الانوار العلوية- الشيخ جعفر النقدي
الانوار العلوية
الشيخ جعفر النقدي
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الأنوار العلوية والأسرار المرتضوية (في أحوال أمير المؤمنين وفضائله ومناقبه وغزواته " ع ") تأليف فضيلة العلامة الجليل الوافد الى ربه الشيخ جعفر النقدي تغمده الله برحمته الطبعة الثانية وفيها زيادات مهمة على الاولى طبع على نفقة محمد كاظم الكتبي صاحب المكتبة والطبعة الحيدرية في النجف الاشرف المطبعة الحيدرية في النجف 1962 م - 1381 ه
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل عنوان صحائف المسلمين، حب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام واعد لشيعته الدرجات الرفيعة يوم الدين وصلى الله على رسوله المصطفى الناصح الأمين وآله الطيبين الطاهرين المعصومين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين من الآن الى قيام يوم الدين. وبعد: فيقول العبد المحتاج لعفو ربه الكريم أبو عبد الله الصادق جعفر بن محمد
ابن عبد الله بن محمد التقي بن الحسن بن الحسين بن علي النقي الربعي النزاري عاملة الله بلطفه العميم هذا كتاب سميته بالأنوار العلوية والأسرار المرتضوية جمعت فيه شيئا من احوال أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه ومعاجزه وغزواته وولادته ووفاته وغير ذلك مما يتعلق به عليه السلام من الأخبار المسطورة في كتب الخاصة والعامة المرغوبة عند اولى الأبصار، والمعتمد عليها في النقل لدى العلماء الأخيار، جعلته ذخيرة للمعاد وعدة ليوم التناد، وأجريته مجرى التاريخ لا الأستدلال على امامته (ع) بلا فصل ولا لأثبات ان له فضلا على كل ذي فضل لأن ذلك مفروغ منه لكثرة ما في ذلك من تصانيف أسلافنا وتواتر ما اعترف به في كتبهم ومحاوراتهم اهل خلافنا مع أني بحمد الله قد استوفيت ذلك في كتابي المسمى بذخائر القيامة في النبوة والأمامة، وكتابي المسمى بالحسام المصقول في نصرة ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبذلت الجهد في نظم الأخبار التي سطرتها في هذا الكتاب بعد أن كانت متفرقة في كتاب اولى الباب ورتبته على مقدمتين ومجالس وابواب وفصول وخاتمة.
[ 3 ]
المقدمة الأولى (في بيان نسب أمير المؤمنين (ع) وذكر أسمائه وشمائله) وشئ من أحوال أبوايه وأخوته الكرام عليه وعليهم السلام وفيها فصول: فصل في بيان نسبه هو سيد الأوصياء وإمام الأتقياء وابو الأئمة النجباء أمير المؤمنين " ع " وخليفة رسول رب العالمين وقائد الغر المحجلين شمس المشارق والمغارب مظهر العجائب والغرائب أبو الحسنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم عمرو العلى بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النظر ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن ادبن
أو دبن ناحور بن يعود بن يعرب بن يشجب بن ثابت بن اسماعيل بن ابراهيم خليل الرحمن بن تارخ بن ماخور بن ساروغ بن ارعواء بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد ابن سام بن نوح " ع " بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ بن برد بن مهلاييل بن معسوف ابن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر (ع)، وقيل عدنان بن أددبن نام بن يشجب ابن يعرب بن الهميسع بن صانوع بن يافث بن قيدار بن اسماعيل بن ابراهيم بن تارخ ابن ناحور بن ارعواء بن اسروح بن فالح بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح بن متوشلخ بن اخنوخ بن مهلاييل بن قينان بن انوش بن شيف بن آدم " ع " وقيل غير ذلك والأختلاف بطول المدة أو لتعدد بعض اسمائهم وكفاه فخرا ان آبائه واجداده هم آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجداده وحسبه ونسبه حسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونسبه وكان الغالب علي أمير المؤمنين " ع " من الكنية أبو الحسن ومن اللقب أمير المؤمنين " ع " وكان
[ 4 ]
ولده الحسن (ع) يدعوه في حياة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا الحسين عليه السلام أبا الحسن ويدعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اباهما فلما توفى النبي (ص) دعوه بابيهما وكناه رسول الله (ص) ابا تراب وجده نائما في تراب وقد سقط عنه ردائه واصاب التراب جسده فجائه حتى جلس عند رأسه وايقضه وجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول له اجلس انما انت أبو تراب وكانت من احب كناه إليه " ع " وكان يفرح إذا دعى بها فدعت بنو أمية لعنهم الله خطبائها أن يسبوه بها على المنابر وجعلوها نقيصة له ووصمة عليه. قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج) فو الله لكأنما كسوه بها الحلى والحلل كما قال الحسن البصري أقول ولله در عبد الباقي أفندي العمري حيث يقول في تأويل هذه الكنية الشريفة: أنت ثاني الآباء في منتهى الدور * * وآبائه تعد بنوه
