شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ج 5

شرح نهج البلاغة

ابن أبي الحديد ج 5


[ 1 ]

شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء الخامس دار احياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركاه الطبعة الاولى جميع الحقوق محفوظة [ 1379 ه‍ - 1959 م ] بسم الله الرحمن الرحيم بيان ذكرت في مقدمة الجزء الاول من هذا الكتاب ، ضمن النسخ التى العتمدت عليها في التحقيق ، النسخة المصورة عن الاصل المحفوظ بمكتبة المتحف البريطاني برقم 126 ، والتي رمزت لها بالحرف (ا) : وذكرت أنها تشتمل على أربع مجموعات ، وقد وصفت المجموعة هناك الاولى التى تشتمل على الجزء الاول والثاني والثالث والرابع منها . ومن هذا الجزء تبدأ المجموعة الثانية ، وهي تشتمل على الجزأين : الخامس والسادس ، يقعان في مائة وإحدى وثلاثين لوحة ، مسطرتها سبع وعشرون سطرا ، في كل سطر خمس عشرة كلمة في المتوسط . وهى مكتوبة بخط نسخ تعليق ، يغاير خط المجموعة الاولى ، بقلم عبد القادر اللاهوري ، بتاريخ شعبان المعظم سنة ثمانين بعد الالف . ومع وضوح هذا الخط ، فإنه لم يخل من الخطأ والتحريف والتصحيف . ومن الله العون والتوفيق 30 ربيع الثاني سنة 1379 - 1 نوفمبر سنة 1959 محمد أبو الفضل إبراهيم الصفحة الاولى من الجزء الخامس (أ) الصفحة الاخيرة من الجزء الخامس (أ)

[ 1 ]

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (586 - 656) الجزء الخامس تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله أجمعين (58) الاصل : وقال عليه السلام لما عزم على حرب الخوارج ، وقيل له : إن القوم قد عبروا جسر النهروان : مصارعهم دون النطفة ، والله لا يفلت منهم عشرة ، ولا يهلك منكم عشرة قال الرضى رحمه الله : يعنى بالنطفة ماء النهر ، وهى أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيرا جما ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضى ما أشبهه . الشرح : هذا الخبر من الاخبار التى تكاد تكون متواترة ، لاشتهاره ونقل الناس كافة له ، وهو من معجزاته وأخباره المفصلة عن الغيوب . والاخبار على قسمين : أحدهما : الاخبار المجملة ، ولا إعجاز فيها ، نحو أن يقول الرجل لاصحابه : إنكم

[ 4 ]

ستنصرون على هذه الفئة التى تلقونها غدا ، فان نصر جعل ذلك حجه له عند اصحابه ، وسماها معجزة ، وإن لم ينصر ، قال : لهم تغيرت نياتكم وشككتم في قولى ، فمنعكم الله نصره ، ونحو ذلك من القول ، ولانه قد جرت العادة أن الملوك والرؤساء يعدون أصحابهم بالظفر والنصر ، ويمنونهم الدول ، فلا يدل وقوع ما يقع من ذلك على إخبار عن غيب يتضمن إعجازا . والقسم الثاني : في الاخبار المفصلة عن الغيوب ، مثل هذا الخبر ، فإنه لا يحتمل التلبيس ، لتقييده بالعدد المعين في أصحابه وفى الخوارج ، ووقوع الامر بعد الحرب بموجبه ، من غير زيادة ولا نقصان ، وذلك أمر إلهى عرفه من جهة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعرفه رسول الله صلى الله عليه آله من جهه الله سبحانه . والقوه البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا ، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره . وبمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته ، وأحواله المنافية لقوى البشر ، غلا فيه من غلا ، حتى نسب إلى أن الجوهر الالهى حل في بدنه ، كما قالت النصارى في عيسى عليه السلام ، وقد أخبره النبي صلى الله عليه وآله بذلك ، فقال : (يهلك فيك رجلان محب غال ، ومبغض قال) . وقال له تارة أخرى : (والذى نفسي بيده ، لولا أنى أشفق أن يقول طوائف من أمتى فيك ، ما قالت النصارى في ابن مريم ، لقلت اليوم فيك مقالا ، لاتمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة)

[ 5 ]

[ بدء ظهور الغلاة ] وأول من جهر بالغلو في أيامه عبد الله بن سبا (1) قام إليه وهو يخطب ، فقال له : أنت أنت ! وجعل يكررها ، فقال له : ويلك ! من أنا ؟ فقال : أنت الله ، فأمر بأخذه وأخذ قوم كانوا معه على رأيه . وروى أبو العباس أحمد بن عبيد الله ، عن عمار الثقفى ، عن على بن محمد بن سليمان النوفلي ، عن ابيه ، وعن غيره من مشيخته ، أن عليا قال : (يهلك في رجلان : محب مطر يضعني غير موضعي ويمدحني بما ليس في ، ومبغض مفتر يرمينى بما أنا منه برئ) . وقال أبو العباس : وهذا تأويل الحديث المروى عن النبي صلى الله عليه وآله فيه ، وهو قوله : (إن فيك مثلا من عيسى بن مريم ، أحبته النصارى فرفعته فوق قدره ، وأبغضته اليهود حتى بهتت أمه " . قال أبو العباس : وقد كان على عثر على قوم خرجوا من محبته ، باستحواذ الشيطان عليهم ، إلى أن كفروا بربهم ، وجحدوا ما جاء به نبيهم ، واتخذوه ربا وإلها ، وقالوا : انت خالقنا ورازقنا ، فاستتابهم وتوعدهم ، فاقاموا على قولهم ، فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيها طمعا في رجوعهم ، فأبوا ، فحرقهم بالنار ، وقال : ألا ترون قد حفرت حفرا (2) انى إذا رأيت أمرا منكرا * وقدت نارى ودعوت قنبرا *


(1) عبد الله بن سبأ : رأس الطائفة السبئية ، نقل ابن حجر عن ابن عساكر في تاريخه : (كان أصله من اليمن ، وكان يهوديا فأظهر الاسلام ، وطاف بالمسلمين ليلفتهم عن طاعة الائمة ، ويدخل بينهم الشر ، ودخل دمشق لذلك) . وانظر لسان الميزان 3 : 289 - 290 . (2) الحفر ، بلسكون ويحرك : البئر الواسعة . (*)

[ 6 ]

وروى أصحابنا في كتب المقالات أنه لما حرقهم صاحوا إليه الآن ظهر لنا ظهورا بينا أنك أنت الاله ، لان ابن عمك الذى أرسلته قال : (لا يعذب بالنار إلا رب النار) . روى أبو العباس ، عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصى (1) عن على بن محمد النوفلي عن ابيه ومشيخته ، ان عليا مر بهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا ، فقال : أسفر أم مرضى ؟ قالوا : ولا واحدة منهما قال : أفمن أهل الكتاب أنتم ؟ قالوا : لا ، قال : فما بال الاكل في شهر رمضان نهارا ! قالوا : أنت أنت ! لم يزيدوه على ذلك ، ففهم مرادهم ، فنزل عن فرسه ، فالصق خده بالتراب ، ثم قال ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله ، فاتقوا الله ، وارجعوا إلى الاسلام ، فأبوا فدعاهم مرارا ، فأقاموا على أمرهم ، فنهض عنهم ، ثم قال : شدوهم وثاقا ، وعلى بالفعلة والنار والحطب ، ثم أمر بحفر بئرين ، فحفرتا ، فجعل أحداهما سربا (2) والآخر مكشوفة ، وألقى الحطب في المكشوفة ، وفتح بينهما فتحا ، وألقى النار في الحطب ، فدخن عليهم ، وجعل يهتف بهم ، ويناشدهم : ارجعوا إلى الاسلام ، فأبوا ، فأمر بالحطب والنار ، وألقى عليهم ، فاحترقوا ، فقال الشاعر : لترم بى المنية حيث شاءت إذا لم ترم بى في الحفرتين إذا ما حشتا حطبا بنار (3) فذاك الموت نقدا غير دين قال : فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما . قال أبو العباس ثم إن جماعة من أصحاب على ، منهم عبد الله بن عباس ، شفعوا في عبد الله بن سبا خاصة ، وقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنه قد تاب فاعف عنه ، فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألا يقيم بالكوفة ، فقال : أين أهب ؟ قال : المدائن ، فنفاه إلى المدائن ،


(1) المصيصى ، بكسر الميم والصاد المشددة وسكون الياء : منسوب إلى المصيصة : مدينة على الساحل . (2) السرب ، بفتحتين : الحفير تحت الارض . (3) حش النار ، أي أوقدها .

[ 7 ]

فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أظهر مقالته ، وصارت له طائفة وفرقة يوصدقونه يتبعونه ، وقال لما بلغه قتل على : والله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة ، لعلمنا أنه لم يمت ، ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه . فلما بلغ ابن عباس ، ذلك قال : لو علمنا أنه يرجع لما تزوجنا نساءه ، ولا قسمنا ميراثه . قال أصحاب المقالات : واجتمع إلى عبد الله بن سبأ بالمدائن جماعة على هذا القول منهم عبد الله بن صبرة الهمداني ، وعبد الله بن عمرو بن حرب الكندى ، وآخرون غيرهما ، وتفاقم أمرهم . وشاع بين الناس قولهم ، وصار لهم دعوة يدعون إليها ، وشبهة يرجعون إليها ، وهى ما ظهر وشاع بين الناس ، من إخباره بالمغيبات حالا بعد حال ، فقالوا : إن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من الله تعالى ، أو من حلت ذات الاله في جسده ، ولعمري إنه لا يقدر على ذلك إلا بإقدار الله تعالى إياه عليه ، ولكن لا يلزم من إقداره إياه عليه أن يكون هو الاله ، أو تكون ذات الاله حالة فيه ، وتعلق بعضهم بشبهة ضعيفة ، نحو قول عمر وقد فقأ على عين إنسان ألحد في الحرم : ما أقول في يد الله ، فقأت عينا في حرم الله ! ونحو قول على : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ، بل بقوة إلهية ونحو قول رسول الله صلى الله عليه وآله : (لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الاحزاب وحده) والذى هزم الاحزاب هو على بن أبى طالب ، لانه قتل شجاعهم وفارسهم عمرا لما اقتحموا الخندق ، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين ، من غير حرب سوى قتل فارسهم . وقد أومأ بعض شعراء الامامية إلى هذه القالة ، فجعلها من فضائلة ، وذلك قولة : إذا كنتم ممن يرم لحاقه فهلا برزتم نحو عمر ومرحب (1)


(1) عمرو بن ود ومرحب اليهودي ، قتل على أولهما يوم الخندق وثانيهما يوم خيبر ، خبرهما مشهور معروف .

[ 8 ]

وكيف فررتم يوم أحد وخيبر ويوم حنين مهربا بعد مهرب ألم تشهدوا يوم الاخاء وبيعه الغدير وكل حضر غير غيب (1) فكيف غدا صنو النفيلى ويحه أميرا على صنو النبي المرجب ! وكيف علا من لا يطا ثوب أحمد على من علا من أحمد فوق منكب إمام هدى ردت له الشمس جهرة فصلى أداء عصره بعد مغرب (2) ومن قبله أفنى سليمان خيله رجاء فلم يبلغ بها نيل مطلب (3) يجل عن الافهام كنه صفاته ويرجع عنها الذهن رجعة أخيب فليس بيان القول عنه بكاشف غطاء ، ولا فصل الخطاب بمعرب وحق لقبر ضم اعضاء حيدر وغودر منه في صفيح مغيب (4)


(1) هو غدير خم : موضع بين مكة والمدينة ، روى صاحب الرياض النضرة (2 : 169) : عن البراء بن عازب ، قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا بغدير خم ، فنودى فينا : الصلاة جامعة فآوى رسول الله صلى عليه وسلم تحت شجرة ، فصلى الظهر وأخذ بيد على ، وقال : ألستم تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، فأخذ بيد على وقال : اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه ، اللهم وال من والاه ، قال : فلقيه عمر بعد ذلك ، فقال : هنيئا لك يا ابن طالب ، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة) . (2) قال الشريف المرتضى في أماليه (2 : 340) : (هو خبر رد الشمس له عليه السلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، الانه روى أن النبي صلى الله عليه وآله كان نائما ، ورأسه في حجر أمير المؤمنين عليه السلام ، فلما مضى وقتها وانتبه النبي عليه السلام دعا الله تعالى بردها له ، فردها ، فصلى عليه السلام الصلاة في وقتها) ، ثم أورد بيت السيد الحميرى : ردت عليه لما فاته وقت الصلاة وقد دنت للمغرب (3) يشير إلى ما رواه بعض المفسرين لقوله تعالى : (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد * فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب * ردوها على فطفق مسحا بالسوق والاعناق) : إن سليمان عرض عليه خيل جياد - في وقت العصر - ألهاه ذلك عن الصلاة العصر ، فغضب لذلك ، وطلب من الله أن يرد عليه الشمس بعد الغروبها ليصلى العصر حاضرا ، فردت ، ثم غضب على الخيل التى كانت سببا في فوت الصلاة أعناقها وسوقها) . (4) الصفيح : الحجر الرقيق تسقف به القبور .

[ 9 ]

يكون ثراه سر قدس ممنع وحصباؤه من نور وحى محجب وتغشاه من نور الاله غمامة تغاديه من قدس الجلال بصيب وتنقض أسراب النجوم عواكفا على حجرتيه كوكب بعد كوكب فلولاك لم ينج ابن متى ولاخبا سعير لابراهيم بعد تلهب ولا فلق البحر ابن عمران بالعصا ولا فرت الاحزاب عن اهل يثرب ولا قبلت من عابد صلواته ولا غفر الرحمن زلة مذنب ولم يغل فيك المسلمون جهالة ولكن لسر في علاك مغيب وقالوا أيضا : إن بكريا وشيعيا تجادلا ، واحتكما إلى بعض أهل الذمة ممن لاهوى له مع أحد الرجلين في التفضيل ، فأنشدهما : كم بين من شك في عقيدته وبين من قيل انه الله ! [ طرق الاخبار بالمغيبات ] فأما الاخبار عن الغيوب ، فلمعترض أن يقول : قد يقع الاخبار عن الغيوب من طريق النجوم ، فإن المنجمين قد اتفقوا على أن شكلا من أشكال الطالع ، إذا وقع لمولود ، اقتضى أن يكون صاحبه متمكنا من الاخبار عن الغيوب . وقد يقع الاخبار عن الغيوب من الكهان ، كما يحكى عن سطيح ، وشق ، وسواد ابن قارب وغيرهم (1) .


(1) شق بن أنمار بن نزار ، وسطيح بن مازن بن غسان ، وسواد بن قارب الدوسى ، وأخبارهم في الكهانه معروفة في كتب الادب والتاريخ .

[ 10 ]

وقد يقع الاخبار عن الغيوب لاصحاب زجر الطير والبهائم ، كما يحكى عن بنى لهب في الجاهلية (1) . وقد يقع الاخبار عن الغيوب للقافة ، كما يحكى عن بنى مدلج (2) . وقد يخبر أرباب التبخيرات وأرباب السحر والطلسمات بالمغيبات . وقد يقع الاخبار عن الغيوب لارباب النفس الناطقة القوية الصافية التى تتصل مادتها الروحانية على ما تقوله الفلاسفة ، وقد يقع الاخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة ، على ما رآه أكثر الناس ، وقد وردت الشريعة نصا به . وقد يقع الاخبار عن الغيوب بأمر صناعي يشبه الطبيعي ، كما رأيناه عن أبى البيان وابنه . وقد يقع الاخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك الغيب إنسانا آخر لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد ، وذلك كما يحكى أبو البركات بن ملكا الطبيب في كتاب ، ، المعتبر ، ، (3) قال : والمرأة العمياء التى رأيناها ببغداد ، وتكررت مشاهدتنا لها منذ مد ة مديدة ، قدرها ما يقارب ثلاثين سنة ، وهى على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا ، فتدل عليها بأنواعها وأشكالها ومقاديرها ، وأعدادها ، قريبها ومألوفها ، دقيقها


(1) الزجر : الاستدلال بأصوات الحيوانات وحركاتها وسائر أحوالها على الحوادث واستعلام ما غاب عنهم . وبنو لهب : حى في الازد ، كانوا أزجر العرب . (2) القيافة قسمان : قيافة الاثر ، ويقال لها العيافة ، وقيافة البشر ، أما العيافة فهو علم باحث عن تتبع آثار الاقدام والاخفاف والحوافر في المقابلة للاثر ، حتى لقد روى أن بعضهم كان يفرق بين أثر قدم الشاب والشيخ وقدم الرجل والمرأة ، والبكر والثيب . أما قيافة البشر فهى الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد بينهما في النسب والولادة وسائر أحوالهما وأخلاقهما وكان بنو مدلج ، وهم بطن في ، كنانة ، من أعلم العرب في قيافة البشر . (3) هو كتاب المعتبر في النمطق ، لابي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي ، المتوفى سنة 547 ، ذكره ، صاحب كشف الظنون . (*)

[ 11 ]

وجليلها ، تجيب على أثر السؤال من غير توقف ولا استعانة بشئ من الاشياء إلا أنها كانت تلتمس أن يرى الذى يسأل عنه أبوها ، أو يسمعه في بعض الاوقات دون بعض ، وعند قوم دون قوم ، فيتصور الدهماء أن الذى تقوله بإشاره من أبيها ، وكان الذى تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة ، إذا قيل بصريح الكلام الذى هو الطريق الاخصر ، وإنما كان ابوها ، يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الانواع والاشكال في مدة واحدة : كلمة واحدة ، وأقصاه كلمتان ، وهى التى يكررها في كل قول ، ومع كل ما يسمع ، ويرى : سلها وسلها تخبرك ، أو قولى له ، أو قولى يا صغيرة . قال أبو البركات : ولقد عاندته يوما وحاققته في ألا يتكلم البتة ، وأريته عدة أشياء ، فقال لفظة واحدة ، فقلت له : الشرط أملك (1) ، فاغتاظ واحتد طيشه عن أن يملك نفسه ، فباح بخبيئته ، قال : ومثلك يظن أننى أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة ، فاسمع الآن ، ثم التفت إليها ، وأخذ يشير بإصبعه إلى شئ ، وهو يقول تلك الكلمة ، وهى تقول : هذا كذا ، وهذا كذا ، على الاتصال من غير توقف ، وهو يقول تلك الكلمة ، لا زيادة عليها ، وهى لفظة واحدة ، بلحن واحد ، وهيئة واحدة ، حتى ضجرنا ، واشتد تعجبنا ، ورأينا أن هذه الاشارة ، لو كانت تتضمن هذه الاشياء لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء . قال أبو البركات : ومن عجيب ما شاهدناه من أمرها ، أن أباها كان يغلط في شئ يعتقده على خلاف ما هو به ، فتخبر هي عنه على معتقداتها ، كأن نفسها هي نفسه . قال أبو البركات : ورأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها من خبيئة في الخبيئة التى اطلع عليها أبوها ، فكانت تطلع على ما قد علمه أبوها ، وعلى ما لم يعلمه أبوها وهذا أعجب وأعجب .


(1) من المثل : الشرط أملك ، عليك أم لك ، أي الشرط يملك صاحبه في إلزامه إياه المشروط ، إن كان له أو عليه . (*)

[ 12 ]

قال أبو البركات : وحكاياتها أكثر من أن تعد ، وعند كل أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر ، لانها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص جوابا بحسب السؤال . قال : وما زلت أقول : إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها ، فإن قلت لى : أريد أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه ؟ قلت : لك العلة التى تصلح في جواب (لم) في نسبة المحمول إلى الموضوع ، تكون الحد الاوسط في القياس وهذه فالعلة الفاعلة الموجبة لذلك فيها هي نفسها بقوتها وخاصتها ، فما الذى أقوله في هذا ! وهل لى أن أجعل ما ليس بعلة علة ! واعلم أنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب ، ولكن كل ذلك مستند إلى الباري سبحانه بإقداره وتمكينه وتهيئة أسبابه ، فإن كان المخبر عن الغيوب ممن يدعى النبوة لم يجز أن يكون ذلك إلا بأذن الله سبحانه وتمكينه ، وأن يريد به تعالى استدلال المكلفين على صدق مدعى النبوة ، لانه لو كان كاذبا لكان يجوز أن يمكن الله تعالى الجن من تعليمه ذلك إضلالا للمكلفين ، وكذلك لا يجوز أن يمكن سبحانه الكاذب في ادعاء النبوة من الاخبار عن الغيب بطريق السحر ، وتسخير الكواكب والطلسمات ، ولا بالزجر ، ولا بالقيافة ، ولا بغير ذلك من الطرق المذكورة ، لما فيه من استفساد البشر وإغوائهم . وأما إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدعيا للنبوة ، نظر في حاله ، فإن كان ذلك من الصالحين الاتقياء نسب ذلك إلى أنه كرامة أظهرها الله تعالى على يده ، إبانة له وتمييزا

[ 13 ]

من غيره ، كما في حق على عليه السلام ، وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون ساحرا أو كاهنا ، أو نحو ذلك . وبالجملة فصاحب هذه الخاصية إفضل وأشرف ممن لا يكون فيه ، من حيث اختصاصه بها ، فإن كان للانسان العارى منها مزية أخرى يختص بها توازيها ، أو تزيد عليها ، فنرجع إلى التمثيل والترجيح بينهما ، وإلا فالمختص بهذه الخاصية أرجح وأعظم من الخالى منها على جميع الاحوال .

[ 14 ]

(59) الاصل : وقال لما قتل الخوارج فقيل له : يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم : كلا والله ، إنهم نطف في أصلاب الرجال ، وقرارات النساء ، وكلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين . الشرح : نجم : ظهر وطلع . قرارات النساء : كناية لطيفة عن الارحام . ومن الكنايات اللطيفة الجارية هذا المجرى قوله تعالى : (أو لامستم النساء) (1) يعنى الجماع . وقوله تعالى : (إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة) (2) . وقوله : (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم) (3) ، يعنى الفروج .


(1) سورة النساء 43 ، المائدة 6 (2) سورة ص 23 ، والنعجة هنا كناية عن المرأة ، كما كنوا عنها بالشاة أيضا ، ومنه قول عنترة : يا ما قنص لمن حلت له حرمت على وليتها لم تحرم (3) سورة فصلت 20 (*)

[ 15 ]

وقول رسول الله صلى الله عليه وآله للحادي : (يا أنجشة رفقا بالقوارير) (1) يعنى النساء . [ الكناية والرموز والتعر يض مع ذكر مثل منها ] والكنا ية إبدال لفظة يستحى من ذكرها ، أو يستهجن ذكرها أو يتطير بها أو يقتضى الحال رفضها لامر من الامور بلفظة ليس فيها ذلك المانع ، ومن هذا الباب قول امرئ القيس : سموت إليها بعد أن نام أهلها سمو حباب الماء حالا على حال (2) فقالت لك الويلات إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالى (3) فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذى شماريخ ميال (4) فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال (5) . قوله : (فصرنا إلى الحسنى) كناية عن الرفث ومقدمات الجماع . وقال ابن قتيبة : تمازح (6) معاوية والاحنف ، فما رئى مازحان أوقر منهما ، قال


(1) أنجشة الاسود الحادى ، كان حبشيا يكنى أبا مارية ، وكان حسن الصوت بلحداء . . . وعن أنس قال : كان أنجشة يحدو بالنساء ، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال ، فإذا اعتقب الابل قال النبي صلى الله عليه وسلم : (يا أنجشة رويدك سوقك بلقوارير) . (2) ديوانه 31 ، 32 مع اختلاف في الرواية وترتيب الابيات . وحباب المال : طرائقه . وقوله : (حالا بعد حال) ، أي شيئا بعد شئ . (3) الديوان : (فقالت : سباك الله) . (4) تنازعنا الحديث ، أي حدثتها وحدثتني ، وأصله من النزع بالدلو ، وهو جذبها . وأسمحت ، اقادت وسهلت بعد صعوبتها وامتناعها ، وهصرت ، أي جدبت ، وشبه شعرها بشماريخ النخل لتداخله وغزارته . (5) رق كلامنا ، أي صرنا إلى الصبا والغزل فلم نرفع أصواتنا لئلا يشعر بنا . ورضت فذلت ، أي لينتها . بالكلام يراض البعير بالسير . (6) الخبر في عيون الاخبار 2 : 203 ، وروى بيتين ، والثالث في اللسان (16 : 20) ، ونسب الابيات إلى يزيد بن عمرو بن الصعق ، وهى أيضا في الكامل 1 : 98 (طبعة أوربا) ، ونسبها لابي مهوش الفقعى ، ونقل عن دعبل أنها لابي المهوس الاسدي . (*)

[ 16 ]

معاوية : يا أبا بحر ، ما الشئ الملفف في البجاد ؟ فقال : السخينة (1) يا أمير المؤمنين ، وإنما كنى معاوية عن رمى بنى تميم بالنهم وحب الاكل ، بقول القائل : إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجئ بزاد بخبز أو بتمر أو بسمن أو الشئ الملفف في البجاد (2) تراه يطوف في الآفاق حرصا ليأكل رأس لقمان بن عاد . وأراد الشاعر وطب اللبن ، فقال الاحنف : (هو السخينة يا أمير المؤمنين) ، لان قريشا كانت تعير بأكل السخينة قبل الاسلام ، لان أكثر زمانها كان زمان قحط والسخينة ما يسخن بالنار ويذر عليه دقيق ، وغلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة ، قال حسان : زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب (3) فعبر كل واحد من معاوية والاحنف عما أراده بلفظ غير مستهجن ، ولا مستقبح ، وعلم كل واحد منهما مراد صاحبه ، ولم يفهم الحاضرون ما دار بينهما وهذا من باب التعريض وهو قريب من الكناية . ومن كنايات الكتاب العزيز أيضا قوله تعالى : (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها) ، كنى بذلك عن مناكح النساء . ومنها قوله تعالى : (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) (4) ، كنى عن مواقع النسل بمواقع الحرث .


(1) السخينة : طعام يتخذ من دقيق وسمن ، وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة . (2) البجاد : كساء مخطط ، من أكسية الاعراب . (3) نسبة صاحب اللسان (17 : 68) ألى كعب بن مالك الانصاري . (4) سورة البقرة 223

[ 17 ]

ومما ورد في الاخبار النبوية في هذا الباب ، الخبر الذى فيه : إن المرأة قالت للرجل القاعد منها مقعد القابلة لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، فقام عنها وتركها . وقد أخذ الصاحب بن عباد هذه اللفظة ، فقال لابي العلاء الاسدي الاصفهانى ، وقد دخل بزوجة له بكر : قلبى على الجمرة يا أبا العلا فهل فتحت الموضع المقفلا ! (1) وهل فضضت الكيس عن ختمه وهل كحلت الناظر الاحولا ! وأنشد الفرزدق في سليمان بن عبد الملك شعرا قال فيه : دفعن إلى لم يطمثن قبلى وهن أصح من بيض النعام (2) فبتن بجانبى مصرعات وبت أفض أغلاق الختام . فاستنكر سليمان ذلك - وكان غيورا جدا - وقال له : قد أقررت بالزنا ، فلاجلدنك ، فقال : يا أمير المؤمنين إنى شاعر ، وإن الله يقول في الشعراء : (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) ، وقد قلت ما لم أفعل (3) . قال سليمان : نجوت بها . ومن الاخبار النبوية أيضا ، قوله عليه السلام في الشهادة على الزنا : (حتى تشاهد الميل في المكحلة) .


(1) الكناية والتعويض للثعالبي 13 (2) ديوانه 836 ، وفيه (يمدح هشام بن عبد الملك) بقصيدة مطلعها : ألستم عائجين بنا لعنا نرى العرصات أو أثر الخيام والخبر أيضا في الكنايات الجرجاني 21 . (3) زاد الجرجاني بعدها : (ثم أنشأ يقول : لقد شهدت لى في الطواسين آية أقام بها عذرى الكتاب المنزل يقولون مالا يفعلون وإنني من القوم قوال لما لست أفعل (2 - نهج - 5) (*)

[ 18 ]

ومنها قوله عليه السلام للمرأة التى استفتته في الذى استخلت له ولم يستطع جماعها : (لا ، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) . ومنها قول المرأة التى شكت إلى عائشة زوجها أنه يطمح بصره إلى غيرها : (إنى عزمت على إن أقيد الجمل) ، إشارة إلى ربطه . ومنها قول عمر : يا رسول الله ، هلكت ، قال : (وأهلكك ؟) قال : حولت رحلى ، فقال عليه السلام : (أقبل وأدبر واتق الحيضة) ، ففهم صلى الله عليه وآله ما أراد . ورأى عبد الله بن سلام على إنسان ثوبا معصفرا ، فقال : لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك ، فذهب الرجل فأحرق ثوبه في تنور أهله ، وظن أنه أراد الظاهر ، ولم يرد ابن سلام ذلك ، وإنما أراد : لو صرف ثمنه في دقيق يخبزه في تنور أهله . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله : (إياكم وخضراء الدمن) ، والدمن : جمع دمنة وهى المزبلة فيها البعر تنبت نباتا أخضر ، وكنى بذلك عن المرأة الحسناء في منبت السوء . ومن ذلك قولهم : (إياك وعقيلة الملح) ، لان الدرة تكون في الماء الملح ، ومرادهم النهى عن المرأة الحسناء ، وأهلها أهل سوء . ومن ذلك قولهم : (لبس له جلد النمر) ، و (قلب له ظهر المجن) . وقال أبو نواس : لا أذود الطير عن شجر قد بلوت المر من ثمره (1)


(1) من قصيدة يمدح فيها العباس بن عبيد الله بن أبى جعفر المنصور ، ومطلعها : أيها المنتاب من عفره لست من ليلى ولا سمره ديوانه 66 . (*)

[ 19 ]

وقد فسر قوم قوله تعالى : (وإذا مروا باللغو مروا كراما) (1) فقالوا : أراد وإذا عبروا عن لفظ يقبح ذكره كنوا عنه ، فسمى التعبير عن الشئ مرورا به ، وسمى الكناية عنه كرما . ومن ذلك أن بنت أعرابية صرخت ، وقالت : لسعتني العقرب ، فقالت أمها : أين ؟ فقالت : موضع لا يضع الراقي فيه أنفه ، كنت بذلك عن السوأة . ومن هذا الباب قوله سبحانه : (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) (2) ، قال كثير من المفسرين : هو كناية عن الغائط ، لانه يكون من الطعام ، فكنى عنه ، إذ هو منه مسبب ، كما كنوا عن السمة بالنار فقالوا : ما نار تلك ؟ أي ما سمتها ؟ ومنه قول الشاعر (3) : قد وسموا آبالهم بالنار (4) والنار قد تشفى من الاوار (5) وهذا من أبيات المعاني ، يقول : هم أهل عز ومنعة ، فسقى راعيهم إبلهم بالسمات التى على الابل ، وعلم المزاحمون له في الماء انه لا طاقه لهم بمنازعتهم عليه لعزهم ، فكانت السمات سببا لسقيها . ولاوار : العطش ، فكنى سبحانه بقوله : (يأكلان الطعام) عن إتيان الغائط ، لما كان أكل الطعام سببا له ، كما كنى الشاعر بالنار عن السمة ، لما كانت النار ، سبب السمة .


(1) سورة الفرقان 72 (2) سورة المائدة 75 (3) البيتان في اللسان 7 : 2 . 1 ، والمقايس 1 : 40 من غير نسبة . (4) رواية البيت في المقاييس : * قد شربت آبالهم بالنار * وروايته في اللسان : * حتى سقوا آبالهم بالنار * وقال في شرحه : (أي سقوا إبلهم بالسمة ، أي إذا نظروا في سمة صاحبه عرف صاحبه فسقى وقدم على غيره لشرف أرباب تلك السمة ، وخلوا لها الماء) . (5) وروى هذا البيت أيضا في اللسان 5 : 95 . (*)

[ 20 ]

ومن هذا الباب قوله سبحانه : (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) ، (1) كنى بالافضاء عن الجماع . ومن الاحاديث النبوية : (من كشف قناع امرأة ، وجب عليه مهرها) ، كنى عن الدخول بها يكشف القناع ، لانه يكشف في تلك الحاله غالبا . والعرب تقول في الكناية عن العفة : ما وضعت مومسة عنده قناعا . ومن حديث عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصيب من رءوس نسائه وهو صائم . كنت بذلك عن القبلة . ومن ذلك قوله تعالى : (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) ، (2) كنى بذلك عن الجماع والمخالطة . وقال النابغة الجعدى : إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباسا (3) . وقد كنت العرب عن المرأة بالريحان ، وبالسرحة ، قال ابن الرقيات : لا أشم الريحان إلا بعينى كرما إنما يشم الكلاب أي أقنع من النساء بالنظر ، ولا أرتكب منهن محرما . وقال حميد بن ثور الهلالي : أبى الله إلا أن سرحة مالك على كل أفنان العضاة تروق (4) فيا طيب رياها وبرد ظلالها إذا حان من حامى النهار وديق * (هامش) (1) سورة النساء 21 (2) سورة البقرة 187 (3) اللسان 7 : 87 ، ومقاييس اللغة : 5 : 230 ، وروايته : (ثنى جيدها) . (4) ديوانه 40 . (*)

[ 21 ]

وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة من السرح مسدود على طريق ! والسرحة : الشجرة . وقال أعرابي ، وكنى عن امرأتين : أيا نخلتى أود إذا كان فيكما جنى فانظرا من تطعمان جناكما ! (1) ويا نخلتى أود إذا هبت الصبا وأمسيت مقرورا ذكرت ذراكما ومن الاخبار النبوية قوله عليه السلام : (من كان يؤمن بالله واليوم اللآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره) ، أراد النهى عن نكاح الحبائل ، لانه إذا وطئها فقد سقى ماءه زرع غيره . وقال صلى الله عليه وآله لخوات بن جبير (2) : (ما فعل جملك يا خوات) ؟ يمازحه ، فقال : قيده الاسلام يا رسول الله ، لان خواتا في الجاهلية كان يغشى البيوت ، ويقول : شرد جملى وأنا أطلبه ، وإنما يطلب النساء والخلوة بهن ، وخوات هذا هو صاحب ذات النحيين . ومن كنايات القرآن العزيز قوله تعالى : (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) (3) ، كنى بذلك عن الزنا ، لان الرجل يكون في تلك الحال بين يدى المرأة ورجليها . ومنه في الحديث : (إذا قعد الرجل بين شعبها الاربع) .


أود : موضع بالبادية . (2) خوات بن جبير بن النعمان بن أمية الانصاري الصحابي ، أبو عبد الله ، وقيل : أبو صالح أحد فرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مات سنة 1 : 543 . (3) سورة الممتحنة 12 . (*)

[ 22 ]

وقد فسر قوم قوله تعالى : (وامرأته حمالة الحطب) ، عن النميمة ، والعرب تقول لمن ينم ويشى : يوقد بين الناس الحطب الرطب . وقال الشاعر يذكر امرأة : من البيض لم تصطد على خيل لامة ولم تمش بين الناس بالحطب الرطب (1) أي لم تؤخذ على أمر تلام عليه ، ولم تفسد بين الحى بالكذب والنميمة . ومما ورد نظير ممازحة معاوية والاحنف من التعريضات أن أبا غسان المسمعى مر بأبى غفار السدوسى ، فقال : يا غفار ، ما فعل الدرهمان ؟ فقال : لحقا بالدرهم ، أراد بالدرهمين قول الاخطل : فإن تبخل سدوس بدرهميها فإن الريح طيبة قبول (2) وأراد الآخر قول بشار : وفى جحدر لؤم وفى آل مسمع صلاح ولكن درهم القوم كوكب (3) وكان محمد بن عقال المجاشعى عند يزيد بن مزيد الشيباني ، وعنده سيوف تعرض عليه ، فدفع سيفا منها إلى يد محمد ، فقال : كيف ترى هذا السيف ؟ فقال : نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف ، أراد يزيد قول جرير في الفرزدق : بسيف أبى رغوان سيف مجاشع ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم (4) ضربت به عند الامام فأرعشت يداك ، وقالوا محدث غير صارم


(1) البيت في اللسان 1 : 313 ، من غير نسبة . (2) ديوانه 12 6 (3) 1 : 343 (4) ديوانه 563 . (*)

[ 23 ]

وأراد محمد قول مروان بن أبى حفصة : لقد أفسدت أسنان بكر بن وائل من التمر مالو أصلحته لمارها وقال محمد بن عمير بن عطاء التميمي لشريك النميري ، وعلى يده صقر : ليس في الجوارح أحب إلى من البازى . فقال شريك : إذا كان يصيد القطا ، أراد محمد قول جرير : أنا البازى المطل على نمير أتيح من السماء له انصبابا (1) وأراد شريك قول الطرماح : تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلت (2) ودخل عبد الله بن ثعلبة المحاربي على عبد الملك بن يزيد الهلالي ، وهو يومئذ والى إرمينية ، فقال له : ماذا لقينا الليلة من شيوخ محارب ! منعونا النوم بضوضائهم ولغطهم ، فقال عبد الله بن ثعلبة : إنهم أصلح الله الامير ! أضلوا الليلة برقعا ، فكانوا يطلبونه . أراد عبد الملك قول الشاعر : تكش بلا شئ شيوخ محارب وما خلتها كانت تريش ولا تبرى (3) ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت قدل عليها حية البحر وأراد الله قول القائل : لكل هلالي من اللؤم برقع ولابن يزيد برقع وجلال (4)


(1) ديوانه 72 . (2) الشعر والخبر في اللآلى 863 ، وكنايات الجرجاني 72 (3) للآخطل ، ديوانه 32 ، تكش : تصوت ، وفى الديوان : (تفق) (4) الشعر والخبر في كنايات الجرجاني 72

[ 24 ]

وروى أبو بكر بن دريد في كتاب ، ، الامالى ، ، عن أبى حاتم ، عن العتبى ، عن أبيه ، أنه عرض على معاوية فرس وعنده عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص ، فقال : كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف ؟ قال : أراه أجش هزيما ، قال معاوية : أجل ، لكنه لا يطلع على الكنائن ، قال : يا أمير المؤمنين ، ما استوجبت منك هذا الجواب كله ، قال : قد عوضتك عنه عشرين ألفا . قال أبو بكر بن دريد : أراد عبد الرحمن التعريض بمعاوية بما قاله النجاشي في أيام صفين : ونجى ابن حرب سابح ذو علالة أجش هزيم والرماح دوانى (1) إذا قلت أطراف الرماح تنوشه مرته له الساقان والقدمان (2) فلم يحتمل معاوية منه هذا المزاح ، وقال : لكنه لا يطلع على الكنائن ، لان عبد الرحمن كان يتهم بنساء إخوته (3) وروى ابن دريد أيضا في كتاب ، ، الامالى ، ، عن أبى حاتم النخعي ، أن النجاشي دخل على معاوية ، فقال له : كيف قلت : (ونجى ابن حرب سابح) ، وقد علمت أن الخيل لا تجرى بمثلى فرارا ؟ قال : إنما عنيت عتبة أخاك - وعتبة جالس - فلم يقل معاوية ولا عتبة شيئا


(1) السابح : الفرس السريع ، كأنه يسبح ، ولعلالة : البقية من السير . والاجش : الغليظ الصوت من الانسان والخيل والرعد وغيره . والهزيم : الفرس الشديد الصوت . (2) مرته : استدرت جريه . (3) الخبر برواية أخرى في الاغانى 13 : 260 . (*)

[ 25 ]

وورد إلى البصرة (1) غلام من بنى فقعس ، كان يجلس في المربد (2) ، فينشد شعرا ، ويجمع الناس إليه ، فذكر ذلك للفرزدق ، فقال : لاسوءنه ، فجاء إليه ، فسمع شيئا من شعره ، فحسده عليه ، فقال : ممن أنت قال : من بنى فقعس ، قال : كيف تركت القنان (3) ؟ فقال : مقابل لصاف (4) ، فقال : يا غلام ، هل أنجدت أمك ؟ قال : بل أنجد أبى . قال أبو العباس المبرد : أراد الفرزدق قول الشاعر (5) : ضمن القنان لفقعس سوأتها إن القنان لفقعس لمعمر (6) والقنان جبل في بلاد فقعس ، يريد أن هذا الجبل يستر سوآتهم ، وأراد الغلام قول أبى المهوش (7) : وإذا يسرك من تميم خلة فلما يسوءك من تميم أكثر (8) أكلت أسيد والهجيم ودارم أير الحمار وخصيتيه العنبر قد كنت أحسبهم أسود خفية فإذا لصاف يبيض فيه الحمر ولصاف : جبل في بلاد بنى تميم ، وأراد بقوله : (هل أنجدت أمك) ، أي إن كانت


(1) الخبر في أمالى القالى 2 : 236 وكنايات الجرحانى 73 وخزانة الادب 3 : 85 والآلى للبكري 859 مع اختلاف الرواية . (2) المربد ، يطلق على مواضع ، والمراد هنا مربد البصرة ، قال ياقوت : (من أشهر محالها ، وكان يكون سوق الابل فيه قديما ، ثم صار محلة عظيمة ، سكنها الناس ، وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجلس الخطباء) . (3) في الاصل : (القيان) تصحيف ، والقنان : موضع ذكره ياقوت ، وقال : (هو جبل فيه ماء يدعى العسيلة ، وهو لبنى أسد ، ولذلك قيل . . .) ، وأورد البيت . (4) رواية الخزانة : (تبيض فيه الحمر) . (5) هو نهشل بن حرى ، يهجو بنى فقعس ، كما ذكره ياقوت (لصاف) . (6) قال ياقوت : (معمر ، أي ملجأ) . (7) من أبيات تسعة ذكرها صاحب الخزانة 3 : 84 نقلا عن ضالة الادب . (8) في الجرجاني والبكرى والخزانة : (خصلة) . (*)

[ 26 ]

أنجد فقد أصابها أبى ، فخرجت تشبهني ، فقال : بل أنجد أبى ، يريد بل أبى أصاب أمك فوجدها بغيا . قال عبد الله بن سوار : كنا على مائدة إسحاق بن عيسى بن على الهاشمي ، فأتينا بحريرة قد عملت بالسكر والسمن والدقيق ، فقال (1) معد بن غيلان العبدى : يا حبذا السخينة ، ما أكلت أيها الامير سخينة ألذ من هذه ، فقال : إلا أنها تولد الرياح في الجوف كثيرا ، ولا هكذا ! إن المعايب لا تذكر على الخوان . أراد معد ما كانت العرب تعير به قريشا في الجاهلية من أكل السخينة (2) ، وقد قدمنا ذكره ، وأراد إسحاق بن عيسى ما يعير به عبد القيس من الفسو ، قال الشاعر : وعبد القيس مصفر لحاها كان فساءها قطع الضباب . وكان سنان (3) بن أحمس النميري ، يساير الامير عمر بن هبيرة الفزارى ، وهو على له ، فتقدمت البغلة على فرس الامير ، فقال : اغضض (4) بغلتك يا سنان ، فقال : أيها الامير ، إنها مكتوبة ، فضحك الامير . أراد عمر بن هبيرة قول جرير : فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا . وأراد سنان قول ابن دارة (5) : لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار .


(1) في كنايات الجرجاني (معدل) . (2) الخبر في الكنايات للجرجاني 72 (3) في الاقتضاب : (شريك بن عبد الله النمري) . (4) في الاقتضاب : (غض من لجام بغلتك) . (5) في الاصول : (الاخطل) ، وهو خطأ ، والبيت لسالم بن دارة ، من أبيات أوردها صاحب الخزانة : 1 : 557 وانظر الجرجاني 74 ، والفضل 54 ، والسهيلى 2 : 288 ، وزهر الآدب 21 ، والاقتضاب 50 . (*)

[ 27 ]

وكانت فزارة تعير بإتيان الابل ، ولذلك قال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة هذا ، ويخاطب يزيد بن عبد الملك (1) . أمير المؤمنين وأنت بر تقى لست بالجشع الحريص (2) أأطعمت العراق ورافديه فزاريا أحذ يد القميص (3) تفنق بالعراق أبو المثنى وعلم قومه أكل الخبيص (4) ولم يك قبلها راعى مخاض لتأمنه على وركى قلوص (5) الرافدان : دجلة والفرات ، وأحذ يد القميص ، كناية عن السرقة والخيانة . وتفنق : تنعم وسمن ، وجارية فنق ، أي سمينة . والبيت الآخر كناية عن إتيان الابل الذى كانوا يعيرون به (6) . وروى أبو عبيدة عن عبد الله بن عبد الاعلى قال : كنا نتغدى مع الامير عمر بن هبيرة ، فأحضر طباخه جام خبيص ، فكرهه للبيت المذكور السابق ، إلا أن جلده أدركه ، فقال : ضعه يا غلام ، قاتل الله الفرزدق ، لقد جعلني أرى الخبيص فاأتحى منه (7) . قال المبرد : وقد يسير البيت في واحد ، ويرى أثره عليه أبدا ، كقول أبى العتاهية


(1) ديوانه 487 ، الكامل 479 (طبع أوربا) ، الفضال 111 ، كنايات الجرجاني 74 ، الحيوان 5 : 197 ، الشعراء لابن قتيبة 34 (2) الديوان والحيوان : (بالوالى الحريص) . (3) الاخذ : السريع اليد الخفيفها قال ابن قتيبة : (يريد أنه خفيف اليد بالخيانة ، فاضطرته القافية لذكر القميص) . (4) في الحيوان : (تفتق) ، من قولهم : تفقت خواصر الغنم من البقل ، إذا تسعت من كثرة الرعى . والخبيص : ضرب من الحلوى المطبوخة . (5) المخاض : الحوامل من النوق : والقلوس : الشابة من الابل . (6) كنايات الجرجاني 74 (7) كنايات الجرجاني 75 . (*)

[ 28 ]

في عبد الله بن معن بن زائدة : فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا (1) فكسر حلبة السيف وضعها لك خلخلا وكان (2) عبد الله بن معن إذا تقلد السيف ورأى من يرمقه بان أثره عليه ، فظهر الخجل منه . ومثل ذلك ما يحكى أن جريرا قال : والله لقد قلت في بنى ثعلب بيتا لو طعنوا بعدها بالرماح في أستاههم ما حكوها ، وهو : والتغلبى إذا تنحنح للقرى حك استه وتمثل الامثالا (3) . وحكى أبو عبيدة عن يونس ، قال : قال عبد الملك بن مروان ، يوما وعنده رجال : هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ، ودوا لو انهم افتدوا منه بأموالهم ؟ فقال أسماء بن خارجة الفزارى : نحن يا أمير المؤمنين ، قال : وما هو ؟ قال : قول الحارث بن ظالم المرى : وما قومي بثعلبة بن سعد ولا بفزارة الشعر الرقابا . فوالله يا أمير المؤمنين ، إنى لالبس العمامة الصفيقة ، فيخيل لى أن شعر قفاى قد بدا منها .


(1) ديوانه 334 ، والخبر والبيتان في كنايات الجرجاني 75 ، وقبلهما : لقد بلغت ما قالا فما باليت ما قالا ولو كان من الاسد لما هال ولا صالا (2) الجرجاني : (قال : فكان) . (3) الخبر في كنايات الجرجاني 75 . (*)

[ 29 ]

وقال هانئ قبيصة النميري : يا إمير المؤمنين ، قال : وما هو ؟ قال قول جرير : فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا (1) كان النميري يا أمير المؤمنين ، إذا قيل له : ممن أنت ؟ قال : من نمير ، فصار يقول بعد هذا البيت : (من عامر بن صعصعة) (2) . إذا ذلك ما يروى أن النجاشي لما هجا بنى العجلان بقوله (3) : إذا الله عادى أهل لؤم وقلة فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل (4) قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل وما سمى العجلان إلا لقوله : خذ القعب فاحلب أيها العبد اعجل (5) فكان الرجل منهم إذا سئل عن نسبة يقول : من بنى كعب ، وترك أن يقول : (مجلانى) . وكان عبد الملك بن عمير القاضى ، يقول : والله إن التنحنح والسعال ليأخذني وأنا في الخلاء فأرده ، حياء من قول القائل : إذا ذات دل كلمته لحاجة * فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل


(1) ديوانه 75 (2) كنايات الجرجاني 75 ، والعمدة لابن رشيق 1 : 75 . (3) الابيات في العمدة لابن رشيق 1 : 27 ، كنايات الجرجاني 75 ، مختارات ابن الشحرى 131 ، الشعر والعشراء 290 ، الخزانة 1 : 113 ، مع خبر مذكور ، يختلف رواية . (4) ابن مقبل ، هو تميم أبى مقبل ، قال الجمحى في الطبقات 125 : (تميم بن أبى مقبل ، شاعر خنذيذ مغلب ، غلبه النجاشي) ولم يكن إليه في الشعر ، وقد قهره في الهجاء فقال : * إذا الله عادى أهل لؤم ودقة * (5) القعب : القدح الضخم الغليظ الجافي . (*)

[ 30 ]

ومن التعريضات اللطيفة ، ما روى أن المفضل بن محمد الضبى بعث بأضحية هزيل إلى شاعر ، فلما سأله عنها ، فقال : كانت قليلة الدم . فضك المفضل ، وقال : مهلا يا أبا فلان ، أراد الشاعر قول القائل : ولو ذبح الضبى بالسيف لم تجد من اللؤم للضبي لحما ولا دما (1) وروى ابن الاعرابي في الامالى ، قال : رأى عقال بن شبة بن عقال المجاشعى على أصبغ بن عنبس وضحا ، فقال : ما هذا البياض على أصبعك يا أبا الجراح ؟ فقال : سلح النامة يا بن أخى . أراد قول جرير : فضح العشيرة يوم يسلح قائما سلح النعامة شبة بن عقال (2) وكان شبة بن عقال قد برز يوم الطوانة (3) مع العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى رجل من الروم ، فحمل عليه الرومي ، فنكص وأحدث ، فبلغ ذلك جريرا باليمامة ، فقال فيه ذلك (4) . ولقى الفرزدق مخنثا يحمل قماشه (5) ، كأنه يتحول من دار إلى دار ، فقال : أين راحت عمتنا ؟ فقال : قد نفاها الاغر يا أبا فراس ، يريد قول جرير في الفرزدق : نفاك الاغر ابن عبد العزيز وحقك تنفى من المسجد (6)


(1) كنايات الجرجاني 77 (2) ديوانه 471 (3) الطوانة ، بضم أوله وبعد الالف نون : بلد بثغور المصيصة . (5) قماش البيت : متاعه . (6) ديوانه 128 (*)

[ 31 ]

وذلك أن الفرزدق ورد المدينة ، والامير عليها عمر بن عبد العزيز ، فأكرمه حمزة بن عبد الله بن الزبير وأعطاه ، وقعد عنه عبد الله بن عمرو بن عفان وقصر به ، فمدح الفرزدق حمزة بن عبد الله ، وهجا عبد الله ، فقال : ما أنتم من هاشم في سرها فاذهب إليك ولا بنى العوام قوم لهم شرف البطاح وأنتم وضر البلاط موطئ الاقدام (1) . فلما تناشد الناس ذلك بعث إليه عمر بن عبد العزيز ، فأمره أن يخرج عن المدينة ، وقال له : إن وجدتك فيها بعد ثلاث عاقبتك ، فقال الفرزدق : ما أرانى إلا كثمود حين قيل لهم : (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) ، فقال جرير يهجوه : نفاك الاغر ابن عبد العزيز وحقك تنفى من المسجد وسميت نفسك أشقى ثمود فقالوا ضللت ولم تهتد وقد أجلوا حين حل العذاب ثلاث ليال إلى الموعد وجدنا الفرزدق بالموسمين خبيث المداخل والمشهد وحكى أبو عبيدة ، قال : بينا نحن على أشراف الكوفه وقوف ، إذ جاء أسماء بن خارجة الفزارى فوقف ، وأقبل ابن مكعبر الضبى فوقف متنحيا عنه ، فأخذ أسماء خاتما كان في يده ، فصه فيروزج أزرق ، فدفعه إلى غلامه ، وأشار إليه أن يدفعه إلى ابن مكعبر ، فأخذ ابن مكعبر شسع نعله ، فربطه بالخاتم ، وأعاده إلى أسماء ، فتمازحا ولم يفهم أحد من الناس ما أرادا ، أراد أسماء بن خارجة قول الشاعر : لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر كذا كل ضبى من اللؤم أزرق .


(1) ديوانه 777 ، وروايته : (في مثل أسرة هاشم) (*)

[ 32 ]

وأراد ابن مكعبر قول الشاعر : لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار (1) وكانت فزارة تعير بإتيان الابل ، وعيرت أيضا بأكل جردان الحمار ، لان رجلا منهم كان في سفر ، فجاع فاستطعم قوما فدفعوا إليه جردان الحمار ، فشواه وأكله ، فأكثرت الشعراء ذكرهم بذلك ، وقال الفرزدق : (2) جهز إذا كنت مرتادا ومنتجعا إلى فزارة عيرا تحمل الكمرا (3) إن الفزارى لو يعمى فيطعمه أير الحمار طبيب أبرا البصرا إن الفزارى لا يشفيه من قرم أطايب العير حتى ينهش الذكرا وفى كتب الامثال أنه اصطحب ثلاثة : فزارى وتغلبي ومرى ، وكان اسم التغلبي مرقمة ، فصادوا حمارا ، وغاب عنهما الفزارى لحاجة ، فقالوا : نخبأ له جردانه نضحك منه ، وأكلوا سائره ، فلما جاء دفعا إليه الجردان ، وقالا : هذا نصيبك ، فنهسه ، فإذا هو صلب ، فعرف أنهم عرضوا له بما تعاب به فزارة ، فاستل سيفه ، وقال : لتأكلانه ، ودفعه إلى مرقمة ، فأبى أن يأكله ، فضربه فقتله ، فقال المرى : طاح مرقمة ، قال : وأنت إن لم تلقمه ، فأكله (4) وذكر أبو عبيدة أن إنسانا قال لمالك بن أسماء بن خارجة الفزارى : اقض دينى أيها الامير ، فإن على دينا ، قال : مالك عندي إلا ما ضرب به الحمار بطنه ، فقال له عبيد بن أبى محجن :


(1) اللآلى 862 ، وكنايات الجرجاني 79 (2) ديوانه 284 . (3) في الديوان : (جهز فإنك ممتار ومتعث) . (4) الخبر في الآلي 860 ، وكنايات الجرجاني 76 (*)

[ 33 ]

محجن : بارك الله لكم يا بنى فزارة في أير الحمار ، إن جعتم أكلتموه ، وإن أصابكم غرم قضيتموه به . ويحكى أن بنى فزارة وبنى هلال بن عامر بن صعصعة تنافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمي ، وتراضوا به ، فقالت بنو هلال : أكلتم يا بنى فزارة أير الحمار ، فقالت بنو فزارة : وأنتم مدرتم (1) الحوض بسلحكم ، فقضى أنس لبنى فزارة على بنى هلال ، فأخذ الفزاريون منهم مائة بعير كانوا تخاطروا عليها ، وفى مادر يقول الشاعر : لقد جللت خزيا هلال بن عامر بنى عامر طرا بسلحة مادر (2) فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدها بنى عامر أنتم شرار المعاشر (3) وذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب ، ، الكامل ، ، أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند ، أفضى إلى أثاث لم ير مثله ، وآلات لم يسمع مثلها ، فأراد أن يرى الناس عظيم ما فتح الله عليه ، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم ، فأمر بدار ففرشت ، وفى صحنها قدور يرتقى إليها بالسلاليم ، فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشى قد أقبل ، والناس جلوس على مراتبهم ، والحضين شيخ كبير ، فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لاخيه قتيبة ائذن لى في معاتبته ، قال : لا ترده ، فإنه خبيث الجواب ، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له - وكان عبد الله يضعف (4) ، وكان قد تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك - فأقبل على الحضين ، فقال : أمن الباب دخلت يا أبا ساسان ؟ قال : أجل ، أسن عمك عن تسور


(1) مدرتم الحوص ، أي سلحتم فيه . (2) في اللسان : (وفى المثل : (ألام من مادر) ، وهو جد بنى هلال بن عامر) . وفى الصحاح : (هو رجل من هلال بن عامر بن صعصعة ، لانه سقى إبله ، فبقى في أسفل الحوض ماء ، فسلح فيه ، ومدر به حوضه بخلا أن يشرب من فضله) . (3) كنايات الجرجاني 76 ، 77 ، والبيتان أيضا في اللسان 7 : 8 (4) يضعف ، أي يوصف بالضعف لقلة عقله . (3 - نهج - 5) (*)

[ 34 ]

الحيطان ، قال : أرأيت هذه القدور ؟ قال : هي أعظم من ألا ترى ، قال : ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها . قال : أجل ، ولا عيلان ، ولو رآها سمى شبعان ، ولم يسم عيلان ، فقال عبد الله : أتعرف يا أبا ساسان الذى يقول : عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل تجر خصاها تبتغى من تحالف (1) فقال : أعرفه ، وأعرف الذى يقول : فأدى الغرم من نادى مشيرا ومن كانت له أسرى كلاب وخيبة من يخيب على غنى وباهلة بن أعصر والرباب (2) فقال : أفتعرف الذى يقول : كأن فقاح الازد حول ابن مسمع وقد عرقت أفواه بكر بن وائل قال : نعم وأعرف الذى يقول : قوم قتيبة أمهم وأبوهم لولا قتيبة أصبحوا في مجهل قال : أما الشعر ، فأراك ترويه ، فهل تقرأ من القرآن شيئا ؟ قال : نعم ، أقرأ الاكثر الاطيب (3) : (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) (4) .


(1) في رغبة الكامل للمرصفى : رواية غيره : (نزعنا وولينا) ، وبعده : وما مات بكرى من الدهر ليلة فيصبح إلا وهو للذل عارف وهذا الشعر لحارثة بن بدر الغدانى ، قاله يوم رضى أهل البصرة أن يولوا عليهم بعد الموت معاوية بن يزيد ابن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي ، حتى يجتمع الناس على إمام ، وكان عبيد الله بن زياد الوالى عليهم . قد طلب الامارة لنفسه ، فلم يرضوا به ، فلما رأى الغدر منهم هرب هو وأخوه ، فلجآ إلى دار مسعود ابن عمر الازدي ، وقد استخف بكر بن وائل مالك بن مسمع الجحدرى ، فجمع وأعد وطلب من الازد المحلفة على نصرة عبيد الله بن زياد ، ورده إلى دار الامارة فلم ينجح) . (2) في زيادت الكامل : (أي يا خيبة من يخيب) . والرباب : قبائل ، والبيتان لزيد الخيل ، ذكرهما ابن قتيبة في الشعراء 246 ، وفيه وفى الكامل : (الركاب) بدل (الرباب) : (3) الكامل : (الاغلب) . (4) سورة الانسان آية : 1 (*)

[ 35 ]

فأغضبه ، فقال : والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهى حبلى من غيره ، قال : فما تحرك الشيخ عن هيئته الاولى ، بل قال على رسله (1) : وما يكون ! تلد غلاما على فراشي ، فيقال : فلان بن الحضين ، كما يقال : عبد الله بن مسلم ، فأقبل قتيبة على عبد الله : وقال له : لا يبعد الله غيرك (2) . وغرضنا من هذه الحكاية الادبية المستحسنة قول الحضين تعريضا بفاحشة عبد الله : (أجل ، أسن عمك عن تسور الحيطان) . ويحكى أن أبا العيناء أهدى إلى أبى على البصري - وقد ولد له مولود - حجرا ، يذهب في ذلك إلى قوله عليه السلام : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، فاستخرج أبو على ذلك بفطنته وذكائه ، ثم ولد بعد أيام لابي العيناء مولود ، فقال له : في أي وقت ولد لك ؟ قال : وقت السحر ، فقال : اطرد قياسه ، وخرج في الوقت الذى يخرج فيه أمثاله - يعنى السؤال - يعرض بأن أبا العيناء شحاذ ، وأن ولده خرج يشبهه (3) . ومن التعريضات والرموز بالفعل دون القول ، ما ذكره مؤرج بن عمرو السدوسى ، في كتاب ، ، الامثال ، ، أن الاحوص بن جعفر الكلابي ، أتاه آت من قومه ، فقال : إن رجلا لا نعرفه جاءنا ، فلما دنا منا حيث نراه ، نزل عن راحلته ، فعلق على شجرة وطبا من لبن ، ووضع في بعض أغصانها حنظلة ، ووضع صرة من تراب ، وحزمة من شوك ، ثم أثار راحلته ، فاستوى عليها وذهب . وكان أيام حرب تميم وقيس عيلان ، فنظر الاحوص في ذلك ، فعى به ، فقال : ارسلوا إلى قيس بن زهير ، فقال له : ألم تك أخبرتني أنه لايرد


(1) على رسله ، أي على مهله وتؤدته . (2) الكامل 435 (طبع أوروبا) . (3) كنايات الجرجاني 79

[ 36 ]

عليك أمر إلا عرفت ما فيه ما لم تر نواصى الخيل ! قال : ما خبرك ؟ فأعلمه ، فقال : (قد بين الصبح لذى عينين) ، هذا رجل قد أخذت عليه العهود ألا يكلمكم ، ولا يرسل إليكم ، وأنه قد جاء فأنذركم . أما الحنظلة ، فإنه يخبركم أنه قد أتاكم بنو حنظلة وأما الصرة من التراب ، فإنه يزعم أنهم عدد كثير ، وأما الشوك فيخبركم أن لهم شوكة ، وأما الوطب فإنه يدلكم على قرب القوم وبعدهم فذوقوه ، فإن كان حلوا حليبا فالقوم قريب ، وإن كان قارصا (1) فالقوم بعيد ، وإن كان المسيخ (2) لاحلوا ولا حامضا ، فالقوم لا قريب ، ولا بعيد ، فقاموا إلى الرطب فوجدوه حليبا ، فبادروا الاستعداد ، وغشيتهم الخيل فوجدتهم مستعدين (3) . ومن الكنايات ، (4 بل الرموز الدقيقة 4) ، ما حكى أن قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج وبين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك ، وهو يقرؤه ، ولا يعلم معناه ، وهو مفكر ، فقال : ما الذى أحزن الامير ؟ قال : كتاب ورد من أمير المؤمنين ، لا أعلم معناه ؟ فقال : إن رأى الامير إعلامى به ! فناوله إياه ، وفيه : (أما بعد ، فإنك سالم ، والسلام) . فقال قتيبة : مالى إن استخرجت لك ما أراد به ؟ قال : ولاية خراسان ، قال : إنه ما يسرك أيها الامير ، ويقر عينك ، إنما أراد قول الشاعر : يديرونني عن سالم وأديرهم وجلدة بين العين والانف سالم (5) أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر ، فولاه خراسان (6) . حكى الجاحظ في كتاب ، ، البيان والتبيين ، ، قال : خطب الوليد بن عبد الملك فقال :


(1) القارص : اللبن الحامض . (2) المسيخ : الذى لا طعم له . (3) كنايات الجرجاني 80 (4 - 4) ساقط من ا ، ج (5) البيت في اللسان 15 : 191 ، ونسبه إلى عبد الله بن عمر ، يقوله في ابنه سالم . (6) كنايات الجرجاني 82 (*)

[ 37 ]

أمير المؤمنين عبد الملك قال : إن الحجاج جلدة ما بين عينى وأنفى ، ألا وإنى أقول : إن الحجاج جلدة وجهى كله) (1) . وعلى ذكر هذا البيت حكى أن رجلا كان يسقى جلساءه شرابا صرفا غير ممزوج ، وكان يحتاج إلى المزج لقوته ، فجعل يغنى لهم : يديرونني عن سالم وأديرهم وجلدة بين العين والانف سالم (2) فقال له واحد منهم : يا أبا فلان ، لو نقلت (ما) من غنائك إلى شرابك ، لصلح غناؤنا ونبيذنا جميعا (3) . ويشبه حكاية قتيبة والحجاج كتاب عبد الملك إلى الحجاج ، جوابا عن كتاب كتبه إليه يغلظ فيه أمر الخوارج ، ويذكر فيه حال قطرى وغيره ، وشدة شوكتهم ، فكتب إليه عبد الملك : (أوصيك بما أوصى به البكري زيدا ، والسلام) . فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك ، فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب ، فلم يعلموه ، فقال : من جاءني بتفسيره فله عشره آلاف درهم ، وورد رجل من أهل الحجاز يتظلم من بعض العمال ، فقال له قائل : أتعلم ما أوصى به البكري زيدا ؟ قال : نعم أعلمه ، فقيل له : فأت الامير ، فأخبره ولك عشره آلاف درهم ، فدخل عليه فسأله ، فقال : نعم أيها الامير ، إنه يعنى قوله : أقول لزيد لا تترتر فإنهم يرون المنايا دون قتلك أو قتلى (4) فإن وضعوا حربا فضعها ، وإن أبوا فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلى وإن رفعوا الحرب العوان التى ترى فشب وقود النار بالحطب الجزل فقال الحجاج : أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني ، وأصاب البكري فيما أوصى به زيدا ، وأصبت أيها الاعرابي ، ودفع إليه الدراهم .


