شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ج 20

شرح نهج البلاغة

ابن أبي الحديد ج 20


[ 1 ]

شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء العشرون دار احياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركاه

[ 2 ]

الطبعة الثانية (1967 م - 1387 ه‍) جميع الحقوق محفوظة منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل (409) الاصل : وقال عليه السلام : مقاربة الناس في أخلاقهم أمن من غوائلهم . الشرح : إلى هذا نظر المتنبي في قوله : وخله في جليس اتقيه بها كيما يرى إننا مثلان في الوهن (1) وكلمه في طريق خفت اعربها فيهتدى لى فلم أقدر على اللحن . وقال الشاعر : وما أنا إلا كالزمان إذا صحا صحوت وإن ماق الزمان أموق (2) وكان يقال : إذا نزلت على قوم فتشبه باخلاقهم ، فإن الانسان من حيث يوجد ، لا من حيث يولد . وفى الامثال القديمة : من دخل ظفار حمر . شاعر : أحامقه حتى يقال سجيه ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله


(1) ديوانه 4 : 212 . (2) لبشار ، الاغانى 3 : 225 . (*)

[ 4 ]

(410) الاصل : وقال عليه السلام لبعض مخاطبيه وقد تكلم بكلمة يستصغر مثله عن قول مثلها : لقد طرت شكيرا ، وهدرت سقبا . قال الشكير هاهنا : أول ما ينبت من ريش الطائر قبل أن يقوى ويستحصف . والسقب : الصغير من الابل ، ولا يهدر إلا بعد أن يستفحل . الشرح : هذا مثل قولهم : قد زبب قبل أن يحصرم . ومن أمثال العامة : يقرأ بالشواذ ، وما حفظ بعد جزء المفصل .

[ 5 ]

(411) وقال عليه السلام : من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل . الشرح : قيل في تفسيره : من استدل بالمتشابة من القرآن في التوحيد والعدل انكشفت حيلته ، فان علماء التوحيد قد أوضحوا تأويل ذلك . وقيل : من بنى عقيدة له مخصوصة على أمرين مختلفين : حق وباطل ، كان مبطلا . وقيل : من أومأ بطمعه وأمله إلى فائت قد مضى وانقضى لن تنفعه حيلة : أي لا يتبعن أحدكم امله ما قد فاته ، وهذا ضعيف لان المتفاوت في اللغة غير الفائت .

[ 6 ]

(412) الاصل : قال عليه السلام - وقد سئل عن معنى قولهم : لا حول ولا قوة إلا بالله : إنا لا نملك مع الله شيئا ، ولا نملك إلا ما ملكنا ، فمتى ملكنا ما هو أملك به منا كلفنا ، ومتى أخذه منا وضع تكليفه عنا . الشرح : معنى هذا الكلام إنه عليه السلام جعل الحول عبارة عن الملكية والتصرف ، وجعل القوة عبارة عن التكليف ، كأنه يقول لا تملك ولا تصرف إلا بالله ، ولا تكليف لامر من الامور إلا بالله ، فنحن لا نملك مع الله شيئا ، أي لا نستقل بأن نملك شيئا ، لانه لو لا إقداره إيانا وخلقته لنا أحياء لم نكن مالكين ولا متصرفين ، فإذا ملكنا شيئا هو أملك به - أي أقدر عليه منا - صرنا مالكين له كالمال مثلا حقيقة ، وكالعقل والجوارح والاعضاء مجازا ، وحينئذ يكون مكلفا لنا أمرا يتعلق بما ملكنا إياه ، نحو أن يكلفنا الزكاة عند تمليكنا المال ، ويكلفنا النظر عند تمليكنا العقل ، ويكلفنا الجهاد والصلاة والحج وغير ذلك عند تمليكنا الاعضاء والجوارح ، ومتى أخذ منا المال وضع عنا تكليف الزكاة ، ومتى أخذ العقل سقط تكليف النظر ، ومتى أخذ الاعضاء و الجوارح سقط تكليف الجهاد وما يجرى مجراه . هذا هو تفسير قوله عليه السلام ، فأما غيره فقد فسره بشئ آخر ، قال

[ 7 ]

أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام : فلا حول على الطاعة ولا قوة على ترك المعاصي إلا بالله ، وقال قوم - وهم المجبرة : لا فعل من الافعال إلا وهو صادر من الله ، وليس في اللفظ ما يدل ما ادعوا ، وإنما فيه أنه لا اقتدار إلا بالله ، وليس يلزم من نفى الاقتدار إلا بالله صدق قولنا : لا فعل من الافعال إلا وهو صادر عن الله ، والاولى في تفسير هذه اللفظة أن تحمل على ظاهرها ، وذلك أن الحول هو القوة ، والقوة هي الحول كلاهما مترادفان ، ولا ريب أن القدرة من الله تعالى ، فهو الذى أقدر المؤمن على الايمان ، والكافر على الكفر ، ولا يلزم من ذلك مخالفة القول بالعدل لان القدرة ليست موجبة . فإن قلت : فأى فائدة في ذكر ذلك وقد علم كل أحد أن الله تعالى خلق القدرة في جميع الحيوانات ؟ قلت : المراد بذلك الرد على من أثبت صانعا غير الله ، كالمجوس والثنوية ، فإنهم قالوا بالهين : أحدهما يخلق قدره الخير ، والاخر يخلق قدره الشر .

[ 8 ]

(413) الاصل : وقال عليه السلام لعمار بن ياسر رحمه الله تعالى وقد سمعه يراجع المغيرة بن شبعة كلاما : دعه يا عمار ، فإنه لن يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدنيا ، وعلى عمد لبس على نفسه ، ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته . الشرح : [ المغيرة بن شعبة ] أصحابنا غير متفقين على السكوت على المغيرة ، بل أكثر البغداديين يفسقونه ، ويقولون فيه ما يقال في الفاسق ، ولما جاء عروة بن مسعود الثقفى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عام الحديبية نظر إليه قائما على رأس رسول الله مقلدا سيفا ، فقيل : من هذا ؟ قيل : ابن أخيك المغيرة ، قال : وأنت هاهنا يا غدر ! والله إنى إلى الان ما غسلت سوأتك . وكان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح ، ولا إنابة ونية جميلة ، كان قد صحب قوما في بعض الطرق ، فاستغفلهم وهم نيام ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، وهرب خوفا أن يلحق فيقتل ، أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم ، فقدم المدينة فاظهر الاسلام ، وكان رسول الله

[ 9 ]

صلى الله عليه وآله لا يرد على أحد إسلامه ، أسلم عن عله أو عن اخلاص ، فامتنع بالاسلام ، واعتصم وحمى جانبه . ذكر حديثه أبو الفرج على بن الحسين الاصفهانى في كتاب الاغانى (1) ، قال : كان المغيرة يحدث حديث إسلامه ، قال : خرجت مع قوم من بنى مالك ونحن على دين الجاهلية إلى المقوقس ملك مصر ، فدخلنا إلى الاسكندرية ، وأهدينا للملك هدايا كانت معنا ، فكنت أهون اصحابي عليه ، وقبض هدايا القوم ، وأمر لهم بجوائز ، وفضل بعضهم على بعض ، وقصر بى فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له ، وخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لاهلهم وهم مسرورون ، ولم يعرض أحد منهم على مواساة ، فلما خرجوا حملوا معهم خمرا ، فكانوا يشربون منها ، فأشرب معهم ، ونفسي تابى أن تدعني معهم ، وقلت ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا وما حباهم به الملك ، ويخبرون قومي بتقصيره بى وازدرائه إياى ! فأجمعت على قتلهم ، فقلت : إنى أجد صداعا ، فوضعوا شرابهم ودعوني ، فقلت : رأسي يصدع ، ولكن اجلسوا فأسقيكم ، فلم ينكروا من أمرى شيئا ، فجلست أسقيهم وأشرب القدح بعد القدح ، فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب ، فجعلت أصرف لهم وأترع الكأس ، [ فيشربون ولا يدرون (2) ] فأهمدتهم الخمر حتى ناموا ، ما يعقلون ، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا ، وأخذت جميع ما كان معهم . وقدمت المدينة فوجدت النبي صلى الله عليه وآله بالمسجد وعنده أبو بكر - وكان بى عارفا - فلما رأني قال : ابن أخى عروة ؟ قلت : نعم ، قد جئت أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الحمد لله : فقال أبو بكر : من مصر أقبلت ؟ قلت : نعم ؟ قال : فما فعل المالكيون الذين كانوا معك ؟ قلت : كان


(1) الاغانى 16 : 80 - 82 (طبعة دار الكتب) مع اختلاف الرواية . (2) من الاغانى . (*)

[ 10 ]

بينى وبينهم بعض ما يكون بين العرب ، ونحن على دين الشرك ، فقتلتهم ، وأخذت أسلابهم ، وجئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليخمسها ، [ ويرى فيها رأيه (1) ] ، فإنها غنيمة من المشركين ، فقال رسول الله : أما إسلامك فقد قبلته ، ولا نأخذ من أموالهم شيئا ولا نخمسها ، لان هذا غدر ، والغدر لا خير فيه ، فأخذني ما قرب وما بعد ، فقلت يا رسول الله ، إنما قتلتهم وأنا على دين قومي ، ثم أسلمت حين دخلت إليك الساعة ، فقال عليه السلام : الاسلام يجب ما قبله . قال : وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنسانا ، واحتوى ما معهم ، فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف ، فتداعوا للقتال ، ثم اصطلحوا على أن حمل عمى عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية . قال : فذلك معنى قول عروة يوم الحديبية : (يا غدر ، أنا إلى الامس أغسل سوأتك ، فلا أستطيع ان أغسلها) ، فلهذا قال أصحابنا البغداديون : من كان إسلامه على هذا الوجه ، وكانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به ، من لعن على عليه السلام على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل ، وكان المتوسط من عمره الفسق والفجور وإعطاء البطن والفرج سؤالهما ، وممالاة الفاسقين ، وصرف الوقت إلى غير طاعة الله ، كيف نتولاه ! وأى عذر لنا في الامساك عنه ، والا نكشف للناس فسقه ! [ إيراد كلام لابي المعالى الجوينى في أمر الصحابة والرد عليه ] وحضرت عند النقيب أبى جعفر يحيى بن محمد العلوى البصري في سنة إحدى عشرة وستمائة ببغداد ، وعنده جماعة ، وأحدهم يقرأ في الاغانى لابي الفرج ، فمر ذكر المغيرة بن شعبة وخاض القوم ، فذمه بعضهم ، وأثنى عليه بعضهم ، وأمسك عنه آخرون ، فقال


(1) من الاغانى . (*)

[ 11 ]

بعض فقهاء الشيعة ممن كان يشتغل بطرف من علم الكلام على رأى الاشعري : الواجب الكف والامساك عن الصحابة ، وعما شجر بينهم ، فقد قال أبو المعالى الجوينى : ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك ، وقال : (إياكم وما شجر بين صحابتي) ، وقال : (دعوا لى أصحابي ، فلو أنفق احدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ، وقال : (أصحابي كالنجوم بإيهم اقتديتم اهتديتم) ، وقال : (خيركم القرن الذى أنا فيه ثم الذى يليه ، ثم الذى يليه ، ثم الذى يليه) ، وقد ورد في القرآن الثناء على الصحابة وعلى التابعين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ! وقد روى عن الحسن البصري إنه ذكر عنده الجمل وصفين فقال : تلك دماء طهر الله منها أسيافنا ، فلا نلطخ بها ألسنتنا . ثم إن تلك الاحوال قد غابت عنا وبعدت أخبارها على حقائقها ، فلا يليق بنا أن نخوض فيها ، ولو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب [ أن يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ومن المروءة ] (1) أن يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في عائشة زوجته ، وفي الزبير ابن عمته ، وفي طلحه الذى وقاه بيده . ثم ما الذى الزمنا وأوجب علينا أن نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه ! وأى ثواب في اللعنة والبراءة ! إن الله تعالى لا يقول يوم القيامة للمكلف : لم لم تلعن ؟ بل قد يقول له : لم لعنت ؟ ولو أن انسانا عاش عمره كله لم يلعن ابليس لم يكن عاصيا ولا آثما ، وإذا جعل الانسان عوض اللعنه استغفر الله كان خيرا له . ثم كيف يجوز للعامة أن تدخل أنفسها في أمور الخاصة ، وأولئك قوم كانوا أمراء هذه الامة وقادتها ، ونحن اليوم في طبقة سافلة جدا عنهم ، فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم ! أليس يقبح من الرعية أن تخوض في دقائق أمور الملك وأحواله وشئونه التى تجرى بينه وبين أهله وبنى عمه ونسائه وسراريه ! وقد كان


(1) تكملة من ا . (*)

[ 12 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله صهرا لمعاوية . وأخته أم حبيبة تحته ، فالادب أن تحفظ أم حبيبة وهى أم المؤمنين في أخيها . وكيف يجوز أن يلعن من جعل الله تعالى بينه وبين رسوله مودة ! أليس المفسرون كلهم قالوا : هذه الاية أنزلت في أبى سفيان وآله ، وهى قوله تعالى : (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) (1) ! فكان ذلك مصاهرة رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان وتزويجه ابنته . على أن جميع ما تنقله الشيعة من الاختلاف بينهم والمشاجرة لم يثبت ، وما كان القوم إلا كبنى أم واحده ولم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه قط ، ولا وقع بينهم اختلاف ولا نزاع . فقال أبو جعفر رحمه الله : قد كنت منذ أيام علقت بخطى كلاما وجدته لبعض الزيدية في هذا المعنى نقضا وردا على أبى المعالى الجوينى فيما اختاره لنفسه من هذا الرأى ، وأنا أخرجه إليكم لاستغنى بتأمله عن الحديث على ما قاله هذا الفقيه ، فإنى أجد ألما يمنعنى من الاطالة في الحديث ، لا سيما إذا خرج مخرج الجدل ومقاومة الخصوم ، ثم أخرج من بين كتبه كراسا قرأناه في ذلك المجلس واستحسنه الحاضرون ، وأنا أذكر هاهنا خلاصته . قال : لو لا إن الله تعالى أوجب معاداة اعدائه ، كما أوجب موالاة أوليائه ، وضيق على المسلمين تركها إذا دل العقل عليها ، أو صح الخبر عنها بقوله سبحانه : (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (2) ، وبقوله تعالى : (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) (3) 7 وبقوله سبحانه : (لا تتولوا قوما


(1) سورة الممتحنة 7 . (2) سورة المجادلة 22 . (3) سورة المائدة 81 . (*)

[ 13 ]

غضب الله عليهم) (1) ، ولاجماع المسلمين على إن الله تعالى فرض عداوة أعدائه ، وولاية اوليائه ، وعلى إن : البغض في الله واجب ، والحب في الله واجب - لما تعرضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين ، ولا البراءة منه ، ولكانت عداوتنا للقوم تكلفا . ولو ظننا إن الله عز وجل يعذرنا إذا قلنا : يا رب غاب أمرهم عنا ، فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى ، لاعتمدنا على هذا العذر ، وواليناهم ، ولكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا : إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم ، فلم يغب عن قلوبكم وأسماعكم ، قد أتتكم به الاخبار الصحيحة التى بمثلها ألزمتم أنفسكم الاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله وموالاة من صدقه ، ومعاداة من عصاه وجحده ، وأمرتم بتدبر القرآن وما جاء به الرسول ، فهلا حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الاية غدا : (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) (2) ! فأما لفظة اللعن فقد أمر الله تعالى بها وأوجبها ، ألا ترى إلى قوله : (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (3) ، فهو إخبار معناه الامر ، كقوله : (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثه قروء (4)) ، وقد لعن الله تعالى العاصين بقوله : (لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود (5)) ، وقوله : (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (6) ، وقوله : (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (7)) ، وقال الله تعالى لابليس : (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (8)) وقال : (إن الله لعن الكافرين وأعدلهم سعيرا (9)) .


(1) سورة الممتحنة 13 . (2) سورة الاحزاب 67 . (3) سورة البقرة 159 . (4) سورة البقرة 228 . (5) سورة المائدة 78 . (6) سورة الاحزاب 57 . (7) سورة الاحزاب 61 . (8) سورة ص 78 . (9) سورة الاحزاب 64 . (*)

[ 14 ]

فأما قول من يقول : (أي ثواب في اللعن ! وإن الله تعالى لا يقول للمكلف لم لم تلعن ؟ بل قد يقول له : لم لعنت ؟ وإنه لو جعل مكان لعن الله فلانا ، اللهم اغفر لى لكان خيرا له ، ولو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن أبليس لم يؤاخذ بذلك) ، فكلام جاهل لا يدرى ما يقول ، اللعن طاعة ، ويستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجهها ، وهو أن يلعن مستحق اللعن لله وفى الله ، لا في العصبية والهوى ، ألا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفى الولد ، ونطق بها القرآن ، وهو أن يقول الزوج في الخامسة : (إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (1)) فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة وإنه قد تعبدهم بها ، لما جعلها من معالم الشرع ، ولما كررها في كثير من كتابه العزيز ، ولما قال في حق القاتل : (وغضب الله عليه ولعنه (2)) ، وليس المراد من قوله : (ولعنه) إلا الامر لنا بأن نلعنه ، ولو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه ، لان الله تعالى قد لعنه ، أفيلعن الله تعالى إنسانا ولا يكون لنا أن نلعنه ! هذا ما لا يسوغ في العقل ، كما لا يجوز أن يمدح الله انسانا إلا ولنا أن نمدحه ، ولا يذمه إلا ولنا أن نذمه ، وقال تعالى : (هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله (3)) ، وقال : (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) (4) ، وقال عز وجل : (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا (5)) . وكيف يقول القائل : إن الله تعالى لا يقول للمكلف : لم لم تلعن ؟ ألا يعلم هذا القائل أن الله تعالى امر بولاية أوليائه ، وأمر بعداوة أعدائه ، فكما يسأل عن التولى يسأل عن التبرى ! ألا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بان يقال له : تلفظ بكلمة الشهادتين ، ثم قل : برئت


(1) سورة النور 7 . (2) سورة النساء 93 . (3) سورة المائدة 60 . (4) سورة الاحزاب 68 . (5) سورة المائدة 64 . (*)

[ 15 ]

من كل دين يخالف دين الاسلام ، فلا بد من البراءة ، لان بها يتم العمل ! ألم يسمع هذا القائل قول الشاعر : تود عدوى ثم تزعم إننى صديقك إن الرأى عنك لعازب فمودة العدو خروج عن ولاية الولى ، وإذا بطلت المودة لم يبق إلا البراءة ، لانه لا يجوز أن يكون الانسان في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى وعصاته بألا يودهم ولا يبرأ منهم باجماع المسلمين على نفى هذه الواسطة . واما قوله : (لو جعل عوض اللعنة استغفر الله لكان خيرا له) ، فإنه لو استغفر من غير ان يلعن أو يعتقد وجوب اللعن لما نفعه استغفاره ولا قبل منه ، لانه يكون عاصيا لله تعالى ، مخالفا أمره في إمساكه عمن أوجب الله تعالى عليه البراءة منه ، وإظهار البراءة ، والمصر على بعض المعاصي لا تقبل توبته واستغفاره عن البعض الاخر ، وأما من يعيش عمره ولا يلعن إبليس ، فان كان لا يعتقد وجوب لعنه فهو كافر ، وإن كان يعتقد وجوب لعنه ولا يلعنه فهو مخطئ ، على أن الفرق بينه وبين ترك لعنة رءوس الضلال في هذه الامة كمعاوية والمغيرة و امثالهما ، إن أحدا من المسلمين لا يورث عنده الامساك عن لعن ابليس شبهة في أمر ابليس ، والامساك عن لعن هؤلاء وإضرابهم يثير شبهة عند كثير من المسلمين في أمرهم ، وتجنب ما يورث الشبهة في الدين واجب ، فلهذا لم يكن الامساك عن لعن ابليس نظيرا للامساك عن امر هؤلاء . قال : ثم يقال للمخالفين : أرأيتم لو قال قائل : قد غاب عنا أمر يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف ، فليس ينبغى ان نخوض في قصتهما ، ولا ان نلعنهما ونعاديهما ونبرأ منهما ، هل كان هذا إلا كقولكم : قد غاب عنا أمر معاوية والمغيرة بن

[ 16 ]

شعبة وإضرابهما ، فليس لخوضنا في قصتهم معنى ! وبعد ، فكيف أدخلتم أيها العامة والحشوية وأهل الحديث انفسكم في أمر عثمان وخضتم فيه ، وقد غاب عنكم ! وبرئتم من قتلته ، ولعنتموهم ! وكيف لم تحفظوا أبا بكر الصديق في محمد ابنه فإنكم لعنتموه ، وفسقتموه ، ولا حفظتم عائشة أم المؤمنين في أخيها محمد المذكور ، ومنعتمونا أن نخوض وندخل أنفسنا في أمر على والحسن والحسين ومعاوية الظالم له ولهما ، المتغلب على حقه وحقوقهما ! وكيف صار لعن ظالم عثمان من السنة عندكم ، ولعن ظالم على والحسن والحسين تكلفا ! وكيف أدخلت العامة أنفسها في أمر عائشة وبرئت ممن نظر إليها ، ومن القائل لها : يا حميراء ، أو إنما هي حميراء ، ولعنته بكشفه سترها ، ومنعتنا نحن عن الحديث في أمر فاطمة وما جرى لها بعد وفاة أبيها . فان قلتم : إن بيت فاطمة إنما دخل ، وسترها إنما كشف ، حفظا لنظام الاسلام ، وكيلا ينتشر الامر ويخرج قوم من المسلمين أعناقهم من ربقه (1) الطاعة ولزوم الجماعة . قيل لكم : وكذلك ستر عائشة إنما كشف ، وهودجها إنما هتك ، لانها نشرت (2) حبل الطاعة ، وشقت عصا المسلمين ، وأراقت دماء المسلمين من قبل وصول على بن أبى طالب عليه السلام إلى البصرة ، وجرى لها مع عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة ومن كان معهما من المسلمين الصالحين من القتل وسفك الدماء ما تنطق به كتب التواريخ والسير ، فإذا جاز دخول بيت فاطمة لامر لم يقع بعد جاز كشف ستر عائشة على ما قد وقع وتحقق ، فكيف صار هتك ستر عائشة من الكبائر التى يجب معها التخليد في النار ،


(1) ربقة الطاعة : عروتها . (2) نشرت حبل الطاعة : أي قطعته . (*)

[ 17 ]

والبراءة من فاعله ، ومن أوكد عرى الايمان ، وصار كشف بيت فاطمة والدخول عليها منزلها وجمع حطب ببابها ، وتهددها بالتحريق من أوكد عرى الدين ، وأثبت دعائم الاسلام ، ومما أعز الله به المسلمين وأطفأ به نار الفتنة ، والحرمتان واحدة ، والستران واحد . وما نحب ان نقول لكم : إن حرمة فاطمة اعظم ، ومكانها أرفع ، وصيانتها لاجل رسول الله صلى الله عليه وآله أولى ، فإنها بضعة منه ، وجزء من لحمه ودمه ، وليست كالزوجة الاجنبية التى لا نسب بينها وبين الزوج ، وإنما هي وصلة مستعارة ، وعقد يجرى مجرى إجارة المنفعة ، وكما يملك رق الامة ، بالبيع و الشراء ولهذا قال الفرضيون : أسباب التوارث ثلاثة : سبب ونسب وولاء ، فالنسب القرابة ، والسبب النكاح ، والولاء : ولاء العتق فجعلوا النكاح خارجا عن النسب ، ولو كانت الزوجة ذات نسب لجعلوا الاقسام الثلاثة قسمين . وكيف تكون عائشة أو غيرها في منزلة فاطمة ، وقد أجمع المسلمون كلهم من يحبها ومن لا يحبها منهم إنها سيدة نساء العالمين ! قال : وكيف يلزمنا اليوم حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في زوجته ، وحفظ أم حبيبة في أخيها ، ولم تلزم الصحابة أنفسها حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل بيته ، ولا ألزمت الصحابة انفسها حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في صهره وابن عمه ابن عفان ، وقد قتلوهم ولعنوهم ، ولقد كان كثير من الصحابة يلعن عثمان وهو خليفة ، منهم عائشة كانت تقول : اقتلوا نعثلا ، لعن الله نعثلا ، ومنهم عبد الله بن مسعود ، وقد لعن معاوية على بن أبى طالب وابنيه حسنا وحسينا وهم أحياء يرزقون بالعراق ، وهو يلعنهم بالشام على المنابر ، ويقنت عليهم في الصلوات ، وقد لعن أبو بكر وعمر سعد بن عبادة وهو حى ، وبرئا منه ، وأخرجاه من المدينة إلى الشام ، ولعن عمر

[ 18 ]

خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة ، وما زال اللعن فاشيا في المسلمين إذا عرفوا من الانسان معصية تقتضي اللعن والبراءة . قال : ولو كان هذا أمرا معتبرا وهو أن يحفظ زيد لاجل عمرو فلا يلعن ، لوجب أن تحفظ الصحابة في اولادهم ، فلا يلعنوا لاجل آبائهم ، فكان يجب أن يحفظ سعد بن أبى وقاص فلا يلعن ابنه عمر بن سعد قاتل الحسين ، وأن يحفظ معاوية فلا يلعن يزيد صاحب وقعة الحرة وقاتل الحسين ، ومخيف المسجد الحرام بمكة ، وأن يحفظ عمر بن الخطاب في عبيد الله ابنه قاتل الهرمزان ، والمحارب عليا عليه السلام في صفين . قال على : إنه لو كان الامساك عن عداوة من عادى الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحابه ورعاية عهده وعقده لم نعادهم ولو ضربت رقابنا بالسيوف ، ولكن محبة رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه ليست كمحبة الجهال الذين يصنع احدهم محبته لصاحبه موضع العصبية ، وإنما أوجب الله رسول الله صلى الله عليه وآله محبة أصحابه لطاعتهم لله ، فإذا عصوا الله وتركوا ما أوجب محبتهم ، فليس عند رسول الله صلى الله عليه وآله محاباة في ترك لزوم ما كان عليه من محبتهم ، ولا تغطرس في العدول عن التمسك بموالاتهم ، فلقد كان صلى الله عليه وآله يحب ان يعادى أعداء الله ولو كانوا عترته ، كما يحب أن يوالى أولياء الله ولو كانوا أبعد الخلق نسبا منه ، والشاهد على ذلك إجماع الامة على ان الله تعالى قد أوجب عداوة من ارتد بعد الاسلام ، وعداوة من نافق وإن كان من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذى أمر بذلك ودعا إليه

[ 19 ]

وذلك أنه صلى الله عليه وآله قد أوجب قطع السارق وضرب القاذف ، وجلد البكر إذا زنى ، وإن كان من المهاجرين أو الانصار ، ألا ترى إنه قال : لو سرقت فاطمة لقطعتها ، فهذه ابنته ، الجارية مجرى نفسه ، لم يحابها في دين الله ، ولا راقبها في حدود الله ، وقد جلد أصحاب الافك ، ومنهم مسطح بن أثاثة ، وكان من أهل بدر . قال : وبعد ، فلو كان محل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله محل من لا يعادى إذا عصى الله سبحانه ولا يذكر بالقبيح ، بل يجب أن يراقب لاجل اسم الصحبة ، ويغضى عن عيوبه وذنوبه ، لكان كذلك صاحب موسى المسطور ثناؤه في القرآن لما اتبع هواه ، فانسلخ مما أوتى من الايات وغوى ، قال سبحانه : (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين) (1) ، ولكان ينبغى أن يكون محل عبدة العجل من أصحاب موسى هذا المحل ، لان هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولا جليلا من رسل الله سبحانه . قال : ولو كانت الصحابة عند أنفسها بهذه المنزلة ، لعلمت ذلك من حال أنفسها ، لانهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا ، وإذا قدرت افعال بعضهم ببعض دلتك على إن القصة كانت على خلاف ما قد سبق إلى قلوب الناس اليوم ، هذا على وعمار ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وخزيمة بن ثابت ، وجميع من كان مع على عليه السلام من المهاجرين والانصار ، لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة والزبير حتى فعلوا بهما وبمن معهما ما يفعل بالشراة في عصرنا ، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن على ، حتى قصدوا له كما يقصد للمتغلبين في زماننا ، وهذا معاوية وعمرو لم يريا


(1) سورة الاعراف 175 . (*)

[ 20 ]

عليا بالعين التى يرى بها العامي صديقه أو جاره ، ولم يقصرا دون ضرب وجهه بالسيف ولعنه ولعن أولاده وكل من كان حيا من أهله ، وقتل أصحابه ، وقد لعنهما هو أيضا في الصلوات المفروضات ، ولعن معهما أبا الاعور السلمى ، وأبا موسى الاشعري ، وكلاهما من الصحابة ، وهذا سعد بن أبى وقاص ، ومحمد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وعبد الله بن عمر ، وحسان بن ثابت ، وأنس بن مالك ، لم يروا أن يقلدوا عليا في حرب طلحة ، ولا طلحة في حرب على ، وطلحة والزبير باجماع المسلمين أفضل من هؤلاء المعدودين ، لانهم زعموا أنهم قد خافوا أن يكون على قد غلط وزل في حربهما ، وخافوا ان يكونا قد غلطا وزلا في حرب على ، وهذا عثمان قد نفى أبا ذر إلى الربذة كما يفعل بإهل الخنا والريب ، وهذا عمار وابن مسعود تلقيا عثمان بما تلقياه به لما ظهر لهما - بزعمهما - منه ما وعظاه لاجله ، ثم فعل بهما عثمان ما تناهى إليكم ، ثم فعل القوم بعثمان ما قد علمتم وعلم الناس كلهم ، وهذا عمر يقول في قصة الزبير بن العوام لما استأذنه في الغزو : ها إنى ممسك بباب هذا الشعب أن يتفرق اصحاب محمد في الناس فيضلوهم ، وزعم إنه وأبو بكر كانا يقولان : إن عليا والعباس في قصة الميراث زعماهما كاذبين ظالمين فاجرين ، وما رأينا عليا والعباس اعتذرا ولا تنصلا ، ولا نقل أحد من أصحاب الحديث ذلك ، ولا رأينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله انكروا عليهما ما حكاه عمر عنهما ، ونسبه إليهما ، ولا أنكروا أيضا على عمر قوله في اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : انهم يريدون اضلال الناس ويهمون به ، ولا أنكروا على عثمان دوس بطن عمار ، ولا كسر ضلع ابن مسعود ، ولا على عمار وابن مسعود ما تلقيا به عثمان ، كإنكار العامة اليوم الخوض في حديث الصحابة ، ولا اعتقدت الصحابة في انفسها ما يعتقده العامة فيها ، اللهم إلا أن يزعموا إنهم أعرف بحق القوم منهم . وهذا على

[ 21 ]

وفاطمة والعباس ما زالوا على كلمة واحدة يكذبون الرواية : (نحن معاشر الانبياء لا نورث) ، ويقولون ، إنها مختلقة . قالوا وكيف كان النبي صلى الله عليه وآله يعرف هذا الحكم غيرنا و يكتمه عنا ونحن الورثة ، ونحن أولى الناس بأن يؤدى هذا الحكم إليه ، وهذا عمر بن الخطاب يشهد لاهل الشورى إنهم النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض ، ثم يأمر بضرب إعناقهم إن أخروا فصل حال الامامة ، هذا بعد أن ثلبهم ، وقال في حقهم ما لو سمعته العامة اليوم من قائل لوضعت ثوبه في عنقه سحبا إلى السلطان ، ثم شهدت عليه بالرفض واستحلت دمه ، فإن كان الطعن على بعض الصحابة رفضا فعمر بن الخطاب أرفض الناس وإمام الروافض كلهم . ثم ما شاع واشتهر من قول عمر : كانت بيعة أبى بكر فلتة ، وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ، وهذا طعن في العقد ، وقدح في البيعة الاصلية . ثم ما نقل عنه من ذكر أبى بكر في صلاته ، وقوله عن عبد الرحمن ابنه : دويبة سوء ولهو خير من أبيه . ثم عمر القائل في سعد بن عبادة ، وهو رئيس الانصار وسيدها : اقتلوا سعدا ، قتل الله سعدا ، اقتلوه فانه منافق . وقد شتم أبا هريرة وطعن في روايته ، وشتم خالد بن الوليد وطعن في دينه ، وحكم بفسقه وبوجوب قتله ، وخون عمرو بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان ونسبهما إلى سرقة مال الفئ واقتطاعه ، وكان سريعا الى المساءة ، كثير الجبة والشتم والسب لكل احد ، وقل أن يكون في الصحابة من سلم من معرة لسانه أو يده ، ولذلك أبغضوه وملوا أيامه مع كثرة الفتوح فيها ، فهلا احترم عمر الصحابة كما تحترمهم العامة ! إما أن يكون عمر مخطئا ، وإما أن تكون العامة على الخطأ !

[ 22 ]

فإن قالوا عمر ما شتم ولا ضرب ، ولا أساء إلا إلى عاص مستحق لذلك ، قيل لهم : فكأنا نحن نقول : إنا نريد أن نبرأ ونعادى من لا يستحق البراءة والمعاداة ! كلا ما قلنا هذا ، ولا يقول هذا مسلم ولا عاقل . وإنما غرضنا الذى إليه نجرى بكلامنا هذا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس ، وعليهم ما عليهم ، من أساء منهم ذممناه ، ومن أحسن منهم حمدناه ، وليس لهم على غيرهم من المسلمين كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير ، بل ربما كانت ذنوبهم افحش من ذنوب غيرهم ، لانهم شاهدوا الاعلام والمعجزات ، فقربت اعتقاداتهم من الضرورة ، ونحن لم نشاهد ذلك ، فكانت عقائدنا محض النظر والفكر ، وبعرضيه الشبه والشكوك ، فمعاصينا أخف لانا أعذر . ثم نعود إلى ما كنا فيه فنقول : وهذه عائشة أم المؤمنين ، خرجت بقميص رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت للناس : هذا قميص رسول الله لم يبل ، وعثمان قد أبلى سنته ، ثم تقول : اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا ، ثم لم ترض بذلك حتى قالت : أشهد أن عثمان جيفة على الصراط غدا . فمن الناس من يقول روت في ذلك خبرا ، ومن الناس من يقول هو موقوف عليها ، وبدون هذا لو قاله إنسان اليوم يكون عند العامة زنديقا . ثم قد حصر عثمان ، حصرته أعيان الصحابة ، فما كان أحد ينكر ذلك ، ولا يعظمه ولا يسعى في إزالته ، وإنما أنكروا على من أنكر على المحاصرين له ، وهو رجل كما علمتم من وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم من أشرافهم ، ثم هو أقرب إليه من أبى بكر وعمر ، وهو مع ذلك إمام المسلمين ، والمختار منهم للخلافة ، وللامام حق على رعيته عظيم ، فإن كان القوم قد أصابوا فإذن ليست الصحابة في الموضع الذى وضعتها به العامة ، وإن كانوا ما أصابوا فهذا هو الذى نقول ، من أن الخطأ جائز على

[ 23 ]

آحاد الصحابة ، كما يجوز على آحادنا اليوم . ولسنا نقدح في الاجماع ، ولا ندعى إجماعا حقيقيا على قتل عثمان ، وإنما نقول : إن كثيرا من المسلمين فعلوا ذلك والخصم يسلم إن ذلك كان خطأ ومعصية ، فقد سلم أن الصحابي يجوز ان يخطئ ويعصى ، وهو المطلوب . وهذا المغيرة بن شعبة وهو من الصحابة ، ادعى عليه الزنا ، وشهد عليه قوم بذلك ، فلم ينكر ذلك عمر ، ولا قال : هذا محال وباطل لان هذا صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله لا يجوز عليه الزنا . وهلا أنكر عمر على الشهود وقال لهم ويحكم هلا تغافلتم عنه لما رأيتموه يفعل ذلك ، فان الله تعالى قد أوجب الامساك عن مساوئ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأوجب الستر عليهم ! وهلا تركتموه لرسول الله صلى الله عليه وآله في قوله : (دعوا لى أصحابي) ! ما رأينا عمر إلا قد انتصب لسماع الدعوى ، وإقامه الشهادة ، وأقبل يقول للمغيرة : يا مغيرة ، ذهب ربعك ، يا مغيرة ، ذهب نصفك ، يا مغيرة ، ذهب ثلاثة أرباعك ، حتى اضطرب الرابع ، فجلد الثلاثة . وهلا قال المغيرة لعمر : كيف تسمع في قول هؤلاء ، وليسوا من الصحابة ، وأنا من الصحابة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله قد قال : (أصحابي كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم) ! ما رأيناه قال ذلك ، بل استسلم لحكم الله تعالى . وهاهنا من هو أمثل من المغيرة وأفضل ، قدامة بن مظعون ، لما شرب الخمر في أيام عمر ، فأقام عليه الحد ، وهو رجل من علية الصحابة ، ومن أهل بدر ، والمشهود لهم بالجنة ، فلم يرد عمر الشهادة ، ولا درأ عنه الحد لعله إنه بدرى ، ولا قال : قد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذكر مساوئ الصحابة . وقد ضرب عمر أيضا ابنه حدا فمات ، وكان ممن عاصر رسول الله صلى الله عليه وآله ولم تمنع معاصرته له من إقامة الحد عليه . وهذا على عليه السلام يقول ما حدثنى أحد بحديث عن رسول الله صلى الله عليه

[ 24 ]

وآله إلا استحلفته عليه ، أليس هذا اتهاما لهم بالكذب ! وما استثنى أحدا من المسلمين إلا أبا بكر على ما ورد في الخبر ، وقد صرح غير مرة بتكذيب أبى هريرة ، وقال : لا أحد أكذب من هذا الدوسى على رسول الله صلى الله عليه وآله . وقال أبو بكر في مرضه الذى مات فيه : وددت إنى لم أكشف بيت فاطمة ولو كان أغلق على حرب ، فندم والندم لا يكون إلا عن ذنب . ثم ينبغى للعاقل أن يفكر في تأخر على عليه السلام عن بيعه أبى بكر ستة أشهر إلى إن ماتت فاطمة ، فإن كان مصيبا فأبو بكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة ، وإن كان أبو بكر مصيبا فعلى على الخطأ في تأخره عن البيعة وحضور المسجد ، ثم قال أبو بكر في مرض موته أيضا للصحابة : فلما استخلفت عليكم خيركم في نفسي - يعنى عمر - فكلكم ورم لذلك أنفه يريد ان يكون الامر له ، لما رأيتم الدنيا قد جاءت ، أما والله لتتخذن ستائر الديباج ونضائد الحرير (1) . إليس هذا طعنا في الصحابة ، وتصريحا بأنه قد نسبهم إلى الحسد لعمر ، لما نص عليه بالعهد ! ولقد قال له طلحة لما ذكر عمر للامر : ماذا تقول لربك إذا سألك عن عباده ، وقد وليت عليهم فظا غليظا ! فقال أبو بكر : أجلسوني أجلسوني ، بالله تخوفنى ! إذا سألني قلت : وليت عليهم خير أهلك ، ثم شتمه بكلام كثير منقول ، فهل قول طلحة إلا طعن في عمر ، وهل قول أبى بكر إلا طعن في طلحة ! ثم الذى كان بين أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود من السباب حتى نفى كل واحد منهما الاخر عن أبيه وكلمه أبى بن كعب مشهورة منقولة : ما زالت هذه الامة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم ، وقوله : ألا هلك أهل العقيدة ، والله ما آسى عليهم إنما آسى على من يضلون من الناس .


(1) الكامل للمبرد 1 : 7 . (*)

[ 25 ]

ثم قول عبد الرحمن بن عوف : ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لى عثمان : يا منافق ، وقوله : لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما وليت عثمان شسع نعلي (1) ، وقوله : اللهم إن عثمان قد أبى أن يقيم كتابك فافعل به وافعل . وقال عثمان لعلى عليه السلام في كلام دار بينهما ، أبو بكر وعمر خير منك ، فقال على : كذبت ، أنا خير منك ومنهما ، عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما . وروى سفيان بن عينية عن عمرو بن دينار ، قال : كنت عند عروة بن الزبير ، فتذاكرنا كم أقام النبي بمكة بعد الوحى ؟ فقال عروة أقام عشرا ، فقلت كان ابن عباس يقول : ثلاث عشرة ، فقال : كذب ابن عباس . وقال ابن عباس : المتعة (2) حلال ، فقال له جبير بن مطعم : كان عمر ينهى عنها ، فقال : يا عدى نفسه ، من هاهنا ضللتم ، احدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتحدثني عن عمر ! وجاء في الخبر عن على عليه السلام ، لو لا ما فعل عمر بن الخطاب في المتعة ما زنى إلا شقى ، وقيل : ما زنى إلا شفا ، أي قليلا . فأما سبب بعضهم بعضا وقدح بعضهم في بعض في المسائل الفقهية فأكثر من أن يحصى ، مثل قول ابن عباس وهو يرد على زيد مذهبه القول في الفرائض : إن شاء - أو قال : من شاء - باهلته (3) إن الذى أحصى رمل عالج (4) عددا اعدل من أن يجعل في مال نصفا ونصفا وثلثا ، هذان النصفان قد ذهبا بالمال ، فأين موضع الثلث !


(1) الشسع : قبال النعل . (2) نكاح المتعة ، هو أن يتزوج الرجل المرأة يستمتع بها أياما ثم يتركها . (3) باهل القوم بعضهم بعضا وابتهلوا : تلاعنوا . (4) عالج : موضع به رمل ، معروف . (*)

[ 26 ]

ومثل قول أبى بن كعب في القرآن : لقد قرأت القرآن وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب . وقال على عليه السلام في أمهات الاولاد وهو على المنبر : كان رأيى ورأى عمر ألا يبعن ، وأنا أرى الان بيعهن ، فقام إليه عبيدة السلمانى ، فقال : رأيك في الجماعة (1) أحب إلينا من رأيك في الفرقة . وكان أبو بكر يرى التسوية في قسم الغنائم ، وخالفه عمر وأنكر فعله . وانكرت عائشة على أبى سلمه بن عبد الرحمن خلافه على ابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها وهى حامل ، وقالت : فروج يصقع (2) مع الديكة . وأنكرت الصحابة على ابن عباس قوله في الصرف ، وسفهوا رأيه حتى قيل : إنه تاب من ذلك عند موته . واختلفوا في حد شارب الخمر حتى خطا بعضهم بعضا . وروى بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال : الشؤم في ثلاثة : المرأة والدار ، والفرس ، فأنكرت عائشة ذلك ، وكذبت الراوى وقالت : إنه إنما قال عليه السلام ذلك حكاية عن غيره . وروى بعض الصحابة عنه عليه السلام إنه قال : التاجر فاجر ، فأنكرت عائشة ذلك ، وكذبت الراوى وقالت : إنما قاله عليه السلام في تاجر دلس . وأنكر قوم من الانصار رواية أبى بكر : (الائمة من قريش) ، ونسبوه إلى افتعال هذه الكلمة .


(1) ب : (لجماعة) . (2) صقع الديك صقعا : صاح . (*)

[ 27 ]

وكان أبو بكر يقضى بالقضاء فينقضه عليه أصاغر الصحابة كبلال وصهيب ونحوهما . قد روى ذلك في عدة قضايا . وقيل لابن عباس : إن عبد الله بن الزبير يزعم إن موسى صاحب الخضر ليس موسى بنى إسرائيل ، فقال : كذب عدو الله ، أخبرني أبى بن كعب ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر كذا ، بكلام يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بنى اسرائيل . وباع معاوية أواني ذهب وفضة بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عن ذلك ، فقال معاوية : أما أنا فلا أرى به بأسا ، فقال أبو الدرداء : من عذيري من معاوية ! أخبره عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يخبرني عن رأيه ! والله لا أساكنك بارض ابدا . وطعن ابن عباس في أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخلن يده في الاناء حتى يتوضا) ، وقال : فما نصنع بالمهراس (1) ! وقال على عليه السلام لعمر وقد أفتاه الصحابة في مسألة وأجمعوا عليها : إن كانوا راقبوك فقد غشوك ، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا . وقال ابن عباس : ألا يتقى الله زيد بن ثابت ، يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أب الاب أبا . وقالت عائشة : اخبروا زيد بن أرقم إنه قد أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .


(1) المهراس : إناء مستطيل منقور يتوضأ فيه . (*)

[ 28 ]

وأنكرت الصحابة على أبى موسى قوله : إن النوم لا ينقض الوضوء ، ونسبته إلى الغفلة وقلة التحصيل ، وكذلك أنكرت على أبى طلحة الانصاري قوله : إن أكل البرد لا يفطر الصائم ، وهزئت به ونسبته إلى الجهل . وسمع عمر عبد الله بن مسعود وابى بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد ، فصعد المنبر وقال : إذا اختلف اثنان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أي فتياكم يصدر المسلمون ! لا أسمع رجلين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت . وقال جرير بن كليب : رأيت عمر ينهى عن المتعة ، وعلى عليه السلام يأمر بها ، فقلت : إن بينكما لشرا ، فقال على عليه السلام : ليس بيننا إلا الخير ، ولكن خيرنا اتبعنا لهذا الدين . قال هذا المتكلم : وكيف يصح ان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم) ، لا شبهة أن هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى ، وأن يكون أهل العراق أيضا على هدى ، وأن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتديا ، . قد صح الخبر الصحيح أنه قال له : (تقتلك الفئة الباغية) ، وقال في القرآن : (فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله) ، فدل على أنها ما دامت موصوفة بالمقام على البغى ، مفارقة لامر الله ، ومن يفارق أمر الله لا يكون مهتديا . وكان يجب أن يكون بسر بن أبى أرطاة الذى ذبح ولدى عبد الله بن عباس الصغيرين مهتديا ، لان بسرا من الصحابة أيضا ، . كان يجب أن يكون عمرو بن العاص ومعاوية اللذان كانا يلعنان عليا أدبار الصلاة وولديه مهتدين ، وقد كان في الصحابة من يزنى ومن يشرب الخمر كأبى محجن الثقفى ، ومن يرتد عن الاسلام كطليحة ابن خويلد ، فيجب أن يكون كل من اقتدى بهؤلاء في أفعالهم مهديا .

[ 29 ]

قال : وإنما هذا من موضوعات متعصبة الاموية ، فإن لهم من ينصرهم بلسانه ، وبوضعه الاحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف . وكذا القول في الحديث الاخر ، وهو قوله : (القرن الذى أنا فيه) ، ومما يدل على بطلانه إن القرن الذى جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا ، وهو أحد القرون التى ذكرها في النص ، وكان ذلك القرن هو القرن الذى قتل فيه الحسين ، وأوقع بالمدينة ، وحوصرت مكة ، ونقضت الكعبة ، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه والمنتصبون في منصب النبوة الخمور ، وارتكبوا الفجور ، كما جرى ليزيد بن معاوية وليزيد بن عاتكة وللوليد بن يزيد ، وأريقت الدماء الحرام ، وقتل المسلمون ، وسبى الحريم ، واستعبد أبناء المهاجرين والانصار ، ونقش على أيديهم كما ينقش على أيدى الروم ، وذلك في خلافة عبد الملك وإمرة الحجاج . وإذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرا كلها لا خير فيها ، ولا في رؤسائها وأمرائها ، والناس برؤوسائهم وامرائهم ، والقرن خمسون سنة ، فكيف يصح هذا الخبر . قال : فأما ما ورد في القرآن من قوله تعالى : (لقد رضى الله عن المؤمنين) (1) . وقوله : (محمد رسول الله والذين معه) (2) . وقول النبي صلى الله عليه وآله إن الله اطلع على أهل بدر ، إن كان الخبر صحيحا فكله مشروط بسلامة العاقبة ، ولا يجوز أن يخبر الحكيم مكلفا غير معصوم بإنه لا عقاب عليه ، فليفعل ما شاء . قال هذا المتكلم : ومن أنصف وتأمل أحوال الصحابة وجدهم مثلنا ، يجوز عليهم ما يجوز علينا ، ولا فرق بيننا وبينهم إلا بالصحبة لا غير ، فإن لها منزلة وشرفا ،


(1) سورة الفتح 18 . (2) سورة الفتح 29 . (*)

[ 30 ]

ولكن لا إلى حد يمتنع على كل من رأى الرسول أو صحبه يوما أو شهرا أو أكثر من ذلك أن يخطئ ويزل ، ولو كان هذا صحيحا ما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من السماء ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وآله من أول يوم يعلم كذب أهل الافك ، لانها زوجته ، وصحبتها له آكد من صحبة غيرها . وصفوان بن المعطل أيضا كان من الصحابة ، فكان ينبغى ألا يضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وآله : ولا يحمل ذلك الهم والغم الشديدين اللذين حملهما ويقول صفوان من الصحابة ، وعائشة من الصحابة ، والمعصية عليهما ممتنعة . وأمثال هذا كثير وأكثر من الكثير ، لمن أراد أن يستقرئ أحوال القوم ، وقد كان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك ، ويقولون في العصاة منهم مثل هذا القول ، وإنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك . قال : ومن الذى يجترئ على القول بأن أصحاب محمد لا تجوز البراءة من أحد منهم وإن أساء وعصى بعد قول الله تعالى للذى شرفوا برؤيته : (لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (1) بعد قوله : (قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم) (1) وبعد قوله : (فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد) (2) ، إلا من لا فهم له ولا نظر معه ، ولا تمييز عنده . قال : ومن أحب أن ينظر إلى اختلاف الصحابة ، وطعن بعضهم في بعض ورد بعضهم على بعض ، وما رد به التابعون عليهم واعترضوا به أقوالهم ، واختلاف التابعين أيضا فيما بينهم ، وقدح بعضهم في بعض ، فلينظر في كتاب النظام ، قال الجاحظ : كان النظام


(1) سورة الزمر 65 . (2) سورة ص 26 . (*)

[ 31 ]

أشد الناس إنكارا على الرافضة ، لطعنهم على الصحابة ، حتى إذا ذكر الفتيا وتنقل الصحابة فيها ، وقضاياهم بالامور المختلفة ، وقول من استعمل الرأى في دين الله ، انتظم مطاعن أعن الرافضة وغيرها ، وزاد عليها ، وقال في الصحابة أضعاف قولها . قال : وقال بعض رؤساء المعتزلة : غلط أبى حنيفة في الاحكام عظيم ، لانه أضل خلقا وغلط حماد (1) أعظم من غلط أبى حنيفة ، لان حمادا أصل أبى حنيفة الذى منه تفرع ، وغلط إبراهيم أغلظ وأعظم من غلط حماد ، لانه أصل حماد وغلط علقمة (2) والاسود (3) اعظم من غلط إبراهيم ، لانهما أصله الذى عليه اعتمد ، وغلط ابن مسعود أعظم من غلط هؤلاء جميعا ، لانه أول من بدر إلى وضع الاديان برأيه ، وهو الذى قال : أقول فيها برأيى ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمنى . قال : واستأذن اصحاب الحديث على ثمامة (4) بخراسان حيث كان مع الرشيد بن المهدى ، فسألوه كتابه الذى صنفه على أبى حنيفة في اجتهاد الرأى ، فقال : لست على أبى حنيفة كتبت ذلك الكتاب ، وإنما كتبته على علقمة والاسود وعبد الله بن مسعود لانهم الذين قالوا بالرأى قبل أبى حنيفة . قال : وكان بعض المعتزلة أيضا إذا ذكر ابن عباس استصغره وقال : صاحب الذؤابة يقول في دين الله برأيه . وذكر الجاحظ في كتابه المعروف (بكتاب التوحيد) إن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : ولم يكن على عليه السلام يوثقه في الرواية ، بل يتهمه ، ويقدح فيه ، وكذلك عمر وعائشة .


(1) حماد هو حماد بن أبى سليمان . (2) علقمة بن قيس . (3) الاسود بن يزيد . (4) ثمامة بت أشرس . (*)

[ 32 ]

وكان الجاحظ يفسق عمر بن عبد العزيز ويستهزئ به ويكفره ، وعمر بن العزيز وإن لم يكن من الصحابة فأكثر العامة يرى له من الفضل ما يراه لواحد من الصحابة . وكيف يجوز أن نحكم حكما جزما إن كل واحد من الصحابة عدل ، ومن جملة الصحابة الحكم بن أبى العاص ! وكفاك به عدوا مبغضا لرسول الله صلى الله عليه وآله ! ومن الصحابة الوليد بن عقبه الفاسق بنص الكتاب ، ومنهم حبيب بن مسلمة الذى فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية ، وبشر بن أبى أرطاة عدو الله وعدو رسوله ، وفى الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس . وقال كثير من المسلمين : مات رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يعرفه الله سبحانه كل المنافقين بأعيانهم ، وإنما كان يعرف قوما منهم ، ولم يعلم بهم أحدا إلا حذيفة فيما زعموا ، فكيف يجوز أن نحكم حكما جزما إن كل واحد ممن صحب رسول الله أو رآه أو عاصره عدل مأمون ، لا يقع منه خطأ ولا معصية ، ومن الذى يمكنه أن يتحجر واسعا كهذا التحجر ، أو يحكم هذا الحكم ! قال : والعجب من الحشوية وأصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الانبياء ، ويثبتون إنهم عصوا الله تعالى ، وينكرون على من ينكر ذلك ، ويطعنون فيه ، ويقولون : قدري معتزلي ، وربما قالوا ملحد مخالف لنص الكتاب ، وقد رأينا منهم الواحد والمائة والالف يجادل في هذا الباب ، فتارة يقولون : إن يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة ، وتارة يقولون : إن داود قتل أوريا لينكح امرأته ، وتارة يقولون : إن رسول الله كان كافرا ضالا قبل النبوة ، وربما ذكروا زينب بنت جحش وقصة الفداء يوم بدر . فأما قدحهم في آدم عليه السلام ، وإثباتهم معصيته ومناظرتهم من يذكر ذلك

[ 33 ]

فهو دأبهم وديدنهم ، فإذا تكلم واحد في عمرو بن العاص أو في معاوية وأمثالهما ونسبهم إلى المعصية وفعل القبيح ، احمرت وجوههم ، وطالت أعناقهم ، وتخازرت أعينهم ، وقالوا مبتدع رافضي ، يسب الصحابة ، ويشتم السلف ، فإن قالوا إنما اتبعنا في ذكر معاصي الانبياء نصوص الكتاب ، قيل لهم فاتبعوا في البراءة من جميع العصاة نصوص الكتاب ، فإنه تعالى قال : (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله) (1) ، وقال : (فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله) (2) ، وقال : (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم) (3) . ثم يسألون عن بيعة على عليه السلام : هل هي صحيحة لازمة لكل الناس ؟ فلا بد من (بلى) ، فيقال لهم : فإذا خرج على الامام الحق خارج أليس يجب على المسلمين قتاله حتى يعود إلى الطاعة ؟ فهل يكون هذا القتال إلا البراءة التى نذكرها لانه لا فرق بين الامرين ، وإنما برئنا منهم لانا لسنا في زمانهم ، فيمكننا أن نقاتل بأيدينا ، فقصارى أمرنا الان أن نبرأ منهم ونلعنهم ، وليكون ذلك عوضا عن القتال الذى لا سبيل لنا إليه . قال هذا المتكلم : على أن النظام وأصحابه ذهبوا إلى إنه لا حجة في الاجماع ، وإنه يجوز أن تجتمع الامة على الخطأ والمعصية ، وعلى الفسق بل على الردة ، وله كتاب موضوع في الاجماع يطعن فيه في أدلة الفقهاء ، ويقول إنها الفاظ غير صريحة في كون الاجماع حجة ، نحو قوله : (جعلناكم أمة وسطا) (4) وقوله : (كنتم خير أمة) (5) وقوله : (ويتبع غير سبيل المؤمنين) (6) .


(1) سورة المجادلة 5 . (2) سورة الحجرات 9 . (3) سورة النساء 59 . (4) سورة البقرة 143 . (5) سورة آل عمران 110 . (6) سورة النساء 115 . (*)

[ 34 ]

وأما الخبر الذى صورته : (لا تجتمع أمتى على الخطأ) ، فخبر واحد ، وأمثل دليل للفقهاء قولهم : إن الهمم المختلفة ، والاراء المتباينة ، إذا كان أربابها كثيرة عظيمة ، فإنه يستحيل اجتماعهم على الخطأ ، وهذا باطل باليهود والنصارى وغيرهم من فرق الضلال . هذه خلاصة ما كان النقيب أبو جعفر ، علقه بخطه من الجزء الذى أقرأناه . ونحن نقول : أما إجماع المسلمين فحجة ، ولسنا نرتضى ما ذكره عنا من إنه أمثل دليل لنا إن الهمم المختلفة ، والاراء المتباينة ، يستحيل ان تتفق على غير الصواب ، ومن نظر في كتبنا الاصولية علم وثاقة أدلتنا على صحة الاجماع وكونه صوابا ، وحجة تحريم مخالفته ، وقد تكلمت في اعتبار الذريعة للمرتضى على ما طعن به المرتضى في أدلة الاجماع . وأما ما ذكره من الهجوم على دار فاطمة وجمع الحطب لتحريقها فهو خبر واحد غير موثوق به ، ولا معول عليه في حق الصحابة ، بل ولا في حق أحد من المسلمين ممن ظهرت عدالته . وأما عائشة والزبير وطلحة فمذهبنا إنهم اخطئوا ، ثم تابوا ، وإنهم من أهل الجنة ، وإن عليا عليه السلام شهد لهم بالجنة بعد حرب الجمل . وأما طعن الصحابة بعضهم في بعض ، فإن الخلاف الذى كان بينهم في مسائل الاجتهاد لا يوجب إثما ، لان كل مجتهد مصيب ، وهذا أمر مذكور في كتب أصول الفقه وما كان من الخلاف خارجا عن ذلك فالكثير من الاخبار الواردة فيه غير موثوق بها وما جاء من جهة صحيحة نظر فيه ورجح جانب أحد الصحابيين على قدر منزلته في الاسلام كما يروى عن عمر وأبى هريرة .

[ 35 ]

فأما على عليه السلام فإنه عندنا بمنزلة الرسول صلى الله عليه وآله في تصويب قوله ، والاحتجاج بفعله ، ووجوب طاعته ، ومتى صح عنه إنه قد برئ من أحد من الناس برئنا منه كائنا من كان ، ولكن الشأن في تصحيح ما يروى عنه عليه السلام ، فقد أكثر الكذب عليه ، وولدت العصبية أحاديث لا اصل لها . فأما براءته عليه السلام من المغيرة وعمرو بن العاص ومعاوية ، فهو عندنا معلوم جار مجرى الاخبار المتواترة ، فلذلك لا يتولاهم أصحابنا ، ولا يثنون عليهم ، وهم عند المعتزلة في مقام غير محمود ، وحاش لله ان يكون عليه السلام ذكر من سلف من شيوخ المهاجرين الا بالجميل و الذكر الحسن بموجب ما تقتضيه رئاسته في الدين ، وإخلاصه في طاعة رب العالمين ، ومن أحب تتبع ما روى عنه مما يوهم في الظاهر خلاف ذلك فليراجع هذا الكتاب ، أعنى شرح نهج البلاغة ، فإنا لم نترك موضعا يوهم خلاف مذهبنا إلا وأوضحناه و فسرناه على وجه يوافق الحق ، وبالله التوفيق . [ عمار بن ياسر وطرف من اخباره ] فأما عمار بن ياسر رحمه الله ، فنحن نذكر نسبه وطرفا من حاله مما ذكره ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب (1) ، قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله . هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانه بن قيس بن حصين بن لوذ بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن نام بن عنس - بالنون - بن مالك بن أدد العنسى المذحجي ، يكنى أبا اليقظان ، حليف لبنى مخزوم ، كذا قال ابن شهاب وغيره .


(1) الاستيعاب 434 وما بعدها (طبعة الهند) . (*)

[ 36 ]

وقال موسى بن عقبة : وممن شهد بدرا عمار بن ياسر حليف لبنى مخزوم بن يقظة . وقال الواقدي وطائفة من أهل العلم : إن ياسرا والد عمار بن ياسر عربي قحطاني من عنس ، من مذحج ، إلا أن ابنه عمارا مولى لبنى مخزوم ، لان أباه ياسرا تزوج أمه لبعض بنى مخزوم فأولدها عمارا ، وذلك أن ياسر قدم مكة مع اخوين له يقال لهما : الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع ، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن ، وأقام ياسر بمكة ، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية بنت خياط ، فولدت له عمارا فاعتقه أبو حذيفة ، فصار ولاؤه لبنى مخزوم ، وللحلف والولاء الذى بين بنى مخزوم وعمار بن ياسر كان اجتماع بنى مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب ، حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعا من أضلاعه ، فاجتمعت بنو مخزوم ، وقالوا : والله لئن مات لا قتلنا به أحدا غير عثمان . قال أبو عمر : وأسلم عمار وعبد الله أخوه وياسر أبوهما وسمية أمهما ، وكان إسلامهم قديما في أول الاسلام فعذبوا في الله عذابا عظيما ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يمر بهم وهم يعذبون فيقول : (صبرا يا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة) ، ويقول لهم أيضا (صبرا يا آل ياسر ، اللهم اغفر لال ياسر ، وقد فعلت) (2) . قال أبو عمر : ولم يزل عمار مع أبى حذيفة بن المغيرة حتى مات وجاء الله بالاسلام . فأما سمية فقتلها أبو جهل ، طعنها بحربة في قبلها فماتت ، وكانت من الخيرات

[ 37 ]

الفاضلات وهى أول شهيدة في الاسلام ، وقد كانت قريش أخذت ياسرا وسمية وابنيهما ، وبلالا وخبابا وصهيبا فألبسوهم أدراع الحديد ، وصهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ ، فأعطوهم ما سألوا من الكفر ، وسب النبي صلى الله عليه وآله ، ثم جاء إلى كل واحد منهم قومه بانطاع الادم فيها الماء فألقوهم فيها ، ثم حملوا بجوانبها ، فلما كان العشى جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية ويرفث ، ثم وجاها بحربة في قبلها فقتلها ، فهى أول من استشهد في الاسلام ، فقال عمار للنبى صلى الله عليه وآله : يا رسول الله بلغ العذاب من أمي كل مبلغ ، فقال : (صبرا يا أبا اليقظان ، اللهم لا تعذب أحدا من آل ياسر بالنار) ، قال أبو عمر : وفيهم أنزل (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (1) . قال : وهاجر عمار إلى أرض الحبشة وصلى القبلتين ، وشهد بدرا والمشاهد كلها وأبلى بلاء حسنا ، ثم شهد اليمامة ، فأبلى فيها أيضا ، ويومئذ قطعت أذنه . قال : وذكر الواقدي عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، قال : رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح : يا معشر المسلمين ، أمن الجنة تفرون ؟ أنا عمار بن ياسر ، هلموا إلى ، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت ، فهى تذبذب وهو يقاتل أشد القتال . قال أبو عمر : وكان عمار طويلا أشهل ، بعيد ما بين المنكبين ، قال : وقد قيل في صفته : كان آدم طوالا مضطربا ، أشهل العينين ، بعيد ما بين المنكبين ، رجلا لا يغير شيبه .


(1) سورة النحل 106 . (*)

[ 38 ]

قال : وكان عمار يقول أنا ترب (1) رسول الله صلى الله عليه وآله ، لم يكن أحد أقرب إليه سنا منى . قال : وقتل عمار وهو ابن ثلاث وتسعين سنة ، والخبر المرفوع مشهور في حقه : (تقتلك الفئة الباغية) وهو من دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ، لانه إخبار عن غيب . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله في عمار : (ملئ إيمانا إلى مشاشه (2)) ويروى : (إلى أخمص قدميه) . وفضائل عمار كثيرة ، وقد تقدم القول في ذكر عمار واخباره ، وما ورد في حقه .


(1) ترب الانسان : من ولد معه في العام الذى ولد فيه . (2) المشاشة : الاصل . (*)

[ 39 ]

(414) الاصل : وقال عليه السلام : ما أحسن تواضع الاغنياء للفقراء طلبا لما عند الله ، وأحسن منه تيه الفقراء على الاغنياء اتكالا على الله سبحانه . الشرح : قد تقدم شرح مثل هذه الكلمة مرارا . وقال الشاعر : قنعت فاعتقت نفسي ولن أملك ذا ثروة رقها ونزهتها عن سؤال الرجال ومنه من لا يرى حقها وإن القناعة كنز اللبيب إذا ارتتقت فتقت رتقها سيبعث رزق الشفاه الغراث وخمص البطون الذى شقها (1) فما فارقت مهجة جسمها لعمرك أو وفيت رزقها مواعيد ربك مصدوقة إذا غيرها ففقدت صدقها


(1) الغراث : الجياع . (*)

[ 40 ]

(415) الاصل : قال عليه السلام : ما استودع الله امرأ عقلا إلا ليستنقذه به يوما ما . الشرح : لا بد أن يكون للبارئ تعالى في ايداع العقل قلب زيد مثلا غرض ، ولا غرض إلا أن يستدل به على ما فيه نجاته وخلاصه ، وذلك هو التكليف ، فإن قصر في النظر وجهل وأخطأ الصواب فلا بد أن ينقذه عقله من ورطة من ورطات الدنيا ، وليس يخلو أحد عن ذلك أصلا ، لان كل عاقل لا بد أن يتخلص من مضرة سبيلها أن تنال باعمال فكرته وعقله في الخلاص منها ، فالحاصل إن العقل إما أن ينقذ الانقاذ الدينى ، وهو الفلاح والنجاح على الحقيقة ، أو ينقذ من بعض مهالك الدنيا وآفاتها ، وعلى كل حال فقد صح قول أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد رويت هذه الكلمة مرفوعه ، ورويت : (إلا استنفذه به يوما ما) . وعنه صلى الله عليه وآله : (العقل نور في القلب يفرق به بين الحق والباطل) . وعن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرجل يكون حسن العقل كثير الذنوب ، فقال : ما من بشر إلا وله ذنوب وخطايا يقترفها ، فمن كانت سجيته العقل ، وغريزته اليقين ، لم تضره ذنوبه ، قيل : كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال :

[ 41 ]

كلما اخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة وندامة على ما فرط منه ، فيمحو ذنوبه ، ويبقى له فضل يدخل به الجنة . [ نكت في مدح العقل وما قيل فيه ] وقد تقدم من قولنا في العقل وما ذكر فيه ما فيه كفاية ، ونحن نذكر هاهنا شيئا آخر : كان يقال : العاقل يروى ثم يروى ويخبر ثم يخبر . وقال عبد الله بن المعتز : ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل ! لقمان : يا بنى ، شاور من جرب الامور فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وتأخذه أنت بالمجان . أردشير بن بابك : أربعة تحتاج إلى أربعة : الحسب إلى الادب ، والسرور إلى الامن ، والقرابة إلى المودة ، والعقل إلى التجربة . الاسكندر : لا تحتقر الرأى الجزيل من الحقير ، فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها . مسلمه بن عبد الملك : ما ابتدأت أمرا قط بحزم فرجعت على نفسي بلائمة ، وإن كانت العاقبة على ، ولا أضعت الحزم فسررت وإن كانت العاقبة لى . وصف رجل عضد الدولة بن بويه ، فقال : لو رأيته لرأيت رجلا له وجه فيه ألف عين : وفم فيه ألف لسان ، وصدر فيه ألف قلب . أثنى قوم من الصحابة على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة والعبادة وخصال الخير حتى بالغوا ، فقال صلى الله عليه وآله : كيف عقله ؟ قالوا يا رسول الله

[ 42 ]

نخبرك باجتهاده في العبادة وضروب الخير ، وتسأل عن عقله ! فقال : إن الاحمق ليصيب بحمقه أعظم مما يصيبه الفاجر بفجوره ، وإنما ترتفع العباد غدا في درجاتهم ، وينالون من الزلفى من ربهم على قدر عقولهم . الريحاني : العقل ملك ، والخصال رعيته ، فإذا ضعف عن القيام عليها ، وصل الخلل إليها . وسمع هذا الكلام أعرابي فقال : هذا كلام يقطر عسله . قال معن بن زائدة : ما رأيت قفا رجل إلا عرفت عقله ، قيل فإن رأيت وجهه ؟ قال : ذا كتاب يقرأ . بعض الفلاسفة : عقل الغريزة مسلم إلى عقل التجربة . بعضهم : كل شئ إذا كثر رخص إلا العقل ، فإنه إذا كثر غلا . قالوا في قوله تعالى : (لينذر من كان حيا) (1) ، أي من كان عاقلا . ومن كلامهم : العاقل بخشونة العيش مع العقلاء آنس منه بلين العيش مع السفهاء . أعرابي : لو صور العقل أظلمت معه الشمس ، ولو صور الحمق لاضاء معه الليل . قيل لحكيم : متى عقلت ؟ قال : حين ولدت ، فأنكروا ذلك ، فقال : أما أنا فقد بكيت حين جعت ، وطلبت الثدى حين احتجت ، وسكت حين أعطيت ، يريد إن من عرف مقادير حاجته فهو عاقل . المأمون : إذا أنكرت من عقلك شيئا فاقدحه بعاقل . بزرجمهر : العاقل الحازم إذا اشكل عليه الرأى بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ، ثم التمسها حتى وجدها ، وكذلك العاقل يجمع وجوه


(1) سورة يس 70 . (*)

[ 43 ]

الرأى في الامر المشكل ، ثم يضرب بعضها في بعض حتى يستخلص الرأى الاصوب . كان يقال : هجين عاقل خير من هجان جاهل . كان بعضهم إذا استشير قال لمشاوره : انظرني حتى أصقل عقلي بنومة . إذا نزلت المقادير ، نزلت التدابير . من نظر في المغاب ، ظفر بالمحاب . من استدت عزائمه اشتدت دعائمه . الرأى السديد ، أجدى من الايد الشديد . بعضهم : وما ألف مطرور السنان مشدد يعارض يوم الروع رأيا مسددا . أبو الطيب : الرأى قبل شجاعة الشجعان هو أول وهى المحل الثاني (1) فإذا هما اجتمعا لنفس حرة بلغت من العلياء كل مكان ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأى قبل تطاعن الاقران لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الانسان ولما تفاضلت النفوس ودبرت أيدى الكماة عوالي المران . ذكر المأمون ولد على عليه السلام ، فقال : خصوا بتدبير الاخرة ، وحرموا تدبير الدنيا . كان يقال : إذا كان الهوى مقهورا تحت يد العقل ، والعقل مسلط عليه ، صرفت مساوئ صاحبه إلى المحاسن ، فعدت بلادته حلما ، وحدته ذكاء ، وحذره بلاغة ، وعيه صمتا ، وجبنه حذرا ، وإسرافه جودا .