خلق الله آدما من تراب * * فهو ابن له وأنت أبوه قال ابن أبي الحديد وكان أسمه الأول الذي سمته به أمه حيدرة باسم أبيها أسد ابن هاشم، والحيدرة الأسد فغير أبوه أسمه وسماه عليا، وقيل أن حيدرة اسم كانت تسميه العرب والقول الأول اصح يدل عليه خبره يوم برز إليه مرحب وارتجز عليه فقال، أنا الذي سمتني أمي مرحبا، فقال " ع " أنا الذي سمتني أمي حيدرة. أقول: سيأتي وجه تسميته في ذكر ولادته " ع " وأمه هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي واسم أبي طالب عبد مناف وقيل عمران والأول اصح واسم عبد المطلب شيبة واسم هاشم عمرو. فصل في ذكر أسماء أمير المؤمنين (ع) روى المجلسي في (البحار) عن صاحب كتاب الانوار أنه قال ان له " ع " في كتاب الله عزوجل ثلثمائه اسم فأما في الأخبار فالله اعلم بذلك ويسمونه أهل السماء
[ 5 ]
شماطيل، وفي الأرض حمحائيل، وعلى اللوح قنسوم، وعلى القلم منصور، وعلى العرش معين وعند رضوان أمين وعند الحور العين اصب وفي صحف ابراهيم حزميل وبالعبرانية بلقاطيس وبالسريانية شرحبيل وفي التوارة ايليا وفي الزبور اريا وفي الانجيل بريا وفي الصحف حجر العين وفي القرآن عليا وعند النبي ناصرا وعند العرب مليا وعند الهند كنكرا ويقال لنكرا وعند الروم بطريس وعند الأرمن فريق وقيل اطفاروس وعند الصقلاب فيروق وعند الفرس حبر وقيل فيروز وعند الترك تغير أو عنبر وقيل زاخ وعند الخزر برين وعند النبط كرايا وعند الديلم بني وعند الزمج حنين وعند الحبشة بتريك وقالوا كرفتا، وعند الفلاسفة يوشع، وعند الكهنة بوتي، وعند الجن حبين وعند الشياطين مدمر، وعند المشركين الموت الأحمر، وعند المؤمنين السحابة البيضاء وعند والده حرب وقيل ظهير، وعند أمه حيدرة، وقيل أسد، وعند ظئره ميمون
وعند الله علي " ع " وسئل المتوكل زيد بن حارثة المجنون عن علي " ع " فقال علي عليه السلام حروف الهجاء علي هو الآمر عن الله بالعدل والأحسان الباقر لعلوم الأديان التالي لسور القرآن الثاقب لحجاب الشيطان الجامع لأحكام القرآن الحاكم بين الأنس والجان الخلي عن كل زور، وبهتان الدليل لمن طلب البيان الذاكر ربه في السر والأعلان الراهب ربه في الليالي إذا انسدل الظلام الزائد الراجح بلا نقصان الساتر لعورات النسوان الشاكر لما أولى الواحد المنان الصابر يوم الضرب والطعان الضارب بحسامه رؤوس الأقران الطالب بحق الله غير متوان ولا خوان الظاهر على أهل الكفر والطغيان العالي علمه على أهل الزمان الغالب بنصر الله للشجعان الفالق للرؤوس والابدان القوي الشديد الأركان الكامل الراجح بلا نقصان اللازم لأوامر الرحمن المزوج بخير النسوان النامي ذكره في القرآن الولي لمن والاه بالأيمان الهادي الى الحق لمن طلب البيان اليسير السهل لمن طلبه باحسان. أقول: وقد قيل في وجه تسميته بعلي " ع " وجوها سنذكرها انشاء الله في مطاوي هذا الكتاب فمنها انه سمي به لأنه " ع " علا على كل من بارزه وقيل لانه مشتق من اسم الله قوله تعالى وهو العلي العظيم وقيل لأن له علوا في كل شئ على
[ 6 ]
النسب على الاسلام على العلم على الزهد على السخاء وسمي المرتضى لانه كان يتبع في جميع امره مرضات الله ورسوله كما عن ابن عباس وفي خبر ان الله تعالى سماه المرتضى لأن جبرئيل " ع " هبط إليه فقال يا محمد ان الله تعالى قد ارتضى عليا لفاطمة وارتضى فاطمة لعلي ومن أسمائه " ع " ذو القرنين عن ابن الجوزي يرفعه الى سلمة بن الطفيل عن علي " ع " قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان لك في الجنة قصرا وانك ذو قرنيها قال: وهذا الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في المسند وأخرجه أحمد أيضا في كتاب جمع فيه فضائل أمير المؤمنين " ع " ورواه النسائي مسندا قال ويسمى البطين لأنه
كان بطينا من العلم وكان " ع " يقول لو ثنيت لي الوسادة لذكرت في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حمل بعير ويسمى الأنزع لأنه كان أنزع من الشرك وقيل لأنه كان اجلح ويسمى أسد الله وأسد رسوله (ص) ويسمى يعسوب النحل لأن اليعسوب أمير النحل وهو احزمهم يقف على باب الكوة كلما مرت به نحلة شم فاها فان وجد منها رائحة منكرة علم أنها رعت حشيشة خبيثة فيقطعها نصفين ويلقيها على باب الكوة ليتأدب بها غيرها وكذا علي " ع " يقف على باب الجنة فيشم افواه الناس فمن وجد منه رائحة بغضة القاه في النار ويسمى الولي والوصي والتقي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين وشبيه هارون وصاحب اللواء وخاصف النعل وكاشف الكرب وأبو الريحانتين وميضة البلد في القاب كثيرة ثم ذكر كنيته وقد قدمناها عن غيره. فصل في شمائله (ع) في خبر عن جابر وابن الحنفية انه كان (ع) رجلا دحداحا ربع القامة ازج الحاجبين أدعج العينين انجل يميل الى الشهلة كأن وجهه القمر ليلة البدر حسنا وهو الى السمرة. اصلع له خفاف من خلفه كأنه أكليل وكأن عنقه ابريق فضة وهو اقب ضخم البطن اقرأ الظهر عريض الصدر محض المتن شثن الكفين ضخم الكسور لا يبين
