شرح نهج البلاغة

ابن أبي الحديد ج 1


[ 1 ]

شرح نهج البلاغه لابن ابى الحديد لابن أبى الحديد بتحيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء الاول دار احياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه

[ 2 ]

جميع الحقوق المحفوظة الطبعة الاولى [ 1378 ه‍ - 1959 م ] شرح نهج البلاغه لابن ابى الحديد لابن أبى الحديد (586 - 656) تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة * 1 - نهج البلاغة اجتمع للامام على بن أبي طالب من صفات الكمال ، ومحمود الشمائل والخلال ، وسناء الحسب وباذخ الشرف ، مع الفطرة النقية ، والنفس المرضية ، ما لم يتهيأ لغيره من أفذاذ الرجال .


(*) مصادر البحث والترجمة : 1 - البداية والنهاية ، لابن كثير - 13 - 198 - 199 ، (مطبعة السعادة) . 2 - تلخيص مجمع الاداب لابن الفوطى - الجزء الرابع الورقة 9 ، (مصورة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية) . 3 - الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ، لابن الفوطى ص 336 ، (طبعة المكتبة العرب ببغداد) 4 - درة الاسلاك في دولة الا ترك ، لابن حبيب الحلبي - وفيات سنة 655 ، (مصورة دار الكتب المصرية رقم 6170 ح) . 5 - روضات الجنات لمحمد باقر الخوانسارى 406 - 409 ، (طبع العجم) . (6) عقد الجمان للعينى - وفيات سنة 655 ، (مخطوطة دار الكتب المصرية 1584 تاريخ) . 7 - عيون التواريخ لابن شاكر - وفيات سنة 655 ، (مخطوطة دار الكتب المصرية رقم 1497 تاريخ) . 8 - فوات الوفيات 1 : 519 - 527 (مطبعة النهضة المصرية) . 9 - كشف الظنون 1273 ، 1291 ، 1291 ، 1576 ، 1991 ، (طبع استانبول 1943) . 10 - مجمع الاداب لابن الفوطى ، (في ذيل الجزء الرابع من شرح نهج البلاغة - طبعة الحلبي) . 12 - نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر ، ليوسف بن يحيى الصنعانى ، الورقة 260 - 262 (مصورة دار الكتب المصرية 13849 ح) (*) .

[ 4 ]

تحدر من أكرم المناسب ، وانتمى إلى أطيب الاعراق ، فأبوه أبو طالب عظيم المشيخة من قريش ، وجده عبد المطلب أمير مكة وسيد البطحاء ، ثم هو قبل ذلك من هامات بني هاشم وأعيانهم ، وبنو هاشم كانوا كما وصفهم الجاحظ : ملح الارض ، وزينة الدنيا ، وحلى العالم ، والسنام الاضخم ، والكامل الاعظم ، ولباب كل جوهر كريم ، وسر كل عنصر شريف ، والطينة البيضاء ، والمغرس المبارك ، والنصاب الوثيق ، ومعدن الفهم ، وينبوع العلم . . . " (1) . واختص بقرابته القريبة من الرسول عليه السلام ، فكان ابن عمه ، وزوج ابنته ، وأحب عترته إليه ، كما كان كاتب وحيه ، وأقرب الناس إلى فصاحته وبلاغته ، وأحفظهم لقوله وجوامع كلمه ، أسلم على يديه صبيا قبل أن يمس قلبه عقيدة سابقة ، أو يخالط عقله شوب من شرك موروث ، ولازمه فتيا يافعا ، في غدوة ورواحه ، وسلمه وحربه ، حتى تخلق بأخلاقه ، واتسم بصفاته ، وفقه عنه الدين ، وثقف ما نزل به الروح الامين ، فكان من أفقه أصحابه وأقضاهم ، وأحفظهم وأوعاهم ، وأدقهم في الفتيا ، وأقربهم إلى الصواب ، وحتى قال فيه عمر : لابقيت لمعضلته ليس لها أبو الحسن ، وكانت حياته كلها مفعمة بالاحداث ، مليئة بحلائل الامور ، فعلي عهد الرسو عليه السلام ناضل المشركين واليهود ، فكان فارس الحلبة ومشعر الميدان ، صليب النبع جميع الفؤاد . . . وفي أيام خلافته كانت له أحداث أخرى ، لقى فيها مالقى من تفرق الكلمة واختلاف الجماعة ، وانفصام العروة ، ما طوى أضالعه على الهم والاسى ، ولاع قلبه بالحزن والشجن ، وفى كل مالقى من أحداث وأمور ، وما صادف من محن وخطوب ، بلا الناس وخبرهم ، وتفطن لمطاوى نفوسهم ، واستشف ما وراء مظاهرهم ، فكان العالم المجرب الحكيم ، والناقد الصيرفى الخبير ، وكان لطيف الحسن ، نقى الجوهر وضاء النفس ، سليم الذوق ، مستقيم الرأي ،


(1) زهر الاداب 1 : 59 . (*)

[ 5 ]

حسن الطريقة سريع البديهة ، حاضر الخاطر ، حولا قلبا ، عارفا بمهمات الامور إصدارا وإيرادا . . . ، بل كان كما وصفه الحسن البصري : سهما صائبا من ما رمي الله على عدوه ، ورباني هذه الامة وذا فضلها وذا فضلها وسابقتها وذا قرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يكن بالنئومة عن أمر الله ، ولا بالملومة في دين الله ، ولا بالسروقة لمال الله ، أعطى القرآن عز أئمه ، ففاز منه برياض مونقة ، وأعلام مشرقة ، ذاك على بن أبي طالب ! * * * كل هذه المزايا مجتمعة ، وتلك الصفات متآزرة متناصرة ، وما صاحبها من نفح إلهى ، وإلهام قدسي ، مكنت للامام على من موجوه البيان ، وملكته أعنقه الكلام ، وألهمته أسمى المعاني وأكرمها ، وهيأت له أشرف المواقف وأعزها ، فجزت على لسانه الخطب الرائعة ، والرسائل الجامعة ، والوصايا النافعة ، والكلمة يرسلها عفو الخاطر فتغدو حكمة ، والحديث يلقيه بلا تعمل ولا إعنات فيصبح مثلا ، في أداء محكم ، ومعنى واضح ، ولفظ عذب سائغ . . . وإذا هذا الكلام يملاء السهل والجبل ، ويتنقل في البدو والحضر ، يرويه على كثرته الرواة ويحفظه العلماء والدارسون ، قال المسعودي : والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ، ونيف وثمانون خطبة ، يوردها على البديهة ، تداول عنه الناس ذلك قولا وعملا (1) . ثم ظل هكذا محفوظا في الصدور مرويا على الاسنة ، حتى كان عصر التدوين والتأليف ، فانتثرت خطبه ورسائله في كتب التاريخ والسير والمغازي والمحاضرات والادب


(1) تاريخ المسعودي 2 : 431 . (*)

[ 6 ]

على الخصوص ، كما انتخبت كلماته ومأثور حكمه فيما وضعوه من إبواب المواعظ والدعاء : وفي كتابي الغريب لابي عبيد القاسم بن سلام وابن قتيبة منه الشئ الكثير . وإذ كان لكلام الامام على طابع خاص يميزه عن غيره من الخطباء ، ونهج واضح يخالف غيره من البلغاء والمترسلين ، فقد حاول كثير من العلماء والادباء على مر العصور أن يفردوه لكلامه كتبا خاصة ودواوين مستقلة ، بقى بعضها وذهب الكثير منها على الايام ، منهم نصر بن مزاحم صاحب صفين ، وأبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وأبو مخنف لوط بن يحيى الازدي ، ومحمد بن عمر الواقدي ، وأبو الحسن على بن محمد المدائني ، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وأبو الحسن على بن الحسين المسعودي ، وأبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعى ، و عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد التممى ، ورشيد الدين محمد بن محمد المعروف بالوطواط ، وعز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد ، وغيرهم كثيرون . إلا أن أعظم هذه المحاولات خطرا ، وأعلاها شأنا ، وأحسنها أبوابها : وأبعدها صيتا وشأوا ، هو مجموع ما اختار الشريف الرضى أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي ، في كتابه " " نهج البلاغة " . بناه على ما أفرده في كتاب " خصائص الائمة " من " فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه عليه السلام من الكلام القصير في الحكم والامثال وآلاداب ، دون الخطب الطويلة والكتب المبسوطة (1) " ، ثم جعله كتابا " يحتوى على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ومتشعبات غصونه ، من خطب وكتب ومواعظ وآداب ، علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربية وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ما لا يوجد مجتمعا في كلام ، ولا مجموع الاطراف في كتاب " (1)


(1) مقدمة الراضي للنهج . (*)

[ 7 ]

وأدار اختياره على ثلاثة أقطاب : أولها الخطب والاوامر ، وثانيها التكب والرسائل ، وثالثها الحكم والمواعظ ، وأسماه كتاب " نهج البلاغة " " إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها ، ويقرب علهى طلابها ، فيه حاجة العالم والمتعلم ، وبغية البليغ والزاهد " (1) . ومنذ أن صدر هذا الكتاب عن جامعة سار في الناس ذكره ، وتألق نجمه ، أشام وأعرق ، وأنجد وأتهم ، وأعجب به الناس حيث كان ، وتدارسوه في كل مكان . لما اشتمل عليه من اللفظ المنتقى ، والمعنى المشرق ، وما احتواه من جوامع الكلم ، ونوابغ الحكم ، في أسلوب متساوق الاغراض ، محكم السبك ، يعد في الذروة العليا من النثر العربي الرائع . * * * ولم يذكر الشريف الرضي في صدر كتابه المصادر التى رجع إليها ، أو الشيوخ الذين نقل عنهم ، إلا أنه - كما يبدو من تضاعيف الكتاب - نقل في بعض ما نقل عن كتاب البيان والتبيين للجاحظ ، والتبيين للجاحظ ، والمقتضب للمبرد ، وكتاب المغازي لسعيد بن يحيى الاموي ، وكتاب الجمل للواقدي ، والمقامات في مناقب أمير المؤمنين لابي جعفر الاسكافي ، وتاريخ ابن جريج الطبري ، وحكاية أبي جعفر محمد بن على الباقر ، ورواية اليماني عن أحمد ابن قتيبة ، وما وجد بخط هشام بن الكلبي وخبر ضرار بن حمزة الصدائي ، ورواية حجيفة ، وحكاية ثعلب عن أبي الاعرابي (2) ، ولعله في غير ما نقل عن هؤلاء ، نقل من صمادر أخرى لم يصرح بها . * * * وعلى مر العصور والازمان كانت نسبة ما في كتاب نهج البلاغة إلى الامام على مثارا للشك عند العلماء والباحثين ، المتقدمين والمتأخرين .


(1) مقدمة الرضى للنهج . (2) انظر نهج البلاغة 1 : : 93 ، 566 ، 568 - و 2 : 147 ، 178 ، 189 ، 180 ، 216 ، 293 ، 294 ، (المطبعة اليمنية 1328 ه‍) . (*)

[ 8 ]

وقد تناول ابن أبي الحديد هذه القضية بالبحث ، فقال : " كثيرة من أرباب الهوى يقولون : إن كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة ، وربما عزوا بعضه إلى الرضى أبى الحسن أو غيره ، وهؤلاء أعمت العصبية أعينهم فضلوا عن النهج الواضح ، وركبوا بنيات (1) الطريق ، ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام . وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول : لا يخلوا إما أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعا منحولا ، أو بضعه . والاول باطل بالضرورة ، لانا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدثون ، كلهم أو جلهم - والمؤرخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك . والثاني : يدل على ما قلناه ، لان من قد أنس بالكلام والخطابة ، وشدا طرفا من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لابد أن يفرق بين الكلام الركيك ، والفصيح ، وبين الفصيح والافصح ، وبين الاصليل والمولد ، وإذا وقف على كراس واحد يتصمن كلاما لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط ، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ، ويميز بين الطريقين ، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده ، لو تصفحنا ديوان أبى تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبى تمام نفسه وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى أن العلماء بهذا الشان حذوفوا من شعره قصائد كثيره منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر ! وكذلك حذفوا من شعر أبى نواس كثيرا


(1) بينات الطريق : هي الطرف الصغار تتشعب من الجادة ، وهى الترهات . (*)

[ 9 ]

لما ظهر أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة . وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا ، ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذى ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الالفاظ في الماهية ، وكالقران العزيز ، أوله كوسطه ، وأوسطه كاخره ، وكل سورة منه ، وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الايات والسور . ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا ، وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بالبرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام . واعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به ، لانا متى فتحنا هذا الباب ، وسلطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو ، لم نتق بضحة كلام منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا وساغ لطاعن أن يطعن ويقول : هذا الخبر منحول ، وهذا كلام مصنوع ، وكذا ما نقل عن أبى بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والاداب وغير ذلك وكل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله والائمة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء والمترسلين والخطباء - فلناصرى أمير المؤمنين عليه السلام أن يستعدوا إلى مثله فيما يروونه عنه من نهج البلاغة وغيره ، وهذا واضح " (1)


(1) ابن أبى الحديد 2 : 546 طبعة الحلبي (*)

[ 10 ]

2 - شرح نهج البلاغه وقد تصدر لشرح كتاب " نهج البلاغة " كثيرون من العلماء والفضلاء ، ذكر السيد هبة الله شهرستانى (1) أنها تنوف على الخمسين شرحا ، ما بين مبسوط ومختصر ، منهم أبو الحسين البيهقى ، والامام فخر الدين الرازي ، والقطب الراوندي ، وكمال الدين محمد ميثم البحراني ، من المتقدمين ، والشيخ محمد عبده ومحمد نائل المرصفى من المتأخرين . . . ولكن أعظم هذه الشروح وأطولها ، وأشملها بالعلوم والاداب والمعارف وأملؤها ، هو شرح عز الدين عبد الحميد بن أبى الحديد المدائني ، صنفه برسم خزانة مؤيد الدين أبى طالب محمد بن أحمد بن العلقمي ، وزير المستعصم بالله ، آخر ملوك العباسيين . " كان من فضلاء الشيعة وأعيانهم ببغداد ، مائلا للاداب مقربا للادباء ، وكانت له خزانة كتب فيها عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب " (2) . شرع في تأليفه في غرة شهر رجب من سنة أربع وأربعين وستمائة ، وأئمة في آخر سلخ صفر من سنة تسع وأربعين وستمائة ، فقضى أربع سنين وثمانية أشهر ، وكانت كما يقول : " مقدار مدة خلافة أمير المؤمنين عليه السلام " ، وكسره على عشرين جزءا . ولما فرغ من تصنيفه أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبى المعالى ، فبعث إليه بمائة دينار وخلعة سنية وفرس ، فكتب إلى الوزير : أيارب العباد رفعت ضبعى * وطلت بمنكبي وبللت ريقي وزيغ الاشعري كشفت عنى * فلم أسلك بنيات الطريق


(1) في كتابه ما هو نهج البلاغة 8 - 10 (2) الفخري 295 (*)

[ 11 ]

أحب الاعتزال وناصريه * ذوى الألباب والنظر الدقيق فاهل العدل والتوحيد أهلى * ونعم فريقهم أبدا فريقي وشرح النهج لم أدركه إلا * بعونك بعد مجهدة وضيق تمثل إذ بدأت به لعيني * هناك كذروة الطود السحيق فتم بحسن عونك وهو أناى * من العيون أو بيض الانوق بال العلقمي ورت زنادى * وقامت بين أهل الفضل سوقى فكم ثوب أنيق نلت منهم * ونلت بهم وكم طرف عتيق أدام الله دولتهم وأنحى * على أعدائهم بالخنفقيق (1) وقد ذكر في صدر كتابه أنه لم يسبقه أحد بشرح النهج سوى سعيد بن هبة الله بن الحسن الفقيه ، المعروف بالراوندي ، وأنه قد تعرض لهذا الشرح فيما ناقضه فيه ، في مواضع يسيرة ، وأعرض عن كثير مما قاله ، وقد التزم في شرحه أن يقسم الكلام فصولا ، فيشرح كلمات كل فصل شرحا دقيقا ، مشتملا على " الغريب والمعاني وعلم البيان ، وما عساه يشتبه ويشكل من الاعراب والتصريف " (2) ، ثم يورد " ما يطابقه من النظاور والاشباه نثرا ونظما " ، (2) ثم يستطرد إلى ذكر " ما يتضمنه من السير والوقائع والاحداث . . . " (2) ، ويشير إلى ما ينطوى عليه هذا الفضل " من دقائق علم التوحيد والعدل إشارة خفية (2) " ، ويلوح " إلى ما يستدعى الشرح ذكره من الانساب والامثال والنكت تلويحات لطيفة " (2) ، ويرصعه بما يشاء " من المواعظ الزهدية ، والزواجر الدينية والحكم النفيسة ، والاداب الخليفة ، المناسبة لفقره والمشاكلة لدرره (2) " . ثم ينتقل إلى الفصل الذى يليه ، وهكذا ،


(1) الخنفقيق : الداهية . (2) مقدمة الشارح . (*)

[ 12 ]

وهو بهذا النهج الذى التزمه ، والطريق الذى سلكه ، قد نقل إلى هذا الكتاب عصارة ما في كتب الادب والنقد والتاريخ والنسب والمغازى والسير والفقه والجدل والمناظرة وعلوم الكلام ، وخلاصة ما اشتملت عليه الرسائل والمتون والشروح والحواشي والتعاليق ، وطرزه بما اختاره من روائع الخطب وتوابغ الحكم ومصطفى الرسائل ، مما نطق به مصاقع الخطباء وبلغاء الكتاب وزعما القول في الجاهلية والاسلام ، ثم وشاه بما انتحله من دواوين الشعراء الجاهلين والمخضرمين والاسلاميين والمولدين من فاخر القول وحر الكلام ، في متنوع فنون الشعر ومذاهبه ، ومختلف أغراضه ومراميه . وقد ارتفع أسلوبه في جميع مراحل الكتاب عن الخلل والتعقيد ، وتجافى عن الركاكة والتعسف والابهام ، والتزم الاسلوب الرصين ، والتعبير الفصيح ، واللفظ العربي الاصيل ، سوى بعض الالفاظ التى تدست فيما نقله عن المتكلمين وأصحاب المقولات ، من نحو قولهم : " المحسوسات " ، و " الكل والبعض " ، وقولهم : " الصفات الذاتية والجسمانيات " ، وقولهم : " أما أولا فالحال كذا " ، ونحو ذلك مما يأباه الفصيح من الالفاظ والسليم من الاساليب . وقد اعتذر عن ذلك المؤلف بقوله : " استهجنا تبديل ألفاظهم وتغيير عباراتهم ، فمن كلم قوما كلمهم باصطلاحهم ، ومن دخل ظفار حمر " (1) . وما أحسن ما اعتذر به ! وبتلك المزايا المتنوعة للكتاب ، خرج " كتابا كاملا في فنه ، واحدا بين أبناء جنسه ، ممتعا بمحاسنه ، جليلة فوائده ، شريفة مقاصده ، عظيما شانه ، عالية منزلته ومكانه " ، يرد شرعته العلماء وينهل من مورده الباحثون والادباء .


(1) خاتمة الشرح ، المجلد الرابع ص 574 (*)

[ 13 ]

3 - ابن أبى الحديد ومؤلف هذا الشرح هو عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين ابن أبى الحديد المدائني ، أحد جهابذة العلماء ، وأثبات المؤرخين ، ممن نجم في العصر العباسي الثاني ، أزهى العصور الاسلامية إنتاجا وتاليفا ، وأحلفها بالشعراء والكتاب والادباء والمؤرخين واللغويين وأصحاب المعاجم والموسوعات . كان فقيها أصوليا ، وله في ذلك مصنفات معروفة مشهورة ، وكان متكلما جدليا نظارا ، اصطنع مذهب الاعتزال ، وعلى أساسه جادل وناظر ، وحاج وناقش ، وفى شرح النهج وكثير من كتبه آراء منثورة مما ذهب إليه ، وله مع الاشعري والغزالي والرازي كتب ومواقف . وكان أديبا ناقدا ، ثاقب النظر ، خبيرا بمحاسن الكلام ومساوئه ، وكتابه " الفلك الدائر على المثل السائر " دليل على بعد غوره ، ورسوخ قدمه في نقد الشعر وفنون البيان . ثم كان أديبا متضلعا في فنون الادب ، متقنا لعلوم اللسان ، عارفا باخبار العرب ، مطلعا على لغاتها ، جامعا لخطبها ومنافراتها ، راويا لاشعارها وأمثالها ، حافظا لملحها وطرفها ، قارئا مستوعبا لكل ما حوته الكتب والاسفار في زمانه . وكان وراء هذا شاعرا عذب المورد ، مشرق المعنى ، متصرفا مجيدا ، كما كان كاتبا بديع الانشاء حسن الترسل ناصع البيان . ولد بالمدائن في غرة ذى الحجة سنة ست و ثمانين وخمسمائة ، ونشأ بها ، وتلقى عن

[ 14 ]

شيوخها ، ودرس المذاهب الكلامية فيها ، ثم مال إلى مذهب الاعتزال منها ، وكان الغالب على أهل المدائن التشيع والتطرف والمغالاة ، فسار في دربهم ، وتقيل مذهبهم ، ونظم القصائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم ، وفيها غالى وتشيع ، وذهب به الاسراف في كثير من أبياتها كل مذهب ، يقول في إحدها (1) : علم الغيوب إليه غير مدافع * والصبح أبيض مسفر لا يدفع وإليه في يوم المعاد حسابنا * وهو الملاذ لنا غدا والمفزع هذا اعتقادي قد كشفت غطاءه * سيضر معتقدا له أو ينفع يا من له في أرض قلبى منزل * نعم المراد الرحب والمستربع وتكاد نفسي أن تذوب صبابة * خلقا وطبعا لا كمن يتطبع ورايت دين الاعتزال واننى * أهوى لاجلك كل من يتشيع ولقد علمت بانه لابد من * مهديكم وليومه أتوقع تحميه من جند الاله كتائب * كاليم أقبل زاخرا يتدفع فيها لال أبى الحديد صوارم * مشهورة ورماح خط شرع ورجال موت مقدمون كأنهم * أسد العرين الربد لا تتكعكع تلك المنى إما أغب عنها فلى * نفس تنازعني وشوق ينزع تالله لا أنسى الحسين وشلوه * تحت السنابك بالعراء موزع متلفعا حمر الثياب وفى غد * بالخضر من فردوسه يتلفع تطأ السنابك صدره وجبينه * والارض ترجف خيفة وتضعضع والشمس ناشرة الذوائب ثاكل * والدهر مشقوق الرداء مقنع


(1) العلويات السبع 16 ، 17 (*)

[ 15 ]

لهفى على تلك تراق في * أيدى أمية عنوة وتضيع يابى أبو العباس أحمد إنه * خير الورى من أن يطل ويمنع (1) فهو الولى لثارها وهو الحمو * ل لعبئها إذ كل عود يضلع والدهر طوع والشبيبة غصة * والسيف غضب والفؤاد مشيع (2) وحينما انقضت أيام صباه ، وطوى رداء شبابه ، خف إلى بغداد ، حاضرة الخلافة ، وكعبة القصاد ، وعش العلماء ، وكانت خزائنها بالكتب معمورة ، ومجالسها بالعلم والادب ماهولة ، فقرأ الكتب واستزاد من العلم ، وأوغل في البحث ، ووعى المسائل ، ومحص الحقائق ، واختلط بالعلماء من أصحاب المذاهب ، ثم جنح إلى الاعتدال ، وأصبح كما يقول صاحب " نسمة السحر " : معتزليا جاحظيا . . . في أكثر شرحه للنهج - بعد أن كان شيعيا غاليا . وفى بغداد أيضا نال الحظوة عند الخلفاء من العباسيين ومدحهم ، وأخذ جوائزهم ، ونال عندهم سنى المراتب ورفيع المناصب ، فكان كاتبا في دار التشريقات ، ثم في الديوان ، ثم ناظرا للبيمارستان ، وأخيرا فوض إليه أمر خزائن الكتب في بغداد ، وفى كل هذا كان مرموق الجانب ، عزيز المحل ، كريم المنزلة إلى أن مات . وكان مع اشتغاله بالمناصب ، ومعاناته للتاليف ، شاعرا مجيدا ، ذكره صاحب " نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر " ، وكان له ديوان ، ذكر ابن شاكر أنه كان معروفا مشهورا . وقد جال بشعره في شتى المعاني ومختلف الاغراض ، فقال في المدح والرثاء ، والحكم والوصف


(1) هو الخليفة أبو العباس أحمد بن المستضئ بأمر الله المعروف بالناصر ، بويع بالخلافة سنة 575 ، ومات سنة 629 ، وكان يرى رأى الامامية ، الفخري 280 (2) المشيع : الشجاع . (*)

[ 16 ]

والغزل ، إلا أن الغرض (1) الذى غلب عليه واشتهر به هو المناجاة والمخاطبة على مسلك أرباب الطريقة ، أورد في النهج كثير منه فمن ذلك قوله : فلا والله ما وصل ابن سينا * ولا أغنى ذكاء أبى الحسين ولا رجعا بشئ بعد بحث * وتدقيق سوى خفى حنين لقد طوفت أطلبكم ولكن * يحول الوقت بينكم وبيني فهل بعد انقضاء الوقت أحظى * بوصلكم غدا وتقر عينى منى عشنا بها زمنا وكانت * تسوفنا بصدق أو بمين فان أكذب فذاك ضياع دينى * وان أجذب فذاك حلول دينى وقوله : وحقك إن أدخلتني النار قلت للذين بها قد كنت ممن أحبه وأفنيت عمرى في علوم دقيقة * وما بغيتى إلا رضاه وقربه هبوني مسيئا أوتغ الجهل قلبه * وأوبقه بين البرية ذنبه (2) أما يقتضى شرع التكرم عتقه * أيحسن أن ينسى هواه وحبه ! أما كان ينوى الحق فيما يقوله * ألم تنصر التوحيد والعدل كتبه أما رد زيغ ابن الخطيب وشكه * وإلحاده إذ حل في الدين خطبه أما قلتم من كان فينا مجاهدا * سنكرم مثواه ونعذب شربه فاى اجتهاد فوق ما كان صانعا * وقد أحرقت رزق الشياطين شهبه فان تصفحوا نعنم وإن تتجرموا * فتعذيبكم حلوا المذاقة عذبه وآية صدق الصب يعذب الاذى * إذا كان من يهوى عليه يصبه


(1) المجلد الرابع ص 29 ، 30 (2) أوتغ : أهلك . (*)

[ 17 ]

ونحو هذا من الشعر في شرح النهج كثير . ومن طريف ما أوردله صاحب نسمة السحر قوله : لولا ثلاث لم أخف صرعتي * ليست كما قال فتى العبد (1) أن أنصر التوحيد والعدل في * كل مكان باذلا جهدي وأن أناجي الله مستمتعا * بخلوة احلى من الشهد وأن أتيه الدهر كبرا على كل الئيم اأصعر الخد كذاك لا أهوى فتاه ولا * خمرا ولاذا ميعة نهد وقد اضطرب المؤرخون في تاريخ وفاته ، فذكر بعضهم أنه توفى في سنة 655 ، ذهب إلى ذلك ابن شاكر في كتابيه : فوات الوفيات وعيون التواريخ ، وكذلك ابن كثير ، والعيني ، وابن حبيب الحلبي في كتابه درة الاسلاك . ونقل صاحب كتاب " نسمة السحر " عن الديار بكرى أنه توفى قبل الدخول التتار بغداد بنحو سبعة عشر يوما ، وكان دخولهم إليها في العشرين من المحرم سنة 656 ، على ما ذكره المؤرخون ، وقال الذهبي في سير النبلاء (2) : " انه توفى في الخامس من جمادى الاخرة سنة ست وخمسين وستمائة " .


(1) بشير بهذا البيت إلى قول طرفة في مطقته : ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى * وحقك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبق العاذلات بشربة * كميت متى ما تعل بالماء تزبد وكرى إذ نادى المضاف محنتا * كسيد الغضا نبهته المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب * ببهكنة تمت الخباء المعمد (2) المجلد الثالث عشر ، الورقة 316 (مصورة دار الكتب المصرية رقم 12195 ح) (*)

[ 18 ]

وذكر ابن الفوطى في كتاب مجمع الالقاب أنه أدرك سقوط بغداد ، وأنه كان ممن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين العلقمي مع أخيه موفق الدين ، كما ذكر أيضا في كتابه الحوادث الجامعة ، في وفيات سنة 656 : " توفى فيها الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي في جمادى الاخرة ببغداد . . . والقاضى موفق الدين أبو المعالى القاسم بن أبى الحديد المدائني في جمادى الاخرة ، فرثاه أخوه عز الدين عبد الحميد بقوله : أأبا المعالى هل سمعت تاوهى * فلقد عهدتك في الحياة سميعا عينى بكتك ولو تطيق جوانحي * وجوارحي أجرت عليك نجيعا أنفا غضبت على الزمان فلم تطع * حبلا لاسباب الوفاء قطوعا ووفيت للمولى الوزير فلم تعش * من بعده شهرا ولا أسبوعا وبقيت بعد كما فلو كان الردى * بيدى لفارقنا الحياة جميعا فعاش عز الدين بعد أخيه أربعة عشر يوما " . وله من المصنفات : 1 - الاعتبار ، على كتاب الذريعة في أصول الشريعة ، ذكره ابن الفوطى وصاحب روضات الجنات . 2 - انتقاد المستصفى للغزالي ، ذكره ابن الفوطى . 3 - الحواشى على كتاب المفضل في النحو ، ذكره ابن الفوطى . 4 - شرح المحصل للامام فخر الدين الرازي ، وهو يجرى مجرى النقص له ، ذكره ابن الفوطى .

[ 19 ]

5 - شرح مشكلات الغرر لابي الحسين البصري في أصول الكلام ، ذكره ابن الفوطى وصاحب روضات الجنات . 6 - ديوان شعره ، ذكره ابن شاكر الكتبى . 7 - شرح نهج البلاغة . 8 - شرح الياقوت لابن نوبخت في الكلام ، ذكره ابن الفوطى وصاحب روضات الجنات . 9 - العبقري الحسان ، ذكره صاحب الجنات ، وقال : وهو كتاب غريب الوضع قد اختار فيه قطعة وافرة من الكلام والتواريخ والاشعار وأودعه شيئا من إنشائه وترسلاته ومنظوماته . 10 - الفلك الدائر على الملك السائر (1) ، ألفه برسم الخليفة المستنصر ، بدأ في تأليفه في أول ذى الحجة سنة 633 ، وفرغ منه في خمسة عشر يوما . 11 - القصائد السبع العلويات (2) ، ذكر ابن الفوطى أنه نظمها في صباه وهو بالمدائن سنة 611 . 12 - المستنصريات ، كتبها برسم الخليفة المستنصر ، ومنه نسخة بمكتبة السماوي بالنجف . 13 - نظم فصيح ثعلب ، ذكره ابن شاكر وصاحب الظنون . 14 - نقض المحصول في علم الاصول للامام فخر الدين الرازي ، ذكره ابن الفوطى وصاحب روضات الجنات وصاحب كشف الظنون . 15 - الوشاح الذهبي في العلم الابى ، ذكره ابن الفوطى .


(1) طبع بالهند سنة 1309 ه‍ (2) طبع بمصر سنة 1317 (*)

[ 20 ]

4 - تحقيق الكتاب وحينما شرعت في تحقيق هذا الكتاب بذلت الجهد الممكن في الحصول على النسخ التى تعين على تحقيقه ، وقد وقع لى من ذلك ما ياتي : 1 - نسخة كاملة تقع في عشرين جزءا ، بخطوط مختلفة ، مصورة عن الاصل المحفوظ بمكتبة المتحف البريطاني برقم 126 وتشتمل على المجموعات الاتية : ا - المجموعة الاولى ، وتشتمل على الجزء الاول والثانى والثالث والرابع منها ، مكتوبة بقلم تعليق ، ولم يعلم ناسخها ولا تاريخ نسخها ، ويبدو أنها كتبت في القرن الثاني عشر تقريبا ، وتقع في 249 ورقة ، ومسطرتها تسعة وعشرون سطرا ، في كل سطر 25 كلمة تقريبا . ب - المجموعة الثانية ، وتشتمل على الجزء الخامس والسادس . ح‍ - المجموعة الثالثة و تشتمل على الجزء السابع والثامن والتاسع . ء - المجموعة الرابعة وتشتمل على الاجزاء من الخامس عشر إلى السادس عشر . ه‍ - والمجموعة الخامسة وتشتمل على الاجزاء ، من السادس عشر إلى آخر الكتاب . وقد رمزت إلى هذه النسخة بالحرف (ا) . 2 - نسخة مطبوعة على الحجر في طهران سنة 1271 ، على أصل مخطوط في هذا التاريخ . وعلى هاتين النسختين كان اعتمادي في تحقيق الاجزاء الاولى من هذا الكتاب .

[ 21 ]

3 - نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 4029 أدب ، بها عشرة أجزاء ، وهى من السادس إلى العاشر ، ومن السادس عشر إلى آخر الكتاب . 4 - نسخة أخرى مصورة عن مكتبة المتحف البريطاني ، محفوظة بها برقم 4029 ، وهى قطع من أجزاء متفرقة ، تبدأ من أثناء الجزء الثالث عشر . 5 - نسخة أخرى مصورة عن نسخة مخطوطة بمكتبة الفاتيكان برقم 988 ، وبها الجزء السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر . 6 - نسخة مصورة عن نسخة مخطوطة بمكتبة الفاتيكان محفوظة بها برقم 986 ، تشتمل على الجزء الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين . وساتولى وصف المجموعة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة من النسخة الاولى ، التى رمرت إليها بالحرف (ا) ، كما سأتولى وصف النسخ الباقية وما عساه أن أحصل عليه من نسخ أخرى منه حينما ياتي موضعها من الكتاب (1) . ورجعت في تحقيق نص كتاب نهج البلاغة - فوق النسخ التى اعتمدت عليها في شرحه - إلى نسخة منه مخطوطة محفوظة بمكتبة طلعت بدار الكتب المصرية برقم 4840 أدب ، وهى نسخة خزائنية نفسية ، كتب بالقلم النسخ الجميل ، مضبوطة بالشكل الكامل ، ومحلاة بالذهب والازورد ، وبصفحة العنوان دائرة مذهبة برسم خزانة " غياث الحق والدين " يليها صفحتان متقابلتان منقوشتان بنقوش هندسية بالذهب


(1) وهناك بدار الكتب المصرية نسخة مخطوطة محفوظة برقم 576 أدب ، تمت كتابتها في صبيحة يوم الخميس التاسع من شهر شعبان سنة 1292 ، لم أرجع إليها ، إذ ترجيح عندي أنها منسوخة من مطبوعة طهران سنة 1271 ، كما أن النسخة المطبوعة في مصر سنة 1329 قد طبعت عن هذه النسخة ، فلم أرجع إليها أيصا . (*)

[ 22 ]

والالوان ، وبداخلهما عنوان : " كتاب نهج البلاغة ، من كلام على عليه السلام والصلاة على محمد وآله الطاهرين " . وبعض عناوين النسخة مكتوبة بالذهب ، وفواصل الفقرات محلاة بالذهب أيضا . وباخرها خاتمة النسخة داخل حلية مذهبة جاء بها : " تم الكتاب بالحضرة الشريفة المقدسة النجفية بمشهد مولانا وسيدنا أمير المؤمنين على بن أبى طالب ، أخى الرسول ، وزوج البتول ، ووالد أولاد الرسول صلوات الله عليهم " . وكتبه وذهبه الحسين بن محمد الحسنى ، في شهور سنة الثنتين وثمانين وستمائة . والنسخة مجلدة بجلد أثرى بالضغط والتدهيب ، والمرجع أنه من عصر الكتابة . وتقع في 421 ورقة ، ومسطرتها 13 سطرا . وقد اقتضاني تحقيق هذا الكتاب الجامع أن أرجع إلى ما أمكننى العثور عليه من الكتب التى رجع إليها المؤلف ، كتاريخ الطبري ، والاغانى ومقاتل الطالبيين لابي الفرج الاصفهانى ، والحيوان والبيان والتبيين والعثمانية للجاحظ ، والشافي للشريف المرتضى ، والمغنى للقاضى عبد الجبار ، وحلية الاولياء لابي نعيم ، وكتاب صفين للمنقرى ، والكامل للمبرد ، والاوائل لابي هلال العسكري ، ونسب قريش للزبير بن بكار ، والمنتظم لابن الجوزى والصحاح للجوهري ، وغيرها من كتب الادب واللغة والتاريخ ، كما أنى رجعت فيما أورده من الشعر إلى دواوين الشعراء والمجموعات المختارة منها . وحاولت أن أضبط الاعلام والنصوص اللغوية والشعرية ضبطا صحيحا ، وعلقت في الحواشى ما اقتضاه إيضاح النص تعليقا وسطا في غير إسراف ولا تقصير .

[ 23 ]

كما أنى فصلت موضوعاته بعناوين وضعتها بين علامتى الزيادة ، لتتضح معالم الكتاب ، وتسهل الاحاطة بما فيه . وسيخرج - بما أرجو من الله المعونة والتاييد - في عشرين جزءا كما وضعه مؤلفه ، أما الفهارس العامة المتنوعة فسافرد لها جزءا خاصا في آخر الكتاب ، والله الموفق للصواب (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) . محمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة (10 جمادى الاخرة سنة 1378 ه‍ 21 ديسمبر سنة 1958 م)

[ 24 ]

فاتحة مخطوطة نهج البلاغة

[ 1 ]

شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد (586 - 656) الجزء الاول تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله (1) الواحد العدل الحمد لله الذى تفرد بالكمال فكل كامل سواه منقوص ، واستوعب عموم المحامد والممادح فكل ذى عموم عداه مخصوص الذى وزع منفسات نعمه بين من يشاء من خلقه واقتضت حكمته ان نافس الحاذق في حذقه فاحتسب به عليه من رزقه وزوى (2) الدنيا عن الفضلاء فلم ياخذها الشريف بشرفه ولا السابق بسبقه . وقدم المفضول على الافضل لمصلحه اقتضاها التكليف واختص الافضل من جلائل الماثر ونفائس المفاخر بما يعظم عن التشبيه ويجل عن التكييف . وصلى الله على رسوله محمد ، الذى (3) المكنى عنه شعاع من شمسه ، وغصن من غرسه ، وقوه من قوى نفسه ، ومنسوب إليه نسبه الغد إلى يومه ، واليوم إلى امسه ، فما هما الا سابق ولاحق ، وقائد وسائق ، وساكت وناطق ، ومجل ومصل ، سبقا لمحه البارق ، وانارا سدفه الغاسق ، صلى الله عليهما ما استخلب (4) خبير ، وتناوح حراء وثبير (5) . وبعد ، فان مراسم المولى الوزير الاعظم ، الصاحب (6) ، الصدر الكبير المعظم العالم العادل المظفر المنصور المجاهد ، المرابط (7) مؤيد الدين عضد الاسلام ، سيد وزراء الشرق والغرب ، ابى محمد


(1 - 1) تكملة من ب . (2) زوى الدنيا : نحاها وصرفها . (3) في ا : " والذي " . (4) استخلب ، بالبناء للمجهول : قطع . والخبير : النبات ، وورد في حديث طهفة : " ونستخلب الخبير " قال ابن الاثير : الخبير : النبات والعشب ، شبه بخبير الابل ، وهو وبرها . النهاية 1 : 280 (5) يقال : هما جبلان يتناوحان ، إذا كانا متقابلين ، وثبير : جبل شامخ بمكة يقابل حراء ، وهو أرفع من ثبير . ياقوت 3 : 240 (6) ب : " صاحب " . (7) ا : والمرابط . (*)

[ 4 ]

ابن أحمد بن محمد العلقمي (1) ، نصير أمير المؤمنين - أسبغ الله عليه من ملابس النعم أضفاها ، وأحله من مراقب السعادة مراتب السياده أشرفها وأعلاها - لما شرفت عبد دولته ، وربيب نعمته بالاهتمام بشرح " نهج البلاغه " - على صاحبه أفضل الصلوات ، ولذكره اطيب التحيات - بادر إلى ذلك مبادره من بعثه من قبل عزم ، ثم حمله (2) امر جزم ، وشرع فيه بادى الراى شروع مختصر ، وعلى ذكر الغريب والمعنى مقتصر ، ثم تعقب الفكر فراى ان هذه النغبه (3) لا تشفى أو اما ، ولا تزيد الحائم الا حياما ، فتنكب ذلك المسلك ، ورفض ذلك المنهج ، وبسط القول في شرحه بسطا اشتمل على الغريب والمعاني وعلم البيان ، وما عساه يشتبه ويشكل من الاعراب والتصريف ، واورد في كل موضع ما يطابقه من النظائر والاشباه ، نثرا ونظما ، وذكر ما يتضمنه من السير والوقائع والاحداث فصلا فصلا ، واشار إلى ما ينطوى عليه من دقائق علم التوحيد والعدل اشارة خفيفه ، ولوح إلى ما يستدعى الشرح ذكره من الانساب والامثال والنكت تلويحات لطيفه ، ورصعه من المواعظ الزهديه ، والزواجر الدينيه ، والحكم النفسيه ، والاداب الخلقيه ، المناسبة لفقره ، والمشاكلة لدرره ، والمنتظمة مع معانيه في سمط ، والمتسقه مع جواهره في لط (4) ، بما يهزأ بشنوف النضار ، ويخجل قطع الروض غب القطار ، واوضح ما يومئ إليه من المسائل الفقهيه ، وبرهن على ان كثيرا من فصوله داخل في باب المعجزات المحمدية ، لاشتمالها على


(1) هو مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن العلقمي البغدادي ، وزير المستعصم بالله ، الخليفة العباسي . اشتغل في صباه بالادب ، ففاق فيه ، وكتب خطا مليحا ، وترسل ترسلا فصيحا ، وكان لبيبا كريما ، رئيسا متمسكا بقوانين الرياسة ، خبيرا بأدوات السياسة ، محبا للادب ، مقربا لاهل العلم ، اقتنى كتبا كثيرة نفيسة ، وصنف الناس له ، منهم الصغاني ، صنف له العباب ، وهذا المصنف الذي ألف برسمه ، وكان ممدحا ، مدحه الشعراء ، وانتجعه الفضلاء ، وأخباره الطيبة كثيرة وجليلة . توفي سنة 656 . الفخري 265 ، 266 (2) ب " حركة " . (4) النغبة في الاصل : الجرعة من الماء . وفي ا : " البغية " ، والاجود ما أثبته من ب . (4) الط : العقد . (*)

[ 5 ]

الاخبار الغيبية ، وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية . وبين من مقامات العارفين ، التى يرمز إليها في كلامه ما لا يعقله إلا العالمون ، ولا يدركه إلا الروحانيون المقربون . وكشف عن مقاصده عليه السلام في لفظه يرسلها ، ومعضلة (1) يكنى عنها ، وغامضة يعرض بها ، وخفايا يجمجم بذكرها ، وهنات تجيش في صدره فينفث بها نفثه المصدور ، ومرمضات مؤلمات يشكوها فيستريح بشكواها استراحه المكروب . فخرج هذا الكتاب كتابا كاملا في فنه ، واحدا بين ابناء جنسه ، ممتعا بمحاسنه ، جليله فوائده ، شريفه مقاصده ، عظيما شانه ، عاليه منزلته ومكانه . ولا عجب ان يتقرب بسيد الكتب إلى سيد الملوك ، وبجامع الفضائل إلى جامع المناقب ، وبواحد العصر إلى اوحد الدهر ، فالاشياء بامثالها اليق ، وإلى اشكالها اقرب ، وشبه الشئ إليه منجذب ، ونحوه دان ومقترب . ولم يشرح هذا الكتاب قبلى فيما اعلمه الا واحد ، وهو سعيد بن هبه الله بن الحسن الفقيه المعروف بالقطب الراوندي (2) ، وكان من فقهاء الامامية ، ولم يكن من رجال هذا الكتاب ، لاقتصاره مدة عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده ، وانى للفقيه ان يشرح هذه الفنون المتنوعة ، ويخوض في هذه العلوم المتشعبة ، لا جرم ان شرحه لا يخفى حاله عن الذكى ، وجرى الوادي فطم على القرى (3) . وقد تعرضت في هذا الشرح لمنا قضته


(1) ا : " معضلة " بدون الواو . (2) هو سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي ، أحد فقهاء الشيعة ، وتصانيفه كثيرة متنوعة ، أسمى كتابه في شرح النهج " منهاج البراعة ، في شرح نهج البلاغة " ، وتوفي سنة 573 . لسان الميزان 3 : 48 ، روضات الجنان 302 (3) جرى الوادي فطم على القرى ، مثل ، قال الميداني في شرحه : أي جرى الوادي فطم ، أي دفن ، يقال : طم السيل الركية ، أي دفنها . والقرى : مجرى الماء في الروضة ، والجمع أقرية وقريان ، و " على " من صلة المعنى ، أي أتى على القرى ، يعنى أهلكه بأن رفنه ، يضرب عند تجاوز الشئ حده " . مجمع الامثال 1 : 159 (*)

[ 6 ]

في مواضع يسيره اقتضت الحال ذكرها ، واعرضت عن كثير مما قاله إذ لم ار في ذكره ونقضه كبير فائده . * * * وانا قبل ان اشرع في الشرح ، اذكر اقوال اصحابنا رحمهم الله في الامامه والتفضيل ، والبغاه والخوارج . ومتبع ذلك بذكر نسب امير المؤمنين عليه السلام ، ولمع يسيره من فضائله . ثم اثلث بذكر نسب الرضى ابى الحسن محمد بن الحسين الموسوي رحمه الله ، وبعض خصائصه ومناقبه . ثم اشرع في شرح خطبه " نهج البلاغه " التى هي من كلام الرضى ابى الحسن رحمه الله (1) ، فإذا انهيت من ذلك كله ابتدات بعون الله وتوفيقه في شرح كلام امير المؤمنين ع شيئا فشيئا . * * * ومن الله سبحانه استمد المعونة ، واستدر اسباب العصمه ، واستميح غمائم الرحمه ، وامترى اخلاف البركه ، واشيم بارق النماء والزياده ، فما المرجو الا فضله ، ولا المأمول الا طوله ، ولا الوثوق الا برحمته ، ولا السكون الا إلى رافته " ربنا عليك توكلنا واليك انبنا واليك المصير . ربنا لا تجعلنا فتنه للذين كفروا واغفر لنا ربنا انك انت العزيز الحكيم " (2) .


(1) ب : " رضى الله عنه " . (2) سورة الممتحنة 4 ، 5 (*)

[ 7 ]

اتفق شيوخنا كافه رحمهم الله ، المتقدمون منهم والمتاخرون ، والبصريون والبغداديون ، على ان بيعه ابى بكر الصديق بيعه صحيحه شرعيه ، وانها لم تكن عن نص وانما كانت بالاختيار الذى ثبت بالاجماع ، وبغير الاجماع كونه طريقا إلى الامامه . واختلفوا في التفضيل ، فقال قدماء البصريين كابى عثمان عمرو بن عبيد ، وابى اسحاق ابراهيم بن سيار النظام ، وابى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وابى معن ثمامه بن اشرس ، وابى محمد هشام بن عمرو الفوطى ، وابى يعقوب يوسف بن عبد الله الشحام ، وجماعه غيرهم : ان ابا بكر افضل من على عليه السلام ، وهؤلاء يجعلون ترتيب الاربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافه . وقال البغداديون قاطبة ، قدماؤهم ومتاخروهم ، كابى سهل بشر بن المعتمر ، وابى موسى عيسى بن صبيح ، وابى عبد الله جعفر بن مبشر ، وابى جعفر الاسكافي ، وابى الحسين الخياط ، وابى القاسم عبد الله بن محمود البلخى وتلامذته ان عليا عليه السلام افضل من ابى بكر . وإلى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو على محمد بن عبد الوهاب الجبائى اخيرا وكان من قبل من المتوقفين ، كان يميل إلى التفضيل ولا يصرح به ، وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته . وقال في كثير من تصانيفه : ان صح خبر الطائر فعلى افضل (1) .


(1) يشير إلى ما رواه الترمذي في باب المناقب 13 : 170 ، بسنده عن أنس بن مالك ، ولفظه هذا الطير " فجاء على فأكل معه . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا يعرف من حديث السدى إلا من هذا الوجه . (*)

[ 8 ]

ثم ان قاضى القضاه رحمه الله ذكر في شرح " المقالات " لابي القاسم البلخى ان ابا على رحمه الله ما مات حتى قال بتفضيل على عليه السلام ، وقال انه نقل ذلك عنه سماعا ، ولم يوجد في شئ من مصنفاته . وقال أيضا : إن ابا على رحمه الله يوم مات استدنى ابنه ابا هاشم إليه ، - وكان قد ضعف عن رفع الصوت - فالقى إليه اشياء ، من جملتها القول بتفضيل على عليه السلام . وممن ذهب من البصريين إلى تفضيله عليه السلام الشيخ أبو عبد الله الحسين بن على البصري رضى الله عنه ، كان متحققا بتفضيله ، ومبالغا في ذلك وصنف فيه كتابا مفردا . وممن ذهب إلى تفضيله عليه السلام من البصريين قاضى القضاه أبو الحسن عبد الجبار بن احمد رحمه الله ، ذكر ابن متويه عنه في كتاب " الكفايه " في علم الكلام انه كان من المتوقفين بين على عليه السلام وابى بكر ، ثم قطع على تفضيل على عليه السلام بكامل المنزله . ومن البصريين الذاهبين إلى تفضيله عليه السلام أبو محمد الحسن بن متويه صاحب " التذكره " نص في كتاب " الكفايه " على تفضيله عليه السلام على ابى بكر ، احتج لذلك ، واطال في الاحتجاج . فهذان المذهبان كما عرفت . وذهب كثير من الشيوخ رحمهم الله إلى التوقف فيهما ، وهو قول ابى حذيفه واصل بن عطاء ، وابى الهذيل محمد بن الهذيل العلاف ، من المتقدمين . وهما - وان ذهبا إلى التوقف (1) بينه عليه السلام وبين ابى بكر وعمر - قاطعان على تفضيله على عثمان .


(2) ب " الوقف " . (*)

[ 9 ]

ومن الذاهبين إلى الوقف الشيخ أبو هاشم عبد السلام بن أبى على رحمهما الله ، والشيخ أبو الحسين محمد بن على بن الطيب البصري رحمه الله . واما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون ، من تفضيله عليه السلام . وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الافضل ، وهل المراد به الاكثر ثوابا أو (1) الاجمع لمزايا الفضل والخلال الحميده ، وبينا انه عليه السلام افضل على التفسيرين معا . وليس هذا الكتاب موضوعا لذكر الحجاج في ذلك أو في غيره من المباحث الكلامية لنذكره ، ولهذا موضع هو املك به . واما (2) القول في البغاه عليه (3) والخوارج ، فعلى (4) ما اذكره لك : اما اصحاب الجمل فهم عند اصحابنا هالكون كلهم الا عائشة وطلحه والزبير ، (5 رحمهم الله 5) فانهم تابوا ، ولو لا التوبة لحكم لهم بالنار لاصرارهم على البغى . واما عسكر الشام بصفين فانهم هالكون كلهم عند اصحابنا لا يحكم لاحد منهم الا بالنار ، لاصرارهم على البغى وموتهم عليه ، رؤساؤهم والاتباع جميعا . واما الخوارج فانهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوى المجمع عليه ، ولا يختلف اصحابنا في انهم من اهل النار . وجملة الامر ان اصحابنا يحكمون بالنار لكل فاسق مات على فسقه ، ولا ريب في ان الباغى على الامام الحق والخارج عليه بشبهه أو بغير شبهه فاسق ، وليس هذا مما يخصون به عليا عليه السلام ، فلو خرج قوم من المسلمين على غيره من ائمه الاسلام العدول (6) لكان حكمهم حكم من خرج على على صلوات الله عليه .


(1) ب : " أم " . (2) ب : " فأما " . (3) ساقطة من أ (4) ب : " فهو على " . (5 - 5) ساقط من ب (6) ب : " من أئمة العدل " . (7) ب : " يرى " تصحيف . (8) ب : " كثير " . (*)

[ 10 ]

وكان شيخنا أبو القاسم البلخى إذا ذكر عنده عبد الله بن الزبير ، يقول : لا خير فيه . وقال مرة : لا يعجبنى صلاته وصومه ، وليسا بنافعين له مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام : " لا يبغضك الا منافق " . وقال أبو عبد الله البصري رحمه الله لما سئل عنه : ما صح عندي انه تاب من يوم الجمل ، ولكنه استكثر مما كان عليه . فهذه هي المذاهب والاقوال ، اما الاستدلال عليها فهو مذكور في الكتب الموضوعه لهذا الفن .

[ 11 ]

القول في نسب امير المؤمنين على عليه السلام وذكر لمع يسيره من فضائله هو أبو الحسن على بن ابى طالب - واسمه عبد مناف - بن عبد المطلب - واسمه شيبه - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف بن قصى . الغالب عليه من الكنيه عليه السلام أبو الحسن . وكان ابنه الحسن عليه السلام يدعوه في حياه رسول الله صلى الله عليه وآله ابا الحسين ، ويدعوه الحسين عليه السلام أبا الحسن ، ويدعوان رسول الله صلى الله عليه وآله أباهما ، فلما توفى النبي صلى الله عليه وآله (1) دعواه بأبيهما . وكناه رسول الله صلى الله عليه وآله أبا تراب ، وجده نائما في تراب ، قد سقط عنه رداؤه ، اصاب التراب جسده ، فجاء حتى جلس عند راسه ، وايقظه ، وجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول له : اجلس ، انما انت ابو تراب (2) . فكانت من احب كناه إليه صلوات الله عليه ، وكان يفرح إذا دعى بها ، وكانت ترغب (3) بنو اميه خطباءها


(1) ساقطة من أ (2) رواية الخبر كما في صحيح البخاري ، في كتاب فضائل الصحابة 2 : 300 ، بسنده عن عبد الله ابن مسلمة : " أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد ، فقال : هذا فلان - لامير المدينة - يدعو عليا عند المنبر ، قال : فيقول ماذا ؟ قال : يقول له : أبو تراب . فضحك ، قال : والله ما سماه إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان له اسم أحب إليه منه . فاستطعمت الحديث سهلا ، وقلت : يا أبا عباس ، كيف ؟ قال : دخل علي على فاطمة ، ثم خرج فاضطجع في المسجد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين ابن عمك ؟ قالت : في المسجد ، فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره ، وخلص التراب إلى ظهره ، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول : اجلس يا أبا تراب ، مرتين " . ولهذا الخبر رواية أخرى ذكرها صاحب الرياض النضرة 2 : 154 (3) ب : " فدعت بنو أمية " . (*)

[ 12 ]

أن يسبوه بها على المنابر ، وجعلوها نقيصه له ووصمه عليه ، فكانما كسوه بها الحلى والحلل ، كما قال الحسن البصري رحمه الله . وكان اسمه الاول الذى سمته به امه حيدرة ، باسم ابيها اسد بن هاشم - والحيدره : الاسد - فغير ابوه اسمه ، وسماه عليا . وقيل : ان حيدره اسم كانت قريش تسميه به . والقول الاول اصح ، يدل عليه خبره (1) يوم برز إليه مرحب ، وارتجز عليه فقال : * انا الذى سمتنى امى مرحبا (2) * فاجابه عليه السلام رجزا : * انا الذى سمتنى امى حيدره (3) * ورجزهما معا مشهور منقول لا حاجه لنا الان إلى ذكره . وتزعم الشيعه انه خوطب في حياه رسول الله صلى الله عليه وآله بامير المؤمنين ، خاطبه بذلك جلة المهاجرين والانصار ، ولم يثبت ذلك في اخبار المحدثين ، الا انهم قد رووا ما يعطى هذا المعنى ، وان لم يكن اللفظ بعينه ، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله له : " انت يعسوب الدين والمال يعسوب الظلمه " ، وفي روايه اخرى : " هذا يعسوب المؤمنين ،


(1) الخبر رواه مسلم مفصلا بسنده عن إياس بن سلمة عن أبيه ، في كتاب الجهاد والسير ص 1433 - 1441 ، في غزوة خيبر (2) رواية مسلم : قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب (3) بقيته ، كما رواه مسلم : كليث غاب كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره والسندرة : مكيال واسع . (*)

[ 13 ]

وقائد الغر المحجلين " (1) . واليعسوب : ذكر النحل واميرها . روى هاتين الروايتين أبو عبد الله احمد بن حنبل الشيباني في " المسند " في كتابه " فضائل الصحابة " ، ورواهما ابو نعيم الحافظ في " حليه الاولياء " (2) . ودعى بعد وفاه رسول الله صلى الله عليه وآله بوصى رسول الله ، لوصايته إليه بما اراده . واصجابنا لا ينكرون ذلك ، ولكن يقولون : انها لم تكن وصيه بالخلافه ، بل بكثير من المتجددات بعده ، أفضى بها إليه عليه السلام . وسنذكر طرفا من هذا المعنى فيما بعد . وامه فاطمه بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصى ، اول هاشميه ولدت لهاشمي ، كان على عليه السلام اصغر بنيها ، وجعفر اسن منه بعشر سنين ، وعقيل اسن منه بعشر سنين ، وطالب اسن من عقيل بعشر سنين ، وفاطمة بنت اسد امهم جميعا . وام فاطمه بنت اسد ، فاطمه (1) بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص (ابن عامر بن لؤى وامها حدية بنت) (4) وهب بن ثعلبه بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر . (وامها فاطمه بنت عبيد بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى . وامها سلمى بنت عامر بن ربيعه بن هلال بن اهيب بن ضبه بن الحارث بن فهر) (4) . وامها عاتكه بنت ابى همهمة - واسمه عمرو بن عبد العزى - بن عامر بن عميره بن وديعه بن الحارث بن فهر . (وامها تماضر بنت عمرو بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مره بن كعب بن لؤى) (4) . وامها حبيبه ، وهى امة الله بنت عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسى ، وهو ثقيف . وامها فلانة بنت مخزوم بن اسامه بن ضبع (5) بن وائله بن نصر بن صعصعه بن ثعلبه بن كنانه بن عمرو بن قين بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان


(1) ورواه أيضا الطبراني في الكبير ، ونقله صاحب الرياض النضيرة 2 : 155 ، مع اختلاف في اللفظ . (2) حليلة الاولياء 1 : 63 ، بسنده عن أنس ، ولفظه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس ، أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين " . (3) تكملة في مقاتل الطالبين . (4) كذا في ب ، وفي أ : " ضجيج " وفي مقاتل الطالبيين " صبح " . (*)

[ 14 ]

ابن مضر . وأمها ربطه بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف . وأمها كلة (1) بنت حصين بن سعد بن بكر بن هوازن . وأمها حبى بنت الحارث بن النابغة بن عميره بن عوف بن نصر بن بكر بن هوازن . ذكر هذا النسب أبو الفرج على بن الحسين الاصفهانى في كتاب " مقاتل الطالبيين " (2) . أسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشره من المسلمين ، وكانت الحادى عشر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكرمها ويعظمها ويدعوها : أمي ، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة ، فقبل وصيتها ، وصلى عليها ، ونزل في لحدها ، واضطجع معها فيه بعد أن ألبسها قميصه ، فقال له أصحابه إنا ما رأيناك صنعت يا رسول الله بأحد ما صنعت بها ، فقال إنه لم يكن أحد بعد أبى طالب أبر بى منها ، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة ، واضطجعت معها ليهون عليها ضغطه القبر . وفاطمة أول امرأة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله من النساء . وأم أبى طالب بن عبد المطلب فاطمه بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم . وهى أم عبد الله ، والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأم الزبير بن عبد المطلب ، وسائر ولد عبد المطلب بعد لامهات شتى . واختلف في مولد على عليه السلام أين كان ؟ فكثير من الشيعه يزعمون أنه ولد في الكعبة ، والمحدثون لا يعترفون بذلك ، ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى . واختلف في سنه حين أظهر النبي صلى الله عليه وآله الدعوة ، إذ تكامل له صلوات الله عليه أربعون سنة ، فالاشهر من الروايات أنه كان ابن عشر . وكثير من أصحابنا المتكلمين يقولون : إنه كان ابن ثلاث عشرة سنة ، ذكر ذلك شيخنا أبو القاسم البلخى وغيره من شيوخنا .


(1) مقاتل الطالبيين : " كلية بنت قصية " . (2) في ترجمة جعفر بن أبي طالب ص 7 . (*)

[ 15 ]

والاولون يقولون : إنه قتل وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وهؤلاء يقولون : ابن ست وستين ، والروايات في ذلك مختلفة . ومن الناس من يزعم أن سنه كانت دون العشر ، والاكثر الاظهر خلاف ذلك . وذكر أحمد بن يحيى البلاذرى وعلى بن الحسين الاصفهانى أن قريشا أصابتها أزمة وقحط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعميه : حمزه والعباس : أ لا نحمل ثقل أبى طالب في هذا المحل ! فجاءوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم ، فقال : دعوا لى عقيلا وخذوا من شئتم - وكان شديد الحب لعقيل - فأخذ العباس طالبا ، وأخذ حمزه جعفرا ، وأخذ محمد صلى الله عليه وآله عليا ، وقال لهم : قد اخترت - من اختاره الله لى عليكم - عليا ، قالوا فكان على عليه السلام في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله ، منذ كان عمره ست سنين . وكان ما يسدى إليه ص من إحسانه وشفقته وبره وحسن تربيته ، كالمكافأه والمعاوضة لصنيع أبى طالب به ، حيث مات عبد المطلب وجعله في حجره . وهذا يطابق قوله عليه السلام : لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الامة سبع سنين . وقوله كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعا ، ورسول الله صلى الله عليه وآله حينئذ صامت ما أذن له في الانذار والتبليغ ، وذلك لانه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوه ثلاث عشرة سنة ، وتسليمه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من أبيه وهو ابن ست - فقد صح انه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين ، و أبيه وهو ابن ست - فقد صح أنه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين ، وابن ست تصح منه العبادة إذا كان ذا تمييز على أن عبادة مثله هي التعظيم والاجلال وخشوع القلب ، واستخذاء الجوارح إذا شاهد شيئا من جلال الله سبحانه وآياته الباهرة ، ومثل هذا موجود في الصبيان . وقتل عليه السلام ليله الجمعة لثلاث عشرة بقين من شهر رمضان ، سنه أربعين في

[ 16 ]

روايه أبى عبد الرحمن السلمى (1) - وهى الرواية المشهورة - وفي روايه أبى مخنف أنها كانت لاحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان ، وعليه الشيعه في زماننا . والقول الاول أثبت عند المحدثين ، والليلة السابعه عشره من شهر رمضان هي ليلة بدر ، وقد كانت الروايات وردت أنه يقتل في ليله بدر ، عليه السلام ، وقبره بالغرى . وما يدعيه أصحاب الحديث من الاختلاف في قبره ، وأنه حمل إلى المدينة ، أو أنه دفن في رحبة الجامع ، أو عند باب قصر الامارة أو ند البعير الذى حمل عليه فاخذته الاعراب - باطل كله ، لا حقيقة له ، وأولاده أعرف بقبره ، وأولاد كل الناس أعرف بقبور آبائهم من الاجانب ، وهذا القبر الذي زاره بنوه لما قدموا العراق ، منهم جعفر بن محمد عليه السلام وغيره من أكابرهم وأعيانهم . وروى أبو الفرج في " مقاتل الطالبيين " بإسناد (2) ذكره هناك ان الحسين عليه السلام لما سئل : أين دفنتم أمير المؤمنين ؟ فقال : خرجنا به ليلا من منزله بالكوفة ، حتى مررنا به على مسجد الاشعث ، حتى انتهينا به إلى الظهر بجنب الغرى . وسنذكر خبر مقتله عليه السلام فيما بعد . فأما فضائله عليه السلام ، فإنها قد بلغت من العظم والجلاله والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها ، والتصدي لتفصيلها ، فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد : رأيتنى فيما أتعاطى من وصف فضلك ، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر ، والقمر الزاهر ، الذى لا يخفى على الناظر ، فايقنت أنى حيث انتهى بى القول منسوب إلى العجز ، مقصر عن الغاية ، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ، ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك . وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ،


(1) نقلها أبو الفرج في مقاتل الطالبيين . (2) مقاتل الطالبيين ص 42 ، وفيه " الحسن " . (*)

[ 17 ]

ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الارض وغربها ، واجتهدوا بكل حيله في إطفاء نوره ، والتحريض عليه ، ووضع المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيله ، أو يرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعه وسموا ، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، وكلما كتم تضوع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النهار ان حجبت عنه عين واحدة ، أدركته عيون كثيره ! وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهى إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلى حلبتها ، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى . وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الالهى ، لان شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم . ومن كلامه عليه السلام اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ فإن المعتزلة (1) - الذين هم أ هل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ، ومنهم تعلم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه ، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية (2) ، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه عليه السلام . وأما الاشعرية فانهم ينتمون إلى أبى الحسن على بن " إسماعيل بن " أبى بشر الاشعري ، وهو تلميذ أبى على الجبائى ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالاشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو على بن أبى طالب عليه السلام . وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر . * * *


(1) انظر أمالى المرتضى 1 : 148 وما بعدها ، في كلام المؤلف عن سند المعتزلة إلى على عليه السلام (2) هو إمام الكيسانية ، وعنه انتقلت البيعة إلى بنى العباس . " تنقيح المقال 2 : 212 " . (*)

[ 18 ]

ومن العلوم : علم الفقه ، وهو عليه السلام أصله وأساسه ، وكل فقيه في الاسلام فهو عيال عليه ، ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبى حنيفه كأبى يوسف ومحمد وغيرهما ، فأخذوا عن أبى حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن ، فيرجع فقهه إيضا إلى أبى حنيفة ، وأما أحمد بن حنبل ، فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبى حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليه السلام ، وقرأ جعفر على أبيه عليه السلام ، وينتهى الامر إلى على عليه السلام . وأما مالك بن أنس ، فقرأ على ربيعة الرأى ، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمه على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على على بن أبى طالب (1) ، وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك ، فهؤلاء الفقهاء الاربعة . واما فقه الشيعة : فرجوعه إليه ظاهر وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا : عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس ، وكلاهما أخذ عن على عليه السلام . أما ابن عباس فظاهر ، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التى أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله غير مرة : لو لا على لهلك عمر ، وقوله : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن . وقوله : لا يفتين أحد في المسجد وعلى حاضر ، فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه . وقد روت العامة والخاصة قوله صلى الله عليه وآله : " أقضاكم على " (2) ، والقضاء هو الفقه ، فهو إذا أفقههم . وروى الكل أيضا أنه عليه السلام قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا : " اللهم اهد قلبه وثبت لسانه " قال : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين (3) ،


(1) ب : " عن علي " . (2) نقله السيوطي في الجامع الصغير 1 : 58 عن مسند أبي يعلي بلفظ : " أرأف أمتي أبو بكر ، وأشدهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقضاهم علي . . . " وضعفه . (3) رواه أبو داود في كتاب الاقضية 3 : 409 بسنده عن علي ، ولفظه : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا فقلت : يا رسول الله ، ترسلني وأنا حديث السن ، ولا علم لي بالقضاء ! فقال : " إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك ، فإدا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الاول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء " ، قال : فما زلت قاضيا - أو ما شككت في قضاء بعد . (*)

[ 19 ]

وهو عليه السلام الذى أفتى في المرأة التى وضعت لسته أشهر ، وهو الذى أفتى في الحامل الزانية (1) ، وهو الذى قال في المنبرية (2) : صار ثمنها تسعا . وهذه المسأله لو فكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب ، فما ظنك بمن قاله بديهة ، واقتضبه ارتجالا . ومن العلوم : علم تفسير القرآن ، وعنه أخذ ، ومنه فرع . وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك ، لان أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وأنه تلميذه وخريجه . وقيل له : أين علمك من علم ابن عمك ؟ فقال : كنسبة قطره من المطر إلى البحر المحيط . ومن العلوم : علم الطريقة والحقيقة ، وأحوال التصوف ، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام ، إليه ينتهون ، وعنده يقفون ، وقد صرح بذلك الشبلي ، والجنيد ، وسري (3) ، وأبو يزيد البسطامى ، وأبو محفوظ معروف الكرخي ، وغيرهم . ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة (4) التى هي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام .


(1) ذكر القرطبي في تفسيره 16 : 193 ، عند الكلام على قوله تعالى : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " أن عثمان قد أتى بامرأة ولدت لستة أشهر ، فأراد أن يقضي عليها بالحد ، فقال له علي رضي الله عنه : ليس ذلك عليها ، قال الله تعالى : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " . (2) سميت المنبرية ، لانه سئل عنها وهو على المنبر ، فأفتى من غير روية ، وبيانها أنه سئل في ابنتين وأبوين وامرأة ، فقال : صار ثمنها تسعا ، قال أبو عبيد ، أراد أن السهام عالت حتى صار للمرأة التسع ، ولها في الاصل الثمن ، وذلك أن الفريضة لو لم تعل كانت أربعة وعشرين ، فلما عالت صارت من سبعة وعشرين ، فللابنتين الثلثان : ستة عشر سهما ، وللابوين السدسان ، ثمانية أسهم ، وللمرأة ثلاثة من سبع وعشرين ، وهو التسع ، وكان لها قبل العول ثلاثة من أربعة وعشرين ، وهو الثمن . وانظر النهاية لابن الاثير 3 : 139 ، واللسان 13 : 512 ، وحاشية البقري على متن الرحبية 34 . (3) هو سري بن المغلس السقطي ، خال الجنيد وأستاذه ، وصاحب معروف الكرخي ، وأول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الاحوال . مات سنة 251 . " طبقات الصوفية للسلمي ص 48 " . (4) فصل السهروردي في الباب الثاني عشر من كتابه عوارف المعارف " 4 : 191 وما بعدها - على هامش الاحياء " الكلام في شرح خرقة المشايخ الصوفية ولبسها . (*)

[ 20 ]

ومن العلوم : علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافه أنه هو الذى ابتدعه وأنشأه ، وأملى على أبى الاسود الدؤلى جوامعه وأصوله ، من جملتها الكلام كله ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف . ومن جملتها : تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة ، وتقسيم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم (1) ، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات ، لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ، ولا تنهض بهذا الاستنباط . وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها (2) . وأما الشجاعة : فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الامثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذى ما فر قط ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلا قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاولى إلى ثانية ، وفي الحديث " كانت ضرباته وترا " ، ولما دعا معاوية إلى المبارزه ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك ، فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم ! أ تأمرني بمبارزه أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ! أراك طمعت في إمارة الشام بعدي ! وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر ، قالت أخت عمرو بن عبد ود ثرثيه : لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته أبدا ما دمت في الابد (3)


(1) معجم الادباء 14 : 42 - 50 (2) اقتباس من قول سحيم بن وثيل الرياحي : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني وابن جلا ، أي الواضح الامر ، وطلاع الثنايا : كناية عن السمو إلى معالي الامور ، والثنايا في الاصل : جمع ثنية ، وهي الطريق في الجبل . وانظر اللسان 18 : 165 . (3) من أبيات ذكرها صاحب اللسان 8 : 395 ، وروايته : لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته ما أقام الروح في جسدي لكن قاتله من لا يعاب به وكان يدعى قديما بيضة البلد (*)

[ 21 ]

لكن قاتله من لا نظير له وكان يدعى أبوه بيضة البلد (1) وانتبه يوما معاوية ، فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره ، فقعد ، فقال له عبد الله يداعبه : يا أمير المؤمنين ، لو شئت أن أفتك بك لفعلت ، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر ، قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبى طالب ! قال : لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة ، يطلب من يقتله بها . وجملة الامر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادى في مشارق الارض ومغاربها . * * * وأما القوة والايد : فبه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبه في " المعارف " : (2) ما صارع أحدا قط إلا صرعه . وهو الذى قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبه من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذى اقتلع هبل من أعلى الكعبة ، وكان عظيما جدا ، وألقاه (3) إلى الارض . وهو الذى اقتلع الصخره العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها ، وأنبط (4) الماء من تحتها . وأما السخاء والجود : فحاله فيه ظاهرة ، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، وفيه أنزل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " (5) . وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية ، فأنزل فيه : " الذين


(1) بيضة البلد ، يريد علي بن أبي طالب ، أي أنه فرد ليس مثله في الشرف كالبيضة التي هي تريكة وحدها ، ليس معها غيرها ، كذا فسر في اللسان . (2) المعارف ص 90 (3) ب : " فألقاه " . (4) ب : " فأنبط " . (5) سورة الانسان 9 ، 10 . (*)

[ 22 ]

ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " (1) . وروى عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة ، حتى مجلت (2) يده ، ويتصدق بالاجرة ، ويشد على بطنه حجرا . وقال الشعبى وقد ذكره عليه السلام : كان أسخى الناس ، كان على الخلق الذي يحبه الله : السخاء والجود ، ما قال : " لا " لسائل قط . وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبى سفيان لمحفن (3) بن أبي محفن الضبي لما قال له : جئتك من عند أبخل الناس ، فقال : ويحك " ! كيف تقول إنه أبخل الناس ، لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن ، لانفد تبره قبل تبنه . وهو الذى كان يكنس بيوت الاموال ويصلي فيها ، وهو الذي قال : يا صفراء ، ويا بيضاء ، غري غيري . وهو الذي لم يخلف ميراثا ، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام . وأما الحلم والصفح : فكان أحلم الناس عن ذنب ، وأصفحهم عن مسئ ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل ، حيث ظفر بمروان بن الحكم - وكان أعدى الناس له ، وأشدهم بغضا - فصفح عنه . وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رءوس الاشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغد (4) اللئيم علي بن أبى طالب - وكان علي عليه السلام يقول : ما زال الزبير


(1) سورة البقرة 274 ، وللمفسرين في هذه الآية أسباب أخرى للنزول ، ذكرها القرطبي في التفسير 19 : 128 ، وانظر أسباب النزول للواحدي 231 . (2) مجلت يده ، أي ثخن جلده وتعجز وظهر فيه ما يشبه البثر من العمل بالاشياء الصلبة الخشنة ، ومنه حديث فاطمة ، أنها شكت إلى علي مجل يديها من الطحن . النهاية لابن الاثير 4 : 80 . (3) كذا ضبطه الذهبي بالقلم في المشتبه ص 464 . (5) في ب : " الوغب " ، وهما بمعنى . (*)

[ 23 ]

رجلا منا اهل البيت حتى شب عبد الله - فظفر به يوم الجمل ، فأخذه أسيرا ، فصفح عنه ، وقال : اذهب فلا أرينك ، لم يزده على ذلك . وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة ، وكان له عدوا ، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا . وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره ، فلما ظفر بها أكرمها ، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم ، وقلدهن بالسيوف ، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به ، وتأففت وقالت : هتك سترى برجاله وجنده الذين وكلهم بى فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن ، وقلن لها : إنما نحن نسوه . وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف ، وشتموه ولعنوه ، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم ، ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتبع (1) مول ، ولا يجهز على جريح ، ولا يقتل مستأسر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيز إلى عسكر الامام فهو آمن . ولم يأخذ أثقالهم ، ولا سبى ذراريهم ، ولا غنم شيئا من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل ، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو وتقيل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة ، فإنه عفا والاحقاد لم تبرد ، والاساءة لم تنس . ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء ، وأحاطوا بشريعة الفرات ، وقالت رؤساء الشام له : اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا ، سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يشرعوا (2) لهم شرب الماء ، فقالوا : لا والله ، ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان ، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه ، وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع ، سقطت منه الرؤوس والايدي ، وملكوا عليهم الماء ،


(1) أ : " ألا يتبع مول " . (2) كذا في أ ، وفي ب : " يسوغوا " . (*)

[ 24 ]

وصار أصحاب معاوية في الفلاة ، لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين ، كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضا بالايدي فلا حاجه لك إلى الحرب ، فقال : لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم ، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك . فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام ! . وأما الجهاد في سبيل الله : فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين ، وهل الجهاد لاحد من الناس إلا له ! وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى ، قتل فيها سبعون من المشركين ، قتل علي نصفهم ، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر . وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الاشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك ، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما ، وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه ، لانه من المعلومات الضرورية ، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما . * * * وأما الفصاحة : فهو عليه السلام إمام الفصحاء ، وسيد البلغاء ، وفي (1) كلامه قيل : دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين . ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الاصلع ، ففاضت ثم فاضت . وقال ابن نباتة (2) : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق الا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبى طالب . ولما قال محفن بن أبى محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس ، قال له : ويحك !


(1) ب : " وعن كلامه " . (2) هو عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن إسماعيل الفارقي الجذامي . (*)

[ 25 ]

كيف يكون أعيا الناس ! فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره ، ويكفى هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة . وحسبك أنه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب " البيان والتبيين " وفي غيره من كتبه . وأما سجاحة الاخلاق ، وبشر الوجه ، وطلاقة المحيا ، والتبسم : فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه ، قال عمرو بن العاص لاهل الشام : أنه ذو دعابة شديدة . وقال علي عليه السلام في ذاك : عجبا لابن النابغة ! يزعم لاهل الشام أن في دعابة ، وأني امرؤ تلعابة ، أعافس وأمارس (1) ! وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه : لله أبوك لولا دعابة فيك ! إلا أن عمر اقتصر عليها ، وعمرو زاد فيها وسمجها . قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا ، لين جانب ، وشدة تواضع ، وسهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه . وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا حسن ، فلقد كان هشا بشا ، ذا فكاهة ، قال قيس : نعم ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسر حسوا في ارتغاء (2) ، وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام ! .


(1) التلعابة ، بفتح التاء وكسرها : الكثير اللعب والمرح . والمعافسة : الملاعبة أيضا . والممارسة : ملاعبة النساء . والخبر أورده ابن الاثير في النهاية 1 : 117 ، و 3 : 59 ، 110 ، و 4 : 59 ، 89 . (2) في المثل : " هو يسر حسوا في ارتغاء " ، يضرب لمن يظهر أمرا وهو يريد غيره . (اللسان 19 : 46) . (*)

[ 26 ]

وقد بقى هذا الخلق متوارثا متنافلا في محبيه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك . * * * وأما الزهد في الدنيا : فهو سيد الزهاد ، وبدل الابدال ، وإليه تشد الرحال ، وعنده تنفض الاحلاس ، ما شبع من طعام قط . وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ، قال عبد الله بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد ، فقدم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا ، فقدم فأكل ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فكيف تختمه ؟ قال : خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت . وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة ، وليف أخرى ، ونعلاه من ليف . وكان يلبس الكرباس (1) الغليظ ، فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة ، ولم يخطه ، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له ، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح ، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الارض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل ، ولا يأكل اللحم إلا قليلا ، ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان . وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا ، لا ينقض (2) الجوع قوته ، ولا يخون (3) الاقلال منته . وهو الذي طلق الدنيا وكانت الاموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلا من الشام ، فكان يفرقها ويمزقها ، ثم يقول : هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه (4) * (هامش) (1) الكرباس بالكسر : ثوب من القطن الابيض ، معرب . (2) ب : " ينقص " . (3) يخون : ينقص ، وفي ب : " يخور " ، وما أثبته عن أ . (4) البيت أنشده عمرو بن عدي حينما كان غلاما ، وكان يخرج مع الخدم يجتنون للملك " جذيمة الابرش " الكمأة ، فكانوا إذا وجدوا كمأة خيارا أكلوها وأتوا بالباقي إلى الملك ، وكان عمرو لا يأكل منه ، ويأتي به كما هو ، وينشد البيت . وانظر القاموس 3 : 259 - 260 ، وحديث علي ورد مفصلا في حلية الاولياء 1 : 81 . (*)

[ 27 ]

وأما العبادة : فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ، ومنه تعلم الناس صلاة الليل ، وملازمة الاوراد وقيام النافلة ، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير ، فيصلي عليه ورده ، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا ، فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ! وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده . وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته ، والخشوع لعزته والاستخذاء له ، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص ، وفهمت من أي قلب خرجت ، وعلى أي لسان جرت ! . وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام - وكان الغاية في العبادة : أين عبادتك من عبادة جدك ؟ قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدى عند عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وأما قراءته القرآن واشتغاله به : فهو المنظور إليه في هذا الباب ، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو أول من جمعه ، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبى بكر ، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة ، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن ، لانه لو كان مجموعا في حياه رسول الله صلى الله عليه وآله لما احتاج إلى أن يتشاغل (1) بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وآله . وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه ، كابي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما ، لانهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمى القارئ ، وأبو عبد الرحمن كان


(1) ب : " تشاغل " . (*)

[ 28 ]

تلميذه ، وعنه أخذ القرآن ، فقد صار هذا الفن من الفنون التى تنتهى إليه أيضا ، مثل كثير مما سبق . وأما الرأي والتدبير : فكان من أسد الناس رأيا ، وأصحهم تدبيرا ، وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار . وهو الذى أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث . وإنما قال أعداؤه : لا رأي له ، لانه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها ، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه . وقد قال عليه السلام : لو لا الدين والتقى لكنت أدهى العرب . وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوفقه ، سواء أ كان مطابقا للشرع أم لم يكن . ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لاجلها مما يرى الصلاح فيه ، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب ، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب . وأما السياسة : فإنه كان شديد السياسة ، خشنا في ذات الله ، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به . وأحرق قوما بالنار ، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي ، وقطع جماعة وصلب آخرين . ومن جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان ، وفي أقل القليل منها مقنع ، فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه . * * * فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الامام المتبع فعله ، والرئيس المقتفى أثره . وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة ، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لاهل الملة ، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها ،

[ 29 ]

حاملا سيفه ، مشمرا لحربه ، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها ! كان علي سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته ، وكان علي سيف إلب أرسلان وابنه ملكشاه صورته ، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر . وما اقول في رجل أحب كل واحد أن يتكثر به ، وود كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه ، حتى الفتوة التى أحسن ما قيل في حدها : ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه ، وصنفوا في ذلك كتبا ، وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه ، وقصروه عليه وسموه سيد الفتيان ، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي ، انه سمع من السماء يوم أحد : لا سيف إلا ذو الفقا ر ولا فتى إلا علي وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء ، وشيخ قريش ، ورئيس مكة ، قالوا : قل أن يسود فقير ، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له ، وكانت قريش تسميه الشيخ . وفي حديث عفيف الكندي ، لما رأى (1) النبي صلى الله عليه وآله يصلى في مبدأ الدعوة ، ومعه غلام وامرأة ، قال : فقلت للعباس أي شئ هذا ؟ قال : هذا ابن أخي ، يزعم أنه رسول من الله إلى الناس ، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام - وهو ابن أخي أيضا - وهذه الامرأة ، وهي زوجته . قال : فقلت : ما الذي تقولونه أنتم ؟ قال : ننتظر ما يفعل الشيخ - يعني أبا طالب . وأبو طالب هو الذى كفل رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا ، وحماه وحاطه كبيرا ، ومنعه من مشركي قريش ، ولقي لاجله عنتا عظيما ، وقاسى بلاء شديدا ، وصبر على نصره والقيام بأمره . وجاء في الخبر أنه لما توفى أبو طالب أوحى إليه عليه السلام وقيل له : اخرج منها ، فقد مات ناصرك . وله مع شرف هذه الابوة أن ابن عمه محمد سيد الاولين والآخرين ، وأخاه جعفر ذو الجناحين ، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : " أشبهت خلقي وخلقي " فمر يحجل


(1) الخبر في أسد الغابة 3 : 414 مع اختلاف في الرواية . (*)

[ 30 ]

فرحا . وزوجته سيدة نساء العالمين ، وابنيه سيدا شباب أهل الجنة ، فأباؤه آباء رسول الله ، وأمهاته أمهات رسول الله ، وهو مسوط بلحمه ودمه ، لم يفارقه منذ خلق الله آدم ، إلى أن مات عبد المطلب بين الاخوين عبد الله وأبى طالب ، وأمهما واحدة ، فكان منهما سيد الناس ، هذا الاول وهذا التالي ، وهذا المنذر وهذا الهادى ! . وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى ، وآمن بالله وعبده ، وكل من في الارض يعبد الحجر ، ويجحد الخالق ، لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير ، محمد رسول الله صلى الله عليه وآله . ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه عليه السلام أول الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله إيمانا به ، ولم يخالف في ذلك إلا الاقلون . وقد قال هو عليه السلام : أنا الصديق الاكبر ، وأنا الفاروق الاول ، أسلمت قبل إسلام الناس ، وصليت قبل صلاتهم . ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك وعلمه واضحا . وإليه ذهب الواقدي ، وابن جرير الطبري ، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب " الاستيعاب " (1) . ولانا إنما نذكر في مقدمة هذا الكتاب جملة من فضاله عنت بالعرض لا بالقصد ، وجب أن نختصر ونقتصر ، فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه ، وبالله التوفيق (2) .