(1) البيان والتبيين 1 : 292 (2) كذا في الاصول وكتاب الكنايات ، ويبدو أن الاصوب زيادة كلمة (ما) بعد كلمة (وجلدة) على سبيل الخطأ من المغنى ، ليكون الخبر مفهوما . (3) كنايات الجرجاني 82 . (4) الابيات لموسى بن جابر ، حماسة أبى تمام بشرح المرزوقى 336 ، والترترة : العجلة . (*)

[ 38 ]

وكتب إلى المهلب : إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا ، وأنا أوصيك بذلك ، وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه . فنظر المهلب في وصية الحارث بن كعب ، فإذا فيها : يا بنى كونوا جميعا ، ولا تكونوا شيعا فتفرقوا ، وبزوا قبل أن تبزوا . الموت في قوة وعز ، خير من الحياة في ذل وعجز . فقال المهلب : صدق البكري وأصاب ، وصدق الحارث وأصاب . واعلم أن كثيرا مما ذكرناه داخل في باب التعريض ، وخارج عن باب الكناية ، وإنما ذكرناه لمشابهة الكناية وكونهما كالنوعين تحت جنس عام ، وسنذكر كلاما كليا فيهما إذا انتهينا إلى آخر الفصل إن شاء الله . ومن الكنايات قول أبى نواس : وناظرة إلى من النقاب تلاحظني بطرف مستراب (1) كشفت قناعها فإذا عجوز مموهة المفارق بالخضاب فما زالت تجشمنى طويلا وتأخذ في أحاديث التصابى تحاول أن يقوم أبو زياد ودون قيامه شيب الغراب أتت بجرابها تكتال فيه فقامت وهى فارغة الجراب والكناية في البيت الاخير وهى ظاهرة . ومنها قول أبى تمام : ما لى رأيت ترابكم بئس الثرى مالى أرى أطوادكم تتهدم (2)


(1) المثل السائر 2 : 207 (2) ديوانه 3 : 199 ، وديوانه : * مالى رأيت ترابكم يبساله * (*)

[ 39 ]

فكنى ب (بئس الثرى) عن تنكر ذات بينهم ، وب ((بتهدم الاطواد) عن خفة حلومهم وطيش عقولهم . ومنها قول أبى الطيب : وشر ما قنصته راحتي قنص شهب البزاة سواء فيه والرخم (1) كنى بذلك عن سيف الدولة ، وأنه يساوى بينه وبين غيره من أراذل الشعراء وخامليهم في الصلة والقرب . وقال الاقيشر لرجل : ما أراد الشاعر بقوله (2) : ولقد غدوت بمشرف يافوخه مثل الهراوة ماؤه يتفصد (3) أرن يسيل من المراح لعابه ويكاد جلد إهابه يتقدد (4) قال : إنه يصف فرسا ، فقال : حملك الله على مثله ، وهذان البيتان من لطيف الكناية ورشيقها ، وإنما عنى العضو . وقريب من هذه الكناية قول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان ، وهو غلام يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الاعلى مؤدب ولد هشام بن عبد الملك ، وقد جمشه عبد الصمد فأغضبه ، فدخل إلى هشام ، فقال له : إنه والله لولا أنت لم ينج منى سالما عبد الصمد


(1) ديوانه 3 : 373 (2) الخبر والبيتان ومعهما ثالث في كنايات الجرجاني 20 ، وفيه : (وحكى ابن دريد قال : وقف أعرابي على أبى عبيدة فقال : ما يعنى الشاعر بقوله . . . . . إلى آخر الخبر) وهما أيضا في شرح التبريزي على الحماسة 4 : 356 . (3) رواية التبريزي : (عسر المكرة) . (4) أرن ، أي نشيط ، ورواية التبريزي : (مرح يمج) ، وذكر بعده : حتى علوت به مشق ثنية طورا أغور به وطورا أنجد (*)

[ 40 ]

فقال هشام : ولم ذلك ؟ قال : إنه قد رام منى خطة لم يرمها قبله منى أحد قال هشام : وما هي ؟ ويحك ! قال : رام جهلا بى وجهلا بأبى يدخل الافعى إلى بيت الاسد فضحك هشام ، وقال : لو ضربته لم أنكر عليك (1) . ومن هذا الباب قول أبى نواس : إذا ما كنت جار أبى حسين فنم ويداك في طرف السلاح (2) فإن له نساء سارقات - إذا ما بتن - أطراف الرماح سرقن وقد نزلت عليه عضوى فلم أظفر به حتى الصباح فجاء وقد تخدش جانباه يئن إلى من ألم الجراح والكناية في قوله : (أطراف الرماح) ، وفى قوله : (في طرف السلاح) . ومن الكناية الحسنة قول الفرزدق يرثى امرأته ، وقد ماتت بجمع (3) : وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح عليه ، ولم أبعث عليه البواكيا (4) وفى جوفه من دارم ذو حفيظة لو أن المنايا أخطأته لياليا (5)


(1) المثل السائر 2 : 209 . (2) المثل السائر 2 : 209 ، 210 . (3) جمع ، هي المزدلقة . (4) ديوانه 894 ، وروايته : (وغمد سلاح) . (5) الدايوان : * لو أن الليالى أنسأته لياليا * (*)

[ 41 ]

أخذه الرضى رحمه الله تعالى ، فقال يرثى امرأة : إن لم تكن نصلا فغمد نصول غالته أحداث الزمان بغول (1) أو لم تكن بأبى شبول ضيغم تدمى أظافره فأم شبول ومن الكنايات ما يروى أن رجلا من خواص كسرى ، أحب الملك امرأته ، فكان يختلف إليها سرا وتختلف إليه ، فعلم بذلك فهجرها وترك فراشها ، فأخبرت كسرى ، فقال له يوما : بلغني أن لك عينا عذبة ، وأنك لا تشرب منها ! فقال : بلغني أيها الملك أن الاسد يردها فخفته ، فتركتها له ، فاستحسن ذلك منه ووصله . ومن الكنايات الحسنة قول حاتم : وما تشتكينى جارتي غير أننى إذا غاب عنها بعلها لا أزورها (2) سيبلغها خيرى ويرجع بعلها إليها ولم يسبل على ستورها (3) فكنى بإسبال الستر عن الفعل ، لانه يقع عنده غالبا . فأما قول عمر : (من أرخى سترا أو أغلق بابا فقد وجب عليه المهر) . فيمكن أن يكنى بذلك عن الجماع نفسه ، ويمكن أن يكنى به عن الخلوة فقط ، وهو مذهب أبى حنيفة ، وهو الظاهر من اللفظ لامرين : أحدهما قوله : (أغلق بابا) فإنه لو أراد الكناية لم يحسن الترديد ب (أو) ، وثانيهما أنه قد كان مقررا عندهم أن الجماع نفسه يوجب كمال المهر ، فلم يكن به حاجة إلى ذكر ذلك . ويشبه قول حاتم في الكناية المقدم ذكرها قول بشار بن بشر (4)


(1) ديوانه لوحة 149 ، مطلع قصيدة يعزى فيها أبا سعد بن خلف عن أخته . (2) ديوانه 110 (3) الديوان : (ولم يقصر على) . (4) هو بشار بن بشر المجاشعى ، حماسة ابن الشجرى 135 ، والابيات أيضا في أمالى المرتضى 1 : 379 ونسبها إلى هلال بن خثعم ، مع اختلاف في الرواية ، وترتيب الابيات . (*)

[ 42 ]

وإنى لعف عن زيارة جارتي وإنى لمشنوء إلى اغتيابها ولم أك طلابا أحاديث سرها ولا عالما من أي حوك ثيابها (1) إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زءورا ولم تنبح على كلابها (2) . وقال الاخطل في ضد ذلك يهجو رجلا ويرميه بالزنا : سبنتى يظل الكلب يمضغ ثوبه له في ديار الغانيات طريق السبنتى : النمر ، يريد أنه جرئ وقح ، وأن الكلب لانسه به وكثرة اختلافه إلى جاراته يعرفه ، ويمضغ ثوبه ، يطلب ما يطعمه ، والعفيف ينكره الكلب ولا يأنس به ، ثم أكد ذلك بأنه قد صار له بكثرة تردده إلى ديار النساء طريق معروف . ومن جيد الكناية عن العفة قول عقيل بن علفة المرى (4) : ولست بسائل جارات بيتى أغياب رجالك أم شهود (5) * (هامش) (1) رواية المرتضى : * وما أنا بالدارى أحاديث بيتها * وذكر بعده : وإن قراب البطن يكفيك ملؤه ويكفيك عورات النساء أجتنابها وزاد ابن الشجرى بعده : إذا سد باب عنك من دون حاجة فذرها لاخرى لين لك بابها (2) ابن الشجرى : (لم تأنس إلى كلابها) ، ويقال : رجل زوار وزءور ، كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت . (3) ديوانه 276 ، وروايته : (له في معان الغانيات) ، وفى شرحه : (المعان : منزل القوم ومحلهم) . وفيه أيضا : (السبنتى : الذئب) . (4) من أبيات في حماسة أبى تمام - بشرح التبريزي 1 : 377 ، والآلى 185 ، والخزانة 4 : 12 وكنايات الجرجاني 10 ، وفى الاصول وكتاب الجرجاني (عقيل بن علقمة) وهو خطأ . (5) قال التبريزي : (ويجوز أن يكون عرض بقذف الذى يهجوه ، كما يقول من لم تجر عادته بلزوم الاسواق لمن هو متعود للمبايعة والمشاراة : لست أعاشر المنادين ولا أبخس إذا وزنت ، أي أنك يا سامع تفخر بذلك) . (*)

[ 43 ]

ولا ملق لذى الودعات سوطي ألاعبه وريبته أريد (1) ومن جيد ذلك ومختاره قول مسكين الدارمي : نارى ونار الجار واحدة وإليه قبلى تنزل القدر (2) ما ضر جارا لى أجاوره ألا يكون لبابه ستر أعمى إذا ما جارتي برزت حتى يوارى جارتي الخدر (3) والعرب تكنى عن الفرج بالازار ، فتقول : هو عفيف الازار ، وبالذيل ، فتقول : هو طاهر الذيل ، وإنما كنوا بهما ، لان الذيل والازار لا بد من رفعهما عند الفعل ، وقد كنوا بالازار عن الزوجة في قول الشاعر : ألا أبلغ أبا بشر رسولا فدا لك من أخى ثقة إزارى (4) يريد به زوجتى ، أو كنى بالازار هاهنا عن نفسه . وقال زهير :


(1) يعنى بذى الودعات الطفل ، لانهم يعلقون عليه الودع . (2) الابيات في معجم الادباء 11 : 131 ، - 132 ، وأمالى المرتضى 1 : 43 ، 44 ، وكنايات الجرجاني 10 . (3) معجم الادباء : (أغضى) ، وذكر بعده : ويصم عما كان بينهما سمعي وما بى غيره وقر (4) البيت مع آ خر في كنايات الثعالبي 3 ، ذكرهما في خبر ، قال : (وأما الكناية بالقوص ، فكما كتب رجل من مغزى كان فيه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوصيه بنسائه : ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدا لك من أخى ثقة إزارى قلائصنا هداك الله إنا شغلنا عنكم زمن الحصار (*)

[ 44 ]

الحافظون ذمام عهدهم والطيبون معاقد الازر (1) الستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر ويقولون في الكناية عن العفيف : ما وضعت مومسة عنده قناعا ، ولا رفع عن مومسة ذيلا . وقد أحسن ابن طباطبا في قوله : فطربت طربة فاسق متهتك وعففت عفة ناسك متحرج (2) الله يعلم كيف كانت عفتى ما بين خلخال هناك ودملج ومن الكناية عن العفة قول ابن ميادة : وما نلت منها محرما غير أننى أقبل بساما من الثغر أفلجا (3) وألثم فاها آخذا بقرونها وأترك حاجات النفوس تحرجا فكنى عن الفعل نفسه بحاجات النفوس ، كما كنى أبو نواس عنه بذلك العمل في قوله : مر بنا والعيون ترمقه تجرح منه مواضع القبل


(1) كذا نسب المؤلف البيتين لزهير ، والثانى في ديوانه 95 ، من قصيدته التى يمدح فيها هرم بن سنان ، ومطلعها : لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهر ونيس منها البيت الاول ، وهو في الكامل 495 ، والآلى 548 من أبيات للخرنق أخت طرفة ، بهذه الرواية ، وخزانة الادب 4 : 301 وكنايات الجرجاني 11 ، والكتاب بهذه الرواية : النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الازر (2) كنايات الجرجاني 10 (3) كنايات الجرجاني 11 (*)

[ 45 ]

أفرغ في قالب الجمال فما يصلح إلا لذلك العمل وكما كنى عنه ابن المعتز بقوله : وزارنى في ظلام الليل مستترا يستعجل الخطو من خوف ومن حذر ولاح ضوء هلال كاد يفضحه مثل القلامة قد قصت من الظفر فقمت أفرش خدى في الطريق له ذلا وأسحب أذيالي على الاثر فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر ومما تطيروا من ذكره ، فكنوا عنه قولهم : (مات) ، فإنهم عبروا عنه بعبارات مختلفة داخلة في باب الكناية ، نحو قولهم : (لعق إصبعه)) . وقالوا : (اصفرت أنامله) لان اصفرار الانامل من صفات الموتى ، قال الشاعر : فقرباني بأبى أنتما من وطنى قبل اصفرار البنان وقبل منعاى إلى نسوه منزلها حران والرقتان (1) وقال لبيد : وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الانامل (2) يعنى الموت . ويقولون في الكناية عنه : صك لفلان على أبى يحيى ، وأبو يحيى كنية الموت ، كنى عنه بضده ، كما كنوا عن الاسود بالابيض ، وقال الخوارزمي : سريعة موت العاشقين كأنما يغار عليهم من هواها أبو يحيى (3)


(1) كنايات الجرجاني 49 وفيها : (والرقمتان) . (2) ديوانه 2 : 28 (3) كنايات الجرجاني 49 ، وثمار القلوب 197 . (*)

[ 46 ]

وكنى رسول الله صلى الله عليه وآله عنه بها ذم (1) اللذات ، فقال : (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) . وقال أبو العتاهية : رأيت المنايا قسمت بين أنفس ونفسي سيأتي بينهن نصيبها (2) فيا هاذم اللذات ما منك مهرب تحاذر نفسي منك ما سيصيبها . وقالوا : حلقت به العنقاء ، وحلقت به عنقاء مغرب ، قال : فلولا دفاعي اليوم عنك تحلقت بشلوك بين القوم عنقاء مغرب (3) . وقالوا فيه : زل الشراك عن قدمه ، قال : لا يسلمون العداة جارهم حتى يزل الشراك عن قدمه (4) أي حتى يموت ، فيستغنى عن لبس النعل . فأما قولهم : (زلت نعله) فيكنى به تارة عن غلطه وخطئه ، وتارة عن سوء حاله واختلال أمره بالفقر ، وهذا المعنى الاخير أراد الشاعر بقوله : سأشكر عمرا ما تراخت منيتى أيادى لم تمنن وإن هي جلت (5)


(1) هاذم ، بالذال ، أي قاطع . (2) ديوانه 35 ، وكنايات الجرجاني 49 (3) كنايات الجرجاني 50 ، وروايته : إذا ما أبن عبد الله خلى مكانه فقد حلفت بالحق عنقاء مغرب (4) كنايات الجرجاني 50 (5) معجم الشعراء للمرزباني ، ونسبها إلى محمد بن سعد الكاتب التميمي ، أمالى القالى 1 : 40 ، ونسبها لبعض الاعراب . وقال أبو عبيد البكري في الآلي : (الشعر لابي الاسود الدؤلى ، وكان عند عمرو بن سعيد العاص ، فيينا هو يحدثه إذ ظهركم قميصه من تحت حبته وبه خرق ، فلما انصرف بعث إليه بعشرة آلاف درهم ومائة ثوب فقال هذا الشعر . وذكر على بن الحسين أن الشعر لعبد الله ابن الزبير الاسدي ، وأنه أتى عمرو بن أبان ، فسأله فقال لوكيله : اقترض لنا مالا ، فقال : ما يعطينا التجار ، فقال : أربحهم ، فاقترض ثمانية آلاف باثنى عشر ألفا فهو أول من تعين (أي استقرض بالربا ، من العنية) ، فقال فيه ابن الزبير : وذكر الابيات : الآلي 166 . وقيل الشعر الابراهيم بن العباس الصولى ، مجموعة المعاني 66 ، معجم الادباء 5 : 158 - مرجيلوت ، ابن خلكان 2 : 247 . والابيات أيضا في حماسة أبى تمام - بشرح المرزوقى 4 : 1589 من غير نسبة . (*)

[ 47 ]

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت رأى خلتى من حيث يخفى مكانها فكانت قذى عينيه حتى تجلت . ويقولون فيه : شالت نعامته ، قال : يا ليت أمي قد شالت نعامتها أيما إلى جنة أيما إلى نار (1) ليست بشبعى ولو أوردتها هجرا ولا بريا ولو حلت بذى قار أي لا يشبعها كثرة التمر ولو نزلت هجر - وهجر كثيرة النخل - ولا تروى ولو نزلت ذا قار ، وهو موضع كثير الماء . قال ابن دريد : والنعامة خط باطن القدم في هذه الكناية . ويقال أيضا للقوم قد تفرقوا بجلاء عن منازلهم : شالت نعامتهم ، وذلك لان النعامة خفيفة الطيران عن وجه الارض ، كأنهم خفوا عن منزلهم . وقال ابن السكيت : يقال لمن يغضب ثم يسكن : شالت نعامته ثم وقعت . وقالوا أيضا في الكناية عن الموت : مضى لسبيله ، واستأثر الله به ، ونقله إلى جواره ، ودعى فأجاب ، وقضى نحبة والنحب : النذر ، كأنهم رأوا أن الموت لما كان حتما في الاعناق كان نذرا . وقالوا في الدعاء عليه : اقتضاه الله بذنبه . إشارة إلى هذا ، وقالوا : ضحا ظله ، ومعناه صار ظله شمسا ، وإذا صار الظل شمسا فقد عدم صاحبه . ويقولون أيضا خلى فلان مكانه ، وأنشد ثعلب للعتبى في السرى بن عبد الله : كأن الذى يأتي السرى لحاجة أباح إليه بالذى جاء يطلب (2) إذا ما ابن عبد الله خلى مكانه فقد حلقت بالجود عنقاء مغرب .


(1) كنايات الجرجاني 50 ، والبيت الاول من شواهد المغنى 1 : 53 (المطبعة الشرقية 1328) ، وفى حاشية الامير : (هو لرجل من عبد القيس ، يقال له سعد ، كان عاقا لامه ، وكانت بارة به) . (2) كنايات الجرجاني 50 (*)

[ 48 ]

وقال دريد بن الصمة : فإن يك عبد الله خلى مكانه فما كان وقافا ولا طائش اليد (1) . وكثير ممن لا يفهم يعتقد أنه أراد بقوله : (خلى مكانه) فر ، ولو كان كذلك لكان هجاء . ويقولون : وقع في حياض غتيم ، وهو اسم للموت (2) . ويقولون : طار من ماله الثمين ، يريدون الثمن ، يقال ثمن وثمين ، وسبع وسبيع ، وذلك لان الميت ترث زوجته من ماله الثمن غالبا ، قال الشاعر يذكر جوده بماله ، ويخاطب امرأته : فلا وأبيك لا أولى عليها لتمنع طالبا منها اليمين (3) فإنى لست منك ولست منى إذا ما طار من مالى الثمين أي إذا مت ، فأخذت ثمنك من تركتي . وقالوا : لحق باللطيف الخبير ، قال : ومن الناس من يحبك حبا ظاهر الود ليس بالتقصير (4) فإذا ما سألته ربع فلس ألحق الود باللطيف الخبير . وقال أبو العلاء : لا تسل عن عداك أين استقروا لحق القوم باللطيف الخبير (5) .


(1) كنايات الجرجاني 50 (2) كنايات الجرجاني 50 . (3) كنايات الجرجاني 50 (4) كنايات الجرجاني 48 ، وقال : هذان ينسبان لدعبل ، بعد البيت الاول : وإذا ما خبرته الطرف على حبه بما في الضمير وإذا ما بحثت قلت : كهذا لى ورأس مال كبير (5) سقط الزند 234 ، وكنايات الجرجاني 48 . (*)

[ 49 ]

ويقولون : قرض رباطه (1) ، أي كاد يموت جهدا وعطشا . وقالوا في الدعاء عليه : لا عد من نفره ، أي إذا عد قومه ، فلا عد معهم ، وإنما يكون كذلك إذا مات ، قال امرؤ القيس : فهو لا تنمى رميته ما له لا عد من نفره (2) . وهذا إنما يريد به وصفه ، والتعجب منه ، لا أنه يدعو عليه حقيقة ، كما تقول لمن يجيد الطعن : شلت يده ، ما أحذقه ! . وقالوا في الكناية عن الدفن : أضلوه وأضلوا به ، قال الله تعالى : (وقالوا أئذا ضللنا في الارض أئنا لفى خلق جديد) (3) ، أي إذا دفنا في الارض . وقال المخبل السعدى : أضلت بنو قيس بن سعد عميدها وسيدها في الدهر قيس بن عاصم (4) . ويقولون للمقتول : ركب الاشقر ، كناية عن الدم ، وإليه أشار الحارث بن هشام المخزومى في شعره ، الذى يعتذر به عن فراره يوم بدر ، عن أخيه أبى جهل بن هشام حين قتل : الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسى بأشقر مزبد (5) * (هامش) (1) الرباط هنا : القلب . (2) ديوانه 125 ، وفى شرحه : قوله : فهو لاتنمى رميته ، أي لا تنهض بالسهم وتغيب عنه ، بل تسقط مكانها لاصابته مقتلها ، يقال : نمت الرمية وأنماها الرامى ، إذا مضت بالسهم فغابت به . . . . . وقوله : (لا عد من نفره) دعاء عليه على وجه التعجب . (3) سورة السجدة 10 (4) اللسان 13 : 419 ، ورواه : (وفارسها) . (5) سيرة ابن هشام 2 : 358 ، (4 - نهج - 5) (*)

[ 50 ]

وعلمت أنى إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوى مشهدى (1) فصددت عنهم والاحبه فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مرصد (2) . أراد بدم أشقر ، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، كناية عنه ، والعرب تقيم الصفة مقام الموصوف كثيرا ، كقوله تعالى : (وحملناه على ذات ألواح ودسر) (2) أي على سفينة ذات ألواح ، وكقول عنترة : * تمكو فريصته كشدق الاعلم (4) * أي كشدق الانسان الاعلم ، أو البعير الاعلم . ويقولون : ترك فلان بجعجاع ، أي قتل ، قال أبو قيس بن الاسلت : من يذق الحرب يجد طعمها مرا وتتركه بجعجاع (5) أي تتركه قتيلا مخلى بالفضاء . ومما كنوا عنه قولهم للمقيد : هو محمول على الادهم ، والادهم القيد ، قال الشاعر : أوعدنى بالسجن والاداهم رجلى ورجلي شثنة المناسم . وقال الحجاج للغضبان بن القبعثرى : لاحملنك على الادهم ، فتجاهل عليه ، وقال : مثل الامير حمل على الادهم والاشهب (6) .


(1) ابن هشام : (ولا يبكى عدوى) . (2) ابن هشام : (مفسد) . (3) سورة القمر 13 (4) من المعلقة 192 - بشرح التبريزي ، وصدره : * وحليل غانية تركت مجدلا * الحليل : الزوج . والغانية : التى استغنت بزوجها ، أو بحسنها ، وقيل : هي الشابة . وتمسكو : تصفر . والفريصة : الموضع الذى يرعد من الدابة والانسان إذا خاف . والاعلم : المشقوق الشفة العليا . (5) جمهرة أشعار العرب 126 . والجعجاع : المكان الذى ينشف فيه الماء . (6) كنايات الجرجاني 42 (*)

[ 51 ]

وقد كنوا عن القيد أيضا بالاسمر ، أنشد ابن عرفة لبعضهم : فما وجد صعلوك بصنعاء موثق بساقيه من سمر القيود كبول قليل الموالى مسلم بجريرة له بعد نومات العيون غليل يقول له البواب أنت معذب غداة غد أو رائح فقتيل بأكثر من وجدى بكم يوم راعني فراق حبيب ما إليه سبيل وهذا من لطيف شعر العرب وتشبيهها . ومن كناياتهم عنه : ركب ردعه ، وأصله في السهم يرمى به فيرتدع نصله فيه ، يقال ارتدع السهم ، إذا رجع النصل في السنخ متجاوزا ، فقولهم : ركب ردعه ، أي وقص فدخل عنقه في صدره ، قال الشاعر وهو من شعر الحماسة (1) : تقول وصكت صدرها بيمينها أبعلى هذا بالرحا المتقاعس (2) ! فقلت لها لا تعجلى وتبيني بلاى إذا التفت على الفوارس ألست أرد القرن يركب ردعه وفيه سنان ذو غرارين يابس (3) لعمر أبيك الخير إنى لخادم لضيفي وإنى إن ركبت لفارس . وأنشد الجاحظ في كتاب ، ، البيان والتبيين ، ، لبعض الخوارج (4) : ومسوم للموت يركب ردعه بين الاسنة والقنا الخطار يدنو وترفعه الرماح كأنه شلو تنشب في مخالب ضارى


(1) الكامل 1 : 142 - بشرح المرصفى ، قال : (ومما يستحسن ويستجاد قول أعرابي من سعد ابن زبد مناة بن تميم ، وكان مملكا ، فنزل به أضياف ، فقام إلى الرحى فطحن لهم ، فمرت به زوجته في نسوة ، فقالت لهن : هذا بعلى ! فأعلم بذلك فقال . . .) ، وذكر الابيات . (2) المتقاعس : الذى يخرج صدره ويدخل ظهره . (3) الغرار : الحد . (4) البيان والتبيين 1 : 406 ، قال : (وذكر أبوالعيزار جماعة من الخوارج بالادب والخطب فقال) . (*)

[ 52 ]

فثوى صريعا والرماح تنوشه إن الشراة قصيرة الاعمار (1) . وقد تطيرت العرب من لفظة البرص ، فكنوا عنه بالوضح ، فقالوا : جذيمة الوضاح ، يريدون الابرص ، وكنى عنه بالابرش أيضا ، وكل أبيض عند العرب وضاح ، ويسمون اللبن وضحا ، يقولون : ما أكثر الوضح عند بنى فلان (2) ! . ومما تفاءلوا به قولهم للفلاة التى يظن فيها الهلاك مفازة ، اشتقاقا من الفوز وهو النجاة ، وقال بعض المحدثين : أحب الفأل حين رأى كثيرا أبوه عن اقتناء المجد عاجز (3) فسماه لقلته كثيرا كتلقيب المهالك بالمفاوز فأما من قال : إن المفازة (مفعلة) من فوز الرجل ، أي هلك ، فإنه يخرج هذه اللفظة من باب الكنايات . ومن هذا تسميتهم اللديغ سليما ، قال : كأنى من تذكر ما ألاقى إذا ما أظلم الليل البهيم (4) سليم مل منه أقربوه وأسلمه المجاور والحميم


(1) ثوى : هلك . تنوشه : تأخذه وتتناوله ، وفى البيان والتبيين بعده : أدباء إما جمعهم خطباء ضمناء كل كتيبة جرار (2) كنايات الجرجاني 53 (3) كنايات الجرجاني 53 (4) كنايات الجرجاني 53 ، ونسبهما إلى بقيلة ، وذكر قبله : أرقت ونام عنى يلوم ولكن أنم أنا والهموم (*)

[ 53 ]

وقال أبو تمام في الشيب (1) : شعلة في المفارق استودعتني في صميم الاحشاء ثكلا صميما (2) تستثير الهموم ما اكتن منها صعدا وهى تستثير الهموما دقة في الحياة تدعى جلالا مثلما سمى اللديغ سليما غرة بهمة ألا إنما كنت أغرا أيام كنت بهيما حلمتنى زعمتم وأرانى قبل هذا التحليم كنت حليما ومن هذا قولهم للاعور : ممتع ، كأنهم أرادوا أنه قد متع ببقاء إحدى عينيه ، ولم يرم ضوءهما معا (3) . ومن كناياتهم على العكس ، قولهم للاسود : يا أبا البيضاء ، وللاسود أيضا : يا كافور ، وللابيض يا أبا الجون ، وللاقرع : يا أبا الجعد . وسموا الغراب أعور لحدة بصره ، قال ابن ميادة : ألا طرقتنا أم عمرو ودونها فياف من البيداء يعشى غرابها


(1) ديوانه 3 : 223 ، من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد بن يوسف ، وطلعها : إن عهدا لو تعلمان ذميما أن تناما عن ليلتى أو تنيما (2) قال شارح الديوان : (الشعلة : تحتمل وجهين : أحدهما أن يكون من شعلة النار ، والآخر أن يكون من شعلة الفرس ، يقال : فرس أشعل ، إذا كان في ذنبه بياض . وقال : (شعلة في المفارق) ، فصنع بذلك ، لان الشعلة جرت عادتها أن تكون في الاذناب ، وهى هنا المفارق ، فهى مخالفة لتلك . وصميم كل شئ : خالصة) . (3) الجرجاني 53 ، وروى في ذلك بيتين : ولقبت بالكفى عمى وجهالة وإن كان أمر العجز عندك أوقعا كما سمى الاعمى بصيرا وسمى اللديغ سليما والمخل ممتعا (*)

[ 54 ]

خص الغراب بذلك لحدة نظره ، أي فكيف غيره . ومما جاء في تحسين اللفظ ما روى أن المنصور كان في بستان داره والربيع بين يديه ، فقال له : ما هذه الشجرة فقال : (وفاق) يا أمير المؤمنين ، وكانت شجرة خلاف ، فاستحسن منه ذلك . ومثل هذا استحسان الرشيد قول عبد الملك بن صالح ، وقد أهدى إليه باكورة فاكهة في أطباق خيزران : بعثت إلى أمير المؤمنين في أطباق قضبان تحمل من جنايا باكورة بستانه ما راج وأينع . فقال الرشيد لمن حضر : ما أحسن ما كنى عن اسم أمنا ! . ويقال : إن عبد الملك سبق بهذه الكناية ، وإن الهادى قال لابن دأب ، وفى يده عصا : ما جنس هذه ؟ فقال : من أصول القنا - يعنى الخيزران . والخيزران أم ا لهادي والرشيد معا . وشبيه بذلك ما يقال : إن الحسن بن سهل كان في يده ضغث من أطراف الاراك ، فسأله المأمون عنه : ما هذه ؟ فقال : (محاسنك) يا أمير المؤمنين ، تجنبا لان يقول : (مساويك) ، وهذا لطيف . ومن الكنايات اللطيفة أن عبد الملك بعث الشعبى إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو أمير مصر يومئذ ، لسبر أخلاقه وسياسته ، ويعود إليه فيخبره بحاله ، فلما عاد سأله فقال : وجدته أحوج الناس إلى بقائك يا أمير المؤمنين ، وكان عبد العزيز يضعف . ومن الالفاظ التى جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وآله من باب الكنايات قوله صلى الله عليه وآله : (بعثت إلى الاسود والاحمر) ، يريد إلى العرب والعجم ، فكنى عن العرب بالسود وعن العجم بالحمر ، ولعرب تسمى العجمي أحمر ، لان الشقرة تغلب عليه .

[ 55 ]

قال ابن قتيبة : خطب إلى عقيل بن علفة المرى ابنته هشام بن اسمعيل المخزومى وكان والى المدينة ، وخال هشام بن عبد الملك - فرده ، لانه كان أبيض شديد البياض ، وكان عقيل أعرابيا جافيا غيورا مفرط الغيرة ، وقال : رددت صحيفة القرشى لما أبت أعراقه إلا احمرارا فرده ، لانه توسم فيه أن بعض أعراقه ينزع إلى العجم ، لما رأى من بياض لونه وشقرته (1) . ومنه قول جرير يذكر العجم : يسموننا الاعراب والعرب اسمنا وأسماؤهم فينا رقاب المزاود (2) وإنما يسمونهم رقاب المزاود ، لانها حمراء . ومن كناياتهم تعبيرهم عن المفاخرة بالمساجلة ، وأصلها من السجل ، وهى الدلو الملئ ، كان الرجلان يستقيان ، فأيهما غلب صاحبه كان الفوز والفخر له ، قال الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبى لهب بن عبد المطلب : وأنا الاخضر من يعرفني أخضر الجلدة من بيت العرب (3) من يساجلنى يساجل ماجدا يملا الدلو إلى عقد الكرب (4) برسول الله وابنى عمه وبعباس بن عبد المطلب ويقال : إن الفرزدق مر بالفضل وهو ينشد : (من يساجلنى) ، فقال : أنا أساجلك ،


(1) عيون الاخبار 4 : 12 (2) كذا ذكره الؤلف ، ولم أجده في ديوانه ، وفى عيون الاخبار (4 : 12) نسبه لرجل من الاعراب . (3) الخبر في الكامل 1 : 110 ، والابيات في ستة مع الخبر ، في الاغانى 14 : 171 - 15 : 3 ، وهى في كنايات الجرجاني 51 . (4) الكرب : حبل يشد على عراقى الدلو . (*)

[ 56 ]

ونزع ثيابه ، فقال الفضل : (برسول الله وابن عمه) ، فلبس الفرزدق ثيابه ، وقال : أعض الله من يساجلك بما نفت المواسى من بظر أمه . ورواها أبو بكر بن دريد : (بما أبقت المواسى) . وقد نزل القرآن العزيز على مخرج كلام العرب في المساجلة فقال تبارك وتعالى : (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم) (1) ، الذنوب : الدلو ، والمراد ما ذكرناه . وقال المبرد : المراد بقوله : (وأنا الاخضر) ، أي الاسمر والاسود . والعرب كانت تفتخر بالسمرة والسواد ، وكانت تكره الحمرة والشقرة ، وتقول : إنهما من ألوان العجم . وقال ابن دريد : مراده أن بيتى ربيع أبدا مخصب ، كثير الخير ، لان الخصب مع الخضرة ، وقال الشاعر : قوم إذا اخضرت نعالهم يتناهقون تناهق الحمر (2) أي إذا أعشبت الارض اخضرت نعالهم من وطئهم إياها ، فأغار بعضهم على بعض ، والتناهق هاهنا : أصواتهم حين ينادون للغارة ، ويدعو بعضهم بعضا ، ونظير هذا البيت قول الآخر : قوم إذا نبت الربيع لهم نبتت عداوتهم مع البقل (3) أي إذا أخصبوا وشبعوا غزا بعضهم بعضا ، ومثله قول الآخر : يا بن هشام أهلك الناس اللبن فكلهم يغدو بسيف وقرن (4) . أي تسفهوا لما رأوا من كثرة اللبن والخصب ، فأفسدوا في الارض ، وأغار بعضهم على بعض . والقرن : الجعبة .


(1) سورة الذاريات 59 . (2) كنايات الجرجاني 52 . (3) كنايات الجرجاني 52 . (4) كنايات الجرجاني 52 . (*)

[ 57 ]

وقيل لبعضهم : متى يخاف من شر بنى فلان ؟ فقال : إذا ألبنوا . ومن الكنايات الداخلة في باب الايماء قول الشاعر : فتى لا يرى قد القميص بخصره ولكنما يوهى القميص عواتقه (1) . لما كان سلامة القميص من الخرق في موضع الخصر ، تابعا لدقة الخصر ، ووهنه في الكاهل تابعا لعظم الكاهل ، ذكر ما دل بهما على دقه خصر هذا الممدوح وعظم كاهله ومنه قول مسلم بن الوليد : فرعاء في فرعها ليل على قمر على قضيب على حقف النقا الدعس (2) كأن قلبى وشاحاها إذا خطرت وقلبها قلبها في الصمت والخرس تجرى محبتها في قلب عاشقها مجرى السلامة في أعضاء منتكس فلما كان قلق الوشاح تابعا لدقة الخصر ذكره دالا به عليه . ومن هذا الباب قول القائل : إذا غرد المكاء في غير روضة فويل لاهل الشاء والحمرات (3) . أومأ بذلك إلى الجدب ، لان المكاء يألف الرياض ، فإذا أجدبت الارض سقط في عير روضة ، وغرد ، فالويل حينئذ لاهل الشاء والحمر . ومنه قول القائل : لعمري لنعم الحى حى بنى كعب إذا جعل الخلخال في موضع القلب


(1) كنايات الجرجاني 52 ، وفيه (كواهله) . (2) كنايات الجرجاني 52 . (3) المكاء : طائر أبيض ، يكون بالحجاز ، وله صفير . (*)

[ 58 ]

القلب السوار ، يقول : نعم الحى هؤلاء إذا ريع الناس وخافوا ، حتى إن المرأة لشدة خوفها تلبس الخلخال مكان السوار ، فاختصر الكلام اختصارا شديدا . ومنه قول الافوه الاودى : إن بنى أود هم ما هم للحرب أو للجدب عام الشموس (1) أشار إلى الجدب وقلة السحب والمطر ، أي الايام التى كلها أيام شمس وصحو ، لا غيم فيها ولا مطر . فقد ذكرنا من الكنايات والتعريضات وما يدخل في ذلك ، ويجرى مجراه من باب الايماء والرمز قطعة صالحة ، وسنذكر شيئا آخر من ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى ، إذا مررنا في شرح كلامه عليه السلام بما يقتضيه ويستدعيه .


(1) ديوانه 16 (ضمن مجموعة الطرائف الادبية) . (*)

[ 59 ]

[ حقيقة الكناية والتعريض والفرق بينهما ] وقد كنا وعدنا أن نذكر كلاما كليا في حقيقة الكناية والتعريض ، والفرق بينهما ، فنقول : الكناية قسم من أقسام المجاز ، وهو إبدال لفظة عرض في النطق بها مانع ، بلفظة لا مانع عن النطق بها ، كقوله عليه السلام : (قرارات النساء) ، لما وجد الناس قد تواضعوا على استهجان لفظة (أرحام النساء) . وأما التعريض فقد يكون بغير اللفظ ، كدفع أسماء بن خارجة الفص الفيروزج الازرق من يده إلى ابن معكبر الضبى إذ كارا له ، بقول الشاعر : * كذا كل ضبى من اللؤم ازرق (1) * فالتعريض إذا هو التنبيه بفعل أو لفظ على معنى اقتضت الحال العدول عن التصريح به . وأنا أحكى هاهنا كلام نصر الله بن محمد بن الاثير الجزرى في كتابه المسمى ، ، بالمثل السائر ، ، في الكناية والتعريض (2) ، وأذكر ما عندي فيه ، قال : خلط أرباب هذه الصناعة الكناية بالتعريض ، ولم يفصلوا بينهما ، فقال ابن سنان : (3) إن قول امرئ القيس : فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال


(1) انظر صفحة 31 من هذا الجزاء . (2) المثل السائر 2 : 191 وما بعدها ، مع تصرف في العبارات . (3) سر الفصاحة لابن سنان الخفاجى 176 . (*)

[ 60 ]

من باب الكناية (1) ، والصحيح أنه من باب التعريض . قال : وقد قال الغانمى والعسكري وابن حمدون وغيرهم نحو ذلك ، ومزجوا أحد القسمين بالآخر . قال : وقد حد قوم الكناية فقالوا : هي اللفظ الدال على الشئ بغير الوضع الحقيقي ، بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه ، كاللمس والجماع ، فإن الجماع اسم لموضوع حقيقي ، واللمس كناية عنه ، وبينهما وصف جامع ، إذ الجماع لمس وزيادة ، فكان دالا عليه بالوضع المجازى . قال : وهذا الحد فاسد ، لانه يجوز أن يكون حدا للتشبيه والمشبه ، فإن التشبيه هو اللفظ الدال على الوضع الحقيقي الجامع بين المشبه والمشبة به في صفة من الاوصاف ، ألا ترى إذا قلنا : زيد أسد ، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي ، بوصف جامع بين زيد والاسد ، وذلك الوصف هو الشجاعة (2) . قال : وأما (3) أصحاب أصول الفقه ، فقالوا في حد الكناية : إنها اللفظ المحتمل ، ومعناه أنها اللفظ الذى يحتمل الدلالة على المعنى ، وعلى خلافه . وهذا منقوض بالالفاظ المفردة المشتركة ، وبكثير من الاقوال المركبة المحتملة للشئ وخلافه ، وليست بكنايات . قال : وعندي أن الكنايات لا بد أن يتجاذبها جانبا حقيقة ومجاز ، ومتى أفردت جاز حملها على الجانبين معا ، ألا ترى أن اللمس في قوله سبحانه : (أو لامستم النساء) (4)


(1) في المثل السائر : (وهذا مثل ضربه للكناية عن المباضعة) . (2) في المثل السائر بعدها : (ومن هنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في الذى ذكرته في هذه الكناية) . (3) المثل السائر : (علماء) . (4) سورة النساء آية : 43 . (*)

[ 61 ]

يجوز حمله على الحقيقة والمجاز ، وكل منهما يصح به المعنى ولا يختل ! (1 ولهذا قال الشافعي : إن ملامسة المرأة تنقض الوضوء والطهارة 1) . وذهب غيره إلى أن المراد باللمس في الآية الجماع ، وهو الكناية المجازية ، فكل موضع يرد فيه الكناية ، فسبيله هذا السبيل ، وليس التشبيه بهذه الصورة ولا غيره من أقسام المجاز ، لانه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة ، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى ، ألا ترى أنا إذا قلنا : زيد أسد لم يصح أن يحمل إلا على الجهة المجازية ، وهى التشبيه بالاسد في شجاعته ، ولا يجوز حمله على الجهة الحقيقية لان (زيدا) لا يكون سبعا ذا أنياب ومخالب ، فقد صار إذن حد الكناية أنها اللفظ الدال على معنى يجوز حمله على جانبى ، الحقيقة والمجاز ، بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز . قال : والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشئ وتريد غيره ، يقال : كنيت بكذا عن كذا ، فهى تدل على ما تكلمت به ، وعلى ما أردته من غيره فلا يخلو (2) إما أن يكون في لفظ تجاذبه (3 جانبا حقيقة وحقيقة ، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز ، أو في لفظ لا يتجاذبه أمر . وليس لنا قسم رابع 3) . والثانى باطل ، لان ذاك هو اللفظ المشترك ، فإن أطلق من غير قرينة مخصصة كان مبهما غير مفهوم ، وإن كان معه قرينة صار مخصصا لشئ بعينه ، والكناية أن تتكلم بشئ وتريد غيره ، وذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة ، لانه يختص بشئ واحد بعينه ، ولا يتعداه إلى غيره ، والثالث باطل أيضا ، لان المجاز لا بد له من حقيقة ينقل عنها لانه فرع عليها .


(1 - 1) المثل السائر : (ولهذا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد ، فأوجب الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة ، وذلك هو الحقيقة في اللمس) . (2) المثل السائر : (وعلى هذا فلا تخلو) . (3 - 3) المثل السائر : (تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز ، آو في لفظ : تجاذبه جانبا مجاز ومجاز ، أو في لفظ تجاذبه جانبا : حقيقة وحقيقة ، وليس لنا قسم رابع) . (*)

[ 62 ]

وذلك اللفظ الدال على المجاز ، إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركه في الدلالة عليه ، كأن اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء : أحدها الحقيقة ، والآخران المجازان . وهذا مخالف لاصل الوضع ، لان أصل الوضع أن تتكلم بشئ وأنت تريد غيره ، وهاهنا يكون قد تكلمت بشئ وأنت تريد شيئين غيرين ، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا لاصل الوضع أيضا ، إذ أصل الوضع أن تتكلم بشئ وأنت تريد غيره ، فيكون الذى تكلمت به دالا على غيره ، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة ، لم يكن الذى تكلمت به ، وهذا محال ، فثبت إذن أن الكناية هي أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز . قال : وهذا مما لم يسبقنى إليه أحد . ثم قال : قد يأتي من الكلام ما يجوز أن يكون كناية ، ويجوز أن يكون استعارة ، ويختلف ذلك باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده . كقول نصر بن سيار [ في أبياته المشهورة التى يحرض بها على بنى أمية عند خروج أبى مسلم ] (1) : أرى خلل الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون له ضرام (2) فإن النار بالزندين تورى وإن الحرب أولها كلام (3)


(1) من المثل السائر . (2) الابيات في الاخبار الطوال 340 (3) الاخبار الطوال : * وإن الشر مبدؤه الكلام * (*)

[ 63 ]

أقول من التعجب : ليت شعرى أأيقاظ أمية أم نيام (1) ! فالبيت الاول لو ورد بمفرده لكان كناية ، لانه لا يجوز حمله على جانبى الحقيقة والمجاز (2) ، فإذا نظرنا إلى الابيات بجملتها ، كان البيت الاول المذكور استعارة لا كناية . ثم أخذ في الفرق بين الكناية والتعريض ، فقال : التعريض هو اللفظ الدال على الشئ من طريق المفهوم ، لا بالوضع الحقيقي ولا بالمجازي ، فإنك إذا قلت لمن تتوقع معروفه وصلته بغير طلب : أنا محتاج ولا شئ في يدى ، وأنا عريان والبرد قد آذانى ، فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب وليس اللفظ موضوعا للطلب ، لا حقيقة ولا مجازا ، وإنما يدل عليه من طريق المفهوم بخلاف قوله : (أو لا مستم النساء) (3) ، وعلى هذا ورد تفسير التعريض في خطبة النكاح ، كقولك للمرأة : أنت جميلة ، أو إنك خلية وأنا عزب . فإن هذا وشبهه لا يدل على طلب النكاح بالحقيقة ولا بالمجاز ، والتعريض أخفى من الكناية ، لان دلالة الكناية وضعية من جهة المجاز ، ودلالة التعريض من جهة المفهوم المركب ، وليست وضعيه ، وإنما يسمى التعريض تعريضا ، لان المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ المفهوم ، أي من جانبه .


(1) الاخبار الطوال : (أقول) ، وبعده في المثل السائر : فإن هبوا فذاك بقاء ملك وإن رقدوا لا ألام وبعده في الاخبار الطوال : فإن يك أصبحوا وثووا نياما فقل قوموا فقد حان القيام (2) في المثل السائر بعد هذه الكلمة : (أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد ، وأنه سيضطرم ، وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن ، ومثله بوميض جمر من خلل الرماد) . (3) في المثل السائر : (بخلاف دلالة اللمس على الجماع) . (*)

[ 64 ]

قال : وأعلم أن الكناية تشتمل على اللفظ المفرد ، واللفظ المركب ، فتأتى على هذا مرة ، وعلى هذا أخرى ، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب ، ولا يأتي في اللفظ المفرد البتة ، لانه لا يفهم المعنى فية من جهة الحقيقة ، ولا من جهة المجاز ، بل من جهة التلويح والاشارة ، وهذا أمر لا يستقل به اللفظ المفرد ، ويحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب . قال : فقد ظهر فيما قلنا في البيت الذى ذكره ابن سنان مثال الكناية ، ومثال التعريض هو بيت امرئ (1) القيس ، لان غرض الشاعر منه أن يذكر الجماع ، إلا أنه لم يذكره بل ذكر كلاما آخر ، ففهم الجماع من عرضه ، لان المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يدلان على الجماع ، لاحقيقه ولا مجازا . ثم ذكر أن من باب الكناية قوله سبحانه : (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار . . .) (2) الآية . قال : كنى بالماء عن العلم ، وبالاودية عن القلوب ، وبالزبد عن الضلال . قال : وقد تحقق ما اخترعناه وقدرناه من هذه الآية ، لانه يجوز حملها على جانب الحقيقة ، كما يجوز حملها على جانب المجاز . قال : وقد أخطأ الفراء حيث زعم أن قوله سبحانه وتعالى : (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) (3) كناية عن أمر النبي صلى الله عليه وآله ، وأنه كنى عنه بالجبال . قال : ووجه الخطأ أنه لا يجوز أن يتجاذب اللفظ هاهنا جانبا الحقيقة والمجاز ، لان مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية ، فالآية إذا من باب المجاز لا من باب الكناية .


(1) هو بيت امرئ القيس : فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا * * ورضت فذلت صعبة أي إذلال (2) سورة الرعد 17 . (3) سورة إبراهيم 46 . (*)

[ 65 ]

قال : ومن الكنايات المستحسنة قوله عليه السلام للحادي بالنساء : (ياأنجشة رفقا بالقوارير) . وقول امرأة لرجل قعد منها مقعد القابلة : لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه . وقول بديل بن ورقاء الخزاعى لرسول الله صلى الله عليه وآله : إن قريشا قد نزلت على ماء الحديبية معها العوذ المطافيل ، وإنهم صادوك عن البيت . قال : فهذه كناية عن النساء والصبيان ، لان العوذ المطافيل : الابل الحديثات النتاج ومعها أولادها . ومن الكناية ما ورد في شهادة الزنا أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة . ومنها قول عمر لرسول الله صلى الله عليه وآله : هلكت يا رسول الله . قال : (وما أهلكك ؟) ، قال : حولت رحلى البارحة (1) . قال : أشار بذلك إلى الاتيان (2) في غير المأتى . ومنها قول ابن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا : (لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك) . قال : ومن الكنايات المستقبحة قول الرضى يرثى امرأة : * إن لم تكن نصلا فغمد نصول * لان الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح ، وإنما سرقه من قول الفرزدق في امرأته وقد ماتت بجمع : وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح عليه ولم أبعث عليه البواكيا (3)


(1) في المثل السائر بعدها : (فقال له النبي صلى الله عليه وسلم) : أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة . (2) في ا ، ج : (إتيان) . (3) ديوانه 884 ، وانظر ص 40 من هذا الجزء . (5 - نهج - 5) (*)

[ 66 ]

وفى جوفه من دارم ذو حفيظة لو أن المنايا أخطأته لياليا فأخذه الرضى فأفسده ولم يحسن تصريفه . قال : فأما أمثلة التعريض فكثيرة ، منها قوله تعالى : (قال الملا الذين قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك أتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) ف (1) ، فقوله : (ما نراك إلا بشرا مثلنا) تعريض بأنهم أحق بالنبوة ، وأن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في واحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملا وموازيهم في المنزلة ، فما جعلك أحق بالنبوة منهم ! ألا ترى إلى قوله : (وما نرى لكم علينا من فضل) . هذه خلاصة ما ذكره ابن الاثير في هذا الباب . واعلم أنا قد تكلمنا عليه في كثير من هذا الموضع في كتابنا الذى أفردناه للنقض عليه ، وهو الكتاب المسمى ب (الفلك الدائر على المثل السائر) فقلنا (2) أولا : إنه اختار حد الكناية وشرع يبرهن (3) على التحديد ، والحدود لا يبرهن عليها ، ولا هي من باب الدعاوى التى تحتاج إلى الادلة ، لان من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص ، لا يحتاج إلى دليل ، كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل . ثم يقال له : لم قلت : إنه لا بد من أن يتردد لفظ الكناية بين محملى حقيقة ومجاز ، ولم لا يتردد بين مجازين ؟ وما استدللت به على ذلك لا معنى له . . . أما أولا ، فلانك أردت أن تقول : إما أن تكون للفظة الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة ، أو لا يكون لها في الدلالة على الحقيقة شركة ، لان كلامك هكذا يقتضى ، ولا ينتظم إلا إذا قلت هكذا فلم تقله . وقلت : إما أن يكون للحقيقة شركة في


(1) سورة هود 27 . (2) الفلك الدائر 170 وما بعدها مع اختلاف في العباراة . (3) ا ، ج : (عن) . (*)

[ 67 ]

اللفظ الدال على المجازين ، وهذا قلب للكلام الصحيح وعكس له . وأما ثانيا فلم قلت : إنه لا يكون للفظه الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة التى هي أصل لهما ، فأما قولك هذا يقتضى أن يكون الانسان متكلما بشئ وهو يريد شيئين غيره ، وأصل الوضع أن يتكلم بشئ وهو يريد غيره ، فليس معنى قولهم : الكناية أن تتكلم بشئ وأنت تريد غيره ، أنك تريد شيئا واحدا غيره ، كلا ليس هذا هو المقصود ، بل المقصود أن تتكلم بشئ وأنت تريد ما هو مغاير له ، وإن أردت (1 شيئا واحدا 1) ، اأو شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد ، فقد أردت ما هو مغاير له ، لان كل مغاير لما دل عليه ظاهر لفظك فليس في لفظه غير ما يقتضى الوحدة والافراد . وأما ثالثا فلم لا يجوز أن يكون للفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أصلا ، بل يدل على المجازين فقط ، فأما قولك إذا خرجت الحقيقة عن أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذى تكلمت به دالا على ما تكلمت به وهو محال ، ومرادك بهذا الكلام المقلوب أنه إذا خرجت اللفظة عن أن يكون لها شركة في الدلالة على الحقيقة التى هي موضوعة لها في الاصل لم يكن ما تكلم به الانسان دالا على ما تكلم به ، وهو حقيقة ، ولا دالا أيضا على ما تكلم به وهو مجاز ، لانه إذا لم يدل على الحقيقة ، وهى الاصل ، لم يجز أن يدل على المجاز الذى هو الفرع ، لان انتفاء الدلالة على الاصل ، يوجب انتفاء الدلالة على الفرع ، وهكذا يجب أن يتأول استدلاله ، وإلا لم يكن له معنى محصل ، لان اللفظ هو الدال على مفهوماته ، وليس المفهوم دالا على اللفظ ، ولا له شركة في الدلالة عليه ، ولا على مفهوم آخر يعترض اللفظ بتقدير انتقال اللفظ ، اللهم إلا أن يكون دلالة عقلية ، وكلامنا في الالفاظ ودلالتها .


(1 - 1) ساقط من ب ، وأثبته من ا ، ج . (*)

[ 68 ]

فإذا أصلحنا كلامه على ما ينبغى ، قلنا له في الاعتراض عليه : لم قلت إنه إذا خرج اللفظ عن أن يكون له شركة في الدلالة على الحقيقة ، لم يكن ما تكلم به الانسان دالا على ما تكلم به ؟ ولم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة ، فإذا تكلم الانسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد ذينك المجازين ، ولا يكون له تعرض ما بتلك الحقيقة ، فلا يكون الذى تكلم به غير دال على ما تكلم به ، لان حقيقة تلك اللفظة قد صارت ملغاة منسية ، فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذى يتكلم به المتكلم غير دال على ما تكلم به ، لانها قد خرجت بترك الاستعمال ، عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم . ثم يقال ؟ : إنك منعت أن يكون قولنا : (زيد أسد) . كناية وقلت : لانه لا يجوز أن يحمل أحد هذا اللفظ على أن (زيدا) هو السبع ذو الانياب والمخالب ، ومنعت من قول الفراء إن الجبال في قوله : (لتزول منه الجبال) كناية عن دعوة محمد صلى الله عليه وآله وشريعته ، لان أحدا لا يعتقد ولا يتصور أن مكر البشر يزيل الجبال الحقيقية عن أماكنها ، ومنعت من قول من قال إن قول الشاعر : * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب (1) * من باب الكناية ، لان أحدا لا يتصور أن الحقائب - وهى جمادات - تثنى وتشكر . وقلت : لا بد أن يصح حمل لفظ الكناية على محملى الحقيقة والمجاز . ثم قلت : إن


(1) لنصيب ، من أبيات يمدح فيها سليمان بن عبد اللملك وصدره : * فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله * البيان والتبيين 1 : 83 . (*)

[ 69 ]

قول عبد الله بن سلام لصاحب الثوب المعصفر : (لو أنك جعلت ثوبك في تنور أهلك) كناية ، وقول الرضى في امرأة ماتت : * أن لم تكن نصلا فغمد نصول * كناية ، وإن كانت مستقبحة ، وقول النبي صعى الله عليه وآله : (يا أنجشة رفقا بالقوارير) ، وهو يحدو بالنساء كناية ، فهل يجيز عاقل قط أو يتصور في الاذهان أن تكون المرأة غمدا للسيف ! وهل (يحمل (1) أحد) قط قوله للحادي (رفقا بالقوارير) على أنه يمكن أن يكون نهاه عن العنف بالزجاج ، أو يحمل أحد قط قول ابن سلام على أنه أراد إحراق الثوب بالنار ، أو يحمل قط أحد قوله : (الميل في المكحلة) على حقيقتها ، أو يحمل قط أحد قوله : (لا يحل لك فض الخاتم) على حقيقته ! وهل يشك عاقل قط في أن هذه الافاظ ليست دائرة بين المحملين دوران اللمس والجماع والمصافحة ، وهذه مناقضة ظاهرة ، ولا جواب عنها إلا بإخراج هذه المواضع من باب الكناية ، أو بحذف ذلك الشرط الذى اشترطته في حد الكناية . فأما ما ذكره حكاية عن غيره في حد الكناية بأنها اللفظ الدال على الشئ بغير الوضع الحقيقي ، بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه . وقوله : هذا الحد هو حد التشبيه ، فلا يجوز أن يكون حد الكناية . فلقائل أن يقول : إذا قلنا : زيد أسد ، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي ، وذلك المدلول هو بعينه الوصف المشترك بين المشبه والمشبه به ، ألا ترى أن المدلول هو الشجاعة وهى المشترك بين زيد وألاسد ، وأصحاب الحد قالوا في حدهم : الكناية هي اللفظ الدال على الشئ بغير الوضع الحقيقي ، باعتبار وصف جامع بينهما ، فجعلوا المدلول أمرا


(1) ب : (يحمل قط) . (*)

[ 70 ]

والوصف الجامع أمرا آخر باعتباره وقت الدلالة ، ألا ترى أن لفظ (لامستم) يدل على الجماع الذى لم يوضع لفظ (لامستم) له ، وإنما يدل عليه باعتبار أمر آخر ، هو كون الملامسة مقدمة الجماع ومفضية إليه ، فقد تغاير إذن حد التشبيه (1) وحد الكناية ، ولم يكن أحدهما هو الآخر . فأما قوله : إن الكناية قد تكون بالمفردات ، والتعريض لا يكون بالمفردات ، فدعوى ، وذلك أن اللفظ المفرد لا ينتظم منه فائدة ، وإنما تفيد الجملة المركبة من مبتدإ وخبر ، أو من فعل وفاعل ، والكناية والتعريض في هذا الباب سواء ، وأقل ما يمكن أن يقيد في الكناية قولك : لامست هندا ، وكذلك أقل ما يمكن أن يفيد في التعريض : (أنا عزب) ، كما قد ذكره هو في أمثلة التعريض . فإن قال : أردت أنه قد يقال : اللمس يصلح أن يكنى به عن الجماع ، واللمس لفظ مفرد . قيل له : وقد يقال التعزب يصلح أن يعرض به في طلب النكاح . فأما قوله : إن بيت نصر بن سيار ، إذا نظر إليه لمفرده صلح أن يكون كناية ، وإنما يخرجه عن كونه كناية ضم الابيات التى بعده إليه ، ويدخله في باب الاستعارة ، فلزم عليه أن يخرج قول عمر : (حولت رحلى) عن باب الكناية بما انضم إليه من قوله : (هلكت) ، وبما أجابه رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : (أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة) ، وبقرينة الحال . وكان يجب ألا تذكر هذه اللفظة في أمثلة الكنايات . فأما بيت امرئ القيس فلا وجه لاسقاطه من باب الكناية وإدخاله في باب


(1) ا ، ج (هو والكناية) . (*)

[ 71 ]

التعريض ، إلا فيما اعتمد عليه ، من أن من شرط الكناية أن يتجاذبها جانبا حقيقة ومجاز ، وقد بينا بطلان اشتراط ذلك ، فبطل ما يتفرع عليه . وأما قول بديل بن ورقاء : (معها العوذ المطافيل) فإنه ليس بكناية عن النساء والاولاد كما زعم ، بل أراد به الابل ونتجها ، فإن كتب السير كلها متفقة على أن قريشا لم يخرج معها في سنه الحديبية نساؤها وأولادها ، ولم يحارب رسول الله صلى الله عليه وآله قوما أحضروا معهم نساءهم وأولادهم ، إلا هوازن يوم حنين ، وإذا لم يكن لهذا الوجه حقيقة ولا وجود ، فقد بطل حمل اللفظ عليه . فأما ما زرى به على الرضى رحمه الله تعالى من قوله : * إن لم تكن نصلا فغمد نصول * وقوله : هذا مما يسبق الوهم فيه إلى ما يستقبح ، واستحسانه شعر الفرزدق ، وقوله : إن الرضى أخذه منه فأسا الاخذ ، فالوهم الذى يسبق إلى بيت الرضى يسبق مثله إلى بيت الفرزدق ، لانه قد جعل هذه المرأة جفن السلاح ، فإن كان الوهم يسبق هناك إلى قبيح فهاهنا أيضا يسبق إلى مثله . وأما الآية التى مثل بها على التعريض ، فإنه قال : إن قوله تعالى : (ما نراك إلا بشرا مثلنا) تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه ، ولم يبين ذلك ، وإنما قال : فحوى الكلام أنهم قالوا له : هب أنك واحد من الملاء وموازيهم في المنزلة ، فما جعلك أحق بالنبوة منهم ! ألا ترى إلى قوله : (وما نرى لكم علينا من فضل) ! وهذا الكلام لا يقتضى ما ادعاه أولا من التعريض ، لانه ادعى أن قوله : (ما نراك إلا بشرا مثلنا) تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه ، وما قرره به يقتضى مساواته لهم ، ولا يقتضى كونهم أحق بالنبوة منه ، فبطل دعوى الاحقية ، التى زعم أن التعريض إنما كان (1) بها .