[ 7 ]
عضده من ساعده وقد ادمجت ادماجا عبل الذراعين عريض المنكبين عظيم المشاشين كمشاش السبع الضاري له لحية قد زانت صدره غليظ العضلات خش الساقين، وعن كتاب ذخاير العقبي كان ربعه من الرجال ادعج العينين عظيمهما حسن الوجه كأنه قمر بدري عظيم البطن وكان (ع) عريض ما بين المنكبين لنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري لا يبين عضده من ساعده ادمج ادماجا شثن الكفين عظيم الكراديس اغيد كأن عنقه ابريق فضة، وفي كتاب (المناقب) لابن شهر اشوب عن ابن اسحاق وابن شهاب انه كتب حلية علي (ع) عن ثبيت الخادم فأخذها عمرو بن العاص فزم باعه وقطعها وكتب
ان أبا تراب كان شديد الأدمة عظيم البطن خمش الساقين ونحو ذلك. أقول وروى عن مخالفونا عن المغيرة أنه كان علي (ع) على هيئة الأسد غليظا منه ما استغلظ دقيقا منه ما استدق. فصل في شئ من أحوال والديه " ع " أما أبوه فهو أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم كان شيخ الأبطح شهد بذلك معاوية بن أبي سفيان حين سمع بقتل أمير المؤمنين وهو قوله: نجوت وقد بل المرادي سيفه * * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب وفي تاريخ ابن الجوزي عن عبد الرحمن عن مجاهد عن ابن عباس قال قوم من بني مذحج لعبد المطلب لما شاهدوا قدمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا أبا البطحاء إحتفظ بهذا فانا لم نر قدما أشبه بالقدم الذي بالمقام من قدميه فقال عبد المطلب لأبي طالب اسمع ما يقول هؤلاء فأن لأبني هذا ملكا ثم ان أبا طالب قام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن القيام وكان معه لا يفارقه وكان يحبه حبا شديدا ويقدمه على أولاده ولا ينام إلا وهو في جانبه وكان يقول له انك لمبارك الفتية ميمون. الطلعة وروى تغلب مرفوعا عن ابن عباس انه لما نزلت وانذر عشيرتك الأقربين قال علي (ع) فقال (ص) لي يا علي قد أمرت
[ 8 ]
ان أنذر عشيرتي الأقربين فاصنع لي طعاما واطبخ لي لحما قال علي (ع) فعددتهم فكانوا أربعين قال فصنعت طعاما يكفي الأثنين أو الثلاثة قال فقال: لي المصطفى (ص) هاته فاخذ شظة من اللحم فشظاها باسنانه وجعلها في الجفنة قال علي (ع) وأعددت لهم عسا من لبن قال ومضيت الى القوم فاعلمتهم انه قد دعاهم لطعام وشراب قال: فدخلوا وأكلوا ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا قال ولعهدي بالواحد منهم يأكل مثل ذلك الطعام وحده قال ثم أتيت باللبن قال: فشربوا حتى تضلعوا ولعهدي بالواحد منهم يشرب مثل ذلك اللبن وما بلغوا نصف العس قال: ثم قام فلما أراد أن يتكلم
أعترض عليه أبو لهب فقال لهذا دعوتنا ثم أتبع كلامه بكلمة ثم قال قوموا فقاموا وأنصرفوا كلهم قال: فلما كان من الغد قال: لي يا علي (ع) اصلح لي مثل ذلك الطعام والشراب فاصلحته ومضيت إليهم برسالته قال: فاقبلوا إليه فلما أكلوا وشربوا قام رسول الله (ص) ليتكلم فاعترضه أبو لهب قال: فقال له أبو طالب (ع) أسكت يا أعور ما أنت وهذا قال ثم قال: أبو طالب (ع) لا يقومن أحد قال فجلسوا ثم قال: للنبي (ص) قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق قال فقال (ص) لهم أرأيتم لو قلت لكم ان وراء هذا الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقونني قال: فقالوا كلهم نعم انك لأنت الأمين الصادق فقال لهم فوحدوا لله الجبار واعبدوه وحده بالأخلاص وأخلعوا هذه الأنداد الأنجاس واقروا وأشهدوا باني رسول الله اليكم والى الخلق فأني قد جئتكم بعز الدنيا والآخرة قال: فقاموا وأنصرفوا كلهم وكأن الموعظة قد عملت فيهم. أقول عميت عين من قال أن أبا طالب مات كافرا لو لم يكن لأبي طالب (ع) الا هذا الحديث لكفاه شاهدا بايمانه وعظيم حقه على الاسلام وجلاله أمره في الدنيا ودار المقام كما قال: بعض العلماء الأعلام لأنه سبب في تمكين النبي (ص) من تأدبة رسالته وتصريحه بقوله له (ص) بلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق ومثل هذا الخبر كثير وقد والله لولا أبو طالب (ع) لما قامت قائمة لدين محمد (ص) وما أحسن قول بعض أهل الصلاح:
[ 9 ]
فلولا أبو طالب وابنه * * لما رفع الدين شخصا وقاما فهذا بمكة آوى وحاما * * وهذا بيثرب شام الحساما وقد كشفت القناع في كتاب فضائل أبي طالب (ع) وسردت الكلام في الاخبار الواردة في فضله وأوضحت رد المنكرين لعلي مقامه وهو كتاب عديم النظير. وقد