(1) الاستيعاب لابن عبد البر النمري القرطبي 2 : 457 . (2) وانظر ترجمته وأخباره أيضا في أسد الغابة 4 : 16 - 40 ، والاستيعاب 2 : 256 - 274 ، والاصابة 4 : 269 - 271 ، وإنباه الرواة 1 : 10 - 12 ، وتاريخ الاسلام للذهبي 2 : 191 - 207 ، وتاريخ بغداد 1 : 133 - 138 ، وتاريخ أبي الفدا 1 : 181 - 182 ، وتاريخ الطبري 6 : 88 - 91 ، وتاريخ ابن كثير 7 : 332 - 361 ، و 8 : 1 - 13 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 10 - 13 ، وتهذيب الاسماء واللغات 1 : 344 - 349 ، وتهذيب التهذيب 7 : 334 - 339 ، وحلية الاولياء 1 : 49 - 51 ، وصفة الصفوة 1 : 119 - 144 ، وطبقات ابن سعد 6 : 6 ، وطبقات القراء لابن الجزري 1 : 146 - 547 ، ومروج الذهب 2 : 45 - 50 ، والمعارف 88 - 92 ، ومعجم الادباء 14 : 41 - 50 ، ومعجم الشعراء 279 - 280 ، ومقاتل الطالبيين 24 - 45 ، والنجوم الزاهرة 1 : 119 - 120 . (*)

[ 31 ]

القول في نسب الرضي أبي الحسن رحمه الله وذكر طرف من خصائصه ومناقبه هو أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن موسى بن جعفر الصادق عليه السلام . مولده سنة تسع وخمسين وثلثمائه . وكان أبوه النقيب أبو أحمد جليل القدر ، عظيم المنزلة في دولة بني العباس ودولة بني بوية ، ولقب بالطاهر ذي المناقب ، وخاطبه بهاء الدولة أبو نصر بن بويه بالطاهر الاوحد ، وولي نقابة الطالبيين خمس دفعات ، ومات وهو متقلدها بعد أن حالفته الامراض ، وذهب بصره ، وتوفي عن سبع وتسعين سنة ، فإن مولده كان في سنة أربع وثلثمائة ، وتوفي سنة أربعمائة . وقد ذكر ابنه الرضى أبو الحسن كمية عمره في قصيدته التي رثاه بها ، وأولها : وسمتك حالية الربيع المرهم * وسقتك ساقية الغمام المرزم (1) سبع وتسعون اهتبلن لك العدا * حتى مضوا وغبرت غير مذمم لم يلحقوا فيها بشأوك بعد ما * أملوا فعاقهم اعتراض الازلم (2) إلا بقايا من غبارك أصبحت * غصصا وأقذاء لعين أو فم إن يتبعوا عقبيك في طلب العلا * فالذئب يعسل في طريق الضيغم (3) ودفن النقيب أبو أحمد أولا في داره ، ثم نقل منها إلى مشهد الحسين عليه السلام . وهو الذي كان السفير بين الخلفاء وبين الملوك من بنى بويه والامراء من بني حمدان وغيرهم . وكان مبارك الغرة ميمون النقيبة ، مهيبا نبيلا ، ما شرع في إصلاح أمر فاسد


(1) ديوانه ، لوحة 153 (2) الازلم : الدهر . (3) عسل الذئب : مضى مسرعا واضطرب في عدوه . (*)

[ 32 ]

إلا وصلح على يديه ، وانتظم بحسن سفارته ، وبركة همته ، وحسن تدبيره ووساطته . ولاستعظام عضد الدولة أمره ، وامتلاء صدره وعينه به حين قدم العراق ما (1) قبض عليه وحمله إلى القلعة بفارس ، فلم يزل بها إلى أن مات عضد الدولة ، فأطلقه شرف الدولة أبو الفوارس شير ذيل بن عضد الدولة ، واستصحبه في جملته حيث قدم إلى بغداد ، وملك الحضرة ، ولما توفي عضد الدولة ببغداد كان عمر الرضي أبي الحسن أربع عشرة سنة ، فكتب إلى أبيه وهو معتقل بالقلعة بشيراز : أبلغا عنى الحسين ألوكا * أن ذا الطود بعد عهدك ساخا (2) والشهاب الذي اصطليت لظاه * عكست ضوءه الخطوب فباخا (3) والفنيق الذي تذرع طول الارض * خوى به الردى وأناخا (4) إن يرد مورد القذى وهو راض * فبما يكرع الزلال النقاخا (5) والعقاب الشغواء أهبطها النيق وقد أرعت النجوم صماخا (6) أعجلتها المنون عنا ولكن * خلفت في ديارنا أفراخا وعلي ذاك فالزمان بهم عا * د غلاما من بعد ما كان شاخا وأم الرضي أبي الحسن فاطمة بنت الحسين (بن أحمد) (7) بن الحسن الناصر الاصم صاحب الديلم ، وهو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام . شيخ الطالبيين وعالمهم وزاهدهم ، وأديبهم وشاعرهم ،


(1) ما هنا بمعنى المصدر . (2) لوحة 182 . (3) باخ : سكن وفتر . (4) الفنيق في الاصل : الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله ولا يركب . (5) النقاخ : البارد العذب الصافي . (6) الشغواء من وصف العقاب ، قيل لها ذلك لفضل في منفارها الاعلى على الاسفل . والنيق : حرف من حروف الجبل . (7) تكملة من أ . (*)

[ 33 ]

ملك بلاد الديلم والجبل ، ويلقب بالناصر للحق ، جرت له حروب عظيمة مع السامانية ، وتوفي بطبرستان سنة أربع وثلاثمائة ، وسنة تسع وسبعون سنة ، وانتصب في منصبه الحسن ابن القاسم بن الحسين الحسني ، ويلقب بالداعي إلى الحق . وهي أم أخيه أبى القاسم علي المرتضى أيضا . وحفظ الرضي رحمه الله القرآن بعد أن جاوز ثلاثين سنة في مدة يسيره ، وعرف من الفقه والفرائض طرفا قويا . وكان رحمه الله عالما أديبا ، وشاعرا مفلقا ، فصيح النظم ، ضخم الالفاظ ، قادرا على القريض ، متصرفا في فنونه ، إن قصد الرقة في النسيب أتى بالعجب العجاب ، وإن أراد الفخامة وجزالة الالفاظ في المدح (1) أتى بما لا يشق فيه غباره ، وإن قصد في المراثى جاء سابقا والشعراء منقطع أنفاسها على أثره . وكان مع هذا مترسلا ذا كتابة قوية ، وكان عفيفا شريف النفس ، عالي الهمة ، ملتزما (2) بالدين وقوانينه ، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة ، حتى أنه رد صلات أبيه ، وناهيك بذلك شرف نفس ، وشدة ظلف (3) . فاما بنو بويه فإنهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل . وكان يرضى بالاكرام وصيانة الجانب وإعزاز الاتباع والاصحاب ، وكان الطائع (4) أكثر ميلا إليه من القادر (5) ، وكان هو أشد حبا وأكثر ولاء للطائع منه للقادر ، وهو القائل للقادر في قصيدته التي مدحه بها ، منها :


(1) ب : " في المدح وغيره " . (2) ب : " مستلزما " ، وما أثبته عن أ . (3) الظلف ، من ظلف نفسه عن الشئ بظلفها ظلفا : منعها وحبسها . (4) هو أبو بكر عبد الكريم الطائع لامر الله ، بويع بالخلافة له سنة 363 ، ثم خلع ، وقبض عليه الديلم سنة 381 ، وبويع لاخيه القادر ، فحمل إليه الطائع ، وبقي عنده إلى أن توفي سنة 393 . الفخري 254 ، وابن الاثير حوادث سنة 381 . (5) هو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر ، المعروف بالقادر ، بويع له بالخلافة بعد خلع أخيه ، وتوفي سنة 422 . الفخري 254 . (*)

[ 34 ]

عطفا أمير المؤمنين فإننا * في دوحة العلياء لا نتفرق (1) ما بيننا يوم الفخار تفاوت * أبدا كلانا في المعالي معرق إلا الخلافة شرفتك فإننى * أنا عاطل منها وأنت مطوق فيقال أن القادر قال له على رغم أنف الشريف . وذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في التاريخ في وفاة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي ، قال : كان شيخ الشهود المعدلين ببغداد ومتقدمهم ، وسمع الحديث الكثير ، وكان كريما مفضلا على أهل العلم ، قال : وعليه قرأ الشريف الرضي رحمه الله القرآن ، وهو شاب حدث " السن " (3) ، فقال له يوما : أيها الشريف أين مقامك ؟ قال : في دار أبى ، بباب محول ، فقال : مثلك لا يقيم بدار أبيه ، قد نحلتك داري بالكرخ المعروفة بدار البركة . فامتنع الرضي من قبولها وقال له : لم أقبل من أبى قط شيئا ، فقال إن حقي عليك أعظم من حق أبيك عليك ، لاني حفظتك كتاب الله تعالى فقبلها (4) . وكان الرضي لعلو همته تنازعه نفسه (5) إلى أمور عظيمة يجيش بها خاطره ، وينظمها شعره ، ولا يجد من (6) الدهر عليها مساعدة ، فيذوب كمدا ، ويفنى وجدا ، حتى توفي ولم يبلغ غرضا . فمن ذلك قوله : ما أنا للعلياء إن لم يكن * من ولدي ما كان من والدي (7) ولا مشت بي الخيل إن لم أطأ * سرير هذا الاصيد الماجد (8)


(1) ديوانه لوحة 40 . (2) الديوان : " ميزتك وإنني " . (3) تكملة من أ . (4) المنتظم " حوادث سنة 393 . (5) أ : " في " وما أثبته عن ب . (6) أ : " في الدهر " وما أثبته عن ب . (7) ديوانه ، لوحة 89 . (8) ديوانه " الاغلب الماجد " . (*)

[ 35 ]

ومنه قوله : متى تراني مشيحا في أوائلهم * يطفو بي النقع أحيانا ويخفيني (1) " لتنظرني مشيحا في أوائلها * يغيب بي النقع أحيانا ويبديني " (2) لا تعرفوني إلا بالطعان وقد * أضحى لثامي معصوبا بعرنيني (3) ومنه قوله - يعني نفسه : فوا عجبا مما يظن محمد * وللظن في بعض المواطن غدار (4) يؤمل أن الملك طوع يمينه (5) * ومن دون ما يرجو المقدر أقدار لئن هو أعفى للخلافه لمة * لها طرر فوق الجبين وإطرار ورام العلا بالشعر والشعر دائبا * ففي الناس شعر خاملون وشعار وإني أرى زندا تواتر قدحه * ويوشك يوما أن تكون له نار ومنه قوله (6) : لا هم قلبى بركوب العلا * يوما ولا بلت يدي بالسماح (7)


(1) ديوانه ص 522 - مطبعة نخبة الاخبار ، من قصيدة يذكر فيها القبض على الطائع لله ، ويصف خروجه من الدار سليما ، وأنه حين أحسن بالامر بادر ونزل دجلة ، وتلوم من القضاة والاشراف والشهود ، فامتهنوا وأخذت ثيابهم . ومطلعها : لواعج الشوق تخطيهم وتصميني * واللوم في الحب ينهاهم ويغريني ولو لقوا بعض ما ألقى نعمت بهم * لكنهم سلموا مما يعنيني (2) هذا البيت لم يذكر في أ ، ب ، وهو في المطبوعة المصرية والديوان . (3) الديوان " إذا " (4) ديوانه لوحة 214 ، وروايته : " غرار " . وفي أ : " بعض المواضع " . (5) الديوان " يقدر أن الملك " . (6) ديوانه لوحة 84 ، من قصيدة أولها : نبهتهم مثل عوالي الرماح * إلى الوغى قبل نموم الصباح فوارس نالوا المنى بالقنا * وصافحوا أغراضهم بالصفاح (7) الديوان : " ولا بل يدي " . (*)

[ 36 ]

إن لم أنلها باشتراط كما * شئت على بيض الظبى واقتراح أفوز منها باللباب * الذي يعيي الاماني نيله والصراح فما الذي يقعدني عن مدى * ما هو بالبسل ولا باللقاح يطمح من لا مجد يسمو به * إني إذا أعذر عند الطماح أما فتى نال المنى فاشتفى * أو بطل ذاق الردى فاستراح ! وفي هذه القصيدة ما هو أخشن مسا ، وأعظم نكاية ، ولكنا عدلنا عنه وتخطيناه ، كراهية لذكره . وفي شعره الكثير الواسع من هذا النمط . * * * وكان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي (1) الكاتب له صديقا ، وبينهما لحمة الادب ووشائجه ، ومراسلات (2) ومكاتبات بالشعر ، فكتب الصابي إلى الرضي في هذا النمط : أبا حسن لي في الرجال فراسة * تعودت منها أن تقول فتصدقا (3) وقد خبرتني عنك أنك ماجد * سترقى إلى العلياء أبعد مرتقى (4) فوفيتك التعظيم قبل أوانه * وقلت أطال الله للسيد البقا


(1) هو أبو إسحاق الصابي ، صاحب الرسائل المشهورة ، كان كاتب الانشاء ببغداد عن الخليفة ، وعن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه الديلمي ، وكان صابئيا متشددا في دينه ، وجهد عليه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل ، ولكنه كان يصوم شهر رمضان مع المسلمين ، ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ ، ويستعمله في رسائله ، ولما مات رثاه الشريف بقصيدته الدالية المشهورة : أرأيت من حملوا على الاعواد * أرأيت كيف خبا ضياء النادي وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفا يرثي صابئا ، فقال : إنما رثيت فضله . توفي سنة 384 . " ابن خلكان 1 : 12 " . (2) ب : " وبينهما " . (3) ديوان الرضي ، لوحة 194 . (4) الديوان " من العلياء " . (*)

[ 37 ]

وأضمرت منه لفظة لم أبح بها * إلى أن أرى إظهارها لي مطلقا فإن مت أو إن عشت فاذكر بشارتي * وأوجب بها حقا عليك محققا وكن لي في الاولاد والاهل حافظا * إذا ما اطمأن الجنب في مضجع البقا فكتب إليه الرضي جوابا عن ذلك قصيدة ، أولها : سننت لهذا الرمح غربا مذلقا * وأجريت في ذا الهندواني رونقا (1) وسومت ذا الطرف الجواد وإنما * شرعت لها نهجا فخب وأعنقا وهى قصيدة طويلة ثابتة في ديوانه ، يعد فيها نفسه ، ويعد الصابي أيضا ببلوغ آماله إن ساعد الدهر وتم المرام ، وهذه الابيات أنكرها الصابي لما شاعت ، وقال : إني عملتها في الحسن على بن عبد العزيز حاجب النعمام ، كاتب الطائع ، وما كان الامر كما ادعاه ، ولكنه خاف على نفسه . * * * وذكر أبو الحسن الصابي (2) وابنه غرس النعمة محمد في تاريخهما أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الموسوي وابنه أبا القاسم المرتضى وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء ، وأبرز إليهم أبيات الرضي أبي الحسن التي أولها : ما مقامي على الهوان وعندي * مقول صارم وأنف حمي (3) وإباء محلق بي عن الضيم * كما زاغ طائر وحشي أي عذر له إلى المجد إن * ذل غلام في غمده المشرفي


(1) ديوانه ، 194 . (2) هو هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي ، حفيد أبي إسحاق الصابي ، ذكر صاحب كشف الظنون 290 أن ثابت بن قرة الصابي كتب تاريخا سنة 190 إلى سنة 363 ، وذيله ابن أخته هلال بن محسن الصابي ، وانتهى إلى سنة 447 ، وذيله ولده غرس النعمة محمد بن هلال ولم يتم . (3) ديوانه 546 (مطبعة نخبة الاخيار) (*)

[ 38 ]

أحمل الضيم في بلاد الاعادي (1) * وبمصر الخليفة العلوى من أبوه أبى ومولاه مولا * ي إذا ضامني البعيد القصي لف عرقي بعرفة سيدا الناس * جميعا محمد وعلي وقال القادر للنقيب أبى أحمد : قل لولدك محمد : أي هو ان قد أقام عليه عندنا ! وأى ضيم لقى من جهتنا ! وأي ذل أصابه في مملكتنا (2) ! وما الذي يعمل معه صاحب مصر اكثر من هذا ما نظنه كان يكون لو حصل عنده الا واحدا من ابناء الطالبيين بمصر فقال النقيب ابو احمد اما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه ولا رأيناه بخطه ولا يبعد ان يكون بعض اعدائه نحله اياه وعزاه إليه فقال القادر ان كان كذلك فلتكتب الان محضرا يتضمن القدح في انساب ولاه مصر ويكتب محمد خطه فيه فكتب محضرا بذلك شهد فيه جميع من حضر المجلس منهم النقيب ابو احمد وابنه المرتضى وحمل المحضر إلى الرضى ليكتب خطه فيه حمله ابوه واخوه فامتنع من سطر خطه وقال لا اكتب واخاف دعاه صاحب مصر وانكر الشعر وكتب خطه واقسم فيه انه ليس بشعره وانه لا يعرفه فاجبره ابوه على ان يكتب خطه في المحضر فلم يفعل وقال اخاف دعاه المصريين وغيلتهم لى فانهم معروفون بذلك فقال ابوه يا عجباه ا تخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ ولا تخاف من بينك وبينه مائه ذراع وحلف الا يكلمه وكذلك المرتضى فعلا ذلك تقيه وخوفا من القادر


(1) الديوان : " ألبس الذل في ديار الاعادي " . (2) ب : " في ملكنا " . (3) ب ، : " ضيعتنا " . (4) ب ، : " فكتب محضر " ، بالبناء للمجهول . (6) ب ، : " يسطر " . (*)

[ 39 ]

وتسكينا له ولما انتهى الامر إلى القادر سكت على سوء اضمره وبعد ذلك بايام صرفه عن النقابة وولاها محمد بن عمر النهر سابسى . وقرات بخط محمد بن ادريس الحلى الفقيه الامامي قال حكى ابو حامد احمد بن محمد الاسفرايينى الفقيه الشافعي قال كنت يوما عند فخر الملك ابى غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة فدخل عليه الرضى أبو الحسن فاعظمه واجله ورفع من منزلته وخلى ما كان بيده من الرقاع و القصص واقبل عليه يحادثه إلى ان انصرف ثم دخل بعد ذلك المرتضى أبو القاسم رحمه الله فلم يعظمه ذلك التعظيم ولا اكرمه ذلك الاكرام وتشاغل عنه برقاع يقرؤها وتوقيعات يوقع بها فجلس قليلا وساله امرا فقضاه ثم انصرف . قال ابو حامد فتقدمت إليه وقلت له اصلح الله الوزير الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا ، فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه ، دعا بالطعام ، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر آ غلمانه ، ولم يبق عنده غيري ، قال لخادم : هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام ، وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني . فأحضرهما ، فقال : هذا كتاب الرضي اتصل بي أنه قد ولد له ولد ، فأنفذت إليه ألف دينار ، وقلت له : هذه للقابلة ، فقد جرت العادة أن يحمل الاصدقاء


(1) منسوب إلى نهر سايس ، فوق واسط . " ياقوت " . (*)

[ 40 ]

إلى أخلائهم وذوى مودتهم مثل هذا . في مثل هذه الحال ، فردها وكتب إلي : هذا الكتاب فأقرأه ، قال : فقرأته ، وهو اعتذار عن الرد ، وفي جملته : إننا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما عجائزنا يتولين هذا الامر من نسائنا ، ولسن ممن يأخذن أجره ، ولا يقبلن صلة . قال : فهذا هذا . وأما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الاملاك ببادوريا تقسيطا نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى ، فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ، ثمنها دينار واحد ، قد كتب إلي منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب ، فأقرأه ، فقرأته ، وهو أكثر من مائة سطر ، يتضمن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهز والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه . قال فخر الملك : فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل ؟ هذا العالم المتكلم الفقيه الاوحد ونفسه هذه النفس ، أم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة ، ونفسه تلك النفس ! فقلت : وفق الله تعالى سيدنا الوزير ، فما زال موفقا ، والله ما وضع سيدنا الوزير الامر إلا في موضعه ، ولا أحله إلا في محله ! وقمت فانصرفت . * * * وتوفي الرضي رحمه الله في المحرم من سنة أربع وأربعمائة ، وحضر الوزير فخر الملك ، وجميع الاعيان والاشراف والقضاة جنازته ، والصلاة عليه ، ودفن في داره بمسجد الانباريين بالكرخ ، ومضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر عليهما السلام ، لانه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه ، وصلى عليه فخر الملك أبو غالب ، ومضى بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي ، فألزمه بالعود إلى داره .

[ 41 ]

ومما رثاه به أخوه المرتضى الابيات المشهورة التي من جملتها (1) : يا للرجال لفجعة جذمت يدي * ووددت لو ذهبت علي براسي (2) ما زلت آبي وردها حتى أتت * فحسوتها في بعض ما أنا حاسي ومطلتها زمنا فلما صممت * لم يثنها مطلي وطول مكاسي لله عمرك من قصير طاهر * ولرب عمر طال بالادناس ! * * * وحدثني فخار بن معد العلوي الموسوي رحمه الله ، قال : رأى المفيد أبو عبد الله محمد بن النعمان الفقيه الامام في منامه ، كأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ، ومعها ولداها : الحسن والحسين عليهما السلام ، صغيرين ، فسلمتهما إليه ، وقالت له : علمهما الفقه . فانتبه متعجبا من ذلك ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها جواريها وبين يديها ابناها محمد الرضي وعلي المرتضى صغيرين ، فقام إليها وسلم عليها (3) ، فقالت له (3) : أيها الشيخ ، هذان ولداي ، قد أحضرتهما لتعلمهما الفقه فبكى أبو عبد الله وقص عليها المنام ، وتولى تعليمهما الفقه (3) ، وأنعم الله عليهما ، وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا ، وهو باق ما بقي الدهر (4) .


(1) ب : " التي من جملة مرثيته " ، وما أثبته عن أ . (2) ديوانه ج‍ 2 ، لوحة 142 " مصورة دار الكتب المصرية " . (3) ساقط من ب . (4) وانظر ترجمة الشريف الرضي أيضا في أخبار المحمدين من الشعراء 88 - 89 ، وإنباه الرواة 3 : 114 - 115 ، وتاريخ ابن الاثير 7 : 280 ، وتاريخ بغداد 2 : 246 - 247 ، وتاريخ أبي الفدا 2 : 145 ، وتاريخ ابن كثير 12 : 3 - 4 ، وابن خلكان 2 : 2 - 4 ، ودمية القصر 73 - 75 ، وروضات الجنان 573 - 579 ، وشذرات الذهب 3 : 182 ، وعيون التواريخ " وفيات 406 " ، ولسان الميزان 5 : 141 ، ومرآة الجنان 3 : 18 - 20 ، والمنتظم لابن الجوزي " وفيات 406 " ، والنجوم الزاهرة 4 : 240 ، والوافي بالوفيات 2 : 374 - 379 ، ويتيمة الدهر 3 : 116 - 135 ، وله أيضا ترجمة في مقدمة كتابه المجازات النبوية " طبع بغداد " منقولة عن كتاب " تأسيس الشيعة الكرام لفنون الاسلام " ، بتحقيق السيد حسن صدر بالدين . (*)

[ 42 ]

القول في شرح خطبة نهج البلاغة قال الرضي رحمه الله : بسم الله الرحمن الرحيم " أما بعد حمد (1) الله الذي جعل الحمد ثمنا لنعمائه ، ومعاذا من بلائه ، ووسيلا إلى جنانه ، وسببا لزيادة إحسانه . والصلاة على رسوله ، نبي الرحمة ، وإمام الائمة ، وسراج الامة ، المنتجب من طينة الكرم ، وسلالة المجد الاقدم ، ومغرس الفخار المعرق ، وفرع العلاء المثمر المورق ، وعلى أهل بيته مصابيح الظلم ، وعصم الامم ، ومنار الدين الواضحة ، ومثاقيل الفضل الراجحة . فصلى الله عليهم أجمعين ، صلاة تكون إزاء لفضلهم ، ومكافأة لعملهم ، وكفاء لطيب أصلهم وفرعهم ، ما أنار (2) فجر طالع ، وخوى نجم ساطع (3) " . * * * الشرح : اعلم أني لا أتعرض في هذا الشرح للكلام فيما قد فرغ من أئمة العربية ، ولا لتفسير ما هو ظاهر مكشوف ، كما فعل القطب الراوندي ، فإنه شرع أولا في تفسير قوله : " أما بعد " ، ثم قال : هذا هو فصل الخطاب ، ثم ذكر ما معنى الفصل ، وأطال فيه ، وقسمه أقساما ، يشرح ما قد فرع له منه ، ثم شرح الشرح . وكذلك أخذ يفسر قوله : " من بلائه " ، وقوله : " إلى جنانه " ، وقوله : " وسببا " ، وقوله : " المجد " ، وقوله :


(1) أ : " حمدا " . (2 - 2) ب : " ما أنار فجر ساطع ، وخوى نجم طالع " . وكذا في مخطوطة النهج . (*)

[ 43 ]

" الاقدم " ، وهذا كله إطالة وتضييع للزمان من غير فائدة ، ولو أخذنا بشرح مثل ذلك لوجب أن نشرح لفظه " أما " المفتوحة ، وأن نذكر الفصل بينها وبين " إما " المكسورة ، ونذكر : هل المكسورة من حروف العطف أو لا ؟ ففيه خلاف ، ونذكر هل المفتوحة مركبة أو مفردة ؟ ومهملة أو عاملة ؟ ونفسر معنى قول الشاعر : أبا خراشة أما كنت ذا نفر * فإن قومي لم تأكلهم الضبع (1) بالفتح ، ونذكر بعد لم ضمت إذا قطعت عن الاضافة ؟ ولم فتحت هاهنا حيث أضيفت ؟ ونخرج عن المعنى الذي قصدناه من موضوع الكتاب ، إلى فنون أخرى قد أحكمها أربابها . ونبتدئ الآن فنقول : قال لي إمام من أئمة اللغة في زماننا : هو الفخار ، بكسر الفاء ، قال : وهذا مما يغلط فيه الخاصة فيفتحونها ، وهو غير جائز ، لانه مصدر " فاخر " ، وفاعل يجئ مصدره على " فعال " بالكسر لا غير ، نحو : قاتلت قتالا ، ونازلت نزالا ، وخاصمت خصاما ، وكافحت كفاحا ، وصارعت صراعا . وعندي أنه لا يبعد أن تكون الكلمة مفتوحة الفاء ، وتكون مصدر " فخر " لا مصدر " فاخر " ، فقد جاء مصدر الثلاثي إذا كان عينه أو لامه حرف حلق على " فعال " ، بالفتح ، نحو سمح سماحا ، وذهب ذهابا ، اللهم إلا أن ينقل ذلك عن شيخ أو كتاب موثوق به نقلا صريحا ، فتزول الشبهة . والعصم جمع عصمة ، وهو ما يعتصم به . والمنار : الاعلام ، واحدها منارة ، بفتح الميم . والمثاقيل : جمع مثقال ، وهو مقدار وزن الشئ ، تقول مثقال حبة ، ومثقال قيراط ، ومثقال دينار . وليس كما تظنه العامة أنه اسم للدينار خاصة ، فقوله : " مثاقيل الفضل " ، أي زنات الفضل ، وهذا من باب الاستعارة . وقوله : " تكون إزاء لفضلهم " ، أي مقابلة له . ومكافأة بالهمز ، من كافأته أي جازيته ، وكفاء ، بالهمز والمد ، أي نظيرا .


(1) البيت لعباس بن مرداس السلمي ، وأبو خراشة كنية خفاف بن ندبة . " اللسان 8 : 183 " . (*)

[ 44 ]

وخوى النجم ، أي سقط . وطينة المجد ، أصله . وسلالة المجد فرعه . والوسيل : جمع وسيلة هو ما يتقرب به ، ولو قال : " وسبيلا إلى جنانه " لكان حسنا وإنما قصد الاغراب ، على أنا قد قرأناه كذلك في بعض النسخ . وقوله : " ومكافأة لعملهم " إن أراد أن يجعله قرينة " لفضلهم " كان مستقبحا عند من يريد البديع ، لان الاولى ساكنة الاوسط ، والاخرى متحركة الاوسط . وأما من لا يقصد البديع كالكلام القديم فليس بمستقبح ، وإن لم يرد أن يجعلها قرينه بل جعلها من حشو السجعة الثانية ، وجعل القرينة " واصلهم " ، فهو جائز إلا أن السجعة الثانية تطول جدا . ولو قال عوض " لعملهم " ، " لفعلهم " لكان حسنا . * * * قال الرضي رحمه الله : " فإني كنت في عنفوان السن ، وغضاضة الغصن ، ابتدأت تأليف كتاب في خصائص الائمة عليهم السلام ، يشتمل على محاسن أخبارهم ، وجواهر كلامهم ، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب ، وجعلته أمام الكلام . وفرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا ، صلوات الله عليه ، وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الايام ، ومماطلات الزمان . وكنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا ، وفصلته فصولا ، فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه عليه السلام ، من الكلام القصير في المواعظ والحكم والامثال والآداب ، دون الخطب الطويلة ، والكتب المبسوطة ، فاستحسن جماعة من الاصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره ، معجبين ببدائعه ، ومتعجبين من نواصعه ، وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ، ومتشعبات غصونه ، من خطب وكتب ومواعظ وأدب علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنياوية ، ما لا يوجد مجتمعا في كلام ، ولا مجموع الاطراف

[ 45 ]

في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا ، وقد تقدم وتاخروا ، لان كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الالهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي " . * * * الشرح : عنفوان السن : أولها . ومحاجزات الايام : ممانعاتها . ومماطلات الزمان : مدافعاته . وقوله : " معجبين " ثم قال : و " متعجبين " ، ف‍ " معجبين " من قولك : أعجب فلان برأيه ، وبنفسه فهو معجب بهما ، والاسم العجب بالضم ، ولا يكون ذلك إلا في المستحسن ، و " متعجبين " من قولك : تعجبت من كذا ، والاسم العجب . وقد يكون في الشئ يستحسن ويستقبح ويتهول منه ويستغرب ، مراده هنا التهول والاستغراب ، ومن ذلك قول أبي تمام : أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب * وآل ما كان من عجب إلى عجب (1) يريد أنها كانت معجبة به أيام الشبيبة لحسنه ، فلما شاب انقلب ذلك العجب عجبا ، إما استقباحا له أو تهولا منه واستغرابا . وفي بعض الروايات : " معجبين ببدائعه " ، أي أنهم يعجبون غيرهم . والنواصع : الخالصة . وثواقب الكلم : مضيئاتها ، ومنه الشهاب الثاقب . وحذا كل قائل : اقتفى واتبع . وقوله : " مسحة " يقولون . على فلان مسحة من جمال ، مثل قولك : شئ ، وكأنه هاهنا يريد ضوءا وصقالا . وقوله : " عبقة " ، أي رائحة ،


(1) ديوانه 1 : 115 ، مطلع قصيدة يمدح فيها الحسن بن سهل . المخلس ، من قولهم : أخلس رأسه إذا صار فيه بياض وسواد . والقصب : جمع قصبة ، وهي خصلة من الشعر تجعل كهيئة القصبة الدقيقة . " من شرح الديوان " .

[ 46 ]

ولو قال عوض " العلم الالهي " " الكتاب الالهي " لكان أحسن . * * * قال الرضي رحمه الله : " فأجبتهم إلى الابتداء بذلك ، عالما بما فيه من عظيم النفع ، ومنشور الذكر ، ومذخور الاجر . واعتمدت به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة ، مضافة إلى المحاسن الدثرة ، والفضائل الجمة ، وأنه انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الاولين ، الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر ، والشاذ الشارد ، فأما كلامه عليه السلام فهو البحر الذي لا يساجل ، والجم الذي لا يحافل ، وأردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به صلوات الله عليه بقول الفرزدق : أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع " * * * الشرح : المحاسن الدثرة : الكثيرة ، مال دثر ، أي كثير ، والجمة مثله ، ويؤثر عنهم ، أي يحكي وينقل ، قلته آثرا ، أي حاكيا ، ولا يساجل ، أي لا يكاثر ، أصله من النزع بالسجل ، وهو الدلو الملئ ، قال : من يساجلني يساجل ماجدا * يملا الدلو إلى عقد الكرب (1) ويروى : " ويساحل " بالحاء ، من ساحل البحر وهو طرفه ، أي لا يشابه في بعد ساحله . ولا يحافل ، أي لا يفاخر بالكثرة ، أصله من الحفل ، وهو الامتلاء . والمحافلة : المفاخرة بالامتلاء ، ضرع حافل ، أي ممتلئ .


(1) للفضل بن عباس بن عتبد بن أبي لهب ، اللسان 13 : 346 ، ونقل عن ابن بري : " أصل المساجلة ، أن يستقي ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله مثل ما يخرج الآخر ، فأيهما نكل فقد غلب ، فضربته العرب أصلا للمفاخرة " . (*)

[ 47 ]

والفرزدق همام بن غالب بن صعصعة التميمي ، ومن هذه الابيات (1) : ومنا الذي اختير الرجال سماحة * وجودا إذا هب الرياح الزعازع (2) ومنا الذي أحيا الوئيد وغالب * وعمرو ومنا حاجب والاقارع (3) ومنا الذي قاد الجياد على الوجا (4) * بنجران حتى صبحته الترائع ومنا الذي أعطى الرسول عطية * أسارى تميم والعيون هوامع الترائع : الكرام من الخيل ، يعني غزاة الاقرع بن حابس قبل الاسلام بني تغلب بنجران ، وهو الذي أعطاه الرسول يوم حنين أسارى تميم - ومنا غداة الروع فرسان غارة * إذا منعت بعد الزجاج الاشاجع (5) ومنا خطيب لا يعاب وحامل * أغر إذا التفت عليه المجامع (6) - أي إذا مدت الاصابع بعد الزجاج إتماما لها ، لانها رماح قصيرة . وحامل ، أي حامل للديات -


(1) من نقيضته لقصيدة جرير التي أولها : ذكرت وصال البيض والشيب شائع * ودار الصبا من عهدهن بلاقع وهما في النقائض 685 - 705 " طبع أوربا " ، ويختلف ترتيب القصيدة هنا عن ترتيبها هناك . (2) رواية النقائض : " منا الذي اختير " ، بخذف الواو ، وهو ما يسمى بالخرم ، فتخذف الفاء من " فعولن " ، في أول البيت من القصيدة . وانظر خبر غالب بن صعصعة ، أبو الفرزدق مع عمير بن قيس الشيباني وطلبة بن قيس بن عاصم المنقري في الاغاني 19 : 5 " طبعة الساسي " . (3) الذي أحيا الوئيد ، هو جده صعصعة بن ناجية بن عقال ، وغالب أبوه ، وعمرو بن عمرو بن عدس ، والاقارع : الاقرع ، وفراس ابنا حابس بن عقال ، وانظر أخبار هؤلاء جميعا في شرح النقائض . (4) الوجا : الحفا . (5) منعت ، يريد ارتفعت بالسيوف بعد الطعان بالرماح . والاشاجع : عصب ظاهر الكف . وفي الديوان " فتيان غارة " . (6) قوله : " خطيب " نعني شبه بن عقال بن صعصعة . والحامل ، يعني عبد الله بن حكيم بن نافد ، من بني حوي بن سفيان بن مشاجع ، الذي حمل الحملات يوم المربد حين قتل مسعود بن عمرو العتكي ، وكان يقال له القرين . والاغر من الرجال : المعروف كما يعرف الفرس بغرته في الخيل ، يقول : فهو معروف في الكرم والجود . " من شرح النقائض " . (*)

[ 48 ]

أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع بهم أعتلى ما حملتنيه دارم (1) * وأصرع أقراني الذين أصارع أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع (2) فوا عجبا حتى كليب تسبني * كان أباها نهشل أو مجاشع ! * * * قال الرضي رحمه الله : " ورايت كلامه عليه السلام ، يدور على أقطاب ثلاثة : أولها الخطب والاوامر ، وثانيها الكتب والرسائل ، وثالثها الحكم والمواعظ ، فأجمعت بوفيق الله سبحانه على الابتداء باختيار محاسن الخطب ، ثم محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم والادب ، مفردا لكل صنف من ذلك بابا ، ومفصلا فيه أوراقا ، ليكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذ عني عاجلا ، ويقع إلي آجلا ، وإذا جاء شئ من كلامه الخارج في أثناء حوار ، أو جواب سؤال ، أو غرض آخر من الاغراض في غير الانحاء التي ذكرتها ، وقررت القاعدة عليها ، نسبتة إلى أليق الابواب به ، وأشدها ملامحة لغرضه . وربما جاء فيما أختاره من ذلك فصول غير متسقة ، ومحاسن كلم غير منتظمة ، لاني أورد النكت واللمع ، ولا أقصد التتالي والنسق " . الشرح : قوله : " أجمعت على الابتداء " ، أي عزمت . وقال القطب الراوندي : تقديره : اجمعت عازما على الابتداء ، قال : لانه لا يقال إلا أجمعت الامر ، ولا يقال : أجمعت على الامر ، قال سبحانه : " فأجمعوا أمركم " (3) .


(1) النقائض : ما حملتني مجاشع " . (2) قمراها : الشمس والقمر ، فغلب المذكر مع حاجته إلى إقامة البيت . (3) سورة يونس 71 . (*)

[ 49 ]

هذا الذي ذكره الراوندي خلاف نص أهل اللغة ، قالوا : أجمعت الامر ، وعلى الامر كله جائز ، نص صاحب " الصحاح " على ذلك . والمحاسن : جمع حسن ، على غير قياس ، كما قالوا : الملامح والمذاكر (2) ، ومثله المقابح . والحوار ، بكسر الحاء : مصدر حاورته ، أي خاطبته . والانحاء : الوجوه والمقاصد . وأشدها ملامحة لغرضه ، أي أشدها إبصارا له ونظرا إليه ، من لمحت الشئ وهذه استعارة ، يقال : هذا الكلام يلمح الكلام الفلاني ، أي يشابهه ، كأن ذلك الكلام يلمح ويبصر من هذا الكلام . * * * قال الرضي رحمه الله : " ومن عجائبه عيله السلام التي انفرد بها ، وأمن المشاركة فيها أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ، والتذكير والزواجر ، إذا تأمله المتأمل ، وفكر فيه المفكر (3) ، وخلع من قلبه أنه كلام مثله ، ممن عظم قدره ، ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لا حظ له في غير الزهادة ، ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع في كسر بيت ، أو انقطع إلى (4) سفح جبل ، لا يسمع إلا حسه ، ولا يرى إلا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب ، مصلتا سيفه ، فيقط الرقاب ، ويجدل الابطال ، ويعود به ينطف دما ، ويقطر مهجا ، وهو مع تلك الحال ، زاهد الزهاد ، وبدل الابدال . وهذه من فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة ، التي جمع بها بين الاضداد ، وألف بين الاشتات ، وكثيرا ما أذاكر الاخوان بها ، وأستخرج عجبهم منها ، وهي موضع العبرة بها (5) ، والفكرة فيها . * * *


(1) الصحاح 3 : 1198 . (2) ب : " المذاكير " ، وما أثبته عن أ . (3) ب : " المتفكر " ، وما أثبته عن أ . (4) مخطوطة النهج : " في سفح " . (5) كلمة " بها " ساقطة من ب ، وهي في أ . (*)

[ 50 ]

الشرح : قبع القنفذ قبوعا ، إذا أدخل رأسه في جلده ، وكذلك الرجل إذا أدخل رأسه في قميصه ، وكل من أنزوى في جحر أو مكان ضيق فقد قبع . وكسر البيت : جانب الخباء . وسفح الجبل أسفله ، وأصله حيث يسفح فيه الماء . ويقط الرقاب : يقطعها عرضا لا طولا ، كما قاله الراوندي ، وإنما ذاك القد ، قددته طولا ، وقططته عرضا . قال ابن فارس صاحب " المجمل " : قال ابن عائشة : كانت ضربات علي عليه السلام في الحرب أبكارا ، إن أعتلى قد ، وإن اعترض قط ، ويجدل الابطال : يلقيهم على الجدالة ، وهي وجه الارض . وينطف دما : يقطر ، والابدال : قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم ، إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر ، قد ورد ذلك في كثير من كتب الحديث . كان أمير المؤمنين عليه السلام ذا أخلاق متضادة . فمنها ما قد (1) ذكره الرضي رحمه الله ، وهو موضع التعجب ، لان الغالب على أهل الشجاعة والاقدام والمغامرة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية ، وفتك وتمرد وجبرية ، والغالب على أهل الزهد ورفض الدنيا وهجران ملاذها والاشتغال بمواعظ الناس وتخويفهم المعاد ، وتذكيرهم الموت ، أن يكونوا ذوي رقة ولين ، وضعف قلب ، وخور طبع ، وهاتان حالتان متضادتان ، وقد اجتمعتا له عليه السلام . ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية ، وطباع حوشية وغرائز وحشية ، وكذلك الغالب على أهل الزهادة وأرباب الوعظ والتذكير ورفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الاخلاق ، وعبوس في الوجوه ، ونفار من الناس


(1) كلمة " قد " ساقطة من ب . (*)

[ 51 ]

واستيحاش ، وأمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع الناس وأعظمهم إراقة للدم ، وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا ، وأكثرهم وعظا وتذكيرا بأيام الله ومثلاته ، وأشدهم اجتهادا في العبادة ، وآدابا لنفسه في المعاملة . وكان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا ، وأسفرهم وجها ، وإكثرهم بشرا ، وأوفاهم هشاشة ، وأبعدهم عن انقباض موحش ، أو خلق نافر ، أو تجهم مباعد ، أو غلظة وفظاظة تنفر معهما نفس ، أو يتكدر معهما قلب . حتى عيب بالدعابة ، ولما لم يجدوا فيه مغمزا ولا مطعنا تعلقوا بها ، واعتمدوا في التنفير عنه عليها . * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (1) * وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة . ومنها أن الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل بيت السيادة والرياسة أن يكون ذا كبر وتيه وتعظم وتغطرس ، خصوصا أذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام في مصاص الشرف ومعدنه ومعانيه ، لا يشك عدو ولا صديق أنه أشرف خلق الله نسبا بعد ابن عمه صلوات الله عليه ، وقد حصل له من الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة ، قد ذكرنا بعضها ، ومع ذلك فكان أشد الناس تواضعا لصغير وكبير ، وألينهم عريكة ، وأسمحهم خلقا ، وأبعدهم عن الكبر ، وأعرفهم بحق ، وكانت حاله هذه في كلا زمانيه : زمان خلافته ،


(1) " الشكاة توضع موضع العيب والذم ، وعير الرجل عبد الله بن الزبير بأمه ، فقال ابن الزبير : * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها * أراد أن تعبيره إياه بأن أمه كانت ذات النطاقين ليس بعار . ومعنى قوله : " ظاهر عنك عارها " ، أي ناب ، أراد أن هذا ليس عارا يلزق به ، وأنه يفخر بذلك ، لانها إنما سميت ذات النطاقين ، لانه كان لها نطاقان تحمل في أحدهما الزاد إلى إبيها وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ، وكانت تنتطق بالنطاق الآخر ، وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها " . اللسان : " 19 : 171 " ، وديوان الهذلين (1 : 21) ، وهذا العجز لابي ذؤيب الهذلي ، وصدره : * وعيرها الواشون أني أحبها * (*)

[ 52 ]

والزمان الذي قبله ، لم تغيره الامرة ، ولا أحالت خلقه الرياسة ، وكيف تحيل الرياسة خلقه وما زال رئيسا ! وكيف تغير الامرة سجيته وما برح أميرا لم ! يستفد بالخلافة شرفا ، ولا أكتسب بها زينة ، بل هو كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في تاريخه المعروف " بالمنتظم " تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر وعلي وقالوا فأكثروا ، فرفع رأسه إليهم ، وقال : قد أكثرتم ! إن عليا لم تزنه الخلافة ، ولكنه زانها . وهذا الكلام دال بفحواه ومفهومه على أن غيره ازدان بالخلافة وتممت نقيصته ، وأن عليا عليه السلام لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمم بالخلافة ، وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها ، فتم نقصها بولايته إياها . ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الانفس وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح ، بعيدي العفو لان أكبادهم واغرة ، وقلوبهم ملتهبة ، والقوة الغضبية عندهم شديدة ، وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح ، ومغالبة هوى النفس ، وقد رأيت فعله يوم الجمل ، ولقد أحسن مهيار في قوله (1) : حتى إذا دارت رحى بغيهم * عليهم وسبق السيف العذل عاذوا بعفو ماجد معود * للعفو حمال لهم على العلل فنجت البقيا عليهم من نجا * وأكل الحديد منهم من أكل أطت بهم أرحامهم فلم يطع * ثائرة الغيظ ولم يشف الغلل ومنها أنا ما رأينا شجاعا جوادا قط ، كان عبد الله بن الزبير شجاعا وكان أبخل الناس ، وكان الزبير أبوه شجاعا وكان شحيحا ، قال له عمر : لو وليتها لظلت تلاطم الناس


(1) من قصيدة في ديوانه 3 : 109 - 116 يذكر فيها مناقب الامام علي وما منى به من أعدائه . (*)

[ 53 ]

في البطحاء على الصاع والمد . وأراد علي عليه السلام أن يحجر على عبد الله بن جعفر لتبذيره المال ، فاحتال لنفسه ، فشارك الزبير في أمواله وتجاراته ، فقال عليه السلام : أما إنه قد لاذ بملاذ ، ولم يحجر عليه . وكان طلحة شجاعا وكان شحيحا ، أمسك عن الانفاق حتى خلف من الاموال ما لا يأتي عليه الحصر . وكان عبد الملك شجاعا وكان شحيحا ، يضرب به المثل في الشح ، وسمي رشح الحجر ، لبخله . وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في الشجاعة والسخاء ، كيف هي وهذا من أعاجيبه أيضا عليه السلام ! * * * قال الرضى رحمه الله : وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد ، والمعنى المكرر ، والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا ، فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ، ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الاول ، أما بزيادة مختارة ، أو بلفظ أحسن عبارة ، فتقتضي الحال أن يعاد استظهارا للاختيار ، وغيرة على عقائل الكلام . وربما بعد العهد أيضا بما أختير أولا ، فأعيد بعضه سهوا ونسيانا ، لا قصدا أو اعتمادا . ولا أدعي مع ذلك أنني أحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام ، حتى لا يشذ عني منه شاذ ، ولا يند ناد بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلي ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي ، وما علي إلا بذل الجهد ، وبلاغة الوسع ، وعلى الله سبحانه نهج السبيل ، وإرشاد الدليل . ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب ب‍ " نهج البلاغة " ، إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها ، ويقرب عليه طلابها ، وفيه حاجة العالم والمتعلم ، وبغية البليغ والزاهد ، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شبه الخلق ، ما هو بلال كل غلة ، وشفاء كل علة ، وجلاء كل شبهة . ومن الله أستمد التوفيق والعصمة ، وأتنجز التسديد والمعونة ، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ

[ 54 ]

اللسان ، ومن زلة الكلم قبل زلة القدم ، وهو حسبي ونعم الوكيل " . الشرح : في أثناء هذا الاختيار : تضاعيفه ، واحدها ثني كعذق وأعذاق . والغيرة : بالفتح ، والكسر خطأ . وعقائل الكلام : كرائمه ، وعقيلة الحي : كريمته ، وكذلك عقيلة الذود . والاقطار : الجوانب ، وأحدها قطر . والناد : المنفرد ، ند البعير يند . الربقة : عروة الحبل يجعل فيها رأس البهيمة . وقوله : " وعلى الله نهج السبيل " ، أي إبانته وإيضاحه ، نهجت له نهجا . وأما أسم الكتاب ف‍ " نهج البلاغة " والنهج هنا ليس بمصدر ، بل هو اسم للطريق الواضح نفسه . والطلاب بكسر الطاء : الطلب . والبغية : ما يبتغي . وبلال كل غلة ، بكسر الباء : ما يبل به الصدى ، ومنه قوله : أنضحوا الرحم ببلالها ، أي صلوها بصلتها وندوها ، قال أوس : كأني حلوت الشعر حين مدحته * صفا صخرة صماء يبس بلالها (1) وإنما استعاذ من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان ، لان خطأ الجنان أعظم وأفحش من خطأ اللسان ، أ لا ترى أن اعتقاد الكفر بالقلب أعظم عقابا من أن يكفر الانسان بلسانه وهو غير معتقد للكفر بقلبه ، وإنما استعاذ من زلة الكلم قبل زلة القدم لانه أراد زلة القدم الحقيقية ، ولا ريب أن زلة القدم أهون وأسهل ، لان العاثر يستقيل من عثرته ، وذا الزلة تجده ينهض من صرعته ، وأما الزلة باللسان فقد لا تستقال عثرتها ، ولا ينهض صريعها ، وطالما كانت لا شوى (3) لها ، قال أبو تمام : يا زلة ما وقيتم شر مصرعها * وزلة الرأي تنسي زلة القدم (3)


(1) يهجو الحكم بن مروان بن زنباع ، اللسان 13 : 67 ، 18 : 210 وحلا الرجل الشئ يحلوه ، أعطاه إياه ، أي جعل الشعر حلوانا له مثل العطاء . (2) لا شوى لها ، أي لا برء لها ، قال الكميت : أجيبوا رقي الآسي النطاسي واحذزوا * مطفئة الرصيف التي لا شوى لها (3) ديوانه 3 : 194 ، وروايته : " يا عثرة ما وقيتم " . (*)

[ 55 ]

باب الخطب والاوامر

[ 57 ]

قال الرضي رحمه الله : باب المختار من خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه وأوامره ويدخل في ذلك المختار من كلامه الجاري مجرى الخطب في المقامات المحضورة والمواقف المذكورة ، والخطوب الواردة الشرح : المقامات : جمع مقامة ، وقد تكون المقامة المجلس والنادي الذي يجتمع إليه الناس ، وقد يكون اسما للجماعة ، والاول أليق هاهنا بقوله . المحضورة ، أي التي قد حضرها الناس . ومنذ الآن نبتدئ بشرح كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، ونجعل ترجمة الفصل الذي نروم شرحه " الاصل " فإذا أنهيناه قلنا : " الشرح " ، فذكرنا ما عندنا فيه وبالله التوفيق . * * * (1) الاصل : فمن خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والارض وخلق آدم " الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعماءه العادون ، ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن . الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود ، فطر الخلائق بقدرته ، ونشر الرياح برحمته ، ووتد بالصخور ميدان أرضه " .

[ 58 ]

الشرح : الذي عليه أكثر الادباء والمتكلمين أن الحمد والمدح أخوان ، لا فرق بينهما ، تقول : حمدت زيدا على أنعامه ، ومدحته على أنعامه ، وحمدته على شجاعته ، ومدحته على شجاعته ، فهما سواء يدخلان فيما كان من فعل الانسان ، وفيما ليس من فعله ، كما ذكرناه من المثالين ، فأما الشكر فأخص من المدح ، لانه لا يكون إلا على النعمة خاصة ، ولا يكون إلا صادرا من منعم عليه ، فلا يجوز عندهم أن يقال : شكر زيد عمرا لنعمة أنعمها عمرو على إنسان غير زيد . إن قيل : الاستعمال خلاف ذلك ، لانهم يقولون : حضرنا عند فلان فوجدناه يشكر الامير على معروفه عند زيد . قيل : ذلك إنما يصح إذا كان إنعام الامير على زيد أوجب سرور فلان ، فيكون شكر إنعام الامير على زيد شكرا على السرور الداخل على قلبه بالانعام على زيد ، وتكون لفظة " زيد " التي استعيرت ظاهرا لاستناد الشكر إلى مسماها كناية لا حقيقة ، ويكون ذلك الشكر شكرا باعتبار السرور المذكور ، ومدحا باعتبار آخر ، وهو المناداة على ذلك الجميل والثناء الواقع بجنسه . ثم إن هؤلاء المتكلمين الذين حكينا قولهم يزعمون أن الحمد والمدح والشكر لا يكون إلا باللسان مع انطواء القلب على الثناء والتعظيم ، فإن استعمل شئ من ذلك في الافعال بالجوارح كان مجازا . وبقي البحث عن اشتراطهم مطابقة القلب للسان ، فإن الاستعمال لا يساعدهم ، لان أهل الاصطلاح يقولون لمن مدح غيره ، أو شكره رياء وسمعه : إنه قد مدحه وشكره وإن كان منافقا عندهم . ونظير هذا الموضع الايمان ، فإن أكثر المتكلمين لا يطلقونه على مجرد النطق اللساني ، بل يشترطون فيه الاعتقاد القلبي ، فأما

[ 59 ]

أن يقصروا به عليه كما هو مذهب الاشعرية (1) والامامية (2) ، أو تؤخذ معه أمور أخرى وهي فعل الواجب وتجنب القبيح كما هو مذهب المعتزلة (3) ، ولا يخالف جمهور المتكلمين في هذه المسألة إلا الكرامية (4) ، فإن المنافق عندهم يسمى مؤمنا ، ونظروا إلى مجرد الظاهر ، فجعلوا النطق اللساني وحده إيمانا . والمدحة : هيئة المدح ، كالركبة ، هيئة الركوب ، والجلسة هيئة الجلوس (5) ، والمعنى مطروق جدا ، ومنه في الكتاب العزيز كثير ، كقوله تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (6) وفي الاثر النبوي : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ، وقال الكتاب (7) من ذلك ما يطول ذكره ، فمن جيد ذلك قول بعضهم : الحمد لله على نعمه التي منها إقدارنا على الاجتهاد في حمدها ، وإن عجزنا عن إحصائها وعدها . وقالت الخنساء بنت عمرو بن الشريد : فما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا والذي نلت أطول (8)


(1) الاشعرية هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الاشعري ، المنتسب إلى أبي موسى الاشعري ، وهي جماعة الصفاتية ، الذين يثبتون لله تعالى الصفات الازلية ، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها . وانظر الكلام عليهم في الملل والنحل للشهرستاني 1 : 58 - 94 . (2) الامامية هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه السلام ، وهم فرق متعددة ذكرهم الشهرستاني في الملل والنحل 1 : 144 - 154 . (3) المعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ، انظر أيضا الكلام عليهم ، وتعداد فرقهم في المصدر السابق 1 : 49 - 78 . (4) الكرامية هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام ، عدهم الشهرستاني من جماعة الصفاتية ، لانهم كانوا ممن يثبتون الصفات ، إلا أنهم انتهوا فيها إلى التجسيم والتشبيه ، الملل والنحل 1 : 99 - 104 . (5 - 5) أ : " كالركبة والجلسة هيئة الركوب والجلوس " . (6) سورة إبراهيم 34 ، النحل 18 . (7) ب : " في الكتاب " ، وكلمة " في " مقحمة . (8) ديوانها 184 ، والرواية هناك فما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا حيث ما نلت أطول وما بلغ المهدون في القول مدحة * ولا صفة إلا الذي فيك أفضل (*)

[ 60 ]

ولا حبر المثنون في القول مدحة * وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل * * * ومن مستحسن ما وقفت عليه من تعظيم الباري عز جلاله بلفظ (1) " الحمد " قول بعض الفضلاء في خطبة أرجوزه علمية : الحمد لله بقدر الله * لا قدر وسع العبد ذي التناهي والحمد لله الذي برهانه * أن ليس شأن ليس فيه شانه والحمد لله الذي من ينكره * فإنما ينكر من يصوره وأما قوله " الذي لا يدركه " ، فيريد أن همم النظار وأصحاب الفكر وإن علت وبعدت فإنها لا تدركه تعالى ، ولا تحيط به . وهذا حق لان كل متصور فلا بد أن يكون محسوسا ، أو متخيلا ، إو موجودا من فطرة النفس ، والاستقراء يشهد بذلك . مثال المحسوس السواد والحموضة ، مثال المتخيل إنسان يطير ، أو بحر من دم ، مثال الموجود من فطرة النفس تصور الالم واللذة . ولما كان الباري سبحانه خارجا عن هذا أجمع (2) لم يكن متصورا . فأما قوله : " الذي ليس لصفته حد محدود " فأنه يعني بصفته هاهنا كنهه وحقيقته يقول : ليس لكنهه حد فيعرف بذلك الحد قياسا على الاشياء المحدودة ، لانه ليس بمركب ، وكل محدود مركب . ثم قال : " ولا نعت موجود " أي (3) ولا يدرك بالرسم ، كما تدرك الاشياء برسومها ، وهو أن تعرف بلازم من لوازمها ، وصفة من صفاتها . ثم قال : " ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود " ، فيه إشارة إلى الرد على من قال : إنا


(1) أ : " بلفظة " . (2) ب : " جميعا " . (3) ب : " لا يدرك " ، من غير واو . (*)

[ 61 ]

نعلم كنه الباري سبحانه لا في هذه الدنيا بل في الآخرة ، فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون : إنا نعرف حينئذ كنهه ، فهو عليه السلام رد قولهم ، وقال : إنه لا وقت أبدا على الاطلاق تعرف فيه حقيقته وكنهه ، لا الآن ولا بعد الآن ، وهو الحق ، لانا لو رأيناه في الآخرة وعرفنا كنهه لتشخص تشخصا يمنع من حمله على كثيرين ، ولا يتصور أن يتشخص هذا التشخص إلا ما يشار إلى جهته ، ولا جهة له سبحانه . وقد شرحت هذا الموضع في كتابي المعروف ب‍ " زيادات النقضين (1) " ، وبينت أن الرؤية المنزهة عن الكيفية التي يزعمها أصحاب الاشعري لا بد فيها من إثبات الجهة ، وأنها لا تجري مجرى العلم ، لان العلم لا يشخص المعلوم ، والرؤية تشخص المرئي ، والتشخيص لا يمكن إلا مع كون المتشخص ذا جهة . واعلم أن نفي الاحاطة مذكور في الكتاب العزيز في مواضع ، منها قوله تعالى : " ولا يحيطون به علما " (2) ومنها قوله : " ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير " (3) وقال بعض الصحابة : العجز عن درك الادارك إدراك ، وقد غلا محمد بن هانئ فقال في ممدوحه المعز أبي تميم معد بن المنصور العلوي : أتبعته فكري حتى إذا بلغت * غاياتها بين تصويب وتصعيد (4) رأيت موضع برهان يلوح وما * رأيت موضع تكييف وتحديد (5) وهذا مدح يليق بالخالق تعالى ، ولا يليق بالمخلوق . فأما قوله : " فطر الخلائق . . . " إلى آخر الفصل ، فهو تقسيم مشتق من الكتاب العزيز ، فقوله : " فطر الخلائق بقدرته " من قوله تعالى : " قال من رب السموات والارض


(1) كذا في ب ، وفي أ : " زيادات التقصير " ، ولم أعثر على ذكر له في كتب التراجم والفهارس . (2) سورة طه 110 . (3) سورة الملك 4 . (4) ديوانه 210 . (5) الديوان : " برهان يبين " . (*)

[ 62 ]

وما بينهما " (1) وقوله : " ونشر الرياح برحمته " من قوله : يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته " (2) . وقوله : " ووتد بالصخور ميدان أرضه " ، من قوله : " والجبال أوتادا " (3) . والميدان : التحرك والتموج . * * * فأما القطب الراوندي رحمه الله فإنه قال ، إنه عليه السلام أخبر عن نفسه بأول هذا الفصل أنه يحمد الله ، وذلك من ظاهر كلامه ، ثم أمر غيره من فحوى كلامه أن يحمد الله ، وأخبر عليه السلام أنه ثابت على ذلك مدة حياته ، وأنه يجب على المكلفين ثبوتهم عليه ما بقوا ، ولو قال " أحمد الله " لم يعلم منه جميع ذلك . ثم قال : والحمد أعم من الشكر ، والله أخص من الاله ، قال فأما قوله : " الذي لا يبلغ مدحته القائلون " فإنه أظهر العجز عن القيام بواجب مدائحه ، فكيف بمحامده ! والمعنى أن الحمد كل الحمد ثابت للمعبود الذي حقت العبادة له في الازل ، واستحقها حين خلق الخلق ، وأنعم بأصول النعم التي يستحق بها العبادة . * * * ولقائل أن يقول : أنه ليس في فحوى كلامه أنه أمر غيره أن يحمد الله ، وليس يفهم من قول بعض رعية الملك لغيره منهم : العظمة والجلال لهذا الملك ، أنه قد أمرهم بتعظيمه وإجلاله . ولا أيضا في الكلام ما يدل على أنه ثابت على ذلك مدة حياته ، وأنه يجب على المكلفين ثبوتهم عليه ما بقوا . ولا أعلم كيف قد وقع ذلك للراوندي ! فإن زعم أن العقل يقتضي ذلك فحق ، ولكن


(1) سورة الشعراء 24 . (2) سورة الاعراف 57 ، وهي قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو (الجامع لاحكام القرآن 7 : 229) . (3) سورة النبأ 7 . (*)

[ 63 ]

ليس مستفادا من الكلام ، وهو أنه (1) قال : إن ذلك موجود في الكلام . فأما قوله : لو كان قال : أحمد الله لم يعلم منه جميع ذلك ، فإنه لا فرق في انتفاء دلالة " أحمد الله " على ذلك ودلالة " الحمد لله " ، وهما سواء في أنهما لا يدلان على شئ من أحوال غير القائل ، فضلا عن دلالتهما على ثبوت ذلك ودوامه في حق غير القائل . وأما قوله : الله أخص من الاله ، فإن أراد في أصل اللغة ، فلا فرق ، بل الله هو الاله وفخم بعد حذف الهمزة ، هذا قول كافة البصريين ، وإن أراد أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون على الاصنام لفظة " الآلهة " ولا يسمونها " الله " فحق ، وذلك عائد إلى عرفهم واصطلاحهم ، لا إلى أصل اللغة والاشتقاق ، أ لا ترى أن الدابة في العرف لا تطلق على القملة ، وإن كانت في أصل اللغة دابة ! فأما قوله : قد أظهر العجز عن القيام بواجب مدائحه فكيف بمحامده ! فكلام يقتضى أن المدح غير الحمد ، ونحن لا نعرف فرقا بينهما . وأيضا فإن الكلام لا يقتضي العجز عن القيام بالواجب ، لا من الممادح ولا من المحامد ، ولا فيه تعرض لذكر الوجوب ، وإنما نفى أن يبلغ القائلون مدحته ، لم يقل غير ذلك . وأما قوله : الذي حقت العبادة له في الازل وأستحقها حين خلق الخلق ، وأنعم بأصول النعم فكلام ظاهره متناقض ، لانه إذا كان إنما استحقها حين خلق الخلق ، فكيف يقال : إنه استحقها في الازل ! وهل يكون في الازل مخلوق ليستحق عليه العبادة ! واعلم أن المتكلمين لا يطلقون على الباري سبحانه أنه معبود في الازل أو مستحق للعبادة في الازل إلا بالقوة لا بالفعل (3) ، لانه ليس في الازل مكلف يعبده تعالى ، ولا أنعم على أحد في الازل بنعمة يستحق بها العبادة ، حتى إنهم قالوا في الاثر الوارد : " يا قديم


(1) ب : " وهو إنما " . (2) ساقطة من ب . (3) أ : " ولا بالفعل " . (*)

[ 64 ]

الاحسان " : إن معناه أن إحسانه متقادم العهد ، لا أنه قديم حقيقة ، كما جاء في الكتاب العزيز : " حتى عاد كالعرجون القديم " (1) ، أي الذي قد توالت عليه الازمنة المتطاوله . * * * ثم (2) قال الراوندي : والحمد والمدح يكونان بالقول وبالفعل ، والالف واللام في " القائلون " لتعريف الجنس ، كمثلهما في الحمد . والبلوغ المشارفة ، يقال : بلغت المكان إذا أشرفت عليه ، وإذا لم تشرف على حمده تعالى بالقول فكيف توصل إليه بالفعل ! والاله : مصدر بمعنى المألوه . * * * ولقائل أن يقول : الذي سمعناه أن التعظيم يكون بالقول والفعل وبترك القول والفعل ، قالوا : فمن قال لغيره : يا عالم فقد عظمه ، ومن قام لغيره فقد عظمه ، ومن ترك مد رجله بحضرة غيره فقد عظمه ، ومن كف غرب لسانه عن غيره فقد عظمه . وكذلك الاستخفاف والاهانة تكون بالقول والفعل وبتركهما حسب ما قدمنا ذكره في التعظيم . فأما الحمد والمدح فلا وجه لكونهما بالفعل ، وأما قوله : أن اللام في " القائلون " لتعريف الجنس ، كما أنها في الحمد كذلك فعجيب ، لانها للاستغراق في " القائلون " لا شبهة في ذلك كالمؤمنين والمشركين ، ولا يتم المعنى إلا به ، لانه للمبالغة ، بل الحق المحض أنه لا يبلغ مدحته كل القائلين بأسرهم . وجعل اللام للجنس ينقص عن هذا المعنى إن أراد بالجنس المعهود ، وإن أراد الجنسية العامة ، فلا نزاع بيننا وبينه ، إلا أن قوله : " كما أنها في الحمد كذلك " يمنع من أن يحمل كلامه على المحمل الصحيح ، لانها ليست في الحمد للاستغراق ، يبين ذلك أنها لو كانت للاستغراق لما جاز أن يحمد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا غيره من الناس ، وهذا باطل .


(1) سورة يس 39 . (2) كلمة " ثم " ساقطة من أ . (*)

[ 65 ]

وأيضا فإنها لفظ واحد مفرد معرف بلام الجنس ، والاصل في مثل ذلك أن يفيد الجنسية المطلقة ، ولا يفيد الاستغراق ، فإن جاء منه شئ للاستغراق ، كقوله : " إن الانسان لفي خسر " (1) ، وأهلك الناس الدرهم والدينار ، فمجاز ، والحقيقة ما ذكرناه . فأما قوله : البلوغ المشارفة : يقال : بلغت المكان إذا أشرفت عليه . فالاجود أن يقول قالوا : بلغت المكان ، إذا شارفته ، وبين قولنا : " شارفته " ، و " أشرفت عليه " فرق . وأما قوله : " وإذا لم يشرف على حمده بالقول فكيف يوصل إليه بالفعل ! " ، فكلام مبني على أن الحمد قد يكون بالفعل ، وهو خلاف ما يقوله أرباب هذه الصناعة . وقوله : والاله مصدر بمعنى المألوه ، كلام طريف ، أما أولا ، فإنه ليس بمصدر ، بل هو اسم كوجار للضبع ، وسرار للشهر (2) ، وهو اسم جنس كالرجل والفرس ، يقع على كل معبود بحق أو باطل ، ثم غلب على المعبود بالحق ، كالنجم اسم لكل كوكب ، ثم غلب على الثريا ، والسنة : اسم لكل عام ، ثم غلب على عام القحط . وأظنه رحمه الله لما رآه " فعالا " ظن أنه اسم مصدر كالحصاد والجذاذ وغيرهما . وأما ثانيا ، فلان المألوه صيغة " مفعول " وليست صيغة مصدر إلا في ألفاظ نادرة ، كقولهم : ليس له معقول ولا مجلود ، ولم يسمع " مألوه " في اللغة ، لانه قد الفاظ نادرة ، كقولهم : ليس له معقول ولا مجلود ، ولم يسمع " مألوه " في اللغة ، لانه قد جاء : أله الرجل إذا دهش وتحير ، وهو فعل لازم لا يبنى منه مفعول . * * * ثم قال الراوندي : وفي قول الله تعالى : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ، بلفظ الافراد . وقول أمير المؤمنين عليه السلام : " لا يحصي نعماءه العادون " بلفظ الجمع سر عجيب ، لانه تعالى أراد أن نعمة واحدة من نعمه لا يمكن العباد عد وجوه كونها نعمه . وأراد أمير المؤمنين عليه السلام أن أصول نعمه لا تحصى لكثرتها ، فكيف تعد


(1) سورة العصر 1 . (2) السرار : بالفتح والكسر : آخر ليلة من الشهر (*)

[ 66 ]

وجوه فروع نعمائه . وكذلك في كون الآيه واردة بلفظة " إن " الشرطية وكلام أمير المؤمنين عليه السلام على صيغة الخبر ، تحته لطيفة عجيبة ، لانه سبحانه يريد أنكم إن أردتم أن تعدوا نعمة لم تقدروا على حصرها ، وعلي عليه السلام أخبر أنه قد أنعم النظر ، فعلم أن أحدا لا يمكنه حصر نعمه تعالى . * * * ولقائل أن يقول : الصحيح أن المفهوم من قوله : " وإن تعدوا نعمة الله " الجنس ، كما يقول القائل : أنا لا أجحد إحسانك إلي ، وامتنانك علي ، ولا يقصد بذلك إحسانا واحدا ، بل جنس الاحسان . وما ذكره من الفرق بين كلام البارئ وكلام أمير المؤمنين عليه السلام غير بين ، فإنه لو قال تعالى : وإن تعدوا نعم الله ، وقال عليه السلام : ولا يحصي نعمته العادون ، لكان كل واحد منهما سادا مسد الآخر . أما اللطيفة الثانية فغير ظاهرة أيضا ولا مليحة ، لانه لو انعكس الامر ، فكان القرآن بصيغة الخبر ، وكلام علي عليه السلام بصيغة الشرط ، لكان مناسبا أيضا ، حسب مناسبته ، والحال بعكس ذلك ، اللهم إلا أن تكون قرينة السجعة من كلام علي عليه السلام تنبو عن لفظة الشرط ، وإلا فمتى حذفت القرينة السجعية عن وهمك لم تجد فرقا ، ونحن نعوذ بالله من التعسف والتعجرف الداعي إلى ارتكاب هذه الدعاوى المنكرة . * * * ثم قال الراوندي : إنه لو قال أمير المؤمنين عليه السلام : " الذي لا يعد نعمه الحاسبون " لم تحصل المبالغة التي أرادها بعبارته ، لان اشتقاق الحساب من الحسبان ، وهو الظن . قال : وأما اشتقاق العدد فمن العد ، وهو الماء الذي له مادة ، والاحصاء : الاطاقة ، أحصيته ، أي أطقته ، فتقدير الكلام : لا يطيق عد نعمائه العادون ، ومعنى ذلك

[ 67 ]

أن مدائحه تعالى لا يشرف على ذكرها الانبياء والمرسلون ، لانها أكثر من أن تعدها الملائكة المقربون ، والكرام الكاتبون . * * * ولقائل أن يقول : أما الحساب فليس مشتقا من الحسبان بمعنى الظن ، كما توهمه ، بل هو أصل برأسه ، أ لا ترى أن أحدهما حسبت أحسب ، والآخر حسبت أحسب ، وأحسب بالفتح والضم ، وهو من الالفاظ الاربعة التي جاءت شاذة ، وأيضا فإن " حسبت " بمعنى ظننت يتعدى إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما ، و " حسبت " من العدد يتعدى إلى مفعول واحد . ثم يقال له : وهب أن " الحاسبين " لو قالها مشتقة من الظن لم تحصل المبالغة ، بل المبالغة كادت تكون أكثر ، لان النعم التي لا يحصرها الظان بظنونه أكثر من النعم التي لا يعدها العالم بعلومه . وأما قوله : العدد مشتق من العد ، وهو الماء الذى له مادة ، فليس كذلك ، بل هما أصلان . وأيضا لو كان أحدهما مشتقا من الآخر ، لوجب أن يكون العد مشتقا من العدد ، لان المصادر هي الاصول التي يقع الاشتقاق منها سواء ، أ كان المشتق فعلا أو اسما (1) ، أ لا تراهم قالوا في كتب الاشتقاق : إن الضرب : الرجل الخفيف ، مشتق من الضرب ، أي السير في الارض للابتغاء ، قال الله تعالى : " لا يستطيعون ضربا في الارض " (2) ، فجعل الاسم منقولا ومشتقا من المصدر . وأما الاحصاء فهو الحصر والعد وليس هو الاطاقة كما ذكر ، لا يقال : أحصيت الحجر ، أي أطقت حمله . وأما ما قال : إنه معنى الكلمة فطريف ، لانه عليه السلام لم يذكر الانبياء ولا الملائكة


(1) كذا عطف بأو بعد الهمزة التسوية ، قال ابن هشام : وقد أولع الفقهاء وغيرهم بأن يقولوا : سواء إكان كذا أو كذا ، والصواب العطف بأم . المعنى 1 : 39 . (2) سورة البقرة 273 . (*)

[ 68 ]

لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما ، وأي حاجة إلى هذا التقدير الطريف الذي لا يشعر الكلام به ، ومراده عليه السلام ظاهر ، وهو أن نعمة جلت لكثرتها أن يحصيها عاد ما ، هو نفي لمطلق العادين من غير تعرض لعاد مخصوص . * * * قال الراوندي : فأما قوله : " لا يدركه بعد الهمم " ، فالادراك هو الرؤية والنيل والاصابة ، ومعنى الكلام : الحمد لله الذي ليس بجسم ولا عرض ، إذ لو كان أحدهما لرآه الراءون إذا أصابوه ، وأنما خص " بعد الهمم " بإسناد نفي الادراك " وغوص الفطن " بإسناد نفي النيل لغرض صحيح ، وذلك أن الثنوية (1) يقولون بقدم النور والظلمة ، ويثبتون النور جهة العلو ، والظلمة جهة السفل ، ويقولون : إن العالم ممتزج منهما ، فرد عليه السلام عليهم بما معناه : إن النور والظلمة جسمان ، والاجسام محدثة ، والبارئ تعالى قديم . * * * ولقائل أن يقول : إنه لم يجر للرؤية ذكر في الكلام ، لانه عليه السلام لم يقل : الذي لا تدركه العيون ولا الحواس ، وإنما قال : " لا يدركه بعد الهمم " ، وهذا يدل على أنه إنما أراد أن العقول لا تحيط بكنهه وحقيقته . وأيضا فلو سلمنا أنه إنما نفى الرؤية ، لكان لمحاج أن يحاجه فيقول له : هب أن الامر كما تزعم ، أ لست تريد بيان الامر الذي لاجله خصص بعد الهمم بنفي الادراك ، وخصص غوص الفطن بنفى النيل ! وقلت : إنما قسم هذا التقسيم لغرض صحيح ، وما رأيناك أوضحت هذا الغرض ، وإنما حكيت مذهب الثنوية ، وليس يدل مذهبهم على وجوب تخصيص بعد الهمم بنفي الادراك دون نفي النيل ، ولا يوجب تخصيص غوص الفطن


(1) الثنوية : هم أصحاب الاثنين الازلين ، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان . الشهرستاني 1 : 224 (*)

[ 69 ]

بنفي النيل دون نفي الادراك ، وأكثر ما في حكاية مذهبهم أنهم يزعمون أن إلهي العالم : النور والظلمة ، وهما جسمان ، وأمير المؤمنين عليه السلام يقول : لو كان صانع العالم جسما لرئي ، وحيث لم ير لم يكن جسما ، أي شئ في هذا مما يدل على وجوب ذلك التقسيم والتخصيص الذي زعمت أنه إنما خصصه وقسمه لغرض صحيح ! . ثم (1) قال الراوندي : ويجوز أن يقال : البعد والغوص مصدران هاهنا بمعنى الفاعل ، كقولهم : فلان عدل ، أي عادل وقوله تعالى : " إن أصبح ماؤكم غورا " (2) ، أي غائرا ، فيكون المعنى : لا يدركه العالم البعيد الهمم فكيف الجاهل ! ويكون المقصد بذلك الرد على من قال : أن محمدا صلى الله عليه وآله رأى ربه ليلة الاسراء ، وأن يونس عليه السلام رأى ربه ليلة هبوطه إلى قعر البحر . * * * ولقائل أن يقول : إن المصدر الذي جاء بمعنى الفاعل ألفاظ معدودة ، لا يجوز القياس عليها ، ولو جاز لما كان المصدر هاهنا بمعنى الفاعل ، لانه مصدر مضاف ، والمصدر المضاف لا يكون بمعنى الفاعل . ولو جاز أن يكون المصدر المضاف بمعنى الفاعل لم يجز أن يحمل كلامه عليه السلام على الرد على من أثبت إن البارئ سبحانه مرئي ، لانه ليس في الكلام نفي الرؤية أصلا ، وإنما غرض الكلام نفي معقوليته سبحانه ، وإن الافكار والانظار لا تحيط بكنهه ، ولا تتعقل خصوصيه ذاته ، جلت عظمته . * * * ثم قال الراوندي : فأما قوله : " الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود " ، فالوقت : تحرك الفلك ودورانه على وجه ، والاجل :


(1) كلمة " ثم " ساقطة من أ . (2) سورة الملك 30 . (*)

[ 70 ]

مدة الشئ ، ومعنى الكلام أن شكري لله تعالى متجدد عند تجدد كل ساعة ، ولهذا أبدل هذه الجملة من الجملة التي قبلها وهي الثانية ، كما أبدل الثانية من الاولى . * * * ولقائل أن يقول : الوقت عند أهل النظر مقدار حركة الفلك ، لا نفس حركته ، والاجل ليس مطلق الوقت ، أ لا تراهم يقولون : جئتك وقت العصر ، ولا يقولون ، أجل العصر ! والاجل عندهم هو الوقت الذي يعلم الله تعالى أن حياة الحيوان تبطل فيه ، مأخوذ من أجل الدين ، وهو الوقت الذي يحل قضاؤه فيه . فأما قوله : ومعنى الكلام أن شكري متجدد لله تعالى في كل وقت ، ففاسد ، ولا ذكر في هذه الالفاظ للشكر ، ولا أعلم من أين خطر هذا للراوندي ! وظنه أن هذه الجمل من باب البدل غلط ، لانها صفات ، كل واحدة منها صفة بعد أخرى ، كما تقول : مررت بزيد العالم ، الظريف ، الشاعر . * * * قال الراوندي : فأما قوله : " الذي ليس لصفته حد " فظاهره إثبات الصفة له سبحانه ، وأصحابنا لا يثبتون لله سبحانه صفة ، كما يثبتها الاشعرية ، لكنهم يجعلونه على حال ، ويجعلونه متميزا بذاته ، فأمير المؤمنين عليه السلام بظاهر كلامه - وإن أثبت له صفة - إلا أن من له أنس بكلام العرب يعلم أنه ليس بإثبات على الحقيقة . وقد سألني سائل فقال : هاهنا كلمتان ، أحداهما كفر ، والاخرى ليست بكفر ، وهما : لله تعالى شريك غير بصير . ليس شريك الله تعالى بصيرا ، فأيهما كلمه الكفر ؟ فقلت له : القضية الثانية ، وهي " ليس شريك الله تعالى بصيرا " كفر ، لانها تتضمن إثبات الشريك ، وأما الكلمة الاخرى ، فيكون معناها لله شريك غير بصير ؟ بهمزة الاستفهام المقدرة المحذوفة .

[ 71 ]

ثم أخذ في كلام طويل يبحث فيه عن الصفة والمعنى ، ويبطل مذهب الاشعرية بما يقوله المتكلمون من أصحابنا ، وأخذ في توحيد الصفة لم جاء ؟ وكيف يدل نفي الصفة الواحدة على نفي مطلق الصفات ؟ وأنتقل من ذلك إلى الكلام في الصفة الخامسة التي أثبتها أبو هاشم (1) ، ثم خرج إلى مذهب أبي الحسين (2) ، وأطال جدا فيما لا حاجد إليه (3) . * * * ولقائل أن يقول : الامر أسهل مما تظن ، فإنا قد بينا أن مراده نفي الاحاطة بكنهه ، وأيضا يمكن أن يجعل الصفة هاهنا قول الواصف ، فيكون المعنى : لا ينتهي الواصف إلى حد إلا وهو قاصر عن النعت لجلالته وعظمته جلت قدرته ! . فأما القضيتان اللتان سأله السائل عنهما فالصواب غير ما أجاب به فيهما ، وهو أن القضية الاولى كفر ، لانها صريحة في إثبات الشريك ، والثانية لا تقتضي ذلك ، لانه قد ينفي قول الشريك بصيرا على أحد وجهين ، أما لان هناك شريكا لكنه غير بصير ، لان الشريك غير موجود وإذا لم يكن موجودا لم يكن بصيرا ، فإذا كان هذا الاعتبار الثاني مرادا لم يكن كفرا ، وصار كالاثر المنقول : " كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله لا تؤثر هفواته " ، أي لم يكن فيه هفوات فتؤثر وتحكى ، (4 وليس أنه كان 4) المراد في مجلسه هفوات إلا أنها لم تؤثر . * * * قال الراوندي : فأن قيل : تركيب هذه الجملة يدل على إنه تعالى فطر الخليقة قبل خلق السموات والارض .


(1) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي ، وانظر ص 9 من هذا الجزء . (2) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري ، وانظر ص 9 من هذا الجزء . (3) ب : " فيه " . (4 - 4) ب : " وليس المراد أنه قد كانت " . (*)

[ 72 ]

قلنا : قد أختلف في ذلك فقيل : أول ما يحسن منه تعالى خلقه ذاتا حية ، يخلق فيها ، شهوة لمدرك تدركه فتلتذ به ، ولهذا قيل : تقديم خلق الجماد على خلق الحيوان عبث وقبيح . وقيل : لا مانع من تقديم خلق الجماد إذا علم أن علم بعض المكلفين فيما بعد بخلقه قبله لطف له . * * * ولقائل أن يقول : أما إلى حيث انتهى به الشرح فليس في الكلام تركيب يدل على أنه تعالى فطر خلقه قبل خلق السموات والارض وإنما قد يوهم تأمل كلامه عليه السلام فيما بعد شيئا من ذلك ، لما قال : " ثم إنشأ سبحانه فتق الاجواء " ، على أنا إذا تأملنا لم نجد في كلامه عليه السلام ما يدل على تقديم خلق الحيوان ، لانه قبل أن يذكر خلق السماء لم يذكر إلا أنه فطر الخلائق . وتارة قال : " أنشأ الخلق " ، ودل كلامه أيضا على أنه نشر الرياح ، وأنه خلق الارض وهي مضطربة فأرساها بالجبال ، كل هذا يدل عليه كلامه ، وهو مقدم في كلامه على فتق الهواء والفضاء وخلق السماء ، فإما تقديم خلق الحيوان أو تأخيره فلم يتعرض كلامه عليه السلام له ، فلا معنى لجواب الراوندي . وذكره ما يذكره المتكلمون من أنه : هل يحسن تقديم خلق الجماد على الحيوان أم لا ؟ . * * * الاصل أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الاخلاص له ، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة . فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ،

[ 73 ]

ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال : " فيم " فقد ضمنه ، ومن قال : " علام " فقد أخلى منه . * * * الشرح : إنما قال عليه السلام : " أول الدين معرفته " ، لان التقليد باطل ، وإول الواجبات الدينيه المعرفة . ويمكن أن يقول قائل : أ لستم تقولون في علم الكلام : أول الواجبات النظر في طريق معرفة الله تعالى ، وتارة تقولون : القصد إلى النظر ؟ فهل يمكن الجمع بين هذا وبين كلامه عليه السلام ! . وجوابه أن النظر والقصد إلى النظر إنما وجبا بالعرض لا بالذات ، لانهما وصلة إلى المعرفة ، والمعرفة هي المقصود بالوجوب وأمير المؤمنين عليه السلام أراد أول واجب مقصود بذاته من الدين معرفة البارئ سبحانه ، فلا تناقض بين كلامه وبين آراء المتكلمين . وأما قوله : " وكمال معرفته التصديق به " ، فلان معرفته قد تكون ناقصة ، وقد تكون غير ناقصة ، فالمعرفة الناقصة هي المعرفة بأن للعالم صانعا غير العالم ، وذلك باعتبار أن الممكن لا بد له من مؤثر ، فمن علم هذا فقط علم الله تعالى ، ولكن علما ناقصا ، وأما المعرفة التي ليست ناقصة ، فإن تعلم أن ذلك المؤثر خارج عن سلسلة الممكنات ، والخارج عن كل الممكنات ليس بممكن ، وما ليس ممكن فهو واجب الوجود ، فمن علم أن للعالم مؤثرا واجب الوجود فقد عرفه عرفانا أكمل من عرفان أن للعالم مؤثرا فقط ، وهذا الامر الزائد هو المكنى عنه بالتصديق به ، لان أخص ما يمتاز به البارئ عن مخلوقاته هو وجوب الوجود .