(1) ا : (يكون) . (*)

[ 72 ]

فأما قوله تعالى : (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا) وقوله : إن هذا من باب الكناية وأنه تعالى كنى به عن العلم والضلال وقلوب البشر ، فبعيد ، والحكيم سبحانه لا يجوز أن يخاطب قوما بلغتهم ، فيعمى عليهم ، وأن يصطلح هو ونفسه على ألفاظ لا يفهمون المراد بها ، وإنما يعلمها هو وحده ، ألا ترى أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى : (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) (1) على أنه أراد أنا زينا رءوس البشر بالحواس الباطنة والظاهرة المجعولة فيها ، وجعلناها بالقوى الفكرية والخيالية المركبة في الدماغ راجمة وطاردة للشبه المضلة ، وإن من حمل كلام الحكيم سبحانه على ذلك ، فقد نسبه إلى الالغاز والتعمية ، وذلك يقدح في حكمته تعالى . والمراد بالآية المقدم ذكرها ظاهرها ، والمتكلف لحملها على غيرها سخيف العقل ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : (ومما يوقدون عليه في النار أبتغاء حلية أو متاع زبد مثله) (2) ، أفترى الحكيم سبحانه يقول : إن للذهب والفضة زبدا مثل الجهل والضلال ، ويبين ذلك قوله : (كذلك يضرب الله الامثال) (2) ، فضرب سبحانه الماء الذى يبقى في الارض ، فينتفع (3) به الناس ، والزبد الذى يعلو فوق الماء فيذهب جفاء مثلا للحق والباطل كما صرح به سبحانه فقال : (كذلك يضرب الله الحق والباطل (2) ، ولو كانت هذه الآية من باب الكنايات ، وقد كنى سبحانه بالاودية عن القلوب ، وبالماء الذى أنزله من السماء عن العلم ، وبالزبد عن الضلال ، لما جعل تعالى هذه الالفاظ أمثالا ، فإن الكناية خارجة عن باب المثل ، ولهذا لا تقول إن قوله تعالى : (أو لامستم النساء) من باب المثل ، ولهذا أفرد هذا الرجل في كتابه بابا آخر غير باب الكناية ، سماه باب المثل ، وجعلهما قسمين متغايرين في علم البيان ، والامر في هذا * (هامش) (1) سورة الملك 5 (2) سورة الرعد 17 (3) ا : (لينفع) . (*)

[ 73 ]

الموضع واضح ، ولكن هذا الرجل كان يحب هذه الترهات ، ويذهب وقته فيها ، وقد استقصينا في مناقضته والرد عليه في كتابنا الذى أشرنا إليه . فأما قوله عليه السلام : (كلما نجم منهم قرن قطع) ، فاستعارة حسنة ، يريد : كلما ظهر منهم قوم استؤصلوا ، فعبر عن ذلك بلفظة (قرن) كما يقطع قرن الشاة إذا نجم ، وقد صح إخباره عليه السلام عنهم أنهم لم يهلكوا بأجمعهم في وقعة النهروان ، وأنها دعوة سيدعو إليها قوم لم يخلقوا بعد ، وهكذا وقع وصح إخباره عليه السلام أيضا أنه سيكون آخرهم لصوصا سلابين ، فإن دعوة الخوارج اضمحلت ، ورجالها فنيت ، حتى أفضى الامر إلى أن صار خلفهم قطاع طريق ، متظاهرين بالفسوق والفساد في الارض . [ مقتل الوليد بن طريف الخارجي ورثاء أخته له ] فممن انتهى أمره منهم إلى ذلك الوليد بن طريف الشيباني (1) . في أيام الرشيد بن المهدى ، فأشخص إليه يزيد بن مزيد الشيباني فقتله ، وحمل رأسه إلى الرشيد ، وقالت أخته ترثيه ، وتذكر أنه كان من أهل التقى والدين ، على قاعدة شعراء الخوارج ، ولم يكن الوليد كما زعمت : أيا شجر الخابور ما لك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف (2) فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنا وسيوف


(1) انظر ترجمة الوليد بن طريف في ابن خلكان 2 : 179 (2) هي الفارعة بنت الوليد ، من قصيدة طويلة ، نقلها ابن خلكان في ترجمة الوليد ، وقال : (وكان للوليد المذكور أخت تسمى الفارعة - وقيل فاطمة - تجيد الشعر وتسلك سبيل الخنساء في مراثيها لاخيها صخر ، فرثت الفارعة أخاها بقصيدة أجادت فيها ، وهى قليلة الجود ، ولم أجد في مجاميع كتب الادب إلا بعضها ، حتى إن أبا على الفالى لم يذكر منها في أماليه سوى أربعة أبيات ، فاتفق أنى ظفرت بها كاملة فأثبتها لغرابتها وحسنها ، وهى هذه) . وأورد القصيدة ومنها أبيات في أمالى الفالى 2 : 284 ، واللآلئ 913 ، وتاريخ الطبري 10 : 65 ، وشرح شواهد الغنى 55 . (*)

[ 74 ]

ولا الذخر إلاكل جرداء شطبة وكل رقيق الشفرتين خفيف (1) فقدناك فقدان الربيع وليتنا فديناك من ساداتنا بألوف وقال مسلم بن الوليد يمدح يزيد بن مزيد ، ويذكر قتله الوليد : والمارق ابن طريف قد دلفت له بعارض للمنايا مسبل هطل (2) لو أن شرا بكى مما أطاف به فاز الوليد بقدح الناضل الخصل (3) ما كان جمعهم لما لقيتهم إلا كرجل جراد ريع منجفل فاسلم يزيد فما في الملك من أود إذا سلمت ، ولا في الدين من خلل [ خروج ابن عمرو الخثعمي وأمره مع محمد بن يوسف الطائى ] ثم خرج في أيام المتوكل ابن عمرو الخثعمي ، بالجزيرة فقطع الطريق ، وأخاف السبيل وتسمى بالخلافة ، فحاربه أبو سعيد محمد بن يوسف الطائى الثغرى الصامتى ، فقتل كثيرا من أصحابه ، وأسر كثيرا منهم ، ونجا بنفسه هاربا ، فمدحه أبو عبادة البحترى ، وذكر ذلك فقال : كنا نكفر من أمية عصبة طلبوا الخلافة فجرة وفسوقا (5) ونلوم طلحة والزبير كليهما ونعنف الصديق والفاروقا ونقول تيم أقربت وعديها أمرا بعيدا حيث كان سحيقا وهم قريش الابطحون إذا انتموا طابوا أصولا في العلا وعروقا


(1) الجردا : الفرس القصيرة الشعر والشطبة : السبطة اللحم . (2) ديوانه . . (3) الخصل : إصابة الغرض . (4) ديوانه 145 ، من قصيدة أولها : أأفاق صب من هوى فأفيقا أم خان عهدا أم أطاع شقيقا (*)

[ 75 ]

حتى غدت جشم بن بكر تبتغى إرث النبي وتدعيه حقوقا ، جاءوا براعيهم ليتخذوا به عمدا إلى قطع الطريق طريقا عقدوا عمامته برأس قناته ورأوه برا فاستحال عقوقا وأقام ينفذ في الجزيرة حكمه ويظن وعد الكاذبين صدوقا حتى إذا ما الحية الذكر انكفى من أرزن حربا يمج حريقا (1) غضبان يلقى الشمس منه بهامة يعشى العيون تألقا وبروقا أوفى عليه فظل من دهش يظن البر بحرا والفضاء مضيقا غدرت أمانيه به وتمزقت عنه غيابة سكره تمزيقا طلعت جيادك من ربا الجودى قد حملن من دفع المنون وسوقا فدعا فريقا من سيوفك حتفهم وشددت في عقد الحديد فريقا ومضى ابن عمرو قد أساء بعمره ظنا ينزق مهره تنزيقا فاجتاز دجلة خائضا وكأنها قعب على باب الكحيل أريقا (1) لو خاضها عمليق أو عوج إذا ما جوزت عوجا ولا عمليقا لولا اضطراب الخوف في أحشائه رسب العباب به فمات غريقا لو نفسته الخيل لفتة ناظر ملا البلاد زلازلا وفتوقا لثنى صدور الخيل تكشف كربة ولوى رماح الخط تفرج ضيقا (2) ولبكرت بكر وراحت تغلب في نصر دعوته إليه طروقا حتى يعود الذئب ليثا ضيغما والغصن ساقا والقرارة نيقا


(1) أرزن : موضع ، والحرب : الغضبان . (2) رواية الديوان : لثنى صدور السمر تكشف كربة ولوى رءوس الخيل تفرج ضيقا (*)

[ 76 ]

هيهات مارس فليقا متيقظا قلقا إذا سكن البليد رشيقا مستسلفا جعل الغبوق صبوحه ومرى صبوح غد فكان غبوقا وهذه القصيدة من ناصح شعر البحترى ومختاره . [ ذكر جماعة ممن كان يرى رأى الخوارج ] وقد خرج بعد هذين جماعة من الخوارج بأعمال كرمان وجماعة أخرى من أهل عمان لا نباهة لهم ، وقد ذكرهم أبو إسحق الصابى في الكتاب ، ، التاجى ، ، (1) وكلهم بمعزل عن طرائق سلفهم وإنما وكدهم وقصدهم إخافة السبيل والفساد في الارض ، واكتساب الاموال من غير حلها ، ولا حاجة لنا إلى الاطالة بذكرهم . ومن المشهورين برأى الخوارج الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام : إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء ، عكرمة مولى ابن عباس ، ومالك بن أنس الاصبحي الفقيه ، يروى عنه أنه كان يذكر عليا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير ، فيقول : والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الاعفر . ومنهم المنذر بن الجارود العبدى ، ومنهم يزيد بن أبى مسلم مولى الحجاج . وروى أن الحجاج أتى بامرأة من الخوارج وبحضرته مولاه يزيد بن أبى مسلم ، وكان يستسر برأى الخوارج ، فكلم الحجاج المرأة فأعرضت عنه ، فقال لها يزيد الامير ويلك يكلمك ! فقالت : بل الويل لك أيها الفاسق الردئ ! والردئ عند الخوارج هو الذى يعلم الحق من قولهم ويكتمه . ومنهم صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق . وممن ينسب إلى هذا الرأى من السلف جابر بن زيد وعمرو بن دينار ومجاهد . وممن ينسب إليه بعد هذه الطبقة ، أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى ، يقال إنه كان يرى رأى الصفرية .


(1) كتاب الناجى في أخبار دولة بنى بويه ، ذكره ابن النديم . (*)

[ 77 ]

ومنهم اليمان بن رباب ، وكان على رأى البيهسية (1) ، وعبد الله بن يزيد ومحمد بن حرب ويحيى بن كامل ، وهؤلاء إباضية (2) . وقد نسب إلى هذا المذهب أيضا من قبل أبو هارون العبدى ، وأبو الشعثاء ، وإسماعيل ابن سميع ، وهبيرة بن بريم . وزعم ابن قتيبة أن هبيرة كان من غلاة الشيعة . ونسب أبو العباس محمد بن يزيد المبرد إلى رأى الخوارج لاطنابه في كتابه المعروف ، ، بالكامل ، ، في ذكرهم وظهور الميل منه إليهم .


(1) البيهسية : أصحاب أبى بيهس الهصيم بن جابر ، كان الحجاج طلبه في أيام الوليد فهرب إلى المدينة ، فطلبه بها عثمان بن حيان ، فظفر به وحبسه ، وكان يسامره إلى أن ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه ورجليه ثم يقتله ، ففعل به ذلك . وبقية أخباره وأقواله في الشهرستاني 113 . (2) الاباضية : أصحاب عبد الله بن إباض ، خرج في أيام مروان ، وانظر أخباره وأقواله في الشهرستاني 1 : 121 . (*)

[ 78 ]

(60) الاصل وقال عليه السلام في الخوارج : لا تقاتلوا الخوارج بعدى ، فلس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه . قال الرضى رحمه الله : يعنى معاوية وأصحابه . الشرح مراده أن الخوارج ضلوا بشبهة دخلت عليهم ، وكانوا يطلبون الحق ، ولهم في الجملة تمسك بالدين ، ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها ، وإن أخطئوا فيها ، وأما معاوية فلم يكن يطلب الحق ، وإنما كان ذا باطل لا يحامى عن اعتقاد قد بناه على شبهة ، وأحواله كانت تدل على ذلك ، فإنه لم يكن من أرباب الدين ، ولا ظهر عنه نسك ، ولا صلاح حال ، وكان مترفا يذهب مال الفئ في مآربه ، وتمهيد ملكه ، ويصانع به عن سلطانه ، وكانت أحواله كلها مؤذنة بانسلاخه عن العدالة ، وإصراره على الباطل ، وإذا كان كذلك لم يجز أن ينصر المسلمون سلطانه ، وتحارب الخوارج عليه وإن كانوا أهل ضلال ، لانهم أحسن حالا منه ، فإنهم كانوا ينهون عن المنكر ، ويرون الخروج على أئمة الجور واجبا . وعند أصحابنا أن الخروج على أئمة الجور واجب ، وعند أصحابنا أيضا أن الفاسق المتغلب

[ 79 ]

بغير شبهه يعتمد عليها لا يجوز أن ينصر على من يخرج عليه ممن ينتمى إلى الدين ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، بل يجب أن ينصر الخارجون عليه ، وأن كانوا ضالين في عقيده اعتقدوها بشبهة دينية دخلت عليهم ، لانهم أعدل منه ، وأقرب إلى الحق ، ولا ريب في تلزم الخوارج بالدين ، كما لا ريب في أن معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك .

[ 80 ]

عود إلى أخبار الخوارج وذكر رجالهم وحروبهم ذكر أبو العباس المبرد في الكتاب ، ، الكامل ، ، أن عروة بن أدية أحد بنى ربيعة بن حنظلة - ويقال إنه أول من حكم - حضر حرب النهروان ، ونجا فيها فيمن نجا ، فلم يزل باقيا مده من خلافة معاوية ، ثم أخذ فأتى به زياد ومعه مولى له ، فسأله عن أبى بكر وعمر فقال خيرا ، فقال : له فما تقول في عثمان وفى أبى تراب ؟ فتولى عثمان ست سنين من خلافته ، ثم شهد عليه بالكفر ، وفعل في أمر على عليه السلام مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر . ثم سأله عن معاوية ، فسبه سبا قبيحا ، ثم سأله عن نفسه ، فقال : أو لك لريبة وآخرك لدعوة ، وأنت بعد عاص ربك . فأمر فضربت عنقه ، ثم دعا مولاه ، فقال : صف لى أموره ، فقال : أأطنب أم أختصر ؟ قال : بل اختصر ، قال : ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشا في ليل قط . قال : وحدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة ، فأحسوا بالخوارج ، فقال واصل لاهل الرفقة : إن هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ، ودعوني وإياهم - وقد كانوا قد أشرفوا على العطب - فقالوا : شأنك ، فخرج إليهم فقالوا : (2) ما أنت وأصحابك ؟ فقال : قوم مشركون مستجيرون بكم ، ليسمعوا كلام الله ، ويفهموا حدوده ، فقالوا : قد أجرناكم قال : فعلمونا ، فجعلوا يعلمونهم أحكامهم ، وواصل يقول : قد قبلت أنا ومن معى ، قالوا : فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا ، فقال : ليس ذاك إليكم ، قال الله عزوجل : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ، ثم أبلغه مأمنه) (3)


انظر ما من أخبارهم في الجزء الرابع . (1) الكامل 539 (طبعة أوربا) (2) ا : (من) . (3) سورة التوبة 6 . (*)

[ 81 ]

فأبلغونا مأمننا فنظر بعضهم إلى بعض ، ثم قالوا : ذاك لكم ، فساروا معهم بجمعهم ، حتى أبلغوهم المأمن (1) . وقال أبو العباس : أتى (2) عبد الملك بن مروان برجل من الخوارج ، فبحثه فرأى منه ما شاء (3) فهما وعلما ، ثم بحثه (4 فرأى منه ما شاء أدبا وذهنا 4) ، فرغب فيه ، فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه ، فرآه مستبصرا محققا ، فزاده في الاستدعاء ، فقال : تغنيك الاولى عن الثانيه ، وقد قلت وسمعت ، فاسمع أقل ، قال : قل ، فجعل يبسط من قول الخوارج ويزين له من مذهبهم بلسان طلق ، وألفاظ بينة ، ومعان قريبة . فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته (5) وفضله : لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة إنما خلقت لهم ، وإنى أولى العباد بالجهاد معهم ، ثم رجعت إلى ما ثبت الله على من الحجة ، وقرر في قلبى من الحق ، فقلت [ له ] (6) : الدنيا والآخرة ، لله وقد سلطنا الله في الدنيا ، ومكن لنا فيها ، وأراك لست تجيبنا إلى ما نقول ، والله لاقتلنك إن لم تطع . فأنا في ذلك ، إذ دخل على بابنى مروان . قال أبو العباس : وكان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لامه ، [ أمهما ] (7) عاتكة بنت يزيد بن معاوية ، وكان أبيا عزيز النفس ، فدخل به على أبيه في هذا الوقت باكيا


(1) الكامل 528 . (2) ا ، ج . (أتى رجل) . (3) ب : (مما شاء) . (4 - 4) ساقط من ب . (5) ا ، ج : (على معرفة وفضل) . (6) من الكامل (6 - نهج - 5) (*)

[ 82 ]

لضرب المؤدب إياه ، فشق ذلك على عبد الملك ، فأقبل عليه الخارجي وقال : [ له ] (1) دعه يبك ، فإنه أرحب لشدقه ، وأصح لدماغه ، وأذهب لصوته ، وأحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة (2) ، واستدعى عبرتها . فأعجب ذلك من قوله عبد الملك ، وقال له متعجبا : أما يشغلك ما أنت فيه ويعرضك عن هذا ؟ فقال : ما ينبغى أن يشغل المؤمن عن قول الحق شئ ، فأمر بحبسه ، وصفح عن قتله ، وقال بعد معتذرا إليه : لولا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك ، ثم قال : عبد الملك : لقد شككني ووهمني حتى مالت بى عصمه الله ، وغير بعيد أن يستهوى من بعدى (3) . [ مرداس بن حدير ] قال أبو العباس : وكان من المجتهدين من الخوارج البلجاء ، وهى امرأة من بنى حرام ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم . وكان مرداس بن حدير أبو بلال ، أحد بنى ربيعة بن حنظلة ناسكا ، تعظمه الخوارج ، وكان كثير الصواب في لفظه مجتهدا ، فلقيه غيلان بن خرشة الضبى ، فقال : يا أبا بلال ، إنى سمعت الامير البارحة - يعنى عبيد الله بن زياد - يذكر البلجاء ، وأحسبها ستؤخذ ، فمضى إليها أبو بلال فقال : إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية (4) فاستترى ، فإن هذا


(1) من الكامل (2) ب : (طاعة الله) (3) الكامل 573 ، 574 (4) التقية : حفظ النفس بما يستطاع من المكروه . (*)

[ 83 ]

المسرف على نفسه ، الجبار العنيد قد ذكرك ، قالت : إن يأخذني فهو أشقى به ، فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي (1) ، فوجه إليها عبيد الله بن زياد ، فأتى بها فقطع يديها ورجليها ، ورمى بها في السوق ، فمر بها أبو بلال والناس مجتمعون ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : البلجاء ، فعرج إليها فنظر ثم عض على لحيته ، وقال لنفسه : هذه لهذه أطيب نفسا من بقية الدنيا منك يا مرداس . قال : ثم أن عبيد الله أخذ مرداسا فحبسه (2 فرأى صاحب السجن منه شدة اجتهاده ، وحلاوة منطقه ، فقال له : إنى أرى لك مذهبا حسنا 2) ، وإنى لاحب أن أوليك معروفا ، أفرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدلج (3) إلى ؟ قال : نعم ، فكان يفعل ذلك [ به ] (2) . ولج عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم ، وكلم في بعضهم فأبى وقال : أقمع (4) النفاق قبل أن ينجم ، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع (5) . فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرطة ، فقال ابن زياد : ما أدرى ما أصنع بهؤلاء ! كلما أمرت رجلا بقتل رجل منهم قتلوا بقاتله ، لاقتلن من في حبسي منهم . وأخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل ، فأتى مرداسا الخبر ، فلما كان في السحر ، تهيأ للرجوع إلى السجن ، فقال له أهله : اتق الله في نفسك ، فإنك إذا رجعت قتلت ، فأبى وقال : والله ما كنت لالقى الله غادرا . فرجع إلى السجان ، فقال : إنى قد علمت ما عزم عليه صاحبك ، قال : أعلمت ، ثم جئت (6) .


(1) ب : (في) (2 - 2) ا ، ج : (فرأى منه الحباس مذهبا حسنا) (3) تدلج : تسير أول الليل . (4) كذا في الكامل ، وفى الاصول كلمة غير واضحة . (5) اليراع : القصب ، واحدته يراعة . (6) الكامل 584 ، 585 (*)

[ 84 ]

قال أبو العباس : ويروى أن مرداسا مر بأعرابى يهنأ (1) بعيرا له ، فهرج (2) البعير ، فسقط مرداس مغشيا عليه ، فظن الاعرابي أنه صرع ، فقرأ في أذنه ، فلما أفاق قال له الا عربي : إنى قرأت في أذنك ، فقام مرداس : ليس بى ما خفته على ، ولكني رأيت بعيرا هرج من القطران ، فذكرت به قطران جهنم ، فأصابني ما رأيت ، فقال الاعرابي : لا جرم ! والله لا أفارقك أبدا . قال أبو العباس : وكان مرداس قد شهد مع على عليه السلام صفين ، ثم أنكر التحكيم ، وشهد النهروان ، ونجا فيمن نجا ، ثم حبسه ابن زياد ، كما ذكرناه ، وخرج من حبسه ، فرأى جد ابن زياد في طلب الشراة ، فعزم على الخروج ، فقال لاصحابه : أنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين ، تجرى علينا أحكامهم ، مجانبين للعدل ، مفارقين للقصد (3) ، والله إن الصبر على هذا لعظيم ، وإن تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم ، ولكنا ننبذ عنهم ، ولا نجرد سيفا ، ولا نقاتل إلا من قاتلنا . فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا ، منهم حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصريمى ، وأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى ، فولوا أمرهم مرداسا ، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الانصاري - وكان له صديقا - فقال : يا أخى ، أين تريد ؟ قال : أريد أن أهرب بدينى ودين أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة ، فقال ، أعلم بكم أحد ؟ قال : لا ، قال : فارجع ، قال : أو تخاف على نكرا (4) ؟ قال : نعم ، وأن يؤتى بك . قال : لا تخف ، فإنى لا أجرد سيفا ، ولا أخيف أحدا ، ولا أقاتل إلا من قاتلني . ثم مضى حتى نزل آسك وهى ما بين رامهرمز وأرجان ، فمر به مال يحمل إلى ابن


(1) هنأ البعير ، طلاه بالهناء ، والهناء : القطران . (2) هرج : تحير وسدر من حرارة القطران . (3) الكامل : (للفصل) ، إلى الحق (4) ا ، ج : (نكيرا) ، والكامل : (مكروها) . (*)

[ 85 ]

زياد ، وقد قارب أصحابه الاربعين ، فحط ذلك المال ، وأخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ، ورد الباقي على الرسل ، وقال : قولوا لصاحبكم : إنا قبضنا أعطياتنا ، فقال بعض أصحابه : علا م ندع الباقي ؟ فقال : إنهم يقيمون هذا الفئ ، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم على الصلاة . قال أبو العباس : ولابي بلال مرداس في الخروج أشعار ، أخترت منها قوله : أبعد ابن وهب ذى النزاهة والتقى ومن خاض في تلك الحروب المهالكا (1) أحب بقاء أو وأرجى سلامة وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا رب سلم نيتى وبصيرتي وهب لى التقى حتى ألاقى أولائكا قال أبو العباس : ثم إن عبيد الله بن زياد ، ندب جيشا إلى خراسان ، فحكى بعض من كان في ذلك الجيش ، قال : مررنا بآسك ، فإذا نحن بهم ستة وثلاثن رجلا ، فصاح بنا أبو بلال : أقاصدون لقتالنا أنتم ؟ قال : وكنت أنا وأخى قد دخلنا زربا (2) فوقف أخى ببابه ، فقال : السلام عليكم ، فقال مرداس : وعليكم السلام ، ثم قال لاخى : أجئتم لقتالنا ؟ قال : لا إنما نريد خراسان ، قال : فأبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الارض ، ولا لنروع أحدا ، ولكن هربا من الظلم . ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا ، ولا نأخذ من الفئ إلا أعطياتنا ، ثم قال : أندب لنا (3) أحد ؟ قلنا : نعم ، أسلم بن زرعة الكلابي ، قال : فمتى ترونه يصل إلينا ؟ قلنا : يوم كذا وكذا ، فقال أبو بلال : حسبنا الله ونعم الوكيل . قال أبو العباس : وجهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة في أسرع مدة ووجهه إليهم


(1) يريد عبيد الله بن وهب الراسى ، أحد بنى راسب ، بطن من الازد ، زعيم الخوارج في مبدأ أمرهم ، وانظر الكامل 526 ، 527 . (2) الزرب : مكمن يحتفره الصائد يتوارى فيه ليختل الصيد . (3) الكامل : (إلينا) . (*)

[ 86 ]

في ألفين ، وقد تتام أصحاب مرداس أربعين رجلا ، فلما صار أسلم إليهم صاح به أبو بلال : اتق الله يا أسلم ، فإنا لا نريد فسادا (1) في الارض ، ولا نحتجر فيئا ، فما الذى تريد ؟ قال : أريد أن أردكم إلى ابن زياد ، قال : إذن يقتلنا ، قال : وإن قتلكم ! قال : تشرك في دمائنا ، قال إنى أدين بأنه محق وأنتم مبطلون ، فصاح به حريث بن حجل : أهو محق ، وهو يطيع الفجرة وهو أحدهم ، ويقتل بالظنة ويخص بالفئ ، ويجور في الحكم ! أما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة برآء وأنا أحد قتلته ، وضعت في بطنه دراهم كانت معه . ثم حملوا على أسلم حملة رجل واحد ، فانهزم هو وأصحابه من غير قتال ، وكاد يأسره معبد أحد الخوارج ، فلما عاد إلى ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا ، وقال ويلك ! أتمضى في ألفين ، فتهزم بهم من حملة أربعين ! فكان أسلم يقول : لان يذمنى ابن زياد وأنا حى ، أحب إلى أن يمدحني وأنا ميت . وكان إذا خرج إلى السوق ، أو مر بصبيان صاحوا به : أبو بلال وراءك ! وربما صاحوا به : يا معبد خذه ، حتى شكا إلى ابن زياد ، فأمر الشرط أن يكفوا الناس عنه ، ففى ذلك يقول عيسى بن فاتك ، من بنى تيم اللات بن ثعلبة أحد الخوارج : فلما أصبحوا صلوا وقاموا إلى الجرد العتاق مسومينا (2) فلما استجمعوا حملوا عليهم فظل ذوو الجعائل يقتلونا (3) بقية يومهم حتى أتاهم سواد الليل فيه يراوغونا يقول نصيرهم لما أتاهم فإن القوم ولوا هاربينا أألفا مؤمن فيكم زعمتم ويهزمكم بآسك أربعونا


(1) الكامل (لا نريد قتالا) ، ب : (لا نريد فسادا في الارض) . (2) الجرد : جمع أجرد ، وهو من الخيل القصير الشعر ، والعتاق : النجائب ، الواحد عتيق . مسومين : معلمين بعلامة الحرب . (3) الجعائل : جمع جعيلة أو جعالة ، وهى ما يأخذه العامل من الاجرة . (*)

[ 87 ]

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة غير شك على الفئة الكثيرة ينصرونا قال أبو العباس : أما قول حريث بن حجل : (أما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة برآء وأنا أحد قتلته) ، فابن سعاد هو المثلم بن مشرح (1) الباهلى ، وسعاد اسم أمه وكان من خبره أنه ذكر لعبيد الله بن زياد رجل من سدوس ، يقال له خالد بن عباد ، أو ابن عبادة ، وكان من نساك الخوارج ، فوجه إليه فأخذه ، فأتاه رجل من آل ثور (2) فكذب عنه وقال : هو صهرى وفى ضمنى ، فحلى عنه ، فلم يزل الرجل يتفقده حتى تغيب ، فأتى ابن زياد فأخبره ، فلم يزل يبعث إلى خالد بن عباد حتى ظفر به ، فأخذه ، فقال : أين كنت في غيبتك هذه ؟ قال : كنت عند قوم يذكرون الله ويسبحونه ، ويذكرون أئمة الجور ، فيتبرءون منهم . قال : ادللنى عليهم ، قال : إذن يسعدوا وتشقى ، ولم أكن لاروعهم ، قال : فما تقول في أبى بكر وعمر ؟ فقال خيرا ، قال : فما تقول في عثمان وفى معاوية ، أتتولاهما ؟ فقال : إن كانا وليين لله فلست معاديهما ، فأراغه مرارا ليرجع عن قوله فلم يفعل ، فعزم على قتله ، فأمر بإخراجه إلى رحبة تعرف برحبة الرسى (3) وقتله بها ، فجعل الشرطة يتفادون من قتله ويروغون عنه توقيا ، لانه كان متقشفا (4) عليه أثر العبادة ، حتى أتى المثلم بن مشرح (1) الباهلى ، وكان من الشرطة ، فتقدم فقتله ، فائتمر به الخوارج أن يقتلوه ، وكان مغرما باللقاح (5) يتبعها ، فيشتريها من مظانها ، وهم في تفقده ، فدسوا إليه رجلا في هيئة الفتيان عليه ردع (6)


(1) الكامل : (مسروح) (2) ثور : هو كندة . (3) الكامل : (الزينى) . (4) الكامل : (شاسفا) والشاسف : الهزيل . (5) اللقاح : النوق ، واحدتها لقحة ، وهى الحلوب . (6) ردع الزعفران : اللطخ به . (*)

[ 88 ]

زعفران ، فلقيه بالمربد (1) وهو يسأل عن لقحة صفى (2) ، فقال له الفتى : إن كنت تبتغى (3) فعندي ما يغنيك عن غيره ، فامض معى ، فمضى المثلم معه على فرسه ، يمشى الفتى أمامه حتى أتى به بنى سعد ، فدخل دارا ، وقال له : أدخل على فرسك ، فلما دخل وتوغل في الدار ، أغلق الباب ، وثارت به الخوارج ، فاعتوره حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصريمى ، فقتلاه ، وجعلا دراهم كانت معه في بطنه ، ودفناه في ناحية الدار ، وحكا آثار الدم وخليا فرسه في الليل ، فأصيب في الغد في المربد وتجسس عنه الباهليون ، فلم يروا له أثرا ، فاتهموا بنى سدوس به ، فاستعدوا عليهم السلطان ، وجعل السدوسية يحلفون ، فتحامل ابن زياد مع الباهليين ، فأخذ من السدوسيين أربع ديات ، وقال : ما أدرى ما أصنع بهؤلاء الخوارج ! كلما أمرت بقتل رجل اغتالوا قاتله ، فلم يعلم بمكان المثلم حتى خرج مرداس وأصحابه ، فلما واقفهم ابن زرعة الكلابي صاح بهم حريث ، وقال : أهاهنا من ياهلة أحد ؟ قالوا : نعم ، قال : يا أعداء الله ، أخذتم للمثلم (4) من بنى سدوس أربع ديات ، وأنا قتلته ، وجعلت دراهم كانت معه في بطنه ، وهو في موضع كذا مدفون ، فلما انهزم ابن زرعة وأصحابه صاروا إلى الدار ، فأصابوا أشلاءه (5) ، ففى ذلك يقول أبو الأسود : وآليت لا أغدو إلى رب لقحة أساومه حتى يئوب المثلم (6)


(1) المربد : كل ما حبست فيه الابل . (2) الصفى : الغزيرة اللبن . (3) الكامل : (تبلغ) . (4) الكامل : (بالمثلم) . (5) الكامل 503 ، 504 (6) كما في ديوانه : وقال له كوماء حمراء جلدة وقاربه في السوم والقتل يكتم فأصبح قد عمى على الناس أمره وقد بات يجرى فوق أثوابه الدم وقد كان فيما كان منه بمعزل ولكن حين المرء للمرء مسلم (*)

[ 89 ]

قال أبو العباس : فأما ما كان من مرداس ، فإن عبيد الله بن زياد ندب إليه الناس ، فاختار عباد بن أخضر المازنى - وليس بابن أخضر ، بل هو عباد بن علقمة المازنى وكان أخضر زوج أمه ، وغلب عليه - فوجهه إلى مرداس وأصحابه في أربعة آلاف فارس ، وكانت الخوارج قد تنحت من موضعها ، إلى درابجرد من أرض فارس ، فصار إليهم عباد ، فكان التقاؤهم في يوم جمعة ، فناداه أبو بلال : اخرج إلى يا عباد ، فإنى أريد أن أحاورك ، فخرج إليه ، فقال : ما الذى تبغى ؟ قال : أن آخذ بأقفيتكم فأردكم إلى الامير عبيد الله بن زياد ، قال : أو غير ذلك ، أن نرجع ، فإنا لا نخيف سبيلا ، ولا نذعر مسلما ، ولا نحارب إلا من يحاربنا ، ولا نجبى إلا ما حمينا ، فقال عباد : الامر ما قلت لك ، فقال له حريث بن حجل : أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد ضال ! فقال لهم : أنتم أولى بالضلال منه ، وما من ذاك من بد . قال : وقدم القعقاع بن عطية الباهلى من خراسان ، يريد الحج ، فلما رأى الجمعين قال : ما هذا ؟ قالوا : الشراة ، فحمل عليهم ونشبت الحرب بينهم ، فأخذت الخوارج القعقاع أسيرا ، فأتوا به أبا بلال ، فقال له : من أنت ؟ قال : ما أنا من أعدائك ، إنما قدمت للحج ، فحملت وغررت ، فأطلقه ، فرجع إلى عباد وأصلح من شأنه ، وحمل على الخوارج ثانية ، وهو يقول : أقاتلهم وليس على بعث نشاطا ليس هذا بالنشاط أكر على الحروريين مهرى لاحملهم على وضح الصراط فحمل عليه حريث بن حجل السدوسى ، وكهمس بن طلق الصريمى ، فأسراه وقتلاه ولم يأتيا به أبا بلال . ولم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت صلاة الجمعة ، فناداهم أبو بلال : يا قوم هذا وقت الصلاة ، فوادعونا حتى نصلى وتصلوا ، قالوا : لك ذاك ، فرمى القوم أجمعون

[ 90 ]

بأسلحتهم ، وعمدوا للصلاة ، فأسرع عباد ومن معه وقضوا صلاتهم ، والحرورية مبطئون ، فيهم ما بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد ، حتى مال عليهم عباد ومن معه ، فقتلوهم جميعا ، وأتى برأس أبى بلال . قال : ويرى الشراة أن مرداسا أبا بلال لما عقد على أصحابه ، وعزم على الخروج رفع يديه ، فقال : اللهم إن كان ما نحن فيه حقا فأرنا آية ، فرجف البيت . وقال آخرون : فارتفع السقف . ويقال : إن رجلا من الخوارج ذكر ذلك لابي العالية الرياحي ، يعجبه من الآية ، ويرغبه في مذهب القوم ، فقال أبو العالية : كاد الخسف ينزل بهم ، ثم أدركتهم نظرة من الله . قال : فلما فرغ عباد من الجماعة أقبل بهم فصلب رؤوسهم ، وفيهم داود بن شبيب ، وكان ناسكا ، وفيهم حبيبة البكري من عبد القيس ، وكان مجتهدا ، ويروى عنه أنه قال : لما عزمت على الخروج فكرت في بناتى ، فقلت ذات ليلة : لامسكن عن نفقتهن حتى أنظر ، فلما كان في جوف الليل استسقت بنية لى ، فقالت : يا أبت اسقنى ، فلم أجبها ، وأعادت ، فقامت أخت لها فسقتها ، فعلمت أن الله عزوجل غير مضيعهن ، فأتممت عزمى . وكان في القوم كهمس ، وكان من أبر الناس بأمه ، فقال لها : يا أمه ، لولا مكانك لخرجت ، فقالت : يا بنى ، وهبتك لله . ففى مقتلهم يقول عيسى بن فاتك الخطى : ألا في الله لا في الناس سالت بداود وإخوته الجذوع مضوا قتلا وتمزيقا وصلبا تحوم عليهم طير وقوع إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الارض في الدنيا هجوع

[ 91 ]

وقال عمران بن حطان : يا عين بكى لمرداس ومصرعه يا رب مرداس الحقنى بمرداس تركتني هائما أبكى لمرزئة (1) في منزل موحش من بعد إيناس أنكرت بعدك من قد كنت أعرفة ما الناس بعدك يا مرداس بالناس إما شربت بكأس دار أولها على القرون فذاقوا جرعة الكاس فكل من لم يذقها شاربا عجلا يسقى بأنفاس ورد بعد أنفاس وقال أيضا : لقد زاد الحياة إلى بغضا وحبا للخروج أبو بلال (2) أحاذر أن أموت على فراشي وأرجو الموت تحت ذرا العوالي (3) فمن يك همه الدنيا فإنى لها والله رب البيت قالى [ عمران بن حطان ] وقال أبو العباس : وعمران هذا ، أحد بنى عمرو بن يسار بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن عك بن بكر بن وائل . وكان رأس القعد من الصفرية وفقيههم وخطيبهم وشاعرهم ، وشعره هذا بخلاف شعر أبى خالد القنانى وكان من قعد الخوارج أيضا . وقد كان كتب قطرى بن الفجاءة المازنى يلومه على القعود :


(1) الكامل : (المرزئتى) . (2) الابيات في الكامل 530 . (3) في الكامل بعده : ولو أنى علمت بأن حتفى كحتف أبى بلال لم أبال (*)

[ 92 ]

أبا خالد أيقن فلست بخالد وما جعل الرحمن عذرا لقاعد أتزعم أن الخارجي على الهدى وأنت مقيم بين لص وجاحد ! فكتب إليه أبو خالد : لقد زاد الحياة إلى حبا بناتى إنهن من الضعاف أحاذر أن يرون الفقر بعدى وأن يشربن رنقا بعد صاف وأن يعرين إن كسى الجوارى فتنبو العين عن كرم عجاف ولولا ذاك قد سومت مهرى وفى الرحمن للضعفاء كاف وقال أبو العباس : ومما حدثنى به (2) العباس بن أبى الفرج الرياشى ، عن محمد بن سلام أن عمران بن حطان لما طرده الحجاج ، جعل يتنقل في القبائل ، وكان إذا نزل بحى انتسب نسبا يقرب منهم ، ففى ذلك يقول : نزلنا في بنى سعد بن زيد وفى عك وعامر عوبثان (3) وفى لخم وفى أدد بن عمرو وفى بكر وحى بنى الغدان ثم خرج حتى لقى روح بن زنباع الجذامي ، وكان روح يقرى الاضياف ، وكان مسايرا لعبد الملك بن مروان ، أثيرا (4) عنده . وقال ابن عبد الملك فيه : من أعطى مثل ما أعطى أبو زرعة أعطى فقه الحجاز ودهاء أهل العراق وطاعة أهل الشام . وانتمى عمران إليه أنه من الازد ، فكان روح لا يسمع شعرا نادرا ، ولا حديثا غريبا


(1) الرنق : الكدر . (2) الكامل : (وكان من حديث عمران) (3) عوبثان بن زاهر بن مراد ، جد بداء بن عامر (القاموس) (4) أثيرا : مكرما ، من آثره ، إذا أكرمه . (*)

[ 93 ]

عند عبد الملك ، فيسأل عنه عمران إلا عرفه وزاد فيه . فقال روح لعبد الملك : إن لى ضيفا ما أسمع من أمير المؤمنين خبرا ولا شعرا إلا عرفه وزاد فيه ، فقال : أخبرني ببعض أخباره ، فأخبره وأنشده ، فقال : إن اللغة لغة عدنانية ، ولا أحسبه إلا عمران بن حطان ، حتى تذاكروا ليلة البيتين أولهما : (يا ضربة (1) . . . . .) . فلم يدر الملك لمن هما ، فرجع روح فسأل عمران عنهما ، فقال : هذا الشعر لعمران بن حطان يمدح عبد الرحمن بن ملجم . فرجع روح إليه فأخبره ، فقال : ضيفك عمران بن حطان ، فاذهب فجئني به ، فرجع إليه فقال : أمير المؤمنين قد أحب أن يراك ، فقال له عمران : قد أردت أن أسالك ذاك فاستحييت منك ، فاذهب فأنى بالاثر ، فرجع روح ألى عبد الملك فخبره ، فقال : أما إنك سترجع فلا تجده ، فرجع فوجد عمران قد احتمل ، وخلف رقعة فيها : يا روح كم من أخى مثوى نزلت به قد ظن ظنك من لخم وغسان حتى إذا خفته زايلت منزله من بعد ما قيل عمران بن حطان قد كنت جارك حولا لا يروعنى فيه طوارق من إنس ولا جان حتى أردت بى العظمى فأدركني ما أدرك الناس من خوف ابن مروان فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له في الحادثات هنات ذات ألوان يوما يمان إذا لاقيت ذايمن وإن لقيت معديا فعدناني


(1) البيتان كما أوردهما في الكامل : يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا إنى لاذكره حينا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا وفى زيادات الكامل : (قلبه الفقيه الطبري فقال) : يا ضربة من شقى ما أراد بها إلا ليهدم من ذى العرش بنيانا إنى لاذكره يوما فألعنه إيها وألعن عمران بن حطانا (*)

[ 94 ]

لو كنت مستغفرا يوما لطاغية كنت المقدم في سرى وإعلاني لكن أبت ذاك آيات مطهرة عند التلاوة في طه وعمران ثم ارتحل ، حتى نزل بزفر بن الحارث أحد بنى عمرو بن كلاب ، فانتسب له أوزاعيا (1) ، وكان عمران يطيل الصلاة ، فكان غلمان بنى عامر يضحكون منه ، فأتاه رجل ممن كان عند روح ، فسلم عليه ، فدعاه زفر ، فقال له : من هذا ؟ فقال : رجل من الازد ، رأيته ضيفا لروح بن زنباع ، فقال له زفر : يا هذا ، أزديا مرة وأوزاعيا أخرى ! إن كنت خائفا أمناك ، وإن كنت فقيرا جبرناك ، فلما أمسى خلف في منزله رقعة ، وهرب فوجدوا فيها : إن التى أصبحت يعيا بها زفر أعيت زمانا على روح بن زنباع (2) ما زال يسألنى حولا لاخبره والناس ما بين مخدوع وخداع حتى إذا انقطعت منى وسائله كف السؤال ولم يولع بإهلاع فاكفف لسانك عن لومى ومسألتي ما ذا تريد إلى شيخ بلا راعى ! (3) فاكفف كما كف عنى إننى رجل إما صميم وإما فقعة القاع


= وقال محمد بن أحمد الطيب يرد على عمران بن حطان : يا ضربة من غدور صار ضاربها أشقى البرية عند الله إنسانا إذا تفكرت فيه ظلت ألعنه وألعن الكلب عمران بن حطان (1) أوزاعي : منسوب إلى أوزاع ، أبى بطن من همدان . (2) في الكامل : (قال أبو العباس : أنشدنيه الرياشى : * أعيا عياها على روح بن زنباع * وأنكره كما أنكرناه ، لانه قصر الممدود ، وذلك في الشعر جائز ، ولا يجوز مد المقصور . (3) في الكامل : إلى شيخ لاوزاعي) ، والبيت في ترتيب الكامل ورد بعد تاليه . (*)

[ 95 ]

أما الصلاة فإنى غير تاركها كل امرئ للذى يعنى به ساع أكرم بروح بن زنباع وأسرته قوم دعا أوليهم للعلا داع جاورتهم سنة مما أسر به عرضى صحيح ونومى غير تهجاع فاعمل فإنك منعى بواحدة حسب اللبيب بهذا الشيب من داع (1) ثم ارتحل حتى أتى عمان ، فوجدهم يعظمون أمر أبى بلال ، وظهر (2) فيهم ، فأظهر أمره فيهم ، فبلغ ذلك الحجاج ، فكتب فيه إلى أهل عمان ، فهرب حتى أتى قوما من الازد في سواد الكوفة ، فنزل بهم ، فلم يزل عندهم حتى مات ، وفى نزوله فيهم يقول : نزلنا بحمد الله في خير منزل نسر بما فيه من الانس والخفر (3) نزلنا بقوم يجمع الله شملهم وليس لهم دعوى سوى المجد يعتصر من الازد إن الازد أكرم أسوة (4) يمانية طابوا إذا انتسب البشر (5) فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر أتونى فقالوا من ربيعة أو مضر أم الحى قحطان ولكن سفاهة (6) كما قال لى روح وصاحبه زفر وما منهما إلا يسر بنسبة (7) تقربنى منه وإن كان ذا نفر (8) فنحن عباد الله والله واحد وأولى عباد الله بالله من شكر


(1) في الاصول : (من داع) ، وما أثبته من الكامل . (2) الكامل : (ويظهرونه) . (3) الانس ، بكسر الهمزة مصافاة المودة . (4) الكامل : (أكرم معشر) . (5) الكامل : (إذا نسب) . (6) الكامل : (فتلكم سفاهة) . (7) بنسبة ، أي بانتساب . (8) ذو نفر ، أي من ذى العزة والمنعة . (*)

[ 96 ]

قال أبو العباس : ومن الخوارج من مشى في الرمح وهو في صدره خارجا من ظهره ، حتى خالط طاعنه فضربه بالسيف فقتله ، وهو يقول : (وعجلت إليك رب لترضى) (1) ومنهم الذى سأل عليا عليه السلام يوم النهروان المبارزة في قوله : أطعنهم ولا أرى عليا ولو بدا أوجرته الخطيا (2) فخرج إليه على فضربه بالسيف فقتله ، فلما خالطه السيف قال : (يا حبذا الروحة إلى الجنة) (3) . ومنهم ابن ملجم ، وقطع الحسن بن على يديه ورجليه وهو في ذلك يذكر الله ، ثم عمد إلى لسانه فقطعه فجزع ، فقيل له في ذلك قال : أحببت ألا يزال لساني رطبا من ذكر الله . ومنهم القوم الذين وثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه ، فلفظها تورعا . ومنهم أبو بلال مرداس ، الذى ينتحله من الفرق لتقشفه وتصرمه وصحة عبادته ، وصلابة نيته . أما المعتزلة فتنتحله وتقول : إنه خرج منكرا لجور السلطان ، داعيا إلى الحق ، وإنه من أهل العدل ، ويحتجون لذلك بقوله لزياد ، وقد كان قال في خطبته على المنبر : والله لآخذن المحسن بالمسئ ، والحاضر بالغائب ، والصحيح بالسقيم ، فقام إليه مرداس ، فقال : قد سمعنا ما قلت أيها الانسان ، وما هكذا قال الله تعالى لنبيه إبراهيم ، إذ يقول :


(1) سورة طه : 84 (2) أوجرته الخطيا ، أي طعنته بالرمح في فيه ، أو صدره . (3) الخبر بتفصيل أوسع في الكامل 543 (*)

[ 97 ]

(وإبراهيم الذى وفى . ألا تزر وازرة وزر أخرى) (1) ، ثم خرج عليه عقيب هذا اليوم . وأما الشيعة فتنتحله ، وتزعم أنه كتب إلى الحسين بن على : إنى والله لست من الخوارج ، ولا أرى رأيهم ، وإنى على دين أبيك إبراهيم . [ المستورد السعدى ] ومنهم المستورد ، أحد بنى سعد بن زيد بن مناة ، كان ناسكا مجتهدا ، وهو أحد من ترأس على الخوارج في أيام على ، وله الخطبة المشهورة التى أولها : أن رسول الله صلى الله عليه أتانا بالعدل تخفق راياته ، وتلمع معالمه ، فبلغنا عن ربه ، ونصح لامته ، حتى قبضه الله تعالى مخيرا مختارا . ونجا يوم النخيلة من سيف على ، فخرج بعد مدة على المغيرة بن شعبة وهو والى الكوفة ، فبارزه معقل بن قيس الرياحي ، فاختلفا ضربتين ، فخر كل واحد منهما ميتا . ومن كلام المستورد : لو ملكت الدنيا بحذافيرها ، ثم دعيت إلى أن أستفيد بها خطيئة ما فعلت . ومن كلامه : إذا أفضيت بسرى إلى صديقى فأفشاه لم ألمه ، لانى كنت أولى بحفظه . ومن كلامه : كن أحرص على حفظ سرك منك على حقن دمك . وكان يقول : أول ما يدل على عيب (2) عائب الناس معرفته بالعيوب ، ولا يعيب إلا معيب .


(1) سورة النجم 37 ، 38 . (2) الكامل : (عليه) . (7 - نهج - 5) (*)

[ 98 ]

وكان يقول : المال غير باق عليك ، فاشتر به من الحمد والاجر ما يبقى عليك (1) . [ حوثرة الاسدي ] قال أبو العباس (2 : وخرج من الخوارج على معاوية بعد قتل على ، حوثرة الاسدي ، وحابس الطائى ، خرجا في جمعهما ، فصارا إلى مواضع أصحاب النخيلة 2) ، ومعاوية يمئذ بالكوفة قد دخلها في عام الجماعة (3) ، وقد نزل الحسن بن على ، وخرج يريد المدينة ، فوجه إليه معاوية - وقد تجاوز في طريقه - يسأله أن يكون المتولي لمحاربة الخوارج ، فكان جواب الحسن : والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين ، وما أحسب ذاك يسعنى ، أفأقاتل عنك قوما أنت والله أولى بالقتال منهم ! قلت : هذا موافق لقول أبيه : (لا تقاتلوا الخوارج بعدى ، فليس من طلب الحق فأخطأه ، مثل من طلب الباطل فأدركه) ، وهو الحق الذى لا يعدل عنه ، وبه يقول أصحابنا ، فإن الخوارج عندهم أعذر من معاوية ، وأقل ضلالا ، ومعاوية أولى بأن يحارب منهم . قال أبو العباس : فلما رجع الجواب إلى معاوية أرسل إلى حوثرة الاسدي أباه ، وقال له : اذهب فاكفني أمر ابنك ، فصار إليه أبوه ، فدعاه إلى الرجوع فأبى ، فما رأه (4) فصمم ، فقال : يا بنى أجيئك بابنك ، فلعلك تراه فتحن إليه ، فقال : يا أبت ، أنا والله إلى طعنة نافذة أتقلب فيها على كعوب الرمح ، أشوق منى إلى ابني !