روى ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني عن الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى عن أحمد ابن اسحاق عن بكير بن محمد الأزدي عن اسحاق بن جعفر عن أبيه (ع) قال قيل له انهم يزعمون أن أبا طالب كان كافرا قال (ع): كذبوا كيف يكون كافرا وهو يقول: ألم تعلموا إنا وجدنا محمدا * * نبيا كموسى خط في أول الكتب وفي حديث آخر كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول: لقد علموا إن ابننا لا مكذب * * لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل وروي أيضا عن حميد بن زياد عن محمد بن أيوب عن محمد بن زياد عن اسباط بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال كان حيث طلقت آمنة بنت وهب واخذها المخاض بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب (ع) فلم تزل معها حتى وضعت فقالت احديهما للأخرى هل ترين ما أرى فقالت وما ترين قالت هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب فبينما هما كذلك إذ دخل عليهما أبو طالب (ع) فقال لهما مالكما من أي شئ تعجبان فاخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت فقال لهما ألا أبشرك ؟ فقالت بلى فقال اما انك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود. وروى الصدوق " ره " باسناد عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام اول جماعة كانت ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب " ع " خلفه إذ مر أبو طالب " ع " وجعفر معه قال يا بني صل جناح ابن عمك فلما احس رسول الله (ص) تقدمهما وانصرف أبو طالب مسرورا وهو يقول: ان عليا وجعفرا ثقتي * * عند ملم الزمان والنوب والله لا اخذل النبي ولا * * يخذله من بني ذو حسب
[ 10 ]
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * * أخي لأمي من بينهم وأبي
قال فكانت اول جماعة جمعت ذلك اليوم. وروى مرفوعا عن عمران بن حصين قال كان والله اسلام جعفر بأمر أبيه ولذلك لما مر أبو طالب عليه السلام ومعه ابنه جعفر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام عن يمينه فقال أبو طالب (ع) لجعفر صل جناح ابن عمك فجاء جعفر فصلى مع النبي (ص) فلما قضى صلاته قال له النبي (ص) يا جعفر صلت جناح ابن عمك ان الله يعوضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنة فانشأ أبو طالب عليه السلام يقول ان عليا وجعفر الخ ما مر وزاد في هذه الرواية: حتى ترون الرؤس طائحة * * منا ومنكم هناك بالقضب نحن وهذا النبي ابصرنا * * نضرب منه الأعداء كالشهب ان نلتموه بكل جمعكم * * فنحن في الناس الئم العرب وروى انه قيل للأحنف بن قيس النميمي من اين اقتبست هذا الحكم وتعلمت هذا الحكم قال من حكيم عصره ومن حليم دهره قيس بن عاصم المنقري ولقد قيل لقيس حلم من رأيت فتحلمت وعلم من رأيت فتعلمت فقال من الذي لم تفقد قط حكمته اكنم بن صيفي النميمي ولقد قيل الأكثم ممن تعلمت الحكمة والرياسة والعلم والحلم والسيادة فقال من حليف الحلم والأدب سيد العجم والعرب أبي طالب عليه السلام ابن عبد المطلب وفي كتاب اكمال الدين واتمام النعمة للصدوق محمد بن بابويه القمي " ره " باسناده عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال ان أبا طالب اظهر الكفر وأسر الأيمان فاتاه الله عزوجل أجره مرتين فلما حضرته الوفاة اوحى الله عزوجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخرج منها فليس لك فيها ناصر فهاجر الى المدينة. وفيه أيضا باسناده عن الأصبغ بن نباته قال سمعت أمير المؤمنين " ع " يقول والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قط قيل فما كانوا يعبدون ؟ قال كانوا يصلون الى البيت على دين ابراهيم (ع) متمسكون به. أقول ذكر أبو الفداء في تاريخه انه لما دنت الوفاة من أبي طالب " ع " جعل
يحرك شفتيه فاصغى إليه العباس بأذنه وقال والله يا بن اخي لقد قال الكلمة التي امرته
[ 11 ]
ان يقولها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحمد لله الذي هداك يا عم هكذا روى عن ابن عباس وذكر ابن الجوزي في تاريخه باسناده الى الواقدي قال: قال علي عليه السلام لما توفى أبو طالب عليه السلام اخبرت رسول الله (ص) فبكى بكاءا شديدا ثم قال اذهب فغسله وكفنه وواراه غفر الله له ورحمه فقال له العباس يا رسول الله (ص) انك لترجو له قال أي والله أني لأرجو له وجعل رسول الله (ص) يستغفر له أياما لا يخرج من بيته وقال الواقدي قال: ابن عباس عارض رسول الله (ص) جنازة أبي طالب وقال وصلتك رحم وجزاك الله يا عم خيرا. وذكر ابن سعد عن هشام بن عروة قال: ما زالوا كافين عن رسول الله (ص) حتى مات أبو طالب عليه السلام. أقول: قال ابن أبي الحديد قال محمد بن اسحاق فلم يزل أبو طالب ثابتا صابرا مستمرا على نصر رسول الله (ص) وحمايته والقيام دونه حتى مات في