شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ج 6

شرح نهج البلاغة

ابن أبي الحديد ج 6


[ 1 ]

شرح النهج البلاغة لابن أبي الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء السادس دار الحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم بيان روجع هذا الجزء على النسخ الاتية : 1 - نسخة شرح نهج البلاغة ، المصورة عن الاصل المحفوظ بمكتبة المتحف البريطاني (المجموعة الثانية) ، وهى التي رمز لها بالحرف (ا) ، وقد وصفت في مقدمة الجزء الخامس . 2 - نسخة شرح نهج البلاغة المطبوعة في طهران 1271 ه‍ ، وهي التي رمز لها بالحرف (ب) . 3 - نسخة نهج البلاغة الخطية ، المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم 4840 - أدب طلعت . 4 - نسخة شرح نهج البلاغة ، المصورة عن النسخة المطخية بمكتبة الظاهرية ، والمحفوظة برقم 7904 - عام ، وهي التي رمز لها بالحرف (ج) . وقد وصفت النسختان : الثانية والثالثة في مقدمة الجزء الاول ، ووصفت النسخة الرابعة في مقدمة الجزء الثاني . وقد يسترعي نظر القارئ ظهور هذا الجزء في حجم أكبر من الاجزاء السابقة . ومرجع هذا التزامنا تجزئة المؤلف الاصلية لكتابة . والله الموفق للصواب محمد أبو الفضل إبراهيم شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (586 - 656) الجزء السادس تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين (66) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في معنى الانصار : قالوا : لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال عليه السلام : ما قالت الانصار ؟ قالوا : قالت : منا أمير ومنكم أمير ، قال عليه السلام : فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بأن يحسن إلى محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم ؟ قالوا : وما في هذا من الحجة عليهم ؟ فقال عليه السلام : لو كانت الامامة فيهم لم تكن الوصية بهم . ثم قال عليه السلام : فماذا (1) قالت قريش ؟ قالوا : احتجت بأنها شجرة الرسول صلى الله عليه وسلم . فقال عليه السلام :


(1) مخطوطة النهج : (وماذا) . (*)

[ 4 ]

احتجوا بالشجرة ، وأضاعوا الثمرة ! * * * الشرح : قد ذكرنا فيما تقدم طرفا من أخبار السقيفة ، فأما هذا الخبر الوارد في الوصية بالانصار ، فهو خبر صحيح ، أخرجه الشيخان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيرى في مسنديهما ، عن أنس بن مالك ، قال : مر أبو بكر والعباس رضى الله تعالى عنهما بمجلس من الانصار في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقالا ما يبكيكم ؟ قالوا : ذكرنا محاسن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدخلا على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه بذلك فخرج صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية بردة (1) ، فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : (أوصيكم بالانصار ، فإنهم كرشى وعيبتى ، وقد قضوا الذى عليهم ، وبقى الذى لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم) (2) . فأما كيفيه الاحتجاج على الانصار ، فقد ذكر ها على عليه السلام ، وهى أنه لو كان صلوات الله وسلامه عليه - ممن يجعل الامامة فيهم ، لاوصى إليهم ولم يوص بهم . وإلى هذا نظر عمرو بن سعيد بن العاص ، وهو المسمى بالاشدق ، فإن أباه لما مات خلفه غلاما ، فدخل إلى معاوية فقال : إلى من أوصى بك أبوك ؟ فقال : إن أبى أوصى إلى ولم يوص بى ، فاستحسن معاوية منه ذلك ، فقال : إن هذا الغلام لاشدق ، فسمى الاشدق . فأما قول أمير المؤمنين : (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) ، فكلام قد تكرر منه


(1) البخاري : (برد) (2) صحيج البخاري 2 : 312 ، صحيح مسلم 1949 (*)

[ 5 ]

عليه السلام أمثاله ، نحو قوله : (إذا احتج عليهم المهاجرون بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الحجة لنا على المهاجرين بذلك قائمة ، فإن فلجت حجتهم كانت لنا دونهم ، وإلا فالانصار على دعوتهم) . ونحو هذا المعنى قول العباس لابي بكر : (وأما قولك : نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم جيرانها ، ونحن أغصانها) . * * * أخبار يوم السقيفة (1) ونحن نذكر خبر السقيفة ، روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهرى في كتاب السقيفة قال : أخبرني أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أحمد بن سيار ، قال : حدثنا سعيد بن كثير ابن عفير الانصاري أن النبي صلى الله عليه وآله لما قبض ، اجتمعت الانصار في سقيفة بنى ساعدة ، فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض ، فقال سعد بن عبادة لابنه قيس - أو لبعض بنيه : إنى لا أستطيع أن أسمع الناس كلامي لمرضى ، ولكن تلق منى قولى فأسمعهم . فكان سعد يتكلم ، ويستمع ابنه ويرفع به صوته ليسمع قومه ، فكان من قوله ، بعد حمد الله والثناء عليه أن قال : إن لكم سابقة إلى الدين ، وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة من العرب . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة ، يدعوهم إلى عبادة الرحمن ، وخلع الاوثان ، فما آمن به من قومه إلا قليل ، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله ،


(1) انظر أخبار السقيفة أيضا في الجزء الاول 21 - 61 (*)

[ 6 ]

ولا يعزوا دينه ، ولا يدفعوا عنه عداه ، حتى أراد الله بكم خير الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة ، وخصكم بدينه ، ورزقكم الايمان به وبرسوله ، والاعزاز لدينه ، والجهاد لاعدائه فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم وأثقله على عدوه من غيركم ، حتى استقاموا لامر الله طوعا وكرها ، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داحضا ، حتى أنجز الله لنبيكم الوعد ، ودانت لاسيافكم العرب ثم توفاه الله تعالى ، وهو عنكم راض ، وبكم قرير عين ، فشدوا يديكم بهذا الامر ، فإنكم أحق الناس واولاهم به . فأجابوا جميعا : أن وفقت في الرأى وأصبت في القول ، ولن نعدو ما أمرت ، نوليك هذا الامر ، فأنت لنا مقنع ، ولصالح المؤمنين رضا . ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم ، فقالوا : إن أبت مهاجرة قريش فقالوا : نحن المهاجرون وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاولون ، ونحن عشيرته وأولياؤه ، فعلام تنازعوننا هذا الامر من بعده ؟ فقالت طائفة منهم : إذا نقول : منا أمير ، ومنكم أمير ، لن نرضى بدون هذا منهم أبدا ، لنا في الايواء والنصرة ما لهم في الهجرة ، ولنا في كتاب الله ما لهم ، فليسوا يعدون شيئا إلا ونعد مثله ، وليس من رأينا الاستئثار عليهم فمنا أمير ومنهم أمير . فقال سعد بن عبادة : هذا أول الوهن . وأتى الخبر عمر ، فأتى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فوجد أبا بكر في الدار وعليا في جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان الذى أتاه بالخبر معن بن عدى ، فأخذ بيد عمر وقال : قم ، فقال عمر : إنى عنك مشغول ، فقال : إنه لا بد من قيام ، فقام معه ، فقال له : إن هذا الحى من الانصار قد اجتمعوا في سقيفة بنى ساعدة ، معهم سعد بن عبادة ، يدورون حوله ، ويقولون : أنت المرجى ، ونجلك المرجى وثم أناس من

[ 7 ]

أشرافهم ، وقد خشيت الفتنة ، فانظر يا عمر ماذا ترى ! واذكر لاخوتك من المهاجرين ، واختاروا لانفسكم ، فإنى أنظر إلى باب فتنة قد فتح الساعة إلا أن يغلقة الله . ففزع عمر أشد الفزع ، حتى أتى أبا بكر ، فأخذ بيده ، فقال : قم ، فقال أبو بكر : أين نبرح حتى نوارى رسول الله ! إنى عنك مشغول . فقال عمر : لابد من قيام ، وسنرجع إن شاء الله . فقام أبو بكر مع عمر ، فحدثه الحديث ، ففزع أبو بكر أشد الفزع ، وخرجا مسرعين إلى سقيفة بنى ساعدة ، وفيها رجال من أشراف الانصار ، ومعهم سعد بن عبادة وهو مريض بين أظهرهم ، فاراد عمر أن يتكلم ويمهد لابي بكر ، وقال خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام ، فلما نبس عمر ، كفه أبو بكر وقال : على رسلك ، فتلق الكلام ثم تكلم بعد كلامي بما بدالك . فتشهد أبو بكر ، ثم قال : إن الله جل ثناؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق ، فدعا إلى الاسلام ، فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه ، وكنا معاشر المسلمين المهاجرين أول الناس إسلاما ، والناس لنا في ذلك تبع ، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأوسط العرب أنسابا ، ليس من قبائل العرب إلا ولقريش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأوسط العرب أنسابا ، ليس من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة ، وأنتم أنصار الله ، وأنتم نصرتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أنتم وزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في الدين ، وفيما كنا فيه من خير ، فأنتم أحب الناس إلينا ، وأكرمهم علينا ، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله ، والتسليم لما ساق الله إلى إخوانكم من المهاجرين ، وأحق الناس ألا تحسدوهم ، فأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة ، وأحق الناس ألا يكون انتفاض هذا الدين واختلاطه على أيديكم ، وأنا أدعوكم إلى أبى عبيدة وعمر ، فكلاهما قد رضيت لهذا الامر ، وكلاهما أراه له أهلا .

[ 8 ]

فقال عمر وأبو عبيدة : ما ينبغى لاحد من الناس أن يكون فوقك ، أنت صاحب الغار ، ثانى اثنين ، وأمرك رسول الله بالصلاة ، فأنت أحق الناس بهذا الامر . فقال الانصار : والله ما نحسدكم على خير ساقه الله اليكم ، ولا أحد أحب إلينا ولا أرضى عندنا منكم . ولكنا نشفق فيما بعد هذا اليوم ، ونحذر أن يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم ، فلو جعلتم اليوم ، رجلا منكم بايعنا ورضينا ، على أنه إذا هلك اخترنا واحدا من الانصار ، فإذا هلك كان آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الامة ، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيشفق الانصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشى ، ويشفق القرشى أن يزيغ فيقبض عليه الانصاري . فقام أبو بكر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخالفوه وشاقوه ، وخص الله المهاجرين الاولين من قومه بتصديقه والايمان به ، والمواساة له ، والصبر معه على شدة أذى قومه ، ولم يستوحشوا لكثرة عدوهم ، فهم أول من عبد الله في الارض ، وهم أول من آمن برسول الله ، وهم أولياؤه وعترته ، وأحق الناس بالامر بعده ، لا ينازعهم فيه إلا ظالم . وليس أحد بعد المهاجرين فضلا وقدما في الاسلام مثلكم . فنحن الامراء وأنتم الوزراء ، لا نمتاز دونكم بمشورة ، ولا نقضى دونكم الامور . فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الانصار ، املكوا عليكم أيديكم ، إنما الناس في فيئكم وظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا يصدر الناس إلا عن أمركم ، أنتم أهل الايواء والنصرة ، واليكم كانت الهجرة ، وأنتم أصحاب الدار والايمان ، والله ما عبد الله علانية إلا عندكم وفى بلادكم ،

[ 9 ]

ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم ، ولا عرف الايمان إلا من أسيافكم ، فاملكوا عليكم أمركم ، فإن أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير . فقال عمر : هيهات ! لا يجتمع سيفان في غمد ، إن العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيها من غيركم ، وليس تمتنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم ، وأو لوا الامر منهم ، لنا بذلك الحجة الظاهرة على من خالفنا ، والسلطان المبين على من نازعنا ، من ذا يخاصمنا في في سلطان محمد وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة ! فقام الحباب ، وقال : يا معشر الانصار ، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من الامر ، فإن أبوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلوهم عن بلادكم ، وتولوا هذا الامر عليهم ، فأنتم أولى الناس بهذا الامر ، إنه دان لهذا الامر بأسيافكم من لم يكن يدين له ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (1) ، إن شئتم لنعيدنها جذعة (2) ، والله لايرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف . قال : فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الانصار من تأمير سعد بن عبادة - وكان حاسدا له ، وكان من سادة الخزرج - قام فقال : أيها الانصار ، إنا وإن كنا ذوى سابقة ، فإنا لم نرد بجهادنا وإسلامنا إلا رضا ربنا وطاعة نبينا ، ولا ينبغى لنا أن نستطيل بذلك على الناس ، ولا نبتغى به عوضا من


(1) قال الزمخشري في الفائق 1 : 181 : (الجذل : عود ينصب الاءبل الجربى تحتك به فتستشفى . المحكك : الذى كثر به الاحتكاك حتى صار مملسا . والعذق ، بافتح : النخلة . والمرجب : المدعوم بالرجبة ، وهى خشبة ذات شعبتين ، وذلك إذا طال وكثر حمله . والمعنى : إنى ذو رأى يشفى بالاستضاءة به كثرافى مثل هذه الحادثة ، وأنا في كثرة التجارب والعلم بموارد الاحوال فيها ، وفى أمثالها ومصادرها (2) قال في اللسان : (إن شئتم أعدناها جذعة ، أي أول ما يبتدأ فيها) (*)

[ 10 ]

الدنيا ، إن محمدا صلى الله عليه وسلم رجل من قريش وقومه أحق بميراث أمره ، وايم الله لا يرانى الله أنازعهم هذا الامر ، فاتقوا الله ولا تنازعوهم ، ولا تخالفوهم . فقام أبو بكر ، وقال : هذا عمر وأبو عبيدة ، بايعوا أيهما شئتم ، فقالا : والله لا نتولى هذا الامر عليك ، وأنت أفضل المهاجرين ، وثاني اثنين ، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة ، والصلاة أفضل الدين . ابسط يدك نبايعك . فلما بسط يده ، وذهبا يبايعانه ، سبقهما بشير بن سعد ، فبايعه ، فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير ، عقك عقاق ، والله ما اضطرك إلى هذا الامر إلا الحسد لابن عمك . ولما رأت الاوس أن رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع ، قام أسيد بن حضير - وهو رئيس الاوس - فبايع حسدا لسعد أيضا ومنافسة له أن يلى الامر ، فبايعت الاوس كلها لما بايع أسيد وحمل سعد بن عبادة وهو مريض ، فأدخل إلى منزله ، فامتنع من البيعة في ذلك اليوم وفيما بعده . وأراد عمر أن يكرهه عليها ، فأشير عليه ألا يفعل ، وأنه لا يبايع حتى يقتل وأنه لا يقتل حتى يقتل أهله ، ولا يقتل أهله ، حتى يقتل الخزرج وإن حوربت الخزرج كانت الاوس معها . وفسد الامر فتركوه ، فكان لا يصلى بصلاتهم ولا يجمع بجماعتهم ، ولا يقضى بقضائهم ، ولو وجد أعوانا لضاربهم ، فلم يزل كذلك حتى مات أبو بكر ، ثم لقى عمر في خلافته ، وهو على فرس ، وعمر على بعير ، فقال له عمر : هيهات يا سعد ! فقال سعد : هيهات يا عمر ! فقال : أنت صاحب من أنت صاحبه ؟ قال : نعم أنا ذاك ، ثم قال لعمر : والله ما جاورنى أحد هو أبغض إلى جوار منك ، قال عمر : فإنه من كره جوار رجل انتقل عنه ، فقال سعد : إنى لارجو أن أخليها لك عاجلا إلى جوار من هو أحب إلى

[ 11 ]

جوارا منك ومن أصحابك فلم يلبث سعد بعد ذلك إلا قليلا حتى خرج إلى الشام فمات بحوران ولم يبايع لاحد لا لابي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما . * * * قال : وكثر الناس على أبى بكر ، فبايعه معظم الم 4 سلمين في ذلك اليوم ، واجتمعت بنو هاشم إلى بيت على بن أبى طالب ، ومعهم الزبير ، وكان يعد نفسه رجلا من بنى هاشم ، كان على يقول : ما زال الزبير منا أهل البيت ، حتى نشا بنوه ، فصرفوه عنا . واجتمعت بنو أميه إلى عثمان بن عفان ، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن ، فأقبل عمر إليهم وأبو عبيدة ، فقال : مالى أراكم ملتاثين ؟ قوموا فبايعوا أبا بكر ، فقد بايع له الناس ، وبايعه الانصار . فقام عثمان ومن معه ، وقام سعد وعبد الرحمن ومن معهما ، فبايعوا أبا بكر . وذهب عمر ومعه عصابه إلى بيت فاطمة ، منهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم ، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه ، وخرج إليهم الزبير بسيفه ، فقال عمر : عليكم الكلب ، فوثب عليه سلمة بن أسلم ، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ، ثم انطلقوا به وبعلى ومعها بنو هاشم ، وعلى يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى انتهوا به إلى أبى بكر فقيل له : بايع ، فقال : أنا أحق بهذا الامر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لى ، أخذتم هذا الامر من الانصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله ، فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الامارة ، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم ، واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الانصار لكم ، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون . فقال عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع فقال له على : احلب يا عمر حلبا لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا ! ألا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه . فقال له أبو بكر :

[ 12 ]

فإن لم تبايعني لم أكرهك ، فقال له أبو عبيدة : يا أبا الحسن ، إنك حديث السن ، وهؤلاء مشيخة قريش قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك ، وأشد احتمالا له ، واضطلاعا به ، فسلم له هذا الامر وارض به ، فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الامر خليق وبه حقيق ، في فضلك وقرابتك ، وسابقتك وجهادك . فقال على : يا معشر المهاجرين ، الله الله ! لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين ، لنحن - أهل البيت - أحق بهذا الامر منكم . أما كان منا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنة ، المضطلع بأمر الرعية ! والله إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى ، فتزدادوا من الحق بعدا . فقال بشير بن سعد : لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار يا على قبل بيعتهم لابي بكر ، ما اختلف عليك اثنان ، ولكنهم قد بايعوا . وانصرف على إلى منزله ، ولم يبايع ، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع . * * * قلت : هذا الحديث يدل على بطلان ما يدعى من النص على أمير المؤمنين وغيره ، لانه لو كان هناك نص صريح لاحتج به ولم يجر للنص ذكر ، وإنما كان الاحتجاج منه ومن أبى بكر ومن الانصار بالسوابق والفضائل والقرب ، فلو كان هناك نص على أمير المؤمنين أو على أبى بكر ، لاحتج به أبو بكر أيضا على الانصار ، ولاحتج به أمير المؤمنين على أبى بكر ، فإن هذا الخبر وغيره من الاخبار المستفيضة ، يدل على أنه قد كان كاشفهم وهتك القناع بينه وبينهم ، ألا تراه كيف نسبهم إلى التعدي عليه وظلمه ، وتمنع من طاعتهم ،

[ 13 ]

وأسمعهم من الكلام أشده وأغلظه ! فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره بعض من كان من شيعته وحزبه ، لانه لا عطر بعد عروس . وهذا أيضا يدل على أن الخبر المروى في أبى بكر في صحيحي البخاري ومسلم غير صحيح ، وهو ماروى من قوله عليه السلام لعائشة في مرضه : (ادعى لى أباك ، حتى أكتب لابي بكر كتابا ، فإنى أخاف أن يقول قائل أو يتمنى متمن ، ويأبى الله والمؤمنون ألا أبا بكر) . وهذا هو نص مذهب المعتزلة . * * * وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهرى أيضا حدثنا أحمد وقال حدثنا ابن عفير ، قال : حدثنا أبو عوف عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبى جعفر محمد بن على رضى الله عنهما ، أن عليا حمل فاطمة على حمار ، وسار بها ليلا إلى بيوت الانصار ، يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به ، فقال على : أكنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا أجهزه ، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ! وقالت فاطمة : ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغى له ، وصنعوا هم ما الله حسبهم عليه . وقال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز : وحدثنا أحمد ، قال : حدثنى سعيد بن كثير ، قال : حدثنى ابن لهيعة أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما مات وأبو ذر غائب ، وقدم وقد ولى أبو بكر فقال : أصبتم قناعه ، وتركتم قرابه ، لو جعلتم هذا الامر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان .

[ 14 ]

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة ، قال : حدثنا أبو قبيصة محمد بن حرب ، قال : لما توفى النبي صلى الله عليه وآله ، وجرى في السقيفة ما جرى تمثل على : وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا * ويطغون لما غال زيدا غوائله [ قصيدة أبى القاسم المغربي وتعصبه للانصار على قريش ] وحدثني أبو جعفر يحيى بن محمد بن زيد العلوى نقيب البصرة ، قال : لما قدم أبو القاسم على بن الحسين المغربي من مصر إلى بغداد ، استكتبه شرف الدولة أبو على بن بويه ، وهو يومئذ سلطان الحضرة ، وأمير الامراء بها ، والقادر خليفة ففسدت الحال بينه وبين القادر ، واتفق لابي القاسم المغربي أعداء سوء أوحشوا القادر منه ، وأوهموه أنه مع شرف الدولة في القبض عليه وخلعه من الخلافة فأطلق لسانه في ذكره بالقبيح . وأوصل القول فيه ، والشكوى منه ، ونسبه إلى الرفض وسب السلف ، وإلى كفران النعمة ، وأنه هرب من يد الحاكم صاحب مصر بعد إحسانه إليه . قال النقيب أبو جعفر رحمه الله تعالى : فأما الرفض فنعم ، وأما إحسان الحاكم إليه فلا كان الحاكم ! قتل أباه وعمه وأخا من إخوته وأفلت منه أبو القاسم بخديعة الدين ، ولو ظفر به لالحقه بهم . قال أبو جعفر : وكان أبو القاسم المغربي ، ينسب في الازد ، ويتعصب لقحطان على عدنان ، وللانصار على قريش ، وكان غاليا في ذلك مع تشيعه ، وكان أديبا فاضلا شاعرا مترسلا ، وكثير الفنون عالما ، وانحدر مع شرف الدولة إلى واسط ، فاتفق أن حصل بيد القادر كتاب بخطه شبه مجموع ، قد جمعه من خطه وشعره وكلامه مسود أتحفه به بعض من كان يشنا أبا القاسم ، ويريد كيده ، فوجد القادر في ذلك المجموع قصيدة من شعره ، فيها تعصب شديد للانصار على المهاجرين حتى خرج إلى نوع من الالحاد والزندقة ، لافراط غلوه

[ 15 ]

وفيها تصريح بالرفض مع ذلك فوجدها القادر تمره (1) الغراب ، وأبرزها إلى ديوان الخلافة ، فقرئ المجموع والقصيدة بمحضر من أعيان الناس من الاشراف والقضاة والمعدلين والفقهاء ، ويشهد أكثرهم أنه خطه ، وأنهم يعرفونه كما يعرفون وجهه ، وأمر بمكاتبة شرف الدولة بذلك ، فإلى أن وصل الكتاب إلى شرف الدولة بما جرى ، اتصل الخبر بأبى القاسم قبل وصول الكتاب إلى شرف الدولة فهرب ليلا ، ومعه بعض غلمانه ، وجارية كان يهواها ويتحظاها ، ومضى إلى البطيحة ثم منها إلى الموصل ، ثم إلى الشام ، ومات في طريقه . فأوصى أن تحمل جثته إلى مشهد على ، فحملت في تابوت ، ومعها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه عليه السلام (2) . وكنت برهة أسال النقيب أبا جعفر عن القصيدة وهو يدافعني بها ، حتى أملاها على بعد حين ، وقد أوردت هاهنا بعضها ، لانى لم أستجز ولم أستحل إيرادها على وجهها ، فمن جملتها - وهو يذكر في أولها رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويقول : إنه لولا الانصار لم تستقم لدعوته دعامة ولا أرست له قاعدة ، في أبيات فاحشة كرهنا ذكرها نحن الذين بنا استجار فلم يضع * فينا ، وأصبح في أعز جوار بسيوفنا أمست سخينة بركا * في بدرها كنحائر الجزار ولنحن في أحد سمحنا دونه * بنفوسنا للموت خوف العار فنجا بمهجته ، فلو لا ذبنا * عنه تنشب في مخالب ضار وحمية السعدين بل بحماية السدين يوم الجحفل الجرار في الخندق المشهور إذ القى بها * بيد ، ورام دفاعها بثمار قالا : معاذ الله إن هضيمة * لم نعطها في سالف الاعصار


(1) يقال إذا أصاب الرجل عند صاحبه أفضل ما يريد من الخير والخصب : وجد تمرة الغراب ، وذلك ان الغراب إنما يبتقى من التمر أجوده . ثمار القلوب 366 (2 - 2) ج (بالغرى) . (3) سخينة : لقب قريش ، وفى ا ، ج ، : (تركا) (*)

[ 16 ]

ما عندنا إلا السيوف ، وأقبلا * نحو الحتوف بهبدار بدار ولنا بيوم حنين آثار متى * تذكر فهن كرائم الاثار لما تصدع جمعه فغدا بنا * مستصرخا بعقيرة وجؤار عطفت عليه كماتنا فتحصنت * منا جموع هوازن بفرار وفدته من أبناء قيلة عصبة * شروى النقير وجنة البقار أفنحن أولى بالخلافة بعده * أم عبد تيم حاملو الاوزار ! ما الامر إلا أمرنا وبسعدنا * زفت عروس الملك غير نوار ! لكنما حسد النفوس وشحها * وتذكر الاذحال والاوتار أفضى إلى هرج ومرج فانبرت * عشواء خابطة بغير نهار وتداولتها اربع لولا أبو * حسن لقلت لؤمت من أستار (1) من عاجز ضرع ، ومن ذى غلظة * جاف ، ومن ذى لوثة خوار (2) ثم ارتدى المحروم فضل ردائها * فغلت مراجل إحنه ونفار فتأ كلت تلك الجذى ، وتلمظت * تلك الظبا ، ورقى أجيج النار تالله لو ألقوا إليه زمامها * لمشى بهم سجحا بغير عثار (3) ولو انها حلت بساحة مجده * بادى بدا سكنت بدار قرار هو كالنبى فضيلة ، لكن ذا * من حظه كاس ، وهذا عار والفضل ليس بنافع أربابه * إلا بمسعدة من الاقدار ثم امتطاها عبد شمس فاغتدت * هزؤا ، وبدل ربحها بخسار وتنقلت في عصبة أموية * ليسوا بأطهار ولا أبرار


(1) الاستار ، بالكسر : أربعة في العدد . (2) الضرع : الضعيف . (3) ج : (تبار) . (*)

[ 17 ]

مابين مأفون إلى متزندق * ومداهن ومضاعف وحمار * * * فهذه الابيات ، هي نطيف القصيدة ، التقطناها وحذفنا الفاحش ، وفى الملتقط المذكور أيضا مالا يجوز ، وهو قوله : (نحن الذين بنا استجار) ، وقوله : (القى بها بيد) ، وقوله : (فنجا بمهجته . . .) البيت . وقوله عن أبى بكر : (عبد تيم) ، وقوله : (لو لا على لقلت في الاربعة إنهم إستار لؤم) ، وذكره الثلاثة رضى الله عنهم بما ذكرهم ونسبهم إليه . وقوله : (إن عليا كالنبى في الفضيلة) وقوله : (إن النبوة حظ أعطيه وحرمه على عليه السلام) . فأما قوله في بنى أمية : (ما بين مأفون . . .) البيت ، فمأخوذ من قول عبد الملك بن مروان ، وقد خطب فذكر الخلفاء من بنى أمية قبله ، فقال : إنى والله لست بالخليفة المستضعف ، ولا بالخليفة المداهن ، ولا بالخليفة المأفون . عنى بالمستضعف عثمان ، وبالمداهن معاوية ، وبالمأفون يزيد بن معاوية ، فزاد هذا الشاعر فيهم اثنين : وهما المتزندق ، وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك والحمار وهو مروان بن محمد بن مروان [ أمر المهاجرين والانصار بعد بيعة أبى بكر ] وروى الزبير بن بكار في الموفقيات قال : لما بايع بشير بن سعد أبا بكر ، وازدحم الناس على أبى بكر فبايعوه ، مر أبو سفيان بن حرب بالبيت الذى فيه على بن ابى طالب عليه السلام ، فوقف وأنشد : بنى هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدى فما الامر إلا فيكم واليكم * وليس لها إلا أبو حسن على

[ 18 ]

أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فإنك بالامر الذى يرتجى ملى وأى امرئ يرمى قصيا ورأيها * منبع الحمى والناس من غالب قصى فقال على لابي سفيان : إنك تريد أمرا لسنا من أصحابه ، وقد عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا فإنا عليه ، فتركه أبو سفيان وعدل إلى العباس بن عبد المطلب في منزله ، فقال : يا أبا الفضل (1) ، أنت أحق بميراث ابن أخيك ، امدد يدك لابايعك ، فلا يختلف عليك الناس بعد بيعتى إياك . فضحك العباس ، وقال : يا أبا سفيان ، يدفعها على ويطلبها العباس ! فرجع أبو سفيان خائبا . * * * قال الزبير : وذكر محمد بن إسحاق أن الاوس تزعم أن أول من بايع أبا بكر بشير ابن سعد ، وتزعم الخزرج أن أول من بايع أسيد بن حضير . قلت : بشير بن سعد خزرجي وأسيد بن حضير أوسى ، وإنما تدافع الفريقان الروايتين تفاديا عن سعد بن عبادة وكراهية كل حى منهما أن يكون نقض أمره جاء من جهة صاحبه ، فالخزرج هم أهله وقرابته ، لا يقرون أن بشير بن سعد هو أول من بايع أبا بكر وأبطل أمر سعد بن عبادة ، ويحيلون بذلك على أسيد بن حضير ، لانه من الاوس أعداء الخزرج . وأما الاوس فتكره أيضا أن ينسب أسيد إلى أنه أول من نقض أمر سعد بن عبادة ، كى لا يرموه بالحسد للخزرج ، لان سعد بن عبادة خزرجي ، فيحيلون بانتقاض أمره على قبيلته - وهم الخزرج - ويقولون : أن أول من بايع أبا بكر ونقض دعوة سعد بن عبادة بشير بن سعد ، وكان بشير أعور . والذى ثبت عندي أن أول من بايعه عمر ، ثم بشير بن سعد ثم أسيد بن حضير ، ثم أبو عبيدة بن الجراح ، ثم سالم مولى أبى حذيفة .


(1) كذا في ب ، ج ، وفى ا : (أنت لها) .

[ 19 ]

قال الزبير : وقد كان مالا أبا بكر وعمر على نقض أمر سعد وإفساد حاله ، رجلان من الانصار ممن شهد بدرا ، وهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدى . قلت : كان هذان الرجلان ذوى حب لابي بكر في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ، واتفق مع ذلك بغض وشحناء ، كانت بينهما وبين سعد بن عبادة ، ولها سبب مذكور في كتاب القبائل لابي عبيدة معمر بن المثنى فليطلب من هناك . وعويم بن ساعدة هو القائل لما نصب الانصار سعدا : يا معشر الخزرج ، إن كان هذا الامر فيكم دون قريش فعرفونا ذلك ، وبرهنوا حتى نبايعكم عليه ، وإن كان لهم دونكم ، فسلموا إليهم ، فو الله ما هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفنا أن أبا بكر خليفة حين أمره أن يصلى بالناس فشتمه الانصار وأخرجوه ، فانطلق مسرعا حتى التحق بأبى بكر ، فشحذ عزمه على طلب الخلافة . ذكر هذا بعينه الزبير بن بكار في الموفقيات . وذكر المدائني والواقدى أن معن بن عدى اتفق هو وعويم بن ساعدة على تحريض أبى بكر وعمر على طلب الامر وصرفه عن الانصار . قالا : وكان معن بن عدى يشخصهما إشخاصا ويسوقهما سوقا عنيفا إلى السقيفة ، مبادرة إلى الامر قبل فواته . * * * قال الزبير بن بكار : فلما بويع أبو بكر ، أقبلت الجماعة التى بايعته تزفه زفا إلى مسجد رسوالله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان آخر النهار ، افترقوا إلى منازلهم ، فاجتمع قوم من الانصار ، وقوم من المهاجرين ، فتعاتبوا فيما بينهم ، فقال عبد الرحمن بن عوف : يا معشر الانصار ، إنكم وإن كنتم أولى فضل ونصر وسابقة ، ولكن ليس فيكم مثل أبى بكر ولا عمر ولا على ولا أبى عبيدة .

[ 20 ]

فقال زيد بن أرقم : إنا لا ننكر فضل من ذكرت يا عبد الرحمن ، وإن منا لسيد الانصار سعد بن عبادة ، ومن أمر الله رسوله أن يقرئه السلام وأن يأخذ عنه القرآن أبى ابن كعب ، ومن يجئ يوم القيامة إمام العلماء معاذ بن جبل ، ومن أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين : خزيمة بن ثابت ، وإنا لنعلم أن ممن سميت من قريش من لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد : على بن أبى طالب . قال الزبير : فلما كان من الغد ، قام أبو بكر فخطب الناس ، وقال : أيها الناس ، إنى وليت أمركم ولست بخيركم فإذا أحسنت فإعينونى ، وإن أسات فقوموني ، أن لى شيطانا يعترينى ، فإيا كم وإياى إذا غضبت ، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف منكم قوى حتى أرد إليه حقه والقوى ضعيف حتى آخذ الحق منه . إنه لا يدع قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع في قوم الفاحشة إلا عمهم البلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ، فإذا عصيت فلا طاعة لى عليكم . قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله . قال ابن أبى عبرة القرشى : شكرا لمن هو بالثناء حقيق * ذهب اللجاج وبويع الصديق من بعد ما زلت بسعد نعله * ورجا رجاء دونه العيوق حفت به الانصار عاصب رأسه * فأتاهم الصديق والفاروق وأبو عبيدة والذين إليهم * نفس المؤمل للقاء تتوق (1) كنا نقول لها على والرضا * عمر وأولاهم بذاك عتيق فدعت قريش باسمه فأجابها * أن المنوه باسمه الموثوق


(1) ب : (تسوق) . (*)

[ 21 ]

قل للالى طلبوا الخلافة زلة * لم يخط مثل خطاهم مخلوق إن الخلافة في قريش مالكم * فيها ورب محمد معروق . * * * وروى الزبير بن بكار ، قال : روى محمد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتحرت تيم بن مرة قال : وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الامر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال الفضل بن العباس : يا معشر قريش ، وخصوصا يا بنى تيم ، إنكم إنما أخذتم الخلافة بالنبوة ، ونحن أهلها دونكم ، ولو طلبنا هذا الامر الذى نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا ، حسدا منهم لنا ، وحقدا علينا ، وإنا لنعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ينتهى إليه . وقال بعض ولد أبى لهب بن عبد المطلب بن هاشم شعرا : ما كنت أحسب أن الامر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبى حسن أليس أول من صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالقرآن والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن ما فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن ماذا الذى ردهم عنه فنعلمه * ها إن ذا غبننا من أعظم الغبن . * * * قال الزبير : فبعث إليه على فنهاه وأمره ألا يعود ، وقال : سلامة الذين أحب إلينا من غيره . * * *

[ 22 ]

قال الزبير : وكان خالد بن الوليد شيعة لابي بكر ، ومن المنحرفين عن على ، فقام خطيبا ، فقال : أيها الناس ، إنا رمينا في بدء هذا الدين بأمر ، ثقل علينا والله محمله ، وصعب علينا مرتقاه ، وكنا كأنا فيه على أوتار ، ثم والله ما لبثنا أن خف علينا ثقله ، وذل لنا صعبه ، وعجبنا ممن شك فيه بعد عجبنا ممن آمن به ، حتى أمرنا بماكنا ننهى عنه ، ونهينا عما كنا نامر به ، ولا والله ما سبقنا إليه بالعقول ، ولكنه التوفيق . ألا وإن الوحى لم ينقطع حتى أحكم ، ولم يذهب النبي صلى الله عليه وسلم فنستبدل بعده نبيا ، ولا بعد الوحى وحيا ، ونحن اليوم أكثر منا أمس ، ونحن أمس خير منا اليوم ، من دخل في هذا الدين كان ثوابه على حسب عمله ، ومن تركه رددناه إليه ، وإنه والله ما صاحب الامر - يعنى أبا بكر - بالمسئول عنه ، ولا المختلف فيه ، ولا الخفى الشخص ، ولا المغموز القناة . فعجب الناس من كلامه . ومدحه حزن بن أبى وهب المخزومى ، وهو الذى سماه رسول الله صلى الله عليه وآله (سهلا) ، وهو جد سعيد بن المسيب الفقيه ، وقال : وقامت رجال من قريش كثيرة * فلم يك منهم في الرجال كخالد ترقى فلم يزلق به صدر نعله * وكف فلم يعرض لتلك الاوابد فجاء بها غراء كالبدر ضوءها * فسميتها في الحسن أم القلائد أخالد لا تعدم لؤى بن غالب * قيامك فيها عند قذف الجلامد كساك الوليد بن المغيرة مجده * وعلمك الاشياخ ضرب القماحد (1) تقارع في الاسلام عن صلب دينه * وفى الشرك عن أحساب جد ووالد


(1) القماحد : جمع قمحودة ، وهى الهنه الناشزة فوق القفا . (*)

[ 23 ]

وكنت لمخزوم بن يقظة جنة * يعدك فيها ماجدا وابن ماجد إذا ماسما في حربها ألف فارس * عدلت بألف عند تلك الشدائد ومن يك في الحرب المثيرة واحدا * فما أنت في الحرب العوان بواحد إذا ناب أمر في قريش مخلج * تشيب له رؤس العذارى النواهد توليت منه ما يخاف وإن تغب * يقولوا جميعا حظنا غير شاهد . * * * قال الزبير : وحدثنا محمد بن موسى الانصاري المعروف بابن مخرمة ، قال : حدثنى إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، قال : لما بويع أبو بكر واستقر أمره ، ندم قوم كثير من الانصار على بيعته ، ولام بعضهم بعضا ، وذ كروا على ابن أبى طالب ، وهتفوا باسمه ، وإنه في داره لم يخرج إليهم ، وجزع لذلك المهاجرون ، وكثر في ذلك الكلام ، وكان أشد قريش على الانصار نفر فيهم ، وهم سهيل بن عمرو ، أحد بنى عامر بن لؤى ، والحارث بن هشام وعكرمة بن أبى جهل المخزوميان ، وهؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله ، ثم دخلوا في الاسلام ، وكلهم موتور قد وتره الانصار أما سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بدر ، وأما الحارث بن هشام ، فضربه عروة بن عمرو ، فجرحه يوم بدر ، وهو فار عن أخيه . وأما عكرمة بن أبى جهل ، فقتل أباه ابنا عفراء ، وسلبه درعه يوم بدر زياد بن لبيد وفى أنفسهم ذلك . فلما اعتزلت الانصار تجمع هؤلاء * فقام سهيل بن عمرو فقال : يا معشر قريش ، إن هؤلاء القوم قد سماهم الله الانصار ، وأثنى عليهم في القرآن ، فلهم بذلك حظ عظيم ، وشأن غالب ، وقد دعوا إلى أنفسهم وإلى على بن أبى طالب ، وعلى

[ 24 ]

في بيته لو شاء لردهم ، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته ، فإن أجابوكم وإلا قاتلوهم ، فو الله إنى لارجو الله أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم . ثم قام الحارث بن هشام ، فقال : إن يكن الانصار تبوأت الدار والايمان من قبل ، ونقلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دورهم من دورنا ، فاووا ونصروا ، ثم ما رضوا حتى قاسمونا الاموال (1) ، وكفونا العمل ، فإنهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه ، فإنهم قد خرجوا مما وسموا به ، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيف ، وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الاولى بهم والمظنون معهم . ثم قام عكرمة بن أبى جهل ، فقال : والله لولا قول رسول الله صلى ا لله عليه وسلم : (الائمة من قريش) ما أنكرنا إمرة الانصار ، ولكانوا لها أهلا ولكنه قول لاشك فيه ولاخيار ، وقد عجلت الانصار علينا ، والله ما قبضنا عليهم الامر ولا أخرجناهم من الشورى ، وإن الذى هم فيه من فلتات الامور ونزغات الشيطان ، ومالا يبلغه المنى ، ولا يحمله الامل . أعذروا إلى القوم ، فإن أبوا فقاتلوهم ، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصير الله هذا الامر فيه . قال : وحضر أبو سفيان بن حرب ، فقال : يا معشر قريش ، إنه ليس للانصار أن يتفضلوا على الناس حتى يقروا بفضلنا عليهم ، فإن تفضلوا فحسبنا حيث انتهى بها والا فحسبهم حيث انتهى بهم ، وايم الله لئن بطروا المعيشة ، وكفروا النعمة ، لنضربنهم على الاسلام كما ضربوا عليه فأما على بن أبى طالب فأهل والله أن يسود على قريش وتطيعه الانصار . فلما بلغ الانصار قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال : يا معشر الانصار ، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش ، فأما إذا كان من أهل الدنيا لاسيما من أقوام كلهم موتور ، فلا يكبرن عليكم ، إنما الرأى


(1) كذا في ج ، وفى ا ، ب : (الامور) . (*)

[ 25 ]

والقول مع الاخيار المهاجرين ، فإن تكلمت رجال قريش ، الذين هم أهل الاخرة مثل كلام هؤلاء ، فعند ذلك قولوا ما أحببتم وإلا فامسكوا ، وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك : تنادى سهيل وابن حرب وحارث * وعكرمة الشانى لنا ابن أبى جهل قتلنا أباه وانتزعنا سلاحه * فأصبح بالبطحا أذل من النعل فأما سهيل فاحتواه ابن دخشم * أسيرا ذليلا لا يمر ولا يحلى وصخر بن حرب قد قتلنا رجاله * غداة لوا بدر فمرجله يغلى وراكضنا تحت العجاجة حارث * على ظهر جرداء كباسقة النخل يقبلها طورا وطورا يحثها (1) * ويعدلها بالنفس والمال والاهل أولئك رهط من قريش تبايعوا * على خطة ليست من الخطط الفضل وأعجب منهم قابلو ذاك منهم * كأنا اشتملنا من قريش على ذحل وكلهم ثان عن الحق عطفه * يقول اقتلوا الانصار يا بئس من فعل نصرنا وآوينا النبي ولم نخف * صروف الليالى والبلاء على رجل * بذلنا لهم أنصاف مال أكفنا * كقسمة أيسار الجزور من الفضل ومن بعد ذاك المال أنصاف دورنا * وكنا أناسا لا نعير بالبخل ونحمى ذمار ال 6 حى فهر بن مالك * ونوقد نار الحرب بالحطب الجزل فكان جزاء الفضل منا عليهم * جهالتهم حمقا وما ذاك يالعدل فبلغ شعر حسان قريشا ، فغضبوا وأمروا ابن أبى عزة شاعرهم أن يجيبه ، فقال : معشر الانصار خافوا ربكم * واستجيروا الله من شر الفتن إننى أرهب حربا لاقحا * يشرق المرضع فيها باللبن جرها سعد وسعد فتنة * ليت سعد بن عباد لم يكن خلف برهوت خفيا شخصه * بين بصرى ذى رعين وجدن


(كذا في ج ، وفى ب : (يقلبها) . (*)

[ 26 ]

ليس ما قدر سعد كائنا * ما جرى البحر وما دام حضن ليس بالقاطع منا شعرة * كيف يرجى خير أمر لم يحن ليس بالمدرك منها أبدا غير أضغاث أمانى الوسن . * * * قال الزبير : لما اجتمع جمهور الناس لابي بكر أكرمت قريش معن بن عدى وعويم بن ساعدة ، وكان لهما فضل قديم في الاسلام ، فاجتمعت الانصار لهما في مجلس ودعوهما ، فلما أحضرا أقبلت الانصار عليهما فعير وهما بانطلاقهما إلى المهاجرين وأكبروا فعلهما في ذلك ، فتكلم معن ، فقال : يا معشر الانصار ، إن الذى أراد الله بكم خير مما أردتم بانفسكم ، وقد كان منكم أمر عظيم البلاء ، وصغرته العاقبة ، فلو كان لكم على قريش ما لقريش عليكم ثم أردتموهم لما أرادوكم به ، لم آمن عليهم منكم مثل من آمن عليكم منهم ، فإن تعرفوا الخطأ فقد خرجتم منه وإلا فأنتم فيه . قلت : قوله : (وقد كان منكم أمر عظيم ، البلاء ، وصغرته العاقبة) ، يعنى عاقبة الكف والامساك ، يقول : قد كان منكم أمر عظيم وهو دعوى الخلافة لانفسكم ، وإنما جعل البلاء معظما له ، لانه لو لم يتعقبه الامساك ، لاحدث فتنة عظيمة ، وإنما صغره سكونهم ورجوعهم إلى بيعة المهاجرين . وقوله : (وكان لكم على قريش . . . .) إلى آخر الكلام ، معناه : لو كان لكم الفضل على قريش كفضل قريش عليكم ، وادعت قريش الخلافة لها ، ثم أردتم منهم الرجوع عن دعواهم وجرت بينكم وبينهم من المنازعة مثل هذه المنازعة التى جرت الان بينكم لم آمن عليهم منكم أن تقتلوهم ، وتقدموا على سفك دمائهم ، ولم يحصل لى من سكون النفس إلى

[ 27 ]

حلمكم عنهم وصبركم عليهم ، مثل ما أنا آمن عليكم منهم ، فإنهم صبروا وحلموا ، ولم يقدموا على استباحة حربكم والدخول في دمائكم . * * * قال الزبير : ثم تكلم عويم بن ساعدة ، فقال : يا معشر الانصار ، إن من نعم الله عليكم أنه تعالى لم يرد بكم ما أردتم بأنفسكم ، فاحمدوا الله على حسن البلاء وطول العافية وصرف هذه البلية عنكم ، وقد نظرت في أول فتنتكم وآخرها فوجدتها جاءت من الامانى والحسد ، واحذروا النقم ، فوددت أن الله صير إليكم هذا الامر بحقه فكنا نعيش فيه . فوثبت عليهما الانصار ، فأغلظوا لهما وفحشوا عليهما ، وانبرى لهما فروة بن عمرو ، فقال : أنسيتما قولكما لقريش : (إنا قد خلفنا وراءنا قوما قد حلت دماؤهم بفتنتهم) ، هذا والله ما لا يغفر ولا ينسى ، قد تصرف الحية عن وجهها وسمها في (1) نابها . فقال معن في ذلك : وقالت لى الانصار إنك لم تصب * فقلت : أما لى في الكلام نصيب ! فقالوا بلى قل ما بدا لك راشدا * فقلت ومثلى بالجواب طبيب تركتكم والله لما رأيتكم تيوسا لها بالحرتين نبيب (2) تنادون بالامر الذى النجم دونه * ألا كل شئ ما سواه قريب فقلت لكم قول الشفيق عليكم * وللقلب من خوف البلاء وجيب : دعوا الركض واثنوا من أعنة بغيكم * ودبوا فسير القاصدين دبيب وخلوا قريشا والامور وبايعوا * لمن بايعوه ترشدوا وتصيبوا


(1) ج : (فيها) . (2) النبيب : صياح التيس عند الهياج ، ومنه قول عمر لوفد أهل الكوفة حين شكوا سعدا إليه : (ليكلمني بعضكم ولاتنبوا عندي نبيب التيوس) . (*)

[ 28 ]

أراكم أخذتم حقكم بأكفكم * وما الناس إلا مخطئ ومصيب فلما أبيتم زلت عنكم إليهم * وكنت كأنى يوم ذاك غريب فإن كان هذا الامر ذنبي إليكم * فلى فيكم بعد الذنوب ذنوب فلا تبعثوا منى الكلام فإننى * إذا شئت يوما شاعر وخطيب وإنى لحلو تعتريني مرارة * وملح أجاج تارة وشروب (1) لكل امرئ عندي الذى هو أهله * أفانين شتى والرجال ضروب . وقال عويم بن ساعدة في ذلك : وقالت لى الانصار أضعاف قولهم * لمعن ، وذاك القول جهل من الجهل فقلت دعوني لا أبا لابيكم * فإنى أخوكم صاحب الخطر الفصل (2) أنا صاحب القول الذى تعرفونه * أقطع أنفاس الرجال على مهل فإن تسكتوا أسكت وفى الصمت راحة * وإن تنطقوا أصمت ، مقالتكم تبلى وما لمت نفسي في الخلاف عليكم * وأن كنتم مستجمعين على عذلى أريد بذاك الله لا شئ غيره * وما عند رب الناس من درج الفضل ومالى رحم في قريش قريبة * ولا دارها دارى ولا أصلها أصلى ولكنهم قوم علينا أئمة * أدين لهم ما أنفذت قدمى نعلي وكان أحق الناس أن تقنعوا به * ويحتملوا من جاء في قوله مثلى لانى أخف الناس فيما يسركم * وفيما يسوءكم لا أمر ولا أحلى . * * * قال فروة بن عمر - وكان ممن تخلف عن بيعة أبى بكر ، وكان ممن جاهد مع


(1) الاجاج : الماء الملح شديد الملوحة . والشروب : الماء دون العذب يصلح للشرب مع بعض كراهة . (2) ب : (الخطة الفصل) : (*)

[ 29 ]

رسول الله ، وقاد فرسين في سبيل الله ، وكان يتصدق من نخله بألف وسق في كل عام ، وكان سيدا ، وهو من أصحاب على ، وممن شهد معه يوم الجمل . قال : فذكر معنا وعو يما ، وعاتبهما على قولهما : (خلفنا وراءنا قوما قد حلت دماؤهم بفتنتهم) : ألا قل لمعن إذا جئته * وذاك الذى شيخه ساعده بأن المقال الذى قلتما * خفيف علينا سوى واحده مقالكم إن من خلفنا * مراض قلوبهم فاسده حلال الدماء على فتنة * فيا بئسما ربت الوالده ! فلم تأخذا قدر اثمانها * ولم تستفيدا بها فائده لقد كذب الله ما قلتما وقد يكذب الرائد الواعده (1) * * * قال الزبير : ثم إن الانصار أصلحوا بين هذين الرجلين وبين أصحابهما ، ثم اجتمعت جماعة من قريش يوما وفيهم ناس من الانصار وأخلاط (2) من المهاجرين ، وذلك بعد انصراف الانصار عن رأيها وسكون الفتنه ، فاتفق ذلك عند قدوم عمرو بن العاص من سفر كان فيه ، فجاء إليهم فأفاضوا في ذكر يوم السقيفة وسعد ودعواه الامر ، فقال عمرو بن العاص : والله لقد دفع الله عنا من الانصار عظيمة ، ولما دفع الله عنهم أعظم ، كادوا والله أن يحلوا حبل الاسلام كما قاتلوا عليه ، ويخرجوا منه من أدخلوا فيه ، والله لئن كانوا سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الائمه من قريش) ، ثم ادعوها ، لقد هلكوا وأهلكوا ، وإن كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين ولا سعد كأبى بكر ، ولا المدينة * (هامش) (1) بقال : سحاب واعد ، أي الذى يعد بالمطر ، ومؤنثه (واعدة) . (2) الاخلاط : المختلطون . (*)

[ 30 ]

كمكة ، ولقد قاتلونا أمس فغلبونا على البدء ، ولو قاتلناهم اليوم لغلبناهم على العاقبة . فلم يجبه أحد ، وانصرف إلى منزله وقد ظفر ، فقال : ألا قل لاوس إذا جئتها * وقل إذاما جئت للخزرج انصرف إلى منزله وقد ظفر ، فقال : ألا قل لاوس إذا جئتها * وقل إذاما جئت للخزرج تمنيتم الملك في يثرب * فأنزلت القدر لم تنضج واخدجتم الامر قبل التمام * وأعجب بذا المعجل المخدج (1) تريدون نتج الحيال العشار * ولم تلقحوه فلم ينتج عجبت لسعد وأصحابه ولو لم يهيجوه لم يهتج رجا الخزرجي رجاء السراب * وقد يخلف المرء ما يرتجى فكان كمنح على كفه * بكف يقطعها أهوج . فلما بلغ الانصار مقالته وشعره ، بعثوا إليه لسانهم وشاعرهم النعمان بن العجلان ، وكان رجلا أحمر ، قصيرا تزدريه العيون ، وكان سيدا فخما فأتى عمرا وهو في جماعة من قريش ، فقال : والله يا عمرو ما كرهتم من حربنا إلا ما كرهنا من حربكم ، وما كان الله ليخرجكم من الاسلام بمن أدخلكم فيه ، إن كان النبي صلى الله عليه وآله قال : (الائمة من قريش) ، فقد قال : (لو سلك الناس شعبا ، وسلك الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار) ، والله ما أخرجناكم من الامر إذ قلنا : منا أمير ومنكم أمير . وأما من ذكرت ، فأبو بكر لعمري خير من سعد ، لكن سعدا في الانصار أطوع من أبى بكر في قريش ، فأما المهاجرون والانصار ، فلا فرق بينهم أبدا ، ولكنك يابن العاص ، وترت بنى عبد مناف بمسيرك إلى الحبشة لقتل جعفر وأصحابه ، ووترت بنى مخزوم بإهلاك عمارة ابن الوليد . ثم انصرف فقال :


(1) يقال أخدج الامر ، إذا لم يحكمه ، والمخدج : الناقص (*)

[ 31 ]

فقل لقريش نحن أصحاب مكة * ويوم حنين والفوارس في بدر وأصحاب أحد والنضير وخيبر * ونحن رجعنا من قريظة بالذكر ويوم بأرض الشام أدخل جعفر * وزيد وعبد الله في علق يجرى (1) وفى كل يوم ينكر الكلب أهله * نطاعن فيه بالمثقفه السمر ونضرب في نقع العجاجة أرؤسا * ببيض كأمثال البروق إذا تسرى نصرنا وآوينا النبي ولم نخف * صروف الليالى والعظيم من الامر وقلنا لقوم هاجروا قبل : مرحبا * وأهلا وسهلا قد أمنتم من الفقر نقاسمكم أموالنا وبيوتنا * كقسمة أيسار الجزور على الشطر ونكفيكم الامر الذى تكرهونه * وكنا أناسا نذهب العسر باليسر وقلتم : حرام نصب سعد ونصبكم * عتيق بن عثمان حلال أبا بكر وأهل أبو بكر لها خير قائم * وإن عليا كان أخلق بالامر وكان هوانا في على وإنه * لاهل لها يا عمرو من حيث لا تدرى فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى وينهى عن الفحشاء والبغى والنكر وصى النبي المصطفى وابن عمه * وقاتل فرسان الضلالة والكفر وهذا بحمد الله يهدى من العمى * ويفتح آذانا ثقلن من الوقر نجى رسول الله في الغار وحده * وصاحبه الصديق في سالف الدهر فلو لا اتقاء الله لم تذهبوا بها * ولكن هذا الخير أجمع للصبر ولم نرض إلا بالرضا ولربما * ضربنا بأيدينا إلى أسفل القدر . فلما انتهى شعر النعمان وكلامه إلى قريش ، غضب كثير منها ، والفى ذلك قدوم خالد ابن سعيد بن العاص من اليمن ، وكان رسول الله استعمله عليها ، وكان له ولاخيه أثر قديم


(1) العق : الدم ، وفى ا ، ب : (في طلق) وما أئبته من ج والاستيعاب . (*)

[ 32 ]

عظيم في الاسلام ، وهما من أول من أسلم من قريش ، ولهما عبادة وفضل . فغضب للانصار ، وشتم عمرو بن العاص ، وقال : يا معشر قريش ، إن عمرا دخل في الاسلام حين لم يجد بدا من الدخول فيه ، فلما لم يستطع أن يكيده بيده كاده بلسانه وإن من كيده الاسلام تفريقه وقطعه بين المهاجرين والانصار . والله ما حاربناهم للدين ولا للدنيا ، لقد بذلوا دماءهم لله تعالى فينا ، وما بذلنا دماءنا لله فيهم ، وقاسمونا ديارهم وأموالهم ، وما فعلنا مثل ذلك بهم ، وآثرونا على الفقر ، وحرمناهم على الغنى ، ولقد وصى رسول الله بهم ، وعزاهم عن جفوة السلطان ، فاعوذ بالله أن أكون وإياكم الخلف المضيع ، والسلطان الجاني . قلت : هذا خالد بن سعيد بن العاص ، هو الذى امتنع من بيعة أبى بكر وقال : لا أبايع إلا عليا ، وقد ذكرنا خبره فيما تقدم . وأما قوله في الانصار : (وعزاهم عن جفوة السلطان) ، فإشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وآله : (ستلقون بعدى اثرة فاصبروا حتى تقدموا على الحوض) ، وهذا الخبر هو الذى يكفر كثير من أصحابنا معاوية بالاستهزاء به ، وذلك أن النعمان بن بشير الانصاري جاء في جماعة من الانصار إلى معاوية ، فشكوا إليه فقرهم ، وقالوا لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لنا : (ستلقون بعدى أثرة) ، فقد لقيناها . قال معاوية : فماذا قال لكم ؟ قالوا : قال لنا (فاصبروا حتى تردوا على الحوض) ، قال : فافعلوا ما أمركم به عساكم تلاقونه غدا عند الحوض كما أخبركم ، وحرمهم ولم يعطهم شيئا . قال الزبير : وقال خالد بن سعيد بن العاص في ذلك تفوه عمرو بالذى لا نريده * وصرح للانصار عن شناة البغض فإن تكن الانصار زلت فإننا * نقيل ولا نجزيهم القرض بالقرض

[ 33 ]

فلا تقطعن يا عمرو ماكان بيننا * ولا تحملن يا عمرو بعضا على بعض أتنسى لهم يا عمرو ما كان منهم * ليالى جئناهم - من النفل والفرض وقسمتنا الاموال كاللحم بالمدى * وقسمتنا الاوطان كل به يقضى ليالى كل الناس بالكفر جهرة * ثقال علينا مجمعون على البغض فساووا وآووا وانتهينا إلى المنى * وقر قرارانا من الامن والخفض (1) * * * قال الزبير : ثم إن رجالا من سفهاء قريش ومثيري الفتن منهم ، اجتمعوا إلى عمر وبن العاص ، فقالوا له : إنك لسان قريش ورجلها في الجاهلية والاسلام ، فلا تدع الانصار وما قالت وأكثروا عليه من ذلك ، فراح إلى المسجد ، وفيه ناس من قريش وغيرهم ، فتكلم وقال : إن الانصار ترى لنفسها ما ليس لها ، وايم الله لوددت أن الله خلى عنا وعنهم ، وقضى فيهم وفينا بما أحب ولنحن الذين أفسدنا على أنفسنا ، أحرزناهم عن كل مكروه ، وقدمناهم إلى كل محبوب ، حتى أمنوا المخوف ، فلما جاز لهم ذلك صغروا حقنا ، ولم يراعوا ما أعظمنا من حقوقهم . ثم التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب ، وندم على قوله ، للخئولة التى بين ولد عبد المطلب وبين الانصار ، ولان الانصار كانت تعظم عليا ، وتهتف باسمه حينئذ ، فقال الفضل : يا عمرو ، إنه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك ، وليس لنا أن نجيبك ، وأبو الحسن شاهد بالمدينة إلا أن يأمرنا فنفعل . ثم رجع الفضل إلى على فحدثه ، فغضب وشتم عمرا ، وقال آذى الله ورسوله ، ثم قام فأتى المسجد ، فاجتمع إليه كثير من قريش وتكلم مغضبا ، فقال : يا معشر قريش ، إن حب الانصار إيمان ، وبغضهم نفاق ، وقد قضوا ما عليهم ،


(1) كذا في ج ، وفى ا ، ب : (ووقر أمرانا) . (*)

[ 34 ]

وبقى ما عليكم ، واذكروا أن الله رغب لنبيكم عن مكة ، فنقله إلى المدينة ، وكره له قريشا ، فنقله إلى الانصار ، ثم قدمنا عليهم دارهم ، فقاسمونا الاموال ، وكفونا العمل ، فصرنا منهم بين بذل الغنى وإيثار الفقير ، ثم حاربنا الناس فوقونا بأنفسهم ، وقد أنزل الله تعالى فيهم آية من القرآن ، جمع لهم فيها بين خمس نعم ، فقال : والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون (1) ، ألا وإن عمرو بن العاص قد قام مقاما آذى فيه الميت والحى ، ساء به الواتر وسر به الموتور ، فاستحق من المستمع الجواب ، ومن الغائب المقت ، وإنه من أحب الله ورسوله أحب الانصار ، فليكفف عمرو عنا نفسه . قال الزبير : فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص ، فقالوا : أيها الرجل ، أما إذا غضب على فا كفف . وقال خزيمة بن ثابت الانصاري يخاطب قريشا : أيال قريش أصلحوا ذات بيننا * وبينكم قد طال حبل التماحك (2) فلا خير فيكم بعدنا فارفقوا بنا ولا خير فينا بعد فهر بن مالك كلانا على الاعداء كف طويلة * إذا كان يوم فيه جب الحوارك (3) فلا تذكروا ما كان منا ومنكم * ففى ذكر ما قد كان مشى التساوك (4) قال الزبير : وقال على للفضل : يا فضل ، انصر الانصار بلسانك ويدك فإنهم منك وإنك منهم ، فقال الفضل : قلت يا عمرو مقالا فاحشا * إن تعد يا عمرو الله فلك


(1) سورة الحشر 9 (2) التماحك : اللجاج . (3) كناية عن الشدة ، والحارك : عظم على الظهر . (4) البساوك : المشى الضيعيف .

[ 35 ]

إنما الانصار سيف قاطع * من تصبه ظبة السيف هلك (1) وسيوف قاطع مضربها * وسهام الله في يوم الحلك نصروا الدين وآووا أهله * منزل رحب ورزق مشترك وإذا الحرب تلظت نارها * بركوا فيها إذا الموت برك ودخل الفضل على على فأسمعه شعره ، ففرح به ، وقال : وريت بك زنادى يا فضل ، أنت شاعر قريش وفتاها ، فأظهر شعرك وابعث به إلى الانصار ، فلما بلغ ذلك الانصار ، قالت : لا أحد يجيب إلا حسان الحسام ، فبعثوا إلى حسان بن ثابت ، فعرضوا عليه شعر الفضل ، فقال : كيف أصنع بجوابه ! إن لم أتحر قوافيه فضحني ، فرويدا حتى أقفو أثره في القوافى . فقال له خزيمة بن ثابت : اذكر عليا وآله يكفك عن كل شئ فقال : جزى الله عنا والجزاء بكفه * أبا حسن عنا ومن كأبى حسن سبقت قريشا بالذى أنت أهله * فصدرك مشروح ، وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش أعزة * مكانك ، هيهات الهزال من السمن ! وأنت من الاسلام في كل موطن * بمنزلة الدلو البطين من الرسن غضبت لنا إذ قام عمرو بخطبة * أمات بها التقوى وأحيا بها الاحن فكنت المرجى من لؤى بن غالب * لما كان منهم ، والذى كان لم يكن حفظت رسول الله فينا وعهده * إليك ومن أولى به منك من ومن ! ألست أخاه في الهدى ووصيه * وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن فحقك مادامت بنجد وشيجة * عظيم علينا ثم بعد على اليمن قال الزبير : وبعثت الانصار بهذا الشعر إلى على بن أبى طالب ، فخرج إلى المسجد ، * (هامش) (1) ظبة السيف : حده . (*)

[ 36 ]

وقال لمن به من قريش وغيرهم : يا معشر قريش ، إن الله جعل الانصار أنصارا ، فأثنى عليهم في الكتاب ، فلا خير فيكم بعدهم ، إنه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وتره الاسلام ، ودفعه عن الحق ، وأطفا شرفه وفضل غيره عليه ، يقوم مقاما فاحشا فيذكر الانصار ، فاتقوا الله وارعوا حقهم ، فو الله لو زالوا لزلت معهم ، لان رسول الله قال لهم : (أزول معكم حيثما زلتم) ، فقال المسلمون جميعا : رحمك الله يا أبا الحسن ! قلت قولا صادقا . * * * قال الزبير : وترك عمرو بن العاص المدينة ، وخرج عنها حتى رضى عنه على والمهاجرون . قال الزبير : ثم إن الوليد بن عقبة بن أبى - معيط - وكان يبغض الانصار ، لانهم أسروا أباه يوم بدر ، وضربوا عنقه بين يدى رسول الله - قام يشتم الانصار ، وذكرهم بالهجر ، فقال : إن الانصار لترى لها من الحق علينا ما لا نراه ، والله لئن كانوا آووا لقد عزوا بنا ، ولئن كانوا آسوا لقد منوا علينا ، والله ما نستطيع مودتهم ، لانه لا يزال قائل منهم يذكر ذلنا بمكة ، وعزنا بالمدينة ، ولا ينفكون يعيرون موتانا ، ويغيظون أحياءنا ، فإن أجبناهم قالوا : غضبت قريش على غاربها ، ولكن قد هون على ذلك منهم حرصهم على الدين أمس ، واعتذارهم من الذنب اليوم ، ثم قال : تباذخت الانصار في الناس باسمها * ونسبتها في الازد عمرو بن عامر وقالوا : لنا حق عظيم ومنة * على كل باد من معد وحاضر فإن يك للانصار فضل فلم تنل * بحرمته الانصار فضل المهاجر وإن تكن الانصار آوت وقاسمت * معايشها من جاء قسمة جازر فقد أفسدت ما كان منها بمنها * وما ذاك فعل الاكرمين الا كابر إذا قال حسان وكعب قصيدة * بشتم قريش غنيت في المعاشر وسار بها الر كبان في كل وجهة وأعمل فيها كل خف وحافر

[ 37 ]

فهذا لنا من كل صاحب خطبة * يقوم بها منكم ومن كل شاعر وأهل بأن يهجو بكل قصيدة * وأهل بأن يرموا بنبل فواقر قال : ففشا شعره في الناس ، فغضبت الانصار ، وغضب لها من قريش قوم ، منهم ضرار بن الخطاب الفهرى ، وزيد بن الخطاب ، ويزيد بن أبى سفيان ، فبعثوا إلى الوليد فجاء . فتكلم زيد بن الخطاب ، فقال : يا بن عقبة بن أبى معيط ، أما والله لو كنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، لاحببت الانصار ، ولكنك من الجفاة في الاسلام البطاء عنه ، الذين دخلوا فيه بعد أن ظهر أمر الله وهم كارهون ، إنا نعلم أنا أتيناهم ونحن فقراء ، فاغنونا ، ثم أصبنا الغنى فكفوا عنا . ولم يرزءونا شيئا . فأما ذكرهم ذلة قريش بمكة وعزها بالمدينة ، فكذلك كنا ، وكذلك قال الله تعالى : (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس) (1) فنصرنا الله تعالى بهم ، وآوانا إلى مدينتهم . وأما غضبك لقريش فإنا لا ننصر كافرا ، ولا نواد ملحدا ولا فاسقا ، ولقد قلت وقالوا فقطعك الخطيب ، وألجمك الشاعر . وأما ذكرك الذى كان بالامس ، فدع المهاجرين والانصار فإنك لست من ألسنتهم في الرضا ، ولا نحن من أيديهم في الغضب . وتكلم يزيد بن أبى سفيان فقال : يا بن عقبة ، الانصار أحق بالغضب لقتلى أحد ، فاكفف لسانك ، فإن من قتله الحق لا يغضب له . وتكلم ضرار بن الخطاب ، فقال : أما والله لو لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :


(1) سورة الانفال 26 . (*)

[ 38 ]

(الائمة من قريش) لقلنا : الائمة من الانصار ، ولكن جاء أمر غلب الرأى ، فاقمع شرتك أيها الرجل ، ولا تكن أمرا سوء فإن الله لم يفرق بين الانصار والمهاجرين في الدنيا ، وكذلك الله لا يفرق بينهم في الاخرة . وأقبل حسان بن ثابت مغضبا من كلام الوليد بن عقبة وشعره ، فدخل المسجد وفيه قوم من قريش ، فقال : يا معشر قريش ، إن أعظم ذنبنا إليكم قتلنا كفاركم ، وحمايتنا رسول الله صلى الله عليه سلم ، وإن كنتم تنقمون منا منة كأنت بالامس ، فقد كفى الله شرها ، فما لنا وما لكم ، والله ما يمنعنا من قتالكم الجبن ، ولا من جوابكم العى . إنا لحى فعال ومقال ، ولكنا قلنا : إنها حرب ، أولها عار وآخرها ذل ، فاغضينا عليها عيوننا ، وسحبنا ذيولنا ، حتى نرى وتروا ، فإن قلتم قلنا ، وإن سكتم سكتنا . فلم يجبه أحد من قريش ، ثم سكت كل من الفريقين عن صاحبه ، ورضى القوم أجمعون ، وقطعوا الخلاف والعصبية . إنتهى ما ذكره الزبير بن بكار في الموفقيات ونعود الان إلى ذكر ما أورده أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهرى في كتاب السقيفة . * * * قال أبو بكر : حدثنى أبو يوسف يعقوب بن شيبه عن بحر بن آدم عن رجاله ، عن سالم بن عبيد ، قال : لما توفى رسول الله وقالت الانصار : منا أمير ومنكم أمير ، أخذ عمر بيد أبى بكر ، وقال : سيفان في غمد واحد ! إذا لا يصلحان . ثم قال : من له هذه الثلاث ؟ (ثانى اثنين إذ هما في الغار) ، من هما ؟ (إذ يقول : لصاحبه لا تحزن) ، من صاحبه ؟ (إن الله معنا) مع من ؟ ثم بسط يده إلى أبى بكر فبايعه ، فبايعه الناس أحسن بيعة وأجملها .

[ 39 ]

قال أبو بكر : حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، عن أبى بكر بن عياش ، عن زيد بن عبد الله ، قال : إن الله تعالى نظر في قلوب العباد ، فوجد قلب محمد عليه الصلاة والسلام خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه ، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب الامم بعد قلبه ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون عن دينه ، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رأى المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ . قال أبو بكر بن عياش : وقد رأى المسلمون أن يولوا أبا بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانت ولايته حسنة . قال أبو بكر : وحدثنا يعقوب بن شيبة قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الانصار : (منا أمير ومنكم أمير) ، قال عمر : أيها الناس ، أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ! رضيك الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا ! * * * قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة ، قال : حدثنى زيد بن يحيى الانماطى ، قال : حدثنا صخر بن جويرية ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، قال : أخذ أبو بكر بيد عمر ، ويد رجل من المهاجرين - يرونه أبا عبيدة - حتى انطلقوا إلى الانصار ، وقد اجتمعوا عند سعد في سقيفة بنى ساعدة ، فقال عمر : قلت لابي بكر دعني أتكلم ، وخشيت جد أبى بكر . وكان ذا جد . فقال أبو بكر : لا ، بل أنا أتكلم ، فما هو والله إلا أن انتهينا إليهم ، فما كان في نفسي شئ أريد أن أقوله إلا أتى أبو بكر عليه ، فقال لهم : يا معشر الانصار ، ما ينكر حقكم مسلم ، إنا والله ما أصبنا خيرا قط إلا شر كتمونا

[ 40 ]

فيه ، لقد آويتم ونصرتم ، وآزرتم وواسيتم ، ولكن قد علمتم أن العرب لاتقر ولا تطيع إلا لامرئ من قريش ، هم رهط النبي صلى الله عليه وسلم ، أوسط العرب وشيجة رحم ، وأوسط الناس دارا ، وأعرب الناس ألسنا وأصبح الناس أوجها ، وقد عرفتم بلاء ابن الخطاب في الاسلام وقدمه ، هلم فلنبايعه . قال عمر : بل إياك نبايع ، قال عمر : فكنت أول الناس مد يده إلى أبى بكر فبايعه ، إلا رجلا من الانصار أدخل يده بين يدى ويد أبى بكر فبايعه قبلى . ووطى الناس فراش سعد ، فقيل : قتلتم سعدا . فقال عمر : قتل الله سعدا ! فوثب رجل من الانصار ، فقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب . فأخذ ووطئ في بطنه ودسوا في فيه التراب . * * * قال أبو بكر : وحدثني يعقوب ، عن محمد بن جعفر ، عن محمد بن إسماعيل ، عن مختار اليمان ، عن عيسى بن زيد ، قال : لما بويع أبو بكر جاء أبو سفيان إلى على ، فقال : أغلبكم على هذا الامر أذل بيت من قريش وأقلها ! أما والله لئن شئت لاملاتها على أبى فصيل خيلا ورجلا ، ولاسدنها عليه من أقطارها ، فقال على : يا أبا سفيان ، طالما كدت الاسلام وأهله ، فما ضرهم شيئا ، أمسك عليك فإنا رأينا أبا بكر لها أهلا . قال أبو بكر : وحدثنا يعقوب ، عن رجاله ، قال : لما بويع أبو بكر تخلف على فلم يبايع ، فقيل لابي بكر : إنه كره إمارتك ، فبعث إليه : أ كرهت إمارتى ؟ قال : لا ، ولكن القرآن خشيت أن يزاد فيه ، فحلفت ألا أرتدى رداء حتى أجمعه ، اللهم إلا إلى صلاة الجمعة .

[ 41 ]

فقال أبو بكر : لقد أحسنت ، قال : فكتبه عليه الصلاة والسلام كما أنزل ، بناسخه ومنسوخه . * * * قال أبو بكر : حدثنا يعقوب ، عن أبى النضر ، عن محمد بن راشد ، عن مكحول ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل خالد بن سعيد بن العاص على عمل ، فقدم بعد ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بايع الناس أبا بكر ، فدعاه إلى البيعة ، فأبى ، فقال عمر : دعني وإياه ، فمنعه أبو بكر حتى مضت عليه سنة ، ثم مر به أبو بكر وهو جالس على بابه فناداه خالد : يا أبا بكر ، هل لك في البيعة ؟ قال : نعم ، قال : فادن ، فدنا منه ، فبايعه خالد وهو قاعد على بابه . قال أبو بكر : وحدثنا أبو يوسف يعقوب بن شيبة ، عن خالد بن مخلد ، عن يحيى ابن عمر ، قال : حدثنى أبو جعفر الباقر ، قال : جاء أعرابي إلى أبى بكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال له : أوصني ، فقال : لا تأمر على اثنين . ثم أن الاعرابي شخص إلى الربذة فبلغه بعد ذلك وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عن أمر الناس : من وليه ؟ فقيل : أبو بكر ، فقدم الاعرابي إلى المدينة ، فقال لابي بكر : ألست أمرتنى ألا أتأمر على اثنين ؟ قال : بلى ، قال : فما بالك ؟ فقال أبو بكر : لم أجد لها أحدا غيرى أحق منى قال : ثم رفع أبو جعفر الباقر يديه وخفضهما ، فقال : صدق ، صدق . قال أبو بكر : وقد روى هذا الخبر برواية أتم من هذه الرواية : حدثنا يعقوب بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان الاعمش ، عن سليمان بن ميسرة ، عن طارق بن شهاب ، عن رافع بن أبى رافع الطائى ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ، فأمر عليهم عمرو بن العاص ، وفيهم أبو بكر وعمر ، وأمرهم

[ 42 ]

أن يستنفروا من مروا به ، فمروا علينا فاستنفرونا ، فنفرنا معهم في غزاة ذات السلاسل وهى التى تفخر بها أهل الشام ، فيقولون : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر - ، قال : فقلت ، والله لاختارن في هذه الغزاه لنفسي رج لا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أستهديه ، فإنى لست أستطيع إتيان المدينة ، فاخترت أبا بكر ولم آل ، وكان له كساء فدكى يخله (1) عليه إذا ركب ، ويلبسه إذا نزل وهو الذى عيرته به هوازن بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا لا نبايع ذاالخلال ، قال : فلما قضينا غزاتنا ، قلت له : يا أبا بكر إنى قد صحبتك وإن لى عليك حقا فعلمني شيئا أنتفع به . فقال : قد كنت أريد ذلك لو لم تقل لى : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة ، وتحج البيت ، وتصوم شهر رمضان ولا تتأمر على رجلين ، فقلت : أما العبادات فقد عرفتها ، أرايت نهيك لى عن الامارة ! وهل يصيب الناس الخير والشر إلا بالامارة ! فقال : إنك استجهد تنى فجهدت لك ، إن الناس دخلوا في الاسلام طوعا وكرها فأجارهم الله من الظلم ، فهم جيران الله وعواد الله وفى ذمة الله فمن يظلم منكم إنما يحقر ربه ، والله إن أحدكم ليأخذ شويهة جاره أو بعيره ، فيظل عمله بأسا بجاره ، والله من وراء جاره ، قال : فلم يلبث إلا قليلا حتى أتتنا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألت : من استخلف بعده ؟ قيل : أبو بكر ، قلت أصاحبي الذى كان ينهاني عن الامارة ! فشددت على راحلتي ، فأتيت المدينة ، فجعلت أطلب خلوته ، حتى قدرت عليها ، فقلت : أتعرفني ؟ أنا فلان بن فلان ، أتعرف وصية أوصيتني بها ؟ قال : نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ، والناس حديثو عهد بالجاهلية فخشيت أن يفتتنوا ، وإن أصحابي حملونيها ، فمازال يعتذر إلى حتى عذرته ، وصار من أمرى بعد أن صرت عريفا . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة ، عن رجاله ، عن الشعبى ، قال : قام الحسن ابن على عليه السلام إلى أبى بكر وهو يخطب على المنبر فقال له : انزل عن منبر أبى ، فقال ،


(1) يخله عليه ، أي يجمع بين طرف الكساء بخلال من عود أو حديد . (*)

[ 43 ]

أبو بكر : صدقت ، والله إنه لمنبر أبيك لا منبر أبى فبعث على إلى أبى بكر ، إنه غلام حدث ، وإنا لم نأمره فقال أبو بكر : صدقت ، إنا لم نتهمك . قال أبو بكر : وروى أبو زيد ، عن حباب بن يزيد ، عن جرير ، عن المغيرة أن سلمان والزبير وبعض الانصار كان هواهم أن يبايعوا عليا بعد النبي صلى الله عليه وآله ، فلما بويع أبو بكر ، قال سلمان للصحابة : أصبتم الخير ، ولكن أخطاتم المعدن . قال : وفى رواية أخرى : أصبتم ذا السن منكم ، ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم . أمالو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان ولا كلتموها رغدا . قلت : هذا الخبر هو الذى رواه المتكلمون في باب الامامة عن سلمان أنه قال : (كرديد ونكرديد) ، تفسره الشيعة ، فتقول : أراد أسلمتم وما أسلمتم ، ويفسره أصحابنا فيقولون معناه : أخطاتم وأصبتم . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا غسان بن عبد الحميد ، قال : لما أكثر في تخلف على عن البيعة واشتد أبو بكر وعمر في ذلك ، خرجت أم مسطح بن أثاثة ، فوقفت عند قبر النبي صلى الله عليه وآله ونادته : يا رسول الله قد كان بعدك أنباء وهينمة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب (1) إنا فقدناك فقد الارض وابلها * فاختل قومك ، فاشهدهم ولا تغب . قال : أبو بكر أحمد بن عبد العزيز : وسمعت أبا زيد عمر بن شبة يحدث رجلا بحديث لم أحفظ إسناده ، قال : مر المغيرة بن شعبة بأبى بكر وعمر ، وهما جالسان على باب النبي حين قبض ، فقال : ما يقعدكما ؟ قالا : ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه - يعنيان عليا - فقال : أتريدون أن تنظروا حبل الحبلة (2) من أهل هذا البيت ! وسعوها في قريش تتسع .


(1) الهينمة : الخفى . وفى اللسان - ونسب البيتين إلى فاطمة : (وهنبثة) والهنبثة : الاختلاط في القول . (2) الحبلة في الاصل : الكرم ، قيل : معناه حمل الكرمة قبل أن تبلغ ، ولعله كناية عن صغر سن على . (*)

[ 44 ]

قال : فقاما إلى سقيفة بنى ساعدة ، أو كلاما هذا معناه . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك الواسطي ، عن يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك ، قال : لما مرض رسول الله مرضه الذى مات فيه ، أتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال بعد مرتين : يا بلال ، قد أبلغت ، فمن شاء فليصل بالناس ، ومن شاء فليدع . قال : ورفعت الستور عن رسول الله ، فنظرنا إليه كانه ورقة بيضاء ، وعليه خميصة (1) له ، فرجع إليه بلال فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، قال : فما رأيناه بعد ذلك عليه السلام . وقال أبو بكر : وحدثني أبو الحسن على بن سليمان النوفلي ، قال : سمعت أبيا يقول : ذكر سعد بن عبادة يوما عليا بعد يوم السقيفة ، فذ كر أمرا من أمره نسيه أبو الحسن ، يوجب ولايته ، فقال له ابنه قيس بن سعد : أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام في على بن أبى طالب ، ثم تطلب الخلافة ويقول أصحابك منا أمير ومنكم أمير ! لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبدا . قال أبو بكر : وحدثني أبو الحسن على بن سليمان النوفلي ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنى شريك بن عبد الله ، عن إسماعيل بن خالد ، عن زيد بن على بن الحسين ، عن أبيه عن جده ، قال : قال على : كنت مع الانصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له في المحبوب والمكروه ، فلما عز الاسلام ، وكثر أهله ، قال : يا على ، زد فيها : (على أن تمنعوا رسول الله وأهل بيته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم) ، قال : فحملها على ظهور القوم ، فوفى بها من وفى ، وهلك من هلك . قلت : هذا يطابق ما رواه أبو الفرج الاصفهانى في كتاب ، ، مقاتل الطالبيين ، ، أن


(1) الخميصة : كساء أسود مربع ، له علمان . (*)

[ 45 ]

جعفر بن محمد عليه السلام وقف مستترا في خفية ، يشاهد المحامل التى حمل عليها عبد الله ابن الحسن وأهله في القيود والحديد من المدينة إلى العراق ، فلما مروا به بكى ، وقال : ماوفت الانصار ولا ابناء الانصار لرسول الله صلى الله عليه وآله ، بايعهم على أن يمعنوا محمدا وأبناءه وأهله وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم وأهلهم وذراريهم فلم يفوا . اللهم اشدد وطأتك على الانصار قال أبو بكر : وحدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن الحكم قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، عن ليث بن سعد ، قال : تخلف على عن بيعة أبى بكر ، فأخرج ملببا (1) يمضى به ركضا ، وهو يقول : معاشر المسلمين ، علام تضرب عنق رجل من المسلمين ، لم يتخلف لخلاف ، وإنما تخلف لحاجة ! فما مر بمجلس من المجالس إلا يقال له : انطلق فبايع قال أبو بكر : وحدثنا على بن جرير الطائى ، قال : حدثنا ابن فضل ، عن الاجلح ، عن حبيب بن ثعلبه بن يزيد ، قال : سمعت عليا يقول : أما ورب السماء والارض ، ثلاثا ، إنه لعهد النبي الامي إلى : (لتغدرن بك الامة من بعدى) . قال أبو بكر وحدثنا أبو زيد عمر بن شبة بإسناد رفعه إلى ابن عباس ، قال : إنى لاماشى عمر في سكة من سكك المدينة ، يده في يدى ، فقال : يابن عباس ، ما أظن صاحبك إلا مظلوما ، فقلت في نفسي : والله لا يسبقنى بها ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فاردد [ إليه ظلامته . فانتزع يده من يدى ، ثم مر يهمهم ساعة ثم وقف ، فلحقته فقال لى : يابن عباس ، ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه ، فقلت في نفسي : هذه شر من الاولى ، فقلت : والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبى بكر . * * *


(1) يقال : لبب فلان فلانا : أخذ بتلبيبه ، أي جمع ثيابه عند صدره ونحره ثم جره . (*)

[ 46 ]

[ ماروى من أمر فاطمة مع أبى بكر ] فأما ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين (1) من كيفية المبايعة لابي بكر بهذا اللفظ الذى أورده عليك ، ولاسناد إلى عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من النبي صلى الله عليه وآله ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنا معشر الانبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال) ، وإنى والله لاأدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته . فهجرته فاطمة ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت فدفنها على ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر ، وكان لعلى وجه (2) من الناس في حياة فاطمة . فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن على (3) ، فمكثت فاطمة سته أشهر ثم توفيت فقال رجل للزهري وهو الراوى لهذا الخبر عن عائشة : فلم يبايعه على ستة أشهر ! قال : ولا أحد من بنى هاشم حتى بايعه على . فلما رأى ذلك ضرع إلى مبايعة أبى بكر ، فأرسل إلى أبى بكر أن ائتنا ، ولا يأت (4) معك أحد ، وكره أن يأتيه عمر لما عرف من شدته ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، فقال أبو بكر : والله لاتينهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بى ؟ فانطلق أبو بكر حتى دخل على على ، وقد جمع بنى هاشم عنده ، فقام على ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضلك ، ولا منافسة لخير ساقه الله إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا ، فاستبدد تم به علينا . وذ كر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وحقه ، فلم يزل على يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر ، فلما صمت على تشهد أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد


(1) صحيح البخاري 2 : 186 مع اختلاف في لفظ الحديث (2) مسلم : (وجهة) . (3) مسلم : (استنكر على وجوه الناس) . (4) مسلم : (ولا يأتنا) . (*)

[ 47 ]

فو الله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إلى أن أصلها من قرابتي ، وإنى والله ما آلوكم من هذه الاموال التى كانت بينى وبينكم إلا الخير ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا نورث ما تركناه صدقة ، وإنما يأكل آل محمد في هذا المال) ، وإنى والله لاأترك أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته إن شاء الله ، قال على : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر ، أقبل على الناس ثم عذر عليا (1) ببعض ما اعتذر به ، ثم قام على فعظم من حق أبى بكر ، وذ كر فضله وسابقته ، ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه ، فأقبل الناس إلى على ، فقالوا : أصبت وأحسنت ، وكان على قريبا إلى الناس حين قارب الامر بالمعروف . * * * وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز ، قال : حدثنى أبو زيد عمر بن شبة قال ، حدثنى إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن أبى الاسود ، قال : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبى بكر بغير مشورة ، وغضب على والزبير ، فدخلا بيت فاطمة ، معهما السلاح ، فجاء عمر في عصابة ، فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن قريش ، وهما من بنى عبد الاشهل ، فاقتحما الدار ، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله ، فأخذوا سيفيهما ، فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما ، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا . ثم قام أبو بكر ، فخطب الناس ، فاعتذر إليهم ، وقال : أن بيعتى كانت فلتة وقى الله شرها ، وخشيت الفتنة ، وايم الله ما حرصت عليها يوما قط ، ولا سألتها الله في سر ولا علانية قط ، ولقد قلدت أمرا عظيما مالى به طاقة ولا يدان ، ولقد وددت أن أقوى الناس عليه مكاني .


(1) مسلم : (وذ كر شأن على وتخلفه عن البيعة ، وعذره الذى اعتذر إليه) . (*)

[ 48 ]

فقبل المهاجرون ، وقال على والزبير : ما غضبنا إلا في المشورة وأنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها ، إنه لصاحب الغار ، وثاني اثنين ، وإنا لنعرف له سنه ، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة وهو حى . قال أبو بكر : وذ كر ابن شهاب بن ثابت أن قيس بن شماس أخا بنى الحارث من الخزرج ، كان مع الجماعة الذين دخلوا بيت فاطمة . قال : وروى سعد بن إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ذلك اليوم ، وأن محمد بن مسلمة كان معهم ، وأنه هو الذى كسر سيف الزبير . قال أبو بكر : وحدثني أبو زيد عمر بن شبة ، عن رجاله ، قال : جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الانصار ونفر قليل من المهاجرين ، فقال : والذى نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لاحرقن البيت عليكم . فخرج إليه الزبير مصلتا بالسيف ، فاعتنقه زياد بن لبيد الانصاري ورجل آخر ، فندر (1) السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسر ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا عنيفا ، حتى بايعوا أبا بكر . قال أبو زيد : وروى النضر بن شميل ، قال : حمل سيف الزبير لما ندر من يده إلى أبى بكر وهو على المنبر يخطب ، فقال : اضربوا به الحجر ، قال أبو عمرو بن حماس : ولقد رأيت الحجر وفيه تلك الضربة ، والناس يقولون : هذا أثر ضربة سيف الزبير . قال أبو بكر : وأخبرني أبو بكر الباهلى ، عن إسماعيل بن مجالد ، عن الشعبى ، قال : قال أبو بكر : يا عمر ، أين خالد بن الوليد ؟ قال : هو هذا ، فقال : انطلقا إليهما - يعنى عليا والزبير - فأتيانى بهما ، فانطلقا ، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟ قال : أعددته لابايع عليا ، قال : وكان في البيت ناس كثير ، منهم المقداد بن الاسود وجمهور الهاشميين ، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت


(1) ندر : سقط . (*)

[ 49 ]

فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير ، فأقامه ثم دفعه فأخرجه ، وقال : يا خالد ، دونك هذا ، فأمسكه خالد - وكان خارج (1) البيت مع خالد جمع كثير من الناس ، أرسلهم أبو بكر ردءا لهما ، ثم دخل عمر فقال لعلى ، قم فبايع فتلكا واحتبس (2) ، فأخذ بيده ، وقال : قم ، فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير ، ثم أمسكهما خالد ، وساقهما عمر ومن معه سوقا عنيفا ، واجتمع الناس ينظرون ، وامتلات شوارع المدينة بالرجال ، ورأت فاطمة ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ! والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله . قال : فلما بايع على والزبير ، وهدأت تلك الفورة ، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك فشفع لعمر ، وطلب إليها فرضيت عنه . قال أبو بكر : وحدثني المؤمل بن جعفر ، قال : حدثنى محمد بن ميمون ، قال : حدثنى داود بن المبارك ، قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب عليه السلام ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل ، وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبى بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدى عبد الله بن الحسن ، فإنه سئل عنهما ، فقال : كانت أمنا صديقة ابنة نبى مرسل ، وماتت وهى غضبى على قوم ، فنحن غضاب لغضبها . قلت : قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز ، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوى ، قال ، أنشدني هذا الشاعر لنفسه - وذهب عنى أنا اسمه - قال يا أبا حفص الهوينى وما كنت مليا بذاك لولا الحمام


(1) ب : (في خارج البيت) . (2) احتبس : توقف . (*)

[ 50 ]

أتموت البتول غضبى ونرضى * ما كذا يصنع البنون الكرام . يخاطب عمرو يقول له : مهلا ورويدا (1) يا عمر ، أي ارفق وائتد ولا تعنف بنا . وما كنت مليا ، أي وما كنت أهلا لان تخاطب بهذا وتستعطف ، ولا كنت قادرا على ولوج دار (2) فاطمة على ذلك الوجه الذى ولجتها عليه ، لولا أن أباها الذى كان بيتها يحترم ويصان لاجله مات ، فطمع فيها من لم يكن يطمع . ثم قال : أتموت أمنا وهى غضبى ونرضى نحن ! إذا لسنا بكرام ، فإن الولد الكريم يرضى لرضا أبيه وأمه ويغضب لغضبهما . والصحيح عندي أنها ماتت وهى واجدة على أبى بكر وعمر ، وأنها أوصت ألا يصليا عليها ، وذلك عند أصحابنا من الامور المغفورة لهما . وكان الاولى بهما إ كرامها واحترام منزلها لكنهما خافا الفرقة ، وأشفقا من الفتنة ، ففعلا ما هو الاصلح بحسب ظنهما ، وكانا من الدين وقوة اليقين بمكان مكين ، لا شك في ذلك ، والامور الماضية يتعذر الوقوف على عللها وأسبابها ، ولا يعلم حقائقها إلا من قد شاهدها ولابسها ، بل لعل الحاضرين المشاهدين لها يعلمون باطن الامر ، فلا يجوز العدول عن حسن الاعتقاد فيهما بما جرى ، والله ولى المغفرة والعفو ، فإن هذا لو ثبت أنه خطا لم يكن كبيرة ، بل كان من باب الصغائر التى لا تقتضي التبرى ، ولا توجب زوال التولى . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة ، قال : حدثنا محمد بن حاتم ، عن رجاله ، عن ابن عباس ، قال : مر عمر بعلى ، وأنا معه بفناء داره فسلم عليه ، فقال له على : أين تريد ؟ قال : البقيع ، قال : أفلا (3) تصل صاحبك ، ويقوم معك (3) ؟ قال : بلى ، فقال لى على : قم معه ، فقمت فمشيت إلى جانبه ، فشبك أصابعه في أصابعي ، ومشينا قليلا ، حتى إذا خلفنا البقيع قال لى يابن عباس ما والله إن صاحبك هذا لاولى الناس بالامر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنا خفناه على اثنين ، قال ابن عباس : فجاء بكلام لم أجد بدا من * (هامش) (1) ب : (رويدا) . (2) ج : (بيت) . (3 - 3) ب : (نصل جناحك ونقوم معك) . (*)

[ 51 ]

مسألته عنه ، فقلت : ماهما يا أمير المؤمنين ؟ قال : خفناه على حداثه سنه ، وحبه بنى عبد المطلب . قال أبو بكر : وحدثني أبو زيد ، قال : حدثنى محمد بن عباد ، قال : حدثنى أخى سعيد بن عباد ، عن الليث بن سعد ، عن رجاله ، عن أبى بكر الصديق أنه قال : ليتنى لم أ كشف بيت فاطمة ، ولو أعلن على الحرب . قال بكر الصديق أنه قال : ليتنى لم أ كشف بيت فاطمة ، ولو أعلن على الحرب . قال أبو بكر : وحدثنا الحسن بن الربيع ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن على عبد الله بن العباس عن أبيه ، قال : لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة ، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ائتونى بدواة وصحيفة ، أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدى ، فقال عمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف من في البيت واختصموا ، فمن قائل يقول : القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن قائل يقول : القول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغط واللغو والاختلاف غضب رسول الله ، فقال : (قوموا أنه لا ينبغى لنبى أن يختلف عنده هكذا) ، فقاموا ، فمات رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك اليوم ، فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله - يعنى الاختلاف واللغط . قلت : هذا الحديث قد خرجه الشيخان محمد بن إسماعيل البخاري ، ومسلم بن الحجاج القشيرى في صحيحيهما (1) ، واتفق المحدثون كافة على روايته . * * * قال أبو بكر : وحدثنا أبو زيد ، عن رجاله ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله * (هامش) (1) صحيح مسلم : 1259 . (*)

[ 52 ]

صلى الله عليه وآله : إان تولوها أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه ، قويا في أمر الله ، وإن تولوها عمر تجدوه قويا في بدنه قويا في أمر الله وإن تولوها عليا - وما أراكم فاعلين - تجدوه هاديا مهديا ، يحملكم على المحجة البيضاء ، والصراط المستقيم . قال أبو بكر : وحدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح ، عن أحمد بن سيار ، عن سعيد بن كثير الانصاري ، عن رجاله ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والانصار ، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير ، وأمره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد ، وأن يغزو وادى فلسطين . فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه يثقل ويخف ، ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث ، حتى قال له أسامة : بأبى أنت وأمى ! أتأذن لى أن أمكث أياما حتى يشفيك الله تعالى ! فقال : اخرج وسر على بركة الله ، فقال : يا رسول الله ، إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفى قلبى قرحة منك ، فقال : سر على النصر والعافية ، فقال : يا رسول الله إنى أكره أن أسال عنك الركبان ، فقال : انفذ لما أمرتك به ، ثم أغمى على رسول الله صليه الله عليه وآله ، وقام أسامة فتجهز للخروج ، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن أسامة والبعث ، فأخبر أنهم يتجهزون ، فجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة ، لعن الله من تخلف عنه وكرر (1) ذلك ، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين ، ومن الانصار أسيد بن حضير وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه ، فجاءه رسول أم أيمن يقول له : ادخل فإن رسول الله يموت ، فقام من فوره ، فدخل المدينة واللواء معه ، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله ، ورسول الله قد مات في تلك الساعة . قال : فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن ماتا إلا بالامير . * (هامش) (1) ج : (وتكرر) . (*)

[ 53 ]

(67) الاصل : من كلام له عليه السلام لما قلد محمد بن أبى بكر مصر فملكت عليه وقتل : وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة ، ولو وليته إياها لما خلى لهم العرصة ، ولا أنهزهم الفرصة ، بلا ذم لمحمد بن أبى بكر ، فلقد كان إلى حبيبا ، وكان لى ربيبما * * * [ محمد بن أبن بكر وذ كر ولده ] الشرح : أم محمد بن أبى بكر ، أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم ، كانت تحت جعفر بن أبى طالب ، وهاجرت معه إلى الحبشة ، فولدت له هناك عبد الله بن جعفر الجواد ، ثم قتل عنها يوم مؤتة ، فخلف عليها أبو بكر الصديق ، فأولدها محمدا ، ثم مات عنها ، فخلف عليها على بن أبى طالب ، وكان محمد ربيبه وخريجه ، وجاريا عنده مجرى أولاده ، رضع الولاء والتشيع مذ زمن الصبا ، فنشأ عليه ، فلم يكن يعرف له أبا غير على ، ولا يعتقد لاحد فضيله غيره ، حتى قال على عليه السلام : محمد ابني من صلب أبى بكر ، وكان يكنى أبا القاسم في قول ابن قتيبة (1) . وقال غيره : بل كان يكنى أبا عبد الرحمن .


(1) في المعارف ص 76 (*)

[ 54 ]

وكان محمد من نساك قريش ، وكان ممن أعان على عثمان في يوم الدار ، واختلف : هل باشر قتل عثمان أم لا . ومن ولد محمد القاسم بن محمد بن أبى بكر فقيه الحجاز وفاضلها ، ومن ولد القاسم عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ، كان من فضلاء قريش ويكنى أبا محمد ، ومن ولد القاسم أيضا أم فروة ، تزوجها الباقر أبو جعفر محمد بن على ، فأولدها الصادق أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما والسلام ، وإلى أم فروة أشار الرضى أبو الحسن بقوله : يفاخرنا قوم بمن لم نلدهم * بتيم إذا عد السوابق أو عدى (1) وينسون من لو قدموه لقدموا * عذار جواد في الجياد مقلد فتى هاشم بعد النبي وباعها * لمرمى علا أو نيل مجد وسودد ولو لا على ما علوا سرواتها * ولا جعجعوا فيها بمرعى ومورد أخذنا عليكم بالنبي وفاطم * طلاع المساعى من مقام ومقعد وطلنا بسبطي أحمد ووصيه * رقاب الورى من متهمين ومنجد وحزنا عتيقا وهو غاية فخركم بمولد بنت القاسم بن محمد فجد نبى ثم جد خليفة * فأكرم بجدينا : عتيق وأحمد وما افتخرت بعد النبي بغيره * يد صفقت يوم البياع على يد . قوله * ولو لا على ما علوا سرواتها . . . * البيت ينظر فيه إلى قول المأمون في أبيات يمدح فيها عليا ، أولها : ألام على حبى الوصي أبا الحسن * وذلك عندي من أعاجيب ذا الزمن . والبيت المنظور إليه منها قوله :


(1) ديوانه لوحة 91 . (*)

[ 55 ]

ولولاه ما عدت لهاشم إمرة * وكان مدى الايام يعصى ويمتهن * * * [ هاشم بن عتبة بن ابى وقاص ونسبه ] وأما هاشم بن عتبة بن أبى وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب ، عمه سعد بن أبى وقاص ، أحد العشرة ، وأبوه عتبة بن أبى وقاص ، الذى كسر رباعية (1) رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد ، وكلم شفتيه وشج وجهه ، فجعل يمسح الدم عن وجهه ، ويقول : (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم ، وهو يدعوهم إلى ربهم !) ، فأنزل الله عز وجل : (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . (2) وقال حسان بن ثابت في ذلك اليوم : إذا الله حيا معشرا بفعالهم * ونصرهم الرحمن رب المشارق (3) فهدك ربى يا عتيب بن مالك * ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق (4) بسطت يمينا للنبى محمد (5) * فدميت فاه قطعت بالبوارق فهلا ذكرت الله والمنزل الذى (6) * تصير إليه عند إحدى الصعائق فمن عاذري من عبد عذره بعدما * هوى في دجوجى شديد المضايق ! (7)


(1) الرباعية : السن التى بين الثنية والناب . (2) سورة آل عمران 128 . (3) ديوانه 291 . (4) الديوان : (فأخزاك وبى) . (5) الديوان : (للنبى محمد) . (6) الديوان : (فهلا خشيت الله) . (7) لم يذكر في الديوان . (*)

[ 56 ]

وأورث عارا في الحياة لاهله * وفى النار يوم البعث أم البوائق (1) . وإنما قال ، (عبد عذرة) لان عتبة بن أبى وقاص وإخوته وأقاربه في نسبهم كلام ، ذكر قوم من أهل النسب أنهم من عذرة ، وأنهم أدعياء في قريش ، ولهم خبر معروف ، وقصة مذكورة في كتب النسب . وتنازع عبد الله بن مسعود وسعد بن أبى وقاص في أيام عثمان في أمر فاختصما ، فقال سعد لعبد الله : اسكت يا عبد هذيل ، فقال له عبد الله : اسكت يا عبد عذرة . وهاشم بن عتبة هو المرقال ، سمى المرقال ، لانه كان يرقل في الحرب إرقالا وهو من شيعة على ، وسنفصل (2) مقتله ، إذا انتهينا إلى فصل من كلامه يتضمن ذكر صفين . * * * فأما قوله : (لما خلى لهم العرصة) فيعنى عرصة مصر ، وقد كان محمد رحمه الله تعالى : لما ضاق عليه الامر ، ترك لهم مصر وظن أنه بالفرار ينجو بنفسه ، فلم ينج وأخذ وقتل . وقوله : (ولا أنهزهم الفرصة) أي ولا جعلهم للفرصة منتهزين والهمزة للتعدية ، يقال : أنهزت الفرصة ، إذا أنهزتها غيرى . ونحن نذكر في هذا الموضع ابتداء أمر الذين ولاهم على عليه السلام مصر ، إلى أن ننتهي إلى كيفية ملك معاوية لها وقتل محمد بن أبى بكر ، وننقل ذلك من كتاب إبراهيم ابن سعد بن هلال الثقفى ، وهو كتاب الغارات * * *


(1) رواية الديوان : لقد كان حربا في الحياة لقومه * وفى البعث بعد الموت إحدى العوائق (2) ا : (وسنذكر) . (*)

[ 57 ]

[ ولاية قيس بن سعد على مصر ثم عزله ] قال إبراهيم : حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان الثقفى ، قال : حدثنى على بن محمد بن أبى سيف ، عن الكلبى ، أن محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، هو الذى حرض المصريين على قتل عثمان وندبهم إليه ، وكان حينئذ بمصر ، فلما ساروا إلى عثمان وحصروه ، وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها ، وهو عبد الله بن سعد بن أبى سرح أحد بنى عامر بن لؤى ، فطرده عنها ، وصلى بالناس ، فخرج ابن أبى سرح من مصر ، ونزل على تخوم أرضها مما يلى فلسطين ، وانتظر ما يكون من أمر عثمان ، فطلع عليه راكب ، فقال له : يا عبد الله ، ما وراءك ؟ ما خبر الناس بالمدينة ؟ قال : قتل المسلمون عثمان ، فقال ابن أبى سرح : إنا لله وإنا إليه راجعون ! ثم صنعوا ماذا يا عبد الله ؟ قال : بايعوا ابن عم رسول الله على بن أبى طالب ، فقال ثانية : إنا لله وإنا إليه راجعون ! فقال الرجل : أرى أن ولاية على عدلت عندك قتل عثمان ! قال : أجل ، فنظر إليه متأملا له فعرفه ، فقال : أظنك عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، أمير مصر ! قال : أجل ، قال : إن كانت لك في الحياة حاجة فالنجاء النجاء ، فإن رأى على فيك وفى أصحابك إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم عن بلاد المسلمين ، وهذا أمير تقدم بعدى عليكم . قال : ومن الامير ؟ قال : قيس بن سعد بن عبادة . فقال ابن أبى سرح : (1 أبعد الله 1) ابن أبى حذيفة ، فإنه بغى على ابن عمه ، وسعى عليه وقد كان كفله ورباه وأحسن إليه ، وأمن جواره ، فجهز الرجال إليه حتى قتل ، ووثب على عامله . وخرج ابن أبى سرح حتى قدم على معاوية بدمشق . * * * قال إبراهيم : وكان قيس بن سعد بن عبادة من شيعة على ومناصحيه ، فلما ولى الخلافة ، قال له : سر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى ظاهر المدينة ، واجمع ثقاتك ومن


(1 - 1) ساقط من ب . (*)

[ 58 ]

أحببت أن يصحبك حتى تأتى مصر ومعك جند ، فإن ذلك أرعب لعدوك ، وأعز لوليك . فإذا أنت قدمتها إن شاء الله ، فأحسن إلى المحسن ، واشتد (1) على المريب ، وارفق بالعامة والخاصة فالرفق يمن . فقال قيس : رحمك الله يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت ، فأما الجند فإنى أدعه لك ، فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك ، وإن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة ، ولكني أسير إلى مصر بنفسى وأهل بيتى ، وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك . قال : فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر ، فصعد المنبر ، وأمر بكتاب معه يقرأ على الناس ، فيه : من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من بلغة كتابي هذا من المسلمين . سلام عليكم ، فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو . أما بعد فإن الله بحسن صنعه وقدره وتدبيره ، اختار الاسلام دينا لنفسه وملائكته ورسله ، وبعث به أنبياءه إلى عباده ، فكان مما أكرم الله عزوجل به هذه الامة وخصهم به من الفضل ، أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم ، فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض وأدبهم لكيما يهتدوا ، وجمعهم لكيلا يتفرقوا ، وزكاهم لكيما يتطهروا ، فلما قضى من ذلك ما علية ، قبضه الله إليه ، فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه . ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين فعملا بالكتاب والسنة ، وأحييا السيرة ، ولم يعدوا السنة . ثم توفيا رحمهما الله ، فولى بعدهما وال أحدث أحداثا ، فوجدت الامة عليه مقالا فقالوا ، ثم نقموا فغيروا ثم جاءوني فبايعوني ، وأنا أستهدى الله الهدى ، وأستعينه على التقوى . ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله والقيام بحقه ، والنصح لكم بالغيب ، والله المستعان على ما تصفون ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .


(1) ب : (واشدد) . (*)

[ 59 ]

وقد بعثت لكم قيس بن سعد الانصاري أميرا ، فوازروه وأعينوه على الحق ، وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم ، والشدة على مريبكم ، والرفق بعوامكم وخواصكم ، وهو ممن أرضى هديه ، وأرجو صلاحه ونصحه . نسأل الله لنا ولكم عملا زاكيا ، وثوابا جزيلا ورحمة واسعة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتبه عبد الله بن أبى رافع في صفر سنة ست وثلاثين . قال إبراهيم : فلما فرغ من قراءة الكتاب ، قام قيس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : الحمد لله الذى جاء بالحق ، وأمات الباطل ، وكبت الظالمين . أيها الناس ، إنا بايعنا خير من نعلم من بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله ، فإن نحن لم نعمل بكتاب الله وسنة رسوله فلا بيعة لنا عليكم . فقام الناس فبايعوا ، واستقامت مصر وأعمالها لقيس ، وبعث عليها عماله ، إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان ، وبها رجل من بنى كنانة يقال له يزيد بن الحارث ، فبعث إلى قيس : أنا لا نأتيك فابعث عمالك ، فالارض أرضك ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس . ووثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الانصاري فنعى عثمان ، ودعا إلى الطلب بدمه ، فأرسل إليه قيس : ويحك ! أعلى تثب ! والله ما أحب أن لى ملك الشام ومصر وأنى قتلتك ! فاحقن دمك . فأرسل إليه مسلمة : إنى كاف عنك مادمت أنت والى مصر . وكان قيس بن سعد ذا رأى وحزم ، فبعث إلى الذين اعتزلوا : إنى لا أكرهكم على البيعة ، ولكني أدعكم وأكف عنكم ، فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد ، وجبى لخراج ، وليس أحد ينازعه . * * *

[ 60 ]

قال إبراهيم : وخرج على عليه السلام إلى الجمل ، وقيس على مصر ، ورجع من البصرة إلى الكوفة ، وهو بمكانه ، فكان أثقل خلق الله على معاوية لقرب مصر وأعمالها من الشام ، ومخافة أن يقبل على بأهل العراق ، ويقبل إليه قيس بأهل مصر ، فيقع بينهما . فكتب معاوية إلى قيس وعلى يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين : من معاوية بن أبى سفيان إلى قيس بن سعد . سلام عليك ، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها ، أو ضربة سوط ضربها ، أوفى شتمه رجلا أو تعييره واحدا ، أو في استعماله الفتيان من أهله فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل لكم بذلك ، فقد ركبتم عظيما من الامر ، وجئتم شيئا إدا ، فتب يا قيس إلى ربك ، إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة قبل الموت تغنى شيئا وأما صاحبك فقد استيقنا أنه أغرى الناس بقتله ، وحملهم على قتله حتى قتلوه ، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك ، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل ، وتابعنا على على في أمرنا . هذا ولك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت ، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز مادام لى سلطان ، وسلنى عن غير هذا مما تحب ، فإنك لا تسألني شيئا إلا أتيته ، واكتب إلى رأيك فيما كتبت إليك . فلما جاء إليه كتاب معاوية أحب أن يدافعه ، ولا يبدى له أمره ، ولا يعجل له حربه ، فكتب إليه : أما بعد ، فقد وصل إلى كتابك وفهمت الذى ذكرت من أمر عثمان ، وذلك أمر لم أقاربه . وذكرت أن صاحبي هو الذى أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه ، وهذا أمر لم أطلع عليه . وذكرت لى أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان ، فلعمري إن أولى

[ 61 ]

الناس كان في أمره عشيرتي ، وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه ، وما عرضته على فقد فهمته ، وهذا أمر لى نظر فيه وفكر ، وليس هذا مما يعجل إلى مثله ، وأنا كاف عنك ، وليس ياتيك من قبلى شئ تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . قال إبراهيم : فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا ، ولم يأمن أن يكون له في ذلك مخادعا مكايدا ، فكتب إليه : أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، فلم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك تتباعد فأعدك حربا ، أراك كحبل الجرور ، وليس مثلى يصانع بالخداع ، ولا يخدع بالمكايد ، ومعه عدد الرجال وأعنه الخيل ، فإن قبلت الذى عرضت عليك فلك ما أعطيتك ، وإن أنت لم تفعل ملات مصر عليك خيلا . ورجلا والسلام . فلما قرأ قيس كتابه ، وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة ، أظهر له ما في نفسه ، فكتب إليه : من قيس بن سعد ، إلى معاوية بن أبى سفيان . أما بعد ، فالعجب من استسقاطك رأيى ، والطمع في أن تسومنى - لا أبا لغيرك - الخروج من طاعة أولى الناس بالامر ، وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلا ، وأقربهم من رسول الله وسيلة ، وتأمرني بالدخول في طاعتك وطاعة أبعد الناس من هذا الامر ، وأقولهم بالزور ، وأضلهم سبيلا ، وأدناهم من رسول الله وسيلة ، ولديك قوم ضالون مضلون ، طواغيت من طواغيت إبليس . وأما قولك إنك تملا على مصر خيلا ورجلا ، فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك ، إنك لذو جد . والسلام . فلما أتى معاوية كتاب قيس ، أيس وثقل مكانه عليه ، وكان أن يكون مكانه غيره أحب إليه ، لما يعلم من قوته وتأبيه (1) ونجدته ، واشتداد أمره على معاوية ، فأظهر للناس أن


(1) ج : (وبأسه) (*)

[ 62 ]

قيسا قد بايعكم ، فادعوا الله له . وقرأ عليهم كتابه الذى لان فيه وقاربه ، واختلق كتابا نسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام : للامير معاوية بن أبى سفيان من قيس بن سعد . أما بعد ، إن قتل عثمان كان حدثا في الاسلام عظيما ، وقد نظرت لنفسي وديني ، فلم أر يسعنى مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما براتقيا ، فنستغفر الله سبحانه لذنوبنا ، ونسأله العصمة لديننا . ألا وإنى قد ألقيت إليكم بالسلام ، وأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم ، فاطلب منى ما أحببت من الاموال والرجال أعجله إليك إن شاء الله : والسلام على الامير ورحمة الله وبركاته . قال : فشاع في الشام كلها أن قيسا صالح معاوية ، وأتت عيون على بن أبى طالب إليه بذلك ، فأعظمه وأكبره وتعجب له ، ودعا ابنيه حسنا وحسينا وابنه محمدا وعبد الله ابن جعفر ، فاعلمهم بذلك ، وقال : ما رأيكم ؟ فقال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين ، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيسا عن مصر . قال على : والله إنى غير مصدق بهذا على قيس . فقال عبد الله : اعزله يا أمير المؤمنين ، فإن كان ما قد قيل حقا فلا يعتزل لك أن عزلته . قال : وأنهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من قيس بن سعد ، فيه : أما بعد فإنى أخبر يا أمير المؤمنين ، أكرمك الله وأعزك إن قبلى رجالا معتزلين سألوني أن أ كف عنهم وأدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويرون . وقد رأيت أن أكف عنهم ولا أعجل بحربهم ، وأن أتألفهم فيما بين ذلك ، لعل الله أن يقبل بقلوبهم ، ويفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله . والسلام . فقال عبد الله بن جعفر : يا أمير المؤمنين ، إنك إن أطعته في تركهم واعتزالهم استشرى الامر وتفاقمت الفتنة ، وقعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها ، ولكن مره بقتالهم . فكتب إليه :

[ 63 ]

أما بعد فسر إلى القوم الذين ذكرت ، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجزهم . والسلام . قال : فلما أتى هذا الكتاب قيسا فقرأه لم يتمالك أن كتب إلى على : أما بعد يا أمير المؤمنين ، تأمرني بقتال قوم كافين عنك ، ولم يمدوا يدا للفتنة ، ولا أرصدوا لها ، فأطعني يا أمير المؤمنين ، وكف عنهم ، فإن الرأى تركهم ، والسلام . فلما أتاه هذا الكتاب ، قال عبد الله بن جعفر : يا أمير المؤمنين ، ابعث محمد بن أبى بكر إلى مصر يكفك أمرها ، واعزل قيسا ، فوالله لبلغني أن قيسا يقول : إن سلطانا لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء ، والله ما أحب أن لى سلطان الشام مع سلطان مصر ، وأنني قتلت ابن مخلد . وكان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبى بكر لامه ، وكان يحب أن يكون له إمرة وسلطان ، فاستعمل على عليه السلام محمد بن أبى بكر على مصر ، لمحبة له ولهوى عبد الله بن جعفر أخيه فيه . وكتب معه كتابا إلى أهل مصر ، فسار حتى قدمها ، فقال له قيس : ما بال أمير المؤمنين ! ما غيره ! أدخل أحد بينى وبينه ! قال : لا وهذا السلطان سلطانك . - وكان بينهما نسب ، كان تحت قيس قريبة بنت أبى قحافة أخت أبى بكر الصديق ، فكان قيس زوج عمته - فقال قيس : لا والله لا أقيم معك ساعة واحدة ، وغضب حين عزله على عنها ، وخرج منها مقبلا إلى المدينة ولم يمض إلى على بالكوفة . قال إبراهيم : وكان قيس مع شجاعته ونجدته جوادا مفضالا ، فحدثني على بن محمد بن أبى سيف ، عن هاشم عن عروة عن أبيه ، قال : لما خرج قيس بن سعد من مصر ، فمر بأهل بيت من بلقين ، فنزل بمائهم ، فنحر له صاحب المنزل جزورا وأتاه بها ، فلما كان الغد نحر له أخرى ثم حبستهم السماء اليوم الثالث ، فنحر لهم ثالثة ، ثم إن السماء أقلعت ،

[ 64 ]

فلما أراد قيس أن يرتحل ، وضع عشرين ثوبا من ثياب مصر ، وأربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل ، وقال لها : إذا جاء صاحبك ، فادفعي هذه إليه ، ثم رحل ، فما أتت عليه إلا ساعة حتى لحقه الرجل صاحب المنزل على فرس ، ومعه رمح ، والثياب والدراهم بين يديه ، فقال : يا هؤلاء خذوا ثيابكم ودراهمكم . فقال قيس : انصرف أيها الرجل ، فإنا لم نكن لنأخذها . قال : والله لتأخذنها فقال قيس : لله أبوك أ لم تكرمنا وتحسن ضيافتنا فكافأناك ! فليس بهذا بأس . فقال الرجل : إنا لا نأخذ لقرى الاضياف ثمنا ، والله لا آخذها أبدا . فقال قيس : أما إذ أبى ألا يأخذها فخذوه (1) ، فوالله ما فضلني رجل من العرب غيره . قال إبراهيم : وقال أبو المنذر مر قيس في طريقه برجل من بلى ، يقال له : الاسود ابن فلان ، فأكرمه ، فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عند امرأته ثيابا ودراهم ، فلما جاء الرجل دفعته إليه ، فلحقه فقال : ما أنا بائع ضيافتي ، والله لتأخذن هذا أو لانفذن الرمح بين جنبيك ! فقال قيس : ويحكم خذوه ! قال إبراهيم : ثم أقبل قيس حتى قدم المدينة ، فجاءه حسان بن ثابت شامتا به ، وكان عثمانيا ، فقال له : نزعك على بن أبى طالب وقد قتلت عثمان ، فبقى عليك الاثم ، ولم يحسن لك الشكر . فزجره قيس وقال : يا أعمى القلب يا أعمى البصر ، والله لو لا ألقى بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك ثم أخرجه من عنده . قال إبراهيم : ثم أن قيسا وسهل بن حنيف ، خرجا حتى قدما على على الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصر فصدقه . وشهد مع على صفين ، هو وسهل بن حنيف قال إبراهيم : وكان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة ، وكان (2) سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلى ولولده ، ولم يزل على ذلك إلى أن مات .


(1) ساقطة من ب (2) السناط : الذى لالحية له . (*)

[ 65 ]

قال إبراهيم : حدثنى أبو غسان ، قال : أخبرني على بن أبى سيف ، قال : كان قيس بن سعد مع أبى بكر وعمر في سفر في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكان ينفق عليهما وعلى غيرهما ويفضل . فقال له أبو بكر : إن هذا لا يقوم به مال أبيك ، فأمسك يدك ، فلما قدموا من سفرهم ، قال سعد بن عبادة لابي بكر : أردت أن تبخل ابني ، إنا لقوم لا نستطيع البخل . قال : وكان قيس بن سعد يقول في دعائه : اللهم ارزقني حمدا ومجدا وشكرا ، فإنه لا حمد إلا بفعال ، ولا مجد إلا بمال . اللهم وسع على فإن القليل لا يسعنى ولا أسعه . * * * [ ولاية محمد بن أبى بكر على مصر وأخبار مقتله ] قال إبراهيم : وكان عهد على إلى محمد بن أبى بكر الذى قرئ بمصر : هذا ما عهد عبد الله على أمير المؤمنين إلى محمد بن أبى بكر حين ولاه مصر ، أمره بتقوى الله في السر والعلانية ، وخوف الله تعالى في المغيب والمشهد ، وأمره باللين على المسلم ، والغلظ على الفاجر ، وبالعدل على أهل الذمة وبالانصاف للمظلوم ، وبالشدة على الظالم ، وبالعفو عن الناس ، وبالاحسان ما استطاع ، والله يجزى المحسنين . وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة ، فإن لهم في ذلك من العاقبة وعظم المثوبة ما لا يقدر قدره ولا يعرف كنهه وأمره أن يجبى خراج الارض على ما كانت تجبى عليه من قبل ولا ينتقص ولا يبتدع ، ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل ، وأن تكن لهم حاجة ، يواسى بينهم في مجلسه ووجهه ، ليكون القريب والبعيد عنده على سواء . وأمره أن يحكم بين الناس بالحق ، وأن يقوم بالقسط ، ولا يتبع الهوى ، ولا يخاف [ في الله ] (1) لومة لائم ، فإن الله مع من اتقاه وآثر طاعته على من سواه .


(1) من ا ، ج (*)

[ 66 ]

وكتبه عبد الله بن أبى رافع مولى رسول الله لغرة شهر رمضان سنة ست وثلاثين . قال إبراهيم : ثم قام محمد بن أبى بكر خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد ، فالحمد لله الذى هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق ، وبصرنا وإياكم كثيرا مما عمى عنه الجاهلون . ألا وإن أمير المؤمنين ولانى أموركم ، وعهد إلى بما سمعتم ، وأوصاني بكثير منه مشافهة ، ولن آلوكم خيرا ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . فإن يكن ما ترون آثارى وأعمالي طاعة لله وتقوى ، فاحمدوا الله على ما كان من ذلك ، فإنه هو الهادى إليه ، فإن رأيتم من ذلك عملا بغير الحق ، فارفعوه إلى ، وعاتبوني عليه ، فإنى بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون . وفقنا الله وإياكم لصالح العمل . * * * قال إبراهيم : وحدثني يحيى بن صالح ، عن مالك بن خالد الاسدي ، عن الحسن بن إبراهيم ، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال : كتب على عليه السلام إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبى بكر إليهم كتابا يخاطبهم به (1) ، ويخاطب محمدا أيضا فيه : أما بعد ، فإنى أوصيكم بتقوى الله في سر أمركم وعلانيته ، وعلى أي حال كنتم عليها ، وليعلم المرء منكم أن الدنيا دار بلاء وفناء ، والاخرة دار جزاء وبقاء ، فمن استطاع أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى فليفعل ، فإن الاخرة تبقى ، والدنيا تفنى . رزقنا الله وإياكم بصرا لما بصرنا ، وفهما لما فهمنا ، حتى لا نقصر عما أمرنا ، ولا نتعدى إلى ما نهانا . واعلم يا محمد أنك وإن كنت محتاجا إلى نصيبك من الدنيا إلا أنك إلى نصيبك من الاخرة ، أحوج ، فإن عرض لك أمران : أحدهما للاخرة والاخر للدنيا ، فابدأ بأمر الاخرة ، ولتعظم رغبتك في الخير ، ولتحسن فيه نيتك ، فإن الله عزوجل يعطى العبد على قدر نيته ، وإذا أحب الخير وأهله ولم يعمله ، كان إن شاء الله كمن عمله ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رجع من تبوك : إن بالمدينة لاقواما ما سرتم من مسير ، ولا هبطتم من واد إلا


(1) ب : (فيه) ، وما اثبته عن ا ، ج . (*)

[ 67 ]

كانوا معكم ، ما حبسهم إلا المرض - يقول كانت لهم نية - ثم اعلم يا محمد أنى قد وليتك أعظم أجنادى أهل مصر ، ووليتك ما وليتك من أمر الناس ، فأنت محقوق أن تخاف فيه على نفسك ، وتحذر فيه على دينك ، ولو كان ساعة من نهار . فإن استطعت أن لا تسخط ربك لرضا أحد من خلقه فافعل ، فإن في الله خلفا من غيره ، وليس في شئ خلف منه ، فاشتد على الظالم ولن لاهل الخير ، وقربهم إليك ، واجعلهم بطانتك وإخوانك . والسلام * * * قال إبراهيم : حدثنى يحيى بن صالح ، عن مالك بن خالد ، عن الحسن بن إبراهيم ، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، قال : كتب على إلى محمد بن أبى بكر وأهل مصر : أما بعد ، فإنى أوصيكم بتقوى الله والعمل بما أنتم عنه مسؤولون ، فأنتم به رهن ، وإليه صائرون ، فإن الله عزوجل يقول : (كل نفس بما كسبت رهينة) (1) ، وقال : (ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) (2) . وقال : (فو ربك لنسألنهم أجمعين . عما كانوا يعملون) (3) . فاعلموا عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير ، فإن يعذب فنحن الظالمون ، وإن يغفر ويرحم فهو أرحم الراحمين . واعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة والمغفرة حينما يعمل بطاعة الله ومناصحته في التوبة ، فعليكم بتقوى الله عزوجل ، فإنها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها ، ويدرك بها من الخير مالا يدرك بغيرها خير الدنيا وخير الاخرة ، يقول الله سبحانه : (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير ولنعم دار المتقين) (4) . واعلموا عباد الله أن المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير وآجله ، شركوا أهل الدنيا في دنياهم ، * (هامش) (1) سورة المدثر 38 (2) سورة آل عمران 28 (3) سورة الحجر 92 ، 93 (4) سورة النحل 30 (*)

[ 68 ]

ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، يقول الله عزوجل : (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنو في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) (1) ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون ، وشربوا من أفضل ما يشربون ، ويلبسون من أفضل ما يلبسون ويسكنون من أفضل ما يسكنون ، أصابوا لذة أهل الدنيا مع أهل الدنيا مع أنهم غدا من جيران الله عزوجل ، يتمنون عليه ، لايرد لهم دعوة ولا ينقص لهم لذة . أما فى هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل ! واعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم ربكم ، وحفظتم في أهل بيتة ، فقد عبد تموه وأفضل ما عبد ، وذكر تموه بأفضل ما ذكر ، وشكرتموه بأفضل ما شكر ، وأخذ بأفضل الصبر ، وجاهدتم بأفضل الجهاد ، وإن كان غير كم أطول صلاة منكم ، وأكثر صياما ، إذ كنتم أتقى لله وأنصح لاولياء الله من آل محمد صلى الله عليه وآله وأخشع . واحذ روا عباد الله الموت ونزوله ، وخذوله ، فإنه يدخل بأمر عظيم ، خير لا يكون معه شر أبدا ، أو شر لا يكون معه خير أبدا . وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده ، حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير ، إلى الجنة أم إلى النار ! أعدو هو لله أم ولى له ! فإن كان وليا فتحت له أبواب الجنة ، وشرع له طريقها ، ونظر إلى ما أعد الله عزوجل لاوليائه فيها ، فرغ من كان شغل ، ووضع عنه كل ثقل ، وإن ما أعدوا فتحت له أبواب النار ، وسهل له طيقها ، ونظر إلى ما أعد الله فيها لاهلها . واستقبل كل مكروه ، وفارق كل سرور ، قال الله تعالى : (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فادهلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) (2) . واعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت ، فاحذروه وأعدوا له عدته ، فإنكم


(1) سورة الاعراف 32 (2) سورة النحل 28 ، 29 . (*)

[ 69 ]

طرداء للموت (1) ، وإن قمتم أخذكم ، وإن هربتم أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلكم ، معقود بنواصيكم ، والدنيا تطوى من خلفكم ، فأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات ، فإنه كفى بالموت واعظا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات) واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت ، لمن لم يغفر الله له ويرحمه . واحذروا القبر وضمته وضيقه وظلمته ، فإنه الذى يتكلم كل يوم : أنا بيت التراب ، وأنا بيت الغربة ، وأنا بيت الدود والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار . إن المسلم إذا مات قالت له الارض : مرحبا وأهلا ، قد كنت ممن أحب أن تمشى على ظهرى ، فإذ وليتك فستعلم كيف صنعى بك ! فيتسع له مد بصره . وإذا دفن الكافر قالت له الارض : لا مرحبا ولا أهلا ، قد كنت ممن أبغض أن تمشى على ظهرى ، فإذ وليتك فستعلم كيف صنعى بك ! فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه واعلموا أن المعيشة الضنك التى قال سبحانه : (فإن له معيشة ضنكا) (2) هي عذاب القبر ، فإنه يسلط على الكافر في قبره حيات عظام تنهش لحمه حتى يبعث ، لو أن تنينا منها نفخ الارض ما أنبت الزرع أبدا اعلموا عباد الله أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التى يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا ، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به ، ولا صبر لكم عليه ، فتعملوا بما أحب الله سبحانه وتتركوا ما كره ، فافعلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله ! واعلموا عباد الله ، أن ما بعد القبر أشد من القبر ، يوم يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه


(1) ب : (الموت) . (2) سورة طه 124 . (*)

[ 70 ]

الكبير ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت . واحذروا يوما عبوسا قمطر يرا ، كان شره مستطيرا . أما إن شر ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب ، والسبع الشداد ، والجبال الاوتاد ، والارضون المهاد . وانشقت السماء فهى يومئذ واهية ، وتغيرت فكانت وردة كالدهان ، وكانت الجبال سرابا ، بعد ما كانت صما صلابا ، يقول الله سبحانه : (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله) (1) . فكيف بمن يعصيه بالسمع والبصر ، واللسان واليد ، والفرج والبطن ، إن لم يغفر الله ويرحم ! واعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد وأدهى ، نار قعرها بعيد ، وحرها شديد ، وعذابها جديد ومقامعها حديد ، وشرابها صديد ، لايفتر عذابها ، ولا يموت ساكنها ، دار ليست لله سبحانه فيها رحمة ، ولا يسمع فيها دعوة ، ومع هذا رحمة الله التى وسعت كل شئ ، لا تعجز عن العباد ، وجنة عرضها كعرض السماء والارض ، خير لا يكون بعده شر أبدا ، وشهوة لاتنفد أبدا ، ولذة لا تفنى أبدا ، ومجمع لا يتفرق أبدا . قوم قد جاوروا الرحمن ، وقام بين أيديهم الغلمان ، بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والريحان ، وإن أهل الجنة يزورون الجبار سبحانه في كل جمعة ، فيكون أقربهم منه على منابر من نور والذين يلونهم على منابر من ياقوت ، والذين يلونهم على منابر من مسك ، فبينا هم كذلك ينظرون الله جل جلاله ، وينظر الله في وجوههم ، إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه . ومع هذا ما هو أفضل منه ، رضوان الله الاكبر . أما إنا لو لم نخوف إلا ببعض ماخوفنا به لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقة


(1) سورة الزمر 68 . (*)

[ 71 ]

لنابه ، ولا صبر لقوتنا عليه ، وأن يشتد شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه ولا بد لنا منه ، فإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم فافعلوا ، فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه ، وإن أحسن الناس لله طاعة ، أشدهم له خوفا وانظر يا محمد صلاتك كيف تصليها ، فإنما أنت إمام ينبغى لك أن تتمها وأن تخففها وأن تصليها لوقتها ، فإنه ليس من إمام يصلى بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه ، ولا ينقص من صلاتهم شيئا . واعلم أن كل شئ من عملك يتبع صلاتك ، فمن ضيع الصلاة فهو لغيرها أشد تضييعا ، ووضوءك من تمام الصلاة ، فأت به على وجهه ، فالوضوء نصف الايمان . أسأل الله الذى يرى ولا يرى وهو بالمنظر الاعلى ، أن يجعلنا وإياك من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فإن استطعتم يا أهل مصر أن تصدق أقوالكم أفعالكم ، وأن يتوافق سركم وعلانيتكم ، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا ، عصمنا الله وإياكم بالهدى ، وسلك بنا وبكم المحجة الوسطى . وإياكم ودعوة الكذاب ابن هند . وتأملوا وأعلموا أنه لا سوى إمام الهدى ، وإمام الردى ، ووصى النبي وعدو النبي ، جعلنا الله وإياكم ممن يحب ويرضى . ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنى لا أخاف على أمتى مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله بشركه ، ولكني أخاف عليهم كل منافق اللسان ، يقول ما تعرفون ، ويفعل ما تنكرون) . واعلم يا محمد أن أفضل الفقه الورع في دين الله ، والعمل بطاعته ، فعليك بالتقوى في سر أمرك وعلانيته ، أوصيك بسبع هن جوامع الاسلام : اخش الله ولا تخش الناس في الله . وخير القول ما صدقه العمل . ولا تقض في أمر واحد بقضاء ين مختلفين فيتناقض

[ 72 ]

أمرك وتزيغ عن الحق . وأحب لعامة رعيتك ما تحبه لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ، وأصلح أحوال رعيتك ، وخض الغمرات إلى الحق ، ولا تخف لومة لائم . وانصح لمن استشارك ، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم . جعل الله خلتنا وودنا خلة المتقين وود المخلصين ، وجمع بيننا وبينكم في دار الرضوان إخوانا على سرر متقابلين . إن شاء الله . * * * قال إبراهيم بن سعد الثقفى : فحدثني عبد الله بن محمد بن عثمان عن على بن محمد بن أبى سيف ، عن أصحابه ، أن عليا لما كتب إلى محمد بن أبى بكر هذا الكتاب ، كان ينظر فيه ويتأدب بأدبه ، فلما ظهر عليه عمرو بن العاص وقتله ، أخذ كتبه أجمع ، فبعث بها إلى معاوية ، فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويتعجب منه ، فقال الوليد بن عقبة ، وهو عند معاوية ، وقد رأى إعجابه به : مر بهذه الاحاديث أن تحرق ، فقال معاوية ، مه ، لا رأى لك ! فقال الوليد : أفمن الرأى أن يعلم الناس أن أحاديث أبى تراب عندك تتعلم منها ! قال معاوية : ويحك ! أتأمرني أن أحرق علما مثل هذا ! والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم فقال الوليد : إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله ! فقال : لولا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لاخذنا عنه . ثم سكت هنيهة ، ثم نظر إلى جلسائه فقال : إنا لا نقول : إن هذه من كتب على بن أبى طالب عيليه السلام ، ولكن نقول : هذه من كتب أبى بكر الصديق ، كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها ، ونأخذ منها . قال : فلم تزل تلك الكتب في خزائن بنى محمد فنحن ننظر فيها ، ونأخذ منها . قال : فلم تزل تلك الكتب في خزائن بنى أمية حتى ولى عمر بن عبد العزيز ، فهو الذى أظهر أنها من أحاديث على بن أبى طالب عليه السلام . * * * قلت : الاليق أن يكون الكتاب الذى كان معاوية ينظر فيه ويعجب منه ،

[ 73 ]

ويفتى به ويقضى بقضاياه وأحكامه هو عهد على عليه السلام إلى الاشتر ، فإنه نسيج وحده ، ومنه تعلم الناس الاداب والقضايا والاحكام والسياسة ، وهذا العهد صار إلى معاوية لما سم الاشتر ومات قبل وصوله إلى مصر ، فكان ينظر فيه ويعجب منه ، وحقيق من مثله أن يقتنى في خزائن الملوك . قال إبراهيم : فلما بلغ عليا عليه السلام أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية ، اشتد عليه حزنا ، وحدثني بكر بن بكار ، عن قيس بن الربيع ، عن ميسرة بن حبيب ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال : صلى بنا على عليه السلام ، فلما انصرف قال : لقد عثرت عثرة لاأعتذر * سوف أكيس بعدها وأستمر * وأجمع الامر الشتيت المنتشر * فقلنا : ما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إنى استعملت محمد بن أبى بكر على مصر ، فكتب إلى أنه لا علم لى بالسنة ، فكتبت إليه كتابا فيه أدب وسنة ، فقتل وأخذ الكتاب . * * * قال إبراهيم : فحدثني عبد الله محمد ، عن ابن أبى سيف المدائني ، قال : فلم يلبث محمد بن أبى بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد موادعا لهم ، فقال : يا هؤلاء ، إما أن تدخلوا في طاعتنا ، وإما أن تخرجوا من بلادنا . فبعثوا إليه : إنا لا نفعل ، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس ، فلا تعجل علينا . فأبى عليهم ، فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم . ثم كانت وقعه صفين ، وهم لمحمد هائبون ، فلما أتاهم خبر معاوية وأهل الشام ، ثم صار الامر إلى الحكومة ، وأن عليا وأهل العراق قد قفلوا عن معاوية والشام إلى عراقهم اجترءوا على محمد بن أبى بكر ، وأظهروا المنابذة له ، فلما رأى محمد ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوى ، ومعه يزيد بن الحارث الكنانى فقاتلاهم ،

[ 74 ]

فقتلوهما . ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا . وخرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان ، فأجابه القوم وناس كثير آخرون ، وفسدت مصر على محمد بن أبى بكر ، فبلغ عليا توثبهم عليه ، فقال : ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين : صاحبنا الذى عزلنا بالامس - يعنى قيس بن سعد بن عبادة - أو مالك بن الحارث الاشتر ، وكان على حين رجع عن صفين ، رد الاشتر إلى عمله بالجزيرة ، وقال لقيس بن سعد : أقم أنت معى على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ، ثم اخرج إلى أذربيجان ، فكان قيس مقيما على شرطته ، فلما أن انقضى أمر الحكومة كتب على إلى الاشتر ، وهو يومئذ بنصيبين . أما بعد ، فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة الاثيم ، وأسد به الثغر المخوف . وقد كنت وليت محمد بن أبى بكر مصر ، فخرجت عليه خوارج ، وهو غلام حدث السن ، ليس بذى تجربة للحروب ، فأقدم على لننظر فيما ينبغى . واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام . فأقبل الاشتر إلى على ، واستخلف على عمله شبيب بن عامر الازدي - وهو جد الكرماني الذى كان بخراسان صاحب نصر بن سيار - فلما دخل الاشتر على على حدثه حديث مصر وخبره خبر أهلها ، وقال له : ليس لها غيرك ، فاخرج إليها رحمك الله ، فإنى لا أوصيك اكتفاء برأيك ، واستعن بالله على ما أهمك ، واخلط الشدة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم على الشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة . فخرج الاشتر من عنده ، فأتى برحله وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الاشتر مصر ، فعظم ذلك عليه ، وقد كان طمع في مصر ، فعلم أن الاشتر إن قدم عليها كان أشد عليه من محمد بن أبى بكر ، فبعث إلى رجل من أهل الخراج يثق به ، وقال له إن الاشتر قد ولى مصر ، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت ، حتل في هلا كه ما قدرت عليه .

[ 75 ]

فخرج الاشتر حتى انتهى إلى القلزم (1) حيث تركب السفن من مصر إلى الحجاز ، فأقام به ، فقال له ذلك الرجل ، وكان ذلك المكان مكانه : أيها الامير ، هذا منزل فيه طعام وعلف ، وأنا رجل من أهل الخراج ، فأقم واسترح ، وأتاه بالطعام حتى إذ طعم سقاه شربة عسل ، قد جعل فيها سما ، فلما شربها مات . قال إبراهيم : وقد كان أمير المؤمنين كتب على يد الاشتر كتابا إلى أهل مصر ، روى ذلك الشعبى عن صعصعة بن صوحان : من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من بمصر من المسلمين : سلام الله عليكم ، فإنى أحمد الله إليكم ، الذى لا إله إلا هو . أما بعد فإنى قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله ، لا ينام أيام الخوف ، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر . لا ناكل من قدم ، ولاواه في عزم ، من أشد عباد الله بأسا ، وأكرمهم حسبا أضر على الفجار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، وهو مالك بن الحارث الاشتر ، حسام صارم ، لا نابى الضريبة ، ولا كليل الحد ، حليم في السلم ، رزين في الحرب ، ذو رأى أصيل ، وصبر جميل . فاسمعواله وأطيعوا أمره ، فإن أمركم بالنفر فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فاقيموا ، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمرى . وقد آثرتكم به على نفسي ، نصيحة لكم ، وشدة شكيمة على عدوكم ، عصمكم الله بالهدى ، وثبتكم بالتقوى ، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى . والسلام عليكم ورحمة الله . * * * قال إبراهيم وروى جابر عن الشعبى قال : هلك الاشتر حين أتى عقبة أفيق (2) . قال إبراهيم : وحدثنا وطبة بن العلاء بن المنهال الغنوى ، عن أبيه ، عن عاصم


(1) القلزم : مدينة بمصر على رأس الخليج المضاف إليها ، وأطلالها الان قرب مدينة السويس . (2) أفيق ، بالفتح ثم الكسر : قرية من حوران .

[ 76 ]

ابن كليب ، عن أبيه ، أن عليا لما بعث الاشتر إلى مصر واليا عليها ، وبلغ معاوية خبره ، بعث رسولا يتبع الاشتر إلى مصر وأمره باغتياله : فحمل معه مزودين فيهما شراب ، وصحب الاشتر ، فاستسقى الاشتر يوما فسقاه من أحدهما . ثم استسقى يوما آخر منه فسقاه من الاخر ، وفيه سم فشربه ، فمالت عنقه . وطلب الرجل ففاتهم * * * قال إبراهيم : وحدثنا محرز بن هشام ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة الضبى ، أن معاوية دس للاشتر مولى لال عمر ، فلم يزل المولى يذكر للاشتر فضل على وبنى هاشم ، حتى اطمأن إليه ، واستأنس به ، فقدم الاشتر يوما ثقله أو تقدم ثقله ، فاستسقى ماء ، فقال له مولى عمر : وهل لك في شربة سويق ؟ فسقاه شربة سويق فيهاسم فمات . وقد كان معاوية قال لاهل الشام لما دس إليه مولى عمر : ادعوا على الاشتر ، فدعوا عليه ، فلما بلغه موته قال : ألا ترون كيف استجيب لكم : قال إبراهيم : وقد روى من بعض الوجوه أن الاشتر قتل بمصر بعد قتال شديد . والصحيح أنه سقى سما فمات قبل أن يبلغ مصر . * * * قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان ، عن على بن محمد بن أبى سيف المدائني ، أن معاوية أقبل يقول لاهل الشام : أيها الناس ، إن عليا قد وجه الاشتر إلى مصر ، فادعوا الله أن يكفيكموه ، فكانوا يدعون عليه في دبر كل صلاة ، وأقبل الذى سقاه السم إلى معاوية ، فأخبره بهلاك الاشتر ، فقام معاوية في الناس خطيبا ، فقال : أما بعد ، فإنه كان لعلى بن إبى طالب يدان يمينان ، فقطعت ، إحداهما يوم صفين وهو عمار بن ياسر ، وقد قطعت الاخرى اليوم ، وهو مالك الاشتر .

[ 77 ]

قال إبراهيم : فلما بلغ عليا موت الاشتر ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! والحمد لله رب العالمين ! اللهم إنى أحتسبه عندك ، فإن موته من مصائب الدهر . ثم قال : رحم الله مالكا ، فلقد وفى بعهده ، وقضى نحبه ، ولقى ربه ، مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من أعظم المصيبات . * * * قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن هشام المرادى ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة الضبى ، قال : لم يزل أمر على شديد حتى مات الاشتر ، وكان الاشتر بالكوفة أسود من الاحنف بالبصرة . قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبد الله ، عن ابن أبى سيف المدائني ، عن جماعة من أشياخ النخع ، قالوا : دخلنا على أمير المؤمنين حين بلغه موت الاشتر ، فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه ، ثم قال : لله در مالك ! وما مالك ! لو كان من جبل لكان فندا (1) ولو كان من حجر لكان صلدا ، أما والله ليهدن موتك عالما ، وليفرحن عالما ، على مثل مالك فلتبك البوا كى ! وهل موجود كمالك ! قال علقمة بن قيس النخعي : فما زال على يتلهف ويتأسف ، حتى ظننا أنه المصاب به دوننا ، وعرف ذلك في وجهه أياما . قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، قال : حدثنا مولى للاشتر ، قال : لما هلك الاشتر أصيب في ثقله رسالة على إلى أهل مصر : من عبد الله أمير المؤمنين إلى النفر من المسلمين الذين غضبوا لله إذ عصى في الارض ، وضرب الجور برواقه على البر والفاجر ، فلا حق يستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه . سلام عليكم ، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو . * (هامش) (1) الفند : الجبل العظيم .

[ 78 ]

أما بعد ، فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام في الخوف ، ولا ينكل من الاعداء حذار الدوائر ، أشد على الكافرين من حريق النار ، وهو مالك بن الحارث الاشتر أخو مذحج ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فإنه سيف من سيوف الله ، لا نابى الضريبة ، ولا كليل الحد ، فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تحجموا فاحجموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمرى ، وقد آثرتكم به على نفسي ، لنصيحته وشدة شكيمته على عدوه ، عصمكم الله بالحق ، وثبتكم بالتقوى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . * * * قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، عن رجاله ، أن محمد بن أبى بكر لما بلغه أن عليا قد وجه الاشتر إلى مصر ، شق عليه ، فكتب عليه السلام إليه عند مهلك الاشتر : أما بعد ، فقد بلغني موجدتك من تسريح الاشتر إلى عملك ، ولم أفعل ذلك استبطاء لك عن الجهاد ، ولا استزادة لك منى في الجد ، ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر مؤنة عليك ، وأعجب ولاية إليك ، إلا أن الرجل الذى وليته مصر ، كان رجلا لنا مناصحا ، وهو على عدونا شديد ، فرحمة الله عليه ، فقد استكمل أيامه ، ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، فرضى الله عنه ، وضاعف له الثواب ، وأحسن له المآب . فأصحر (1) لعدوك وشمر للحرب ، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأكثر ذكر الله والاستعانة به ، والخوف منه ، يكفك ما همك ، ويعنك على ما ولاك . أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته . والسلام . قال : فكتب محمد بن أبى بكر إليه جوابه :


(1) أصحر لعدوك ، أي أبرز له في العراء (*)

[ 79 ]

إلى عبد الله أمير المؤمنين من محمد بن أبى بكر : سلام عليك ، فإنى أحمد إليك الله الذى لاإله إلا هو . أما بعد ، فقد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين وفهمته ، وعرفت ما فيه ، وليس أحد من الناس أشد على عدو أمير المؤمنين ، ولا أرأف وأرق لوليه منى . وقد خرجت فعسكرت ، وأمنت الناس إلا من نصب لنا حربا ، وأظهر لنا خلافا ، وأنا أتبع أمر أمير المؤمنين ، وحافظ ولاجئ إليه وقائم به ، والله المستعان على كل حال ، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . * * * قال إبراهيم : فحدث محمد بن عبد الله بن عثمان ، عن ابن سيف المدائني ، عن أبى جهضم الازدي أن أهل الشام لما انصرفوا عن صفين ، كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان فلما انصرفا وتفرقا ، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة لم يزدد معاوية إلا قوة ، واختلف أهل العراق على على بن أبى طالب فلم يكن هم معاوية إلا مصر ، وقد كان لاهلها هائبا لقربهم منه ، وشدتهم على من كان على رأى عثمان ، وقد كان علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان ، وخالفوا عليا مع أنه كان يرجو أن يكون له فيها معاونة إذا ظهر عليها على حرب على ، لوفور خراجها ، فدعا معاوية من كان معه من قريش ، وهم عمرو بن العاص السهمى ، وحبيب بن مسلمة الفهرى وبسر بن أرطاة العامري ، والضحاك بن قيس لفهرى ، وعبد الرحمن ابن خالد بن الوليد المخزومى . ودعا من غير قريش نحو شرحبيل بن السمط الحميرى ، وأبى الاعور السلمى ، وحمزة بن مالك الهمداني ، فقال : أتدرون لماذا دعوتكم ؟ قالوا : لا ، قال : فإنى دعوتكم لامر هو لى مهم ، وأرجو أن يكون الله عزوجل قد أعان عليه ، فقال له القوم - أو من قال له منهم : إن الله لم يطلع على غيبه أحدا ، ولسنا ندرى ما تريد ! فقال عمرو بن العاص : أرى والله أن أمر هذه البلاد المصرية لكثرة خراجها وعدد أهلها قد أهمك ،

[ 80 ]

فدعوتنا تسألنا عن رأينا في ذلك ، فإن كنت لذلك دعوتنا ، وله جمعتنا فاعزم واصرم ، ونعم الرأى ما رأيت ! إن في افتتاحها عزك وعز أصحابك ، وذل عدوك ، وكبت أهل الخلاف عليك . قال معاوية : أهمك ما أهمك يابن العاص ! وذلك أن عمرا كان بايع معاوية على قتال على ، وأن مصر له طعمة ما بقى . فأقبل معاوية على أصحابه ، وقال : إن هذا - يعنى ابن العاص - قد ظن وحقق ظنه ، قالوا : ولكنا لا ندرى ، ولعل أبا عبد الله قد أصاب . فقال عمرو : وأنا أبو عبد الله ، إن أفضل الظنون ما شابه اليقين . ثم إن معاوية حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فقد رأيتم كيف صنع الله لكم في حربكم هذه على عدو كم ! ولقد جاءوكم وهم لا يشكون أنهم يستأصلون بيضتكم ويجوزون بلادكم ، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم ، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكفاكم مؤنتهم . وحا كمتموهم إلى الله فحكم لكم عليهم . ثم جمع كلمتنا ، وأصلح ذات بيننا ، وجعلهم أعداء متفرقين ، يشهد بعضهم على بعض بالكفر ، ويسفك بعضهم دم بعض ، والله إنى لارجو أن يتم الله لنا هذا الامر ، وقد رأيت أن أحاول حرب مصر ، فماذا ترون ؟ فقال عمرو بن العاص : قد أخبرتك عما سألت ، وأشرت عليك بما سمعت . فقال معاوية : ما ترون ؟ فقالوا : نرى ما رأى عمرو بن العاص . فقال معاوية : إن عمرا قد عزم وصرم بما قال ، ولم يفسر كيف ينبغى أن نصنع ! قال عمرو : فإنى مشير عليك بما تصنع ، أرى أن تبعث جيشا كثيفا ، عليهم رجل صارم ، تأمنه وتثق به ، فيأتى مصر فيدخلها فإنه سيأتينا من كان على مثل رأينا من أهلها ، فنظاهره على من كان من عدونا ، فإن اجتمع بها جندك ومن كان بها من شيعتك على من بها من أهل حربك ، رجوت الله أن يعز نصرك ، ويظهر فلجك .

[ 81 ]

فقال معاوية : هل عندك شئ غير هذا نعمله فيما بيننا وبينهم قبل هذا ؟ قال : ما أعلمه . قال معاوية : فإن رأيى غير هذا ، أرى أن نكاتب من كان بها من شيعتنا ، ومن كان بها من عدونا ، فأما شيعتنا فنأمرهم بالثبات على أمرهم نمنيهم قدومنا عليهم ، وأما من كان بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا ، ونمنيهم شكرنا ، ونخوفهم حربنا ، فإن صلح لنا ما قبلهم ، من غير حرب ولا قتال فذلك ما أحببنا ، وإلا فحربهم من وراء ذلك . إنك يا بن العاص لامرؤ (1) بورك لك في العجلة ، وبورك لى في التؤدة . قال عمرو : فاعمل بما أراك الله ، فوالله ما أرى أمرك وأمرهم يصير إلا إلى الحرب . قال : فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الانصاري ، وإلى معاوية بن حديج الكندى ، وكانا قد خالفا عليا : أما بعد ، فإن الله عزوجل قد ابتعثكما لامر عظيم ، أعظم به أجركما ورفع درجتكما ومرتبتكما في المسلمين . طلبتما بدم الخليفة المظلوم ، وغضبتما لله ، إذ ترك حكم الكتاب ، وجاهدتما أهل الظلم والعدوان ، فأبشرا برضوان الله ، وعاجل نصرة أولياء الله ، والمواساة لكما في دار الدنيا وسلطاننا ، حتى ينتهى ذلك إلى ما يرضيكما ، ويؤدى (2) به حقكما . فالزما أمركما ، وجاهدا عدوكما ، وادعوا المدبرين منكما إلى هداكما فكأن الجيش قد أظل عليكما ، فاندفع كل ما تكرهان ، ودام كل ما تهويان ، والسلام عليكما ورحمة الله . وبعث بالكتاب مع مولى له يقال له سبيع ، فخرج بكتابه حتى قدم به عليهما بمصر ،


(1) ساقطة من ا ، ب (2) اج : (ويوفى) . (*)

[ 82 ]

ومحمد بن أبى بكر يومئذ أميرها قد ناصبه هؤلاء النفر الحرب ، وهم هائبون الاقدام عليه ، فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد ، فقرأه فقال : الق به معاوية بن حديج ، ثم القنى به حتى أجيب عنى وعنه . فانطلق الرسول بكتاب معاوية فأقرأه إياه ، ثم قال له : إن مسلمة قد أمرنى أن أرد الكتاب إليه لكى يجيب عنك وعنه . قال : قل له فليفعل ، فأتى مسلمة بالكتاب فكتب الجواب عنه وعن معاوية بن حديج : أما بعد ، فإن هذا الامر الذى قد ندبنا له أنفسنا ، وابتغيا الله به على عدونا أمر نرجو به ثواب ربنا ، والنصر على من خالفنا ، وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا ، وطأطأ الركض في مهادنا ، ونحن بهذه الارض قد نفينا من كان بها من أهل البغى ، وأنهضنا من كان بها من أهل القسط والعدل . وقد ذكرت موازرتك في سلطانك وذات يدك ، وبالله إنه لا من أجل مال نهضنا ، ولا إياه أردنا ، فإن يجمع الله لنا ما نريد ونطلب ، أو يرينا ما تمنينا ، فإن الدنيا والاخرة لله رب العالمين ، وقد يثوبهما الله جميعا عالما من خلقة ، كما قال في كتابه : (فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخرة والله يحب المحسنين) . (1) عجل لنا بخيلك ورجلك ، فإن عدونا قد كان علينا جريئا (2) وكنا فيهم قليلا ، وقد أصبحوا لنا هائبين ، وأصبحنا لهم منابذين ، فإن يأتنا مدد من قبلك بفتح الله عليك ، ولا قوه إلا بالله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . قال : فجاء هذا الكتاب معاوية وهو يومئذ بفلسطين ، فدعا النفر الذين سميناهم من قريش وغيرهم ، وأقرأهم الكتاب ، وقال لهم : ماذا ترون ؟ قالوا : نرى أن تبعث إليهم جيشا من قبلك فأنت مفتتحها ، أن شاء الله بإذن الله . قال معاوية : فتجهز إليها يا أبا عبد الله - يعنى عمرو بن العاص - فبعثه في ستة آلاف


(1) سورة آل عمران 148 (2) كذا في ج ، وفى ا ، ب : (حربا) . (*)

[ 83 ]

فخرج يسير ، وخرج معه معاوية يودعه ، فقال له معاوية عند وداعه إياه : أوصيك بتقوى الله يا عمرو ، وبالرفق فإنه يمن ، وبالتؤدة فإن العجلة من الشيطان ، وبأن تقبل من أقبل ، وتعفو عمن أدبر ، أنظره فإن تاب وأناب قبلت منه ، وإن أبى فإن السطوة بعد المعرفة أبلغ في الحجة ، وأحسن في العاقبة . وادع الناس إلى الصلح والجماعة ، فإن أنت ظفرت فليكن أنصارك أبر الناس عندك ، وكل الناس فأول حسنا . * * * قال : فسار عمرو في الجيش ، حتى دنا من مصر ، فاجتمعت إليه العثمانية ، فأقام وكتب إلى محمد بن أبى بكر : أما بعد ، فتنح عنى بدمك يابن أبى بكر ، فإنى لا أحب أن يصيبك منى ظفر ، وإن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك ، وندموا على اتباعك ، وهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان ، فاخرج منها فإنى لك من الناصحين . والسلام . قال : وبعث عمرو إلى محمد مع هذا الكتاب كتاب معاوية إليه ، وهو : أما بعد ، فإن غب الظلم والبغى عظيم الوبال ، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الاخرة ، وما نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ، ولا أسوا له عيبا ، ولا أشد عليه خلافا منك ، سعيت عليه في الساعين ، وساعدت عليه مع المساعدين ، وسفكت دمه مع السافكين ، ثم تظن أنى نائم عنك ، فتأتى بلدة فتأمن فيها وجل أهلها أنصارى ، يرون رأيى ، ويرفضون قولك ، ويستصرخونني عليك . وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك ، يسفكون دمك ، يتقربون إلى الله عزوجل بجهادك ، وقد أعطوا الله عهدا ليقتلنك ، ولو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك ، الله بأيديهم أو بأيدى غيرهم من أوليائه ، وأنا أحذرك وأنذرك ، فإن الله مقيد منك ، ومقتص لوليه وخليفته بظلمك له ، وبغيك عليه

[ 84 ]

ووقيعتك فيه ، وعداوتك يوم الدار عليه ، تطعن بمشاقصك (1) فيما بين أحشائه وأوداجه ، ومع هذا فإنى أكره قتلك ، ولا أحب أن أتولى ذلك منك ، ولن يسلمك الله من النقمة أين كنت أبدا ، فتنح وانج بنفسك . والسلام . قال : فطوى محمد بن أبى بكر كتابيهما ، وبعث بهما إلى على عليه السلام ، وكتب إليه : أما بعد ، يا أمير المؤمنين ، فإن العاصى ابن العاص ، قد نزل أداني مصر واجتمع إليه من أهل البلد من كان يرى رأيهم ، وهو في جيش جرار ، وقد رأيت ممن قبلى بعض الفشل ، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فامددني بالاموال والرجال ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . قال : فكتب إليه على : أما بعد ، فقد أتانى رسولك بكتابك ، تذكر أن ابن العاص ، قد نزل في جيش جرار ، وأن من كان على مثل رأيه قد خرج إليه . وخروج من كان يرى رأيه خير لك من إقامته عندك ، وذكرت أنك قد رأيت ممن قبلك فشلا ، فلا تفشل وإن فشلوا ، حصن قريتك ، واضمم إليك شيعتك ، وأذك الحرس في عسكرك ، واندب إلى القوم كنانة ابن بشر ، المعروف بالنصيحة والتجربة والبأس ، وأنا نادب إليك الناس على الصعب والذلول . فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك ، وقاتلهم على نيتك ، وجاهدهم محتسبا لله سبحانه ، وإن كانت فئتك أقل الفئتين ، فإن الله تعالى يعين القليل ويخذل الكثير . وقد قرأت كتابي الفاجرين المتحابين على المعصية ، والمتلائمين على الضلالة ، والمرتشيين على الحكومة ، والمتكبرين على أهل الدين ، الذين استمتعوا بخلاقهم ، كما استمتع الذين من


(1) المشاقص : جمع مشقص ، وهو النصل العريض . (*)

[ 85 ]

قبلهم بخلاقهم ، فلا يضرنك إرعادهما وإبراقهما ، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله ، فإنك تجد مقالا ما شئت . والسلام . قال : فكتب محمد بن أبى بكر إلى معاوية جواب كتابه : أما بعد ، فقد أتانى كتابك تذكر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه ، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لى ناصح ، وتخوفني بالحرب ، كأنك على شفيق ، وأنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم ، وأن يهلككم الله في الوقعة وأن ينزل بكم الذل ، وأن تولوا الدبر ، فإن يكن لكم الامر في الدنيا فكم وكم لعمري من ظالم قد نصرتم ! وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به ! وإلى الله المصير وإليه ترد الامور ، وهو أرحم الراحمين ، والله المستعان على ما تصفون . قال : وكتب محمد بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص جواب كتابه : أما بعد ، فهمت كتابك وعلمت ما ذكرت ، زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر ، فأشهد بالله أنك لمن المبطلين . وزعمت أنك ناصح لى ، وأقسم أنك عندي ظنين . وقد زعمت أن أهل البلد قد رفضوني ، وندموا على اتباعى ، فأولئك حزبك وحزب الشيطان الرجيم ، وحسبنا الله رب العالمين ونعم الوكيل ، وتوكلت على الله العزيز الرحيم رب العرش العظيم . * * * قال إبراهيم : فحدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، قال : فأقبل عمرو بن العاص يقصد قصد مصر ، فقام محمد بن أبى بكر في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، يا معاشر المؤمنين ، فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ، ويغشون (1) الضلالة ، ويستطيلون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة ، وساروا إليكم بالجنود ، فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهد هم في الله . انتدبوا (2) رحمكم الله مع


(1) ب : (أرض الضللالة) (2) انتدبوا : خفوا . (*)

[ 86 ]

كنانة بن بشر . ثم ندب معه نحو ألفى رجل ، وتخلف محمد في ألفين ، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد ، فلما دنا عمرو من كنانة سرح إليه الكتائب ، كتيبة بعد كتيبة ، فلم تأته من كتائب الشام كتيبة إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ، ففعل ذلك مرارا . فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندى ، فأتاه في مثل الدهم (1) . فلما رأى كنانة ذلك الجيش ، نزل عن فرسه ، ونزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه ، وهو يقول : (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) (2) . فلم يزل يضاربهم بالسيف حتى استشهد رحمه الله . * * * قال إبراهيم : حدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، عن محمد بن يوسف ، أن عمرو ابن العاص لما قتل كنانة أقبل نحو محمد بن أبى بكر ، وقد تفرق عنه أصحابه ، فخرج محمد متمهلا ، فمضى في طريقه حتى انتهى إلى خربة (3) ، فآوى إليها ، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد ، حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق ، فسألهم . هل مربهم أحد ينكرونه ؟ قالوا : لا ، قال أحدهم : إنى دخلت تلك الخربة ، فإذا أنا برجل جالس . قال ابن حديج : هو هو ورب الكعبة ، فانطلقوا يركضون ، حتى دخلوا على محمد ، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا ، فأقبلوا به نحو ا لفسطاط . قال : ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص ، وكان في جنده ، فقال : لا والله لا يقتل أخى صبرا ، ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه ، فأرسل عمرو ابن العاص : أن ائتنى بمحمد ، فقال معاوية : أقتلتم كنانة بن بشر ، ابن عمى وأخلى عن محمد !


(1) الدهم : العدد الكثير . (2) سورة آل عمران 145 (3) الخربة : موضع الخراب . (*)

[ 87 ]

هيهات ! (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر) (1) . فقال محمد : اسقوني قطرة من الماء ، فقال له معاوية بن حديج : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا ، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما ، فسقاه الله من الرحيق المختوم ، والله لاقتلنك يابن أبى بكر وأنت ظمآن ، ويسقيك الله من الحميم والغسلين ، فقال له محمد : يابن اليهودية النساجة ، ليس ذلك اليوم إليك ولا إلى عثمان ، إنما ذلك إلى الله يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه ، وهم أنت وقرناؤك ومن تولاك وتوليته ، والله لو كان سيفى في يدى ما بلغتم منى ما بلغتم . فقال له معاوية بن حديج : أتدرى ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار . قال : إن فعلتم ذاك بى فطالما فعلتم ذاك باولياء الله ، وايم الله إنى لارجو أن يجعل الله هذه النار التى تخوفنى بها بردا وسلاما ، كما جعلها الله على إبراهيم خليله ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك ، كما جعلها على نمرود وأوليائه ، وإنى لارجو أن يحرقك الله وإمامك معاوية ، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص بنار - تلظى ، كلما خبت زادها الله عليكم سعيرا . فقال له معاوية بن حديج : إنى لاأقتلك ظلما ، إنما أقتلك بعثمان بن عفان ، قال محمد : وما أنت وعثمان ! رجل عمل بالجور ، وبدل حكم الله والقرآن وقد قال الله عزوجل : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (2) ، (فأولئك هم الظالمون) (3) ، (فأولئك هم الفاسقون) (4) ، فنقمنا (5) عليه أشياء عملها فأردنا أن يخلع من الخلافة علنا ، فلم يفعل ، فقتله من قتله من الناس .


(1) سورة القمر 43 . (2) سورة المائدة 44 . (3) سورة المائدة 45 . (4) سورة المائدة 47 . (5) نغم عليه ، بكسر الفاف : أنكر أمره . (*)

[ 88 ]

فغضب معاوية بن حديج ، فقدمه فضرب عنقه ، ثم ألقاه في جوف حمار وأحرقه بالنار . فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا ، وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ، وقبضت عيال محمد أخيها وولده إليها ، فكان القاسم بن محمد من عيالها . قال : وكان ابن حديج ملعونا خبيثا يسب على بن أبى طالب عليه السلام . * * * قال إبراهيم : وحدثني عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، عن على بن هاشم ، عن أبيه ، عن داود بن أبى عوف ، قال : دخل معاوية بن حديج على الحسن بن على في مسجد المدينة ، فقال له الحسن : ويلك يا معاوية ! أنت الذى تسب أمير المؤمنين عليا عليه السلام ! أما والله لئن رأيته يوم القيامة - وما أظنك تراه - لترينه كاشفا عن ساق ، يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضرب غرائب الابل . * * * قال إبراهيم : وحدثني محمد بن عبد الله بن عثمان ، عن المدائني ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الله بن شداد ، قال : حلفت عائشة لا تأكل شواء (1) أبدا بعد قتل محمد ، فلم تأكل شواء حتى لحقت بالله ، وما عثرت قط إلا قالت : تعس معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ! قال إبراهيم : وقد روى هاشم أن أسماء بنت عميس ، لما جاءها نعى محمد ابنها وما صنع به ، قامت إلى مسجدها ، وكظمت غيظها حتى تشخبت دما . قال إبراهيم : وروى ابن عائشة التيمى عن رجاله عن كثير النواء ، أن أبا بكر خرج


(1) الشواء بالكسر والنضم : ماشوى من اللحم وغيره . (*)

[ 89 ]

في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة ، فرأت أسماء بنت عميس وهى تحته ، كأن أبا بكر مخضب بالحناء رأسه ولحيته ، وعليه ثياب بيض ، فجاءت إلى عائشة فأخبرتها ، فقالت : إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر ، إن خضابه الدم ، وإن ثيابه أكفانه ، ثم بكت ، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهى كذلك ، فقال : ما أبكاها ؟ فقالوا : يا رسول الله ، ما أبكاها أحد ، ولكن أسماء ذكرت رؤيا رأتها لابي بكر ، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله ، فقال : (ليس كما عبرت عائشة ، ولكن يرجع أبو بكر صالحا ، فيلقى أسماء ، فتحمل منه بغلام ، فتسميه محمدا ، يجعله الله غيظا على الكافرين والمنافقين) . قال : فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم . قال إبراهيم : حدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، قال : فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبى سفيان عند قتل محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر : أما بعد ، فإنا لقينا محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر في جموع من أهل مصر ، فدعوناهم إلى الكتاب والسنة ، فعصوا الحق ، فتهولوا (1) في الضلال ، فجاهدناهم ، واستنصرنا الله عزوجل عليهم ، فضرب الله وجوههم وأدبارهم ، ومنحنا (2) أكتافهم ، فقتل محمد بن أبى بكر وكنانة بن بشر والحمد لله رب العالمين . * * * قال إبراهيم : وحدثني محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، عن الحارث بن كعب بن عبد الله بن قعين ، عن حبيب بن عبد الله ، قال : والله إنى لعند على جالس إذ جاءه عبد الله بن معين وكعب بن عبد الله من قبل محمد بن أبى بكر يستصرخانه قبل الوقعة ، فقام على فنادى في الناس : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى


(1) المتهول : المتحير ، وفى ب : (فهولوا) . (2) ج : (وأثخنا أ كتافهم) . (*)

[ 90 ]

عليه ، وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ، فصلى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فهذا صريخ (1) محمد بن أبى بكر وإخوانكم من أهل مصر ، قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله وعدو من والاه ، وولى من عادى الله ، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم ، والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا على باطلهم وضلالتهم منكم على حقكم . فكأنكم بهم وقد بدءوكم وإخوانكم بالغزو ، فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر عباد الله ، إن مصر أعظم من الشام وخير أهلا ، فلا تغلبوا على مصر ، فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم ، وكبت لعدوكم ، اخرجوا إلى الجرعة - قال : والجرعة (2) بين الحيرة والكوفة - لنتوافى هناك كلنا غدا إن شاء الله . قال : فلما كان الغد ، خرج يمشى ، فنزلها بكرة ، فأقام بها حتى انتصف النهار ، فلم يوافه مائة رجل ، فرجع . فلما كان العشى بعث إلى الاشراف فجمعهم ، فدخلوا عليه القصر ، وهو كئيب حزين ، فقال : الحمد لله على ما قضى من أمر ، وقدر من فعل ، وابتلاني بكم أيها الفرقة التى لا تطيع إذا أمرتها ، ولا تجيب إذا دعوتها . لا أبا لغيركم ! ماذا تنتظرون بنصركم ، والجهاد على حقكم ! الموت خير من الذل في هذه الدنيا لغير الحق ، والله إن جاءني الموت - وليأتيني - لتجدنني لصحبتكم جد قال . ألا دين يجمعكم ! ألا حمية تغضبكم ! ألا تسمعون بعدوكم ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم ! أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام الظلمة فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ، ويجيبونه في السنة المرة والمرتين والثلاث ، إلى أي وجه شاء ، ثم أنا أدعوكم - وأنتم أولوا النهى وبقية الناس - تختلفون وتفترقون عنى ، وتعصونني وتخالفون على !


(1) الصريح هنا : المستغيث . 2) في الاصول : (الجزعة) تصحيف . (*)

[ 91 ]

فقام إليه مالك بن كعب الارحبي ، فقال : يا أمير المؤمنين ، اندب الناس معى ، فإنه لا عطر بعد عروس (1) ، وإن الاجر لا يأتي إلا بالكره . ثم التفت إلى الناس وقال : اتقوا الله ، وأجيبوا دعوة إمامكم ، وانصروا دعوتة ، وقاتلوا عدوكم ، إنا نسير إليهم يا أمير المؤمنين . فأمر على سعدا مولاه أن ينادى : ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر ، وكان وجها مكروها فلم يجتمعوا إليه شهرا ، فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك ابن كعب ، فعسكر بظاهر الكوفة ، وخرج معه على ، فنظر فإذا جميع من خرج نحو من ألفين ، فقال على : سيروا ، والله ما أنتم ! ما إخالكم تدركون القوم حتى ينقضى أمرهم . فخرج مالك بهم وسار خمس ليال ، وقدم الحجاج بن غزية الانصاري على على ، وقدم عليه عبد الرحمن بن المسيب الفزارى من الشام ، فأما الفزارى ، فكان عينا لعلى عليه السلام ، لا ينام ، وأما الانصاري فكان مع محمد بن أبى بكر ، فحدثه الانصاري بما عاين وشاهد ، وأخبره بهلاك محمد ، وأخبره الفزارى أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص ، يتبع بعضها بعضا بفتح مصر ، وقتل محمد بن أبى بكر ، وحتى أذن معاوية بقتله على المنبر وقال : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت يوما قط سرورا مثل سرور رأيته بالشام حين أتاهم قتل محمد بن أبى بكر ، فقال على : أما إن حزننا على قتله ، على قدر سرورهم به ، لا بل يزيد أضعافا . قال : فسرح على عبد الرحمن بن شريح إلى مالك بن كعب ، فرده (2) من الطريق . قال : وحزن على على محمد بن أبى بكر حتى رئى ذلك فيه ، وتبين في وجهه ، وقام في الناس خطيبا ، فحمد الله . وأثنى عليه ، ثم قال : ألا وإن مصر قد افتتحها الفجرة


(1) لا عطر عروس ، مثل يضرب في ذم ادخام الشى وقت الحاجة . (2) ب : (قطرده) . (*)

[ 92 ]

اولياء الجور والظلم ، الذين صدوا عن سبيل الله ، وبغوا الاسلام عوجا . ألا وإن محمد ابن أبى بكر قد استشهد رحمة الله عليه ، وعند الله نحتسبه . أما والله لقد كان ما علمت ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويحب سمت المؤمن ، إنى والله لا ألوم نفسي على تقصير ولا عجز ، وإنى بمقاساة الحرب لجد بصير ، إنى لاقدم على الحرب ، وأعرف وجه الحزم ، وأقوم بالرأى المصيب ، فأستصرخكم معلنا ، وأناديكم مستغيثا ، فلا تسمعون لى قولا ولا تطيعون لى أمرا ، حتى تصير الامور إلى عواقب المساءة . وأنتم القوم لا يدرك بكم الثار ، ولا تنقض بكم الاوتار ، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة ، فجرجرتم (1) على جرجرة الجمل الاسر (2) ، وتثاقلتم إلى الارض تثاقل من لا نية له في الجهاد ، ولا رأى له في الاكتساب للاجر ، ثم خرج إلى منكم جنيد متذائب ضعيف ، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . فأف لكم ! ثم نزل فدخل رحله * * * قال إبراهيم : فحدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، قال : كتب على إلى عبد الله بن عباس وهو على البصرة من عبد الله على أمير المؤمنين عليه السلام ، إلى عبد الله بن عباس : سلام عليك ورحمة الله وبركاته : أما بعد ، فإن مصر قد افتتحت ، وقد استشهد محمد بن أبى بكر ، فعند الله عزوجل تحتسبه . وقد كنت كتبت إلى الناس ، وتقدمت إليهم في بدء الامر ، وأمرتهم بإغاثته


(1) ب : (خرجتم) صوابه في ج . (2) الجمل الاسر : السرر : وجع يأخذ البعير في كركرته . (*)

[ 93 ]

قبل الوقعة ، ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا ، فمنهم الاتى كارها ومنهم المتعلل كاذبا ، ومنهم القاعد خاذلا . أسأل الله أن يجعل لى منهم فرجا ، وأن يريحني منهم عاجلا ، فو الله لولا طمعي عند لقاء عدوى في الشهادة وتوطيني نفسي عند ذلك لاحببت ألا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا . عزم الله لنا ولك على تقواه وهداه ، إنه على كل شئ قدير . والسلام عليك ورحمة الله وبر كاته . قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس : لعبد الله على أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس . سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . أما بعد ، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمد بن أبى بكر ، وأنك سألت الله ربك أن يجعل لك من رعيتك التى ابتليت بها فرجا ومخرجا ، وأنا أسأل الله أن يعلى كلمتك ، وأن يغشيك بالملائكه عاجلا . واعلم أن الله صانع لك ، ومعز دعوتك ، وكابت عدوك . وأخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تباطئوا ثم نشطوا ، فارفق بهم يا أمير المؤمنين ودارهم ومنهم ، واستعن بالله عليهم . كفاك الله الهم ! والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . دارهم ومنهم ، واستعن بالله عليهم . كفاك الله الهم ! والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . قال إبراهيم : وروى عن المدائني ، أن عبد الله بن عباس قدم من البصرة على على فعزاه عن محمد بن أبى بكر . وروى المدائني ، أن عليا قال : رحم الله محمدا كان غلاما حدثا ، لقد كنت أردت أن أولى المرقال (1) هاشم بن عتبة مصر ، فإنه والله لووليها لما خلى لابن العاص وأعوانه العرصة ، ولا قتل إلا سيفه في يده ، بلا ذم لمحمد ، فلقد أجهد نفسه فقضى ما عليه .


(1) الارقال : ضرب من العدو ، يقال : أرقلت الناقة فهى مرقل ومرقال ، قال في اللسان : (والمرقال : لقب هاشم بن عتبة الزهري ، لان عليا عليه السلام دفع إليه الراية يوم صفين ، فكان يرقل بها إرقالا .) (*)

[ 94 ]

قال المدائني : وقيل لعلى عليه السلام : لقد جزعت على محمد بن أبى بكر يا أمير المؤمنين . فقال : وما يمنعنى ! إنه كان لى ربيبا ، وكان لبنى أخا ، وكنت له والدا ، أعده ولدا . * * * [ خطبة على بعد مقتل محمد بن أبى بكر ] وروى إبراهيم ، عن رجاله ، عن عبد الرحمن بن جندب ، عن أبيه قال : خطب على عليه السلام بعد فتح مصر ، وقتل محمد بن أبى بكر ، فقال : أما بعد ، فإن الله بعث محمدا نذيرا للعالمين ، وأمينا على التنزيل ، وشهيدا على هذه الامة ، وأنتم معاشر العرب يومئذ على شر دين ، وفى شر دار ، منيخون على حجارة خشن وحيات صم ، وشوك مبثوث في البلاد ، تشربون الماء الخبيث ، وتأكلون الطعام الخبيث ، تسفكون دماءكم ، وتقتلون أولادكم ، وتقطعون أرحامكم ، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل . سبلكم خائفة ، والاصنام فيكم منصوبة ، ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . فمن الله عزوجل عليكم بمحمد ، فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم ، فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنن ، وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم ، وصلاح ذات البين ، وأن تؤدوا الامانات إلى أهلها ، وأن توفوا بالعهد ، ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ، وأن تعاطفوا وتباروا ، وتراحموا . ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتباغى والتقاذف ، وعن شرب الخمر وبخس المكيال ، ونقص الميزان . وتقدم إليكم فيما يتلى عليكم ألا تزنوا ولا تربوا ، ولا تأكلوا أموال

[ 95 ]

اليتامى ظلما ، وأن تؤدوا الامانات إلى أهلها ، ولا تعثوا في الارض مفسدين ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، وكل خير يدنى إلى الجنة ، ويباعد عن النار أمركم به ، وكل شر يدنى إلى النار ويباعد عن الجنة نهاكم عنه فلما استكمل مدته ، وفاه الله إليه سعيدا حميدا ، فيالها مصيبة خصت الاقربين ، وعمت المسلمين ! ما أصيبوا قبلها بمثلها ، ولن يعاينوا بعدها أختها . فلما مضى لسبيله صلى الله عليه وسلم ، تنازع المسلمون الامر بعده ، فوالله ما كان يلقى في روعى ، ولا يخطر على بالى أن العرب تعدل هذا الامر بعد محمد عن أهل بيته ، ولا أنهم منحوه عنى من بعده . فما راعني إلا انثيال الناس على أبى بكر ، وإجفالهم (1) إليه ليبايعوه ، فأمسكت يدى ، ورأيت أنى أحق بمقام محمد صلى الله عليه في الناس ممن تولى الامر من بعده ، فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الاسلام ، يدعون إلى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه ، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما يكون المصاب بهما على أعظم من فوات ولاية أموركم ، التى إنما هي متاع أيام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب ، وكما يتقشع السحاب ، فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر فبايعته ، ونهضت في تلك الاحداث ، حتى زاغ الباطل وزهق ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ولو كره الكافرون . فتولى أبو بكر تلك الامور ، فيسر وسدد ، وقارب وأقتصد ، وصحبته مناصحا ، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا ، وما طمعت - أن لو حدث به حادث وأنا حى أن يرد إلى الامر الذى نازعته فيه - طمع مستيقن ، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه ، ولو لا خاصة ما كان بينه وبين عمر ، لظننت أنه لا يدفعها عنى ، فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا


(1) أجفل الناس وانجفوا ، أي ذهبوا مسرعين . (*)

[ 96 ]

وتولى عمر الامر ، فكان مرضى السيرة ، ميمون النقيبة ، حتى إذا احتضر ، فقلت في نفسي : لن يعدلها عنى ، ليس يدافعها عنى (1) ، فجعلني سادس ستة ، فما كانوا لولاية أحد منهم أشد كراهة لولايتي عليهم ، كانوا يسمعون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاج أبى بكر ، وأقول : يا معشر قريش ، إنا أهل البيت أحق بهذا الامر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن ، ويعرف السنة ، ويدين بدين الحق . فخشى القوم إن أنا وليت عليهم ألا يكون لهم من الامر نصيب ما بقوا ، فأجمعوا إجماعا واحدا ، فصرفوا الولاية إلى عثمان ، واخرجوني منها رجاء أن ينالوها ، ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا بها من قبلى ، ثم قالوا : هلم فبايع وإلا جاهدناك ، فبايعت مستكرها ، وصبرت محتسبا فقال قائلهم : يابن أبى طالب ، إنك على هذا الامر لحريص ، فقلت : أنتم أحرص منى وأبعد ، أينا أحرص ، أنا الذى طلبت ميراثي وحقى الذى جعلني الله ورسوله أولى به ، أم أنتم إذ تضربون وجهى دونه ، وتحولون بينى وبينه ! فبهتوا والله لا يهدى القوم الظالمين . اللهم إنى أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمى ، وأضاعوا إياى ، وصغروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم ، فسلبونيه ثم قالوا : ألا إن في الحق أن تأخذه ، وفى الحق أن تمنعه ، فاصبر كمدا أومت . سفا حنقا . فنظرت فإذا ليس معى رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا ساعد إلا أهل بيتى ، فضننت بهم عن المنية ، وأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار ، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ، ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم ، وأمسكت يدى فنازعتموني ودافعتموني ، وبسطتم يدى فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، وازدحمتم على حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم ، أو أنكم قاتلي ، فقلتم : بايعنا لا نجد غيرك ، ولا نرضى إلا بك بايعنا


(1) ب : (ليس بدافعى عنها) . (*)

[ 97 ]

لانفترق ولا تختلف كلمتنا . فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتى ، فمن بايع طوعا قبلت ، ومن أبى لم أكرهه وتركته . فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير ، ولو أبيا ما أكرهتهما ، كما لم أكره غيرهما ، فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة ، في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة ، وسمح لى بالبيعة ، فقدما على عاملي وخزان بيت مالى وعلى أهل مصرى الذين كلهم على بيعتى وفى طاعتي ، فشتتوا كلمتهم ، وأفسدوا جماعتهم ، ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا ، وطائفة صبرا (1) . ومنهم طائفة غضبوا لله ولى ، فشهروا سيوفهم وضربوا ، بها حتى لقوا الله عزوجل صادقين ، فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لى به قتل ذلك الجيش بأسره ، فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التى دخلوا بها عليهم ، وقد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين ! ثم إنى نظرت في أمر أهل الشام ، فإذا أعراب أحزاب وأهل طمع جفاة طغاة ، يجتمعون من كل أوب ، من كان ينبغى أن يؤدب وأن يولى عليه ، ويؤخذ على يده ، ليسوا من الانصار ولا المهاجرين ولا التابعين بإحسان . فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة ، فأبوا إلا شقاقا وفراقا ، ونهضوا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل ، ويشجرونهم (2) بالرماح ، فهناك نهدت (3) إليهم بالمسلمين فقاتلتهم ، فلما عضهم السلاح . ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ، فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولاقرآن ، وأنهم رفعوها مكيدة وخديعة ووهنا وضعفا ، فامضوا على حقكم وقتالكم ، فأبيتم على وقلتم : اقبل منهم ، فإن أجابوا إلى مافى الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من


(1) صبرا ، أي حبسا . (2) يشجرونهم بالرمح : يطعنونهم . (3) نهد للقتال : نهض . (*)

[ 98 ]

الحق ، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم . فقبلت منهم ، وكففت عنهم ، إذ ونيتم وأبيتم ، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين ، يحييان ما أحيا القرآن ، ويميتان ما أمات القرآن ، فاختلف رأيهما ، وتفرق حكمهما ، ونبذا ما في القرآن ، وخالفا ما في الكتاب ، فجنبهما الله السداد ، ودلاهما في الضلالة ، فانحرفت فرقة منا فتركناهم ما تركونا ، حتى إذا عثوا في الارض يقتلون ويفسدون ، أتيناهم فقلنا : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، ثم كتاب الله بيننا وبينكم . قالوا : كلنا قتلهم ، وكلنا استحل دماءهم . وشدت علينا خيلهم ورجالهم ، فصرعهم الله مصارع الظالمين . فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم ، فقلتم : كلت سيوفنا ونفدت نبالنا ، ونصلت أسنة رماحنا ، وعاد أكثرها قصدا (1) ، فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا ، فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا وفارقنا ، فإن ذلك أقوى لنا على عدونا . فأقبلت بكم ، حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة ، وإن تلزموا معسكركم ، وأن تضموا قواصيكم ، وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم ، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ، ونسائكم ، فإن أهل الحرب المصابروها ، وأهل التشمير فيها الذين لا ينقادون من سهر ليلهم ولا ظمإنهارهم ، ولا خمص بطونهم ، ولا نصب أبدانهم ، فنزلت طائفة منكم معى معذرة ، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية ، فلا من بقى منكم صبر وثبت ، ولا من دخل المصر عاد ورجع ، فنظرت إلى معسكري ، وليس فيه خمسون رجلا ، فلما رأيت ما أتيتم ، دخلت إليكم فلم أقدر على أن تخرجوا معى إلى يومنا هذا ، فما تنتظرون ! أما ترون أطرافكم قد انتقصت ، وإلى مصر قد فتحت ، وإلى شيعتي بها قد قتلت ، وإلى مسالحكم تعرى ، وإلى بلادكم تغزى ! وأنتم ذوو عدد كثير ،


(1) العضد : جمعه قصدة ، وهى القطعة المتكسرة . (*)

[ 99 ]

وشوكة وبأس شديد ، فما بالكم ! لله أنتم من أين تؤتون ! وما لكم تؤفكون ! وأنى تسحرون ! ولو أنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا ، إلا أن القوم تراجعوا وتناشبوا وتناصحوا ، وأنتم قد ونيتم وتغاششتم افترقتم ، ما إن أنتم إن ألممتم عندي على هذا بسعداء (1) ، فانتهوا بأجمعكم وأجمعوا على حقكم ، وتجردوا لحرب عدوكم ، وقد أبدت الرغوة عن الصريح ، وبين الصبح لذى عينين ، إنما تقاتلون الطلقاء ، وأبناء الطلقاء وأولى الجفاء ، ومن أسلم كرها ، وكان لرسول الله صلى الله عليه أنف (2) الاسلام كله حربا ، أعداء الله والسنة والقرآن ، وأهل البدع والاحداث ، ومن كان بوائقه تتقى ، وكان عن الاسلام منحرفا ، أكلة الرشا ، وعبدة الدنيا ، لقد أنهى إلى أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه ، وشرط له أن يؤتيه ماهى أعظم مما في يده من سلطانه . ألا صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا ، وخزيت أمانة هذا المشترى نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين ، وإن فيهم من قد شرب فيكم الخمر وجلد الحد ، يعرف بالفساد في الدين ، والفعل السيئ ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخه (3) . فهؤلاء قادة القوم ، ومن تركت ذكر مساوئه من قادتهم مثل من ذكرت منهم ، بل هو شر ، ويود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والفجور والتسلط بجبرية ، واتبعوا الهوى وحكموا بغير الحق . ولانتم على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا ، فيكم العلماء والفقهاء ، والنجباء والحكماء ، وحملة الكتاب والمتهجدون بالاسحار ، وعمار المساجد بتلاوة القرآن . أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم ، والاشرار الاراذل منكم !


(1) كذا في ب ، وهى ساقطة من ا ، ج (2) أنف كل شئ : أوله . (3) الرضيخة : العطية القليلة .

[ 100 ]

فاسمعوا قولى ، وأطيعوا أمرى ، فوالله لئن أطعتموني لا تغوون ، وإن عصيتموني لا ترشدون ، خذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها عدتها ، فقد شبت نارها ، وعلا سنانها وتجرد لكم فيها الفاسقون ، كى يعذبوا عباد الله ، ويطفئوا نور الله . ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولى في الجد في غيهم وضلالتهم ، من أهل البر والزهادة والاخبات في حقهم وطاعة ربهم ، إنى والله لو لقيتهم فردا وهم ملا الارض ، ما باليت ولا استوحشت ، وإنى من ضلالتهم التى هم فيها والهدى الذى نحن عليه ، لعلى ثقة وبينة ، ويقين وبصيرة ، وإنى إلى لقاء ربى لمشتاق ، ولحسن ثوابه لمنتظر ، ولكن أسفا يعترينى ، وحزنا يخامرنى ، أن يلى أمر هذه الامة سفهاؤها وفجارها ، فيتخذوا مال الله دولا وعباده خولا ، والفاسقين حزبا . وايم الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم ، ولتركتكم إذ ونيتم وأبيتم حتى ألقاهم بنفسى ، متى حم لى لقاؤهم . فوالله إنى لعلى الحق ، وإنى للشهادة لمحب ، فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . ولا تثاقلوا إلى الارض فتقروا بالخسف ، وتبوءوا بالذل ، ويكن نصيبكم الخسران . [ إن ] (1) أخا الحرب اليقظان ، ومن ضعف أودى ، ومن ترك الجهاد كان كالمغبون المهين اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى ، وزهدنا وإياهم في الدنيا ، واجعل الاخرة خيرا لنا ولهم من الاولى * * * [ مقتل محمد بن أبى حذيفة ] قال إبراهيم : وحدثني محمد بن عبد الله بن عثمان ، عن المدائني ، أن محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، أصيب لما فتح عمرو بن العاص مصر ، فبعث به


(1) تكلملة يقتضيها السياق . (*)

[ 101 ]

إلى معاوية بن أبى سفيان وهو يومئذ بفلسطين ، فحبسه معاوية في سجن له ، فمكث فيه غير كثير ، ثم هرب - وكان ابن خال معاوية - فأرى معاوية الناس أنه كره انفلاته من السجن ، وكان يحب أن ينجو فقال لاهل الشام ، من يطلبه ؟ فقال رجل من خثعم - يقال له عبيدالله ابن عمرو بن ظلام ، وكان شجاعا وكان عثمانيا : أنا أطلبه ، فخرج في خيل فلحقه بحوارين (1) ، وقد دخل بغار هناك ، فجاءت حمر فدخلته ، فلما رأت الرجل في الغار فزعت ونفرت ، فقال حمارون كانوا قريبا من الغار : إن لهذه الحمر لشأنا ، ما نفرها من هذا الغار إلا أمر ! فذهبوا ينظرون ، فإذا هم به فخرجوا به ، فوافاهم عبد الله بن عمرو بن ظلام ، فسألهم ووصفه لهم فقالوا : هاهو هذا ، فجاء حتى استخرجه ، وكره أن يصير به إلى معاوية فيخلى سبيله ، فضرب عنقه . رحمه الله تعالى


(1) حوارين ، من قرى حلب ، أو حصن بناحية حمص (مراصد الاطلاع) . (*)

[ 102 ]

الاصل : ومن كلام له عليه السلام في ذم أصحابه كم أداريكم كما تدارى البكار العمدة ، والثياب المتداعية ! كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر ، كلما أطل عليكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه ، وانجحر انجحار الضبة في جحرها ، والضبع في وجارها . الذليل والله من نصرتموه ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل . إنكم والله لكثير في الباحات ، قليل تحت الرايات ، وإنى لعالم بما يصلحكم ، ويقيم أودكم ، ولكني والله لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي . أضرع الله خدود كم ، وأتعس جدودكم ! لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل ، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق ! * * * الشرح : البكار : جمع بكر ، وهو الفتى من الابل . والعمدة : التى قد انشدخت أسنمتها من داخل وظاهرها صحيح ، وذلك لكثرة ركوبها . والثياب المتداعية : الاسمال التى قد أخلقت ، وإنما سميت متداعية ، لان بعضها يتخرق فيدعو بعضها إلى مثل حاله . وحيصت : خيطت ، والحوص : الخياطة . وتهتكت : تخرقت .

[ 103 ]

وأطل عليكم ، أي أشرف ، وروى : (أظل) بالظاء المعجمة ، والمعنى واحد . ومنسر : قطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكثير ، والافصح (منسر) بكسر الميم وفتح السين ، ويجوز (منسر) بفتح الميم وكسر السين . وانجحر : استتر في بيته ، أجحرت الضب ، إذا ألجأته إلى جحره فانجحر . والضبة : أنثى الضباب ، وإنما أوقع التشبيه على الضبة مبالغة في وصفهم بالجبن والفرار لان الانثى أجبن وأذل من الذكر . والوجار بيت الضبع . والسهم الافوق الناصل المكسور الفوق ، المنزوع النصل ، والفوق : موضع الوتر من السهم ، يقال نصل السهم إذا خرج منه النصل فهو ناصل ، وهذا مثل يضرب لمن استنجد بمن لا ينجده . والباحات : جمع باحة ، وهى ساحة ، الدار . والاود : العوج ، أود الشئ بكسر الواو يأود أودا ، أي أعوج ، وتأود ، أي تعوج . وأضرع الله خدودكم : أذل وجوهكم . ضرع الرجل ذل وأضرعه غيره ، ومنه المثل : (الحمى أضرعته لك .) وأتعس جدودكم ، أي أحال حظوظكم وسعودكم وأهلكها فجعلها إدبارا ونحسا ، والتعس : الهلاك . وأصله الكب ، وهو ضد الانتعاش . تعس الرجل ، بفتح العين يتعس تعسا . يقول : كم أداريكم كما يدارى راكب البعير بعيره المنفضخ السنام ، وكما يدارى لابس الثوب السمل ثوبه المتداعى ، الذى كلما خيط منه جانب تمزق جانب . ثم ذكر خبئهم وذلهم ، وقلة انتصار من ينتصر بهم ، وأنهم كثير في الصورة ، قليل في المعنى . ثم قال : إنى عالم بما يصلحكم ، يقول : إنما يصلحكم في السياسة السيف ، وصدق ! فإن كثيرا لا يصلح إلا عليه . كما فعل الحجاج بالجيش الذى تقاعد بالمهلب ، فإنه نادى

[ 104 ]

مناديه : من وجدناه بعد ثالثة لم يلتحق بالمهلب فقد حل لنا دمه ، ثم قتل عمير بن ضابئ وغيره ، فخرج الناس يهرعون إلى المهلب . وأمير المؤمنين لم يكن ليستحل من دماء أصحابه ما يستحله من يريد الدنيا وسياسة الملك وانتظام الدولة ، قال عليه السلام : (لكنى لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي) ، أي بإفساد دينى عند الله تعالى . فإن قلت : أليست نصرة الامام واجبة عليهم ؟ فلم لا يقتلهم إذ أخلوا بهذا الواجب ؟ قلت : ليس كل إخلال بواجب يكون عقوبته القتل ، كمن أخل بالحج . وأيضا فإنه كان يعلم عاقبة القتل فسادهم عليه واضطرابهم ، فلو أسرع في قتلهم لشغبوا عليه شغبا يفضى إلى أن يقتلوه ويقتلوا اولاده ، أو يسلموه ويسلموهم إلى معاوية ، ومتى علم هذا أو غلب على ظنه لم يجز له أن يسوسهم بالقتل الذى يفضى إلى هذه المفسدة ، فلوساسهم بالقتل والحال هذه ، لكان آثما عند الله تعالى ، ومواقعا للقبيح ، وفى ذلك إفساد دينه كما قال : (لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل . . .) إلى آخر الفصل ، فكأنه قال : لا تعتقدون الصواب والحق كما تعتقدون الخطا والباطل ، أي اعتقادكم الحق قليل واعتقادكم الباطل كثير ، فعبر عن الاعتقاد العام بالمعرفة الخاصة ، وهى نوع تحت جنسه مجازا . ثم قال : ولا تسرعون في نقض الباطل سرعتكم في نقض الحق وهدمه . * * * [ الاشعار الواردة في ذم الجبن ] واعلم أن الهجاء بالجبن والذل الفرق كثير جدا ، ونظير قوله : (إنكم لكثير في الباحات قليل تحت الرايات) قول معدان الطائى : فأما الذى يحصيهم فمكثر * وأما الذى يطريهم فمقلل (1) .


(1) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقى 3 : 1463 (*)

[ 105 ]

ونحو قول قراد بن حنش ، وهو من شعر الحماسة (1) : وأنتم سماء يعجب الناس رزها * بابدة تنحى شديد وئيدها (2) تقطع أطناب البيوت بحاصب * وأكذب شئ برقها ورعودها (3) فويلمها خيلا بهاء وشارة * إذا لاقت الاعداء لو لا صدودها ! ومن شعر الحماسة في هذا المعنى : لقد كان فيكم لو وفيتم بجاركم * لحى ورقاب عردة ومناخر (4) من الصهب أثناء وجذعا كأنها * عذارى عليها شارة ومعاجر (5) ومن الهجاء بالجبن والفرار ، قول بعض بنى طيئ يهجو حاتما ، وهو من شعر الحماسة أيضا (6) : لعمري وما عمرى على بهين * لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم غداة أتى كالثور أحرج فاتقى * بجبهته أقتاله وهو قائم (7) كأن بصحراء المريط نعامة * تبادرها جنح الظلام نعائم أعارتك رجليها وهافى لبها * وقد جردت بيض المتون صوارم


(1) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقى 3 : 1431 ، من أبيات أربعة أولها : لقومي أرعى للعلا من عصابة * من الناس ياحار بن عمرو تسودها (2) وزها : صوتها ، أي صوت رعدها . والابدة : الغريبة . وتنحى : تعتمد . (3) الحاصب : الريح تجئ بالحصباء . (4) من أبيات لمنصور بن مسجاح الضبى ، حماسة أبى تمام - بشرح التبريزي 4 : 25 . عردة : غلاظ . (5) يريد من الابل الصهب ، والصهبة : حمرة بعلوها بياض . وأتناء : جمع ثنى ، وهو من الابل ما يلقى ثنيته ، وذلك في السنة الثالثة والجدع : جمع جذع ، وهو ما قبل الثنى . والمعجر : ثوب أضغر من الرداء تلبسه المرأة . وفى التبريزي ، (ومعاصر) (6) ليزيد بن قنافة . ديوان نالحماسة - بشرح المرزوفى 3 : 1464 (7) غداة أتى كالثور ، يعنى حاتما ، وأخرج : ضيق عليه وأخرج من عادته ، والاقتال : والاقران والاعداء ، واحده قتل .

[ 106 ]

ونظير المعنى الاول أيضا قول بعضهم من شعر الحماسة : كاثر بسعد إن سعدا كثيرة * ولا ترج من سعد وفاء ولا نصرا (1) يروعك من سعد بن عمرو جسومها * وتزهد فيها حين تقتلها خبرا ومنه قول عويف القوافى : وما أمكم تحت الخوافق والقنا * بثكلى ولا زهراء من نسوة زهر (2) ألستم أقل الناس عند لوائهم * وأكثرهم عند الذبيحة والقدر وممن حسن الجبن والفرار بعض الشعراء في قوله : أضحت تشجعني هند وقد علمت * أن الشجاعة مقرون بها العطب (3) لا والذى حجت الانصار كعبته * ما يشتهى الموت عندي من له أرب للحرب قوم أضل الله سعيهم * إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا ولست منهم ولا أهوى فعالهم * لا القتل يعجبنى منها ولا السلب ومن هذا قول أيمن بن خريم الاسدي : إن للفتنة ميطا بينا * ووريد الميط منها يعتدل (4) فإذا كان عطاء فابتدر * وإذا كان قتال فاعتزل إنما يسعرها جهالها * حطب النار فدعها تشتعل وممن عرف بالجبن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، عيره عبد الملك بن مروان فقال :


(1) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 4 : 91 ، من غير نسبة ، وبعده : ولا تدع سعدا للقراع وخلها * إذا أمنت ونعتها البلد القفرا (2) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 4 : 99 (3) عيون الاخبار 4 : 164 ، من غير نسبة ، العقد 1 : 166 (4) عيون الخبار 1 : 164 ، العقد 1 : 167 . والميط : الضخب والشدة .

[ 107 ]

إذا صوت العصفور طار فؤاده * وليث حديد الناب عند الثرائد وقال آخر : يطير فؤاده من نبح كلب * ويكفيه من الزجر الصفير وقال آخر : ولو أنها عصفورة لحسبتها * مسومة تدعو عبيدا وأزنما (2) * * * [ أخبار الجبناء وذكر نوادرهم ] ومن أخبار الجبناء ما رواه ابن قتيبة في كتاب عيون الاخبار قال : رأى عمرو ابن العاص معاوية يوما فضحك ، فقال : مم تضحك يا أمير المؤمنين ، أضحك الله سنك ! قال : أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوأتك يوم ابن أبى طالب ، والله لقد وجدته منانا [ كريما ] (3) ولو شاء أن يقتلك لقتلك ! فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ، أما والله إنى لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأحولت عيناك ، وانفتح سحرك ، وبدا منك ما أكره ذكره لك ، فمن نفسك فاضحك أو فدع (4) . * * * قال ابن قتيبة ، وقدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك ، وعليه درع وعمامة سوداء ، وقوس عربية وكنانة ، فبعثت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان إلى الوليد - وهى تحته يومئذ : من هذا الاعرابي المستلئم في الصلاح عندك على خلوة ، وأنت في غلالة ؟


(1) عيون الاخبار 1 : 166 ، العقد 1 : 168 (2) هو العوام بن شوذب الشيبائى ، عيون الاخبار 1 : 166 والبيت من شواهد المغنى 2 : 169 (3) من عيون الاخبار . (4) عيون الاخبار 4 : 169 (*)

[ 108 ]

فأرسل إليها الوليد : إنه الحجاج ، فأعادت عليه الرسول : والله لان يخلو بك ملك الموت أحب إلى من أن يخلو بك الحجاج ! فضحك وأخبر الحجاج بقولها وهو يمازحه ، فقال الحجاج : يا أمير المؤمنين ، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول ، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فلا تطلعها على سرك ، ومكايدة عدوك . فلما انصرف الحجاج ودخل الوليد على امرأته أخبرها بمقالة الحجاج ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، حاجتى إليك اليوم أن تأمره غدا أن يأتيني مستلئما ، ففعل ذلك ، وأتاها الحجاج فحجبته ثم أدخلته ، ولم تأذن له في القعود ، فلم يزل قائما ، ثم قالت : إيه يا حجاج ! أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك ابن الزبير وابن الاشعث ! أما والله لولا أن الله علم أنك شر خلقه ما ابتلاك برمى الكعبة الحرام ، ولا بقتل ابن ذات النطاقين أول مولود في الاسلام ، وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذاته وأوطاره ، فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالقبول منك ! وإن كن ينفرجن عن مثله ، فهو غير قابل لقولك . أما والله لو نفض نساء أمير المؤمنين الطيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من القرن ، قد أظلتك الرماح ، وأثخنك الكفاح ، وحين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، فأنجاك الله من عدو أمير المؤمنين بحبهم إياه ، قاتل الله القائل حين ينظر إليك وسنان غزالة (1) بين كتفيك : أسد على وفى الحروب نعامة * ربداء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغا * أم كان قلبك في جناحى طائر ! ثم قالت لجواريها : أخرجنه ، فأخرج (2) : * * *


(1) غزالة : امرأة شبيب الخارجي (2) عيون الاخبار 1 : 169 ، 170 (*)

[ 109 ]

ومن طريف حكايات الجبناء ما ذكره ابن قتيبة أيضا في الكتاب المذكور ، قال : كان بالبصرة شيخ من بنى نهشل بن دارم ، يقال له عروة بن مرثد ، ويكنى أبا الاعز ، ينزل في بنى أخت له من الازد في سكة بنى مازن ، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان ، وخرج النساء يصلين في مسجدهم ، ولم يبق في الدار إلا إماء ، فدخل كلب يتعسس فرأى بيتا مفتوحا فدخله وانصفق الباب عليه ، فسمع بعض الاماء الحركة ، فظنوا أنه لص دخل الدار ، فذهبت إحداهن إلى أبى الاعز ، فأخبرته ، فقال أبو الأعز : إلام يبتغى اللص عندنا ، وأخذ عصاه ، وجاء حتى وقف بباب البيت ، وقال : إيه يا فلان ! أما والله ، إنى بك لعارف ، فهل أنت من لصوص بنى مازن ! شربت حامضا خبيثا ، حتى إذا دارت في رأسك منتك نفسك الامانى ، وقلت : أطرق دور بنى عمرو ، والرجال خلوف والنساء يصلين في مسجدهن ، فأسرقهم . سوءه لك ! والله ما يفعل هذا ولد الاحرار ! وايم الله لتخرجن أو لاهتفن هتفة مشئومة يلتقى فيها الحيان عمرو وحنظلة ، وتجئ سعد عدد الحصى ، وتسيل عليك الرجال ، من هنا وهنا ، ولئن فعلت لتكونن ، أشام مولود ! فلما رأى أنه لا يجيبه ، أخذه باللين ، فقال : اخرج - بأبى أنت - مستورا ، والله ما أراك تعرفني ، ولو عرفتني لقنعت بقولى ، واطمأننت إلى ابن أختى البار الوصول ، أنا - فديتك - أبو الأعز النهشلي ! وأنا خال القوم ، وجلدة بين أعينهم ، لا يعصوننى ، ولا تضار الليلة وأنت في ذمتي ، وعندي قوصرتان ، أهداهما إلى ابن أختى البار الوصول ، فخذ إحداهما ، فانبذها حلالا من الله ورسوله . وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق ، وإذا سكت أبو الأعز وثب يريد المخرج ، فتهاتف أبو الأعز ، ثم تضاحك ، وقال : يا ألام الناس وأوضعهم ! ألا أرانى لك منذ الليلة

[ 110 ]

في واد وأنت لى في واد آخر ، أقبلت السوداء والبيضاء ، فتصيح وتطرق ، فإذا سكت عنك وثبت تريد الخروج ! والله لتخرجن أو لالجن عليك البيت . فلما طال وقوفه جاءت إحدى الاماء فقالت : أعرابي مجنون والله ، ما أرى في البيت شيئا فدفعت الباب فخرج الكلب شاردا ، وحاد عنه أبو الأعز ساقطا على قفاه شائلة رجلاه ، وقال : تالله ما رأيت كالليلة هذه ! ما أراه إلا كلبا ، ولو علمت بحاله لولجت عليه (1) ونظير هذه الحكاية حكاية أبى حية النميري ، وكان جبانا ، قيل : كان لابي حية سيف ليس بينه وبين الخشب فرق ، كان يسميه لعاب المنية ، فحكى عنه بعض جيرانه أنه قال : أشرفت عليه ليلة ، وقد انتضاه وهو واقف بباب بيت في داره ، وقد سمع فيه حسا ، وهو يقول : أيها المغتر بنا ، المجترئ علينا ، بئس والله ما اخترت لنفسك ! خير قليل وسيف صقيل ، لعاب المنية الذى سمعت به مشهورة صولته ، ولا تخاف نبوته . اخرج بالعفو عنك ، لا أدخل بالعقوبة عليك ، إنى والله إن أدع قيسا ، تملا الفضاء عليك خيلا ورجلا . سبحان الله ! ما أكثرها وأطيبها ، والله ما أنت ببعيد من تابعها ، والرسوب في تيار لجتها ! وقال : وهبت ريح ففتحت الباب ، فخرج كلب يشتد ، فلبط بأبى حية واربد ، وشغر برجليه ، وتبادرت إليه نساء الحى ، فقلن : يا أبا حية ، لتفرخ روعتك ، إنما هو كلب ، فجلس وهو : يقول الحمد لله الذى مسخك كلبا ، وكفاني حربا (2) ! * * * وخرج مغيرة بن سعيد العجلى في ثلاثين رجلا بظهر الكوفة ، فعطعطوا ، وخالد بن عبد الله القسرى أمير العراق ، يخطب على المنبر فعرق ، واضطرب وتحير ، وجعل يقول : اطعموني ماء ، فهجاه ابن نوفل فقال :


(1) عيون الاخبار 1 : 168 ، 169 (2) عيون الاخبار 1 : 168 (*)

[ 111 ]

أخالد لاجزاك الله خيرا * وإيرى في حرامك من أمبر (1) تروم الفخر في أعراب قسر * كأنك من سراة بنى جرير جرير من ذوى يمن أصيل * كريم الاصل ذو خطر كثير وأمك علجة وأبوك وغد * وما الاذناب عدل للصدور ! وكنت لدى المغيرة عبد سوء * تبول من المخافة للزئير لا علاج ثمانية وشيخ * كبير السن ليس بذى ضرير (2) صرخت من المخافة : أطعموني * شرابا ثم بلت على السرير وقال آخر يعيره بذلك : بل المنابر من خوف ومن دهش * واستطعم الماء لماجد في الهرب (3) ومن كلام ابن المقفع في ذم الجبن : الجبن مقتلة ، والحرص محرمة ، فانظر فيما رأيت وسمعت : من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا ! وانظر من يطلب إليك بالاجمال والتكرم أحق أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب ذلك بالشره والحرص !