[ 74 ]

وأما (1) قوله عليه السلام : " وكمال التصديق به توحيده " ، فلان من علم أنه تعالى واجب الوجود مصدق بالبارئ سبحانه ، لكن ذلك التصديق قد يكون ناقصا ، وقد يكون غير ناقص ، فالتصديق الناقص أن يقتصر على أن يعلم أنه واجب الوجود فقط ، والتصديق الذي هو أكمل من ذلك وأتم هو العلم بتوحيده سبحانه ، باعتبار أن وجوب الوجود لا يمكن أن يكون لذاتين ، لان فرض واجبي الوجود يفضي إلى عموم وجوب الوجود لهما ، وامتياز كل واحد منهما بأمر غير الوجوب المشترك ، وذلك يفضي إلى تركيبهما وإخراجهما عن كونهما واجبي الوجود ، فمن علم البارئ سبحانه واحدا ، أي لا واجب الوجود إلا هو ، يكون أكمل تصديقا ممن لم يعلم ذلك ، وإنما أقتصر على أن صانع العالم واجب الوجود فقط . وأما قوله : " وكمال توحيده الاخلاص له " ، فالمراد بالاخلاص له هاهنا هو نفي الجسمية والعرضية ولوازمهما عنه ، لان الجسم مركب ، وكل مركب ممكن ، وواجب الوجود ليس بممكن . وأيضا فكل عرض مفتقر ، وواجب الوجود غير مفتقر ، فواجب الوجود ليس بعرض . وأيضا فكل جرم محدث ، وواجب الوجود ليس بمحدث ، فواجب (2) الوجود ليس بجرم . وأيضا فكل حاصل في الجهة ، إما جرم أو عرض ، وواجب الوجود ليس بجرم ولا عرض ، فلا يكون حاصلا في جهة ، فمن عرف وحدانية البارئ ولم يعرف هذه الامور كان توحيده ناقصا ، ومن عرف هذه الامور بعد العلم بوحدانيته تعالى فهو المخلص في عرفانه جل اسمه ، ومعرفته تكون أتم وأكمل . وأما قوله : " وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه " ، فهو تصريح بالتوحيد الذي تذهب إليه المعتزلة ، وهو نفي المعاني القديمة (3) التي تثبتها الاشعرية وغيرهم ، قال عليه السلام :


(1) ب : " فأما " . (2) ب : " وواجب " . (3) إ : " التقدمية " . (*)

[ 75 ]

" لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة " ، وهذا هو دليل المعتزلة بعينه ، قالوا : لو كان عالما بمعنى قديم ، لكان ذلك المعنى إما هو أو غيره أو ليس هو ولا غيره . والاول باطل ، لانا نعقل ذاته قبل أن نعقل أو نتصور له علما ، والمتصور مغاير لما ليس بمتصور . والثالث باطل أيضا ، لان إثبات شيئين : أحدهما ليس هو الآخر ولا غيره ، معلوم فساده ببديهة العقل ، فتعين القسم الثاني وهو محال ، إما أولا فبإجماع أهل الملة ، وإما ثانيا فلما سبق من أن وجوب الوجود لا يجوز إن يكون لشيئين ، فإذا عرفت هذا ، فاعرف أن الاخلاص له تعالى قد يكون ناقصا وقد لا يكون ، فالاخلاص الناقص هو العلم بوجوب وجوده ، وأنه واحد ليس بجسم ولا عرض ، ولا (1) يصح عليه ما يصح على الاجسام والاعراض . والاخلاص التام هو العلم بأنه لا تقوم به المعاني القديمة ، مضافا إلى تلك العلوم السابقة ، وحينئذ تتم المعرفة وتكمل . ثم أكد أمير المؤمنين عليه السلام هذه الاشارات الالهية بقوله : " فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه " ، وهذا حق ، لان الموصوف يقارن الصفة ، والصفة تقارنه . قال : " ومن قرنه فقد ثناه " ، وهذا حق ، لانه قد أثبت قديمين ، وذلك محض التثنية . قال : " ومن ثناه فقد جزأه " ، وهذا حق ، لانه إذا أطلق لفظة الله تعالى على الذات والعلم القديم فقد جعل مسمى هذا اللفظ وفائدته متجزئة ، كإطلاق لفظ " الاسود " على الذات التي حلها سواد . قال : " ومن جزأه فقد جهله " ، وهذا حق ، لان الجهل هو اعتقاد الشئ على خلاف ما هو به . قال : " ومن أشار إليه فقد حده " ، وهذا حق ، لان كل مشار إليه فهو محدود ،


(1) ب : " فلا يصح " . (*)

[ 76 ]

لان المشار إليه لا بد أن يكون في جهة مخصوصة ، وكل ما هو في جهة فله حد وحدود ، أي أقطار وإطراف . قال : " ومن حده فقد عده " ، أي جعله من الاشياء المحدثة ، وهذا حق ، لان كل محدود معدود في الذوات المحدثه . قال : " ومن قال : فيم ؟ فقد ضمنه " ، وهذا حق ، لان من تصور أنه في شئ فقد جعله أما جسما مستترا في مكان ، أو عرضا ساريا في محل ، والمكان متضمن للتمكن ، والمحل متضمن للعرض . قال : " ومن قال : علام ؟ فقد أخلى منه " ، وهذا حق ، لان من تصور إنه تعالى على العرش ، أو على الكرسي ، فقد أخلى منه غير ذلك الموضع . وأصحاب تلك المقالة يمتنعون من ذلك ، ومراده عليه السلام إظهار تناقض أقوالهم ، وإلا فلو قالوا (1) : هب إنا قد أخلينا منه غير ذلك الموضع ، أي محذور يلزمنا ؟ فإذا قيل لهم : لو خلا منه موضع دون موضع لكان جسما ، ولزم حدوثه ، قالوا : لزوم الحدوث والجسمية إنما هو من حصوله في الجهة لا من خلو بعض الجهات عنه ، وأنتم إنما أحتججتم علينا بمجرد خلو بعض الجهات منه ، فظهر أن توجيه الكلام عليهم إنما هو إلزام لهم لا إستدلال على فساد قولهم . * * * فأما القطب الراوندي فإنه قال في معنى قوله : " نفى الصفات عنه " : أي صفات المخلوقين ، قال : لانه تعالى عالم قادر ، وله بذلك صفات ، فكيف يجوز أن يقال : لا صفة له ! وأيضا فإنه عليه السلام قد أثبت لله تعالى صفة أولا ، حيث قال : " الذي ليس لصفته حد محدود " فوجب أن يحمل كلامه على ما يتنزه عن المناقضة .


(1) ب : " قال " . (*)

[ 77 ]

وأيضا فأنه قد قال فيما بعد في صفة الملائكة : " إنهم لا يصفون الله تعالى بصفات المصنوعين " ، فوجب أن يحمل قوله الآن : " وكمال توحيده نفي الصفات عنه " ، على صفات المخلوقين ، حملا للمطلق على المقيد . * * * ولقائل أن يقول : لو أراد نفي صفات المخلوقين عنه لم يستدل على ذلك بدليل الغيرية ، وهو قوله : " لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف " ، لان هذا الاستدلال لا ينطبق على دعوى أنه غير موصوف بصفات المخلوقين ، بل كان ينبغي أن يستدل بأن صفات المخلوقين من لوازم الجسمية والعرضية ، والبارئ ليس بجسم ولا عرض ، ونحن قد بينا أن مراده عليه السلام إبطال القول بالمعاني القديمة ، وهي المسماة بالصفات في الاصطلاح القديم ، ولهذا يسمى أصحاب المعاني بالصفاتية ، فأما كونه قادرا وعالما فأصحابها أصحاب الاحوال ، وقد بينا أن مراده عليه السلام بقوله : " ليس لصفته حد محدود " ، أي لكنهه وحقيقته . وأما كون الملائكة لا تصف البارئ بصفات المصنوعين فلا يقتضي أن يحمل كل موضوع فيه ذكر الصفات على صفات المصنوعين ، لاجل تقييد ذلك في ذكر الملائكة ، وأين هذا من باب حمل المطلق على المقيد ! ، لا سيما وقد ثبت أن التعليل والاستدلال يقضي ألا يكون المراد صفات المخلوقين . وقد تكلف الراوندي لتطبيق تعليله عليه السلام نفي الصفات عنه بقوله : " لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف " ، بكلام عجيب ، وأنا أحكي إلفاظه لتعلم ، قال : معنى هذا التعليل أن الفعل في الشاهد لا يشابه الفاعل ، والفاعل غير الفعل ، لان ما يوصف به الغير إنما هو الفعل ، أو معنى الفعل ، كالضارب والفهم ، فإن الفهم والضرب كلاهما فعل ، والموصوف بهما فاعل ، والدليل لا يختلف شاهدا وغائبا ، فإذا كان تعالى قديما وهذه الاجسام محدثة كانت معدومه ثم وجدت ، يدل على أنها غير الموصوف بأنه خالقها ومدبرها .

[ 78 ]

انقضى كلامه ، وحكايته تغنى عن الرد عليه . ثم قال : الاول ، على وزن " أفعل " يستوي فيه المذكر والمؤنث ، إذا لم يكن فيه الالف واللام ، فإذا كانا فيه قيل للمؤنث " الاولى " . وهذا غير صحيح ، لانه يقال : كلمت فضلاهن ، وليس فيه (1) ألف ولام ، وكان ينبغي أن يقول إذا كان منكرا مصحوبا بمن استوى المذكر والمؤنث في لفظ " أفعل " ، تقول : زيد أفضل من عمرو ، وهند أحسن من دعد . * * * الاصل كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شئ بمقارنة ، وغير كل شئ لا بمزايلة . فاعل لا بمعنى الحركات والآلة . بصير ، إذ لا منظور إليه من خلقه . متوحد ، إذ لا سكن يستأنس به ، ولا يستوحش لفقده . أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء ، بلا روية أجالها ، ولا تجربة استفادها ، ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس اضطرب فيها . أحال الاشياء لاوقاتها ، ولاءم بين مختلفاتها ، وغرز غرائزها ، وألزمها أشباحها ، عالما بها قبل ابتدائها ، محيطا بحدودها وانتهائها ، عارفا بقرائنها وأحنائها . * * * الشرح : قوله عليه السلام : " كائن " ، وإن كان في الاصطلاح العرفي مقولا على ما ينزه البارئ عنه ، فمراده (2) به المفهوم اللغوي ، وهو اسم فاعل من " كان " بمعنى وجد : كأنه قال : موجود غير محدث .


(1) ب : " فيهن " . (2) إ : " فمراد " . (*)

[ 79 ]

فإن قيل : فقد قال بعده : " موجود لا عن عدم " فلا يبقى بين الكلمتين فرق . قيل : بينهما فرق ، ومراده بالموجود لا عن عدم هاهنا وجوب وجوده ونفي إمكانه ، لان من أثبت قديما ممكنا ، فأنه وإن نفى حدوثه الزماني فلم ينف حدوثه الذاتي ، وأمير المؤمنين عليه السلام نفى عن البارئ تعالى في الكلمة الاولى الحدوث الزماني ، ونفى عنه في الكلمة الثانية الذاتي . وقولنا في الممكن : إنه موجود من عدم ، صحيح عند التأمل ، لا بمعنى أن عدمه سابق له زمانا ، بل سابق لوجوده ذاتا ، لان الممكن يستحق من ذاته أنه لا يستحق الوجود من ذاته . وأما قوله : " مع كل شئ لا بمقارنة " ، فمراده بذلك أنه يعلم الجزئيات والكليات كما قال سبحانه : " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " (1) . وأما (2) قوله : " وغير كل شئ لا بمزايلة " ، فحق ، لان الغيرين في الشاهد هما ما زايل أحدهما الآخر وباينه بمكان أو زمان ، والبارئ سبحانه يباين الموجودات مباينة منزهة عن المكان والزمان ، فصدق عليه أنه غير كل شئ لا بمزايلة . وأما قوله : " فاعل لا بمعنى الحركات والآلة " ، فحق ، لان فعله اختراع ، والحكماء يقولون : إبداع ، ومعنى الكلمتين واحد ، وهو أنه يفعل لا بالحركة والآلة كما يفعل الواحد منا ، ولا يوجد شيئا من شئ . وأما قوله : " بصير إذ لا منظور إليه من خلقه " ، فهو حقيقة مذهب أبي هاشم (3) رحمه الله وأصحابه ، لانهم يطلقون عليه في الازل أنه سميع بصير ، وليس هناك مسموع ولا مبصر ، ومعنى ذلك كونه بحال يصح منه إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت ،


(1) سورة المجادلة 7 . (2) أ : " فأما " . (3) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي محمد الجبائي المتكلم المشهور ، وأحد كبار المعتزلة ، وله مقالات في هذا المذهب زخرت بها كتب الكلام . توفي سنة 321 . (ابن خلكان 1 : 292) . (*)

[ 80 ]

وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به ، ولا يطلقون عليه أنه سامع مبصر في الازل ، لان السامع المبصر هو المدرك بالفعل لا بالقوه . وأما قوله : " متوحد إذ لا سكن يستأنس به ، ويستوحش لفقده " ، ف‍ " إذ " هاهنا ظرف ، ومعنى الكلام أن العادة والعرف إطلاق " متوحد " على من قد كان له من يستأنس بقربه ويستوحش ببعده فأنفرد عنه ، والبارئ سبحانه يطلق عليه أنه متوحد في الازل ولا موجود سواه ، وإذا صدق سلب الموجودات كلها في الازل صدق سلب ما يؤنس أو يوحش ، فتوحده سبحانه بخلاف توحد غيره . وأما قوله عليه السلام : " أنشأ الخلق إنشاء ، وأبتدأه إبتداء " ، فكلمتان مترادفتان على طريقة الفصحاء والبلغاء ، كقوله سبحانه : " لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب " (1) . وقوله : " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " (2) . وقوله : " بلا روية أجالها " ، فالروية الفكرة ، وأجالها : رددها ، ومن رواه : " أحالها " بالحاء ، أراد صرفها . وقوله : " ولا تجربة استفادها " ، أي لم يكن قد خلق من قبل أجساما فحصلت له التجربة التي إعانته على خلق هذه الاجسام . وقوله : " ولا حركة أحدثها " ، فيه رد على الكرامية الذين يقولون : إنه إذا أراد أن يخلق شيئا مباينا عنه أحدث في ذاته حادثا ، يسمى الاحداث ، فوقع ذلك الشئ المباين عن ذلك المعنى المتجدد المسمى إحداثا . وقوله : " ولا همامة نفس اضطرب فيها " ، فيه رد على المجوس والثنوية القائلين بالهمامة ، ولهم فيها خبط طويل يذكره أصحاب المقالات ، وهذا يدل على صحة ما يقال : أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعرف آراء المتقدمين والمتأخرين ، ويعلم العلوم كلها ، وليس ذلك ببعيد من فضائله ومناقبه عليه السلام .


(1) سورة فاطر 35 . (2) سورة المائدة 48 . (*)

[ 81 ]

وأما قوله : " أحال الاشياء لاوقاتها " ، فمن رواها : " أحل الاشياء لاوقاتها " ، فمعناه جعل محل كل شئ ووقته ، كمحل الدين . ومن رواها : " أحال " فهو من قولك : حال في متن فرسه ، أي وثب ، وأحاله غيره ، أي أوثبه على متن الفرس ، عداه بالهمزة ، وكأنه لما أقر الاشياء في أحيانها وأوقاتها صار كمن أحال غيره على فرسه . وقوله : " ولاءم بين مختلفاتها " ، أي جعل المختلفات ملتئمات (1) ، كما قرن النفس الروحانية بالجسد الترابي ، جلت عظمته ! . وقوله : " وغرز غرائزها " ، المروي بالتشديد ، والغريزة الطبيعة ، وجمعها غرائز ، وقوله : " غرزها " ، أي جعلها غرائز ، كما قيل : سبحان من ضوأ الاضواء ! ويجوز أن يكون من غرزت الابرة بمعنى غرست . وقد رأيناه في بعض النسخ بالتخفيف . وقوله : " وألزمها أشباحها " ، الضمير المنصوب في " ألزمها " عائد إلى الغرائز ، أي ألزم الغرائز أشباحها ، أي أشخاصها ، جمع شبح ، وهذا حق ، لان كلا مطبوع على غريزة لازمة ، فالشجاع لا يكون جبانا ، والبخيل لا يكون جوادا ، وكذلك كل الغرائز لازمة لا تنتقل . وقوله : " عالما بها قبل ابتدائها " ، إشارة إلى أنه عالم بالاشياء فيما لم يزل . وقوله : " محيطا بحدودها وانتهائها " ، أي بأطرافها ونهاياتها . وقوله : " عارفا بقرائنها وأحنائها " ، القرائن جمع قرونه (2) ، وهي النفس . والاحناء الجوانب ، جمع حنو ، يقول : أنه سبحانه عارف بنفوس هذه الغرائز التي ألزمها أشباحها ، عارف بجهاتها وسائر أحوالها المتعلقه بها والصادره عنها . * * *


(1) ب : " ملتئمة " ، وما أثبته عن أ . (2) ومنه قول أوس بن حجر : فلاقي امرأ من ميدعان وأسمحت * قرونته باليأس منها فعجلا أي طابت نفسه بتركها . (*)

[ 82 ]

فأما القطب الراوندي فأنه قال : معنى قوله عليه السلام : " كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم " : إنه لم يزل موجودا ، ولا يزال موجودا ، فهو باق أبدا كما كان موجودا أولا ، وهذا ليس بجيد ، لان اللفظ لا يدل على ذلك ولا فيه تعرض بالبقاء فيما لا يزال . وقال أيضا : قوله عليه السلام : " لا يستوحش " ، كلام مستأنف . ولقائل أن يقول : كيف يكون كلاما مستأنفا ، والهاء " في فقده " ترجع إلى " السكن " المذكور أولا ! . وقال أيضا : يقال ما له في الامر همة ولا همامة ، أي لا يهم به ، والهمامة : التردد ، كالعزم . ولقائل أن يقول : العزم هو إرادة جازمة حصلت بعد التردد ، فبطل قوله : إن الهمامة هي نفس التردد كالعزم . وأيضا فقد بينا مراده عليه السلام بالهمامة ، حكى زرقان (1) في كتاب " المقالات " وأبو عيسى الوراق (2) ، والحسن بن موسى (3) ، وذكره شيخنا أبو القاسم البلخي (4) في كتابه في " المقالات " أيضا عن الثنوية : أن النور الاعظم اضطربت عزائمه وإرادته في غزو الظلمة والاغارة عليها ، فخرجت من ذاته قطعة وهي الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها ، فاقتطعتها الظلمة عن النور الاعظم ، وحالت بينها وبينه ، وخرجت همامة الظلمة غازية للنور الاعظم ، فاقتطعها النور الاعظم عن الظلمة ، ومزجها بأجزائه ، وامتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضا ، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان


(1) هو زرقان المتكلم ، تلميذ إبراهيم بن سيار النظام ، وقد حكى زرقان عن النظام أقوالا في الفرق 50 - 51 ، وذكره المسعودي في التنبيه والاشراف 342 . (2) هو أبو عيسى محمد بن هارون الوراق ، كان من نظاري المعتزلة ، وله تصاينف على مذهبهم . توفي سنة 247 . لسان الميزان 5 : 412 . (3) هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي ، من متكلمي الامامية ، وذكره الطوسي في طبقاتهم ، عاش في القرن الثالث . لسان الميزان 2 : 258 ، روضات الجنات 31 ، تنقيح المقال 1 : 312 . (4) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي ، شيخ المعتزلة ، وكان على رأس طائفة منهم يقال لهم الكعبية ، توفي سنة 319 . ابن خلكان 1 : 252 . (*)

[ 83 ]

وتتدانيان وهما ممتزجتان ، بأجزاء هذا وهذا ، حتى أنبنى منهما هذا العالم المحسوس . ولهم في الهمامة كلام مشهور ، وهي لفظة اصطلحوا عليها ، واللغة العربية ما عرفنا فيها استعمال الهمامة بمعنى الهمة ، والذي عرفناه الهمة والهمة ، بالكسر والفتح ، والمهمة ، وتقول : لا همام لي بهذا الامر ، مبني على الكسر كقطام ، ولكنها لفظة اصطلاحيه مشهورة عند أهلها . الاصل : ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، وشق الارجاء ، وسكائك الهواء ، فأجرى (1) فيها ماء متلاطما تياره ، متراكما زخاره ، حمله على متن الريح العاصفة ، والزعزع القاصفة ، فأمرها برده ، وسلطها على شده ، وقرنها إلى حده ، الهواء من تحتها فتيق ، والماء من فوقها دفيق . ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ، وأدام مربها ، وأعصف مجراها ، وأبعد منشاها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار ، وإثاره موج البحار ، فمخضته مخض السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء ، ترد أوله على آخره ، وساجيه إلى (2) مائره ، حتى عب عبابه ، ورمى بالزبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق ، وجو منفهق ، فسوى منه سبع سموات جعل سفلاهن موجا مكفوفا ، وعلياهن سقفا محفوظا ، وسمكا مرفوعا ، بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينتظمها (3) . ثم زينها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقمرا منيرا ، في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر .


(1) أ : " فأجاز " ، وكذلك في مخطوطة النهج . (2) أ " على " ، وكذلك في مخطوطة النهج . (3) مخطوطة النهج : " ينتظمها " . (*)

[ 84 ]

الشرح : لسائل أن يسأل فيقول : ظاهر هذا الكلام أنه سبحانه خلق الفضاء والسموات بعد خلق كل شئ ، لانه قد قال قبل : " فطر الخلائق ، ونشر الرياح ، ووتد الارض بالجبال " ، ثم عاد فقال : " أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء " ، وهو الآن يقول : " ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء " ، ولفظة " ثم " للتراخي . فالجواب أن قوله (1) : " ثم " هو تعقيب وتراخ ، لا في مخلوقات البارئ سبحانه ، بل في كلامه عليه السلام ، كأنه يقول : ثم أقول الآن بعد قولي المتقدم : إنه تعالى أنشأ فتق الاجواء . ويمكن أن يقال : أن لفظة " ثم " هاهنا تعطي معنى الجمع المطلق كالواو ، ومثل ذلك قوله تعالى : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " (2) . واعلم أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الفصل يشتمل على مباحث : منها : أن ظاهر لفظه أن الفضاء الذي هو الفراغ الذي يحصل فيه الاجسام خلقه الله تعالى ولم يكن من قبل ، وهذا يقتضي كون الفضاء شيئا ، لان المخلوق لا يكون عدما محضا . وليس ذلك ببعيد ، فقد ذهب إليه قوم من أهل النظر ، وجعلوه جسما لطيفا خارجا عن مشابهة هذه الاجسام . ومنهم من جعله مجردا . فان قيل : هذا الكلام يشعر بأن خلق الاجسام في العدم المحض قبل خلق الفضاء ليس بممكن ، وهذا ينافي العقل . قيل : بل هذا هو محض مذهب الحكماء ، فأنهم يقولون إنه لا يمكن وجود جسم


(1) كذا في أ ، وفي ب : " فالجواب قوله " . (2) سورة طه 82 . (*)

[ 85 ]

ولا حركة جسم خارج الفلك الاقصى ، وليس ذلك إلا لاستحالة وجود الاجسام وحركتها ، إلا في الفضاء . ومنها إن البارئ - سبحانه - خلق في الفضاء الذي أوجده ماء جعله على متن الريح ، فاستقل عليها وثبت وصارت مكانا له ، ثم خلق فوق ذلك الماء ريحا أخرى سلطها عليه فموجته تمويجا شديدا حتى ارتفع ، فخلق منه السموات . وهذا أيضا قد قاله قوم من الحكماء ، ومن جملتهم تاليس الاسكندراني ، وزعم أن الماء أصل كل (1) العناصر ، لانه إذا انجمد صار أرضا ، وإذا لطف صار هواء ، والهواء يستحيل نارا ، لان النار صفوة الهواء . ويقال : إن في التوراة في أول السفر الاول كلاما يناسب هذا ، وهو أن الله تعالى خلق جوهرا ، فنظر إليه نظر الهيبة ، فذابت أجزاؤه فصارت ماء ، ثم ارتفع من ذلك الماء بخار كالدخان ، (2 فخلق منه السموات ، وظهر على وجه ذلك الماء زبد 2) ، فخلق منه الارض ، ثم أرساها بالجبال . ومنها : أن السماء الدنيا موج مكفوف ، بخلاف السموات الفوقانية . وهذا أيضا قول قد ذهب إليه قوم ، واستدلوا عليه بما نشاهده (3) من حركة الكواكب المتحيرة وارتعادها في مرأى (4) العين واضطرابها . قالوا : لان المتحيرة متحركة في أفلاكها ، ونحن نشاهدها بالحس البصري ، وبيننا وبينها أجرام الافلاك الشفافة ، ونشاهدها مرتعدة حسب ارتعاد الجسم السائر في الماء ، وما ذاك إلا لان السماء الدنيا ماء متموج ، فارتعاد الكواكب


(1) كلمة " كل " ساقطة من أ . (2 - 2) ساقط من أ . (3) ب : " شاهده " . (4) إ : " مرائي " . (*)

[ 86 ]

المشاهدد حسا إنما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلك الادنى . قالوا فأما الكواكب الثابتة فإنما (1) لم نشاهدها كذلك ، لانها ليست بمتحركة ، وأما القمر وإن كان في السماء الدنيا ، إلا أن فلك تدويره من جنس الاجرام الفوقانية ، وليس بماء متموج كالفلك الممثل التحتاني . وكذلك القول في الشمس . ومنها : أن الكواكب في قوله : " ثم زينها بزينة الكواكب " أين هي ؟ فإن اللفظ محتمل ، وينبغي أن يتقدم على ذلك بحث في أصل قوله تعالى : " إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . وحفظا من كل شيطان مارد " (2) . فنقول : إن ظاهر هذا اللفظ أن الكواكب في السماء الدنيا ، وأنها جعلت فيها حراسة للشياطين من استراق السمع ، فمن دنا منهم لذلك رجم بشهاب ، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ . ومذهب الحكماء أن السماء الدنيا ليس فيها إلا القمر وحده ، وعندهم أن الشهب المنقضة هي آثار تظهر في الفلك الاثيري الناري الذي تحت فلك القمر ، والكواكب لا ينقض منها شئ ، والواجب التصديق بما في ظاهر لفظ الكتاب العزيز ، وأن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على مطابقته ، فيكون الضمير في قوله : " زينها " راجعا إلى " سفلاهن " ، التي قال " إنها موج مكفوف " ، (3) ويكون الضمير في قوله : " وأجرى فيها " راجعا إلى جملة السموات : إذا وافقنا الحكماء في أن الشمس في السماء الرابعة . ومنها : أن ظاهر الكلام يقتضي أن خلق السموات بعد خلق الارض ، أ لا تراه كيف لم يتعرض فيه لكيفية خلق الارض أصلا ! وهذا قول قد ذهب إليه جماعة من أهل الملة ،


(1) أ : " فإنا " . (2) سورة الصافات 6 ، 7 . (3) أ : " فيكون " . (*)

[ 87 ]

واستدلوا (1) عليه بقوله تعالى : " قل أ ئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين " (2) ، ثم قال : " ثم أستوى إلى السماء وهي دخان " (3) . ومنها : أن الهاء في قوله : " فرفعه في هواء منفتق " والهاء في قوله : " فسوى منه سبع سموات " إلى ماذا ترجع ؟ فإن آخر المذكورات قبلها " الزبد " . وهل يجوز أن تكون السموات مخلوقة من زبد الماء ؟ الحق أن الضمائر ترجع إلى الماء الذي عب عبابه ، لا إلى الزبد ، فإن أحدا لم يذهب إلى أن السماء مخلوقة من زبد الماء ، وإنما قالوا : إنها مخلوقة من بخاره . ومنها : أن يقال : أن البارئ سبحانه قادر على خلق الاشياء إبداعا واختراعا ، فما الذي اقتضى أن خلق المخلوقات على هذا الترتيب ؟ وهلا أوجدها إيجاد الماء الذي ابتدعه أولا من غير شئ ! . فيقال في جواب ذلك على طريق أصحابنا : لعل إخباره للمكلفين بذلك على هذا الترتيب يكون لطفا لهم ، ولا يجوز الاخبار منه تعالى إلا والمخبر عنه مطابق للاخبار . فهذا حظ المباحث المعنوية من هذا الفصل . * * * ثم نشرع في تفسير ألفاظه : أما الاجواء فجمع جو ، والجو هنا الفضاء العالي بين السماء والارض . والارجاء :


(1) إ : " استدلوا " (2) سورة فصلت 9 . (3) سورة فصلت 10 . (*)

[ 88 ]

الجوانب ، واحدها رجا مثل عصا . والسكائك : جمع سكاكة ، وهي أعلى الفضاء ، كما قالوا : ذؤابة وذوائب . والتيار : الموج ، والمتراكم : الذي بعضه فوق بعض . والزخار : الذي يزخر ، أي يمتد ويرتفع . والريح الزعزع : الشديدة الهبوب ، وكذلك القاصفة ، كأنها تهلك الناس بشدة هبوبها . ومعنى قوله : " فأمرها برده " ، أي بمنعه عن الهبوط ، لان الماء ثقيل ، ومن شأن الثقيل الهوي . ومعنى قوله : " وسلطها على شده " ، أي على وثاقه ، كأنه سبحانه لما سلط الريح على منعه من الهبوط ، فكأنه قد شده بها وأوثقه ومنعه من الحركة . ومعنى قوله : " وقرنها دإلى حده " ، أي جعلها مكانا له ، أي جعل حد الماء المذكور - وهو سطحه الاسفل - مما ساطح الريح التي تحمله وتقله . والفتيق : المفتوق المنبسط . والدفيق : المدفوق . واعتقم مهبها ، أي جعل هبوبها عقيما ، والريح العقيم : التي لا تلقح سحابا ولا شجرا ، وكذلك كانت تلك الريح المشار إليها ، لانه سبحانه إنما خلقها لتمويج الماء فقط . وأدام مربها ، أي ملازمتها ، أرب بالمكان مثل ألب به ، أي لازمه . ومعنى قوله : " وعصفت به عصفها بالفضاء " ، فيه (1) معنى لطيف ، يقول : إن الريح إذا عصفت بالفضاء الذي لا أجسام فيه كان عصفها شديدا لعدم المانع ، وهذه الريح عصمت بذلك الماء العظيم عصفا شديدا ، كأنها تعصف في فضاء لا ممانع لها فيه من الاجسام . والساجي : الساكن . والمائر : الذي يذهب ويجئ . وعب عبابة : أي ارتفع أعلاه . وركامه : ثبجه وهضبته (2) . والجو المنفهق : المفتوح الواسع . والموج المكفوف : الممنوع من السيلان . وعمد يدعمها : يكون لها دعامة . والدسار : واحد الدسر وهي المسامير . والثواقب النيرة : المشرقة . وسراجا مستطيرا ، أي منتشر الضوء ، يقال : قد استطار


(1) كلمة " فيه " ساقطة من ب . (2) أ : " هضبه " ؟ . (*)

[ 89 ]

الفجر ، أي انتشر ضوءه . ورقيم مائر ، أي لوح متحرك ، سمي الفلك رقيما تشبيها باللوح ، لانه مسطح . * * * فأما القطب الراوندي فقال : إنه عليه السلام ذكر قبل هذه الكلمات أنه أنشأ حيوانا له أعضاء وأحناء ، ثم ذكر هاهنا أنه فتق السماء ، وميز بعضها عن بعض ، ثم ذكر أن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام ، وهي سبع سموات وكذلك بين كل أرض وأرض ، وهي سبع أيضا . وروى حديث البقرة التي تحمل الملك الحامل للعرش ، والصخرة التي تحمل البقرة ، والحوت الذي يحمل الصخرة . * * * ولقائل أن يقول : إنه عليه السلام لم يذكر فيما تقدم أن الله تعالى خلق حيوانا ذا أعضاء ، ولا قوله الآن : " ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء " ، هو معنى قوله تعالى : " أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما " (1) ، أ لا تراه كيف صرح عليه السلام بأن البارئ سبحانه خلق الهواء الذي هو الفضاء ، وعبر عن ذلك بقوله : " ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء " ، وليس فتق الاجواء هو فتق السماء ! . فإن قلت : فكيف يمكن التطبيق بين كلامه عليه السلام وبين الايه ؟ قلت : إنه تعالى لما سلط الريح على الماء فعصفت به ، حتى جعلته بخارا وزبدا ، وخلق من أحدهما السماء ومن الآخر الارض ، كان فاتقا لهما من شئ واحد ، وهو الماء . فأما حديث البعد بين السموات وكونه مسيرة خمسمائة عام بين كل سماء وسماء ، فقد ورد ورودا لم يوثق به ، وأكثر (2) الناس على خلاف ذلك . وكون الارض سبعا أيضا


(1) سورة الانبياء 30 . (2) أ : " فأكثر 2 ، وما أثبته عن أ ب . (*)

[ 90 ]

خلاف ما يقوله جمهور العقلاء ، وليس في القرآن العزيز ما يدل على تعدد الارض إلا قوله تعالى : " ومن الارض مثلهن " (1) ، وقد أولوه على الاقاليم السبعة . وحديث الصخرة والحوت والبقرة من الخرافات في غالب الظن ، والصحيح أن الله تعالى يمسك الكل بغير واسطة جسم آخر . * * * ثم قال الراوندي : السكائك : جمع سكاك ، وهذا (2) غير جائز ، لان " فعالا " لا يجمع على " فعائل " ، وإنما هو جمع سكاكة ، ذكر ذلك الجوهري (3) . ثم قال : " وسلطها على شده " ، الشد : العدو . ولا يجوز حمل الشد هاهنا على العدو ، لانه لا معنى له ، والصحيح ما ذكرناه . وقال في تفسير قوله عليه السلام : " جعل سفلاهن موجا مكفوفا " ، أراد تشبيهها بالموج لصفائها واعتلائها ، فيقال له : إن الموج ليس بعال ليشبه به الجسم العالي ، وأما صفاؤه فإن كل السموات صافية ، فلماذا خص سفلاهن بذلك ! . ثم قال : ويمكن أن تكون السماء السفلى قد كانت أول ما وجدت موجا ثم عقدها . يقال له : والسموات الاخر كذلك كانت ، فلماذا خص السفلى بذلك ! . ثم قال : الريح الاولى غير الريح الثانية ، لان أحداهما معرفة والاخرى نكرة ، وهذا مثل قوله : صم اليوم ، صم يوما ، فإنه يقتضي يومين . يقال له : ليست المغايرة بينهما مستفادة من مجرد التعريف والتنكير ، لانه لو كان قال


(1) سورة الطلاق 12 . (2) ب : " وهو " ، وما أثبته عن أ . (3) الصحاح ص 1591 ، والذي فيه : " والسكاك والسكاكة : الهواء الذي يلاقي أعنان السماء " . (*)

[ 91 ]

عليه السلام : " وحمله على متن ريح عاصفة وزعزع قاصفة " لكانت الريحان الاولى والثانية منكرتين معا ، وهما متغايرتان ، وإنما علمنا تغايرهما ، لان أحداهما تحت الماء ، والاخرى فوقه ، والجسم الواحد لا يكون في جهتين . * * * الاصل : ثم فتق ما بين السموات العلا ، فملاهن أطوارا من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافون لا يتزايلون ، ومسبحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الابدان ، ولا غفلة النسيان . ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه (1) وأمره . ومنهم الحفظة لعباده ، والسدنة لابواب جنانه . ومنهم الثابتة في الارضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم ، والخارجة من الاقطار إركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم ، متلفعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة ، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدونه بالاماكن ، ولا يشيرون إليه بالنظائر . * * * الشرح : القول في الملائكة وأقسامهم الملك عند المعتزلة حيوان نوري ، فمنه شفاف عادم اللون كالهواء ، ومنه ملون بلون الشمس . والملائكة عندهم قادرون عالمون أحياء ، بعلوم وقدر وحياة ، كالواحد منا ، ومكلفون كالواحد منا ، إلا أنهم معصومون . ولهم في كيفية تكليفهم كلام ، لان التكليف


(1) مخطوطة النهج : " لقضائه " . (*)

[ 92 ]

مبني على الشهوة ، وفي كيفية خلق الشهوة فيهم نظر ، وليس هذا الكتاب موضوعا للبحث في ذلك . وقد جعلهم عليه السلام في هذا الفصل أربعه أقسام : القسم الاول : أرباب العبادة ، فمنهم من هو ساجد أبدا لم يقم من سجوده ليركع ، ومنهم من هو راكع أبدا لم ينتصب قط ، ومنهم الصافون في الصلاة بين يدي خالقهم لا يتزايلون ، ومنهم المسبحون الذين لا يملون التسبيح والتحميد له سبحانه . والقسم الثاني : السفراء بينه تعالى وبين المكلفين من البشر بتحمل الوحي الالهي إلى الرسل والمختلفون بقضائه وأمره إلى أهل الارض . والقسم الثالث : ضربان أحدهما حفظة العباد كالكرام الكاتبين ، وكالملائكة الذين يحفظون البشر من المهالك والورطات ، ولو لا ذلك لكان العطب أكثر من السلامة . وثانيهما سدنة الجنان . القسم الرابع : حمله العرش . ويجب أن يكون الضمير في " دونه " - وهو الهاء - راجعا إلى العرش لا إلى البارئ سبحانه . وكذلك الهاء في قوله : " تحته " . ويجب أن تكون الاشارة بقوله : " وبين من دونهم " إلى الملائكة الذين دون هؤلاء في الرتبه . فأما ألفاظ الفصل فكلها غنيه عن التفسير إلا يسيرا ، كالسدنة جمع سادن وهو الخادم ، والمارق : الخارج . وتلفعت بالثوب ، أي التحفت به . * * * وأما (1) القطب الراوندي فجعل الامناء على الوحي وحفظة العباد وسدنة الجنان


(1) أ : " فأما " . (*)

[ 93 ]

قسما واحدا فأعاد الاقسام الاربعة إلى ثلاثه وليس بجيد لانه قال ومنهم الحفظه فلفظه ومنهم تقتضي كون الاقسام أربعه لانه بها فصل بين الاقسام . وقال أيضا معنى قوله عليه السلام " لا يغشاهم نوم العيون " يقتضى أن لهم نوما قليلا يغفلهم عن ذكر الله سبحانه فأما البارئ سبحانه فإنه لا تأخذه سنة ولا نوم أصلا مع أنه حى وهذه هي المدحه العظمى . ولقائل أن يقول لو ناموا قليلا لكانوا زمان ذلك النوم - وان قل - غافلين عن ذكر الله سبحانه لان الجمع بين النوم وبين الذكر مستحيل . والصحيح أن الملك لا يجوز عليه النوم كما لا يجوز عليه الاكل والشرب لان النوم من توابع المزاج والملك لا مزاج له وأما مدح البارئ بأنه لا تأخذه سنه ولانوم فخارج عن هذا الباب لانه تعالى يستحيل عليه النوم استحالة ذاتيه لا يجوز تبدلها والملك يجوز أن يخرج عن كونه ملكا بأن يخلق في أجزاء جسمه رطوبأ ويبوسة وحرارة وبروده يحصل من اجتماعها مزاج ويتبع ذلك المزاج النوم فاستحاله النوم عليه إنما هي ما دام ملكا فهو كقولك : الماء بارد أي ما دام ماء لانه يمكن ان يستحيل هواء ثم نارا فلا يكون باردا لانه ليس حينئذ ماء . والبارئ جلت عظمته يستحيل على ذاته ان يتغير فاستحال عليه النوم استحاله مطلقة مع أنه حى ومن هذا انشاء التمدح وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله خلق الخلق أربعه أصناف الملائكة والشياطين والجن والانس ثم جعل الاصناف الاربعة عشره أجزاء فتسعه منها الملائكه وجزء واحد الشياطين والجن والانس ثم جعل هؤلاء الثلاثه عشره أجزاء فتسعة منها الشياطين وجزء واحد الجن والانس ثم جعل الجن والانس عشره أجزاء فتسعة منها الجن وجزء واحد الانس " .

[ 94 ]

وفى الحديث الصحيح : إن الملائكة كانت تصافح عمران بن الحصين وتزوره ، ثم افتقدها ، فقال : يارسول الله ، إن رجالا كانوا يأتوننى لم أر أحسن وجوها ، ولا أطيب أرواحا منهم ، ثم انقطعوا . فقال عليه السلام : " أصابك جرح فكنت تكتمه " ؟ فقال : أجل ، قال : " ثم أظهرته " ؟ قال : أجل ، قال : " أما لو أقمت على كتمانه لزارتك الملائكه إلى أن تموت " ، وكان هذا الجرح أصابه في سبيل الله . وقال سعيد بن المسيب وغيره : الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث ، ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون ، والجن يتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون ، والشياطين ذكور وإناث ، ويتوالدون ولا يموتون حتى يموت إبليس . وقال النبي صلى الله عليه وآله في رواية أبى ذر : " إنى أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط (1) فما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد واضع جبهته لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الفلوات تجأرون إلى الله ، والله لوددت أنى كنت شجرة تعضد " (2) . قلت : ويوشك هذه الكلمة الاخيرة أن تكون قول أبى ذر . واتفق أهل الكتب على أن رؤساء الملائكه وأعيانهم أربعة : جبرائيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، وهو ملك الموت . وقالوا : إن إسرافيل صاحب الصور ، وإليه النفخة ، وإن ميكائيل صاحب النبات والمطر ، وإن عزرائيل على أرواح الحيوانات ، وإن جبرائيل على جنود السموات والارض كلها وإليه تدبير الرياح ، وهو ينزل إليهم كلهم بما يؤمرون به .


(1) ذكره ابن الاثير في النهايه 1 : 35 ، وقال : " الاطيط : صوت الاقتاب ، وأطيط الابل : أصواتها وحنينها ، أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت ، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة ، وإن لم يكن ثم أطيط ، وإنما هو كلام تقريب ، أريد به تقرير عظمة الله تعالى " . (2) تعضد : تقطع ، وانظر النهاية لابن الاثير 3 : 104 . (*)

[ 95 ]

وروى أنس بن مالك أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله : ما هؤلاء الذين استثنى بهم في قوله تعالى : (فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله) ؟ (1) فقال : " جبرائيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، فيقول الله عزوجل لعزرائيل : يا ملك الموت ، من بقى ؟ وهو سبحانه أعلم - فيقول : سبحانك ربى ذا الجلال والاكرام ! بقى جبرائيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت - فيقول : يا ملك الموت ، خذ نفس إسرافيل ، فيقع في صورته التى خلق عليها كأعظم ما يكون من الاطواد ، ثم يقول : - وهو أعلم - من بقى يا ملك الموت ؟ فيقول : سبحانك ربى يا ذا الجلال والاكرام ! جبرائيل وميكائيل ، وملك الموت ، فيقول : خذ نفس ميكائيل ، فيقع في صورته التى خلق عليها ، وهى أعظم ما يكون من خلق إسرافيل بأضعاف مضاعفة . ثم يقول سبحانه : يا ملك الموت ، من بقى ؟ فيقول : سبحانك ربى ذاالجلال والاكرام : جبرائيل ، وملك الموت ، فيقول تعالى : يا ملك الموت ، مت فيموت ، ويبقى جبرائيل - وهو من الله تعالى بالمكان الذى ذكر لكم - فيقول الله : يا جبرائيل ، إنه لا بد من أن يموت أحدنا ، فيقع جبرائيل ساجدا يخفق بجناحيه ، يقول : سبحانك ربى وبحمدك ! أنت الدائم القائم الذى لا يموت ، وجبرائيل الهالك الميت الفاني ، فيقبض الله روحه ، فيقع على ميكائيل وإسرافيل ، وإن فضل خلقه على خلقهما كفضل الطود العظيم على الظرب (2) من الظراب . وفى الاحاديث الصحيحة أن جبرائيل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله على صورة دحية الكلبى ، وإنه كان يوم بدر على فرس اسمه حيزوم ، وإنه سمع ذلك اليوم صوته : أقدم حيزوم .


(1) سورة الزمر 68 . (2) الضرب ، ككتف : الجبل الصغير . (*)

[ 96 ]

والكروبيون (1) عند أهل الملة سادة الملائكة ، كجبرائيل وميكائيل . وعند الفلاسفة أن سادة الملائكة هم الروحانيون - يعنون العقول الفعالة وهى المفارقة للعالم الجسماني المسلوبة التعلق به ، لا بالحول ولا بالتدبير . وأما الكروبيون فدون الروحانيين في المرتبة وهى أنفس الافلاك المدبرة لها ، الجارية منها مجرى نفوسنا مع أجسامنا . ثم هي على قسمين : قسم أشرف وأعلى من القسم الآخر ، فالقسم الاشرف ما كان نفسا ناطقة غير حالة في جرم الفلك ، كأنفسنا بالنسبة إلى أبداننا . والقسم الثاني ما كان حالا في جرم الفلك ، ويجرى ذلك مجرى القوى التى في أبداننا ، كالحس المشترك والقوة الباصرة . * * * الاصل : منها في صفة آدم عليه السلام : ثم جمع سبحانه من حزن الارض وسهلها ، وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت ، ولاطها بالبلة حتى لزبت ، فجبل منها صورة ذات أحناء ، ووصول وأعضاء وفصول أجمدها حتى استمسكت ، وأصلدها حتى صلصلت ، لوقت معدود ، وأجل معلوم . ثم نفخ فيها من روحه فتمثلت (2) إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ، والاذواق والمشام ، والالوان والاجناس ، معجونا بطينته الالوان المختلفة ،


(1) الكروبيون ، مخففة الراء - على ماقاله صاحب القاموس - : هم أقرب الملائكة إلى حملة العرش ، وأصله من الكرب وهو القرب ، قال أمية : ملائكة لا يفترون عبادة كروبية منهم ركوع وسجد (2) مخطوطة النهج : " فمثلت " (*)

[ 97 ]

(1 والاشباه المؤتلفة 1) ، والاضداد المتعادية ، والاخلاط المتباينة ، من الحر والبرد ، والبلة والجمود ، والمساءة والسرور . واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيته إليهم ، في الاذعان بالسجود له ، والخنوع لتكرمته ، فقال لهم : (اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس) (2) وقبيله ، اعترتهم الحمية ، وغلبت عليهم الشقوة ، وتعززوا بخلقه النار ، واستوهنوا خلق الصلصال ، فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة ، واستتماما للبلية ، وإنجازا للعدة ، فقال : (فإنك من المنظرين . إلى يوم الوقت المعلوم) (3) . * * * الشرح : الحزن : ما غلظ من الارض . وسبخها : ما ملح منها . وسنها بالماء ، أي ملسها ، قال : ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء تمشى في مرمر مسنون (4) أي مملس . ولاطها ، من قولهم : لطت الحوض بالطين ، أي ملطته وطينته به . والبلة بفتح الباء ، من البلل . لزبت ، بفتح الزاى ، أي التصقت وثبتت . فجبل منها ، أي خلق . والاحناء : الجوانب ، جمع حنو . وأصلدها : جعلها صلدا ، أي صلبا متينا . وصلصلت : يبست ، وهو الصلصال . ويختدمها : يجعلها في مآربه وأوطاره كالخدم الذين تستعملهم وتستخدمهم . واستأدى الملائكة وديعته : طلب منهم أداءها . والخنوع : الخضوع . والشقوة ، بكسر الشين ، وفي الكتاب العزيز : (ربنا غلبت علينا


(1 - 1) تكملة مخطوطة النهج . (2) سورة البقرة 34 . (3) سورة ص 80 ، 81 (4) لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت من أبيات يشبب فيها بأبنة معاوية ، كذا نسبه صاحب اللسان 17 : 88 ونقل عن ابن برى أنها تروى لابي دهبل .

[ 98 ]

شقوتنا) (1) . واستوهنوا : عدوه واهنا ضعيفا . والنظرة ، بفتح النون وكسر الظاء : الامهال والتأخير . فأما معاني الفصل فظاهرة ، وفيه مع ذلك مباحث : منها أن يقال : اللام في قوله : " لوقت معدود " بماذا تتعلق ؟ والجواب ، أنها تتعلق بمحذوف تقديره : " حتى صلصلت كائنة لوقت " ، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال ، ويكون معنى الكلام أنه أصلدها حتى يبست وجفت معدة لوقت معلوم ، فنفخ حينئذ روحه فيها . ويمكن أن تكون اللام متعلقة بقوله : " فجبل " أي جبل وخلق من الارض هذه الجثة لوقت ، أي لاجل وقت معلوم ، وهو يوم القيامة . * * * ومنها أن يقال : لماذا قال : " من حزن الارض وسهلها ، وعذبها وسبخها " ؟ والجواب ، أن المراد من ذلك أن يكون الانسان مركبا من طباع مختلفة ، وفيه استعداد للخير والشر ، والحسن والقبح . * * * ومنها أن يقال : لماذا أخر نفخ الروح في جثة آدم مدة طويلة ، فقد قيل : إنه بقى طينا تشاهده الملائكة أربعين سنة ، ولا يعلمون ما المراد به ؟ والجواب ، يجوز أن يكون في ذلك (2 لطف للملائكة ، لانهم تذهب ظنونهم في ذلك 2) كل مذهب ، فصار كإنزال المتشابهات الذى تحصل به رياضة الاذهان وتخريجها ، وفى ضمن ذلك يكون اللطف . ويجوز أن يكون في إخبار ذرية آدم بذلك فيما بعد لطف لهم ، ولا يجوز إخبارهم بذلك إلا إذا كان المخبر عنه حقا .


(1) سورة المؤمنين 106 . (2 - 2) ساقط من ا . (*)

[ 99 ]

ومنها أن يقال : ما المعنى بقوله : " ثم نفخ فيها من روحه " ؟ الجواب ، أن النفس لما كانت جوهرا مجردا ، لا متحيزة ولا حالة في المتحيز ، حسن لذلك نسبتها إلى البارئ ، لانها أقرب إلى الانتساب إليه من الجثمانيات . ويمكن أيضا أن تكون لشرفها مضافة إليه ، كما يقال : بيت الله للكعبة . وأما النفخ فعبارة عن إفاضة النفس على الجسد ، ولما كان نفخ الريح في الوعاء عبارة عن إدخال الريح إلى جوفه ، وكان الاحياء عبارة عن إفاضة النفس على الجسد ، ويستلزم ذلك حلول القوى والارواح في الجثة باطنا وظاهرا ، سمى ذلك نفخا مجازا . * * * ومنها أن يقال : ما معنى قوله : " معجونا بطينته الالوان المختلفة " ؟ الجواب : أنه عليه السلام قد فسر ذلك بقوله : " من الحر والبرد ، والبلة والجمود " ، يعنى الرطوبة واليبوسة ، ومراده بذلك المزاج الذى هو كيفية واحدة حاصلة من كيفيات مختلفة ، قد إنكسر بعضها ببعض . وقوله : " معجونا " صفة " إنسانا " . والالوان المختلفة ، يعنى الضروب والفنون ، كما تقول (1) : في الدار ألوان من الفاكهة . * * * ومنها أن يقال : ما المعنى بقوله : " واستأدى الملائكة وديعته لديهم " ؟ وكيف كان هذا العهد والوصية بينه وبينهم ؟ الجواب ، أن العهد والوصية هو قوله تعالى لهم : (إنى خالق بشرا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (2) . * * *


(1) ا : " كما يقال " . (2) سورة ص 71 ، 72 . (*)

[ 100 ]

ومنها أن يقال : كيف كانت شبهة إبليس وأصحابه في التعزز بخلقه النار ؟ الجواب ، لما كانت النار مشرقة بالذات ، والارض مظلمة ، وكانت النار أشبه بالنور ، والنور أشبه بالمجردات ، جعل إبليس ذلك حجة احتج بها في شرف عنصره على عنصر آدم عليه السلام ، ولان النار أقرب ، إلى ، الفلك من الارض ، وكل شئ كان أقرب إلى الفلك من غيره كان أشرف ، والبارئ تعالى لم يعتبر ذلك ، وفعل سبحانه ما يعلم أنه المصلحة والصواب . * * * ومنها أن يقال : كيف يجوز السجود لغير الله تعالى ؟ والجواب ، أنه قيل : إن السجود لم يكن إلا لله تعالى ، وإنما كان آدم عليه السلام قبلة . ويمكن أن يقال : إن السجود لله على وجه العبادة ، ولغيره على وجه التكرمة ، كما سجد أبو يوسف وإخوته له . يجوز أن تختلف الاحوال والاوقات في حسن ذلك وقبحه . * * * ومنها أن يقال : كيف جاز على ما تعتقدونه من حكمة البارئ أن يسلط إبليس على المكلفين ، أليس هذا هو الاستفساد الذى تأبونه وتمنعونه ! والجواب : أما الشيخ أبو على رحمه الله فيقول : حد المفسدة ما وقع عند الفساد ، ولولاه لم يقع مع تمكن المكلف من الفعل في الحالين ، ومن فسد بدعاء إبليس لم يتحقق فيه هذا الحد ، لان الله تعالى علم أن كل من فسد عند دعائه ، فإنه يفسد ، ولو لم يدعه . وأما أبو هاشم رحمه الله فيحد المفسدة بهذا الحد أيضا ، ويقول : إن في الاتيان بالطاعة مع دعاء إبليس إلى القبيح مشقة زائدة على مشقة الاتيان بها ، لو لم يدع إبليس إلى

[ 101 ]

القبيح ، فصار الاتيان بها مع اعتبار دعاء إبليس إلى خلافها خارجا عن الحد المذكور ، وداخلا في حيز التمكن الذى لو فرضنا ارتفاعه لما صح من المكلف الاتيان بالفعل ، ونحن قلنا في الحد مع تمكن المكلف من الاتيان بالفعل في الحالين . * * * ومنها أن يقال : كيف جاز للحكيم سبحانه أن يقول لابليس : (إنك من المنظرين) إلى يوم القيامة ! وهذا إغراء بالقبيح ، وأنتم تمنعون أن يقول الحكيم لزيد : أنت لا تموت إلى سنة ، بل إلى شهر أو يوم واحد ، لما فيه من الاغراء بالقبيح ، والعزم على التوبة قبل انقضاء الامد . والجواب ، أن أصحابنا قالوا : إن البارئ تعالى لم يقل لابليس : إنى منظرك إلى يوم القيامة ، وإنما قال : (إلى يوم الوقت المعلوم) ، وهو عبارة عن وقت موته واخترامه ، وكل مكلف من الانس والجن منظر إلى يوم الوقت المعلوم على هذا التفسير ، وإذا (1) كان كذلك لم يكن إبليس عالما أنه يبقى لا محالة ، فلم يكن في ذلك إغراء له (2) بالقبيح . فإن قلت : فما معنى قوله عليه السلام : " وإنجازا للعدة " ؟ أليس معنى ذلك أنه قد كان وعده أن يبقيه إلى يوم القيامة ! . قلت : إنما وعده الانظار ، ويمكن أن يكون إلى يوم القيامة ، وإلى غيره من الاوقات الاوقات ولم يبين له ، فهو تعالى أنجز له وعده في الانظار المطلق ، وما من وقت إلا ويجوز فيه إبليس (3) أن يخترم ، فلا يحصل الاغراء بالقبيح . وهذا الكلام عندنا ضعيف ، ولنا فيه نظر مذكور في كتبنا الكلامية . * * *


(1) ا : (فإذا) . (2) كلمة (له) ساقطة من ا . (3) كلمة (إبليس) ساقطه من ب . (*)

[ 102 ]

الاصل ثم أسكن آدم دارا أرغد فيها عيشته ، وآمن فيها محلته ، وحذره إبليس وعداوته ، فاغتره عدوه نفاسة عليه بدار المقام ، ومرافقة الابرار ، فباع اليقين بشكه ، والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجذل وجلا ، وبالاغترار ندما . ثم بسط الله سبحانه له في توبته ، ولقاه كلمة رحمته ، ووعده المرد إلى جنته ، فأهبطه إلى دار البلية ، وتناسل الذرية . * * * الشرح أما الالفاظ فظاهرة ، والمعاني أظهر ، وفيها ما يسأل عنه : * * * فمنها أن يقال : الفاء في قوله عليه السلام : (فأهبطه) تقتضي أن تكون التوبه على آدم قبل هبوطه من الجنه ! والجواب ، أن ذلك أحد قولى المفسرين ، ويعضده قوله تعالى : (وعصى آدم ربه فغوى . ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى . قال اهبطا منها) (1) ، فجعل الهبوط بعد قبول التوبة . * * * ومنها أن يقال : إذا كان تعالى قد طرد إبليس عن الجنة لما أبى السجود ، فكيف توصل إلى آدم وهو في الجنة حتى استنزله عنها بتحسين أكل الشجرة له ! الجواب ، أنه يجوز أن يكون إنما منع من دخول الجنة على وجه التقريب والاكرام ،


(1) سورة طه 121 - 123 . (*)

[ 103 ]

كدخول الملائكة ، ولم يمنع من دخولها على غير ذلك الوجه . وقيل : إنه دخل في جوف الحية ، كما ورد في التفسير . ومنها أن يقال : كيف اشتبه على آدم الحال في الشجرة المنهى عنها فخالف النهى ! الجواب ، أنه قيل له : لا تقربا هذه الشجرة ، وأريد بذلك نوع الشجرة ، فحمل آدم النهى على الشخص ، وأكل من شجرة أخرى من نوعها . ومنها أن يقال : هذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام ، تصريح بوقوع المعصية من آدم عليه السلام ، وهو قوله : (فباع اليقين بشكه ، والعزيمة بوهنه) ، فما قولكم في ذلك ؟ الجواب ، اما أصحابنا ، فإنهم لا يمتنعون من إطلاق العصيان عليه ، ويقولون إنها كانت صغيرة ، وعندهم أن الصغائر جائزة على الانبياء عليهم السلام . وأما الامامية فيقولون : إن النهى كان نهى تنزيه ، لا نهى تحريم ، لانهم لا يجيزون على الانبياء الغلط والخطأ ، لا كبيرا ولا صغيرا ، وظواهر هذه الالفاظ تشهد بخلاف قولهم . * * * [ اختلاف الاقوال في خلق البشر ] وأعلم أن الناس اختلفوا في ابتداء خلق البشر كيف كان ، فذهب اهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى إلى أن مبدأ البشر هو آدم ، الاب الاول عليه السلام ، وأكثر ، ما في القرآن العزيز من قصة آدم مطابق لما في التوراة . وذهب طوائف من الناس إلى غير ذلك . أما الفلاسفة ، فإنهم زعموا أنه لا أول لنوع البشر ، ولا لغيرهم من الانواع . وأما الهند ، فمن كان منهم على رأى الفلاسفة ، فقوله ما ذكرناه . ومن لم يكن منهم

[ 104 ]

على رأى الفلاسفة ويقول بحدوث الاجسام لا يثبت آدم ، ويقول : إن الله تعالى خلق الافلاك وخلق فيها طباعا محركة لها بذاتها ، فلما تحركت - وحشوها أجسام لاستحالة الخلاء - كانت تلك الاجسام ، على طبيعة واحدة ، فأختلفت طبائعها بالحركة الفلكية ، فكان القريب من الفلك المتحرك أسخن وألطف ، والبعيد أبرد وأكثف . ثم اختلطت العناصر ، وتكونت منها المركبات ، ومنها تكون نوع البشر كما يتكون الدود في الفاكهة واللحم ، والبق في البطائح والمواضع العفنة ، ثم تكون بعض البشر من بعض بالتوالد ، وصار ذلك قانونا مستمرا ، ونسى التخليق الاول الذى كان بالتولد . ومن الممكن أن يكون بعض البشر في بعض الاراضي القاصية مخلوقا بالتوالد ، وإنما انقطع التوالد ، لان الطبيعة إذا وجدت للتكون طريقا استغنت به عن طريق ثان . وأما المجوس فلا يعرفون آدم ، ولا نوحا ، ولا ساما ، ولا حاما ، ولا يافث . وأول متكون عندهم من البشر البشرى (1) المسمى " كيومرث " ، ولقبه " كوشاه " أي ملك الجبل ، لان " كو " هو الجبل بالفهلوبة ، وكان هذا البشر في الجبال . ومنهم من يسميه " كلشاه " ، أي ملك الطين و " كل " اسم الطين ، لانه لم يكن حين إذن بشر ليملكهم . وقيل تفسير " كيومرث " حى ناطق ميت ، قالوا : وكان قد رزق من الحسن ما لا يقع عليه بصر حيوان إلا وبهت وأغمى عليه ، ويزعمون أن مبدأ تكونه وحدوثه أن يزدان - وهو الصانع الاول عندهم - أفكر (2) في أمر أهرمن ، - وهو الشيطان عندهم - فكرة أوجبت أن عرق جبينه ، فمسح العرق ورمى به ، فصار منه كيومرث . ولهم خبط طويل في كيفية تكون " أهرمن " من فكرة " يزدان " أو من إعجابه بنفسه ، أو من توحشه ، وبينهم خلاف في قدم " أهرمن " ، وحدوثه لا يليق شرحه بهذا الموضع (3) .


(1) ب : " البشر " . (2) أفكر وفكر بالتشديد ، بمعنى . (3) انظر الشاهنامة 14 . (*)

[ 105 ]

ثم اختلفوا في مدة بقاء كيومرث في الوجود ، فقال الاكثرون : ثلاثون سنة . وقال الاقلون : أربعون سنة . وقال قوم منهم : إن كيومرث مكث في الجنة التى في السماء ثلاثة آلاف سنة ، وهى ألف الحمل ، وألف الثور ، وألف الجوزاء . ثم أهبط إلى الارض فكان بها آمنا مطمئنا ثلاثة آلاف سنة اخرى ، وهى ألف السرطان ، وألف الاسد ، وألف السنبلة . ثم مكث بعد ذلك ثلاثين أو أربعين سنة في حرب وخصام بينه وبين أهرمن حتى هلك (1) . واختلفوا في كيفية هلاكه مع اتفاقهم ، على أنه هلك قتلا ، فالاكثرون قالوا : إنه قتل ابنا لاهرمن يسمى خزوره ، فاستغاث أهرمن منه إلى يزدان ، فلم يجد بدا من أن يقاصه به حفظا للعهود التى بينه وبين أهرمن ، فقتله بابن أهرمن . وقال قوم : بل قتله أهرمن في صراع كان بينهما ، قهره فيه أهرمن ، وعلاه وأكله (1) . وذكروا في كيفية ذلك الصراع أن كيومرث كان هو القاهر لاهرمن في بادئ الحال ، وأنه ركبه ، وجعل يطوف به في العالم إلى أن سأله أهرمن عن أي الاشياء أخوف له وأهولها عنده ، فقال له : باب جهنم ، فلما بلغ به أهرمن إليها جمح به حتى سقط من فوقه ، ولم يستمسك ، فعلاه وسأله عن أي الجهات يبتدئ به في الاكل ، فقال : من جهة الرجل لاكون ناظرا إلى حسن العالم مدة ما ، فأبتدأه أهرمن فأكله من عند رأسه ، فبلغ إلى موضع الخصى واوعية المنى من الصلب ، فقطر من كيومرث قطرتا نطفة على الارض فنبت منهما ريباستان (2) في جبل بإصطخر يعرف بجبل دام داذ ، ثم ظهرت على تينك الريباستين الاعضاء البشرية في أول الشهر التاسع ، وتمت في آخره ، فتصور منهما بشران : ذكر وانثى ، وهما " ميشى " ، " وميشانه " ، وهما بمنزلة آدم وحواء عند المليين . ويقال لهما أيضا : " ملهى " " وملهيانه " ، ويسميهما مجوس خوارزم : " مرد " و " مردانه " ،


(1) انظر الشاهنامه 14 . (2) الريباس ، بالكسر : نبت له عساليج غضه خضراء ، عراض الورق ، طعمها حامض مع قبض ، ينبت في الجبال ذات الثلوج والبلاد الباردة من غير زرع . المعتمد 123 (*)

[ 106 ]

وزعموا أنهما مكثا خمسين سنة مستغنين عن الطعام والشراب ، متنعمين غير متأذيين بشئ إلى أن ظهر لهما أهرمن في صورة شيخ كبير ، فحملهما على التناول من فواكه الاشجار وأكل منها ، وهما يبصرانه شيخا ، فعاد شابا ، فأكلا منها حينئذ ، فوقعا في البلايا والشرور ، وظهر فيهما الحرص حتى تزواجا ، وولد لهما ولد فأكلاه حرصا ، ثم ألقى الله تعالى في قلوبهما رأفة ، فولد لهما بعد ذلك ستة أبطن ، كل بطن ذكر وأنثى ، وأسماؤهم - في كتاب أپستا ، وهو الكتاب الذى جاء به زرادشت - معروفة ، ثم كان في البطن السابع " سياميك " و " فرواك " ، فتزاوجا ، فولد لهما الملك المشهور الذى لم يعرف قبله ملك وهو " أوشهنج " ، وهو الذى خلف جده كيومرث ، وعقد التاج ، وجلس على السرير ، وبنى مدينتي بابل والسوس . فهذا ما يذكره المجوس في مبدأ الخلق . قول بعض الزنادقة في تصويب إبليس الامتناع عن السجود لآدم وكان في المسلمين - ممن يرمى بالزندقة - من يذهب إلى تصويب إبليس في الامتناع من السجود ، ويفضله على آدم ، وهو بشار بن برد المرعث (1) ، ومن الشعر المنسوب إليه : النار مشرقة والارض مظلمة والنار معبودة مذ كانت النار (2)


(1) الاغانى 3 : 145 (2) في اللسان : " سمى بذلك لرعاث كانت له في صغره في أذنه " . والرعاث جمع رعثة ، وهى ما علق في الاذن من قرط ونحره . وروى صاحب الاغانى : وإنما سمى المرعث بقوله : قلت ريم مرعث ساحر الطرف والنظر لست والله نائلي قلت أو يغلب القدر أنت إن رمت وصلنا فانج ، هل تدرك القمر ! (*)

[ 107 ]

وكان أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي الواعظ (1) ، أخو أبى حامد محمد بن محمد الغزالي الفقيه الشافعي ، قاصا لطيفا وواعظا مفوها ، وهو من خراسان من مدينة طوس ، وقدم إلى بغداد ، ووعظ بها ، وسلك في وعظه مسلكا منكرا ، لانه كان يتعصب لابليس ، ويقول : إنه سيد الموحدين ، وقال يوما على المنبر : من لم يتعلم التوحيد من إبليس فهو زنديق ، أمر أن يسجد لغير سيده فأبى ولست بضارع إلا إليكم وأما غيركم حاشا وكلا وقال مرة أخرى لما قال له موسى : " أرنى " فقال : " لن (2) " قال : هذا شغلك (3) ، تصطفى آدم ثم تسود وجهه ، وتخرجه من الجنة ، وتدعوني إلى الطور ، ثم تشمت بى الاعداء ! هذا عملك بالاحباب (4) ، فكيف تصنع بالاعداء (5) ! وقال مرة أخرى وقد ذكر إبليس على المنبر : لم يدر ذلك المسكين أن أظافير القضاء إذا حكت أدمت ، وأن قسى القدر إذا رمت أصمت . ثم قال : لسان حال آدم ينشد في قصته وقصة إبليس : وكنت وليلى في صعود من الهوى فلما توافينا ثبت وزلت وقال مرة أخرى : التقى موسى وإبليس عند عقبة الطور ، فقال موسى : يا إبليس ، لم لم تسجد لآدم عليه السلام ؟ فقال : كلا ، ما كنت لاسجد لبشر ، كيف أوحده ثم ألتفت إلى غيره ! ولكنك أنت يا موسى سألت رؤيته ثم نظرت إلى الجبل ، فأنا أصدق منك في التوحيد .


(1) ذكره ابن الجوزى في الجزء التاسع من المنتظم ص 260 ، ضمن وفيات سنة 520 ، وقال عنه : " الغالب على كلامه التخليط ورواية الاحاديث الموضوعة والحكايات الفارغة والمعاني الفاسدة ، وقد علق عنه كثير من ذلك " . وذكره أيضا ابن حجر في لسان الميزان 1 : 293 (2) يشير إلى قوله تعالى في قصة موسى من سورة الاعراف 143 : (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربى أرنى أنظر إليك قال لن تراني . . .) . (3) المنتظم : " شأنك " . (4) المنتظم : " الاخيار " . (5) المنتظم 9 : 261 . (*)

[ 108 ]

وكان هذا النمط في كلامه ينفق على أهل بغداد ، وصار له بينهم صيت مشهور ، واسم كبير . وحكى عنه أبو الفرج بن الجوزى في " التاريخ " أنه قال على المنبر : معاشر الناس ، إنى كنت دائما أدعوكم إلى الله ، وأنا اليوم احذركم منه ، والله ما شدت الزنانير إلا في حبه ، ولا أديت الجزية إلا في عشقه . وقال أيضا : إن رجلا يهوديا أدخل عليه ليسلم على يده ، فقال له : لا تسلم ، فقال له الناس : كيف تمنعه من الاسلام ؟ فقال : احملوه إلى أبى حامد - يعنى أخاه - ليعلمه " لا " (1) إلى المنافقين . ثم قال : ويحكم أتظنون أن قوله : " لا إله إلا الله " منشور ولايته ! ذا منشور عزله (2) . وهذا نوع تعرفه الصوفية بالغلو والشطح . ويروى عن أبى يزيد البسطامى (3) منه كثير . ومما يتعلق بما نحن فيه ما رووه عنه من قوله : فمن آدم في البين ومن إبليس لولاكا ! فتنت الكل والكل مع الفتنة يهواكا ويقال : أول من قاس إبليس ، فأخطأ في القياس وهلك بخطئه . ويقال : إن أول حمية وعصبية ظهرت عصبية إبليس وحميته . [ اختلاف الاقوال في خلق الجنة والنار ] فإن قيل : فما قول شيوخكم في الجنة والنار ، فإن المشهور عنهم أنهما لم يخلقا ، وسيخلقان


(1) في المنتظم : " يعنى : لا إله إلا الله " . (2) عبارة المنتظم : " أفنسوا عزله ! " . قال ابن الجوزى بعد أن أورد هذه الحكايات : " لقد أدهشني نفاق هذا الهذيان في بغداد وهى دار العلم ، ولقد حضر مجلسه يوسف الهمذانى ، فقال : مدد كلام هذا شيطاني ، لا ربانى ، ذهب دينه والدنيا لا تبقى له " . (3) هو أبو يزيد طيفور بن عيسى ، توفى سنة 261 . طبقات الصوفية للسلمى 67 (*)

[ 109 ]

عند قيام الاجساد ، وقد دل القرآن العزيز ، ونطق كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الفصل ، بأن آدم كان في الجنة وأخرج منها ! قيل : قد اختلف شيوخنا رحمهم الله في هذه المسألة ، فمن ذهب منهم إلى أنهما غير مخلوقتين الآن يقول : قد ثبت بدليل السمع أن سائر الاجسام تعدم ولا يبقى في الوجود إلا ذات الله تعالى ، بدليل قوله : (كل شئ هالك إلا وجهه) (1) وقوله : (هو الاول والآخر) (2) ، فلما كان " أولا " بمعنى أنه لا جسم في الوجود معه في الازل وجب أن يكون " آخرا " ، بمعنى أنه لا يبقى في الوجود جسم من الاجسام معه فيما لا يزال ، وبآيات كثيرة أخرى . وإذا كان لا بد من عدم سائر الاجسام لم يكن في خلق الجنة والنار قبل أوقات الجزاء فائدة ، لانه لا بد أن يفنيهما مع الاجسام التى تفنى يوم القيامة فلا يبقى مع خلقهما من قبل معنى . ويحملون الآيات التى دلت على كون آدم عليه السلام كان في الجنة وأخرج منها ، على بستان من بساتين الدنيا . قالوا : والهبوط لا يدل على كونهما في السماء ، لجواز أن يكون في الارض ، إلا أنهما في موضع مرتفع عن سائر الارض . وأما غير هؤلاء من شيوخنا فقالوا : إنهما مخلوقتان الآن ، واعترفوا بأن آدم كان في جنة الجزاء والثواب ، وقالوا : لا يبعد أن يكون في إخبار المكلفين بوجود الجنة والنار لطف لهم في التكليف ، وإنما يحسن الاخبار بذلك إذا كان صدقا ، وإنما يكون صدقا إذا كان خبره على ما هو عليه . [ القول في آدم والملائكة أيهما أفضل ] فإن قيل : فما الذى يقوله شيوخكم في آدم والملائكة : أيهما أفضل ؟ قيل : لا خلاف بين شيوخنا رحمهم الله أن الملائكة أفضل من آدم ومن جميع الانبياء


(1) سورة القصص 88 . (2) سورة الحديد 3 . (*)

[ 110 ]

عليهم السلام ، ولو لم يدل على ذلك ألا قوله تعالى في هذه القصة : (إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (1) لكفى . وقد احتج اصحابنا أيضا بقوله تعالى : (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) (2) ، وهذا كما تقول : لا يستنكف الوزير أن يعظمنى ويرفع من منزلتي ، ولا الملك أيضا . فإن هذا يقتضى كون الملك أرفع منزلة من الوزير . وكذلك قوله : (ولا الملائكة المقربون) ، يقتضى كونهم أرفع منزلة من عيسى . ومما احتجوا به قولهم : إنه تعالى لما ذكر جبريل ومحمدا عليهما السلام ، في معرض المدح ، مدح جبريل عليه السلام بأعظم مما مدح به محمدا عليه السلام ، فقال : (إنه لقول رسول كريم . ذى قوة عند ذى العرش مكين . مطاع ثم أمين . وما صاحبكم بمجنون . ولقد رآه بالافق المبين . وما هو على الغيب بضنين) (3) . فالمديح الاول لجبريل ، والثانى لمحمد عليهما السلام ، ولا يخفى تفاوت ما بين المدحين . فإن قيل : فهل كان إبليس من الملائكه أم من نوع آخر ؟ قيل : قد اختلف في ذلك فمن قال : إنه من الملائكة احتج بالاستثناء في قوله : (فسجد الملائكة) كلهم أجمعون . إلا إبليس ((4) ، وقال : إن الاستثناء من غير الجنس خلاف الاصل . ومن قال : إنه لم يكن منهم احتج بقوله تعالى : (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) (4) . وأجاب الاولون عن هذا فقالوا : إن الملائكه يطلق عليهم لفظ الجن لاجتنانهم واستتارهم عن الاعين . وقالوا : قد ورد ذلك في القرآن أيضا في قوله تعالى : (وجعلوا بينه


(1) سورة الاعراف 20 . (2) سورة النساء 172 (3) سورة التكوير 19 - 24 . (4) سورة الحجر 29 ، 30 (*)

[ 111 ]

وبين الجنة نسبا) (1) ، والجنة هاهنا هم الملائكة ، لانهم قالوا : إن الملائكة بنات الله ، بدليل قوله : (ا فأصفاكم ربكم بالبنين . واتخذ من الملائكة إناثا) ، وكتب التفسير تشتمل من هذا على ما لا نرى الاطالة بذكره . * * * فأما القطب الراوندي فقال في هذين الفصلين في تفسير الفاظهما اللغويه : العذب من الارض ما ينبت ، والسبخ ما لا ينبت ، وهذا غير صحيح لان السبخ ينبت النخل ، فليزم أن يكو عذبا على تفسيره . وقال : فجبل منها صورة ، أي خلق خلقا عظيما . ولفظة " جبل " في اللغة تدل على " خلق " سواء كان المخلوق عظيما أو غير عظيم . وقال : الوصول : جمع وصل ، وهو العضو ، وكل شئ اتصل بشئ فما بينهما وصلة . والفصول : جمع فصل وهو الشئ المنفصل ، وما عرفنا في كتب اللغه أن الوصل هو العضو ، ولا قيل هذا . وقوله بعد ذلك : وكل شئ اتصل بشئ فما بينهما وصله لا معنى لذكره بعد ذلك التفسير . والصحيح أن مراده عليه السلام أظهر من أن يتكلف له هذا التكلف ، ومراده عليه السلام أن تلك الصورة ذات أعضاء متصلة ، كعظم الساق أو عظم الساعد ، وذات أعضاء منفصلة في الحقيقة ، وإن كانت متصلة بروابط خارجة عن ذواتها ، كاتصال الساعد بالمرفق ، واتصال الساق بالفخذ . ثم قال : يقال استخدمته لنفسي ولغيري ، واختدمته لنفسي خاصة ، وهذا مما لم أعرفه ، ولعله نقله من كتاب .


(1) سورة الكهف 50 (2) سورة الصافات 158 (*)

[ 112 ]

ثم قال : والاذعان : الانقياد ، والخنوع : الخضوع ، وإنما كرر الخنوع بعد الاذعان ، لان الاول يفيد أنهم أمروا بالخضوع له في السجود ، والثانى يفيد ثباتهم على الخضوع لتكرمته أبدا . ولقائل أن يقول : إنه لم يكرر لفظة " الخنوع " ، وإنما ذكر أولا الاذعان ، وهو الانقياد والطاعة ، ومعناه أنهم سجدوا ، ثم ذكر الخنوع الذى معناه الخضوع ، وهو يعطى معنى غير المعنى الاول ، (1) لانه ليس كل ساجد خاضعا بقلبه ، فقد يكون ساجدا بظاهره دون باطنه . وقول الراوندي : أفاد بالثاني ثباتهم على الخضوع له لتكرمته أبدا تفسير لا يدل عليه اللفظ ، ولا معنى الكلام . ثم قال : قبيل إبليس نسله ، قال تعالى : (إنه يراكم هو وقبيله) (2) ، وكل جيل من الانس والجن قبيل . والتصحيح أن قبيله نوعه ، كما أن البشر قبيل كل بشرى ، سواء كانوا من ولده أو لم يكونوا . وقد قيل أيضا : كل جماعة قبيل وإن اختلفوا ، نحو أن يكون بعضهم روما وبعبضهم زنجا . وبعضهم عربا . وقوله تعالى : (إنه يراكم هو وقبيله) لا يدل على أنهم نسله . وقوله بعد : وكل جيل من الانس والجن قبيل . ينقض دعواه أن قبيله لا يكون إلا نسله . ثم تكلم في المعاني فقال : إن القياس الذى قاسه إبليس كان باطلا ، لانه ادعى أن النار أشرف من الارض ، والامر بالعكس ، لان كل ما يدخل إلى النار ينقص ، وكل ما يدخل التراب يزيد . وهذا عجيب ! فإنا نرى الحيوانات الميتة إذا دفنت في الارض تنقص أجسامها ، وكذلك الاشجار المدفونة في الارض ، على أن التحقيق أن المحترق بالنار والبالى بالتراب لم تعدم أجزاؤه ولا بعضها ، وإنما استحالت إلى صور أخرى .


(1) ا : (فإنه) . (2) سورة الاسراء 40 (*)

[ 113 ]

ثم قال : ولما علمنا أن تقديم المفضول على الفاضل قبيح ، علمنا أن آدم كان أفضل من الملائكة في ذلك الوقت وفيما بعده . ولقائل أن يقول : أليس قد سجد يعقوب ليوسف عليه السلام ! أفيدل ذلك على ان يوسف أفضل من يعقوب ! ولا يقال : إن قوله تعالى : (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا) (1) لا يدل على سجود الوالدين ، فلعل الضمير يرجع إلى الاخوة خاصة ، لانا نقول هذا الاحتمال مدفوع بقوله : (والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين) (2) ، وهو كناية عن الوالدين . وايضا قد بينا أن السجود إنما كان لله سبحانه ، وأن آدم كان قبلة ، والقبلة لا تكون أفضل من الساجد إليها ، ألا ترى أن الكعبة ليست أفضل من النبي عليه السلام ! * * * الاصل : واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم ، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ، فجهلوا حقه ، واتخذوا الانداد معه ، واجتالتهم الشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم (3) رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكروهم منسى نعمته ، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم آيات المقدرة ، من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ، ومعايش تحييهم ، وآجال تفنيهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم . ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبى مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجة لازمة ،


(1) سورة يوسف 100 . (2) سورة يوسف 4 (3) مخطوطة النهج : (إليهم) . (*)

[ 114 ]

أو محجة قائمة ، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمى له من بعده ، أو غابر عرفه من قبله . * * * الشرح : " اجتالتهم الشياطين " : أدارتهم ، تقول : اجتال فلان فلانا ، واجتاله عن كذا وعلى كذا ، أي اداره عليه ، كأنه يصرفه تارة هكذا ، وتارة هكذا ، يحسن له فعله ، ويغريه به . وقال الراوندي : اجتالتهم : عدلت بهم ، وليس بشئ . وقوله عليه السلام : " واتر إليهم أنبيائه " ، أي بعثهم وبين كل نبيين فترة ، وهذا مما تغلط فيه العامة فتظنه كما ظن الراوندي أن المراد به المرادفة والمتابعة . والاوصاب : الامراض . والغابر : الباقي . * * * ويسأل في هذا الفصل عن أشياء : منها ، عن قوله عليه السلام : " أخذ على الوحى ميثاقهم " . والجواب ، أن المراد أخذ على أداء الوحى ميثاقهم ، وذلك أن كل رسول أرسل فمأخوذ عليه أداء الرسالة ، كقوله تعالى : (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (1) . ومنها أن يقال : ما معنى قوله عليه السلام : " ليستأدوهم ميثاق فطرته " ؟ هل هذا


(1) سورة المائدة 67 (*)

[ 115 ]

إشارة إلى ما يقوله أهل الحديث في تفسير قوله تعالى : (وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (1) . والجواب ، أنه لا حاجة في تفسير هذه اللفظة إلى تصحيح ذلك الخبر ، ومراده عليه السلام بهذا اللفظ أنه لما كانت المعرفة به تعالى وأدلة التوحيد والعدل مركوزة في العقول ، أرسل سبحانه الانبياء أو بعضهم ، ليؤكدوا (2) ذلك المركوز في العقول . وهذه هي الفطرة المشار إليها بقوله عليه السلام : " كل مولود يولد على الفطرة " . ومنها أن يقال : إلى ماذا يشير بقوله : " أو حجة لازمة " ؟ هل هو إشارة إلى ما يقوله الامامية ، من أنه لابد في كل زمان من وجود إمام معصوم ؟ الجواب ، أنهم يفسرون هذه اللفظة بذلك . ويمكن أن يكون المراد بها حجة العقل . وأما القطب الراوندي ، فقال في قوله عليه السلام : " واصطفى سبحانه من ولده أنبياء " : الولد يقال على الواحد والجمع ، لانه مصدر في الاصل ، وليس بصحيح ، لان الماضي " فعل " بالفتح ، والمفتوح لا يأتي مصدره بالفتح ، ولكن " فعلا " مصدر " فعل " بالكسر ، كقولك : ولهت عليه ولها ، ووحمت المرأة وحما . ثم قال : إن الله تعالى بعث يونس قبل نوح ، وهذا خلاف إجماع المفسرين وأصحاب السير . ثم قال : وكل واحد من الرسل والائمه كان يقوم بالامر ، ولا يردعه عن ذلك قلة عدد أوليائه ، ولا كثرة عدد أعدائه . فيقال له : هذا خلاف قولك في الائمة المعصومين ، فإنك تجيز عليهم التقية ، وترك القيام بالامر إذا كثرت أعداؤهم . وقال في تفسير قوله عليه السلام : " من سابق سمى له من بعده ، أو غابر عرفه


(1) سورة المائدة 167 . (2) ا : " يؤكد " .