اول السنة الحادية عشرة من مبعث رسول الله (ص) فطمعت فيه قريش حينئذ وتمالت منه فخرج من مكة خائفا يطلب أحياء العرب يعرض عليهم نفسه فلم يزل كذلك حتى دخل مكة في جوار المطعم بن عدي ثم كان من امره ما كان ليلة العقبة انتهى وذكر أبو الفداء ان أبا طالب مات سنة العاشرة من الهجرة انتهى. وعن الشعبي مرفوعا عن امير المؤمنين عليه السلام قال: كان والله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب مؤمنا مسلما يكتم ايمانه مخافة على بني هاشم ان تنابذها قريش قال: أبو علي الموضح ولامير المؤمنين " ع " في ابيه يرثيه: ابا طالب عصمة المستجير * * وغيث المحول ونور الظلم لقد هد فقدك اهل الحفاظ * * فصلى عليك ولي النعم ولقاك ربك رضوانه * * فقد كنت للطهر من خير عم
أقول: ذكرنا هذا المجمل من احوال أبي طالب (ع) لئلا يخلو منه كتابنا هذا ولنا كتاب خاص به عليه السلام متكفل باحواله فمن شاء فليراجعه فانه كتاب جليل ليس له مثيل وأما امه عليها السلام فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وأمها فاطمة وتعرف بحبرا بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لوي وأمها
[ 12 ]
عدية بنت وهب بن ثعلبة بن وائلة عمرو بن سنان بن محارب بن فهر وأمها فاطمة بنت عبيد بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لوي وأمها سلمى بنت عامر بن ربيعة بن هلال بن اهيب بن ضبة بن الحرث بن فهر وأمها عاتكة بنت أبي همهمة واسم أبي همهمة عمرو بن عبد العزى بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحرث بن فهر وأمها تماخر بنت أبي عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي وأمها حبيبة بنت عبد ياليل بن مسالم بن مالك بن حطبط بن جشم بن قصي وهو ثقيف وأمها فلانة بنت مخزوم بن امامة بن صبح بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو ابن قين بن فهم بن قيس بن عيلان بن مضر وأمها حبى بنت الحرث بن النابغة بن عميرة ابن عوف بن نصر بن معاوية بن هوازن وفاطمة اول هاشمية تزوجت هاشميا وولدت له كذا ذكره أبو الفرج الأصبهاني قال ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة وكانت من السابقات الى الأيمان بمنزلة الأم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما ماتت كفنها النبي (ص) بقميصه وأمر اسامة بن زيد وأبا ايوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسودا فحفروا قبرها فلما بلغوا لحدها حفره رسول الله (ص) بيده واخرج ترابه فلما فرغ اضطجع فيه وقال الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك محمد والأنبياء الذين من قبلي فانك أرحم الراحمين فقيل يا رسول الله (ص) رأيناك صنعت شيئا لم تكن تصنعه باحد قبلها فقال (ص) البستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة واضطجعت في قبرها ليخفف
عنها من ضغطة القبر انها كانت من احسن خلق الله صنعا الي بعد أبي طالب رضي الله عنها ورحمها انتهى كلام ابن الصباغ بلفظه. وروى العلامة المجلسي " ره " في البحار بسند عن أبي عبد الله (ع) قال لما ماتت فاطمة بنت أسد ام أمير المؤمنين (ع) جاء علي الى النبي (ص) فقال له رسول الله (ص) يا أبا الحسن مالك تبكي قال أمي ماتت فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامي والله ثم بكوا وقال وا اماه ثم قال لعلي (ع) هذا قميصي فكفنها فيه وهذا ردائي فكفنها فيه فإذا فرغتم فادنوني فلما اخرجت صلى عليها النبي (ص) صلاة لم يصل قبلها ولا بعدهاا على أحد مثلها ثم
[ 13 ]
نزل في قبرها فاضطجع فيه ثم قال لها يا فاطمة قالت لبيك يا رسول الله (ص) فقال وهل وجدت ما وعدك ربك حقا قالت نعم فجزاك الله خيرا وطالت مناجاته معها في القبر فلما خرج قيل له يا رسول الله لقد صنعت شيئا في تكفينك اياها بثيابك ودخولك في قبرها وطول مناجاتك وطول صلاتك ما رأيناك صنعته باحد قبلها قال ما تكفيني اياها فاني لما قلت لها يعرى الناس يوم يحشرون من قبورهم فصاحت وقالت واسؤاتاه فلبستها ثيابي وسئلت الله في صلاتي عليها ان لا يبلى اكفانها حتى تدخل الجنة فأجابني الى ذلك. واما دخولي في قبرها فاني قلت لها يوما ان الميت إذا دخل قبره وانصرف الناس عنه دخل عليه ملكان منكر ونكير فيسألانه فقالت واغوثاه بالله فما زلت اسئل ربي في قبرها حتى فتح لها من قبرها روضة من رياض الجنة، وفيه عن فضائل شاذان ابن جبرئيل قال لما ماتت فاطمة بنت أسد اقبل علي بن أبي طالب (ع) باكيا فقال له النبي (ص) ما يبكيك لا ابكى الله عينك قال توفيت والدتي يا رسول الله قال له النبي صلى الله عليه وآله بل ووالدتي يا علي (ع) فلقد كانت تجوع أولادها وتشبعني وتشعث أولادها وتدهنني والله لقد كان في دار أبي طالب " ع " نخلة فكانت تسابق إليها من الغداة لتلتقط ثم تجنيه رضى الله عنها فإذا خرج بنو عمي ناولتني ذلك ثم نهض فاخذ
