا تأكل، ولا تنطق، فهي أخس الأشياء، وأقلها. (فراغ عليهم ضربا باليمين) أي: فمال على الأصنام يضربها، ويكسرها باليد اليمنى، لانها أقوى على العمل، عن الربيع بن أنس. وقيل: المراد باليمين القوة كما في قوله: " تلقاها عرابة باليمين) (1)، عن الفراء، وهو قول السدي. وقيل: معناه بالقسم الذي سبق منه، وهو قوله: (وتالله لاكيدن أصنامكم). (فاقبلوا إليه يزفون) أي: أقبلوا بعد الفراغ من عيدهم إلى إبراهيم يسرعون،


(1) هذا عجز بيت لشماخ. ونسبه بعض إلى حطيئة وصدره: " إذا ما راية رفعت لمجد "، وقد مر أيضا.

[ 318 ]

عن الحسن، وابن زيد. وقيل: يزفون زفيف النعام، وهو حالة بين المشي والعدو، عن مجاهد. وفي هذا دليل أنهم اخبروا بصنيع إبراهيم بأصنامهم، فقصدوه مسرعين، وحملوه إلى بيت أصنامهم، وقالوا له: أنت فعلت هذا بآلهتنا ؟ فأجابهم على وجه الحجاج عليهم بأن (قال أتعبدون ما تنحتون) فهو استفهام معناه الإنكار والتوبيخ أي: كيف يصح أن يعبد الإنسان ما يعمله بيده ؟ فإنهم كانوا ينحتون الأصنام بأيديهم. (والله خلقكم وما تعملون) أي: وخلق ما عملتم من الأصنام، فكيف تدعون عبادته، وتعبدون معمولكم ؟ وهذا كما يقال: فلان يعمل الحصير، وهذا الباب من عمل فلان النجار. قال الحسن: معناه وخلق أصل الحجارة التي تعملون منها الأصنام. وهذا يجري مجرى قوله: (تلقف ما يأفكون)، وقوله. (تلقف ما صنعوا) في أنه أراد المنحوت من الجسم هنا دون العرض الذي هو النحت، كما أراد هناك المأفوك فيه، والمصنوع فيه، من الحبال والعصي، دون العرض الذي هو فعلهم. فليس لاهل الجبر تعلق بهذه الاية في الدلالة على أن الله سبحانه خالق لافعال العباد، لان من المعلوم أن الكفار لم يعبدوا نحتهم الذي هو فعلهم، وإنما كانوا يعبدن الأصنام التي هي الأجسام وقوله. (ما تنحتون) هو ما يعملون في المعنى. على أن مبنى الاية على التقريع للكفار والإزراء عليهم بقبيح فعلهم، ولو كان معناه والله خلقكم وخلق عبادتكم، لكانت الاية إلى أن تكون عذرا لهم، أقرب من أن تكون لوما وتهجينا، ولكان لهم أن يقولوا: ولم توبخنا على عبادتها، والله تعالى هو الفاعل لذلك ؟ فتكون الحجة لهم لا عليهم، ولانه قد أضاف العمل إليهم بقوله (تعملون) فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى ؟ وهذا تناقض. ولما لزمتهم الحجة (قالوا ابنوا له بنيانا) قال ابن عباس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملاوه نارا، وطرحوه فيها، وذلك قوله (فألقوه في الجحيم) قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض، فهي جحيم. وقيل إن الجحيم: النار العظيمة. (فارادوا به كيدا) أي: حيلة وتدبيرا في إهلاكه وإحراقه بالنار. (فجعلناهم الأسفلين) بان أهلكناهم، ونجينا إبراهيم، وسلمناه، ورددنا كيدهم عنه. وقيل: بأن أشرفوا عليه، فرأوه سالما، وتحققوا أن كيدهم لا ينفذ فيه، وعلموا أنهم مغلوبون.

[ 319 ]

(وقال) إبراهيم (إني ذاهب إلى ربي) قال ابن عباس: معناه مهاجر إلى ربي أي: أهجر ديار الكفار، وأذهب إلى حيث أمرني الله تعالى بالذهاب إليه، وهي الأرض المقدسة. وقيل: إني ذاهب إلى مرضاة ربي بعملي ونيتي، عن قتادة. (سيهديني) أي: يهديني ربي فيما بعد إلى طريق المكان الذي أمرني بالمصير إليه، أو إلى الجنة بطاعتي إياه. قال مقاتل: وهو أول من هاجر، ومعه لوط وسارة، إلى الشام. وإنما قال (سيهديني) ترغيبا لمن هاجر معه في الهجرة، وتوبيخا لقومه. فلما قدم الأرض المقدسة، سأل إبراهيم ربه الولد فقالى: (رب هب لي من الصالحين) أي: ولدا صالحا من الصالحين، كما تقول: أكلت من الطعام، فحذف لدلالة الكلام عليه. (فبشرنه بغلم حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يبني إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصبرين (102) فلما أسلما وتله للجبين (103) وندينه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزى المحسنين (105) إن هذا لهو البلؤا المبين (106) وفدينه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الاخرين (108) سلم على إبرهيم (109) كذلك نجزى المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرنه بإسحاق نبيا من الصلحين (112) وبركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (ماذا تري) بضم التاء، وكسر الراء. والباقون بفتح التاء والراء. وفي الشواذ قراءة الأعمش والضحاك بضم التاء، وفتح الراء. وروي عن علي عليه السلام، وابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك والأعمش وجعفر بن محمد. (فلما سلما) بغير ألف، ولام مشددة. الحجة: قال أبو علي. من فتح التاء فقال (ماذا ترى) كان مفعول ترى أحد الشيئين. إما أن يكون (ماذا) في موضع نصب بأنه مفعول، ويكون بمنزلة اسم

[ 320 ]

واحد. وإما أن يكون (ذا) بمنزلة الذي، فيكون مفعول (ترى) الهاء المحذوفة من الصلة، ويكون (ترى) على هذا معناها الرأي، وليس إدراك الحاسة، كما تقول: فلان يرى رأي أبي حنيفة. وإذا جعلت (ذا) بمعنى الذي، صار تقديره ما الذي تراه، فيصير (ما) في موضع ابتداء، والذي في موضع خبره. ويكون المعنى. ما الذي تذهب إليه فيما ألقيت إليك، هل تستسلم له وتتلقاه بالقبول، أو تأتي غير ذلك. ومن قرأ (ماذا تري)، فيجوز أن يكون (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، فيكونا في موضع نصب، والمعنى. أجلدا ترى على ما تحمل عليه، أم خوار. أو يجوز أن يكون (ما) مبتدأ، و (ذا) بمعنى الذي، ويعود إليه الذكر المحذوف من الصلة، والفعل منقول من رأى زيد الأمر، وأريته الشئ، إلا أنه من باب أعطيت. فيجوز الإقتصار على أحد المفعولين دون الاخر، كما أن أعطيت كذلك. ولو ذكرت المفعول الآخر كان أريت زيدا خالدا. وقال ابن جني: من قرأ (ماذا ترى) فالمعنى: ماذا يلقى إليك، ويوقع في خاطرك. ومن قرأ (ماذا ترى) فالمعنى: ماذا تشير به، وتدعو إلى العمل بحسبه، وهو من قولك. ما رأيك في كذا، ومنه قوله. (لتحكم بين الناس بما أراك الله) أي: بما يحضرك إياه الرأي والخاطر. وأما قوله (أسلما) فمعناه. فوضا وأطاعا وأما سلما فمن التسليم أي: سلما أنفسهما، وأراهما كالتسليم باليد، لما أمرا به، ولم يخالفا ما اريد منهما من إجماع إبراهيم الذبح، وإسحاق أو إسماعيل الصبر. اللغة: التل: الصرع، ومنه التل من التراب، جمعه تلول. والتليل: العنق لانه يتل. والجبين. ما عن يمين الجبهة وشمالها، وللوجه جبينان، الجبهة بينهما. والذبح، بكسر الذال: المهيأ لان يذبح، وبفتح الذال. المصدر. الاعراب: اختلف في جواب (لما) من قوله (فلما أسلما) فقيل: هو محذوف وتقديره: فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه فازا وظفرا بما أرادا. وقيل: جوابه ناديناه. والواو زائدة. (نبيا) منصوب بأنه حال من (بشرناه)، وذو الحال (إسحاق). المعنى: ثم أخبر سبحانه أنه استجاب لابراهيم دعاءه، بقوله: (فبشرناه

[ 321 ]

بغلام حليم) أي: بابن وقور، عن الحسن قال: وما سمعت الله تعالى نحل عباده شيئا أجل من الحلم. والحليم: الذي لا يعجل في الأمر قبل وقته، مع القدرة عليه. وقيل: الذي لا يعجل بالعقوبة. قال الزجاج: وهذه البشارة تدل على أن الغلام يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم. ثم أخبر سبحانه أن الغلام الذي بشر به، ولد له وترعرع بقوله: (فلما بلغ معه السعي) أي: شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم، عن مجاهد. والمعنى: بلغ إلى أن يتصرف ويمشي معه، ويعينه على أموره قالوا: وكان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: يعني بالسعي العمل لله والعبادة، عن الحسن والكلبي، وابن زيد ومقاتل. (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) معنى رأى في الكلام على خمسة أوجه أحدها: أبصر والثاني: علم نحو رأيت زيدا عالما. والثالث: ظن كقوله تعالى. (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا). والرابع: اعتقد نحو قوله: وإنا لقوم ما نرى القتل سبة، * إذا ما رأته عامر وسلول والخامس: بمعنى الرأي، نحو: رأيت هذا الرأي. وأما رأيت في المنام، فمن رؤية البصر، فمعنى الأية: إن إبراهيم قال لابنه إني أبصرت في المنام رؤيا تأويلها الأمر بذبحك، فانظر ماذا تراه، أو أي شئ ترى من الرأي. ولا يجوز أن يكون ترى فهنا بمعنى تبصر، لانه لم يشر إلى شئ يبصر بالعين، ولا يجوز أن يكون بمعنى علم، أو ظن، أو اعتقد، لان هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين، وليس هنا إلا مفعول واحد، مع استحالة المعنى. فلم يبق إلا أن يكون من الرأي. والأولى أن يكون الله تعالى قد أوحى إليه في حال اليقظة، وتعبده بأن يمضي ما يامره به في حال نومه، من حيث إن منامات الأنبياء لا تكون إلا صحيحة، ولو لم يأمره بذلك في حال اليقظة، لما كان يجوزأن يعمل على ما يراه في المنام. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: منامات الأنبياء وحي. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. وقال أبو مسلم: رؤيا الأنبياء مع أن جميعها صحيحة ضربان أحدهما. أن يأتي الشئ كما رأوه، ومنه قوله سبحانه. (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام) الأية. والأخر: أن يكون عبارة عن خلاف الظاهر مما رأوه في المنام، وذلك كرؤيا يوسف الأحد عشر كوكبا، والشمس والقمر، ساجدين. وكان رؤيا إبراهيم من هذا القبيل، لكنه لم يأمن أن يكون ما رآه مما يلزمه العمل به

[ 322 ]

على الحقيقة، ولا يسعه غير ذلك. فلما اسلما أعلمه الله سبحانه أنه صدق الرؤيا بما فعله، وفدى ابنه من الذبح بالذبح. (قال يا أبت إفعل ما تؤمر) أي: ما أمرت به (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) أي: ستصادفني بمشيئة الله، وحسن توفيقه، ممن يصبر على الشدائد في جنب الله، ويسلم لامره. (فلما أسلما) أي: استسلما لامر الله، ورضيا به وأطاعاه. وقيل: معناه سلم الأب ابنه لله، وسلم الإبن نفسه لله (وتله للجبين) أي: أضجعه على جبينه، عن الحسن. وقيل. معناه وضع جبينه على الأرض لئلا يرى وجهه، فتلحقه رقة الآباء، عن ابن عباس. وروي أنه قال: اذبحني وأنا ساجد، لا تنظر إلى وجهي، فعسى أن ترحمني فلا تذبحني. (وناديناه أن يا إبراهيم) تقديره ناديناه بأن يا إبراهيم أي. بهذا الضرب من القول (قد صدقت الرؤيا) أي: فعلت ما أمرت به في الرؤيا (إنا كذلك نجزي المحسنين) أي: كما جزيناه بالعفو عن ذبح ابنه، نجزي من سلك طريقهما في الإحسان بالاستسلام والإنقياد لامر الله (إن هذا لهو البلاء المبين) أي: إن هذا لهو الإمتحان الظاهر، والإختبار الشديد. وقيل: إن هذا لهو النعمة الظاهرة. وتسمى النعمة بلاء بسببها المؤذي إليها، كما يقال لاسباب الموت هي الموت، لانها تؤذي إليه. واختلف العلماء في الذبيح على قولين أحدهما: إنه إسحاق، وروي ذلك عن علي عليه السلام، وابن مسعود وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة وعطا والزهري والسدي والجبائي. والقول الآخر: إنه إسماعيل، عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والربيع بن أنس والكلبي ومحمد بن كعب القرظي. وكلا القولين قد رواه أصحابنا عن أئمتنا عليهم السلام، إلا أن الأظهر في الروايات أنه إسماعيل، ويعضده قوله بعد قصة الذبح. (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين). ومن قال: إنه بشر بنبوة إسحاق، فقد ترك الظاهر، ولانه قال في موضع آخر: (فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) فبشره بإسحاق، وبأنه سيولد له يعقوب، فكيف يبشره بذرية إسحاق، ثم يأمره بذبح إسحاق مع ذلك ؟ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أنا ابن الذبيحين " ولا خلاف أنه من ولد إسماعيل، والذبح الآخر هو عبد الله أبوه.

[ 323 ]

وحجة من قال إنه إسحاق: أن أهل الكتابين أجمعوا على ذلك. وجوابه: إن إجماعهم ليس بحجة، وقولهم غير مقبول. وروى محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي قال: كنت عند عمربن عبد العزيز، فسألني عن الذبيح فقلت: إسماعيل، واستدللت بقوله (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين)، فأرسل إلى رجل بالشام كان يهوديا، فأسلم، وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء اليهود، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك، وأنا عنده، فقال: إسماعيل. ثم قال: والله يا أمير المؤمنين ! إن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أبوكم الذي كان من أمر الله فيه ما كان، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لان إسحاق أبوهم. وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء، عن الذبيح إسحاق أم إسماعيل ؟ فقال: يا أصمعي ! أين ذهب عنك عقلك ؟ ومتى كان إسحاق بمكة ؟ وإنما كان بمكة إسماعيل، وهو بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة لا شك فيه. وقد استدل بهذه الاية من أجاز نسخ الشئ قبل وقت فعله، فقال: إن الله تعالى نهاه عن ذبحه بعد أن أمره به، وقد اجيب عن ذلك بأجوبة. أحدها: إنه سبحانه لم يأمر إبراهيم بالذبح الذي هو فري الأوداج، وإنما أمره بمقدمات الذبح من الإضجاع، وتناول المدية، وما يجري مجرى ذلك. والعرب قد تسمي الشئ باسم مقدماته. ولهذا قال: (قد صدقت الرؤيا). ولو كان أمره بالذبح، لكان إنما صدق بعض الرؤيا. وأما الفداء بالذبح، فلما كان يتوقعه من الأمر بالذبح، ولا يمتنع أيضا أن يكون فدية عن مقدمات الذبح، لان الفدية لا يجب أن تكون من جنس المفدى. ألا ترى أن حلق الرأس قد يفدى بدم ما يذبح، وكذلك لبس الثوب المخيط، والجماع، وغير ذلك. وثانيها: إنه عليه السلام إنما أمر بصورة الذبح، وقد فعله، لانه فرى أوداج ابنه، ولكنه كلما فرى جزءا منه، وجاوزه إلى غيره، عاد في الحال ملتحما. فإن قلت: إن حقيقة الذبح هو قطع مكان مخصوص، تزول معه الحياة ؟ فالجواب: إن ذلك غير مسلم، لانه يقال ذبح هذا الحيوان، ولم يمت بعد، ولو سلمنا أن حقيقة الذبح ذلك، لكان لنا أن نحمل الذبح على المجاز للدليل الدال عليه. وثالثها: إن الله تعالى أمره بالذبح، إلا أنه سبحانه جعل على عنقه صفحة من

[ 324 ]

نحاس، وكلما أمر إبراهيم السكين عليه، لم يقطع، أو كان كلما اعتمد على السكين، انقلب على اختلاف الرواية فيه. وهذا التأويل يسوغ إذا قلنا إنه كان مامورا بما يجري مجرى الذبح، ولا يسوغ إذا قلنا إنه أمر بحقيقة الذبح، لانه يكون تكليف لما لا يطاق. ثم قال سبحانه: (وفديناه بذبح عظيم) الفداء: جعل الشئ مكان الشئ، لدفع الضرر عنه. والذبح: هو المذبوح، وما يذبح، ومعناه: إنا جعلنا الذبح بدلا عنه، كالاسير يفدى بشئ. واختلف في الذبح فقيل: كان كبشا من الغنم، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير. قال ابن عباس. هو الكبش الذي تقبل من هابيل حين قربه. وقيل: فدي بوعل أهبط عليه من ثبير (1)، عن الحسن. ولم سمي عظيما فيه خلاف قيل: لانه كان مقبولا، عن مجاهد. وقيل: لان قدر غيره من الكباش يصغر بالاضافة إليه. وقيل: لانه رعى في الجنة أربعين خريفا، عن سعيد ابن جبير. وقيل: لانه كان من عند الله، كونه ولم يكن عن نسل. وقيل. لانه فداء عبد عظيم. (وتركنا عليه في الاخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين) قد مضى تفسير ذلك (وبشرناه بإسحاق) أي: بولادة إسحاق (نبيا من الصالحين) أي: ولدا نبيا من جملة الأنبياء الصالحين. وهذا ترغيب في الصلاح بأن مدح مثله في جلالته بالصلاح. ومن قال: إن الذبيح إسحاق قال: يعني بشرناه بنبوة إسحاق، وآتينا إسحاق النبوة بصبره. (وباركنا عليه وعلى إسحاق) أي: وجعلنا فيما أعطيناهما من الخير والبركة، يعني: النماء والزيادة، ومعناه: وجعلنا ما أعطيناهما من الخير دائما ثابتا ناميا. ويجوز أن يكون أراد كثرة ولدهما، وبقاءهم قرنا بعد قرن الى أن تقوم الساعة (ومن ذريتهما) أي: ومن أولاد إبراهيم وإسحاق (محسن) بالايمان والطاعة (وظالم لنفسه) بالكفر والمعاصي (مبين) بين الظلم. القصة: من ذهب إلى الذبيح إسحاق ذكر أن إبراهيم لما فارق قومه مهاجرا إلى الشام، هاربا بدينه، كما حكى الله سبحانه عنه بقوله (إني ذاهب إلى ربي سيهديني)، دعا الله سبحانه أن يهب له ولدا ذكرا من سارة. فلما نزل به أضيافه من


(1) ثبير كأمير -: جبل بين مكة وعرفات، من أعظم جبال مكة. (*)

[ 325 ]

الملائكة المرسلين إلى المؤتفكة، وبشروه بغلام حليم، قال إبراهيم حين بشر به هو إذا له ذبيح. فلما ولد الغلام، وبلغ معه السعي، قيل له. أوف بنذرك الذي نذرت. فكان هذا هو السبب في أمره عليه السلام بذبح ابنه، فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك لاسحاق: انطلق نقرب قربانا لله، وأخذ سكينا وحبلا. ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب به بين الجبال، قال له الغلام: يا أبه ! أين قربانك ؟ فقال: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) إلى آخره، عن السدي. وقيل: إن إبراهيم رأى في المنام أن يذبح ابنه إسحاق، وقد كان حج بوالدته سارة وأهله. فلما انتهى إلى منى رمى الجمرة هو وأهله، وأمر سارة فزارت البيت، واحتبس الغلام. فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى، فاستشاره في نفسه، فأمره الغلام أن يمضي ما أمره الله، وسلما لامر الله. فأقبل شيخ فقال: يا إبراهيم ! ما تريد من هذا الغلام ؟ قال: أريد أن أذبحه. فقال: سبحان الله تريد أن تذبح غلاما لم يعص الله طرفة عين قط ؟ قال إبراهيم: إن الله أمرني بذلك. قال: ربك ينهاك عن ذلك، وإنما أمرك بهذا الشيطان. فقال إبراهيم: لا والله. فلما عزم على الذبح قال الغلام. يا أبتا خمر وجهي، وشد وثاقي. قال إبراهيم. يا بني ! الوثاق مع الذبح، والله لا أجمعهما عليك اليوم ! ورفع رأسه إلى السماء، ثم انحنى عليه بالمدية، وقلب جبرائيل المدية على قفاها، واجتر الكبش من قبل ثبير، واجتر الغلام من تحته، ووضع الكبش مكان الغلام، ونودي من ميسرة مسجد الخيف (يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) بإسحاق (إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين) قال: ولحق إبليس بأم الغلام، حين زارت البيت، فقال لها: ما شيخ رأيته بمنى ؟ قالت: ذاك بعلي. قال: فوصيف رأيته ؟ قالت: ذاك إبني. قال: فإني رأيته وقد أضجعه، وأخذ المدية ليذبحه. قالت: كذبت ! إبراهيم أرحم الناس، فكيف يذبح ابنه ؟ قال: فورب السماء، ورب هذه الكعبة، قد رأيته كذلك. قالت: ولم ؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: حق له أن يطيع ربه. فوقع في نفسها أنه قد أمر في ابنها بأمر. فلما قضت نسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى، واضعة يديها على رأسها، وهي تقول: يا رب لا تؤاخذني بما عملت بأم إسمأعيل ! فلما جاءت سارة، وأخبرت الخبر، قامت إلى ابنها تنظر، فرأت إلى أثر السكين خدشا في حلقه، ففزعت واشتكت، وكانت بدو مرضها الذي هلكت به. رواه العياشي،

[ 326 ]

وعلي بن إبراهيم بالاسناد في كتابيهما. ومن قال: إن الذبيح إسماعيل، فمنهم محمد بن إسحاق بن يسار، وذكر: أن إبراهيم كان إذا زار إسماعيل وهاجر، حمل على البراق، فيغدو من الشام، فيقيل بمكة، يروح من مكة، فيبيت عند أهله بالشام، حتى إذا بلغ معه السعي، رأى في المنام أن يذبحه، فقال له: يا بني ! خذ الحبل والمدية، ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب. فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير، أخبره بما قد ذكره الله عنه، فقال: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا تنتضح من دمي شيئا فتراه أمي، واشحذ شفرتك، وأسرع مر السكين على حلقي، ليكون أهون علي، فإن الموت شديد ! فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. ثم ذكر نحوا مما تقدم ذكره. وروى العياشي بإسناده عن بريدة بن معاوية العجلي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كم كان بين بشارة إبراهيم عليه السلام بإسماعيل عليه السلام وبين بشارته بإسحاق ؟ قال: كان بين البشارتين خمس سنين. قال الله سبحانه (فبشرناه بغلام حليم) يعني إسماعيل، وهي أول بشارة بشر الله بها إبراهيم في الولد. ولماولد لابراهيم إسحاق من سارة، وبلغ إسحاق ثلاث سنين، أقبل إسماعيل عليه السلام إلى إسحاق، وهو في حجر إبراهيم، فنحاه وجلس في مجلسه. فبصرت به سارة، فقالت: يا إبراهيم ! ينحي ابن هاجر إبني من حجرك، ويجلس هو في مكانه، لا والله لا تجاورني هاجر وابنها في بلاد أبدا، فنحهما عني. وكان إبراهيم مكرما لسارة، يعزها ويعرف حقها، وذلك لانها كانت من ولد الأنبياء، وبنت خالته. فشق ذلك على إبراهيم، واغتم لفراق إسماعيل عليه السلام. فلما كان في الليل، أتى إبراهيم آت من ربه، فأراه الرؤيا في ذبح ابنه إسماعيل بموسم مكة، فأصبح إبراهيم حزينا للرؤيا التي رآها. فلما حضر موسم ذلك العام، حمل إبراهيم هاجر وإسماعيل في ذي الحجة، من أرض الشام، فانطلق بهما إلى مكة ليذبحه في الموسم. فبدأ بقواعد البيت الحرام. فلما رفع قواعده، خرج إلى (منى) حاجا، وقضى نسكه بمنى، ورجع إلى مكة، فطافا بالبيت أسبوعا، ثم انطلقا إلى السعي، فلما صارا في المسعى، قال إبراهيم عليه السلام لاسماعيل عليه السلام: يا بني ! إني أرى في المنام أني أذبحك في موسم عامي هذا، فماذا ترى ؟ قال: يا أبت ! إفعل ما تؤمر. فلما فرغا

[ 327 ]

من سعيهما، انطلق به إبراهيم إلى (منى)، وذلك يوم النحر. فلما انتهى به إلى الجمرة الوسطى، وأضجعه لجنبه الأيسر، وأخذ الشفرة ليذبحه، نودي (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) إلى آخره. وفدي إسماعيل بكبش عظيم، فذبحه، وتصدق بلحمه على المساكين. وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن كبش إبراهيم عليه السلام ما كان لونه ؟ قال: أملح أقرن، ونزل من السماء على الجبل الأيمن من مسجد منى، بحيال الجمرة الوسطى، وكان يمشي في سواد، ويأكل في سواد، وينظر في سواد، ويبعر في سواد، ويبول في سواد. وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سأل عن صاحب الذبح قال: هو إسماعيل. وعن زياد بن سوقة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن صاحب الذبح، فقال: إسماعيل عليه السلام. (ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومها من الكرب العظيم (115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وءاتيناهما الكتاب المتبين (117) وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الاخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزى المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122). اللغة: أصل المن: القطع، ومنه قوله (لهم أجر غير ممنون) أي: غير مقطوع. وحبل منين، أي: منقطع. والنصر: المعونة إلا أن كل نصر معونة، وليس كل معونة نصرا، لان النصر يختص بالمعونة على الأعداء، والمعونة عامة. المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم بذكر موسى وهارون، فقال: (ولقد مننا على موسى وهارون) أي: أنعمنا عليهما نعما، قطعت عنهما كل أذية، فمنها النبوة، ومنها النجاة من آل فرعون، ومنها سائر النعم الدينية والدنياوية. (ونجيناهما وقومهما) بني إسرائيل (من الكرب العظيم) من تسخير قوم فرعون إياهم، واستعمالهم في الأعمال الشاقة. وقيل: من الغرق، (ونصرناهم) على فرعون وقومه. (فكانوا هم الغالبين) القاهرين بعد أن كانوا مغلوبين مقهورين.

[ 328 ]

(وآتيناهما الكتاب المستبين) يعني التوراة الداعي إلى نفسه بما فيه من البيان، وكذلك كل كتب الله تعالى بهذه الصفة (وهديناهما الصراط المستقيم) أي: دللناهما على الطريق المؤدي إلى الحق، الموصل إلى الجنة (وتركنا عليهما) الثناء الجميل (في الاخرين) بأن قلنا (سلام على موسى وهارون) وقد مر القول في ذلك (إنا كذلك) مثل ما فعلنا بهما (نجزي المحسنين) نفعل بالمطيعين، نجزيهم ذلك على طاعاتهم. وفي هذا دلالة على ان ما ذكره الله كان على وجه الثواب لموسى وهارون، ومن تقدم ذكره، لان لفظ الجزاء يفيد ذلك (إنهما من عبادنا المؤمنين) أي: من جملة عبادنا المصدقين بجميع ما أوجبه الله تعالى عليهم، العاملين بذلك. (وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخلقين (125) الله ربكم ورب أآبائكم الاولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه في الاخرين (129) سلم على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزى المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132). القراءة: قرأ أهل العراق، غير أبي عمرو وأبي بكر: (الله ربكم ورب آبائكم الأولين) بالنصب. والباقون برفع الجميع. وقرأ ابن عامر ونافع ورويس عن يعقوب: (آل يس) بفتح الألف وكسر اللام المقطوعة من (ياسين). والباقون: (إلياسين) بكسر الألف، وسكون اللام موصولة بياسين. وفي الشواذ قرأءة ابن مسعود ويحيى والأعمش والحكم بن عيينة (وان إدريس سلام على إدراسين)، وقراءة ابن محيصن وأبي رجاء: (لان الياس وسلام على الياسين) بغير همز. الحجة: من قرأ (الله ربكم)، فهو على الإستئناف. ومن نصب، فعلى البدل من (أحسن الخالقين). وقال أبو علي: من قرأ (آل يس)، فحجته أنها في المصحف مفصولة من يس، وفي فصلها دلالة على أن آل هو الذي تصغيره أهيل. وقال الزجاج: من قرأ (الياسين)، فإنه جمع الياس جمع هو وأمته المؤمنون، وكذلك يجمع ما ينسب إلى الشئ بلفظ الشئ، تقول: رأيت المسامعة والمهالبة،

[ 329 ]

تريد بني المسمع، وبني المهلب. وكذلك رأيت المهلبين والمسمعين. وفيها وجه آخر وهو أن يكون لغتان الياس والياسين، وكما قيل: ميكال وميكائيل. وقال أبو علي: هذا لا يصح لان ميكال وميكائيل لغتان في اسم واحد، وليس أحدهما مفردا والاخر جمعا كالياس والياسين، وإدريس وإدراسين، ومثله: " قدني من نصر الخبيبين قدي " (1) أراد عبد الله، ومن كان على رأيه. فكذلك إلياسين وإدراسين من كان من شيعته وأهل دينه على إرادة ياء النسب التقدير: إلياسيين وإدراسيين، فحذف كما حذف من سائر هذه الكلم التي يراد بها الصفة كالاعجمين والأشعرين. الاعراب: (سلام) في هذه الأي كلها مبتدأ، والخبر بعده الجار والمجرور. والجملة في موضع المفعول لقوله (تركنا)، ولو أعمل تركنا فيه، لقال: سلاما. ويجوز أن يكون التقدير: وتركنا عليه في الأخرين الثناء الحسن، فحذف مفعول تركنا، ثم ابتدأ فقال: سلام. المعنى: ثم بين سبحانه قصة الياس فقال: (وإن إلياس لمن المرسلين) واختلف فيه فقيل: هو إدريس، عن ابن مسعود وقتادة. وقيل: هو من أنبياء بني إسرائيل من ولد هارون بن عمران ابن عم اليسع، عن ابن عباس، ومحمد بن إسحاق، وغيرهما قالوا: إنه بعث بعد حزقيل لما عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وكان يوشع لما فتح الشام بوأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، فاحل سبطا منهم ببعلبك، وهم سبط إلياس، بعث فيهم نبيا إليهم، فأجابه الملك. ثم إن امرأته حملته على أن ارتد، وخالف إلياس، وطلبه ليقتله، فهرب إلى الجبال والبراري. وقيل: إنه استخلف اليسع على بني إسرائيل، ورفعه الله تعالى من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة الطعام والشراب، وكساه الريش، فصار إنسيا ملكيا أرضيا سماويا، وسلط الله على الملك وقومه عدوا لهم، فقتل الملك وامرأته، وبعث الله اليسع رسولا، فآمنت به بنو إسرائيل، وعظموه، وانتهوا إلى أمره، عن ابن عباس. وقيل: إن إلياس صاحب البراري، والخضر صاحب الجزائر، يجتمعان في كل يوم عرفة بعرفات، وذكر وهب أنه ذو الكفل. (إذ قال لقومه ألا تتقون) عذاب


(1) هذا صدر بيت، وعجزه " ليس الإمام بالشحيح الملحد " وقد اختلفت الكلمات في قائله فمنهم من نسبه على صيغة الجمع على أنه أراد عبد الله وشيعته. والشحبح: البخيل. والملحد: الذي ألحد في الحرم أي: ظلم. (*)

[ 330 ]

الله ونقمته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه (أتدعون بعلا) يعني صنما لهم من ذهب، كانوا يعبدونه، عن عطا. والبعل بلغة أهل اليمن هو الرب والسيد، عن عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. فالتقدير: أتدعون ربا غير الله تعالى. (وتذرون أحسن الخالقين) أي: تتركون عبادة أحسن الخالقين (الله ربكم) أي: خالقكم ورازقكم فهو الذي تحق له العبادة (ورب آبائكم الأولين) وخالق من مضى من آبائكم وأجدادكم. (فكذبوه) فيما دعاهم إليه، ولم يصدقوه (فإنهم لمحضرون) للحساب، أو في العذاب والنار (إلا عباد الله المخلصين) استثنى من جملتهم الذين أخلصوا عبادتهم لله من قومه (وتركنا عليه في الأخرين) فيه القولان اللذان ذكرناهما (سلام على الياسين) قال ابن عباس: آل يس محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وياسين من أسمائه. ومن قرأ (إلياسين) أراد الياس، ومن اتبعه. وقيل. يس إسم السورة، فكأنه قال: سلام على من آمن بكتاب الله تعالى، والقرآن الذي هو يس. (إنا كذلك نجزي المحسنين) بإحسانهم (إنه من عبادنا المؤمنين) المصدقين العاملين بما أوجبناه عليهم. (وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجينه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغبرين (135) ثم دمرنا الاخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وباليل أفلا تعقلون (138) وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) * فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلنه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فأمنوا فمتعنهم إلى حين (148). القراءة: قرأ جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: (ويزيدون) بالواو، والوجه فيه ظاهر.

[ 331 ]

اللغة: الغابر: الباقي قليلا بعد ما مضى، ومنه الغبار لانه يبقى بعد ذهاب التراب قليلا. والتدمير: الإهلاك على وجه التنكيل. والابق: الفار إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه، وقد أبق يابق إباقا. والمشحون: المملوء. والمساهمة: المقارعة، مأخوذ من إلقاء السهام. ودحضت حجته أي: سقطت، وأدحضها الله، مأخوذ من الدحض، وهو الزلق، لانه يسقط المار فيه. قال الشاعر: " وحدت كما حاد البعير عن الدحض " (1). والإلتقام. ابتلاع اللقمة، يقال: لقمه والتقمه وتلقمه بمعنى وألام الرجل فهو مليم: أتى بما يلام عليه، قال لبيد: سفها عذلت، ولمت غير مليم * وهذاك قبل اليوم غير حكيم والعراء: الفضاء الذي لا يواريه شجر ولا غيره. وقيل: العراء وجه الأرض الخالي، قال: ورفعت رجلا لا أخاف عثارها، * ونبذت بالبلد العراء ثيابي واليقطين: كل شجرة تبقى من الشتاء إلى الصيف، ليس لها ساق. قال أمية بن أبي الصلت: فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله ألقي ضاحيا وهو يفعيل من قطن بالمكان: إذا أقام به إقامة زائل، لا إقامة راسخ. والقطاني من الحبوب: التي تقيم في البيت مثل الحمص والعدس والخلر، واحدها قطنية وقطينة. الاعراب: (مصبحين) حال من قوله (تمرون). (بالليل): الجار والمجرور أيضا في موضع نصب عطفا عليه، تقديره لتمرون عليه مصبحين، وممسين. المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم خبر لوط فقال: (وإن لوطا لمن المرسلين " أي: رسولا من جملة من أرسله الله إلى خلقه داعيا لهم إلى طاعته، ومنتها لهم على وحدانيته. (إذ نجيناه وأهله أجمعين) إذ يتعلق بمحذوف، وكأنه قيل: أذكر يا محمد إذ نجيناه أي: خلصناه ومن آمن به من قومه من عذاب


(1) قائله طرفة، وقبله: " رديت ونجى اليشكري حذاره ". وحاد عن الشئ: مال وعدل. (*)

[ 332 ]

الإستئصال. (إلا عجوزا في الغابرين) أي: في الباقين الذين أهلكوا. استثنى من جملة قومه امرأته، فقال: (ثم دمرنا الأخرين) أي: أهلكناهم (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل) هذا خطاب لمشركي العرب أي: تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام على منازلهم وقراهم، بالنهار وبالليل. (أفلا تعقلون) فتعتبرون بهم ومن كثر مروره بموضع العبر، كان ألوم ممن قل ذلك عنه. والمعنى: أفلا تتفكرون فيما نزل بهم لتجتنبوا ما كانوا يفعلونه من الكفر والضلال. والوجه في ذكر قصص الأنبياء وتكريرها التشويق إلى مثل ما كانوا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الخلال، وصرف الخلق عما كان عليه الكفار من مساوئ الخصال ومقابح الأفعال. (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون) أي: فر من قومه إلى السفينة المملوءة من الناس والأحمال، خوفا من أن ينزل العذاب بهم، وهو مقيم فيهم. (فساهم) يونس القوم بأن ألقوا السهام على سبيل القرعة أي: قارعهم (فكان من المدحضين) أي. من المقروعين، عن الحسن، وابن عباس. وقيل: من المسهومين، عن مجاهد. والمراد: من الملقين في البحر. واختلف في سيب ذلك فقيل: إنهم أشرفوا على الغرق، فرأوا أنهم إن طرحوا واحدا منهم في البحر لم يغرق الباقون. وقيل: إن السفينة احتبست فقال الملاحون: إن ههنا عبدا آبقا، فإن من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فلذلك اقترعوا، فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات، فعلموا أنه المطلوب فألقى نفسه في البحر. وقيل: إنه لما وقعت القرعة عليه ألقوه في البحر. (فالتقمه الحوت) أي: ابتلعه. وقيل. إن الله سبحانه أوحى إلى الحوت إني لم أجعل عبدي رزقا لك، ولكني جعلت بطنك مسجدا له، فلا تكسرن له عظما، ولا تخدشن له جلدا. (وهو مليم) أي: مستحق للوم لوم العتاب، لا لوم العقاب، على خروجه من بين قومه، من غير أمر ربه. وعندنا أن ذلك إنما وقع منه تركا للمندوب، وقد يلام الإنسان على ترك المندوب. ومن جوز الصغيرة على الأنبياء قال: قد وقع ذلك صغيرة مكفرة. واختلف في مدة لبثه في بطن الحوت فقيل: كانت ثلاثة أيام، عن مقاتل بن حيان. وقيل: سبعة أيام، عن عطا. وقيل. عشرين يوما، عن الضحاك. وقيل: أربعين يوما، عن السدي ومقاتل بن سليمان والكلبي.

[ 333 ]

(فلولا أنه كان من المسبحين) أي: كان من المصلين في حال الرخاء، فنجاه الله عند البلاء، عن قتادة. وقيل: كان تسبيحه انه كان يقول: " لا إله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " عن سعيد بن جبير. وقيل: من المسبحين أي: من المنزهين الله عما لا يليق به. ولا يجوز في صفته الذاكرين له. (للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) أي: لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة (فنبذناه بالعراء) أي: فطرحناه بالمكان الخالي الذي لا نبت فيه، ولا شجر. وقيل: بالساحل ألهم الله سبحانه الحوت حتى قذفه، ورماه من جوفه على وجه الأرض (وهو سقيم) أي: مريض حين ألقاه الحوت. (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) وهو القرع، عن ابن مسعود. وقيل: هو كل نبت يبسط على وجه الأرض، ولا ساق له، عن ابن عباس، والحسن. وروي عن ابن مسعود قال: خرج يونس من بطن الحوت كهيئة فرخ ليس عليه ريش، فاستظل بالشجر من الشمس. (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) قيل: إن لله سبحانه أرسله إلى أهل نينوى من أرض الموصل، في قتادة. وكانت رسالته هذه بعد ما نبذه الحوت، عن ابن عباس. فعلى هذا يجوز أن يكون أرسل إلى قوم بعد قوم. ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين بشريعة فآمنوا بها. وقيل في معنى " أو " من قوله (أو يزيدون) وجوه أحدها: إنه على طريق الإبهام على المخاطبين، كأنه قال: أرسلناه إلى إحدى العدتين وثانيها: إن أو تخيير، كان الرائي خير بين أن يقول هم مائة ألف أو يزيدون، عن سيبويه. والمعنى: إنهم كانوا عددا لو نظر إليهم الناظر لقال هم مائة ألف أو يزيدون وثالثها: إن أو بمعنى الواو، كأنه قال ويزيدون، عن بعض الكوفيين. وقال بعضهم: معناه بل يزيدون. وهذان القولان الأخيران غير مرضيين عند المحققين (1). وأجود الأقوال الثاني. واختلف في الزيادة على مائة ألف كم هي فقيل: عشرون ألفا، عن ابن عباس، ومقاتل. وقيل. بضع وثلاثون ألفا، عن الحسن، والربيع. وقيل: سبعون ألفا، عن مقاتل بن حيان. (فآمنوا فمتعناهم إلى حين) حكى سبحانه عنهم أنهم آمنوا بالله، وراجعوا التوبة، فكشف عنهم العذاب، ومتعهم بالمنافع واللذات إلى انقضاء آجالهم.