(1) ديوانه 4 : 386 . (*)

[ 44 ]

وذكر هذا الكلام عند بعضهم فقال : هذه خصيصة الحظ نقلها مرتب هذا الكلام إلى العقل . سمع محمد بن يزداد كاتب المأمون قول الشاعر : إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأى ان تترددا . فأضاف إليه : وإن كنت ذا عزم فانفذه عاجلا فإن فساد العزم أن يتفندا

[ 45 ]

(416) الاصل : وقال عليه السلام : من صارع الحق صرعه . الشرح : هذا مثل قوله في موضع آخر : من أبدى صفحته للحق هلك ، ونحو هذا قول الطائى : ومن قامر الايام عن ثمراتها فاحج بها أن تنجلي ولها القمر

[ 46 ]

(417) الاصل : وقال عليه السلام : القلب مصحف البصر . الشرح : هذا مثل قول الشاعر : تخبرني العينان ما القلب كاتم وما جن بالبغضاء والنظر الشزر (1) يقول عليه السلام كما إن الانسان إذا نظر في المصحف قرأ ما فيه ، كذلك إذا أبصر الانسان صاحبه فإنه يرى قلبه بوساطة رؤية وجهه ، ثم يعلم ما في قلبه من حب وبغض وغيرهما ، كما يعلم برؤية الخط الذى في المصحف ما يدل الخط عليه . وقال الشاعر : إن العيون لتبدى في تقلبها ما في الضمائر من ود ومن حنق (2)


(1) يقال : نظر إليه شزرا : إذا نظر بمؤخر عينيه . (9 2 الحنق : البغض . (*)

[ 47 ]

(418) الاصل : وقال عليه السلام : التقى رئيس الاخلاق . الشرح : يعنى رئيس الاخلاق الدينية ، لان الاخلاق الحميدة كالجود والشجاعة والحلم والعفة وغير ذلك ، لو قدرنا انتفاء التكاليف العقلية والشرعية ، لم يكن التقى رئيسا لها ، وإنما رياسة التقى لها مع ثبوت التكليف ، لا سيما الشرعي . والتقى في الشرع هو الورع والخوف من الله ، وإذا حصل حصلت الطاعات كلها ، وانتفت القبائح كلها ، فصار الانسان معصوما ، وتلك طبقة عالية ، وهى أشرف من جميع الطبقات التى يمدح بها الانسان نحو قولنا : جواد أو شجاع أو نحوهما ، لانها طبقه ينتقل الانسان منها إلى الجنة ودار الثوات الدائم ، وهذه مزية عظيمة يفضل بها على سائر طبقات الاخلاق .

[ 48 ]

(419) الاصل : وقال عليه السلام : لا تجعلن ذرب لسانك على من أنطقك ، وبلاغة قولك على من سددك . الشرح : يقول لا شبهة أن الله تعالى هو الذى أنطقك ، وسدد لفظك ، وعلمك البيان كما قال سبحانه : (خلق الانسان * علمه البيان) (1) ، فقبيح أن يجعل الانسان ذرب لسانه وفصاحة منطقه على من أنطقه وأقدره على العبادة ، وقبيح أن يجعل الانسان بلاغة قوله ، على من سدد قوله وجعله بليغا حسن التعبير على المعاني التى في نفسه ، وهذا كمن ينعم على إنسان بسيف فإنه يقبح منه أن يقتله بذلك السيف ظلما قبحا زائدا على ما لو قتله بغير ذلك السيف ، وما أحسن قول المتنبي في سيف الدولة : ولما كسا كعبا ثيابا طغوا بها رمى كل ثوب من سنان بخارق (2) وما يوجع الحرمان من كف حازم كما يوجع الحرمان من كف رازق


(1) سورة الرحمن 3 ، 4 . (2) ديوانه 2 : 322 . (*)

[ 49 ]

(420) الاصل : وقال عليه السلام : كفاك ادبا لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك . الشرح : قد قال عليه السلام هذا اللفظ أو نحوه مرارا ، وقد تكلمنا نحن عليه ، وذكرنا نظائر له كثيرة نثرا ونظما . وكتب بعض الكتاب إلى بعض الملوك في حال اقتضت ذلك : ما على ذا افترقنا بشبذان (1) إذ كنا ولا هكذا عهدنا الاخاء تضرب الناس بالمهنده البيض على غدرهم وتنسى الوفاء (2)


(1) كذا في د ، وهو الصواب والذى في (ابشبذر) ، وهو تصحيف . (2) المهندة : السيوف . (*)

[ 50 ]

(421) الاصل : وقال عليه السلام يعزى قوما : من صبر صبر الاحرار ، وإلا سلا سلو الاغمار وفي خبر آخر انه عليه السلام قال للاشعث بن قيس معزيا عن ابن له : إن صبرت صبر الاكارم ، وإلا سلوت سلو البهائم . الشرح : أخذ هذا المعنى أبو تمام بل حكاه فقال : وقال على في التعازى لاشعث وخاف عليه بعض تلك المآثم (1) أتصبر للبلوى عزاء وحسبه فتؤجر أم تسلو سلو البهائم !


(1) ديوانه 3 : 258 ، 259 . (*)

[ 51 ]

(422) الاصل : وقال عليه السلام في صفة الدنيا : الدنيا تغر وتضر وتمر ، إن الله سبحانه لم يرضها ثوابا لاوليائه ، ولا عقابا لاعدائه . الشرح : قد تقدم لنا كلام طويل في ذم الدنيا . ومن الكلام المستحسن قوله : (تغر وتضر وتمر) والكلمة الثانية أحسن وأجمل . وقرأت في بعض الاثار إن عيسى عليه السلام مر بقرية وإذا أهلها موتى في الطرق والافنية ، فقال للتلامذة : إن هؤلاء ماتوا عن سخطة ، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا ، فقالوا : يا سيدنا ، وددنا إنا علمنا خبرهم ، فسأل الله تعالى ، فقال له : إذا كان الليل فنادهم يجيبوك ، فلما كان الليل اشرف على نشز ثم ناداهم ، فأجابه مجيب ، فقال : ما حالكم ، وما قصتكم ؟ فقال : بتنا في عافية ، وأصبحنا في الهاوية ، قال : وكيف ذلك ؟ قال : لحبنا الدنيا ، قال : كيف كان حبكم لها ؟ قال : حب الصبى لامه ، إذا أقبلت فرح بها ، وإذا أدبرت حزن عليها وبكى ، قال : فما بال أصحابك لم يجيبوني ؟ قال : لانهم ملجمون بلجم من نار بأيدى ملائكة غلاظ شداد ، قال : فكيف أجبتني أنت من بينهم ؟ قال : لانى كنت فيهم ، ولم أكن منهم ، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم ، فأنا معلق على شفير جهنم لا أدرى أنجو منها أكبكب فيها ؟ فقال المسيح لتلامذته : لاكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل وسباخ الارض في حر الصيف ، كثير مع العافية من عذاب الاخرة .

[ 52 ]

(423) الاصل : وإن أهل الدنيا كركب ، بيناهم حلو إذا صاح بهم سائقهم فارتحلوا . الشرح : روى : (بيناهم حلول) وبينا هي بين نفسها ، ووزنها (فعلى) ، أشبعت فتحة النون فصارت ألفا ، ثم قالوا (بينما) فزادوا (ما) ، والمعنى واحد ، تقول : بينا نحن نفعل كذا جاء زيد ، أي بين أوقات فعلنا كذا جاء زيد ، والجمل قد يضاف إليها أسماء الزمان نحو قولهم : (أتيتك زمن الحجاج أمير) ، ثم حذفوا المضاف الذى هو أوقات ، وولى الظرف الذى هو بين الجملة التى أقيمت مقام المحذوف . وكان الاصمعي يخفض بعد (بينا) إذا صلح في موضعه (بين) ، وينشد قول أبى ذؤيب بالكسر : بينا تعنقه الكماة وروغه يوما أتيح له جرى سلفع . وغيره يرفع ما بعد (بينا) و (بينما) على الابتداء والخبر ، فأما إذ وإذا فإن أكثر أهل العربية يمنعون من مجيئهما بعد بينا وبينما ، ومنهم من يجيزه ، وعليه جاء كلام أمير المؤمنين ، وأنشدوا : بينما الناس على عليائها إذ هووا في هوة منها فغاروا .

[ 53 ]

وقالت الحرقة بنت النعمان بن المنذر : وبينا نسوس الناس والامر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف (1) وقال الشاعر : استقدر الله خيرا وارضين به فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الاحياء مغتبط إذ صار في اللحد تعفوه الاعاصير ومما جاء في وصف الدنيا مما يناسب كلام أمير المؤمنين قول أبى العتاهية : إن دارا نحن فيها لدار ليس فيها لمقيم قرار كم وكم قد حلها من أناس ذهب الليل بهم والنهار فهم الركب قد أصابوا مناخا فاسترحوا ساعه ثم ساروا وكذا الدنيا على ما رأينا يذهب الناس وتخلو الديار


(1) في الاصل (نتصف) وهو غير مستقيم ، والصواب ما أثبتنا . (*)

[ 54 ]

(424) الاصل : وقال عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام : يا بنى ، لا تخلفن وراءك شيئا من الدنيا فإنك تخلفه لاحد رجلين : إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت به ، وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له ، فكنت عونا له على معصيته ، وليس أحد هذين حقيقا أن تؤثره على نفسك . ويروى هذا الكلام على وجه آخر ، وهو : إما بعد ، فإن الذى في يديك من الدنيا قد كان له أهل قبلك ، وهو صائر إلى أهل بعدك ، وإنما أنت جامع لاحد رجلين : رجل عمل فيما جمعته بطاعة الله فسعد بما شقيت به ، أو رجل عمل فيما جمعته بمعصية الله فشقي بما جمعت له ، وليس أحد هذين أهلا أن تؤثره على نفسك ، أو تحمل له على ظهرك ، فارج لمن مضى رحمه الله ، ولمن بقى رزق الله تعالى . الشرح : روى : (فإنك لا تخلفه إلا لاحد رجلين) ، وهذا الفصل نهى عن الادخار ، وقد سبق لنا فيه كلام مقنع . وخلاصه هذا الفصل إنك إن خلفت مالا ، فإما أن تخلفه لمن يعمل فيه بطاعة الله ، أو لمن يعمل فيه بمعصيته ، فالاول يسعد بما شقيت به أنت ، والثانى يكون معانا

[ 55 ]

منك على المعصية بما تركته له من المال ، وكلا الامرين مذموم ، وإنما قال له : (فارج لمن مضى رحمه الله ، ولمن بقى رزق الله) ، لانه قال في أول الكلام : (قد كان لهذا المال أهل قبلك ، وهو صائر إلى أهل بعدك) . والكلام في ذم الادخار والجمع كثير ، وللشعراء فيه مذاهب واسعة ومعان حسنة وقال بعضهم : يا جامعا مانعا والدهر يرمقه مدبرا أي باب عنه يغلقه وناسيا كيف تأتيه منيته أغاديا أم بها يسرى فتطرقه جمعت مالا فقل لى هل جمعت له يا جامع المال أياما تفرقه المال عندك مخزون لوارثه ما المال مالك إلا يوم تنفقه أرفه ببال فتى يغدو على ثقه إن الذى قسم الارزاق يرزقه فالعرض منه مصون لا يدنسه والوجه منه جديد ليس يخلقه إن القناعة من يحلل بساحتها لم يلق في ظلها هما يورقه .

[ 56 ]

(425) الاصل : وقال عليه السلام لقائل قال بحضرته أستغفر الله : ثكلتك أمك ! إتدرى ما الاستغفار ؟ إن للاستغفار درجة العليين ، وهو اسم واقع على ستة معان : أولها الندم على ما مضى ، والثانى العزم على ترك العود إليه أبدا ، و الثالث أن تؤدى إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عز وجل أملس ليس عليك تبعة ، والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدى حقها ، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذى نبت على السحت فتذيبه بالاحزان حتى تلصق الجلد بالعظم ، وينشأ بينهما لحم جديد ، السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : استغفر الله . الشرح : قد روى : (إن الاستغفار درجه العليين) ، فيكون على تقدير حذف مضاف ، أي أن درجة الاستغفار درجة العليين ، وعلى الرواية الاولى يكون على تقدير حذف مضاف ، أي أن لصاحب الاستغفار درجة العليين . وهو هاهنا جمع على (فعيل) كضليل وخمير ، تقول : هذا رجل على ، أي كثير العلو ، ومنه العلية للغرفة على إحدى اللغتين ، ولا يجوز ان يفسر بما فسر به الراوندي من قوله : إنه اسم السماء السابعة ، ونحو قوله : (هو سدرة المنتهى) ، ونحو قوله : (هو موضع تحت قائمة العرش اليمنى) ، لانه لو كان كذلك لكان

[ 57 ]

علما ، فلم تدخله اللام . كما لا يقال : (الجهنم) ، وكذلك أيضا لا يجوز تفسيره بما فسره الراوندي ايضا ، قال : العليين ، جمع على : الامكنة في السماء ، لانه لو كان كذلك لم يجمع بالنون لانها تختص بمن يعقل ، وتصلح أن تكون الوجوه الاولى تفسيرا لقوله تعالى : (كلا إن كتاب الابرار لفى عليين) (1) . قوله : (نبت على السحت) ، أي على الحرام ، يقال : سحت ، بالتسكين وسحت بالضم ، وأسحت الرجل في تجارته ، أي اكتسب السحت . [ فصل في الاستغفار والتوبة ] وينبغى أن نذكر في هذا الموضوع كلاما مختصرا مما يقوله أصحابنا في التوبة ، فإن كلام أمير المؤمنين هو الاصل الذى أخذ منه أصحابنا مقالتهم ، والذى يقولونه في التوبة ، فقد أتى على جوامعه عليه السلام في هذا الفصل على اختصاره . قال أصحابنا : الكلام في التوبة يقع من وجوه : منها الكلام في ماهية التوبة والكلام في اسقاطها الذم والعقاب ، والكلام في إنه يجب علينا فعلها ، والكلام في شرطها . أما ماهية التوبة فهى الندم والعزم ، لان التوبة هي الانابة والرجوع ، وليس يمكن أن يرجع الانسان عما فعله إلا بالندم عليه ، والعزم على ترك معاودته ، وما يتوب الانسان منه ، إما أن يكون فعلا قبيحا ، وإما أن يكون إخلالا بواجب ، فالتوبة من الفعل القبيح هي أن يندم عليه ، ويعزم ألا يعود إلى مثله ، وعزمه على ذلك هو كراهيته لفعله ، والتوبة من الاخلال بالواجب هي ان يندم على إخلاله بالواجب


(1) المطففين : 18 . (*)

[ 58 ]

ويعزم على أداء الواجب فيما بعد . فأما القول في أن التوبة تسقط العذاب فعندنا إن العقل يقتضى قبح العقاب بعد التوبة ، وخالف أكثر المرجئة في ذلك من الامامية وغيرهم ، واحتج أصحابنا بقبح عقوبة المسئ إلينا بعد ندمه واعتذاره وتنصله ، والعلم بصدقه والعلم بإنه عازم على ألا يعود . فأما القول في وجوب التوبة على العصاة ، فلا ريب أن الشرع يوجب ذلك ، فأما العقل فالقول فيه إنه لا يخلو المكلف إما أن يعلم أن معصيته كبيرة ، أو يعلم إنها صغيرة ، أو يجوز فيها كلا الامرين ، فإن علم كونها كبيرة وجب عليه في العقول التوبة منها ، لان التوبة مزيلة لضرر الكبيرة ، وإزاله المضار واجبة في العقول ، وإن جوز كونها كبيرة وجوز كونها صغيرة ، لزمه أيضا في العقل التوبة منها ، لانه يأمن بالتوبة من مضرة مخوفة ، وفعل ما يؤمن من المضار المخوفة واجب ، وإن علم أن معصيته صغيرة ، وذلك كمعاصى الانبياء ، وكمن عصى ثم علم بإخبار نبى إن معصيته صغيرة محبطة ، فقد قال الشيخ أبو على : إن التوبة منها واجبة في العقول ، لانه إن لم يتب كان مصرا والاصرار قبيح . وقال الشيخ أبو هاشم : لا تجب التوبة منها في العقل بالشرع ، لان فيها مصلحة يعلمها الله تعالى ، قال : إنه يجوز أن يخلو الانسان من التوبة عن الذنب ، ومن الاصرار عليه ، لان الاصرار عليه هو العزم على معاودة مثله ، والتوبة منه أن يكره معاودة مثله مع الندم على ما مضى ، ويجوز أن يخلو الانسان من العزم على الشئ ، ومن كراهته . ومال شيخنا أبو الحسين رحمه الله الى وجوب التوبة هاهنا عقلا ، لدليل غير دليل أبى على رحمه الله .

[ 59 ]

فأما القول في صفات التوبة وشروطها فإنها على ضربين : أحدهما يعم (1) كل توبة ، والاخر يختلف بحسب اختلاف ما يتاب منه ، فالاول هو الندم والعزم على ترك المعاودة . وأما الضرب الثاني ، فهو أن ما يتوب منه المكلف إما ان يكون فعلا أو إخلالا بواجب ، فإن كان فعلا قبيحا وجب عند الشيخ أبى هاشم رحمه الله ان يندم عليه ، لانه فعل قبيح وأن يكره معاودة مثله لانه قبيح ، وإن كان إخلالا بواجب وجب عليه عنده أن يندم عليه ، لانه إخلال بواجب ، وأن يعزم على فعل مثل ما أخل به لانه واجب ، فإن ندم خوف النار فقط ، أو شوقا إلى الجنة فقط ، أو لان القبيح الذى فعله يضر ببدنه كانت توبته صحيحة (1) ، وإن ندم على القبيح لقبحه ولخوف النار ، وكان لو انفرد قبحه ندم عليه ، فإن توبته تكون صحيحة ، وإن كان لو انفرد القبح لم يندم عليه ، فإنه لا تكون توبته صحيحة عنده ، والخلاف فيه مع الشيخ أبى على وغيره من الشيوخ رحمهم الله ، وإنما اختار أبو هاشم هذا القول لان التوبة تجرى مجرى الاعتذار بيننا ، ومعلوم أن الواحد منا لو أساء إلى غيره ثم ندم على إساءته إليه واعتذر منها خوفا من معاقبته له عليها ، أو من معاقبة السلطان حتى لو أمن العقوبة ، لما اعتذر ولا ندم ، بل كان يواصل الاساءة ، فإنه لا يسقط ذمه ، فكذلك التوبه خوف النار لا لقبح الفعل . وقد نقل قاضى القضاة هذا المذهب عن أمير المؤمنين عليه السلام والحسن البصري وعلى بن موسى الرضا والقاسم بن إبراهيم الزينبي . قال أصحابنا : وللتوبة شروط اخر تختلف بحسب اختلاف المعاصي ، وذلك إن


(1) د : (يغمر) . (2) في ب : (توبة كانت صحيحة) . . وصوابه من : د ، ا . (*)

[ 60 ]

ما يتوب منه المكلف ، إما أن يكون فيه لادمي ، حق أو لا حق فيه لادمي فما ليس للادمي فيه حق فنحو ترك الصلاة ، فإنه لا يجب فيه إلا الندم والعزم على ما قدمنا وما لادمي فيه حق على ضربين : أحدهما أن يكون جناية عليه في نفسه أو اعضائه أو ماله أو دينه ، والاخر ألا يكون جناية عليه في شئ من ذلك ، فما كان جناية عليه في نفسه أو أعضائه ، أو ماله فالواجب فيه الندم والعزم ، وأن يشرع في تسليم بدل ما أتلف ، فإن لم يتمكن من ذلك لفقر أو غيره عزم على ذلك إذا تمكن منه ، فإن مات قبل التمكن لم يكن من أهل العقاب ، وإن جنى عليه في دينه بان يكون قد أضله بشبهة استزله ، بها فالواجب عليه مع الندم العزم والاجتهاد في حل شبهته من نفسه ، فإن لم يتمكن من الاجتماع به عزم على ذلك إذا تمكن ، فإن مات قبل التمكن ، أو تمكن منه واجتهد في حل الشبهة فلم تنحل من نفس ذلك الضال ، فلا عقاب عليه ، لانه قد استفرغ جهده ، فإن كانت المعصية غير جناية نحو أن يغتابه أو يسمع غيبته فإنه يلزمه الندم والعزم ، ولا يلزمه أن يستحله أو يعتذر إليه ، لانه ليس يلزمه أرش (1) لمن اغتابه فيستحله ، ليسقط عنه الارش ، ولا غمه فيزيل غمه بالاعتذار ، وفى ذكر الغيبة له ليستحله فيزيل غمه منها إدخال غم عليه ، فلم يجز ذلك ، فإن كان قد أسمع المغتاب غيبته فذلك جناية عليه ، لانه قد أوصل إليه مضرة الغم ، فيلزمه إزاله ذلك بالاعتذار


(1) الارش : دية الجراحات ، وقيل هو الجراحات نفسها تكون على قدر معلوم . (*)

[ 61 ]

(426) الاصل : وقال عليه السلام : الحلم عشيرة . الشرح : كان يقال : الحلم جنود مجنده لا أرزاق لها . وقال عليه السلام : وجدت الاحتمال أنصر لى من الرجال . وقال الشاعر : وللكف عن شتم اللئيم تكرما أضر له من شتمه حين يشتم . وكان يقال : من غرس شجرة الحلم ، اجتنى ثمره (1) السلم . وقد تقدم من القول في الحلم ما فيه كفاية .


(1) في ب (شجرة) وهو تصحيف . (*)

[ 62 ]

(427) الاصل : قال عليه السلام : مسكين ابن آدم ! مكتوم الاجل ، مكنون العلل ، محفوظ العمل ، تؤلمه البقة ، وتقتله الشرقة ، وتنتنه العرقة . الشرح : قد تقدم هاهنا خبر المبتدأ عليه ، والتقدير : (ابن آدم مسكين) ، ثم بين مسكنته من أين هي ؟ فقال : إنها من ستة أوجه : أجله مكتوم لا يدرى متى يخترم ، وعلله باطنة لا يدرى بها حتى تهيج عليه ، وعمله محفوظ ، (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (1) ، وقرص البقة يؤلمه ، والشرقة بالماء تقتله ، وإذا عرق أنتنته العرقة الواحدة وغيرت ريحه ، فمن هو على هذه الصفات فهو مسكين لا محالة ، لا ينبغى أن يإمن ولا أن يفخر .


(1) سورة الكهف 49 . (*)

[ 63 ]

(428) الاصل : ويروى إنه عليه السلام كان جالسا في أصحابه إذ مرت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال عليه السلام : إن أبصار هذه الفحول طوامح ، وإن ذلك سبب هبابها ، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس اهله ، فإنما هي امرأة كامرأته . فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافرا ، ما أفقهه ! قال : فوثب القوم ليقتلوه ، فقال عليه السلام : رويدا إنما هو سب بسب ، أو عفو عن ذنب . الشرح : تقول : هب الفحل والتيس يهب بالكسر هبيبا أو هبابا ، إذا هاج للضراب أو للسفاد ، والهباب أيضا : صوت ، والتيس إذا هب فهو مهباب ، وقد هبهبته ، أي دعوته لينزو (1) فتهبهب ، أي تزعزع . وسألني صديقنا على بن البطريق عن هذه القصة فقال ما باله عفا عن الخارجي وقد طعن فيه بالكفر ، وأنكر على الاشعث قوله : (هذه عليك لا لك) ، فقال :


(1) نزا : وثب . (*)

[ 64 ]

ما يدريك عليك لعنه الله ما على مما لى ! حائك ابن حائك ، منافق ابن كافر ! وما واجهه به الخارجي أفظع مما واجهه الاشعث ! فقلت : لا أدرى . قال : لان كل صاحب فضيلة يعظم عليه إن يطعن في فضيلته تلك ، ويدعى عليه إنه فيها ناقص ، وكان على عليه السلام بيت العلم ، فلما طعن فيه الاشعث طعن بانك لا تدرى ما عليك مما لك ، فشق ذلك عليه ، وامتعض منه ، وجبهه ولعنه ، وأما الخارجي فلم يطعن في علمه ، بل أثبته له ، واعترف به ، وتعجب منه ، فقال : (قاتله الله كافرا ما أفقهه !) ، فاغتفر له لفظة (كافر) بما اعترف له به من علو طبقته في الفقه ، ولم يخشن عليه خشونته على الاشعث ، وكان قد مرن على سماع قول الخوارج : أنت كافر ، وقد كفرت ، يعنون التحكيم ، فلم يحفل بتلك اللفظة ونهى أصحابه عن قتله محافظة ورعاية له على ما مدحه به .

[ 65 ]

(429) الاصل : وقال عليه السلام : كفاك من عقلك ، ما أوضح لك سبل غيك من رشدك . الشرح : يقول عليه السلام كفى الانسان من عقله ما يفرق به بين الغى والرشاد ، وبين الحق من العقائد والباطل ، فإنه بذلك يتم تكليفه ، ولا حاجة في التكليف ، والفرق بين الغى والرشد إلى زيادة على ذلك ، نحو التجارب التى تفيده الحزم التام ، ومعرفة أحوال الدنيا وأهلها ، وأيضا لا حاجة له إلى أن يكون عنده من الفطنه الثاقبة والذكاء التام ما يستنبط به دقائق الكلام في الحكمة والهندسة والعلوم الغامضة ، فإن ذلك كله فضل مستغنى عنه ، فإن حصل للانسان فقد كمل ، وإن لم يحصل للانسان فقد كفاه في تكليفه ونجاته من معاطب العصيان ما يفرق به بين الغى والرشاد ، وهو حصول العلوم البديهية في القلب ، وما جرى مجراها من علوم العادات ، وما يذكره أصحابنا في باب التكليف .

[ 66 ]

(430) الاصل : وقال عليه السلام : افعلوا الخير ، ولا تحقروا منه شيئا ، فإن صغيره كبير ، وقليله كثير ولا يقولن أحدكم : إن أحدا أولى بفعل الخير منى ، فيكون والله كذلك . الشرح : القليل من الخير خير من عدم الخير أصلا . قال عليه السلام : لا يقولن أحدكم إن فلانا أولى بفعل الخير منى ، فيكون والله كذلك ، مثاله قوم موسرون في محلة واحدة ، قصد واحدا منهم سائل فرده ، وقال له : اذهب إلى فلان ، فهو أولى بأن يتصدق عليك منى ، فإن هذه الكلمة تقال دائما ، نهى عليه السلام عن قولها وقال : (فيكون والله كذلك) ، أي أن الله تعالى يوفق ذلك الشخص الذى أحيل ذلك السائل عليه ، وييسر الصدقة عليه ، ويقوى دواعيه إليها ، فيفعلها فتكون كلمة ذلك الانسان الاول قد صادفت قدرا وقضاء ، ووقع الامر بموجبها .

[ 67 ]

(431) الاصل : إن للخير وللشر أهلا ، فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله . الشرح : يقول عليه السلام إن عن لك باب من أبواب الخير وتركته ، فسوف يكفيكه بعض الناس ممن جعله الله تعالى أهلا للخير وإسداء المعروف إلى الناس ، وإن عن لك باب من أبواب الشر فتركته ، فسوف يكفيكه بعض الناس ممن جعلتهم أنفسهم وسوء اختيارهم أهلا للشر وأذى الناس ، فاختر لنفسك أيما أحب إليك ، أن تحظى بالمحمدة والثواب ، وتفعل ما إن تركته فعله غيرك وحظي بحمده وثوابه ، أو أن تتركه ، وأيما أحب إليك : أن تشقى بالذم عاجلا ، والعقاب آجلا ، وتفعل ما إن تركته كفاكه غيرك ، وبلغت غرضك منه على يد غيرك ، أو أن تفعله ؟ ولا ريب أن العاقل يختار فعل الخير وترك الشر إذا افكر حق الفكر فيما قد أوضحناه (1) .


(1) ا : (وضح) . (*)

[ 68 ]

(432) الاصل : وقال عليه السلام : من أصلح سريرته ، أصلح الله علانيته ، ومن عمل لدينه ، كفاه الله أمر دنياه ، ومن أحسن فيما بينه وبين الله ، أحسن الله ما بينه وبين الناس . الشرح : لا ريب أن الاعمال الظاهرة تبع للاعمال الباطنة ، فمن صلح باطنه صلح ظاهره وبالعكس ، وذلك لان القلب أمير مسلط على الجوارح ، والرعيه تتبع أميرها ولا ريب أن من عمل لدينه كفاه الله أمر دنياه ، وقد شهد بذلك الكتاب العزيز في قوله سبحانه : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (1) . ولهذا أيضا عله ظاهره ، وذاك إن من عمل لله سبحانه وللدين فإنه لا يخفى حاله في أكثر الامر عن الناس ، ولا شبهة إن الناس إذا حسنت عقيدتهم في إنسان وعلموا متانه دينه بوبوا له إلى الدنيا أبوابا لا يحتاج أن يتكلفها ، ولا يتعب فيها ، فيأتيه رزقه من غير كلفه ولا كد ، ولا ريب إن من أحسن فيما بينه وبين الله احسن الله ما بينه وبين الناس ، وذلك لان القلوب بالضرورة تميل إليه وتحبه ، وذلك لانه إذا كان محسنا بينه وبين الناس عف عن أموال الناس ودمائهم وأعراضهم ، وترك الدخول فيما لا يعنيه ، ولا شبهة أن من كان بهذه الصفة فإنه يحسن ما بينه وبين الناس .


(1) سورة الطلاق آية (2 ، 3) . (*)

[ 69 ]

(433) الاصل : وقال عليه السلام : الحلم غطاء ساتر ، والعقل حسام قاطع ، فاستر خلل خلقك بحلمك ، وقاتل هواك بعقلك . الشرح : لما جعل الله الحلم غطاء ، والعقل حساما ، أمره أن يستر خلل خلقه بذلك الغطاء وأن يقاتل هواه بذلك الحسام ، وقد سبق القول في الحلم والعقل .

[ 70 ]

(434) الاصل : وقال عليه السلام : إن لله عبادا يختصهم بالنعم لمنافع العباد ، فيقرها في أيديهم ما بذلوها ، فإذا منعوها نزعها منهم ، ثم حولها إلى غيرهم . الشرح : قد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم ، وقد قالت الشعراء فيه فاكثروا ، وقريب من ذلك قول الشاعر : وبالناس عاش الناس قدما ولم يزل من الناس مرغوب إليه وراغب . وأشد تصريحا بالمعنى قول الشاعر : لم يعطك الله ما أعطاك من نعم إلا لتوسع من يرجوك إحسانا فان منعت فاخلق أن تصادفها تطير عنك زرافات ووحدانا

[ 71 ]

(435) الاصل : وقال عليه السلام : لا ينبغى للعبد ان يثق بخصلتين : العافية والغنى ، بينا تراه معافى إذ سقم وبينا تراه غنيا إذ افتقر . الشرح : قد تقدم القول في هذا المعنى . وقال الشاعر : وبينما المرء في الاحياء مغتبط إذ صار في اللحد تسفيه الاعاصير . وقال آخر : لا يغرنك عشاء ساكن قد يوافي بالمنيات السحر . وقال عبيد الله بن طاهر : وإذا ما أعارك الدهر شيئا فهو لا بد آخذ ما أعارا . آخر : يغر الفتى مر الليالى سليمة وهن به عما قليل عواثر . وقال آخر ورب غنى عظيم الثراء أمسى مقلا عديما فقيرا وكم بات من مترف في القصور فعوض في الصبح عنها القبورا

[ 72 ]

(436) الاصل : وقال عليه السلام : من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله ، ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله . الشرح : قد تقدم القول في شكوى الحال وكراهيتها ، وكلام أمير المؤمنين عليه السلام يدل على إنه لا يكره شكوى الحال إلى المؤمن ، ويكرهها إلى غير المؤمن ، وهذا مذهب دينى غير المذهب العرفي . وأكثر مذاهبه ومقاصده عليه السلام في كلامه ينحو فيها نحو الدين والورع والاسلام ، وكأنه يجعل الشكوى إلى المؤمن كالشكوى إلى الخالق سبحانه ، لانه لا يشكو إلى المؤمن إلا وقد خلت شكواه من التسخط والتافف ، ولا يشكو إلى الكافر إلا وقد شاب شكواه بالاستزادة والتضجر ، فافترقت الحال في الموضعين . فأما المذهب المشهور في العرف والعادة فاستهجان الشكوى على الاطلاق لانها دليل على ضعف النفس وخذلانها ، وقلة الصبر على حوادث الدهر ، وذلك عندهم غير محمود .

[ 73 ]

(437) الاصل : وقال عليه السلام في بعض الاعياد : إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه ، وشكر قيامه ، وكل يوم لا نعصي الله فيه فهو يوم عيد . الشرح : المعنى ظاهر ، وقد نقله بعض المحدثين إلى الغزل فقال : قالوا أتى العيد قلت أهلا إن جاء بالوصل فهو عيد من ظفرت بالمنى يداه فكل إيامه سعود . ورأيت بعض الصوفية وقد سمع هذين البيتين من مغن حاذق ، فطرب وصفق وأخذهما لمعنى عنده . وقد قال بعض المحدثين في هذا المعنى ايضا : قالوا أتى العيد والايام مشرقة وأنت تبكى وكل الناس مسرور فقلت إن واصل الاحباب كان لنا عيدا وإلا فهذا اليوم عاشور

[ 74 ]

(438) الاصل : وقال عليه السلام : إن أعظم الحسرات يوم القيامة حسرة رجل كسب مالا في غير طاعة الله ، فورثه رجلا فأنفقه في طاعة الله سبحانه فدخل به الجنة ، ودخل الاول به النار . الشرح : كان يقال لعمر بن عبد العزيز بن مروان السعيد : ابن الشقى ، وذلك أن عبد العزيز بن مروان ملك ضياعا كثيرة بمصر والشام والعراق والمدينة من غير طاعة الله ، بل بسلطان أخيه عبد الملك ، وبولايه عبد العزيز نفسه مصر وغيرها ، ثم تركها لابنه عمر ، فكان ينفقها في طاعة الله سبحانه وفي وجوه البر والقربات ، إلى أن افضت الخلافة إليه ، فلما أفضت إليه أخرج سجلات عبد الملك بها لعبد العزيز فمزقها بمحضر من الناس ، وقال : هذه كتبت من غير أصل شرعى ، وقد اعدتها إلى بيت المال .

[ 75 ]

(439) الاصل : وقال عليه السلام : إن أخسر الناس صفقة ، وأخيبهم سعيا ، رجل أخلق بدنه في طلب آماله ، ولم تساعده المقادير على إرادته ، فخرج من الدنيا بحسرته وقدم على الاخرة بتبعته . الشرح : هذه صورة أكثر الناس ، وذلك لان أكثرهم يكد بدنه ونفسه في بلوغ الامال الدنيوية ، والقليل منهم من تساعد المقادير على إرادته ، وإن ساعدته على شئ منها بقى في نفسه ما لا يبلغه ، كما قيل : نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقى . فأكثرهم اذن يخرج من الدنيا بحسرته ، ويقدم على الاخرة بتبعته ، لان تلك الامال التى كانت الحركة والسعى فيها ليست متعلقه بأمور الدين والاخرة ، لا جرم إنها تبعات وعقوبات ، ونسأل الله عفوه .

[ 76 ]

(440) الاصل : وقال عليه السلام : الرزق رزقان : طالب ومطلوب ، فمن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه عنها ، ومن طلب الاخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى منها رزقه (1) . الشرح : هذا تحريض على طلب الاخرة ، ووعد لمن طلبها بإنه سيكفى طلب الدنيا ، وإن الدنيا ستطلبه حتى يستوفى رزقه منها . وقد قيل : مثل الدنيا مثل ظلك ، كلما طلبته بعد عنك ، فان أدبرت عنه تبعك .


(1) د (رزقه منها) . (*)

[ 77 ]

(441) الاصل : وقال عليه السلام : إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس الى ظاهرها ، واشتغلوا باجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا ان يميتهم وتركوا منها ما علموا إنه سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا ، ودركهم لها فواتا ، أعداء لما سالم الناس ، وسلم لمن عادى الناس ، بهم علم الكتاب ، وبه علموا ، وبهم قام كتاب الله تعالى ، وبه قاموا ، لا يرون مرجوا فوق ما يرجون ، ولا مخوفا فوق ما يخافون . الشرح : هذا يصلح أن تجعله الامامية شرح حال الائمة المعصومين على مذاهبهم ، لقوله : فوق ما يرجون ، بهم علم الكتاب ، وبه علموا ، وأما نحن فنجعله شرح حال العلماء العارفين وهم أولياء الله الذين ذكرهم عليه السلام لما نظر الناس إلى ظاهر الدنيا وزخرفها من المناكح والملابس والشهوات الحسية ، نظروا هم إلى باطن الدنيا ، فاشتغلوا بالعلوم والمعارف والعبادة والزهد في الملاذ الجسمانية ، فأماتوا من شهواتهم وقواهم المذمومة كقوه الغضب وقوة الحسد ما خافوا أن يميتهم ، وتركوا من الدنيا اقتناء الاموال لعلمهم إنها ستتركهم ، وإنه لا يمكن دوام الصحبة معها ، فكان استكثار الناس من تلك الصفات استقلالا عندهم ، وبلوغ الناس لها فوتا أيضا عندهم ، فهم خصم لما سالمه الناس

[ 78 ]

من الشهوات ، وسلم لما عاداه الناس من العلوم والعبادات ، وبهم علم الكتاب ، لانه لولاهم لما عرف تأويل الايات المتشابهات ، ولاخذها الناس على ظواهرها فضلوا وبالكتاب علموا ، لان الكتاب دل عليهم ، ونبه الناس على مواضعهم ، نحو قوله : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (1) . وقوله : (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (2) . وقوله : (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) (3) . ونحو ذلك من الايات التى تنادى عليهم ، وتخطب بفضلهم ، وبهم قام الكتاب لانهم قرروا البراهين على صدقه وصحة وروده من الله تعالى على لسان جبريل عليه السلام ولولاهم لم يقم على ذلك دلاله للعوام ، وبالكتاب قاموا ، أي باتباع أوامر الكتاب وآدابه قاموا ، لانه لو لا تأدبهم بآداب القرآن ، وامتثالهم أوامره ، لما أغنى عنهم علمهم شيئا ، بل كان وباله عليهم ، ثم قال : إنهم لا يرون مرجوا فوق ما يرجون ، ولا مخوفا فوق ما يخافون ، وكيف لا يكونون كذلك ومرجوهم مجاورة الله تعالى في حظائر قدسه ، وهل فوق هذا مرجو لراج ، ومخوفهم سخط الله عليهم وإبعادهم عن جنابه ، وهل فوق هذا مخوف لخائف .


(1) سورة فاطر 28 . (2) سورة الزمر 9 . (3) سورة البقرة 269 . (*)

[ 79 ]

(442) الاصل : وقال عليه السلام : اذكروا انقطاع اللذات ، وبقاء التبعات . الشرح : قد تقدم القول في نحو هذا مرارا ، وقال الشاعر : تفنى اللذاذة ممن نال بغيته من الحرام ، ويبقى الاثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار . وراود رجل امرأة عن نفسها ، فقالت له : إن امرأ يبيع جنة عرضها السموات والارض بمقدار إصبعين لجاهل بالمساحة ، فاستحيا ورجع .

[ 80 ]

(443) الاصل : وقال عليه السلام : اخبر تقله . قال الرضى رحمه الله تعالى : ومن الناس من يروى هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله ، ومما يقوى إنه من كلام أمير المؤمنين ما حكاه ثعلب قال : حدثنا ابن الاعرابي قال : قال المأمون : لو لا إن عليا عليه السلام قال : أخبر تقله ، لقلت أنا : أقله تخبر . الشرح : المعنى اختبر الناس وجربهم تبغضهم ، فإن التجربة تكشف لك مساويهم وسوء أخلاقهم ، فضرب مثلا لمن يظن به الخير وليس هناك ، فأما قول المأمون : لو لا أن عليا قاله لقلت : أقله تخبر فليس المراد حقيقة القلى ، وهو البغض بل المراد الهجر والقطيعة ، يقول : قاطع أخاك مجربا له هل يبقى على عهدك أم ينقضه ويحوله عنك . ومن كلام عتبة بن أبى سفيان : طيروا الدم في وجوه الشباب ، فإن حلموا وأحسنوا الجواب فهم هم ، وإلا فلا تطمعوا فيهم ، يقول أغضبوهم لان الغضبان يحمر وجهه ، فإن ثبتوا لذلك الكلام المغضب وحلموا وأجابوا جواب الحليم العاقل ، فهم ممن يعقد عليه الخنصر ويرجى فلاحه ، وإن سفهوا وشتموا ولم يثبتوا لذلك الكلام فلا رجاء لفلاحهم . ومن المعنى الاول قول أبى العلاء :

[ 81 ]

جربت دهري وأهليه فما تركت لى التجارب في ود امرئ غرضا (1) . وقال آخر : وكنت أرى إن التجارب عدة فخانت ثقات الناس حتى التجارب . وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب : رأيت فضيلا كان شيئا ملففا فأبرزه التمحيص حتى بداليا (2) . آخر : عتبت على سلم فلما فقدته وجربت أقواما رجعت إلى سلم . مثله : ذممتك أولا حتى إذا ما بلوت سواك عاد الذم حمدا ولم أحمدك من خير ولكن وجدت سواك شرا منك جدا فعدت إليك مضطرا ذليلا لانى لم أجد من ذاك بدا كمجهود تحامى أكل ميت فلما اضطر عاد إليه شدا . الذى يتعلق به غرضنا من الابيات هو البيت الاول ، وذكرنا سائرها لحسنها .


(1) سقط الزند 656 . (2) الاغانى 12 : 214 ، وروايته (رأيت قصيا) . (*)

[ 82 ]

(444) الاصل : وقال عليه السلام : ما كان الله عز وجل ليفتح على عبد باب الشكر ، ويغلق عنه باب الزيادة ، ولا ليفتح على عبد باب الدعاء ، ويغلق عنه باب الاجابة ، ولا ليفتح عليه باب التوبة ، ويغلق عنه باب المغفرة . الشرح : قد تقدم القول في الشكر واقتضائه الزيادة [ و ] (1) اقتضاء الدعاء الاجابة ، والتوبة : المغفرة ، على وجه الاستقصاء في الجميع .


(1) تكملة من د . (*)

[ 83 ]

(445) الاصل : وقال عليه السلام : أولى الناس بالكرم من عرقت فيه الكرام . الشرح : أعرقت وعرقت في هذا الموضع بمعنى ، أي ضربت عروقه في الكرم ، أي له سلف وآباء كرام ، وقال المبرد : أنشدني أبو محلم السعدى : إنا سألنا قومنا فخيارهم من كان أفضلهم أبوه الافضل (1) أعطى الذى أعطى أبوه قبله وتبخلت أبناء من يتبخل . قال : وأنشدني أيضا في المعنى : لطلحة بن خيثم حين تسأله أندى وأكرم من فند بن هطال (2) وبيت طلحة في عز ومكرمة وبيت فند إلى ربق وأحمال (3) إلا فتى من بنى ذبيان يحملنى وليس يحملنى إلا ابن حمال (4) فقلت طلحة أولى من عمدت له وجئت أمشى إليه مشى مختال مستيقنا أن حبلى سوف يعلقه في رأس ذيالة أو رأس ذيال (5)


(1) الكامل 1 : 363 ، وروايته : (أبوه الاول) (2) الكامل 1 : 363 ، وروايته : (لطلحة بن حبيب) . (3) ربق : حبل فيه عدة عرا ، تشد به البهم . وأحمال : جمع حمل ، بالتحريك ، وهو الخروف . (4) قال أبو العباس : (يعنى ذبيان بن بغيض بن ربث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر) . (5) قوله : (في رأس ذيالة) ، يعنى فرسا أنثى أو حصانا . والذيال : الطويل الذنب . (*)

[ 84 ]

وقال آخر : عند الملوك مضرة ومنافع وأرى البرامك لا تضر وتنفع إن العروق إذا استسر بها الثرى أثرى النبات بها وطاب المزرع وإذا جهلت من امرئ أعراقه وقديمة فانظر إلى ما يصنع . وقال آخر : ان السرى إذا سرى فبنفسه وابن السرى إذا سرى أسراهما . وقال البحترى : وأرى النجابة لا يكون تمامها لنجيب قوم ليس بابن نجيب (1)


(1) ديوانه 1 : 57 . (*)

[ 85 ]

(446) الاصل : وسئل عليه السلام : أيما أفضل ؟ العدل أو الجود ؟ فقال : العدل يضع الامور مواضعها ، والجود يخرجها من جهتها ، والعدل سائس عام ، والجود عارض خاص ، فالعدل أشرفهما وأفضلهما . الشرح : هذا كلام شريف جليل القدر ، فضل عليه السلام العدل بامرين : أحدهما ان العدل وضع الامور مواضعها ، وهكذا العدالة في الاصطلاح الحكمى ، لانها المرتبة المتوسطة بين طرفي الافراط والتفريط ، والجود يخرج الامر من موضعه ، والمراد بالجود هاهنا هو الجود العرفي ، وهو بذل المقتنيات للغير ، لا الجود الحقيقي ، لان الجود الحقيقي ليس يخرج الامر من جهته ، نحو جود البارئ تعالى . والوجه الثاني : إن العدل سائس عام في جميع الامور الدينية والدنيوية ، وبه نظام العالم وقوام الوجود ، وأما الجود فأمر عارض خاص ، ليس عموم نفعه كعموم نفع العدل .

[ 86 ]

(447) الاصل : وقال عليه السلام : الناس أعداء ما جهلوا . الشرح : هذه من ألفاظه الشريفة التى لا نظير لها ، وقد تقدم ذكرها وذكر ما يناسبها . وكان يقال : من جهل شيئا عاداه . وقال الشاعر : جهلت أمرا فأبديت النكير له والجاهلون لاهل العلم أعداء . وقيل لافلاطون : لم يبغض الجاهل العالم ، ولا يبغض العالم الجاهل ؟ فقال : لان الجاهل يستشعر النقص في نفسه ، ويظن إن العالم يحتقره ، ويزدريه فيبغضه ، والعالم لا نقص عنده ولا يظن إن الجاهل يحتقره ، فليس عنده سبب لبغض الجاهل .

[ 87 ]

(448) الاصل : وقال عليه السلام : الزهد كله بين كلمتين من القرآن ، قال الله سبحانه : (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) (1) ، ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالاتى فقد أخذ الزهد بطرفيه . الشرح : قد تقدم القول في هذين المعنيين بما فيه كفاية .


(1) سورة الحديد 23 . (*)

[ 88 ]

(449) الاصل : وقال عليه السلام : الولايات مضامير الرجال . الشرح : أي تعرف الرجال بها كما تعرف الخيل بالمضمار ، وهو الموضع أو المدة التى تضمر فيها الخيل ، فمن الولاة من يظهر منه اخلاق حميدة ، و منهم من يظهر منه أخلاق ذميمة . وقال الشاعر : سكرات خمس إذا منى المرء بها صار عرضه للزمان سكرة المال والحداثة والعشق وسكر الشراب والسلطان . وقال آخر : يا بن وهب والمرء في دولة السلطان أعمى ما دام يدعى أميرا فإذا زالت الولاية عنه واستوى بالرجال عاد بصيرا . وقال البحترى : وتاه سعيد أن أعير رياسة وقلد أمرا كان دون رجاله وضاق على حقى بعقب اتساعه فأوسعته عذرا لضيق احتماله فأدبر عنى عند إقبال حظه وغير حالى عنده حسن حاله فليت أبا عثمان أمسك تيهة كأمساكه عند الحقوق بماله

[ 89 ]

(450) الاصل : وقال عليه السلام : ما أنقض النوم لعزائم اليوم ! الشرح : هذه الكلمة قد سبقت ، وتكلمنا عليها ، وما أحسن قول المعرى : ما قضى الحاجات إلا شمل نومه فوق فراش من نمال (1) وقال الرضى رحمه الله : عليها أخامس مثل الصقور طوال الرجاء جسام الارب وكل فتى حظ أجفانه من النوم مضمضة يستلب (2) فبينا يقال كرى جفنه بقطع من الليل إذ قيل هب


(1) الشمل : السريع . (2) يقال : مضمض النعاس في عينه ، إذا دب . (*)

[ 90 ]

(451) الاصل : وقال عليه السلام : ليس بلد بأحق بك من بلد ، خير البلاد ما حملك . الشرح : هذا المعنى قد قيل كثيرا ، ومن ذلك قول الشاعر : لا يصدفنك عن أمر تحاوله فراق أهل وأحباب وجيران (1) تلقى بكل ديار ما حللت بها (2) اهلا بأهل وأوطانا بأوطان وقال شيخي أبو جعفر يحيى بن أبى زيد نقيب البصرة : أنسيتني بلدي وأرض عشيرتي ونزلت من نعماك أكرم منزل وأخذت فيك مدائحي فكأنها في آل شماس مدائح جرول . أبو عبادة البحترى : في نعمة أوطئتها وأقمت في أكنافها فكأنني في منبج (3) ومنبج ، هي مدينة البحترى . أبو تمام : كل شعب كنتم به آل وهب فهو شعبى وشعب كل أديب (4)


(1) في د : (فراق ربع) والمعنى عليه يستقيم أيضا . (2) في د (بلاد) وهو مستقيم أيضا . (3) ديوانه 1 : 103 . (4) ديوانه 1 : 131 . (*)

[ 91 ]

ان قلبى لكم لكالكبد الحرى وقلبي لغيركم كالقلوب وقد ذهب كثير من الناس إلى غير هذا المذهب ، فجعلوا بعض البلاد أحق بالانسان من بعض ، وهو الوطن الاول ومسقط الرأس ، قال الشاعر : أحب بلاد الله ما بين منبج إلى وسلمى أن يصوب سحابها (1) بلاد بها نيطت على تمائمى وأول أرض مس جلدى ترابها . وكان يقال : ميلك إلى مولدك من كرم محتدك . وقال ابن عباس : لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ، لما اشتكى أحد الرزق . وكان يقال : كما إن لحاضنتك حق لبنها فلارضك حرمة وطنها . وكانت العرب تقول : حماك أحمى لك ، وأهلك أحفى بك . وقال الشاعر : وكنا ألفناها ولم تك مالفا وقد يؤلف الشئ الذى ليس بالحسن كما تؤلف الارض التى لم يطب بها هواء ولا ماء ولكنها وطن . أعرابي : رملة حضنتني أحشاؤها ، وأرضعتني احساؤها . كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه ، وتطرحه في الماء إذا شربته ، وكذلك كانت فلاسفة يونان تفعل . وقال الشاعر في هذا المعنى : نسير على علم بكنه مسيرنا بعفه زاد في بطون المزاود (2)


(1) معجم البلدان 8 : 180 في ثلاثة أبيات نسبها إلى بعض الاعراب . (2) العفة : بقية اللبن في الضرع بعد أن يحلب أكثر ما فيه . (*)

[ 92 ]

ولا بد في اسفارنا من قبيصة من الترب نسقاها لحب الموالد . وقالت الهند : حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك ، كان غذاؤك منهما وأنت جنين وكان غذاؤهما منك . ومن الكلام القديم : لو لا الوطن وحبه لخرب بلد السوء . ابن الرومي : وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا

[ 93 ]

(452) الاصل : وقال عليه السلام وقد جاءه نعى الاشتر رحمه الله : مالك ، ومالك ؟ والله لو كان جبلا لكان فندا ، أو كان حجرا لكان صلدا لا يرتقيه الحافر ، ولا يوفى عليه الطائر . قال الرضى رحمه الله تعالى : الفند : المنفرد من الجبال . الشرح : يقال : إن الرضى ختم كتاب نهج البلاغة بهذا الفصل ، وكتبت به نسخ متعددة ثم زاد عليه إلى أن وفى الزيادات التى نذكرها فيما بعد . وقد تقدم ذكر الاشتر ، وإنما قال : لو كان جبلا لكان فندا لان الفند قطعة الجبل طولا ، وليس الفند القطعة من الجبل كيفما كانت ، ولذلك قال : لا يرتقيه الحافر ، لان القطعة المأخوذة من الجبل طولا في دقة لا سبيل للحافر إلى صعودها ، ولو أخذت عرضا لامكن صعودها . ثم وصف تلك القطعة بالعلو العظيم ، فقال : ولا يوفى عليه الطائر ، أي لا يصعد عليه ، يقال : أوفى فلان على الجبل : أشرف .

[ 94 ]

(453) الاصل : وقال عليه السلام : قليل مدوم عليه ، خير من كثير مملول منه . الشرح : هذا كلام يخاطب به أهل العبادات والصلاة ، قال : قليل من النوافل يدوم المرء عليه خير له من كثير منها يمله ويتركه . والجيد النادر في هذا قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ان هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى . وكان يقال : كل كثير مملول . وقالوا : كل كثير عدو للطبيعة . وقال الشاعر : إنى كثرت عليه في زيارته فمل والشئ مملول إذا كثرا ورابنى إنى لا أزال أرى في طرفه قصرا عنى إذا نظرا

[ 95 ]

(454) الاصل : وقال عليه السلام : إذا كان في رجل خلة رائعة ، فانتظروا منه أخواتها . الشرح : مثال ذلك إنسان مستور الحال عنا رأيناه وقد صدرت عنه حركة تروعك وتعجبك إما لحسنها أو لقبحها ، مثل أن يتصدق بشئ له وقع ومقدار من ماله ، أو ينكر منكرا عجز غيره عن انكاره أو يسرق أو يزنى ، فينبغي أن ينتظر ويترقب منه أخوات ما وقع منه ، وذلك لان العقل والطبيعة التى فيه المحركة له إلى فعل تلك الحركة ، لا بد أن تحركه إلى فعل ما يناسبها ، لانها ما دعته إلى فعل تلك الحركة لخصوصية تلك الحركة ، بل لما فيها من المعنى المقتضى وقوعها ، وهذا يتعدى إلى غيرها مما يجانسها ، ولذلك لا ترى أحدا قد اطلعت من حاله يوما على إنه قد شرب الخمر إلا وسوف تطلع فيما بعد منه على إنه يشربها ، وبالعكس في الامور الحسنة لا ترى أحدا قد صدر عنه فعل من أفعال الخير والمروءة إلا وستراه فيما بعد فاعلا نظيره أو ما يقاربه . وشتم بعض سفهاء البصرة الاحنف شتما قبيحا فحلم عنه ، فقيل له في ذلك ، فقال : دعوه فإنى قد قتلته بالحلم عنه ، وسيقتل نفسه بجراءته ، فلما كان بعد أيام جاء ذلك السفيه فشتم زيادا ، وهو أمير البصرة حينئذ ، وظن إنه كالاحنف ، فأمر به فقطع لسانه ويده .

[ 96 ]

(455) الاصل : وقال عليه السلام لغالب بن صعصعة أبى الفرزدق في كلام دار بينهما : ما فعلت أبلك الكثيرة ؟ قال : ذعذعتها الحقوق يا أمير المؤمنين ، فقال عليه السلام : ذلك احمد سبلها . الشرح : ذعذعتها بالذال المعجمة مكررة : فرقتها ، ذعذعته فتذعذع ، وذعذعة السر : إذاعته ، والذعاذع : الفرق المتفرقة ، الواحدة ذعذعة ، وربما قالوا : تفرقوا ذعاذع . دخل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعى على أمير المؤمنين عليه السلام أيام خلافته ، وغالب شيخ كبير ، ومعه ابنه همام الفرزدق وهو غلام يومئذ ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : من الشيخ ؟ قال : أنا غالب بن صعصعة ، قال : ذو الابل الكثيرة ؟ قال : نعم ، قال : ما فعلت أبلك ؟ قال : ذعذعتها الحقوق ، وأذهبتها الحملات والنوائب ، قال : ذاك أحمد سبلها ، من هذا الغلام معك ؟ قال : هذا ابني ، قال : ما اسمه ؟ قال : همام ، وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب ، ويوشك أن يكون شاعرا مجيدا ، فقال : لو اقرأته (1) القرآن فهو خير له ، فكان الفرزدق بعد يروى هذا الحديث ويقول ما زالت كلمته في نفسي حتى قيد نفسه بقيد وآلى الا يفكه حتى يحفظ القرآن ، فما فكه حتى حفظه .


(1) في د (أقرئه) والمعنى عليه يستقيم أيضا . (*)

[ 97 ]

(456) الاصل : وقال عليه السلام : من أتجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا . الشرح : يقول تجر فلان وأتجر فهو تاجر ، والجمع تجر ، مثل صاحب وصحب ، والتجارة والتجر بمعنى واحد ، إذا أخذتهما مصدرين ل‍ (تجر) وأرض متجرة ، يتجر فيها . وارتطم فلان في الوحل والامر إذا ارتبك فيه ولم يقدر على الخروج منه ، وإنما قال عليه السلام ذلك لان مسائل الربا مشتبهة بمسائل البيع ، ولا يفرق بينهما إلا الفقيه ، حتى إن العظماء من الفقهاء قد اشتبه عليهم الامر فيها فاختلفوا فيها أشد اختلاف ، كبيع لحم البقر بالغنم متفاضلا ، هل يجوز أم لا ؟ وكذلك لبن البقر بلبن الغنم ، وجلود البقر بجلود الغنم ، فقال أبو حنيفة : اللحوم والالبان والجلود أجناس مختلفة ، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا ، نظرا إلى إن أصولها أجناس مختلفة ، والشافعي لا يجيز ذلك ويقول هو ربا ، وكذلك القول في مدى عجوة ودرهم بمد عجوة . وكذلك بيع الرطب بالتمر متساويا كيلا ، كل ذلك يقول الشافعي إنه ربا ، وأبو حنيفة يخرجه عن كونه ربا ، ومسائل هذا الباب كثيرة .

[ 98 ]

(457) الاصل : وقال عليه السلام : من عظم صغار المصائب ، ابتلاه الله بكبارها . الشرح : إنما كان كذلك لانه يشكو الله ويتسخط قضاءه ، ويجحد النعمة في التخفيف عنه ، ويدعى فيما ليس بمجحف به من حوادث الدهر إنه مجحف ، ويتالم بين الناس ، لذلك أكثر مما تقتضيه نكبته ، ومن فعل ذلك استوجب السخط من الله تعالى ، وابتلى بالكثير من النكبة ، وإنما الواجب على من وقع في أمر يشق عليه ، ويتألم منه وينال من نفسه ، أو من ماله نيلا ما ، أن يحمد الله تعالى على ذلك ، ويقول لعله قد دفع بهذا عنى ما هو اعظم منه ، ولئن كان قد ذهب من مالى جزء فلقد بقى أجزاء كثيرة . وقال عروه بن الزبير : لما وقعت الاكلة في رجله فقطعها ومات ابنه اللهم إنك أخذت عضوا وتركت أعضاء ، وأخذت ابنا وتركت أبناء ، فليهنك ، لئن كنت أخذت لقد أبقيت ، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت .

[ 99 ]

(458) الشرح : وقال عليه السلام : من كرمت عليه نفسه ، هانت عليه شهوته . الشرح : قد تقدم مثل هذا المعنى مرارا ، ومن الكلام المشهور بين العامة : قبح الله امرأ تغلب شهوته على نخوته . والجيد النادر في هذا قول الشاعر : فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا (1)


(1) لحاتم الطائى ، ديوانه 114 . (*)

[ 100 ]

(459) الاصل : وقال عليه السلام : ما مزح امرؤ مزحة ، إلا مج من عقله مجة . الشرح : قد تقدم القول في المزاح . وكان يقال : خير المزاح لا ينال ، وشره لا يستقال . وقيل : إنما سمى المزاح مزاحا لانه ازيح عن الحق .

[ 101 ]

(460) الاصل : وقال عليه السلام : زهدك في راغب فيك نقصان حظ ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس . الشرح : أي نقصان حظ لك ، وذلك لانه ليس من حق من رغب فيك أن تزهد فيه لان الاحسان لا يكافأ بالاساءة ، وللقصد حرمة ، وللامل ذمام ، ومن طلب مودتك فقد قصدك وأملك ، فلا يجوز رفضه وإطراحه والزهد فيه ، وإذا زهدت فيه فذلك لنقصان حظك لا لنقصان حظه ، فأما رغبتك في زاهد فيك فمذلة ، لانك تطرح نفسك لمن لا يعبأ بك ، وهذا ذل وصغار . وقال العباس بن الاحنف في نسيبه ، وكان جيد النسيب : ما زلت أزهد في مودة راغب حتى ابتليت برغبه في زاهد هذا هو الداء الذى ضاقت به حيل الطبيب وطال يأس العائد أي ما زلت عزيزا حتى أذلني الحب .

[ 102 ]

(461) الاصل : وقال عليه السلام : ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشئوم عبد الله . الشرح : ذكر هذا الكلام أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب عن أمير المؤمنين عليه السلام في عبد الله بن الزبير ، إلا إنه لم يذكر لفظة المشئوم . [ عبد الله بن الزبير وذكر طرف من أخباره ] ونحن نذكر ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة عبد الله بن الزبير ، فإن هذا المصنف يذكر جمل أحوال الرجل دون تفاصيلها ، ثم نذكر تفصيل أحواله من مواضع أخرى . قال أبو عمر رحمه الله : يكنى (1) عبد الله بن الزبير أبا بكر ، وقال بعضهم : أبا بكير ، ذكر ذلك أبو أحمد الحاكم الحافظ في كتابه في الكنى . والجمهور من أهل السير وأهل الاثر على أن كنيته أبو بكر ، وله كنية أخرى أبو خبيب بابنه خبيب


(1) الاستيعاب 904 ، طبعة نهضة مصر . (*)

[ 103 ]

وكان أسن ولده ، وخبيب هو صاحب عمر بن عبد العزيز الذى مات من ضربة إذ كان واليا على المدينة للوليد ، وكان الوليد أمره بضربه فمات من أذيه ذلك فوداه عمر بعد . قال أبو عمر : (1 وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله باسم جده ، وكناه بكنية جده عبد الله أبى بكر 1) ، وهاجرت أمه أسماء من مكة إلى المدينة وهى حامل به ، فولدته في سنه اثنتين من الهجرة لعشرين شهرا من التاريخ ، وقيل : ولد في السنة الاولى ، وهو أول مولود ولد في الاسلام من المهاجرين بعد الهجرة . وروى هشام بن عروة عن أسماء قالت : حملت بعبد الله بمكة ، فخرجت وأنا متم (2) فأتيت المدينة فنزلت بقباء ، فولدته بقباء ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فوضعته في حجره ، فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه ، فكان أول شئ دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم حنكه بالتمرة ، ثم دعا له وبارك عليه ، وهو أول مولود ولد في الاسلام للمهاجرين بالمدينة ، قال : ففرحوا به فرحا شديدا ، وذلك انهم قد كان قيل لهم ، إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم . قال أبو عمر : وشهد عبد الله الجمل مع أبيه وخالته ، وكان شهما ذكرا ذا أنفه ، وكان له لسن وفصاحة وكان اطلس لا لحية له ولا شعر في وجهه ، وكان كثير الصلاة ، كثير الصيام ، شديد البأس ، كريم الجدات والامهات والخالات ، إلا إنه كان فيه خلال لا يصلح معها للخلافة ، فإنه كان بخيلا ضيق العطن سيئ الخلق حسودا ، كثيرا الخلاف ، أخرج محمد بن الحنفية من مكة والمدينة ، ونفى عبد الله بن عباس الى الطائف .