في جهازها وكفنها بقميصه (ص) وكان في حال تشييع جنازة يرفع قدما ويتأنى في رفع الأخر وهو حافي القدم فلما صلى عليها كبر سبعين تكبيرة ثم لحدها في قبرها بيده الكريمة بعد ان نام في قبرها ولقنها الشهادة فلما اهيل عليها التراب وأراد الناس الأنصراف جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل ابنك ابنك علي ابن أبي طالب " ع " قالوا يارسول الله فعلت فعلا ما رأينا مثله قط مشيت حافي القدم وكبرت سبعين تكبيرة ونومك في لحدها وجعل قميصك كفنها وقولك لها ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل فقال (ص) أما التأني في وضع اقدامي ورفعها في حال التشييع للجنازة فلكثرة ازدحام الملائكة وأما تكبيري سبعين تكبيرة فانها صلى عليها سبعون صفا من الملائكة واما نومي في لحدها فأني ذكرت في حال حياتها ضغطة القبر فقالت واضعفاه فنمت في لحدها لأجل ذلك حتى كفنتها ذلك وأما تكفيني لها بقميصي فأني
[ 14 ]
ذكرت لها في حياتها القيامة وحشر الناس عراة فقالت واسوأتاه فكفنتها بها لتقوم يوم القيامة مستورة وأما قولي لها ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل فانها لما نزل عليها الملكان وسألاها عن ربها قالت الله ربي قالوا لها من نبيك قالت محمد نبيي وقالا من وليك وأمامك فاستحيت ان تقول ولدي فقلت لها قولي ابنك علي بن أبي طالب (ع) فاقرأ الله بذلك عينها. أقول: قال عبد الحميد ابن أبي الحديد في شرح النهج اسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشرة من المسلمين فكانت الحادية عشر وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكرمها ويعظمها ويدعوها أمي واوصت إليه حين حضرتها الوفاة فقبل وصيتها ثم قال وفاطمة اول امرئة بايعت رسول الله (ص) من النساء وقال: الصدوق في العلل باسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال ان فاطمة بنت أسد بن هاشم اوصت الى رسول الله (ص) فقبل وصيتها فقالت يا رسول الله اني أردت ان أعتق جاريتي هذه فقال (ص) ما قدمت من
خير فستجدينه فلما ماتت رضوان الله عليها نزع رسول الله (ص) قميصه وقال كفنوها فيه واضطجع في لحدها فقال اما قميصي فأمان لها يوم القيامة وأما أضطجاعي في قبرها فليوسع الله عليها. أقول والأخبار في فضائل فاطمة بنت أسد كثيرة وفيما ذكرناه هنا كفاية. فصل في ذكر اخوته عليه وعليهم السلام وهم طالب وعقيل وجعفر قال: ابن أبي الحديد وكان علي أصغرهم سنا وجعفر اسن منه بعشر سنين وعقيل اسن من جعفر بعشر سنين وطالب اسن من عقيل بعشر سنين وفاطمة بنت أسد أمهم جميعا وفي المناقب للخوارزمي ونقله ابن الصباغ قال: ولد أبو طالب بن عبد المطلب طالبا ولا عقب له وجعفرا وعليا كل واحد منهم اسن من صاحبه بعشر سنين على الولادة وأم هاني واسمها فاختة وأم كلهم فاطمة بنت أسد. أقول: أما طالب فقد ورد أنه مات قبل النبوة وقيل انه فقد يوم بدر فلم يعلم
[ 15 ]
اين ذهب وقال: بعض العلماء في الخبر المروي عن أمير المؤمنين (ع) عن النبي (ص) أنه قال: هبط جبرئيل (ع) فقال لي يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان الله عز وجل شفعك في ستة بطن حملتك آمنة بنت وهب وصلب انزلك عبد الله بن عبد المطلب وحجر كفلك أبو طالب وبيت آواك عبد المطلب واخ كان لك في الجاهلية قيل يا رسول الله (ص) وما كان فعله قال كان سخيا يطعم الطعام ويجود بالنوال وثدي ارضعك حليمة بنت ذويب ان ذلك الأخ هو طالب إذ ليس لعبد الله ابن غير النبي (ص) وأطلاق الأخ على طالب لكون النبي (ص) ربيب أبيه " ع " وأما عقيل فهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله يا عقيل أنا احبك حبين حبا لك وحبا لعمي أبي طالب (ع) لأنه كان يحبك وكان أبو طالب شديد المحبة لعقيل ولما أصابت قريش تلك السنة المجدية وأتى النبي (ص) والعباس بن عبد المطلب الى أبي طالب ليحملوا بعض الاثقال عنه قال
لهما إذا خليتما لي عقيلا فخذا ما شئتما وفي رواية إذا تركتما لي عقيلا وطالبا فافعلا ما شئتما فأخذ العباس جعفرا وأخذ النبي (ص) عليا واسلم عقيل (ع) بعد ما أسر في غزوة بدر وكان المشركون اخرجوه معهم كرها منه هو والعباس بن عبد المطلب ولما استقر أمير المؤمنين " ع " علي مغصوب حقه من الخلافة كان يعطي عقيلا مثل ما يعطي سائر الناس فأتاه يوما وقال يابن ام كنا ندعوا الله أن ينقل لك الأمر لتوسع علينا فسكت عنه أمير المؤمنين " ع " فأتاه يوما آخر وقال له مثل ذلك فقال " ع " إذا كان الغد فأتيني فلما كان من الغد أتاه وكان مكفوفا فقال ادن مني فدنا منه فوضع في كفه حديدة كان قد احماها فوقع مغشيا عليه بعد ان صاح صيحة فقال (ع) ثكلتك الثواكل يا عقيل اتجزع من حديدة أحماها أنسانها للعبه وتجرني الى نار سجرها جبارها لغضبه فلحق عقيل بمعاوية. أقول: هكذا رواه أصحابنا وفي الصواعق لأبن حجر أنه (ع) كان يعطي عقيلا كل يوم من الشعير ما يكفي عياله فاشتهى عليه أولاده مريسا فصار يوفر كل يوم شئيا قليلا فاجتمع عنده ما اشترى به سمنا وتمرا وصنع لهم مريسا فدعوا عليا " ع " إليه فلما جاء وقدم له ذلك سئل عنه فقصوا عليه ذلك فقال أو كان يكفيكم ذاك بعد