(1) من أبيات وردت متفرقة في البيان والتبيين 3 : 267 / 4 : 205 ، والحيوان 2 : 267 / 4 : 322 / 7 : 20 (2) أورد المرزبانى هذا البيت في الموشح 230 ، وعده شاهدا على ما في الشعر من التناقض ، قال : فلفظة (ضرير) إنما تستعمل ، وهى تصريف من الضر في الاكثر للذى لا بصر له ، وقول هذا الشاعر في هذا الشيخ إنه ذوبصر وأنه ضرير تناقض من جهة القنية والعدم ، وذلك أنه كأنه يقول : إن له بصرا ولا بصرله ، فهو بصير أعمى . (3) البيت أيضا ليحيى بن نوفل ، ذكره الجاحظ في البيان 1 : 122 ، وأورد بعده : وألحن الناس كل الناس قاطبة * وكان يولع بالتشديق في الخطب (*)

[ 112 ]

الاصل : وقال عليه السلام في سحرة اليوم الذى ضرب فيه : ملكتنى عينى وأنا جالس ، فسنح لى رسول الله صلى الله عليه ، فقلت : يارسول الله ! ماذا لقيت من أمتك من الاود واللدد ! فقال : ادع عليهم ، فقلت : أبدلني الله بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بى شرا لهم منى . قال الرضى رحمه الله : يعنى بالاود الاعوجاج ، وباللدد الخصام ، وهذا من أفصح الكلام . * * * الشرح : قوله : (ملكتنى عينى) من فصيح الكلام ، يريد غلبنى النوم . قوله : (فسنح لى رسول الله صلى الله عليه وآله) ، يريد مربى كما تسنح الظباء والطير يمر بك ، ويعترض لك . وذا هاهنا بمعنى (الذى) كقوله تعالى : (ماذا ترى) ، أي ما الذي ترى ، يقول : قلت له : ما الذي لقيت من أمتك ؟ وما هاهنا استفهامية كأى ، ويقال ذلك فيما يستعظم أمره ، كقوله سبحانه : (القارعة ما القارعة) . و (شرا) هاهنا لا يدل على أن فيه شرا ، كقوله : (قل أذلك خير أم جنة الخلد) لا يدل على أن في النار خيرا . * * *

[ 113 ]

[ خبر مقتل الامام على كرم الله وجهه ] ويجب أن نذكر في هذا الموضع مقتله عليه السلام ، وأصح ما ورد في ذلك ما ذكره أبو الفرج على بن الحسين الاصفهانى في كتاب مقاتل الطالبيين (1) . قال أبو الفرج على بن الحسين - بعد أسانيد ذكرها مختلفة متفرقة ، تجتمع على معنى واحد نحن ذاكروه : إن نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكة فتذا كروا أمر المسلمين ، فعابوهم وعابوا أعمالهم عليهم ، وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم ، وقال بعضهم لبعض : لو أنا شرينا أنفسنا لله عزوجل فأتينا أئمة الضلال ، وطلبنا غرتهم ، وأرحنا منهم العباد والبلاد وثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان ! فتعاقدوا عند انقضاء الحج ، فقال عبد الرحمن بن ملجم : أنا أكفيكم عليا ، وقال واحد : أنا أكفيكم معاوية ، وقال الثالث : أنا أكفيكم عمرو بن العاص ، فتعاقدوا وتواثقوا على الوفاء ، وألا ينكل أحد منهم عن صاحبة الذى يتوجه إليه ولا عن قتله ، واتعدوا لشهر رمضان ، في الليلة التى قتل فيها ابن ملجم عليا . قال أبو الفرج : قال أبو مخنف : قال أبو زهير العبسى : الرجلان الاخران البرك بن عبد الله التميمي ، وهو صاحب معاوية ، وعمرو بن بكر التميمي ، وهو صاحب عمرو بن العاص . قال : فأما صاحب معاوية فإنه قصده ، فلما وقعت عينه عليه ضربه ، فوقعت ضربته على أليته ، وأخذ فجاء الطبيب إليه ، فنظر إلى الضربة ، فقال : إن السيف مسموم ، فاختر إما أن أحمى لك حديدة فأجعلها في الضربة ، وإما أن أسقيك دواء فتبرأ وينقطع نسلك . فقال : أما النار فلا أطيقها ، وأما النسل ففى يزيد وعبد الله ما تقر عينى ، وحسبي بهما . فسقاة الدواء فعوفى وعالج جرحه حتى التأم ، ولم يولد له بعد ذلك .


(1) مقاتل الطالبيين ص 29 وما بعدها (*)

[ 114 ]

وقال البرك بن عبد الله : إن لك عندي بشارة ، قال : وما هي ؟ فأخبره خبر صاحبه ، وقال له : إن عليا قتل في هذه الليلة فاحتبسني عندك ، فن قتل فأنت ولى ما تراه في أمرى ، وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضى إليه فأقتله ، ثم أعود إليك فأضع يدى في يدك ، حتى تحكم في بما ترى . فحبسه عنده ، فلما أتى الخبر أن عليا قتل في تلك الليلة خلى سبيله . هذه رواية إسماعيل بن راشد . وقال غيره من الرواة : بل قتله من وقته . وأما صاحب عمرو بن العاص ، فإنه وافاه في تلك الليلة ، وقد وجد علة فأخذ دواء ، واستخلف رجلا يصلى بالناس ، يقال له خارجة بن حنيفة ، أحد بنى عامر بن لؤى ، فخرج للصلاة ، فشد عمرو بن بكر فضربه بالسيف فأثبته (1) ، وأخذ الرجل ، فأتى به عمرو بن العاص فقتله ، ودخل من غد إلى خارجة وهو يجود بنفسه ، فقال : أما والله يا أبا عبد الله ما أراد غيرك . قال عمرو : ولكن الله أراد خارجة . وأاما ابن ملجم فإنه قتل عليا تلك الليلة . قال أبو الفرج : وحدثني محمد بن الحسن الاشناندانى وغيره ، قال : أخبرني على بن المنذر الطريقي ، قال : حدثنا ابن فضيل قال : حدثنا فطر (2) ، عن أبى الطفيل ، قال : جمع على عليه السلام الناس للبيعة ، فجاء عبد الرحمن بن ملجم فرده على مرتين أو ثلاثا ، ثم مد يده فبايعه ، فقال له على : ما يحبس أشقاها ! فو الذى نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه ، ثم أنشد اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا قال أبو الفرج :


(1) أثبته ، أي جرحه . (2) في الاصول : (قطن) ، تصحيف ، صوابه من مقاتل الطالبين ، وهو فطر بن خليفة ، ذكره صاحب التهذيب روى عن أبى الطفيل عامر بن واثلة . (*)

[ 115 ]

وقد روى لنا من طرق غير هذه ، أن عليا أعطى الناس ، فلما بلغ ابن ملجم أعطاه ، وقال له : أريد حياته ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد (1) قال أبو الفرج : وحدثني أحمد بن عيسى العجلى بإسناد ذكره في الكتاب ، إلى أبى زهير العبسى ، قال : كان ابن ملجم من مراد ، وعداده في كندة ، فأقبل حتى قدم الكوفة ، فلقى بها أصحابه وكتمهم أمره ، وطوى عنهم ما تعاقد هو وأصحابه عليه بمكة من قتل أمراء المسلمين مخافة أن ينتشر ، وزار رجلا من أصحابه ذات يوم من بنى تيم الرباب ، فصادف عنده قطام بنت الاخضر ، من بنى تيم الرباب ، وكان على قتل أخاها وأباها بالنهروان ، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها ، فلما رآها شغف بها ، واشتد أعجابه فخطبها ، فقالت له : ما الذى تسمى لى من الصداق ؟ فقال : احتكمي ما بدالك ، فقالت : أحتكم عليك ثلاثة آلاف درهم ووصيفا وخادما ، وأن تقتل على بن أبى طالب . فقال لها : لك جميع ما سألت ، وأما قتل على فأنى لى بذلك ! قالت : تلتمس غرته ، فإن أنت قتلته شفيت نفسي ، وهنأك العيش معى ، وإن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا ، فقال لها : أما والله ما أقدمني هذا المصر ، وقد كنت هار با منه لامن أهله ، إلا ما سألتنى من قتل على . قالت له : فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على هذا ويقويك ثم ، بعثت إلى وردان ابن مجالد ، أحد بنى تيم الرباب ، فخبرته الخبر ، وسألته معاونة ابن ملجم ، فتحمل لها ذلك ، وخرج ابن ملجم ، فأتى رجلا من أشجع ، يقال له شبيب بن بحيرة ، وقال له : يا شبيب ، هل لك في شرف الدنيا والاخرة ؟ قال : وما ذاك قال : تساعدني على قتل على . وكان شبيب على رأى الخوارج ، فقال له : هبلتك الهبول ! لقد جئت شيئا إدا ! وكيف تقدر ويحك على ذلك ! قال ابن ملجم : نكمن له في المسجد الاعظم ،


(1) البيت لعمرو بن معديكرب ، اللا لى 138 ، وروايته هناك (خباءه) . (*)

[ 116 ]

فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنابه ، وشفينا أنفسنا منه ، وأدركنا ثأرنا . فلم يزل به حتى أجابه . فأقبل به حتى دخلا على قطام ، وهى معتكفة في المسجد الاعظم ، قد ضربت لها قبة ، فقالا لها : قد أجمع رأينا على قتل هذا الرجل ، قالت لهما : فإذا أردتما ذلك فالقياني في هذا الموضع . فانصرفا من عندها ، فلبثا أياما ثم أتياها ، ومعهما وردان بن مجالد ، الذى كلفته مساعدة ابن ملجم ، وذلك في ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين . قال أبو الفرج : هكذا في رواية ابن مخنف ، وفى رواية (1) أبى عبد الرحمن السلمى أنها كانت ليلة سبع عشرة من شهر رمضان ، فقال لها ابن ملجم ، هذه الليلة هي التى وعدت فيها صاحبي ووعداني أن يقتل كل واحد مناصاحبة الذى يتوجه إليه . قلت : إنما تواعدوا بمكة : عبد الرحمن ، والبرك ، وعمرو ، على هذه الليلة ، لانهم يعتقدون أن قتل ولاة الجور قربة إلى الله ، وأحرى القربات ما تقرب به في الاوقات الشريفة المباركة . ولما كانت ليلة الجمعة التاسعة عشرة من شهر رمضان ، ليلة شريفة يرجى أن تكون ليلة القدر ، عينوها لفعل ما يعتقدونه قربة إلى الله ، فليعجب المتعجب من العقائد ، كيف تسرى في القلوب ، وتغلب على العقول ، حتى يرتكب الناس عظائم الامور ، وأهوال الخطوب لاجلها ! قال أبو الفرج : فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم ، وتقلدوا سيوفهم ، ومضوا فجلسوا مقابل السدة التى كان يخرج منها على عليه السلام إلى الصلاة . * * *


(1) ا ، ج : (حديث) . (2 - 2) ساقط من ب ، وهو في ا ، ج ومقاتل الطالبين (*)

[ 117 ]

قال أبو الفرج : وقد كان ابن ملجم أنى الاشعث بن قيس في هذه الليلة ، فخلا به في بعض نواحى المسجد ، ومر بهما حجر بن عدى ، فسمع الاشعث وهو يقول لابن ملجم : النجاء النجاء بحاجتك ! فقد فضحك الصبح ، قال له حجر : قتلته يا أعور ! وخرج النجاء النجاء بحاجتك ! فقد فضحك الصبح ، قال له حجر : قتلته يا أعور ! وخرج مبادرا إلى على ، وقد سبقه ابن ملجم فضربه ، فأقبل حجر والناس يقولون : قتل أمير المؤمنين . * * * قال أبو الفرج : وللاشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين أخبار يطول شرحها ، منها حديث حدثنيه محمد بن الحسين الاشناندانى ، قال : حدثنى إسماعيل بن موسى : قال : حدثنا على بن مسهر ، عن الاجلح ، عن موسى بن أبى النعمان قال : جاء الاشعث إلى على يستأذن عليه ، فرده قنبر ، فأدمى الاشعث أنفه ، فخرج على وهو يقول : مالى ولك يا أشعث ! أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك ! قيل : يا أمير المؤمنين ، ومن عبد ثقيف ؟ قال : غلام لهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا أدخلهم ذلا ، قيل : يا أمير المؤمنين ، كم يلى - أو كم يمكث ؟ قال : عشرين ، إن بلغها . قال أبو الفرج : وحدثني محمد بن الحسين أيضا بإسناد ذكره ، أن الاشعت دخل على على فكلمه فأغلظ على له ، فعرض له الاشعث ، أنه سيفتك به ! فقال له على : أبالموت تخوفنى أو تهددني ! فوالله ما أبالى وقعت على الموت أو وقع الموت على ! قال أبو الفرج : قال أبو مخنف : فحدثني أبى ، عن عبد الله بن محمد الازدي ، قال : إنى لاصلى تلك الليلة في المسجد الاعظم مع رجال من أهل المصر ، كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل إلى آخره ، إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من الشده قياما وقعودا ، وركوعا وسجودا ، ما يسأمون ، إذ خرج عليهم على بن أبى طالب الفجر ، فأقبل ينادى : الصلاة الصلاة ! فرأيت بريق السيف ، وسمعت قائلا يقول : الحكم لله يا على لا لك ،

[ 118 ]

ثم رأيت بريق سيف آخر ، وسمعت صوت على عليه السلام ، يقول : لا يفوتنكم الرجل . * * * قال أبو الفرج : فأما بريق السيف الاول ، فإنه كان شبيب بن بجرة ضربه فأخطاه ، ووقعت ضربته في الطاق ، وأما بريق السيف الثاني ، فإنه ابن ملجم ضربه فأثبت الضربة في وسط رأسه ، وشد الناس عليهما من كل ناحية ، حتى أخذوهما . قال أبو مخنف : فهمدان تذكر أن رجلا منهم ، يكنى أبا أدماء أخذ ابن ملجم . وقال غيرهم : بل أخذه المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب ، طرح عليه قطيفة ثم صرعه ، وأخذ السيف من يده وجاء به . قال : وأما شبيب بن بحيرة ، فإنه خرج هاربا ، فأخذه رجل فصرعه ، وجلس على صدره ، وأخذ السيف من يده ليقتله ، فرأى الناس يقصدون نحوه ، فخشى أن يعجلوا عليه ، فوثب عن صدره 1) ، وخلاه وطرح السيف عن يده ، وأما شبيب بن بحيرة ففاته ، فخرج هاربا حتى دخل منزله ، فدخل عليه ابن عم له ، (2 فرآه يحل الحرير عن صدره ، فقال له 2) : ماهذا ؟ لعلك قتلت أمير المؤمنين ! فأراد أن يقول : لا ، فقال : نعم ، فمضى ابن عمه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله . قال أبو مخنف : فحدثني أبى ، عن عبد الله بن محمد الازدي ، قال : أدخل ابن ملجم على على عليه السلام ، ودخلت عليه فيمن دخل ، فسمعت عليا يقول : النفس بالنفس ، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني ، وإن سلمت رأيت فيه رأيى ، فقال ابن ملجم : ولقد اشتريته بألف - يعنى السيف - ، وسممته بألف ، فإن خاننى فأبعده الله ! قال : فنادته أم كلثوم : يا عدو الله ، قتلت أمير المؤمنين ! قال : إنما قتلت أباك ، قالت : يا عدو الله إنى لارجو


(1 - 1) ساقط من ا ، ج ، وهو في مقاتل الطالبين . (2 - 2) ساقط من ا ، ب ، وهو في مقاتل الطالبين . (*)

[ 119 ]

ألان يكون عليه بأس ، قال : فأراك إنما تبكين عليا إذا والله لقد ضربته ضربه لو قسمت بين أهل الارض لاهلكتهم . قال أبو الفرج : وأخرج أبن ملجم من بين يديه ، وهو يقول (1) : نحن ضربنا يابنة الخير إذ طغى * أبا حسن مأمومة فتفطرا ونحن حللنا ملكه من نظامه (2) * بضربة سيف إذ علا ونجبرا ونحن كرام في الصباح أعزة * إذا المرء بالموت ارتدى وتأزرا (3) قال : وانصرف الناس من صلاة الصبح ، فأحد قوا بابن ملجم ، ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم السباع ، ويقولون : يا عدوالله ، ماذا صنعت ! أهلكت أمة محمد ، وقتلت خير الناس ! وإنه لصامت ما ينطق . قال أبو الفرج : وروى أبو مخنف ، عن أبى الطفيل ، أن صعصعة بن صوحان ، استأذن على على عليه السلام ، وقد أتاه عائدا لما ضربه ابن ملجم - فلم يكن عليه إذن - فقال صعصعة للاذن : قل له : يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا ، فلقد كان الله في صدرك عظيما ، ولقد كنت بذات الله عليما . فأبلغه الاذن مقالته ، فقال : قل له : وأنت يرحمك الله ، فلقد كنت خفيف المؤنة ، كثير المعونة . قال أبو الفرج : ثم جمع له أطباء الكوفة ، فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير ابن عمرو بن هانئ السكوني - وكان متطببا صاحب كرسى يعالج الجراحات ، وكان من الاربعين غلاما الذين كان بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم - فلما نظر أثير إلى جرح أمير المؤمنين دعابرئة شاة حارة ، فاستخرج منها عرقا ، وأدخله في الجرح ، ثم نفخه ثم


(1) في مقاتل الطالبين : (قال إسماعيل بن راشد في حديثه : والشعر لابن أبى مياس الفرازى) . (2) في مقاتل الطالبين : و (خلعنا ملكه . (3) الاببات في المؤتلف والمختلف للمرزباني 186 (*)

[ 120 ]

استخرجه ، وإذا عليه بياض الدماغ فقال : يا أمير المؤمنين ، اعهد عهدك ، فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك . فدعا على عليه السلام عند ذلك بدواة وصحيفة ، وكتب وصيته : هذا ما أوصى به أمير المؤمنين على بن أبى طالب ، أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلوات الله وبركاته عليه ، إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . أوصيك يا حسن وجميع ولدى وأهل بيتى ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربنا وربكم ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، فإنى سمعت رسول الله يقول : (صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ، وإن المبيرة حالقة الدين إفساد ذات البين) ، ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . انظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوها يهون الله عليكم الحساب . والله الله في الايتام فلا تغيرن أفواههم بجفوتكم . والله الله في جيرانكم ، فإنها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما زال يوصينا بهم حتى ظنننا أنه سيورثهم الله ، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم . والله الله في الصلاة فإنها عماد دينكم . والله الله في صيام شهر رمضان فإنه جنة من النار . والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم ، والله الله في زكاة أموالكم ، فإنها تطفئ غضب ربكم ، والله الله في أهل بيت نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم ، والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم . والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم . والله الله فيما ملكت أيمانكم فإنه كانت آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قال : (أوصيكم بالضعيفين ، فيما ملكت أيمانكم) ، ثم الصلاة الصلاة لا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفكم من بغى عليكم ، ومن أرادكم بسوء . قولوا للناس حسنا ، كما أمركم الله به ، ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيتولى ذلك غيركم ، وتدعون فلا يستجاب لكم . عليكم بالتواضع والتباذل والتبار ، وإياكم والتقاطع والتفرق

[ 121 ]

والتدابر ، تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب . حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيه ، أستودعكم الله خير مستودع ، وعليكم سلام الله ورحمته قلت : قوله : (والله الله في الايتام ، فلا تغيرن أفواههم بجفوتكم) يحتمل تفسيرين : أحدهما لا تجيعوهم ، فإن الجائع يخلف فمه ، وتتغير نكهته . والثانى : لا تحوجوهم إلى تكرار الطلب والسؤال ، فإن السائل ينضب ريقه وتنشف لهواته ، ويتغير ريح فمه . وقوله حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (أوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم) ، يعنى به الحيوان الناطق ، والحيوان الاعجم . * * * قال أبو الفرج : وحدثني أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بإسناد ذكره في الكتاب ، عن أبى عبد الرحمن السلمى ، قال : قال لى الحسن بن على عليه السلام : خرجت وأبى يصلى في المسجد ، فقال لى : يا بنى إنى بت الليلة أوقظ أهلى ، لانها ليلة الجمعة صبيحة يوم بدر لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ، فملكتني عيناى ، فسنح لى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقلت : يارسول الله ، ماذا لقيت من أمتك من الاود (1) واللدد ! فقال لى : ادع عليهم ، فقلت : اللهم أبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بى من هو شر منى .) قال الحسن عليه السلام : وجاء ابن أبى الساج ، فآذنه بالصلاة ، فخرج فخرجت خلفه ، فاعتوره الرجلان ، فأما أحدهما فوقعت ضربته في الطاق ، وأما الاخر فاثبتها في رأسه . قال أبو الفرج : قال : حدثنى أحمد بن عيسى ، قال حدثنا الحسين بن نصر ، قال :


(1) في مقاتل الطالبيين : قال أبو الفرج : الاود : العوج ، واللدد . الخصومات .) (*)

[ 122 ]

حدثنا زيد بن المعدل ، عن يحيى بن شعيب ، عن أبى مخنف ، عن فضيل بن خديج ، عن الاسود الكندى والاجلح ، قالا : توفى على عليه السلام وهو ابن أربع وستين سنة في عام أربعين من الهجرة ، ليلة لاحدى وعشرين ليلة الاحد مضت من شهر رمضان ، وولى غسله ابنه الحسن وعبد الله بن العباس ، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ، وصلى عليه ابنه الحسن ، فكبر عليه خمس تكبيرات ، ودفن بالرحبة ، مما يلى أبواب كندة عند صلاة الصبح . هذه رواية أبى مخنف . قال أبو الفرج : وحدثني أحمد بن سعيد ، قال : حدثنا يحيى بن الحسن العلوى ، قال : حدثنا يعقوب بن زيد ، عن ابن أبى عمير ، عن الحسن بن على الخلال ، عن جده ، قال : قلت للحسين بن على عليه السلام : أين دفنتم أمير المؤمنين عليه السلام ؟ قال : خرجنا به ليلا من منزله حتى مررنا به على منزل الاشعث بن قيس ، ثم خرجنا به إلى الظهر بجنب الغرى . * * * قلت : وهذه الرواية هي الحق وعليها العمل ، وقد قلنا فيما تقدم أن أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم من غير هم من الاجانب ، وهذا القبر الذى بالغرى ، هو الذى كان بنو على يزورونه قديما وحديثا ، ويقولون : هذا قبر أبينا لا يشك أحد في ذلك من الشيعة ، ولا من غيرهم ، أعنى بنى على من ظهر الحسن والحسين وغيرهما من سلالته المتقدمين منهم والمتأخرين ، مازاروا ولا وقفوا إلا على هذا القبر بعينه . * * * وقد روى أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى في تاريخة المعروف بالمنتظم (1) وفاه


(1) المنتظم 9 : 189 (*)

[ 123 ]

أبى الغنائم محمد بن على بن ميمون النرسى (1) المعروف بأبى (2) ، لجودة قراءته قال : توفى أبو الغنائم هذا في سنة عشر وخمسمائة ، وكان محدثا من أهل الكوفة ثقة حافظا ، وكان من قوام الليل ومن أهل السنة ، وكان يقول . ما بالكوفة من هو على مذهب أهل السنأ وأصحاب الحديث غيرى ، وكان يقول : مات بالكوفة ثلاثمائة صحابي ليس قبر أحد منهم معروفا إلا قبر أمير المؤمنين ، وهو هذا القبر الذى يزوره الناس الان ، جاء جعفر بن محمد عليه السلام وأبوه محمد بن على بن الحسين عليهم السلام إليه ، فزاراه ولم يكن إذ ذاك قبرا معروفا ظاهرا ، وإنما كان به سرح عضاه حتى جاء محمد بن زيد الداعي صاحب الديلم ، فاظهر القبر (3) . وسالت بعض من أثق به من عقلاء شيوخ أهل الكوفة عما ذكره الخطيب أبو بكر في تاريخه ، أن قوما يقولون : إن هذا القبر الذى تزوره الشيعة إلى جانب الغرى هو قبر المغيرة بن شعبة ، فقال : غلطوا في ذلك ، قبر المغيرة وقبر زياد بالثوية (4) من أرض الكوفة ، ونحن نعرفهما وننقل ذلك عن آبائنا وأجدادنا . وأنشدني قول الشاعر يرثى زيادا ، وقد ذكره أبو تمام في الحماسة : صلى الاله على قبر وطهره * عند الثوية يسفى فوقه المور (5) زفت إليه قريش نعش سيدها * فالحلم والجود فيه اليوم مقبور (6) أبا المغيرة والدنيا مفجعة * وإن من غرت الدنيا لمغرور


(1) في الاصول : (الرس) ، وما أثبته عن المنتظم والنجوم الزاهرة 5 : 212 (2) أبى بن كعب بن قيس سيد القراء (3) في الاصول : (القبمة) ، وما أثبته منت المنتظم . (4) الثوية : موضع قريب من الكوفة (5) الاببات في الكامل للمبرد 4 : 192 بشرح المرفصى ، نسبها إلى حارثة بن بدر ، وهى أيضا في معجم البلدان 3 : 28 بهذه النسبة . والمور : التراب ، تريد أن الريح تسفيه بالتراب . (6) قال المبرد : (قوله : (نعش سيدها) يريد موضعه من النسب ، لانه نسبه إلى أبى سفيان ، وكان رئيس قريش قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم) . (*)

[ 124 ]

قد كان عندك للمعروف معرفة * وكان عندك للمنكور تنكير وكنت تغشى وتعطى المال من سعة * فاليوم قبرك أضحى وهو مهجور والناس بعدك قد خفت حلومهم * كأنما نفخت فيه الاعاصير (1) وسألت قطب الدين نقيب الطالبيين أبا عبد الله الحسين بن الاقساسى رحمه الله تعالى عن ذلك ، فقال : صدق من أخبرك نحن وأهلها كافة نعرف مقابر ثقيف إلى الثوية ، وهى إلى اليوم معروفة ، وقبر المغيرة فيها ، إلا أنها لا تعرف ، وقد ابتلعها السبخ وزبد الارض وفورانها ، فطمست واختلط بعضها ببعض . ثم قال : إن شئت أن تتحقق أن قبر المغيرة في مقابر ثقيف فانظر إلى كتاب الاغانى لابي الفرج على بن الحسين ، والمح ماقاله في ترجمة المغيرة ، وأنه مدفون في مقابر ثقيف ، ويكفيك قول أبى الفرج ، فإنه الناقد البصير ، والطبيب الخبير ، فتصفحت ترجمة المغيرة في الكتاب المذكور ، فوجدت الامر كما قاله النقيب . * * * قال أبو الفرج : كان مصقلة بن هبيرة الشيباني (2) قد لاحى المغيرة في شئ كان بينهما منازعة ، فضرع له المغيرة وتواضع في كلامه ، حتى طمع فيه مصقلة ، فاستعلى عليه وشتمه ، وقال : إنى لاعرف شبهي في عروة ابنك ، فأشهد المغيرة على قوله هذا شهودا ، ثم قدمه إلى شريح القاضى ، فأقام عليه البينة ، فضربه شريح الحد ، وآلى مصقلة ألا يقيم ببلدة فيها المغيرة ، فلم يدخل الكوفة ، حتى مات المغيرة ، فدخلها ، فتلقاه قومه فسلموا عليه ، فما فرغ من السلام حتى سألهم عن مقابر ثقيف ، فأرشدوه إليها ، فجعل قوم من مواليه


(1) قال المبرد : قوله : كأنما نفخت فيه الاعاصير ، هذا مثل ، وإنما يريد خفة الحلوم . والاعصار - فيما ذكر أبو عبيدة - ريح بشدة فيما بين السماء والارض) . (2) الاغانى 44 : 139 (ساسى) . (*)

[ 125 ]

يلتقطون الحجارة ، فقال لهم : ماهذا ؟ فقالوا : نظن أنك تريد أن ترجم قبر المغيرة ، فقال : ألقوا ما في أيديكم ، فانطلق حتى وقف على قبره ، ثم قال : والله لقد كنت ما علمت نافعا لصديقك ، ضارا لعدوك ، وما مثلك إلا كما قال مهلهل في كليب أخيه : إن تحت الاحجار حزما وعزما * وخصيما ألد ذا معلاق (1) حية في الوجار أربد لا * ينفع منه السليم نفثة راقى * * * قال أبو الفرج : فأما ابن ملجم ، فإن الحسن بن على بعد دفنه أمير المؤمنين دعا به وأمر بضرب عنقه ، فقال له : إن رأيت أن تأخذ على العهود أن أرجع إليك حتى أضع يدى في يدك ، بعد أن أمضى إلى الشام ، فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية ، فإن كان قتله وإلا قتلته ثم عدت إليك حتى تحكم في حكمك فقال : هيهات والله لا تشرب الماء البارد حتى تلحق روحك بالنار ، ثم ضرب عنقه ، واستوهبت أم الهيثم بنت الاسود النخعية جثته منه ، فوهبها لها ، فأحرقتها بالنار . وقال ابن أبى مياس الفزارى وهو من الخوارج : فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من غنى ومعدم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب على بالحسام المصمم فلامهر أغلى من على وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم . وقال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (2) : وهز على بالعراقين لحية * مصيبتها جلت على كل مسلم وقال سيأتيها من الله نازل * ويخضبها أشقى البرية بالدم فعاجله بالسيف شلت يمينه * لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم


(1) من كلمة له في العينى 4 : 212 (على هامش الخزانة) . (2) الابيات في الاستيعاب 472 ، ونسبها ، إلى بكر بن حماد . (*)

[ 126 ]

فياضربة من خاسر ضل سعيه * تبوأ منها مقعدا في جهنم ففاز أمير المؤمنين بحظه * وإن طرقت إحدى الليالى بمعظم ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة * حلاوتها شيبت بصاب وعلقم . قال أبو الفرج وأنشدني عمى الحسن بن محمد ، قال : أنشدني محمد بن سعد ، لبعض بنى عبد المطلب ، يرثى عليا ، ولم يذكر اسمه : يا قبر سيدنا المجن سماحة * صلى الاله عليك يا قبر ماضر قبرا أنت ساكنه * ألا يحل بأرضه القطر فليندين سماح كفك بالثرى * وليورقن بجنبك الصخر والله لو بك لم أجد أحدا (1) * إلا قتلت ، لفاتني الوتر


(1) في حاشية ج ، : (لم أدع أحدا) . (*)

[ 127 ]

(70) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في ذم أهل العراق : أما بعد يا أهل العراق ، فإنما أنتم كالمرأة الحامل ، حملت فلما أتمت أملصت ومات قيمها ، وطا تأيمها ، وورثها أبعدها . أما والله ما أتيتكم اختيارا ، ولكن جئت إليكم سوقا . ولقد بلغني أنكم تقولون : على (1) يكذب ، قاتلكم الله تعالى ! فعلى من أكذب ! أعلى الله فأنا أول من آمن به ! أم على نبيه ؟ فأنا أول من صدق (2) به ! كلا والله لكنها لهجة غبتم عنها ، ولم تكونوا من أهلها ، ويل امه كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء ، ولتعلمن نبأه بعد حين ! * * * الشرح : أملصت الحامل : ألقت ولدها سقاطا . وقيمها : بعلها . وتأيمها : خلوها عن الازواج ، يقول : لما شارفتم استئصال أهل الشام ، وظهرت أمارات الظفر لكم ، ودلائل الفتح نكصتم وجنحتم إلى السلم والاجابة إلى التحكيم عند رفع المصاحف ، فكنتم كالمرأة الحامل لما أتمت أشهر حملها ألقت ولدها إلقاء غير طبيعي ، نحو أن تلقيه لسقطة أو ضربة أو عارض يقتضى أن تلقيه هالكا . ثم لم يكتف لهم بذلك ، حتى قال : (ومات بعلها ، وطال تأيمها ، وورثها أبعدها) ، أي لم يكن لها ولد وهو أقرب المخلفين إلى الميت ، ولم يكن لها بعل فورثها الاباعد عنها ،


(1) ساقطة من مخطوطة النهج . (2) نخطوطة النهج : (صدقه) .

[ 128 ]

كالسافلين من بنى عم ، وكالمولاة تموت من غير ولد ولا من يجرى مجراه ، فيرثها مولاها ولا نسب بينها وبينه . ثم أقسم أنه لم يأتهم اختيارا ، ولكن المقادير ساقته إليهم سوقا ، يعنى اضطرارا . وصدق عليه السلام ، لانه لو لا يوم الجمل لم يحتج إلى الخروج من المدينة إلى العراق ، وإنما استنجد بأهل الكوفة على أهل البصرة ، اضطرارا إليهم ، لانه لم يكن جيشه الحجازى وافيا بأهل البصرة الذين أصفقوا على حربه ونكث بيعتة ، ولم يكن خروجه عن المدينة وهى دار الهجرة ومفارقته لقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقبر فاطمة عن إيثار ومحبة ، ولكن الاحوال تحكم وتسوق الناس إلى ما لا يختارونه ابتداء . وقد روى هذا الكلام على وجه آخر : (ما أتيتكم اختيارا ، ولا جئت إليكم شوقا) بالشين المعجمة . ثم قال : (بلغني أنكم تقولون يكذب) ، وكان كثيرا ما يخبر عن الملاحم والكائنات ويومئ إلى أمور أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيقول المنافقون من أصحابه : يكذب كما كان المنافقون الاولون في حياة رسول الله صلى الله وآله يقولون عنه : يكذب . * * * وروى صاحب كتاب الغارات عن الاعمش ، عن رجاله قال : خطب على عليه السلام ، فقال : والله لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مائة ، ثم لو شئت لحدثتكم من غدوة إلى أن تغيب الشمس ، لا أخبرتكم إلا حقا ، ثم لتخرجن فلتزعمن أنى أكذب الناس وأفجرهم . وقد روى صاحب هذا الكتاب وغيره من الرواة أنه قال : إن أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلا ملك مقرب أو نبى مرسل ، أو عبد امتحن الله قبله للايمان .

[ 129 ]

وهذا الكلام منه كلام عارف عالم بأن في الناس من لا يصدقه فيما (1) يقول ، وهذا أمر مركوز في الجبلة البشرية ، وهو استبعاد الامور الغريبة ، وتكذيب الاخبار بها . وإذا تأملت أحواله في خلافته كلها وجدتها هي مختصرة من أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته ، كأنها نسخة منتسخة منها ، في حربه وسلمه ، وسيرته وأخلاقه ، وكثرة شكايته من المنافقين من أصحابه والمخالفين لامره ، وإذا أردت أن تعلم ذلك علما واضحا ، فاقرأ سورة (براءة) ففيها الجم الغفير من المعنى الذى أشرنا إليه [ ذكر مطاعن النظام على الامام على والرد عليه ] واعلم أن (2) النظام لما تكلم في كتاب النكت ، وانتصر لكون الاجماع ليس بحجة ، اضطر إلى ذكر عيوب الصحابة ، فذكر لكل منهم عيبا ، ووجه إلى كل واحد منهم طعنا ، وقال في على : إنه لما حارب الخوارج يوم النهروان ، كان يرفع رأسه إلى السماء تارة ينظر إليها ، ثم يطرق إلى الارض فينظر إليها تارة أخرى ، يوهم أصحابه أنه يوحى إليه ، ثم يقول : (ما كذبت ولا كذبت) ، فلما فرغ من قتالهم وأديل عليهم ، ووضعت الحرب أوزارها ، قال الحسن ابنه : يا أمير المؤمنين ، أكان رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم إليك في أمر هؤلاء بشئ ؟ فقال : لا ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنى بكل حق ، ومن الحق أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . قال النظام (1) : وقوله : (ما كذبت ولا كذبت) ورفعه رأسه أحيانا إلى السماء وإطراقه إلى الارض إيهام ، أما لنزول الوحى عليه ، أو لانه قد أوصى من قبل في شأن الخوارج بأمر . ثم هو يقول : ما أوصى فيهم على خصوصيتهم بأمر ، وإنما أوصى بكل الحق ، وقتالهم من الحق .


(1) كذا في ج ، وفى ا ، ب : (كما) . (2) هو إبراهيم بن سيار بن هاني البصري أبو إسحاق النظام ، أحد أئمة المعتزلة ، ذكره ابن حجر في لسان الميزان 1 : 67 ، وقال إنه (مات في خلافة المعتصم سنة بصنع وعشرين ومائتين) . (*)

[ 130 ]

وهذا عجيب طريف . فنقول : إن النظام أخطا عندنا في تعريضه بهذا الرجل خطأ قبيحا ، وقال قولا منكرا ، نستغفر الله له من عقابه ، ونسأله عفوه عنه ، وليست الرواية التى رواها عن الحسن وسؤاله لابيه وجوابه له ، بصحيحة ولا معروفة ، والمشهور المعروف المنقول نقلا يكاد يبلغ درجة المتواتر من الاخبار ، ماروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله في معنى الخوارج بأعيانهم وذكرهم بصفاتهم ، وقوله صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام : (إنك مقاتلهم وقاتلهم ، وإن المخدج (1) ذا الثدية منهم ، وإنك ستقاتل بعدى الناكثين والقاسطين والمارقين) ، فجعلهم أصنافا ثلاثة حسب ما وقعت الحال عليه . وهذا من معجزات الرسول صلى الله عليه وآله ، وإخباره عن الغيوب المفصلة . فما أعلم من أي كتاب نقل النظام هذه الرواية ، ولا عن أي محدث رواها ، ولقد كان رحمه الله تعالى بعيدا عن معرفة الاخبار والسير منصبا فكره ، مجهدا نفسه في الامور النظرية الدقيقة ، كمسألة الجزء ، ومداخلة الاجسام وغيرهما ، ولم يكن الحديث والسير من فنونه ولا من علومه ، ولا ريب أنه سمعها ممن لا يوثق بقوله ، فنقلها كما سمعها . فأما كونه عليه السلام كان ينظر تارة إلى السماء ، وتارة إلى الارض . وقوله : (ما كذبت ولا كذبت) ، فصحيح وموثوق بنقله ، لاستقامته وشهرته وكثره رواته ، والوجه في ذلك أنه استبطأ وجود المخدج حيث طلبه في جملة القتلى ، فلما طال الزمان ، وأشفق من دخول شبهة على أصحابه لما كان قدمه إليهم من الاخبار قلق واهتم ، وجعل يكرر قوله : (ما كذبت ولا كذبت) أي ما كذبت على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولا كذبني رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أخبرني به . فأما رفعه رأسه إلى السماء تارة ، وإطراقه إلى الارض أخرى ، فإنه حيث كان يرفع


(1) المخدج : الناقص اليد . (*)

[ 131 ]

رأسه ، كان يدعو ويتضرع إلى الله في تعجيل الظفر بالمخدج ، وحيث يطرق كان يغلبه الهم والفكر فيطرق . ثم حين يقول : (ما كذبت ولا كذبت) ، كيف ينتظر نزول الوحى ، فإن من نزل عليه الوحى لا يحتاج أن يسند الخبر إلى غيره ، ويقول : ما كذبت فيما أخبرتكم به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومما طعن به النظام عليه أنه عليه (1) السلام قال : (إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فهو كما حدثتكم ، فوالله لان أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا سمعتموني أحدثكم فيما بينى وبينكم ، فإنما الحرب خدعة) . قال النظام : هذا يجرى مجرى التدليس في الحديث ، ولو لم يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالمعاريض ، وعلى طريق الايهام لما اعتذر من ذلك . فنقول في الجواب . إن النظام قد وهم وانعكس عليه مقصد أمير المؤمنين وذلك ، أنه عليه (1) السلام لشدة ورعه أراد أن يفصل للسامعين بين ما يخبر به عن نفسه ، وبين ما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لان الضرورة ربما تدعوه إلى استعماله المعاريض ، لا سيما في الحرب المبنية على الخديعة والرأى ، فقال لهم : كلما أقول لكم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعلموا أنه سليم من المعاريض ، خال من الرمز والكناية ، لانى لا أستجيز ولا أستحل أن أعمى أو ألغز في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وما حدثتكم به عن نفسي ، فربما أستعمل فيه المعاريض ، لان الحرب خدعة .


(1) ا ، ج : (رضى الله عنه) . (*)

[ 132 ]

وهذا كلام رجل قد استعمل التقوى والورع في جميع أموره ، وبلغ من تعظيم أمر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، وإجلال قدره واحترام حديثه الا يرويه إلا بالفاظه لا بمعانيه ، ولا بأمر يقتضى فيه إلباسا وتعمية ، ولو كان مضطرا إلى ذلك ، ترجيحا للجانب الذى على جانب مصلحته في خاص نفسه . فأما إذا هو قال كلاما يبتدئ به من نفسه ، فإنه قد يستعمل فيه المعاريض إذا اقتضت الحكمة والتدبير ذلك ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله باتفاق الرواة كافة إذا أراد أن يغزو وجها ورى عنه بغيره ، ولما خرج عليه السلام من المدينة لفتح مكة ، قال لاصحابه كلاما يقتضى أنه يقصد بنى بكر بن عبد مناة من كنانة ، فلم يعلموا حقيقة حاله حتى شارف مكة ، وقال حين هاجر وصحبه أبو بكر الصديق لاعرابي لقيهما : من أين أنت ؟ وممن أنت ؟ فلما انتسب لهما ، قال له الاعرابي : أما أنا فقد أطلعتكما طلع أمرى ، فممن أنت ؟ فقال : من ماء ، لم يزده على ذلك ، فجعل الاعرابي يفكر ، ويقول : من أي ماء ؟ من ماء بنى فلان ، من ماء بنى فلان ؟ فتركه ولم يفسر له ، وإنما أراد عليه السلام أنه مخلوق من نطفه . فأما قول النظام : (لو لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه سلم بالمعاريض لما اعتذر من ذلك) ، فليس في كلامه اعتذار ، ولكنه نفى أن يدخل المعاريض في روايته ، وأجازها فيما يبتدئ به عن نفسه ، وليس يتضمن هذا اعتذارا . وقوله : (لان أخر من السماء) يدل على أنه ما فعل ذلك ولا يفعله . * * * ثم قال : (على من أ كذب ؟) يقول : كيف أ كذب على الله وأنا أول المؤمنين به ؟ وكيف أكذب على رسول الله وأنا أول المصدقين به ! أخرجه مخرج الاستبعاد لدعواهم وزعمهم . فإن قلت : كيف يمكن أن يكون المكلف الذى هو من أتباع الرسول كاذبا على الله إلا بواسطة إخباره عن الرسول : لانه لا وصلة ولا واسطة بينه وبين الله تعالى إلا الرسول ،

[ 133 ]

وإذا لم يمكن كذبه على الله إلا بكذبه على الرسول ، لم يبق لتقسيم الكذب ، وقوله : (أفأنا أ كذب على الله أو على رسوله ؟) - معنى (1) . قلت : يمكن أن يكذب الكاذب على الله دون أن يكون كاذبا على الرسول ، وإن كان من أتباع الرسول ، نحو أن يقول : كنت مع الرسول صلى الله عليه وآله ليلة في مقبرة ، فأحيا الله تعالى فلانا الميت ، فقام وقال كذا . أو يقول : كنت معه يوم كذا ، فسمعت منادى يناديه من السماء : افعل كذا ، أو نحو ذلك من الاخبار بأمور لا تستند إلى حديث الرسول . * * * ثم قال عليه (1) السلام : (كلا والله) ، أي لا والله . وقيل : إن (كلا) بمعنى (حقا) وإنه إثبات . قال : (ولكنها لهجة غبتم عنها) ، اللهجة : بفتح الجيم ، وهى آله النطق ، يقال له : هو فصيح اللهجة ، وصادق اللهجة . ويمكن أن يعنى بها لهجة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقول : (شهدت وغبتم) ويمكن أن يعنى بها لهجته هو ، فيقول : إنها لهجة غبتم عن منافعها ، وأعدمتم أنفسكم ثمن مناصحتها . ثم قال : (ويلمه) الضمير راجع إلى مادل عليه معنى الكلام من العلم ، لانه لما ذكر اللهجة وشهوده إياها وغيبوبتهم عنها دل ذلك على علم له خصه به الرسول عليه السلام . فقال : (ويلمه) ، وهذه كلمة تقال للتعجب والاستعظام ، يقال : (ويلمه فارسا) ! وتكتب موصولة كما هي بهذه الصورة وأصله (ويل أمه) مرادهم التعظيم والمدح ، وإن كان اللفظ موضوعا لضد ذلك ، كقوله عليه الصلاة والسلام : (فاظفر بذات الدين تربت يداك) ، وكقولهم للرجل يصفونه ويقرظونه : لا أبا له) . وقال الحسن البصري ، وهو يذكر عليا عليه السلام ، ويصف كونه على الحق


(1) ساقطة من ا ، ب هي في ج (2) ج : (رضى الله عنه) . (*)

[ 134 ]

في جميع أموره ، حتى قال (فلما شارف الظفر وافق على التحكيم ، ومالك في التحكيم والحق في يديك ، لا أبا لك !) . قال أبو العباس المبرد : هي (1) كلمة فيها جفاء وخشونة ، كانت الاعراب تستعملها فيمن يستعظمون أمره ، قال : ولما أنشد سليمان بن عبد الملك قول بعض الاعراب : رب العباد مالنا وما لكا * قد كنت تسقينا فما بدا لكا * أنزل علينا الغيث لا أبا لكا * قال : أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد ، فأخرجها أحسن مخرج . ثم قال عليه السلام : (كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء) ، انتصب (كيلا) لانه مصدر في موضع الحال ، ويمكن أن ينتصب على التمييز ، كقولهم : لله دره فارسا ! يقول : أنا أكيل لكم العلم والحكمة كيلا ولا أطلب لذلك ثمنا . لو وجدت وعاء ! أي حاملا للعلم ، وهذا مثل قوله عليه السلام : ها إن بين جنبى علما جما لو أجد له حملة . ثم ختم الفصل بقوله تعالى : (ولتعلمن نبأه بعد حين) ، وهو أحسن ماختم هذا الكلام به [ خطبة على بعد يوم النهروان ] وروى المدائني في كتاب (صفين) ، قال : خطب على عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان ، فذكر طرفا من الملاحم ، قال : إذا كثرت فيكم الاخلاط ، واستولت الانباط ، دنا خراب العراق ، ذاك إذا بنيت مدينة ذات أثل وأنهار . فإذا غلت فيها الاسعار ، وشيد فيها البنيان ، وحكم فيها الفساق ، وأشتد البلاء ، وتفاخر الغوغاء ، دنا خسوف البيداء ، وطاب الهرب والجلاء . وستكون قبل الجلاء أمور يشيب منها الصغير ، ويعطب الكبير ، ويخرس الفصيح


(1) الكامل ص 562 (طبع أوربا) . (*)

[ 135 ]

ويبهت اللبيب ، يعاجلون بالسيف صلتا ، وقد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون . فيالها مصيبة حينئذ ! من البلاء العقيم ، والبكاء الطويل ، والويل والعويل ، وشدة الصريخ ، في ذلك أمر الله - وهو كائن ، وقتا - مريج (1) . فيابن حرة (2) الاماء ، متى تنتظر ! أبشر بنصر قريب من رب رحيم . ألا فويل للمتكبرين ، عند حصاد الحاصدين ، وقتل الفاسقين . عصاة ذى العرش العظيم ، فبأبي وأمى من عدة قليلة ! أسماؤهم في الارض مجهولة ، قد دان حينئذ ظهورهم ، ولو شئت لاخبرتكم بما يأتي ويكون من حوادث دهركم ونوائب زمانكم ، وبلايا أيامكم ، وغمرات ساعاتكم ، ولكنه أفضيه إلى من أفضيه إليه ، مخافة عليكم ، ونظرا لكم ، علما منى بما هو كائن وما يكون من البلاء الشامل ، ذلك عند تمرد الاشرار ، وطاعه أولى الخسار . ذاك أوان الحتف والدمار ، ذاك إدبار أمركم ، وانقطاع أصلكم ، وتشتت ألفتكم ، وإنما يكون ذلك عند ظهور العصيان ، وانتشار الفسوق ، حيث يكون الضرب بالسيف أهون على المؤمنين من اكتساب درهم حلال ، حين لا تنال المعيشة إلا بمعصية الله في سمائه ، حين تسكرون من غير شراب ، وتحلفون من غير اضطرار ، وتظلمون من غير منفعة ، وتكذبون من غير إحراج . تتفكهون بالفسوق ، وتبادرون بالمعصية . قولكم البهتان ، وحديثكم الزور ، وأعمالكم الغرور ، فعند ذلك لا تأمنون البيات ، فيا له من بيات ما أشد ظلمته ! ومن صائح ما أفظع صوته ! ذلك بيات لا ينمى صاحبه ، فعند ذلك تقتلون ، وبأنواع البلاء تضربون ، وبالسيف تحصدون ، وإلى النار تصيرون ، ويعضكم البلاء كما يعض الغارب القتب (3) . يا عجبا كل العجب ، بين جمادى ورجب ! من جمع أشتات ، وحصد نبات ، ومن أصواب بعدها أصوات ثم قال : سبق القضاء سبق القضاء .


(1) كذا وردت العبارة في الاصول ، وفيها غموض . (2) كذا في ب ، وفى ج ، : (خرت الاماء) ، وفى ا كلمة غير واضحة . (3) الغارب هنا : كاهل البعير والقتب : رحل صغير على قدر السنام ، والكلام هنا جار على المثل . (*)

[ 136 ]

قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه : أشهد أنه كاذب على الله ورسوله ! قال الكوفى : وما يدريك ؟ قال : فوالله ما نزل على من المنبر حتى فلج الرجل ، فحمل إلى منزله في شق محمل ، فمات من ليلته . [ من خطب الامام على أيضا ] وروى المدائني أيضا ، قال : خطب على عليه السلام (1) ، فقال : لو كسرت لى الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، وما من آية في كتاب الله أنزلت في سهل أو جبل إلا وأنا عالم متى أنزلت ، وفيمن أنزلت . فقال رجل من القعود تحت منبره : يا لله وللدعوى الكاذبة ! وقال آخر إلى جانبه : أشهد أنك أنت الله رب العالمين ! قال المدائني : فانظر إلى هذا التناقض والتباين فيه . * * * وروى المدائني أيضا ، قال : خطب على عليه السلام (1) ، فذكر الملاحم ، فقال : سلونى قبل أن تفقدوني ، أما والله لتشغرن الفتنة الصماء برجلها ، وتطأ في خطامها . يا لها من فتنه شبت نارها بالحطب الجزل ، مقبلة من شرق الارض رافعة ذيلها ، داعية ويلها ، بدجلة أو حولها . ذاك إذا استدار الفلك ، وقلتم : مات أو هلك ، بأى واد سلك ! فقال قوم تحت منبره : لله أبوه ! ما أفصحه كاذبا ! وروى صاحب كتاب الغارات عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث ،


(1) ح : (رضى الله عنه) . (2) ، ج : (قنة) تصحيف . (*)

[ 137 ]

قال : سمعت عليا يقول على المنبر : ما أحد جرت عليه المواسى إلا وقد أنزل الله فيه قرآنا ، فقام إليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، فما أنزل الله تعالى فيك ؟ قال : يريد تكذيبه . فقام الناس إليه يلكزونه في صدره وجنبه ، فقال : دعوه ، أقرأت سورة هود ؟ قال نعم ، قال : أقرأت قوله سبحانه : (أ فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) (1) قال : نعم ، قال : صاحب البينة محمد ، والتالى الشاهد أنا .


(1) سورة هود 17 (*)

[ 138 ]

(17) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام علم فيها الناس الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله : اللهم داحى المدحوات وداعم المسموكات ، وجابل القلوب على فطراتها (1) : شقيها وسعيدها ، اجعل شرائف صلواتك ، ونوامى بركاتك ، على محمد عبدك ورسولك . الخاتم لما سبق ، والفاتح لما انغلق ، والمعلن الحق بالحق ، والدافع جيشات الاباطيل ، والدامغ صولات الاضاليل . كما حمل فاضطلع ، قائما بأمرك ، مستوفزا في مرضاتك ، غير ناكل عن قدم ، ولا واه في عزم ، واعيا لوحيك ، حافظا لعهدك ، ماضيا على نفاذ أمرك ، حتى أورى قبس القابس ، وأضاء الطريق للخابط ، وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن والاثام (2) . وأقام بموضحات الاعلام ونيرات الاحكام ، فهو أمينك المأمون ، وخازن علمك المخزون ، وشهيدك يوالدين ، وبعيثك بالحق ، ورسولك إلى الخلق . اللهم افسح له مفسحا في ظلك ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك . اللهم وأعل على بناء البانين بناءه ، وأكرم لديك منزلته ، وأتمم له نوره ، واجزه من ابتغائك له مقبول الشهادة ، مرضى المقالة ، ذا منطق عدل ، وخطبة فصل . اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش وقرار النعمة ، ومنى الشهوات ، وأهواء اللذات ، ورخاء الدعة ، ومنتهى الطمأنينة ، وتحف الكرامة . * * *


(1) مخطوطة النهج : (فطرتها) (2) مخطوطة النهج : (بالاثم) . (*)

[ 139 ]

الشرح : دحوت الرغيف دحوا : بسطته ، والمدحوات هنا : الارضون . فإن قلت : قد ثبت أن الارض كرية ، فكيف تكون بسيطة ، والبسيط هو المسطح ، والكرى ، لا يكون مسطحا ؟ قلت : الارض بجملتها شكل كرة وذلك لا يمنع أن تكون كل قطعة منها مبسوطة تصلح لان تكون مستقرا ومجالا للبشر وغيرهم من الحيوان ، فإن المراد بانبساطها هاهنا ليس هو السطح الحقيقي الذى لا يوجد في الكرة ، بل كون كل قطعة منها صالحة لان يتصرف عليها الحيوان ، لا يعنى به غير ذلك . وداحى المدحوات ، ينتصب لانه منادى مضاف ، تقديره : يا باسط الارضين المبسوطات . قوله : (وداعم المسموكات) ، أي حافظ السموات المرفوعات ، دعمت الشئ إذا حفظته من الهوى بدعامة ، والمسموك : المرفوع ، قال : إن الذى سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول (1) ويجوز أن يكون عنى بكونها مسموكة كونها ثخينة . وسمك الجسم هو البعد الذى يعبر عنه المتكلمون بالعمق وهو قسيم الطول والعرض ، ولا شئ أعظم ثخنا من الافلاك . فإن قلت : كيف قال : إنه تعالى دعم السموات وهى بغير عمد ؟ قلت : إذا كان حافظا لها من الهوى بقدرته وقوته فقد صدق عليه كونه داعما لها ، لان قوته الحافظة تجرى مجرى الدعامة . قوله : (وجابل القلوب) أي خالقها ، والجبل الخلق ، وجبلة الانسان : خلقته . وفطراتها : بكسر الفاء وفتح الطاء . جمع فطرة ، ويجوز كسر الطاء ، كما قالوا في سدرة : سدرات وسدرات ، والفطرة : الحالة التى يفطر الله عليها الانسان ، أي يخلقه عليها خاليا من الاراء


(1) البيت مطلع قصيرة للفرزدق ، ديوانه 714 (*)

[ 140 ]

والديانات والعقائد والاهوية ، وهى ما يقتضيه محض العقل ، وإنما يختار الانسان بسوء نظره ما يفضى به إلى الشقوة ، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله : (كل مولود يولد على الفطرة ، فإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه) . قوله : (شقيها وسعيدها) بدل من القلوب ، وتقدير الكلام : وجابل الشقى من القلوب والسعيد على ما فطرت عليه . والنوامي : الزوائد . والخاتم لما سبق ، أي لما سبق من الملل . والفاتح لما انغلق من أمر الجاهلية . والمعلن الحق بالحق ، أي المظهر للحق الذى هو خلاف الباطل بالحق ، أي بالحرب والخصومة ، يقال : حاق فلان فلانا فحقه ، أي خاصمه فخصمه . ويقال : ما فيه حق أي خصومة . قوله : (والدافع جيشات الاباطيل) ، جمع جيشة ، من جاشت القدر إذا ارتفع غليانها . والاباطيل : جمع باطل على غير قياس ، والمراد أنه قامع ما نجم من الباطل . والدامغ : المهلك ، من دمغه أي شجه حتى بلغ الدماغ ، ومع ذلك يكون الهلاك . والصولات : جمع صولة وهى السطوة . والاضاليل : جمع ضلال على غير قياس . قوله : (كما حمل) ، أي لاجل أنه يحمل ، والعرب تستعمل هذه الكاف بمعنى التعليل ، قال الشاعر : فقلت له أبا الملحاء خذها * كما أوسعتنا بغيا وعدوا أي هذه الضربة لبغيك علينا ، وتعديك . وقوله : (كما حمل) يعنى حمل أعباء الرسالة . فاضطلع ، أي نهض بها قويا ، فرس ضليع أي قوى ، وهى الضلاعة ، أي القوة . مستوفزا ، أي غبر بطئ ، بل يحث نفسه ويجهدها في رضا الله سبحانه ، والوفز : العجلة ، والمستوفز المستعجل .

[ 141 ]

غير ناكل عن قدم ، أي غير جبان ولا متأخر عن إقدام ، والمقدام : المتقدم ، يقال مضى قدما أي تقدم وسار ولم يعرج . قوله : (ولا واه في عزم) ، وهى ، أي ضعف ، والواهى : الضعيف . واعيا لوحيك ، أي فاهما ، وعيت الحديث ، أي فهمته وعقلته . ماضيا على نفاذ أمرك في الكلام حذف ، تقديره : ماضيا مصرا على نفاذ أمرك ، كقوله تعالى (في تسع آيات إلى فرعون) (1) ، ولم يقل : (مرسلا) لان الكلام يدل بعضه على بعض . وقوله : (حتى أورى قبس القابس) ، يقال : ورى الزند ، يورى ، أي خرج ناره ، وأوريته أنا والقبس : شعلة من النار ، والمراد بالقبس هاهنا نور الحق ، والقابس : الذى يطلب النار يقال : قبست منه نارا ، وأقبسنى نارا ، أي أعطانيها . وقال الراوندي : أقبست الرجل علما ، وقبسته نارا ، أعطيته ، فإن كنت طلبتها له قلت : أقبسته نارا . وقال الكسائي : أقبسته نارا وعلما سواء ، قال : ويجوز (قبسته) بغير همزة فيهما . قوله : (وأضاء الطريق للخابط) ، أي جعل الطريق للخابط مضيئة ، والخابط : الذى يسير ليلا على غير جادة واضحة . وهذه الالفاظ كلها استعارات ومجازات . وخوضات الفتن . جمع خوضة ، وهى المرة الواحدة ، من خضت الماء والوحل ، أخوضهما ، وتقدير الكلام : وهديت به القلوب إلى الاعلام الموضحة بعد أن خاضت في الفتن أطوارا . والاعلام : جمع علم ، وهو ما يستدل به على الطريق ، كالمنارة ونحوها . والموضحة : التى توضح للناس الامور وتكشفها . [ والنيرات ] (2) : ذوات النور . قوله : (فهو أمينك المأمون) أي أمينك على وحيك ، والمأمون من ألقاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال كعب بن زهير :


سورة المل 12 (2) زيادة يقتضيها السياق . (*)

[ 142 ]

سقاك أبو بكر بكأس روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا (1) وخازن علمك المخزون بالجر صفة (علمك) والعلم الالهى المخزون : هوما أطلع الله تعالى عليه ورسوله من الامور الخفية التى لا تتعلق بالاحكام الشرعية كالملاحم وأحكام الاخرة وغير ذلك ، لان الامور الشرعية لا يجوز أن تكون مخزونة عن المكلفين . وقوله : (وشهيدك يوم الدين) ، أي شاهدك ، قال سبحانه : (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (2) . والبعيث : المبعوث (فعيل) بمعنى (مفعول) كقتيل وجريح وصريع . ومفسحا مصدر ، أي وسع له مفسحا . وقوله : (في ظلك) يمكن أن يكون مجازا ، كقولهم : فلان يشملني بظله ، أي بإحسانه وبره ، ويمكن أن يكون حقيقة ، ويعنى به الظل الممدود الذى ذكره الله تعالى ، فقال : (وظل ممدود . وماء مسكوب) (3) . وقوله : (وأعل على بناء البانين بناءه) أي اجعل منزلته في دار الثواب أعلى المنازل . وأتمم له نوره ، من قوله تعالى : (ربنا أتمم لنا نورنا) (4) . وقد روى أنه تطفأ سائر الانوار إلا نور محمد صلى الله عليه وآله ، ثم يعطى المخلصون (5) من أصحابه أنوارا يسيرة يبصرون بها مواطئ الاقدام ، فيدعون إلى الله تعالى بزيادة تلك الانوار وإتمامها ثم إن الله تعالى يتم نور محمد صلى الله عليه وآله ، فيستطيل حتى يملا الافاق ، فذلك هو إتمام نوره صلى الله عليه وآله . قوله : (من ابتعاثك له) ، أي في الاخرة . مقبول الشهادة ، أي مصدقا فيما يشهد به على أمته وعلى غيرها من الامم .


(1) ديوانه 3 ، وروايته : (شربت مع المأمون) ، وقال في شرحه : (وكانت قريش تسمى النبي صلى الله عليه وسلم المأمون الامين) . (2) سورة النساء 41 (3) سورة الواقعة 30 ، 31 (4) سورة التحريم 8 (5) ج : (المكلفون) .

[ 143 ]

وقوله : (ذا منطق عدل) أي عادل ، وهو مصدر أقيم مقام اسم الفاعل ، كقولك : رجل فطر وصوم ، أي مفطر وصائم . وقوله : (وخطبة فصل) أي يخطب خطبة فاصلة يوم القيامة ، كقوله تعالى : (إنه لقول فصل . وما هو بالهزل) (1) ، أي فاصل يفصل بين الحق والباطل ، وهذا هو المقام المحمود الذى ذكره الله تعالى في الكتاب ، فقال : (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (2) ، وهو الذى يشار إليه في الدعوات في قولهم : (اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، والدرجة الرفيعة ، وابعثه المقام المحمود . قوله : (في برد العيش) ، تقول العرب : عيش بارد ومعيشة باردة ، أي لا حرب فيها ولا نزاع ، لان البرد والسكون متلازمان كتلازم الحر والحركة . وقرار النعمة ، أي مستقرها ، يقال : هذا قرار السيل ، أي مستقره . ومن أمثالهم : (لكل سائله قرار . ومنى الشهوات : ما تتعلق به الشهوات من الامانى . وأهواء اللذات : ما تهواه النفوس وتستلذه . والرخاء ، المصدر من قولك : رجل رخى البال فهو بين الرخاء ، أي واسع الحال . والدعة : السكون والطمأنينة ، وأصلها الواو . ومنتهى الطمأنينة . غايتها التى ليس بعدها غاية . والتحف : جمع تحفة ، وهى ما يكرم به الانسان من البر واللطف ، ويجوز فتح الحاء * * * [ معنى الصلاة على النبي والخلاف في جواز الصلاة على غيره ] فإن قلت : ما معنى الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله ، التى قال الله تعالى فيها .


(1) سورة الطارق 13 ، 14 (2) سورة الاسراء 79 . (*)

[ 144 ]

(إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (1) . قلت : الصلاة من الله تعالى هي الاكرام والتبجيل ورفع المنزلة ، والصلاة منا على النبي صلى الله عليه وآله هي الدعاء له بذلك ، فقوله سبحانه : (هو الذى يصلى عليكم) (2) أي هو الذى يرفع منازلكم في الاخرة ، وقوله : (وملائكته) أي يدعون لكم بذلك . وقيل : جعلوا لكونهم مستجابى الدعوة كأنهم فاعلون التعظيم للمؤمن ورفع المنزلة ، ونظيره قوله (حياك الله) أي أحياك الله وأبقاك ، وحييتك أي دعوت لك بأن يحييك ، لانك لاعتمادك على إجابة دعوتك ووثوقك بذلك ، كأنك تحييه وتبقيه على الحقيقة ، وهكذا القول في قوله سبحانه : (إن الله وملائكته يصلون على النبي) . وقد اختلف في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله : هل هي واجبة . أم لا ؟ فمن الناس من لم يقل بوجوبها ، وجعل الامر في هذه الاية للندب . ومنهم من قال : إنها واجبة . واختلفوا في حال وجوبها ، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره ، وفى الحديث : (من ذكرت عنده فلم يصل على دخل النار وأبعده الله) ، ومنهم من قال : تجب في كل مجلس مرة واحدة ، وإن تكرر ذكره . ومنهم من أوجبها في العمر مرة واحدة ، وكذلك قال في إظهار الشهادتين . واختلف أيضا في وجوبها في الصلاة المفروضة ، فأبو حنيفة وأصحابه لا يوجبونها فيها وروى عن إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكتفون - يعنى الصحابة - عنها بالتشهد ، وهو : (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ، وأوجبها الشافعي وأصحابه . واختلف أصحابه في وجوب الصلاة على آل محمد صلى الله عليه وآله ، فالا كثرون على أنها واجبة ، وأنها شرط في صحة الصلاة .


(1) سورة الاحزاب 56 (2) سورة الاحزاب 43 (*)

[ 145 ]

فإن قلت : فما تقول في الصلاة على الصحابة والصالحين من المسلمين ؟ قلت : القياس جواز الصلاة على كل مؤمن ، لقوله تعالى : (هو الذى يصلى عليكم وملائكته) وقوله : (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) (1) ، وقوله : (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) (2) ، ولكن العلماء قالوا : إذا ذكر أحد من المسلمين تبعا للنبى عليه السلام فلا كلام في جواز ذلك ، وأما إذا أفردوا أو ذكر أحد منهم ، فأكثر الناس كرهوا الصلاة عليه ، لان ذلك شعار رسول الله فلا يشركه فيه غيره . وأما أصحابنا من البغداديين فلهم اصطلاح آخر ، وهو أنهم يكرهون إذا ذكروا عليا عليه السلام أن يقولوا : (صلى الله عليه) ولا يكرهون أن يقولوا : (صلوات الله عليه) ، وجعلوا اللفظة الاولى مختصة بالرسول صلى الله عليه وآله ، وجعلوا اللفظة الثانية مشتركة فيها بينهما عليهما السلام ، ولم يطلقوا لفظ الصلاة على أحد من المسلمين إلا على على وحده .


(1) سورة التوبة 103 (2) سورة البقرة 157 (*)

[ 146 ]

(72) الاصل : ومن كلام له عليه السلام قاله لمروان بن الحكم بالبصرة : قالوا : أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع الحسن والحسين عليه السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فكلماه فيه فخلى سبيله ، فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين ؟ قال عليه السلام : أولم يبايعني بعد قتل عثمان ! لا حاجة لى في بيعته . إنها كف يهودية ، لو بايعني بيده لغدر بسبته . أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبوالا كبش الاربعة ، وستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمر . * * * الشرح : قد روى هذا الخبر من طرق كثيرة ، ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب نهج البلاغه ، وهى قوله عليه السلام في مروان : (يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه ، وإن له إمرة . . .) إلى آخر الكلام . وقوله : (فاستشفع الحسن والحسين إلى أمير المؤمنين عليه السلام) ، هو الوجه ، يقال : استشفعت فلانا إلى فلان ، أي سألته أن يشفع لى إليه ، وتشفعت إلى فلان في فلان فشفعني فيه تشفيعا . وقول الناس : (استشفعت بفلان إلى فلان) بالباء ليس بذلك الجيد . وقول أمير المؤمنين عليه السلام : (أو لم يبايعني بعد قتل عثمان ؟) أي وقد غدر ، وهكذا لو بايعني الان .

[ 147 ]

ومعنى قوله : (إنها كف يهودية) أي غادرة ، واليهود تنسب إلى الغدر والخبث ، وقال تعالى : (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود) (1) . والسبة : الاست (2) ، بفتح السين ، سبه يسبه أي طعنه في الموضع ، ومعنى الكلام محمول على وجهين : أحدهما : أن يكون ذكر السبة إهانة له وغلظة عليه ، والعرب تسلك مثل ذلك في خطبها وكلامها ، قال المتوكل لابي العيناء : إلى متى تمدح الناس وتذمهم ؟ فقال : ما أحسنوا وأساءوا . ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى رضى عن واحد فمدحه ، وسخط على آخر فهجاه وهجا أمه ، قال : (نعم العبد إنه أواب) (3) ، وقال : (عتل بعد ذلك زنيم) (4) ، والزنيم ولد الزنا . الوجه الثاني : أن يريد بالكلام حقيقة لا مجازا ، وذلك لان الغادر من العرب كان إذا عزم على الغدر بعد عهد قد عاهده ، أو عقد قد عقده ، حبق استهزاء بما كان قد أظهره من اليمين والعهد ، وسخرية وتهكما . والامرة : الولاية ، بكسر الهمزة . وقوله : (كلعقة الكلب أنفه) ، يريد قصر المدة ، وكذلك كانت مدة خلافة ، مروان ، فإنه ولى تسعة أشهر . والاكبش الاربعة بنو عبد الملك : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ، وهشام ، ولم يل الخلافة من بنى أمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء . وكل الناس فسروا الاكبش الاربعة بمن ذكرناه ، وعندي أنه يجوز أن يعنى به


(1) سورة المائدة 82 (2) في القاموس بالضم . (3) سورة ص 30 ، 44 (4) سورة القلم 13 (*)

[ 148 ]

بنى مروان لصلبه ، وهم عبد الملك ، وعبد العزيز ، وبشر ، ومحمد ، وكانوا كباشا أبطالا أنجادا ، أما عبد الملك فولى الخلافة ، وأما بشر فولى العراق ، وأما محمد فولى الجزيرة ، وأما عبد العزيز فولى مصر ، ولكل منهم آثار مشهورة . وهذا التفسير أولى ، لان الوليد وإخوته أبناء ابنه ، وهؤلاء بنوه لصلبه . ويقال لليوم الشديد : يوم أحمر ، وللسنة ذات الجدب : سنه حمراء . وكل ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكلام وقع كما أخبر به ، وكذلك قوله : (يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه) ، فإنه ولى الخلافة وهو ابن خمسة وستين في أعدل الروايات . * * * [ مروان بن الحكم ونسبه وأخباره ] ونحن ذاكرون في هذا الموضع نسبه ، وجملا من . مره وولايته للخلافة ، ووفاته على سبيل الاختصار . هو مروان بن الحكم بن أبى العباس بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية الكنانى . يكنى أبا عبد الملك ، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، منذ سنة اثنتين من الهجرة وقيل عام الخندق ، وقيل يوم أحد ، وقيل غير ذلك . وقال قوم : بل ولد بمكة ، وقيل : ولد بالطائف . ذكر ذلك كله أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب . قال أبو عمر : وممن قال بولادته يوم أحد مالك بن أنس ، وعلى قوله يكون


(1) الاستيعاب 263 - 264 مع تصرف . (*)

[ 149 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله قد توفى ، وعمره ثمان سنين . ونحوها . وقيل : إنه لما نفى مع أبيه إلى الطائف كان طفلا لا يعقل ، وإنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان الحكم أبوه قد طرده رسول الله عن المدينة ، وسيره إلى الطائف ، فلم يزل بها حتى ولى عثمان ، فرده إلى المدينة ، فقدمها هو وولده في خلافة ، عثمان وتوفى فاستكتبه عثمان وضمه إليه ، فاستولى عليه إلى أن قتل . * * * والحكم بن أبى العاص (1) هو عم عثمان بن عفان ، كان من مسلمة الفتح ، ومن المؤلفة قلوبهم ، وتوفى الحكم في خلافة عثمان قبل قتله بشهور . واختلف في السبب الموجب لنفى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقيل : إنه كان يتحيل ويستخفى ويتسمع ما يسره رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أكابر الصحابة في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين ، ويفشى ذلك عنه ، حتى ظهر ذلك عنه (2) . وقيل كان يتجسس على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عند نسائه ، ويسترق السمع ويصغى إلى ما يجرى هناك مما لا يجوز الاطلاع عليه ، ثم يحدث به المنافقين على طريق الاستهزاء . وقيل : كان يحكيه في بعض مشيته وبعض حركاتة ، فقد قيل أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا مشى يتكفا (3) ، وكان الحكم بن أبى العاص يحكيه ، وكان شانئا له مبغضا حاسدا ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله يوما ، فرآه يمشى خلفه يحكيه في مشيته ،


(1) الاستيعاب 118 - 119 (2) ج : (منه) . (3) قال ابن الاثير في النهاية 4 : 24 في صفة مشيه عليه الصلاة والسلام : (كان إذا مشى تكفى بكفيا ، أي تمايل إلى قدام ، هكذا روى غير مهموز ، والاصل الهمز ، وبعضهم يروية مهموز الانه مصدر تفعل . . .) . (*)

[ 150 ]

فقال له : كذلك فلتكن يا حكم . فكان الحكم مختلجا يرتعش من (1) يومئذ ، فذكر ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال لعبد الرحمن بن الحكم يهجوه : إن اللعين أبوك فارم عظامه * إن ترم ترم مخلجا مجنونا يمشى خميص البطن من عمل التقى * ويظل من عمل الخبيث بطينا . قال صاحب الاستيعاب : أما قول عبد الرحمن بن حسان (أن اللعين أبوك) فإنه روى عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبى خيثمة وغيره ، أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن أنه أنزل فيه : (والذى قال لوالدية أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الاولين) (2) : أما أنت يامروان فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أباك وأنت في صلبه (2) . وروى صاحب كتاب الاستيعاب بإسناد ذكره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : (يدخل عليكم رجل لعين) ، قال عبد الله : وكنت قد رأيت (3) أبى يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل ، فدخل الحكم بن أبى العاص . (4) قال صاحب الاستيعاب : ونظر على عليه السلام يوما إلى مروان ، فقال له : (ويل لك ، وويل لامة محمد منك ومن بنيك (5) إذا شاب صدغاك !) ، وكان مروان يدعى


(1) الخير في النهاية لابن الاثير 1 : 310 عن عبد الرحمن بن أبى بكر :) أن الحم بن أبى العاس ابن أبى أمية أبا مروان ، كان يجلس خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا تكلم اختلج بوجهه ، فرآه فقال له : كن كذلك ، فلم يزل يختاج حتى مات أي كان يحرك شفتيه وذقنه اسنهزاء وحكاية لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فبقى يرتعد ويضطرب إلى أن مات) . (2) سورة الاخقاف 17 (3) الاستيعاب 1 : 119 (4) الاستيعاب : (عمرا) . (5) ج : (بينك) .

[ 151 ]

خيط باطل ، قيل : لانه كان طويلا مضطربا ، وضرب يوم الدار على قفاه فخر لفيه (1) فلما بويع له بالخلافة ، قال فيه أخوه عبد الرحمن بن الحكم - وكان ماجنا شاعرا [ محسنا ] (2) ، وكان لا يرى رأى مروان : فوالله ما أدرى وإنى لسائل * حليلة مضروب القفا كيف تصنع لحا الله قوما أمروا خيط باطل * على الناس يعطى ما يشاء ويمنع . وقيل : إنما قال له أخوه عبد الرحمن ذلك حين ولاه معاوية إمرة المدينة ، وكان كثيرا ما يهجوه ، ومن شعره فيه : وهبت نصيبي منك يامرو كله * لعمرو ومروان الطويل وخالد ورب ابن أم زائد غير ناقص * وأنت ابن أم ناقص غير زائد . وقال مالك الريب يهجو مروان بن الحكم : لعمرك ما مروان يقضى أمورنا (3) * ولكن ما يقضى لنا بنت جعفر فيا ليتها كانت علينا أميرة * وليتك يامروان أمسيت ذاحر (4) ومن شعر أخيه عبد الرحمن فيه : ألا من يبلغن مروان عنى * رسولا والرسول من البيان (5) بأنك لن ترى طردا لحر * كإلصاق به بعض الهوان (6) وهل حدثت قبلى عن كريم * معين في الحوادث أو معان يقيم بدار مضيعة إذا لم * يكن حيران أو خفق الجنان


(1) الاستيعاب : (فجرى لفيه) . (2) من الاستيعاب . (3) في الاصول : (يامروان) والصواب ماأئبته من الاستيعاب . (4) الاستيعاب 1 : 263 - 264 (5) الاستيعاب 1 : 264 : (مبلغ) . (6) وردت البيت محرفا في الاصول ، وما أثبته من الاستيعاب . (*)

[ 152 ]

فلا تقذف بى الرجوين إنى * أقل القوم من يغنى مكاني سأكفيك الذى استكفيت منى * بأمر لا تخالجه اليدان فلو أنا بمنزلة جرينا (1) * جريت وأنت مضطرب العنان ولولا أن أم أبيك أمي * وأن من قد هجاك فقد هجاني لقد جاهرت بالبغضاء إنى * إلى أمر الجهالة والعلان . ولما صار أمر الخلافة إلى معاوية ، ولى مروان المدينة ، ثم جمع له إلى المدينة مكه والطائف ، ثم عزله وولى سعيد بن العاص ، فلما مات يزيد بن معاوية ، وولى ابنه أبو ليلى معاوية بن يزيد في سنة أربع وستين ، عاش في الخلافة أربعين يوما ومات ، فقالت له أمه أم خالد بنت أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس : اجعل الخلافة من بعدك لاخيك ، فأبى وقال : لا يكون لى مرها ولكم حلوها ، فوثب مروان عليها ، وأنشد : إنى أرى فتنة تغلى مراجلها * والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا . * * * وذكر أبو الفرج على بن الحسين الاصفهانى في كتاب الاغانى (2) : أن معاوية لما عزل مروان بن الحكم عن إمرة المدينة والحجاز ، وولى مكانه سعيد بن العاص ، وجه مروان أخاه عبد الرحمن بن الحكم أمامه إلى معاوية ، وقال له : القه قبلى فعاتبه لى واستصلحه . قال أبو الفرج : وقد روى أن عبد الرحمن كان بدمشق يومئذ ، فلما بلغه خبر عزل مروان وقدومه إلى الشام ، خرج وتلقاه ، وقال له : أقم حتى أدخل إلى أخيك (3) فإن كان عزلك عن موجدة دخلت إليه منفردا ، وإن كان عن غير موجدة دخلت إليه مع الناس


(1) الاستيعاب : (جميعا) . (2) الاغانى 13 : 259 وما بعدها (طبعة الدار) . (3) الاغانى : (الرجل) . (*)

[ 153 ]

فأقام مروان ومضى عبد الرحمن ، فلما قدم على معاوية دخل إليه وهو يعشى الناس ، فأنشده : أتتك العيس تنفخ في براها * تكشف عن مناكبها القطوع (1) بأبيض من أمية مضرحى * كأن جبينة سيف صنيع (2) . فقال له معاوية : أزائرا جئت أم مفاخرا مكابرا ؟ فقاى : أي ذلك شئت ! فقال : ما أشاء من ذلك شيئا ، وأراد معاوية أن يقطعه عن كلامه الذى عن له ، فقال له : على أي ظهر جئتنا ؟ فقال : على فرس ، قال : ما صفته ؟ قال : أجش هزيم - يعرض بقول النجاشي في معاوية يوم صفين : ونجى ابن حرب سابح ذو علالة * أجش هزيم والرماح دوانى (3) إذا قلت اطراف الرماح تناله * مرته له الساقان والقدمان (4) فغضب معاوية ، وقال : إلا أنه لا يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب ، ولا هو ممن يتسور على جاراته ، ولا يتوثب بعد هجعة الناس على كنائنه (5) - وكان عبد الرحمن يتهم بذلك في امرأة أخيه - فخجل عبد الرحمن وقال : يا أمير المؤمنين ، ما حملك على عزل ابن عمك ؟ الخيانة أوجبت ذلك أم لراى رأيته وتدبير استصلحته ؟ قال : بل لتدبير استصلحته ، قال : فلا بأس بذلك ، فخرج من عنده فلقى أخاه مروان ، فأخبره بما دار بينه وبين معاوية ، فاستشاط غيظا وقال لعبد الرحمن : قبحك الله ، ما أضعفك ! عرضت للرجل بما أغضبه ، حتى إذا انتصر (6)


(1) العيس : النوق البيض ، يخالط بياضها شقرة والبرى : جمع برة ، بضم ففتح ، وهى حلقة تعجل في أنف البعير . والقطوع : جمع قطع ، بالكسر ، وهو الطنفسة تكون تحت الرحل . (2) المضرحى : السيد الكربم ، والصنيع : السيف المجرب المجلو . (3) السابح : الفرس السريع . والعلالة : البقية من السير . والاجش : الغليظ الصوت من الانسان ومن الخيل ومن الرعد . والهزيم : الفرس الشديد الصوت . (5) مرته : استدرت جريه . وفى الاغانى : (إذا خلت) . (6) الاغانى : (انتصف) . (*)

[ 154 ]

منك أحجمت عنه . ثم لبس حلته ، وركب فرسه ، وتقلد سيفه ، ودخل على معاوية ، فقال له حين رآه وتبين الغضب في وجهه : مرحبا بأبى عبد الملك ! لقد زرتنا عند اشتياق منا إليك ، فقال : [ لا ] (1) ها الله ، ما زرتك لذلك ولا قدمت عليك فألفيتك إلا عاقا قاطعا ، والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزاءنا ، لقد كانت السابقة من بنى عبد شمس لال أبى العاص ، والصهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ، والخلافه منهم (2) ، فوصلو كم يا بنى حرب وشرفوكم وولوكم ، فما عزلوكم ولا آثروا عليكم ، حتى إذا وليتم وأفضى الامر إليكم أبيتم إلا أثرة وسوء صنيعة ، وقبح قطيعة ، فرويدا رويدا ! فقد بلغ بنو الحكم وبنو بنيه نيفا وعشرين ، وإنما هي أيام قلائل حتى يكملوا أربعين ، ثم يعلم امرؤ ما يكون منهم حينئذ ، ثم هم للجزاء بالحسنى والسوء بالمرصاد . قال أبو الفرج : هذا رمز إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله : (إذا بلغ بنو أبى العاص أربعين رجلا ، اتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا) فكان بنو أبى العاص يذكرون أنهم سيلون أمر الامة إذا بلغوا هذه العدة . قال أبو الفرج : فقال له معاوية : مهلا أبا عبد الملك ، إنى لم أعزلك عن خيانة ، وإنما عزلتك لثلاثة لو لم يكن منهن إلا واحدة لاوجبت عزلك : إحداهن أنى أمرتك على عبد الله بن عامر ، وبينكما ما بينكما ، فلن تستطيع أن تشتفي منه ، والثانية كراهيتك لامرة زياد ، والثالثة أن ابنتى رملة استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان ، فلم تعدها . فقال مروان : أما ابن عامر فأنى لا أنتصر منه في سلطاني ، ولكن إذا تساوت الاقدام علم أين موقعه . وأما كراهتي لامرة زيادة فإن سائر بنى أميه كرهوه ، وجعل الله لنا في ذلك الكره خيرا كثيرا . وأما استعداء رملة على عمرو ، فوالله إنه ليأتي على سنة أو أكثر


(1) من الاغانى ، وهاهنا للتنبيه وبعدها حرف قسم (انظر المغنى 1 : 349) . (2) الاغانى : (فيهم) . (*)

[ 155 ]

وعندي بنت عثمان ، فما أكشف لها ثوبا - يعرض بأن رملة إنما تستعدى على عمرو بن عثمان طلب النكاح - فغضب معاوية ، فقال : يابن الوزغ ، لست هناك ! فقال مروان : هو ما قلت لك ، وإنى الان لابو عشرة ، وأخو عشرة ، وعم عشرة ، وقد كاد ولد (1) أبى أن يكملوا العدة - يعنى أربعين ، ولو قد بلغوها لعلمت أين تقع منى . فانخزل معاويد ، وقال : فإن أك في شراركم قليلا * فإنى في خياركم كثير (2) بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الصقر مقلات نزور (3) . ثم استخذى معاوية في يد مروان (4) وخضع ، وقال : [ لك ] (5) العتبى ، وأنا رادك إلى عملك . فوثب مروان ، وقال : كلا وعيشك لا رأيتنى عائدا ! وخرج فقال الاحنف لمعاوية : ما رأيت قط لك سقطة مثلها ! ماهذا الخضوع لمروان ! وأى شئ يكون منه ومن بنى أبيه إذا بلغوا أربعين ؟ وما الذى تخشاه منهم ؟ فقال : ادن منى أخبرك ذلك ، فدنا الاحنف منه ، فقال [ له ] (6) : إن الحكم بن أبى العاص كان أحد من قدم مع [ أختى ] (6) أم حبيبة لما زفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتولى نقلها إليه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحد النظر إليه ، فلما خرج من عنده ، قيل : يا رسول الله ، لقد أحددت النظر إلى الحكم ! فقال : ابن المخزومية ، ذاك رجل إذا بلغ بنو (7) أبيه ثلاثين أو أربعين ، ملكوا الامر من بعدى ، فوالله لقد تلقاها مروان من عين صافية . فقال الاحنف : رويدا يا أمير المؤمنين ، لا يسمع هذا منك أحد ، فإنك تضع من قدرك وقدر ولدك ، بعدك وإن يقض الله أمرا يكن . فقال :


(1) الاغانى : (ولدى) . (2) البيتان من مقطوعة للعباس بن مرداس - حماسة أبى تمام - بشرح المرزوقى 3 : 1453 ، ونسب صاحب اللسان في (قلت) البيت الثاني إلى كثير عزة . (3) المقلات : مفعال ، من القلت ، وهو الهلاك . والتزور : القليلة . (4) الاغانى : (في يد مروان) (5) من الاغانى (6) من الاغانى (7) الاغانى : (ولد) . (*)

[ 156 ]

معاوية : اكتمها يا أبا بحر على إذا ، فقد لعمرك (1) صدقت ونصحت . * * * وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب مفاخرة هاشم وعبد شمس أن مروان كان يضعف وأنه كان ينشد يوم مرج راهط والرءوس تندر عن كواهلها : وما ضرهم غير حين النفو * س أي غلامي قريش غلب ! قال : وهذا حمق شديد ، وضعف عظيم ، قال : وإنما ساد مروان وذكر بابنه عبد الملك ، كما ساد بنوه ، ولم يكن في نفسه هناك . * * * فأما خلافة مروان ، فذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ (2) أن عبد الله بن الزبير لما أخرج بنى أمية عن الحجاز إلى الشام في خلافة يزيد ، بن معاوية ، خرجوا وفيهم مروان ، وابنه عبد الملك ، ولم تطل مدة يزيد ، فتوفى ، ومات ابنه بعده بأيام يسيرة . وكان من رأى مروان أن يدخل إلى ابن الزبير بمكة فيبايعه بالخلافة ، فقدم عبيد الله بن زياد ، وقد أخرجه أهل البصرة عنها بعد وفاة يزيد ، فاجتمع هو وبنو أمية ، وأخبروه بما قد أجمع عليه مروان ، فجاء إليه ، وقال : استجبت لك يا أبا عبد الملك ، فما يريد ! أنت كبير قريش وسيدها تصنع ما تصنع ، وتشخص إلى أبى خبيب فتبايعه بالخلافة ! فقال مروان : ما فات شئ بعد ، فقام مروان ، واجتمع إليه بنو أمية ومواليهم ، وعبيد الله بن زياد وكثير من أهل اليمن ، وكثير من كلب ، فقدم دمشق وعليها الضحاك بن قيس الفهرى ، قد بايعه الناس على أن يصلى بهم ، ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع


(1) الاغانى : (لعمري) . (2) تاريخ الطبري 7 : 34 وما بعدها ، مع تصرف واختصار . (*)

[ 157 ]

الناس على إمام ، وكان هوى الضحاك مع ابن الزبير إلا أنه لم يبايع له بعد ، وكان زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يخطب لابن الزبير ، والنعمان بن بشير الانصاري بحمص يخطب لابن الزبير ، وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبى بفلسطين يهوى هوى بنى أمية ، ثم من بينهم بنى حرب ، لانه كان عاملا لمعاوية ، ثم ليزيد بن معاوية من بعده ، وكان حسان بن مالك مطاعا في قومه ، عظيما عندهم ، فخرج عن فلسطين يريد الاردن ، واستخلف على فلسطين روح بن زنباع الجذامي ، فوثب عليه بعد شخوص حسان بن مالك ونائل بن قيس الجذامي أيضا ، فأخرجه عن فلسطين ، وخطب لابن الزبير ، وكان له فيه هوى ، فاستوثقت الشام كلها لابن الزبير ، ما عدا الاردن ، فإن حسان بن مالك الكلبى كان يهوى هوى بنى أمية ، ويدعو إليهم ، فقام في أهل الاردن فخطبهم ، وقال لهم : ما شهادتكم على ابن الزبير وقتلى المدينة بالحرة ! قالوا : نشهد أن ابن الزبير كان منافقا ، وأن قتلى أهل المدينة بالحرة في النار ، قال : فما شهادتكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرة ؟ قالوا : نشهد أن يزيد بن معاوية كان مؤمنا ، وكان قتلانا بالحرة في الجنة ، قال : وأنا أشهد أنه إن كان دين يزيد بن معاوية وهو حى حقا ، إنه اليوم لعلى حق هو وشيعته ، وإن كان ابن الزبير يومئذ هو وشيعته على باطل ، إنه اليوم وشيعته على باطل ، قالوا : صدقت ، نحن نبايعك على أن نقاتل معك من خالفك من الناس وأطاع ابن الزبير ، على أن تجنبنا ولاية هذين الغلامين ابني يزيد بن معاوية ، وهما خالد وعبد الله ، فإنهما حديثة أسنانهما ونحن نكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبى ! قال : وقد كان الضحاك بن قيس يوالى ابن الزبير باطنا ، ويهوى هواه ، ويمنعه إظهار ذلك بدمشق والبيعة له أن بنى أمية وكلبا كانوا بحضرته ، وكلب أخوال يزيد

[ 158 ]

ابن معاوية وبنيه ، ويطلبون الامرة لهم ، فكان الضحاك يعمل في ذلك سرا ، وبلغ حسان بن مالك بن بحدل ما أجمع عليه الضحاك ، فكتب إليه كتابا يعظم فيه حق بنى أمية ، ويذكر الطاعة والجماعة وحسن بلاء بنى أمية عنده وصنيعهم إليه ، ويدعوه إلى بيعتهم وطاعتهم ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه ، ويذكرأن منافق قد خلع خليفتين ، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس ، ثم دعا رجلا من كلب يقال له ناغضة ، فسرح بالكتاب معه إلى الضحاك بن قيس ، وكتب حسان نسخة ذلك الكتاب ، ودفعه إلى ناغضة ، وقال له : أن قرأ الضحاك كتابي على الناس ، وإلا فقم أنت واقرأ هذا الكتاب عليهم ، وكتب حسان إلى بنى أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك ، فقدم ناغضة ، بالكتاب على الضحاك ، فدفعه إليه ، ودفع كتاب بنى أمية إليهم سرا . فلما كان يوم الجمعة ، وصعد الضحاك على المنبر ، وقدم إليه ناغضة ، فقال : أصلح الله الامير ! ادع بكتاب حسان فاقرأه على الناس ، فقال له الضحاك : اجلس ، فجلس ثم قام ثانية فتكلم مثل ذلك ، فقال له : اجلس ، فجلس ثم قام ثالثة وكان كالثانية والاولى ، فلما رآه ناغضد لا يقرأ الكتاب أخرج الكتاب الذى معه ، فقرأه على الناس ، فقام الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ، فصدق حسان ، وكذب ابن الزبير وشتمه ، وقام يزيد بن أبى النمس الغساني ، فصدق مقالة حسان ، وكتابه وشتم ابن الزبير ، وقام سفيان بن أبرد الكلبى ، فصدق مقالة حسان وشتم ابن الزبير ، وقام عمر بن يزيد الحكمى ، فشتم حسان ، وأثنى على ابن الزبير ، فاضطرب الناس ، ونزل الضحاك بن قيس ، فأمر بالوليد بن عتبة ، وسفيان بن الابرد ، ويزيد بن أبى النمس الذين كانوا صدقوا حسان ، وشتموا ابن الزبير ، فحبسوا ، وجال الناس بعضهم في بعض ، ووثبت كلب على عمر بن يزيد الحكمى فضربوه ، وخرقوا ثيابه ، وقد كان قام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرقاتين من المنبر ، وهو يومئذ غلام ، والضحاك بن قيس فوق المنبر ، فتكلم بكلام أوجز فيه ، لم يسمع بمثله ، ثم نزل .

[ 159 ]

فلما دخل الضحاك بن قيس داره ، جاءت كلب إلى السجن فأخرجوا سفيان بن أبرد الكلبى ، وجاءت غسان ، فأخرجوا يزيد بن أبى النمس ، وقال الوليد بن عتبة : لو كنت من كلب أو غسان ، لاخرجت ، فجاء ابنا يزيد بن معاوية : خالد وعبد الله ، ومعهما أخوالهما من كلب ، فأخرجوه من السجن . ثم إن الضحاك بن قيس خرج إلى مسجد دمشق ، فجلس فيه ، وذكر يزيد بن معاوية فوقع فيه ، فقام إليه سنان من كلب ومعه عصا ، فضربه بها ، والناس جلوس حلقا . متقلدى السيوف . فقام بعضهم إلى بعض في المسجد ، فاقتتلوا ، فكانت قيس عيلان قاطبة تدعو إلى ابن الزبير ومعهما الضحاك ، وكلب تدعو إلى بنى أمية ، ثم إلى خالد بن يزيد ، فيتعصبون له ، فدخل الضحاك دار الامارة ، وأصبح الناس ، فلم يخرج الضحاك إلى صلاه الفجر . فلما ارتفع النهار بعث إلى بنى أمية ، فدخلوا عليه ، فاعتذر إليهم ، وذكر حسن بلائهم عنده ، وأنه ليس يهوى شيئا يكرهونه ، ثم قال : تكتبون إلى حسان ونكتب ، ويسير حسان من الاردن حتى ينزل الجابية (1) ونسير نحن وأنتم حتى نوافيه بها ، فيجتمع رأى الناس على رجل منكم ! فرضيت بذلك بنو أمية ، وكتبوا إلى حسان وهو بالاردن وكتب إليه الضحاك يأمره بالموافاة في الجابية ، وأخذ الناس في الجهاز للرحيل . وخرج الضحاك بن قيس من دمشق ، وخرج الناس وخرجت بنو أمية ، وتوجهت الرايات يريدون الجابية ، فجاء ثور بن معن يزيد بن الاخنس السلمى إلى الضحاك ، فقال : دعوتنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعناك على ذلك ، ثم أنت الان تسير إلى هذا الاعرابي من كلب لتستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية ! فقال الضحاك : فما الرأى ؟ قال : الرأى أن


(1) الجابيه ، بكسر الباء وياء خفيفة : من أعمال دمشق . (*)

[ 160 ]

نظهر ما كنا نسر ، وندعو إلى طاعة ابن الزبير ، ونقاتل عليها . فمال الضحاك بمن معه من الناس ، وانخزل من بنى أمية ومن معهم من قبائل اليمن فنزل مرج راهط . قال أبو جعفر : واختلف في أي وقت كانت الوقعة بمرج راهط فقال الواقدي : كانت في سنة خمس وستين . وقال غيره : في سنة أربع وستين . * * * قال أبو جعفر : وسارت بنو أمية ولفيفها حتى وافوا حسان بالجابية ، فصلى بهم أربعين يوما ، والناس يتشاورن ، وكتب الضحاك بن قيس من مرج راهط إلى النعمان بن بشير الانصاري ، وهو على حمص يستنجده ، وإلى زفر بن الحارث وهو في قنسرين ، وإلى نائل بن قيس وهو على فلسطين ليستمدهم ، وكلهم على طاعة ابن الزبير ، فأمدوه ، فاجتمعت الاجناد إليه بمرج راهط ، وأما الذين بالجابية فكانت أهواؤهم مختلفة ، فأما مالك ابن هبيرة السلولى ، فكان يهوى هوى يزيد بن معاوية ، ويحب أن تكون الخلافة في ولده ، وأما حصين بن نمير السلولى ، فكان يهوى هوى بنى أمية ، ويحب أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم ، فقال مالك بن هبيرة للحصين بن نمير : هلم فلنبايع لهذا الغلام الذى نحن ولدنا أباه ، وهو ابن أختنا ، فقد عرفت منزلتنا التى كانت من أبيه ، إنك إن تبايعه يحملك غدا على رقاب العرب - يعنى خالد بن يزيد - فقال الحصين : لا لعمر الله ، لا يأتينا العرب بشيخ ، ونأتيها بصبى ! فقال مالك : أظن هواك في مروان ! والله إن استخلفت مروان ليحسدنك على سوطك وشراك نعلك ، وظل شجرة تستظل بها . إن مروان أبو عشرة ، وأخو عشرة ، وعم عشرة ، فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم ، ولكن عليكم بابن أختكم خالد بن يزيد ، فقال الحصين : إنى رأيت في المنام قنديلا معلقا من السماء ، وإنه جاء كل من يمد عنقه إلى الخلافة ليتناوله ، فلم يصل إليه . وجاء مروان فتناوله ، والله ولنستخلفنه .

[ 161 ]

فلما اجتمع رأيهم على بيعته ، واستمالوا حسان بن بحدل إليها ، قام روح بن زنباع الجذامي ، فحمد الله وأثنى عليه ، فقال : أيها الناس ، إنكم تذكرون لهذا الامر عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وتذكرون صحبته لرسول الله صلى الله عليه ، وقدمه في الاسلام ، وهو كما تذكرون ، لكنه رجل ضعيف ، وليس صاحب أمة محمد بالضعيف ، وأما عبد الله بن الزبير وما يذكر الناس من أمره ، وأن أباه حوارى رسول الله صلى الله عليه ، وأمة أسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين ، فهو لعمري كما تذكرون ، ولكنه منافق قد خلع خليفتين : يزيد وأباه معاوية ، وسفك الدماء ، وشق عصا المسلمين ، وليس صاحب أمة محمد صلى الله عليه بالمنافق ، وأما مروان بن الحكم فوالله ماكان في الاسلام صدع قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع ، وهو الذى قاتل عن عثمان بن عفان يوم الدار ، والذى قاتل على بن أبى طالب يوم الجمل ، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ، ويستشبوا (1) الصغير - يعنى بالكبير مروان ، وبالصغير خالد بن يزيد . فاجتمع رأى الناس على البيعة لمروان ، ثم لخالد بن يزيد من بعده ، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص بعدهما ، على أن تكون في أيام خلافة مروان إمرة دمشق لعمرو بن سعيد ، وإمرة حمص لخالد بن يزيد . فلما استقر الامر على ذلك ، دعا حسان بن بحدل خالد بن يزيد ، فقال : يابن أختى ، إن الناس قد أبوك لحداثة سنك ، وإنى والله ما أريد هذا الامر إلا لك ولاهل بيتك ، وما أبايع مروان إلا نظرا لكم ، فقال خالد : بل عجزت عنا ، فقال : لا والله لم أعجز عنك ، ولكن الرأى لك ما رأيت . ثم إن حسان دعا مروان بن الحكم ، فقال له : يامروان ، أن الناس كلهم لا يرضون


(1) في الاصل : (. يسلسوا) وما أثبته من تاريخ الطبري (*)

[ 162 ]

بك ، فما ترى ؟ فقال مروان : إن يرد الله أن يعطينيها لم يمنعنها أحد من خلقه ، وإن يرد أن يمنعنيها لا يعطينيها أحد من خلقه ، فقال حسان : صدقت . ثم صعد حسان المنبر ، فقال : أيها الناس ، إنى مستخلف في غد أحدكم إن شاء الله ، فاجتمع الناس بكرة الغد ينتظرون ، فصعد حسان المنبر ، وبايع لمروان ، وبايع الناس ، وسار من الجابية حتى نزل بمرج راهط ، حيث الضحاك بن قيس نازل ، فجعل مروان على ميمنته عمرو بن سعيد بن العاص ، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد ، وجعل الضحاك على ميمنته زياد بن عمرو بن معاوية العتكى ، وعلى ميسرته ثور بن معن السلمى ، وكان يزيد بن أبى النمس الغساني بدمشق ، لم يشهد الجابية ، وكان مريضا ، فلما حصل الضحاك بمرج راهط (1) ثار بأهل دمشق في عبيده وأهله ، فغلب عليها ، وأخرج عامل الضحاك منها ، وغلب على الخزائن وبيت المال ، وبايع لمروان ، وأمده من دمشق بالرجال والمال والسلاح ، فكان ذلك أول فتح فتح لمروان . ثم وقعت الحرب بين مروان والضحاك ، فاقتتلوا بمرج راهط عشرين ليلة ، فهزم أصحاب الضحاك وقتلوا ، وقتل اشراف الناس من أهل الشام ، وقتلت قيس مقتلة لم تقتل مثلها في موطن قط ، وقتل ثور بن معن السلمى الذى رد الضحاك عن رأيه . قال أبو جعفر : وروى أن بشير بن مروان كان صاحب الراية ذلك اليوم ، وأنه كان ينشد : إن على الرئيس حقا حقا * ان يخضب الصعدة أو يندقا . وصرع ذلك اليوم عبد العزيز بن مروان (2 ثم استنقذ 2) . قال : ومر مروان برجل من محارب وهو في نفر يسير من أصحاب مروان ، فقال له :


(1) مرج راهط : موضع في الغوطة من دمشق ، بها الوقعة المشهورة بين قيس وتغلب . (2 - 2) لم يذكر في الطبري . (*)

[ 163 ]

لو انضممت إلى أصحابك رحمك الله ! فإنى أراك في قلة ، فقال : إن معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مددا أضعاف من تأمرنا بالانضمام إليهم ، قال : فضحك مروان وسر بذلك وقال للناس ممن كان حوله : ألا تستمعون ! * * * قال أبو جعفر : وكان قاتل الضحاك رجلا من كلب يقال له زحنة بن عبد الله ، فلما قتله وأحضر الرأس إلى مروان ، ظهرت عليه كآبة ، وقال : الان حين كبرت سنى ، ودق عظمي ، وصرت في مثل ظمء (1) الحمار ، أقبلت أضرب الكتائب بعضها ببعض ! قال أبو جعفر : وروى أن مروان أنشد لما بويع ودعا إلى نفسه : لما رأيت الامر أمرا نهبا * سيرت غسان لهم وكلبا والسكسكيين رجالا غلبا * وطيئا تأباه إلا ضربا والقين تمشى في الحديد نكبا ومن تنوخ مشمخرا صعبا لا يملكون الملك إلا غصبا (2) * وإن دنت قيس فقل لا قربا * * * قال أبو جعفر : وخرج الناس منهزمين بعد قتل الضحاك ، فانتهى أهل حمص إلى حمص ، وعليها النعمان بن بشير ، فلما عرف الخبر خرج هاربا ومعه ثقله وولده ، وتحير ليلته كلها ، وأصبح وهو بباب مدينة حمص ، فرآه أهل حمص ، فقتلوه ، وخرج زفر بن الحارث الكلابي من قنسرين هاربا ، فلحق بقرقيسياء ، وعليها عياض بن أسلم الجرشى ، فلم يمكنه من دخولها ، فحلف له زفر بالطلاق والعتاق أنه إذا دخل حمامها خرج منها ، وقال له : إن لى حاجة إلى دخول الحمام ، فلما دخلها لم يدخل حمامها وأقام بها ، وأخرج عياضا


(1) أي لم يبق من عمرى غير وقت قصير . (2) الطبري : (لا يأخذون الملك .) (*)

[ 164 ]

منها ، وتحصن فيها ، وثابت إليه قيس عيلان ، وخرج ناتل بن قيس الجذامي من فلسطين هاربا ، فالتحق بابن الزبير بمكة ، وأطبق أهل الشام على مروان واستوثقوا له ، واستعمل عليهم عماله ، ففى ذلك يقول زفر بن الحارث أريني سلاحي لا أبا لك إننى * أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا (1) أتانى عن مروان بالغيب أنه * مريق دمى ، أو قاطع من لسانيا وفى العيس منجاة ، وفى الارض مهرب * إذا نحن رفعنا لهن المبانيا (2) فقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا * وتترك قتلى راهط هي ماهيا لعمري لقد أبقت وقيعة راهط * لحسان صدعا بينا متنائيا أبعد ابن عمرو وابن معن تتايعا * ومقتل همام أمنى الامانيا ! ولم تر منى نبوة قبل هذه * فرارى وتركي صاحبي ورائيا أيذهب يوم واحد إن أسأته * بصالح أيامى وحسن بلائيا ! فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا * وتثأر من نسوان كلب نسائيا (3) وقال زفر بن الحارث أيضا ، وهو من شعر الحماسة : أفى الله أما بحدل وابن بحدل * فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل ! (4) كذبتم وبيت الله لا تقتلونه * ولما يكن يوم أغر محجل


(1) الابيات في معجم البلدان 4 : 216 والاغانى 17 : 111 (ساسى) ، مع اختلاف في الرواية بينها وبين رواية الطبري . (2) في الطبري : (المثانيا) ، بعده : فلا تحسبوني إن تغيبت غافلا * ولا تفرحو إن جئتكم بلقائيا (3) النحط : صوت الخيل من الاعياء ، بعده في الطبري : ألا ليت شعرى هل تصيبن غارتي * تنوخا وحيى طئ من شفائيا (4) ديوان الحماسة - شرح المرزقى 2 : 649 .

[ 165 ]

ولما يكن للمشرفية فوقكم * شعاع كقرن الشمس حين ترجل (1) * * * وأ ما وفاة مروان ، والسبب فيها أنه كان قد استقر الامر بعده لخالد بن يزيد بن معاوية على ما قدمنا ذكره ، فلما استوثق له الامر ، أحب أن يبايع لعبد الملك وعبد العزيز ابنيه ، فاستشار في ذلك ، فأشير عليه أن يتزوج أم خالد بن يزيد ، وهى ابنه أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة ليصغر شأنه فلا يرشح للخلافة ، فتزوجها . ثم قال لخالد يوما في كلام دار بينهما والمجلس غاص بأهله : اسكت يابن الرطبة (2) ، فقال خالد : أنت لعمري مؤتمن وخبير . ثم قام باكيا من مجلسه ، وكان غلاما حينئذ ، فدخل على أمه ، فأخبرها ، فقالت له : لا يعرفن ذلك فيك ، واسكت فأنا أكفيك أمره . فلما دخل عليها مروان ، قال لها : ما قال لك خالد ؟ قالت : وما عساه يقول ؟ قال : ألم يشكني إليك قالت : إن خالدا أشد إعظاما لك من أن يشتكيك ، فصدقها . ثم مكثت أياما ، فنام عندها وقد واعدت جواريها ، وقمن إليه ، فجعلن الوسائد والبراذع عليه ، وجلسن عليه حتى خنقنه ، وذلك بدمشق في شهر رمضان . وهو ابن ثلاث وستين سنة في قول الواقدي . وأما هشام بن محمد الكلبى ، فقال : ابن إحدى وثمانين سنة وقال كان ابن إحدى وثمانين ، عاش في الخلافة تسعة أشهر . وقيل عشرة أشهر ، وكان في أيام كتابته لعثمان بن عفان أكثر حكما ، وأشد تلطفا وتسلطا منه في أيام خلافته ، وكان ذلك من أعظم الاسباب الداعية إلى خلع عثمان وقتله . وقد قال قوم : إن الضحاك بن قيس لما نزل مرج راهط لم يدع إلى ابن الزبير ، وإنما دعا إلى نفسه . وبويع بالخلافة ، وكان قرشيا . والاكثر الاشهر أنه كان يدعو إلى ابن الزبير .