(1 - 1) عبارة الاستيعاب : (كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم جده أبى أمه أبى بكر الصديق ، وسماه باسمه) . (2) المتم : التى اكتملت مدة حملها . (*)

[ 104 ]

وقال على عليه السلام في أمره : ما زال الزبير يعد منا أهل البيت حتى نشا ابنه عبد الله . قال أبو عمر : وبويع له بالخلافة سنة اربع وستين في قول أبى معشر . وقال المدائني : بويع له بالخلافة سنة خمس وستين . وكان قبل ذلك لا يدعى باسم الخلافة ، وكانت بيعته بعد موت معاوية بن يزيد بن معاويه ، على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ، وحج بالناس ثمانى حجج ، وقتل في أيام عبد الملك بن مروان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقين من جمادى الاولى ، وقيل : من جمادى الاخرة سنة ثلاث وسبعين ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، وصلب بمكة بعد قتله ، وكان الحجاج قد ابتدأ بحصاره من أول ليلة من ذى الحجة سنة اثنتين وسبعين ، وحج الحجاج بالناس في ذلك العام ، ووقف بعرفة وعليه درع ومغفر ، ولم يطوفوا بالبيت في تلك السنة . فحاصره ستة أشهر وسبعة عشر يوما إلى أن قتله . قال أبو عمر : فروى هشام بن عروه عن أبيه قال : لما كان قبل قتل عبد الله بعشرة أيام دخل على أمه أسماء بنت أبى بكر وهى شاكية : فقال : كيف تجدينك يا أمه ؟ قالت : ما أجدني إلا شاكية ، فقال لها : إن في الموت لراحة ، فقالت لعلك تمنيته لى ، وما أحب أن أموت حتى ياتي على احدى حالتيك ، أما قتلت فاحتسبك ، وأما ظفرت بعدوك فقرت عينى . قال عروة : فالتفت عبد الله إلى وضحك ، فلما كان اليوم الذى قتل فيه دخل عليها في المسجد ، فقالت يا بنى لا تقبل منهم خطة تخاف فيها على نفسك الذل [ مخافة القتل ] (1) ، فو الله لضربة سيف في عز خير من ضربة سوط في مذلة ، قال : فخرج


(1) من د . (*)

[ 105 ]

عبد الله وقد نصب له مصراع عند الكعبة ، فكان يكون تحته ، فأتاه رجل من قريش فقال له : ألا نفتح لك باب الكعبة فتدخلها ؟ فقال : والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم عن آخركم ، وهل حرمة البيت إلا كحرمة الحرم ! ثم أنشد : ولست بمبتاع الحياة بسبه ولا مرتق من خشية الموت سلما . ثم شد عليه أصحاب الحجاج ، فسأل عنهم ، فقيل هؤلاء أهل مصر ، فقال لاصحابه : اكسروا أغماد سيوفكم ، واحملوا معى ، فإننى في الرعيل الاول ، ففعلوا ، ثم حمل عليهم وحملوا عليه ، فكان يضرب بسيفين ، فلحق رجلا فضربه فقطع يده ، وانهزموا وجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد ، وجعل رجل منهم أسود يسبه ، فقال له : اصبر يا بن حام ، ثم حمل عليه فصرعه ، ثم دخل عليه أهل حمص من باب بنى شيبة فسأل عنهم ، فقيل هؤلاء أهل حمص ، فشد عليهم وجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد ، ثم انصرف وهو يقول : لو كان قرنى واحدا أرديته أوردته الموت وقد ذكيته . ثم دخل عليه أهل الاردن من باب آخر ، فقال : من هؤلاء ؟ قيل أهل الاردن ، فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد ، ثم انصرف وهو يقول لا عهد لى بغارة مثل السيل لا ينجلى قتامها حتى الليل . فأقبل عليه حجر من ناحية الصفا فأصابه بين عينيه ، فنكس رأسه وهو يقول ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ولكن على اقدامنا تقطر الدما (1)


(1) للحصين بن الحمام المرى من المفضيلة 12 . (*)

[ 106 ]

أنشده متمثلا ، وحماه موليان له ، فكان أحدهما يرتجز فيقول * العبد يحمى ربه ويحتمى * قال : ثم اجتمعوا عليه ، فلم يزالوا يضربونه ويضربهم حتى قتلوه ومولييه جميعا ، فلما قتل كبر أهل الشام ، فقال عبد الله بن عمر : المكبرون يوم ولد خير من المكبرين يوم قتل . قال أبو عمر : وقال يعلى بن حرملة : دخلت مكة بعد ما قتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أيام ، فإذا هو مصلوب ، فجاءت أمه أسماء ، وكانت امرأة عجوزا طويلة مكفوفة البصر تقاد ، فقالت للحجاج : أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ فقال لها : المنافق ؟ قالت : والله ما كان منافقا ، ولكنه كان صواما قواما برا ، قال : انصرفي فإنك عجوز قد خرفت . قالت : لا والله ما خرفت ، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : (يخرج من ثقيف كذاب ومبير) (1) ، أما الكذاب فقد رأيناه - تعنى المختار - وأما المبير فانت . قال : أبو عمر وروى سعيد بن عامر الخراز عن ابن أبى مليكة ، قال : كنت الاذن لمن بشر أسماء بنزول ابنها عبد الله من الخشبة ، فدعت بمركن (2) وشب يمان ، فأمرتني بغسله ، فكنا لا نتناول منه عضوا إلا جاء معنا ، فكنا نغسل العضو وندعه في أكفانه ونتناول العضو الذى يليه فنغسله ، ثم نضعه في أكفانه ، حتى فرغنا منه ، ثم قامت فصلت عليه ، وقد كانت تقول اللهم لا تمتنى حتى تقر عينى بجثته ، فلما دفنته لم يأت عليها جمعة حتى ماتت . قال أبو عمر : وقد كان عروة بن الزبير رحل إلى عبد الملك ، فرغب إليه في إنزال عبد الله من الخشبة ، فأسعفه بذلك ، فانزل .


(1) المبير : المهلك . (2) المركن : الاناء . (*)

[ 107 ]

قال أبو عمر : وقال على بن مجاهد : قتل مع ابن الزبير مائتان واربعون رجلا ، إن منهم لمن سال دمه في جوف الكعبة . قال : أبو عمر وروى عيسى عن أبى القاسم ، عن مالك بن أنس ، قال : كان ابن الزبير أفضل من مروان وأولى بالامر منه ومن أبيه ، قال : وقد روى على بن المدائني ، عن سفيان بن عيينة ، إن عامر بن عبد الله بن الزبير مكث بعد قتل أبيه حولا لا يسأل الله لنفسه شيئا إلا الدعاء لابيه . قال أبو عمر : وروى إسماعيل بن علية ، عن أبى سفيان بن العلاء ، عن ابن أبى عتيق ، قال : قالت عائشة : إذا مر ابن عمر فأرونيه ، فلما مر قالوا : هذا ابن عمر فقالت : يا أبا عبد الرحمن ، ما منعك أن تنهانى عن مسيرى ، قال : رأيت رجلا قد غلب عليك ، ورأيتك لا تخالفينه - يعنى عبد الله بن الزبير - فقالت : أما إنك لو نهيتني ما خرجت . فأما الزبير بن بكار فإنه ذكر في كتاب أنساب قريش من أخبار عبد الله وأحواله جملة طويلة نحن نختصرها ، ونذكر اللباب منها ، مع إنه قد أذنب في ذكر فضائله والثناء عليه ، وهو معذور في ذلك ، فإنه لا يلام الرجل على حب قومه ، والزبير بن بكار أحد اولاد عبد الله بن الزبير ، فهو أحق بتقريظه وتأبينه . قال الزبير بن بكار ، أمه أسماء ذات النطاقين ابنة أبى بكر الصديق ، وإنما سميت ذات النطاقين لان رسول الله صلى الله عليه وآله لما تجهز مهاجرا إلى المدينة ومعه أبو بكر لم يكن لسفرتهما شناق (1) ، فشقت أسماء نطاقها فشنقتها به ، فقال لها رسول الله


(1) الشناق : الحبل . (*)

[ 108 ]

صلى الله عليه وآله : قد أبدلك الله تعالى بنطاقك هذا نطاقين في الجنة فسميت ذات النطاقين . قال : وقد روى محمد بن الضحاك : عن أبيه إن أهل الشام كانوا وهم يقاتلون عبد الله بمكة يصيحون : يا بن ذات النطاقين . يظنونه عيبا ، فيقول ابنها : والاله ، ثم يقول : إنى وإياكم لكما قال أبو ذؤيب : وعيرني الواشون إنى أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (1) فإن اعتذر عنها فإنى مكذب وإن تعتذر يردد عليك اعتذارها ثم يقبل على ابن أبى عتيق - وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر - فيقول : ألا تسمع يا بن أبى عتيق ! قال الزبير : وزعموا إن عبد الله بن الزبير لما ولد أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله ، فنظر في وجهه وقال : (أهو هو ؟ ليمنعن البيت أو ليموتن دونه) . وقال العقيلى في ذلك : بر تبين ما قال الرسول له وذو صلاة بضاحى وجهه علم (2) حمامة من حمام البيت قاطنة لا تتبع الناس إن جاروا وإن ظلموا . قال : وقد روى نافع بن ثابت ، عن محمد بن كعب القرظى ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على أسماء حين ولد عبد الله فقال : أهو هو ؟ فتركت أسماء رضاعه ، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله : ان أسماء تركت رضاع عبد الله لما سمعت كلمتك ، فقال لها : (أرضعيه ولو بماء عينيك ، كبش بين ذئاب عليها ثياب ، ليمنعن الحرم أو ليموتن دونه) . قال : وحدثني عمى مصعب بن عبد الله ، قال : كان عبد الله بن الزبير يقول : هاجرت بى أمي في بطنها ، فما أصابها شئ من نصب أو مخمصة (3) إلا وقد أصابني .


(1) ديوان الهذليين 1 : 21 ، قال : ظاهر عنك ، أي لا يعلق بك ، أي يظهر عنك وينبو . (2) رواية : (د) (يزيننى ذكر ما قال الرسول له) (3) المخمصة : الجوع . (*)

[ 109 ]

قال : وقالت عائشة : يا رسول الله ، ألا تكنينى ؟ فقال : تكنى باسم ابن أختك عبد الله ، فكانت تكنى أم عبد الله . قال : وروى هند بن القاسم ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم دفع إلى دمه ، فقال : اذهب به فواره حيث لا يراه أحد ، فذهبت به فشربته ، فلما رجعت قال : ما صنعت ؟ قلت : جعلته في مكان اظن إنه أخفى مكان عن الناس ، فقال : فلعلك شربته ؟ فقلت : نعم . قال : وقال وهب بن كيسان : أول من صف رجليه في الصلاة عبد الله بن الزبير فاقتدى به كثير من العباد ، وكان مجتهدا . قال : وخطب الحجاج بعد قتله (1) زجله بنت منظور بن زبان بن سيار الفزارية ، وهى أم هاشم بن عبد الله بن الزبير ، فقلعت ثنيتها وردته ، وقالت : ماذا يريد إلى ذلفاء ثكلى حرى ! وقالت : أبعد عائذ بيت الله تخطبني جهلا جهلت وغب الجهل مذموم فاذهب إليك فإنى غير ناكحة بعد ابن أسماء ما استن الدياميم من يجعل العير مصفرا جحافله مثل الجواد وفضل الله مقسوم ! قال : وحدثني عبد الملك بن عبد العزيز ، عن خاله يوسف بن الماجشون ، قال : قسم عبد الله بن الزبير الدهر على ثلاث ليال : فليلة هو قائم حتى الصباح ، وليلة هو راكع حتى الصباح ، وليله هو ساجد حتى الصباح . قال : وحدثنا سليمان بن حرب بإسناد ذكره ورفعه إلى مسلم المكى ، قال : ركع عبد الله بن الزبير يوما ركعة ، فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ، وما رفع رأسه .


(1) ضبط في د : (رجلة) . (*)

[ 110 ]

قال : وقد حدث من لا أحصيه كثرة من أصحابنا ، إن عبد الله كان يواصل الصوم سبعا ، يصوم يوم الجمعة فلا يفطر إلا يوم الجمعة الاخر ، ويصوم بالمدينة فلا يفطر إلا بمكة ، ويصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة . قال : وقال عبد الملك بن عبد العزيز : وكان أول ما يفطر عليه إذا أفطر لبن لقحه بسمن بقر ، قال الزبير وزاد غيره : وصبر . قال : وحدثني يعقوب بن محمد بن عيسى باسناد رفعه إلى عروة بن الزبير ، قال : لم يكن أحد أحب إلى عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وبعد أبى بكر من عبد الله بن الزبير . قال : وحدثني يعقوب بن محمد بإسناد يرفعه إلى عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه قال : ما كان أحد أعلم بالمناسك من ابن الزبير . قال : وحدثني مصعب بن عثمان ، قال : أوصت عائشة إلى عبد الله بن الزبير وأوصى إليه حكيم بن حزام وعبد الله بن عامر بن كريز والاسود بن أبى البخترى وشيبه بن عثمان والاسود بن عوف . قال الزبير : وحدث عمر بن قيس ، عن أمه قالت : دخلت على عبد الله بن الزبير بيته ، فإذا هو قائم يصلى ، فسقطت حية من البيت على ابنه هاشم بن عبد الله فتطوقت (1) على بطنه وهو نائم ، فصاح أهل البيت : الحية الحية ! ولم يزالوا بها حتى قتلوها وعبد الله قائم يصلى ما التفت ولا عجل ، ثم فرغ من صلاته بعد ما قتلت الحية فقال : ما بالكم ؟ فقالت أم هاشم : أي رحمك الله ، أرأيت إن كنا هنا عليك أيهون عليك ابنك ! قال : ويحك ! وما كانت التفاتة لو التفتها مبقيه من صلاتي .


(1) في د : (فتطوت) والمعنى عليه يستقيم . (*)

[ 111 ]

قال الزبير : وعبد الله أول من كسا الكعبة الديباج ، وإن كان ليطيبها حتى يجد ريحها من دخل الحرم . قال : ولم تكن كسوة الكعبة من قبله إلا المسوح (1) والانطاع ، فلما جرد المهدى بن المنصور الكعبة ، كان فيما نزع عنها كسوة من ديباج مكتوب عليها : لعبد الله أبى بكر أمير المؤمنين . قال : وحدثني يحيى بن معين باسناد رفعه إلى هشام بن عروة ، أن عبد الله بن الزبير أخذ من بين القتلى يوم الجمل وبه بضع واربعون طعنة وضربة . قال الزبير : واعتلت عائشة مرة ، فدخل عليها بنو أختها أسماء : عبد الله وعروة والمنذر ، قال عروة : فسألناها عن حالها ، فشكت إلينا نهكة من علتها فعزاها عبد الله عن ذلك ، فأجابته بنحو قولها ، فعاد لها بالكلام ، فعادت له بالجواب ، فصمت وبكى ، قال عروة : فما رأينا متحاورين من خلق الله أبلغ منهما . قال : ثم رفعت رأسها تنظر إلى وجهه ، فابهتت لبكائه ، فبكت ثم قالت : ما أحقني منك يا بنى ، ما أرى . فلم أعلم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وبعد أبوى أحدا أنزل عندي منزلتك ، قال عروة : وما سمعت عائشة و أمي أسماء تدعون لاحد من الخلق دعاءهما لعبد الله ، قال : وقال موسى بن عقبة اقراني : عامر بن عبد الله بن الزبير وصية عبد الله بن مسعود إلى الزبير بن العوام وإلى عبد الله بن الزبير من بعده ، وإنهما في وصيتى في حل وبل (2) . قال : وروى أبو الحسن المدائني ، عن ابى إسحق التميمي ، إن معاوية سمع رجلا ينشد : ابن رقاش ماجد سميدع يابى فيعطى عن يد أو يمنع


(1) المسح : (الكساء من الشعر ، وجمعه مسوح . (2) في د (وتل) تصحيف . والبل : المباح ، قالوا : هو لك حل وبل . (*)

[ 112 ]

فقال : ذلك عبد الله بن الزبير وكان عبد الله من جملة النفر الذين (1) أمرهم عثمان بن عفان أن ينسخوا القرآن في المصاحف . قال : وحدثنا محمد بن حسن ، عن نوفل بن عمارة ، قال : سئل سعيد بن المسيب عن خطباء قريش في الجاهلية ، فقال : الاسود بن المطلب بن أسد ، وسهيل بن عمرو . وسئل عن خطبائهم في الاسلام ، فقال : معاوية وابنه ، وسعيد بن العاص وابنه ، وعبد الله بن الزبير . قال : وحدثنا إبراهيم بن المنذر ، عن عثمان بن طلحة ، قال : كان عبد الله بن الزبير لا ينازع في ثلاث : شجاعة ، وعبادة ، وبلاغة . قال الزبير : وقال هشام بن عروة : رأيت عبد الله أيام حصاره والحجر من المنجنيق يهوى حتى أقول : كاد يأخذ بلحيته ، فقال له : أبى أيا ابن أم ، والله إن كاد ليأخذ بلحيتك ، فقال عبد الله : دعني يا ابن أم ، فو الله ما هي إلا هنة حتى كان الانسان لم يكن فيقول أبى وهو يقبل علينا بوجهه : والله ما أخشى عليك إلا من تلك الهنة . قال الزبير : فذكر هشام ، قال : والله لقد رأيته يرمى بالمنجنيق فلا يلتفت ولا يرعد صوته ، وربما مرت الشظية منه قريبا من نحره . وقال الزبير : وحدثنا ابن الماجشون ، عن ابن أبى مليكة عن أبيه قال : كنت أطوف بالبيت مع عمر بن عبد العزيز ، فلما بلغت الملتزم تخلفت عنده ادعو ثم لحقت عمر ، فقال لى : ما خلفك ؟ قال : كنت أدعو في موضع رأيت عبد الله بن الزبير فيه يدعو ، فقال : ما تترك تحنناتك على ابن الزبير ! أبدا فقلت والله ما رأيت


(1) ب : (الذى) . (*)

[ 113 ]

أحدا أشد جلدا على لحم ، ولحما على عظم من ابن الزبير ، ولا رأيت أحدا أثبت قائما ، ولا أحسن مصليا من ابن الزبير ، ولقد رأيت حجرا من المنجنيق جاءه فأصاب شرفة من المسجد ، فمرت قذاذة منها بين لحيته (1) وحلقه ، فلم يزل من مقامه ، ولا عرفنا ذلك في صوته ، فقال عمر : لا إله إلا الله ، لجاد ما وصفت ! قال الزبير : وسمعت إسماعيل بن يعقوب التيمى يحدث ، قال : قال عمر بن عبد العزيز لابن أبى مليكة : صف لنا عبد الله بن الزبير ، فإنه ترمرم على أصحابنا فتغشمروا عليه ، فقال : عن أي حاليه تسأل ؟ أعن دينه ، أم عن دنياه ؟ فقال : عن كل ، قال : والله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم ولا لحما على عصب ، ولا عصبا على عظم ، مثل جلده على لحمه ولا مثل لحمه على عصبه ، ولا مثل عصبه على عظمه ، ولا رأيت نفسا ركبت بين جنبين ، مثل نفس له ركبت بين جنبين ولقد قام يوما إلى الصلاة ، فمر به حجر من حجارة المنجنيق ، بلبنه مطبوخة من شرفات المسجد ، فمرت بين لحييه وصدره ، فو الله ما خشع لها بصره ، ولا قطع لها قراءته ، ولا ركع دون الركوع الذى كان يركع ، ولقد كان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شئ إليها ، ولقد كان يركع في الصلاة فيقع الرخم على ظهره ويسجد فكأنه مطروح . قال الزبير : وحدث هشام بن عروة ، قال : سمعت عمى ، يقول : ما أبالى إذا وجدت ثلاثمائة يصبرون صبرى ، لو أجلب على أهل الارض . قال الزبير : وقسم عبد الله بن الزبير ثلث ماله وهو حى ، وكان أبوه الزبير قد أوصى أيضا بثلث ماله . قال : وابن الزبير أحد الرهط الخمسة الذين وقع اتفاق أبى موسى الاشعري وعمرو بن العاص على إحضارهم ، والاستشارة بهم في يوم التحكيم


(1) في د (لحييه) . (*)

[ 114 ]

وهم عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمرو ، وأبو الجهم بن حذيفة ، وجبير بن مطعم ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام . قال : الزبير وعبد الله هو الذى صلى بالناس بالبصرة لما ظهر طلحة والزبير على عثمان بن حنيف بأمر منهما له . قال : وأعطت عائشة من بشرها بان عبد الله لم يقتل يوم الجمل عشرة آلاف درهم . قلت : الذى يغلب على ظنى ان ذلك كان يوم أفريقية ، لانها يوم الجمل كانت في شغل بنفسها عن عبد الله وغيره . قال الزبير : وحدثني على بن صالح مرفوعا إن رسول الله صلى الله عليه وآله كلم في صبية ترعرعوا ، منهم عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، وعمر بن أبى سلمة ، فقيل يا رسول الله ، لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ، ويكون لهم ذكر ! فأتى بهم فكأنهم تكعكعوا حين جئ بهم إليه ، واقتحم ابن الزبير ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقال : انه ابن أبيه ، وبايعهم . قال : وسئل رأس الجالوت : ما عندكم من الفراسة في الصبيان ، فقال : ما عندنا فيهم شئ ، لانهم يخلقون خلقا من بعد خلق ، غير إنا نرمقهم ، فإن سمعناه منهم من يقول في لعبة : من يكون معى ؟ رأيناها همه وخبء صدق فيه ، وإن سمعناه يقول مع من أكون ؟ كرهناها منه . قال : فكان أول شئ سمع من عبد الله بن الزبير إنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان ، فمر رجل ، فصاح عليهم ، ففروا منه ، ومشى ابن الزبير القهقرى ، ثم قال : يا صبيان ، اجعلوني أميركم ، وشدوا بنا عليه . قال : ومر به عمر بن الخطاب وهو مع الصبيان ، ففروا ووقف ، فقال : لم (1) لم تفر مع أصحابك ؟ فقال : لم أجرم فأخافك ، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع عليك ! وروى الزبير بن بكار ، إن عبد الله بن سعد بن أبى سرح غزا أفريقية في خلافه


(1) في د (مالك لا تفر) ، وهو مستقيم أيضا . (*)

[ 115 ]

عثمان ، فقتل عبد الله بن الزبير جرجير أمير جيش الروم ، فقال ابن أبى سرح : إنى موجه بشيرا الى أمير المؤمنين بما فتح علينا ، وأنت أولى من هاهنا ، فانطلق إلى أمير المؤمنين فأخبره الخبر ، قال عبد الله : فلما قدمت على عثمان أخبرته بفتح الله وصنعه ونصره ، ووصفت له أمرنا كيف كان ، فلما فرغت من كلامي قال : هل تستطيع أن تؤدى هذا إلى الناس ؟ قلت : وما يمنعنى من ذلك ! قال : فاخرج إلى الناس فاخبرهم قال عبد الله : فخرجت حتى جئت المنبر فاستقبلت الناس ، فتلقاني وجه أبى ، فدخلتني له هيبة عرفها أبى في وجهى ، فقبض قبضة من حصباء ، وجمع وجهه في وجهى وهم أن يحصبنى فأحزمت ، فتكلمت . فزعموا أن الزبير لما فرغ عبد الله من كلامه قال : والله لكأنى أسمع كلام أبى بكر الصديق : من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها فإنها تأتيه بأحدهما . قال الزبير : ويلقب عبد الله بعائذ البيت ، لاستعاذته به . قال : وحدثني عمى مصعب بن عبد الله ، قال : إن الذى دعا عبد الله إلى التعوذ بالبيت شئ سمعه من أبيه حين سار من مكة إلى البصرة ، فإن الزبير التفت إلى الكعبة بعد أن ودع ووجه يريد الركوب ، فأقبل على ابنه عبد الله ، وقال : تالله ما رأيت مثلها لطالب رغبة أو خائف رهبة . وروى الزبير بن بكار ، قال : كان سبب تعوذ ابن الزبير بالكعبة إنه كان يمشى بعد عتمة في بعض شوارع المدينة ، إذ لقى عبد الله بن سعد بن أبى سرح متلثما لا يبدو منه إلا عيناه . قال : فأخذت بيده وقلت : ابن أبى سرح ! كيف كنت بعدى ؟ وكيف تركت أمير المؤمنين ؟ يعنى معاوية - وقد كان ابن أبى سرح عنده بالشام - فلم يكلمني ، فقلت ما لك ؟ أمات أمير المؤمنين ؟ فلم يكلمني فتركته وقد أثبت معرفته ، ثم خرجت حتى لقيت الحسين بن على رضى الله عنه ، فأخبرته خبره ، وقلت : ستأتيك رسل الوليد ، وكان الامير على المدينة الوليد بن عتبه بن

[ 116 ]

أبى سفيان ، فانظر ما أنت صانع ! وأعلم أن رواحلي في الدار معدة ، والموعد بينى وبينك أن تغفل عنا عيونهم ، ثم فارقته فلم ألبث أن أتانى رسول الوليد ، فجئته فوجدت الحسين عنده ، ووجدت عنده مروان بن الحكم ، فنعى إلى معاوية ، فاسترجعت فاقبل على ، وقال : هلم إلى بيعة يزيد ، فقد كتب إلينا يأمرنا أن نأخذها عليك ! فقلت إنى قد علمت أن في نفسه على شيئا لتركي بيعته في حياة أبيه ، وإن بايعت له على هذه الحال توهم إنى مكره على البيعة ، فلم يقع منه ذلك بحيث أريد ، ولكن أصبح ويجتمع الناس ، ويكون ذلك علانية إن شاء الله ، فنظر الوليد الى مروان فقال مروان : هو الذى قلت لك ، إن يخرج لم تره . فاحببت أن ألقى بينى وبين مروان شرا نتشاغل به ، فقلت له وما أنت وذاك يا بن الزرقاء ! فقال لى ، وقلت له ، حتى تواثبنا ، فتناصيت أنا وهو ، وقام الوليد فحجز بيننا ، فقال مروان : أتحجز بيننا بنفسك ، وتدع أن تأمر أعوانك ! فقال : قد أرى ما تريد ، ولكن لا أتولى ذلك منه والله ابدا ، اذهب يا بن الزبير حيث شئت ، قال : فاخذت بيد الحسين ، وخرجنا من الباب حتى صرنا إلى المسجد ، وأنا أقول : ولا تحسبني يا مسافر شحمة تعجلها من جانب القدر جائع فلما دخل المسجد افترق هو والحسين ، وعمد كل واحد منهما إلى مصلاه يصلى فيه ، وجعلت الرسل تختلف إليهما ، يسمع وقع أقدامهم في الحصباء حتى هدأ عنهما الحس ، ثم انصرفا إلى منازلهما ، فأتى ابن الزبير رواحله ، فقعد عليها ، وخرج من أدبار داره ، ووافاه الحسين بن على ، فخرجا جميعا من ليلتهم ، وسلكوا طريق الفرع حتى مروا بالجثجاثة وبها جعفر بن الزبير قد ازدرعها ، وغمز عليهم بعير من إبلهم فانتهوا إلى جعفر ، فلما رآهم قال : مات معاوية ؟ فقال عبد الله : نعم ، انطلق

[ 117 ]

معنا واعطنا أحد جمليك - وكان ينضح على جملين له - فقال جعفر متمثلا : إخوتى لا تبعدوا أبدا وبلى والله قد بعدوا . فقال عبد الله - وتطير منها : بفيك التراب ! فخرجوا جميعا حتى قدموا مكة ، قال الزبير : فأما الحسين عليه السلام فإنه خرج من مكة يوم التروية يطلب الكوفة والعراق ، وقد كان قال لعبد الله بن الزبير : قد اتتنى بيعة أربعين ألفا يحلفون لى بالطلاق والعتاق من أهل العراق ، فقال : أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وخذلوا أخاك ، قال : وبعض الناس يزعم أن (1) عبد الله بن عباس هو الذى قال للحسين ذلك . قال الزبير : وقال هشام بن عروة : كان أول ما أفصح به عمى عبد الله وهو صغير : السيف ، فكان لا يضعه من فيه ، وكان أبوه الزبير إذا سمع منه ذلك يقول : أما والله ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام ! فأما خبر مقتل عبد الله بن الزبير فنحن نورده من تاريخ أبى جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله . قال أبو جعفر : حصر (1) الحجاج عبد الله بن الزبير ثمانية أشهر ، فروى إسحاق بن يحيى عن يوسف بن ماهك ، قال : رأيت منجنيق أهل الشام يرمى به ، فرعدت السماء وبرقت ، وعلا صوت الرعد على صوت المنجنيق ، فأعظم أهل الشام ما سمعوه ، فأمسكوا أيديهم ، فرفع الحجاج بركة قبائه ، فغرزها في منطقته ، ورفع حجر المنجنيق فوضعه فيه ، ثم قال : ارموا ، ورمى معهم ، قال : ثم أصبحوا فجاءت


(1) كذا في د ، وفى ب : (ابن) تصحيف . (2) تاريخ الطبري 2 : 844 ، وما بعدها (طبعة أوربا) ، مع تصرف واختصار . (3) بركة قبائه : مقدمه . (*)

[ 118 ]

صاعقة يتبعها أخرى ، فقتلت من أصحاب الحجاج اثنى عشر رجلا ، فأنكر أهل الشام ، فقال الحجاج : يا أهل الشام ، لا تنكروا هذا ، فإنى ابن تهامة ، هذه صواعق تهامة هذا الفتح قد حضر فابشروا ، فإن القوم يصيبهم مثل ما أصابكم ، فصعقت من الغد فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدة ما أصاب الحجاج ، فقال الحجاج : ألا ترون إنهم يصابون وأنتم على الطاعة ، وهم على خلاف الطاعة ! فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجاج حتى تفرق عامة أصحاب ابن الزبير عنه ، وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الامان . قال : وروى إسحاق بن عبيد الله ، عن المنذر بن الجهم الاسلمي ، قال : رأيت ابن الزبير ، وقد خذله من معه خذلانا شديدا ، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج ، خرج إليه منهم نحو عشرة آلاف ، وذكر إنه كان ممن فارقه ، وخرج إلى الحجاج ابناه : خبيب وحمزة ، فأخذا من الحجاج لانفسهما أمانا . قال أبو جعفر : فروى محمد بن عمر ، عن ابن أبى الزناد ، عن مخرمة بن سلمان الوالبى ، قال : دخل عبد الله بن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانه فقال : يا أمه ، خذلني الناس حتى ولدى وأهلي ، ولم يبق معى إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع اكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت : أنت يا بنى أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم إنك على حق وإليه تدعو فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بك غلمان بنى أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك ، وإن قلت قد كنت على حق فلما وهن أصحابي وهنت وضعفت ، فليس هذا فعل الاحرار ولا أهل

[ 119 ]

الدين ، وكم خلودك في الدنيا ، القتل أحسن ، فدنا ابن الزبير فقبل رأسها ، وقال : هذا والله رأيى الذى قمت به داعيا إلى يومى هذا ، وما ركنت إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، ولم يدعنى إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل محارمه (1) ، ولكني أحببت أن أعلم رأيك ، فزدتني بصيرة مع بصيرتي ، فانظري يا أمه ، فإنى مقتول من يومى هذا ، فلا يشتد حزنك ، وسلمى لامر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عملا بفاحشة ، ولم يجر في حكم ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمالى فرضيت به بل أنكرته ، ولم يكن شئ آثر عندي من رضا ربى . اللهم إنى لا أقول هذا تزكية منى لنفسي ، أنت أعلم بى ، ولكننى أقوله تعزية لامى لتسلو عنى . فقالت أمه : إنى لارجو من الله أن يكون عزائى فيك حسنا أن تقدمتني ، فلا أخرج من الدنيا حتى أنظر الى ما يصير أمرك ، فقال : جزاك الله يا أمه خيرا ! فلا تدعى الدعاء لى قبل وبعد ، قالت : لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق . ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب والظما في هواجر المدينة ومكة ، وبره بأبيه وبى ، اللهم إنى قد سلمته لامرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين . قال أبو جعفر : وروى محمد بن عمر ، عن موسى بن يعقوب بن عبد الله ، عن عمه ، قال : دخل ابن الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفر ، فوقف فسلم ، ثم دنا فتناول يدها فقبلها ، فقالت هذا وداع فلا تبعد ، فقال : نعم ، إنى جئت مودعا ، إنى لارى إن هذا اليوم آخر يوم من الدنيا يمر بى ، واعلمي يا أمه إنى إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضره ما صنع به ، فقالت صدقت يا بنى ، أتمم على بصيرتك ، ولا تمكن ابن


(1) الطبري : (أن يستحل حرمه) . (*)

[ 120 ]

أبى عقيل منك ، وادن منى أودعك ، فدنا منها فقبلها وعانقها ، فقالت حيث مست الدرع : ما هذا صنيع من يريد ما تريد ! فقال : ما لبستها إلا لاشد منك ، فقالت إنها لا تشد منى ، فنزعها ، ثم أخرج (1) كميه وشد أسفل قميصه ، وعمد إلى جبة خز تحت القميص ، فأدخل أسفلها في المنطقة ، فقالت أمه : شمر ثيابك ، فشمرها ، ثم انصرف وهو يقول : إنى إذا اعرف يومى أصبر إذ بعضهم يعرف ثم ينكر . فسمعت العجوز قوله ، فقالت تصبر والله ، ولم لا تصبر وأبوك أبو بكر والزبير ، وأمك صفية بنت عبد المطلب ! قال : وروى محمد بن عمر عن ثور بن يزيد عن رجل من أهل حمص قال : شهدته والله ذلك اليوم ونحن خمسمائة من أهل حمص ، فدخل من باب المسجد لا يدخل منه غيرنا ، وهو يشد علينا ونحن منهزمون وهو يرتجز : إنى إذا أعرف يومى أصبر وإنما يعرف يومية الحر * وبعضهم يعرف ثم ينكر * فأقول أنت والله الحر الشريف ، فلقد رأيته يقف بالابطح ، لا يدنو منه أحد حتى ظننا إنه لا يقتل . قال : وروى مصعب بن ثابت ، عن نافع مولى بنى أسد ، قال : رأيت الابواب قد شحنت بأهل (2) الشام ، وجعلوا على كل باب قائدا ورجالا وأهل بلد ، فكان لاهل حمص الباب الذى يواجه باب الكعبة ، ولاهل دمشق باب بنى شيبة ، ولاهل الاردن باب الصفا ، ولاهل فلسطين باب بنى جمح ، ولاهل قنسرين باب بنى سهم ، وكان الحجاج وطارق بن عمرو في ناحية الابطح إلى المروة ، فمرة يحمل ابن الزبير


(1) الطبري : (أدرج) . (2) الطبري : (من أهل الشام) . (*)

[ 121 ]

في هذه الناحية ، ولكأنه اسد في أجمه ما يقدم عليه الرجال ، فيعدو في أثر الرجال وهم على الباب حتى يخرجهم ، ثم يصيح إلى عبد الله بن صفوان ، يا أبا صفوان ، ويل أمه فتحا لو كان له رجال ! ثم يقول * لو كان قرنى واحدا كفيته (1) * فيقول عبد الله بن صفوان : إى والله والفا . قال أبو جعفر : فلما كان يوم الثلاثاء ، صبيحة سبع عشرة من جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعين ، وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالابواب ، بات ابن الزبير تلك الليلة يصلى عامة الليل ، ثم احتبى بحمائل سيفه ، فاغفى ثم انتبه بالفجر ، فقال : أذن يا سعد ، فأذن عند المقام ، وتوضأ ابن الزبير وركع ركعتي الفجر ، ثم تقدم وأقام المؤذن ، فصلى ابن الزبير بأصحابه فقرأ (ن والقلم) حرفا حرفا ثم سلم ، ثم قام ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : اكشفوا وجوهكم حتى أنظر ، وعليها المغافر والعمائم ، فكشفوا وجوههم ، فقال : يا آل الزبير ، لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا ، لم تصبنا مذلة ، ولم نقر على ضيم ، أما بعد يا آل الزبير ، فلا يرعكم وقع السيوف ، فإنى لم أحضر موطنا قط ارتثثت فيه بين القتلى ، وما أجد من دواء جراحها اشد مما أجد من ألم وقعها . صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم . لا أعلم امرأ كسر سيفه واستبقى نفسه . فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة اعزل . غضوا أبصاركم عن البارقة ، وليشغل كل امرئ قرنه ، ولا يلهينكم السؤال عنى ، ولا تقولن : اين عبد الله بن الزبير ؟ ألا من كان سائلا عنى فإنى في الرعيل الاول ، ثم قال :


(1) من أبيات لدويد بن زيد بن نهد ، طبقات الشعراء 27 ، 28 . (*)

[ 122 ]

أبى لابن سلمى إنه غير خالد يلاقى المنايا أي وجه تيمما (1) فلست بمبتاع الحياة بسبه ولا مرتق من خشية الموت سلما . ثم قال : احملوا على بركة الله ، ثم حمل حتى بلغ بهم الى الحجون ، فرمى بحجر ، فأصاب وجهه ، فأرعش ودمى وجهه ، فلما وجد سخونه الدم تسيل على وجهه ولحيته قال : ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما (2) قال : وتقاووا عليه ، وصاحت مولاة له مجنونة : وا أمير المؤمنيناه ، وقد كان هوى ، ورأته حين هوى فأشارت لهم إليه ، فقتل وإن عليه لثياب خز ، وجاء الخبر إلى الحجاج ، فسجد وسار هو وطارق بن عمرو ، فوقفا عليه ، فقال طارق : ما ولدت النساء أذكر من هذا ، فقال الحجاج : أتمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين ! فقال طارق : هو أعذر لنا ، ولو لا هذا ما كان لنا عذر ، إنا محاصروه وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعه منذ ثمانية أشهر ينتصف منا ، بل يفضل علينا في كل ما التقينا نحن وهو ، قال ، فبلغ كلامهما عبد الملك ، فصوب طارقا . قال : وبعث الحجاج برأس ابن الزبير ورأس عبد بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة ، فنصبت الثلاثة بها ، ثم حملت إلى عبد الملك . ونحن الان نذكر بقية اخبار عبد الله بن الزبير ملتقطة من مواضع متفرقة : رئى عبد الله بن الزبير في أيام معاوية واقفا بباب مية مولاة معاوية ، فقيل له :


(1) للحصين بن الحمام المرى ، الاغانى 14 : 8 . (2) للحصين بن الحمام المرى ، ديوان الحماسة 1 : 192 - بشرح التبريزي . (*)

[ 123 ]

يا أبا بكر ، مثلك يقف بباب هذه ! فقال : إذا أعيتكم الامور من رؤوسها فخذوها من أذنابها . ذكر معاوية لعبد الله بن الزبير يزيد ابنه ، وأراد منه البيعة له ، فقال ابن الزبير : أنا أناديك ولا أناجيك ، إن أخاك من صدقك ، فانظر قبل أن تقدم ، وتفكر قبل أن تندم ، فإن النظر قبل التقدم ، والتفكر قبل التندم ، فضحك معاوية وقال : تعلمت يا أبا بكر الشجاعة عند الكبر . كان عبد الله بن الزبير شديد البخل ، كان يطعم جنده تمرا ، ويأمرهم بالحرب ، فإذا فروا من وقع السيوف لامهم وقال لهم : أكلتم تمرى ، وعصيتم أمرى فقال بعضهم : ألم تر عبد الله - والله غالب على أمره - يبغى الخلافة بالتمر . وكسر بعض جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجاج ، وكلما كسر رمحا أعطاه رمحا ، فشق عليه ذلك ، وقال : خمسة أرماح ! لا يحتمل بيت مال المسلمين هذا . قال : وجاءه أعرابي سائل فرده ، فقال له : لقد أحرقت الرمضاء قدمى ، فقال : بل عليهما يبردان . جمع عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس في سبعة عشر رجلا من بنى هاشم ، منهم الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عليه السلام ، وحصرهم في شعب بمكة يعرف بشعب عارم ، وقال : لا تمضى الجمعة حتى تبايعوا إلى أو أضرب أعناقكم ، أو أحرقكم بالنار ، ثم نهض إليهم قبل الجمعة يريد إحراقهم بالنار ، فالتزمه

[ 124 ]

ابن مسور بن مخرمة الزهري ، وناشده الله أن يؤخرهم إلى يوم الجمعة ، فلما كان يوم الجمعة دعا محمد بن الحنفية بغسول وثياب بيض ، فاغتسل وتلبس وتحنط ، لا يشك في القتل ، وقد بعث المختار بن أبى عبيد من الكوفة أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف ، فلما نزلوا ذات عرق ، تعجل منهم سبعون على رواحلهم حتى وافوا مكة صبيحة الجمعة ينادون : يا محمد ، يا محمد ! وقد شهروا السلاح حتى وافو اشعب عارم ، فاستخلصوا محمد بن الحنفية ومن كان معه ، وبعث محمد بن الحنفية الحسن بن الحسن ينادى : من كان يرى إن الله عليه حقا فليشم سيفه ، فلا حاجة لى بأمر الناس ، إن أعطيتها عفوا قبلتها ، وإن كرهوا لم نبتزهم (1) أمرهم . وفى شعب عارم وحصار ابن الحنفية فيه يقول كثير بن عبد الرحمن : ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى من الناس يعلم إنه غير ظالم سمى النبي المصطفى وابن عمه وحمال أثقال وفكاك غارم تخبر من لاقيت إنك عائذ بل العائذ المحبوس في سجن عارم . وروى المدائني ، قال : لما أخرج ابن الزبير عبد الله بن عباس من مكة إلى الطائف مر بنعمان ، فنزل فصلى ركعتين ، ثم رفع يديه يدعو ، فقال : اللهم إنك تعلم إنه لم يكن بلد أحب إلى من أن أعبدك فيه من البلد الحرام ، وإنني لا أحب أن تقبض روحي إلا فيه ، وإن ابن الزبير أخرجنى منه ، ليكون الاقوى في سلطانه . اللهم فأوهن كيده ، واجعل دائرة السوء عليه : فلما دنا من الطائف تلقاه أهلها ، فقالوا : مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه ! أنت والله أحب إلينا وأكرم علينا ممن أخرجك ، هذه منازلنا تخيرها ، فانزل منها حيث أحببت ، فنزل منزلا ، فكان


(1) لم نبتزهم أمرهم : لم تسلبه منهم عفوا . (*)

[ 125 ]

يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر وبعد العصر ، فيتكلم بينهم ، كان يحمد الله ويذكر النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء بعده ، ويقول ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم ولا أشباههم ولا من يدانيهم ، ولكن بقى أقوام يطلبون الدنيا بعمل الاخرة ، ويلبسون جلود الضان ، تحتها قلوب الذئاب والنمور ، ليظن الناس إنهم من الزاهدين في الدنيا ، يراءون الناس بأعمالهم ، ويسخطون الله بسرائرهم ، فادعوا الله أن يقضى لهذه الامة بالخير والاحسان ، فيولى أمرها خيارها وأبرارها ، ويهلك فجارها وأشرارها ، ارفعوا أيديكم إلى ربكم وسلوه ذلك ، فيفعلون . فبلغ ذلك ابن الزبير ، فكتب إليه : أما بعد ، فقد بلغني إنك تجلس بالطائف العصرين فتفتيهم بالجهل ، تعيب أهل العقل والعلم ، وإن حلمي عليك ، واستدامتي فيئك جرآك على ، فاكفف - لا أبا لغيرك - من غربك ، وأربع على ظلعك ، واعقل إن كان لك معقول ، وأكرم نفسك فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا ، ألم تسمع قول الشاعر : فنفسك أكرمها فإنك إن تهن عليك فلن تلقى لها - الدهر - مكرما . وإنى أقسم بالله لئن لم تنته عما بلغني عنك لتجدن جانبى خشنا ، ولتجدننى إلى ما يردعك عنى عجلا ، فر رأيك ، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلا نفسك . فكتب إليه ابن عباس : أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، قلت : إنى أفتى الناس بالجهل ، وإنما يفتى بالجهل من لم يعرف من العلم شيئا ، وقد آتانى الله من العلم ما لم يؤتك . وذكرت إن حلمك عنى ، واستدامتك فئ جرآنى عليك ، ثم قلت : اكفف من غربك ، واربع على


(1) يقال : اربع على ظلعك ، أي افعل بقدر ما تطيق ، ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق . (*)

[ 126 ]

ظلعك ، وضربت لى الامثال ، أحاديث الضبع ، متى رأيتنى لعرامك (1) هائبا ، ومن حدك ناكلا ! وقلت : لئن لم تكفف لتجدن جانبى خشنا ، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ، ولا أرعى عليك إن أرعيت ! فو الله انتهى عن قول الحق ، وصفة أهل العدل والفضل ، وذم الاخسرين اعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، والسلام . قدم معاوية المدينة راجعا من حجة حجها ، فكثر الناس عليه في حوائجهم ، فقال لصاحب إبله : قدم إبلك ليلا حتى ارتحل ، ففعل ذلك ، وسار ولم يعلم بأمره إلا عبد الله بن الزبير ، فإنه ركب فرسه وقفا أثره ، ومعاوية نائم في هودجه ، فجعل يسير إلى جانبه ، فانتبه معاوية ، وقد سمع وقع حافر الفرس ، فقال : من صاحب الفرس ؟ قال : أنا أبو خبيب ، لو قد قتلتك منذ الليلة ، يمازحه ، فقال معاوية : كلا لست من قتلة الملوك ، إنما يصيد كل طائر قدره ، فقال ابن الزبير : إلى تقول هذا ، وقد وقفت في الصف بازاء على بن أبى طالب ، وهو من تعلم ! فقال معاوية : لا جرم ! إنه قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت يده اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها ، فقال ابن الزبير : أما والله ما كان ذاك إلا في نصر عثمان فلم نجز به ، فقال معاوية : خل هذا عنك ، فو الله لو لا شدة بغضك ابن أبى طالب لجررت برجل عثمان مع الضبع ، فقال ابن الزبير : افعلتها يا معاوية ! أما إنا قد أعطيناك عهدا ، ونحن وافون لك به ما دمت حيا ، ولكن ليعلمن من بعدك ، فقال معاوية : أما والله ما أخافك إلا على نفسك ، ولكأنى بك وأنت مشدود مربوط في الانشوطة (2) ، وأنت تقول : ليت أبا عبد الرحمن كان حيا ، وليتني كنت حيا يومئذ ، فأحلك حلا رفيقا ، ولبئس المطلق والمعتق والمسنون عليه أنت يومئذ !


(1) العرار : الشراسة والشدة . (*)

[ 127 ]

دخل عبد الله بن الزبير على معاوية وعنده عمرو بن العاص : فتكلم عمرو - وأشار إلى ابن الزبير - فقال : هذا والله يا أمير المؤمنين الذى غرته أناتك ، وأبطره حلمك ، فهو ينزو في نشطته نزو العير في حبالته ، كلما قمصته الغلواء والشره سكنت الانشوطة منه النفرة ، وأحربه أن يئول إلى القلة أو الذلة ، فقال ابن الزبير : أما والله يا بن العاص ، لولا أن الايمان الزمنا بالوفاء ، والطاعة للخلفاء - فنحن لا نريد بذلك بدلا ، ولا عنه حولا - ولكان لنا وله ولك شأن ، ولو وكله القضاء إلى رأيك ، ومشورة نظرائك لدافعناه بمنكب لا تئوده المزاحمة ، ولقاذفناه بحجر لا تنكؤه المراجمة ، فقال معاوية : أما والله يا بن الزبير لولا إيثارى الاناة على العجل ، والصفح على العقوبة ، وإنى كما قال الاول : أجامل أقواما حياء وقد أرى قلوبهم تغلى على مراضها . إذا لقرنتك إلى سارية من سوارى الحرم تسكن بها غلواءك ، وينقطع عندها طمعك ، وتنقص من أملك ، ما لعلك قد لويته فشزرته ، وفتلته فأبرمته . وأيم الله إنك من ذلك لعلى شرف جرف بعيد الهوة ، فكن على نفسك ولها ، فما توبق ولا تنفذ غيرها ، فشأنك وإياها . قطع عبد الله بن الزبير في الخطبة ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله جمعا كثيرة ، فاستعظم الناس ذلك ، فقال : إنى لا أرغب عن ذكره ، ولكن له أهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم ، فأنا أحب أن أكبتهم . لما كاشف عبد الله بن الزبير بنى هاشم واظهر بغضهم وعابهم ، وهم بما هم به في

[ 128 ]

أمرهم ، ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبه ، لا يوم الجمعة ولا غيرها ، عاتبه على ذلك قوم من خاصته ، وتشاءموا بذلك منه ، وخافوا عاقبته ، فقال : والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرا وأكثر منه ، لكنى رأيت بنى هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبوا وحمرت ألوانهم ، وطالت رقابهم ، والله ما كنت لاتى لهم سرورا وأنا أقدر عليه ، والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم نارا ، فإنى لا أقتل منهم إلا آثما كفارا سحارا ، لا أنماهم (1) الله ولا بارك عليهم ، بيت سوء لا أول لهم ولا آخر ، والله ما ترك نبى الله فيهم خيرا ، استفرع نبى الله صدقهم فهم أكذب الناس . فقام إليه محمد بن سعد بن أبى وقاص فقال : وفقك الله يا أمير المؤمنين ! أنا أول من أعانك في أمرهم ، فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحى ، فقال : والله ما قلت صوابا ، ولا هممت برشد ، أرهط رسول الله صلى الله عليه وآله تعيب ، وإياهم تقتل ، والعرب حولك ! والله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين ما سوغه الله لك ، والله لو لم (2) ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره . فقال : اجلس أبا صفوان فلست بناموس (3) . فبلغ الخبر عبد الله بن العباس ، فخرج مغضبا ومعه ابنه حتى أتى المسجد ، فقصد قصد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال : أيها الناس ، إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول الله صلى الله عليه وآله ولا آخر ، فيا عجبا كل العجب لافترائه ولكذبه ، والله إن أول من أخذ الايلاف وحمى عيرات (4)


(1) لا أنماهم : لا أكثر عددهم . (2) في د (لولا) . (3) الناموس : الحاذق . (4) العير - بالكسر : الابل تحمل الميرة ، بلا واحد من لفظها ، وجمعه عيرات . (*)

[ 129 ]

قريش لهاشم ، وإن أول من سقى بمكة عذبا (1) ، وجعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب ، والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش ، وإن كنا لقالتهم (2) ، إذا قالوا ، وخطباءهم إذا خطبوا ، وما عد مجد كمجد أولنا ، ولا كان في قريش مجد لغيرنا ، لانها في كفر ماحق ، ودين فاسق ، وضلة وضلالة ، في عشواء (3) عمياء ، حتى اختار الله تعالى لها نورا ، وبعث لها سراجا ، فانتجبه (4) طيبا من طيبين ، لا يسبه بمسبة ، ولا يبغى عليه غائلة ، فكان أحدنا وولدنا ، وعمنا وابن عمنا (5) . ثم إن أسبق السابقين إليه منا وابن عمنا ، ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا (6) واحدا بعد واحد . ثم إنا لخير الناس بعده وأكرمهم أدبا ، وأشرفهم حسبا ، وأقربهم منه رحما . وا عجبا كل العجب لابن الزبير ! يعيب بنى هاشم ، وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم ، أما والله إنه لمسلوب قريش ، ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب ، قيل للبغل : من أبوك يا بغل ؟ فقال : خالي الفرس . ثم نزل . خطب ابن الزبير بمكة على المنبر ، وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر ، فقال : إن هاهنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره ، يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله ، ويفتى في القملة والنملة ، وقد احتمل بيت مال البصرة بالامس ، وترك المسلمين بها يرتضخون (7) النوى ، وكيف ألومه في ذلك ، وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن وقاه بيده !


(1) في الطبري : (وعبد المطلب هو الذى كشف عن زمزم بئر إسماعيل بن إبراهيم واستخرج ما كان فيها مدفونا) . (2) القالة : جمع قائل . (3) فتنة عشواء ، مر العشى ، وهو سوء البصر باليل والنهار . (4) انتجبه : انتخبه . (5) ابن عمنا ، أي على بن أبى طالب . (6) اللحمة : القرابة . (7) يرتضخون النوى : يكسرونه . (*)

[ 130 ]

فقال ابن عباس لقائده سعد بن جبير بن هشام مولى بنى أسد بن خزيمة ، استقبل بى وجه ابن الزبير ، وأرفع من صدري ، وكان ابن عباس قد كف بصره فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير ، وأقام قامته فحسر عن ذراعيه ، ثم قال : يا بن الزبير قد أنصف القارة من راماها (1) إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها حتى تصير حرضا دعواها (2) يا بن الزبير ، أما العمى فإن الله تعالى يقول : (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور) (3) ، وأما فتياى في القملة والنملة ، فإن فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك ، وأما حملي المال فانه كان مالا جبيناه فأعطينا كل ذى حق حقه ، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله فأخذناها بحقنا ، وأما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردى عوسجة . وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك ، فانطلق أبوك خالك إلى حجاب مده الله عليها ، فهتكاه عنها ، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها ، وصانا حلائلهما في بيوتهما ، فما أنصفا الله ولا محمدا من أنفسهما إن ابرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما . وأما قتالنا إياكم فإنا لقينا زحفا ، فإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم منا ، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا ، وأيم الله لو لا مكان صفية فيكم ، ومكان خديجة فينا ، لما تركت لبنى أسد بن عبد العزى عظما إلا كسرته . فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردى عوسجة ، فقالت ألم أنهك عن ابن عباس وعن بنى هاشم ! فإنهم كعم (4) الجواب إذا بدهوا ، فقال : بلى ، وعصيتك .


(1) في اللسان : القارة : قوم رماة من العرب ، وفى المصل : (قد أنصف القارة من راماها) . (2) الحرض : الفساد في الذهن والعقل والبدن . (3) سورة الحج آية 46 . (4) كعم البعير : شد فاه لئلا يعض أو يأكل ، والكعام - ككتاب - : ما يجعل على فمه ، والجمع كعم ، والمعنى أنهم ذوو أجوبة مسكتة مخرسة تلجم أفواه مناظريهم . (*)

[ 131 ]

فقالت يا بنى ، احذر هذا الاعمى الذى ما أطاقته الانس والجن ، واعلم إن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها ، فإياك وإياه آخر الدهر ، فقال : أيمن بن خريم بن فاتك الاسدي : يا بن الزبير لقد لاقيت بائقة من البوائق فالطف لطف محتال لاقيته هاشميا طاب منبته في مغرسيه كريم العم والخال ما زال يقرع عنك العظم مقتدرا على الجواب بصوت مسمع عال حتى رأيتك مثل الكلب منجحرا خلف الغبيط وكنت الباذخ العالي أن ابن عباس المعروف حكمته خير الانام له حال من الحال عيرته المتعة المتبوع سنتها وبالقتال وقد عيرت بالمال لما رماك على رسل بأسهمه جرت عليك بسيف الحال والبال فاحتز مقولك الاعلى بشفرته حزا وحيا بلا قيل ولا قال (1) وأعلم بأنك إن عاودت غيبته عادت عليك مخاز ذات اذيال . وروى عثمان بن طلحة العبدرى ، قال : شهدت من ابن عباس رحمه الله مشهدا ما سمعته من رجل من قريش ، كان يوضع إلى جانب سرير مروان بن الحكم - وهو يومئذ أمير المدينة - سرير آخر أصغر من سريره ، فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل ، وتوضع الوسائد فيما سوى ذلك ، فأذن مروان يوما للناس ، وإذا سرير آخر قد أحدث تجاه سرير مروان ، فأقبل ابن عباس فجلس على سريره ، وجاء عبد الله بن الزبير فجلس على السرير المحدث ، وسكت مروان والقوم ، فإذا يد ابن الزبير


(1) وحيا : سريعا . (*)

[ 132 ]

تتحرك فعلم إنه يريد أن ينطق ، ثم نطق فقال : إن ناسا يزعمون أن بيعة ابى بكر كانت غلطا وفلتة ومغالبة ، ألا إن شأن أبى بكر أعظم من ان يقال فيه هذا ، ويزعمون إنه لو لا ما وقع لكان الامر لهم وفيهم ، والله ما كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أحد أثبت أيمانا ، ولا أعظم سابقة من أبى بكر ، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله ! فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر ، فلم يكن إلا ما قال ، ثم ألقى عمر حظهم في حظوظ ، وجدهم في جدود ، فقسمت تلك الحظوظ ، فأخر الله سهمهم ، وأدحض جدهم ، وولى الامر عليهم من كان أحق به منهم ، فخرجوا عليه خروج اللصوص على التاجر خارجا من القرية ، فأصابوا منه غرة فقتلوه ، ثم قتلوهم الله به قتله ، وصاروا مطرودين تحت بطون الكواكب . فقال ابن عباس : على رسلك (1) أيها القائل في أبى بكر وعمر والخلافة ، أما والله ما نالا ولا نال أحد منهما شيئا إلا وصاحبنا خير ممن نالا ، وما أنكرنا تقدم من تقدم لعيب عبناه عليه ، ولو تقدم صاحبنا لكان أهلا وفوق الاهل ، ولو لا إنك إنما تذكر حظ غيرك وشرف امرئ سواك لكلمتك ، ولكن وما أنت وما لا حظ لك فيه ! اقتصر على حظك ، ودع تيما لتيم ، وعديا لعدى ، وأمية لامية ، ولو كلمني تيمى أو عدوى أو أموى لكلمته وأخبرته خبر حاضر عن حاضر ، لا خبر غائب عن غائب ، ولكن ما أنت ، وما ليس عليك ! فإن يكن في أسد بن عبد العزى شئ فهو لك ، أما والله لنحن أقرب بك عهدا ، وأبيض عندك يدا ، وأوفر عندك نعمة ممن أمسيت ، تظن إنك تصول به علينا ، وما أخلق ثوب صفية بعد ! والله المستعان على ما تصفون .


(1) الرسل : الرفق والتؤدة . (*)

[ 133 ]

أوصى معاوية يزيد ابنه لما عقد له الخلافة بعده ، فقال : إنى لا أخاف عليك إلا ممن أوصيك بحفظ قرابته ورعاية حق رحمة ، من القلوب إليه مائلة ، والاهواء نحوه جانحة ، والاعين إليه طامحة ، وهو الحسين بن على ، فاقسم له نصيبا من حلمك ، واخصصه بقسط وافر من مالك ، ومتعه بروح الحياة ، وأبلغ له كل ما أحب في أيامك ، فأما من عداه فثلاثة : وهم عبد الله بن عمر رجل قد وقذته العبادة ، فليس يريد الدنيا إلا أن تجيئه طائعة لا تراق فيها محجمة دم ، وعبد الرحمن بن أبى بكر ، رجل هقل (1) لا يحمل ثقلا ، ولا يستطيع نهوضا ، وليس بذى همة ولا شرف ولا أعوان ، وعبد الله بن الزبير وهو الذئب الماكر ، والثعلب الخاتر ، فوجه إليه جدك وعزمك ونكيرك ومكرك ، واصرف إليه سطوتك ، ولا تثق إليه في حال ، فإنه كالثعلب ، راغ بالختل عند الارهاق ، والليث صال بالجراءة عند الاطلاق ، وأما ما بعد هؤلاء فإنى قد وطأت لك الامم ، وذللت لك أعناق المنابر ، وكفيتك من قرب منك ، ومن بعد عنك : فكن للناس كما كان أبوك لهم يكونوا لك كما كانوا لابيك . خطب عبد الله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية فقال في خطبته : يزيد القرود ، يزيد الفهود ، يزيد الخمور ، يزيد الفجور ! أما والله لقد بلغني إنه لا يزال مخمورا يخطب الناس وهو طافح في سكره . فبلغ ذلك يزيد بن معاوية ، فما أمسى ليلته حتى جهز جيش الحرة ، وهو عشرون الفا ، وجلس والشموع بين يديه ، وعليه ثياب معصفرة ، والجنود تعرض عليه ليلا ، فلما أصبح خرج فأبصر الجيش ، ورأى تعبيته فقال : أبلغ أبا بكر إذا الجيش انبرى وأخذ القوم على وادى القرى


(1) الهقل : الفتى من النعام . (*)

[ 134 ]

عشرين ألفا بين كهل وفتى أجمع سكران من القوم ترى * أم جمع ليث دونه ليث الشرى * لما خرج الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق ضرب عبد الله بن عباس بيده على منكب ابن الزبير ، وقال : يا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفرى (1) ونقرى ما شئت أن تنقري هذا الحسين سائر فأبشرى . خلا الجو والله لك يا بن الزبير ! وسار الحسين إلى العراق ، فقال ابن الزبير : يا بن عباس ، والله ما ترون هذا الامر إلا لكم ، ولا ترون إلا إنكم أحق به من جميع الناس ، فقال ابن عباس : إنما يرى من كان في شك ، ونحن من ذلك على يقين ولكن أخبرني عن نفسك ، بماذا تروم هذا الامر ؟ قال : بشرفي ، قال : وبما ذا شرفت إن كان لك شرف ؟ فإنما هو بنا ، فنحن أشرف منك ، لان شرفك منا . وعلت أصواتهما ، فقال غلام من آل الزبير : دعنا منك يا بن عباس ، فو الله لا تحبوننا يا بنى هاشم ولا نحبكم أبدا ، فلطمه عبد الله بن الزبير بيده وقال : أتتكلم وأنا حاضر ، فقال ابن عباس : لم ضربت الغلام ، والله أحق بالضرب منه من مزق ومرق ، قال : ومن هو ؟ قال : أنت . قال : واعترض بينهما رجال من قريش فأسكتوهما .


(1) تنسب الابيات إلى طرفة ، العقد الثمين 185 . (*)

[ 135 ]

دخل عبد الله بن الزبير على معاوية ، فقال : اسمع أبياتا قلتها عاتبتك ، فيها قال : هات ، فأنشده : لعمري ما أدرى وإنى لاوجل على إينا تعدو المنية أول وإنى أخوك الدائم العهد لم أزل إن أعياك خصم أو نبا بك منزل أحارب من حاربت من ذى عداوة واحبس يوما إن حبست فاعقل وإن سؤتنى يوما صفحت إلى غد ليعقب يوم منك آخر مقبل ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني يمينك فانظر أي كف تبدل إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حد السيف من ان تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل وكنت إذا ما صاحب مل صحبتي وبدل شرا بالذى كنت أفعل قلبت له ظهر المجن ولم أقم على الضيم إلا ريثما أتحول وفي الناس إن رثت حبالك واصل وفي الارض عن دار القلى متحول إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل . فقال معاوية : لقد شعرت بعدى يا أبا خبيب ، وبينما هما في ذلك دخل معن بن أوس المزني ، فقال له معاوية : إيه ! هل أحدثت بعدنا شيئا ؟ قال : نعم ، قال قل ، فأنشد هذه الابيات ، فعجب معاوية وقال لابن الزبير : ألم تنشدها لنفسك آنفا ، فقال : أنا سويت المعاني ، وهو ألف الالفاظ ونظمها ، وهو بعد ظئرى (1) ، فما قال من شئ فهو لى - وكان ابن الزبير مسترضعا في مزينه - فقال معاوية : وكذبا يا أبا خبيب ! فقام عبد الله فخرج .


(1) يقال : هي ظئره ، وهو ظئره ، وهم وهن أظاره ، أي أخواته من الرضاعة . (*)

[ 136 ]

وقال الشعبى : فقد رأيت عجبا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير فقام القوم بعد ما فرغوا من حديثهم ، فقالوا : ليقم كل واحد منكم ، فليأخذ بالركن اليماني ، ثم يسأل الله تعالى حاجته ، فقام عبد الله بن الزبير فالتزم الركن وقال : اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم ، أسألك بحرمة وجهك وحرمة عرشك وحرمة بيتك هذا ، ألا تخرجني من الدنيا حتى إلى الحجاز ، ويسلم على بالخلافة ، وجاء فجلس . فقام أخوه مصعب فالتزم الركن وقال : اللهم رب كل شئ ، وإليك مصير كل شئ ، أسألك بقدرتك على كل شئ ، ألا تميتنى حتى إلى العراق ، وأتزوج سكينة بنت الحسين بن على ، ثم جاء فجلس . فقام عبد الملك فالتزم الركن وقال : اللهم رب السموات السبع ، والارض ذات النبت والقفر ، أسألك بما سألك به المطيعون لامرك ، وأسألك بحق وجهك ، وبحقك على جميع خلقك ، ألا تميتنى حتى إلى شرق الارض وغربها ، لا ينازعني أحد إلا ظهرت عليه ، ثم جاء فجلس . فقام عبد الله بن عمر فأخذ بالركن وقال : يا رحمن يا رحيم ، أسألك برحمتك التى سبقت غضبك ، وبقدرتك على جميع خلقك ، ألا تميتنى حتى توجب لى الرحمة . قال الشعبى : فو الله ما خرجت من الدنيا حتى بلغ كل من الثلاثة ما سأل ، وأخلق بعبد الله بن عمر أن تجاب دعوته ، وأن يكون من أهل الرحمة .

[ 137 ]

قال الحجاج في خطبته يوم دخل الكوفة : هذا أدب ابن نهية ، أما والله لاؤدبنكم غير هذا الادب . قال ابن ماكولا في كتاب الاكمال : (يعنى مصعب بن الزبير وعبد الله أخاه ، وهى نهية بنت سعيد بن سهم بن هصيص ، وهى أم ولد أسد بن عبد العزى بن قصى) ، وهذا من المواضع الغامضة . وروى الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش قال : قدم وفد من العراق على عبد الله بن الزبير ، فأتوه في المسجد الحرام ، فسلموا عليه ، فسألهم عن معصب أخيه وعن سيرته فيهم ، فأثنوا عليه ، وقالوا ، خيرا : وذلك في يوم جمعة ، فصلى عبد الله بالناس الجمعة ، ثم صعد المنبر ، فحمد الله ثم تمثل : قد جربوني ثم جربوني من غلوتين ومن المئين (1) حتى إذا شابوا و شيبوني خلوا عناني ثم سيبوني (2) أيها الناس ، إنى قد سألت الوفد من أهل العراق عن عاملهم معصب بن الزبير فأحسنوا الثناء عليه ، وذكروا عنه ما أحب ، ألا إن مصعبا اطبى (3) القلوب حتى لا تعدل به ، والاهواء حتى لا تحول عنه ، واستمال الالسن بثنائها ، والقلوب بنصائحها ، والانفس بمحبتها وهو المحبوب في خاصته ، المأمون في عامته ، بما أطلق الله به لسانه من الخير وبسط به يديه من البذل ، ثم نزل . وروى الزبير قال : لما جاء عبد الله بن الزبير نعى المصعب صعد المنبر فقال :


(1) الغلوة : الغاية . (2) سيبوني : تركوني . (3) اطى القلوب : استمالها . (*)

[ 138 ]

الحمد لله الذى له الخلق والامر ، يؤتى الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه ولو كان فردا ، ولم يعزز الله ولى الشيطان وحزبه وإن كان الانام كلهم معه ، ألا وإنه قد أتانا من العراق خبر أحزننا وافرحنا ، أتانا قتل المصعب رحمه الله ، فأما الذى أحزننا فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يرعوى بعدها ذو الرأى إلى جميل الصبر وكرم العزاء ، وأما الذى أفرحنا فإن قتله كان عن شهادة ، وإن الله تعالى جعل ذلك لنا وله ذخيرة . إلا إن اهل العراق ، أهل الغدر والنفاق ، أسلموه و باعوه بأقل الثمن ، فإن يقتل المصعب فإنا لله وإنا إليه راجعون ! ما نموت جبحا كما يموت بنو العاص ، ما نموت إلا قتلا ، قعصا (1) بالرماح ، وموتا تحت ظلال السيوف ، ألا إنما الدنيا عارية من الملك الاعلى الذى لا يزول سلطانه ولا يبيد ، فإن تقبل الدنيا على لا آخذها أخذ الاشر البطر (2) ، وإن تدبر عنى لا أبكى عليها بكاء الخرف المهتر ، وإن يهلك المصعب فإن في آل الزبير لخلفا . ثم نزل . وروى الزبير بن بكار قال : خطب عبد الله بن الزبير بعد أن جاءه مقتل المصعب ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : لئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بإمامى عثمان ، فعظمت مصيبته ، ثم أحسن الله وأجمل ، ولئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بأبى الزبير ، فعظمت مصيبته ، فظننت إنى لا أجيزها ، ثم أحسن الله وسلم ، واستمرت مريرتى ، وهل كان مصعب إلا فتى من فتياني ! ثم غلبه البكاء فسالت دموعه وقال : كان والله سريا مريا ، ثم قال :


(1) القعص : الموت السريع . (2) الاشر والبطر كلاهما بمعنى واحد . (*)

[ 139 ]

هم دفعوا الدنيا على حين أعرضت كراما وسنوا للكرام التأسيا . وروى أبو العباس في الكامل إن عروة لما صلب عبد الله جاء إلى عبد الملك فوقف ببابه ، وقال للحاجب : أعلم أمير المؤمنين إن أبا عبد الله بالباب ، فدخل الحاجب فقال : رجل يقول قولا عظيما . قال : وما هو ؟ فتهيب ، فقال : قل . قال : رجل يقول : قل لامير المؤمنين : أبو عبد الله بالباب ، فقال عبد الملك : قل لعروة يدخل ، فدخل فقال : تأمر بإنزال جيفة أبى بكر فإن النساء يجزعن ، فأمر بإنزاله . قال : وقد كان كتب الحجاج إلى عبد الملك يقول : إن خزائن عبد الله عند عروة ، فمره فليسلمها ، فدفع عبد الملك إلى عروة ، وظن أنه يتغير ، فلم يحفل بذلك كأنه ما قرأه ، فكتب عبد الملك إلى الحجاج ألا يعرض لعروة . ومن الكلام المشهور في بخل عبد الله بن الزبير الكلام الذى يحكى أن أعرابيا (1) أتاه يستحمله ، فقال : قد نقب خف راحلتي فاحملني (2) إنى قطعت الهواجر إليك عليها ، فقال له : ارقعها بسبت ، واخصفها بهلب ، وانجد بها ، وسر بها البردين (3) فقال : إنما اتيتك مستحملا ، لم آتك مستوصفا ، لعن الله ناقة حملتني إليك ، قال : إن وراكبها (4) .