(1) بعي القول بأن " أو " بمعنى الواو، أو بمعنى بل، على قراءة: " أو يزيدون ". (*)

[ 334 ]

(فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملئكة إناثا وهم شهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) مالكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطن مبين (156) فأتوا بكتبكم إن كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160). القراءة: قرأ أبو جعفر، ونافع، برواية إسماعيل، وورش، من طريق الإصفهاني: (لكاذبون اصطفى البنات) بالوصل، والإبتداء (إصطفى) بكسر الهمزة. والباقون. (أصطفى) بفتح الهمزة وكذلك ورش من طريق البخاري. الحجة: قال أبو علي: الوجه الهمز على وجه التقريع لهم بذلك، والتوبيخ، ويقويه قوله تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات)، وقوله (أم له البنات ولكم البنون)، (ألكم الذكر وله الأنثى) فكما أن هذه المواضع كلها استفهام، كذلك قوله (أصطفى البنات). ووجه القراءة الأخرى: أنه على وجه الخبر، كأنه اصطفى البنات فيما يقولون، كقوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي. عند نفسك وفيما كنت تقوله، وتذهب إليه. ويجوز أن يكون (اصطفى البنات) بدلا من قوله (ولد الله) لان ولادة البنات واتخاذهن: اصطفاؤهن، فيصير (اصطفى) بدلا من المثال الماضي، كما كان قوله (يضاعف له العذاب) بدلا من قوله (يلق أثاما). ويجوز أن يكون (اصطفى البنات) تفسيرا لكذبهم في قوله: (وإنهم لكاذبون)، كما أن قوله (لهم مغفرة) تفسير للوعد. ويجوز أن يكون متعلقا بالقول علي أنه أريد حرف العطف، فلم يذكر. واستغني بما في الجملة الثانية من الإتصال بالاولى، عن حرف العطف، كقوله: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم)، ونحو ذلك. المعنى: ثم عاد الكلام إلى الرد على مشركي العرب، فقال سبحانه: (فاستفتهم) أي: سلهم، واطلب الحكم منهم في هذه القصة. (ألربك البنات

[ 335 ]

ولهم البنون) أي: كيف أضفتم البنات إلى الله تعالى، واخترتم لانفسكم البنين ؟ وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، على وجه الإصطفاء، لا على وجه الولادة. (أم خلقنا الملائكة إناثا) معناه: بل خلقنا الملائكة إناثا (وهم شاهدون) أي. حاضرون خلقنا إياهم أي: كيف جعلوهم إناثا، ولم يشهدوا خلقهم. ثم أخبر عن كذبهم فقال: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله) حين زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى. (وإنهم لكاذبون) في قولهم (أصطفى البنات على البنين) دخلت همزة الإستفهام على همزة الوصل، فسقطت همزة الوصل، ومثله قول ذي الرمة: أستحدث الركب من أشياعهم خبرا، * أم راجع القلب من أطرابه طرب والمعنى: كيف يختار الله سبحانه الأدون على الأعلى، مع كونه مالكا حكيما. ثم وبخهم فقال (مالكم كيف تحكمون) لله بالبنات، ولانفسكم بالبنين (أفلا تذكرون) أي: أفلا تتعظون فتنتهون عن مثل هذا القول. (أم لكم سلطان مبين) أي: حجة بينة على ما تقولون وتدعون. وهذا كله إنكار في صورة الإستفهام (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) المعنى: فأتوا بكتابكم الذى لكم فيه الحجة (إن كنتم صادقين) في قولكم. والمراد: إنه دليل لكم على ما تقولونه من جهة العقل، لا من جهه السمع. (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) اختلف في معناه على أقوال أحدها: إن المراد به قول الزنادقة: إن الله وإبليس اخوان، وإن الله تعالى خلق النور والخير، والحيوان النافع، وإبليس خلق الظلمة والشر، والحيوان الضار، عن الكلبي وعطية. وثانيها: إنه قول إلمشركين إن الملائكة بنات الله، وسمى الملائكة جنة لاستتارهم عن العيون، عن مجاهد وقتادة والجبائي. وثالثها: إنهم قالوا صاهر الله الجن، فحدثت الملائكة تعالى الله عن قولهم. ورابعها: إنهم أشركوا الشيطان في عبادة الله تعالى، فذلك هو النسب الذي جعلوه بينه وبين الجنة، عن الحسن. (ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون) أي: علمت الملائكة أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول، محضرون للعذاب يوم القيامة، عن السدي. وقيل: معناه قد علمت الجنة وهم الجن الذين دعوهم أنهم محضرون للعذاب بدعائهم إلى هذا

[ 336 ]

القول. (سبحان الله عما يصفون) نزه سبحانه نفسه عما وصفوه به، وأضافوه إليه (إلا عباد الله المخلصين) استثنى عباده المخلصين من جملة الكفار القائلين فيه ما لا يليق به. (فإنكم وما تعبدون (161) مآ أنتم عليه بفتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منآ إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عند نا ذكرا من الاولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170). القراءة: في الشواذ قراءة الحسن: (صال الجحيم) بضم اللام. الحجة: قال ابن جني: كان الشيخ أبو علي يحمله على أنه حذف لام صال تخفيفا وأعرب اللام بالضم، كما حذفت لام البالية من قولهم: ما باليت به بالة. وذهب قطرب إلى أنه صال أي: صالون، فحذف النون للاضافة والواو لالتقاء الساكنين، وحمل على معنى من لانه جمع كقوله (ومنهم من يستمعون إليك). وقال: هذا حسن عندي. وقول أبي علي مأخوذ به. اللغة: الفاتن: الداعي إلى الضلال بتزيينه، وأصل الفتنة من قولهم: فتنت الذهب بالنار: إذا أخرجته إلى حال الخلاص. الصالي: اللازم للنار، المحترق بها. والمصطلي: المستدفئ بالنار، ومنه الصلاة للزوم الدعاء فيها. والمصلي: الذي يجئ بعد السابق للزومه أثره. المعنى: ثم خاطب سبحانه الكفار بأن قال لهم: (فإنكم وما تعبدرن) وموضع (ما) نصب عطفا على الكاف والميم، والمعنى: إنكم يا معشر الكفار، والذي تعبدونه (ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم) الهاء في (عليه) إلى ماذا يعود فيه قولان أحدهما: إنه يعود إلى (ما تعبدون)، والتقدير إنكم وما تعبدونه ما أنتم بفاتنين على عبادته أحدا إلا من يصلى الجحيم، ويحترق بها بسوء اختياره. وقيل: معناه ما أنتم بمضلين أحدا أي: لا تقدرون على إضلال أحد إلا من سبق في علم الله تعالى أن سيكفر بالله تعالى، ويصلى الجحيم. والاخر: إن الضمير في

[ 337 ]

(عليه) يعود إلى الله تعالى، والتقدير: ما أنتم على الله، وعلى دينه، بمضلين أحدا، إلا من هو صالي الجحيم باختياره. وهذا كما يقال: لا يهلك على الله هالك، وفلان يربح على فلان، ويخسر على فلان. (وما منا إلا له مقام معلوم) هذا قول جبرائيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: إنه قول الملائكة، وفيه مضمر أي: وما منا معشر الملائكة ملك، إلا له مقام معلوم في السماوات، يعبد الله فيه. وقيل: معناه أنه لا يتجاوز ما أمر به، ورتب له، كما لا يتجاوز صاحب المقام مقامه الذي حد له، فكيف يجوز أن يعبد من بهذه الصفة، وهو عبد مربوب. (وإنا لنحن الصافون) حول العرش، ننتظر الأمر والنهي من الله تعالى. وقيل: القائمون صفوفا في الصلاة. قال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء، كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وقالى الجبائي: صافون بأجنحتنا في الهواء للعبادة والتسبيح. (وإنا لنحن المسبحون) أي: المصلون والمنزهون الرب عما لا يليق به، ومنه قوله. (فرغت من سبحتي) أي: من صلاتي، وذلك لما في الصلاة من تسبيح الله تعالى وتعظيمه. والمسبحون: القائلون سبحان الله على وجه التعظيم لله. (وإن كانوا ليقولون) (إن) هذه هي المخففة من الثقيلة، ألا ترى أن اللام قد لزم خبرها، والمعنى وإن هؤلاء الكفار يعني أهل مكة كانوا يقولون (لو أن عندنا ذكرا) أي: كتابا (من الأولين) أي: من كتب الأولين التي أنزلها على أنبيائه. وقيل: ذكرا أي: علما من الأولين الذين تقدمونا، وما فعل الله بهم. فسمي العلم ذكرا لان الذكر من أسباب العلم. (لكنا عباد الله المخلصين) الذين يخلصون العبادة لله تعالى. فجعلوا العذر في امتناعهم من الإيمان أنهم لا يعرفون أخبار من تقدمهم، وهل حصلوا في جنة أو نار (فكفروا به) في الكلام حذف تقديره: فلما أتاهم الكتاب، وهو القرآن، كفروا به (فسوف يعلمون) عاقبة كفرهم، وهذا تهديد لهم. (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغلبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا

[ 338 ]

يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلم على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182). المعنى: ثم أقسم سبحانه فقال: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) أي: سبق الوعد منا لعبادنا الذين بعثناهم إلى الخلق (إنهم لهم المنصورون) في الدنيا والاخرة على الأعداء بالقهر والغلبة، وبالحجج الظاهرة. وقيل. معناه سبقت كلمتنا لهم بالسعادة. ثم ابتدأ فقال: (إنهم) أي: إن المرسلين (لهم المنصورون). واللام للتأكيد. وهم فصل. وقيل: عنى بالكلمة قوله: (كتب الله لاغلبن أنا ورسلي) الأية. وسميت جملة من الكلام بأنها كلمة، لانعقاد بعض معانيه ببعض، حتى صار خبرا واحدا، وقصة واحدة، كالشئ الواحد. قال الحسن. المراد بالاية نصرتهم في الحرب، فإنه لم يقتل نبي من الأنبياء قط في الحرب، وإنما قتل من قتل منهم غيلة، أو على وجه آخر في غير الحرب. وإن مات نبي قبل النصرة، أو قتل فقد أجرى الله تعالى العادة بأن ينصر قومه من بعده، فيكون في نصرة قومه نصرة له، فقد تحقق قوله. (إنهم لهم المنصورون). وقال السدي: المراد بالآية النصر بالحجة. (وإن جندنا لهم الاغلبون) أضاف المؤمنين إلى نفسه، ووصفهم بأنهم جنده، تشريفا وتنويها بذكرهم، حيث قاموا بنصرة دينه. وقيل. معناه إن رسلنا هم المنصورون لانهم جندنا، وإن جندنا هم الغالبون يقهرون الكفار بالحجة تارة، وبالفعل أخرى ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (فتول عنهم) أي: أعرض عن هؤلاء الكفار (حتى حين) أي: إلى وقت نأمرك فيه بقتالهم، يعني يوم بدر، عن مجاهد، والسدي. وقيل: إلى يوم الموت، عن ابن عباس، وقتادة. وقيل: إلى يوم القيامة. وقيل: إلى انقضاء مدة الإمهال (وأبصرهم فسوف يبصرون) أي: انظرهم، وابصر ما ضيعوا من أمر الله، فسوف يرون العذاب، عن ابن زيد. وقيل: وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فسوف يبصرون. وقيل: وأبصر حالهم بقلبك، فسوف يبصرون ذلك في القيامة، معاينة. وفي هذا إخبار بالغيب، لانه وعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر والظفر، فوافق المخبر الخبر، وكأنهم قالوا: متى هذا العذاب

[ 339 ]

فأنزل الله (أفبعذابنا يستعجلون) أي: يطلبون تعجيل عذابنا. (فإذا نزل بساحتهم) أي: إذا نزل العذاب بأفنية دورهم، كما يستعجلون (فساء صباح المنذرين) أي: فبئس الصباح، صباح من خوف وحذر، فلم يحذر، ولم يخف. والساحة: فناء الدار، وفضاؤها الواسع. فالمراد: إن العذاب لعظمه لا يسعه إلا الساحة ذات الفضاء الواسع. وقيل: نزل بساحتهم أي بدارهم، عن السدي. وكانت العرب تفاجئ أعداءها بالغارات صباحا، فخرج الكلام على عادتهم، ولان الله سبحانه أجرى العادة بتعذيب الأمم وقت الصباح، كما قال. (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب). (وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يعصرون) مضى تفسيره وإنما كرر ما سبق للتأكيد. وقيل: لان المراد بأحدهما عذاب الدنيا، وبالاخرة عذاب الأخرة، أي: فكن على بصيرة من أمرك، فسوف يكونون على بصيرة من أمرهم، حين لا ينفعهم. ثم نزه سبحانه نفسه عن وصفهم وبهتهم فقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) أي: تنزيها لربك مالك العزة، يعز من يشاء من الأنبياء والأولياء، لا يملك أحد إعزاز أحد سواه، فسبحانه عما يصفونه مما لا يليق به من الصفات، وهو قولهم باتخاذ الأولاد، واتخاذ الشريك (وسلام على المرسلين) أي: سلامة وأمان لهم من أن ينصر عليهم أعداؤهم. وقيل: هو خبر معناه أمر أي: سلموا عليهم كلهم لا تفرقوا بينهم. (والحمد لله رب العالمين) أي: احمدوا الله الذي هو مالك العالمين، وخالقهم، والمنعم عليهم، وأخلصوا له الثناء والحمد، ولا تشركوا به أحدا، فإن النعم كلها منه. وروى الأصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام، وقد روي أيضا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه في مجلسه: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لكه رب العالمين).

[ 340 ]

38 - سورة ص مكية وآياتها ثمان وثمانون عدد آيها: هي ثمان وثمانون آية كوفي، وست حجازي بصري شامي، وخمس في عدد أيوب بن المتوكل وحده. اختلافها: ثلاث آيات ذي الذكر كوفي، وغواص غير البصري، والحق أقول كوفي وبصري. وفي رواية المعلى عن الجحدري، وتركها أيوب، وهو يوافق الجحدري، الا في هذا الحرف. فضلها: أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من قرأ سورة ص أعطي من الأجر بوزن كل جبل سخره الله لداود حسنات، وعصمه الله أن يصر على ذنب، صغيرا أو كبيرا ". وروى العياشي بإسناده، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قرأ سورة ص في ليلة الجمعة، أعطي من خير الدنيا والأخرة، ما لم يعط أحد من الناس، إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب، وأدخله الله الجنة، وكل من أحب من أهل بيته حتى خادمه الذي يخدمه، وإن كان ليس في حد عياله، ولا في حد من يشفع له، وأمنه الله يوم الفزع الاكبر. تفسيرها: لما ختم الله، سبحانه سورة الصافات بذكر القرآن، والرسول، وإنكار الكفار لما دعاهم إليه، افتتح هذه السورة بالقرآن ذي الذكر، والرد على الكفار أيضا، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (ص والقرءان ذى الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكفرون

[ 341 ]

هذا ساحر كذاب (4) أجعل الالهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب (5). القراءة: في الشواذ قراءة أبي بن كعب، والحسن، وابن أبي إسحاق: صاد بكسر الدال، وقراءة الثقفي: صاد بفتح الدال. والقراءة (1) بالوقف وهو الصحيح، لان حروف الهجاء يوقف عليها. وقراءة عيسى بن عمر، وأبي عبد الرحمن السلمي: عجاب بتشديد الجيم. الحجة: من كسر، فلاجتماع الساكنين، أو لانه جعله من المصاداة، وهي المعارضة أي: عارض القرآن بعملك. ومن فتح، فلان الفتحة أخف من الكسرة. ويجوز أن يكون من فتح جعل الصاد علما للسورة، فلم يصرفه. والعجاب بالتشديد هو المفرط في العجب، يقال: شئ عجيب، ثم عجاب بالتخفيف، ثم عجاب بالتشديد، كما قالوا: رجل وضي ووضاء، وأنشدوا: والمرء يلحقه بفتيان الندى * خلق الكريم، وليس بالوضاء وقال آخر: جاؤوا بصيد عجب من العجب * أزيرق العينين طوال الذنب اللغة: الشقاق والمشاقة الخلاف، وأصله أن يصير كل واحد من الفريقين في شق أي في جانب، ومنه يقال: شق فلان العصا: إذا خالف. والمناص من النوص: وهو التأخر. ناص ينوص: إذا تأخر. وباص يبوص بالباء: إذا تقدم. قال امرؤ القيس: أمن ذكرليلى إن نأتك تنوص، * فتقصر عنها خطوة، وتبوص الاعراب: اختلف في جواب القسم على وجوه أحدها: إن جوابه محذوف فكأنه قال: والقرآن ذي الذكر لقد جاء الحق، وظهر الأمر، لان حذف الجواب في مثل هذا أبلغ، فإن ذكر الجواب يقصر المعنى على وجه، والحذف يصرف إلى كل وجه فيعم والثاني: إن جوابه ص فإن معناه: صدق. أقسم سبحانه بالقرآن أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد صدق والله، وفعل والله. والثالث: إن الجواب مما كفى منه


(1) أي: القراءة المشهورة. (*)

[ 342 ]

قوله: (كم أهلكنا). وقيل. ما كفى منه بل الذين كفروا فكأنه قال: والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما قالوا، وأحدهما عن الفراء، والأخر عن قتادة. والرابع: إن جوابه كم أهلكنا، والتقدير. لكم أهلكنا. فلما طال الكلام، حذف اللام، ومثله (قد أفلح من زكاها)، والتقدير: لقد أفلح، عن الفراء. وهذا غلط لان اللام لا تدخل على المفعول، وكم مفعول. والخامس: إن الجواب في آخر السورة (أن ذلك لحق تخاصم أهل النار) إلا أنه بعد من أول الكلام، عن الكسائي. (ولات حين مناص) فيه قولان أحدهما: إن التاء متصلة بلا وإنهما بمنزلة ليس. قال الزجاج: ويجوز ولات حين مناص في اللغة. فأما النصب فعلى أن المعنى ليس الوقت حين مناص، والرفع على أن يجعل (حين) اسم ليس، ويضمر الخبر. والمعنى: ليس حين ملجأ لنا. والوقف عليها لات بالتاء. والكسائي يقف بالهاء لاه. والأول أصح لان هذه التاء نظيرة التاء في الفعل نحو: ذهبت، وفي الحرف نحو: رأيت زيدا ثمت عمرا، فإنها دخلت في الموضعين على ما لا يعرف، ولا هو في طريق الأسماء. وقال الأخفش: إن لات حين مثل. لا رجل في الدار. ودخلت التاء في التأنيث، قال الشاعر: تذكرحب ليلى لات حينا، * وأضحى الشيب قد قطع القرينا والقول الأخر: إن التاء متصلة بحين كما قال الشاعر: العاطفين تحين مامن عاطف * والمطعمين زمان ما من مطعم وقد أجازوا الجر بلات، وأنشدوا لابي زبيد. طلبوا صلحنا، ولات أوان، * فأجبنا أن ليس حين بقاء قال الزجاج: والذي أنشدناه أبو العباس المبرد بالرفع، وقد روي بالكسر. النزول: قال المفسرون: إن أشراف قريش، وهم خمسة وعشرون، منهم الوليد بن المغيرة، وهو أكبرهم، وأبو جهل، وأبي وأمية ابنا خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن الحارث، أتوا أبا طالب، وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد أتيناك لتقضي بيننا، وبين ابن أخيك، فإنه سفه أحلامنا، وشتم آلهتنا. فدعا أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا بن أخي ! هؤلاء قومك يسألونك،

[ 343 ]

فقال: ماذا يسألونني ؟ قالوا: دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم ؟ فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيك ذلك عشر أمثالها. فقال: قولوا لا إله إلا الله. فقاموا وقالوا: أجعل الالهة إلها واحدا فنزلت هذه الايات. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعبر ثم قال: " يا عم ! والله لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في شمالي، ما تركت هذا القول حتى أنفذه، أو أقتل دونه ". فقال له أبو طالب: إمض لامرك، فوالله لا أخذلك أبدا. المعنى: (ص) اختلفوا في معناه فقيل: هو اسم للسورة. وقيل غير ذلك على ما ذكرناه في أول البقرة. وقال ابن عباس: هو إسم من أسماء الله تعالى، أقسم به، وروي ذلك عن الصادق عليه السلام. وقال الضحاك: معناه صدق. وقال قتادة: هو إسم من أسماء القرآن. فعلى هذا يجوز أن يكون موضعه نصبا على تقدير حذف حرف القسم. ويجوز أن يكون رفعا على تقدير هذه صاد في مذهب من جعله إسما للسو رة. (والقرآن ذي الذكر) أي: ذي الشرف عن ابن عباس يوضحه قوله (وإنه لذكر لك ولقومك). وقيل: معناه ذي البيان الذي يؤدي إلى الحق، ويهدي إلى الرشد، لان فيه ذكر الأدلة التي إذا تفكر فيها العاقل عرف الحق عقلا وشرعا. وقيل: ذي التذكر لكم، عن قتادة. وقيل: فيه ذكر الله، وتوحيده، وأسماؤه الحسنى، وصفاته العلى، وذكر الأنبياء، وأخبار الأمم، وذكر البعث والنشور، وذكر الأحكام، وما يحتاج إليه المكلف من الأحكام، عن الجبائي، ويؤيده قوله (ما فرطنا في الكتاب من شئ). (بل الذين كفروا) من أهل مكة (في عزة) أي: في تكبر عن قبول الحق، وحمية جاهلية، عن قتادة. ويدل عليه قوله (أخذته العزة بالاثم) وقيل: في ملكة واقتدار وقوة بتمكين الله إياهم. (وشقاق) أي: عداوة وعصيان ومخالفة، لانهم يأنفون عن متابعتك، ويطلبون مخالفتك. ثم خوفهم سبحانه فقال: (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) بتكذيبهم الرسل (فنادوا) عند وقوع الهلاك بهم بالاستغاثة. (ولات حين مناص) أي: ليس الوقت حين منجى ولا فوت. وقيل: لات حين نداء ينجي. قال قتادة: نادى القوم على غير حين النداء (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم) أي: جاءهم رسول من أنفسهم مخوف من جهة الله تعالى، يحذرهم المعاصي، وينذرهم النار.

[ 344 ]

(وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) حين يزعم أنه رسول الله (أجعل الالهة إلها واحدا) هذا استفهام إنكار وتعجيب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبطل عبادة ما كانوا يعبدونه من الألهة مع الله، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، فتعجبوا من ذلك، وقالوا: كيف جعل لنا إلها واحدا بعد ما كنا نعبد آلهة (إن هذا) الذي يقوله محمد من أن الاله واحد (لشئ عجاب) لامر عجيب مفرط في العجب. (وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا علئ الهتكم إن هذا لشئ يراد (6) ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة إن هذا إلا اختلق (7) أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السموت والارض وما بينهما فليرتقوا في الاسباب (10). اللغة: الإنطلاق: الذهاب بسهولة، ومنه طلاقة الوجه والخلق. والإختلاق والفري والافتراء متقارب. والإرتقاء: الصعود من سفل إلى علو درجة درجة، قال: لو لم يجد سلما ما كان مرتقيا، * والمرتقى والذي رقاه سيان الأسباب: جمع سبب. والسبب: ما يوصل به إلى المطلوب. وأسباب السماوات. أبوابها، قال زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه، * ولوزام أسباب السماء بسلم والفرق بين السبب والعلة في عرف المتكلمين: أن السبب ما يوجب ذاتا، والعلة ما يوجب صفة. الاعراب: (أن امشوا): أن هذه هي التي تسمى المفسرة بمعنى: أي امشوا. قال الزجاج: ويجوز أن يكون تقديره بأن امشوا أي: بهذا القول. المعنى: (وانطلق الملا منهم) هذا تمام الحكاية عن الكفار الذين تقدم ذكرهم أي: وانطلق الأشراف منهم (أن امشوا) أي. يقول بعضهم لبعض امشوا (واصبروا على آلهتكم) يعني أنهم خرجوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب وهم يقولون: اثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا على دينكم، وتحملوا المشاق لاجله. وقيل: إن القائل لذلك عقبة بن أبي معيط (إن هذا) الذي نراه من

[ 345 ]

زيادة أصحاب محمد (لشئ يراد) أي: أمر يراد بنا. وقيل: معناه إن هذا فساد في الأرض، وعن قريب ينزل به الهلاك، ونتخلص منه. وقيل: إن هذا الأمر يراد بنا من زوال نعمة، أو نزول شدة، لانهم كانوا يعتقدون في الأصنام أنهم لو تركوا عبادتها، أصابهم القحط والشدة. ثم حكى عنهم أيضا بأنهم قالوا: (ما سمعنا بهدا) الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد، وخلع الأنداد من دون الله (في الملة الاخرة) يعنون في النصرانية، لانها آخر الملل، عن ابن عباس، قال: إن النصارى لا يوحدون، لانهم يقولون ثالث ثلاثة. وقيل: يعنون ملة قريش أي: في ملة زماننا هذا، عن مجاهد، وقتادة. وقيل: معناه ما سمعنا بأن هذا يكون في آخر الزمان، عن الحسن. (إن هذا) أي: ما هذا الذي يقول محمد (إلا اختلاق) أي: تخرص وكذب وافتعال. ثم أنكروا تخصيص الله إياه بالقرآن والنبوة بأن قالوا: (أنزل عليه الذكر من بيننا " أي: كيف أنزل على محمد القرآن من بيننا، وليس بأكبر سنا منا، ولا بأعظم شرفا. فقال سبحانه: (بل هم في شك من ذكري) أي: ليس يحملهم على هذا القول إلا الشك في الذكر الذي أنزلته على رسولي (بل لما يذوقوا عذاب) وهذا تهديد لهم، والمعنى أنهم سيذوقونه. ثم أجابهم عن إنكارهم نبوته بقوله. (أم عندهم خزائن رحمة ربك) يقول: أبأيديهم مفاتيح النبوة والرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا أي: إنها ليست بأيديهم ولكنها بيد (العزيز) في ملكه (الوهاب) كثير الهبات والعطايا على حسب المصالح، فيختار للنبوة من يشاء من عباده، ونظيره قوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) (أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما) فيتهيأ لهم أن يمنعوا الله من مراده (فليرتقوا) أي: إن ادعوا ذلك فليصعدوا (في الأسباب) أي: في أبواب السماء وطرقها، عن مجاهد، وقتادة. وقيل. الأسباب الحيل أي: فليحتالوا في أسباب توصلهم إلى السماوات، ليأتوا بالوحي إلى من اختاروا. (جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة أولئك الاحزاب (13)

[ 346 ]

إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (من فواق) بضم الفاء. والباقون بفتحها. الحجة: وهما لغتان مثل قصاص الشعر، وقصاصه، وجمام المكوك (1) وجمامه، وهو من الإفاقة. وما بين الوضعتين فواق. وقيل بينهما فرق: فبالفتح يكون بمعنى الراحة، وبالضم بمعنى المهلة والإنتظار، عن أبي عبيدة، والفراء. اللغة: هنالك: إشارة إلى المكان البعيد. وهناك: بين البعيد والقريب. وهنا. للقريب. ومثله ذا وذاك وذلك. والأحزاب: جمع حزب، وهو الجماعة التي تجتمع من كل أوب. وقال الزجاج: ما لها من فواق أي: رجوع. وفواق الناقة مشتق من الرجوع أيضا، لانه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين. وأفاق من مرضه أي: رجع إلى الصحة. الاعراب: (ما) مزيدة في قوله: (جند ما) مثلها في قول الأعشى: فاذهبا ما إليك أدركني الحلم * عداني عن هيجكم أشغالي و (جند): مبتدأ. و (هنالك): صفة أي: جند ثابت هنالك. و (مهزوم). خبر مبتدأ. ويجوز أن يكون (هنالك) ظرفا لمهزوم أي: جند مهزوم في ذلك الموضع. (كذبت قبلهم قوم نوح): يجوز أن يقف على قوله (نوح)، ويكون (عاد) مبتدأ ما بعده معطوف عليه، ويكون (أولئك الأحزاب): خبرا عن الجميع. ويجوز أن يكون الخبر قوله (إن كل إلا كذب الرسل). ويجوز أن يكون (أولئك الأحزاب) ابتداء، ويقف على (قوم لوط). المعنى: ثم أخبر سبحانه عن الكفار أنهم سيهزمون ببدر، فقال. (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) قال قتادة: أخبر الله سبحانه وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. وهنالك: إشارة إلى بدر ومصارعهم بها أي:


(1) المكوك: مكيال معروف لاهل العراق. وقولهم: عندي جمام المكوك دقيقا أي: ملؤه. (*)

[ 347 ]

هؤلاء الذين يقولون هذا القول، جند مهزومون مغلوبون من جملة الكفار الذين تحزبوا على الأنبياء، وأنت منصور عليهم، مظفر غالب. وقيل. هم أحزاب الذين حاربوا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق. ووجه اتصاله بما قبله أن المعنى: كيف يرتقون إلى السماء وهم فرق من قبائل شتى مهزومون (كذبت قبلهم) أي: قبل هؤلاء الكفار. (قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد) وقيل في معناه أقوال أحدها: إنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها، عن ابن عباس، وقتادة، وعطا. والثاني: إنه كان يعذب الناس بالاوتاد، وذلك أنه إذا غضب على أحد وتد يديه ورجليه ورأسه على الأرض، عن السدي، والربيع بن أنس، ومقاتل، والكلبي. والثالث: إن معناه ذو إلبنيان. والبنيان: أوتاد، عن الضحاك. والرابع: إن المعنى ذو الجنود، والجموع الكثيرة، بمعنى أنهم يشدون ملكه، ويقوون أمره، كما يقوي الوتد الشئ، عن الجبائي، والقتيبي. والعرب تقول: هو في عز ثابت الأوتاد. والأصل فيه أن بيوتهم إنما ثبتت بالاوتاد. قال الأسود بن يعفر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظل ملك ثابت الأوتاد والخامس: إنه سمي ذو الأوتاد لكثرة جيوشه السائرة في الأرض، وكثرة أوتاد خيامهم، فعبر بكثرة الأوتاد عن كثرة الأجناد. (وثمود) يعني قوم صالح (وقوم لوط وأصحاب لئيكة) وهم قوم شعيب (أولئك الأحزاب). لما ذكر سبحانه هؤلاء المكذبين، أعلمنا أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب، ومعناه: هم الأحزاب حقا أي. أحزاب الشيطان كما يقال: هم هم، قال: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم، يا أم خالد (1) و (إن كل إلا كذب الرسل) أي: ما كل حزب منهم إلا كذب الرسل (فحق عقاب) أي. فوجب عليهم عقابي بتكذيبهم رسلي (وما ينظر) أي: وما ينتظر (هؤلاء) يعني كفار مكة (إلا صيحة واحدة) وهي النفخة الأولى في الصور (ما لها من فواق) أي: لا يكون لتلك الصيحة إفاقة بالرجوع إلى الدنيا، عن قتادة، والسدي. والمراد: إن عقوبة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعذاب الإستئصال، مؤخرة إلى يوم


(1) قائله أشهب بن زميلة، ونسبه بعض إلى حريث بن مخفض، وحانت أي: هلكت. وفلج: موضع بين مكة والبصرة. وأم خالد: اسم امرأة. (*)

[ 348 ]

القيامة، وعقوبة سائر الأمم معخلة في الدنيا، كما قال: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). قال الفراء إذا ارتضعت البهيمة أمها، ثم تركتها حتى تنزل، فتلك الإفاقة والفواق، ثم قيل لكل راحة وإنظار للاستراحة فواق. وقيل: معناه مالها مثنوية أي: صرف، ورد عن الضحاك. وقيل: ما لها من فتور كما يفتر المريض، عن ابن زيد. (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الايد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والاشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وءاتينه الحكمة وفصل الخطاب (20). اللغة: القط: الكتاب. قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوم تقيته * بنعمته يعطي القطوط، ويأفق (1) أي: كتب الجوائز واشتقاقها من القط: وهو القطع، لانها تقطع النصيب لكل واحد بما كتب فيها. والقط: النصيب أيضا. قال أبو عبيدة: والقط الحساب. وفي الأثر أن عمر وزيدا كانا لا يريان ببيع القطوط بأسا إذا خرجت. والفقهاء لا يجيزونه. وهي الجوائز والأرزاق. وقولهم: ما رأيته قط أي: قطع الدهر الذي مضى. المعنى: (وقالوا) يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم (ربنا عجل لنا قطنا) أي: قدم لنا نصيبنا من العذاب (قبل يوم الحساب) قالوه على وجه الإستهزاء بخبر الله، عز وجل، عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقيل. معناه أرنا حظنا من


(1) كان النعمان بن منذر ملك العرب، من قبل الساسانيين أكاسرة إيران، واتفق أن أبرويز غضب عليه، فطلبه بالمدائن، وألقاه تحت أرجل الفيل، فداسوه بأرجلهم فمات، وقيل: حبسه بخانقين حتى وقع الطاعون فمات فيه، في قصة طويلة، ذكره، الطبري في (تاريخه ج 1: 596 - 610)، وابن الأثير في (الكامل ج 1: 171 - 174)، يقول الأعشى. لم ينج من الموت أحد، ولا النعمان. ويأفق أي: يفضل على أصحابه. (*)

[ 349 ]

النعيم في الجنة حتى نؤمن، عن السدي، وسعيد بن جبير. وقيل: لما نزل (وأما من أوتي كتابه بيمينه... وأما من أوتي كتابه بشماله) قالت قريش: زعمت يا محمد أتا نؤتى كتابنا بشمالنا، فعجل لنا كتبنا التي نقرؤها في الاخرة، إستهزاء منهم بهذا الوعيد، وتكذيبا به، عن أبي العالية، والكلبي، ومقاتل. فقال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (إصبر) يا محمد أي: إحبس نفسك (على ما يقولون) من تكذيبك، فإن وبال ذلك يعود عليهم (واذكر عبدنا داود ذا الأيد) أي: ذا القوة على العبادة، عن ابن عباس، ومجاهد. وذكر أنه يقوم نصف الليل، ويصوم نصف الدهر، كان يصوم يوما، ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم. وقيل: ذا القوة على الأعداء وقهرهم، وذلك لانه رمى بحجر من مقلاعه صدر رجل فأنفذه من ظهره، فأصاب آخر فقتله. وقيل. معناه ذا التمكين العظيم، والنعم العظيمة، وذلك أنه كان يبيت كل ليلة حول محرابه ألوف كثيرة من الرجال. (إنه أواب) أي: تواب راجع عن كل ما يكره الله تعالى إلى كل ما يحب. من آب يؤب: إذا رجع، عن مجاهد، وابن زيد. وقيل: مسبح، عن سعيد بن جبير. وقيل: مطيع، عن ابن عباس (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن) لله إذا سبح، ويحتمل أن يكون الله سبحانه خلق في الجبال التسبيح، ويمكن أن يكون بنى فيها بنية يأتي فيها التسبيح. (بالعشي والإشراق) أي: بالرواح والصباح (والطير) أي: وسخرنا الطير (محشورة) أي: مجموعة إليه، تسبح الله تعالى معه (كل) يعني كل الطير، والجبال (له أواب) رجاع إلى ما يريد، مطيع له بالتسبيح معه. قال الجبائي: لا يمتنع أن يكون الله تعالى خلق في الطيور من المعارف ما تفهم به أمر داود عليه السلام ونهيه، فتطيعه فيما يريد منها، وإن لم تكن كاملة العقل مكلفة. (وشددنا ملكه) أي: قوينا ملكه بالحرس، والجنود، والهيبة، وكثرة العدد والعدة. (وأتيناه الحكمة) وهي النبوة. وقيل: الإصابة في الأمور. وقيل: العلم بالله وشرائعه، عن أبي العالية، والجبائي. (وفصل الخطاب) يعني الشهود والإيمان، وأن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، لان خطاب الخصوم لا ينفصل، ولا ينقطع إلا بهذا، وهو قول الاكثرين. وقيل: فصل الخطاب هو العلم بالقضاء والفهم، عن ابن مسعود والحسن ومقاتل وقتادة. وقال البلخي: يجوز أن يكون المراد بتسبيح الجبال معه، ما أعطاه الله تعالى من حسن الصوت بقراءة

[ 350 ]

الزبور، فكان إذا قرأ الزبور، أو رفع صوته بالتسبيح بين الجبال، ردت عليه مثله من الصدى، فسمى الله ذلك تسبيحا. (* وهل أتك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سوآء الصراط (22) إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين امنوا وعملوا الصلحات وقليل ماهم وظن داود أنما فتنه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25). القراءة: في الشواذ قراءة أبي رجاء، وقتادة: (ولا تشطط) بفتح التاء وضم الطاء. وقراءة الحسن، والاعرج: (نعجة ولي نعجة) بكسر النون. وقراءة أبى حيوة: (وعزني) بتخفيف الزاي. وقراءة عمر بن الخطاب: (فتناه) بتخفيف والنون، وقراءة قتادة وأبي عمرو وفي بعض الروايات الشاذة: (فتناه) بتخفيف النون. الحجة: أما قراءة (ولا تشطط) من شط يشط: إذا بعد، قال عنترة: شطت مزار العاشقين، فأصبحت * عسرا علي طلابك، ابنة مخرم (1) قال ابن جني: معناه بعدت عن مزار العاشقين. ولما بالغ في ذكر استضراره بها، خاطبها بذلك، لانه أبلغ، فعدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب، فقال: طلابك. فأما (النعجة)، فهي لغة في النعجة، ومثله لقوة ولقوة، وقوم شجعة وشجعة أي: شجعان. وأما عزني بالتخفيف، فيمكن أن يكون أصله عزني، غير أنه


(1) هذا بيت من المعلقة يقول: بعدت الحبيبة عن مزار العاشقين، فعسر علي طلبها، ثم التفت إلى الخطاب بها وخاطبها بقوله: طلابك... انتهى. وفي رواية الزوزني وغيره: " حلت بأرض الزائرين فأصبحت..... اه‍. " أي: نزلت بأرض الأعداء. (*)

[ 351 ]

خفف بحذف الزاي الثانية، أو الأولى، كما قالوا في مسست، وظللت: مست وظلت. وأما قوله (فتناه)، فإنما هو فعلناه للمبالغة. وأما (فتناه) بتخفيف النون، فإن المراد بالتثنية هنا الملكان اللذان اختصما إليه أي: اختبراه. اللغة: الخصم هو المدعي على غيره حقا من الحقوق، والمنازع له فيه، ويعبر به عن الواحد والإثنين والجماعة بلفظ واحد، لان أصله المصدر فيقال: رجل خصم، ورجلان خصم، ورجال خصم، يقال: خاصمته فخصمته أخصمه خصما. والتسور: الإتيان من جهة السور، يقال: تسور فلان الدار إذا أتاها من جهة سورها. والمحراب. مجلس الأشراف الذي يحارب دونه لشرف صاحبه، ومنه سمى المعملي محرابا، وموضع القبلة محرابا، وأشط الرجل في حكمه. إذا جار فهو مشط. وشط عليه في السوم يشط شططا قال: ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي، * ويزعمن أن أودى بحقي باطلي (1) الاعراب: (إذ دخلوا): بدل من قوله (إذ تسوروا). وقيل: إن التسور في زمان غير زمان الدخول. (خصمان): خبر مبتدأ محذوف أي: نحن خصمان. (وقليل ما هم): هم مبتدأ. وقليل خبره. وما زائدة. ويجوز أن يكون (ما) بمعنى الذي. وهم مبتدأ. والخبر محذوف أي: وقليل الذين هم كذلك. المعنى: لما ذكر سبحانه أنه آتى داود الحكمة، وفصل الخطاب، عقبه بذكر من تخاصم إليه، فقال. (وهل أتاك) يا محمد (نبأ الخصم) أي: هل بلغك خبرهم، والمراد بالاستفهام هنا: الترغيب في الإستماع، والتنبيه على موضع إخلاله ببعض ما كان ينبغي أن يفعله. (إذ تسوروا المحراب) أي: حين صدوا إليه المحراب، وأتوه من أعلى سوره، وهو مصلاه. وإنما جمعهم لانه أراد المدعي، والمدعى عليه، ومن معهما. وقد تعلق به من قال: إن أقل الجمع إثنان، وأجيب عن ذلك بأنه أراد الفريقين. (إذ دخلوا على داود ففزع منهم) لدخولهم عليه في غير الوقت الذي يحضر فيه الخصوم من غير الباب الذي كان يدخل الخصوم منه، ولانهم دخلوا عليه بغير إذنه. (قالوا لا تخف خصمان) أي: فقالوا لداود: نحن خصمان (بغى بعضنا على


(1) قائله الاحوص. (*)

[ 352 ]

بعض) فجئناك لتقضي بيننا، وذلك قوله (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط) أي: ولا تجر علينا في حكمك، ولا تجاوز الحق فيه بالميل لاحدنا على صاحبه. (واهدنا إلى سواء الصراط) أي: دتنا وأرشدنا إلى وسط الطريق الذي هو طريق الحق. ثم حكى سبحانه ما قاله أحد الخصمين لصاحبه بقوله: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة) قال الخليل: النعجة هي الانثى من الضأن، والبقر الوحشية، والشاة الجبلية. والعرب تكني عن النساء بالنعاج والظباء والشاة. قال الأعشى: فرميت غفلة عينه عن شاته، * فأصبت حبة قلبها، وطحالها (1) قال عنترة: يا شاة ماقنص لمن حئت له * حرمت على، وليتها لم تحرم (2) (فقال أكفلنيها) أي: ضمها إلي، واجعلني كافلها الذي يلزم نفسه القيام بها وحياطتها، والمعنى: أعطنيها. وقيل: معناه إنزل لي عنها حتى تصير في نصيبي، عن ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد. (وعزني، في الخطاب) أي: غلبني في مخاطبة الكلام. وقيل: معناه أنه إذا تكلم كان أبين مني، وإن بطش كان أشد مني، وإن دعا كان أكثر مني (3)، عن الضحاك. (قال) داود القد ظلمك بسؤال نعجتك) معناه: إن كان الأمر على ما تدعيه، لقد ظلمك بسؤاله إياك بضم نعجتك (إلى نعاجه) فأضاف المصدر إلى المفعول به (وإن كثيرا من الخلطاء) أي: الشركاء المخالطين جمع الخليط (ليبغي بعضهم على بعض). ثم استثنى من جملة الخلطاء الذين يبغي بعضهم على بعض، الذين آمنوا فقال: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي: فإنهم لا يظلم بعضهم بعضا (وقليل ما هم) أي: وقليل هم. وما مزيدة. (وظن داود أنما فتناه) أي: وعلم


(1) يصف معاشقته بامرأة ذات بعل، وإصابته منها بعد انتهاز فرصة ومراقبة طويلة، لغفلة بعلها. والضمير في " عينه " و " شاته " يرجع إلى زوج تلك المرأة. (2) هذا أيضا من معلقة المشهورة. والقنص: الصيد. يقول: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له فتعجبوا من حسنها وجمالها، لكنها حرمت علي. وذكر الزوزني في الحرمة المذكورة في البيت وجهان، فراجع إن شئت. (3) وفي المخطوطتين هكذا. " لان دعا كان أكثر مني، لان بطش... ". (*)

[ 353 ]

داود أنا اختبرناه وابتليناه. وقيل: إنا شددنا عليه في التعبد، عن علي بن عيسى. وقيل: أراد الظن المعروف الذي هو خلاف اليقين. (فاستغفر ربه) أي: سأل الله سبحانه المغفرة، والستر عليه (وخر راكعا) أي. صلى لله تعالى (وأناب) إليه. وقيل: سقط ساجدا لله تعالى، ورجع إليه. وقد يعبر عن السجود بالركوع، قال الشاعر: فخر على وجهه راكعا، * وتاب إلى الله من كل ذنب قال الحسن: إنما قال: وخر راكعا، لانه لا يصير ساجدا حتى يركع. وقال مجاهد: مكث أربعين يوما ساجدا، لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة يقيمها، أو لحاجة لا بد منها. (فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى) أي: قربى وكرامة (وحسن مآب) في الجنة. واختلف في استغفار داود عليه السلام من أي شئ كان، فقيل: إنه حصل منه على سبيل الإنقطاع إلى الله تعالى، والخضوع له، والتذلل بالعبادة والسجود، كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام بقوله: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين). وأما قوله: (فغفرنا له ذلك) فالمعنى. إنا قبلناه منه، وأثبناه عليه. فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله. (يخادعون الله وهو خادعهم)، وقوله: (الله يستهزئ بهم). فلما كان المقصود من الإستغفار والتوبة القبول، قيل في جوابه: غفرنا. وهذا قول من ينزه الأنبياء عن جميع الذنوب من الإمامية وغيرهم ومن جوز على الأنبياء الصغائر قال: إن استغفاره كان لذنب صغير وقع منه. ثم إنهم اختلفوا في ذلك على وجوه أحدها: إن أوريا بن حيان، خطب امرأة، وكان أهلها أرادوا أن يزوجوها منه، فبلغ داود جمالها، فخطبها أيضا فزوجوها منه، فقدموه على أوريا، فعوتب داود على الحرص على الدنيا، عن الجبائي وثانيها: إنه أخرج أوريا إلى بعض ثغوره، فقتل فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده، إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته، فعوتب على ذلك بنزول الملكين. وثالثها. إنه كان في شريعته أن الرجل إذا مات وخلف امرأة، فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزويج بها، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوج بها. فلما قتل أوريا خطب داود عليه السلام امرأته، ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه أن يخطبوها، فعوتب على ذلك ورابعها: إن داود كان متشاغلا بالعبادة، فأتاه رجل وامرأة متحاكمين إليه، فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها، وذلك نظر مباح، فمالت نفسه إنيها ميل الطباع ففصل بينهما، وعاد إلى

[ 354 ]

عبادة ربه، فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله، فعوتب. وخامسها: إنه عوتب على عجلته في الحكم، قبل التثبت، وكان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين، أن يسأل الاخر عما عنده فيها، ولا يحكم عليه قبل ذلك. وإنما أنساه التثبت في الحكم فزعه من دخولهما عليه في غير وقت العادة. وأما ما ذكر في القصة أن داود كان كثير الصلاة، فقال: يا رب فضلت علي إبراهيم، فاتخذته خليلا، وفضلت علي موسى، فكلمته تكليما، فقال: يا داود ! إنا ابتليناهم بما لم نبتلك بمثله، فإن شئت ابتليتك. فقال: نعم يا رب فابتلني. فبينا هو في محرابه ذات يوم، إذ وقعت حمامة، فأراد أن يأخذها، فطارت إلى كوة المحراب، فذهب ليأخذها، فاطلع من الكوة، فإذا امرأة أوريا بن حيان تغتسل، فهويها وهم بتزويجها، فبعث بأوريا إلى بعض سراياه، وأمر بتقديمه أمام التابوت الذي فيه السكينة، ففعل ذلك، وقتل. فلما انقضت عدتها تزوجها، وبنى بها، فولد له منها سليمان. فبينا هو ذات يوم في محرابه يقرأ، إذ دخل عليه رجلان، ففزع منهما، فقالا (لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض) إلى قوله: (وقليل ما هم). فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه، ثم ضحك. فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه في صورة خصمين، ليبكتاه على خطيئته، فتاب وبكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه. فمما لا شبهة في فساده (1)، فإن ذلك مما يقدح في العدالة، فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أمناؤه على وحيه، وسفراؤه بينه وبين خلقه، بصفة من لا تقبل شهادته، وعلى حالة تنفر عن الإستماع إليه، والقبول منه ؟ جل أنبياء الله عن ذلك. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: لا أوتى برجل يزعم أن داود تزوج امرأة أوريا، إلا جلدته حدين: حدا للنبوة، وحدا للاسلام. وقال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود، كانا خصمين من البشر، وأن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية، وإنما خاف منهما لدخولهما من غير إذن، وعلى غير مجرى العادة. وإنما عوتب على أنه حكم بالظلم على المدعى عليه قبل أن يسأله.