(1) قرن الشمس : أول ما ظهر منها . الترجل : وهو المتوع ، والمتوع . قبل انتصاف النهار . (2) الطبري : (يابن الرطبة الاست) . (*)

[ 166 ]

(73) الاصل : ومن كلام له عليه السلام لما عزموا على بيعة عثمان : لقد علمتم أنى أحق بها من غيرى ، ووالله لاسلمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور إلا على خاصة ، التماسا لاجر ذلك وفضله ، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه . * * * الشرح : نافست في الشئ منافسة ونفاسا ، إذا رغبت فيه على وجه المباراة في الكرم ، وتنافسوا فيه ، أي رغبوا . والزخرف : الذهب ، ثم شبه به كل مموه مزور ، قال تعالى : (حتى إذا أخذت الارض زخرفها) (1) والمزخرف : المزين . والزبرج : الزينة من وشى أو جوهر ، ونحو ذلك . ويقال : الزبرج الذهب أيضا . يقول لاهل الشورى : إنكم تعلمون أنى أحق بالخلافة من غيرى ، وتعدلون عنى . ثم أقسم ليسلمن وليتركن المخالفة لهم ، إذا كان في تسليمه ونزوله عن حقه سلامة أمور المسلمين ، ولم يكن الجور والحيف إلا عليه خاصة ، وهذا كلام مثله عليه السلام ، لانه إذا علم أو غلب على ظنه أنه إن نازع وحارب دخل على الاسلام وهن وثلم لم يختر له المنازعة ، وإن كان


(1) سورة يونس 24 (*)

[ 167 ]

يطلب بالمنازعة ما هو حق ، وإن علم أو غلب على ظنه بالامساك عن طلب حقه أنما يدخل الثلم والوهن عليه خاصة ، ويسلم الاسلام من الفتنة ، وجب عليه أن يغضى ويصبر على ما أتوا إليه من أخذ حقه ، وكف يده ، حراسة للاسلام من الفتنة . فإن قلت : فهلا سلم إلى معاوية وإلى أصحاب الجمل ، وأغضى على اغتصاب حقه حفظا للاسلام من الفتنه ؟ قلت : إن الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل ومن معاوية وأهل الشام ، لم يكن مقصورا عليه خاصة ، بل كان يعم الاسلام والمسلمين جميعا ، لانهم لم يكونوا عنده ممن يصلح لرياسة الامة وتحمل أعباء الخلافة ، فلم يكن الشرط الذى اشترطه متحققا ، وهو قوله : (ولم يكن فيه جور إلا على خاصة) . وهذا الكلام يدل على أنه عليه السلام لم يكن يذهب إلى أن خلافة عثمان كانت تتضمن جورا على المسلمين والاسلام ، وإنما كانت تتضمن جورا عليه خاصة ، وأنها وقعت على جهد مخالفة الاولى ، لا على جهة الفساد الكلى والبطلان الاصلى ، وهذا محض مذهب أصحابنا . * * * [ كلام لعلى قبل المبايعة لعثمان ] ونحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى ، وتعديده فضائله وخصائصه التى بان بها منهم ومن غير هم . قد روى الناس ذلك فأكثروا ، والذى صح عندنا أنه لم يكن الامر كما روى من تلك التعديدات الطويلد ، ولكنه قال لهم بعد أن بايع عبد الرحمن والحاضرون عثمان وتلكأ هو عليه السلام عن البيعة : إن لنا حقا ، إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الابل وإن طال السرى ، في كلام قد ذكره أهل السيرة ، وقد أوردنا بعضه فيما تقدم ، ثم قال لهم : أنشدكم الله ! أفيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين نفسه ، حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض غيرى

[ 168 ]

فقالوا : لا فقال : أفيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من كنت مولاه فهذا مولاه) غيرى ؟ فقالوا : لا ، فقال : أفيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنت منى بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى) غيرى ؟ قالوا : لا ، قال : أفيكم من اؤتمن على سورة براءة ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله إنه لا يؤدى عنى إلا أنا أو رجل منى غيرى ؟ قالوا : لا ، قال : ألا تعلمون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فروا عنه في مأقط (1) الحرب في غير موطن ، وما فررت قط ! قالوا : بلى ، قال : ألا تعلمون أنى أول الناس إسلاما ؟ قالوا : بلى قال : فأينا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبا ؟ قالوا : أنت . فقطع عليه عبد الرحمن ابن عوف كلامه ، وقال : يا على ، قد أبى الناس إلا على عثمان ، فلا تجعلن على نفسك سبيلا ، ثم قال : يا أبا طلحة ، ما الذى أمرك به عمر ؟ قال : أن أقتل من شق عصا الجماعة ، فقال عبد الرحمن لعلى : بايع إذن ، وإلا كنت متبعا غير سبيل المؤمنين ، وأنفذنا فيك ما أمرنا به . فقال : (لقد علمتم أنى أحق بها من غيرى ، والله لاسلمن . . . .) الفصل إلى آخره ، ثم مد يده فبايع . * (هامش) (1) المأقط : موضع القتال . (*)

[ 169 ]

(74) الاصل : ومن كلام له عليه السلام لما بلغه اتهام بنى أمية له بالمشاركة في دم عثمان : أو لم ينه بنى أمية علمها بى عن قرفى ! أو ما وزع الجهال سابقتي عن تهمتى ! ولما وعظهم الله به أبلغ من لساني . أنا حجيج المارقين وخصيم الناكثين المرتابين ، وعلى كتاب الله تعرض الامثال ، وبما في الصدور تجازى العباد . * * * الشرح : القرف : العيب ، قرفته بكذا أي عبته . ووزع كف وردع ، ومنه قوله : (لابد للناس من وزعة) ، جمع وازع ، أي من رؤساء وأمراء . والتهمد ، بفتح الهاء ، هي اللغة الفصيحة ، وأصل التاء فيه واو . والحجيج ، كالخصيم : ذو الحجاج والخصومة . يقول عليه السلام : أما كان في علم بنى أمية بحالى ما ينهاها عن قرفى بدم عثمان ! وحاله التى أشار إليها ، وذكر أن علمهم بها يقتضى ألا يقرفوه بذلك ، هي منزلته في الدين التى لا منزلة أعلى منها ، وما نطق به الكتاب الصادق من طهارته وطهارة بنيه وزوجته ، في قوله : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) . وقول النبي صلى الله عليه وآله : (أنت منى بمنزلة هارون من موسى) ، وذلك يقتضى عصمته عن الدم الحرام ،

[ 170 ]

كما أن هارون معصوم عن مثل ذلك ، وترادف الاقوال والافعال من رسول الله صلى الله عليه وآله في أمره التى يضطر معها الحاضرون لها والمشاهدون إياها إلى أن مثله لا يجوز أن يسعى في إراقه دم أمير مسلم ، لم يحدث حدثا يستوجب به إحلال دمه . وهذا الكلام صحيح معقول ، وذاك أنا نرى من يظهر ناموس الدين ، ويواظب على نوافل العبادات ، ونشاهد من ورعه وتقواه ما يتقرر معه في نفوسنا استشعاره الدين ، واعتقاده إياه ، فيصرفنا ذلك عن قرفه بالعيوب الفاحشة ، ونستبعد مع ذلك طعن من يطعن فيه ، وننكره ونأباه ونكذبه ، فكيف ساغ لاعداء أمير لمؤمنين عليه السلام ، مع علمهم بمنزلته العالية في الدين ، التى لم يصل إليها أحد من المسلمين ، أن يطلقوا ألسنتهم فيه ، وينسبوه إلى قتل عثمان أو الممالاة عليه ، لاسيما وقد اتصل بهم ، وثبت عندهم ، أنه كان من أنصاره لا من المجلبين عليه وأنه كان أحسن الجماعة فيه قولا وفعلا . ثم قال : (ألم تزع الجهال وتردعهم سابقتي عن تهمتى) ! وهذا الكلام تأكيد للقول الاول . ثم قال : إن الذى وعظهم الله تعالى به في القرآن من تحريم الغيبة والقذف وتشبيه ذلك بأكل لحم الميت أبلغ من وعظى لهم ، لانه لا عظة أبلغ من عظة القرآن . ثم قال : (أنا حجيج المارقين ، وخصيم المرتابين) ، يعنى يوم القيامة ، روى عنه عليه السلام أنه قال : (أنا أول من يجثو للحكومة بين يدى الله تعالى) ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله مثل ذلك مرفوعا في قوله تعالى : (هذان خصمان اختصموا في ربهم) وأنه صلى الله عليه وآله سئل عنها ، فقال : (على وحمزة وعبيدة ، وعتبة وشيبة والوليد) ، وكانت حادثتهم أول حادثة وقعت فيها مبارزة أهل الايمان لاهل الشرك ، وكان المقتول الاول بالمبارزة الوليد بن عتبة ، قتله على عليه السلام ، ضربه على رأسه فبدرت عيناه على وجنته ،

[ 171 ]

فقال النبي صلى الله عليه وآله فيه وفى أصحابه ما قال ، وكان على عليه السلام يكثر من قوله : (أنا حجيج المارقين) ، ويشير إلى هذا المعنى . ثم أشار إلى ذلك بقوله : (على كتاب الله تعرض الامثال) ، يريد قوله تعالى : (هذان خصمان اختصموا في ربهم) (1) . ثم قال : (وبما في الصدور تجازى العباد) إن كنت قتلت عثمان أو مالات عليه ، فإن الله تعالى سيجازيني بذلك ، وإلا فسوف يجازى بالعقوبة والعذاب من اتهمني به ، ونسبه إلى . وهذا الكلام يدل على ما يقوله أصحابنا من تبرى أمير المؤمنين عليه السلام من دم عثمان ، وفيه رد وإبطال لما يزعمه الامامية ، من كونه رضى به وأباحه ، وليس يقول أصحابنا إنه عليه السلام لم يكن ساخطا أفعال عثمان ، ولكنهم يقولون : إنه وإن سخطها وكرهها وأنكرها لم يكن مبيحا لدمه ، ولا ممالئا على قتله ، ولا يلزم من إنكار أفعال الانسان إحلال دمه ، فقد لا يبلغ الفعل في القبح إلى أن يستحل به الدم ، كما في كثير من المناهى .


(1) سورة الحج 19 . (*)

[ 172 ]

(75) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : رحم الله امرأ سمع حكما فوعى ، ودعى إلى رشاد فدنا ، وأخذ بحجزة هاد فنجا ، راقب ربه . وخاف ذنبه ، قدم خالصا ، وعمل صالحا . اكتسب مذخورا ، واجتنب محذورا ، ورمى غرضا . وأحرز عوضا . كابر هواه ، وكذب مناه . جعل الصبر مطية نجاته ، والتقوى عدة وفاته . ركب الطريقة الغراء ، ولزم المحجة البيضاء . اغتنم المهل ، وبادر الاجل ، وتزود من العمل . * * * الشرح : الحكم هاهنا : الحكمة ، قال سبحانه : (وآتيناه الحكم صبيا) ، ووعى : حفظ ، وعيت الحديث أعيه وعيا ، وأذن واعية ، أي حافظة . ودنا : قرب . والحجزد : معقد الازار ، وأخذ فلان بحجزة فلان ، إذا اعتصم به ولجأ إليه . ثم حذف عليه السلام الواو في اللفظات الاخر فلم يقل : (وراقب ربه) ، ولا (وقدم خالصا) ، وكذلك إلى آخر اللفظات ، وهذا نوع من الفصاحة كثير في استعمالهم . واكتسب ، بمعنى كسب ، يقال : كسبت الشئ واكتسبته بمعنى . والغرض : ما يرمى بالسهام ، يقول : رحم الله امرأ رمى غرضا ، أي قصد الحق كمن يرمى غرضا يقصده ، لا من يرمى في عمياء لا يقصد شيئا بعينه

[ 173 ]

والعوض المحرز هاهنا : هو الثواب . وقوله : (كابر هواه) أي غالبه . وروى (كاثر) بالثاء المنقوطة بالثلاث ، أي غالب هواه بكثرة عقله ، يقال : كاثرناهم فكثرناهم ، أي غلبناهم بالكثرة . وقوله : (وكذب مناه) أي أمنيته . والطريقة الغراء : البيضاء . والمهل : النظر والتؤدة .

[ 174 ]

(76) ومن كلام له عليه السلام : إن بنى أمية ليفوقوننى تراث محمد صلى الله عليه تفويقا ، والله لئن بقيت لهم لانفضنهم نفض اللحام الوذام التربة . * * * قال الرضى رحمة الله : ويروى (التراب الوذمة) ، وهو على القلب . وقوله عليه السلام : (ليفوقوننى) أي يعطوننى من المال قليلا قليلا كفواق الناقة ، وهو الحلبة الواحدة من لبنها . والوذام التربة : جمع وذمة ، وهى الحزة من الكرش أو الكبد تقع في التراب فتنفض . * * * الشرح : (1) اعلم أن أصل هذا الخبر قد رواه أبو الفرج على بن الحسين الاصفهانى في كتاب الاغانى بإسناد رفعه إلى الحارث بن حبيش ، قال : بعثنى سعيد بن العاص - وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل عثمان - بهدايا إلى المدينة ، وبعث معى هدية إلى على عليه السلام وكتب إليه : إنى لم أبعث إلى أحد أكثر مما بعثت به إليك ، إلا إلى أمير المؤمنين (2) . فلما أتيت عليا عليه السلام وقرأ كتابه (3) ، قال : (لشد ما يحظر على بنو أمية تراث محمد صلى الله عليه وسلم ! أما والله لئن وليتها لانفضنها نفض القصاب التراب الوذمة .


(1) الاغانى 2 : 144 (طبعة دار الكتب) . (2) الاغانى : (إلا شيئا في خزائن أمير المؤمنين) . (3) الاغانى : (فأخبرته) . (*)

[ 175 ]

قال أبو الفرج : وهذا خطأ ، إنما هو (الوذام التربه) . قال : وقد حدثنى (1) بذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهرى عن أبى زيد عمر بن شبة ، بإسناد ذكره في الكتاب ، أن سعيد بن العاص حيث كان أمير الكوفة ، بعث مع ابن أبى عائشة مولاه إلى على بن أبى طالب عليه السلام بصلة ، فقال على عليه السلام : والله لا يزال غلام من غلمان بنى أمية يبعث إلينا مما أفاء الله على رسوله بمثل قوت الارملة ، والله لئن بقيت لانفضنها نفض القصاب الوذام التربة .


(1) الخبر في الاغانى (عن أبى زيد عن عبد الله بن محمد بن حكيم الطائى عن السعدى عن أبيه) .

[ 176 ]

(77) الاصل : ومن كلمات كان عليه السلام يدعو بها : اللهم اغفر لى ما أنت أعلم به منى ، فإن عدت فعد على بالمغفرة . اللهم اغفر لي ما وأيت من نفسي ، ولم تجد له وفاء عندي . اللهم اغفر لى ما تقربت به إليك بلساني ، ثم خالفه قلبى . اللهم اغفر لى رمزات الالحاظ ، وسقطات الالفاظ ، وسهوات الجنان ، وهفوات اللسان . * * * الشرح : وأيت ، أي وعدت ، والوأى الوعد . ورمزات الالحاظ : الاشارة بها . والالحاظ : جمع لحظ ، بفتح اللام ، وهو مؤخر العين . وسقطات الالفاظ : لغوها ، وسهوات الجنان : غفلاته ، والجنان : القلب . وهفوات اللسان : زلاته . وفى هذا الموضع يقال : ما فائدة الدعاء ، والقديم تعالى عندكم إنما يغفر الصغائر ، لانها تقع مكفرة ، فلا حاجة إلى الدعاء بغفرانها ، ولا يؤثر الدعاء أيضا في أفعال الباري سبحانه ، لانه إنما يفعل بحسب المصالح ويرزق المال والولد وغير ذلك ، ويصرف المرض والجدب وغيرهما بحسب ما يعلمه من المصلحة ، فلا تأثير للدعاء في شئ من ذلك ؟ والجواب ، أنه لا يمتنع أن يحسن الدعاء بما يعلم أن القديم يفعله لا محالة ، ويكون وجه حسنه ، صدوره عن المكلف على سبيل الانقطاع إلى الخالق سبحانه .

[ 177 ]

ويجوز أيضا أن يكون في الدعاء نفسه مصلحة ولطف للمكلف ، لقد حسن منا الاستغفار للمؤمنين ، والصلاة على الانبياء والملائكة . وأيضا فليس كل أفعال الباري سبحانه واجبة عليه ، بل معظمها ما يصدر على وجه الاحسان والتفضل ، فيجوز أن يفعله ، ويجوز ألا يفعله . فإن قلت : فهل يسمى فعل الواجب الذى لا بد للقديم تعالى من فعله ! إجابة لدعاء المكلف ؟ قلت : لا ، وإنما يسمى إجابة إذا فعل سبحانه ما يجوز أن يفعله ، ويجوز ألا يفعله كالتفضل . وأيضا فإن اللطف والمصلحة قد يكون لطفا ومصلحة في كل حال ، وقد يكون لطفا عند الدعاء ، ولو لا الدعاء لم يكن لطفا ، وليس بممتنع في القسم الثاني أن يسمى إجابة للدعاء ، لان للدعاء على كل حال تأثيرا في فعله . فإن قيل : أيجوز أن يدعو النبي صلى الله عليه وآله بدعاء فلا يستجاب له ؟ قيل : إن من شرط حسن الدعاء أن يعلم الداعي حسن ما طلبه بالدعاء ، وإنما يعلم حسنه ، بألا يكون فيه وجه قبح ظاهر ، وما غاب عنه من وجوه القبح ، نحو كونه مفسدة يجب أن يشترطه في دعائه ، ويطلب ما يطلبه بشرط ألا يكون مفسدة . وإن لم يظهر هذا الشرط في دعائه وجب أن يضمره في نفسه ، فمتى سأل النبي ربه تعالى أمرا فلم يفعله لم يجز أن يقال : إنه ما أجيبت دعوته ، لانه يكون قد سأل بشرط ألا يكون مفسدة ، فإذا لم يقع ما يطلبه ، فلان المطلوب قد علم الله فيه من المفسدة ما لم يعلمه النبي صلى الله عليه وآله ، فلا يقال : إنه ما أجيب دعاؤه ، لان دعاءه كان مشروطا ، وإنما يصدق قولنا ما أجيب دعاؤه على من طلب أمرا طلبا مطلقا غير مشروط فلم يقع ، والنبى صلى الله عليه وآله لا يتحقق ذلك في حقه .


(1) ا : (غاية) . (*)

[ 178 ]

[ من أدعية رسول الله المأثورة ] ونحن نذكر في هذا الموضع جملة من الادعية المأثورة طلبا لبركتها ، ولينتفع قارى الكتاب بها : كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أصبح أن يقول : (أصبحنا وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والجلال والخلق والامر والليل والنهار وما يسكن فيهما لله عزو جل وحده لا شريك له . اللهم اجعل أول يومى هذا صلاحا ، وأوسطه فلاحا ، وآخرة نجاحا . اللهم إنى أسالك خير الدنيا والاخرة يا ارحم الراحمين اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتنا ما تبلغنا به رحمتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا . اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا ، واجعله الوارث منا ، وانصرنا على من ظلمنا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) . [ أدعية الصحيفة ] ومن دعاء أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان يدعو به زين العابدين على بن الحسين عليه السلام ، وهو من أدعية الصحيفة : يامن يرحم من لا يرحمه العباد ، ويامن يقبل من لا تقبله البلاد ، ويا من لا يحتقر أهل الحاجة إليه يا من لا يجبه بالرد أهل الالحاح إليه . يا من لا يخفى عليه صغير ما يتحف به ، ولا يضيع يسير ما يعمل له . يامن يشكر على القليل ، ويجازى بالجليل . يامن يدنو إلى من دنا منه . يامن يدعو إلى نفسه من أدبر عنه . يا من لا يغير النعمة ، ولا يبادر بالنقمة . يامن يثمر الحسنة حتى ينميها ، ويتجاوز عن السيئة حتى يعفيها ، انصرفت

[ 179 ]

دون مدى كرمك الحاجات ، وامتلات ببعض جودك أوعية الطلبات ، وتفسخت دون بلوغ نعتك الصفات . فلك العلو الاعلى فوق كل عال ، و الجلال الامجد فوق كل جلال ، كل جليل عندك حقير ، وكل شريف في جنب شرفك صغير . خاب الوافدون على غيرك ، وخسر المتعرضون إلا لك ، وضاع الملمون إلا بك وأجدب المنتجعون إلا من انتجع فضلك ، لانك ذو غاية قريبة من الراغبين ، وذو مجد مباح للسائلين ، لا يخيب عليك الاملون ، ولا يخفق من عطائك المتعرضون ، ولا يشقى بنقمتك المستغفرون ، رزقك مبسوط لمن عصاك ، وحلمك معرض لمن ناواك ، وعادتك الاحسان إلى المسيئين ، وسنتك الابقاء على المعتدين ، حتى لقد غرتهم أناتك عن النزوع ، وصدهم إمهالك عن الرجوع ، وإنما تأنيت بهم ليفيئوا إلى أمرك ، وأمهلتهم ثقة بدوام ملكك ، فمن كان من أهل السعادة ختمت له بها ، ومن كان من أهل الشقاوة خذلته لها . كلهم صائر إلى رحمتك ، وأمورهم آيلة إلى أمرك لم يهن على طول مدتهم سلطانك ، ولم تدحض لترك معاجلتهم حججك (1) ، حجتك قائمة ، وسلطانك ثابت ، فالويل الدائم لمن جنح عنك ، والخيبة الخاذلة لمن خاب منك ، والشقاء الاشقى لمن اغتر بك . ما أكثر تقلبه في عذابك ! وما أعظم تردده في عقابك ! وما أبعد غايته من الفرج ! وما أثبطه من سهولة المخرج عدلا من قضائك لا تجور فيه ، وأنصافا من حكمك لا تحيف عليه ، قد ظاهرت الحجج ، وأزلت الاعذار ، وتقدمت بالوعيد ، وتلطفت في الترغيب ، وضربت الامثال ، وأطلت الامهال ، وأخرت وأنت تستطيع المعاجلة ، وتأنيت وأنت ملئ بالمبادرة . لم تك أناتك عجزا ، ولا حلمك وهنا ، ولا إمساكك لعلة ، ولا انتظارك لمدارة ، بل لتكون حجتك الابلغ ، وكرمك الا كمل ، وإحسانك الاوفى ، ونعمتك الاتم . كل ذلك


(1) ج : (برهانك) . (*)

[ 180 ]

كان ولم يزل ، وهو كائن لا يزول . نعمتك أجل من أن توصف بكلها ، ومجدك أرفع من أن يحد بكنهه ، وإحسانك أكبر من أن يشكر على أقله ، فقد أقصرت ساكتا عن تحميدك ، وتهيبت ممسكا عن تمجيدك ، لا رغبة يا إلهى عنك بل عجزا ، ولا زهدا فيما عندك بل تقصيرا ، وها أنا ذا يا إلهى أؤمل بالوفادة وأسألك حسن الرفادة ، فاسمع ندائى ، واستجب دعائي ، ولا تختم عملي بخيبتى ، ولا تجبهنى بالرد في مسألتي ، وأكرم من عندك منصرفي ، إنك غير ضائق عما تريد ، ولا عاجز عما تشاء ، وأنت على كل شئ قدير . * * * ومن أدعيته عليه السلام ، وهو من أدعية الصحيفة أيضا : اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون ، ويا من إلى إحسانه يفزع المضطرون ، ويا من لخيفته ينتحب الخاطئون ، يا أنس كل مستوحش غريب ، يا فرج كل مكروب حريب ، يا عون كل مخذول فريد ، يا عائذ كل محتاج طريد ، أنت الذى وسعت كل شئ رحمة وعلما ، وأنت الذى جعلت لكل مخلوق في نعمتك سهما ، وأنت الذى عفوه أعلى من عقابه ، وأنت الذى رحمته أمام غضبه ، وأنت الذى إعطاؤه أكبر من منعه ، وأنت الذى وسع الخلائق كلهم بعفوه ، وأنت الذى لا يرغب في غنى من أعطاه ، وأنت الذى لا يفرط في عقاب من عصاه . وأنا يا سيدى عبدك الذى أمرته بالدعاء . فقال : لبيك وسعديك ! وأنا يا سيدي عبدك الذى أوقرت الخطايا ظهره ، وأنا الذى أفنت (1) الذنوب عمره ، وأنا الذى بجهله عصاك ، ولم يكن أهلا منه لذلك ، فهل أنت يا مولاى راحم من دعاك فاجتهد في الدعاء ! أم أنت غافر لمن بكى لك ، فأسرع في البكاء ! أم أنت متجاوز عمن عفر لك وجهه ، متذللا ! أم أنت مغن من شكا إليك فقره متوكلا !


(1) ج : (وأفنت الذنوب عمره) . (*)

[ 181 ]

اللهم فلا تخيب من لا يجد معطيا غيرك ، ولا تخذل من لا يستغنى عنك بأحد دونك . اللهم لا تعرض عنى وقد أقبلت عليك ، ولا تحرمنى وقد رغبت إليك ، ولا تجبهنى بالرد وقد انتصبت بين يديك . أنت الذى وصفت نفسك بالرحمة ، وأنت الذى سميت نفسك بالعفو ، فارحمني واعف عنى ، فقد ترى يا سيدى فيض دموعي من خيفتك ، ووجيب قلبى من خشيتك ، وانتفاض جوارحي من هيبتك ، كل ذلك حياء منك بسوء عملي ، وخجلا منك لكثرة ذنوبي ، قد كل لساني عن مناجاتك ، وخمد صوتي عن الدعاء إليك ! يا إلهى فكم من عيب سترته على فلم تفضحني ! وكم من ذنب غطيت عليه فلم تشهر بي ! وكم من عائبة ألممت بها فلم تهتك عنى سترها ، ولم تقلدني مكروها شنارها ، ولم تبد على محرمات سوأتها . فمن يلتمس معايبى من جيرتى وحسدة نعمتك عندي ، ثم لم ينهنى ذلك حتى صرت إلى أسوإ ما عهدت منى ! فمن أجهل منى يا سيدى برشدك ! ومن أغفل منى عن حظه منك ! ومن أبعد منى من استصلاح نفسه حين أنفقت ما أجريت على من رزقك فيما نهيتني عنه من معصيتك ! ومن أبعد غورا في الباطل ، وأشد إقداما على السوء منى حين اقف بين دعوتك ودعوة الشيطان ، فاتبع دعوته على غير عمى عن المعرفة به ، ولا نسيان من حفظى له ، وأنا حينئذ موقن أن منتهى دعوتك الجنة ، ومنتهى دعوته النار ! سبحانك فما أعجب ما أشهد به على نفسي ، وأعدده من مكنون أمرى ! وأعجب من ذلك أناتك عنى ، وإبطاؤك عن معاجلتى ، وليس ذلك من كرمى عليك ، بل تأتيا منك بى ، وتفضلا منك على ، لان ارتدع عن خطئي ، ولان عفوك أحب إليك من عقوبتي . بل أنا يا إلهى أكثر ذنوبا ، وأقبح آثارا ، وأشنع أفعالا ، وأشد في الباطل تهورا ، وأضعف عند طاعتك تيقظا ، وأغفل لوعيدك انتباها ، من أن أحصى لك عيوبي ، وأقدر على تعديد

[ 182 ]

ذنوبي ، وإنما أوبخ بهذا نفسي طمعا في رأفتك التى بها إصلاح أمر المذنبين ، ورجاء لعصمتك التى بها فكاك رقاب الخاطئين . اللهم وهذه رقبتي قد أرقتها الذنوب فأعتقها بعفوك ، وقد أثقلتها الخطايا ، فخفف عنها بمنك . اللهم إنى لوبكيت حتى تسقط أشفار عينى ، وانتحبت حتى ينقطع صوتي ، وقمت لك حتى تنتشر قدماى ، وركعت لك حتى ينجذع صلبى ، وسجدت لك حتى تتفقأ حدقتاى ، وأكلت التراب طول عمرى ، وشربت ماء الرماد آخر دهري ، وذكرتك في خلال ذلك حتى يكل لساني ، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك ، لما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي ، فإن كنت تغفر لى حين أستوجب مغفرتك ، وتعفو عنى حين أستحق عفوك ، فإن ذلك غير واجب لى بالاستحقاق ، ولا أنا أهل له على الاستيجاب ، إذ كان جزائي منك من (1) أول ما عصيتك النار ، فإن تعذبني فإنك غير ظالم . إلهى فإن تغمدتني بسترك فلم تفضحني ، وأمهلتني بكرمك فلم تعاجلنى ، وحلمت عنى بتفضلك فلم تغير نعمك على ، ولم تكدر معروفك عندي ، فارحم طول تضرعي ، وشدة مسكنتي ، وسوء موقفي ! اللهم صل على محمد وآل محمد ، وأنقذنى من المعاصي ، واستعملني بالطاعة وارزقني حسن الا نابة وطهرني بالتوبة ، وأيدني بالعصمة ، واستصلحني بالعافية ، وارزقني حلاوة المغفرة ، واجعلني طليق عفوك ، واكتب لى أمانا من سخطك ، وبشرني بذلك في العاجل دون الاجل (2) ، بشرى أعرفها ، وعرفني له علامة أتبينها ، أن ذلك لا يضيق عليك في وجدك ، ولا يتكاءدك في قدرتك ، وأنت على كل شئ قدير . * * * ومن أدعيته عليه السلام ، وهو من أدعية الصحيفة :


(1) ب : (في) (2) ب : (والعاجل) (*)

[ 183 ]

اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود والسلطان ، الممتنع بغير جنود ، والعز الباقي على مر الدهور . عز سلطانك عزا لا حد له ولا منتهى لاخره ، واستعلى ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ أمده ، ولا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك نعوت أقصى نعت الناعتين ، ضلت فيك الصفات ، وتفسخت دونك النعوت ، وحارت في كبريائك لطائف الاوهام . كذلك أنت الله في أوليتك ، وعلى ذلك أنت دائم لا تزول ، وكذلك أنت الله في آخريتك ، وكذلك أنت ثابت لا تحول . وأنا العبد الضعيف عملا ، الجسيم أملا ، خرجت من يدى أسباب الوصلات إلى رحمتك ، وتقطعت عنى عصم الامال إلا ما أنا معتصم به من عفوك . قل عندي ما أعتد به من طاعتك ، وكثر عندي ما أبوء به من معصيتك ، ولن يفوتك (1) عفو عن عبدك وإن أساء . فاعف عنى . اللهم قد أشرف على كل خطايا الاعمال علمك ، وانكشف كل مستور عند خبرك ، فلا ينطوى عنك دقائق الامور ، ولا يعزب عنك خفايا السرائر (2) ، وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة ، وكبائر أعمال مردية ، فلا شفيع يشفع لى إليك ، ولا خفير يؤمننى منك ، ولا حصن يحجبني عنك ، ولا ملاذ ألجا إليه غيرك . هذا مقام العائذ بك ، ومحل المعترف لك ، فلا يضيقن عنى فضلك ، ولا يقصرن دوني عفوك ، ولا أكون أخيب عبادك التائبين ، ولا أقنط وفودك الاملين ، واغفر لى إنك خير الغافرين . اللهم إنك أمرتنى فغفلت ، ونهيتني فركبت ، وهذا مقام من استحيا لنفسه منك ، وسخط عليها ورضى عنك ، وتلقاك بنفس خاشعة ، وعين خاضعة ، وظهر مثقل من الخطايا ، واقفا بين الرغبة إليك والرهبة منك ، وأنت أولى من رجاه ، وأحق من خشيه واتقاه ،


(1) ج : (يفوتك) . (2) ج : (خفايا لاعمال) . (*)

[ 184 ]

فأعطني يا رب ما رجوت ، وأمنى ما حذرت ، وعد على بفضلك ورحمتك ، إنك أكرم المسئولين . اللهم وإذ سترتني بعفوك ، وتغمد تنى بفضلك في دار الفناء ، فأجرنى من فضيحات دار البقاء عند مواقف الاشهاد ، من الملائكة المقربين ، والرسل المكرمين ، والشهداء الصالحين ، من جار كنت أكاتمه سيئاتي ، ومن ذى رحم كنت أحتشم منه لسريراتي ، لم أثق بهم في الستر (1) على ، ووثقت بك في المغفرة لى ، وأتت أولى من وثق به ، وأعطى من رغب إليه وأرأف من استرحم ، فارحمني . اللهم إنى أعوذ بك من نار تغلظت بها على من عصاك ، وأوعدت بها من ضارك وناواك ، وصدف عن رضاك . ومن نار نورها ظلمة ، وهينها صعب ، وقريبها بعيد . ومن نار يأكل بعضها بعضا ، ويصول بعضها على بعض ، ومن نار تذر العظام رميما ، وتسقى أهلها حميما ، ومن نار لا تبقى على من تضرع ، ولا ترحم من استعطفها ، ولا تقدر على التخفيف عمن خشع لها ، واستبتل إليها ، تلقى سكانها بأحر ما لديها من إليم النكال ، وشديد الوبال . اللهم بك أعوذ من عقاربها الفاغرة أفواهها ، وحياتها الناهشة بأنيابها ، وشرابها الذى يقطع الامعاء ، ويذيب الاحشاء ، وأستهديك لما باعد عنها ، وأنقذ منها ، فأجرنى بفضل رحمتك ، وأقلني عثرتي بحسن إقالتك ولا تخذلني يا خير المجيرين . اللهم صل على محمد وآل محمد إذا ذكر الابرار ، وصل على محمد وآل محمد ما اختلف الليل والنهار ، صلاة لا ينقطع مددها ، ولا يحصى عددها ، صلاة تشحن الهواء ، وتملا الارض والسماء . صل اللهم عليه وعليهم حتى ترضى ، وصل عليه وعليهم بعد الرضا صلاة لاحد لها ، ولا منتهى ، يا أرحم الراحمين ! * * *


ب : (السر) ، وما أثبته من ج . (*)

[ 185 ]

ومن دعائه عليه السلام ، وهو من أدعية الصحيفه : اللهم إنى أعوذ بك من هيجان الحرص وسورة الغضب ، وغلبه الحسد وضعف الصبر ، وقلة القناعة ، وشكاسة الخلق ، والحاح الشهوة ، وملكة الحمية ، ومتابعة الهوى ، ومخالفة الهدى ، وسنة الغفلة ، وتعاطى الكلفة ، وإيثار الباطل على الحق ، والاصرار على المأثم ، والاستكثار من المعصية ، والاقلال من الطاعة ، ومباهاة المكثرين ، والازراء على المقلين ، وسوء الولاية على من تحت أيدينا ، وترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا ، وأن نعضد ظالما ، أو نخذل ملهوفا ، أو نروم ما ليس لنا بحق ، أو نقول بغير علم . ونعوذ بك أن ننطوي على غش لاحد ، وأن نعجب بأموالنا وأعمالنا ، وأن نمد في آمالنا . ونعوذ بك من سوء السريرة واحتقار الصغيرة ، وأن يستحوذ علينا الشيطان ، أو يشتد لنا الزمان ، أو يتهضمنا السلطان ، ونعوذ بك من حب الاسراف وفقدان الكفاف ، ومن شماتة الاعداء ، والفقر إلى الاصدقاء ، ومن عيشة في شدة ، أو موت على غير عدة . ونعوذ اللهم بك من الحسرة العظمى ، والمصيبة الكبرى ، ومن سوء الماب وحرمان الثواب ، وحلول العقاب . اللهم أعذنا من كل ذلك برحمتك ومنك وجودك ، إنك على كل شئ قدير . * * * ومن دعائه عليه السلام وتحميده ، وذكره النبي صلى الله عليه وآله ، وهو من أدعية الصحيفة أيضا : الحمد لله بكل ما حمده أدنى ملائكته إليه ، وأكرم خلقه عليه ، وأرضى حامد يه لديه ، حمدا يفضل سائر الحمد ، كفضل ربنا جل جلاله على جميع خلقه . ثم له الحمد مكان كل نعمة له علينا ، وعلى جميع عباده الماضين والباقين ، عدد ما أحاط به علمه ، ومن جميع الاشياء أضعافا مضاعفة ، أبدا سرمدا إلى يوم القيامة ، وإلى ما لا نهاية له

[ 186 ]

من بعد القيامة حمدا لا غاية لحده ، ولا حساب لعده ، ولا مبلغ لاعداده ، ولا انقطاع لاماده ، حمدا يكون وصلة إلى طاعته ، وسببا إلى رضوانه ، وذريعة إلى مغفرته ، وطريقا إلى جنته ، وخفيرا من نقمته ، وأمنا من غضبه ، وظهيرا على طاعته ، وحاجزا عن معصيته ، وعونا على تأدية حقه ووظائفه ، حمدا نسعد به في السعداء من أوليائه ، وننتظم به في نظام الشهداء بسيوف أعدائه . والحمد لله الذى من علينا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله دون الامم الماضية ، والقرون السالفة ، لقدرته التى لا تعجز عن شئ ، وإن عظم ، ولا يفوتها شئ وإن لطف اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك ، ونجيك من خلقك ، وصفيك من عبادك ، إمام الرحمة وقائد الخير ، ومفتاح البركة ، كما نصب لامرك نفسه ، وعرض فيك للمكروه بدنه ، وكاشف في الدعاء إليك حاسته ، وحارب في رضاك أسرته ، وقطع في نصرة دينك رحمه ، وأقصى الادنين على عنودهم عنك ، وقرب الاقصين ، على استجابتهم لك ، ووالى فيك الابعدين ، وعاند فيك الاقربين ، وأدأب (1) نفسه في تبليغ رسالتك ، وأتعبها في الدعاء إلى ملتك ، وشغلها بالنصح لاهل دعوتك ، وهاجر إلى بلاد الغربة ومحل الناى ، عن موطن رحله ، وموضع رجله ، ومسقط رأسه ، ومانس نفسه ، إرادة منه لاعزاز دينك ، واستنصارا على أهل الكفر بك ، حتى استتب له ما حاول في أعدائك ، واستتم له ما دبر في أوليائك ، فنهد إلى المشركين بك ، مستفتحا بعونك ، ومتقويا على ضعفه بنصرك ، فغزاهم في عقر ديارهم ، وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم ، حتى ظهر أمرك ، وعلت كلمتك ، وقد كره المشركون . اللهم فارفعه - بما كدح فيك - إلى الدرجة العليا من جنتك ، حتى لا يساوى في منزلة ، ولا يكافأ في مرتبة ، ولا يوازيه لديك ملك مقرب ، ولا نبى مرسل ، وعرفه في أمته من


(1) ج : (وأدب) . (*)

[ 187 ]

حسن الشفاعة أجل ما وعدته ، يا نافذ العدة ، يا وافى القول ، يا مبدل السيئات بأضعافها من الحسنات ، إنك ذو الفضل العظيم . * * * [ من الادعية المأثورة عن عيسى عليه السلام ] ومن الادعية المروية عن عيسى بن مريم عليه السلام : اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الارض ، لا إله فيهما غيرك ، وأنت حكيم من في السماء وحكيم من في الارض ، لا حكيم فيهما غيرك . وأنت ملك من في السماء ، وملك من في الارض ، لا ملك فيهما غيرك ، قدرتك في السماء كقدرتك في الارض ، وسلطانك كسلطانك في الارض ، أسألك باسمك الكريم ، ووجهك المنير ، وملكك القديم أن تفعل بى كذا وكذا . * * * [ من الادعية المأثورة عن بعض الصالحين ] وكان بعض الصالحين يدعو فيقول : اللهم لا تدخلنا النار بعد أن أسكنت قلوبنا توحيدك ، وإنى لارجو ألا تفعل ، وإن فعلت لتجمعن بيننا وبين قوم عاديناهم فيك . ومن دعاء بعضهم : اللهم إنك لم تشرك في خلقنا غيرك فلا تشرك في الاحسان إلينا غيرك ، اللهم لا رب لنا غيرك ، فلا تجعل حاجتنا عند غيرك . اللهم إنا لا نعبد غيرك ، فلا تسلط علينا غيرك . قام أعرابي على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال :

[ 188 ]

بأبى أنت وأمى يارسول الله ! قلت فقبلنا ، وتلوت فوعينا ، ثم ظلمنا أنفسنا ، وقرأنا فيما أتيتنا به عن ربنا : (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما .) اللهم إنا قد جئنا رسولك ونحن نستغفرك ، ونسال رسولك أن يستغفر لنا خطايانا ، فاغفر لنا وتب علينا . فيقال : أن إنسانا حضر ذلك الدعاء ، فرأى تلك الليلة رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه يقول له : أبلغ الاعرابي أن الله قد غفر له . ومن أدعية بعض الصالحين : اللهم إنى لم آتك بعمل صالح قدمته ، ولا شفاعة مخلوق رجوته ، أتيتك مقرا بالظلم والاساءة على نفسي ، أتيتك بلا حجة أتيتك أرجو عظيم عفوك الذى عدت به على الخاطئين ، ثم لم يمنعك عكوفهم على عظيم الجرم أن جدت لهم بالمغفرة ، فيا صاحب العفو العظيم ، اغفر الذنب العظيم ، برحمتك يا أرحم الراحمين . وروى أن عليا عليه السلام اعتمر ، فرأى رجلا متعلقا بأستار الكعبة ، وهو يقول : يامن لا يشغله سمع عن سمع ، يامن لا تقلقه (1) المسائل ، ولا يبرمه إلحاح الملحين ، أذقني برد عفوك ، وحلاوة مغفرتك ، وعذوبة عافيتك ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار فقال على عليه السلام : والذى نفسي بيده إن قالها وعليه مثل السموات والارض من الذنوب قولا مخلصا ليغفرن له . ودعا أعرابي عند الملتزم ، فقال : اللهم إن لك على حقوقا فتصدق بها على ، وإن للناس قبلى تبعات فتحملها عنى ، وقد أوجبت لكل ضيف قرى ، وأنا ضيفك الليلة ، فاجعل قراى الجنة .


(1) ب : (تغلطه) ، وما أثبته من ج . (*)

[ 189 ]

ودعا بعض الاعراب أيضا ، وقد خرج حاجا ، فقال : اللهم إليك خرجت ، وما عندك طلبت ، فلا تحرمني خير ما عندك ، لشر ما عندي ، اللهم إن كنت لم ترحم تعبي ونصبى ، فإنها لمصيبة أصبت بها ، فلا تحرمنى أجر المصاب على المصيبة . ودعا بعضهم فقال : اللهم إنك سترت علينا في الدنيا ذنوبا كثيرة ، ونحن إلى سترها في الاخرة أحوج ، فاغفر لنا . ومن دعاء بعضهم : اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره ، واجعل القبر خير بيت نعمره ، واجعل ما بعده خيرا لنا منه . اللهم إليك عجت الاصوات بصنوف اللغات تسألك الحاجات ، وحاجتي إليك أن تذكرني عند طول البلى ، إذا نسيني أهل الدنيا . وقال بعضهم : كنت أدعو الله بعد وفاة مالك بن دينار أن أراه في منامي ، فرأيته بعد سنة ، فقلت : يا أبا يحيى ، علمني كيف أدعو ؟ فقال : قل : اللهم يسر الجواز ، وسهل المجاز . وقال الشعبى : حسدت عبد الملك بن مروان على دعاء كان يدعو به على المنبر ، يقول : اللهم إن ذنوبي كثيرة جلت أن توصف ، وهى صغيرة في جنب ، عفوك فاعف عنى . ومن دعاء بعض الزهاد : اللهم إنى أعوذ بك من أهل يلهيني ، ومن هوى يردينى ، ومن عمل يخزينى ، ومن صاحب يغوينى ، ومن جار يؤذيني ، ومن غنى يطغينى ، ومن فقر ينسيني . اللهم اجعلنا نستحييك ونتقيك ، ونخافك ونخشاك ، ونرجوك ونطيعك في السر والعلانية . اللهم استرنا بالمعافاة والغنى ، أستعين الله على أمورى ، وأستغفر الله لذنوبي ، وأعوذ بك من شر نفسي . ويروى أن رجلا أعمى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال : صلى الله عليه وآله له : قل : يا سبوح يا قدوس ، يا نور الانوار ، يا نور السموات والارض ، يا أول الاولين ، ويا آخر الاخرين ، ويا أرحم الراحمين ، أسالك

[ 190 ]

أن تغفر لى الذنوب التى تغير النعم ، والذنوب التى تنزل النقم ، والذنوب التى تهتك العصم ، والذنوب التى توجب البلاء ، والذنوب التى تقطع الرجاء ، والذنوب التى تحبس الدعاء ، والذنوب التى تكشف الغطاء ، والذنوب التى تعجل الفناء ، والذنوب التى تظلم الهواء ، وأسألك باسمك العظيم ، ووجهك الكريم ، أن ترد على بصرى . فدعا بذلك فرد عليه بصره . ومن الاثار المنقولة : أن الله تعالى غضب على أمة فأنزل عليهم العذاب ، وكان فيهم ثلاثه صالحون ، فخرجوا وابتهلوا إلى الله سبحانه ، فقام : أحدهم فقال : اللهم إنك أمرتنا أن نعتق أرقاءنا ونحن أرقاؤك ، فاعتقنا ، ثم جلس . وقام الثاني فقال : اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا ، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا ثم جلس . وقام الثالث فقال : اللهم إنا على ثقة أنك لم تخلق خلقا أوسع من مغفرتك ، فاجعل لنا في سعتها نصيبا ، فرفع عنهم العذاب . قيل لسفيان بن عيبنة : ما حديث رويته عن رسول الله صلى الله عليه وآله (أفضل دعاء أعطيته أنا والنبيون قبلى : أشهد أن لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيى ويميت ، وهو حى لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شئ قدير) . كأنهم لم يروه دعاء ! فقال : ما تنكرون من هذا ؟ ثم روى لهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله : (من تشاغل بالثناء على الله ، أعطاه الله فوق رغبة السائلين) . ثم قال : هذا أمية بن أبى الصلت يقول لابن جدعان : أاذكر حاجتى أم قد كفانى * حياؤك أن شيمتك الحياء (1) إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء . وقال : هذا مخلوق يقول لمخلوق ، فما ظنكم برب العالمين !


(1) شعراء النصرانية . 22 (*)

[ 191 ]

ومن دعائه صلى الله عليه وآله : (اللهم إنى أعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك) . ومن دعائه عليه السلام : (اللهم ارزقني عينين هطالتين تسقيان القلوب مذروف الدموع ، قبل أن يكون الدمع دما ، وقرع الضرس ندما) . ومن دعائه عليه السلام : (اللهم طهر لساني من الكذب ، وقلبي من النفاق ، وعملى من الرياء ، وبصرى من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور) . ومما رواه أنس بن مالك . (لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد) . ومن رواية جابر بن عبد الله : (لقد بارك الله للرجل في الحاجة بكثرة الدعاء فيها ، أعطيها أو منعها أبو هريرة يرفعه : (اللهم أصلح لى في دينى الذى هو عصمة أمرى ، وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى ، وأصلح لى آخرتي التى إليها معادى ، واجعل الحياة زيادة لى في كل خير ، والموت راحة لى من كل شر) . قيل لاعرابي : أتحسن أن تدعو ربك ؟ فقال : نعم ، ثم دعا فقال : اللهم إنك مننت علينا بالاسلام من غير أن نسألك ، فلا تحرمنا الجنة ونحن نسألك . سمعت أعرابية تقول في دعائها : يا عريض الجفنة ، يا أبا المكارم ، يا أبيض الوجه ، فزجرها رجل ، فقالت : دعوني أصف ربى بما يستحقه . وكان موسى بن جعفر عليه السلام يقول في سجوده آخر الليل : إلهى عظم الذنب من عبدك ، فليحسن العفو من عندك . ذكر عند بعض الصالحين رجل قد أصابه بلاء عظيم ، وهو يدعو فتبطئ عنه الاجابة ، فقال : بلغني أن الله تعالى يقول : كيف أرحم المبتلى من شئ أرحمه به !

[ 192 ]

قال طاوس : إنى لفى الحجر ليلة إذ دخل على بن الحسين عليه السلام ، فقلت : رجل صالح من أهل بيت صالح ، لاسمعن دعاءه ! فسمعته يقول في أثناء دعائه : عبدك بفنائك ، سائلك بفنائك ، مسكينك بفنائك . فما دعوت بهن في كرب إلا وفرج عنى عمربن ذر : اللهم إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها إليك ، وهو الاشراك ، وإن كنا قصرنا عن بعض طاعتك ، فقد تمسكنا منها بأحبها إليك ، وهو شهادة أن لا إله إلا أنت وأن رسلك جاءت بالحق من عندك . أعرابي : اللهم إنا نبات نعمتك ، فلا تجعلنا حصائد نقمتك . بعضهم : اللهم إن كنت قد بلغت أحدا من عبادك الصالحين درجة ببلاء ، فبلغنيها بالعافية . حج أعرابي ، فكان لا يستغفر إذا صلى كما يستغفر الناس ، فقيل له ، فقال : كما أن تركي الاستغفار مع ما أعلم من عفو الله ورحمته ضعف ، فكذلك استغفاري مع ما أعلم من إصرارى لؤم . لما صاف قتيبة بن مسلم الترك وهاله أمرهم ، سال عن محمد بن واسع ، فقيل : هو في أقصى الميمنة جانحا على سية قوسه ، مبصبصا بإصبعه نحو السماء ، فقال قتيبة : لتلك الاصبع القارورة ، أحب إلى من مائة ألف سيف شهير ، ورمح طرير . سمع مطرف بن الشخير صيحة الناس بالدعاء ، فقال : لقد هممت أن أحلف أن الله غفر لهم ، ثم ذكرت أنى فيهم فكففت . كان المأمون إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول : الحمد لله الذى جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا . الحسن البصري ، من دخل المقبرة فقال : اللهم رب الارواح العالية ، والاجساد البالية ،

[ 193 ]

والعظام النخرة التى خرجت من الدنيا وهى مؤمنة بك ، أدخل عليهم روحا منك وسلاما منى ، كتب الله له بعدد من ولد - منذ زمن آدم إلى أن تقوم الساعة - حسنات . على عليه السلام : الدعاء سلاح المؤمن ، وعماد الدين ، ونور السموات والارض . قيل : أن فيما أنزله الله تعالى من الكتب القديمة : إن الله يبتلى العبد وهو يحبه ، ليسمع دعاءه وتضرعه . أبو هريرة . اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرضوا لنفحات من رحمة الله تعالى ، فإن لله تعالى نفحات من رحمته ، يصيب بها من يشاء من عباده ، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم . صلى رجل إلى جنب عبد الله بن المبارك ، فلما سلم الامام سلم وقام عجلا ، فجذب عبد الله بثوبه ، وقال : أما لك إلى ربك حاجة ! قيل لعمر بن عبد العزيز : جزاك الله عن الاسلام خيرا ! فقال : لا ، بل جزى الله الاسلام عنى خيرا . على عليه السلام : الداعي بغير عمل كالرامى بغير وتر . كان الزهري إذا فرغ من الحديث تلاه فدعا : اللهم إنى أسألك خير ما أحاط به علمك في الدنيا والاخرة ، وأعوذ بك من شر ما أحاط به علمك في الدنيا والاخرة . كان زبيد النامى يستتبع الصبيان إلى المسجد ، وفى كمه الجوز ، ويقول من يتبعني منكم فأعطيه خمس جوزات ، فإذا دخلوا المسجد ، قال : ارفعوا أيديكم وقولوا : اللهم اغفر لزبيد ، فإذا دعوا قال : اللهم استجب لهم ، فإنهم لم يذنبوا . على عليه السلام : جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شابيب رحمته ، فلا يقنطنك إبطاء

[ 194 ]

إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الاجابة ، ليكون ذلك أعظم لاجر السائل ، وأجزل لعطاء الامل ، وربما سألت الشئ فلا تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه ، أو صرف عنك بما هو لك خير . واعلم أنه رب أمر قد طلبت ، فيه هلاك دينك لو أوتيته . ومن الدعاء المرفوع : اللهم من أراد بنا سوءا فأحط به ذلك السوء كإحاطة القلائد بترائب الولائد ، وأرسخه على هامته كرسوخ السجيل على قمم أصحاب الفيل . سمع عمر رجلا يقول في دعائه : اللهم اجعلني من الاقلين ! فقال : ما أردت بهذا ؟ قال : قول الله عزوجل : (وما آمن معه إلا قليل) (1) ، وقوله تعالى : (وقليل من عبادي الشكور) (2) ، فقال : عليكم من الدعاء بما عرف . قال سعيد بن المسيب : مربى صلة بن أشيم ، فقلت له : ادع لى ، فقال : رغبك الله فيما يبقى ، وزهدك فيما يفنى ، ووهب لك اليقين الذى لا تسكن النفوس إلا إليه ، ولا تعول إلا عليه . كان على بن عيسى بن ماهان صاحب خراسان ، وفى أيامه عصام بن يوسف الزاهد ، فلقيه في الطريق ، وسلم عليه على ، فأعرض عنه ولم يرد عليه ، فوقف على ، ورفع يديه وأسبل عينيه ، وقال : اللهم إن هذا الرجل يتقرب إليك ببغضى ، وأنا أتقرب إليك بحبة ، فإن كنت غفرت له ببغضى ، فاغفر لى بحبه ، يا كريم ! ثم سار . قال الاصمعي : سمعت أعرابيا يدعو ويقول : اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله ، وإن كان في الارض فأخرجه ، وإن كان بعيدا فقربه ، وإن كان قريبا فيسره ، وإن كان قليلا فكثرة ، وإن كان كثيرا فبارك لى فيه .


(1) سورة هود 40 (2) سورة سبأ 13 (*)

[ 195 ]

من دعاء عمرو بن عبيد (1) : اللهم أغننى بالافتقار إليك ، ولا تفقرني بالاستغناء عنك ، اللهم أعنى على الدنيا بالقناعة ، وعلى الدين بالعصمة . شكا رجل إلى الحسن رحمه الله تعالى رجلا يظلمه ، فقال له : إذا صليت الركعتين بعد المغرب ، فاسجد وقل : يا شديد القوى ، يا شديد المحال ، يا عزيز ، أذللت لعزك جميع من خلقت ، فصل على محمد وآل محمد ، واكفنى مؤنة فلان بما شئت . فدعا بها فلم يرعه إلا الواعيد (2) بالليل . فسأل ، فقيل : مات فلان فجأة . قال موسى عليه السلام : يا رب إنك لتعطيني أكثر من أملى ، قال : لانك تكثر من قول : ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله . كان بعض الصالحين يقول قبل الصلاة : يا محسن قد جاءك المسئ ، وقد أمرت المحسن أن يتجاوز عن المسئ ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك . اللهم ارزقني عمل الخائفين وخوف العاملين ، حتى أنعم بترك (3) التنعم طمعا فيما وعدت ، وخوفا مما أوعدت . ومن الادعية الجامعة : اللهم أغننى بالعلم ، وزينى بالحلم ، وجملنى بالعافية ، وكرمني بالتقوى . أحمد بن يوسف كاتب المأمون ، إذا دخل عليه حياه بتحية أبرويز الملك : عشت الدهر ، ونلت المنى ، وجنبت طاعة النساء . ومن الدعاء المروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (اللهم اغفر لى ذنوبي وخطاياى كلها . اللهم أنعشني وأجزنى وانصرني واهدنى لصالح الاعمال والاخلاق ،


(1) في الاصول : (عبيدة) تحريف . (2) الواعية الصراخ . (3) في الاصول : (منزلة) ، تحريف . (*)

[ 196 ]

إنه لا يهدى لصالحها ، ولا يصرف عن سيئها إلا أنت . اللهم إنى أسألك الثبات في الامر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، ولسانا صادقا ، وأسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم ، إنك أنت علام الغيوب * * * [ آداب الدعاء ] قالوا : ومن آداب الدعاء أن ترصد له الاوقات الشريفة ، كما بين الاذان والاقامة ، وكوقت السجود ووقت السحر ، ويستحب أن يدعو مستقبل القبلة رافعا يديه ، لما روى سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله : (إن ربكم كريم يستحى من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ، ويستحب أن يمسح بهما وجهه بعد الدعاء ، فإن ذلك قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله . ويكره أن يرفع بصره إلى السماء ، لقوله عليه السلام : (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء ، أو لتخطفن أبصارهم) وقد رخص في ذلك للصديقين والائمة العادلين . ويستحب أن يخفض صوته ، لقوله تعالى : (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) (1) وقد روى أن عمر سمع رجلا يجهر بالدعاء ، فقال : لكن زكريا نادى ربه نداء خفيا . ويكره أن يتكلف (2) الكلام المسجوع ، ويستحب الاتيان بالمطبوع منه ، لقوله صلى الله عليه وآله : (إياكم والسجع في الدعاء ، بحسب أحدكم أن يقول : اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل) .


(1) سورة الاعراف 55 (2) في ب : (يتكلم) ، وما أثبته عن ا ، ج . (*)

[ 197 ]

وقيل في الوصية الصالحة : ادع ربك بلسان الذلة والاحتقار ، لا بلسان الفصاحة والتشدق . وقال سفيان بن عيينة : يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه ، فإن الله تعالى أجاب دعاء شر خلقه إبليس حيث قال : (أنظرني) (1) . النبي صلى الله عليه وآله : (إذا سأل أحدكم ربه مسألة [ فتعرف الاجابة ] ، فليقل : الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات . ومن أبطأ عنه شئ من ذاك فليقل : الحمد لله على كل حال) . ومن الاداب أن يفتتح بالذكر وألا يبتدئ بالمسألة ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن يدعو يقول : (سبحان ربى العلى الوهاب) . أبو سليمان الدارانى : من أراد أن يسأل الله تعالى حاجته فليبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم يسأل حاجته ، ثم يختم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإن الله تعالى يقبل الصلاتين ، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما . * * * ومن دعاء على عليه السلام : (اللهم صن وجهى باليسار ، ولا تبذل جاهى بالاقتار ، فأسترز طالبي رزقك ، وأستعطف شرار خلقك ، وأبتلى بحمد من أعطاني ، وأفتتن بذم من منعنى ، وأنت من وراء ذلك كله ولى الاعطاء والمنع ، إنك على كل شئ قدير . ومن دعاء الحسن رحمه الله تعالى : (اللهم إنى أعوذ بك من قلب يعرف ، ولسان يصف ، وأعمال تخالف . ومن دعاء أهل البيت عليه السلام ، وفيه رائحة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذى نحن في شرحه : اللهم إنى أستغفرك لما تبت منه إليك ثم عدت فيه ، وأستغفرك


(1) سورة الاعراف 14 .

[ 198 ]

لما وعدتك من نفسي ثم أخلفتك ، وأستغفرك للنعم التى أنعمت بها على ، فتقويت على معصيتك ، وأستغفرك من كل ذنب تمكنت منه بعافيتك ، ونالته يدى بفضل نعمتك ، وانبسطت إليه بسعة رزقك ، واحتجبت فيه عن الناس بسترك ، واتكلت فيه على أكرم عفوك . اللهم إنى أعوذ بك أن أقول حقا ليس فيه رضاك ، ألتمس به أحدا سواك ، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشئ يشيننى عندك ، وأعوذ بك أن أكون عبرة لاحد من خلقك ، وأن يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني منى ، وأعوذ بك أن أستعين بمعصية لك على ضريصيبنى . كان أبو مسلم الخولانى إذا أهمه أمر قال : يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين . ومن دعاء على عليه السلام : اللهم إن تهت عن مسألتي وأعميت عن طلبتي ، فدلني على مصالحي ، وخذ بقلبي إلى مراشدي . اللهم احملني على عفوك ولا تحملني على عدلك .

[ 199 ]

(78) الاصل : ومن كلام له عليه السلام قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج ، وقد قال له : إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت ، خشيت ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم ، فقال عليه السلام : أتزعم أنك تهدى إلى الساعة التى من سار فيها صرف عنه السوء ، وتخوف من الساعة التى من سار فيها حاق به الضر ! فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه . وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه ، لانك - بزعمك - أنت هديته إلى الساعة التى نال فيها النفع ، وأمن الضر . ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال : أيها الناس ، إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر ، فإنها تدعو إلى الكهانة ، المنجم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر في النار ، سيروا على اسم الله . * * * الشرح : حاق به الضر ، أي أحاط به ، قال تعالى : (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) (1) . ويوليك الحمد ، مضارع (أولاك) ، وأولاك معدى بالهمزة من (ولى) ، يقال : ولى


(1) سورة فاطر 43 (*)

[ 200 ]

الشئ ولاية وأوليته ذلك ، أي جعلته واليا له ومتسلطا عليه . والكاهن : واحد الكهان وهم الذين كانوا يخبرون عن الشياطين بكثير من الغائبات . [ القول في أحكام النجوم ] واعلم أن الناس قد اختلفوا في أحكام النجوم ، فأنكرها جمهور المسلمين والمحققون من الحكماء ، ونحن نتكلم هاهنا في ذلك ونبحث فيه بحثين : بحثا كلاميا ، وبحثا حكميا . * * * أما البحث الكلامي ، هو أن يقال : إما أن يذهب المنجمون إلى أن النجوم مؤثرة ، أو أمارات . والوجه الاول ينقسم قسمين : أحدهما أن يقال إنها تفعل بالاختيار ، والثانى أن تفعل بالايجاب . والقول بأنها تفعل بالاختيار باطل ، لان المختار لا بد أن يكون قادرا حيا ، والاجماع من المسلمين حاصل على أن الكواكب ليست حيه ولا قادرد ، والاجماع حجة ، وقد بين المتكلمون أيضا أن من شرط الحياة الرطوبة ، وأن تكون الحرارة على قدر مخصوص ، متى أفرط امتنع حلول الحياة في ذلك الجسم ، فإن النار على صرافتها يستحيل أن تكون حية ، وأن تحلها الحياة لعدم الرطوبة ، وإفراط الحرارة فيها واليبس ، والشمس أشد حرارة من النار ، لانها على بعدها تؤثره النار على قربها ، وذلك دليل على أن حرارتها أضعاف حرارة النار ، وبينوا أيضا أنها لو كانت حية قادرة لم يجز أن تفعل في غيرها ابتداء ، لان القادر بقدرة لا يصح منه الاختراع ، وإنما يفعل في غيره على سبيل التوليد ، ولا بد من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه ، والكواكب غير مماسه لنا ، فلا وصلة بينها وبيننا ، فيستحيل أن تكون فاعلة فينا .

[ 201 ]

فإن ادعى مدع أن الوصلة هي الهواء ، فعن ذلك أجوبة : أحدها : أن الهواء لا يجوز أن يكون وصلة وآلة في الحركات الشديدة وحمل الاثقال ، لا سيما إذا لم يتموج . والثانى : أنه كان يجب أن نحس بذلك ، ونعلم أن الهواء يحركنا ويصرفنا ، كما نعلم في الجسم إذا حركنا وصرفنا بآلة موضع تحريكه لنا بتلك الالة . والثالث : أن في الافعال الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة ، ولا يتولد عن سبب ، كالارادات والاعتقادات ونحوها . وقد دلل أصحابنا أيضا على إبطال كون الكواكب فاعلة للافعال فينا ، بأن ذلك يقتضى سقوط الامر والنهى ، والمدح والذم ، ويلزمهم ما يلزم المجبرة ، وهذا الوجه يبطل كون الكواكب فاعلة ، فينا بالايجاب ، كما يبطل كونها فاعلة بالاختيار . وأما القول بأنها أمارات على ما يحدث ويتجدد ، فيمكن أن ينصر بأن يقال : لم لا يجوز أن يكون الله تعالى أجرى العادة ، بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه أو اتصاله بكوكب آخر . والكلام على ذلك بأن يقال : هذا غير ممتنع لو ثبت سمع مقطوع به يقتضى ذلك ، فإن هذا مما لا بعلم بالعفل . فإن قالوا : نعلم بالتجربة . قيل لهم : التجربة إنما تكونحجة إذا استمرت واطردت ، وأنتم خطؤ كم فيما تحكمون به أكثر من صوابكم ، فهلا نسبتم الصواب الذى يقع منكم إلى يقع الاتفاق التخمين ! فقد رأينا من أصحاب الزرق (1) والتخمين من يصيب أكثر مما يصيب المنجم ، وهو من غير أصل صحيح ولا قاعدة معتمدة ، ومتى قلتم : إنما أخطأ المنجم لغطه في تسيير الكواكب ،


(1) الزرق : التفرس . (*)

[ 202 ]

قيل لكم : ولم لا يكون سبب الاصابة اتفاق ! وإنما يصح لكم هذا التأويل التخريج لو كان على صحة أحكام النجو دليل قاطع ، هو غير إصابة ، فهلا كان دليل فسادها الخطأ ، فما أحدهما إلا في مقابلة صاحبه ! ومما قيل على أصحاب الاحكام ، إن قيل لهم في شئ بعينه : خذوا الطالع واحكموا ، أيؤخذ أم يترك ؟ فإن حكموا بأحدهما خولفوا ، وفعل خلاف ما أخبروا به ، وهذه المسألة قد أعضل عليهم جوابها . وقال بعض المتكلمين لبعض المنجمين : أخبرني ، لو فرضنا جادة مسلوكة ، وطريقا يمشى فيها الناس نهارا وليلا ، وفى تلك المحجة آبار متقاربة ، وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل وتوقف ، حتى يتخلص من السقوط في بعض تلك الابار ، هل يجوز أن تكون سلامة من يمشى بهذا الطريق من العميان كسلامة من يمشى فيه من البصراء ، والمفروض أن الطريق لا يخلو طرفة عين من مشاة فيها عميان ومبصرون ؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء مقاربا لعطب العميان ؟ فقال المنجم : هذا مما لا يجوز ، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان . فقال المتكلم : فقد بطل قولكم ، لان مسألتنا نظير هذه الصورة ، فإن مثال البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم ، ويميزون مساعدها من مناحسها ، ويتوقون بهذه المعرفة مضار الوقت والحركات ويتخطونها ويعتمدون منافعها ويقصدونها ، ومثال العميان كل من لا يحسن علم النجوم ، ولا يقولون به من أهل العلم والعامة ، وهم أضعاف أضعاف عدد المنجمين .

[ 203 ]

ومثال الطريق الذى فيه الابار الزمان الذى مضى ومر على الخلق أجمعين ، ومثال آباره مصائبه ومحنه . وقد كان يجب لو صح علم أحكام النجوم أن سلامة المنجمين أكثر ، ومصائبهم أقل ، لانهم يتوقون المحن ويتخطونها لعلمهم بها قبل كونها ، وأن تكون محن المعرضين عن علم أحكام النجوم على كثرتهم أوفر وأظهر ، حتى تكون سلامة كل واحد منهم هي الطريقة الغريبة ، والمعلوم خلاف ذلك ، فإن السلامة والمحن في الجميع متقاربة متناسبة غير متفاوته . * * * وأما البحث الحكمى في هذا الموضع ، فهو أن الحادث في عالم العناصر عند حلول الكوكب المخصوص في البرج المخصوص ، إما أن يكون المقتضى له مجرد ذلك الكوكب ، أو مجرد ذلك البرج ، أو حلول ذلك الكوكب في ذلك البرج . فالاولان باطلان ، وإلا لوجب أن يحدث ذلك الامر قبل أن يحدث ، والثالث باطل أيضا ، لانه إما أن يكون ذلك البرج مساويا لغيره من البروج في الماهية ، أو مخالفا . والاول يقتضى حدوث ذلك الحادث حال ما كان ذلك الكوكب حالا في غيره من البروج ، لان حكم الشئ حكم مثله ، والثانى يقتضى كون كرة البروج متخالفه الاجزاء في أنفسها ، ويلزم في ذلك كونها مركبة ، وقد قامت الدلالة على أنه لا شئ من الافلاك بمركب . وقد اعترض على هذا الدليل بوجهين : أحدهما أنه لم لا يجوز أن تختلف أفعال الكواكب المتحيرة عند حلولها في البروج ، لا لاختلاف البروج في نفسها ، بل لاختلاف ما في تلك البروج من الكواكب الثابتة المختلفة الطبائع . الوجه الثاني : لم لا يجوز أن يقال : الفلك التاسع مكوكب بكواكب صغار لا نراها

[ 204 ]

لغاية بعدها عنا ، فإذا تحركت في كرات تداويرها سامتت مواضع مخصوصة من كرة الكواكب الثابته ، وهى فلك البروج ، فاختلفت آثار الكواكب المتحيرة عند حلولها في البروج ، باعتبار اختلاف تلك الكواكب الصغيرة ؟ ولم لا يجوز إثبات كرة بين الكرة الثامنة ، وبين الفلك الاطلس المدبر لجميع الافلاك من المشرق إلى المغرب ، وتكون تلك الكرة المتوسطة بينهما بطيئة الحركة بحيث لا تفى أعمارنا بالوقوف على حركتها ، وهى مكوكبة بتلك الكواكب الصغار المختلفة الطبائع ؟ وأجيب عن الاول ، بأنه لو كان الامر كما ذكر ، لوجب أن تختلف بيوت الكواكب وإشرافها وحدودها عند حركة الثوابت بحركة فلكها حتى إنها تتقدم على مواضعها في كل مائة سنة على رأى المتقدمين أو في كل ست وستين سنة على رأى المتأخرين درجة واحدة ، لكن ليس الامر كذلك ، فإن شرف القمر ، كما أنه في زماننا في درجة الثالثة من الثور ، فكذلك كان عند الذين كانوا قبلنا بألف سنة وبألفي سنة . وأما الوجه الثاني فلا جواب عنه . * * * واعلم أن الفلاسفة قد عولت في إبطال القول بأحكام النجوم على وجه واحد ، وهو أن مبنى هذا العلم على التجربة ، ولم توجد التجربة فيما يدعيه أرباب علم النجوم ، فإن هاهنا أمورا لا تتكرر إلا في الاعمار المتطاولة مثل الادوار والالوف التى زعم أبو معشر أنها هي الاصل في هذا العلم ، ومثل مماسة جرم زحل للكرة المكوكبة ، ومثل انطباق معدل النهار على دائرة فلك البروج ، فإنهم يزعمون أن ذلك يقتضى حدوث طوفان الماء وإحاطته بالارض من جميع الجوانب ، مع أن هذه الامور لا توجد إلا في ألوف الالوف من السنين ، فكيف تصح أمثال هذه الامور بالتجربة ! وأيضا ، فإنا إذا رأينا حادثا حدث عند حلول كوكب مخصوص في برج مخصوص ،

[ 205 ]

فكيف نعلم استناد حدوثه إلى ذلك الحلول ! فإن في الفلك كواكب لا تحصى ، فما الذي خصص حدوث ذلك الحدوث بحلول ذلك الكوكب في ذلك البرج لا غيره . وبتقدير أن يكون لحلوله تأثير في ذلك فلا يمكن الجزم قبل حلوله بأنه إذا حل في البرج المذكور لا بد أن يحدث ذلك الحادث ، لجواز أن يوجد ما يبطل تأثيره ، نحو أن يحل كوكب آخر في برج آخر ، فيدفع تأثيره ، ويبطل عمله ، أو لعل المادة الارضية لا تكون مستعدة لقبول تلك الصورة ، وحدوث الحادث ، كما يتوقف على حصول الفاعل يتوقف على حصول القابل ، وإذا وقع الشك في هذه الامور بطل القول بالجزم بعلم أحكام النجوم ، وهذه الحجة ، جيدة إن كان المنجمون يطلبون القطع في علمهم . فأما إن كانوا يطلبون الظن ، فإن هذه الحجة لا تفسد قولهم . * * * فأما أبو البركات بن ملكا البغدادي صاحب كتاب المعتبر ، فإنه أبطل أحكام النجوم من وجه وأثبته من وجه . قال : أما من يريد تطبيق علم أحكام النجوم على قاعدة العلم الطبيعي فإنه لا سبيل له إلى ذلك ، فإنا لا نتعلق من أقوالهم إلا بأحكام يحكمون بها من غير دليل ، نحو القول بحر الكواكب وبردها أو رطوبتها ، ويبوستها واعتدالها ، كقولهم : إن زحل بارد يابس ، والمشترى معتدل ، والاعتدال خير والافراط شر ، وينتجون من ذلك أن الخير يوجب سعادة ، والشر يوجب منحسة ، وما جانس ذلك مما لم يقل به علماء الطبيعيين ولم تنتجه مقدماتهم في أنظارهم ، وأنما الذى أنتجته هو أن الاجرام السماوية فعالة فيما تحويه وتشتمل عليه وتتحرك حوله فعلا على الاطلاق غير محدود بوقت ، ولا مقدر بتقدير ، والقائلون بالاحكام ادعوا حصول علمهم بذلك ، من توقيف وتجربة لا يطابق نظر الطبيعي . وإذا قلت بقول الطبيعي بحسب أنظاره أن المشترى سعد ، والمريخ نحس ، أو أن زحل

[ 206 ]

بارد يابس والمريخ حار يابس والحار والبارد من الملموسات ، وما دل على هذا المس وما استدل عليه بلمس كتأثيره فيما يلمسه ، فإن ذلك لم يظهر للحس في غير الشمس ، حيث تسخن الارض بشعاعها ، ولو كان في السمائيات شئ من طبائع الاضداد ، لكان الاولى أن تكون كلها حارة ، لان كواكبها كلها منيرة ومتى يقول الطبيعي بتقطيع الفلك وتقسيمه إلى أجزاء ، كما قسمه المنجمون قسمة وهمية إلى بروج ودرج ودقائق ، وذلك جائز للمتوهم ، كجواز غيره ، وليس بواجب في الوجود ولا حاصل ، فنقلوا ذلك التوهم الجائز إلى الوجود الواجب في أحكامهم ، وكان الاصل فيه على زعمهم حركة الشمس والايام والشهور ، فحصلوا منها قسمة وهميه وجعلوها كالحاصلة الوجودية المثمرة بحدود وخطوط ، كأن الشمس بحركتها من وقت إلى مثلة خطت في السماء خطوطا ، وأقامت فيها جدرا أو حدودا ، أو غيرت في أجزائها طباعا تغييرا يبقى ، فيتقى به القسمة إلى تلك الدرج والدقائق ، مع جواز الشمس عنها ، وليس في جوهر الفلك اختلاف يتميز به موضع عن موضع سوى الكواكب ، والكواكب تتحرك عن أمكنتها ، فبقيت الامكنة على التشابه ، فبماذا تتميز بروجه ودرجه ، ويبقى اختلافها بعد حركة المتحرك في سمتها ؟ وكيف يقيس الطبيعي على هذه الاصول وينتج منها نتائج ، ويحكم بحسبها أحكاما ؟ كيف له أن يقول بالحدود ، ويجعل خمس درجات من برج الكوكب وستا لاخر ، وأربعا لاخر ، ويختلف فيها البابليون والمصريون ، وجعلوا أرباب البيوت كأنها ملاك ، والبيوت كأنها أملاك ، تثبت لاربابها بصكوك وأحكام ، الاسد للشمس والسرطان للقمر ! وإذا نظر الناظر وجد الاسد أسدا من جهة كواكب شكلوها بشكل الاسد ، ثم انقلبت عن مواضعها وبقى الموضع أسدا ، وجعلوا الاسد للشمس ، وقد ذهبت منه الكواكب التى كان بها أسدا ، كأن ذلك الملك بيت للشمس ، مع انتقال الساكن ، وكذلك السرطان للقمر . * * *

[ 207 ]

ومن الدقائق في العلم النجومى الدرجات المدارة والغريبة والمظلمة والنيرة والزائدة في السعادة ودرجات الاثار ، من جهة أنها أجزاء الفلك ، إن قطعوها وما انقطعت ، ومع انتقال ما ينتقل من الكواكب إليها وعنها ، ثم انتجوا من ذلك نتائج أنظارهم من أعداد الدرج وأقسام الفلك ، فقالوا : إن الكوكب ينظر إلى الكواكب من ستين درجة نظر تسديس لانه سدس من الفلك ، ولا ينظر إليه من خمسين ولا من سبعين وقد كان قبل الستين بعشر درج ، وهو أقرب من ستين ، وبعدها بعشر درج ، وهو أبعد من ستين لا ينظر . فليت شعرى ما هذا النظر ! أترى الكواكب تظهر للكوكب ثم تحتجب عنه ، ثم شعاعه يختلط بشعاعه عند حد لا يختلط به قبله ولا بعده ! وكذلك التربيع ، من الربع الذى هو تسعون درجة ، والتثليث من الثلث الذى هو مائة وعشرون درجد ، فلم لا يكون التخميس والتسبيع والتعشير على هذا القياس ! ثم يقولون : الحمل حار يابس نارى ، والثور بارد يابس أرضى والجوزاء حار رطب هوائي ، والسرطان بارد رطب مائى ! ما قال الطبيعي هذا قط ، ولا يقول به . وإذا احتجوا وقاسوا كانت مبادئ قياساتهم الحمل برج ينقلب ، لان الشمس إذا نزلت فيه ينقلب الزمان من الشتاء إلى الربيع ، والثور برج ثابت ، لان الشمس إذا نزلت فيه ثبت الربيع على ربيعيته . والحق أنه لا ينقلب الحمل ولا يثبت الثور ، بل هما على حالهما في كل وقت . ثم كيف يبقى دهره منقلبا مع خروج الشمس منه وحلولها فيه ! أتراها تخلف فيه أثرا أو تحيل منه طباعا ، وتبقى تلك الاستحالة إلى أن تعود فتجددها ، ولم لا يقول قائل : إن السرطان حار يابس ، لان الشمس إذا نزلت فيه يشتد حر الزمان ، وما يجانس هذا مما لا يلزم لاهو ولا ضده ، فليس في الفلك اختلاف يعرفه الطبيعي ، إلا بما فيه من الكواكب وهو في نفسه

[ 208 ]

واحد متشابه الجوهر والطبع ، ولكنها أقوال قال بها قائل فقبلها قائل ، ونقلها ناقل ، فحسن فيها ظن السامع ، واغتر بها من لا خبرة له ولا قدرة له على النظر . ثم حكم بها الحاكمون بجيد ردئ ، وسلب وإيجاب ، وبت وتجوز ، فصادف بعضه موافقه الوجود فصدق ، فيعتبر به المعتبرون ، ولم يلتفتوا إلى ما كذب منه فيكذبوه ، بل عذروا وقالوا : إنما هو منجم ، وليس بنبى ، حتى يصدق في كل ما يقول ، واعتذروا له بأن العلم أوسع من أن يحيط به أحد ، ولو أحاط به أحد لصدق في كل شئ ! ولعمر الله أنه لو أحاط به علما صادقا لصدق ، والشأن في أن يحيط به على الحقيقة ، لا أن يفرض فرضا ، ويتوهم وهما فينقله إلى الوجود وينسب إليه ، ويقيس عليه . قال : والذى يصح من هذا العلم ويلتفت إليه العقلاء ، هي أشياء غير هذه الخرافات التى لا أصل لها ، فما حصل توقيف أو تجربة حقيقة كالقرانات والمقابلة ، فإنها أيضا من جملة الاتصالات ، كالمقارنة من جهة أن تلك غاية القرب وهذه غاية البعد ، ونحو ممر كوكب من المتحيرة ، تحت كوكب من الثابتة ، ونحوه ما يعرض للمتحيرة من رجوع واستقامة وارتفاع في شمال ، وانخفاض في جنوب ، وأمثال ذلك . فهذا كلام ابن ملكا كما تراه يبطل هذا الفن من وجه ، ويقول به من وجه . * * * وقد وقفت لابي جعفر محمد بن الحسين الصنعانى المعروف بالخازن ، صاحب كتاب زيج الصفائح على كلام في هذا الباب مختصر له سماه كتاب العالمين أنا ذاكره في هذا الموضع على وجهه ، لانه كلام لا بأس به ، قال : إن بعض المصدقين بأحكام النجوم وكل المكذبين بها ، قد زاغوا عن طريق الحق والصواب فيها ، فإن الكثير من المصدقين بها قد أدخلوا فيها ما ليس منها ، وادعوا ما لم يمكن إدراكه بها ، حتى كثر فيها خطؤهم ، وظهر كذبهم ، وصار ذلك سببا لتكذيب أكثر الناس بهذا العلم .

[ 209 ]

فأما المكذبون به فقد بلغوا من إنكار صحيحه ورد ظاهره إلى أن قالوا : إنه لا يصح منه شئ أصلا ، ونسبوا أهله إلى الرزق والاحتيال والخداع والتمويه ، فلذلك رأينا أن نبتدئ بتبيين صحة هذه الصناعة ليظهر فساد قول المكذبين لها بأسرها ، ثم نبين ما يمكن إدراكه بها ليبطل دعوى المدعين فيها ما يمتنع وجوده بها . أما الوجوه التى بها تصح صناعة الاحكام فهى كثيرة منها ما يظهر لجميع الناس من قبل الشمس ، فإن حدوث الصيف والشتاء وما يعرض فيهما من الحر والبرد والامطار والرياح ونبات الارض ، وخروج وقت الاشجار وحملها الثمار ، وحركة الحيوان إلى النسل والتوالد وغير ذلك ، مما يشاكله من الاحوال ، إنما يكون أكثر ذلك بحسب دنو الشمس من سمت الرؤوس في ناحية الشمال ، وتباعدها منه إلى ناحية الجنوب ، وبفضل قوة الشمس على قوة القمر ، وقوى سائر الكواكب ظهر ما قلنا لجميع الناس . وقد ظهر لهم أيضا من قبل الشمس في تغيير الهواء كل يوم ، عند طلوعها وعند توسطها السماء ، وعند غروبها ما لا خفاء به من الاثار . ومن هذه الوجوه ما يظهر للفلاحين والملاحين بأدنى تفقد للاشياء التى تحدث ، فإنهم يعلمون أشياء كثيرة من الاثار التى يؤثرها القمر وأنوار الكواكب الثابتة ، كالمد والجزر ، وحركات الرياح والامطار وأوقاتها عند الحدوث ، وما يوافق من أوقات الزراعات وما لا يوافق ، وأوقات اللقاح والنتاج . وقد يظهر من آثار القمر في الحيوان الذى يتوالد في الماء والرطوبات ما هو مشهور لا ينكر . ومنها جهات أخرى يعرفها المنجمون فقط على حسب فضل علمهم ، ودقه نظرهم في هذا

[ 210 ]

العلم ، وإذ قد وصفنا على سبيل الاجمال ما يوجب حقيقة هذا العلم ، فإنا نصف ما يمكن إدراكه به أو لا يمكن ، فنقول : لما كانت تغيرات الهواء ، إنما تحدث بحسب أحوال الشمس والقمر والكواكب المتحيرة والثابتة ، صارت معرفة هذه التغيرات قد تدرك من النجوم مع سائر ما يتبعها من الرياح والسحاب والامطار والثلج والبرد والرعد والبرق ، لان الاشياء التى تلى الارض وتصل إليها هذه الاثار من الهواء المحيط بها ، كانت الاعراض العامية التى تعرض في هذه الاشياء تابعة لتلك الاثار مثل كثرة مياه الانهار وقلتها ، وكثرة الثمار وقلتها وكثرة خصب الحيوان وقلته ، والجدوبة والقحط والوباء والامراض التى تحدث في الاجناس والانواع ، أو في جنس دون جنس ، أو في نوع دون نوع ، وسائر مايشا كل ذلك من الاحداث . ولما كانت أخلاق النفس تابعة لمزاج البدن ، وكانت الاحداث التى ذكرناها مغيرة لمزاج البدن ، صارت أيضا مغيرة للاخلاق ، ولان المزاج الاول الاصلى هو الغالب على الانسان في الامر الاكثر ، وكان المزاج الاصلى هو الذى طبع عليه الانسان في وقت كونه في الرحم ، وفي وقت مولده وخروجه إلى جو العالم صار وقت الكون ووقت المولد أدل الاشياء على مزاج الانسان ، وعلى أحواله التابعة للمزاج ، مثل خلقة البدن ، وخلق النفس والمرض والصحة ، وسائر ما يتبع ذلك ، فهذه الاشياء وما يشبهها من الامور التى لا تشارك شيئا من الافعال الارادية فيه مما يمكن معرفته بالنجوم ، وأما الاشياء التى تشارك الامور الارادية بعض المشاركة ، فقد يمكن أن يصدق فيها هذا العلم على الامر الاكثر ، وإذا لم يستعمل فيه الارادة جرى على ما تقود إليه الطبيعة . على أنه قد يعرض الخطاء والغلط لاصحاب هذه الصناعة من أسباب كثيرة ، بعضها يختص بهذه الصناعة دون غيرها ، وبعضها يعمها وغيرها من الصنائع .

[ 211 ]

فأما ما يعم فهو من قصور طبيعة الناس في معرفة الصنائع أيا كانت عن بلوغ الغاية فيها ، حتى لا يبقى وراءها غاية أخرى ، فكثرة الخطأ وقلته على حسب تقصير واحد فيها ، حتى لا يبقى وراءها غاية أخرى ، فكثرة الخطأ وقلته على حسب تقصير واحد واحد من الناس . وأما ما يخص هذه الصناعة فهو كثير ما يحتاج صاحبها إلى معرفته ، مما لا يمكنه أن يعلم كثيرا منه إلا بالحدس والتخمين ، فضلا عن لطف الاستنباط وحسن القياس ومما يحتاج إلى معرفة علم أحوال الفلك ، ومما يحدث في كل واحد من تلك الاحوال ، فإن كل واحد منها له فعل خاص ، ثم يؤلف تلك الاحوال بعضها مع بعض على كثرة فنونها واختلافاتها ، ليحصل من جميع ذلك قوة واحدة ، وفعل واحد يكون عنه الحادث في هذا العالم ، وذلك أمر عسير ، فمتى أغفل من ذلك شئ كان الخطأ الواقع بحسب الشئ الذى سها عنه وترك استعماله . ثم من بعد تحصيل ما وصفناه ينبغى أن يعلم الحال التى عليها يوافي في تلك القوة الواحدة الاشياء التى تعرض فيها تلك الاحداث ، كأنه مثلا إذا دل ما في الفلك على حدوث حر ، وكانت الاشياء التى يعرض فيها ما يعرض قد مر بها قبل ذلك حر ، فحميت وسخنت أثر ذلك فيها أثرا قويا ، فإن كان قد مر بها برد قبل ذلك ، أثر ذلك فيها أثرا ضعيفا ، وهذا شئ يحتاج إليه في جميع الاحداث التى تعمل في غيرها مما يناسب هذه المعرفة . وأما الاحداث التى تخص ناحية ناحية ، أو قوما قوما ، أو جنسا جنسا ، أو مولودا واحدا من الناس فيحتاج مع معرفتها إلى أن يعلم أيضا أحوال البلاد والعادات ، والاغذية والاوباء وسائر ما يشبه ذلك مما له فيه أثر وشركة ، مثل ما يفعل الطبيب في المعالجة ، وفى تقدمة المعرفة ، ثم من بعد تحصيل هذه الاشياء كلها ينبغى أن ينظر في الامر الذى قد استدل على حدوثه ، هل هو مما يمكن أن يرد أو يتلافى بما يبطله أو بغيره من جهة

[ 212 ]

الطب والحيل أم لا ؟ كأنه مثلا استدل على أنه يصيب هذا الانسان حرارإ يحم منها ، فينبغي أن يحكم بأنه يحم إن لم يتلاف تلك الحرارة بالتبريد ، فإنه إذا فعل ذلك أنزل الامور منازلها ، وأجراها مجاريها . ثم إن كان الحادث قويا لا يمكن دفعه ببعض ما ذكرنا ، فليس يلزم الحاجة إلى ما قلنا ، فإن الامر يحدث لا محالة ، وما قوى وشمل الناس ، فإنه لا يمكن دفعه ولا فسخه ، وإن أمكن فإنما يمكن في بعض الناس دون بعض . وأما أكثرهم فإنه يجرى أمره على ما قد شمل وعم ، فقد يعم الناس حر الصيف ، وإن كان بعضهم يحتال في صرفه بالاشياء التى تبرد وتنفى الحر . فهذه جملة ما ينبغى أن يعلم ويعمل عليه أمور هذه الصناعة . * * * قلت : هذا اعتراف بأن جميع الاحداث المتعلقة باختيار الانسان وغيره من الحيوان لا مدخل لعلم أحكام النجوم فيه ، فعلى هذا لا يصح قول من يقول منهم لزيد مثلا : إنك تتزوج أو تشترى فرسا ، أو تقتل عدوا أو تسافر إلى بلد ونحو ذلك ، وهو أكثر ما يقولونه ويحكمون به . وأما الامور الكلية الحادثة لا بإرادة الحيوان واختياره ، فقد يكون لكلامهم فيه وجه من الطريق التى ذكرها ، وهى تعلق كثير من الاحداث بحركة الشمس والقمر ، إلا أن المعلوم ضرورة من دين رسول الله صلى الله عليه وآله إبطال حكم النجوم وتحريم الاعتقاد بها والنهى والزجر عن تصديق المنجمين ، وهذا معنى قول أمير المؤمنين في هذا الفصل : (فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله) . ثم أردف

[ 213 ]

ذلك وأكده بقوله : كان يجب أن يحمد المنجم دون الباري تعالى ، لان المنجم هو الذى هدى الانسان إلى الساعة التى ينجح فيها ، وصده عن الساعة التى يخفق ويكدى فيها فهو المحسن إليه إذا والمحسن يستحق الحمد والشكر ، وليس للبارى سبحانه إلى الانسان في هذا الاحسان المخصوص ، فوجب ألا يستحق الحمد على ظفر الانسان بطلبه لكن القول بذلك والتزامه كفر محض .

[ 214 ]

(79) الاصل : ومن كلام له عليه السلام بعد فراغه من حرب الجمل في ذم النساء : معاشر الناس ، إن النساء نواقص الايمان ، نواقص الحظوظ ، نواقص العقول . فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن ، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين منهن كشهادة الرجل الواحد ، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال . فاتقوا شرار النساء ، وكونوا من خيارهن على حذر ، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر . * * * جعل عليه السلام نقصان الصلاة نقصانا في الايمان ، وهذا هو قول أصحابنا : إن الاعمال من الايمان ، وإن المقر بالتوحيد والنبوة ، وهو تارك للعمل ليس بمؤمن . وقوله عليه السلام : (ولا تطيعوهن في المعروف) ، ليس بنهي عن فعل المعروف ، وإنما هو نهى عن طاعتهن ، أي لا تفعلوه لاجل أمرهن لكم به ، بل افعلوه لانه معروف ، والكلام ينحو نحو المثل المشهور : لا تعط العبد كراعا فيأخذ ذراعا . وهذا الفصل كله رمز إلى عائشة ، ولا يختلف أصحابنا في أنها أخطأت فيما فعلت ثم تابت وماتت تائبة ، وأنها من أهل الجنة .

[ 215 ]

قال كل من صنف في السير والاخبار : إن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان ، حتى إنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فنصبته في منزلها ، وكانت تقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل ، وعثمان قد أبلى سنته . قالوا : أول من سمى عثمان نعثلا عائشة ، والنعثل : الكثير شعر اللحية والجسد ، وكانت تقول : اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا ! وروى المدائني في كتاب الجمل ، قال : لما قتل عثمان ، كانت عائشة بمكة ، وبلغ قتله إليها وهى بشراف ، فلم تشك في أن طلحة هو صاحب الامر ، وقالت : بعدا لنعثل وسحقا ! إيه ذا الاصبع ! إيه أبا شبل ! إيه يابن عم ! لكانى أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له : حثوا الابل ودعدعوها . قال : وقد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال ، وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ، ثم فسد أمره ، فدفعها إلى على بن أبى طالب عليه السلام . [ أخبار عائشة في خروجها من مكة إلى البصرة بعد مقتل عثمان ] وقال أبو مخنف لوط بن يحيى الازدي في كتابه : إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهى بمكة ، أقبلت مسرعة ، وهى تقول : إيه ذا الاصبع ! لله أبوك ، أما إنهم وجدوا طلحة لها كفوا . فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبى سلمة الليثى ، فقالت له : ما عندك ؟ قال : قتل عثمان ، قالت : ثم ماذا ؟ قال : ثم حارت بهم الامور إلى خير محار ، بايعوا عليا ، فقالت : لوددت أن السماء انطبقت على الارض إن تم هذا ، ويحك ! انظر ما تقول ! قال : هو ما قلت لك يا أم المؤمنين ، فولولت ، فقال لها : ما شأنك يا أم المؤمنين !

[ 216 ]

والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولا أحق ، ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته ، فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال : فما ردت عليه جوابا . قال . وقد روى من طرق مختلفه أن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهى بمكة ، قالت : أبعده الله ! ذلك بما قدمت يداه ، وما الله بظلام للعبيد . قال : وقد روى قيس بن أبى حازم أنه حج في العام الذى قتل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله ، فتحمل إلى المدينة ، قال : فسمعها تقول في بعض الطريق : إيه ذا الاصبع ! وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده الله ! حتى أتاها خبر بيعة على ، فقالت : لوددت أن هذه وقعت على هذه ، ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فردت معها ، ورأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها ، كأنها تخاطب أحدا : قتلوا ابن عفان مظلوما ! فقلت لها : يا أم المؤمنين ، ألم أسمعك آنفا تقولين : أبعده الله وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا ! فقالت : لقد كان ذلك ، ولكني نظرت في أمره ، فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه . قال : وروى من طرق أخرى أنها قالت لما بلغها قتله ، أبعده الله ! قتله ذنبه ، وأقاده الله بعمله ! يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان ، كما سام أحمر ثمود قومه ، إن أحق الناس بهذا الامر ذو الاصبع ، فلما جاءت الاخبار ببيعة على عليه السلام ، قالت : تعسوا تعسوا ! لا يردون الامر في تيم أبدا . كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهى بمكة كتابا : أن خذلى الناس عن بيعة على ، وأظهري الطلب بدم عثمان ، وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير ، فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان ، وكانت أم سلمة رضى الله عنها بمكة في ذلك العام ، فلما رأت صنع عائشة ، قابلتها بنقيض ذلك ، وأظهرت موالاة على عليه السلام ونصرته على مقتضى العداوة المركوزة في طباع الصرتين .

[ 217 ]

قال أبو مخنف : جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان ، فقالت لها : يا بنت أبى أمية ، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم لنا من بيتك ، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك ، فقالت أم سلمة : لامر ما قلت هذه المقالة ، فقالت عائشة : إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام ، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعى الزبير ، وطلحة ، فاخرجى معنا ، لعل الله أن يصلح هذا الامر على أيدينا بنا ، فقالت أم سلمة : إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان ، وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان اسمه عندك إلا نعثلا ، وإنك لتعرفين منزلة على بن أبى طالب عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، أفاذ كرك ؟ قالت : نعم ، قالت : أتذ كرين يوم أقبل عليه السلام ونحن معه ، حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال ، خلا بعلى يناجيه ، فأطال ، فأردت أن تهجمي عليهما ، فنهيتك فعصيتني ، فهجمت عليهما ، فما لبثت أن رجعت باكيد ، فقلت : ما شأنك ؟ فقلت : إنى هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلى ، ليس لى من رسول الله إلا يوم من تسعة ، أيام ، أفما تدعني يابن أبى طالب ويومى ! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ، وهو غضبان محمر الوجه ، فقال : ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتى ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الايمان ، فرجعت نادمة ساقطة ! قالت عائشة : نعم أذكر ذلك . قالت : وأذكرك أيضا ، كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت تغسلين رأسه ، وأنا أحيس له حيسا ، وكان الحيس (1) يعجبه ، فرفع رأسه ، وقال : (يا ليت شعرى ، أيتكن صاحبة الجمل الا ذنب ، تنبحها كلاب الحوءب ، فتكون ناكبة


(1) الحيس : تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن ويدلك حتى تمتزج ثم يندر نواه . (*)

[ 218 ]

عن الصراط !) ، فرفعت يدى من الحيس ، فقلت : أعوذ بالله وبرسوله من ذلك ، ثم ضرب على ظهرك ، وقال : (إياك أن تكونيها) ، ثم قال : (يا بنت أبى أمية إياك أن تكونيها يا حميراء ، أما أنا فقد أنذرتك) ، قالت عائشة : نعم ، أذكر هذا . قالت : وأذ كرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر له ، وكان على يتعاهد نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخصفها (1) ، ويتعاهد أثوابه فيغسلها ، فنقبت (2) له نعل ، فأخذها يومئذ يخصفها ، وقعد في ظل سمرة ، وجاء أبوك ومعه عمر ، فاستأذنا عليه ، فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحادثانه فيما أراد ، ثم قالا : يارسول الله ، إنا لا ندرى قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون لنا بعدك مفزعا ؟ فقال لهما : أما إنى قد أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم عنه ، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران ، فسكتا ثم خرجا ، فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت له ، وكنت أجرا عليه منا : من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال : خاصف النعل ، فنظرنا فلم نرأحدا إلا عليا ، فقلت : يارسول الله ، ما أرى إلا عليا فقال هو ذاك ، فقالت عائشة : نعم ، أذكر ذلك ، فقالت : فأى خروج تخرجين بعد هذا ؟ فقالت : إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجو فيه الاجر إن شاء الله ، فقالت : أنت ورأيك . فانصرفت عائشة عنها ، وكتبت أم سلمة بما قالت وقيل لها إلى على عليه السلام . فإن قلت : فهذا نص صريح في إمامة على عليه السلام ، فما تصنع أنت وأصحابك المعتزلة به ؟ قلت : كلا إنه ليس بنص كما ظننت ، لانه صلى الله عليه وآله لم يقل : قد استخلفته ، وإنما قال : (لو قد استخلفت أحدا لاستخلفته) وذلك لا يقتضى حصول الاستخلاف ،


(1) خصف النعل : حرزها . (2) نقبت النقل : ثقبت . (*)

[ 219 ]

ويجوز أن تكون مصلحة المكلفين متعلقة بالنص عليه لو كان النبي صلى الله عليه وآله مأمورا بأن ينص على إمام بعينه من بعده ، وأن يكون من مصلحتهم أن يختاروا لانفسهم من شاءوا إذا تركهم النبي صلى الله عليه وآله وآراءهم ولم يعين أحدا . * * * وروى هشام بن محمد الكلبى في كتاب الجمل أن أم سلمة كتبت إلى على عليه السلام من مكة : أما بعد ، فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضلالة ، يريدون أن يخرجوا بعائشه إلى البصرة ومعهم عبد الله بن عامر بن كريز ، ويذكرون أن عثمان قتل مظلوما ، وإنهم يطلبون بدمه ، والله كافيهم بحوله وقوته ، ولو لا مانهانا الله عنه من الخروج ، وأمرنا به من لزوم البيت لم أدع الخروج إليك ، والنصرة لك ، ولكني باعثه نحوك ابني ، عدل (1) نفسي عمر بن أبى سلمة ، فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا . قال : فلما قدم عمر على على السلام أكرمه ، ولم يزل مقيما معه حتى شهد مشاهده كلها ، ووجهه أميرا على البحرين . وقال لابن عم له : بلغني أن عمر يقول الشعر ، فابعث إلى من شعره ، فبعث إليه بأبيات له أولها : جزتك أمير المؤمنين قرابة * رفعت بها ذكرى جزاء موفرا . فعجب على عليه السلام من شعره واستحسنه . [ كتاب أم سلمة إلى عائشة ] ومن الكلام المشهور الذى قيل : إن أم سلمة رحمها الله ، كتبت به إلى عائشة : إنك جنه بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أمته ، وإن الحجاب دونك لمضروب على حرمته ، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه ، وسكن عقيراك فلا تصحريها ، لو أذكرتك قولة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفينها لنهشت بها نهش الرقشاء المطرقة . ما كنت


(1) عدل نفسي : مثلها . (*)

[ 220 ]

قائله لرسول الله صلى الله عليه وآله لو لقيك ناصة قلوص قعودك من منهل إلى منهل قد تركت عهيداه ، وهتكت ستره ، إن عمود الدين لا يقوم بالنساء ، وصدعه لا يرأب بهن ، حماديات النساء خفض الاصوات وخفر الاعراض ، اجعلي قاعدة البيت قبرك حتى تلقينه ، وأنت على ذلك . فقالت عائشة : ما أعرفني بنصحك ، وأقبلني لوعظك ! وليس الامر حيث تذهبين ، ما أنا بعمية عن رأيك ، فإن أقم ففى غير حرج ، وإن أخرج ففى إصلاح بين فئتين من المسلمين . وقد ذكر هذا الحديث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه المصنف في غريب الحديث في باب أم سلمة ، على ما أورده عليك ، قال : لما أرادت عائشة الخروج إلى البصرة ، أتتها أم سلمة ، فقالت لها : إنك سدة بين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أمته ، وحجابك مضروب على حرمته ، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه ، وسكن عقيراك فلا تصحريها ، الله من وراء هذه الامة ، لو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعهد إليك عهدا علت علت ، بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد ، إن عمود الاسلام لا يثاب بالنساء إن مال ، ولا يرأب بهن إن صدع ، حماديات النساء غض الاطراف وخفر الاعراض وقصر الوهازة ، ما كنت قائلة لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله عارضك بعد الفلوات ، ناصة قلوصا ، من منهل إلى آخر ، إن بعين الله مهواك ، وعلى رسوله تردين ، وقد وجهت سدافته - ويروى سجافته - وتركت عهيداه . لوسرت مسيرك هذا ثم قيل لى : ادخلي الفردوس لاستحييت أن القى محمدا صلى الله عليه وسلم هاتكه حجابا ، وقد ضربه على ، اجعلي حصنك بيتك ، ووقاعة الستر قبرك ، حتى تلقينه ، وأنت على تلك أطوع ما تكونين لله

[ 221 ]

بالرقبة ، وأنصر ما تكون للدين ما حلت عنه . لو ذكرتك قولا تعرفينه لنهشت به نهش الرقشاء المطر قد . فقالت عائشة : ما أقبلنى لوعظك ! وليس الامر كما تظنين ، ولنعم المسير مسير فزعت فيه إلى فئتان متناجزتان - أو قالت متناحرتان - إن أقعد ففى غير حرج وإن أخرج فإلى ما لابد لى من الازدياد منه . تفسير غريب هذا الخبر السدة : الباب ، ومنه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ذكر أول من يرد عليه الحوض ، فقال : الشعث رءوسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا تفتح لهم السدد ، ولا ينكحون المتنعمات . وأرادت أم سلمة أنك باب بين النبي صلى الله عليه وآله وبين الناس ، فمتى أصيب ذلك الباب بشئ فقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله في حرمه وحوزته ، واستبيح ما حماه ، تقول : فلا تكوني أنت سبب ذلك بالخروج الذى لا يجب عليك ، فتحوجى الناس إلى أن يفعلوا ذلك . وهذا مثل قول نعمان بن مقرن للمسلمين في غزاة نهاوند : ألا وإنكم باب بين المسلمين والمشركين ، إن كسر ذلك الباب دخل عليهم منه . وقولها : (قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه) ، أي لا تفتحيه ولا توسعيه بالحركة والخروج ، يقال : ندحت الشئ إذا وسعته ، ومنه يقال : فلان في مندوحة عن كذا ، أي في سعة ، تريد قول الله تعالى : (وقرن في بيوتكن) (1) . ومن روى (تبدحيه) بالباء فإنه من البداح وهو المتسع من الارض ، وهو معنى الاول . وسكن عقيراك ، من عقر الدار وهو أصلها ، أهل الحجاز يضمون العين ، وأهل نجد يفتحونها ، وعقير اسم مبنى من ذلك على صيغة التصغير ، ومثله مما جاء مصغرا (الثريا) و (الحميا) وهو سورة الشراب . قال ابن قتيبة : ولم أسمع (بعقيرا) إلا في هذا الحديث .