[ 116 ]

من قبله " : كان من ألطاف الانبياء المتقدمين وأوصيائهم ، أن يعرفوا الانبياء المتأخرين وأوصياءهم ، فعرفهم الله تعالى ذلك ، وكان من اللطف بالمتأخرين وأوصيائهم أن يعرفوا أحوال المتقدمين من الانبياء والاوصياء ، فعرفهم الله تعالى ذلك أيضا ، فتم اللطف لجميعهم . ولقائل أن يقول : لو كان عليه السلام : " قال أو غابر عرف من قبله " لكان هذا التفسير مطابقا ، ولكنه عليه السلام لم يقل ذلك ، وإنما قال : " عرفه من قبله " وليس هذا التفسير مطابقا لقوله : " عرفه " . والصحيح أن المراد به : من نبى سابق عرف من يأتي بعده من الانبياء أي عرفه الله تعالى ذلك ، أو نبى غابر نص عليه من قبله ، وبشر به كبشارة الانبياء بمحمد عليه السلام . * * * الاصل : على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدهور ، وسلفت الآباء ، وخلفت الابناء ، إلى أن بعث الله سبحانه محمدا صلى الله عليه لانجاز عدته ، وإتمام (1) نبوته ، مأخوذا على النبيين ميثاقه ، مشهورة سماته ، كريما ميلاده ، وأهل الارض يومئذ ملل متفرقة ، وأهواء منتشرة ، وطرائق متشتتة ، بين مشبه لله بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهداهم به من الضلالة وأنقذهم بمكانه من الجهالة . ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه لقاءه ، ورضى له ما عنده ، وأكرمه (2) عن دار الدنيا ، ورغب به عن مقام البلوى ، فقبضه إليه كريما ، وخلف فيكم ما خلفت الانبياء في أممها - إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ،


(1) مخطوطة النهج : " وتمام " . (2) مخطوطة النهج : " فأكرمه " . (*)

[ 117 ]

ولا علم قائم - كتاب ربكم ، مبينا لكم (1) حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وخاصه وعامه ، وعبره وأمثاله ، ومرسله ومحدوده ، ومحكمه ومتشابهه ، مفسرا مجمله (2) ، ومبينا غوامضه ، بين مأخوذ ميثاق علمه ، وموسع على العباد في جهله ، وبين مثبت في الكتاب فرضه ، ومعلوم في السنة نسخه ، وواجب في السنة أخذه ، ومرخص في الكتاب تركه ، وبين واجب بوقته ، وزائل في مستقبله . ومباين بين محارمه ، من كبير أوعد عليه نيرانه ، أو صغير أرصد له غفرانه . وبين مقبول في أدناه ، موسع في أقصاه . * * * الشرح : قوله عليه السلام : " نسلت القرون " ، ولدت . والهاء في قوله : " لانجاز عدته " راجعة إلى البارئ سبحانه . والهاء في قوله : " وإتمام نبوته " ، راجعة إلى محمد صلى الله عليه وآله . وقوله : " مأخوذ على النبيين ميثاقه " ، قيل : لم يكن نبى قط إلا وبشر بمبعث محمد صلى الله عليه وآله ، وأخذ عليه تعظيمه ، وإن كان بعد لم يوجد . فأما قوله : " وأهل الارض يومئذ ملل متفرقة " ، فإن العلماء يذكرون أن النبي صلى الله عليه وآله بعث والناس أصناف شتى في أديانهم : يهود ، ونصارى ، ومجوس ، وصائبون ، عبدة أصنام ، وفلاسفة وزنادقة . [ أديان العرب في الجاهلية ] فأما الامة التى بعث محمد صلى الله عليه وآله فيها فهم العرب . وكانوا أصنافا شتى ،


(1) ب : " فيكم " . وهى ساقطة من مخطوطة النهج . (2) مخطوطة النهج : " جمله " . (*)

[ 118 ]

فمنهم معطلة ، ومنهم غير معطلة . فأما المعطلة منهم ، فبعضهم أنكر الخالق والبعث والاعادة ، وقالوا ما قال القرآن العزيز عنهم : (ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) (1) ، فجعلوا الجامع لهم الطبع ، والمهلك لهم الدهر . وبعضهم اعترف بالخالق سبحانه وانكر البعث ، وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله : (قال من يحيى العظام وهى رميم) . ومنهم من أقر بالخالق ونوع من الاعادة ، وأنكروا الرسل وعبدوا الاصنام ، وزعموا أنها شفعاء عند الله في الآخرة ، وحجوا ، لها ونحروا لها الهدى ، وقربوا لها القربان ، وحللوا وحرموا ، وهم جمهور العرب ، وهم الذين قال الله تعالى عنهم : (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق) (2) . فممن نطق شعره بإنكار البعث بعضهم يرثى قتلى بدر (3) : فماذا بالقليب قليب بدر من الفتيان والقوم الكرام ! (4) وماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى تكلل بالسنام ! (5) أيخبرنا ابن كبشة أن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام ! إذا ما الرأس زال بمنكبيه فقد شبع الانيس من الطعام أيقتلني إذا ما كنت حيا ويحييني إذا رمت عظامي !


(1) سورة الجاثية 24 . (2) سورة الفرقان 7 . (3) سيرة ابن هشام 2 : 113 مع اختلاف في الرواية وترتيب الابيات وعددها ، ونسبها إلى شداد ابن الاسود . (4) ابن هشام : * من القينات والشرب الكرام * والقليب : البئر . (5) البيت في اللسان 7 : 230 ، ورواه : " يزين بالسنام " ، وقال في شرحه : الشيزى : شجر يتخذ منه الجفان ، وأراد بالجفان أربابها الذين كانوا يطمعون فيها وقتلوا ببدر وألقوا في القليب ، فهو يرثيهم ، وسمى الجفان شيزى بأسم أصلها " . (*)

[ 119 ]

وكان من العرب من يعتقد التناسخ وتنقل الارواح في الاجساد ، ومن هؤلاء أرباب الهامة ، التى قال عليه السلام عنهم : لا عدوى ولاهامه ولا صفر (1) وقال ذو الاصبع : يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني (2) وقالوا : إن ليلى الاخيلية لما سلمت على قبر توبة بن الحمير خرج إليها هامة من القبر صائحه ، أفزعت ناقتها ، فوقصت (3) بها فماتت ، وكان ذلك تصديق قوله : ولو أن ليلى الاخيلية سلمت على ودوني جندل وصفائح (4) لسلمت تسليم البشاشة أو زقى إليها صدى من جانب القبر صائح وكان توبة وليلى في أيام بنى أمية . وكانوا في عبادة الاصنام مختلفين ، فمنهم من يجعلها مشاركة للبارئ تعالى ، ويطلق عليها لفظة الشريك ، ومن ذلك قولهم : في التلبية : لبيك اللهم لبيك : لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك ، ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه ، وهم الذين قالوا : (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (5) . وكان في العرب مشبهة ومجسمة ، منهم امية بن أبى الصلت ، وهو القائل : من فوق عرش جالس قد حط رجليه إلى كرسيه المنصوب وكان جمهورهم عبدة الاصنام ، فكان ود لكلب بدومة الجندل ، وسواع الهذيل ،


(1) كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها الصفر ، تصيب الانسان إذا جاع وتؤذية . نهاية ابن الاثير 2 : 226 . (2) من قصيدة مفضلية ، المفضليات 163 . (3) وقصت بها ، أي سقطت عنها فماتت . (4) ديوان الحماسه لابي تمام بشرح التبريزي 3 : 267 . والصفائح : الحجارة العراض تكون على القبور (5) سورة الزمر 3 . (*)

[ 120 ]

ونسر لحمير ، ويغوث لهمدان ، واللات لثقيف بالطائف ، والعزى لكنانة وقريش وبعض بنى سليم ، ومناة لغسان والاوس والخزرج ، وكان هبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة ، وأساف ونائلة على الصفا والمروة . وكان في العرب من يميل إلى اليهودية ، منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن ، ومنهم نصارى كبنى تغلب والعباديين رهط عدى بن زيد ، ونصارى نجران ، ومنهم من كان يميل إلى الصابئة ويقول بالنجوم والانواء . فأما الذين ليسوا بمعطلة من العرب ، فالقليل منهم ، وهم المتألهون أصحاب الورع (1) والتحرج عن القبائح كعبد الله ، وعبد المطلب وابنه أبى طالب ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة الايادي ، وعامر بن الظرب العدواني ، وجماعة غير هؤلاء . وغرضنا من هذ الفصل بيان قوله عليه السلام : " بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه " إلى غير ذلك ، وقد ظهر بما شرحناه . * * * ثم ذكر عليه السلام أن محمدا صلى الله عليه وآله خلف في الامة بعده كتاب الله تعالى طريقا واضحا ، وعلما قائما ، والعلم المنار يهتدى به . ثم قسم ما بينه عليه السلام في الكتاب أقساما . فمنها حلاله وحرامه ، فالحلال كالنكاح ، والحرام كالزنا . ومنها فضائله وفرائضه ، فالفضائل النوافل ، أي هي فضلة غير واجبة كركعتي الصبح وغيرهما ، والفرائض كفريضة الصبح . وقال الراوندي : الفضائل هاهنا جمع فضيلة وهى الدرجة الرفيعة . وليس بصحيح ، ألا تراه كيف جعل الفرائض في مقابلتها وقسيما لها ، فدل ذلك على أنه أراد النوافل .


(1) ا : " التورع " . (*)

[ 121 ]

ومنها ناسخه ومنسوخه ، فالناسخ كقوله : (اقتلوا المشركين) (1) ، والمنسوخ كقوله : (لا إكراه في الدين) (2) . ومنها رخصه وعزائمه ، فالرخص كقوله تعالى : (فمن اضطر في مخمصة) (3) والعزائم ، كقوله : (فاعلم أنه إلاله إلا الله) (4) . ومنها خاصه وعامه ، فالخاص ، كقوله تعالى : (وأمرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى) (5) ، والعام كالالفاظ الدالة على الاحكام العامة لسائر المكلفين كقوله : (أقيموا الصلاة) (6) . ويمكن أن يراد بالخاص العمومات التى يراد بها الخصوص ، كقوله : (وأوتيت من كل شئ) (6) وبالعام ما ليس مخصوصا ، بل هو على عمومه كقوله تعالى : (والله بكل شئ عليم) (7) . ومنها عبره وأمثاله ، فالعبر كقصة أصحاب الفيل ، وكالآيات التى تتضمن النكال والعذاب النازل بأمم الانبياء من قبل ، والامثال كقوله : (كمثل الذى استوقد نارا) (8) . ومنها مرسله ومحدوده ، وهو عبارة عن المطلق والمقيد ، وسمى المقيد محدودا وهى لفظة فصيحة جدا ، كقوله : (فتحرير رقبة) (9) وقال في موضع آخر : (وتحرير رقبة مؤمنة) (10) . ومنها محكمه ومتشابهه ، فمحكمه كقوله تعالى : (قل هو الله احد) (11) ، والمتشابه ، كقوله : (إلى ربها ناظره) (12) . ثم قسم عليه السلام الكتاب قسمة ثانية ، فقال : إن منه ما لا يسع احدا جهله


(1) سورة التوبة 5 . (2) البقرة 256 (3) سورة المائدة 3 (4) سورة محمد 19 (5) سورة الاحزاب 50 (6) سورة النمل 23 (7) سورة البقرة 282 (8) سورة البقرة 17 (9) سورة المائدة 3 (10) سورة النساء 92 (11) سورة الاخلاص 1 (12) سورة القيامة 23 (*)

[ 122 ]

ومنه ما يسع الناس ، جهله ، مثال الاول قوله : (الله لا اله الا هو الحى القيوم) (1) ومثال الثاني : (كهيعص) (حمعسق) . ثم قال : ومنه ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسنة وما حكمه مذكور في السنة منسوخ بالكتاب ، مثال الاول قوله تعالى : (فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت) (2) نسخ بما سنه عليه السلام من رجم الزانى المحصن . ومثال الثاني صوم يوم عاشوراء كان واجبا بالسنة ثم نسخه صوم شهر رمضان الواجب بنص الكتاب . ثم قال : " وبين واجب بوقته ، وزائل في مستقبله " ، يريد الواجبات المؤقته كصلاة الجمعة ، فإنها تجب في وقت مخصوص ، ويسقط وجوبها في مستقبل ذلك الوقت . ثم قال عليه السلام : " ومباين بين محارمه " ، الواجب أن يكون " ومباين " بالرفع لا بالجر ، فإنه ليس معطوفا على ما قبله ، ألا ترى أن جميع ما قبله يستدعى الشئ وضده ، أو الشئ ونقيضه . وقوله ؟ : " ومباين بين محارمه " لا نقيض ولا ضد له . لانه ليس القرآن العزيز على قسمين : أحدهما مباين بين محارمه والآخر غير مباين ، فإن ذلك لا يجوز فوجب رفع " مباين " ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف ، ثم فسر ما معنى المباينه بين محارمه ، فقال : إن محارمه تنقسم إلى كبيرة وصغيرة فالكبيرة أوعد سبحانه عليها بالعقاب ، والصغيرة مغفورة ، وهذا نص مذهب المعتزلة في الوعيد . ثم عدل عليه السلام عن تقسيم المحارم المتباينة ، ورجع إلى تقسيم الكتاب فقال ، " وبين مقبول في أدناه ، وموسع في أقصاه " ، كقوله : (فاقرءوا ما تيسر منه .) (3) فإن القليل من القرآن مقبول ، والكثير منه موسع مرخص في تركه . * * *


(1) سورة البقرة 255 . (2) سورة النساء 15 . (3) سورة المزمل 20 . (*)

[ 123 ]

الاصل : وفرض عليكم حج بيته الحرام ، الذى جعله قبلة للانام ، يردونه ورود الانعام ، ويألهون إليه ولوه الحمام ، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته ، وإذعانهم لعزته ، واختار من خلقه سماعا أجابوا إليه دعوته ، وصدقوا (1) كلمته ، ووقفوا مواقف انبيائه ، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه ، يحرزون الارباح في متجر عبادته ، ويتبادرون عنده موعد مغفرته . جعله سبحانه وتعالى للاسلام علما ، وللعائذين حرما ، وفرض حقه ، وأوجب حجه (2) وكتب عليكم وفادته ، فقال سبحانه : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين) (3) . * * * الشرح : الوله : شدة الوجد ، حتى يكاد العقل يذهب ، وله الرجل يوله ولها . ومن روى : " يألهون إليه ولوه الحمام " فسره بشئ آخر ، وهو يعكفون عليه عكوف الحمام ، وأصل " أله " عبد ، ومنه الاله ، أي المعبود . ولما كان العكوف على الشئ كالعبادة له لملازمته والانقطاع إليه قيل : أله فلان إلى كذا ، أي عكف عليه كأنه يعبده . ولا يجوز أن يقال : " يألهون إليه " في هذا الموضع بمعنى " يولهون " ، وأن أصل الهمزة الواو كما فسره الراوندي لان " فعولا " لا يجوز أن يكون مصدرا من فعلت بالكسر ، ولو كان يألهون هو يولهون ، كان أصله أله بالكسر ، فلم يجز أن يقول : " ولوه الحمام " ، وأما على ما فسرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدرا ، لان " أله " مفتوح ، فصار كقولك : دخل دخولا . وباقى الفصل غنى عن التفسير .


(1) مخطوطة النهج : " وصدقوا إليه " . (2) مخطوطة النهج : " فرض حجه ، وأوجب حقه " (3) سورة آل عمران 97 (*)

[ 124 ]

[ فضل الكعبة ] جاء في الخبر الصحيح أن في السماء بيتا يطوف به الملائكة طواف البشر بهذا البيت اسمه الضراح ، وأن هذا البيت تحته على خط مستقيم ، وأنه المراد بقوله تعالى : (والبيت المعمور) (1) ، أقسم سبحانه به لشرفه ومنزلته عنده ، وفي الحديث أن آدم لما قضى مناسكه ، وطاف بالبيت لقيته الملائكة ، فقالت : يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام . قال مجاهد : إن الحاج : ذا قدموا مكة استقبلتهم الملائكة ، فسلموا على ركبان الابل ، وصافحوا ركبان الحمير ، واعتنقوا المشاة اعتناقا . من سنة السلف أن يستقبلوا الحاج ، ويقبلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم ، ويبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالذنوب والآثام . وفي الحديث : " إن الله تعالى قد وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف ، فإن (2) نقصوا أتمهم الله بالملائكة ، وإن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة ، وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها ، حتى تدخل الجنة فيدخلون معها " . وفي الحديث إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة . وفيه : " أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله لا يغفر له " . عمربن ذر الهمداني لما قضى مناسكه أسند ظهره إلى الكعبة وقال مودعا للبيت : ما زلنا نحل إليك عروة ، ونشد إليك أخرى ، ونصعد لك أكمة ، ونهبط أخرى ، وتخفضنا أرض ، وترفعنا أخرى ، حتى أتيناك . فليت شعرى بم يكون منصرفنا ؟ أبذنب مغفور ، فأعظم بها من نعمة ! أم بعمل مردود فأعظم بها من مصيبة ! فيا من له خرجنا وإليه


(1) سورة الطور 4 . (2) ا : " وإن " (*)

[ 125 ]

قصدنا ، وبحرمه أنخنا ، ارحم . يا معطى الوفد بفنائك ، فقد أتيناك بها معراة جلودها ، ذابلة أسنمتها ، نقبة (1) أخفافها ، وإن أعظم الرزية أن نرجع وقد اكتنفتنا الخيبة . اللهم وإن للزائرين حقا ، فاجعل حقنا عليك غفران ذنوبنا ، فإنك جواد كريم ، ماجد لا ينقصك نائل ، ولا يبخلك سائل . ابن جريج ، ما ظننت أن الله ينفع أحدا بشعر عمر بن أبى ربيعة ، حتى كنت باليمن ، فسمعت منشدا ينشد قوله : بالله قولا له في غير معتبة ما ذا أردت بطول المكث في اليمن ! (2) إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها (3) فما أخذت بترك الحج من ثمن ! فحركني ذلك على ترك اليمن ، والخروج إلى مكة ، فخرجت فحججت . سمع أبو حازم امرأة حاجة ترفث (4) في كلامها ، فقال : يا أمة الله ، ألست حاجة ! أ لا تتقين الله ! فسفرت عن وجه صبيح ، ثم قالت له : أنا من اللواتى قال فيهن عمر بن أبى ربيعة (5) : أماطت كساء الخز عن حر وجهها وردت على الخدين بردا مهلهلا من اللائى لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرئ المغفلا . فقال أبو حازم : فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار . فبلغ ذلك سعيد بن المسيب ، فقال : رحم الله أبا حازم ! لو كان من عباد العراق ، لقال لها : اعزبي يا عدوة الله ! ولكنه ظرف نساك الحجاز .


(1) نقبة ، من نقب البعير ، إذا رقت أخفافه . (2) ديوانه 276 ، والمعتبة : العتاب . (3) الديوان : " أو نعمت بها " . (4) الرفث : الفحش في القول . (5) الصواب أنهما للعرجى ، وهما من قصيدة في ديوانه 71 - 75 مطلعها : رأتنى خضيب الرأس شمرت مئزري وقد عهدتني أسود الرأس مسبلا ونسبهما إليه أبوفي الاغانى 1 : 404 (طبعة دار الكتب) . (*)

[ 126 ]

[ فصل في الكلام على السجع ] واعلم أن قوما من أرباب علم البيان عابوا السجع ، وأدخلوا خطب أمير المؤمنين عليه السلام في جملة ما عابوه ، لانه يقصد فيها السجع ، وقالوا : إن الخطب الخالية من السجع ، والقرائن والفواصل ، هي خطب العرب ، وهى المستحسنة الخالية من التكلف ، كخطبة النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع ، وهى (1) : الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل الله فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، وأحثكم على العمل بطاعته ، وأستفتح الله بالذى هو خير ، أما بعد ، أيها الناس ، اسمعوا منى أبين لكم ، فإنى لا أدرى ، لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا ، في موقفي هذا أيها الناس ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا . ألا هل بلغت اللهم اشهد . من كانت عنده أمانه فليؤدها إلى من أئتمنه عليها ، وإن ربا الجاهلية موضوع (2) ، وأول ربا أبدإ به ربا العباس بن عبد المطلب ، وإن دماء الجاهلية موضوعة ، وأول دم أبدأ به دم آدم (3) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير


(1) الخطبة في سيرة ابن هشام 2 : 350 ، والبيان والتبيين 2 : 31 ، والطبري 3 : 168 وإعجاز القرآن للباقلاني 198 ، والعقد 4 : 57 ، وابن الاثير 2 : 205 . (2) يقال : وضعت الدين والجزية عنه ونحوهما ، إذا أسقطته . (3) كذا في ب ، وهو يوافق ما ذكره السهيلي ، قال : اسمه آدم ، وكان مسترضعا في هذيل ، وقيل اسمه تمام ، وكان سبب قتله حرب كانت بين قبائل هذيل ، تقاذفوا فيها بالحجاره ، فأصاب الطفل حجر وهو يحبو بين البيوت . وفى ا " عامر " ، وهو يوافق مافى البيان والتبيين والعقد ، وفى الطبري والباقلاني : " دم ابن ربيعة بن الحارث بن الحارث " . (*)

[ 127 ]

السدانة والسقاية (1) . والعمد (2) قود ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر ، فيه مائة بعير فمن ازداد فهو من الجاهلية . أيها الناس ، إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه ، ولكنه قد رضى أن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم . أيها الناس ، إنما النسئ (3) زيادة في الكفر ، يضل به الذين كفروا ، يحلونه عاما ، ويحرمونه عاما ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات وواحد فرد : ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ، الذى بين جمادى وشعبان ، ألا هل بلغت . أيها الناس ، إن لنسائكم عليكم حقا ، ولكم عليهن حقا ، فعليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم ، ولا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم ، ولا يأتين بفاحشة ، فإن فعلن فقد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم كسوتهن ورزقهن بالمعروف ، فإنما النساء عندكم عوان (4) لا يملكن لانفسهن شيئا ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا .


(1) السدانة : خدمة الكعبة ، بفتح السين وكسرها . والسقاية : ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء . (2) القود : القصاص ، أي من قتل متعمدا يقتل . (3) النسئ : تأخير حرمة شهر آخر ، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهر آخر ، فيحملون المحرم ويحرمون صفرا ، فإن احتاجوا أحلوه وحرموا ربيعا الاول ، وهكذا حتى استدار التحريم على شهور السنة كلها ، وكانوا يعتبرون في التحريم مجرد العدد لا خصوصية الاشهر المعلومة ، وأول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكنانى . وانظر تفسير الالوسى 3 : 305 (4) عوان : أسيرات . (*)

[ 128 ]

أيها الناس ، إنما المؤمنون إخوة ، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا على طيب نفس ، ألا هل بلغت اللهم اشهد . ألا لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا ، كتاب الله ربكم ، ألا هل بلغت اللهم اشهد . أيها الناس ، إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب . أيها الناس ، إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث ، والولد للفراش وللعاهر الحجر ، من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه فهو ملعون ، لا يقبل الله منه صرفا (1) ولا عدلا . والسلام عليكم ورحمة الله عليكم . * * * واعلم أن السجع لو كان عيبا لكان كلام الله سبحانه معيبا لانه مسجوع ، كله ذو فواصل وقرائن ، ويكفى هذا القدر وحده مبطلا لمذهب هؤلاء . فأما خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله هذه فإنها وإن لم تكن ذات سجع ، فإن أكثر خطبه مسجوع ، كقوله : إن مع العز ذلا ، وان مع الحياة موتا ، وإن مع الدنيا آخرة ، وإن لكل شئ حسابا و لكل حسنة ثوابا ، ولكل سيئة عقابا ، وإن على كل شئ رقيبا ، وأنه لا بد لك من قرين يدفن معك هو حى وأنت ميت ، فإن كان كريما أكرمك ، وإن كان لئيما أسلمك ، ثم لا يحشر إلا معك ، ولا تبعث إلا معه ، ولا تسأل إلا عنه ، فلا تجعله إلا صالحا ، فإنه إن صلح أنست به ، وإن فسد لم تستوحش إلا منه ، وهو عملك . فأكثر هذا الكلام مسجوع كما تراه ، وكذلك خطبه الطوال كلها . وأما كلامه


(1) أي لا يقبل منهم شئ ، وأصل العدل أن يقتل الرجل الرجل ، وانصرف : أن ينصرف عن الدم إلى أخذ الديه . (*)

[ 129 ]

القصير ، فإنه غير مسجوع ، لانه لا يحتمل السجع ، وكذلك القصير من كلام أمير المؤمنين عليه السلام . فأما قولهم : إن السجع يدل على التكلف ، فإن المذموم هو التكلف الذى تظهر سماجته وثقله للسامعين ، فأما التكلف المستحسن ، فأى عيب فيه ! أ لا ترى أن الشعر نفسه لا بد فيه من تكلف إقامة الوزن ، وليس لطاعن أن يطعن فيه بذلك . واحتج عائبو السجع بقوله عليه السلام لبعضهم منكرا عليه : " أ سجعا كسجع الكهان ! " . ولو لا أن السجع منكر لما أنكر عليه السلام سجع الكهان وأمثاله ، فيقال لهم : إنما أنكر عليه السلام السجع الذى يسجع الكهان أمثاله ، لا السجع على الاطلاق ، وصورة الواقعة أنه عليه السلام أمر في الجنين بغره (1) ، فقال قائل : أ أدى من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، ومثل هذا يطل ! فأنكر عليه السلام ذلك ، لان الكهان كانوا يحكمون في الجاهلية بألفاظ مسجوعة كقولهم : حبة بر ، في إحليل مهر . وقولهم : عبد المسيح ، على جمل مشيح (2) ، لرؤيا المؤبذان ، وارتجاس الايوان . ونحو ذلك من كلامهم . وكان عليه السلام قد أبطل الكهانة والتنجيم والسحر ، ونهى عنها ، فلما سمع كلام ذلك القائل أعاد الانكار ، ومراده به تأكيد تحريم العمل على أقوال الكهنة . ولو كان عليه السلام قد أنكر السجع لما قاله ، وقد بينا أن كثيرا من كلامه مسجوع ، وذكرنا خطبته . ومن كلامه عليه السلام المسجوع خبر ابن مسعود رحمه الله تعالى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " استحيوا من الله حق الحياء " ، فقلنا إنا لنستحيى يا رسول الله من الله تعالى ، فقال : " ليس ذلك ما أمرتكم به ، وإنما الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس


(1) الغرة : ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والاماء . انظر النهايه لابن الاثير (3 : 155) . (2) جمل مشيح : جاد مسرع . (*)

[ 130 ]

وما وعى ، والبطن وما حوى ، وتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا . ومن ذلك كلامه المشهور لما قدم المدينة عليه السلام أول قدومه إليها : " أيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الارحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " . وعوذ الحسن عليهما السلام ، فقال : " أعيذك من الهامة ، والسامة ، وكل عين لامة " ، وإنما أراد " ملمة " ، فقال : " لامة " لاجل السجع . وكذلك قوله : " ارجعن مأزورات ، غير مأجورات " وإنما هو " موزورات " ، بالواو . * * *

[ 131 ]

- 2 - ومن خطبة له عليه السلام بعد انصرافه من صفين : صفين : اسم الارض التى كانت فيها الحرب ، والنون فيها أصلية ، ذكر ذلك صاحب " الصحاح " (1) فوزنها على هذا : " فعيل " كفسيق ، وخمير ، وصريع ، وظليم ، وضليل . فإن قيل : فاشتقاقه مما ذا يكون ؟ قيل : لو كان اسما لحيوان لامكن أن يكون من صفن الفرس - إذا قام على ثلاث وأقام الرابعة على طرف الحافر - يصفن ، بالكسر صفونا . أو من صفن القوم ، إذا صفوا أقدامهم لا يخرج بعضها من بعض (2) . فإن قيل : أ يمكن أن يشتق من ذلك وهو اسم أرض ؟ قيل : يمكن على تعسف ، وهو أن تكون تلك الارض لما كانت مما تصفن فيها الخيل ، أو تصطف فيها الاقدام ، سميت صفين . فإن قيل : أ يمكن أن تكون النون زائدة مع الياء ، كما هما في " غسلين " " وعفرين " . قيل : لو جاء في الاصل " صف " ، بكسر الصاد لامكن أن تتوهم الزيادة ، كالزيادة


(1) الصحاح ، 215 ، أي أنه ذكرها في مادة " صفن " . (2) ا : " عن بعض " (*)

[ 132 ]

في غسل ، وهو ما يغتسل به نحو الخطمى وغيره ، فقيل : غسلين ، لما يسيل من صديد أهل النار ودمائهم ، وكالزيادة في عفر وهو الخبيث الداهى (1) ، فقيل : عفرين ، لمأسدة بعينها . وقيل : عفريت للداهية ، هكذا ذكروه . ولقائل أن يقول لهم : أ ليس قد قالوا للاسد : عفرنى ، بفتح العين ، وأصله العفر ، بالكسر ، فقد بان أنهم لم يراعوا في اشتقاقهم وتصريف كلامهم الحركة المخصوصة ، وإ نما يراعون الحرف ، ولا كل الحروف ، بل الاصلى منها ، فغير ممتنع على هذا عندنا أن تكون الياء والنون زائدتين في " صفين " . وصفين : اسم غير منصرف للتأنيث والتعريف ، قال (2) : إنى أدين بما دان الوصي به يوم الخريبة من قتل المحلينا (3) وبالذي دان يوم النهر دنت به وشاركت كفه كفى بصفينا تلك الدماء معا يا رب في عنقي ثم اسقنى مثلها آمين آمينا * * * الاصل : أحمده استتماما لنعمته ، واستسلاما لعزته ، واستعصاما من معصيته . وأستعينه فاقة إلى كفايته ، إنه لا يضل من هداه ، ولا يئل من عاداه ، ولا يفتقر من كفاه ، فإنه أرجح ما وزن ، وأفضل ما خزن . وأشهد أن لا إله إلا الله (4 وحده لا شريك له 4) ، شهادة ممتحنا إخلاصها ، معتقدا مصاصها ، نتمسك بها أبدا


(1) يقال : رجل داه وداهية ، بمعنى . (2) هو السيد الحميرى ، والابيات بنسبتها إليه في الكامل 7 : 107 - بشرح المرصفى . (3) الخريبة : موضع بالبصره ، كانت عنده وقعة الجمل ، ذكره ياقوت ، واستشهد بالبيت ، وفى الاصول : " الحربيه " ، بالحاء ، تصحيف . وفى الكامل : " يوم النخلة " . (4 - 4) ساقط من ا : ومخطوطة النهج . (*)

[ 133 ]

ما أبقانا ، وندخرها لاهاويل ما يلقانا ، فإنها عزيمة الايمان ، وفاتحة الاحسان ، ومرضاة الرحمن ، ومدحرة الشيطان . * * * الشرح : وأل ، أي نجا ، يئل . والمصاص : خالص الشئ . والفاقة الحاجة والفقر . الاهاويل : جمع أهوال ، والاهوال : جمع هول ، فهو جمع الجمع ، كما قالوا : أنعام وأناعيم . وقيل : أهاويل أصله تهاويل ، وهى ما يهولك من شئ ، أي يروعك ، وإن جاز هذا فهو بعيد ، لان التاء قل أن تبدل همزة . والعزيمة : النية المقطوع عليها . ومدحرة الشيطان ، أي تدحره ، أي تبعده وتطرده . وقوله عليه السلام : " استتماما " و " استسلاما " و " استعصاما " من لطيف الكناية وبديعها ، فسبحان من خصه بالفضائل التى لا تنتهى السنة الفصحاء إلى وصفها ، وجعله إمام كل ذى علم ، وقدوة كل صاحب خصية ! وقوله : " فإنه أرجح " ، الهاء عائدة إلى ما دل عليه قوله : " أحمده " ، يعنى الحمد ، والفعل ، يدل على المصدر ، وترجع الضمائر إليه كقوله تعالى : (بل هو شر) (1) وهو ضمير البخل الذى دل عليه قوله : " يبخلون " . [ لزوم ما لا يلزم وإيراد أمثلة منه ] وقوله عليه السلام : وزن وخزن ، بلزوم الزاى ، من الباب المسمى لزوم ما لا يلزم ، وهو أحد أنواع البديع ، وذلك أن تكون الحروف التى قبل الفاصلة حرفا واحدا ، هذا


(1) سورة آل عمران 180 (*)

[ 134 ]

في المنثور ، وأما في المنظوم فأن تتساوى الحروف التى قبل الروى مع كونها ليست بواجبة التساوى ، مثال ذلك قول بعض شعراء الحماسة (1) : بيضاء باكرها النعيم فصاغها بلباقة فأدقها وأجلها (2) حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ما كان أكثرها لنا وأقلها وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها (3) أ لا تراه كيف قد لزم اللام الاولى من اللامين اللذين صارا حرفا مشددا ! فالثاني منهما هو الروى ، واللام الاول الذى قبله التزام ما لا يلزم ، فلو قال في القصيدة : وصلها ، وقبلها ، وفعلها ، لجاز . واحترزنا نحن بقولنا : مع كونها ليست بواجبة التساوى عن قول الراجز ، وهو من شعر الحماسة أيضا : وفيشة ليست كهذى الفيش قد ملئت من نزق وطيش (4) إذا بدت قلت أمير الجيش من ذاقها يعرف طعم العيش . فإن لزوم الياء قبل حرف الروى ليس من هذا الباب ، لانه لزوم واجب ، أ لا ترى أنه لو قال في هذا الرجز : البطش والفرش والعرش لم يجز ، لان الردف (5) لا يجوز أن يكون حرفا خارجا عن حروف العلة ، وقد جاء من اللزوم في الكتاب العزيز مواضع


(1) من أبيات أربعة ، أولها : إن التى زعمت فؤادك ملها خلقت هواك كما خلقت هوى لها وهى في المرزوقى 1235 ، وأمالى القالى (1 : 156) من غير نسبة ، ونقل التبريزي عن أبى رياش أنها لعروة بن أذينة . (2) أدقها وأجلها ، أي أتى بها دقيقة العين والانف والثغر والخصر ، جليلة الساق والفخذ والصدر . (3) الحماسة : * شفع الضمير لها إلى فسلها * (4) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 4 : 340 . (5) الردف عند العروضيين هو حرف لين أو مد قبل الروى يتصلان به . (*)

[ 135 ]

ليست بكثيرة ، فمنها قوله سبحانه : (فتكون للشيطان وليا قال أ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) (1) ، وقوله تعالى : (ولكن كان في ضلال بعيد . قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد) (2) . وقوله : (اقرأ باسم ربك الذى خلق . خلق الانسان من علق) (3) ، وقوله : (والطور . وكتاب مسطور) (4) ، وقوله : (بكاهن ولا مجنون . أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) (5) ، وقوله : (في سدر مخضود . وطلح منضود) (6) ، وقوله : (فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير . وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير) (7) ، والظاهر أن ذلك غير مقصود قصده . ومما ورد منه في كلام العرب أن لقيط بن زرارة تزوج ابنة قيس بن خالد الشيباني ، فأحبته ، فلما قتل عنها تزوجت غيره ، فكانت تذكر لقيطا ، فسألها عن حبها له ، فقالت : أذكره وقد خرج تارة في يوم دجن ، وقد تطيب وشرب الخمر ، وطرد بقرا ، فصرع بعضها ، ثم جاءني وبه نضح دم وعبير ، فضمني ضمة ، وشمني شمة ، فليتني كنت مت ثمة . وقد صنع أبو العلاء المعرى كتابا في اللزوم من نظمه ، فأتى فيه بالجيد والردئ ، وأكثره متكلف ، ومن جيده قوله : لا تطلبن بآلة لك حالة قلم البليغ بغير حظ مغزل (8) سكن السما كان السماء كلاهما هذا له رمح وهذا أعزل * * * الاصل : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالدين المشهور ، والعلم المأثور ،


(1) سورة مريم 44 ، 45 . (2) سورة 27 ، 28 (3) سورة العلق 1 ، 2 . (4) سورة الطور 1 ، 2 (5) سورة الطور 29 ، 30 . (6) سورة الواقعة 28 ، 29 (7) سورة الانفال 39 ، 40 . (8) لم يرد البيتان نسخ اللزوميات ، ونسبهما إليه ابن خلكان (1 : 33) ، وابن الوردى ، ومرآة الجنان ، وابن كثير حوادث 449 ، وشذرات الذهب 3 : 281 ، وتقديم أبى بكر لا بن حجه 435 . (*)

[ 136 ]

والكتاب المسطور ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، والامر الصادع ، إزاحة للشبهات ، واحتجاجا بالبينات ، وتحذيرا بالآيات ، وتخويفا بالمثلات ، والناس في فتن انجذم فيها (1) حبل الدين ، وتزعزعت سوارى اليقين ، واختلف النجر ، وتشتت الامر ، وضاق المخرج ، وعمى المصدر ، فالهدى خامل ، والعمى شامل ، عصى الرحمن ، ونصر الشيطان ، وخذل الايمان ، فانهارت دعائمه ، وتنكرت معالمه ، ودرست سبله ، وعفت شركه . أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ، ووردوا مناهله ، بهم سارت أعلامه ، وقام لواؤه . في فتن داستهم بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها ، وقامت على سنابكها ، فهم فيها تائهون حائرون ، جاهلون مفتونون ، في خير دار وشر جيران ، نومهم سهود ، وكحلهم دموع ، بأرض عالمها ملجم ، وجاهلها مكرم . * * * الشرح : قوله عليه السلام : " والعلم المأثور " ، يجوز أن يكون عنى به القرآن ، لان المأثور المحكى ، والعلم ما يهتدى ، به ، والمتكلمون يسمون المعجزات اعلاما . ويجوز أن يريد به أحد معجزاته غير القرآن ، فإنها كثيرة ومأثورة ، ويؤكد هذا قوله بعد : " والكتاب المسطور " ، فدل على تغايرهما ، ومن يذهب إلى الاول يقول : المراد بهما واحد ، والثانيه توكيد الاولى على قاعدة الخطابة والكتابة . والصادع : الظاهر الجلى ، قال تعالى : (فاصدع بما تؤمر) (2) أي أظهره ولا تخفه . والمثلات ، بفتح الميم وضم الثاء : العقوبات ، جمع مثلة قال تعالى : (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات) (3) . وانجذم : انقطع . والسوارى : جمع سارية ، وهى الدعامة يدعم بها السقف . والنجر :


(1) مخطوطة النهج : " فيها " (2) سورة الرعد 6 . (3) سورة الحجر 94 (*)

[ 137 ]

الاصل ، ومثله النجار . وانهارت : تساقطت . والشرك : الطرائق ، جمع شراك . والاخفاف للابل ، والاظلاف للبقر والمعز . وقال الراوندي في تفسير قوله : " خير دار ، وشر جيران " : خير دار : الكوفة . وقيل : الشام ، لانها الارض المقدسة ، وأهلها شر جيران ، يعنى أصحاب معاوية . وعلى التفسير الاول يعنى أصحابه عليه السلام . قال : وقوله : " نومهم سهود " يعنى أصحاب معاوية لا ينامون طول الليل ، بل يرتبون أمره . وإن كان وصفا لاصحابه عليه السلام بالكوفة - وهو الاقرب - فالمعنى أنهم خائفون يسهرون ويبكون لقلة موافقتهم إياه ، وهذا شكاية منه عليه السلام لهم . وكحلهم دموع ، أي نفاقا فإنه إذا تم نفاق المرء ملك عينيه . ولقائل أن يقول : لم يجر فيما تقدم ذكر أصحابه عليه السلام ولا أصحاب معاوية ، والكلام كله في وصف أهل الجاهلية قبل مبعث محمد صلى الله عليه وآله . ثم لا يخفى ما في هذا التفسير من الركاكة والفجاجة وهو أن يريد بقوله : " نومهم سهود " أنهم طوال الليل يرتبون أمر معاوية ، لا ينامون ، وأن يريد بذلك أن أصحابه يبكون من خوف معاوية وعساكره ، أو أنهم يبكون نفاقا ، والامر أقرب من أن يتمحل له مثل هذا . ونحن نقول : إنه عليه السلام لم يخرج من صفة أهل الجاهلية ، وقوله : " في خير دار " يعنى مكة ، " وشر جيران " يعنى قريشا ، وهذا لفظ النبي صلى الله عليه وآله حين حكى بالمدينة حالة كانت في مبدأ البعثة ، فقال : " كنت في خير دار " و " شر جيران " ، ثم حكى عليه السلام ما جرى له مع عقبة بن أبى معيط ، والحديث مشهور . وقوله : " نومهم سهود ، وكحلهم دموع " مثل أن يقول : جودهم بخل ، وأمنهم خوف ، أي لو استماحهم محمد عليه السلام النوم لجادوا عليه بالسهود ، عوضا عنه ، ولو استجداهم الكحل لكان كحلهم الذى يصلونه به الدموع .

[ 138 ]

ثم قال : " بأرض عالمها ملجم " أي من عرف صدق محمد صلى الله عليه وآله وآمن به في تقية وخوف . " وجاهلها مكرم " ، أي من جحد نبوته وكذبه في عز ومنعه ، وهذا ظاهر . * * * الاصل ومنها ، ويعنى آل النبي صلى الله عليه : هم موضع سره ، ولجأ أمره ، وعيبه علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه ، بهم أقام انحناء ظهره ، وأذهب ارتعاد فرائصه . الشرح : اللجأ : ما تلتجئ إليه ، كالوزر ما تعتصم به . والموئل : ما ترجع إليه ، يقول : إن أمر النبي صلى الله عليه وآله ، أي شانه ملتجئ إليهم ، وعلمه مودع عندهم ، كالثوب يودع العيبة . وحكمه ، أي شرعه يرجع ويؤول إليهم . وكتبه - يعنى القرآن والسنة عندهم ، فهم كالكهوف له ، لاحتوائهم عليه . وهم جبال دينه لا يتحلحلون عن الدين ، أو أن الدين ثابت بوجودهم ، كما أن الارض ثابتة بالجبال ، ولولا الجبال لمادت بأهلها . والهاء في " ظهره " ترجع إلى الدين ، وكذلك الهاء في " فرائصه " ، والفرائص : جمع فريصة ، اللحمه بين الجنب والكتف لا تزال ترعد من الدابة . الاصل : ومنها في المنافقين : زرعوا الفجور ، وسقوه الغرور ، وحصدوا الثبور ، لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه من هذه الامه أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا . هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفئ الغالى ، وبهم يلحق

[ 139 ]

التالى ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ، الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله . الشرح : جعل ما فعلوه من القبيح بمنزلة زرع زرعوه ، ثم سقوه ، فالذي زرعوه الفجور ، ثم سقوه بالغرور ، الاستعارة واقعة موقعها ، لان تماديهم ، وما سكنت إليه نفوسهم من الامهال ، هو الذى أوجب استمرارهم على القبائح التى واقعوها ، فكان ذلك كما يسقى الزرع ، ويربى بالماء ، ويستحفظ . ثم قال : " وحصدوا الثبور " ، أي كانت نتيجة ذلك الزرع والسقى حصاد ما هو الهلاك والعطب . وإشارته هذه ليست إلى المنافقين كما ذكر الرضى رحمه الله ، وإنما هي إشارة إلى من تغلب عليه ، وجحد حقه كمعاوية وغيره . ولعل الرضى رحمه الله تعالى عرف ذلك وكنى عنه . ثم عاد إلى الثناء على آل محمد صلى الله عليه وآله ، فقال : " هم أصول الدين ، إليهم يفئ الغالى ، وبهم يلحق التالى ، " جعلهم كمقنب يسير في فلاة ، فالغالى منه أي الفارط المتقدم ، الذى قد غلا في سيره يرجع إلى ذلك المقنب إذا خاف عدوا ، ومن قد تخلف عن ذلك المقنب فصار تاليا له يلتحق به إذا أشفق من أن يتخطف . ثم ذكر خصائص حق الولاية ، والولاية الامرة ، فأما الامامية فيقولون : أراد نص النبي صلى الله عليه وآله وعلى أولاده . ونحن نقول : لهم خصائص حق ولاية الرسول صلى الله عليه وآله على الخلق . ثم قال عليه السلام : " وفيهم الوصية والوراثة " ، أما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا عليه السلام كان وصى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن خالف في ذلك من هو منسوب

[ 140 ]

عندنا إلى العناد ، ولسنا نعنى بالوصية النص والخلافة ، ولكن أمورا أخرى لعلها - إذا لمحت - أشرف وأجل . وأما الوراثة فالامامية يحملونها على ميراث المال ، والخلافة ، ونحن نحملها على وراثة العلم . ثم ذكر عليه السلام أن الحق رجع الآن إلى أهله ، وهذا يقتضى أن يكون فيما قبل في غير أهله ، ونحن نتأول ذلك على غير ما تذكره الامامية ، ونقول : إنه عليه السلام كان أولى بالامر وأحق ، لا على وجه النص ، بل على وجه الافضلية ، فإنه أفضل البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأحق بالخلافة من جميع المسلمين ، لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة ، وما تفرس فيه هو والمسلمون من اضطراب الاسلام ، وانتشار الكلمة ، لحسد العرب له ، وضغنهم عليه . وجائز لمن كان أولى بشئ فتركه ثم استرجعه أن يقول : قد رجع الامر إلى أهله . وأما قوله : " وانتقل إلى منتقله " ، ففيه مضاف محذوف ، تقديره : " إلى موضع منتقله " ، والمنتقل بفتح القاف مصدر بمعنى الانتقال ، كقولك : لى في هذا الامر مضطرب ، أي اضطراب ، قال : قد كان لى مضطرب واسع في الارض ذات الطول والعرض (1) وتقول : ما معتقدك ؟ أي ما اعتقادك . قد رجع الامر إلى نصابه ، وإلى الموضع الذى هو على الحقيقة الموضع الذى يجب أن يكون انتقاله إليه . فإن قيل : ما معنى قوله عليه السلام : " لا يقاس بآل محمد من هذه الامه أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه ابدا " . قيل لا شبهة أن المنعم أعلى وأشرف من المنعم عليه ، ولا ريب أن محمدا صلى الله


(1) ديوان الحماسة 1 : 287 بشرح المرزوقى ، من أبيات نسبها إلى خطاب بن المعلى ، واسمه في التبريزي : " حطان بن المعلى " . (*)

[ 141 ]

عليه وآله وأهله الادنين من بنى هاشم ، لا سيما عليا عليه السلام ، أنعموا على الخلق كافة بنعمة لا يقدر قدرها ، وهى الدعاء إلى الاسلام والهداية إليه ، فمحمد صلى الله عليه وآله وإن كان هدى الخلق بالدعوة التى قام بها بلسانه ويده ، ونصره الله تعالى له بملائكته وتأييده ، وهو السيد المتبوع ، والمصطفى المنتجب الواجب الطاعة ، إلا أن لعلى عليه السلام من الهداية أيضا - وإن كان ثانيا لاول ، ومصليا على إثر سابق - ما لا يجحد ، ولو لم يكن إلا جهاده بالسيف أولا وثانيا ، وما كان بين الجهادين من نشر العلوم وتفسير القرآن وإرشاد العرب إلى ما لم تكن له فاهمة ولا متصورة ، لكفى في وجوب حقه ، وسبوغ نعمته عليه السلام . فإن قيل : لا ريب في أن كلامه هذا تعريض بمن تقدم عليه ، فأى نعمة له عليهم ؟ قيل : نعمتان . الاولى منهما الجهاد عنهم وهم قاعدون ، فإن من أنصف علم أنه لولا سيف على عليه السلام لاصطلم المشركون ، من أشار إليه وغيرهم من المسلمين ، وقد علمت آثاره في بدر ، وأحد ، والخندق ، وخيبر ، وحنين ، وأن الشرك فيها فغرفاه ، فلولا أن سده بسيفه لالتهم المسلمين كافة - والثانية علومه التى لو لاها لحكم بغير الصواب في كثير من الاحكام ، وقد اعترف عمر له بذلك ، والخبر مشهور : " لو لا على لهلك عمر " . ويمكن أن يخرج كلامه على وجه آخر ، وذلك أن العرب تفضل القبيلة التى (2) منها الرئيس الاعظم على سائر القبائل ، وتفضل الادنى منه نسبا فالادنى على سائر آحاد تلك القبيلة ، فإن بنى دارم يفتخرون بحاجب وإخوته ، وبزرارة أبيهم على سائر بنى تميم ، ويسوغ للواحد من أبناء بنى دارم ، أن يقول : لا يقاس ببنى دارم أحد من بنى تميم ، ولا يستوى بهم من جرت رياستهم عليه أبدا ، ويعنى بذلك أن واحدا من بنى دارم قد رأس على بنى تميم ، فكذلك لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله رئيس الكل ،


(1) . . . (2) ا : " فيها " . (*)

[ 142 ]

والمنعم على الكل ، جاز لواحد من بنى هاشم ، لا سيما مثل على عليه السلام أن يقول هذه الكلمات . * * * واعلم أن عليا عليه السلام كان يدعى التقدم على الكل ، والشرف على الكل ، والنعمة على الكل ، بابن عمه صلى الله عليه وآله ، وبنفسه وبأبيه أبى طالب ، فإن من قرأ علوم السير عرف ، أن الاسلام لو لا أبو طالب لم يكن شيئا مذكورا . وليس لقائل أن يقول : كيف يقال هذا في دين تكفل الله تعالى بإظهاره ، سواء أبو طالب موجودا أو معدوما ؟ لانا نقول : فينبغي على هذا ألا يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله ، لا يقال : إنه هدى الناس من الضلالة ، وأنقذهم من الجهاله ، وأن له حقا على المسلمين . وأنه لو لاه لما عبد الله تعالى في الارض ، وألا يمدح أبو بكر ، ولا يقال : إن له أثرا في الاسلام ، وأن عبد الرحمن وسعدا وطلحة وعثمان ، وغيرهم من الاولين في الدين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وآله لاتباعه له ، وأن له يدا غير مجحودة في الانفاق ، واشتراء المعذبين واعتاقهم ، وأنه لو لاه لاستمرت الردة بعد الوفاة ، وظهرت دعوة مسيلمة وطليحة وأنه لو لا عمر لما كانت الفتوح ، ولا جهزت الجيوش ، ولا قوى أمر الدين بعد ضعفه ، ولا انتشرت الدعوة بعد خمولها . فإن قلتم في كل ذلك : إن هؤلاء يحمدون ويثنى عليهم ، لان الله تعالى أجرى هذه الامور على أيديهم ، ووفقهم لها ، والفاعل بذلك بالحقيقة هو الله تعالى ، وهؤلاء آلة مستعملة ، ووسائط تجرى الافعال على أيديها ، فحمدهم والثناء عليهم ، والاعتراف لهم إنما هو باعتبار ذلك . قيل : لكم في شأن أبى طالب مثله (1) . * * *


(1) ا : " قبل لهم " (*)

[ 143 ]

واعلم أن هذه الكلمات ، وهى قوله عليه السلام : " الآن إذ رجع الحق إلى أهله " ، إلى آخرها يبعد عندي أن تكون مقولة عقيب انصرافه عليه السلام من صفين ، لانه انصرف عنها وقتئذ مضطرب الامر ، منتشر الحبل ، بواقعة التحكيم ، ومكيدة ابن العاص ، وما تم لمعاوية عليه من الاستظهار ، وما شاهد في عسكره من الخذلان ، وهذه الكلمات لا تقال في مثل هذه الحال ، وأخلق بها أن تكون قيلت في ابتداء بيعته ، قبل أن يخرج من المدينة إلى البصرة ، وأن الرضى رحمه الله تعالى نقل ما وجد ، وحكى ما سمع ، والغلط من غيره ، والوهم سابق له ، وما ذكرناه واضح . [ ما ورد في وصاية على من الشعر ] ومما رويناه من الشعر المقول في صدر الاسلام المتضمن كونه عليه السلام وصى رسول الله قول عبد الله بن أبى سفيان بن الحرث ابن عبد المطلب : ومنا على ذاك صاحب خيبر وصاحب بدر يوم سالت كتائبه وصى النبي المصطفى وابن عمه فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه ! وقال عبد الرحمن بن جعيل : لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة على الدين ، معروف العفاف موفقا عليا وصى المصطفى وابن عمه وأول من صلى أخا الدين والتقى وقال أبو الهيثم بن التيهان - وكان بدريا : قل للزبير وقل لطلحة إننا نحن الذين شعارنا الانصار نحن الذين رأت قريش فعلنا يوم القليب أولئك الكفار كنا شعار نبينا ودثاره يفديه منا الروح والابصار

[ 144 ]

إن الوصي إمامنا وولينا برح الخفاء وباحت الاسرار (1) . وقال عمر بن حارثة الانصاري ، وكان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل ، وقد لامه أبوه عليه السلام لما أمره بالحملة ، فتقاعس : أبا حسن أنت فصل الامور يبين بك الحل والمحرم جمعت الرجال على راية بها ابنك يوم الوغى مقحم ولم ينكص المرء من خيفة ولكن توالت له أسهم فقال رويدا ولا تعجلوا فإنى إذا رشقوا مقدم فاعجلته والفتى مجمع بما يكره الوجل المحجم سمى النبي وشبه الوصي ورايته لونها العندم وقال رجل من الازد يوم الجمل : هذا على وهو الوصي آخاه يوم النجوة النبي وقال هذا بعدى الولى وعاه واع ونسى الشقى وخرج يوم الجمل غلام من بنى ضبة شاب معلم (2) من عسكر عائشة ، وهو يقول : نحن بنو ضبة أعداء على ذاك الذى يعرف قدما بالوصى وفارس الخيل على عهد النبي ما أنا عن فضل على بالعمى لكننى أنعى ابن عفان التقى إن الولى طالب ثأر الولى وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل وكان في عسكر على عليه السلام : أية حرب أضرمت نيرانها وكسرت يوم الوغى مرانها (3)


(1) برح الخفاء ، أي ظهر ما كان خافيا وانكشف ، مأخوذ من براح ، وهو البارز الظاهر . (2) المعلم ، بكسر اللام : الذى علم مكانه في الحرب بعلامة أعلمها . (3) المران : الرماح الصلبة اللدنة ، واحدة مرانة . (*)

[ 145 ]

قل للوصي أقبلت قحطانها فادع بها تكفيكها همدانها * هم بنوها وهم إخوانها * وقال زياد بن لبيد الانصاري يوم الجمل ، وكان من أصحاب على عليه السلام : كيف ترى الانصار في يوم الكلب إنا أناس لا نبالي من عطب ولا نبالي في الوصي من غضب وإنما الانصار جد لا لعب هذا على وابن عبد المطلب ننصره اليوم على من قد كذب * من يكسب البغى فبئسما اكتسب * وقال حجر بن عدى الكندى في ذلك اليوم أيضا : يا ربنا سلم لنا عليا سلم لنا المبارك المضيا المؤمن الموحد التقيا لا خطل الرأى ولا غويا بل هاديا موفقا مهديا واحفظه ربى واحفظ النبيا فيه فقد كان له وليا ثم ارتضاه بعده وصيا وقال خزيمة بن ثابت الانصاري ، ذو الشهادتين - وكان بدريا - في يوم الجمل أيضا : ليس بين الانصار في جحمة الحرب وبين العداة إلا الطعان وقراع الكماة بالقضب البيض إذا ما تحطم المران فادعها تستجب فليس من الخز رج والاوس يا على جبان يا وصى النبي قد أجلت الحرب الاعادي وسارت الاظعان واستقامت لك الامور سوى الشام وفي الشام يظهر الاذعان حسبهم ما رأوا وحسبك منا هكذا نحن حيث كنا وكانوا

[ 146 ]

وقال خزيمة أيضا في يوم الجمل : أ عائش خلى عن على وعيبه بما ليس فيه إنما أنت والده وصى رسول الله من دون أهله وأنت على ما كان من ذاك شاهده وحسبك منه بعض ما تعلمينه ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده إذا قيل ما ذا عبت منه رميته بخذل ابن عفان وما تلك آبده وليس سماء الله قاطرة دما لذاك وما الارض الفضاء بمائدة وقال ابن بديل بن ورقاء الخزاعى يوم الجمل أيضا : يا قوم للخطة العظمى التى حدثت حرب الوصي وما للحرب من آسى الفاصل الحكم بالتقوى إذا ضربت تلك القبائل أخماسا لاسداس (1) وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن على عليه السلام بعد خطبة عبد الله ابن الزبير : حسن الخير يا شبيه أبيه قمت فينا مقام خير خطيب قمت بالخطبة التى صدع الله بها عن أبيك أهل العيوب وكشفت القناع فاتضح الامر وأصلحت فاسدات القلوب لست كابن الزبير لجلج في القول وطاطا عنان فسل مريب وأبى الله أن يقوم بما قام به ابن الوصي وابن النجيب إن شخصا بين النبي - لك الخير - وبين الوصي غير مشوب


(1) يقال لمن يظهر شيئا ويريد غير : ضرب أخماسا لاسداس . والخمس والسدس من أضماء الابل ، والاصل فيه أن الرسل إذا أراد سفرا بعيدا عود إبله أن يشرب خمسا ، ثم سدسا ، حتى إذا أخذت في السير صبرت عن الماء . (مجمع الامثال 1 : 418) . (*)

[ 147 ]

وقال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضا : أضربكم حتى تقروا لعلى خير قريش كلها بعد النبي من زانه الله وسماه الوصي إن الولى حافظ ظهر الولى * كما الغوى تابع أمر الغوى * ذكر هذه الاشعار والاراجيز بأجمعها أبو مخنف لوط بن يحيى (1) في كتاب وقعة الجمل . وأبو مخنف من المحدثين وممن يرى صحة الامامة بالاختيار ، وليس من الشيعة ولا معدودا من رجالها . * * * ومما رويناه من أشعار صفين التى تتضمن تسميته عليه السلام بالوصى ما ذكره نصر ابن مزاحم (2) بن يسار المنقرى في كتاب صفين ، وهو من رجال الحديث ، قال نصر ابن مزاحم : قال زحر (3) بن قيس الجعفي : فصلى الاله على أحمد رسول المليك تمام النعم رسول المليك ومن بعده خليفتنا القائم المدعم عليا عنيت وصى النبي نجالد عنه غواة الامم قال نصر : ومن الشعر المنسوب إلى الاشعث بن قيس (4) : أتانا الرسول رسول الانام فسر بمقدمه المسلمونا رسول الوصي وصى النبي له السبق والفضل في المؤمنينا


(1) هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الاسدي ، كان راوية أخبار وصاحب تصانيف في الفتوح وحروب الاسلام ، توفى سنة 157 . معجم الادباء 17 : 41 ، الفهرست 93 . (2) ذكره ابن حجر في لسان الميزان 6 : 157 ، وقال : إنه توفى سنة 212 . (3) زحر ، ضبطه صاحب القاموس بفتح الزاى وسكون الحاء المهملة ، والذى في كتاب صفين ص 22 ، أنها لجرير بن عبد الله البجلى ، ضمن عشرة أبيات . (4) كتاب صفين لنصر بن مزاحم 27 . (*)

[ 148 ]

ومن الشعر المنسوب إلى الاشعث أيضا : أتانا الرسول رسول الوصي على المهذب من هاشم (1) وزير النبي وذو صهره وخير البرية والعالم (2) قال نصر بن مزاحم : من شعر أمير المؤمنين عليه السلام في صفين لا يا عجبا لقد سمعت منكرا كذبا على الله يشيب الشعرا (3) ما كان يرضى أحمد لو أخبرا أن يقرنوا وصيه والابترا شانى الرسول واللعين الا خزرا (4) إنى إذا الموت دنا وحضرا (5) شمرت ثوبي ودعوت قنبرا : قدم لوائى لا تؤخر حذرا لا يدفع الحذار ما قد قدرا (6) لو أن عندي يا بن حرب جعفرا أو حمزة القرم الهمام الازهرا رأت قريش نجم ليل ظهرا


(1) كتاب صفين 28 (2) كتاب صفين : " وخير البريه في العالم (3) كتاب صفين 48 ، وبعد هذا البيت : * يسترق السمع ويغشى البصرا * (4) كذا في ا ، وفى كتاب صفين ، وفى ب " الاخورا " ، وبعده هناك : كلاهما في جنده قد عسكرا قد باع هذا دينه فأفجرا من ذا بدينا قد خسرا بملك مصر أن أصاب الضفر (5) ا : " وأحضرا " : (6) كتاب صفين : " لن يدفع " ، وبعده . لما رأيت الموت موتا أحمرا عبأت همدان وعبوا حميرا حى يمان يعظمون الخطرا قرم إذا ناطح قرنا كسرا قل لابن لا تدب الخمرا أردد قليلا أبدى منك الضجرا لا تحسبني يبن حرب عمرا وسل بنا بدرا معا وخيبرا كانت قريش يوم بدر جزرا إذ وردو الامر فذموا الصدرا (*)

[ 149 ]

وقال جرير بن عبد الله البجلى ، كتب بهذا الشعر إلى شرحبيل بن السمط الكندى ، رئيس اليمامة من أصحاب معاوية : نصحتك يا بن السمط لا تتبع الهوى فما لك في الدنيا من الدين من بدل (1) ولا تك كالمجرى إلى شر غاية فقد خرق السربال واستنوق الجمل مقال ابن هند في على عضيهة ولله في صدر ابن ابى طالب أجل (2) وما كان إلا لازما قعر بيته إلى أن أتى عثمان في بيته الاجل وصى رسول الله من دون أهله وفارسه الحامى به يضرب المثل (3) وقال النعمان بن عجلان الانصاري (4) : كيف التفرق والوصى إمامنا لا كيف إلا حيرة وتخاذلا لا تغبنن عقولكم ، لا خير في من لم يكن عند البلابل عاقلا وذروا معاوة الغوى وتابعوا دين الوصي لتحمدوه آجلا (5) وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الاسلمي : ألا أبلغ معاوية بن حرب فما لك لا تهش إلى الضراب ؟ فإن تسلم وتبق الدهر يوما يزرك بجحفل عدد التراب يقودهم الوصي إليك حتى يردك عن ضلال وارتياب وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب : يا عصبة الموت صبرا لا يهولكم جيش ابن حرب فإن الحق قد ظهرا (6) وأيقنوا أن من أضحى يخالفكم أضحى شقيا وأمسى نفسه خسرا


(1) كتاب صفين ص 53 ، 54 ، وروايته هناك : " شرحبل يبن السمط " . (2) صفين : " وقال ابن هند " . (3) صفين : " وفارسه الاولى به " . (4) صفين ص 415 ، وفيه : " النضر بن عجلان " . (5) صفين : " تصادفوه عاجلا " . (6) صفين 437 ، وفيه : " يا شرطة الخير " (*)

[ 150 ]

فيكم وصى رسول الله قائدكم وصهره وكتاب الله قد نشرا وقال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (1) : وصى رسول الله من دون أهله وفارسه إن قيل هل من منازل فدونكه إن كنت تبغى مهاجرا أشم كنصل السيف عير حلاحل (2) والاشعار التى تتضمن هذه اللفظة كثير جدا ، ولكنا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبين ، فأما ما عداهما ، فإنه يجل عن الحصر ، ويعظم عن الاحصاء والعد ، ولو لا خوف الملالة والاضجار ، لذكرنا من ذلك ما يملا أوراقا كثيرة . * * * (1) صفين 474 (2) عير القوم : سيدهم ، والحلاحل بالفتح : جمع حلاحل ، بالضم ، وهو الشجاع . (*)

[ 151 ]

- 3 - ومن خطبة له وهى المعروفة بالشقشقية (1) : الاصل : أما والله . لقد تقمصها ابن أبى قحافة (2) ، وإنه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحا ، ينحدر عنى السيل ، ولا يرقى إلى الطير . فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتئى بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن (3) حتى يلقى ربه ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا . الشرح : سدلت دونها ثوبا ، أي أرخيت ، يقول ضربت بينى وبينها حجابا ، فعل الزاهد فيها ، الراغب عنها . وطويت عنها كشحا ، أي قطعتها وصرمتها ، وهو مثل ، قالوا : لان من كان إلى جانبك الايمن ماثلا فطويت كشحك الايسر فقد ملت عنه ، والكشح : ما بين الخاصرة والجنب . وعندي أنهم أرادوا غير ذلك ، وهو أن من أجاع نفسه فقد طوى كشحه ، كما أن من أكل وشبع فقد ملا كشحه ، فكأنه أراد أنى أجعت نفسي عنها ، ولم ألتمها . واليد الجذاء بالدال المهملة وبالذال المعجمة ، والحاء المهملة مع الذال المعجمة ، كله بمعنى المقطوعة . والطخية : قطعة من الغيم والسحاب . وقوله : " عمياء " ، تأكيد لظلام الحال واسودادها ، يقولون : مفازة عمياء ، أي يعمى فيها الدليل . ويكدح : يسعى ويكد * (الهامش) * (1) مخطوطة النهج : " الشقشقية والمقمصة " (2) مخطوطة النهج : " فلان " (3) مخطوطة النهج : " المؤمن " . (*)

[ 152 ]

مع مشقة قال تعالى : (إنك كادح إلى ربك كدحا) (1) . وهاتا ، بمعنى هذه " ها " للتنبيه ، و " تا " للاشارة ، ومعنى " تا " ذى ، وهذا أحجى من كذا أي أليق بالحجا ، وهو العقل . * * * وفي هذا الفصل من باب البديع في علم البيان عشرة ألفاظ : أولها : قوله : " لقد تقمصها " ، أي جعلها كالقميص مشتملة عليه ، والضمير للخلافة ، ولم يذكرها للعلم بها ، كقوله سبحانه : (حتى توارت بالحجاب) (2) ، وكقوله : (كل من عليها فان) (3) ، وكقول حاتم : أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (4) وهذه اللفظة مأخوذة من كتاب الله تعالى في قوله سبحانه : (ولباس التقوى) (5) ، وقول النابغة (6) : تسربل سربالا من النصر وارتدى عليه بعضب في الكريهة فاصل الثانية : قوله : " ينحدر عنى السيل " ، يعنى رفعة منزلته عليه السلام ، كأنه في ذروة جبل أو يفاع مشرف ، ينحدر السيل عنه إلى الوهاد والغيطان ، قال الهذلى : وعيطاء يكثر فيها الزليل وينحدر السيل عنها انحدارا (7) الثالثة قوله عليه السلام : " ولا يرقى إلى الطير " ، هذه أعظم في الرفعة والعلو من التى قبلها ، لان السيل ينحدر عن الرابية والهضبة ، وأما تعذر رقى الطير فربما يكون للقلال الشاهقة جدا ، بل ما هو أعلى من قلال الجبال ، كأنه يقول : إنى لعلو منزلتي كمن في السماء التى يستحيل أن يرقى الطير إليها ، قال أبو الطيب : فوق السماء وفوق ما طلبوا فإذا أرادوا غاية نزلوا (8)


(1) سورة الانشقاق 6 (2) سورة ص 32 (3) سورة الرحمن 26 (4) ديوانه 118 (5) سورة الاعراف 26 (6) كذا في الاصول ، والصواب أنه لابي تمام ، ديوانه 3 : 82 (7) عيطاء : مرتفعة . والزليل : الزلل (8) ديوانه 3 : 31 (*)

[ 153 ]

وقال حبيب : مكارم لجت في علو كأنما تحاول ثأرا عند بعض الكواكب (1) الرابعة : قوله : " سدلت دونها ثوبا " ، قد ذكرناه . الخامسة : قوله : " وطويت عنها كشحا " ، قد ذك رناه أيضا . السادسة : قوله : " أصول بيد جذاء " ، قد ذكرناه . السابعة قوله : " أصبر على طخية عمياء " ، قد ذكرناه أيضا . الثامنة : قوله : " وفى العين قذى " ، أي صبرت على مضض كما يصبر الارمد . التاسعة : قوله : " وفي الحلق شجا " ، وهو ما يعترض في الحلق ، أي كما يصبر من غص بأمر فهو يكابد الخنق . العاشرة : قوله : " أرى تراثي نهبا " ، كنى عن الخلافة بالتراث ، وهو الموروث من المال . * * * فأما قوله عليه السلام : " إن محلى منها محل القطب من الرحا " ، فليس من هذا النمط الذى نحن فيه ، ولكنه تشبيه محض ، خارج من باب الاستعارة والتوسع ، يقول : كما أن الرحا لا تدور إلا على القطب ، ودورانها بغير قطب لا ثمرة له ولا فائدة فيه ، كذلك نسبتى إلى الخلافة ، فإنها لا تقوم إلا بى ، ولا يدور أمرها إلا على . هكذا فسروه . وعندي أنه أراد أمرا آخر ، وهو أنى من الخلافة في الصميم ، وفي وسطها وبحبوحتها ، كما أن القطب وسط دائرة الرحا ، قال الراجز (2) :


(1) ديوانه 1 : 217 (2) هو جرير بن عطية ، ديوانه . 52 ، والابيات أيضا في الكامل 300 ، 545 ، يقولها في الحكم ابن أيوب بن أبى عقيل الثقفى ، ابن عم الحجاج ، وكان عامله على البصرة . (*)

[ 154 ]

على قلاص مثل خيطان السلم (1) إذا قطعن علما بدا علم (2) حتى أنحناها إلى باب الحكم (3) خليفة الحجاج غير المتهم * في سرة المجد وبحبوج الكرم (4) * وقال أميه بن أبى الصلت لعبد الله بن جدعان : فحللت منها بالبطاح وحل غيرك بالظواهر (5) وأما قوله : " يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير " ، فيمكن أن يكون من باب الحقائق ، ويمكن أن يكون من باب المجازات والاستعارات ، أما الاول فإنه يعنى به طول مدة ولاية المتقدمين عليه ، فإنها مدة يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير . وأما الثاني فإنه يعنى بذلك صعوبة تلك الايام ، حتى إن الكبير من الناس يكاد يهرم لصعوبتها ، والصغير يشيب من أهوالها ، كقولهم : هذا أمر يشيب له ، الوليد وإن لم يشب على الحقيقة .


(1) القلاص : جمع قلوص ، وهى الناقة الفتية . والخيطان : والخوط جمع خوط ، جمع خوطة ، وهى الغصن الناعم . والسلم : شجر ، واحدته سلمة ، يصف ضورها . وبعده في رواية الديوان : قد طويت بطونها على الادم بعد انفضاج البدن واللحم الزيم (2) بعده في رواية الديوان : * فهن بحثا كمضلات الخدم * (3) رواية الديوان : * حتى تناهين إلى باب الحكم * (4) رواية الديوان : * في ضئضئ الممجد وبؤبو الكرم * (5) البطاح : بطن مكة ، والظواهر أعلاها ، والبيت في اللسان 6 : 197 منسوب للكميت : بهذه الرواية فحللت معتلج البطاح وحل غيرك بالظواهر (*)

[ 155 ]

واعلم أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، وتقديره : ولا يرقى إلى الطير ، فطفقت أرتئى بين كذا وكذا ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، ثم " فصبرت وفي العين قذى " ، إلى آخر القصة ، لانه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا ويطوى عنها كشحا ، ثم يطفق يرتئى بين أن ينابذهم أو يصبر ، أ لا ترى أنه إذا سدل دونها ثوبا ، وطوى عنها كشحا ، فقد تركها وصرمها ، ومن يترك ويصرم لا يرتئى في المنابذة ! والتقديم والتأخير طريق لاحب ، وسبيل مهيع في لغة العرب ، قال سبحانه : (الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا . قيما) ، (1) أي أنزل على عبده الكتاب قيما ، ولم يجعل له عوجا ، وهذا كثير . وقوله عليه السلام : " حتى يلقى ربه " بالوقف والاسكان ، كما جاءت به الرواية في قوله سبحانه : (ذلك لمن خشى ربه) (2) بالوقف أيضا . [ نسب أبى بكر ونبذه من أخبار أبيه ] ابن أبى قحافة المشار إليه هو أبو بكر ، واسمه القديم عبد الكعبة ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله . واختلفوا في " عتيق " ، فقيل : كان اسمه في الجاهلية ، وقيل : بل سماه به رسول الله صلى الله عليه وآله . واسم أبى قحافة عثمان ، وهو عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مره بن كعب بن لؤى بن غالب . وأمه ابنة عم أبيه ، وهى أم الخير بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد . أسلم أبو قحافة يوم الفتح ، جاء به ابنه أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وهو شيخ كبير ، رأسه كالثغامة البيضاء ، فأسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " غيروا شيبته " .


(1) سورة الكهف 1 ، 2 (2) سورة البينة 8 (3) أورد الخبر ابن الاثير في النهاية (1 : 129) : " أنى بأبى قحافة يوم الفتح وكأن رأسه ثغامة " . وقال : " هو نبت أبيض الزهر والثمر ، يشبه به الشيب . وقيل : هي شجرة تبيض كأنها الثلج " . (*)

[ 156 ]

وولى ابنه الخلافة وهو حى منقطع في بيته ، مكفوف عاجز عن الحركة ، فسمع ضوضاء الناس ، فقال : ما الخبر ؟ فقالوا ولى ابنك الخلافة ، فقال : رضيت بنو عبد مناف بذلك ؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت . ولم يل الخلافة من أبوه حى إلا أبو بكر ، وأبو بكر عبد الكريم (1) الطائع لله ، ولى الامر وأبوه المطيع حى ، خلع نفسه من الخلافة ، وعهد بها إلى ابنه . وكان المنصور يسمى عبد الله بن الحسن بن الحسن (2) أبا قحافة تهكما به ، لان ابنه (3) محمدا ادعى الخلافة وأبوه حى . ومات أبو بكر وأبو قحافة حى ، فسمع الاصوات فسأل ، فقيل : مات ابنك ، فقال : رزء جليل . وتوفى أبو قحافة في أيام عمر في سنة أربع عشرة للهجرة ، وعمره سبع وتسعون سنة ، وهى السنة التى توفى فيها نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم (4) . إن قيل : بينوا لنا ما عندكم في هذا الكلام ! أ ليس صريحه دالا على تظليم القوم ونسبتهم إلى اغتصاب الامر ! فما قولكم في ذلك ؟ إن حكمتم عليهم بذلك فقد طعنتم فيهم ، وإن لم تحكموا عليهم بذلك ، فقد طعنتم في المتظلم المتكلم عليهم ! قيل : أما الامامية من الشيعة فتجرى هذه الالفاظ على ظواهرها ، وتذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنه غصب حقه .


(1) أصيب المطيع لله بالفالج ، ولما قوى عليه وثقل لسانه ، خلع نفسه . وبويع لولده الطائع ، وكان ذلك في سنة 364 . الفخري ص 253 (2) كان عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ، شيخ بنى هاشم في وقته ، والمقدم فيهم . وانظر أخباره في مقاتل الطالبيين ص 179 - 185 . (3) كان علماء آل أبى طالب يرون في محمد بن عبد الله بن الحسن أنه النفس الزكية ، وكان أفضل أهل بيته في علمه بكتاب الله وحفظه له ، مع فقهه في الدين وشجاعته وجوده وبأسه وكل أمر يجمل بمثله . وانظر ترجمته وأخباره في مقاتل الطالبيين ص 232 - 299 (4) هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، له صحبة ، وكان أسن من أسلم من بنى هاشم ، حتى من عميه حمزة والعباس . الاصابة 6 : 258 (*)

[ 157 ]

وأما اصحابنا رحمهم الله ، فلهم أن يقولوا : إنه لما كان أمير المؤمنين عليه السلام هو الافضل والاحق ، وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ، ولا يوازيه في جهاد وعلم ، ولا يماثله في سؤدد وشرف - ساغ إطلاق هذه الالفاظ ، وإن كان من وسم بالخلافة قبله عدلا تقيا ، وكانت بيعته بيعة صحيحة ، أ لا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان : أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثيرة ، فيجعل السلطان الانقص علما منهما قاضيا ، فيتوجد الاعلم (1) ويتألم ، وينفث أحيانا بالشكوى ، ولا يكون ذلك طعنا في القاضى ولا تفسيقا له ، ولا حكما منه بأنه غير صالح ، بل للعدول عن الاحق والاولى ! وهذا أمر مركوز في طباع البشر ، ومجبول في أصل الغريزة والفطرة ، فأصحابنا رحمهم الله ، لما أحسنوا الظن بالصحابة ، وحملوا ما وقع منهم على وجه الصواب ، وأنهم نظروا إلى مصلحة الاسلام ، وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط ، بل وتفضي إلى ذهاب النبوة والملة ، فعدلوا عن الافضل الاشرف الاحق ، إلى فاضل آخر دونه ، فعقدوا له - احتاجوا إلى تأويل هذه الالفاظ الصادرة عمن يعتقدونه في الجلالة والرفعة قريبا من منزلة النبوة ، فتأولوها بهذا التأويل ، وحملوها على التألم ، للعدول عن الاولى . وليس هذا بأبعد من تأويل الامامية قوله تعالى : (وعصى آدم ربه فغوى) (2) ، وقولهم : معنى " عصى " أنه عدل عن الاولى ، لان الامر بترك أكل الشجرة كان أمرا على سبيل الندب ، فلما تركه آدم ، كان تاركا للافضل والاولى ، فسمى عاصيا باعتبار مخالفة الاولى ، وحملوا " غوى " على " خاب " لا على الغواية بمعنى الضلال . ومعلوم أن تأويل كلام أمير المؤمنين عليه السلام وحمله على أنه شكا من تركهم الاولى أحسن من حمل قوله تعالى : (وعصى آدم) على أنه ترك الاولى .