(1) جواب (أما) في قوله " وأما ما ذكر في القصة أن داود... ". (*)

[ 355 ]

(يا داود إنا جعلنك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا السماء والارض وما بينهما بطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلنه إليك مبرك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولوا الالبب (29). القراءة: قرأ أبو جعفر، والأعمش، والبرجمي: (لتدبروا) بالتاء، وتخفيف الدال. والباقون بالياء، وتشديد الدال. الحجة: لتدبروا: أصله لتتدبروا، فحذفت التاء الثانية التي هي فاء الفعل. وقوله (ليدبروا) أصله ليتدبروا، فأدغم التاء في الدال. اللغة: الخليفة: هو المدبر للامور من قبل غيره بدلا من تدبيره. وفلان خليفة الله في أرضه، معناه أنه جعل إليه تدبير عباده بأمره. المعنى: ثم ذكر سبحانه إتمام نعمته على داود عليه السلام بقوله: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) أي: صيرناك خليفة تدبر أمور العباد من قبلنا بأمرنا. وقيل: معناه جعلناك خلف من مضى من الأنبياء في الدعاء إلى توحيد الله تعالى، وعدله، وبيان شرائعه، عن أبي مسلم. (فاحكم بين الناس بالحق) أي: افصل أمورهم بالحق، وضع كل شئ موضعه (ولا تتبع الهوى) أي: ما يميل طبعك إليه، ويدعو هواك إليه، إذا كان مخالفا للحق (فيضلك عن سبيل الله) معناه: إنك إذا اتبعت الهوى عدل الهوى بك عن سبيل الحق الذي هو سبيل الله (إن الذين يضلون عن سبيل الله) أي: يعدلون عن العمل بما أمرهم الله. (لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) أي: لهم عذاب شديد يوم الحساب بتركهم طاعات الله في الدنيا، عن عكرمة، والسدي. ويكون على هذا يتعلق (يوم الحساب) بعذاب شديد. وقيل: معناه لهم عذاب شديد بإعراضهم عن ذكر يوم القيامة. فيكون يوم متعلقا بنسوا. (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما

[ 356 ]

باطلا " لا غرض فيه حكمي، بل خلقناهما لغرض حكمي، وهو ما في ذلك من إظهار الحكمة، وتعريض أنواع الحيوان للمنافع الجليلة، وتعريض العقلاء منهم للثواب العظيم، وهذا ينافي قول أهل الجبر. إن كل باطل وضلال فهو من فعل الله. (ذلك ظن الذين كفروا) بالله، وجحدوا حكمته (فويل للذين كفروا من النار) ظاهر المعنى. ثم قال سبحانه على وجه التوبيخ للكفار على وجه الإستفهام. (أم نجعل الذين أمنوا) معناه: بل أنجعل الذين صدقوا الله ورسله (وعملوا الصالحات " والطاعات (كالمفسدين في الأرض " العاملين بالمعاصي. (أم نجعل المتقين كالفجار) أي: بل أنجعل المتقين الذين اتقوا المعاصي لله خوفا من عقابه، كالفجار الذين عملوا بالمعاصي، وتركوا الطاعات أي: إن هذا لا يكون أبدا. ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (كتاب أنزلناه إليك مبارك) أي. هذا القرآن كتاب منزل إليك مبارك أي: كثير نفعه وخيره، فإن في التدين به يستبين الناس ما أنعم الله عليهم (ليدبروا أياته) أي: ليتفكر الناس، ويتعظوا بمواعظه (وليتذكر أولو الألباب) أي: أولو العقول فهم المخاطبون به. (ووهبنا لداود سليمن نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي الصفنت الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق (33) ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشيطين كل بناء وغواص (37) وءاخرين مقرنين في الاصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب (40) اللغة: الصافنات: جمع الصافنة من الخيل، وهي التي تقوم على ثلاث قوائم، وترفع إحدى يديها حتى تكون على طرف الحافر. يقال: صفنت الخيل تصفن صفونا: إذا وقفت كذلك، قال الشاعر:

[ 357 ]

ألف الصفون فلا يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا (1) والجياد: جمع جواد. والياء ههنا منقلبة عن واو، والاصل جواد: وهي السراع من الخيل، كأنها تجود بالركض. وقيل: هو جمع جود، فيكون مثل سوط وسياط. والكرسي: السرير، وأصله من التكرس، وهو الاجتماع، ومنه الكراسة لاجتماعها. والرخاء: الريح اللينة، وهي من رخاوة المرور وسهولته. والاصفاد: جمع صفد، وهو الغل، ومنه يقال للعطاء صفد، لانه يرتبط بشكره كما قيل: " ومن وجد الاحسان قيدا تقيدا " (2). الاعراب: (حب الخير): نصب على أنه مفعول به، والتقدير: إخترت حب الخير. وعن في قوله (عن ذكر ربي): بمعنى على. وعلى هذا فيكون أحببت بمعنى استحببت، مثل ما في قوله (الذين يستحبون الحياة الدنيا على الاخرة) أي: يؤثرونها. وقال أبو علي: أحببت بمعنى قعدت ولزمت، من قولهم أحب البعير إذا برك، وقوله (حب الخير): مفعول له أي: لزمت الارض لحب الخير، معرضا عن ذكر ربي. فعن: في موضع نصب على الحال. و (ذكر): مصدر مضاف إلى المفعول، ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل أي: عما ذكرني ربي، حيث أمرني في التوراة بإقامة الصلاة (توارت بالحجاب) أي: توارت الشمس، ولم يجر لها ذكر، لانه شئ قد عرف كقوله سبحانه (إنا أنزلناه) يعني القرآن، ولم يجر له ذكر. وقوله (كل من عليه) فإنه يعني الارض. قال الزجاج: في الاية يدل على الشمس، وهو قوله: (إذا عرض عليه) فهو في معنى عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب. قال: وليس يجوز الاضمار إلا أن يجري ذكر أو دليل بمنزلة الذكر. وقوله (مسحا): مصدر فعل محذوف، وهو خبر (طفق) التقدير: فطفق يمسح مسحا. وقوله (رخاء): منصوب على الحال، والعامل فيه (تجري) فهو حال من حال، لان (تجري) في محل نصب بكونه حالا. و (كل بناء): بدل من (الشياطين) بدل البعض من الكل. وقوله (بغير حساب): في موضع نصب على الحال تقديره: غير محاسب.


(1) يقول: ألف الفرس الوقوف على ثلاث أرجل، واعتاده بحيث لو تراه فكأنه مكسور الرجل. (2) عجز بيت منسوب إلى المتنبي قاله في مدح سيف الدولة وقبله: " وقيدت نفسي في وراك محبة ". (*)

[ 358 ]

المعنى: ثم عطف سبحانه على قصة داود عليه السلام حديث سليمان، فقال: (ووهبنا لداود سليمان) أي: وهبناه له ولدا (نعم العبد) أي: نعم العبد سليمان (إنه أواب) أي: رجاع إلى الله تعالى في أمور دينه ابتغاء مرضاته (إذ عرض عليه) يجوز أن يتعلق إذ بنعم العبد أي: نعم العبد هو، حين عرض عليه. ويجوز أن يتعلق باذكر يا محمد المحذوف لدلالة الكلام عليه (بالعشي) أي: في آخر النهار بعد زوال الشمس (الصافنات) الخيل الواقفة على ثلاث قوائم، الواضعة طرف السنبك الرابع على الارض (الجياد) السريعة المشي، الواسعة الخطو. قال مقاتل: إنه وارث من أبيه ألف فرس، وكان أبوه قد أصاب ذلك من العمالقة. وقال الكلبي: غزا سليمان دمشق ونصيبين، فأصاف ألف فرس. وقال الحسن: كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة، وكان سليمان قد صلى الصلاة الاولى، وقعد على كرسيه، والخيل تعرض عليه، حتى غابت الشمس. (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) والمراد بالخير الخيل هنا، فإن العرب تسمي الخيل الخير، عن قتادة، والسدي. فالمعنى: آثرت حب الخيل عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي. قال الفراء: كل من أحب شيئا فقد آثره. وفي قراءة ابن مسعود: (حب الخيل) وسمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيد الخيل: زيد الخير. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة ". وقيل معناه: حب المال، عن سعيد بن جبير. والخيل: مال. والخير بمعنى المال كثير في التنزيل، وقيل: إن هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر، حتى فات وقتها، عن علي عليه السلام، وقتادة والسدي. وفي روايات أصحابنا أنه فاته أول الوقت. وقال الجبائي: لم يفته الفرض، وإنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار لاشتغاله بالخيل. وقيل: إن ذكر ربي كناية عن كتاب الله التوراة، فالمعنى: إني أحببت الخيل عن كتاب الله، وكما أن ارتباط الخيل ممدوح في كتابنا، كذلك كان في كتابهم، عن أبي مسلم. (حتى توارت بالحجاب) أي: غربت الشمس، عن ابن مسعود، وجماعة من المفسرين. وجاز وإن لم يجر للشمس ذكر، كما قال لبيد: حتى إذا ألقت يدا في كافر، وأجن عورات الثغور ظلامها (1)


(1) البيت من المعلقات، يصف إشرافه على الاعداء، وصعوده جبلا، ووقوفه على الجبل الى = (*)

[ 359 ]

وقيل: الضمير للخيل يعني حتى توارت الخيل بالحجاب، بمعنى أنها شغلت فكره إلى تلك الحال، وهي غيبوبتها عن بصره، وذلك بأنه أمر بإجراء الخيل، فأجريت حتى غابت عن بصره، عن أبي مسلم، وعلي بن عيسى. (ردوها علي) أي: قال لاصحابه: ردوا الخيل علي، على أكثر المفسرين. وقيل: معناه أنه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه، فردها عليه حتى صلى العصر. فالهاء في (ردوها) كناية عن الشمس، عن علي بن أبي طالب عليه السلام. (فطفق مسحا بالسوق والاعناق) قيل فيه وجوه أحدها: إن المسح ههنا القطع، والمعنى: إنه أقبل يضرب سوقها وأعناقها، لانها كانت سبب فوت صلاته، عن الحسن، ومقاتل. وقال أبو عبيدة: تقول العرب مسح علاوته أي: ضرب عنقه. وقيل: إنه إنما فعل ذلك لانها كانت أعز ماله، فتقرب إلى الله تعالى بأن ذبحها، ليتصدق بلحومها. ويشهد بصحته قوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وثانيها: إن معناه فجعل يمسح أعراف خيله وعراقيبها بيده حبا لها، عن ابن عباس، والزهري، وابن كيسان. قال ابن عباس: سألت عليا عليه السلام عن هذه الاية، فقال: ما بلغك فيها يا بن عباس ؟ قلت: سمعت كعبا يقول اشتغل سليمان بعرض الافراس حتى فاتته الصلاة، فقال: ردوها علي يعني الافراس كانت أربعة عشر، فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما، لانه ظلم الخيل بقتلها. فقال علي عليه السلام: كذب كعب لكن اشتغل سليمان بعرض الافراس ذات يوم، لانه أراد جهاد العدو حتى توارت الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس: ردوها علي. فردت فصلى العصر في وقتها، وإن أنبياء الله لا يظلمون، ولا يأمرون بالظلم، لانهم معصومون مطهرون. وثالثها: إنه مسح أعناقها وسوقها، وجعلها مسبلة في سبيل الله تعالى. وقيل لثعلب: إن قطربا يقول: مسحها وبارك عليها، فأنكر ذلك وقال: القول ما قال الفراء: إنه ضرب أعناقها وسوقها. ثم قال سبحانه: (ولقد فتنا سليمان) أي: اختبرناه وابتليناه، وشددنا المحنة عليه. (وألقينا على كرسيه جسدا) أي: وطرحنا


= غروب الشمس. والكافر: الليل. والاجنان: الستر. والثغر: موضع المخافة. وعورته: أشده مخافة، يقول: حتى إذا ألقت الشمس يدها في الليل أي: ابتدأت في الغروب. وعبر عن هذا المعنى بإلقاء اليد، لانه يعني ابتدأ بالشمس قبل إلقاء يده فيه، وستر الظلام. (*)

[ 360 ]

عليه جسدا. والجسد الذي لا روح فيه، ثم أناب سليمان. واختلف العلماء في زلته وفتنته والجسد الذي ألقي على كرسيه على أقوال منها أن سليمان قال يوما في مجلسه: لاطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما، يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل منهم إلا امرأة واحدة، جاءت بشق ولد، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثم قال: فو الذي نفس محمد بيده، لو قال " إن شاء الله " لجاهدوا في سبيل الله فرسانا. الجسد الذي ألقي على كرسيه كان هذا. ثم أناب إلى الله تعالى، وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع إليه سبحانه، وهذا لا يقتضي أنه وقع منه معصية صغيرة ولا كبيرة، لانه وإن لم يستثن ذلك لفظا، فلابد من أن يكون قد استثناه ضميرا واعتقادا، إذ لو كان قاطعا للقول بذلك، لكان مطلقا لما لا يأمن من أن يكون كذبا، إلا أنه لما لم يذكر لفظة الاستثناء، عوتب على ذلك من حيث ترك ما هو مندوب إليه. ومنها: ما روي أن الجن والشياطين لما ولد لسليمان ابن، قال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد، لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء، فأشفق منهم عليه فاسترضعه في المزن، وهو السحاب، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا، تنبيها على أن الحذر لا ينفع عن القدر، فإنما عوتب على خوفه من الشياطين، عن الشعبي، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. ومنها: أنه ولد له ولد ميت، جسد بلا روح، فألقي على سريره، عن الجبائي. ومنها أن الجسد المذكور هو جسد سليمان لمرض امتحنه الله تعالى به. وتقدير الكلام: وألقينا منه على كرسيه جسدا، لشدة المرض، فيكون (جسدا) منصوبا على الحال. والعرب تقول في الانسان إذا كان ضعيفا: هو جسد بلا روح، ولحم على وضم. (ثم أناب) أي: رجع إلى حال الصحة، عن أبي مسلم، واستشهد على ذلك بقوله تعالى (ومنهم من يستمع إليك) إلى قوله: (يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين). ولو أتى بالكلام على شرحه، لقال: يقول الذين كفروا منهم أي: من المجادلين، كما قال سبحانه: (محمد رسول الله)، إلى قوله: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة)، ومثله قول الاعشى:

[ 361 ]

وكأن السموط علقها السلك بعطفي جيداء أم غزال (1) ولو أتى بالشرح لقال: علقها السلك منها. وقال كعب بن زهير: زالوا فما زال أنكاس، ولا كشف، عند اللقاء، ولا ميل معازيل (2) ولو أتى بالشرح لقال: فما زال منهم أنكاس. وأما ما ذكر عن ابن عباس أنه ألقى شيطان اسمه صخر على كرسيه، وكان ماردا عظيما لا يقوى عليه جميع الشياطين، وكان نبي الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه، وأقام أربعين يوما في ملكه، وسليمان هارب. وعن مجاهد: أن شيطانا اسمه آصف قال له سليمان: كيف تفتنون الناس ؟ قال: أرني خاتمك أخبرك بذلك. فلما أعطاه إياه نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان، فلم يقربهن، وكان سليمان يستطعم فلا يطعم، حتى أعطته امرأة يوما حوتا، فشق بطنه فوجد خاتمه فيه، فرد الله عليه ملكه. وعن السدي: أن اسم ذلك الشيطان حيقيق، وما ذكر أن السبب في ذلك أن الله سبحانه أمره بأن لا يتزوج في غير بني إسرائيل، فتزوج من غيرهم. وقيل: بل السبب فيه أنه وطئ امرأة في حال الحيض، فسال منه الدم، فوضع خاتمه ودخل الحمام. فجاء إبليس الشيطان، وأخذه، وقيل: تزوج امرأة مشركة، ولم يستطع أن يكرهها على الاسلام، فعبدت الصنم في داره أربعين يوما، فابتلاه الله بحديث الشيطان والخاتم أربعين يوما. وقيل: احتجب ثلاثة أيام، ولم ينظر في أمر الناس، فابتلي بذلك. فإن جميع ذلك مما لا يعول عليه، لان النبوة لا تكون في خاتم، ولا يجوز أن يسلبها الله النبي، ولا أن يمكن الشيطان من التمثل بصورة النبي، والقعود على سريره، والحكم بين عباده، وبالله التوفيق. (1) قيل: يعني كأن العقد من هذه المرأه معلق على جيد ظبية. (2) هذا بيت من قصيدة لامية له قالها في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبل هذا ببيت قوله: " إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول " الانكاس جمع نكس: " الضعيف. والكشف جمع أكشف: الذي لا ترس معه. والميل جمع أميل: الذي لا سيف معه، والمعازيل: الذين لا سلاح معهم. يصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عند الهجرة من مكة. وقوله: " زالوا " أي: تحولوا وانتقلوا، وليس فيهم من هذه صفته، بل هم أقوياء ذوو سلاح، فرسان عند اللقاء. (*)

[ 362 ]

ثم حكى سبحانه دعاء سليمان حين أناب إلى الله تعالى بقوله: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) يسأل عن هذا فيقال: إن هذا القول من سليمان يقتضي الضن والمنافسة، لانه لم يرض بأن يسأل الملك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه. وأجيب عنه بأجوبة أحدها: إن الانبياء لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته، وجائز أن يكون الله تعالى أعلم سليمان أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره، كان أصلح له في الدين، وأعلمه أنه لا صلح لغيره في ذلك. ولو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول: اللهم اجعلني أكثر أهل زماني مالا إذا علمت أن ذلك أصلح لي، لكان ذلك منه حسنا جائزا، ولا ينسب في ذلك إلى شح وضن، واختاره الجبائي. وثانيها: إنه يجوز أن يكون التمس من الله تعالى آية لنبوته، يبين بها من غيره، وأراد لا ينبغي لاحد غيري ممن أنا مبعوث إليه، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين، كما يقال: أنا لا أطيع أحدا بعدك أي: لا أطيع أحدا سواك. وثالثها: ما قاله المرتضى، قدس الله روحه: إنه يجوز أن يكون إنما سأل ملك الاخرة، وثواب الجنة، ويكون معنى قوله (لا ينبغي لاحد من بعدي): لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصلح أن يعمل ما يستحق به ذلك، لانقطاع التكليف. ورابعها: إنه التمس معجزة تختص به، كما أن موسى يختص بالعصا واليد البيضاء، واختص صالح بالناقة، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعراج والقرآن، ويدل عليه ما روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى صلاة فقال: " إن الشيطان عرض لي ليفسد علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فدفعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا وتنظروا إليه أجمعين، فذكرت قول سليمان (رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) فرده الله خاسئا ". أورده البخاري ومسلم في الصحيحين. ثم بين سبحانه أنه أجاب دعاه بقوله: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء) أي: لينه سهلة، عن ابن زيد. وقيل: طيبة سريعة، عن قتادة. وقيل: مطيعة تجري إلى حيث يشاء، عن ابن عباس. (حيث أصاب) أي: حيث أراد سليمان من النواحي، عن أكثر المفسرين، وحقيقته حيث قصد والمعنى أنه ينطاع له كيف أراد. قال الحسن: كان يغدو من إيليا، ويقيل بقزوين ويبيت بكابل.

[ 363 ]

سؤال: كيف وصف سبحانه الريح بالعاصف في قوله: (ولسليمان الريح عاصفة)، ووصفها هنا بخلافه ؟ جوابه: يجوز أن يكون الله سبحانه جعلها عاصفة تارة، ورخاء أخرى، بحسب ما أراد سليمان عليه السلام. (والشياطين) أي: وسخرنا له الشياطين أيضا (كل بناء) في البر يبني له ما أراد من الابنية الرفيعة (وغواص) في البحر على الالئ والجواهر، فيستخرج له ما يشاء منها. (وآخرين مقرنين في الاصفاد) أي: وسخرنا له آخرين من الشياطين، مشدودين في الاغلال والسلاسل من الحديد، وكان يجمع بين اثنين وثلاثة منهم في سلسلة، لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم، عند تمردهم. وقيل: إنه كان يفعل ذلك بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم. (هذا عطاؤنا) أي: هذا الذي تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعدك عطاؤنا (فامننن أو أمسك) أي: فاعط من الناس من شئت، وامنع من شئت. والمن: الاحسان إلى من لا يستثيبه (بغير حساب) أي: لا تحاسب يوم القيامة على ما تعطي وتمنع، فيكون أهنأ لك، عن قتادة، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقيل: معناه بغير جزاء أي: أعطيناكه تفضلا لا مجازاة، عن الزجاج. وقيل: إن المعنى فانعم على من شئت من الشياطين بإطلاقه، أو أمسك من شئت منهم في وثاقه، وصرفه في عمله، من غير حرج عليك فيما تفعله. (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) معناه: وإن لسليمان عندنا لقربي، وحسن مرجع في الاخرة. وهذا من أعظم النعم إذ هي النعمة الباقية الدائمة. (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطن بنصب وعذاب (41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولى الالبب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدنه صابرا نعم العبد إنه أواب (44)). القراءة: قرأ أبو جعفر: (بنصب) بضمتين. وقرأ يعقوب: (بنصب) بفتحتين. والباقون بضم النون، وسكون الصاد. الحجة: قال الزجاج: النصب والنصب لغتان، كالرشد والرشد، والبخل والبخل، تقول: نصبت نصبا ونصبا. قال أبو عبيدة: النصب البلاء والشر، وأنشد

[ 364 ]

لبشر بن أبي حازم: " تعناك نصب من أميمة منصب ". ومن قرأ بنصب بضمتين، فإنه أتبع الصاد ما قبله، فهي أربع لغات. اللغة: الركض: الدفع بالرجل على جهة الاسراع، ومنه ركض الفرس لاسراعه إذا دفعه برجله. قال سيبويه: يقال ركضت الدابة وركضتها، فهو مثل جبر العظم وجبرته. والضغث: مل ء الكف من الشجرة والحشيش والشماريخ، وما أشبه ذلك. المعنى: ثم ذكر سبحانه قصة أيوب عليه السلام فقال: (واذكر) يا محمد (عبدنا أيوب) شرفه الله سبحانه بأنه أضافه إلى نفسه، واقتد به في الصبر على الشدائد. وكان في زمان يعقوب ابن إسحاق، وتزوج ليا بنت يعقوب. (إذ نادى ربه) أي: حين دعا ربه رافعا صوته، يقول: يا رب لان النداء هو الدعاء بطريقة يا فلان. ومتى قال: اللهم افعل بي كذا وكذا، كان داعيا، ولا يكون مناديا. (أني مسني الشيطان بنصب وعذاب) أي: بتعب ومكروه ومشقة. وقيل: بوسوسة فيقول له: طال مرضك، ولا يرحمك ربك، عن مقاتل. وقيل: بأن يذكره ما كان فيه من نعم الله تعالى، من الاهل والولد والمال. وكيف زال ذلك كله، وحصل فيما هو فيه من البلية، طمعا أن يزله بذلك، ويجد طريقا إلى تضجره، وتبرمه، فوجده صابرا مسلما لامر الله. وقيل: إنه اشتد مرضه حتى تجنبه الناس، فوسوس الشيطان إلى الناس أن يستقذروه، ويخرجوه من بينهم، ولا يتركوا امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم، فكان أيوب يتأذى بذلك، ويتألم منه، ولم يشك الالم الذي كان من أمر الله تعالى. قال قتادة: دام ذلك سبع سنين، وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. قال أهل التحقيق: إنه لا يجوز أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها، لان في ذلك تنفيرا. فأما المرض والفقر وذهاب الاهل، فيجوز أن يمتحنه الله بذلك. فأجاب الله دعاءه، وقال له (اركض برجلك) أي: إدفع برجلك الارض (هذا مغتسل بارد وشراب) وفي الكلام حذف أي: فركض رجله، فنبعت بركضته عين ماء. وقيل: نبعت عينان فاغتسل من أحدهما فبرئ، وشرب من الاخر فروي، عن قتادة. والمغتسل: الموضع الذي يغتسل منه. وقيل: هو اسم للماء الذي يغتسل به، عن ابن قتيبة. (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم) هذا مفسر في سورة الانبياء. وروي عن أبي

[ 365 ]

عبد الله عليه السلام أن الله تعالى أحيا له أهله الذين كانوا ماتوا قبل البلية، وأحيا له أهله الذين ماتوا وهو في البلية. (رحمة منا) أي: فعلنا ذلك به لرحمتنا إياه، فيكون منصوبا بأنه مفعول له. ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر لما كانت الموهبة بمعنى الرحمة. (وذكرى لاولي الالباب) أي: ليتذكر ويعتبر به ذووالالباب أي: العقول، ويعرفوا حسن عاقبة الصبر فيصبروا، كما صبر. قالوا: إنه أطعم جميع أهل قرية سبعة أيام، وأمرهم بأن يحمدوا الله، ويشكروه. (وخذ بيدك ضغثا) وهو مل ء الكف من الشماريخ، وما أشبه ذلك أي: وقلنا له ذلك، وذلك أنه حلف على امرأته لامر أنكره من قولها: لئن عوفي ليضربنها مائة جلدة. فقيل له: خذ ضغثا بعدد ما حلفت به. (فاضرب به) أي: واضربها به دفعة واحدة، فإنك إذا فعلت ذلك برت يمينك. (ولا تحنث) في يمينك، نهاه عن الحنث. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان السبب في ذلك: أن إبليس لقيها في صورة طبيب، فدعته لمداواة أيوب عليه السلام، فقال: أداويه على أنه إذا برئ قال: أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه. قالت: نعم. فأشارت إلى أيوب بذلك، فحلف ليضربنها، وقيل: إنها كانت ذهبت في حاجة، فأبطأت في الرجوع، فضاق صدر المريض فحلف. ثم أخبر سبحانه عن حال أيوب، وعظم منزلته، فقال: (إنا وجدناه صابرا) على البلاء الذي ابتليناه به (نعم البعد إنه أواب) أي: رجاع إلى الله، منقطع إليه. وروى العياشي بإسناده: أن عباد المكي قال: قال لي سفيان الثوري: إني أرى لك من أبي عبد الله عليه السلام منزلة، فاسأله عن رجل زنى وهو مريض، فإن أقيم عليه الحد خافوا أن يموت، ما تقول فيه ؟ فسألته فقال لي: هذه المسألة من تلقاء نفسك، أو أمرك بها إنسان ؟ فقلت: إن سفيان الثوري أمرني أن أسألك عنها. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي برجل أحبن (1)، قد استسقى بطنه، وبدت عروق فخذيه، وقد زنى بامرأة مريضة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتي بعرجون فيه مائة شمراخ، فضربه به ضربة، وضربها به ضربة، وخلى سبيلهما، وذلك قوله (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث). (واذكر عبدنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الايدى والابصر (45) إنا


(1) الاحبن: الذي عظم بطنه، وورم. (*)

[ 366 ]

أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار (47) واذكر إسمعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب (49) جنت عدن مفتحة لهم الابوب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفكهة كثيرة وشراب (51) * وعندهم قصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ماله من نفاد (54)). القراءة: قرأ ابن كثير وحده: (واذكر عبدنا إبراهيم). والباقون: (عبادنا). وقرأ أهل المدينة، وهشام: (بخالصة ذكرى الدار) غير منون على الاضافة. والباقون بالتنوين وخلافهم في (واليسع) مذكور في سورة الانعام. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (ما يوعدون) بالياء، وابن كثير وحده يقرأ في سورة ق بالياء أيضا. والباقون بالتاء في الموضعين. وفي الشواذ قراءة الحسن، والثقفي: (اولي الايد) بغير ياء. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (عبدنا)، فإنه أختصه بالاضافة على وجه التكرمة له، والاختصاص بالمنزلة الشريفة، كما قيل في مكة بيت الله. ومن قرأ العباد. والاول جعل إبراهيم بدلا، وما بعده معطوفا على المفعول به المذكور. وقوله (بخالصة ذكرى الدار) يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون ذكرى بدلا من الخالصة، تقديره: إن أخلصناهم بالذكرى الدار. ويجوز أن يقدر في قوله (ذكرى) التنوين، فيكون (الدار) في موضع نصب تقديره: بأن يذكروا الدرا بالتأهب للاخرة والثاني: أن لا يقدر البدل، ولكن يكون الخالصة مصدرا، فيكون مثل قوله: (من دعاء الخير)، ويكون المعنى بخالصة تذكر الدار، ويقوي هذا الوجه ما روي من قراءة الاعمش (بخالصتهم ذكرى الدار). وهذا يقوي النصب، فكأنه قال: بأن أخلصوا تذكير الدار. فإذا نونت خالصة احتمل أمرين أحدهما: أن يكون المعنى: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، فيكون (ذكرى) في موضع رفع بأنه فاعل. والاخر: أن يقدر المصدر الذي هو خالصة من الاخلاص، فحذفت الزيادة، فيكون المعنى بإخلاص ذكرى،

[ 367 ]

فيكون (ذكرى) في موضع نصب، و (الدار) يجوز أن يعني بها الدنيا، ويجوز أن يعني بها الاخرة. والذي يدل على أنه يجوز أن يراد بها الدنيا، قوله تعالى في الحكاية عن إبراهيم: (واجعل لي لسان صدق في الاخرين)، وقوله: (وجعلنا لهم لسان صدق) فاللسان هو القول الحسن، والثناء عليه، لا الجارحة كما في قول الشاعر: ندمت على لسان فات مني، فليت بأنه في جوف عكم (1) وكذلك قول الاخر: إني أتاني لسان، لا أسر به، من علو، لا كذب فيه، ولا سخر (2) وقوله تعالى: (وتركنا عليه في الاخرين سلام على إبراهيم وسلام على نوح في العالمين) والمعنى: أبقينا عليهم الثناء الجميل في الدنيا، فالدار في هذا التقدير ظرف، والقياس أن يتعدى الفعل والمصدر إليه بالحرف، ولكنه على ذهبت الشام عند سيبويه: " وكما عسل الطريق الثعلب " (3). (وأما) جواز كون الدار الاخرة في قوله: (أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) فيكون ذلك بإخلاصهم ذكرى الدار، ويكون ذكرهم لها وجل قلوبهم منها ومن حسابها، كما قال: (وهم من الساعة مشفقون). فالدار على هذا مفعول بها، وليست كالوجه المتقدم. وأما من أضاف فقال (بخالصة ذكرى الدار)، فإن الخالصة تكون على ضروب، تكون للذكر، وغير الذكر. فإذا أضيفت إلى ذكرى اختصت الخالصة بهذه الاضافة، فتكون هذه الاضافة إلى المفعول به، كأنه بإخلاصهم ذكرى الدار أي: بأن أخلصوا ذكرها، والخوف منها لله، ويكون على إضافة المصدر الذي هو الخالصة إلى الفاعل، تقديره: بأن خلصت لهم ذكرى الدار. والدار على هذا يحتمل الوجهين اللذين تقدما من كونها للاخرة والدنيا.


(1) قائله الحطيئة. والعكم: داخل الجنب. (2) قائله أعشى باهلة نسبه المؤلف (ره) إلى عامر بن الحرث. وعلو: اسم امرأة على ما قيل. (3) هذا جزء بيت لساعدة بن جؤية الهذلي وتمامه: " لدن بهز الكف يعسل متنه كما عسل الطريق الثعلب " وهو مذكور في (جامع الشواهد) وقد مر في الكتاب أيضا غير مرة. (*)

[ 368 ]

فأما قوله: (وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا)، فيجوز في خالصة وجهان أحدهما: أن يكون مصدرا كالعاقبة والاخر: أن يكون وصفا. وكلا الوجهين يحتمل الاية. فيجوز أن يكون ما في بطون هذه الانعام ذات خلوص، ويجوز أن يكون الصفة، وأنت على المعنى، لانه كثرة. والمراد به الاجنة والمضامين (1)، فيكون التأنيث على هذا. ومن قرأ (الليسع): جعله إسما على صورة الصفات، كالحارث، والعباس، ألا ترى أن فيعلا مثل ضيغم وحيدر، كثير في الصفات. ووجه قراءة من قرأ (واليسع): أن الالف واللام قد يدخلان الكلمة على وجه الزيادة، كما حكى أبو الحسن الخمسة عشر درهما، قال: ولقد جنيتك اكمؤا، وعساقلا، ولقد نهيتك عن بنات الاوبر (2) وبنات الاوبر: ضرب من الكمأة معرفة، فأدخل في المعرفة الالف واللام، على وجه الزيادة، فكذلك التي تكون في (اليسع). ومن قرأ (هذا ما توعدون) بالتاء، فعلى معنى قل للمتقين هذا ما توعدون. والياء على معنى (وإن للمتقين لحسن مآب) هذا ما يوعدون. والياء أعم لانه يصلح أن يدخل فيه الغيب من الانبياء. وأما في سورة ق فنحو هذا (وأزلفت الجنة للمتقين) هذا ما توعدون أيها المتقون على الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، أو على قل لهم: هذا ما توعدون. والياء على إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما وعدوا، كأنه هذا ما يوعدون أيها النبي. ومن قرأ (أولي الايد) بغير ياء، فإنه يحتمل أن يكون أراد الايدي، فحذف الياء تخفيفا، كقوله: (يوم يدع الداع)، ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون أراد بالايد القوة في طاعة الله، ويدل عليه أنه مقرون بالابصار أي المبصر بما يحظي عند الله. وعلى هذا فالايدي هنا إنما هي جمع اليد التي هي القوة، لا التي هي الجارحة، ولا النعمة، لكنه كقولك: له يد في الطاعة. الاعراب: قال الزجاج: جنات بدل من حسن مآب. (مفتحة لهم الابواب) أي: مفتحة لهم الابواب منها. وقال بعضهم: مفتحة لهم أبوابها، والمعنى واحد.