(1) الكامل 578 (2 - 2) الكامل : (فأول من خرج بعد قتل على عليه السلام حوثرة الاسدي ، فإنه كان متنحيا بالبندنيجين ، فكتب إلى حابس الطائى يسأله أن يتولى أمر الخوارج ، حتى يسير إليه بجمعه فيتعاضدا على مجاهدة معاوية فأصابه ، فرجعا إلى موضع أصحاب النخيلة) . (3) الكامل : (بعد أن بايعه الحسن والحسين) . (4) الكامل : (فأداره) . (*)

[ 99 ]

فرجع إلى معاوية فأخبره فقال : يا أبا حوثرة ، لقد عتا بحق هذا جدا . ثم وجه إليه جيشا أكثره أهل الكوفة ، فلما نظر إليهم حوثرة ، قال لهم : يا أعداء الله ، أنتم بالامس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه ، وأنتم اليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه ! فخرج إليه أبوه ، فدعاه إلى البراز ، فقال : يا أبت ، لك في غيرى مندوحة ، ولى في غيرك مذهب ، ثم حمل على القوم وهو يقول : اكرر على هذى الجموع حوثره فعن قليل ما تنال المغفره فحمل عليه رجل من طيئ فقتله ، فلما رأى أثر السجود قد لوح جبهته ندم على قتله (1) . وقال الرهين المرادى أحد فقهاء الخوارج ونساكها (2) : يا نفس قد طال في الدنيا مراوغتي لا تأمنن لصرف الدهر تنغيصا إنى لبائع ما يفنى لباقية إن لم يعقنى رجاء العيش تربيصا (3) وأسال الله بيع النفس محتسبا حتى ألاقى في الفردوس حرقوصا (4) وابن المنيح ومرداسا وإخوته إذ فارقوا هذه الدنيا مخاميصا قال أبو العباس : وأكثرهم لم يكن يبالى بالقتل ، وشيمتهم استعذاب الموت ، والاستهانة بالمنية . ومنهم الهازئ بالامراء ، وقد قدم إلى السيف ، ولى زياد شيبان بن عبد الله الاشعري - صاحب مقبرة بنى شيبان - باب عثمان وما يليه بالبصرة ، فجد في طلب الخوارج ، وأخافهم ، فلم


(1) الكامل 578 ، 579 (2) في الكامل : (وكان رجلا من مراد ، وكان لا يرى القعود عن الحرب ، وكان في الدهاء والمعرفة والشعر والفقه بقول الخوارج بمنزلة عمران بن حطان في وقته شاعر قعد الصفرية ورئسهم وفقيهم) . (3) التربيص : الانتظار ، وهو تمييز محول عن الفاعل ، أي لم يعوقنى الامل في الحياة . (4) حرقوص : ذو الثدية ، وهو من رجالهم . (*)

[ 100 ]

يزل على ذلك حتى أتاه ليلة ، وهو متكئ بباب داره رجلان من الخوارج ، فضرباه بأسيافهما فقتلاه ، فأتى زياد بعد ذلك برجل من الخوارج ، فقال : اذهبوا به فاقتلوه متكئا كما قتل شيبان ، فصاح به الخارجي : يا عدلاه ! يتهزأ . [ أمر عباد بن أخضر مع الخوارج ] قال : وأما عباد بن أخضر ، قاتل أبى بلال مرداس بن أدية ، وقد ذكرنا قصته - فإنه لم يزل بعد قتله مرداسا محمودا في المصر موصوفا بما كان منه ، حتى ائتمر جماعة من الخوارج أن يقتلوه ، فذمر (1) بعضهم بعضا على ذلك ، فجلسوا له يوم جمعة (2) بعد أن أقبل على بغلته ، وابنه رديفه ، فقام إليه رجل منهم فقال له : أسألك [ عن ] (3) مسألة ! قال : قل ، قال : رأيت رجلا قتل رجلا بغير حق ، وللقاتل جاه وقدر وناحية من السلطان ، ولم يعد عليه السلطان لجوره ، ألولى ذلك المقتول أن يقتل (4) القاتل إن قدر عليه ! فقال : بل يرفعه إلى السلطان . قال : إن السلطان لا يعدى عليه لمكانه منه ، ولعظم جاهه عنده ، قال : أخاف عليه إن فتك به [ فتك به السلطان ] (5) . قال : دع ما تخافه من السلطان ، أيلحقه تبعة (6) فيما بينه وبين الله ؟ قال : لا ، فحكم هو وأصحابه ثم خبطوه بأسيافهم ، ورمى عباد بابنه فنجا ، وتنادى الناس : قتل عباد ، فاجتمعوا فأخذوا أفواه الطرق ، وكان مقتل [ عباد في سكة ] (7) بنى مازن عند مسجد بنى كليب بن يربوع ، فجاء معبد بن أخضر ، أخو عباد ، وهو معبد


(1) الكامل 796 ، وفيه : (يهزأ به) . (2) الكامل : (وقد أقبل) . (3) من الكامل . (4) الكامل : (أن يفتك) . (5) من الكامل . (6) لتبعة : ما يلحقة من الاثم . (7) من الكامل . (*)

[ 101 ]

بن علقمة ، وأخضر زوج أمهما في جماعة من بنى مازن ، وصاحوا بالناس : دعونا وثأرنا ، فأحجم الناس ، فتقدم المازنيون ، فحاربوا الخوارج حتى قتلوهم جميعا ، لم يفلت منهم أحد إلا عبيدة بن هلال ، فإنه خرق خصا ونفذ فيه ، ففى ذلك يقول الفرزدق : لقد أدرك الاوتار غير ذميمة إذا ذم طلاب الترات الاخاضر هم جردوا الاسياف يوم ابن أخضر فنالوا التى ما فوقها نال ثائر أقادوا به أسدا لها في اقتحامها - إذا برزت نحو الحروب - بصائر ثم هجا كليب بن يربوع ، رهط جرير بن الخطفى ، لانه قتل بحضرة مسجدهم ولم ينصروه ، فقال في كلمته هذه : كفعل كليب إذ أخلت بجارها ونصر اللئيم معتم وهو حاضر وما لكليب حين تذكر أول وما لكليب حين تذكر آخر قال : وكان مقتل عباد بن أخضر وعبيد الله بن زياد بالكوفة ، وخليفته على البصرة عبيد الله بن أبى بكرة ، فكتب إليه يأمره ألا يدع أحدا يعرف بهذا الرأى إلا حبسه ، فجد في طلب من تغيب عنه ، وجعل يتبعهم ويأخذهم ، فإذا شفع إليه أحد منهم كفله إلى أن يقدم به على ابن زياد ، حتى أتوه بعروة بن أدية فأطلقه ، وقال : أنا كفيلك ، فلما قدم ابن زياد أخذ من في الحبس ، فقتلهم جميعا ، وطلب الكفلاء بمن كفلوا به ، فكل من جاء بصاحبه أطلقه ، وقتل الخارجي ، ومن لم يأت بمن كفل به منهم قتله . ثم قال لابن أبى بكرة : هات عروة بن أدية ، قال : لا أقدر عليه ، قال : إذا والله أقتلك ، فك كفيله ، فلم يزل يطلبه حتى دل عليه في سرب (1) العلاء بن سوية المنقرى ، فكتب بذلك إلى عبيد الله بن زياد ، فقرأ عليه كتابه (2) فقال : إنا قد أصبناه في شرب


(1) السرب : الطريق أو المسلك . (2) الكامل : (الكتاب) (*)

[ 102 ]

العلاء ، فتهانف (1) به عبيد الله (2) وقال : صحفت ولؤمت ، إنما هو (في سرب العلاء) ، ولوددت أنه كان ممن شرب (3) النبيذ ، فلما أقيم عروة بين يديه ، قال : لم جهزت (4) أخاك على ؟ يعنى أبا بلال ، فقال : والله لقد كنت به ضنينا ، وكان لى عزا ، ولقد أردت له ما أريد لنفسي ، فعزم عزما فمضى عليه ، وما أحب لنفسي إلا المقام وترك الخروج ، فقال له : أفأنت على رأيه ؟ قال : كلنا نعبد ربا واحدا ، قال : أما والله لامثلن بك ، قال : اختر لنفسك من القصاص ما شئت ، فأمر به فقطعوا يديه ورجليه ، ثم قال له : كيف ترى ؟ قال أفسدت على دنياى ، وأفسدت عليك آخرتك ، فأمر به فصلب على باب داره (5) . [ أبو الوازع الراسبى ] قال أبو العباس : وكان أبو الوازع الراسبى من مجتهدي الخوارج ونساكها ، وكان يذم نفسه ويلومها على القعود ، وكان شاعرا ، وكان يفعل ذلك بأصحابه ، فأتى نافع بن الازرق وهو في جماعة من أصحابه ، يصف لهم جور السلطان وفساد العامة ، وكان نافع ذا لسان عضب واحتجاج وصبر على المنازعة ، فأتاه أبو الوازع ، فقال له : يا نافع ، نإك * (هامش) (1) قال المبرد : فتهانف ، حقيقته تضاحك به هزء وسخرية ، قال عمر بن ربيعة : فتهانفن وقد قلن لها حسن في كل عين من تود (2) في الكامل بعدها : (وكان كثر المحاورة ، عاشقا للكلام الجيد ، مستحسنا للصواب منه ، لا يزال يبحث عن عذره ، فإذا سمع الكلمة الجيدة عرج عليها . ويروى أنه قال في عقب مقتل الحسين بن على عليه السلام لزينب بنت على رحمها الله ، وكانت أسن من حمل إليه منهن ، وقد كلمته من الحجة حاجتها ، فقال لها : إن تكوني بلغت من الحجة حاجتك فقد كان أبوك خطيبا شاعرا ، فقالت : ما للنساء والشعر ، وكان هذا ألكن برتضح لغة فارسية ، وقال لرجل مرة واتهمه برأى الخوارج : أهرورى منذ اليوم) . (3) الكامل : (ممن يشرب النبيذ) (4) العبارة في الكامل : (فلما أقيم عروة بين أدية بين يديه ، حاوره ، وقد اختلف الناس في خبره ، وأصحه عندنا أنه قال له : جهزت أخاك على) . (5) الكامل 592 - 593 (*)

[ 103 ]

أعطيت لسانا صارما ، وقلبا كليلا ، فلوددت أن صرامة لسانك كانت لقلبك ، وكلال قلبك كان للسانك ، أتحض على الحق وتقعد عنه ! وتقبح الباطل وتقيم عليه ! فقال نافع : يا أبا الوازع ، إنما ننتظر الفرص ، إلى أن تجمع من أصحابك من تنكى به عدوك ، فقال أبو الوازع : لسانك لا تنكى به القوم إنما تنال بكفيك النجاة من الكرب فجاهد أناسا حاربوا الله واصطبر عسى الله أن يجزى غوى بنى حرب (1) يعنى معاوية . ثم قال : والله لا ألومك ، ونفسي ألوم ، ولاغدون غدوة لا أنثنى بعدها أبدا ، ثم مضى فاشترى سيفا ، وأتى صيقلا (2) كان يذم الخوارج ، ويدل على عوارتهم ، فشاوره في السيف ، فحمده ، ثم [ قال ] (3) : أشحذه فشحذه حتى إذا رضيه ، خبط به الصيقل فقتله ، وحمل على الناس فهربوا منه ، حتى أتى مقبرة بنى يشكر ، فدفع عليه رجل حائط ستره ، فشدخه وأمر ابن زياد بصلبه (4) . [ عمران بن الحارث الراسبى ] قال أبو العباس : ومن نساكهم الذين قتلوا في الحرب عمران بن الحارث الراسبى ، قتل يوم دولاب ، التقى هو والحجاج بن باب الحميرى ، وكان الامير يومئذ على أهل البصرة ، وصاحب رايتهم ضربتين فخرا ميتين ، فقالت أم عمران ترثيه : الله أيد عمرانا وطهره وكان يدعو الله في السحر


(1) في الكامل : (يخزى) ، وغوى بنى الحرب هو عبيد الله بن زياد . (2) الصقيل : شحاذ السيوف وجلاؤها . (3) من الكامل (4) الكامل 605 . (*)

[ 104 ]

يدعوه سرا وإعلانا ليرزقه شهادة بيدى ملحادة غدر ولى صحابته عن حر ملحمة وشد عمران كالضرغامة الذكر (1) قال : وممن قتل من رؤسائهم يوم دولاب نافع بن الازرق - وكان خليفتهم - خاطبوه بإمرة المؤمنين ، فقال رجل منهم يرثيه : شمت ابن بدر والحوادث جمة والجائرون بنافع بن الازرق (2) والموت حتم لا محالة واقع من لا يصبحه نهارا يطرق (3) فلئن أمير المؤمنين أصابه ريب المنون فمن يصبه يغلق (4) وقال قطرى بن الفجاءة يذكر يوم دولاب (5) : لعمرك إنى في الحياة لزاهد وفى العيش ما لم ألق أم حكيم (6) من الخفرات البيض لم ير مثلها شفاء لذى بث ولا لسقيم


(1) الكامل 617 (2) الاغانى 6 : 147 (طبعة دار) ، وروايته : (والظالمون) ، وهى أيضا في الكامل 620 (3) طرقه يطرقه ، إذا ، إذا أتاه ليلا (4) يغلق : لا ينجو ، وأصله من قولهم : غلق الرهن في يد المرتهن ، إذا لم يقدر على فكاكه واستخلاصه . (5) دولاب ، بفتح أوله وآخره باء موحدة ، وأكثر المحدثين يروونه بالضم ، وقد روى بالفتح في عدة مواضع ، دولاب هنا : قرية بينها وبين الاهوز أربعة فراسخ ، كانت بها وقعة بين أهل البصرة وأميرهم مسلم بن كريز ، قتل فيها نافع بن الازرق (ياقوت) . (6) الكامل 619 (طبع أوربا) ، الاغانى 6 : 148 (طبعة دار) ، معجم البلدان 4 : 104 وأم حكيم : امرأة من الخوارج ، وكانت من أشجع الناس ، كانت تحمل على الناس وترتجز : أحمل رأسا قد سئمت حمله وقد مللت دهنه وغسله * ألا فتى يحمل عنى ثقله * وكانوا يفدونها بالآباء والامهات ، وكانت من أجمل النساء وجها ، وأحسنهم بدينهم تمسكا . (رغبة الآمل 7 : 247) . (*)

[ 105 ]

لعمرك إنى يوم ألطم وجهها على نائبات الدهر جد لئيم (1) فلو شهدتنا يوم دولاب شاهدت طعان فتى في الحرب غير ذميم (2) غداة طفت علماء بكر بن وائل (3) وعجنا صدور الخيل نحو تميم (4) وكان بعبد القيس أول جدنا وأحلافها من يحصب وسليم وظلت شيوخ الازد في حومة الوغى تعوم فمن مستنزل وهزيم (5) فلم أر يوما كان أكثر مقعصا يمج دما من فائظ وكليم (6) وضاربة خدا كريما على فتى أغر نجيب الامهات كريم


(1) في ياقوت بعد هذا البيت : إذا قلت يصبو القلب أو ينتهى المنى أبى القلب ألا حب أم حكيم منعمة صفراء حلو دلالها أبيت بها بعد الهدوء أهيم قطوف الخطا مخطوطة المتن زانها مع الحسن خلق في الجمال عميم (2) قال المبرد : قوله : (ولو شهدتنا يوم دولاب) ، فلم ينصرف (دولاب) ، فإنما ذاك لانه أراد البلدة ، ودولاب : أعجمى معرب) . (3) في الاصول : (في الماء) ، وصوابه من الكامل والاغانى وياقوت . قال المبرد : (وقوله : غداة طفت علماء بكر بن (وائل) ، وهو يريد : (على الماء) ، فإن العرب إذا التقت في مثل هذا الموضع لا مان استجازوا حذف إحدهما استثقالا للتضعيف ، لان ما بقى دليل على ما حذف ، فيقولون : (علماء بنو فلان) ، كما قال الفرزدق : وما سبق القيسي من ضعف حيلة ولكن طفت علماء قلفة خالد (4) رواية هذا البيت وتاليه في الاغانى : غداة طغت علماء بكر بن وائل وألافها من حمير وسليم ومال الحجازيون نحو بلادهم وعجنا صدور الخيل نحو تميم (5) يقال : استنزل فلان ، إذا حط عن قدره . الشطر الثاني في الكامل وياقوت : * تعوم وظلنا في الجلاد نعوم * (6) مقعصا ، من أقعصه برمحه ، إذا طعنه فمات مكانه ، وفائظ ، من فاظ يفوظ ويفيظ ، مات . (*)

[ 106 ]

أصيب بدولاب ولم تك موطنا له أرض دولاب وأرض حميم (1) فلو شهدتنا يوم ذاك خيلنا تبيح من الكفار كل حريم رأت فتية باعوا الاله نفوسهم بجنات عدن عنده ونعيم [ عبد الله بن يحيى والمختار بن عوف ] ومن رؤساء الخوارج وكبارهم عبد الله بن يحيى الكندى الملقب طالب الحق ، وصاحبه المختار بن عوف الازدي صاحب وقعة قديد (2) ، ونحن نذكر ما ذكره أبو الفرج الاصفهانى من قصتهما في كتاب ، ، الاغانى ، ، (3) مختصرا محذوفا عنه ما لا حاجة بنا في هذا الموضع إليه . قال أبو الفرج : كان عبد الله بن يحيى من حضرموت ، وكان مجتهدا عابدا ، وكان يقول قبل أن يخرج : لقيني رجل فأطال النظر إلى وقال : ممن أنت ؟ قلت : من كندة ، فقال : من أيهم ؟ فقلت : من بنى شيطان ، فقال : والله لتملكن وتبلغن وادى (4) القرى ، وذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك ، وقد ذهبت ، وأنا أتخوف ما قال ، وأستخير الله . فرأى باليمن جورا ظاهرا ، وعسفا شديدا ، وسيرة في الناس قبيحة ، فقال لاصحابه : إنه لا يحل لنا المقام على ما نرى ، ولا ولا الصبر عليه ، وكتب إلى جماعة من الاباضية بالبصرة وغيرها ، يشاورهم في الخروج ، فكتبوا إليه : إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل ،


(1) كذا في الاصول ، وفى الكامل والاغانى وياقوت : (دير حميم) ، وهو موضع بالاهوز . (2) قديد : موضع قرب مكة . (3) الاغانى 20 : 97 وما بعدها ، ملخصا متصرفا . (4) وادى القرى : بين المدينة والشام . (*)

[ 107 ]

فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل ، ولست تدرى متى يأتي أجلك ، ولله بقية خير من عباده ، يبعثهم إذا شاء بنصر دينه ، ويختص بالشهادة منهم من يشاء . وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الازدي وبلج بن عقبة المسعودي في رجال من الاباضية ، فقدموا عليه حضرموت فحرضوه على الخروج ، وأتوه بكتب أصحابه يوصونه ويوصون أصحابه : إذا خرجتم فلا تغلوا ، ولا تغدروا ، واقتدوا بسلفكم الصالحين ، وسيروا بسيرتهم ، فقد علمتم أن الذى أخرجهم على السلطان العيب لاعمالهم . فدعا عبد الله أصحابه فبايعوه ، وقصدوا دار الامارة ، وعلى حضرموت يومئذ إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندى فأخذه ، فحبسه يوما ثم أطلقه ، فأتى صنعاء ، وأقام عبد الله بحضرموت ، وكثر جمعه ، وسموه (طالب الحق) . وكتب إلى من كان من بأصحابه بصنعاء : إنى قادم عليكم ، ثم استخلف على حضرموت عبد الله بن سعيد الحضرمي ، وتوجه إلى صنعاء ، وذلك في سنة تسعة عشر ومائة في ألفين ، والعامل على صنعاء يومئذ القاسم بن عمرو أخو يوسف بن عمرو الثقفى ، فجرت بينه وبين عبد الله بن يحيى حروب ومناوشات ، كانت الدولة فيها والنصرة لعبد الله بن يحيى ، فدخل إلى صنعاء ، وجمع ما فيها من الخزائن والاموال فأحرزها . فلما استولى على بلاد اليمن خطب ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله ، وذكر وحذر ، ثم قال : إنا ندعوكم أيها الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه ، وإجابة من دعا إليهما . الاسلام ديننا ، ومحمد نبينا ، والكعبة قبلتنا ، والقرآن إمامنا ، رضينا بالحلال حلالا ، لا نبتغى به بدلا ، ولا نشترى به ثمنا ، وحرمنا الحرام ، ونبذناه وراء ظهورنا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإلى الله المشتكى ، وعليه المعول ، من زنى فهو كافر ، ومن سرق فهو كافر ، ومن شرب الخمر فهو كافر ، ومن شك في أنه كافر فهو كافر ، ندعوكم إلى فرائض بينات ، وآيات محكمات ،

[ 108 ]

وآثار نقتدى بها ، ونشهد أن الله صادق فيما وعد ، وعدل فيما حكم ، وندعو إلى توحيد الرب واليقين ، بالوعد والوعيد ، وأداء الفرائض ، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والولاية لاهل ولاية الله ، والعداوة لاعداء الله . أيها الناس إن من رحمه الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون على الالم في جنب الله ، ويقتلون على الحق في سالف الايام ، شهداء فما نسيهم ربهم ، وما كان ربك نسيا . أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلتم بالقيام عليه ، وقابلوا الله حسنا في أمره وزجره ، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم . قال : وأقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهرا ، يحسن السيرة في الناس ، ويلين جانبه لهم ، ويكف الاذى عنهم ، وكثر جمعه ، وأتته الشراة من كل جانب ، فلما كان في وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف ، وبلخ بن عقبة ، وأبرهة بن الصباح إلى مكة ، والامير عليهم أبو حمزة في الف ، وأمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس ، ويوجه بلجا إلى الشام ، فأقبل المختار إلى مكة يوم التروية ، وعليها وعلى المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في خلافة مروان بن محمد بن مروان ، وأم عبد الواحد بنت عبد الله بن خالد بن أسيد ، فكره عبد الوحد قتالهم ، وفزع الناس منهم حين رأوهم وقد طلعوا عليهم بعرفة ومعهم أعلام سود في رءوس الرماح ، وقالوا : لهم ما لكم وما حالكم ؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرئ منهم ، فراسلهم عبد الواحد في ألا يعطلوا على الناس حجتهم ، فقال أبو حمزة : نحن بحجنا أضن ، وعليه أشح ، فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض ، حتى ينفر الناس النفر الاخير ، وأصبحوا من الغد ، ووقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة ودفع عبد الواحد بالناس ، فلما كانوا بمنى ، قيل لعبد الواحد : قد أخطأت فيهم ، ولو حملت عليهم الحاج ما كانوا إلا أكلة رأس (1) .


(1) أكلة رأس ، أي عددهم قليل يكفيهم رأس واحد .

[ 109 ]

وبعث عبد الواحد إلى أبى حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر ، وعبيد الله ابن عمر بن حفص العمرى ، وربيعة بن عبد الرحمن ، ورجالا أمثالهم ، فلما قربوا من أبى حمزة أخذتهم مسالحه (1) فأدخلوا على أبى حمزة ، فوجدوه جالسا ، وعليه إزار قطرى (2) قد ربطه بحوره في قفاه ، فلما دنوا ، تقدم إليه عبد الله بن الحسن العلوى ، ومحمد بن عبد الله العثماني ، فنسبهما (3) ، فلما انتسبا له عبس في وجوههما ، وأظهر الكراهية لهما ، ثم تقدم إليه بعدهما البكري والعمرى فنسبهما فانتسبا له ، فهش إليهما وتبسم في وجوههما ، وقال : والله ما خرجنا إلا لنسير سيرة أبويكما ، فقال له عبد الله بن حسن : والله ما جئناك لتفاخر بين آبائنا ، ولكن الامير بعثنا إليك برسالة ، وهذا ربيعة يخبركها ، فلما أخبره ربيعة ، قال له : إن الامير يخاف نقض العهد ، قال : معاذ الله أن ننقض العهد ، أو نخيس (4) به ! والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه ، ولكن إلى أن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم . فخرجوا من عنده ، فأبلغوا عبد الواحد ، فلما كان النفر الاخير ، نفر عبد الواحد وخلى مكة لابي حمزة ، فدخل بغير قتال ، فقال بعض الشعراء يهجو عبد الواحد : زار الحجيج عصابة قد خالفوا دين الاله ففر عبد الواحد ترك الامارة والمواسم هاربا ومضى يخبط كالبعير الشارد فلو أن والده تخير أمه (5) لصفت خلائقه بعرق الوالد


(1) المسالح : جمع مسلحة ، وهى هنا القوم يحملون السلاح . (2) في الاغانى : (قطوانى) . (3) نسبهما : أي سألهما أن ينتسبا . (4) خاس بالعهد ، أي غدر ونكث . (5) الاغانى : (لو كان والده) (*)

[ 110 ]

ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة ودعا بالديوان ، فضرب على الناس البعث ، وزادهم في العطاء عشرة عشرة ، واستعمل على الجيش عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا ، فلقيتهم جزر منحورة ، فتشاءم الناس بها ، فلما كانوا بالعقيق (1) علق لواء عبد العزيز بسمرة (2) فانكسر الرمح ، فتشاءموا بذلك أيضا . ثم ساروا حتى نزلوا قديدا ، فنزل بها قوم معتزلون ، ليسوا بأصحاب حرب ، وأكثرهم تجار أغمار ، قد خرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو ، لا يظنون أن للخوارج شوكة ، ولا يشكون في أنهم في أيديهم . وقال رجل منهم من قريش : لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء ، ولكنهم داهنوا في دين الله ، والله لنظفرن ولنسيرن إلى أهل الطائف فلنسبينهم . ثم قال : من يشترى منى من سبى أهل الطائف ؟ قال أبو الفرج : فكان هذا الرجل أول المنهزمين ، فلما وصل المدينة ، ودخل داره ، أراد أن يقول لجاريته : أغلقى الباب ، قال لها : ((غاق ناق) دهشا ، فلقبه أهل المدينة بعد ذلك (غاق ناق) ، ولم تفهم الجارية قوله ، حتى أومأ إليها بيده ، فأغلقت الباب . قال : وكان عبد العزيز يعرض الجيش بذى الحليفة (3) ، فمر به أمية بن عتبة بن سعيد ابن العاص ، فرحب به وضحك إليه ، ثم مر به عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلمه ، ولم يلتفت إليه ، فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع ، وكان ابن خالته ، أمهما ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد : سبحان الله ! مر بك شيخ من شيوخ قريش ، فلم تنظر


(1) عقيق المدينة ، قيل : هما عقيقان : الاكبر مما يلى الحرة إلى قصر المراجل ، والاصغر ما سفل عن قصر المراجل . (2) السمرة : شجرة العضاه (3) ذو الحليفة : موضع من تهامة بين حاذة وذات عرق (*)

[ 111 ]

إليه ولم تكلمه ، ومر بك غلام من بنى أمية فضحكت إليه ولاطفته ! أما والله لو التقى الجمعان لعلمت أيهما اصبر ! . قال : فكان إمية بن عتبة أول من انهزم وركب فرسه ومضى ، وقال لغلامه : يا مجيب ، أما والله لئن أحرزت (1) هذه الاكلب من بنى الشراة إنى لعاجز . وأما عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فقاتل يومئذ ، حتى قتل وكان يحمل ويتمثل : وإنى إذا ضن الامير بإذنه على الاذن من نفسي إذا شئت قادر والشعر للاغر بن حماد اليشكرى . قال : فلما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه ، استخلف على مكة أبرهة بن الصباح ، وشخص إليهم ، وعلى مقدمته بلخ بن عقبة . فلما كان في الليلة التى وافاهم في صبيحتها ، وأهل المدينة نزول بقديد ، قال لاصحابه : إنكم ملاقوا القوم غدا ، وأميرهم فيما بلغني ابن عثمان ، أول من خالف سنة الخلفاء وبدل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد وضح الصبح لذى عينين ، فأكثروا ذكر الله وتلاوة القرآن ، ووطنوا أنفسكم على الموت . وصبحهم غداة الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائه . قال أبو الفرج : وقال عبد العزيز لغلامه في تلك الليلة : ابغنا علفا ، قال : هو غال ، فقال : ويحك ! البواكي علينا غدا أغلى ، وأرسل أبو حمزة إليهم بلخ بن عقبة ليدعوهم ، فأتاهم في ثلاثين راكبا فذكرهم الله ، وسألهم أن يكفوا عنهم ، وقال لهم : خلوا سبيلنا إلى الشام ، لنسير


(1) كذا في ب ، وفى ج : (لو اجتورت نفسي) ، وفى الاغانى : (أجرزت نفسي) . (*)

[ 112 ]

إلى من ظلمكم ، وجار في الحكم عليكم ، ولا تجعلوا حدنا بكم ، فأنا لا نريد قتالكم ، فشتمهم أهل المدينة ، وقالوا : يا أعداء الله ، أنحن نخليكم ، ونترككم (1) تفسدون في الارض ! فقالت الخوارج : يا أعداء الله ، أنحن نفسد في الارض ، إنما خرجنا لنكف الفساد ونقاتل من قاتلنا منكم ، واستأثر بالفئ ، فانظروا لانفسكم ، واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فادخلوا في السلم ، وعاونوا أهل الحق . فناداه عبد العزيز : ما تقول في عثمان ؟ قال : قد برئ منه المسلمون قبلى ، وأنا متبع آثارهم ، ومقتد بهم ، قال : رجع إلى أصحابك فليس بيننا وبينكم إلا السيف ، فرجع إلى أبى حمزة فأخبره ، فقال : كفوا عنهم ، ولا تقاتلوهم حتى يبدءوكم بالقتال ، فواقفوهم ولم يقاتلوهم ، فرمى رجل من أهل المدينة بسهم في عسكر أبى حمزة ، فجرح منهم رجلا ، فقال أبو حمزة : شأنكم الآن ، فقد حل قتالهم ، فحملوا عليهم فثبت بعضهم لبعض وراية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع ، ثم انكشف أهل المدينة ، فلم يتبعوهم ، وكان على عامتهم صخر بن الجهم بن حذيفة العدوى ، فكبر وكبر الناس معه ، فقاتلوا قليلا ، ثم انهزموا فلم يبعدوا حتى كبر ثانية ، فثبت معه ناس وقاتلوا ، ثم انهزموا هزيمة لم يبق بعدها منهم باقية . فقال على بن الحصين لابي حمزة : اتبع آثار القوم ، أو دعني أتبعهم ، فأقتل المدبر ، وأذفف (2) على الجريح ، فإن هؤلاء شر علينا من أهل الشام ، ولو قد جاءك أهل الشام غدا لرأيت من هؤلاء ما تكره ، قال : لا أفعل ، ولا أخالف سيرة أسلافنا . وأخذ جماعة منهم أسرا وأراد إطلاقهم ، فمنعه على بن الحصين ، وقال : إن لكل


(1) الاغانى : (وندعكم) . (2) يذفف على الجريح : يقضى عليه . (*)

[ 113 ]

زمان سيرة ، وهؤلاء لم يؤسروا وهم هراب ، وإنما أسروا وهم يقاتلون ، ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم ، فهكذا الآن (1 ، قتلهم حلال . ودعا بهم 1) ، فكان إذا رأى رجلا من قريش قتله ، وإذا رأى رجلا من الانصار أطلقه . قال أبو الفرج : وذلك لان قريشا كانوا أكثر الجيش ، وبهم كانت الشوكة . وأتى محمد بن عبد العزيز بن عمرو بن عثمان ، فنسبه ، فقال : أنا رجل من الانصار ، فسأل الانصار فأقرت بذلك ، فأطلقه ، فلما ولى قال : والله إنى لاعلم أنه قرشي ، ولكن قد أطلقته . قال : وقد بلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلا ، منهم من قريش أربعمائة وخمسون رجلا ، ومن الانصار ثمانون رجلا ، ومن الموالى وسائر الناس ألف وسبعمائة رجل . قال : وكان في قتلى قريش من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى أربعون رجلا . قال : وقتل يومئذ أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، خرج مقنعا ، فلم يكلم أحدا ، وقاتل حتى قتل ، ودخل بلج المدينة بغير حرب ، فدخلوا في طاعته ، وكف عنهم ، ورجع إلى ملكه ، وكان على شرطته أبو بكر بن عبد الله بن عمر من آل سراقة ، فكان أهل المدينة ، يقولون : لعن الله السراقى ، ولعن الله بلجا العراقى . وقالت نائحة : أهل المدينة : ما للزمان وماليه أفنت قديد رجاليه فلابكين سريرة ولابكين علانيه ولابكين على قديد بسوء ما أولانيه (2) ولاعوين إذا خلوت مع الكلاب العاويه


(1 - 1) ساقط من ج (2) في الاغانى : (أبلانيه) . (8 - نهج 5) (*)

[ 114 ]

[ أبو حمزة الشارى ] قال أبو الفرج : ولما سار عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام ، وخلف المدينة لبلج ، أقبل أبو حمزة من مكة حتى دخلها ، فرقى المنبر ، فحمد الله وقال : يا أهل المدينة ، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء ، فأسأتم لعمري والله القول فيهم ، وسألناكم هل يقتلون بالظن ؟ فقلتم : نعم ، وسألناكم : هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام ؟ فقلتم : نعم ، فقلنا لكم : تعالوا نحن وأنتم ، فانشدوا الله وحده أن يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لانفسهم ، فقلتم : لا نفعل ، فقلنا لكم : تعالوا نحن وأنتم نلقاهم ، فإن نظهر نحن وأنتم (1) يأت من يقيم لنا كتاب الله وسنة نبيه ، ويعدل في أحكامكم ، ويحملكم على سنة نبيكم ، فأبيتم وقاتلتمونا ، فقاتلناكم وقتلناكم ، فأبعدكم الله وأسحقكم يا أهل المدينة ! مررت بكم في زمن الاحول هشام بن عبد الملك ، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم ، فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم ، فكتب بوضعه عن قوم من ذوى اليسار منكم ، فزاد الغنى غنى ، والفقير فقرا (2) . وقلتم : جزاه الله خيرا ، فلا جزاه خيرا ولا جزاكم ! . قال أبو الفرج : فأما خطبتا أبى حمزة المشهورتان اللتان خطب بهما في المدينة ، فإن أحداهما قوله : تعلمون يا أهل المدينة ، أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ، ولا عبثا ولا لهوا ، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ، ولا لثأر قديم نيل منا ، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت ، ومعالم العدل قد عطلت ، وعنف القائم بالحق ، وقتل القائم بالقسط ، ضاقت علينا الارض بما رحبت ، وسمعنا داعيا (3) يدعو إلى طاعة الرحمن ، وحكم القرآن ، فأجبنا داعى الله ، (ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز في الارض)


(1) في الاصول : (فإن يظهروا يأت) ، وما أثبته من الاغانى ، والطبري 9 : 107 . (2) في الاصول : (فرد الغنى غنيا ، والفقير فقيرا) ، وما أثبته من الاغانى . (3) يريد بالداعى عبد الله بن يحيى (*)

[ 115 ]

فأقبلنا من قبائل شتى ، النفر (1) منا على البعير الواحد ، وعليه زادهم ، يتعاورون لحافا واحدا ، قليلون مستضعفون في الارض ، فآوانا الله وأيدنا بنصره ، وأصبحنا - والله المحمود - من أهل فضله ونعمته . ثم لقينا رجالكم بقديد ، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن ، وحكم القرآن ، فدعونا إلى طاعة الشيطان ، وحكم مروان ، فشتان لعمر الله ما بين الغى والرشد ! ثم أقبلوا يزفون (2) ويهرعون ، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه (3) ، وصدق عليهم إبليس ظنه ، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب ، بكل مهند ذى رونق ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم ، بضرب يرتاب منه المبطلون . وايم الله يا أهل المدينة ، إن تنصروا مروان وآل مروان فيسحتكم (4) الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ، ويشف صدور قوم مؤمنين . يا أهل المدينة ، الناس منا ونحن منهم ، إلا مشركا عباد وثن ، أو كافرا من أهل الكتاب ، أو إماما جائرا . يا أهل المدينة ، من يزعم أن الله تعالى كلف نفسا فوق طاقتها ، وسألها عما لم يؤتها فهو لنا حرب . يا أهل المدينة ، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوى والضعيف ، فجاء تاسع ليس له منها سهم ، فأخذها جميعا لنفسه ، مكابرا محاربا لربه ، ما تقولون فيه ، وفيمن عاونه على فعله ؟ يا أهل المدينة ، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي ، قلتم : هم شباب أحداث ، وأعراب جفاة ، ويحكم يا أهل المدينة ! وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا


(1) النفر : جماعة الرجال ، من ثلاثة إلى عشرة . (2) يزفون : يسرعون ، وأصله في الظليم . (3) جران البعير : مقدم عنقه . (4) يسحتكم : يسأصلكم . (*)

[ 116 ]

أحداثا ! نعم والله إن أصحابي لشباب مكتهلون (1) في شبابهم ، غضيضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة عن الباطل أقدامهم (2) ، قد باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا ، قد خلطوا كلالهم بكلالهم ، وقيام ليلهم بصيام نهارهم ، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار ، وكلما مروا بآية رجاء شهقوا شوقا إلى الجنة ، وإذا نظروا إلى السيوف وقد انتضيت ، وإلى الرماح وقد أشرعت ، وإلى السهام وقد فوقت ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت ، استخفوا وعيدها عند وعيد الله ، وانغمسوا فيها . فطوبى لهم وحسن مآب ! فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية الله ! وكم من يد قد أبينت عن ساعدها ، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا في طاعة الله ! أقول قولى هذا وأستغفر الله ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . وأما الخطبة الثانية ، فقوله : يا أهل المدينة ، مالى رأيت رسم الدين فيكم عافيا ، وآثاره دارسة ! لا تقبلون عظة ، ولا تفقهون من أهله حجة ، قد بليت فيكم جدته ، وانطمست عنكم سنته ، ترون معروفه منكرا ، والمنكر من غيره معروفا ، فإذا انكشفت لكم العبر ، وأوضحت لكم النذر ، عميت عنها أبصاركم ، وصمت عنها آذانكم ، ساهين في غمرة ، لاهين في غفلة ، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر ، وتنقبض عن الحق إذا ذكر ، مستوحشة من العلم ، مستأنسة بالجهل ، كلما وردت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا ، تحملون قلوبا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة ، فهى لا تلين بكتاب الله ، الذى لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشيه الله !


(1) مكتهلون ، أي قد أحرزوا رزانة الكهول . (2) ج : (أرجلهم) . (*)

[ 117 ]

يا أهل المدينة ، إنه لا تغنى عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم ، قد جعل الله لكل شئ سببا ، غالبا عليه لينقاد إليه مطيع أمره ، فجعل القلوب غالبة على الابدان ، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الابدان لها تبعا ، وإن القلوب لا تلين لاهلها إلا بصحتها ، ولا يصححها إلا المعرفة بالله ، وقوة النية ونفاذ البصيرة ، ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم ، لاستعملت في طاعة الله أبدانكم . يا أهل المدينة ، داركم دار الهجرة ومثوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، لما نبت به داره ، وضاق به قراره ، وآذاه الاعداء وتجهمت له ، فنقله الله إليكم ، بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم ، متوازرين مع الحق على الباطل ، مختارين الآجل على العاجل ، يصبرون للضراء رجاء ثوابها ، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله ، وآزروا (1) رسوله صلى الله عليه وسلم ، واتبعوا النور الذى أنزل معه ، وآثروا الله على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة فقال الله تعالى لهم ولامثالهم ، ولمن اهتدى بهديهم : (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) . وأنتم أبناؤهم ومن بقى من خلفهم ، تتركون أن تقتدوا بهم ، أو تأخذوا بسنتهم ، عمى القلوب صم الآذان ، اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى ، واسهاكم (2 عن مواعظ القرآن ، لا تزجركم 2) فتنزجرون ، ولا تعظكم فتتعظون ، ولا توقظكم فتستيقظون ، لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ! ما سرتم سيرتهم ، ولا حفظتم وصيتهم ، ولا احتذيتم مثالهم ، لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم ! ألا ترون إلى خلافة الله ، وإمامة المسلمين كيف أضيعت ، حتى تداولها بنو مروان ، أهل بيت اللعنة ، وطرداء رسول الله ، وقوم [ من ] (3) الطلقاء ، ليسوا من المهاجرين ولا الانصار ولا التابعين بإحسان ! فأكلوا مال الله أكلا ، وتلعبوا بدين الله لعبا ، واتخذوا عباد الله عبيدا ، يورث الاكبر منهم ذلك الاصغر ، فيالها


(1) الاغانى : (وآووا) . (2 - 2) الاغانى : (وأسهاكم ، فلا مواعظ القرآن تزجركم) . (3) من ج . (*)

[ 118 ]

أمه ما أضعفها وأضيعها ! ومضوا على ذلك من سيئ أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله ، قد نبذوه وراء ظهورهم ، فالعنوهم لعنهم الله لعنا ، [ كما يستحقونه ] (1) . ولقد ولى منهم عمر بن عبد العزيز فاجتهد ولم يكد ، وعجز عن الذى أظهر ، حتى مضى لسبيله . قال : ولم يذكره بخير ولا بشر ، ثم قال : وولى بعده يزيد بن الوليد عبد الملك ، غلام سفيه ضعيف ، غير مأمون على شئ من أمور المسلمين ، لم يبلغ أشده ، ولم يؤنس رشده ، وقد قال الله عزوجل : (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) وأمر أمة محمد صلى الله عليه وأحكامها وفروجها ودمائها أعظم عند الله من مال اليتيم ، وإن كان عند الله عظيما ، غلام مأبون في فرجه وبطنه ، يأكل الحرام ، ويشرب الخمر ، ويلبس بردين قد حيكا من غير حلهما ، وصرفت أثمانهما في غير وجهها ، بعد أن ضربت فيهما لابشار (2) ، وحلقت فيهما الاشعار ، استحل ما لم يحله الله لعبد صالح ، ولا لنبى مرسل ، فأجلس حبابة عن يمينه ، وسلامة عن يساره ، يغنيانه بمزامير الشيطان ، ويشرب الخمر الصراح ، المحرمة نصا بعينها ، حتى إذا أخذت منه مأخذها ، وخالطت روحه ولحمه ودمه ، وغلبت سورتها على عقله ، مزق برديه ، ثم التفت إليهما ، فقال : أتأذنان لى بأن أطير ! نعم فطر إلى النار ، طر إلى لعنة الله ، طر إلى حيث لا يردك الله . ثم ذكر بنى أمية وأعمالهم ، فقال : أصابوا إمرة ضائعة ، وقوما طغاما جهالا لا يقومون لله بحق ، ولا يفرقون بين الضلالة والهدى ، ويرون أن بنى أمية أرباب لهم ، فملكوا الامر ، وتسلطوا فيه تسلط ربوبية ، بطشهم بطش الجبابرة ، يحكمون بالهوى ، ويقتلون على الغضب ويأخذون بالظن ، ويعطلون الحدود بالشفاعات ، ويؤمنون الخونة ، ويعصون ذوى


(1) من ب . (2) الابشار : جمع بشر ، وهو جمع بشرة ، ظاهر الجلد ، أي ضرب الناس في جباية الاموال . (*)

[ 119 ]

الامانة ، ويتناولون الصدقة من غير فرضها ، ويضعونها غير موضعها ، فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله ، فالعنوهم لعنهم الله . قال : ثم ذكر شيعة آل أبى طالب ، فقال : وأما إخواننا من الشيعة - وليسوا (1) بإخواننا في الدين ، لكنى سمعت الله يقول : (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) - فإنها فرقة تظاهرت بكتاب الله ، وآثرت الفرقة على الله ، لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن ، ولا عقل بالغ في الفقه ، ولا تفتيش عن حقيقة الثواب ، قد قلدوا أمورهم أهواءهم ، وجعلوا دينهم العصبية لحزب لزموه ، واطاعوه في جميع ما يقوله غيا كان أو رشدا ، ضلالة كان أو هدى ، ينتظرون الدول في رجعة الموتى ويؤمنون بالبعث قبل الساعة ، ويدعون علم الغيب لمخلوقين لا يعلم واحدهم ما في بيته ، بل لا يعلم ما ينطوى عليه ثوبه ، أو يحويه جسمه ، ينقمون المعاصي على أهلها ، ويعملون بها ولا يعلمون المخرج منها ، جفاة في دينهم ، قليلة عقولهم ، قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم ، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الاعمال الصالحة ، وتنجيهم من عقاب الاعمال السيئة ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ! فأى الفرق يا أهل المدينة تتبعون ، أم بأى مذاهبهم تقتدون ! ولقد بلغني مقالكم في أصحابي ، وما عبتموه من حداثة أسنانهم ، ويحكم ! وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحداثا ! نعم إنهم لشباب مكتهلون (2) في شبابهم ، غضيضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة في الباطل أرجلهم ، أنضاء (3) عبادة ، قد نظر الله إليهم في جوف الليل ، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا ، وكلما مر بآية فيها ذكر النار شهق خوفا ، كأن زفير جهنم بين أذنيه ، قد أكلت الارض جباههم وركبهم ،


(1) كذا في ا ، ب ، في ج : (فليسوا) . (2) ج : (يتكهلون) . (3) أنضاء : جمع نضو ، وهو المهزول . (*)

[ 120 ]

ووصلوا گلال ليلهم بگلال نهارهم ، مصفرة ألوانهم ، ناحلة أبدانهم ، من طول القيام ، وكثرة الصيام ، يوفون بعهد الله ، منجزون لوعد الله ، قد سيروا أنفسهم في طاعة الله ، حتى إذا التقت الكتيبتان (1) ، وأبرقت سيوفها ، وفوقت (2) سهامها ، وأشرعت (3) رماحها ، لقوا شبا (4) الاسنة وزجاج السهام (5) وظبى السيوف ، بنحورهم ، ووجوههم وصدورهم فمضى الشاب منهم قدما ، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه ، واختضبت محاسن وجهه بالدماء ، وعفر (6) جبينه بالتراب والثرى ، وانحطت عليه الطير من السماء ، ومزقته سباع الارض ، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله ! وكم من وجه رقيق ، وجبين عتيق (7) قد فلق بعمد الحديد . ثم بكى فقال : آه ، آه على فراق الاخوان ، رحمة الله تعالى على تلك الابدان ، اللهم أدخل أرواحها الجنان . قال أبو الفرج : وسار أبو حمزة ، وخلف بالمدينة المفضل الازدي في جماعة من أصحابه ، وبعث مروان بن محمد عبد الملك بن عطية السعدى في أربعة آلاف من أهل الشام ، فيهم فرسان عسكره ووجهوهم لحرب أبى حمزة وعبد الله بن يحيى طالب الحق ، وأمر ابن عطية بالجد في المسير ، وأعطى كل رجل من الجيش مائة دينار ، وفرسا عربيا ، وبغلا لثقله ، فخرج ابن عطية حتى إذا كان بالمعلى ، وكان رجل من أهل وادى القرى ، يقال له : العلاء


(1) ج : (الفئتان) . (2) فوق السهم : جعل له فوقا ، وهو موضع الوتد من السهم ، أي أعدت للرمي . (3) أشرعت : سددت . (4) شبا : جمع شباة ، وهى حد كل شئ . (5) الزجاج : جمع زج ، وهو نصل السهم . (6) عفر : أصابه العفر ، وهو التراب . (7) عتيق : كريم . (*)

[ 121 ]

ابن أفلح مولى ابن القيس ، يقول : لقيني في ذلك اليوم وأنا غلام رجل من أصحاب ابن عطية ، فقال لى : ما اسمك يا غلام ؟ فقلت : العلاء ، فقال : ابن من ؟ قلت : ابن أفلح ، قال : أعربي أم مولى ؟ فقلت : مولى ، قال : مولى من ؟ قلت : مولى ابى الغيث ، قال : فأين نحن ؟ قلت بالمعلى ، قال : فأين نحن غدا ؟ قلت : بغالب (1) ، قال : فما كلمني حتى أردفني خلفه ، ومضى حتى أدخلني على ابن عطية ، وقال له : أيها الامير ، سل الغلام ما اسمه ؟ فسأل وأنا أرد عليه القول ، فسر بذلك ، ووهب لى دراهم . قال أبو الفرج : وقدم أبو حمزة ، وأمامه بلج بن عقبة في ستمائة رجل ، ليقاتل عبد الملك ابن عطية ، فلقيه بوادي ، القرى لايام خلت من جمادى الاولى سنة ثلاثين ومائة ، فتواقفوا ، ودعاهم بلج إلى الكتاب والسنة ، وذكر بنى أمية وظلمهم ، فشتمه أهل الشام ، وقالوا : يا أعداء الله ، أنتم أحق بهذا ممن ذكرتم . فحمل بلج وأصحابه عليهم ، وانكشفت طائفة من أهل الشام ، وثبت ابن عطية في عصبة صبروا معه ، فناداهم : يا أهل الشام ، يا أهل الحفاظ ، ناضلوا عن دينكم وأميركم ، واصبروا وقاتلوا قتالا شديدا ، فقتل بلج وأكثر أصحابه ، وانحازت قطعة من أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به ، فقاتلهم ابن عطية ثلاثة أيام ، فقتل منهم سبعين رجلا ، ونجا منهم ثلاثون . فرجعوا إلى أبى حمزة وهو بالمدينة ، وقد اغتموا وجزعوا من ذلك الخبر ، وقالوا : فررنا من الزحف ، فقال لهم أبو حمزة : لا تجزعوا فإنا لكم فئة (2) ، وإلى تحيزتم . وخرج أبو حمزة إلى مكة ، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أهل المدينة إلى قتال المفضل ، خليفة أبى حمزة على المدينة ، فلم يجد إليه أحدا ، لان القتل قد كان أسرع في الناس ، وخرج وجوه أهل البدعة ، فاجتمع إلى عمر البربر والزنوج وأهل السوق ، فقاتل


(1) وغالب : صنعان بالحجاز . (2) الفئة : الجماعة المتظاهرة التى يرجع بعضها إلى بعض في التعاضد . (*)

[ 122 ]

بهم الشراة ، فقتل المفضل وعامة أصحابه ، وهرب الباقون ، فلم يبق منهم أحد ، فقال في ذلك سهيل مولى زينب بنت الحكم بن أبى العاص : ليت مروان رآنا يوم الاثنين عشيه إذ غسلنا العار عنا وانتضينا المشرفيه قال : فلما قدم ابن عطية أتاه عمر بن عبد الرحمن ، فقال له : أصلحك الله ! إنى جمعت قضى وقضيضى ، فقاتلت هؤلاء الشراة فلقبه أهل المدينة (قضى وقضيضى) . قال أبو الفرج : وأقام ابن عطية بالمدينة شهرا ، وأبو حمزة مقيم بمكة ، ثم توجه إليه ، فقال على بن الحصين العبدى لابي حمزة : إنى كنت أشرت عليك يوم قديد وقبله أن تقتل الاسرى فلم تفعل ، حتى قتلوا المفضل وأصحابنا المقيمين معه بالمدينة وأنا أشير عليك الآن أن تضع السيف في أهل مكة ، فأنهم كفرة فجرة ، ولو قد قدم ابن عطية لكانوا أشد عليك من أهل المدينة ، فقال : لا أرى ذلك ، لانهم قد دخلوا في الطاعة ، وأقروا بالحكم ، ووجب لهم حق الولاية . فقال : إنهم سيغدرون ، فقال : (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) (1) . وقدم ابن عطية مكة فصير أصحابه فرقتين ، ولقى الخوارج من وجهين ، فكان هو بإزاء أبى حمزة في أسفل مكة ، وجعل طائفة أخرى بالابطح بإزاء أبرهة بن الصباح ، فقتل أبرهة ، كمن له ابن هبار وهو على خيل دمشق ، فقتله عند بئر ميمون ، والتقى ابن عطية بأبى حمزة ، فخرج أهل مكة بأجمعهم مع ابن عطية ، وتكاثر الناس على أبى حمزة ، فقتل على فم الشعب ، وقتلت معه امرأته وهى ترتجز : أنا الجديعاء وبنت الاعلم من سال عن إسمى فإسمى مريم


(1) سورة الفتح 10 . (2) الاغانى : (الجعيداء) . (*)

[ 123 ]

* بعت سوارى بعضب مخذم (1) * وقتلت الخوارج قتلا ذريعا ، وأسر منهم أربعمائة ، فقال لهم ابن عطية : ويلكم ! ما دعاكم إلى الخروج مع هذا ؟ فقالوا : ضمن لنا (الكنة) ، يريدون (الجنة) (2) فقتلهم كلهم ، وصلب أبا حمزة وأبرهة بن الصباح (3) على شعب الخيف ، ودخل على بن الحصين دارا من دور قريش ، فأحدق أهل الشام بها فأحرقوها ، فرمى بنفسه عليهم وقاتل ، فأسر وقتل وصلب مع أبى حمزة ، فلم يزالوا مصلوبين حتى أفضى الامر إلى بنى هاشم (4) ، فأنزلوا في خلافة أبى العباس . قال أبو الفرج : وذكر ابن الماجشون أن ابن عطية لما التقى بأبى حمزة ، قال أبو حمزة لاصحابه : لا تقاتلوهم حتى تختبروهم ، فصاحوا فقالوا : يا أهل الشام ، ما تقولون في القرآن ؟ [ والعمل به ] (5) ؟ فقال ابن عطية : نضعه في جوف الجوالق ، قالوا : فما تقولون في اليتيم ؟ قالوا : نأكل ماله ونفجر بأمه ، في أشياء بلغني أنهم سئلوا عنها ، فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا ، فصاحت الشراة : ويحك يا بن عطية ! إن الله عزوجل قد جعل الليل سكنا فاسكن ونسكن ، فأبى وقاتلهم حتى أفناهم . قال : ولما خرج أبو حمزة من المدينة خطب ، فقال : يا أهل المدينة ، إنا خارجون لحرب مروان ، فإن نظهر عليه نعدل في أحكامكم ، ونحملكم على سنة نبيكم ، وإن يكن ما تمنيتم لنا ، فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .


(1) مخذم : قاطع . (2) في الاغانى : (وهى لغتهم) . (3) في الاغانى : (ورجلين من أصحابهم) . (4) في الاغانى : (إلى بنى العباس) . (5) من الاغانى . (*)

[ 124 ]

قال : وقد كان اتبعه على رأيه قوم من أهل المدينة وبايعوه ، منهم بشكست النحوي ، فلما جاءهم قتله وثب الناس على أصحابه فقتلوهم ، وكان ممن قتلوه بشكست (1) النحوي ، طلبوه فرقى في درجة دار ، فلحقوه فأنزلوه ، وقتلوه وهو يصيح : يا عباد الله ، فيم تقتلونني ! فقيل فيه : لقد كان بشكست عبد العزيز من أهل القراءة والمسجد فبعدا لبشكست عبد العزيز وأما القرآن فلا تبعد قال أبو الفرج : وحدثني بعض أصحابنا أنه رأى رجلا واقفا على سطح يرمى بالحجارة قوم أبى حمزة بمكة ، فقيل له : كيف تدرى (2) لمن ترمى مع اختلاط الناس ؟ فقال : والله ما أبالى من رميت ، إنما يقع حجري في شام أو شار ، والله ما أبالى أيهما قتلت . قال أبو الفرج : وخرج ابن عطية إلى الطائف ، وأتى قتل أبى حمزة إلى عبد الله بن يحيى طالب الحق ، وهو بصنعاء ، فأقبل في أصحابه يريد حرب ابن عطية ، فشخص ابن عطية إليه ، والتقوا ، فقتل بين الفريقين جمع كثير ، وترجل عبد الله بن يحيى في ألف رجل ، فقاتلوا حتى قتلوا كلهم ، وقتل عبد الله بن يحيى ، وبعث ابن عطية رأسه إلى مروان بن محمد ، وقال أبو صخر الهذلى ، يذكر ذلك : قتلنا عبيدا والذى يكتنى الكنى أبا حمزة القارى المصلى اليمانيا (3) وأبرهة الكندى خاضت رماحنا وبلجا منحناه السيوف المواضيا


(1) هو عبد العزيز القارئ الملقب ببشكست المدنى النحوي الشاعر ، أخذ عن أهل المدينة ، وكان يذهب مذهب الشراة ، ويكتم ذلك ، فلما ظهر أبو حمزة خرج معه . إنباه الرواة 2 : 183 . (2) الاغانى : (ويلك) ! (3) أوردها صاحب الاغانى ، ومنها أبيات في معجم الشعراء للمرزيانى 229 (*)

[ 125 ]

وما تركت أسيافنا منذ جردت لمروان جبارا على الارض عاصيا وقال عمرو بن الحصين العنبري ، يرثى أبا حمزة وغيره من الشراة ، وهذه القصيدة من مختار شعر العرب : هبت قبيل تبلج الفجر هند تقول ودمعها يجرى إذ أبصرت عينى وأدمعها تنهل واكفة على النحر أنى اعتراك وكنت عهدي لا سرب الدموع وكنت ذا صبر ! أقذى بعينك لا يفارقها أم عائر أم مالها تذرى ! أم ذكر إخوان فجعت بهم سلكوا سبيلهم على قدر فأجبتها بل ذكر مصرعهم لا غيره عبراتها تمرى يا رب أسلكني سبيلهم ذا العرش واشدد بالتقى أزرى في فتية صبروا نفوسهم (1) للمشرفية والقنا السمر (1) تالله ما في الدهر مثلهم حتى أكون رهينة القبر (2) أوفى بذمتهم إذا عقدوا وأعف عند العسر واليسر متأهبون لكل صالحة ناهون من لاقوا عن النكر (3) صمت إذا حضروا مجالسهم من غير ماعى بهم يزرى (4) إلا تجيئهم فإنهم رجف القلوب بحضرة الذكر (5)


(1) معجم الشعراء : (شرطوا) . (2) الاغانى : (تالله أنقى الدهر) . (3) الاغانى : (متأهلين) . (4) الاغانى : صمت أذا احتضروا مجالسهم وزن لقول خطيبهم وقر (5) الاغانى : (إلا تجيبهم) . (*)

[ 126 ]

متأوهون كأن جمر غضا للموت بين ضلوعهم يسرى (1) فهم كأن بهم جرى مرض أو مسهم طرف من السحر لا ليلهم ليل فيلبسهم فيه غواشي النوم بالسكر إلا كرى خلسا وآونة حذر العقاب فهم على ذعر كم من أخ لك قد فجعت به قوام ليلته إلى الفجر متأوها يتلو قوارع من آى الكتاب مفزع الصدر (2) ظمآن وقدة كل هاجرة تراك لذته على قدر رفاض ما تهوى النفوس إذا رغب النفوس دعت إلى المزر (3) ومبرأ من كل سيئة عف الهوى ذا مرة شزر (4) والمصطلى بالحرب يوقدها بحسامه في فتية زهر (5) يختاضها بأفل ذى شطب عضب المضارب ظاهر الاثر (6) لا شئ يلقاه أسر له من طعنة في ثغرة النحر منهارة منه تجيش بما كانت عواصم جوفه تجرى (7)


(1) الاغانى : (للموت بين ضلوعهم) ، وبعده : تلقهم إلا كأنهم لخشوعهم صدروا عن الحشر (2) في الاصول : (مفرح) ، وما أثبته من الاغانى ، وفيه بعده : نصب تجيش بنات مهجته من خوف جيش مشاشة القدر (3) المزر : النبيذ من الشعير أو الحنطة . (4) هذا البيت يذكر في الاغانى . (5) الاغانى : والمصطلى بالحرب يسعرها بغبارها وبفتية سمر (6) الاثر : جوهر السيف ، وفى الاغانى : (يجتاحها . . . قاطع البتر) . (7) الاغانى : (منهرة) . (*)

[ 127 ]

لخليلك المختار أذك به ! من مغتد في الله أو مسرى ! خواض غمرة كل متلفة في الله تحت العثير الكدر نزال ذى النجوات مختضبا بنجيعه بالطعنة الشزر وابن الحصين وهل له شبه في العرف أنى كان والنكر بشهامة لم تحن أضلعه لذوى أحزته على غدر (1) طلق اللسان بكل محكمة رأب صدع العظم ذى الكسر لم ينفكك في جوفه حزن تغلى حرارته وتستشرى ترقى وآونة يخفضها بتنفس الصعداء والزفر ومخالطى بلج وخالصتي سهم العدو وجابر الكسر (2) نكل الخصوم إذا هم شغبوا وسداد ثلمة عورة الثغر (3) والخائض الغمرات يخطر في وسط الاعادي أيما خطر بمشطب أو غير ذى شطب هام العدا بذبابه يفرى وأخيك أبرهة الهجان أخى الحرب العوان وموقد الجمر (4) والضارب الاخدود ليس لها حد ينهنهها عن السمر وولى حكمهم فجعت به عمرو فوا كبدي على عمرو ! قوال محكمة وذو فهم عف الهوى متثبت الامر ومسيب فاذكر وصيته لا تنس إما كنت ذا ذكر


(1) الاغانى : (على غمر) . (2) الاغانى : (سم العدو) . (3) في الاصول : (حوزة الثغر) ، وما أثبته من الاغانى . (4) الاغانى : (ملقح الجمر) . (*)

[ 128 ]

فكلاهما قد كان مختشعا لله ذا تقوى وذا بر في مخبتين ولم أسمهم كانوا ندى وهم أولو نصرى وهم مساعر في الوغى رجح وخيار من يمشى على العفر (1) حتى وفوا لله حيث لقوا بعهود لا كذب ولا غدر فتخالسوا مهجات أنفسهم وعداتهم بقواضب بتر وأسنة أثبتن في لدن خطية بأكفهم زهر تحت العجاج وفوقهم خرق يخفقن من سود ومن حمر فتوقدت نيران حربهم ما بين أعلى البيت والحجر وتصرعت عنهم فوارسهم لم يغمضوا عينا على وتر صرعى فخاوية بيوتهم وخوامع بجسومهم تفرى (2) قال أبو الفرج : وأقام ابن عطية بحضرموت بعد ظفره بالخوارج حتى أتاه كتاب مروان ، يأمره بالتعجيل إلى مكة ، فيحج بالناس ، فشخص إلى مكة متعجلا مخفا في تسعة عشرة فارسا ، وندم مروان على ما كتبه ، وقال : قتلت ابن عطية ، وسوف يخرج متعجلا مخفا من اليمن ، ليلحق الحج فيقتله الخوارج ، فكان كما قال ، صادفه في طريقه جماعة متلففة ، فمن كان منهم إباضيا قال : ما تنتظر أن ندرك ثأر إخواننا ، ومن لم يكن منهم إباضيا ظن أنه إباضى منهزم من ابن عطية ، فصمد له سعيد وجمانة ابنا الاخنس


(1) مساعر : جمع مسعر ، وهو الشجاع موقد الحرب ، كأنه آلة في إيقادها . والعفر : التراب . (2) الخوامع : الضباع . (*)

[ 129 ]

الكنديان في جماعة من قومهما ، وكانوا على رأى الخوارج ، فعطف ابن عطية على سعيد فضربه بالسيف ، وطعنه جمانة فصرعه ، فنزل إليه ، سعيد فقعد على صدره ، فقال له ابن عطية هل لك في أن تكون أكرم العرب أسيرا ؟ فقال سعيد : يا عدو الله ، أتظن الله يهملك ؟ أو تطمع في الحياة ، وقد قتلت طالب الحق وأبا حمزة وبلجا وأبرهة ! فذبحه وقتل أصحابه أجمعون . فهذا يسير مما هو معلوم ، من حال هذه الطائفة في خشونتها في الدين ، وتلزمها بناموسه ، وإن كانت في أصل العقيدة على ضلال ، وهكذا قال النبي صلى الله عليه وآله عنهم : (تستحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم ، وصيام أحدكم في جنب صيامهم) ، ومعلوم أن معاوية ومن بعده من بنى أمية لم تكن هذه الطريقة طريقتهم ، ولا هذه السنة سنتهم ، وأنهم كانوا أهل دنيا ، وأصحاب لعب ولهو وانغماس في اللذات ، وقلة مبالاة بالدين ، ومنهم من هو مرمى بالزندقة والالحاد . [ أخبار متفرقة عن أحوال معاوية ] وقد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية ، ولم يقتصروا على تفسيقه ، وقالوا عنه إنه كان ملحدا لا يعتقد النبوة ، ونقلوا عنه في فلتات كلامه ، وسقطات ألفاظه ما يدل على ذلك . وروى الزبير بن بكار في ، ، الموفقيات ، ، - وهو غير متهم على معاوية ، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة ، لما هو معلوم من حاله من مجانبة على عليه السلام ، والانحراف عنه - : قال المطرف بن المغيرة بن شعبة : دخلت مع أبى على معاوية ، فكان أبى يأتيه ، فيتحدث معه ، ثم ينصرف إلى فيذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، ورأيته مغتما فانتظرته ساعة ، وظننت أنه لامر حدث (9 - نهج - 5)

[ 130 ]

فينا ، فقلت : مالى أراك مغتما منذ الليلة ؟ فقال : يا بنى ، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم ، قلت : وما ذاك ؟ قال : قلت له وقد خلوت به . إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلا ، وبسطت خيرا فإنك (1) قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بنى هاشم ، فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه ، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه ، فقال : هيهات هيهات ! أي ذكر أرجو بقاءه ! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم ملك أخو عدى ، فاجتهد وشمر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : عمر ، وإن ابن أبى كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات : (أشهد أن محمدا رسول الله) ، فأى عملي يبقى ، وأى ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك ! لا والله إلا دفنا دفنا . وأما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة ، من لبسه الحرير ، وشربه في آنية الذهب والفضة ، حتى أنكر عليه ذلك أبو الدرداء ، فقال له : إنى سمعت رسول الله صلى عليه وآله يقول : (إن الشارب فيها ليجرجر في جوفه نار جهنم) ، وقال معاوية : أما أنا فلا أرى بذلك بأسا ، فقال أبو الدرداء : من عذيري من معاوية ! أنا أخبره عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو يخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرض أبدا . نقل هذا الخبر المحدثون والفقهاء في كتبهم في باب الاحتجاج على أن خبر الواحد معمول به في الشرع ، وهذا الخبر يقدح في عدالته كما يقدح أيضا في عقيدته ، لان من قال في مقابلة خبر قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله : أما أنا فلا أرى بأسا فيما حرمه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ليس بصحيح العقيدة . ومن المعلوم أيضا من حالة استئثاره بمال الفئ ، وضربه من لا حد عليه ، وإسقاط الحد عمن يستحق إقامة الحد عليه ، وحكمه


(1) ساقطة من ب ، وهى في ا ، ج . (*)

[ 131 ]

برأيه في الرعية وفى دين الله ، واستلحاقه زيادا ، وهو يعلم قول رسول الله صلى الله عليه وآله : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، وقتله حجر بن عدى وأصحابه ولم يجب عليهم القتل ، ومهانته لابي ذر الغفاري وجبهه وشتمه وإشخاصه إلى المدينة على قتب بعير وطاق لانكاره عليه ، ولعنه عليا وحسنا وحسينا وعبد الله بن عباس على منابر الاسلام ، وعهده بالخلافة إلى ابنه يزيد ، مع ظهور فسقه وشربه المسكر جهارا ، ولعبه بالنرد ، ونومه بين القيان المغنيات ، واصطباحه معهن ، ولعبه بالطنبور بينهن ، وتطريقه بنى أمية للوثوب على مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وخلافته ، حتى أفضت إلى يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد ، المفتضحين الفاسقين : صاحب حبابة وسلامة ، والآخر رامى المصحف بالسهام وصاحب الاشعار في الزندقة والالحاد . ولا ريب أن الخوارج إنما برئ أهل الدين والحق منهم لانهم فارقوا عليا وبرئوا منه وما عدا ذلك من عقائدهم ، نحو القول بتخليد الفاسق في النار ، والقول بالخروج على أمراء الجور ، وغير ذلك من أقاويلهم ، فإن أصحابنا يقولون بها ، ويذهبون إليها ، فلم يبق ما يقتضى البراءة منهم إلا برأتهم من على ، وقد كان معاوية يلعنه على رءوس الاشهاد وعلى المنابر في الجمع والاعياد ، في المدينة ومكة وفى سائر مدن الاسلام فقد شارك الخوارج في الامر المكروه منهم ، وامتازوا عليه بإظهار الدين والتلزم بقوانين الشريعة ، والاجتهاد في العبادة وإنكار المنكرات ، وكانوا أحق بأن ينصروا عليه من أن ينصر عليهم ، فوضح بذلك قول أمير المؤمنين : (لا تقاتلوا الخوارج بعدى) ، يعنى في ملك معاوية . ومما يؤكد هذا المعنى أن عبد الله بن الزبير استنصر على يزيد بن معاوية بالخوارج واستدعاهم إلى ملكه ، فقال فيه الشاعر : يا بن الزبير أتهوى فتية قتلوا ظلما أباك ولما تنزع الشكك (1) ضحوا بعثمان يوم النحر ضاحية يا طيب ذاك الدم الزاكى الذى سفكوا ! فقال ابن الزبير : لو شايعني الترك والديلم على محاربة بنى أمية ، لشايعتهم وانتصرت بهم .


(1) الشكك : جمع شكة ، وهى السلاح . (*)

[ 132 ]

(61) الاصل : ومن كلام له عليه السلام لما خوف من الغيلة : وإن على من الله جنة حصينة ، فإذا جاء يومى انفرجت عنى وأسلمتنى ، فحينئذ لا يطيش السهم ، ولا يبرأ الكلم . الشرح : الغيلة : القتل على غير علم ولا شعور ، والجنة الدرع وما يجن به ، أي يستتر من ترس وغيره . وطاش السهم ، إذا صدف عن الغرض . والكلم : الجرح ، ويعنى بالجنة هاهنا الاجل ، وعلى هذا المعنى الشعر المنسوب إليه عليه السلام : من أي يومى من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر (1) فيوم لا يقدر لا أرهبه ويوم قد قدر لا يغنى الحذر ومنه قول صاحب الزنج : وإذا تنازعني أقول لها قرى موت يريحك أو صعود المنبر ما قد قضى سيكون فاصطبري له ولك الامان من الذى لم يقدر ومثله : قد علم المستأخرون في الوهل أن الفرار لا يزيد في الاجل والاصل في هذا كله قوله تعالى : (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) .