(1) الخبر في الاغانى 1 : 15 ، 16 . (2) الاغانى : (نفدت نفقتى ، ونقبت راحلتي) . ونقب البعير ، إذا رقت أخفافه . (3) السبت : جلود البقر المدبوغة بالقرظ تحذى منها النعال السبتية . والخصف : أن يظاهر الجلدين بعضهما إلى بعض ويخرزهما . والهلب : شعر الخنزير الذى يخرز به ، الوحد هلبة ، وأنجد ، إذا دخل بلاد نجد ، وهو موصوف بالبرد . والبردان : الغداة والعشي . (4) في الاغانى عن اليزيدى : (أن) ها هنا بمعنى نعم ، كأنه إقرار بما قال ، ومثله قول ابن قيس الرقيات : ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت ، فقلت إنه . (*)

[ 140 ]

وهذا الاعرابي هو فضالة بن شريك ، فهجاه فقال : أرى الحاجات عند أبى خبيب نكدن ولا أمية بالبلاد (1) من الاعياص أو من آل حرب اغر كغرة الفرس الجواد دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تدعن مروان يرمى جماهير قريش بمشاقصه (2) ، ويضرب صفاتهم بمعوله . أما والله ، إنه لو لا مكانك لكان أخف على رقابنا من فراشه ، وأقل في انفسنا من خشاشه (3) ، وأيم الله لئن ملك أعنة خيل تنقاد له لتركبن منه طبقا (4) تخافه . فقال معاوية : إن يطلب مروان هذا الامر فقد طمع فيه من هو دونه ، وأن يتركه يتركه لمن فوقه ، وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة ، ولا يذكركم عند ملمة ، يسومكم خسفا ، ويسوقكم عسفا . فقال ابن الزبير : إذن والله يطلق عقال الحرب بكتائب تمور (5) كرجل الجراد ، تتبع غطريفا (6) من قريش لم تكن أمه راعية ثلة (7) . فقال معاوية : أنا ابن هند ، أطلقت عقال الحرب ، فأكلت ذروة السنام ، وشربت عنفوان المكرع (8) وليس للاكل بعدى إلا الفلذة (9) ، ولا للشارب إلا الرنق (10) .


(1) من ستة أبيات في الاغانى . وأبو خبيب كنية ابن الزبير ، وخبيب ولده الاكبر . ويقال : نكده حاجته ، إذا منعه إياها . (2) المشاقص : جمع مشقص ، وهو النصل الطويل ، أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش . (3) الخشاشة : واحدة الخشاش ، وهى حشرات الارض والعصافير ونحوها . (4) الطبق : الحال ، وفق قوله تعالى : (لتركبن طبقا عن طبق) . (5) تمور : تضطرب . (6) الغطريف : السيد الشريف . (7) الثلة : جماعة الغنم ، أو الكثيرة منها . (8) عنفوان الشئ : أوله ، أو أول بهجته . والمكرع : المورد ، مفعل من كرع في الماء أو الاناء . (9) الفلذة : القطعة من اللحم . (10) ماء رنق : كدر . (*)

[ 141 ]

فسكت ابن الزبير . قدم عبد الله بن الزبير على معاوية وافدا ، فرحب به وأدناه حتى أجلسه على سريره ، ثم قال : حاجتك أبا خبيب ! فسأله أشياء ، ثم قال له : سل غير ما سألت ، قال : نعم ، المهاجرون والانصار ترد عليهم فيئهم ، وتحفظ وصية نبى الله فيهم ، تقبل من محسنهم ، وتتجاوز عن مسيئهم . فقال معاوية : هيهات هيهات ، لا والله ما تأمن النعجة الذئب وقد أكل اليتها (1) . فقال ابن الزبير : مهلا يا معاوية ، فإن الشاة لتدر للحالب وإن المدية في يده ، وإن الرجل الاريب ليصانع ولده الذى خرج من صلبه ، وما تدور الرحى إلا بقطبها ، ولا تصلح القوس إلا بمعجسها (2) . فقال : يا أبا خبيب ، لقد أجررت الطروقة قبل هباب الفحل (3) هيهات ، وهى لا تصطك لحبائها اصطكاك القروم السوامى (4) . فقال ابن الزبير : العطن بعد العل ، والعل بعد النهل ، ولا بد للرحاء من الثفال (5) ثم نهض ابن الزبير . فلما كان العشاء أخذت قريش مجالسها ، وخرج معاوية على بنى أمية فوجد عمرو


(1) الالية : ما ركب في العظم من شحم ولحم . (2) المعجس : المقبض . (3) ناقة طروقة الفحل : بلغت أن يضربها الفحل . وأجره رسنه : جعله يجره . وهب الفحل من الابل وغيرها هبابا وهبيبا ، أراد السفاد . (4) تصطك : تضطرب . والقروم جمع قرم ، وهو الفحل والسوامى : جمع سام ، وصف من سما الفحل سماوة : تطاول إلى الناقة التى تشول بذنبها رغبة اللقاح . (5) العطن : مبرك الابل حول الحوض . والعل والعلل : الشرب الثاني ، والنهل : الشرب الاول . والثفال : جلد أو نحوه يبسط تحت الرحى ليقع عليه الطحين . (*)

[ 142 ]

بن العاص فيهم ، فقال : ويحكم يا بنى أمية ! أفيكم من يكفيني ابن الزبير ؟ فقال عمرو : أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ، قال : ما أظنك تفعل ؟ قال : بلى والله لاربدن وجهه (1) ، ولاخرسن لسانه ، ولاردنه ألين من خميله (2) . فقال : دونك ، فأعرض له إذا دخل ، فدخل ابن الزبير - وكان قد بلغه كلام معاوية وعمرو - فجلس نصب عينى عمرو ، فتحدثوا ساعة ثم قال عمرو : وإنى لنار ما يطاق اصطلاؤها لدى كلام معضل متفاقم (3) فأطرق ابن الزبير ساعة ينكت في الارض ، ثم رفع رأسه وقال : وإنى لبحر ما يسامى عبابه متى يلق بحرى حر نارك يخمد . فقال عمرو : والله يا بن الزبير إنك ما علمت لمتجلبب جلابيب الفتنة ، متأزر بوصائل (4) التيه ، تتعاطى الذرا الشاهقة ، والمعالى الباسقة ، وما أنت من قريش في لباب جوهرها ولا مؤنق حسبها (5) ! فقال ابن الزبير : أما ما ذكرت من تعاطى الذرا فإنه طال بى إليها وسما ما لا يطول بك مثله : أنف حمى ، وقلب ذكى ، وصارم مشرفى ، في تليد فارع (6) ، وطريف مانع ، إذ قعد بك انتفاخ سحرك (7) ، ووجيب قلبك (8) . وأما ما ذكرت من أنى لست من قريش في لباب جوهرها ، ومؤنق حسبها ، فقد حضرتني وإياك الاكفاء العالمون بى وبك ، فاجعلهم بينى وبينك .


(1) أي لاصيرنه أربد ، والربدة : لون إلى الغبرة . (2) الخميلة : القطيفة . (3) تفاقم الامر ، إذا عظم . (4) الوصائل : جمع وصيلة ، وهى ثوب مخطط يمان . (5) آنقنى الشئ إيناقا ، أعجبني فهو مؤنق . (6) فارع : عال . (7) السحر : الرئة ، ويقال : انتفخ سحره ، أي عدا طوره . (8) وجيب القلب : خفقانه واضطرابه . (*)

[ 143 ]

فقال القوم : قد أنصفك يا عمرو ، قال : قد فعلت . فقال ابن الزبير : أما إذ أمكننى الله منك فلاربدن وجهك ، ولاخرسن لسانك ولترجعن في هذه الليلة ، وكان الذى بين منكبيك مشدود إلى عروق أخدعيك ، ثم قال : أقسمت عليكم يا معاشر قريش ، أنا أفضل في دين الاسلام أم عمرو ؟ فقالوا : اللهم أنت ، قال : فأبى افضل أم أبوه ؟ قالوا : أبوك حوارى رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمته ، قال : فأمي أفضل أم أمه ؟ قالوا : أمك أسماء بنت أبى بكر الصديق ، وذات النطاقين ، قال : فعمتي أفضل أم عمته ؟ قالوا : عمتك سلمى ابنة العوام صاحبة رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من عمته ، قال : فخالتي أفضل أم خالته ؟ قالوا : خالتك عائشة أم المؤمنين ، قال فجدتى أفضل أم جدته ، فقال : جدتك صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : فجدى أفضل أم جده ؟ قالوا جدك أبو بكر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : قضت الغطارف من قريش بيننا فاصبر لفصل خصامها وقضائها (1) وإذا جريت فلا تجار مبرزا بذ الجياد على احتفال جرائها (2) أما والله يا بن العاص ، لو إن الذى أمرك بهذا واجهنى بمثله لقصرت إليه من سامى بصره ، ولتركته يتلجلج لسانه ، وتضطرم النار في جوفه ، ولقد استعان منك بغير واف ولجا إلى غير كاف ، ثم قام فخرج . وذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب إن الحجاج لما حاصر ابن الزبير لم يزل يزحف حتى ملك الجبل المعروف بأبى قبيس ، وقد كان بيد ابن الزبير ، فكتب


(1) الغطارف : جمع غطريف ، وهو السيد . (2) برز تبريزا : فاق أصحابه ، وبذ : فاق وغلب . واحتفل القوم : اجتمعوا . والجراء والمجاراة ، مصدر (جارى) . (*)

[ 144 ]

بذلك إلى عبد الملك ، فلما قرأ كتابه كبر وكبر من كان في داره حتى اتصل التكبير بأهل السوق ، فكبروا ، وسأل الناس ما الخبر ؟ فقيل لهم إن الحجاج حاصر ابن الزبير بمكة ، وظفر بأبى قبيس ، فقال الناس : لا نرضى حتى يحمل أبو خبيب إلينا مكبلا على رأسه برنس ، راكب جمل ، يطاف به في الاسواق ، تراه العيون . وذكر المسعودي إن عمة عبد الملك كانت تحت عروه بن الزبير ، وإن عبد الملك كتب إلى الحجاج يأمره بالكف عن عروة ، وذلك قبل أن يقتل عبد الله وألا يسوءه إذا ظفر بأخيه في ماله ولا في نفسه ، قال : فلما اشتد الحصار على عبد الله خرج عروة إلى الحجاج فاخذ لعبد الله أمانا ورجع إليه ، فقال : هذا عمرو بن عثمان ، وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، وهما فتيا بنى أمية يعطيانك أمان عبد الملك ابن عمهما على ما أحدثت أنت ومن معك ، وأن تنزل أي البلاد شئت ، ولك بذلك عهد الله وميثاقه ، فأبى عبد الله قبول ذلك ، ونهته أمه وقالت : لا تموتن إلا كريما ، فقال لها : إنى أخاف إن قتلت أن اصلب أو يمثل بى ، فقالت إن الشاة بعد الذبح لا تحس بالسلخ . وروى المسعودي إن عبد الله بن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية طلب من يؤمره على الكوفة ، وقد كان أهلها أحبوا أن يليهم غير بنى أمية ، فقال له المختار بن أبى عبيد : اطلب رجلا له رفق وعلم بما يأتي ، وتدبر قوله إياها يستخرج لك منها جندا تغلب به أهل الشام ، فقال : أنت لها ، فبعثه إلى الكوفة ، فأتاها وأخرج ابن مطيع منها ، وابتنى لنفسه دارا ، وأنفق عليها مالا جليلا ، وسأل عبد الله بن الزبير أن يحتسب له به من مال العراق ، فلم يفعل ، فخلعه وجحد بيعته ، ودعا إلى الطالبيين .

[ 145 ]

قال المسعودي : وأظهر عبد الله بن الزبير الزهد في الدنيا ، وملازمه العبادة ، مع الحرص على الخلافة وشبر بطنه ، فقال : إنما بطني شبر ، فما عسى أن يسع ذلك الشبر ! وظهر عنه شح عظيم على سائر الناس ، ففى ذلك يقول أبو حمزة مولى آل الزبير : إن الموالى أمست وهى عاتبة على الخليفة تشكوا الجوع والحربا ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا أي الملوك على ما حولنا غلبا ! وقال فيه أيضا : لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد أفضلت فضلا كثيرا للمساكين ما زلت في سورة الاعراف تدرسها حتى فؤادى مثل الخز في اللين . وقال فيه شاعر أيضا ، لما كانت الحرب بينه وبين الحصين بن نمير قبل أن يموت يزيد بن معاوية : فيا راكبا أما عرضت فبلغن كبير بنى العوام إن قيل من تعنى تخبر من لاقيت إنك عائذ وتكثر قتلى بين زمزم والركن . وقال الضحاك بن فيروز الديلمى : تخبرنا أن سوف تكفيك قبضه وبطنك شبر أو أقل من الشبر وأنت إذا ما نلت شيئا قضمته كما قضمت نار الغضا حطب السدر فلو كنت تجزى أو تثيب بنعمه قريبا لردتك العطوف على عمرو . قال : هو عمرو بن الزبير أخوه ، ضربه عبد الله حتى مات وكان مباينا له (1) . * (هامش) (1) مروج الذهب 3 : 84 ، 85 . (*)

[ 146 ]

كان يزيد بن معاوية قد ولى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان المدينة ، فسرح الوليد منها جيشا إلى مكة لحرب عبد الله بن الزبير ، عليه عمرو بن الزبير ، فلما تصاف القوم انهزم رجال عمرو وأسلموه ، فظفر به عبد الله ، فأقامه للناس بباب المسجد مجردا ، ولم يزل يضربه بالسياط حتى مات (1) . وقد رأيت في غير كتاب المسعودي ، إن عبد الله وجد عمرا عند بعض زوجاته ، وله في ذلك خبر لا أحب أن أذكره . قال المسعودي : ثم إن عبد الله بن الزبير حبس الحسن بن محمد بن الحنفية في حبس مظلم (2) ، وأراد قتله ، فأعمل الحيلة حتى تخلص من السجن ، وتعسف الطريق على الجبال ، حتى أتى منى ، وبها أبوه محمد بن الحنفية (3) . ثم إن عبد الله جمع بنى هاشم كلهم في سجن عارم ، وأراد أن يحرقهم بالنار ، وجعل في فم الشعب حطبا كثيرا ، فأرسل المختار أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف ، فقال أبو عبد الله لاصحابه : ويحكم ! إن بلغ ابن الزبير الخبر عجل على بنى هاشم فأتى عليهم ، فانتدب هو نفسه في ثمانمائة فارس جريدة ، فما شعر بهم ابن الزبير إلا والرايات تخفق بمكة ، فقصد قصد الشعب ، فأخرج الهاشميين منه ، ونادى بشعار محمد بن الحنفية ، وسماه المهدى ، وهرب ابن الزبير ، فلاذ بأستار الكعبة ، فنهاهم محمد بن الحنفية عن طلبه


(1) مروج الذهب 3 ، 85 . (2) مروج الذهب : (سجن عارم) . (3) في مروج الذهب : (ففى ذلك يقول كثير : تخبر من لاقيت أنك عائذ بل العائذ المظلوم في سجن عارم ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى من الناس يعلم أنه غير ظالم سمى نبى الله وابن وصيه وفكاك أغلال وقاضي مغارم (*)

[ 147 ]

وعن الحرب ، وقال : لا أريد الخلافة إلا أن طلبني الناس كلهم ، واتفقوا على كلهم ، ولا حاجة لى في الحرب (1) . قال المسعودي : وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد الله في حصر بنى هاشم في الشعب ، وجمعه الحطب ليحرقهم ويقول : إنما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة ، ولا يختلف المسلمون ، وان يدخلوا في الطاعة ، فتكون الكلمة واحدة ، كما فعل عمر بن الخطاب ببنى هاشم لما تأخروا عن بيعة أبى بكر ، فإنه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار (2) . قال المسعودي : وخطب ابن الزبير يوم قدم أبو عبد الله الجدلي قبل قدومه بساعتين ، فقال : إن هذا الغلام محمد بن الحنفية قد أبى بيعتى ، والموعد بينى وبينه أن تغرب الشمس ، ثم أضرم عليه مكانه نارا ، فجاء إنسان إلى محمد فاخبره بذلك ، فقال : سيمنعه منى حجاب قوى ، فجعل ذلك الرجل ينظر إلى الشمس ، ويرقب غيبوبتها لينظر ما يصنع ابن الزبير ، فلما كادت تغرب حاست (3) خيل أبى عبد الله الجدلي ديار مكة وجعلت تمعج (4) بين الصفا والمروة ، وجاء أبو عبد الله الجدلي بنفسه ، فوقف على فم الشعب ، واستخرج محمدا ، ونادى بشعاره ، واستأذنه في قتل ابن الزبير ، فكره ذلك ولم يأذن فيه ، وخرج من مكه فأقام بشعب رضوى حتى مات (5) .


(1) مروج الذهب 3 : 85 . (2) مروج الذهب 3 : 86 . (3) حاست الخيل : أحاطت بها من كل جانب . (4) تمعج : تشتد في عدوها يمينا وشمالا . (5) مروج الذهب 3 : 86 ، 87 . (*)

[ 148 ]

وروى المسعودي عن سعيد بن جبير ، إن ابن عباس دخل على ابن الزبير فقال له ابن الزبير : الام (1) تؤنبنى وتعنفني ، قال ابن عباس : إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : (بئس المرء المسلم يشبع ويجوع جاره !) ، وأنت ذلك الرجل ، فقال ابن الزبير : والله إنى لاكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة . وتشاجرا ، فخرج ابن عباس من مكة ، [ خوفا على نفسه ] ، فأقام بالطائف حتى مات (2) . وروى أبو الفرج الاصفهانى (3) قال : أتى فضالة بن شريك الوالبى ثم الاسدي من بنى أسد بن خزيمة عبد الله بن الزبير فقال : نفدت نفقتى ، ونقبت ناقتي ، فقال : أحضرنيها ، فأحضرها ، فقال : أقبل بها ، أدبر بها ، ففعل ، فقال : ارقعها بسبت ، واخصفها بهلب ، وانجد بها يبرد خفها ، وسر البردين تصح . فقال فضالة : إنى أتيتك مستحملا ، ولم آتك مستوصفا ، فلعن الله ناقة حملتني إليك ! فقال : إن وراكبها ، فقال فضالة : أقول لغلمه شدوا ركابي أجاوز بطن مكة في سواد فما لى حين اقطع ذات عرق إلى ابن الكاهلية من معاد (4) سيبعد بيننا نص المطايا وتعليق الاداوى و المزاد (5) وكل معبد قد أعلمته مناسمهن طلاع النجاد (6)


(1) في د : (علام) . (2) مروج الذهب 3 : 89 والزيادة منه . (3) الاغانى 1 : 15 ، 16 . (4) ذات عرق : مهل أهل العراق ، وهو الحد بين نجد وتهامة . (5) نص المطايا : استخراج أقصى ما عندها من السير ، والاداوى : جمع إدواة ، وهى وعاء الماء . والمزاد : جمع مزادة ، وهى الراوية التى يحمل فيها الماء . (6) المعبد : الطريق المذلل . وأعلمته مناسمهن : أثرت فيه بأخفافها . والنجاد : جمع نجد ، وهو ما غلظ من الارض . (*)

[ 149 ]

ارى الحاجات عند أبى خبيب نكدن ولا أمية بالبلاد من الاعياص أو من آل حرب أغر كغرة الفرس الجواد . قال ابن الكاهلية : هو عبد الله بن الزبير ، والكاهلية هذه هي أم خويلد بن أسد بن عبد العزى ، واسمها زهرة بنت عمرو بن خنثر بن رويته بن هلال ، من بنى كاهل بن أسد بن خزيمة - قال : فقال عبد الله بن الزبير لما بلغه الشعر : علم إنها شر أمهاتي فعيرني بها ، وهى خير عماته . وروى أبو الفرج قال : كانت صفية بنت أبى عبيد بن مسعود الثقفى تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب فمشى ابن الزبير إليها ، فذكر لها إن خروجه كان غضبا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وللمهاجرين والانصار من أثره معاوية وابنه بالفئ ، وسالها مسالة زوجها عبد الله بن عمر أن يبايعه ، فلما قدمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير وعبادته واجتهاده ، وأثنت عليه ، وقالت : إنه ليدعو (1) إلى طاعة الله عز وجل ، وأكثرت القول في ذلك ، فقال لها : ويحك ! أما رأيت البغلات الشهب التى كان يحج معاوية عليها ، وتقدم إلينا من الشام ، قالت : بلى ، قال : والله ما يريد ابن الزبير بعبادته غيرهن (2) !


(1) د : (إنه لا يدعو إلى طاعة الله) . (2) الاغانى 7 : 22 ، 23 . (*)

[ 150 ]

(462) الاصل : وقال عليه السلام : ما لابن آدم والفخر ! اوله نطفة ، وآخره جيفة . لا يرزق نفسه ، ولا يدفع حتفه . الشرح : قد تقدم كلامنا في الفخر ، وذكرنا الشعر الذى أخذ من هذا الكلام ، وهو قول القائل : ما بال من أوله نطفة وجيفة آخره يفخر يصبح ما يملك تقديم ما يرجو ولا تأخير ما يحذر ! [ فصل في الفخر وما قيل في النهى عنه ] وقال بعض الحكماء : الفخر هو المباهاة بالاشياء الخارجة عن الانسان ، وذلك نهاية الحمق لمن نظر بعين عقله ، وانحسر عنه قناع جهله ، فأعراض الدنيا عارية مستردة ، لا يؤمن في كل ساعة أن ترتجع ، والمباهي بها مباه بما في غير ذاته . وقد قال لبعض من فخر بثروته ووفره : إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك ، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك ، وإن افتخرت بآبائك

[ 151 ]

وسلفك فالفضل فيهم لا فيك ، ولو تكلمت هذه الاشياء لقالت لك : هذه محاسننا فما محاسنك ! وأيضا فإن الاعراض الدنيوية كما قيل : سحابه صيف عن قليل تقشع ، وظل زائل عن قريب يضمحل ، كما قال الشاعر : إنما الدنيا كرؤيا فرحت من رآها ساعة ثم انقضت . بل كما قال : تعالى (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس) (1) . وإذا كان لا بد من الفخر فليخفر الانسان بعلمه وبشريف خلقه ، وإذا اعجبك من الدنيا شئ فاذكره فناءك وبقاءه ، أو بقاءك وفناءه ، أو فناءكما جميعا ، وإذا راقك ما هو لك فانظر إلى قرب خروجه من يدك ، وبعد رجوعه إليك ، وطول حسابك عليه وقد ذم الله الفخور فقال : (والله لا يحب كل مختال فخور) (2) .


(1) سورة يونس 24 . (2) سورة الحديد 23 . (*)

[ 152 ]

(463) الاصل : الغنى والفقر بعد العرض على الله تعالى . الشرح : أي لا يعد الغنى غنيا في الحقيقة إلا من حصل له ثواب الاخرة الذى لا ينقطع أبدا ، ولا يعد الفقير فقيرا إلا من لم يحصل له ذلك ، فإنه لا يزال شقيا معذبا ، وذاك هو الفقر بالحقيقة . فأما غنى الدنيا وفقرها فأمران عرضيان ، زوالهما سريع ، وانقضاؤهما وشيك . وإطلاق هاتين اللفظتين على مسماهما الدنيوي على سبيل المجاز عند أرباب الطريقة ، أعنى العارفين .

[ 153 ]

(464) الاصل : وسئل عن أشعر الشعراء ، فقال عليه السلام : إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها ، فإن كان ولا بد فالملك الضليل . قال : يريد امرأ القيس . [ في مجلس على بن أبى طالب ] الشرح : قرأت في أمالى ابن دريد ، قال : أخبرنا الجرموزى ، عن ابن المهلبى ، عن ابن الكلبى ، عن شداد بن إبراهيم ، عن عبيد الله بن الحسن العنبري ، عن ابن عرادة ، قال : كان على بن أبى طالب عليه السلام يعشى الناس في شهر رمضان باللحم ولا يتعشى معهم ، فإذا فرغوا خطبهم ووعظهم ، فأفاضوا ليلة في الشعراء وهم على عشائهم ، فلما فرغوا خطبهم عليه السلام وقال في خطبته : اعلموا إن ملاك أمركم الدين ، وعصمتكم التقوى ، وزينتكم الادب ، وحصون أعراضكم الحلم ، ثم قال : قل يا أبا الاسود : فيم (1) كنتم تفيضون فيه ؟ أي الشعراء أشعر ؟ فقال : يا أمير المؤمنين الذى يقول : ولقد اغتدى يدافع ركني أعوجى ذو ميعة اضريج (2)


(1) في د (ما كنتم) ، وهو وجه أيضا . (2) ديوان أبى دواد 299 . (*)

[ 154 ]

مخلط مزيل معن مفن منفح مطرح سبوح خروج . يعنى أبا دواد الايادي ، فقال عليه السلام : ليس به ، قالوا فمن يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لو رفعت للقوم غاية فجروا إليها معا علمنا من السابق منهم ، ولكن ان يكن فالذي لم يقل عن رغبة ولا رهبة . قيل : من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : هو الملك الضليل ذو القروح ، قيل : امرؤ القيس يا امير المؤمنين ؟ قال : هو قيل : فاخبرنا عن ليلة القدر ؟ قال : ما أخلوا من أن أكون أعلمها فأستر علمها ، ولست أشك أن الله إنما يسترها عنكم نظرا لكم ، لانه لو أعلمكموها عملتم فيها وتركتم غيرها ، وأرجو أن لا تخطئكم إن شاء الله ، انهضوا رحمكم الله . وقال ابن دريد لما فرغ من الخبر : اضريج : ينبثق في عدوه ، وقيل واسع الصدر ومنفح : يخرج الصيد من مواضعه ، ومطرح : يطرح ببصره ، وخروج : سابق . والغاية بالغين المعجمة : الراية ، قال الشاعر : وإذا غاية مجد رفعت نهض الصلت إليها فحواها . ويروى قول الشماخ : إذا ما رأيه رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين (1) بالغين ، والراء اكثر . فأما البيت الاول فبالغين لا غير ، أنشده الخليل في عروضه ، وفى حديث طويل في الصحيح : (فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا) . والميعة أول جرى الفرس ، وقيل : الجرى بعد الجرى .


(1) ديوانه 97 . (*)

[ 155 ]

[ اختلاف العلماء في تفضيل بعض الشعراء على بعض ] وأنا أذكر في هذا الموضع ما اختلف فيه العلماء من تفضيل بعض الشعراء على بعض ، وابتدئ في ذلك بما ذكره أبو الفرج على بن الحسين الاصفهانى في كتاب الاغانى . قال أبو الفرج : الثلاثة المقدمون على الشعراء : امرؤ القيس ، وزهير ، والنابغة ، لا اختلاف في إنهم مقدمون على الشعراء كلهم ، وإنما اختلف في تقديم بعض الثلاثة على بعض (1) . قال : فأخبرني أبو خليفة ، عن محمد بن سلام ، عن أبى قبيس ، عن عكرمة بن جرير ، عن أبيه ، قال شاعر أهل الجاهلية زهير . قال : وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهرى ، قال : حدثنى عمر بن شبة ، عن هارون بن عمر ، عن أيوب بن سويد ، عن يحيى بن زياد ، عن عمر بن عبد الله الليثى ، قال : قال عمر بن الخطاب ليلة في مسيره إلى الجابية : أين عبد الله بن عباس ؟ فأتى به ، فشكا إليه تخلف على بن أبى طالب عليه السلام عنه . قال ابن عباس : فقلت له : أو لم يعتذر إليك ؟ قال : بلى ، قلت : فهو ما اعتذر به . قال : ثم أنشأ يحدثنى فقال : إن أول من راثكم عن هذا الامر أبو بكر ، إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة ، قال أبو الفرج : ثم ذكر قصة طويلة ليست من هذا الباب (2) ، فكرهت ذكرها ثم قال : يا بن عباس ، هل تروى لشاعر الشعراء ؟ قلت : ومن هو ؟ قال : ويحك ! شاعر الشعراء ، الذى يقول فلو إن حمدا يخلد الناس خلدوا ولكن حمد الناس ليس بمخلد


(1) الاغانى 10 : 288 . (2) ذكرت هذه القصة مفصلة في الطبري 4 : 222 - 224 (طبعة المعارف) . (*)

[ 156 ]

فقلت ذاك زهير ، فقال : ذاك شاعر الشعراء ، قلت : وبم كان شاعر الشعراء ؟ قال : إنه كان لا يعاظل الكلام ، ويتجنب وحشية ، ولا يمدح أحدا إلا بما فيه . قال أبو الفرج : وأخبرني أبو خليفة قال ابن سلام : و أخبرني عمر بن موسى الجمحى ، عن أخيه قدامة بن موسى - وكان من أهل العلم - إنه كان يقدم زهيرا ، قال : فقلت له : أي شعره كان أعجب إليه ؟ فقال : الذى يقول فيه : قد جعل المبتغون الخير في هرم والسائلون إلى أبوابه طرقا (1) . قال ابن سلام : واخبرني أبو قيس العنبري - ولم أر بدويا يفى به - عن عكرمة بن جرير ، قال : قلت لابي : يا أبت ، من أشعر الناس ؟ قال : عن أهل الجاهلية تسألني ، أم عن أهل الاسلام ؟ قال : قلت : ما أردت إلا الاسلام ، فإذا كنت قد ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها ، فقال : زهير أشعر أهلها ، قلت : فالاسلام ، قال : الفرزدق نبعة الشعر ، قلت : فالاخطل ، قال : يجيد مدح الملوك ، ويصيب وصف الخمر ، قلت : فما تركت لنفسك ، قال : إنى نحرت الشعر نحرا (2) . قال : وأخبرني الحسن بن على قال : أخبرنا الحارث بن محمد عن المدائني ، عن عيسى بن يزيد ، قال : سأل معاوية الاحنف عن أشعر الشعراء ؟ فقال : زهير ، قال : وكيف ذاك ؟ قال : ألقى على المادحين فضول الكلام ، وأخذ خالصه وصفوته ، قال : مثل ماذا ؟ قال : مثل قوله : وما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطى إلا وشيجة وتغرس إلا في منابتها النخل ! (3) قال : وأخبرني احمد بن عبد العزيز ، قال : حدثنا عمر بن شبة ، قال : حدثنا


(1) الاغانى 10 : 288 ، 289 . (2) الاغانى 10 : 289 ، 290 وفى د (نجرت الشعر نجرا) . (3) الاغانى 10 : 290 . (*)

[ 157 ]

عبد الله بن عمرو القيسي قال : حدثنا خارجة بن عبد الله بن أبى سفيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : خرجت مع عمر في إول غزاة غزاها ، فقال لى ليلة : يا بن عباس ، أنشدني لشاعر الشعراء ، قلت : من هو ؟ قال : ابن أبى سلمى . قلت : ولم صار كذلك ؟ قال : لانه لا يتبع حوشى الكلام ، ولا يعاظل في منطقه ، ولا يقول إلا ما يعرف ، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه ، أليس هو الذى يقول : إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية إلى المجد من يسبق إليها يسود سبقت إليها كل طلق مبرز سبوق الى الغايات غير مزند . قال : أي لا يحتاج إلى أن يجلد الفرس بالسوط . كفعل جواد يسبق الخيل عفوة السراع وأن يجهد ويجهدن يبعد فلو كان حمدا يخلد الناس لم تمت (1) ولكن حمد الناس ليس بمخلد . أنشدني له ، فأنشدته حتى برق الفجر ، فقال : حسبك الان ، اقرأ القرآن . قلت : ما أقرأ ؟ قال : الواقعة ، فقرأتها ، ونزل فأذن وصلى (2) . وقال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء : دخل الحطيئة على سعيد بن العاص متنكرا ، فلما قام الناس وبقى الخواص أراد الحاجب أن يقيمه ، فأبى أن يقوم ، فقال سعيد : دعه ، وتذاكروا أيام العرب وأشعارها ، فلما أسهبوا قال الحطيئة : ما صنعتم شيئا ، فقال سعيد : فهل عندك علم من ذلك ؟ قال : نعم ، قال : فمن أشعر العرب ؟ قال : الذى يقول : قد جعل المبتغون الخير في هرم والسائلون إلى أبوابه طرقا قال : ثم من ؟ قال : الذى يقول


(1) في د (خلدوا) . (2) الاغانى 10 : 290 ، 291 . (*)

[ 158 ]

فانك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب يعنى زهيرا ، ثم النابغة ، ثم قال : وحسبك بى إذا وضعت إحدى رجلى على الاخرى ، ثم عويت في أثر القوافى كما يعوى الفصيل في أثر أمه ، قال : فمن أنت ؟ قال : أنا الحطيئة ، فرحب به سعيد ، وأمر له بألف دينار . قال : وقال : من احتج لزهير كان أحسنهم شعرا ، وأبعدهم من سخف ، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق ، وأشدهم مبالغة في المدح ، وأبعدهم تكلفا وعجرفية وأكثرهم حكمة ومثلا سائرا في شعره . وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال : (أفضل شعرائكم القائل ومن من) ، يعنى زهيرا ، وذلك في قصيدته التى أولها : (أمن أم أوفى) يقول فيها : ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو نال أسباب السماء بسلم ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم فأما القول في النابغة الذبيانى فإن أبا الفرج الاصفهانى قال في كتاب الاغانى : كنية النابغة أبو أمامة ، واسمه زياد بن معاوية ، ولقب بالنابغة لقوله : * فقد نبغت لهم منا شئون * وهو أحد الاشراف الذين غض الشعر منهم ، وهو من الطبقة الاولى المقدمين على سائر الشعراء .


(1) الاغانى 11 : 3 . (*)

[ 159 ]

أخبرني احمد بن عبد العزيز الجوهرى وحبيب بن نصر قالا : حدثنا عمر بن شبة ، قال : حدثنى أبو نعيم ، قال شريك عن مجالد ، عن الشعبى ، عن ربعى بن حراش ، قال : قال لنا عمر : يا معشر غطفان ، من الذى يقول : أتيتك عاريا خلقا ثيابي على خوف تظن بى الظنون . قلنا : النابغة ، قال : ذاك أشعر شعرائكم (1) . قلت : قوله : (أشعر شعرائكم) ، لا يدل على إنه أشعر العرب ، لانه جعله أشعر شعراء غطفان ، فليس كقوله في زهير شاعر الشعراء ، ولكن أبا الفرج قد روى بعد هذا خبرا آخر صريحا في أن النابغة عند عمر أشعر العرب . قال : حدثنى أحمد وحبيب ، عن عمر بن شبة ، قال : حدثنا عبيد بن جناد ، قال : حدثنا معن بن عبد الرحمن ، عن عيسى بن عبد الرحمن السلمى ، عن جده ، عن الشعبى قال : قال عمر يوما : من أشعر الشعراء ؟ فقيل له أنت أعلم يا أمير المؤمنين ، قال : من الذى يقول : إلا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فأحددها عن الفند وخيس الجن إنى قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد قالوا النابغة ، قال : فمن الذى يقول : أتيتك عاريا خلقا ثيابي على خوف تظن بى الظنون قالوا النابغة ، قال : فمن الذى يقول : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلغت عنى خيانة لمبلغك الواشى اغش وأكذب (5)


(1) الاغانى 11 : 3 ، 4 . (2) فاحددها : فامنعها . والفند : الخطأ . (3) خيس الجن ، أي ذللهم ، وفى الاغانى : (وخبر الجن) . (4) تدمر : مدينة قديمة مشهورة كانت ببرية الشام . والصفاح : حجارة دقاق عراض واحدها صفاحة والعمد : جمع عمود . (5) بعده في الاغانى : ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث ، أي الرجال المهذب ! (*)

[ 160 ]

قالوا النابغة ، قال : فهو أشعر العرب (1) . قال : وأخبرني أحمد ، قال : حدثنا عمر ، قال : حدثنى على بن محمد المدائني قال : قام رجل إلى ابن عباس ، فقال له : أي الناس أشعر ؟ قال : أخبره يا أبا الاسود ، فقال أبو الاسود : الذى يقول : فإنك كالليل الذى هو مدركى وإن خلت ان المنتأى عنك واسع يعنى النابغة (2) . قال أبو الفرج : وأخبرني أحمد وحبيب ، عن عمر عن أبى بكر العليمى ، عن الاصمعي ، قال : كان يضرب للنابغة قبه أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها ، فأنشده مرة الاعشى ، ثم حسان بن ثابت ، ثم قوم من الشعراء ، ثم جاءت الخنساء فأنشدته : وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار . فقال : لو لا أن أبا بصير - يعنى الاعشى - أنشدني آنفا لقلت إنك أشعر الانس والجن . فقام حسان بن ثابت فقال : أنا والله أشعر منها ومن أبيك ، فقال له النابغة : يا بن أخى ، أنت لا تحسن ان تقول : فإنك كالليل الذى هو مدركى وإن خلت إن المنتأى عنك واسع خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد اليك نوازع (3) قال : فخنس حسان لقوله (4) . قال : وأخبرني أحمد وحبيب ، عن عمر ، عن الاصمعي ، عن أبى عمرو بن العلاء


(1) الاغانى 11 : 4 ، 5 . (2) الاغانى 11 : 5 . (3) الخطاطيف : جمع خطاف ، وخطاف البئر حديدة حجناء تستخرج بها الدلاء وغيرها . وحجن : معوجة ، واحدها أحجن ، والانثى حجناء . ونوازع : جواذب . (4) خنس : انقبض : والخبر في الاغانى 11 : 6 . (*)

[ 161 ]

قال : حدثنى رجل سماه أبو عمرو وأنسيته ، قال : بينما نحن نسير بين أنقاء من الارض ، فتذاكرنا الشعر ، فإذا راكب أطيلس (1) يقول : أشعر الناس زياد بن معاوية ، ثم تملس فلم نره . قال : وأخبرني أحمد بن عبد العزيز ، عن عمر بن شبة ، عن الاصمعي ، قال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : ما ينبغى لزهير إلا أن يكون أجيرا للنابغة . قال أبو الفرج : وأخبرنا أحمد عن عمر ، قال : قال عمرو بن المنتشر المرادى : وفدنا على عبد الملك بن مروان ، فدخلنا عليه ، فقام رجل فاعتذر من أمر وحلف عليه ، فقال له عبد الملك : ما كنت حريا أن تفعل ولا تعتذر ، ثم أقبل على أهل الشام فقال : أيكم يروى اعتذار النابغة إلى النعمان في قوله : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب . فلم يجد فيهم من يرويه ، فأقبل على وقال أترويه ؟ قلت : نعم ، فأنشدته القصيدة كلها ، فقال : هذا أشعر العرب . قال : وأخبرني احمد وحبيب عن عمر ، عن معاويه بن بكر الباهلى ، قال : قلت لحماد الراوية ، لم قدمت النابغة ؟ قال : لاكتفائك بالبيت الواحد من شعره ، لا بل بنصف البيت ، لا بل بربع البيت ، مثل قوله : حلفت فلم اترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث ، أي الرجال المهذب ربع البيت يغنيك عن غيره ، فلو تمثلت به لم تحتج إلى غيره . قال : وأخبرني أحمد بن عبد العزيز ، عن عمر بن شبة ، عن هارون بن عبد الله


(1) الانقاء : جمع نقا ، وهو القطعة من الرمل . وأطيلس تصغير أطلس ، وهو ما في لونه غبرة إلى السواد . وتملس : تملص وأفلت . (*)

[ 162 ]

الزبيري (1) ، قال : حدثنى شيخ يكنى أبا داود ، عن الشعبى ، قال : دخلت على عبد الملك وعنده الاخطل وأنا لا أعرفه ، وذلك أول يوم وفدت فيه من العراق على عبد الملك ، فقلت حين دخلت : عامر بن شراحيل الشعبى يا أمير المؤمنين ، فقال ، على علم ما أذنا لك ، فقلت : هذه واحدة على وافد أهل العراق - يعنى إنه أخطأ - قال : ثم إن عبد الملك سال الاخطل : من أشعر الناس ؟ فقال : أنا ، فعجلت وقلت لعبد الملك : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فتبسم ، وقال : الاخطل ، فقلت في نفسي اثنتان على وافد أهل العراق ، فقلت له : أشعر منك الذى يقول : هذا غلام حسن وجهه مستقبل الخير سريع التمام للحارث الاكبر والحارث الاصغر فالاعرج خير الانام ثم لعمرو ولعمرو وقد أسرع في الخيرات منه أمام قال : هي أمامة أم عمرو الاصغر بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان بن الشقيقة : خمسه آباء هم ما هم أفضل من يشرب صوب الغمام . والشعر للنابغة ، فالتفت إلى الاخطل فقال : إن أمير المؤمنين إنما سألني عن أشعر أهل زمانه ، ولو سألني عن أشعر أهل الجاهلية كنت حريا أن أقول كما قلت أو شبيها به ، فقلت في نفسي : ثلاث على وافد أهل العراق . قال أبو الفرج : وقد وجدت هذا الخبر أتم من هذه الرواية ، ذكره أحمد بن الحارث الخراز في كتابه ، عن المدائني ، عن عبد الملك بن مسلم ، قال : كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج : إنه ليس شئ من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه ، ولم يبق


(1) ب : (الزهري) ، وصوابه في ا ، د والاغانى . (2) في الاغانى : (ثم لهند ولهند فقد) . (*)

[ 163 ]

عندي شئ الذ من مناقلة الاخوان الحديث ، وقبلك عامر الشعبى فابعث به إلى ، فدعا الحجاج الشعبى ، فجهزه وبعث به إليه ، وقرظه وأطراه في كتابه ، فخرج الشعبى حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب : استأذن لى ، قال : من أنت ؟ قال : أنا عامر الشعبى قال : يرحمك (1) الله ، قال : ثم نهض فأجلسني على كرسيه ، فلم يلبث أن خرج إلى فقال : ادخل يرحمك الله ، فدخلت ، فإذا عبد الملك جالس على كرسى ، وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية ، جالس على كرسى ، فسلمت ، فرد على السلام ، فأومأ إلى بقضيبه ، فجلست عن يساره ، ثم أقبل على ذلك الانسان الذى بين يديه فقال له : من أشعر الناس ؟ فقال : أنا يا أمير المؤمنين ، قال : الشعبى فاظلم ما بينى وبين عبد الملك ، فلم أصبر أن قلت : ومن هذا الذى يزعم إنه أشعر الناس يا أمير المؤمنين ؟ فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألنى عن حالى ، فقال : هذا الاخطل ، فقلت : يا أخطل ، اشعر والله منك الذى يقول : هذا غلام حسن وجهه مستقبل الخير سريع التمام الابيات . . قال : فاستحسنها عبد الملك ، ثم رددتها عليه حتى حفظها ، فقال الاخطل : من هذا يا إمير المؤمنين ؟ قال : هذا الشعبى فقال : والجيلون ما استعذت بالله من شر إلا من هذا - أي والانجيل - صدق والله يا أمير المؤمنين ، النابغة أشعر منى ، قال الشعبى : فأقبل عبد الملك حينئذ على فقال : كيف أنت يا شعبى ؟ قلت : بخير يا أمير المؤمنين ، فلا زلت به ثم ذهبت لاصنع معاذير لما كان من خلافى مع ابن الاشعث على الحجاج : فقال : مه إنا لا نحتاج إلى هذا المنطق ، ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا ، ثم أقبل على فقال : ما تقول في النابغة ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، قد فضله عمر بن الخطاب


(1) رواية د (حياك الله) . (*)

[ 164 ]

في غير موطن على جميع الشعراء ، ثم أنشدته الشعر الذى كان عمر يعجب به من شعره ، وقد تقدم ذكره . قال : فاقبل عبد الملك على الاخطل فقال له : أتحب ان لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب ، أم تحب إنك قلته ، قال ، لا والله يا أمير المؤمنين ألا إنى وددت إنى كنت قلت أبياتا قالها رجل منا ، ثم أنشده قول القطامى : إنا محيوك فاسلم أيها الطلل وإن بليت وإن طالت بك الطيل (1) ليس الجديد به تبقى بشاشته (2) إلا قليلا ولا ذو خلة يصل والعيش لا عيش إلا ما تقر به عين ولا حال إلا سوف تنتقل أن ترجعي من أبى عثمان منجحة فقد يهون على المستنجح العمل (3) والناس من يلق خيرا قائلون له ما يشتهى ولام المخطئ الهبل قد يدرك المتانى بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل . قال الشعبى : فقلت : قد قال القطامى افضل من هذا ، قال : وما قال ؟ قلت : قال : طرقت جنوب رحالنا من مطرق ما كنت احسبها قريب المعنق (4) إلى آخرها فقال : عبد الملك ثكلت القطامى أمه ! هذا والله الشعر ، قال : فالتفت إلى الاخطل فقال : يا شعبى ، إن لك فنونا في الاحاديث ، وإنما لى فن واحد فإن رأيت ألا تحملني على أكتاف قومك فادعهم حرضا (6) ! فقلت لا أعرض لك في شئ من الشعر أبدا ، فأقلني هذه المرة ، فقال : من يتكفل بك ؟ قلت :


(1) الطلل : ما شخص من آثار الديار . والطيل : جمع طيلة ، وهى الدهر . (2) الضمير في (به) يعود على الذهر . (3) منجحة : ظافرة . والمستنجح : طالب النجاح . (4) المعنق : المكان الذى أعنقت منه ، والعنق (بالتحريك) ضرب من السير السريع . (5) أوردها صاحب الاغانى . (6) الحرض : الردئ من الناس ، أي أجعلهم بهجائي من أراذل الناس . (*)

[ 165 ]

امير المؤمنين ، فقال عبد الملك : هو على إنه لا يعرض لك أبدا ، ثم قال عبد الملك : يا شعبى ، أي نساء الجاهلية إشعر ؟ قلت : الخنساء ؟ قال : ولم فضلتها على غيرها ؟ قلت : لقولها : وقائلة والنعش قد فات خطوها لتدركه : يا لهف نفسي على صخر ألا هبلت أم الذين غدوا به إلى القبر ، ماذا يحملون إلى القبر فقال عبد الملك : اشعر منها والله التى تقول (1) : مهفهف أهضم الكشحين منخرق (2) عنه القميص بسير الليل محتقر لا يأمن الدهر ممساة ومصبحة من كل أوب وأن يغز ينتظر قال : ثم تبسم عبد الملك وقال : لا يشقن عليك يا شعبى ، فإنما أعلمتك هذا لانه بلغني إن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ، ويقولون إن كان غلبونا على الدولة فلم يغلبونا على العلم والرواية ، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق ، ثم ردد على أبيات ليلى حتى حفظتها ، ثم لم أزل عنده أول داخل وآخر خارج ، فكنت كذلك سنين ، وجعلني في الفين من العطاء ، وجعل عشرين رجلا من ولدى وأهل بيتى في ألف ألف ، ثم بعثنى إلى أخيه عبد العزيز بمصر ، وكتب إليه : يا أخى ، قد بعثت إليك بالشعبي ، فانظر هل رأيت قط مثله (3) ! قال أبو الفرج الاصبهاني في ترجمة أوس بن حجر ، إن أبا عبيدة قال : كان أوس شاعر مضر حتى أسقطه النابغة ، قال : وقد ذكر الاصمعي إنه سمع أبا عمرو بن العلاء يقول : كان أوس بن حجر فحل العرب ، فلما نشأ النابغة طأطأ منه (4) . وقال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء : وقال من احتج للنابغة : كان أحسنهم


(1) هي ليلى أخت المنتشر بن وهب الباهلى . (2) مهفهف الكشح : ضامره . (3) الاغانى 11 : 21 - 26 . (*)

[ 166 ]

ديباجة شعر ، وأكثرهم رونق كلام ، وأجزلهم بيتا ، كان شعره كلام ليس بتكلف ، والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر ، لان الشاعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي ، والمتكلم مطلق ، يتخير الكلام كيف شاء ، قالوا والنابغة نبغ بالشعر بعد أن احتنك ، وهلك قبل أن يهتر . قلت : وكان أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبى زيد العلوى البصري يفضل النابغة ، واستقرأني يوما وبيدي ديوان النابغة قصيدته التى يمدح بها النعمان بن المنذر ، ويذكر مرضه ، ويعتذر إليه مما كان اتهم به ، وقذفه به اعداؤه ، وأولها : كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا وهمين : هما مستكنا وظاهرا (1) أحاديث نفس تشتكى ما يريبها وورد هموم لو يجدن مصادرا تكلفني أن يغفل الدهر همها وهل وجدت قبلى على الدهر ناصرا ! يقول هذه النفس تكلفني إلا يحدث لها الدهر هما ولا حزنا ، وذلك مما لم يستطعه أحد قبلى . ألم تر خير الناس أصبح نعشه على فتية قد جاوز الحى سائرا ! كان الملك منهم إذا مرض حمل على نعش وطيف به على أكتاف الرجال بين الحيرة والخورنق والنجف ، ينزهونه . ونحن لديه نسأل الله خلده يرد لنا ملكا وللارض عامرا (2) ونحن نرجى الخير إن فاز قدحنا ونرهب قدح الدهر إن جاء قامرا لك الخير إن وارت بك الارض واحدا وأصبح جد الناس بعدك عاثرا وردت مطايا الراغبين وعريت جيادك لا يحفى لها الدهر حافرا


(1) ديوانه 39 - 42 . والجمومان : موضع . (2) الخلد : البقاء . (*)

[ 167 ]

رأيتك ترعاني بعين بصيرة وتبعث حراسا على وناظرا وذلك من قول أتاك اقوله ومن دس أعداء إليك المآبرا (1) فآليت لا آتيك إن كنت مجرما ولا أبتغى جارا سواك مجاورا . أي لا آتيك حتى يثبت عندك إنى غير مجرم . فأهلي فداء لامرئ إن أتيته تقبل معروفى وسد المفاقرا (2) سأربط كلبى أن يريبك نبحه وإن كنت أرعى مسحلان وحامرا (3) أي سأمسك لساني عن هجائك وإن كنت بالشام في هذين الواديين البعيدين عنك . وحلت بيوتي في يفاع ممنع تخال به راعى الحمولة طائرا (4) تزل الوعول العصم عن قذفاته ويضحى ذراه بالسحاب كوافرا حذارا على الا تنال مقادتى ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا يقول : أنا لا أهجرك وإن كنت من المنعة والعصمة على هذه الصفة . أقول وقد شطت بى الدار عنكم إذا ما لقيت من معد مسافرا ألا أبلغ النعمان حيث لقيته فأهدى له الله الغيوث البواكرا وأصبحه فلجا ولا زال كعبة على كل من عادى من الناس ظاهرا ورب عليه الله احسن صنعة وكان على كل المعادين ناصرا (5) فجعل أبو جعفر رحمه الله يهتز ويطرب ، ثم قال : والله لو مزجت هذه القصيدة بشعر البحترى لكادت تمتزج لسهولتها وسلامة ألفاظها ، وما عليها من الديباجة والرونق . من يقول إن امرأ القيس وزهيرا أشعر من هذا ! هلموا فليحاكموني .


(1) المآبر : النمائم . (2) تقبل ، بمعنى قبل . والمفاقر : جمعه فقر . (3) الديوان (سأكعم كلبى) أي سأمسك . ومسحلان وعامر : موضعان . (4) اليفاع : المشرف من الارض . والحمولة : الابل التى أطاقت الحمل . (5) ربه : أتمه . (*)

[ 168 ]

فأما امرؤ القيس بن حجر ، فقال محمد بن سلام الجمحى في كتاب طبقات الشعراء : أخبرني يونس بن حبيب إن علماء البصرة كانوا يقدمونه على الشعراء كلهم ، وإن أهل الكوفة كانوا يقدمون الاعشى ، وإن أهل الحجاز والبادية يقدمون زهيرا والنابغة (1) . قال ابن سلام : فالطبقة الاولى إذن أربعة . قال : وأخبرني شعيب بن صخر ، عن هارون بن إبراهيم ، قال : سمعت قائلا يقول للفرزدق : من أشعر الناس يا أبا فراس ؟ فقال ذو القروح ، يعنى امرأ القيس ، قال : حين يقول ماذا ؟ قال : حين يقول : وقاهم جدهم ببنى أبيهم وبالاشقين ما كان العقاب . قال : وأخبرني إبان بن عثمان البجلى ، قال : مر لبيد بالكوفة في بنى نهد ، فاتبعوه رسول يسأله : من أشعر الناس ؟ فقال : الملك الضليل . فأعادوه إليه ، فقال : ثم من ؟ فقال : الغلام القتيل - يعنى طرفة بن العبد - وقال : غير إبان : قال : ثم ابن العشرين ، قال : ثم من ؟ قال : الشيخ أبو عقيل يعنى نفسه (4) . قال ابن سلام : واحتج لامرئ القيس من يقدمه فقال : إنه ليس (3) قال ما لم يقولوه ، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنتها العرب ، فاتبعه فيها الشعراء ، منها استيقاف صحبه ، والبكاء في الديار ، ورقة النسيب ، وقرب المأخذ ، وتشبيه النساء بالظباء ، وبالبيض ، وتشبيه الخيل بالعقبان والعصى ، وقيد الاوابد ، وأجاد في النسيب ، وفصل بين النسيب وبين المعنى ، وكان أحسن الطبقة تشبيها (4) . قال : وحدثني معلم لبنى داود بن على ، قال : بينا أنا أسير في البادية إذا أنا برجل على ظليم قد زمه وخطمه وهو يقول :


(1) طبقات الشعراء 44 . (2) طبقات الشعراء 44 . (3) طبقات الشعراء : (ما قال ما لم يقولوا) . (4) طبقات الشعراء 46 . (*)

[ 169 ]

هل يبلغنيهم إلى الصباح هقل كان رأسه جماح . قال : فما زال يذهب به ظليمة ويجئ حتى أنست به وعلمت إنه ليس بانسى فقلت يا هذا ، من أشعر العرب ؟ فقال : الذى يقول : أغرك منى أن أحبك قاتلي وإنك مهما تأمري القلب يفعل يعنى امرأ القيس ، قلت : ثم من ؟ قال : الذى يقول : ويبرد برد رداء العروس بالصيف رقرقت فيه العبيرا ويسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب إلا هريرا . ثم ذهب به ظليمة فلم اره (1) . قال : وحدث عوانه ، عن الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لحسان بن ثابت : من أشعر العرب ؟ قال : الزرق العيون من بنى قيس ، قال : لست أسألك عن القبيلة ، إنما أسألك عن رجل واحد ، فقال حسان : يا رسول الله ، إن مثل الشعراء والشعر كمثل ناقة نحرت ، فجاء امرؤ القيس بن حجر فأخذ سنامها وأطايبها ، ثم جاء المتجاوران من الاوس والخزرج فأخذا ما وإلى ذلك منها ، ثم جعلت العرب تمزعها حتى إذا بقى الفرث والدم جاء عمرو بن تميم والنمر بن قاسط فأخذاه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها خامل يوم القيامة ، معه لواء الشعراء إلى النار) (2) . فأما الاعشى فقد احتج أصحابه لتفضيله بأنه كان أكثرهم عروضا ، وأذهبهم في فنون الشعر ، وأكثرهم قصيدة طويلة جيدة ، وأكثرهم مدحا وهجاء ، وكان أول من سأل

[ 170 ]

بشعره ، وإن لم يكن له بيت نادر على أفواه الناس كأبيات أصحابه الثلاثة . وقد سئل خلف الاحمر : من أشعر الناس ؟ فقال : ما ينتهى إلى واحد يجمع عليه كما لا ينتهى إلى واحد هو أشجع الناس ، ولا أخطب الناس ، ولا أجمل الناس ، فقيل له : يا أبا محرز فأيهم أعجب إليك ؟ فقال : الاعشى كان أجمعهم . قال ابن سلام : وكان أبو الخطاب الاخفش مستهترا به يقدمه ، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : مثله مثل البازى يضرب كبير الطير وصغيره ، ويقول : نظيره في الاسلام جرير ، ونظير النابغة الاخطل ، ونظير زهير الفرزدق (1) . فأما قول أمير المؤمنين عليه السلام : (الملك الضليل) فإنما سمى امرؤ القيس ضليلا لما يعلن به في شعره من الفسق ، والضليل : الكثير الضلال كالشريب ، والخمير ، والسكير ، والفسيق ، للكثير الشرب وإدمان الخمر والسكر والفسق ، فمن ذلك قوله : فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا فألهيتها عن ذى تمائم محول (2) إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول . وقوله : سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالا على حال (3) فقالت لحاك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالى فقلت لها تالله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي


(1) طبقات الشعراء . (2) ديوانه 12 . (3) ديوانه 31 - 32 . (*)

[ 171 ]

فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذى شماريخ ميال فصرنا الى الحسنى ورق كلامنا ورضت فدلت صعبة أي أذلال حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صالى فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها عليه القتام كاسف الوجه والبال . وقوله في اللامية الاولى : وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجل (1) تخطيت أبوابا إليها ومعشرا على حراصا لو يسرون مقتلي فجئت وقد نضت لنوم ثيابها لدى الستر إلا لبسه المتفضل فقالت يمين الله ما لك حيله وما أن أرى عنك الغوايه تنجلي فقمت بها أمشى نجر وراءنا على أثرنا أذيال مرط مرجل فلما أجزنا ساحة الحى وانتحى بنا بطن خبت ذى حقاف عقنقل هصرت بفودى رأسها فتمايلت على هضيم الكشح ريا المخلخل . وقوله : فبت أكابد ليل التمام والقلب من خشية مقشعر فلما دنوت تسديتها فثوبا نسيت وثوابا أجر ولم يرنا كالئ كاشح ولم يبد منا لدى البيت سر وقد رابنى قولها يا هناه ويحك الحقت شرا بشر !


(1) ديوانه 13 - 15 . (*)

[ 172 ]

وقوله : تقول وقد جردتها من ثيابها كما رعت مكحول المدامع أتلعا (1) لعمرك لو شئ أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا فبتنا نصد الوحش عنا كاننا قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا تجافى عن المأثور بينى وبينها وتدنى على السابرى المضلعا وفى شعر امرئ القيس من هذا الفن كثير ، فمن أراده فليطلبه من مجموع شعره .


(1) ديوانه 241 . (*)

[ 173 ]

(465) الاصل : وقال عليه السلام : ألا حر يدع هذه اللماظة لاهلها ! إنه ليس لانفسكم ثمن إلا الجنة ، فلا تبيعوها إلا بها . الشرح : اللماظة بفتح اللام : ما تبقى في الفم من الطعام ، قال يصف الدنيا : * لماظة أيام كاحلام نائم * ولمظ الرجل يلمظ بالضم لمظا ، إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه واخرج لسانه فمسح به شفتيه ، وكذلك التلمظ ، يقال : تلمظت الحية إذا أخرجت لسانها كما يتلمظ الاكل . وقال : (ألا حر) ، مبتدأ ، وخبره محذوف أي في الوجود . وألا حرف ، قال : إلا رجل جزاه الله خيرا يدل على محصلة تبيت . ثم قال : إنه ليس لانفسكم ثمن إلا الجنة ، فلا تبيعوها إلا بها ، من الناس من يبيع نفسه بالدراهم والدنانير ، ومن الناس من يبيع نفسه بأحقر الاشياء وأهونها ، ويتبع هواه فيهلك ، وهؤلاء في الحقيقة أحمق الناس ، إلا إنه قد رين على القلوب ، فغطتها الذنوب ، واظلمت الانفس بالجهل وسوء العادة ، وطال الامد أيضا على القلوب فقست ، ولو أفكر الانسان حق الفكر لما باع نفسه إلا بالجنة لا غير .

[ 174 ]

(466) لاصل : وقال عليه السلام : منهومان لا يشبعان : طالب علم وطالب دنيا . الشرح : تقول : نهم فلان بكذا فهو منهوم ، أي مولع به ، وهذه الكلمة مروية عن النبي صلى الله عليه وآله : (منهومان لا يشبعان : منهوم بالمال ، ومنهوم بالعلم) . والنهم بالفتح : إفراط الشهوة في الطعام ، تقول منه : نهمت إلى الطعام بكسر الهاء إنهم فأنا نهم ، وكان في القرآن آيه أنزلت ثم رفعت : (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملا عين ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب) . فأما طالب العلم العاشق له ، فإنه لا يشبع منه أبدا ، وكلما استكثر منه زاد عشقه له ، وتهالكه عليه . مات أبو عثمان الجاحظ والكتاب على صدره . وكان شيخنا أبو على رحمه الله في النزع وهو يملى على ابنه أبى هاشم مسائل في علم الكلام ، وكان القاضى أحمد بن أبى دواد يأخذ الكتاب في خفه وهو راكب ، فإذا جلس في دار الخليفة اشتغل بالنظر فيه إلى أن يجلس الخليفة ، ويدخل إليه . وقيل : ما فارق ابن أبى دواد الكتاب قط إلا في الخلاء . وأعرف إنا في زماننا من مكث نحو خمس سنين لا ينام إلا وقت السحر صيفا وشتاء مكبا على كتاب صنفه ، وكانت وسادته التى ينام عليها الكتاب .

[ 175 ]

(467) الاصل : وقال عليه السلام : علامه الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك ، على الكذب حيث ينفعك ، وألا يكون في حديثك فضل عن علمك ، وأن تتقى الله في حديث غيرك . الشرح : قد أخذ المعنى الاول القائل : عليك بالصدق ولو إنه أحرقك الصدق بنار الوعيد . وينبغى أن يكون هذا الحكم مقيدا لا مطلقا ، لانه إذا أضر الصدق ضررا عظيما يؤدى إلى تلف النفس أو إلى قطع بعض الاعضاء لم يجز فعله صريحا ، ووجبت المعاريض حينئذ . فإن قلت : فالمعاريض صدق أيضا ، فالكلام على إطلاقه ، قلت : هي صدق في ذاتها ، ولكن مستعملها لم يصدق فيما سئل عنه ، ولا كذب أيضا ، لانه لم يخبر عنه ، وإنما أخبر عن شئ آخر وهى المعاريض ، والتارك للخبر لا يكون صادقا ولا كاذبا ، فوجب أن يقيد إطلاق الخبر بما إذا كان الضرر غير عظيم ، وكانت نتيجة الصدق أعظم نفعا من تلك المضرة . قال عليه السلام : (وألا يكون في حديث فضل عن علمك) ، متى زاد منطق الرجل على علمه فقد لغا وظهر نقصه ، والفاضل من كان علمه أكثر من منطقه . قوله : (وأن تتقى الله في حديث غيرك) ، أي في نقله وروايته فترويه كما سمعته من غير تحريف .

[ 176 ]

(468) الاصل : وقال عليه السلام : يغلب المقدار على التقدير ، حتى تكون الافة في التدبير . قال : وقد مضى هذا المعنى فيما تقدم برواية تخالف بعض هذه الالفاظ . الشرح : قد تقدم هذا المعنى ، وهو كثير جدا ، ومن جيده قول الشاعر : لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى تبلغ النفس عذرها وقلقل يبغى العز كل مقلقل . وقال أبو تمام : وركب كأطراف الاسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبه (1) لامر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبه . وقال آخر : فإن بين حيطانا عليه فإنما أولئك عقالاته لا معاقله


(1) ديوانه 1 : 229 . (*)

[ 177 ]

(469) الاصل : وقال عليه السلام : الحلم والاناة توءمان ، ينتجهما علو الهمه . الشرح : قد تقدم هذا المعنى وشرحه مرارا . وقال ابن هانئ : وكل أناة في المواطن سؤدد ولا كأناة من تدبر محكم (1) ومن يتبين أن للسيف موضعا من الصفح يصفح عن كثير ويحلم . وقال أرباب المعاني : علمنا الله تعالى فضيلة الاناة بما حكاه عن سليمان : (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) (2) . وكان يقال : الاناة حصن السلامة ، والعجلة مفتاح الندامة . وكان يقال : التأني مع الخيبة ، خير من التهور مع النجاح . وقال الشاعر : الرفق يمن والاناة سعادة فتأن في أمر تلاق نجاحا .


(1) ديوانه 123 وفى د (من قدير محكم) . (2) سورة النمل 27 . (*)

[ 178 ]

وقال من كره الاناة وذمها : لو كانت الاناة محمودة والعجلة مذمومة ، لما قال موسى لربه : (وعجلت إليك رب لترضى) (1) . وأنشدوا : عيب الاناة وإن سرت عواقبها أن لا خلود وأن ليس الفتى حجرا . وقال آخر : كم من مضيع فرصة قد أمكنت لغد وليس له غد بمواتى حتى إذا فاتت وفات طلابها ذهبت عليها نفسه حسرات


(1) سورة طه 84 . (*)

[ 179 ]

(470) الاصل : وقال عليه السلام : الغيبة جهد العاجز . الشرح : قد تقدم كلامنا في الغيبة مستقصى . وقيل للاحنف : من أشرف الناس ؟ قال : من إذا حضر هابوه ، وإذا غاب اغتابوه . وقال الشاعر : ويغتابنى من لو كفانى اغتيابه لكنت له العين البصيرة والاذنا وعندي من الاشياء ما لو ذكرتها إذا قرع المغتاب من ندم سنا . وقد نظمت أنا كلمة الاحنف فقلت : أكل عرضى إن غبت ذما فإن أبت فمدح ورهبة وسجود هكذا يفعل الجبان شجاع حين يخلو وفي الوغى رعديد لك منى حالان في عينك الجنة حسنا وفى الفؤاد وقود

[ 180 ]

(471) الاصل : وقال عليه السلام : رب مفتون بحسن القول فيه . الشرح : طالما فتن الناس بثناء الناس عليهم ، فيقصر العالم في اكتساب العلم اتكالا على ثناء الناس عليه ، ويقصر العابد في العبادة اتكالا على ثناء الناس عليه : ويقول كل واحد منهما إنما أردت ما اشتهرت به للصيت ، وقد حصل ، فلماذا أتكلف الزيادة ، وأعاني التعب ! وأيضا فإن ثناء الناس على الانسان يقتضى اعتراء العجب له ، وإعجاب المرء بنفسه مهلك . واعلم أن الرضى رحمه الله قطع كتاب نهج البلاغة على هذا الفصل ، وهكذا وجدت النسخة بخطه وقال : (هذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المنتزع من كلام أمير المؤمنين عليه السلام : حامدين لله سبحانه على ما من به من توفيقنا لضم ما انتشر من أطرافه وتقريب ما بعد من أقطاره ، مقررين العزم كما شرطنا أولا على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الابواب ، لتكون لاقتناص الشارد ، و استلحاق الوارد ، وما عساه أن يظهر لنا بعد الغموض ، ويقع إلينا بعد الشذوذ ، وما توفيقنا إلا بالله ، عليه توكلنا ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير) . ثم وجدنا نسخا كثيرة فيها زيادات بعد هذا الكلام ، قيل : إنها وجدت في نسخة كتبت في حياة الرضى رحمه الله وقرئت عليه فأمضاها ، وأذن في الحاقها بالكتاب ونحن نذكرها .