(1) الاجنة: جمع الجنين. والمضامين ما في أصلاب الفحول. (2) جنيتك أي: جنيت لك بمعنى قطعت، والعساقل جمع عسقول: نوع من الكمأة أبيض. (*)

[ 369 ]

إلا أن على تقدير العربية الابواب منها أجود أن يجعل الالف واللام بدلا من الهاء والالف، لان معنى الالف واللام ليس من معنى الهاء والالف في شئ، لان الهاء والالف إسم، والالف واللام دخلتا للتعريف، ولا يبدل حرف جاء بمعنى من إسم، ولا ينوب عنه. قال أبو علي: مفتحة صفة لجنات عدن. وفي مفتحة ضمير يعود إلى جنات. والابواب: بدل من ذلك الضمير، لانك تقول: فتحت الجنان إذا فتحت أبوابها، فيكون من بدل البعض من الكل، نحو: ضربت زيدا رأسه. وفي القرآن: (وفتحت السماء فكانت أبوابا) وليس جنات عدنا معرفة، إذ ليس عدن بعلم، وإنما هو بمنزلة جنات إقامة. وقوله هذا خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الامر هذا، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي: هذا أمرهم. المعنى: ثم عطف سبحانه على ما تقدم حديث الانبياء، فقال: (واذكر) يا محمد لقومك وأمتك (عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب) ليقتدروا بهم في حميد أفعالهم، وكريم خلالهم، فيستحقوا بذلك حسن الثناء في الدنيا، وجزيل الثواب في العقبى، كما استحق أولئك. وإذا قرئ (عبدنا) فيكون التقدير: واذكر عبدنا إبراهيم، خصه بشرف الاضافة إلى نفسه، واذكر إسحاق ويعقوب، وصفهم جميعا فقال: (أولي الايدي) أي: ذوي القوة على العبادة. (والابصار) الفقه في الدين، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومعناه: أولي العلم والعمل. فالايدي: العمل، والابصار: العلم، عن أبي مسلم. وقيل أولي الايدي: أولي النعم على عباد الله بالدعاء إلى الدين، والابصار جمع البصر، وهو العقل. (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) أي: جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم ذكرى الدار. والخالصة بمعنى الخلوص. والذكرى بمعنى التذكير أي: خلص لهم تذكير الدار، وهو أنهم كانوا يتذكرونها بالتأهب لها، ويزهدون في الدنيا، كما هو عادة الانبياء. وقيل: المراد بالدار الدنيا، عن الجبائي، وأبي مسلم أي: خصصناهم بالذكر في الاعقاب من بين أهل الدنيا. (وإنهم عندنا) وبحسب ما سبق في علمنا (لمن المصطفين) للنبوة، وتحمل أعباء الرسالة (الاخيار): جمع خير، كالاموات: جمع ميت، وهو الذي يفعل الافعال الكثيرة الحسنة. وقيل: هي جمع

[ 370 ]

خير فيكون كالاقيال جمع قيل. وهذا مثل قوله (ولقد أخترناهم على علم على العالمين). (واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل) أي: اذكر لامتك هؤلاء أيضا، ليقتدوا بهم، ويسلكوا طريقتهم، وقد تقدم ذكرهم (وكل من الاخيار) قد اختارهم الله للنبوة (هذا ذكر) أي: شرف لهم، وذكر جميل، وثناء حسن، يذكرون به في الدنيا أبدا (وإن للمتقين لحسن مئاب) أي: حسن مرجع ومنقلب، يرجعون في الاخرة إلى ثواب الله ومرضاته. ثم فسر حسن المآب بقوله: (جنات عدن) فهي في موضع جر على البدل أي: جنات إقامة وخلود (مفتحة لهم الابواب) أي: يجدون أبوابها مفتوحة حين يردونها، ولا يحتاجون إلى الوقوف عند أبوابها حتى تفتح. وقيل: معناه لا يحتاجون إلى مفاتيح، بل تفتح بغير مفتاح، وتغلق بغير مغلاق. قال الحسن: تكلم يقال انفتحي انغلقي. وقيل: معناه أنها معدة لهم، غير ممنوعين منها، وإن لم تكن أبوابها مفتوحة قبل مصيرهم إليها، كما يقول الرجل لغيره: متى نشطت لزيارتي، فالباب مفتوح، والدست مطروح (1). (متكئين فيها) أي: مستندين فيها إلى المساند، جالسين جلسة الملوك (يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب) أي: يتحكمون في ثمارها وشرابها، فإذا قالوا لشئ منها: أقبل حصل عندهم. (وعندهم قاصرات الطرف) أي: وعندهم في هذه الجنان أزواج قصرن طرفهن على أزواجهن، راضيات بهم ما لهن في غيرهم رغبة. والقاصر: نقيض الماد، يقال فلان قاصر طرفه عن فلان، وماد عينه إلى فلان. قال امرؤ القيس: من القاصرات الطرف، لو دب محول من الذر فوق الاتب منها لاثرا (2) (أتراب) أي: أقران على سن واحد، ليس فيهن عجوز، ولا هرمة. وقيل:


(1) الدست: الوسادة. (2) المحول: الذي أتي عليه حول. والاتب: ثوب يشق وتجعله المرأة على عنقها من غير كم ولا جيب. يصف امرأة برقة الجلد ولطافته، وأنها في اللطافة والرقة بحيث لودب هذا النمل من فوق ثوبها، ليؤثر في جسدها. (*)

[ 371 ]

أمثال وأشباه، عن مجاهد أي: متساويات في الحسن ومقدار الشباب، لا يكون لواحدة على صاحبتها فضل في ذلك. وقيل: أتراب على مقدار سن الازواج، كل واحدة منهم ترب زوجها، لا تكون أكبر منه. قال الفراء: الترب اللدة، مأخوذ من اللعب بالتراب، ولا يقال إلا في الاناث. قال عمر بن أبي ربيعة: أبرزها مثل المهاة تهادى بين عشر كواعب أتراب (1) (هذا) يعني ما ذكر فيما تقدم (ما توعدون) أي: يوعد به المتقون، أو يخاطبون، فيقال لهم هذا القول (ليوم الحساب) أي: ليوم الجزاء (إن هذا) الذي ذكرنا (لرزقنا) أي: عطاؤنا الجاري المتصل (ما له من نفاد) أي: فناء وانقطاع، لانه على سبيل الدوام، عن قتادة. وقيل: إنه ليس لشئ في الجنة نفاد، ما اكل من ثمارها خلف مكانه مثله، وما أكل من حيوانها وطيرها، عاد مكانه حيا، عن ابن عباس. (هذا وإن للطغين لشر مئاب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) وءاخر من شكله أزوج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذبا ضعفا في النار (61)). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير أبي بكر: (غساق) بالتشديد حيث كان في القرآن. والباقون بالتخفيف. وقرأ أهل البصرة: (وأخر) بضم الالف. والباقون: (آخر) على التوحيد. الحجة: قال أبو علي: أما الغساق بالتشديد، فلا يخلو أن يكون إسما أو وصفا. فالاسم لا يجئ على هذا الوزن إلا قليلا نحو الكلاء، والفدان،


(1) قال في (اللسان) المهاة: البلورة والدرة. والمهاة: بقرة الوحش، سميت بذلك لبياضها على التشبيه بالبلورة والدرة. وتهادى في المشي: تبختر وتمايل. والبيت من أبيات قالها في وصف محبوبته ثريا بنت عبد الله بن الحرث، وبعده قوله: " ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد الرمل والحصى والتراب " وقد مر في الكتاب. وفي (أمالي الشريف): " بين خمس كواعب... ". (*)

[ 372 ]

والجبان (1). فينبغي أن يكون وصفا قد أقيم مقام الموصوف. والاحسن أن لاتقام الصفة مقام الموصوف، إلا أن تكون صفة قد غلبت نحو العبد، والابطح والابرق. والقراءة بالتخفيف أحسن من حيث ذكرنا. ومن قرأ وأخر على الجمع، كان (أخر) مبتدأ، و (من شكله) في موضع صفته أي: من ضربه. و (أزواج): خبر المبتدأ لانه جمع كالمبتدأ. وقد وصفت النكرة فحسن الابتداء بها. والضمير في (شكله) يعود إلى قوله (حميم). ويجوز أن يكون المعنى من شكل ما ذكرناه. ومن قرأ (وآخر) على الافراد، فآخر يرتفع بالابتداء في قول سيبويه، وفيه ذكر مرفوع عنده، وبالظرف في قول أبي الحسن، ولا ذكر في الظرف لارتفاع الظاهر به، فإن لم تجعل آخر مبتدأ في هذا الوجه خاصة، قلت: إنه يكون ابتداء بالنكرة، فلا أحمل على ذلك، ولكن لما قال (حميم وغساق) دل هذا الكلام، على أن لهم حميما وغساقا. فحمل المعطوف على المعنى، فجعل لهم المدلول عليه خبرا آخر، فهو قول. وكان التقدير لهم عذاب آخر من شكله أزواج، فيكون من شكله في موضع الصفة، ويكون ارتفاع أزواج به في قول سيبويه وأبي الحسن. ولا يجوز أن يجعل قوله (من شكله أزواج) في قول من قرأ وأخر على الجمع وصفا، ويضمر الخبر كما فعلت ذلك في قول من وحد، لان الصفة منها ذكر إلى الموصوف. ألا ترى أن أزواج إذا ارتفع بالظرف، لم يجز أن يكون فيه ذكر مرفوع. والهاء التي للافراد لا ترجع إلى الجمع في الوجه البين، فتحصل الصفة بلا ذكر يعود منها إلى الموصوف. وأما امتناع (أخر) من الصرف في النكرة، فللعدل والوصف. فمعنى العدل فيه أن هذا النحو لا يوصف به إلا بالالف واللام، واستعملت (أخر) بلا ألف ولام، فصارت بذلك معدولة عن الالف واللام. اللغة: المهاد: الفراش الموطأ، يقال: مهدت له تمهيدا، مثل: وطأت له توطئة. والحميم: الحار الشديد الحرارة، ومنه الحمى لشدة حرارتها. والغساق: قيح شديد النتن، يقال: غسقت القرحة تغسق غسوقا. وقيل: هو مشتق من الغسق، وهو السواد والظلمة أي: هو على ضد ما يراد في الشراب من الضياء والرقة، عن أبي مسلم، ومنه يقال: ليل غاسق، وغسقت عينه: أظلمت. وأغسق المؤذن المغرب: أخره إلى الظلمة. والشكل بفتح الشين: الضرب المتشابه.


(1) الكلاء: مرفأ السفن. ساحل كل نهر. والفدان: آلة يحرث بها. والجبان: المقبرة. (*)

[ 373 ]

والشكل بالكسر: النظير في الحسن، وهو الدل أيضا. والاقتحام: الدخول في الشئ بشدة وصعوبة. قال أبو عبيدة: قولهم لا مرحبا به أي: لا رحبت عليه الارض وقال القتيبي قولهم مرحبا بك أي: أتيت رحبا وسعة، قال النابغة: لا مرحبا بغد، ولا أهلا به، إن كان تفريق الاحبة في غد الاعراب: (هذا): مبتدأ و (حميم): خبره، و (غساق): معطوف عليه. و (فليذوقوه): خبر بعد خبر، والتقدير: هذا حميم وغساق فليذوقوه. ويجوز أن يكون هذا فليذوقوه مبتدأ وخر، و (حميم) خبر مبتدأ محذوف أي: هو حميم. ويجوز أن يكون (هذا) في موضع نصب بفعل مضمر، يفسره هذا الظاهر. المعنى: لما بين سبحانه أحوال أهل الجنة، وما أعد لهم من جزيل الثواب، عقبه ببيان أحوال أهل النار، وما لهم من أليم العذاب فقال: (هذا) أي: ما ذكرناه للمتقين. ثم ابتدأ فقال: (وإن للطاغين) الذين طغوا على الله، وكذبوا رسله (لشر مآب) وهو ضد مآب المتقين. ثم فسر ذلك فقال: (جهنم يصلونها) أي: يدخلونها فيصيرون صلاء لها. (فبئس المهاد) أي: فبئس المسكن، وبئس المهد. (هذا فليذوقوه حميم وغساق) أي: هذا حميم وغساق فليذوقوه، عن الفراء، والزجاج، وقيل معناه: هذا الجزاء للطاغين فليذوقوه. وأطلق عليه لفظ الذوق لان الذائق يدرك الطعم بعد طلبه، فهو أشد إحساسا به. والحميم: الماء الحار. والغساق: البارد الزمهرير، عن ابن مسعود، وابن عباس. فيكون المعنى: إنهم يعذبون بحار الشراب الذي انتهت حرارته، وببارد الشراب الذي انتهت برودته، فببرده يحرق كما يحرق النار. وقيل: إن الغساق عين في جهنم يسيل إليهم سم كل ذات حمة، من حية وعقرب، عن كعب. وقيل: هو ما يسيل من دموعهم يسقونه مع الحميم، عن السدي. وقيل: هو القيح الذي يسيل منهم، يجمع ويسقونه، عن ابن عمر، وقتادة. وقيل: هو عذاب لا يعلمه إلا الله، عن الحسن. (وآخر) أي: وضروب أخر (من شكله) أي: من شكل هذا العذاب وجنسه (أزواج) أي: ألوان وأنواع متشابهة في الشدة، لانوع واحد (هذا فوج مقتحم معكم) ههنا حذف أي: يقال لهم هذا فوج، وهم قادة الضلالة إذا دخلوا النار، ثم يدخل الاتباع فيقول الخزنة للقادة: هذا فوج أي: قطع من الناس، وهم الاتباع

[ 374 ]

مقتحم معكم في النار، دخلوها كما دخلتم، عن ابن عباس. وقيل: يعني بالاول أولاد إبليس، وبالفوج الثاني بني آدم أي: يقال لبني إبليس بأمر الله تعالى هذا جمع من بني آدم مقتحم معكم، يدخلون النار وعذابها، وأنتم معهم، عن الحسن. (لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار) أي: لا اتسعت لهم أماكنهم، لانهم لا زموا النار، فيكون المعنى على القول الاول: إن القادة والرؤساء يقولون للاتباع: لا مرحبا بهؤلاء إنهم يدخلون النار مثلنا، فلا فرح لنا في مشاركتهم إيانا، فيقول الاتباع لهم: (بل أنتم لا مرحبا بكم) أي: لا نلتم رحبا وسعة (أنتم قدمتموه لنا) أي: حملتمونا على الكفر الذي أوجب لنا هذا العذاب، ودعوتمونا إليه. وأما على القول الثاني: إن أولاد إبليس يقولون: لا مرحبا بهؤلاء قد ضاقت أماكننا بهم، إذ كانت النار مملوءة منا، فليس لنا منهم إلا ضيق في شدة. وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن النار تضيق عليهم كضيق الزج بالرمح ". (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم) أي: يقول بنو آدم: بل لا كرامة لكم أنتم شرعتموه لنا، وزينتموه في نفوسنا. (فبئس القرار) الذي استقررنا عليه (قالوا ربنا من قدم لنا هذا) أي: يدعون عليهم بهذا إذا حصلوا في نار جهنم أي: من سبب لنا هذا العذاب، ودعانا إلى ما استوجبنا به ذلك. (فزده عذابا ضعفا) أي: مثلا مضاعفا إلى مثل ما يستحقه (في النار) أحد الضعفيين لكفرهم بالله، والضعف الاخر لدعائهم إيانا إلى الكفر. (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار (62) أتخذنهم سخريا أم زاغت عنهم الابصر (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الوحد القهار (65) رب السموت والارض وما بينهما العزيز الغفر (66) قل هو نبؤا عظيم (67) أنتم عنه معروضون (68) ما كان لى من علم بالملاء الاعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين (70)). القراءة: قرأ أهل العراق، غير عاصم: (اتخذناهم) موصولة الهمزة. والباقون: (أتخذناهم) بقطع الهمزة. وقرأ أهل المدينة، والكوفة، غير عاصم: (سخريا) بضم السين. والباقون بكسرها. وقرأ أبو جعفر: (إن يوحى إلي إلا

[ 375 ]

إنما) بكسر الالف. والباقون. (أنما) بالفتح. الحجة: قال أبو علي: في إلحاق همزة الاستفهام في قوله: (أتخذناهم سخريا) بعض البعد، لانهم قد علموا أنهم اتخذوهم سخريا. وكيف يستقيم أن يستفهم عنه، ويدل على علمهم بذلك، أنه قد أخبر عنهم بذلك في قوله: (فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري). فالجملة التي هي (اتخذناهم سخريا) صفة للنكرة. فأما وجه فتح الهمزة، فإنه يكون على التقرير وعودلت بأم، لانها على لفظ الاستفهام، كما عودلت بأم في قوله: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) وإن لم يكن استفهاما في المعنى. وكذلك قولهم: ما أبالي أزيدا ضربت أم عمرا. فإن قلت: فما الجملة المعادلة بقوله (أم زاغت عنهم الابصار) في قول من كسر الهمزة في قوله (أتخذناهم) ؟ فالقول فيه: إن الجملة المعادلة لام محذوفة، والمعنى: أتراهم أم زاغت عنهم الابصار. وكذلك قوله: (أم كان من الغائبين). لان المعنى أخبروني عن الهدهد أحاضر هو أم كان من الغائبين، هذا قول أبي الحسن. ويجوز عندي في قوله تعالى: (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار أم من هو قانت آناء الليل) أن تكون المعادلة لام محذوفة تقديره أفأصحاب النار خير أم من هو قانت. وحكي عن أبي عمرو أنه قال: ما كان من مثل العبودية فسخري مضموم. وما كان من مثل الهزء فسخري مكسور السين، وقد تقدم ذكر هذا. قال ابن جني: من قرأ (إنما) فعلى الحكاية، فكأنه قال: إن يقال لي إلا إنما أنا نذير مبين، وهذا كما تقول لصاحبك: أنت قلت إنك شجاع، ونحو ذلك قول الشاعر: تنادوا بالرحيل غدا، وفي ترحالهم نفسي (1) قال: وأجاز أبو علي ثلاثة أضرب منا لاعراب بالرحيل والرحيل والرحيل، رفعا ونصبا وجرا. فمع رفع أو نصب فقد وفى الحكاية اللفظ المقول البتة، فكأنهم قالوا: الرحيل غدا. فأما الجر فعلى إعمال الباء فيه، وهو معنى ما قالوه. ولكن حكيت منه قولك غدا وحده، وهو خبر المبتدأ، أو في موضع رفع، لانه خبر


(1) أي: هلاك نفسي. (*)

[ 376 ]

المبتدأ، ولا يكومن ظرفا لتنادوا، لان الفعل الماضي لا يعمل في الزمان الاتي. وإذا قال بالرحيل غدا، فإن غدا يجوز أن يكون لنفس الرحيل، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل آخر نصب الرحيل أي: يحدث الرحيل غدا. المعنى: ثم حكى سبحانه عن أهل النار بقوله: (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار) أي: يقولون ذلك حين ينظرون في النار، فلا يرون من كان يخالفهم فيها معهم، وهم المؤمنون، عن الكلبي. وقيل: نزلت في أبي جهل، والوليد بن المغيرة، وذويهما، يقولون: ما لنا لا نرى عمارا وخبابا وصهيبا وبلالا، الذين كنا نعدهم في الدنيا من جملة الذين يفعلون الشر والقبيح، ولا يفعلون الخير، عن مجاهد. وروى العياشي بالاسناد، عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن أهل النار يقولون: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار، يعنونكم لا يرونكم في النار، لا يرون والله أحدا منكم في النار. (أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار) معناه: إنهم يقولون لما لم يروهم في النار: أتخذناهم هزؤا في الدنيا، فأخطأنا، أم عدلت عنهم أبصارنا، فلا نراهم، وهم معنا في النار. (إن ذلك لحق) أي: إن ما ذكر قبل هذا لحق أي: كائن لا محالة. ثم بين ما هو فقال: (تخاصم أهل النار) يعني تخاصم الاتباع والقادة، أو مجادلة أهل النار بعضهم لبعض، على ما أخبر عنهم. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقا: (قل) يا محمد (إنما أنا منذر) أي: مخوف من معاصي الله، ومحذر من عقابه (وما من إله) يحق له العبادة (إلا الله الواحد القهار) لجميع خلقه المتعالي بسعة مقدوراته، فلا يقدر أحد على الخلاص من عقوبته، إذا أراد عقابه. (رب السماوات والارض وما بينهما) من الانس والجن وكل خلق (العزيز) الذي لا يغلبه شئ، ولا يمتنع منه شئ (الغفار) لذنوب عباده مع قدرته على عقابهم. (قل) يا محمد (هو نبأ عظيم) اختلف فيه فقيل: يعني القرآن هو حديث عظيم، لانه كلام الله المعجز ولان فيه أنباء الاوليين (أنتم عنه) أي: عن تدبره والعمل به (معرضون) عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي. وقيل: خير القيامة خبر عظيم، أنتم عنه معرضون أي: عن الاستعداد لها غافلون، وبها مكذبوه، عن الحسن. وقيل: معناه النبأ الذي أنبأتكم به عن الله، نبأ عظيم، عن الزجاج،

[ 377 ]

يعني: ما أنبأهم به من قصص الاولين أنهم عنه معرضون، لا يتفكرون فيه، فيعلموا صدقي في نبوتي، قال: ويدل على صحة هذا المعنى قوله: (ماكان لي من علم بالملا الاعلى) يعني الملائكة. (إذ يختصمون) يعني ما ذكر من قوله: (إني جاعل في الارض خليفة) إلى آخر القصة، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي. أي: فما علمت ما كانوا فيه إلا بوحي من الله تعالى. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال لي ربي: أتدري فيم يختصم الملاء الاعلى ؟ فقلت: لا. قال: اختصموا في الكفارات والدرجات. فأما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات (1)، ونقل الاقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأما الدرجات: فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام. (إن يوحى إلي إلا إنما أنا نذير مبين) معناه: ما كان لي من علم باختصام الملائكة فيما ذكرنا، لولا أن الله تعالى أخبرني به، لم يمكنني إخباركم، ولكن ما يوحى إلي إلا الانذار البين الواضح. وقيل: معناه ليس يوحي إلي إلا أني نذير مبين، مخوف، مظهر للحق. (إذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له سجدين (72) فسجد الملئكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكفرين (74) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فأخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83)). المعنى: ثم دل سبحانه على أن اختصام الملائكة كان في أمر آدم عليه السلام بقوله:


(1) السبرات جمع السبرة: الغداة الباردة. (*)

[ 378 ]

(إذ قال ربك للملائكة) بالظاهر أن (إذ) يتعلق بقوله (يختصمون)، وإن اعترض بينهما كلام (إني خالق بشرا من طين) يعني آدم (فإذا سويته) أي: فإذا سويت خلق هذا البشر، وتممت أعضاءه، وصورته (ونفخت فيه من روحي) أي: أحييته وجعلت فيه الروح، وأضاف الروح إلى نفسه تشريفا له. ومعنى نفخت فيه أي: توليت فعله من غير سبب وواسطة، كالولادة المؤدية إلى ذلك، فإن الله شرف آدم، وكرمه بهذه الحالة. (فقعوا له ساجدين) أي: فاسجدوا له أجمعين. وفي الكلام حذف، والتقدير: ثم إن الله تعالى خلق ذلك البشر الذي وعدهم بخلقه. (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين) مفسر في سورة البقرة (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) هذا سؤال توبيخ وتعريف للملائكة أنه لا عذر له في الامتناع عن السجود. ومعنى قوله (لما خلقت بيدي) توليت خلقه بنفسي من غير واسطة، عن الجبائي، ومثله (مما عملت أيدينا). وذكر اليدين لتحقيق الاضافة لخلقه إلى نفسه، وهو قول مجاهد. ومثله قوله (ويبقى وجه ربك) أي: ربك. وقيل: معناه خلقته بقدرتي، عن أبي مسلم، وغيره. والعرب كما تطلق لفظ اليد للقدرة والقوة، فقد تطلق لفظة اليدين قال: تحملت من ذلفاء ما ليس لى به، ولا للجبال الراسيات يدان (1) وقال آخر: أنابغ إنكم لم تبلغونا، وما لكم بذلكم يدان وقال عروة بن حزام: فإن تحملي ودي، وودك تفدحي، ومالك بالحمل الثقيل يدان (2) (أستكبرت أم كنت من العالين) أي: أرفعت نفسك فوق قدرك، وتعظمت عن امتثال أمري، أم كنت من الذين تعلو أقدارهم عن السجود، فتعاليت عنه. (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فضل النار على الطين (قال فاخرج منها) أي: من الجنة (فإنك رجيم) أي: طريد مبعد (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال) إبليس عند ذلك (رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) أي: أخرني إلى يوم


(1) يصف شدة ما تحمله من عشق محبوبته ذلفاء. (2) فدحه الامر والحمل: أثقله. (*)

[ 379 ]

يحشرون للحساب، وهو يوم القيامة (قال) الله تعالى له (فإنك من المنظرين) أي: المؤخرين (إلى يوم الوقت المعلوم) وقد فسرنا جميع ذلك فيما تقدم. (قال) إبليس (فبعزتك) أي: أقسم بقدرتك التي تقهر به جميع خلقك (لاغوينهم) يعني بني آدم كلهم (أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) أي: أدعوهم إلى الغي، وأزين لهم القبائح، إلا عبادك الذين استخلصتهم وآثرتهم وعصمتهم، فلا سبيل لي عليهم. (قال فالحق والحق أقول (84) لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر للعلمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88)). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير الكسائي وهبيرة وروح وزيد عن يعقوب: (قال فالحق) بالرفع. والباقون بالنصب. الحجة: قال أبو علي: من نصب الحق الاول كان منصوبا بفعل مضمر، يدل انتصاب الحق عليه، وذلك الفعل هو ما ظهر في قوله (ويحق الله الحق بكلماته). ويجوز أن ينتصب على التشبيه بالقسم، فيكون الناصب ما ينصب القسم من نحو: الله لافعلن، فيكون التقدير الحق لاملئن. وقد يجوز أن يكون الثاني الاول، وكرر على وجه التأكيد. ومن رفع كان محتملا لوجهين أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره أنا الحق والاخر: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، تقديره فالحق مني كما قال: (الحق من ربك). المعنى: ثم حكى سبحانه ما أجاب به إبليس، وأنه (قال) له (فالحق والحق أقول) أي: حقا (لاملان). و (الحق أقول): اعتراض بين القسم والمقسم عليه. وجاز ذلك لانه مما يؤكد القصة، كما قال الشاعر: أراني، ولا كفران لله، آية لنفسي لقد طالبت غير منيل (1) فاعترض بقوله (ولا كفرن لله) بين المفعول الاول والثاني. ومن رفع فعلى


(1) الشعر في (جامع الشواهد). (*)

[ 380 ]

معنى: فأنا الحق أو الحق مني، وأقول الحق (لاملان جنهم منك وممن تبعك) وقبل قولك (منهم) أي: من بني آدم (أجمعين) ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال (قل) يا محمد لكفار مكة (ما أسئلكم عليه) أي: على تبليغ الوحي والقرآن والدعاء إلى الله سبحانه (من أجر) أي: مال تعطونيه. (وما أنا من المتكلفين) لهذا القرآن من تلقاء نفسي. وقيل: معناه أني ما أتيتكم رسولا من قبل نفسي، ولم أتكلف هذا الاتيان، بل أمرت به. وقيل: معناه لست ممن يتعسف في طلب الامر الذي لا يقتضيه العقل. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يا أيها الناس ! من علم شيئا فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله تعالى، قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). أورده البخاري في الصحيح. (إن هو إلا ذكر للعالمين) أي: ما القرآن إلا موعظة للخق أجمعين. وقيل: ما القرآن إلا شرف لمن آمن به (ولتعلمن نبأه بعد حين) أي: ولتعلمن يا كفار مكة خبر صدقه بعد الموت، عن ابن عباس، وقتادة. وقيل: بعد يوم بدر، عن السدي. وقيل: من عاش علم ذلك إذا ظهر أمره، وعلا دينه. ومن مات علمه بعد الموت، عن الكلبي.

[ 381 ]

39 - سورة الزمر مكية وآياتها خمس وسبعون وتسمى أيضا سورة الغرف، وهي مكية كلها، عن مجاهد، وقتادة، والحسن. وقيل: سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي قاتل حمزة: (قل يا عبادي) إلى آخرهن. وقيل: غير آية: (قل يا عبادي). عدد آيها: خمس وسبعون آية كوفي، ثلاث شامي، اثنتان في الباقين. اختلافها: سبع آيات فيما هم فيه يختلفون غير الكوفي. مخلصا له الدين الثاني ومخلصا له ديني. ومن هاد الثاني. وسوف يعلمون: أربعهن كوفي. فبشر عبادي عراقي شامي والمدني الأخير: من تحتها الأنهار مكي شامي. والمدني الأول. فضلها: أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قرأ سورة الزمر، لم يقطع الله رجاه، وأعطاه ثواب الخائفين الذين خافوا الله تعالى). وروى هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قرأ سورة الزمر، أعطاه الله شرف الدنيا والآخرة، وأعزه بلا مال ولا عشيرة، حتى يهابه من يراه، وحرم جسده على النار، ويبني له في الجنة ألف مدينة، في كل مدينة ألف قصر، في كل قصر مائة حوراء، وله مع ذلك عينان تجريان، وعينان نضاختان، وجنتان مدهامتان، وحور مقصورات في الخيام. تفسيرها: ختم الله سبحانه سورة ص بذكر القرآن، وافتتح هذه السورة أيضا به، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم (1) إنا انزلنا اليك الكتب

[ 382 ]

بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) الا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى ان الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ان الله لا يهدى من هو كذب كفار (3) لو اراد الله ان يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحنه هو الله الوحد القهار (4) خلق السموت والارض بالحق يكور اليل على النهار ويكور النهار على اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى الا هو العزيز الغفر (5)). اللغة: التكوير: طرح الشئ بعضه على بعض، يقال: كور المتاع: إذا ألقى بعضه على بعض، ومنه كور العمامة. الاعراب: (تنزيل): مبتدأ، وخبره (من الله) أي: تنزيل الكتاب من الله، لا من غيره، كما تقول استقامة الناس من الأنبياء أي: إنها لا تكون إلا منهم. ويجوز أن يكون (تنزيل الكتاب) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذا تنزيل الكتاب. فعلى هذا يجوز أن يكون (من الله) خبرا بعد خبر. ويجوز أن يكون في موضع نصب، لأنه يتعلق بتنزيل. (بالحق): مفعول (أنزلنا). ويجوز أن يكون في موضع الحال، والتقدير: أنزلنا الكتاب محقين، أو محقا. فيكون ذو الحال نا من (أنزلنا) أو (الكتاب). (زلفى): في موضعع نصب على المصدر، والتقدير: ليقربونا قربى. والتقدير: يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا. فيكون يقولون خبر الذين اتخذوا، لأنه مبتدأ، أو يكون حالا من الضمير في اتخذوا. ريكون الخبر قوله: (إن الله يحكم بينهم) (يكور): يحتمل أن يكون حالا، ويحتمل أن يكون استئناف كلام، فلا يكون له محل. المعنى: عظم الله سبحانه أمر القرآن، وحث المكلفين على القيام بما فيه، واتباع أوامره ونواهيه، بان قال: (تنزيل الكتاب من الله العزيز) المتعال عن المثل والشبه، (الحكيم) في أفعاله وأقواله. فوصف هنا نفسه بالعزة، تحذيرا من مخالفة كتابه، وبالحكمة إعلاما بأنه يحفظه حتى يصل إلى المكلفين من غير تغيير لشئ

[ 383 ]

منه. (انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) أي: لم ننزله باطلا بغير غرض. وقيل: معناه بالأمر الحق أي: بالدين الصحيح (فاعبد الله) أي: توجه بعبادتك إلى الله وحده (مخلصا له الدين) من شرك الأوثان والأصنام، والإخلاص أن يقصد العبد بنيته وعمله إلى خالقه، لا يجعل ذلك لغرض الدنيا (ألا لله الدين الخالص) والخالص هو الذي لا يشوبه الرياء والسمعة، ولا وجه من وجوه الدنيا. والدين الخالص: الإسلام، عن الحسن. وقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله، عن قتادة. وقيل: معناه ألا لله الطاعة بالعبادة التي يستحق بها الجزاء، فهذا لله وحده، لا يجوز أن يكون لغيره. وقيل: هو الإعتقاد الواجب في التوحيد، والعدل، والنبوة، والشرائع، والإقرار بها، والعمل بموجبها، والبراءة من كل دين سواها. فهذا تفصيل قول الحسن أنه الإسلام. (والذين اتخذوا من دونه أولياء) أي: زعموا أن لهم من دون الله مالكا يملكهم. وههنا حذف يدل الكلام عليه أي: يقولون (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) أي: ليشفعوا لنا إلى الله. والزلفى: القربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر. (إن الله يحكم بينهم) يوم القيامة (فيما هم فيه يختلفون) من أمور الدين، فيعاقب كلا منهم على قدر استحقاقه. (إن الله لا يهدي) إلى طريق الجنة، أو لا يحكم بهدايته إلى الحق (من هو كاذب) على الله، وعلى رسوله (كفار) بما أنعم الله عليه، جاحد لإخلاص العبادة لله، ولم يرد به الهداية إلى الإيمان، لقوله سبحانه: (وأما ثمود فهديناهم). (لو أراد الله أن يتخذ ولدا) على ما يقوله هؤلاء من أن الملائكة بنات الله، أو ما يقوله النصارى من أن المسيح ابن الله، أو اليهود أن عزيرا ابن الله (لاصطفى) أي: لاختار (مما يخلق ما يشاء) أي: ما كان يتخذ الولد باختيارهم حتى يضيفوا إليه من شاؤوا، بل كان يختص من خلقه ما يشاء لذلك، لأنه غير ممنوع من مراده. ومثله قوله: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا). ثم أخبر سبحانه أنه منزه عن اتخاذ الأولاد، بقوله: (سبحانه) أي: تنزيها له عن ذلك (هو الله الواحد) لا شريك له، ولا صاحبة، ولا ولد (القهار) لخلقه بالموت، وهو حي لا يموت. ثم نبه سبحانه على كمال قدرته، فقال: (خلق السماوات والأرض بالحق) أي: لم يخلقهما باطلا لغير غرض، بل خلقهما للغرض

[ 384 ]

الحكمي. (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) أي: يدخل كل واحد منهما على صاحبه بالزيادة والنقصان، فما يزيد في أحدهما ينقص من الاخر، عن الحسن، وجماعة من المفسرين. وقيل: يغشي هذا هذا، كما قال: (يغشي الليل النهار)، و (يولج الليل في النهار)، عن قتادة. (وسخر الشمس والقمر) بان أجراهما على وتيرة واحدة. (كل يجري لأجل مسمى) أي: إلى مدة قدرها الله لهما أن يجريا إليها، وقيل: إلى قيام الساعة. وقيل: لأجل مسمى أي: لوقت معلوم في الشتاء والصيف: هو المطلع والمغرب لكل واحد منهما. (ألا هو العزيز الغفار) مر معناه. وفائدة الآية أن من قدر على خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وإدخال الليل في النهار، فهو منزه عن اتخاذ الولد والشريك، فإن ذلك من صفة المحتاجين. (خلقكم من نفس وحدة ثم جعل منها زوجها وانزل لكم من الانعم ثمنية ازواج يخلقكم في بطون امهتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت ثلث ذلكم الله ربكم له الملك لا اله الا هو فانى تصرفون (6) ان تكفرون فان الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر اخرى ثم الى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون انه عليم بذات الصدور (7) وإذا مس الانسن ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله اندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا انك من اصحب النار (8) امن هو قنت ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولو الالبب (9) قل يعباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة وارض الله وسعة انما يوفى الصبرون اجرهم بغير حساب (10).

[ 385 ]

القراءة: قرأ أبو عمرو في رواية أوقية، وأبي شعيب السوسي، وأبي عمرو الدوري، عن اليزيدي، عنه. وحمزة وفي رواية العجلي: (يرضه لكم) ساكنة الهاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي وخلف ونافع برواية إسماعيل، وأبو بكر برواية البرجمي: (يرضه مضمومة) الهاء مشبعة. وقرأ الباقون بضم الهاء، مختلسة غير مشبعة. وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة: (أمن هو قانت) خفيفة الميم. والباقون بتشديد الميم. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ (يرضهو) فألحق الواو: أن ما قبل الهاء متحرك، فيكون بمنزلة ضربهو، وهذا لهو. ومن قال (يرضه) فحرك الهاء، ولم يلحق الواو: أن الألف المحذوفة للجزم، ليس يلزم حذفها، لأن الكلمة إذا نصبت، أو رفعت، عادت الألف، فصار الألف في حكم الثابت. فإذا ثبت الألف فالأحسن أن لا يلحق الواو نحو قوله: (ألقى موسى عصاه)، وذلك أن الهاء خفيفة، فلو لحقتها الواو، وقبلها الألف، لأشبه الجمع بين الساكنين. وأما من أسكن فقال (يرضه لكم)، فإن أبا الحسن يزعم أن ذلك لغة. وعلى هذا قوله: (ونضواي مشتاقان له أرقان) (1). ومن قرأ (أم من هو قانت) ففيه وجهان أحدهما: إن المعنى الجاحد الكافر خير، أم من هو قانت ؟ ويدل على المحذوف قوله (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، ودل عليه أيضا قوله: (قل تمتع بكفرك قليلا) وقد تقدم ذكره والآخر إن المعنى: قل أمن هو قانت كغيره أي: أمن هو مطيع كمن هو عاص ؟ ويكون على هذا، الخبر محذوفا لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت). (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب). وأما من خفف فقال (أمن هو قانت)، فالمعنى أيضا أم من هو قانت كمن هو بخلاف هذا الوصف. فلا وجه للنداء هنا، لأن هذا موضع معادلة. وإنما يقع فيه الحمل الذي يكون فيه أخبار، وليس النداء كذلك. وقال: أبو الحسن: القراءة بالتخفيف ضعيفة، لأن الإستفهام إنما يبتدئ ما بعده، ولا يحمل على ما قبله.


(1) هذا عجز بيت مر تمامه في ما سبق وصدره: (فظلت لدى البيت العتيق أخيله). والنضو: الدابة التي هزلتها الأسفار، وأذهبت لحمها. وفي بعض الروايات: (ومطواي) بدل (ونضواي) ومعناه: صاحباي. والأرق: السهر. (*)

[ 386 ]

وهذا الكلام ليس قبله شئ يحمل عليه إلا في المعنى. اللغة: التخويل: العطية العظيمة على وجه الهبة، وهي المنحة، خوله الله مالا، ومنه الحديث: (كان يتخولهم بالموعظة مخافة السامة عليهم) أي: يتعبدهم. والحديث الاخر: (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا، اتخذوا مال الله دولا، ودين الله دخلا (1)، وعباد الله خولا) أي: يظنون عباد الله عبيدهم، أعطاهم الله ذلك. قال أبو النجم: أعطى فلم يبخل، ولم يبخل، كوم الذرى من خول المخول (2) والقانت: الداعي. والقانت: المصلي، قال: قانتا لله يتلو كتبه، وعلى عمد من الناس اعتزل آناء الليل: واحدها أني، وأنى. الاعراب: (ذلكم الله ربكم له الملك): ذلكم مبتدأ. والله: عطف بيان. وربكم: بدل من لفظة الله. وإن شئت كان خبرا لمبتدأ. (له الملك): يرتفع الملك بالظرف. والظرف مع ما ارتفع به في موضع الحال. والعامل فيه معنى الإشارة. والتقدير: ثابتا له الملك. ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر. وكذا قوله (لا إله إلا هو): جاز أن يكون في موضع الحال أي: متوحدا بالوحدانية. وجاز أن يكون خبرا آخر. (فانى تصرفون): أنى في موضع نصب على الحال، أو على المصدر، ومعناه: كيف تصرفون. المعنى: ثم أبان سبحانه عن كمال قدرته بخلق آدم وذريته، فقال: (خلقكم من نفس واحدة) يعني آدم عليه السلام، لأن جميع البشر من نسله (ثم جعل منها زوجها) يعني حواء أي: من فضل طينته. وقيل: من ضلع من أضلاعه. وفي قوله (ثم جعل منها زوجها) ثم: يقتضي التراخي والمهلة، وفي خلق الوالدين قبل الولد، ثلاثة أقوال أحدها: إنه عطف يوجب أن الكلام الثاني بعد الأول، ويجري مجرى قول القائل: قد رأيت ما كان منك اليوم، ثم ما كان منك أمس. وإن كان ما كان


(1) الدول - بضم الدال - جمع الدولة: وهي ما يتداوله الناس. والدخل: العيب، والغش، والفساد، وحقيقته أن يدخلوا في الدين أمورا لم تجر بها السنة. (2) الكوم جمع الكوماء: وهي الناقة عظيمة السنام. (*)

[ 387 ]

أمس قبل ما يكون اليوم، مثله قول الشاعر. ولقد ساد، ثم ساد أبوه، ثئم قد ساد قبل ذلك جده وثانيها: إنه معطوف على معنى واحدة، فكأنه قال: خلقكم من نفس واحدة، أوجدها وحدها. ثم جعل منها زوجها وثالثها: إنه خلق الذرية في ظهر آدم، وأخرجها من ظهره كالذر ثم خلق من بعد ذلك حواء من ضلع من أضلاعه، على ما ورد في الأخبار. وهذا ضعيف، وقد مضى الكلام عليه. (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) اختلف في معناه على وجوه. أحدها: إن معنى الإنزال هنا الإحداث والإنشاء، كقوله (وقد أنزلنا عليكم لباسا) ولم ينزل اللباس، ولكن أنزل الماء الذي هو سبب القطن، والصوف، واللباس يكون منهما. فكذلك الأنعام تكون بالنبات، والنبات يكون بالماء والثاني: إنه أنزلها بعد أن خلقها في الجنة، عن الجبائي، قال: وفي الخبر الشاة من دواب الجنة، والإبل من دواب الجنة. والثالث: إن المعنى جعلها نزلا ورزقا لكم. ويعني بالأزواج الثمانية من الأنعام: الإبل والبقر والغنم والضأن والمعز، من كل صنف اثنان، هما زوجان، وهو مفسر في سورة الأنعام. (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق) نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم ينشئ خلقا آخر، عن قتادة ومجاهد والسدي. وقيل: خلقا في بطون الأمهات بعد الخلق في ظهر آدم، عن ابن زيد. (في ظلمات ثلاث): ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وقيل: ظلمة الليل، أو ظلمة صلب الرجل، وظلمة الرحم، وظلمة البطن. ثم خاطب سبحانه خلقه فقال: (ذلكم الله) الذي خلق هذه الأشياء (ربكم) الذي يملك التصرف فيكم (له الملك) على جميع المخلوقات (لا اله إلا هو فانى تصرفون) عن طريق الحق بعد هذا البيان مثل قوله: (فانى تؤفكون). (إن تكفروا) أي: تجحدوا نعمة الله تعالى، ولم تشكروه (فإن الله غني عنكم) وعن شكركم، فلا يضره كفركم (ولا يرض لعباده الكفر) وفي هذا أوضح دلالة على أنه سبحانه لا يريد الكفر الواقع من العباد، لأنه لو أراده لوجب متى وقع أن

[ 388 ]

يكون راضيا به لعبده، لأن الرضا بالفعل ليس إلا ما ذكرناه. ألا ترى أنه يستحيل أن نريد من غيرنا شيئا، ويقع منه على ما نريده، فلا نكون راضين به، أو أن نرضى شيئا، ولم نرده البتة (وإن تشكروا يرضه لكم) أي: وان تشكروا الله تعالى على نعمه، وتعترفوا بها، يرضه لكم، ويرده منكم، ويثبكم عليه. والهاء في (يرضه) كناية عن المصدر الذي دل عليه (وإن تشكروا)، والتقدير: يرضى الشكر لكم، كقولهم: من كذب كان شرا له أي: كان الكذب شرا له. (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي: لا تحمل حاملة ثقل أخرى، والمعنى: لا يؤاخذ بالذنب إلا من يرتكبه، ويفعله (ثم إلى ربكم مرجعكم) أي: مصيركم (فينبئكم بما كنتم تعملون) أي: يخبركم بما عملتموه، ويجازيكم بحسب ذلك. (إنه عليم بذات الصدور) فلا يخفى عليه سر وعلانية. (وإذا مس الإنسان ضر) من شدة ومرض وقحط، وغير ذلك (دعا ربه منيبا إليه) أي: راجعا إليه وحده، لا يرجو سواه (ثم إذا خوله) أي: أعطاه (نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل) أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى أن يكشفه من قبل نيل هذه النعمة. قال الزجاج: معناه نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله، عز وجل، من قبل. وجائز أن يكون المعنى: نسي الله الذي كان يتضرع إليه من قبل، ومثله. (ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد) فكانت (ما) تدل على الله تعالى. و (من) عبارة عن كل مميز. و (ما) يكون لكل شئ. (وجعل لله أندادا) أي: سمى له أمثالا في توجيه عبادته إليها من الأصنام والأوثان (ليضل) الناس (عن سبيله) أي: عن دينه، أو يضل هو عن الدين. واللام لام العاقبة، وذلك أنهم لم يفعلوا ما فعلوه، وغرضهم ذلك، لكن عاقبتهم كانت إليه (قل تمتع بكفرك قليلا) هذا أمر معناه الخبر، كقوله. (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) والمعنى: إن مدة تمتعه في الدنيا بكفره، قليلة زائلة. (إنك من أصحاب النار) تعذب فيها دائما (أم من هو قانت) أي: أهذا الذي ذكرناه خير، أم من هو دائم على الطاعة، عن ابن عباس والسدي. وقيل: على قراءة القرآن، وقيام الليل، عن ابن عمر. وقيل: يعني صلاة الليل، عن أبي جعفر عليه السلام. (أناء الليل) أي: ساعات الليل (ساجدا وقائما) يسجد تارة في الصلاة، ويقوم أخرى (يحذر الأخرة) أي: عذاب الأخرة (ويرجو رحمة ربه) أي: يتردد