(1) البيت في اللسان 6 : 383 ، وانظر هناك توجيه نصب : (يقدر) . (*)

[ 133 ]

وقوله تعالى : (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (1) . وقوله سبحانه : (توفته رسلنا وهم لا يفرطون) (2) ، وفى القرآن العزيز كثير من ذلك . [ اختلاف الناس في الآجال ] واختلف الناس في الآجال ، فقالت الفلاسفة والاطباء : لا أجل مضروب لاحد من الحيوان كله من البشر ولا من غيرهم . والموت عندهم على ضربين : قسرى وطبيعي : فالقسري الموت بعارض ، إما من خارج الجسد كالمتردى والغريق والمقتول ، ونحو ذلك ، أو من داخل الجسد كما يعرض من الامراض القاتلة ، مثل السل والاستسقاء والسرسام ، ونحو ذلك . والموت الطبيعي ما يكون بوقوف القوة الغاذية التى تورد على البدن عوض ما يتحلل منه ، وهذه القوة المستخدمة للقوى الاربع : الجاذبة ، والدافعة ، والماسكة ، والهاضمة ، والبدن لا يزال في التحلل دائما من الحركات الخارجية ، ومن الافكار والهموم وملاقاة الشمس والريح ، والعوارض الطارئة ، ومن الجوع والعطش . والقوة الغاذية تورد على البدن عوض الاجزاء المتحللة ، فتصرفها في الغذاء المتناول ، واستخدام القوى الاربع المذكورة . ومنتهى بقاء هذه القوة في الاعم الاغلب للانسان مائة وعشرون سنة ، وقد رأيت في كتب بعض الحكماء أنها تبقى مائة وستين سنة ، ولا يصدق هؤلاء بما يروى من بقاء المعمرين ، فأما أهل الملل فيصدقون بذلك .


(1) سورة الاعراف 34 . (2) سورة الانعام 61 . (*)

[ 134 ]

واختلف المتكلمون في الآجال ، فقالت المعتزلة : ينبغى أولا أن نحقق مفهوم قولنا : (أجل) ليكون البحث في التصديق بعد تحقق التصور ، فالاجل عندنا هو الوقت الذى يعلم الله أن حياة ذلك الانسان أو الحيوان تبطل فيه ، كما أن أجل الدين هو الوقت الذى يحل فيه ، فإذا سألنا سائل فقال : هل للناس آجال مضروبة ؟ قلنا له : ما تعنى بذلك ؟ أتريد : هل يعلم الله تعالى الاوقات التى تبطل فيها حياة الناس ؟ أم تريد بذلك أنه : هل يراد بطلان حياة كل حى في الوقت الذى بطلت حياته فيه ؟ فإن قال : عنيت الاول ، قيل له : نعم للناس آجال مضروبة بمعنى معلومة ، فإن الله تعالى عالم بكل شئ . وإن قال : عنيت الثاني ، قيل : لا يجوز عندنا إطلاق القول بذلك ، لانه قد تبطل حياة نبى أو ولى بقتل ظالم ، والبارى تعالى لا يريد عندنا ذلك . فإن قيل : فهل تقولون : إن كل حيوان يموت وتبطل حياته بأجله ؟ قيل : نعم ، لان الله قد علم الوقت الذى تبطل حياته فيه ، فليس تبطل حياته إلا في ذلك الوقت ، لا لان العلم ساق إلى ذلك ، بل إنما تبطل حياته بالامر الذى اقتضى بطلانه ، والبارى تعالى يعلم الاشياء على ماهى عليه ، فإن بطلت حياته بقتل ظالم فذلك ظلم وجور ، وإن بطلت حياته من قبل الله تعالى فذلك حكمة وصواب . وقد يكون ذلك لطفا لبعض المكلفين . واختلف الناس : لو لم يقتل القاتل المقتول ، هل كان يجوز أن يبقيه الله تعالى ؟ فقطع الشيخ أبو الهذيل على موته لو لم يقتله القاتل ، وإليه ذهب الكرامية ، قال محمد بن الهيصم : مذهبنا أن الله تعالى قد أجل لكل نفس أجلا لن ينقضى عمره دون بلوغه ، ولا يتأخر عنه ، ومعنى الاجل هو الوقت الذى علم الله أن الانسان يموت فيه ، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ ، وليس يجوز أن يكون الله تعالى قد أجل له أجلا ، ثم يقتل قبل بلوغه أو يخترم دونه ، ولا أن

[ 135 ]

يتأخر عما أجل له ، ليس على معنى أن القاتل مضطر إلى (1) قتله ، حتى لا يمكنه الامتناع منه ، بل هو قادر على أن يمتنع من قتله ، ولكنه لا يمتنع منه ، إذ كان المعلوم أنه يقتله لاجله بعينه ، وكتب ذلك عليه . ولو توهمنا في التقدير ، أنه يمتنع من قتله لكان الانسان يموت لاجل ذلك ، لانهما أمران مؤجلان بأجل واحد ، فأحدهما قتل القاتل إياه ، والثانى تصرم مدة عمره وحلول الموت به ، فلو قدرنا امتناع القاتل من قتله ، لكان لا يجب بذلك ألا يقع المؤجل الثاني الذى هو حلول الموت به ، بل كان يجب أن يموت بأجله . قال : وبيان ذلك من كتاب الله توبيخه المنافقين على قولهم : (لو كانوا (2) عندنا ما ماتوا وما قتلوا) ، فقال تعالى لهم : (قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) (3) ، فدل على أنهم لو تجنبوا مصارع القتل لم يكونوا ليدرءوا بذلك الموت عن أنفسهم . وقالت الاشعرية والجهمية والجبرية كافة : إنها آجال مضروبة محدودة ، وإذا أجل الاجل ، وكان في المعلوم أن بعض الناس يقتل ، وجب وقوع القتل منه لا محالة ، وليس يقدر القاتل على الامتناع من قتله ، وتقدير انتفاء القتل ليقال : كيف كانت تكون الحال ، تقدير أمر محال ، كتقدير عدم القديم وإثبات الشريك ، وتقدير الامور المستحيلة لغو وخلف من القول . وقال قوم من أصحابنا البغداديين رحمهم الله بالقطع على حياته لو لم يقتله القاتل ، وهذا عكس مذهب أبى الهذيل ومن وافقه ، وقالوا : لو كان المقتول يموت في ذلك الوقت لو لم يقتله القاتل لما كان القاتل مسيئا إليه ، إذ لم يفوت عليه حياة لو لم يبطلها لبقيت ، ولما استحق


(1) ب : (على قتله)) ، وما أثبته من ا ، ج . (2) سورة آل عمران 156 . (3) سورة آل عمران 168 . (*)

[ 136 ]

القود ، ولكان ذابح الشاة بغير إذن مالكها قد أحسن إلى مالكها ، لانه لو لم يذبحها لماتت ، فلم يكن ينتفع بلحمها . قالوا : والذى احتج به من كونهما مؤجلين بأجل واحد ، فلو قدرنا انتفاء أحد الامرين في ذلك الوقت لم يجب انتفاء الآخر ، ليس بشئ ، لان أحدهما علة الآخر فإذا قدرنا انتفاء العلة ، وجب أن ينتفى في ذلك التقدير انتفاء المعلول ، فالعلة قتل القاتل ، والمعلول بطلان الحياة ، وإنما كان يستمر ويصلح ما ذكروه ، لو لم يكن بين الامرين علية العلية والمعلولية . قالوا : والآية التى تعلقوا فيها لا تدل على قولهم ، لانه تعالى لم ينكر ذلك القول إنكار حاكم بأنهم لو لم يقتلوا لماتوا ، بل قال : كل حى ميت ، أي لا بد من الموت ، إما معجلا وإما مؤجلا . قالوا : فإذا قال لنا قائل : إذا قلتم إنه يبقى لو لم يقتله القاتل ، ألستم تكونون قد قلتم : إن القاتل قد قطع عليه أجله ؟ قلنا له : إنما يكون قاطعا عليه أجله لو قتله قبل الوقت الذى علم الله تعالى أن حياته تبطل فيه ، وليس الامر كذلك ، لان الوقت الذى علم الله تعالى أن حياته تبطل فيه هو الوقت الذى قتله فيه القاتل ، ولم يقتله القاتل قبل ذلك ، فيكون قد قطع عليه أجله . قالوا : فإذا قال لنا : فهل تقولون إنه قطع عليه عمره ؟ قلنا له : إن الزمان الذى كان يعيش فيه لو لم يقتله القاتل لا يسمى عمرا إلا على طريق المجاز ، باعتبار التقدير ، ولسنا نطلق ذلك إلا مقيدا ، لئلا يوهم ، وإنما قلنا : إنا نقطع على أنه لو لم يقتل لم يمت ، ولا يطلق غير ذلك .

[ 137 ]

وقال قدماء الشيعة : الآجال تزيد وتنقص ، ومعنى الاجل ، الوقت الذى علم الله تعالى أن الانسان يموت فيه إن لم يقتل قبل ذلك ، أو لم يفعل فعلا يستحق به الزيادة والنقصان في عمره . قالوا : وربما يقتل الانسان الذى ضرب (1) له من الاجل خمسون سنة ، وهو ابن عشرين سنة ، وربما يفعل من الافعال ما يستحق به الزيادة ، فيبلغ مائة سنة ، أو يستحق به النقيصة فيموت وهو ابن ثلاثين سنة . قالوا : فمما يقتضى الزيادة ، صله الرحم ، ومما يقتضى النقيصة الزنا وعقوق الوالدين ، وتعلقوا بقوله تعالى : (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) . وربما قال قوم منهم : أن الله تعالى يضرب الاجل لزيد خمسين سنة أو ما يشاء ، فيرجع عن ذلك فيما بعد ، ويجعله أربعين أو ثلاثين ، أو ما يشاء ، وبنوه على قولهم في البدء . وقال أصحابنا : هذا يوجب أن يكون الله تعالى قد أجل الآجال على التخمين دون التحقيق ، حيث أجل لزيد خمسين ، فقتل لعشرين ، وأفسدوا أن يعلم الله تعالى الشئ (2) بشرط ، وأن يبدو له فيما يقضيه ويقدره ، بما هو مشهور في كتبهم . وقالوا في الآية : إن المراد بها أن ينقص سبحانه بعض الناس عن مقدار أجل المعمر ، بأن يكون انتقص منه عمرا ، ليس أنه ينقص من عمر ذلك المعمر . فأما مشايخنا أبو على وأبو هاشم فتوقفا في هذه المسألة وشكا في حياة المقتول وموته ، وقالا : لا يجوز أن يبقى لو لم يقتل ، ويجوز أن يموت ، قالا : لان حياته وموته مقدوران لله عز وجل ، وليس في العقل ما يدل على قبح واحد منهما ، ولا في الشرع ما يدل على حصول واحد منهما ، فوجب الشك فيهما ، إذ لا دليل يدل على واحد منهما .


(1) ب : (صرف) ، تحريف وصوابه من ج . (2) ساقطة من ب . (*)

[ 138 ]

قالوا : فأما احتجاج القاطعين على موته ، فقد ظهر فساده بما حكى من الجواب عنه . قالوا : ومما يدل على بطلانه من الكتاب العزيز قوله تعالى : (ولكم في القصاص حياة يا أولى الالباب) (1) فحكم سبحانه بأن إثباته القصاص مما يزجر القاتل عن القتل ، فتدوم حياة المقتول ، فلو كان المقتول يموت لو لم يقتله القاتل ما كان في إثبات القصاص حياة . قالوا : وأما احتجاج البغداديين على القطع على حياته ، بما حكى عنهم ، فلا حجة فيه . أما إلزام القاتل القود والغرامة فلانا غير قاطعين على موت المقتول لو لم يقتل ، بل يجوز أن يبقى ويغلب ذلك على ظنوننا ، لان الظاهر من حال الحيوان الصحيح ألا يموت في ساعته ، ولا بعد ساعته وساعات ، فنحن نلزم القاتل القود والغرامة ، لان الظاهر أنه أبطل مالو لم يبطله لبقى . وأيضا فموت المقتول لو لم يقتله القاتل لا يخرج القاتل من كونه مسيئا ، لانه هو الذى تولى إبطال الحياة ، ألا ترى أن زيدا لو قتل عمرا لكان مسيئا إليه ، وإن كان المعلوم أنه لو لم يقتله لقتله خالد في ذلك الوقت ! وأيضا فلو لم يقتل القاتل المقتول ، ولم يذبح الشاة حتى ماتا ، لكان يستحق المقتول ومالك الشاة من الاعواض على الباري سبحانه أكثر مما يستحقانه على القاتل والذابح ، فقد أساء القاتل والذابح حيث فوتا على المقتول ومالك الشاة زيادة الاعواض . فأما شيخنا أبو الحسين فاختار الشك أيضا في الامرين إلا في صورة واحدة ، فإنه قطع فيها على دوام الحياة ، وهى أن الظالم قد يقتل في الوقت الواحد الالوف الكثيرة في المكان الواحد ، ولم تجر العادة بموت مثلهم في حالة واحدة في المكان الواحد ، واتفاق ذلك نقض العادة ، وذلك لا يجوز .


(1) سورة البقرة 179 . (*)

[ 139 ]

قال (1) الشيخ : ليس يمتنع أن يقال في مثل هؤلاء إنه يقطع على أن جميعهم ما كانوا يموتون في ذلك المكان في ذلك الوقت لو لم يقتلهم القاتل ، إن كان الوقت وقتا لا يجوز انتقاض العادات فيه ، ولكن يجوز أن يموت بعضهم دون بعض ، لانه ليس في موت الواحد والاثنين في وقت واحد في مكان واحد نقض عادة ، ولا يمتنع هذا الفرض من موتهم بأجمعهم في زمان نبى من الانبياء . وقد ذكرت في كتبي المبسوطة في علم الكلام في هذا الباب ما ليس هذا الشرح موضوعا لاستقصائه .


(1) ح : (وقال رحمه الله) . (*)

[ 140 ]

(62) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : ألا إن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها ، ولا ينجى بشئ كان لها . ابتلى الناس بها فتنة فما أخذوه منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه ، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه ، وأقاموا فيه ، فإنها عند ذوى العقول كفئ الظل ، بينا تراه سابغا حتى قلص ، وزائدا حتى نقص . الشرح : تقدير الكلام أن الدنيا دار لا يسلم من عقاب ذنوبها إلا فيها ، وهذا حق ، لان العقاب المستحق (1) ، إنما يسقط بأحد أمرين : إما بثواب على طاعات تفضل على ذلك العقاب المستحق ، أو بتوبة كاملة الشروط . وكلا الامرين لا يصح من المكلفين إيقاعه إلا في الدنيا ، فإن الآخرة ليست دار تكليف ، ليصح من الانسان فيها عمل الطاعة والتوبة عن المعصية السالفة ، فقد ثبت إذا أن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها . إن قيل : بينوا أن الآخرة ليست بدار تكليف . قيل : قد بين الشيوخ ذلك بوجهين : أحدهما : الاجماع على المنع من تجويز استحقاق ثواب أو عقاب في الآخرة . والثانى : أن الثواب يجب أن يكون خالصا من المشاق ، والتكليف يستلزم المشقة ، لانها شرط في صحته ، فبطل أن يجوز استحقاق ثواب في الآخرة للمكلفين المثابين في الآخرة


(1) ج : (لان عقاب الذنوب) . (*)

[ 141 ]

لاجل تكاليفهم في الآخرة ، وأما المعاقبون فلو كانوا مكلفين لجاز وقوع التوبة منهم ، وسقوط العقاب بها ، وهذا معلوم فساده ضرورة من دين الرسول عليه السلام . وهاهنا اعتراضان : أحدهما : أن يقال : فما قولكم في قوله تعالى : (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم) (1) وهذا أمر وخطاب لاهل الجنة ، والامر تكليف ؟ والثانى : أن الاجماع حاصل على أن أهل الجنة يشكرون الله تعالى ، والشكر عبادة ، وذلك يستدعى استحقاق الثواب . والجواب عن الاول أن قوله : (كلوا واشربوا) عند شيخنا أبى على رحمه الله تعالى ليس بأمر على الحقيقة ، وإن كانت له صورته ، كما في قوله تعالى : (كونوا حجارة أو حديدا) (2) . وأما الشيخ أبو هاشم فعنده أن قوله : (كلوا واشربوا) أمر ، لكنه زائد في سرور أهل الجنة ، إذا علموا أن الله تعالى أراد منهم الاكل وأمرهم به ، ولكنه ليس بتكليف ، لان الامر إنما يكون تكليفا إذا انضمت إليه المشقة . وأما الجواب عن الثاني ، فإن الشكر الذى بالقلب رجوعه إلى الاعتقادات ، والله تعالى يفعل في أهل الجنة المعارف كلها ، فلا وجوب إذا عليهم ، وأما الشكر باللسان فيجوز أن يكون لهم فيه لذة ، فيكون بذلك غير مناف للثواب الحاصل لهم . وبهذا الوجه نجيب عن قول من يقول : أليس زبانية النار يعالجون أهل العذاب في جهنم ، أعاذنا الله منها ؟ وهل هذا إلا محض تكليف ! لانا نقول إنه يجوز أن يكون للزبانية في ذلك لذة عظيمة ، فلا يثبت التكليف معها ، كما لا يكون الانسان مكلفا في الدنيا بما يخلص إليه شهوته ، ولا مشقة عليه فيه .


(1) سورة الحاقة 24 (2) سورة الاسراء 50 (*)

[ 142 ]

إن قيل : هذا الجواب ينبئ على أن معارف أهل الآخرة ضرورية ، لانكم أجبتم عن مسألة الشكر ، بأن الله تعالى يفعل المعارف في أهل الجنة ، فدللوا على ذلك ، بل يجب عليكم أن تدللوا أولا على أن أهل الآخرة يعرفون الله تعالى . قيل : أما الدليل على أنهم يعرفونه تعالى ، فإن المثاب لا بد أن يعلم وصول الثواب إليه على الوجه الذى استحقه ، ولا يصح ذلك إلا مع المعرفة بالله تعالى ، ليعلم أن ما فعله به هو الذى لمستحقه ، والقول في المعاقب كالقول في المثاب . وأيضا فإن من شرط الثواب مقارنة التعظيم والتبجيل له من فاعل الثواب ، لان تعظيم غير فاعل الثواب لا يؤثر ، والتعظيم لا يعلم إلا مع العلم بالقصد إلى التعظيم ، ويستحيل أن يعلموا قصده تعالى ، ولا يعلموه ، والقول في العقاب وكون الاستحقاق والاهانة تقارنه تجرى هذا المجرى . فأما بيان أن هذه المعرفة ضرورية ، فلانها لو كانت من فعلهم ، لكانت إما أن تقع عن نظر يتحرون فيه ، ويلجئون إليه أو عن تذكر نظر ، أو بأن يلجئوا إلى نفس المعرفة من غير تقدم نظر ، والاول باطل ، لان ذلك تكليف وفيه مشقة وقد بينا سقوط التكليف في الآخرة . ولا يجوز أن يلجئوا إلى النظر لانهم لو ألجئوا إلى النظر لكان ألجأهم إلى المعرفة أولا ، وإلجاؤهم إلى المعرفة يمنع من إلجائهم إلى النظر ، ولا يجوز وقوعها عند تذكر النظر ، لان المتذكر للنظر يعرض له الشبه ، ويلزمه دفعها ، وفى ذلك عود الامر إلى التكليف ، وليس معاينة الآيات بمانع عن وقوع الشبه ، كما لم تمنع معاينة المعجزات والاعلام عن وقوعها ، ولا يجوز أن يكون الالجاء إلى المعرفة ، لان الالجاء إلى أفعال القلوب لا يصح إلا من الله تعالى ، فيجب أن يكون الملجأ إلى المعرفة عارفا بهذه القضية وفى ذلك استغناؤه بتقدم هذه المعرفة على الالجاء إليها . إن قيل : إذا قلتم إنهم مضطرون إلى المعارف ، فهل تقولون إنهم مضطرون إلى الافعال ؟

[ 143 ]

قيل : لا ، لانه تعالى قال : (وفاكهة مما يتخيرون) (1) ، ولان من تدبر ترغيبات القرآن في الجنة والثواب ، علم قطعا أن أهل الجنة غير مضطرين إلى أفعالهم ، كما يضطر المرتعش إلى الرعشه . إن قيل : فإذا كانوا غير مضطرين ، فلم يمنعهم من وقوع القبيح منهم ؟ قيل : لان الله تعالى قد خلق فيهم علما بأنهم متى حاولوا القبيح منعوا منه ، وهذا يمنع من الاقدام على القبيح بطريق الالجاء . ويمكن أيضا أن يعلمهم استغناءهم بالحسن عن القبيح ، مع ما في القبيح من المضرة ، فيكونون ملجئين إلى ألا يفعلوا القبيح . فأما قوله عليه السلام : ((ولا ينجى بشئ كان لها) فمعناه أن أفعال المكلف التى يفعلها لاغراضه الدنيوية ليست طريقا إلى النجاة في الآخرة ، كمن ينفق ماله رئاء الناس ، وليست طرق النجاة إلا بأفعال البر التى يقصد فيها وجه الله تعالى لا غير وقد أوضح عليه السلام ذلك بقوله : (فما أخذوه منها لها أخرجوا منه ، وحوسبوا عليه ، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه) . فمثال الاول من يكتسب الاموال ويدخرها لملاذه . ومثال الثاني من يكسبها لينفقها في سبيل الخيرات و المعروف . ثم قال عليه السلام : (وإنها عند ذوى العقول كفئ الظل . . .) إلى آخر الفصل ، وإنما قال : (كفئ الظل) لان العرب تضيف الشئ إلى نفسه ، قال تأبط شرا : إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل له كالئ من قلب شيحان فاتك (2)


(1) سورة الواقعة 20 (2) حماسة أبى تمام - بشرح التبريزي 1 : 94 . حاص خاط ، ويروى : (إذا خاط عينيه) . والسكرى : النوم الخفيف . والشيحان : الحازم ، مثل الشائح والشيح والفاتك : الذى يفاجئ غيره بمكروه أو قتل . (*)

[ 144 ]

ويمكن أن يقال : الظل أعم من الفئ ، لان الفئ لا يكون إلا بعد الزوال ، وكل فئ ظل ، وليس كل ظل فيئا ، فلما كان فيهما تغاير معنوى بهذا الاعتبار صحت الاضافة . والسابغ : التام . وقلص ، أي انقبض . وقوله عليه السلام : (بينا تراه) ، أصل (بينا) (بين) ، فأشبعت الفتحة ، فصارت (بينا) على وزن (فعلى) ثم تقول (بينما) فتزيد (ما) ، والمعنى واحد ، تقول بينا نحن نرقبه أتانا ، أي بين أوقات رقبتنا إياه أتانا ، والجمل تضاف إليها أسماء الزمان ، كقولك : أتيتك زمن الحجاج أمير ، ثم حذفت المضاف الذى هو (أوقات) وولى الظرف الذى هو بين الجملة التى أقيمت مقام المضاف إليه ، كقوله (واسأل القرية) (1) . وكان الاصمعي يخفض ب‍ (بينا) إذا صلح في موضعه (بين) ، وينشد بيت أبى ذؤيب بالجر : بينا تعنقه الكماة وروغه يوما أتيح له جرئ سلفع (2) وغيره يرفع ما بعد (بينا) و (بينما) على الابتداء والخبر ، وينشد هذا البيت على الرفع . وهذا المعنى متداول ، قال الشاعر : ألا إنما الدنيا كظل غمامة أظلت يسيرا ثم خفت فولت وقال آخر : ظل الغمام ، وأحلام المنام ، فما تدوم يوما لمخلوق على حال


(1) سورة يوسف 82 . (2) ديوا الهذليين 1 : 18 . السلفع : الجرئ الصدر . (*)

[ 145 ]

(63) الاصل : من خطبة له عليه السلام : (1) فاتقوا الله عباد الله ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم ، وترحلوا فقد جد بكم ، واستعدوا للموت فقد أظلكم ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا ، فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به . وإن غاية تنقصها اللحظة ، وتهدمها الساعة ، لجديرة بقصر المده . وإن غائبا يحدوه الجديدان : الليل والنهار ، لحرى بسرعة الاوبة . وإن قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحق لافضل العدة . فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا . فاتقى عبد ربه ، نصح نفسه ، وقدم توبته ، وغلب شهوته ، فإن أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشيطان موكل به ، يزين له المعصية ليركبها ، ويمنيه التوبة ليسوفها ، إذا هجمت منيته عليه أغفل ما يكون عنها . فيالها حسرة على ذى غفلة أن يكون عمره عليه حجة ، وأن تؤديه أيامه إلى الشقوة ! نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية ، ولا تحل به بعد الموت ندامة ولا كآبة .


(1) ا : (واتقوا) . (10 - نهج - 5) (*)

[ 146 ]

الشرح : بادروا آجالكم بأعمالكم ، أي سابقوها وعاجلوها . البدار : العجلة . وابتاعوا الآخرة الباقية بالدنيا الفانية الزائلة . وقوله : (فقد جد بكم) أي حثثتم على الرحيل ، يقال : جد الرحيل ، وقد جد بفلان ، إذا أزعج وحث على الرحيل . واستعدوا للموت ، يمكن أن يكون بمعنى (أعدوا) ، فقد جاء (استفعل) بمعنى (أفعل) كقولهم : استجاب له ، أي أجابه . ويمكن أن يكون بمعنى الطلب ، كما تقول : استطعم ، أي طلب الطعام ، فيكون بالاعتبار الاول ، كأنه قال : أعدوا للموت عدة ، وبمعنى الاعتبار الثاني كأنه قال : اطلبوا للموت عدة . وأظلكم : قرب منكم ، كأنه ألقى عليهم ظله ، وهذا من باب الاستعارة . والعبث : اللعب ، أو مالا غرض فيه ، أو مالا غرض صحيح فيه . وقوله : (ولم يترككم سدى) ، أي مهملين . وقوله : (أن ينزل به) موضعه رفع لانه بدل من (الموت) ، والغائب المشار إليه هو الموت . ويحدوه الجديدان : يسوقه الليل والنهار ، وقيل : الغائب هنا هو الانسان يسوقه الجديدان إلى الدار التى هي داره الحقيقية ، وهى الآخرة ، وهو في الدنيا غائب على الحقيقة عن داره التى خلق لها . والاول أظهر . وقوله : (فتزودوا في الدنيا من الدنيا) كلام فصيح ، لان الامر الذى به يتمكن المكلف من إحراز نفسه في الآخرة ، إنما هو يكتسبه في الدنيا منها ، وهو التقوى والاخلاص والايمان . والفاء في قوله : (فاتقى عبد ربه) ، لبيان ماهية الامر الذى يحرز الانسان به نفسه

[ 147 ]

ولتفصيل أقسامه وأنواعه ، كما تقول : فعل اليوم فلان أفعالا جميلة ، فأعطى فلانا ، وصفح عن فلان ، وفعل كذا . وقد روى : (اتقى عبد ربه) بلا فاء ، بتقدير (هلا) ، ومعناه التحضيض . وقد روى (وليسوفها) بكسر الواو وفتحها ، والضمير في الرواية الاولى يرجع إلى نفسه وقد تقدم ذكرها قبل بكلمات يسيرة . ويجوز أن يعنى به : ليسوف التوبة ، كأنه جعلها مخاطبة يقول لها : سوف أوقعك ، والتسويف أن يقول في نفسه : سوف أفعل ، وأكثر ما يستعمل للوعد الذى لا نجاز له ، ومن روى بفتح الواو جعله فعل ما لم يسم فاعله ، وتقديره : ويمنيه الشيطان التوبة ، أي يجعلها في أمنيته ليكون مسوفا إياها ، أي يعد من المسوفين المخدوعين . وقوله : (فيالها حسرة) ، يجوز أن يكون نادى الحسرة ، وفتحة اللام على أصل نداء المدعو ، كقولك : يا للرجال ، ويكون المعنى : هذا وقتك (1 أيتها الحسرة فاحضرى . ويجوز أن يكون المدعو غير الحسرة ، كأنه قال : يا للرجال للحسرة ! فتكون لامها مكسورة نحو الاصل لانها المدعو إليه 1) ، إلا أنها لما كانت للضمير فتحت ، أي أدعوكم أيها الرجال لتقضوا العجب من هذه الحسرة . [ عظة للحسن البصري ] وهذا الكلام من مواعظ أمير المؤمنين البالغة ، ونحوه من كلام الحسن البصري ، ذكره شيخنا أبو عثمان في ، ، البيان والتبيين ، ، (2) :


(1 - 1) ساقط من ا ، ب ، واثبته من ج . (2) البيان والتبيين 3 : 132 ، 133 (*)

[ 148 ]

ابن آدم ، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا ، وإذا رأيت الناس في الخير فقاسمهم فيه ، (1) وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم عليه . البقاء (2) هاهنا قليل ، والبقاء هناك طويل ، أمتكم آخر الامم وأنتم آخر أمتكم ، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون (3) ؟ المعاينة ! فكأن قد . هيهات هيهات ، ذهبت الدنيا بحاليها (4) وبقيت الاعمال قلائد في الاعناق ، فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة ! ألا إنه لا أمة بعد أمتكم ، ولا نبى بعد نبيكم ، ولا كتاب بعد كتابكم . أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم ، وإنما ينتظر (5) بأولكم أن يلحق آخركم . من رأى محمدا صلوات الله وسلامه عليه ، فقد رآه غاديا رائحا ، لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة . رفع له علم فسما إليه ، فالوحي الوحى ، النجاء النجاء ! على ماذا تعرجون ! (6 ذهب أماثلكم وأنتم ترذلون (7) كل يوم ، فما تنتظرون 6) ! إن الله بعث محمدا على علم منه ، اختاره لنفسه ، وبعثه برسالته ، وأنزل إليه كتابه ، وكان صفوته من خلقه ، ورسوله إلى عباده ، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الارض ، فآتاه فيها قوتا وبلغة ، ثم قال : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (8) ، فركن أقوام إلى غير عيشته ، وسخطوا ما رضى له ربه ، فأبعدهم وأسحقهم . يا بن آدم ، طإ الارض بقدمك ، فإنها عن قليل قبرك ، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك ، رحم الله امرأ نظر فتفكر ، وتفكر فاعتبر ، واعتبر


(1) البيان : (فانافسهم) . (2) البيان : (الثواء) . (3) ب : (فلا تنتظرون المعاينة) ، وما أثبته من ج والبيان والتبيين . (4) بحاليها ، أي حالتى الخير والشر . (5) البيان : (وإنما ينتظر بأولكم) . (6 - 6) البيان : (أتيتم ورب الكعبة ، قد أسرع بخياركم ، وأنتم كل يوم ترذلون فماذا تنتظرون) . (7) ترذلون : تصيرون رذلاء (8) سورة الاحزاب 21 (*)

[ 149 ]

فأبصر ، وأبصر فأقصر فقد أبصر أقوام ولم يقصروا ، ثم هلكوا فلم يدركوا ما طلبوا ، ولا رجعوا إلى ما فارقوا . يا بن آدم ، اذكر قوله عزوجل : (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) ، عدل عليك من جعلك حسيب نفسك . خذوا صفوة الدنيا ، ودعوا كدرها ، ودعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم ، ظهر الجفاء وقلت العلماء ، وعفت السنة ، وشاعت البدعة ، لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرة عين لكل مسلم ، وجلاء الصدور ، ولقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم ، أشفق منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها ، وكانوا مما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم عليكم منها . ما لى أسمع حسيسا ولا أرى أنيسا ! ذهب الناس ، وبقى النسناس (1) . لو تكاشفتم ما تدافنتم . تهاديتم الاطباق ، ولم تتهادوا النصائح . أعدوا الجواب ، فإنكم مسئولون . إن المؤمن من لا يأخذ دينه عن رأيه ، ولكن عن ربه (2) . ألا إن الحق قد أجهد أهله ، وحال بينهم وبين شهواتهم ، [ وما يصبر عليه إلا من عرف فضله ، ورجا عاقبته ، فمن حمد الدنيا ذم الآخرة (3) ] ، ولا يكره لقاء الله إلا مقيم على ما يسخطه . إن الايمان ليس بالتمني ولا بالتشهى ، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الاعمال . وهذا كلام حسن وموعظة بالغة ، إلا أنه في الجزالة والفصاحة دون كلام أمير المؤمنين عليه السلام بطبقات .


(1) النسناس : خلق على صورة الناس . (2) البيان : (أخذه من قبل ربه) . (3) من كتاب البيان والتبيين . (*)

[ 150 ]

[ من خطب عمر بن عبد العزيز ] ومن خطب عمر بن عبد العزيز : إن لكل سفر زادا لا محالة ، فتزودا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة ، فكونوا كمن عاين ما أعد الله تعالى من ثوابه وعقابه ، فرغبوا ورهبوا ، ولا يطولن عليكم الامر فتقسو قلوبكم ، وتنقادوا لعدوكم ، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يصبح بعد إمسائه ، ولا يمسى بعد إصباحه ، وربما كانت بين ذلك خطفات (1) المنايا . فكم رأينا وأنتم من كان بالدنيا مغترا فأصبح في حبائل خطوبها ومناياها أسيرا ! وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله ، وإنما يفرح من أمن من أهوال يوم القيامة ، فأما من لا يبرأ من كلم إلا أصابه جارح من ناحية أخرى ، فكيف يفرح ! أعوذ بالله أن أخبركم بما أنهى عنه نفسي ، فتخيب صفقتى ، وتظهر عورتى ، وتبدو مسكنتي ، يوم يبدو فيه الغنى والفقير ، والموازين منصوبة ، والجوارح ناطقة . لقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت ، ولو عنيت به الجبال لذابت ، أو الارض لانفطرت ، أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة ، وأنكم صائرون إلى أحدهما ! (2) . ومن خطب عمر بن عبد العزيز : أيها الناس : [ أنكم ] (3) لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ، وإن لكم معادا يبين (4) الله لكم فيه الحكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التى وسعت كل شئ ، وحرم الجنة التى عرضها السموات والارض .


(1) العقد : (خطرات) (2) العقد لابن عبد ربه 4 : 92 (3) من البيان والتبيين والعقد . (4) البيان والعقد : (يحكم) (*)

[ 151 ]

واعلموا أن الامان لمن خاف الله ، وباع قليلا بكثير وفانيا (1) بباق ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيسلبها (2) بعدكم الباقون ، حتى ترد إلى خير الوارثين ! ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عزوجل ، قد قضى نحبه ، وبلغ أجله ، تغيبونه في صدع من الارض ثم تدعونه غير ممهد ولا موسد ، قد صرم الاسباب (3) وفارق الاحباب ، وواجه الحساب ، وصار في التراب ، غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم (4) . [ من خطب ابن نباتة ] ومن خطب ابن نباتة الجيدة في ذكر الموت : أيها الناس ، ما أسلس قياد من كان الموت جريره ! وأبعد سداد من كان هواه أميره ! وأسرع فطام من كانت الدنيا ظئره ! وأمنع جناب من أضحت التقوى ظهيره ! فاتقوا الله عباد الله حق تقواه ، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه ، وتأهبوا لوثبات المنون ، فإنها كامنة في الحركات والسكون ، بينما ترى المرء مسرورا بشبابه ، مغرورا بإعجابه ، مغمورا بسعة اكتسابه ، مستورا عما خلق له لما يغرى به ، إذ أسعرت فيه الاسقام شهابها ، وكدرت له الايام شرابها وحومت عليه المنية عقابها ، وأعلقت فيه ظفرها ونابها ، فسرت فيه أوجاعه ، وتنكرت عليه طباعه ، وأظل رحيله ووداعه ، وقل عنه منعه ودفاعه ، فأصبح ذا بصر حائر ، وقلب طائر ، ونفس غابر ، في قطب هلاك دائر ، قد أيقن بمفارقة أهله ووطنه ، وأذعن بانتزاع روحه عن بدنه ، حتى إذا تحقق منه اليأس ، وحل به المحذور والبأس ، أومأ إلى خاص (5) عواده ، موصيا لهم بأصاغر أولاده ، جزعا عليهم من ظفر أعدائه وحساده


(1) البيان : (وفائتا) . (2) العقد والبيان : (وسيخلفها) . (3) البيان والعقد : (قد خلع الاسباب) . (4) البيان والتبيين 2 : 120 ، العقد لابن عبد ربه 4 : 95 . (5) ب : (حاضر) ، وما أثبته عن ا ، ج . (*)

[ 152 ]

والنفس بالسياق تجذب ، والموت بالفراق يقرب ، والعيون لهول مصرعه تسكب ، والحامة عليه تعدد وتندب ، حتى تجلى له ملك الموت من حجبه ، فقضى فيه قضاء أمر ربه ، فعافه الجليس ، وأوحش منه الانيس ، وزود من ماله كفنا ، وحصر في الارض بعمله مرتهنا ، وحيدا على كثرة الجيران بعيدا على قرب المكان ، مقيما بين قوم كانوا فزالوا ، وحوت عليهم الحادثات فحالوا ، لا يخبرون بما إليه آلوا ، ولو قدروا على المقال لقالوا قد شربوا من الموت كأسا مرة ، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرة ، وآلى عليهم الدهر ألية برة ، ألا يجعل لهم الدنيا كرة ، كأنهم لم يكونوا للعيون قرة ، ولم يعدوا في الاحياء مرة ، أسكتهم الذى أنطقهم وأبادهم الذى خلقهم ، وسيجدهم كما خلقهم ، ويجمعهم كما فرقهم يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا ، ويجعل الله الظالمين لنار جهنم وقودا : (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) (1) .


(1) سورة آل عمران 30 . (*)

[ 153 ]

(64) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : الحمد لله الذى لم يسبق له حال حالا ، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ، كل مسمى بالوحدة غيره قليل وكل عزيز غيره ذليل وكل قوى غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك ، وكل عالم غيره متعلم ، وكل قادر غيره يقدر ويعجز ، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الاصوات ، ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها ، وكل بصير غيره يعمى عن خفى الالوان ولطيف الاجسام وكل ظاهر غيره غير باطن ، وكل باطن غيره غير ظاهر . لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ، ولا تخوف من عواقب زمان ، ولا استعانة على ند مثاور ، ولا شريك مكاثر ، ولا ضد منافر ولكن خلائق مربوبون ، وعباد داخرون لم يحلل في الاشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال : هو منها بائن . لم يؤده خلق ما ابتدأ ، ولا تدبير ما ذرأ ولا وقف به عجز عما خلق ، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر ، بل قضاء متقن ، وعلم محكم وأمر مبرم ، المأمول مع النقم ، المرهوب مع النعم . الشرح : يصم ، بفتح الصاد ، لان الماضي (صممت) (1) يا زيد ، والصمم : فساد حاسة السمع ، ويصمه بكسرها ، يحدث الصمم عنده ، وأصممت زيدا .


(1) أي أنها من باب (علم) . (*)

[ 154 ]

والند : المثل والنظير . والمثاور : المواثب . والشريك : المكاثر المفتخر بالكثرة . والضد المنافر : المحاكم في الحسب ، نافرت زيدا فنفرته ، أي غلبته . ومربوبون : مملوكون وداخرون : ذليلون خاضعون . ولم ينأ لم يبعد ولم يؤده : لم يتعبه . وذرأ : خلق . وولجت عليه الشبهة ، بفتح اللام ، أي دخلت . والمرهوب : المخوف . فأما قوله : (الذى لم يسبق له حال حالا ، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا) ، فيمكن تفسيره على وجهين : أحدهما : أن معنى كونه أولا أنه لم يزل موجودا ، ولا شئ من الاشياء بموجود (1) أصلا ، ومعنى كونه آخرا أنه باق لا يزال ، وكل شئ من الاشياء يعدم عدما محضا حسب عدمه فيما مضى ، وذاته سبحانه ذات يجب لها اجتماع استحقاق هذين الاعتبارين معا في كل حال ، فلا حال قط إلا ويصدق على ذاته أنه (2) يجب كونها مستحقة للاولية والآخرية بالاعتبار المذكور استحقاقا ذاتيا ضروريا ، وذلك الاستحقاق ليس على وجه وصف الترتيب ، بل مع خلاف غيره من الموجودات الجسمانية ، فإن غيره مما يبقى زمانين فصاعدا إذا نسبناه إلى ما يبقى دون زمان بقائه لم يكن استحقاقه الاولية والآخرية بالنسبة إليه على هذا الوصف ، بل إما يكون استحقاقا بالكلية ، بأن يكون استحقاقا قريبا ، فيكون إنما يصدق عليه أحدهما ، لان الآخر لم يصدق عليه ، أو يكونا معا يصدقان عليه مجتمعين غير مرتبين ، لكن ليس ذلك لذات الموصوف بالاولية والآخرية ، بل إنما ذلك الاستحقاق لامر خارج عن ذاته . الوجه الثاني : أن يريد بهذا الكلام أنه تعالى لا يجوز أن يكون موردا للصفات المتعاقبة ، على ما يذهب إليه قوم من أهل التوحيد ، قالوا : لانه واجب لذاته ، والواجب لذاته


(1) ا ، ب : (موجود) . (2) ساقطة من ب . (*)

[ 155 ]

واجب من جميع جهاته ، إذ لو فرضنا جواز اتصافه بأمر جديد ثبوتى أو سلبى لقلنا : إن ذاته لا تكفى في تحققه ، ولو قلنا ذلك لقلنا إن حصول ذلك الامر ، أو سلبه عنه ، يتوقف على حصول أمر خارج عن ذاته ، أو على عدم أمر خارج عن ذاته ، فتكون ذاته لا محالة متوقفه على حضور ذلك الحصول أو السلب ، والمتوقف على المتوقف على الغير متوقف على الغير ، وكل متوقف على الغير ممكن ، والواجب لا يكون ممكنا . فيكون معنى الكلام على هذا التفسير نفى كونه تعالى ذا صفة بكونه أولا وآخرا ، بل إنما المرجع بذلك إلى إضافات لا وجود لها في الاعيان ، ولا يكون ذلك من أحوال ذاته الراجعة إليها كالعالمية ونحوها ، لان تلك أحوال ثابتة ، ونحن إنما ننفي عنه بهذه الحجة (1) الاحوال المتعاقبة . وأما قوله : (أو يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا) ، فإن للباطن والظاهر تفسيرا على وجهين : أحدهما : أنه ظاهر بمعنى أن أدلة وجوده وأعلام ثبوته وإلهيته جلية واضحة ، ومعنى كونه باطنا أنه غير مدرك بالحواس الظاهرة ، بل بقوة أخرى باطنة ، وهى القوة العقلية . وثانيهما : أنا نعنى بالظاهر الغالب ، يقال : ظهر فلان على بنى فلان ، أي غلبهم ، ومعنى الباطن العالم ، يقال بطنت سر فلان ، أي علمته ، والقول في نفيه عنه سبحانه أن يكون ظاهرا قبل كونه باطنا ، كالقول فيما تقدم من نفيه عنه سبحانه كونه أولا قبل كونه آخرا . وأما قوله : (كل مسمى بالوحدة غيره قليل) ، فلان الواحد أقل العدد ، ومعنى كونه واحدا يباين ذلك ، لان معنى كونه واحدا إما نفى الثاني في الالهية ، أو كونه يستحيل عليها الانقسام ، وعلى كلا التفسيرين يسلب عنها مفهوم القلة . هذا إذا فسرنا كلامه على التفسير الحقيقي وإن فسرناه على قاعدة البلاغة وصناعة


(1) ب : (يجحد) ، تحريف . (*)

[ 156 ]

الخطابة ، كان ظاهرا ، لان الناس يستحقرون القليل لقلته ، ويستعظمون الكثير لكثرته ، قال الشاعر : تجمعتم من كل أوب ووجهة على واحد لا زلتمو قرن واحد وأما قوله : (وكل عزيز غيره ذليل) فهو حق ، لان غيره من الملوك وإن كان عزيزا فهو ذليل في قبضة القضاء والقدر ، وهذا هو تفسير قوله : (وكل قوى غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك) . وأما قوله : (وكل عالم غيره متعلم) فهو حق ، لانه سبحانه مفيض العلوم على النفوس ، فهو المعلم الاول ، جلت قدرته وأما قوله : (وكل قادر غيره يقدر ويعجز) فهو حق ، لانه تعالى قادر لذاته ، ويستحيل عليه العجز ، وغيره قادر لامر خارج عن ذاته ، إما لقدرة ، كما قاله قوم ، أو لبنية وتركيب كما قاله قوم آخرون ، والعجز على من عداه غير ممتنع ، وعليه مستحيل . وأما قوله عليه السلام : (وكل سميع غيره يصم عن لطيف الاصوات ، ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها) فحق ، لان كل ذى سمع من الاجسام يضعف سمعه عن إدراك خفى الاصوات ، ويتأثر من شديدها وقويها ، لانه يسمع (1) بآلة جسمانية والآلة الجسمانية ذات قوة متناهية واقفة عند حد محدود ، والبارى تعالى بخلاف ذلك . واعلم أن أصحابنا اختلفوا في كونه تعالى مدركا للمسموعات والمبصرات ، فقال شيخنا أبو على وأبو هاشم وأصحابهما : إن كونه مدركا صفة زائدة على كونه عالما ، وقالا : إنا نصف الباري تعالى فيما لم يزل بأنه سميع بصير ، ولا نصفه بأنه سامع مبصر ، ومعنى كونه سامعا مبصرا أنه مدرك للمسموعات والمبصرات .


(1) ب : (لا يسمع) ، تحريف .

[ 157 ]

وقال شيخنا أبو القاسم وأبو الحسين وأصحابهما : إن معنى كونه تعالى مدركا ، هو أنه عالم بالمدركات ، ولا صفة له زائدة على صفته بكونه عالما ، وهذا البحث مشروع في كتبي الكلامية لتقرير الطريقين و ، ، شرح الغرر ، ، وغيرهما . والقول في شرح قوله : (وكل بصير غيره يعمى عن خفى الالوان ، ولطيف الاجسام) ، كالقول فيما تقدم في إدراك السمع . وأما قوله : (وكل ظاهر غيره غير باطن ، وكل باطن غيره غير ظاهر) فحق ، لان كل ظاهر غيره على التفسير الاول فليس بباطن كالشمس والقمر وغيرهما من الالوان الظاهرة ، فإنها ليست إنما تدرك بالقوة العقلية ، بل بالحواس الظاهرة ، وأما هو سبحانه فإنه أظهر وجودا من الشمس ، لكن ذلك الظهور لم يمكن إدراكه بالقوى الحاسة الظاهرة ، بل بأمر آخر ، إما خفى في باطن هذا الجسد ، أو مفارق ليس في الجسد ولا في جهة أخرى غير جهة الجسد . وأما على التفسير الثاني ، فلان كل ملك ظاهر على رعيته أو على خصومه وقاهر لهم ، ليس بعالم ببواطنهم ، وليس مطلعا على سرائرهم ، والبارى تعالى بخلاف ذلك ، وإذا فهمت شرح القضايا الاولى ، فهمت شرح الثانية ، وهى قوله : (وكل باطن غيره غير ظاهر) . [ اختلاف الاقوال في خلق العالم ] فأما قوله : (لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطانه) إلى قوله : (عباد داخرون) ، فاعلم أن

[ 158 ]

الناس اختلفوا في كمية خلقه تعالى للعالم ما هي ؟ على أقوال : القول الاول : قول الفلاسفة . قال محمد بن زكريا الرازي عن (1) أرسطا طاليس إنه زعم أن العالم كان عن الباري تعالى ، لان جوهره وذاته جوهر وذات مسخرة للمعدوم أن يكون مسخرا موجودا . قال : وزعم ابن قيس : أن علة وجود العالم وجود الباري . قال : وعلى كلا القولين يكون العالم قديما ، أما على قول أرسطو فلان جوهر ذات الباري لما كان قديما ، لم يزل وجب أن يكون أثرها ومعلولها قديما . وأما على قول ابن قيس فلان الباري موجود لم يزل ، لان وجوده من لوازم ذاته ، فوجب أن يكون فيضه وأثره أيضا لم يزل هكذا . قال ابن زكريا : فأما الذى يقول أصحاب أرسطا طاليس الآن في زماننا ، فهو أن العالم لم يجب عن الله سبحانه عن قصد ولا غرض ، لان كل من فعل فعلا لغرض كان حصول ذلك الغرض له أولى من لا حصوله ، فيكون كاملا لحصول ذلك الغرض ، وواجب الوجود لا يجوز أن يكون كاملا بأمر خارج عن ذاته ، لان الكامل لا من ذاته ناقص من ذاته . قالوا : لكن تمثل نظام العالم في علم واجب الوجود ، يقتضى فيض ذلك النظام منه ، قالوا : وهذا معنى قول الحكماء الاوائل : أن علمه تعالى فعلى لا انفعالي ، وإن العلم على قسمين : أحدهما : ما يكون المعلوم سببا له ، والثانى ما يكون هو سبب المعلوم . مثال الاول أن نشاهد صورة فنعلمها ، ومثال الثاني أن يتصور الصائغ أو النجار أو البناء كيفية العمل فيوقعه في الخارج على حسب ما تصوره .


(1) ب : (على) . (*)

[ 159 ]

قالوا : وعلمه تعالى من القسم الثاني ، وهذا هو المعنى المعبر عنه بالعناية ، وهو إحاطة علم الاول الحق سبحانه بالكل وبالواجب أن يكون عليه الكل ، حتى يكون على أحسن النظام ، وبأن ذلك واجب عن إحاطته به ، فيكون الموجود وفق المعلوم من غير انبعاث قصد وطلب عن الاول الحق سبحانه فعلمه تعالى بكيفية الصواب في ترتيب الكل هو المنبع لفيضان الوجود في الكل . القول الثاني : قول حكاه أبو القاسم البلخى عن قدماء الفلاسفة ، وإليه كان يذهب محمد بن زكريا الرازي من المتأخرين . وهو أن علة خلق الباري للعالم تنبيه النفس على أن ما تراه من الهيولى وتريده غير ممكن لترفض محبتها إياها وعشقها لها ، وتعود إلى عالمها الاول غير مشتاقة إلى هذا العالم . واعلم أن هذا القول هو القول المحكى عن الحرنانية أصحاب القدماء الخمسة ، وحقيقة مذهبهم إثبات قدماء خمسة : اثنان منهم حيان فاعلان ، وهما الباري تعالى والنفس ، ومرادهم بالنفس ذات هي مبدأ لسائر النفوس التى في العالم كالارواح البشرية ، والقوى النباتية والنفوس الفلكية ويسمون هذه الذات النفس الكلية . وواحد من الخمسة منفعل غير حى ، وهو الهيولى ، واثنان لا حيان ولا فاعلان ولا منفعلان ، وهما الدهر والقضاء . قالوا : والبارى تعالى هو مبدأ العلوم والمنفعلات ، وهو قائم العلم والحكمة ، كما أن النفس مبدأ الارواح والنفوس فالعلوم والمنفعلات تفيض من الباري سبحانه فيض النور عن قرص الشمس ، والنفوس والارواح تفيض عن النفس الكلية فيض النور عن القرص ، إلا أن النفوس جاهلة لا تعرف الاشياء إلا على أحد (1) وجهين : إما أن يفيض فيض الباري تعالى عليها تعقلا وإدراكا ، وإما أن تمارس غيرها وتمازجه ، فتعرف ما تعرف باعتبار الممارسة والمخالطة معرفة ناقصة ، وكان الباري تعالى في الازل عالما بأن النفس تميل إلى التعلق بالهيولى


(1) ساقطة من ب (*)

[ 160 ]

وتعشقها ، وتطلب اللذة الجسمانية ، وتكره مفارقة الاجسام ، وتنسى نفسها ، ولما كان الباري سبحانه قائم العلم والحكمة ، اقتضت حكمته تركب الهيولى لما تعلقت النفس بها ضروبا مختلفة من التراكيب ، فجعل منها أفلاكا وعناصر وحيوانات ونباتات ، فأفاض على النفوس تعقلا وشعورا جعله سببا لتذكرها عالمها الاول ومعرفتها أنها ما دامت في هذا العالم مخالطة للهيولى لم تنفك عن الآلام ، فيصير ذلك مقتضيا شوقها إلى عالمها الاول الذى لها فيه اللذات الخالية عن الآلام ، ورفضها هذا العالم الذى هو سبب أذاها ومضرتها . القول الثالث : قول المجوس : إن الغرض من خلق العالم أن يتحصن الخالق جل اسمه من العدو ، وأن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدو فيه ، ويجعله في ربط ووثاق ، والعدو عندهم هو الشيطان ، وبعضهم يعتقد ، قدمه وبعضهم حدوثه . قال قوم منهم : إن البارئ تعالى استوحش ، ففكر فكرة رديئة ، فتولد منها الشيطان . وقال آخرون : بل شك شكا رديئا ، فتولد الشيطان من شكه . وقال آخرون : بل تولد من عفونة رديئة قديمة ، وزعموا أن الشيطان حارب البارئ سبحانه ، وكان في الظلم لم يزل بمعزل عن سلطان البارئ سبحانه ، فلم يزل يزحف حتى رأى النور ، فوثب وثبة عظيمة ، فصار في سلطان الله تعالى في النور ، وأدخل معه الآفات والبلايا والسرور ، فبنى الله سبحانه هذه الافلاك والارض والعناصر شبكة له ، وهو فيها محبوس ، لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الاول ، وصار في (1) الظلمة ، فهو أبدا يضطرب ويرمى الآفات على خلق الله سبحانه ، فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت ، ومن أصحه رماه الشيطان بالسقم ، ومن سره رماه بالحزن والكآبة ، فلا يزال كذلك ، وكل يوم ينتقص سلطانه وقوته ، لان الله تعالى يحتال له كل يوم ، ويضعفه إلى أن تذهب قوته كلها ،


(1) ج : (والظلمة) . (*)

[ 161 ]

وتجمد وتصير جمادا لا حراك به ، فيضعه الله تعالى حينئذ في الجو والجو عندهم هو الظلمة ، ولا منتهى له ، فيصير في الجو جمادا جامدا هوائيا ، ويجمع الله تعالى أهل الاديان فيعذبهم بقدر ما يطهرهم ، ويصفيهم من طاعة الشيطان ، ويغسلهم من الادناس ، ثم يدخلهم الجنة ، وهى جنة لا أكل فيها ولا شرب ولا تمتع ولكنها موضع لذة وسرور . القول الرابع : قول المانوية : وهو أن النور لا نهاية له من جهة فوق ، وأما من جهة تحت فله نهاية والظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل ، وأما من جهة فوق فلها نهاية ، وكان النور والظلمة هكذا قبل خلق العالم وبينهما فرجة وأن بعض أجزاء النور اقتحم تلك الفرجة لينظر إلى الظلمة ، فأسرته (1) الظلمة ، فأقبل عالم كثير من النور ، فحارب الظلمة ليستخلص المأسورين من تلك الاجزاء ، وطالت الحرب ، واختلط كثير من أجزا النور بكثير من أجزاء الظلمة ، فاقتضت حكمة نور الانوار - وهو البارئ سبحانه عندهم - أن عمل الارض من لحوم القتلى والجبال من عظامهم ، والبحار من صديدهم ودمائهم والسماء من جلودهم ، وخلق الشمس والقمر وسيرهما لاستقصاء ما في هذا العالم من أجزاء النور المختلطة بأجزاء الظلمة ، وجعل حول هذا العالم خندقا خارج الفلك الاعلى ، يطرح فيه الظلام المستقصى ، فهو لا يزال يزيد ويتضاعف ويكثر في هذا الخندق ، وهو ظلام صرف قد استقصى نوره ، وأما النور المستخلص فيلحق بعد الاستقصاء بعالم الانوار من فوق ، فلا تزال الافلاك متحركة ، والعالم مستمرا إلى أن يتم استقصاء النور الممتزج ، وحينئذ يبقى من النور الممتزج شئ يسير ، فينعقد بالظلمة لا تقدر النيران على استقصائه ، فعند ذلك تسقط الاجسام العالية - وهى الافلاك - على الاجسام السافلة - وهى الارضون - وتثور نار وتضطرم في تلك الاسافل وهى المسماة بجهنم ، ويكون الاضطرام


(1) : ج (فأشرقت) تصحيف . (11 - نهج - 5) (*)

[ 162 ]

مقدار ألف وأربعمائة سنة ، فتحلل بتلك النار تلك الاجزاء المنعقدة من النور ، الممتزجة بأجزاء الظلمة التى عجز الشمس والقمر عن استقصائها ، فيرتفع إلى عالم الانوار ، ويبطل العالم حينئذ ، ويعود النور كله إلى حاله الاولى قبل الامتزاج ، فكذلك الظلمة . القول الخامس : قول متكلمي الاسلام : وهو على وجوه : أولها : قول جمهور أصحابنا إن الله تعالى إنما خلق العالم للاحسان إليهم والانعام على الحيوان ، لان خلقه حيا نعمة عليه ، لان حقيقة النعمة موجودة فيه ، وذلك أن النعمة هي المنفعة المفعولة للاحسان ، ووجود الجسم حيا منفعة مفعولة للاحسان ، أما بيان كون ذلك منفعة فلان المنفعة هي اللذة والسرور ودفع المضار المخوفة ، وما أدى إلى ذلك وصححه ، ألا ترى أن من أشرف على أن يهوى من جبل ، فمنعه بعض الناس من ذلك ، فإنه يكون منعما عليه ، ومن سر غيره بأمر ، وأوصل إليه لذة ، يكون قد أنعم عليه ، ومن دفع إلى غيره مالا يكون قد أنعم عليه ، لانه قد مكنه بدفعه إليه من الانتفاع ، وصححه له ، ولا ريب أن وجودنا أحياء يصحح لنا اللذات ، ويمكننا منها ، لانا لو لم نكن أحياء لم يصح ذلك فينا . قالوا : وإنما قلنا إن هذه المنفعة مفعولة للاحسان ، لانها إما أن تكون مفعولة لا لغرض أو لغرض ، والاول باطل ، لان ما يفعل لا لغرض عبث ، والبارئ سبحانه لا يصح أن تكون أفعاله عبثا ، لانه حكيم . وأما الثاني ، فإما أن يكون ذلك الغرض عائدا عليه سبحانه بنفع أو دفع ضرر ، أو يعود على غيره . والاول : باطل ، لانه غنى لذاته ، يستحيل عليه المنافع والمضار ، ولا يجوز أن يفعله لمضرة يوصلها إلى غيره ، لان القصد إلى الاضرار بالحيوان من غير استحقاق ولا منفعة يوصل إليها بالمضرة قبيح ، تعالى الله عنه ! فثبت أنه سبحانه إنما خلق الحيوان

[ 163 ]

لنفعه ، وأما غير الحيوان فلو لم يفعله لينفع به الحيوان ، لكان خلقه عبثا ، والبارئ تعالى لا يجوز عليه العبث ، فإذا جميع ما في العالم إنما خلقه لينفع به الحيوان . فهذا هو الكلام في علة خلق العالم عندهم ، وأما الكلام في وجه حسن تكليف الانسان ، فذاك مقام آخر لسنا الآن في بيانه ولا الحاجة داعية إليه . وثانيها : قول قوم من أصحابنا البغداديين : إنه خلق الخلق ليظهر به لارباب العقول صفاته الحميدة ، وقدرته على كل ممكن ، وعلمه بكل معلوم ، وما يستحقه من الثناء والحمد . قالوا : وقد ورد الخبر أنه تعالى قال : (كنت كنزا لا أعرف ، فأحببت أن أعرف) ، وهذا القول ليس بعيدا . وثالثها : للمجبرة : إنه خلق الخلق لا لغرض أصلا ، ولا يقال : لم كان (1) كل شئ لعلة ، ولا علة لفعله ، ومذهب الاشعري وأصحابه أن إرادته القديمة تعلقت بإيجاد العالم في الحال التى وجد فيها لذاتها ، ولا لغرض ولا لداع ، وما كان يجوز ألا يوجد العالم حيث وجد ، لان الارادة القديمة ، لا يجوز أن تتقلب وتتغير حقيقتها ، وكذلك القول عندهم في أجزاء العالم المجددة من الحركات والسكنات ، والاجسام وسائر الاعراض . ورابعها : قول بعض المتكلمين : إن البارئ تعالى ، إنما فعل العالم لانه ملتذ بأن يفعل ، وأجاز أرباب هذا القول عليه اللذة والسرور والابتهاج . قالوا : والبائ سبحانه - وإن كان قبل أن يخلق العالم ملتذا بكونه قادرا على خلق العالم - إلا أن لذة الفعل أقوى من لذة القدرة على الفعل ، كأن يلتذ بأنه قادر على أن يكتب خطا مستحسنا ، أو يبنى بيتا محكما ، فإنه إذا أخرج تلك الصناعة من القوة إلى الفعل كانت لذته أتم وأعظم . قالوا : ولم يثبت بالدليل العقلي استحالة اللذة عليه ، وقد ورد في الآثار النبوية أن الله تعالى يسر ، واتفقت الفلاسفة على أنه ملتذ بذاته وكماله .