[ 181 ]

(472) الاصل : وقال عليه السلام : الدنيا خلقت لغيرها ، ولم تخلق لنفسها . الشرح : قال أبو العلاء المعرى - مع ما كان يرمى به - في هذا المعنى ما يطابق إرادة أمير المؤمنين عليه السلام بلفظه هذا : خلق الناس للبقاء فضلت أمة يحسبونهم للنفاد (1) إنما ينقلون من دار اعمال إلى دار شقوة أو رشاد


(1) سقط الزند 978 ، 979 . (*)

[ 182 ]

(473) الاصل : وقال عليه السلام : إن لبنى أمية مرودا يجرون فيه ، ولو قد اختلفوا فيما بينهم ثم لو كادتهم الضباع لغلبتهم . قال الرضى رحمه الله تعالى : وهذا من أفصح الكلام وأغربه ، والمرود هاهنا مفعل من الارواد ، وهو الامهال والانظار ، فكأنه عليه السلام شبه المهلة التى هم فيها بالمضمار الذى يجرون فيه إلى الغاية ، فإذا بلغوا منقطعها انتقض نظامهم بعدها . الشرح : هذا إخبار عن غيب صريح ، لان بنى أمية لم يزل ملكهم منتظما لما لم يكن بينهم اختلاف ، وإنما كانت حروبهم مع غيرهم كحرب معاوية في صفين ، وحرب يزيد أهل المدينة ، وابن الزبير بمكة ، وحرب مروان الضحاك ، وحرب عبد الملك ابن الاشعث وابن الزبير ، وحرب يزيد ابنه بنى المهلب ، وحرب هشام زيد بن على ، فلما ولى الوليد بن يزيد وخرج عليه ابن عمه يزيد بن الوليد وقتله ، اختلف بنو أمية فيما بينهما ، وجاء الوعد - وصدق من وعد به - فإنه منذ قتل الوليد دعت دعاة بنى العباس بخراسان ، وأقبل

[ 183 ]

مروان بن محمد من الجزيرة يطلب الخلافة ، فخلع إبراهيم بن الوليد ، وقتل قوما من بنى أمية ، واضطرب أمر الملك وانتشر ، وأقبلت الدولة الهاشمية ونمت ، وزال ملك بنى أمية ، وكان زوال ملكهم على يد أبى مسلم ، وكان في بدايته أضعف خلق الله وأعظمهم فقرا ومسكنة ، وفي ذلك ، تصديق قوله عليه السلام : (ثم لو كادتهم الضباع لغلبتهم) .

[ 184 ]

(474) الاصل : وقال عليه السلام في مدح الانصار : هم والله ربوا الاسلام كما يربى الفلو مع غنائهم بأيديهم السباط ، وألسنتهم السلاط . الشرح : الفلو : المهر . ويروى : (بأيديهم البساط) ، أي الباسطة والاولى جمع سبط يعنى السماح ، وقد يقال للحاذق بالطعن : إنه لسبط اليدين ، يريد الثقافة . وألسنتهم السلاط ، يعنى الفصيحة . وقد تقدم القول في مدح الانصار ، ولو لم يكن إلا قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم : (إنكم لتكثرون عند الفزع ، وتقلون عند الطمع) ، ولو لم يكن إلا ما قاله لعامر بن الطفيل فيهم لما قال له : (لاغزونك في كذا وكذا من الخيل) يتوعده ، فقال عليه السلام : (يكفى الله ذلك وأبناء قيلة) ، [ لكان فخرا لهم ] وهذا عظيم جدا وفوق العظيم ، ولا ريب إنهم الذين أيد الله بهم الدين ، وأظهر بهم الاسلام بعد خفائه ، ولولاهم لعجز المهاجرون عن حرب قريش والعرب ، وعن حماية رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولولا مدينتهم لم يكن للاسلام ظهر يلجئون عليه ، ويكفيهم فخرا يوم حمراء الاسد ،

[ 185 ]

يوم خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قريش بعد انكسار أصحابه ، وقتل من قتل منهم ، وخرجوا نحو القوم والجراح فيهم فاشية ، ودماؤهم تسيل ، وإنهم مع ذلك كالاسد الغراث تتواثب على فرائسها ، وكم لهم من يوم أغر محجل ! وقالت الانصار : لولا على بن أبى طالب عليه السلام في المهاجرين لابينا لانفسنا أن يذكر المهاجرون معنا ، أو أن يقرنوا بنا ، ولكن رب واحد كألف ، بل كألوف . وقد تقدم ذكر الشعر المنسوب إلى الوزير المغربي وما طعن به القادر بالله الخليفة العباسي في دينه بطريقه ، وكان الوزير المغربي يتبرأ منه ويجحده ، وقيل : إنه وجدت مسودة بخطه فرفعت الى القادر بالله . ومما وجد بخطه أيضا - وكان شديد العصبية للانصار ولقحطان قاطبة ، على عدنان ، وكان ينتمى إلى الازد ، أزد شنوءة - قوله : إن الذى أرسى دعائم احمد وعلا بدعوته على كيوان أبناء قيلة وارثو شرف العلا وعراعر الاقيال من قحطان بسيوفهم يوم الوغى وأكفهم ضربت مصاعب ملكه بجران (1) لولا مصارعهم وصدق قراعهم خرت عروش الدين للاذقان فليشكرن محمد أسياف من لولاه كان كخالد بن سنان . وهذا إفراط قبيح ، ولفظ شنيع ، والواجب أن يصان قدر النبوة عنه ، وخصوصا البيت الاخير ، فإنه قد أساء فيه الادب ، وقال ما لا يجوز قوله ، وخالد بن سنان كان من بنى عبس بن بغيض ، من قيس عيلان ، ادعى النبوة ، وقيل : إنه كانت تظهر عليه آيات ومعجزات ، ثم مات وانقرض دينه ودثرت دعوته ، ولم يبق إلا اسمه ، وليس يعرفه كل الناس ، بل البعض منهم .


(1) يقال : ضرب البعير بجرانه : إذا برك . (*)

[ 186 ]

(475) الاصل : وقال عليه السلام : العين وكاء الستة . قال الرضى رحمه الله تعالى : وهذه من الاستعارات العجيبة ، كأنه شبه الستة بالوعاء ، والعين بالوكاء ، فإذا اطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء . وهذا القول في الاشهر الاظهر من كلام النبي صلى الله عليه وآله ، وقد رواه قوم لامير المؤمنين عليه السلام ، وذكر ذلك المبرد في الكتاب المقتضب في باب اللفظ المعروف . قال الرضى : وقد تكلمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الاثار النبوية . الشرح : المعروف إن هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ، ذكره المحدثون في كتبهم وأصحاب غريب الحديث في تصانيفهم ، وأهل الادب في تفسير هذه اللفظة في مجموعاتهم اللغوية ، ولعل المبرد اشتبه عليه فنسبه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، والرواية بلفظ التثنية : (العينان وكاء الستة) ، والستة : الاست .

[ 187 ]

وقد جاء في تمام الخبر في بعض الروايات : (فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) والوكاء : رباط القربة ، فجعل العينين وكاء - والمراد اليقظة - للستة كالوكاء للقربة ، ومنه الحديث في اللقطة : (أحفظ عفاصها ووكاءها ، وعرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) ، والعفاص : السداد ، والوكاء : السداد ، وهذه من الكنايات اللطيفة . [ فصل في الفاظ الكنايات وذكر الشواهد عليها ] وقد كنا قدمنا قطعة صالحة من الكنايات المستحسنة ، ووعدنا أن نعاود ذكر طرف منها ، وهذا الموضع موضعه ، فمن الكناية عن الحدث الخارج - وهو الذى كنى عنه أمير المؤمنين عليه السلام ، أو رسول الله صلى الله عليه - الكناية التى ذكرها يحيى بن زياد في شعره ، قيل : إن يحيى بن زياد ومطيع بن إياس وحمادا الراوية جلسوا على شرب لهم ، ومعهم رجل منهم فانحل وكاؤه ، فاستحيا وخرج ، ولم يعد إليهم ، فكتب إليه يحيى بن زياد . أمن قلوص غدت لم يؤذها أحد الا تذكرها بالرمل أوطانا خان العقال لها فأنبت إذ نفرت وإنما الذنب فيها للذى خانا منحتنا منك هجرانا ومقلية ولم تزرنا كما قد كنت تغشانا خفض عليك فما في الناس ذو إبل إلا واينقة يشردن أحيانا وليس هذا الكتاب أهلا أن يضمن حكاية سخيفة أو نادرة خليعة ، فنذكر فيه ما جاء في هذا المعنى ، وإنما جرأنا على ذكر هذه الحكاية خاصه كناية أمير المؤمنين عليه السلام أو رسول الله صلى الله عليه وآله عنها ، ولكنا نذكر كنايات كثيرة في غير هذا المعنى مستحسنة ، ينتفع القارئ بالوقوف عليها .

[ 188 ]

يقال فلان من قوم موسى ، إذا كان ملولا ، إشارة إلى قوله تعالى : (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) (1) . قال الشاعر : فيا من ليس يكفيه صديق ولا ألفا صديق كل عام أظنك من بقايا قوم موسى فهم لا يصبرون على طعام . وقال العباس بن الاحنف : كتبت تلوم وتستريث زيارتي وتقول لست لنا كعهد العاهد فأجبتها ودموع عينى سجم تجرى على الخدين غير جوامد يافوز لم أهجركم لملالة عرضت ولا لمقال واش حاسد لكننى جربتكم فوجدتكم لا تصبرون على طعام واحد ويقولون للجارية الحسناء : قد أبقت من رضوان ، قال الشاعر : جست العود بالبنان الحسان وتثنت كأنها غصن بان فسجدنا لها جميعا وقلنا إذ شجتنا بالحسن والاحسان حاش لله أن تكوني من الانس ولكن أبقت من رضوان . ويقولون للمكشوف الامر الواضح الحال : ابن جلا ، وهو كناية عن الصبح ومنه ما تمثل به الحجاج : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني (2) . ومنه قول القلاخ : بن حزن :


(1) سورة البقرة 61 . (2) الكامل 1 : 224 ، ونسبه إلى سحيم بن وثيل الرياحي . (*)

[ 189 ]

* أنا القلاخ بن القلاخ ابن جلا * ومنه قولهم فلان قائد الجمل لانه لا يخفى لعظم الجمل وكبر جثته ، وفى المثل : ما استتر من قاد جملا . وقالوا كفى برغائها نداء ، ومثل هذا قولهم : ما يوم حليمه بسر يقال : ذلك في الامر المشهور الذى لا يستر ، ويوم حليمة يوم التقى المنذر الاكبر والحارث الغساني الاكبر ، وهو أشهر أيام العرب ، يقال : إنه ارتفع من العجاج ما ظهرت معه الكواكب نهارا ، وحليمة : اسم امرأة أضيف اليوم إليها ، لانها أخرجت إلى المعركة مراكن الطيب ، فكانت تطيب بها الداخلين إلى القتال ، فقاتلوا حتى تفانوا . ويقولون في الكناية عن الشيخ الضعيف : قائد الحمار ، وإشارة إلى ما أنشده الاصمعي : آتى الندى فلا يقرب مجلسي وأقود للشرف الرفيع حماري . أي أقوده من الكبر إلى موضع مرتفع لاركبه لضعفي ، ومثل ذلك كنايتهم عن الشيخ الضعيف بالعاجن ، لانه إذا قام عجن في الارض بكفيه ، قال الشاعر : فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا وشر خصال المرء كنت وعاجن . قالوا : الكنتى الذى يقول كنت أفعل كذا ، وكنت أركب الخيل ، يتذكر ما مضى من زمانه ، ولا يكون ذلك إلا عند الهرم أو الفقر والعجز . ومثله قولهم للشيخ : راكع ، قال لبيد : أخبر أخبار القرون التى مضت أدب كأنى كلما قمت راكع (1) والركوع : هو التطأطؤ والانحناء بعد الاعتدال والاستواء ، ويقال للانسان إذا انتقل من الثروة إلى الفقر : قد ركع ، قال : لا تهين الفقير علك إن تركع يوما والدهر قد رفعه (2)


(1) ديوانه 171 . (2) للاضبط بن قريع السعدى ، أمالى القالى 1 : 108 . (*)

[ 190 ]

وفى هذا المعنى قال الشاعر : ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يوما فتدركه الحوادث قد نما (1) يجزيك أو يثنى عليك وإن من يثنى عليك بما فعلت فقد جزى . ومثله أيضا : وأكرم كريما إن أتاك لحاجة لعاقبة إن العضاة تروح . تروح الشجر : إذا انفطر بالنبت ، يقول إن كان فقيرا فقد يستغنى ، كما إن الشجر الذى لا ورق عليه سيكتسى ورقا ، ويقال : ركع الرجل ، أي سقط . وقال الشاعر : خرق إذا ركع المطى من الوجى لم يطو دون رفيقه ذا المرود حتى يؤوب به قليلا فضله حمد الرفيق نداك أو لم يحمد . وكما يشبهون الشيخ بالراكع فيكنون به عنه ، كذلك يقولون يحجل في قيده لتقارب خطوه ، قال أبو الطمحان القينى : حنتنى حانيات الدهر حتى كإنى خاتل أدنو لصيد قريب الخطو يحسب من رأني - ولست مقيدا - إنى بقيد . ونحو هذا قولهم للكبير : بدت له الارنب ، وذلك إن من يختل الارنب ليصيدها يتمايل في مشيته ، وأنشد ابن الاعرابي في النوادر : وطالت بى الايام حتى كأننى من الكبر العالي بدت لى أرنب . ونحوه يقولون للكبير : قيد بفلان البعير ، أي لا قوه ليده على أن يصرف البعير تحته على حسب إرادته ، فيقوده قائد يحمله حيث يريد .


(1) للسمؤل بن عادياء ، ملحق ديوانه 53 . (*)

[ 191 ]

ومن أمثالهم : لقد كنت وما يقاد بى البعير : يضرب لمن كان ذا قوة وعزم ، ثم عجز وفتر . ومن الكنايات عن شيب العنفقة قولهم : قد عض على صوفه . ويكنون عن المرأة التى كبر سنها فيقولون : امرأة قد جمعت الثياب ، أي تلبس القناع والخمار والازار ، وليست كالفتاة التى تلبس ثوبا واحدا . ويقولون لمن يخضب : يسود وجه النذير ، وقالوا في قوله تعالى : (وجاءكم النذير) (1) : إنه الشيب . وقال الشاعر : وقائلة لى أخضب فالغواني تطير من ملاحظة القتير فقلت لها المشيب نذير موتى ولست مسودا وجه النذير . وزاحم شاب شيخا في طريق فقال الشاب : كم ثمن القوس ؟ يعيره بانحناء الظهر ، فقال الشيخ : يا بن أخى : إن طال بك عمر فسوف تشتريها بلا ثمن . وأنشد لابن خلف : تعيرني وخط المشيب بعارضى ولولا الحجول البلق لم تعرف الدهم حنى الشيب ظهرى فاستمرت مريرتى ولولا أنحناء القوس لم ينفذ السهم . ويقولون لمن رشا القاضى أو غيره : صب في قنديله زيتا ، وانشد : وعند قضاتنا خبث ومكر وزرع حين تسقيه يسنبل إذا ما صب في القنديل زيت تحولت القضية للمقندل وكان أبو صالح كاتب الرشيد ينسب إلى أخذ الرشا ، وكان كاتب أم جعفر .


(1) سورة فاطر 37 . (*)

[ 192 ]

وهو سعدان بن يحيى كذلك ، فقال لها الرشيد يوما : أما سمعت ما قيل في كاتبك ؟ قالت : ما هو فأنشدها : صب في قنديل سعدان مع التسليم زيتا (1) وقناديل بنيه قبل أن تخفى الكميتا . قالت : فما قيل في كاتبك أشنع ، وأنشدته : قنديل سعدان علا ضوءه فرخ لقنديل أبى صالح (2) تراه في مجلسه احوصا من لمحة للدرهم اللائح . ويقولون لمن طلق ثلاثا : قد نحرها بمثلثه . ويقولون أيضا : أعطاها نصف السنة . ويقولون لمن يفخر بابائه : هو عظامي ، ولمن يفخر بنفسه هو عصامى ، إشارة إلى قول النابغة في عصام بن سهل حاجب النعمان : نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والاقداما (3) * وجعلته ملكا هماما * وأشار بالعظامى إلى فخره بالاموات من آبائه ورهطه ، وقال الشاعر : إذا ما ألحى عاش بعظم ميت فذاك العظم حى وهو ميت . ونحو هذا إن عبد الله بن زياد بن ظبيان التميمي دخل على أبيه وهو يجود بنفسه فقال : ألا أوصى بك الامير ؟ فقال ، إذا لم يكن للحى إلا وصية الميت فالحي هو الميت ، ويقال : إن عطاء بن ابى سفيان قال ليزيد بن معاوية : أغننى عن غيرك ، قال :


(1) ثمار القلوب . . . (2) ثمار القلوب . . . (3) العقد الثمين ، ملحق ديوانه 175 . (*)

[ 193 ]

حسبك ما أغناك به معاوية ، قال : فهو إذن الحى وأنت الميت ، ومثل قولهم : عظامي ، قولهم : خارجي ، أي يفخر بغير أوليه كانت له ، قال كثير لعبد العزيز : أبا مروان لست بخارجى وليس قديم مجدك بانتحال ويكنون عن العزيز وعن الذليل أيضا فيقولون : بيضة البلد ، فمن يقولها للمدح يذهب إلى إن البيضة هي الحوزة والحمى ، يقولون : فلان يحمى بيضته ، أي يحمى حوزته وجماعته ، ومن يقولها للذم يعنى إن الواحدة من بيض النعام إذا فسدت تركها أبواها في البلد وذهبا عنها ، قال الشاعر في المدح : لكن قائلة من لا كفاء له من كان يدعى أبوه بيضة البلد (1) وقال الاخر في الذم : تأبى قضاعة لم تعرف لكم نسبا وابنا نزار فأنتم بيضة البلد (2) ويقولون للشئ الذى يكون في الدهر مرة واحدة : هو بيضة الديك ، قال بشار : يا أطيب الناس ريقا غير مختبر إلا شهادة أطراف المساويك (1) قد زرتنا زورة في الدهر واحدة ثنى ولا تجعليها بيضة الديك . ويكنون عن الثقيل بالقذى في الشراب ، قال الاخطل يذكر الخمر والاجتماع عليها : وليس قذاها بالذى قد يضيرها ولا بذباب نزعه أيسر الامر (4) ولكن قذاها كل جلف مكلف أتتنا به الايام من حيث لا ندرى


(1) من أبيات لامرأة من بنى عامر بن لؤى ، ترثى عمر بن ود ، اللسان (بيض) . (2) اللسان (بيض) ونسبه إلى ابن الرقاع . (3) من أمالى القالى 1 : 228 . (4) كنايات الجرجاني 111 . (*)

[ 194 ]

فذاك القذى وابن القذى وأخو القذى فإن له من زائر آخر الدهر ويكنون أيضا عنه بقدح اللبلاب ، قال الشاعر : يا ثقيلا زاد في الثقل على كل ثقيل (1) أنت عندي قدح اللبلاب في كف العليل ويكنون عنه أيضا بالقدح الاول لان القدح الاول ، من الخمر تكرهه الطبيعة وما بعده فدونه لاعتياده ، قال الشاعر : وأثقل من حضين باديا وأبغض من قدح اول . ويكنون عنه بالكانون ، قال الحطيئة يهجو أمه : تنحى فاقعدي عنى بعيدا أراح الله منك العالمينا (2) إغربالا إذا استودعت سرا وكانونا على المتحدثينا ! قالوا : وأصله من كننت أي سترت ، فكأنه إذا دخل على قوم وهم في حديث ستروه عنه ، وقيل : بل المراد شدة برده . . ويكنون عن الثقيل ايضا برحا البزر ، قال الشاعر : واثقل من رحا بزر علينا كانك من بقايا قوم عاد (3) ويقولون لمن يحمدون جواره : جاره جار أبى دواد ، وهو كعب بن مامة الايادي ، كان إذا جاوره رجل فمات وداه ، وإن هلك عليه شاة أو بعير أخلف عليه ، فجاوره أبو دواد الايادي ، فأحسن إليه ، فضرب به المثل . ومثله قولهم : هو جليس قعقاع بن شور ، وكان قد قدم إلى معاوية فدخل عليه ، والمجلس غاص بأهله ليس فيه مقعد ، فقام له رجل من القوم وأجلسه مكانه ، فلم


(1) كنايات الجرجاني 111 . (2) ديوانه 61 . (3) كنايات الجرجاني 111 . (*)

[ 195 ]

يبرح القعقاع من ذلك الموضع يكلم معاوية ومعاوية يخاطبه حتى أمر له بمائة ألف درهم ، فأحضرت إليه ، فجعلت إلى جانبه ، فلما قام قال للرجل القائم له من مكانه : ضمها إليك ، فهى لك بقيامك لنا عن مجلسك ، فقيل فيه : وكنت جليس قعقاع بن شور ولا يشقى بقعقاع جليس (1) ضحوك السن إن نطقوا بخير وعند الشر مطراق عبوس أخذ قوله : (ولا يشقى بقعقاع جليس) من قول النبي صلى الله عليه وآله : (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) . ويكنون عن السمين من الرجال بقولهم : هو جار الامير ، وضيف الامير وأصله إن الغضبان بن القبعثرى كان محبوسا في سجن الحجاج ، فدعا به يوما فكلمه ، فقال له : في جملة خطابه : أنت لسمين يا غضبان ، فقال : القيد والرتعة ، والخفض والدعة ، ومن يكن ضيف الامير يسمن . ويكنى الفلاسفة عن السمين بأنه يعرض سور حبسه ، وذلك أن أفلاطون رأى رجلا سمينا ، فقال : يا هذا ، ما أكثر عنايتك بتعريض سور حبسك ! ونظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنه (2) ، فقال : أرى عليك قطيفة محكمة . قال : نعم ، ذاك عنوان نعمة الله عندي . ويقولون للكذاب : هو قموص الحنجرة ، وأيضا هو زلوق الكبد ، وأيضا لا يوثق بسيل بلقعة . وأيضا أسير الهند لانه يدعى إنه ابن الملك ، وإن كان من أولاد السفلة . ويكنى عنه أيضا بالشيخ الغريب ، لانه يحب ان يتزوج في الغربة فيدعى إنه ابن خمسين سنة ، وهو ابن خمس وسبعين .


(1) كنايات الجرجاني 111 . (2) الكدنة : كثرة الشحم واللحم . (*)

[ 196 ]

ويقولون : هو فاخته البلد ، من قول الشاعر : أكذب من فاخته تصيح فوق الكرب (1) والطلع لم يبد لها : هذا أوان الرطب . وقال آخر في المعنى : حديث أبى حازم كله كقول الفواخت : جاء الرطب (1) وهن وإن كن يشبهنه فلسن يدانينه في الكذب ويكنون عن النمام بالزجاج ، لانه يشف على ما تحته ، قال الشاعر : أنم بما استودعته من زجاجة يرى الشئ فيها ظاهرا وهو باطن . ويكنون عنه بالنسيم ، من قول الاخر : وإنك كلما استودعت سرا أنم من النسيم على الرياض . ويقولون : إنه لصبح ، وإنه لطيب ، كله في النمام . ويقولون : ما زال يفتل له في الذروة والغارب حتى أسمحت قرونته ، وهى النفس ، والذروة : أعلى السنام ، والغارب : مقدمه . ويقولون في الكناية عن الجاهل : ما يدرى أي طرفيه أطول ، قالوا : ذكره ولسانه . وقالوا : هل نسب أبيه أفضل أم نسب أمه ؟ ومثله : لا يعرف قطانه من لطانه ، أي لا يعرف جبهته مما بين وركيه . وقالوا : الحدة كنية الجهل ، والاقتصاد كنية البخل ، والاستقصاء كنيه الظلم .


(1) كنايات الجرجاني 112 . (*)

[ 197 ]

وقالوا للجائع : عضه الصفر ، وعضه شجاع البطن . وقال الهذلى : أرد شجاع البطن قد تعلمينه وأوثر غرثى من عيالك بالطعم (1) مخافة أن أحيا برغم وذلة وللموت خير من حياة على رغم ويقولون : زوده زاد الضب ، أي لم يزوده شيئا ، لان الضب لا يشرب الماء ، وإنما يتغذى بالريح والنسيم ، ويأكل القليل من عشب الارض . وقال ابن المعتز : يقول أكلنا لحم جدى وبطة وعشر دجاجات شواء بالبان (2) وقد كذب الملعون ما كان زاده سوى زاد ضب يبلع الريح عطشان . وقال أبو الطيب : لقد لعب البين المشت بها وبى وزودني في السير ما زود الضبا (3) ويقولون للمختلفين من الناس : هم كنعم الصدقة ، وهم كبعر الكبش ، قال عمرو بن لجأ : وشعر كبعر الكبش ألف بينه لسان دعى في القريض دخيل (4) وذلك لان بعر الكبش يقع متفرقا . وقال بعض الشعراء لشاعر آخر : أنا أشعر منك لانى أقول البيت وأخاه ، وتقول البيت وابن عمه ، فأما قول جرير في ذى الرمة : إن شعره بعرظباء ونقط عروس ، فقد فسره الاصمعي فقال : يريد إن شعره حلو أول ما تسمعه ، فإذا كرر أنشاده ضعف ، لان أبعار الظباء أول ما تشم توجد لها رائحة ما أكلت من الجثجاث والشيح


(1) لابي خراش الهذلى ، ديوان الهذليين 2 : 128 . (2) كنايات الجرجاني 115 . (3) ديوانه ا : 60 . (4) كنايات الجرجاني 117 . (*)

[ 198 ]

والقيصوم ، فإذا أدمت شمها عدمت تلك الرائحة ، ونقط العروس إذا غسلتها ذهبت . ويقولون أيضا للمختلفين : أخياف ، والخيف : سواد احدى العينين وزرق الاخرى ويقولون فيهم أيضا : أولاد علات كالاخوة لامهات شتى ، والعلة : الضرة . ويقولون فيهم خبز كتاب ، لانه يكون مختلفا ، قال شاعر يهجو الحجاج : بن يوسف أينسى كليب زمان الهزال وتعليمه سورة الكوثر (1) رغيف له فلكة ما ترى وآخر كالقمر الازهر ومثله : أما رأيت بنى سلم وجوههم كأنها خبز كتاب وبقال (2) ويقال للمتساوين في الرداءة : كأسنان الحمار ، قال الشاعر : سواء كأسنان الحمار فلا ترى لذى شيبة منهم على ناشئ فضلا (2) وقال آخر : شبابهم وشيبهم سواء فهم في اللؤم أسنان الحمار (3) وأنشد المبرد في الكامل لاعرابي يصف قوما من طيئ بالتساوى في الرداءة : ولما إن رأيت بنى جوين جلوسا ليس بينهم جليس (3) يئست من الذى أقبلت أبغى لديهم إننى رجل يئوس إذا ما قلت ايهم لاى تشابهت المناكب والرءوس . قال : فقوله : (ليس بينهم جليس) هجاء قبيح ، يقول : لا ينتجع الناس معروفهم ،


(1) سرح العيون 170 وكنايات الجرجاني 118 . (2) كنايات الجرجاني 121 . (3) الكامل 1 : 172 ، ونسبه إلى أعرابي من طئ . (*)

[ 199 ]

فليس بينهم غيرهم . ويقولون في المتساويين في الرداءة أيضا : هما كحماري العبادي ، قيل له ، أي حماريك شر ؟ قال : هذا ثم هذا . ويقال في التساوى في الشر والخير : هم كأسنان المشط ، ويقال : وقعا كركبتى البعير ، وكرجلي النعامة . وقال ابن الاعرابي : كل طائر إذا كسرت إحدى رجليه تحامل على الاخرى إلا النعام فإنه متى كسرت إحدى رجليه جثم ، فلذلك قال الشاعر يذكر أخاه : وإنى وإياه كرجلي نعامة على ما بنا من ذى غنى وفقير (1) وقال أبو سفيان بن حرب لعامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة وقد تنافرا إليه : أنتما كركبتى البعير ، فلم ينفر واحدا منهما ، فقالا : فأينا اليمنى ؟ فقال : كل منكما يمنى . وسأل الحجاج رجلا عن أولاد المهلب : أيهم أفضل ؟ فقال : هم كالحلقة الواحدة . وسئل ابن دريد عن المبرد وثعلب ، فأثنى عليهما ، فقيل : فابن قتيبة ؟ قال : ربوة بين جبلين ، أي خمل ذكره بنباهتهما . ويكنى عن الموت بالقطع عند المنجمين ، وعن السعاية بالنصيحة عند العمال ، وعن الجماع بالوطء عند الفقهاء ، وعن السكر بطيب النفس عند الندماء ، وعن السؤال بالزوار عند الاجواد ، وعن الصدقة بما أفاء الله عند الصوفية . ويقال للمتكلف بمصالح الناس : إنه وصى آدم على ولده ، وقد قال شاعر في هذا الباب : فكان آدم عند قرب وفاته أوصاك وهو يجود بالحوباء ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم وكفيت آدم عيله الابناء ويقولون : فلان خليفة الخضر إذا كان كثير السفر ، قال أبو تمام :


(1) كنايات الجرجاني 119 . (*)

[ 200 ]

خليفة الخضر من يربع على وطن أو بلده فظهور العيس اوطاني (1) بغداد أهلى وبالشام الهوى وأنا بالرقتين وبالفسطاط إخوانى وما أظن النوى ترضى بما صنعت حتى تبلغ بى أقصى خراسان . ويقولون للشئ المختار المنتخب : هو ثمرة الغراب لانه ينتفى خير الثمر . ويقولون : سمن فلان في أديمة ، كناية عمن لا ينتفع به ، أي ما خرج منه يرجع إليه ، وأصله أن نحيا (2) من السمن انشق في ظرف من الدقيق ، فقيل ذلك ، قال الشاعر : ترحل فما بغداد دار إقامة ولا عند من أضحى ببغداد طائل (2) محل ملوك سمنهم في أديمهم وكلهم من حلية المجد عاطل فلا غرو ان شلت يد المجد والعلى وقل سماح من رجال ونائل إذا غضغض البحر الغطامط ماءه فليس عجيبا أن تغيض الجداول ويقولون لمن لا يفى بالعهد : فلان لا يحفظ أول المائدة ، لان أولها : (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (4) . ويقولون لمن كان حسن اللباس ولا طائل عنده : هو مشجب ، والمشجب : خشبة القصار التى يطرح الثياب عليها ، قال ابن الحجاج : لى سادة طائر السرور بهم يطرده اليأس بالمقاليع (5) مشاجب للثياب كلهم وهذه عادة المشاقيع جائزتي عندهم إذا سمعوا شعرى هذا كلام مطبوع


(1) ديوانه 3 : 308 ، 310 . (2) كنايت الجرجاني 120 ، ونسبها إلى أبى العالية . (3) بحر غطامط : كثير الامواج . (4) سورة المائدة 1 . (5) كنايات الجرجاني 121 . (*)

[ 201 ]

وإنهم يضحكون إن ضحكوا منى وأبكى أنا من الجوع وقال آخر : إذا لبسوا دكن الخزوز وخضرها وراحوا فقد راحت عليك المشاجب (1) وروى إن كيسان غلام أبى عبيدة وفد على بعض البرامكة فلم يعطه شيئا ، فلما وافى البصرة قيل له : كيف وجدته ؟ قال : وجدته مشجبا من حيث ما أتيته وجدته . ويكنون عن الطفيلى فيقولون : هو ذباب ، لانه يقع في القدور ، قال الشاعر : أتيتك زائرا لقضاء حق فحال الستر دونك والحجاب (2) ولست بواقع في قدر قوم وإن كرهوا كما يقع الذباب وقال آخر : وأنت أخو السلام وكيف أنتم ولست أخا الملمات الشداد (3) واطفل حين يجفى من ذباب والزم حين يدعى من قراد ويكنون عن الجرب بحب الشباب ، قال الوزير المهلبى : يا صروف الدهر حسبى أي ذنب كان ذنبي ! (3) علة خصت وعمت في حبيب ومحب دب في كفيه يا من حبه دب بقلبي فهو يشكو حر حب وشكاتى حر حب ويكنون عن القصير القامة بأبى زبيبة ، وعن الطويل بخيط باطل . وكانت كنية مروان بن الحكم لانه كان طويلا مضطربا ، قال فيه الشاعر : لحا الله قوما امروأ خيط باطل على الناس يعطى من يشاء ويمنع (3) وفى خيط باطل قولان : أحدهما إنه الهباء الذى يدخل من ضوء الشمس في الكوة


(1) لدعبل ، ديوانه 22 . (2) كنايات الجرجاني 122 ، ونسبه لابن عيينة . (3) كنايات الجرجاني 122 . (*)

[ 202 ]

من البيت ، وتسميه العامة غزل الشمس ، والثانى إنه الخيط الذى يخرج من في العنكبوت ، وتسميه العامة مخاط الشيطان . وتقول العرب للملقو (1) : لطيم الشيطان . وكان لقب عمرو بن سعيد الاشدق ، لانه كان ملقوا . وقال بعضهم لاخر : ما حدث ؟ قال : قتل عبد الملك عمرا ، فقال : قتل أبو الذبان لطيم الشيطان ، (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) . ويقولون للحزين المهموم : يعد الحصى ، ويخط في الارض ، ويفت اليرمع (2) ، قال المجنون : عشيه مالى حيلة غير إننى بلقط الحصى والخط في الدار مولع (3) أخط وأمحو كل ما قد خططته بدمعي والغربان حولي وقع وهذا كالنادم يقرع السن ، والبخيل ينكت الارض ببنانه ، أو بعود عند الرد ، قال الشاعر : عبيد أخوانهم حتى إذا ركبوا يوم الكريهة فالاساد في الاجم (4) يرضون في العسر والايسار سائلهم لا يقرعون على الاسنان من ندم وقال آخر في نكت الارض بالعيدان : قوم إذا نزل الغريب بدارهم تركوه رب صواهل وقيان لا ينكتون الارض عند سؤالهم لتطلب العلات بالعيدان ويقولون للفارغ : فؤاد أم موسى .


(1) الملقو : المصاب باللقوة ، وهو مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه . (2) اليرمع : الحجارة الرخوة . (3) ديوانه 188 . (4) كنايات الجرجاني ، ونسبه إلى عمر بن أمية بن أبى الصلت . (*)

[ 203 ]

ويقولون للمثرى من المال : منقرس ، وذلك إن علة النقرس أكثر ما تعترى أهل الثروة والتنعم . حكى المبرد ، قال : كان الحرمازى في ناحية عمرو بن مسعدة ، وكان يجرى عليه ، فخرج عمرو بن مسعدة الى الشام ، وتخلف الحرمازى ببغداد ، فأصابه النقرس ، فقال : أقام بأرض الشام فاختل جانبى ومطلبه بالشام غير قريب (1) ولا سيما من مفلس حلف نقرس أما نقرس في مفلس بعجيب ! وقال بعضهم يهجو ابن زيدان الكاتب : تواضع النقرس حتى لقد صار إلى رجل ابن زيدان عله إنسان ولكنها قد وجدت في غير إنسان ويقولون للمترف : رقيق النعل ، وأصله قول النابغة : رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب (2) يعنى إنهم ملوك ، والملك لا يخصف نعله وإنما يخصف نعله من يمشى . وقوله : (طيب حجزاتهم) ، أي هم اعفاء الفروج ، أي يشدون حجزاتهم على عفه . وكذلك قولهم : فلان مسمط النعال ، أي نعله طبقة واحدة غير مخصوف ، قال المرار بن سعيد الفقعسى : وجدت بنى خفاجة في عقيل كرام الناس مسمطة النعال (3) وقريب من هذا قول النجاشي : ولا يأكل الكلب السروق نعالنا ولا ينتقى المخ الذى في الجماجم (3)


(1) كنايات الجرجاني 125 . (2) ديوانه 3 . (3) كنايات الجرجاني 125 . (*)

[ 204 ]

يريد أن نعالهم سبت ، والسبت : جلود البقر المدبوغة بالقرظ ، ولا تقربها الكلاب ، وانما تأكل الكلاب غير المدبوغ ، لانه إذا أصابه المطر دسمه فصار زهما . ويقولون للسيد : لا يطأ على قدم ، أي هو يتقدم الناس ، ولا يتبع أحدا فيطأ على قدمه . ويقولون قد اخضرت نعالهم ، أي صاروا في خصب وسعة ، قال الشاعر : يتايهون إذا اخضرت نعالهم وفى الحفيظة إبرام مضاجير . وإذا دعوا على إنسان بالزمانه قالوا : خلع الله نعليه ، لان المقعد لا يحتاج إلى نعل . ويقولون أطفأ الله نوره ، كناية عن العمى وعن الموت أيضا ، لان من يموت فقد طفئت ناره . ويقولون : سقاه الله دم جوفه ، دعاء عليه بأن يقتل ولده ، ويضطر إلى أخذ ديته إبلا فيشرب البانها . ويقولون : رماه الله بليلة لا أخت لها ، أي ليلة موته ، لان ليلة الموت لا أخت لها . ويقولون : وقعوا في سلا جمل ، أي في داهية لا يرى مثلها ، لان الجمل لا سلا له ، وإنما السلا للناقة ، وهى الجليدة التى تكون ملفوفة على ولدها . ويقولون : صاروا في حولاء ناقة ، إذ صاروا في خصب . وكانوا إذا وصفوا الارض بالخصب قالوا : كأنها حولاء ناقة .

[ 205 ]

ويقولون لابناء الملوك والرؤساء ومن يجرى مجراهم : جفاة المحز ، قال الشاعر : جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ولا يأكلون اللحم إلا تخذما . يقول : هم ملوك ، وأشباه الملوك لا حذق لهم بنحر الابل والغنم ولا يعرفون التجليد والسلخ ، ولهم من يتولى ذلك عنهم ، وإذا لم يحضرهم من يجزر الجزور تكلفوا هم ذلك بأنفسهم ، فلم يحسنوا حز المفصل كما يفعله الجزار ، وقوله : * ولا يأكلون اللحم إلا تخذما * أي ليس بهم شره فإذا أكلوا اللحم تخذموا قليلا قليلا ، والخذم : القطع ، وأنشد الجاحظ في مثله : وصلع الرؤوس عظام البطون جفاة المحز غلاظ القصر . لان ذلك كله أمارات الملوك ، وقريب من ذلك قوله : ليس براعى أبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم (1) ويقولون : فلان أملس ، يكنون عمن لا خير فيه ولا شر ، أي لا يثبت فيه حمد ولا ذم . ويقولون : ملحه على ركبته ، أي هو سيئ الخلق ، يغضبه أدنى شئ ، قال لا تلمها إنها من عصبة ملحها موضوعة فوق الركب (2) ويقولون كناية عن مجوسي : هو ممن يخط على النمل ، والنمل جمع نملة ، وهى قرحة بالانسان ، كانت العرب تزعم أن المجوسى إذا كان من اخته وخط عليها برأت ، قال الشاعر : ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وإنا لا نخط على النمل (3)


(1) الكمل 218 (طبعة أوربا) . (2) الجرجاني 127 ، ونسبه إلى مسكين . (3) اللسان (نمل) . (*)

[ 206 ]

ويقولون للصبى : قد قطفت ثمرته ، أي ختن . وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير : ما زال عصياننا لله يرذلنا حتى دفعنا إلى يحيى ودينار (1) ألا عليجين لم تقطف ثمارها قد طالما سجدا للشمس والنار . ويقولون : قدر حليمة ، أي لا غليان فيها . ويقولون لمن يصلى صلاة مختصرة : هو راجز الصلاة . وقال أعرابي لرجل رآه يصلى صلاة خفيفة : صلاتك هذه رجز . ويقولون : فلان عفيف الشفة ، أي قليل السؤال ، وفلان خفيف الشفة ، كثير السؤال . وتكنى العرب عن المتيقظ بالقطامى ، وهو الصقر . ويكنون عن الشدة والمشقة بعرق القربة ، يقولون : لقيت من فلان عرق القربة ، أي العرق الذى يحدث بك من حملها وثقلها ، وذلك لان أشد العمل كان عندهم السقى وما ناسبه من معالجة الابل . وتكنى العرب عن الحشرات وهوام الارض بجنود سعد ، يعنون سعد الاخبية ، وذلك لانه إذا طلع انتشرت في ظاهر الارض ، و خرج منها ما كان مستترا في باطنها ، قال الشاعر : قد جاء سعد منذرا بحره موعدة جنوده بشره (1) ويكنى قوم عن السائلين على الابواب بحفاظ سورة يوسف عليه السلام ، لانهم يعتنون بحفظها دون غيرها ، وقال عمارة يهجو محمد بن وهيب : تشبهت بالاعراب أهل التعجرف فدل على ما قلت قبح التكلف (1)


(1) كنايات الجرجاني 129 ، 130 . (*)

[ 207 ]

لسان عراقى إذا ما صرفته إلى لغة الاعراب لم يتصرف ولم تنس ما قد كان بالامس حاكه أبوك وعود الجف لم يتقصف لئن كنت للاشعار والنحو حافظا لقد كان من حفاظ سورة يوسف ويكنون عن اللقيط بتربية القاضى ، وعن الرقيب بثاني الحبيب ، لانه يرى معه أبدا ، قال ابن الرومي : موقف للرقيب لا أنساه لست أختاره ولا آباه مرحبا بالرقيب من غير وعد جاء يجلو على من أهواه لا أحب الرقيب إلا لانى لا أرى من أحب حتى أراه ويكنون عن الوجه المليح بحجة المذنب ، إشارة الى قول الشاعر : قد وجدنا غفلة من رقيب فسرقنا نظرة من حبيب ورأينا ثم وجها مليحا فوجدنا حجة للذنوب . ويكنون عن الجاهل ذى النعمة بحجة الزنادقة ، قال ابن الرومي : مهلا أبا الصقر فكم طائر خر صريعا بعد تحليق لا قدست نعمى تسربلتها كم حجه فيها لزنديق ! وقال ابن بسام في أبى الصقر أيضا : يا حجة الله في الارزاق والقسم وعبرة لاولى الالباب والفهم تراك اصبحت في نعماء سابغة إلا وربك غضبان على النعم فهذا ضد ذلك المقصد ، لان ذاك جعله حجة على الزندقة ، وهذا جعله حجة على قدرة البارئ سبحانه على عجائب الامور وغرائبها ، وإن النعم لا قدر لها عنده سبحانه ، حيث جعلها عند أبى الصقر مع دناءة منزلته . وقال ابن الرومي :

[ 208 ]

وقينه أبرد من ثلجه تبيت منها النفس في ضجة كأنها من نتنها صخة لكنها في اللون أترجة تفاوتت خلقتها فاغتدت لكل من عطل محتجة وقد يشابه ذلك قول أبى على البصير في ابن سعدان : يا بن سعدان أجلح الرزق في أمرك واستحسن القبيح بمرة نلت ما لم تكن تمنى إذا ما أسرفت غاية الامانى عشرة ليس فيما أظن إلا لكيلا ينكر المنكرون لله قدرة . وللمفجع في قريب منه : إن كنت خنتكم المودة غادرا أو حلت عن سنن المحب الوامق فمسخت في قبح ابن طلحة إنه ما دل قط على كمال الخالق . ويقولون : عرض فلان على الحاجة عرضا سابريا ، أي خفيفا من غير استقصاء ، تشبيها له بالثوب السابرى ، والدرع السابرية ، وهى الخفيفة . ويحكى أن مرتدا مر على قوم يإكلون وهو راكب حمارا ، فقالوا : انزل إلينا ، فقال : هذا عرض سابرى ، فقالوا : انزل يا بن الفاعلة . وهذا ظرف ولباقة . ويقولون في ذلك : وعد سابرى ، أي لا يقرن به وفاء ، وأصل السابرى ، اللطيف الرقق . وقال : المبرد سالت الجاحظ : من أشعر المولدين ؟ فقال القائل : كأن ثيابه اطلعن من أزراره قمرا يزيدك وجهه حسنا إذا ما زدته نظرا بعين خالط التفتير في أجفانها الحورا

[ 209 ]

ووجه سابرى لو تصوب ماؤه قطرا يعنى العباس بن الاحنف (1) . وتقول العرب في معنى قول المحدثين : عرض عليه كذا عرضا سابريا : عرض عليه عرض عاله ، أي عرض الماء على النعم العالة التى قد شربت شربا بعد شرب ، وهو العلل ، لانها تعرض على الماء عرضا خفيفا لا تبالغ فيه . ومن الكنايات الحسنة قول أعرابية قالت لقيس بن سعد بن عبادة : أشكو اليك قلة الجرذان في بيتى ، فاستحسن منها ذلك ، وقال : لاكثرنها ، املئوا لها بيتها خبزا وتمرا وسمنا وأقطا ودقيقا . وشبيه بذلك ما روى أن بعض الرؤساء سايره صاحب له على برذون مهزول ، فقال له : ما أشد هزال دابتك ! فقال : يدها مع أيدينا ، ففطن لذلك ووصله . وقريب منه ما حكى أن المنصور قال : لانسان ما مالك ؟ قال : ما أصون به وجهى ، ولا أعود به على صديقى فقال : لقد تلطفت في المسألة ، وأمر له بصلة . وجاء أعرابي إلى أبى العباس ثعلب وعنده أصحابه ، فقال له : ما أراد القائل بقوله : الحمد لله الوهوب المنان صار الثريد في رءوس القضبان فأقبل ثعلب على أهل المجلس فقال : اجيبوه ، فلم يكن عندهم جواب ، وقال له نفطويه : الجواب منك يا سيدى أحسن ، فقال : على إنكم لا تعلمونه ! قالوا : لا نعلمه ، فقال الاعرابي ، قد سمعت ما قال القوم ، فقال : ولا أنت أعزك الله تعلمه ، فقال ثعلب : أراد إن السنبل قد أفرك ، قال : صدقت فأين حق الفائدة ؟ فأشار إليهم ثعلب ،


(1) ديوانه 129 . (*)

[ 210 ]

فبروه ، فقام قائلا : بوركت من ثعلب ، ما أعظم بركتك ! ويكنون عن الشيب بغبار العسكر ، وبرغوة الشباب ، قال الشاعر : قالت أرى شيبا برأسك ، قلت : لا هذا غبار من غبار العسكر وقال آخر - وسماه غبار وقائع الدهر غضبت ظلوم وأزمعت هجري وصبت ضمائرها إلى الغدر قالت : أرى شيبا فقلت لها : هذا غبار وقائع الدهر . ويقولون للسحاب : فحل الارض . وقالوا القلم أحد اللسانين ، ورداءة الخط أحد الزمانتين . قال : وقال الجاحظ : رأيت رجلا أعمى يقول في الشوارع وهو يسأل : ارحموا ذا الزمانتين ، قلت : وما هما ؟ قال : أنا أعمى وصوتي قبيح ، وقد أشار شاعر إلى هذا فقال : اثنان إذا عدا حقيق بهما الموت فقير ما له زهد وأعمى ما له صوت وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (إياكم وخضراء الدمن) ، فلما سئل عنها قال (المرأة الحسناء في المنبت السوء) . وقال عليه السلام في صلح قوم من العرب : (إن بيننا وبينهم عيبة مكفوفة) ، أي لا نكشف ما بيننا وبينهم من ضغن وحقد ودم . وقال عليه السلام : (الانصار كرشى وعيبتى) ، أي موضع سرى . وكرشى : جماعتي .

[ 211 ]

ويقال جاء فلان ربذ (1) العنان ، أي منهزما . وجاء ينفض مذرويه (2) ، أي يتوعد من غير حقيقة . وجاء ينظر عن شماله ، أي منهزما . وتقول فلان عندي بالشمال ، أي منزلته خسيسة . وفلان عندي باليمين ، أي بالمنزلة العليا ، قال أبو نواس : أقول لناقتي إذ بلغتني لقد أصبحت عندي باليمين (3) فلم أجعلك للغربان نهبا ولم أقل أشرقي بدم الوتين حرمت على الازمة والولايا وأعلاق الرحالة والوضين وقال ابن ميادة : أبينى أفى يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك ! وتقول العرب : التقى الثريان في الامرين يأتلفان ويتفقان ، أو الرجلين ، قال أبو عبيدة والثرى : التراب الندى في بطن الوادي ، فإذا جاء المطر وسح في بطن الوادي حتى يلتقى نداه والندى الذى في بطن الوادي يقال : التقى الثريان . ويقولون : هم في خير لا يطير غرابه ، يريدون إنهم في خير كثير وخصب عظيم فيقع الغراب فلا ينفر لكثرة الخصب . وكذلك أمر لا ينادى وليده ، أي أمر عظيم ينادى فيه الكبار دون الصغار . وقيل المراد أن المرأة تشتغل عن وليدها فلا تناديه لعظم الخطب ، ومن هذا قول الشاعر يصف حربا عظيمة :


(1) في اللسان : (ربذ العنان ، أي منفردا منهزما) . (2) المذروان : الجانبان من كل شئ ، وقد يطلقان على المنكبين . (3) ديوانه 65 . (*)

[ 212 ]

إذا خرس الفحل وسط الحجور وصاح الكلاب وعق الولد . يريد أن الفحل إذا عاين الجيش والبارقة لم يلتفت لفت الحجور ولم يصهل ، وتنبح الكلاب أربابها ، لانها لا تعرفهم للبسهم الحديد ، وتذهل المرأة عن ولدها رعبا ، فجعل ذلك عقوقا . ويقولون : أصبح فلان على قرن أعفر ، وهو الظبى إذا أرادوا أصبح على خطر ، وذلك لان قرن الظبى ليس يصلح مكانا ، فمن كان عليه فهو على خطر ، قال امرؤ القيس : ولا مثل يوم بالعظالى قطعته كأنى وأصحابي على قرن أعفرا (1) وقال أبو العلاء المعرى : * كأننى فوق روق الظبى من حذر (2) * وأنشد ابن دريد في هذا المعنى : وما خير عيش لا يزال كأنه محلة يعسوب برأس سنان يعنى من القلق وإنه غير مطمئن . ويقولون : به داء الظبى ، إى لا داء به ، لان الظبى صحيح لا يزال ، والمرض قل أن يعتريه ، ويقولون : للمتلون المختلف الاحوال ظل الذئب ، لانه لا يزل مرة هكذا ومرة هكذا ويقولون : به داء الذئب ، أي الجوع .


(1) ديوانه 70 وروايته : ولا مثل يوم في قذران ظلته كأنى وأصحابي على قرن أعفرا (2) سفط الزند 131 ، وصدره : * في بلدة مثل ظهر الظبى بت لها * (*)

[ 213 ]

وعهد فلان عهد الغراب ، يعنون إنه غادر ، قالوا : لان كل طائر يألف أنثاه إلا الغراب ، فإنه إذا باضت الانثى تركها وصار إلى غيرها . ويقولون : ذهب سمع الارض وبصرها ، أي حيث لا يدرى أين هو ! وتقولون : القى عصاه ، إذا أقام واستقر ، قال الشاعر : فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر (1) ووقع القضيب من يد الحجاج وهو يخطب ، فتطير بذلك حتى بان في وجهه ، فقام إليه رجل فقال : إنه ليس ما سبق وهم الامير إليه ، ولكنه قول القائل ، وأنشده البيت ، فسرى عنه . ويقال للمختلفين ، طارت عصاهم شققا . ويقال : فلان منقطع القبال (2) أي لا رأى له . وفلان عريض البطان ، أي كثير الثروة . وفلان رخى اللب ، أي في سعة . وفلان واقع الطائر ، أي ساكن . وفلان شديد الكاهل ، أي منيع الجانب . وفلان ينظر في أعقاب نجم مغرب ، أي هو نادم آيس ، قال الشاعر : فأصبحت من ليلى الغداة كناظر مع الصبح في أعقاب نجم مغرب (3) وسقط في يده ، أي أيقن بالهلكة . وقد رددت يده إلى فيه ، أي منعته من الكلام . وبنو فلان يد على بنى فلان ، أي مجتمعون .


(1) اللسان (عصا) . (2) القبال : زمام النعل . (3) للمجنون ، ديوانه 79 . (*)

[ 214 ]

وأعطاه كذا عن ظهر يد ، أي ابتداء لا عن مكافأة . ويقولون : جاء فلان ناشرا أذنيه ، أي جاء طامعا . ويقال هذه فرس غير محلفة ، أي لا تحوج صاحبها إلى أن يحلف إنها كريمة ، قال : كميت غير محلفة ولكن كلون الصرف عل به الاديم . وتقول : حلب فلان الدهر أشطره ، أي مرت عليه صروبه خيره وشره . وقرع فلان لامر ظنبوبة ، أي جد فيه واجتهد . وتقول : أبدى الشر نواجذه ، أي ظهر . وقد كشفت الحرب عن ساقها ، وكشرت عن نابها . وتقول : استنوق الجمل ، يقال ذلك للرجل يكون في حديث ينتقل إلى غيره يخلطه به . وتقول لمن يهون بعد عز : استأتن العير . وتقول للضعيف يقوى : استنسر البغاث . ويقولون : شراب بأنقع ، أي معاود للامور ، وقال الحجاج : يا أهل العراق ، إنكم شرابون بانقع ، أي معتادون الخير والشر . والانقع : جمع نقع ، وهو ما استنقع من الغدران ، وأصله في الطائر الحذر يرد المناقع في الفلوات حيث لا يبلغه قانص ، ولا ينصب له شرك

[ 215 ]

[ حديث عن امرئ القيس ] ونختم هذا الفصل في الكنايات بحكاية رواها أبو الفرج على بن الحسين الاصبهاني ، قال أبو الفرج : اخبرني (1) محمد بن القاسم الانباري ، قال : حدثنى ابن عمى ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله ، عن الهيثم بن عدى . قال : وحدثني عمى ، قال : حدثنا محمد بن سعد الكرانى ، قال : حدثنا العمرى ، عن الهيثم بن عدى ، عن مجالد بن سعيد ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة أميرا على العراق ، فأرسل إلى عشرة من وجوه أهل الكوفة أنا أحدهم ، فسرنا عنده ، فقال : ليحدثني كل رجل منكم أحدوثة وابدأ أنت يا أبا عمرو ، فقلت : أصلح الله الامير ! أحديث حق أم حديث باطل ؟ قال : بل حديث حق ، فقلت : إن امرأ القيس كان آلى ألية (2) ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين ، فجعل يخطب النساء ، فإذا سألهن عن هذا قلن : اربعة عشر ، فبينا هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة صغيرة له كأنها البدر لتمه ، فأعجبته ، فقال لها : يا جارية ، ما ثمانية ، وأربعة ، واثنتان ، فقالت : أما ثمانية فأطباء الكلبة ، وأما أربعة : فأخلاف الناقة ، وأما اثنتان فثديا المرأة ، فخطبها إلى أبيها ، فزوجه إياها وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال ، فجعل لها ذلك ، وعلى أن يسوق إليها مائة من الابل ، وعشرة أعبد ، وعشر وصائف ، وثلاثة أفراس ، ففعل ذلك ، ثم بعث عبدا إلى المرأة ، وأهدى إليها معه نحيا من سمن ونحيا (3) من عسل وحلة من عصب ، فنزل العبد على بعض المياه ، ونشر الحلة فلبسها فتعلقت بسمرة فانشقت ، وفتح النحيين فاطعم أهل الماء منهما فنقصا ، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف (4) فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ، ودفع إليها


(1) الاغانى 9 : 101 - 103 . (2) الاغانى : (بألية) (3) النحى : الزق . (4) خلوف : غيب . (*)

[ 216 ]

هديتها ، فقالت أعلم مولاك إن أبى ذهب يقرب بعيدا ، ويبعد قريبا ، وإن أمي ذهبت تشق النفس نفسين ، وإن أخى ذهب يراعى الشمس ، وإن سماءكم انشقت ، وإن وعاءيكم نضبا . فقدم الغلام على مولاه ، فأخبره فقال : أما قولها : إن أبى ذهب يقرب بعيدا ، ويبعد قريبا ، فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه ، وأما قولها : إن أمي ذهبت تشق النفس نفسين ، فإن أمها ذهبت تقبل (1) امرأة نفساء . وأما قولها : إن أخى ذهب يراعى الشمس ، فإن أخاها في سرح له يرعاه ، فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به ، وأما قولها : إن سماءكم انشقت ، فإن البرد الذى بعثت به انشق ، وأما قولها إن وعاءيكم نضبا فإن النحيين اللذين بعثت بهما نقصا ، فاصدقني . فقال : يا مولاى ، إنى نزلت بماء من مياه العرب ، فسألوني عن نسبي فأخبرتهم إنى ابن عمك ، ونشرت الحلة ولبستها وتجملت بها ، فتعلقت بسمرة فانشقت ، وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء ، فقال : أولى لك ! ثم ساق مائة من الابل ، وخرج نحوها ومعه العبد يسقى الابل ، فعجز ، فأعانه امرؤ القيس ، فرمى به العبد في البئر ، وخرج حتى أتى إلى أهل الجارية بالابل ، فأخبرهم إنه زوجها ، فقيل لها : قد جاء زوجك ، فقالت : والله ما أدرى أزوجى هو أم لا ! ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها ، ففعلوا ، فأكل ما أطعموه ، فقالت : اسقوه لبنا حازرا وهو الحامض - فسقوه فشرب ، فقالت افرشوا له عند الفرث (2) والدم ، ففرشوا له ، فنام فلما أصبحت أرسلت إليه : إنى أريد أن أسألك ، فقال لها : سلى عما بدا لك ، فقالت : مم تختلج شفتاك ؟ قال : من تقبيلي إياك ، فقالت : مم يختلج كشحاك ، قال : لالتزامى إياك ، قالت : فمم يختلج فخذاك ؟


(1) يقال : قبلت القابلة المرأة ، إذا تلقت ولدها عند ولادته . (2) الفرث : السرجين ما دام في الكرش . (*)

[ 217 ]

قال : لتوركى إياك ، فقالت عليكم العبد فشدوا أيديكم به ، ففعلوا . قال : ومر قوم فاستخرجوا امرا القيس من البئر ، فرجع إلى حيه وساق مائة من الابل ، وأقبل إلى امرأته فقيل لها ، قد جاء زوجك ، فقالت : والله ما أدرى أزوجى هو أم لا ! ولكن انحروا له جزورا ، وأطعموه من كرشها وذنبها ، ففعلوا ، فلما أتوه بذلك قال : وأين الكبد والسنام والملحاء (1) ، وأبى أن يأكل ، فقالت : اسقوه لبنا حازرا ، فأتى به ، فأبى إن يشربه ، وقال : فأين الضريب (2) والرثيئة ؟ فقالت : افرشوا له عند الفرث والدم ، ففرشوا له فأبى أن ينام ، وقال : افرشوا لى عند التلعة الحمراء ، واضربوا لى عليها خباء ، ثم أرسلت إليه : هلم شريطتى عليك في المسائل الثلاث ، فأرسل إليها أن سلى عما شئت ، فقالت : مم تختلج شفتاك ؟ فقال : لشربي المشعشعات ، قالت : فمم يختلج كشحاك ؟ قال : للبسى الحبرات . قالت : فمم تختلج فخذاك ؟ قال : لركضي المطهمات (3) ، فقالت : هذا زوجي لعمري ، فعليكم به . فاهديت إليه الجارية . فقال ابن هبيرة : حسبكم ، فلا خير في الحديث سائر الليلة بعد حديث أبى عمرو ، ولن يأتينا أحد منكم بأعجب منه ، فانصرفنا وأمر لى بجائزة .


(1) اللحاء : لحم في الصلب من الكاهل إلى العجز من البعير . (2) والضريب : هو اللبن يحلب من عدة لقاح ، وفى الاغانى : (الصريف) . وهو الحلب الحار ساعة يصرف من الضرع ، والرثيئة : اللبن الحليب يصب عليه اللبن الحامض ، فيروب من ساعته . (3) المطهمات : الخيل التامة الحسن . (*)

[ 218 ]

(476) الاصل : وقال عليه السلام في كلام له : ووليهم وال فأقام واستقام ، حتى ضرب الدين بجرانه . الشرح : الجران : مقدم العنق ، وهذا الوالى هو عمر بن الخطاب . وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة ، يذكر فيها قربه من النبي صلى الله عليه وآله واختصاصه له ، وإفضاءه بأسراره إليه ، حتى قال فيها : فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلا منهم ، فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وحد كانا فيه ، وليهم بعده وال ، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه ، على عسف وعجرفيه كانا فيه ، ثم اختلفوا ثالثا لم يكن يملك من أمر نفسه شيئا ، غلب عليه أهله فقادوه إلى أهوائهم كما تقود الوليدة البعير المخطوم ، فلم يزل الامر بينه وبين الناس يبعد تارة ويقرب أخرى حتى نزوا عليه فقتلوه ثم جاءوا بى مدب الدبا ، يريدون بيعتى . وتمام الخطبة معروف ، فليطلب من الكتب الموضوعة لهذا الفن .

[ 219 ]

(477) الاصل : وقال عليه السلام : يأتي على الناس زمان عضوض ، يعض الموسر فيه على ما في يديه ، ولم يؤمر بذلك ، قال الله سبحانه : (ولا تنسوا الفضل بينكم) ، ينهد فيه الاشرار ، ويستذل الاخيار ، ويبايع المضطرون ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع المضطرين . الشرح : زمان عضوض ، أي كلب على الناس ، كأنه يعضهم ، وفعول للمبالغة ، كالنفور العقوق ، ويجوز أن يكون من قولهم بئر عضوض ، أي بعيدة القعر ضيقه ، وما كانت البئر عضوضا ، فأعضت كقولهم : ما كانت جرورا فاجرت ، وهى كالعضوض . وعض فلان على ما في يده أي بخل وأمسك . وينهد فيه الاشرار ، ينهضون إلى الولايات والرياسات ، وترتفع أقدارهم في الدنيا ، ويستذل فيه أهل الخير والدين . ويكون فيه بيع على وجه الاضطرار والالجاء ، كمن بيعت (1) ضيعته ، وهو ذليل ضعيف ، من رب ضيعة مجاورة لها ذى ثروه وعز وجاه فيلجئه بمنعه الماء واستذلاله الاكره والوكيل إلى أن يبيعها عليه ، وذلك منهى عنه ، لانه حرام محض .


(1) ب : (بيع) . (*)

[ 220 ]

(478) الاصل : وقال عليه السلام : يهلك في رجلان : محب مفرط ، وباهت مفتر . قال الرضى رحمه الله تعالى : وهذا مثل قوله عليه السلام : يهلك في اثنان : محب غال ، ومبغض قال . الشرح : قد تقدم شرح مثل هذا الكلام ، وخلاصه هذا القول : إن الهالك فيه المفرط ، والمفرط أما المفرط فالغلاة ، ومن قال بتكفير أعيان الصحابة ونفاقهم أو فسقهم ، وأما المفرط فمن استنقص به عليه السلام أو أبغضه أو حاربه أو أضمر له غلا ، ولهذا كان أصحابنا أصحاب النجاة والخلاص والفوز في هذه المسألة ، لانهم سلكوا طريقة مقتصدة ، قالوا : هو أفضل الخلق في الاخرة ، وأعلاهم منزلة في الجنة ، وأفضل الخلق في الدنيا ، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب ، وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه فانه عدو لله سبحانه وخالد في النار مع الكفار والمنافقين ، إلا أن يكون ممن قد ثبتت توبته ، ومات على توليه وحبه . فأما الافاضل من المهاجرين والانصار الذين ولوا الامامة قبله فلو إنه أنكر امامتهم

[ 221 ]

وغضب عليهم ، وسخط فعلهم ، فضلا عن أن يشهر عليهم السيف ، أو يدعو إلى نفسه ، لقلنا : إنهم من الهالكين ، كما لو غضب عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، لانه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له : (حربك حربى ، وسلمك سلمى ، ، وإنه قال : (اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه) ، وقال له : (لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك الا منافق) ، ولكنا رأينا رضى إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم وأنكحهم وأكل من فيئهم ، فلم يكن لنا أن نتعدى فعله ، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه ، إلا ترى إنه لما برئ من معاوية برئنا منه ، ولما لعنه لعناه ، ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص وعبد الله ابنه وغيرهما حكمنا أيضا بضلالهم ! والحاصل إنا لم نجعل بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله إلا رتبه النبوة ، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه (1) ، ولم نطعن في أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا انه طعن فيهم ، وعاملناهم بما عاملهم عليه السلام به . [ فصل فيما قيل في التفضيل بين الصحابة ] والقول بالتفضيل قول قديم ، قد قال به كثير من الصحابة والتابعين ، فمن الصحابة عمار ، والمقداد ، وأبو ذر ، وسلمان ، وجابر بن عبد الله ، وأبى بن كعب ، وحذيفة ، و بريدة ، وأبو أيوب ، وسهل بن حنيف ، وعثمان بن حنيف ، وأبو الهيثم بن التيهان ، و خزيمة بن ثابت ، وأبو الطفيل عامر بن واثلة ، والعباس بن عبد المطلب وبنوه ، وبنو هاشم كافة ، وبنو المطلب كافة .