(1) سورة الاحزاب 33 . (*)

[ 222 ]

قولها : (فلا تصحريها) ، أي لا تبرزيها وتجعليها بالصحراء ، يقال أصحر ، كما يقال : أنجد وأسهل وأحزن . وقولها : (الله من وراء هذه الامة) ، أي محى 4 ط بهم وحافظ لهم وعالم بأحوالهم ، كقوله تعالى : (والله من ورائهم محيط) (1) قولها : (لو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الجواب محذوف ، أي لفعل ولعهد ، وهذا كقوله تعالى : (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض) (2) ، أي لكان هذا لقرآن . قولها : (علت علت) ، أي جرت في هذا الخروج ، وعدلت عن الجواب ، والعول : الميل والجور ، قال تعالى : (ذلك أدنى ألا تعولوا (3)) ، ومن الناس من يرويه (علت علت) بكسر العين ، أي ذهبت في البلاد وأبعدت السير ، يقال : عال فلان في البلاد أي ذهب وأبعد ، ومنه قيل للذئب : عيال . قولها : (عن الفرطة في البلاد) ، أي عن السفر والشخوص ، من الفرط وهو السبق والتقدم ، ورجل فارط : أتى الماء ، أي سابق . قولها : (لا يثاب بالنساء) ، أي لايرد بهن إن مال إلى استوائه ، من قولك : ثاب فلان إلى كذا ، أي عاد إليه . قولها : (ولا يرأب بهن إن صدع) ، أي لا يسد بهن ، ولا يجمع ، والصدع الشق ، ويروى : (إن صدع) بفتح الصاد والدال ، أجروه مجرى قولهم ، جبرت العظم فجبر . قولها : (حماديات النساء) ، يقال : حماداك أن تفعل كذا ، مثل (قصاراك أن تفعل كذا) أي جهدك وغايتك .


(1) سورج البروج 85 . (2) سورة الرعد 31 . (3) سورة النساء 3 . (*)

[ 223 ]

وغض الاطراف ، جمعها ، وخفر الاعراض ، الخفر : الحياء ، والاعراض ، جمع عرض وهو الجسد ، يقال : فلان طيب العرض أي طيب ريح البدن ، ومن رواه (الاعراض) بكسر الهمزة جعله مصدرا ، من أعرض عن كذا . قولها : (وقصر الوهازة) ، قال ابن قتيبة : سألت عن هذا فقال لى من سألته : سألت عنه أعرابيا فصيحا فقال : الوهازة : الخطوة ، يقال للرجل . إنه لمتوهز ومتوهر ، إذ وطئ وطئا ثقيلا . قولها : (ناصة قلوصا) ، أي رافعة لها في السير ، والنص الرفع ، ومنه يقال : حديث منصوص ، أي مرفوع ، والقلوص من النوق الشابة وهى بمنزلة الفتاة من النساء . والمنهل : الماء ترده الابل . قولها : (إن بعين الله مهواك) ، أي إن الله يرى سيرك وحركتك ، والهوى الانحدار في السير من النجد إلى الغور . قولها : (وعلى رسوله تردين) ، أي تقدمين في القيامة . قولها : (وقد وجهت سدافته) ، السدافة : الحجاب والستر ، هي من أسدف الليل إذا ستر بظلمته ، كأنه أرخى ستورا من الظلام ، ويروى بفتح السين ، وكذلك القول في سجافتة : إنه يروى بكسر السين وفتحها ، والسدافة والسجافة بمعنى . ووجهت ، أي نظمتها بالخرز ، والوجيهة : خرزة معروفة ، وعادة العرب أن تنظم على المحمل خرزات إذا كان للنساء . قولها : (وتركت عهيداه) ، لفظة مصغرة مأخوذة من العهد مشابهد لما سلف من قولها : (عقيراك) و (حماديات النساء) . قولها (ووقاعة الستر) أي موقعه على الارض إذا أرسلته ، وهى الموقعة أيضا ، وموقعة الطائر .

[ 224 ]

قولها : (حتى تلقينه وأنت على تلك) ، أي على تلك الحال فحذف . قولها : (أطوع ما تكونين لله إذا لزمته) أطوع : مبتدأ وإذا لزمته : خبر المبتدأ ، والضمير في لزمته راجع إلى العهد والامر الذى أمرت به . قولها : (لنهشت به ، نهش الرقشاء المطرقة) ، أي لعضك ونهشك ما إذكره لك وأذكرك به كما تنهشك أفعى رقشاء ، والرقش في ظهرها ، هو النقط والجرادة أيضا رقشاء ، قال النابغة : فبت كانى ساورتني ضئيلة * من الرقش في أنيابها السم ناقع (1) . والافعى يوصف بالاطراق ، وكذلك الاسد والنمر والرجل الشجاع ، وكان معاوية يقول في على عليه السلام : الشجاع المطرق ، وقال الشاعر وذكر أفعى : أصم أعمى ما يجيب الرقى * من طول إطراق وإسبات (2) قولها : (فئتان متناجزتان) ، أي تسرع كل واحدة منهما إلى نفوس الاخرى ، ومن رواه (متناحرتان) أراد الحرب وطعن النحور بالاسنة ، ورشقها بالسهام . وفزعت إلى فلان في كذا ، إى لذت به والتجات إليه . وقولها : (إن أقعد ففى غير حرج) أي في غير إثم وقولها : فإن أخرج فإلى ما لا بدلى من الازدياد منه كلام من يعتقد الفضيلة في الخروج ، أو يعرف موقع الخطا ويصر عليه . * * * لما عزمت عائشة ، على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيرا أيدا يحمل هودجها ، فجاءهم يعلى بن أمية ببعيره المسمى عسكرا ، وكان عظيم الخلق شديدا ، فلما رأته أعجبها ، وأنشأ الجمال يحدثها بقوته وشدته ، ويقول في أثناء كلامه : (عسكر) ، فلما سمعت هذه اللفظة ، استرجعت ، وقالت : ردوه لا حاجة لى فيه ، وذ كرت حيث سئلت أن رسول الله


(1) ديوان : 51 (2) اللسان 2 : 342 ، من غبر نبسه . (*)

[ 225 ]

صلى الله عليه وآله ذكر لها هذا الاسم ، ونهاها عن ركوبه ، وأمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه ، فغير لها بجلال غير جلاله ، وقيل لها : قد أصبنا لك أعظم منه خلقا ، وأشد قوة ، وأتيت به فرضيت . قال أبو مخنف : وأرسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير معها (1) ، فبلغ ذلك عبد الله ابن عمر ، فأتى أخته فعزم عليها ، فأقامت وحطت الرحال بعد ماهمت . كتب الاشتر من المدينة إلى عائشة وهى بمكة ، أما بعد فإنك ظعينة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد أمرك أن تقرى في بيتك ، فإن فعلت فهو خير لك ، فإن أبيت إلا أن تأخذي منسأتك ، وتلقى جلبابك ، وتبدى للناس شعيراتك ، قاتلتك حتى أردك إلى بيتك ، والموضع الذى يرضاه لك ربك . فكتبت إليه في الجواب : أما بعد فإنك أول العرب شب الفتنة ، ودعا إلى الفرقة وخالف الائمة ، وسعى في قتل الخليفة ، وقد علمت أنك لن تعجز الله حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم ، وقد جاءني كتابك ، وفهمت ما فيه ، وسيكفينيك الله ، وكل من أصبح مماثلا لك في ضلالك وغيك ، إن شاء الله . وقال أبو مخنف : لما انتهت عائشة في مسيرها إلى الحواب وهو ماء لبنى عامر بن صعصعة ، نبحتها الكلاب ، حتى نفرت صعاب إبلها ، فقال قائل من أصحابها : ألا ترون ، ما أكثر كلاب الحواب ، وما أشد نباحها ! فأمسكت زمام بعيرها ، وقالت : وإنها لكلاب الحوأب ردوني ردوني ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول . . . وذ كرت الخبر ، فقال لها قائل : مهلا يرحمك الله ! فقد جزنا ماء الحوأب ، فقالت : فهل من شاهد ؟ فلفقوا لها خمسين أعرابيا ، جعلوا لهم جعلا ، فحلفوالها (1) إن هذا ليس بماء الحوأب ، فسارت لوجهها . لما انتهت عائشة وطلحة والزبير إلى حفر (2) أبى موسى قريبا من البصرة ، أرسل


(1) ساقطة من ب . (2) ضبطه صاحب مراصد الاطلاع بالفتح ثم السكون ، وقال : (على جادة البصرة إلى مكة) . (*)

[ 226 ]

عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل على عليه السلام على البصرة - إلى القوم أبا الاسود الدؤلى يعلم له (1) علمهم ، فجاء حتى دخل على عائشة ، فسألها عن مسيرها ، فقالت : أطلب بدم عثمان ، قال : إنه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد ، قالت : صدقت ، ولكنهم مع على بن أبى طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم ! فقال لها : ما أنت من السوط والسيف ! إنما أنت حبيس رسول الله صلى الله عليه وآله ، أمرك أن تقرى في بيتك ، وتتلى كتاب ربك ، وليس على النساء قتال ، ولا لهن الطلب بالدماء ، وإن عليا لاولى بعثمان منك ، وأمس رحما ، فإنهما ابنا عبد مناف ، فقالت : لست بمنصرفة حتى أمضى لما قدمت له ، أفتظن يا أبا الاسود أن أحدا يقدم على قتالي ! قال : أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد . ثم قام فأتى الزبير ، فقال . يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك ، وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك ، تقول : لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبى طالب ، وأين هذا المقام من ذاك ! فذكر له دم عثمان ، قال : أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا ! قال : فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول ، فذهب إلى طلحة ، فوجده سادرا في غية ، مصرا على الحرب والفتنة ، فرجع إلى عثمان بن حنيف ، فقال : إنها الحرب ، فتاهب لها ! لما نزل على عليه السلام بالبصرة ، كتبت (1) عائشة إلى زيد بن صوحان العبدى : من عائشة بنت أبى بكر الصديق زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان ، أما بعد فأقم في بيتك ، وخذل الناس عن على ، وليبلغني عنك ما أحب ، فإنك أوثق أهلى عندي ، والسلام . فكتب إليها : من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبى بكر ، أما بعد فإن الله أمرك بأمر وأمرنا بأمر ، أمرك أن تقرى في بيتك ، وأمرنا أن نجاهد ، وقد أتانى كتابك ،


(1) كذا في ا ، وفى ب : (ولهم) . (2) كذا في ا ، وفى ب : (فكتبت) .

[ 227 ]

فأمرتني أن أصنع خلاف ما أمرني الله ، فأكون قد صنعت ما أمرك الله به ، وصنعت ما أمرني الله به ، فأمرك عندي غير مطاع ، وكتابك غير مجاب ، والسلام . روى هذين الكتابين شيخنا أبو عثمان عمرو بن بحر ، عن شيخنا أبى سعيد الحسن البصري . * * * وركبت عائشة يوم الحرب الجمل المسمى عسكرا في هودج ، قد ألبس الرفرف ، ثم ألبس جلود النمر ، ثم ألبس فوق ذلك دروع الحديد . الشعبى ، عن مسلم بن أبى بكرة عن أبيه أبى بكرة ، قال : لما قدم طلحة والزبير البصرة ، تقلدت سيفى ، وأنا أريد نصرهما ، فدخلت على عائشة ، وإذا هي تأمر وتنهى ، وإذا الامر أمرها ، فذكرت حديثا كنت سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (لن يفلح قوم تدبر أمرهم امرأة) ، فانصرفت واعتزلتهم . وقد روى هذا الخبر على صورة أخرى : (أن قوما يخرجون بعدى في فئة ، رأسها امرأة ، يفلحون أبدا) . كان الجمل لواء عسكر البصرة لم يكن لواء غيره . * * * خطبت عائشة والناس قد أخذوا مصافهم للحرب ، فقالت : أما بعد فإنا كنا نقمنا على عثمان ضرب السوط ، وإمرة الفتيان ، ومرتع السحابة المحمية ، ألا وإنكم استعتبتموه فأعتبكم ، فلما مصتموه (1) كما يماص الثوب الرحيض (2) عدوتم عليه ، فارتكبتم منه دما حراما ، وايم الله إن كان لاحصنكم فرجا ، وأتقاكم لله . * * *


(1) الموص : الغسل ، كذا فسره صاحب اللسان ، واستشهد بقول عائشة . (2) الرحيض : المغسول ، وانظر النهاية لابن الاثير 1 : 72 (*)

[ 228 ]

خطب على عليه السلام لما تواقف الجمعان ، فقال : لا تقاتلوا القوم حتى يبدء وكم ، فإنكم بحمد الله على حجة ، كفكم عنهم حتى يبدء وكم حجة أخرى ، وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح ، وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ، ولا تدخلوا دارا ، ولا تأخذوا من أموالهم شيئا ، ولا تهيجوا امرأة بأذى ، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم ، فإنهن ضعاف القوى (1) ، والانفس والعقول ، لقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات ، وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والجريدة ، فيعير بها وعقبه من بعده . * * * قتل بنو ضبة حول الجمل فلم يبق فيهم إلا من لا نفع عنده ، وأخذت الازد بخطامه ، فقالت عائشة : من أنتم ؟ قالوا : الازد ، قالت : صبرا ، فإنما يصبر الاحرار ، مازلت أرى النصر مع بنى ضبد ، فلما فقدتهم أنكرته . فحرضت الازد بذلك ، فقاتلوا قتالا شديدا ، ورمى الجمل بالنبل حتى صارت القبة عليه كهيئة القنفذ . * * * قال على عليه السلام لما فنى الناس على خطام الجمل ، وقطعت الايدى ، وسالت النفوس : ادعوا لى الاشتر وعمارا ، فجاءا ، فقال : اذهبا فاعقرا هذا الجمل ، فإن الحرب لا يبوخ (2) ضرامها مادام حيا ، إنهم قد اتخذوه قبلة ، فذهبا ومعهما فتيان من مراد ، يعرف أحدهما بعمر بن عبد الله ، فما زالا يضربان الناس حتى خلصا إليه ، فضربه المرادى على عرقوبيه ، فأقعى وله رغاء ، ثم وقع لجنبه ، وفر الناس من حوله ، فنادى على عليه السلام : اقطعوا


(1) في ب : (القوم) ، وما أثبته من ا (2) لايبوخ : لا يخمد . (*)

[ 229 ]

أنساع الهودج ، ثم قال لمحمد بن أبى بكر : اكفني أختك ، فحملها محمد حتى أنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعى . * * * بعث على عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة ، قال : فأتيتها (1) ، فدخلت عليها ، فلم يوضع لى شئ أجلس عليه ، فتناولت وسادة كانت في رحلها ، فقعدت عليها ، فقالت : يابن عباس ، أخطأت السند ، قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا ! فقلت : ليس هذا بيتك الذى أمرك الله أن تقرى فيه ، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلا بإذنك ، ثم قلت : إن أمير المؤمنين أرسلني إليك يأمرك بالرحيل إلى المدينة ، فقالت : وأين أمير المؤمنين ! ذاك عمر ، فقلت : عمر وعلى ، قالت : أبيت ! قلت : أما والله ما كان أبوك إلا قصير المدة عظيم المشقة ، قليل المنفعة ، ظاهر الشؤم بين النكد ، وما عسى أن يكون أبوك ! والله ما كان أمرك إلا كحلب شاة حتى صرت لا تأمرين ولا تنهين ، ولا تأخذين ولا تعطين ، وما كنت إلا كما قال أخو بنى أسد : ما زال إهداء الصغائر بيننا * نث الحديث وكثرة ، الالقاب (2) حتى نزلت كان صوتك بينهم * في كل نائبة طنين ذباب . قال : فبكت حتى سمع نحيبها من وراء الحجاب ، ثم قالت : إنى معجلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله تعالى ، والله مامن بلد أبغض إلى من بلد أنتم فيه ، قلت : ولم ذاك ! فوالله لقد جعلناك للمؤمنين أما ، وجعلنا أباك صديقا ، قالت : يابن عباس ، أتمن على برسول الله ؟ قلت : مالى لا أمن عليك بمن لو كان منك لمننت به على ! ثم أتيت عليا عليه السلام فأخبرته بقولها وقولى ، فسر بذلك ، وقال لى : (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (3) ، وفى رواية ، أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك .


(1) ب (فلقيتها) ، وما أثبته من (2) البيتان في المضاف والمنسوب 397 ، ونسبها إلى حضرى بن عامر . (3) سورة آل عمران 34 . (*)

[ 230 ]

(80) الاصل : ومن كلام له عليه السلام : أيها الناس ، الزهادة قصر الامل ، والشكر عند النعم ، والتورع عند المحارم ، فإن عزب ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ، ولا تنسوا عند النعم شكركم ، فقد أعذر الله إليكم بحجج مسفرة ظاهرة ، وكتب بارزة ، العذر واضحة . * * * الشرح : فسر عليه السلام لفظ الزهادة ، وهى الزهد ، بثلاثة أمور وهى : قصر الامل ، وشكر النعمة ، والورع عن المحارم ، فقال : لا يسمى الزاهد زاهدا حتى يستكمل هذه الامور الثلاثة ، ثم قال : (فإن عزب ذلك عنكم) ، أي بعد ، فأمران من الثلاثة لابد منهما ، وهما الورع وشكر النعم ، جعلهما آكد وأهم من قصر الامل . واعلم أن الزهد في العرف المشهور هو الاعراض عن متاع الدنيا وطيباتها ، لكنه لما كانت الامور الثلاثة طريقا موطئة إلى ذلك أطلق عليه السلام لفظ الزهد عليها على وجه المجاز . وقوله : (فقد أعذر الله إليكم) أي بالغ ، يقال : أعذر فلان في الامر أي بالغ فيه ، ويقال : ضرب فلان فأعذر ، أي أشرف على الهلاك ، وأصل اللفظة من العذر ، يريد أنه

[ 231 ]

قد أوضح لكم بالحجج النيرة المشرقة ما يجب اجتنابه ، وما يجب فعله ، فإن خالفتم استوجبتم العقوبة ، فكان له في تعذيبكم العذر * * * [ الاثار والاخبار الواردة في الزهد ] والاثار الواردة في الزهد كثيرة : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : (أفلح الزاهد في الدنيا ، حظى بعز العاجلة وبثواب الاخرة) وقال صلى الله عليه وآله : (من أصبحت الدنيا همه وسدمه ، نزع الله الغنى من قلبه ، وصير الفقر بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن أصبحت الاخرة همه وسدمه ، نزع الله الفقر عن قلبه ، وصير الغنى بين عينيه ، وأتته الدنيا وهى راغمة) . وقال عليه السلام للضحاك بن سفيان : ما طعامك ؟ قال : اللحم واللبن ، قال : ثم يصير إلى ماذا ؟ قال : إلى ما علمت ، قال : فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا . وكان الفضيل بن عياض يقول لاصحابه إذا فرغ من حديثه : انطلقوا حتى أريكم الدنيا ، فيجئ بهم إلى المزبلة ، فيقول : انظروا إلى عنبهم وسمنهم ودجاجهم وبطهم ! صار إلى ما ترون . ومن الكلام المنسوب إلى المسيح عليه السلام : الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها . سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله سبحانه : (فمن يرد الله أن يهديه

[ 232 ]

يشرح صدره للاسلام) (1) فقال : إذا دخل النور القلب انفسح ، فذلك شرح الصدر ، فقيل : أفلذلك علامة يعرف بها ؟ قال : نعم ، الانابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله . قالوا : أوحى الله تعالى إلى نبى من الانبياء : اتخذ الدنيا ظئرا ، واتخذ الاخرة أما . الشعبى : ما أعلم لنا وللدنيا مثلا إلا قول كثير : أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت . بعض الصالحين : المستغنى عن الدنيا بالدنيا ، كالمطفئ النار بالتبن . وفى بعض الكتب القديمة الالهية : قال الله للدنيا : من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه . دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم ، وعليه مدرعة من صوف ، فقال : ما هذه ؟ فسكت ، فأعاد عليه السؤال ، فقال : أكره أن أقول : زهدا فأزكى نفسي ، أو فقرا فأشكو ربى . قيل في صفة الدنيا والاخرة : هما كضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الاخرى . قيل لمحمد بن واسع : إنك لترضى بالدون ، قال : إنما رضى بالدون من رضى بالدنيا . خطب أعرابي كان عاملا لجعفر بن سليمان على ضرية يوم جمعة خطبة لم يسمع أوجز منها ولا أفصح ، فقال : إن الدنيا دار بلاغ ، وإن الاخرة دار قرار ، فخذوا من ممركم لمستقركم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه ، أسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها جئتم ، ولغيرها خلقتم ، إن المرء إذا هلك قال الناس : ما ترك ؟ وقالت الملائكة : ما قدم ؟ فلله آثاركم ! قدموا بعضا يكن لكم ،


(1) سورة الانعام 125 . (*)

[ 233 ]

ولا تؤخروا كلا فيكون عليكم ، أقول قولى هذا ، وأستغفر الله ، والمدعو له الخليفة ، ثم الامير جعفر . ونزل . أبو حازم الاعرج : الدنيا كلها غموم ، فما كان فيها سرورا فهو ربح . محمد بن الحنفية : من عزت عليه نفسه هانت عليه الدنيا . قيل لعلى بن الحسين عليه السلام : من أعظم الناس خطرا ؟ قال : ملم ير الدنيا لنفسه خطرا . قال المسيح عليه السلام لاصحابه : حب الدنيا رأس كل خطيئة ، واقتناء المال فيها داء عظيم ، قالوا له : كيف ذلك ؟ قال : لا يسلم صاحبه من البغى والكبر ، قيل : فإن سلم منهما ، قال : يشغله إصلاحه عن ذكر الله . أشرف أبو الدرداء على أهل دمشق ، فقال : يا أهل دمشق تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون وتأملون ما لا تدركون ! أين من كان قبلكم ؟ بنوا شديدا ، وأملوا بعيدا ، وجمعوا كثيرا ، فأصبحت مساكنهم قبورا ، وجمعهم بورا ، وأملهم غرورا . قال المأمون : لو سئلت الدنيا عن نفسها لم تسطع أن تصف نفسها بأحسن من قول الشاعر : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في ثياب صديق (1) وقال رجل : يارسول الله ، كيف لى أن أعلم أمرى ؟ قال : (إذا أردت شيئا من أمور الدنيا فعسر عليك ، فاعلم أنك بخير ، وإذا أردت شيئا من أمر الدنيا فيسر لك ، فاعلم أنه شر لك) . قال رجل ليونس بن عبيد : إن فلانا يعمل بعمل الحسن البصري ، فقال : والله ما أعرف أحدا يقول بقوله ، فكيف يعمل بعمله ؟ قيل : فصفه لنا ، قال : كان إذا أقبل


(1) لابي نواس . ديوانه 192 (*)

[ 234 ]

فكأنه أقبل من دفن حبيب ، وإذا جلس فكأنه أسير أجلس لضرب عنقه ، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له . وقال بعض الصالحين لرجل : يا فلان ، هل أنت على حال أنت فيها مستعد للموت ؟ قال : لا ، قال فهل أنت عالم بأنك تنتقل إلى حال ترضى به ؟ قال : لا ، قال : أفتعلم بعد الموت دارا فيها مستعتب (1) ؟ قال : لا ، قال : أفتأمن الموت أن يأتيك صباحا أو مساء ؟ قال : لا ، دارا فيها مستعتب (1) ؟ قال : لا ، قال : أفتأمن الموت أن يأتيك صباحا أو مساء ؟ قال : لا ، قال : أفيرضى بهذه الحال عاقل ! وقال أبو الدرداء : أضحكتني ثلاث ، وأبكتني ثلاث : أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وضاحك ملء فيه لا يدرى أراض عنه الله أم ساخط ! وأبكانى فراق محمد وحزبه ، وأبكانى هول الموت ، وأبكانى هول الموقف ، يوم تبدو السرائر حين لاأدرى أيؤخذ بى إلى جنة أم إلى نار ! وكان عبد الله بن صغير يقول : أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار ! وكان يقال : من أتى الذنب ضاحكا ، دخل النار باكيا . وكان مالك بن دينار يقول : وددت أن رزقي في حصاة أمصها حتى أبول فلقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييت من ربى . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما ليس به بأس حذرا عما به البأس) وقال المسيح عليه السلام بحق أقول لكم ، إن من طلب الفردوس ، فخبز الشعير ، والنوم على المزابل مع الكلاب ، له كثير . وأوصى ابن محرز رجلا فقال : إن استطعت أن تعرف ولا تعرف ، وتسأل ولا تسأل ، وتمشى ولا يمشى إليك فافعل .


(1) مستعتب : رضا . (*)

[ 235 ]

وقال على عليه السلام : طوبى لمن عرف الناس ولم يعرفوه ، تعجلت له منيته ، وقل تراثه ، وفقد باكياته . وكان يقال : في الجو ثلاث خصال : حياة للقلب ، ومذلة للنفس ، ويورث العقل الدقيق . . . . (1) وقال رجل لابراهيم بن أدهم أريد أن تقبل منى دراهم ، قال : إن كنت غنيا قبلتها منك ، وإن كنت فقيرا لم أقبلها ، قال : فإنى غنى ، قال : كم تملك ؟ قال : ألفى درهم ، قال : أفيسرك أن تكون أربعة آلاف ؟ قال : نعم ، قال : لست بغنى ودراهمك لا أقبلها . وكان أبو حازم الاعرج إذا نظر إلى الفاكهة في السوق ، قال : موعدك الجنة إن شاء الله تعالى . ومر أبو حازم بالقصابين ، فقال له رجل منهم : يا أبا حازم ، هذا سمين فاشتر منه ، قال : ليس عندي دراهم ، قال : أنا أنظرك ، قال : فأفكر ساعة ، ثم قال : أنا أنظر نفسي . نزل الحجاج في يوم حار على بعض المياه ، ودعا بالغداء ، وقال لحاجبه : انظر من يتغدى معى ، واجهد ألا يكون من أهل الدنيا ، فرأى الحاجب أعرابيا نائما ، عليه شملة من شعر ، فضربه برجله ، وقال : أجب الامير ، فأتاه ، فدعاه الحجاج إلى الاكل ، فقال : دعاني من هو خير من الامير فأجبته . قال : من هو ؟ قال : الله ، دعاني إلى الصوم فصمت ، قال : أفى هذا اليوم الحار ؟ قال : نار جهنم أشد حرا ، قال : أفطر وتصوم غدا ، قال : إن ضمنت لى البقاء إلى غد ، قال : ليس ذلك إلى ، قال : فكيف أدع عاجلا لاجل لا تقدر عليه ! قال : إنه طعام طيب ، قال : إنك لم تطيبه ولا الخباز ، ولكن العافية طيبته لك . وقال شبيب : كنا سنة في طريق مكة ، فجاء أعرابي في يوم صائف شديد الحر ،


(1) كذا بالاصل ، وموضع النقط كلمة غير واضحة ، ولعل العبارة : (دقيق المعاني) . (*)

[ 236 ]

ومعه جارية سوداء ، وصحيفة ، فقال : أفيكم كاتب ؟ قلنا : نعم ، وحضر غداؤنا ، فقلنا له لو دخلت فأصبت من طعامنا ! قال : إنى صائم ، قلنا : الحر وشدته ، جفاء البادية ، فقال : إن الدنيا كانت ولم أكن فيها ، وستكون ولا أكون فيها ، وما أحب أن أغبن أمامى ، ثم نبذ إلينا الصحيفة ، فقال للكاتب : اكتب ولا تزد على ما أمليه عليك : هذا ما أعتق عبد الله بن عقيل الكلبى ، أعتق جارية له سوداء اسمها لؤلؤة ، ابتغاء وجه الله وجواز العقبة ، وإنه لا سبيل له عليها إلا سبيل الولاء ، والمنة لله علينا وعليها واحده . قال الاصمعي : فحدث بذلك الرشيد ، فأمر أن يعتق عنه ألف نسمة ، ويكتب لهم هذا الكتاب . وقال خالد بن صفوان ، بت ليلتى هذه أتمنى ، فكبست البحر الاخضر بالذهب الاحمر ، فإذا الذى يلقانى من ذلك رغيفان وكوزان وطمران (1) . ورأى رجل رجلا من ولد معاوية يعمل على بعير له ، فقال : هذا بعد ما كنتم فيه من الدنيا ! قال : رحمك الله يابن أخى ، ما فقدنا إلا الفضول . وقال الحسن : يابن آدم ، إنما أنت أيام مجموعة ، كلما ذهب يوم ذهب بعضك . قال يونس الكاتب : لو قيل بيت دريد في زاهد كان به جديرا : قليل التشكى للمصيبات ذاكر * من اليوم أعقاب الاحاديث في غد (2) وقال الحسن : ما أطال عبد الامل إلا أساء العمل . وقال رجل للفضيل بن عياض : ما أعجب الاشياء ؟ قال : قلب عرف الله ثم عصاه . قال وكيع : ما أحسنت قط إلى أحد ، ولا أسأت إليه ، قيل : كيف ؟ قال : لان الله تعالى قال : (إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها) (3) .


(1) الطمر الثوب الخلق . (2) من كلمة له في ديوان الحماسة 2 : 308 يرثى أخاه عبد الله . (3) سورة الاسراء 7 . (*)

[ 237 ]

وقال الحسن لرجل : إن استطعت ألا تسئ إلى أحد ممن تحبه فافعل ، قال الرجل : يا أبا سعيد (1) ، أو يسئ المرء إلى من يحبه ؟ قال : نعم ، نفسك أحب النفوس إليك ، فإذا عصيت الله فقد أسأت إليها . وكان مالك بن دينار إذا منع نفسه شيئا من الشهوات ، قال : اصبري ، فوالله ما منعك إلا لكرامتك على . قام رسول الله صلى الله عليه وآله الليل ، حتى تورمت قدماه ، فقيل له : يارسول الله ، أتفعل هذا ، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : (أفلا أكون عبدا شكورا ! وقال عبد الله بن مسعود : لا يكونن أحدكم جيفة ليله ، قطرب نهاره . وكان يقال : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار . وكان مالك بن دينار يقول في قصصه : ما أشد فطام الكبر ! وينشد : أتروض عرسك بعد ما هرمت * ومن العناء رياضة الهرم . وقال آخر : إن كنت تؤمن بالقيامة * واجترأت على الخطيئه فلقد هلكت وإن * جحدت فذاك أعظم للبليه


(1) كنية لحسن البصري . (*)

[ 238 ]

(81) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في صفه الدنيا : ما أصف من دار ، أولها عناء ، وآخرها فناء ! في حلالها حساب ، وفى حرامها عقاب . من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها واتته ، ومن أبصر عنها بصرته ، ومن أبصر إليها أعمته . * * * قال الرضى رحمه الله : الشرح : أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله عليه السلام : (ومن أبصر بها بصرته) ، وجد تحته من المعنى العجيب ، والغرض البعيد ، مالا يبلغ غايته ولا يدرك غوره ، لا سيما إذا قرن إليه قوله : (ومن أبصر إليها أعمته) ، فإنه يجد الفرق بين أبصر بها وأبصر إليها واضحا نيرا ، وعجيبا باهرا . العناء : التعب . وساعاها : جاراها سعيا . وواتته : طاوعته . ونظر الرضى إلى قوله : (أولها عناء وآخرها فناء) ، فقال : وأولنا العناء إذا طلعنا * إلى الدنيا وآخرنا الذهاب .

[ 239 ]

ونظر إلى قوله عليه السلام (في حلالها حساب ، وفى حرامها عقاب) بعض الشعراء ، فقال : الدهر يومان فيوم مضى * عنك بما فيه ويوم جديد حلال يوميك حساب وفى * حرام يوميك عذاب شديد تجمع ما يأكله وارث * وأنت في القبر وحيد فريد إنى لغيري واعظ تارك * نفسي وقولى من فعالى بعيد حلاوة الدنيا ولذاتها * تكلف العاقل مالا يريد . ومن المعنى أيضا قول بعضهم : حلالها حسرة تفضى إلى ندم * وفى المحارم منها الغنم منزور . ونظر الحسن البصري إلى قوله عليه السلام : (من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن) ، فقال ، وقد جاءه إنسان يبشره بمولود له ذكر : ليهنك الفارس يا أبا سعيد ، فقال : بل الراجل ! ثم قال : لا مرحبا بمن إن كان غنيا فتنني ، وإن كان فقيرا أحزنني ، وإن عاش كدنى ، وإن مات هدني ، ثم لا أرضى بسعيى له سعيا ، ولا بكدحى له كدحا ، حتى أهتم بما يصيبه بعد موتى ، وأنا في حال لا ينالني بمساءته حزن ، ولا بسروره جذل . ونظر ابن المعتز إلى قوله عليه السلام : (من ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها واتته) فقال : الدنيا كظلك ، كلما طلبته ، زاد منك بعدا . ونظرت إلى قوله عليه السلام : (ومن أبصر بها بصرته ، ومن أبصر إليها أعمته) ، فقلت : دنياك مثل الشمس تدنى إليك * الضوء لكن دعوة المهلك إن أنت أبصرت إلى نورها * تعش ، وإن تبصر به تدرك .

[ 240 ]

فإن قلت : المسموع : أبصرت زيدا ، ولم يسمع أبصرت إلى زيد ، قلت : يجوز أن يكون قوله عليه السلام : (ومن أبصر إليها) ، أي ومن أبصر متوجها إليها ، كقوله : (في تسع آيات إلى فرعون) ولم يقل (مرسلا) ، ويجوز أن يكون أقام ذلك مقام قوله (نظر إليها) لما كان مثله ، كما قالوا في (دخلت البيت) ، (ودخلت إلى البيت) أجروه مجرى (ولجت إلى البيت) لما كان نظيره .

[ 241 ]

(82) الاصل : ومن خطبه له عليه السلام ، وتسمى بالغراء ، وهى من الخطب العجيبه : الحمد لله الذى علا بحوله ، ودنا بطوله ، مانح كل غنيمة وفضل ، وكاشف كل عظيمة وأزل . أحمده على عواطف كرمه ، وسوابغ نعمه ، وأومن به أولا باديا ، وأستهديه قريبا هاديا ، وأستعينه قاهرا قادرا ، وأتوكل عليه كافيا ناصرا ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله لانفاذ أمره ، وإنهاء عذره ، وتقديم نذره . * * * الشرح : الحول : القوة . والطول : الافضال ، والمانح : المعطى . والازل ، بفتح الهمزة : الضيق والحبس . والعواطف : جمع عاطفة وهى ما يعطفك على الغير ، ويدنيه من معروفك . والسوابغ : التوام الكوامل ، سبغ الظل ، إذا عم وشمل . و (أولا) هاهنا منصوب على الظرفية ، كأنه قال : قبل كل شئ والاول نقيض الاخر أصله (أوءل) على (أفعل) مهموز الوسط ، قلبت الهمزة واوا وأدغم ، يدل على ذلك قولهم : (هذا أول منك) والاتيان بحرف الجر دليل على أنه (أفعل) ، كقولهم : هذا أفضل منك ، وجمعه على أوائل وأوال أيضا على القلب . وقال قوم : أصله (وول) على (فوعل) فقلبت الواو الاولى همزة ، وإنما لم يجمع على (ووال) لاستثقالهم اجتماع الواوين وبينهما ألف الجمع .


(1) ب : (أوال) ، تصحيف (*)

[ 242 ]

وإذا جعلت (الاول) صفة لم تصرفه ، تقول : لقيته عاما أول ، لاجتماع وزن الفعل ، وتقول : ما رأيته مذ عام أول ، كلاهما بغير تنوين ، فمن رفع جعله صفة لعام ، كأنه قال : أول من عامنا ، ومن نصب جعله كالظرف ، كأنه قال : مذ عام قبل عامنا . فإن قلت : (ابدأ بهذا أول) ، ضممته على الغاية . والانهاء : الابلاغ ، أنهيت إليه الخبر فانتهى ، أي بلغ ، والمعنى أن الله تعالى أعذر إلى خلقه وأنذرهم ، فإعذاره إليهم أن عرفهم بالحجج العقلية والسمعية أنهم إن عصوه استحقوا العقاب ، فأوضح عذره لهم في عقوبته إياهم على عصيانه . وإنذاره لهم : تخويفه إياهم من عقابه . وقد نظر البحترى إلى معنى قوله عليه السلام : (علا بحوله ، ودنا بطوله) ، فقال : دنوت تواضعا وعلوت قدرا * فشأناك انخفاض وارتفاع (1) كذاك الشمس تبعد أن تسامى * ويدنو النور منها والشعاع . * * * وفى هذا الفصل ضروب من البديع ، فمنها أن (دنا) في مقابلة (علا) لفظا ومعنى ، وكذلك (حوله) و (طوله) . فإن قلت : لا ريب في تقابل (دنا) و (علا) من حيث المعنى واللفظ ، وأما (حوله) و (طوله) فإنهما يتناسبان لفظا ، وليسا متقابلين معنى ، لانهما ليسا ضدين ، كما في العلو والدنو . قلت : بل فيهما معنى التضاد ، لان الحول هو القوة ، وهى مشعرة بالسطوة والقهر ، ومنه منشأ الانتقام ، والطول الافضال والتكرم ، وهو نقيض الانتقام والبطش . فإن قلت : أنت وأصحابك لا تقولون إن الله تعالى قادر بقدرة ، وهو عندكم قادر


(1) ديوانه 1 : 82 ، يمدح إبراهيم بن المدبر . (*)

[ 243 ]

لذاته ، فكيف تتأولون قوله عليه السلام : (الذى علا بحوله) ، أليس في هذا إثبات قدرة له زائدة على ذاته ، وهذا يخالف مذهبكم . قلت : إن أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق قولهم : إن لله قوة وقدرة وحولا ، وحاش لله أن يذهب ذاهب منهم إلى منع ذلك ! ولكنهم يطلقونه ويعنون به حقيقته العرفية ، وهى كون الله تعالى قويا قادرا ، كما نقول نحن ، والمخالف : إن لله وجودا وبقاء وقدما ، ولا نعنى بذلك أن وجوده أو بقاءه أو قدمه معان زائده على نفسه ، لكنا نعنى كلنا بإطلاق هذه الالفاظ عليه كونه موجودا أو باقيا أو قديما ، وهذا هو العرف المستعمل في قول الناس : (لا قوة لى على ذلك) و (لا قدرة لى على فلان) لا يعنون نفى المعنى ، بل يعنون كون الانسان قادرا قويا على ذلك . ومنها أن (مانحا) في وزن (كاشف) و (غنيمة) بإزاء (عظيمة) في اللفظ ، وضدها في المعنى ، وكذلك (فضل) و (أزل) . ومنها أن (عواطف) بإزاء (سوابغ) ، و (نعمه) بإزاء (كرمه) . ومنها وهو ألطف ما يستعمله أرباب هذا الصناعة : أنه جعل (قريبا هاديا) ، مع قوله : (أستهديه) ، لان الدليل القريب منك أجدر بأن يهديك من البعيد النازح ، ولم يجعله مع قوله : (وأستعينه) ، وجعل مع الاستعانة (قاهرا قادرا) لان القادر القاهر يليق أن يستعان ويستنجد به ، ولم يجعله قادرا قاهرا مع التوكل عليه ، وجعل مع التوكل (كافيا ناصرا) ، لان الكافي الناصر أهل لان يتوكل عليه . وهذه اللطائف والد قائق من معجزاته عليه السلام التى فات بها البلغاء ، وأخرس الفصحاء . * * *

[ 244 ]

الاصل : أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذى ضرب لكم الامثال ، ووقت لكم الاجال ، وألبسكم الرياش ، وأرفغ لكم المعاش ، وأحاط بكم الاحصاء ، وأرصد لكم الجزاء ، وآثركم بالنعم السوابغ ، والرفد الروافغ ، وأنذركم بالحجج البوالغ ، فأحصاكم عددا ، ووظف لكم مددا ، في قرار خبرة ، ودار عبرد ، أنتم مختبرون فيها ، ومحاسبون عليها . * * * الشرح : وقت وأقت بمعنى ، أي جعل الاجال لوقت مقدر . والرياش والريش واحد ، وهو اللباس ، قال تعالى : (يوارى سوأتكم وريشا) (1) . وقرئ (ورياشا) ، ويقال : الرياش الخصب والغنى ، ومنه ارتاش فلان ، حسنت حاله ، ويكون لفظ (ألبسكم) مجازا إن فسر بذلك . وأرفغ لكم المعاش ، أي جعله رفيغا ، أي واسعا مخصبا ، يقال : رفغ - بالضم - عيشه رفاغة ، اتسع ، فهو رافغ ورفيغ ، وترفغ ، الرجل وهو في رفاغية من العيش ، مخففا ، مثل (رفاهية) و (ثمانية) . وقوله : (وأحاط بكم الاحصاء) ، يمكن أن ينصب الاحصاء على أنه مصدر فيه اللام ، والعامل فيه غير لفظة ، كقوله : (يعجبه السخون) ، ثم قال : (حبا) ، وليس


(1) سورة الاعراف 26 . (*)

[ 245 ]

دخول اللام بمانع من ذلك ، تقول : ضربته الضربة ، كما تقول : ضربته ضربا . ويجوز أن ينصب بأنه مفعول به ، ويكون ذلك على وجهين : أحدهما أن يكون من (حاط) ثلاثيا ، تقول : حاط فلان كرمه ، أي جعل عليه حائطا ، فكأنه جعل الاحصاء والعد كالحائط المدار عليهم ، لانهم لا يبعدون منه ولا يخرجون عنه . والثانى : أن يكون من حاط الحمار عانته يحوطها بالواو ، أي جمعها ، فأدخل الهمزة ، كأنه جعل الاحصاء يحوطهم ويجمعهم ، تقول : ضربت زيدا وأضربته : أي جعلته ذا ضرب ، فلذلك كأنه جعل عليه السلام الاحصاء ذاتحويط عليهم بالاعتبار الاول ، أو جعله ذاجمع لهم بالاعتبار الثاني . ويمكن فيه وجه آخر ، وهو أن يكون الاحصاء مفعولا له ، ويكون في الكلام محذوف ، تقديرة : وأحاط بكم حفظته وملائكته للاحصاء ، ودخول اللام في المفعول له كثير ، كقوله : * والهول من تهول الهبور (1) * قوله : (وأرصد) يعنى أعد ، وفى الحديث (إلا أن أرصده لدين على) . وآثركم ، من الايثار ، وأصله أن تقدم غيرك على نفسك في منفعة أنت قادر على الاختصاص بها وهو في هذا الموضع مجاز مستحسن . والرفد جمع رفدة ، مثل كسرة ، وكسر وفدرة ، وفدر . والرفدة ، والرفد واحد ، وهى العطية والصلة ، ورفدت فلانا رفدا بالفتح ، والمضارع أرفده ، بكسر الفاء ، ويجوز (أرفدته) بالهمزة . والروافغ : الواسعة . والحجج البوالغ : الظاهرة المبينة ، قال سبحانه : (فلله الحجة البالغة) (2) .


(1) للمعجاج ، وقد ورد البيت محرفا في الاصول ، وصوابه من الديوان 48 (2) سورة الانعام 149 . (*)

[ 246 ]

ووظف لكم مددا ، أي قدر : ومنه وظيفه الطعام . وقرار خبرة ، بكسر الخاء ، أي دار بلاء واختبار ، تقول : خبرت زيدا أخبره خبرة ، بالضم فيهما ، وخبرة بالكسر ، إذا بلوته واختبرته ، ومنه قولهم : صغر الخبر الخبر . ودار عبرة ، أي دار اعتبار واتعاظ ، والضمير في (فيها) و (عليها) ليس واحدا ، فإنه في (فيها) يرجع إلى الدار ، وفى (عليها) يرجع إلى النعم والرفد ، ويجوز أن يكون الضمير في (عليها) عائدا إلى الدار على حذف المضاف ، أي على سكانها . * * * الاصل : فإن الدنيا رنق مشربها ، ردغ مشرعها ، يونق منظرها ، ويوبق مخبرها . غرور حائل ، وضوء آفل ، وظل زائل ، وسناد مائل ، حتى إذا أنس نافرها ، واطمان ناكرها ، قمصت بأرجلها ، وقنعت بأحبلها ، وأقصدت بأسهمها ، وأعلقت المرء أوهاق المنية ، قائدة له إلى ضنك المضجع ، ووحشة المرجع ، ومعاينة المحل ، وثواب العمل . وكذلك الخلف بعقب السلف ، لا تقلع المنية اختراما ، ولا يرعوى الباقون اجتراما ، يحتذون مثالا ، ويمضون أرسالا ، إلى غاية الانتهاء ، وصيور الفناء . * * * الشرح : يقال : عيش رنق ، بكسر النون ، أي كدر ، وماء رنق ، بالتسكين ، أي كدر ، والرنق بفتح النون ، مصدر قولك : (رنق الماء) بالكسر ، ورنقته أنا ترنيقا ، أي كدرته ، والرواية

[ 247 ]

المشهورة في هذا الفصل (رنق مشربها) بالكسر أقامه مقام قولهم : (عيش رنق) ، ومن رواه (رنق مشربها) بالسكون - وهم الاقلون - أجرى اللفظ على حقيقته . ويقال : مشرع ردغ : ذو طين ووحل ، روى (الردغة) بالتحريك ، ويجوز تسكين الدال ، والجمع رداغ وردغ . ويونق منظرها : يعجب الناظر ، آنقنى الشئ أعجبني . ويوبق مخبرها . يهلك ، وبق الرجل يبق وبوقا ، هلك ، والموبق (مفعل) منه كالموعد (مفعل) من وعد يعد ، ومنه قوله سبحانه : (وجعلنا بينهم موبقا) (1) . وقد جاء وبق يبق ، بالكسر فيهما ، وهو نادر ، كورث يرث وجاء أيضا وبق يوبق وبقا . والغرور ، بضم الغين : ما يغتر به من متاع ، الدنيا والغرور ، بالفتح : الشيطان . والحائل : الزائل ، والافل : الغائب ، أفل غاب يأفل ويأفل أفولا . والسناد : دعامة يسند بها السقف . وناكرها : فاعل ، من نكرت كذا ، أي أنكرته . وقمصت بأرجلها ، قمص الفرس وغيره يقمص ويقمص قمصا وقماصا ، أي استن ، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معا ، ويعجن برجليه ، وفى المثل المضروب لمن ذل بعد عزة : (ما لعير من قماص) وجمع فقال : (بأرجلها) وإنما للدابة رجلان ، أما لان المثنى قد يطلق عليه صيغة الجمع ، كما في قولهم : أمراة ذات أوراك وماكم ، وهما وركان ، وإما لانه أجرى اليدين والرجلين مجرى واحد ، فسماها كلها أرجلا . ومن رواه (بالحاء) فهو جمع رحل الناقة . وأقصدت : قتلت مكانها من غير تأخير .


(1) سورة الكهف 52 . (*)

[ 248 ]

والاوهاق : جمع وهق بالتحريك ، وهو الحبل ، وقد يسكن مثل نهر ونهر . وأعلقت المرء الاوهاق جعلت الاوهاق عالقة به . والضنك : الضيق . والمضجع . المصدر أو المكان ، والفعل ضجع الرجل جنبه بالارض ، بالفتح ، يضجع ضجوعا وضجعا ، فهو ضاجع ، ومثله أضجع . والمرجع : مصدر رجع ، ومنه ، قوله تعالى : (ثم إلى ربكم مرجعكم) ، (1) وهو شاذ ، لان المصادر من فعل يفعل بكسر العين ، إنما يكون بالفتح . قوله : (ومعاينة المحل) ، أي الموضع الذى يحل به المكلف بعد الموت ، ولا بد لكل مكلف أن يعلم عقيب الموت مصيره ، أما إلى جنة وإما إلى نار . وقوله : (ثواب العمل) يريد جزاء العمل ، ومراده الجزاء الاعم الشامل للسعادة والشقاوة ، لا الجزاء الاخص الذى هو جزاء الطاعة ، وسمى الاعم ثوابا على أصل الحقيقة اللغوية ، لان الثواب في اللغة الجزاء ، يقال : قد أثاب فلان الشاعر لقصيدة كذا ، أي جازاه . وقوله : (وكذلك الخلف بعقب السلف) الخلف المتأخرون والسلف المتقدمون ، وعقب هاهنا بالتسكين ، وهو بمعنى بعد ، جئت بعقب فلان أي بعده ، وأصله جرى الفرس بعد جريه ، يقال : لهذا الفرس عقب حسن . وقال ابن السكيت : يقال : جئت في عقب شهر كذا ، بالضم ، إذا جئت بعد ما يمضى كله ، وجئت في عقب ، بكسر القاف إذا جئت وقد بقيت منه بقية . وقد روى : (يعقب السلف) ، أي يتبع . وقوله : (لا تقلع المنية) ، أي لا تكف ، والاخترام : إذهاب الانفس واستئصالها .


(1) سورة الانعام 164 . (*)

[ 249 ]

وارعوى : كف عن الامر وأمسك ، وأصل فعله الماضي رعى يرعو ، أي كف عن الامر ، وفلان حسن الرعوة 4 والرعوة والرعوة والرعوى والارعواء . والاجترام ، افتعال من الجرم ، وهو الذنب ، ومثله الجريمة ، يقال : جرم وأجرم بمعنى . قوله : (يحتذون مثالا) أي يقتدون وأصله من (حذوت النعل بالنعل حذوا) ، إذا قدرت كل واحدة على صاحبها . قوله : (ويمضون أرسالا) ، بفتح الهمزة ، جمع رسل ، بفتح السين ، وهو القطيع من الابل أو الغنم ، يقال : جاءت الخيل أرسالا ، أي قطيعا قطيعا . وصيور الامر : آخره وما يؤول إليه . * * * الاصل : حتى إذا تصرمت الامور ، وتقضت الدهور ، وأزف النشور ، أخرجهم من ضرائح القبور ، وأوكار الطيور ، وأوجرة السباع ، ومطارح المهالك ، سراعا إلى أمره ، مهطعين إلى معاده ، رعيلا صموتا ، قياما صفوفا ، ينفذهم البصر ، ويسمعهم الداعي ، عليهم لبوس الاستكانة ، وضرع الاستسلام والذلة قد ضلت الحيل ، وانقطع الامل ، وهوت الافئدة كاظمة ، وخشعت الاصوات مهينمة ، وألجم العرق ، وعظم الشفق ، وأرعدت الاسماع ، لزبرة الداعي إلى فصل الخطاب ، ومقايضة الجزاء ، ونكال العقاب ، ونوال الثواب . * * *

[ 250 ]

الشرح : تصرمت الامور : تقطعت ، ومثله (تقضت الدهور) وأزف : قرب ودنا ، يأزف أزفا ، ومنه قوله تعالى : (أزفت الازفة) (1) أي القيامة ، الفاعل (آزف) . والضرائح : جمع ضريح وهو الشق في وسط القبر واللحد ما كان في جانب القبر ، وضرحت ضرحا ، إذا حفرت الضريح . والاوكار : جمع وكر يفتح الواو ، وهو عش الطائر ، وجمع الكثرة وكور ، وكر الطائر يكر وكرا ، أي دخل وكره ، والوكن بالفتح ، مثل الوكر ، أي العش . وأوجرة السباع : جمع وجار بكسر الواو ، ويجوز فتحها ، وهو بيت السبع والضبع ونحو هما . مهطعين : مسرعين . والرعيل : القطعة من الخيل . قوله عليه السلام : (ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي) ، أي هم مع كثرتهم لا يخفى منهم أحد عن إدراك البارئ سبحانه ، وهم مع هذه الكثرة أيضا لا يبقى منهم أحد إلا إذا دعا داعى الموت سمع دعاءه ونداءه . واللبوس ، بفتح اللام : ما يلبس ، قال : البس لكل حالة لبوسها * أما نعيمها وإما بوسها (2) ومنه قوله تعالى : (وعلمناه صنعة لبوس لكم) (3) يعنى الدروع . والاستكانة : الخضوع . والضرع : الخشوع والضعف ، ضرع الرجل يضرع ، وأضرعه غيره . وكاظمته : ساكته ، كظم يكظم كظوما أي سكت ، وقوم كظم ، أي ساكتون .


(1) سورة النجم 57 . (2) أنشده ابن السكيت الفزارى ، فيخبر ذكره صاحب اللسان في 8 : 87 . (3) سورة الانبياء 81 . (*)

[ 251 ]

ومهينمة : ذات هينمة ، وهى الصوت الخفى . وألجم العرق : صار لجاما ، وفى الحديث : (إن العرق ليجرى منهم حتى إن منهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من يبلغ صدره ، ومنهم من يبلغ عنقه ، ومنهم من يلجمه ، وهم أعظمهم مشقة . وقال لى قائل : ما أرى لقوله عليه السلام : (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة) ، كثير فائدة ، لان طول العنق جدا ليس مما يرغب في مثله ، فذكرت له الخبر الوارد في العرق وقلت : إذا كان الانسان شديد طول العنق كان عن إلجام العرق أبعد ، فظهرت فائدة الخبر . ويروى (وأنجم العرق) ، أي كثر ودام . والشفق والشفقة ، بمعنى ، وهو الاسم من الاشفاق ، وهو الخوف والحذر ، قال الشاعر : تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزال على الحرم (1) وأرعدت الاسماع : عرتها الرعدة . وزبرة الداعي : صدته ، ولا يقال الصوت زبرة إلا إذا خالطه زجر وانتهار ، زيرته أزبره ، با لضم . وقوله : (إلى فصل الخطاب) ، إلى هاهنا يتعلق بالداعى . وفصل الخطاب : بت الحكومة : التى بين الله وبين عباده في الموقف ، رزقنا الله المسامحة فيها بمنه ! وإنما خص الاسماع بالرعدة ، لانها تحدث من صوت الملك الذى يدعو الناس إلى محاسبته . والمقايضة : المعاوضة ، قايضت زيدا بالمتاع ، وهما قيضان ، كما قالوا : بيعان . فإن قلت : كيف يصح ما ذكره المسلمون من حشر الاجساد ! وكيف يمكن ما أشار إليه عليه السلام من جمع الاجزاء البدنية من أوكار الطيور وأوجرة السباع ، ومعلوم أنه قد يأكل الانسان سبع ، ويأكل ذلك السبع إنسان آخر ، ويأكل هذا الانسان طائر ، ثم يأكل الطائر إنسان آخر ، والمأكول يصير أجزاء من أجزاء بدن الاكل ، فإذا حشرت


(1) لاسحاق بن خلف ، من أبيات له في ديوان الحماسة - بشرح التبريزي 1 : 275 . (*)

[ 252 ]

الحيوانات كلها على ما تزعم المعتزلة ، فتلك الاجزاء المفروضة ، إما أن تحشر أجزاء من بنية الانسان ، أو بنية السبع ، أو منها معا ، فإن كان الاول وجب ألا يحشر السبع ، وإن كان الثاني وجب ألا يحشر الانسان ، والثالث محال عقلا ، لان الجزء الواحد لا يكون في موضعين . قلت : إن في بدن كل إنسان وكل حيوان أجزاء أصلية وأجزاء زائدة ، فالاجزاء الزائدة يمكن أن تصير أجزاء بدن حيوان إذا اغتذى بها ، والاجزاء الاصلية لا يمكن ذلك فيها بل يحرسها الله تعالى من الاستحالة والتغيير ، وإذا كان كذلك ، أمكن الحشر بأن تعاد الاجزاء الاصلية إلى موضعها الاول ، ولا فساد في استحالة الاجزاء الزائدة ، لانه لا يجب حشرها ، لانها ليست أصل بنية المكلف ، فاندفع الاشكال . وأما من يقول بالنفس الناطقة من أهل الملة ، فلا يلزمه الجواب عن السؤال ، لانه يقول : إن الانفس إذا أزف يوم القيامة ، خلقت لها أبدان غير الابدان الاولى ، لان المكلف المطيع والعاصي المستحق للثواب والعقاب عندهم ، هو النفس ، وأما البدن فالة لها نستعمله استعمال الكاتب للقلم ، والنجار للفأس . * * * الاص : عباد مخلوقون اقتدارا ، ومربوبون اقتسارا ، ومقبوضون احتضارا ، ومضمنون أجداثا ، وكائنون رفاتا ، ومبعوثون أفرادا ، ومدينون جزاء ، ومميزون حسابا . قد أمهلوا في طلب المخرج ، وهدوا سبيل المنهج ، وعمروا مهل المستعتب ، وكشفت عنهم سدف الريب ، وخلوا لمضمار الجياد ، وروية الارتياد ، وأناة المقتبس المرتاد ، في مدة الاجل ، ومضطرب المهل . * * *

[ 253 ]

الشرح : مربوبون : مملوكون . والاقتسار : الغلبة والقهر . والاحتضار : حضور الملائكة عند الميت ، وهو حينئذ محتضر ، وكانت العرب تقول : لبن محتضر : إى فاسد ذو آفة ، يعنون أن الجن حضرته ، يقال : اللبن محتضر فغط إناءك . والاجداث : جمع جدث ، وهو القبر ، واجتدث الرجل ، اتخذ جدثا ، ويقال : (جدف) بالفاء . والرفات : الحطام ، تقول منه رفت الشئ فهو مرفوت . ومدينون ، أي مجزيون . والدين : الجزاء ، ومنه (مالك يوم الدين) (1) . ومميزون حسابا ، من قوله تعالى : (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) (2) ، ومن قوله تعالى : (وكنتم أزواجا ثلاثة) (3) ، كما أن قوله : (ومبعوثون أفرادا) ، مأخوذ من قوله تعالى : (ولقد جئتمونا فرادى) (4) وأصل التمييز على الفصل والتبيين . قوله : (قد أمهلوا في طلب المخرج) أي أنظروا ليفيئوا إلى الطاعة ويخلصوا التوبة ، لان إخلاص التوبة هو المخرج الذى من سلكه خرج من ربقة المعصية . ومثله قوله : (وهدوا سبيل المنهج) ، والمنهج : الطريق الواضح . والمستعتب : المسترضى ، استعتبت زيدا إذا استرضيته عنى ، فإنا مستعتب له ، وهو مستعتب . وأعتبنى ، أي أرضاني ، وإنما ضرب المثل بمهل المستعتب ، لان من يطلب رضاه في مجرى العادة لا يرهق بالتماس الرضا منه ، وإنما يمهل ليرضى بقلبه لا بلسانه . والسدف : جمع سدفة ، هي القطعة من الليل المظلم ، هذا في لغة أهل نجد ، وأما غيرهم


(1) سورة الفاتحة 3 (2) سورة يس 59 (3) سورة الواقعة 7 (4) سورة الانعام 94 (*)

[ 254 ]

فيجعل السدفة الضوء ، وهذا اللفظ من الاضداد ، وكذلك السدف ، بفتح السين والدال . وقد قيل : السدفة : اختلاط الضوء والظلمة كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الاسفار ، والسدف : الصبح وإقباله ، وأسدف الليل ، أظلم ، وأسدف الصبح أضاء ، يقال أسدف الباب ، أي افتحه حتى يضئ البيت ، وفى لغة هوازن (أسدفوا) أي أسرجوا ، من السراج . والريب : الشبهة جمع ريبة . والمضمار : الموضع الذى تضمر فيه الخيل ، والمضمار أيضا المدة التى تضمر فيها . والتضمير : أن تعلف الفرس حتى يسمن ، ثم ترده إلى قوته الاولى ، وذلك في أربعين يوما ، وقد يطلق التضمير على نقيض ذلك ، وهو التجويع حتى يهزل ويخف لحمه . ضمر الفرس بالفتح ، يضمر بالضم ، ضمورا وجاء (ضمرالفرس) بالضم ، وأضمرته أنا ، وضمرته فاضطمر هو ، ولؤلؤ مضطمر : في وسطه بعض الانضمام . رجل لطيف الجسم ، ضمير البطن ، وناقة ضامر وضامرة أيضا . يقول : مكنهم الحكيم سبحانه وخلاهم وأعمالهم ، كما تمكن الخيل التى تستبق في المضمار ليعلم أيها أسبق . والروية : الفكرة ، والارتياد : الطلب ، ارتاد فلان الكلا يرتاده ارتيادا : طلبه ، ومثله راد الكلا يروده رودا وريادا ، وفى الحديث : (إذا بال أحدكم فليرتد لبوله) ، أي فليطلب مكانا لينا أو منحدرا ، والرائد : الذى يرسله القوم في طلب الكلاء ، وفى المثل : (الرائد لا يكذب أهله) . والاناة : التؤدة والانتظار ، مثل القناة . وتأنى في الامر : ترفق ، واستانى فلان بفلان ، أي انتظر به ، وجاء الاناء بالفتح والمد ، على (فعال) قال الحطيئة : وأكريت العشاء إلى سهيل * أو الشعرى فطال بى الاناء (1) والمقتبس : متعلم العلم هاهنا ، ولا بدله من أناة ومهل ليبلغ حاجته ، فضرب مثلا ، وجاء


(1) ديوانه 25 . (*)

[ 255 ]

في بعض الروايات : (ومقبوضون اختضارا) بالخاء المعجمة ، وهو موت الشاب غضا أخضر ، أي مات شابا ، وكان فتيان يقولون لشيخ : أجززت يا أبا فلان ، فيقول : أي بنى ، وتختضرون ! أجز الحشيش : آن أن يجز ، ومنه قيل للشيخ كاد يموت : قد أجز ، والرواية الاولى أحسن ، لانها أعم . وفى رواية (لمضمار الخيار) ، أي للمضمار الذى يستبق فيه الابرار الاتقياء إلى رضوان الله سبحانه . * * * الاص : فيا لها أمثالا صائبة ، ومواعظ شافية ، لو صادفت قلوبا زاكية ، وأسماعا واعية ، وآراء عازمة ، وألبابا حازمة ! فاتقوا الله تقية من سمع فخشع ، واقترف فاعترف ، ووجل فعمل ، وحاذر فبادر ، وأيقن فأحسن ، وعبر فاعتبر ، وحذر فحذر ، وزجر فازدجر ، وأجاب فأناب ، وراجع فتاب ، واقتدى فاحتذى ، وأرى فرأى ، فأسرع طالبا ، ونجا هاربا ، فأفاد ذخيرة ، وأطاب سريرة ، وعمر معادا ، واستظهر زادا ، ليوم رحيله ووجه سبيله ، وحال حاجته ، وموطن فاقته ، وقدم أمامه لدار مقامه . فاتقوا الله عباد الله جهة ما خلقكم له ، واحذروا منه كنه ما حذركم من نفسه ، واستحقوا منه ما أعد لكم بالتنجز لصدق ميعاده ، والحذر من هول معاده . * * * الشرح : صائبة : غير عادلة عن الصواب ، صاب السهم يصوب صوبة ، أي قصد ولم يجر ،

[ 256 ]

وصاب السهم القرطاس يصيبه صبيا لغة في (أصابه) ، وفى المثل : مع الخواطئ سهم صائب . وشافية : تبرئ من مرض الجهل والهوى . والقلوب الزاكية : الطاهرة ، والاسماع الواعية : الحافظة . والاراء العازمة : ذات العزم . والالباب : العقول ، والحازمة : ذات الحزم ، والحزم : ضبط الرجل أمره . وخشع الرجل أي خضع . واقترف : اكتسب ، ومثله قرف يقرف بالكسر ، يقال : هو يقرف لعياله ، أي يكسب . ووجل الرجل خاف ، وجلا ، بفتح الجيم ، ومستقبله يوجل وياجل وييجل وييجل ، بكسر الياء المضارعة . وبادر : سارع . وعبر أي أرى العبر مرارا كثيرة ، لان التشديد هاهنا دليل التكثير . فاعتبر أي فاتعظ . والزجر : النهى والمنع ، زجر أي منع ، وازدجر مطاوع ازدجر ، اللفظ فيهما واحد ، تقول : ازدجرت زيدا عن كذا فازدجر هو ، وهذا غريب ، وإنما جاء مطاوع ازدجر في (زجر) لانهما كالشئ الواحد ، وفى بعض الروايات (ازدجر فازدجر) ، فلا يحتاج مع هذه الرواية إلى تأويل . وأناب الرجل إلى الله ، أي أقبل وتاب واقتدى بزيد ، فعل مثل فعله ، واحتذى مثله . قوله عليه السلام : (فأفاد ذخيرة) ، أي فاستفاد ، وهو من الاضداد ، أفدت المال زيدا أعطيته إياه ، وأفدت أنا مالا ، أي استفدته واكتسبته . قوله عليه السلام : (فاتقوا الله عباد الله جهة ما خلقكم له) نصب (جهة) بفعل مقدر ، تقديره : (واقصد واجهة ما خلقكم له) يعنى العبادة ، لانه تعالى قال : (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) (1) . فحذف الفعل ، واستغنى عنه بقوله : (فاتقوا الله) لان التقوى


(1) سورة الذاريات 96 . (*)

[ 257 ]

ملازمة لقصد المكلف العبادة فدلت عليه واستغنى بها عن إظهاره . والكنه : الغاية والنهاية ، تقول : أعرفه كنه المعرفة ، أي نهايتها . ثم قال عليه السلام : (واستحقوا منه ما أعد لكم) ، أي اجعلوا أنفسكم مستحقين لثوابه الذى أعده لكم إن أطعتم . والباء في (بالتنجز) متعلق ب‍ (استحقوا) ويقال : فلان يتنجز الحاجة ، أي يستنجحها ويطلب تعجلها ، والناجز : العاجل ، يقال : (ناجزا بناجز) ، كقولك : (يدا بيد) أي تعجيلا بتعجيل ، والتنجز من المكلفين بصدق ميعاد القديم سبحانه ، وهو مواظبتهم على فعل الواجب ، وتجنب القبيح . و (الحذر) مجرور بالعطف على (التنجز) ، لا على (الصدق) ، لانه لا معنى له . * * * الاصل : ومنها : جعل لكم أسماعا لتعى ما عناها ، وأبصارا لتجلو عن عشاها ، وأشلاء جامعة لاعضائها ، ملائمة لاحنائها ، في تركيب صورها ، ومدد عمرها ، بأبدان قائمة بأرفاقها ، وقلوب رائدة لارزاقها ، في مجللات نعمه ، وموجبات مننه ، وحواجز عافيته . وقدر لكم أعمارا سترها عنكم ، وخلف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم ، من مستمتع خلاقهم ، ومستفسح خناقهم . أرهقتهم المنايا دون الامال ، وشذ بهم عنها تخرم الاجال . لم يمهدوا في سلامة الابدان ، ولم يعتبروا في أنف الاوان . * * *

[ 258 ]

الشرح : قوله : (لتعى ما عناها) أي لتحفظ وتفهم ما أهمها ، ومنه الاثر المرفوع : (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه) . ولتجلو ، أي لتكشف . وعن هاهنا زائدة ، ويجوز أن تكون بمعنى (بعد) كما قال : * لقحت حرب وائل عن حيال * أي بعد حيال ، فيكون قد حذف المفعول ، وحذفه جائز ، لانه فضلة ، ويكون التقدير : لتجلو الاذى بعد عشاها ، والعشا ، مقصور : مصدر عشى ، بكسر الشين ، يعشى ، فهو عش إذا أبصر نهارا ولم يبصر ليلا والاشلاء : جمع شلو ، وهو العضو . فإن قلت : فأى معنى في قوله : أعضاء تجمع أعضاءها ؟ وكيف يجمع الشئ نفسه ؟ قلت : أراد عليه السلام بالاشلاء هاهنا الاعضاء الظاهرة ، وبالاعضاء الجوارح الباطنة ، ولا ريب أن الاعضاء الظاهرة تجمع الاعضاء الباطنة وتضمها والملائمة : الموافقة . والاحناء : الجوانب والجهات . ووجه الموافقة والملا ئمة : أن كون اليد في الجانب أولى من كونها في الرأس أو في أسفل القدم ، لانها إذا كانت في الجانب كان البطش وتناول ما يراد ودفع ما يؤذى أسهل ، وكذلك القول في جعل العين في الموضع الذى جعلت به ، لانها كديدبان السفينة البحرية ، ولو جعلت في أم الرأس لم ينتفع بها هذا الحد من الانتفاع الان ، وإذا تأملت سائر أدوات الجسد وأعضائه وجدتها كذلك .


(1) للحارث بن عباد ، وأوله : * قربا مربط النعامة منى * (*)

[ 259 ]

ثم قال : (في تركيب صورها) كأنه قال : مركبه أو مصورة ، فأتى بلفظة (في) كما تقول : ركب بسلاحه وفى سلاحه ، أي متسلحا . وقوله : (بأرفاقها) ، أي بمنافعها جمع رفق ، بكسر الراء مثل حمل وأحمال ، وأرفقت فلانا ، أي نفعته . والمرفق من الامر : ما ارتفقت به وانتفعت ، ويروى : (بأرماقها) والرمق : بقيه الروح . ورائده : طالبه . ومجللات النعم ، تجلل الناس ، أي تعمهم ، من قولهم : (سحاب مجلل) أي يطبق الارض ، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، كقولك : أنا في سابغ ظلك وعميم فضلك ، كأنه قال : في نعمه المجللة ، وكذلك القول في موجبات مننه ، أي في مننه التى توجب الشكر . وفى هاهنا متعلقة بمحذوف ، والموضع نصب على الحال . ثم قال : (وحواجز عافيته) ، الحواجز : الموانع ، أي في عافية تحجز وتمنع عنكم المضار . ويروى (وحواجز بليته) ، وقد فسر قوله : (حواجز عافيته) على أن يراد به ما يحجز العافية ويمنعها عن الزوال والعدم . قوله عليه السلام : (من مستمتع خلاقهم) ، الخلاق : النصيب ، قال تعالى : (وما له في الاخرة من خلاق) (1) ، وقال تعالى : (فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم) (2) ، وتقدير الكلام : خلف لكم عبرا من القرون السالفة ، منها تمتعهم بنصيبهم من الدنيا ثم فناؤهم ، ومنها فسحة خناقهم (3) وطول إمهالهم ، ثم كانت عاقبتهم الهلكة . وأرهقتهم المنايا : أدركتهم مسرعة


(1) سورة البقرة 200 . (2) سورة التوبة 69 . (3) الخناق ، بالفتح : حبل يختنق به . (*)

[ 260 ]

والمرهق : الذى أدرك ليقتل . وشذ بهم عنها : قطعهم وفرقهم ، من تشذيب الشجرة ، وهو تقشيرها . وتخرمت زيدا المنية : استأصلته واقتطعته . ثم قال : (لم يمهدوا في سلامة الابدان) ، أي لم يمهدوا لانفسهم ، من تمهيد الامور وهو تسويتها وإصلاحها . وأنف الاوان : أوله ، يقال : روضة أنف لم ترع قبل ، وكأس أنف : لم يشرب بها قبل . * * * فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب إلا حوانى قبل ، وكأس أنف : لم يشرب بها قبل . * * * الاصل : فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب إلا حوانى الهرم ، وأهل غضارة الصحة إلا نوازل السقم ، وأهل مدة البقاء إلا آونة الفناء ، مع قرب الزيال ، وأزوف الانتقال ، وعلز القلق ، وألم المضض ، وغصص الجرض ، وتلفت الاستغاثة بنصرة الحفدة والاقرباء ، والاعزة والقرناء ، فهل دفعت الاقارب ، أو نفعت النواحب ، وقد غودر في محلة الاموات رهينا وفى ضيق المضجع وحيدا ، قد هتكت الهوام جلدته ، وأبلت النواهك جدته ، وعفت العواصف آثاره ، ومحا الحدثان معالمه ، وصارت الاجساد شحبة بعد بضتها ، والعظام نخرة بعد قوتها ، والارواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقنة بغيب أنبائها ، لا تستزاد من صالح عملها ، ولا تستعتب من سيئ زللها . * * *

[ 261 ]

الشرح : البضاضة مصدر ، من بضضت يارجل بضضت ، بالفتح والكسر ، بضاضة وبضوضة ، ورجل بض ، أي ممتلئ البدن رقيق الجلد ، وامرأة بضة . وحواني الهرم : جمع حانية ، وهى العلة التى تحنى شطاط (1) الجسد ، وتميله عن الاستقامة . والهرم : الكبر . والغضارة : طيب العيش ، ومنه المثل : أباد الله غضراءهم ، أي خيرهم وخصبهم . وآونة الفناء : جمع أوان ، وهو الحين ، كزمان وأزمند ، وفلان يصنع ذلك الامر آونة ، كقولك : تارات ، أي يصنعه مرارا ويدعه مرارا . والزيال : مصدر زايله مزايلة وزيالا ، أي فارقه . والازوف : مصدر أزف ، أي دنا . والعلز : قلق وخفة وهلع يصيب الانسان ، وقد علز بالكسر ، وبات علزا ، أي وجعا قلقا . والمضض : الوجع ، أمضنى الجرح ومضني ، لغتان ، وقد مضضت يارجل ، بالكسر . والغصص : جمع غصة ، وهى الشجا ، والغصص بالفتح : مصدر قولك غصصت يارجل تغص بالطعام ، فأنت غاص وغصان ، وأغصصته أنا . والجريض ، الريق يغص به ، جرض بريقه بالفتح ، يجرض بالكسر ، مثل كسر يكسر ، وهو أن يبلع ريقه على هم وحزن بالجهد . والجريض : الغصة ، وفى المثل : (حال


(1) الشطاط ، بالفتح والكسر : الطول واعتدال القوام . (*)

[ 262 ]

الجريض دون القريض) ، وفلان يجرض بنفسه إذا كان يموت ، وأجرضه الله بريقه أغصه . والحفدة : الاعوان والخدم ، وقيل : ولد الولد ، واحدهم حافد ، والباء في (بنصرة الحفدة) متعلق بالاستعانة ، يقول : إن الميت عند نزول الامر به يتلفت مستغيثا بنصرة أهله وولده ، أي يستنصر يستصرخ بهم . والنواحب : جمع ناحبة ، وهى الرافعة صوتها بالبكاء ، ويروى : (النوادب) . والهوام ، جمع هامة ، وهى ما يخاف ضرره من الاحناش ، كالعقارب والعناكب ونحوها . والنواهك ، جمع ناهكة وهى ما ينهك البدن ، أي يبليه . وعفت : درست ، ويروى بالتشديد . وشحبة هالكة ، والشحب : الهلاك ، شحب الرجل بالكسر ، يشحب ، وجاء شحب ، بالفتح ، يشحب بالضم ، أي هلك ، وشحبه الله يشحبه ، يتعدى ولا يتعدى . ونخرة : بالية . والاعباء : الاثقال ، واحدها عبء . وقال : (موقنة بغيب أنبائها) ، لان الميت يعلم بعد موته ما يصير إليه حاله من جنة أو نار . ثم قال : (إنها لا تكلف بعد ذلك زيادة في العمل الصالح ، ولا يطلب منها التوبة من العمل القبيح ، لان التكليف قد بطل . * * * الاصل : أو لستم أبناء القوم والاباء ، وإخوانهم والاقرباء ، تحتذون أمثلتهم ، وتركبون قدتهم ، وتطئون جادتهم ، فالقلوب قاسية عن حظها ، لاهية عن رشدها ،

[ 263 ]

سالكة في غير مضمارها ، كأن المعنى سواها ، وكأن الرشد في إحراز دنياها . * * * الشرح : القدة ، بالدال المهملة وبكسر القاف : الطريقة ، ويقال لكل فرقة من الناس إذا كانت ذات هوى على حدة : قدة ، ومنه قوله تعالى : (كنا طرائق قددا) (1) ، ومن رواه : (وير كبون قذتهم) بالذال المعجمة وضم القاف أراد الواحدة من قذذ السهم ، وهى ريشه ، يقال : حذو القذة بالقذة ، ويكون معنى : (وتركبون قذتهم) تقتفون آثارهم وتشابهون بهم في أفعالهم . ثم قال : وتطئون جادتهم ، وهذه لفظة فصيحة جدا . ثم ذكر قساوة القلوب وضلالها عن رشدها ، وقال : (كأن المعنى سواها ،) ، هذا مثل قول النبي صلى الله عليه وآله : (كأن الموت فيها على غيرنا كتب ، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب) . * * * الاصل : واعلموا أن مجازكم على الصراط ومزالق دحضه ، وأهاويل زلله ، وتارات أهواله ، فاتقوا الله عباد الله ، تقية ذى لب شغل التفكر قلبه ، وأنصب الخوف بدنه ، وأسهر التهجد غرار نومه ، وأظمأ الرجاء هواجر يومه ، وظلف الزهد شهواته ،


(1) سورة الجن 11 (*)

[ 264 ]

وأوجف الذكر بلسانه ، وقدم الخوف لامانه ، وتنكب المخالج عن وضح السبيل ، وسلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب ، ولم تفتله فاتلات الغرور ، ولم تعم عليه مشتبهات الامور ، ظافرا بفرحة البشرى ، وراحة النعمى ، في أنعم نومه ، وآمن يومه . قد عبر معبر العاجلة حميدا ، وقدم زاد الاجلة سعيدا ، وبادر عن وجل ، وأكمش في مهل ، ورغب في طلب ، وذهب عن هرب ، وراقب في يومه غده ، وربما نظر قدما أمامه . فكفى بالجنة ثوابا ونوالا ، وكفى بالنار عقابا ووبالا ! وكفى بالله منتقما ونصيرا ! وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما ! * * * الشرح : وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى : الصراط الوارد ذكره في الكتاب العزيز ، هو الطريق لاهل الجنة إلى الجنة ولاهل النار إلى النار بعد المحاسبة ، قالوا : لان أهل الجنة ممرهم على باب النار ، فمن كان من أهل النار عدل به إليها ، وقذف فيها ، ومن كان من أهل الجنة مر بالنار مرورا نجا منها إلى الجنة ، وهو معنى قوله تعالى : (وإن منكم إلا واردها) (1) ، لان ورودها هو القرب منها ، والدنو إليها ، وقد دل القرآن على سور مضروب بين مكان النار وبين الموضع الذى يجتازون منه إلى الجنة في قوله : (فضرب بينهم بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) (2) .


(1) سورة مريم 19 . (2) سورة الحديد 13 . (*)

[ 265 ]

قالوا : ولا يصح ما روى في بعض الاخبار أن الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف ، وأن المؤمن يقطعه كمرور البرق الخاطف ، والكافر يمشى عليه حبوا ، وأنه ينتفض بالذين عليه حتى تتزايل مفاصلهم . قالوا : لان مثل ذلك لا يكون طريقا للماشي ، ولا يتمكن من المشى عليه ، ولو أمكن لم يصح التكليف في الاخرة ، ليؤمر العقلاء بالمرور عليه على وجه التعبد . ثم سأل أصحابنا أنفسهم ، فقالوا : أي فائدة في عمل هذا السور ؟ وأى فائدة في كون الطريق الذى هو الصراط منتهيا إلى باب النار منفرجا منها إلى الجنة ؟ ألستم تعللون أفعال البارئ تعالى بالمصالح ، والاخرة ليست دار تكليف ليفعل فيها هذه الافعال للمصالح ! وأجابوا بأن شعور المكلفين في الدنيا بهذه الاشياء مصالح لهم ، وألطاف في الواجبات العقلية ، فإذا أعلم المكلفون بها وجب إيقاعها على حسب ما وعدوا وأخبروا به ، لان الله صادق لا خلف في أخباره . وعندي أنه لا يمتنع أن يكون الصراط على ما وردت به الاخبار ، ولا مانع من ذلك قولهم : لا يكون طريقا للماشي ، ولا يتمكن من المشى عليه مسلم ، ولكن لم لا يجوز أن يكون في جعله على هذا الوجه وإلاخبار عن كيفيته هذه مصلحة للمكلفين في الدنيا ؟ وليس عدم تمكن الانسان من المشى عليه بمانع من إيقاعه على هذا الوجه ، لان المراد من هذا وأمثاله هو التخويف والزجر . وأما قولهم : الاخرة ليست دار تكليف ، فلقائل أن يقول لهم : لم قلتم : إنه تكليف ؟ ولم لا يجوز أن يكون المكلفون مضطرين إلى سلوكه اضطرارا ؟ فالمؤمن يخلق الله فيه الثبات والسكينة ، والحركة السريعة فينجو ويسلم ، والكافر يخلق فيه ضد ذلك فيهوى ويعطب ولا مانع من ذلك .

[ 266 ]

يقال : مكان دحض ، ودحض ، بالتحريك ، أي زلق ، وأدحضته ، أنا أزلقته فدحض هو . والاهاويل : الامور المفزعة . وتارات أهواله ، كقولك : دفعات أهواله ، وإنما جعل أهواله تارات لان الامور الهائلة إذا استمرت لم تكن في الازعاج والترويع ، كما تكون إذا طرأت تارة ، وسكنت تارة . وأنصب الخوف بدنه : أتعب ، والنصب : التعب . والتهجد هنا : صلاة الليل ، وأصله : السهر ، وقد جاء التهجد بمعنى النوم أيضا ، وهو من الاضداد . الغرار : قله النوم ، وأصله قلة لبن الناقة ، ويقال : غارت الناقة تغار غرارا قل لبنها . فإن قلت : كيف توصف قلة النوم بالسهر ، وإنما يوصف بالسهر الانسان نفسه ؟ قلت : هذا من مجازات كلامهم ، كقولهم : ليل ساهر ، وليل نائم . والهواجر : جمع هاجرة ، وهى نصف النهار عند اشتداد الحر ، يقال : قد هجر النهار . وأتينا أهلنا مهجرين ، أي سائرين في الهاجرة . وظلف : منع ، وظلفت نفس فلان ، بالكسر عن كذا ، أي كفت . وأوجف : أسرع ، كأنه جعل الذكر لشدة تحريكه اللسان موجفا به ، كما توجف الناقة براكبها ، والوجيف ، ضرب من السير . ثم قال : (وقدم الخوف لامانه) ، اللام هاهنا لام التعليل ، أي قدم خوفه ليأمن و المخالج : الامور المختلجة ، أي الجاذبة ، خلجه واختلجه ، أي جذبه . وأقصد المسالك : أقومها . وطريق قاصد ، أي مستقيم . وفتله عن كذا ، أي رده وصرفه ، وهو قلب (لفت) . ويروى : (قد عبر معبر العاجلة حميدا ، وقدم زاد الاجلة سعيدا) .

[ 267 ]

وأكمش : أسرع ، ومثله انكمش ورجل كمش أي سريع ، وقد كمش بالضم كماشة فهو كمش وكميش ، وكمشته تكميشا : أعجلته . قوله : (ورغب في طلب ، وذهب عن هرب) ، أي ورغب فيما يطلب مثله ، وفر عما يهرب من مثله ، فأقام المصدر مقام ذى المصدر . ونظر قدما أمامه ، أي ونظر مابين يديه مقدما لم ينثن ولم يعرج ، والدال مضمومة هاهنا . قال الشاعر يذم امرأة : تمضى إذا زجرت عن سوأة قدما * كأنها هدم في الجفر منقاض (1) . ومن رواه بالتسكين ، جاز أن يعنى به هذا ويكون قد خفف ، كما قالوا : حلم وحلم . وجاز أن يجعله مصدرا ، من قدم الرجل بالفتح ، يقدم قدما ، أي تقدم ، قال الله تعالى : (يقدم قومه يوم القيامة) (2) ، أي يتقدمهم إلى ورودها ، كأنه قال : (ونظر بين يديه متقدما لغيره وسابقا إياه إلى ذلك) . والباء في (بالجنة) و (بالنار) و (بالله) و (بالكتاب) زائدة ، والتقدير : كفى الله ، وكفى الكتاب !


(1) الهدم ، بالتحريك : ما تهدم من نواحى البئر فسقط في جوفها . والجفر : البئر الواسعة لم تطو . والبيت أنشده ابن السيرا في عن ابن دريد مع أبيات هي : قد رابنى منك يا أسماء إعراض * فدام منالكم مقت وإبغاض إن تبغضيني فما أحببت غانية * يروضها من لئام الناس رواض تمضى إذا زجرت عن سوأة قدما * كأنها هدم في الجفر منقاض قل للغوانى أما فيكن فاتكة * تعلو اللئيم بضرب فيه إمحاض وانظر اللسان 15 : 370 (2) سورة هود 98 . (*)

[ 268 ]

الاصل : أوصيكم بتقوى الله الذى أعذر بما أنذر ، واحتج بما نهج ، وحذركم عدوا نفذ في الصدور خفيا ، ونفث في الاذان نجيا ، فأضل وأردى ، ووعد فمنى ، وزين سيئات الجرائم ، وهون موبقات العظائم ، حتى إذا استدرج قرينته ، واستغلق رهينته ، أنكر ما زين ، واستعظم ماهون ، وحذر ما أمن . * * * الشرح : (أعذر بما أنذر) ، ماهاهنا مصدرية ، أي أعذر بإنذاره . ويجوز أن تكون بمعنى (الذى) . والعدو المذكور : الشيطان . وقوله : (نفذ في الصدور) و (نفث في الاذان) كلام صحيح بديع . وفى قوله (نفذ في الصدور) ، مناسبة لقوله صلى الله عليه وآله : (الشيطان يجرى من بنى آدم مجرى الدم) ، والنجى الذى يسارة ، والجمع الانجية ، قال . * إنى إذا ما القوم كانوا أنجيه (1) * وقد يكون النجى جماعة مثل الصديق ، قال الله تعالى : (خلصوا نجيا) (2) ، أي متناجين . القرينة هاهنا : الانسان الذى قارنه الشيطان ، ولفظه لفظ التأنيث ، وهو مذكر ، أراد القرين ، قال تعالى : (فبئس القرين) (3) ، ويجوز أن يكون أراد بالقرينة النفس ، ويكون


(1) بعده : واضطرب القوم الضطراب الارشيه * هناك أوصيني ولا توصى بيه والرجز لسحيم بن وثيل اليربوعي . اللسان 20 : 179 (2) سورة يوسف 80 (3) سورة الزخرف 38 (*)

[ 269 ]

الضمير عائدا إلى غير مذكور لفظا لما دل المعنى عليه ، لان قوله : (فأضل وأردى ، ووعد فمنى) معناه أضل الانسان وأردى ، ووعده فمنى ، فالمفعول محذوف لفظا ، وإليه رجع الضمير على هذا الوجه . ويقال : غلق الرهن إذا لم يفتكه الراهن في الوقت المشروط ، فاستحقه المرتهن . وهذا الكلام مأخوذ من قوله تعالى : (وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) (1) الاية . * * * الاصل : ومنها في صفة خلق الانسان : أم هذا الذى أنشاه في ظلمات الارحام ، وشغف الاستار نطفة دهاقا ، وعلقة محاقا ، وجنينا وراضعا ، ووليدا ويافعا ، ثم منحه قلبا حافظا ، ولسانا لافظا ، وبصرا لاحظا ، ليفهم معتبرا ، ويقصر مزدجرا ، حتى إذا قام اعتداله ، واستوى مثاله ، نفر مستكبرا ، وخبط سادرا ، ماتحا في غرب هواه ، كادحا سعيا لدنياه ، في لذات طربه ، وبدوات أربه ، ثم لا يحتسب رزية ، ولا يخشع تقية ، فمات في فتنته غريرا ، وعاش في هفوته يسيرا ، لم يفد عوضا ، ولم يقض مفترضا . دهمته فجعات المنية في غبر جماحه ، وسنن مراحه ، فظل سادرا ، وبات ساهرا ، في غمرات الالام ، وطوارق الاوجاع والاسقام ، بين أخ شقيق ، ووالد شفيق ،


(1) سورة إبراهيم 22 . (*)

[ 270 ]

وداعية بالويل جزعا ، ولا دمة للصدر قلقا ، والمرء في سكره ملهثة ، وغمرة كارثة ، وأنة موجعة ، وجذبة مكربة ، وسوقة متعبة . ثم أدرج في أكفانه مبلسا ، وجذب منقادا سلسا ، ثم ألقى على الاعواد ، رجيع وصب ، ونضو سقم ، تحمله حفدة الولدان ، وحشدة الاخوان ، إلى دار غربته ، ومنقطع زورته ، ومفرد وحشته ، حتى إذا انصرف المشيع ، ورجع المتفجع ، أقعد في حفرته نجيا لبهتة السؤال ، وعثرة الامتحان . وأعظم ما هنالك بلية نزل الحميم ، وتصلية الجحيم ، وفورات السعير ، وسورات الزفير ، لا فترة مريحة ، ولا دعة مزيحة ، ولا قوة حاجزة ، ولا موتة ناجزة ، ولا سنة مسلية ، بين أطوار الموتات ، وعذاب الساعات ، إنا بالله عائذون ! * * * الشرح : أم هنا إما استفهامية على حقيقتها ، كأنه قال : أعظكم وأذكركم بحال الشيطان وإغوائه ، أم بحال الانسان منذ ابتدأ وجوده إلى حين مماته ، وإما أن تكون منقطعة بمعنى (بل) كأنه قال عادلا وتاركا لما وعظهم به : بل أتلو عليكم نبأ هذا الانسان الذى حاله كذا . الشغف بالغين المعجمة : جمع شغاف ، بفتح الشين ، وأصله غلاف القلب ، يقال : شغفه الحب ، أي بلغ شغافه ، وقرئ : (قد شغفها حبا) . والدهاق : المملوءة ، ويروى (دفاقا) من دفقت الماء أي صببته . قال : (وعلقه محاقا) ، المحاق : ثلاث ليال من آخر الشهر ، وسميت محاقا لان القمر يمتحق فيهن ، أي يخفى وتبطل صورته ، وإنما جعل العلقة محاقا هاهنا ، لانها لم تحصل لها الصورة الانسانية بعد ، فكانت ممحوة ممحوقة .


(1) سورة يوسف 30 (*)

[ 271 ]

واليافع : الغلام المرتفع ، أيفع وهو يافع ، وهذا من النوادر . وغلام يفع ويفعة ، وغلمان أيفاع ويفعة أيضا . قوله : (وخبط سادرا) خبط البعير إذا ضرب بيديه إلى الارض ، ومشى لا يتوقى شيئا . والسادر : المتحير ، والسادر أيضا : الذى لا يهتم ولا يبالى ما صنع ، والموضع يحتمل كلا التفسيرين . والماتح : الذى يستقى الماء من البئر وهو على رأسها . والمائح : الذى نزل البئر إذا قل ماؤها ، فيملا الدلاء . وسئل بعض أئمة اللغة عن الفرق بين الماتح والمائح ، فقال : اعتبر نقطتى الاعجام ، فالاعلى للاعلى ، والادنى للا دنى . والغرب : الدلو العظيمة . والكدح : شدة السعي والحركة ، قال تعالى : (يأيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا) (1) . قوله : (وبدوات) ، أي ما يخطر له من آرائه التى تختلف فيها دواعيه ، فتقدم وتحجم ومات غريرا ، أي شابا ، ويمكن أن يراد به أنه غير مجرب للامور . والهفوة : الزلة ، هفايهفو . لم يفد عوضا ، أي لم يكتسب . وغبر جماحه : بقاياه ، قال أبو كبير الهذلى : ومبرا من كل غبر حيضة * وفساد مرضعة وداء مغيل (2) والجماح : الشرة وارتكاب الهوى . وسنن مراحه ، السنن : الطريقة ، والمراح : شدة الفرج والنشاط . قوله : (فظل سادرا) ، السادر هاهنا : غير السادر الاول ، لانه هاهنا المغمى عليه كأنه


(1) سورة الانشقاق 6 (2) ديوان الحماسة - بشرح التريزى 1 : 84 والمغيل ، من الغيل ، وهى أن تغشى المرأة وهى ترضع ، فذلك اللبن الغيل .

[ 272 ]

سكران ، وأصله من سدر البعير من شدة الحر وكثرة الطلاء بالقطران ، فيكون كالنائم لا يحس ، ومراده عليه السلام هاهنا أنه بدأ به المرض . ولادمة للصدر : ضاربة له ، والتدام النساء ، ضربهن الصدور عند النياحة . سكرة ملهثة : تجعل الانسان لاهثا لشدتها لهث يلهث لهثانا ولهاثا ، ويروى (ملهية) بالياء ، أي تلهى الانسان وتشغله . والكارثة (فاعلة) من كرثه الغم يكرثه بالضم ، أي اشتد عليه وبلغ منه غاية المشقة . الجذبة : جذب الملك الروح من الجسد ، أو جذب الانسان إذا احتضر ليسجى . والسوقة : من سياق الروح عند الموت . والمبلس : الذى ييئس من رحمة الله ، ومنه سمى إبليس . والابلاس أيضا : الانكسار والحزن . والسلس : السهل المقادة . والاعواد خشب الجنازة ، ورجيع وصب الرجيع المعنى الكال . والوصب : الوجع ، وصب الرجل يوصب ، فهو واصب ، وأوصبه الله فهو موصب . والموصب ، بالتشديد : الكثير الاوجاع . والنضو : الهزيل . وحشدة الاخوان : جمع حاشد ، وهو المتأهب المستعد . ودار غربته : قبره . وكذلك منقطع زورته ، لا الزيارة تنقطع عنده . ومفرد وحشته نحو ذلك ، لانفراده بعمله ، واستيحاش الناس منه ، حتى إذا انصرف المشيع وهو الخارج مع جنازته ، أقعد في حفرته . هذا تصريح بعذاب القبر ، وسنذكر ما يصلح ذكره في هذا الموضع . والنجى : المناجى . ونزول الحميم وتصلية الجحيم : من الالفاظ الشريفة القرآنية . ثم نفى عليه السلام أن يكون في العذاب فتور يجد الانسان معه راحة ، أو سكون يزيح عنه الالم أي يزيله ، أو أن الانسان يجد في نفسه قوة تحجز بينه وبين الالم ، أي تمنع ويموت موتا ناجزا معجلا ، فيستريح ، أو ينام فيسلو وقت نومه ، عما أصابه من الالم في اليقظة كما في دار الدنيا .

[ 273 ]

ثم قال : (بين أطوار الموتات) ، وهذا في ظاهره متناقض ، لانه نفى الموت مطلقا ، ثم قال : (بين أطوار الموتات) ، والجواب أنه أراد بالموتات الالام العظيمة فسماها موتات ، لان العرب تسمى المشقة العظيمة موتا ، كما قال . * إنما الميت ميت الاحياء (1) . ويقولون : الفقر الموت الاحمر ، واستعمالهم مثل ذلك كثير جدا . ثم قال : (إنا بالله عائذون) ، عذت بفلان واستعذت به ، أي التجات إليه . [ فصل في ذكر القبر وسؤال منكر ونكير ] واعلم أن لقاضي القضاة في كتاب طبقات المعتزلة في باب (القبر وسؤال منكر ونكير) كلاما أنا أورد هاهنا بعضه ، قال رحمه الله تعالى : إن عذاب القبر إنما أنكره ضرار بن عمرو ، ولما كان ضرار من أصحاب واصل بن عطاء ، ظن كثير من الناس أن ذلك مما أنكرته المعتزلة ، وليس الامر كذلك ، بل المعتزلة رجلان : أحدهما يجوز عذاب القبر ، ولا يقطع به ، وهم الاقلون ، والاخر يقطع على ذلك ، وهم أكثر أصحابنا لظهور الاخبار الواردة فيه ، وإنما تنكر المعتزلة قول طائفة من الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى ، لان العقل يمنع من ذلك ، وإذا كان الانسان مع قرب العهد بموتة ، ولما يدفن يعلمون أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يدرك ، ولا يألم ولا يلتذ ، فكيف يجوز عليه ذلك وهو ميت في قبره ! وما روى من أن الموتى يسمعون لا يصح إلا أن يراد به أن الله تعالى أحياهم ، وقوى حاسة سمعهم ، فسمعوا وهم أحياء .


(1) صدره : * ليس من مات فاستراح بميت * من أبيات قالها ابن الرعلاء الضبابى في يوم عين أباغ . الكامل في التاريخ لابن الاثير 1 : 326 (*)

[ 274 ]

قال رحمه الله تعالى : وأنكر أيضا مشايخنا أن يكون عذاب القبر دائما في كل حال لان الاخبار إنما وردت بذلك في الجملة ، فالذي يقال به هو قدر ما تقتضيه الاخبار دون ما زاد عليه ممالا دليل عليه ، ولذلك لسنا نوقت في التعذيب وقتا ، وإن كان الاقرب في الاخبار أنها الاوقات المقارنة للدفن ، وإن كان لا نعنيها بأعيانها . هكذا قال قاضى القضاة ، والذى أعرفه أنا من مذهب كثير من شيوخنا قبل قاضى القضاة أن الاغلب أن يكون عذاب القبر بين النفختين . ثم إن قاضى القضاة سأل نفسه ، فقال : إذا كانت الاخرة هي وقت المجازاة ، فكيف يعذب في القبر في أيام الدنيا ؟ وأجاب بأن القليل من العقاب المستحق قد يجوز أن يجعله الله في الدنيا لبعض المصالح ، كما فعل في تعجيل إقامة الحدود على من يستحقها ، فلا يمنع منه تعالى أن يفعل ذلك بالانسان إذا كان من أهل النار . ثم سأل نفسه ، فقال : إذا كان بالموت قد زال عنه التكليف ، فكيف يقولون يكون ذلك من مصالحه ؟ وأجاب بأنا لم نقل : إن ذلك من مصالحه وهو ميت ، وإنما نقول إنه مصلحة أن نعلم في الدنيا ذلك من حال الموتى ، لانه إذا تصور أنه مات عوجل بضرب من العقاب في القبر ، كان أقرب إلى أن ينصرف عن كثير من المعاصي . وقد يجوز أن يكون ذلك لطفا للملائكة الذين يتولون هذا التعذيب . * * * فأما القول في منكر ونكير ، فإنه سأل نفسه رحمه الله تعالى ، وقال : كيف يجوزأن يسموا بأسماء الذم ، وعندكم أن الملائكة أفضل من الانبياء ؟

[ 275 ]

وأجاب ، فقال : إن التسمية إذا كانت لقبا لم يقع بها ذم ، لان الذم إنما يقع لفائدة الاسم ، والالقاب كالاشارات لا فائدة تحتها ، ولذا يلقب الرجل المسلم بظالم وكلب ونحو ذلك ، فيجوز أن يكون هذان الاسمان من باب الالقاب ، ويجوز أن يسميا بذلك من حيث يهجمان على الانسان عند إكمال الله تعالى عقله على وجه ينكره ويرتاع منه ، فسميا منكرا ونكيرا . قال : وقد روى في المسألة في القبر أخبار كثيرة وكل ذلك مما لا قبح فيه ، بل يجوز أن يكون من مصالح المكلفين ، فلا يصح المنع عنه . وجملة الامر أن كل ما ثبت من ذلك بالتواتر والاجماع ، وليس بمستحيل في القدرة ، ولا قبيح في الحكمة يجب القول به ، وما عداه مما وردت به آثار وأخبار آحاد يجب أن يجوز ، ويقال : إنه مظنون ليس بمعلوم ، إذا لم يمنع منه الدليل . * * * الاصل : عباد الله ، أين الذين عمروا فنعموا ، وعلموا ففهموا ، وأنظروا فلهوا ، وسلموا فنسوا ! أمهلوا طويلا ، ومنحوا جميلا ، وحذروا أليما ، ووعدوا جسيما . احذروا الذنوب المورطة ، والعيوب المسخطة . أولى الابصار والاسماع ، والعافية والمتاع ، هل من مناص أو خلاص ، أو معاذ أو ملاذ ، أو فرار أو محار ، فأنى تؤفكون ، أم أين تصرفون ، أم بماذا تغترون ! وإنما حظ أحدكم من الارض ، ذات الطول والعرض ، قيد قده ، منعفرا على خده . الان عباد الله ، والخناق مهمل ، والروح مرسل ، في فينة الارشاد ، وراحة

[ 276 ]

الاجساد ، وباحة الاحتشاد ، ومهل البقية ، وأنف المشية ، وإنظار التوبة ، وانفساح الحوبة ، قبل الضنك والمضيق ، والروع والزهوق ، وقبل قدوم الغائب المنتظر ، وأخذه العزيز المقتدر . * * * قال الرضى رحمه الله : وفى الخبر أنه عليه السلام لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود ، وبكت العيون ، ورجفت القلوب ، ومن الناس من يسمى هذه الخطبة الغراء . * * * الشرح : نعم الرجل ينعم ضد قولك (بئس) ، جاء شاذا نعم ينعم بالكسر . وأنظروا : أمهلوا . والذنوب المورطة : التى تلقى أصحابها في الورطة ، وهى الهلاك ، قال رؤبه : * فاصبحوا في ورطة الاوراط (1) * وأصله أرض مطمئنة لا طريق فيها ، وقد أورطت زيدا وورطته توريطا فتورط ، ثم قال عليه السلام : (أولى الابصار والاسماع) ، ناداهم نداء ثانيا بعد النداء الذى في أول الفصل ، وهو قوله : (عباد الله) ، فقال : يا من منحهم الله أبصارا وأسماعا ، وأعطاهم عافية ، ومتعهم متاعا هل من مناص ! وهو الملجأ والمفر ، يقال : ناص عن قرنه مناصا ، أي فر وراوغ ، قال سبحانه : (ولات حين مناص) (2) .


(1) قبله : * نحن جمعنا الناس بالملطاط * اللسيان 10 : 304 (1) سورة ص 3 (*)

[ 277 ]

والمحار : المرجع ، من حار يحور أي رجع ، قال تعالى : (إنه ظن أن لن يحور) (1) . ويؤفكون : يقلبون ، أفكه يأفكه عن كذا قلبه عنه إلى غيره ، ومثله (يصرفون) . وقد قده : مقدار قده ، يقال : قرب منه قيد رمح وقاد رمح ، والمراد هاهنا هو القبر ، لانه بمقدار قامة الانسان . والمنعفر : الذى قد لامس العفر ، وهو التراب . ثم قال عليه السلام : (الان والخناق مهمل) ، تقديره : اعملوا الان وأنتم مخلون متمكنون لم يعقد الحبل في أعناقكم ، ولم تقبض أرواحكم . والروح يذكر ويؤنث . والفينة : الوقت ، ويروى (وفينة الارتياد) ، وهو الطلب . وأنف المشية : أول أوقات الارادة والاختيار . قوله : (وانفساح الحوبة) ، أي سعة وقت الحاجة ، والحوبة : الحاجة والارب ، قال الفرزدق . فهب لى خنيسا واتخذ فيه منة * لحوبة أم ما يسوغ شرابها (2) . والغائب المنتظر ، هو الموت . قال شيخنا أبو عثمان رحمه الله تعالى : حدثنى ثمامة ، قال : سمعت جعفر بن يحيى ، وكان من أبلغ الناس وأفصحهم ، يقول : الكتابة (3) ضم اللفظة إلى أختها ، ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر ، وقد تفاخرا : أنا أشعر منك لانى أقول البيت وأخاه ، وأنت تقول البيت وابن عمه ! ثم قال : وناهيك حسنا بقول على بن إبى طالب عليه السلام : (هل من مناص أو خلاص ، أو معاذ أو ملاذ أو فرار أو محار) .


(1) سورة الانشقاق 14 (2) ديوايه 1 : 94 . الحوبة : الحاجة وخنيس فتى كان بالجيش في السند ، مجمر - والتجمير : أن ينزل في البعث ولا يرد - وكانت أمه أمرأة من الشام ، تشفعت بالفرزدق في شأنه ، فكتب إلى العامل أبياتا ، ومنها هذا البيت ، والخبر مذكور في الديوان . (3) ب : (بضم) ، وما أثبته من ا . (*)

[ 278 ]

قال أبو عثمان : وكان جعفر يعجب أيضا بقول على عليه السلام : أين من جد واجتهد ، وجمع واحتشد ، وبنى فشيد ، وفرش فمهد (1) ، وزخرف فنجد ، قال : ألا ترى أن كل لفظة منها آخذة بعنق قرينتها ، جاذبة إياها إلى نفسها ، دالة عليها بذاتها ! قال أبو عثمان : فكان جعفر يسميه فصيح قريش . * * * واعلم أننا لا يتخالجنا الشك في أنه عليه السلام أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الاولين والاخرين ، إلا من كلام الله سبحانه ، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك لان فضيلة الخطيب والكاتب في خطابته وكتابته تعتمد على أمرين هما : مفردات الالفاظ ومركباتها . أما المفردات فأن تكون سهلة سلسة غير وحشية ولا معقدة ، والفاظه عليه السلام كلها كذلك ، فأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الافهام ، واشتماله على الصفات التى باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض ، وتلك الصفات هي الصناعة التى سماها المتأخرون البديع ، من المقابلة ، والمطابقة ، وحسن التقسيم ، ورد آخر الكلام على صدره ، والترصيع ، والتسهيم ، والتوشيح ، والمماثلة ، والاستعارة ، ولطافة استعمال المجاز ، والموازنة ، والتكافؤ ، والتسميط ، والمشاكلة . ولا شبهة أن هذه الصفات كلها موجودة في خطبه وكتبه ، مبثوثة متفرقة في فرش كلامه عليه السلام ، وليس يوجد هذان الامران في كلام أحد غيره ، فإن كان قد تعملها وأفكر فيها ، وأعمل رويته في رصفها (2) ونثرها ، فلقد أتى بالعجب العجاب ، ووجب


(1) ب : (ومهد) . (2) ب : (في صنعها) . (*)

[ 279 ]

أن يكون إمام الناس كلهم في ذلك ، لانه ابتكره ولم يعرف من قبله ، وإن كان اقتضبها ابتداء ، وفاضت على لسانه مرتجلة ، وجاش بها طبعه بديهة ، من غير روية ولا اعتمال ، فأعجب وأعجب ! وعلى كلا الامرين فلقد جاء مجليا والفصحاء تنقطع أنفاسهم على أثره . وبحق ما قال معاوية لمحقن الضبى ، لما قال له : جئتك من عند أعيا الناس : يابن اللخناء العلى (1) تقول هذا ؟ وهل سن الفصاحة لقريش غيره ! واعلم أن تكلف الاستدلال على أن الشمس مضيئه يتعب ، وصاحبه منسوب إلى السفه ، وليس جاحد الامور المعلومة علما ضروريا بأشد سفها ممن رام الاستدلال بالادلة النظرية عليها .