(1) ب : " الاعظم " ، والاجود ما أثبته من ا (2) سورة طه 121 (*)

[ 158 ]

إن قيل : لا تخلو الصحابة إما أن تكون عدلت عن الافضل لعلة ومانع في الافضل ، أو لا لمانع . فإن كان لا لمانع ، كان ذلك عقدا للمفضول بالهوى ، فيكون باطلا ، وأن كان لمانع - وهو ما تذكرونه من خوف الفتنة ، وكون الناس كانوا يبغضون عليا عليه السلام ويحسدونه - فقد كان يجب أن يعذرهم أمير المؤمنين عليه السلام في العدول عنه ، ويعلم أن العقد لغيره هو المصلحة للاسلام ، فكيف حسن منه أن يشكوهم بعد ذلك ، ويتوجد عليهم ! وأيضا ، فما معنى قوله : " فطفقت أرتئى بين أن أصول بيد جذاء " ، على ما تأولتم به كلامه ؟ فإن تارك الاولى لا يصال عليه بالحرب ! قيل : يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام لم يغلب على ظنه ما غلب على ظنون الصحابة من الشغب وثوران الفتنة ، والظنون تختلف باختلاف الامارات ، فرب إنسان يغلب على ظنه أمر يغلب على ظن غيره خلافه . وأما قوله : " أرتئى بين أن أصول " ، فيجوز أن يكون لم يعن به صيال الحرب ، بل صيال الجدل والمناظرة ، يبين ذلك أنه لو كان جادلهم وأظهر ما في نفسه لهم ، فربما خصموه بأن يقولوا له : قد غلب على ظنوننا أن الفساد يعظم ويتفاقم إن وليت الامر ، ولا يجوز مع غلبة ظنوننا لذلك أن نسلم الامر إليك ، فهو عليه السلام قال : طفقت أرتئى بين أن أذكر لهم فضائلي عليهم ، وأحاجهم بها ، فيجيبوني بهذا الضرب من الجواب - الذى تصير حجتى به جذاء مقطوعة ، ولا قدرة لى على تشييدها ونصرتها - وبين أن أصبر على ما منيت به ، ودفعت إليه . إن قيل : إذا كان عليه السلام لم يغلب على ظنه وجود العلة والمانع فيه ، وقد استراب الصحابة وشكاهم لعدولهم عن الافضل الذى لا علة فيه عنده فقد سلمتم أنه ظلم الصحابة ونسبهم إلى غصب حقه ، فما الفرق بين ذلك وبين أن يستظلمهم لمخالفة النص ؟ وكيف

[ 159 ]

هربتم من نسبته لهم إلى الظلم لدفع النص ، ووقعتم في نسبته لهم إلى الظلم لخلاف الاولى من غير علة في الاولى ! ومعلوم أن مخالفة الاولى من غير علة في الاولى كتارك النص ، لان العقد في كلا الموضعين يكون فاسدا ! قيل : الفرق بين الامرين ظاهر ، لانه عليه السلام لو نسبهم إلى مخالفة النص لوجب وجود النص ، ولو كان النص موجودا لكانوا فساقا أو كفارا لمخالفته . وأما إذا نسبهم إلى ترك الاولى من غير علة في الاولى ، فقد نسبهم إلى أمر يدعون فيه خلاف ما يدعى عليه السلام ، وأحد الامرين لازم ، وهو إما أن يكون ظنهم صحيحا ، أو غير صحيح ، فإن كان ظنهم هو الصحيح فلا كلام في المسالة ، وإن لم يكن ظنهم صحيحا كانوا كالمجتهد إذا ظن وأخطأ ، فإنه معذور ، ومخالفة النص خارج عن هذا الباب ، لان مخالفه غير معذور بحال ، فافترق المحملان . [ مرض رسول الله وإمرة أسامة بن زيد على الجيش ] لما مرض رسول الله صلى الله عليه وآله مرض الموت ، دعا أسامة بن زيد بن حارثة ، فقال : سر إلى مقتل أبيك ، فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك على هذا الجيش ، وإن أظفرك الله بالعدو ، فاقلل اللبث ، وبث العيون ، وقدم الطلائع ، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والانصار إلا كان في ذلك الجيش ، منهم أبو بكر وعمر ، فتكلم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على جلة المهاجرين والانصار ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله لما سمع ذلك ، وخرج عاصبا رأسه ، فصعد المنبر وعليه قطيفة (2) فقال : " أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ! لئن طعنتم في تأميري أسامة ، فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وايم الله إن كان لخليقا بالامارة ، وابنه من (3) بعده لخليق بها ،


(1) قتل زيد بن حارثة بمؤتة ، إحدى قرى البلقاء ، وتفصيل الخبر في الطبري ، (حوادث السنة الثامنة) . (2) القطيفة : كساء له أهداب (3) ا : " وإن ابنه من بعده الخليق بها " (*)

[ 160 ]

وإنهما لمن أحب الناس إلى ، فاستوصوا به خيرا ، فإنه من خياركم " ثم نزل ودخل بيته ، وجاء المسلمون يودعون رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويمضون إلى عسكر أسامة بالجرف (1) . وثقل (2) رسول الله صلى الله عليه وآله ، واشتد ما يجده ، فأرسل بعض نسائه إلى أسامة وبعض من كان معه ، يعلمونهم ذلك ، فدخل أسامة من معسكره - والنبى صلى الله عليه وآله مغمور ، وهو اليوم الذى لدوه (3) فيه - فتطأطأ أسامة عليه فقبله ، ورسول الله صلى الله عليه وآله قد أسكت ، فهو لا يتكلم ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة ، كالداعي له ، ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره ، والتوجه لما بعثه فيه ، فرجع أسامة إلى عسكره ثم أرسل نساء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أسامة يأمرنه بالدخول ، ويقلن : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أصبح بارئا ، فدخل أسامة من معسكره يوم الاثنين ، الثاني عشر من شهر ربيع الاول فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله مفيقا ، فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ وقال : اغد على بركة الله ، وجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة ، ويكرر ذلك ، فودع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وخرج ومعه أبو بكر وعمر ، فلما ركب جاءه رسول أم أيمن ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله يموت ، فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حين زالت الشمس من هذا اليوم ، وهو يوم الاثنين ، وقد مات واللواء مع بريدة بن الحصيب ، فدخل باللواء فركزه عند باب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مغلق ، وعلى عليه السلام وبعض بنى هاشم مشتغلون بإعداد جهازه وغسله ، فقال العباس لعلى - وهما في الدار : امدد يدك أبايعك ، فيقول الناس : عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك


(1) الجرف : موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام . (2) ثقل ، بالكسر : اشتد مرضه (3) يقال لد المريض ، بالبناء للمجهول أي دووى باللدود ، بالفتح ، وهو من الادوية ما يسقاه المريض في أحد شقى الفم ، وانظر النهاية لابن الاثير 3 : 55 ، واللسان 4 : 393 (*)

[ 161 ]

اثنان ، فقال له : أو يطمع يا عم فيها طامع غيرى ! قال : ستعلم ، فلم يلبثا أن جاءتهما الاخبار بأن الانصار أقعدت سعدا لتبايعه ، وأن عمر جاء بأبى بكر فبايعه وسبق الانصار بالبيعة ، فندم على عليه السلام على تفريطه في أمر البيعة وتقاعده عنها ، وأنشده العباس قول دريد : أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد (1) * * * وتزعم الشيعة أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعلم موته ، وأنه سير أبا بكر وعمر في بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما ، فيصفو الامر لعلى عليه السلام ، ويبايعه من تخلف من المسلمين بالمدينة على سكون وطمأنينة ، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وبيعة الناس لعلى عليه السلام بعده ، كانا عن المنازعة والخلاف أبعد ، لان العرب كانت تلتزم بإتمام تلك البيعة ، ويحتاج في نقضها إلى حروب شديدة ، فلم يتم له ما قدر ، وتثاقل أسامة بالجيش أياما ، مع شدة حث رسول الله صلى الله عليه وآله على نفوذه وخروجه بالجيش ، حتى مات صلى الله عليه وآله وهما بالمدينة ، فسبقا عليا إلى البيعة وجرى ما جرى . وهذا عندي غير منقدح ، لانه إن كان صلى الله عليه وآله يعلم موته ، فهو أيضا يعلم أن أبا بكر سيلى الخلافة ، وما يعلمه لا يحترس منه ، وإنما يتم هذا ويصح إذا فرضنا أنه عليه السلام كان يظن موته ولا يعلمه حقيقة ، ويظن أن أبا بكر وعمر يتمالآن على ابن عمه ، ويخاف وقوع ذلك منهما ولا يعلمه حقيقة ، فيجوز إن كانت الحال هكذا أن ينقدح هذا التوهم ، ويتطرق هذا الظن ، كالواحد منا له ولدان : يخاف من أحدهما


(1) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقى 2 : 814 ، وروايته : " فلم يستبينوا الرشد " . (*)

[ 162 ]

أن يتغلب بعد موته على جميع ماله ، ولا يوصل أخاه إلى شئ من حقه ، فإنه قد يخطر له عند مرضه الذى يتخوف أن يموت فيه أن يأمر الولد المخوف جانبه بالسفر إلى بلد بعيد في تجارة يسلمها إليه ، يجعل ذلك طريقا إلى دفع تغلبه على الولد الآخر . * * * الاصل : حتى مضى الاول لسبيله ، فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده (1) : شتان ما يومى على كورها ويوم حيان أخى جابر فيا عجبا ! بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطرا ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحم ، فمنى الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة . * * * الشرح : مضى لسبيله : مات ، والسبيل الطريق ، وتقديره : مضى على سبيله ، وتجئ اللام بمعنى " على " كقوله (2) : * فخر صريعا لليدين وللفم * وقوله : " فأدلى بها " من قوله تعالى : (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل


(1) في مخطوطة النهج : " ثم تمثل بقول الاعشى " . وكذلك في حواشى ب (2) لجابر بن حنى التغلبي ، وصدره : * تناوله بالرمح ثم اتنى له * من قصيدة له مفضلية 208 - 212 ، وهو أيضا من شواهد المغنى : 212 ، على وضع اللام موضع " على " . (*)

[ 163 ]

وتدلوا بها إلى الحكام) (1) ، أي تدفعوها إليهم رشوة ، وأصله من : أدليت الدلو في البئر ، أرسلتها . فإن قلت : فإن أبا بكر إنما دفعها إلى عمر حين ، مات ولا معنى للرشوة عند الموت ! قلت : لما كان عليه السلام يرى أن العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق ، شبه ذلك بادلاء الانسان بماله إلى الحاكم ، فإنه إخراج للمال إلى غير وجهه ، فكان ذلك من باب الاستعارة . [ عهد أبى بكر بالخلافة إلى عمر بن الخطاب ] وابن الخطاب هو أبو حفص عمر الفاروق ، وأبوه الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب . وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . لما احتضر أبو بكر ، قال للكاتب اكتب : هذا ما عهد عبد الله بن عثمان (2) ، آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة ، في الساعة التى يبر فيها الفاجر ، ويسلم فيها الكافر . ثم أغمى عليه فكتب الكاتب : عمر بن الخطاب ، ثم أفاق أبو بكر ، فقال : اقرأ ما كتبت ، فقرأ وذكر اسم عمر ، فقال : أنى لك هذا ! قال : ما كنت لتعدوه ، فقال : أصبت ، ثم قال : أتم كتابك ، قال : ما أكتب ؟ قال اكتب : وذلك حيث أجال رأيه وأعمل فكره ، فرأى أن هذا الامر (3 لا يصلح آخره إلا بما به أوله ولا 3) ، ولا يحتمله إلا أفضل العرب مقدرة ، وأملكهم لنفسه ، وأشدهم في حال الشدة ، وأسلسهم في حال اللين ، وأعلمهم برأى ذوى الرأى ، لا يتشاغل بما لا يعنيه ، ولا يحزن لما لم ينزل به ، ولا يستحى من التعلم ، ولا يتحير


(1) سورة البقرة 188 (2) عثمان اسم أبى قحافة (3 - 3) ب : " لا يصلح آخره إلا بما يصلح به أوله " . (*)

[ 164 ]

عند البديهة . قوى على الامور ، لا يجوز بشئ منها حده عدوانا ولا تقصيرا ، يرصد لما هو آت عتاده من الحذر . فلما فرغ من الكتاب ، دخل عليه قوم من الصحابة ، منهم طلحة ، فقال له (1) : ما أنت قائل لربك غدا ، وقد وليت علينا فظا غليظا ، تفرق منه النفوس ، وتنفض عنه القلوب ! فقال أبو بكر : أسندوني - وكان مستلقيا - فأسندوه ، فقال لطلحة : أ بالله تخوفنى ! إذا قال لى ذلك غدا قلت له : وليت عليهم خير أهلك . ويقال (2) : أصدق الناس فراسة ثلاثة : العزيز في قوله لامراته عن يوسف عليه السلام : (وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) (3) ، وابنة شعيب حيث قالت لابيها في موسى : (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الامين) (4) ، وأبو بكر في عمر . * * * وروى كثير من الناس أن أبا بكر لما نزل به الموت (5) دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : إنه أفضل من رأيك فيه إلا أن فيه غلظة ، فقال أبو بكر : ذاك لانه يرانى رقيقا ، ولو قد أفضى الامر إليه لترك كثيرا مما هو عليه ، وقد رمقته إذا أنا غضبت على رجل أرانى الرضا عنه ، وإذا ألنت له أرانى الشدة عليه . ثم دعا عثمان ابن عفان ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : سريرته خير (6) من علانيته ، وليس فينا مثله ، فقال لهما : لا تذكرا مما قلت لكما شيئا ، ولو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان ، والخيرة لك ألا تلى من أمورهم شيئا ، ولوددت أنى كنت من أموركم خلوا ، وكنت فيمن مضى من سلفكم . ودخل طلحة بن عبيدالله على أبى بكر ، فقال : إنه بلغني أنك يا خليفة


(1) كلمة " له " ساقطة من ب (2) ا : " ويقال إنه " (3) سورة يوسف 21 (4) سورة القصص 26 (5) ساقطة من ب (6) ا : " تقصر عن علانيته " (*)

[ 165 ]

رسول الله ، استخلفت على الناس عمر ، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، فكيف به إذا خلا بهم ، وأنت غدا لاق ربك ، فيسألك عن رعيتك ! فقال أبو بكر : أجلسوني ، ثم قال : أ بالله تخوفنى ! إذا لقيت ربى فسألني ، قلت : استخلفت عليهم خير أهلك . فقال طلحة : أ عمر خير الناس يا خليفة رسول الله ! فاشتد غضبه ، وقال : أي والله ، هو خيرهم وأنت شرهم . أما والله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك ، ولرفعت نفسك فوق قدرها ، حتى يكون الله هو الذى يضعها ! أتيتني وقد دلكت عينك ، تريد أن تفتنني عن دينى ، وتزيلني عن رأيى ! قم لا أقام الله رجليك ! أما والله لئن عشت فواق ناقة ، وبلغني أنك غمصته فيها ، أو ذكرته بسوء ، لالحقنك بمحمضات قنة ، حيث كنتم تسقون ولا تروون ، وترعون ولا تشبعون ، وأنتم بذلك الحجون راضون ! فقام طلحة فخرج . * * * أحضر أبو بكر عثمان - وهو يجود بنفسه - فأمره أن يكتب عهدا ، وقال - اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد عبد الله بن عثمان (1) إلى المسلمين ، ثم أما بعد ، ثم أغمى عليه ، وكتب عثمان : قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، وأفاق أبو بكر فقال : اقرإ فقرأه ، فكبر أبو بكر ، وسر ، وقال : أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي ! قال : نعم ، قال : جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله ، ثم أتم العهد ، وأمر أن يقرأ على الناس فقرئ عليهم ، ثم أوصى عمر ، فقال له : إن لله حقا بالليل لا يقبله في النهار ، وحقا في النهار لا يقبله بالليل ، وأنه لا يقبل نافلة ما لم تؤد الفريضة ، وإنما ثقلت موازين من اتبع الحق مع ثقله عليه ، وإنما خفت موازين من اتبع الباطل لخفته ، عليه إنما أنزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، لئلا يرغب المؤمن رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولئلا


(1) في تاريخ الطبري 4 : 52 : " أبو بكر بن أبى قحافة " . (*)

[ 166 ]

يرهب رهبة يلقى فيها بيده ، فإن حفظت وصيتى ، فلا يكن غائب أحب إليك من الموت ، ولست معجزه . ثم توفى أبو بكر . * * * دعا أبو بكر عمر يوم موته بعد عهده إليه ، فقال : إنى لارجو إن أموت في يومى هذا فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى بن حارثة ، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس معه ، ولا تشغلنكم مصيبة عن دينكم ، وقد رأيتنى متوفى رسول الله صلى الله عليه وآله كيف صنعت . وتوفى أبو بكر ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة . * * * وأما البيت الذى تمثل به عليه السلام ، فإنه للاعشى الكبير ، أعشى قيس . وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل ، من القصيدة التى قالها في منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل ، وأولها : علقم ما أنت إلى عامر الناقض الاوتار والواتر (1) يقول فيها : وقد أسلى الهم إذ يعترى بجسرة دوسرة عاقر (2) زيافة بالرحل خطارة تلوى بشرخى ميسة قاتر (3) - شرخا الرحل : مقدمه ومؤخره ، والميس : شجر يتخذ منه الرحال ، ورحل قاتر : جيد الوقوع على ظهر البعير - .


(1) ديوانه 104 - 108 ، ويقع هذا البيت الخامس عشر منها ، وأولها : شاقتك من قتلة أطلاها بالشط فالوتر إلى حاجر (2) الجسرة : الناقة السريعة ، والدوسرة : الضخمة . والعاقر : التى لم تحمل ، وفى الديوان : " حين اعترى " . (3) الزيافة : المختالة في سيرها . والخطارة : التى تخطر بذنبها نشاطا . (*)

[ 167 ]

شتان ما يومى على كورها ويوم حيان أخى جابر أرمى بها البيداء إذ هجرت وأنت بين القرو والعاصر (1) في مجدل شيد بنيانه يزل عنه ظفر الطائر تقول : شتان ما هما ، وشتان هما ، ولا يجوز شتان ما بينهما ، إلا على قول ضعيف . وشتان أصله شتت ، كوشكان ذا خروجا ، من وشك . وحيان وجابر ابنا السمين الحنفيان ، وكان حيان صاحب شراب ومعاقرة خمر ، وكان نديم الاعشى ، وكان أخوه جابر أصغر سنا منه ، فيقال : إن حيان قال للاعشى : نسبتني إلى أخى ، وهو أصغر سنا منى ! فقال : إن الروى اضطرني إلى ذلك ، فقال : والله لا نازعتك كأسا أبدا ما عشت . يقول : شتان يومى وأنا في الهاجرة والرمضاء ، أسير على كور هذه الناقة ، ويوم حيان وهو في سكرة الشراب ، ناعم البال ، مرفه من الاكدار والمشاق . والقرو شبه حوض ، يتخذ من جذع أو من شجر ينبذ فيه ، والعاصر : الذى يعتصر العنب . والمجدل : الحصن المنيع . * * * وشبيه بهذا المعنى قول الفضل بن الربيع في أيام فتنة الامين يذكر حاله وحال أخيه المأمون : إنما نحن (2) شعب من أصل ، أن قوى قوينا ، وإن ضعف ضعفنا ، وإن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الامة الوكعاء ، يشاور النساء ، ويقدم على الرؤيا ، قد أمكن أهل الخسارة واللهو من سمعه ، فهم يمنونه الظفر ، ويعدونه عقب الايام ، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل ، ينام نوم الظربان ، وينتبه انتباه الذئب ، همه بطنه وفرجه ، لا يفكر في زوال نعمة ، ولا يروى في إمضاء رأى ولا مكيدة ، قد شمر له عبد الله


(1) لم يرد هذا البيت في ديوانه ، وهو في اللسان 20 : 34 ، وروايته : * أرمى بها البيداء إذ أعرضت * (2) الخبر بالتفصيل في تاريخ الطبري (حوادث سنة 196) . (*)

[ 168 ]

عن ساقه ، وفوق إليه أسد سهامه ، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ ، والموت القاصد ، قد عبأ له المنايا على متون الخيل ، وناط له البلايا بأسنة الرماح وشفار السيوف ، فهو كما قال الشاعر : لشتان ما بينى وبين ابن خالد أمية في الرزق الذى الله يقسم (1) يقارع أتراك ابن خاقان ليلة إلى أن يرى الاصباح لا يتلعثم وآخذها حمراء كالمسك ريحها لها أرج من دنها يتنسم فيصبح من طول الطراد وجسمه نحيل وأضحى في النعيم أصمم وأمية المذكور في هذا الشعر ، هو أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبى العيص ابن أمية بن عبد شمس ، كان والى خراسان ، وحارب الترك . والشعر للبعيث . * * * يقول أمير المؤمنين عليه السلام : شتان بين يومى في الخلافة مع ما انتقض على من الامر ، ومنيت به من انتشار الحبل ، واضطراب أركان الخلافة ، وبين يوم عمر حيث وليها على قاعدة ممهدة ، وأركان ثابتة ، وسكون شامل ، فانتظم أمره ، واطرد حاله ، وسكنت أيامه . قوله عليه السلام : " فيا عجبا " أصله ، فيا عجبى ، كقولك : يا غلامي ، ثم قلبوا الياء الفا ، فقالوا : يا عجبا ، كقولهم : يا غلاما ، فإن وقفت وقفت على هاء السكت ، فقلت : يا عجباه ! ويا غلاماه ! قال : العجب منه ، وهو يستقيل المسلمين من الخلافة أيام حياته ، فيقول : أقيلوني ، ثم يعقدها عند وفاته لآخر ، وهذا يناقض الزهد فيها والاستقالة منها . وقال شاعر من شعراء الشيعة : حملوها يوم السقيفة أوزارا تخف الجبال وهى ثقال


(1) رواية الطبري : فشتان ما بينى وبين ابن خالد أمية في الرزق الذى الله قاسم (*)

[ 169 ]

ثم جاءوا من بعدها يستقيلون ، وهيهات عثرة لا تقال ! وقد اختلف الرواة في هذه اللفظة ، فكثير من الناس رواها : " أقيلوني فلست بخيركم " ، ومن الناس من أنكر هذه اللفظة ولم يروها ، وإنما روى قوله : " وليتكم ولست بخيركم " . واحتج بذلك من لم يشترط الافضلية في الامامة . ومن رواها اعتذر لابي بكر فقال : إنما قال : أقيلوني ، ليثور (1) ما في نفوس (2) الناس من بيعته ، ويخبر ما عندهم من ولايته ، فيعلم مريدهم وكارههم ، ومحبهم ومبغضهم . فلما رأى النفوس إليه ساكنة ، والقلوب لبيعته مذعنة ، استمر على إمارته وحكم حكم الخلفاء في رعيته ، ولم يكن منكرا منه أن يعهد إلى من استصلحه لخلافته . قالوا : وقد جرى مثل ذلك لعلى عيله السلام ، فإنه قال للناس بعد قتل عثمان : دعوني والتمسوا غيرى ، فأنا لكم وزيرا خير منى لكم أميرا . وقال لهم : اتركوني ، فأنا كأحدكم ، بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، فأبوا عليه وبايعوه ، فكرهها أولا ، ثم عهد بها إلى الحسن عليه السلام عند موته . قالت الامامية : هذا غير لازم ، والفرق بين الموضعين ظاهر ، لان عليا عليه السلام لم يقل : إنى لا أصلح ، ولكنه كره الفتنة ، وأبو بكر قال كلاما معناه : إنى لا أصلح لها ، لقوله : " لست بخيركم " ، ومن نفى عن نفسه صلاحيته للامامة ، لا يجوز أن يعهد بها إلى غيره . واعلم أن الكلام في هذا الموضع مبنى على أن الافضلية هل هي شرط في الامامة أم لا ؟ وقد تكلمنا في شرح " الغرر " لشيخنا أبى الحسين (3) رحمه الله تعالى في هذا البحث بما لا يحتمله هذا الكتاب .


(1) يثور : يبحث (2) ا : " قلوب " . (3) هو أبو الحسين محمد بن على بن الطيب المتكلم المعتزلي ، توفى سنة 436 ، وكتابه " غرر الادلة " ، ذكره ابن خلكان 1 : 482 . (*)

[ 170 ]

وقوله عليه السلام : " لشد ما تشطرا ضرعيها " ، شد أصله " شدد " ، كقولك : حب في " حبذا " أصله حبب ، ومعنى " شد " صار شديدا جدا ، ومعنى " حب " صار حبيبا ، قال البحترى : شد ما أغريت ظلوم بهجري بعد وجدى بها وقلة صبرى (1) وللناقة أربعة أخلاف : خلفان قادمان وخلفان آخران ، وكل اثنين منهما شطر . وتشطر ضرعيها : اقتسما فائدتها ونفعهما ، والضمير للخلافة ، وسمى القادمين معا ضرعا ، وسمى الآخرين معا ضرعا لما كانا لتجاورهما ، ولكونهما لا يحلبان إلا معا كشئ واحد . قوله عليه السلام : " فجعلها في حوزة خشناء " ، أي في جهة صعبة المرام ، شديدة الشكيمة . والكلم : الجرح . وقوله : " يغلظ " ، من الناس من قال : كيف قال : يغلظ كلمها ، والكلم لا يوصف بالغلظ ؟ وهذا قلة فهم بالفصاحة ، أ لا ترى كيف قد وصف الله سبحانه العذاب بالغلظ ، فقال : (ونجيناهم من عذاب غليظ) (2) أي متضاعف ! لان الغليظ من الاجسام هو ما كثف وجسم ، فكان أجزاؤه وجواهره متضاعفة ، فلما كان العذاب - أعاذنا الله منه - متضاعفا ، سمى غليظا ، وكذلك الجرح إذا أمعن وعمق ، فكأنه قد تضاعف وصار جروحا ، فسمى غليظا . إن قيل : قد قال عليه السلام " في حوزة خشناء " ، فوصفها بالخشونة ، فكيف عاد ذكر الخشونة ثانية فقال : " يخشن مسها " ؟ قيل : الاعتبار مختلف ، لان مراده بقوله " في حوزة خشناء " أي لا ينال ما عندها ولا يرام يقال : إن فلانا لخشن الجانب ووعر الجانب ، ومراده بقوله : " يخشن


(1) ديوانه 2 : 19 (2) سورة هود 58 (*)

[ 171 ]

مسها " أي تؤذى وتضر وتنكئ من يمسها ، يصف جفاء أخلاق الوالى المذكور ، ونفور طبعه وشدة بادرته . قوله عليه السلام : " ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها " ، يقول : ليست هذه الجهة جددا مهيعا ، بل هي كطريق كثيرة الحجارة ، لا يزال الماشي فيه عاثرا . وأما " منها " في قوله عليه السلام : " والاعتذار منها " ، فيمكن أن تكون " من " على أصلها ، يعنى أن عمر كان كثيرا ما يحكم بالامر ثم ينقضه ، ويفتى بالفتيا ثم يرجع عنها ، ويعتذر مما أفتى به أولا . ويمكن أن تكون " من " هاهنا للتعليل والسببية ، أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لاجلها ، قال : أ من رسم دار مربع ومصيف لعينيك من ماء الشؤون وكيف ! (1) أي لاجل أن رسم المربع والمصيف هذه الدار ، وكف دمع عينيك ! والصعبة من النوق : ما لم تركب ولم ترض ، إن أشنق لها راكبها بالزمام خرم أنفها ، وإن أسلس زمامها تقحم في المهالك فألقته في مهواة أو ماء أو نار ، أو ندت فلم تقف حتى ترديه عنها فهلك . وأشنق الرجل ناقته إذا كفها بالزمام ، وهو راكبها ، واللغة المشهورة شنق ، ثلاثية . وفي الحديث أن طلحة أنشد قصيدة فما زال شانقا راحلته ، حتى كتبت له (2) . وأشنق البعير نفسه ، إذا رفع رأسه ، يتعدى ولا يتعدى ، وأصله من الشناق ، وهو خيط يشد به فم القربة . وقال الرضى أبو الحسن رحمه الله تعالى : إنما قال عليه السلام : أشنق لها ، ولم يقل : " أشنقها " ، لانه جعل ذلك في مقابلة قوله : " أسلس لها " وهذا حسن ، فإنهم إذا


(1) وكيف الدمع : سيلانه . (2) الخبر في الفائق 1 : 677 ، وقال في شرحه : " هو أن يجذب رأسها بزمامها ، حتى يدانى قفاها قامة الرحل . وقد شنقها وأشنقها " . (*)

[ 172 ]

قصدوا الازدواج في الخطابة فعلوا مثل هذا ، قالوا : الغدايا والعشايا ، والاصل الغدوات جمع غدوة وقال صلى الله عليه وآله : " ارجعن مأزورات غير مأجورات " ، وأصله " موزورات " بالواو ، لانه من الوزر . وقال الرضى رحمه الله تعالى : ومما يشهد على أن أشنق بمعنى " شنق " قول عدى ابن زيد العبادي : ساءها ما لها تبين في الايدى وإشناقها إلى الاعناق قلت : " تبين " في هذا البيت فعل ماض ، تبين يتبين تبينا ، واللام في " لها " تتعلق ب‍ " تبين " ، يقول : ظهر لها ما في أيدينا فساءها . وهذا البيت من قصيدة أولها : ليس شئ على المنون بباق غير وجه المسبح الخلاق (1) وقد كان زارته بنية له صغيرة اسمها هند ، وهو في الحبس ، حبس النعمان ، ويداه مغلولتان إلى عنقه فأنكرت ذلك ، وقالت : ما هذا الذى في يدك وعنقك يا أبت ؟ وبكت ، فقال : هذا الشعر . وقبل هذا البيت : ولقد غمني زيارة ذى قربى صغير لقربنا مشتاق ساءها ما لها تبين في الايدى وإشناقها إلى الاعناق (2) أي ساءها ما ظهر لها من ذلك . ويروى : " ساءها ما بنا تبين " أي ما بان وظهر ، ويروى " ما بنا تبين " بالرفع على أنه مضارع . ويروى " إشناقها " بالرفع عطفا على " ما " ، التى هي بمعنى الذى وهى فاعلة . ويروى بالجر عطفا على الايدى .


(1) في الاغانى 2 : 116 (طبعة دار الكتب المصرية) (2) بعده في رواية الاغانى : فاذهبي يا أميم غير بعيد لا يؤاتى من في الوثاق وأذهبي يا أميم إن يشأ الله ينفس من أزم هذا الخناق (*)

[ 173 ]

وقال الرضى رحمه الله تعالى أيضا : ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب الناس وهو على ناقة قد شنق لها ، وهى تقصع بجرتها . قلت : الجرة : ما يعلو من الجوف وتجتره الابل ، والدرة ما يسفل . وتقصع بها : تدفع ، وقد كان للرضى رحمه الله تعالى إذا كانت الرواية قد وردت هكذا أن يحتج بها على جواز " أشنق لها " فإن الفعل في الخبر قد عدى باللام لا بنفسه . قوله عليه السلام : " فمنى الناس " أي بلى الناس ، قال . * منيت بزمردة كالعصا * (1) والخبط : السير على غير جادة ، والشماس : النفار . والتلون : التبدل . والاعتراض : السير لا على خط مستقيم ، كأنه يسير عرضا في غضون سيره طولا ، وإنما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط . وبعير عرضى : يعترض في مسيره ، لانه لم يتم رياضته ، وفي فلان عرضية ، أي عجرفة وصعوبة . [ طرف من أخبار عمر بن الخطاب ] وكان عمر بن الخطاب صعبا ، عظيم الهيبة شديد السياسة ، لا يحابى أحدا ، ولا يراقب شريفا ولا مشروفا . وكان أكابر الصحابة يتحامون ويتفادون من لقائه ، كان أبو سفيان ابن حرب في مجلس عمر ، وهناك زياد بن سمية وكثير من الصحابة ، فتكلم زياد فأحسن ، وهو يومئذ غلام ، فقال على عليه السلام - وكان حاضرا لابي سفيان وهو إلى جانبه - لله هذا الغلام : لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه . فقال له أبو سفيان : أما والله لو عرفت أباه لعرفت أنه من خير أهلك ، قال : ومن أبوه ؟ قال أنا وضعته والله في رحم أمه فقال على عليه السلام : فما يمنعك من استلحاقه ! قال : أخاف هذا العير (2) الجالس أن يخرق على إهابى ! وقيل لابن عباس لما أظهر قوله في العول (3) بعد موت عمر - ولم يكن قبل يظهره :


(1) لابي الغطمش الحنفي ، ذكره أبو تمام الحماسة 1881 بشرح المرزوقى ، وبقيته : * ألص وأخبث من كندش * (2) عير القوم : سيدهم . (3) عول الفريضة ، وهو أن تزيد سهامها ، فيدخل النقصان على أهل الفرائص . (*)

[ 174 ]

هلا قلت هذا وعمر حى ؟ قال : هبته ، وكان امرأ مهابا (1) . واستدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر وكانت حاملا ، فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها ، فأجهضت به جنينا ميتا ، فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك ، فقالوا : لا شئ عليك ، إنما أنت مؤدب ، فقال له على عليه السلام : إن كانوا راقبوك فقد غشوك ، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا عليك غرة - يعنى عتق رقبة - فرجع عمر والصحابة إلى قوله وعمر هو الذى شد بيعة أبى بكر ، ورقم المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لما جرده ، ودفع في صدر المقداد ، ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة ، وقال : اقتلوا سعدا ، قتل الله سعدا . وحطم أنف الحباب بن المنذر الذى قال يوم السقيفة : أنا جذيلها (2) المحكك ، وعذيقها المرجب . وتوعد من لجأ إلى دار فاطمة عليها السلام من الهاشميين ، وأخرجهم منها ولولاه لم يثبت لابي بكر أمر ، ولا قامت له قائمة . * * * وهو الذى ساس العمال وأخذ أموالهم في خلافته ، وذلك من أحسن السياسات . وروى الزبير بن بكار ، قال : لما قلد عمر عمرو بن العاص مصر ، بلغه أنه قد صار له مال عظيم من ناطق وصامت ، فكتب إليه ، أما بعد : فقد ظهر لى من مالك ما لم يكن في رزقك ، ولا كان لك مال قبل أن أستعملك ، فأنى لك هذا ! فو الله لو لم يهمنى في ذات الله إلا من اختان في مال الله ، لكثر همى ، وانتثر أمرى ، ولقد كان عندي من المهاجرين الاولين من هو خير منك ، ولكني قلدتك رجاء غنائك ، فاكتب إلى من أين لك هذا المال ، وعجل .


(1) كذا في ا ، وفى ب : " وكان امر اميبها " (2) الفائق ا : 180 ، وبقية الخبر فيه : " منا أمير ومنكم أمير " . الجذيل : تصغير الجذل ، بالكسر ، وهو في الاصل عود ينصب للجربى تحتك به فتستشفى . والمحكك : الذى كثر به الاحتكاك حتى صار مملسا . به كثير في مثل هذه الحادثة ، وأنا في كثرة التجارب والعلم بموارد الاحوال فيها وفى أمثالها ومصادرها كالنخلة الكثيرة الحمل " . (*)

[ 175 ]

فكتب إليه عمرو : أما بعد ، فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين فأما ما ظهر لى من مال ، فإنا قدمنا بلادا رخيصة الاسعار ، كثيرة الغزو ، فجعلنا ما أصابنا في الفضول التى اتصل بأمير المؤمنين نبؤها ، ووالله لو كانت خيانتك حلالا ما خنتك . وقد ائتمنتنى ، فإن لنا أحسابا إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك . وذكرت أن عندك من المهاجرين الاولين من هو خير منى ، فإذا كان ذاك فو الله ما دققت لك يا أمير المؤمنين بابا ، ولا فتحت لك قفلا . فكتب إليه عمر : أما بعد ، فإنى لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شئ ، ولكنكم معشر الامراء ، قعدتم على عيون الاموال ، ولن تعدموا عذرا ، وإنما تأكلون النار ، وتتعجلون العار ، وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة ، فسلم إليه شطر مالك . فلما قدم محمد صنع له عمرو طعاما ودعاه فلم يأكل ، وقال هذه تقدمة الشر ، ولو جئتني بطعام الضيف لاكلت ، فنح عنى طعامك ، وأحضر لى مالك ، فأحضره ، فأخذ شطره . فلما رأى عمرو كثرة ما أخذ منه ، قال : لعن الله زمانا صرت فيه عاملا لعمر ، والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية (1) لا تجاوز مأبض (2) ركبتيه ، وعلى عنقه حزمة حطب ، والعاص بن وائل في مزررات الديباج . فقال محمد : إيها عنك يا عمرو ! فعمر والله خير منك ، وأما أبوك وأبوه فإنهما في النار ، ولو لا الاسلام لالفيت معتلفا شاة ، يسرك غزرها ، ويسوءك بكوءها ، (3) قال : صدقت فاكتم على ، قال أفعل . * * * قال الربيع بن زياد الحارثى : كنت (4) عاملا لابي موسى الاشعري على البحرين


(1) قطوانية : منسوبة إلى قطوان ، موضع بالكوفة ، تنسب إليه الاكسية . (2) المأبض : باطن الركبة . (3) يقال : ركأت الناقة بكوءا ، إذا قل لبنها . (4) الخبر في الكامل 87 - 88 (طبع اوربا) . (*)

[ 176 ]

فكتب إليه عمر بالقدوم عليه هو وعماله ، وأن يستخلفوا جميعا . فلما قدمنا المدينة اتيت يرفأ حاجب عمر ، فقلت : يا يرفأ ، مسترشد وابن سبيل ! أي الهيآت أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله ؟ فأومأ إلى بالخشونة ، فاتخذت خفين مطارقين (1) ، ولبست جبة صوف ، ولثت عمامتى على رأسي ، ثم دخلنا على عمر فصفنا بين يديه ، فصعد بصره فينا وصوب ، فلم فلم تأخذ أحدا غيرى ، فدعاني ، فقال : من أنت ؟ قلت : الربيع بن زياد الحارثى ، قال : وما تتولى من أعمالنا ؟ قلت : البحرين ، قال : كم ترزق ؟ قلت ألفا ، قال : كثير ، فما تصنع به ؟ قلت : أتقوت منه شيئا ، وأعود بباقيه على أقارب لى ، فما فضل منهم فعلى فقراء المسلمين ، قال : لا بأس ، ارجع إلى موضعك ، فرجعت إلى موضعي من الصف ، فصعد فينا وصوب ، فلم تقع عينه إلا على فدعاني ، فقال : كم سنك ؟ قلت : خمس وأربعون ، فقال : الآن حيث استحكمت ! ثم دعا بالطعام ، وأصحابي حديث عهدهم بلين العيش ، وقد تجوعت له ، فأتى بخبز يابس وأكسار (2) بعير ، فجعل أصحابي يعافون ذلك ، وجعلت آكل فأجيد ، وأنا أنظر إليه ، وهو يلحظنى من بينهم ، ثم سبقت منى كلمة تمنيت لها أنى سخت في الارض ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك ، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا ! فزجرني ، ثم قال : كيف قلت ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أن تنظر إلى قوتك من الطحين فيخبز قبل إرادتك إياه بيوم ، ويطبخ لك اللحم كذلك ، فتؤتى بالخبز لينا ، وباللحم غريضا . فسكن من غربه ، وقال : أ هاهنا غرت (3) ! قلت : نعم ، فقال : يا ربيع ، إنا لو نشاء لملانا هذه الرحاب من صلائق (4) وسبائك (5) وصناب (6) ، ولكني رأيت الله نعى على قوم شهواتهم ، فقال : (أذهبتم طيباتكم


(1) ليست خفين مطارقين ، أي مطبقين ، واحدا فوق الآخر ، يقال : أطرق النعل وطارقها . (2) كسور الابل ، أي أعضاؤها ، واحدها كسر ، بالفتح والكسر . (3) غرت : ذهبت ، وفى الاصول : " غرب " تحريف . (4) الصلائق : جمع صليقة ، وهى الخبزة الرقيقة والقطعة المشواة من اللحم . (5) السبائك : ما سبك من الدقيق ونخل فأخذ خالصه ، يعنى الحوارى ، وكانوا يسمون الرقاق السبائك . (6) الصناب : صباغ يؤتدم به . (*)

[ 177 ]

في حياتكم الدنيا) (1) ، ثم أمر أبا موسى بإقرارى ، وأن يستبدل بأصحابى . * * * أسلم عمر بعد جماعة من الناس ، وكان سبب إسلامه أن أخته وبعلها أسلما سرا من عمر ، فدخل إليهما خباب بن الارت ، يعلمهما الدين خفية ، فوشى بهم واش إلى عمر ، فجاء دار أخته ، فتوارى خباب منه داخل البيت ، فقال عمر : ما هذه الهينمة عندكم ؟ قالت أخته : ما عدا حديثا تحدثناه بيننا . قال أراكما قد صبوتما ، قال ختنه : أ رأيت إن كان هو الحق ! فوثب عليه عمر فوطئه وطئا شديدا ، فجاءت أخته فدفعته عنه ، فنفحها بيده ، فدمي وجهها ، ثم ندم ورق ، وجلس واجما ، فخرج إليه خباب فقال : أبشر يا عمر ، فإنى أرجو أن تكون دعوة رسول الله لك الليلة ، فإنه لم يزل يدعو منذ الليلة : " اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام " . قال : فانطلق عمر متقلدا سيفه حتى أتى إلى الدار التى فيها رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ وهى الدار التى في أصل الصفا ، وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من المسلمين ، فوجل القوم من عمر إلا حمزة فإنه قال : قد جاءنا عمر ، فإن يرد الله به خيرا يهده ، وإن يرد غير ذلك كان قتله علينا هينا ، والنبى صلى الله عليه وآله داخل الدار يوحى إليه ، فسمع كلامهم ، فخرج حتى أتى عمر ، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه ، وقال : " ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزى والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ، اللهم هذا عمر ، اللهم أعز الاسلام بعمر " ، فقال عمر : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله . * * * مر يوما عمر في بعض شوارع المدينة ، فناداه إنسان : ما أراك إلا تستعمل عمالك ، وتعهد إليهم العهود ، وترى أن ذلك قد أجزأك ! كلا والله ، إنك المأخوذ بهم إن لم تتعهدهم ،


(1) سورة الاحقاف 20 (*)

[ 178 ]

قال : ما ذاك ؟ قال عياض بن غنم ، يلبس اللين ، ويأكل الطيب ، ويفعل كذا وكذا قال : أ ساع (1) ؟ قال : بل مؤد ما عليه ، فقال لمحمد بن مسلمة : الحق بعياض بن غنم فأتني به كما تجده ، فمضى محمد بن مسلمة حتى أتى باب عياض ، وهو أمير على حمص ، وإذا عليه بواب ، فقال له : قل لعياض : على بابك رجل يريد أن يلقاك ، قال : ما تقول ؟ قال : قل له ما أقول لك فقام كالمعجب فأخبره ، فعرف عياض أنه أمر حدث ، فخرج فإذا محمد بن مسلمة ، فأدخله ، فرأى على عياض قميصا رقيقا ، ورداء لينا ، فقال : إ ن أمير المؤمنين أمرنى ألا أفارقك حتى آتيه بك كما أجدك . فأقدمه على عمر وأخبره أنه وجده في عيش ناعم ، فأمر له بعصا وكساء ، وقال : إذهب بهذه الغنم ، فأحسن رعيها ، فقال : الموت أهون من ذلك ، فقال : كذبت ، ولقد كان ترك ما كنت عليه أهون عليك من ذلك . فساق الغنم بعصاه ، والكساء في عنقه ، فلما بعد رده ، وقال : أ رأيت إن رددتك إلى عملك أ تصنع خيرا ؟ قال : نعم والله يا أمير المؤمنين ، لا يبلغك منى بعدها ما تكره . فرده إلى عمله ، فلم يبلغه عنه بعدها ما ينقمه عليه . * * * كان الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله يأتون الشجرة التى كانت بيعة الرضوان تحتها ، فيصلون عندها ، فقال عمر : أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى ! ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد ، ثم أمر بها فقطعت . * * * لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله ، وشاع بين الناس موته ، طاف عمر على الناس قائلا : أنه لم يمت ، ولكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه ، وليرجعن فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم ، يزعمون أنه مات ؟ فجعل لا يمر بأحد يقول إنه مات إلا ويخبطه ويتوعده ، حتى جاء أبو بكر ، فقال : أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ،


(1) الساعي هنا : الواشى . (*)

[ 179 ]

ومن كان يعبد رب محمد ، فإنه حى لم يمت ، ثم تلا قوله تعالى : (أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (1) ، قالوا : فو الله لكأن الناس ما سمعوا هذه الآية حتى تلاها أبو بكر . وقال عمر : لما سمعته يتلوها هويت إلى الارض ، وعلمت أن رسول الله قد مات . * * * لما قتل خالد مالك بن نويرة ونكح امرأته ، كان في عسكره أبو قتادة الانصاري ، فركب فرسه ، والتحق بأبى بكر ، وحلف ألا يسير في جيش تحت لواء خالد أبدا ، فقص على أبى بكر القصة ، فقال أبو بكر : لقد فتنت الغنائم العرب ، وترك خالد ما أمرته ، فقال عمر : إن عليك أن تقيده بمالك ، فسكت أبو بكر ، وقدم خالد فدخل المسجد وعليه ثياب قد صدئت من الحديد ، وفي عمامته ثلاثة أسهم ، فلما رآه عمر قال : أ رياء يا عدو الله ! عدوت على رجل من المسلمين فقتلته ، ونكحت امرأته ، أما والله إن أمكننى الله منك لارجمنك ، ثم تناول الاسهم من عمامته فكسرها ، وخالد ساكت لا يرد عليه ، ظنا أن ذلك عن أمر أبى بكر ورأيه ، فلما دخل إلى أبى بكر وحدثه ، صدقه فيما حكاه وقبل عذره . فكان عمر يحرض أبا بكر على خالد ويشير عليه أن يقتص منه بدم مالك ، فقال أبو بكر : إيها يا عمر ! ما هو بأول من أخطأ ، فارفع لسانك عنه ، ثم ودى مالكا من بيت مال المسلمين . * * * لما صالح خالد أهل اليمامة وكتب بينه وبينهم كتاب الصلح ، وتزوج ابنة مجاعة بن مرارة الحنفي ، وصل إليه كتاب أبى بكر : لعمري يا بن أم خالد ، إنك لفارغ حتى تزوج النساء ، وحول حجرتك دماء المسلمين لم تجف بعد . . . في كلام أغلظ له فيه ، فقال خالد : هذا الكتاب ليس من عمل أبى بكر ، هذا عمل الاعيس يعنى عمر


(1) سورة آل عمران 144 (*)

[ 180 ]

عزل عمر خالدا عن إمارة حمص في سنة سبع عشرة ، وأقامه للناس ، وعقله بعمامته ، ونزع قلنسوته عن رأسه وقال : أعلمني ، من أين لك هذا المال ؟ وذلك أنه أجاز الاشعث ابن قيس بعشرة آلاف درهم ، فقال من الانفال والسهمان ؟ فقال : لا والله ، لا تعمل لى عملا بعد اليوم ، وشاطره ماله ، وكتب إلى الامصار بعزله ، وقال : إن الناس فتنوا به ، فخفت أن يوكلوا إليه ، وأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع . * * * لما أسر الهرمزان حمل إلى عمر من تستر إلى المدينة ، ومعه رجال من المسلمين ، منهم الاحنف بن قيس ، وأنس بن مالك ، فأدخلوه المدينة في هيئته وتاجه وكسوته ، فوجدوا عمر نائما في جانب المسجد ، فجلسوا عنده ينتظرون انتباهه ، فقال الهرمزان : وأين عمر ؟ قالوا : ها هو ذا ، قال أين حرسه ؟ قالوا : لا حاجب له ولا حارس قال : فينبغي أن يكون هذا نبيا ، قالوا : إنه يعمل بعمل الانبياء . واستيقظ عمر ، فقال الهرمز ! فقالوا نعم ، قال : لا أكلمه أو لا يبقى عليه من حليته شئ ، فرموا ما عليه ، وألبسوه ثوبا صفيقا ، فلما كلمه عمر ، أمر أبا طلحة أن ينتضى سيفه ويقوم على رأسه ، ففعل . ثم قال له : ما عذرك في نقض الصلح ونكث العهد ! - وقد كان الهرمزان صالح أولا ثم نقض وغدر - فقال : أخبرك ، قال : قل ، قال : وأنا شديد العطش ! فاسقني ثم أخبرك . فأحضر له ماء ، فلما تناوله جعلت يده ترعد ، قال : ما شأنك ؟ قال : أخاف أن أمد عنقي وأنا أشرب فيقتلني سيفك ؟ قال لا بأس عليك حتى تشرب ، فألقى الاناء عن يده ، فقال : ما بالك ؟ أعيدوا عليه الماء ، ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش ، قال : إنك قد أمنتنى ، قال : كذبت ! قال : لم أكذب ، قال أنس : صدق يا أمير المؤمنين ، قال : ويحك يا أنس ! أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك ! والله لتأتينى بالمخرج أو لاعاقبنك ، قال : أنت يا أمير المؤمنين قلت : لا بأس عليك حتى تشرب . وقال له ناس من المسلمين

[ 181 ]

مثل قول أنس ، فقال للهرمزان : ويحك أ تخدعني ! والله لاقتلنك إلا أن تسلم ، ثم أومأ إلى أبى طلحة ، فقال الهرمزان : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله . فأمنه وأنزله المدينة . * * * سأل عمر عمرو بن معد يكرب عن السلاح فقال له : ما تقول في الرمح ؟ قال : أخوك وربما خانك ، قال فالنبل ؟ قال : رسل المنايا ! تخطئ وتصيب ، قال فالدرع ؟ قال : مشغلة للفارس ، متعبة للراجل ، وإنها مع ذلك لحصن حصين ، قال فالترس ؟ قال : هو المجن ، وعليه تدور الدوائر ، قال : فالسيف ؟ قال : هناك قارعت أمك الهبل ، قال : بل أمك ، قال : بل أمي ، والحمى أمرعنى (1) لك . * * * وأول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبى قحافة ، مات أبو بكر فناح النساء عليه ، وفيهن أخته أم فروة ، فنهاهن عمر مرارا ، وهن يعاودن ، فأخرج أم فرورة من بينهن ، وعلاها بالدرة فهربن وتفرقن . * * * كان يقال : درة عمر أهيب من سيف الحجاج . وفي الصحيح أن نسوة كن عند رسول الله صلى الله عليه وآله قد كثر لغطهن ، فجاء عمر فهربن هيبة له ، فقال لهن : يا عديات أنفسهن ! أ تهبننى ولا تهبن رسول الله ! قلن : نعم ، أنت أغلظ وأفظ . * * * وكان عمر يفتى كثيرا بالحكم ثم ينقضه ، ويفتى بضده وخلافه ، قضى في الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة ، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال : من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه .


(1) ب : " أصرعتني " ، وما أثبته من ا (*)

[ 182 ]

وقال مرة : لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها ، فقالت له امرأة : ما جعل الله لك ذلك ، إنه تعالى قال : (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أ تأخذونه بهتانا وإثما مبينا) (1) فقال : كل النساء أفقه من عمر ، حتى ربات الحجال ! أ لا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت ، فاضلت إمامكم ففضلته ! * * * ومر يوما بشاب من فتيان الانصار وهو ظمآن ، فاستسقاه ، فجدح (2) له ماء بعسل فلم يشربه ، وقال : إن الله تعالى يقول : (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) فقال له الفتى : يا أمير المؤمنين ، إنها ليست لك ولا لاحد من هذه القبيلة ، اقرأ ما قبلها : (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) (3) ، فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر ! * * * وقيل إن عمر كان يعس بالليل ، فسمع صوت رجل وامرأة في بيت ، فارتاب فتسور الحائط ، فوجد امرأة ورجلا ، وعندهما زق خمر ، فقال : يا عدو الله ، أ كنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصيته ! قال : يا أمير المؤمنين ، إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث ، قال الله تعالى : (ولا تجسسوا) (4) ، وقد تجسست . وقال : (وأتوا البيوت من أبوابها) (5) ، وقد تسورت ، وقال : (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا) (6) ، وما سلمت ! وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا محرمهما ، ومعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج . وهذا الكلام وإن كان ظاهره منكرا فله عندنا مخرج وتأويل ، وقد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم . * * *


(1) سورة النساء 20 (2) جدح : خلط (3) سورة الاحقاف 20 (4) سورة الحجرات 12 (5) سورة البقرة 189 (6) سورة النور 61 (*)

[ 183 ]

وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة ، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد ، ويتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده ، فمنها الكلمة التى قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله . ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها ! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ، ولم يتحفظ منها . وكان الاحسن أن يقول : " مغمور " أو " مغلوب بالمرض " ، وحاشاه أن يعنى بها غير ذلك ! ولجفاة الاعراب من هذا الفن كثير ، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط : رب العباد ما لنا وما لكا ! قد كنت تسقينا فما بدا لكا ! أنزل علينا القطر لا أبا لكا ! فقال سليمان : أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد ، فأخرجه أحسن مخرج (1) . وعلى نحو هذا يحتمل كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبى صلى الله عليه وآله : أ لم تقل لنا : ستدخلونها ، في الفاظ نكره حكايتها ، حتى شكاه النبي صلى الله عليه وآله إلى أبى بكر ، وحتى قال له أبو بكر : الزم بغرزه (2) ، فو الله إنه لرسول الله . وعمر هو الذى أغلظ على جبلة بن الايهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة ، بل مفارقة دار الاسلام كلها ، وعاد مرتدا داخلا في دين النصرانية ، لاجل لطمة لطمها . وقال جبلة بعد ارتداده متندما على ما فعل : تنصرت الاشراف من أجل لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر ! فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلى القول الذى قاله عمر * * *


(1) الخبر في الكامل 7 : 145 بشرح المرصفى (2) الغرز في الاصل : ركاب الرحل ، وفى الكلام استعارة ، والمراد هنا : اتبع قوله . (*)

[ 184 ]

الاصل : حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة زعم أنى أحدهم ، فيا لله وللشورى ! متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! لكنى أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن . الشرح : لا للام في " يا لله " مفتوحة ، واللام في و " للشورى " مكسورة ، لان الاولى للمدعو ، والثانية للمدعو إليه ، قال : يا للرجال ليوم الاربعاء أما ينفك يحدث لى بعد النهى طربا اللام في " للرجال " مفتوحة ، وفي " ليوم " مكسورة . وأسف الرجل ، إذا دخل في الامر الدنئ أصله من " أسف الطائر " إذا دنا من الارض في طيرانه . والضغن : الحقد . وقوله : " مع هن وهن " ، أي مع أمور يكنى عنها ولا يصرح بذكرها ، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشر ، قال (1) : * على هنوات شرها متتابع * يقول عليه السلام : إن عمر لما طعن جعل الخلافة في ستة ، هو عليه السلام أحدهم ، ثم تعجب من ذلك ، فقال : متى اعترض الشك في مع أبى بكر ، حتى أقرن بسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأمثالهما ! لكنى طلبت الامر وهو موسوم بالاصاغر منهم ، كما طلبته أولا وهو موسوم بأكابرهم ، أي هو حقى فلا أستنكف من طلبه ، إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة . وصغا الرجل بمعنى مال ، الصغو : الميل ، بالفتح والكسر .


(1) البيت في اللسان (20 : 243) من غير نسبه ، وأوله : * أرى ابن نزار قد جفاني وملنى * (*)

[ 185 ]

[ قصة الشورى ] وصورة هذه الواقعة أن عمر لما طعنه أبو لؤلؤة ، وعلم أنه ميت ، استشار فيمن يوليه الامر بعده ، فأشير عليه بابنه عبد الله ، فقال : لاها الله إذا لا يليها رجلان من ولد الخطاب ! حسب عمر ما حمل ! حسب عمر ما احتقب ، لاها الله ! لا أتحملها حيا وميتا ! ثم قال : إن رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش : على ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم . ثم قال : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى - يعنى أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير منى - يعنى رسول الله صلى الله عليه وآله - ثم قال : ادعوهم لى ، فدعوهم ، فدخلوا عليه وهو ملقى على فراشه يجود بنفسه . فنظر إليهم فقال : أ كلكم يطمع في الخلافة بعدى ! فوجموا ، فقال لهم ثانية ، فأجابه الزبير وقال : وما الذى يبعدنا منها ! وليتها أنت فقمت بها ، ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة . - قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ : والله لو لا علمه أن عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوه من هذا الكلام بكلمة ، ولا أن ينبس منه بلفظه - . فقال عمر : أ فلا أخبركم عن أنفسكم ! قال : قل ، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا . فقال : أما أنت يا زبير فوعق لقس (1) ، مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوما إنسان ويوما شيطان ، ولعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير ! أ فرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعرى ، من يكون للناس يوم تكون شيطانا ، ومن يكون يوم تغضب ! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الامة ، وأنت على هذه الصفة . ثم أقبل على طلحة - وكان له مبغضا منذ قال لابي بكر يوم وفاته ما قال في عمر - فقال له : أقول أم أسكت : قال : قل ، فإنك لا تقول من الخير شيئا ، قال : أما إنى أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد وائيا (2) بالذى حدث لك ، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الوعق : الضجر المتبرم ، واللقس : من لا يستقيم على وجه . (2) وائيا : غاضبا . (*)

[ 186 ]

ساخطا عليك بالكلمة التى قلتها يوم أنزلت آية الحجاب . قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ رحمه الله تعالى : الكلمة المذكورة أن طلحة لما أنزلت آية الحجاب قال بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : ما الذى يعنيه حجابهن اليوم ، وسيموت غدا فننكحهن ! قال أبو عثمان أيضا : لو قال لعمر قائل : أنت قلت : إن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة ، فكيف تقول الآن لطلحة أنه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التى قلتها - لكان قد رماه بمشاقصه (1) ولكن من الذى كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا ، فكيف هذا ! قال : ثم أقبل على سعد بن أبى وقاص فقال : إنما أنت صاحب مقنب (2) من هذه المقانب ، تقاتل به ، وصاحب قنص وقوس وأسهم ، وما زهرة (3) ، والخلافة وأمور الناس ! ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف ، فقال : وأما أنت يا عبد الرحمن فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك به ، ولكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك ، وما زهرة وهذا الامر ! ثم أقبل على على عليه السلام ، فقال : لله أنت لو لا دعابة فيك ! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح ، والمحجة البيضاء . ثم أقبل على عثمان ، فقال : هيها إليك ! كأنى بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك ، فحملت بنى أمية وبنى أبى معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفئ ، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحا . والله لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ليفعلن ، ثم أخذ بناصيته ، فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولى ، فإنه كائن . ذكر هذا الخبر كله شيخنا أبو عثمان في كتاب " السفيانية " (4) وذكره جماعة غيره في باب فراسة عمر ، وذكر أبو عثمان في هذا الكتاب عقيب رواية هذا الخبر قال : وروى


(1) المشاقص : جمع مشقص ، وهو نصل السهم إذا كان طويلا (2) المقنب : جماعة خيل (3) زهرة : قبيلة سعد بن أبى وقاص (4) كتاب السفيانية . . . (*)

[ 187 ]

معمر بن سليمان التيمى عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس ، قال : سمعت عمر ابن الخطاب يقول لاهل الشورى : إنكم إن تعاونتم وتوازرتم وتناصحتم أكلتموها وأولادكم ، وإن تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم ، غلبكم على هذا الامر معاوية بن أبى سفيان ، وكان معاوية حينئذ أمير الشام . ثم رجع بنا الكلام إلى تمام قصة الشورى . ثم قال : ادعوا إلى أبا طلحة الانصاري ، فدعوه له فقال : انظر يا أبا طلحة ، إذا عدتم من حفرتي ، فكن في خمسين رجلا من الانصار حاملي سيوفكم ، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الامر وتعجيله ، واجمعهم في بيت ، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم ، فإن اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه ، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما ، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة ، فانظر ، الثلاثة التى فيها عبد الرحمن ، فارجع إلى ما قد اتفقت عليه ، فإن أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقها ، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر ، فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختاروا لانفسهم . فلما دفن عمر ، جمعهم أبو طلحة ، ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الانصار ، حاملي سيوفهم ، ثم تكلم القوم وتنازعوا ، فأول ما عمل طلحة أنه أشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان ، وذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به ، عليا وعثمان ، وأن الخلافة لا تخلص له وهذان موجودان ، فأراد تقوية أمر عثمان وإضعاف جانب على عليه السلام ، بهبة أمر لا انتفاع له به ، ولا تمكن له منه . فقال الزبير في معارضته : وأنا أشهدكم على نفسي أنى قد وهبت حقى من الشورى لعلى ، وإنما فعل ذلك لانه لما رأى عليا قد ضعف وانخزل بهبة طلحة حقه لعثمان ، دخلته حمية النسب ، لانه ابن عمة أمير المؤمنين عليه السلام ، وهى صفية بنت عبد المطلب ، وأبو طالب خاله . وإنما مال طلحة إلى عثمان لانحرافه عن على عليه السلام ، باعتبار أنه

[ 188 ]

تيمى ، وابن عم أبى بكر الصديق ، وقد كان حصل في نفوس بنى هاشم من بنى تيم حنق شديد لاجل الخلافة ، وكذلك صار في صدور تيم على بنى هاشم ، وهذا أمر مركوز في طبيعة البشر ، وخصوصا طينة العرب وطباعها ، والتجربة إلى الآن تحقق ذلك ، فبقى من الستة أربعة . فقال سعد بن أبى وقاص : وأنا قد وهبت حقى من الشورى لابن عمى عبد الرحمن - وذلك لانهما من بنى زهرة ، ولعلم سعد أن الامر لا يتم له - فلما لم يبق إلا الثلاثة . قال عبد الرحمن لعلى وعثمان : أيكما يخرج نفسه من الخلافة ، ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين ؟ فلم يتكلم منهما أحد ، فقال عبد الرحمن : أشهدكم أننى قد أخرجت نفسي من الخلافة ، على أن أختار أحدهما ، فأمسكا ، فبدأ بعلى عليه السلام ، وقال له : أبايعك على كتاب الله ، وسنة رسول الله ، وسيرة الشيخين : أبى بكر وعمر . فقال : بل على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيى . فعدل عنه ألى عثمان ، فعرض ذلك عليه ، فقال : نعم ، فعاد إلى على عليه السلام ، فأعاد قوله ، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثا ، فلما رأى أن عليا غير راجع عما قاله ، وأن عثمان ينعم له (1) بالاجابة صفق على يد عثمان ، وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فيقال : إن عليا عليه السلام قال له . والله ما فعلتها إلا لانك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه ، دق الله بينكما عطر منشم (2) . قيل : ففسد بعد ذلك بين عثمان وعبد الرحمن ، فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن . * * *


(1) أنعم له ، إذا قال مجيبا " نعم " . (2) قال الاصمعي : منشم ، بكسر الشين : اسم امرأة كانت بمكة عطارة ، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها ، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم ، فكان يقال : أشأم من عطر منشم ، فصار مثلا . صحاح الجوهرى 5 : 2041 (*)

[ 189 ]

ثم نرجع إلى تفسير ألفاظ الفصل . أما قوله عليه السلام " فصغا رجل منهم لضغنه " ، فإنه يعنى طلحة . وقال القطب الراوندي : يعنى سعد بن أبى وقاص ، لان عليا عليه السلام قتل أباه يوم بدر . وهذا خطأ فإن أباه أبو وقاص ، واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب ، مات في الجاهلية حتف أنفه . وأما قوله : " ومال الآخر لصهره " فإنه يعنى عبد الرحمن مال إلى عثمان ، لان أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط كانت تحته ، وأم كلثوم هذه هي أخت عثمان من أمه ، أروى بنت كريز . وروى القطب الراوندي أن عمر لما قال : كونوا مع الثلاثة التى عبد الرحمن فيها ، قال ابن عباس لعلى عليه السلام : ذهب الامر منا ، الرجل يريد أن يكون الامر في عثمان ، فقال على عليه السلام : وأنا أعلم ذلك ، ولكني أدخل معهم في الشورى ، لان عمر قد أهلني الآن للخلافة ، وكان قبل ذلك (1) يقول : إن رسول الله صلى الله عليه قال : إن النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت ، فأنا (2) أدخل في ذلك لاظهر للناس مناقضة فعله لروايته . الذى ذكره (3) الراوندي غير معروف ، ولم ينقل عمر هذا عن رسول الله صلى الله عليه ، ولكنه قال لعبد الله بن عباس يوما : يا عبد الله ، ما تقول في منع قومكم منكم ؟ قال : لا أعلم يا أمير المؤمنين ، قال : اللهم غفرا ! إن قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فتذهبون في السماء بذخا وشمخا ، لعلكم تقولون : إن أبا بكر أراد الامرة عليكم ، وهضمكم ! كلا ، لكنه حضره أمر لم يكن عنده أحزم مما فعل ، ولو لا رأى أبى بكر


(1) كلمة " ذلك " ساقطة من ب (2) ا : " وأنا " (3) ب " رواه " (*)

[ 190 ]

في بعد موته لاعاد أمركم إليكم ، ولو فعل ما هنأكم مع قومكم ، إنهم لينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره . فأما الرواية التى جاءت بأن طلحة لم يكن حاضرا يوم الشورى ، فإن صحت فذو الضغن هو سعد بن أبى وقاص ، لان أمه حمية بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس ، والضغينة التى عنده على على عليه السلام من قبل أخواله الذين قتل صناديدهم ، وتقلد دماءهم ، ولم يعرف أن عليا عليه السلام قتل أحدا من بنى زهرة لينسب الضغن إليه . * * * وهذه الرواية هي التى اختارها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب " التاريخ " قال : لما طعن عمر (1) قيل له : لو استخلفت : [ يا أمير المؤمنين ] (2) فقال [ من أستخلف ] (2) ! لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته (3) وقلت لربى لو سألني : سمعت نبيك يقول : " ابو عبيدة أمين هذه الامة " ، ولو كان سالم مولى أبى حذيفة حيا استخلفته ، (5) وقلت لربى إن سألني : سمعت نبيك عليه السلام يقول : " إن سالما شديد الحب لله " ، فقال له رجل : ول (6) عبد الله بن عمر ، فقال : قاتلك الله ! والله ما الله أردت بهذا الامر ! [ ويحك ] (2) ! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته ! لا أرب لعمر في خلافتكم (7) ، ما حمدتها فأرغب فيها لاحد من أهل بيتى ، إن تك خيرا فقد أصبنا منه ، وإن تك شرا يصرف عنا ، حسب آل عمر أن يحاسب منهم [ رجل ] (2) واحد ، ويسأل عن أمر أمة محمد . فخرج الناس من عنده ، ثم راحوا إليه فقالوا له : لو عهدت عهدا ! قال : قد كنت أجمعت بعد مقالتي [ لكم ] (2) أن أولى أمركم رجلا ، هو أحراكم أن يحملكم على الحق -


(1) تاريخ الرسل والملوك 5 : 33 وما بعدها ، مع تصرف واختصار . (2) تكملة من تاريخ الطبري (3) الطبري : " استخلفته " (4) الطبري : " إنه أمين هذه الامة " (5) الطبري : " فإن سألني ربى قلت . . . " (6) الطبري : " أدلك عليه عبد الله بن عمر " (7) الطبري : " أموركم " . (*)

[ 191 ]

وأشار إلى على عليه السلام - فرهقتني غشية ، فرأيت رجلا يدخل جنة ، فجعل يقطف كل غضة ويانعة ، فيضمها إليه ، ويصيرها تحته ، فخفت أن أتحملها حيا وميتا ، وعلمت أن الله غالب أمره عليكم بالرهط الذى قال رسول الله عنهم : إنهم من أهل الجنة ، ثم ذكر خمسة : عليا ، وعثمان ، وعبد الرحمن ، والزبير ، وسعدا . قال : ولم يذكر في هذا المجلس طلحة ، ولا كان طلحة يومئذ بالمدينة . ثم قال لهم : انهضوا إلى حجرة عائشة فتشاوروا فيها : ووضع رأسه وقد نزفه الدم ، فقال العباس لعلى عليه السلام : لا تدخل معهم ، وارفع نفسك عنهم ، قال : إنى أكره الخلاف ، قال : إذن ترى ما تكره ، فدخلوا الحجرة فتناجوا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقال عبد الله بن عمر : إن أمير المؤمنين لم يمت بعد ، ففيم هذا اللغط ! وانتبه عمر ، وسمع الاصوات ، فقال : ليصل بالناس صهيب ، ولا يأتين اليوم الرابع من يوم موتى إلا وعليكم أمير ، وليحضر عبد الله بن عمر مشيرا وليس له شئ من الامر وطلحة بن عبيد الله شريككم في الامر ، فإن قدم إلى ثلاثة أيام فأحضروه أمركم ، وإلا فارضوه ، ومن لى برضا طلحة ! فقال سعد : أنا لك به ، ولن يخالف إن شاء الله تعالى . ثم ذكر وصيته لابي طلحة الانصاري وما خص به عبد الرحمن بن عوف من كون الحق في الفئة التى هو فيها وأمره بقتل من يخالف ، ثم خرج الناس فقال على عليه السلام لقوم معه من بنى هاشم : إن أطيع فيكم قومكم من قريش لم تؤمروا أبدا . وقال للعباس : عدل بالامر عنى يا عم . قال : وما علمك ؟ قال : قرن بى عثمان . وقال عمر كونوا مع الاكثر ، فإن رضى رجلان رجلا ورجلان رجلا ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن ، فسعد لا يخالف ابن عمه ، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان ، فيوليها أحدهما الآخر ، فلو كان الآخران معى لم يغنيا شيئا ، فقال العباس : لم أرفعك إلى شئ إلا رجعت إلى

[ 192 ]

مستأخرا بما أكره ، أشرت عليك عند مرض رسول الله صلى الله عليه أن تسأله عن هذا الامر فيمن هو ، فأبيت ، وأشرت عليك عند وفاته أن تعاجل البيعة (1) فأبيت ، وقد أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى اليوم ، أن ترفع نفسك عنها ، ولا تدخل معهم فيها ، فأبيت ، فاحفظ عنى واحدة ، كلما عرض عليك القوم الامر فقل : لا ، إلا أن يولوك . واعلم أن هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الامر حتى يقوم لك به غيرك ، وايم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير ، فقال عليه السلام : أما إنى أعلم أنهم سيولون عثمان ، وليحدثن البدع والاحداث ، ولئن بقى لاذكرنك ، وإن قتل أو مات ليتداولنها بنو أمية بينهم ، وإن كنت حيا لتجدني حيث تكرهون ، ثم تمثل : حلفت برب الراقصات عشية غدون خفافا يبتدرن المحصبا (2) ليجتلبن رهط ابن يعمر غدوة نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا . قال : ثم التفت فرأى أبا طلحة الانصاري ، فكره مكانه ، فقال أبو طلحة لا نزاع أبا حسن ، فلما مات عمر ، ودفن وخلوا بأنفسهم للمشاورة في الامر ، وقام أبو طلحة يحجبهم بباب البيت ، جاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، فجلسا بالباب ، فحصبهما سعد وأقامهما ، وقال : إنما تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أصحاب الشورى . فتنافس القوم في الامر وكثر بينهم الكلام ، فقال أبو طلحة : أنا كنت لان تدافعوها أخوف منى عليكم أن تنافسوها ! ألا والذى ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الايام الثلاثة التى وقفت لكم ، فاصنعوا ما بدا لكم ! قال : ثم إن عبد الرحمن قال لابن عمه سعد بن أبى وقاص : إنى قد كرهتها ، وساخلع نفسي منها ، لانى رأيت الليلة روضة خضراء كثيرة العشب ، فدخل فحل ما رأيت


(1) الطبري : " الامر " (2) الطبري : " فابتدرن " . (*)

[ 193 ]

أكرم منه ، فمر كأنه سهم لم يلتفت إلى شئ منها حتى قطعها ، لم يعرج ودخل بعير يتلوه تابع أثره حتى خرج منها . ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه ، ومضى قصد الاولين ، ثم دخل بعير رابع ، فوقع في الروضة يرتع ويخضم ، ولا والله لا أكون الرابع ، وإن أحدا لا يقوم مقام أبى بكر وعمر فيرضى الناس عنه . ثم ذكر خلع عبد الرحمن نفسه من الامر ، على أن يوليها أفضلهم في نفسه ، وأن عثمان أجاب إلى ذلك ، وأن عليا عليه السلام سكت ، فلما روجع رضى على موثق أعطاه عبد الرحمن ، أن يؤثر الحق ، ولا يتبع الهوى ، ولا يخص ذا رحم ، ولا يألو الامة نصحا ، وأن عبد الرحمن ردد القول بين على وعثمان متلوما ، وأنه خلا بسعد تارة ، وبالمسور بن مخرمة الزهري تارة أخرى ، وأجال فكره ، وأعمل نظره ، ووقف موقف الحائر بينهما ، قال : قال على عليه السلام لسعد بن أبى وقاص : يا سعد ، اتقوا الله الذى تساءلون به والارحام ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله صلى الله عليه وبرحم عمى حمزة منك ، ألا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا . - قلت : رحم حمزة من سعد ، هي أن أم حمزة هالة بنت أهيب بن عبد مناف ابن زهرة ، وهى أيضا أم المقوم ، وحجل - واسمه المغيرة - والغيداق أبناء عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف ، هؤلاء الاربعة بنو عبد المطلب من هالة ، وهالة هذه هي عمة سعد بن أبى وقاص ، فحمزة إذن ابن عمة سعد ، وسعد ابن خال حمزة . - قال أبو جعفر : فلما أتى اليوم الثالث ، جمعهم عبد الرحمن ، واجتمع الناس كافة ، فقال عبد الرحمن : أيها الناس ، أشيروا على في هذين الرجلين ! فقال عمار بن ياسر : إن أردت ألا يختلف الناس ، فبايع عليا عليه السلام ، فقال المقداد : صدق عمار ، وإن بايعت عليا سمعنا وأطعنا ، فقال عبد الله بن أبى سرح : إن أردت ألا يختلف قريش ،

[ 194 ]

فبايع عثمان ، قال عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى : صدق ، إن بايعت عثمان سمعنا واطعنا . فشتم عمار ابن أبى سرح ، وقال له : متى كنت تنصح الاسلام ! فتكلم بنو هاشم وبنو أمية ، وقام عمار ، فقال : أيها الناس ، إن الله أكرمكم بنبيه ، وأعزكم بدينه ، فإلى متى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ! فقال رجل من بنى مخزوم : لقد عدوت طورك يا بن سمية ، وما أنت وتأمير قريش لانفسها ! فقال سعد : يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس . فحينئذ عرض عبد الرحمن على على عليه السلام العمل بسيرة الشيخين ، فقال : بل أجتهد برأيى . فبايع عثمان بعد أن عرض عليه ، فقال : نعم ، فقال على عليه السلام : ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ، والله ما وليته الامر إلا ليرده إليك ، والله كل يوم في شأن . فقال عبد الرحمن : لا تجعلن على نفسك سبيلا يا على - يعنى أمر عمر أبا طلحة أن يضرب عنق المخالف - فقام على عليه السلام فخرج ، وقال : سيبلغ الكتاب أجله ، فقال عمار : يا عبد الرحمن ، أما والله لقد تركته ، وإنه من الذين يقضون بالحق وبه كانوا يعدلون . فقال المقداد : تالله ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم ، وا عجبا لقريش ! لقد تركت رجلا ما أقول ولا أعلم أن أحدا أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أتقى منه ! أما والله لو أجد أعوانا ! فقال عبد الرحمن : اتق الله يا مقداد ، فإنى خائف عليك الفتنة . وقال على عليه السلام : إنى لاعلم ما في أنفسهم إن الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر في صلاح شأنها ، فتقول : إن ولى الامر بنو هاشم لم يخرج منهم أبدا ، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش . قال : وقدم طلحة في اليوم الذى بويع فيه لعثمان فتلكأ ساعة ، ثم بايع . * * *

[ 195 ]

وروى أبو جعفر رواية أخرى أطالها ، وذكر خطب أهل الشورى وما قاله كل منهم ، وذكر كلاما قاله على عليه السلام في ذلك اليوم ، وهو : الحمد لله الذى اختار محمدا منا نبيا ، وابتعثه إلينا رسولا ، فنحن أهل بيت النبوة ومعدن الحكمة ، أمان لاهل الارض ، ونجاة لمن طلب ، إن لنا حقا إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الابل ، وإن طال السرى ، لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله عهدا لانفذنا عهده ، ولو قال لنا قولا لجالدنا عليه حتى نموت ، لن يسرع أحد قبلى إلى دعوة حق وصلة رحم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . اسمعوا كلامي وعوا منطقى ، عسى أن تروا هذا الامر بعد هذا الجمع تنتضى فيه السيوف ، وتخان فيه العهود ، حتى لا يكون لكم جماعة ، وحتى يكون بعضكم أئمة لاهل الضلالة وشيعة لاهل الجهالة . * * * قلت : وقد ذكر الهروي (1) في كتاب " الجمع بين الغريبين " قوله : " وإن نمنعه نركب أعجاز الابل " ، وفسره على وجهين : أحدهما : أن من ركب عجز البعير يعانى مشقة ، ويقاسي جهدا ، فكأنه قال : وإن نمنعه نصبر على المشقة ، كما يصبر عليها راكب عجز البعير . والوجه الثاني أنه أراد : نتبع غيرنا ، كما أن راكب عجز البعير يكون رديفا لمن هو أمامه ، فكأنه قال : وإن نمنعه نتأخر ونتبع غيرنا ، كما يتأخر راكب البعير ! * * *


(1) هو أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي ، صيف كتابه في الجمع بين غريبى القرآن والحديث . (*)

[ 196 ]

وقال أبو هلال العسكري في كتاب " الاوائل " : استجيبت دعوة على عليه السلام في عثمان وعبد الرحمن ، فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين ، أرسل عبد الرحمن إلى عثمان يعاتبه وقال لرسوله : قل له : لقد وليتك ما وليتك من أمر الناس ، وإن لى لامور اما هي لك ، شهدت بدرا وما شهدتها ، وشهدت بيعة الرضوان وما شهدتها ، وفررت يوم أحد وصبرت ، فقال عثمان لرسوله ، قل له : أما يوم بدر فإن رسول الله صلى الله عليه ردنى إلى ابنته لما بها من المرض ، وقد كنت خرجت للذى خرجت له ، ولقيته عند منصرفه ، فبشرني بأجر مثل أجوركم ، وأعطاني سهما مثل سهامكم . وأما بيعة الرضوان فإنه صلى الله عليه بعثنى أستأذن قريشا في دخوله إلى مكة ، فلما قيل له : إنى قتلت ، بايع المسلمين على الموت لما سمعه عنى ، وقال : إن كان حيا فأنا أبايع عنه ، وصفق بإحدى يديه على الاخرى ، وقال : يسارى خير من يمين عثمان ، فيدك أفضل أم يد رسول الله صلى الله عليه ! وأما صبرك يوم أحد وفرارى ، فلقد كان ذلك فأنزل الله تعالى العفو عنى في كتابه ، فعيرتني بذنب غفره الله لى ، ونسيت من ذنوبك ما لا تدرى أ غفر لك أم لم يغفر . لما بنى عثمان قصره طمار بالزوراء ، وصنع طعاما كثيرا ، ودعا الناس إليه ، كان فيهم عبد الرحمن ، وفلما نظر للبناء والطعام قال : يا بن عفان ، لقد صدقنا عليك ، ما كنا نكذب فيك ، وإنى أستعيذ بالله من بيعتك . فغضب عثمان ، وقال : أخرجه عنى يا غلام ، فأخرجوه ، وأمر الناس ألا يجالسوه ، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس ، كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض . ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان ، وكلمه فلم يكلمه حتى مات . * * *

[ 197 ]

الاصل : إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته . الشرح : نافجا حضنيه : رافعا لهما ، والحضن : ما بين الابط والكشح ، يقال للمتكبر : جاء نافجا حضنيه ، ويقال لمن امتلا بطنه طعاما : جاء نافجا حضنيه ، ومراده عليه السلام هذا الثاني . والنثيل : الروث . والمعتلف : موضع العلف ، يريد أن همه الاكل والرجيع ، وهذا من ممض الذم ، وأشد من قول الحطيئة الذى قيل إنه أهجى بيت للعرب : دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى (1) والخضم : أكل بكل الفم ، وضده القضم ، وهو الاكل بأطراف الاسنان . وقيل : الخضم أكل الشئ الرطب ، والقضم أكل الشئ اليابس ، والمراد على التفسيرين لا يختلف ، وهو أنهم على قدم عظيمة من النهم وشدة الاكل وامتلاء الافواه . وقال أبو ذر رحمه الله تعالى عن بنى أمية : يخضمون ونقضم ، والموعد الله . والماضي " خضمت " بالكسر ، ومثله قضمت . والنبتة ، بكسر النون كالنبات ، تقول : نبت الرطب نباتا ونبتة . وانتكث فتله : انتقض ، وهذه استعارة . وأجهز عليه عمله : تمم قتله . يقال : أجهزت على الجريح ، مثل ذففت إذا أتممت قتله وكبت به بطنته ، كبا الجواد إذا سقط لوجهه . والبطنة الاسراف في الشبع . * * *


(1) ديوانه 54 (*)

[ 198 ]

[ نتف من أخبار عثمان بن عفان ] وثالث القوم هو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، كنيته أبو عمرو ، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس . بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الامر له ، وصحت فيه فراسة عمر ، فإنه أوطأ بنى أمية رقاب الناس ، وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع ، وافتتحت إفريقية في أيامه ، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان ، فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحى : أحلف بالله رب الانام ما ترك الله شيئا سدى ولكن خلقت لنا فتنة لكى نبتلى بك أو تبتلى فإن الامينين قد بينا منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهما غيلة ولا جعلا درهما في هوى وأعطيت مروان خمس البلاد فهيهات سعيك ممن سعى ! الامينان : أبو بكر وعمر . وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة ، فأعطاه أربعمائة الف درهم . وأعاد الحكم بن أبى العاص ، بعد أن كان (1) رسول الله صلى الله عليه وآله ، قد سيره ثم لم يرده أبو بكر ولا عمر ، وأعطاه مائة ألف درهم . وتصدق رسول الله صلى الله عليه وآله بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين ، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم . وأقطع مروان فدك (2) ، وقد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفاة أبيها صلوات الله


(1) كلمة " كان " ساقطة من ب (2) فدك : قربة بالحجاز بينها وبين المدينة يومان ، أفاءها الله على رسوله في سنة سبع صلحا ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل خيبر ، وفتح حصونها ، ولم يبق إلا ثلث ، واشتد بهم الحصار ، راسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن ينزلهم على الجلاء ، وفعل ، وبلغ ذلك أهل فدك ، فأرسلوا إلى رسول الله أن يصالحهم على النصف من ثمارها وأموالهم فأجابهم إلى ذلك ، فهى مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه . معجم البلدان 6 : 343 . (*)

[ 199 ]

عليه تارة بالميراث ، وتارة بالنحلة فدفعت عنها . وحمى المراعى حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بنى أمية . وأعطى عبد الله بن أبى سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب ، وهى من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين . وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال ، في اليوم الذى أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال ، وقد كان زوجه ابنته أم أبان ، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح ، فوضعها بين يدى عثمان وبكى ، فقال عثمان : أ تبكى أن وصلت رحمى ! قال : لا ، ولكن أبكى لانى أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله . والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا ، فقال : ألق المفاتيح يا بن أرقم ، فإنا سنجد غيرك . وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة ، فقسمها كلها في بنى أمية . وأنكح الحارث ابن الحكم ابنته عائشة ، فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضا بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنه . وانضم إلى هذه الامور أمور أخرى نقمها عليه المسلمون ، كتسيير أبى ذر رحمه الله تعالى إلى الربذة ، وضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر أضلاعه ، وما أظهر من الحجاب والعدول عن طريقة عمر في إقامة الحدود ، ورد المظالم ، وكف الايدى العادية والانتصاب لسياسة الرعية ، وختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين ، واجتمع عليه كثير من أهل المدينة مع القوم الذين وصلوا من مصر لتعديد أحداثه عليه فقتلوه . وقد أجاب أصحابنا عن المطاعن في عثمان بأجوبة مشهورة مذكورة في كتبهم . والذى نقول نحن : إنها وإن كانت أحداثا ، إلا أنها لم تبلغ المبلغ الذى يستباح به دمه ،

[ 200 ]

وقد كان الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة حيث لم يستصلحوه لها ، ولا يعجلوا بقتله ، وأمير المؤمنين عليه السلام أبرأ الناس من دمه ، وقد صرح بذلك في كثير من كلامه ، من ذلك قوله عليه السلام : والله ما قتلت عثمان ولا مالات على قتله . وصدق صلوات الله عليه . * * * الاصل : فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلى ، ينثالون على من كل جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشق عطفاى ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم . فلما نهضت بالامر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون ، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (1) ، بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ! . * * * الشرح : عرف الضبع : ثخين ، ويضرب به المثل في الازدحام . وينثالون يتتابعون مزدحمين . والحسنان : الحسن والحسين عليهما السلام . والعطفان : الجانبان من المنكب إلى الورك ، ويروى " عطافى " ، والعطاف الرداء وهو أشبه بالحال ، إلا أن الرواية الاولى أشهر ، والمعنى خدش جانباى لشدة الاصطكاك منهم والزحام . * * * وقال القطب الراوندي : الحسنان : إبهاما الرجل ، وهذا لا أعرفه .


(1) سورة القصص 83 (*)

[ 201 ]

وقوله : " كربيضة الغنم " أي كالقطعة الرابضة من الغنم ، يصف شدة ازدحامهم حوله ، وجثومهم بين يديه . وقال القطب الراوندي : يصف بلادتهم ونقصان عقولهم ، لان الغنم توصف بقلة الفطنة . وهذا التفسير بعيد وغير مناسب للحال . فأما الطائفة الناكثة ، فهم أصحاب الجمل ، وأما الطائفة القاسطة فأصحاب صفين . وسماهم رسول الله صلى الله عليه وآله القاسطين . وأما الطائفة المارقة فأصحاب النهروان ، وأشرنا نحن بقولنا : سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله القاسطين إلى قوله عليه السلام : " ستقاتل بعدى الناكثين ، والقاسطين والمارقين " . وهذا الخبر من دلائل نبوته صلوات الله عليه ، لانه إخبار صريح بالغيب ، لا يحتمل التمويه والتدليس ، كما تحتمله الاخبار المجملة ، وصدق قوله عليه السلام : والمارقين " ، قوله أولا في الخوارج : " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ، وصدق قوله عليه السلام الناكثين كونهم نكثوا البيعة بادئ بدء ، وقد كان عليه السلام يتلو وقت مبايعتهم له : (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) (1) . وأما أصحاب صفين ، فإنهم عند أصحابنا رحمهم الله مخلدون في النار لفسقهم ، فصح فيهم قوله تعالى : (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) (2) . وقوله عليه السلام : " حليت الدنيا في أعينهم " تقول : حلا الشئ في فمى يحلو ، وحلى لعيني يحلى . والزبرج : الزينة من وشى أو غيره ويقال : الزبرج الذهب . فأما الآية فنحن نذكر بعض ما فيها ، فنقول : إنه تعالى لم يعلق الوعد بترك العلو في الارض والفساد ، ولكن بترك إرادتهما ، وهو كقوله تعالى : (ولا تركنوا إلى الذين)


(1) سورة الفتح 10 (2) سورة الجن 15 (*)

[ 202 ]

ظلموا فتمسكم النار) (1) علق الوعيد بالركون إليهم والميل معهم ، وهذا شديد في الوعيد . ويروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أحسن من شراك نعل صاحبه فيدخل تحت هذه الآية . ويقال : إن عمر بن عبد العزيز كان يرددها حتى قبض . * * * الاصل : أما والذى فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لالقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز . * * * الشرح : فلق الحبة ، من قوله تعالى : (فالق الحب والنوى) (2) ، والنسمة : كل ذى روح من البشر خاصة . قوله : " لولا حضور الحاضر " ، يمكن أن يريد به لو لا حضور البيعة - فإنها بعد عقدها تتعين المحاماة عنها - ويمكن أن يريد بالحاضر من حضره من الجيش الذين يستعين بهم على الحرب . والكظة بكسر الكاف : ما يعترى الانسان من الثقل والكرب عند الامتلاء من الطعام . والسغب : الجوع . وقولهم : قد ألقى فلان حبل فلان على غاربه ،


(1) سورة هود 113 (2) سورة الانعام 95 (*)

[ 203 ]

أي تركه هملا يسرح حيث يشاء من غير وازع ولا مانع ، والفقهاء يذكرون هذه اللفظة في كنايات الطلاق . وعفطة عنز : ما تنثره من أنفها عفطت تعفط بالكسر ، وأكثر ما يستعمل ذلك في النعجة ، فأما العنز فالمستعمل الاشهر فيها " النفطة " بالنون ، ويقولون : ما له عافط ولا نافط ، أي نعجة ولا عنز . فإن قيل : أ يجوز أن يقال العفطة هاهنا الحبقة ؟ فإن ذلك يقال في العنز خاصة ، عفطت تعفط . قيل : ذلك جائز ، إلا أن الاحسن والاليق بكلام أمير المؤمنين عليه السلام التفسير الاول ، فإن جلالته وسؤدده تقتضي أن يكون ذاك أراد لا الثاني . فإن صح أنه لا يقال في العطسة عفطة إلا للنعجة . قلنا : إنه استعمله في العنز مجازا . يقول عليه السلام : لو لا وجود من ينصرني - لا كما كانت الحال عليها أولا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإنى لم أكن حينئذ واجدا للناصر مع كونى مكلفا ألا أمكن الظالم من ظلمه - لتركت الخلافة ، ولرفضتها الآن كما رفضتها قبل ، ولوجدتم هذه الدنيا عندي أهون من عطسة عنز ، وهذا إشارة إلى ما يقوله أصحابنا من وجوب النهى عن المنكر عند التمكن . * * * الاصل : قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ، فناوله كتابا فأقبل ينظر فيه ، قال له ابن عباس رضى الله عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت ! فقال : هيهات يا بن عباس ! تلك شقشقة هدرت ثم قرت . قال ابن عباس : فو الله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد . * * *

[ 204 ]

قال الرضى : قوله عليه السلام في هذه الخطبة : " كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم " ، يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهى تنازعه رأسها خرم أنفها ، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها . يقال : أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه ، شنقها أيضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في " إصلاح المنطق " . وإنما قال عليه السلام : " أشنق لها " ولم يقل " أشنقها " لانه جعله في مقابلة قوله : " أسلس لها " ، فكأنه قال : إن رفع لها رأسها بالزمام أمسكه عليها بالزمام ، وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته وقد شنق لها فهى تقصع بجرتها . ومن الشاهد على أن " أشنق " بمعنى شنق قول عدى بن زيد العبادي : ساءها ما لها تبين في الايدى وإشناقها إلى الاعناق * * * الشرح : سمى السواد سوادا لخضرته بالزروع والاشجار والنخل ، والعرب تسمى الاخضر أسود ، قال سبحانه : (مدهامتان) يريد الخضرة . وقوله : " لو اطردت مقالتك ، أي أتبعت الاول قولا ثانيا ! من قولهم : اطرد النهر إذا تتابع جريه . وقوله : " من حيث أفضيت " أصل أفضى خرج إلى الفضاء ، فكأنه شبهه عليه السلام حيث سكت عما كان يقوله ، بمن خرج من خباء أو جدار إلى فضاء من الارض ، وذلك لان النفس والقوى والهمة عند ارتجال الخطب ، والاشعار تجتمع إلى القلب ، فإذا قطع الانسان وفرغ ، تفرقت وخرجت عن حجر الاجتماع واستراحت .