[ 389 ]

بين الخوف والرجاء أي: ليسا سواء، وهو قوله (قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أي: لا يستوي الذين يعلمون ما وعد الله من الثواب والعقاب، والذين لا يعلمون ذلك (إنما يتذكر أولو الألباب) أي: إنما يتعظ ذوو العقول من المؤمنين. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نحن الذي يعلمون، وعدونا الذين لا يعلمون، وشيعتنا أولو الألباب. (قل) يا محمد لهم (يا عبادي الذين أمنوا) أي: صدقوا بتوحيد الله تعالى (اتقوا ربكم) أي: عقاب ربكم باجتناب معاصيه، وتم الكلام. ثم قال: (للذين أحسنوا) أي: فعلوا الأعمال الحسنة، وأحسنوا إلى غيرهم (في هذه الدنيا حسنة) أي: لهم على ذلك في هذه الدنيا حسنة أي: ثناء حسن وذكر جميل ومدح وشكر وصحة وسلامة، عن السدي. وقيل: معناه للذين أحسنوا العمل في هذه الدنيا مثوبة حسنة في الأخرة، وهو الخلود في الجنة (وأرض الله واسعة) هذا حث لهم على. الهجرة من مكة، عن ابن عباس أي: لا عذر لأحد في ترك طاعة الله، فإن لم يتمكن منها في أرض، فليتحول إلى أخرى يتمكن منها فيها كقوله: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). وقيل: معناه وأرض الله الجنة واسعة، فاطلبوها بالأعمال الصالحة، عن مقاتل وأبي مسلم. (إنما يوفى الصابرون أجرهم) أي: ثوابهم على طاعاتهم، وصبرهم على شدائد الدنيا (بغير حساب) لكثرته لا يمكن عده وحسابه. وروى العياشي بالإسناد عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا نشرت الدواوين، ونصبت الموازين، لم ينصب لأهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان). ثم تلا هذه الأية: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). (قل انى امرت ان اعبد الله مخلصا له الدين (11) وامرت لان اكون اول المسلمين (12) قل انى اخاف ان عصيت ربى عذاب يوم عظيم (13) قل الله اعبد مخلصا له دينى (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل ان الخسرين الذين خسروا انفسهم واهليهم يوم القيمة الا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون (16) والذين اجتنبوا الطغوت ان يعبدوها وانابوا

[ 390 ]

الى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هديهم الله واولئك هم اولوا الالبب (18) افمن حق عليه كلمة العذاب افانت تنقذ من في النار (19) لكن الذين اتقوا ربهم غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الانهر وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) اللغة: الظلة: السترة العالية، جمعها ظلل. والإنقاذ: الإنجاء. والغرف: المنازل الرفيعة، واحدها غرفة. الاعراب: (ذلك): مبتدأ، و (يخوف الله به عباده): خبره. (أن يعبدوها): في موضع نصب بدل من الطاغوت، والتقدير: (والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت) وخبر (الذين اجتنبوا) قوله: (لهم البشرى) والبشرى: ترتفع بالظرف لجريه خبرا على المبتدأ. قال الزجاج: أفمن حق عليه كلمة العذاب أفانت تنقذ من في النار: معناه الشرط والجزاء، وألف الإستفهام هنا معناها معنى التوقيف. والألف الثانية: جاءت مؤكدة معادة لما طال الكلام. والمعنى: أفمن حق عليه كلمة العذاب، أفانت تنقذه، ومثله (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجرن). أعاد أن الثانية والمعنى: إنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما تخرجون، ويكون على وجه آخر على أنه حذف الخبر. وفي الكلام دليل على المحذوف على معنى: أفمن حق عليه كلمة العذاب، يتخلص منه، أو ينجو منه، أفانت تنقذ أي: لا يقدر أحد أن ينقذه. المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (قل) يا محمد لهؤلاء الكفار الذين تقذم ذكرهم: (إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) أي: موحدا له، لا أعبد معه سواه. والعبادة الخالصة هي التي لا يشوبها شئ من المعاصي (وأمرت) أيضا (لأن أكون أول المسلمين) فيكون لي فضل السبق وثوابه. (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) أي: عذاب يوم القيامة. (قل) لهم (الله أعبد مخلصا له ديني) وطاعتي (فاعبدوا) أنتم معاشر الكفار (ما شئتم من دونه) من الأصنام. وهذا على وجه التهديد لهم بذلك (قل) لهم (إن الخاسرين) في الحقيقة هم (الذين خسروا أنفسهم وأهليهم

[ 391 ]

يوم القيامة) فلا ينتفعون بانفسهم، ولا يجدون في النار أهلا، كما كان لهم في الدنيا أهل، فقد فاتتهم المنفعة بانفسهم وأهليهم، عن مجاهد وإبن زيد. وقيل: خسروا أنفسهم بان قذفوها بين أطباق الجحيم، وخسروا أهليهم الذين أعدوا لهم في جنة النعيم، عن الحسن. قال ابن عباس: إن الله تعالى جعل لكل إنسان في الجنة منزلا وأهلا، فمن عمل بطاعته، كان له ذلك، ومن عصاه صار إلى النار، ودفع منزله وأهله إلى من أطاع، فذلك قوله (أولئك هم الوارثون). (ألا ذلك هو الخسران المبين) أي: البين الظاهر الذي لا يخفى (لهم من فوقهم ظلل من النار) أي: سرادقات وأطباق من النار، ودخانها، نعوذ بالله منها. (ومن تحتهم ظلل) أي: فرش ومهد. وقيل: إنما سمي ما تحتهم من النار ظللا، لأنها ظلل لمن تحتهم، إذ النار أدراك، وهم بين أطباقها. وقيل: إنما أجرى اسم الظلل على قطع النار على سبيل التوسع والمجاز، لأنها في مقابلة ما لأهل الجنة من الظلل، والمراد: إن النار تحيط بجوانبهم. (ذلك يخوف الله به عباده) أي: ذلك الذي وصف من العذاب يخوف الله به عباده، ورحمة لهم ليتقوا عذابه بامتثال أوامره. ثم أمرهم بالإتقاء فقال: (يا عباد فاتقون) فقد أنذرتكم، وألزمتكم الحجة. وإنما حذف الياء في الموضعين، لأن الكسرة تدل عليها. (والذين اجتنبوا الطاغوت) أي: الأوثان والشيطان. وقيل: كل من دعا إلى عبادة غير الله تعالى. وإنما أنث للجماعة. وفي قراءة الحسن اجتنبوا الطواغيت. (أن يعبدوها) أي: اجتنبوا عبادتها (وأنابوا إلى الله) أي: تابوا إليه، فاقلعوا عما كانوا عليه (لهم البشرى) أي: البشارة وهي الإعلام بما يظهر به السرور في بشرة وجوههم جزاء على ذلك. وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أنتم هم، ومن أطاع جبارا فقد عبده. ثم قال سبحانه مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (فبشر) يا محمد (عباد) اجتزأ بالكسرة عن الياء (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) أي: أولاه بالقبول والعمل به، وأرشده إلى الحق. وقيل: فيتبعون أحسن ما يؤمرون به، ويعملون به، عن السدي. وروي عن أبي الدرداء قال: لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوما واحدا: الظمأ بالهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون من خير الكلام كما ينتقى طيب التمر. وقيل: معناه يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن، عن

[ 392 ]

الزجاج. وقيل: يستمعون ما في القران والسنة من الطاعات والمباحات، فيتبعون الطاعة التي هي أحسن إذ يستحق الثواب عليه أكثر، وهو أن ياخذ بأفضل الأمرين، كما أن القصاص حق، والعفو أفضل، فيأخذون بالعفو. (أولئك الذين هداهم الله) أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الذين هداهم الله، فاهتدوا به إلى الحق (واولئك هم أولو الألباب) أي: ذوو العقول الذين انتفعو بعقولهم. وقال عبد الرحمن بن زيد: نزل قوله (والذين اجتنبوا الطاغوت) الآيتين: في ثلاثة نفر، كانوا يقولون في الجاهلية: لا إله إلا الله، زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار) اختلف في تقديره فقيل معناه: أفمن وجب عليه وعيد الله بالعقاب، أفأنت تخلصه من النار ؟ فاكتفى بذكر من في النار عن الضمير العائد إلى المبتدأ، عن الزجاج والأخفش. وقيل: تقديره أفأنت تنقذ من في النار منهم ؟ وأتى بالإستفهام مرتين توكيدا للتنبيه على المعنى. وقال ابن الأنباري: الوقف على قوله (كلمة العذاب)، والتقدير: كمن وجبت له الجنة. ثم يبتدئ (أفأنت تنقذ) وأراد بكلمة العذاب قوله (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين). وإنما قال ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لحرصه على إسلام المشركين، والمعنى: إنك لا تقدر على إدخال الإسلام في قلوبهم شاؤوا أم أبوا، فلا عليك إذا لم يؤمنوا، (فإنما أتوا ذلك من قبل نفوسهم. وهذا كقوله: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) الاية. ثم بين سبحانه ما أعده للمؤمنين، كما بين ما أعده للكفار، فقال: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف) أي: قصور في الجنة (من فوقها غرف) قصور (مبنية) وهذا في مقابلة قوله (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) فإن في الجنة منازل رفيعة، بعضها فوق بعض، وذلك أن النظر من الغرف إلى الخضر والمياه، أشهى وألذ (تجري من تحتها الأنهار) أي: من تحت الغرف (وعد الله) أي: وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا (لا يخلف الله الميعاد). (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينبيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فترئه مصفرا ثم يجعله حطما إن في ذلك

[ 393 ]

لذكرى لاولى الالباب (21) أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلل مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيمة وقيل للظلمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتهم العذاب من حيث لا يشعرون (25)). اللغة: الينابيع: جمع ينبوع، وهو الموضع الذي ينبع منه الماء، يقال: نبع الماء من موضع كذا: إذا فار منه. والزرع: ما ينبت على غير ساق. والشجر: ما له ساق وأغصان، والنبات يعم الجميع. وهاج النبت يهيج هيجا: إذا جف وبلغ نهايته في اليبوسة. والحطام: فتات التبن والحشيش. والحطم: الكسر للشئ اليابس، ومنه سميت جهنم: حطمة، لأنها تكسر كل شئ. ومنه الحطيم بمكة. قال النضر: لأن البيت رفع وترك ذلك محطوما، وهو حجر الكعبة مما يلي الميزاب. الاعراب: (أفمن شرح الله صدره) من مع صلته: مبتدأ. والخبر محذوف تقديره: أفمن شرح الله صدره كمن قسا قلبه من ذكر الله أي: من ترك ذكر الله لأن القلب إنما يقسو من ترك ذكر الله. ويجوز أن يكون تشمئز عند ذكر الله، فيقال: قست من ذكر الله أي: من ذكر الناس لله. (كتابا): منصوب لأنه بدل من قوله: (أحسن الحديث). المعنى: لما قدم سبحانه ذكر الدعاء إلى التوحيد، عقبه بذكر دلائل التوحيد، فقال يخاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وان كان المراد جميع المكلفين: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) أي: مطرا (فسلكه) أي: فادخل ذلك الماء (ينابيع في الأرض) مثل العيون والأنهار والقني والآبار، ونظيره قوله: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الأرض). (ثم يخرج به) أي: بذلك الماء من الأرض (زرعا مختلفا ألوانه) أي: صنوفه من البر والشعير والأرز، وغير ذلك يقال: هذا لون من الطعام أي:

[ 394 ]

صنف، وقيل: مختلف الألوان من أخضر وأصفر وأبيض وأحمر. (ثم يهيج) أي: يجف، وييبس (فتراه مصفرا) بعد خضرته (ثم يجعله حطاما) أي: رفاتا منكسرا متفتتا (إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب) معناه: إن في إخراج هذه الزروع ألوانا مختلفة، بماء واحد، ونقلها من حال إلى حال، لتذكيرا لذوي العقول السليمة، إذا تفكروا في ذلك، عرفوا الصانع المحدث، وعلموا صحة الإبتداء والبعث والإعادة. (أفمن شرح الله صدره للإسلام) أي: فسح صدره، ووسع قلبه، لقبول الإسلام، والثباث عليه. وشرح الصدر يكون بثلاثة أشياء أحدها: بقوة الأدلة التي نصبها الله تعالى، وهذا يختص به العلماء والثاني: بالألطاف التي تتجدد له حالا بعد حال كما قال سبحانه (والذين اهتدوا زادهم هدى) والثالث: بتوكيد الأدلة، وحل الشبهة، وإلقاء الخواطر (فهو على نور) أي: على دلالة وهدى (من ربه) شبه الأدلة بالنور لأن بها يعرف الحق، كما بالنور تعرف أمور الدنيا، عن الجبائي. وقيل: النور كتاب الله، عز وجل، فبه نأخذ، وإليه ننتهي، عن قتادة. وحذف كمن هو قاسي القلب. يدل على المحذوف قوله: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) وهم الذين ألفوا الكفر، وتعصبوا له، وتصلبت قلوبهم حتى لا ينجع فيها وعظ، ولا ترغيب، ولا ترهيب، ولا ترق عند ذكر الله، وقراءة القرآن عليه. (أولئك في ضلال) أي: عدول عن الحق (مبين) أي: ظاهر واضح. (الله نزل أحسن الحديث) يعني القرآن، سماه الله حديثا، لأنه كلام الله. والكلام سمي حديثا، كما يسمى كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثا. ولأنه حديث التنزيل، بعد ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء، وهو أحسن الحديث لفرط فصاحته، ولإعجازه، واشتماله على جميع ما يحتاج المكلف إليه من التنبيه على أدلة التوحيد والعدل وبيان أحكام الشرع، وغير ذلك من المواعظ، وقصص الأنبياء، والترغيب والترهيب. (كتابا متشابها) يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه اختلاف، ولا تناقض. وقيل: معناه أنه يشبه كتب الله المتقدمة، وإن كان أعم وأجمع وأنفع. وقيل: متشابها في حسن النظم، وجزالة اللفظ، وجودة المعاني (مثاني) سمي بذلك لأنه يثنى فيه بعض القصص والأخبار والأحكام والمواعظ، بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى أيضا في التلاوة، فلا يمل لحسن مسموعه.

[ 395 ]

(تقشعر منه جلود الذن يخشون ربهم) أي: تأخذهم قشعريرة خوفا مما في القرآن من الوعيد (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) إذا سمعوا ما فيه من الوعد بالثواب والرحمة. والمعنى: إن قلوبهم تطمئن وتسكن إلى ذكر الله الجنة والثواب. فحذف مفعول الذكر للعلم به. وروي عن العباس بن عبد المطلب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله، تحاتت (1) عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها). وقال قتادة: هذا نعت لأولياء الله ينعتهم بان تقشعر جلودهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله. ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان. (ذلك) يعني القرآن (هدى الله يهدي به من يشاء) من عباده بما نصب فيه من الأدلة، وهم الذين آتاهم القرآن من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الجبائي. وقيل: يهدي به من يشاء من الذين اهتدوا به، إنما خصهم بذلك لأنهم المنتفعون بالهداية، ومن لم يهتد لا يوصف بانه هداه الله، إذ ليس معه هداية. (ومن يضلل الله) عن طريق الجنة (فما له من هاد) أي: لا يقدر على هدايته أحد عن الجبائي. وقيل: معناه من ضل عن الله ورحمته، فلا هادي له. يقال: أضللت بعيري: إذا ضل، عن أبي مسلم. وقيل: معناه من يضلله عن زيادة الهدى والألطاف، لأن الكافر لا لطف له. (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) تقديره أفحال من يدفع عذاب الله بوجهه يوم القيامة، كحال من ياتي آمنا لا تمسه النار ؟ وإنما قال (بوجهه) لأن الوجه أعز أعضاء الإنسان وقيل: معناه أمن يلقى في النار منكوسا. فاول عضو منه مسته النار وجهه، عن عطاء. ومعنى يتقي يتوقى، كما قال عنترة: (إذ يتقون بي الأسنة، لم أخم عنها، ولكني تضايق مقدمي (2) أي: يقدمونني إلى القتال، فيتوقون بي حرها. ثم أخبر سبحانه عما يقوله خزنة النار للكفار بقوله: (وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون) أي: جزاء ما


(1) أي: تتساقط. (2) هذا بيت من معلقته المعروفة. والخيم: الجبن. يقول: حين جعلني أصحابي حاجزا بينهم وبين أسنة أعدائهم أي: قدموني لم أجبن عن أسنتهم، ولم أتأخر، ولكن قد تضايق موضع اقدامي، فتعذر التقدم، فتأخرت لذلك. ويروى (ولو أني تضايق مقدمي) والمعنى: فلم أتأخر، ولو كان المسافة بيني وبينهم ضيقا. (*)

[ 396 ]

كسبتموه من المعاصي. ثم أخبر سبحانه عن أمثال هؤلاء الكفار من الأمم الماضية، فقال: (كذب الذين من قبلهم) بآيات الله، وجحدوا رسله (فأتاهم العذاب) عاجلا (من حيث لا يشعرون) أي: وهم آمنون غافلون. النظم: إنما اتصل قوله (أفمن شرح الله صدره) بما تقدم من ذكر أدلة التوحيد والعدل التي إذا تفكر فيها العاقل، انشرح صدره، واطمانت نفسه إلى ثلج اليقين، واتصل قوله (الله نزل أحسن الحديث) بما تقدمه من قوله (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) أي. فإن أحسن الحديث القرآن، فهو أولى بالإتباع، عن أبي مسلم. واتصل قوله (أفمن يتق بوجهه سوء العذاب) بما قبله على تقدير فمن لم يهتد بهدى الله لا يهتدي، وكيف يهتدي بغيره من يتقي بوجهه سوء العذاب، يعني: المقيم على كفره. (فأذاقهم الله الخزى في الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة أكبر لو كان يعلمون (26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرءانا عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد الله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون (31)). القراءة: قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، غير سهل: (سالما) بالألف. والباقون: (سلما) بغير الف، واللام مفتوحة. وفي الشواذ قراءة سعيد بن جبير: (سلما) بكسر السين، وسكون اللام. الحجة: قال أبو علي: يقوي قراءة من قرأ (سالما) قوله: (فيه شركاء متشاكسون) فكما أن الشريك عبارة عن العين، وليس باسم حدث، فكذلك الذي بإزائه ينبغي أن يكون فاعلا، ولا يكون اسم حدث. ومن قرأ سلما وسلما: فهما مصدران، وليسا بوصفين، كحسن وبطل، ونقض ونضو. يقال: سلم سلما وسلامة وسلما والمعنى فيمن قال سلما: ذا سلم أي: رجلا ذا سلم. قال أبو

[ 397 ]

الحسن سلم من الإستسلام. وقال غيره: السلم خلاف المحارب. اللغة: الخزي: المكروه والهوان. والتشاكس: التمانع والتنازع. تشاكسوا في الأمر تشاكسا، وأصله من الشكاسة، وهو سوء الخلق. والإختصام: رد كل واحد من الإثنين ما أتى به الآخر على وجه الإنكار عليه، وقد يكون أحدهما محقا، والآخر مبطلا، وقد يكونان جميعا مبطلين كاليهودي والنصراني، وقد يكونان جميعا محقين. الاعراب: قال الزجاج. (عربيا) منصوب على الحال أي: في حال عروبيته. وذكر (قرآنا) توكيدا، كما تقول: جاءني زيد رجلا صالحا، وجاءني عمرو إنسانا عاقلا، فتذكر رجلا وإنسانا توكيدا. (ضرب الله مثلا رجلا): فرجلا بدل من قوله (مثلا)، والتقدير: ضرب الله مثلا مثل رجل، فحذف المضاف. وقوله (فيه شركاء): يرتفع بالظرف. و (رجلا): عطف على الأول أي: ومثل رجل سالم. المعنى: ثم أخبر سبحانه عما فعله بالأمم المكذبة بأن قال: (فاذاقهم الله الخزي) أي: الذل والهوان (في الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة أكبر) أي: أعظم وأشد (لو كانوا يعلمون ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) سمى ذكر الأمم الماضية مثلا، كما قال: (ونبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال)، والمعنى: إنا وصفنا وبينا للناس في هذا القرآن كلما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم. (لعلهم يتذكرون) أي: لكي يتذكروا، ويتدبروا فيعتبروا (قرآنا عربيا غير ذي عوج) أي: غير ذي ميل عن الحق، بل هو مستقيم موصل إلى الحق (لعلهم يتقون) أي: لكي يتقوا معاصي الله. ثم ضرب سبحانه مثلا للكافر وعبادته الأصنام، فقال: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون) أي: مختلفون، سيئو الأخلاق، متنازعون. وإنما ضرب هذا المثل لسائر المشركين، ولكنه ذكر رجلا واحدا وصفه بصفة موجودة في سائر المشركين، فيكون المثل المضروب له، مضروبا لهم جميعا، ويعني بقوله (رجلا فيه شركاء) أي: يعبد آلهة مختلفة، وأصناما كثيرة، وهم متشاجرون متعاسرون، هذا يامره، وهذا ينهاه، ويريد كل واحد منهم أن يفرده بالخدمة، ثم يكل كل منهم أمره إلى الآخر، ويكل الاخر إلى الآخر، فيبقى هو خاليا عن المنافع. وهذا حال من يخدم جماعة مختلفة الآراء والأهواء. هذا مثل الكافر. ثم ضرب سبحانه مثل المؤمن الموحد فقال: (ورجلا سلما لرجل) أي:

[ 398 ]

خالصا يعبد مالكا واحدا، لا يشوب بخدمته خدمة غيره، ولا يامل سواه. ومن كان بهذه الصفة نال ثمرة خدمته، لا سيما إذا كان المخدوم حكيما قادرا كريما. وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن علي عليه السلام أنه قال: أنا ذاك الرجل السلم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروى العياشي بإسناده عن أبي خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الرجل السلم للرجل حقا علي وشيعته. (هل يستويان مثلا) أي: هل يستوي هذان الرجلان صفة وشبها، في حسن العاقبة، وحصول المنفعة ؟ أي: لا يستويان، فإن الخالص لمالك واحد، يستحق من معونته وحياطته، ما لا يستحقه صاحب الشركاء المختلفين في أمره وتم الكلام. ثم قال: (الحمد لله) أي: احمدوا الله المستحق للثناء والشكر على هذا المثل الذي علمكموه، فازال به للمؤمنين الشبه، وأوضح الدلالة. وقيل: معناه احمدوا الله حيث لطف بكم حتى عبدتموه وحده، وأخلصتم الإيمان له والتوحيد، فهي النعمة السابغة. (بل أكثرهم لا يعلمون) حقيقة ذلك. ثم بين سبحانه المقام الذي يتبين فيه المحق والمبطل، فقال: (إنك ميت وإنهم ميتون) أي: عاقبتك الموت، وكذا عاقبة هؤلاء (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) يعني المحق والمبطل، والظالم والمظلوم، عن ابن عباس. وكان أبو العالية يقول: الإختصام يكون بين أهل القبلة. قال ابن عمر: كنا نرى أن هذه الآية فينا وفي أهل الكتابين. وقلنا: كيف نختصم نحن ونبينا واحد، وكتابنا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعلمت أنها فينا نزلت. وقال أبو سعيد الخدري: في هذه الآية كنا نقول ربنا واحد، ونبينا واحد، وديننا واحد، فما هذه الخصومة ؟ فلما كان يوم صفين، وشد بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم، هو هذا. وقال ابن عباس: الإختصام يكون بين المهتدين والضالين، والصادقين والكاذبين. (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكفرين (32) والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34)

[ 399 ]

ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون (35)). الاعراب: (والذي جاء بالصدق وصدق به): الذي هنا جنس، لأن خبره جمع، وهو قوله (أولئك) فلا يراد به واحد معين: (ليكفر الله): اللام من صلة قوله (لهم ما يشاؤون عند ربهم) وقيل: هو لام القسم، والتقدير: والله ليكفرن. فحذفت النون، وكسرت اللام. المعنى: ثم بين سبحانه حال الفريقين، فقال: (فمن أظلم ممن كذب على الله) بان ادعى له ولدا وشريكا (وكذب بالصدق) بالتوحيد والقرآن (إذ جاءه). ثم هدد سبحانه من هذه صورته بان قال: (أليس في جهنم مثوى للكافرين) أي: منزل ومقام للجاحدين. وهذا استفهام يراد به التقرير، ومعناه: إنه لكذلك، ويقال: أثوى وثوى بمعنى. قال: طال الثواء علن ربع بيمؤود، أودى وكل جديد مرة مود (1) (والذي جاء بالصدق وصدق به) اختلف في المعني به فقيل: الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالقرآن، وصدق به المؤمنون، فهو حجتهم في الدنيا والاخرة، عن ابن زيد وقتادة ومقاتل، واحتجوا بقوله: (أولئك هم المتقون). وقيل: الذي جاء بالصدق وهو القرآن، جبرائيل عليه السلام، وصدق به محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقاه بالقبول، عن السدي. وقيل: الذي جاء بالصدق وهو قول لا اله إلا الله، هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدق به هو أيضا، وبلغه إلى الخلق، عن ابن عباس، قال: ولو كان المصدق به غيره، لقال: والذي صدق به. وهذا أقوى الأقوال. وقيل: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدق به أبو بكر، عن أبي العالية، والكلبي. وقيل: الذي جاء بالصدق الأنبياء، وصدق به أتباعهم، عن عطاء، والربيع وعلى هذا فيكون (الذي) للجنس، كما في قول الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم، هم القوم، كل القوم، يا أم خالد (2)


(1) قائله شماخ. ويمؤود: إسم واد لغطفان. ومود: إسم فاعل من أودى أي: هلك. (2) مرالبيت في هذا الجزء. (*)

[ 400 ]

ألا ترى أنه عاد إليه ضمير الجمع. وقيل: الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدق به علي بن أبي طالب عليه السلام، عن مجاهد، ورواه الضحاك عن ابن عباس، وهو المروي عن أئمة الهدى عليهم السلام من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ثم من سبحانه بما أعد لهم من النعيم، فقال: (لهم ما يشاءون) من الثواب والنعيم في الجنة (عند ربهم) ينالون من جهته (ذلك جزاء المحسنين) على إحسانهم الذي فعلوه في الدنيا، وأعمالهم الصالحة (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا) أي: أسقط الله عنهم عقاب الشرك والمعاصي التي فعلوها قبل ذلك بإيمانهم وإحسانهم ورجوعهم إلى الله تعالى (ويجزيهم أجرهم) أي: ثوابهم (باحسن الذي كانوا يعملون) أي: بالفرائض والنوافل، فهي أحسن أعمالهم، لأن المباح، وإن كان حسنا، فلا يستحق به ثواب، ولا مدح. (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد (36) ومن يهد الله فماله من مضل أليس الله بعزيز ذى انتقام (37) ولئن سألتهم من خلق السموت والارض ليقولن الله قل افرءيتم ما تدعون من دون الله ان ارادني الله بضر هل هن كشفت ضره أو ارادني برحمة هل هن ممسكت رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يقوم اعملوا على مكانتكم انى عمل فسوف تعلمون (39) من ياتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40)). القراءة: قرأ (أهل الكوفة غير عاصم، وأبو جعفر: (بكاف عباده) على الجمع. والباقون: (عبده) على التوحيد. وقرأ أهل البصرة: (كاشفات وممسكات) بالتنوين، وما بعدهما منصوبان. وقرأ الباقون بغير تنوين على إضافة كل واحدة منهما إلى ما بعدها. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ (عبده ويخوفونك)، فكأن المعنى ليس الله بكافيك وهم يخوفونك. ومن قرأ (عباده)، فالمعنى أليس الله بكاف عباده

[ 401 ]

الأنبياء، كما كفى إبراهيم النار، ونوحا الغرق، ويونس ما وقع إليه، فهو سبحانه كافيك كما كفى الأنبياء قبلك. ومن قرأ (كاشفات ضره وممسكات رحمته)، فالوجه فيه أنه مما لم يقع، وما لم يقع من أسماء الفاعلين، أو كان للحال، فالوجه فيه النصب. ووجه الجر: أنه لما حذف التنوين، وإن كان المعنى على إثباته، عاقبت الإضافة التنوين. المعنى: لما وعد الله سبحانه الصادق والمصدق، عقبه بأنه يكفيهم، وإن كانت الأعداء تقصدهم، وتؤذيهم، فقال: (أليس الله بكاف عبده) استفهام يراد به التقرير، يعني به محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يكفيه عداوة من يعاديه ويناوئه (ويخوفونك) يا محمد (بالذين من دونه) كانت الكفار تخوفه بالأوثان التي كانوا يعبدونها، عن قتادة والسدي وابن زيد، لأنهم قالوا له: إنا نخاف أن تهلكك آلهتنا. وقيل: إنه لما قصد خالد لكسر العزى بامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: إياك يا خالد فباسها شديد ! فضرب خالد أنفها بالفاس وهشمها وقال: كفرانك يا عزى لا سبحانك، سبحان من أهانك، إني رأيت الله قد أهانك. (ومن يضلل الله فما له من هاد) أي: من أضله الله عن طريق الجنة بكفره ومعاصيه، فليس له هاد يهديه إليها. وقيل: معناه أن من وصفه بانه ضال إذ ضل هو عن الحق، فليس له من يسميه هاديا. وقيل: من يحرمه الله من زيادات الهدى، فليس له زائد. (ومن يهد الله فما له من مضل) أي: من يهده الله إلى طريق الجنة، فلا أحد يضله عنها. وقيل: من يهده الله فاهتدى، فلا يقدر أحد على صرفه عنه. وقيل: من بلغ استحقاق زيادات الهدى، فقد ارتفع عن تأثير الوسواس. (أليس الله بعزيز) أي: قادر قاهر، لا يقدر أحد على مغالبته (ذي انتقام) من أعدائه الجاحدين لنعمه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (ولئن سألتهم) يا محمد (من خلق السماوات والأرض) وأوجدها وأنشاها بعد إن كانت معدومة (ليقولن الله) الفاعل لذلك لأنهم مع عبادتهم الاوثان، يقرون بذلك. ثم احتج عليهم بان ما يعبدونه من دون الله، لا يملك كشف الضر والسوء عنهم، فقال: (قل) لهم. (أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر) أي: بمرض أو فقر أو بلاء أو شدة (هل هن كاشفات ضره) أي: هل يكشفن ضره (أو أرادني برحمة) أي: بخير أو صحة (هل هن ممسكات رحمته) أي: هل يمسكن ويحبسن عني رحمته، والمعنى: إن من عجز

[ 402 ]

عن النفع والضر، وكشف السوء والشر، عمن يتقرب إليه، كيف يحسن منه عبادته، وانما يحسن العبادة لمن قدر على جميع ذلك، ولا يلحقه العجز والمنع، وهو الله تعالى. (قل) يا محمد (حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) وبه يثق الواثقون، ومن توكل على غيره، توكل على غير كاف (قل) لهم يا محمد (يا قوم اعملوا على مكانتكم) أي: على قدر جهدكم وطاقتكم في إهلاكي، وتضعيف أمري (إني عامل) قدر جهدي وطاقتي (فسوف تعلمون من ياتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) قد مضى مفسرا. وفي هذا غاية الوعيد والتهديد. النظم: إتصل قوله: (ولئن سألتهم) بقوله: (ويخوفونك بالذين من دونه) والمعنى: أنه لا ينبغي أن يخوفوك بها مع اعترافهم بأن الخالق هو الله دون غيره. (انا انزلنا عليك الكتب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انت عليهم بوكيل (41) الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت في منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى اجل مسمى ان في ذلك لايت لقوم يتفكرون (42) ام اتخذوا من دون الله شفعاء قل اولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله الشفعة جميعا له ملك السموت والارض ثم إليه ترجعون (44) وإذا ذكر الله وحده اشمازت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45)). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم، وقتيبة: (قضي) بالضم، (الموت) بالرفع. والباقون: (قضى) بالفتح، (الموت) بالنصب. الحجة: قال أبو علي: حجة من بنى الفعل للفاعل قوله: (ويرسل الأخرى)، فكما أن هذا مبني للفاعل، فكذلك حكم الذي عطف عليه. ومن بنى الفعل للمفعول به، فهو في المعنى مثل بناء الفعل للفاعل، والأول أبين.

[ 403 ]

اللغة: التوفي: قبض الشئ على الإيفاء والإتمام، يقال: توفيت حقي من فلان واستوفيته بمعنى. الإشمئزاز: الإنقباض، والنفور عن الشئ. قال عمرو بن كلثوم: إذا عض الثقاف بها اشمأزت، وولتهم عشوزنة زبونا (1) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الشمز: نفور الشئ من الشئ يكرهه. المعنى: ثم بين سبحانه تحقيق وعيده بالعذاب المقيم بان قال: (إنا أنزلنا عليك الكتاب) يعني القرآن (للناس) أي: لجميع الخلق، عن ابن عباس. (بالحق) أي: ليس فيه شئ من الباطل. وقيل: بالحق معناه بأنه الحق، أو على أنه الحق الذي يجب النظر في موجبه ومقتضاه، فما صححه وجب تصحيحه، وما أفسده وجب إفساده، وما رغب فيه وجب العمل به، وما حذر منه وجب اجتنابه، وما دعا إليه فهو الرشد، وما صرف عنه فهو الغي. (فمن اهتدى) بما فيه من الأدلة (فلنفسه) لأن النفع في عاقبته يعود إليه (ومن ضل) عنه وحاد (فإنما يضل عليها) أي: على نفسه، لأن مضرة عاقبته من العقاب تعود عليه (وما أنت) يا محمد (عليهم بوكيل) أي: برقيب في إيصال الحق إلى قلوبهم، وحفظه عليهم حتى لا يتركوه، ولا ينصرفوا عنه إذ لا تقدر على إكراههم على الإسلام. وقيل: بكفيل يلزمك إيمانهم، فإنما عليك البلاغ (الله يتوفى الأنفس حين موتها) أي: يقبضها إليه وقت موتها، وانقضاء آجالها، والمعنى: حين موت أبدانها وأجسادها على حذف المضاف. (والتي لم تمت في منامها) أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، وهي التي تفارق النائم، فلا يعقل، والتي تتوفى عند الموت هي نفس الحياة التي إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. فالفرق بين قبض النوم، وقبض الموت: أن قبض النوم


(1) هذا بيت من معلقته الشهيرة، بصف قومه بالعزة والمنعة، وأن كل من رامهم أرجعوه خائبا ذليلا. والثقاف: الحديدة التي يستوي وبقوم بها الرماح. والعشوزنة: الصلبة الشديدة. والزبون: الدفوع. وقبل هذا البيت قوله: (فإن قناتنا يا عمرو أعيت على الأعداء قبلك أن تلينا) جعل القناة التي نفرت عن التقويم مثلا لعزتهم التي لا تضعف وقوله: (عشوزنة زبونا) للرماح.

[ 404 ]

يضاد اليقظة، وقبض الموت يضاد الحياة، وقبض النوم يكون الروح معه في البدن، وقبض الموت يخرج الروح معه من البدن. (فيمسك التي قضى عليها الموت) إلى يوم القيامة، لا تعود إلى الدنيا (ويرسل الأخرى) يعني الأنفس الأخرى التي لم يقض على موتها يريد نفس النائم (إلى أجل مسمى) قد سمي لموته (إن في ذلك لأيات) أي: دلالات واضحات على توحيد الله، وكمال قدرته (لقوم يتفكرون) في الأدلة إذ لا يقدر على قبض النفوس تارة بالنوم، وتارة بالموت، غير الله تعالى. قال ابن عباس: في بني آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس: التي بها العقل والتمييز، والروح: التي بها النفس والتحرك. فإذا نام قبض الله نفسه، ولم يقبض روحه. وإذا مات قبض الله نفسه وروحه. ويؤيده ما رواه العياشي بالإسناد، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت أبي المقدام، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه (إلى السماء، وبقيت روحه في بدنه، وصار بينهما سبب كشعاع الشمس. فإن أذن الله في قبض الأرواح، أجابت الروح النفس. وإذا أذن الله في رد الروح، أجابت النفس الروح، وهو قوله سبحانه (الله يتوفى الأنفس حين موتها) الأية. فمهما رأت في ملكوت السماوات، فهو مما له تأويل، وما رأت فيما بين السماء والأرض، فهو مما يخيله الشيطان، ولا تأويل له. (أم اتخذوا) أي: بل اتخذوا (من دون الله) آلهة (شفعاء قل) يا محمد (أولو كانوا) يعني الآلهة (لا يملكون شيئا) من الشفاعة. (ولا يعقلون) وجواب هذا الإستفهام محذوف تقديره: أولو كانوا بهذه الصفة يتخذونهم شفعاء، ويعبدونهم، راجين شفاعتهم. ثم قال: (قل) لهم (لله الشفاعة جميعا) أي: لا يشفع أحد إلا بإذنه، عن مجاهد. والمعنى: لا يملك أحد الشفاعة إلا بتمليكه كما قال: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه). وفي هذا إبطال الشفاعة لمن ادعيت له الشفاعة من الالهة (له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون) مضى معناه. ثم أخبر سبحانه عن سوء اعتقادهم، وشدة عنادهم، فقال: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت) أي: نفرت، عن السدي والضحاك والجبائي. وقيل: انقبضت، عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل. وقيل: كفرت واستكيرت، عن قتادة. (قلوب

[ 405 ]

الذين لا يؤمنون بالأخرة) كان المشركون إذا سمعوا قول (لا إك إلا الله وحده لا شريك له)، نفروا من هذا، لأنهم كانوا يقولون الأصنام آلهة (وإذا ذكر الذين من دونه) يعني الأصنام التي عبدوها من دونه (إذا هم يستبشرون) يفرحون ويسرون، حتى يظهر السرور في وجوههم. النظم: اتصل قوله: (الله يتوفى الأنفس) بقوله: (وما أنت عليهم بوكيل) فبين سبحانه أن الحفيظ عليهم هو الذي يتوفاهم ويصرفهم كيف يشاء. وقيل: يتصل بقوله (أليس الله بكاف عبده) أي: من كان هذه صفته فإنه يكفيك أمرهم. واتصل قوله: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء) بقوله. (أليس الله بكاف عبده) أي: فكما أن أصنامهم لا تملك الضر والنفع، فإنها لا تملك الشفاعة. (قل اللهم فاطر السموت والارض علم الغيب والشهدة انت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو ان للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيمة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (48) فإذا مس الانسن ضر دعانا ثم إذا خولنه نعمة منا قال انما اوتيته على علم بل هي فتنة ولكن اكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما اغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50)). المعنى: لما قدم سبحانه ذكر الأدلة، فلم ينظروا فيها، والمواعظ فلم يتعظوا بها، أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يحاكمهم إليه ليفعل بهم ما يستحقونه فقال: (قل) يا محمد ادع بهذا الدعاء (اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: يا خالقهما ومنشئهما (عالم الغيب والشهادة) أي: يا عالم ما غاب علمه عن جميع الخلق، وعالم ما شهدوه وعلموه (أنت تحكم بين عبادك) يوم القيامة (فيما كانوا فيه يختلفون) في دار الدنيا من أمر دينهم ودنياهم، وتفصل بينهم بالحق في الحقوق والمظالم أي: فاحكم بيني وبين قومي بالحق. وفي هذا بشارة للمؤمنين بالظفر والنصر، لأنه سبحانه إنما أمره به للإجابة لا محالة. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إني لأعرف موضع آية لم يقرأها

[ 406 ]

أحد قط، فسال الله شيئا إلا أعطاه، قوله (قل اللهم فاطر السماوات والأرض) الاية. ثم أخبر سبحانه عن وقوع العقاب بالكفار بان قال: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه) زيادة عليه (لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة) وقد مضى تفسيره. (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) أي: ظهر لهم يوم القيامة من صنوف العذاب ما لم يكونوا ينتظرونه، ولا يظنونه واصلا إليهم، ولم يكن في حسابهم. قال السدي: ظنوا أعمالهم حسنات، فبدت لهم سيئات. وقيل: إن محمد بن المنكدر، جزع عند الموت، فقيل له: أتجزع ؟ قال: أخذتني آية من كتاب الله، عز وجل: (وبدا لهم) الآية. أخذتني أن يبدو لي من الله ما لم إحتسب. (وبدا لهم) أي: وظهر لهم أيضا (سيئات ما كسبوا) أي: جزاء سيئات أعمالهم (وحاق بهم) أي: نزل بهم (ما كانوا به يستهزءون) وهو كل ما ينذرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما كانوا ينكرونه، ويكذبون به. ثم أخبر عن شدة تقلب الإنسان من حال إلى حال، فقال: (فإذا مس الإنسان ضر) من مرض، أو شدة (دعانا) واستغاث بنا مسلما مخلصا في كشفه عالما بانه لا يقدر غيرنا عليه. (ثم إذا خولناه نعمة منا) أي: أعطيناه نعمة من الصحة في الجسم، والسعة في الرزق، أو غير ذلك من النعم (قال إنما أوتيته على علم) قيل فيه وجوه أحدها: قال إنما أوتيته بعلمي وجلدي وحيلتي، عن الحسن والجبائي. فيكون هذا إشارة إلى جهلهم بمواضع المنافع والمضار. وثانيها: على علم على خبر علمه الله عندي، عن قتادة ومقاتل. وثالثها: على علم يرضاه عني. فلذلك أتاني ما أتاني من النعم. ثم قال: ليس الأمر على ما يقولونه (بل هي فتنة) أي: بلية واختبار يبتليه الله بها، فيظهر كيف شكره أو صبره في مقابلتها، فيجازيه بحسبها. وقيل: معناه هذه النعمة فتنة أي: عذاب لهم إذا أضافوها إلى أنفسهم. وقيل: معناه هذه المقالة التي قالوها فتنة لهم، لأنهم يعاقبون عليها. (ولكن أكثرهم لا يعلمون) البلوى من النعمى. وقيل: لا يعلمون أن النعم كلها من الله، وان حصلت باسباب من جهة العبد (قد قالها) أي: قد قال مثل هذه الكلمة، وهذه المقالة (الذين من قبلهم) مثل قارون حيث قال: (إنما أوتيته على