[ 222 ]

وكان الزبير من القائلين به في بدء الامر ، ثم رجع ، وكان من بنى أمية قوم يقولون بذلك ، منهم خالد بن سعيد بن العاص ، ومنهم عمر بن عبد العزيز . وأنا اذكر هاهنا الخبر المروى المشهور عن عمر ، وهو من رواية ابن الكلبى ، قال : بينا عمر بن عبد العزيز جالسا في مجلسه ، دخل حاجبه ومعه امرأة أدماء طويلة حسنة الجسم والقامة ، ورجلان متعلقان بها ، ومعهم كتاب من ميمون بن مهران إلى عمر ، فدفعوا إليه الكتاب ، ففضه فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، من ميمون بن مهران ، سلام عليك ورحمه الله وبركاته ، أما بعد ، فإنه ورد علينا امر ضاقت به الصدور ، وعجزت عنه الاوساع (1) ، وهربنا بأنفسنا عنه ، ووكلناه إلى عالمه ، لقول الله عز وجل : (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (2) ، وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والاخر أبوها ، وإن أباها يا أمير المؤمنين زعم إن زوجها حلف بطلاقها إن على بن أبى طالب عليه السلام خير هذه الامة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله ، وإنه يزعم أن ابنته طلقت منه ، وإنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهرا ، وهو يعلم إنها حرام عليه كأمه . وإن الزوج يقول له : كذبت وأثمت ، لقد بر قسمي ، وصدقت مقالتي ، وإنها امرأتي على رغم أنفك ، وغيظ قلبك ، فاجتمعوا إلى يختصمون في ذلك ، فسألت الرجل عن يمينه ، فقال : نعم ، قد كان ذلك ، وقد حلفت بطلاقها إن عليا خير هذه الامة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله ، عرفه من عرفه ، وأنكره من أنكره ، فليغضب من


(1) الاوساع : جمع وسع ، وهو الطاقة . (2) سورة النساء 83 . (*)

[ 223 ]

غضب ، وليرض من رضى ، وتسامع الناس بذلك ، فاجتمعوا له ، وإن كانت الالسن مجتمعة فالقلوب شتى ، وقد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم ، وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة ، فأحجمنا عن الحكم لتحكم بما أراك الله ، وإنهما تعلقا بها ، وأقسم أبوها ألا يدعها معه ، وأقسم زوجها ألا يفارقها ولو ضربت عنقها إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته والامتناع منه ، فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين ، احسن الله توفيقك وأرشدك ! وكتب في أسفل الكتاب إذا ما المشكلات وردن يوما فحارت في تأملها العيون وضاق القوم ذرعا عن نبأها فأنت لها أبا حفص أمين لانك قد حويت العلم طرا وأحكمك التجارب والشئون وخلفك الاله على الرعايا فحظك فيهم الحظ الثمين . قال : فجمع عمر بن عبد العزيز بنى هاشم وبنى أمية وأفخاذ قريش ، ثم قال لابي المرأة : ما تقول أيها الشيخ ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، هذا الرجل زوجته ابنتى ، وجهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها ، حتى إذا أملت خيره ، ورجوت صلاحه ، حلف بطلاقها كاذبا ، ثم أراد الاقامة معها ، فقال له عمر : يا شيخ ، لعله لم يطلق امرأته ، فكيف حلف ؟ قال الشيخ : سبحان الله ، الذى حلف عليه لابين حنثا وأوضح كذبا من أن يختلج في صدري منه شك ، مع سنى وعلمي ، لانه زعم أن عليا خير هذه الامة وإلا فامرأته طالق ثلاثا ، فقال للزوج : ما تقول ؟ أهكذا حلفت ؟ قال : نعم ، فقيل : إنه لما قال نعم ، كاد المجلس يرتج بأهله ، وبنو أمية ينظرون إليه شزرا ، إلا إنهم لم ينطقوا بشئ ، كل ينظر إلى وجه عمر .

[ 224 ]

فأكب عمر مليا ينكت الارض بيده والقوم صامتون ينظرون ما يقوله ، ثم رفع رأسه وقال : إذا ولى الحكومة بين قوم أصاب الحق والتمس السدادا وما خير الامام إذا تعدى خلاف الحق واجتنب الرشادا . ثم قال للقوم : ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ فسكتوا ، فقال : سبحان الله ! قولوا . فقال رجل من بنى أمية : هذا حكم في فرج ، ولسنا نجترئ على القول فيه ، وأنت عالم بالقول ، مؤتمن لهم وعليهم ، قل ما عندك ، فإن القول ما لم يكن يحق باطلا ويبطل حقا جائز على في مجلسي . قال : لا أقول شيئا ، فالتفت إلى رجل من بنى هاشم من ولد عقيل بن أبى طالب ، فقال له : ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي ؟ فاغتنمها ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن جعلت قولى حكما ، أو حكمي جائزا قلت ، وإن لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لى ، وأبقى للمودة ، قال : قل وقولك حكم ، وحكمك ماض . فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا : ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين إذ جعلت الحكم إلى غيرنا ، ونحن من لحمتك وأولى رحمك ، فقال عمر : اسكتوا ، إعجزا ولؤما ! عرضت ذلك عليكم آنفا فما انتدبتم له . قالوا : لانك لم تعطنا ما أعطيت العقيلى ، ولا حكمتنا كما حكمته ، فقال عمر : إن كان أصاب وأخطأتم ، وحزم وعجزتم ، وأبصر وعميتم ، فما ذنب عمر ، لا أبا لكم ! أتدرون ما مثلكم ؟ قالوا : لا ندرى ، قال : لكن العقيلى يدرى ، ثم قال : ما تقول يا رجل ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، كما قال الاول : دعيتم إلى أمر فلما عجزتم تناوله من لا يداخله عجز فلما رأيتم ذاك ابدت نفوسكم نداما وهل يغنى من القدر الحذر ! فقال عمر : أحسنت وأصبت ، فقل ما سألتك عنه . قال : يا أمير المؤمنين ،

[ 225 ]

بر قسمه ، ولم تطلق امرأته ، قال : وإنى علمت ذاك ؟ قال : نشدتك الله يا أمير المؤمنين ، ألم تعلم إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام وهو عندها في بيتها عائد لها : يا بنية ، ما علتك قالت : الوعك يا أبتاه - وكان على غائبا في بعض حوائج النبي صلى الله عليه وآله - فقال لها : أتشتهين شيئا ؟ قالت : نعم أشتهى عنبا ، وأنا اعلم إنه عزيز ، وليس وقت عنب ، فقال صلى الله عليه وآله : ان الله قادر على أن يجيئنا به ، ثم قال : اللهم ائتنا به مع أفضل أمتى عندك منزلة ، فطرق على الباب ، ودخل ومعه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : ما هذا يا على ؟ قال : عنب التمسته لفاطمة ، فقال : الله أكبر الله أكبر ، اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي فاجعل فيه شفاء بنيتي ، ثم قال : كلى على اسم الله يا بنية ، فأكلت ، وما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى استقلت وبرأت ، فقال عمر : صدقت وبررت ، أشهد لقد سمعته ووعيته ، يا رجل ، خذ بيد امرأتك فإن عرض لك أبوها فاهشم أنفه . ثم قال : يا بنى عبد مناف ، والله ما نجهل ما يعلم غيرنا ، ولا بنا عمى في ديننا ، ولكنا كما قال الاول : تصيدت الدنيا رجالا بفخها فلم يدركوا خيرا بل استقبحوا الشرا وأعماهم حب الغنى واصمهم فلم يدركوا إلا الخسارة والوزرا قيل : فكأنما القم بنى أمية حجرا ، ومضى الرجل بامرأته . وكتب عمر إلى ميمون بن مهران : عليك سلام فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإنى قد فهمت كتابك ، وورد الرجلان والمرأة ، وقد صدق الله يمين الزوج ، وأبر قسمه ، وأثبته على نكاحه ، فاستيقن ذلك ، واعمل عليه ، والسلام عليك ورحمه الله وبركاته .

[ 226 ]

فاما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين فخلق كثير كأويس القرنى وزيد بن صوحان ، وصعصعة أخيه وجندب (1) الخير ، وعبيدة السلمانى ، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة ، ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر إلا لمن قال بتفضيله ، ولم تكن مقالة الامامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف مشهورة حينئذ على هذا النحو من الاشتهار ، فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشيعة ، وجميع ما ورد من الاثار والاخبار في فضل الشيعة وأنهم موعودون بالجنة ، فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم ، ولذلك قال أصحابنا المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم : نحن الشيعة حقا . فهذا القول هو أقرب إلى السلامة وأشبه بالحق من القولين المقتسمين طرفي الافراط والتفريط إن شاء الله .


(1) في د (وحبيب . (*)

[ 227 ]

(479) الاصل : وسئل عن التوحيد والعدل ، فقال : التوحيد ألا تتوهمه ، والعدل ألا تتهمه . الشرح : هذان الركنان هما ركنا علم الكلام ، وهما شعار أصحابنا المعتزلة ، لنفيهم المعاني القديمة التى يثبتها الاشعري وأصحابه ، ولتنزيههم البارئ سبحانه عن فعل القبيح . ومعنى قوله : (ألا تتوهمه) أي ألا تتوهمه جسما أو صورة أو في جهة مخصوصة ، أو مالئا لكل الجهات كما ذهب إليه قوم ، أو نورا من الانوار ، أو قوة ساريه في جميع العالم ، كما قاله قوم ، أو من جنس الاعراض التى تحل الحال أو تحل المحل ، وليس بعرض كما قاله النصارى وغلاة الشيعة ، أو تحله المعاني والاعراض ، فمتى توهم على شئ من هذا فقد خولف التوحيد ، وذلك لان كل جسم أو عرض أو حال في محل أو محل الحال ، أو مختص بجهة ، لا بد أن يكون منقسما في ذاته ، لا سيما على قول من نفى الجزاء مطلقا ، وكل منقسم فليس بواحد ، وقد ثبت إنه واحد . وأضاف أصحابنا إلى التوحيد نفى المعاني القديمة ، ونفى ثان في الالهية ، ونفى الرؤية ، ونفى كونه مشتهيا أو نافرا أو ملتذا (1) أو آلما أو عالما بعلم محدث ، أو قادرا بقدرة محدثة ، أو حيا بحياة محدثة ، أو نفى كونه عالما بالمستقبلات أبدا ، أو نفى كونه عالما بكل معلوم أو قادرا


(1) في د (متلذذا) . (*)

[ 228 ]

على كل الاجناس وغير ذلك من مسائل علم الكلام التى يدخلها أصحابنا في الركن الاول ، وهو التوحيد . وأما الركن الثاني فهو ألا تتهمه ، أي لا تتهمه في إنه أجبرك على القبيح ، ويعاقبك عليه ، حاشاه من ذلك ! ولا تتهمه في إنه مكن الكذابين من المعجزات ، فاضل بهم الناس ، ولا تتهمه في إنه كلفك ما لا تطيقه ، وغير ذلك من مسائل العدل التى يذكرها أصحابنا مفصلة في كتبهم كالعوض عن الالم ، فإنه لا بد منه ، والثواب على فعل الواجب فإنه لا بد منه ، وصدق وعده ووعيده ، فإنه لا بد منه . وجملة الامر أن مذهب أصحابنا في العدل والتوحيد ماخوذ عن أمير المؤمنين . وهذا المواضع من الموضع التى قد صرح فيها بمذهب أصحابنا بعينه ، وفى فرش كلامه من هذا النمط ما لا يحصى .

[ 229 ]

(480) الاصل : وقال عليه السلام : في دعاء استسقى به : اللهم اسقنا ذلل السحائب دون صعابها . قال الرضى رحمه الله تعالى : وهذا من الكلام العجيب الفصاحة ، وذلك إنه عليه السلام شبه السحب ذوات الرعود والبوارق ، والرياح والصواعق ، بالابل الصعاب التى تقمص برحالها (1) ، وتتوقص بركبانها ، وشبه السحائب الخالية من تلك الزوابع بالابل الذلل التى تحتلب طيعة ، وتقتعد مسمحة . الشرح : قد كفانا الرضى - رحمه الله - بشرحه هذه الكلمة مئونة الخوض في تفسيرها .


(1) في د (بصاحبها) . (*)

[ 230 ]

(481) الاصل : وقيل له عليه السلام : لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين ! فقال : الخضاب زينة ، ونحن قوم في مصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله . الشرح : [ مختارات مما قيل من الشعر في الشيب والخضاب ] قد تقدم لنا في الخضاب قول كاف ، وأنا أستملح قول الصابى فيه : خضاب تقاسمناه بينى وبينها ولكن شأني فيه خالف شأنها فيا قبحه إذ حل منى بمفرقى ويا حسنه إذ حل منها بنانها وسحقا له عن لمتى حين شأنها وأهلا به في كفها حيث زانها . وقال أبو تمام : لعب الشيب بالمفارق بل جد فأبكى تماضرا ولعوبا (1) خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دما إن رأت شواتى خضيبا (2) كل داء يرجى الدواء له إلا الفظيعين ميتة ومشيبا يا نسيب الثغام ذنبك أبقى حسناتي عند الحسان ذنوبا (3) * (همش) * (1) ديوانه 1 : 166 ، وتماضر ولعوب من أسماء النساء . (2) الشواة : جلدة الرأس . (3) الثغام : نبت أبيض يشبه الشيب . (*)

[ 231 ]

ولئن عبن ما رأين لقد أنكرن مستنكرا وعبن معيبا لو رأى الله إن في الشيب فضلا جاورته الابرار في الخلد شيبا . وقال : فإن يكن المشيب طغى علينا وأودى بالبشاشة والشباب فإنى لست ادفعه بشئ يكون عليه أثقل من خضاب أردت بان ذاك وذا عذاب فسلطت العذاب على العذاب . ابن الرومي : لم أخضب الشيب للغوانى أبغى به عندهم ودادا لكن خضابي على شباب لبست من بعده حدادا . ومن مختار ما جاء من الشعر في الشيب وإن لم يكن فيه ذكر الخضاب قول أبى تمام : نسج المشيب له لفاعا مغدفا يققا فقنع مذرويه ونصفا نظر الزمان إليه قطع دونه نظر الشقيق تحسرا وتلهفا ما اسود حتى ابيض كالكرم الذى لم يبد حتى جئ كيما يقطفا لما تفوفت الخطوب سوادها ببياضها عبثت به فتفوفا ما كان يخطر قبل ذا في فكره للبدر قبل تمامه أن يكسفا . وقال أيضا : غدا الهم مختطا بفودى خطة طريق الردى منها إلى الموت مهيع (1)


(1) ديوانه 2 : 324 . (*)

[ 232 ]

هو الزور يجفى و المعاشر يجتوى وذو الالف يقلى والجديد يرقع له منظر في العين أبيض ناصع ولكنه في القلب أسود أسفع ونحن نرجيه على الكره والرضا وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع . وقال أيضا : شعلة في المفارق استودعتني في صميم الاحشاء ثكلا صميما (1) تستثير الهموم ما اكتن منها صعدا وهى تستثير الهموما غره مرة ألا إنما كنت أغر أيام كنت بهيما دقة في الحياة تدعى جلالا مثل ما سمى اللديغ سليما حلمتنى زعمتم وأرانى قبل هذا التحليم كنت حليما . وقال الصابى : وذكر الخضاب خضبت مشيبي للتعلق بالصبا وأوهمت من أهواه إنى لم أشب فلما ادعى منى العذار شبيبه إذا صلعى قد صاح من فوقه كذب فكم طرة طارت ودانت ذوائب وكم وجنة حالت وماء بها نضب شواهد بالتزوير يحوين ربها فهجرانه عند الاحبة قد وجب . البحترى : بان الشباب فلا عين ولا أثر إلا بقية برد منه أسمال قد كدت أخرجه عن منتهى عددي يأسا وأسقطه إذ فات من بالى سوء العواقب يأس قبله أمل وأعضل الداء نكس بعد إبلال والمرء طاعة أيام تنقله تنقل الظل من حال إلى حال


(1) ديوانه 3 : 223 . (*)

[ 233 ]

(482) الاصل : وقال عليه السلام : ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجرأ ممن قدر فعف ، لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة . [ نبذ وحكايات حول العفة ] الشرح : قد تقدم القول في العفة ، وهى ضروب : عفة اليد ، وعفة اللسان ، وعفة الفرج ، وهى العظمى ، وقد جاء في الحديث المرفوع : (من عشق فكتم وعف وصبر فمات مات شهيدا ودخل الجنة) . وفى حكمة سليمان بن داود : إن الغالب لهواه أشد من الذى يفتح المدينة وحده . نزل خارجي على بعض إخوانه منهم مستترا من الحجاج ، فشخص المنزول عليه لبعض حاجاته وقال لزوجته : يا ظمياء ، أوصيك بضيفي هذا خيرا - وكانت من أحسن الناس - فلما عاد بعد شهر قال لها : كيف كان ضيفك ؟ قالت : ما أشغله بالعمى عن كل شئ ، وكان الضيف أطبق جفنيه فلم ينظر إلى المرأة ولا الى منزلها إلى أن عاد زوجها .

[ 234 ]

وقال الشاعر : إن أكن طامح اللحاظ فإنى والذى يملك القلوب عفيف . خرجت امرأة من صالحات نساء قريش إلى بابها لتغلقه ، ورأسها مكشوف ، فرآها رجل أجنبي فرجعت وحلقت شعرها ، وكانت من أحسن النساء شعرا ، فقيل لها في ذلك ، قالت : ما كنت لادع على رأسي شعرا رآه من ليس لى بمحرم . كان ابن سيرين يقول : ما غشيت امرأة قط في يقظة ولا نوم غير أم عبد الله وإنى لارى المرأة في المنام وأعلم إنها لا تحل لى فأصرف بصرى عنها . وقال بعضهم : وإنى لعف عن فكاهة جارتي وإنى لمشنوء إلى اغتيابها إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها صديقا ولم تأنس إلى كلابها ولم أك طلابا أحاديث سرها ولا عالما من أي حوك ثيابها دخلت بثينه على عبد الملك بن مروان ، فقال : ما أرى فيك يا بثينة شيئا مما كان يلهج به جميل ! فقالت : إنه كان يرنو الى بعينين ليستا في رأسك يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف صادفته في عفته ؟ قالت : كما وصف نفسه إذ قال : لا والذى تسجد الجباة له ما لى بما ضم ثوبها خبر (1) ولا بفيها ولا هممت به ما كان إلا الحديث والنظر وقال أبو سهل الساعدي : دخلت على جميل في مرض موته ، فقال : يا أبا سهل ، رجل يلقى الله ولم يسفك دما حراما ، ولم يشرب خمرا ، ولم يأت فاحشه ، أترجو له الجنة ؟ قلت : إى والله فمن هو ؟ قال : إنى لارجو أن أكون أنا ذلك ، فذكرت له بثينة ،


(1) ديوانه 89 ، 90 . (*)

[ 235 ]

فقال : إنى لفى آخر يوم من أيام الدنيا ، وأول يوم من أيام الاخرة ، لا نالتنى شفاعة محمد إن كنت حدثت نفسي بريبة معها أو مع غيرها قط . قال الشاعر : قالت وقلت ترفقي فصل حبل امرئ بوصالكم صب صادق إذا بعلى فقلت لها الغدر شئ ليس من شعبى ثنتان لا أصبو لوصلهما عرس الصديق وجاره الجنب أما الصديق فلست خائنه والجار أوصاني به ربى . يقال إن امرأة ذات جمال دعت عبد الله بن عبد المطلب إلى نفسها لما كانت ترى على وجهه من النور ، فأبى وقال : أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه فكيف بالامر الذى تبغينه يحمى الكريم عرضه ودينه راود توبة بن الحمير ليلى الاخيلية مرة عن نفسها ، فاشمأزت منه وقالت : وذى حاجة قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل (1) لنا صاحب لا ينبغى أن نخونه وأنت لاخرى صاحب وخليل . ابن ميادة : موانع لا يعطين حبه خردل وهن زوان في الحديث اوانس ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة كما كرهت صوت اللجام الشوامس . آخر : بيض أوانس ما هممن بريبة كظباء مكة صيدهن حرام


(1) أمالى القالى 1 : 88 . (*)

[ 236 ]

يحسبن من لين الكلام زوانيا ويصدهن عن الخنا الاسلام في الحديث المرفوع : (لا تكونن حديد النظر إلى ما ليس لك ، فإنه لا يزنى فرجك ما حفظت عينيك ، وإن استطعت ألا تنظر إلى ثوب المرأة التى لا تحل لك فافعل ولن تستطيع ذلك إلا بإذن الله) . كان ابن المولى الشاعر المدنى موصوفا بالعفة وطيب الازار ، فأنشد عبد الملك شعرا له من جملته : وأبكى فلا ليلى بكت من صبابة لباك ولا ليلى لذى البذل تبذل وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنبا وإن أذنبت كنت الذى أتنصل . فقال عبد الملك : من ليلى هذه ؟ إن كانت حرة لازوجنكها ، وإن كانت أمة لاشترينها لك بالغة ما بلغت ، فقال : كلا يا أمير المؤمنين ، ما كنت لاصعر وجه حر أبدا في حرته ولا في أمته ، وما ليلى التى أنست بها إلا قوسى هذه سميتها ليلى لان الشاعر لا بد له من النسيب . ابن الملوح المجنون : كان على أنيابها الخمر مجة بماء الندى من آخر الليل غابق (1) وما ذقته إلا بعينى تفرسا كما شيم من أعلى السحابة بارق . هذا مثل بيت الحماسة : بأعذب من فيها وما ذقت طعمه ولكننى فيما ترى العين فارس (2) شاعر : ما إن دعاني الهوى لفاحشة إلا نهانى الحياء والكرم


(1) ديوانه 203 . (2) لابي صغيرة البولانى ، ديوان الحماسة 3 : 1281 - بشرح المرزوقى . (*)

[ 237 ]

ولا إلى محرم مددت يدى ولا مشت بى لريبة قدم . العباس بن الاحنف : اتأذنون لصب في زيارتكم فعندكم شهوات السمع والبصر (1) لا يضمر السوء إن طال الجلوس به عف الضمير ولكن فاسق النظر . قال بعضهم : رأيت امرأة مستقبلة البيت في الموسم ، وهى في غاية الضر والنحافة رافعة يديها تدعو ، فقلت لها هل لك من حاجة ؟ قالت : حاجتى أن تنادى في الموقف بقولى : تزود كل الناس زادا يقيمهم وما لى زاد والسلام على نفسي . ففعلت ، وإذا أنا بفتى منهوك ، فقال : أنا الزاد ، فمضيت به إليها ، فما زادوا على النظر والبكاء ، ثم قالت له : انصرف مصاحبا ، فقلت : ما علمت إن التقاءكما يقتصر فيه على هذا ، فقالت : أمسك يا فتى ، أما علمت إن ركوب العار ودخول النار شديد . قال بعضهم : كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني منه الحياء وخوف الله والحذر وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني منه الفكاهة والتحديث والنظر أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم وليس لى في حرام منهم وطر كذلك الحب لا إتيان معصية لا خير في لذة من بعدها سقر . قال محمد بن عبد الله بن طاهر لبنيه : اعشقوا تظرفوا ، وعفوا تشرفوا . وصف اعرابي امرأة طرقها ، فقال : ما زال القمر يرينيها فلما غاب أرتنيه ، فقيل : فما كان بينكما ؟ قال : ما أقرب ما أحل الله مما حرم ، إشارة في غير باس ، ودنو من غير مساس ، ولا وجع أشد من الذنوب .


(1) ديوانه 147 . (*)

[ 238 ]

كثير عزة : وإنى لارضى منك يا عز بالذى لو أبصره الواشى لقرت بلابله بلا وبالا أستطيع وبالمنى وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضى أواخره لا نلتقي وأوائله . وقال بعض الظرفاء : كان أرباب الهوى يسرون فيما مضى ، ويقنعون بان يمضغ أحدهم لبانا قد مضغته محبوبته ، أو يستاك بسواكها ، ويرون ذاك عظيما ، واليوم يطلب أحدهم الخلوة وإرخاء الستور ، كأنه قد أشهد على نكاحها أبا سعيد وأبا هريرة . وقال أحمد بن أبى عثمان الكاتب : وإنى ليرضيني المرور ببابها واقنع منها بالوعيد وبالزجر . قال يوسف بن الماجشون : انشدت محمد بن المنكدر قول وضاح اليمن : إذا قلت هاتى نولينى تبسمت وقالت معاذ الله من فعل ما حرم فما نولت حتى تضرعت حولها وعرفتها ما رخص الله في اللمم . فضحك وقال : إن كان وضاح لفقيها في نفسه . قال آخر : فقالت بحق الله إلا أتيتنا إذا كان لون الليل لون الطيالس فجئت وما في القوم يقظان غيرها وقد نام عنها كل وال وحارس فبتنا مبيتا طيبا نستلذه جميعا ولم أمدد لها كف لامس . مرت امرأة حسناء بقوم من بنى نمير مجتمعين في ناد لهم ، فرمقوها بأبصارهم ، وقال قائل منهم : ما أكملها لو لا إنها رسحاء (1) ! فالتفتت إليهم ، وقالت : والله


(1) الرسحاء : القبيحة . (*)

[ 239 ]

يا بنى نمير ، ما أطعتم الله ولا الشاعر ، قال الله تعالى : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) (1) . وقال الشاعر : فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا (2) فأخجلتهم . وقال أبو صخر الهذلى من شعر الحماسة : لليلة منها تعود لنا من غير ما رفث ولا أثم أشهى إلى نفسي ولو برحت مما ملكت ومن بنى سهم . آخر : وما نلت منها محرما غير أننى أقبل بساما من الثغر أفلجا والثم فاها آخذا بقرونها وأترك حاجات النفوس تحرجا . وأعف من هذا الشعر قول عبد بنى الحسحاس على فسقه : لعمر أبيها ما صبوت ولا صبت إلى وإنى من صبا لحليم سوى قبله استغفر الله ذنبها ساطعم مسكينا لها وأصوم . وقال آخر : ومجدولة جدل العناق كأنما سنا البرق في داجى الظلام ابتسامها ضربت لها الميعاد ليست بكنة ولا جارة يخشى على ذمامها فلما التقينا قالت الحكم فاحتكم سوى خلة هيهات منك مرامها فقلت معاذ الله أن أركب التى تبيد ويبقى في المعاد أثامها .


(1) سورة النور 30 . (2) لجرير ، ديوانه 75 . (*)

[ 240 ]

قوله : (ليست بكنة * ولا جارة يخشى على ذمامها) ، مأخوذ من قول قيس بن الخطيم : ومثلك قد أحببت ليست بكنة ولا جارة ولا حليلة صاحب (1) وهذا الشاعر قد زاد عليه بقوله : (ولا حليلة صاحب) . وأنشد ابن مندويه لبعضهم : أنا زانى اللسان والطرف ألا إن قلبى يعاف ذاك ويابى لا يرانى الاله أشرب إلا كل ما حل شربه لى وطابا . آخر : نلهو بهن كذا من غير فاحشة لهو الصيام بتفاح البساتين بشار بن برد : قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ما في التزام ولا في قبلة حرج (2) من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج . البيت الاخر مثل قول القائل : من راقب الناس مات هما وفاز باللذة الجسور . أبو الطيب المتنبي : وترى الفتوة والمروة والابوة في كل مليحة ضراتها (3) هن الثلاث المانعاتى لذتي في خلوتي لا الخوف من تبعاتها إنى على شغفي بما في خمرها لاعف عما في سراويلاتها .


(1) ديوانه 36 . (2) ديوانه 2 : 75 ، 76 . (3) ديوانه 1 : 227 . (*)

[ 241 ]

كان الصاحب رحمه الله يستهجن قوله : (عما في سراويلاتها) ، ويقول : إن كثيرا من العهر أحسن من هذه العفة ، ومعنى البيت الاول أن هذه الخلال الثلاث تراهن الملاح ضرائر لهن لانهن يمنعنه عن الخلوة بالملاح والتمتع بهن . ثم قال : إن هذه الخلال هي التى تمنعه لا الخوف من تبعاتها ، وقال قوم : هذا تهاون بالدين ، ونوع من الالحاد . وعندي أن هذا مذهب للشعراء معروف ، لا يريدون به التهاون بالدين ، بل المبالغة في وصف سجاياهم وأخلاقهم بالطهارة ، وإنهم يتركون القبيح لانه قبيح ، لا لورود الشرع به ، وخوف العقاب منه ، ويمكن أيضا أن يريد بتبعاتها تبعات الدنيا ، أي لا أخاف من قوم هذه المحبوبة التى أنست بها ، ولا أشفق من حربهم وكيدهم ، فأما عفة اليد وعفة اللسان فهما باب آخر ، وقد ذكرنا طرفا صالحا من ذلك في الاجزاء المتقدمة عند ذكرنا الورع . وفي الحديث المرفوع : (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذار ما به البإس) . وقال أبو بكر في مرض موته : إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأخذ لهم درهما ولا دينارا ، وأكلنا من جريش الطعام ، ولبسنا من خشن الثياب ، وليس عندنا من فئ المسلمين إلا هذا الناضح ، وهذا العبد الحبشى ، وهذه القطيفة ، فإذا قبضت فادفعوا ذلك إلى عمر ليجعله في بيت مال المسلمين ، فلما مات حمل ذلك إلى عمر ، فبكى كثيرا ثم قال : رحم الله أبا بكر ، لقد أتعب من بعده ! قال سليمان بن داود : يا بنى إسرائيل ، أوصيكم بأمرين أفلح من فعلهما ، لا تدخلوا أجوافكم إلا الطيب ، ولا تخرجوا من أفواهكم إلا الطيب .

[ 242 ]

وقال بعض الحكماء : إذا شئت أن تعرف ربك معرفة يقينية فاجعل بينك وبين المحارم حائطا من حديد ، فسوف يفتح عليك أبواب معرفته . و مما يحكى من ورع حسان بن أبى سنان إن غلاما له كتب إليه من الاهواز : إن قصب السكر أصابته السنة آفه فابتع ما قدرت عليه من السكر ، فإنك تجد له ربحا كثيرا فيما بعد ، فابتاع ، وطلب منه ما ابتاعه بعد قليل بربح ثلاثين ألف درهم ، فاستقال البيع من صاحبه ، وقال : إنه لم يعلم ما كنت أعلم حين اشتريته منه ، فقال البائع : قد علمت الان مقدار الربح ، وقد طيبته لك واحللتك ، فلم يطمئن قلبه ، وما زال حتى رده عليه . يقال إن غنم الغارة اختلطت بغنم أهل الكوفة ، فتورع أبو حنيفة أن يأكل اللحم ، وسأل كم تعيش الشاة ؟ قالوا : سبع سنين ، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين . ويقال : إن المنصور حمل إليه بدرة فرمى بها إلى زاوية البيت ، فلما مات جاء بها ابنه حماد بن أبى حنيفة إلى أبى الحسن بن أبى قحطبة ، وقال : إن أبى إوصانى أن أرد هذه عليك ، وقال : إنها كانت عندي كالوديعة ، فاصرفها فيما أمرك الله به ، فقال أبو الحسن : رحم الله أبا حنيفة ! لقد شح بدينه إذ سخت به نفوس أقوام . وقال سفيان الثوري : انظر درهمك من أين هو ، وصل في الصف الاخير . جابر ، سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول لكعب بن عجرة : (لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت ، النار أولى به) . الحسن : لو وجدت رغيفا من حلال لاحرقته ثم سحقته ثم جعلته ذرورا ، ثم داويت به المرضى .

[ 243 ]

عائشة ، قالت : يا رسول الله ، من المؤمن ؟ قال : من إذا أصبح نظر إلى رغيفيه كيف يكتسبهما ، قالت : يا رسول الله ، أما إنهم لو كلفوا ذلك لتكلفوه ، فقال لها : إنهم قد كلفوه ، ولكنهم يعسفون الدنيا عسفا . حذيفة بن اليمان يرفعه : إن قوما يجيئون يوم القيامة ولهم من الحسنات كأمثال الجبال ، فيجعلها الله هباء منثورا ، ثم يؤمر بهم إلى النار ، فقيل : خلهم لنا يا رسول الله ، قال : إنهم كانوا يصلون ويصومون ويأخذون أهبه من الليل ، ولكنهم كانوا إذا عرض عليهم الحرام وثبوا عليه

[ 244 ]

(483) الاصل : وقال عليه السلام : القناعة مال لا ينفد قال : وقد روى بعضهم هذا الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله . الشرح : قد تقدم القول في هذا المعنى ، وقد تكررت هذه اللفظة بذاتها في كلامه عليه السلام . ومن جيد القول في القناعة قول الغزى : أنا كالثعبان جلدى ملبسى لست محتاجا إلى ثوب الجمال فالخمول العز والياس الغنى والقنوع الملك ، هذا ما بدا لى . وقال أيضا لا تعجبن لمن يهوى ويصعد في دنياه فالخلق في أرجوحة القدر واقنع بما قل فالاوشال صافية ولجة البحر لا تخلو من الكدر

[ 245 ]

(484) الاصل : وقال عليه السلام لزياد بن أبيه وقد استخلفه لعبد الله بن العباس على فارس وأعمالها ، في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقديم الخراج : استعمل العدل ، واحذر العسف والحيف ، فإن العسف يعود بالجلاء ، والحيف يدعو الى السيف . الشرح : قد سبق الكلام في العدل والجور . وكانت عادة أهل فارس في أيام عثمان أن يطلب الوالى منهم خراج أملاكهم قبل بيع الثمار على وجه الاستسلاف ، أو لانهم كانوا يظنون إن أول السنة القمرية هو مبتدأ وجوب الخراج حملا للخراج التابع لسنة الشمس على الحقوق الهلالية التابعة لسنة القمر ، كأجرة العقار ، وجوالى أهل الذمة ، فكان ذلك يجحف بالناس ويدعو إلى عسفهم وحيفهم . وقد غلط في هذا المعنى جماعة من الملوك في كثير من الاعصار ، ولم يعلموا فرق ما بين السنتين ، ثم تنبه له قوم من أذكياء الناس فكبسوا وجعلوا السنين واحدة ، ثم أهمل الناس الكبس ، وانفرج ما بين السنة القمرية والسنة الخراجية التى هي سنة الشمس انفراجا كثيرا . واستقصاء القول في ذلك لا يليق بهذا الموضع ، لانه خارج عن فن الادب الذى هو موضوع كتابنا هذا .

[ 246 ]

(485) الاصل : وقال عليه السلام : أشد الذنوب ما استخف بها صاحبها . الشرح : عظم المصيبة على حسب نعمة العاصى ، ولهذا كان لطم الولد وجه الوالد كبيرا ليس كلطمة وجه غير الوالد . ولما كان البارئ تعالى اعظم المنعمين ، بل لا نعمة إلا وهى في الحقيقة من نعمه ، ومنسوبة إليه ، كانت مخالفته ومعصيته عظمه جدا ، فلا ينبغى لاحد ان يعصيه في أمر وإن كان قليلا في ظنه ، ثم يستقله ويستهين به ، ويظهر الاستخفاف وقله الاحتفال بمواقعته ، فإنه يكون قد جمع الى المعصية معصية أخرى ، وهى الاستخفاف بقدر تلك المعصية التى لو أمعن النظر لعلم إنها عظيمة ، ينبغى له لو كان رشيدا أن يبكى عليها الدم فضلا عن الدمع ، فلهذا قال عليه السلام : (أشد الذنوب ما استخف بها صاحبها) .

[ 247 ]

(486) الاصل : وقال عليه السلام : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا . الشرح : تعليم العلم فرض كفاية ، وفي الخبر المرفوع : (من علم علما وكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) . وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله قال : (تعلموا العلم فإن تعلمه خشية الله ، ودراسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وطلبه عبادة ، وتعليمه صدقة ، وبذله لاهله قربة ، لانه معالم الحلال والحرام ، وبيان سبيل الجنة ، والمؤنس في الوحشة ، والمحدث في الخلوة ، والجليس في الوحدة ، والصاحب في الغربة ، والدليل على السراء ، والمعين على الضراء ، والزين عند الاخلاء ، والسلاح على الاعداء) . ورئى واصل بن عطاء يكتب من صبى حديثا ، فقيل له : مثلك يكتب من هذا ! فقال : أما إنى أحفظ له منه ، ولكني أردت أن أذيقه كأس الرياسة ، ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم .

[ 248 ]

وقال الخليل : العلوم أقفال ، والسؤالات مفاتيحها . وقال بعضهم : كان أهل العلم يضنون بعلمهم عن أهل الدنيا فيرغبون فيه ويبذلون لهم دنياهم ، واليوم قد بذل أهل العلم علمهم لاهل الدنيا فزهدوا فيه وضنوا عنهم بدنياهم . وقال بعضهم : ابذل علمك لمن يطلبه ، وادع إليه من لا يطلبه ، وإلا كان مثلك كمن أهديت له فاكهة فلم يطعمها ولم يطعمها حتى فسدت .

[ 249 ]

(487) الاصل : وقال عليه السلام : شر الاخوان من تكلف له . الشرح : إنما كان كذلك لان الاخاء الصادق بينهما يوجب الانبساط ، وترك التكلف ، فإذا احتيج إلى التكلف له فقد دل ذلك على إن ليس هناك إخاء صادق ، ومن ليس بأخ صادق فهو من شر الاخوان . وروى ابن ناقيا في كتاب (ملح الممالحة) ، قال : دخل الحسن بن سهل على المأمون ، فقال له : كيف علمك بالمروءة ؟ قال : ما أعلم ما يريد أمير المؤمنين فأجيبه ؟ قال : عليك بعمرو بن مسعدة ، قال : فوافيت عمرا وفى داره صناع ، وهو جالس على آجرة ينظر إليهم ، فقلت : إن أمير المؤمنين يأمرك أن تعلمني المروءة ، فدعا بأجرة فأجلسني عليها ، وتحدثنا مليا ، وقد امتلات غيظا من تقصيره بى ، ثم قال : يا غلام عندك شئ يؤكل ؟ فقال : نعم ، فقدم طبقا لطيفا ، عليه رغيفان وثلاث سكرجات ، في إحداهن خل ، وفى الاخرى مرئ ، وفي الاخرى ملح ، فأكلنا ، وجاء الفراش فوضأنا ، ثم قال : إذا شئت ! فنهضت متحفظا ، ولم أودعه ، فقال لى : إن رأيت أن تعود إلى في يوم مثله ! فلم أذكر للمأمون شيئا مما جرى ، فلما كان في اليوم الذى وعدني فيه لقياه

[ 250 ]

سرت إليه فاستؤذن لى عليه ، فتلقاني على باب الدار ، فعانقني ، وقبل بين عينى ، وقدمني أمامه ، ومشى خلفي حتى أقعدنى في الدست ، وجلس بين يدى ، وقد فرشت الدار ، وزينت بأنواع الزينة ، وأقبل يحدثنى ويتنادر معى إلى أن حضرت وقت الطعام ، فأمر فقدمت أطباق الفاكهة ، فأصبنا منها ، ونصب الموائد ، فقدم عليها أنواع الاطعمة من حارها وباردها ، وحلوها وحامضها ، ثم قال : أي الشراب أعجب إليك ؟ فاقترحت عليه ، وحضر الوصائف للخدمة ، فلما أردت الانصراف حمل معى جميع ما أحضر من ذهب وفضة وفرش وكسوة ، وقدم إلى البساط فرس بمركب ثقيل ، فركبته وأمر من بحضرته من الغلمان الروم والوصائف حتى سعوا بين يدى ، وقال : عليك بهم فهم لك . ثم قال : إذا زارك أخوك فلا تتكلف له ، واقتصر على ما يحضرك ، وإذا دعوته فاحتفل به واحتشد ، ولا تدعن ممكنا ، كفعلنا إياك عند زيارتك إيانا ، وفعلنا يوم دعوناك .

[ 251 ]

(488) الاصل : وقال عليه السلام في كلام له : إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه . الشرح : ليس يعنى أن الاحتشام علة الفرقة ، بل هو دلالة وإمارة على الفرقة لانه لو لم يحدث عنه ما يقتضى الاحتشام لانبسط على عادته الاولى ، فالانقباض إمارة المباينة . هذا آخر ما دونه الرضى أبو الحسن رحمه الله من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في (نهج البلاغة) قد أتينا على شرحه بمعونة الله تعالى . ونحن الان ذاكرون ما لم يذكره الرضى مما نسبه قوم إليه ، فبعضه مشهور عنه ، وبعضه ليس بذلك المشهور ، لكنه قد روى عنه ، وعزى إليه ، وبعضه من كلام غيره من الحكماء ، ولكنه كالنظير لكلامه ، والمضارع لحكمته ، ولما كان ذلك متضمنا فنونا من الحكمة نافعة ، رأينا ألا نخلى هذا الكتاب عنه ، لانه كالتكملة والتتمة لكتاب (نهج البلاغة) .

[ 252 ]

وربما وقع في بعضه تكرار يسير شذ عن أذهاننا التنبه له ، لطول الكتاب وتباعد أطرافه ، وقد عددنا ذلك كلمة كلمة ، فوجدناه ألف كلمة . فإن اعترضنا معترض وقال : فإذا كنتم قد أقررتم بأن بعضها ليس بكلام له ، فلماذا ذكرتموه ، وهل ذلك إلا نوع من التطويل ! أجبناه وقلنا : لو كان هذا الاعتراض لازما لوجب الا نذكر شيئا من الاشباه والنظائر لكلامه ، فالعذر هاهنا هو العذر هناك ، وهو إن الغرض بالكتاب الادب والحكمة ، فإذا وجدنا ما يناسب كلامه عليه السلام ، وينصب في قالبه ويحتذى حذوه ، ويتقبل منهاجه ، ذكرناه على قاعدتنا في ذكر النظير عند الخوض في شرح نظيره . وهذا حين الشروع فيها خالية عن الشرح لجلائها ووضوحها ، وإن أكثرها قد سبقت نظائره وأمثاله ، وبالله التوفيق .

[ 253 ]

الحكم المنسوبة

[ 255 ]

الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب 1 - كان كثيرا ما يقول إذا فرغ من صلاة الليل : أشهد أن السموات والارض وما بينهما آيات تدل عليك ، وشواهد تشهد بما إليه دعوت . كل ما يؤدى عنك الحجة ويشهد لك بالربوبية ، موسوم بآثار نعمتك ومعالم تدبيرك . علوت بها عن خلقك . فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر ، وكفاها رجم الاحتجاج ، فهى مع معرفتها بك ، وولهها إليك ، شاهدة بإنك لا تأخذك الاوهام ، ولا تدركك العقول ولا الابصار . أعوذ بك أن أشير بقلب أو لسان أو يد إلى غيرك ، لا إله إلا أنت ، واحدا احدا ، فردا صمدا ، ونحن لك مسلمون . 2 - إلهى ، كفانى فخرا أن تكون لى ربا ، وكفاني عزا أن اكون لك عبدا ، أنت كما أريد ، فاجعلني كما تريد . 3 - ما خاف امرؤ عدل في حكمه ، وأطعم من قوته ، وذخر من دنياه لاخرته . 4 - أفضل على من شئت تكن أميره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره . 5 - لو لا ضعف اليقين ما كان لنا أن نشكو محنة يسيرة نرجو في العاجل سرعة زوالها ، وفي الاجل عظيم ثوابها ، بين أضعاف نعم لو اجتمع أهل السموات والارض على إحصائها ما وفوا بها فضلا عن القيام بشكرها . 6 - من علامات المأمون على دين الله بعد الاقرار والعمل ، الحزم في أمره ، والصدق في قوله ، والعدل في حكمه ، والشفقة على رعيته ، لا تخرجه القدرة إلى خرق (1) ، ولا اللين إلى ضعف ، ولا تمنعه العزة من كرم عفو ، ولا يدعوه العفو الى

[ 256 ]

إضاعة حق ، ولا يدخله الاعطاء في سرف ، ولا يتخطى به القصد (1) إلى بخل ، ولا تأخذه نعم الله ببطر . 7 - الفسق نجاسة في الهمة ، وكلب في الطبيعة (2) . 8 - قلوب الجهال تستفزها (3) الاطماع ، وترتهن بالآماني ، وتتعلق بالخدائع . وكثرة الصمت زمام اللسان ، وحسم (4) الفطنة ، وإماطة الخاطر (5) ، وعذاب الحس . 9 - عداوة الضعفاء للاقوياء ، والسفهاء للحلماء والاشرار للاخيار ، طبع لا يستطاع تغييره . 10 - العقل في القلب ، والرحمة في الكبد ، والتنفس في الرئة . 11 - إذا أراد الله بعبد خيرا حال بينه وبين شهوته ، وحجز بينه وبين قلبه ، وإذا أراد به شرا وكله إلى نفسه . 12 - الصبر مطية لا تكبو ، والقناعة سيف لا ينبو . 13 - رحم الله عبدا اتقى ربه ، وناصح نفسه وقدم توبته ، وغلب شهوته ، فإن أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشيطان موكل به . 14 - مر بمقبرة فقال : السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة ، والمحال المقفرة (6) ، من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، انتم لنا فرط (7) ، ونحن لكم تبع (8) نزوركم عما قليل ، ونلحق بكم بعد زمان قصير . اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز عنا وعنهم .


(1) القصد : أمر بين الافراط والتفريط . (2) الطبع والطبيعة : السجية . (3) استفزه واستخفه : أخرجه عن دارة الحزم وضبط الامر والاخذ فيه بالثقة . (4) الحسم : القطع ، والفطنة : الذكاء وحدة الفهم . (5) إماطة الخاطر ، الاماطة : الابعاد والازالة ، والخاطر ما يخطر بالبال من التعقلات . (6) أقفر المكان : خلا . (7) فرط القوم يفرطهم ، تقدمهم إلى الورد ، والفرط بالتحريك : المتقدم إلى الماء . (8) التبع : التابع . (*)

[ 257 ]

الحمد لله الذى جعل الارض كفاتا ، أحياء وأمواتا (1) . والحمد لله الذى منها خلقنا ، وعليها ممشانا ، وفيها معاشنا ، وإليها يعيدنا . طوبى لمن ذكر المعاد ، وقنع بالكفاف ، وأعد للحساب ! 15 - إنكم مخلوقون اقتدارا ، ومربوبون اقتسارا (2) ، ومضمنون أجداثا (3) ، وكائنون رفاتا (4) ، ومبعوثون أفرادا ، ومدينون حسابا . فرحم الله امرأ اقترف فاعترف ، ووجل فعقل ، وحاذر (5) فبادر ، وعمر فاعتبر ، وحذر فازدجر ، وأجاب فأناب ، وراجع فتاب ، واقتدى فاحتذى (6) ، وتأهب للمعاد ، واستظهر بالزاد ، ليوم رحيله ، ووجه سبيله ولحال حاجته ، وموطن فاقته ، فقدم أمامه لدار مقامه ، فمهدوا لانفسكم على سلامه الابدان وفسحة الاعمار ، فهل ينتظر أهل غضارة (7) الشباب إلا حوانى الهرم ، وأهل بضاضة الصحة إلا نوازل السقم ، وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء واقتراب الفوت ، ومشارفة الانتقال ، وأشفاء الزوال ، وحفز الانين (8) ورشح الجبين ، وامتداد العرنين (9) ، وعلز القلق (10) ، وقيظ الرمق (11) ، وشدة المضض ، وغصص الجرض (12) . 16 - ثلاث منجيات : خشية الله في السر والعلانية ، والقصد في الفقر والغنى ، والعدل في الغضب والرضا .


(1) قوله : (كفاتا أحياء وأمواتا) ، أي جعل الارض مجمع لنا في حياتنا ومماتنا ، الكفاة بالكسر : الموضع يكفت فيه الشئ ، أي يضم ويجمع ، والارض كفات لنا . (2) قسره : قهره . (3) الجدث : القبر . (4) رفاتا ، رفته : كسره ودقه ، والرفات الحطام . (5) الحذر : الاحتراز . (6) د : (اهتدى) . (7) الغضارة : النعمة والسعة والخصب . (8) الحفز : الحث والاعجال . (9) العرنين : الانف ، فإنه يمتد عند الموت . (10) العلز : القلق والخفة . (11) القيظ بالقاف : شدة الحر : وبالفاء : الموت . والرمق : بقية الحياة . (12) الغصة : ما اعترض في الحلق : والجرض : الريق . (*)

[ 258 ]

17 - إياكم والفحش ، فان الله لا يحب الفحش ، وأياكم والشح ، فإنه أهلك من كان قبلكم ، هو الذى سفك دماء الرجال ، وهو الذى قطع أرحامها ، فاجتنبوه . 18 - إذا مات الانسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم كان علمه الناس فانتفعوا به ، وولد صالح يدعو له . 19 - إذا فعلت كل شئ فكن كمن لم يفعل شيئا . 20 - سأله رجل ، فقال : بماذا أسوء عدوى ؟ فقال : بأن تكون على غاية الفضائل ، لانه إن كان يسوءه أن يكون لك فرس فارة ، أو كلب صيود ، فهو لان تذكر بالجميل وينسب إليك أشد مساءة . 21 - إذا قذفت بشئ فلا تتهاون به وإن كان كذبا ، بل تحرز من طرق القذف جهدك ، فإن القول وإن لم يثبت يوجب ريبة وشكا . 22 - عدم الادب سبب كل شر . 23 - الجهل بالفضائل عدل الموت . 24 - ما أصعب على من استعبدته الشهوات أن يكون فاضلا ! 25 - من لم يقهر حسده كان جسده قبرا لنفسه . 26 - إحمد من يغلظ عليك ويعظك ، لا من يزكيك ويتملقك . 27 - إختر أن تكون مغلوبا وأنت منصف ، ولا تختر أن تكون غالبا وأنت ظالم . 28 - لا تهضمن محاسنك بالفخر والتكبر . 29 - لا تنفك المدنية من شر ، حتى يجتمع مع قوة السلطان قوة دينه وقوة حكمته .

[ 259 ]

30 - إذا أردت أن تحمد فلا يظهر منك حرص على الحمد . 31 - من كثر همه سقم بدنه ، ومن ساء خلقه عذب نفسه ، ومن لاحى الرجال سقطت مروءته ، وذهبت كرامته ، وأفضل إيمان العبد أن يعلم إن الله معه حيث كان . 32 - كن ورعا تكن من أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس ، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما ، ولا تكثرن الضحك ، فإن كثرته تميت القلب ، وأخرس لسانك ، واجلس في بيتك ، وابك على خطيئتك . 33 - إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ، ولا يزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيم أنفقه ، وعما عمل فيما علم ! 34 - في التجارب علم مستانف ، والاعتبار يفيدك الرشاد ، وكفاك أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك وعليك ، لاخيك مثل الذى عليه لك . 35 - الغضب يثير كامن الحقد ، ومن عرف الايام لم يغفل الاستعداد ، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول . 36 - اسكت واستر تسلم . وما أحسن العلم يزينه العمل ، وما أحسن العمل يزينه الرفق ! 37 - اكبر الفخر ألا تفخر . 38 - ما أصعب اكتساب الفضائل وأيسر إتلافها ! 39 - لا تنازع جاهلا ، ولا تشايع مائقا (1) ، ولا تعاد مسلطا . 40 - الموت راحة للشيخ الفاني من العمل ، وللشاب السقيم من السقم ، وللغلام (2)


(1) الموق : الحمق . (2) د : (الغلام) . (*)

[ 260 ]

الناشئ من استقبال الكد والجمع لغيره ، ولمن ركبه (1) الدين لغرمائه ، وللمطلوب بالوتر ، وهو في جملة الامر أمنية كل ملهوف مجهود . 41 - ما كنت كاتمه عدوك من سر ، فلا تطلعن عليه صديقك ، واعرف قدرك يستعل أمرك ، وكفى ما مضى مخبرا عما بقى ! 42 - لا تعدن عده تحقرها قلة الثقة بنفسك ، ولا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا . 43 - اتق العواقب عالما بان للاعمال جزاء وأجرا ، واحذر تبعات الامور بتقديم الحزم فيها . 44 - من استرشد غير العقل اخطأ منهاج الرأى ، ومن اخطاته وجوه المطالب خذلته الحيل ، ومن أخل بالصبر أخل به حسن العاقبة ، فإن الصبر قوة من قوى العقل ، وبقدر مواد العقل وقوتها يقوى الصبر . 45 - الخطأ في إعطاء من لا يبتغى ومنع من يبتغى واحد . 46 - العشق مرض ليس فيه أجر ولا عوض . 47 - أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب ، وقائل كلمة الزور ومن يمد بحبلها في الاثم سواء . 48 - الخصومة تمحق الدين . 49 - الجهاد ثلاثة : جهاد باليد ، وجهاد باللسان ، وجهاد بالقلب ، فأول ما يغلب عليه من الجهاد يدك ثم لسانك ، ثم يصير إلى القلب ، فإن كان لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا نكس فجعل أعلاه أسفله (2) .


(1) أي أعلاه . (2) انظر القضاعى 265 . (*)

[ 261 ]

50 - ما أنعم الله على عبد نعمة فشكرها بقلبه إلا استوجب المزيد عليها قبل ظهورها على لسانه . 51 - الحاجة مسألة ، والدعاء زيادة ، والحمد شكر ، والندم توبة . 52 - لن وأحلم تنبل (1) ، ولا تكن معجبا فتمقت وتمتهن . 53 - ما لى أرى الناس إذا قرب إليهم الطعام ليلا تكلفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يدخلون بطونهم ، ولا يهتمون بغذاء النفس بأن ينيروا مصابيح البابهم بالعلم ليسلموا من لواحق الجهالة والذنوب في اعتقاداتهم واعمالهم . 54 - الفقر هو أصل حسن سياسة الناس ، وذلك إنه إذا كان من حسن السياسة أن يكون بعض الناس يسوس ، وبعضهم يساس ، وكان من يساس لا يستقيم أن يساس من غير أن يكون فقيرا محتاجا ، فقد تبين أن الفقر هو السبب الذى به يقوم حسن السياسة . 55 - لا تتكلم بين يدى أحد من الناس دون ان تسمع كلامه (2) ، وتقيس ما في نفسك من العلم إلى ما في نفسه ، فإن وجدت ما في نفسه أكثر ، فحينئذ ينبغى لك أن تروم زيادة الشئ الذى به يفضل على ما عندك . 56 - إذا كان اللسان آلة لترجمة ما يخطر في النفس ، فليس ينبغى أن تستعمله فيما لم يخطر فيها . 57 - إذا كان الاباء هم السبب في الحياة ، فمعلمو الحكمة والدين هم السبب في جودتها . 58 - وشكا إليه رجل تعذر الرزق ، فقال : مه ، لا تجاهد الرزق جهاد المغالب ، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم ، فإن ابتغاء الفضل من السنة ، والاجمال


(1) النبل : الشرف والفضيلة . (2) د : (قوله) . (*)

[ 262 ]

في الطلب من العفة ، وليست العفة دافعة رزقا ، ولا الحرص جالبا فضلا ، لان الرزق مقسوم ، وفي شدة الحرص اكتساب المآثم . 59 - إذا استغنيت عن شئ فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه . 60 - العمر أقصر من أن تعلم كل ما يحسن بك علمه ، فتعلم الاهم فالاهم . 61 - من رضى بما قسم له استراح قلبه وبدنه (1) . 62 - أبعد ما يكون العبد من الله إذا كان همه بطنه وفرجه . 63 - ليس في الحواس الظاهرة شئ أشرف من العين فلا تعطوها سؤلها (2) ، فيشغلكم عن ذكر الله . 64 - ارحموا ضعفاءكم فالرحمة لهم سبب رحمة الله لكم . 65 - إزالة الجبال أسهل من إزالة دولة قد أقبلت ، فاستعينوا بالله واصبروا ، فإن الارض لله يورثها من يشاء . 66 - قال له عثمان في كلام تلاحيا فيه حتى جرى ذكر أبى بكر وعمر : أبو بكر وعمر خير منك ، فقال : أنا خير منك ومنهما ، عبدت الله قبلهما ، وعبدته بعدهما . 67 - أوثق سلم يتسلق (3) عليه إلى الله تعالى أن يكون خيرا . 68 - ليس الموسر من كان يساره باقيا عنده زمانا يسيرا ، وكان يمكن أن يغتصبه (4) غيره منه ، ولا يبقى بعد موته له ، لكن اليسار على الحقيقة هو الباقي دائما عند مالكه ، ولا يمكن أن يؤخذ منه ، ويبقى له بعد موته ، وذلك هو الحكمة . 69 - الشرف اعتقاد المنن في اعناق الرجال (5) .


(1) د : (نفسه) . (2) ا : (سؤالها) . (3) تسلق الشئ : علاه . (4) د : (يقبضه) . (5) المنن : اصطناع المعروف في أعناق الناس . (*)

[ 263 ]

70 - يضر الناس انفسهم في ثلاثة أشياء : الافراط في الاكل إتكالا على الصحة ، وتكلف حمل ما لا يطاق إتكالا على القوة ، والتفريط في العمل اتكالا على القدر . 71 - أحزم الناس من ملك جده هزله ، وقهر رأيه هواه ، وأعرب عن ضميره فعله ، ولم يخدعه رضاه عن حظه ، ولا غضبه عن كيده . 72 - من لم يصلح خلائقه ، لم ينفع الناس تأديبه . 73 - من اتبع هواه ضل ، ومن حاد ساد ، وخمود الذكر أجمل من ذميم الذكر (1) . 74 - لهب الشوق أخف محملا من مقاساة الملالة . 75 - بالرفق تنال الحاجة ، وبحسن التأني تسهل المطالب . 76 - عزيمة الصبر تطفئ نار الهوى ، ونفى العجب يؤمن به كيد الحساد . 77 - ما شئ أحق بطول سجن من لسان . 78 - لا نذر في معصية ، ولا يمين في قطيعة . 79 - لكل شئ ثمرة ، وثمرة المعروف تعجيل السراح (2) . 80 - إياكم والكسل ، فإنه من كسل لم يؤد لله حقا . 81 - احسبوا كلامكم من أعمالكم ، وأقلوه إلا في الخير . 82 - أحسنوا صحبة النعم فإنها تزول ، وتشهد على صاحبها بما عمل فيها . 83 - أكثروا ذكر الموت ، ويوم خروجكم من قبوركم ، ويوم وقوفكم بين يدى الله عز وجل ، يهن عليكم المصاب (3) .


(1) د : (الفكر) . (2) أي تعجيل سراح طالب المعروف ، وهو قضاء حاجته ، وورد في الاثر : خير البر عاجله . (3) د : (تهن عليكم المصائب) . (*)

[ 264 ]

84 بحسب مجاهدة النفوس وردها عن شهواتها ومنعها عن مصافحة (1) لذاتها ومنع ما أدت إليه العيون الطامحة من لحظاتها - تكون المثوبات والعقوبات ، والحازم من ملك هواه ، فكان بملكه له قاهرا ، ولما قدحت الافكار من سوء الظنون زاجرا ، فمتى لم ترد النفس عن ذلك هجم عليها الفكر بمطالبة ما شغفت (2) به ، فعند ذلك تأنس بالاراء الفاسدة ، والاطماع الكاذبة ، والاماني المتلاشية ، وكما إن البصر إذا اعتل (3) رأى أشباحا وخيالات لا حقيقة لها ، كذلك النفس إذا اعتلت بحب الشهوات وانطوت على قبيح الارادات ، رأت الاراء الكاذبة ، فإلى الله سبحانه نرغب في إصلاح ما فسد من قلوبنا ، وبه نستعين على إرشاد نفوسنا ، فان القلوب بيده يصرفها كيف شاء (4) . 85 - لا تؤاخين الفاجر ، فإنه يزين لك فعله ، ويود لو إنك مثله ، ويحسن لك أقبح خصاله ، ومدخله ومخرجه من عندك شين وعار ونقص ، ولا الاحمق فإنه يجهد لك نفسه ولا ينفعك ، وربما أراد أن ينفعك فضرك ، سكوته خير لك من نطقه ، وبعده خير لك من قربه ، وموته خير لك من حياته ، ولا الكذاب فإنه لا ينفعك معه شئ ، ينقل حديثك ، وينقل الحديث إليك ، حتى إنه ليحدث بالصدق فلا يصدق . 86 - ما استقصى كريم قط ، قال تعالى في وصف نبيه : (عرف بعضه واعرض عن بعض) (5) . 87 - رب كلمة يخترعها حليم مخافة ما هو شر منها ، وكفى بالحلم ناصرا . 88 - من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ، ولا عن النار مهربا ، من عرف الله فأطاعه ، وعرف الشيطان فعصاه ، وعرف الحق فاتبعه ، وعرف الباطل فاتقاه ، و عرف الدنيا فرفضها ، وعرف الاخرة فطلبها .


(1) ب : (مسافحة) . (2) شغفت : رغبت وأرغمت . (3) اعتل : أصابته العلة . (4) ب : (كيفما شاء) . (5) سورة التحريم : 3 . (*)

[ 265 ]

89 - من استحيا من الناس ولم يستحى من نفسه فليس لنفسه عند نفسه قدر . 90 - غايه الادب أن يستحى الانسان من نفسه . 91 - البلاغة النصر بالحجة ، والمعرفة بمواضع الفرصة ، ومن البصر (1) بالحجة أن تدع الافصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الافصاح أوعر طريقة ، وكانت الكناية أبلغ في الدرك وأحق بالظفر . 92 - إياك والشهوات ، وليكن مما تستعين به على كفها علمك بإنها ملهية لعقلك ، مهجنة (2) لرأيك ، شائنة لغرضك ، شاغلة لك عن معاظم أمورك ، مشتدة بها التبعة عليك في آخرتك . إنما الشهوات لعب ، فإذا حضر اللعب غاب الجد ، ولن يقام الدين وتصلح الدنيا إلا بالجد ، فإذا (3) نازعتك نفسك إلى اللهو واللذات ، فاعلم إنها قد نزعت بك إلى شر منزع ، وأرادت بك افضح الفضوح ، فغالبها مغالبة ذلك ، وامتنع منها امتناع ذلك ، وليكن مرجعك منها إلى الحق ، فإنك مهما تترك من الحق لا تتركه إلا إلى الباطل ، ومهما تدع من الصواب لا تدعه إلا إلى الخطأ ، فلا تداهنن هواك في اليسير فيطمع منك في الكثير . وليس شئ مما أوتيت فاضلا عما يصلحك ، وليس لعمرك وإن طال فضل عما ينو بك من الحق اللازم لك ، ولا بما لك وإن كثر فضل عما يجب عليك فيه ، ولا بقوتك وإن تمت فضل عن أداء حق الله عليك ، ولا برأيك وإن حزم فضل عما لا تعذر بالخطأ فيه ، فليمنعنك علمك بذلك من أن تطيل لك عمرا في غير نفع ، أو تضيع لك مالا في غير حق ، أو أن تصرف لك قوة في غير عبادة ، أو تعدل لك رأيا في غير رشد .


(1) كذ في د ، وفى ا ، ب : (النصر) تحريف . (2) مهجنة : مقبحة . (3) د : (وإن) . (*)

[ 266 ]

فالحفظ الحفظ لما أوتيت ، فإن بك الى صغير ما أوتيت الكثير منه أشد الحاجة . وعليك بما أضعته منه أشد الرزية ، ولا سيما العمر الذى كل منفذ سواه مستخلف . وكل ذاهب بعده مرتجع . فإن كنت شاغلا نفسك بلذه فلتكن لذتك في محادثة العلماء ودرس كتبهم ، فإنه ليس سرورك بالشهوات بالغا منك مبلغا إلا وأكبابك على ذلك ، ونظرك فيه بالغة منك ، غير أن ذلك يجمع إلى عاجل السرور تمام السعادة ، وخلاف ذلك يجمع إلى عاجل الغى وخامة العاقبة ، وقديما قيل : أسعد الناس أدركهم لهواه إذا كان هواه في رشده ، فإذا كان هواه في غير رشده . فقد شقى بما أدرك منه . وقديما قيل : عود نفسك الجميل ، فباعتيادك إياه يعود لذيذا . 93 - وكل ثلاث بثلاث : الرزق بالحمق ، والحرمان بالعقل ، والبلاء بالمنطق ، ليعلم ابن آدم أن ليس له من الامر شئ . 94 - ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك : عبدك ، وزوجتك ، وابنك . وقد روينا هذه الكلمة لعمر فيما تقدم (1) . 95 - للمنافقين علامات يعرفون بها : تحيتهم لعنة ، وطعامهم تهمة ، وغنيمتهم غلول ، لا يعرفون المساجد إلا هجرا ، ولا يأتون الصلاة الا دبرا (2) ، مستكبرون لا يألفون ولا يؤلفون ، خشب بالليل صخب (3) بالنهار .


(1) ا : (قدمناه) . (2) دبرا ، أي في آخر وقتها . (3) في اللسان : وفى الحديث في ذكر المنافقين (خشب بالليل ، صخب بالنهار ، أراد أنهم ينامون كأنهم خشب مطروحة) . (*)

[ 267 ]

96 - الحسد حزن لازم ، وعقل هائم ، ونفس دائم ، والنعمة على المحسود نعمة ، وهى على الحاسد نقمة . 97 - يا حملة العلم ، أتحملونه ! فإنما العلم لمن علم ثم عمل ، ووافق عمله علمه ، وسيكون أقوام يحملون العلم ، لا يجاوز تراقيهم ، تخالف سريرتهم علانيتهم ، ويخالف عملهم علمهم ، يقعدون حلقا ، فيباهي بعضهم بعضا ، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله سبحانه . 98 - تعلموا العلم صغارا تسودوا به كبارا ، تعلموا العلم ولو لغير الله ، فإنه سيصير لله . العلم ذكر لا يحبه إلا ذكر من الرجال . 99 - ليس شئ أحسن من عقل زانه علم ، ومن علم زانه حلم ، ومن حلم زانه صدق ، ومن صدق زانه رفق ، ومن رفق زانه تقوى . إن ملاك العقل ومكارم الاخلاق صون العرض ، والجزاء بالفرض ، والاخذ بالفضل ، والوفاء بالعهد ، والانجاز للوعد . ومن حاول أمرا بالمعصية كان أقرب إلى ما يخاف ، وأبعد مما يرجو . 100 - أذا جرت المقادير بالمكاره سبقت الافة إلى العقل فحيرته ، وأطلقت الالسن بما فيه تلف الانفس . 101 - لا تصحبوا الاشرار فإنهم يمنون عليكم بالسلامة منهم . 102 - لا تقسروا أولادكم على آدابكم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم . 103 - لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده ، فإن الناس لا يسألون في كم فرغ من العمل ، إنما يسألون عن جودة صنعته . 104 - ليس كل ذى عين يبصر ، ولا كل ذى أذن يسمع ، فتصدقوا على أولى العقول الزمنة (1) ، والالباب الحائرة ، بالعلوم التى هي أفضل صدقاتكم ، ثم تلا : (إن الذين


(1) الزمانة : العاهة . (*)

[ 268 ]

يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم اللاعنون) (1) . 105 - من أتت عليه الاربعون من السنين قيل له : خذ حذرك من حلول المقدور فإنك غير معذور ، وليس ابناء الاربعين بأحق بالحذر من أبناء العشرين ، فإن طالبهما واحد ، وليس عن الطلب براقد ، وهو الموت ، فاعمل لما أمامك من الهول ، ودع عنك زخرف القول . 106 - سئل عن القدر فقال : أقصر أم أطيل ؟ قيل : بل تقصر ، فقال : جل الله أن يريد الفحشاء ، وعز عن أن يكون له في الملك إلا ما يشاء . 107 - من علم أنه يفارق الاحباب ، ويسكن التراب ، ويواجه الحساب ، ويستغنى عما ترك ، ويفتقر إلى ما قدم ، كان حريا بقصر الامل ، وطول العمل . 108 - المؤمن لا تختله كثرة المصائب ، وتواتر النوائب عن التسليم لربه والرضا بقضائه ، كالحمامة التى تؤخذ فراخها من وكرها ثم تعود إليه . 109 - ما مات من أحيا علما ، ولا افتقر من ملك فهما . 110 - العلم صبغ النفس ، وليس يفوق صبغ الشئ حتى ينظف من كل دنس . 111 - اعلم إن الذى مدحك بما ليس فيك ، إنما هو مخاطب غيرك ، وثوابه وجزاؤه قد سقطا عنك . 112 - إحسانك إلى الحر يحركه على المكافأة ، وإحسانك إلى النذل يبعثه على معاودة المسألة .