[ 205 ]

والشقشقة بالسكر فيهما : شئ يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، وإذا قالوا للخطيب : ذو شقشقة فإنما شبهوه بالفحل . والهدير : صوتها . وأما قول ابن عباس : " ما أسفت على كلام . . . " إلى آخره ، فحدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي (1) في سنة ثلاث وستمائة ، قال : قرأت على الشيخ أبى محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة ، فلما انتهيت إلى هذا الموضع ، قال لى : لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له : وهل بقى في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف ألا يكون بلغ من كلامه ما أراد ! والله ما رجع عن الاولين ولا عن الآخرين ، ولا بقى في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول الله صلى الله عليه وآله . قال مصدق : وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل ، قال : فقلت له : أ تقول أنها منحولة ! فقال : لا والله ، وإنى لاعلم أنها كلامه ، كما أعلم أنك مصدق . قال فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضى ، رحمه الله تعالى . فقال : إنى للرضى ولغير الرضى هذا النفس وهذا الاسلوب ! قد وقفنا على رسائل الرضى ، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور ، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر : ثم قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضى بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها ، وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الادب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضى . قلت : وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبى القاسم (2) البلخى


(1) مصدق بن شبيب بن الحسين الصلحى الواسطي ، ذكره القفطى في إنباه الرواة (3 : 274) ، وقال إنه قدم بغداد ، وقرأ بها على ابن الخشاب وحبشي بن محمد الضرير ، وعبد الرحمن بن الانباري وغيرهم ، وتوفى ببعداد سنة 605 (3) أبو القاسم البلخى ، ذكره ابن النديم وقال : " كان من أهل بلخ ، يطوف البلاد ويجول الارض ، حسن المعرفة عبد الله بن أحمد بالفلسفة والعلوم القديمة . . . ورأيت بخطه شيئا كثيرا في علوم كثيرة مسودات ودساتير ، يخرج منها إلى الناس كتاب تام " الفهرست 299 . وابن خلكان 1 : 252 (*)

[ 206 ]

إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضى بمدة طويلة . ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبى جعفر بن قبة أحد متكلمي الامامية (1) وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب " الانصاف " . وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبى القاسم البلخى رحمه الله تعالى ، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضى رحمة الله تعالى موجودا . * * *


هو أبو جعفر بن قبة ، من متكلمي الشيعة وحذاقهم ، وله من الكتب كتاب الانصاف في الامامة ، الفهرست 176 (*)

[ 207 ]

(4) الاصل : من خطبة له عليه السلام : بنا اهتديتم في الظلماء ، وتسنمتم ذروة العلياء (1) ، وبنا انفجرتم عن السرار . وقر سمع لم يفقه الواعية ، وكيف يراعى النبأة من أصمته الصيحة . ربط جنان لم يفارقه الخفقان . ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر ، وأتوسمكم بحلية المغترين . حتى (2) سترني عنكم جلباب الدين ، وبصرنيكم صدق النية . أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة ، حيث تلتقون ولا دليل ، وتحتفرون ولا تميهون . اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان . عزب رأى امرئ تخلف عنى ، ما شككت في الحق مذ أريته . لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه ، بل أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال . اليوم تواقفنا على سبيل الحق والباطل . من وثق بماء لم يظمأ . * * *


(1) كذا في ا ، وفى ب : " تسنمتم العلياء " . (2) ب : ومخطوطة النهج سترني بحذف كلمة " حتى " (*)

[ 208 ]

الشرح : هذه الكلمات والامثال ملتقطة من خطبة طويلة ، منسوبة إليه عليه السلام ، قد زاد (1) فيها قوم أشياء حملتهم عليها أهواؤهم ، لا توافق ألفاظها طريقته عليه السلام في الخطب ، ولا تناسب فصاحتها فصاحته ، ولا حاجة إلى ذكرها ، فهى شهيرة . ونحن نشرح هذه الالفاظ ، لانها كلامه عليه السلام ، لا يشك في ذلك من له ذوق ونقد ومعرفة بمذاهب الخطباء والفصحاء في خطبهم ورسائلهم ، ولان الرواية لها كثيرة ، ولان الرضى رحمة الله تعالى عليه قد التقطها ونسبها إليه عليه السلام ، وصححها وحذف ما عداها . وأما قوله عليه السلام : " بنا اهتديتم في الظلماء " ، فيعنى بالظلماء الجهالة ، وتسنمتم العلياء : ركبتم سنامها ، وهذه استعارة . قوله : " وبنا انفجرتم عن السرار " ، أي دخلتم في الفجر ، والسرار : الليلة والليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر فلا يظهر . وروى " أفجرتم " ، وهو أفصح وأصح ، لان " انفعل " لا يكون إلا مطاوع " فعل " ، نحو كسرته فانكسر ، وحطمته فانحطم ، إلا ما شذ من قولهم : أغلقت الباب فانغلق وأزعجته فانزعج . وأيضا فإنه لا يقع إلا حيث يكون علاج وتأثير ، نحو انكسر وانحطم ، ولهذا قالوا : إن قولهم انعدم خطأ وأما " أفعل " فيجئ لصيرورة الشئ على حال وأمر ، نحو أغد البعير ، أي صار ذا غدة ، وأجرب الرجل ، إذا صار ذا إبل جربى ، وغير ذلك . فأفجرتم ، أي صرتم ذوى فجر . وأما " عن " في قوله : " عن السرار " فهى للمجاوزة على حقيقة معناها الاصلى ، أي منتقلين عن السرار ومتجاوزين له . وقوله عليه السلام : " وقر سمع " هذا دعاء على السمع الذى لم يفقه الواعية بالثقل والصمم ، وقرت أذن زيد ، بضم الواو فهى موقورة ، والوقر ، بالفتح . الثقل في الاذن


(1) ب " رأى " . (*)

[ 209 ]

وقرت أذنه ، بفتح الواو وكسر القاف توقر وقرا أي صمت ، والمصدر في هذا الموضع جاء بالسكون ، وهو شاذ ، وقياسه التحريك بالفتح ، نحو ورم ورما . والواعية : الصارخة ، من الوعاء ، وهو الجلبة والاصوات ، والمراد العبر والمواعظ . قوله : " كيف يراعى النبأة " ، هذا مثل آخر ، يقول : كيف يلاحظ ويراعى العبر الضعيفة من لم ينتفع بالعبر الجلية الظاهرة ، بل فسد عندها ، وشبه ذلك بمن أصمته الصيحة القوية ، فإنه محال أن يراعى بعد ذلك الصوت الضعيف . والنبأة : هي الصوت الخفى . فإن قيل : هذا يخالف قولكم : إن الاستفساد لا يجوز على الحكيم سبحانه ، فإن كلامه عليه السلام صريح في أن بعض المكلفين يفسد عند العبر والمواعظ . قيل : إن لفظة " أفعل " قد تأتى لوجود الشئ على صفة ، نحو أحمدته ، إذا أصبته محمودا . وقالوا : أحييت الارض ، إذا وجدتها حية النبات (1) ، فقوله : " أصمته الصيحة " ، ليس معناه أن الصيحة كانت علة لصممه ، بل بمعناه صادفته أصم ، وبهذا تأول أصحابنا قوله تعالى : (وأضله الله على علم) (2) . قوله : " ربط جنان لم يفارقه الخفقان " ، هذا مثل آخر ، وهو دعاء لقلب لا يزال خائفا من الله يخفق بالثبوت والاستمساك . قوله : " ما زلت أنتظر بكم " ، يقول : كنت مترقبا غدركم متفرسا فيكم الغرر ، وهو الغفلة . وقيل : إن هذه الخطبة خطبها بعد مقتل طلحة والزبير ، مخاطبا بها ، لهما ولغيرهما من أمثالهما ، كما قال النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر ، بعد قتل من قتل من قريش : " يا عتبة بن ربيعة ،


(1) ا : " ذا نبات " (2) سورة الجاثية 23 (*)

[ 210 ]

يا شيبة بن ربيعة ، يا عمرو بن هشام " ، وهم جيف منتنة قد جروا إلى القليب . قوله : " سترني عنكم " ، هذا يحتمل وجوها ، أوضحها أن إظهاركم شعار الاسلام عصمكم منى مع علمي بنفاقكم ، وإنما أبصرت نفاقكم وبواطنكم الخبيثة بصدق نيتى ، كما يقال : المؤمن يبصر بنور الله . ويحتمل أن يريد : سترني عنكم جلباب دينى ومنعنى أن أعرفكم نفسي وما أقدر عليه من عسفكم ، كما تقول لمن استهان بحقك : أنت لا تعرفني ولو شئت لعرفتك نفسي . وفسر القطب الراوندي قوله عليه السلام : " وبصرنيكم صدق النية " ، قال : معناه أنكم إذا صدقتم نياتكم ، ونظرتم بأعين لم تطرف بالحسد والغش وأنصفتموني ، أبصرتم عظيم منزلتي . وهذا ليس بجيد ، لانه لو كان هو المراد لقال : وبصركم إياى صدق النية ، ولم يقل ذلك ، وإنما قال : " بصرنيكم " ، فجعل صدق النية مبصرا له لا لهم . وأيضا فإنه حكم بأن صدق النية هو علة التبصير ، وأعداؤه لم يكن فيهم صادق النية ، وظاهر الكلام الحكم والقطع ، لا التعليق بالشرط . قوله : " أقمت لكم على سنن الحق " ، يقال : تنح عن سنن الطريق وسنن الطريق بفتح السين وضمها ، فالاول مفرد ، والثانى جمع سنة ، وهى جادة الطريق والواضح منها ، وأرض مضلة ومضلة ، بفتح الضاد وكسرها : يضل سالكها . وأماه المحتفر يميه ، أنبط الماء ، يقول : فعلت من إرشادكم وأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر ما يجب على مثلى ، فوقفت لكم على جادة الحق ومنهجه ، حيث طرق الضلال كثيرة مختلفة من سائر جهاتي ، وأنتم تائهون فيها تلتقون ، ولا دليل لكم ، وتحتفرون لتجدوا ماء تنقعون به غلتكم فلا تظفرون بالماء ، وهذه كلها استعارات .

[ 211 ]

قوله : " اليوم أنطق " ، هذا مثل آخر ، والعجماء التى لا نطق لها ، وهذا إشارة إلى الرموز التى تتضمنها هذه الخطبة ، يقول : هي خفية غامضة وهى مع غموضها جلية لاولى الالباب ، فكأنها تنطق ، كما ينطق ذوو الالسنة ، كما قيل : ما الامور الصامتة الناطقة ؟ فقيل : الدلائل المخبرة ، والعبر الواعظة . وفي الاثر : سل الارض : من شق أنهارك ، وأخرج ثمارك ؟ فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا . قوله : " عزب رأى امرئ تخلف عنى " هذا كلام آخر ، عزب ، أي بعد ، والعازب : البعيد . ويحتمل أن يكون هذا الكلام إخبارا ، وأن يكون دعاء ، كما أن قوله تعالى : (حصرت صدورهم) (1) ، يحتمل الامرين . قوله : " ما شككت في الحق مذ رأيته " ، هذا كلام آخر ، يقول : معارفى ثابتة لا يتطرق إليها الشك والشبهة . قوله : " لم يوجس موسى " ، هذا كلام شريف جدا ، يقول : إن موسى لما أوجس الخيفة بدلالة قوله تعالى : (فأوجس في نفسه خيفة موسى) (2) لم يكن ذلك الخوف على نفسه ، وإنما خاف من الفتنة والشبهة الداخلة على المكلفين عند إلقاء السحرة عصيهم ، فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ، وكذلك أنا لا أخاف على نفسي من الاعداء الذين نصبوا لى الحبائل ، وأرصدوا لى المكائد ، وسعروا على نيران الحرب ، وإنما أخاف أن يفتتن المكلفون بشبههم وتمويهاتهم ، فتقوى دولة الضلال ، وتغلب كلمة الجهال . قوله : " اليوم تواقفنا " ، القاف قبل الفاء ، تواقف القوم على الطريق ، أي وقفوا كلهم عليها ، يقول : اليوم اتضح الحق والباطل ، وعرفناهما نحن وأنتم . قوله : " من وثق بماء لم يظمأ " ، الظمأ الذى يكون عند عدم الثقة بالماء ، وليس


(1) سورة النساء 90 (2) سورة طه 67 (*)

[ 212 ]

يريد النفى المطلق ، لان الواثق بالماء قد يظمأ ، ولكن لا يكون عطشه على حد العطش الكائن عند عدم الماء ، وعدم الوثوق بوجوده ، وهذا كقول أبى الطيب : وما صبابة مشتاق على أمل من اللقاء كمشتاق بلا أمل (1) والصائم في شهر رمضان يصبح جائعا تنازعه نفسه إلى الغذاء ، وفي أيام الفطر لا يجد تلك المنازعة في مثل ذلك الوقت ، لان الصائم ممنوع ، والنفس تحرص على طلب ما منعت منه ، يقول : إن وثقتم بى وسكنتم إلى قولى ، كنتم أبعد عن الضلال وأقرب إلى اليقين وثلج النفس ، كمن وثق بأن الماء في إداوته ، يكون عن الظمأ وخوف الهلاك من العطش أبعد ممن لم يثق بذلك . * * *


(1) ديوانه 3 : 75 (*)

[ 213 ]

(5) الاصل : ومن كلام له (1) عليه السلام لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ، وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن (2) يبايعا له بالخلافة : أيها الناس ، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة ، وعرجوا عن طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المفاخرة . أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم (3) فأراح . هذا (4) ماء آجن ، ولقمة يغص بها آكلها . ومجتنى الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه ، فإن أقل يقولوا حرص على الملك ، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت . هيهات بعد اللتيا والتى ! والله لابن أبى طالب آنس بالموت من الطفل بثدى أمه ، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوى البعيدة (5) . * * * الشرح : المفاخرة : أن يذكر كل واحد من الرجلين مفاخره وفضائله وقديمه ، ثم يتحاكما إلى ثالث . والماء الآجن : المتغير الفاسد ، أجن الماء ، بفتح الجيم ، يأجن ويأجن ، بالكسر والضم . والايناع : إدراك الثمرة . واللتيا : تصغير التى ، كما أن اللذيا تصغير الذى . واندمجت : انطويت . والطوى : البئر المطوية بالحجارة . يقول : تخلصوا عن الفتنة وانجوا منها بالمتاركة والمسالمة والعدول عن المنافرة والمفاخرة .


(1) ا : " خطبة " (2) ا : " أن يبايعاه " . (3) ا : " واستسلم " (4) ساقطة من ا ومخطوطة النهج (5) بعد هذه الكلمة في مخطوطة النهج : " السلام " (*)

[ 214 ]

أفلح من نهض بجناح ، أي مات ، شبه الميت المفارق للدنيا بطائر نهض عن الارض بجناحه . ويحتمل أن يريد بذلك : أفلح من اعتزل هذا العالم ، وساح في الارض منقطعا عن تكاليف الدنيا . ويحتمل أيضا أن يريد أفلح من نهض في طلب الرياسة بناصر ينصره ، وأعوان يجاهدون بين يديه ، وعلى التقادير كلها تنطبق اللفظة الثانية ، وهى قوله : " أو استسلم فأراح (1) " ، أي أراح نفسه باستسلامه . ثم قال : إلامرة على الناس وخيمة العاقبة ، ذات مشقة في العاجلة ، فهى في عاجلها كالماء الآجن يجد شاربه مشقة ، وفي آجلها كاللقمة التى تحدث عن أكلها الغصة . ويغص مفتوح حرف المضارعة ومفتوح الغين ، أصله : " غصصت " بالكسر : ويحتمل أن يكون الامران معا للعاجلة ، لان الغصص في أول البلع ، كما أن ألم شرب الماء الآجن يحدث في أول الشرب . ويجوز ألا يكون عنى الامرة المطلقة ، بل هي (2) الامرة المخصوصة ، يعنى بيعة السقيفة . ثم أخذ في الاعتذار عن الامساك وترك المنازعة ، فقال : مجتنى الثمرة قبل أن تدرك لا ينتفع بما اجتناه ، كمن زرع في غير أرضه ، ولا ينتفع بذلك الزرع ، يريد أنه ليس هذا الوقت هو الوقت الذى يسوغ لى فيه طلب الامر وأنه لم يأن بعد . ثم قال : قد حصلت بين حالين ، إن قلت ، قال الناس : حرص على الملك ، وإن لم أقل ، قالوا : جزع من الموت . قال : هيهات ، استبعادا لظنهم فيه (3) الجزع . ثم قال : " اللتيا والتى " ، أي أبعد اللتيا والتى أجزع ! أبعد أن قاسيت الاهوال الكبار والصغار ، ومنيت بكل داهية عظيمة وصغيرة فاللتيا الصغيرة والتى الكبيرة .


(1) ا : " واستسلم " : (2) ا : " هذه " (3) ساقطة من ا (*)

[ 215 ]

ذكر أن أنسه بالموت كأنس الطفل بثدى أمه ، وأنه انطوى على علم هو ممتنع لموجبه من المنازعة ، وأن ذلك العلم لا يباح به (1) ، ولو باح به لاضطرب سامعوه كاضطراب الارشية ، وهى الحبال في البئر البعيدة القعر ، وهذا إشارة إلى الوصية التى خص بها عليه السلام ، أنه قد كان من جملتها الامر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه . [ استطراد بذكر طائفة من الاستعارات ] واعلم أن أحسن الاستعارات ما تضمن مناسبة بين المستعار والمستعار منه ، كهذه الاستعارات ، فإن قوله عليه السلام : " شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة " من هذا النوع ، وذلك لان الفتن قد تتضاعف وتترادف ، فحسن تشبيهها بأمواج البحر المضطربة . ولما كانت السفن الحقيقة تنجي من أمواج البحر ، حسن أن يستعار لفظ السفن لما ينجى من الفتن ، وكذلك قوله : " وضعوا تيجان المفاخرة " ، لان التاج لما كان مما يعظم به قدر الانسان استعاره لما يتعظ به الانسان من الافتخار وذكر القديم وكذلك استعارة النهوض بالجناح لمن اعتزل الناس ، كأنه لما نفض يديه عنهم صار كالطائر الذى ينهض من الارض بجناحيه . وفي الاستعارات ما هو خارج عن هذا النوع ، وهو مستقبح ، وذلك كقول أبى نواس : بح صوت المال مما منك يبكى وينوح (2) وكذلك قوله : ما لرجل المال أضحت تشتكى منك الكلالا (3)


(1) ساقطة من ب (2) ديوانه 119 (3) ديوانه 70 (*)

[ 216 ]

وقول أبى تمام : وكم أحرزت منكم على قبح قدها صروف النوى من مرهف حسن القد (1) وكقوله : بلوناك ، أما كعب عرضك في العلا فعال ، ولكن خد مالك أسفل (2) فإنه لا مناسبة بين الرجل والمال ، ولا بين الصوت والمال ، ولا معنى لتصييره للنوى قدا ، ولا للعرض كعبا ، ولا للمال خدا . وقريب منه أيضا قوله : لا تسقنى ماء الملام فإننى صب قد استعذبت ماء بكائى (3) ويقال : إن مخلدا الموصلي (4) بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلا من ماء الملام ، فقال لصاحبه : قل له يبعث إلى بريشة من جناح الذل لاستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه . وهذا ظلم من أبى تمام لمخلد ، وما الامران سواء ، لان الطائر إذا أعيا وتعب ذل وخفض جناحيه ، وكذلك الانسان إذا استسلم ألقى بيديه ذلا ، ويده جناحه ، فذاك هو الذى حسن قوله تعالى : (واخفض لهما جناح الذل) (5) أ لا ترى أنه لو قال : واخفض لهما ساق الذل أو بطن الذل لم يكن مستحسنا ! * * * ومن الاستعارة المستحسنة في الكلام المنثور ، ما اختاره قدامة بن جعفر في كتاب " الخراح " نحو قول أبى الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة في جوابه لابي الجيش خمارويه


(1) ديوانه 2 : 110 (2) ديوانه 3 : 73 (3) ديوانه 1 : 25 (4) هو مخلد بن بكار الموصلي ، وله مع أبى تمام أخبار ومساجلات ، ذكرها الصولى في كتابه أخبار أبى تمام 234 - 243 (5) سورة الاسراء 24 (*)

[ 217 ]

ابن احمد بن طولون عن المعتضد بالله ، لما كتب بإنفاذ ابنته قطر الندى التى تزوجها المعتضد ، وذلك قول ابن ثوابة هذا : وأما الوديعة فهى بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك ، عناية بها وحياطة لها ورعاية لمودتك فيها . وقال ابن ثوابة لما كتب هذا الكتاب لابي القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد والله إن تسميتي إياها بالوديعة نصف البلاغة . وذكر أحمد بن يوسف الكاتب رجلا خلا بالمأمون فقال : ما زال يفتله في الذروة والغارب حتى لفته عن رأيه . وقال إسحق بن إبراهيم الموصلي : النبيذ قيد الحديث . وذكر بعضهم رجلا فذمه ، فقال : هو أملس (1) ليس فيه مستقر لخير ولا شر . ورضى بعض الرؤساء عن رجل من موجدة ، ثم أقبل يوبخه عليها ، فقال : إن رأيت ألا تخدش وجه رضاك بالتوبيخ فافعل . وقال بعض الاعراب : خرجنا في ليلة حندس (2) ، قد ألقت على الارض أكارعها ، فمحت صورة الابدان ، فما كنا نتعارف إلا بالآذان . وغزت حنيفة نميرا ، فاتبعتهم نمير فأتوا عليهم ، فقيل لرجل منهم : كيف صنع قومك ؟ قال : اتبعوهم والله ، وقد أحقبوا كل جمالية خيفانة (3) ، فما زالوا يخصفون آثار المطى بحوافر الخيل حتى لحقوهم ، فجعلوا المران (4) أرشية الموت ، فاستقوا بها ارواحهم . ومن كلام لعبد الله بن المعتز ، يصف القلم : يخدم الارادة ، ولا يمل الاستزادة ،


(1) ا : " إبليس " تحريف . (2) ليلة حندس : شديدة الظلمة (3) الجمالية ، الناقة الوثقة ، تشبه بالجمل في خلقتها وشدتها وعظمها . والخيفانة : السريعة ، شبهت بالجرادة السريعة . (4) حاشية ب : " المران : الرماح . . . " (*)

[ 218 ]

ويسكت واقفا ، وينطق سائرا ، على أرض بياضها مظلم ، وسوادها مضئ . * * * فأما القطب الراوندي ، فقال : قوله عليه السلام : " شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة " معناه : كونوا مع أهل البيت لانهم سفن النجاة ، لقوله عليه السلام : " مثل أهل بيتى كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق " . ولقائل أن يقول : لا شبهة أن أهل البيت سفن النجاة ، ولكنهم لم يرادوا هاهنا بهذه اللفظة لانه لو كان ذلك هو المراد ، لكان قد أمر أبا سفيان والعباس بالكون مع أهل البيت ، ومراده الآن ينقض ذلك ، لانه يأمر بالتقية وإظهار اتباع الذين عقد لهم الامر ، ويرى أن الاستسلام هو المتعين ، فالذي ظنه الراوندي لا يحتمله الكلام ولا يناسبه . وقال أيضا : التعريج على الشئ الاقامة عليه ، يقال : عرج فلان على المنزل ، إذا حبس نفسه عليه ، فالتقدير : عرجوا على الاستقامة منصرفين عن المنافرة . ولقائل أن يقول : التعريج يعدى تارة ب‍ " عن " وتارة ب‍ " على " ، فإذا عديته بعن أردت التجنب والرفض ، وإذا عديته ب‍ " على " أردت المقام والوقوف ، وكلامه عليه السلام معدى ب‍ " عن " قال : " وعرجوا عن طريق المنافرة " . وقال أيضا " آنس بالموت " أي أسر به ، وليس بتفسير صحيح ، بل هو من الانس ضد الوحشة . [ اختلاف الرأى في الخلافة بعد وفاة رسول الله ] لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ، واشتغل على عليه السلام بغسله ودفنه ، وبويع أبو بكر ، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعباس وعلى عليه

[ 219 ]

السلام ، لاجالة الرأى ، وتكلموا بكلام يقتضى الاستنهاض والتهييج ، فقال العباس رضى الله عنه : قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم ، ولا لظنة نترك آراءكم ، فأمهلونا نراجع الفكر ، فإن يكن لنا من الاثم مخرج يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد ، ونبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها أو نبلغ المدى ، وإن تكن الاخرى ، فلا لقلة في العدد ولا لوهن في الايد ، والله لو لا أن الاسلام قيد الفتك ، لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلى . فحل على عليه السلام حبوته ، وقال : الصبر حلم ، والتقوى دين ، والحجة محمد ، والطريق الصراط ، أيها الناس شقوا أمواج الفتن . . . الخطبة ، ثم نهض فدخل إلى منزله وافترق القوم . * * * وقال البراء بن عازب : لم أزل لبنى هاشم ، محبا فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله خفت أن تتمالا قريش على إخراج هذا الامر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول ، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكنت أتردد إلى بنى هاشم وهم عند النبي صلى الله عليه وآله في الحجرة ، وأتفقد وجوه قريش ، فأنى كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر ، وإذا قائل يقول : القوم في سقيفة بنى ساعدة ، وإذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر ، فلم ألبث وإذا أنا بأبى بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه ، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبى بكر يبايعه ، شاء ذلك أو أبى ، فأنكرت عقلي ، وخرجت أشتد حتى انتهيت إلى بنى هاشم ، والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا ، وقلت : قد بايع الناس لابي بكر بن أبى قحافة ، فقال العباس تربت أيديكم إلى آخر الدهر ، أما إنى قد أمرتكم فعصيتموني . فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت

[ 220 ]

في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيهان وحذيفة وعمارا ، وهم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين . وبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فأرسلا إلى أبى عبيدة وإلى المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأى ، فقال المغيرة : الرأى أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذه الامرة نصيبا ، ليقطعوا بذلك ناحية على بن أبى طالب . فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة ، حتى دخلوا على العباس ، وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ، وقال : إن الله ابتعث لكم محمدا صلى الله عليه وآله نبيا ، وللمؤمنين وليا ، فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم ، حتى اختار له ما عنده ، فخلى على الناس أمورهم ليختاروا لانفسهم متفقين غير مختلفين ، فاختاروني عليهم واليا ، ولامورهم راعيا ، فتوليت ذلك ، وما أخاف بعون الله وتسديده وهنا ولا حيرة ولا جبنا ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ، وما أنفك يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين ، يتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع ، وخطبه البديع ، فإما دخلتم فيما دخل فيه الناس ، أو صرفتموهم عما مالوا إليه ، فقد جئناك ، ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا ، ولمن بعدك من عقبك ، إذ كنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومكان أهلك ثم عدلوا بهذا الامر عنكم وعلى رسلكم بنى هاشم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منا ومنكم . فاعترض كلامه عمر ، وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الامر من أصعب جهاته ، فقال : أي والله ، وأخرى إنا لم نأتكم حاجة إليكم ، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم فانظروا لانفسكم ولعامتهم . ثم سكت .

[ 221 ]

فتكلم العباس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله ابتعث محمدا نبيا ، كما وصفت ، ووليا للمؤمنين ، فمن الله به على أمته حتى اختار له ما عنده ، فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لانفسهم ، مصيبين للحق مائلين عن زيغ الهوى ، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم ، ما تقدمنا في أمركم فرطا ، ولا حللنا وسطا ، ولا نزحنا شحطا ، فإن كان هذا الامر يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب ، إذ كنا كارهين وما أبعد قولك إنهم طعنوا من قولك أنهم مالوا إليك ، وأما ما بذلت لنا ، فإن يكن حقك اعطيتناه فأمسكه عليك ، وإن يكن حق المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، وإن يكن حقنا لم نرض لك ببعضه دون بعض . وما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه ، ولكن للحجة نصيبها من البيان . وأما قولك : إن رسول الله صلى الله عليه وآله منا ومنكم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله من شجرة نحن أغصانها ، وأنتم جيرانها ، وأما قولك : يا عمر ، إنك تخاف الناس علينا ، فهذا الذى قدمتموه أول ذلك ، وبالله المستعان . * * * لما اجتمع المهاجرون على بيعة أبى بكر ، أقبل أبو سفيان وهو يقول : أما والله إنى لارى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ! يا لعبد مناف ، فيم أبو بكر من أمركم ! اين المستضعفان ؟ أين الاذلان ! يعنى عليا والعباس ، ما بال هذا الامر في أقل حى من قريش . ثم قال لعلى : أبسط يدك أبايعك ، فو الله إن شئت لاملانها على أبى فضيل - يعنى أبا بكر - خيلا ورجلا ، فامتنع عليه على عليه السلام ، فلما يئس منه قام عنه وهو ينشد شعر المتلمس :

[ 222 ]

ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الاذلان عير الحى والوتد (1) هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثى له أحد (2) * * * قيل لابي قحافة يوم ولى الامر ابنه : قد ولى ابنك الخلافة ، فقرأ (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) (3) ، ثم قال : لم ولوه ؟ قالوا : لسنه قال أنا أسن منه . نازع أبو سفيان أبا بكر في أمر فأغلظ له أبو بكر ، فقال له أبو قحافة : يا بنى ، أتقول هذا لابي سفيان شيخ البطحاء ! قال : إن الله تعالى رفع بالاسلام بيوتا ، ووضع بيوتا ، فكان مما رفع بيتك يا أبت ، ومما وضع بيت أبى سفيان .


(1) معاهد التنصيص 2 : 306 . والعير هنا : الحمار . (2) الخسف : النقيصة . والرمة : القطعة من الحبل . (3) سورة آل عمران 26 (*)

[ 223 ]

(6) الاصل : ومن كلام له لما أشير عليه بألا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال : والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم ، حتى يصل إليها طالبها ، ويختلها راصدها ، ولكني أضرب بالمقبل ألى الحق المدبر عنه ، وبالسامع المطيع العاصى المريب أبدا ، حتى يأتي على يومى . فو الله ما زلت مدفوعا عن حقى ، مستأثرا على منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه حتى يوم الناس هذا . الشرح : يقال : أرصد له بشر ، أي أعد له وهيأه ، وفي الحديث : " (1) إلا أن أرصده لدين على " . واللدم : صوت الحجر أو العصا أو غيرهما ، تضرب به الارض ضربا ليس بشديد . ولما شرح الراوندي هذه اللفظات ، قال : وفي الحديث : " والله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد " ، وقد كان - سامحه الله - وقت تصنيفه الشرح ينظر في " صحاح الجوهرى " (2) وينقل منها ، فنقل هذا الحديث ظنا منه أنه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وليس كما ظن ، بل الحديث الذى أشار إليه الجوهرى هو حديث على عليه السلام الذى نحن بصدد تفسيره . ويختلها راصدها : يخدعها مترقبها ، اختلت فلانا ، خدعته . ورصدته : ترقبته . ومستأثرا على أي مستبدا دوني بالامر ، والاسم الاثرة ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وآله ، (1) نقله ابن الاثير في النهاية (2 : 82) عن أبى ذر : قال له عليه الصلاة والسلام : " ما أحب عندي مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ، وتمسى ثالثة وعندي منه دينارا ، إلا دينارا أرصده لدين " (2) صحاح الجوهرى 5 : 2029 (*)

[ 224 ]

قال للانصار : " ستلقون بعدى أثرة ، فإذا كان ذلك ، فاصبروا حتى تردوا على الحوض " (1) . والعرب تقول في رموزها وأمثالها : أحمق من الضبع (2) ، ويزعمون أن الصائد يدخل عليها وجارها ، فيقول لها أطرقي أم طريق ، خامرى أم عامر ، ويكرر ذلك عليها مرارا . معنى أطرقي أم طريق ، طأطئى رأسك ، وكناها أم طريق لكثرة إطراقها على " فعيل " كالقبيط للناطف ، والعليق لنبت . ومعنى خامرى : الزمى وجارك واستتري فيه ، خامر الرجل منزله إذا لزمه ، قالوا : فتلجأ إلى أقصى مغارها وتتقبض ، فيقول : أم عامر ليست في وجارها ، أم عامر نائمة ، فتمد يديها ورجليها ، وتستلقى فيدخل عليها فيوثقها ، وهو يقول لها أبشرى أم عامر بكم (3) الرجال ، أبشرى أم عامر بشاء هزلى ، وجراد عظلى (4) ، أي يركب بعضه بعضا ، فتشد عراقيبها فلا تتحرك ، ولو شاءت أن تقتله لامكنها ، قال الكميت : فعل المقرة للمقالة خامرى يا أم عامر (5) وقال الشنفرى : لا تقبروني إن قبري محرم عليكم ولكن خامرى أم عامر (6) إذا ما مضى رأسي وفي الرأس أكثرى وغودر عند الملتقى ثم سائرى (7) هنا لك لا أرجو حياة تسرني سجيس الليالى مبسلا بالجرائر (8)


(1) ذكره ابن الاثير في النهاية (1 : 15) ، وقال : " الاثرة " ، بفتح الهمزة والثاء الاسم من آثر يؤثر إيثار ، إذا أعطى ، أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه في الفئ " . (2) المثل في جمهرة الامثال 1 : 276 (3) كم : جمع كمة ، وهى قلفة الذكر ، وفى جمهرة الامثال : " كمر " ، جمع كمرة ، وهى رأس الذكر . (4) في اللسان : " تعاظلت الجراد ، إذا تسافدت " وأورد المثل . (5) من أبيات في معاني ابن قتيبة 1 : 214 (6) ديوانه 36 (من مجموعة الطائف الادبية) ، وفيه : " أبشرى أم عامر " (7) ديوانه : * إذا احتملوا رأسي وفى الرأس أكثرى * (8) سجيس الليالى ، أي أبدا ، ومبسلا ، أي مسلما ، كذا فسره صاحب اللسان في (7 : 408) ، (3 : 57) ، واستشهد بالبيت . (*)

[ 225 ]

أوصاهم ألا يدفنوه إذا قتل ، وقال : اجعلوني أكلا للسباع ، كالشئ الذى يرغب به الضبع في الخروج ، وتقدير الكلام : لا تقبروني ولكن اجعلوني كالتى يقال لها : خامرى أم عامر ، وهى الضبع ، فإنها لا تقبر . ويمكن أن يقال أيضا : أراد لا تقبروني واجعلوني فريسة للتى يقال لها : خامرى أم عامر ، لانها تأكل الجيف وأشلاء القتلى والموتى . وقال أبو عبيدة : يأتي الصائد فيضرب بعقبه الارض عند باب مغارها ضربا خفيفا ، وذلك هو اللدم ، ويقول : خامرى أم عامر ، مرارا بصوت ليس بشديد ، فتنام على ذلك ، فيدخل إليها ، فيجعل الحبل في عرقوبها ويجرها فيخرجها . يقول : لا أقعد عن الحرب والانتصار لنفسي وسلطاني ، فيكون حالى مع القوم المشار إليهم حال الضبع مع صائدها ، فأكون قد أسلمت نفسي ، فعل العاجز الاحمق ، ولكني أحارب من عصاني بمن أطاعنى حتى أموت ، ثم عقب ذلك بقوله : إن الاستئثار على ، والتغلب أمر لم يتجدد الآن ، ولكنه كان منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله . [ طلحة والزبير ونسبهما ] وطلحة هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة . أبوه ابن عم أبى بكر ، وأمه الصعبة بنت الحضرمي ، وكانت قبل أن تكون عند عبيد الله تحت أبى سفيان صخر بن حرب ، فطلقها ثم تبعتها نفسه ، فقال فيها شعرا أوله : إنى وصعبة فيما أرى بعيدان والود ود قريب في أبيات مشهورة . وطلحة أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد أصحاب الشورى ، وكان له في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد أثر عظيم ، وشلت بعض

[ 226 ]

أصابعه يومئذ وقى رسول الله صلى الله عليه وآله بيده من سيوف المشركين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ : " اليوم أوجب طلحة الجنة " (1) . * * * والزبير هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى ، أمه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، عمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو أحد العشرة أيضا ، وأحد الستة ، وممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد وأبلى بلاء حسنا ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : " لكل نبى حوارى وحواري الزبير " . والحوارى : الخالصة ، تقول : فلان خالصة فلان ، وخلصانه وحواريه ، أي شديد الاختصاص به والاستخلاص له . [ خروج طارق بن شهاب لاستقبال على بن أبى طالب ] خرج طارق بن شهاب الاحمسي يستقبل عليا عليه السلام وقد صار بالربذة طالبا عائشة وأصحابها ، وكان طارق من صحابة على عليه السلام وشيعته ، قال : فسألت عنه قبل أن القاه : ما أقدمه ؟ فقيل : خالفه طلحة والزبير وعائشة فأتوا البصرة ، فقلت في نفسي : إنها الحرب ! أ فأقاتل أم المؤمنين ! وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله ! إن هذا لعظيم ، ثم قلت : أ أدع عليا ، وهو أول المؤمنين إيمانا بالله ، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه ! هذا أعظم ! ثم أتيته فسلمت عليه ، ثم جلست إليه ، فقص على قصة القوم وقصته ، ثم صلى بنا الظهر ، فلما انفتل جاءه الحسن ابنه عليهما السلام ، فبكى بين يديه ، قال : ما بالك ؟ قال أبكى لقتلك غدا بمضيعة ولا ناصر لك . أما إنى أمرتك فعصيتني ، ثم أمرتك فعصيتني ! فقال عليه السلام : لا تزال تحن حنين الامة ! ما الذى أمرتنى به فعصيتك ! قال : أمرتك حين أحاط الناس بعثمان أن تعتزل ، فإن الناس إذا قتلوه طلبوك أينما كنت حتى يبايعوك ، فلم تفعل . ثم أمرتك لما قتل عثمان ألا توافقهم على


(1) أي عمل أوجب له الجنة . وانظر النهاية لابن الاثير 4 : 194 (*)

[ 227 ]

البيعة حتى يجتمع الناس ويأتيك وفود العرب فلم تفعل . ثم خالفك هؤلاء القوم ، فأمرتك ألا تخرج من المدينة ، وأن تدعهم وشأنهم ، فإن اجتمعت عليك الامة فذاك ، وإلا رضيت بقضاء الله . فقال عليه السلام : والله لا أكون كالضبع تنام على اللدم حتى يدخل إليها طالبها فيعلق الحبل برجلها ، ويقول لها دباب دباب ، حتى يقطع عرقوبها . وذكر تمام الفصل . فكان طارق بن شهاب يبكى إذا ذكر هذا الحديث . دباب اسم الضبع ، مبنى على الكسر كبراح اسم الشمس . * * *

[ 228 ]

(7) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : اتخذوا الشيطان لامرهم ملاكا ، واتخذهم له أشراكا ، فباض وفرخ في صدورهم ، ودب ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم ، ونطق بألسنتهم ، فركب بهم الزلل ، وزين لهم الخطل ، فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه ، ونطق بالباطل على لسانه . الشرح : يجوز أن يكون أشراكا ، جمع شريك ، كشريف وأشراف . ويجوز أن يكون جمع شرك ، كجبل وأجبال ، والمعنى بالاعتبارين مختلف . وباض وفرخ في صدورهم ، استعارة للوسوسة والاغواء ، ومراده طول مكثه وإقامته عليهم ، لان الطائر لا يبيض ويفرخ إلا في الاعشاش التى هي وطنه ومسكنه . ودب ودرج في حجورهم ، أي ربوا الباطل كما يربى الوالدان الولد في حجورهما . ثم ذكر أنه لشدة اتحاده بهم وامتزاجه صار كمن ينظر بأعينهم ، وينطق بألسنتهم ، أي صار الاثنان كالواحد ، قال ابو الطيب : ما الخل إلا من أود بقلبه وأرى بطرف لا يرى بسوائه (1) وقال آخر : كنا من المساعدة نحيا بروح واحده


(1) ديوانه 1 : 4 (*)

[ 229 ]

وقال آخر : جبلت نفسك في نفسي كما تجبل الخمرة بالماء الزلال فإذا مسك شئ مسنى فإذا أنت أنا في كل حال والخطل : القول الفاسد . ويجوز : أشركه الشيطان في سلطانه ، بالهمزة ، وشركه أيضا ، وبغير الهمزة أفصح * * *

[ 230 ]

(8) الاصل : ومن كلام له عليه السلام يعنى به الزبير في حال اقتضت ذلك : يزعم أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه ، فقد أقر بالبيعة ، وادعى الوليجة ، فليأت عليها بأمر يعرف ، وإلا فليدخل فيما خرج منه . * * * الشرح : الوليجة : البطانة ، والامر يسر ويكتم ، قال الله سبحانه : (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) (1) . كان الزبير يقول : بايعت بيدى لا بقلبي ، وكان يدعى تارة أنه أكره ، ويدعى تارة أنه ورى في البيعة تورية ، ونوى دخيلة ، وأتى بمعاريض لا تحمل على ظاهرها ، فقال عليه السلام هذا الكلام ، إقرار منه بالبيعة وادعاء أمر آخر لم يقم عليه دليلا ، ولم ينصب له برهانا ، فإما أن يقيم دليلا على فساد البيعة الظاهرة ، وأنها غير لازمة له ، وإما أن يعاود طاعته . قال على عليه السلام للزبير يوم بايعه : إنى لخائف أن تغدر بى وتنكث بيعتى ، قال : لا تخافن ، فإن ذلك لا يكون منى أبدا ، فقال عليه السلام : فلى الله عليك بذلك راع وكفيل ، قال : نعم ، الله لك على بذلك راع وكفيل . [ أمر طلحة والزبير مع على بن أبى طالب بعد بيعتهما له ] لما بويع على عليه السلام كتب إلى معاوية : أما بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير


(1) سورة التوبة 16 (*)

[ 231 ]

مشورة منى وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع ، فإذا أتاك كتابي فبايع لى ، وأوفد إلى أشراف أهل الشام قبلك . فلما قدم رسوله على معاوية ، وقرأ كتابه ، بعث رجلا من بنى عميس ، وكتب معه كتابا إلى الزبير بن العوام ، وفيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبى سفيان : سلام عليك ، أما بعد ، فإنى قد بايعت لك أهل الشام ، فأجابوا واستوسقوا (1) ، كما يستوسق الجلب ، فدونك الكوفة والبصرة ، لا يسبقك إليها ابن أبى طالب ، فإنه لا شئ بعد هذين المصرين ، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك ، فأظهرا الطلب بدم عثمان ، وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجد والتشمير ، أظفركما الله ، وخذل مناوئكما ! فلما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سر به ، وأعلم به طلحة وأقرأه إياه ، فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية ، وأجمعا عند ذلك على خلاف على عليه السلام . * * * جاء الزبير وطلحة إلى على عليه السلام بعد البيعة بأيام ، فقالا له : يا أمير المؤمنين ، قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها ، وعلمت رأى عثمان كان في بنى أمية ، وقد ولاك الله الخلافة من بعده ، فولنا بعض أعمالك ، فقال لهما : ارضيا بقسم الله لكما ، حتى أرى رأيى ، واعلما أنى لا أشرك في أمانتى إلا من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي ، ومن قد عرفت دخيلته ، فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس ، فاستأذناه في العمرة . * * *


(1) استوسقوا : استجمعوا وانضموا . وفى نهاية ابن الاثير : " ومنه حديث أحد : استوسقوا كما يستوسق جرب الغنم ، أي استجمعوا " . (*)

[ 232 ]

طلب طلحة والزبير من على عليه السلام أن يوليهما المصرين : البصرة والكوفة ، فقال : حتى أنظر . ثم استشار المغيرة بن شعبة ، فقال له : أرى أن توليهما إلى أن يستقيم لك أمر الناس . فخلا بابن عباس ، وقال : ما ترى ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن الكوفة والبصرة عين الخلافة ، وبهما كنوز الرجال ، ومكان طلحة والزبير من الاسلام ما قد علمت ، ولست آمنهما إن وليتهما أن يحدثا أمرا . فأخذ على عليه السلام برأى ابن عباس . وقد كان استشار المغيرة أيضا في أمر معاوية ، فقال له : أرى إقراره على الشام ، وأن تبعث إليه بعهده إلى أن يسكن شغب الناس ، ولك بعد رأيك . فلم يأخذ برأيه . فقال المغيرة بعد ذلك : والله ما نصحته قبلها ، ولا أنصحه بعدها ، ما بقيت . * * * دخل الزبير وطلحة على على عليه السلام ، فاستأذناه في العمرة ، فقال : ما العمرة تريدان ، فحلفا له بالله أنهما ما يريدان غير العمرة ، فقال لهما : ما العمرة تريدان ، وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة ، فحلفا بالله ما الخلاف عليه ولا نكث بيعة يريدان ، وما رأيهما غير العمرة . قال لهما : فأعيدا البيعة لى ثانية ، فأعاداها بأشد ما يكون من الايمان والمواثيق ، فأذن لهما ، فلما خرجا من عنده ، قال لمن كان حاضرا : والله لا ترونهما إلا في فتنة يقتتلان فيها . قالوا : يا أمير المؤمنين ، فمر بردهما عليك ، قال : ليقضى الله أمرا كان مفعولا . * * * لما خرج الزبير وطلحة من المدينة إلى مكة لم يلقيا أحدا إلا وقالا له : ليس لعلى في أعناقنا بيعة ، وإنما بايعناه مكرهين . فبلغ عليا عليه السلام قولهما ، فقال : ابعدهما الله وأغرب (1) دارهما ، أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل ، ويأتيان من


(1) يقال : أغرب دار : أبعدها . (*)

[ 233 ]

وردا عليه بأشأم يوم ، والله ما العمرة يريدان ، ولقد أتياني بوجهي فاجرين ، ورجعا بوجهي غادرين ناكثين ، والله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء ، يقتلان فيها أنفسهما ، فبعدا لهما وسحقا . * * * وذكر أبو مخنف في " كتاب الجمل " : أن عليا عليه السلام خطب لما سار الزبير وطلحة من مكة ، ومعهما عائشة يريدون البصرة ، فقال : أيها الناس ، إن عائشة سارت إلى البصرة ، ومعها طلحة والزبير ، وكل منهما يرى الامر له دون صاحبه ، أما طلحة فابن عمها ، وأما الزبير فختنها ، والله لو ظفروا بما أرادوا - ولن ينالوا ذلك ابدا - ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد . والله إن راكبة الجمل الاحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة إلا في معصية الله وسخطه ، حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة ، أي والله ليقتلن ثلثهم ، وليهربن ثلثهم : وليتوبن ثلثهم ، وإنها التى تنبحها كلاب الحوءب ، وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان . ورب عالم قتله جهله ، ومعه علمه لا ينفعه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ! فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية ، أين المحتسبون ؟ أين المؤمنون ؟ ما لى ولقريش ! أما والله لقد قتلتهم كافرين ، ولاقتلنهم مفتونين ! وما لنا إلى عائشة من ذنب إلا أنا أدخلناها في حيزنا ، والله لابقرن الباطل ، حتى يظهر الحق من خاصرته ، فقل لقريش فلتضج ضجيجها . ثم نزل . * * * برز على عليه السلام يوم الجمل ، ونادى بالزبير : يا أبا عبد الله ، مرارا ، فخرج الزبير ، فتقاربا حتى اختلفت أعناق خيلهما ، فقال له على عليه السلام : إنما دعوتك لاذكرك حديثا قاله لى ولك رسول صلى الله عليه ، أتذكر يوم رآك وأنت معتنقي ، فقال لك :

[ 234 ]

" أ تحبه " ؟ قلت : وما لى لا أحبه وهو أخى وابن خالي ! فقال : " أما إنك ستحاربه وأنت ظالم له " ، فاسترجع الزبير ، وقال : أذكرتني ما أنسانيه الدهر ، ورجع إلى صفوفه . فقال له عبد الله ابنه : لقد رجعت إلينا بغير الوجه الذى فارقتنا به ! فقال : أذكرني على حديثا أنسانيه الدهر ، فلا أحاربه أبدا ، وإنى لراجع وتارككم منذ اليوم . فقال له عبد الله : ما أراك إلا جبنت عن سيوف بنى عبد المطلب ، إنها لسيوف حداد ، تحملها فتية أنجاد ، فقال الزبير : ويلك ! أتهيجني على حربه ، أما إنى قد حلفت ألا أحاربه ، قال : كفر عن يمينك ، لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت ، وما كنت جبانا ، فقال الزبير : غلامي مكحول حر كفارة عن يمينى ، ثم أنصل (1) سنان رمحه ، وحمل على عسكر على عليه السلام برمح لا سنان له ، فقال على عليه السلام : أفرجوا له ، فإنه مخرج ، ثم عاد إلى أصحابه ، ثم حمل ثانية ، ثم ثالثة ، ثم قال لابنه : أجبنا ويلك ترى ! فقال : لقد أعذرت . * * * لما أذكر على عليه السلام الزبير بما أذكره به ورجع الزبير ، قال : نادى على بأمر لست أنكره وكان عمر أبيك الخير مذ حين فقلت حسبك من عذل أبا حسن بعض الذى قلت منذ اليوم يكفيني ترك الامور التى تخشى مغبتها والله أمثل في الدنيا وفي الدين فاخترت عارا على نار مؤججة أنى يقوم لها خلق من الطين ! * * * لما خرج على عليه السلام لطلب الزبير ، خرج حاسرا ، وخرج إليه الزبير دارعا مدججا ، فقال للزبير : يا أبا عبد الله ، قد لعمري أعددت سلاحا ، وحبذا فهل أعددت عند الله عذرا ؟ فقال الزبير : إن مردنا إلى الله ، قال على عليه السلام : (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) (2) ، ثم أذكره الخبر ، فلما كر


(1) أنصل سنان رمحه ، أي نزعه . (2) سورة النور 25 (*)

[ 235 ]

الزبير راجعا إلى أصحابه نادما واجما ، رجع على عليه السلام إلى أصحابه جذلا مسرورا ، فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، تبرز إلى الزبير حاسرا ، وهو شاك في السلاح ، وأنت تعرف شجاعته ! قال : إنه ليس بقاتلي ، إنما يقتلنى رجل خامل الذكر ، ضئيل النسب ، غيلة في غير مأقط (1) حرب ، ولا معركة رجال ، ويلمه أشقى البشر ! ليودن أن أمه هبلت به ! أما إنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن ! * * * لما انصرف الزبير عن حرب على عليه السلام ، مر بوادي السباع ، والاحنف ابن قيس هناك في جمع من بنى تميم قد اعتزل الفريقين ، فأخبر الاحنف بمرور الزبير ، فقال رافعا صوته : ما أصنع بالزبير ! لف غارين (2) من المسلمين ، حتى أخذت السيوف منهما مأخذها ، انسل وتركهم . أما إنه لخليق بالقتل ، قتله الله ! فاتبعه عمرو بن جرموز - وكان فاتكا - فلما قرب منه وقف الزبير ، وقال : ما شأنك ؟ قال : جئت لاسالك عن أمر الناس ، قال الزبير : إنى تركتهم قياما في الركب ، يضرب بعضهم وجه بعض بالسيف . فسار ابن جرموز معه ، وكل واحد منهما يتقى الآخر . فلما حضرت الصلاة ، قال الزبير : يا هذا ، إنا نريد أن نصلى . فقال ابن جرموز : وأنا أريد ذلك ، فقال الزبير : فتؤمني وأؤمنك ؟ قال : نعم ، فثنى الزبير رجله ، وأخذ وضوءه . فلما قام إلى الصلاة شد ابن جرموز عليه فقتله ، وأخذ رأسه وخاتمه وسيفه ، وحثا عليه ترابا يسيرا ، ورجع إلى الاحنف ، فأخبره ، فقال : والله ما أدرى أسأت أم أحسنت ؟ اذهب إلى على عليه السلام فأخبره ، فجاء إلى على عليه السلام ، فقال للآذن : قل له : عمرو بن جرموز بالباب ومعه رأس الزبير وسيفه ، فأدخله . وفي كثير من الروايات أنه لم يأت بالرأس بل بالسيف ، فقال له : أنت قتلته ؟ ! قال : نعم ، قال : والله ما كان ابن صفية جبانا ولا لئيما ، ولكن الحين ومصارع السوء ،


(1) المأقط : ساحة القتال . (2) الغار هنا : الجيش ، وفى اللسان 6 : 34 : " جمع غارين " . (*)

[ 236 ]

ثم قال : ناولنى سيفه ، فناوله فهزه ، وقال : سيف طالما به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله . فقال ابن جرموز : الجائزة يا أمير المؤمنين ، فقال : أما إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " بشر قاتل ابن صفية بالنار " ، فخرج ابن جرموز خائبا ، وقال : أتيت عليا برأس الزبير أبغى به عنده الزلفه (1) فبشر بالنار يوم الحساب فبئست بشارة ذى التحفه فقلت له إن قتل الزبير لو لا رضاك من الكلفه فإن ترض ذاك فمنك الرضا وإلا فدونك لى حلفه ورب المحلين والمحرمين ورب الجماعة والالفه لسيان عندي قتل الزبير وضرطة عنز بذى الجحفه ثم خرج ابن جرموز على على عليه السلام ، مع أهل النهر ، فقتله معهم فيمن قتل .


(1) المسعودي 1 : 373 (*)

[ 237 ]

(9) الاصل : ومن كلام له عليه السلام : وقد أرعدوا وأبرقوا ، ومع هذين الامرين الفشل ، ولسنا نرعد حتى نوقع ، ولا نسيل نمطر . * * * الشرح : أرعد الرجل وأبرق ، إذا أوعد وتهدد ، وكان الاصمى ينكره ، ويزعم أنه لا يقال : إلا رعد وبرق ، ولما احتج عليه ببيت الكميت : أرعد وأبرق يا يزيد فما وعيدك لى بضائر قال : الكميت قروى لا يحتج بقوله (1) . وكلام أمير المؤمنين عليه السلام حجة دالة على بطلان قول الاصمعي . والفشل : الجبن والخور . وقوله : " ولا نسيل حتى نمطر " كلمة فصيحة ، يقول : إن أصحاب الجمل في وعيدهم وإجلابهم بمنزلة من يدعى أنه يحدث السيل قبل إحداث المطر ، وهذا محال ، لان السيل إنما يكون من المطر ، فكيف يسبق المطر ! وأما نحن فإنا لا ندعى ذلك ، وإنما نجرى الامور على حقائقها ، فإن كان منا مطر كان منا سيل ، وإذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالايقاع به غيره من خصومنا .


(1) الخبر والبيت في أمالى القالى 1 : 96 (*)

[ 238 ]

وقوله عليه السلام : " ومع هذين الامرين الفشل " معنى حسن ، لان الغالب من الجبناء كثرة الضوضاء والجلبة يوم الحرب ، كما أن الغالب من الشجعان الصمت والسكون . وسمع أبو طاهر (1) الجنابي ضوضاء عسكر المقتدر بالله ودبادبهم (2) وبوقاتهم ، وهو في ألف وخمسمائة ، وعسكر المقتدر في عشرين ألفا ، مقدمهم يوسف بن أبى الساج ، فقال لبعض أصحابه : ما هذا الزجل (3) ؟ قال : فشل ، قال : أجل . ويقال : إنه ما رئى جيش كجيش أبى طاهر ، ما كان يسمع لهم صوت ، حتى إن الخيل لم تكن لها حمحمة ، فرشق عسكر ابن أبى الساج (4) القرامطة بالسهام المسمومة ، فجرح منهم أكثر من خمسمائة إنسان . وكان أبو طاهر في عمارية له ، فنزل وركب فرسا ، وحمل بنفسه ومعه أصحابه حملة عظيمة على عسكر ابن أبى الساج ، فكسروه وفلوه وخلصوا إلى يوسف فأسروه ، وتقطع عسكره بعد أن أتى بالقتل على كثير منهم ، وكان ذلك في سنة خمس عشرة وثلثمائة . ومن أمثالهم : الصدق ينبئ عنك لا الوعيد .


(1) هو أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي ، كان أبوه الحسن كبير القرامطة ، وقتل سنة 301 ، قتله خام له صقلبى ، فتولى ابنه أبو طاهر أمر القرامطة بعده ، بعد أن عجز أخوه سعيد عن الامر . ابن الاثير 6 : 147 (2) في اللسان : " الدبادب : صوت كأنه دب ، دب ، وهى حكاية الصوت " . (3) الزجل : الجلبة ورفع الصوت 6 : (4) هو يوسف بن أبى الساج ، أحد ولاة الرى في عهد المقتدر ، وكان استقل عن الخليفة ، ثم عاد إلى طاعته . وانظر طرفا من أخباره في ابن الاثير في 6 : 175 ، وما بعدها . (*)

[ 239 ]

(10) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : ألا وإن الشيطان قد جمع حزبه ، واستجلب خيله ورجله ، وإن معى لبصيرتي ، ما لبست على نفسي ، ولا لبس على . وايم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه ، لا يصدرون عنه ، ولا يعودون إليه . * * * الشرح : يمكن أن يعنى بالشيطان الشيطان الحقيقي ، ويمكن أن يعنى به معاوية ، فإن عنى معاوية ، فقوله : " قد جمع حزبه ، واستجلب خيله ورجله " كلام جار على حقائقه ، وإن عنى به الشيطان ، كان ذلك من باب الاستعارة ، ومأخوذا من قوله تعالى : (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) (1) ، والرجل : جمع راجل ، كالشرب ، جمع شارب ، والركب : جمع راكب . قوله : " وإن معى لبصيرتي " ، يريد أن البصيرة التى كانت معى في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله تتغير . وقوله : " ما لبست " تقسيم جيد ، لان كل ضال عن الهداية ، فإما أن يضل من تلقاء نفسه ، أو بإضلال غيره له . وقوله : " لافرطن " من رواها بفتح الهمزة ، فأصله " فرط " ثلاثى يقال : فرط


(1) سورة الاسراء 64 (*)

[ 240 ]

زيد القوم أي سبقهم ، ورجل فرط : يسبق القوم إلى البئر ، فيهيئ لهم الارشية والدلاء ، ومنه قوله عليه السلام : " أنا فرطكم على الحوض " ، ويكون تقدير الكلام : وايم الله لافرطن لهم إلى حوض ، فلما حذف الجار عدى الفعل بنفسه ، فنصب ، كقوله تعالى : (واختار موسى قومه) (1) ، وتكون اللام في " لهم " إما لام التعدية ، كقوله : " ويؤمن للمؤمنين " أي ويؤمن المؤمنين ، أو تكون لام التعليل ، أي لاجلهم . ومن رواها " لافرطن " بضم الهمزة ، فهو من أفرط المزادة ، أي ملاها . والماتح : المستقى ، متح يمتح ، بالفتح ، والمايح ، بالياء : الذى ينزل إلى البئر فيملا الدلو . وقيل لابي على رحمه الله : ما الفرق بين الماتح والمايح ؟ فقال : هما كإعجامهما ، يعنى أن التاء بنقطتين من فوق ، وكذلك الماتح لانه المستقى ، فهو فوق البئر ، والياء بنقطتين من تحت ، وكذلك المايح لانه تحت في الماء الذى في البئر يملاء الدلاء . ومعنى قوله : " أنا ماتحه " أنا خبير به ، كما يقل من يدعى معرفة الدار : أنا بانى هذه الدار ، والكلام استعارة ، يقول لاملان لهم حياض الحرب التى هي دربتى وعادتي ، أو لاسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرب لها ، مجرب لها ، إذا وردوها لا يصدرون عنها يعنى قتلهم وإزهاق أنفسهم ومن فر منهم لا يعود إليها ، ومن هذا اللفظ قول الشاعر : مخضت بدلوه حتى تحسى ذنوب الشر ملاى أو قرابا (2) * * *


(1) سورة الاعراف 155 (2) البيت في شرح الحماسة للمرزوقي 533 من غير نسبة . (*)

[ 241 ]

(11) الاصل : ومن كلام له عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل : تزول الجبال ولا تزل ، عض على ناجذك ، أعر الله جمجمتك ، تد في الارض قدمك ، ارم ببصرك أقصى القوم ، وغض بصرك ، واعلم أن النصر من عند الله سبحانه . الشرح : قوله : " تزول الجبال ولا تزل " ، خبر فيه معنى الشرط ، تقديره : إن زالت الجبال فلا تزل أنت ، والمراد المبالغة . في أخبار صفين أن بنى عكل - وكانوا مع أهل الشام - حملوا في يوم من أيام صفين ، خرجوا وعقلوا أنفسهم بعمائمهم ، وتحالفوا أنا لا نفر حتى يفر هذا " الحكر " ، بالكاف ، قالوا : لان عكلا تبدل الجيم كافا . والناجذ : أقصى الاضراس . وتد أمر من وتد قدمه في الارض ، أي أثبتها فيها كالوتد . ولا تناقض بين قوله : " ارم ببصرك " وقوله : " غض بصرك " ، وذلك لانه في الاولى أمره أن يفتح عينه ويرفع طرفه ، ويحدق إلى أقاصى القوم ببصره ، فعل الشجاع المقدام غير المكترث ولا المبالى ، لان الجبان تضعف نفسه ويخفق قلبه فيقصر ، بصره ولا يرتفع طرفه ، ولا يمتد عنقه ، ويكون ناكس الرأس ، غضيض الطرف . وفي الثانية أمره أن يغض بصره عن بريق سيوفهم ولمعان دروعهم ، لئلا يبرق بصره ، ويدهش ويستشعر خوفا . وتقرير الكلام و " احمل " وحذف ذلك للعلم به ، فكأنه قال : إذا عزمت على الحملة

[ 242 ]

وصممت ، فغض حينئذ بصرك واحمل ، وكن كالعشواء التى تخبط ما أمامها ولا تبالي . وقوله : " عض على ناجذك " ، قالوا : إن العاض على نواجذه ينبو السيف عن دماغه ، لان عظام الرأس تشتد وتصلب ، وقد جاء في كلامه عليه السلام هذا مشروحا في موضع آخر ، وهو قوله : " وعضوا على النواجذ ، فإنه أنبى للصوارم عن الهام " . ويحتمل أن يريد به شدة الحنق . قالوا : فلان يحرق على الارم ، يريدون شدة الغيظ ، والحرق : صريف الاسنان وصوتها ، والارم : الاضراس . وقوله : " أعر الله جمجمتك " ، معناه ابذلها في طاعة الله ، ويمكن أن يقال : إن ذلك إشعار له أنه لا يقتل في تلك الحرب ، لان العارية مردودة ، ولو قال له : بع الله جمجمتك ، لكان ذلك إشعارا له بالشهادة فيها . وأخذ يزيد بن المهلب هذه اللفظة فخطب أصحابه بواسط ، فقال : إنى قد أسمع قول الرعاع : جاء مسلمة ، وجاء العباس (1) ، وجاء أهل الشام ، ومن أهل الشام ! والله ما هم إلا تسعة أسياف ، سبعة منها معى ، واثنان على ، وأما مسلمة فجرادة صفراء ، وأما العباس فنسطوس ابن نسطوس ، أتاكم في برابرة وصقالبة وجرامقة وأقباط وأخلاط ، إنما أقبل إليكم الفلاحون وأوباش كأشلاء اللحم . والله ما لقوا قط كحديدكم وعديدكم ، أعيروني سواعدكم ساعة تصفقون بها خراطيمهم ، فإنما هي غدوة أو روحة ، حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الظالمين . من صفات الشجاع قولهم : فلان مغامر ، وفلان غشمشم ، أي لا يبصر ما بين يديه في الحرب ، وذلك لشدة تقحمه وركوبه المهلكة ، وقلة نظره في العاقبة ، وهذا هو معنى قوله عليه السلام لمحمد : " غض بصرك " .


(1) هما مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك جهزهما يزيد بن بن عبد الملك لقتال يزيد بن المهلب . انظر ابن خلكان ، ترجمة يزيد بن عبد الملك . (*)

[ 243 ]

[ ذكر خبر مقتل حمزة بن عبد المطلب ] وكان حمزة بن عبد المطلب مغامرا غشمشما لا يبصر أمامه ، قال جبير بن مطعم ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف لعبده وحشى يوم أحد : ويلك ! إن عليا قتل عمى طعيمة سيد البطحاء يوم بدر ، فإن قتلته اليوم فأنت حر ، وإن قتلت محمدا فأنت حر ، وإن قتلت حمزة فأنت حر ، فلا أحد يعدل عمى إلا هؤلاء . فقال : أما محمد فإن أصحابه دونه ، ولن يسلموه ، ولا أرانى أصل إليه ، وأما على فرجل حذر مرس ، (1) كثير الالتفات في الحرب لا أستطيع قتله ، ولكن سأقتل لك حمزة ، فإنه رجل لا يبصر أمامه في الحرب ، فوقف لحمزة حتى إذا حاذاه زرقه بالحربة كما تزرق (2) الحبشة بحرابها ، فقتله . [ محمد بن الحنفية ونسبه وبعض أخباره ] دفع أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل رايته إلى محمد ابنه عليه السلام ، وقد استوت الصفوف ، وقال له : احمل ، فتوقف قليلا ، فقال له : احمل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أ ما ترى السهام كأنها شآبيب المطر ! فدفع في صدر ، فقال : أدركك عرق من أمك ، ثم أخذ الراية فهزها ، ثم قال : اطعن بها طعن أبيك تحمد لا خير في الحرب إذا لم توقد * بالمشرفى والقنا المسدد * ثم حمل وحمل الناس خلفه ، فطحن عسكر البصرة . * * *


(1) رجل مرس : شديد العلاج للامور . (2) زرقه : طعنه . (*)

[ 244 ]

قيل لمحمد لم يغرر بك أبوك في الحرب ولا يغرر بالحسن والحسين عليهما السلام ؟ فقال : إنهما عيناه وأنا يمينه ، فهو يدفع عن عينيه بيمينه . * * * كان على عليه السلام يقذف بمحمد في مهالك الحرب ، ويكف حسنا وحسينا عنها . ومن كلامه في يوم صفين : أملكوا عنى هذين الفتيين ، أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله . أم محمد رضى الله عنه ، خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع ابن ثعلبة ابن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل . واختلف في أمرها ، فقال قوم : إنها سبية من سبايا الردة ، قوتل أهلها على يد خالد ابن الوليد في أيام أبى بكر ، لما منع كثير من العرب الزكاة ، وارتدت بنو حنيفة ، وادعت نبوة مسيلمة ، وإن أبا بكر دفعها إلى على عليه السلام من سهمه في المغنم . وقال قوم ، منهم أبو الحسن على بن محمد بن سيف المدائني : هي سبية في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله ، قالوا : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا إلى اليمن ، فأصاب خولة في بنى زبيد ، وقد ارتدوا مع عمرو بن معدى كرب ، وكانت زبيد سبتها من بنى حنيفة في غارة لهم عليهم ، فصارت في سهم على عليه السلام ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : إن ولدت منك غلاما فسمه باسمى ، وكنه بكنيتي ، فولدت له بعد موت فاطمة عليها السلام محمدا ، فكناه أبا القاسم . وقال قوم ، وهم المحققون ، وقولهم الاظهر : إن بنى أسد أغارت على بنى حنيفة في خلافة أبى بكر الصديق ، فسبوا خولة بنت جعفر ، وقدموا بها المدينة فباعوها من على عليه السلام ،

[ 245 ]

وبلغ قومها خبرها ، فقدموا المدينة على على عليه السلام ، فعرفوها وأخبروه بموضعها منهم ، فأعتقها ومهرها وتزوجها ، فولدت له محمدا ، فكناه أبا القاسم . وهذا القول ، هو اختيار أحمد بن يحيى البلاذرى في كتابه المعروف ب‍ " تاريخ الاشراف " . * * * لما تقاعس محمد يوم الجمل عن الحملة ، وحمل على عليه السلام بالراية ، فضعضع أركان عسكر الجمل ، دفع إليه الراية ، وقال : امح الاولى بالاخرى ، وهذه الانصار معك . وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين ، في جمع من الانصار ، كثير منهم من أهل بدر ، فحمل حملات كثيرة ، أزال بها القوم عن مواقفهم وأبلى بلاء حسنا . فقال خزيمة بن ثابت لعلى عليه السلام : أما إنه لو كان غير محمد اليوم لافتضح ، ولئن كنت خفت عليه الجبن وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خفناه عليه ، وإن كنت أردت ان تعلمه الطعان فطالما علمته الرجال . وقالت الانصار : يا أمير المؤمنين ، لو لا ما جعل الله تعالى للحسن والحسين عليه السلام لما قدمنا على محمد أحدا من العرب . فقال على عليه السلام : أين النجم من الشمس والقمر ! أما إنه قد أغنى وأبلى ، وله فضله ، ولا ينقص فضل صاحبيه عليه ، وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة الله تعالى إليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا والله لا نجعله كالحسن والحسين ، ولا نظلمهما له ، ولا نظلمه - لفضلهما عليه - حقه ، فقال على عليه السلام : أين يقع ابني من ابني بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ! فقال خزيمة بن ثابت فيه : محمد ما في عودك اليوم وصمة ولا كنت في الحرب الضروس معردا (1) أبوك الذى لم يركب الخيل مثله على ، وسماك النبي محمدا فلو كان حقا من أبيك خليفة لكنت ، ولكن ذاك ما لا يرى بدا


(1) معرد : منهزم . (*)

[ 246 ]

وأنت بحمد الله أطول غالب (1) لسانا ، وأنداها بما ملكت يدا وأقربها من كل خير تريده قريش وأوفاها بما قال موعدا وأطعنهم صدر الكمى برمحه وأكساهم للهام عضبا مهندا سوى أخويك السيدين ، كلاهما إمام الورى والداعيان إلى الهدى أبى الله أن يعطى عدوك مقعدا من الارض أو في الاوج مرقى ومصعدا * * *


(1) غالب يقصد به ذرية غالب بن قهر بن مالك . (*)

[ 247 ]

ومن كلام له عليه السلام ، لما أظفره الله بأصحاب الجمل ، وقد قال له بعض أصحابه : وددت أن أخى فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك ، فقال على عليه السلام : أ هوى أخيك معنا ؟ فقال : نعم ، قال : فقد شهدنا ، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام (1) في أصلاب الرجال ، وأرحام النساء ، سيرعف بهم الزمان ، ويقوى بهم الايمان . * * * الشرح : يرعف بهم الزمان : يوجدهم ويخرجهم ، كما يرعف الانسان بالدم الذى يخرجه من أنفه ، قال الشاعر : وما رعف الزمان بمثل عمرو ولا تلد النساء له ضريبا والمعنى مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وآله لعثمان - ولم يكن شهد بدرا ، تخلف على رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله لما مرضت مرض موتها : " لقد كنت شاهدا وإن كنت غائبا ، لك أجرك وسهمك " ، [ من أخبار يوم الجمل ] قال الكلبى : قلت لابي صالح : كيف لم يضع على عليه السلام السيف في أهل البصرة يوم الجمل بعد ظفره ، قال : سار فيهم بالصفح والمن الذى سار به رسول الله صلى الله عليه


(1) مخطوطة النهج : " قوم " . (*)

[ 248 ]

عليه وآله في أهل مكة يوم الفتح ، فإنه أراد أن يستعرضهم بالسيف ، ثم من عليهم ، وكان يحب أن يهديهم الله . قال فطر بن خليفة : ما دخلت دار الوليد بالكوفة التى فيها القصارون إلا وذكرت بأصواتهم وقع السيوف يوم الجمل . حرب بن جيهان الجعفي : لقد رأيت الرماح يوم الجمل قد أشرعها الرجال ، بعضها في صدور بعض ، كأنها آجام القصب ، لو شاءت الرجال أن تمشى عليها لمشت ، ولقد صدقونا القتال حتى ما ظننت أن ينهزموا ، وما رأيت يوما قط أشبه بيوم الجمل من يوم جلولاء الوقيعة (1) . الاصبغ بن نباتة : لما انهزم أهل البصرة ركب على عليه السلام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء ، وكانت باقية عنده ، وسار في القتلى يستعرضهم ، فمر بكعب بن سور القاضى ، قاضى البصرة ، وهو قتيل ، فقال : أجلسوه فأجلس ، فقال له : ويلمك أمك كعب ابن سور ! لقد كان لك علم لو نفعك ! ولكن الشيطان أضلك فأزلك ، فعجلك إلى النار ، أرسلوه . ثم مر بطلحة بن عبيد الله قتيلا ، فقال : أجلسوه ، فأجلس - قال أبو مخنف في كتابه : فقال ! ويلمك أمك طلحة ! لقد كان لك قدم لو نفعك ! ولكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار . وأما أصحابنا فيروون غير ذلك ، يروون أنه عليه السلام قال له لما أجلسوه : أعزز على أبا محمد أن أراك معفرا تحت نجوم السماء وفي بطن هذا الوادي ! أ بعد جهادك في الله ، وذبك عن رسول الله صلى الله عليه وآله ! فجاء إليه إنسان فقال : أشهد يا أمير المؤمنين ، لقد مررت عليه بعد أن أصابه السهم وهو صريع ، فصاح بى ، فقال : من أصحاب من أنت ؟ فقلت : من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : امدد يدك لابايع


(1) جلولاء : موضع في خراسان ، كانت بها وقعة المسلمين على الفرس سنة 16 ، وسميت الوقيعة لما أوقع بهم المسلمون (ياقوت) . (*)

[ 249 ]

لامير المؤمنين عليه السلام ، فمددت إليه يدى فبايعني لك . فقال على عليه السلام : أبى الله ان يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه . ثم مر بعبد الله بن خلف الخزاعى ، وكان عليه السلام قتله بيده مبارزة ، وكان رئيس أهل البصرة ، فقال : أجلسوه ، فأجلس ، فقال : الو يل لك يا بن خلف ! لقد عانيت أمرا عظيما . وقال شيخنا أبو عثمان الجاحظ : ومر عليه السلام بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، فقال : أجلسوه ، فأجلس ، فقال : هذا يعسوب قريش ، هذا اللباب المحض من بنى عبد مناف ! ثم قال : شفيت نفسي ، وقتلت معشرى ، إلى الله أشكو عجرى وبجرى ! (1) قتلت الصناديد من بنى عبد مناف ، وأفلتني الاعيار (2) من بنى مذحج . فقال له قائل : لشد ما أطريت هذا الفتى منذ اليوم يا أمير المؤمنين ! قال : إنه قام عنى وعنه نسوة لم يقمن عنك . * * * قال أبو الأسود الدؤلى ، لما ظهر على عليه السلام يوم الجمل ، دخل بيت المال بالبصرة في ناس من المهاجرين والانصار وأنا معهم ، فلما رأى كثرة ما فيه ، قال : غرى غيرى ، مرارا ، ثم نظر إلى المال ، وصعد فيه بصره وصوب ، وقال : اقسموه بين أصحابي خمسمائة ، فقسم بينهم ، فلا والذى بعث محمدا بالحق ما نقص درهما ولا زاد درهما ، كأنه كان يعرف مبلغه ومقداره ، وكان ستة آلاف ألف درهم ، والناس اثنا عشر ألفا .


(1) عجرى وبجرى ، نقل صاحب اللسان (6 : 216) عن محمد بن يزيد : " معناه همومى وأحزانى ، وقيل : ما أبدى وأخفى ، وكله على المثل " . وقال : " وأصل العجر العروق المنعقدة في الصدر ، والبجر العروق المنعقدة في البطن خاصة " . (2) الاعيار هنا : جمع عير ، وعير القوم : سيدهم ، وعليه قول الحارث بن حلزة : زعموا أن كل من ضرب العير موال لنا وأنى الولاء (*)

[ 250 ]

حبه العرنى ، (1) قسم على عليه السلام بيت مال البصرة على أصحابه خمسمائة خمسمائة ، وأخذ خمسمائة درهم كواحد منهم ، فجاءه إنسان لم يحضر الوقعة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كنت شاهدا معك بقلبي ، وإن غاب عنك جسمي ، فاعطني من الفئ شيئا . فدفع إليه الذى أخذه لنفسه وهو خمسمائة درهم ، ولم يصب من الفئ شيئا . * * * اتفقت الرواة كلها على أنه عليه السلام قبض ما وجد في عسكر الجمل من سلاح ودابة ومملوك ومتاع وعروض ، فقسمه بين أصحابه ، وأنهم قالوا له : اقسم بيننا أهل البصرة فاجعلهم رقيقا ، فقال : لا ، فقالوا : فكيف تحل لنا دماءهم وتحرم علينا سبيهم ! فقال : كيف يحل لكم ذرية ضعيفة في دار هجرة وإسلام ! أما ما أجلب به القوم في معسكرهم عليكم فهو لكم مغنم ، وأما ما وارت الدور وأغلقت عليه الابواب فهو لاهله ، ولا نصيب لكم في شئ منه ، فلما أكثروا عليه قال : فاقرعوا على عائشة ، لادفعها إلى من تصيبه القرعة ! فقالوا : نستغفر الله يا أمير المؤمنين ! ثم انصرفوا .


(1) حبة ، بفتح أوله ، ثم موحدة ثقيلة ، بن جوين العرنى ، الكوفى . كان غاليا في التشيع ، قال في التهذيب : مات أول ما قدم الحجاج العراق سنة 76 (*)

[ 251 ]

(13) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في ذم أهل البصرة : كنتم جند المرأة ، وأتباع البهيمة ، رغا فأجبتم ، وعقر فهربتم ، أخلاقكم دقاق ، وعهدكم شقاق ، ودينكم نفاق ، وماؤكم زعاق ، والمقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه ، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه ، كأنى بمسجدكم كجؤجؤ سفينة ، قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها ، وغرق من في ضمنها . وفي رواية : وايم الله ، لتغرقن بلدتكم ، حتى كأنى أنظر إلى مسجدها كؤجؤ سفينة ، أو نعامة جاثمة . وفي رواية : كجؤجؤ طير في لجة بحر . وفي رواية أخرى : بلادكم أنتن بلاد الله تربة ، أقربها من الماء ، وأبعدها من السماء وبها تسعة أعشار الشر ، المحتبس فيها بذنبه ، والخارج بعفو الله . كأنى أنظر إلى قريتكم هذه قد طبقها الماء ، حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد ، كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر . * * *

[ 252 ]

الشرح : قوله : " وأتباع البهيمة " ، يعنى الجمل ، وكان جمل عائشة راية عسكر البصرة ، قتلوا دونه كما تقتل الرجال تحت راياتها . وقوله : " أخلاقكم دقاق " ، يصفهم باللؤم ، وفى الحديث أن رجلا قال له : يا رسول الله إنى أحب أن أنكح فلانة ، إلا أن في أخلاق أهلها دقة ، فقال له : " إياك وخضراء الدمن ، إياك والمرأة الحسناء في منبت السوء " . قوله : " وعهدكم شقاق " يصفهم بالغدر ، يقول : عهدكم وذمتكم لا يوثق بها ، بل هي وإن كانت في الصورة عهدا أو ذمة ، فإنها في المعنى خلاف وعداوة . قوله : " وماؤكم زعاق " ، أي ملح ، وهذا وإن لم يكن من أفعالهم إلا أنه مما تذم به المدينة ، كما قال : بلاد بها الحمى وأسد عرينة وفيها المعلى يعتدى ويجور فإنى لمن قد حل فيها لراحم وإنى من لم يأتها لنذير ولا ذنب لاهلها في أنها بلاد الحمى والسباع : ثم وصف المقيم بين أظهرهم بأنه مرتهن بذنبه ، لانه إما أن يشاركهم في الذنوب أو يراها فلا ينكرها ، ومذهب أصحابنا أنه لا تجوز الاقامة في دار الفسق ، كما لا تجوز الاقامة في دار الكفر . والجؤجؤ : عظم الصدر وجؤجؤ السفينة : صدرها .