[ 407 ]

علم عندي). (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) أي: فلم ينفعهم ما كانوا يجمعونه من الأموال، بل صارت وبالا عليهم. (فاصحابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وماهم بمعجزين (51) أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لايت لقوم يؤمنون (52) قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جمعيا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ياتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعو أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن ياتيكم العذاب بغتة وانتم لا تشعرون (55)). المعنى: شم أخبر سبحانه عن حال هؤلاء الكفار، فقال: (فأصابهم سيئات ما كسبوا) أي: اصابهم عقاب سيئاتهم، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. وقيل: إنما سمي عقاب سيئاتهم سيئة لازدواج الكلام كقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها). (والذين ظلموا من هؤلاء) أي: من كفار قومك يا محمد (سيصيبهم سيئات ما كسبوا) أيضا (وما هم بمعجزين) أي: لا يفوتون الله تعالى. وقيل: لا يعجزون الله بالخروج من قدرته (أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي. يوسع الرزق على من يشاء، ويضيق على من يشاء، بحسب ما يعلم من المصلحة (إن في ذلك لأيات) دلالات واضحات (لقوم يؤمنون) يصدقون بتوحيد الله تعالى، لأنهم المنتفعون بها. (قل) يا محمد (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) بارتكاب الذنوب (لا تقنطوا من رحمة الله) أي: لا تياسوا من مغفرة الله. (إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: ما في القرآن آية أوسع من (يا عبادي الذين أسرفوا) الأية. وفي مصحف عبد الله: ان الله يغفر الذنرب جميعا

[ 408 ]

لمن يشاء. وقيل: إن الاية نزلت في وحشي قاتل حمزة، حين أراد أن يسلم، وخاف أن لا تقبل توبته، فلما نزلت الآية أسلم فقيل: يا رسول الله ! هذه له خاصة أم للمسلمين عامة ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بل للمسلمين عامة. وهذا لا يصح، لأن الآية نزلت بمكة، ووحشي أسلم بعدها بسنين كثيرة. ولكن يمكن أن يكون قرئت عليه الاية، فكانت سبب إسلامه. فالاية محمولة على عمومها. فالله سبحانه يغفر جميع الذنوب للتائب لا محالة، فإن مات الموحد من غير توبة، فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه بعدله، وإن شاء غفر له بفضله، كما قال: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ثم دعا سبحانه عباده إلى التوبة، وأمرهم بالإنابة إليه فقال: (وأنيبوا إلى ربكم) أي: إرجعوا من الشرك والذنوب إلى الله، فوحدوه. (وأسلموا له) أي: انقادوا له بالطاعة فيما أمركم به. وقيل: معناه اجعلوا أنفسكم خالصة له. قد حث سبحانه بهذه الاية على التوبة، كيلا يرتكب الإنسان المعصية، ويدع التوبة، اتكالا على الآية المتقدمة. (من قبل أن ياتيكم العذاب ثم لا تنصرون) عند نزول العذاب بكم. (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) أي: من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد. فمن أتى بالمأمور به، وترك المنهي عنه، فقد اتبع الأحسن، عن ابن عباس. وقيل: إنما قال (أحسن ما أنزل) لأنه أراد بذلك الواجبات والنوافل التي هي الطاعات، دون المباحات. وقيل. أراد بالأحسن الناسخ دون المنسوخ، عن الجبائي. قال علي بن عيسى: وهذا خطأ لأن المنسوخ يجوز أن يكون حسنا، إلا أن العمل بالناسخ يكون أصلح وأحسن. (من قبل أن ياتيكم العذاب بغتة) أي: فجاة في وقت لا تتوقعونه (وأنتم لا تشعرون) أي: لا تعرفون وقت نزوله بكم. (أن تقول نفس يحسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن السخرين (56) أو تقول لو أن الله هدني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فاكون من المحسنين (58) بلى قد

[ 409 ]

جاءتك ءايتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكفرين (59) ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60)). القراءة: قرأ أبو جعفر: (يا حسرتاي) بياء مفتوحة بعد الألف. والباقون: (يا حسرتا) بغيرياء. احجة: قال ابن جني. في قوله يا حسرتاي إشكال، وذلك أن الألف في (حسرتا) إنما هي بدل من يا حسرتي، أبدلت الياء ألفا، هربا إلى خفة الألف من ثقل الياء. قال: والذي عندي فيه انه جمع بين العوض والمعوض عنه، كمذهب أبي إسحاق وأبي بكر في قول الفرزدق: هما نفثا في في من فمويهما، على النابح الاعوي أشد رجام (1) فجمع بين الميم والواو، وإنما الميم بدل من الواو. ومثله ما أنشده أبو زيد. اني إذا ما حدث ألما أقول: يا اللهم، يا اللهما فجمع بين ياء وميم، وإنما الميم عوض من ياء.) اللغة: التفريط: إهمال ما يجب أن يتقدم فيه حتى يفوت وقته، ومثله التقصير. وضده الأخذ بالحزم، يقال: فلان حازم، وفلان مفرط. والتحسر: الإغتمام مما فات وقته لانحساره عنه بما لا يمكنه استدراكه، ومثله التأسف. وأصل الباب. الإنقطاع. يقال: انحسرت الدابة أي: انقطع سيرها كلالا. والجنب العضو المعروف. والجنب أيضا: معظم الشئ وأكثره. يقال: هذا قليل في جنب مودتك، ويقال: ما فعلت في جنب حاجتي أي: في أمره. قال كثير: ألا تتقين الله في جنب عاشق، له كبد حرى عليك تقطع الاعراب: (بلى قد جاءتك): جواب قوله: أو تقول لو أن الله هداني لكنت


(1) نفث من فيه: رمى به. والنباح. صوت الكلب. والمراد من العاوي: الكلب. والرجام: الرمي بالحجارة. هذا البيت قبله: وان ابن ابليس وابليس البنا لهم بعذاب الناس كل غلام) (*)

[ 410 ]

من المتقين) لأن معناه: ما هداني. فقيل لها: بلى قد جاءتك آياتي، لأن بلى جواب النفي، وليس في الظاهر نفي، فيحمل على المعنى. (وجوههم مسودة): مبتدأ وخبر. والجملة في موضع نصب على الحال، واستغنى عن الواو لمكان الضمير. ويجوز في غير القرآن (وجوههم) بالنصب على البدل من (الذين كذبوا) أي: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة بالنصب. ومثل النصب قول عدي بن زيد: دعيني إن أمرك لن يطاعا، وما ألفيتني حلمي مضاعا المعنى: لما أمر الله سبحانه باتباع الطاعات، واجتناب المقبحات، تحذيرا من نزول العقويات، بين الغرض في ذلك بقوله: (أن تقول نفس) أي: خوف أن تقول، أو حذرا من أن تقول. والمعنى: كراهة أن تصيروا إلى حال تقولون فيها: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) أي: يا ندامتي على ما ضيعت من ثواب الله، عن ابن عباس. وقيل: قصرت في أمر الله، عن مجاهد، والسدي. وقيل: في طاعة الله، عن الحسن. قال الفراء: الجنب القرب أي: في قرب الله وجواره، يقال: فلان يعيش في جنب فلان أي: في قربه وجواره. ومنه قوله تعالى: (والصاحب بالجنب) فيكون المعنى على هذا القول: على ما فرطت في طلب جنب الله أي: في طلب جواره وقربه، وهو الجنة. وقال الزجاج: أي فرطت في الطريق الذي هو طريق الله، فيكون الجنب بمعنى الجانب أي: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله. وروى العياشي بالإسناد عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: نحن جنب الله. (وإن كنت لمن الساخرين) أي: وإني كنت لمن المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن، وبالمؤمنين في دار الدنيا، عن قتادة، والسدي. وقيل: من الساخرين ممن يدعوني إلى الإيمان (أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين) أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقول لو أراد الله هدايتي، لكنت ممن يتقي معاصيه خوفا من عقابه. وقيل: إنهم لما لم ينظروا في الأدلة، وأعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بالدنيا والأباطيل، توهموا أن الله تعالى لم يهدهم، فقالوا ذلك بالظن. ولهذا رد الله عليهم بقوله (بلى قد جاءتك آياتي) الاية. وقيل: معناه لو أن الله هداني إلى النجاة، بان يردني إلى حال التكليف، لكنت ممن يتقي المعاصي، عن الجبائي قال: لأنهم

[ 411 ]

يضطرون يوم القيامة إلى العلم بأن الله قد هداهم. (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) أي: لو أن لي رجعة إلى الدنيا، فاكون من الموحدين المطيعين. ثم قال سبحانه منكرا على هذا القائل: (بلى) أي: ليس كما قلت (قد جاءتك آياتي) أي: حججي ودلالاتي (فكذبت بها) وأنفت من اتباعها، وذلك قوله (واستكبرت وكنت من الكافرين) بها. وإنما قال (جاءتك)، وإن كانت النفس مؤنثة، لأن المراد بالنفس هنا الإنسان. وروي في الشواذ عن عاصم والجحدري ويحيى بن يعمر بكسر الكاف والتاآت: (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين). (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله) فزعموا أن له شريكا وولدا (وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) الذين تكبروا عن الإيمان بالله. هذا استفهام تقرير أي: فيها مثواهم ومقامهم. وروى العياشي بإسناده عن خيثمة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من حدث عنا بحديث فنحن سائلوه عنه يوما، فإن صدق علينا فإنما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا، فإنما يكذب على الله وعلى رسوله، لأنا إذا حدثنا لا نقول: قال فلان، وقال فلان، إنما نقول: قال الله، وقال رسوله. ثم تلا هذه الاية: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله) الآية. ثم أشار خيثمة إلى أذنيه فقال: صمتا إن لم أكن سمعته. وعن سودة بن كليب قال: سالت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الاية، فقال: كل إمام انتحل إمامة ليست له من الله. قلت: وإن كان علويا: قال عليه السلام: وإن كان علويا. قلت: وإن كان فاطميا ؟ قال: وإن كان فاطميا ! (وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون (61) الله خلق كل شئ وهو على كل شئ وكيل (62) له مقاليد السموت والارض والذين كفروا بئايت الله أولئك هم الخسرون (63) قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجهلون (64) ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخسرين (65) بل الله

[ 412 ]

فاعبد وكن من الشكرين (66)). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير حفص: (بمفازاتهم). والباقون: (بمفاز تهم). وقرأ أهل المدينة. (تأمروني) خفيفة النون، مفتوحة الياء. وقرأ ابن عامر: (تأمرونني) بنونين ساكنة الياء. وقرأ ابن كثير: (تأمروني) مشددة النون، مفتوحة الياء. والباقون: (تأمروني) مشددة النون، ساكنة الياء. وقرأ زيد عن يعقوب. (لنحبطن عملك). والباقون: (وليحبطن عملك). الحجة: قال أبو علي: حجة الإفراد أن المفازة والفوز واحد، فإفراد المفازة كإفراد الفوز. وحجة الجمع أن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها، ومثله في الإفراد والجمع على مكانتكم ومكاناتكم. وقوله (أفغير الله تأمروني أعبد) غير ينتصب على وجهين أحدهما: أعبد غير الله فيما تأمرونني والآخر: أن ينتصب بتأمرونني أي: أتامرونني بعبادة غير الله. فلما حذف أن ارتفع (أعبد) فصارت أن وصلتها في موضع نصب. ولا يجوز انتصاب (غير) بأعبد على هذا، لأنه في تقدير الصلة، فلا يعمل فيما تقدم عليه. فموضع أعبد، وأن المضمرة نصب على تقدير البدل من (غير)، كأنه قال: أبعبادة غير الله تأمروني. إلا أن الجار حذف كما حذف من قوله (أمرتك الخير). وصار التقدير بعد الحذف: أغير الله تأمروني عبادته. فاضمر المفعول الثاني للأمر. والمفعول الأول علامة المتكلم. وأن أعبد بدل من غير. ومثل هذا في البدل قوله: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) أي: ما أنساني ذكره إلا الشيطان. وأقول في بيانه وشرحه: إن تقديره كان في الأصل أفبعبادة غير الله تأمرونني، ثم حذف الجار الذي هو الباء، فوصل الفعل فنصبه، فصار: أفعبادة غير الله تامرونني. ثم حذف المضاف الذي هو عبادة، وأقيم المضاف إليه الذي هو (غير) مقامه، فصار: أفغير الله تأمرونني. ثم جعل (أعبد) الذي تقديره أن أعبده، وهو في معنى عبادته، بدلا من غير الله، وبيانا للمحذوف الذي هو عبادة في قوله أفبعبادة غير الله، فصار مثل قوله تعالى (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره). ومن قال إن قوله (أعبد) في موضع نصب على الحال، فلا وجه لقوله. وأما على الوجه الأول، وهو أن يكون غير الله منصوبا بأعبد، فإنه يكون تأمروني اعتراضا

[ 413 ]

بين العامل والمعمول. رجعنا إلى كلام أبي علي، فأما تأمروني، فالقياس تامرونني، ويدغم فيصير تأمروني. وجاز الإدغام وإسكان النون المدغمة، لأن قبلها حرف لين، وهو الواو في تامرونني. ومن خفف فقال تأمروني، ينبغي أن يكون حذف النون الثانية المصاحبة لعلامة المنصوب المتكلم، لأنها قد حذفت في مواضع نحو: (يسوء الفاليات إذا فليني) (1). وإني وكاني وقدي وقدني، وإنما قدرنا حذف الثانية، لأن التكرير والتثقيل به وقع، ولأن حذف الأولى لحن، لأنها دلالة الرفع، وعلى هذا يحمل قول الشاعر: أبالموت الذي لابد أني ملاق لا أباك تخوفيني وفتح الياء من تأمروني، وإسكانها جميعا، سائغ حسن. المعنى: لما أخبر الله سبحانه عن حال الكفار، عقبه بذكر حال الأتقياء الأبرار، فقال: (وينجي الله الذين اتقوا) معاصيه خوفا من عقابه (بمفازتهم) أي: بمنجاتهم من النار. وأصل المفازة المنجاة، وبذلك سميت المفازة على وجه التفاؤل بالنجاة منها، كما سموا اللديغ (2) سليما. (لا يمسهم السوء) أي: لا يصيبهم المكروه والشدة (ولا هم يحزنون) على ما فاتهم من لذات الدنيا. ولما ذكر الوعد والوعيد، بين سبحانه أنه القادر على كل شئ بقوله: (الله خالق كل شئ) أي: محدث كل شئ ومبدعه (وهو على كل شئ وكيل) أي: حافظ مدبر (له مقاليد السماوات والأرض) واحدها مقليد ومقلاد، يريد مفاتيح السماوات والأرض بالرزق والرحمة، عن ابن عباس، وقتادة. وقيل: خزائن السماوات والأرض يفتح الرزق على من يشاء، ويغلقه عمن يشاء، عن الضحاك. (والذين كفروا بآيات الله اولئك هم الخاسرون) لأنهم يخسرون الجنة ونعيمها، ويصلون النار وسعيرها. ثم أعلم سبحانه أنه المعبود لا معبود سواه بقوله: (قل) يا محمد لهؤلاء الكفار (أفغير الله تأمروني أعبد) أي: أتامرونني أن أعبد غير الله (أيها الجاهلون) فيما


(1) هذا عجز بيت من قصيدة لعمرو بن معديكرب، يصف فيها الشيب وقبله: (نراه كالثغام يعل مسكا) وهو مذكور في (جامع الشواهد) وقد مر في الكتاب أيضا مرارا. (2) اللديغ: الذي لسعته الحية أو العقرب. (*)

[ 414 ]

تامرونني به إذ تامرون بعبادة من لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يضر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (ولقد أوحي إليك) يا محمد (وإلى الذين من قبلك) من الأنبياء والرسل (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) قال ابن عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وتهديد لغيره، لأن الله تعالى قد عصمه من أهل الشرك، ومداهنة الكفار (1). وليس في هذا ما يدل على صحة القول بالإحباط على ما يذهب إليه أهل الوعيد، لأن المعنى فيه أن من أشرك في عبادة الله غيره، من الأصنام وغيرها، وقعت عبادته على وجه لا يستحق عليها الثواب به، ولذلك وصفها بانها محبطة إذ لو كانت العبادة خالصة لوجه الله تعالى، لاستحق عليها الثواب. ثم أمر سبحانه بالتوحيد فقال: (بل الله فاعبد) أي: وجه عبادتك إليه تعالى وحده، دون الأصنام. (وكن من الشاكرين) الذين يشكرون الله على نعمه، ويخلصون العبادة له. قال الزجاج: (الله) منصوب بقوله (فاعبد) في قول البصريين والكوفيين. والفاء جاءت على معنى المجازاة، والمعنى قد تبينت فاعبد الله. (وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت مطويت بيمينه سبحنه وتعلى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فاذاهم قيام ينظرون (68) واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتب وجائ بالنبين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو اعلم بما يفعلون (70)). الاعراب: (جميعا): نصب على الحال، والعامل فيه محذوف، وتقديره: والأرض إذا كانت مجتمعة قبضته. فإذا ظرف زمان، والعامل فيه (قبضته). وكان


(1) وقد ورد في روايات كثيرة عن أهل بيت العصمة، صلوات الله عليهم أجمعين، أن القرآن نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة. وفي حدبث ابن أبي عمير، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما عاتب الله نبيه فهو يعني به كان فهذه الاية وأمثالها من باب (اياك اعني واسمعي يا جارة) خوطب به الني صلى الله عليه وآله وسلم، لكن المراد به الأمة. (*)

[ 415 ]

ههنا تامة، إذ لو كانت ناقصة لكان (جميعا) خبرها. ولم يجز أن يكون حالا. وهذا كما قالوا في أخطب ما يكون الأمير قائما: إن التقدير إذا كان قائما، أو إذ كان قائما. وهذا بسرا أطيب منه تمرا: إن التقدير: هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان تمرا، ومثله قول الشاعر. إذا المرء أعيته المروءة ناشئا، فمطلبها كهلا عليه شديد (1) أي: إذا كان كهلا، والمعنى: والأرض في حال اجتماعها قبضته. قال الإمام النحوي البصير قال أبو علي، في الحجة: إن التقدير والأرض ذات قبضته إذا كانت مجتمعة. وقال في الحلبيات: التقدير: والأرض مقبوضة إذا كانت مجتمعة. وقال: فعلى التقدير الذي في الحجة، لا يتاتى إعمال قبضته في إذا، لأنه قدره ذات قبضته. والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، وعلى التقدير في الحلبيات: يتاتى إعمال قبضته في إذا، لأنه بمعنى مفعول. وأقول: إن المضاف إليه إذا أقيم مقام المضاف، بعد أن حذف المضاف، جاز أن يعمل عمل المضاف، كما أعرب بإعرابه، فارتفع بعد أن كان مجرورا في الأصل. فلما جاز أن يعمل المضاف فيما قبله، جاز لما قام مقامه أن يعمل فيما قبله، كما اكتسى إعرابه. وكيف يجوز أن يستتم ما ذكره هذا الجامع للعلوم على مثل أبي علي، مع أنه يشق الشعر في هذا الفن ؟ المعنى: ثم أخبر سبحانه عن أحوالهم، فقال: (وما قدروا الله حق قدره) أي: ما عظموا الله حق عظمته، إذ عبدوا غيره، وأمروا نبيه بعبادة غيره، عن الحسن، والسدي. قال المبرد: وأصله من قولك فلان عظيم القدر، يريد بذلك جلالته. والقدر: اختصاص الشئ بعظم، أو صغر، أو مساواة. وقيل: معناه وما وصفوا الله حق وصفه، إذ جحدوا البعث فوصفوه بانه خلق الخلق عبثا، وأنه عاجز عن الإعادة والبعث. (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) والقبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك. أخبر سبحانه عن كمال قدرته، فذكر أن الأرض كلها مع عظمها في مقدوره كالشئ الذي يقبض عليه القابض بكفه، فيكون في قبضته. وهذا تفهيم لنا على


(1) الشعر في (جامع الشواهد). (*)

[ 416 ]

عادة التخاطب فبما بيننا، لأنا نقول: هذا في قبضة فلان، وفي يد فلان: إذا هان عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه، وكذا قوله: (والسماوات مطويات بيمينه) أي: يطويها بقدرته كما يطوي الواحد منا الشئ المقدور له طيه بيمينه. وذكر اليمين للمبالغة في الإقتدار والتحقيق للملك، كما قال: (أو ما ملكت أيمانكم) أي: ما كانت تحت قدرتكم، إذ ليس الملك يختص باليمين دون الشمال، وسائر الجسد. وقيل: معناه أنه محفوظات مصونات بقوته. واليمين: القوة كما في قول الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد، تلقاها عرابة باليمين (1) ثم نزه سبحانه نفسه عن شركهم فقال: (سبحانه وتعالى عما يشركون) أي: عما يضيفونه إليه من الشبيه والمثل. (ونفخ في الصور) وهو قرن ينفخ فيه إسرافيل. ووجه الحكمة في ذلك أنها علامة جعلها الله ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف، ثم تجديد الخلق. فشبه ذلك بما يتعارفونه من بوق الرحيل، والنزول، ولا تتصوره النفوس باحسن من هذه الطريقة. وقيل: إن الصور جمع صورة، فكأنه نفخ في صورة الخلق، عن قتادة. وروي عنه أنه قرأ في الصور بفتح الواو. (فصعق من في السماوات ومن في الأرض) أي: يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السماوات والأرض، يقال: صعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة العظيمة. (إلا من شاء الله) اختلف في المستثنى فقيل: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، عن السدي، وهو المروي عن حديث مرفوع. وقيل: هم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، عن سعيد بن جبير وعطا، عن ابن عباس وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سال جبرائيل عن هذه الاية: من الذي لم يشأ الله أن يصعقهم ؟ قال: هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش. (ثم نفخ فيه أخرى) يعني نفخة البعث، وهي النفخة الثانية. وقال قتادة في حديث رفعه. إن ما بين النفختين أربعين سنة. وقيل: إن الله تعالى يفني الأجسام كلها بعد الصعق، وموت الخلق، ثم يعيدها. وقوله: (فإذا هم قيام) إخبار عن


(1) قائله شماخ ونسبه الجوهري إلى الحطيئة وعرابة: اسم رجل من الأنصار وقد مر البيت أيضا. (*)

[ 417 ]

سرعة إيجادهم، لأنه سبحانه إذا نفخ النفخة الثانية، أعادهم عقيب ذلك، فيقومون من قبورهم أحياء (ينظرون) أي: ينتظرون ما يفعل بهم، وما يؤمرون به. (وأشرقت الأرض بنور ربها) أي: أضاءت الأرض بعدل ربها يوم القيامة، لأن نور الأرض بالعدل، كما أن نور العلم بالعمل، عن الحسن، والسدي. وقيل: بنور يخلقه الله عز وجل، يضئ به أرض القيامة، من غير شمس ولا قمر. (ووضع الكتاب) أي: كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة على بني آدم، توضع في أيديهم، ليقرؤا منها أعمالهم. والكتاب: إسم جنس، فيؤدي معنى الجمع أي: يوضع كتاب كل إنسان في يمينه، أو شماله (وجئ بالنبيين والشهداء) أي: يؤتي بهم. والشهداء هم الذين يشهدون للأنبياء على الأمم بانهم قد بلغوا، وأن الامم قد كذبوا، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقيل: هم الذين استشهدوا في سبيل الله، عن السدي. وقيل: هم عدول الأخرة يشهدون على الأمم بما شاهدوا، عن الجبائي، وأبي مسلم. وهذا كما جرت العادة بأن القضاء يكون بمشهد الشهداء والعدول. وقيل: هم الحفظة من الملائكة، ويدل عليه قوله (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد). وقيل: هم جميع الشهداء من الجوارح، والمكان، والزمان (وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون) أي: يفصل بينهم بمر الحق، لا ينقص أحد منهم شيئا مما يستحقه من الثواب، ولا يفعل به ما لا يستحقه من العقاب. (ووفيت كل نفس ما عملت) أي: يعطي كل نفس عاملة بالطاعات، جزاء ما عملته على الوفاء والكمال، دون النقصان (وهو أعلم بما يفعلون) أي: والله سبحانه أعلم من كل أحد بما يفعلونه من طاعة، أو معصية. ولم يامر الملائكة بكتابة الأعمال لحاجة إلى ذلك، بل لزيادة تأكيد، وليعلموا أنه يجازيهم بحسب ما عملوا. النظم: اتصل قوله. (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) بقوله: (وما قدروا الله حق قدره) أي: ما عظموه حق عظمته، إذ عبدوا معه غيره، مع اقتداره على السماوات والأرض. (وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت ابوبها وقال لهم خزنتها الم ياتكم رسل منكم يتلون عليكم ءايت ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على

[ 418 ]

الكفرين (71) قيل ادخلوا ابوب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت ابوبها وقال لهم خزنتها سلم عليكم طبتم فادخلوها خلدين (73) وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العملين (74) وترى الملئكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العلمين (75)). القراءة: قرأ أهل الكوفة: فتحت، وفتحت بالتخفيف فيهما. والباقون بالتشديد. الحجة: حجة التشديد قوله: (مفتحة لهم الأبواب)، وأن التشديد يختص بالكثرة. ووجه التخفيف أن التخفيف يصلح للقليل والكثير. اللغة: السوق: الحث على السير، ومنه قولهم: الكلام يجري على سياقة واحدة. ومنه السوق: لان المعاملة تساق فيها بالبيع والشراء. والزمر: جمع زمرة، وهي الجماعة، لها صوت كصوت المزمار، ومنه مزامير داود: وهي أصوات كانت له مستحسنة. قال: له زجل، كأنه صوت حاد، إذا طلب الوسيقة، أوزمير (1) وقال أبو عبيدة: هم جماعات في تفرقة بعضهم في أثر بعض. وحف القوم بفلان: إذا أطافوا به وأحدقوا به. والحفافان: الجانبان. قال المبرد: الواو في قوله: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) زائدة. وكان ينكر قول من يقول هي واو الثمانية، وأنشد لامرئ القيس:


(1) الزجل: رفع الصوت والطرب. والحادي: الذي يحدو للإبل والوسيقة من الإبل كالرفقة من الناس، فإذا سرقت طردت معا من الوسق وهو الطرد. (*)

[ 419 ]

فلما أجزنا ساحة الحي، وانتحى بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل (1) قال: والمعنى فلما أجزنا ساحة الحي، إنتحى بنا. قال علي بن عيسى: إنما جئ بهذه الواو تارة، وحذفت أخرى، للتصرف في الكلام. وجواب إذا في صفة أهل الجنة محذوف وتقديره: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وكانوا كيت وكيت، فازوا ونالوا المنى، وما أشبه ذلك. وهذا معنى قول الخليل، لأنه قال في بيت امرئ القيس الجواب محذوف، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا، خلونا ونعمنا. ومثله قول بعض الهذليين: حتى إذا سلكوهم في قتائدة، شلا كما تطرد الجمالة الشردا (2) فحذف جواب إذا، لأن هذا البيت آخر القصيدة، وتحقيقه: إن التقدير حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها. فالواو واو حال، وجواب إذا مضمر، كما أضمر في قوله: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) إلى قوله: (ثم تاب عليهم) والتقدير: قاربوا الهلاك، ثم تاب عليهم. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن قسمة أحوال الخلائق في المحشر، بعد فصل القضاء، فقال: (وسيق الذين كفروا) أي: يساقون سوقا في عنف (إلى جهنم زمرا) أي: فوجا بعد فوج، وزمرة بعد زمرة (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) أي: حتى إذا انتهوا إلى جهنم، فتحت أبواب جهنم عند مجيئهم إليها، وهي سبعة أبواب (وقال لهم خزنتها) الموكلون بها على وجه التهجين لفعلهم، والإنكار عليهم (ألم ياتكم رسل منكم) أي: من أمثالكم من البشر. (يتلون عليكم أيات ربكم) يقرؤون عليكم حجج ربكم، وما يدلكم على معرفته، ووجوب عبادته. (وينذرونكم لقاء يومكم هذا) أي: ويخوفونكم من مشاهدة هذا اليوم وعذابه.


(1) البيت من المعلقات. والإنتحاء،: بمعنى القصد، أو بمعنى الإعتماد على الشئ، أو بمعنى الإعتراض. والكل محتمل في المقام. والخبت: الأرض المطمئنة وذي حقاف أي: ذات رمل. والعقنفل: الرمل المنعقد المتلبد. وفي أن جواب لما قوله (انتحى) أو هو محذوف تقديره: فلما أجزنا وانتحى بنا بطن خبت أمنا، أو طابت حالنا، ورق عيشنا، أو نحو ذلك خلات ما ذكره الزوزني في (شرح المعلقات). وهنا قول ثالث وهو: إن جواب لما (هصرت) في بيت بعده على رواية المشهور ذكره في هامش (المعلقات العشر: 67) فراجع. (2) مضى الببت في ما سبق. (*)

[ 420 ]

(قالوا) أي: قال الكفار لهم: (بلى) قد جاءتنا رسل ربنا، وخوفونا بآيات الله (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) أي: وجب العقاب على من كفر بالله تعالى، لأنه أخبر بذلك، وعلم من يكفر، ويوافي بكفره، فقطع على عقابه، فلم يكن شئ يقع منه خلاف ما علمه، وأخبر به، فصار كوننا في جهنم موافقا لما أخبر به تعالى، ولما علمه. (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها) أي: فيقول عند ذلك خزنة جهنم، وهم الملائكة الموكلون: ادخلوا أبواب جهنم مؤبدين، لا آخر لعقابكم (فبئس مثوى المتكبرين) أي: بئس موضع إقامة المتكبرين عن الحق وقبوله، جهنم (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) أي: يساقون مكرمين، زمرة بعد زمرة، كقوله (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا). وإنما ذكر السوق على وجه المقابلة، لسوق الكافرين إلى جهنم، كلفظ البشارة في قوله (فبشرهم بعذاب أليم). وإنما البشارة هي الخبر السار. (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) أي: وقد فتحت أبوابها قبل مجيئهم. وأبواب الجنة ثمانية. وعن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن في الجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون). رواه البخاري ومسلم في الصحيحين. (وقال لهم خزنتها) عند استقبالهم: (سلام عليكم) أي: سلامة من الله عليكم، يحيونهم بالسلامة ليزدادوا بذلك سرورا. وقيل: هو دعاء لهم بالسلامة والخلود أي: سلمتم من الافات. (طبتم) أي: طبتم بالعمل الصالح في الدنيا، وطابت أعمالكم الصالحة، وزكت. وقيل: معناه طابت أنفسكم بدخول الجنة. وقيل: إنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتص لبعضهم من بعض. فلما هذبوا وطيبوا، قال لهم الخزنة: طبتم، عن قتادة. وقيل: طبتم أي: طاب لكم المقام، عن ابن عباس. وقيل: إنهم إذا قربوا من الجنة، يردون على عين من الماء، فيغتسلون بها، ويشربون منها، فيطهر الله أجوافهم، فلا يكون بعد ذلك منهم حدث وأذى، ولا تتغير ألوانهم، فتقول الملائكة: (طبتم فادخلوها خالدين) أي: فادخلوا الجنة خالدين مخلدين مؤبدين. (وقالوا) أي: ويقول أهل الجنة إذا دخلوها اعترافا بنعم الله تعالى عليهم: (الحمد لله الذي صدقنا وعده) الذي وعدناه على ألسنة الرسل (وأورثنا الأرض) أي: أرض الجنة، لما صارت الجنة عاقبة أمرهم. عبر عن ذلك بلفظ الميراث

[ 421 ]

والإيراث. وقيل: لأنهم ورثوها عن أهل النار. (نتبوء من الجنة) أي: نتخذ من الجنة مبوأ وماوى. (حيث نشاء) وهذا إشارة إلى كثرة قصورهم ومنازلهم، وسعة نعمتهم. (فنعم أجر العاملين) أي: فنعم ثواب المحسنين الجنة، والنعيم فيها. (وترى الملائكة حافين من حول العرش) معناه: ومن عجائب أمور الاخرة، أنك ترى الملائكة محدقين بالعرش، عن قتادة، والسدي. يطوفون حوله (يسبحون بحمد ربهم) أي: ينزهون الله تعالى عما لا يليق به، ويذكرونه بصفاته التي هو عليها. وقيل: يحمدون الله تعالى حيث دخل الموحدون الجنة. وقيل: إن تسبيحهم في ذلك الوقت على سبيل التلذذ والتنعم، لا على وجه التعبد، إذ ليس هناك تكليف. وقد عظم الله سبحانه أمر القضاء في الآخرة بنصب العرش، وقيام الملائكة حوله، معظمين له سبحانه، ومسبحين، كما أن السلطان إذا أراد الجلوس للمظالم، وقعد على سريره، وأقام جنده حوله، تعظيما لأمره، وإن استحال كونه، عز وجل، على العرش، إذ ليس بصفة الجواهر والأجسام. والجلوس على العرش من صفات الأجسا م. (وقضي بينهم بالحق) أي: وفصل بين الخلائق بالعدل. وقيل: بين الأنبياء والأمم. وقيل: بين أهل الجنة والنار (وقيل الحمد لله رب العالمين) من كلام أهل الجنة، يقولون ذلك شكرا لله على نعمه التامة. وقيل: إنه من كلام الله تعالى. فقال في ابتداء الخلق. (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) وقال بعد إفناء الخلق، ثم بعد بعثهم، واستقرار أهل الجنة في الجنة. (الحمد لله رب العالمين) فوجب الأخذ بادبه في ابتداء كل أمر بالحمد، وختمه بالحمد.

[ 422 ]

40 - سورة غافر مكية وآياتها خمس وثمانون مكية. قال ابن عباس، وقتادة: إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة (إن الذين يجادلون في آيات الله) إلى قوله (لا يعلمون) وقال الحسن: إلا قوله (وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار) يعني بذلك صلاة الفجر، وصلاة المغرب. وقد ثبت أن فرض الصلاة نزل بالمدينة. عدد آيها: خمس وثمانون آية كوفي شامي، وأربع حجازي آيتان بصري. اختلافها: تسع آيات حم كوفي، كاظمين غير الكوفي، يوم التلاق غير الشامي، بارزون شامي، بني إسرائيل الكتاب مكي كوفي والمدني الأول، والبصير شامي، والمدني الأخير، يسبحون كوفي شامي، والمدني الأخير، كنتم تشكرون كوفي شامي. فضلها: فضل الحواميم عموما، وفضلها خصوصا: أبو بريرة الأسلمي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أحب أن يرتع في رياض الجنة، فليقرأ الحواميم في صلاة الليل). أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الحواميم ديباج القرآن). ابن عباس قال: لكل شئ لباب، ولباب القرآن الحواميم. ابن مسعود قال: إذا وقعت في آل حم (1)، وقعت في روضات دمثات (2)، أتأنق فيهن. أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قرأ سورة حم المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا مؤمن، إلا صلوا عليه، واستغفروا له). وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الحواميم ريحان القرآن، فاحمدوا الله واشكروه بحفظها، وتلاوتها. وإن العبد ليقوم


(1) آل حم: السور التي أولها حم، أو يراد نفس حم: والظاهر أن المراد هنا هو الاول. (2) دمثاث جمع دمثة: السهلة اللينة. وأتانق فيهن: أي أعجب بهن، وأستلذ بقرائتهن، وأتتبع محاسنهن. قاله الجزري في (النهاية). (*)

[ 423 ]

يقرأ الحواميم، فيخرج من فيه أطيب من المسك الأذفر، والعنبر. وان اللة ليرحم تاليها وقارءها، ويرحم جيرانه وأصدقاءه ومعارفه، وكل حميم أو قريب له، وانه في القيامة يستغفر له العرش والكرسي وملائكة الله المقربون. وروى أبو الصباح، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قرأ حم المؤمن، في كل ثلاث، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وألزمه التقوى، وجعل الاخرة خيرا له من الدنيا. تفسيرها: لما ختم سبحانه سورة الزمر بذكر الملائكة والجنة والنار، افتتح هذه السورة بمثل ذلك، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل الكتب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول لا اله الا هو إليه المصير (3) ما يجدل في ءايت الله الا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلد (4) كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل امة برسولهم لياخذوه وجدلوا بالبطل ليدحظوا به الحق فاخذتهم فكيف كان عقاب (5). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم إلا حمادا ويحيى عن أبي بكر: (حم) بإمالة الألف. والباقون: بالفتح بغير إمالة. وهما لغتان فصيحتان. اللغة: من جعل (حم) إسمآ للسورة، يؤيده قول شريح بن أوفى العجلي: يذكرني حاميم، والرمح شاجر، فهلا تلا حم قبل التقدم (1)


(1) هذا البيت من قصيدة قالها شريح في وقعة جمل، بعد قتله محمد بن طلحة بن عبيد الله، المعروف بالسجاد، لكثرة صلاته، وجده في العبادة. وكان هواه مع علي بن أبي طالب عليه السلام، ولكنه أطاع أباه طلحة. قيل: إن أباه أمره بالقتال، وكان كارها. فتقدم ونثل درعه بين رجليه، وقام عليها، وجعل كلما حمل عليه رجل، قال: ناشدتك بحاميم. فحمل عليه شريح وشد به فانشده بحاميم أن لا يقتله، ولم يعتد شريح بذلك، وقتله. وقيل: قتله غيره وأول هذه الفصيدة قوله: ألا ليت شعري، هل أشنن غارة على ابن كدام، أم سويد بن أصرم وقبل الببت المستشهد به قوله: = (*)

[ 424 ]

فجعله إسما معربا. وقول الكميت: وجدنا لكم في آل حم آية، تأولها منا تقى، ومعرب (1) والعزيز: القادر الغالب الذي لا يغالب، المنيع بقدرته على غيره، ولا يقدر عليه غيره. والتوب: يجوز أن يكون جمع توبة، كدوم ودومة. ويجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توبا والطول: الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه، كما أن التفضل النفع الذي فيه إفضال على صاحبه، ولو وقع النفع على خلاف هذا الوجه، لم يكن تفضلا. الاعراب: إذا قدرت: أتل (حم) فموضعه نصب. وقيل: موضعه جر بالقسم. وقد يجوز أن يكون مرفوع الموضع على تقدير: هذا حم. وقد فتح الميم علي بن عيسى بن عمر، جعله إسما للسورة، فنصبه، ولم ينون، لأنه على وزن هابيل. ويجوز أن يكون فتحه لالتقاء الساكنين، والقراء على تسكين الميم. وإذا كان من حروف التهجي، فلا يدخلها الإعراب. و (تنزيل): خبر مبتدأ محذوف. (غافر الذنب): جر بانه صفة بعد صفة، ومعناه: إن من شانه غفران الذنب فيما مضى، وفيما يستقبل، فلذلك كان صفة المعرفة، وكذلك (قابل التوب). ولو جعلته بدلا، كانت المعرفة والنكرة سواء. المعنى: (حم) قد مضى ذكر الأقوال فيه. وقيل: أقسم الله بحلمه وملكه، لا يعذب من عاذ به، وقال: (لا إله إلا الله) مخلصا من قلبه، عن القرظي. وقيل: هو افتتاح أسمائه: حليم، حميد، حكيم، حي، حنان، ملك، مجيد، مبدئ، معيد، عن عطاء الخراساني. وقيل: معناه حم أي: قضي ما هو كائن، عن الكلبي. (تنزيل الكتاب) أي: هذا تنزيل الكتاب (من الله) الذي يحق له العبادة (العزيز) في ملكه (العليم) الكثير العلوم (غافر الذنب) لمن يقول: (لا إله إلا الله)، وهم أولياؤه، وأهل طاعته. والذنب: إسم جنس. فالمعنى: غافر الذنوب


= ضممت إليه بالسنان قميصه، فخر صريعا لليدين، وللفم على غير ذنب، غير أن ليس تابعا عليا، ومن لايتبع الحق يندم وشجر فلان بالرمح: طعنه به. ويروى (الرمح دونه). (1) كانه أراد من الاية قوله تعالى (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى،) الشورى: 23 وقوله: (تقي ومعرب) يعني الساكت عنه للتقية، والمفصح بالتفضيل. (*)

[ 425 ]

فيما مضى، وفيما يستقبل. (وقابل التوب) يقبل توبة من تاب إليه من المعاصي بان يثيب عليها، ويسقط عقاب معاص تقدمتها على وجه التفضل منه، لذلك كان صفة مدح. ولو كان سقوط العقاب عندها واجبا، لما كان فيه مدح. قال الفراء: معناهما ذي الغفران، وذي قبول التوبة، ولذلك صار نعتا للمعرفة. (شديد العقاب) أي: شديد عقابه. وذكر ذلك عقيب قوله: (غافر الذنب) لئلا يعول المكلف على الغفران، بل يكون بين الرجاء والخوف. (ذي الطول) أي: ذي النعم على عباده، عن ابن عباس. وقيل: ذي الغنى والسعة، عن مجاهد. وقيل: ذي التفضل على المؤمنين، عن الحسن، وقتادة. وقيل: ذي القدرة والسعة، عن ابن زيد، والسدي. وروي عن ابن عباس أنه قال: غافر الذنب لمن قال: (لا إله إلا الله) قابل التوب عمن قال: (لا إله إلا الله). شديد العقاب لمن لم يقل: (لا إله إلا الله). ذي الطول، ذي الغنى، عمن لم يقل: (لا إله إلا الله). وقيل: إنه إنما ذكر ذي الطول عقيب قوله (شديد العقاب) ليعلم أن العاصي أتي في هلاكه من قبل نفسه، لا من قبل ربه، وإلا فنعمه سابغة عليه دنيا ودينا. (لا إله إلا هو) أي: هو الموصوف بهذه الصفات دون غيره، ولا يستحق العبادة سواه. (إليه المصير) أي: المرجع للجزاء. والمعنى: إن الأمور تؤول إلى حيث لا يملك أحد النفع والضر، والأمر والنهي، غيره تعالى، وهو يوم القيامة (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) أي: لا يخاصم في دفع حجج الله وإنكارها وجحدها، إلا الذين كفروا بالله وآياته، وجحدوا نعمه ودلالاته. (فلا يغررك) يا محمد (تقلبهم في البلاد) أي: تصرفهم في البلاد للتجارات، سالمين أصحاء، بعد كفرهم، فإن الله تعالى لا يخفى عليه حالهم، وإنما يمهلهم لأنهم في سلطانه، ولا يفوتونه، ولا يهملهم. وفي هذا غاية التهديد. ثم بين أن عاقبتهم الهلاك كعاقبة من قبلهم من الكفار، فقال: (كذبت قبلهم قوم نوح) يعني رسولهم نوحا (والأحزاب من بعدهم) وهم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب، نحو عاد وثمود، ومن بعدهم. (وهمت كل أمة) منهم (برسولهم) أي: قصدوه (لياخذوه) أي: ليقتلوه ويهلكوه، عن ابن عباس. وإنما قال: (برسولهم)، ولم يقل برسولها، لأن المراد الرجال.