(1) سورة البقرة 159 . (*)

[ 269 ]

113 - الاشرار يتتبعون مساوئ الناس ، ويتركون محاسنهم ، كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة . 114 - موت الرؤساء أسهل من رياسة السفله . 115 - ينبغى لمن ولى أمر قوم أن يبدأ بتقويم نفسه قبل أن يشرع في تقويم رعيته ، وإلا كان بمنزلة من رام استقامة ظل العود قبل أن يستقيم ذلك العود . 116 - إذا قوى الوالى في عمله حركته ولايته على حسب ما هو مركوز في طبعه من الخير والشر . 117 - ينبغى للوالى أن يعمل بخصال ثلاث : تأخير العقوبة منه في سلطان الغضب ، والاناة فيما يرتئيه (1) من رأى ، وتعجيل مكافأة المحسن بالاحسان ، فإن في تأخير العقوبة إمكان العفو ، وفي تعجيل المكافأة بالاحسان طاعة الرعية ، وفى الاناة انفساح الرأى وحمد العاقبة ووضوح الصواب . 118 - من حق العالم على المتعلم ألا يكثر عليه السؤال ، ولا يعنته في الجواب ، ولا يلح عليه إذا كسل ، ولا يفشى له سرا ، ولا يغتاب عنده أحدا ، ولا يطلب عثرته ، فإذا زل تأنيت أوبته (2) ، وقبلت معذرته ، وأن تعظمه وتوقره ما حفظ أمر الله وعظمه ، وألا تجلس أمامه ، وإن كانت له حاجة سبقت غيرك إلى خدمته فيها . ولا تضجرن من صحبته ، فإنما هو بمنزلة النخلة ينتظر متى يسقط عليك منها منفعة . وخصه بالتحية ، واحفظ شاهده وغائبه ، وليكن ذلك كله لله عز وجل ، فإن العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله ، وإذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه . وطالب العلم تشيعه الملائكة حتى يرجع .


(1) يرتئيه ، افتعال من الرأى ، أي فيما يفكر فيه غ وفى د : (يربيه) . (2) زل : عثر . وأوبته ، أي رجوعه إلى الحق . (*)

[ 270 ]

119 - وصول معدم خير من جاف (1) مكثر ، ومن أراد أن ينظر ما له عند الله فلينظر ما لله عنده . 120 - لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا أكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا ، ولكن عقلوا عن الله أمره فحسنت طاعتهم ، وصح ورعهم وكمل يقينهم ، ففاقوا غيرهم بالحظوة ورفيع المنزلة . 121 - ما من عبد إلا ومعه ملك يقيه ما لم يقدر له ، فإذا جاء القدر خلاه وإياه . 122 - إن الله سبحانه أدب نبيه صلى الله عليه وآله بقوله : (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (2) ، فلما علم إنه قد تأدب ، قال له : (وإنك لعلى خلق عظيم) (3) ، فلما استحكم له من رسوله ما أحب قال : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (4) . 123 - كنت أنا والعباس وعمر نتذاكر المعروف ، فقلت أنا : خير المعروف ستره ، وقال العباس : خيره تصغيره ، وقال عمر : خيره تعجيله ، فخرج علينا رسول الله ، فقال : فيم أنتم ؟ فذكرنا له ، فقال : خيره أن يكون هذا كله فيه . 124 - العفو يفسد من اللئيم بقدر ما يصلح من الكريم . 125 - إذا خبث الزمان كسدت الفضائل وضرت ، ونفقت الرذائل ونفعت ، وكان خوف الموسر أشد من خوف المعسر . 126 - انظر إلى المتنصح (5) إليك ، فإن دخل من حيث يضار الناس فلا تقبل


(1) الوصول ، فعول ، من الصلة ، وهى العطية والجافي ضد الوصول . (2) سورة البقرة 67 . (3) سورة القلم 40 . (4) سورة الاعراف 199 . (5) المتنصح : المتشبه بالنصحاء . (*)

[ 271 ]

نصيحته وتحرز منه ، وأن دخل من حيث العدل والصلاح فاقبلها منه . 127 - اعداء الرجل قد يكونوا أنفع من إخوانه لانهم يهدون إليه عيوبه فيتجنبها ويخاف شماتتهم به فيضبط نعمته ويتحرز من زوالها بغايه طوقه . 128 - المرآة التى ينظر الانسان فيها إلى أخلاقه هي الناس ، لانه يرى محاسنه من أوليائه منهم ، ومساويه من أعدائه فيهم . 129 - انظر وجهك كل وقت في المرآة ، فإن كان حسنا فاستقبح أن تضيف إليه فعلا قبيحا وتشينه به ، وإن كان قبيحا فاستقبح أن تجمع بين قبحين . 130 - موقع الصواب من الجهال مثل موقع الخطأ من العلماء . 131 - ذك قلبك بالادب كما تذكى النار بالحطب . 132 - كفر النعمة لؤم وصحبة الجاهل شؤم . 133 - عاديت من ماريت . 134 - لا تصرم (1) أخاك على ارتياب ، ولا تقطعه دون استعتاب . 135 - خير المقال ما صدقه الفعال . 136 - إذا لم ترزق غنى فلا تحرمن تقوى . 137 - من عرف الدنيا لم يحزن للبلوى . 138 - دع الكذب تكرما إن لم تدعه تأثما . 139 - الدنيا طواحة طراحة فضاحة ، آسية جراحة . 140 - الدنيا جمة المصائب ، مرة المشارب ، لا تمتع صاحبا بصاحب . 141 - المعتذر من غير ذنب ، يوجب على نفسه الذنب .


(1) لا تصرم : لا تقطع ، أي لا تهجره لمجرد التهمة ، غير متيقن تقصيره . (*)

[ 272 ]

142 - من كسل لم يؤد حقا . 143 - كثرة الجدال تورث الشك . 144 - خير القلوب أوعاها . 145 - الحياء لباس سابغ ، وحجاب مانع ، وستر من المساوئ واق ، وحليف للدين ، وموجب للمحبة ، وعين كالئة تذود عن الفساد ، وتنهى عن الفحشاء ، والعجلة في الامور مكسبة للمذلة ، وزمام للندامة ، وسلب للمروءة ، وشين للحجى ، ودليل على ضعف العقيدة . 146 - إذا بلغ المرء من الدنيا فوق قدره تنكرت للناس أخلاقه . 147 - لا تصحب الشرير فان طبعك يسرق من طبعه شرا وأنت لا تعلم . 148 - موت الصالح راحة لنفسه ، وموت الطالح راحة للناس . 149 - ينبغى للعاقل أن يتذكر عند حلاوة الغذاء مرارة الدواء . 150 - إن حسدك أخ من إخوانك على فضيله ظهرت منك فسعى في مكروهك فلا تقابله بمثل ما كافحك به ، فتعذر نفسه في الاساءة إليك ، وتشرع له طريقا إلى ما يحبه فيك ، لكن اجتهد في التزيد من تلك الفضيلة التى حسدك عليها ، فإنك تسوءه من غير أن توجده حجة عليك . 151 - إذا أردت أن تعرف طبع الرجل فاستشره ، فإنك تقف من مشورته على عدله وجوره ، وخيره وشره . 152 - يجب عليك أن تشفق على ولدك أكثر من إشفاقه عليك . 153 - زمان الجائر من السلاطين والولاة أقصر من زمان العادل ، لان الجائر مفسد ، والعادل مصلح ، وإفساد الشئ أشرع من إصلاحه .

[ 273 ]

154 - إذا خدمت رئيسا فلا تلبس مثل ثوبه ، ولا تركب مثل مركوبه ، ولا تستخدم كخدمه ، فعساك تسلم منه . 155 - لا تحدث بالعلم السفهاء فيكذبوك ، ولا الجهال فيستثقلوك ، ولكن حدث به من يتلقاه من أهله بقبول وفهم يفهم عنك ما تقول ، ويكتم عليك ما يسمع ، فإن لعلمك عليك حقا ، كما إن عليك في مالك حقا : بذله لمستحقه ، ومنعه عن غير مستحقه . 156 - اليقين فوق الايمان ، والصبر فوق اليقين ، ومن أفرط رجاؤه غلبت الامانى على قلبه واستعبدته . 157 - إياك وصاحب السوء ، فإنه كالسيف كالمسلول يروق منظره ، ويقبح أثره . 158 - يا بن آدم احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى الموت فيها فلا تجده . 159 - من أخطأه سهم المنية قيده الهرم . 160 - من سمع بفاحشة فأبداها كان كمن أتاها . 161 - العاقل من اتهم رأيه ولم يثق بما سولته له نفسه . 162 - من سامح نفسه فيما يحب اتعبها فيما لا يحب . 163 - كفى ما مضى مخبرا عما بقى ، وكفى عبرا لذوى الالباب ما جربوا . 164 - أمر لا تدرى متى يغشاك ، ما يمنعك أن تستعد له قبل أن يفجأك !

[ 274 ]

165 - ليس في البرق الخاطف مستمتع (1) لمن يخوض في الظلمة . 166 - إذا أعجبك ما يتواصفه الناس من محاسنك ، فانظر فيما بطن من مساوئك ، ولتكن معرفتك بنفسك أوثق عندك من مدح المادحين لك . 167 - من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك . 168 - إذا تشبه صاحب الرياء بالمخلصين في الهيئة كان مثل الوارم الذى يوهم الناس إنه سمين ، فيظن الناس ذلك فيه وهو يستر ما يلقى من الالم التابع للورم . 169 - إذا قويت نفس الانسان انقطع إلى الرأى ، وإذ ضعفت انقطع إلى البخت . 170 - الرغبة إلى الكريم تحركه على البذل ، وإلى الخسيس تغريه بالمنع . 171 - خيار الناس يترفعون عن ذكر معايب الناس ، ويتهمون المخبر بها ، ويأثرون (3) الفضائل ، ويتعصبون لاهلها ، ويستعرضون مآثر الرؤساء ، وأفضالهم عليهم ، ويطالبون انفسهم بالمكافأة عليها وحسن الرعايه لها . 172 - لكل شئ قوت ، وأنتم قوت الهوام ، ومن مشى على ظهر الارض فإن مصيره إلى بطنها . 173 - من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه ، وحنينه إلى أوطانه ، وحفظه قديم إخوانه لا


(1) مستمتع : موضع متعة . (2) الخسيس : اللئيم البعيد عن مكارم الاخلاق . (3) يأثرون الفضائل : يستأثرون بها . (*)

[ 275 ]

174 ومن دعائه : اللهم إن كنا قد قصرنا عن بلوغ طاعتك فقد تمسكنا من طاعتك بأحبها إليك ، لا إله إلا أنت جاءت بالحق من عندك . 175 - أصابت الدنيا من أمنها وأصاب الدنيا من حذرها . 176 - ووقف على قوم أصيبوا بمصيبة ، فقال : إن تجزعوا فحق الرحم بلغتم ، وإن تصبروا فحق الله أديتم . 177 - مكارم الاخلاق عشر خصال : السخاء ، والحياء ، والصدق ، وأداء الامانة ، والتواضع ، والغيرة ، والشجاعة ، والحلم ، والصبر ، والشكر . 178 - من أداء الامانة المكافأة على الصنيعة لانها كالوديعة عندك . 179 - الخير النفس تكون الحركة في الخير عليه سهلة متيسرة ، والحركة في الاضرار عسرة بطيئة ، والشرير بالضد من ذلك . 180 - البخلاء من الناس يكون تغافلهم عن عظيم الجرم أسهل عليهم من المكافأة على يسير الاحسان . 181 - مثل الانسان الحصيف (1) مثل الجسم الصلب الكثيف ، يسخن بطيئا ، وتبرد تلك السخونة بأطول من ذلك الزمان . 182 - ثلاثه يرحمون : عاقل يجرى عليه حكم جاهل ، وضعيف في يد ظالم قوى ، وكريم قوم احتاج إلى لئيم . 183 - من صحب السلطان وجب أن يكون معه كراكب البحر ، إن سلم بجسمه من الغرق لم ، يسلم بقلبه من الفرق (2) .


(1) الحصيف : المتمكن من نفسه ، المستحكم عقله . (2) الفرق : الخوف . (*)

[ 276 ]

184 - لا تقبلن في استعمال عمالك وأمرائك شفاعة إلا شفاعة الكفاية والامانة . 185 - إذا استشارك عدوك فجرد له النصيحة ، لانه باستشارتك قد خرج من عدواتك ودخل في مودتك . 186 - العدل صورة واحدة ، والجور صور كثيرة ، ولهذا سهل ارتكاب الجور وصعب تحرى العدل ، وهما يشبهان الاصابة في الرماية والخطأ فيها ، وإن الاصابة تحتاج إلى ارتياض (1) وتعهد ، والخطأ لا يحتاج إلى شئ من ذلك . 187 - لا يخطئ المخلص في الدعاء إحدى ثلاث : ذنب يغفر ، أو خير يعجل ، أو شر يؤجل . 188 - لا ينتصف ثلاثة : من ثلاثة بر من فاجر ، وعاقل من جاهل ، وكريم من لئيم . 189 - اشرف الملوك من لم يخالطه البطر . ولم يحل عن الحق ، وأغنى الاغنياء من لم يكن للحرص أسيرا ، وخير الاصدقاء من لم يكن على إخوانه مستصعبا ، وخير الاخلاق أعونها على التقى والورع . 190 - أربع القليل منهن كثير : النار ، والعداوة ، والمرض ، والفقر . 191 - أربعة من الشقاء : جار السوء ، وولد السوء ، وامرأة السوء ، والمنزل الضيق . 192 - أربعة تدعو إلى الجنة : كتمان المصيبة ، وكتمان الصدقة ، وبر الوالدين ، والاكثار من قول لا إله إلا الله .


(1) ارتياض : مران . (*)

[ 277 ]

193 لا تصحب الجاهل ، فإن فيه خصالا فاعرفوه بها : يغضب من غير غضب ، ويتكلم في غير نفع ، ويعطى في غير موضع الاعطاء ، ولا يعرف صديقه من عدوه ، ويفشى سره إلى كل احد . 194 - إياك ومواقف الاعتذار ، فرب عذر أثبت الحجة على صاحبه وإن كان بريئا . 195 - الصراط ميدان يكثر فيه العثار ، فالسالم ناج ، والعاثر . 196 - لا يعرف الفضل لاهل الفضل إلا أولو الفضل . 197 - إن لله عبادا في الارض كأنما رأوا أهل الجنة في جنتهم وأهل النار في نارهم : اليقين وأنواره لامعة على وجوههم . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مامونة ، وأنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلة لراحة طويلة ، أما الليل فصافون أقدامهم (1) ، تجرى دموعهم على خدودهم ، يجارون (2) إلى الله سبحانه بادعيتهم ، قد حلا في أفواههم ، وحلا في قلوبهم طعم مناجاته ولذيذ الخلوة به ، قد أقسم الله على نفسه بجلال عزته ليورثنهم المقام الاعلى في مقعد صدق عنده ، وأما نهارهم فحلماء علماء ، بررة ، أتقياء ، كالقداح ينظر إليهم الناظر فيقول : مرضى ، وما بالقوم من مرض ، أو يقول : قد خولطوا ، ولعمري لقد خالطهم أمر عظيم جليل . 198 - عاتبه عثمان فأكثر وهو ساكت ، فقال : ما لك لا تقول ! قال : إن قلت لم أقل إلا ما تكره ، وليس لك عندي إلا ما تحب . 199 - بليت في حرب الجمل بأشد الخلق شجاعة ، وأكثر الخلق ثروة وبذلا ، وأعظم الخلق في الخلق طاعة ، وأوفى الخلق كيدا وتكثرا (3) ، بليت بالزبير ، لم يرد وجهه قط ،


(1) صافون أقدامهم ، كناية عن كونهم مصلين . (2) جأر الرجل إلى الله : تضرع . (3) ا : (وتكبرا) . (*)

[ 278 ]

وبيعلى بن منية يحمل المال على الابل الكثيرة ويعطى كل رجل ثلاثين دينارا وفرسا على أن يقاتلني ، وبعائشة ما قالت قط بيدها هكذا إلا واتبعها الناس ، وبطلحة لا يدرك غوره (1) ، ولا يطال مكره . 200 - بعث عثمان بن حنيف إلى طلحة والزبير ، فعاد فقال : يا أمير المؤمنين ، جئتك بالخيبة ، فقال : كلا ! أصبت خيرا وأجرت ، ثم قال : إن من العجب انقيادهما لابي بكر وعمر وخلافهما على ، أما والله إنهما ليعلمان إنى لست بدون واحد منهما ، اللهم عليك بهما . 201 - الرزق مقسوم ، والايام دول والناس شرع (2) سواء ، آدم أبوهم ، وحواء أمهم . 202 - قوت الاجسام الغذاء ، وقوت العقول الحكمة ، فمتى فقد واحد منهما قوته بار واضمحل . 203 - الصبر على مشقة العباد (3) يترقى بك إلى شرف الفوز الاكبر . 204 - الروح حياة البدن والعقل حياة الروح . 205 - حقيق بالانسان (4) أن يخشى الله بالغيب ، ويحرس نفسه من العيب ، ويزداد خيرا مع الشيب . 206 - أفضل الولاة من بقى بالعدل ذكره ، واستمده من يأتي بعده . 207 - قدم العدل على البطش تظفر بالمحبة ، ولا تستعمل الفعل حيث ينجع (5) القول .


(1) يقال : بئر لا يدرك غورها ، إذا كانت عميقة جدا ، والمراد هنا أنه لا يعرف ما في أطواء نفسه . (2) شرع ، أي متساوون . (3) د : (العبادة) . (4) ب : (الاحسان) : تحريف . (5) ينجع : بنفع . (*)

[ 279 ]

208 - البخيل يسخو من عرضه بمقدار ما يبخل به من ماله ، والسخى يبخل من عرضه بمقدار ما يسخو به من ماله . 209 - فضل العقل على الهوى ، لان العقل يملكك الزمان ، والهوى يستعبدك للزمان . 210 - كل ما حملت عليه الحر احتمله ، ورآه زيادة في شرفه ، إلا ما حطه جزءا (1) من حريته ، فإنه يأباه ولا يجيب إليه . 211 - إذا منعك اللئيم البر مع إعظامه حقك كان أحسن من بذل السخى لك إياه مع الاستخفاف بك . 212 - الملك كالنهر العظيم ، تستمد منه الجداول ، فإن كان عذبا عذبت ، وإن كان ملحا ملحت . 213 - الفرق بين السخاء والتبذير إن السخى يسمح بما يعرف مقداره ومقدار الرغبة فيه إليه ، ويضعه بحيث يحسن وضعه ، وتزكو عارفته ، والمبذر يسمح بما لا يوازن به رغبة الراغب ، ولا حق القاصد ، ولا مقدار ما أولى ، ويستفزه (2) لذلك خطره من خطراته ، والتصدي لاطراء مطر له بينهما بون بعيد . 214 - لا تلاج الغضبان ، فإنك تقلقه (3) باللجاج ، ولا ترده إلى الصواب . 215 - لا تفرح بسقطة غيرك ، فإنك لا تدرى ما تتصرف الايام بك . 216 - قليل العلم إذا وقر في القلب كالطل يصيب الارض المطمئنة فتعشب . 217 - مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن كمثل الاترجه ريحها طيب ، وطعمها


(1) ب : (جزاء) . (2) استفزه : أخرجه . (3) تقلقه : تحركه . (*)

[ 280 ]

طيب ، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذى لا يقرا القرآن مثل الحنظلة طعمها مرو لا ريح لها . 218 - المؤمن إذا نظر اعتبر ، وإذا سكت تفكر ، وإذا تكلم ذكر ، وإذا استغنى شكر ، وإذا أصابته شدة صبر ، فهو قريب الرضا ، بعيد السخط ، يرضيه عن الله اليسير ، ولا يسخطه البلاء الكثير ، قوته لا تبلغ به ، ونيته تبلغ ، مغموسة في الخير يده ، ينوى كثيرا من الخير ، ويعمل بطائفة منه ، ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به ! والمنافق إذا نظر لها ، وإذا سكت سها ، وإذا تكلم لغا ، وإذا أصابه شدة شكا ، فهو قريب السخط بعيد الرضا ، يسخطه على الله اليسير ، ولا يرضيه الكثير ، قوته تبلغ ونيته لا تبلغ ، مغموسة في الشر يده ، ينوى كثيرا من الشر ، ويعمل بطائفة منه فيتلهف على ما فاته من الشر كيف لم يأمر به ، وكيف لم يعمل به ! على لسان المؤمن نور يسطع ، وعلى لسان المنافق شيطان ينطق . 219 - سوء الظن يدوى (1) القلوب ، ويتهم المأمون ، ويوحش المستأنس ، ويغير مودة الاخوان . 220 - إذا لم يكن في الدنيا إلا محتاج فاغنى الناس أقنعهم بما رزق . 221 - قيل له : إن درعك صدر لا ظهر لها ، إنا نخاف ان تؤتى من قبل ظهرك ، فقال : إذا وليت فلا واءلت (2) . 222 - أشد الاشياء الانسان ، لان أشدها - فيما يرى - الجبل ، والحديد


(1) يدوى : يصيبه بالداء . والدوى : المرض ، وأدويته : أمرضته . (2) واءل : خلص ونجا . (*)

[ 281 ]

ينحت الجبل ، والنار تأكل الحديد ، والماء يطفى النار ، والسحاب يحمل الماء ، والريح يفرق السحاب ، والانسان يتقى من الريح . 223 - إنما الناس في نفس معدود ، وأمل ممدود ، وأجل محدود ، فلا بد للاجل أن يتناهى ، وللنفس أن يحصى ، وللامل أن ينقضى ، ثم قرأ : (وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين) (1) . 224 - اللهم لا تجعل الدنيا لى سجنا ، ولا فراقها على حزنا ، أعوذ بك من دنيا تحرمنى الاخرة ، ومن أمل يحرمني العمل ، ومن حياة تحرمنى خير الممات . 225 - تعطروا بالاستغفار لا تفضحكم رائحة الذنوب . 226 - للنكبات غايات تنتهى إليها ، ودواؤها الصبر عيها وترك الحيلة في إزالتها ، فإن الحيلة في ازالتها قبل انقضاء مدتها سبب لزيادتها . 227 - لا يرضى عنك الحاسد حتى يموت أحدكما . 228 - لا يكون الرجل سيد قومه حتى لا يبالى أي ثوبيه لبس ! 229 - كتب إلى عامل له : اعمل بالحق ليوم لا يقضى فيه إلا بالحق . 230 - نظر إلى رجل يغتاب آخر عند ابنه الحسن ، فقال : يا بنى نزه سمعك عنه ، فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك . 231 - احذروا الكلام في مجالس الخوف ، فإن الخوف يذهل العقل الذى منه نستمد ، ويشغله بحراسة النفس عن حراسة المذهب الذى نروم نصرته . واحذر الغضب ممن يحملك عليه ، فإنه مميت للخواطر (2) ، مانع من التثبت . واحذر من تبغضه فإن بغضك له يدعوك إلى الضجر به ، وقليل الغضب كثير في أذى النفس والعقل ، والضجر مضيق


(1) سورة الانفطار 110 ، 11 . (2) الخواطر جمع خاطر ، وهو ما يخطر ببالك . (*)

[ 282 ]

للصدر ، مضعف لقوى العقل ، واحذر المحافل التى لا أنصاف لاهلها في التسوية بينك وبين خصمك في الاقبال والاستماع ، ولا أدب لهم يمنعهم من جور الحكم لك وعليك ، واحذر حين تظهر العصبية لخصمك بالاعتراض عليك وتشييد قوله (1) وحجته ، فإن ذلك يهيج العصبية ، والاعتراض على هذا الوجه يخلق الكلام ، ويذهب بهجة المعاني . واحذر كلام من لا يفهم عنك فإنه يضجرك ، واحذر استصغار الخصم فإنه يمنع من التحفظ ، ورب صغير غلب كبير ! 232 - لا تقبل الرياسة على أهل مدينتك ، فإنهم لا يستقيمون لك إلا بما تخرج به من شرط الرئيس الفاضل . 233 - لا تهزأ بخطأ غيرك ، فإن المنطق لا يملكه ، واقلل من الخطأ الذى أنت فيه بقدر الصبر ، واجعل العقل والحق أماميك تنل البغية بهما . 234 - الرأى يريك غاية الامر مبدأه . 235 - الخير من الناس من قدر على أن يصرف نفسه كما يشاء ويدفعها عن الشرور ، والشرير من لم يكن كذلك . 236 - السلطان الفاضل هو الذى يحرس الفضائل ، ويجود بها لمن دونه ، ويرعاها من خاصته وعامته ، حتى تكثر في أيامه ، ويتحسن بها من لم تكن فيه . 237 - للكريم رباطان : أحدهما الرعاية لصديقه وذوى الحرمة به ، والاخر الوفاء لمن ألزمه الفضل ما يجب له عليه . 238 - إذا تحركت صورة الشر ولم تظهر ولدت الفزع ، فإذا ظهرت ولدت الالم ، وإذا تحركت صورة الخير ولم تظهر ولدت الفرج ، فإذا ظهرت ولدت اللذة .


(1) قوله : (وتشييد قوله) أي تحصينها وصونها عن تطرق الخلل إليها ، وأصل التشييد طلاء الحائط بالجص والطين لئلا يبقى به ثقب . (*)

[ 283 ]

239 الفرق بين الاقتصاد والبخل ، ان الاقتصاد تمسك الانسان بما في يده خوفا على حريته وجاهه من المسألة ، فهو يضع الشئ موضعه ، ويصبر عما لا تدعو ضرورة إليه ، ويصل صغير بره بعظيم بشره ، ولا يستكثر من المودات خوفا من فرط الاجحاف به ، والبخيل لا يكافئ على ما يسدى إليه ، ويمنع أيضا اليسير من استحق الكثير ، ويصبر لصغير ما يجرى عليه على كثير من الذلة . 240 - لا تحتقرن صغيرا يمكن ان يكبر ، ولا قليلا يمكن أن يكثر . 241 - ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا ، ولقد كنت أظلم قبل ظهور الاسلام ، ولقد كان أخى عقيل يذنب أخى جعفر فيضربنى . 242 - لو كسرت لى الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الانجيل بانجيلهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، حتى تزهر (1) تلك القضايا إلى الله عز وجل وتقول : يا رب ، إن عليا قضى بين خلقك بقضائك . 243 - مر بدار بالكوفة في مراد تبنى فوقعت منها شظية (2) على صلعته فأدمتها ، فقال : ما يومى من مراد بواحد ! اللهم لا ترفعها ، قالوا : فو الله لقد رأينا تلك الدار بين الدور كالشاة الجماء (3) بين الغنم ذوات القرون . 244 - أقتل الاشياء لعدوك ألا تعرفه إنك اتخذته عدوا . 245 - الخيرة في ترك الطيرة . 246 - قيل له في بعض الحروب : إن جالت الخيل أين نطلبك ؟ قال : حيث تركتمونى . 247 - شفيع المذنب اقراره ، وتوبته اعتذاره .


(1) تزهر : تضئ وتتلالا . (2) الشظية : الفلقة من العصا . (3) شاة جماء : لا قرون لها . (*)

[ 284 ]

248 قصم ظهرى رجلان : جاهل متنسك (1) وعالم متهتك . 249 - ألا أخبركم بذات نفسي ، أما الحسن ففتى من الفتيان ، وصاحب جفنة وخوان ، ولو التقت حلقتا البطان (2) لم يغن عنكم في الحرب غناء عصفور ، وأما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو وظل باطل ، وأما أنا والحسين فنحن منكم وأنتم منا . 250 - قال في المنبرية : صار ثمنها تسعا على البديهة (3) وهذا من العجائب . 251 - جاء الاشعث إليه وهو على المنبر ، فجعل يتخطى رقاب الناس حتى قرب منه ثم قال : يا أمير المؤمنين ، غلبتنا هذه الحمراء على قربك - يعنى العجم - فركض المنبر برجله ، حتى قال صعصعة بن صوحان : ما لنا وللاشعث ! ليقولن أمير المؤمنين عليه السلام اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر ، فقال عليه السلام : من يعذرني من هؤلاء الضياطرة ! يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار (4) ، ويهجر قوما للذكر ، أفتأمرونني أن أطردهم ، ما كنت لاطردهم فأكون من الجاهلين ! أما والذى فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا . 252 - كان إذا رأى ابن ملجم يقول : اريد حياته (5) . . . البيت فيقال له : فاقتله ، فيقول ، كيف أقتل قاتلي ! 253 - إلهى ما قدر ذنوب أقابل بها كرمك ، وما قدر عبادة أقابل بها نعمك ، وإنى لارجو أن تستغرق ذنوبي في كرمك ، كما استغرقت أعمالي في نعمك .


(1) المتنسك : متكلف النسك والتقوى . (2) التقت حلقتا البطان : مثل ، والبطان : الحزام الذى يجعل تحت بطن البعير ، فإذا التقت حلقتاه دل على اضطراب العقد وانحلالها . (3) المنبرية : إشارة إلى مسألة من مسائل الميراث . (4) الضيطر : الرجل الفخم الذى لا غناء عنده ، وجمعه ضياطرة . (5) يشير إلى قول عمر بن معد يكرب : أريد حياته ويريد قتلى عذيرك من خليلك من مراد . (*)

[ 285 ]

254 - إذا غضب الكريم فألن له الكلام ، وإذا غضب اللئيم فخذ له العصا . 255 - غضب العاقل في فعله ، وغضب الجاهل في قوله . 256 - رأى رجلا يحدث منكر الحديث ، فقال : يا هذا ، أنصف أذنيك من فمك ، فإنما جعل الاذنان اثنتين ، والفم واحدا ، لتسمع أكثر مما تقول . 257 إياك وكثرة الاعتذار ، فإن الكذب كثيرا ما يخالط المعاذير . 258 - اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك . 259 - سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الاكياس . 260 - مروا الاحداث بالمراء والجدال ، والكهول بالفكر ، والشيوخ بالصمت . 261 - عود نفسك الصبر على جليس السوء ، فليس يكاد يخطئك . 262 - يا بنى إن الشر تاركك إن تركته . 263 لا تطلبوا الحاجة إلى ثلاثة : إلى الكذوب ، فإنه يقربها وإن كانت بعيده ، ولا إلى أحمق ، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، ولا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجة ، فإنه يجعل حاجتك وقايه لحاجته . 264 - إياك وصدر المجلس فإنه مجلس قلعة (2) . 265 - احذروا صولة الكريم إذا جاع ، وصولة اللئيم إذا شبع . 266 - سرك دمك فلا تجرينه إلا في أوداجك . 267 - وسئل عن الفرق بين الغم والخوف ، فقال : الخوف مجاهدة الامر المخوف قبل وقوعه ، والغم ما يلحق الانسان من وقوعه .


(1) الحمق : ضعف العقل . (2) مجلس قلعة ، إذا كان صاحبه يحتاج إلى قيام . (*)

[ 286 ]

268 - المعروف كنز فانظر عند من تودعه . 269 - إذا أرسلت لبعر فلا تأت بتمر فيؤكل تمرك وتعنف على خلافك (1) . 270 - إذا وقع في يدك يوم السرور فلا تخله فإنك إذا وقعت في يد يوم الغم لم يخلك . 271 - إذا أردت أن تصادق رجلا فانظر : من عدوه ؟ 272 - الانقباض من الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط مجلبة لقرين السوء ، فكن بين المنقبض والمسترسل ، فإن خير الامور أوساطها . 273 - أنا عبد الله ، وأخو رسول الله ، لا يقولها بعدى إلا كذاب . 274 - أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدى فهزها ، وقال : ما أول نعمة أنعم الله بها عليك ؟ قلت : إن خلقني حيا ، وأقدرني ، وأكمل حواسي ومشاعري وقواى ، قال : ثم ماذا ؟ قلت : أن جعلني ذكرا ، ولم يجعلني أنثى ، قال : والثالثة : قلت : إن هداني للاسلام ، قال : والرابعة ؟ قلت : (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (2) . 275 - اللهم إنى أسألك إخبات المخبتين ، وإخلاص الموقنين ، ومرافقة الابرار ، والعزيمة في كل بر ، والسلامة من كل إثم ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار . 276 - لما ضربه ابن ملجم وأوصى ابنيه بما أوصاهما قال لابن الحنفية : هل فهمت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم ، قال : فإنى أوصيك بمثله وبتوقير أخويك ، واتباع أمرهما ، وألا تبرم أمرا دونهما ، ثم قال لهما : أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما ، وقد علمتما إن أباكما كان يحبه فأحباه . 277 - أما هذا الاعور - يعنى الاشعث - فإن الله لم يرفع شرفا إلا حسده ، ولا أظهر فضلا إلا عابه وهو يمنى نفسه ويخدعها ، يخاف ويرجو ، فهو بينهما لا يثق


(1) هذه الحكمة ساقطة من ب ، وأثبتها من ا ، د . (2) سورة النحل 18 . (*)

[ 287 ]

بواحد منهما ، وقد من الله عليه بأن جعله جبانا ، ولو كان شجاعا لقتله الحق ، وأما هذا الاكثف عند الجاهلية - يعنى جرير بن عبد الله البجلى - فهو يرى كل أحد دونه ، ويستصغر كل أحد ويحتقره ، قد ملئ نارا ، وهو مع ذلك يطلب رئاسة ، ويروم إمارة ، وهذا الاعور يغويه ويطغيه ، إن حدثه كذبه ، وإن قام دونه نكص عنه ، فهما كالشيطان إذ قال للانسان : اكفر فلما كفر قال : إنى برئ منك إنى اخاف الله رب العالمين . 278 - بلوغ أعلى المنازل بغير استحقاق من أكبر أسباب الهلكة . 279 - الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب ، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الاذان . 280 - الكرم حسن الفطنة ، واللؤم سوء التغافل . 281 - أسوأ الناس حالا من اتسعت معرفته ، وبعدت همته ، وضاقت قدرته (1) . 282 - أمران لا ينفكان من الكذب : كثرة المواعيد ، وشدة الاعتذار . 283 - عادة النوكى (2) الجلوس فوق القدر ، والمجئ في غير الوقت . 284 - العافية الملك الخفى . 285 - سوء حمل الغنى يورث مقتا ، وسوء حمل الفاقة يضع شرفا . 286 - لا ينبغى لاحد أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز ، ولا يسامح نفسه في التفريط لنكبة دخلت على حازم . 287 - ليس من حسن التوكل ان يقال العاشر عثرة ، ثم يركبها ثانية .


(1) هذه الحكمة ساقطة من ب ، وأثبتها من ا ، د . (2) النوك : الحمق . (*)

[ 288 ]

288 سوء القالة في الانسان إذا كان كذبا نظير الموت لفساد دنياه ، فإن كان صدقا فأشد من الموت لفساد آخرته . 289 - ترضى الكرام بالكلام ، وتصاد اللئام بالمال ، وتستصلح السفلة بالهوان . 290 - لا يزال المرء مستمرا ما لم يعثر ، فإذا عثر مرة لج به العثار ولو كان في جدد . 291 - المتواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها ، والمتكبر كالربوة لا يقر عليها قطرها ، ولا قطر غيرها . 292 - لا يصبر على الحرب ويصدق في اللقاء الا ثلاثة : مستبصر في دين ، أو غيران على حرمة ، أو ممتعض من ذل . 293 - مجاوزتك ما يكفيك فقر لا منتهى له . 294 - قيل له : أي الامور أعجل عقوبة ، وأسرع لصاحبها صرعة ؟ فقال : ظلم من لا ناصر له إلا الله ، ومجازاة النعم بالتقصير ، واستطالة الغنى على الفقير . 295 - الجماع للمحن جماع ، وللخيرات مناع ، حياء يرتفع ، وعورات تجتمع ، أشبه شئ بالجنون ، ولذلك حجب عن العيون ، نتيجته ولد فتون ، إن عاش كد ، وإن مات هد . 296 - ما شئ أهون من ورع ، وإذا رابك أمر فدعه . 297 - إذا أتى على يوم لا أزداد فيه عملا يقربني إلى الله ، فلا بورك لى في طلوع شمس ذلك اليوم . 298 - أشرف الاشياء العلم ، والله تعالى عالم يحب كل عالم .

[ 289 ]

299 - ليت شعرى أي شئ أدرك من فاته العلم ! بل أي شئ فات من أدرك العلم ! 300 - لا يسود الرجل حتى لا يبالى في أي ثوبيه ظهر . 301 - سمع رجلا يدعو لصاحبه ، فقال : لا أراك الله مكروها ، فقال : إنما دعوت له بالموت ، لان من عاش في الدنيا لا بد أن يرى المكروه . 302 - من صفة العاقل ألا يتحدث بما يستطاع تكذيبه فيه . 303 - السعيد من وعظ بغيره ، والشقى من اتعظ به غيره . 304 - ذو الهمة وإن حط نفسه يأبى إلا علوا ، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها ، وتأبى إلا ارتفاعا . 305 - الدين غل الله في أرضه ، إذا أراد أن يذل عبدا جعله في عنقه . 306 - العاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها حكمة ومثلا ، والاحمق إذا تكلم بكلمة أتبعها حلفا . 307 - الحركة لقاح الجد العظيم . 308 ثلاثة لا يستحى من الختم عليها : المال لنفى التهمة ، والجوهر لنفاسته ، والدواء للاحتياط من العدو . 309 - إذا أيسرت فكل الرجال رجالك ، وإذا أعسرت أنكرك أهلك . 310 - من الحكمة جعل المال في أيدى الجهال ، فإنه لو خص به العقلاء لمات


(1) هذه الحكمة ساقطة من ا . (*)

[ 290 ]

الجهال جوعا ، ولكنه جعل في أيدى الجهال ، ثم استنزلهم عنه العقلاء بلطفهم وفطنتهم . 311 - ما رد أحد أحدا عن حاجة إلا وتبين العز في قفاه ، والذل في وجهه . 312 - ابتداء الصنيعة نافلة ، وربها (1) فريضة . 313 - الحاسد المبطن للحسد كالنحل يمج الدواء ، ويبطن الداء . 314 - الحاسد يرى زوال نعمتك نعمة عليه . 315 - التواضع إحدى مصايد الشرف . 316 - تواضع الرجل في مرتبته ذب للشماتة عنه عند سقطته . 317 - رب صلف أدى إلى تلف . 318 - سوء الخلق يعدى ، وذاك إنه يدعو صاحبك إلى أن يقابلك بمثله . 319 - المرءوة التامة مباينة العامة . 320 - أسوأ ما في الكريم أن يمنعك نداه ، وأحسن ما في اللئيم أن يكف عنك أذاه . 321 - السفلة إذا تعلموا تكبروا ، وإذا تمولوا استطالوا ، والعلية إذا تعلموا تواضعوا ، وإذا افتقروا صالوا . 322 - ثلاث لا يستصلح فسادهن بحيلة أصلا : العداوة بين الاقارب ، وتحاسد الاكفاء وركاكة الملوك . 323 - السخى شجاع القلب ، والبخيل شجاع الوجه .


(1) ربها : أي جمعها . (*)

[ 291 ]

324 العزلة توفر العرض وتستر الفاقة ، وترفع ثقل المكافأة . 325 - ما احتنك أحد قط إلا أحب الخلوة والعزلة . 326 - خير الناس من لم تجربه . 327 - الكريم لا يلين على قسر ، ولا يقسو على يسر . 328 - المرأة إذا أحبتك آذتك ، وإذا أبغضتك خانتك وربما قتلتك ، فحبها أذى ، وبغضها داء بلا دواء . 329 - المرأة تكتم الحب أربعين سنة ، ولا تكتم البغض ساعة واحدة . 330 - الممتحن كالمختنق ، كلما ازداد اضطرابا ازداد اختناقا . 331 - كل ما لا ينتقل بانتقالك من مالك فهو كفيل بك . 332 - أجل ما ينزل من السماء التوفيق ، وأجل ما يصعد من الارض الاخلاص . 333 - إثنان يهون عليهما كل شئ : عالم عرف العواقب ، وجاهل يجهل ما هو فيه . 334 - شر من الموت ما إذا نزل تمنيت بنزوله الموت ، وخير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة . 335 - ما وضع أحد يده في طعام أحد إلا ذل له . 336 - المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء ، لا إذا شاءت . 337 - أبصر الناس لعوار الناس المعور . 338 - العجب ممن يخاف عقوبة السلطان وهى منقطعة ، ولا يخاف عقوبة الديان وهى دائمة .

[ 292 ]

339 - من عرف نفسه فقد عرف ربه . 340 - من عجز عن معرفة نفسه فهو عن معرفة خالقه أعجز . 341 - لو تكاشفتم لما تدافنتم . 342 - شيطان كل إنسان نفسه . 343 - إن لم تعلم من أين جئت ، لم تعلم إلى أين تذهب ! 344 - غاية كل متعمق في معرفة الخالق سبحانه الاعتراف بالقصور عن إدراكها . 345 - الكمال في خمس : إلا يعيب الرجل أحدا بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه ، فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب من عيوبه حتى يهجم على آخر فتشغله عيوبه عن عيوب الناس ، وألا يطلق لسانه ويده حتى يعلم أفى طاعة ذلك أم في معصية ، وألا يلتمس من الناس إلا ما يعطيهم من نفسه مثله ، وأن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم وتوفيتهم حقوقهم ، وأن ينفق الفضل من ماله ، ويمسك الفضل من قوله . 346 - صديق البخيل من لم يجربه . 347 - من الخيط الضعيف يفتل الحبل الحصيف (1) ، ومن مقدحة (2) صغيرة تحترق مدينة كبيرة ، ومن لبنة لبنة (3) تبنى قرية حصينة . 348 - محب الدراهم معذور وإن أدنته من الدنيا ، لانها صانته عن أبناء الدنيا .


(1) الحصيف : المحكم . (2) المقدحة : ما يقدح بها النار . (3) اللبنة : التى يبنى بها . (*)

[ 293 ]

349 عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ! وعجبا لمن قيل فيه الشر وليس فيه كيف يغضب ! 350 - ثلاث موبقات : الكبر فإنه حط أبليس عن مرتبته ، والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة ، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه . 351 - الفطام عن الحطام شديد (1) . 352 - إذا أقبلت الدنيا أقبلت على حمار قطوف ، وإذا أدبرت أدبرت على البراق . 353 - أصاب متأمل أو كاد ، وأخطأ مستعجل أو كاد . 354 - سته لا تخطئهم الكآبة : فقير حديث عهد بغنى ، ومكثر يخاف على ماله ، وطالب مرتبة فوق قدره ، والحسود ، والحقود ، ومخالط أهل الادب وليس بأديب . 355 - طلبت الراحة لنفسي فلم أجد شيئا أروح من ترك ما لا يعنينى ، وتوحشت في القفر البلقع فلم أر وحشة أشد من قرين السوء ، وشهدت الزحوف (2) ولقيت الاقران ، فلم أر قرنا أغلب من المرأة ، ونظرت إلى كل ما يذل العزيز ويكسره ، فلم أر شيئا أذل له ولا أكسر من الفاقة . 356 - أول رأى العاقل آخر رأى الجاهل . 357 - المسترشد موقى ، والمحترس ملقى . 358 - الحر عبد ما طمع ، والعبد حر ما قنع .


(1) ب : (شد) . (2) زحف إليه : خف ومشى ، والزحف : الجيش يمشى إلى العدو . (*)

[ 294 ]

359 - ما أحسن حسن الظن إلا أن فيه العجز ، وما أقبح سوء الظن إلا أن فيه الحزم . 360 - ما الحيلة فيما أعنى (1) إلا الكف عنه ، ولا الرأى فيما ينال إلا اليأس منه . 361 - الاحمق إذا حدث ذهل ، وإذا حدث عجل ، وإذا حمل على القبيح فعل . 362 - إثبات الحجة على الجاهل سهل ، ولكن إقراره بها صعب . 363 - كما تعرف أواني الفخار بامتحانها بأصواتها فيعلم الصحيح منها من المكسور ، كذلك يمتحن الانسان بمنطقه فيعرف ما عنده . 364 - احتمال الفقر أحسن من احتمال الذل ، لان الصبر على الفقر قناعة ، والصبر على الذل ضراعة (2) . 365 - الدنيا حمقاء لا تميل إلا إلى أشباهها . 366 - السفر ميزان الاخلاق . 367 - العقل ملك والخصال رعيته ، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها . 368 - الكذاب يخيف نفسه وهو آمن . 369 - لو لا ثلاث لم يسلل سيف : سلك أدق من سلك ، ووجه أصبح من وجه ، ولقمة أسوغ من لقمة . 370 - قد يحسن الامتنان بالنعمة وذلك عند كفرانها ، ولو لا إن بنى اسرائيل


(1) ا : (أعيا) . (2) ضرع إليه ضراعة : ذل وخضع . (*)

[ 295 ]

كفروا النعمة لما قال الله لهم : (اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم) (1) . 371 - إذا تناهى الغم انقطع الدمع . 372 - إذا ولى صديقك ولايه فاصبته على العشر من صداقته فليس بصاحب سوء . 373 - أعجب الاشياء بديهة أمن وردت في مقام خوف . 374 - الحرص محرمة (2) والجبن مقتلة ، وإلا فانظر فيمن رأيت وسمعت : أمن قتل في الحرب مقبلا أكثر ، أم من قتل مدبرا ! وانظر : أمن يطلب بالاجمال والتكرم أحق أن تسخو نفسك له أم من يطلب بالشره والحرص ! 375 - إذا كان العقل تسعه أجزاء احتاج إلى جزء من جهل ليقدم به صاحبه على الامور ، فإن العاقل أبدا متوان مترقب متخوف . 376 - عمل الرجل بما يعلم إنه خطأ هوى ، والهوى آفة العفاف ، وترك العمل بما يعلم إنه صواب تهاون ، والتهاون آفة الدين ، وإقدامه على ما لا يدرى أصواب هو أم خطأ لجاج واللجاج آفة العقل . 377 - ضعف العقل أمان من الغم . 378 - لا ينبغى للعاقل أن يمدح امرأة حتى تموت ، ولا طعاما حتى يستمرئه ، ولا صديقا حتى يستقرضه ، وليس من حسن الجوار ترك الاذى ، ولكن حسن الجوار الصبر على الاذى . 379 - لا يتأدب العبد بالكلام إذا وثق بأنه لا يضرب . 380 - الفرق بين المؤمن والكافر الصلاة ، فمن تركها وادعى الايمان كذبه فعله ، وكان عليه شاهد من نفسه .


(1) سورة البقرة 122 . (2) أي سبب للحرمان . (*)

[ 296 ]

381 - من خاف الله خافه كل شئ . 382 - من النقص أن يكون شفيعك شيئا خارجا عن ذاتك وصفاتك . 383 - ويلى على العبد اللئيم عبد بنى ربيعة ! نزع به (1) عرق الشرك العبشمى إلى مساءتى ، وتذكر دم الوليد وعتبة وشيبة أولى له ، والله ليريني في موقف يسوءه ثم لا يجد هناك فلانا وفلانا - يعنى سالما مولى حذيفة . 384 - أنا قاتل الاقران ، ومجدل الشجعان ، أنا الذى فقأت عين الشرك ، وثللت عرشه ، غير ممتن على الله بجهادي ، ولا مدل إليه بطاعتي ، ولكن أحدث بنعمة ربى . 385 - الصوم عبادة بين العبد وخالقه ، لا يطلع عليها غيره ، وكذلك لا يجازى عنها غيره . 386 - طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ! طوبى لمن لا يعرف الناس ! ولا يعرفه الناس طوبى لمن كان حيا كميت ، وموجودا كمعدوم ، قد كفى جاره خيره وشره ، لا يسأل عن الناس ، ولا يسأل الناس عنه . 387 - ما السيف الصارم في كف الشجاع باعز له من الصدق . 388 - لا يكن فقرك كفرا ، وغناك طغيانا . 389 - ثمرة القناعة الراحة ، وثمرة التواضع المحبة . 390 - الكريم يلين إذا استعطف ، واللئيم يقسو إذا لوطف . 391 - أنكى لعدوك ألا تريه إنك اتخذته عدوا . 392 - عذابان لا يأبه الناس لهما : السفر البعيد ، والبناء الكثير .


(1) نزع به عرق الشر : جذبه إليه . (2) عبشمى ، نسبة إلى عبد شمس . (*)

[ 297 ]

393 - ثلاثة يؤثرون المال على أنفسهم : تاجر البحر ، وصاحب السلطان ، والمرتشي في الحكم . 394 - أعجز الناس من قصر في طلب الصديق ، وأعجز منه من وجده فضيعه (1) . 395 - أشد المشاق وعد كذاب لحريص . 396 - العادات قاهرات ، فمن اعتاد شيئا في سره وخلوته فضحه في جهره وعلانيته . 397 - الاخ البار مغيض الاسرار . 398 - عدم المعرفة بالكتابة زمانة خفية . 399 - قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الاساءة . 400 - ركوب الخيل عز ، وركوب البراذين لذة ، وركوب البغال مهرمة ، وركوب الحمير مذلة . 401 - العقل يظهر بالمعاملة ، وشيم الرجال تعرف بالولاية . 402 - قال له قائل : علمني الحلم ، فقال : هو الذل ، فاصطبر عليه إن استطعت . 403 - قلتم : إن فلانا أفاد مالا عظيما ، فهل أفاد أياما ينفقه فيها ! 404 - عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه . 405 - المريض يعاد - والصحيح يزار . 406 - الشئ الذى لا يحسن أن يقال وإن كان حقا ، مدح الانسان نفسه .


(1) هذه الحكمة ساقطة من ا . (*)

[ 298 ]

407 - الشئ الذى لا يستغنى عنه بحال من الاحوال التوفيق . 408 - أوسع ما يكون الكريم مغفرة ، إذا ضاقت بالذنب المعذرة . 409 - ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت . 410 - التكبر على المتكبرين هو التواضع بعينه . 411 - إذا رفعت أحدا فوق قدره فتوقع منه أن يحط منك بقدر ما رفعت منه . 412 - إساءة المحسن أن يمنعك جدواه ، واحسان المسئ أن يكف عنك أذاه . 413 - اللهم إنى استعديك على قريش ، فإنهم اضمروا لرسولك صلى الله عليه وآله ضروبا من الشر والغدر ، فعجزوا عنها ، وحلت بينهم وبينها ، فكانت الوجبة بى ، والدائرة على . اللهم احفظ حسنا وحسينا ، ولا تمكن فجرة قريش منهما ما دمت حيا ، فإذا توفيتنى فأنت الرقيب عليهم ، وأنت على كل شئ شهيد . 414 - قال له قائل : يا أمير المؤمنين ، أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ترك ولدا ذكرا قد بلغ الحلم ، وآنس منه الرشد ، أكانت العرب تسلم إليه ؟ أمرها قال : لا ، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت ، أن العرب كرهت أمر محمد صلى الله عليه وسلم وحسدته على ما آتاه الله من فضله ، واستطالت أيامه حتى قذفت زوجته ، ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت مذ كان حيا على صرف الامر عن أهل بيته بعد موته ، ولو لا أن قريشا جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسلما إلى العز والامرة ، لما عبدت الله بعد موته يوما واحدا ،

[ 299 ]

ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعا ، وبازلها (1) بكرا ، ثم فتح الله عليها الفتوح ، فأثرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجهد والمخمصة (2) ، فحسن في عيونها من الاسلام ما كان سمجا ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطربا ، وقالت : لو لا إنه حق لما كان كذا ، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الامراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والاحقاب بما فيها ، ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف . وما عسى أن يكون الولد لو كان ! إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقربني بما تعلمونه من القرب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت ! وكذاك لم يكن يقرب ما قربت ، ثم لم يكن عند قريش والعرب سببا للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة . اللهم إنك تعلم إنى لم أرد الامرة ، ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والاداء لشرعك ، ووضع الامور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضى على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك . 415 - البر ما سكنت إليه نفسك ، واطمأن إليه قلبك ، والاثم ما جال في نفسك وتردد في صدرك . 416 - الزكاة نقص في الصورة ، وزيادة في المعنى . 417 - ليس الصوم الامساك عن المأكل والمشرب ، الصوم الامساك عن كل ما يكرهه الله سبحانه .


(1) البازل : الذى فطرنا به . (2) المخمصة : الجوع . (*)

[ 300 ]

418 - إذا كان الراعى ذئبا ، فالشاة من يحفظها ! 419 - كل شئ يعصيك إذا اغضبته إلا الدنيا ، فإنها تطيعك إذا أغضبتها . 420 - رب مغبوط بنعمة هي داؤه ، ومرحوم من سقم هو شفاؤه . 421 - إذا أراد الله أن يسلط على عبد عدوا لا يرحمه سلط عليه حاسدا . 422 - شرب الدواء للجسد كالصابون للثوب ، ينقيه ولكن يخلقه . 423 - الحسد خلق دنئ ، ومن دناءته إنه موكل بالاقرب فالاقرب . 424 - لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبى الله موسى ، وقد سمعتم قوله : (هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) (1) . 425 - استغفر الله مما أملك ، واستصلحه فيما لا أملك . 426 - إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب ، قعدت وأنت كبير حيث تكره . 427 - الولد العاق كالاصبع الزائدة ، إن تركت شانت ، وإن قطعت آلمت . 428 - خرج العز والغنى يجولان فلقيا القناعة فاستقرا . 429 - الصديق نسيب الروح ، والاخ نسيب الجسم . 430 - جزية المؤمن كراء منزله ، وعذابه سوء خلق زوجته . 431 - الوعد وجه والانجاز محاسنه . 432 - أنعم الناس عيشا من عاش في عيشة غيره . 433 لا تشاتمن أحدا ، ولا تردن سائلا ، إما هو كريم تسد خلته ، أو لئيم تشترى عرضك منه .


(1) سورة الكهف 66 . (*)

[ 301 ]

434 - النمام سهم قاتل . 435 - ثلاثة أشياء لا دوام لها : المال في يد المبذر ، وسحابة الصيف ، وغضب العاشق . 436 - الزاهد في الدينار والدرهم اعز من الدينار والدرهم . 437 - رب حرب أحييت بلفظة ، ورب ود غرس بلحظة . 438 - إذا تزوج الرجل فقد ركب البحر ، فإن ولد له فقد كسر به . 439 - صلاح كل ذى نعمة في خلاف ما فسد عليه . 440 - أنعم الناس عيشة من تحلى بالعفاف ، ورضى بالكفاف (1) ، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف . 441 - التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد . 442 - ينبغى للعاقل أن يمنع معروفه الجاهل واللئيم والسفيه ، أما الجاهل فلا يعرف المعروف ولا يشكر عليه ، وأما اللئيم فأرض سبخة لا تنبت ، وأما السفيه فيقول : إنما أعطاني فرقا من لساني . 443 - خير العيش ما لا يطغيك ، ولا يلهيك . 444 - ما ضرب الله العباد بسوط أوجع من الفقر . 445 - إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة كان أول ما يغير منه عقله . 446 - خير الدنيا والاخرة في خصلتين : الغنى والتقى : وشر الدنيا والاخرة في خصلتين : الفقر والفجور . 447 - ثمانية إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم : الاتى طعاما لم يدع إليه ،


(1) الكفاف : القليل . (*)

[ 302 ]

والمتامر على رب البيت في بيته ، وطالب المعروف من غير أهله ، والداخل بين أثنين لم يدخلاه ، والمستخف بالسلطان ، والجالس مجلسا ليس له بأهل ، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه ، ومن جرب المجرب . 448 - أنفس الاعلاق (1) عقل قرن إليه حظ . 449 - اللطافة في الحاجة أجدى من الوسيلة . 450 - احتمال نخوة الشرف أشد من احتمال بطر الغنى ، وذلة الفقر مانعة من الصبر ، كما إن عز الغنى مانع من كرم الانصاف ، إلا لمن كان في غريزته فضل قوة ، وأعراق تنازعه إلى بعد الهمة . 451 - أبعد الناس سفرا من كان في طلب صديق يرضاه . 452 - استشارة الاعداء من باب الخذلان . 453 - الجاهل يعرف بست خصال : الغضب من غير شئ ، والكلام في غير نفع ، والعطية في غير موضعها ، وألا يعرف صديقه من عدوه ، وإفشاء السر ، والثقة بكل أحد . 454 - سوء العادة كمين لا يؤمن . 455 - العادة طبيعة ثانية غالبة . 456 - التجنى وافد القطيعة . 457 - صديقك من نهاك ، وعدوك من أغراك . 458 - يا عجبا من غفلة الحساد عن سلامة الاجساد ! 459 - من سعادة المرء أن يطول عمره ، ويرى في أعدائه ما يسره . 460 - الضغائن تورث كما تورث الاموال .


(1) الاعلاق : الاشياء النفيسة القيمة . (*)

[ 303 ]

461 - رب عزيز أذله خرقه ، وذليل أعزه خلقه . 462 - لا يصلح اللئيم لاحد ، ولا يستقيم إلا من فرق أو حاجة ، فإذا استغنى أو ذهب خوفه عاد إليه جوهره . 463 - ثلاثة في المجلس وليسوا فيه : الحاقن ، والضيق الخف ، والسئ الظن بأهله . 464 - وسئل : ما أبقى الاشياء في نفوس الناس ؟ فقال : أما في أنفس العلماء فالندامة على الذنوب ، وأما في نفوس السفهاء فالحقد . 465 - إذا انقضى ملك قوم خيبوا في آرائهم . 466 - الضعيف المحترس من العدو القوى أقرب إلى السلامة من القوى المغتر بالعدو الضعيف . 467 - الحزن سوء استكانه ، والغضب لؤم قدره . 468 - كل ما يؤكل ينتن ، وكل ما يوهب يأرج . 469 - الطرش في الكرام ، والهوج في الطوال ، والكيس في القصار ، والنبل في الربعة ، وحسن الخلق في الحول ، والكبر في العور ، والبهت في العميان ، والذكاء في الخرس . 470 - ألام الناس من سعى بانسان ضعيف إلى سلطان جائر . 471 - أعسر الحيل تصوير الباطل في صورة الحق عند العاقل المميز . 472 - الغدر ذل حاضر ، والغيبة لؤم باطن . 473 - القلب الفارغ يبحث عن السوء واليد الفارغة تنازع إلى الاثم . 474 - لا كثير مع أسراف ، ولا قليل مع احتراف ، ولا ذنب مع اعتراف .

[ 304 ]

475 - المتعبد على غير فقه كحمار الرحا يدور ولا يبرح . 476 - المحروم من طال نصبه ، وكان لغيره مكسبة . 477 - في الاعتبار غنى عن الاختبار . 478 - وغيظ البخيل على الجواد اعجب من بخله . 479 - أذل الناس معتذر إلى اللئيم . 480 - أشجع الناس أثبتهم عقلا في بداهة الخوف . 481 - المعتذر منتصر ، والمعاتب مغاضب . 482 - المروءة بلا مال كالاسد الذى يهاب ولم يفترس ، وكالسيف الذى يخاف وهو مغمد ، والمال بلا مروءة كالكلب الذى يجتنب عقرا ولم يعقر . 483 - عليكم بالادب ، فإن كنتم ملوكا برزتم ، وإن كنتم وسطا فقتم ، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم بأدبكم . 484 - الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك . 485 - لا ينبغى للعاقل أن يكون إلا في إحدى منزلتين : إما في الغاية القصوى من مطالب الدنيا ، وإما في الغاية القصوى من الترك لها . 486 - من أفضل اعمال البر الجود في العسر ، والصدق في الغضب ، والعفو عند القدرة . 487 - إن الله أنعم على العباد بقدر قدرته ، وكلفهم من الشكر بقدر قدرتهم . 488 - العيش في ثلاث : صديق لا يعد عليك في أيام صداقتك ما يرضى به أيام عداوتك ، وزوجة تسرك إذا دخلت عليها وتحفظ غيبك إذا غبت عنها ، وغلام يأتي على ما في نفسك كأنه قد علم ما تريد .

[ 305 ]

489 - تحتاج القرابة إلى مودة ولا تحتاج المودة إلى قرابة . 490 - الصابر على مخالطة الاشرار وصحبتهم ، كراكب البحر إن سلم ببدنه من التلف ، لم يسلم بقلبه من الحذر . 491 - لاخيك عليك إذا حزبه أمر أن تشير عليه بالرأى ما أطاعك ، وتبذل له النصر إذا عصاك . 492 - الغيبة ربيع اللئام . 493 - أطول الناس نصبا الحريص إذا طمع ، والحقود إذا منع . 494 - الشريف دون حقه يقتل ويعطى نافلة فوق الحق عليه . 495 - اجعل عمرك كنفقة دفعت إليك ، فكما لا تحب أن يذهب ما تنفق ضياعا ، فلا تذهب عمرك ضياعا . 496 - من أظهر شكرك فيما لم تأت إليه ، فاحذر أن يكفرك فيما أسديت إليه . 497 - لا تستعن في حاجتك بمن هو للمطلوب إليه أنصح منه لك . 498 - لا يؤمننك من شر جاهل قرابة ولا جوار ، فإن أخوف ما تكون لحريق النار اقرب ما تكون إليها . 499 - كن في الحرص على تفقد عيوبك كعدوك . 500 - عليك بسوء الظن ، فإن أصاب فالحزم وإلا فالسلامة . 501 - رضا الناس غايه لا تدرك ، فتحر الخير بجهدك ، ولا تبال بسخط من يرضيه الباطل .

[ 306 ]

502 - لا تماكس في البيع والشراء ، فما يضيع من عرضك أكثر مما تنال من عرضك . 503 - الدين رق فلا تبذل رقك لمن لا يعرف حقك . 504 - احذر كل الحذر أن يخدعك الشيطان فيمثل لك التوانى في صورة التوكل ، ويورثك الهوينى بالاحالة على القدر ، فإن الله أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل ، وبالتسليم للقضاء بعد الاعذار ، فقال : (خذوا حذركم (1)) ، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (2)) ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : (اعقلها وتوكل) . 505 - لا تصحب في السفر غنيا ، فإنك إن ساويته في الانفاق أضر بك ، وإن تفضل عليك استذلك . 506 - إذا سألت كريما حاجة فدعه يفكر ، فإنه لا يفكر إلا في خير ، وإذا سألت لئيما حاجة فغافصه (3) فإنه إذا (4) فكر عاد إلى طبعه . 507 - ما أقبح بالصبيح الوجه أن يكون جاهلا ، كدار حسنة البناء وساكنها شر ، وكجنة يعمرها بوم ، أو صرمة يحرسها ذئب . 508 - قبيح بذى العقل أن يكون بهيمة وقد أمكنه أن يكون إنسانا ، وقد أمكنه أن يكون ملكا ، وأن يرضى لنفسه بقنية معارة وحياة مستردة ، وله أن يتخذ قنية مخلدة وحياة مؤبدة . 509 - الذى يستحق اسم السعادة على الحقيقة سعادة الاخرة ، وهى أربعة أنواع : بقاء بلا فناء ، وعلم بلا جهل ، وقدرة بلا عجز ، وغنى بلا فقر .


(1) سورة النساء 71 . (2) سورة البقرة 95 . (3) غافصه : أي أخذه على غرة . (4) ب : (إن فكر) . (*)

[ 307 ]

510 - ما خاب من استخار . 511 - الدين قد كشف عن غطاء قلبه ، يرى مطلوبه قد طبق الخافقين فلا يقع بصره على شئ إلا رآه فيه . 512 - من غرس النخل أكل الرطب ، ومن غرس الصفصاف والعليق عدم ثمرته ، وذهبت ضياعا خدمته . 513 - إذا أردت العلم والخير فانفض عن يدك أداه الجهل والشر ، فإن الصائغ لا يتهيأ له الصياغة إلا إذا ألقى أداة الفلاحة عن يده . 514 - الصبر مفتاح الفرج . 515 - غايه كل متعمق في علمنا أن يجهل . 516 - ستعرف الحال على حقيقتها ، ولكن حيث لا تستطيع أن تذاكر أحدا بها . 517 - السعادة التامة بالعلم ، والسعادة الناقصة بالزهد ، والعبادة من غير علم ولا زهادة تعب الجسد . 518 - الامال مطايا ، وربما حسرت ، ونقبت اخفافها . 519 - حب الرياسة شاغل عن حب الله سبحانه . 520 - يا أبا عبيدة ، طال عليك العهد فنسيت ، أم نافست فأنسيت ؟ لقد سمعتها ووعيتها فهلا رعيتها ! 521 - قال : لما سمعت خطبة عمر بالمدينة التى شرح فيها قصة السقيفة : معذرة ورب الكعبة ، ولكن بعد ماذا ! هيهات علقت معالقها ، وصر الجندب . 522 - أول من جرأ الناس علينا سعد بن عبادة ، فتح بابا ولجة

[ 308 ]

غيره ، وأضرم نارا كان لهبها عليه ، وضوءها لاعدائه . 523 - ما لنا ولقريش ! يخضمون الدنيا باسمنا ، ويطئون على رقابنا ، فيا لله وللعجب ! من اسم جليل لمسمى ذليل ! 524 - الخير كله في السيف ، وما قام هذا الدين إلا بالسيف ، أتعلمون ما معنى قوله تعالى : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) ؟ هذا هو السيف . 525 - لم يفت من لم يمت . 526 - من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء ، فإنه لو غص بغيره لاساغ الماء غصته . 527 - من ضن بعرضه فليدع المراء . 528 - من أيقظ فتنة فهو آكلها . 529 - من أثرى كرم على أهله ، ومن أملق هان على ولده . 530 - من أمل أحدا هابه ، ومن جهل شيئا عابه . 531 - أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه ، ولا يثق به أحد لسوء أثره . 532 - أحب الناس إليك من كثرت أياديه عندك ، فإن لم يكن فمن كثرت أياديك عنده . 533 - من طال صمته اجتلب من الهيبة ما ينفعه ، ومن الوحشة ما لا يضره . 534 - من زاد عقله نقص حظه ، وما جعل الله لاحد عقلا وافرا إلا احتسب به عليه من رزقه . 535 - من عمل بالعدل فيمن دونه ، رزق العدل ممن فوقه .

[ 309 ]

536 - من طلب عزا بظلم وباطل أورثه الله ذلا بإنصاف وحق . 537 - من وطئته الاعين ، وطئته الارجل . 538 - ينادى مناد يوم القيامة : من كان له أجر على الله فليقم ، فيقوم العافون عن الناس ، ثم تلا : (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) . 539 - اصحب الناس باى خلق شئت يصحبوك بمثله . 540 - كأنك بالدنيا لم تكن ، وكأنك بالاخرة لم تزل . 541 - قال لمريض أبل من مرضه : إن الله ذكرك فاذكره ، وأقالك فاشكره . 542 - الدار دار من لا دار له ، وبها يفرح من لا عقل له ، فانزلوها منزلتها . 543 - لا تستصغرن أمر عدوك إذا حاربته ، فإنك إن ظفرت به لم تحمد ، وإن ظفر بك لم تعذر ، والضعيف المحترس من العدو القوى أقرب إلى السلامة من القوى المغتر بالضعيف . 544 - لا تصحب من تحتاج إلى أن تكتمه ما يعرف الله منك . 545 - لا تسأل غير الله فإنه إن أعطاك أغناك . 546 - الصاحب كالرقعة في الثوب ، فاتخذه مشاكلا . 547 - إياك وكثرة الاخوان ، فإنه لا يؤذيك إلا من يعرفك . 548 - دع اليمين لله إجلالا ، وللناس إجمالا . 549 - العادات قاهرات ، فمن اعتاد شيئا في سره فضحه في علانيته . 550 - إذا كان لك صديق ولم تحمد إخاءه ومودته ، فلا تظهر ذلك للناس ، فإنما هو بمنزلة السيف الكليل في منزل الرجل ، يرهب به عدوه ، ولا يعلم العدو أصارم هو أم كليل !