(1) ب : (لعلى) . (*)

[ 280 ]

(83) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص : عجبا لابن النابغة ! يزعم لاهل الشام أن في دعابة ، وأنى امرؤ تلعابة ، أعافس وأمارس ! لقد قال باطلا ، ونطق آثما . أما - وشر القول الكذب - أنه ليقول فيكذب ، ويعد فيخلف ، ويسأل فيبخل ، وسأل فيلحف ، ويخون العهد ، ويقطع الال ، فإذ كان عند الحرب فأى زاجر وآمر هو ! ما لم تأخذ السيوف ماخذها ، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القوم سبته . أما والله إنى ليمنعني من اللعب ذكر الموت ، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الاخرة . وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتيد ، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة . * * * الشرح : الدعابه : المزاح ، دعب الرجل ، بالفتح . ورجل تلعابة ، بكسر التاء : كثير اللعب ، والتلعاب ، بالفتح : مصدر (لعب) . والمعافسة : المعالجة والمصارعة ، ومنه الحديث : (عافسنا النساء) . والممارسة نحوه . يقول عليه السلام : إن عمرا يقدح في عند أهل الشام بالدعابة واللعب ، وأنى كثير


(1) النهاية لابنالاثير في حديث حنظلة الاسدي وروايته : (فإذا رجعنا عافسنا الازواج) 30 : 110 . (*)

[ 281 ]

الممازحة حتى أنى الاعب النساء واغازلهن فعل المترف الفارغ القلب ، الذى تتقضى (1) أوقاته بملاذ نفسه . ويلحف : يلح في السؤال ، قال تعالى : (لا يسألون الناس إلحافا) (2) ، ومنه المثل (ليس للملحف مثل الرد) . والال : العهد ، ولما اختلف اللفظان حسن التقسيم بهما ، وإن كان المعنى واحدا . ومعنى قوله : (ما لم تأخذ السيوف ماخذها) أي ما لم تبلغ الحرب إلى أن تخالط الرؤوس ، أي هو ملئ بالتحريض والاغراء قبل أن تلتحم الحرب ، فإذا التحمت واشتدت فلا يمكث ، وفعل فعلته التى فعل . والسبة ، الاست ، وسبه يسبه : طعنه في السبة . ويجوز رفع (أكبر) ونصبه ، فإن رفعت فهو الاسم ، وإن نصبت فهو الخبر . والاتية : العطية ، والايتاء : الاعطاء . ورضخ له رضخا : أعطاه عطاء بالكثير ، وهى الرضيخة لما يعطى * * * [ نسب عمرو بن العاص وطرف من أخباره ] ونحن نذكر طرفا من نسب عمرو بن العاص وأخباره إلى حين وفاته إن شاء الله . هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكنى أبا عبد الله ، ويقال : أبو محمد .


(1) ب : (تنقضي) . (2) سورة البقرة 273 .

[ 282 ]

أبوه العاص بن وائل ، أحد المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله ، والمكاشفين له بالعداوة والاذى ، وفيه وفى أصحابه أنزل قوله تعالى : (إنا كفيناك المستهزئين) (1) . ويلقب العاص بن وائل في الاسلام بالابتر ، لانه قال لقريش : سيموت هذا الابتر غدا ، فينقطع ذكره ، يعنى رسول الله صلى الله عليه وآله ، لانه لم يكن له صلى الله عليه وآله ولد ذكر يعقب منه ، فأنزل الله سبحانه : (إن شانئك هو الابتر) (2) . وكان عمرو أحد من يؤذى رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة ، ويشتمه ويضع في طريقه الحجارة ، لانه كان صلى الله عليه وآله يخرج من منزله ليلا فيطوف بالكعبة ، وكان عمرو يجعل له الحجارة في مسلكه ليعثر بها . وهو أحد القوم الذين خرجوا إلى زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة ، فروعوها وقرعوا هودجها بكعوب الرماح ، حتى أجهضت جنينا ميتا من أبى العاص بن الربيع بعلها ، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ، نال منه وشق عليه مشقة شديدة ولعنهم ، روى ذلك الواقدي . وروى الواقدي أيضا وغيره من أهل الحديث أن عمرو بن العاص هجا رسول الله صلى الله عليه وآله هجاء كثيرا ، كان يعلمه صبيان مكة ، فينشدونه ويصيحون برسول الله إذا مربهم ، رافعين أصواتهم بذلك الهجاء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلى بالحجر : (اللهم إن عمرو بن العاص هجاني ، ولست بشاعر ، فالعنه بعدد ما هجاني) . وروى أهل الحديث أن النضر بن الحارث وعقبة بن إبى معيط وعمرو بن العاص ، عهدوا إلى سلا جمل فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد بفناء الكعبة ، فسال عليه ، فصبر ولم يرفع رأسه ، وبكى في سجوده ودعا عليهم ،


(1) سورة الحجر 95 . (2) سورة الكوثر 3 . (*)

[ 283 ]

فجاءت ابنته فاطمة عليها السلام وهى باكية ، فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فألقته وقامت على رأسه تبكى ، فرفع رأسه صلى الله عليه وآله ، وقال : (اللهم عليك بقريش) ، قالها ثلاثا ، ثم قال رافعا صوته : (إنى مظلوم فانتصر) ، قالها ثلاثا ، ثم قام فدخل منزله ، وذلك بعد وفاة عمه أبى طالب بشهرين . ولشدة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله صلى الله عليه وآله ، أرسله أهل مكة إلى النجاشي ليزهده في الدين ، وليطرد عن بلاده مهاجرة الحبشة ، وليقتل جعفر بن أبى طالب عنده ، أن أمكنه قتله ، فكان منه في أمر جعفر هناك ما هو مذكور مشهور في السير ، وسنذكر بعضه . فأما النابغة فقد ذكر الزمخشري في كتاب ربيع الابرار قال : كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة ، فسبيت ، فاشتراها عبد الله بن جدعان التيمى بمكة ، فكانت بغيا ، ثم أعتقها فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف الجمحى ، وهشام بن المغيرة المخزومى ، وأبو سفيان بن حرب ، والعاص بن وائل السهمى ، في طهر واحد ، فولدت عمرا ، فادعاه كلهم ، فحكمت أمه فيه فقالت : هو من العاص بن وائل ، وذاك لان العاص بن وائل كان ينفق عليها كثيرا ، قالوا : وكان أشبه بأبى سفيان ، وفى ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في عمرو بن العاص : أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * لنا فيك منه بينات الشمائل * * * وقال أبو عمر بن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب (1) : كان اسمها سلمى ، وتلقبت بالنابغة ، بنت حرملة (2) من بنى جلان بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار ،


(1) الاستيعاب ص 434 . (2) الاستيعاب : (سبية بنى جلان) . (*)

[ 284 ]

أصابها سباء ، فصارت إلى العاص بن وائل بعد جماعة من قريش ، فأولدها عمرا . قال أبو عمر : يقال إنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرا وهو على المنبر من أمه فسأله ، فقال : أمي سلمى بنت حرملة تلقب بالنابغة ، من بنى عنزة ثم أحد بنى جلان وأصابتها (1) راح العرب فبيعت بعكاظ ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة ، ثم اشتراها منه عبد الله ابن جدعان ، ثم صارت إلى العاص بن وائل ، فولدت فأنجبت فإن كان جعل لك شئ فخذه . * * * وقال المبرد في كتاب الكامل اسمها (2) ليلى . وذكر هذا الخبر وقال : إنها لم تكن في موضع مرضى ، قال المبرد : وقال المنذر بن الجارود مرة لعمرو بن العاص : أي رجل أنت لو لا أن أمك أمك ؟ فقال : إنى أحمد الله إليك ، لقد فكرت البارحة (3) فيها فأقبلت أنقلها في قبائل العرب (4) ممن أحب أن تكون (4) منها ، فما خطرت لى عبد القيس على بال . وقال المبرد : ودخل عمرو بن العاص مكة ، فرأى قوما من قريش قد جلسوا حلقة ، فلما رأوه رمقوه بأبصارهم ، فعدل إليهم فقال : أحسبكم كنتم في شئ من ذكرى ! قالوا : أجل كنا نمثل بينك وبين أخيك هشام بن العاص ، أيكما أفضل ؟ فقال عمرو : إن لهشام على أربعة : أمه بنت هشام بن المغيرة ، وأمى من قد عرفتم ، وكان أحب إلى أبيه منى ، وقد علمتم معرفة الوالد بولده ، وأسلم قبلى ، واستشهد وبقيت . * * * وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب الانساب أن عمرا اختصم فيه يوم


(1) الاستيعاب (رماح) . (2) الكامل ص 477 (طبع أوربا) . (3) الكامل : في هذا . (4 - 4) ليس في نسخة الكامل المطبوعة في أوربا .

[ 285 ]

ولادته رجلان : أبو سفيان بن حرب ، والعاص بن وائل ، فقيل : لتحكم أمه ، فقالت أمه : إنه من العاص بن وائل ، فقال أبو سفيان : أما إنى لا أشك أنى وضعته في رحم أمه ، فأبت إلا العاص . فقيل لها : أبو سفيان أشرف نسبا ، فقالت : إن العاص بن وائل كثير النفقة على وأبو سفيان شحيح . ففى ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله : أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * لنا فيك منه بينات الدلائل ففاخر به ، إما فخرت ولا تكن * تفاخر بالعاص الهجين بن وائل وإن التى في ذاك يا عمرو حكمت * فقالت رجاء عند ذاك لنائل من العاص عمرو تخبر الناس كلما * تجمعت الاقوام عند المحافل [ مفاخرة بين الحسن بن على ورجالات من قريش ] وروى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات ، قال : اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص ، والوليد بن عقبة بن أبى معيط ، وعتبه بن أبى سفيان بن حرب ، والمغيرة بن شعبة ، وقد كان بلغهم عن الحسن بن على عليه السلام قوارص ، وبلغه عنهم مثل ذلك ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن الحسن قد أحيا أباه وذكره ، وقال فصدق ، وأمر فأطيع ، وخفقت له النعال ، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه ، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا . قال معاوية ، فما تريدون ؟ قالوا : ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ، ونعيره ونوبخه ، ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك ، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئا ، من ذلك .

[ 286 ]

قال معاوية : إنى لا ارى ذلك ولا أفعله ، قالوا : عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن ، فقال : ويحكم لا تفعلوا ! فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لى ، قالوا : ابعث إليه على كل حال . قال : إن بعثت إليه لانصفنه منكم . فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ، أو يربى قوله على قولنا ؟ قال معاوية : أما إنى إن بعثت إليه لامرنه أن يتكلم بلسانه كله ، قالوا : مره بذلك . قال : أما إذ عصيتموني ، وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا (1) له في القول ، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا يلصق بهم العار ، ولكن اقذفوه بحجره ، تقولون له : إن أباك قتل عثمان ، وكره خلافة الخلفاء من قبله . فبعث إليه معاوية ، فجاءه رسوله ، فقال : إن أمير المؤمنين يدعوك . قال : من عنده فسماهم له . فقال الحسن عليه السلام : مالهم خر عليهم السقف من فوقهم ، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال : يا جارية ، ابغينى (2) ثيابي ، اللهم إنى أعوذ بك من شرورهم ، وأدرأبك في نحورهم ، وأستعين بك عليهم ، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت ، بحول منك وقوة ، يا أرحم الراحمين ! ثم قام ، فلما دخل على معاوية ، أعظمه وأكرمه ، وأجلسه إلى جانبه ، وقد ارتاد القوم ، وخطروا خطران الفحول ، بغيا في أنفسهم وعلوا ، ثم قال : يا أبا محمد ، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني . فقال الحسن عليه السلام : سبحان الله ، الدار دارك . والاذن فيها إليك ، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم ، إنى لاستحيى لك من الفحش ، وإن كانوا غلبوك على رأيك ، إنى لاستحيى لك من الضعف ، فأيهما تقرر ، وأيهما تنكر ؟ أما إنى


(1) فلا تمرضواله ، آى لانجعلوا قولكم مريضا . (2) الغينى ثيابي ، أي أعنيني على إحضارها . (*)

[ 287 ]

لو علمت بمكانهم جئت معى بمثلهم من بنى عبد المطلب ، وما لى أن أكون مستوحشا منك ولا منهم ، أن وليى الله ، وهو يتولى الصالحين . فقال معاوية : يا هذا : إنى كرهت أن أدعوك ، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له ، وإن لك منهم النصف ومنى ، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما ، وأن أباك قتله ، فاستمع منهم ثم أجبهم ، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك . فتكلم عمرو بن العاص ، فحمد الله وصلى على رسوله ، ثم ذكر عليا عليه السلام ، فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله ، وقال : إنه شتم أبا بكر وكره خلافته ، وامتنع من بيعته ، ثم بايعه مكرها ، وشرك في دم عمر ، وقتل عثمان ظلما . وادعى من الخلافة ما ليس له . ثم ذكر الفتنة يعيره بها ، وأضاف إليه مساوئ ، وقال : إنكم يا بنى عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء ، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء ، وحرصكم على الملك ، وإتيانكم مالا يحل . ثم إنك يا حسن ، تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك ، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه ، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك ، وتركك أحمق قريش ، يسخر منك ويهزأبك ، وذلك لسوء عمل أبيك . وإنما دعوناك لنسبك وأباك ، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره ، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال ، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ، ولا عيب من الناس ، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا ، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان . ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبى معيط ، فقال : يا بنى هاشم ، إنكم كنتم أخوال عثمان ، فنعم الولد كان لكم ، فعرف حقكم ، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم ، فكنتم

[ 288 ]

أول من حسده ، فقتله أبوك ظلما ، لا عذر له ولا حجة ، فكيف ترون الله طلب بدمه ، وأنزلكم منزلتكم ، والله إن بنى أمية خير لبنى هاشم من بنى هاشم لبنى أمية ، وإن معاوية خير لك من نفسك . ثم تكلم عتبة بن أبى سفيان ، فقال : يا حسن ، كان أبوك شر قريش لقريش ، أسفكها لدمائها ، وأقطعها لارحامها ، طويل السيف واللسان ، يقتل الحى ويعيب الميت ، وإنك ممن قتل عثمان ، ونحن قاتلوك به ، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا ، ولا في ميزانها راجحا ، وإنكم يا بنى هاشم قتلتم عثمان ، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به ، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره وأقاد منه ، وأما أنت ، فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان . ثم تكلم المغيرة بن شعبة ، فشتم عليا ، وقال . والله ما أعيبه في قضية يخون ، ولا في حكم يميل ، ولكنه قتل عثمان . ثم سكتوا . فتكلم الحسن بن على عليه السلام ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : أما بعد يا معاوية ، فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني ، فحشا ألفته وسوء رأى عرفت به ، وخلقا شيئا ثبت عليه ، وبغيا علينا ، عداوة منك لمحمد وأهله ، ولكن اسمع يا معاوية ، واسمعوا فلاقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم . أنشد كم الله أيها الرهط ، أتعلمون أن الذى شتمتموه منذ اليوم ، صلى القبلتين كليهما وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة ، وتعبد اللات والعزى غواية ! وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كليهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان ، وأنت يا معاوية بإحداهما كافر ، وبالاخرى ناكث ! وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا ، وأنك يا معاوية وأباك

[ 289 ]

من المؤلفة قلوبهم ، تسرون الكفر ، وتظهرون الاسلام ، وتستمالون بالاموال ! وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله ، يوم بدر ، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه ، ثم لقيكم يوم أحد ويوم الاحزاب ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومعك ومع أبيك راية الشرك ، وفى كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته ، وينصر دعوته ، ويصدق حديثه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله في تلك المواطن كلها عنه راض وعليك وعلى أبيك ساخط ! وأنشدك الله يا معاوية ، أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر ، وأنت تسوقه ، وأخوك عتبة هذا يقوده ، فرأكم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : (اللهم العن الراكب والقائد والسائق !) . أتنسى يا معاوية الشعر الذى كتبته إلى أبيك لما هم أن يسلم ، تنهاه عن ذلك : يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا * بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا خالي وعمى وعم الام ثالثهم * وحنظل الخير قد أهدى لنا الارقا لا تركنن إلى أمر تكلفنا * والراقصات به في مكه الخرقا فالموت أهون من قول العداة : لقد * حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا والله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت . وأنشدكم الله أيها الرهط ، أتعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل فيه : (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) (1) ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أكابر أصحابه إلى بنى قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا ، فبعث عليا بالراية ، فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله ، وفعل في خيبر مثلها !


(1) سورة المائدة 87 .

[ 290 ]

ثم قال : يا معاوية أظنك لاتعلم أنى أعلم مادعا به عليك رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد أن يكتب كتابا إلى بنى خزيمة ، فبعث إليك [ ابن عباس ، فوجدك تأكل ، ثم بعثه إليك مرة أخرى فوجدك تأكل ، فدعا عليك الرسول بجوعك ] (1) ونهمك إلى أن تموت . وأنتم إيها الرهط : نشدتكم الله ، ألا تعلمون أن رسول الله صلى إليه عليه وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها . أولها : يوم لقى رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا من مكة إلى الطائف ، يدعو ثقيفا إلى الدين ، فوقع به وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده ، وهم أن يبطش به ، فلعنه الله ورسوله وصرف عنه . والثانية يوم العير ، إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وهى جائية من الشام ، فطردها أبو سفيان ، وساحل بها ، فلم يظفر المسلمون بها ، ولعنه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ودعا عليه ، فكانت وقعة بدر لاجلها . والثالثه يوم أحد ، حيث وقف تحت الجبل ، ورسول الله صلى الله عليه وآله في أعلاه ، وهو ينادى : اعل هبل ! مرارا ، فلعنه رسول الله صلى الله عليه وآله عشر مرات ، ولعنه المسلمون . والرابعة يوم جاء بالاحزاب وغطفان واليهود ، فلعنه رسول الله وابتهل . والخامسة يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن المسجد الحرام ، والهدى معكوفا أن يبلغ محله ، ذلك يوم الحديبية ، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان ، ولعن القادة والاتباع ، وقال : (ملعونون كلهم ، وليس فيهم من يؤمن) ، فقيل : يارسول الله ، أفما يرجى الاسلام لاحد منهم فكيف باللعنة ؟ فقال : (لا تصيب اللعنة أحدا من الاتباع ، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد) .


(1) زبادة يقتضيها السياق ، أخذت عن قصة حاءت في ترجمة معاوية في أسد الغابة 4 : 386 هما عن صحيح مسلم . (*)

[ 291 ]

والسادسة يوم الجمل الاحمر . والسابعة يوم وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة ليستنفروا ناقته ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، منهم أبو سفيان . فهذالك يا معاوية . وأما أنت يابن العاص ، فإن أمرك مشترك ، وضعتك أمك مجهولا ، من عهر وسفاح ، فيك أربعة من قريش ، فغلب عليك جزارها ، الامهم حسبا ، وأخبثهم منصبا ، ثم قام أبوك فقال : أنا شانئ محمد الابتر ، فأنزل الله فيه ما أنزل . وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جيع المشاهد ، وهجوته وآذيته بمكة وكدته كيدك كله ، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة . ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة ، لتأتى بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة ، فلما أخطاك ما رجوت ورجعك الله خائبا ، وأكذبك واشيا ، جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد ، فوشيت به إلى النجاشي ، حسدا لما ارتكب ، مع حليلتك ، ففضحك الله وفضح صاحبك . فأنت عدو بنى هاشم في الجاهلية والاسلام . ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون إنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (اللهم إنى لا أقول الشعر ولا ينبغى لى ، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة) ، فعليك إذا من الله مالا يحصى من اللعن . وأما ذكرت من أمر عثمان ، فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ، ثم حلقت بفلسطين ، فلما أتاك قتله ، قلت : أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحه أدميتها . ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه ، فلسنا نلومك على بغض ولا نعاتبك على ود ، وبالله

[ 292 ]

ما نصرت عثمان حيا ولا غضبت له مقتولا ، ويحك يابن العاص ! ألست القائل في بنى هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي : تقول ابنتى أين هذا الرحيل * وما السير منى بمستنكر فقلت : ذريني فإنى امرؤ * أريد النجاشي في جعفر لاكويه عنده كية * أقيم بها نخوة الاصعر وشانئ أحمد من بينهم * وأقولهم فيه بالمنكر وأجرى إلى عتبة جاهدا * ولو كان كالذهب الاحمر ولا أنثنى عن بنى هاشم * وما اسطعت في الغيب والمحضر فإن قبل العتب منى له * وإلا لويت له مشفرى فهذا جوابك ، هل سمعته ! وأما أنت يا وليد ، فوالله ما الومك على بغض على ، وقد جلدك ثمانين في الخمر ، وقتل أباك بين يدى رسول الله صبرا ، وأنت الذى سماه الله الفاسق ، وسمى عليا المؤمن ، حيث تفاخرتما فقلت له : اسكت يا على ، فأنا أشجع منك جنانا ، وأطول منك لسانا ، فقال لك على : اسكت ، ياوليد فأنا مؤمن وأنت فاسق . فأنزل الله تعالى في موافقة قوله : (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) (1) ، ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا : (أن جاء كم فاسق بنبأ فتبينوا) (2) . ويحك يا وليد ! مهما نسيت ، فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه : أنزل الله والكتاب عزيز * في على وفى الوليد قرانا


(1) سورة السجدة 18 . (2) سورة الحجرات 6 . (*)

[ 293 ]

فتبوا الوليد إذ ذاك فسقا * وعلى مبوا إيمانا ليس من كان مؤمنا عمرك الله * كمن كان فاسقا خوانا سوف يدعى الوليد بعد قليل * وعلى إلى الحساب عيانا فعلى يجزى بذاك جنانا * ووليد يجزى بذاك هوانا رب جد لعقبة بن أبان * لابس في بلادنا تبانا (1) وما أنت وقريش ؟ أنما أنت علج من أهل صفورية ، وأقسم بالله لانت أكبر في الميلاد ، وأسن ممن تدعى إليه . وأما أنت يا عتبة ، فوالله ما أنت بحصيف فأجيبك ، ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك ، وما عندك خير يرجى ، ولا شر يتقى ، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء ، وما يضر عليا لو سببته على رءوس الاشهاد ! وأما وعيدك إياى بالقتل ، فهلا قتلت اللحيانى إذا وجدته على فراشك ! أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك : يا للرجال وحادث الازمان * ولسبة تخزى أبا سفيان نبئت عتبة خانه في عرسه * جبس لئيم الاصل من لحيان وبعد هذا ما أربا بنفسى عن ذكره لفحشه ، فكيف يخاف أحد سيفك ، ولم تقتل فاضحك ؟ وكيف ألومك على بغض على ، وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر ، وشرك حمزة في قتل جدك عتبة ، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد ! وأما أنت يا مغيرة ، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه ، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة : استمسكى ، فإنى طائرة عنك ، فقالت النخلة : وهل علمت بك واقعة على فأعلم بك طائرة عنى !


(1) التبان : سراويل صغيرة (معرب : تمبان بالفارسية) يكون للملاحين . (*)

[ 294 ]

والله ما نشعر بعداوتك إيانا ، ولا اغتممنا إذ علمنا بها ، ولا يشق علينا كلامك ، وإن حد الله في الزنا لثابت عليك ، ولقد درأ عمر عنك حقا ، الله سائله عنه ! ولقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله : هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها ؟ فقال : (لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا) ، لعلمه بأنك زان . وأما فخركم علينا بالامارة : فإن الله تعالى يقول : (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا . ثم قام الحسن فنفض ثوبه ، وانصرف ، فتعلق عمرو بن العاص بثوبه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، قد شهدت قوله في وقذفه أمي بالزنا ، وأنا مطالب له بحد القذف . فقال معاوية : خل عنه لا جزاك الله خيرا . فتركه . فقال معاوية : قد أنباكم أنه ممن لا نطاق عارضته ، ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني ، والله ما قام حتى أظلم على البيت ، قوموا عنى ، فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم ، وعدولكم عن رأى الناصح المشفق . والله المستعان . [ عمرو بن العاص ومعاوية ] وروى الشعبى ، قال : دخل عمرو بن العاص على معاوية يسأله حاجد ، وقد كان بلغ معاوية عنه ما كرهه فكره قضاءها ، وتشاغل ، فقال عمرو : يا معاوية ، إن السخاء فطنة واللؤم تغافل ، والجفاء ليس من أخلاق المؤمنين ، فقال معاوية : يا عمرو : بماذا تستحق منا قضاء الحوائج العظام ؟ فغضب عمرو وقال : بأعظم حق وأوجبه ، إذ كنت في بحر عجاج ، فلولا عمرو لغرقت في أقل مائه وأرقه ، ولكني دفعتك فيه دفعة فصرت في وسطه ، ثم دفعتك فيه أخرى فصرت في أعلى المواضع منه ، فمضى حكمك ، ونفذ أمرك وانطلق


(1) سورة الاسراء 16 . (*)

[ 295 ]

لسانك بعد تلجلجه ، وأضاء وجهك بعد ظلمته ، وطمست لك الشمس بالعهن المنفوش ، وأظلمت لك القمر بالليلة المدلهمة . فتناوم معاوية وأطبق جفنيه مليا ، فخرج عمرو ، فاستوى معاوية جالسا وقال لجلسائه : أرأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل ؟ ما عليه لو عرض ، ففى التعريض ما يكفى ! ولكنه جبهنى بكلامه ، ورماني بسموم سهامه . فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين : إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال : إما أن يكون السائل لقضاء الحاجة مستحقا فتقضى له بحقه ، وإما أن يكون السائل لئيما فيصون الشريف نفسه عن لسانه فيقضى حاجته ، وإما أن يكون المسئول كريما فيقضيها لكرمه ، صغرت أو كبرت . فقال معاوية : لله أبوك ! ما أحسن ما نطقت ، وبعث إلى عمرو فأخبره ، وقضى حاجته ووصله بصلة جليلة ، فلما أخذها ولى منصرفا . فقال معاوية : (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) (1) فسمعها عمرو ، فالتفت إليه مغضبا وقال : والله يا معاوية ، لاأزال آخذ منك قهرا ، ولا أطيع لك أمرا ، وأحفر لك بئرا عميقا ، إذا وقعت فيه لم تدرك إلا رميما (2) . فضحك معاوية ، فقال : ما أريدك يا أبا عبد الله بالكلمة ، وإنما كانت آية تلوتها من كتاب الله عرضت بقلبي فاصنع ما شئت . [ عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص في مجلس معاوية ] وروى المدائني قال : بينا معاوية يوما جالسا عنده عمرو بن العاص ، إذ قال الاذن : قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ، فقال عمرو : والله لاسوءنه اليوم ، فقال معاوية : لا تفعل يا أبا عبد الله ، فإنك لا تنصف منه ، ولعلك أن تظهر لنا من منقبته ما هو خفى عنا ، وما لا نحب أن نعلمه منه .


(1) سورة التوبة 58 . (2) الرميم : البالى من العظام . (*)

[ 296 ]

وغشيهم عبد الله بن جعفر ، فأدناه معاوية وقربه ، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من على عليه السلام جهارا غير ساتر له ، وثلبه ثلبا قبيحا . فالتمع لون عبد الله بن جعفر واعتراه أفكل (1) حتى ارعدت خصائله ، ثم نزل عن السرير كالفنيق (2) ، فقال عمرو : مه يا أبا جعفر ! فقال له عبد الله : مه لا أم لك ! ثم قال : أظن الحلم دل على قومي * وقد يتجهل الرجل الحليم . ثم حسر عن ذراعيه ، وقال : يا معاوية ، حتام نتجرع غيظك ؟ وإلى كم الصبر على مكروه قولك ، وسيئ أدبك ، وذميم أخلاقك ؟ هبلتك الهبول (3) ! أما يزجرك ذمام المجالسة عن القذع لجليسك ، إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك عمالا يجوز لك ! أما والله لو عطفتك أواصر الارحام ، أو حاميت على سهمك من الاسلام ، ما أرعيت بنى الاماء المتك (4) ، والعبيد الصك أعراض قومك . وما يجهل موضع الصفوة (5) إلا أهل الجفوة ، وإنك لتعرف وشائظ (6) قريش وصبوة غرائزها ، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين ، ومحاربأ أمير المؤمنين ، إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه . فاقصد لمنهج الحق ، فقد طال عمهك (7) عن سبيل الرشد ، وخبطك في بحور ظلمة الغى .


(1) الافكل : الرعدة ، والخصائل : كل لحمة فيها عصب . (2) الفنيق : الفعل المكرم الذيلايؤذى لكرامته . (3) الهبول ، بالفنح : المرأة الثكول . (4) المتك : جمع متكاء ، وهى الجارية البظراء وهو مما يسب به . (5) صفوة القوم : خيارهم . (6) يقال : هو وشيظة في قومه ، وجمعه وشائظ ، أي حشوفيهم . (7) ب : (عماك) . (*)

[ 297 ]

فإن أبيت ألا تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك ، فأعفنا من سوء القالة فينا ، إذا ضمنا وإياك الندى ، وشأنك وما تريد إذا خلوت ، والله حسيبك ، فوالله لولا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك . ثم قال : إنك إن كلفتني ما لم أطق ، ساءك ما سرك منى من خلق . فقال معاوية : يا أبا جعفر ، أقسمت عليك لتجلسن ، لعن الله من أخرج ضب صدرك من وجاره . محمول لك ما قلت ، ولك عندنا ما أملت ، فلولم يكن محمدك ومنصبك لكان خلقك وخلقك شافعين لك إلينا ، وأنت ابن ذى الجناحين وسيد بنى هاشم . فقال عبد الله : كلا ، بل سيد بنى هاشم حسن وحسين ، لا يناز عهما في ذلك أحد . فقال : أبا جعفر ، أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة ما كانت ، ولو ذهبت بجميع ما أملك ، فقال : أما في هذا المجلس فلا ، ثم انصرف . فأتبعه معاوية بصره ، وقال : والله لكأنه رسول الله صلى الله عليه وآله ، مشيه وخلقه وخلقه ، وإنه لمن مشكاته ، ولوددت أنه أخى بنفيس ما أملك . ثم التفت إلى عمرو ، فقال : أبا عبد الله ، ما تراه منعه من الكلام معك ؟ قال : مالا خفاء به عنك ، قال : أظنك تقول إنه هاب جوابك ، لا والله ، ولكنه ازدراك واستحقرك ، ولم يرك للكلام أهلا ، أما رأيت إقباله على دونك ذاهبا بنفسه عنك ؟ فقال عمرو : فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه ؟ قال معاوية اذهب إليك أبا عبد الله ، فلات حين جواب سائر اليوم . ونهض معاوية وتفرق الناس . * * *

[ 298 ]

[ عبد الله بن العباس ورجالات قريش في مجلس معاوية ] وروى المدائني أيضا قال : وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة ، فقال معاوية لابنه يزيد ، ولزياد بن سمية وعتبة بن أبى سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن أم الحكم : إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس ، وما كان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ، ولقد كان نصبه للتحكيم فدفع عنه ، فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته ، ونقف على كنه معرفته ، ونعرف ما صرف عنا من شبا حده ، وزوى عنا من دهاء رأيه) فربما وصف المرء بغير ما هو فيه ، وأعطى من النعت والاسم ما لا يستحقة . ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس ، فلما دخل واستقر به المجلس ، ابتدأه ابن أبى سفيان فقال : يابن عباس ، ما منع عليا أن يوجه بك حكما ؟ فقال : أما والله لو فعل لقرن عمرا بصعبة من الابل ، يوجع كفه (1) مراسها ، ولاذهلت عقله ، وأجرضته بريقه ، وقدحت في سويداء قلبه ، فلم يبرم أمرا ، ولم ينفض ترابا ، إلا كنت منه بمرأى ومسمع ، فإن أنكأه أدميت قواه ، وإن أدمه فصمت عراه ، بغرب مقول لا يقل حده ، وأصاله رأى كمتاح الاجل لا وزر منه ، أصدع به أديمه وأفل به شبا حده وأشحذ به عزائم المتقين ، وأزيح به شبه الشاكين . فقال عمرو بن العاص : هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم أول الشر ، وأفول آخر الخير ، وفى حسمه قطع مادته ، فبادره بالحملة ، وانتهز منه الفرصة ، واردع بالتنكيل به غيره ، وشرد به من خلفه . فقال ابن عباس : يابن النابغة ، ضل والله عقلك وسفه حلمك ، ونطق الشيطان على لسانك ، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال ، وتكافح الابطال ،


(1) (1) : (كفيه) . (*)

[ 299 ]

وكثرت الجراح ، وتقصفت الرماح ، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصلولا ، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا ، فلما رأيت الكواشر من الموت ، أعددت حيلة السلامة قبل لقائه ، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه ، فمنحته - رجاء النجاة - عورتك ، وكشفت له خوف بأسه سوأتك ، حذرا أن يصطلمك بسطوته ، ويلتهمك بحملته ، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته ، وحسنت له التعرض لمكافحته ، رجاء أن تكتفى مؤنته ، وتعدم صورته ، فعلم غل صدرك ، وما انحنت عليه من النفاق أضلعك ، وعرف مقر سهمك في غرضك . فاكفف غرب لسانك ، واقمع عوراء لفظك ، فإنك لمن أسد خادر (1) وبحر زاخر إن تبرزت للاسد افترسك ، وإن عمت في البحر قمسك (2) . فقال مروان بن الحكم : يابن عباس إنك لتصرف أنيابك ، وتورى نارك ، كأنك ترجو الغلبة وتؤمل العافية ، ولو لا حلم أمير المؤمنين عنكم لتناولكم بأقصر أنامله ، فأوردكم منهلا بعيدا صدره ، ولعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم ، ولئن عفا عن جرائركم فقديما ما نسب إلى ذلك . فقال ابن عباس : وإنك لتقول ذلك يا عدوالله ، وطريد رسول الله ، والمباح دمه ، والداخل بين عثمان ورعيته ، بما حملهم على قطع أوداجه ، وركوب أثباجه ! أما والله لو طلب معاوية ثأره لاخذك به ، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره . وأما قولك لى : (إنك لتصرف أنيابك ، وتورى نارك) ، فسل معاوية وعمرا يخبراك ليلة الهرير ، كيف ثباتنا للمثلات ، واستخفافنا بالمعضلات ، وصدق جلادنا عند المصاولة وصبرنا


(1) أسد خادر : مقيم في خدره . (2) فمسك : غمسك ، وفى (ا) : (غمسك) . (*)

[ 300 ]

على اللاواء والمطاولة ، ومصافحتنا بجباهنا السيوف 4 المرهفة ، ومباشرتنا بنحورنا حد الاسنة ، هل خمنا (1) عن كرائم تلك المواقف ؟ أم لم نبذل مهجنا للمتالف ؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود ، ولا يوم مشهود ، ولا أثر معدود ، وإنهما شهدا ما لو شهدت لاقلقك فاربع على ظلعك ، ولا تتعرض لما ليس لك ، فإنك كالمغروز في صفد ، لا يهبط برجل ، ولا يرقى بيد . فقال زياد : يابن عباس ، إنى لاعلم ما منع حسنا وحسينا من الوفود معك على أمير المؤمنين إلا ما سولت لهما أنفسهما ، وغرهما به من هو عند البأساء سلمهما ، وايم الله لو وليتهما لادأبا في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما ، ولقل بمكانهما لبثهما . فقال ابن عباس : إذن والله يقصر دونهما باعك ، ويضيق بهما ذراعك ، ولو رمت ذلك لوجدت من دونهما فئة صدقا ، صبرا على البلاء ، لا يخيمون عن اللقاء ، فلعركوك بكلاكلهم ، ووطئوك بمناسمهم ، وأوجروك مشق رماحهم ، وشفار سيوفهم ووخز أسنتهم ، حتى تشهد بسوء ما أتيت ، وتتبين ضياع الحزم فيما جنيت ، فحذار حذار من سوء النية فتكافأ برد الامنية ، وتكون سببا لفساد هذين الحيين بعد صلاحهما ، وسعيا في اختلافها ، بعد ائتلافهما ، حيث لا يضرهما إبساسك ولا يغنى عنهما إيناسك . فقال عبد الرحمن بن أم الحكم : لله در ابن ملجم ! فقد بلغ الامل ، وأمن الوجل ، وأحد الشفرة والان المهرة ، وأدرك الثار ، ونفى العار ، وفاز بالمنزلة العليا ، ورقى الدرجة القصوى . فقال ابن عباس : أما والله : لقد كرع كأس حتفه بيده ، وعجل الله إلى النار بروحه ،


(1) خمنا : ضعفنا . (*)

[ 301 ]

ولو أبدى لامير المؤمنين صفحته لخالطه الفحل القطم (1) ، والسيف الخذم (2) ، ولالعقه صابا ، وسقاه سما ، وألحقه بالوليد وعتبة وحنظلة ، فكلهم كان أشد منه شكيمة ، وأمضى عزيمة ، ففرى بالسيف هامهم ، ورملهم (3) بدمائهم ، وقرى الذئاب أشلاءهم ، وفرق بينهم وبين أحبائهم : (أولئك حصب جهنم هم لها واردون) ، وهل (تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ، ولا غرو إن ختل ، ولا وصمة إن قتل ، فإنا لكما قال دريد بن الصمة : فإنا للحم السيف غير مكره * ونلحمه طورا وليس بذى نكر (4) يغار علينا واترين فيشتفى * بنا إن أصبنا ، أو نغير على وتر فقال المغيرة بن شعبة : أما والله لقد أشرت على على بالنصيحة فاثر رأيه ، ومضى على غلوائه ، فكانت العاقبة عليه لاله ، وإنى لاحسب أن خلقه يقتدون بمنهجه . فقال ابن عباس : كان والله أمير المؤمنين عليه السلام أعلم بوجوه الرأى ومعاقد الحزم ، وتصريف الامور ، من أن يقبل مشورتك ، فيما نهى الله عنه ، وعنف عليه ، قال سبحانه : (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله . . .) (5) إلى آخر الاية ، ولقد وقفك على ذكر مبين ، وآية متلوة قوله تعالى (وما كنت متخذ المضلين


(1) القطم : الفحل الصئول . (2) الخذم : القاطم . (3) رملهم : لطخهم . (4) من كلمة له في الاغانى 10 : 5 (طبعة الدار) ، وفى الاغانى : * غير نكيرة . . . ونلحمه حينا * ولحمه ، أي أطعمه اللحم . (5) سورة المجادلة 22 . (*)

[ 302 ]

عضدا) (1) ، وهل كان يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين وفئ المؤمنين ، من ليس بمأمون عنده ، ولا موثوق به في نفسه ؟ هيهات هيهات ! هو أعلم بفرض الله وسنة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلا للتقية ، ولات حين تقية ! مع وضوح الحق ، وثبوت الجنان ، وكثرة الانصار ، يمضى كالسيف المصلت في أمر الله ، مؤثرا لطاعة ربه ، والتقوى على آراء أهل الدنيا . فقال يزيد بن معاوية . يابن عباس ، إنك لتنطق بلسان طلق ينبئ عن مكنون قلب حرق ، فاطو ما أنت عليه كشحا ، فقد محا ضوء حقنا ظلمة باطلكم . فقال ابن عباس : مهلا يزيد ، فوالله ماصفت القلوب لكم منذ تكدرت بالعداوة (2) عليكم ، ولا دنت بالمحبة إليكم مذنأت بالبغضاء عنكم ، ولا رضيت اليوم منكم ما سخطت بالامس من أفعالكم ، وإن تدل الايام نستقض ماسد عنا ، ونسترجع ما ابتزمنا ، كيلا بكيل ، ووزنا بوزن ، وإن تكن الاخرى فكفى بالله وليا لنا ، ووكيلا على المعتدين علينا . فقال معاوية : إن في نفسي منكم لحزازات يا بنى هاشم ، وأنى لخليق أن أدرك فيكم الثار ، وأنفى العار ، فإن دماءنا قبلكم ، وظلامتنا فيكم . فقال ابن عباس : والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أسدا مخدرة ، وأفاعي مطرقة ، لايفثؤها كثرة السلاح ، ولا يعضها نكاية الجراح ، يضعون أسيافهم على عواتقهم ، يضربون قدما قدما من ناوأهم ، يهون عليهم نباح الكلاب وعواء الذئاب ،


(1) سورة الكهف 51 (2) ساقطة من ب . (*)

[ 303 ]

لا يفاتون بوتر ، ولا يسبقون إلى كريم ذكر ، قد وطنوا على الموت أنفسهم ، وسمت بهم إلى العلياء هممهم ، كما قالت الازدية : قوم إذا شهدوا الهياج فلا * ضرب ينهنههم ولا زجر وكأنهم آساد غينة قد * غرثت وبل متونها القطر . فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك ، وكان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك ، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم ، وبذلوا دونك مهجهم ، حتى إذا ذاقوا وخز الشفار ، وأيقنوا بحلول الدمار ، رفعوا المصاحف مستجيرين بها ، وعائذين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء ، تسفى عليك رياحها ، ويعتورك ذبابها . وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ، ولا إزالتك عن معقود نيتك ، لكن الرحم التى تعطف عليك ، والاوامر التى توجب صرف النصيحه إليك . فقال معاوية : لله درك يابن عباس ! ما تكشف الايام منك إلا عن سيف صقيل ، ورأى أصيل ! وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ، ولو لم يكن لاهلك سواك لكان الله قد كثرهم . ثم نهض ، فقام ابن عباس وانصرف . * * * وروى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه ، أن عمرو بن العاص قال لعتبة أن أبى سفيان يوم الحكمين : أما ترى ابن عباس ، قد فتح عينيه ، ونشر أذنيه ، ولو قدر أن يتكلم بهما فعل ، وإن غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته ، وهى ساعتنا الطولى فاكفنيه . قال عتبة بجهدي .

[ 304 ]

قال : فقمت فقعدت إلى جانبه ، فلما أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه بالحديث ، فقرع يدى ، وقال : ليست ساعة حديث . قال : فأظهرت غضبا ، وقلت : يابن عباس ، إن ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا ، وقد والله تقدم من قبل العذر ، وكثر منا الصبر ، ثم أقذعته فجاش لى مرجله وارتفعت أصواتنا ، فجاء القوم فأخذوا بأيدينا فنحوه عنى ونحونى عنه ، فجئت فقربت من عمرو بن العاص ، فرمانى بمؤخر عينيه أي : ما صنعت ؟ فقلت : كفيتك التقوالة ، فحمحم كما يحمحم الفرس للشعير . قال : وفات ابن عباس أول الكلام ، فكره أن يتكلم في آخره . وقد ذكرنا نحن هذا الخبر فيما تقدم في أخبار صفين على وجه آخر غير هذا الوجه . * * * [ عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص في الحبشة ] فأما خبر عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومى ، أخى خالد بن الوليد مع عمرو بن العاص فقد ذكره ابن إسحق في كتاب المغازى قال : كان عمارة بن الوليد بن المغيرة وعمرو بن العاص بن وائل ، بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله ، خرجا إلى أرض الحبشة على شركهما ، وكلاهما كان شاعرا عارما فاتكا . وكان عمارة بن الوليد رجلا جميلا وسيما تهواه النساء ، صاحب محادثة لهن . فركبا البحر ومع عمرو بن العاص امرأته ، حتى إذا صاروا في البحر ليالى أصابا من خمر معهما ، فلما انتشى عمارة قال لامرأة عمرو بن العاص : قبلينى ، فقال لها عمرو : قبلى ابن عمك ، فقبلته فهويها عمارة ، وجعل يراودها عن نفسها ، فامتنعت منه . ثم إن عمرا جلس على منجاف (1)


(1) المنجاف : سكان السفينة . (*)

[ 305 ]

السفينة يبول ، فدفعه عمارة في البحر فلما وقع عمروسبح ، حتى أخذ بمنجاف السفينة ، فقال له عمارة : أما والله لو علمت أنك سابح ما طرحتك ، ولكننى كنت أظن أنك لا تحسن السباحة ، فضغن عمرو عليه في نفسه ، وعلم أنه كان أراد قتله ، ومضيا على وجههما ذلك ، حتى قدما أرض الحبشة . فلما نزلاها كتب عمرو إلى أبيه العاص بن وائل : أن اخلعني وتبرا من جريرتي إلى بنى المغيرة وسائر بنى مخزوم ، وخشى على أبيه أن يتبغ بجريرته . فلما قدم الكتاب على العاص بن وائل ، مشى إلى رجال بنى المغيرة وبنى مخزوم ، فقال : إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم ، وكلاهما فاتك صاحب شر ، غير مأمونين على أنفسهما ، ولا أدرى ما يكون منهما ، وإنى أبرأ إليكم من عمرو وجريرته ، فقد خلعته . فقال عند ذلك بنو المغيرة وبنو مخزوم : وأنت تخاف عمرا على عمارة ! ونحن فقد خلعنا عمارة وتبرأنا إليك من جريرته ، فحل بين الرجلين . قال قد فعلت ، فخلعوهما وبرئ كل قوم من صاحبهم وما يجرى منه . قال : فلما اطمأنا بأرض الحبشة ، لم يلبث عمارة بن الوليد أن دب لامرأة النجاشي ، وكان جميلا صبيحا وسيما ، فادخلته ، فاختلف إليها ، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره ، فيقول عمرو : لا أصدقك أنك قدرت على هذا ، إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك ، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره - وكان عمرو قد علم صدقه ، وعرف أنه دخل عليها ، ورأى من حاله وهيئته وما تصنع المرأة به إذا كان معها ، وبيتوتته عندها ، حتى يأتي إليه مع السحر ما عرف به ذلك ، وكانا في منزل واحد ، ولكنه كان يريد أن يأتيه بشئ لا يستطاع دفعه ، إن هو رفع شأنه إلى النجاشي - فقال له في بعض

[ 306 ]

ما يتذاكران من أمرها : إن كنت صادقا ، فقل لها : فلتدهنك بدهن النجاشي الذى لا يدهن به غيره ، فإنى أعرفه ، وائتنى بشئ منه حتى أصدقك ، قال : أفعل . فجاء في بعض ما يدخل إليها ، فسألها ذلك ، فدهنته منه ، وأعطته شيئا في قارورة ، فلما شمه عمرو عرفه ، فقال : أشهد أنك قد صدقت ! لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط ، [ ونلت من (1) ] امرأة الملك [ شيئا (1) ] ما سمعنا بمثل هذا . وكانوا أهل جاهلية وشبانا ، وذلك في أنفسهم فضل لمن أصابه وقدر عليه . ثم سكت عنه (2 حتى اطمان ، ودخل على النجاشي 2) ، فقال : أيها الملك ، إن معى سفيها من سفهاء قريش ، وقد خشيت أن يعرنى (3) عندك أمره ، وأردت أن أعلمك بشانه ، وألا أرفع ذلك إليك حتى أستثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر . وهذا دهنك قد أعطته وادهن به . فلما شم النجاشي الدهن قال : صدقت ، هذا دهنى الذى لا يكون إلا عند نسائى ، فلما أثبت أمره ، دعا بعمارة ، ودعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه ، ثم أمرهن أن ينفخن في إحليله ، ثم خلى سبيله . فخرج هاربا في الوحش ، فلم يزل في أرض الحبشة ، حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ، فخرج إليه رجال من بنى المغيرة ، منهم عبد الله بن أبى ربيعه بن المغيرة ، وكان اسم عبد الله قبل أن يسلم بجيرا ، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله ، فرصدوه على ماء بأرض الحبشة ، كان يرده مع الوحش ، فزعموا أنه أقبل حمر من حمر الوحش ليرد معها ، فلما وجد ريح الانس ، هرب منه ، حتى إذا أجهده العطش ، ورد فشرب حتى تملا ، وخرجوا في طلبه .


(1) تكملة من الاغانى . (2 - 2) الاغانى : (حتى إذا اطمأن دخل على النجاشي) . (3) عره : لطخه بالعيب ، وفى ا : (يغيرنى) ، وما أثبته عن الاغانى . (*)

[ 307 ]

قال عبد الله بن أبى ربيعة : فسبقت إليه فالتزمته ، فجعل يقول : أرسلني ، إنى أموت إن أمسكتني . قال عبد الله : فضبطته (1) فمات في يدى مكانه ، فواروه ثم انصرفوا . وكان شعره - فيما يزعمون - قد غطى كل شئ منه ، فقال عمرو بن العاص ، يذكر ما كان صنع به وما أراد من امرأته : تعلم عمار أن من شر سنة * على المرء أن يدعى ابن عم له ابنما أن كنت ذا بردين أحوى مرجلا * فلست براع لابن عمك محرما إذا المرء لم يترك طعاما يحبه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه يسيرا وأصبحت * إذا ذكرت أمثالها تملا الفما (2) [ أمر عمرو بن العاص مع جعفر بن أبى طالب في الحبشة ] وأما خبر عمرو بن العاص في شخوصه إلى الحبشة ، ليكيد جعفر بن أبى طالب والمهاجرين من المؤمنين عند النجاشي ، فقد رواه كل من صنف في السيرة . قال محمد بن إسحاق في كتاب المغازى ، قال : حدثنى محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري ، عن أبى بكر بن عبد الرحمن ، بن الحارث بن هشام المخزومى ، عن أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة المخزومية ، زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله ، قالت : لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار ، النجاشي ، أمنا (3) على ديننا ، وعبدنا الله لا نؤذى كما كنا نؤذى بمكة ، ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا


(1) في الاغانى : (فضغطته) . (2) الخبر والشعر في الاغانى 9 : 57 - 59 (طبعة الدار) (3) في الاصول (أمننا) ، وما أثبته من السيرة . (*)

[ 308 ]

بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي في أمرنا رجلين منهم جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منه الادم . فجمعوا أدما كثيرا ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هديه . ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبى ربيعة ابن المغيرة المخزومى ، وعمرو بن العاص بن وائل السهمى ، وأمروهما أمرهم ، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته ، قبل أن تكلما النجاشي فيهم . ثم قدما إلى النجاشي ، ونحن عنده في خير دار عند خير جار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته ، قبل أن يكلما النجاشي ، ثم قالا للبطارقة : إنه قد فر (1) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك أشراف قومهم لنردهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم . فقالوا لهما : نعم . ثم إنهما قربا (2) هدايا الملك إليه فقبلها منهم ، ثم كلماه ، فقالا له : أيها الملك قد فر إلى بلادك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، جاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا فيهم إليك أشراف قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردهم عليهم ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاينوه منهم . قالت أم سلمة : ولم يكن شئ أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص ، من أن يسمع النجاشي كلامهم . فقالت بطارقة الملك وخواصه فقالت بطارقة الملك وخواصه حوله : صدقا أيها الملك ، قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم


(1) السيرة : (ضوى) ، أي أوى (2) السيرة (قدما) ، (*)

[ 309 ]

بما عابوا عليهم فليسلمهم الملك إليهما ، ليرادهم (1) إلى بلادهم وقومهم . فغضب الملك وقال : لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما ، ولا أخفر (2) قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على سواى ، حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما وورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني . قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمناه ، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وآله كائنا [ في ذلك ] (3) ما هو كائن ، فلما جاءوه ، وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال لهم : ماهذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا في دينى ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ قالت أم سلمة : وكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب فقال له : أيها الملك ، إنا كنا قوما في جاهليه نعبد الاصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتى الفواحش ، ونقطع الارحام ، ونسئ الجوار ، ويأكل القوى منا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث الله عزوجل علينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا عليه نحن وآباؤنا من دونه ، من الحجارة والاوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الامانة ، وصلة الرحم ، وحسن التجاور ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن سائر الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا ، وبالصلاة وبالزكاة والصيام .


(1) السيرة : (فليرداهم) . (2) في السيرة : (ولا يكاد قوم) . (3) من السيرة (*)

[ 310 ]

قالت (1) : فعدد عليه أمور الاسلام كلها ، فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الاصنام والاوثان عن عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلدك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك . فقال النجاشي : فهل معك مما جاء به صاحبكم عن الله شئ ؟ فقال جعفر : نعم . فقال اقرأه على فقرا عليه صدرا من (كهيعص) فبكى حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم (2) . ثم قال النجاشي : والله إن هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، والله لا أسلمكم إليهم . قالت أم سلمة : فلما خرج القوم من عنده ، قال عمرو بن العاص (3 : والله لاعيبهم غدا عنده بما يستأصل به خضراءهم 3) ، فقال له عبد الله بن أبى ربيعة - وكان أتقى الرجلين : لا تفعل ، فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفوا . قال : والله لاخبرنه غدا انهم يقولون في عيسى بن مريم : إنه عبد ثم غدا عليه من الغد ، فقال : أيها الملك ، إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه : فأرسل إليهم . قالت أم سلمة : فما نزل بنا مثلها . واجتمع المسلمون وقال بعضهم لبعض : ما تقولون في عيسى إاذا سالكم عنه ؟ فقال جعفر بن أبى طالب : نقول فيه والله ما قال عزوجل ، وما جاء به نبينا عليه السلام ، كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال جعفر : نقول إنه عبد الله


(1) في الاصول : (قال) ، وما أثبته من السيرة . (2) السيرة : (أخضلو مصاحفهم) . (3 - 3) السيرة :) والله لانينه غدا عنه بما أستأصل به خضراءهم ، أي جماعتهم) . (*)

[ 311 ]

ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قالت : فضرب النجاشي يديه على الارض ، وأخذ منها عودا ، وقال : ما عدا عيسى بن مريم ما قال هذا العود . قالت : فقد كانت بطارقته تناخرت حوله ، حين قال جعفر ما قال ، فقال لهم النجاشي : وإن تناخرتم ! ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتم (سيوم) بأرضى ، أي آمنون ، من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، ما أحب أن لى دبرا (1) ذهبا وأنى آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة : الجبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لى فيها ، فوالله ما أخذ الله منى الرشوة ، حتى ردنى إلى ملكى . فاخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في أفأطعيهم فيه ؟ قالت : فخرج الرجلان من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده في (2) خير دار مع خير جار ، فوالله إنا لعلى ذلك ، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه . قالت أم سلمة : فوالله ما أصابنا خوف وحزن قط كان أشد من خوف وحزن نزل بنا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي ، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان يعرف منه . قالت : وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ فقال الزبير بن العوام : أنا وكان من أحدث المسلمين (3) سنا ، فنفخوا له قربة فجعلناها تحت صدره ، ثم سبح


(1) في الصول : (دينا) ، والصواب من السيرة (2) السيرة : (بخير) . (3) لسيرة : (القوم) . (*)

[ 312 ]

عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التى بها يلتقى القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم . قالت : ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوة والتمكين له في بلاده ، فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن ، إذ طلع الزبير يسعى ويلوح بثوبه ويقول : ألا أبشروا ، فقد ظهر النجاشي وأهلك الله عدوه . قالت : فو الله ما أعلمنا فرحنا فرحة مثلها قط ، ورجع النجاشي ، وقد أهلك الله عدوه وتمكن ومكن له في بلاده ، واستوثق له أمر الحبشة ، فكنا عنده في خير منزل ودار إلى أن رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة (1) . * * * وروى عن عبد الله بن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال : لقد كاد عمرو بن العاص عمنا جعفرا بأرض الحبشة عند النجاشي ، وعند كثير من رعيته بأنواع الكيد ردها الله تعالى عنه بلطفه ، رماه بالقتل والسرق والزنا فلم يلصق به شئ من تلك العيوب ، لما شاهده القوم من طهارته وعبادته ونسكه وسيما النبوة عليه ، فلما نبا معوله عن صفاته ، هيأ له سما قذفه إليه في طعام ، فأرسل الله هرا كفأ تلك الصحفة ، وقد مد يده نحو ثم مات لوقته وقدأ كل منها . فتبين لجعفر كيده وغائلته فلم يأكل بعدها عنده ، وما زال ابن الجزار عدوا لنا أهل البيت . * * * [ أمر عمرو بن العاص في صفين ] وأما خبر عمرو في صفين واتقائه حملة على عليه السلام ، بطرحه نفسه على الارض وإبداء سوأته : فقد ذكره كل من صنف في السير كتابا ، وخصوصا الكتب الموضوعة لصفين .


(1) الخبر في سيرة بن هشام 1 : 211 - 213 (على هامش الروض الانف) (*)

[ 313 ]

قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى عمرو ، وعن عبد الرحمن بن حاطب ، قال (1) : كان عمرو بن العاص عدوا للحارث بن نضر الخثعمي (2) ، وكان من أصحاب على عليه السلام ، وكان على عليه السلام قد تهيبته فرسان الشام ، وملا قلوبهم بشجاعته ، وامتنع كل منهم من الاقدام عليه . وكان عمرو قلما جلس مجلسا إلا ذكر فيه الحارث بن نضر الخثعمي وعابه ، فقال الحارث : ليس عمرو بتارك ذكره الحا * رث بالسوء أو يلاقي عليا (3) واضع السيف فوق منكبه الاي‍ * من لا يحسب الفوارس شيا ليت عمرا يلقاه في حومه النق * ع وقد أمست السيوف عصيا (4) حيث يدعو للحرب حاميه القو * م إذا كان بالبراز مليا (5) فالقه إن أردت مكرمة الده‍ * ر أو الموت كل ذاك عليا . فشاعت هذه الابيات حتى بلغت عمرا ، فأقسم بالله ليلقين عليا ولو مات ألف موتة . فلما اختلطت الصفوف لقيه فحمل عليه برمحه ، فتقدم على عليه السلام وهو مخترط سيفا


(1) صفين 481 وما بعدها (2) صفين : (الحشمى) . (3) صفين : ليس عمرو بتارك ذكره الخر * ب مدى الدهر أو يلاق عليا (4) صفين : (صارت السيوف) (5) بعده في صفين : فوق شهب مثل السحوق من النخل ينادى المبارزين إليا ثم يا عمرو نستريح من الفجر وتلقى به فتى هاشميا

[ 314 ]

معتقل رمحا ، فلما رهقه همز فرسه ليعلو عليه ، فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الارض شاغرا برجليه ، كاشفا عورته ، فانصرف عنه لافتا وجهه مستدبرا له ، فعد الناس ذلك من مكارمه وسؤدده ، وضرب بها المثل . * * * قال نصر : وحدثني محمد بن إسحاق ، قال : اجتمع (1) عند معاوية في بعض ليالى صفين عمرو بن العاص ، وعتبة بن أبى سفيان ، والوليد بن عقبة ، ومروان بن الحكم ، وعبد الله ابن عامر ، وابن طلحة الطلحات الخزاعى ، فقال عتبة : إن أمرنا وأمر على بن أبى طالب لعجب ! ما فينا إلا موتور مجتاح (2) . أما أنا فقتل جدى عتبة بن ربيعة ، وأخى حنظلة وشرك في دم عمى شيبة يوم بدر . وأما أنت ياوليد ، فقتل أباك صبرا . وأما أنت يا بن عامر ، فصرع أباك وسلب عمك . وأما أنت يا بن طلحة ، فقتل أباك يوم الجمل ، وأيتم إخوتك . وأما أنت يامروان فكما قال الشاعر : وأفلتهن علباء جريضا * ولو أدركنه صفر الوطاب (3) . فقال : معاوية هذا الاقرار فأين الغير (4) ؟ قال مروان : وأى غير تريد ؟ قال : أريد أن تشجروه بالرماح . قال : والله يا معاوية ، ما أراك إلا هاذيا أو هازئا ، وما ارانا إلا ثقلنا عليك ، فقال ابن عقبة : يقول لنا معاوية بن حرب * أما فيكم لواتركم طلوب يشد على أبى حسن على * بأسمر لا تهجنه الكعوب


(1) صفين 475 وما بعدها (2) صفين : (محاج) . (3) لامرئ القيس ، . . . علباء : قاتل والد امرئ القيس ، والجريض : الذى يؤخذ بريقه . صفر وطابه ، كناية عن القتل . (4) الغير : جمع غيور ، الغيرة : المحبة .

[ 315 ]

فيهتك مجمع اللبات منه * ونقع الحرب مطرد يؤوب فقلت له : أتلعب يابن هند * كأنك بيننا رجل غريب ! أتغرينا بحية بطن واد * إذا نهشت ، فليس لها طبيب وما ضبع يدب ببطن واد * أتيح له به أسد مهيب بأضعف حيلة منا إذا ما * لقيناه ولقياه عجيب سوى عمرو وقته خصيتاه * وكان لقلبه منه وجيب كان القوم لما عاينوه * خلال النقع ، ليس لهم قلوب لعمر أبى معاوية بن حرب * وما ظنى ستلحقه العيوب لقد ناداه في الهيجا على * فأسمعه ولكن لا يجيب . فغضب عمرو ، وقال : إن كان الوليد صادقا فليلق عليا ، أو فليقف حيث يسمع صوته . وقال عمرو : يذكرنى الوليد دعا على * ونطق المرء يملؤه الوعيد متى تذكر مشاهده قريش * يطر من خوفه القلب السديد فأما في اللقاء فأين منه * معاوية بن حرب والوليد ! وعيرني الوليد لقاء ليث * إذا ما شد هابته الاسود لقيت ولست أجهله عليا * وقد بلت من العلق اللبود فاطعنه ويطعنى خلاسا * وماذا بعد طعنته أريد ! فرمها منه يابن أبى معيط * وأنت الفارس البطل النجيد وأقسم لو سمعت ندا على * لطار القلب وانتفخ الوريد

[ 316 ]

ولو لاقيته شقت جيوب * عليك ، ولطمت فيك الخدود . * * * وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب في باب بسر بن أرطاة قال (1) : كان بسر من الابطال الطغاة ، وكان مع معاوية بصفين ، فأمره أن يلقى عليا عليه السلام في القتال ، وقال له : إنى سمعتك تتمنى لقاءه ، فلو أظفرك الله به وصرعته حصلت على الدنيا والاخرة (2) ، ولم يزل يشجعه ويمنيه حتى رأى عليا في الحرب ، فقصده ، والتقيا فصرعه على عليه السلام ، (3 وعرض له معه مثل ما عرض له مع عمرو بن العاص في كشف السوأة 3) . قال أبو عمر : وذكر ابن الكلبى في كتابه في أخبار صفين ، أن بسر بن أرطاة بارز عليا يوم صفين ، فطعنه على عليه السلام فصرعه ، فانكشف له ، فكف عنه ، كما عرض له مثل (4) ذلك مع عمرو بن العاص . قال : وللشعراء فيهما أشعار مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب ، منها فيما ذكر ابن الكلبى والمدائني قول الحارث بن نضر الخثعمي (5) ، وكان عدوا لعمرو بن العاص وبسر بن أرطاة : أفى كل يوم فارس لك ينتهى * وعورته وسط العجاحة باديه يكف لها عنه على سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاويه


(1) الاستيعاب 67 (2) الاستيعاب : (دنيا وآخرة) . (3 - 3) الاستيعاب : (وعرض على كرم الله وجهه معه مثل ما عرض فيما ذكر مع عمرو بن العاص) (4) الاستيعاب : (فيما ذكر) . (5) الاستيعاب : (السهمى) .

[ 317 ]

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه * وعورة بسر مثلها حذو حاذيه فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا * لنفسكما ، لاتلقيا الليث ثانيه ولا تحمدا إلا الحيا خصاكما * هما كانتا والله للنفس واقيه ولولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها إلى العود ناهيه متى تلقيا الخيل المغيرة صبحة * وفيها على فاتركا الخيل ناحيه وكونا بعيدا حيث لا يبلغ القنا * نحوركما إن التجارب كافيه . * * * وروى الواقدي قال : قال معاوية يوما بعد استقرار الخلافة له لعمرو بن العاص : يا أبا عبد الله ، لا أراك إلا ويغلبنى الضحك . قال : بماذا ؟ قال : اذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين ، فأزريت نفسك فرقا من شبا سنانه ، وكشفت سوأتك له : فقال عمرو : أنا منك أشد ضحكا ، إنى لاذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك ، وربا لسانك في فمك ، وغصصت بريقك ، وارتعدت فرأئصك ، وبدا منك ما أكره ذكره لك : فقال معاوية : لم يكن هذا كله ، وكيف يكون ودوني عك والاشعريون ! قال : إنك لتعلم أن الذى وصفت دون ما أصابك ، وقد نزل ذلك بك ودونك عك والاشعريون ، فكيف كانت حالك لو جمعكما مأقط (1) الحرب ؟ فقال : يا أبا عبد الله ، خض بنا الهزل إلى الجد ، إن الجبن والفرار من على لا عار على أحد فيهما . * * *


(1) المأقط : موضع القتال .

[ 318 ]

[ القول في إسلام عمرو بن العاص ] فأما القول في إسلام عمرو بن العاص ، فقد ذكره محمد بن إسحاق في كتاب المغازى قال : حدثنى زيد بن أبى حبيب ، عن راشد مولى حبيب بن أبى أوس الثقفى ، عن حبيب ابن أبى أوس ، قال : حدثنى عمرو بن العاص من فيه ، قال : لما انصرفنا من الخندق ، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيى ، ويسمعون منى ، فقلت لهم : والله إنى لارى أمر محمد يعلو الامور علوا منكرا ، وإنى قد رأيت رأيا ، فما ترون فيه ؟ فقالوا : ما رأيت فقلت : أرى أن نلحق بالنجاشى ، فنكون عنده ، فإن ظهر محمد على قومه أقمنا عند النجاشي ، فأن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدى محمد ، فإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا ، [ فلن يأتنا منهم إلا خير ] (1) . قالوا : إن هذا الرأى ، فقلت : فاجمعوا ما نهدى له ، وكان أحب (2) ما يأتيه من أرضنا الادم . فجمعنا له أدما كثيرا ، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه ، فو الله إنا لعنده ، إذ قدم عمرو بن أمية الضمرى ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ، بعثه إليه في شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه . قال : فدخل عليه ، ثم خرج من عنده ، فقلت لاصحابي : هذا عمرو بن أمية ، لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه ، فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت (3) عنها حين قتلت رسول محمد ، قال فدخلت عليه ، فسجدت له ، فقال : مرحبا بصديقي


(1) من سيرة ابن هشام (2) السيرة : (ما يهدى إليه) . (3) أجزأت عنها : قمت مقامها .

[ 319 ]

أهديت إلى من بلادك شيئا ؟ قلت : نعم أيها الملك ، قد أهديت لك أدما كثيرة ، ثم قربته إليه ، فأعجبه واشتهاه ، ثم قلت له : أيها الملك ، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك ، وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لاقتله ، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا . فغضب الملك ، ثم مد يده ، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره ، فلو انشقت لى الارض لدخلت فيها فرقا منه ، ثم قلت : أيها الملك ، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سالتكه ، فقال : أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الاكبر الذى كان يأتي موسى لتقتله ؟ فقلت أيها الملك ، أكذلك هو ؟ فقال : أي والله ! أطعنى ويحك واتبعه ، فإنه والله لعلى حق ، وليظهرن على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده ، قلت : فبايعني له على الاسلام ، فبسط يده ، فبايعته على الاسلام ، وخرجت عامدا لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما قدمت المدينة جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد أسلم خالد ابن الوليد ، وقد كان صحبني في الطريق إليه ، فقلت : يارسول الله ، أبايعك على أن تغفر لى ما تقدم من ذنبي ، ولم أذكر ما تأخر ، فقال : بايع يا عمرو ، فإن الاسلام يجب ما قبله ، وإن الهجرة تجب ما قبلها ، فبايعته وأسلمت (6) . وذكر أبو عمر في الاستيعاب : أن إسلامه كان سنة ثمان ، وأنه قدم وخالد ابن الوليد وعثمان بن طلحة المدينة ، فلما رآهم رسول الله ، قال : رمتكم مكة بأفلاذ كبدها . [ بعث رسول الله عمرا إلى ذات السلاسل ] قال : وقد قيل إنه أسلم بين الحديبية وخيبر ، والقول الاول أصح . قال أبو عمر : وبعث رسول الله عمرا إلى ذات السلاسل من بلاد قضاعة في ثلثمائة ، وكانت أم العاص بن وائل من بلى ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عمرا إلى أرض بلى


(1) سيرة ابن هشام 3 : 319 . (*)

[ 320 ]

وعذرة ، يتألفهم بذلك ويدعوهم إلى الاسلام ، فسار حتى إذا كان على ماء أرض جذام ، يقال له : السلاسل - وقد سميت تلك الغزاه ذات السلاسل - خاف فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يستنجد ، فأمده بجيش فيه مائتا فارس ، فيه أهل الشرف والسوابق من المهاجرين والانصار ، فيهم أبو بكر وعمر ، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ، فلما قدموا على عمرو ، قال عمرو : أنا أميركم وإنما أنتم مددى ، فقال أبو عبيدة بل أنا أمير من معى وأنت أمير من معك ، فأبى عمرو ذلك ، فقال أبو عبيدة : إن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلى ، فقال : إذا قدمت إلى عمرو ، فتطاوعا ولا تختلفا ، فإن خالفتني أطعتك ، قال عمرو : فإنى أخالفك ، فسلم إليه أبو عبيدة وصلى خلفه في الجيش كله ، وكان أميرا عليهم وكانوا خمسمائة . [ ولايات عمرو في عهد الرسول والخلفاء ] قال أبو عمر : ثم ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله عمان ، فلم يزل عليها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعمل لعمر وعثمان ومعاوية ، وكان عمر بن الخطاب ولاه بعد موت يزيد بن أبى سفيان فلسطين والاردن ، وولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء ، وولى سعيد بن عامر بن خذيم حمص . ثم جمع الشام كلها لمعاوية ، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر ، فسار إليها فافتتحها ، فلم يزل عليها واليا حتى مات عمر فأمره عثمان عليها أربع سنين ونحوها ، ثم عزله عنها وولاها عبد الله بن سعد العامري (1) . قال أبو عمر : ثم إن عمرو بن العاص ادعى على أهل الاسكندرية أنهم قد نقضوا العهد الذى كان عاهدهم ، فعمد إليها فحارب أهلها وافتتحها ، وقتل المقاتلة وسبى الذرية ، فنقم ذلك عليه عثمان ، ولم يصح عنده نقضهم العهد ، فأمر برد السبى الذى سبوا من القرى إلى مواضعهم ، وعزل عمرا عن مصر ، وولى عبد الله بن سعد بن أبى سرح العامري


(1) الاستيعاب 435 (*)

[ 321 ]

مصر بدله ، فكان ذلك بدو الشر بين عمرو بن العاص وعثمان بن عفان ، فلما بدا بينهما من الشر مابدا ، اعتزل عمروفى ناحية فلسطين بأهله ، وكان يأتي المدينة أحيانا ، فلما استقر الامر لمعاوية بالشام ، بعثه إلى مصر بعد تحكيم الحكمين فافتتحها ، فلم يزل بها إلى أن مات أميرا عليها ، في سنة ثلاث وأربعين ، وقيل سنة اثنتين وأربعين ، وقيل سنة ثمان وأربعين ، وقيل سنة إحدى وخمسين . قال أبو عمر : والصحيح أنه مات في سنة ثلاث وأربعين ، ومات يوم عيد الفطر من هذه السنة وعمره تسعون سنة ، ودفن بالمقطم من ناحية السفح ، وصلى عليه ابنه عبد الله ، ثم رجع فصلى بالناس صلاة العيد ، فولاه معاوية مكانه ، ثم عزله وولى مكانه أخاه عتبة بن أبى سفيان . قال أبو عمر : وكان عمرو بن العاص من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية ، مذكورا فيهم بذلك ، وكان شاعرا حسن الشعر ، وأحد الدهاة المتقدمين في الرأى والذكاء ، وكان عمر بن الخطاب إذا استضعف رجلا في رأيه وعقله ، قال : أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد . يريد خالق الاضداد (1) . * * * [ نبذ من كلام عمرو بن العاص ] ونقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية تنسب إلى عمرو بن العاص ، استحسنتها وأوردتها ، لانى لا أجحد لفاضل فضله ، إن كان دينه عندي غير مرضى . فمن كلامه : ثلاث لا أملهن : جليسى ما فهم عنى ، وثوبى ما سترني ، ودابتي ما حملت رحلى .


(1) الاستيعاب 432 (*)

[ 322 ]

وقال لعبد الله بن عباس بصفين : إن هذا الامر الذى نحن وأنتم (1 فيه ، ليس بأول أمر قاده البلاء ، وقد بلغ الامر منا ومنكم ما ترى ، وما أبقت لنا هذه الحرب حياة ولا صبرا ، ولسنا نقول : ليت الحرب عادت ، ولكنا 1) نقول : ليتها لم تكن كانت ! فافعل فيما بقى بغير ما مضى ، فإنك رأس هذا الامر بعد على ، وإنما هو آمر مطاع ، ومأمور مطيع ، ومبارز مأمون ، وأنت هو . ولما نصب معاوية قميص عثمان على المنبر ، وبكى أهل الشام حوله ، قال : قد هممت أن أدعه على المنبر ، فقال له عمرو : إنه ليس بقميص يوسف ، إنه إن طال نظرهم إليه ، وبحثوا عن السبب وقفوا على ما لا تحب أن يقفوا عليه ، ولكن لذعهم بالنظر إليه في الاوقات . وقال : ما وضعت سرى عند أحد فأفشاه فلمته ، لانى أحق باللوم منه إذ كنت أضيق به صدرا منه . وقال : ليس العاقل الذى يعرف الخير من الشر ، لكن العاقل من يعرف خير الشرين . وقال عمر بن الخطاب لجلسائه يوما وعمر وفيهم : ما أحسن الاشياء ؟ فقال كل منهم ما عنده ؟ فقال : ما تقول أنت يا عمرو ؟ فقال : * الغمرات ثم ينجلينا (1) * وقال لعائشة : لوددت أنك قتلت يوم الجمل ، قالت : ولم لا أبالك ! قال : كنت تموتين بأجلك ، وتدخلين الجنة ، ونجعلك أكبر التشنيع على على بن أبى طالب عليه السلام . وقال لبنيه ، يا بنى ، اطلبوا العلم ، فإن استغنيتم كان جمالا ، وإن افتقرتم كان مالا . ومن كلامه : أمير عادل خير من مطر وابل ، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم ، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم ، وزلة الرجل عظم يجبر ، وزلة اللسان لا تبقى ولا تذر . واستراح من لا عقل له .


(1 - 1) ساقط من ب ، ج ، وأثبته من ا (2) البيت من رجز للاغلب العجلى ، جمهرة الامثال 150

[ 323 ]

وكتب إليه عمر يسأله عن البحر ، فكتب إليه : خلق عظيم يركبه خلق ضعيف . دود على عود ، بين غرق ونزق . وقال لعثمان وهو يخطب على المنبر : يا عثمان ، إنك قد ركبت بهذه الامة نهاية من الامر ، وزغت فزاغوا ، فاعتدل أو اعتزل . ومن كلامه : استوحش من الكريم الجائع ، ومن اللئيم الشبعان ، فإن الكريم يصول إذا جاع ، واللئيم يصول إذا شبع . وقال : جمع العجز إلى التوانى فنتج بينهما الندامة ، وجمع الجبن إلى الكسل فنتج بينهما الحرمان . * * * وروى عبد الله بن عباس ، قال : دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر ، فقلت : يا أبا عبد الله ، كنت تقول : أشتهى أنى أرى عاقلا يموت حتى أسأله كيف تجد . قال : أجد المساء كأنها مطبقة على الارض وأنا بينهما ، وأرانى كأمما أتنفس من خرق إبرة ، ثم قال : برئ فأعتذر ، ولاقوى فأتنصر ، ولكن لا إله إلا الله ، فجعل يرددها حتى فاض . وقد روى أبو عمر بن عبد البر هذا الخبر في كتاب الاستيعاب ، قال : لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة ، اللهم أمر تنى فلم أئتمر ، وزجر تنى فلم أنزجر . ووضع يده في موضع الغل ، ثم قال : اللهم لاقوى فأتنصر ، ولا برى فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ، لا إله إلا أنت . فلم يزل يرددها حتى مات . قال أبو عمر : وحدثني خلف بن قاسم ، قال : حدثنى بن الحسن بن رشيق ، قال : حدثنا الطحاوي ، قال : حدثنا المزني ، قال : سمعت الشافعي يقول : دخل ابن عباس على عمرو ابن العاص في مرضه ، فسلم عليه ، فقال : كيف أصبحتت يا أبا عبد الله ؟ قال : أصبحت وقد أصلحت من دنياى قليلا ، وأسدت من دينى كثيرا ، فلو كان الذى أصلحت هو الذى

[ 324 ]

أفسدت ، والذى أفسدت هو الذى أصلحت ، لفزت . ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فقد صرت كالمنخنق بين السماء والارض ، لا أرقي بيدين ، ولا أهبط برجلين ، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخى . فقال ابن عباس : هيهات أبا عبد الله ، صار ابن أخيك أخاك ، ولا تشاء أن تبلى إلا بليت (1) ، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم ؟ فقال عمرو على حينها ، من حين ابن بضع وثمانين تقنطني من رحمة ربى . اللهم إن ابن عباس يقنطنى من رحمتك ، فخذ منى حتى ترضى . فقال ابن عباس : هيهات أبا عبد الله ! أخذت جديدا وتعطى خلقا ، قال عمرو : مالى ولك يابن عباس ! ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها (2) ! * * * وروى أبو عمر في كتاب الاستيعاب أيضا عن رجال قد ذكرهم وعددهم : إن عمرا لما حضرته الوفاة ، قال له ابنه عبد الله وقد رآه يبكى : لم تبكى ؟ أجزعا من الموت ؟ قال : لا والله ، ولكن لما بعده . فقال له : لقد كنت على خير ، فجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفتوحه بالشام ، فقال له عمرو : تركت أفضل من ذلك : شهادة أن لا إله إلا الله ، إنى كنت على ثلاثة أطباق ، ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه ، كنت أول أمرى كافرا ، فكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه ، فلومت حينئذ وجبت لى النار ، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه ، كنت أشد الناس حياء منه ، فما ملات منه عينى قط ، فلومت يومئذ قال الناس : هنيئا لعمرو ! أسلم وكان على خير ، ومات على خير أحواله ، فسرحوا له بالجنة ، ثم تلبثت بعد ذلك بالسلطان وبأشياء ، فلا أدرى


(1) الاستيعاب : (أن تبكى إلا بكيت) . (2) الاستيعاب 436 . (*)

[ 325 ]

أعلى أم لى ؟ فإذا مت فلا تبكين على باكية ، ولا يتبعني نأئح ، ولا تقربوا من قبري نارا ، وشدوا على إزارى ، فإنى مخاصم ، وشنوا على التراب شنا ، فإن جنبى الايمن ليس بأحق من جنبى الايسر ، ولا تجعلوا في قبري خشبة ولا حجرا ، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها ، أستأنس بكم (1) * * * فإن قلت : فما الذى يقوله أصحابك المعتزلة في عمرو بن العاص ؟ قلت : إنهم يحكمون على كل من شهد صفين ، بما يحكم به على الباغى الخارج على الامام العادل ، ومذهبهم في صاحب الكبيرة إذا لم يتب معلوم . فإن قلت : أليس في هذه الاخبار ما يدل على توبته ، نحو قوله : (ولا مستكبر بل مستغفر) ، وقوله : (اللهم خذ منى حتى ترضى) ، وقوله : (أمرت فعصيت ، ونهيت فركبت) . وهذا اعتراف وندم ، وهو معنى التوبة ؟ قلت : إن قوله تعالى : (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الان) (2) يمنع من كون هذا توبة ، وشروط التوبة وأركانها معلومة ، وليس هذا الاعتراف والتأسف منها في شئ . وقال شيخنا أبو عبد الله : أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص ، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الايمان معصية ، ولذلك قال معاوية لمن قال له : حاربت من تعلم ، وارتكبت ما تعلم ، فقال : وثقت بقوله تعالى : (إن الله يغفر الذنوب جميعا) (3) .


(1) الاستيعاب 436 . (2) سورة النساء 18 . (3) سورة الزمر 53 . (*)

[ 326 ]

وإلى هذا المعنى أشار عمرو بقوله لابنه : تركت أفضل من ذلك ، شهادة أن لا إله إلا الله . * * * فأما ماكان يقوله عمرو بن العاص في على عليه السلام لاهل الشام : (إن فيه دعابة) ، يروم أن يعيبه بذلك عندهم ، فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها ، حتى جعلها أعداؤه عيبا له وطعنا عليه . قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في كتاب الامالى : كان عبد الله بن عباس عند عمر ، فتنفس عمر نفسا عاليا ، قال ابن عباس : حتى طننت أن أضلاعه قد انفرجت ، فقلت له : ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلا هم شديد . قال : إى والله يابن عباس ، إنى فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الامر بعدى . ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلا ؟ قلت : وما يمنعه من ذلك مع حهاده وسابقته وقرابته وعلمه ! قال : صدقت ، ولكنه امرؤفيه دعابة ، قلت : فأين أنت من طلحة ؟ قال : هو ذولبأو (1) بإصبعه المقطوعة . قلت : فعبد الرحمن ؟ قال : رجل ضعيف لو صار الامر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته . قلت : فالزبير ؟ قال شكس لقس (2) ، ويلاطم في البقيع في صاع من بر . قلت : فسعد بن أبى وقاص ؟ صاحب مقنب (3) وسلاح ، قلت : فعثمان ، قال : أوه أوه ، مرارا . ثم قال : والله لئن وليها ليحملن بنى أبى معيط على رقاب الناس ، ثم لتنهضن إليه العرب فتقبله . ثم قال : يابن عباس ، إنه لا يصلح لهذا الامر إلا حصيف العقدة ، قليل اغرة ، لا تأخذه في الله لومة لائم . يكون شديدا من غير عنف ، لينامن


(1) البأو : الكبر والفخر ، وفى اللسان : روى الفقهاء : (في طلحة بأواء) . (2) الشكس : الصعب الخلق ، واللقس العسر . (3) المقنب : جماعة الخيل .

[ 327 ]

غير ضعف ، جوادا من غير سرف ، ممسكا من غير وكف (1) . قال ابن عباس : وكانت هذه صفات عمر ، ثم أقبل على فقال : إن أحراهم أن يحملهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم لصاحبك ، والله لئن وليها ليحملنهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم . * * * واعلم أن الرجل ذا الخلق المخصوص لا يرى الفضيلة إلا في ذلك الخلق ، إلا ترى أن الرجل يبخل فيعتقد أن الفضيلة في الامساك ، والبخيل يعيب أهل السماح والجود ، وينسبهم إلى التبذير وإضاعة الحزم ، وكذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء وينسبهم إلى ضيق النفس وسوء الظن وحب المال ، والجبان يعتقد أن الفضيلة في الجبن ويعيب الشجاعة ويعتقد كونها خرقا وتغريرا بالنفس ، كما قال المتبنى : * يرى الجبناء أن الجبن حزم (1) * والشجاع يعيب الجبان وينسبه إلى الضعف ، ويعتقد أن الجبن ذل ومهانة ، وهكذا القول في جميع الاخلاق والسجايا المقتسمة بين نوع الانسان . ولما كان عمر شديد الغلظة وعر الجانب ، خشن الملمس دائم العبوس ، كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة وأن خلافه نقص ، ولو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة وسماحة الخلق ، لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة وأن خلافه نقص ، حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلى عليه السلام ، وخلق على حاصل له ، لقال في على : (لو لا شراسة فيه) . فهو غير ملوم عندي فيما قاله ، ولا منسوب إلى أنه أراد الغض من على ، والقدح


(1) الوكف : العيب . (2) ديوانه 239 وبقيته : * وتلك خدبعة الطبغ اللئيم *

[ 328 ]

فيه ، ولكنه أخبر عن خلقه ، ظانا أن الخلافة لا تصلح إلا لشديد الشكيمة ، العظيم الوعورة . وبمقتضى ما كان يظنه من هذا المعنى ، تمم خلافة أبى بكر بمشاركته إياه في جميع تدابيراته وسياسته وسائر أحواله ، لرفق وسهولة كانت في أخلاق أبى بكر ، وبمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده ، كان يشير على رسول الله صلى الله عليه وآله في مقامات كثيرة وخطوب متعدة ، بقتل قوم كان يرى قتلهم ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يرى استبقاءهم واستصلاحهم ، فلم يقبل عليه السلام مشورته على هذا الخلق . وأما إشارته عليه يوم بدر بقتل الاسرى حيث أشار أبو بكر بالفداء ، فكان الصواب مع عمر ونزل القرآن بموافقته ، فلما كان في اليوم الثاني وهو يوم الحديبيه أشار بالحرب ، وكره الصلح ، فنزل القرآن بضد ذلك ، فليس كل وقت يصلح تجريد السيف ، ولا كل وقت يصلح إغماده ، والسياسة لا تجرى على منهاج واحد ولا تلزم نظاما واحدا . وجملة الامر أنه رضى الله عنه لم يقصد عيب على عليه السلام ، ولا كان عنده معيبا ، ولا منقوصا . ألا ترى أنه قال في آخر الخبر : (إن أحرا هم وليها أن يحملهم على كتاب الله وسنة رسوله لصاحبك) ، ثم أكد ذلك بأن قال : (إن وليهم ليحملنهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم) ، فلو كان أطلق تلك اللفظة ، وعنى بها ما حملها عليه الخصوم ، لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله . * * * وأنت إذا تأملت حال على عليه السلام في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وجدته بعيدا عن أن ينسب إلى الدعابة والمزاح ، لانه لم ينقل عنه شئ من ذلك أصلا ، لافى كتب الشيعة ولا في كتب المحدثين ، وكذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين أبى بكر وعمر ، لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا يمكن أن يتعلق به متعلق في دعابته ومزاحه ، فكيف يظن

[ 329 ]

بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل ، ولا ندد به صديق وعدو ، وإنما أراد سهولة خلقه لا غير ، وظن أن ذلك مما يفضى به إلى ضعف إن ولى أمر الامة ، لاعتقاده أن قوام هذا الامر إنما هو بالوعورة ، بناء على ما قد ألفته نفسه ، وطبعت عليه سجيته ، والحال في أيام عثمان وأيام ولايته عليه السلام الامر ، كالحال فيما تقدم ، في أنه لم يظهر منه دعابة ، ولا مزاح يسمى الانسان لاجله ذا دعابة ولعب . ومن تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول ، وعرف أن عمرو بن العاص أخذ كلمة عمر إذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيبا ، وزاد عليها أنه كثير اللعب ، يعافس النساء ويمارسهن ، وأنه صاحب هزل . ولعمر الله لقد كان أبعد الناس من ذلك ، وأى وقت كان يتسع لعلى عليه السلام حتى يكون فيه على هذه الصفات ؟ فإن أزمانه كلها في العبادة والصلاة ، والذكر والفتاوى والعلم ، واختلاف الناس إليه في الاحكام وتفسير القرآن ، ونهاره كله أو معظمه مشغول بالصوم ، وليله كله أو معظمه مشغول بالصلاة . هذا في أيام سلمه ، فأما أيام حربه فبالسيف الشهير ، والسنان الطرير ، وركوب الخيل ، وقود الجيوش ، ومباشرة الحروب . ولقد صدق عليه السلام في قوله : (إننى ليمنعني من اللعب ذكر الموت) ، ولكن الرجل الشريف النبيل ، الذى لا يستطيع أعداؤه أن يذكروا له عيبا أو يعدوا عليه وصمة ، لابد أن يحتالوا ويبذلوا جهدهم في تحصيل أمر ما وإن ضعف ، يجعلونه عذرا لانفسهم في ذمه ، ويتوسلون به إلى أتباعهم في تحسينهم لهم مفارقته ، والانحراف عنه ، وما زال المشركون والمنافقون يصنعون لرسول الله صلى الله عليه وآله الموضوعات ، ينسبون إليه ما قد برأه الله عنه من العيوب والمطاعن ، في حياته وبعد وفاته إلى زماننا هذا ، وما يزيده الله سبحانه إلا رفعة وعلوا فغير منكر أن يعيب عليا عليه السلام عمرو بن العاص وأمثاله من أعدائه ، بما إذا تأمله المتأمل ، علم أنهم باعتمادهم عليه وتعلقهم به ، قد اجتهدوا في مدحه

[ 330 ]

والثناء عليه ، لانهم لو وجدوا عيبا غيرذلك لذكروه ، ولو بالغ أمير المؤمنين وبذل جهده في أن يثنى أعداؤه وشانئوه عليه من حيث لا يعلمون ، لم يستطع إلى أن يجد إلى ذلك طريقا ألطف من هذه الطريق التى أسلكهم الله تعالى فيها ، وهداهم إلى منهاجها ، فظنوا أنهم يغضون منه ، وإنما أعلوا شأنه ، ويضعون من قدره ، وإنما رفعوا منزلته ومكانه . * * * [ أقوال وحكايات في المزاح ] ونحن نذكر من بعد ، ما جاء في الاحاديث الصحاح والاثار المستفيضة ، المتفق على نقلها مزاح رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومزاح الاشراف والافاضل والاكابر من أصحابه والتابعين له ، ليعلم أن المزاح إذا لم يخرج عن القاعدة الشرعية لم يكن قبيحا . فأول ذلك ما رواه الناس قاطبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : (إنى أمزح ، ولا أقول إلا حقا) . وقيل لسفيان الثوري : المزاح هجنة ؟ فقال : بل هو سنة ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : (إنى أمزح ولا أقول إلا الحق) . وجاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لامرأة من الانصار : (الحقى زوجك فإن في عينه بياضا) ، فسعت نحوه مرعوبة ، فقال لها : ما دهاك ؟ فأخبرته ، فقال : نعم إن في عينى بياضا لا لسوء ، فخفضي عليك . فهذا من مزاح رسول الله صلى الله عليه وآله . وأتت عجوز من الانصار إليه عليه السلام ، فسألته أن يدعو الله تعالى لها بالجنة ، فقال : (إن الجنة لا تدخلها العجز) ، فصاحت ، فتبسم عليه السلام ، فقال : (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا) (1) .


(1) سورة الواقعة 35 . (*)

[ 331 ]

وفى الخبر أيضا : أن امرأة استحملته ، فقال : (إنا حاملوك إن شاء الله تعالى على ولد الناقة) ، فجعلت تقول : يارسول الله : وما أصنع بولد الناقة ؟ وهل يستطيع أن يحملنى ! وهو يبتسم ويقول : (لاأحملك إلا عليه) ، حتى قال لها أخيرا : (وهل يلد الابل إلا النوق ! وفى الخبر أنه عليه السلام مر ببلال وهو نائم ، فضربه برجله ، وقال : أنائمه أم عمرو فقال بلال مرعوبا ، فضرب بيده إلى مذاكيره ، فقال له : ما بالك ؟ قال : ظننت أنى تحولت امرأة . قيل : فلم يمزح رسول الله بعد هذه . وفى الخبر أيضا أن نغرا (1) كان لصبى من صبيان الانصار ، فطار من يده ، فبكى الغلام ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يمر به فيقول : (يا أبا عمير ، ما فعل النغير) ؟ والغلام يبكى وكان يمازح ابني بنته مزاحا مشهورا ، وكان يأخذ الحسين عليه السلام ، فيجعله على بطنه ، وهو عليه السلام نائم على ظهره ويقول له : حزقة حزقة ، ترق عين بقة (2) . وفى الحديث الصحيح المتفق عليه : أنه مر على أصحاب الدركلة وهم يلعبون ويرقصون فقال جدوا يا بنى أرفدة ، حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة . قال أهل اللغة : الدركلة ، بكسر الدال والكاف : لعبة للحبش فيها ترقص . وبنو أرفدة : جنس من الحبش يرقصون . وجاء في الخبر انه سابق عائشة فسبقته ، ثم سابقها فسبقها ، فقال : هذه بتلك . وفى الخبر أيضا أن أصحاب الزفافة وهم الراقصون ، كانوا يقمعون (3) باب حجرة عائشة ، فتخرج إليهم مستمعة ومبصرة ، فيخرج هو عليه السلام من ورائها مستترابها . وكان نعيمان ، وهو من أهل بدر ، أولع الناس بالمزاح عند رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) النغر : صغار الصافير . وانظر اللسان . (2) الحزقة : الضعيف الذى يقارب خطوه من ضعف . وعين بقة كناية عن صغر العين . وانظر اللسان 11 : 33 (3) يقمعون : يضريون . (*)

[ 332 ]

وكان يكثر الضحك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (يدخل الجنة وهو يضحك . وخرج نعيمان هو وسويبط بن عبد العزى وأبو بكر الصديق ، في تجارة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله هو وسويبط بن عبد العزى وأبو بكر الصديق ، في تجارة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بعامين ، وكان سويبط على الزاد ، فكان نعيمان يستطعمه فيقول : حتى يجئ أبو بكر ، بعامين ، وكان سويبط على الزاد ، فكان نعيمان يستطعمه فيقول : حتى يجئ أبو بكر ، فمر بركب من نجران ، فباعه نعيمان منهم على أنه عبد له بعشر قلائص ، وقال لهم : إنه ذولسان ولهجة ، وعساه يقول لكم : أنا حر ، فقالوا : لا عليك . وجاءوا إليه فوضعوا عمامته في عنقه ، وذهبوا به ، فلما جاء أبو بكر أخبر بذلك ، فرده وأعاد القلائص إليهم . فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه من ذلك سنة . وروى أن أعرابيا باع نعيمان عكة (1) عسل ، فاشتراها منه ، فجاء بها إلى بيت عائشة في يومها وقال : خذوها ، فظن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أهداها إليه ، ومضى نعيمان ، فنزل الاعرابي على الباب ، فلما طال قعوده نادى : يا هؤلاء ، إما أن تعطونا ثمن العسل أو تردوه علينا ، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله بالقصة ، وأعطى الاعرابي الثمن ، وقال لنعيمان : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : رأيتك يا رسول الله تحب العسل ، ورأيت العكة مع الاعرابي . فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينكر عليه . وسئل النخعي : هل كان أصحاب رسول الله يضحكون ويمزحون ؟ فقال : نعم والايمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسى . وجاء في الخبر أن يحيى عليه السلام لقى عيسى عليه السلام ، وعيسى متبسم ، فقال يحيى عليه السلام : مالى أراك لاهيا كأنك آمن ؟ فقال عليه السلام : مالى أراك عابسا


(1) العكة : زق السمن أو العسل .

[ 333 ]

كأنك آيس ؟ فقالا : لانبرح حتى ينزل علينا الوحى ، فأوحى الله إليهما : أحبكما إلى الطلق البسام ، أحسنكما ظنا بى . وروى عن كبراء الصحابة رضى الله تعالى عنهم أنهم كانوا يتمازحون ويتناشدون الاشعار ، فإذا خاضوا في الدين ، انقلبت حماليقهم ، وصاروا في صور أخرى . وروى أن عبد الله بن عمر قال لجاريته : خلقني خالق الخير ، وخلقك خالق الشر . فبكت ، فقال : لا عليك ، فإن الله تعالى هو خالق الخير وهو خالق الشر . قلت : يعنى بالشر المرض والغلاء ونحوهما . وكان ابن سيرين ينشد : نبئت أن فتاة كنت أخطبها * عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول (1) ثم يضحك حتى يسيل لعابه . وجاء عبد الرحمن بن عوف إلى باب عمر بن الخطاب ، فوجده مستلقيا على مرفقه له ، رافعا إحدى رجليه على الاخرى ، منشدا بصوت عال : وكيف ثوائى بالمدينة بعدما * قضى وطرا منها جميل بن معمر . فلما دخل عبد الرحمن وجلس ، قال : يا أبا محمد ، إنا إذا خلونا قلنا كما يقول الناس . وكان سعيد بن المسيب ينشد : لقد أصبحت عرس الفرزدق جامحا * ولو رضيت رمح استه لاستقرت (2) ويضحك حتى يستغرق . وكان يقال : لا بأس بقليل المزاح يخرج منه الرجل عن حد العبوس


(1) زهر الاداب 165 ، من غير نسبة . (2) لجرير ، ديوانه 88 (*)

[ 334 ]

ومن كلام بعض الادباء : ونحن نحمد الله إليك ، فإن عقدة الاسلام في قلوبنا صحيحة ، وأواخيه عندنا ثابتة ، وقد اجتهد قوم أن يدخلوا قلوبنا من مرض قلوبهم ، وأن يشوبوا يقيننا بشكهم ، فعصم الله منهم ، وحال توفيقه دونهم ، ولنا بعد مذهب في الدعابة جميل ، لا يشوبه أذى ولا قذى ، يخرج بنا إلى الانس من العبوس ، وإلى الاسترسال من القطوب ، ويلحقنا بأحرار الناس الذين ارتفعوا عن لبسة الرياء ، وأنفوا من التشوف بالتصنع . وقال ابن جريج : سألت عطاء عن القراءة على ألحان الغناء والحداء فقال لى : لا بأس بذلك ، حدثنى عبيد الله بن عمر الليثى ، أنه كان لداود النبي عليه السلام معزفة قد يضرب بها إذا قرا الزبور ، فتجمع إليه الطير والوحش ، فيبكى ويبكى من حوله . وقال جابر بن عبد الله الجعفي : رأيت الشعبى يقول لخياط يمازحه : عندنا حب مكسور وأحب أن تخيطه ، فقال الخياط : أحضر لى خيوطا من ريح لاخيطه لك . وسئل الشعبى : هل يجوز أن يؤكل الجنى لو ظفر به ؟ فقال : ليتنا نخرج منه كفافا (1) لالنا ولا علينا . وسأل إنسان محمد بن سيرين عن هشام بن حسان ، فقال : توفى البارحة ، أما شعرت ؟ فخرج يسترجع ، فلما رأى ابن سيرين جزعه ، قرا : (الله يتوفى الانفس حين موتها) (2) . وكان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته وأرفثهم وقد أباح الله تعالى الرفث إلى النساء ، فقال : (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم


(1) الكفاف : المثل . (2) سورة الزمر 42 .

[ 335 ]

وأنتم لباس لهن) (1) . وقال أهل اللغة : الرفث : القول الفاحش تخاطب به المرأة حال الجماع . ومر بالشعبي حمال على ظهره دن خل ، فوضع الدن وقال له : ما كان اسم امرأة إبليس ؟ فقال الشعبى : ذلك نكاح ما شهدناه . وقال عكرمة : ختن ابن عباس بنيه فأرسلني ، فدعوت اللعابين فلعبوا ، فأعطاهم أربعة دراهم . وتقدم رجلان إلى شريح في خصومة فأقر أحدهما بما ادعى عليه وهو لا يدرى ، فقضى شريح عليه ، فقال : أصلحك الله ! أتقضى على بغير بينة ؟ قال : بلى ، شهد عندي ثقة . قال ومن هو ؟ قال : ابن أخت خالتك . وجاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله مر بصهيب وهو أرمد يأكل تمرا ، فنهاه ، فقال : إنما آكله عن جانب العين الصحيحة يارسول الله ، فضحك منه ولم ينكر عليه . وفى الخبر أنه صلى الله عليه وآله مر بحسان بن ثابت ، وقد رش (2) أطماره ، وعنده جارية تغنيه : هل على ويحكما * إن لغوت من حرج فقال صلى الله عليه وآله : (لا حرج إن شاء الله) . وقيل : إن عبد الله بن جعفر قال لحسان بن ثابت في أيام معاوية : لو غنتك فلانة جاريتي صوت كذا لم تدرك ركابك ، فقال : يا أبا جعفر : (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) (3) .


(1) سورة البقرة 187 . (2) رش أطماره : غسلها . (3) سورة الحج 28 . (*)

[ 336 ]

وقال أسلم مولى عمر بن الخطاب : مر بى عمر وأنا وعاصم نغنى غناء النصب (1) ، فوقف وقال : أعيدا على ، فأعدنا عليه ، وقلنا : أينا أحسن صنعة يا أمير المؤمنين ؟ فقال : مثلكما كحماري العبادي ، قيل له : أي حماريك شر ؟ فقال : هذا ثم هذا . فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنا الاول من الحمارين ، فقال : أنت الثاني منهما . ومر نعيمان وهو بدرى بمخرمة بن نوفل في خلافة عثمان ، وقد كف بصره ، فقال : ألا يقودنى رجل حتى أبول ؟ فأخذ نعيمان بيده حتى صار به إلى مؤخر المسجد ، وقال : هاهنا فبل ، فبال فصاح به الناس ، فقال من قادني ؟ قيل : نعيمان ، قال : لله على أن أضربه بعصاي هذه . فبلغ نعيمان فأتاه ، فقال : بلغني أنك أقسمت لتضربن نعيمان فهل لك فيه ؟ قال : نعم ، قال : قم ، فقام معه حتى وافى به عثمان بن عفان وهو يصلى ، فقال : دونك الرجل ، فجمع محرمة يديه في العصا وضربه بها ، فصاح الناس : ويلك ، أمير المؤمنين ! قال : من قادني ؟ قالوا : نعيمان ، قال : ومالى ولنعيمان ؟ لا أعرض له أبدا ! وكان طويس يتغنى في عرس ، فدخل النعمان بن بشير الانصاري العرس وطويس يغنيهم : أجد بعمرة هجرانها * وتسخط أم شاننا شانها (2) . فأشاروا إليه بالسكوت ، فقال النعمان : دعوه إنه لم يقل بأسا ، إنما قال : وعمرة من سروات النساء * تنفح بالمسك أردانها . وعمرة هذة أم النعمان ، وفيها قيل هذا النسيب . وقد روى عن جماعة من الصحابة والتابعين اللعب بالنرد والشطرنج ، ومنهم من روى عنهم شرب النبيذ وسماع الغناء المطرب .


(1) نصب العرب : غناء يشبه الحداء ، إلا أن أرق (2) البيتان لقيس بن الخطيم ، ديوانه 7 ، 8

[ 337 ]

فأما أمير المؤمنين على عليه السلام ، فإذا نظرت إلى كتب الحديث والسير ، لم تجد أحدا من خلق الله ، عدوا ولا صديقا روى عنه شيئا من هذا الفن ، لا قولا ولا فعلا ، ولم يكن جد أعظم من جده ، ولا وقار أتم من وقاره ، وما هزل قط ولا لعب ، ولا فارق الحق والناموس الدينى سرا ولا جهرا ، وكيف يكون هازلا ، ومن كلامه المشهور عنه : (ما مزح امرؤ مزحإ إلا ومج معها من عقله مجة) ! ولكنه خلق على سجية لطيفة وأخلاق سهلة ، ووجه طلق ، وقول حسن ، وبشر ظاهر ، وذلك من فضائله عليه السلام ، خصائصه التى منحه الله بشرفها ، واختصه بمزيتها ، وإنما كانت غلظته وفظاظته فعلا لا قولا ، وضربا بالسيف لا جبها بالقول ، وطعنا بالسنان لا عضها باللسان (1) ، كما قال الشاعر : * * * وتسفه أيدينا ويحلم رأينا * ونشتم بالافعال ، لا بالتكلم [ فصل في حسن الخلق ومدحه ] فأما سوء الخلق فلم يكن من سجاياه ، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله : (خصلتان لا يجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق) . وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : (وإنك لعلى خلق عظيم) (2) ، وقال أيضا : (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (3) . وقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله : ما الشؤم ؟ فقال : سوء الخلق . وصحب جابر رجلا في طريق مكة ، فاذاه سوء خلقه ، فقال جابر : إنى لارحمه ، نحن ، نفارقة ويبقى معه سوء خلقه !