[ 16 ]
الذي عزلتم منه قالوا نعم فنقص مما كان يعطيه مقدار ما كان يعزل كل يوم وقال لا يحل لي ازيد من ذلك فعاتبه عقيل فغضب علي عليه السلام من ذلك فحموا له حديدة وقربها من خده وهو غافل فتاوه فقال علي (ع) تجزع من هذه وتعرضني لنار جهنم فقال اذهب الى من يعطني تبرا ويطعمني تمرا فلحق بمعاوية وقد قال معاوية يوما لولا علم عقيل بأني خير له من أخيه وأقام عندنا أو تركه فقال له عقيل اخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي وقد آثرت دنياي وأسئل الله خاتمته خير قال: واخرج ابن عساكر ان عقيلا سئل عليا فقال أني محتاج وأني فقير فأعطني قال عليه السلام اصبر حتى يخرج عطاؤك
مع المسلمين فأعطيك معهم فالح عليه فقال لرجل خذ بيده وانطلق به الى حوانيت اهل السوق فقال له دق هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت قال تريد ان تتخذني سارقا قال عليه السلام وانت تريد ان تتخذني سارقا ان آخذ أموال المسلمين واعطيكها دونهم قال لأتين معاوية قال انت وذاك فأتى معاوية فأعطاه مائة الف ثم قال اصعد على المنبر فاذكر ما اولاك به علي وما اوليتك فصعد فحمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس اني اخبركم اني اردت عليا على دينه فأختار دينه واردت معاوية على دينه فأختارني على دينه هذا كلام الصواعق وفي كتب السير ان معاوية دعى عقيلا ليصعد المنبر ويسب أمير المؤمنين " ع " فصعد المنبر وقال: أيها الناس ان معاوية أمرني ان لعن عليا " ع " فالعنوه ودعاه مرة أخرى فصعد المنبر وقال ان عليا ومعاوية قد اختلفا وانا العن الباغي منهما على صاحبه فالعنوه فقال الناس على الباغي منهما لعنة الله فقال ابن العاص لمعاوية خذها يا ابا عبد الرحمن فقال معاوية لعقيل جزيت خيرا ما قصرت في حقنا ويحكى ان معاوية قال الذي يدل على الحق هو كون عقيل معنا فقال له عقيل نعم ويوم بدر كنت معكم ودخل عليه يوما فقال مرحبا بمن عمه أبو لهب وقال عقيل وأهلا بمن عمته حمالة الحطب يا معاوية إذا دخلت النار ورأيت عمي قد فخذ عمتك ما تقول الناكح أسوء ام المنكوح وقال يوما له معاوية ما لكم يا بني هاشم تصابون بابصاركم فقال عقيل وانتم يا بني أمية تصابون ببصائركم وفي الكتاب الذي الفه الغزالي لخوارزم شاه وفد عقيل بن أبي طالب عليه السلام على معاوية فأجاره بمائة الف درهم فلما اراد
[ 17 ]
الأنصراف راى في الطريق جارية تباع باربعين الف فرجع الى معاوية فاخبره فقال له معاوية ما تصنع بها، قال تلد لي غلاما فان اغضبته يضرب مفرقك بالسيف فامر له بها فابتاعها فولدت له العبد الصالح مسلم بن عقيل (ع) ولما قدم مسلم (ع) الشام ابتاع منه معاوية ضيعة فبلغ الحسين بن علي (ع) فكتب الى معاوية، اما بعد فاني لا اجيز
بيع مسلم بن عقيل فارسل معاوية الى مسلم (ع) فقال هذا كتاب الحسين (ع) ابن علي لا يجيز بيعك وهو يامرك برد المال، فقال اما دون ان اضرب مفرقك بالسيف فلا فضحك معاوية وقال والله لقد تهددني ابوك بذلك قبل ان يشتري امك، وسوغه المال. وفي العقد الفريد، لابن عبد ربه عن الضبي، قال: خطب قريبة ابنة حرب اخت أبي سفيان ابن حرب اربعة عشر رجلا من اهل بدر فابتهم كلهم وتزوجت عقيل ابن أبي طالب، وقالت ان عقيلا كان مع الأحبة يوم قتلوا ببدر وان هؤلاء كانوا عليهم ولاحته يوما وقالت يا عقيل أين اخوالي اين اعمامي كأن اعناقهم ابريق فضة، قال لها إذا دخلت النار فخذي على يسارك، وفي بعض الكتب كان عقيل بن أبي طالب علامة بانساب العرب، ولما توفيت فاطمة عليها سلام الله تعالى، قال له أمير المؤمنين يا عقيل اختر لي امرأة من العرب ينجب ولدها فاجال عقيل طرفه بين الطوائف فاختار له ام البنين الكلابية، وهي ام العباس بن علي واخوته. ويحكى ان عقيلا دخل على معاوية وعنده جماعة من أصحابه فكلموه، فطعن في نسب كل منهم، فقال له معاوية قل في شيئا لأساوي أصحابي فقال اعفني، فقال معاوية لا بد من ذلك، فقال خل عني يا معاوية، فقال ليس الى ذلك من سبيل حتى اساوي أصحابي، فقال عقيل أتعرف حمامة ؟ قال ومن حمامة، قال: قد قلت لك، فاطلب من يخبرك عنها وخرج من عندهم فطلب معاوية عجوزا كانت قد ادركت الجاهلية وسألها عن حمامة فقالت لي الأمان ان أخبرتك ؟ قال: لك الأمان، قالت ان حمامة احد جداتك وكانت من ذواة الرايات في الجاهلية وكانت الناس تهتدي برايتها فالتفت معاوية الى اصحابه، وقال ابشروا فقد ساويتكم.