(1) كذا في ج ، وفى ا : (قالوا) . (*)

[ 164 ]

وعندي في هذا القول نظر ، ولى في اللذة والالم رسالة مفردة وأما قوله : (لم يحلل في الاشياء ، فيقال : لا هو فيها كائن ولا منها مباين) ، فينبغي أن يحمل على أنه أراد أنه لم ينأ عن الاشياء نأيا مكانيا فيقال : هو بائن بالمكان ، هكذا ينبغى أن يكون مراده ، لانه لا يجوز إطلاق القول بأنه ليس ببائن عن الاشياء ، وكيف والمجرد بالضرورة بائن عن ذى الوضع ، ولكنها بينونة بالذات لا بالجهة . والمسلمون كلهم متفقون على أنه تعالى يستحيل أن يحل في شئ إلا من اعتزى إلى الاسلام من الحلولية ، كالذين قالوا بحلوله في على وولده ، وكالذين قالوا بحلوله في أشخاص يعتقدون فيها إظهاره كالحلاجية وغيرهم ، والدليل على استحالة حلوله سبحانه في الاجسام ، أنه لو صح أن يحل فيها لم يعقل منفردا بنفسه أبدا ، كما أن السواد لا يعقل كونه غير حال في الجسم ، لانه لو يعقل غير حال في الجسم لم يكن سوادا ، ولا يجوز أن يكون الله تعالى حالا أبدا ، ولا أن يلاقى الجسم ، إذ ذلك يستلزم قدم الاجسام ، وقد ثبت أنها حادثة . فأما قوله : (لم يؤده خلق ما ابتدأ) إلى قوله : (عما خلق) فهو حق ، لانه تعالى قادر لذاته ، والقادر لذاته لا يتعب ولا يعجز ، لانه ليس بجسم ، ولا قادر بقدرة يقف مقدورها عند حد وغاية ، بل إنما يقدر على شئ لانه تعالى ذات مخصوصة ، يجب لها أن تقدر على الممكنات ، فيكون كل ممكن داخلا تحت هذه القضية الكلية ، والذات التى تكون هكذا لا تعجز ، ولا تقف مقدوراتها عند حد وغاية أصلا ، ويستحيل عليها التعب ، لانها ليست ذات أعضاء وأجزاء . وأما قوله : (ولا ولجت عليه شبهة) إلى قوله : (وأمر مبرم) فحق ، لانه تعالى عالم لذاته ، أي إنما علم ما علمه لا بمعنى أن يتعلق بمعلوم دون معلوم ، بل إنما علم أي شئ أشرت إليه ، لانه ذات مخصوصة ، ونسبة تلك الذات إلى غير ذلك الشئ المشار إليه

[ 165 ]

كنسبتها إلى المشار إليه ، فكانت عالمة بكل معلوم ، واستحال دخول الشبهة عليها فيما يقضيه ويقدره . وأما قوله : (المأمول مع النقم ، المرهوب مع النعم) ، فمعنى لطيف ، وإليه وقعت الاشارة بقوله تعالى : (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون . أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون) (1) ، وقوله سبحانه : (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) (2) ، وقوله تعالى : (فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا) (3) ، وقوله سبحانه : (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) (4) وإليه نظر الشاعر في قوله : من عاش لاقى ما يسوء من الامور وما يسر ولرب حتف فوقه ذهب وياقوت ودر وقال البحترى : يسرك الشئ قد يسوء وكم نوه يوما بخامل لقبه لا ييئس المرء أن ينجيه ما يحسب الناس أنه عطبه وقال آخر : رب غم يدب تحت سرور وسرور يأتي من المحذور وقال سعيد بن حميد : كم نعمة مطوية لك بين أثناء النوائب (5)


(1) سورة الاعراف 79 . (2) سورة الاعراف 182 (3) سورة الشرح 65 . (4) سورة النساء 19 . (5) شرح المختار من شعر بشار ص 314 ، من غير نسبة . (*)

[ 166 ]

ومسرة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب وقال آخر : أنتظر الروح وأسبابه أيئس ما كنت من الروح وقال آخر : ربما تجزع النفوس من الامر له فرجة كحل العقال (1) وقال آخر : العسر أكرمه ليسر بعده ولاجل عين ألف عين تكرم والمرء يكره يومه ولعله يأتيه فيه سعادة لا تعلم وقال الحلاج : ولربما هاج الكبير من الامور لك الصغير ولرب أمر قد تضيق به الصدور ولا يصير وقال آخر : يا راقد الليل مسرورا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا وقال آخر : كم مرة حفت بك المكاره خار لك الله وأنت كاره ومن شعرى الذى أناجي به البارئ سبحانه في خلواتي ، وهو فن أطويه وأكتمه عن الناس ، وإنما ذكرت بعضه في هذا الموضع ، لان المعنى ساق إليه ، والحديث ذو شجون : يا من جفاني فوجدي بعده عدم هبني أسأت فأين العفو والكرم !


(1) لامية بن أبى الصلت ، اللسان 3 : 166 . (*)

[ 167 ]

أنا المرابط دون الناس فاجف وصل واقبل وعاقب وحاسب لست أنهزم إن المحب إذا صحت محبته فما لوقع المواضى عنده ألم وحق فضلك ما استيأست من نعم تسرى إلى وإن حلت بى النقم ولا أمنت نكالا منك أرهبه وإن ترادفت الآلاء والنعم حاشاك تعرض عمن في حشاشته نار لحبك طول الدهر تضطرم ألم تقل إن من يدنو إلى قدر الذراع أدنو له باعا وأبتسم والله والله لو عاقبتني حقبا بالنار تأكلني حطما وتلتهم ما حلت عن حبك الباقي فليس على حال بمنصرم ، والدهر ينصرم

[ 168 ]

(65) الاصل : ومن كلام له عليه السلام كان يقوله لاصحابه في بعض أيام صفين : معاشر المسلمين . استشعروا الخشية ، وتجلببوا السكينة ، وعضوا على النواجذ ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، وأكملوا اللامة ، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها . والحظوا الخزر ، واطعنوا الشزر ، ونافحوا بالظبا ، وصلوا السيوف بالخطا . واعلموا أنكم بعين الله ، ومع ابن عم رسول الله . فعاودوا الكر ، واستحيوا من الفر ، فإنه عار في الاعقاب ، ونار يوم الحساب ، وطيبوا عن أنفسكم نفسا ، وامشوا إلى الموت مشيا سجحا ، وعليكم بهذا السواد الاعظم ، والرواق المطنب ، فاضربوا ثبجه ، فإن الشيطان كامن في كسره ، وقد قدم للوثبة يدا ، وأخر للنكوص رجلا . فصمدا صمدا ! حتى ينجلى لكم عمود الحق وأنتم الاعلون ، والله معكم ولن يتركم أعمالكم . الشرح : قوله : (استشعروا الخشية) ، أي اجعلوا الخوف من الله تعالى من شعاركم ، والشعار من الثياب : ما يكون دون الدثار ، وهو يلى الجلد ، وهو ألصق ثياب الجسد ، وهذه استعارة حسنة ، والمراد بذلك أمرهم بملازمة الخشية والتقوى ، كما أن الجلد يلازم الشعار .

[ 169 ]

قوله : (وتجلببوا السكينة) أي اجعلوا السكينة والحلم والوقار جلبابا لكم ، والجلباب : الثوب المشتمل على البدن . قوله : (وعضوا على النواجذ) جمع ناجذ ، وهو أقصى الاضراس ، وللانسان أربعة نواجذ في كل شق ، والنواجذ بعد الارحاء ، ويسمى الناجذ ضرس الحلم ، لانه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل ، ويقال : إن العاض على نواجذه ينبو السيف عن هامته نبواما ، وهذا مما يساعد التعليل الطبيعي عليه ، وذلك أنه إذا عض على نواجذه تصلبت الاعصاب والعضلات المتصلة بدماغه ، وزال عنها الاسترخاء ، فكانت على مقاومة السيف أقدر ، وكان تأثير السيف فيها أقل . وقوله : (فإنه أنبى) ، الضمير راجع إلى المصدر الذى دل الفعل عليه ، تقديره : فإن العض أنبى ، كقولهم : من فعل خيرا كان له خيرا ، أي كان فعله خيرا ، وأنبى (أفعل) ، من نبا السيف ، إذا لم يقطع . قال الراوندي : هذا كلام ليس على حقيقته ، بل هو كناية عن الامر بتسكين القلب وترك اضطرابه واستيلاء الرعدة عليه ، إلى أن قال : ذلك أشد إبعادا لسيف العدو عن هامتكم . قوله : (وأكملوا اللامة) ، اللامة بالهمزة : الدرع ، والهمزة ساكنة على (فعلة) ، مثل النأمة للصوت ، وإكمالها أن يزاد على البيضة والسواعد ونحوها . ويجوز أن يعبر باللامة عن جميع أداة الحرب ، كالدرع والرمح والسيف ، يريد : أكملوا السلاح الذى تحاربون العدو به . قوله : (وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها) ، يوم الحرب لئلا يدوم مكثها في الاجفان فتلحج (1) فيها ، فيستصعب (2) سلها وقت الحاجه إليها . وقوله : (والحظوا الخزر) ، الخزر أن ينتظر الانسان بعينه ، وكأنه ينظر بمؤخرها وهى أمارة الغضب ، والذى أعرفه (الخزر) بالتحريك ، قال الشاعر :


(1) لحج السيف لحجا : نشب في الغمد ولم يخرج . (2) ج : (فيسهل) . (*)

[ 170 ]

إذا تخازرت وما بى من خزر ثم كسرت العين وما بى من عور ألفيتني ألوى بعيد المستمر أحمل ما حملت من خير وشر فإن كان قد جاء مسكنا فتسكينه جائز للسجعة الثانية ، وهى قوله : (واطعنوا الشزر) . والطعن شزرا ، هو الطعن عن اليمين والشمال ولا يسمى الطعن تجاه الانسان شزرا ، وأكثر ما تستعمل لفظة (الشزر) في الطعن ، لما كان عن اليمين خاصة ، وكذلك إدارة الرحا . وخزرا وشزرا ، صفتان لمصدرين محذوفين ، تقديره : الحظوا لحظا خزرا ، واطعنوا طعنا شزرا ، وعين (اطعنوا) مضمومة ، يقال : طعنت بالرمح أطعن ، بالضم ، وطعنت في نسبه أطعن ، بالفتح ، أي قدحت ، قال : يطوف بى عكب في معد ويطعن بالصملة في قفيا (1) قوله : (نافحوا بالظبا) أي ضاربوا نفحة بالسيف ، أي ضربة ، ونفحت الناقة برجلها ، أي ضربت . والظبا : جمع ظبة ، وهى طرف السيف . قوله : (وصلوا السيوف بالخطا) ، مثل قول الشاعر : إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب (2) قالوا : بكسر (نضارب) ، لانه معطوف على موضع جزاء الشرط ، الذى هو (إذا) . وقال آخر : نصل السيوف إذا قصرن بخطونا يوما ونلحقها إذا لم تلحق (3) وأنشدني شيخنا أبو القاسم الحسين بن عبد الله العكبرى ، ولم يسم قائله ، ووجدته بعد لنابغة بنى الحارث بن كعب : إن تسألي عنا سمى فإنه يسمو إلى قحم العلا أدنانا (4)


(1) هو المنخل اليشكرى ، وعكب اللخمى ، صاحب سجن النعمان بن المنذر . اللسان 2 : 118 (2) الخزانة 3 : 24 ، ونسبه إلى الاخنس بن شهاب ، الاشباه والنظائر 1 : 120 ، ونسبه إلى قيس ابن الحطيم . (3) الكامل للمبرد 66 ، ونسبه إلى كعب بن مالك . (4) المختلف والمؤتلف للآمدي 191 (*)

[ 171 ]

وتبيت جارتنا حصانا عفة ترضى ويأخذ حقه مولانا ونقوم إن رق المنون بسحرة لوصاة والدنا الذى أوصانا أن لا نفر إذا الكتيبة أقبلت حتى تدور رحاهم ورحانا وتعيش في أحلامنا أشياخنا مردا وما وصل الوجوه لحانا وإذا السيوف قصرن طولها لنا حتى تناول ما نريد خطانا وقال حميد بن ثور الهلالي : إلى أن نزلنا بالفضاء وما لنا به معقل إلا الرماح الشواجر (1) ووصل الخطا بالسيف والسيف بالخطا إذا ظن أن المرء ذا السيف قاصر (2) وهذه الابيات من قطعة لحميد جيدة ، ومن جملتها : قضى الله في بعض المكاره للفتى برشد وفى بعض الهوى ما يحاذر ألم تعلمي أنى إذا الالف قادني إلى الجور لا أنقاد والالف جائر (3) وقد كنت في بعض الصباوة أتقى أمورا وأخشى أن تدور الدوائر وأعلم أنى إن تغطيت مرة من الدهر مكشوف غطائي فناظر ومن المعنى الذى نحن في ذكره ، ما روى أن رجلا من الازد ، رفع إلى المهلب سيفا له فقال : يا عم كيف ترى سيفى هذا ؟ فقال : إنه لجيد لو لا أنه قصير ، قال : أطوله يا عم بخطوتي ، فقال : والله يابن أخى إن المشى إلى الصين أو إلى أذربيجان على أنياب الافاعى ، أسهل من تلك الخطوة . ولم يقل المهلب ذلك جبنا ، بل قال ما توجبه الصورة إذ كانت


(1) ديوانه 87 - 89 ، من قصيدة مطلعها : عفا من سليمى ذو سدير فغابر فحرس فأعلام الدخول الصوادر (2) الديوان والخزانة 3 : 24 ، والبيان والتبيين 3 : 26 : (أن السيف ذا السيف) . (3) رواية الديوان : * سوى القصد لا أنقاد ، والالف جائر * (*)

[ 172 ]

تلك الخطوة قريبة للموت ، قال أبو سعيد المخزومى في هذا المعنى : رب نار رفعتها ودجى الليل على الارض مسبل الطيلسان وأمون نحرتها لضيوف وألوف نقدتهن لجاني (1) وحروب شهدتها جامع القلب فلم تنكر الكماة مكاني وإذا ما الحسام كان قصيرا طولته إلى العدو بنانى من الناس من يرويها في ديوانه (لجاني) بالجيم ، أي حملت الحمالة عنه ، ومنهم من يرويها بالحاء ، يعنى الخمار . ومن المعنى المذكور أولا قول بعض الشعراء ، يمدح صخر بن عمرو بن الشريد الاسلمي : إن ابن عمرو بن الشريد له فخار لا يرام وحجا إذا عدم الحجا وندى إذا بخل الغمام يصل الحسام بخطوه في الروع إن قصر الحسام ومثله قول الراجز : يخطو إذا ما قصر العضب الذكر خطوا ترى منه المنايا تبتدر ومثله : وإنا لقوم ما نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول (2) يقصر ذكر الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول ومنها : وإن قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فتطول


(1) الامون : الناقة الموثقة الخلق . (2) للسمؤل ، ديوان الحماسة 1 : 112 - بشرح التبريزي . (*)

[ 173 ]

ومثله قول وداك بن ثميل المازنى : مقاديم وصالون في الروع خطوهم بكل رقيق الشفرتين يمانى (1) إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لاية حرب أم بأى مكان وقال آخر : إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم حد السيوف وصلناها بأيدينا (2) وقال آخر : وصلنا الرقاق المرهفات بخطونا على الهول حتى أمكنتنا المضارب (3) وقال بعض الرجاز : الطاعنون في النحور والكلى والواصلون للسيوف بالخطا (4) قوله عليه السلام : (واعلموا أنكم بعين الله)) ، أي يراكم ويعلم أعمالكم ، والباء هاهنا كالباء في قوله : (أنت بمرأى منى ومسمع) . قوله : (فعاودوا الكر) أي إذا كررتم على العدو كرة فلا تقتصروا عليها ، بل كروا كرة أخرى بعدها ، ثم قال لهم : (واستحيوا من الفرار ، فإنه عار في الاعقاب) ، أي في الاولاد ، فإن الابناء يعيرون بفرار الآباء . ويجوز أن يريد بالاعقاب جمع عقب ، وهو العاقبة وما يؤول إليه الامر ، قال سبحانه : (خير ثوابا وخير عقبا) (5) ، أي خير عاقبة ، فيعنى على هذا الوجه أن الفرار عار في عاقبة أمركم ، وما يتحدث به الناس في مستقبل الزمان عنكم . ثم قال : (ونار يوم الحساب) ، لان الفرار من الزحف ذنب عظيم ، وهو عند


(1) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 1 : 124 ، الاشباه والنظائر 1 : 120 . (2) من أبيات في الحماسة 1 : 100 - بشرح المرزوقى ، ونسبها لبشامة بن حزء النهشلي . (3) الخزانة 3 : 24 ، ونسبه لرجل من بنى نمير ، وكذلك في البيان والتبيين 3 : 26 . (4) الخزانة 3 : 24 ، والبيان والتبيين 3 : 26 ، من غير نسبة . (5) سورة الكهف 44 (*)

[ 174 ]

أصحابنا المعتزلة من الكبائر ، قال الله تعالى : (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم) (1) ، والجهاد بين يدى الامام ، كالجهاد بين يدى الرسول عليه السلام . قوله عليه السلام : (وطيبوا عن أنفسكم نفسا) ، لما نصب (نفسا) على التمييز وحده ، لان التمييز لا يكون إلا واحدا ، وإن كان في معنى الجمع ، تقول : انعموا بالا ، ولا تضيقوا ذرعا ، وأبقى (الانفس) على جمعها لما لم يكن به حاجة إلى توحيدها ، يقول : وطنوا أنفسكم على الموت ولا تكرهوه ، وهو نوه عليكم ، تقول : طبت عن مالى نفسا ، إذا هونت ذهابه . وقوله : (وامشوا إلى الموت مشيا سجحا) ، أي سهلا ، والسجاحة : السهولة ، يقال (2) : في أخلاق فلان سجاحة ، ومن رواه (سمحا) أراد سهلا أيضا . والسواد الاعظم ، يعنى به جمهور أهل الشام . قوله : (والرواق المطنب) ، يريد به مضرب معاوية ذا الاطناب ، وكان معاوية في مضرب عليه قبة عالية ، وحوله صناديد أهل الشام . وثبجه : وسطه ، وثبج الانسان : ما بين كاهله إلى ظهره . والكسر : جانب الخباء . وقوله : (فإن الشيطان كامن في كسره) ، يحتمل وجهين : أحدهما أن يعنى به الشيطان الحقيقي ، وهو إبليس ، والثانى : أن يعنى به معاوية . والثانى هو الاظهر للقرينة التى تؤيده ، وهى قوله : (قد قدم للوثبة يدا ، وأخر للنكوص رجلا) ، أي إن جبنتم وثب ، وإن شجعتم نكص ، أي تأخر وفر ، ومن حمله على الوجه الاول جعله من باب المجاز ، أي أن إبليس كالانسان الذى يعتوره دواع مختلفة بحسب المتجددات ، فإن أنتم صدقتم عدوكم القتال فر عنكم بفرار عدوكم ، وإن تخاذلتم وتواكلتم طمع فيكم بطمعه ، وأقدم عليكم بإقدامه .


(1) سورة الانفال 8 (2) ب : (تقول) . (*)

[ 175 ]

وقوله عليه السلام : (فصمدا صمدا) أي اصمدوا صمدا صمدا ، صمدت لفلان أي قصدت له . وقوله : (حتى ينجلى لكم عمود الحق) ، أي يسطع نوره وضوءه ، وهذا من باب الاستعارة ، والواو في قوله : (وأنتم الاعلون) واو الحال . ولن يتركم أعمالكم ، أي لن ينقصكم وهاهنا مضاف محذوف تقديره : جزاء أعمالكم ، وهو من كلام الله تعالى رصع به خطبته ، عليه السلام . وهذا الكلام خطب به أمير المؤمنين عليه السلام في اليوم الذى كانت عشيته ليلة الهرير في كثير من الروايات . وفى روايه نصر (1) بن مزاحم أنه خطب به في أول أيام اللقاء والحرب بصفين ، وذلك في صفر من سنة سبع وثلاثين . [ من أخبار يوم صفين ] قال نصر : كان على عليه السلام يركب بغلة له يستلذها (2) ، قبل أن يلتقى الفئتان بصفين ، فلما حضرت الحرب وبات تلك الليلة يعبى الكتائب حتى أصبح قال : ائتونى بفرس ، فأتى بفرس له ذنوب أدهم (3) يقاد بشطنين (4) ، يبحث الارض بيديه جميعا ، له حمحمة


(1) في كتاب وقعة صفين ص 258 وما بعدها . (2) وقعة صفين : (بغلا له يستلذه) . (3) الذنوب : الوافر الذنب . (4) في اللسان 17 : 103 : (الشطن : الحبل ، وقيل : الحبل الطويل الشديد الفتل يستقى به وتشد به الخيل . . . . . وفى حديث البراء : وعنده فرس مربوطة بشطنين لقوته وشدته) . (*)

[ 176 ]

وصهيل ، فركبه ، وقال : (سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي ، قال : كان على عليه السلام إذا سار إلى قتال ، ذكر اسم الله قبل (1) أن يركب ، كان يقول : الحمد لله على نعمه علينا وفضله : (سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ، (2) ثم يستقبل القبلة ، ويرفع يديه إلى السماء ويقول : اللهم إليك نقلت الاقدام ، وأتعبت الابدان ، وأفضت القلوب ، ورفعت الايدى . وشخصت الابصار : (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (3) ، ثم يقول : سيروا على بركة الله ، ثم يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، يا الله يا أحد يا صمد ، يا رب محمد ، اكفف عنا بأس (4) الظالمين : (الحمد لله رب العالمين . الرحمن . الرحيم مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين) بسم الله الرحمن الرحيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . قال : وكانت هذه الكلمات شعاره بصفين . قال : وروى سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة ، قال : ما كان على عليه السلام في قتال إلا نادى : يا كهيعص . قال نصر : وحدثنا قيس بن الربيع ، عن عبد الواحد بن حسان العجلى ، عمن حدثه أنه سمع عليا عليه السلام يقول يوم لقائه أهل الشام بصفين : اللهم إليك رفعت الابصار ، وبسطت الايدى ، ونقلت الاقدام ، ودعت الالسن ، وأفضت القلوب ، وتحوكم إليك في الاعمال ، فاحكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين . اللهم إنا نشكو إليك غيبة


(1) ج : (حين) (2) سورة الزخرف 13 ، 14 (3) سورة الاعراف 89 (4) ج : (شر) . (*)

[ 177 ]

نبينا ، وقله عددنا ، وكثرة عدونا ، وتشتت أهوائنا ، وشدة الزمان ، وظهور الفتن ، فأعنا على ذلك بفتح منك تعجله ، ونصر تعز به سلطان الحق وتظهره قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد ، عن سلام بن سويد ، عن على عليه السلام في قوله : (وألزمهم كلمة التقوى) ، قال : هي لا إله إلا الله ، وفى قوله : (الله أكبر) قال : هي آية النصر قال سلام : كانت شعاره عليه السلام يقولها في الحرب ، ثم يحمل فيورد - والله - من اتبعه ومن حاده حياض الموت . قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد ، عن عبد الرحمن بن جندب ، عن أبيه قال : لما كان غداة الخميس لسبع خلون من صفر من سنة سبع وثلاثين صلى على عليه السلام الغداة فغلس ، ما رأيت عليا غلس بالغداة أشد من تغليسه يومئذ . وخرج بالناس إلى أهل الشام ، فزحف نحوهم ، وكان هو يبدؤهم فيسير إليهم ، فإذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم . قال نصر : فحدثني عمر بن سعد ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، قال : لما خرج على عليه السلام إليهم غداة ذلك اليوم فاستقبلوه ، رفع يديه إلى السماء وقال : (اللهم رب هذا السقف المحفوظ المكفوف ، الذى جعلته محيطا بالليل والنهار ، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ، ومنازل الكواكب والنجوم ، وجعلت سكانه [ سبطا ] (1) من الملائكة لا يسأمون العبادة . ورب هذه الارض التى جعلتها قرارا للانام والهوام والانعام ، وما لا يحصى مما يرى ومما لا يرى ، من خلقك العظيم ، ورب الفلك التى تجرى في البحر المحيط (2) بما ينفع الناس ، ورب السحاب المسخر بين السماء والارض ، ورب البحر


(1) تكملة من صفين ، والسبط : الامة (2) ساقطة من ج . (12 - نهج - 5) (*)

[ 178 ]

المسجور ، المحيط بالعالمين . ورب الجبال الرواسى التى جعلتها للارض أوتادا وللخلق متاعا ، أن أظهرتنا على عدونا ، فجنبنا البغى ، وسددنا للحق . وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة ، واعصم بقية أصحابي من الفتنة . قال : فلما رأوه قد أقبل تقدموا إليه بزحوفهم (1) وكان على ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى ، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، وقراء العراق مع ثلاثة نفر : عمار بن ياسر ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وعبد الله بن بديل ، والناس على راياتهم ومراكزهم ، وعلى عليه السلام في القلب في أهل المدينة ، جمهورهم الانصار ، ومعه من خزاعة ومن كنانة عدد حسن . قال نصر : وكان على عليه السلام رجلا (4) ربعة ، أدعج العينين ، كأن وجهه القمر ليلة البدر حسنا ، ضخم البطن ، عريض المسربة (3) ، شثن الكفين ، ضخم الكسور (4) ، كأن عنقه إبريق فضه ، أصلع (5 من خلفه شعر خفيف 5) ، لمنكبه مشاش (6) كمشاش الاسد الضارى ، إذا مشى تكفأ (7) ومار به جسده ، ولظهره سنام كسنام الثور لا يبين عضده من ساعده (8) ، قد أدمجت إدماجا ، لم يمسك بذراع رجل قط إلا أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس ، (9 ولونه إلى سمرة ما ، وهو أذلف الانف 9) ، إذا مشى إلى الحرب هرول ، قد أيده الله تعالى في حروبه بالنصر والظفر .


(1) صفين : خرجوا إليه بزحوفهم) . (2) في صفين : (دحداحا) ، والدداح : القصير . (3) المسربة : الشعر وسط الصدر إلى البطن . (4) شتن : غليظ ، والكسور : الاعضاء . (5 - 5) صفين : (أصلع ، ليس في شعره إلاخفاف من خلفه) ، والخفاف ، بالضم : الخفيف . (6) المشاش بالضم : رؤوس العظام ، مثل المنكبين والمرفقين والركبتين . (7) تكفأ : تمايل . والمور : التحرك والمجئ والذهاب . (8) العضد : مابين المرفق في الكتف ، يذكر ويؤنث . (9 - 9) صفين : (وهو إلى السمرة أذلف الانف) ، والذلف : قصر الانف وصغره . (*)

[ 179 ]

قال نصر : ورفع معاوية قبة عظيمة ، وألقى عليها الكرابيس (1) ، وجلس تحتها . قال نصر (2) : وقد كان لهم قبل هذا اليوم أيام ثلاثة ، وهى الرابع من صفر هذا ، واليوم الخامس ، واليوم السادس ، كانت فيها مناوشات وقتال ليس بذلك الكثير ، فأما اليوم الرابع ، فإن محمد بن الحنفية عليه السلام ، خرج في جمع من أهل العراق ، فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمع من أهل الشام ، فاقتتلوا . ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى محمد بن الحنفية أن اخرج إلى أبارزك ، فقال : نعم ، ثم خرج إليه ، فبصر بهما على عليه السلام ، فقال : من هذان المتبارزان ؟ قيل : محمد بن الحنفية وعبيد الله بن عمر ، فحرك دابته ، ثم دعا محمدا إليه فجاءه فقال : أمسك دابتي ، فأمسكها ، فمشى راجلا بيده سيفه نحو عبيد الله ، وقال له : أنا أبارزك ، فهلم إلى ، فقال عبيد الله : لا حاجة بى (3) إلى مبارزتك ، قال : بلى ، فهلم إلى ، قال : لا أبارزك ، ثم رجع إلى صفه ، فرجع على عليه السلام ، فقال ابن الحنفية : يا أبت لم منعتني من مبارزته ، فو الله لو تركتني لرجوت أن أقتله ! قال : يا بنى ، لو بارزته أنا لقتلته ، ولو بارزته أنت لرجوت لك أن تقتله ، وما كنت آمن أن يقتلك ، فقال : يا أبت أتبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئيم عدو الله ! والله لو أبوه يسألك المبارزة لرغبت بك عنه . فقال : يا بنى لا تذكر أباه ، ولا تقل فيه إلا خيرا ، رحم الله أباه ! قال نصر (4) : وأما اليوم الخامس ، فإنه خرج فيه عبد الله بن العباس ، فخرج إليه الوليد بن عقبة ، فأكثر من سب بنى عبد المطلب (5) ، وقال : يا بن عباس : قطعتم أرحامكم ،


(1) الكرابيس : خرب من الثياب ، فارسي معرب . (2) وقعة صفين 249 . (3) ج : (لى) . (4) وقعة صفين 249 . (5) صفين : (فأخذ الوليد يسب بنى عبد المطلب) . (*)

[ 180 ]

وقتلتم إمامكم ، فكيف رأيتم صنع الله بكم لم تعطوا ما طلبتم ، ولم تدركوا ما أملتم ، والله - إن شاء - مهلككم وناصرنا عليكم . فأرسل إليه عبد الله بن العباس : أن ابرز إلى ، فأبى أن يفعل ، وقاتل ابن عباس ذلك اليوم قتالا شديدا ، ثم انصرفوا وكل غير غالب . قال نصر : وخرج في ذلك اليوم شمر بن أبرهة بن الصباح الحميرى ، فلحق بعلى عليه السلام في ناس من قراء أهل الشام ، ففت ذلك في عضد معاوية وعمرو بن العاص وقال عمرو : يا معاوية ، إنك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد صلى الله عليه وسلم قرابة قريبة ، ورحم ماسة ، وقدم في الاسلام لا يعتد أحد بمثله وحده في الحرب لم تكن لاحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنه قد سار إليك بأصحاب محمد المعدودين وفرسانهم وقرائهم وأشرافهم وقدمائهم في الاسلام ولهم في النفوس مهابة ، فبادر بأهل الشام (1 مخاشن الاوعار ، ومضايق الغياض 1) ، واحملهم على الجهد ، وائتهم من باب الطمع قبل أن ترفههم فيحدث عندهم طول المقام مللا ، فتظهر فيهم كآبة الخذلان ، ومهما نسيت فلا تنس أنك على باطل ، وأن عليا على حق ، فبادر الامر قبل اضطرابه عليك . فقام معاوية في أهل الشام خطيبا ، فقال : أيها الناس أعيرونا جماجمكم وأنفسكم ، لا تقتتلوا (2) ولا تتجادلوا ، فإن اليوم يوم خطار ، ويوم حقيقة وحفاظ ، إنكم لعلى حق ، وبأيديكم حجة ، إنما تقاتلون من نكث البيعة ، وسفك الدم الحرام ، فليس له في السماء عاذر (3) . قدموا أصحاب السلاح المستلئمة ، وأخرروا الحاسر ، واحملوا بأجمعكم ، فقد بلغ الحق مقطعه ، (4) وإنما هو ظالم ومظلوم .


(1 - 1) صفين : (مخاشن الوعر ، ومضايق الغيض) . (2) صفين : (لا تفشلوا ولا تخاذلوا) . (3) في صفين بعد هذا الكلام : (ثم صعد عمرو بن العاص مرقاتين من المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، قدموا المستلئمة . . . .) ، فكأنهما خطبتان ، الاولى لمعاوية والثانية لعمرو . (4) ج : (مبلغه) . (*)

[ 181 ]

قال نصر : وخطب على عليه السلام أصحابه فيما حدثنا به عمر بن سعد ، عن أبى يحيى ، عن محمد بن طلحة عن أبى سنان عن أبيه قال كأنى أنظر إليه متوكئا على قوسه ، وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عنده ، فهم يلونه ، كأنه أحب أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما (1 بعد ، فإن الخيلاء من التجبر 1) ، وإن النخوة من التكبر ، وإن الشيطان عدو حاضر ، يعدكم الباطل ، ألا إن المسلم أخو المسلم ، فلا تنابذوا ولا تخاذلوا . ألا إن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة ، من أخذ بها لحق ، ومن فارقها محق ، ومن تركها مرق . ليس المسلم بالخائن إذا ائتمن ، ولا بالمخلف إذا وعد ، ولا بالكذاب إذا نطق . نحن أهل بيت الرحمة ، وقولنا الصدق وفعلنا القصد (2) ، ومنا خاتم النبيين ، وفينا قادة الاسلام ، وفينا حملة الكتاب . ألا إنا ندعوكم إلى الله وإلى رسوله ، وإلى جهاد عدوه ، والشدة في أمره ، وابتغاء مرضاته ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصيام شهر رمضان ، وتوفير الفئ على أهله (3) . ألا وإن من أعجب العجائب أن معاوية بن أبى سفيان الاموى ، وعمرو بن العاص السهمى ، أصبحا يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما ، ولقد علمتم أنى لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ، ولم أعصه في أمر ، أقيه بنفسى في المواطن التى ينكص فيها الابطال ، وترعد فيها الفرائص ، بنجدة (4) أكرمنى الله سبحانه بها ، وله الحمد ، ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن رأسه لفى حجري ، ولقد وليت غسله بيدى وحدي ، تقلبه الملائكة المقربون معى . وايم الله ما اختلفت أمه قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ، إلا ما شاء الله .


(1 - 1) صفين : (أيها الناس ، اسمعوا مقالتي ، وعوا كلامي ، فإن الخيلاء من التجبر) . (2) كذا في ا ، ج وصفين : وفى ب : (الفضل) . (3) صفين : (لاهله) . (4) صفين : (نجدة) . (*)

[ 182 ]

قال أبو سنان الاسلمي : فأشهد لقد سمعت عمار بن ياسر ، يقول للناس : أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الامة لم تستقم عليه أولا ، وأنها لن تستقيم عليه آخرا . قال : ثم تفرق الناس ، وقد نفذت أبصارهم في قتال عدوهم ، فتأهبوا واستعدوا . قال نصر (1) : وحدثنا عمر بن سعد ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب (2) أن عليا عليه السلام ، قال في هذه الليلة : حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ! ثم قام في الناس فقال : الحمد لله الذى لا يبرم ما نقض ، ولا ينقض ما أبرم ، ولو شاء ما اختلف اثنان من هذه الامة ولا من خلقه ، ولا تنازع (3) البشر في شئ من أمره ، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله ، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الاقدار ، حتى لفت بيننا في هذا الموضع ، ونحن من ربنا بمرأى ومسمع ، ولو شاء لعجل النقمة ، ولكان منه النصر ، حتى يكذب الله الظالم ، ويعلم الحق أين مصيره . ولكنه جعل الدنيا دار الاعمال ، والآخرة دار الجزاء والقرار : (ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى) (4) . ألا إنكم لاقو العدو غدا إن شاء الله فأطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا تلاوة القرآن ، واسألوا الله الصبر والنصر ، والقوهم بالجد والحزم ، وكونوا صادقين . قال : فوثب الناس إلى رماحهم وسيوفهم ونبالهم يصلحونها ، وخرج عليه السلام فعبى الناس ليلته تلك كلها حتى أصبح ، وعقد الالوية ، وأمر الامراء ، وكتب الكتائب ، وبعث إلى أهل الشام مناديا نادى (5) فيهم : اغدوا على مصافكم . فضج أهل الشام في معسكرهم ، واجتمعوا إلى معاوية فعبى خيله ، وعقد ألويته ، وأمر أمراءه ، وكتب كتائبه ، وأحاط به أهل حمص في راياتهم ، وعليهم أبو الأعور السلمى ، وأهل الاردن في راياتهم عليهم عمرو بن العاص ، وأهل قنسرين وعليهم زفر بن الحارث الكلابي ، وأهل دمشق - وهم القلب -


(1) صفين ص 252 ، 253 (2) صفين : (بزيد بن وهب) (3) صفين : (ولا تنازعت الامة) . (4) سورة النجم 31 . (5) ج : (ينادى) . (*)

[ 183 ]

وعليهم الضحاك بن قيس الفهرى ، فأطافوا كلهم بمعاوية ، وكان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضعف ، وسار أبو الأعور وعمرو بن العاص ومن معهما ، حتى وقفا بحيال أهل العراق ، فنظرا إليهم واستقلا جمعهم ، وطمعا فيهم ، ونصب لمعاوية منبر ، فقعد عليه في قبه ضربها ، ألقى عليها الثياب والارائك ، وأحاط به أهل يمن ، وقال : لا يقربن هذا المنبر أحد لا تعرفونه إلا قتلتموه كائنا من كان . قال نصر : وأرسل عمرو إلى معاوية : قد عرفت ما بيننا من العهد والعقد ، فاعصب برأسي هذا الامر ، وأرسل إلى أبى الاعور فنحه عنى ودعني والقوم ، فأرسل معاوية إلى أبى الاعور أن لابي عبد الله رأيا وتجربة ليست لى ولا لك ، وقد وليته أعنة الخيل ، فسر أنت حتى تقف بخيلك على تل كذا ودعه والقوم . فسار أبو الأعور ، وبقى عمرو بن العاص فيمن معه واقفا بإزاء عسكر العراق ، فنادى عمرو ابنيه : عبد الله ومحمدا ، فقال لهما : قدما هؤلاء الدرع ، وأخرا هؤلاء الحسر ، وأقيما الصف قص الشارب ، فإن هؤلاء قد جاءوا بخطة قد بلغت السماء . فمشيا برايتهما ، فعدلا الصفوف وسار بينهما عمرو فأحسن الصف ثانيه ، ثم حمل قيسا وكليبا وكنانة على الخيول ، ورجل سائر الناس . قال نصر : وبات كعب بن جعيل التغلبي ، شاعر أهل الشام تلك الليلة يرتجز وينشد : أصبحت الامة في أمر عجب والملك مجموع غدا لمن غلب أقول قولا صادقا غير كذب (1) إن غدا يهلك أعلام العرب (2) غدا نلاقى ربنا فنحتسب غدا يصيرون رمادا قد ذهب (3)


(1) صفين : (فقلت) . (2) ج : (أقوام العرب) . (3) صفين : (يكونون) . (*)

[ 184 ]

بعد الجمال والحياء والحسب يا رب لا تشمت بنا ولا تصب * من خلع الانداد طرا والصلب * (1) قال نصر : وقال (2) معاوية : من في ميسرة أهل العراق ؟ فقيل : ربيعة ، فلم يجد في الشام ربيعة ، فجاء بحمير ، فجعلها بإزاء ربيعة على قرعة أقرعها بين حمير وعك ، فقال ذو الگلاع الحميرى : باستك من سهم [ لم تبغ الضراب ] (3) ! كأنه أنف عن أن تكون حمير بإزاء ربيعة ، فبلغ ذلك حجدرا (4) الحنفي ، فحلف بالله إن عاينه ليقتلنه أو ليموتن دونه ، فجاءت حمير حتى وقفت بإزاء ربيعة ، وجعل السكاسك والسكون بإزاء كندة ، وعليهما الاشعث بن قيس ، وجعل بإزاء همدان العراق الازد ، وبإزاء مذحج العراق عكا . وقال راجز من أهل الشام : ويل لام مذحج من عك وأمهم قائمة تبكى نصكهم بالسيف أي صك فلا رجال كرجال عك قال : وطرحت عك حجرا بين أيديهم ، وقالوا : لا نفر حتى يفر هذا (الحكر) (بالكاف) ، وعك تقلب الجيم كافا ، وصف القلب خمسة صفوف ، وفعل أهل العراق أيضا مثل ذلك ، ونادى عمرو بن العاص بأعلى صوته : يأيها الجند الصليب الايمان (5) قوموا قياما واستعينوا الرحمن إنى أتانى خبر ذو ألوان (6) أن عليا قتل ابن عفان * ردوا علينا شيخنا كما كان *


(1) صفين : (كلا) . (2) صفين ص 255 (3) من صفين (4) صفين : (الخندق الحنفي) . (5) ج : (العظيم الايمان) . (6) صفين (خبر فأشحان) . (*)

[ 185 ]

فرد عليه أهل العراق وقالوا : أبت سيوف مذحج وهمدان بأن ترد نعثلا كما كان (1) خلقا جديدا مثل خلق الرحمن ذلك شأن قد مضى وذا شان ثم نادى عمرو بن العاص ثانية برفع صوته (2) : ردوا علينا شيخنا ثم بجل (3) أو لا تكونوا جزرا من الاسل (4) فرد عليه أهل العراق : كيف نرد نعثلا وقد قحل (5) نحن ضربنا رأسه حتى انجفل (6) وأبدل الله به خير بدل أعلم بالدين وأزكى بالعمل (7) وقال إبراهيم بن أوس بن عبيدة من أهل الشام : لله در كتائب جاءتكم تبكى فوارسها على عثمان تسعون ألفا ليس فيهم قاسط (8) يتلون كل مفصل ومثاني يسلون حق الله لا يعدونه ومجيبكم للملك والسلطان فأتوا ببينة على ما جئتم أو لا فحسبكم من العدوان وأتوا بما يمحو قصاص خليفة لله ، ليس بكاذب خوان


(1) نعثل : رجل من أهل مصر ، كان طويل اللحية وكان عثمان إذا نيل وعيب ، شبه بهذا الرجل المصرى لطول لحيته . اللسان 14 : 931 (2) صفين : (وصاح رجل من أهل الشام) . (3) بجل ، بمعنى حسب . (4) الجزر : قطع اللحم تأكله السباع . (5) قحل ، أي مات وجف جلده . (6) انجفل : سقط وانقلب . (7) صفين : * أقدم للحرب وأنكى للبطل * (8) صفين : (سبعون ألفا) . ج : (ليس منهم) . (*)

[ 186 ]

قال نصر : وبات على عليه السلام ليلته يعبى الناس حتى إذا أصبح زحف بهم ، وخرج إليه معاوية في أهل الشام فجعل يقول : من هذه القبيلة ومن هذه القبيلة ؟ يعنى قبائل أهل الشام فيسمون له حتى إذا عرفهم ، وعرف مراكزهم (1) قال للازد : اكفوني الازد ، وقال لخثعم : اكفوني خثعما ، وأمر كل قبيلة من العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام ، إلا قبيلة ليس منهم بالعراق إلا القليل مثل بجيلة ، فإن لخما كانت بإزائها ، ثم تناهض القوم يوم الاربعاء سادس صفر واقتتلوا إلى آخر نهارهم ، وانصرفوا عند المساء ، وكل غير غالب . قال نصر : فأما اليوم السابع فكان القتال فيه شديدا ، والخطب عظيما ، وكان عبد الله بن بديل الخزاعى على ميمنة العراق ، فزحف نحو حبيب بن مسلمة ، وهو على ميسرة أهل الشام ، فلم يزل يحوزه ويكشف خيله حتى اضطر بهم إلى قبة معاوية وقت الظهر (2) قال نصر : فحدثنا عمر بن سعد ، قال حدثنا مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب أن عبد الله بن بديل قام في أصحابه فخطبهم فقال : ألا إن معاوية ادعى ما ليس له ، ونازع الامر أهله ومن ليس مثله ، وجادل بالباطل ليدحض به الحق ، وصال عليكم بالاعراب والاحزاب ، وزين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ، ولبس عليهم الامور ، وزادهم رجسا إلى رجسهم ، وأنتم والله على نور وبرهان [ مبين ] (3) . قاتلوا الطغاة الجفاة ، قاتلوهم ولا تخشوهم ، وكيف تخشونهم ، وفى أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبين : (4) (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم


(1) ج : (سوادهم) . (2) وقعة صفين 283 ، وتاريخ الطبري 6 : 9 (3) من صفين والطبري . (4) صفين : (ظاهر مبرور) ، وفى الطبري . (طاهرا مبرورا) ، وفى الاصل بعدها (قوله سبحانه) ، وربما كانت من إقحام الناسخ . (*)

[ 187 ]

ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) (1) ، ولقد قاتلتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والله (2) ماهم في هذه بأزكى ولا أتقى ، ولا أبر ، انهضوا (3) إلى عدو الله وعدوكم (4) قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد ، قال : حدثنى عبد الرحمن ، عن أبى عمرو عن أبيه ، أن عليا عليه السلام خطب في ليلة هذا اليوم ، فقال : معاشر المسلمين ، استشعروا الخشية ، وتجلببوا السكينة ، وعضوا على النواجذ ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام . . .) ، الفصل بطوله إلى آخره ، وهو المذكور في الكتاب وروى نصر أيضا بالاسناد المذكور أن عليا عليه السلام خطب ذلك اليوم ، وقال : أيها الناس ، إن الله تعالى ذكره ، قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب ، وتشفى بكم على الخير ، إيمان بالله ورسوله ، وجهاد في سبيله ، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ، ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر وأخبركم بالذى يحب فقال : (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) ، فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص ، وقدموا الدارع ، وأخروا الحاسر ، وعضوا على الاضراس ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، وأربط للجأش ، وأسكن للقلوب . وأميتوا الاصوات فإنه أطرد للفشل ، وأولى بالوقار ، والتووا في أطراف الرماح ، فإنه أمور (5) للاسنة ، ورأيتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ، ولا تجعلوها إلا بأيدى شجعانكم المانعى الذمار ، والصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ


(1) سورة التوبة 3 ، 4 (2) الطبري : (وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة ، وهذه ثانيه) . (3) صفين : (قواموا) ، والطبري : (قوموا إلى عدوكم بارك الله فيكم) . (4) صفين 263 ، 264 ، الطبري 6 : 9 (5) أمور ، من المور وهو الاضطراب ، وفى الطبري : (أصول للاسنة) . (*)

[ 188 ]

الذين يحفون برايتكم ويكتنفونها (1) ، يضربون خلفها وأمامها ، ولا تضيعوها . أجزأ كل امرئ [ وقذ (2) ] قرنه ، وواسى أخاه بنفسه ، ولم يكل قرنه إلى أخيه ، فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه ، فيكسب بذلك من الاثم (3) ، ويأتى به دناءة ، أنى هذا ، وكيف يكون هكذا ! (4) هذا يقاتل اثنين ، وهذا ممسك يده ، قد خلى قرنه إلى أخيه ، هاربا منه ، أو قائما ينظر إليه ! من يفعل هذا يمقته الله ، فلا تعرضوا لمقت الله ، فإنما مردكم إلى الله ، قال الله تعالى لقوم عابهم : (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) ، وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة ، استعينوا بالصدق والصبر ، فإنه بعد الصبر ينزل النصر (5) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبى ، عن مالك بن قدامة الارحبي ، قال : قام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين (6) فقال : الحمد لله الذى هدانا لدينه ، وأورثنا كتابه ، وامتن علينا بنبيه ، فجعله رحمة للعالمين ، وسيدا للمرسلين ، وقائدا للمؤمنين ، وخاتما للنبيين ، وحجه الله العظيم على الماضين والغابرين ، ثم كان فيما قضى الله وقدره - وله الحمد على ما أحببنا وكرهنا - أن ضمنا وعدونا بقناصرين ، فلا يجمل بنا اليوم الحياص (7) وليس هذا بأوان انصراف ، ولات حين مناص ، وقد خصنا الله منه برحمة لا نستطيع أداء شكرها ، ولا نقدر قدرها ، إن أصحاب محمد المصطفين الاخيار معنا ،


(1) الطبري : (يكنفونها) . (2) تكملة من الطبري . (3) صفين : (لائمة) . (4) الطبري : (وأنى لا يكون هذا هكذا) . (5) صفين 264 ، 265 ، والطبري 6 : 9 ، 10 (6) قناصرين : موضع بالشام . (7) صفين : (فلا يحمد بنا اليوم الحياص) ، والحياص : الفرار والهرب . (*)

[ 189 ]

وفى حيزنا ، فو الله الذى هو بالعباد بصير ، أن لو كان قائدنا رجلا مجدعا ، إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلا لكان ينبغى لنا أن تحسن بصائرنا ، وتطيب أنفسنا فكيف وإنما رئيسنا ابن عم نبينا ، بدرى صدق ، صلى صغيرا ، وجاهد مع نبيكم كثيرا ، ومعاوية طليق من وثاق الاسار [ وابن طليق ] (1) . ألا أنه أغوى جفاة فأوردهم النار ، وأوردهم العار ، والله محل بهم الذل والصغار . ألا إنكم ستلقون عدوكم غدا ، فعليكم بتقوى الله ، من الجد والحزم ، والصدق والصبر ، فإن الله مع الصابرين ، ألا إنكم تفوزون بقتلهم ، ويشقون بقتلكم ، والله لا يقتل رجل منكم رجلا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن ، وأدخل المقتول نارا تلظى ، لا يفتر عنهم ، وهم فيه مبلسون ، عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه ، وجعلنا وإياكم ممن أطاعه واتقاه ، وأستغفر الله العظيم لى ولكم وللمؤمنين . ثم قال الشعبى : ولقد صدق فعله ما قال في خطبته (2) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبى جعفر ، وزيد بن الحسن ، قالا : طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوى صفوف أهل الشام ، فقال له عمرو : على أن لى حكمي إن قتل الله ابن أبى طالب ، واستوثقت لك البلاد ! فقال : أليس حكمك في مصر ! قال : وهل مصر تكون عوضا عن الجنة ، وقتل ابن أبى طالب ثمنا لعذاب النار الذى (لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) (3) ! فقال معاوية : إن لك حكمك أبا عبد الله إن قتل ابن أبى طالب . رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك . فقام عمرو


(1) من صفين (2) صفين 266 ، 267 (3) سورة الزخرف 75 . (*)

[ 190 ]

فقال : معاشر أهل الشام ، سووا صفوفكم قص الشارب ، وأعيرونا (1) جماجمكم ساعة ، فقد بلغ الحق مقطعه ، فلم يبق إلا ظالم أو مظلوم . قال نصر : وأقبل أبو الهيثم بن التيهان وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بدريا نقيبا عقبيا ، يسوى صفوف أهل العراق ويقول : يا معشر أهل العراق (2) إنه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل ، والجنة في الآجل إلا ساعة من النهار ، فأرسوا أقدامكم ، وسووا صفوفكم ، وأعيروا ربكم جماجمكم ، استعينوا بالله إلهكم ، وجاهدوا عدو الله وعدوكم ، واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم ! واصبروا فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الفضل بن أدهم ، عن أبيه أن الاشتر قام يخطب الناس بقناصرين ، وهو يومئذ على فرس أدهم ، مثل حلك الغراب ، فقال : الحمد لله الذى خلق السموات العلى ، (الرحمن على العرش استوى . له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى) (3) ، أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء ، حمدا كثيرا ، بكرة وأصيلا ، من هداه الله فقد اهتدى ، ومن يضلل فقد غوى ، أرسل محمدا بالصواب والهدى ، فأظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلى الله عليه وسلم . ثم قد كان مما قضى الله سبحانه وقدر أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الارض ، فلفت بيننا وبين عدو الله وعدونا ، فنحن بحمد الله ونعمه ، ومنه وفضله ، قريرة أعيننا ، طيبة أنفسنا ، نرجو بقتالهم حسن الثواب ، والامن من العقاب ، معنا ابن عم نبينا ، وسيف من سيوف الله على بن أبى طالب ، صلى مع رسول الله ، لم يسبقه إلى الصلاة


(1) صفين : (وأعيروا ربكم جماجمكم) . (2) ج : (يا معشر المسلمين) . (3) سورة طه 5 ، 6 . (*)

[ 191 ]

ذكر حتى كان شيخا ، لم تكن له صبوة ولا نبوة ولا هفوة ولا سقطة . فقيه في دين الله تعالى ، عالم بحدود الله ، ذو رأى أصيل ، وصبر جميل ، وعفاف قديم ، فاتقوا الله وعليكم بالحزم والجد واعلموا أنكم على الحق وأن القوم على الباطل ، إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين ، قريب من مائة بدرى ، سوى من حولكم من أصحاب محمد ، أكثر ما معكم (1) رايات قد كانت مع رسول الله ، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله ، فما (2) يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب ، أنتم على إحدى الحسنيين ، إما الفتح وإما الشهادة ، عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعه واتقاه ، وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه ، وأستغفر الله لى ولكم (3) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبى ، عن صعصعة ، بن صوحان ، عن زامل بن عمرو الجذامي ، قال : طلب معاوية إلى ذى الكلاع أن يخطب الناس ويحرضهم على قتال على عليه السلام ومن معه من أهل العراق ، فعقد فرسه وكان من أعظم أصحاب معاوية خطرا ، وخطب الناس ، فقال : الحمد لله حمدا كثيرا ناميا واضحا منيرا ، بكرة وأصيلا ، أحمده وأستعينه ، وأومن به ، وأتوكل عليه ، وكفى بالله وكيلا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالفرقان إماما ، وبالهدى ودين الحق ، حين ظهرت المعاصي ، ودرست الطاعة ، وامتلات الارض جورا وضلالة واضطرمت الدنيا نيرانا وفتنة ، وورك (4) عدو الله إبليس ، على أن يكون قد عبد في أكنافها ، واستولى على جميع أهلها ، فكان محمد صلى الله عليه وسلم هو الذى أطفأ الله به نيرانها ، ونزع به أوتادها ، وأوهن به


(1) ج : (يعلم) . (2) في الاصول : (من) وصوابه من صفين . (3) صفين 267 ، 268 (4) ورك : أقام . (*)

[ 192 ]

قوى إبليس وآيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم ، وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، ثم كان من قضاء الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين ، وإنا لنعلم أن فيهم قوما قد كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة ذات شأن وخطر عظيم ولكني ضربت الامر ظهرا وبطنا فلم أر يسعنى أن يهدر دم عثمان صهر نبينا صلى الله عليه وسلم الذى جهز جيش العسرة وألحق في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتا وبنى سقاية ، بايع له نبى الله بيده اليمنى على اليسرى ، واختصه بكريمتيه أم كلثوم ورقية ، فإن كان قد أذنب ذنبا فقد أذنب من هو خير منه ، قال الله سبحانه لنبيه : (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (1) ، وقتل موسى نفسا ، ثم استغفر الله فغفر له ، وقد أذنب نوح ، ثم استغفر الله فغفر له ، وقد أذنب أبوكم آدم ، ثم استغفر الله فغفر له ، ولم يعر أحدكم من الذنوب ، وإنا لنعلم أنه قد كانت لابن أبى طالب سابقة حسنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يكن مالا على قتل عثمان فلقد خذله ، وإنه لاخوه في دينه وابن عمه وسلفه وابن عمته . ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامكم ، وبلادكم وبيضتكم ، وإنما عامتهم بين قاتل وخاذل ، فاستعينوا بالله واصبروا ، فلقد ابتليتم أيتها الامة ، ولقد رأيت في منامي في ليلتى هذه ، لكأنا وأهل العراق اعتورنا مصحفا نضربه بسيوفنا ، ونحن في ذلك جميعا ننادى : ويحكم الله ! ومع أنا والله لا نفارق العرصة حتى نموت ، فعليكم بتقوى الله ، وليكن النيات لله ، فإنى سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنما يبعث المقتتلون على النيات) ، أفرغ الله علينا وعليكم الصبر ، وأعز لنا ولكم النصر ، وكان لنا ولكم في كل أمر ، وأستغفر الله لى ولكم (2) .


(1) سورة الفتح 2 (2) صفين 269 ، 270 . (*)

[ 193 ]

قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن ابن عامر (1) ، عن صعصعة العبدى ، عن أبرهة ابن الصباح ، قال : قام يزيد بن أسد البجلى في أهل الشام يخطب الناس بصفين ، وعليه قباء من خز ، وعمامة سوداء ، آخذا بقائم سيفه ، واضعا نصل (2) السيف في الارض ، متوكئا عليه . قال صعصعة : فذكر لى أبرهة أنه كان يومئذ من أجمل العرب وأكرمها وأبلغها ، فقال : الحمد لله الواحد الفرد ، ذى الطول والجلال العزيز الجبار ، الحكيم الغفار ، الكبير المتعال ، ذى العطاء والفعال ، والسخاء والنوال ، والبهاء والجمال ، والمن (3) والافضال ، مالك اليوم الذى لا بيع فيه ولا خلال ، أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، وفى كل حال من شدة أو رخاء . أحمده على نعمه التؤام وآلائه العظام ، حمدا يستنير (4) بالليل والنهار . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كلمة النجاة في الحياة ، وعند الوفاة وفيها الخلاص يوم القصاص ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، النبي المصطفى ، وإمام الهدى ، صلى الله عليه وسلم . ثم كان من قضاء (5) الله أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الارض ، والله يعلم أنى كنت كارها لذلك ، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا ولم يتركونا نرتاد لانفسنا ، وننظر لمعادنا ، حتى نزلوا بين أظهرنا ، وفى حريمنا وبيضتنا وقد علمنا أن في القوم أحلاما وطغاما ، ولسنا نأمن من طغامهم على ذرارينا ونسائنا ، ولقد كنا نحب ألا نقاتل أهل ديننا ، فأخرجونا حتى صارت الامور إلى أن قاتلناهم غدا حمية (6) فإنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين !


(1) هو عامر بن شراحيل الشعبى . (2) صفين : (نعل السيف) . (3) ج : (والمنن) . (4) صفين : (قد استنار) . (5) صفين : (مما قضى) . (6) صفين (كراهية) . (13 - نهج - 5) (*)

[ 194 ]

أما والذى بعث محمدا بالرسالة ، لوددت أنى مت منذ سنة ، ولكن الله إذا أراد أمرا لم يستطع العباد رده ، فنستعين بالله العظيم ، وأستغفر الله لى ولكم (1) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، عن أبى روق الهمداني أن يزيد بن قيس الارحبي ، حرض أهل العراق بصفين يومئذ ، فقال : إن المسلم [ السليم ] (2) من سلم دينه ورأيه ، وإن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه ، ولا على أحياء حق رأونا أمتناه ، ولا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ، ليكونوا فيها جبابرة وملوكا ، ولو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا - إذا لوليكم (3) مثل سعيد والوليد وعبد الله (4) ابن عامر السفيه ، يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت (5) ويأخذ مال الله ويقول : لا إثم على فيه ، كأنما أعطى تراثه من أبيه ، كيف ! إنما هو مال الله ، أفاءه علينا بأسيافنا ورماحنا ، قاتلوا عباد الله القوم الظالمين ، الحاكمين بغير ما أنزل الله ، ولا تأخذكم فيهم (6) لومة لائم ، إنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم ، وهم من قد عرفتم وجربتم ، والله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرا ، واستغفر الله العظيم لى ولكم (7) . قال نصر : وارتجز عمرو بن العاص ، وأرسل بها إلى على :


(1) صفين 271 - 273 . (2) من صفين . (3) صفين : (ألزموكم) . (4) سعيد بن العاص والى عثمان على الكوفة بعد الوليد بن عقبة ، ووالى معاوية على المدينة . والوليد ابن عقبة ، أخو عثمان لامه ، ولاه عثمان على الكوفة ثم عزله عنها لشربه الخمر . وعبد الله بن عامر بن كريز ابن خال عثمان ، والى عثمان ومعاويه على البصرة . (5) ذيت وذيت ، كناية عن الحديث ، مثل : (كيت وكيت) . (6) صفين : (في جهادهم) . وفى ج : (فيه) . (7) صفين 279 ، 280 . (*)

[ 195 ]

لا تأمننا بعدها أبا حسن إنا نمر الامر إمرار الرسن (1) ويروى : * خذها إليك واعلمن أبا حسن * لتصبحن مثلها أم لبن (2) طاحنة تدقكم دق الحفن (3) قال : فأجابه شاعر من شعراء أهل العراق : ألا احذروا في حربكم أبا حسن ليثا أبا شبلين محذور فطن يدقكم دق المهاريس الطحن لتغبنن يا جاهلا أي غبن * حتى تعض الكف أو تقرع سن (4) * قال نصر : فحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبى أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم - وهو اليوم السابع من صفر ، وكان من الايام العظيمة في صفين ، ذا أهوال شديدة - حجر الخير وحجر الشر ، أما حجر الخير فهو حجر بن عدى ، صاحب أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام ، وأما حجر الشر فابن عمه ، كلاهما من كندة ، وكان من أصحاب (5) معاوية ، فاطعنا برمحيهما ، وخرج رجل من بنى أسد ، يقال له خزيمة ، من عسكر معاوية ، فضرب حجر بن عدى ضربة برمحه ، فحمل أصحاب على عليه السلام فقتلوا خزيمة الاسدي ، ونجا حجر الشر هاربا ، فالتحق بصف معاوية . ثم برز حجر الشر


(1) إمرار الرسن : إحكام فتله ، وفى صفين : (نمر الحرب) (2) اللبن : جمع لبون ، وهى ذات اللبن من الابل . (3) الحفن : جمع حفنه ، وهى ملء الكفين من الشئ اليابس . (4) بعده في صفين 274 : * ندامة أن فاتكم عدل السنن * (5) : (وكان مع معاوية) . (*)

[ 196 ]

ثانية ، فبرز إليه الحكم بن أزهر من أهل العراق ، فقتله حجر الشر فخرج إليه رفاعة ابن ظالم الحميرى ، من صف العراق فقتله ، وعاد إلى أصحابه يقول : الحمد لله الذى قتل حجر الشر بالحكم بن أزهر . ثم إن عليا عليه السلام دعا أصحابه إلى أن يذهب واحد منهم بمصحف كان في يده إلى أهل الشام ، فقال : من يذهب إليهم ، فيدعوهم إلى ما في هذا المصحف ؟ فسكت الناس ، وأقبل فتى اسمه سعيد ، فقال : أنا صاحبه ، فأعاد القول ثانية ، فسكت الناس ، وتقدم الفتى ، فقال : أنا صاحبه ، فسلمه إليه فقبضه بيده ، ثم أتاهم فأنشدهم (1) الله ، ودعاهم إلى ما فيه فقتلوه ، فقال على عليه السلام لعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى : احمل عليهم الآن . فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة ، وعليه يومئذ سيفان ودرعان ، فجعل يضرب بسيفه قدما ، ويقول : لم يبق غير الصبر والتوكل والترس والرمح وسيف مقصل (2) ثم التمشى في الرعيل الاول مشى الجمال في حياض المنهل (3) فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية ، والذين بايعوه إلى الموت ، فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل ، وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهرى ، وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع من معه ، واختلط الناس ، واضطرم الفيلقان ، ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام ، وأقبل عبد الله بن بديل يضرب الناس بسيفه قدما ، حتى أزال معاوية عن موقفه وجعل ينادى : يا ثارات عثمان ! وإنما يعنى أخا له قد قتل ، وظن معاوية وأصحابه أنه يعنى عثمان بن عفان ، وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا وأشفق على نفسه ، وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية ، وثالثة ، يستنجده ويستصرخه ، ويحمل حبيب حملة


(1) ج : (ناشدهم) . (2) في الاصول : (مصقل) ، وما أثبته من صفين . (3) بعده في صفين : * والله يقضى ما يشا ويفعل * (*)

[ 197 ]

شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق ، فكشفها حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء ، فاستند بعضهم إلى بعض ، يحمون أنفسهم ، ولجج ابن بديل في الناس وصمم على قتل معاوية ، وجعل يطلب موقفه ، ويصمد نحوه ، حتى انتهى إليه ، ومع معاوية عبد الله بن عامر واقفا ، فنادى معاوية في الناس (1) : ويلكم ! الصخر والحجارة إذا عجزتم عن السلاح . فرضخه الناس بالصخر والحجارة حتى أثخنوه فسقط ، فأقبلوا عليه بسيوفهم ، فقتلوه . وجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه ، فأما عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه ، وترحم عليه ، وكان له أخا صديقا من قبل ، فقال معاوية : اكشف عن وجهه ، فقال : لا والله لا يمثل به وفى روح ! فقال معاوية : اكشف عن وجهه فإنا لا نمثل به ، قد وهبناه لك . فكشف ابن عامر عن وجهه ، فقال معاوية : هذا كبش القوم ورب الكعبة اللهم أظفرني بالاشتر النخعي والاشعث الكندى ! والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر (2) : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا ويحمى إذا ما الموت كان لقاؤه قدى الشبر يحمى الانف أن يتأخرا (3) كليث هزبر كان يحمى ذماره رمته المنايا قصدها فتقطرا (4) ثم قال : إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها ، لفعلت (5) . قال نصر : فحدثنا عمرو ، عن أبى روق ، قال : استعلى أهل الشام عند قتل ابن بديل على أهل العراق يومئذ ، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة ، وأجفلوا إجفالا (6)


(1) ا ، ب ، صفين : (بالناس) ، وما أثبته من ج . (2) هو حاتم الطائى ، ديوانه 121 . (3) قدى الشبر : قدره . (4) تقطر : خر صريعا . (5) صفين 277 ، 278 . (6) صفين : (وانجفل الناس عليهم) . (*)

[ 198 ]

شديدا ، فأمر على عليه السلام سهل بن حنيف ، فاستقدم من كان معه ، ليرفد الميمنة ويعضدها ، فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة ، فحملت عليهم ، فألحقتهم بالميمنة ، وكانت ميمنة أهل العراق متصلة بموقف على عليه السلام في القلب في أهل اليمن ، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى على عليه السلام ، فانصرف يمشى نحو الميسرة ، فانكشف مضر عن الميسرة أيضا ، فلم يبق مع على عليه السلام من أهل العراق إلا ربيعة وحدها في الميسرة (1) . قال نصر : فحدثنا عمرو ، قال : حدثنا مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، قال : لقد مر على عليه السلام يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة ومعه ربيعة وحدها ، وإنى لارى النبل يمر بين عاتقه ومنكبيه ، وما من بنيه إلا من يقيه بنفسه ، فيكره على عليه السلام ذلك ، فيتقدم عليه ، ويحول بينه وبين أهل الشام ويأخذه بيده إذا فعل ذلك ، فيلقيه من ورائه ، ويبصر به أحمر مولى بنى أمية ، وكان شجاعا ، وقال على عليه السلام : ورب الكعبة ، قتلني الله إن لم أقتلك ! فأقبل نحوه ، فخرج إليه كيسان مولى على عليه السلام ، فاختلفا ضربتين ، فقتله أحمر ، وخالط عليا ليضربه بالسيف ، وينتهزه على فتقع يده في جيب درعه ، فجذبه عن فرسه فحمله على عاتقه فو الله لكأنى أنظر إلى رجلى أحمر تختلفان على عنق على ، ثم ضرب به الارض ، فكسر منكبه وعضديه ، وشد ابنا على : حسين ومحمد فضرباه بأسيافهما حتى برد ، فكأني أنظر إلى على قائما ، وشبلاه يضربان الرجل حتى إذا أتيا عليه ، أقبلا على أبيهما والحسن قائم معه ، فقال له على : يا بنى ، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك ؟ فقال : كفياني يا أمير المؤمنين .