[ 253 ]

فأما إخباره عليه السلام أن البصرة تغرق عدا المسجد الجامع بها ، فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أن البصرة تهلك بالماء الاسود ينفجر من أرضها ، فتغرق ويبقى مسجدها . والصحيح أن المخبر به قد وقع ، فإن البصرة غرقت مرتين ، مرة في أيام القادر ، بالله ومرة في أيام القائم بأمر الله ، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر ، حسب ماأاخبر به أمير المؤمنين عليه السلام ، جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس ، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام ، وخربت دورها ، وغرق كل ما في ضمنها ، وهلك كثير من أهلها . وأخبار هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة ، يتناقلها خلفهم عن سلفهم . [ من أخبار يوم الجمل أيضا ] قال أبو الحسن على بن محمد بن سيف المدائني ومحمد بن عمر الواقدي : ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل ، وأكثره لبنى ضبة والاسد ، الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه ، ولقد كانت الرؤوس تندر (1) عن الكواهل ، والايدى تطيح من المعاصم ، وأقتاب البطن (2) تندلق من الاجواف ، وهم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تتحلحل ولا تتزلزل ، حتى لقد صرخ عليه السلام بأعلى صوته : ويلكم أعقروا ، الجمل فإنه شيطان ! ثم قال : أعقروه وإلا فنيت العرب . لا يزال السيف قائما وراكعا حتى يهوى هذا البعير


(1) تندر : تقطع . (2) الاقتاب : الامعاء ، واحده قتب ، محركة بالتاء أو بكسر فسكون (*)

[ 254 ]

إلى الارض ، فصمدوا له حتى عقروه فسقط وله رغاء شديد ، فلما برك كانت الهزيمة . * * * ومن الاراجيز المحفوظة يوم الجمل لعسكر البصرة قول بعضهم (1) : نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ننازل الموت إذا الموت نزل ننعي ابن عفان باطراف الاسل ردوا علينا شيخنا ثم بجل (2) الموت أحلى عندنا من العسل لا عار في الموت إذا خان الاجل إن عليا هو من شر البدل إن تعدلوا بشيخنا لا يعتدل * اين االوهاد وشماريخ القلل * فأجابه رجل من عسكر الكوفة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام : نحن قتلنا نعثلا فيمن قتل أكثر من أكثر فيه أو أقل (4) أنى يرد نعثل وقد قحل نحن ضربنا وسطه حتى انجدل (5) لحكمه حكم الطواغيت الاول آثر بالفئ وجافى في العمل فأبدل الله به خير بدل إنى امرؤ مستقدم غير وكل * مشمر للحرب معروف بطل * ومن اراجيز اهل البصر ة : يا أيها الجند الصليب الايمان قوموا قياما واستغيثوا الرحمن


(1) الابيات في الطبري (5 : 209) ، منسوبة إلى رجل يدعى الحارث من بنى ضبة ، وفى المسعودي (2 : 37) من غير نسبة ، مع اختلاف في الرواية وعدد الابيات . (2) بجل : حسب ، كذا فسره صاحب اللسان (13 : 48) ، واستشهد بالبيت . (3) الشماريخ : رءوس الجبال . (4) قال صاحب اللسان : " نعثل رجل من أهل مصر ، كان طويل اللحية ، قيل إنه كان يشبه عثمان رضى الله عنه ، هذا قول أبى عبيد . وشاتمو عثمان رضى الله عنه يسمونه نعثلا ، تشبيها بالرجل المصرى لطول لحيته ، ولم يكونوا يجون فيه عيبا غير هذا " (5) قحل : مات وجف جلده . وانجدل : سقط . (*)

[ 255 ]

إنى أتانى خبر ذو ألوان أن عليا قتل ابن عفان ردوا إلينا شيخنا كما كان يا رب وابعث ناصرا لعثمان * يقتلهم بقوة وسلطان * فاجابه رجل من عسكر الكوفة : أبت سيوف مذحج وهمدان بأن ترد نعثلا كما كان خلقا سويا بعد خلق الرحمن وقد قضى بالحكم حكم الشيطان وفارق الحق ونور الفرقان فذاق كأس الموت شرب الظمان . ومن الرجز المشهور المقول يوم الجمل قاله ، أهل البصرة : يا أمنا عائش لا تراعى كل بنيك بطل المصاع (1) ينعى ابن عفان إليك ناعى كعب بن سور كاشف القناع فارضى بنصر السيد المطاع والازد فيها كرم الطباع . ومنه قول بعضهم : يا أمنا يكفيك منا دنوه لن يؤخذ الدهر الخطام عنوه وحولك اليوم رجال شنوه وحى همدان رجال الهبوه (2) والمالكيون القليلو الكبوه والازد حى ليس فيهم نبوه قالوا : وخرج من أهل البصرة شيخ صبيح الوجه ، نبيل ، عليه جبة وشى ، يحض الناس على الحرب ، ويقول : يا معشر الازد عليكم أمكم فإنها صلاتكم وصومكم والحرمة العظمى التى تعمكم فأحضروها جدكم وحزمكم


(1) المصاع : الجلاد والضرب . (2) الهبوة : الغبرة ، يريد ما يتناثر في المعارك من الغبار والتراب . (*)

[ 256 ]

لا يغلبن سم العدو سمكم إن العدو إن علاكم زمكم وخصكم بجوره وعمكم لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم قال المدائني والواقدى : وهذا الرجز يصدق الرواية أن الزبير وطلحة قاما في الناس ، فقالا : إن عليا إن يظفر فهو فناؤكم يا أهل البصرة ، فاحموا حقيقتكم ، فإنه لا يبقى حرمة إلا انتهكها ، ولا حريما إلا هتكه ، ولا ذرية إلا قتلها ، ولا ذوات خدر إلا سباهن ، فقاتلوا مقاتلة من يحمى عن حريمه ، ويختار الموت على الفضيحة يراها في أهله . وقال أبو مخنف : لم يقل أحد من رجاز البصرة قولا كان أحب إلى أهل الجمل من قول هذا الشيخ : استقتل الناس عند قوله : وثبتوا حول الجمل ، وانتدبوا ، فخرج عوف بن قطن الضبى ، وهو ينادى : ليس لعثمان ثأر إلا على بن أبى طالب وولده ، فأخذ خطام الجمل ، وقال : يا أم يا أم خلا منى الوطن لا أبتغى القبر ولا أبغى الكفن من هاهنا محشر عوف بن قطن إن فاتنا اليوم على فالغبن أو فاتنا ابناه حسين وحسن إذا أمت بطول هم وحزن ثم تقدم ، فضرب بسيفه حتى قتل . وتناول عبد الله بن أبزى خطام الجمل ، وكان كل من أراد الجد في الحرب وقاتل قتال مستميت يتقدم إلى الجمل فيأخذ بخطامه ، ثم شد على عسكر على عليه السلا م ، وقال : أضربهم ولا أرى أبا حسن ها إن هذا حزن من الحزن فشد عليه على أمير المؤمنين عليه السلام بالرمح فطعنه فقتله ، وقال : قد رأيت أبا حسن ، فكيف رأيته ! وترك الرمح فيه . * * *

[ 257 ]

وأخذت عائشة كفا من حصى ، فحصبت به أصحاب على عليه السلام ، وصاحت بأعلى صوتها شاهت الوجوه ! كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين ، فقال لها قائل : وما رميت إذ رميت ولكن الشيطان (1) رمى . وزحف على عليه السلام نحو (2) الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين والانصار ، وحوله بنوه : حسن وحسين ومحمد عليهم السلام ودفع الراية إلى محمد ، وقال : أقدم بها حتى تركزها في عين (3) الجمل ، ولا تقفن دونه . فتقدم محمد ، فرشقته السهام ، فقال لاصحابه : رويدا حتى تنفد سهامهم ، فلم يبق لهم إلا رشقة أو رشقتان . فأنفذا إليه على عليه السلام يستحثه ، ويأمره بالمناجزة ، فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه ، فوضع يده اليسرى على منكبه الايمن ، وقال له : أقدم لا أم لك ! فكان محمد رضى الله عنه إذا ذكر ذلك بعد يبكى ، ويقول : لكأنى أجد ريح نفسه في قفاى ، والله لا أنسى ذلك أبدا . ثم أدركت عليا عليه السلام رقة على ولده ، فتناول الراية منه بيده اليسرى ، وذو الفقار مشهور في يمنى يديه ، ثم حمل فغاص في عسكر الجمل ، ثم رجع وقد انحنى سيفه ، فأقامه بركبته . فقال له أصحابه وبنوه والاشتر وعمار ، نحن نكفيك يا أمير المؤمنين . فلم يجب أحدا منهم ولا رد إليهم بصره ، وظل ينحط (4) ويزأر زئير الاسد ، حتى فرق من حوله . وتبادروه وإنه لطامح ببصره نحو عسكر البصرة ، لا يبصر من حوله ، ولا يرد حوارا ، ثم دفع الراية إلى ابنه محمد ، ثم حمل حملة ثانية وحده ، فدخل وسطهم فضربهم بالسيف قدما قدما ، والرجال تفر من بين يديه وتنحاز عنه يمنة ويسرة ، حتى خضب الارض بدماء القتلى ، ثم رجع وقد انحنى سيفه ، فأقامه بركبته ، فاعصوصب (5) به أصحابه ، وناشدوه الله في نفسه وفي الاسلام ، وقالوا : إنك إن تصب يذهب الدين ، فأمسك ونحن نكفيك . فقال : والله ما أريد بما ترون إلا وجه الله والدار الآخرة . ثم قال لمحمد ابنه : هكذا تصنع يا بن الحنفية ، فقال الناس : من الذى يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين !


(1) كذا في ا ، وفى ب " ولكن الله " . (2) ا : " يوم " . (3) ا : " عجز " (4) ينحط : يزفر . (5) اعصوصوبوا به : استجمعوا والتفوا حوله . (*)

[ 258 ]

ومن كلماته الفصيحة عليه السلام في يوم الجمل ، ما رواه الكلبى عن رجل من الانصار ، قال : بينا أنا واقف في أول الصفوف يوم الجمل ، إذ جاء على عليه السلام فانحرفت إليه فقال : أين مثرى القوم ؟ فقلت : هاهنا ، نحو عائشة . قال الكلبى : يريد أين عددهم ؟ وأين جمهورهم وكثرتهم ؟ والمال الثرى على " فعيل " هو الكثير ، ومنه رجل ثروان ، وامرأة ثروى ، وتصغيرها ثريا : والصدقة مثراة للمال ، أي مكثرة له . * * * قال أبو مخنف : وبعث على عليه السلام إلى الاشتر : أن احمل على ميسرتهم ، فحمل عليها وفيها هلال بن وكيع ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وقتل هلال ، قتله الاشتر ، فمالت الميسره إلى عائشة ، فلاذوا بها ، وعظمهم بنو ضبة وبنو عدى ، ثم عطفت الازد وضبة وناجية وباهلة إلى الجمل ، فأحاطوا به ، واقتتل الناس حوله قتالا شديدا ، وقتل كعب بن سور قاضى البصرة ، جاءه سهم (1) غرب ، فقتله وخطام الجمل في يده ، ثم قتل عمرو بن يثربى الضبى (2) ، وكان فارس أصحاب الجمل وشجاعهم ، بعد أن قتل كثيرا من أصحاب على عليه السلام . قالوا : كان عمرو أخذ بخطام الجمل ، فدفعه إلى ابنه ، ثم دعا إلى البراز ، فخرج إليه علباء بن الهيثم السدوسى ، فقتله عمرو ، ثم دعا إلى البراز ، فخرج إليه هند بن عمرو الجملى (3) فقتله عمرو ، ثم دعا إلى البراز ، فقال زيد بن صوحان العبدى لعلى عليه السلام : يا أمير المؤمنين ، إنى رأيت يدا أشرفت على من السماء وهى تقول ، هلم إلينا ، وأنا خارج إلى


(1) يقال : أصابه سهم غرب (بفتحتين) وغرب (بفتح فسكون) ، إذا كان لا يدرى من رماه ، وقيل : إذا أتاه من حيث لا يدرى . اللسان 2 : 133 (2) عمرو بن يثربى . كان من رءوس ضبة في الجاهلية ثم أسلم ، واستقضاه عثمان على البصرة . الاصابة 5 : 120 ، والاشتقاق 413 (3) هو هند بن عمرو الجملى ، نسبة إلى نجمل بن سعد العشيرة ، حى من مذحج . الاشتقاق 413 . (*)

[ 259 ]

ابن يثربى ، فإذا قتلني فادفني بدمى ، ولا تغسلني ، فإنى مخاصم عند ربى . ثم خرج فقتله عمرو ، ثم رجع إلى خطام الجمل مرتجزا يقول : أرديت علباء وهندا في طلق ثم ابن صوحان خضيبا في علق (1) قد سبق اليوم لنا ما قد سبق والوتر منا في عدى ذى الفرق والاشتر الغاوى وعمرو بن الحمق (2) والفارس المعلم في الحرب الحنق ذاك الذى في الحادثات لم يطق أعنى عليا ليته فينا مزق قال : قوله : " والوتر منا في عدى " يعنى عدى بن حاتم الطائى ، وكان من أشد الناس على عثمان ، ومن أشدهم جهادا مع على عليه السلام . ثم ترك ابن يثربى الخطام ، وخرج يطلب المبارزة فاختلف في قاتله ، فقال قوم : إن عمار بن ياسر خرج إليه ، والناس يسترجعون له ، لانه كان أضعف من برز إليه يومئذ . أقصرهم سيفا ، وأقصفهم رمحا ، وأحمشهم (3) ساقا ، حمالة سيفه من نسعة (4) الرحل ، وذباب سيفه (5) قريب من إبطه . فاختلفا ضربتين ، فنشب سيف ابن يثربى في حجفة (6) عمار فضربه عمار على رأسه فصرعه ، ثم أخذ برجله يسحبه حتى انتهى به إلى على عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين استبقني أجاهد بين يديك ، وأقتل منهم مثل ما قتلت منكم . فقال له على عليه السلام : أ بعد زيد وهند وعلباء أستبقيك ! لاها الله إذا ! قال : فأدننى منك أسارك ، قال له : أنت متمرد ، وقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالمتمردين ، وذكرك فيهم . فقال : أما والله لو وصلت إليك لعضضت أنفك عضة أبنته منك . فأمر به عليه السلام فضربت عنقه .


(1) الطلق : الشوط ، والفلق : الدم (2) عمرو بن الحمق ، يعرف بالكاهن ، صحب الرسول عليه السلام وشهد المشاهد مع على ، وقتله معاوية بالجزيرة ، وكان رأسه أول رأس صلب في الاسلام . الاشتقاق 474 (3) أحمش الساقين : دقيقهما . (4) المسع : سير ينسج عريضا على هيئة أعنة النعال ، تشتد به الرحال ، والقطعة منه نسعة . (5) الذباب : حد السيف ، أو طرفه المتطرف . (6) الحجفة : واحدة الحجف ، وهى التروس من جلد أو خشب . (*)

[ 260 ]

وقال قوم : إن عمرا لما قتل من قتل ، وأراد أن يخرج لطلب البراز ، قال للازد : يا معشر الازد ، إنكم قوم لكم حياء وبأس ، وإنى قد وترت القوم وهم قاتلي ، وهذه أمكم نصرها دين ، وخذلانها عقوق ، ولست أخشى أن أقتل حتى أصرع ، فإن صرعت فاستنقذوني . فقالت له الازد : ما في هذا الجمع أحد نخافه عليك إلا الاشتر ، قال : فإياه أخاف . قال أبو مخنف : فقيضه الله له ، وقد أعلما جميعا ، فارتجز الاشتر : إنى إذا ما الحرب أبدت نابها وأغلقت يوم الوغى أبوابها ومزقت من حنق أثوابها كنا قداماها ولا أذنابها (1) ليس العدو دوننا أصحابها من هابها اليوم فلن أهابها * لا طعنها أخشى ولا ضرابها * ثم حمل عليه فطعنه فصرعه ، وحامت عنه الازد فاستنقذوه ، فوثب وهو وقيذ ثقيل (2) ، فلم يستطع أن يدفع عن نفسه ، واستعرضه عبد الرحمن بن طود البكري ، فطعنه فصرعه ثانية ، ووثب عليه رجل من سدوس ، فأخذه مسحوبا برجله حتى أتى به عليا عليه السلام ، فناشده الله ، وقال : يا أمير المؤمنين ، اعف عنى ، فإن العرب لم تزل قائلة عنك : إنك لم تجهز على جريح قط . فأطلقه ، وقال : إذهب حيث شئت ، فجاء إلى أصحابه وهو لما به . حضره الموت ، فقالوا له : دمك عند أي الناس ؟ فقال : أما الاشتر فلقينى وأنا كالمهر الارن (3) ، فعلا حده حدى ، ولقيت رجلا يبتغى له عشرة أمثالى . وأما البكري فلقينى ، وأنا لما بى ، وكان يبتغى لى عشرة أمثاله ، وتولى أسرى أضعف القوم ، وصاحبى الاشتر . قال أبو مخنف : فلما انكشفت الحرب ، شكرت ابنة عمرو بن يثربى الازد ، وعابت قومها ، فقالت :


(1) قدامى الجيش : مقدمه . (2) الوقيذ : الجريح المشرف على الموت . (3) الاردن : النشيط . (*)

[ 261 ]

يا ضب إنك قد فجعت بفارس حامى الحقيقة قاتل الاقران عمرو بن يثرب الذى فجعت به كل القبائل من بنى عدنان لم يحمه وسط العجاجة قومه وحنت عليه الازد ، أزد عمان فلهم على بذاك حادث نعمة ولحبهم أحببت كل يمان لو كان يدفع عن منية هالك طول الاكف بذابل المران أو معشر وصلوا الخطا بسيوفهم وسط العجاجة والحتوف دوانى ما نيل عمر والحوادث جمة حتى ينال النجم والقمران لو غير الاشتر ناله لندبته وبكيته ما دام هضب أبان (1) لكنه من لا يعاب بقتله أسد الاسود وفارس الفرسان قال أبو مخنف : وبلغنا أن عبد الرحمن بن طود البكري قال لقومه : أنا والله قتلت عمرا ، وان الاشتر كان بعدى وأنا أمامه في الصعاليك ، فطعنت عمرا طعنة لم أحسب أنها تجعل للاشتر دوني ، وإنما الاشتر ذو حظ في الحرب ، وإنه ليعلم أنه كان خلفي ، ولكن أبى الناس إلا أنه صاحبه ، ولا أرى أن أكون خصم العامة ، وإن الاشتر لاهل ألا ينازع . فلما بلغ الاشتر قوله قال : أما والله لو لا أنى أطفأت جمرته عنه ما دنا منه ، وما صاحبه غيرى ، وإن الصيد لمن وقذه . فقال عبد الرحمن : لا أنازع فيه ، ما القول إلا ما قاله ، وأنى لى أن أخالف الناس ! * * * قال : وخرج عبد الله بن خلف الخزاعى ، وهو رئيس البصرة ، وأكثر أهلها مالا وضياعا ، فطلب البراز ، وسأل ألا يخرج إليه إلا على عليه السلام ، وارتجز فقال : ابا تراب ادن منى فترا (2) فإننى دان إليك شبرا وإن في صدري عليك غمرا (3)


(1) أبان : من أسماء الجبال عندهم . (2) كذا في ا ، وفى " يا با تراب " . (3) الغمر الحقد والعداوة . (*)

[ 262 ]

فخرج إليه على عليه السلام ، فلم يمهله أن ضربه ، فقلق هامته . * * * قالوا : استدار الجمل كما تدور الرحا ، وتكاثفت الرجال من حوله ، واشتد رغاؤه واشتد زحام الناس عليه ، ونادى الحتات المجاشعى : أيها الناس ، أمكم أمكم ! واختلط الناس ، فضرب بعضهم بعضا ، وتقصد أهل الكوفة قصد الجمل ، والرجال دونه كالجبال ، كلما خف قوم جاء أضعافهم ، فنادى على عليه السلام : ويحكم ! ارشقوا الجمل بالنبل ، اعقروه لعنه الله ! فرشق بالسهام ، فلم يبق فيه موضع إلا أصابه النبل ، وكان متجفجفا (1) فتعلقت السهام به ، فصار كالقنفذ ، ونادت الازد وضبة : يا لثارات عثمان ! فاتخذوها شعارا ، ونادى أصحاب على عليه السلام : يا محمد ! فاتخذوها شعارا ، واختلط الفريقان ، ونادى على عليه السلام بشعار رسول الله صلى الله عليه وآله : يا منصور أمت (2) . وهذا في اليوم الثاني من أيام الجمل ، فلما دعا بها تزلزلت أقدام القوم ، وذلك وقت العصر ، بعد أن كانت الحرب من وقت الفجر . قال الواقدي : وقد روى أن شعاره عليه السلام كان في ذلك اليوم " حم لا ينصرون . اللهم انصرنا على القوم الناكثين " ، ثم تحاجز الفريقان ، والقتل فاش فيهما ، إلا أنه في أهل البصرة أكثر ، وأمارات النصر لائحة لعسكر الكوفة ، ثم تواقفوا في اليوم الثالث ، فبرز أول الناس عبد الله بن الزبير ، ودعا إلى المبارزة ، فبرز إليه الاشتر ، فقالت عائشة : من برز إلى عبد الله ؟ قالوا : الاشتر ، فقالت : واثكل أسماء ! فضرب كل منهما صاحبه فجرحه ، ثم اعتنقا ، فصرع الاشتر عبد الله ، وقعد على صدره ، واختلط الفريقان : هؤلاء لينقذوا عبد الله ، وهؤلاء ليعينوا الاشتر . وكان الاشتر طاويا ثلاثة أيام


(1) متجفجفا ، من قولهم تجفجف الثوب ، إذا ابتل ثم جف وفيه ندى . (2) هو أمر بالموت ، والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الامر بالاماتة ، مع حصول الغرض (النهايه لابن الاثير) . (*)

[ 263 ]

لم يطعم ، وهذه عادته في الحرب ، وكان أيضا شيخا عالى السن ، فجعل عبد الله ينادى : * اقتلوني ومالكا (1) * فلو قال : " اقتلوني والاشتر " لقتلوهما ، إلا أن أكثر من كان يمر بهما لا يعرفهما ، لكثرة من وقع في المعركة صرعى بعضهم فوق بعض ، وأفلت ابن الزبير من تحته أو لم يكد ، فذلك قول الاشتر : أ عائش لو لا أننى كنت طاويا ثلاثا لالفيت ابن أختك هالكا غداة ينادى والرجال تحوزه بأضعف صوت : اقتلوني ومالكا ! فلم يعرفوه إذ دعاهم وغمه خدب عليه في العجاجة باركا (2) فنجاه منى أكله وشبابه وأنى شيخ لم أكن متماسكا * * * وروى أبو مخنف عن الاصبغ بن نباتة ، قال : دخل عمار بن ياسر ومالك بن الحارث الاشتر على عائشة بعد انقضاء أمر الجمل فقالت عائشة : يا عمار ، من معك ؟ قال الاشتر : فقالت : يا مالك ، أنت الذى صنعت بابن أختى ما صنعت ؟ قال : نعم ، ولو لا أنى كنت طاويا ثلاثة أيام لارحت أمة محمد منه ، فقالت : أ ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه قال : " لا يحل دم مسلم الا بإحد أمور ثلاث : كفر بعد الايمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير حق " ! قال الاشتر : على بعض هذه الثلاثة قاتلناه يا أم المؤمنين ، وايم الله ما خاننى سيفى قبلها ، ولقد أقسمت ألا يصحبني بعدها . قال أبو مخنف : ففى ذلك يقول الاشتر من جملة هذا الشعر الذى ذكرناه : وقالت على أي الخصال صرعته بقتل أتى ، أم ردة لا أبا لكا ! أم المحصن الزانى الذى حل قتله فقلت لها لا بد من بعض ذلكا * * *


(1) بقيته * واقتلوا مالكا معى * وانظر المسعودي 2 : 376 (2) الخدب : الضخم . (*)

[ 264 ]

قال أبو مخنف : وانتهى الحارث بن زهير الازدي من أصحاب على عليه السلام إلى الجمل ، ورجل (1) آخذ بخطامه ، لا يدنو منه أحد إلا قتله ، فلما رآه الحارث بن زهير مشى إليه بالسيف وارتجز ، فقال لعائشة : يا أمنا أعق أم نعلم (2) والام تغذو ولدها وترحم أ ما ترين كم شجاع يكلم ! وتختلى هامته والمعصم ! (3) فاختلف هو والرجل ضربتين ، فكلاهما أثخن صاحبه . قال جندب بن عبد الله الازدي : فجئت حتى وقفت عليهما وهما يفحصان بأرجلهما حتى ماتا . قال : فأتيت عائشة بعد ذلك أسلم عليها بالمدينة ، فقالت : من أنت ؟ قلت : رجل من أهل الكوفة ، قالت : هل شهدتنا يوم البصرة ؟ قلت : نعم ، قالت : مع أي الفريقين ؟ قلت : مع على ، قالت : هل سمعت مقالة الذى قال : * يا أمنا أعق أم نعلم * قلت : نعم ، وأعرفه ، قالت : ومن هو ؟ قلت : ابن عم لى ، قالت : وما فعل ؟ قلت : قتل عند الجمل وقتل قاتله ، قال : فبكت حتى ظننت والله أنها لا تسكت ، ثم قالت : لوددت والله أننى كنت مت قبل ذلك اليوم بعشرين سنة . قالوا : وخرج رجل من عسكر البصرة يعرف بخباب بن عمرو الراسبى ، فارتجز فقال : أضربهم ولو أرى عليا عممته أبيض مشرفيا * أريح منه معشرا غويا * فقصده الاشتر فقتله . ثم تقدم عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ، وهو


(1) هو عمرو بن الاشرف . الطبري 5 : 211 (2) ذكر الطبري رواية أخرى في هذا الرجز : * يا أمنا يا خير أم نعلم * (3) تختلى : تقطع (*)

[ 265 ]

من أشراف قريش - وكان اسم سيفه " ولول " - فارتجز ، فقال : أنا ابن عتاب وسيفي ولول والموت دون الجمل المجلل (1) فحمل عليه الاشتر فقتله . ثم خرج عبد الله بن حكيم بن حزام ، من بنى أسد بن عبد العزى ابن قصى ، من أشراف قريش أيضا ، فارتجز وطلب المبارزة ، فخرج إليه الاشتر فضربه على رأسه فصرعه ، ثم قام فنجا بنفسه . قالوا : وأخذ خطام الجمل سبعون من قريش ، قتلوا كلهم ، ولم يكن يأخذ بخطام الجمل أحد إلا سالت نفسه ، أو قطعت يده . وجاءت بنو ناجية ، فأخذوا بخطام الجمل ، ولم يكن يأخذ الخطام أحد إلا سألت عائشة : من هذا ؟ فسألت عنهم ، فقيل : بنو ناجية ، فقالت عائشة : صبرا يا بنى ناجية ، فإنى أعرف فيكم شمائل قريش . قالوا : وبنو ناجية مطعون في نسبهم (2 إلى قريش 2) ، فقتلوا حولها جميعا . قال أبو مخنف : وحدثنا إسحاق بن راشد عن عبد الله بن الزبير ، قال : أمسيت يوم الجمل وبى سبعة وثلاثون جرحا ، من ضربة وطعنة ورمية ، وما رأيت مثل يوم الجمل قط ، ما كان الفريقان إلا كالجبلين لا يزولان . قال أبو مخنف : وقام رجل إلى على عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أي فتنة أعظم من هذه ؟ إن البدرية ليمشى بعضها إلى بعض بالسيف ! فقال على عليه السلام : ويحك ! أ تكون فتنة أنا أميرها وقائدها ! والذى بعث محمدا بالحق وكرم وجهه ، ما كذبت ولا كذبت ، ولا ضللت ولا ضل بى ، ولا زللت ولا زل بى ، وإنى لعلى بينة من ربى ، بينها الله لرسوله ، وبينها رسوله لى ، وسأدعى يوم القيامة ولا ذنب لى ، ولو كان لى ذنب لكفر عنى ذنوبي ما أنا فيه من قتالهم . قال أبو مخنف : وحدثنا مسلم الاعور عن حبة العرنى قال : فلما رأى على عليه السلام


(1) ب : " عند الجمل " (2 - 2) ساقطة من ب (*)

[ 266 ]

أن الموت عند الجمل ، وأنه ما دام قائما فالحرب لا تطفأ ، وضع سيفه على عاتقه ، وعطف نحوه ، وأمر أصحابه بذلك ، ومشى نحوه والخطام مع بنى ضبة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، واستحر القتل في بنى ضبة ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وخلص على عليه السلام في جماعة من النخع وهمدان إلى الجمل ، فقال لرجل من النخع اسمه بجير : دونك الجمل يا بجير ، فضرب عجز الجمل بسيفه فوقع لجنبه ، وضرب بجرانه الارض ، وعج عجيجا لم يسمع بأشد منه ، فما هو إلا أن صرع الجمل حتى فرت الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب ، واحتملت عائشة بهودجها ، فحملت إلى دار عبد الله بن خلف ، وأمر على عليه السلام بالجمل أن يحرق ثم يذرى في الريح . وقال عليه السلام : لعنه الله من دابة ! فما أشبهه بعجل بنى إسرائيل ، ثم قرأ : (وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا) (1) . * * *


(1) سورة طه 97 (*)

[ 267 ]

(14) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في مثل ذلك : أرضكم قريبة من الماء ، بعيدة من السماء . خفت عقولكم ، وسفهت حلومكم ، فأنتم غرض لنابل ، وأكلة لآكل ، وفريسة لصائل . * * * الشرح : الغرض : ما ينصب ليرمى بالسهام . والنابل : ذو النبل . والاكلة ، بضم الهمزة : المأكول . وفريسة الاسد : ما يفترسه . وسفه فلان ، بالكسر ، أي صار سفيها ، وسفه بالضم أيضا . فإذا قلت : سفه فلان رأيه أو حلمه أو نفسه ، لم تقل إلا بالكسر ، لان " فعل " بالضم لا يتعدى . وقولهم : سفه فلان نفسه ، وغبن رأيه ، وبطر عيشه ، وألم بطنه ، ورفق حاله ، ورشد أمره ، كان الاصل فيه كله : سفهت نفس زيد ، فلما حول الفعل إلى الرجل انتصب ما بعده بالمفعولية . هذا مذهب البصريين والكسائي من الكوفيين : وقال الفراء : لما حول الفعل إلى الرجل خرج ما بعده مفسرا ليدل على أن السفاهة فيه ، وكان حكمه أن يكون : سفه زيد نفسا ، لان المفسر لا يكون إلا نكرة ، ولكنه ترك على إضافته ، ونصب كنصب النكرة ، تشبيها بها . ويجوز عند البصريين والكسائي تقديم المنصوب ، كما يجوز : ضرب غلامه زيد ، وعند الفراء لا يجوز تقديمه ، لان المفسر لا يتقدم (1) .


(1) الصحاح 6 : 2235 (*)

[ 268 ]

فأما قوله : " أرضكم قريبة من الماء ، بعيدة من السماء " ، فقد قدمنا (1) معنى قوله " قريبة من الماء " وذكرنا غرقها من بحر فارس دفعتين ، ومراده عليه السلام بقوله : " قريبة من الماء " ، أي قريبة من الغرق بالماء . وأما " بعيدة من السماء " ، فإن أرباب علم الهيئة وصناعة التنجيم يذكرون أن أبعد موضع في الارض عن السماء الابلة (2) ، وذلك موافق لقوله عليه السلام . ومعنى البعد عن السماء هاهنا هو بعد تلك الارض المخصوصة عن دائرة معدل النهار والبقاع ، والبلاد تختلف في ذلك . وقد دلت الارصاد والآلات النجومية على أن أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدل النهار هو الابلة ، والابلة هي قصبة البصرة . وهذا الموضع من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، لانه أخبر عن أمر لا تعرفه العرب ، ولا تهتدى إليه ، وهو مخصوص بالمدققين من الحكماء . وهذا من أسراره وغرائبه البديعة


(1) ص 253 من هذا الجزء . (2) الابلة بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها : بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى ، في زاوية الخليج الذى يدخل إلى مدينة البصرة ، وهى أقدم من البصرة . مراصد الاطلاع 1 : 18 (*)

[ 269 ]

(15) الاصل : ومن كلام له عليه السلام فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان رضى الله عنه : والله لو وجدته قد تزوج به النساء ، وملك به الاماء ، لرددته ، فإن في العدل سعة . ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق . * * * الشرح : القطائع : ما يقطعه الامام بعض الرعية من أرض بيت المال ذات الخراج ، ويسقط عنه خراجه ، ويجعل عليه ضريبة يسيرة عوضا عن الخراج . وقد كان عثمان أقطع كثيرا من بنى أمية وغيرهم من أوليائه وأصحابه قطائع من أرض الخراج على هذه الصورة ، وقد كان عمر أقطع قطائع ، ولكن لارباب الغناء في الحرب والآثار المشهورة في الجهاد ، فعل ذلك ثمنا عما بذلوه من مهجهم في طاعة الله سبحانه ، وعثمان أقطع القطائع صلة لرحمه ، وميلا إلى أصحابه ، عن غير عناء في الحرب ولا أثر . وهذه الخطبة ذكرها الكلبى مروية مرفوعة إلى أبى صالح عن ابن عباس رضى الله عنه : أن عليا عليه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة ، فقال : ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال ، فإن الحق القديم لا يبطله شئ ، ولو وجدته وقد (1) تزوج به النساء ، وفرق في البلدان ، لرددته إلى حاله (2) ، فإن في العدل سعة ، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق .


(1) ب : " قد " . (2) ب : " على حاله " . (*)

[ 270 ]

وتفسير هذا الكلام أن الوالى إذا ضاقت عليه تدبيرات اموره في العدل ، فهى في الجور أضيق عليه ، لان الجائر في مظنة أن يمنع ويصد عن جوره . * * * قال الكلبى : ثم أمر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان في داره ، مما تقوى به على المسلمين فقبض ، وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة ، فقبضت ، وأمر بقبض سيفه ودرعه ، وأمر ألا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمون ، وبالكف عن جميع أمواله التى وجدت في داره وفي غير داره ، وأمر أن ترتجع الاموال التى أجاز بها عثمان حيث أصيبت أو أصيب أصحابها . فبلغ ذلك عمرو بن العاص ، وكان بأيلة من أرض الشام ، أتاها حيث وثب الناس على عثمان ، فنزلها فكتب إلى معاوية : ما كنت صانعا فاصنع ، إذ قشرك ابن أبى طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها . وقال الوليد بن عقبة - وهو أخو عثمان من أمه - يذكر قبض على عليه السلام نجائب عثمان وسيفه وسلاحه (1) : بنى هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ولا تنهبوه لا تحل مناهبه بنى هاشم كيف الهوادة بيننا وعند على درعه ونجائبه ! بنى هاشم كيف التودد منكم وبز ابن أروى فيكم وحرائبه ! (2) بنى هاشم إلا تردوا فإننا سواء علينا قاتلاه وسالبه بنى هاشم إنا وما كان منكم كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه قتلتم أخى كيما تكونوا مكانه كما غدرت يوما بكسرى مرازبه (3)


(1) الابيات في السمعودى 2 : 356 ، مع اختلاف في الرواية وترتيب الابيات . (2) البز : متاع البيت من الثياب . الحرائب : جمع حريبة ، وهو مال الرجل الذى يقوم به أمره ، وراية البيت في المسعودي : بنى هاشم ، كيف الهوادة بيننا وسيف ابن أروى عندكم وحرائبه (3) رواية المسعودي : * غدرتم به كيما تكونوا مكانه * (*)

[ 271 ]

فأجابه عبد الله بن ابى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بأبيات طويلة (1) ، من جملتها : فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه وشبهته كسرى وقد كان مثله شبيها بكسرى هديه وضرائبه أي كان كافرا ، كما كان كسرى كافرا . وكان المنصور رحمه الله تعالى إذا أنشد هذا الشعر (2) يقول : لعن الله الوليد ! هو الذى فرق بين بنى عبد مناف بهذا الشعر ! * * *


(1) نسبها المسعودي إلى الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب ، ذكر بعد البيت الاول : سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختنا فهم سلبوه سيفه وحرائبه وكان ولى الامر بعد محمد على وفى كل المواطن صاحبه على ولى الله أظهر دينه وأنت مع الاشقين فيما تحاربه وأنت امرؤ من أهل صفواء نازح فمالك فينا من حميم تعاتبه وقد أنزل الرحمن أنك فاسق فمالك في الاسلام سهم تطالبه (2) ب : " البيت " . (*)

[ 272 ]

(16) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام لما بويع بالمدينة : ذمتي بما أقول رهينة ، وأنا به زعيم . إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات ، حجزته التقوى عن تقحم الشبهات . ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (1) . والذى بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ، ولتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر ، حتى يعود أسفلكم أعلاكم ، وأعلاكم أسفلكم . وليسبقن سابقون كانوا قصروا ، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا . والله ما كتمت وشمة ، ولا كذبت كذبة ، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم . ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها ، وخلعت لجمها ، فتقحمت بهم في النار . ألا وإن التقوى مطايا ذلل ، حمل عليها أهلها ، وأعطوا أزمتها ، فأوردتهم الجنة . حق وباطل ، ولكل أهل ، فلئن أمر الباطل لقديما فعل ، ولئن قل الحق لربما ولعل ، ولقلما أدبر شئ فأقبل . * * * (2 قال الرضى عليه السلام 2) وأقول : إن في هذا الكلام الادنى من مواقع


(1) كذا في ا ومخطوطة النهج ، وفى ب : " نبيهم " . (2 - 2) ساقط من ب (*)

[ 273 ]

الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان ، وإن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به ، وفيه مع الحال التى وصفنا (1) زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ، ولا يطلع فجها إنسان ، ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق ، وجرى فيها على عرق ، (وما يعقلها إلا العالمون) . * * * ومن هذه الخطبة : شغل من الجنة والنار أمامه . ساع سريع نجا ، وطالب بطئ رجا ، ومقصر في النار هوى . اليمين والشمال مضلة ، والطريق الوسطى هي الجادة ، عليها باقى (2) الكتاب وآثار النبوة منها منفذ السنة ، وإليها مصير العاقبة . هلك من ادعى وخاب من افترى . من أبد صفحته للحق هلك (3) . وكفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره . لا يهلك على التقوى سنخ أصل ، ولا يظمأ عليها زرع قوم ، فاستتروا في بيوتكم ، وأصلحوا ذات بينكم ، والتوبة من ورائكم ، ولا يحمد حامد إلا ربه ، ولا يلم لائم إلا نفسه . * * *


(1) مخطوطة النهج : " وصفناه " . (2) مخطوطة النهج : " ما في الكتاب " . (3) زاد في مخطوطة النهج بعد هذه الكلمة : " عند جهلة الناس " . (*)

[ 274 ]

الشرح : الذمة : العقد والعهد ، يقول : هذا الدين في ذمتي ، كقولك : في عنقي ، وهما كناية عن الالتزام والضمان والتقلد . والزعيم : الكفيل ، ومخرج الكلام لهم مخرج الترغيب في سماع ما يقوله ، كما يقول المهتم بإيضاح امر لقوم لهم : أنا المدرك المتقلد بصدق ما أقوله لكم . وصرحت : كشفت . والعبر : جمع عبرة ، وهى الموعظة . والمثلات : العقوبات . وحجزه منعه . وقوله : " لتبلبلن " أي لتخلطن ، تبلبلت الالسن ، أي اختلطت . " ولتغربلن " يجوز أن يكون من الغربال الذى يغربل به الدقيق ، ويجوز أن يكون من غربلت اللحم ، أي قطعته . فإن كان الاول كان له معنيان : أحدهما الاختلاط ، كالتبلبل ، لان غربلة الدقيق تخلط بعضه ببعض . والثانى أن يريد بذلك أنه يستخلص الصالح منكم من الفاسد ، ويتميز كما يتميز الدقيق عند الغربلة من نخالته . وتقول : ما عصيت فلانا وشمة ، أي كلمة . وحصان شموس : يمنع ظهره ، شمس الفرس ، بالفتح ، وبه شماس . وأمر الباطل : كثر . وقوله : " لقديما فعل " أي لقديما فعل الباطل ذلك ، ونسب الفعل إلى الباطل مجازا . ويجوز أن يكون " فعل " بمعنى " انفعل " كقوله (1) : * قد جبر الدين الاله فجبر * أي فانجبر . والسنخ : الاصل ، وقوله : " سنخ أصل " كقوله (2) : * إذا حاص عينيه كرى النوم . . . * وفي بعض الروايات : " من أبدى صفحته للحق هلك عند جهله الناس " ، والتأويل مختلف فمراده على الرواية الاولى - وهى الصحيحة - من كاشف الحق مخاصما له هلك ،


(1) مطلع أرجوزة للعجاج ، ديوانه 15 ، واللسان 5 : 185 (2) لتأبط شرا ، والبيت برواية أبى تمام في الحماسة - بشرح المرزوقى 1 : 97 : إذا عينيه كرى النوم لم يزل له كالئ من قلب شيحان فاتك (*)

[ 275 ]

وهى كلمة جارية مجرى المثل . ومراده على الرواية الثانية : من أبدى صفحته لنصره الحق غلبه أهل الجهل ، لانهم العامة ، وفيهم الكثرة ، فهلك . * * * وهذه الخطبة من جلائل خطبه عليه السلام ومن مشهوراتها ، قد رواها الناس كلهم ، وفيها زيادات حذفها الرضى ، إما اختصارا أو خوفا من إيحاش السامعين ، وقد ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب " البيان والتبيين " على وجهها (1) ، ورواها عن أبى عبيدة معمر بن المثنى . قال : أول خطبة خطبها أمير المؤمنين على عليه السلام بالمدينة في خلافته (2 حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله وآله 2) ، ثم قال : ألا لا يرعين (3) مرع إلا على نفسه . شغل من الجنة والنار أمامه (4) . ساع مجتهد [ ينجو ] (5) ، وطالب يرجو ، ومقصر في النار (6) ، ثلاثة . واثنان : ملك طار بجناحيه ، ونبى أخذ الله بيده (7) ، لا سادس . لك من ادعى ، وردى من اقتحم . (8) اليمين والشمال مضلة ، والوسطى الجادة (9) ، منهج عليه باقى الكتاب والسنة وآثار النبوة . إن الله داوى هذه الامة بدواءين : السوط والسيف ، لا هوادة عند الامام فيهما . استتروا في بيوتكم (10) ، وأصلحوا ذات بينكم (11) ، والتوبة من ورائكم . من أبدى صفحته


(1) البيان والتبيين (2 : 50 - 52) ، ورواها أيضا ابن قتيبة في عيون الاخبار (2 : 236) . (2 - 2) البيان : " أنه قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه " . (3) البيان : " أما بعد فلا يرعين " . (4) في البيان : " فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه " (5) تكملة من البيان والتبيين (6) عند ابن قتيبة في العيون : " ساع سريع نجا ، وطالب بطئ رجاء ، ومقصر في النار هوى " . (7) البيان والعيون : " بيديه " (8) البيان : " فإن اليمين " . (9) الجادة : الطريق الواضح . (10) البيان : " استتروا بيوتكم " ، والعيون " فاستتروا ببيوتكم " . (11) البيان : " وأصلحوا فيما بينكم " . (*)

[ 276 ]

للحق هلك . قد كانت [ لكم ] أمور [ ملتم فيها على ميلة ] (1) لم تكونوا عندي فيها محمودين (2) [ ولا مصيبين ] (1) . أما إنى لو أشاء لقلت : عفا الله عما سلف . سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب ، همته بطنه . ويحه (3) لو قص جناحاه ، وقطع رأسه لكان خير له ! انظروا فإن أنكرتم فأنكروا ، وإن عرفتم فآزروا . حق وباطل ، ولكل أهل . ولئن أمر الباطل لقديما فعل ، وإن (4) قل الحق لربما ولعل ، وقلما أدبر شئ فأقبل (5) . ولئن رجعت إليكم أموركم إنكم لسعداء ، وإنى لاخشى أن تكونوا في فترة ، وما علينا إلا الاجتهاد . قال شيخنا أبو عثمان رحمه الله تعالى : وقال أبو عبيدة : وزاد (6 فيها في رواية جعفر ابن محمد عليه السلام عن آبائه عليهم السلام 6) : ألا إن أبرار عترتي ، وأطايب أرومتى ، أحلم الناس صغارا ، وأعلم الناس كبارا . ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا ، وبحكم الله حكمنا ، ومن قول صادق سمعنا ، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا . ومعنا راية الحق ، من تبعها لحق ، ومن تأخر عنها غرق . ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن ، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم (7) ، وبنا فتح (8) لا بكم ، ومنا يختم لا بكم . * * * قوله : " لا يرعين " أي لا يبقين ، أرعيت عليه ، أي أبقيت ، يقول : من أبقى على الناس فإنما أبقى على نفسه . والهوادة : الرفق والصلح ، وأصله اللين ، والتهويد : المشى ،


(1) تكملة من البيان والتبيين . (2) البيان : " بمحمودين " (3) البيان : " يا ويحه " . (4) البيان : " ولئن قل " . (5) البيان : " ما أدبر شئ فأقبل " . (6 - 6) البيان : " وروى فيها جعفر بن محمد " . (7) البيان : " من أعناقكم " . (8) ا ، والبيان : " فتح الله " . (*)

[ 277 ]

رويدا ، وفي الحديث : " أسرعوا المشى في الجنازة ولا تهودوا كما تهود أهل الكتاب " . وآزرت : زيدا : أعنته . والترة : والوتر . والربقة : الحبل يجعل في عنق الشاة . وردى : هلك ، من الردى ، كقولك : عمى من العمى ، وشجى من الشجى . وقوله : " شغل من الجنة والنار أمامه " ، يريد به أن من كانت هاتان الداران أمامه لفى شغل عن أمور الدنيا إن كان رشيدا . وقوله : " ساع مجتهد " إلى قوله : " لا سادس " كلام تقديره : المكلفون على خمسة أقسام : ساع مجتهد ، وطالب راج ، ومقصر هالك . ثم قال : ثلاثة ، أي فهؤلاء ثلاثة أقسام ، وهذا ينظر إلى قوله سبحانه : (ثم أرثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) (1) ، ثم ذكر القسمين : الرابع والخامس ، فقال : هما ملك طار بجناحيه ، ونبى أخذ الله بيده ، يريد عصمة هذين النوعين من القبيح ، ثم قال : " لا سادس " ، أي لم يبق في المكلفين قسم سادس . وهذا يقتضى أن العصمة ليست إلا للانبياء والملائكة ، ولو كان الامام يجب أن يكون معصوما لكان قسما سادسا ، فإذن قد شهد هذا الكلام بصحة ما تقوله المعتزلة في نفى اشتراط العصمة في الامامة ، اللهم إلا أن يجعل الامام المعصوم داخلا في القسم الاول ، وهو الساعي المجتهد . وفيه بعد وضعف . وقوله : " هلك من ادعى ، وردى من اقتحم " ، يريد هلك من ادعى وكذب ، لا بد من تقدير ذلك ، لان الدعوى تعم الصدق والكذب ، وكأنه يقول : هلك من ادعى الامامة ، وردى من اقتحمها وولجها عن غير استحقاق ، لان كلامه عليه السلام في هذه الخطبة كله كنايات عن الامامة لا عن غيرها .


(1) سورة فاطر 32 (*)

[ 278 ]

وقوله : " اليمين والشمال " ، مثال لان السالك الطريق المنهج اللاحب ناج ، والعادل عنها يمينا وشمالا معرض للخطر . ونحو هذا الكلام ما روى عن عمر ، أنه لما صدر عن منى في السنة التى قتل فيها ، كوم كومة من البطحاء (1) فقام عليها ، فخطب الناس ، فقال : أيها الناس ، قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على الواضحة ، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا گ ثم قرأ : (أ لم نجعل له عينين . ولسانا وشفتين . وهديناه النجدين) (2) ثم قال الا إنهما نجدا الخير والشر ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير . * * * [ من كلام للحجاج وزياد نسجا فيه على منوال كلام على ] وقوله : " إن الله داوى هذه الامة بدواءين " كلام شريف ، وعلى منواله نسج الحجاج وزياد كلامهما المذكور فيه السوط والسيف . فمن ذلك قول الحجاج (3) : من أعياه داؤه ، فعلى دواؤه ، ومن استبطأ أجله فعلى أن أعجله ، ومن استثقل رأسه وضعت عنه ثقله ، ومن استطال ماضى عمره قصرت عليه باقيه ، إن للشيطان طيفا ، وإن للسلطان سيفا ، فمن سقمت سريرته ، صحت عقوبته ، ومن وضعه ذنبه ، رفعه صلبه ، ومن لم تسعه العافية لم تضق عنه الهلكة ، ومن سبقته بادرة فمه ، سبق بدنه سفك دمه . إنى لانذر ثم لا أنظر ، وأحذر ثم لا أعذر ، وأتوعد ثم لا أغفر ، إنما أفسدكم (4) ترقيق ولاتكم . ومن استرخى لببه (5) ، ساء أدبه . إن الحزم والعزم سلباني


(1) البطحاء : التراب السهل مما جرته السيول . (2) سورة البلد 8 - 10 (3) نهاية الارب 7 : 224 ، صبح الاعشى 1 : 220 ، سرح العيون 122 (4) في صبح الاعشى : " ترنيق " ، والترنيق الضعف في الامر . (5) اللبب : ما يشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل ، يريد أن الهوادة واللين لمما يفسد الرعية . (*)

[ 279 ]

سوطي ، (1 وجعلا سوطي سيفى 1) ، فقائمه في يدى ، ونجاده (2) في عنقي ، وذبابه (3) قلادة لمن عصاني . الله لا آمر أحدا أن يخرج من (4 باب من 4) أبواب المسجد فيخرج من الباب الذى يليه إلا ضربت عنقه . ومن ذلك قول زياد : إنما هو زجر بالقول ، ثم ضرب بالسوط ، ثم الثالثة التى لا شوى (5) لها . فلا يكونن لسان أحدكم شفرة (6) تجرى على أوداجه (7) ، وليعلم إذا خلا بنفسه أنى قد حملت سيفى بيده ، فإن شهره لم أغمده ، وإن أغمده لم أشهره . * * * وقوله عليه السلام : " كالغراب " يعنى الحرص والجشع ، والغراب يقع على الجيفة ، ويقع على الثمرة ، ويقع على الحبة ، وفي الامثال : " أجشع من غراب " ، " وأحرص من غراب . وقوله : " ويحه لو قص " ، يريد لو كان قتل أو مات قبل أن يتلبس بالخلافة لكان خيرا له ، من أن يعيش ويدخل فيها ، ثم قال لهم : أفكروا فيما قد قلت ، فإن كان منكرا فأنكروه ، وإن كان حقا فأعينوا عليه . وقوله : " استتروا في بيوتكم " نهى لهم عن العصبية (8) والاجتماع والتحزب ، فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلموا في قتله من شيعة بنى أمية بالمدينة .


(1 - 1) صبح الاعشى : " وأبدلاني به سيفى " . (2) النجاد : علاقة السيف . (3) ذباب السيف : حده . (4 - 4) ساقط من ب ، وهو في ا وصبح الاعشى . (5) لا شوى لها ، أي لا خطأ لها ، أو لا براء ، ومنه قول الكميت : أجيبوا رقى الآسى النطاسى واحذروا مطفئة الرضف التى لا شوى لها (6) الشفرة : السكين العظيم ، أو ما عرض من الحديد وحدد . (7) الاوداج : عروق العنق . (8) ا : " المعصية " (*)

[ 280 ]

وأما قوله : " قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين " ، فمراده أمر عثمان وتقديمه في الخلافة عليه . ومن الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضا . ويبعد عندي أن يكون أراده ، لان المدة قد كانت طالت ، ولم يبق من يعاتبه ليقول : قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين ، فإن هذا الكلام يشعر بمعاتبة قوم على أمر كان أنكره منهم . وأما بيعة عثمان ، ثم ما جرى بينه وبين عثمان من منازعات طويلة ، وغضب تارة ، وصلح أخرى ، ومراسلات خشنة ولطيفة ، وكون الناس بالمدينة كانوا حزبين وفئتين : إحداهما معه عليه السلام ، والاخرى مع عثمان ، فإن (1) صرف الكلام إلى ما قلناه بهذا الاعتبار أليق . ولسنا نمنع من أن يكون في كلامه عليه السلام الكثير من التوجد والتألم لصرف الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله عنه ، وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التى في هذه الخطبة ، على أن قوله عليه السلام : " سبق الرجلان " والاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما . وأما قوله : " حق وباطل " إلى آخر الفصل ، فمعناه كل أمر فهو إما حق ، وإما باطل ، ولكل واحد من هذين أهل ، وما زال أهل الباطل أكثر من أهل الحق ، ولئن كان الحق قليلا فربما كثر ، ولعله ينتصر أهله . ثم قال على سبيل التضجر بنفسه : " وقلما أدبر شئ فأقبل " ، استبعد عليه السلام أن تعود دولة قوم بعد زوالها عنهم ، وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر في قوله : وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما ذوى نبت جنبيه وجف المشارع فقلت إلى أن يرجع النهر جاريا ويعشب جنباه يموت الضفادع


(1) ا : " وإن " . (*)

[ 281 ]

ثم قال : " ولئن رجعت عليكم أموركم " أي إن ساعدني الوقت ، وتمكنت من أن أحكم فيكم بحكم الله تعالى ورسوله ، وعادت إليكم أيام شبيهة بأيام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وسيرة مماثلة لسيرته في أصحابه ، إنكم لسعداء . ثم قال : " وإنى لاخشى أن تكونوا في فترة " ، الفترة هي الازمنة التى بين الانبياء إذا انقطعت الرسل فيها ، كالفترة التى بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله ، لانه لم يكن بينهما نبى ، بخلاف المدة التى كانت بين موسى وعيسى عليهما السلام ، لانه بعث فيها أنبياء كثيرون ، فيقول عليه السلام : إنى لاخشى ألا أتمكن من الحكم بكتاب الله تعالى فيكم ، فتكونوا كالامم الذين في أزمنة الفترة لا يرجعون إلى نبى يشافههم بالشرائع والاحكام ، وكأنه عليه السلام قد كان يعلم أن الامر سيضطرب عليه . ثم قال : " وما علينا إلا الاجتهاد " ، يقول : أنا أعمل ما يجب على (1 من الاجتهاد 1) في القيام بالشريعة وعزل ولاة السوء وأمراء الفساد عن المسلمين ، فإن تم ما أريده فذاك ، وإلا كنت قد أعذرت . وأما التتمة المروية عن جعفر بن محمد عليهما السلام فواضحة الالفاظ ، وقوله في آخرها : " وبنا تختم لا بكم " إشارة إلى المهدى الذى يظهر في آخر الزمان . وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة عليها السلام . وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه ، وقد صرحوا بذكره في كتبهم ، واعترف به شيوخهم ، إلا أنه عندنا لم يخلق بعد ، وسيخلق . وإلى هذا المذهب يذهب أصحاب الحديث أيضا . وروى قاضى القضاة رحمه الله تعالى عن كافى الكفاة أبى القاسم إسمعيل بن عباد


(1 - 1) ساقط من ب (*)

[ 282 ]

رحمه الله بإسناد متصل بعلى عليه السلام أنه ذكر المهدى ، وقال : إنه من ولد الحسين عليه السلام ، وذكر حليته (1) ، فقال رجل : أجلى الجبين ، أقنى الانف ، ضخم البطن ، أزيل (2) الفخذين ، أبلج الثنايا ، بفخذه اليمنى شامة . . . وذكر هذا الحديث بعينه عبد الله بن قتيبة في كتاب " غريب الحديث " . * * *


(1) الحلية هنا : الصفة . (2) الزيل ، محركة : تباعد مابين الفخذين ، وهو أزيل . (*)

[ 283 ]

(17) ومن كلام له عليه السلا م في صفة من يتصدى للحكم بين الامة وليس لذلك بأهل : إن أبغض الخلائق إلى الله تعالى رجلان : رجل وكله الله إلى نفسه ، فهو جائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة ، فهو فتنة لمن ، افتتن به ، ضال عن هدى من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته . حمال خطايا غيره ، رهن بخطيئته . ورجل قمش جهلا ، موضع في جهال الامة ، عاد في أغباش الفتنة ، عم بما في عقد الهدنة ، قد سماه أشباه الناس عالما ، وليس به . بكر فاستكثر من جمع ، ما قل منه خير مما كثر ، حتى إذا ارتوى من آجن ، واكتنز من غير طائل . جلس بين الناس قاضيا ، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره . فإن نزلت به إحدى المبهمات ، هيأ لها حشوا رثا من رأيه ، ثم قطع به . فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت ، لا يدرى أصاب أم أخطأ ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب . جاهل خباط جهالات ، عاش ركاب عشوات ، لم يعض على العلم بضرس قاطع . يذرى الروايات إذراء الريح الهشيم ، لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه ، ولا هو أهل لما فوض إليه . لا يحسب العلم في شئ مما أنكره ، ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهبا لغيره ، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به ، لما يعلم من جهل نفسه ، تصرخ من جور قضائه الدماء ، وتعج منه المواريث .

[ 284 ]

إلى الله من معشر يعيشون جهالا ، ويموتون ضلالا ، ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حق تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعا ، ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر . * * * الشرح : وكله إلى نفسه : تركه ونفسه ، وكلته وكلا ووكولا . والجائر : الضال العادل عن الطريق . وقمش جهلا : جمعه . وموضع : مسرع ، أوضع البعير أسرع ، وأوضعه راكبه فهو موضع به ، أي أسرع به . وأغباش الفتنة : ظلمها ، الواحدة غبش ، وأغباش الليل : بقايا ظلمته ، ومنه الحديث في صلاة الصبح : " والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغبش " . والماء الآجن : الفاسد . واكثر ، كقولك : " استكثر " ، ويروى : " اكتنز " ، أي اتخذ العلم كنزا . والتخليص : التبيين ، وهو والتلخيص متقاربان ، ولعلهما شئ واحد من المقلوب . والمبهمات : المشكلات ، وإنما قيل لها مبهمة ، لانها أبهمت عن البيان ، كأنها أصمتت فلم يجعل عليها دليل ولا إليها سبيل ، أو جعل عليها دليل وإليها سبيل ، إلا أنه متعسر مستصعب ، ولهذا قيل لما لا ينطق من الحيوان : بهيمة ، وقيل للمصمت اللون الذى لا شية فيه بهيم . وقوله : " حشوا رثا " كلام مخرجه الذم ، والرث : الخلق ، ضد الجديد . وقوله " حشوا " ، يعنى كثيرا لا فائدة فيه . وعاش : خابط في ظلام . وقوله : " لم يعض " يريد أنه لم يتقن ولم يحكم الامور ، فيكون بمنزلة من يعض بالناجذ ، وهو آخر الاضراس وإنما


(1) مروطهن : أكسيتهن . (*)

[ 285 ]

يطلع إذا استحكمت شبيبة الانسان واشتدت مرته ، ولذلك يدعوه العوام ضرس الحلم (1) ، كأن الحلم يأتي مع طلوعه ، ويذهب نزق الصبا ، ويقولون : رجل منجذ ، أي مجرب محكم ، كأنه قد عض على ناجذه وكمل عقله . وقوله : " يذرى الروايات " هكذا أكثر النسخ ، وأكثر الروايات " يذرى " من " أذرى " رباعيا ، وقد أوضحه قوله : " إذراء الريح " ، يقال : طعنه فأذراه ، أي ألقاه ، وأذريت الحب للزرع ، أي ألقيته ، فكأنه يقول : يلقى الروايات كما يلقى الانسان الشئ على الارض ، والاجود الاصح الرواية الاخرى " يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم " ، وهكذا ذكر ابن قتيبة في " غريب الحديث " لما ذكر هذه الخطبة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال تعالى : (فأصبح هشيما تذروه الرياح) ، (2) والهشيم : ما يبس من النبت وتفتت . قوله : " لا ملئ " ، أي لا قيم به ، وفلان غنى ملئ ، أي ثقة بين الملا والملاء ، بالمد . وفي كتاب ابن قتيبة تتمة هذا الكلام : " ولا أهل لما قرظ به " ، قال : أي ليس بمستحق للمدح الذى مدح به . والذى رواه ابن قتيبة من تمام كلام أمير المؤمنين عليه السلام هو الصحيح الجيد ، لانه يستقبح في العربية أن تقول : لا زيد قائم ، حتى تقول : ولا عمرو . أو تقول : ولا قاعد ، فقوله عليه السلام : " لا ملئ " أي لا هو ملئ ، وهذا يستدعى " لا " ثانية ، ولا يحسن الاقتصار على الاولى . وقوله عليه السلام : " اكتتم به " أي كتمه وستره . وقوله : " تصرخ منه وتعج " . العج : رفع الصوت ، وهذا من باب الاستعارة . وفي كثير من النسخ : " إلى الله أشكو " فمن روى ذلك وقف على " المواريث " ،


(1) الحلم ، بالكسر : الاناة والمقل . (2) سورة الكهف 45 (*)

[ 286 ]

ومن روى الرواية الاولى وقف على قوله : " إلى الله " ويكون قوله : " من معشر " من تمام صفات ذلك الحاكم ، أي هو من معشر صفتهم كذا . وأبور " أفعل " من البور الفاسد ، بار الشئ ، أي فسد ، وبارت السلعة ، أي كسدت ولم تنفق ، وهو المراد هاهنا ، وأصله الفساد أيضا . إن قيل : بينوا الفرق بين الرجلين اللذين أحدهما وكله الله إلى نفسه ، والآخر رجل قمش جهلا ، فإنهما في الظاهر واحد . قيل : أما الرجل الاول ، فهو الضال في أصول العقائد ، كالمشبه والمجبر ونحوهما ، أ لا تراه كيف قال : " مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة " ، وهذا يشعر بما قلناه ، من أن مراده به المتكلم في أصول الدين ، وهو ضال عن الحق ، ولهذا قال : إنه فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدى من قبله ، مضل لمن يجئ بعده . وأما الرجل الثاني فهو المتفقه في فروع الشرعيات ، وليس بأهل لذلك ، كفقهاء السوء ، أ لا تراه كيف يقول : جلس بين الناس قاضيا ! وقال أيضا : " تصرخ من جور قضائه الدماء ، وتعج منه المواريث " . فإن قيل : ما معنى قوله في الرجل الاول : " رهن بخطيئته " ؟ قيل : لانه إن كان ضالا في دعوته مضلا لمن اتبعه ، فقد حمل خطاياه وخطايا غيره ، فهو رهن بالخطيئتين معا ، وهذا مثل قوله تعالى : (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) (1) . إن قيل : ما معنى قوله " عم بما في عقد الهدنة " ؟ قيل : الهدنة أصلها في اللغة السكون ، يقال : هدن إذا سكن ، ومعنى الكلام أنه لا يعرف ما في الفتنة من الشر ، ولا ما في السكون والمصالحة (2) من الخير .


(1) سورة العنكبوت 13 (2) ا : ا " المصلحة " ، تصحيف . (*)

[ 287 ]

ويروى " بما في غيب الهدنة " أي في طيها وفي ضمنها . ويروى " غار في أغباش الفتنة " ، أي غافل ذو غرة . وروى " من جمع " بالتنوين فتكون " ما " على هذا اسما موصولا ، وهى وصلتها في موضع جر لانها صفة " جمع " ، ومن لم يرو التنوين في " جمع " حذف الموصوف ، تقديره : من جمع شئ ما قل منه خير مما كثر ، فتكون " ما " مصدرية ، وتقدير الكلام : قلته خير من كثرته ، ويكون موضع ذلك جرا أيضا بالصفة . * * *

[ 288 ]

(18) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا : ترد على أحدهم القضية في حكم من الاحكام ، فيحكم فيها برأيه ، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره ، فيحكم فيها بخلاف قوله (1) ، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذى استقضاهم ، فيصوب آراءهم جميعا وإلههم واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد . أ فأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه ! أم نهاهم عنه فعصوه ! أم أنزل الله (2) سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ! أم كانوا شركاء له ، فلهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى ! أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه ، والله سبحانه يقول : (ما فرطنا في الكتاب من شئ (3)) ، (4 وفيه تبيان كل شئ . 4) وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا ، وأنه لا اختلاف فيه ، فقال سبحانه : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (5) . وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ، ولا تكشف الظلمات إلا به . * * *


(1) كذا في ا ومخطوطة النهج ، وفى ب " بخلافه " . (2) ا : " أم أنزل إليهم " . (3) سورة الانعام 38 (4 - 4) في ب : " وقال : فيه تبيان كل شئ " ، والاصوب ما أثبته من ا ، ومخطوطة النهج . (5) سورة النساء 82 (*)

[ 289 ]

الشرح : الانيق : المعجب ، وآنقنى الشئ ، أي أعجبني ، يقول : لا ينبغى أن يحمل جميع ما في لكتاب العزيز على ظاهره ، فكم من ظاهر فيه غير مراد ، بل المراد به أمر آخر باطن ، والمراد الرد على أهل الاجتهاد في الاحكام الشرعية ، وإفساد قول من قال : كل مجتهد مصيب ، وتلخيص الاحتجاج من خمسة أوجه : الاول : أنه لما كان الاله سبحانه واحدا ، والرسول صلى الله عليه وآله واحدا ، والكتاب واحدا ، وجب أن يكون الحكم في الواقعة واحدا ، كالملك الذى يرسل إلى رعيته رسولا بكتاب يأمرهم فيه بأوامر يقتضيها ملكه وإمرته ، فإنه لا يجوز أن تتناقض أوامره ، ولو تناقضت لنسب إلى السفه والجهل . الثاني : لا يخلو الاختلاف الذى ذهب إليه المجتهدون ، إما أن يكون مأمورا به أو منهيا عنه ، والاول باطل ، لانه ليس في الكتاب والسنة ما يمكن الخصم أن يتعلق به ، في كون الاختلاف مأمورا به . والثانى حق ، ويلزم منه تحريم الاختلاف . الثالث : إما أن يكون دين الاسلام ناقصا أو تاما ، فإن كان الاول ، كان الله سبحانه قد استعان بالمكلفين على إتمام شريعة ناقصة أرسل بها رسوله ، إما إستعانة على سبيل النيابة عنه ، أو على سبيل المشاركة له ، وكلاهما كفر وإن كان الثاني ، فإما أن يكون الله تعالى أنزل الشرع تاما فقصر الرسول عن تبليغه ، أو يكون الرسول قد أبلغه على تمامه وكماله ، فإن كان الاول فهو كفر أيضا ، وإن كان الثاني فقد بطل الاجتهاد ، لان الاجتهاد إنما يكون فيما لم يتبين فأما ما قد بين فلا مجال للاجتهاد فيه . الرابع : الاستدلال بقوله تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شئ (1)) ، وقوله : (تبيانا لكل شئ) (2) ، وقوله سبحانه : (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب


(1) سورة الانعام 38 (3) سورة النحل 89 ، وفى الاصول : وقوله : " فيه تبيان كل شئ " ، والتلاوة ما أثبته (*)

[ 290 ]

مبين) (1) ، فهذه الآيات دالة على اشتمال الكتاب العزيز على جميع الاحكام ، فكل ما ليس في الكتاب وجب ألا يكون في الشرع . الخامس : قوله تعالى : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (2) ، فجعل الاختلاف دليلا على أنه ليس من عند الله ، لكنه من عند الله سبحانه بالادلة القاطعة الدالة على صحة النبوة ، فوجب ألا يكون فيه اختلاف . واعلم أن هذه الوجوه هي التى يتعلق بها الامامية ونفاة القياس والاجتهاد في الشرعيات ، وقد تكلم عليها أصحابنا في كتبهم ، وقالوا : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يجتهد ويقيس ، وادعوا إجماع الصحابة على صحة الاجتهاد والقياس ، ودفعوا صحة هذا الكلام المنسوب في هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقالوا : إنه من رواية الامامية ، وهو معارض بما ترويه الزيدية عنه وعن أبنائه عليهم السلام في صحة القياس والاجتهاد ، ومخالطة الزيدية لائمة أهل البيت عليهم السلام كمخالطة الامامية لهم ، ومعرفتهم بأقوالهم وأحوالهم ومذاهبهم كمعرفة الامامية ، لا فرق بين الفئتين في ذلك . والزيدية قاطبة جاروديتها وصالحيتها (3) تقول بالقياس والاجتهاد ، وينقلون في ذلك نصوصا عن أهل البيت عليهم السلام . وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا ، وعدنا إلى الادلة المذكورة في هذه المسألة . وقد تكلمت في " اعتبار الذريعة " للمرتضى (4) على احتجاجه في إبطال القياس والاجتهاد بما ليس هذا موضع ذكره .


(1) سورة الانعام 59 (2) سورة النساء 82 (3) الزيدية : أتباع زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ، وهم أصناف ثلاثة : جارودية ، وهم أصحاب أبى الجارود زياد بن أبى زياد ، وسليمانية وهم أصحاب سليمان بن جرير ، وصالحية أصحاب الحسن بن صالح بن حى ، ومن هؤلاء البترية أصحاب كثير الابتر . وانظر بتفصيل مذهبهم في الملل والنحل للشهرستاني 1 : 137 - 143 (4) هو كتاب الذريعة إلى أصول الشريعة ، للشريف المرتضى ، شرحه ابن أبى الحديد وسمى شرحه الاعتبار على كتاب الذريعة ، في ثلاثة مجلدات . وانظر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة 10 : 26 (*)

[ 291 ]

(19) الاصل : ومن كلام له عليه السلام ، قاله للاشعث بن قيس ، وهو على منبر الكوفة يخطب ، فمضى في بعض كلامه شئ اعترضه الاشعث فيه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هذه عليك لا لك ، فخفض عليه السلام إليه بصره ، ثم قال : ما يدريك ما على مما لى ، عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين ! حائك ابن حائك ، منافق ابن كافر . والله لقد أسرك الكفر مرة والاسلام أخرى ، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك . وإن امرأ دل على قومه السيف ، وساق إليهم الحتف ، لحرى أن يمقته الاقرب ، ولا يأمنه الابعد . قال الرضى رحمه الله : يريد عليه السلام أنه أسر في الكفر مرة وفي الاسلام مرة . وأما قوله عليه السلام : " دل على قومه السيف " ، فأراد به حديثا كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة ، غر فيه قومه ، ومكر بهم ، حتى أوقع بهم خالد ، وكان قومه بعد ذلك يسمونه عرف النار ، وهو اسم للغادر عندهم * * *

[ 292 ]

الشرح : فض إليه بصره : طأطأه . وقوله : " فما فداك " لا يريد به الفداء الحقيقي فإن الاشعث فدى في الجاهلية بفداء يضرب به المثل ، فقال : " أغلى فداء من الاشعث " ، وسنذكره ، وإنما يريد : ما دفع عنك الاسر مالك ولا حسبك . ويمقته : يبغضه ، والمقت : البغض . [ الاشعث ونسبه وبعض أخباره ] اسم الاشعث معدى كرب ، وأبوه قيس الاشج - سمى الاشج ، لانه شج في بعض حروبهم - بن معدى كرب بن معاوية بن معدى كرب بن معاوية بن جبلة ابن عبد العزى بن ربيعة بن معاوية الاكرمين بن الحارث بن معاوية بن الحارث ابن معاوية بن ثور بن مرتع (1) بن معاوية بن كندة بن عفير بن عدى بن الحارث ابن مرة بن أدد . وأم الاشعث كبشة بنت يزيد بن شرحبيل بن يزيد بن امرئ القيس بن عمرو المقصور الملك . كان الاشعث أبدا أشعث الرأس ، فسمى الاشعث ، وغلب عليه حتى نسى اسمه ، ولعبد الرحمن بن محمد بن الاشعث يقول أعشى همدان (2) : يا بن الاشج قريع كندة لا أبالى فيك عتبا (3)


(1) مرتع ، كمحدث ، وكمحسن أيضا . القاموس . (2) هو أبو مصح عبد الرحمن بن عبد الله ، من أبيات في ديوانه الاعشير 311 ، أولها : من مبلغ الحجاج أنى قد ندبت إليه حربا حربا مذكرة عوانا تترك الشبان شهبا (3) في الديوان : لابن الاشج قريع كندة لا أبين فيه عتبا (*)

[ 293 ]

أنت الرئيس ابن الرئيس وأنت أعلى الناس كعبا (1) . وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله قتيلة أخت الاشعث ، فتوفى قبل أن تصل إليه . فأما الاسر الذى أشار أمير المؤمنين عليه السلام إليه في الجاهلية فقد ذكره ابن الكلبى في " جمهرة النسب " فقال : إن مرادا لما قتلت قيسا الاشمج ، خرج الاشعث طالبا بثأره (2) ، فخرجت كندة متساندين على ثلاثة ألوية : على أحد الالوية كبس ابن هانئ بن شرحبيل بن الحارث بن عدى بن ربيعة بن معاوية الاكرمين - ويعرف هانئ بالمطلع ، لانه كان يغزو فيقول : اطلعت بنى (3) فلان ، فسمى المطلع . وعلى أحدها القشعم أبو جبر (4) بن يزيد الارقم . وعلى أحدها الاشعث فأخطاوا مرادا ، ولم يقعوا . عليهم ، ووقعوا على بنى الحارث بن كعب ، فقتل كبس والقشعم أبو جبر ، وأسر الاشعث ، ففدى بثلاثة آلاف بعير ، لم يفد بها عربي بعده ولا قبله ، فقال في ذلك عمرو بن معدى كرب الزبيدى : فكان فداؤه ألفى بعير وألفا من طريفات وتلد . وأما الاسر الثاني في الاسلام ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدمت كندة حجاجا قبل الهجرة ، عرض رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه عليهم ، كما كان يعرض نفسه على أحياء العرب ، فدفعه بنو وليعة من بنى عمرو بن معاوية ولم يقبلوه ، فلما هاجر صلى الله عليه وآله وتمهدت دعوته ، وجاءته وفود العرب ، جاءه وفد كندة ، فيهم الاشعث وبنو وليعة فأسلموا ، فأطعم رسول الله صلى الله عليه وآله بنى وليعة طعمة من صدقات حضرموت ، وكان قد استعمل على حضرموت زياد بن لبيد البياضى الانصاري ، فدفعها زياد إليهم ، فأبوا أخذها ، وقالوا : لا ظهر لنا (5) ، فابعث بها إلى بلادنا على ظهر


(1) الديوان : " أعلى القوم " . (2) ا : " ثأره " . (3) أطلع القوم : هجم عليهم . (4) ا : " القاسم بن جبر " ، وصوابه من ب ، والاشتقاق 365 (5) الظهر : الركاب التى تحمل الاسفار في السفر سميت بذلك لحملها إياها على ظهورها . (*)

[ 294 ]

من عندك ، فأبى زياد ، وحدث بينهم وبين زياد شر ، كاد يكون حربا ، فرجع منهم قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكتب زياد إليه عليه السلام يشكوهم . وفي هذه الوقعة كان الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال لبنى وليعة : " لتنتهن يا بنى وليعة ، أو لابعثن عليكم رجلا عديل نفسي ، يقتل مقاتلتكم ، ويسبي ذراريكم " . قال عمر بن الخطاب : فما تمنيت الامارة إلا يومئذ ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول : هو هذا ، فأخذ بيد على عليه السلام ، وقال : " هو هذا " . ثم كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، إلى زياد ، فوصلوا إليه الكتاب ، وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وطار الخبر بموته إلى قبائل العرب ، فارتدت بنو وليعة ، وغنت بغاياهم ، وخضبن له أيديهن . وقال محمد بن حبيب : كان إسلام بنى وليعه ضعيفا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم ذلك منهم . ولما حج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع ، وانتهى إلى فم الشعب دخل أسامة بن زيد ليبول ، فانتظره رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان أسامة أسود أفطس ، فقال بنو وليعة : هذا الحبشى حبسنا ! فكانت الردة في أنفسهم . قال أبو جعفر محمد بن جرير (1) : فأمر أبو بكر زيادا على حضر موت ، وأمره بأخذ البيعة على أهلها واستيفاء صدقاتهم ، فبايعوه إلا بنى وليعة ، فلما خرج ليقبض الصدقات من بنى عمرو بن معاوية ، أخذ ناقة لغلام منهم يعرف بشيطان بن حجر ، وكانت صفية (2) نفيسة ، اسمها شذرة ، فمنعه الغلام عنها ، وقال : خذ غيرها ، فأبى زياد ذلك ولج ، فاستغاث شيطان بأخيه العداء بن حجر ، فقال لزياد : دعها وخذ غيرها ، فأبى زياد ذلك ، ولج الغلامان في أخذها ولج زياد وقال لهما : لا تكونن شذرة عليكما كالبسوس ،


(1) تاريخ الطبري 3 : 270 ، مع تصرف . (29 الصفية : الناقة الغزيرة اللبن . (*)

[ 295 ]

فهتف الغلامان : يالعمرو ! أ نضام ونضطهد ! إن الذليل من أكل في داره . وهتفا بمسروق بن معدى كرب ، فقال مسروق لزياد أطلقها ، فأبى ، فقال مسروق : يطلقها شيخ بخديه الشيب (1) ملمع فيه كتلميع الثوب (2) ماض على الريب إذا كان الريب (3) ثم قام فأطلقها ، فاجتمع إلى زياد بن لبيد أصحابه ، واجتمع بنو وليعة ، وأظهروا أمرهم ، فبيتهم زياد وهم غارون ، فقتل منهم جمعا كثيرا ، ونهب وسبى ، ولحق فلهم بالاشعث بن قيس ، فاستنصروه فقال : لا أنصركم حتى تملكوني عليكم . فملكوه وتوجوه كما يتوج الملك من قحطان . فخرج إلى زياد في جمع كثيف ، وكتب أبو بكر إلى المهاجر ابن أبى أمية وهو على صنعاء ، أن يسير بمن معه إلى زياد ، فاستخلف على صنعاء ، وسار إلى زياد ، فلقوا الاشعث فهزموه وقتل مسروق ، ولجأ الاشعث والباقون إلى الحصن المعروف بالنجير (4) . فحاصرهم المسلمون حصارا شديدا حتى ضعفوا ، ونزل الاشعث ليلا إلى المهاجر وزياد ، فسألهما الامان على نفسه ، حتى يقدما به على أبى بكر فيرى فيه رأيه ، على أن يفتح لهم الحصن ويسلم إليهم من فيه . وقيل : بل كان في الامان عشرة من أهل الاشعث . فأمناه وأمضيا شرطه ، ففتح لهم الحصن ، فدخلوه واستنزلوا كل من فيه ، وأخذوا أسلحتهم ، وقالوا للاشعث : اعزل العشرة ، فعزلهم ، فتركوهم وقتلوا الباقين - وكانوا ثمانمائة - وقطعوا أيدى النساء اللواتى شمتن برسول الله صلى الله عليه وآله ، وحملوا الاشعث


(1) الطبري : " يمنعها " (2) الطبري : * ملمع كما يلمع الثوب * (3) لم يرد هذا البيت في الطبري . (4) كذا ضبطه صاحب مراصد الاطلاع بالتصغير ، وقال : " حصن باليمن قرب حضر موت " (*)

[ 296 ]

إلى أبى بكر موثقا في الحديد هو والعشرة ، فعفا عنه وعنهم ، وزوجه أخته أم فروة بنت أبى قحافة - وكانت عمياء - فولدت للاشعث محمدا وإسماعيل وإسحاق . وخرج الاشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة ، فما مر بذات أربع إلا عقرها ، وقال للناس : هذه وليمة البناء ، وثمن كل عقيرة في مالى . فدفع أثمانها إلى أربابها . قال أبو جعفر محمد بن جرير في التاريخ : وكان المسلمون يلعنون الاشعث ويلعنه الكافرون أيضا وسبايا قومه ، وسماه نساء قومه عرف النار ، وهو اسم للغادر عندهم (1) . وهذا عندي هو الوجه ، وهو أصح مما ذكره الرضى رحمه الله تعالى من قوله في تفسير قول أمير المؤمنين : " وإن امرأ دل على قومه السيف " : إنه أراد به حديثا كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غر فيه قومه ، ومكر بهم حتى قتلهم ، فإنا لم نعرف في التواريخ إن الاشعث جرى له باليمامة مع خالد هذا ولا شبهه ، وأين كندة واليمامة ؟ كندة باليمن ، واليمامة لبنى حنيفة ، ولا أعلم من أين نقل الرضى رحمه الله تعالى هذا ! * * * فأما الكلام الذى كان أمير المؤمنين عليه السلام قاله على منبر الكوفة فاعترضه فيه الاشعث ، فإن عليا عليه السلام قام إليه وهو يخطب ، ويذكر أمر الحكمين ، فقام رجل من أصحابه ، بعد أن انقضى أمر الخوارج ، فقال له : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها ، فما ندرى أي الامرين أرشد ! فصفق عليه السلام بإحدى يديه على الاخرى ، وقال : هذا جزاء من ترك العقدة . وكان مراده عليه السلام : هذا جزاؤكم إذ تركتم الرأى والحزم ، وأصررتم على إجابة القوم إلى التحكيم ، فظن الاشعث أنه أراد : هذا جزائي حيث تركت الرأى والحزم وحكمت ، لان هذه اللفظة محتملة ، أ لا ترك أن الرئيس


(1) الطبري 3 : 275 ، وعبارته : " كلام يمان به الغادر " (*)

[ 297 ]

إذا شغب عليه جنده وطلبوا منه اعتماد أمر ليس بصواب ، فوافقهم تسكينا لشغبهم لا استصلاحا لرأيهم ، ثم ندموا بعد ذلك ، قد يقول : هذا جزاء من ترك الرأى ، وخالف وجه الحزم ، ويعنى بذلك أصحابه ، وقد يقوله يعنى به نفسه حيث وافقهم . وأمير المؤمنين عليه السلام إنما عنى ما ذكرناه دون ما خطر للاشعث ، فلما قال له : هذه عليك لا لك ، قال له : وما يدريك ما على مما لى ، عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين ! وكان الاشعث من المنافقين في خلافة على عليه السلام ، وهو في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، كما كان عبد الله بن أبى بن سلول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، كل واحد منهما رأس النفاق في زمانه . وأما قوله عليه السلام للاشعث : " حائك ابن حائك " ، فإن أهل اليمن يعيرون بالحياكة وليس هذا مما يخص الاشعث . ومن كلام خالد بن صفوان : ما أقول في قوم ليس فيهم إلا حائك برد ، أو دابغ جلد ، أو سائس قرد ، ملكتهم امرأة ، وأغرقتهم فأرة ، ودل عليهم هدهد ! * * *

[ 298 ]

(20) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم ، لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم ، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا ، وقريب ما يطرح الحجاب ! ولقد بصرتم إن أبصرتم وأسمعتم إن سمعتم ، وهديتم إن اهتديتم ، وبحق أقول لكم (1) : لقد جاهرتكم العبر ، وزجرتم بما فيه مزدجر ، وما يبلغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر . * * * الشرح : الوهل : الخوف ، وهل الرجل يوهل . و " ما " في قوله : " ما يطرح " مصدرية ، تقديره : " وقريب طرح الحجاب " ، يعنى رفعه بالموت . وهذا الكلام يدل على صحة القول بعذاب القبر ، وأصحابنا كلهم يذهبون إليه ، وإن شنع عليهم أعداؤهم من الاشعرية وغيرهم بجحده . وذكر قاضى القضاة رحمه الله تعالى : أنه لم يعرف (2) معتزليا نفى عذاب القبر ، لا من


(1) كلمة " لكم " ساقطة من ا (2) : " يعرف " . (*)

[ 299 ]

متقدميهم ولا من متأخريهم ، قال : وإنما نفاه ضرار (1) بن عمرو ، ولمخالطته لاصحابنا وأخذه عن شيوخنا ، ما نسب قوله إليهم . ويمكن أن يقول قائل : هذا الكلام لا يدل على صحة القول بعذاب القبر ، لجواز أن يعنى بمعاينة من قد مات ، ما يشاهده المحتضر من الحالة الدالة على السعادة أو الشقاوة ، فقد جاء في الخبر : " لا يموت امرؤ حتى يعلم مصيره ، هل هو إلى جنة أم إلى النار " . ويمكن أن يعنى به ما يعاينه المحتضر من ملك الموت وهول قدومه . ويمكن أن يعنى به ما كان عليه السلام يقوله عن نفسه : إنه لا يموت ميت حتى يشاهده عليه السلام حاضرا عنده . والشيعة تذهب إلى هذا القول وتعتقده ، وتروى عنه عليه السلام شعرا قاله للحارث الاعور الهمداني : يا حار همدان من يمت يرنى من مؤمن أو منافق قبلا يعرفني طرفه وأعرفه بعينه واسمه وما فعلا أقول للنار وهى توقد للعرض ذريه لا تقربي الرجلا ذريه لا تقربيه إن له حبلا بحبل الوصي متصلا وأنت يا حار إن تمنى فلا تخف عثرة ولا زللا (2) أسقيك من بارد على ظمإ تخاله في الحلاوة العسلا وليس هذا بمنكر ، إن صح أنه عليه السلام قاله عن نفسه ، ففى الكتاب العزيز ما يدل على أن أهل الكتاب لا يموت منهم ميت حتى يصدق بعيسى بن مريم عليه السلام ، وذلك قوله : (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم


(1) ضرار بن عمرو ، صاحب مذهب الضرارية من فرق الجبرية ، وكان في بدء أمره تلميذا لواصل ابن عطاء المعتزلي ، ثم خالفه في خلق الاعمال وإنكار عذاب القبر . الفرق بين الفرق 201 (2) هذا البيت والذى يليه لم يذكرا في ب (*)

[ 300 ]

القيامة يكون عليهم شهيدا) (1) ، قال كثير من المفسرين : معنى ذلك أن كل ميت من اليهود وغيرهم من أهل الكتب السالفة إذا احتضر رأى المسيح عيسى (2) عنده ، فيصدق به من لم يكن في أوقات التكليف مصدقا به . وشبيه بقوله عليه السلام : " لو عاينتم ما عاين من مات قبلكم " قول أبى حازم لسليمان بن عبد الملك في كلام يعظه به : إن آباءك ابتزوا هذا الامر من غير مشورة ، ثم ماتوا ، فلو علمت ما قالوا وما قيل لهم ! فقيل : إنه (3 بكى حتى سقط 3) . * * *


(1) سورة النساء 159 (2) ساقطة من ب (3 - 3) ا : " إن سليمان بكى حتى سقط " . (*)

[ 301 ]

(21) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : فإن الغاية أمامكم ، وإن وراءكم الساعة تحدوكم . تخففوا تلحقوا ، فإنما ينتظر بأولكم آخركم . * * * قال الرضى رحمه الله : أقول إن هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه ، وبعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله بكل كلام لمال به راجحا ، وبرز عليه سابقا . فأما قوله عليه السلام : " تخففوا تلحقوا " ، فما سمع كلام أقل منه مسموعا ولا أكثر منه (1) محصولا ، وما أبعد غورها من كلمة ! وأنقع نطفتها من حكمة ! وقد نبهنا في كتاب " الخصائص " (2) على عظم قدرها ، وشرف جوهرها . * * * الشرح : غاية المكلفين هي الثواب أو العقاب ، فيحتمل أن يكون أراد ذلك ، ويحتمل أن يكون أراد بالغاية الموت ، وإنما جعل ذلك أمامنا ، لان الانسان كالسائر إلى الموت ، أو كالسائر إلى الجزاء ، فهما أمامه ، أي بين يديه .