[ 310 ]

551 - دع الذنوب قبل أن تدعك . 552 إذا نزل بك مكروه فانظر ، فإن كان لك حيلة فلا تعجز ، وإن لم يكن فيه حيلة فلا تجزع . 553 - تعلموا العلم ، فإنه زين للغنى وعون للفقير ، ولست أقول إنه يطلب به ولكن يدعوه إلى القناعة . 554 - لا ترضين قول أحد حتى ترضى فعله ، ولا ترض فعله حتى ترضى عقله ، ولا ترض عقله حتى ترضى حياءه ، فإن الانسان مطبوع على كرم ولؤم ، فإن قوى الحياء عنده قوى الكرم ، وإن ضعف الحياء قوى اللؤم . 555 - تعلموا العلم وإن لم تنالوا به حظا ، فلان يذم الزمان لكم أحسن من أن يذم بكم . 556 - اجعل سرك إلى واحد ، ومشورتك إلى ألف . 557 - إن الله خلق النساء من عى وعورة ، فداووا عيهن بالسكوت ، واستروا العورة بالبيوت . 558 - لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ، ولا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا . واعلم أن للاعمال جزاء فاتق العواقب ، وان للامور بغتات فكن على حذر . 559 - لا تجاهد الطلب جهاد المغالب ، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم ، فإن ابتغاء الفضل من السنة ، والاجمال في الطلب من العفة ، وليست العفة برافعة رزقا ، ولا الحرص بجالب فضلا . 560 - من لم تستقم له نفسه ، فلا يلومن من لم يستقم له .

[ 311 ]

561 - من رجى الرزق لديه صرفت أعناق الرجال إليه . 562 - من انتجعك مؤملا فقد أسلفك حسن الظن . 563 - إذا شئت أن تطاع فاسأل ما يستطاع . 564 - من أعذر كمن أنجح . 565 - من كانت الدنيا همه كثر في القيامة غمه . 566 - من أجمل في الطلب أتاه رزقه من حيث لا يحتسب . 567 - من ركب العجلة لم يأمن الكبوة . 568 - من لم يثق لم يوثق به . 569 - من أفاده الدهر أفاد منه (1) 570 - من أكثر ذكر الضغائن اكتسب العداوة . 571 - من لم يحمد صاحبه على حسن النية لم يحمده على حسن الصنيعة . 572 - تأمل ما تتحدث به ، فإنما تملى على كاتبيك صحيفة يوصلانها إلى ربك ، فانظر على من تملى ، وإلى من تكتب . 573 - أقم الرغبة إليك مقام الحرمة بك ، وعظم نفسك عن التعظم ، وتطول ولا تتطاول . 574 - عاملوا الاحرار بالكرامة المحضة ، والاوساط بالرغبة والرهبة ، والسفلة بالهوان . 575 - كن للعدو المكاتم أشد حذرا منك للعدو المبارز . 576 - احفظ شيئك ممن تستحيى أن تسأله عن مثل ذلك الشئ إذا ضاع لك .


(1) أفاد : أي استفاد . (*)

[ 312 ]

577 - إذا كنت في مجلس ولم تكن المحدث ولا المحدث فقم . 578 - لا تستصغرون حدثا (1) من قريش ، ولا صغيرا من الكتاب ، ولا صعلوكا من الفرسان . ولا تصادقن ذميا ولا خصيا ولا مؤنثا ، فلا ثبات لموداتهم . 579 - لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصر بفعلك ، ولا جبانا فيخوفك ما لا تخاف ، ولا حريصا فيعدك ما لا يرجى ، فإن الجبن والبخل والحرص طبيعة واحدة ، يجمعها سوء الظن بالله تعالى . 580 - لا تكن ممن تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن . 581 - اعص هواك والنساء وافعل ما بدا لك . 582 - ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك . 583 - كل من الطعام ما تشتهى ، والبس من الثياب ما يشتهى الناس . 584 - ولتكن دارك أول ما يبتاع وآخر ما يباع . 585 - من كان في يده شئ من رزق الله سبحانه فليصلحه ، فإنكم في زمان إذا احتاج المرء فيه إلى الناس كان أول ما يبذله لهم دينه . 586 - ابذل لصديقك مالك ، ولمعرفتك رفدك ومحضرك ، وللعامة بشرك وتحننك ، ولعدوك عدلك وإنصافك ، واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد . 587 - جالس العقلاء اعداء كانوا أو أصدقاء ، فإن العقل يقع على العقل . 588 - كن في الحرب بحيلتك أوثق منك بشدتك ، وبحذرك أفرح منك بنجدتك ، فإن الحرب حرب المتهور ، وغنيمة المتحذر . 589 - النعم وحشية فقيدوها بالمعروف .


(1) حدثا ، أي صغير السن . (*)

[ 313 ]

590 - إذا أخطأتك الصنيعة إلى من يتقى الله فاصنعها إلى من يتقى العار . 591 - لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض . 592 - إذا اكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبنك ذاك ، فإن زوال الكرامة بزوالهما ، ولكن ليعجبك إن أكرمك الناس لدين أو أدب . 593 - ينبغى لمن لم يكرم وجهه عن مسألتك أن تكرم وجهك عن رده . 594 - إياك ومشاورة النساء ، فإن رأيهن إلى أفن ، وعزمهن إلى وهن ، واكفف من أبصارهن بحجابك إياهن ، فإن شدة الحجاب خير لك من الارتياب ، وليس خروجهن بأشد عليك من دخول من لا تثق به عليهن ، وإن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل ، ولا تمكن امرأة من الامر ما جاوز نفسها ، فإن ذلك أنعم لبالها ، وأرخى لحالها ، وإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فلا تعد بكرامتها نفسها ، ولا تعطها أن تشفع لغيرها ، ولا تطل الخلوة معهن فيملنك وتملهن ، واستبق من نفسك بقية ، فإن إمساكك عنهن وهن يردنك ذلك باقتدار ، خير من أن يهجمن منك على انكسار . وإياك والتغاير في غير موضع الغيرة ، فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم . 595 - إذا أردت أن تختم على كتاب ، فأعد النظر فيه ، فإنما تختم على عقلك . 596 - إن يوما اسكر الكبار وشيب الصغار لشديد . 597 - كم من مبرد له الماء والحميم يغلى له . 598 - الصلاة صابون الخطايا . 599 - إن امرأ عرف حقيقة الامر ، وزهد فيه لاحمق ، وإن امرأ جهل حقيقة الامر مع وضوحه لجاهل .

[ 314 ]

600 - إذا قال أحدكم : والله ، فلينظر ما يضيف إليها . 601 - رأيك لا يتسع لكل شئ ، ففرغه للمهم من أمورك ، ومالك لا يغنى الناس كلهم فاخصص به أهل الحق ، وكرامتك لا تطيق بذلها في العامة ، فتوخ بها أهل الفضل ، وليلك ونهارك لا يستوعبان حوائجك ، فأحسن القسمة بين عملك ودعتك . 602 - أحى المعروف بإماتته . 603 - أصحبوا من يذكر إحسانكم إليه ، وينسى أياديه عندكم . 604 - جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم . 605 - إذا رغبت في المكارم فاجتنب المحارم . 606 - لا تثقن كل الثقة بأخيك ، فإن سرعة الاسترسال لا تقال . 607 - انتقم من الحرص بالقناعة ، كما تنتقم من العدو بالقصاص . 608 - إذا قصرت يدك عن المكافأة ، فليطل لسانك بالشكر . 609 - من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤنة الاستماع منك . 610 - الزمان ذو ألوان ، ومن يصحب الزمان ير الهوان . 611 - لا تزهدن في معروف ، فإن الدهر ذو صروف ، كم من راغب أصبح مرغوبا إليه ، ومتبوع أمسى تابعا . 612 - إن غلبت يوما على المال فلا تغلبن على الحيلة على كل حال . 613 - كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مالا . 614 - لا تكونن المحدث من لا يسمع منه ، والداخل في سر اثنين لم يدخلاه

[ 315 ]

فيه ، ولا الاتى وليمة لم يدع إليها ، ولا الجالس في مجلس لا يستحقه ، ولا طالب الفضل من أيدى اللئام ، ولا المتحمق في الدالة ، ولا المتعرض للخير من عند العدو . 615 - اطبع الطين ما دام رطبا ، واغرس العود ما دام لدنا . 616 - خف الله حتى كأنك لم تطعه ، وارج الله حتى كأنك لم تعصه . 617 - لا تبلغ في سلامك على الاخوان حد النفاق ، ولا تقصرهم عن درجة الاستحقاق . 618 - انصح لكل مستشير ، ولا تستشير إلا الناصح اللبيب . 619 - ما أقبح بك أن ينادى غدا : يا أهل خطيئة كذا ، فتقوم معهم ، ثم ينادى ثانيا : يا أهل خطيئة كذا ، فتقوم معهم . ما أراك يا مسكين الا تقوم مع أهل كل خطيئة ! 620 - ما أصاب أحد ذنبا ليلا إلا أصبح وعليه مذلته . 621 - الاستغفار يحت الذنوب حت الورق ، ثم تلا قوله تعالى : (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) (1) . 622 - أيها المستكثر من الذنوب ، إن أباك اخرج من الجنة بذنب واحد . 623 - إذا عصى الرب من يعرفه سلط عليه من لا يعرفه . 624 - لقاء أهل الخير عمارة القلوب . 625 - أنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كالعضد من المنكب ، وكالذراع


(1) سورة النساء 110 . (*)

[ 316 ]

من العضد ، وكالكف من الذراع ، ربانى صغيرا ، وآخاني كبيرا ، ولقد علمتم أنى كان لى منه مجلس سر لا يطلع عليه غيرى ، وإنه أوصى إلى دون أصحابه وأهل بيته ، ولاقولن ما لم أقله لاحد قبل هذا اليوم ، سألته مرة أن يدعو لى بالمغفرة فقال : أفعل ، ثم قام فصلى ، فلما رفع يده للدعاء استمعت عليه ، فإذا هو قائل : اللهم بحق على عندك اغفر لعلى ، فقلت : يا رسول الله ، ما هذا ؟ فقال : أواحد أكرم منك عليه فاستشفع به إليه . 626 - والله ما قلعت باب خيبر ، ودكدكت (1) حصن يهود بقوه جسمانية بل بقوه إلهية . 627 - يا بن عوف ، كيف رأيت صنيعك مع عثمان ! رب واثق خجل ، ومن لم يتوخ بعمله وجه الله عاد مادحه من الناس له ذاما . 628 - لو رأيت ما في ميزانك لختمت على لسانك . 629 - ليس الحلم ما كان حال الرضا ، بل الحلم ما كان حال الغضب . 630 - ليس شئ أقطع لظهر أبليس من قول : (لا إله إلا الله) ، كلمه التقوى . 631 - لا تحملوا ذنوبكم وخطاياكم على الله ، وتذروا أنفسكم والشيطان . 632 - إن أخوف ما أخاف على هذه الامة من الدجال ، أئمة مضلون وهم رؤساء أهل البدع . 633 - إذا زللت فارجع ، وإذا ندمت فاقلع ، وإذا أسأت فاندم ، وإذا مننت فاكتم ، وإذا منعت فأجمل ، ومن يسلف المعروف يكن ربحه الحمد .


(1) دكدك الحصن : هذه . (*)

[ 317 ]

634 - استشر عدوك تجربة لتعلم مقدار عداوته . 635 - لا تطلبن من نفسك العام ما وعدتك عاما أول . 636 - أطول الناس عمرا من كثر علمه ، فتأدب به من بعده ، أو كثر معروفه فشرف به عقبه . 637 - استهينوا بالموت فإن مرارته في خوفه . 638 - لا دين لمن لا نية له ، ولا مال لمن لا تدبير له ، ولا عيش لمن لا رفق له . 639 - من اشتغل بتفقد اللفظة ، وطلب السجعة (1) ، نسى الحجة . 640 - الدنيا مطية المؤمن ، عليها يرتحل إلى ربه ، فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم . 641 - من رأى إنه مسئ فهو محسن ، ومن رأى إنه محسن فهو مسئ . 642 - سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك . 643 - اطلبوا الحاجات بعزة الانفس ، فإن بيد الله قضاءها . 644 - عذب حسادك بالاحسان إليهم . 645 - اظهار الفاقة من خمول الهمة . 646 - يا عالم قد قام عليك حجة العلم ، فاستيقظ من رقدتك . 647 - الرفق يفل حد المخالفة . 648 - أرجح الناس عقلا ، وأكملهم فضلا ، من صحب أيامه بالموادعة ، وإخوانه بالمسالمة ، وقبل من الزمان عفوه .


(1) أي من طلب تزيين الكلام . (*)

[ 318 ]

649 - الوجوه إذا كثر تقابلها ، اعتصر بعضها ماء بعض . 650 - أداء الامانة مفتاح الرزق . 651 - حصن علمك من العجب ، ووقارك من الكبر ، وعطاءك من السرف ، وصرامتك من العجلة ، وعقوبتك من الافراط ، وعفوك من تعطيل الحدود ، وصمتك من العى ، واستماعك من سوء الفهم ، واستئناسك من البذاء ، وخلواتك من الاضاعة ، وغراماتك من اللجاجة وروغانك من الاستسلام ، وحذراتك من الجبن . 652 - لا تجد للموتور المحقود أمانا من أذاه أوثق من البعد عنه ، والاحتراس منه . 653 - إحذر من أصحابك ومخالطيك الكثير المسألة ، الخشن البحث ، اللطيف الاستدراج ، الذى يحفظ أول كلامك على آخره ، ويعتبر ما أخرت بما قدمت ، ولا تظهرن له المخافة فيرى إنك قد تحرزت وتحفظت . واعلم أن من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر ، فخالط هذا مخالطة الامن ، وتحفظ منه تحفظ الخائف ، فإن البحث يظهر الخفى ، ويبدى المستور الكامن . 654 - من سره الغنى بلا سلطان ، والكثرة بلا عشيرة ، فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته ، فإنه واجد ذلك كله . 655 - الشيب أعذار الموت . 656 - من ساس نفسه بالصبر على جهل الناس صلح أن يكون سائسا . 657 - لله تعالى كل لحظه ثلاثه عساكر : فعسكر ينزل من الاصلاب إلى الارحام ، وعسكر ينزل من الارحام إلى الارض ، وعسكر يرتحل من الدنيا إلى الاخرة .

[ 319 ]

658 - اللهم ارحمنى رحمه الغفران ، إن لم ترحمني رحمة الرضا . 659 - إلهى كيف لا يحسن منى الظن وقد حسن منك المن ، إلهى إن عاملتنا بعدلك لم يبق لنا حسنة ، وإن أنلتنا فضلك لم يبق لنا سيئة . 660 - العلم سلطان ، من وجده صال به ، ومن لم يجده صيل عليه . 661 - يا بن آدم إنما أنت أيام مجموعة ، فإذا مضى يوم مضى بعضك . 662 - حيث تكون الحكمة تكون خشيه الله ، وحيث تكون خشيته تكون رحمته . 663 - اللهم إنى أرى لدى من فضلك ما لم أسألك ، فعلمت إن لديك من الرحمة ما لا أعلم فصغرت قيمة مطلبي فيما عاينت ، وقصرت غاية أملى عند ما رجوت ، فإن ألحفت في سؤالي فلفاقتى إلى ما عندك ، وإن قصرت في دعائي فبما عودت من ابتدائك . 664 - من كان همته ما يدخل جوفه كانت قيمته ما يخرج منه . 665 - يقول الله تعالى : يا بن آدم ، لم أخلقك لاربح عليك ، إنما خلقتك لتربح على ، فاتخذني بدلا من كل شئ فإنى ناصر لك من كل شئ . 666 - الرجاء للخالق سبحانه أقوى من الخوف ، لانك تخافه لذنبك ، وترجوه لجوده ، فالخوف لك والرجاء له . 667 - أسألك بعزة الوحدانية ، وكرم الالهية ، ألا تقطع عنى برك بعد مماتي ، كما لم تزل تراني أيام حياتي ، أنت الذى تجيب من دعاك ، ولا تخيب من رجاك ، ضل من يدعو إلا إياك ، فإنك لا تحجب من أتاك ، وتفضل على من

[ 320 ]

عصاك ، ولا يفوتك من ناواك ، ولا يعجزك من عاداك ، كل في قدرتك ، وكل يأكل رزقك . 668 - لا تطلبن إلى أحد حاجة ليلا ، فإن الحياء في العينين . 669 - من ازداد علما فليحذر من توكيد الحجة عليه . 670 - العاقل ينافس الصالحين ليلحق بهم ، ويحبهم ليشاركهم بمحبته ، وإن قصر عن مثل عملهم ، والجاهل يذم الدنيا ولا يسخو بإخراج أقلها ، يمدح الجود ، ويبخل بالبذل ، يتمنى التوبة بطول الامل ، ولا يعجلها لخوف حلول الاجل ، يرجو ثواب عمل لم يعمل به ، ويفر من الناس ليطلب ، ويخفى شخصه ليشتهر ، ويذم نفسه ليمدح ، وينهى عن مدحه وهو يحب ألا ينتهى من الثناء عليه . 671 - الانس بالعلم من نبل الهمة . 672 - اللهم كما صنت وجهى عن السجود لغيرك ، فصن وجهى عن مسألة غيرك . 673 - من الناس من ينقصك إذا زدته ، ويهون عليك إذا خاصصته ، ليس لرضاه موضع تعرفه ، ولا لسخطه مكان تحذره ، فإذا لقيت أولئك فابذل لهم موضع المودة العامة ، وأحرمهم موضع الخاصة ، ليكون ما بذلت لهم من ذلك حائلا دون شرهم ، وما حرمتهم من هذا قاطعا لحرمتهم . 674 - من شبع عوقب في الحال ثلاث عقوبات : يلقى الغطاء على قلبه ، والنعاس على عينه ، والكسل على بدنه . 675 - ذم العقلاء أشد من عقوبة السلطان . 676 - يقطع البليغ عن المسألة أمران : ذل الطلب ، وخوف الرد . 677 - المؤمن محدث .

[ 321 ]

678 - قل أن ينطق لسان الدعوى إلا ويخرسه كعام (1) الامتحان . 679 - انظر ما عندك فلا تضعه إلا في حقه ، وما عند غيرك فلا تأخذه إلا بحقه . 680 - إذا صافاك عدوك رياء منه فتلق ذلك بأوكد مودة ، فإنه إن ألف ذلك واعتاده خلصت لك مودته . 681 - لا تألف المسألة فيألفك المنع . 682 - لا تسأل الحوائج غير أهلها ، ولا تسألها في غير حينها ، ولا تسأل ما لست له مستحقا فتكون للحرمان مستوجبا . 683 - إذا غشك صديقك فاجعله مع عدوك . 684 - لا تعدن من إخوانك من آخاك في أيام مقدرتك للمقدرة ، واعلم أنه ينتقل عنك في أحوال ثلاث : يكون صديقا يوم حاجته إليك ، ومعرضا يوم غناء عنك ، وعدوا يوم حاجتك إليه . 685 - لا تسرن بكثرة الاخوان ما لم يكونوا أخيارا ، فإن الاخوان بمنزلة النار التى قليلها متاع ، وكثيرها بوار . 686 - كفاك خيانة أن تكون أمينا للخونة . 687 - لا تحقرن شيئا من الخير وإن صغر ، فإنك إذا رأيته سرك مكانه ، ولا تحقرن شيئا من الشر وإن صغر ، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه . 688 - يا بن آدم ، ليس بك غناء عن نصيبك من الدنيا : وأنت إلى نصيبك من الاخرة افقر .


(1) الكعام : ما يشد به فم البعير . (*)

[ 322 ]

689 - معصية العالم إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ، وإذا ظهرت ضرت صاحبها والعامة . 690 - يجب على العاقل ان يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسمه من الغذاء . 691 - أعسر العيوب صلاحا العجب واللجاجة . 692 - لكل نعمة مفتاح ومغلاق ، فمفتاحها الصبر ، ومغلاقها الكسل . 693 - الحزن والغضب أميران تابعان لوقوع الامر بخلاف ما تحب ، ألا إن المكروه إذا أتاك ممن فوقك نتج عليك حزنا ، وإن أتاك ممن دونك نتج عليك غضبا . 694 - أول المعروف مستخف ، وآخره مستثقل ، تكاد أوائله تكون للهوى دون الرأى ، وأوخره للرأى دون الهوى ، ولذلك قيل : رب الصنيعة أشد من الابتداء بها . 695 - لا تدع الله أن يغنيك عن الناس فإن حاجات الناس بعضهم إلى بعض متصلة كاتصال الاعضاء فمتى يستغنى المرء عن يده أو رجله ! ولكن ادع الله أن يغنيك عن شرارهم . 696 - احترس من ذكر العلم عند من لا يرغب فيه ، ومن ذكر قديم الشرف عند من لا قديم له ، فإن ذلك مما يحقدهما عليك . 697 - ينبغى لذوى القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا . 698 - لا تؤاخ شاعرا فإنه يمدحك بثمن ، ويهجوك مجانا . 699 - لا تنزل حوائجك بجيد اللسان ، ولا بمتسرع إلى الضمان .

[ 323 ]

700 - كل شئ طلبته في وقته فقد فات وقته . 701 - إذا شككت في مودة انسان فاسأل قلبك عنه . 702 - العقل لم يجن على صاحبه قط ، والعلم من غير عقل يجنى على صاحبه . 703 - يا بن آدم ، هل تنتظر إلا هرما حائلا (1) ، أو مرضا شاغلا ، أو موتا نازلا ! 704 - ابنك يأكلك صغيرا ويرثك كبيرا ، وابنتك تأكل من وعائك ، وترث من أعدائك ، وابن عمك عدوك وعدو عدوك ، وزوجتك إذا قلت لها قومي قامت . 705 - إذا ظفرتم فأكرموا الغلبة ، وعليكم بالتغافل فإنه فعل الكرام ، وإياكم والمن فانه مهدمة للصنيعة ، منبهة للضغينة . 706 - من لم يرج إلا ما يستوجبه أدرك حاجته . 707 - بلغ من خدع الناس ، أن جعلوا شكر الموتى تجارة عند الاحياء ، والثناء على الغائب استمالة للشاهد . 708 - من احتاج إليك ثقل عليك ، ومن لم يصلحه الخير أصلحه الشر ، ومن لم يصلحه الطالى أصلحه الكاوى . 709 - من أكثر من شئ عرف به ، ومن زنى زنى به ، ومن طلب عظيما خاطر بعظمته ، ومن أحب أن يصرم (2) أخاه فليقرضه ثم ليتقاضه (3) ، ومن أحبك لشئ ملك عند انقضائه ، ومن عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار .


(1) حائلا ، أي مانعا يمنعه من أداء عمله . (2) يقطع مودته . (3) يطلب منه ما اقترض . (*)

[ 324 ]

710 - من بلغ السبعين اشتكى من غير علة . 711 - في المال ثلاث خصال مذمومة : إما أن يكتسب من غير حلة ، أو يمنع إنفاقه في حقه ، أو يشغل بإصلاحه عن عبادة الله تعالى . 712 - يباعدك من غضب الله ألا تغضب . 713 - لا تستبدلن بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك ، فإنك إن فعلت فقد غيرت ، وإن غيرت تغيرت نعم الله عليك . 714 - أشد من البلاء شماتة الاعداء . 715 - ليس يزنى فرجك إن غضضت طرفك . 716 - كما ترك لكم الملوك الحكمة والعلم فاتركوا لهم الدنيا . 717 - الهدية تفقأ عين الحكيم . 718 - ليكن أصدقاؤك كثيرا ، واجعل سرك منهم إلى واحد . 719 - يا عبيد الدنيا ، كيف تخالف فروعكم أصولكم ، وعقولكم أهواءكم ، قولكم شفاء يبرئ الداء ، وعملكم داء لا يقبل الدواء ، ولستم كالكرمة التى حسن ورقها ، وطاب ثمرها ، وسهل مرتقاها ، ولكنكم كالشجرة التى قل ورقها ، وكثر شوكها ، وخبث ثمرها ، وصعب مرتقاها . جعلتم العلم تحت أقدامكم ، والدنيا فوق رءوسكم ، فالعلم عندكم مذال (1) ممتهن ، والدنيا لا يستطاع تناولها ، فقد منعتم كل أحد من الوصول إليها ، فلا أحرار كرام أنتم ، ولا عبيد أتقياء ، ويحكم يا أجراء السوء ! أما الاجر فتأخذون ، وأما العمل فلا تعملون ، إن عملتم فللعمل تفسدون ، وسوف تلقون ما تفعلون ، يوشك رب العمل أن ينظر في عمله الذى أفسدتم ، وفي أجره الذى أخذتم . يا غرماء السوء ، تبدءون بالهدية قبل قضاء


(1) الاذالة : الاهانة . (*)

[ 325 ]

الدين ، تتطوعون بالنوافل ولا تؤدون الفرائض ، إن رب الدين لا يرضى بالهدية حتى يقضى دينه . 720 - الدنيا مزرعة إبليس ، وأهلها أكرة حراثون له فيها . 721 - وا عجبا ممن يعمل للدنيا وهو يرزق فيها بغير عمل ، ولا يعمل للاخرة وهو لا يرزق فيها إلا بالعمل ! 722 - لا تجالسوا إلا من يذكركم الله رؤيته ، ويزيد في عملكم منطقه ، ويرغبكم في الاخرة عمله . 723 - كثرة الطعام تميت القلب كما تميت كثرة الماء الزرع . 724 - ضرب الوالد الولد كالسماد للزرع . 725 - إذا أردت أن تصادق رجلا فاغضبه ، فإن أنصفك في غضبه وإلا فدعه . 726 - إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم الاسلام ، ثم اجلس - يعنى السلام - فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك مع سهامهم ، وإن أفاضوا في غيره فخلهم وانهض . 727 - الاوطار تكسب الاوزار ، فارفض وطرك ، واغضض بصرك . 728 - إذا قعدت عند سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجل ، فلعله أن يأتيه من هو آثر عنده منك ، فيريد أن تتنحى عن مجلسك ، فيكون ذلك نقصا عليك وشينا . 729 - ارحم الفقراء لقلة صبرهم ، والاغنياء لقلة شكرهم ، وارحم الجميع لطول غفلتهم .

[ 326 ]

730 - العالم مصباح الله في الارض ، فمن أراد الله به خيرا اقتبس منه . 731 - لا يهونن عليك من قبح منظره ورث لباسه ، فإن الله تعالى ينظر إلى القلوب ويجازى بالاعمال . 732 - من كذب ذهب بماء وجهه ، ومن ساء خلقه كثر غمه ، ونقل الصخور من مواضعها أهون من تفهيم من لا يفهم . 733 - كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله كجزء من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ينظر إلى الناس كما ينظر إلى الكواكب في أفق السماء ، ثم غض الدهر منى ، فقرن بى فلان وفلان ، ثم قرنت بخمسة أمثلهم عثمان ، فقلت : وا ذفراه (1) ! ثم لم يرض الدهر لى بذلك ، حتى أرذلني ، فجعلني نظيرا لابن هند وابن النابغة ! لقد استنت الفصال حتى القرعى . 734 - أما والذى فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، إنه لعهد النبي الامي إلى أن الامة ستغدر بك من بعدى . 735 - لامته فاطمة على قعوده وأطالت تعنيفه ، وهو ساكت حتى أذن المؤذن ، فلما بلغ إلى قوله : (أشهد أن محمدا رسول الله) ، قال لها : أتحبين أن تزول هذه الدعوة من الدنيا ؟ قالت : لا ، قال : فهو ما أقول لك . 736 - قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله : إن اجتمعوا عليك فاصنع ما أمرتك ، وإلا فالصق كلكلك بالارض ، فلما تفرقوا عنى جررت على المكروه ذيلي ، وأغضيت على القذى جفنى ، والصقت بالارض كلكلى . 737 - الدنيا حلم والاخرة يقظة ، ونحن بينهما أضغاث احلام .


(1) الذفر : الرائحة الخبيثة . (*)

[ 327 ]

738 - لما عرف أهل النقص حالهم عند أهل الكمال ، استعانوا بالكبر ليعظم صغيرا ، ويرفع حقيرا ، وليس بفاعل . 739 - لو تميزت الاشياء كان الكذب مع الجبن ، والصدق مع الشجاعة ، والراحة مع اليأس ، والتعب مع الطمع ، والحرمان مع الحرص ، والذل مع الدين . 740 - المعروف غل لا يفكه إلا شكر أو مكافأة . 741 - كثرة مال الميت تسلى ورثته عنه . 742 - من كرمت عليه نفسه هان عليه ماله . 743 - من كثر مزاحه لم يسلم من استخفاف به ، أو حقد عليه . 744 - كثرة الدين تضطر الصادق إلى الكذب والواعد إلى الاخلاف . 745 - عار النصيحة يكدر لذتها . 746 - أول الغضب جنون ، وآخره ندم . 747 - انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزل ، ولا جاهلا فيخون . 748 - لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه ، ولا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فيه ، فتسد طريقه عن الرجوع إليك ، ولعل التجارب أن ترده عليك وتصلحه لك . 749 - من أحس بضعف حيلته عن الاكتساب بخل . 750 - الجاهل صغير وإن كان شيخا ، والعالم كبير وإن كان حدثا . 751 - الميت يقل الحسد له ، ويكثر الكذب عليه . 752 - إذا نزلت بك النعمة فاجعل قرأها الشكر .

[ 328 ]

753 - الحرص ينقص من قدر الانسان ولا يزيد في حظه . 754 - الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود . 755 - أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه . 756 - لا تتبع الذنب العقوبة واجعل بينهما وقتا للاعتذار . 757 - اذكر عند الظلم عدل الله فيك ، وعند القدرة قدرة الله عليك . 758 - لا يحملنك الحنق على اقتراف الاثم فتشفى غيظك وتسقم دينك . 759 - الملك بالدين يبقى والدين بالملك يقوى . 760 - كان الحاسد إنما خلق ليغتاظ . 761 - عقل الكاتب في قلمه . 762 - اقتصر من شهوة خالفت عقلك بالخلاف عليها . 763 - اللهم صن وجهى باليسار ، ولا تبذل جاهى بالاقتار ، فاسترزق طالبي رزقك ، واستعطف شرار خلقك ، وابتلى بحمد من أعطاني ، وافتتن بذم من منعنى ، وأنت من وراء ذلك ولى الاعطاء والمنع ، إنك على كل شئ قدير . 764 - كل حقد حقدته قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله أظهرته في وستظهره في ولدى من بعدى ، ما لى ولقريش ! إنما وترتهم (1) بأمر الله وأمر رسوله ، أفهذا جزاء من اطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين ! 765 - عجبا لسعد وابن عمر ! يزعمان إنى أحارب على الدنيا ، أفكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحارب على الدنيا ! فإن زعما أن رسول الله صلى الله عليه وآله حارب لتكسير الاصنام ، وعبادة الرحمن ، فإنما حاربت لدفع الضلال والنهى عن


(1) وترتهم : أحدثت عندهم وترا . (*)

[ 329 ]

الفحشاء والفساد ، أفمثلي يزن بحب الدنيا ! والله لو تمثلت لى بشرا سويا لضربتها بالسيف . 766 - اللهم أنت خلقتني كما شئت ، فارحمني كيف شئت ، ووفقني لطاعتك ، حتى تكون ثقتى كلها بك ، وخوفي كله منك . 767 - لا تسبن إبليس في العلانية وأنت صديقه في السر . 768 - من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها فما وقرها . 769 - لا تطمع في كل ما تسمع . 770 - من عاتب ووبخ فقد استوفى حقه . 771 - الجود الذى يستطاع أن يتناول به كل أحد ، هو أن ينوى الخير لكل أحد . 772 - من صحب السلطان بالصحة والنصيحة كان أكثر عدوا ممن صحبه بالغش والخيانة . 773 - من عاب سفله فقد رفعه ، ومن عاب كريما فقد وضع نفسه . 774 - الموالى ينصرون ، وبنو العم يحسدون . 775 - الصدق عز ، والكذب مذلة ، ومن عرف بالصدق جاز كذبه ، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه . 776 - إذا سمعت الكلمة تؤذيك فطأطئ لها فإنها تتخطاك . 777 - نحن نريد إلا نموت حتى نتوب ، ونحن لا نتوب حتى نموت . 778 - أنزل الصديق منزلة العدو في رفع المؤنة عنه ، وأنزل العدو منزلة الصديق في تحمل المؤنة له .

[ 330 ]

779 - أول عقوبة الكاذب أن صدقه يرد عليه . 780 - الادب عند الاحمق كالماء العذب في أصول الحنظل ، كلما ازداد ريا ازداد مرارة . 781 - إياكم وحمية الاوغاد ، فإنهم يرون العفو ضيما . 782 - الكريم لا يستقصى في محاقة المعتذر ، خوفا أن يجزى من لا يجد مخرجا من ذنبه . 783 - العفو عن المقر لا عن المصر . 784 - ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه . 785 - من جاد بماله فقد جاد بنفسه ، فإن لم يكن جاد بها بعينها فقد جاد بقوامها . 786 - الدين ميسم الكرام ، وطالما وقر الكرام بالدين ! 787 - الماضي قبلك هو الباقي بعدك ، والتهنئة بأجل الثواب أولى من التعزية بعاجل المصاب . 788 - مما تكتسب به المحبة أن تكون عالما كجاهل ، وواعظا كموعوظ . 789 - لا تحمدن الصبى إذا كان سخيا ، فإنه لا يعرف فضيله السخاء ، وإنما يعطى ما في يده ضعفا . 790 - خير الاخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدك في المودة ، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها . 791 - عجبا للسلطان ، كيف يحسن ، وهو إذا أساء وجد من يزكيه ويمدحه !

[ 331 ]

792 - إذا صادقت إنسانا وجب عليك أن تكون صديق صديقه ، وليس يجب عليك أن تكون عدو عدوه ، لان هذا إنما يجب على خادمه وليس يجب على على مماثل له . 793 - ليس تكمل فضيلة الرجل حتى يكون صديقا لمتعاديين . 794 - من سعادة الحدث إلا يتم له فضيلة في رذيلة . 795 - إذا منعت من شئ قد التمسته ، فليكن غيظك منه على نفسك في المسألة اكثر من غيظك على من منعك . 796 - الاسخياء يشمتون بالبخلاء عند الموت ، والبخلاء يشمتون بالاسخياء عند الفقر . 797 - ليس يضبط العدد الكثير من لا يضبط نفسه الواحدة . 798 - إذا أحسن أحد من أصحابك فلا تخرج إليه بغاية برك ، ولكن اترك منه شيئا تزيده إياه عند تبينك منه الزيادة في نصيحته . 799 - الوقوع في المكروه أسهل من توقع المكروه . 800 - الحسود ظالم ، ضعفت يده عن انتزاع ما حسدك عليه ، فلما قصر عليك بعث إليك تأسفه . 801 - أعم الاشياء نفعا موت الاشرار . 802 - الشئ المعزى للناس عن مصائبهم علم العلماء إنها نفعاء اضطرارية وتأسى العامة بعضها ببعض . 803 - العقل الاصابة بالظن ومعرفة ما لم يكن بما كان .

[ 332 ]

804 - يا عجبا للناس قد مكنهم الله من الاقتداء به ، فيدعون ذلك إلى الاقتداء بالبهائم ! 805 - سلوا القلوب عن المودات ، فإنها شهود لا تقبل الرشا . 806 - إنما يحزن الحسدة أبدا لانهم لا يحزنون لما ينزل بهم من الشر فقط ، بل ولما ينال الناس من الخير . 807 - العشق جهد عارض صادف قلبا فارغا . 808 - تعرف خساسة المرء بكثرة كلامه فيما لا يعنيه ، وإخباره عما لا يسأل عنه . 809 - لا تؤخر إنالة المحتاج إلى غد ، فإنك لا تعرف ما يعرض في غد . 810 - أن تتعب في البر ، فإن التعب يزول والبر يبقى . 811 - أجهل الجهال من عثر بحجر مرتين . 812 - كفاك موبخا على الكذب علمك بإنك كاذب ، وكفاك ناهيا عنه خوفك من تكذيبك حال إخبارك . 813 - العالم يعرف الجاهل لانه كان جاهلا ، والجاهل لا يعرف العالم لانه لم يكن عالما . 814 - لا تتكلوا على البخت فربما لم يكن وربما كان وزال ، ولا على الحسب فطالما كان بلاء على أهله ، يقال للناقص : هذا ابن فلان الفاضل ، فيتضاعف غمه وعاره ، ولكن عليكم بالعلم والادب ، فإن العالم يكرم وإن لم ينتسب ، ويكرم وإن كان فقيرا ، ويكرم وإن كان حدثا .

[ 333 ]

815 - خير ما عوشر به الملك قلة الخلاف وتخفيف المؤنة ، وأصعب الاشياء على الانسان أن يعرف نفسه ، وأن يكتم سره . 816 - العدل أفضل من الشجاعة ، لان الناس لو استعملوا العدل عموما في جميعهم لاستغنوا عن الشجاعة . 817 - أولى الاشياء أن يتعلمها الاحداث الاشياء التى إذا صاروا رجالا ا حتاجوا إليها . 818 - لا ترغب في اقتناء الاموال ، وكيف ترغب فيما ينال بالبخت لا بالاستحقاق ، ويأمر البخل والشره بحفظه والجود والزهد بإخراجه ! 819 - إذا عاتبت الحدث فاترك له موضعا من ذنبه ، لئلا يحمله الاخراج على المكابرة . 820 - ما انتقم الانسان من عدوه باعظم من أن يزداد من الفضائل . 821 - إنما لم تجتمع الحكمة والمال ، لعزة وجود الكمال . 822 - يمنع الجاهل أن يجد ألم الحمق المستقر في قلبه ما يمنع السكران أن يجد مس الشوكة في يده . 823 - القنية (1) مخدومة ، ومن خدم غير نفسه فليس بحر . 824 - لا تطلب الحياة لتأكل ، بل اطلب الاكل لتحيا . 825 - إذا رأت العامة منازل الخاصة من السلطان حسدتها عليها ، وتمنت أمثالها ، فإذا رأت مصارعها بدا لها . 826 - الشئ الذى لا يستغنى عنه أحد هو التوفيق .


(1) ما يقتنيه الانسان . (*)

[ 334 ]

827 - ليس ينبغى أن يقع التصديق إلا بما يصح ، ولا العمل إلا بما يحل ، ولا الابتداء إلا بما تحسن فيه العاقبة . 828 - الوحدة خير من رفيق السوء . 829 لكل شئ صناعة ، وحسن الاختبار صناعة العقل . 830 - من حسدك لم يشكرك على إحسانك إليه . 831 - البغى آخر مدة الملوك . 832 - لان يكون الحر عبدا لعبيده خير من أن يكون عبدا لشهواته . 833 - من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد بناه ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه . 834 - أرسل إليه عمرو بن العاص يعيبه باشياء ، منها إنه يسمى حسنا وحسينا : ولدى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لرسوله : قل للشانئ ابن الشانئ ، لو لم يكونا ولديه لكان أبتر ، كما زعمه أبوك ! 835 - قال معاوية لما قتل عمار واضطرب أهل الشام لروايه عمرو بن العاص كانت لهم : (تقتله الفئة الباغية) : إنما قتله من أخرجه إلى الحرب وعرضه للقتل ، فقال : أمير المؤمنين عليه السلام فرسول الله صلى الله عليه وآله إذن قاتل حمزه ! 836 - هذا يدى - يعنى محمد بن الحنفية - وهذان عيناى - يعنى حسنا وحسينا - وما زال الانسان يذب بيده عن عينيه ، قالها لمن قال له : إنك تعرض محمدا للقتل ، وتقدف به في نحور الاعداء دون أخويه . 837 - شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، ورزقت خيره وبره ، خذ إليك أبا الاملاك ، قالها لعبد الله بن العباس لما ولد ابنه على بن عبد الله .

[ 335 ]

838 - ما يسرنى إنى كفيت أمر الدنيا كله ، لانى أكره عادة العجز . 839 - اجتماع المال عند الاسخياء أحد الخصبين ، واجتماع المال عند البخلاء أحد الجدبين . 840 - من عمل عمل أبيه كفى نصف التعب . 841 - المصطنع إلى اللئيم كمن طوق الخنزير تبرا ، وقرط الكلب درا ، وألبس الحمار وشيا ، والقم الافعى شهدا . 842 - الحازم إذا اشكل عليه (1) الرأى بمنزلة من أضل لؤلؤة ، فجمع ما حول مستقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها ، ولذلك الحازم يجمع وجوه الرأى في الامر المشكل ، ثم يضرب بعضه ببعض حتى يخلص إليه الصواب . 843 - الاشراف يعاقبون بالهجران لا بالحرمان . 844 - الشح أضر على الانسان من الفقر ، لان الفقير إذا وجد اتسع ، والشحيح لا يتسع وإن وجد . 845 - أحب الناس إلى العاقل أن يكون عاقلا عدوه ، لانه إذا كان عاقلا كان منه في عافية . 846 - عليك بمجالسة أصحاب التجارب ، فإنها تقوم عليهم بأغلى الغلاء ، وتأخذها منهم بأرخص الرخص . 847 - من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميل العطية . 848 - لا تنكحوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا لاموالهن


(1) أشكل عليه الرأى : استبهم . (*)

[ 336 ]

فعسى أموالهن أن تطغيهن ، وانكحوهن على الدين ، ولامة سوداء خرماء (1) ذات دين أفضل . 849 - أفضل العبادة الامساك عن المعصية ، والوقوف عند الشبهة . 850 - ذم الرجل نفسه في العلانية مدح لها في السر . 851 - من عدم فضيلة الصدق في منطقه فقد فجع بأكرم أخلاقه . 852 - ليس يضرك أن ترى صديقك عند عدوك ، فإنه إن لم ينفعك لم يضرك . 853 - قل أن ترى أحدا تكبر على من دونه إلا وبذلك المقدار يجود بالذل لمن فوقه . 854 - من عظمت عليه مصيبة فليذكر الموت ، فإنها تهون عليه ، ومن ضاق به أمر فليذكر القبر فانه يتسع . 855 - خير الشعر ما كان مثلا ، وخير الامثال ما لم يكن شعرا . 856 - الق الناس عند حاجتهم إليك بالبشر والتواضع ، فإن نابتك نائبة ، وحالت بك حال لقيتهم ، وقد أمنت ذلة التنصل إليهم والتواضع . 857 - إن الله يحب أن يعفى عن زلة السرى . 858 - من طال لسانه وحسن بيانه ، فليترك التحدث بغرائب ما سمع ، فإن الحسد لحسن ما يظهر منه يحمل أكثر الناس على تكذيبه ، ومن عرف أسرار الامور الالهية فليترك الخوض فيها ، وإلا حملتهم المنافسة على تكفيره . 859 - ليس كل مكتوم يسوغ إظهاره لك ، ولا كل معلوم يجوز أن تعلمه غيرك .


(1) الخرماء : المقطوعة طرف الانف أو المثقوبة الاذن . (*)

[ 337 ]

860 - ليس يفهم كلامك من كان كلامه لك أحب إليه من الاستماع منك . ولا يعلم نصيحتك من غلب هواه على رأيك ، ولا يسلم لك من اعتقد إنه أتم معرفة بما أشرت عليه به منك . 861 - خف الضعيف إذا كان تحت راية الانصاف أكثر من خوفك القوى تحت راية الجور ، فإن النصر يأتيه من حيث لا يشعر ، وجرحه لا يندمل (1) . 862 - إخافة العبيد والتضييق عليهم يزيد في عبوديتهم وصيانتهم ، وإظهار الثقة بهم يكسبهم أنفة وجبرية . 863 - أضر الاشياء عليك أن تعلم رئيسك إنك أعرف بالرياسة منه . 864 - عداوة العاقلين أشد العداوات وأنكاها ، فإنها لا تقع إلا بعد الاعذار والانذار ، وبعد أن يئس إصلاح ما بينهما . 865 - لا تخدمن رئيسا كنت تعرفه بالخمول ، وسمت به الحال ، ويعرف منك إنك تعرف قديمه ، فإنه وإن سر بمكانك من خدمته ، إلا إنه يعلم العين التى تراه بها ، فينقبض عنك بحسب ذلك . 866 - إذا احتجت إلى المشورة في أمر قد طرأ عليك فاستبده ببدايه الشبان ، فإنهم أحد أذهانا ، وأسرع حدسا ، ثم رده بعد ذلك إلى رأى الكهول والشيوخ ليستعقبوه ، ويحسنوا ، الاختيار له ، فإن تجربتهم أكثر . 867 - الانسان في سعيه وتصرفاته كالعائم في اللجة ، فهو يكافح الجرية في أدباره ، ويجرى معها في إقباله . 868 - ينبغى للعاقل أن يستعمل فيما يلتمسه الرفق ، ومجانبة الهذر ،


(1) اندمل الجرح : تماثل للشفاء . (*)

[ 338 ]

فإن العلقة (1) تأخذ بهدوئها من الدم ما لا تأخذه البعوضة باضطرابها وفرط صياحها . 869 - أقوى ما يكون التصنع في أوائله ، وأقوى ما يكون التطبع في أواخره . 870 - غاية المروءة أن يستحيى الانسان من نفسه ، وذلك إنه ليس العلة في الحياء من الشيخ كبر سنه ولا بياض لحيته ، وإنما علة الحياء منه عقله ، فينبغي إن كان هذا الجوهر فينا أن نستحيى منه ولا نحضره قبيحا . 871 - من ساس رعية حرم عليه السكر عقلا ، لانه قبيح أن يحتاج الحارس إلى من يحرسه . 872 - لا تبتاعن مملوكا قوى الشهوة ، فإن له مولى غيرك ، ولا غضوبا فإنه يؤذيك في استخدامك له ، ولا قوى الرأى فانه يستعمل الحيلة عليك ، لكن اطلب من العبيد من كان قوى الجسم حسن الطاعة ، شديد الحياء . 873 - لا تعادوا الدول المقبلة ، وتشربوا قلوبكم بغضها ، فتدبروا بإقبالها . 874 - الغريب كالفرس الذى زايل شربه ، وفارق أرضه ، فهو ذاو لا يتقد وذابل لا يثمر . 875 - السفر قطعة من العذاب ، والرفيق السوء قطعة من النار . 876 - كل خلق من الاخلاق فإنه يكسد عند قوم من الناس ، إلا الامانة فإنها نافقة عند أصناف الناس يفضل بها من كانت فيه ، حتى إن الانية إذا لم تنشف


(1) العلقة : دويبة في الماء تمص الدم . (*)

[ 339 ]

وبقى ما يودع فيها على حاله لم ينقص - كانت أكثر ثناء من غيرها مما يرشح أو ينشف . 877 - اصبر على سلطانك في حاجاتك ، فلست أكبر شغله ، ولا بك قوام أمره . 878 - قوة الاستشعار من ضعف اليقين . 879 - إذا احسست من رأيك بأكداد ، ومن تصورك بفساد ، فأتهم نفسك بمجالستك لعامي الطبع ، أو لسيئ الفكر ، وتدارك إصلاح مزاج تخيلك بمكاثرة أهل الحكمة ، ومجالسة ذوى السداد ، فإن مفاوضتهم تريح الرأى المكدود ، وترد ضالة الصواب المفقود . 880 - من جلس في ظل الملق ، لم يستقر به موضعه ، لكثرة تنقله وتصرفه مع الطباع ، وعرفه الناس بالخديعة . 881 - كثير من الحاجات تقضى برما لا كرما . 882 - أصحاب السلطان في المثل كقوم رقوا جبلا ثم سقطوا منه ، فأقربهم إلى الهلكة والتلف أبعدهم كان في المرتقى . 883 - لا تضع سرك عند من لا سر له عندك . 884 - سعة الاخلاق كيمياء الارزاق . 885 - العلم أفضل الكنوز وأجملها ، خفيف المحمل ، عظيم الجدوى ، في الملا جمال ، وفي الوحدة أنس . 886 - السباب مزاح النوكى ، ولا بأس بالمفاكهة ، يروح بها الانسان عن نفسه ، ويخرج عن حد العبوس .

[ 340 ]

887 - ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها : الهدية ، والرسول ، والكتاب . 888 - التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة ، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة . 889 - أنت مخير في الاحسان إلى من تحسن إليه ، ومرتهن بدوام الاحسان إلى من أحسنت إليه ، لانك إن قطعته فقد أهدرته ، وإن اهدرته فلم فعلته ! 890 - الناس من خوف الذل في ذل . 891 - إذا كان الايجاز كافيا كان الاكثار عيا ، وإذا كان الايجاز مقصرا كان الاكثار واجبا . 892 - بئس الزاد إلى المعاد ، العدوان على العباد . 893 ، الخلق عيال الله ، وأحب الناس إلى الله أشفقهم على عياله . 894 - تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك . 895 - العاقل بخشونه العيش مع العقلاء ، آنس منه بلين العيش مع السفهاء . 896 - الانقباض بين المنبسطين ثقل ، والانبساط بين المنقبضين سخف (1) . 897 - السخاء والجود بالطعام لا بالمال ، ومن وهب ألفا وشح بصحفة طعام فليس بجواد . 898 - إن بقيت لم يبق الهم . 899 - لا يقوم عز الغضب بذلة الاعتذار . 900 - الشفيع جناح الطالب . 901 - الامل رفيق مؤنس ، إن لم يبلغك فقد استمتعت به . 902 - إعادة الاعتذار تذكير بالذنب .


(1) السخف : ضعف العقل ورقته . (*)

[ 341 ]

903 - الصبر في العواقب شاف أو مريح . 904 - من طال عمره ، رأى في أعدائه ما يسره . 905 - لا نعمة في الدنيا أعظم من طول العمر ، وصحة الجسد . 906 - الناس رجلان : إما مؤجل بفقد أحبابه ، أو معجل بفقد نفسه . 907 - العقل غريزة تربيها التجارب . 908 - النصح بين الملا تقريع . 909 - لا تنكح خاطب سرك . 910 - من زاد أدبه على عقله كان كالراعي الضعيف مع الغنم الكثير . 911 - الدار الضيقة العمى الاصغر . 912 - النمام جسر الشر . 913 - لا تشن وجه العفو بالتقريع . 914 - كثرة النصح تهجم بك على كثرة الظنة . 915 - لكل ساقطة لاقطة . 916 - ستساق الى ما أنت لاق . 917 - عاداك من لاحاك . 918 - جدك لا كدك . 919 - تذكر قبل الورد الصدر ، والحذر لا يغنى من القدر ، والصبر من أسباب الظفر . 920 - عار النساء باق يلحق الابناء بعد الاباء . 921 - أعجل العقوبة عقوبة البغى والغدر واليمين الكاذبة ، ومن إذا تضرع إليه وسئل العفو لم يغفر .

[ 342 ]

922 - لا ترد بأس العدو القوى وغضبه بمثل الخضوع والذل ، كسلامة الحشيش من الريح الغاصف بانثنائه معها كيفما مالت . 923 - قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك ، ولا تفرط في مقاربته فتذل نفسك وناصرك ، وتأمل حال الخشبة المنصوبة في الشمس التى إن أملتها زاد ظلها ، وإن أفرطت في الامالة نقص الظل . 924 - إذا زال المحسود عليه علمت أن الحاسد كان يحسد على غير شئ . 925 - العجز نائم ، والحزم يقظان . 926 - من تجرأ لك تجرأ عليك . 927 - ما عفا عن الذنب من قرع به . 928 - عبد الشهوة أذل من عبد الرق . 929 - ليس ينبغى للعاقل أن يطلب طاعة غيره ، وطاعة نفسه عليه ممتنعه . 930 - الناس رجلان : واجد لا يكتفى ، وطالب لا يجد . 931 - كلما كثر خزان الاسرار ، زادت ضياعا . 932 - كثرة الاراء مفسدة ، كالقدر لا تطيب إذ كثر طباخوها . 933 - من اشتاق خدم ، ومن خدم اتصل ، ومن اتصل وصل ، ومن وصل عرف . 934 عجبا لمن يخرج إلى البساتين للفرجة على القدرة ، وهلا شغلته رؤية القادر عن رؤية القدرة ! 935 - كل الناس أمروا بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، إلا رسول الله ، فإنه رفع قدره عن ذلك ، وقيل له : فاعلم أنه لا إله إلا الله ، فأمر بالعلم لا بالقول .

[ 343 ]

936 - كل مصطنع عارفة فإنما يصنع إلى نفسه ، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيته إلى نفسك وتممت به لذتك ، ووقيت به عرضك . 937 - ولدك ريحانتك سبعا ، وخادمك سبعا ، ثم هو عدوك أو صديقك . 938 - من قبل معروفك فقد باعك مروءته . 939 - إلى الله أشكو بلادة الامين ويقظة الخائن . 940 - من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا . 941 - من كثر حقده قل عتابه . 942 - الحازم من لم يشغله البطر بالنعمة عن العمل للعاقبة ، والهم بالحادثة عن الحيلة لدفعها . 943 - كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا فيها . 944 - من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم ، ولو لا من يقبل الجود لم يكن من يجود . 945 - اخوان السوء كشجرة النار ، يحرق بعضها بعضا . 946 - زلة العالم كانكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق 947 - أهون الاعداء كيدا أظهرهم لعداوته . 948 - أبق لرضاك من غضبك ، وإذا طرت فقع قريبا . 949 - لا تلتبس بالسلطان في وقت اضطراب الامور عليه ، فإن البحر لا يكاد يسلم صاحبه في حال سكونه ، فكيف يسلم مع اختلاف رياحه واضطراب أمواجه ! 950 - إذا خلى عنان العقل ، ولم يحبس على هوى نفس ، أو عادة دين ، أو عصبية لسلف ، ورد بصاحبه على النجاة .

[ 344 ]

951 - إذا زادك الملك تأنيسا فزده إجلالا . 952 - من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه . 953 - قليل يترقى منه إلى كثير خير من كثير ينحط عنه إلى قليل . 954 - جنبوا موتاكم في مدافنهم جار السوء ، فإن الجار الصالح ينفع في الاخرة كما ينفع في الدنيا . 955 - زر القبور تذكر بها الاخرة ، وغسل الموتى يتحرك قلبك ، فإن الجسد الخاوى عظة بليغة ، وصل على الجنائز لعله يحزنك ، فإن الحزين قريب من الله . 956 - الموت خير للمؤمن والكافر ، أما المؤمن فيتعجل له النعيم ، وأما الكافر فيقل عذابه ، وآية ذلك من كتاب الله تعالى : (وما عند الله خير للابرار (1)) ، (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما (2)) . 957 - جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك ، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك . 958 - من خاف إساءتك أعتقا مساءتك ، ومن رهب صولتك ناصب دولتك . 959 - من فعل ما شاء لقى ما شاء . 960 - يسرنى من القرآن كلمة أرجوها لمن أسرف على نفسه : (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ (3)) فجعل الرحمة عموما والعذاب خصوصا .


(1) سورة آل عمران 198 . (2) سورة آل عمران 178 . سورة الاعراف 156 . (*)

[ 345 ]

961 - الاستئثار يوجب الحسد ، والحسد يوجب البغضة ، والبغضة توجب الاختلاف ، والاختلاف يوجب الفرقة ، والفرقة توجب الضعف ، والضعف يوجب الذل ، والذل يوجب زوال الدولة ، وذهاب النعمة . 962 - لا يكاد يصح رؤيا الكذاب ، لانه يخبر في اليقظة بما لم يكن ، فأحر به أن يرى في المنام ما لا يكون . 963 - يفسدك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له . 964 - لا تكاد الظنون تزدحم على أمر مستور الا كشفته . 965 - المشورة راحة لك وتعب على غيرك . 966 - حق كل سر أن يصان ، وأحق الاسرار بالصيانة سرك مع مولاك ، وسره معك ، واعلم إن من فضح فضح ، ومن باح فلدمه أباح . 967 - يا من ألم بجناب الجلال ، احفظ ما عرفت ، واكتم ما استودعت ، واعلم أنك قد رشحت لامر فافطن له ، ولا ترض لنفسك أن تكون خائنا ، فمن يؤد الامانة فيما استودع ، أخلق الناس بسمة الخيانة ، وأجدر الناس بالابعاد والاهانة ! 968 - لا تعامل العامة فيما أنعم به عليك من العلم ، كما تعامل الخاصة ، واعلم أن لله سبحانه رجالا أودعهم أسرارا خفية ، ومنعهم عن إشاعتها ، واذكر قول العبد الصالح لموسى وقد قال له : هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا . قال : إنك لن تستطيع معى صبرا ، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ! 969 - لكل دار باب ، وباب دار الاخرة الموت . 970 - إن لك فيمن مضى من آبائك وإخوانك لعبرة ، وإن ملك الموت دخل

[ 346 ]

على داود النبي ، فقال : من أنت ؟ قال : من لا يهاب الملوك ، ولا تمنع منه القصور ، ولا يقبل الرشا ، قال : فإذن أنت ملك الموت جئت ، ولم أستعد بعد ! فقال : فأين فلان جارك ، أين فلان نسيبك ؟ قال : ماتوا ، قال : ألم يكن لك في هؤلاء عبرة لتستعد ! 971 - ما أخسر صفقة الملوك إلا من عصم الله ، باعوا الاخرة بنومة . 972 - إن هذا الموت قد أفسد على الناس نعيم الدنيا ، فما لكم لا تلتمسون نعيما لا موت بعده ! 973 - انظر العمل الذى يسرك أن يأتيك الموت وأنت عليه فافعله الان ، فلست تأمن أن تموت الان . 974 - لا تستبطئ القيامة فتسكن إلى طول المدة الاتية عليك بعد الموت ، فإنك لا تفرق بعد عودك بين ألف سنة وبين ساعة واحدة ، ثم قرأ : (ويوم يحشرهم كان لم يلبثوا إلا ساعة من النهار . . .) (1) الايه . 975 - لا بد لك من رفيق في قبرك ، فاجعله حسن الوجه طيب الريح ، وهو العمل الصالح . 976 - رب مرتاح إلى بلد وهو لا يدرى إن حمامه في ذلك البلد . 977 - الموت قانص يصمى ولا يشوى . 978 - ما من يوم إلا يتصفح ملك الموت فيه وجوه الخلائق ، فمن رآه على معصية أو لهو ، أو رآه ضاحكا فرحا ، قال له يا مسكين : ما أغفلك عما يراد بك ! إعمل ما شئت ، فإن لى فيك غمره أقطع بها وتينك (2) .


(1) سورة يونس 45 . (2) الوتين : عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه . (*)

[ 347 ]

979 - إذا وضع الميت في قبره اعتورته نيران أربع ، فتجئ الصلاة فتطفئ واحدة ، ويجئ الصوم فيطفئ واحدة ، وتجئ الصدقة فتطفئ واحدة ، ويجئ العلم فيطفئ الرابعة ، ويقول : لو أدركتهن لاطفأتهن كلهن ، فقر عينا فأنا معك ، ولن ترى بؤسا . 980 - إستجيروا بالله تعالى ، واستخيروه في أموركم ، فإنه لا يسلم مستجيرا ، ولا يحرم مستخيرا . 981 - ألا أدلكم على ثمرة الجنة ! لا إله إلا الله بشرط الاخلاص . 982 - من شرف هذه الكلمة وهى الحمد لله . إن الله تعالى جعلها فاتحة كتابه ، وجعلها خاتمة دعوى أهل جنته ، فقال : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين . 983 - ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم ، وكالدار العامرة بين الربوع الخربة . 984 - أفضل الاعمال أن تموت ولسانك رطب بذكر الله سبحانه . 985 - الذكر ذكران : أحدهما ذكر الله وتحميده ، فما أحسنه وأعظم أجره ! والثانى ذكر الله عند ما حرم الله وهو أفضل من الاول ! 986 - ما أضيق الطريق على من لم يكن الحق تعالى دليله ، وما أوحشها على من لم يكن أنيسه ! ومن اعتز بغير عز الله ذل ، ومن تكثر بغير الله قل . 987 - اللهم إن فههت عن مسألتي ، أو عمهت عن طلبتي ، فدلني على مصالحي ، وخذ بناصيتى إلى مراشدي . اللهم احملني على عفوك ، ولا تحملني على عدلك . 988 - مخ الايمان التقوى والورع ، وهما من أفعال القلوب ، وإحسن أفعال الجوارح ألا تزال مالئا فاك بذكر الله سبحانه .

[ 348 ]

989 - اللهم فرغني لما خلقتني له ، ولا تشغلني بما تكفلت لى به ، ولا تحرمنى وأنا أسألك ، ولا تعذبني وأنا أستغفرك . 990 - سبحان من ندعوه لحظنا فيسرع ! ويدعونا لحظنا فنبطئ ! خيره إلينا نازل ، وشرنا إليه صاعد ، وهو مالك قادر . 991 - اللهم إنا نعوذ بك من بيات غفلة وصباح ندامة . 992 - أللهم إنى أستغفرك لما تبت منه إليك ثم عدت فيه ، واستغفرك لما وعدتك من نفسي ثم أخلفتك ، واستغفرك للنعم التى أنعمت بها على فتقويت بها على معصيتك . 993 - اللهم إنى أعوذ بك أن أقول حقا ليس فيه رضاك التمس به أحدا سواك ، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشئ يشيننى عندك ، وأعوذ بك أن أكون عبرة لاحد من خلقك ، وأعوذ بك ان يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني منى . 994 - يا من ليس إلا هو ، يا من لا يعلم ما هو ، إلا هو اعف عنى ! 995 - اللهم إن الامال منوطة بكرمك ، فلا تقطع علائقها بسخطك . أللهم إنى أبرأ من الحول والقوة إلا بك ، وادرأ بنفسى عن التوكل على غيرك . 996 - اللهم صل على محمد وآل محمد ، كلما ذكره الذاكرون ، وصل على محمد وآل محمد كلما غفل عن ذكره الغافلون ، اللهم صل على محمد وآل محمد عدد كلماتك ، وعدد معلوماتك ، صلاة لا نهاية لها ، ولا غاية لامدها . 997 - سبحان الواحد الذى ليس غيره ، سبحان الدائم الذى لا نفاد له ، سبحان القديم الذى لا ابتداء له ، سبحان الغنى عن كل شئ ولا شئ من الاشياء يغنى عنه .

[ 349 ]

998 - يا ألله يا رحمن يا رحيم يا حى يا قيوم يا بديع السموات والارض يا ذا الجلال والاكرام اعف عنى (1) . وهذا حين انتهاء قولنا في شرح نهج البلاغة ، ولم ندرك ما أدركناه منه بقوتنا وحولنا ، فإنا عاجزون عما هو دونه ، ولقد شرعنا فيه وإنه لفى انفسنا كالطود الاملس تزل الوعول العصم (2) عن قذفاته (3) ، بل كالفلك الاطلس لا تبلغ الاوهام والعقول إلى حدود غاياته ، فما زالت معونة الله سبحانه وتعالى تسهل لنا حزنه ، وتذلل لنا صعبة ، حتى أصحب أبية ، وأطاع عصية ، وفتحت علينا - بحسن النية وإخلاص الطوية - في تصنيفه أبواب البركات ، وتيسرت علينا مطالب الخيرات ، حتى لقد كان الكلام ينثال علينا انثيالا ، ويواتينا بديهة وارتجالا ، فتم تصنيفه في مدة قدرها أربع سنين وثمانية أشهر ، وأولها غرة شهر رجب من سنة أربع وأربعين وستمائة . وآخرها سلخ صفر من سنة تسع وأربعين وستمائة . وهو مقدار مدة خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وما كان في الظن و التقدير أن الفراغ منه يقع في أقل من عشر سنين ، إلا أن الالطاف الالهية والعناية السماوية ، شملتنا بارتفاع العوائق ، وانتفاء الصوارف ، وشحذت بصيرتنا فيه ، وأرهفت همتنا في تشييد مبانيه ، وتنضيد ألفاظه ومعانيه . وكان لسعادة المجلس المولوي المؤيدى الوزيرى (4) أجرى الله بالخير أقلامه ، وأمضى


(1) كذا كان عدد هذا الحكم على حسب المخطوطات التى وقعت لدينا . وقد أشار إلى أن عددها ألف ، ولعل هنا سقطا ، أو أن حكمتين قد امتزجتا بفعل النساخ ، ونرجو حين تقع إلينا نسخ أخرى في الطبعة أن نصل إلى العدد الصحيح . (2) الوعل : تيس الجبل ، والاعصم منه ما في ذراعيه أو أحدهما بياض وسائره أسود أو أحمر . (3) القذفات : جمع قذفة ، وهو ما أشرف رؤس الجبال . (4) هو مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن العلقمي وزير المعتصم بالله . وانظر ترجمته في حواشى الجزء الاول 1 : 4 . (*)

[ 350 ]

في طلى الاعداء حسامه في المعونة عليه أوفر قسط ، وأوفى نصيب وحظ ، إذ كان مصنوعا لخزانته ، وموسوما بسمته ، ولان همته أعلاها الله ما زالت تتقاضى عنده باتمامه ، وتحثه على إنجازه وإبرامه ، وناهيك بها من همه راضت الصعب الجامح ، وخففت العبء الفادح ، ويسرت الامر العسير ، وقطعت المدى الطويل في الزمن القصير . وقد استعملت في كثير من فصوله فيما يتعلق بكلام المتكلمين . والحكماء خاصة الفاظ القوم ، مع علمي بأن العربية لا تجيزها ، نحو قولهم : المحسوسات ، وقولهم : الكل والبعض ، وقولهم : الصفات الذاتية ، وقولهم : الجسمانيات ، وقولهم : أما أولا فالحال كذا ، ونحو ذلك مما لا يخفى عمن له أدنى أنس بالادب ، ولكنا استهجنا تبديل الفاظهم وتغيير عباراتهم ، فمن كلم قوما كلمهم باصطلاحهم ، ومن دخل ظفار حمر (1) . والنسخة التى بنى هذا الشرح على نصها اتم نسخة وجدتها بنهج البلاغة ، فإنها مشتملة على زيادات تخلو عنها أكثر النسخ . وأنا استغفر الله العظيم من كل ذنب يبعد من رحمته ، ومن كل خاطر يدعو إلى لخزانته ، وموسوما بسمته ، ولان همته أعلاها الله ما زالت تتقاضى عنده باتمامه ، وتحثه على إنجازه وإبرامه ، وناهيك بها من همه راضت الصعب الجامح ، وخففت العبء الفادح ، ويسرت الامر العسير ، وقطعت المدى الطويل في الزمن القصير . وقد استعملت في كثير من فصوله فيما يتعلق بكلام المتكلمين . والحكماء خاصة الفاظ القوم ، مع علمي بأن العربية لا تجيزها ، نحو قولهم : المحسوسات ، وقولهم : الكل والبعض ، وقولهم : الصفات الذاتية ، وقولهم : الجسمانيات ، وقولهم : أما أولا فالحال كذا ، ونحو ذلك مما لا يخفى عمن له أدنى أنس بالادب ، ولكنا استهجنا تبديل الفاظهم وتغيير عباراتهم ، فمن كلم قوما كلمهم باصطلاحهم ، ومن دخل ظفار حمر (1) . والنسخة التى بنى هذا الشرح على نصها اتم نسخة وجدتها بنهج البلاغة ، فإنها مشتملة على زيادات تخلو عنها أكثر النسخ . وأنا استغفر الله العظيم من كل ذنب يبعد من رحمته ، ومن كل خاطر يدعو إلى الخروج عن طاعته ، واستشفع إليه بمن أنصبت جسدي ، وأسهرت عينى ، وأعملت فكرى ، واستغرقت طائفة من عمرى ، في شرح كلامه ، والتقرب إلى الله بتعظيم منزلته ومقامه ، أن يعتق رقبتي من النار ، وألا يبتليني في الدنيا ببلاء تعجز عنه قوتي ، وتضعف عنه طاقتي ، وأن يصون وجهى عن المخلوقين ، ويكف عنى عادية الظالمين ، إنه سميع مجيب ، وحسبنا الله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلامه ! (آخر الجزء العشرين تم الكتاب) (ولله الحمد كما هو أهله حمدا دائما لا انقضاء له ولا نفاد له آمين)


(1) ظفار : قرية باليمن . وحمر : تكلم بالحميرية ، وهو مثل يضرب للرجل يدخل في القوم فيأخذ بزيهم (الميداني 2 : 306) . (*)

مكتبة شبكة أمل الثقافية