(1) صفين 280 . (*)

[ 199 ]

قال : ثم إن أهل الشام دنوا منه يريدونه ، والله ما يزيده قربهم منه ودنوهم إليه سرعة في مشيته ، فقال له الحسن : ما ضرك لو أسرعت حتى تنتهى إلى الذين صبروا لعدوك من أصحابك ؟ قال : يعنى ربيعة الميسرة - فقال : على : يا بنى إن لابيك يوما لن يعدوه ولا يبطئ به عند السعي ، ولا يقربه إليه الوقوف ، إن أباك لا يبالى (1) ، إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه (2) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبى إسحاق قال : خرج على عليه السلام يوما من أيام صفين ، وفى يده عنزة (3) ، فمر على سعيد بن قيس الهمداني ، فقال له سعيد : أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قرب عدوك ؟ فقال على عليه السلام : إنه ليس من أحد إلا وعليه من الله حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب (4) ، أو يخر عليه حائط ، أو تصيبه آفة ، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه . قال نصر : وحدثنا عمرو ، عن فضيل بن خديج ، قال : لما انهزمت ميمنة العراق يومئذ أقبل على عليه السلام نحو الميسرة يركض ، يستثيب (5) الناس ويستوقفهم ، ويأمرهم بالرجوع نحو الفزع ، فمر بالاشتر ، فقال : يا مالك ، قال : لبيك يا أمير المؤمنين ! قال : ائت هؤلاء القوم ، فقل لهم : أين فراركم من الموت الذى لن تعجزوه ، إلى الحياة التى لا تبقى لكم ! فمضى الاشتر ، فاستقبل الناس منهزمين ، فقال لهم الكلمات ، وناداهم : إلى أيها الناس ، أنا مالك بن الحارث ، يكررها ، فلم يلو أحد منهم عليه ، وظن أن


(1) صفين : (ما يبالى وقع عليه الموت) . (2) صفين 281 ، 282 . (3) العنزة : رمح صغير في أسفله زج . (4) القليب : البئر العادية القديمة . (5) يستثيب الناس : يسترجعهم . (*)

[ 200 ]

(الاشتر) أعرف في الناس من (مالك بن الحارث) ، فجعل ينادى : ألا أيها الناس ، فأنا الاشتر ، فانقلب نحوه طائفة ، وذهبت عنه طائفة ، فقال : عضضتم بهن أبيكم ! ما أقبح والله ما فعلتم (1) اليوم ! أيها الناس ، غضوا الابصار ، وعضوا على النواجذ ، واستقبلوا القوم بهامكم وشدوا عليهم شدة قوم موتورين بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم ، حنقا على عدوهم . قد وطنوا على الموت أنفسهم كى لا يسبقوا بثأر . إن هؤلاء القوم والله لن يقاتلوكم إلا عن دينكم ، ليطفئوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويدخلوكم في أمر (2) قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله نفسا بدمائكم دون دينكم ، فإن الفرار فيه سلب العز والغلبة على الفئ ، وذل المحيا والممات ، وعار الدنيا والآخرة ، وسخط الله وأليم عقابه . ثم قال : أيها الناس ، أخلصوا إلى مذحجا ، فاجتمعت (3) إليه مذحج فقال لهم : عضضتم بصم الجندل ! ولله ما أرضيتم اليوم ربكم ، ولا نصحتم له في عدوه ، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب ، وأصحاب الغارات ، وفتيان الصباح ، وفرسان الطراد ، وحتوف الاقران ومذحج الطعان ، الذين لم يكونوا سبقوا بثأرهم ، ولم تطل دماؤهم ، ولم يعرفوا في موطن من المواطن بخسف ! وأنتم (4) سادة مصركم ، وأعز حى في قومكم ، وما تفعلوا في هذا اليوم فهو مأثور بعد اليوم ، فاتقوا مأثور الحديث في غد ، واصدقوا عدوكم اللقاء ، فإن الله مع الصابرين ، والذى نفس مالك بيده مامن هؤلاء - وأشار بيده إلى أهل الشام - رجل على مثل جناح البعوضة من دين الله ، لله أنتم ! ما أحسنتم اليوم القراع ، احبسوا سواد وجهى يرجع فيه دمى ، عليكم هذا السواد الاعظم ، فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع السيل مقدمة .


(1) صفين : (ما قاتلتم اليوم) ، وفى الطبري : (ما قاتلتم منذ اليوم) . (2) ج : (دين) . (3) الطبري : (فأقبلت إليه مذحج) . (4) صفين : (وأنتم أحد أهل مصركم) . (*)

[ 201 ]

فقالوا : خذ بنا حيث أحببت ، فصمد بهم نحو عظمهم واستقبله أشباههم من همدان ، وهم نحو ثمانمائة مقاتل قد انهزموا آخر الناس ، وكانوا قد صبروا في ميمنة على عليه السلام ، حتى قتل منهم مائة وثمانون رجلا ، وأصيب منهم أحد عشر رئيسا ، كلما قتل منهم رئيس أخذ الراية آخر ، وهم بنو شريح الهمدانيون وغيرهم من رؤساء العشيرة ، فأول من أصيب منهم كريب بن شريح ، وشرحبيل بن شريح ، ومرثد بن شريح ، وهبيرة بن شريح ، وهريم (1) بن شريح ، وشهر بن شريح ، وشمر بن شريح ، قتل هؤلاء الاخوة الستة في وقت واحد . ثم أخذ الراية سفيان بن زيد ، ثم كرب بن زيد ، ثم عبد بن زيد ، فقتل هؤلاء الاخوة الثلاثة أيضا ، ثم أخذ الراية عمير بن بشر ، ثم أخوه الحارث بن بشر ، فقتلا جميعا ، ثم أخذ الراية أبوالقلوص وهب بن كريب ، فقال له رجل من قومه : انصرف يرحمك الله بهذه الراية ، ترحها الله فقد قتل ! الناس حولها ، فلا تقتل نفسك ، ولا من بقى معك . فانصرفوا وهم يقولون : ليت لنا عديدا من العرب يحالفوننا على الموت ، ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نظفر أو نقتل ، فمروا بالاشتر وهم يقولون هذا القول ، فقال لهم الاشتر : أنا أحالفكم وأعاقدكم على ألا نرجع أبدا ، حتى نظفر أو نهلك ، فوقفوا معه على هذه النية والعزيمة ، فهذا معنى قول كعب بن جعيل : * وهمدان زرق تبتغى من تحالف * قال : وزحف الاشتر نحو الميمنة ، وثاب إليه أناس تراجعوا من أهل الصبر (2) والوفاء


(1) الطبري : (يريم) . (2) صفين : (من أهل البصيرة) . (*)

[ 202 ]

والحياء ، فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها ، ولا لجمع إلا حازه ورده (1 فإنه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر مستلحما ، فقال الاشتر : هذا والله الصبر الجميل ، هذا والله الفعل الكريم إلى ، وقد كان هو وأصحابه في ميمنة العراق ، فتقدم فرفع رايته لهم ، فصبروا وقاتل حتى صرع 1) ، ثم لم يلبث الاشتر إلا يسيرا كلا شئ حتى مر بهم (2) يزيد بن قيس الارحبي (3) مستلحما أيضا محمولا ، فقال الاشتر : من هذا ؟ قالوا : يزيد بن قيس ، لما صرع زياد بن النضر دفع رايته لاهل الميمنة ، فقاتل تحتها حتى صرع ، فقال الاشتر : هذا والله الصبر الجميل ، هذا والله الفعل الكريم ، ألا يستحيى الرجل أن ينصرف لم يقتل [ ولم يقتل ] (3) ولم يشف به على القتل (4) ! قال نصر : وحدثنا عمرو عن الحارث بن الصباح (5) ، قال : كان بيد الاشتر يومئذ صفيحة له يمانية ، إذا طأطأها خلت فيها ماء ينصب ، وإذا رفعها يكاد يغشى البصر شعاعها ، ومر يضرب الناس بها قدما ، ويقول : * الغمرات (6) ثم ينجلينا * * (هاش) * (1 - 1) ا صفين (: فانه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر ، فقال : من هذا ؟ قيل : زياد بن النضر استلحم هو وأصحابه في الميمنة ، فتقدم زياد ، فتقدم زياد ، فرفع لاهل الميمنة رايته ، فقاتل حتى صرع) . (2) صفين : (حتى مروا بيزيد بن قيس محمولا) . (3) من صفين ، وفى الطبري : (لا يقتل ولا يقتل ، ولا يشفى به على القتل) (4) صفين 285 ، 286 ، والطبري 6 : 12 (5) صفين والطبري : (الحر بن الصباح) . (6) هو مثل ، رواه العسكري في الامثال 2 : 97 ، وقال : الغمرات : الشدائد ، يقول : اصبر في الشدائد فإنها تنجلي وتذهب ، ويبقى حسن ترك في الصبر عليها ، وهو قول الراجز : تابع إلى شية 7 الغمرات ثم ينجلين عنا وينزلن بآخرين * شدائد يتبعهن لين * وفى مجمع الامثل للميداني 2 : 58 : المثل للاغلب العجلى (*)

[ 203 ]

قال : فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي ، والاشتر مقنع في الحديد فلم يعرفه ، فدنا منه ، وقال له : جزاك الله منذ اليوم عن أمير المؤمنين وعن جماعة المسلمين خيرا . فعرفه الاشتر فقال : يا بن جمهان ، أمثلك يتخلف اليوم عن مثل موطنى هذا ! فتأمله ابن جمهان فعرفه - وكان الاشتر من أعظم الرجال وأطولهم ، إلا أن في لحمه خفة قليلة - فقال له : جعلت فداك ! لا والله ما علمت مكانك حتى الساعة ولا والله لا أفارقك حتى أموت . قال نصر : وحدثنا عمرو ، عن الحارث بن الصباح ، قال : رأى الاشتر يومئذ منقذا وحميرا ابني قيس اليقظيان (1) فقال منقذ لحمير : ما في العرب رجل مثل هذا ، إن كان ما أرى من قتاله على نية (2) ! فقال له حمير : وهل النية إلا ما ترى ! قال : إنى أخاف أن يكون يحاول ملكا (3) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، عن فضيل بن خديج ، عن مولى الاشتر قال : لما اجتمع مع الاشتر عظم من كان انهزم من الميمنة ، حرضهم ، فقال لهم : عضوا (5 على النواجذ من الاضراس ، واستقبلوا القوم بهامكم ، فإن الفرار من الزحف [ فيه ] ذهاب العز ، والغلبة على الفئ ، وذل المحيا والممات ، وعار الدنيا والآخرة 5) .


(1) الطبري : (الناعطيان) . (2) صفين : (على نيته) . (3) صفين 287 ، 288 ، الطبري 6 : 12 (4) من صفين (5 - 5) الخطبة كما وردت في تاريخ الطبري : (عضوا على النواجذ من الاضراس ، واستقبلوا القوم بهامكم ، وشدوا شدة قوم موتورين ، ثأرا بآبائهم وإخوانهم حناقا على عدوهم ، قد وطنوا على الموت أنفسهم ، كيلا يسبقوا بواتر ، ولا يلحقوا في الدنيا عارا ، وايم الله ماوتر قوم قط بشئ أشد عليهم من أن يوترا دينهم ، وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عزوجل منها بحسن البصيرة ، فطيبوا عباد الله أنفسا بدمائكم ، دون دينكم ، فإن ثوابكم على الله ، والله عنده جنات النعيم ، وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز والغلبة على الفئ ، وذل المحيا والممات ، وعار الدنيا والآخرة) . (*)

[ 204 ]

ثم حمل على صفوف أهل الشام حتى كشفهم ، فألحقهم بمضارب معاوية ، وذلك بين العصر والمغرب . قال نصر : وحدثنا عمرو ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، أن عليا عليه السلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها ، وكشفت من بإزائها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم ، فقال : إنى قد رأيت جولتكم وانحيازكم من صفوفكم ، يحوزكم (1) الجفاة الطغاة (2) ، وأعراب أهل الشام ، وأنتم لهاميم العرب ، والسنام الاعظم ، وعمار الليل بتلاوة القرآن ، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون ، فلو لا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم ، وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره ، وكنتم فيما أرى من الهالكين ، ولقد هون على بعض وجدى ، وشفى بعض لاعج (3) نفسي ، أنى رأيتكم بأخرة ، حزتموهم كما حازوكم ، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم ، تحشونهم (4) بالسيوف ، يركب أولهم آخرهم ، كالابل المطرودة الهيم (5) ، فالآن فاصبروا ، نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين ، وليعلم المنهزم أنه يسخط ربه ، ويوبق نفسه ، وفى الفرار موجدة الله عليه ، والذل اللازم له ، وفساد العيش ، وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره ، ولا يرضى ربه ، فموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال ، خير من الرضا بالتلبس بها ، والاصرار عليها . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنا أبو علقمة الخثعمي ، أن عبد الله بن حنش الخثعمي ، رأس خثعم الشام ، أرسل إلى أبى كعب الخثعمي رأس خثعم العراق : إن شئت تواقفنا فلم نقتتل ، فإن ظهر صاحبكم كنا معكم ، وإن ظهر صاحبنا كنتم معنا ، ولا يقتل


(1) يحوزكم : ينحيكم عن مراكزكم . (2) صفين : (الطغام) . (3) صفين : (أحاح نفسي) ، والاحاح : اشتداد الحزن والغيظ . (4) صفين : (تحوزونهم) . (5) الهيم : العطاش . (*)

[ 205 ]

بعضنا بعضا ، فأبى أبو كعب ذلك . فلما التقت خثعم وخثعم ، وزحف الناس بعضهم إلى بعض ، قال عبد الله بن حنش لقومه : يا معشر خثعم ، إنا قد عرضنا على قومنا من أهل العراق الموادعة ، صلة لارحامها ، وحفظا لحقها ، فأبوا إلا قتالنا وقد بدءونا بالقطيعة ، فكفوا أيديكم عنهم حفظا لحقهم أبدا ما كفوا عنكم ، فإن قاتلوكم فقاتلوهم . فخرج رجل من أصحابه فقال : إنهم قد ردوا عليك رأيك ، وأقبلوا إليك يقاتلونك ، ثم برز ، فنادى رجل : يا أهل العراق . فغضب عبد الله بن حنش ، قال : اللهم قيض له وهب بن مسعود - يعنى رجلا من خثعم الكوفة ، كان شجاعا يعرفونه في الجاهلية ، لم يبارزه رجل قط إلا قتله - فخرج إليه وهب بن مسعود فقتله ، ثم اضطربوا ساعة ، واقتتلوا أشد قتال ، فجعل أبو كعب يقول لاصحابه : يا معشر خثعم : خدموا ، أي اضربوا موضع الخدمة ، وهى الخلخال ، يعنى اضربوهم في سوقهم ، فناداه عبد الله بن حنش : يا أبا كعب ، الكل قومك فأنصف ، قال : أي والله وأعظم . واشتد قتالهم ، فحمل شمر بن عبد الله الخثعمي ، من خثعم الشام على أبى كعب ، فطعنه فقتله ، ثم انصرف يبكى ، ويقول : يرحمك الله أبا كعب ! لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بى رحما منهم ، وأحب إلى منهم نفسا ، ولكني والله لا أدرى ما أقول ، ولا أرى الشيطان إلا قد فتننا ، ولا أرى قريشا إلا وقد لعبت بنا ! قال : ووثب كعب بن أبى كعب إلى راية أبيه ، فأخذها ففقئت عينه وصرع ، ثم أخذها شريح بن مالك الخثعمي ، فقاتل القوم تحتها حتى صرع منهم حول رايتهم نحو ثمانين رجلا ، وأصيب من خثعم الشام مثلهم ، ثم ردها شريح بن مالك بعد ذلك إلى كعب بن أبى كعب (1) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر ، أن راية بجيلة في صفين مع أهل العراق كانت في أحمس مع أبى شداد ، قيس بن المكشوح بن


(1) صفين 291 (*)

[ 206 ]

هلال بن الحارث بن عمرو بن عوف (2) بن عامر بن على بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار . قالت له بجيلة : خذ رايتنا ، فقال : غيرى خير لكم منى ، قالوا : لا نريد غيرك ، قال : فوالله لئن أعطيتمونيها لا أنتهى بكم دون صاحب الترس المذهب ، قالوا : وكان على رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب ، يستره من الشمس ، فقالوا : اصنع ما شئت ، فأخذها ثم زحف بها ، وهم (3) حوله يضربون الناس ، حتى انتهى إلى صاحب الترس المذهب ، وهو في خيل عظيمة من أصحاب معاوية ، وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فاقتتل الناس هناك قتالا شديدا ، وشد أبو شداد بسيفه نحو صاحب الترس ، فتعرض له رومى من دونه لمعاوية ، فضرب قدم أبى شداد فقطعها ، وضرب أبو شداد ذلك الرومي فقتله ، وأسرعت إليه الاسنة ، فقتل فأخذ الراية بعده عبد الله بن قلع الاحمسي ، وارتجز وقال : لا يبعد الله أبا شداد حيث أجاب دعوة المنادى وشد بالسيف على الاعادي نعم الفتى كان لدى الطراد * وفى طعان الخيل والجلاد * ثم قاتل حتى قتل ، فأخذها بعده أخوه عبد الرحمن بن قلع ، فقاتل حتى قتل ، ثم أخذها عفيف بن إياس الاحمسي ، فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس .


(1) صفين : (عمرو بن عامر) ، الطبري : (عمرو بن جابر) . (2) في صفين : (ثم زحف وهو يقول : إن عليا ذو أناة صارم جلد إذا ما حضر العزائم لما رأى ما تفعل الاشائم قام له الذروة الاكارم * الاشيبان : مالك وهاشم * (4) صفين 292 ، 293 ، الطبري 6 : 14 (*)

[ 207 ]

قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنا عبد السلام ، قال : قتل يومئذ من بنى أحمس حازم بن أبى حازم ، أخو قيس بن أبى حازم ، ونعيم بن شهيد بن التغلبية (1) ، فأتى سمية ، ابن عمه نعيم بن الحارث بن التغلبية (1) معاوية - وكان من أصحابه - فقال : إن هذا القتيل ابن عمى ، فهبه لى أدفنه ، فقال : لا تدفنوهم ، فليسوا لذلك بأهل ، والله ما قدرنا على دفن عثمان بينهم إلا سرا ، قال (2) : والله لتأذنن لى في دفنه أو لالحقن بهم ولادعنك ، قال : ويحك ! ترى أشياخ العرب لا نواريهم ، وأنت تسألني في دفن ابن عمك ! ادفنه إن شئت ، أو دعه (3) . فأتاه فدفنه (4) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنا أبو زهير العبسى ، عن النضر بن صالح ، أن راية غطفان العراق كانت مع عياش بن شريك بن حارثة بن جندب بن زيد بن خلف ابن رواحة ، فخرج رجل من آل ذى الكلاع ، فسأل المبارزة ، فبرز إليه قائد بن بكير العبسى ، فبارزه فشد عليه الكلاعى ، فأوهطه (5) فقال أبو سليم عياش بن شريك لقومه (6) : إنى مبارز هذا الرجل ، فإن أصبت فرأسكم الاسود بن حبيب بن جمانة ابن قيس بن زهير ، فإن أصيب فرأسكم هرم بن شتير بن عمرو بن جندب ، فإن أصيب فرأسكم عبد الله بن ضرار ، من بنى حنظلة بن رواحة . ثم مشى نحو الكلاعى فلحقه هرم بن شتير فأخذ بظهره وقال : ليمسك رحم ، لا تبرز إلى هذا الطوال ، فقال : هبلتك الهبول (7) ! وهل هو إلا الموت ! قال : وهل الفرار إلا منه ! قال : وهل منه بد ! والله لاقتلنه ، أو ليلحقني


(1) صفين والطبري : (ابن العلية) . (2) ج : (فقال) . (3) الطبري : (أودع) . (4) صفين 293 ، الطبري 6 : 14 (5) أو هطه : صرعه (6) صفين : (فخرج إليه عباس بن شريك أبو سليم فقال لقومه) (7) الهبول ، بفتح الهاء . التى لا يبقى لها ولد . (*)

[ 208 ]

بقائد بن بكير . فبرز له ومعه حجفة من جلود الابل فدنا منه ، فإذا الحديد مفرغ على (1) الكلاعى ، لا يبين من نحره إلا مثل شراك النعل من عنقه بين بيضته ودرعه ، فضربه الكلاعى ، فقطع جحفته إلا نحوا من شبر ، فضربه عياش على ذلك الموضع ، فقطع نخاعه ، فقتله ، وخرج ابن الكلاعى ثائرا بأبيه ، فقتله بكير بن وائل (2) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن الصلت بن زهير النهدي أن راية بنى نهد بالعراق أخذها مسروق بن الهيثم بن سلمة فقتل ، ثم أخذها صخر بن سمى فارتث (3) ، ثم أخذها على بن عمير ، فقاتل حتى ارتث . ثم أخذها عبد الله بن كعب فقتل ، ثم أخذها سلمة بن خذيم بن جرثومة ، فارتث وصرع ، ثم أخذها عبد الله بن عمرو بن كبشة ، فارتث ، ثم أخذها أبو مسبح بن عمرو فقتل ، ثم أخذها عبد الله بن النزال فقتل ، ثم أخذها ابن أخيه عبد الرحمن بن زهير ، فقتل ، ثم أخذها مولاه مخارق فقتل ، حتى صارت إلى عبد الرحمن بن مخنف الازدي (4) . قال نصر : فحدثنا عمرو : قال : حدثنا الصلت بن زهير ، قال : حدثنى عبد الرحمن ابن مخنف ، قال : صرع يزيد بن المغفل إلى جنبى ، فقتلت قاتله وقمت على رأسه ، ثم صرع أبو زينب بن عروة ، فقتلت قاتله ، وقمت على رأسه وجاءني سفيان بن عوف ، فقال : أقتلتم يزيد بن المغفل ، فقلت : أي والله


(1) صفين : (فنظر عياش بن شريك ، فإذا الحديد عليه مفرغ لا يرى منه عورة) . (2) صفين 293 ، 294 (3) ارتث ، بالبناء للمجهول : حمل من الحرب جريحا ولم يقتل . (4) صفين 295 (*)

[ 209 ]

إنه لهذا الذى تراني قائما على رأسه ، قال : ومن أنت حياك الله ! قلت : أنا عبد الرحمن بن مخنف ، فقال : الشريف الكريم ! حياك الله ومرحبا بك ، يا بن عم ! أفلا تدفعه إلى ، فأنا عمه سفيان بن عوف بن المغفل ! فقلت : مرحبا بك ، أما الآن فنحن أحق به منك ، ولسنا بدافعيه إليك ، وأما ما عدا ذلك فلعمري أنت عمه ووارثه (1) . قال نصر : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا الحارث بن حصين ، عن أشياخ الازد ، أن مخنف بن سليم ، خطب لما ندبت أزد العراق إلى قتال أزد الشام ، فقال : الحمد لله ، والصلاة على محمد رسوله ، ثم قال : إن من الخطب الجليل ، والبلاء العظيم ، أنا صرفنا إلى قومنا ، وصرفوا إلينا ، والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا ، وما هي إلا أجنحتنا نحذفها بأسيافنا ، فإن نحن لم نفعل لم نناصح صاحبنا ، ولم نواس جماعتنا ، وإن نحن فعلنا ، فعزنا آلمنا (2) ، ونارنا أخمدنا . وقال جندب بن زهير الازدي : والله لو كنا آباءهم ولدناهم ، أو كانوا آباءنا ولدونا ، ثم خرجوا عن جماعتنا ، وطعنوا على إمامنا ، ووازروا الظالمين الحاكمين بغير الحق على أهل ملتنا (3) وديننا - ما افترقنا بعد أن اجتمعنا ، حتى يرجعوا عما هم عليه ، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه ، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم . فقال مخنف : [ أعز بك الله في التيه ! ] (4) والله ما علمتك صغيرا ولا كبيرا إلا مشئوما ، والله ما دفعنا (5) في الرأى بين أمرين قط أيهما نأتى وأيهما ندع في جاهلية ولا إسلام


(1) صفين 295 ، 296 (2) صفين : (أبحنا) . (3) صفين (وذمتنا) . (4) من صفين (5) صفين : (ماميلنا) . (14 - نهج - 5) (*)

[ 210 ]

إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما . اللهم إن تعافينا أحب إلى من أن تبتلينا ، اللهم أعط كل رجل منا ما سألك . فتقدم جندب بن زهير ، فبارز أزديا من أزد الشام ، فقتله الشامي (1) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، عن الحارث بن حصين ، عن أشياخ الحى أن عتبة بن جويرة (2) قال يوم صفين لاهله وأصحابه : ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما ، وأصبح شجرها حصيدا ، وجديدها سملا ، وحلوها مرا . ألا وإنى أنبئكم نبأ امرئ صادق ، أنى قد سئمت الدنيا ، وعزفت نفسي عنها ، ولقد كنت أتمنى الشهادة ، وأتعرض لها في كل حين ، فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم ، ألا وإنى متعرض ساعتي هذه لها ، وقد طمعت ألا أحرمها ، فما تنظرون عباد الله من جهاد أعداء الله ؟ أخوف الموت القادم عليكم ، الذاهب بنفوسكم ! أو من ضربة كف أو جبين بالسيف ! أتستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار ! ما هذا بالرأى السديد . ثم قال : يا إخوتاه ، إنى قد بعت هذه الدار بالدار التى أمامها ، وهذا وجهى إليها ، لا يبرح الله وجوهكم ، ولا يقطع أرحامكم . فتبعه أخواه عبد الله وعوف ، فقالا : لا نطلب ورق (3) العيش دونك ، قبح الله الدنيا بعدك ! اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك . فاستقدموا جميعا ، وقاتلوا حتى قتلوا (4) .


(1) صفين 296 ، 297 ، الطبري 6 : 15 (2) كذا في ج ، وفى ا ، ب : (جوير)) ، وفى صفين : (جويرية) ، وفى الطبري : (عقبة بن حديد النمري) (3) صفين والطبري : (رزق الدنيا) . (4) صفين 298 ، 299 ، الطبري 6 : 15 . (*)

[ 211 ]

قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنى رجل من آل الصلت بن خارجة ، أن تميما لما ذهبت لتهزم ذلك اليوم ، ناداهم مالك بن حرى النهشلي : ضاع الضراب اليوم ، والذى أنا له عبد (1) يا بنى تميم ، فقالوا : ألا ترى الناس قد انهزموا ! فقال : ويحكم ! إفرارا واعتذارا ! ثم نادى بالاحساب ، فجعل يكررها ، فقال له قوم منهم : أتنادى بنداء الجاهلية ! إن هذا لا يحل ، فقال : الفرار ويلكم أقبح إن لم تقاتلوا على الدين واليقين فقاتلوا على الاحساب . ثم جعل يقاتل ويرتجز ، فيقول : إن تميما أخلفت عنك ابن مر وقد أراهم وهم الحى الصبر * فإن يفروا أو يخيموا لا أفر (2) * فقتل مالك ذلك اليوم ، وقال أخوه نهشل بن حرى التميمي يرثيه : تطاول هذا الليل ما كاد ينجلى كليل التمام ما يريد انصراما وبت بذكرى مالك بكآبة أؤرق من بعد العشاء نياما أبى جزعى في مالك غير ذكره فلا تعذليني إن جزعت أماما سأبكى أخى ما دام صوت حمامة يؤرق من وادى البطاح حماما وأبعث أنواحا عليه بسحرة وتذرف عيناى الدموع سجاما وأدعو سراة الحى تبكى لمالك وأبعث نوحا يلتدمن قياما يقلن ثوى رب السماحة والحجا وذو عزة يأبى بها أن يضاما وفارس خيل لا تنازل خيله إذا اضطرمت نار العدو ضراما وأحيا عن الفحشاء من ذات كلة يرى ما يهاب الصالحون حراما


(1) ا ، ج : (عبده) . (2) خام : فر ونكص . (*)

[ 212 ]

وأجرأ من ليث بخفان مخدر وأمضى إذا رام الرجال صداما (1) . وقال أيضا يرثيه : بكى الفتى الابيض البهلول سنته عند النداء ، فلا نكسا ولا ورعا (2) بكى على مالك الاضياف إذ نزلوا حين الشتاء وعز الرسل فانقطعا (3) ولم يجد لقراهم غير مربعة من العشار تزجى تحتها ربعا (4) أهوى لها السيف صلتا وهى راتعة فأوهن السيف عظم الساق فانجذعا فجاءهم بعد رفد الناس أطيبها وأشبعت منهم من نام واضطجعا (5) يا فارس الروع يوم الروع قد علموا وصاحب العزم لا نكسا ولا طبعا (6) ومدرك التبل في الاعداء يطلبه وإن طلبت بتبل عنده منعا (7) قالوا أخوك أتى الناعي بمصرعه فانشق قلبى غداة القول فانصدعا ثم ارعوى القلب شيئا بعد طربته والنفس تعلم أن قد أثبتت وجعا (8) قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنى يونس بن إبى إسحاق ، قال : قال لنا أدهم * (هامش) (1) وبعد في صفين : فلا ترجون ذا أمة بعد مالك ولا جازرا للمنشأت غلاما وقل لهم لا يرحلوا الادم بعده ولا يرفعوا نحو الجياد لجاما (2) السنة : الوجه ، والورع : الجبان . (3) الرسل : اللبن (4) تزجى : تسوق . والربع ، بضم ففتح : ما ولد من الابل في الربيع . (5) صفين : (وقد كفى منهم من غاب واضطجعا) . (6) النكس : المقصر عن النجدة . (7) التبل : الثأر والذحل (8) الطربة : المرة من الطرب ، وهو هنا الحزن ، ويطلق أيضا على السرور . (*)

[ 213 ]

ابن محرز الباهلى ، ونحن معه بأذرح (1) : هل رأى أحد منكم شمر بن ذى الجوشن ؟ فقال عبد الله بن كبار النهدي وسعيد بن حازم البلوى (2) : نحن رأيناه ، قال : فهل رأيتما ضربة بوجهه ؟ قالا : نعم ، قال : أنا والله ضربته تلك الضربة بصفين . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : قد كان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية إلى شمر ابن ذى الجوشن في هذا اليوم ، فاخلتفا ضربتين ، فضربه أدهم على جبينه ، فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم ، وضربه شمر ، فلم يصنع شيئا ، فرجع إلى عسكره ، فشرب ماء وأخذ رمحا ، ثم أقبل وهو يقول : إنى زعيم لاخى هل رأى أحد منكم شمر بن ذى الجوشن ؟ فقال عبد الله بن كبار النهدي وسعيد بن حازم البلوى (2) : نحن رأيناه ، قال : فهل رأيتما ضربة بوجهه ؟ قالا : نعم ، قال : أنا والله ضربته تلك الضربة بصفين . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : قد كان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية إلى شمر ابن ذى الجوشن في هذا اليوم ، فاخلتفا ضربتين ، فضربه أدهم على جبينه ، فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم ، وضربه شمر ، فلم يصنع شيئا ، فرجع إلى عسكره ، فشرب ماء وأخذ رمحا ، ثم أقبل وهو يقول : إنى زعيم لاخى باهله بطعنة إن لم أمت عاجله (3) وضربة تحت الوغى فاصله (4) شبيهة بالقتل أو قاتله ثم حمل على أدهم وهو يعرف وجهه ، وأدهم ثابت له لم ينصرف ، فطعنه ، فوقع عن فرسه ، وحال أصحابه دونه ، فانصرف شمر وقال : هذه بتلك (5) . قال نصر : وخرج سويد بن قيس بن يزيد الارحبي من عسكر معاوية يسأل المبارزة ، فخرج إليه من عسكر العراق أبوالعمرطة قيس بن عمرو بن عمير بن يزيد ، وهو ابن عم سويد ، وكان كل منهما لا يعرف صاحبه ، فلما تقاربا تعارفا ، وتواقفا وتساءلا ، ودعا كل واحد منهما صاحبه إلى دينه ، (6) فقال أبوالعمرطة : أما أنا فوالله الذى لا إله إلا هو ، لئن استطعت لاضربن بسيفي هذه القبة البيضاء - يعنى القبة التى كان فيها معاوية - ثم انصرف كل واحد منهما إلى أصحابه (7) .


(1) أذرح : بلد في أطراف الشام . (2) صفين : (السلولى) . (3) الطبري : (إن لم أصب) . (4) الطبري : (أو ضربة تحت القنا والوغى) . (5) صفين 303 ، 304 ، الطبري 6 : 16 (6) صفين : (إلى ما هو عليه) . (7) صفين 304 (*)

[ 214 ]

قال نصر : ثم خرج رجل من عسكر الشام من أزد شنوءة ، يسأل المبارزة ، فخرج إليه رجل من أهل العراق ، فقتله الازدي ، فخرج إليه الاشتر ، فما ألبثه أن قتله ، فقال قائل : كان هذا ريحا فصارت إعصارا . قال نصر : وقال رجل من أصحاب على عليه السلام : أما والله لاحملن على معاوية حتى أقتله ، فركب فرسا ، ثم ضربه حتى قام على سنابكه ، ثم دفعه فلم ينهنهه شئ عن الوقوف على رأس معاوية ، فهرب معاوية ، ودخل خباء فنزل الرجل عن فرسه ودخل عليه ، فخرج معاوية من جانب الخباء الآخر ، فخرج الرجل في أثره ، فاستصرخ معاوية بالناس ، فأحاطوا به وحالوا بينهما ، فقال معاوية : ويحكم ! إن السيوف لم يؤذن لها في هذا ، ولو لا ذلك لم يصل إليكم ، فعليكم بالحجارة فرضخوه بالحجارة حتى همد . فعاد معاوية إلى مجلسه . قال نصر : وحمل رجل من أصحاب على عليه السلام يدعى أبا أيوب - وليس بأبى أيوب الانصاري - على صف أهل الشام ، ثم رجع فوافق رجلا من أهل الشام صادرا ، قد حمل على صف أهل العراق ، ثم رجع فاختلفا ضربتين ، فنفحه أبو أيوب بالسيف ، فأبان عنقه ، فثبت رأسه على جسده كما هو ، وكذب الناس أن يكون هو ضربه ، فأرابهم ذلك ، حتى إذا أدخلته فرسه في صف أهل الشام ندر رأسه ، ووقع ميتا ، فقال على عليه السلام : والله لانا من ثبات رأس الرجل أشد تعجبا من الضربة ، وإن كان إليها ينتهى وصف الواصفين (1) . وجاء أبو أيوب فوقف بين يدى على عليه السلام ، فقال له : أنت والله كما قال الشاعر : وعلمنا الضرب آباؤنا ونحن نعلم أيضا بنينا قال نصر : فلما انقضى هذا اليوم بما فيه : أصبحوا في اليوم الثامن من صفين (2) ، والفيلقان متقابلان ، فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزة ، فخرج إليه رجل من أهل العراق ،


(1) ج : (الواصف) ، وصفين : (وصف الضارب) . (2) كذا في ا ، ج ، وفى ب : (صفر) . (*)

[ 215 ]

فاقتتلا بين الصفين قتالا شديدا . ثم إن العراقى اعتنقه فوقعا جميعا ، وغار الفرسان . ثم إن العراقى قهره ، فجلس على صدره ، وكشف المغفر عنه ، يريد ذبحه ، فإذا هو أخوه لابيه وأمه ، فصاح به أصحاب على عليه السلام : ويحك أجهز عليه ! قال : إنه أخى ، قالوا : فاتركه ، قال : لا والله حتى يأذن أمير المؤمنين ، فأخبر على عليه السلام بذلك ، فأرسل إليه أن دعه ، فتركه فقام فعاد إلى صف معاوية (1) . قال نصر : وحدثنا محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، قال : كان فارس معاوية الذى يعده لكل مبارز ولكل عظيم ، حريث مولاه ، وكان يلبس سلاح معاوية متشبها به فإذا قاتل قال الناس : ذاك معاوية . وإن معاوية دعاه ، فقال له : يا حريث ، اتق عليا وضع رمحك حيث شئت . فأتاه عمرو بن العاص ، فقال : يا حريث ، إنك والله لو كنت قرشيا لاحب لك معاوية أن تقتل عليا ، ولكن كره أن يكون لك حظها ، فإن رأيت فرصه فاقتحم . قال : وخرج على عليه السلام في هذا اليوم أمام الخيل ، فحمل عليه حريث (2) . قال نصر : فحدثني عمرو بن شمر ، عن جابر ، قال : برز حريث مولى معاوية هذا اليوم ، وكان شديدا أيدا (3) ذا بأس لا يرام ، فصاح : يا على ، هل لك في المبارزة ؟ فأقدم أبا حسن إن شئت ، فأقبل على عليه السلام ، وهو يقول : أنا على وابن عبد المطلب نحن لعمر الله أولى بالكتب


(1) صفين 307 ، 308 (2) صفين 308 ، 309 (3) ساقطة من ا ، ب . (*)

[ 216 ]

منا النبي المصطفى غير كذب أهل اللواء والمقام والحجب * نحن نصرناه على كل العرب (1) * ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة ، فقطعه نصفين (2) . قال نصر : فحدثنا محمد بن عبيد الله ، قال : حدثنى الجرجاني ، قال : جزع معاوية على حريث جزعا شديدا ، وعاتب عمرا في إغرائه إياه بعلى عليه السلام ، وقال في ذلك شعرا : حريث ألم تعلم وجهلك ضائر بأن عليا للفوارس قاهر وأن عليا لم يبارزه فارس من الناس إلا أقصدته الاظافر أمرتك أمرا حازما فعصيتني فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر ودلاك عمرو والحوادث جمة غرورا ، وما جرت عليك المقادر وظن حريث أن عمرا نصيحه وقد يهلك الانسان من لا يحاذر (3) قال نصر : فلما قتل حريث برز عمرو بن الحصين السكسكى ، فنادى : يا أبا حسن ، هلم إلى المبارزة ، فأومأ عليه السلام إلى سعيد بن قيس الهمداني فبارزه ، فضربه بالسيف فقتله .


(1) بعده في صفين : يأيها العبد الغرير المنتدب اثبت لنا يأيها الكلب الكلب (2) صفين 309 (3) بعده في صفين : أيركب عمرو رأسه خوف سيفه ويصلى حريثا إنه لفرافر والفرافر : الاحمق . (*)

[ 217 ]

وقال نصر : وكان لهمدان بلاء عظيم في نصرة على عليه السلام في صفين ، ومن الشعر الذى لا يشك أن قائله على عليه السلام لكثرة الرواة له : دعوت فلباني من القوم عصبة فوارس من همدان غير لئام فوارس من همدان ليسوا بعزل غداة الوغى من شاكر وشبام (1) بكل ردينى وعضب تخاله إذا اختلف الاقوام شعل ضرام لهمدان أخلاق كرام تزينهم وبأس إذا لاقوا وحد خصام (2) وجد وصدق في الحروب ونجدة وقول إذا قالوا بغير أثام متى تأتهم في دارهم تستضيفهم تبت ناعما في خدمة وطعام جزى الله همدان الجنان فإنها سمام العدا في كل يوم زحام فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام قال نصر : فحدثني عمرو بن شمر ، قال : ثم قام على عليه السلام بين الصفين ، ونادى : يا معاوية يكررها ، فقال معاوية : سلوه ما شأنه ؟ قال : أحب أن يظهر لى فأكلمه كلمة واحده . فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص ، فلما قارباه ، لم يلتفت إلى عمرو ، وقال لمعاوية : ويحك ! علا م يقتتل (3) الناس بينى وبينك ، ويضرب بعضهم بعضا ؟ ابرز إلى ، فأينا قتل صاحبه فالامر له . فالتفت معاوية إلى عمرو ، فقال : ما ترى يا أبا عبد الله ؟ قال : قد أنصفك الرجل ، واعلم أنك إن نكلت عنه لم يزل سبة عليك ، وعلى عقبك ما بقى على ظهر الارض عربي . فقال معاوية : يا بن العاص ، ليس مثلى يخدع عن نفسه ، والله ما بارز ابن أبى طالب شجاع قط إلا وسقى الارض من دمه ، ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى


(1) شاكر وشبام : بطنان في همدان (2) صفين : (أخلاق ودين يزينهم) . (3) ب : (يقتل) . (*)

[ 218 ]

آخر الصفوف وعمرو معه ، فلما رأى على عليه السلام ذلك ضحك ، وعاد إلى موقفه (1) . قال نصر : وفى حديث الجرجاني أن معاوية قال لعمرو : ويحك ! ما أحمقك ! تدعوني إلى مبارزته ، ودوني عك وجذام والاشعريون ! قال نصر : قال : وحقدها معاوية على عمرو باطنا ، وقال له ظاهرا : ما أظنك قلت ما قلته يا أبا عبد الله إلا مازحا ! فلما جلس معاوية مجلسه ، أقبل عمرو يمشى حتى جلس إلى جانبه ، فقال معاوية : يا عمرو إنك قد قشرت لى العصا برضاك لى وسط العجاج برازى يا عمرو إنك قد أشرت بظنة حسب المبارز خطفة من بازى (2) ولقد ظننتك قلت مزحة مازح (3) والهزل يحمله مقال الهازى فإذا الذى منتك نفسك حاكيا قتلى ، جزاك بما نويت الجازى ولقد كشفت قناعها مذمومة ولقد لبست بها ثياب الخازى فقال عمرو : أيها الرجل ، أتجبن عن خصمك ، وتتهم نصيحك ! وقال مجيبا له : معاوى إن نكلت عن البراز وخفت فإنها أم المخازى (4) معاوى ما اجترمت إليك ذنبا ولا أنا في الذى حدثت خازى (5)


(1) صفين 311 ، 312 (2) في صفين : يا عمرو إنك قد أشرت بظنة إن المبارز كالجدي النازى ما للملوك وللبراز وإنما حتف المبارز خطفة للبازى (3) صفين : * ولقد أعدت فقلت مزحة مازح * (4) صفين : * لك الويلات فانظر في المخازى * (5) صفين (في التى حدثت بخازى) ، بتخفيف الدال في (حدثت) . (*)

[ 219 ]

وما ذنبي بأن نادى على * وكبش القوم يدعى للبراز ولو بارزته بارزت ليثا حديد الناب يخطف كل باز وتزعم أننى أضمرت غشا * جزاني بالذى أضمرت جازى وروى ابن قتيبة في كتابه المسمى ، ، عيون الاخبار ، ، (1) قال : قال أبو الأغر التميمي : بينا أنا واقف بصفين ، مر بى العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، مكفرا بالسلاح ، وعيناه تبصان ، من تحت المغفر ، كأنهما عينا أرقم ، وبيده صفيحة يمانية يقلبها ، وهو على فرس له صعب ، فبينا هو يمغثه (2) ، ويلين من عريكته ، هتف به هاتف من أهل الشام ، يعرف بعرار بن أدهم : يا عباس : هلم إلى البراز ! قال العباس : فالنزول إذا فإنه أيأس من القفول ، فنزل الشامي ، وهو يقول : إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا * أو تنزلون فإنا معشر نزل (3) وثنى العباس رجله ، وهو يقول : ويصد عنك مخيلة الرجل العريض موضحة عن العظم بحسام سيفك أو لسانك ، والكلم الاصيل كأرغب الكلم ثم عصب فضلات درعه في حجزته (4) ودفع فرسه إلى غلام له أسود ، يقال له أسلم ،


(1) عيون الاخبار 1 : 169 ، بروايته عن أبى سوقة التميمي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبى الاغر . (2) المغث : الضرب الخفيف ، وفى عيون الاخبار : (يمنعه) . (3) لاعشى قيس ، ديوانه 48 ، والرواية هناك : * قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا * (4) الحجزة : معقد الازار . (*)

[ 220 ]

كأنى والله أنظر إلى فلافل شعره ، ثم دلف كل واحد منهما إلى صاحبه ، فذكرت قول أبى ذؤيب : فتنازلا وتواقفت خيلاهما وكلاهما بطل اللقاء مخدع (1) وكفت الناس أعنة خيولهم ينظرون ما يكون من الرجلين ، فتكافحا بسيفيهما مليا من نهارهما ، لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته ، إلى أن لحظ العباس وهنا في درع الشامي ، فأهوى إليه بيده ، فهتكه إلى ثندوته (2) ، ثم عاد لمجاولته ، وقد أصحر له (3) مفتق الدرع ، فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره ، فخر الشامي لوجهه ، وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الارض من تحتهم ، وسما العباس في الناس ، فإذا قائل يقول : من ورائي : (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين . ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء) (4) فالتفت فإذا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال لى : يا أبا الاغر ، من المنازل لعدونا ؟ قلت : هذا ابن أخيكم ، هذا العباس بن ربيعة ، فقال : وإنه لهو ! يا عباس ألم أنهك ، وابن عباس أن تخلا بمراكزكما ، وأن تباشرا حربا ! قال : إن ذلك كان ، قال : فما عدا مما بدا (5) قال : يا أمير المؤمنين ، أفأدعى إلى البراز فلا أجيب ! قال : نعم طاعة إمامك أولى من إجابة عدوك ، ثم تغيظ واستطار حتى قلت : الساعة الساعة . ثم سكن وتطامن ، ورفع يديه مبتهلا ، فقال : اللهم اشكر للعباس مقامه ، واغفر ذنبه ، إنى قد غفرت له ، فاغفر له . قال : ولهف معاوية على عرار ، وقال : متى ينتطح فحل لمثله أيطل دمه ؟ لاها الله إذا ! ألا رجل يشرى نفسه لله ، يطلب بدم عرار ! فانتدب له رجلان من لخم


(1) ديوان الهذليين 1 : 18 ، ومخدع : مجرب ، أي قد خدع مرة بعد مرة بعد أخرى حتى فهم وحذر . (2) الثندوة للرجل ، بمثل الثدى للمرأة . (3) أصحر له : برز له في العراء ، وأصله الخروج إلى الصحراء . (4) سورة التوبة 14 (5) سورة التوبة 14 ، 15 . (*)

[ 221 ]

فقال لهما : اذهبا ، فأيكما قتل العباس برازا فله كذا ، فأتياه فدعواه للبراز ، فقال : إن لى سيدا أريد أن أؤامره ، فأتى عليا عليه السلام ، فأخبره الخبر ، فقال على عليه السلام : والله لود معاوية ، أنه ما بقى من بنى هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في بطنه ، إطفاء لنور الله : (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون) (1) ، أما والله ليملكنهم منا رجال ورجال يسومونهم الخسف ، حتى يحتفروا الآبار ، ويتكففوا الناس ، ويتوكلوا على المساحى ، ثم قال : يا عباس ناقلنى سلاحك بسلاحي ، فناقله ووثب على فرس العباس ، وقصد اللخميين ، فما شكا أنه هو ، فقالا : أذن لك صاحبك ، فحرج أن يقول : نعم ، فقال : (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) (2) ، فبرز إليه أحدهما ، فكأنما اختطفه ، ثم برز له الآخر فألحقه بالاول ، ثم أقبل هو يقول : (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (3) . ثم قال : يا عباس ، خذ سلاحك وهات سلاحي ، فإن عاد لك أحد فعد إلى . قال : فنمى الخبر إلى معاوية ، فقال : قبح الله اللجاج ، إنه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت . فقال عمرو بن العاص : المخذول والله اللخميان لا أنت ! فقال : اسكت أيها الرجل ، وليست هذه من ساعاتك ، قال : وإن لم يكن فرحم الله اللخميين وما أراه يفعل ! قال : فإن ذاك والله أخسر لصفقتك ، وأضيق لحجزتك . قال : قد علمت ذاك ، ولولا مصر لركبت المنجاة منها ، قال : هي أعمتك ، ولولا ها ألفيت بصيرا .


(1) سورة التوبة 33 (2) سورة الحج 39 (3) سورة البقرة 194 (*)

[ 222 ]

قال نصر بن مزاحم : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنى فضيل بن خديج ، قال : خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة ، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندى [ ثم الطمحى ] (1) ، فتجاولا ساعة . ثم إن عبد الرحمن حمل على الشامي ، فطعنه في نقرة (2) نحره فصرعه ، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه ، فإذا هو عبد أسود ، فقال : إنا لله ! أخطرت نفسي بعبد أسود ! قال : وخرج رجل من عك ، فسأل البراز فخرج إليه قيس بن فهران (3) الكندى ، فما ألبثه أن طعنه فقتله ، وقال : لقد علمت عك بصفين أننا إذا ما تلاقى الخيل نطعنها شزرا ونحمل رايات القتال بحقها فنوردها بيضا ونصدرها حمرا قال : وحمل عبد الله بن الطفيل البكائى على صفوف أهل الشام ، فلما انصرف حمل عليه رجل من بنى تميم يقال له قيس بن فهد الحنظلي اليربوعي (4) فوضع الرمح بين كتفي عبد الله ، فاعترضه يزيد بن معاوية البكائى ، ابن عم عبد الله بن الطفيل ، فوضع الرمح بين كتفي التميمي ، وقال : والله لئن طعنته لاطعننك ، فقال : عليك عهد الله لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعنه عن ظهرى ! قال : نعم ، لك العهد والميثاق بذلك . فرفع السنان عن ظهر عبد الله ، فرفع يزيد السنان عن التميمي ، فوقف التميمي ، وقال ليزيد : ممن أنت ؟ قال : من بنى عامر قال : جعلني الله فداكم ! أينما لقيناكم كراما . أما والله إنى لآخر أحد عشر رجلا من بنى تميم قتلتموهم اليوم . قال نصر : فبعد ذلك بدهر عتب يزيد على عبد الله بن الطفيل ، فأذكره ما صنع معه يوم صفين ، فقال :


(1) تكملة من صفين . (2) الطبري : (ثغرة نحره) ، وهما بمعنى . (3) في الطبري : (ابن فهد) . (4) صفين : (ابن نهد) ، والطبري : (ابن قرة)) . (*)

[ 223 ]

ألم ترنى حاميت عنك مناصحا بصفين إذ خلاك كل حميم ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى على سابح ذى ميعة وهزيم (1) قال نصر : وخرج ابن مقيدة الحمار الاسدي وكان ذا بأس وشجاعة ، وهو من فرسان الشام ، فطلب البراز ، فقام المقطع العامري ، وكان شيخا كبيرا ، فقال على عليه السلام له : اقعد ، فقال : يا أمير المؤمنين لا تردني ، إما أن يقتلنى فأتعجل الجنة وأستريح من الحياة الدنيا في الكبر والهرم ، أو أقتله فأريحك منه . وقال له عليه السلام : ما اسمك ؟ فقال : المقطع ، قال : ما معنى ذلك ؟ قال : كنت أدعى هشيما ، فأصابتني جراحة منكرة ، فدعيت المقطع منها ، فقال له عليه السلام : اخرج إليه ، وأقدم عليه ، اللهم انصر المقطع على ابن مقيدة الحمار ، فحمل على ابن مقيدة الحمار ، فأدهشه لشدة الحملة ، فهرب وهو يتبعه ، حتى مر بمضرب (2) معاوية حيث يراه والمقطع على أثره ، فجاوزا معاوية بكثير ، فلما رجع المقطع ورجع ابن مقيدة الحمار ، ناداه معاوية : لقد شمص (3) بك العراقى ، قال : أما إنه قد فعل أيها الامير ثم عاد المقطع ، فوقف في موقفه . قال نصر : فلما كان عام الجماعة ، وبايع الناس معاوية ، سأل عن المقطع العامري ، حتى أدخل عليه ، وهو شيخ كبير ، فلما رآه قال : آه ، لولا أنك على مثل هذه الحال لما أفلت منى ، قال : نشدتك الله إلا قتلتنى وأرحتني من بؤس الحياة وأدنيتني إلى لقاء الله ، قال : إنى لا أقتلك ، وإن بى إليك لحاجة قال : ما هي ؟ قال : أحب أن تواخينى ، قال : أنا وإياكم ، افترقنا في الله ، فلا نجتمع حتى يحكم الله بيننا في الآخرة .


(1) ميعة الفرس : نشاطه ، يقال : الفرس في ميعة جريه) . والهزيم هنا : صوت جرى الفرس . (2) المضرب : الفسطاط العظيم . (3) شمص : عجل . (*)

[ 224 ]

قال : فزوجني ابنتك ، قال : قد منعتك ما هو أهون على من ذلك ، قال : فاقبل منى صلة ، قال : لا حاجة لى فيما قبلك . قال : فخرج من عنده ولم يقبل منه شيئا . قال نصر : ثم التقى الناس ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وحاربت طئ مع أمير المؤمنين عليه السلام حربا عظيما ، وتداعت وارتجزت ، فقتل منها أبطال كثيرون ، وفقئت عين بشر بن العوس الطائى ، وكان من رجال طئ وفرسانها ، فكان يذكر بعد ذلك أيام صفين ، فيقول : وددت أنى كنت قتلت يومئذ ، ووددت أن عينى هذه الصحيحة فقئت أيضا ، وقال : ألا ليت عينى هذه مثل هذه ولم أمش بين الناس إلا بقائدي ويا ليت رجلى ثم طنت بنصفها (1) ويا ليت كفى ثم طاحت بساعدي ويا ليتنى لم أبق بعد مطرف وسعد وبعد المستنير بن خالد فوارس لم تغد الحواضن مثلهم إذا هي أبدت عن خدام الخرائد (2) قال نصر : وأبلت محارب يومئذ مع أمير المؤمنين عليه السلام بلاء حسنا ، وكان عنتر ابن عبيد بن خالد بن المحاربي أشجع الناس يومئذ ، فلما رأى أصحابه متفرقين ، ناداهم : يا معشر قيس ، أطاعة الشيطان أبر عندكم من طاعة الرحمن ! ألا إن الفرار فيه معصية الله وسخطه وإن الصبر فيه طاعة ورضوانه ، أفتختارون سخط الله على رضوانه ، ومعصيته على طاعته ! ألا إنما الراحة بعد الموت لمن مات محتسبا لنفسه ، ثم يرتجز فيقول : لا وألت نفس امرئ ولى الدبر أنا الذى لا أنثنى ولا أفر


(1) طنت : قطعت وسقطت . (2) الخدام : السقان ، واحده خدمة ، والحواضن : الامهات . (*)

[ 225 ]

* ولا يرى مع المعازيل الغدر * وقاتل حتى ارتث . قال نصر : وقاتلت النخع مع على عليه السلام ذلك اليوم قتالا شديدا ، وقطعت رجل علقمة بن قيس النخعي ، وقتل أخوه أبى بن قيس ، فكان علقمة يقول بعد : ما أحب أن رجلى أصح ما كانت لما أرجو بها من حسن الثواب . وكان يقول : لقد كنت أحب أن أبصر أخى في نومى ، فرأيته ، فقلت له : يا أخى ، ما الذى قدمتم عليه ، فقال لى : التقينا نحن وأهل الشام بين يدى الله سبحانه ، فاحتججنا عنده ، فحججناهم . فما سررت بشئ منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا (1) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن سويد بن حبة البصري (2) ، عن الحضين بن المنذر الرقاشى ، قال : إن ناسا أتوا عليا عليه السلام قبل الوقعة في هذا اليوم فقالوا له : إنا لا نرى خالد بن المعمر السدوسى إلا قد كاتب معاوية ، وقد خشينا أن يلتحق به ويبايعه ، فبعث إليه على عليه السلام وإلى رجال من أشراف ربيعة ، فجمعهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : يا معشر ربيعة ، أنتم أنصارى ومجيبوا دعوتي ، ومن أوثق أحياء العرب في نفسي ، وقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم هذا ، وهو خالد بن المعمر ، وقد أتيت به وجمعتكم لاشهدكم عليه ، وتسمعوا منى ومنه . ثم أقبل عليه فقال : يا خالد بن المعمر ، إن كان ما بلغني عنك حقا ، فإنى أشهد من حضرني من المسلمين ، أنك آمن ، حتى تلحق بالعراق ، أو بالحجاز ، أو بأرض لا سلطان لمعاوية فيها ، وإن كنت مكذوبا عليك ، فأبر صدورنا بأيمان نطمئن إليها ، فحلف له


(1) صفين 322 ، الطبري : 6 : 18 (2) صفين : (النضرى) . (15 - نهج - 5) (*)

[ 226 ]

خالد بالله ما فعل ، وقال رجال منا كثير : والله يا أمير المؤمنين لو نعلم أنه فعل لقتلناه . وقال شقيق بن ثور [ السدوسى ] : ما وفق الله خالد بن المعمر حين ينصر معاوية وأهل الشام على على وأهل العراق وربيعة . فقال له زياد بن خصفة : يا أمير المؤمنين ، استوثق من ابن المعمر بالايمان ، لا يغدر بك ، فاستوثق منه . ثم انصرفوا . فلما تصاف الناس في هذا اليوم ، وحمل بعضهم على بعض ، تضعضعت ميمنة أهل العراق ، فجاءنا على عليه السلام ومعه بنوه ، حتى انتهى إلينا ، فنادى بصوت عال جهير : لمن هذه الرايات ؟ فقلنا : رايات ربيعة ، فقال : بل هي رايات الله عصم الله أهلها ، وصبرهم وثبت أقدامهم ، ثم قال لى وأنا حامل راية ربيعة يومئذ : يا فتى ، ألا تدنى رايتك هذه ذراعا ؟ فقلت : بلى ، والله وعشرة أذرع ، ثم ملت بها هكذا فأدنيتها ، فقال لى : حسبك مكانك (1) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنى يزيد بن أبى الصلت التيمى ، قال : سمعت أشياخ الحى من بنى تيم بن ثعلبة يقولون : كانت راية ربيعة كلها : كوفيتها وبصريتها ، مع خالد بن المعمر ، السدوسى من ربيعة البصرة ثم نافسه في الراية شقيق بن ثور ، من بكر ابن وائل من أهل الكوفة ، فاصطلحا على أن يوليا الراية لحضين بن المنذر الرقاشى ، وهو من أهل البصرة أيضا ، وقالوا : هذا فتى له حسب ، تعطيه الراية إلى أن نرى رأينا ، وكان الحضين يومئذ شابا حدث السن . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، قال : أقبل الحضين بن المنذر يومئذ وهو غلام يزحف براية ربيعة ، وكانت حمراء ، فأعجب عليا عليه السلام زحفه وثباته ، فقال :


(1) صفين 324 ، 325 ، وتاريخ الطبري 6 : 18 (*)

[ 227 ]

لمن راية حمراء يخفق ظلها إذا قيل قدمها حضين تقدما ويدنو بها في الصف حتى يزيرها (1) حمام المنايا تقطر الموت والدما (2) تراه إذا ما كان يوم عظيمة أبى فيه إلا عزة وتكرما جزى الله قوما صابروا في لقائهم لدى الناس حرا ما أعف وأكرما ! وأحزم صبرا يوم يدعى إلى الوغى إذا كان أصوات الكماة تغمغما ربيعة أعنى ، إنهم أهل نجدة وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما (3) وقد صبرت عك ولخم وحمير لمذحج حتى لم يفارق دم دما ونادت جذام يال مذحج ويحكم (4) جزى الله شرا أينا كان أظلما ! أما تتقون الله في حرماتكم وما قرب الرحمن منها (5) وعظما ! أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا بأسيافنا حتى تولى وأحجما وفر ينادى الزبرقان وظالما ونادى كلاعا والكريب وأنعما وعمرا وسفيانا وجهما ومالكا وحوشب والغاوي شريحا وأظلما وكرز بن تيهان وعمرو بن حجدر وصباحا القينى يدعو وأسلما (6) قلت : هكذا روى نصر بن مزاحم ، وسائر الرواة رووا له عليه السلام الابيات الستة الاولى ، ورووا باقى الابيات ، من قوله : (وقد صبرت عك) للحضين بن المنذر صاحب الراية (7) . قال نصر : وأقبل ذو الكلاع في حمير ومن لف لفها ، ومعهم عبيد الله بن عمر


(1) صفين : (حتى يديرها) . (2) الطبري : (حياض المنايا) . (3) الخميس : الجيش . (4) صفين : (ويلكم) . (5) ب : (فيها) . (6) صفين ، (تنبيهان) . (7) صفين 325 ، 326 ، وتاريخ الطبري 6 : 20 ، 21 (*)

[ 228 ]

ابن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشام ، وذو الكلاع في حمير في الميمنة ، وعبيد الله في القراء في الميسرة ، فحملوا على ربيعة وهم في ميسرة أهل العراق ، وفيهم عبيد الله بن العباس حملة شديدة ، فتضعضعت رايات ربيعة . ثم إن أهل الشام انصرفوا فلم يمكثوا (1) إلا قليلا ، حتى كروا ثانية وعبيد الله بن عمر في أوائلهم ، يقول : يا أهل الشام ، هذا الحى من العراق قتلة عثمان بن عفان وأنصار على ابن أبى طالب ، ولئن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم من عثمان ، وهلك على وأهل العراق . فشدوا على الناس شدة عظيمة ، فثبتت لهم ربيعة ، وصبرت صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء . فأما أهل الرايات وذوو البصائر منهم والحفاظ ، فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا . وأما خالد بن المعمر ، فأنه لما رأى بعض أصحابه قد انصرفوا انصرف معهم ، فلما رأى أهل الرايات ثابتين صابرين رجع إليهم وصاح بمن انهزم ، وأمرهم بالرجوع ، فكان من يتهمه من قومه ، يقول : إنه فر ، فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا ، وقال هو : لما رأيت رجالا منا قد انهزموا ، رأيت أن أستقبلهم ثم أردهم إلى الحرب ، فجاء بأمر مشتبه (2) . قال نصر : وكان في جملة ربيعة من عنزة وحدها أربعة آلاف مجفف (3) . قلت : لا ريب عند علماء السيرة أن خالد بن المعمر كان له باطن سوء مع معاوية ، وأنه انهزم هذا اليوم ليكسر الميسرة على على عليه السلام ، ذكر ذلك الكلبى (4) والواقدى وغيرهما . ويدل على باطنه هذا أنه لما استظهرت ربيعة على معاوية وعلى صفوف أهل الشام في اليوم الثاني من هذا أرسل معاوية إلى خالد بن المعمر : أن كف عنى ولك إمارة خراسان


(1) ج : (لم يلبثوا) . (2) صفين 327 ، 328 (3) المجفف : من يلبس التجفاف ، وهو ما جلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه السهام . (4) ج : (ابن الكلى) . (*)

[ 229 ]

ما بقيت . فكف عنه ، فرجع بربيعة ، وقد شارفوا أخذه من مضربه ، وسيأتى ذكر ذلك . قال نصر : فلما رجع خالد بن المعمر واستوت صفوف ربيعة ، كما كانت خطبهم ، فقال : يا معشر ربيعة : إن الله تعالى قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه ، فجمعكم في هذا المكان جمعا لم تجتمعوا مثله قط منذ أفرشكم الله الارض ، وإنكم إن تمسكوا أيديكم ، وتنكلوا عن عدوكم وتحولوا عن مصافكم ، لا يرضى الرب فعلكم ولا تعدموا معيرا يقول : فضحت ربيعة الذمار ، وخاموا (1) عن القتال ، وأتيت من قبلهم العرب ، فإياكم أن يتشاءم بكم اليوم المسلمون . وإنكم إن تمضوا مقدمين وتصبروا محتسبين ، فإن الاقدام منكم عادة ، والصبر منكم سجية ، فاصبروا ونيتكم صادقة تؤجروا ، فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا . فقام إليه رجل من ربيعة وقال : قد ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت أمرها إليك ، تأمرنا ألا نحول ولا نزول حتى نقتل أنفسنا ونسفك دماءنا ! فقام إليه رجال من قومه ، فتناولوه بقسيهم ، ولكزوه بأيديهم ، وقالوا لخالد بن المعمر : أخرجوا هذا من بينكم ، فإن هذا إن بقى فيكم ضركم ، وإن خرج منكم لم ينقصكم عددا ، هذا الذى لا ينقص العدد ، ولا يملا البلد . ترحك (2) الله من خطيب قوم ! لقد جنبك الخبر . قبح الله ما جئت به !