[ 426 ]

(وجادلوا بالباطل) أي: خاصموا رسلهم بان قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وهلا أرسل الله إلينا ملائكة، وبامثال هذا من القول. (ليدحضوا به الحق) الذي بينه الله تعالى، وجاءت به رسله. أي: ليبطلوه ويزيلوه، يقال: أدحض الله حجته أي: أزالها. (فاخذتهم) بالعقاب أي: أهلكتهم، ودمرت عليهم، وعاقبتهم (فكيف كان عقابي) أي: فانظر كيف كان عقابي لهم ؟ وهذا استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم. (وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا انهم اصحب النار (6) الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وادخلهم جنت عدن التى وعدتهم ومن صلح من ءابائهم وازوجهم وذريتهم انك انت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) ان الذين كفروا ينادون لمقت الله اكبر من مقتكم انفسكم إذ تدعون الى الايمن فتكفرون (10)). القراءة: قرأ أهل المدينة، وابن عامر: (كلمات ربك) على الجمع. والباقون: (كلمة ربك) على التوحيد. الحجة: قال أبو علي: الكلمة تقع مفردة على الكثرة، فإذا كان كذلك استغني فيها عن الجمع، كما تقول: يعجبني قيامكم وقعودكم. قال سبحانه (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا). وقال: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير)، فافرد الصوت مع الإضافة إلى الكثرة، فكذلك الكلمة. وقد قالوا: قال قس في كلمته، يعنون خطبته. ومن جمع، فون هذه الأشياء وإن كانت تدل على الكثرة، قد تجمع إذا اختلف أجناسها. الاعراب: (أنهم أصحاب النار): يجوز أن يكون موضعه نصبا على تقدير

[ 427 ]

بانهم، أو لأنهم. ويجوز أن يكون رفعا على البدل من (كلمة). و (من حوله): معطوف على (الذين يحملون العرش). و (رحمة وعلما): منصوبان على التمييز. و (من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم): في موضع نصب عطفا على الهاء والميم في (وأدخلهم) أي: وأدخل من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم الجنة أيضا. ويجوز أن يكون عطفا على الهاء والميم في (وعدتهم) أي: وعدت من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. وقوله. (لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون): لا يجوز أن يكون (إذ) ظرفا (لمقت الله) لأن المصدر لا يجوز أن يحال بينه وبين معموله بالأجنبي، ولا يجوز أن يكون ظرفا للمقت الثاني في قوله: (من مقتكم أنفسكم) لأن الدعاء إلى الإيمان كان في الدنيا، ومقتهم أنفسهم يكون في الأخرة ولا يجوز أن يكون ظرفا لتدعون، لأن (تدعون) في موضع جر بالإضافة. والمضاف إليه لا يجوز أن يعمل في المضاف، فالوجه أن يتعلق الظرف بفعل مضمر دلت عليه الجملة، تقديره: مقتم إذ تدعون، أو يتعلق بالمقت الثافي على تقدير تسمية الشئ بما يؤول إليه. المعنى: ثم قال سبحانه: (وكذلك) أي: ومثل ما حق على الأمم المكذبة من العقاب (حقت كلمة ربك) أي: العذاب (على الذين كفروا) من قومك أي: أصروا على كفرهم (أنهم) أي: لأنهم، أو بانهم (أصحاب النار) عن الأخفش. ثم أخبر سبحانه عن حال المؤمنين، وأنه تستغفر لهم الملائكة مع عظم منزلتهم عند الله تعالى، فحالهم بخلاف أحوال من تقدم ذكرهم من الكفار. فقال: (الذين يحملون العرش) عبادة لله، وامتثالا لأمره. (ومن حوله) يعني الملائكة المطيفين بالعرش، وهم الكروبيون، وسادة الملائكة. (يسبتحون بحمد ربهم) أي: ينزهون ربهم عما يصفه به هؤلاء المجادلون. وقيل: يسبحونه بالتسبيح المعهود، ويحمدونه على إنعامه. (ويؤمنون به) أي: ويصدقون به، وبعترفون بوحدانيته. (ويستغفرون) أي: ويسالون الله المغفرة. (للذين أمنوا) من أهل الأرض أي: صدقوا بوحدانية الله، واعترفوا بإلهيته، وبما يجب الإعتراف به، يقولون في دعائهم لهم: (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما) أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شئ، والمراد بالعلم المعلوم كما في قوله (ولا يحيطون بشئ من علمه) أي:

[ 428 ]

بشئ من معلومه على التفصيل. فجعل العلم في موضع المعلوم، والمعنى: إنه لا اختصاص لمعلوماتك، بل أنت عالم بكل معلوم، ولا تختص رحمتك حيا دون حي، بل شملت جميع الحيوانات. وفي هذا تعليم الدعاء، ليبدأ بالثناء عليه قبل السؤال. (فاغفر للذين تابوا) من الشرك، والمعاصي (واتبعوا سبيلك) الذي دعوت إليه عبادك، وهو دين الإسلام (وقهم) أي: وادفع عنهم (عذاب الجحيم). وفي هذه الاية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله تعالى، إذ لو كان واجبا، لكان لا يحتاج فيه إلى مسألتهم، بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة. (ربنا وأدخلهم) مع قبول توبتهم، ووقايتهم النار (جنات عدن التي وعدتهم) على ألسن أنبيائك (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) ليكمل أنسهم، ويتم سرورهم (إنك أنت العزيز) القادر على من يشاء (الحكيم) في أفعالك (وقهم السيئات) أي: وقهم عذاب السيئات. ويجوز أن يكون العذاب هو السيئات، وسماه السيئات اتساعا، كما قال: (وجزاء سيئة سيئة مثلها). (ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته) أي: ومن تصرف عنه شر معاصيه، فتفضلت عليه يوم القيامة بإسقاط عذابها، فقد أنعمت عليه (وذلك هو الفوز العظيم) أي: الظفر بالبغية والفلاح العظيم. ثم عاد الكلام إلى من تقدم ذكرهم من الكفار، فقال عز اسمه: (إن الذين كفروا ينادون) أي: يناديهم الملائكة يوم القيامة (لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون) والمقت: أشد العداوة والبغض. والمعنى: إنهم لما رأوا أعمالهم، ونظروا في كتابهم، وأدخلوا النار، مقتوا أنفسهم لسوء صنيعهم، فنودوا لمقت الله إياكم في الدنيا، إذ تدعون إلى الإيمان، فتكفرون، أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم، عن مجاهد، وقتادة، والسدي. وقيل: إنهم لما تركوا الإيمان، وصاروا إلى الكفر، فقد مقتوا أنفسهم أعظم المقت. وهذا كما يقول أحدنا لصاحبه: إذا كنت لا تبالي بنفسك فمبالاتي بك أقل. وليس يريد أنه لا يبالي بنفسه، بل يريد أنه يفعل فعل من هو كذلك، عن البلخي. (قالوا ربنا امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل الى

[ 429 ]

خروج من سبيل (11) ذلكم بانه إذا دعى الله وحده كفرتم وان يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير (12) هو الذى يريكم ءايته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر الا من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكفرون (14) رفيع الدرجت ذو العرش يلقى الروح من امره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم هم برزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الوحد القهار (16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ان الله سريع الحساب (17)). القراءة: قرأ روح وزيد عن يعقوب: (لتنذر) بالتاء. والباقون بالياء. الحجة: التاء على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقراءة القراء بالياء، على أن الضمير يعود إلى (من يشاء من عباده). الاعراب: (لمن الملك اليوم): انتصب (اليوم) لمدلول قوله: (لمن الملك اليوم) أي: لمن ثبت الملك في هذا اليوم. ويجوز أن يتعلق بنفس الملك. وقال قوم: إن الوقف على الملك حسن، ويبتدئ (اليوم لله الواحد القهار) أي: في هذا اليوم. المعنى: ثم حكى سبحانه عن الكفار الذين تقدم وصفهم، بعد حصولهم في النار، بانهم (قالوا ربنا أمتنا اثنين وأحييتنا اثنتين) اختلف في معناه على وجوه أحدها: إن الإماتة الأولى في الدنيا بعد الحياة، والثانية في القبر قبل البعث والإحياء الاتي في القبر للمسائلة والثانية في الحشر، عن السدي، وهو اختيار البلخي وثانيها: إن الإماتة الأولى حال كونهم نطفا فاحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة الثانية، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان، ونظيره قوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) الاية. عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، واختاره أبو مسلم وثالثها: إن الحياة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر، ولم يرد الحياة يوم القيامة. والموتة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر، عن الجبائي.

[ 430 ]

(فاعترفنا بذنوبنا) التي اقترفناها في الدنيا (فهل إلى خروج من سبيل) هذا تلطف منهم في الإستدعاء أي: هل بعد الإعتراف سبيل إلى الخروج. وقيل: إنهم سألوا الرجوع إلى الدنيا أي: هل من خروج من النار إلى الدنيا لنعمل بطاعتك، ولو علم الله سبحانه أنهم يفلحون لردهم إلى حال التكليف، ولذلك قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) تنبيها على أنهم لو صدقوا في ذلك لأجابهم إلى ما تمنوه. وفي الكلام حذف تقديره: فأجيبوا بانه لا سبيل لكم إلى الخروج. (ذلكم) أي: ذلكم العذاب الذي حل بكم (بانه إذا دعي الله وحده كفرتم) أي: إذا قيل (لا إله إلا الله) قلتم: أجعل الالهة إلها واحدا، وجحدتم ذلك. (وإن يشرك به تؤمنوا) أي: وإن يشرك به معبود آخر من الأصنام والأوثان تصدقوا (فالحكم لله) في ذلك، والفصل بين الحق والباطل. (العلي) القادر على كل شئ، ليس فوقه من هو أقدر منه، أو من يساويه في مقدوره. ونقلت هذه اللفظة من علو المكان إلى علو الشان، ولذلك جاز وصفه سبحانه بذلك. قال: استعلى فلان عليه بالقوة، وبالحجة. وليس كذلك الرفعة. ولذلك لا يوصف مكانه بانه رفيع كما وصف بانه علي. (الكبير) العظيم في صفاته، التي لا يشاركه فيها غيره. وقيل: هو السيد الجليل، عن الجبائي (هو الذي يريكم آياته) أي: مصنوعاته التي تدل على كمال قدرته وتوحيده، من السماء والأرض والشمس والقمر. (وينزل لكم من السماء رزقا) من الغيث والمطر الذي ينبت ما هو رزق للخلق. (وما يتذكر) أي وما يتعظ بهذه الايات، وليس يتفكر في حقيقتها (إلا من ينيب) أي: يرجع إليه. وقيل: إلا من يقبل إلى طاعة الله، عن السدي. ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال: (فادعوا الله مخلصين له الدين) أي: وجهوا عبادتكم إليه تعالى وحده (ولو كره الكافرون) فلا تبالوا بهم. ثم وصف سبحانه نفسه فقال: (رفيع الدرجات) الرفيع بمعنى الرافع أي: هو رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، عن عطا، عن ابن عباس. وقيل: معناه رافع السماوات السبع، عن سعيد بن جبير. وقيل: معناه أنه عالي الصفات (ذو العرش) أي: مالك العرش وخالقه وربه. وقيل: ذو الملك. والعرش: الملك، عن أبي مسلم. (يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) وقيل: الروح هو القرآن، وكل كتاب

[ 431 ]

أنزله الله تعالى على نبي من أنبائه. وقيل: الروح الوحي هنا لأنه يحيي به القلب أي: يلقي الوحي على قلب من يشاء ممن يراه أهلا له. يقال: ألقيت عليه كذا، أي: فهمته إياه. وقيل: إن الروح جبرائيل عليه السلام يرسله الله تعالى بامره، عن الضحاك، وقتادة. وقيل: إن الروح ههنا النبوة، عن السدي. (لينذر) النبي بما أوحي إليه. (يوم التلاقي) يلتقي في ذلك اليوم أهل السماء وأهل الأرض، عن قتادة والسدي وابن زيد. وقيل: فيه يلتقي الأولون والاخرون، والخصم والمخصوم، والظالم والمظلوم، عن الجبائي. وقيل: يلتقي الخلق والخالق، عن ابن عباس، يعني أنه يحكم بينهم. وقيل: يلتقي المرء وعمله، والكل مراد، والله أعلم. (يوم هم بارزون) من قبورهم. وقيل: يبرز بعضهم لبعض، فلا يخفى على أحد حال غيره، لأنه ينكشف ما يكون مستورا. (لا يخفى على الله منهم شئ) أي: من أعمالهم وأحوالهم. ويقول الله في ذلك اليوم: (لمن الملك اليوم) فيقر المؤمنون والكافرون بانه (لله الواحد القهار). وقيل: إنه سبحانه هو القائل لذلك، وهو المجيب لنفسه. ويكون في الإخبار بذلك مصلحة للمكلفين. قال محمد بن كعب القرظي: يقول الله تعالى ذلك بين النفختين، حين يفني الخلائق كلها. ثم يجيب نفسه لأنه بقي وحده. والأول أصح، لأنه بين أنه يقول ذلك يوم التلاقي، يوم يبرز العباد من قبورهم. وانما خص ذلك اليوم بان له الملك فيه، لأنه قد ملك العباد بعض الأمور في الدنيا، ولا يملك أحد شيئا ذلك اليوم. فإن قيل: أليس يملك الأنبياء والمؤمنون في الاخرة الملك العظيم ؟ فالجواب: إن أحدا لا يستحق إطلاق الصفة بالملك الا الله، لأنه يملك جميع ألأمور من غير تمليك مملك. وقيل: إن المراد به يوم القيامة قبل تمليك أهل الجنة ما يملكهم. (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) يجزي المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته. وفي الحديث (إن الله تعالى يقول: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وعنده مظلمة، حتى أقصه منه). ثم تلا هذه الاية. (لا ظلم اليوم) أي: لا ظلم لأحد على أحد، ولا ينقص من ثواب أحد، ولا

[ 432 ]

يزاد في عقاب أحد. (إن الله سريع الحساب) لا يشغله محاسبة واحد، عن محاسبة غيره. النظم: اتصل قوله: (ربنا أمتنا اثنتين) بما تقدم من ذكر إنكار الكفار البعث، فعقبه سبحانه بذكر اعترافهم بذلك يوم القيامة. وأيضا فإنه سبحانه لما ذكر مقتهم أنفسهم، لعظم ما نزل بهم، ذكر بعده سؤالهم الرجعة إلى الدنيا. وإنما اتصل قوله (فاعترفنا بذنوبنا) بما تقدم من إقرارهم بصفة الرب سبحانه، فكأنهم قالوا: اعترفنا بك ربنا، فإنك أمتنا وأحييتنا، ومع هذا فقد اعترفنا بذنوبنا. واتصل قوله: (هو الذي يريكم آياته)، بقوله: (العلي الكبير) أي: ومن هذه صفاته يريكم آياته. واتصل قوله: (رفيع الدرجات)، بقوله: (هو الذي يريكم آياته) أي: وهو الرفيع الدرجات. وقيل: إنه لما ذكر حال الفريقين، ذكر الدرجات... (وانذرهم يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كظمين ما للظلمين من حميم ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور (19) والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ ان الله هو السميع البصير (20)). القراءة: قرأ نافع، وهشام، عن ابن عامر: (والذين تدعون) بالتاء. والباقون بالياء. الحجة: من قرأ بالتاء: فعلى الخطاب، والتقدير: قل لهم يا محمد. ومن قرأ بالياء: جعل الإخبار عن الغائب. اللغة: الازفة: الدانية، من قولهم: أزف الأمر إذا دنا وقته. قال النابغة: أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا، وكأن قد (1)


(1) هذا البيت من قصيدة يصف فيها المتجردة امرأة النعمان في قضية ذكرها في مقدمة (المعلقات العشر 57) وقبل هذا البيت قوله: (لا مرحبا بغد، ولا أهلا له ان كان تفريق الأحبة في غد) يقول: قرب ارتحالنا غير (وكانها قد زالت). وفي (شواهد الأشموني)، و (جامع الشواهد): (أفد) مكان (أزف)، وهو بمعناه أيضا. (*)

[ 433 ]

والحناجر: جمع حنجرة، وهي الحلقوم. والكاظم: الممسك على ما في قلبه، يقال: كظم غيظه: إذا تجرعه. وأصل الكظم للبعير على جرته يردها في حلقه. الاعراب: قال الزجاج: كاظمين منصوب على الحال. والحال محمولة على المعنى، لأن القلوب لا يقال لها كاظمون، وإنما الكاظمون أصحاب القلوب. والمعنى: إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم، وهو حال من الضمير في لدى، ومعناه: متوقفين عن كل شئ، إلا عما دفعت إليه من فكرها فيه. ونسبة الكظم إلى القلب، كنسبة الكتابة إلى الأيدي في قوله (كتبت أيديهم)، وانما ذلك للجملة. (يطاع): جملة في موضع جر بكونها صفة شفيع أي: ولا من شفيع يطاع. المعنى: ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخؤف المكلفين يوم القيامة، فقال: (وأنذرهم يوم الأزفة) أي: الدانية، وهو يوم القيامة، لأن كل ما هو آت دان قريب. وقيل: يوم دنو المجازاة. (إذ القلوب لدى الحناجر) وذلك أنها تزول عن مواضعها من الخوف حتى تصير إلى الحنجرة، ومثله قوله: (وبلغت القلوب الحناجر). (كاظمين) أي: مغمومين، مكروبين، ممتلئين عما قد أطبقوا أفواههم على قلوبهم من شدة الخوف. (ما للظالمين من حميم) يريد: ما للمشركين والمنافقين من قريب ينفعهم. (ولا شفيع يطاع) فيهم، فتقبل شفاعته، عن ابن عباس، ومقاتل. (يعلم خائنة الأعين) أي: خيانتها وهى مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، عن مجاهد، وقتادة. والخائنة: مصدر مثل الخيانة، كما أن الكاذبة واللاغية بمعنى الكذب واللغو. وقيل: ان تقديره يعلم الأعين الخائنة، عن مؤرج. وقيل: هو الرمز بالعين، عن السدي. وقيل: هو قول الإنسان ما رأيت، وقد رأى ورأيت، وما رأى، عن الضحاك. (وما تخفي الصدور) ويعلم ما تضمره الصدور. وفي الخبر: (إن النظرة الأولى لك، والثانية عليك) فعلى هذا تكون الثانية محرمة. فهي المراد بخائنة الأعين. (والله يقضي بالحق) أي: يفصل بين الخلائق بالحق، فيوصل كل ذي حق إلى حقه (والذين يدعون من دونه) من الأصنام (لا يقضون بشئ) لأنها جماد

[ 434 ]

(إن الله هو السميع البصير) أي: الذي يجب أن يسمع المسموعات، ويبصر المبصرات، إذا وجدتا. وهاتان الصفتان في الحقيقة ترجعان إلى كونه حيا، لا آفة به. وقال قوم: معناهما العالم بالمسموعات، والعالم بالمبصرات، والأول هو الصحيح. (اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم اشد منهم قوة وءاثارا في الارض فاخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) ذلك بانهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فاخذهم الله انه قوى شديد العقاب (22) ولقد ارسلنا موسى بئايتنا وسلطن مبين (23) الى فرعون وهمن وقرون فقالوا سحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ابناء الذين ءامنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكفرين الا في ضلل (25)). القراءة: قرأ ابن عامر: (أشد منكم) بالكاف والميم. والباقون: (منهم) بالهاء والميم. الحجة: قال أبو علي: من قال (منهم)، فاتى بلفظ الغيبة، فلأن ما قبله أولم يسيروا فينظروا. ومن قال (منكم)، فلانصرافه من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: (اياك نعبد) بعد قوله (الحمد لله). المعنى: ثم نبههم سبحانه على النظر بقوله: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم) من المكذبين من الأمم لرسلهم (كانوا هم أشد منهم قوة) في أنفسهم (وآثارا في الأرض) أي: وأكثر عمارة للأبنية العجيبة. وقيل: وأبعد ذهابا في الأرض، لطلب الدنيا (فاخذهم الله بذنوبهم) أي: أهلكهم الله بسبب ذنوبهم (ومما كان لهم من الله من واق) أي: دافع يدفع عنهم عذابه، ويمنع من نزوله بهم (ذلك) العذاب الذي نزل بهم (بانهم كانت تأتيهم رسلهم

[ 435 ]

بالبينات) أي: بالمعجزات الباهرات، والدلالات الظاهرات. (فكفروا) بها (فاخذهم الله) أي: أهلكهم عقوبة على كفرهم (إنه قوي) قادر على الإنتقام منهم (شديد العقاب) أي: شديد عقابه. ثم ذكر قصة موسى وفرعون، ليعتبروا بها، فقال: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) أي: بعثناه بحججنا ودلالاتنا. (وسلطان مبين) أي: حجة ظاهرة نحو قلب العصا حية، وفلق البحر (إلى فرعون وهامان وقارون) كان موسى رسولا إلى كافتهم إلا أنه خص فرعون، لأنه كان رئيسهم، وكان هامان وزيره، وقارون صاحب كنوزه، والباقون تبع لهم. وإنما عطف وبالسلطان على الآيات، لاختلاف اللفظين تأكيدا. وقيل: المراد بالآيات حجج التوحيد، والعدل. وبالسلطان: المعجزات الدالة على نبوته. (فقالوا ساحر) أي: مموه (كذاب) فيما يدعو إليه (فلما جاءهم بالحق من عندنا) أي: فلما أتاهم موصى بالتوحيد، والدلالات عليه، من عندنا. وقيل: المراد بالدين الحق (قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) أي: أمروا بقتل الذكور من قوم موسى، لئلا يكثر قومه، ولا يتقوى بهم، وباستبقاء نسائهم للخدمة. وهذا القتل غير القتل الأول، لأنه أمر بالقتل الأول، لئلا ينشا منهم من يزول ملكه على يده، ثم ترك ذلك. فلما ظهر موسى، عاد إلى تلك العادة، فمنعهم الله عنه بإرسال الدم، والضفادع، والطوفان، والجراد، كما مضى ذكر ذلك. ثم أخبر سبحانه أن ما فعله من قتل الرجال، واستحياء النساء، لم ينفعه بقوله: (وما كيد الكافرين إلا في ضلال) أي: في ذهاب عن الحق، لا ينتفعون به. (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد (26) وقال موسى إنى عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمنه أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينت من ربكم وإن يك كذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم

[ 436 ]

بعض الذى يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب (28) يقوم لكم الملك اليوم ظهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما ارى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذئ امن يقوم إنى اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب (30)). القراءة: قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو: (وأن يظهر) بغير ألف قبل الواو، و (يظهر) بضم الياء وكسر الهاء. (الفساد) بالنصب. وقرأ ابن كثير، وابن عامر (وأن يظهر) بفتح الياء، (الفساد) بالرفع. وقرأ أهل الكوفة غير عاصم، وأبو عمرو واسماعيل عن نافع، وأبو جعفر (عذت) هنا وفي الدخان بإدغام الذال في التاء، وكذلك قوله: (فنبذتها) حيث كان. والباقون بالإظهار حيث كان. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (أو أن يظهر) فالمعنى: إني أخاف هذا الضرب منه كما تقول: كل خبزا، أو تمرا، أي: هذا الضرب. ومن قرأ (وأن يظهر) فالمعنى: إني أخاف هذين الأمرين منه. ومن قرأ (يظهر في الأرض الفساد) فاسند الفعل إلى موسى، فلأنه أشبه بما تقدم من قوله (يبدل دينكم). ومن قرأ (وأن يظهر) فالمعنى: وأن يظهر الفساد في الأرض بمكانه، أو أراد أنه إذا بدل الدين ظهر الفساد بالتبديل. فاما الإدغام في (عذت)، فحسن لتقارب الحرفين. والإظهار حسن لأن الذال ليست من حيز التاء، وإنما الذال والظاء والثاء من خز، والدال والتاء والطاء من حيز. إلا أنها كلها من طرف اللسان، وأصول الثنايا. فلذلك صارت متقاربة. المعنى: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى) أي: قال لقومه: أتركوني أقتله. وفي هذا دلالة على أنه كان في خاصة فرعون قوم يشيرون عليه بان لا يقتل موسى، ويخوفونه بان يدعو ربه فيهلك، فلذلك قال: (وليدع ربه) أي: كما يقولون. وقيل: إنهم قالوا له: هو ساحر، فإن قتلله قبل ظهور الحجة، قويت الشبهة بمكانه، بل أرجه وأخاه، وابعث في المدائن حاشرين. وقوله (وليدع ربه) معناه: وقولوا له ليدع ربه، وليستعن به في دفع القتل عنه، فإنه لا يجئ من دعائه شئ. قاله تجبرا وعتوا وجرأة على الله.

[ 437 ]

(إني أخاف أن يبدل دينكم) إن لم أقتله، وهو ما تعتقدونه من إلهيتي (أو أن يظهر في الأرض الفساد) بان يتبعه قوم، ويحتاج إلى أن نقاتله، فيخرب فيما بين ذلك البلاد، ويظهر الفساد. وقيل: إن الفساد عند فرعون أن يعمل بطاعة الله، عن قتادة. فلما قال فرعون هذا، استعاذ موسى بربه، وذلك قوله: (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) أي: إني اعتصمت بربي الذي خلقني، وربكم الذي خلقكم، من شر كل متكبر على الله، متجبر عن الإنقياد له، لا يصدق بيوم المجازاة، ليدفع شره عني. ولما قصد فرعون قتل موسى وعظهم المؤمن من آله، وهو قوله: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) في صدره على وجه التقية. قال أبو عبد الله عليه السلام: التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له. والتقية ترس الله في الأرض، لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل. قال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى، فقال: (إن الملأ ياتمرون بك ليقتلوك) قال السدي ومقاتل: كان ابن عم فرعون، وكان آمن بموسى، وهو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى. وقيل: إنه كان ولي عهده من بعده، وكان اسمه حبيب. وقيل: اسمه حزبيل. (أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله) وهو استفهام إنكار، ولو قال: أتقتلون رجلا قائلا ربي الله، لم يدل على أن القتل من أجل الإيمان، لأن (يقول) يكون صفة لرجل نحو: يقتلون رجلا قائلا ربي الله. فموضع (أن يقول) نصب على أنه مفعول له. (وقد جائكم بالبينات من ربكم) أي: بما يدل على صدقه من المعجزات، مثل العصا واليد وغيرهما. (وإن يك كاذبا فعليه كذبه) إنما قال هذا على وجه التلطف، كقوله: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ومعناه: إن يك كاذبا فعلى نفسه وبال كذبه. (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) قيل: إن موسى كان يعدهم بالنجاة إن آمنوا، وبالهلاك إن كفروا. وقال: (يصبكم بعض الذي يعدكم) لأنهم إذا كانوا على إحدى الحالين، نالهم أحد الأمرين، فذلك بعض الأمر لا كله. وقيل: إنما قال (بعض الذي يعدكم) لأنه توعدهم أمورا مختلفة منها الهلاك في الدنيا، والعذاب في الاخرة، فيكون هلاكهم في الدنيا بعض ما توعدهم به. وقيل:

[ 438 ]

استعمل البعض في موضع الكل، تلطفا في الخطاب، وتوسعا في الكلام، كما قال الشاعر: قد يدرك المتأني بعض حاجته، وقد يكون من المستعجل الزلل وكانه قال: أقل ما فيه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي ذلك البعض هلاككم. وقال علي بن عيسى: إنما قال (بعض الذي يعدكم) على المظاهرة بالحجاج أي: إنه يكفي بعضه، فكيف جميعه. (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) أي: لا يهدي إلى جنته وثوابه من هو مسرف على نفسه، متجاوز عن الحد في المعصية، كذاب على ربه. ويجوز أن يكون هذا حكاية عن قول المؤمن. ويجوز أن يكون ابتداء الكلام من الله تعالى. ثم ذكرهم هذا المؤمن ما هم فيه من الملك، ليشكروا الله على ذلك بالإيمان به، فقال: (يا قوم لكم الملك اليوم) أي: لكم السلطان على أهل الأرض، يعني أرض مصر اليوم (ظاهرين في الأرض) أي: عالين فيها، غالبين عليها، قاهرين لأهلها (فمن ينصرنا من باس الله) أي: من يمنعنا من عذاب الله (إن جائنا) ومعناه: لا تتعرضوا لعذاب الله بقتل النبي وتكذيبه، فلا مانع من عذاب الله إن حل بكم. ف‍ (قال فرعون) عند ذلك (ما اريكم إلا ما أرى) أي: ما أشير عليكم إلا بما أراه صوابا، وأرضاه لنفسي. وقيل: معناه ما أعلمكم إلا ما أعلم (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) وما أرشدكم إلا إلى ما هو طريق الرشاد، والصواب عندي، وهو قتل موسى، والتكذيب به، واتخاذي إلها وربا. ثم ذكرهم ما نزل بمن قبلهم، وذلك قوله. (وقال الذي امن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب) أي: عذابا مثل يوم الأحزاب. قال الجبائي: القائل لذلك موسى، لأن المؤمن من آل فرعون. كان يكتم إيمانه. وهذا لا يصح لأنه قريب من قوله: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) وأراد بالأحزاب الجماعات التي تحزبت على أنبيائها بالتكذيب، وقد يطلق اليوم على النعمة والمحنة، فكأنه قال: يوم هلاكهم. (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويقوم إنى أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله

[ 439 ]

من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينت فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) الذين يجدلون فئ ايت الله بغير سلطن أتهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ءامنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35)). القراءة: قرأ أبو عمرو وابن ذكوان وقتيبة: (على كل قلب) بالتنوين. والباقون: (على كل قلب متكبر) على الإضافة. وفي الشواذ قراءة ابن عباس والضحاك وأبي صالح والكلبي: (يوم التناد) بتشديد الدال. الحجة: قال أبو علي: من نون فإنه جعل المتكبر صفة لقلب، فإذا وصف القلب بالتكبر، كان صاحبه في المعنى متكبرا، فكأنه أضاف التكبر إلى القلب، كما أضيف الصعر إلى الخد في قوله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس). فكما يكون بتصعير الخد متكبرا، كذلك يكون بالتكبر في القلب متكبرا بجملة. وأما من أضافه، فقال (على كل قلب متكبر)، فلا يخلو من أن يقدر الكلام على ظاهره، أو يقدر فيه حذفا، فإن تركه على ظاهره، كان المعنى: يطبع الله على كل قلب متكبر أي: يطبع على جملة القلب من المتكبر، وليس المراد أن يطبع على كل قلبه، فيعم الجميع بالطبع. إنما المعنى: إنه يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا. والطبع علامة في جملة القلب كالختم عليه، فإذا كان الحمل على الظاهر غير مستقيم، علمت أن الكلام ليس على ظاهره، وأنه حذف منه شئ، وذلك المحذوف إذا أظهرته، كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فيكون المعنى يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا من كل متكبر، ويختم عليه. ويؤكد ذلك أن في حرف ابن مسعود فيما زعموا على قلب كل متكبر، وإظهار كل في حرفه، يدل على أنه في حرف العامة أيضا مراد. وحسن حذف كل، لتقدم ذكره كما جاز ذلك في قوله: أكل امرئ تحسبين امرءا ونار توقد بالليل نارا (1)


(1) هذا البيت لأبي داود الأيادي الذي ضرب بجاره كعب بن يمامة المثل في حسن الجوار. قال قيس بن زهيرة: = (*)

[ 440 ]

وفي قولهم: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة. فحذف كل لتقدم ذكرها، فكذلك في الاية. وأما (التناد) بالتشديد، فإنه تفاعل من ند يند إذا نفر. اللغة: الجبار: الذي يقتل على الغضب، يقال: أجبر فهو جبار، مثل أدرك فهو دراك. قال الفراء: ولا ثالث لهما. وقال ابن خالويه: وجدت لهما ثالثا: أسار فهو سئار (1). المعنى: ثم فسر سبحانه ذلك فقال: (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود) والدأب: العادة. ومعناه: إني أخاف عليكم مثل سنة الله في قوم نوح وعاد وثمود، وحالهم حين أهلكهم الله، واستأصلهم، جزاء على كفرهم. (والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد) وفي هذا أوضح دلالة على فساد قول المجبرة القائلة بان كل ظلم يكون في العالم، فهو بإرادة الله تعالى. ثم حذرهم عذاب الآخرة أيضا فقال: (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد) حذف الياء للإجتزاء بالكسرة الدالة عليها، وهو يوم القيامة ينادي فيه بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور. وقيل: إنه اليوم الذي ينادي فيه أصحاب الجنة أصحاب النار (أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا) الاية. وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله)، عن الحسن وقتادة وابن زيد. وقيل: ينادي فيه كل أناس بإمامهم. (يوم تولون مدبرين) أي: يوم تعرضون على النار فارين منها، مقدرين أن الفرار ينفعكم. وقيل: منصرفين إلى النار بعد الحساب، عن قتادة ومقاتل. (ما لكم من الله من عاصم) أي: مانع من عذاب الله (ومن يضلل الله فماله من هاد)


(سأفعل ما بدا لي ثم آوي إلى جار كجار أبي داود) وقال طرفة: (إني كفاني من أمر هممت به جار كجار الحذاقى الذي اتصفا) والحذاقي: هو أبو داود. يخاطب في هذا البيت امرأته ويقول: ما ينبني لك أن تظني أن كل من له صورة المرء مرءا، وإنما الخليق باسم الرجل هو المتصف بالصفات النفيسة، والخصال الحميدة، ولا كل نار اشتعل في الليل نارا، بل الخليق باسم النار التي تشتعل للإكرام، والضيافة، وهداية طريق الضالة. (1) وهو الذي يسئر في الإناء من الشراب، يقال: أسار منه شيئا أي: أبقى بقية.

[ 441 ]

أي: من يضلل الله، عن طريق الجنة، فما له من هاد يهديه إليها (ولقد جائكم يوسف) وهو يوسف بن يعقوب، بعثه الله رسولا إلى القبط (من قبل) أي: من قبل موسى (بالبينات) أي بالحجج الواضحات (فما زلتم في شك مما جائكم به) من عبادة الله تعالى، وحده لا شريك له، عن ابن عباس. وقيل: مما دعاكم إليه من الدين. (حتى إذا هلك) أي: مات (قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) أي: أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد لكم إيجاب الحجة. (كذلك) أي: مثل ذلك الضلال (يضل الله من هو مسرف) على نفسه كافر. وأصل الإسراف مجاوزة الحد (مرتاب) أي: شاك في التوحيد، ونبوة الأنبياء. (الذين يجادلون في آيات الله) أي: في دفع آيات الله وإبطالها، وموضع (الذين) نصب لأنه بدل من قوله (من هو مسرف). ويجوز أن يكون رفعا بتقديم هم (بغير سلطان) أي: بغير حجة. (أتاهم كبر مقتا عند الله) أي: كبر ذلك الجدال منهم عداوة عند الله (وعند الذين آمنوا) بالله. والمعنى: مقته الله تعالى ولعنه، وأعد له العذاب، ومقته المؤمنون، وأبغضوه بذلك الجدال. وأنتم جادلتم وخاصمتم في رد آيات الله مثلهم، فاستحققتم ذلك (كذلك) أي: مثل ما طبع على قلوب أولئك بأن ختم عليها علامة لكفرهم (يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) يفعل ذلك عقوبة له على كفره. والجبار: صفة للمتكبر، وهو الذي يأنف من قبول الحق. قيل: وهو القتال. (وقال فرعون يهمن ابن لى صرحا لعلى أبلغ الاسبب (36) أسبب السموت فاطلع الى اله موسى وانى لاظنه كذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) وقال الذئ امن يقوم اتبعون اهدكم سبيل الرشاد (38) يقوم إنما هذه الحيوة الدنيا متع وإن الاخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صلحا من ذكر أو انثى وهو

[ 442 ]

مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40)). القراءة: قرأ حفص: (فأطلع) بالنصب. والباقون بالرفع. واختلافهم في (صد عن السبيل) وفي (يدخلون الجنة) قد تقدم ذكره (1). الحجة: من رفع (فأطلع)، فعلى معنى لعلي أبلغ، ولعلي أطلع. ومثله قوله (لعله يزكى أو يذكر) وليس بجواب. ومن نصب، جعله جوابا بالفاء لكلام غير موجب، والمعنى: إني إذا بلغت واطلعت. ومما يقوي بناء الفعل للفاعل في (صد) قوله: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله)، وفي موضع آخر (ويصدون عن سبيل الله)، فكذلك (وصد عن سبيل) ينبغي أن يكون الفعل فيه مبنيا للفاعل. ومن ضم الصاد، فلأن ما قبله مبني للمفعول به، وهو قوله: (وكذلك زين لفرعون سوء عمله). اللغة: الصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على عين الناظر وإن بعد، وهو من التصريح بالأمر، وهو إظهاره بأتم الإظهار. والسبب: كل ما يتوصل به إلى شئ يبعد عنك، وجمعه الأسباب. والتباب: الخسار والهلاك بالإنقطاع. المعنى: ثم بين سبحانه ما موه به فرعون على قومه، لما وعظه المؤمن، وخوفه من قتل موسى، وانقطعت حجته بقوله: (وقال فرعون يا هامان) وهو وزيره، وصاحب أمره (ابن لي صرحا) أي: قصرا مشيدا بالاجر. وقيل: مجلسا عاليا، عن الحسن (لعلي أبلغ الأسباب) ثم فسر تلك الأسباب، فقال: (أسباب السموات) والمعنى: لعلي أبلغ الطرق من سماء إلى سماء، عن السدي. وقيل: أبلغ أبواب طرق السموات، عن قتادة. وقيل: منازل السموات، عن ابن عباس. وقيل: لعلي أتسبب وأتوصل به إلى مرادي، وإلى علم ما غاب عني. ثم بين مراده فقال: (أسباب السموات). (فاطلع إلى إله موسى) أي: فأنظر إليه فاراد به التلبيس على الضعفة مع علمه باستحالة ذلك، عن الحسن. وقيل: أراد فاصل إلى إله موسى، فغلبه الجهل، واعتقد أن الله سبحانه في السماء، وأنه يقدر على بلوغ السماء. (وإني لأظنه كاذبا) معناه: وإني لأظن موسى كاذبا في


(1) راجع الجزء الخامس والجزء الثالث. (*)

[ 443 ]

قوله إن له إلها غيري أرسله إلينا. (وكذلك) أي: مثل ما زين لهؤلاء الكفار سوء أعمالهم (زين لفرعون سوء عمله) أي: قبيح عمله. وأنما زين له ذلك أصحابه وجلساؤه، وزين له الشيطان كما قال (وزين لهم الشيطان أعمالهم). (وصد عن السبيل) ومن ضم الصاد، فالمعنى أنه صده غيره. ومن فتح، فالمعنى أنه صد نفسه، أو صد غيره. (وما كيد فرعون) في إبطال آيات موسى (إلا في تباب) أي: هلاك وخسار، لا ينفعه. ثم عاد الكلام إلى ذكر نصيحة مؤمن آل فرعون، وهو قوله: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد) أي: طريق الهدى، وهو الإيمان بالله، وتوحيده، والإقرار بموسى. وقيل: إن هذا القائل موسى أيضا، عن الجبائي. (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) أي: انتفاع قليل، ثم يزول وينقطع، ويبقى وزره وآثامه (وإن الآخرة هي دار القرار) أي: دار الإقامة التي يستقر الخلائق فيها، فلا تغتروا بالدنيا الفانية، ولا تؤثروها على الدار الباقية. (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) أي: من عمل معصية فلا يجزى إلا مقدار ما يستحقه عليها من العقاب لا أكثر من ذلك. (ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) مصدق بالله وأنبيائه شرط الإيمان في قبول العمل الصالح (فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) أي: زيادة على ما يستحقونه تفضلا من الله تعالى، ولو كان على مقدار العمل فقط، لكان بحساب. وقيل: معناه لا تبعة عليهم فيما يعطون من الخير في الجنة، عن مقاتل. قال الحسن: هذا كلام مؤمن ال فرعون، ويحتمل أن يكون كلام الله تعالى إخبارا عن نفسه. (ويقوم مالى أدعوكم الى النجوة وتدعونني الى النار (41) تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لى به علم وأنا أدعوكم الى العزيز الغفر (42) لاجرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الاخرة وأن مردنا الى الله وأن المسرفين هم أصحب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله إن الله بصير

[ 444 ]