(1) يقال : جبهت فلانا ، إذا خاطبته بما يكره . والعضه : الرمى بالكذب اليهتان (2) سورة القلم 4 (3) سورة آل عمران 159 (*)

[ 338 ]

وقيل لعبد الله بن جعفر : كيف تجاور بنى زهرة وفى أخلاقهم زعارة (1) ؟ قال : لا يكون لى قبلهم شئ إلا تركته ، ولا يطلبون منى شيئا إلا أعطيتهم . وفى الحديث المرفوع أنه صلى الله عليه وآله قال : (ألا أنبئكم بشر الناس) ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : (من نزل وحده ، ومنع رفده ، وضرب عبده) ، ثم قال : (ألا أنبئكم بشر من ذلك) ؟ قالوا : بلى ، قال : (من لم يقل عثرة ، ولا يقبل معذرة) . وقال إبراهيم بن عباس الصولى : لو وزنت كلمة رسول الله صلى الله عليه وآله بمحاسن الخلق كلها لرجحت ، قوله : (إنكم لن تسعوا (2) الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) . وفى الخبر المرفوع : (حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه ، والزمام بيد الملك ، والملك يجره إلى الخير ، والخير يجره إلى الجنة ، وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه ، والزمام بيد الشيطان ، والشيطان يجره إلى الشر ، والشر يجره إلى النار) . وروى الحسن بن على عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله : (إن الرجل يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، وإنه ليكتب جبارا ولا يملك إلا أهله) . وروى أبو موسى الاشعري ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يمشى وامرأة بين يديه ، فقلت : الطريق لرسول الله صلى الله عليه ! فقالت : (الطريق معرض ، إن شاء أخذ يمينا وإن شاء أخذ شمالا . فقال صلى الله عليه وآله : (دعوها فإنها جبارة (3)) . وقال بعض السلف . الحسن الخلق ذو قرابة عند الاجانب ، والسيئ الخلق أجنبي عند أهله . ومن كلام الاحنف : ألا أخبركم بالمحمدة بلا مذمة : الخلق السجيح ، والكف عن القبيح . ألا أخبركم بأدوأ الداء ؟ الخلق الدنئ واللسان البذى) .


(1) الزعارة ، وتشدد الراء : شراسة الخلق . (2) في الاصول : (لن تشبعوا) ولفظ والحديث في الجامع الصغير 1 : 175 : (إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ، ولكن ليسعهم سط الوجه وحسن الخلق) . (3) جبارة ، أي مستكبرة عاتية . وانظر النهاية 1 : 142 (*)

[ 339 ]

وفى الحديث المرفوع : (أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن) . وجاء مرفوعا أيضا : (المؤمن هين لين كالجمل الانف ، إن قيد انقاد ، وإن أنيخ على صخرة استناخ) . وجاء مرفوعا أيضا : (ألا أخبركم باحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة ؟ أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون . ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة : الثرثارون المتفيهقون) . أبو رجاء العطاردي : من سره أن يكون مؤمنا حقا ، فليكن أذل من قعود ، كل من مر به ادعاه . فضيل بن عياض : لان يصحبني فاجر حسن الخلق ، أحب إلى من أن يصحبني عابد سيئ الخلق ، لان الفاسق إذا حسن خلقه خف على الناس وأحبوه ، والعابد إذا ساء خلقه ، ثقل على الناس ومقتوه . دخل فرقد ومحمد بن واسع على رجل يعودانه ، فجرى ذكر العنف والرفق ، فروى فرقد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قيل له : على من حرمت النار يارسول الله ؟ قال : (على الهين اللين السهل القريب) . فلم يجد محمد بن واسع بياضا يكتب ذلك فيه ، فكتبه على ساقه . عبد الله بن الدارانى : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب . عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب رفق) . وعنها ، عنه صلى الله عليه وآله : (من أعطى حظه من الرفق أعطى حظه من خير الدنيا والاخرة) .

[ 340 ]

جرير بن عبد الله البحلى رفعه : (إن الله ليعطى على الرفق ما لا يعطى على الخرق ، فإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق) . وكان يقال : (مادخل الرفق في شئ إلا زانه) . أبو عون الانصاري : ما تكلم الانسان بكلمة عنيفة إلا وإلى جانبها كلمه الين منها تجرى مجراها . سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقالت : كان خلقه القرآن : (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) . وسئل ابن المبارك عن حسن الخلق ، فقال : بسط الوجه ، وكف الاذى ، وبذل الندى . ابن عباس : إن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد ، وإن الخلق السيئ يفسد العمل ، كما يفسد الخل العسل . على عليه السلام : ما من شئ في الميزان أثقل من خلق حسن . وعنه عليه السلام : عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه . وعنه عليه السلام مرفوعا : عليكم بحسن الخلق ، فإنه في الجنة ، وإياكم وسوء الخلق فإنه في النار . قال المنصور لاخيه أبى العباس في بنى حسن لما أزمعوا الخروج عليه . آنسهم يا أمير المؤمنين بالاحسان ، فإن استوحشوا فالشر يصلح ما يعجز عنه الخير ، ولا تدع محمدا يمرح في أعنه العقوق . فقال أبو العباس : يا أبا جعفر ، إنه من شدد نفر ، ومن لان ألف ، والتغافل من سجايا الكرام . [ فصل في ذكر اسباب المادية الغلظة والفظاظة ونحن نذكر بعد كلاما كليا في سبب الغلظة والفظاظة ، وهو الخلق المنافى للخلق الذى كان عليه أمير المؤمنين ، فنقول :


(1) سورة الاعراف 199 .

[ 341 ]

إنه قد يكون لامر عائد إلى المزاج الجسماني ، وقد يكون لامر راجع إلى النفس : فأما الاول ، فإنما يكون من غلبة الاخلاط السوداوية وترمدها ، وعدم صفاء الدم وكثرة كدرته وعكره ، فإذا غلظ الدم وثخن غلظ الروح النفساني وثخن أيضا ، لانه متولد من الدم ، فيحدث منه نوع مما يحدث لاصحاب الفطرة ، من الاستيحاش والنبوة عن الناس وعدم الاستئناس والبشاشة ، وصار صاحبه ذا جفاء وأخلاق غليظة ، ويشبه أن يكون هذا سببا ماديا ، فإن الذى يقوى في نفسي أن النفوس إن صحت وثبتت مختلفة بالذات . وأما الراجع إلى النفس فأن يجتمع عندها أسقاط وأنصباء من قوى مختلفة مذمومة ، نحو أن تكون القوة الغضبية عندها متوافرة ، وينضاف إليها تصور الكمال في ذاتها و توهم النقصان في غيرها ، فيعتقد أن حركات غيره واقعة على غير 6 الصواب ، وأن الصواب ما توهمه . وينضاف إلى ذلك قلة أدب النفس وعدم الضبط لها واستحقارها للغير ، ويقل التوقير له ، وينضاف إلى ذلك لجاج وضيق في النفس وحدة واستشاطة وقلة صبر عليه ، فيتولد من مجموع هذه الامور خلق دنى ، وهو الغلظة والفظاظة والوعورة والبادرة المكروهة ، وعدم حبه الناس ، ولقاؤهم بالاذى وقلة المراقبة لهم ، واستعمال القهر في جميع الامور ، وتناول الامر من السماء ، وهو قادر على أن يتناوله من الارض . وهذا الخلق خارج عن الاعتدال ، وداخل في حيز الجور ، ولا ينبغى أن يسمى بأسماء المدح ، وأعنى بذلك أن قوما يسمون هذا النوع من العنف والخلق الوعر رجولية ، وشدة وشكيمة ، ويذهبون به مذهب قوه النفس وشجاعتها ، الذى هو بالحقيقة مدح . وشتان بين الخلقين ، فإن صاحب هذا الخلق الذى ذممناه تصدر عنه أفعال كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه ، على الاقرب فالاقرب من معامليه ، حتى ينتهى إلى عبيده وحرمه ، فيكون عليهم سوط عذاب ، لا يقيلهم عثرة ، ولا يرحم لهم عبرة ، وإن كانوا برآء الذنوب ، غير مجرمين ولا مكتسبي سوء ، بل يتجرم عليهم ، ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم ،

[ 342 ]

حتى يبسط يده ولسانه ، وهم لا يمتنعون منه ، ولا يتجاسرون على رده عن أنفسهم ، بل يذعنون له ويقرون بذنوب لم يقترفوها ، استكفافا لعاديته وتسكينا لغضبة ، وهو في ذلك يستمر على طريقتة لا يكف يدا ولا لسانا . وأصل هذا الخلق الذى ذكرناه أنه مركب من قوى مختلفة : من شدة القوة الغضبية ، فهى الحاملة لصاحب هذا الخلق على ما يصدر عنه من البادرة المكروهة والجبه والقحة ، وقد رأينا وشاهدنا من تشتد القوة الغضبية فيه ، فيتجاوز الغضب على نوع الانسان إلى البهائم التى لاتعقل وإلى الاواني التى لا تحس ، وربما قام إلى الحمار وإلى البرذون فضربهما ولكمهما ، وربما كسر الانية لشدة غضبه ، وربما عض القفل إذا تعسر عليه ، وربما كسر القلم إذا تعلقت به شعرة من الدواة واجتهد في إزالتها فلم تزل . ويحكى عن بعض ملوك اليونان المتقدمين : أنه كان يغضب على البحر إذا هاج واضطرب ، وتأخرت سفنه عن النفوذ فيه ، فيقسم بمعبوده ليطمنه وليطرحن الجبال فيه حتى يصير أرضا ، ويقف بنفسه على البحر ، ويهدده بذلك ، ويزجره زجرا عنيفا ، حتى تدر أوداجه ويشتد احمرار وجهه ، ومنهم من لا يسكن غضبه حتى يصب عليه ماء بارد أو حتى يبول ، ولهذا ورد في الشريعة الامر لمن اشتد غضبه أن يتوضا للصلاة ويصلى . وكان عمر بن الخطاب إذا غضب على واحد من أهله لا يسكن غضبه ، حتى يعض يده عضا شديدا حتى يدميها . * * * وذكر الزبير بن بكار في الموفقيات أن سرية جاءت لعبد الرحمن أو لعبيد الله

[ 343 ]

ابن عمر بن الخطاب إلية تشكوه فقالت : يا أمير المؤمنين ، ألا تعذرني من أبى عيسى ؟ قال : ومن أبو عيسى ؟ قالت : ابنك عبيد الله ، قال : ويحك ! وقد تكنى بأبى عيسى ! ثم دعاه فقال : إيها اكتنيت بأبى عيسى ! فحذر وفزع ، وأخذ يده فعضها ، ثم ضربه ، وقال : ويلك ! وهل لعيسى أب ؟ أتدرى ما كنى العرب ؟ أبو سلمة ، أبو حنظلة ، أبوعرفطة أبو مرة . قال الزبير : وكان عمر إذا غضب على بعض أهله لم يسكن غضبه حتى يعض يده عضا شديدا . وكان عبد الله بن الزبير كذلك ، ولقوة هذا الخلق عنده أضمر عبد الله بن عباس في خلافته إبطال القول بالعول (1) وأظهره بعده ، فقيل له : هلا قلت هذا في أيام عمر ! فقال : هبته ، وكان أميرا مهيبا . ولذلك قال أيضا أبو سفيان في استلحاق زياد : أخاف من هذا العير الجالس أن يخرق على إهابى ، فإذا هابه أبو سفيان ، وهو من بنى عبد مناف في المنزلة التى تعلم ، وحوله بنو عبد شمس ، وهم جمرة قريش ، فما ظنك بمن هو دونه ! وقد علمت حال جبلة بن الايهم وارتداده عن الاسلام لتهدده له ووعيده إياه أن يضربه بالدرة ، وفساد الحال بينه وبين خالد بن الوليد بعد أن كان وليا مصافيا ، ومنحرفا عن غيره قاليا ، والشأن الذى كان بينه وبين طلحة حتى هم أن يوقع به ، وحتى هم طلحة أن يجاهره ، وطلحة هو الذى قال لابي بكر عند موته : ماذا تقول لربك وقد وليت فينا فظا غليظا ! وهو القائل له : يا خليفة رسول الله ، إنا كنا لا نحتمل شراسته وأنت حى تأخذ على يديه ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت وهو الخليفة ؟ . واعلم أنا لا نريد بهذا القول ذمه رضى الله عنه ، وكيف نذمه وهو أولى الناس بالمدح


(1) العول : ارتفاع الحسان في الفرائض . انظر اللسان . . . (*)

[ 344 ]

والتعظيم ، ليمن نقيبته وبركة ، خلافته ، وكثرة الفتوح في أيامه ، وانتظام أمور الاسلام على يده ! ولكنا أردنا أن نشرح حال العنف والرفق ، وحال سعة الخلق وضيقه ، وحال البشاشة والعبوس ، وحال الطلاقة والوعورة ، فنذكر كل واحد منهاذ كرا كليا ، لا نخص به إنسانا بعينه . فإما عمر فانه وإن كان وعرا شديدا خشنا ، فقد رزق من التوفيق والعناية الالهية ونجح المساعى ، وطاعة الرعية ونفوذ الحكم ، وقوة الدين وحسن النية وصحة الرأى ، ما يربى محاسنه ومحامده على ما في ذلك الخلق من نقص ، وليس الكامل المطلق إلا الله تعالى وحده . فأما حديث الرضيخة وما جعل معاوية لعمرو بن العاص من جعالة على مبايعته ونصرته ، فقد تقدم ذكره في أخبار صفين المشروحة في هذا الكتاب من قبل .

[ 345 ]

(84) الاصل : ومن خطبه له عليه السلام : وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الاول لا شئ قبله ، والاخر لا غايه له ، لا تقع الاوهام له على صفة ، ولا تعقد القلوب منه على كيفية ، ولا تناله التجزئة والتبعيض ، ولا تحيط به الابصار والقلوب . الشرح : في هذا الفصل على قصره ثمانى مسائل من مسائل التوحيد : الاولى ، أنه الاثانى اله سبحانه في الاليهة . والثانية ، أنه قديم لا أول له . ليس يدل كلامه على القدم ، لانه قال : (الاول لا شئ قبله) فيوهم كونه غير قديم بأن يكون محدثا وليس قبله شئ ، لانه محدث عن عدم والعدم ليس بشئ . قلت : إذا كان محدثا كان له محدث ، فكان ذلك المحدث قبله ، فثبت أنه متى صدق أنه ليس شئ قبله صدق كونه قديما . والثالثة : أنه أبدى لا انتهاء ولا انقضاء لذاته . والرابعة : نفى الصفات عنه - أعنى المعاني . والخامسة : نفى كونه مكيفا ، لان كيف إنما يسال بها عن ذوى الهيئات والاشكال وهو منزه عنها . والسادسة : أنه غير متبعض ، لانه ليس بجسم ولا عرض .

[ 346 ]

والسابعة : أنه لا يرى ولا يدرك . والثامنة : أن ماهيته غير معلومة ، وهو مذهب الحكماء وكثير من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم . وأدلة هذه المسائل مشروحة في كتبنا الكلامية . واعلم أن الت 6 وحيد والعدل والمباحث الشريفة الالهية ، ما عرفت إلا من كلام هذا الرجل ، وأن كلام غيره من أكابر الصحابة لم يتضمن شيئا من ذلك أصلا ، ولا كانوا يتصورونه ، ولو تصوروه لذكروه . وهذه الفضيلة عندي أعظم فضائله عليه السلام . * * * الاصل : ومنها : فاتعظوا عباد الله بالعبر النوافع ، واعتبروا بالاى السواطع ، وازدجروا بالنذر البوالغ ، وانتفعوا بالذكر والمواعظ ، فكأن (1) قد علقتكم مخالب المنية ، وانقطعت منكم علائق الامنية ، ودهمتكم مفظعات الامور ، والسياقة إلى الورد المورود ، فكل نفس معها سائق وشهيد ، سائق يسوقها إلى محشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها . * * * الشرح : العبر : جمع عبرة ، وهى ما يعتبر به أي يتعظ . والاى : جمع آية ، ويجوز أن يريد


(1) مخطوطة النهج (وكأن) . (*)

[ 347 ]

بها آى القرآن ، ويجوز أن يريد بها آيات الله في خلقه ، وفى غرائب الحوادث في العالم . والسواطع : المشرقة المنيرة . والنذر : جمع نذير ، وهو المخوف ، والاحسن أن يكون النذر هاهنا هي الانذرات نفسها ، لانه قد وصف ذلك بالبوالغ ، وفواعل لا تكون في الاكثر إلا صفه المؤنث . ومفظعات الامور : شدائدها الشنيعة ، أفظع الامر فهو مفظع ، ويجوز فظع الامر بالضم فظاعة فهو فظيع ، وأفظع الرجل على ما لم يسم فاعله ، أي نزل به ذلك . وقوله : (والسياقة إلى الورد المورود) ، يعنى الموت . وقوله : (سائق وشهيد) ، وقد فسر عليه السلام ذلك وقال : (سائق يسوقها إلى محشرها وشاهد يشهد عليها بعملها) . وقد قال بعض المفسرين : إن الاية لا تقتضي كونهما اثنين ، بل من الجائز أن يكون ملكا واحدا جامعا بين الامرين ، كأنه قال : (وجاءت كل نفس معها ملك يسوقها ويشهد عليها) . وكلام أمير المؤمنين يحتمل ذلك أيضا ، لانه لم يقل أحدهما ، لكن الاظهر في الاخبار والاثار أنهما ملكان . فإن قلت : إذا كان تعالى عالما بكل شئ فأى حاجة إلى الملائكة التى تكتب الاعمال ، كما قال سبحانه : (بلى ورسلنا لديهم يكتبون) (2) ، وإذا كان تعالى أعدل العادلين فأى حاجة إلى ملك يشهد على المكلف يوم القيامة ؟ وإذا كان قادرا لذاته ، فأى حاجة إلى ملك يسوق المكلف إلى المحشر ؟ قلت : يجوز أن يكون في تقرير مثل ذلك في أنفس المكلفين في الدنيا ألطاف ومصالح لهم في أديانهم ، فيخاطبهم الله تعالى به لوجوب


(1) سورة الزخرف 80 . (*)

[ 348 ]

اللطف في حكمته ، وإذا خاطبهم به وجب فعله في الاخرة ، لان خبره سبحانه لا يجوز الخلف عليه . * * * الاصل : ومنها في صفه الجنة : درجات متفاضلات ، ومنازل متفاوتات ، لا ينقطع نعيمها ، ولا يظعن مقيمها ، ولا يهرم خالدها ، ولا يباس ساكنها . * * * الشرح : الدرجات جمع درجة ، وهى الطبقات والمراتب ، ويقال لها درجات في الجنة ودركات في النار . إنما تفاضلت وتفاوتت بحسب الاعمال ولا يجوز أن يقع ذلك تفضلا ، لان التفضل بالثواب قبيح . فإن قلت : فما قولك في الحور والولدان والاطفال والمجانين ؟ قلت : يكون الواصل إليهم نعيما ولذة لاشبهة في ذلك ، ولكن لا ثواب لهم ولا ينالونه ، والثواب أمر أخص من المنافع والنعيم ، لانه منافع يقترن بها التعظيم والتبجيل ، وهذا الامر الاخص لا يحسن إيصاله إلا إلى أرباب العمل . وقوله : (لا ينقطع نعيمها ولا يظعن مقيمها) ، قول متفق عليه بين أهل الملة إلا ما يحكى عن أبى الهذيل : أن حركات أهل الجنة تنتهى إلى سكون دائم ، وقد نزهه قوم من أصحابنا عن هذا القول : وأكذبوا رواته ، ومن أثبته منهم عنه ، زعم أنه لم يقل بانقطاع النعيم لكن بانقطاع الحركة مع دوام النعيم ، وإنما حمله على ذلك أنه لما استدل على أن

[ 349 ]

الحركة الماضية يستحيل ألا يكون لها أول ، عورض بالحركات المستقبلة لاهل الجنة والنار ، فالتزم أنها متناهية ، وإنما استبعد هذا عنه ، لانه كان أجل قدرا من أن يذهب عليه الفرق بين الصورتين . ويبأس : مضارع بئس ، وجاء فيه (يبئس) بالكسر ، وهو شاذ كشذوذ (يحسب) و (ينعم) ، ومعنى (يباس) : يصيبه البؤس وهو الشقاء * * *

[ 350 ]

(85) الاصل : ومن خطبه له عليه السلام : قد علم السرائر ، وخبر الضمائر ، له الاحاطة بكل شئ ، والغلبة لكل شئ والقوة على كل شئ ، فليعمل العامل منكم في أيام مهله قبل إرهاق أجله ، وفي فراغه قبل أوان شغله ، وفى متنفسه قبل أن يؤخذ بكظمه ، وليمهد لنفسه وقدمه ، وليتزود من دار ظعنه لدار إقامته . فالله الله أيها الناس فيما استحفظكم من كتابه ، واستودعكم من حقوقه ، فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، ولم يدعكم في جهالة ولا عمى ، قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم ، وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شئ ، وعمر فيكم نبيه أزمانا ، حتى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه دينه الذى رضى لنفسه ، وأنهى إليكم على لسانه محابه من الاعمال ومكارهه ، ونواهيه وأوامره ، وألقى إليكم المعذرة ، واتخذ عليكم الحجة ، وقدم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدى عذاب شديد * * * الشرح : السرائر : جمع سريرة ، وهو ما يكتم من السر . وخبر الضمائر ، بفتح الباء : امتحنها وابتلاها ، ومن رواه بكسر الباء أراد (علم) ، والاسم

[ 351 ]

الخبر ، بضم الخاء وهو العلم . والضمائر : جمع ضمير ، وهو ما تضمره وتكنه في نفسك . وفى قوله : (له الاحاطة بكل شئ) وقد بينها ثلاث مسائل في التوحيد : إحداهن : أنه تعالى عالم بكل المعلومات . والثانية : أنه لا شريك له ، وإذا ثبت كونه عالما بكل شئ كان في ضمن ذلك نفى الشريك ، لان الشريك لا يكون مغلوبا . والثالثة : أنه قادر على كل ما يصح تعلق قادريته تعالى به . وأدلة هذه المسائل مذكورة في الكتب الكلامية . وقوله : (فليعمل العامل منكم إلى قوله) : (وليتزود من دار ظعنه لدار إقامته) مأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته المشهورة وهى : (أيها الناس ، إن لكم معالم فانتهو اإلى معالمكم ، وإن لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم . إن المؤمن بين مخافتين : بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع به ، وأجل قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه ، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لاخرته ، ومن الشبيبة قبل الهرم ، ومن الحياة قبل الموت ، فو الذى نفس محمد بيده ، ما بعد الموت من مستعتب ، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار) . والمهل : المهلة والتؤدة : والارهاق : مصدر أرهق ، تقول أرهقه قرنه في الحرب إرهاقا إذا غشيه ليقتله ، وزيد مرهق ، قال الشاعر : تندى أكفهم وفى أبياتهم * ثقه المجاور والمضاف المرهق (1) . وفى متنفسه ، أي في سعة وقته ، يقال : أنت في نفس من أمرك ، أي في سعة . والكظم


(1) للكميت ، اللسان 3 : 421 . (*)

[ 352 ]

بفتحهما : مخرج النفس ، والجمع أكظام . ويجوز ظعنه وظعنه ، بتحريك العين وتسكينها ، وقرئ بهما : (يوم ظعنكم) (1) (وظعنكم) . ونصب (الله الله) على الاغراء ، وهو أن تقدر فعلا ينصب المفعول به ، أي اتقوا الله ، وجعل تكرير اللفظ نائبا عن الفعل المقدر ودليلا عليه . استحفظكم من كتابه : جعلكم حفظة له ، جمع حافظ . السدى : المهمل ، ويجوز سدى بالفتح ، أسديت الابل : أهملتها . وقوله : (قد سمى آثاركم) يفسر بتفسيرين : أحدهما : قد بين لكم أعمالكم خيرها وشرها ، كقوله تعالى : (وهديناه النجدين) ، والثانى : قد أعلى ماثركم ، أي رفع منازلكم إن أطعتم ، ويكون سمى بمعنى أسمى ، كما كان في الوجه الاول بمعنى أبان وأوضح . والتبيان ، بكسر التاء : مصدر ، وهو شاذ ، لان المصادر إنما تجئ على (التفعال) بفتحها مثل التذكار والتكرار ، ولم يأت بالكسر إلا حرفان وهما التبيان والتلقاء . وقوله : (حتى أكمل له ولكم دينه) من قوله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي (3) . وقوله : (الذى رضى لنفسه) من قوله ، تعالى : (وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم) (4) ، لانه إذا ارتضى لهم فقد ارتضاه لنفسه ، أي ارتضى أن ينسب إليه ، فيقال هذا دين الحق . (وأنهى إليكم) : عرفكم وأعلمكم . ومحابه : جمع محبة ، ومكارهه : جمع مكرهة ، وهى ما تكره ، وفى هذا دلالة أن الله تعالى يحب الطاعة ويكره المعصية ، وهو خلاف قول المجبرة .


(1) سورة النحل 80 . (2) سورة البلد 10 . (3) سورة المائدة 3 . (4) سورة النور 55 .

[ 353 ]

والاوامر : جمع آمر ، وأنكره قوم وقالوا : هاهنا جمع (أمر) ، كالاحاوص جمع أحوص ، والاحامر جمع أحمر . يعنى الكلام الامر لهم بالطاعات وهو القرآن . والنواهي : جمع ناهية ، كالسوارى جمع سارية ، والغوادي جمع غادية ، يعنى الايات الناهية لهم عن المعاصي ، ويضعف أن يكون الاوامر والنواهي جمع أمر ونهى ، لان (فعلا) لا يجمع على أفاعل وفواعل ، وإن كان قال ذلك بعض الشواذ من أهل الادب . وقوله : (والقى إليكم المعذرة) كلام فصيح ، وهو من قوله تعالى : (ألقى إليكم السلام) (1) . وقدم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدى عذاب شديد ، أي أمامه وقبله ، مأخوذ أيضا من القرآن . ومعنى قوله (بين يدى عذاب شديد) أي أمامه وقبله ، لان مابين يديك متقدم لك . * * * الاصل : فاستدركوا بقية أيامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، فإنها قليل في كثير الايام التى تكون منكم فيها الغفلة ، والتشاغل عن الموعظة ، ولا ترخصوا لانفسكم ، فتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الادهان على المعصية . عباد الله ، إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه ، وإن أغشهم لنفسه أعصاهم لربه ، والمغبون من غبن نفسه ، والمغبوط من سلم له دينه ، والسعيد من وعظ بغيره ، والشقى من انخدع لهواه وغروره


(1) سورة النساء 90 . (*)

[ 354 ]

واعلموا أن يسير الرياء شرك ، ومجالسة أهل الهوى منساة للايمان ، ومحضرة للشيطان . جانبوا الكذب فإنه مجانب للايمان . الصادق على شفا منجاة وكرامة ، والكاذب على شرف مهواة ومهانة . ولا تحاسدوا ، فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب ، ولا تباغضوا فإنها الحالقة ، واعلموا أن الامل يسهى العقل ، وينسى الذكر . فأكذبوا الامل فإنه غرور ، وصاحبه مغرور . * * * الشرح : قوله : (فاستدركوا بقية أيامكم) ، يقال : (استدركت ما فات وتداركت ما فات) ، بمعنى (واصبروا لها أنفسكم) : مأخوذ من قوله تعالى : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) (1) ، يقال : (صبر فلان نفسه على كذا) أي حبسها عليه . يتعدى فينصب ، قال عنترة : فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع (2) أي حبست نفسا عارفة . وفى الحديث النبوى في رجل أمسك رجلا وقتله الاخر ، فقال عليه السلام : (اقتلوا القاتل واصبروا الصابر) ، أي احبسوا الذى أمسكه حتى يموت . والضمير في (فإنها قليل) عائد إلى الايام التى أمرهم باستدراكها . يقول : إن هذه الايام التى قد بقيت من أعماركم قليلة ، بالنسبة والاضافة إلى الايام التى تغفلون فيها عن الموعظة .


(1) سورة الانعام 52 . (2) يذكر حربا كان فيها . اللسان 6 : 107 . (*)

[ 355 ]

وقوله : (فإنها قليل) فأخبر عن المؤنث بصيغة المذكر ، إنما معناه فإنها شئ قليل بحذف الموصوف ، كقوله : (وحسن أولئك رفيقا) (1) أي قبيلا رفيقا . ثم قال : (ولا ترخصوا) نهى عن الاخذ برخص المذاهب ، وذلك لانه لا يجوز للواحد من العامة أن يقلد كلا من أئمة الاجتهاد فيما خف وسهل من الاحكام الشرعية . أو لا تساهلوا أنفسكم في ترك تشديد المعصية ، ولا تسامحوها وترخصوا إليها في ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب ، فتهجم بكم على الكبائر ، لان من مرن على أمر تدرج من صغيره إلى كبيره . والمداهنة : النفاق والمصانعة ، والادهان مثله ، قال تعالى : (ودوا لو تدهن فيدهنون) (2) . إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه) ، لانه قد صانها عن العقاب ، وأوجب لها الثواب ، وذلك غاية ما يمكن من نصيحتها ونفعها . وإن أغش الناس لنفسه أعصاهم لربه) ، لانه القاها في الهلاك الدائم ، وذلك أقصى ما يمكن من غشها والاضرار بها . ثم قال : (والمغبون من غبن نفسه) أي أحق الناس أن يسمى مغبونا من غبن نفسه ، يقال غبنته ، في البيع غبنا ، بالتسكين ، أي خدعته ، وقد غبن فهو مغبون ، وغبن الرجل رأيه بالكسر غبنا بالتحريك فهو غبين ، أي ضعيف الراى ، وفيه غبانة . ولفظ الغبن يدل على أنه من باب غبن البيع والشراء ، لانه قال : (والمغبون) ولم يقل : (والغبين) . والمغبوط : الذى يتمنى مثل حاله ، والذى يتمنى زوال حاله وانتقالها هو الحاسد ،


(1) سورة النساء 69 . (2) سورة القلم 9 .

[ 356 ]

والحسد مذموم ، والغبطة غير مذمومة ، يقال : غبطته بما نال ، أغبطه غبطا وغبطة فاغتبط ، هو كقولك منعته فامتنع ، وحبسته فاحتبس ، قال الشاعر : وبينما المرء في الاحياء مغتبط * إذ صار في الرمس تعفوه الاعاصير . هكذا أنشدوه بكسر الباء ، وقالوا فيه : مغتبط ، أي مغبوط . قوله : (والسعيد من وعظ بغيره) مثل من الامثال النبوية . وقد ذكرنا فيما تقدم ، ما جاء في ذم الرياء وتفسير كونه شركا . وقوله عليه السلام (منساة للايمان) ، أي داعية إلى نسيان الايمان وإهماله ، والايمان الاعتقاد والعمل . ومحضرة للشيطان : موضع حضوره ، كقولك : مسبعة ، أي موضع السباع ، ومفعاة ، أي موضع الافاعى . ثم نهى عن الكذب وقال : (إنه مجانب للايمان) ، وكذا ورد في الخبر المرفوع . وشفا منجاة ، أي حرف نجاة وخلاص ، وشفا الشئ حرفه ، قال تعالى : (وكنتم على شفا حفرة من النار) (1) . وأشفى على الشئ وأشرف عليه بمعنى ، وأكثر ما يقال ذلك في المكروه ، يقال : أشفى المريض على الموت ، وقد استعمله هاهنا في غير المكروه . والشرف : المكان العالي ، بفتح الشين ، وأشرفت عليه ، أي اطلعت من فوق . والمهواة : موضع السقوط . والمهانة : الحقارة . ثم نهى عن الحسد وقال : (أنه يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب) ، وقد ورد هذا الكلام في الاخبار المرفوعة ، وقد تقدم منا كلام في الحسد ، وذكرنا كثيرا مما جاء فيه .


(1) سورة آل عمران 103 . (*)

[ 357 ]

ثم نهى عن المباغضة وقال : (إنها الحالقة) أي المستأصلة ، التى تأتى على القوم ، كالحلق للشعر . ثم نهى عن الامل وطوله وقال : (إنه يورث العقل سهوا ، وينسى الذكر) . ثم أمر باكذاب الامل ، ونهى عن الاعتماد عليه ، والسكون إليه ، فإنه من باب الغرور . وقد ذكرنا في الامل وطوله نكتا نافعة فيما تقدم ، ويجب أن نذكر ما جاء في النهى عن الكذب * * * [ فصل في ذم الكذب وحقارة الكذابين ] جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (إذا كذب العبد كذبة تباعد الملك منه مسيرة ميل ، من نتن ما جاء به) . وعنه عليه السلام : (إياكم والكذب ، فإن الكذب ، يهدى إلى الفجور والفجور يهدى إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب ، فيكتب عند الله كاذبا ، وعليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدى إلى البر ، وإن البر ليهدى إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق ، فيكتب عند الله صادقا) . وروى أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وآله : أنا يا رسول الله أستسر بخلال أربع : الزنا ، وشرب الخمر ، والسرق ، والكذب ، فأيتهن شئت تركتها لك ، قال : دع الكذب ، فلما ولى هم بالزنا ، فقال : يسألنى فإن جحدت نقضت ما جعلت له ، وإن أقررت حددت ، ثم هم بالسرق ، ثم بشرب الخمر ، ففكر في مثل ذلك ، فرجع إليه فقال : قد أخذت على السبيل كله ، فقد تركتهن أجمع . قال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله : يا بنى أنت أفقه منى ، وأنا أعقل منك ،

[ 358 ]

وإن هذا الرجل يدنيك - يعنى عمر بن الخطاب - 358 وإن هذا الرجل يدنيك - يعنى عمر بن الخطاب - فاحفظ عنى ثلاثا : لا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده أحدا ، ولا يطلعن منك على كذبة . قال عبد الله : فكانت هذه الثلاث أحب إلى من ثلاث بدرات ياقوتا . قال الواثق لاحمد بن أبى داود رحمه الله تعالى : كان ابن الزيات عندي ، فذكرك بكل قبيح ، قال : الحمد لله الذى أحوجه إلى الكذب على : ونزهنى عن الصدق في أمره . وكان يقال : أمران لا يكاد أحدهما ينفك من الكذب : كثرة المواعيد وشدة الاعتذار . ومن الحكم القديمة : إنما فضل الناطق على الاخرس بالنطق ، وزين المنطق الصدق ، فالكاذب شر من الاخرس . قال الرشيد للفضل بن الربيع في كلام جرى بينهما : كذبت ، فقال : يا أمير المؤمنين ، وجه الكذوب لا يقابلك ، ولسانه لا يحاورك . قيل في تفسير قوله تعالى : (ولكم الويل مما تصفون) (1) ، هي في الكذابين ، فالويل لكل كاذب إلى يوم القيامة . ومن كلام بعض الصالحين : لو لم أترك الكذب تأثما لتركته تكرما . أبو حيان : الكذب شعار خلق ، ومورد رنق (2) ، وأدب سيئ ، وعادة فاحشة ، وقل من استرسل معه إلا ألفه ، وقل من ألفه إلا أتلفه ، والصدق ملبس بهى ، ومنهل غذى ، وشعاع منبث ، وقل من اعتاده ومرن عليه إلا صحبته السكينة ، وأيده التوفيق ، وخدمته القلوب بالمحبة ، ولحظته العيون بالمهابة .


(1) سورة الانبياء 18 . (2) الرنق ، بفتح النون وإسكانها وكسرها : الكدر . (*)

[ 359 ]

ابن السماك : لاأدرى : أوجر على ترك الكذب أم لا ؟ لانى أتركه أنفة . يحيى بن خالد : رأيت شريب خمر نزع ، ولصا أقلع ، وصاحب فواحش ارتدع ، ولم أر كاذبا رجع . قالوا في تفسير هذا : إن المولع بالكذب لا يكاد يصبر عنه ، فقد عوتب إنسان عليه ، فقال لمعاتبه : يابن أخى ، لو تغرغرت به لما صبرت عنه . وقيل لكاذب معروف بالكذب : أصدقت قط ؟ قال : لو لاأنى أخاف أن أصدق لقلت : لا ! وجاء في بعض الاخبار المرفوعة : قيل له : يارسول الله ، أيكون المؤمن جبانا ؟ قال : نعم ، قيل : أفيكون بخيلا ؟ قال : نعم ، قيل أفيكون كاذبا ؟ قال : لا . وقال ابن عباس : الحدث حدثان : حدث من فيك ، وحدث من فرجك . وقال بعضهم : من أسرع إلى الناس بما يكرهون ، قالوا فيه ما لا يعلمون ، أخذه شاعر فقال : ومن دعا الناس إلى ذمه * ذموه بالحق وبالباطل . وكان يقال : خذوا عن أهل الشرف ، فإنهم قلما يكذبون . وقال بعض الصالحين : لو صحبني رجل ، فقال لى : اشترط على خصلة واحدة لا تزيد عليها ، لقلت : لا تكذب . وكان يقال : خصلتان لا يجتمعان : الكذب والمروءة . كان يقال : من شرف الصدق أن صاحبه يصدق على عدوه ، ومن دناءة الكذب أن صاحبه يكذب وإن كان صادقا .

[ 360 ]

ومثل هذا قولهم : من عرف بالصدق جاز كذبه ، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه . وجاء في الخبر المرفوع : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب . وقال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف . وقالوا في قوله تعالى : (لا تؤاخذني بما نسيت) (1) ، لم ينس . ولكنه من معاريض الكلام وكذلك قالوا في قول إبراهيم : (إنى سقيم) (2) . وقال العتبى : إنى لاصدق في صغار ما يضرنى ، فكيف لا أصدق في كبار ما ينفعني ! وقال بعض الشعراء : لا يكذب المرء إلا من مهانته * أو عادة السوء أو من قلة الادب لعض جيفة كلب خير رائحة * من كذبة المرء في جد وفى لعب . شهد أعرابي عند معاوية بشهادة ، فقال له : كذبت ، فقال : الكاذب والله المتزمل في ثيابك ، فقال معاوية : هذا جزاء من عجل . وقال معاوية يوما للاحنف - وحدثه حديثا ، أتكذب ؟ فقال له الاحنف : والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين أهله . ودخل عبد الله بن الزبير يوما على معاوية فقال له : اسمع أبياتا قلتها - وكان واجدا على معاوية - فقال هات ، فأنشده : إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حد السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل . فقال معاوية : لقد شعرت بعدنا يا أبا بكر ، ثم لم يلبث معاوية أن دخل عليه معن


(1) سورة الكهف 73 . (2) سورة الصافات 89 . (*)

[ 361 ]

بن أوس المزني ، فقال : أقلت بعدنا شيئا ؟ قال نعم ، وأنشده : لعمرك لا أدرى وإنى لاوجل * على أينا تعدو المنية أول (1) حتى صار إلى الابيات التى أنشدها ابن الزبير ، فقال معاوية : يا أبا بكر ، أماذ كرت آنفا أن هذا الشعر لك ؟ فقال : أنا أصلحت المعاني وهو ألف [ الشعر ] (2) . وبعد ، فهو ظئرى (3) وما قال من شئ فهو لى . وكان عبد الله بن الزبير مسترضعا في مزينه (4) . وروى أبو العباس المبرد في الكامل أن عمر بن عبد العزيز كتب في إشخاص إياس بن معاوية المزني ، وعدى بن أرطاة الفزارى أمير البصرة وقاضيها إليه ، فصار عدى إلى إياس ، وقدر أنه يمزنه (5) عند عمر بن عبد العزيز ويثنى عليه ، فقال له : يا أبا وائلة ، إن لنا حقا ورحما ، فقال إياس : أعلى الكذب تريدني ! والله ما يسرنى أن كذبت كذبة يغفرها الله لى ، ولا يطلع عليها هذا - وأومأ إلى ابنه - ولى ما طلعت عليه الشمس (6) . وروى أبو العباس أيضا : أن عمرو بن معديكرب الزبيدى كان معروفا بالكذب ، وقيل لخلف الاحمر - وكان مولى لهم وشديد التعصب لليمن : أكان عمرو بن معديكرب يكذب ؟ قال : يكذب في المقال ويصدق في الفعال (7) .


(1) ديوانه 57 (2) من الكامل . (3) الكامل (وهو بعد ظئرى) . (4) الخبر في الكامل 357 (طبع أوربا) . (5) في الاصول : (يقرظه) ، وما أثبته من الكامل . وفى ريادات أبى الاخفش : التمزين : المدح ولم أسمع هذه اللفظه إلا من أبى العباس ، وهى عندي مشتقة من المازن . وهو النمل ، ولهذا سميت ، مازن ، كأنه اراد منه أن يكبره . ويروى (بكثرة) وفى زياتات الكامل أيضا : قال الشيخ : قوله : (أن يمزنه عند الخلفية ، أي كأنه يجعله سيد مزينة ، لانه كان مزينيا) . (6) الكامل 357 ، 358 . (7) الكامل : 355 .

[ 362 ]

قال أبو العباس : فروى لنا أن أهل الكوفة الاشراف ، كانوا يظهرون بالكناسة (1) ، فيركبون على دوابهم حتى تطردهم (2) الشمس ، فوقف عمرو بن معديكرب الزبيدى ، وخالد بن الصقعب النهدي - وعمرو لا يعرفه ، إنما يسمع باسمه - فأقبل عمرويحدثه ، فقال : أغرنا مرة على بنى نهد ، فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصقعب ، فحملت عليه ، فطعنته فأذريته (3) ثم ملت عليه بالصمصامة (4) فأخذت رأسه ، فقال خالد بن الصقعب : حلا أبا ثور ، إن قتيلك هو المحدث ، فقال عمرو : يا هذا إذا حدثت فاستمع ، فإنما نتحدث بمثل ما تستمع لنرهب به هذه المعدية . قوله : (مسترعفين) أي مقدمين له . وقوله : (حلا أبا ثور) أي استثن ، يقال : حلف ولم يتحلل ، أي لم يستثن . والمعدية : مضر وربيعة وإياد ، بنو معد بن عدنان ، وهم أعداء اليمن في المفاخرة والتكاثر .


(1) الكناسة : محلة باالكوفة . (2) الكامل : (إلى أن يطرد هم حر الشمس) . (4) الصمصامة : السيف الصارم لا ينشنى ، وهو اسم عمرو بن معديكرب . (*)

[ 363 ]

(86) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : عباد الله إن من حب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه ، فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعد القرى ليومه النازل به ، فقرب على نفسه البعيد ، وهون الشديد . نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات ، سهلت له موارده ، فشرب نهلا ، وسلك سبيلا جددا . قد خلع سرابيل الشهوات ، وتخلى عن الهموم ، إلا هما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الردى . قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرا بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس ، قدنصب نفسه لله سبحانه في أرفع الامور ، من إصدار كل وارد عليه ، وتصيير كل فرع إلى أصله . مصباح ظلمات ، كشاف عشوات ، مفتاح مبهمات ، دفاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم . قد أخلص لله فاستخلصه ، فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم

[ 364 ]

نفسه العدل ، فكان أول عدله نفى الهوى عن نفسه . يصف الحق ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلا أمها ، ولام مظنة إلا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه ، فهو قائده وإمامه ، يحل حيث حل ثقله ، وينزل حيث كان منزله . * * * الشرح : استشعر الحزن : جعله كالشعار ، وهو ما يلى الجسد من الثياب . وتجلبب الخوف : جعجلبابا ، أي ثوبا . زهر مصباح الهدى : أضاء . وأعد القرى ليومه ، أي أعد ما قدمه من الطاعات ، قرى لضيف الموت النازل به . والفرات : العذب . وقوله : (فشرب نهلا) ، يجوز أن يكون أراد بقوله : (نهلا) المصدر من نهل ينهل نهلا ، أي شرب حتى روى ، ويجوز أن يريد بالنهل الشرب الاول خاص ، ويريد أنه اكتفى بما شربه أولا ، فلم يحتج إلى العلل . وطريق جدد : لا عثار فيه لقوة أرضه . وقطع غماره ، يقال : بحر غمر أي كثير الماء ، وبحار غمار . واستمسك من العرا بأوثقها ، أي من العقود الوثيقة ، قال تعالى : (فقد استمسك بالعروة الوثقى) (1) . ونصب نفسه لله : أي أقامها . كشاف عشوات : جمع عشوة وعشوة وعشوة ، بالحركات الثلاث ، وهى الامر الملتبس ، يقال أوطأني عشوة .


(1) سورة البقرة 256 . (*)

[ 365 ]

والمعضلات : جمع معضلة وهى الشدائد والامور التى لا يهتدى لوجهها . دليل فلوات ، أي يهتدى به كما يهتدى الركب في الفلاة بدليلهم . أمها : قصدها . ومظنة الشئ : حيث يظن وجوده . والثقل : متاع المسافر وحشمه . [ فصل في العباد والزهاد والعارفين وأحوالهم ] واعلم : أن هذا الكلام منه أخذ أصحاب علم الطريقة والحقيقة علمهم ، وهو تصريح بحال العارف ومكانته من الله تعالى . والعرفان درجة حال رفيعة شريفة جدا ، مناسبة للنبوة ويختص الله تعالى بها من يقربه إليه من خلقه . والاولياء على طبقات ثلاث : الطبقة الاولى : حال العابد ، وهو صاحب الصلاة الكثيرة ، والصوم الدائم ، والحج والصدقة . والطبقة الثانية : حال الزاهد ، وهو المعرض عن ملاذ الدنيا وطيباتها ، تقنعه الكسرة ، وتستره الخرقة ، لامال ولا زوجة ولا ولد . والطبقة الثالثة : حال العارف ، وهر الواصل إلى الله سبحانه بنفسه لا ببدنه ، والبارى سبحانه متمثل في نفسه تمثل المعشوق في ذات العاشق . وهو أرفع الطبقات ، وبعده الزاهد . وأما العابد فهو أدونها ، وذلك لان العابد معامل كالتاجر ، يعبد ليثاب ، ويتعب نفسه ليرتاح : فهو يعطى من نفسه شيئا ويطلب ثمنه وعوضه ، وقد يكون العابد غنيا موسرا ، كثير المال والولد ، فليست حاله من أحوال الكمال . وأما الزاهد فإنه احتقر الدنيا وعروضها وقيناتها ، فخلصت نفسه من دناءة المطامع .

[ 366 ]

وصار عزيزا ملكا ، لا سلطان عليه لنفسه ولا لغيره ، فاستراح من الذل والهوان ، ولم يبق لنفسه شئ تشتاق إليه بعد الموت ، فكان أقرب إلى السلامة والنجاة من العابد الغنى الموسر . وأما العارف فإنه بالحال التى وصفناها ، ويستلزم مع جودها أن يكون زاهدا ، لانه لا يتصور العرفان مع تعلق النفس بملاذ الدنيا وشهواتها . نعم قد يحصل بعض العرفان لبعض العلماء الفضلاء ، مع تعلقهم بشهوات الدنيا ، ولكنهم لا يكونون كاملين في أحوالهم ، وإنما تحصل الحالة الكاملة لمن رفض الدنيا وتخلى عنها ، وتستلزم الحالة المذكورة أيضا أن يكون عابدا عبادة ما ، وليس يشترط في حصول حال العرفان أن يكون على قدم عظيمة من العبادة ، بل الاكثار من العبادة حجاب كما قيل ، ولكن لا بد من القيام بالفرائض وشئ يسير من النوافل . * * * واعلم : أن العارف هو العارف بالله تعالى وصفاته وملائكته ورسله وكتبه ، وبالحكمة المودعة في نظام العالم ، لا سيما الافلاك والكواكب ، وتركيب طبقات العناصر ، والاحكام البينة وفى تركيب الابدان الانسانية . فمن حصل له ذلك ، فهو العارف ، وإن لم يحصل له ذلك ، فهو ناقص العرفان ، وإن انضم إلى ذلك استشعاره جلال الله تعالى وعظمته ، ورياضة النفس والمجاهدة ، والصبر والرضا والتوكل ، فقد ارتفع طبقه أخرى ، فإن حصل له بعد ذلك الحب والوجد ، فقد ارتفع طبقه أخرى ، فإن حصل له بعد ذلك الاعراض عن كل شئ سوى الله ، وأن يصير مسلوبا عن الموجودات كلها ، فلا يشعر إلا بنفسه وبالله تعالى ، فقد ارتفع طبقة أخرى ، وهى أرفع طبقات .

[ 367 ]

وهناك طبقة أخرى يذكرونها ، وهى أن يسلب عن نفسه أيضا ، فلا يكون له شعور بها أصلا ، وإنما يكون شاعرا بالقيوم الاول سبحانه لا غير ، وهذه درجة الاتحاد ، بأن تصير الذاتان ذاتا واحدة . وهذا قول قوم من الاوائل ومن المتأخرين أيضا ، وهو مقام صعب ، لا تثبت العقول لتصوره واكتناهه . * * * واعلم : أن هذه الصفات والشروط والنعوت التى ذكرها في شرح حال العارف ، إنما يعنى بها نفسه عليه السلام ، وهو من الكلام الذى له ظاهر وباطن ، فظاهره أن يشرح حال العارف المطلق ، وباطنه أن يشرح حال عارف معين ، وهو نفسه عليه السلام . وسيأتى في آخر الخطبة ما يدل على ذلك . ونحن نذكر الصفات التى أشار عليه السلام إليها واحدة واحدة : فأولها : أن يكون عبدا أعانه الله على نفسه ، ومعنى ذلك أن يخصه بألطاف ، يختار عندها الحسن ويتجنب القبيح ، فكأنه أقام النفس في مقام العدو ، وأقام الالطاف مقام المعونة التى يمده الله سبحانه بها ، فيكسر عادية العدو المذكور ، وبهذا الاعتبار سمى قوم من المتكلمين اللطف عونا . وثانيها : أن يستشعر الحزن ، أي يحزن على الايام الماضية ، أن لم يكن اكتسب فيها من موجبات الاختصاص أضعاف ما اكتسبه . وثالثها : أن يتجلبب الخوف ، أي يخاف من الاعراض عنه ، بأن يصدر عنه ما يمحوه من جريدة المخلصين . ورابعها : أن يعد القرى لضعيف المنية ، وذلك بإقامة وظائف العبادة .

[ 368 ]

وخامسها : أن يقرب على نفسه البعيد ، وذلك بأن يمثل الموت بين عينيه صباحا ومساء ، وألا يطيل الامل . وسادسها : أن يهون عليه الشدائد ، وذلك باحتمال كلف المجاهدة ورياضة النفس على عمل المشاق . وسابعها : أن يكون قد نظر فأبصر ، وذلك بترتيب المقدمات المطابقة لمتعلقاتها ترتيبا صحيحا ، لتنتج العلم اليقيني . وثامنها : أن يذكر الله تعالى فيستكثر من ذكره ، لان ذكره سبحانه والاكثار منه ، يقتضى سكون النفس وطمأنينتها ، كما قال تعالى : (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (1) . وتاسعها : أن يرتوى من حب الله تعالى ، وهو العذب الفرات ، الذى سهل موارده على من انتخبه الله ، وجعله أهلا للوصول إليه ، فشرب منه ونهل ، وسلك طريقا لا عثار فيه ولا وعث . وعاشرها : أن يخلع سرابيل الشهوات ، لان الشهوات تصدئ مرآة العقل ، فلاتنطبع المعقولات فيها كما ينبغى ، وكذلك الغضب . وحادي عشرها : أن يتخلى من الهموم كلها ، لانها تزيدات وقواطع عن المطلوب ، إلا هما واحدا وهو همه بمولاه ، الذى لذته وسروره الاهتمام به ، والتفرد بمناجاته ومطالعة أنوار عزته ، فحينئذ يخرج عن صفة أهل العمى ، ومن مشاركة أهل الهوى ، لانه قد امتاز عنهم بهذه المرتبة والخاصية التى حصلت له فصار مفتاحا لباب الهدى ، ومغلاقا لباب الضلال والردى ، قد أبصر طريق الهدى وسلك سبيله وعرف مناره وقطع غماره .


(1) سورة الرعد 28 . (*)

[ 369 ]

وثاني عشرها : أن ينصب نفسه لله في أرفع الامور ، وهو الخلوة به ، ومقابلة أنوار جلاله بمرآة فكره ، حتى تتكيف نفسه بتلك الكيفية العظيمة الاشراق ، فهذا أرفع الامور وأجلها وأعظمها ، وقد رمز في هذا الفصل ، ومزجه بكلام خرج به إلى أمر آخر ، وهو فقه النفس في الدين ، والامور الشرعية النافعة للناس في دنياهم وأخراهم ، أما في دنياهم : فلردع المفسد وكف الظالم ، وأما في أخراهم : فللفوز بالسعادة باعتبار امتثال الاوامر الالهية . فقال : (في إصدار كل وارد عليه) ، أي في فتيا كل مستفت له ، وهداية كل مسترشد له في الدين ، ثم قال : (وتصيير كل فرع إلى أصله) . ويمكن أن يحتج بهذا من قال بالقياس ، ويمكن أن يقال : إنه لم يرد ذلك ، بل أراد تخريج الفروع العقلية ، وردها إلى أصولها ، كما يتكلف أصحابنا القول في بيان حكمة القديم تعالى ، في الالام وذبح الحيوانات ، ردا له إلى أصل العدل ، وهو كونه تعالى لا يفعل القبيح . وثالث عشرها : أن يكون مصباحا لظلمات الضلال ، كشافا لعشوات الشبة ، مفتاحا لمبهمات الشكوك المستغلقة دفاعا لمعضلات الاحتجاجات العقلية الدقيقة الغامضة ، دليلا في فلوات الانظار الصعبة المشتبهة . ولم يكن في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أحد بهذه الصفة إلا هو . ورابع عشرها : أن يقول مخاطبا لغيره فيفهمه ما خاطبه به ، وأن يسكت فيسلم ، وذلك لانه ليس كل قائل مفهما ، ولا كل ساكت سالما . وخامش عشرها : أن يكون قد أخلص لله فاستخلصه الله ، والاخلاص لله مقام عظيم جدا ، وهو ينزه الافعال عن الرياء ، وألا يمازج العبادة أمر لا يكون لله سبحانه ، ولهذا كان بعض الصالحين يصبح من طول العبادة نصبا قشفا ، فيكتحل ويدهن ، ليذهب بذلك أثر العبادة عنه .

[ 370 ]

وقوله (فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه) ، معادن دينه : الذين يقتبس الدين منهم ، كمعادن الذهب والفضة ، وهى الارضون التى يلتقط ذلك منها ، وأوتاد أرضه : هم الذين لولاهم لمادت الارض وارتجت بأهلها ، وهذا من باب الاستعارة الفصيحة ، وأهل هذا العلم يقولون : أوتاد الارض جماعة من الصالحين ، ولهم في الاوتاد والابدال والاقطاب كلام مشهور في كتبهم . وسادس عشرها : . ن يكون قد ألزم نفسه العدل ، والعدالة : ملكة تصدر بها عن النفس الافعال الفاضلة خلقا لا تخلقا . وأقسام العدالة ثلاثه ، هي الاصول وما عداها من الفضائل فروع عليها : الاولى الشجاعة ، ويدخل فيها السخاء لانه شجاعة وتهوين للمال ، كما أن الشجاعة الاصلية تهوين للنفس ، فالشجاع في الحرب جواد بنفسه ، والجواد بالمال شجاع في إنفاقه ، ولهذا قال الطائى : أيقنت أن من السماح شجاعة * تدمى وأن من الشجاعة جودا (1) والثانية : الفقه ، ويدخل فيها القناعة والزهد والعزلة . والثالثة : الحكمة ، وهى أشرفها . ولم تحصل العدالة الكاملة لاحد من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا لهذا الرجل ، ومن أنصف علم صحة ذلك ، فإن شجاعته وجوده ، وعفته وقناعته وزهده ، يضرب بها الامثال . وأما الحكمة والبحث في الامور الالهية ، فلم يكن من فن أحد من العرب ، ولا نقل في جهاد أكابرهم وأصاغرهم شئ من ذلك أصلا ، وهذا فن كانت اليونان وأوأئل الحكماء وأساطين الحكمة ، ينفردون به ، وأول من خاض فيه من العرب على عليه السلام ، ولهذا


(1) أبو تمام ، ديوانه 1 : 423 . (*)

[ 371 ]

تجد المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل ، مبثوثه عنه في فرش كلامه وخطبه ، ولا تجد في كلام أحد من الصحابة ، والتابعين كلمة واحدة من ذلك ، ولا يتصورونه ، ولو فهموه لم يفهموه ، وأنى للعرب ذلك ! ولهذا انتسب المتكلمون الذين لججوا في بحار المعقولات ، إليه خاصة دون غيره ، وسموه أستاذهم ورئيسهم ، واجتذبته كل فرقة من الفرق إالى نفسها ، ألا ترى أن أصحابنا ينتمون إلى واصل بن عطاء ، وواصل تلميذ أبى هاشم بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه محمد ، ومحمد تلميذ أبيه على عليه السلام . فأما الشيعة من الامامية والزيدية والكيسانية ، فانتماؤهم إليه ظاهر . وأما الاشعرية فإنهم بأخرة ينتمون إليه أيضا ، لان أبا الحسن الاشعري تلميذ شيخنا أبى على رحمه الله تعالى ، وأبو علي تلميذ أبى يعقوب الشحام ، وأبو يعقوب تلميذ أبى الهذيل ، وأبو الهذيل تلميد أبى عثمان الطويل ، وأبو عثمان الطويل تلميذ واصل بن عطاء ، فعاد الامر إلى أن الاشعرية إلى على عليه السلام . وأما الكرامية فإن ابن الهيصم ذكر في كتاب المقالات أن أصل مقالتهم وعقيدتهم تنتهى إلى على عليه السلام من طريقين : أحدهما : بأنهم يسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ ، إلى أن ينتهى إلى سفيان الثوري ، ثم قال : وسفيان الثوري من الزيدية ، ثم سأل نفسه فقال : إذا كان شيخكم الاكبر الذى تنتمون إليه كان زيديا ، فما بالكم لا تكونون زيديه ؟ وأجاب بأن سفيان الثوري رحمه الله تعالى ، وإن اشهر عنه الزيدية ، إلا أن تزيده إنما كان عبارة عن موالاة أهل البيت ، وإنكار ماكان بنو أمية عليه من الظلم ، وإجلال زيد بن على وتعظيمه ، وتصوينه في أحكامه وأحواله ، ولم ينقل عن سفيان الثوري أنه طعن في أحد من الصحابة .

[ 372 ]

الطريق الثاني : أنه عد مشايخهم واحدا فواحدا ، حتى انتهى إلى علماء الكوفة من أصحاب على ، كسلمة بن كهيل ، وحبة العرنى ، وسالم بن الجعد ، والفضل بن دكين ، وشعبة ، والاعمش ، وعلقمة ، وهبيرة بن مريم ، وأبى إسحاق الشعبى ، وغيرهم ، ثم قال : وهؤلاء أخذوا العلم من على بن أبى طالب عليه السلام ، فهو رئيس الجماعة - يعنى أصحابه ، وأقوالهم منقولة عنه ومأخوذة منه . وأما الخوارج فانتماؤهم إليه ظاهر أيضا ، مع طعنهم فيه ، لانهم كانوا أصحابه ، وعنه مرقوا ، بعد أن تعلموا عنه واقتبسوا منه ، وهم شيعته وأنصاره بالجمل وصفين ، ولكن الشيطان ران على قلوبهم ، وأعمى بصائرهم . ثم إنه عليه السلام ذكر حال هذا العارف العادل فقال : (أول عدله نفى الهوى عن نفسه) وذلك لان من يأمر ولا يأتمر ، وينهى ، ولا ينتهى ، لا تؤثر عظته ، ولا ينفع إرشاده . ثم شرح ذلك فقال : (يصف الحق ويعمل به) ، ثم قال : (لا يدع للخير غاية إلا أمها ، ولا مظنة إلا قصدها) وذلك لان الخير لذته وسروره وراحته ، فمتى وجد إليه طريقا سلكها ، ثم قال : (قد أمكن الكتاب - يعنى القرآن - من زمامه) ، أي قد أطاع الاوامر الالهية ، فالقرآن قائده وإمامه ، يحل حيث حل ، وينزل حيث نزل . * * * الاصل : وآخر قد تسمى عالما وليس به ، فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من ضلال ، ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعط الحق على أهوائه ، يؤمن الناس من العظائم ، ويهون كبير الجرائم ، يقول : أقف عند الشبهات - وفيها وقع ، ويقول : أعتزل البدع - وبينها اضطجع ، فالصورة

[ 373 ]

صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ، لايعرف باب الهدى فيتبعه ، ولا باب العمى فيصد عنه ، وذلك ميت الاحياء . فأين تذهبون ! وأنى تؤفكون ! والاعلام قائمة ، والايات واضحة ، والمنار منصوبة ، فأين يتاه بكم ! وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم ! وهم أزمة الحق ، وأعلام الدين ، والسنة الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ، وردوهم ورود الهيم العطاش . أيها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه ! إنه يموت من مات منا وليس بميت ، ويبلى من بلى منا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإن أكثر الحق فيما تنكرون ، وأعذروا من لا حجة لكم عليه - وهو أنا - ألم أعمل فيكم بالثقل الاكبر ، وأترك فيكم الثقل الاصغر قد ركزت فيكم راية الايمان ، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام ، والبستكم العافية من عدلى ، وفرشتكم المعروف من قولى وفعلى ، وأريتكم كرائم الاخلاق من نفسي . فلا تستعملوا الرأى فيما لا يدرك قعره البصر ، ولا تتغلغل إليه الفكر . * * * الشرح : الجهائل : جمع جهالة ، كما قالوا علاقه وعلائق . والاضاليل : الضلال ، جمع لا واحد له من لفظه . وقوله : (وقد حمل الكتاب على آرائه) ، يعنى قد فسر الكتاب وتأوله على مقتضى هواه وقد أوضح ذلك بقوله : (وعطف الحق على أهوائه) .

[ 374 ]

وقوله : (يؤمن الناس من العظائم) ، فيه تأكيد لمذهب أصحابنا في الوعيد ، وتضعيف لمذهب المرجئة ، الذين يؤمنون الناس من عظائم الذنوب ، ويمنونهم العفو ، مع الاصرار وترك التوبة ، وجاء في الخبر المرفوع المشهور : (الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والاحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله) . وقوله : (يقول أقف عند الشبهات) ، يعنى أن هذا المدعى للعلم يقول لنفسه وللناس : أنا واقف عند أدنى شبهة تحرجا وتورعا ، كما قال صلى الله عليه وآله : (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) . ثم قال : (وفى الشبهات وقع) ، أي بجهله ، لان من لا يعلم الشبهة ماهى ، كيف يقف عندها ، ويتخرج من الورطة فيها ، وهو لا يأمن من كونها غير شبهة على الحقيقة ! وقوله : (اعتزل البدع ، وبينها اضطجع) ، إشارة إلى تضعيف مذاهب العامة والحشوية الذين رفضوا النظر العقلي ، وقالوا : نعتزل البدع . وقوله : (فالصورة صورة إنسان . .) وما بعده ، فمراد بالحيوان هاهنا الحيوان الاخرس كالحمار والثور ، وليس يريد العموم ، لان الانسان داخل في الحيوان ، وهذا مثل قوله تعا - لى : (إن هم إلا كالا نعام بل هم أضل سبيلا) (1) . وقال الشاعر : وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم (2) لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم .


(1) سورة الفرقتم 44 . (2) البيتات بنسبان إلى زهير ، ملحق ديوانه ص 192 (من مجموعة الثمين) . (*)

[ 375 ]

قوله : (وذلك ميت الاحياء) كلمة فصيحة ، وقد أخذها شاعر فقال : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الاحياء (1) إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام أراد لجلهه ، والشاعر أراد لبؤسه . وتؤفكون . تقلبون وتصرفون . والاعلام : المعجزات هاهنا ، جمع علم ، وأصله الجبل أو الراية والمنارة ، تنصب في الفلاة ليهتدى بها . وقوله : (فأين يتاه بكم !) أي أين يذهب بكم في التيه ! ويقال : أرض تهياء يتحير سالكها . وتعمهون : تتحيرون وتضلون . وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله : أهله الادنون ونسله ، وليس بصحيح قول من قال : إنهم رهطه وإن بعدوا ، وإنما قال أبو بكر يوم السقيفة أو بعده (نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وبيضته التى فقئت عنه) ، على طريق المجاز ، لانهم بالنسبة إلى الامصار عترة له لا في الحقيقة ، ألا ترى أن العدناني يفاخر القحطاني ، فيقول له : أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ليس يعنى أنه ابن عمه على الحقيقة ، بل هو بالاضافة إلى القحطاني كأنه ابن عمه ، وإنما استعمل ذلك ونطق به مجازا . فإن قدر مقدر أنه على طريق حذف المضافات ، أي ابن ابن عم أب الاب ، إلى عدد كثير في البنين والاباء ، فكذلك أراد أبو بكر أنهم عترة أجداده ، على طريق حذف المضاف . وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله عترته من هي ، لما قال : (إنى تارك فيكم الثقلين) ، فقال : (عترتي أهل بيتى) ، وبين في مقام آخر من أهل بيته حيث طرح عليهم كساء . وقال حين نزلت : (إنما يريد الله


(1) لابن الرعنابى ، الكامل لابن الاثيرا 326 . (*)

[ 376 ]

ليذهب) (1) : (اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب الرجس عنهم) . فإن قلت : فمن هي العترة التى عناها أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الكلام ؟ قلت : نفسه وولداه ، والاصل في الحقيقة نفسه ، لان ولديه تابعان له ، ونسبتهما إليه مع وجوده كنسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة ، وقد نبه النبي صلى الله عليه وآله على ذلك بقوله : (وأبوكما خير منكما) . وقوله : (وهم أزمة الحق) : جمع زمام ، كأنه جعل الحق دائرا معهم حيثما داروا وذاهبا معهم حيثما ذهبوا ، كما أن الناقة طوع زمامها ، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وآله على صدق هذه القضية بقوله : (وأدر الحق معه حيث دار) . وقوله : (وألسنة الصدق) من الالفاظ الشريفة القرآنية ، قال الله تعالى : (واجعل لى لسان صدق في الاخرين) (2) لما كان يصدر عنهم حكم ولا قول إلا وهو موافق للحق ، والصواب جعلهم كأنهم ألسنة صدق لا يصدر عنها قول كاذب أصلا ، بل هي كالمطبوعة على الصدق . وقوله : (فأنزلوهم منازل القرآن) تحته سر عظيم ، وذلك أنه أمر المكلفين بأن يجروا العترة في إجلالها وإعظامها والانقياد لها ، والطاعة لاوامرها مجرى القرآن . فإن قلت : فهذا القول منه يشعر بأن العترة معصومة ، فما قول أصحابكم في ذلك ؟ قلت : نص أبو محمد بن متويه رحمه الله تعالى في كتاب الكفاية على أن عليا عليه السلام معصوم ، وإن لم يكن واجب العصمة ، ولا العصمة شرط في الامامة ، لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته ، والقطع على باطنه ومغيبه ، وأن ذلك أمر اختص


(1) سورة الاحزاب 33 . (2) سورة الشعراء 84 . (*)

[ 377 ]

هو به دون غيره من الصحابة ، والفرق ظاهر بين قولنا : (زيد معصوم) ، وبين قولنا : (زيد واجب العصمة) ، لانه إمام ، ومن شرط الامام أن يكون معصوما ، فالاعتبار الاول مذهبنا ، والاعتبار الثاني مذهب الامامية . ثم قال : (وردوهم ورد الهيم العطاش) ، أي كونوا ذوى حرص وانكماش على أخذ العلم والدين منهم ، كحرص الهيم الظماء على ورود الماء . ثم قال : (أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين) إلى قوله : (وليس ببال) هذا الموضع يحتاج إلى تلطف في الشرح ، لان لقائل أن يقول : ظاهر هذا الكلام متناقض ، لانه قال : (يموت من مات منا وليس بميت) ، وهذا كما تقول : يتحرك المتحرك ، وليس بمتحرك ، وكذلك قوله : (ويبلى من بلى منا ، وليس ببال) ، ألا ترى أنه سلب وإيجاب لشئ واحد ! فإن قلتم : أراد بقاء النفس بعد موت الجسد ، كما قاله الاوائل وقوم من المتكلمين : قيل لكم ، فلا اختصاص للنبى ولا لعلى بذلك ، بل هذه قضية عامة في جميع البشر ، والكلام خرج مخرج التمدح والفخر . فنقول في الجواب : إن هذا يمكن أن يحمل على وجهين : أحدهما : (أن يكون النبي صلى إليه عليه وآله وعلى ومن يتلوهما من أطايب العترة أحياء بأبدانهم التى كانت في الدنيا بأعيانها ، قد رفعهم الله تعالى إلى ملكوت سماواته ، وعلى هذا لو قدرنا أن محتفرا احتفر تلك الاجداث الطاهرة عقب دفنهم لم يجد الابدان في الارض ، وقد روى في الخبر النبوى صلى الله عليه وآله مثل ذلك ، وهو قوله : (إن الارض لم تسلط على ، وأنها لا تأكل لى لحما ولا تشرب لى دما) نعم يبقى الاشكال في قوله : (ويبلى من بلى منا وليس ببال) ، فإنه إن صح هذا التفسير في الكلام الاول ، وهو قوله : (يموت

[ 378 ]

من مات منا وليس بميت) ، فليس يصح في القضية الثانية ، وهى حديث البلاء ، لانها تقتضي أن الابدان تبلى وذاك الانسان لم يبل ، فأحوج هذا الاشكال إلى تقدير فاعل محذوف ، فيكون تقدير الكلام ، يموت من مات حال موته وليس بميت فيما بعد ذلك من الاحوال والاوقات ، ويبلى كفن من بلى منا وليس هو ببال ، فحذف المضاف كقوله : (وإلى مدين) ، أي وإلى أهل مدين ، ولما كان الكفن كالجزء من الميت لاشتماله عليه عبر بأحدهما عن الاخر للمجاورة والاشتمال ، كما عبروا عن المطر بالسماء ، وعن الخارج المخصوص بالغائط ، وعن الخمر بالكأس . ويجوز أن يحذف الفاعل كقوله تعالى : (حتى توارت بالحجاب) (1) ، و (فلو لا إذا بلغت الحلقوم) (2) . وقول حاتم : (إذا حشرجت) (3) وحذف الفاعل كثير . والوجه الثاني أن أكثر المتكلمين ذهبوا إلى أن للانسان الحى الفعال أجزاء أصلية في هذه البنية المشاهدة ، وهى أقل ما يمكن أن تأتلف منه البنية التى معها يصح كون الحى حيا ، وجعلوا الخطاب متوجها نحوها ، والتكليف واردا عليها وما عداها من الاجزاء فهى فاضلة ليست داخلة في حقيقة الانسان ، وإذا صح ذلك جاز أن ينتزع الله تلك الاجزاء الاصلية من أبدان الانبياء والاوصياء ، فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الاجزاء الفاضلة عنها نظير ماكان لها في الدار الاولى ، كما قالة من ذهب إلى قيامة الانفس والابدان معا ، فتنعم عنده وتلتذ بضروب اللذات الجسمانية ، ويكون هذا مخصوصا بهذه الشجرة


(1) سورة ص 32 . (2) سورة الوقعة 83 . (3) لعمرك ما نغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ديوانه 118 (من مجموعة خمسة دواوين) .

[ 379 ]

المباركة دون غيرها ، ولا عجب فقد ورد في حق الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (1) . وعلى الوجه الاول لو أن محتفرا احتفر أجداثهم لوجد الابدان فيها ، وإن لم يعلم أن أصول تلك البنى قد انتزعت منها ونقلت إلى الرفيق الاعلى ، وهذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ما قدرناه أولا من الحذف ، لان الجسد يبلى في القبر إلا قدر ما انتزع منه ونقل إلى محل القدس ، وكذلك . يضا يصدق على الجسد أنه ميت ، وإن كان أصل بنيته لم يمت ، وقد ورد في الخبر الصحيح : (أن أرواح الشهداء من المؤمنين في حواصل طيور خضر تدور في أفناء الجنان ، وتأ . كل من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش) ، فإذا جاء هذا في الشهداء فما ظنك بموالي الشهداء وساداتهم ! فإن قلت : فهل يجوز أن يتأول كلامه ، فيقال : لعله أراد بقاء الذكر والصيت ؟ قلت . إنه لبعيد ، لان غيرهم يشركهم في ذلك ، ولانه أخرج الكلام مخرج المستغرب المستعظم له . فإن قلت : فهل يمكن أن يقال : إن الضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله ، لانه قد ذكره في قوله : (خاتم النبيين) فيكون التقدير : أنه يموت من مات منا والنبى صلى الله عليه وآله ليس بميت ، ويبلى من بلى منا والنبى ليس ببال . قلت : هذا أبعد من الاول ، لانه لو أراد ذلك لقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لا تبليه الارض ، وإنه الان حى ، ولم يأت بهذا الكلام الموهم ، ولانه في سياق تعظيم العترة وتبجيل أمرها ، وفخره بنفسه وتمدحه بخصائصه ومزاياه ، فلا يجوز أن يدخل في غضون ذلك ما ليس منه .


(1) سورة آل عمران 169 . (*)

[ 380 ]

فإن قلت : فهل هذا الكلام منه أم قاله مرفوعا ؟ قلت : بل ذكره مرفوعا ، ألا تراه قال : (خذوها عن خاتم النبيين) ! ثم نعود إلى التفسير فنقول : إنه لما قال لهم ذلك علم أنه قال قولا عجيبا ، وذكر أمرا غريبا ، وعلم أنهم ينكرون ذلك ويعجبون منه ، فقال لهم : فلا تقولوا ما لا تعرفون ، أي لا تكذبوا أخباري ، ولا تكذبوا أخبار رسول الله لكم بهذا فتقولون ما لا تعلمون صحته ، ثم قال : فإن أكثر الحق في الامور العجيبة التى تنكرونها كاحياء الموتى في القيامة ، وكالصراط والميزان والنار والجنة وسائر أحوال الاخرة ، هذا إن كان خاطب من لا يعتقد الاسلام ، فإن كان الخطاب لمن يعتقد الاسلام ، فإنه يعنى بذلك أن أكثرهم كانوا مرجئة ومشبهة ومجبرة ، ومن يعتقد أفضلية غيره عليه ، ومن يعتقد أنه شرك في دم عثمان ، ومن يعتقد أن معاوية صاحب حجة في حربه أو شبهة ، يمكن أن يتعلق بها متعلق ، ومن يعتقد أنه أخطأ في التحكيم ، إلى غير ذلك من ضروب الخطأ التى كان أكثرهم عليها . ثم قال : (واعذروا من لا حجة لكم عليه وهو أنا) ، يقول : قد عدلت فيكم ، وأحسنت السيرة وأقمتكم على المحجة البيضاء ، حتى لم يبق لاحد منكم حجة يحتج بها على ، ثم شرح ذلك ، فقال : (عملت فيكم بالثقل الاكبر) يعنى الكتاب و (خلفت فيكم الاصغر) يعنى ولديه ، لانهما بقية الثقل الاصغر ، فجاز أن يطلق عليهما بعد ذهاب من ذهب منه أنهما الثقل الاصغر ، وإنما سمى النبي صلى الله عليه وآله الكتاب ، والعترة الثقلين ، لان الثقل في اللغة متاع المسافر وحشمه ، فكأنه صلى الله عليه وآله لما شارف الانتقال إلى جوار ربه تعالى ، جعل نفسه كالمسافر الذى ينتقل من منزل إلى منزل ، وجعل الكتاب والعترة كمتاعه وحشمه ، لانهما أخص الاشياء به . قوله : (وركزت فيكم راية الايمان) ، أي غرزتها وأثبتها ، وهذا من باب الاستعارة .

[ 381 ]

وكذلك قوله : (ووقفتكم على حدود الحلال والحرام) من باب الاستعارة أيضا ، مأخوذ من حدود الدار وهى الجهات الفاصلة بينها وبين غيرها . قوله : (وألبستكم العافية من عدلى) استعارة فصيحة ، وأفصح منها قوله : (وفرشتكم المعروف من قولى وفعلى) ، أي جعلته لكم فراشا ، وفرش هاهنا : متعد إلى مفعولين ، يقال : فرشته كذا أي أوسعته إياه . ثم نهاهم أن يستعملوا الرأى فيما ذكره لهم من خصائص العترة وعجائب ما منحها الله تعالى ، فقال : (إن أمرنا أمر صعب لا تهتدى إليه العقول ، ولا تدرك الابصار قعره ، ولا تتغلغل الافكار إليه . والتغلغل : الدخول ، من تغلغل الماء بين الشجر ، إذا تخللها ودخل بين أصولها . * * * الاصل ومنها : حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بنى أمية ، تمنحهم درها . وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الامة سوطها ولا سيفها ، وكذب الظان لذلك ، بل هي مجة من لذيذ العيش يتطعمونها برهة ، ثم يلفظونها جملة . * * * الشرح : معقولة : محبوسة ، بعقال ، كما تعقل الناقة . وتمنحهم : تعطيهم ، والمنح : العطاء ، منح يمنح بالفتح ، والاسم المنحة بالكسر ، واستمنحت زيدا : طلبت منحته . والدر في الاصل : اللبن ، جعل الدنيا كناقة معقولة عليهم تمنحهم لبنها ، ثم استعمل الدر

[ 382 ]

في كل خير ونفع ، فقيل : لا در دره ! أي لا كثر خيره ، ويقال في المدح : لله دره ! أي عمله . ومجة من لذيذ العيش ، مصدر مج الشراب من فيه ، أي رمى به وقذفه ، ويقال : انمجت نقطة من القلم ، أي ترششت ، وشيخ ماج ، أي كبير يمج الريق ، ولا يستطيع حبسه لكبره . ويتطعمونها ، أي يذوقونها . وبرهة ، أي مدة من الزمان فيها طول . ولفظت الشئ من فمى ، ألفظه لفظا : رميته ، وذلك الشئ اللفاظة واللفاظ ، أي يلفظونها كلها لا يبقى منها شئ معهم . * * * وهذه الخطبة طويلة ، وقد حذف الرضى رحمه الله تعالى منها كثيرا ، ومن جملتها : أما والذى فلق الحبة ، وبرا النسمة ، لا يرون الذى ينتظرون حتى يهلك المتمنون ، ويضمحل المحلون ، ويتثبت المؤمنون ، وقليل ما يكون ، والله والله لا ترون الذى تنتظرون ، حتى لا تدعون الله إلا إشارة بأيديكم وإيماضا بحواجبكم ، وحتى لا تملكون من الارض إلا مواضع أقدامكم ، وحتى يكون موضع سلاحكم على ظهوركم ، فيومئذ لا ينصرني إلا الله بملائكته ، ومن كتب على قلبه الايمان ، والذى نفس على بيده لا تقوم عصابة تطلب لى أو لغيري حقا ، أو تدفع عنا ضيما إلا صرعتهم البلية ، حتى تقوم عصابة شهدت مع محمد صلى الله عليه وآله بدرا ، لا يؤدى قتيلهم ، ولا يداوى جريحهم ، ولا ينعش صريعهم . قال المفسرون : هم الملائكة . ومنها : لقد دعوتكم إلى الحق وتوليتم ، وضربتكم بالدرة فما استقمتم ، وستليكم

[ 383 ]

بعدى ولاة يعذبونكم بالسياط والحديد ، وسيأتيكم غلاما ثقيف : أخفش وجعبوب ، يقتلان ويظلمان ، وقليل ما يمكنان . قلت : الاخفش : الضعيف البصر خلقة ، والجعبوب : القصير الذميم ، وهما الحجاج ويوسف بن عمر . وفى كتاب عبد الملك إلى الحجاج : قاتلك الله أخيفش العينين ، أصك الجاعرنين (1) . ومن كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى يذكر فيه الحجاج : أتانا أعيمش أخيمش يمد بيد قصيرة البنان ، ما عرق فيها عنان في سبيل الله . وكان المثل يضرب بقصر يوسف ابن عمر ، وكان يغضب إذا قيل له : قصير فصل له الخياط ثوبا ، فأبقى منه فضلة كثيرة فقال له : ما هذه ؟ قال : فضلت من قميص الامير ، فضربه مائة سوط ، فكان الخياطون بعد ذلك يفصلون له اليسير من الثوب ، ويأخذون الباقي لانفسهم .


(1) الجاعرتان : حرفا الوركين المشرفأن عن . والاصل : الذى تصك ركبتاه وعرقوباه عن المشى .

[ 384 ]

(87) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : أما بعد فإن لم يقصم جبارى دهر قط إلا بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر عظم أحد من الامم إلا بعد أزل وبلاء وفى دون ما استقبلتم من عتب وما استدبرتم من خطب معتبر . وما كل ذى قلب بلبيب ، ولا كل ذى سمع بسميع ، ولا كل ذى ناظر ببصير . فيا عجبا ! وما لى لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها ، لا يقتصون أثر نبى ، ولا يقتدون بعمل وصى ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفون عن عيب ، يعملون في الشبهات ، ويسيرون في الشهوات ، المعروف فيهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم ، وتعويلهم في المهمات على آرائهم ، كان كل أمرئ منهم إمام نفسه ، قد أخذ منها فيما يرى بعرا ثقات ، وأسباب محكمات . * * * الشرح : القصم ، بالقاف والصاد المهملة : الكسر قصمته فانقصم ، وقصمته فتقصم ، ورجل أقصم الثنية ، أي مكسورها ، بين القصم ، بفتح الصاد . والتمهيل : التأخير . ويروى (رجاء) وهو التأخير أيضا ، والرواية المشهورة (ورخاء) ، أي بعد إعطائهم من سعة العيش وخصب الحال ما اقتضته المصلحة .

[ 385 ]

والازل ، بفتح الهمزة : الضيق . ويقتصون : يتبعون ، قال سبحانه وتعالى : (وقالت لاخته قصيه) (1) . ويعفون ، بكسر العين ، عففت عن كذا ، أعف عفا وعفة وعفافة ، أي كففت ، فأنا عف وعفيف ، وامرأة عفة وعفيفة ، وقد أعفه الله ، واستعف عن المسألة أي عف . وتعفف الرجل ، أي تكلف العفة ، ويروى : (ولا يعفون عن عيب) أي لا يصفحون . ومفزعهم : ملجؤهم . وفيما يرى : أي فيما يظن ، ويرى بفتح الياء ، أي فيما يراه هو وروى : (بعرا وثيقات) . يقول إن عادة الله تعالى ألا يقصم الجبابرة ألا بعد الامهال والاستدراج ، بإضافة النعم عليهم ، وألا يجير أولياءه وينصرهم إلا بعد بؤس وبلاء يمتحنهم به ، ثم قال لاصحابه : إن في دون ما استقبلتم من عتب لمعتبر ، أي من مشقة ، يعنى بما استقبلوه ما لاقوه (2) في مستقبل زمانهم من الشيب ، وولاة السوء ، وتنكر الوقت ، وسمى المشقة عتبا ، لان العتب مصدر عتب عليه ، أي وجد عليه ، فجعل الزمان كالواجد عليهم ، القائم في إنزال مشاقه بهم مقام الانسان ذى الموجدة يعتب على صاحبه . وروى (من عتب) ، بفتح التاء جمع عتبة ، يقال : لقد حمل فلان على عتبة أي أمر كريه من البلاء ، وفى المثل : (مافى هذا الامر رتب ولا عتب) ، أي شدة . وروى أيضا (من عنت) وهو الامر الشاق . وما استدبروه من خطب ، يعنى به ما تصرم عنهم من الحروب والوقائع التى قضوها ونضوها واستدبروها . ويروى : (واستدبرتم من خصب) ، وهو رخاء العيش ، وهذا يقتضى المعنى الاول ، أي وما خلفتم وراءكم من الشباب والصحة وصفو العيشة . ثم قال : (ما كل ذى قلب بلبيب) . . . الكلام إلى آخره ، وهو مأخوذ من قول الله


(1) سورة القصص 11 . (2 - 2) ج : (يعنى ما استقبلوه ، أي ما لاقوه) . (*)

[ 386 ]

تعالى : (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) . ثم تعجب من اختلاف حجج الفرق في الدين وخطئهم وكونهم لا يتبعون أقوال الانبياء ، ولا أقوال الاوصياء ، ثم نعى عليهم أحوالهم القبيحة ، فقال : إنهم لا يؤمنون بالغيب ، أي لا يصدقون بما لم يشاهدوه ، ولا يكفون عن الامور القبيحة ، لكنهم يعملون في الشبهات ، أي يعملون أعمالا داخلة في الشبهات متوسطة لها ، ويسيرون في الشهوات ، جعل الشهوات كالطريق التى يسير فيها الانسان . ثم قال : المعروف فيهم ما عرفوه ، أي ليس المعروف عندهم مادل الدليل على كونه معروفا وصوابا وحقا ، بل المعروف عندهم ما ذهبوا إلى أنه حق ، سواء كان حقا في نفس الامر أو لم يكن ، والمنكر عندهم ما أنكروه كما شرحناه في المعروف . ثم قال : إنهم لا يستشيرون بعالم ، ولا يستفتون فقيها فاضلا ، بل مفزعهم في الامور المشكلة إلى أنفسهم وآرائهم ، ولقد صدق عليه السلام ، فإن هذه صفات من يدعى العلم والفضل في زماننا وقبله بدهر طويل ، وذلك أنهم يأنفون من التعلم والاسترشاد ، فالبادئ منهم يعتقد في نفسه أنه أفضل من البارع المنتهى ، ومتى ظفر الواحد منهم بمبادئ علم وحمله ، شرع في التدريس والتصنيف ، فمنعه التزامه بذلك من التردد إلى أبواب العلماء ، وأنف من سؤالهم عن الامور المشكلة ، فدام جهله إلى أن يموت . ثم قال : (كأن كل واحد منهم إمام نفسه) ، ويروى بحذف (كان) وإسقاطها . وهو أحسن .


(1) سورة الاعراف 179 .

[ 387 ]

(88) الاصل ومن خطبة له عليه السلام : أرسله على حين فترة من الرسل ، وطول هجعة من الامم ، واعتزام (1) من الفتو انتشار من الامور ، وتلظ من الحروب ، والدنيا كاسفة النور ، ظاهرة الغرور ، على حين اصفرار من ورقها ، وإياس من ثمرها ، وإعوار (2) من مائها . قد درست منار الهدى ، وظهرت أعلام الردى ، فهى متجهمة لاهلها ، عابسة في وجه طالبها ، ثمرها الفتنة ، وطعامها الجيفة ، وشعارها الخوف ، ودثارها السيف . فاعتبروا عباد الله ، واذكروا تيك التى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون ، وعليها محاسبون ، ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الاحقاب والقرون ، وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد . والله ما أسمعكم الرسول شيئا إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالامس ، ولا شقت لهم الابصار ، ولا جعلت لهم الافئدة في ذلك الزمان ، إلا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان ، وو الله ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه ، ولا أصفيتم به وحرموه ، ولقد نزلت بكم البلية جائلا خطامها ، رخوا بطانها ، فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنما هو ظل ممدود إلى أجل معدود . * * *


(1) مخطوطة النهج : (واعترام) . (2) مخطوطة النهج (واغورار) . (*)

[ 388 ]

الشرح : الفترة بين الرسل : انقطاع الرسالة والوحى ، وكذلك كان إرسال محمد صلى الله عليه وآله ، لان بين محمد وبين عهد المسيح عليه السلام عهدا طويلا ، أكثر الناس على أنه ستمائة سنة ، ولم يرسل في تلك المدة رسول ، اللهم إلا ما يقال عن خالد بن سنان العبسى ، ولم يكن نبيا ولا مشهورا . والهجعة ، النومة ليلا ، والهجوع مثله ، وكذلك التهجاع ، بفتح التاء ، فأما الهجعة بكسر الهاء ، فهى الهيئة كالجلسة من الجلوس . قوله : (واعتزام من الفتن) ، كأنه جعل الفتن معتزمة ، أي مريدة مصممة للشغب والهرج . ويروى : (واعتراض) ، ويروى : (واعترام) بالراء المهملة من العرام ، وهى الشرة . والتلظى : التلهب . وكاسفة النور : قد ذهب ضوءها ، كما تكسف الشمس . ثم وصفها بالتغير وذبول الحال ، فجعلها كالشجرة التى اصفر ورقها ويبس ثمرها . وأعور ماؤها ، والاعوار : ذهاب الماء ، فلاة عوراء : لا ماء بها . ومن رواه : (واغوار من مائها ، بالغين المعجمة ، جعله من غار الماء أي : ذهب ، ومنه قوله تعالى : (أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا) (1) . ومتجهمة لاهلها : كالحة في وجوههم . ثم قال : (ثمرها الفتنة) أي نتيجتها وما يتولد عنها . وطعامها الجيفة ، يعنى أ كل الجاهلية الميتة ، أو يكون على وجه الاستعارة ، أي أكلها خبيث . ويروى (الخيفة) أي الخوف ، ثم جعل الخوف والسيف شعارها ودثارها ، فالشعار ما يلي الجسد ، والدثار فوق


(1) سورة الملك 30 . (*)

[ 389 ]

الشعار ، وهذا من بديع الكلام ومن جيد الصناعة ، لانه لما كان الخوف يتقدم السيف والسيف يتلوه ، جعل الخوف شعارا لانه الاقرب إلى الجسد ، وجعل الدثار تاليا له . ثم قال : (واذكروا تيك) كلمة إشارة إلى المؤنثة الغائبة ، فيمكن أن يعنى بها الدنيا التى تقدم ذكرها ، وقد جعل آباءهم وإخوانهم مرتهنين بها ، ومحاسبين عليها ، والارتهان : الاحتباس ، ويمكن أن يعنى بها الامانة التى عرضت على الانسان فحملها ، والمراد بالامانة الطاعة والعبادة وفعل الواجب وتجنب القبيح . وقال : (تيك) ولم يجر ذكرها ، كما قال تعالى : (الم . ذلك الكتاب) (1) ولم يجر ذكره ، لان الاشارة إلى مثل هذا أعظم وأهيب وأشد روعة في صدر المخاطب من التصريح . قوله : (ولا خلت فيما بينكم وبينهم الاحقاب) ، أي لم يطل العهد ، والاحقاب : المدد المتطاولة ، والقرون : الامم من الناس . وقوله : (من يوم كنتم) ، يروى بفتح الميم من (يوم) على أنه مبنى ، إذ هو مضاف إلى الفعل المبنى ، ويروى بجرها بالاضافة ، على اختلاف القولين في علم العربية . ثم اختلفت الرواية في قوله : (والله ما أسمعكم) فروى بالكاف وروى (أسمعهم) ، وكذلك اختلفت الرواية في قوله : (وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالامس) ، فروى هكذا وروى (بدون أسماعهم) ، فمن رواه بهاء الغيبة في الموضعين فالكلام منتظم ، لا يحتاج إلى تأويل ، ومن رواه بكاف الخطاب ، قال : إنه خاطب به من صحب النبي صلى الله عليه وآله وشاهده وسمع خطابه ، لان أصحاب على عليه السلام كانوا فريقين : صحابة وتابعين ، ويعضد الرواية الاولى سياق الكلام . وقوله : (ولا شقت لهم الابصار . . . إلا وقد أعطيتم مثلها) (2) .


(1) سورة البقرة 1 ، 2 . (2) كذا في الاصول . (*)

[ 390 ]

وأصفيتم به : منحتموه ، من الصفى وهو ما يصطفيه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة ، يقال : صفى وصفية . وخلاصة هذا الكلام أن جميع ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاله لاصحابه قد قلت مثله لكم ، فأطاع أولئك وعصيتم أنتم ، وحالكم مساوية لحالهم . قلت : لو أن مجيبا منهم يجيبه لامكن أن يقول له المخاطبون : وإن كانوا نوعا واحدا متساويا ، إلا أن المخاطب مختلف الحال ، وذلك لانك وإن كنت ابن عمه في النسب وأخاه ولحمه ودمه ، وفضائلك مشتقة من فضائله ، وأنت قبس من نوره وثانيه على الحقيقة ، ولا ثالث لكما ، إلا إنك لم ترزق القبول الذى رزقه ، ولا انفعلت نفوس الناس لك حسب انفعالها له : وتلك خاصية النبوة التى امتاز بها عنك ، فإنه كان لا يسمع أحد كلامه إلا أحبه ومال إليه ، ولذلك كانت قريش تسمى المسلمين قبل الهجرة الصباة ، ويقولون : نخاف أن يصبو الوليد بن المغيرة إلى دين محمد صلى الله عليه وآله ، ولئن صبا الوليد وهو ريحانة قريش لتصبون قريش بأجمعها . وقالوا فيه : ما كلامه إلا السحر ، وإنه ليفعل بالالباب فوق ما تفعل الخمر ، ونهوا صبيانهم عن الجلوس إليه لئلا يستميلهم بكلامه وشمائله ، وكان إذا صلى في الحجر وجهر يجعلون أصابعهم في آذانهم خوفا أن يسحرهم ويستميلهم بقراءته وبوعظه وتذكيره ، هذا هو معنى قوله تعالى : (جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم) . ومعنى قوله : (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا) (2) ، لانهم كانوا يهربون إذا سمعوه يتلو القرآن ، خوفا أن يغير عقائدهم في أصنامهم ، ولهذا


(1) سورة نوح 7 . (2) سورة الاسراء 46 (*)

[ 391 ]

أسلم أكثر الناس بمجرد سماع كلامه ورؤيته ومشاهدة روائه ومنظره ، وما ذاقوه من حلاوة لفظه وسرى كلامه في آذانهم ، وملك قلوبهم وعقولهم ، حتى بذلوا المهج في نصرته ، وهذا من أعظم معجزاته عليه السلام ، وهو القبول الذى منحه الله تعالى ، والطاعة التى جعلها في قلوب الناس له ، وذلك على الحقيقة سر النبوة ، الذى تفرد به صلوات الله عليه ، فكيف يروم أمير المؤمنين من الناس أن يكونوا معه كما كان آباؤهم وإخوانهم مع النبي صلى الله عليه وآله ، مع اختلاف حال الرئيسين وتساوى الاثرين كما يعتبر في تحققه تساوى حال المحلين ، يعتبر في حقيقته أيضا تساوى حال العلتين . ثم نعود إلى التفسير ، قال : (ولقد نزلت بكم البلية) ، أي المحنة العظيمة ، يعنى فتنة معاوية وبنى أمية . وقال : (جائلا خطامها) ، لان الناقة إذا اضطرب زمامها استصعبت على راكبها ، ويسمى الزمام خطاما لكونه في مقدم الانف ، والخطم من كل دابة : مقدم أنفها وفمها (1) ، وإنما جعلها رخوا بطانها ، لتكون أصعب على راكبها ، لانه إذا استرخى البطان كان الراكب في معرض السقوط عنها ، وبطان القتب هو الحزام الذى يجعل تحت بطن البعير . ثم نهاهم عن الاغترار بالدنيا ومتاعها ، وقال : إنها ظل ممدود إلى أجل معدود ، وإنما جعلها كالظل لانه ساكن في رأى العين وهو متحرك في الحقيقة ، لا يزال يتقلص ، كما قال تعالى : (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) (2) وهو أشبه شئ بأحوال الدنيا . وقال بعض الحكماء : أهل الدنيا كركب سير بهم وهم نيام . (1) ج : (أنفه وفمه) . 2) سورة الفرقان 56 . (*)

[ 392 ]

(89) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : الحمد لله المعروف من غير رؤية ، والخالق من غير روية ، الذى لم يزل قائما دائما ، إذ لا سماء ذات أبراج ، ولا حجب ذات إرتاج ، ولا ليل داج ، ولا بحر ساج ، ولا جبل ذو فجاج ، ولا فج ذو اعوجاج ، ولا أرض ذات مهاد ، ولا خلق ذو اعتماد ، وذلك مبتدع الخلق ووارثه ، وإله الخلق ورازقه ، والشمس والقمر دائبان في مرضاته ، يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد . * * * الشرح : الروية : الفكرة وأصلها الهمز ، روات في الامر ، وقد جاء مثلها كلمات يسيرة شاذة ، نحو البرية ، من برأ ، أي خلق ، والذرية من ذرأ أي خلق أيضا ، والدرية وهى ما يستتر به الصائد ، أصله من درأت أي دفعت ، وفلان برى أصله برئ ، وصف الله تعالى بأنه يعرف من غير أن تتعلق الابصار بذاته ، ويخلق من غير تفكر وترو فيما يخلقه . لم يزل قائما ، القائم والقيوم بمعنى ، وهو الثابت الذى لا يزول ، ويعبر عنه في الاصطلاح النظرى بالواجب الوجود ، وقد يفسر القائم على معنى قولهم ، فلان قائم بأمر كذا ، أي وال وممسك له أن يضطرب . ثم قال : هو موصوف بأنه قائم دائم من قبل أن يخلق العالم ، وهذا يؤكد التفسير

[ 393 ]

الاول ، لانه إذا لم يكن العالم مخلوقا بعد لم يصدق عليه أنه قائم بأمره إلا بالقوة لا بالفعل ، كما يصدق عليه أنه سميع بصير في الازل ، أي إذا وجدت المسموعات والمبصرات سمعها وأبصرها ، ولو سمى قبل خلق الكلام متكلما على هذا التفسير لم أستبعده ، وإن كان أصحابنا يأبونه . والابراج : الاركان في اللغة العربية . فإن قلت : فهل يطابق هذا التفسير ما يعتقده أصحاب الهيئة وكثير من الحكماء والمتكلمين أن السماء كرة لا زاوية فيها ولا ضلع ؟ قلت : نعم لا منافاة بين القولين ، لان الفلك وإن كان كرة لكن فيه من المتممات ما يجرى مجرى أركان الحصن أو السور ، فصح إطلاق لفظة الابراج عليه ، والمتممات أجسام في حشو الفلك تخف في موضع ، والناس كلهم أثبتوها . فإن قلت : فهل يجوز أن يحمل لفظ الابراج على ما يعتقده المنجمون وأهل الهيئة ، وكثير من الحكماء والمتكلمين من كون الفلك مقسوما باثنى عشر قسما ، كل قسم منها يسمى برجا ؟ قلت : لا مانع من ذلك ، لان هذا المسمى كان معلوما متصورا قبل نزول القرآن ، وكان أهل الاصطلاح قد وضعوا هذا اللفظ بإزائه ، فجاز أن ينزل القرآن بموجبه ، قال تعالى : (والسماء ذات البروج) (1) ، وأخذها على عليه السلام منه ، فقال : (إذ لا سماء ذات أبراج) ، وارتفع (سماء) لانه مبتدأ وخبره محذوف ، وتقديره (في الوجود) . ثم قال : (ولا حجب ذات أرتاج) والارتاج مصدر أرتج أي أغلق ، أي ذات أغلاق ، ومن رواه (ذات رتاج) على (فعال) ، فالرتاج الباب المغلق ، ويبعد رواية من رواه


(1) سورة البروج 1 . (*)

[ 394 ]

(ذات أرتاج) لان (فعالا) قل أن يجمع على (أفعال) ، ويعنى بالحجب ذات الارتاج حجب النور المضروبة بين عرشه العظيم وبين ملائكته . ويجوز أن يريد بالحجب السموات أنفسها ، لانها حجبت الشياطين عن أن تعلم ما الملائكة فيه . والليل الداجي : المظلم ، والبحر الساجى : الساكن . والفجاج : جمع فج ، وهو الطريق الواسع بين جبلين . والمهاد : الفراش . قوله : (ولا خلق ذو اعتماد) ، أي ولا مخلوق يسعى برجلين فيعتمد عليهما ، أو يطير بجناحيه فيعتمد عليهما ، ويجوز أن يريد بالاعتماد هنا : البطش والتصرف . مبتدع الخلق : مخرجه من العدم المحض ، كقوله تعالى : (بديع السموات والارض) (1) . ودائبان : تثنية دائب ، وهو الجاد المجتهد المتعب ، دأب في عمله أي جد وتعب دأبا ودءوبا فهو دئيب ، ودأبته أنا . وسمى الشمس والقمر دائبين لتعاقبهما على حال واحدة دائما لا يفتران ولا يسكنان ، وروى (دائبين) بالنصب على الحال ويكون خبر المبتدأ (يبليان) وهذه من الالفاظ القرآنية (2) . * * * الاصل : قسم أرزاقهم ، وأحصى آثارهم ، وأعمالهم وعدد أنفسهم وخائنة أعينهم ، وما تخفى صدورهم من الضمير ، ومستقرهم ومستودعهم من الارحام والظهور ، إلى أن تتناهى بهم الغايات . * * * الشرح : آثارهم ، يمكن أن يعنى به آثار وطئهم في الارض إيذانا بأنه تعالى عالم بكل معلوم ،


(1) سورة الانعام 101 . (2) من قوله تعالى في سورة إبراهيم : (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) . (*)

[ 395 ]

كما آذن قوله سبحانه : (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) (1) بذلك . ويمكن أن يعنى به حركاتهم وتصرفاتهم . وروى : (وعدد أنفاسهم) على الاضافة . وخافية الاعين : ما يومى به مسارقة وخفية . ومستقرهم ، أي في الارحام . ومستودعهم ، أي في الاصلاب ، وقد فسر ذلك فتكون (من) متعلقة بمستودعهم ومستقرهم على إرادة تكررها ، ويمكن أن يقال : أراد مستقرهم ومأواهم على ظهر الارض ومستودعهم في بطنها بعد الموت ، وتكون (من) هاهنا بمعنى (مذ) أي مذ زمان كونهم في الارحام والظهور إلى أن تتناهى بهم الغايات ، أي إلى أن يحشروا في القيامة ، وعلى التأويل الاول يكون تناهى الغايات بهم عبارة عن كونهم أحياء في الدنيا . * * * الاصل : هو الذى اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته ، واتسعت رحمته لاوليائه في شدة نقمته ، قاهر من عازه ، ومدمر من شاقه ، ومذل من ناواه ، وغالب من عاداه ، من توكل عليه كفاه ، ومن سأله أعطاه ، ومن أقرضه قضاه ، ومن شكره جزاه . عباد الله ، زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا ، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، وتنفسوا قبل ضيق الخناق ، وانقادوا قبل عنف السياق ، واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر ، لم يكن له من غيرها لا زاجر ولا واعظ . * * *


(1) سورة الانعام 59 . (*)

[ 396 ]

الشرح : يجوز نقمة ونقمة ، مثل كلمة وكلمة ، ولبنة ولبنة ، ومعنى الكلام أنه مع كونه واسع الرحمة في نفس الامر ، وأنه أرحم الراحمين ، فإنه شديد النقمة على أعدائه ، ومع كونه عظيم النقمة في نفس الامر وكونه شديد العقاب فإنه واسع الرحمة لاوليائه . وعازه ، أي غالبه ، وعزه أي غلبه ، ومنه (وعزنى في الخطاب) (1) ، وفى المثل (من عز بز) أي من غلب سلب . والمدمر : المهلك ، دمره ودمر عليه بمعنى ، أي أهلكه . وشاقه : عاداه ، قيل إن أصله من الشق وهو النصف ، لان المعادي يأخذ في شق والمعادى في شق يقابله . وناواه ، أي عاداه ، واللفظة مهموزة ، وإنما لينها لاجل القرينة السجعية ، وأصلها ناوأت الرجل مناوأة ونواء ، ويقال في المثل : (إذا ناوأت الرجل فاصبر) . قوله : (زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا) من الكلام الفصيح النادر اللطيف ، يقول : اعتبروا أعمالكم وأنتم مختارون قادرون على استدراك الفارط ، قبل أن يكون هذا الاعتبار فعل غيركم وأنتم لا تقتدرون على استدراك الفارط ، ومثله قوله : (وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا) . ثم قال : (وتنفسوا قبل ضيق الخناق) ، أي انتهزوا الفرصة ، واعملوا قبل أن يفوتكم الامر ، ويجد بكم الرحيل ويقع الندم ، قال الشاعر : اختم وطينك رطب إن قدرت فكم * قد أمكن الختم أقواما فما ختموا . ثم قال : (وانقادوا قبل عنف السياق) ، هو العنف بالضم ، وهو ضد الرفق ، يقال عنف عليه وعنف به أيضا ، والعنيف : الذى لا رفق له بركوب الخيل ، والجمع عنف . واعتنفت الامر ، أي أخذته بعنف ، يقول : انقادوا أنتم من أنفسكم قبل أن تقادوا وتساقوا


(1) سورة ص 23 . (*)

[ 397 ]

بغير اختياركم سوقا عنيفا . ثم قال (من لم يعنه الله على نفسه حتى يجعل له منها واعظا وزاجرا لم ينفعه الزجر والوعظ من غيرها) أخذ هذا المعنى شاعر فقال : وأقصرت عما تعهدين وزاجر * من النفس خير من عتاب العواذل فإن قلت : أليس في هذا الكلام إشعار ما بالجبر ؟ قلت : إنه لا خلاف بين أصحابنا في إن لله تعالى ألطافا يفعلها بعباده ، فيقربهم من الواجب ، ويبعدهم من القبيح ، ومن يعلم الله تعالى من حاله أنه لا لطف له لان كل ما يعرض لطفا له فإنه لا يؤثر في حاله ولا يزداد به إلا إصرارا على القبيح والباطل ، فهو الذى عناه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : (من لم يعن على نفسه) ، لانه ما قبل المعونة ولا انقاد إلى مقتضاها ، وقد روى : (واعلموا أنه من لم يعن على نفسه) ، بكسر العين أي من لم يعن الواعظين له والمنذرين على نفسه ، ولم يكن معهم إلبا عليها وقاهرا ، لها لم ينتفع بالوعظ والزجر ، لان هوى نفسه يغلب وعظ كل واعظ وزجر كل زاجر .