(1) ساقطة من ب . (2) كتاب خصائص الائمة للشريف الرضى . انظر الذريعة في مصنفات الشيعة 7 : 164 (*)

[ 302 ]

ثم قال : " وإن وراءكم الساعة تحدوكم " ، أي تسوقكم ، وإنما جعلها وراءنا ، لانها إذا وجدت ساقت الناس إلى موقف الجزاء كما يسوق الراعى الابل ، فلما كانت سائقة لنا ، كانت كالشئ يحفز الانسان من خلفه ، ويحركه من ورائه ، إلى جهة ما بين يديه . ولا يجوز أن يقال : إنما سماها " وراءنا " ، لانها تكون بعد موتنا وخروجنا من الدنيا ، وذلك أن الثواب والعقاب هذا شأنهما ، وقد جعلهما أمامنا . وأما القطب الراوندي ، فإنه قال : معنى قوله : " فإن الغاية أمامكم " ، يعنى أن الجنة والنار خلفكم . ومعنى قوله : " وراءكم الساعة " ، أي قدامكم . ولقائل أن يقول : أما الوراء بمعنى القدام فقد ورد ، ولكن ما ورد " أمام " بمعنى " خلف " ، ولا سمعنا ذلك . وأما قوله : " تخففوا تلحقوا " ، فأصله الرجل يسعى ، وهو غير مثقل بما يحمله ، يكون أجدر أن يلحق الذين سبقوه ، ومثله قوله : " نجا المخففون " . وقوله عليه السلام : " فإنما ينتظر بأولكم آخركم " ، يريد : إنما ينتظر ببعث الذين ماتوا في أول الدهر ، مجئ من ما يخلقون ويموتون في آخره ، كأمير يريد إعطاء جنده إذا تكامل عرضهم ، إنما يعطى الاول منهم إذا انتهى عرض الاخير . وهذا كلام فصيح جدا . والغور : العمق . والنطفة ما صفا من الماء ، وما أنقع هذا الماء ! أي ما أرواه للعطش !

[ 303 ]

(22) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه ، واستجلب جلبه ، ليعود الجور إلى أوطانه (1) ، ويرجع الباطل إلى نصابه . والله ما أنكروا على منكرا ، ولا جعلوا بينى وبينهم نصفا ، وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه ودما هم سفكوه ، فلئن كنت شريكهم فيه ، فإن لهم لنصيبهم منه ، ولئن كانوا ولوه دوني ، فما التبعة إلا عندهم . وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم ، يرتضعون أما قد فطمت ، ويحيون بدعة قد أميتت . يا خيبة الداعي ! من دعا ! وإلام أجيب ! وإنى لراض بحجة الله عليهم ، وعلمه فيهم ، فإن أبوا أعطيتهم حد السيف ، وكفى به شافيا من الباطل ، وناصرا للحق ! ومن العجب بعثهم إلى أن أبرز للطعان ، وأن أصبر للجلاد . هبلتهم الهبول ! لقد كنت وما أهدد بالحرب ، ولا أرهب بالضرب . وإنى لعلى يقين من ربى ، وغير شبهة من دينى * * *


(1) ا : " قطابه " . (*)

[ 304 ]

الشرح : يروى : " ذمر " بالتخفيف ، و " ذمر " بالتشديد ، وأصله الحض والحث ، والتشديد دليل على التكثير . واستجلب جلبه ، الجلب بفتح اللام : ما يجلب ، كما يقال : جمع جمعه . ويروى : " جلبه " و " جلبه " ، وهما بمعنى ، وهو السحاب الرقيق الذى لا ماء فيه ، أي جمع قوما كالجهام الذى لا نفع فيه . وروى : " ليعود الجور إلى قطابه " ، والقطاب : مزاج الخمر بالماء ، أي ليعود الجور ممتزجا بالعدل كما كان . ويجوز أن يعنى بالقطاب قطاب الجيب ، وهو مدخل الرة س فيه ، أي ليعود الجور إلى لباسه وثوبه . وقال الراوندي : قطابه : أصله ، وليس ذلك بمعروف في اللغة . وروى " الباطل " بالنصب ، على أن يكون " يرجع " متعديا ، تقول : رجعت زيدا إلى كذا ، والمعنى : ويرد الجور الباطل إلى أوطانه . وقال الراوندي : " يعود " أيضا مثل " يرجع " ، يكون لازما ومتعديا ، وأجاز نصب " الجور " به ، وهذا غير صحيح ، لان " عاد " لم يأت متعديا ، وإنما يعدى بالهمزة . والنصف : الذى ينصف . وقال الراوندي : النصف : النصفة (1) ، والمعنى لا يحتمله ، لانه لا معنى لقوله : ولا جعلوا بينى وبينهم إنصافا ، بل المعنى : لم يجعلوا ذا إنصاف بينى وبينهم . يرتضعون أما قد فطمت : يقول : يطلبون الشئ بعد فواته ، لان الام إذا فطمت ولدها فقد انقضى إرضاعها . وقوله : " يا خيبة الداعي " ، هاهنا كالنداء في قوله تعالى : (يا حسرة على العباد) ، (2) وقوله : (يا حسرتنا على ما فرطنا فيها) (3) أي يا خيبة احضرى ، فهذا أوانك !


(1) كذا في ا ، وفى ب : " النصف " ، والنصفة : العدل (2) سورة يس 30 (3) سورة الانعام 31 (*)

[ 305 ]

وكلامه في هذه الخطبة مع أصحاب الجمل ، والداعى هو أحد الثلاثة : الرجلان والمرأة . ثم قال على سبيل الاستصغار لهم والاستحقار : " من دعا ! وإلى ما ذا أجيب ! " أي أحقر بقوم دعاهم هذا الداعي ! وأبح بالامر الذى أجابوه إليه ، فما أفحشه وأرذله ! وقال الراوندي : يا خيبة الداعي ، تقديره : يا هؤلاء ، فحذف المنادى ، ثم قال : خيبة الداعي ، أي خاب الداعي خيبة . وهذا ارتكاب ضرورة لا حاجة إليها ، وإنما يحذف المنادى في المواضع التى دل الدليل فيها على الحذف ، كقوله : * يا فانظرا أيمن الوادي على إضم * وأيضا ، فإن المصدر الذى لا عامل فيه غير جائز حذف عامله ، وتقدير حذفه تقدير ما لا دليل عليه . وهبلته أمه : ثكلته بكسر الباء . وقوله : " لقد كنت وما أهدد بالحرب " ، معناه : ما زلت لا أهدد بالحرب ، والواو زائدة . وهذه كلمة فصيحة كثيرا ما تستعملها العرب . وقد ورد في القرآن العزيز " كان " بمعنى " ما زال " في قوله : (وكان الله عليما حكيما) ونحو ذلك من الآى ، معنى ذلك : لم يزل الله عليما حكيما . والذى تأوله المرتضى رحمه الله تعالى في " تكملة الغرر والدرر " (2) كلام متكلف ، والوجه الصحيح ما ذكرناه . * * * وهذه الخطبة ليست من خطب صفين كما ذكره الراوندي ، بل من خطب الجمل ، وقد ذكر كثيرا منها أبو مخنف رحمه الله تعالى ، قال : حدثنا مسافر بن عفيف بن أبى الاخنس ،


(1) سورة النساء 170 (2) تكملة الغرر والدرر 2 : 300 - 302 (*)

[ 306 ]

قال : لما رجعت رسل على عليه السلام من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب ، قام فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله صلى الله عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنى قد راقبت هؤلاء القوم كى يرعووا أو يرجعوا ، ووبختهم بنكثهم ، وعرفتهم بغيهم فلم يستحيوا ، وقد بعثوا إلى أن أبرز للطعان ، وأصبر للجلاد ، وإنما تمنيك نفسك أمانى الباطل ، وتعدك الغرور . ألا هبلتهم الهبول ، لقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب ! ولقد أنصف القارة من راماها (1) ، فليرعدوا وليبرقوا ، فقد رأوني قديما ، وعرفوا نكايتى ، فكيف رأوني ! أنا أبو الحسن ، الذى فللت حد المشركين ، وفرقت جماعتهم ، وبذلك القلب ألقى عدوى اليوم ، وإنى لعلى ما وعدني ربى من النصر والتأييد ، وعلى يقين من أمرى ، وفي غير شبهة من دينى . أيها الناس ، إن الموت لا يفوته المقيم ، ولا يعجزه الهارب ، ليس عن الموت محيد ولا محيص ، من لم يقتل مات . إن أفضل الموت القتل ، والذى نفس على بيده لالف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش . اللهم إن طلحة نكث بيعتى ، وألب على عثمان حتى قتله ، ثم عضهنى (2) به ورماني . اللهم فلا تمهله . اللهم إن الزبير قطع رحمى ، ونكث بيعتى ، وظاهر على عدوى ، فاكفنيه اليوم بما شئت . ثم نزل * * *


(1) قد أنصف القارة من راماها ، مثل ، والقارة : قوم رماة من العرب . وفى اللسان (6 : 436) عن التهذيب : " كانوا رماة الحدق في الجاهلة ، وهم اليوم في اليمن ينسبون إلى أسد ، والنسبة إليهم قارى ، وزعموا أن رجلين التقيا ، أحدهما قارى والآخر أسدى ، فقال القارى : إن شئت صارعتك ، وإن شئت سابقتك ، وإن شئت راميتك ، فقال : اخترت المراماة ، فقا القارى : القد أنصفتني ، وأنشد : قد أنصف القارة من راماها إنا إذا ما فئة نلقاها * نرد أولاها على أخراها * ثم انتزع له سهما فشك فؤادها . (2) عضهه ، أي قال فيه ما لم يكن . (*)

[ 307 ]

[ خطبة على بمكة في أول إمارته ] واعلم أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام وكلام أصحابه وعماله في واقعة الجمل ، كله يدور على هذه المعاني التى اشتملت عليها ألفاظ هذا الفصل ، فمن ذلك الخطبة التى رواها أبو الحسن على بن محمد المدائني ، عن عبد الله بن جنادة ، قال : قدمت الحجاز أريد العراق ، في أول إمارة على عليه السلام ، فمررت بمكة ، فاعتمرت ، ثم قدمت المدينة ، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ، إذ نودى : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، وخرج على عليه السلام متقلدا سيفه ، فشخصت الابصار نحوه ، فحمد الله وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله ، قلنا : نحن أهله وورثته وعترته ، وأولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا ، فصارت الامرة (1) لغيرنا . وصرنا سوقة ، يطمع فينا الضعيف ، ويتعزز علينا الذليل ، فبكت الاعين منا لذلك ، وخشنت الصدور ، وجزعت النفوس . وايم الله لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ، ويبور الدين ، لكنا على غير ما كنا لهم عليه ، فولى الامر ولاة لم يألوا الناس خيرا ، ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتى ، فبايعتموني على شين منى لامركم ، وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم ، وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع ، تعلمون ذلك ، وقد نكثا وغدرا ، ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ، ويلقيا بأسكم بينكم . اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية (2) ،


(1) ا : " الامارة " . (2) ب : " أخذة واحدة رابية " ، وما أثبته عن ا . وأخذة رابية ، أي أخذة تزيد على الاخذات ، وقال الجوهرى : أي زائدة ، كقولك : أربيت ، إذا أخذت أكثر مما أعطيت ، قال تعالى : (فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) . (*)

[ 308 ]

ولا تنعش (1) لهما صرعة ، ولا تقل لهما عثرة ، ولا تمهلهما فواقا (2) ، فإنهما يطلبان حقا تركاه ، ودما سفكاه . اللهم إنى أقتضيك وعدك ، فإنك قلت وقولك الحق ، ثم بغى عليه لينصرنه الله (3) . اللهم فأنجز لى موعدك ، ولا تكلني إلى نفسي ، إنك على كل شئ قدير . ثم نزل . * * * [ خطبته عند مسيره للبصرة ] وروى الكلبى ، قال : لما أراد على عليه السلام المسير إلى البصرة ، قام فخطب الناس ، فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله ، صلى الله عليه : إن الله لما قبض نبيه ، استأثرت علينا قريش بالامر ، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة ، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين ، وسفك دمائهم . والناس حديثو عهد بالاسلام ، والدين يمخض مخض الوطب ، يفسده أدنى وهن ، ويعكسه أقل خلف . فولى الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ، ثم انتقلوا ألى دار الجزاء ، والله ولى تمحيص سيئاتهم ، والعفو عن هفواتهم . فما بال طلحة والزبير ، وليسا من هذا الامر بسبيل ! لم يصبرا على حولا ولا شهرا حتى وثبا ومرقا ، ونازعانى أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا ، بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين ، يرتضعان أما قد فطمت ، ويحييان بدعة قد أميتت . أدم عثمان زعما ؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم ، وإن أعظم حجتهم لعلى


(1) النعش : الرافع ، نعشت فلانا ، إذا جبرته بعد فقر ، ورفعته بعد عثرة . (2) الفواق ، بفتح الفاء وضمها : ما بين الحلبتين من الوقت ، لانها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب ، يقال : ما أقام عندنا إلا فواقا ، أي قدر فواق . (3) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحج 60 : (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور) . (*)

[ 309 ]

أنفسهم ، وأنا راض بحجة الله عليهم وعمله فيهم ، فإن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا ، وأنفسهما غنما ، وأعظم بها غنيمة ! وإن أبيا أعطيتهما حد السيف ، وكفى به ناصرا لحق ، وشافيا لباطل ! ثم نزل . * * * [ خطبته أيضا بذى قار ] وروى أبو مخنف عن زيد بن صوحان ، قال : شهدت عليا عليه السلام بذى قار (1) ، وهو معتم بعمامة سوداء ، ملتف بساج يخطب ، فقال في خطبة : الحمد لله على كل أمر وحال ، في الغدو والآصال ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ابتعثه رحمة للعباد ، وحياة للبلاد ، حين امتلات الارض فتنة ، واضطرب حبلها ، وعبد الشيطان في أكنافها ، واشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها ، فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، الذى أطفأ الله به نيرانها ، وأخمد به شرارها ، ونزع به أوتادها ، وأقام به ميلها إمام الهدى ، والنبى المصطفى ، صلى الله عليه وآله . فلقد صدع بما أمر به ، وبلغ رسالات ربه ، فأصلح الله به ذات البين ، وآمن به السبل ، وحقن به به الدماء ، وألف به بين ذوى الضغائن الواغرة في الصدور ، حتى أتاه اليقين ، ثم قبضه الله إليه حميدا . ثم استخلف الناس أبا بكر ، فلم يأل جهده ، ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ، ثم استخلف الناس عثمان ، فنال منكم ونلتم منه ، حتى إذا كان من أمره ما كان ، أتيتموني لتبايعوني ، فقلت : لا حاجة لى في ذلك ، ودخلت منزلي ، فاستخرجتموني فقبضت يدى فبسطتموها ، وتداككتم (2) على ، حتى ظننت أنكم قاتلي ، وأن بعضكم قاتل بعض ، فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ، ولا جذل .


(1) ذوقار : موضع قريب من البصرة ، وهو المكان الذى كانت فيه الحرب بين العرب والفرس . (2) تزاحمتم . (*)

[ 310 ]

وقد علم الله سبحانه أنى كنت كارها للحكومة ، بين أمة محمد صلى الله عليه وآله ، ولقد سمعته يقول : " مامن وال يلى شيئا من أمر أمتى إلا أتى به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رءوس الخلائق ، ثم ينشر كتابه ، فإن كان عادلا نجا ، وإن كان جائرا هوى " ، حتى اجتمع على ملؤكم ، وبايعني طلحة والزبير ، وأنا أعرف الغدر في أوجههما ، والنكث في أعينهما ، ثم استأذناني في العمرة ، فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان ، فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها ، وشخص معهما أبناء الطلقاء (1) ، فقدموا البصرة ، فقتلوا بها المسلمين ، وفعلوا المنكر . ويا عجبا لاستقامتهما لابي بكر وعمر وبغيهما على ! هما يعلمان أنى لست دون أحدهما ، ولو شئت أن أقول لقلت ، ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه ، فكتماه عنى ، وخرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان ، والله ما أنكرا على منكرا ، ولا جعلا بينى وبينهم نصفا ، وإن دم عثمان لمعصوب بهما ، ومطلوب منهما . يا خيبة الداعي ! إلام دعا ! وبما ذا أجيب ؟ والله إنهما لعلى ضلالة صماء ، وجهالة عمياء ، وإن الشيطان قد ذمر لهما حزبه ، واستجلب منهما خيله ورجله ، ليعيد الجور إلى أوطانه ، ويرد الباطل إلى نصابه . ثم رفع يديه ، فقال : اللهم إن طلحة والزبير قطعاني ، وظلمانى ، وألبا على ، ونكثا بيعتى ، فاحلل ما عقدا ، وانكث ما أبرما ، ولا تغفر لهما أبدا ، وأرهما المساءة فيما عملا وأملا ! قال أبو مخنف : فقام إليه الاشتر ، فقال : الحمد لله الذى من علينا فأفضل ، وأحسن إلينا فأجمل ، قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين ، ولقد أصبت ووفقت ، وأنت ابن عم نبينا وصهره ، ووصيه ، وأول مصدق به ، ومصل معه ، شهدت


(1) الطلقاء : هم الذين خلى عليهم الرسول عليه السلام يوم فتح مكة ، وأطلقهم فلم يسترقهم ، واحدهم طليق ، فعيل بمعنى مفعول ، وهو الاسير إذا أطلق سبيله . (*)

[ 311 ]

مشاهده كلها ، فكان لك الفضل فيها على جميع الامة ، فمن اتبعك أصاب حظه ، واستبشر بفلجه ، ومن عصاك ، ورغب عنك ، فإلى أمة الهاوية ! لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة والزبير وعائشة علينا بمخيل ، ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه ، وفارقا على غير حدث أحدثت ، ولا جور صنعت ، فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما فإنهما أول من ألب عليه ، وأغرى الناس بدمه ، وأشهد الله ، لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان ، فإن سيوفنا في عواتقنا ، وقلوبنا في صدورنا ، ونحن اليوم كما كنا أمس . ثم قعد . * * *

[ 312 ]

(23) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : أما بعد ، فإن الامر ينزل من السماء إلى الارض كقطر المطر إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان ، فإن (1) رأى أحدكم لاخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس ، فلا تكونن له فتنة ، فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ويغرى بها لئام الناس ، كان كالفالج الياسر الذى ينتظر أول فوزة من قداحه توجب له المغنم ، ويرفع عنه بها المغرم . وكذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة ينتظر من الله إحدى الحسنيين ، إما داعى الله فما عند الله خير له ، وإما رزق الله ، فإذا هو ذو أهل ومال ، ومعه دينه وحسبه . وإن (2) المال والبنين حرث الدنيا ، والعمل الصالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما الله تعالى لاقوام ، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، واخشوه خشية ليست بتعذير ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإنه من يعمل لغير الله يكله الله لمن عمل له . نسأل الله منازل الشهداء ، ومعايشة السعداء ، ومرافقة الانبياء ! أيها الناس ، إنه لا يستغنى الرجل وإن كان ذا مال عن عترته (3) ، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم ، وهم أعظم الناس حيطة من ورائه ، وألمهم لشعثه ، وأعطفهم


(1) ب : " فإذا " . (2) ب : " إن " . (3) ب : " عشيرته " . (*)

[ 313 ]

عليه عند نازلة إن (1) نزلت به ، ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره (2) . ومنها : ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذى لا يزيده إن أمسكه ، ولا ينقصه إن أهلكه . ومن يقبض يده عن عشيرته ، فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة ، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة . ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة . * * * قال الرضى رحمه الله (3) : أقول : الغفيرة هاهنا الزيادة والكثرة ، من قولهم للجمع الكثير : الجم الغفير ، والجماء الغفير . ويروى : " عفوة من (4) أهل أو مال " ، والعفوة : الخيار من الشئ ، يقال : أكلت عفوة الطعام ، أي خياره . وما أحسن المعنى الذى أراده عليه السلام بقوله : " ومن يقبض يده عن عشيرته . . . " إلى تمام الكلام ، فإن الممسك خيره عن عشيرته ، إنما يمسك نفع يد واحدة ، فإذا احتاج إلى نصرتهم واضطر إلى مرافدتهم ، قعدوا عن نصره ، وتثاقلوا عن صوته ، فمنع ترافد الايدى الكثيرة وتناهض الاقدام الجمة . * * *


(1) ب : " إذا " . (2) ب : " يورثه غيره " . (3) ساقطة من ا (4) ا " في " . (*)

[ 314 ]

الشرح : الفالج : الظافر الفائز ، فلج يفلج ، بالضم ، وفي المثل : " من يأت الحكم وحده يفلج " . والياسر : الذى يلعب بالقداح ، واليسر مثله ، والجمع أيسار . وفي الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : كالياسر الفالج ، أي كاللاعب بالقداح المحظوظ منها ، وهو من باب تقديم الصفة على الموصوف ، كقوله تعالى : (وغرابيب سود) (1) ، وحسن ذلك هاهنا أن اللفظتين صفتان ، وإن كانت إحداهما مرتبة على الاخرى . وقوله : " ليست بتعذير " ، أي ليست بذات تعذير ، أي تقصير ، فحذف المضاف ، كقوله تعالى : (قتل أصحاب الاخدود النار) (2) أي ذى النار . وقوله : " هم أعظم الناس حيطة " كبيعة ، أي رعاية وكلاءة ، ويروى ، " حيطة " ، كغيبة ، وهى مصدر حاط ، أي تحننا وتعطفا . والخصاصة : الفقر ، يقول : القضاء والقدر ينزل من السماء إلى الارض كقطر المطر ، أي مبثوث في جميع أقطار الارض إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان ، في المال والعمر والجاه والولد وغير ذلك . فإذا رأى أحدكم لاخيه زيادة في رزق أو عمر أو ولد وغير ذلك ، فلا يكونن ذلك له فتنة تفضى به إلى الحسد ، فإن الانسان المسلم إذا كان غير مواقع لدناءة وقبيح يستحيى من ذكره بين الناس ، ويخشع إذا قرع به ، ويغرى لئام الناس بهتك ستره به ، كاللاعب بالقداح ، المحظوظ منها ، ينتظر أول فوزة وغلبة من قداحه ، تجلب له نفعا ، وتدفع عنه ضرا ، كذلك من وصفنا حاله ، يصبر وينتظر إحدى الحسنيين ، إما أن يدعوه الله فيقبضه إليه ، ويستأثر به ، فالذي عند الله خير له . وإما أن ينسأ في أجله ، فيرزقه الله أهلا ومالا ، فيصبح وقد اجتمع له ذلك مع حسبه ودينه ومروءته المحفوظة عليه . ثم قال : " المال والبنون حرث الدنيا " وهو من قوله سبحانه : (المال والبنون


(1) سورة فاطر 27 (2) سورة البروج ، 5 (*)

[ 315 ]

زينة الحياة الدنيا) ، ومن قوله تعالى : (من كان يريد حرث الآخرة) نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) (1) . قال : وقد يجمعهما الله لاقوام ، فإنه تعالى قد يرزق الرجل الصالح مالا وبنين ، فتجمع له الدنيا والآخرة . ثم قال : " فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه " ، وذلك لانه تعالى قال : (فاتقون) ، (2) وقال : (فارهبون) ، (3) وقال : (فلا تخشوا الناس واخشون) ، (4) وغير ذلك من آيات التحذير . ثم قال : ولتكن التقوى منكم أقصى نهايات جهدكم ، لا ذات تقصيركم ، فإن العمل القاصر ، قاصر الثواب ، قاصر المنزلة [ فصل في ذم الحاسد والحسد ووما قيل في ذلك من الكلام ] واعلم أن مصدر هذا الكلام النهى عن الحسد ، وهو من أقبح الاخلاق المذمومة . وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله : " ألا لا تعادوا نعم الله " ، قيل : يا رسول الله ، ومن الذى يعادى نعم الله ؟ قال : " الذين يحسدون الناس " . وكان ابن عمر يقول : تعوذوا بالله من قدر وافق إرادة حسود .


(1) سورة الشورى 20 (2) سورة البقرة 41 : (ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا وإياى فاتقون) (3) سورة البقرة 40 (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) (4) سورة المائدة 44 (*)

[ 316 ]

قيل لارسطو : ما بال الحسود أشد غما من المكروب ؟ قال : لانه يأخذ نصيبه من غموم الدنيا ، ويضاف إلى ذلك غمه بسرور الناس . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " استعينوا على حوائجكم بالكتمان ، فإن كل ذى نعمة محسود " . وقال منصور الفقيه (1) : منافسة الفتى فيما يزول على نقصان همته دليل ومختار القليل أقل منه وكل فوائد الدنيا قليل ومن الكلام المروى عن أمير المؤمنين عليه السلام : لله در الحسد ! ما أعدله ! بدأ بصاحبه فقتله . ومن كلام عثمان بن عفان : يكفيك من انتقامك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك . وقال مالك بن دينار : شهادة القراء مقبولة في كل شئ إلا شهاده بعضهم على بعض ، فإنهم أشد تحاسدا من السوس في الوبر . وقال أبو تمام : وأذا أراد الله نشر فضيلة طويت ، أتاح لها لسان حسود (2) لو لا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود لو لا محاذرة العواقب لم تزل للحاسد النعمى على المحسود وتذاكر قوم من ظرفاء البصرة الحسد ، فقال رجل منهم : إن الناس ربما حسدوا على الصلب ، فأنكروا ذلك ، ثم جاءهم بعد ذلك بأيام ، فقال : إن الخليفة قد أمر بصلب


(1) هو منصور بن إسماعيل بن عيسى التميمي أحد فقهاء الشافعة . طبقات السبكى 2 . 317 (*)

[ 317 ]

الاحنف (1 بن قيس 1) ، ومالك بن مسمع ، وحمدان الحجام ، فقالوا : هذا الخبيث يصلب مع هذين الرئيسين ! فقال : أ لم أقل لكم إن الناس يحسدون على الصلب ! وروى أنس بن مالك مرفوعا " أن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " . وفي الكتب القديمة : يقول الله عزوجل : الحاسد عدو نعمتي ، متسخط لفعلى ، غير راض بقسمتي . وقال الاصمعي : رأيت أعرابيا قد بلغ مائة وعشرين سنة ، فقلت له : ما أطول عمرك ! فقال : تركت الحسد فبقيت . وقال بعضهم : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد . وقال الشاعر : تراه كأن الله يجدع أنفه وأذنيه إن مولاه ثاب إلى وفر وقال آخر : قل للحسود إذا تنفس ضغنه يا ظالما وكأنه مظلوم ! ومن كلام الحكماء : إياك والحسد ، فإنه يبين فيك ولا يبين في المحسود . ومن كلامهم : من دناءة الحسد أنه يبدأ بالاقرب فالاقرب . وقيل لبعضهم : لزمت البادية ، وتركت قومك وبلدك ! قال : وهل بقى إلا حاسد نعمة ، أو شامت بمصيبة ! بينا عبد الملك بن صالح يسير مع الرشيد في موكبه ، إذ هتف هاتف : يا أمير المؤمنين ، طأطئ من إشرافه ، وقصر من عنانه ، واشدد من شكاله - وكان عبد الملك متهما


(1) ساقط من ب (*)

[ 318 ]

عند الرشيد بالطمع في الخلافة - فقال الرشيد : ما يقول هذا ؟ فقال عبد الملك : مقال حاسد ، ودسيس حاقد يا أمير المؤمنين . قال : قد صدقت ، نقص القوم وفضلتهم ، وتخلفوا وسبقتهم ، حتى برز شأوك ، وقصر عنك غيرك ، ففى صدورهم جمرات التخلف ، وحزازات التبلد . قال عبد الملك : فأضرمها يا أمير المؤمنين عليهم بالمزيد . وقال شاعر : يا طالب العيش في أمن وفي دعة محضا بلا كدر ، صفوا بلا رنق خلص فؤادك من غل ومن حسد فالغل في القلب مثل الغل في العنق . ومن كلام عبد الله بن المعتز : إذا زال المحسود عليه ، علمت أن الحاسد كان يحسد على غير شئ . ومن كلامه : الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له ، بخيل بما لا يملكه . ومن كلامه : لا راحة لحاسد ولا حياء لحريص . ومن كلامه : الميت يقل الحسد له ، ويكثر الكذب عليه . ومن كلامه : ما ذل قوم حتى ضعفوا ، وما ضعفوا حتى تفرقوا ، وما تفرقوا حتى اختلفوا ، وما اختلفوا حتى تباغضوا ، وما تباغضوا حتى تحاسدوا ، وما تحاسدوا حتى استأثر بعضهم على بعض . وقال الشاعر : إن يحسدونى فإنى غير لائمهم قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا (1) فدام لى ولهم ما بى وما بهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد


(1) من أبيات في أمالى المرتضى 1 : 414 ، ونسبها إلى الكميت بن زيد ، وهى في شرح المختار من شعر بشار 67 من غير نسبة . (*)

[ 319 ]

ومن كلامهم : ما خلا جسد عن حسد . وحد الحسد هو أن تغتاظ مما رزقه غيرك ، وتود أنه زال عنه وصار إليك . والغبطة ألا تغتاظ ولا تود زواله عنه ، وإنما تود أن ترزق مثله ، وليست الغبطة بمذمومة . وقال الشاعر : حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالكل أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها - حسدا وبغيا - إنه لدميم (1) * * * [ فصل في مدح الصبر وانتظار الفرج وما قيل في ذلك من الكلام ] واعلم أنه عليه السلام بعد أن نهى عن الحسد أمر بالصبر وانتظار الفرج من الله ، أما بموت مريح ، أو بظفر بالمطلوب . والصبر من المقامات الشريفة ، وقد ورد فيه آثار كثيرة ، روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله : " إن الصبر نصف الايمان ، واليقين الايمان كله " . وقالت عائشة : لو كان الصبر رجلا لكان كريما . وقال على عليه السلام : الصبر إما صبر على المصيبة ، أو على الطاعة ، أو عن المعصية ، وهذا القسم الثالث أعلى درجة من القسمين الاولين . وعنه عليه السلام : الحياء زينة والتقوى كرم ، وخير المراكب مركب الصبر . وعنه عيله السلام : القناعة سيف لا ينبو ، والصبر مطية لا تكبو ، وأفضل العدة الصبر على الشدة . قال الحسن عليه السلام : جربنا وجرب المجربون ، فلم نر شيئا أنفع وجدانا ، ولا أضر فقدانا من الصبر ، تداوى به الامور ، ولا يداوى هو بغيره .


(1) لابي الاسود الدؤلى ، ملحق ديوانه 51 . (*)

[ 320 ]

وقال سعيد بن حميد الكاتب (1) : لا تعتبن على النوائب فالدهر يرغم كل عاتب واصبر على حدثانه إن الامور لها عواقب كم نعمة مطوية لك بين أثناء النوائب (2) ومسرة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب ومن كلامهم : الصبر مر ، لا يتجرعه إلا حر . قال أعرابي : كن حلو الصبر عند مرارة النازلة . وقال كسرى لبزر جمهر : ما علامة الظفر بالامور المطلوبة المستصعبة ؟ قال : ملازمة الطلب ، والمحافظة على الصبر ، وكتمان السر . وقال الاحنف برقيق : لست حليما ، إنما أنا صبور ، فأفادنى الصبر صفتي بالحلم . وسئل على عليه السلام . أي شئ أقرب إلى الكفر ؟ قال : ذو فاقة لا صبر له . ومن كلامه عليه السلام : الصبر يناضل الحدثان ، والجزع من أعوان الزمان . وقال أعشى همدان : إن نلت لم أفرح بشئ نلته وإذا سبقت به فلا أتلهف (3) ومتى تصبك من الحوادث نكبة فاصبر فكل غيابة تتكشف والامر يذكر بالامر ، وهذا البيت هو الذى قاله له الحجاج يوم قتله ، ذكر ذلك أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الانباري في " الامالى " قال : لما أتى الحجاج بأعشى همدان أسيرا ، وقد كان خرج مع ابن الاشعث ، قال له : يا بن اللخناء ! أنت القائل لعدو الرحمن - يعنى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث :


(1) البيتان الثالث والرابع في شرح المختار من شعر بشار 314 ، من غير نسبة . (2) شرح المختار : " كم فرجة " (3) ديوان الاعشين 35 ، مع اختلاف في الرواية والترتيب .

[ 321 ]

يا بن الاشج قريع كندة لا أبالى فيك عتبا (1) أنت الرئيس ابن الرئيس ، وأنت أعلى الناس كعبا (2) نبئت حجاج بن يوسف خر من زلق فتبا فانهض هديت لعله يجلو بك الرحمن كربا (3) وأبعث عطية في الحروب يكبهن عليه كبا ثم قال : عبد الرحمن خر من زلق فتب ، وخسر وانكب ، وما لقى ما أحب . ورفع بها صوته ، واهتز منكباه ، ودر ودجاه (4) ، واحمرت عيناه ، ولم يبق في المجلس إلا من هابه ، فقال : أيها الامير ، وأنا القائل : أبى الله إلا أن يتمم نوره ويطفئ نار الكافرين فتخمدا (5) وينزل ذلا بالعراق وأهله كما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا وما لبث الحجاج أن سل سيفه علينا ، فولى جمعنا وتبددا فالتفت الحجاج إلى من حضر ، فقال : ما تقولون ؟ قالوا : لقد أحسن أيها الامير ، ومحا بآخر قوله أوله ، فليسعه حلمك . فقال : لاها الله ! إنه لم يرد ما ظننتم ، وإنما أراد تحريض أصحابه ، ثم قال له : ويلك ! ألست القائل : إن نلت لم أفرح بشئ نلته وإذا سبقت به فلا أتلهف ومتى تصبك من الحوادث نكبة فاصبر ، فكل غيابة تتكشف أما والله لتظلمن عليك غيابة لا تنكشف أبدا ، أ لست القائل في عبد الرحمن : وإذا سألت المجد أين محله فالمجد بين محمد وسعيد


(1) ديوان الاعشين 312 (2) ديوان الاعشين : " أعلى القوم " . (3) ديوان الاعشين : " فديت " . (4) يقال : در العرق ، إذا امتلا دما ، والودجان : عرقان في العنق . (5) ديوان الاعشين 320 ، مع اختلاف في الرواية وترتيب الابيات . (*)

[ 322 ]

بين الاشج وبين قيس نازل بخ بخ لوالده وللمولود (1) والله لا ينجح بعدها أبدا . يا حرسي اضرب عنقه . * * * ومما جاء في الصبر قيل للاحنف : إنك شيخ ضعيف ، وإن الصيام يهدك . فقال : إنى أعده لشر يوم طويل ، وإن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله . ومن كلامه : من لم يصبر على كلمة سمع كلمات . رب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه . يونس بن عبيد : لو أمرنا بالجزع لصبرنا . ابن السماك : المصيبة واحدة ، فإن جزع صاحبها منها صارت اثنتين . يعنى : فقد المصاب وفقد الثواب . الحارث بن أسد المحاسبى : لكل شئ جوهر ، وجوهر الانسان العقل ، وجوهر العقل الصبر . جابر بن عبد الله : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الايمان ، فقال : " الصبر والسماحة " . وقال العتابى : اصبر إذا بدهتك نائبة ما عال منقطع إلى الصبر الصبر أولى ما اعتصمت به ولنعم حشو جوانح الصدر ومن كلام على عليه السلام : الصبر مفتاح الظفر ، والتوكل على الله رسول الفرج . ومن كلامه عليه السلام : انتظار الفرج بالصبر عبادة . أكثم بن صيفي : الصبر على جرع الحمام أعذب من جنا الندم .


(1) ديوان الاعشين 323 (*)

[ 323 ]

ومن كلام بعض الزهاد : واصبر على عمل لا غناء بك عن ثوابه ، واصبر عن عمل لا صبر على عقابك به . وكتب ابن العميد : أقرأ في الصبر سورا ، ولا أقرأ في الجزع آية . وأحفظ في التماسك والتجلد قصائد ، ولا أحفظ في التهافت قافية . وقال الشاعر : ويوم كيوم البعث ما فيه حاكم ولا عاصم إلا قنا ودروع حبست به نفسي على موقف الردى حفاظا وأطراف الرماح شروع وما يستوى عند الملمات إن عرت صبور على مكروهها وجزوع أبو حية النميري : إنى رأيت وفي الايام تجربة للصبر عاقبة محمودة الاثر (1) وقل من جد في أمر يحاوله واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ووصف الحسن البصري عليا عليه السلام ، فقال : كان لا يجهل ، وإن جهل عليه حلم . ولا يظلم ، وإن ظلم غفر . ولا يبخل ، وإن بخلت الدنيا عليه صبر . عبد العزيز بن زرارة الكلابي : قد عشت في الدهر أطوارا على طرق شتى فقاسيت منه الحلو والبشعا (2) كلا بلوت فلا النعماء تبطرنى ولا تخشعت من لاوائها جزعا لا يملا الامر صدري قبل موقعه ولا يضيق به صدري إذا وقعا ومن كلام بعضهم : من تبصر تصبر . الصبر يفسح الفرج ، ويفتح المرتتج . المحنة إذا تلقيت بالرضا والصبر كانت نعمة دائمة ، والنعمة إذا خلت من الشكر كانت محنة لازمة .


(1) المقدسي 43 من غير نسبة . (2) ديوان المعاني 1 : 88 ، وفى نسبة هذه الابيات وروايتها خلاف ، أنظره في حواشى الآلئ 412 (*)

[ 324 ]

قيل لابي مسلم صاحب الدولة : بم أصبت ما أصبت ؟ قال : ارتديت بالصبر ، واتزرت بالكتمان ، وحالفت الحزم ، وخالفت الهوى ، ولم أجعل العدو صديقا ، ولا الصديق عدوا . منصور النمري في الرشيد : وليس لاعباء الامور إذا عرت بمكترث لكن لهن صبور يرى ساكن الاطراف باسط وجهه يريك الهوينى والامور تطير من كلام أمير المؤمنين عليه السلام : أوصيكم بخمس ، لو ضربتم إليهن آباط الابل كانت لذلك أهلا : لا يرجون أحدكم إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه ، ولا يستحين إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم ، ولا يستحيى إذا جهل أمرا أن يتعلمه . وعليكم بالصبر ، فإن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فكما لا خير في جسد لا رأس له ، لا خير في إيمان لا صبر معه . وعنه عليه السلام : لا يعدم الصبور الظفر ، وإن طال به الزمان . نهشل بن حرى : ويوم كأن المصطلين بحره وإن لم يكن جمرا قيام على جمر صبرنا له حتى تجلى وإنما تفرج أيام الكريهة بالصبر على عليه السلام : اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين . وعنه عليه السلام : وإن كنت جازعا على ما تفلت من يديك ، فاجزع على كل ما لم يصل إليك ! وفي كتابه عليه السلام ، الذى كتبه إلى عقيل أخيه : ولا تحسبن ابن أمك - ولو أسلمه الناس - متضرعا متخشعا ، ولا مقرا للضيم واهنا ، ولا سلس الزمام للقائد ، ولا وطئ الظهر للراكب ، ولكنه كما قال أخو بنى سليم :

[ 325 ]

فإن تسأليني كيف أنت فإننى صبور على ريب الزمان صليب (1) يعز على أن ترى بى كآبة فيشمت عاد أو يساء حبيب [ فصل في الرياء والنهى عنه ] واعلم أنه عليه السلام ، بعد أن أمرنا بالصبر ، نهى عن الرياء في العمل ، والرياء في العمل منهى عنه ، بل العمل ذو الرياء ليس بعمل على الحقيقة ، لانه لم يقصد به وجه الله تعالى . وأصحابنا المتكلمون يقولون : ينبغى أن يعمل المكلف الواجب لانه واجب ويجتنب القبيح لانه قبيح ، ولا يفعل الطاعة ويترك المعصية رغبة في الثواب ، وخوفا من العقاب ، فإن ذلك يخرج عمله من أن يكون طريقا إلى الثواب ، وشبهوه بالاعتذار في الشئ ، فإن من يعتذر إليك من ذنب خوفا أن تعاقبه على ذلك الذنب ، لا ندما على القبيح الذى سبق منه ، لا يكون عذره مقبولا ، ولا ذنبه عندك مغفورا . وهذا مقام جليل لا يصل إليه إلا الافراد من ألوف الالوف . وقد جاء في الآثار من النهى عن الرياء والسمعة كثير ، روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال " يؤتى في يوم القيامة بالرجل قد عمل اعمال الخير كالجبال - أو قال : كجبال تهامة - وله خطيئة واحدة ، فيقال إنما عملتها ليقال عنك ، فقد قيل ، وذاك ثوابك وهذه خطيئتك ، أدخلوه بها إلى جهنم " . وقال عليه السلام : " ليست الصلاة قيامك وقعودك ، إنما الصلاة إخلاصك ، وأن تريد بها الله وحده " . وقال حبيب الفارسى : لو أن الله تعالى أقامنى يوم القيامة وقال : هل تعد سجدة سجدت ليس للشيطان فيها نصيب ؟ لم أقدر على ذلك .


(1) مجموعة المعاني 72 ، وهما لصخر بن عمرو السلمى ، أخى الخنساء ، والاول من أبيات أربعة في الاغانى 13 : 131 (طبعة الساسى) . (*)

[ 326 ]

توصل عبد الله بن الزبير إلى إمرأة عبد الله بن عمر - وهى أخت المختار بن أبى عبيد الثقفى - في أن تكلم بعلها عبد الله بن عمر أن يبايعه . فكلمته في ذلك ، وذكرت صلاته وقيامه وصيامه ، فقال لها : أ ما رأيت البغلات الشهب التى كنا نراها تحت معاوية بالحجر إذا قدم مكة ؟ قالت : بلى ، قال : فإياها يطلب ابن الزبير بصومه وصلاته ! وفي الخبر المرفوع : " إن أخوف ما أخاف على أمتى الرياء في العمل ، ألا وإن الرياء في العمل هو الشرك الخفى " : صلى وصام لامر كان يطلبه حتى حواه فلا صلى ولا صاما [ فصل في الاعتضاد بالعشيرة والتكثر بالقبيلة ] ثم إنه عليه السلام بعد نهيه عن الرياء وطلب السمعة ، أمر بالاعتضاد بالعشيرة والتكثر بالقبيلة ، فأن الانسان لا يستغنى عنهم وإن كان ذا مال ، وقد قالت الشعراء في هذا المعنى كثيرا ، فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة (1) : إذا المرء لم يغضب له حين يغضب فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا ولم يحبه بالنصر قوم أعزة مقاحيم في الامر الذى يتهيب (2) تهضمه أدنى العداة فلم يزل وإن كان عضا بالظلامة يضرب (3) فآخ لحال السلم من شئت واعلمن بأن سوى مولاك في الحرب أجنب ومولاك مولاك الذى إن دعوته أجابك طوعا والدماء تصبب فلا تخذل المولى وإن كان ظالما فإن به تثأى الامور وترأب (4) .


(1) في الحماسة : " قراد بن عباد " ، وصححه التبريزي : " قراد بن العيار " ، وقال : " أبوه العيار أحد شياطين العرب " ، والابيات في 2 : 669 ، من ديوان الحماسة - بشرح المرزوقى . (2) مقاحيم : جمع مقحام ، وهو الذى يخوض قحمة الشئ ، أي معظمه . (3) تهضمه ، أي كسره وأذله . والعض : المنكر الشديد اللسان . (4) تتأى : بخرق وتفتق . وفى الاصول : " تتأى " ، تصحيف . (*)

[ 327 ]

ومن شعر الحماسة أيضا : أفيقوا بنى حزن وأهواؤنا معا وأرحامنا موصولة لم تقضب (1) لعمري لرهط المرء خير بقية عليه وإن عالوا به كل مركب إذا كنت في قوم وأمك منهم لتعزى إليهم في خبيث وطيب وإن حدثتك النفس إنك قادر على ما حوت أيدى الرجال فكذب ومن شعر الحماسة أيضا : لعمرك ما أنصفتني حين سمتنى هواك مع المولى وأن لا هوى ليا (2) إذا ظلم المولى فزعت لظلمه فحرق أحشائي وهرت كلابيا ومن شعر الحماسة أيضا : وما كنت أبغى العم يمشى على شفا وإن بلغتني من أذاه الجنادع (3) ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه لترجعه يوما إلى الرواجع وحسبك من ذل وسوء صنيعة مناوأة ذى القربى وإن قيل قاطع ومن شعر الحماسة أيضا : ألا هل أتى الانصار أن ابن بحدل حميدا شفى كلبا فقرت عيونها (4) فإنا وكلبا كاليدين متى تقع شمالك في الهيجا تعنها يمينها


(1) ديوان الحماسة (1 : 311) بشرح المرزوقى ، ونسبه التبريزي (1 : 297) إلى جندل بن عمرو . معا ، أي مجتمعة . والقضب : القطع ، ولم يرد في الحماسة سوى البيت الاول . (2) ديوان الحماسة (1 : 350) بشرح التبريزي ، ونسبه إلى حريت بن جابر . (3) ديوان الحماسة (1 : 380) بشرح التبريزي ، ونسبه إلى محمد بن عبد الله الازدي وروايته : " لا أدفع ابن العم يمشى . . . " ، وشفا الشئ : حرفه . والجنادع : الدواهي . (4) ديوان (الحماسة 2 : 522) بشرح المرزوقى وهى هناك أربعة أبيات ، هنا الاول والرابع منها ، ونسبها إلى بعض بنى جهينة . (*)

[ 328 ]

ومن شعر الحماسة أيضا : أخوك أخوك من ينأى وتدنو مودته وإن دعى استجابا (1) إذا حاربت حارب من تعادى وزاد غناؤه منك اقترابا (2) يواسى في كريهته ويدنو إذا ما مضلع الحدثان نابا (3) [ فصل في حسن الثناء وطيب الاحدوثة ] ثم إنه عليه السلام ذكر إن لسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خيرا له من المال يورثه غيره . ولسان الصدق هو أن يذكر الانسان بالخير ، ويثنى عليه به ، قال سبحانه : (واجعل لى لسان صدق في الآخرين) (4) . وقد ورد في هذا المعنى من النثر (5) والنظم الكثير الواسع ، فمن ذلك قول عمر لابنة هرم : ما الذى أعطى أبوك زهيرا ؟ قالت : أعطاه مالا يفنى ، وثيابا تبلى . قال : لكن ما أعطاكم زهير لا يبليه الدهر ، ولا يفنيه الزمان . ومن شعر الحماسة أيضا : إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد بفضل الغنى ألفيت ما لك حامد (6) وقل غناء عنك مال جمعته إذا كان ميراثا وواراك لاحد وقال يزيد بن المهلب : المال والحياة احب شئ إلى الانسان ، والثناء الحسن أحب إلى منهما ، ولو أنى أعطيت ما لم يعطه أحد لاحببت أن يكون لى إذن أسمع بها ما يقال في غدا وقد مت كريما . وحكى أبو عثمان الجاحظ عن إبراهيم السندي ، قال : قلت في أيام ولايتى الكوفة


(1) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقى 2 : 542 ، ونسبها إلى ربيعة بن مقروم . (2) الحماسة : " وزاد سلاحه " . (3) لم يذكر هذا البيت في الحماسة (4) سورة الشعراء 84 . (5) ديوان الحماسة 3 : 1199 بشرح المرزوقى ، من أبيات نسبها إلى محمد بن أبى شحاذ . (6) ب : " الشعر " ، والاجود ما أثبته من ا . (*)

[ 329 ]

لرجل من وجوهها - كان لا يجف لبده ولا يستريح قلمه ، ولا تسكن حركته في طلب حوائج الناس ، وإدخال السرور على قلوبهم ، والمرافق على ضعفائهم ، وكان عفيف الطعمة . خبرني عما هون عليك النصب ، وقواك على التعب ؟ فقال : قد والله سمعت غناء الاطيار بالاسحار على أغصان الاشجار ، وسمعت خفق الاوتار ، وتجاوب العود والمزمار ، فما طربت من صوت قط ، طربي من ثناء حسن ، على رجل محسن ، فقلت : لله أبوك ! فلقد ملئت كرما . وقال حاتم : أماوى إن يصبح صداى بقفرة من الارض لا ماء لدى ولا خمر (1) ترى أن ما أنفقت لم يك ضرنى (2) وأن يدى مما بخلت به صفر أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (3) بعض المحدثين : من اشترى بماله حسن الثناء ماغبن ، أفقره سماحته فذلك الفقر الغنى . ومن أمثال الفرس : كل ما يؤكل ينتن ، وكل ما يوهب يأرج . وقال أبو الطيب : ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ما فاته وفضول العيش أشغال (4) [ فصل في مواساة الاهل وصلة الرحم ] ثم إنه عليه السلام بعد أن قرظ الثناء والذكر الجميل ، وفضله على المال ، أمر بمواساة


(1) ديوانه 118 (2) الديوان : " ما أهلكت " . (3) الديوان : " إذا حشرجت نفس " . (4) ديوانه 3 : 288 (*)

[ 330 ]

الاهل ، وصلة الرحم وإن قل ما يواسى به ، فقال : ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة . . . " ، إلى آخر الفصل ، وقد قال الناس في هذا المعنى فأكثروا . فمن ذلك قول زهير : ومن يك ذافضل فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم (1) . وقال عثمان : إن عمر كان يمنع أقرباءه ابتغاء وجه الله ، وأنا اعطيتهم ابتغاء وجه الله ، ولن تروا مثل عمر . أبو هريرة مرفوعا : " الرحم مشتقة من الرحمن ، والرحمن اسم من أسماء الله العظمى ، قال الله لها : من وصلك وصلته ، ومن قطعك قطعته " . وفى الحديث المشهور : " صلة الرحم تزيد في العمر " . وقال طرفة يهجو إنسانا بأنه يصل الاباعد ويقطع الاقارب : وأنت على الادنى شمال عرية شآمية تروى الوجوه بليل (2) وأنت على الاقصى صبا غير قرة وقدآب منها مزرع ومسيل (3) ومن شعر الحماسة : لهم جل مالى إن تتابع لى غنى وإن قل مالى لا أكلفهم رفدا (4) ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا


(1) ديوانه 30 (من مجموعة خمسة دواوين) (2) ديوانه 52 . الادنى : الاقرب والشمال : ريح غير محمودة . بلبل : ريح باردة . (39 الاقصى البعيد . والصبا : ريح مهبها من مطلع الثريا ، وهى محمودة عندهم . وقرة : باردة . (4) للمقنع الكندى ، الحماسة - بشرح المرزوقى 3 : 1180 (*)

[ 331 ]

(24) الاصل : من خطبه له عليه السلام : ولعمري ما على من قتال من خالف الحق ، وخابط الغى ، من إدهان ولا إيهان . فاتقوا الله عباد الله ، وفروا إلى الله من الله ، وامضوا في الذى نهجه لكم ، وقوموا بما عصبه بكم ، فعلى ضامن لفلجكم آجلا ، إن لم تمنحوه عاجلا . * * * الشرح : الادهان : المصانعة والمنافقة ، قال سبحانه : (ودوا لو تدهن فيدهنون) (1) . والايهان : مصدر أوهنته ، أي أضعفته ، ويجوز وهنته ، بحذف الهمزة . ونهجه : أوضحه وجعله نهجا ، أي طريقا بينا . وعصبه بكم : ناطه بكم وجعله كالعصابة التى تشد بها الرأس . والفلج : الفوز والظفر . وقوله : " وخابط الغى " كأنه جعله والغى متخابطين ، يخبط أحدهما في الآخر ، وذلك أشد مبالغة من أن تقول : خبط في الغى ، لان من يخبط ويخبطه غيره يكون أشد اضطرابا ممن يخبط ولا يخبطه غيره . وقوله : " ففروا إلى الله من الله " ، أي اهربوا إلى رحمة الله من عذابه . وقد نظر الفرزدق إلى هذا فقال : إليك فررت منك ومن زياد ولم أحسب دمى لكم حلالا (2)


(1) سورة القلم 9 (2) ديوانه 608 ، في مدح سعيد بن العاصى ، ورايته : " ولم أجعل دمى " . (*)

[ 332 ]

(25) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام وقد تواترت عليه الاخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد ، وقدم عليه عاملاه على اليمن ، وهما عبيد الله بن عباس وسعيد بن نمران ، لما غلب عليهما بسر بن أرطاة ، فقام عليه السلام على المنبر ، ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ، ومخالفتهم له في الرأى ، فقال : ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها ، إن لم تكوني إلا أنت تهب أعاصيرك فقبحك الله ! وتمثل بقول الشاعر : لعمر أبيك الخير يا عمرو إننى على وضر من ذا الاناء قليل (1) ثم قال عليه السلام : أنبئت بسرا قد اطلع اليمن ، وإنى والله لاظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحق ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الامانة إلى صاحبهم وخيانتكم ، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم ، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته . اللهم إنى قد مللتهم وملوني ، وسئمتهم وسئموني ، فأبدلنى بهم خيرا منهم ،


(1) الوضر : بقية الدسم في الاناء . (*)

[ 333 ]

وابدلهم بى شرا منى ! اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء . أما والله لوددت أن لى بكم ألف فارس من بنى فراس بن غنم : هنالك لو دعوت أتاك منهم فوارس مثل أرمية الحميم (1) * * * ثم نزل عليه السلام من المنبر : قال الرضى رحمه الله : أقول الارمية : جمع رمى ، وهو السحاب . والحميم هاهنا : وقت الصيف ، وإنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لانه أشد جفولا ، وأسرع خفوقا ، لانه لا ماء فيه ، وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء ، وذلك لا يكون في الاكثر إلا زمان الشتاء ، وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا ، والاغاثة إذا استغيثوا ، والدليل على ذلك قوله : * هنالك لو دعوت أتاك منهم * الشرح : تواترات عليه الاخبار ، مثل ترادفت وتواصلت . من الناس من يطعن في هذا ، ويقول : التواتر لا يكون إلا مع فترات بين أوقات الاتيان ، ومنه قوله سبحانه : (ثم أرسلنا رسلنا تترى) (2) ، ليس المراد أنهم مترادفون ، بل بين كل نبيين فترة ، قالوا : وأصل " تترى " من الواو ، واشتقاقها من " الوتر " ، وهو الفرد : وعدوا هذا الموضع مما تغلط فيه الخاصة .


(1) البيت في اللسان (19 : 54) ، ونسبه إلى أبى جندب الهذلى ، وروايته : " رجال مثل أرمية الحميم " . (2) سورة المؤمنين 44 (*)

[ 334 ]

[ نسب معاوية وبعض أخباره ] ومعاوية هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى . وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى . وهى أم أخيه عتبة بن أبى سفيان . فأما يزيد بن أبى سفيان ، ومحمد بن أبى سفيان ، وعنبسة بن أبى سفيان ، وحنظلة بن أبى سفيان ، وعمرو بن أبى سفيان ، فمن أمهات شتى . وأبو سفيان هو الذى قاد قريشا في حروبها إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وهو رئيس بنى عبد شمس بعد قتل عتبة بن ربيعة ببدر ، ذاك صاحب العير وهذا صاحب النفير ، وبهما يضرب المثل ، فيقال للخامل : " لا في العير ولا في النفير " . وروى الزبير بن بكار أن عبد الله بن يزيد بن معاوية جاء إلى أخيه خالد بن يزيد في أيام عبد الملك ، فقال : لقد هممت اليوم يا أخى أن أفتك بالوليد بن عبد الملك ، قال : بئسما هممت به في ابن أمير المؤمنين ، وولى عهد المسلمين ! فما ذاك ؟ قال : إن خيلى مرت به فعبث بها وأصغرني ، فقال خالد : أنا أكفيك ، فدخل على عبد الملك والوليد عنده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الوليد مرت به خيل ابن عمه عبد الله ، فعبث بها وأصغره - وكان عبد الملك مطرقا - فرفع رأسه ، وقال : (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) (1) ، فقال خالد : (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) (2) ، فقال عبد الملك : أ في عبد الله تكلمني ! والله لقد دخل أمس على فما أقام لسانه لحنا ! قال


(1) سورة النمل 44 (2) سورة الاسراء 16 (*)

[ 335 ]

خالد : أ فعلى الوليد تعول يا أمير المؤمنين ! قال عبد الملك : إن كان الوليد يلحن فإن أخاه خالد [ لا ] (1) ، فالتفت الوليد إلى خالد وقال له : اسكت ويحك فو الله ما تعد في العير ولا في النفير ، فقال : اسمع يا أمير المؤمنين ، ثم التفت إلى الوليد ، فقال له : ويحك ! فمن صاحب العير والنفير غير جدى أبى سفيان صاحب العير ، وجدى عتبة صاحب النفير ! ولكن لو قلت : غنيمات وحبيلات والطائف ، ورحم الله عثمان " ، لقلنا : صدقت (2) . * * * وهذا من الكلام المستحسن ، والالفاظ الفصيحة ، والجوابات المسكتة ، وإنما كان أبو سفيان صاحب العير ، لانه هو الذى قدم بالعير التى رام رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه أن يعترضوها ، وكانت قادمة من الشام إلى مكة تحمل العطر والبر ، فنذر بهم أبو سفيان ، فضرب وجوه العير إلى البحر ، فساحل (3) بها حتى أنقذها منهم ، وكانت وقعة بدر العظمى لاجلها ، لان قريشا أتاهم النذير بحالها ، وبخروج النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه من المدينة في طلبها ، لينفروا ، وكان رئيس الجيش النافر لحمايتها عتبة بن ربيعة ابن شمس جد معاوية لامه . وأما " غنيمات وحبيلات . . . " إلى آخر الكلام ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما طرد الحكم بن أبى إلعاص إلى الطائف لامور نقمها عليه ، أقام بالطائف في حبلة ابتاعها - وهى الكرمة - وكان يرعى غنيمات اتخذها ، يشرب من لبنها . فلما ولى أبو بكر ، شفع إليه عثمان في أن يرده ، فلم يفعل ، فلما ولى عمر شفع إليه أيضا فلم يفعل ، فلما ولى هو الامر رده . والحكم جد عبد الملك ، فعيرهم خالد بن يزيد به . * * * وبنو أمية صنفان : الاعياص والعنابس ، فالاعياص : العاص ، وأبو العاص ،


(1) من مجمع الامثال . (2) الخبر في مجمع الامثال 2 : 222 (3) ساحل بها : أتى بها ساحل البحر . (*)

[ 336 ]

والعيص ، وأبو العيص . والعنابس : حرب ، وأبو حرب ، وسفيان ، وأبو سفيان . فبنو مروان وعثمان من الاعياص ، ومعاوية وابنه من العنابس ، ولكل واحد من الصنفين المذكورين وشيعتهم كلام طويل ، واختلاف شديد ، في تفضيل بعضهم على بعض . * * * وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعهر . وقال الزمخشري في كتاب " ربيع الابرار " : كان معاوية يعزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبى عمرو ، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وإلى العباس بن عبد المطلب ، وإلى الصباح ، مغن كان لعمارة بن الوليد . قال : وقد كان أبو سفيان دميما قصيرا ، وكان الصباح عسيفا (1) لابي سفيان ، شابا وسيما ، فدعته هند إلى نفسها فغشيها . وقالوا : إن عتبة بن أبى سفيان من الصباح أيضا ، وقالوا : إنها كرهت أن تدعه في منزلها ، فخرجت إلى أجياد ، فوضعته هناك . وفى هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عام الفتح (2) : لمن الصبى بجانب البطحاء في الترب ملقى غير ذى مهد نجلت به بيضاء آنسة من عبد شمس صلته الخد (3) والذين نزهوا هند عن هذا القذف رووا غير هذا . فروى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن هندا كانت تحت الفاكه بن المغيرة المخزومى ، وكان له بيت ضيافة يغشاه الناس ، فيدخلونه من غير إذن ، فخلا ذلك البيت يوما ، فاضطجع فيه الفاكه وهند ، ثم قام الفاكه وترك هندا في البيت لامر عرض له ، ثم عاد إلى البيت ، فإذا رجل قد خرج من البيت ، فأقبل إلى هند ، فركلها برجله ، وقال : من الذى كان عندك ؟ فقالت : لم يكن عندي


(1) العسيف : الاجير . (2) ديوانه 157 (3) نجلت به ولدته ، وصلته الخد ، الصلت : الاملس : وفى الاصول : " صلبة " تصحيف (*)

[ 337 ]

أحد ، وإنما كنت نائمة . فقال : الحقى بأهلك ، فقامت من فورها إلى أهلها ، فتكلم الناس في ذلك ، فقال لها عتبة أبوها : يا بنية ، إن الناس قد أكثروا في أمرك ، فأخبريني بقصتك على الصحة ، فإن كان لك ذنب دسست إلى الفاكه من يقتله ، فتنقطع عنك القالة . فحلفت أنها لا تعرف لنفسها جرما ، وإنه لكاذب عليها . فقال عتبة للفاكه : إنك قد رميت ابنتى بأمر عظيم ، فهل لك أن تحاكمني إلى بعض الكهنة ؟ فخرج الفاكه في جماعة من بنى مخزوم ، وخرج عتبة في جماعة من بنى عبد مناف ، وأخرج معه هندا ونسوة معها ، فلما شارفوا بلاد الكاهن تغيرت حال هند ، وتنكر أمرها ، واختطف لونها . فرأى ذلك أبوها ، فقال لها : إنى أرى ما بك ، وماذاك إلا لمكروه عندك ! فهلا كان هذا قبل أن يشتهر عند الناس مسيرنا ! قالت : يا أبت ، إن الذى رأيت منى ليس لمكروه عندي ، ولكني أعلم أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ، ولا آمن أن يسمنى ميسما يكون على عارا عند نساء مكة . قال لها : فإنى سأمتحنه قبل المسألة بأمر ، ثم صفر بفرس له فأدلى ، ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليله ، وشده بسير وتركه . حتى إذا وردوا على الكاهن أكرمهم ، ونحر لهم . فقال عتبة : إنا قد جئناك لامر ، وقد خبأت لك خبيئا أختبرك به ، فانظر ما هو ؟ فقال : ثمرة في كمرة ، فقال : أبين من هذا ، قال : حبة بر ، في إحليل مهر ، قال : صدقت ، انظر الآن في أمر هؤلاء النسوة . فجعل يدنو من واحدة واحدة منهن ، ويقول : انهضي ، حتى صار إلى هند ، فضرب على كتفها ، وقال : انهضي غير رقحاء ولا زانية ، ولتلدن ملكا يقال له معاوية . فوثب إليها الفاكه ، فأخذها بيده وقال : قومي إلى بيتك ، فجذبت يدها من يده ، وقالت : إليك عنى ، فو الله لا كان منك ، ولا كان إلا من غيرك ! فتزوجها أبو سفيان بن حرب . الرقحاء : البغى التى تكتسب بالفجور ، والرقاحة : التجارة . * * *

[ 338 ]

وولى معاوية اثنتين وأربعين سنة ، منها اثنتان وعشرون سنة ولى فيها إمارة الشام منذ مات أخوه يزيد بن أبى سفيان ، بعد خمس سنين من خلافة عمر ، إلى أن قتل أمير المؤمنين على عليه السلام في سنة أربعين . ومنها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستين . ومر به إنسان وهو غلام يلعب مع الغلمان ، فقال : إنى أظن هذا الغلام سيسود قومه ، فقالت هند : ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه ! ولم يزل معاوية ذا همة عالية ، يطلب معالى الامور ، ويرشح نفسه للرياسة ، وكان أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله . واختلف في كتابته له كيف كانت ، فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أن الوحى كان يكتبه على عليه السلام وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وأن حنظلة بن الربيع التيمى ومعاوية بن أبى سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك وإلى رؤساء القبائل ، ويكتبان حوائجه بين يديه ، ويكتبان ما يجبى من أموال الصدقات وما يقسم في أربابها . وكان معاوية على أس (1) الدهر مبغضا لعلى عليه السلام ، شديد الانحراف عنه ، وكيف لا يبغضه ، وقد قتل أخاه حنظلة يوم بدر ، وخاله الوليد بن عتبة ، وشرك عمه في جده وهو عتبة - أو في عمه ، وهو شيبة ، على اختلاف الرواية - وقتل من بنى عمه عبد شمس نفرا كثيرا من أعيانهم وأماثلهم ، ثم جاءت الطامة الكبرى واقعة عثمان ، فنسبها كلها إليه بشبهة إمساكه عنه ، وانضواء كثير من قتلته إليه عليه السلام ، فتأكدت البغضة ، وثارت الاحقاد ، وتذكرت تلك الترات الاولى ، حتى أفضى الامر إلى ما أفضى إليه . وقد كان معاوية ، مع عظم قدر على عليه السلام في النفوس ، واعتراف العرب بشجاعته ، وأنه البطل الذى لا يقام له ، يتهدده - وعثمان بعد حى - بالحرب والمنابذة ، ويراسله من الشام رسائل خشنة ، حتى قال له في وجهه ما رواه أبو هلال العسكري في كتاب " الاوائل " ، قال :


و (1) أس الدهر ، بفتح الهمزة أو ضمها أو كسرها : قدم الدهر ووجهه . (*)

[ 339 ]

قدم معاوية المدينة قدمة أيام عثمان في أواخر خلافته ، فجلس عثمان يوما للناس ، فاعتذر من أمور نقمت عليه ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل توبة الكافر ، وإنى رددت الحكم عمى لانه تاب ، فقبلت توبته ، ولو كان بينه وبين أبى بكر وعمر من الرحم ما بينى وبينه لآوياه ، فأما ما نقمتم على إنى أعطيت من مال الله ، فإن الامر إلى ، أحكم في هذا المال بما أراه صلاحا للامة ، وإلا فلما ذا كنت خليفة ! فقطع عليه الكلام معاوية وقال للمسلمين الحاضرين عنده : أيها المهاجرون ، قد علمتم أنه ليس منكم رجل إلا وقد كان قبل الاسلام مغمورا في قومه ، تقطع الامور من دونه ، حتى بعث الله رسوله فسبقتم إليه ، وأبطأ عنه أهل الشرف والرياسة ، فسدتم بالسبق لا بغيره ، حتى إنه ليقال اليوم : رهط فلان ، وآل فلان ، ولم يكونوا قبل شيئا مذكورا ، وسيدوم لكم هذا الامر ما استقمتم ، فإن تركتم شيخنا هذا يموت على فراشه وإلا خرج منكم ، ولا ينفعكم سبقكم وهجرتكم . فقال له على عليه السلام : ما أنت وهذا يا بن اللخناء ! فقال معاوية : مهلا يا أبا الحسن عن ذكر أمي ، فما كانت بأخس نسائكم ، ولقد صافحها رسول الله صلى الله عليه يوم أسلمت ولم يصافح امرأة غيرها ، أما لو قالها غيرك ! فنهض على عليه السلام ليخرج مغضبا ، فقال عثمان : اجلس ، فقال له : لا أجلس ، فقال : عزمت عليك لتجلسن ، فأبى وولى ، فأخذ عثمان طرف ردائه فترك الرداء في يده وخرج ، فأتبعه عثمان بصره ، فقال : والله لا تصل إليك ولا إلى أحد من ولدك . قال أسامة بن زيد : كنت حاضرا هذا المجلس ، فعجبت في نفسي من تألى عثمان ، فذكرته لسعد بن أبى وقاص ، فقال : لا تعجب ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : " لا ينالها على ولا ولده " قال أسامة : فإنى في الغد لفى المسجد ، وعلى وطلحة والزبير وجماعة من المهاجرين جلوس ، إذ جاء معاوية ، فتآمروا بينهم ألا يوسعوا له ، فجاء حتى جلس بين أيديهم ،

[ 340 ]

فقال : أ تدرون لما ذاجئت ؟ قالوا : لا ، قال : إنى أقسم بالله إن لم تتركوا شيخكم يموت على فراشه لا أعطيكم إلا هذا السيف ! ثم قام فخرج . فقال على عليه السلام : لقد كنت أحسب أن عند هذا شيئا ، فقال له طلحة : وأى شئ يكون عنده أعظم مما قال ! قاتله الله ! لقد رمى الغرض فأصاب ، والله ما سمعت يا أبا الحسن كلمة هي أملا لصدرك منها . ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم الله ، يرمى بالزندقة . وقد ذكرنا في نقض " السفيانية " على شيخنا أبى عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الالحاد والتعرض لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وما تظاهر به من الجبر والارجاء ، ولو لم يكن شئ من ذلك ، لكان في محاربته الامام ما يكفى في فساد حاله ، لا سيما على قواعد أصحابنا ، وكونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار والخلود فيها ، إن لم تكفرها التوبة . [ بسر بن أرطاة ونسبه ] وأما (1) بسر بن أرطاة فهو (2 بسر بن أرطاة 2) - وقيل ابن أبى أرطاة - بن عويمر بن عمران بن الحليس بن سيار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة . بعثه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف ، وأمره أن يقتل كل من كان في طاعة على عليه السلام ، فقتل خلقا كثيرا ، وقتل فيمن قتل ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ، وكانا غلامين صغيرين ، فقالت أمهما ترثيهما : يا من أحس بنيى اللذين هما كالدرتين تشظى عنهما الصدف (1) في أبيات مشهورة .


(1) ب : " أما " (2 - 2) ساقط من ب ، وما أثبته من ا (3) تشظى : تفرق شظايا . والابيات في الكامل 8 - 158 - بشرح المرصفى . (*)

[ 341 ]

[ عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ] وكان عبيد الله عامل على عليه السلام على اليمن ، وهو عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى . أمه وأم إخوته : عبد الله ، وقثم ، ومعبد ، وعبد الرحمن لبابة بنت الحارث بن حزن ، من بنى عامر بن صعصعة . ومات عبيد الله بالمدينة ، وكان جوادا ، وأعقب ومن أولاده : قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس ولاه أبو جعفر المنصور المدينة ، وكان جوادا ممدوحا ، وله يقول ابن المولى (1) : أعفيت من كور ومن رحلة يا ناق إن أدنيتني من قثم في وجهه نور وفي باعه طول وفي العرنين منه شمم ويقال : ما رئى قبور إخوة أكثر تباعدا من قبور بنى العباس رحمه الله تعالى : قبر عبد الله بالطائف ، وقبر عبيد الله بالمدينة ، وقبر قثم بسمرقند ، وقبر عبد الرحمن بالشام ، وقبر معبد بأفريقية . * * * ثم نعود إلى شرح الخطبة : الاعاصير : جمع إعصار ، وهى الريح المستديرة على نفسها ، قال الله تعالى : (فأصابها إعصار فيه نار) (2) . والوضر : بقية الدسم في الاناء . وقد اطلع اليمن ، أي غشيها وغزاها وأغار عليها . وقوله : " سيدالون منكم " ، أي يغلبونكم وتكون لهم الدولة عليكم . وماث زيد الملح في الماء : أذابه وبنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة ، حى مشهور بالشجاعة ، منهم


(1) كذا بهذه النسبة في نسب قريش 33 ، وهما من أبيات تنسب إلى داود بن سلم ، في الاغانى 6 : 20 ، 9 : 169 (طبعة الدار) وفى الكامل 369 (طبعة أوربا) منسوبة إلى سليمان بن قتة . (2) سورة البقرة 266 (*)

[ 342 ]

علقمة بن فراس ، وهو جذل الطعان . ومنهم ربيعة بن مكدم بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن فراس ، الشجاع المشهور ، حامى الظعن حيا وميتا ، ولم يحم الحريم وهو ميت أحد غيره ، عرض له فرسان من بنى سليم ، ومعه ظعائن من أهله يحميهم وحده ، فطاعنهم ، فرماه نبيشة ابن حبيب بسهم أصاب قلبه ، فنصب رمحه في الارض ، واعتمد عليه وهو ثابت في سرجه لم يزل ولم يمل . وأشار إلى الظعائن بالرواح ، فسرن حتى بلغن بيوت الحى ، وبنو سليم قيام إزاءه لا يقدمون عليه ، ويظنونه حيا ، حتى قال قائل منهم : إنى لا أراه إلا ميتا ، ولو كان حيا لتحرك ، إنه والله لماثل راتب على هيئة واحدة ، لا يرفع يده ، ولا يحرك رأسه . فلم يقدم أحد منهم على الدنو منه ، حتى رموا فرسه بسهم ، فشب من تحته ، فوقع وهو ميت ، وفاتتهم الظعائن . وقال الشاعر : لا يبعدن ربيعة بن مكدم وسقى الغوادى قبره بذنوب (1) نفرت قلوصى من حجارة حرة بنيت على طلق اليدين وهوب لا تنفري يا ناق منه فإنه شريب خمر مسعر لحروب لو لا السفار وبعد خرق مهمه لتركتها تجثو على العرقوب نعم الفتى أدى نبيشة بزه يوم اللقاء نبيشة بن حبيب وقوله عليه السلام : " ما هي إلا الكوفة " ، أي ما ملكتي إلا الكوفة . اقبضها وأبسطها ، أي أتصرف فيها ، كما يتصرف الانسان في ثوبه ، يقبضه ويبسطه كما يريد . ثم قال على طريق صرف الخطاب : " فإن لم تكوني إلا أنت " ، خرج من الغيبة إلى خطاب الحاضر ، كقوله تعالى : (الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين) ، يقول : إن لم يكن لى من الدنيا ملك إلا ملك الكوفة ذات الفتن ، والآراء المختلفة ، فأبعدها الله !


(1) لحسان بن ثابت ، وقيل هي لضرار بن الخطاب ، وهى الاغانى 14 : 126 (طبعة الساس) والكامل 668 (طبع أوربا) في اختلاف في الرواية . (*)

[ 343 ]

وشبه ما كان يحدث من أهلها من الاختلاف والشقاق بالاعاصير ، لاثارتها التراب وإفسادها الارض . ثم ذكر علة إدالة أهل الشام من أهل العراق ، وهى اجتماع كلمتهم وطاعتهم لصاحبهم وأداؤهم الامانة وإصلاحهم بلادهم . [ أهل العراق وخطب الحجاج فيهم ] وقال أبو عثمان الجاحظ : العلة في عصيان أهل العراق على الامراء وطاعة أهل الشام أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة ، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث ، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال ، والتمييز بين الرؤساء ، وإظهار عيوب الامراء . وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأى واحد ، لا يرون النظر ، ولا يسألون عن مغيب الاحوال . وما زال العراق موصوفا أهله بقلة الطاعة ، وبالشقاق على أولى الرئاسة . * * * ومن كلام الحجاج (1) : يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ، ومساوئ الاخلاق ! أما والله لالحونكم لحو العصا ، ولاعصبنكم عصب السلم ، ولاضربنكم ضرب غرائب الابل ، إنى أسمع لكم تكبيرا ليس بالتكبير الذى يراد به الترغيب ، ولكنه تكبير الترهيب . ألا إنها عجاجة تحتها قصف (2) ، يا بنى اللكيعة ، وعبيد العصا ، وأبناء الاماء ! إنما مثلى ومثلكم كما قال ابن براقة (4) : وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم ! (5)


(1) البيان والتبيين 2 : 137 ، وتاريخ الطبري 7 : 212 ، مع اختلاف في الرواية . (2) العجاجة : شدة الغبار ، والقصف : شدة الريح . (3) اللكيعة : اللئيمة . (4) هو عمرو بن الحارث بن عمرو بن منبه بن شهر بن سهم الهمداني ، وبراقة أمه ، ينسب إليها . (5) البيتان من قصيدة طويلة له ، ذكرها القالى في الامالى 2 : 122 ، في خبر له مع حريم المرادى حين أغار عليه . (*)

[ 344 ]

متى تجمع القلب الذكى وصارما وأنفا حميا تجتنبك المظالم والله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الذاهب . وكانت هذه الخطبة عقيب سماعه تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة ، فأشفق من الفتنة . * * * ومما خطب به في ذم أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم (1) . يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ، إن الشيطان استبطنكم ، فخالط اللحم والدم والعصب ، والمسامع والاطراف والاعضاء والشغاف ، ثم أفضى إلى الامخاخ والاصماخ ، ثم ارتفع فعشش ، ثم باض ففرخ ، فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وملاكم غدرا وخلافا ، اتخذتموه دليلا تتبعونه ، وقائدا تطيعونه ، ومؤامرا تستشيرونه ، فكيف تنفعكم تجربة ، أو تعظكم واقعة ، أو يحجزكم إسلام ، أو يعصمكم ميثاق ! أ لستم أصحابي بالاهواز ، حيث رمتم المكر ، وسعيتم بالغدر ، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته ، وأنا أرميكم بطرفي ، وأنتم تتسللون لواذا ، وتنهزمون سراعا ! ثم يوم الزاوية (2) ! وما يوم الزاوية ! بها كان فشلكم وكسلكم وتخاذلكم وتنازعكم ، وبراءة الله منكم ، ونكول وليكم عنكم ، إذ وليتم كالابل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى أعطانها ، لا يسأل المرء عن أخيه ، ولا يلوى الاب على بنيه ، لما عضكم السلاح ، وقصمتكم (3) الرماح . ثم يوم دير الجماجم ، وما يوم دير الجماجم !


(1) وقعة دير الجماجم ، كانت بين الحجاج وابن الاشعث قرب الكوفة سنة 83 ، وهزم فيها ابن الاشعث الطبري (8 : 21) والخطبة في البيان والتبيين 2 : 138 ، العقد 4 : 115 ، نهاية الارب 7 : 245 مع اختلاف الرواية (2) الزاوية : موضع قرب البصرة ، كانت به وقعة بين الحجاج وابن الاشعث ، قتل فيها خلق كثير ، وذلك سنة 82 . الطبري (8 : 12) . (3) قصتمتكم : كسرتكم وغلبتكم ، وفى البيان : " وقصتكم " ، وهما بمعنى . (*)

[ 345 ]

بها كانت المعارك والملاحم ، بضرب يزيل الهام عن مقيله ، ويذهل الخليل عن خليله (1) . يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ! الكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد الخترات (2) ، والنزوة بعد النزوات ! إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم (3) وخنتم ، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم . لا تذكرون حسنة ، ولا تشكرون نعمة . هل استخفكم ناكث ، أو استغواكم غاو ، أو استفزكم عاص ، أو استنصركم ظالم ، أو استعضدكم خالع ، إلا اتبعتموه وآويتموه ، ونصرتموه وزكيتموه ! يا أهل العراق ، هل شغب شاغب ، أو نعب ناعب ، أو زفر كاذب (4) ، إلا كنتم أشياعه وأتباعه ، وحماته وأنصاره ! يا أهل العراق ، أ لم تزجركم المواعظ ! أ لم تنبهكم الوقائع ! أ لم تردعكم الحوادث ! ثم التفت إلى أهل الشام وهم حول المنبر ، فقال : يا أهل الشام ، إنما أنا لكم كالظليم الرامح (5) عن فراخه ، ينفى عنها القذر (6) ويباعد عنها الحجر ، ويكنها من المطر ، ويحميها من الضباب ، ويحرسها من الذئاب ! يا أهل الشام ، أنتم الجنة والرداء ، وأنتم العدة والحذاء . ثم نزل . * * *


(1) أخذه من رجز عمار بن ياسر يوم صفين ، وفيه : ضرب يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله ومقيله : موضعه . وانظر وقعة صفين 366 - 387 (2) الخترات : جمع خترة ، وهى الغدر والخديعة . (3) الغل هنا : الخيانة . (4) العد : " زفر زافر " . (5) الظليم : ذكر النعام ، والرامح : المدافع . (6) البيان والعقد : " المدر " . (*)

[ 346 ]

ومن خطبه في هذا المعنى وقد أراد الحج (1) : يا أهل الكوفة ، إنى أريد الحج وقد استخلفت عليكم ابني محمدا ، وأوصيته بخلاف وصية رسول الله صلى الله عليه في الانصار ، فإنه أمر أن يقبل من محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم ، وأنى قد أوصيته ألا يقبل من محسنكم ، ولا يتجاوز عن مسيئكم . ألا وإنكم ستقولون بعدى : لا أحسن الله له الصحابة ! ألا وإنى معجل لكم الجواب : لا أحسن الله لكم الخلافة ! * * * ومن خطبة له في هذا المعنى : يا أهل الكوفة ، إن الفتنة تلقح بالنجوى (2) ، وتنتج بالشكوى ، وتحصد بالسيف ، أما والله إن أبغضتموني لا تضروني ، وإن أحببتموني لا تنفعوني ! وما أنا بالمستوحش لعداوتكم ، ولا المستريح إلى مودتكم ، زعمتم أنى ساحر وقد قال الله تعالى : (ولا يفلح الساحر) (3) ، وقد أفلحت . وزعمتم أنى أعلم الاسم الاكبر ، فلم تقاتلون من يعلم ما لا تعلمون ! ثم التفت إلى أهل الشام فقال : لازواجكم أطيب من المسك ، ولابناؤكم آنس بالقلب من الولد ، وما أنتم إلا كما قال أخو ذبيان : إذا حاولت في أسد فجورا فإنى لست منك ولست منى (4) هم درعى التى استلامت فيها إلى يوم النسار وهم مجنى (5)


(1) عيون الاخبار 2 : 245 (2) النجوى : المسارة . (3) سورة طه 63 (4) ديوانه 79 (من مجموعة خمسة دواوين) (5) استلام : لبس اللامة ، وهى الدرع . النسار : ماء لبنى عامر . والمجن : الترس . (*)

[ 347 ]

ثم قال : بل أنتم يا أهل الشام ، كما قال الله سبحانه : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون) (1) . * * * وخطب مرة بعد موت أخيه وابنه قال : بلغني أنكم تقولون : يموت الحجاج ، ومات الحجاج ! فمه ! وما كان ما ذا ! والله ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت ! وما رضى الله البقاء إلا لاهون المخلوقين عليه ، إبليس ، (قال أنظرني إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين) (2) . ثم قال : يا أهل العراق ، أتيتكم وأنا ذو لمة وافرة أرفل فيها ، فما زال بى شقاقكم وعصيانكم حتى أحص شعرى . ثم كشف رأسه وهو أصلع ، وقال : من يك ذا لمة يكشفها فإننى غير ضائري زعرى (3) لا يمنع المرء أن يسود وأن يضرب بالسيف - قلة الشعر * * * فأما قوله عليه السلام : " اللهم أبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بى شرا منى " ، ولا خير فيهم ولا شر فيه عليه السلام ، فإن " أفعل " هاهنا بمنزلته في قوله تعالى : (أ فمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة) (4) ، وبمنزلته في قوله : (قل أ ذلك خير أم جنة الخلد) (5) .


(1) سورة الصافات 171 - 173 (2) سورة الاعراف 14 ، 15 من يك ذا لمة يكشفها فإننى غير ضائري زعرى (3) لا يمنع المرء أن يسود وأن يضرب بالسيف - قلة الشعر * * * فأما قوله عليه السلام : " اللهم أبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بى شرا منى " ، ولا خير فيهم ولا شر فيه عليه السلام ، فإن " أفعل " هاهنا بمنزلته في قوله تعالى : (أ فمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة) (4) ، وبمنزلته في قوله : (قل أ ذلك خير أم جنة الخلد) (5) .

(1) سورة الصافات 171 - 173 (2) سورة الاعراف 14 ، 15 (3) الزعر : ذهاب أصول الشعر . (4) سورة فصلت 40 (5) سورة الفرقان 15 (*)

[ 348 ]

ويحتمل أن يكون الذى تمناه عليه السلام من إبداله بهم خيرا منهم قوما صالحين ينصرونه ويوفقون لطاعته . ويحتمل أن يريد بذلك ما بعد الموت من مرافقة النبي صلى الله عليه وآله . وقال القطب الراوندي : بنو فراس بن غنم هم الروم . وليس بجيد ، والصحيح ما ذكرناه . والبيت المتمثل به أخيرا لابي جندب الهذلى ، وأول الابيات : ألا يا أم زنباع أقيمي صدور العيس نحو بنى تميم * * * وهذه الخطبة ، خطب بها أمير المؤمنين عليه السلام بعد فراغه من صفين ، وانقضاء أمر الحكمين والخوارج ، وهى من أواخر خطبه عليه السلام . * * * تم الجزء الاول (1) من شرح نهج البلاغة بحمد الله ومنه ، والحمد لله وحده العزيز ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .


(1) من تجزئة المؤلف ، وهذه خاتمة نسخة ب ، وفى آخر نسخة ا : " هذا آخر الجزء الاول ، ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله " .

مكتبة شبكة أمل الثقافية