بالعباد (44) فوقه الله سيئات ما مكروا وحاق بئال فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب (46)). القراءة: قرأ أهل المدينة والكوفة إلا أبا بكر ويعقوب: (أدخلوا) بقطع الهمزة، وكسر الخاء. والباقون بالوصل، وضم الخاء. الحجة: قال أبو علي: القول مراد في الوجهين جميعا، كأنه قال: يقال أدخلوهم، ويقال ادخلوا. فمن قال ادخلوا: كان (آل فرعون) مفعولا به و (أشد العذاب) مفعولا ثانيا، والتقدير: إرادته حرف الجر، ثم حذف، كما أنك إذا قلت: دخل زيد الدار، كان معناه في الدار، كما أن خلافه الذي هو خرج، كذلك في التقدير. وكذلك قوله: (لتدخلن المسجد الحرام). ومن قال: (ادخلوا آل فرعون) كان انتصاب آل فرعون على النداء، و (أشد العذاب) في موضع مفعول به، وحذف الجار فانتصب انتصاب المفعول به. وحجة من قال ادخلوا قوله (ادخلوا الجنة انتم وأزواجكم تحبرون)، و (ادخلوها بسلام آمنين)، و (ادخلوا أبواب جهنم). وحجة من قال أدخلوا أنه أمر بهم فأدخلوا. المعنى: ثم قال: (ويا قوم ما لي) أي: ما لكم، كما يقول الرجل: ما لي أراك حزينا، معناه: ما لك. ومعناه: أخبروني عنكم كيف هذه الحال (أدعوكم إلى النجاة) من النار بالإيمان بالله (وتدعونني إلى النار) أي: إلى الشرك الذي يوجب النار. ومن دعا إلى سبب الشئ، فقد دعا إليه. ثم فسر الدعوتين بقوله: (تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم) ولا يجوز حصول العلم به، إذ لا يجوز قيام الدلالة على إثبات شريك لله تعالى، لا من طريق السمع، ولا من طريق العقل. (وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) أي: إلى عبادة القادر الذي لا يقهر، ولا يمنع، فينتقم من كل كفار عنيد، الغافر لذنوب من يشاء من أهل التوحيد. (لا جرم) قيل: معناه حقا مقطوعا به من الجرم، وهو القطع. قال الزجاج حكاية عن الخليل: هو رد الكلام، والمعنى: وجب وحق (أنما تدعونني إليه ليس له دعوة، أي: وجب بطلان دعوته، يقول: لا بد أنما تدعونني إليه من عبادة

[ 445 ]

الأصنام، أو عبادة فرعون، ليس له دعوة نافعة. (في الدنيا ولا في الآخرة) فأطلق أنه (ليس له دعوة) ليكون أبلغ، وإن توهم جاهل أن له دعوة ينتفع بها، فإنه لا يعتد بذلك لفساده وتناقضه. وقيل: معناه ليست لهذه الأصنام استجابة دعوة أحد في الدنيا، ولا في الآخرة، فحذف المضاف، عن السدي وقتادة والزجاج. وقيل: معناه ليست له دعوة في الدنيا، لأن الأصنام لا تدعو إلى عبادتها فيها، ولا في الآخرة، لأنها تبرأ من عبادها فيها. (وأن مردنا إلى الله) أي: ووجب أن مرجعنا ومصيرنا إلى الله، فيجازي كلا بما يستحقه (وأن المسرفين) أي: ووجب أن المسرفين الذين أسرفوا على أنفسهم بالشرك، وسفك الدماء بغير حقها (هم أصحاب النار) الملازمون لها. ثم قال لهم على وجه التخويف والوعظ: (فستذكرون) صحة (ما أقول لكم) إذا حصلتم في العذاب يوم القيامة. وقيل: معناه فستذكرون عند نزول العذاب بكم، ما أقول لكم من النصيحة. (وأفوض أمري إلى الله) أي: أسلم أمري إلى الله، وأتوكل عليه، وأعتمد على لطفه. والأمر إسم جنس (إن الله بصير بالعباد) أي: عالم باحوالهم، وبما يفعلونه من طاعة ومعصية، وأظهر إيمانه بهذا القول. (فوقاه الله سيئات ما مكروا) أي: صرف الله عنه سوء مكرهم، فنجا مع موسى، حتى عبر البحر معه، عن قتادة. وقيل: إنهم هموا بقتله، فهرب إلى جبل، فبعث فرعون رجلين في طلبه، فوجداه قائما يصلي، وحوله الوحوش صفوفا، فخافا ورجعا هاربين (وحاق بآل فرعون) أي: أحاط ونزل بهم (سوء العذاب) أي: مكروهه، وما يسوء منه. وآل فرعون: أشياعه وأتباعه. وقيل: من كان على دينه، عن الحسن. وإنما ذكر آله، ولم يذكره، لأنهم إذا هلكوا بسببه، فكيف يكون حاله. وسؤ العذاب في الدنيا الغرق، وفي الاخرة النار. وذلك قوله: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) أي: يعرض آل فرعون على النار في قبورهم صباحا ومساء، فيعذبون. وإنما رفع (النار) بدلا من قوله (سوء العذاب). وعن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن كان من أهل النار فمن النار، يقال: هذا مقعدك حين يبعثك الله يوم القيامة). أورده البخاري ومسلم في الصحيحين. وقال أبو عبد الله عليه السلام: ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة، لأن

[ 446 ]

في النار يوم القيامة لا يكون غدو وعشي. ثم قال: إن كانوا يعذبون في النار غدوا وعشيا، ففيما بين ذلك هم من السعداء، لا ولكن هذا في البرزخ، قبل يوم القيامة، ألم تسمع قوله عز وجل: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) وهذا امر لال فرعون بالدخول، أو امر للملائكة بادخالهم في اشد العذاب، وهو عذاب جهنم. (وإذا يتحاجون في النار فيقول الضعفؤا للذين استكبروا انا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينت قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعؤا الكفرين إلا في ضلل (50)). اللغة: التبع: يصلح أن يكون مصدرا يقال: تبع تبعا: ويجوز أن يكون جمع تابع نحو: خادم وخدم، وخائل وخول، وغائب وغيب. الاعراب: (أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات): التقدير أولم تك القصة، وتاتيكم رسلكم تفسير القصة. فاسم كان مضمر. المعنى: ثم ذكر سبحانه ما يجري بين أهل النار من التحاج، فقال: (وإذ يتحاجون في النار) معناه: واذكر يا محمد لقومك الوقت الذي يتحاج فيه أهل النار في النار، ويتخاصم الرؤساء والأتباع (فيقول الضعفاء) وهم الأتباع (للذين استكبروا) وهم الرؤساء (إنا كنا لكم) معاشر الرؤساء (تبعا) وكنا نمتثل أمركم، ونجيبكم إلى ما تدعوننا إليه (فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار) لأنه يلزم الرئيس الدفع عن أتباعه، والمنقادين لأمره أي: هل أنتم حاملون عنا قسطا من النار والعذاب الذي نحن فيه. (قال الذين استكبروا إنا كل فيها) أي: نحن وأنتم في النار، وكل فيها: مبتدأ وخبر في موضع رفع، بانه خبر إن. ويجوز أن يكون كل خبر إن المعنى: إنا

[ 447 ]

مجتمعون في النار (إن الله قد حكم بين العباد) بذلك، وبان لا يتحمل أحد عن أحد، وأنه يعاقب من أشرك به، وعبد معه غيره لا محالة. (وقال الذين في النار) أي: حصلوا في النار من الأتباع والمتبوعين (لخزنة جهنم) وهم الذين يتولون عذاب أهل النار من الملائكة الموكلين بهم (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) يقولون ذلك لأنه لا طاقة لهم على شدة العذاب، ولشدة جزعهم، إلا أنهم يطمعون في التخفيف، لأن معارفهم ضرورية يعلمون أن عقابهم لا ينقطع، ولا يخفف عنهم. (قالوا) أي: قال الخزنة لهم (أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات) أي: الحجج والدلالات على صحة التوحيد والنبوات أي: فكفرتم وعاندتم حتى استحققتم هذا العذاب. (قالوا بلى) جاءتنا الرسل والبينات فكذبناهم، وجحدنا نبوتهم (قالوا فادعوا) أي: قالت الخزنة فادعو أنتم، فإنا لا ندعو إلا بإذن، ولم يؤذن لنا فيه. وقيل: إنما قالوا ذلك استخفافا بهم. وقيل. معناه فادعوا بالويل والثبور (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي: في ضياع، لأنه لا ينتفع به. (إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الاشهد (51) يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسرءيل الكتب (53) هدى وذكرى لاولى الالبب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكر (55)). القراءة: قرأ أبو جعفر وابن كثير وابن عامر وأهل البصرة: (يوم لا تنفع) بالتاء. والباقون بالياء. الحجة: والوجهان حسنان، لأن المعذرة والإعتذار بمعنى، كما أن الوعظ والموعظة كذلك. الاعراب: (يوم يقول الأشهاد) محمول على موضع قوله: (في الحياة الدنيا)، كما يقال: جئتك أمس واليوم.

[ 448 ]

المعنى: ثم أخبر سبحانه عن نفسه، بانه ينصر رسله، ومن صدقهم، فقال: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) أي: ننصرهم بوجوه النصر، فإن النصر قد يكون بالحجة، ويكون أيضا بالغلبة في المحاربة، وذلك بحسب ما تقتضيه الحكمة، ويعلمه سبحانه من المصلحة. ويكون أيضا بالالطاف، والتأييد، وتقوية القلب. ويكون بإهلاك العدو. وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قبل الله تعالى، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم. وقد نصروا أيضا بالقهر على من ناوأهم. وقد نصروا بإهلاك عدوهم، وإنجائهم مع من آمن معهم. وقد يكون النصير بالإنتقام لهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، حين قتل به سبعون ألفا. فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه. (ويوم يقوم الأشهاد) جمع شاهد مثل الأصحاب جمع صاحب، هم الذين يشهدون بالحق للمؤمنين، وعلى المبطلين والكافرين يوم القيامة. وفي ذلك سرور للمحق، وفضيحة للمبطل في ذلك الجمع العظيم. وقيل: هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، عن قتادة. وقيل: هم الحفظة من الملائكة، عن مجاهد، يشهدون للرسل بالتبليغ، وعلى الكفار بالتكذيب. وقيل: هم الأنبياء وحدهم يشهدون للناس، وعليهم. ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) أي: إن اعتذروا من كفرهم لم يقبل منهم، وإن تابوا لم تنفعهم التوبة، وإنما نفى أن تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار الدنيا، لأن الآخرة دار الإلجاء إلى العمل، والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجئ إليه. (ولهم اللعنة) أي: البعد من الرحمة، والحكم عليهم بدوام العقاب (ولهم سوء الدار) جهنم نعوذ بالله منها. ثم بين سبحانه نصرته موسى وقومه، فقال: (ولقد أتينا موسى الهدى) أي: أعطيناه التوراة فيها أدلة واضحة على معرفة الله، وتوحيده. (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب) أي: وأورثنا من بعد موسى بني إسرائيل التوراة، وما فيه من البيان (هدى) أي: هو هدى أي: دلالة يعرفون بها معالم دينهم (وذكرى لأولي الألباب) أي: وتذكير لأولي العقول، لأنهم الذين يتمكنون من الإنتفاع به دون من لا عقل له. ويجوز أن يكون (هدى)، و (ذكرى) منصوبين على أن يكونا مصدرين، وضعا موضع الحال من الكتاب، بمعنى هاديا ومذكرا.

[ 449 ]

ويجوز أن يكون بمعنى المفعول له أي: للهدى والتذكير. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر فقال: (فاصبر) يا محمد على أذى قومك، وتحمل المشاق في تكذيبهم إياك (إن وعد الله) الذي وعدك به من النصر في الدنيا، والثواب في الآخرة (حق) لا خلف فيه (واستغفر لذنبك) من جوز الصغائر على الأنبياء قال: معناه اطلب المغفرة من الله على صغيرة وقعت منك، ولعظيم نعمته على الأنبياء كلفهم التوبة من الصغائر. ومن لا يجوز ذلك عليهم، وهو الصحيح، قال: هذا تعبد من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء والإستغفار لكي يزيد في الدرجات، وليصير سنة لمن بعده (1). (وسبح بحمد ربك) أي: نزه الله تعالى، واعترف بشكره، وإضافة النعم إليه، ونفي التشبيه عنه. وقيل: نزه صفاته عن صفات المحدثين، ونزه أفعاله عن أفعال الظالمين. وقيل: معناه صل بأمر ربك (بالعشي) من زوال الشمس إلى الليل (والإبكار) من طلوع الفجر الثاني، إلى طلوع الشمس، عن مجاهد. وقيل: يريد الصلوات الخمس، عن ابن عباس. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (قال الله، جل جلاله: يا ابن آدم ! اذكرني بعد الغداة ساعة، وبعد العصر ساعة، أكفك ما أهمك). (إن الذين يجدلون فئ ايت الله بغير سلطن أتهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببلغيه فاستعذ بالله إنه هو


(1) وقد مر أن القرآن نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، كما ورد في روايات كثيرة فراجع. المسيح: اسم خص الله به عيسى بن مريم عليه السلام. وقيل في وجه تسميته عليه السلام بالمسيح وجوه. وممن سمي بالمسيح هو الكذاب الدجال قال الشاعر: (إذا المسيح يقتل المسيحا) يعني عيسى بن مريم يقتل الدجال، وسمي الدجال مسيحا لوجوه ذكرها اللسان في (مسح) فراجع. وروى بعض المحدثين: المسيح بكسر الميم والتشديد - في الدجال (بوزن سكيت) وقد يستفاد من الروايات أن الدجال رجل من يهود. قال في (الكشاف)، في تفسير الآية: وقيل: المجادلون هم اليهود، وكانوا يقولون: يخرج صاحبنا المسيح بن داود، يريدون الدجال، ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فرجع إلينا الملك، فسمى الله تمنيهم ذلك كبرا، ونفى أن يبلغوا متمناهم. (*)

[ 450 ]

السميع البصير (56) لخلق السموت والارض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما يستوى الاعمى والبصير والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ولا المسئ قليلا ما تتذكرون (58) إن الساعة لاتية لاريب فيها ولكن اكثر الناس لا يؤمنون (59) وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60)). القراءة: قرأ أهل الكوفة: (تتذكرون) بالتاء. والباقون بالياء. وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو بكر غير الشموني وسهل: (سيدخلون) بضم الياء، وفتح الخاء. والباقون: بفتح الياء وضم الخاء. الحجة: التاء على قل لهم قليلا ما تتذكرون. والياء على أن الكفار قليلا ما يتذكرون وقوله (سيدخلون) الوجه في القراءتين ظاهر. النزول: نزل قوله (إن الذين يجادلون في آيات الله) الاية. في اليهود، لأنهم كانوا يقولون سيخرج المسيح الدجال فنعينه على محمد وأصحابه، ونستريح منهم، ويرد الملك الينا، عن أبي العالية. المعنى: ثم قال سبحانه: (إن الذين يجادلون) أي: يخاصمون (في آيات الله) أي: في دفع آيات الله، وإبطالها (بغير سلطان) أي: حجة (أتاهم) الله إياها يتسلط بها على إنكار مذهب يخالف مذهبهم (إن في صدورهم إلا كبر) أي: ليس في صدورهم الا عظمة وتكبر على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجبرية (ما هم ببالغيه) أي: ما هم ببالغي مقتضى تلك العظمة، لأن الله تعالى مذلهم. وقيل: معناه كبر بحسدك على النبوة إلتي أكرمك الله بها ما هم ببالغيه، لأن الله تعالى يرفع بشرف النبوة من يشاء. وقيل: ما هم ببالغي وقت خروج الدجال. (فاستعذ بالله) من شر اليهود، والدجال، ومن جميع ما يجب الإستعاذة منه (إنه هو السميع) لأقوال هؤلاء (البصير) بضمائرهم. وفي هذا تهديد لهم فيما أقدموا عليه. ثم قال سبحانه: (لخلق السماوات والأرض) مع عظمهما، وكثرة أجزائهما،

[ 451 ]

ووقوفهما بغير عمد، وجريان الفلك والكواكب، من غير سبب (أكبر) أي: أعظم وأهول في النفس (من خلق الناس) وإن كان خلق الناس عظيما بما فيه من الحياة والحواس المهياة لأنواع مختلفة من الإدراكات (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) لعدولهم عن الفكر فيه، والإستدلال على صحته. والمعنى: إنهم إذا أقروا بان الله تعالى خلق السماء والأرض، فكيف أنكروا قدرته على إحياء الموتى، ولكنهم أعرضوا عن التدبر، فحلوا محل الجاهل الذي لا يعلم شيئا. (وما يستوي الأعمى والبصير) أي: لا يستوي من أهمل نفسه، ومن تفكر فعرف الحق. شبه الذي لا يتفكر في الدلائل بالأعمى، والذي يستدل بها بالبصير. (والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ) أي: وما يستوي المؤمنون الصالحون، ولا الكافر الفاسق في الكرامة والإهانة، والهدى والضلال (قليلا ما تتذكرون) يجوز أن تكون (ما) مزيدة. ويجوز أن تكون مصدرية. فيكون تقديره: قليلا تذكرهم أي: قل نظرهم فيما ينبغي أن ينظروا فيه مما دعوا إليه. (إن الساعة) يعني القيامة (لآتية) أي: جائية واقعة (لا ريب فيها) أي: لا شك في مجيئها. (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) أي: لا يصدقون بذلك لجهلهم بالله تعالى، وشكهم في إخباره. (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) يعني إذا اقتضت المصلحة إجابتكم وكل من يسأل الله شيئا ويدعوه، فلا بد أن يشترط المصلحة في ذلك: إما لفظا، أو إضمارا، وإلا كان قبيحا. لأنه ربما كان داعيا بما يكون فيه مفسدة، ولا يشترط انتفاؤها، فيكون قبيحا. وقيل: معناه وحدوني واعبدوني أثبكم، عن ابن عباس. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الدعاء هو العبادة) ولما عبر عن العبادة بالدعاء، جعل الإثابة استجابة ليتجانس اللفظ. (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) ودعائي (سيدخلون جهنم داخرين) أي: صاغرين ذليلين. وفي الآية دلالة على عظم قدر الدعاء عند الله تعالى، وعلى فضل الإنقطاع إليه. وقد روى معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلني الله فداك ! ما تقول في رجلين دخلا المسجد جميعا، كان أحدهما أكثر صلاة، والاخر دعاء، فايهما أفضل ؟ قال: كل حسن. قلت: قد علمت، ولكن أيهما أفضل ؟ قال: أكثرهما دعاء. أما تسمع قول الله تعالى (ادعوني أستجب لكم) إلى آخر الآية. وقال: هي العبادة الكبرى. وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في هذه

[ 452 ]

الاية قال: هو الدعاء، وأفضل العبادة الدعاء. وروى حنان بن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر: أي العبادة أفضل ؟ قال: ما من شئ أحب إلى الله من أن يسال ويطلب ما عنده، وما أحد أبغض إلى الله، عز وجل، ممن يستكبر عن عبادته، ولا يسأل ما عنده. (الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خلق كل شئ لا اله الا هو فانى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بأيت الله يجحدون (63) الله الذى جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فاحسن صوركم ورزقكم من الطيبت ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحى لا اله الا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العلمين (65)). المعنى: ثم ذكر سبحانه ما يدل على توحيده فقال: (الله الذي جعل لكم) معاشر الخلق (الليل) وهو ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني (لتسكنوا فيه) أي: وغرضه في خلق الليل سكونكم، واستراحتكم فيه من كد النهار وتعبه (والنهار مبصرا) أي: وجعل لكم النهار، وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، مضيئا تبصرون فيه مواضع حاجاتكم. فجعل سبحانه النهار مبصرا، لما كان يبصر فيه المبصرون. (إن الله لذو فضل على الناس) بهذه النعم من غير استحقاق منهم لذلك، ولا تقدم طلب. (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) أي: ومع هذا فإن أكثر الناس لا يعترفون بهذه النعم، بل يجحدونها ويكفرون بها. ثم قال سبحانه مخاطبا لخلقه: (ذلكم الله ربكم) أي: الذي أظهر هذه الدلالات، وأنعم بهذه النعم، هو الله خالقكم ومالككم (خالق كل شئ) من السماوات والأرض، وما بينهما (لا إله إلا هو) أي: لا يستحق العبادة سواه (فأنى

[ 453 ]

تؤفكون) أي: فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، مع وضوح الدلالة على توحيده. ثم قال سبحانه: (كذلك) أي: مثل ما صرف، وأفك هؤلاء (يؤفك الذين كانوا بايات الله يجحدون) وهم من تقدمهم من الكفار، صرفهم أكابرهم ورؤساؤهم. ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأدلة على توحيده فقال: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا) أي: مستقرا تستقرون عليه (والسماء بناء) أي: وجعل السماء بناء مرتفعا فوقها، ولو جعلها رتقا لما أمكن الخلق الإنتفاع بما بينهما. ثم قال: (وصوركم فأحسن صوركم) لأن صورة ابن آدم أحسن صور الحيوان. وقال ابن عباس: خلق ابن آدم قائما معتدلا، ياكل بيده، ويتناول بيده، وكل من خلقه الله يتناول بفيه. (ورزقكم من الطيبات) لأنه ليس شئ من الحيوان له طيبات المآكل والمشارب مثل ما خلق الله سبحانه لابن آدم، فإن أنواع الطيبات واللذات التي خلقها الله تعالى لهم، من الثمار، وفنون النبات، واللحوم، وغير ذلك ء مما لا يحصى كثرة. ثم قال: (ذلكم الله ربكم) أي: فاعل هذه الأشياء خالقكم (فتبارك الله رب العالمين) أي: جل الله بانه الدائم الثابت الذي لم يزل ولا يزال (هو الحي) معناه: إن الذي أنعم عليكم بهذه النعم، هو الحي على الإطلاق، من غير علة، ولا فاعل، ولا بنية (لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين) أي: مخلصين في دعائه وعبادته (الحمد لله رب العالمين) قال الفراء: وهو خبر، وفيه إضمار، كانه قال: ادعوه واحمدوه على هذه النعم، وقولوا: الحمد لله رب العالمين. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، يريد قول الله: (مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين). (قل إنى نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينت من ربى وامرت ان اسلم لرب العلمين (66) هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقمة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا اجلا مسمى

[ 454 ]

ولعلكم تعقلون (67) هو الذى يحى ويميت فإذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون (68) الم تر الى الذين يجدلون فئ ايت الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتب وبما ارسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70)). المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (قل) يا محمد لكفار قومك (إني نهيت) أي: نهاني الله (أن أعبد الذين تدعون من دون الله) أي: أوجه العبادة إلى من تدعونه من دون الله من الأصنام التي تجعلونها آلهة (لما جاءني البينات من ربي) أي: حين أتاني الحجج والبراهين من جهة الله تعالى، دلتني على ذلك. (وأمرت) مع ذلك (أن اسلم لرب العالمين) أي: أستسلم لأمر رب العالمين الذي يملك تدبير الخلائق أجمعين. ثم عاد إلى ذكر الأدلة فقال: (هو الذي خلقكم) معاشر البشر (من تراب) أي: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم نسله، واليه تنتمون (ثم من نطفة) أي: ثم أنشا من ذلك الأصل الذي خلقه من تراب النطفة: وهي ماء الرجل والمرأة. (ثم من علقة) وهي قطعة من الدم (ثم يخرجكم طفلا) أي: أطفالا واحدا واحدا، فلذلك ذكره بالتوحيد. قال يونس: العرب تجعل الطفل للواحد والجماعة. قال الله تعالى (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) والمعنى: ثم يقلبكم أطوارا إلى أن يخرجكم من أرحام الأمهات أطفالا صغارا. (ثم لتبلغوا أشدكم) وهو حال استكمال القوة. وهذا يحتمل أن يكون معطوفا على معنى قوله (ثم يخرجكم طفلا لتنشأوا وتشبوا ثم لتبلغوا أشدكم). ويحتمل أن يكون معطوفا على معنى قوله (يخرجكم طفلا) والتقدير لطفوليتكم. ثم لتبلغوا أشدكم. (ثم لتكونوا شيوخا) بعد ذلك (ومنكم من يتوفى من قبل) أي: من قبل أن يصير شيخا، ومن قبل أن يبلغ أشده (ولتبلغوا أجلا مسمى) أي: وليبلغ كل واحد منكم ما سمي له من الأجل الذي يموت عنده. وقيل: هذا للقرن الذي تقوم عليهم القيامة. والأجل المسمى هو القيامة، عن الحسن. (ولعلكم تعقلون) أي: خلقكم لهذه الأغراض التي ذكرها، ولكي تتفكروا في ذلك فتعقلوا ما أنعم الله به

[ 455 ]

عليكم من أنواع النعم، وأراده منكم من إخلاص العبادة. ثم قال: (هو الذي يحيي ويميت) أي: من خلقكم من تراب على هذه الأوصاف التي ذكرها، هو الذي يحييكم، وهو الذي يميتكم. فاولكم من تراب، وآخركم إلى تراب. (فإذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون) ومعناه: إنه يفعل ذلك من غير أن يتعذر ويمتنع عليه، فهو بمنزلة ما يقال له كن فيكون، لأنه سبحانه يخاطب المعدوم بالتكون. (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله) يعني المشركين الذين يخاصمون في إبطال حجج الله ودفعها (أنى يصرفون) أي: كيف ومن أين يقلبون عن الطريق المستقيم إلى الضلال، ولو كانوا يخاصمون في آيات الله بالنظر في صحتها، والفكر فيها، لما ذمهم الله تعالى. ثم وصفهم سبحانه فقال: (الذين كذبوا بالكتاب) أي: بالقرآن وجحدوه (وبما أرسلنا به رسلنا) أي: وكذبوا بما أرسلنا به من الكتب والشرائع رسلنا قبلك (فسوف يعلمون) عاقبة أمرهم إذ حل بهم وبال ما جحدوه، ونزل بهم عقاب ما ارتكبوه، فيعرفون ان ما دعوتهم إليه حق، وما ارتكبوه ضلال وفساد. (إذ الاغلل في اعنقهم والسلسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم اين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكفرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75)). القراءة: قرأ ابن مسعود، وابن عباس: (والسلاسل) بفتح اللام (يسحبون). الحجة: قال ابن جني: تقديره إذ الأغلال في أعناقهم، ويسحبون السلاسل. فعطف الجملة من الفعل والفاعل على الجملة التي من المبتدأ والخبر، كما قد عودل إحداهما بالأخرى نحو قوله: أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد، أموف بأدراع بن طيبة، أم تذم

[ 456 ]

أي: أأنت موف بها أم تذم. فقابل بالمبتدأ والخبر التي من الفعل والفاعل الجاري مجرى الفاعل (1). اللغة: الأغلال: جمع غل، وهو طوق يدخل في العنق للذل والألم، وأصله الدخول يقال: انغل العنق في الشئ: إذا دخل فيه. والغلول: الخيانة، لأنها تصير كالغل في عنق صاحبها. السلاسل: جمع سلسلة، وهى الحلق منتظمة في جهة الطول مستمرة. والسحب: جر الشئ على الأرض، هذا أصله. والسجر: أصله إلقاء الحطب في معظم النار كالتنور الذي يسجر بالوقود. والفرح والبطر والأشر نظائر. والمرح شدة الفرح، وفرس مروح أي: نشيط، قال: ولا يثنى على الحدثان عرضي، ولا أرخي من المرح الأزارا (2) الاعراب: (يسحبون) في موضع نصب على الحال، تقديره: مسحوبين على النار مسجونين فيها. والعامل في (إذ الأغلال) قوله تعالى (فسوف يعلمون) إذا لم يوقف على يعلمون، ووقف على السلاسل. ومن وقف على (يعلمون) فالعامل في إذ يسحبون. المعنى: ثم قال سبحانه: (إذ الأغلال في أعناقهم) أي: يعلمون وبال أمرهم في حال تكون الأغلال في أعناقهم (والسلاسل يسحبون في الحميم) أي: يجرون في الماء الحار الذي قد انتهت حرارته (ثم في النار يسجرون) أي: ثم يقذفون في النار، ويلقون فيها. وقيل: معناه ثم يصيرون وقود النار، عن مجاهد. والمعنى: توقد بهم النار (ثم قيل لهم) أي: لهؤلاء الكفار إذا دخلوا النار على وجه التوبيخ. (أين ما كنتم تشركون من دون الله) أي: أين ما كنتم تزعمون أنها تنفع وتضر من أصنامكم التي عبدتموها (قالوا ضلوا عنا) أي: ضاعوا عنا وهلكوا، فلا نراهم، ولا نقدر عليهم. ثم يستدركون فيقولون: (بل لم نكن ندعو من قبل شيئا) والمعنى: لم نكن


(1) أي: قابل بالمبتدأ والخبر، وهو قوله (أموف) فإن تقديره (أأنت موف) الجملة الي من الفعل والفاعل، وهو قوله: (تذم) وهي بمنزلة اسم الفاعل، لأن قام زيد مثلا بمنزلة قائم. (2) ثنى الشئ: عطفه. وحدثان الدهر: نوائبه. وأرخى الإزار. أسبله. واللفظ كناية أي: لا أفرح من توجه النعم كما لا ينعطف في النوائب عرضي. (*)

[ 457 ]

ندعو شيئا يستحق العبادة، ولا ما ننتفع بعبادته، عن الجبائى. وقيل: بل لم نكن ندعو شيئا ينفع وبضر، ويسمع ويبصر. قال أبو مسلم: وهذا كما يقال لكل ما لا يغني شيئا: هذا ليس بشئ، لأن قولهم (ضلوا عنا) إعتراف بعبادتهم، ولأن الآخرة دار إلجاء، فهم ملجاون إلى ترك القبيح. وقيل: معناه ضاعت عباداتنا لهم، فلم نكن نصنع شيئا إذ عبدناها، كما يقول المتحسر: ما فعلت شيئا. (كذلك يضل الله الكافرين) معناه: كما أضل الله أعمال هؤلاء، وأبطل ما كانوا يؤملونه، كذلك يفعل بجميع من يتدين بالكفر، فلا ينتفعون بشئ من أعمالهم. وقيل: يضل الله أعمالهم أي: يبطلها، عن الحسن. وقيل: يضل الكافرين عن طريق الجنة والثواب، كما أضلهم عما اتخذوه إلها بان صرفهم عن الطمع في نيل منفعة من جهتها، عن الجبائي. (ذلكم) العذاب الذي نزل بكم (بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون) قيد الفرح، وأطلق المرح لأن الفرح قد يكون بحق فيحمد عليه، وقد يكون بالباطل فيذم عليه. والمرح لا يكون الا باطلا. ومعناه: إن ما فعل بكم جزاء بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق أي: بما كان يصيب أنبياء الله تعالى وأولياءه من المكاره، وبما كنتم تمرحون أي: تأشرون وتبطرون. (ادخلوا ابواب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر ان وعد الله حق فاما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فالينا يرجعون (77) ولقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول ان ياتي بئاية الا باذن الله فإذا جاء امر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) الله الذى جعل لكم الانعم لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها منفع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80)). المعنى: ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار أنه يقال لهم: (ادخلوا أبواب

[ 458 ]

جهنم) وهى سبعة أبواب (خالدين فيها) أي: مؤبدين فيها، لا انقطاع لكربكم فيها، ولا نهاية لعقابكم. وقيل: إنما جعل لجهنم أبواب كما جعل لها دركات، تشبيها بما يتصور الإنسان في الدنيا من المطابق والسجون والمطامير (1). فان ذلك أهول، وأعظم في الزجر (فبئس مثوى المتكبرين) أي: بئس مقام الذين تكبروا عن عبادة الله تعالى، وتجبروا عن الإنقياد له. وانما أطلق عليه اسم بئس، وان كان حسنا، لأن الطبع ينفر عنه، كما ينفر العقل عن القبيح. فحسن لهذه العلة إسم بئس عليه. ثم قال سبحانه لنبيه عليه السلام: (فاصبر) يا محمد على أذى قومك لك، وتكذيبهم إياك. ومعناه: اثبت على الحق، فسماه صبرا للمشقة التي تلحق به، كما تلحق بتجرع المر. ولذلك لا يوصف أهل الجنة بالصبر، وإن وصفوا بالثبات على الحق، وان كان في الوصف به في الدنيا فضل، ولكنهم يوصفون بالحلم، لأنه مدح ليس فيه صفة نقص. (إن وعد الله حق) معناه: إن ما وعد الله به المؤمنين على الصبر من الثواب في الجنة، حق لا شك فيه، بل هو كائن لا محالة. وقيل: إن وعد الله بالنصر لانبيائه، والإنتقام من أعدائه، حق وصدق، لا خلف فيه. (فاما نرينك بعض الذي نعدهم) من العذاب في حياتك. وإنما قال (بعض الذي نعدهم) لأن المعجل من عذابهم في الدنيا، هو بعض ما يستحقونه. (أو نتوفينك) قبل أن يحل بهم ذلك (فإلينا يرجعون) يوم القيامة، فتفعل بهم ما يستحقونه من العقاب، ولا يفوتوننا. ثم زاد سبحانه في تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) يا محمد (منهم من قصصنا عليك) قصصهم وأخبارهم (ومنهم من لم نقصص عليك) أخبارهم. وقيل: معناه منهم من تلونا عليك ذكره، ومنهم من لم نتل عليك ذكره. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: بعث الله نبيا أسود لم يقص علينا قصته. واختلفت الأخبار في عدد الأنبياء، فروي في بعضها أن عددهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. وفي بعضها أن عددهم ثمانية آلاف نبى أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من غيرهم.


(1) المطابق جمع المطبق: السجن تحت الأرض. والمطامير جمع المطمورة: الحفيرة تحت الأرض. (*)

[ 459 ]

(وما كان لرسول أن ياتي بآية) أي: بمعجزة ودلالة (إلا باذن الله) وأمره. والمعنى: إن الإتيان بالمعجزات ليس إلى الرسول، ولكنه إلى الله تعالى، يأتي بها على وجه المصلحة. (فإذا جاء أمر الله) وهو القيامة (قضى بالحق) بين المسلمين والكفار، والأبرار والفجار. (وخسر هنالك) عند ذلك (المبطلون) لأنهم يخسرون الجنة، ويحصلون في النار، بدلا منها، وذلك هو الخسران المبين. والمبطل: صاحب الباطل. ثم عدد سبحانه نعمه على خلقه فقال: (الله الذي جعل لكم الأنعام) من الإبل والبقر والغنم (لتركبوا منها) أي: لتنتفعوا بركوبها (ومنها تأكلون) يعني أن بعضها للركوب والاكل كالإبل والبقر، وبعضها للأكل كالأغنام. وقيل: المراد بالأنعام ههنا الإبل خاصة، لأنها التي تركب، ويحمل عليها في أكثر العادات. واللام في قوله (لتركبوا) لام الغرض، وإذا كان الله تعالى خلق هذه الأنعام، وأراد أن ينتفع خلقه بها، وكان جل جلاله لا يريد القبيح، ولا المباح، فلا بد أن يكون أراد انتفاعهم بها على وجه القربة إليه، والطاعة له. (ولكم فيها منافع) يعني من جهة ألبانها وأصوافها وأوبارها وأشعارها. (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) بان تركبوها وتبلغوا المواضع التي تقصدونها بحوائجكم (وعليها) أي: وعلى الأنعام، وهي الإبل هنا (وعلى الفلك) أي: وعلى السفن (تحملون) يعني على الإبل في البر، وعلى الفلك في البحر، تحملون في الأسفار. علم الله سبحانه أنا نحتاج إلى أن نسافر في البر والبحر، فخلق لنا مركبا للبر، ومركبا للبحر. (ويريكم ءايته فأئ ايت الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم كانوا اكثرهم منهم واشد قوة وءاثارا في الارض فما اغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينت فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) فلما راوا باسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به

[ 460 ]

مشركين (84) فلم يك ينفعهم ايمنهم لما راوا باسنا سنت الله التى قد خلت في عباده وخسر هنا لك الكفرون (85)). المعنى: ثم قال سبحانه مخاطبا للكفار الذين جحدوا آيات الله، وأنكروا أدلته الدالة على توحيده: (ويريكم آياته) أي: ويعلمكم حججه، ويعرفكم إياها، ومنها إهلاك الأمم الماضية. ووجه الاية فيه أنهم بعد حصولهم في النعم، صاروا الى النقم بكفرهم وجحودهم. ومنها الآية في خلق الأنعام التي قدم ذكرها. ووجه الآية فيها تسخيرها لمنافع الخلق بالتصريف في الوجوه التي قد جعل كل شئ منها لما يصلح له، وذلك يقتضي أن الجاعل لذلك قادر على تصريفه، عالم بتدبيره. (فأي آيات الله تنكرون) هذا توبيخ لهم على الجحد. وقد يكون الإنكار والجحد تارة بان يجحد أصلا، وتارة بان يجحد كونها دالة على صحة ما هي دلالة عليه. والخلاف يكون في ثلاثة أوجه: اما في صحتها في نفسها، وإما في كونها دلالة، وإما فيهما جميعا. وإنما يجوز من الجهال دفع الآية بالشبهة مع قوة الآية، وضعف الشبهة، لأمور منها: اتباع الهوى، ودخول الشبهة التي تغطي على الحجة، حتى لا يكون لها في النفس منزلة ومنها: التقليد لمن ترك النظر في الأمور ومنها: السبق إلى اعتقاد فاسد لشبهة فيمنع ذلك من توليد النظر للعلم. ثم نبههم سبحانه فقال: (أفلم يسيروا في الأرض) بان يمروا في جنباتها (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم) عددا (وأشد قوة) أي: وأعظم قوة (وآثارا في الأرض) بالأبنية العظيمة التي بنوها، والقصور المشيدة التي شيدوها. وقيل: بمشيهم على أرجلهم على عظم خلقهم، عن مجاهد. فلما عصوا الله سبحانه، وكفروا به، وكذبوا رسله، أهلكهم الله، واستاصلهم بالعذاب (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) أي: لم يغن عنهم ما كسبوه من البنيان والأموال شيئا من عذاب الله تعالى وقيل: إن ما في قوله (فما أغنى) بمعنى أي. فالمعنى: فاي شئ أغنى عنهم كسبهم ؟ فيكون موضع (ما) الأولى نصبا، وموضع (ما) الثانية رفعا. ثم قال سبحانه: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات) أي: فلما أتى هؤلاء الكفار رسلهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، واخلاص العبادة له، بالحجج والآيات. وفي

[ 461 ]

الكلام حذف تقديره: لما جاءتهم رسلهم بالبينات فجحدوها، وأنكروا دلالتها، ووعد الله الرسل بإهلاك أممهم، ونجاة قومهم. (فرحوا بما عندهم من العلم) أي: فرح الرسل بما عندهم من العلم بذلك، عن الجبائي. وقيل: معناه فرح الكفار بما عندهم من العلم أي: بما كان عندهم أنه علم، وهو جهل على الحقيقة، لأنهم قالوا: نحن أعلم منهم، لا نبعث، ولا نعذب، واعتقدوا أنه علم. فاطلق عليه لفظ العلم على اعتقادهم، كما قال: (حجتهم داحضة) وقال: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي: عند نفسك، أو عند قومك، عن الحسن، ومجاهد. وقيل: معناه فرحوا بالشرك الذي كانوا عليه، وأعجبوا به، وظنوا أنه علم، وهو جهل وكفر، عن الضحاك قال: والمراد بالفرح شدة الإعجاب. (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) أي: حل بهم، ونزل بهم، جزاء استهزائهم برسلهم من العذاب والهلاك (فلما رأوا باسنا) أي: عذابنا النازل بهم (قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين) أي: كفرنا بالأصنام والأوثان. (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا) أي: عند رؤيتهم باس الله وعذابه، لأنهم يصيرون عند ذلك ملجأين. وفعل الملجأ لا يستحق به المدح (سنت الله التي قد خلت) من قبل (في عباده) نصب (سنة الله) على المصدر، ومعناه: سن الله هذه رسلهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، واخلاص العبادة له، بالحجج والآيات. وفي

[ 461 ]

الكلام حذف تقديره: لما جاءتهم رسلهم بالبينات فجحدوها، وأنكروا دلالتها، ووعد الله الرسل بإهلاك أممهم، ونجاة قومهم. (فرحوا بما عندهم من العلم) أي: فرح الرسل بما عندهم من العلم بذلك، عن الجبائي. وقيل: معناه فرح الكفار بما عندهم من العلم أي: بما كان عندهم أنه علم، وهو جهل على الحقيقة، لأنهم قالوا: نحن أعلم منهم، لا نبعث، ولا نعذب، واعتقدوا أنه علم. فاطلق عليه لفظ العلم على اعتقادهم، كما قال: (حجتهم داحضة) وقال: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي: عند نفسك، أو عند قومك، عن الحسن، ومجاهد. وقيل: معناه فرحوا بالشرك الذي كانوا عليه، وأعجبوا به، وظنوا أنه علم، وهو جهل وكفر، عن الضحاك قال: والمراد بالفرح شدة الإعجاب. (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) أي: حل بهم، ونزل بهم، جزاء استهزائهم برسلهم من العذاب والهلاك (فلما رأوا باسنا) أي: عذابنا النازل بهم (قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين) أي: كفرنا بالأصنام والأوثان. (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا) أي: عند رؤيتهم باس الله وعذابه، لأنهم يصيرون عند ذلك ملجأين. وفعل الملجأ لا يستحق به المدح (سنت الله التي قد خلت) من قبل (في عباده) نصب (سنة الله) على المصدر، ومعناه: سن الله هذه السنة في الأمم الماضية كلها، إذ لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب. والمراد بالسنة هنا الطريقة المستمرة من فعله باعدائه الجاحدين (وخسر هنالك الكافرون) بدخول النار، واستحقاق النقمة، وفوت الثواب والجنة، وبالله التوفيق، وحسبنا الله، ونعم المولى، ونعم النصير. تم الجزء الثامن من كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن

مكتبة مكتبة شبكة أمل