[ 398 ]

(90) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام تعرف بخطبة الاشباح ، وهى من جلائل خطبه عليه السلام : روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ، أنه قال : خطب أمير المؤمنين بهذه الخطبة على منبر الكوفة ، وذلك أن رجلا أتاه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، صف لنا ربنا (1 مثل ما نراه عيانا 1) ، لنزداد له حبا ، وبه معرفة ، فغضب ونادى : الصلاة جامعة ، فاجتمع إليه الناس حتى غص المسجد بأهله ، فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون ، فحمد إلله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ، ثم قال : الحمد لله الذى لا يفره المنع والجمود ، ولا يكديه الاعطاء والجود ، إذ كل معط منتقص سواه ، وكل مانع مذموم ما خلاه ، وهو المنان بفوائد النعم ، وعوائد المزيد والقسم ، عياله الخلائق ، ضمن أرزاقهم ، وقدر أقواتهم ، ونهج سبيل الراغبين إليه ، والطالبين ما لديه ، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ، الاول الذى لم يكن له قبل فيكون شئ قبله ، والاخر الذى لم يكن له (2) بعد فيكون شئ بعده ، والرادع أناسى الابصار عن أن تناله أو تدركه ، ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال . * * * الشرح : الاشباح : الاشخاص ، والمراد بهم هاهنا الملائكة ، لان الخطبة تتضمن ذكر الملائكة .


(1 - 1) ساقط من مخطوطة النهج . (2) مخطوطة النهج : (ليس له) . (*)

[ 399 ]

وقوله : (الصلاة جامعة) منصوب بفعل مقدر ، أي احضروا الصلاة ، وأقيموا الصلاة ، (وجامعة) منصوب على الحال من الصلاة . وغص المسجد ، بفتح الغين ، أي امتلاء ، والمسجد غاص باهله . ويقال : رجل مغضب ، بفتح الضاد ، أي قد أغضب ، أي فعل به ما يوجب غضبه . ويفره المنع ، يزيد في ماله ، والموفور التام ، وفرت الشئ وفرا ووفر الشئ نفسه وفورا ، يتعدى ولا يتعدى . وفى أمثالهم : (يوفر ويحمد) هو من قولك وفرته عرضه ووفرته ماله . وقوله : (ولا يكديه الاعطاء) ، أي لا يفقره ولا ينفد خزائنه ، يقال : (كدت الارض) تكد وفهى كادية ، إذا أبطأ نباتها ، وقل خيرها ، فهذا لازم ، فإذا عديته أتيت بالهمزة فقلت : أكديت الارض ، أي جعلتها كادية ، وتقول : أكدى الرجل إذا قل خيره ، وقوله تعالى : (وأعطى قليلا وأكدى) (1) ، أي قطع القليل ، يقول : إنه سبحانه قادر على المقدورات ، وليس كالملوك من البشر الذين إذا أعطوا نقصت خزائنهم وإن منعوا زادت ، وقد شرح ذلك وقال : (إذ كل معط منتقص) ، أي منقوص ويجئ (انتقص) لازما ومتعديا ، تقول انتقص الشئ نفسه ، وانتقصت الشئ ، أي نقصته وكذلك (نقص) يجئ لازما ومتعديا . ثم قال : (وكل مانع مذموم غيره) ، وذلك لانه تعالى إنما يمنع من تقتضي الحكمة والمصلحة منعه ، وليس كما يمنع البشر ، وسأل رجل على بن موسى الرضا عن الجواد ، فقال : إن لكلامك وجهين ، فإن كنت تسأل عن المخلوق ، فإن الجواد هو الذى يؤدى ما افترض الله عليه ، والبخيل هو الذى يبخل بما افترض الله عليه ، وإن كنت تعنى الخالق ،


(1) سورة النجم 34 . (*)

[ 400 ]

فهو الجواد إن أعطى ، وهو الجواد إن منع ، لانه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له ، وإن منعه منعه ما ليس له . قوله : (وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل) فيه معنى لطيف ، وذاك لان هذا المعنى مما يختص بالبشر ، لانهم يتحركون بالسؤال وتهزهم الطلبات ، فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه ، وأما الباري سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج ، لان جوده عام في جميع الاحوال . ثم ذكر أن وجوده تعالى ليس بزماني ، فلا يطلق عليه البعدية والقبلية ، كما يطلق على الزمانيات ، وإنما لم يكن وجوده زمانيا لانه لا يقبل الحركة ، والزمان من لواحق الحركة ، وإنما لم تطلق عليه البعدية والقبلية إذ لم يكن زمانيا ، لان قولنا في الشئ : إنه بعد الشئ الفلاني أي الموجود في زمان حضر بعد تقضى زمان ذلك الشئ الفلاني وقولنا في الشئ : إنه قبل الشئ الفلاني أي إنه موجود في زمان حضر ولم يحضر زمان ذلك الشئ الفلاني بعد ، فما ليس في الزمان ليس يصدق عليه القبل والبعد الزمانيان ، فيكون تقدير الكلام على هذا : الاول الذى لا يصدق عليه القبلية الزمانية ، ليمكن أن يكون شئ ما قبله ، والاخر الذى لا يصدق عليه البعدية الزمانية ، ليمكن أن يكون شئ ما بعده . وقد يحمل الكلام على وجه آخر أقرب متناولا من هذا الوجه ، وهو أن يكون أراد : الذى لم يكن محدثا ، أي موجودا قد سبقه عدم ، فيقال إنه مسبوق بشئ من الاشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه ، وأنه ليس بذات يمكن فناؤها وعدمها فيما لا يزال ، فيقال : إنه ينقضى وينصرم ، ويكون بعده شئ من الاشياء ، إما الزمان أو غيره ، والوجه الاول أدق وألطف ، ويؤكد كونه مرادا قوله عقيبه : (ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال) ، وذلك لان واجب الوجود أعلى من الدهر والزمان ، فنسبة ذاته إلى الدهر والزمان بجملته وتفصيل أجزائه نسبة متحدة .

[ 401 ]

فإن قلت : إذا لم يكن قبل الاشياء بالزمان ولابعدها بالزمان ، فهو معها بالزمان ، لانه لا يبقى بعد نفى القبلية والبعدية إلا المعية ! قلت : إنما يلزم ذلك فيما وجوده زماني ، وأما ما ليس زمانيا لا يلزم من نفى القبلية والبعدية إثبات المعية ، كما أنه ما لم يكن وجوده مكانيا لم يلزم من نفى كونه فوق العالم أو تحت العالم بالمكان ، أن يكون مع العالم بالمكان . ثم قال : (الرادع أناسى الابصار عن أن تناله أو تدركه) ، الاناسى : جمع إنسان ، وهو المثال الذى يرى في السواد ، وهذا اللفظ بظاهره يشعر بمذهب الاشعرية وهو قولهم : إن الله تعالى خلق في الابصار مانعا عن إدراكه ، إلا أن الادلة العقلية من جانبنا اقتضت تأويل هذا اللفظ ، كما تأول شيوخنا قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة) (1) ، فقالوا : إلى جنة ربها ، فنقول : تقديره الرادع أناسى الابصار أن تنال أنوار جلالته ! فإن قلت : أتثبتون له تعالى أنوارا يمكن أن تدركها الابصار ، وهل هذا إلا قول بالتجسيم . قلت : كلا لا تجسيم في ذلك ، فكما أن له عرشا وكرسيا وليس بجسم ، فكذلك أنوار عظيمة فوق العرش ، وليس بجسم ، فكيف تنكر الانوار ، وقد نطق الكتاب العزيز بها في غير موضع ، كقوله : (وأشرقت الارض بنور ربها) (2) ، وكقوله : (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) . * * *


(1) سورة القيامة 75 . (2) سورة الزمر 69 . (*)

[ 402 ]

الاصل : ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، من فلز اللجين والعقيان ، ونثارة الدر وحصيد المرجان ، ما أثر ذلك في جوده ، ولا أنفد سعه ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الانعام ، مالا تنفده مطالب الانام ، لانه الجواد الذى لا يغيضه (1) سؤال السائلين ، ولا يبخله إلحال الملحين . * * * الشرح : هذا الكلام من تتمة الكلام الاول ، وهو قوله : (لا يفره المنع ، ولا يكديه الاعطاء والجود) . وتنفست عنه المعادن : استعارة ، كأنها لما أخرجته وولدته كانت كالحيوان يتنفس فيخرج من صدره ورئته الهواء . وضحكت عنه الاصداف ، أي تفتحت عنه ، وانشقت ، يقال : للطلع حين ينشق الضحك ، بفتح الضاد ، وإنما سمى الضاحك ضاحكا ، لانه يفتح فاه . والفلز : اسم أجسام الذائبة كالذهب والفضة والرصاص ونحوها . واللجين : اسم الفضة جاء مصغرا ، كالكميت والثريا . والعقيان : الذهب الخالص ، ويقال : هو ما ينبت نباتا وليس مما يحصل من الحجارة . ونثارة الدر : ماتنأثر منه ، كالسقاطة والنخالة ، وتأتى (فعاله) تارة للجيد المختار ، وتارة للساقط المتروك ، فالاول نحو الخلاصة ، والثانى نحو القلامة . وحصيد المرجان : كأنه أراد المتبدد منه كما يتبدد الحب المحصود ، ويجوز أن يعنى به الصلب المحكم من قولهم : (شئ مستحصد) ، أي مستحصف مستحكم ، يعنى أنه ليس برخو ولاهش ، ويروى : (وحصباء المرجان) ، والحصباء : الحصى . وأرض حصبة ومحصبة ، بالفتح


(1) مخطوطة النهج : (يغيظه) (*)

[ 403 ]

ذات حصباء . والمرجان صغار اللؤلؤ ، وقد قيل إنه هذا الحجر ، واستعمله بعض المتأخرين فقال : أدمى لها المرجان صفحه خده * وبكى عليها اللؤلؤ المكنون . وتنفده : تفنيه ، نفد الشئ أي فنى ، وأنفدته أنا . ومطالب الانام : جمع مطلب ، وهو المصدر ، من طلبت الشئ طلبا ومطلبا . ويغيضه ، بفتح حرف المضارعة : ينقصه ، ويقال : غاض الماء ، فهذا لازم ، وغاض الله الماء ، فهذا متعد ، وجاء أغاض الله الماء . والالحاح : مصدر ألح على الامر ، أي أقام عليه دائما ، من ألح السحاب ، إذا دام مطره ، وألح البعير : حرن ، كما تقول : خلات الناقة ، وروى (ولا يبخله) بالتخفيف ، تقول : أبخلت زيدا ، أي صادفته بخيلا ، وأجبنته : وجدته جبانا . وفى هذا الفصل من حسن الاستعارة وبديع الصنعة ما لا خفاء به . * * * الاصل : فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به ، واستضئ بنور هدايته ، وما كلفك الشيطان علمه ، مما ليس في الكتاب عليك فرضه ، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى أثره ، فكل علمه إلى الله سبحانه ، فإن ذلك منتهى حق الله عليك . واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح الله

[ 404 ]

اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، ولا تقدر عظمه الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين . * * * الشرح : تقول : ائتم فلان بفلان ، أي جعله إماما واقتدى به . فكل علمه ، من وكله إلى كذا وكلا ووكولا ، وهذا الامر موكول إلى رأيك . والاقتحام : (الهجوم والدخول مغالبة . والسدد المضروبة : جمع سدة ، وهى الرتاج . واعلم أن هذا الفصل يمكن أن تتعلق به الحشوية المانعون من تأويل الايات الواردة في الصفات ، القائلين بالجمود على الظواهر ، ويمكن أيضا أن يتعلق به من نفى النظر وحرمه أصلا ، ونحن قبل أن نحققه ونتكلم فيه نبدأ بتفسير قوله تعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) (1) فنقول : إن من الناس من وقف على قوله : (إلا الله) ، ومنهم من لم يقف على ذلك ، وهذا القول أقوى من الاول ، لانه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله لم يكن في إنزاله ومخاطبة المكلفين به فائدة ، بل يكون كخطاب العربي بالزنجيه ومعلوم أن ذلك عيب قبيح . فإن قلت : فما الذى يكون موضع (يقولون) من الاعراب ؟ قلت : يمكن أن يكون نصبا على أنه حال من الراسخين ، ويمكن أن يكون كلاما مستأنفا ، أي هؤلاء العالمون بالتأويل ، يقولون آمنا به .


(1) سورة آل عمران 7 . (*)

[ 405 ]

وقد روى عن ابن عباس أنه تأول آية ، فقال قائل من الصحابة : (وما يعلم تأويله إلا الله) ، فقال ابن عباس : (والراسخون في العلم) ، وأنا من جملة الراسخين . ثم نعود إلى تفسير كلام أمير المؤمنين عليه السلام فنقول : إنه غضب وتغير وجهه لقول السائل : صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا ، وإذا هذا المعنى ينصرف وصية له بما أوصاه به من اتباع ما جاء في القرآن والسنة ، وذلك لان العلم الحاصل من رؤية الشئ عيانا ، علم لا يمكن أن يتعلق مثله بالله سبحانه ، لان ذاته تعالى لا يمكن أن تعلم من حيث هي هي ، كما تعلم المحسوسات ، ألا ترى أنا إذا علمنا أنه صانع العالم ، وأنه قادر عالم حى سميع بصير مريد ، وأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، وعلمنا جميع الامور السلبية والايجابية المتعلقة به ، فإنما علمنا سلوبا وإضافات ، ولا شك أن ماهية الموصوف مغايرة لماهية الصفات ، والذوات المحسوسة بخلاف ذلك ، لانا إذا رأينا السواد ، فقد علمنا نفس حقيقة السواد لا صفة من صفات السواد ، وأيضا فإنا لو قدرنا أن العلم بوجوده وصفاته السلبية والايجابية ، يستلزم العلم بذاته ، من حيث هي هي لم يكن عالما بذاته علما جزئيا ، لانه يمكن أن يصدق هذا العلم على كثيرين ، على سبيل البدل ، وإذا ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل البدل ، ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل الجمع ، والعلم بالمحسوس يستحيل أن يصدق على كثيرين لا على سبيل الجمع ، ولا على سبيل البدل ، فقد بان أنه يستحيل أن يعلم الله تعالى كما يعلم الشئ المرئى عيانا ، فأمير المؤمنين عليه السلام أنكر هذا السؤال كما أنكره الله . تعالى على بنى إسرائيل لما طلبوا الرؤية ، قال تعالى : (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة .


(1) سورة البقرة 55 . (*)

[ 406 ]

ثم قال للسائل بعد غضبه واستحالة لونه وظهور أثر الانكار عليه : ما دلك القرآن عليه من صفته فخذ به ، فإن لم تجده في الكتاب ، فاطلبه من السنة ومن مذاهب أئمة الحق ، فإن لم تجد ذلك ، فاعلم أن الشيطان حينئذ قد كلفك علم ما لم يكلفك الله علمه ، وهذا حق ، لان الكتاب والسنة قد نطقا بصفات الله من كونه عالما قادرا حيا مريدا سميعا بصيرا ، ونطقا أيضا بتنزيهه عن سمات الحدوث كالجسيمة والحلول والجهة ، وما استلزم الجهة كالرؤية فلا إنكار على من طلب في مدارك العقول وجوها تعضد ما جاء به القرآن والسنة ، وتوفق بين بعض الايات وبعض ، وتحمل أحد اللفظين على الاخر إذا تناقضا في الظاهر ، صيانة لكلام الحكيم عن التهافت والتعارض . وأما ما لم يأت الكتاب والسنة فيه بشئ فهو الذى حرم وحظر على المكلفين الفكر فيه ، كالكلام في الماهية التى يذهب ضرار المتكلم إليها ، وكإثبات صفات زائدة على الصفات المعقولة لذات الباري سبحانه ، وهى على قسمين : أحدهما : ما لم يرد فيه نص ، كإثبات طائفة تعرف أحدهما : ما لم يرد فيه نص ، كإثبات طائفة تعرف بالماتريديه صفة سموها التكوين زائدة على القدرة والارادة . والثانى : ما ورد فيه لفظ فأخطأ بعض أهل النظر ، فأثبت لاجل ذلك اللفظة صفة غير معقولة للبارى سبحانه ، نحو قول الاشعريين : إن اليدين صفة من صفات الله ، والاستواء على العرش صفة من صفات الله ، وإن وجه الله صفة من صفاته أيضا ، ثم قال : إن الراسخين في العلم الذين غنوا بالاقرار بما عرفوه عن الولوج والتقحم فيما لم يعرفوه ، وهؤلاء هم أصحابنا المعتزلة لاشبهة في ذلك ، إلا ترى أنهم يعللون أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح ، فإذا ضاق عليهم الامر في تفصيل بعض المصالح في بعض المواضع ، قالوا : نعلم على الجملة أن لهذا وجه حكمة ومصلحة ، وإن كنا لا نعرف تفصيل تلك المصلحة ، كما يقولون في تكليف من يعلم الله تعالى منه أنه يكفر ، وكما يقولون في اختصاص الحال التى حدث فيها العالم بحدوثه دون ما قبلها وما بعدها .

[ 407 ]

وقد تأول القطب الراوندي كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل ، فقال : إنما أنكر على من يقول : لم تعبد الله المكلفين بإقامة خمس صلوات ، وهلا كانت ستا وأربعا ! ولم جعل الظهر أربع ركعات ، والصبح ركعتين ؟ وهلا عكس الحال ! وهذا التأويل غير صحيح ، لانه عليه السلام إنما أخرج هذا الكلام مخرج المنكر على من سأله أن يصف له الباري سبحانه ، ولم يكن السائل قد سأل عن العلة في أعداد الصلاة وكمية أجزاء العبادات . ثم إنه عليه السلام قد صرح في غضون الكلام بذلك ، فقال : فانظر أيها السائل ، فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به ، وما لم يدلك عليه فليس عليك أن تخوض فيه ، وهذا الكلام تصريح بأن البحث إنما هو في النظر العقلي في فن الكلام ، فلا يجوز أن يحمل على ما هو بمعزل عنه . واعلم أننا نتساهل في ألفاظ المتكلمين ، فنوردها بعباراتهم ، كقولهم في (المحسوسات) والصواب (المحسات) ، لانه لفظ المفعول من (أحس) الرباعي ، لكنا لما رأينا العدول عن ألفاظهم إذا خضنا في مباحثهم مستهجنا عبرنا بعبارتهم على علم منا أن العربية لا تسوغها . * * * الاصل : هو القادر الذى إذا ارتمت الاوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرا من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت القلوب إليه ، لتجرى في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ، ردعها وهى تجوب مهاوى سدف الغيوب ، متخلصة إليه سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته . * * *

[ 408 ]

الشرح : ارتمت الاوهام ، أي ترامت ، يقال : ارتمى القوم بالنبل ، أي تراموا ، فشبه جولان الاوهام والافكار وتعارضها بالترامى . وخطر الوساوس ، بتسكين الطاء ، مصدر خطر له خاطر ، أي عرض في قلبه ، وروى (من خطرات الوساوس) . وتولهت القلوب إليه : اشتد عشقها حتى أصابها الوله وهو الحيرة . وقوله : (لتجرى في كيفية صفاته) ، أي لتصادف مجرى ومسلكا في ذلك ، وغمضت مداخل العقول ، أي غمض دخولها ، ودق في الانظار العميقة التى لا تبلغ الصفات كنهها لدقتها وغموضها طالبة أن تنال معرفته تعالى . ولفظه (ذات) لفظه قد طال فيها كلام كثير من أهل العربية ، فأنكر قوم إطلاقها على الله تعالى وإضافتها إليه ، أما إطلاقها فلانها لفظه تأنيث ، والبارى سبحانه منزه عن الاسماء والصفات المؤنثة ، وأما إضافتها فلانها عين الشئ ، والشئ لا يضاف إلى نفسه وأجاز آخرون إطلاقها في الباري تعالى وإضافتها إليه ، أما استعمالها فلوجهين : أحدهما أنها قد جاءت في الشعر القديم ، قال خبيب الصحابي عند صلبه : وذلك في ذات الاله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو موزع . ويروى (ممزع) ، وقال النابغة : محلتهم ذات الاله ودينهم * قديم فما يخشون غير العواقب . والوجه الثاني أنها لفظة اصطلاحية ، فجاز استعمالها لا على أنها مؤنث (ذو) بل تستعمل

[ 409 ]

ارتجالا في مسماها الذى عبر عنه بها أرباب النظر الالهى ، كما استعملوا لفظ الجوهر والعرض وغيرهما في غير ما كان أهل العربية واللغة يستعملونها فيه . وأما منعهم إضافتها إليه تعالى ، وأنه لا يقال : (ذاته) ، لان الشئ لا يضاف إلى نفسه فباطل بقولهم : أخذته نفسه وأخذته عينه ، فإنه بالاتفاق جائز ، وفيه إضافة الشئ إلى نفسه . ثم نعود إلى التفسير : قوله عليه السلام : ردعها ، أي كفها . وتجوب ، أي تقطع ، والمهاوى : المهالك ، الواحدة مهواة بالفتح ، وهى مابين جبلين أو حائطين ونحو ذلك . والسدف : جمع سدفة ، وهى القطعة من الليل المظلم . وجبهت ، أي ردت ، وأصله من جبهته ، أي صككت جبهته . والجور : العدول عن الطريق . والاعتساف : قطع المسافة على غير جادة معلومة . وخلاصة هذا الفصل أن العقول إذا حاولت أن تدرك متى ينقطع اقتداره على المقدرات نكصت عن ذلك ، لانه قادر أبدا دائما على ما لا يتناهى ، وإذا حاول الفكر الذى قد صفا وخلا عن الوساوس والعوائق أن يدرك مغيبات علمه تعالى كل وحسر ورجع ناقصا أيضا ، وإذا اشتد عشق النفوس له ، وتولهت نحوه لتسلك مسلكا تقف منه على كيفية صفاته عجزت عن ذلك ، وإذا تغلغلت العقول ، وغمضت مداخلها في دقائق العلوم النظرية الالهية التى لا توصف لدقتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته تعالى ، انقطعت وأعيت وردها سبحانه وتعالى وهى تجول وتقطع ظلمات الغيب ، لتخلص إليه فارتدت حيث جبهها وردعها ، مقرة معترفة بأن إدراكه ومعرفته لا تنال باعتساف المسافات التى بينها وبينه ، وإن أرباب الافكار والرويات يتعذر عليهم أن يخطر لهم خاطر يطابق مافى الخارج من تقدير جلال عزته ، ولا بد من أخذ هذا القيد في الكلام ، لان أرباب الانظار لا بد أن تخطر لهم

[ 410 ]

الخواطر في تقدير جلال عزته ، ولكن تلك الخواطر لا تكون مطابقة لها في الخارج ، لانها خواطر مستندها الوهم لا العقل الصريح ، وذلك لان الوهم قد ألف الحسيات والمحسوسات ، فهو يعقل خواطر بحسب ما ألفه من ذلك ، وجلال واجب الوجود أعلى وأعظم من أن يتطرق الوهم نحوه ، لانه برئ من المحسوسات سبحانه ، وأما العقل الصريح فلا يدرك خصوصية ذاته لما تقدم . واعلم أن قوله تعالى : (فارجع البصر هل ترى من فطور . ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) (1) فيه إشارة إلى هذا المعنى ، وكذلك قوله : (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه) (2) . * * * الاصل : الذى ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه ، من خالق معبود كان قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، فظهرت في البدائع التى أحدثها آثار صنعته ، وأعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ، ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا ، فحجته بالتدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة .


(1) سورة الملك 3 ، 4 . (2) سورة البقرة 255 . (*)

[ 411 ]

الشرح : المساك ، بكسر الميم : ما يمسك ويعصم به . وقوله : (ابتدع الخلق على غير مثال امتثله) يحتمل وجهين : أحدهما : أن يريد (بامتثله) مثله ، كما تقول صنعت واصطنعت بمعنى ، فيكون التقدير أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ، ثم احتذى ذلك المثال ، وركب العالم على حسب ترتيبه ، كالصانع الذى يصوغ حلقة من رصاص مثالا ، ثم يصوغ حلقة من ذهب عليها ، وكالبناء يقدر ويفرض رسوما وتقديرات في الارض وخطوطا ، ثم يبنى بحسبها . والوجه الثاني : أنه يريد بامتثله احتذاه وتقبله واتبعه ، والاصل فيه امتثال الامر في القول ، فنقل إلى احتذاء الترتيب العقلي ، فيكون التقدير أنه لم يمثل له فاعل آخر قبله مثالا اتبعه واحتذاه وفعل نظيره ، كما يفعل التلميذ في الصباغة والنجارة شيئا قد مثل له أستاذه صورته وهيئته . واعلم أن هذا أحد الاسئلة التى يذكرها أصحابنا في باب كونه عالما ، لانهم لما استدلوا على كونه تعالى عالما بطريق إحكام العلم وإتقانه ، سألوا أنفسهم فقالوا : لم لا يجوز أن يكون القديم سبحانه أحدث العالم محتذيا لمثال مثله ، وهيئة اقتضاها ، والمحتذى لا يجب كونه عالما بما يفعله ، ألا ترى أن من لا يحسن الكتابة قد يحتذى خطا مخصوصا ، فيكتب قريبا منه ، وكذلك من يطبع الشمع بالخاتم ثم يطبع فيه مثال الخاتم ، فهو فعل الطابع ، ولا يجب كونه عالما . وأجاب أصحابنا عن ذلك فقالوا : إن أول فعل محكم وقع منه ، ثم احتذى عليه يكفى في ثبوت كونه عالما ، وأيضا فإن المحتذى ليست العالمية بمسلوبة عنه ، بل موصوف بها ،

[ 412 ]

ألا ترى أنه متصور صورة ما يحتذيه ، ثم يوقع الفعل مشابها له ، فالمحتذى عالم في الجملة ، ولكن علمه يحدث شيئا فشيئا . فأما معنى الفصل فظاهر ، يقول عليه السلام : إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه ولا قدم له غيره ليحتذى عليه ، وأرانا من عجائب صنعته ومن اعتراف الموجودات كلها ، بأنها فقيرة محتاجة إلى أن يمسكها بقوته ، ما دلنا على معرفته ضرورة ، وفى هذا إشارة إلى أن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر ، ولما كانت الموجودات كلها غيره سبحانه ممكنة لم تكن غنية عنه سبحانه ، بل كانت فقيرة إليه ، لانها لولاه ما بقيت ، فهو سبحانه غنى عن كل شئ ، ولا شئ من الاشياء مطلقا بغنى عنه سبحانه ، وهذه من خصوصية الالهية ، وأجل ما تدركه العقول من الانظار المتعلقة بها . فإن قلت : في هذا الكلام إشعار بمذهب شيخكم أبى عثمان ، في أن معرفته تعالى ضرورية . قلت : يكاد أن يكون الكلام مشعرا بذلك ، إلا أنه غير دال عليه ، لانه لم يقل ما دلنا على معرفته باضطرار ، ولكن قال ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، فالاضطرار راجع إلى قيام الحجة ، لا إلى المعرفة . ثم قال عليه السلام : (وظهرت آثار صنعته ، ودلائل حكمته في مخلوقاته فكانت وهى صامتة في الصورة ناطقة في المعنى بوجوده وربوبيته سبحانه ، وإلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال : فو عجبا كيف يعصى الاله * أم كيف يجحده الجاحد وفى كل شئ له آية * تدل على أنه واحد .

[ 413 ]

وقال في تفسير قوله تعالى : (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (1) : إنه عبارة عن هذا المعنى . * * * الاصل : فأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك ، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ندلك ، وكأنه لم يسمع تبرؤ التابعين عن المتبوعين ، إذ يقولون : تالله إن كنا لفى ضلال مبين ، إذ نسويكم برب العالمين . كذب العادلون بك ، إذ شبهوك بأصنامهم ، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزءوك تجزئة المجسمات بخواطرهم ، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم . وأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك ، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك ، وإنك أنت الله الذى لم تتناه في العقول ، فتكون في مهب فكرها مكيفا ، ولا في رويات خواطرها محدودا مصرفا . * * * الشرح : حقاق المفاصل جمع حقة ، وجاء في جمعها حقاق وحقق وحق ، ولما قال : (بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم) ، فأوقع التلاحم في مقابلة التباين صناعة وبديعا . وروى


(1) سورة الاسراء 44 . (*)

[ 414 ]

(المحتجة) ، فمن قال : (المحتجة) ، أراد أنها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجة المستدلة على التدبير الحكمى من لدنه سبحانه ، ومن قال : (المحتجبة) أراد المستترة ، لان تركيبها الباطن خفى محجوب . والند : المثل . والعادلون بك : الذين جعلوا لك عديلا ونظيرا . ونحلوك : أعطوك ، وهى النحلة ، وروى : (لم يعقد) على ما لم يسم فاعله . وغيب ضميره ، بالرفع . والقرائح : جمع قريحة ، وهى القوة التى تستنبط بها المعقولات ، وأصله من قريحة البئر ، وهو أول مائها . ومعنى هذا الفصل أنه عليه السلام شهد بأن المجسم كافر ، وأنه لا يعرف الله ، وأن من شبه الله بالمخلوقين ذوى الاعضاء المتباينة ، والمفاصل المتلاحمة ، لم يعرفه ولم يباشر قلبه اليقين ، فإنه لا ند له ولا مثل ، ثم أكد ذلك بايات من كتاب الله تعالى ، وهى قوله تعالى : (فكبكبوا فيها هم والغاوون . وجنود إبليس أجمعون . قالوا وهم فيها يختصمون . تالله إن كنا لفى ضلال مبين . إذ نسويكم برب العالمين) (1) . حكى سبحانه حكاية قول الكفار في النار ، وهم التابعون للذين أغووهم من الشياطين وهم المتبوعون : لقد كنا ضالين إذ سويناكم بالله تعالى ، وجعلناكم مثله ، ووجه الحجة أنه تعالى حكى ذلك حكاية منكر على من زعم أن شيئا من الاشياء يجوز تسويته بالبارى سبحانه ، فلو كان الباري سبحانه جسما مصورا ، لكان مشابها لسائر الاجسام المصورة ، فلم يكن لانكاره على من سواه بالمخلوقات معنى . ثم زاد عليه السلام في تأكيد هذا المعنى ، فقال : (كذب العادلون بك ، المثبتون لك نظيرا وشبيها ، يعنى المشبهة والمجسمة ، إذ قالوا : إنك على صورة آدم ، فشبهوك بالاصنام التى


(1) سورة الشعراء 94 - 98 . (*)

[ 415 ]

كانت الجاهلية تعبدها ، وأعطوك حلية المخلوقين لما اقتضت أوهامهم ذلك ، من حيث لم يألفوا أن يكون القادر الفاعل العالم إلا جسما ، وجعلوك مركبا ومتجزئا ، كما تتجزأ الاجسام ، وقدروك على هذه الخلقة ، يعنى خلقة البشر المختلفة القوى ، لانها مركبة من عناصر مختلفة الطبائع . ثم كرر الشهادة فقال : أشهد أن من ساواك بغيرك ، وأثبت أنك جوهر أو جسم فهو عادل بك كافر . وقالت تلك الخارجية للحجاج : (أشهد أنك قاسط عادل) ، فلم يفهم أهل الشام حوله ما قالت ، حتى فسره لهم ، قال عليه السلام فمن يذهب إلى هذا المذهب فهو كافر بالكتاب ، وبما دلت عليه حجج العقول . ثم قال : وإنك أنت الله ، أي وأشهد أنك أنت الله الذى لم تحط العقول بك ، كإحاطتها بالاشياء المتناهية ، فتكون ذا كيفية . وقوله : (في مهب فكرها) استعارة حسنة ، ثم قال : (ولا في رويات خواطرها) ، أي في أفكارها . محدود ، إذ حد مصرفا : أي قابلا للحركة والتغير . وقد استدل بعض المتكلمين على نفى كون الباري ، سبحانه جسما بما هو مأخوذ من هذا الكلام ، فقال : لو جاز أن يكون الباري جسما ، لجاز أن يكون القمر هو إله للعالم ، لكن لا يجوز أن يكون القمر إله العالم ، فلا يجوز أن يكون الباري جسما ، بيان الملازمة أنه لو جاز أن يكون الباري سبحانه جسما ، لما كان بين الالهية وبين الجسمية منافاة عقلية ، وإذا لم يكن بينهما منافاة عقلية أمكن اجتماعهما ، وإذا أمكن اجتماعهما جاز أن يكون القمر هو إله العالم ، لانه لا مانع من كونه إله العالم إلا كونه جسما يجوز عليه الحركة ، والافول ونقصان ضوئه تارة وامتلاؤه أخرى ، فإذا لم يكن ذلك منافيا للالهية ، جاز أن يكون القمر إله العالم ، وبيان الثاني إجماع المسلمين على كفر من أجاز كون القمر إله العالم ، وإذا ثبتت الملازمة وثبتت المقدمة الثانية فقد تمت الدلالة . * * *

[ 416 ]

الاصل : ومنها : قدر ما خلق فأحكم تقديره ، ودبره فألطف تدبيره ، ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته ، فكيف وإنما صدرت الامور عن مشيئته ! المنشئ أصناف الاشياء بلا روية فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الامور ، فتم خلقه بأمره وأذعن لطاعته ، وأجاب إلى دعوته ، لم يعترض دونه ريث المبطئ ، ولا أناة المتلكئ ، فأقام من الاشياء أودها ، ونهج حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادها ، ووصل أسباب قرائنها ، وفرقها أجناسا مختلفات ، في الحدود والاقدار ، والغرائز والهيئات ، بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها . * * * الشرح : الوجهة ، بالكسر : الجهة التى يتوجه نحوها ، قال تعالى : (ولكل وجهة هو موليها) . والريث : البطء والمتلكئ : المتأخر . والاود : الاعوجاج . ولاءم بين كذا وكذا : أي جمع ، والقرائن هنا : الانفس ، واحدتها قرونة ، وقرينة ، يقال : سمحت قرينته وقرونته ، أي أطاعته نفسه وذلت ، وتابعته على الامر ، وبدايا . هاهنا : جمع بدية ،


(1) البقرة 148 .

[ 417 ]

وهى الحالة العجيبة ، أبدأ الرجل إذا جاء بالامر البدئ ، أي المعجب ، والبدية أيضا : الحالة المبتدأة المبتكرة ، ومنه قولهم : فعله بادئ ذى بدئ على وزن (فعيل) ، أي أول كل شئ . ويمكن أن يحمل كلامه أيضا على هذا الوجه . وأما خلائق ، فيجوز أن يكون أضاف (بدايا) إليها ، ويجوز ألا يكون أضافه إليها بل جعلها (1) بدلا من (أجناسا) . ويروى (برايا) جمع برية . يقول عليه السلام : إنه تعالى قدر الاشياء التى خلقها ، فخلقها محكمة على حسب ما قدر . وألطف تدبيرها ، أي جعله لطيفا ، وأمضى الامور إلى غاياتها وحدودها المقدرة لها ، فهيأ الصقرة للاصطياد ، والخيل للركوب والطراد ، والسيف للقطع ، والقلم للكتابة ، والفلك للدوران ونحو ذلك ، وفى هذا إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وآله : (كل ميسر لما خلق له) ، فلم تتعد هذه المخلوقات حدود منزلتها التى جعلت غايتها ، ولا قصرت دون الانتهاء إليها ، يقول : لم تقف على الغاية ولا تجاوزتها . ثم قال : ولا استصعبت وامتنعت إذا أمرها بالمضي إلى تلك الغاية بمقتضى الارادة الالهية ، وهذا كله من باب المجاز ، كقوله تعالى : (فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) (2) . وخلاصة ذلك الابانة عن نفوذ إرادته ومشيئته . ثم علل نفى الاستصعاب فقال : وكيف يستصعب ، وإنما صدرت عن مشيئته ! يقول : إذا كانت مشيئته هي المقتضية لوجود هذه المخلوقات ، فكيف يستصعب عليه بلوغها إلى غاياتها التى جعلت لاجلها ! وأصل وجودها إنما هو مشيئته ، فإذا كان أصل وجودها بمشيئته ، فكيف يستصعب عليه توجيهها لوجهتها ، وهو فرع من فروع وجودها وتابع له .


(1) ا : (بجعلها) . (2) سورة فصلت 11 .

[ 418 ]

ثم أعاد معاني القول الاول ، فقال : إنه انشأ الاشياء بغير روية ولا فكرة ولا غريزة أضمر عليها خلق ما خلق عليها . ولا تجربة أفادها ، أي استفادها ، من حوادث مرت عليه من قبل ، كما تكسب التجارب علوما لم تكن ، ولا بمساعدة شريك أعانه عليها ، فتم خلقه بأمره إشارة إلى قوله : (ولم يستصعب إذ أمر بالمضي) ، فلما أثبت هناك كونها أمرت أعاد لفظ الامر هاهنا ، والكل مجاز ، ومعناه نفوذ إرادته ، وأنه إذا شاء أمرا استحال ألا يقع ، وهذا المجاز هو المجاز المستعمل في قوله تعالى : (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ، تعبيرا بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الامور له ، وانقيادها تحت قدرته . ثم قال : ليس كالواحد منا يعترض دون مراده ريث وبطء ، وتأخير والتواء . ثم قال : وأقام العوج وأوضح الطريق ، وجمع بين الامور المتضادة ، ألا ترى أنه جمع في بدن الحيوانات والنبات بين الكيفيات المتباينة المتنافرة ، من الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، ووصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها ، لان اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال سبب بقاء الروح . وفرقها أجناسا مختلفات الحدود والاقدار ، والخلق والاخلاق والاشكال ، أمور عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة ، غير محتذ بها حذو صانع سابق ، بل مخلوقة على غير مثال ، قد أحكم سبحانه صنعها ، وخلقها على موجب ما أراد ، وأخرجها من العدم المحض إلى الوجود ، وهو معنى الابتداع ، فإن الخلق في الاصطلاح النظرى على قسمين : أحدهما صورة تخلق في مادة ، والثانى مالا مادة له ، بل يكون وجود الثاني من الاول فقط من غير توسط المادة ، فالاول يسمى التكوين ، والثانى يسمى الابداع ، ومرتبة الابداع أعلى من مرتبة التكوين . * * *

[ 419 ]

الاصل : ومنها في صفة السماء : ونظم بلا تعليق رهوات فرجها ، ولاحم صدوع انفراجها ، ووشج بينها وبين أزواجها ، وذلل للهابطين بأمره ، والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها ، وناداها بعد إذ هي دخان ، فالتحمت عرا أشراجها ، وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها ، وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها ، وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده ، وأمرها أن تقف مستسلمة لامره ، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها ، وقمرها آية ممحوة من ليلها ، وأجراهما في مناقل مجراهما ، وقدر سيرهما (1) في مدارج درجهما ، ليميز بين الليل والنهار بهما ، وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما ، ثم علق في جوها فلكها ، وناط بها زينتها ، من خفيات دراريها ، ومصابيح كواكبها ، ورمى مسترقى السمع بثواقب شهبها ، وأجراها على أذلال تسخيرها ، من ثبات ثابتها ومسير سائرها ، وهبوطها وصعودها ، ونحوسها وسعودها . * * * الشرح : الرهوات : جمع رهوة ، وهى المكان المرتفع ، والمنخفض أيضا ، يجتمع فيه ماء المطر ، وهو من الاضداد . والفرج : جمع فرجة ، وهى المكان الخالى . ولاحم : ألصق . والصدع : الشق . ووشج بالتشديد ، أي شبك . ووشجت العروق والاغصان ، بالتخفيف : اشتبكت ، وبيننا رحم واشجة ، أي مشتبكة . وأزواجها : أقرانها وأشباهها ، قال تعالى : (وكنتم أزواجا ثلاثه) (2) أي أصنافا ثلاثة .


(1) مخطوطة النهج : (مسيرهما) . (2) سورة الواقعة 7 (*)

[ 420 ]

والحزونة : ضد السهولة . وأشراجها : جمع شرج ، وهو عرا العيبة ، وأشرجت العيبة ، أي أقفلت أشراجها ، وتسمى مجرة السماء شرجا ، تشبيها بشرج العيبة ، وأشراج الوادي : ما انفسح منه واتسع . والارتتاق : الارتتاج . والنقاب : جمع نقب ، وهو الطريق في الجبل . وتمور : تتحرك وتذهب وتجئ ، قال تعالى : (يوم تمور السماء مورا) (1) ، والايد : القوة . وناط بها : علق . والدرارى : الكواكب المضيئة ، نسبت إلى الدر لبياضها ، واحدها درى ، ويجوز كسر الدال ، مثل بحر لجى ولجى . والثواقب : المضيئات . وتقول افعل ما أمرتك على أذلاله ، أي على وجهه ، ودعه في أذلاله ، أي على حاله ، وأمور الله جارية على أذلالها ، أي على مجاريها وطرقها . يقول عليه السلام : كانت السماء أول ما خلقت غير منتظمة الاجزاء ، بل بعضها أرفع وبعضها أخفض ، فنظمها سبحانه ، فجعلها بسيطا واحدا ، نظما اقتضته القدرة الالهية ، من غير تعليق ، أي لا كما ينظم الانسان ثوبا مع ثوب ، أو عقدا مع عقد ، بالتعليق والخياطة ، والصق ، تلك الفروج والشقوق ، فجعلها جسما متصلا ، وسطحا أملس لانتوات فيه ولا فرج ولا صدوع ، بل جعل كل جزء منها ملتصقا بمثله ، وذلل للملائكة الهابطين بأمره ، والصاعدين بأعمال خلقه - لانهم الكتبة الحافظون لها - حزونة العروج إليها ، وهو الصعود . ثم قال : (وناداها بعد إذ هي) روى بإضافة (بعد) إلى (إذ) وروى بضم (بعد) ، أي وناداها بعد ذلك إذ هي دخان ، والاول أحسن وأصوب ، لانها على الضم تكون دخانا بعد نظمه رهوات فروجها وملاحمة صدوعها ، والحال تقتضي أن دخانها قبل ذلك لا بعده .


(1) سورة الطور 9 . (*)

[ 421 ]

فإن قلت : ماهذا النداء ؟ قلت : هو قوله : (ائتيا طوعا أو كرها) (1) فهو أمر في اللفظ ونداء في المعنى ، وهو على الحقيقة كناية عن سرعة الابداع ، ثم قال : وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها ، هذا صريح في أن للسماء أبوابا ، وكذلك قوله : (على نقابها) ، وهو مطابق لقوله سبحانه وتعالى : (لا تفتح لهم أبواب السماء) (2) والقرآن العظيم وكلام هذا الامام المعظم أولى بالاتباع من كلام الفلاسفة ، الذين أحالوا الخرق على الفلك . وأما إقامة الرصد من الشهب الثواقب ، فهو نص القرآن العزيز (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا) (3) والقول بإحراق الشهب للشياطين اتباعا لنص الكتاب أولى من قول الفلاسفة الذين أحالوا الانقضاض على الكواكب . ثم قال : وأمسكها على الحركة بقوته ، وأمرها بالوقوف فاستمسكت ووقفت ثم ذكره الشمس والقمر تذكرة مأخوذ من قول الله تعالى : (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) (4) . ثم ذكر الحكم في جريان الشمس والقمر في مجراهما تذكرة مأخوذ من قوله تعالى : (والشمس تجرى لمستقر لها) (5) ، وقوله (والقمر قدرناه منازل) (5) ، وقوله : (ولتعلموا عدد السنين والحساب) (6) .


(1) سورة فصلت 11 . (2) سورة الاعراف 40 . (3) سورة الجن 8 ، 9 (4) سورة الاسراء 12 . (5) سورة يس 28 ، 29 . (6) سورة يونس 5 . (*)

[ 422 ]

ثم قال : (ثم علق في جوها فلكها) وهذا يقتضى أن الفلك غير السماء ، وهو خلاف قول الجمهور ، وقد قال به قائلون ، ويمكن أن نفسر ذلك إذا أردنا موافقة قول الجمهور بأنه أراد بالفلك دائرة معدل النهار ، فإنها الدائرة العظمى في الفلك الاعظم ، وهى في الاصطلاح النظرى تسمى فلكا . ثم ذكر أنه زين السماء الدنيا بالكواكب ، وأنها رجوم لمسترقى السمع ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . وحفظا من كل شيطان مارد . لا يسمعون إلى الملا الاعلى ويقذفون من كل جانب . دحورا ولهم عذاب واصب) . ثم شرح حال الدنيا فقال : (من ثبات ثابتها) ، يعنى الكواكب التى في كرة البروج ، و (مسير سائرها) ، يعنى الخمسة والنيرين لانها سائرة دائما . ثم قال : (وصعودها وهبوطها) ، وذلك أن للكواكب السيارة صعودا في الاوج ، وهبوطا في الحضيض ، فالاول هو البعد الابعد عن المركز ، والثانى البعد الاقرب . فإن قلت : ما باله عليه السلام قال : (ونحوسها وسعودها) ، وهو القائل لمن أشار عليه ألا يحارب في يوم مخصوص : (المنجم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر في النار) ؟ قلت : إنه عليه السلام إنما أنكر في ذلك القول على من يزعم أن النجوم مؤثرة في الامور الجزئية ، كالذين يحكمون لارباب المواليد وعليهم ، وكمن يحكم في حرب أو سلم ، أو سفر أو مقام ، بأنه للسعد أو النحس ، وأنه لم ينكر على من قال : إن النجوم تؤثر سعودا ونحوسا في الامور الكلية ، نحو أن تقتضي حرا أو بردا ، أو تدل على مرض عام


(1) سورة الصافات 6 - 9 . (*)

[ 423 ]

أو قحط عام ، أو مطر دائم ، ونحو ذلك من الامور التى لا تخص إنسانا بعينه ، وقد قدمنا في ذلك الفصل ما يدل على تصويب هذا الرأى ، وإفساد ما عداه . * * * الاصل : ومنها في صفة الملائكة : ثم خلق سبحانه لاسكان سمواته ، وعمارة الصفيح الاعلى من ملكوته ، خلقا بديعا من ملائكته ، وملا بهم فروج فجاجها ، وحشى بهم فتوق أجوائها ، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس ، وسترات الحجب ، وسرادقات المجد ، ووراء ذلك الرجيج الذى تستك منه الاسماع سبحات نور تردع الابصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة على حدودها . وأنشاهم على صور مختلفات ، وأقدار متفاوتات ، أولى أجنحة تسبح جلال عزته ، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه ، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به ، بل عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . جعلهم الله فيما هنالك أهل الامانة على وحيه ، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه ، وعصمهم من ريب الشبهات ، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته . وأمدهم بفوائد المعونة ، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة ، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده ، ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده ، لم تثقلهم مؤصرات الاثام ، ولم ترتحلهم عقب الليالى والايام ، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم ، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم ، ولا قدحت قادحة الاحن فيما بينهم ، ولا سلبتهم الحيرة مالاق من معرفته بضمائرهم ، وما سكن من عظمته

[ 424 ]

وهيبة جلاله في أثناء صدورهم ، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم . ومنهم من هو في خلق الغمام الدلح ، وفى عظم الجبال الشمخ ، وفى قترة الظلام الايهم . ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الارض السفلى ، فهى كرايات بيض ، قد نفذت في مخارق الهواء ، وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية ، قد استفرغتهم أشغال عبادته ، ووصلت حقائق الايمان بينهم وبين معرفته ، وقطعهم الايقان به إلى الوله إليه ، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره . قد ذاقوا حلاوة معرفته ، وشربوا بالكأس الروية من محبته ، وتمكنت من سويداوات قلوبهم وشيجة خيفته ، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم ، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم ، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم ، ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ، ولا تركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم ، ولم تجر الفترات فيهم على طول دءوبهم ، ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم ، ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ، ولا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم ، ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم ، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم . ولا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات ، ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات . قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ، لا يقطعون أمد غاية عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار

[ 425 ]

بلزوم طاعته ، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته ، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم ، ولم تأسرهم الاطماع فيؤثروا وشيك السعي على (1) اجتهادهم . لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم ، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم . ولم يفرقهم سوء التقاطع ، ولا تولاهم غل التحاسد ، ولا تشعبتهم مصارف الريب ، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم ، فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول ، ولا ونى ولا فتور ، وليس في أطباق السماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما ، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما . * * * الشرح : هذا موضع المثل : (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) (2) ! إذا جاء هذا الكلام الربانى ، واللفظ القدسي ، بطلت فصاحة العرب ، وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه ، نسبة التراب إلى النضار الخالص ، ولو فرضنا أن العرب تقدر على الالفاظ الفصيحة المناسبة ، أو المقاربة لهذه الالفاظ ، من أين لهم المادة التى عبرت هذه الالفاظ عنها ، ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وآله هذه المعاني الغامضة السمائية ، ليتهيأ لها التعبير عنها ! أما الجاهلية فإنهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش ، أو ثور فلاة ، أو صفة جبال أو فلوات ، ونحو ذلك . وأما الصحابة


(1) ج : (في اجتهادهم) . (2) نهر معقل : منسوب إلى معقل بن يسار بن عبد الله المزني ، ذكر ياقوت عن الواقدي أن عمر أمر أبا موسى الاشعري أن يحفر نهرا بالبصرة وأن يجريه على يد معقل بن يسار ، فنسب إليه . (*)

[ 426 ]

فالمذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة ، إما في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذم الدنيا ، أو يتعلق بحرب وقتال ، من ترغيب أو ترهيب ، فأما الكلام في الملائكة وصفاتها وصورها وعباداتها ، وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وحبهاله ، وولهها إليه ، وما جرى مجرى ذلك مما تضمنه هذا الفصل على طوله ، فإنه لم يكن معروفا عندهم على هذا التفصيل ، نعم ربما علموه جملة غير مقسمة هذا التقسيم ، ولا مرتبة هذا الترتيب ، بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم ، وأما من عنده علم من هذه المادة ، كعبد الله بن سلام وأمية بن أبى الصلت وغيرهم ، فلم تكن لهم هذه العبارة ، ولا قدروا على هذه الفصاحة ، فثبت أن هذه الامور الدقيقة في مثل هذه العبارة الفصيحة ، لم تحصل إلا لعلى وحده . وأقسم أن هذا الكلام إذا تأمله اللبيب اقشعر جلده ، ورجف قلبه ، واستشعر عظمة الله العظيم في روعه وخلده ، وهام نحوه وغلب الوجد عليه ، وكاد أن يخرج من مسكه شوقا ، وأن يفارق هيكله صبابة ووجدا . ثم نعود إلى التفسير فنقول : الصفيح الاعلى : سطح الفلك الاعظم ، ويقال لوجه كل شئ عريض : صفيح وصفحة . والفروج : الاما كن الخالية . والفجاج جمع فج ، والفج ، الطريق الواسع بين جبلين أو حائطين . وأجوائها جمع جو ، وهو ما اتسع من الاودية ، ويقال لما بين السماء والارض جو ويروى : (أجوابها) ، جمع جوبة ، وهى الفرجة في السحاب وغيره ويروى . (أجوازها) جمع جوز ، وهو وسط الشئ . والفجوات : جمع فجوة ، وهى الفرجة بين الشيئين ، تقول منه : تفاجى الشئ ، إذا صار له فجوة ، ومنه الفجاء ، وهو تباعد مابين عرقوبى البعير . والزجل : الصوت . وحظائر القدس : لفظة وردت في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأصل (الحظيرة) ما يعمل شبه البيت للابل من الشجر ليقيها البرد ، فسمى عليه

[ 427 ]

السلام تلك المواطن الشريفة المقدسة العالية التى فوق الفلك ، حظائر القدس ، والقدس بتسكين الدال وضمها : الطهر ، والتقديس : التطهير ، وتقدس : تطهر . والارض المقدسة المطهرة ، وبيت المقدس أيضا ، والنسبة إليه قدسي ومقدسي . والسترات : جمع سترة . والرجيج : الزلزلة والاضطراب ، ومنه ارتج البحر . وتستك الاسماع : تنسد . قال النابغة : ونبئت خير الناس أنك لمتنى * وتلك التى تستك منها المسامع . سبحات النور ، بضم السين والباء : عبارة عن جلالة الله تعالى وعظمته . وتردع الابصار تكفها . وخاسئة ، أي سادرة ، ومنه : (ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) وخسأ بصره ، خسأ وخسوءا ، أي سدر . وقوله : (على حدودها) أي تقف حيث تنتهى قوتها ، لان قوتها متناهية ، فإذا بلغت حدها وقفت . وقوله : (أولى أجنحة) (2) من الالفاظ القرآنية . وقوله : (لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه) أي لا يدعون الالهية لانفسهم ، وإن كان قوم من البشر يدعونها لهم . وقوله : (لا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به) ، فيه إشارة إلى مذهب أصحابنا في أن أفعال العباد مخلوقة لهم ، لان فائدة هذا القيد ، وهو قوله : (انفرد به) إنما تظهر بذلك . وأما الايات المقدسة ، فالرواية المشهورة (مكرمون) وقرئ : (مكرمون) بالتشديد . وقرئ (لا يسبقونه) بالضم ، والمشهور القراءة بالكسر ، والمعنى أنهم يتبعون قوله ، ولا يقولون شيئا حتى يقوله ، فلا يسبق قولهم قوله ، وأراد أن يقول (لا يسبقونه بقولهم) ، فحذف الضمير المضاف إليه ، وأناب اللام منابه .


(1) سورة الملك 4 (2) من قوله تعالى في سورة فاطر : (جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة) . (*)

[ 428 ]

ثم قال : (وهم بأمره يعملون) ، أي كما أن قولهم تابع لقوله ، فعملهم أيضا كذلك فرع على أمره ، يعملون عملا ما لم يؤمروا به ، وجاء في الخبر المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله) والحلس : الكساء الخفيف . والزائغ : العادل عن الطريق ، والاخبات : التذلل والاستكانة . وأبوابا ذللا ، أي سهلة ، وطية ، ومنه داية ذلول ، وتماجيده : الثناء عليه بالمجد . والمؤصرات : المثقلات والاصر : الثقل ، وتقول : (ارتحلت) البعير ، أي ركبته ، والعقبة : النوبة ، والجمع عقب . ومعنى قوله : (ولم ترتحلهم عقب الليالى والايام) أي لم تؤثر فيهم نوبات الليالى والايام وكرورها كما يؤثر ارتحال الانسان البعير في ظهره . ونوازعها : شهواتها النازعة المحركة ، وروى (نوازغها) بالغين المعجمة ، من نزع بينهم ، أي أفسد . ولم تعترك الظنون ، أي لم تزدحم الظنون على يقينهم الذى عقدوه . والاحن : جمع إحنة ، وهى الحقد ، يقول : لم تقطح قوادح الحقد في ضمائرهم . وما لاق ، أي ما التصق وأثناء صدورهم : جمع ثنى وهى التضاعيف . والرين : الدنس والغلبة ، قال تعالى : (كلا بل ران على قلوبهم) (1) . وتقترع ، من الاقتراع بالسهام ، بأن يتناوب كل من الوساوس عليها . ويروى : (فيفترع) بالفاء ، أي تعلو برينها ، فرعه ، أي علاه . والغمام : جمع غمامة ، وهى السحابة . والدلح : الثقال ، جاء يدلح بجمله ، أي جاء مثقلا به . والجبال الشمخ : العالية الشاهقة . وقوله : (في قترة الظلام) ، أي سواده . والايهم : لا يهتدى فيه ، ومنه


(1) سورة المطففين 83 .

[ 429 ]

فلاه يهماء . والتخوم ، بضم التاء : جمع تخم وهى منتهى الارض أو القرية ، مثل فلس وفلوس ، ويروى : (تخوم) بفتح التاء على أنها واحد ، والجمع تخم مثل صبور وصبر . وريح هفافة ، أي ساكنة طيبة ، يقول : كأن أقدامهم التى خرقت الهواء إلى حضيض الارض رايات بيض تحتها ريح ساكنة ليست مضطربة ، فتموج تلك الرايات ، بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت ، وجاء في الخبر أن لاسرافيل جناحين أحدهما في أقصى المشرق والاخر في أقصى المغرب ، وأن العرش على كاهله ، وإنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله ، حتى يعود مثل الوضع وهو العصفور . ثم ، قال : أشغال عبادته تعالى قد استفرغتهم) أي جعلتهم فارغين إلا منها . ويروى (ووسلت حقائق الايمان) ، بالسين المشددة ، يقال : وسل فلان إلى ربه وسيلة ، والوسيلة ما يتقرب به ، والجمع وسيل ووسائل ، ويقال : وسلت إليه وتوسلت إليه بمعنى . وسويداوات القلوب : جمع سويداء ، وهى حبة القلب . والوشيجة في الاصل : عرق الشجرة ، وهى هنا استعارة . وحنيت ضلعي ، أي عوجتها . والربق : جمع ربقة ، وهى الحبل . قوله : (ولم يتولهم الاعجاب) أي لم يستول عليهم . والدءوب : الجد والاجتهاد . والاسلات : جمع أسلة ، وهى طرف اللسان ومستدقه ، والجؤار : الصوت المرتفع . والهمس : الصوت الخفى ، يقول : ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة ، فيكون لاجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة . لا تعدو ، من عدا عليه ، إذا قهره وظلمه ، وهو هاهنا استعارة . ولا تنتضل الخدائع في هممهم ، استعارة أيضا من النضال ، وهو المراماة بالسهام . وذو العرش : هو الله تعالى ، وهذه لفظة قرآنية ، قال سبحانه : (إذا لابتغوا إلى ذى العرش

[ 430 ]

سبيلا) . (1) يعنى لابتغوا إلى الله تعالى سبيلا . وقال تعالى : (ذو العرش المجيد . فعال لما يريد) (2) والاستهتار : مصدر استهتر فلان بكذا ، أي لازمه وأولع به . وقوله : (فينوا) أي فيضعفوا ، ونى : ينى والجد : الاجتهاد والانكماش . ثم قال : إنهم لا يستعظمون عبادتهم ، ولو أن أحدا منهم استعظم عبادته لاذهب خوفه رجاءه الذى يتولد من استعظام تلك العبادة ، يصفهم بعظم التقوى . والاستحواذ : الغلبة ، والغل الحقد ، وتشعبتهم : تقسمتهم وفرقتهم ، ومنه قيل للمنية (شعوب) أي مفرقة . وأخياف الهمم : أي الهمم المختلفة ، وأصله من الخيف ، وهو كحل إحدى العينين دون الاخرى ، ومنه المثل : الناس أخياف ، أي مختلفون ، والاهاب : الجلد . والحافد : المسرع ، ومنه الدعاء : اللهم إليك نسعى ونحفد . * * * واعلم أنه عليه السلام إنما كرر وأكد ، صفاتهم بما وصفهم به ليكون ذلك مثالا يحتذى عليه أهل العرفان من البشر ، فإن أعلى درجات البشر أن يتشبه بالملك ، وخلاصة ذلك أمور . منها العبادة القائمة ، ومنها ألا يدعى أحد لنفسه الحول والقوة ، بل لا حول ولا قوة . ومنها أن يكون متواضعا ذاسكينة ووقار . ومنها أن يكون ذا يقين لا تقدح فيه الشكوك والشبهات . ومنها ألا يكون في صدره إحنة على أحد من الناس . ومنها شدة التعظيم والهيبة لخالق الخلق ، تبارك اسمه ! ومنها أن تستفرغه أشغال العبادة له عن غيرها من الاشغال . ومنها لا تتجاوز رغباته


(1) سورة الاسراء 42 . (2) سورة البروح 15 ، 16 . (*)

[ 431 ]

مما عند الله تعالى إلى ما عند غيره سبحانه : ومنها أن يعقد ضميره وقلبه على محبة الله تعالى ، ويشرب بالكأس الروية من حبه . ومنها عظم التقوى بحيث يأمن كل شئ عدا الله ، ولا يهاب أحدا إلا الله . ومنها الخشوع والخضوع والاخبت والذل لجلال عزته سبحانه . ومنها الا يستكثر الطاعة والعمل ، وإن جل وعظم . ومنها عظم الرجاء الواقع في مقابلة عظم الخوف ، فإن الله تعالى يحب أن يرجى ، كما يحب أن يخاف . * * * [ أبحاث تتعلق بالملائكة ] واعلم أنه يجب أن تعلم أبحاث متعددة تتعلق بالملائكة ويقصد فيها قصد حكاية المذهب خاصة ، ونكل الاحتجاج والنظر إلى ما هو مذكور في كتبنا الكلامية . البحث الاول في وجود الملائكة : قال قوم من الباطنية : السبيل إلى إثبات الملائكة هو الحس والمشاهدة ، وذلك أن الملائكة عندهم أهل الباطن . وقالت الفلاسفة : هي العقول المفارقة ، وهى جواهر مجردة عن المادة لا تعلق لها بالاجسام تدبيرا ، واحترزوا بذلك عن النفوس ، لانها جواهر مفارقة إلا أنها تدبر الابدان ، وزعموا أنهم أثبتوها نظرا . وقال أصحابنا المتكلمون : الطريق إلى إثبات الملائكة الخبر الصادق المدلول على صدقه ، وفى المتكلمين من زعم أنه أثبت الملائكة بطريق نظرى ، وهو أنه لما وجد خلقا من طين وجب في العقل أن يكون في المخلوقات خلق من الهواء وخلق من النار فالمخلوق من الهواء هو الملك والمخلوق من النار الشيطان . * * *

[ 432 ]

البحث الثاني في بنية الملائكة ، وهيئة تركيبهم ، قال أصحابنا المتكلمون : إن الملائكة أجسام لطاف ، وليسوا من لحم ودم وعظام ، كما خلق البشر من هذه الاشياء ، وقال أبو حفص المعود القرينسى من أصحابنا : إن الملائكة من أجسام من لحم وعظم : إانه لا فرق بينهم وبين البشر ، وإنما لم يروا لبعد المسافة بيننا وبينهم . وقد تبعه على هذا القول جماعة من معتزلة ما وراء النهر ، وهى مقالة ضعيفة لان القرآن يشهد بخلافه في قوله : (ورسلنا لديهم يكتبون) (1) وقوله : (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد) (2) ، فلو كانوا أجساما كثيفة كأجسامنا لرأيناهم . * * * البحث الثالث في تكليف الملائكة ، حكى عن قوم من الحشوية أنهم يقولون : إن الملائكة مضطرون إلى جميع أفعالهم ، وليسوا مكلفين . وقال جمهور أهل النظر : إنهم مكلفون . وحكى عن أبى إسحاق النظام ، أنه قال : إن قوما من المعتزلة قالوا : إنهم جبلوا على الطاعة لمخالفة خلقهم خلقة المكلفين ، وأنهم قالوا : لو كانوا مكلفين لم يؤمن أن يعصوا فيما أمروا به ، وقد قال تعالى : (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (3) . وقال قوم : إن أكثر الملائكة مكلفون ، وأن فيهم من ليس بمكلف بل هو مسخر للملائكة المكلفين ، كما أن الحيوانات ما هو غير مكلف بل هو مسخر للبشر ومخلوق لمصالحهم . قالوا : ولا ننكر أن يكون الملائكة الذين ذكر منهم أنهم غلظ الاجسام وعظم الخلق والتركيب بحيث تبلغ أقدامهم إلى قرار الارض ، قد جعلوا عمدا للسموات والارض ، فهم


(1) سورة التحريم ! (2) سورة الزخرف 80 . (3) سورة ق 17 .

[ 433 ]

يحملونها بمنزلة الاساطين التى تحمل السقوف العالية ولم يرشحوا لامر من الامور سوى ذلك . * * * البحث الرابع : فيما يجوز من الملائكة وما لا يجوز . قال شيخنا أبو القاسم : حكى أبو الحسن الخياط عن قدماء المعتزلة ، أنه لا يجوز أن يعصى أحد من الملائكة ، ولم يذكر عنهم علة في ذلك . وقال قوم : إنهم لا يعصون ، ولا يجوز أن يعصوا ، لانهم غير مطيقين الشهوة والغضب ، فلا داعى لهم إلى المعصية ، والفاعل لا يفعل إلا بداع إلى الفعل . وقال قوم : إنهم لا يعصون ، لانهم يشاهدون من عجائب صنع الله وآثار هيبته ما يبهرهم عن فعل المعصية والقصد إليها ، وكذلك قال تعالى : (وهم من خشيته مشفقون) (1) . وقال قوم : إنما لم يجز أن يعصوا ، لان الله تعالى أخبر عنهم أنهم لا يعصون ، ولا ينكر مع ذلك أن يكون منهم من يتغير حاله ويتبدل بها حالة أخرى ويعصى ، على ما ورد من خبر الملكين ببابل ، وخبر إبليس ، وإنما يسلب عنهم المعصية ماداموا على حالهم التى هي عليها . وقال شيوخنا أصحاب أبى هاشم رحمه الله تعالى : إن المعصية تجوز عليهم ، كما تجوز علينا ، إلا أن الله تعالى علم أن لهم ألطافا يمتنعون معها من القبيح لفعلها ، فامتنعوا من فعل القبيح اختيارا ، فكانت حالهم كحال الانبياء من البشر يقدرون على المعصية ولا يفعلونها ،


(1) سورة الانبياء 28 .

[ 434 ]

اختيارا من أنفسهم باعتبار الالطاف المفعولة لهم ، ولو كان لابليس أو فرعون أو نمرود ألطاف يعلم الله تعالى إذا فعلها فعلوا الواجب ، وامتنعوا من فعل القبيح لفعلها بهم ، ولكانوا معصومين كالانبياء والملائكة ، لكنه تعالى علم أنهم لا يؤمنون ولو فعل مهما فعل ، فلا لهم لطف في المعلوم ، وهذا عندهم حكم عام لجميع المكلفين من الانس والجن والملائكة . * * * البحث الخامس في أن أي القبيلين أفضل : الملائكة أو الانبياء ؟ قال أصحابنا : نوع الملائكة أفضل من نوع البشر ، والملائكة المقربون أفضل من نوع الانبياء ، وليس كل ملك عند الاطلاق أفضل من محمد صلى الله عليه وآله ، بل بعض المقربين أفضل منه ، وهو عليه السلام أفضل من ملائكة أخرى غير الاولين ، والمراد بالافضل الاكثر ثوابا ، وكذلك القول في موسى وعيسى وغيرهما من الانبياء . والذى يحكيه قوم من أرباب المقالات أن المعتزلة ، قالوا : إن أدنى ملك في السماء أفضل من محمد صلى الله عليه وآله ليس بصحيح عنهم . وقال أهل الحديث والاشعرية ، إن الانبياء أفضل من الملائكة . وقال الشيعة : الانبياء أفضل من الملائكة ، والائمة أفضل من الملائكة . وقال قوم منهم ومن الحشوية : إن المؤمنين أفضل من الملائكة . * * * البحث السادس في قدم الملائكة وحدوثهم ، أما الفلاسفة القائلون بأنهم العقول المفارقة ، فإنهم يذهبون إلى قدم الملائكة . وقال غيرهم من أهل الملل : إنهم محدثون . وقال قوم من متأخرى الحكماء : إن نفوس البشر إذا فارقت الابدان بالموت بقيت قائمة بأنفسها غير مدبرة لشئ من الابدان ، فإن كانت خيرة صالحة فهى الملائكة ،

[ 435 ]

وإن كانت شريرة رديئة الجوهر فهى الشياطين ، فالملائكة عند هؤلاء محدثون ، وعندهم أن هذه النفوس تساعد نفوسا أخرى متعلقة بتدبير الابدان ، إما على الخير أو على الشر ، فما ينسب في الكتب الالهية أن إغواء الشياطين للناس وإضلالهم ، فالمراد به تلك النفوس الشريرة ، وما ينسب فيها إلى إعانة الملائكة لهم على الخير والصلاح ، فالمراد به تلك النفوس الخيرة . * * * البحث السابع في إبليس ، أهو من الملائكة أو ليس منها ، قال شيخنا أبو عثمان وجماعة من أصحابنا : إنه من الملائكة ، ولذلك استثناه الله تعالى ، فقال : (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) (1) . وقال قوم : إنه كان من الملائكة بدلالة هذه الاية ، لكن الله مسخه حيث خالف الامر ، فهو بعد المسخ خارج عن الملائكة ، وقد كان قبل ذلك ملكا ، قالوا : ومعنى قوله : (كان من الجن) أي من خزان الجنة . وروى ذلك عن ابن عباس ، قالوا : ويحمل على معناه أنه صار من الجن ، فيكون (كان) بمعنى (صار) كقوله تعالى : (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) (2) أي من صار ، لانها لو كانت (كان) على حقيقتها ، لوجب ألا يكلم بعضهم بعضا ، لانهم كانوا صبيانا في المهود . قالوا : ومعنى صيرورته من الجن صيرورته ضالا ، كما أن الجن ضالون ، لان الكفار بعضهم من بعض ، كما قال تعالى : (والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) (3) 2


(1) سورة ص 73 ، 74 (2) سورة مريم 29 سورة التوبة 69 (*)

[ 436 ]

وقال معظم أصحابنا إن إبليس ليس من الملائكة ، ولا كان منها ، وإنما استثناه الله تعالى منهم ، لانه كان مأمورا بالسجود معهم ، فهو مستثنى من عموم المأمورين بالسجود ، لا من خصوص الملائكة . * * * البحث الثامن في هاروت وماروت ، هل هما من الملائكة أم لا ؟ قال جمهور أصحابنا : إنهما من الملائكة ، وإن القرآن العظيم قد صرح بذلك في قوله : (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) (1) وإن الذى أنزل عليهما هو علم السحر ، ابتلاء من الله تعالى للناس ، فمن تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا : قالوا : وما كان هذان الملكان يعلمان أحدا حتى ينبهاه وينهياه وينصحاه ، ويقولا له : (إنما نحن فتنة) ، أي ابتلاء واختبار من الله : (فلا تكفر) ولا تتعلمه ، معتقدا أنه حق . وحكى عن الحسن البصري أن هاروت وماروت علجان أقلفان من أهل بابل ، كانا يعلمان الناس السحر ، وقرأ الحسن (على الملكين ببابل) بكسر اللام . وقال قوم : كانا من الملائكة ، فعصيا الله تعالى بالحيف في الحكومة ، وقد كان استقضاهما في الارض ، وركب فيهما الشهوة والغضب ، على نحو ما ركب في البشر ، امتحانا لهما ، لانهما قد كانا عيرا البشر بالمعصية ، فلما عصيا حبسهما الله تعالى وعاقبهما بعذاب معجل ، وألهمهما كلاما إذا تكلما به سكن بعض ما بهما من الالم ، وإن السحرة يستمعون ذلك الكلام فيحفظونه ، ويفرقون به بين المرء وزوجه ، فإنهما يتقدمان إلى من يحضرهما عند ما يتكلمان بالزجر عن العمل بذلك الكلام ، ويقولان : (إنما نحن


(1) سورة البقرة . . (*)

[ 437 ]

فتنة فلا تكفر) وهما لم يكفرا ، ولا دعوا إلى السحر ، وإن عذابهما سيقطع . وقد جاء في الاخبار ما يوافق هذا . وقال قوم من الحشوية إنهما شربا الخمر وقتلا النفس ، وزينا بامرأة اسمها (باهيد) فمسخت ، وهى الزهرة التى في السماء . * * * الاصل : ومنها في صفة الارض ودحوها على الماء : كبس الارض على مورأمواج مستفحلة ، ولجج بحار زاخرة ، تلتطم أو اذى أمواجها ، وتصطفق متقاذفات أثباجها ، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها ، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها ، وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها ، وذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها ، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا ، وفى حكمة الذل منقادا أسيرا ، وسكنت الارض مدحوة في لجة تيارة ، وردت من نخوة بأوه واعتلائه ، وشموخ أنفه وسمو غلوائه ، وكعمته على كظة جريته ، فهمد بعد نزقاته ، ولبد بعد زيفان وثباته . فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها ، وحمل شواهق الجبال الشمخ البذخ على أكتافها ، فجر ينابيع العيون من عرانين أنوفها ، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها ، وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها ، وذوات الشناخيب الصم من صياخيدها ، فسكنت من الميدان لرسوب (1) الجبال في قطع أديمها ، وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها ، وركوبها أعناق سهول الارضين وجراثيمها ، وفسح


(1) مخطوطة النهج : (برسوب) .

[ 438 ]

بين الجو وبينها ، وأعد الهواء متنسما لساكنها ، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها . ثم لم يدع جرز الارض التى تقصر مياه العيون عن روابيها ، ولا تجد جداول الانهار ذريعة إلى بلوغها ، حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيى مواتها ، وتستخرج نباتها . ألف غمامها بعد افتراق لمعه ، وتباين قزعه ، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه ، والتمع برقه في كففه ، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه ، ومتراكم سحابه ، أرسله سحا متداركا ، قد أسف هيدبه ، يمريه الجنوب درر أهاضيبه ، ودفع شابيبه . فلما ألقت السحاب برك بوانيها ، وبعاع ما استقلت به من العبء المحمول عليها ، أخرج به من هوامد الارض النبات ، ومن زعر الجبال الاعشاب ، فهى تبهج بزينة رياضها ، وتزدهى بما ألبسته من ريط أزاهيرها ، وحلية ما سمطت به من ناضر أنوارها ، وجعل ذلك بلاغا للانام ، ورزقا للانعام ، وخرق الفجاج في آفاقها ، واقام المنار للسالكين على جواد طرقها . * * * الشرح : كبس الارض ، أي أدخلها في الماء بقوة واعتماد شديد ، ويقال لضرب من التمر : الكبيس ، لانه يكبس حتى يتراص . والمور : مصدر (مار) أي ذهب وجاء . ومستفحلة : هائجة هيجان الفحول . واستفحل الامر : تفاقم . واشتد . وزاخرة ، زخر الماء أي امتد جدا وارتفع . والاواذى : جمع آذى ، وهو الموج . وتصطفق : يضرب بعضها بعضا . والاثباج هاهنا :

[ 439 ]

أعالي الامواج ، وأصل الثبج : مابين الكاهل إلى الظهر ، فنقل إلى هذا الموضع استعارة . وترغو : تصوت صوت البعير ، والرغاء : صوت ذات الخف ، وفى المثل : (كفى برغائها مناديا) ، أي أن رغاء بعير المضيف يقوم مقام ندائه للضيافة والقرى . وزبدا على هذا منصوب بفعل مقدر ، تقديره ، وترغو قاذفة زبدا ، والزبد : ما يظهر فوق السيل ، يقال : قد أزبد البحر والسيل ، وبحر مزبد ، أي مالح يقذف بالزبد والفحول عند هياجها ، فحول الابل إذا هاجت للضراب . وجماح الماء : صعوده وغليانه ، وأصله من جماح الفرس ، وهو أن يعز فارسه ويغلبه . والجموح من الرجال : الذى يركب هواه فلا يمكن رده . وخضع : ذل . وهيج الماء : اضطرابه ، هاج هيجا وهياجا وهيجانا ، واهتاج ، وتهيج ، كله بمعنى ، أي ثار ، وهاجه غيره ، يتعدى ولا يتعدى . وارتمائه ، يعنى تقاذفه وتلاطمه ، يقال ارتمى القوم بالسهام وبالحجارة ارتماء . وكلكلها : صدرها ، وجاء كلكل وكلكال ، وربما جاء في ضرورة الشعر مشددا ، قال : كأن مهواها على الكلكل * موضع كفى راهب مصلى (1) . والمستخذى : الخاضع ، وقد يهمز . وقيل لاعرابي في مجلس أبى زيد : كيف تقول استخذأت ؟ ليتعرف منه الهمزة . فقال : العرب لا تستخذئ ، وهمزه ، وأكثر ما يستعمل ملينا ، وأصله من خذا الشئ يخذو وخذوا ، أي استرخى ، ويجوز خذى ، بكسر الذال ، وأذن خذواء : بينة الخذاء ، أي مسترخية . وتمعكت : تمرغت ، مستعار من تمعك الدابة في الارض ، وقالوا : معكت الاديم ، أي دلكته . وكواهلها : جمع كاهل ، وهو ما بين الكتفين ، ويسمى الحارك .


(1) الرجز المنظور بن مثد الاسدي ، اللسان 14 : 117 .

[ 440 ]

واصطخاب : أمواجه : أفتعال من الصخب ، وهو الصياح والجلبة ، يقال : صخب الرجل فهو صخبان ، واصطخب ، افتعل منه ، قال : * إن الضفادع في الغدران تصطخب (1) * والساجى : الساكن : والحكمة : ما أحاط من اللجام بحنك الدابة ، وكانت العرب تتخذها من القد والابق ، لان الزينة لم تكن قصدهم ، قال زهير : القائد الخيل منكوبا دوابرها * قد أحكمت حكمات القد والابقا (2) . واستعار الحكمة هاهنا ، فجعل للذل حكمة ينقاد الماء بها ويذل إليها . ومد حوه : مبسوطة ، قال تعالى : (والارض بعد ذلك دحاها) (3) ويجوز أن تكون (مدحوه) هاهنا بمعنى مقذوفة مرمية ، يقال : دحوت الحصاة أي قذفتها ، ويقال للاعب الجوز : ادح وأبعد المدى . والتيار : أعظم الموج . ولجته : أعمقه . والبأو : الكبر والفخر ، تقول بأوت على القوم أبأى بأوا ، قال حاتم : فما زادنا بأوا على ذى قرابة * غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر (4) وهذا الكلام استعارة ، يقال : كسرت الارض سورة الماء الجامح كما تكسر سورة بأو الرجل المتكبر المفتخر . والاعتلاء : التيه والتكبر . والشموخ : العلو ، مصدر شمخ بأنفه أي تكبر ، والجبال الشوامخ : الشاهقة . والسمو العلو ، وسمو علوائه أي غلوه وتجاوزه الحد .


(1) اللسان 2 : 10 من غير نسبة . (2) ديوانه 49 ، والابق : شبه الكتان . (3) سورة النازعات 30 . (4) ديوانه 119 .

[ 441 ]

وكعمته ، أي شددت فمه لما هاج ، من الكعام وهو شئ يجعل في فم البعير ، وبعير مكعوم . والكظة : الجهد والثقل الذى يعترى الانسان عند الامتلاء من الطعام ، يقول كعمت الارض الماء حال كونه مكظوظا لشدة امتلائه وكثرته وازدحام أمواجه ، فهمد أي سكن ، همدت النار تهمد ، بالضم همودا ، أي طفئت وذهبت ألبتة . والخمود دون الهمود . والنزقات : الخفة والطيش ، نزق الرجل بالكسر ، ينزق نزقا . والنزقات : الدفعات من ذلك . ولبد الشئ بالارض يلبد ، بالضم لبودا ، أي لصق بها ساكنا . والزيفان : التبختر في المشئ زاف البعير يزيف ، والزيافة من النوق المختالة ، ويروى (ولبد بعد زفيان وثباته) ، والزفيان : شدة هبوب الريح ، يقال زفته الريح زفيانا ، أي طردته ، وناقة زفيان : سريعة ، وقوس زفيان : سريعة الارسال للسهم . وأكنافها : جوانبها ، وكنفا الطائر جناحاه ، ويقال صلاء مكنف ، أي أحيط به من جوانبه ، وتكنفه القوم واكتنفوه أحاطوا به . والجبال الشواهق : العالية ، ومثله البذخ . والعرنين أول الانف تحت مجتمع الحاجبين . والينابيع : جمع ينبوع ، وهو ما انفجر من الارض عن الماء . والسهوب : جمع سهب ، وهو الفلاة . والبيد : جمع بيداء ، وهى الفلاة أيضا . والاخاديد : جمع أخدود ، وهو الشق في الارض ، قال تعالى : (قتل أصحاب الاخدود) (1) . والراسيات : الثقال . والشناخيب : رؤوس الجبال . والشم : العالية ، والجلاميد : الصخور ، واحدها جلمود . والصياخيد : جمع صيخود ، وهى الصخرة الصلبة .


(1) سورة البروج 4 . (*)

[ 442 ]

والميدان : التحرك والاضطراب ، وماد الرجل يميد أي تبختر ورسوب الجبال : نزولها ، رسب الشئ في الماء ، أي سفل فيه ، وسيف رسوب : ينزل في العظام . وقوله : في (قطع أديمها) جمع قطعة ، يريد في أجزائها وأبعاضها . ويروى في (قطع أديمها) بضم القاف وفتح الطاء ، جمع قطعة وهى القطعة مفروزة (1) من الارض ، وحكى أن أعرابيا قال : ورثت من أبى قطعة . ويروى في (قطع أديمها) بسكون الطاء . والقطع : طنفسة الرحل ، فنقل ذلك إلى هذا الموضع استعارة ، كأنه جعل الارض ناقة ، وجعل لها قطعا ، وجعل الجبال ثابتة في ذلك القطع . وأديم الارض : وجهها وظاهرها . وتغلغل الماء في الشجر : دخوله وتخلله في أصوله . وعروقه متسربة ، أي داخلة ، تسرب الثعلب ، أي دخل السرب ، وجوبات : جمع جوبة وهى الفرجة في جبل أو غيره . وخياشيمها : جمع خيشوم وهو أقصى الانف ، وتقول : خشمت الرجل خشما أي كسرت خيشومه . وجراثيمها : جمع جرثومة ، وهى أصل الشجر . وفسح : أوسع . ومتنسما ، يعنى موضع النسيم . والارض الجرز التى لا نبات فيها ، لانقطاع المطر عنها ، وهذه من الالفاظ القرآنية (2) والروابى : التلاع وما علا من الارض . والجداول : الانهار الصغار ، جمع جدول . والذريعة : الوصلة . وناشئة سحاب : ما يبتدئ ظهوره . والموات ، بفتح الميم : القفر من الارض ، واللمع : جمع لمعة ، وهى القطعة من السحاب أو غيره . وتباين قزعه ، القزع : قطع من السحاب رقيقة واحدها قزعة قال ، الشاعر :


(1) في الاصل : (مقروبة) ، تصحيف ، وانظر اللسان (قطع) . (2) من قوله تعالى في سورة السجدة 27 : (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الحرز فنخرج به زرعا) .

[ 443 ]

* كأن رعاله قزع الجهام (1) * وفى الحديث (كأنهم قزع الخريف) (2) . وتباينها : افتراقها . وتمخضت : تحركت بقوه ، يقال : تمخض اللبن إذا تحرك في الممخضة ، تمخض الولد : تحرك في بطن الحامل والهاء في (فيه) ترجع إلى المزن ، أي تحركت لجة المزن في المزن نفسه ، أي تحرك من السحاب وسطه وثبجه . والتمع البرق ولمع أي أضأ . وكففه : جمع كفه . والكفة كالدارة تكون في السحاب . وكان الاصمعي يقول : كل ما استطال فهو كفة بالضم ، نحو كفة الثوب ، وهى حاشيته وكفة الرحل ، والجمع كفاف ، وكل ما استدار فهو كفة بالكسر ، نحو كفة الميزان ، وكفة الصائد وهى حباله ، والجمع كفف . ويقال أيضا : كفة الميزان بالفتح . والوميض : الضياء واللمعان . وقوله : (لم ينم) أي لم يفتر ولم ينقطع ، فاستعار له لفظة النوم . والكنهور : العظيم من السحاب . والرباب : الغمام الابيض ، ويقال : إنه السحاب الذى تراه كأنه دون السحاب ، وقد يكون أبيض ، وقد يكون أسود ، وهو جمع ، والواحدة ربابة ، وبه سميت المرأة الرباب . والمتراكم : الذى قد ركب بعضه بعضا ، والميم بدل من الباء . وسحا : صبا ، وسحابة سحوح ، وتسحسح الماء : سال ، ومطر سحساح ، أي يسح شديدا . ومتداركا : يلحق بعضه بعضا من غير انقطاع . وأسف : دنا من الارض . وهيدبه : ما تهدب منه أي تدلى كما يتدلى هدب العين على أشفارها . ويمرى الجنوب ، وهو بمعنى يحلب ويتسدر ، ويروى (تمريه الجنوب) . على أن يعدى الفعل إلى المفعولين ، كما تقول حلبت الناقة لبنا . ويروى : (تمترى الجنوب) وهو بمعنى تمرى ، من مريت الفرس وامتريته ، إذا استخرجت بالسوط ما عنده من الجرى . وإنما


(1) لذى الرمة يصف فلاة ، وصدره : * ترى عصب القطا هملا عليه * (1) في النهاية لابن الاثير 3 : 215 ، من حديث لعلى . (*)

[ 444 ]

خص الجنوب بذلك لانها الريح التى يكون عليها المطر . والدرر : جمع درة ، وهى كثرة اللبن وسيلانه وصبه . والاهاضيب : جمع هضاب ، والهضاب جمع هضب وهى حلبات القطر بعد القطر . والدفع : جمع دفعة ، بالضم وهى كالدفقة من المطر بالضم أيضا والشابيب : جمع شؤبوب وهى رشة قوية من المطر ، تنزل دفعة بشدة ، والبرك الصدر وبوانيها ، تثنية بوان على (فعال) بكسر الفاء وهو عمود الخيمة ، والجمع بون بالضم ، قال الشاعر : أصبر من ذى ضاغط عركرك * ألقى بوانى زوره للمبرك (1) ومن روى (بوانيها) أراد لواصقها ، من قولك : قوص بانية إذا التصقت بالوتر . والرواية الاولى أصح . وبعاع السحاب : ثقله بالمطر قال امرؤ القيس : وألقى بصحراء الغبيط بعاعه * نزول اليماني بالعياب المثقل (2) والعبء : الثقل ، واستقلت : ارتفعت ونهضت ، وهوامد الارض ، هي الارضون التى لا نبات بها . وزعر الجبال : جمع أزعر ، والمراد به قلة العشب . والخلا : الكلا ، وأصله من الزعر ، وهو قلة الشعر في الرأس ، قال : من يك ذالمة يرجلها * فإننى غير ضائري زعرى (3) وقد زعر الرجل يزعر ، قل شعره . وتبهج تسر وتفرح ، تقول : بهجنى أمر كذا بالفتح ، وأبهجني معا ، أي سرنى . ومن رواه بضم الهاء أراد يحسن ويملح ، من البهجة ، وهى الحسن ، يقال بهج الرجل بالضم ، بهاجة ، فهو بهيج ، أي حسن ، قال الله تعالى : (من كل زوج بهيج) (4) ، وتقول : قد أبهجت الارض بالهمزة ، أي بهج نباتها وحسن .


(1) . . . (2) ديوانه . . (3) . . (4) سورة الحج 5 . (*)

[ 445 ]

وتزدهى ، أي تتكبر ، وهى اللغة التى حكاها ابن دريد ، قال : تقول : زها الرجل يزهو زهوا أي تكبر ، وعلى هذه اللغة تقول : ازدهى الرجل يزدهى ، كما تقول من (علا) اعتلى يعتلى ، ومن (رمى) ارتمى يرتمى ، وأما من رواها (وتزدهى بما ألبسته) على ما لم يسم فاعله ، فهى اللغة المشهورة . تقول : زهى فلان علينا ، وللعرب أحرف تتكلم بها على سبيل المفعول به ، وإن كانت بمعنى الفاعل ، كقولهم : عنى بالامر ، ونتجت الناقة ، فتقول على هذه اللغة : فلان يزدهى بكذا . والريط جمع ريطة ، وهى الملاءة غير ذات لفقين . والازاهير : النور ذو الالوان . وسمطت به : علق عليها السموط ، جمع سمط وهو العقد ، ومن رواه (شمطت) بالشين المعجمة ، أراد ما خالط سواد الرياض من النور الابيض كالاقحوان ونحوه ، فصارت الرياض كالشعر الاشمط . والناضر : ذو النضارة ، وهى الحسن والطراوة . وبلاغا للانام ، أي كفاية . والافاق : النواحى ، والمنار : الاعلام . * * * [ فصول متنوعة تتعلق بالخطبة ] وينبغى أن نتكلم في هذا الموضع في فصول : الفصل الاول : في كيفية ابتداء خلق الارض : ظاهر كلام أمير المؤمنين عليه السلام أن الماء خلق قبل الارض ، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه قول لبعض الحكماء ، وأنه موافق لما في التوراة ، إلا أن في كلامه عليه السلام في هذا الموضع إشكالا ، وذلك أن لقائل أن يقول : كلامه يشعر بأن هيجان الماء وغليانه وموجه

[ 446 ]

سكن بوضع الارض عليه ، وهذا خلاف ما يشاهد ، وخلاف ما يقتضيه العقل ، لان الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب وتموج ، وصعد علوا ، فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه ؟ والجواب أن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة ، جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه وبين تلك الريح ، ولذلك إذا جعلنا في الاناء ماء وروحناه بمروحة تموجه ، فإنه يتحرك ، فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملا حافات الاناء وروحنا بالمروحة فإن الماء لا يتحرك لان ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة وبين سطح الماء ، فمن الجائز أن يكون الماء الاول هائجا لاجل ريح محركة له ، فإذا وضعت الارض عليه حال بين سطح الماء وبين تلك الريح ، وقد مر في كلام أمير المؤمنين في الخطبة الاولى ذكر هذه الريح ، فقال : (ريح اعتقم مهبها ، وأدام مربها وأعصف مجراها ، وأبعد منشأها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار ، فمخضت مخض السقاء ، وصفت به عصفها بالفضاء) . * * * الفصل الثاني : في بيان قوله عليه السلام : (فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها ، وحمل شواهق الجبال البذخ على أكتافها ، فجر ينابيع العيون فيها ، وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها) . وذلك لان العامل في (لما) يجب أن يكون أمرا مباينا لما أضيفت إليه ، مثاله : لما قام زيد قام عمرو ، فقام الثانية هي العاملة في (لما) ، فيجوز أن تكون أمرا مباينا لما أضيف (لما) إليه ، وهو قيام زيد وهاهنا قد قال عليه السلام : لما حمل الله تعالى شواهق الجبال على الارض عدل حركات الارض بالجبال ، ومعلوم أن أحد الامرين هو الاخر . والجواب أنه ليس أحد الامرين هو الاخر بعينه ، بل الثاني معلول الاول ، وموجب

[ 447 ]

عنه لان الاول هو حمل الجبال عليها ، والثانى تعديل حركاتها بالجبال المحمول عليها ، فكأنه قال : حمل عليها الجبال ، فاقتضى ذلك الحمل تعديل حركاتها ، ومعلوم أن هذا الكلام منتظم . * * * الفصل الثالث : في قوله : (إن الجبال هي المسكنة للارض) . فنقول : إن هذا القول يخالف قول الحكماء ، لان سكون الارض عند الحكماء لم يكن لذلك ، بل لانها تطلب المركز ، وهى حاصلة في حيزها الطبيعي ، لكنا وإن كان مخالفا لقول الحكماء ، فإنا نعتقده دينا ومذهبا ، ونعدل عن قول الحكماء ، لان اتباع قوله عليه السلام أولى من اتباع أقوالهم . * * * الفصل الرابع : في ذكر نظائر لما وصف به المطر والسحاب ، فمن ذلك ما رواه عبد الرحمن ابن أخى الاصمعي ، عن عمه قال : سئل أعرابي عن مطر ، فقال : استقل سد مع انتشار الطفل ، فشصا واحزأل ، ثم اكفهرت أرجاؤه ، واحمومت أرحاؤه ، وانزعرت فوارقه ، وتضاحكت بوارقه ، واستطار وادقه ، وأرسعت جوبه ، وارتعن هيدبه ، وحسكت أخلافه ، واستقلت أردافه ، وانتشرت أكنافه ، فالرعد يرتجس ، والبرق يختلس ، والماء ينبجس ، فأترع الغدر ، وأنبت الوجر ، وخلط الاوعال بالاجال ، وقرن الصيران بالرئال ، فللاودية هدير ، وللشراج خرير ، وللتلاع زفير ، وحط

[ 448 ]

النبع والعنم من القلل الشم إلى القيعان الصحم ، فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنم ، أو داحض محرجم ، وذلك من فضل رب العالمين ، على عباده المذنبين . قلت : السد : السحاب الذى يسد الافق ، وأصل الجبل . والطفل : اختلاط الظلام وانتشاره حال غروب الشمس . وشصا : ارتفع وعلا . واحزال : انتصب . واكفهرت أرجاؤه : غلظت نواحيه وجوانبه وتراكمت . واحمومت : اسودت مع مخالطة حمرة . وأرجاؤة : أوساطه . وانزعرت : تفرقت . والفوارق : قطع من السحاب تتفرق عنه مثل فرق الابل ، وهى النوق إذا أرادت الولادة فارقت الابل وبعدت عنها حيث لا ترى . وتضاحكت بوارقه : لمعت . واستطار . انتشر . والوادق : ذو الودق ، وهو مطر كبار . وأرسعت جوبه ، أي تلاءمت فرجه والتحمت . وارتعن : استرخى . وهيدبه : ما تدلى منه . وحسكت أخلافه : امتلات ضروعه . وأرادفه : مآخره . وأكنافه : نواحيه ، ويرتجس : يصوت ، والرجس : الصوت ، ويختلس : يستلب البصر . وينبجس ينصب . فأترع الغدر : ملاها ، جمع غدير . وأنبت الوجر : حفرها : جمع وجار ، وهى بيت الضبع . والاجال : جمع إجل ، وهو قطيع البقر . والصيران مثله ، جمع صوار . والرئال : جمع رأل ، وهو فرخ النعام . والهدير : الصوت . والشراج : جمع شرج ، وهو مسيل الماء إلى الحرة . وخرير الماء . صوته . وزفير التلاع : أن تزفر بالماء لفرط امتلائها . والنبع : شجر ، والعنم : شجر آخر ، وكلاهما لا ينبت إلا في رءوس الجبال . والشم : العالية . والصحم : السود التى تضرب إلى الصفرة ، والمعصم المعتصم الملتجى . والمجرنم : المتقبض . والداحض : الزالق الواقع . والمرجم : المصروع . ومن ذلك ما رواه أبو حاتم ، عن الاصمعي ، قال سألت أعرابيا من بنى عامر ابن صعصعة ، عن مطر أصاب بلادهم ، فقال : نشأ عارضا ، فطلع ناهضا ، ثم ابتسم وامضا ، فاعتن في الاقطار فأشجاها ، وامتد في

[ 449 ]

الافاق فغطاها ، ثم ارتجس فهمهم ، ثم دوى فأظلم ، فأرك ودث ، وبغش وطش ، ثم قطقط فأفرط ، ثم ديم فأغمط ، ثم ركد فأثجم ، ثم وبل فسجم ، وجاد فأنعم ، فقمس الربا ، وأفرط الزبى سيعا (1) تباعا ، يريد انقشاعا ، حتى إذا ارتوت الحزون ، وتضحضحت المتون ، ساقه ربك إلى حيث يشاء ، كما جلبه من حيث شاء . قلت : العارض : سحاب يعترض في الافق . واعتن : اعترض . وأشجاها : ملاها فكان كالشجي في حلقها . وارتجس : صوت . والهمهمة : صوت الرعد . ودوى : أحدث دويا . فأظلم : أعدم الضوء من الارض بتكاثفه . فأرك : أي مطر ركا ، والرك : المطر الضعيف ، وكذلك الدث والبغش والطش ، وفوق ذلك القطقط . وديم : صار ديمة وهى المطر أياما لا يقلع . وأغمط ، أي دام . وأثجم : أقام . ووبل : جاء بالوابل ، وهو المطر العظيم : وسجم : صب . وأنعم : بالغ . وقمس : غوص في الماء . وأفرط الزبى : ملاها ، جمع زبية ، وهى حفيرة تحفر للوحوش في مكان مرتفع . والحزون : جمع حزن ، وهو ما غلظ من الارض . والمتون : جمع متن ، وهو الصلب من الارض . وتضحضحت : صار فوقها ضحضاح من الماء ، وهو الرقيق . * * * ومن ذلك ما رواه أبو حاتم أيضا ، عن الاصمعي ، قال : سألت أعرابيا عن مطر أصابهم بعد جدب ، فقال : ارتاح لنا ربك بعد ما استولى اليأس على الظنون ، وخامر القلوب القنوط ، فأنشأ بنوء الجبهة قزعة كالقرص ، من قبل العين ، فاحزألت عند ترجل النهار لادهم السرار ، حتى إذا نهضت في الافق طالعة ، أمر مسخرها الجنوب فتبسمت لها ، فانتثرت (2) أحضانها ، واحمومت أركانها ، وبسق عنانها ، واكفهرت رحاها ، وانبعجت كلاها ، وذمرت


(1) ساع الماء سيعا : جرى واضطرب ، وفى الاصول : (سبعا) تصحيف . (2) ب : (فانتشرت) . (*)

[ 450 ]

أخراها أولاها ، ثم استطارت عقائقها ، وارتعجت بوارقها ، وتعقعقت صواعقها ، ثم ارتعبت جوانبها ، وتداعت سواكبها ، ودرت حوالبها ، فكانت للارض طبقا شج فهضب ، وعم فأحسب ، فعل القيعان ، وضحضح الغيطان ، وصوح الاضواج ، وأترع الشراج ، فالحمد لله الذى جعل كفاء إساءتنا إحسانا ، وجزاء ظلمنا غفرانا . قلت : نوء الجبهة محمود عندهم للمطر ، والقزعة : القطعة الصغيرة من السحاب . والقرص : الترس . والعين ما عن يمين قبلة العراق . وترجل النهار : انبساط الشمس . والادهم : أحد ليالى السرار ، والاحضان : النواحى . واحمومت : اسودت . وبسق : علا . والعنان : ما يعترض من السحاب في الافق . وانبعجت : انفتقت . وذمرت : حضت والعقائق : البروق . وارتعجت : اهتزت وارتعدت . وطبقا ، أي غطت الارض . وهضب : جاء بالمطر دفعة فدفعة . وأحسب : كفى . وعل القيعان : سقاها مرة بعد أخرى . والغيطان : جمع غائط وهو ما سفل من الارض . وصوح الاضواج : هدم الاجواف . وأترع الشراج : ملا المسيلات . * * * ومن ذلك ما رواه ابن دريد ، عن عبد الرحمن ، عن عمه الاصمعي ، قال : سمعت أعرابيا من بنى عامر يصف مطرا ، قال : نشأ عند القصر بنوء الغفر حيا عارضا ضاحكا وامضا ، فكلا ولا ما كان حتى شجيت به أقطار الهواء ، واحتجبت به السماء ، ثم أطرق فاكفهر ، وتراكم فادلهم ، وبسق فازلام ، ثم حدت به الريح فخر ، والبرق مرتعج ، والرعد مبتوج ، والغفر مبتعج ، فأثجم ثلاثا ، متحيرا هثهاثا ، أخلافه حاشكة ، ودفعه متواشكة ، وسوامه متعاركة ، ثم ودع منجما ، وأقلع متهما ، محمود البلاء ، مترع النهاء ، مشكور النعماء ، بطول ذى الكبرياء . قلت : القصر : العشى . والغفر من نجوم الاسد . والحيا : الدانى من الارض . وقوله : (كلا ولا) أي في زمان قصير جدا . وشجيت به الاقطار : صار كالشجي لها .

[ 451 ]

وزلام : انتصب . والمرتعج : المتدارك . والمبتوج : العالي الصوت . والحدج : السحاب أول ما ينشأ . ويتبعج : يشقق . وأثجم : دام متحيرا ، أي كأنه قد تحير لا وجه له يقصده . والهثهاث : المداخل . وأخلافه حاشكة : أي ضروعة ممتلئة . ودفعه متواشكة ، أي مسرعة . وسوامه متعاركة ، شبه قطع السحاب بسوام الابل . ومنجما : مقلعا . ومتهما : يسير نحو تهامة . * * * الفصل الخامس : في بيان أنه عليه السلام إمام أرباب صناعة البديع ، وذلك لان هذا الفن لا يوجد منه في كلام غيره ممن تقدمه إلا الفاظ يسيرة غير مقصودة ، ولكنها وبالاتفاق كما وقع التجنيس في القرآن العزيز اتفاقا غير مقصود ، وذلك نحو قوله (يا أسفا على يوسف) (1) ، وكما وقعت المقابلة أيضا غير مقصودة في قوله : (والسماء رفعها ووضع الميزان) (2) على أنها ليست مقابلة في المعنى ، بل من اللفظ خاصة . ولما تأمل العلماء شعر امرئ القيس ووجدوا فيه من الاستعارة بيتا أو بيتين نحو قوله يصف الليل : فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل . وقوله : وإن يك قد ساءتك منى خليقة * فسلى ثيابي من ثيابك تنسل ولم ينشدوا مثل ذلك في أشعار الجاهلية ، حكموا له بأنه إمام الشعراء ورئيسهم . وهذا الفصل من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قد اشتمل من الاستعارة العجيبة وغيرها من أبواب البديع على ما لو كان موجودا في ديوان شاعر مكثر ، أو مترسل مكثر


(1) سورة يوسف 84 . (2) سورة الرحمن 8 . (*)

[ 452 ]

لكان مستحق التقديم بذلك ، إلا تراه كيف وصف الامواج بأنها مستفحلة ، وأنها ترغو رغاء فحول الابل . ثم جعل الماء جماحا ثم وصفه بالخضوع ، وحصل للارض كلكلا ، وجعلها واطئة للماء به ، ووصف الماء بالذل والاستخذاء ، لما جعل الارض متمعكة عليه كما لكان مستحق التقديم بذلك ، إلا تراه كيف وصف الامواج بأنها مستفحلة ، وأنها ترغو رغاء فحول الابل . ثم جعل الماء جماحا ثم وصفه بالخضوع ، وحصل للارض كلكلا ، وجعلها واطئة للماء به ، ووصف الماء بالذل والاستخذاء ، لما جعل الارض متمعكة عليه كما يتمعك الحمار أو الفرس ، وجعل لها كواهل ، وجعل للذل حكمة ، وجعل الماء في حكمة الذل منقادا أسيرا ، وساجيا مقهورا . وجعل الماء قد كان ذا نخوة وبأو واعتلاء ، فردته الارض خاضعا مسكينا ، وطأطأت من شموخ أنفه ، وسمو غلوائه ، وجعلها كاعمة له ، وجعل الماء ذاكظة بامتلائه ، كما تعترى الكظة المستكثر من الاكل . ثم جعله هامدا بعد أن كانت له نزقات ، ولابدا بعد أن كانت له وثبات ، ثم جعل للارض أكتافا وعرانين ، وأنوفا وخياشيم ، ثم نفى النوم عن وميض البرق ، وجعل الجنوب مارية درر السحاب ، ثم جعل للسحاب صدرا وبوانا ، ثم جعل الارض مبتهجة مسرورة مزدهاة ، وجعل لها ريطا من لباس الزهور ، وسموطا تحلى بها . فيالله وللعجب ! من قوم زعموا أن الكلام إنما يفضل بعضه بعضا لاشتماله على أمثال هذه الصنعة ، فإذا وجدوا في مائة ورقة كلمتين أو ثلاثا منها ، أقاموا القيامة ، ونفخوا في الصور وملئوا الصحف بالاستحسان لذلك والاستظراف ، ثم يمرون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على ألطف وجه ، وأرصع وجه ، وأرشق عبارة ، وأدق معنى ، وأحسن مقصد ، ثم يحملهم الهوى والعصبية على السكوت عن تفضيله إذا أجملوا وأحسنوا ، ولم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه . على أنه لا عجب ، فإنه كلام على عليه السلام ، وحظ الكلام حظ المتكلم ، وأشبه امرأ بعض بزه ! * * * وهذا آخر الجزء السادس من الاجزاء العشرين من شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد المعزلى على ما جزأه (1) .


(1) ج : (تم الجزء السادس من أجزاء شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد على ما جزأه ، ويتلوه الجزء السنابع والحمد لله وحده) . (*)

مكتبة شبكة أمل الثقافية