(1) خاموا : جبنوا . (2) صفين : (برحك) (*)

[ 230 ]

قال نصر : واشتد القتال بين ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر حتى كثرت القتلى وجعل عبيد الله يحمل ويقول : أنا الطيب ابن الطيب ، فتقول له ربيعة : بل أنت الخبيث ابن الطيب . ثم خرج نحو خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب على عليه السلام على رؤوسهم البيض ، وهم غائصون في الحديد ، لا يرى منهم إلا الحدق ، وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدة فاقتتلوا بين الصفين ، والناس وقوف تحت راياتهم ، فلم يرجع من هؤلاء ولا من هؤلاء مخبر ، لا عراقى ولا شامى ، قتلوا جميعا بين الصفين (1) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن تميم ، قال : نادى منادى (2) أهل الشام : ألا إن معنا الطيب ابن الطيب ، عبيد الله بن عمر ، فنادى منادى أهل العراق : بل هو الخبيث ابن الطيب ، ونادى منادى أهل العراق : ألا إن معنا الطيب ابن الطيب محمد بن أبى بكر ، فنادى منادى أهل الشام : بل الخبيث ابن الطيب . قال نصر : وكان بصفين تل تلقى عليه جماجم الرجال ، فكان يدعى تل الجماجم ، فقال عقبة بن مسلم الرقاشى من أهل الشام : ولم أر فرسانا أشد حفيظة (3) وأمنع منا يوم تل الجماجم غداة غدا أهل العراق كأنهم نعام تلاقى في فجاج المخارم إذا قلت قد ولوا تثوب كتيبة (4) ململمة في البيض شمط المقادم (5) وقالوا لنا : هذا على فبايعوا فقلنا : صه بل بالسيوف الصوارم (6)


(1) صفين 329 ، 330 (2) ساقطة من ب . (3) صفين : (أشد بديهة) . (4) صفين : (أنابت كتيبة) . (5) ململمة : مجتمعة . (6) صفين : (فقلنا ألا لا) . (*)

[ 231 ]

وقال شبث بن ربعى التميمي : وقفنا لديهم يوم صفين بالقنا لدن غدوة حتى هوت لغروب وولى ابن حرب والرماح تنوشه وقد أرضت الاسياف كل غضوب نجالدهم طورا وطورا نشلهم على كل محبوك السراة شبوب (1) فلم أر فرسانا أشد حفيظة إذا غشى الآفاق رهج جنوب (2) أكر وأحمى بالغطاريف والقنا وكل حديد الشفرتين قضوب (3) قال نصر : ثم ذهب هذا اليوم بما فيه ، فأصبحوا في اليوم التاسع من صفر ، وقد خطب معاوية أهل الشام وحرضهم ، فقال : إنه قد نزل بكم من الامر ما ترون ، وحضركم ما حضركم ، فإذا نهدتم إليهم إن شاء الله ، فقدموا الدارع ، وأخروا الحاسر ، وصفوا الخيل وأجنبوها ، وكونوا كقص الشارب ، وأعيرونا جماجمكم ساعة ، فإنما هو ظالم أو مظلوم وقد بلغ الحق مقطعه (4) . قال نصر : وروى الشعبى ، قال : قام معاوية فخطب الناس بصفين في هذا اليوم ، فقال : الحمد لله الذى دنا في علوه ، وعلا في دنوه ، وظهر وبطن ، وارتفع فوق كل ذى


(1) نشلهم : نطردهم ، وفى صفين : (نصدهم) . والسراة : الظهر . ومحبوك السراة : مدمجها . وبعده في صفين : بكل أسيل كالقراط إذا بدت لوائحها بين الكماة ، لعوب نجالد غسانا وتشقى بحربنا جذام ووتر العبد غير طلوب (2) كذا في ب ، وفى صفين ، (نفح جنوب) ، والرهج : الغبار . (3) ب : (عضوب) . (4) صفين 332 ، 333 (*)

[ 232 ]

منظر ، هو الاول والآخر ، والظاهر والباطن (1) ، يقضى فيفصل ، ويقدر فيغفر ، ويفعل ما يشاء ، إذا أراد أمرا أمضاه ، وإذا عزم على شئ قضاه ، لا يؤامر أحدا فيما يملك ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا . وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الارض ، ولف بيننا وبين أهل العراق ، فنحن من الله بمنظر ، وقد قال الله سبحانه : (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) (2) . انظروا يا أهل الشام ، إنكم غدا تلقون أهل العراق ، فكونوا على إحدى ثلاث خصال : إما أن تكونوا قوما طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم ، فأقبلوا من بلادهم ، حتى نزلوا في بيضتكم وإما أن تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم ، وإما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم وأبنائكم فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل ، أسال الله لنا ولكم النصر ، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق ، وهو خير الفاتحين . فقام ذو الكلاع فقال : يا معاوية : إنا نحن الصبر الكرام ، لا ننثني عند الخصام ، بنو الملوك العظام ، ذوى النهى والاحلام ، لا يقربون الآثام . فقال معاوية : صدقت (4) .


(1) صفين : (وارتفع فوق كل منظر أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا) . (2) سورة البقرة 253 (3) صفين : (إنما تلقون) . (4) صفين 333 ، 334 (*)

[ 233 ]

قال نصر : وكانت التعبية في هذا اليوم كالتعبية في الذى قبله ، وحمل عبيد الله بن عمر في قراء أهل الشام ، ومعه ذو الكلاع في حمير على ربيعة ، وهى في ميسرة على عليه السلام ، فقاتلوا قتالا شديدا ، فأتى زياد بن خصفة إلى عبد القيس ، فقال لهم : لا بكر بن وائل بعد اليوم ! إن ذا الكلاع وعبيد الله أبادا ربيعة فانهضوا لهم ، وإلا هلكوا ، فركبت عبد القيس ، وجاءت كأنها غمامة سوداء فشدت أزر الميسرة ، فعظم القتال ، فقتل ذو الكلاع الحميرى ، قتله رجل من بكر بن وائل ، اسمه خندف ، وتضعضعت أركان حمير ، وثبتت بعد قتل ذى الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر ، وأرسل عبيد الله إلى الحسن بن على عليه السلام : إن لى إليك حاجة فالقني ، فلقيه الحسن عليه السلام ، فقال له عبيد الله : إن أباك قد وتر قريشا أولا وآخرا ، وقد شنئه الناس ، فهل لك في خلعه وأن تتولى أنت هذا الامر ! فقال : كلا والله ، لا يكون ذلك ثم قال : يا بن الخطاب ، والله لكأنى أنظر إليك مقتولا في يومك أو غدك . أما إن الشيطان قد زين لك وخدعك ، حتى أخرجك مخلقا بالخلوق ، ترى نساء أهل الشام موقفك ، وسيصرعك الله ، ويبطحك لوجهك قتيلا . قال نصر : فو الله ما كان إلا بياض ذلك اليوم حتى قتل عبيد الله ، وهو في كتيبة رقطاء ، وكانت تدعى الخضرية ، كانوا أربعة آلاف ، عليهم ثياب خضر ، فمر الحسن عليه السلام ، فإذا رجل متوسد برجل قتيل ، قد ركز رمحه في عينه ، وربط فرسه برجله ، فقال الحسن عليه السلام لمن معه : انظروا من هذا ؟ فإذا رجل من همدان ، وإذا القتيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، قد قتله الهمداني في أول الليل ، وبات عليه حتى أصبح . قال نصر : وقد اختلف الرواة في قاتل عبيد الله ، فقالت همدان : نحن قتلناه ، قتله هانئ بن الخطاب الهمداني ، وركز رمحه في عينه ، وذكر الحديث . وقالت حضر موت : نحن قتلناه ، قتله مالك بن عمرو الحضرمي . وقالت بكر بن وائل : نحن قتلناه ، قتله محرز

[ 234 ]

ابن الصحصح من بنى تيم اللات بن ثعلبة ، وأخذ سيفه الوشاح (1) . فلما كان عام الجماعة طلب معاوية السيف من ربيعة الكوفة ، فقالوا : إنما قتله رجل من ربيعة البصرة يقال له محرز بن الصحصح ، فبعث إليه معاوية ، فأخذ السيف منه . قال نصر : وقد روى أن قاتله حريث بن جابر الحنفي ، وكان رئيس بنى حنيفة يوم صفين مع على عليه السلام ، حمل عبيد الله بن عمر على صف بنى حنيفة ، وهو يقول : أنا عبيد الله ينميني عمر خير قريش من مضى ومن غبر إلا رسول الله والشيخ الاغر قد أبطأت عن نصر عثمان مضر والربيعيون فلا أسقوا المطر وسارع الحى اليمانون الغرر * والخير في الناس قديما يبتدر * فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي ، وقال : قد سارعت في نصرها ربيعه في الحق والحق لها شريعه فاكفف فلست تارك الوقيعة في العصبة السامعة المطيعة * حتى تذوق كأسها الفظيعه * وطعنه فصرعه . قال نصر : فقال كعب بن جعيل التغلبي ، يرثى عبيد الله ، وكان كعب شاعر أهل الشام : ألا إنما تبكى العيون لفارس بصفين أجلت خيله وهو واقف تبدل من أسماء أسياف وائل وأى فتى لو أخطأته المتالف !


(1) صفين : (ذا الوشاح) . (*)

[ 235 ]

تركتم عبيد الله في القاع مسلما يمج دماء ، والعروق نوازف (1) ينوء وتغشاه شآبيب من دم كما لاح في جيب القميص الكفائف دعاهن فاستسمعن من أين صوته فأقبلن شتى والعيون ذوارف تحللن عنه زر درع حصينة وينكر منه بعد ذاك معارف (2) وقرت تميم سعدها وربابها وخالفت الخضراء فيمن يخالف وقد صبرت حول ابن عم محمد لدى الموت شهباء المناكب شارف بمرج ترى الرايات فيه كأنها إذا جنحت للطعن طير عواكف (3) فما برحوا حتى رأى الله صبرهم وحتى أسرت بالاكف المصاحف (4) جزى الله قتلانا بصفين خير ما أثيب عباد غادرتها المواقف قلت : هذا الشعر نظمه كعب بن جعيل بعد رفع المصاحف وتحكيم الحكمين يذكر فيه ما مضى لهم من الحرب على عادة شعراء العرب ، والضمير في قوله : * دعاهن فاستسمعن من أين صوته * يرجع إلى نساء عبيد الله ، وكانت تحته أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي ، وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني ، وكان عبيد الله قد أخرجهما معه إلى الحرب ذلك اليوم لينظرا إلى قتاله ، فوقفتا راجلتين ، وإلى أسماء بنت عطارد ، أشار كعب بن جعيل بقوله : * تبدل من أسماء أسياف وائل * والشعر يدل على أن ربيعة قتلته ، لا همدان ولا حضرموت . ويدل أيضا على ذلك ما رواه إبراهيم بن ديزيل الهمداني في كتاب صفين : قال شدت


(1) ب : (تركن عبيد الله) . وفى ج : (للعروق) . (2) هذا البيت وتاليه لم يذكرا في صفين (3) صفين : (اجتنحت) ، أي مالت (4) صفين : (حتى أتيحت) . (*)

[ 236 ]

ربيعة الكوفة ، وعليها زياد بن خصفة على عبيد الله بن عمر ذلك اليوم ، وكان معاوية قد أقرع بين الناس ، فخرج سهم عبيد الله بن عمر على ربيعة فقتلته ، فلما ضرب فسطاط زياد بن خصفة بقى طنب من الاطناب لم يجدوا له وتدا فشدوه برجل عبيد الله بن عمر ، وكان ناحية فجروه ، حتى ربطوا الطنب برجله ، وأقبلت امرأتاه حتى وقفتا عليه ، فبكتا عليه ، وصاحتا ، فخرج زياد بن خصفة فقيل له : هذه بحرية ابنة هانئ بن قبيصة الشيباني ابنة عمك ، فقال لها : ما حاجتك يا ابنة أخى ! قالت : تدفع زوجي إلى ، فقال : نعم خذيه ، فجئ ببغل فحملته عليه ، فذكروا أن يديه ورجليه خطتا بالارض عن ظهر البغل . قال نصر : ومما رثى به كعب بن جعيل عبيد الله بن عمر قوله : يقول عبيد الله لما بدت له سحابة موت تقطر الحتف والدما ألا يا لقومي اصبروا إن صبركم أعف وأحجى عفة وتكرما فلما تدانى القوم خر مجدلا صريعا تلاقى الترب كفيه والفما وخلف أطفالا يتامى أذلة وعرسا عليه تسكب الدمع أيما (1) حلالا لها الخطاب لا يمنعنهم وقد كان يحمى غيرة أن تكلما وقال الصلتان العبدى ، يذكر مقتل عبيد الله ، وأن حريث بن جابر الحنفي قتله : ألا يا عبيد الله ما زلت مولعا ببكر لها تهدى القرى والتهددا (2) وكنت سفيها قد تعودت عادة وكل امرئ جار على ما تعودا فأصبحت مسلوبا على شر آلة صريع القنا تحت العجاجة مفردا


(1) صفين : (وخلف عرسا) . (2) صفين : (تهدى اللغا) ، واللغا : الباطل . وبعده : كأن حماة الحى من بكر بن وائل بذى الرمث أسد قد تبو أن غرقدا (*)

[ 237 ]

تشق عليك جيبها ابنة هانئ مسلبة تبدى الشجا والتلددا (1) وكانت ترى ذا الامر قبل عيانه ولكن حكم الله أهدى لك الردى وقالت : عبيد الله لا تأت وائلا فقلت لها لا تعجلى وانظرى غدا فقد جاء ما قد مسها فتسلبت عليك ، وأمسى الجيب منها مقددا حباك أخو الهيجا حريث بن جابر بجياشة تحكى بها النهر مزبدا (2) كأن حماة الحى بكر بن وائل بذى الرمث أسد قد تبوأن غرقدا قال نصر : فأما ذو الكلاع فقد ذكرنا مقتله ، وأن قاتله خندف البكري (3) . وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، قال : لما حمل ذو الكلاع ذلك اليوم بالفيلق العظيم من حمير على صفوف أهل العراق ، ناداهم أبو شجاع الحميرى ، وكان من ذوى البصائر مع على عليه السلام ، فقال : يا معشر حمير ، تبت أيديكم ! أترون معاوية خيرا من على عليه السلام ! أضل الله سعيكم . ثم أنت يا ذا الكلاع قد كنا نرى أن لك نية في الدين ، فقال ذو الكلاع : إيها يا أبا شجاع ! والله إنى لاعلم ما معاوية بأفضل من على عليه السلام ولكني أقاتل على دم عثمان ، قال : فأصيب ذو الكلاع حينئذ ، قتله خندف بن بكر البكري في المعركة (4) . قال نصر : فحدثنا عمرو ، قال : حدثنا الحارث بن حصيرة أن ابن ذى الكلاع ،


(1) صفين : (تشق عليك الجيب) . والتلدد : التفلت حيرة وأسفا (2) صفين : * بجياشة تحكى الهدير المنددا * (3) صفين 337 ، 338 (4) صفين 340 (*)

[ 238 ]

أرسل إلى الاشعث بن قيس رسولا ، يسأله أن يسلم إليه جثة أبيه ، فقال الاشعث : إنى أخاف أن يتهمني أمير المؤمنين في أمره ، فاطلبه من سعيد بن قيس فهو في الميمنة ، فذهب إلى معاوية فاستأذنه أن يدخل إلى عسكر على عليه السلام ، يطلب أباه بين القتلى ، فقال له : إن عليا قد منع أن يدخل أحد منا إلى معسكره ، يخاف أن يفسد عليه جنده ، فخرج ابن ذى الكلاع ، فأرسل إلى سعيد بن قيس الهمداني يستأذنه في ذلك فقال سعيد : إنا لا نمنعك من دخول العسكر ، إن أمير المؤمنين لا يبالى من دخل منكم إلى معسكره ، فادخل ، فدخل من قبل الميمنة ، فطاف فلم يجده ، ثم أتى الميسرة فطاف فلم يجده ، ثم وجده وقد ربطت رجله بطنب من أطناب بعض فساطيط العسكر ، فجاء فوقف على باب الفسطاط ، فقال : السلام عليكم يا أهل البيت ، فقيل له : وعليك السلام ، فقال : أتأذنون لنا في طنب من أطناب فسطاطكم ؟ ومعه عبد أسود لم يكن معه غيره . فقالوا : قد أذنا لكم ، وقالوا له : معذرة إلى الله وإليكم ، أما إنه لو لا بغيه علينا (1) ما صنعنا به ما ترون ، فنزل ابنه إليه ، فوجده قد انتفخ - وكان من أعظم الناس خلقا - فلم يطق احتماله ، فقال : هل من فتى معوان ؟ فخرج إليه خندف البكري ، فقال : تنحوا عنه ، فقال ابنه : ومن الذى يحمله إذا تنحينا عنه ؟ قال : يحمله قاتله . فاحتمله خندف حتى رمى به على ظهر بغل ، ثم شده بالحبال ، فانطلقا (2) به . قال نصر : وقال معاوية لما قتل ذو الكلاع : لانا أشد فرحا بقتل ذى الكلاع منى بفتح مصر لو فتحتها . قال : لان ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها . قال نصر : فلما قتل ذو الكلاع ، اشتدت الحرب وشدت عك ولخم وجذام ، والاشعريون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق ، جعلهم معاوية بإزائهم ، ونادى منادى عك :


(1) ب : (على على) . (2) صفين : (فانطلقوا) (*)

[ 239 ]

ويل لام مذحج من عك لنتركن أمهم تبكى نقتلهم بالطعن ثم الصك بكل قرن باسل مصك * فلا رجال كرجال عك (1) * فنادى منادى مذحج ، يا لمذحج ! خدموا - أي اضربوا السوق مواضع الخدمة وهى الخلاخيل - فاعترضت مذحج سوق القوم ، فكان فيه بوار عامتهم ، ونادى منادى جذام حين طحنت رحا القوم ، وخاضت الخيل والرجال في الدماء . الله الله في جذام ، ألا تذكرون الارحام ، أفنيتم لخما الكرام ، والاشعرين وآل ذى حمام ، أين النهى والاحلام ، هذى النساء تبكى الاعلام . ونادى منادى عك : يا عك أين المفر ، اليوم تعلم ما الخبر ، لانكم قوم صبر ، كونوا كمجتمع المدر ، لا تشمتن بكم مضر ، حتى يحول ذا الخبر . ونادى منادى الاشعريين : يا مذحج من للنساء غدا ، إذا أفناكم الردى ، الله الله في الحرمات ، أما تذكرون نساءكم والبنات ، أما تذكرون فارس والروم والاتراك ، لقد أذن الله فيكم بالهلاك (2) . قال : والقوم ينحر بعضهم بعضا ويتكادمون بالافواه . قال نصر : وحدثني عمرو بن الزبير : لقد سمعت الحضين بن المنذر ، يقول : أعطاني


(1) صفين 340 (2) صفين 340 (*)

[ 240 ]

على عليه السلام ذلك اليوم راية ربيعة ، وقال : باسم الله سر يا حضين ، واعلم أنه لاتخفق على رأسك راية مثلها أبدا ، هذه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلى إلى الحضين ، وقال : هل لك أن تعطيني الراية أحملها لك ، فيكون لك ذكرها ، ويكون لى أجرها ! فقال الحضين : وما غناى يا عم عن أجرها مع ذكرها ؟ قال : إنه لا غنى بك عن ذلك ، ولكن أعرها عمك ساعة ، فما أسرع ما ترجع إليك ! قال الحضين : فقلت : إنه قد استقتل ، وإنه يريد أن يموت مجاهدا ، فقلت له : خذها ، فأخذها ثم قال لاصحابه : إن عمل الجنة كره كله وثقيل ، وإن عمل النار خف كله وخبيث ، إن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره ، وليس شئ مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد ، هو أفضل الاعمال ثوابا عند الله ، فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا ، ويحكم ! أما تشتاقون إلى الجنة ! أما تحبون أن يغفر الله لكم ! فشد وشدوا معه ، فقاتلوا قتالا شديدا ، فقتل أبو عرفاء رحمه الله تعالى ، وشدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام ، فنقضتها . وقال مجزأة بن ثور : أضربهم ولا أرى معاويه الابرج العين العظيم الحاويه (1) هوت به في النار أم هاويه جاوره فيها كلاب عاويه إغوى طغاما لا هدته هاديه قال نصر : وكان حريث بن جابر يومئذ نازلا بين الصفين في قبة له حمراء ، يسقى أهل العراق اللبن والماء والسويق ، ويطعمهم اللحم والثريد ، فمن شاء أكل ، ومن شاء شرب ، ففى ذلك يقول شاعرهم : فلو كان بالدهنا حريث بن جابر لاصبح بحرا بالمفازة جاريا


(1) البرج : سعة العين ، والحاوية : المعى . (*)

[ 241 ]

قلت : هذا حريث بن جابر ، هو الذى كتب معاوية إلى زياد في أمره بعد عام الجماعة - وحريث عامل لزياد على همدان - أما بعد ، فأعزل حريث بن جابر عن عمله ، فما ذكرت مواقفه بصفين إلا كانت حزازة في صدري . فكتب إليه زياد : خفض عليك يا أمير المؤمنين ، فإن حريثا قد بلغ من الشرف مبلغا لا تزيده الولاية ، ولا ينقصه العزل . قال نصر : فاضطرب الناس يومئذ بالسيوف حتى تقطعت وتكسرت ، وصارت كالمناجل ، وتطاعنوا بالرماح حتى تقصفت (1) وتناثرت أسنتها ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب ، يحثو بعضهم التراب في وجه بعض ، ثم تعانقوا وتكادموا بالافواه ، ثم تراموا بالصخر والحجارة ثم تحاجزوا ، فكان الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام ، فيقول : كيف آخذ إلى رايات بنى فلان ؟ فيقولون : هاهنا لا هداك الله ، ويمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق ، فيقول : كيف آخذ إلى راية بنى فلان ؟ فيقولون : هاهنا لا حفظك الله ولا عافاك (2) . قال نصر : وقال معاوية لعمرو بن العاص : أما ترى يا أبا عبد الله إلى ما قد دفعنا ، كيف ترى أهل العراق غدا صانعين ! إنا لبمعرض خطر عظيم . فقال له : إن أصبحت غدا ربيعة وهم متعطفون حول على عليه السلام تعطف الابل حول فحلها ، لقيت منهم جلادا صادقا ، وبأسا شديدا ، وكانت التى لا يتعزى (3) لها . فقال معاوية : أيجوز أنك تخوفنا يا أبا عبد الله ؟ قال : إنك سألتنى فأجبتك . فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقه بعلى عليه السلام إحداق بياض العين بسوادها (4) .


(1) ا * ج : (تقصدت ، وفى صفين : تكسرت) . (2) صفين 342 ، 343 (3) ا : (بعرض) . (4) صفين 344 . (16 - نهج - 5) (*)

[ 242 ]

قال نصر : فحدثني عمرو قال : لما أصبح على عليه السلام ، هذا اليوم ، جاء فوقف بين رايات ربيعة ، فقال عتاب بن لقيط البكري ، من بنى قيس بن ثعلبة : يا معشر ربيعة ، حاموا عن على منذ اليوم ، فإن أصيب فيكم افتضحتم ، ألا ترونه قائما تحت راياتكم ! وقال لهم شقيق بن ثور : يا معشر ربيعة ، ليس لكم عذر عند العرب إن وصل إلى على وفيكم رجل حى . فامنعوه اليوم ، واصدقوا عدوكم اللقاء ، فإنه حمد الحياة تكسبونه . فتعاهدت ربيعة وتحالفت بالايمان العظيمة منها ، تبايع سبعة آلاف على ألا ينظر رجل منهم خلفه ، حتى يردوا سرادق معاوية ، فقاتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا لم يكن قبله مثله ، وأقبلوا نحو سرادق معاوية ، فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال : إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت كتائب منها كالجبال تجالد ثم قال لعمرو : يا عمرو ، ما ترى ؟ قال : أرى ألا تحنث أخوالى اليوم . فقام معاوية وخلى لهم سرادقه ورحله وخرج فارا عنه ، لائذا ببعض مضارب العسكر (1) في أخريات الناس ، فدخله وانتهبت ربيعة سرادقه ورحله ، وبعث إلى خالد بن المعمر : إنك قد ظفرت ، ولك إمرة خراسان إن لم تتم . فقطع خالد القتال ولم يتمه ، وقال لربيعة : قد برت أيمانكم ، فحسبكم ، فلما كان عام الجماعة ، وبايع الناس معاوية ، أمره معاوية على خراسان ، وبعثه إليها ، فمات قبل أن يبلغها (2) . قال نصر : في حديث عمرو بن سعد : إن عليا عليه السلام صلى بهم هذا اليوم صلاة الغداة ، ثم زحف بهم ، فلما أبصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم ، فاقتتلوا قتالا شديدا . ثم إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق ، فاقتطعوا من أصحاب على عليه السلام ألف رجل أو أكثر ، فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم ، فنادى


(1) ب : (أهل الشام) ، وما أثبته من ، ا ، ب ، صفين (2) صفين 344 ، 346 ، وهناك : (فمات قبل أن يصل إليها) . (*)

[ 243 ]

على عليه السلام يومئذ : ألا رجل يشرى نفسه لله ويبيع دنياه بآخرته ! فأتاه رجل من جعف ، يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم ، كأنه غراب مقنع في الحديد ، لا يرى منه إلا عيناه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مرنى بأمرك ، فو الله لا تأمرني بشئ إلا صنعته ، فقال على عليه السلام : سمحت بأمر لا يطاق حفيظة وصدقا وإخوان الوفاء قليل جزاك إله الناس خيرا فإنه لعمرك فضل ما هناك جزيل (1) يا أبا الحارث ، شد الله ركنك ، احمل على أهل الشام ، حتى تأتى أصحابك فتقول لهم : إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ، ويقول لكم : هللوا وكبروا من ناحيتكم ، ونهلل نحن ونكبر من هاهنا ، واحملوا من جانبكم ، ونحمل نحن من جانبنا على أهل الشام . فضرب الجعفي فرسه ، حتى إذا أقامه على أطراف سنابكه ، حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب على عليه السلام فطاعنهم ساعة ، وقاتلهم . فأفرجوا له حتى خلص إلى أصحابه ، فلما رأوه استبشروا به ، وفرحوا ، وقالوا : ما فعل أمير المؤمنين ؟ قال : صالح ، يقرئكم السلام ويقول لكم : هللوا وكبروا واحملوا حملة شديدة من جانبكم ، ونهلل نحن ونكبر ونحمل من جانبنا . ففعلوا ما أمرهم به ، وهللوا وكبروا ، وهلل على عليه السلام وكبر هو وأصحابه ، وحمل على أهل الشام وحملوا هم من وسط أهل الشام ، فانفرج القوم عنهم وخرجوا ، وما أصيب منهم رجل واحد ولقد قتل من فرسان الشام يومئذ زهاء سبعمائة إنسان . قال على عليه السلام : من أعظم الناس اليوم غناء ؟ فقالوا : أنت يا أمير المؤمنين ، فقال : كلا ، ولكنه الجعفي .


(1) صفين : * يداك بفضل ما هناك جزيل * وعلى هذه الرواية يكون في البيت إقواء . (*)

[ 244 ]

قال نصر : وكان على عليه السلام لا يعدل بربيعة أحدا من الناس ، فشق ذلك على مضر ، وأظهروا لهم القبيح وأبدوا ذات أنفسهم ، فقال الحضين بن المنذر الرقاشى شعرا أغضبهم به ، من جملته (1) : أرى مضرا صارت ربيعة دونها شعار أمير المؤمنين ، وذا الفضل فأبدوا لنا مما تجن صدورهم هو السوء والبغضاء والحقد والغل (2) فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا ولن تلحقونا الدهر ما حنت الابل فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانى ، وعمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي ، وقبيصة بن جابر الاسدي ، وعبد الله بن الطفيل العامري ، في وجوه قبائلهم ، فأتوا عليا عليه السلام ، فتكلم أبو الطفيل ، فقال : إنا والله يا أمير المؤمنين ما نحسد (3) قوما خصهم الله منك بخير ، وإن هذا الحى من ربيعة ، قد ظنوا أنهم أولى بك منا فأعفهم عن القتال أياما ، واجعل لكل امرئ منا يوما يقاتل فيه ، فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا فقال على عليه السلام : نعم أعطيكم ما طلبتم ، وأمر ربيعة أن تكف عن القتال ، وكانت بإزاء اليمن من صفوف أهل الشام ، فغدا أبو الطفيل عامر بن واثلة في قومه من كنانة ، وهم جماعة عظيمة فتقدم إمام الخيل ، ويقول : طاعنوا وضاربوا ثم حمل وارتجز ، فقال : قد ضاربت في حربها كنانه (4) والله يجزيها به جنانه من أفرغ الصبر عليه زانه أو غلب الجبن عليه شانه أو كفر الله فقد أهانه غدا يعض من عصى بنانه


(1) صفين : (فيه) (2) الرواية في صفين : فأبدوا إلينا ما تجن صدورهم علينا من البغضا وذاك له أصل (3) ب : (نجد) ، تصحيف ، وصوابه في ج وصفين . (4) صفين : (فقد صابرت) . (*)

[ 245 ]

فاقتتلوا قتالا شديدا . ثم انصرف أبو الطفيل إلى على عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك أنبأتنا أن أشرف القتل الشهادة ، وأحظى الامر الصبر ، وقد والله صبرنا حتى أصبنا ، فقتيلنا شهيد ، وحينا سعيد (1) ، فليطلب من بقى ثأر من مضى ، فإنا وإن كنا قد ذهب صفونا ، وبقى كدرنا ، فإن لنا دينا لا يميل به الهوى ، ويقينا لا تزحمه الشبهة . فأثنى على عليه السلام عليه خيرا . ثم غدا في اليوم الثاني عمير بن عطارد بجماعة من بنى تميم ، وهو يومئذ سيد مضر الكوفة ، فقال : يا قوم ، إنى أتبع آثار أبى الطفيل ، فاتبعوا آثار كنانة ، ثم قدم رايته وارتجز فقال : قد ضاربت في حربها تميم إن تميما خطبها عظيم (2) لها حديث ولها قديم إن الكريم نسله كريم دين قويم وهوى سليم إن لم تردهم رايتى فلوموا (3) ثم طعن برايته حتى خضبها ، وقاتل أصحابه قتالا شديدا ، حتى أمسوا ، وانصرف عمير إلى على عليه السلام ، وعليه سلاحه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد كان ظنى بالناس حسنا ، وقد رأيت منهم فوق ظنى بهم ، قاتلوا من كل جهة وبلغوا من عفوهم جهد عدوهم ، وهم لهم إن شاء الله . ثم غدا في اليوم الثالث قبيصة بن جابر الاسدي في بنى أسد ، وقال لاصحابه : يا بنى أسد ، أما أنا فلا أقصر دون صاحبي ، وأما أنتم فذاك إليكم ثم تقدم برايته وقال : قد حافظت في حربها بنو أسد ما مثلها تحت العجاج من أحد


(1) صفين : (ثائر) (2) ب : (حظها) ، وما أثبته من ا ، ج ، وصفين . (3) صفين : (إن لم تزرهم) . (*)

[ 246 ]

أقرب من يمن وأنأى من نكد كأننا ركنا ثبير أو أحد لسنا بأوباش ولا بيض البلد لكننا المحة من ولد معد (1) فقاتل القوم إلى أن دخل الليل ، ثم انصرفوا ثم غدا في اليوم الرابع عبد الله بن الطفيل االعامرى في جماعة هوازن ، فحارب بهم حتى الليل ثم انصرفوا . قال نصر : فانتصفوا المضرية من الربيعية وظهر أثرها وعرف بلاؤها ، وقال أبو الطفيل : حامت كنانة في حربها وحامت تميم وحامت أسد وحامت هوازن يوم اللقا فما خام منا ومنهم أحد لقينا الفوارس يوم الخميس والعيد والسبت ثم الاحد لقينا قبائل أنسابهم إلى حضر موت وأهل الجند (2) فأمدادهم خلف آذانهم وليس لنا من سوانا مدد فلما تنادوا بآبائهم دعونا معدا ونعم المعد فظلنا نفلق هاماتهم ولم نك فيها ببيض البلد ونعم الفوارس يوم اللقاء فقل في عديد وقل في عدد وقل في طعان كفرغ الدلاء وضرب عظيم كنار الوقد (3) ولكن عصفنا بهم عصفة وفى الحرب يمن وفيها نكد طحنا الفوارس وسط العجاج وسقنا الزعانف سوق النقد (4)


(1) المحة : الشئ الخالص ، وبعده في صفين : كنت ترانا في العجاج كلاسد ياليت روحي قد نأى عن الجسد (2) الجند : إحدى الولايات بأرض اليمن . (3) الفرغ : جمع فراغ ، وهو مصب الدلو ، وسكنت الراء لضرورة الشعر . (4) الزعانف : الجماعات ، والنقد هنا : الغنم (*)

[ 247 ]

وقلنا على لنا والد ونحن له طاعة كالولد (1) قال نصر : وحدثنا عمرو ، عن الاشعث بن سويد ، عن كردوس ، قال : كتب عقبة بن مسعود عامل على على الكوفة إلى سليمان بن صرد الخزاعى ، وهو مع على بصفين : أما بعد ، فإنهم (إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) (2) فعليك بالجهاد والصبر مع أمير المؤمنين . والسلام (3) . قال نصر : وحدثنا عمرو بن سعد ، وعمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبى جعفر ، قال : قام على عليه السلام فخطب الناس بصفين ، فقال : الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق ، من البر والفاجر ، وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه فيهم ومن عصاه ، إن يرحم (4) فبفضله ومنه ، وإن عذب فبما كسبت أيديهم ، وإن الله ليس بظلام للعبيد . أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة ، وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا . ثم إنى أشهد (5) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ارتضاه لذلك ، وكان أهله ، واصطفاه لتبليغ رسالته ، وجعله رحمة منه على خلقه ، فكان علمه (6) فيه رؤوفا


(1) صفين 352 ، 354 (2) سورة الكهف 20 (3) صفين 354 : (والسلام عليك) . (4) صفين : (رحم) . (5) صفين (وأشهد)) . (6) صفين : (كعلمه) (*)

[ 248 ]

رحيما ، أكرم خلق الله حسبا ، وأجملهم (1) منظرا ، وأسخاهم نفسا ، وأبرهم لوالد ، وأوصلهم لرحم ، وأفضلهم علما ، وأثقلهم حلما ، وأوفاهم لعهد ، وآمنهم على عقد ، لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط ، بل كان يظلم فيغفر ، ويقدر فيصفح حتى مضى صلى الله عليه وسلم مطيعا لله صابرا على ما أصابه ، مجاهدا في الله حق جهاده ، حتى أتاه اليقين ، صلى الله عليه وسلم ، فكان ذهابه أعظم المصيبة على أهل الارض : البر والفاجر ، ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله ، وينهاكم عن معصيته ، وقد عهد إلى رسول الله عهدا فلست أحيد عنه ، وقد حضرتم عدوكم ، وعلمتم أن (2) رئيسهم منافق ، يدعوهم إلى النار ، وابن عم نبيكم معكم ، وبين أظهركم ، يدعوكم إلى الجنة وإلى طاعة ربكم ، والعمل بسنة نبيكم ، ولا سواء من صلى قبل كل ذكر ، لم يسبقنى بصلاة مع رسول الله أحد ، وأنا من أهل بدر ، ومعاوية طليق [ وابن طليق ] (3) . والله إنا على الحق وإنهم على الباطل ، فلا (4 يجتمعن على باطلهم وتتفرقوا عن حقكم 4) حتى يغلب باطلهم حقكم ، (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) (5) ، فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدى غيركم . فقام (6) أصحابه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، انهض بنا إلى عدونا وعدوك إذا شئت ، فو الله ما نريد بك بدلا ، بل نموت معك ، ونحيا معك . فقال لهم : والذى نفسي بيده ، لنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أضرب بين (7) يديه بسيفي هذا ، فقال : (لا سيف إلا ذالفقار ولا فتى إلا على) ، وقال لى : (يا على أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى ،


(1) صفين : (وأجمله) ، وكذلك سائر الضمائر إلى : (وآمنهم على عقد) . (2) صفين : (من رئيسهم) . (3) من صفين (4 - 4) صفين : (فلا يكونن القوم على باطلهم اجتمعوا عليه ، وتفرقون عن حقكم) . (5) سورة التوبة 14 (6) صفين : (فأجابه أصحابه) . (7) صفين : (قدامه) . (*)

[ 249 ]

وموتك وحياتك يا على معى) ، والله ما كذب ولا كذبت ، ولا ضل ولا ضللت ولا ضل بى ولا نسيت ما عهد إلى ، وإنى على بينة من ربى وعلى الطريق الواضح ، ألفظه لفظا . ثم نهض إلى القوم ، فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق الاحمر ، وما كانت صلاة القوم في ذلك اليوم إلا تكبيرا (1) . قال : وحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبى ، عن صعصعة بن صوحان ، قال : برز في بعض أيام صفين رجل من حمير ، من آل ذى يزن ، اسمه كريب (2) بن الصباح ، ليس في الشام يومئذ رجل أشهر بالبأس والنجدة منه ، فنادى : من يبارز ؟ فخرج إليه المرتفع ابن الوضاح الزبيدى ، فقتله ، ثم نادى : من يبارز ؟ فخرج إليه الحارث بن الجلاح ، فقتله ، ثم نادى : من يبارز ؟ فخرج إليه عابد (3) بن مسروق الهمداني فقتله ، ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ، وقام عليها بغيا واعتداء ، ونادى : من يبارز ؟ فخرج إليه على ، وناداه : ويحك ! يا كريب ، إنى أحذرك الله وبأسه ونقمته ، وأدعوك إلى سنة الله وسنة رسوله ، ويحك ! لا يدخلنك معاوية النار ، فكان جوابه له أن قال : ما أكثر ما قد سمعت منك هذه المقالة ! ولا حاجة لنا فيها ، أقدم إذا شئت ، من يشترى سيفى وهذا أثره ؟ فقال على : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلا يشحط (4) في دمه ، ثم نادى : من يبرز ؟ فبرز إليه الحارث ابن وداعة الحميرى ، فقتله ، ثم نادى : من يبرز ؟ فبرز إليه المطاع بن مطلب العنسى (5) ،


(1) صفين 355 ، 356 (2) في الاصول : (كريث) * وما أثبته من صفين . (3) صفين : (عائذ) (4) يشحط ، بالبناء للمجهول : يتضرج بالدم ، وفى صفين : (يتشحط) . (5) صفين : (القينى) . (*)

[ 250 ]

فقتله ، ثم نادى : من يبرز ؟ فلم يبرز إليه أحد ، فنادى : [ يا معشر المسلمين ] (1) ، (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) (2) . ويحك ، يا معاوية ! هلم إلى فبارزني ، ولا يقتلن الناس فيما بيننا ! فقال عمرو بن العاص : اغتنمه منتهزا ، قد قتل ثلاثة من (3) أبطال العرب وإنى أطمع أن يظفرك الله به . فقال معاوية : والله لن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدى ، أذهب إليك عنى ، فليس مثلى يخدع (4) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنا خالد بن عبد الواحد الجريرى (5) ، قال : حدثنى من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين ، وهو يحرض أهل الشام ، وقد كان منحنيا على قوس ، فقال : الحمد لله العظيم في شأنه ، القوى في سلطانه ، العلى في مكانه ، الواضح في برهانه ، أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، في كل رزية (6) من بلاء ، أو شدة أو رخاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من اشتعال نيرانها ، واضطراب حبلها ، ووقوع بأسها بينها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين ! أو لا تعلمون أن صلاتنا وصلاتهم وصيامنا وصيامهم ، وحجنا وحجهم ، وقتلنا وقتلهم ،


(1) من صفين . (2) سورة البقرة 194 (3) ساقطة من ب (4) صفين 356 - 358 (5) صفين : (الجزرى) ، وفى ج : (الحريري) . (6) صفين : (لزبة) . (*)

[ 251 ]

وديننا ودينهم واحد ، ولكن الاهواء مختلفة (1) ، اللهم أصلح هذه الامة بما أصلحت به أولها ، واحفظ (2) في ما بينها ، مع أن القوم قد وطئوا بلادكم ، ، ونعوا عليكم ، فجدوا في قتال عدوكم ، واستعينوا بالله ربكم ، وحافظوا على حرماتكم . ثم جلس . قال نصر : وخطب عبد الله بن العباس أهل العراق ، يومئذ فقال : الحمد لله رب العالمين ، الذى دحا تحتنا سبعا ، وسمك (3) فوقنا سبعا ، وخلق فيما بينهن خلقا ، وأنزل لنا منهن رزقا ، ثم جعل كل شئ قدرا يبلى ويفنى غير وجهه الحى القيوم ، الذى يحيا ويبقى . إن الله تعالى بعث أنبياء ورسلا ، فجعلهم حججا على عباده ، عذرا أو نذرا ، لا يطاع إلا بعلمه وإذنه ، يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ، ثم يثيب عليها ، ويعصى بعلم منه ، فيعفو ويغفر بحلمه ، لا يقدر قدره ، ولا يبلغ شئ مكانه ، أحصى كل شئ عددا ، وأحاط بكل شئ علما . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، إمام الهدى ، والنبى المصطفى ، وقد ساقنا قدر الله إلى ما ترون ، حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الامة ، وانتشر من أمرها ، أن معاوية بن أبى سفيان (4) ، وجد من طغام الناس أعوانا ، على على ابن عم رسول الله وصهره ، وأول ذكر صلى معه ، بدرى ، قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مشاهده التى فيها الفضل (5 ومعاوية مشرك ، كان يعبد الاصنام ، والذى ملك الملك وحده ، وبان به وكان أهله 5) ، لقد قاتل على بن أبى طالب مع رسول الله ، وهو يقول : صدق الله ورسوله ، ومعاوية يقول : كذب الله ورسوله ، فعليكم بتقوى الله ، والجد والحزم والصبر ، والله إنا لنعلم


(1) صفين : (متشتتة) (2) صفين : (واحفظ فيها بنيها) . (3) سمك : رفع . (4) صفين : (ابن آكلة الاكباد) . (5 - 5) صفين : (ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الاصنام ، واعلموا والله الذى ملك الملك وحده ، فبان به وكان أهله) . (*)

[ 252 ]

إنكم لعلى حق ، وإن القوم لعلى باطل ، فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم ، وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدى غيركم ، اللهم أعنا ، ولا تخذلنا ، وانصرنا على عدونا ، ولا تحل (1) عنا ، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الفاتحين (2) . قال نصر : وحدثنا عمرو ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن جندب ، عن جندب بن عبد الله ، قال : قام عمار يوم صفين ، فقال : انهضوا (3) معى عباد الله ، إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم ، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان ، الآمرون بالاحسان ، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ، ولو درس هذا الدين : لم قتلتموه ؟ فقلنا : لاحداثه ، فقالوا إنه لم يحدث شيئا . وذلك لانه مكنهم من الدنيا ، فهم يأكلونها ويرعونها ، ولا يبالون لو انهدمت (4) الجبال ، والله ما أظنهم يطلبون بدم (5) ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها (6) ، واستمروها ، وعلموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها . إن القوم لم يكن لهم سابقة في الاسلام يستحقون بها الطاعة والولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوما ، ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا ، تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ، ولولاها ما بايعهم من الناس رجل (7) ، اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت ، وإن تجعل


(1) صفين ، (ولا تخل عنا) . (2) صفين 359 ، 360 (3) صفين : (امضوا) . (4) صفين : (لو انهدت) . (5) صفين : (بدمه) . (6) صفين : (فاستحلوها) . (7) صفين : (رجلان) . (*)

[ 253 ]

لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الاليم . ثم مضى ، ومضى معه أصحابه ، فدنا من عمرو بن العاص ، فقال : يا عمرو ، بعت دينك بمصر ! فتبا لك ! وطالما بغيت للاسلام عوجا (1) . ثم قال : اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسى في هذا البحر ، لفعلت . اللهم ، إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك أن أضع ظبة سيفى في بطني ثم أنحنى عليه ، حتى يخرج من ظهرى لفعلت ، اللهم إنى أعلم مما علمتني أنى لا أعمل عملا صالحا هذا اليوم ، هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ولو أعلم اليوم عملا هو أرضى لك منه لفعلته (2) . قال نصر : وحدثني عمرو بن سعيد ، عن الشعبى ، قال : نادى عمار عبد الله بن عمرو ابن العاص ، فقال له : بعت دينك بالدنيا من عدو الله ، وعدو الاسلام معاوية ، وطلبت هوى أبيك الفاسق ، فقال : لا ، ولكني أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم ، قال : كلا ، أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله ، وأنك إن لم تقتل


(1) في صفين بعدها : ثم حمل عمار وهو يقول : صدق الله وهو للصدق أهل وتعالى ربى وكان جليلا رب عجل لى شهادة بقتل في الذى قد أحب قتلا جميلا مقبلا غير مدبر إن للقتل على كل ميتة تفضيلا إنهم عند ربهم في جنان يشربون الرحيق والسلسبيلا من شراب الابرار خالطه المسك وكأسا مزاجها زنجبيلا (2) صفين 361 - 363 (*)

[ 254 ]

اليوم فستموت غدا ، فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ، ما نيتك ! وروى ابن ديزيل في كتاب صفين ، عن صيف الضبى ، قال : سمعت الصعب بن حكيم ابن شريك بن نملة المحاربي يروى عن أبيه عن جده شريك ، قال : كان الناس من أهل العراق وأهل الشام يقتتلون أيام صفين ، ويتزايلون فلا يستطيع الرجل أن يرجع إلى مكانه حتى يسفر الغبار عنه ، فاقتتلوا يوما ، وتزايلوا وأسفر الغبار ، فإذا على تحت رايتنا - يعنى بنى محارب - فقال : هل من ماء ؟ فأتيته ، بإداوة فخنثتها له ليشرب ، فقال : لا ، إنا نهينا أن نشرب من أفواه الاسقية . ثم علق سيفه ، وإنه لمخضب بالدم من ظبته إلى قائمه ، فصببت له على يديه فغسلهما حتى أنقاهما ، ثم شرب بيديه حتى إذا روى رفع رأسه ، ثم قال : أين مضر ؟ فقلت : أنت فيهم يا أمير المؤمنين ، فقال : من أنتم بارك الله فيكم ؟ فقلنا : نحن بنو محارب ، فعرف موقفه ، ثم رجع إلى موضعه . قلت : خنثت الاداوة إذا ثنيت فاها إلى خارج ، وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن اختناث الاسقية ، لان رجلا اختنث سقاء ، فشرب ، فدخل إلى جوفه حية كانت في السقاء . قال ابن ديزيل : وروى إسماعيل بن أبى أويس ، قال : حدثنى عبد الملك بن قدامة ابن إبراهيم بن حاطب الجمحى ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمرو ابن العاص ، قال : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم ومواثيقهم ، وكانوا هكذا ؟ فخالف بين أصابعه - فقلت : تأمرني بأمرك يا رسول الله ، قال : تأخذ مما تعرف ، وتدع ما تنكر ، وتعمل بخاصة نفسك ، وتدع الناس وهوام أمرهم . قال : فلما كان يوم صفين ، قال له أبوه عمرو بن العاص : يا عبد الله ، اخرج فقاتل ، فقال :

[ 255 ]

يا أبتاه ، أتأمرني أن أخرج فأقاتل ، وقد سمعت ما سمعت يوم عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عهد ! فقال : أنشدك الله يا عبد الله ، ألم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخذ بيدك فوضعها في يدى ، فقال : أطع أباك ! فقال : اللهم بلى ، قال : فإنى أعزم عليك أن تخرج فتقاتل ، فخرج عبد الله بن عمرو فقاتل يومئذ متقلدا سيفين . وقال : إن من شعر عبد الله بن عمرو بعد ذلك يذكر عليا بصفين : فلو شهدت جمل مقامي ومشهدي بصفين يوما شاب منها الذوائب عشية جا أهل العراق كأنهم سحاب ربيع رفعته الجنائب إذا قلت قد ولت سراعا بدت لنا كتائب منهم وارحجنت كتائب وجئناهم فرادى كأن صفوفنا من البحر مد موجه متراكب (1) فدارت رحانا واستدارت رحاهم سراة النهار ما تولى المناكب فقالوا لنا : إنا نرى أن تبايعوا فقلنا بلى إنا نرى أن تضاربوا وروى ابن ديزيل ، عن يحيى بن سليمان الجعفي ، قال : حدثنا مسهر بن عبد الملك ابن سلع الهمداني ، قال : حدثنى أبى عن عبد خير الهمداني ، قال : كنت أنا وعبد خير في سفر ، قلت : يا أبا عمارة ، حدثنى عن بعض ما كنتم فيه بصفين ، فقال لى : يا بن أخى ، وما سؤالك ؟ فقلت : أحببت أن أسمع منك شيئا ، فقال : يا بن أخى ، إنا كنا لنصلي الفجر ، فنصف ويصف أهل الشام ، ونشرع الرماح إليهم ويشرعون بها نحونا ، أما لو دخلت تحتها لاظلتك ، والله يا بن أخى ، إن كنا لنقف ويقفون في الحرب لا نفتر ولا يفترون ، حتى نصلى


(1) كذا ورد هذا البيت وما بعده في الاصول . (*)

[ 256 ]

العشاء الآخرة ، ما يعرف الرجل منا طول ذلك اليوم من عن يمينه ولا من عن يساره ، من شدة الظلمة والنقع إلا بقرع الحديد بعضه على بعض ، فيبرز منه شعاع كشعاع الشمس ، فيعرف الرجل من عن يمينه ومن عن يساره ، حتى إذا صلينا العشاء الآخرة جررنا قتلانا إلينا فتوسدناهم حتى نصبح ، وجروا قتلاهم فتوسدوهم حتى يصبحوا . قال : قلت له يا أبا عمارة ، هذا والله الصبر . وروى ابن ديزيل ، قال : كان عمرو بن العاص إذا مر عليه رجل من أصحاب على فسأل عنه ، فأخبر به ، فقال : يرى على ومعاوية أنهما بريئان من دم هذا . قال ابن ديزيل : وروى ابن وهب ، عن مالك بن أنس ، قال : جلس عمرو ابن العاص بصفين ، في رواق . وكان أهل العراق يدفنون قتلاهم ، وأهل الشام يجعلون قتلاهم في العباء والاكسية يحملونهم فيها إلى مدافنهم ، فكلما مر عليه برجل ، قال : من هذا ؟ فيقال : فلان ، فقال عمرو : كم من رجل أحسن في الله ، عظيم الحال ، لم ينج من قتله فلان وفلان ! قال : يعنى عليا ومعاوية . قلت : ليت شعرى ! لم برأ نفسه ، وكان رأسا في الفتنة ! بل لولاه لم تكن ، ولكن الله تعالى أنطقه بهذا الكلام وأشباهه ، ليظهر بذلك شكه ، وأنه لم يكن على بصيرة من أمره . وروى نصر بن مزاحم ، قال : حدثنى يحيى بن يعلى ، قال : حدثنى صباح المزني ، عن الحارث بن حصن ، عن زيد بن أبى رجاء ، عن أسماء بن حكيم الفزارى ، قال : كنا بصفين مع على ، تحت راية عمار بن ياسر ، ارتفاع الضحى ، وقد استظللنا برداء أحمر ، إذ أقبل رجل يستقرى الصف حتى انتهى إلينا ، فقال : أيكم عمار بن ياسر ، فقال عمار : أنا عمار ، قال : أبو اليقظان ؟ قال : نعم ، قال : إن لى إليك حاجة أفأنطق بها

[ 257 ]

سرا أو علانية ؟ قال : اختر لنفسك ، أيهما شئت ، قال : لا بل علانية ، قال : فانطق ، قال : إنى خرجت من أهلى مستبصرا في الحق الذى نحن عليه ، لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم ، وأنهم على الباطل ، فلم أزل على ذلك مستبصرا ، حتى ليلتى هذه ، فإنى رأيت في منامي مناديا تقدم ، فأذن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونادى (1) بالصلاة ، ونادى مناديهم مثل ذلك ، ثم أقيمت الصلاة ، فصلينا صلاة واحدة ، وتلونا كتابا واحدا ، ودعونا دعوة واحدة ، فأدركني الشك في ليلتى هذه فبت بليلة لا يعلمها إلا الله تعالى ، حتى أصبحت ، فأتيت أمير المؤمنين ، فذكرت ذلك له فقال : هل لقيت عمار بن ياسر ! قلت : لا ، قال : فالقه ، فانظر ماذا يقول لك عمار ، فاتبعه ، فجئتك لذلك ، فقال عمار : تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة (2) لى ! فإنها راية عمرو ابن العاص ، قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، وهذه الرابعة فما هي بخيرهن ، ولا أبرهن ، بل هي شرهن وأفجرهن . أشهدت بدرا وأحدا ويوم (3) حنين ، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها ؟ قال : لا ، قال : فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ، ويوم أحد ويوم حنين ، وإن مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الاحزاب ، فهل ترى هذا العسكر ومن فيه ! والله لوددت أن جميع من فيه ممن أقبل مع معاوية يريد قتالنا ، مفارقا للذى نحن عليه ، كانوا خلقا واحدا ، فقطعته وذبحته . والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور ، أفترى دم عصفور حراما ؟ قال : لا بل حلال ، قال : فإنهم حلال كذلك ، أتراني بينت لك ؟ قال : قد بينت لى ، قال : فاختر أي ذلك أحببت .


(1) صفين : (فنادى) (2) صفين : (المقابلتى) . (3) صفين : (وخيلنا) . (17 - نهج - 5) (*)

[ 258 ]

فانصرف الرجل ، فدعاه عمار ثم قال : أما إنهم سيضربونكم بأسيافهم (1) حتى يرتاب المبطلون منكم ، فيقولوا : لو لم يكونوا على حق ما أظهروا علينا ، والله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب ، والله لو ضربونا بأسيافهم ، حتى يبلغونا سعفات هجر (2) لعلمنا أنا على حق ، وأنهم على باطل (3) . قال نصر : وحدثنا يحيى بن يعلى ، عن الاصبغ بن نباتة ، قال : جاء رجل إلى على ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم ، الدعوة واحدة والرسول واحد ، والصلاة واحدة ، والحج واحد ، فماذا نسميهم ؟ قال : سمهم بما سماهم الله في كتابه ، قال : ما كل ما في الكتاب أعلمه ، قال : أما سمعت الله تعالى يقول : (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) إلى قوله : (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) (4) ! فلما وقع الاختلاف ، كنا نحن أولى بالله ، وبالكتاب وبالنبى ، وبالحق فنحن الذين آمنوا ، وهم الذين كفروا وشاء الله قتالهم فقاتلهم بمشيئته وإرادته . هذا آخر الجزء الخامس من شرح نهج البلاغة والحمد لله وحده (5)


(1) صفين : (أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم) . المبطلون منكم ، فيقولوا : لو لم يكونوا على حق ما أظهروا علينا ، والله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب ، والله لو ضربونا بأسيافهم ، حتى يبلغونا سعفات هجر (2) لعلمنا أنا على حق ، وأنهم على باطل (3) . قال نصر : وحدثنا يحيى بن يعلى ، عن الاصبغ بن نباتة ، قال : جاء رجل إلى على ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم ، الدعوة واحدة والرسول واحد ، والصلاة واحدة ، والحج واحد ، فماذا نسميهم ؟ قال : سمهم بما سماهم الله في كتابه ، قال : ما كل ما في الكتاب أعلمه ، قال : أما سمعت الله تعالى يقول : (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) إلى قوله : (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) (4) ! فلما وقع الاختلاف ، كنا نحن أولى بالله ، وبالكتاب وبالنبى ، وبالحق فنحن الذين آمنوا ، وهم الذين كفروا وشاء الله قتالهم فقاتلهم بمشيئته وإرادته . هذا آخر الجزء الخامس من شرح نهج البلاغة والحمد لله وحده (5)

(1) صفين : (أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم) . (2) إنما خص هجر ، للمباعدة في المسافة ، ولانها موصوفة بكثرة النخيل . الظر اللسان 11 : 52 (3) صفين 363 ، 364 . وبقية حديث عمار هناك : (وايم الله لا يكون سلما سالما أبدا ، حتى يبوء أحد الفريقين على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وحتى يشهدوا على الفريق الآخر بأنهم على الحق ، وأن قتلاهم في الجنة وموتاهم . ولا يتصرم أيام الدنيا حتى يشهدوا بأن موتاهم وقتلاهم في الجنة ، وأن موتى أعدائهم وقتلاهم في النار ، وكان أحياؤهم على الباطل) . (4) سورة البقرة 253 (5) هذه خاتمة الجزء كما في ا ، وفى ب : (وهذا آخر الجزء الخامس من شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد المعتزلي ، ويتلوه الجزء السادس أن شاء الله تعالى الله وتقدس) . وفى ج : (وهذا آخر الجزء الخامس من شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ، ويتلوه الجزء السادس أن شاء الله تعالى) . (*)

مكتبة شبكة أمل الثقافية