[ 18 ]
وفي كتاب مجمع البحرين ومطلع النيرين للفاضل الطريحي " في لغة عقيل وعقيل
ابن أبي طالب " كان اسن من اخيه جعفر بعشر سنين وكان اكثر الناس ذكرا لمثالب قريش فعادوه لذلك وكان مما أعانهم عليه في ذلك مغاضبة لأخيه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وخروجه للشام الى معاوية بن أبي سفيان حتى قال معاوية يوما بحضرة عقيل هذا أبو زيد لو لم يعلم باني خير له من اخيه لما اقام عندنا فقال له عقيل: يا معاوية ان اخي خير لي في عيني وانت خير لي في دنياي وقد اثرت دنياي واسأل الله عز وجل خاتمة الخير. اقول قد مر عن غير واحد مثل هذا وتوفى عقيل " ع " بالشام في ايام معاوية وقيل ان بني امية قتلوه في الطويق وهو سائر من الشام الى المدينة لكلام جرى بينه وبين معاوية والصحيح الأول، واما جعفر فقد روى عن الصادق، ان النبي قال خلق الناس من شجر شتى وانا وجعفر من شجرة واحدة وعنه " ع " قال: قال رسول الله لجعفر اشبهت خلقي، وخلقي " وقال أبو هريرة ما ركب المطايا ولا الكور ولا انتعل ولا احتذى النعال احد بعد رسول الله، افضل من جعفر بن أبي طالب. اقول اسلم جعفر بامر أبيه أبي طالب في السنة التي بعث فيها النبي وكان يصلي مع النبي وأمير المؤمنين، والناس عاكفون على الأصنام " وبذلك وردت الروايات وقد مر بعضها وكان من محبة النبي لجعفر " ما قاله الشعبي في روايته، وهو لما فتح النبي خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فالتزمه النبي، وجعل يقبل بين عينه ويقول: ما أدري بايهما أنا اشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر. وأما خبر شهادته فهو ما انتخبناه من كتب عديدة، وذلك ان النبي بعث جيشا الى مؤتة واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال لهم ان قتل زيد فعبد الله بن رواحة وان قتل عبد الله بن رواحة، فجعفر بن أبي طالب على الناس وودعهم النبي، فساروا حتى كانوا قريبا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب وانحاز المسلمون الى
مؤتة فالتقى الناس عندها وتعبأ المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من عدن يقال له
[ 19 ]
قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، ثم التقى الناس. قال جابر بن عبد الله لما كان اليوم الذي وقع فيه الحرب بموته صلى بنا رسول الله، صلاة الصبح فلما فرغ من صلاته صعد المنبر وقال، اما بعد يا معاشر المسلمين قد التقى اخوتكم مع المشركين وأقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض ويحدثنا بكلام يشوقنا الى الجنة ويحذرنا من النار " الى ان قال قتل من المشركين كذا وكذا وقتل من المسلمين فلان وفلان الى ان قال قتل زيد بن حارثة وسقطت الراية من يده واخذها جعفر ابن أبي طالب وتقدم بها الى الحرب، ثم قال سقطت يدا جعفر اليمنى واخذ الراية في يده اليسرى، ثم قال قطعت يد جعفر اليسرى واخذ الراية في يديه المقطوعتين، ثم قال قتل جعفر واخذ الراية خالد بن الوليد وبطل الحرب بينهم، ثم نزل من المنبر وقد اخذه المغص في بطنه ودخل منزل جعفر، وقال يا أسما اتيني بولد جعفر محمد وعون وعبد الله، فاتت بهم إليه فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على رؤسهم ثم بكى فقالت أسماء يا رسول الله اراك تمسح على رؤسهم كأنهم يتامى، فقال نعم يا أسماء قد استشهد ابن عمي جعفر اليوم ثم دمعت عيناه وقال قطعت يداه قبل وفاته فابدله الله جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء في جنان الخلد. ويروى ان اسماء قالت يارسول الله ألا جمعت المهاجرين والأنصار وأنبأتهم بفضل جعفر حتى لا ينسى فضله فقال صلى الله عليه وآله وسلم يا أسماء كل من مات شهيدا لا ينسى فضله وفي بعض الروايات، قال بعض من حضر والله لكأني أنظر الى جعفر حين أخذ الراية قاتل بها حتى التحم عن فرس كانت له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل، وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الأسلام، ويروى ان جعفرا عدت جراحاته فكانت اثين وسبعين جراحة، ونسبت هذه القصيدة لكعب بن مالك يرثي بها جعفر
ابن أبي طالب عليه السلام: هدت العيون ودمع عينك يهمل * * وكفاكما وكف الضباب المخضل فكأنما بين الجوانح والحشا * * مماتا وبني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا * * يوما بموتة اسندوا لم ينقلوا
[ 20 ]
صلى الأله عليهم من فتية * * وسقى عظامهم الغمام المسبل صبرو بموته للاله تفوسهم * * عند الحمام حفيظة ان ينكلوا إذ يهتدون بجعفر ولوائه * * قدام أولهم ونعم الأول حتى تفرقت الصفوف وجعفر * * حيث التقى وعت الصفوف مجدل فغير القمر المنير لفقده * * والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم علا بنيانه من هام * * فرع أشم وسؤدد ما ينقل قوم بهم نظر الأله لخلقه * * وبجدهم نصر النبي المرسل بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * * تندى إذا اعتذر الزمال المحمل أقول: فهذا تفصيل حال إخوته الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام. المقدمة الثانية (في أحاديث نبوية رواها العامة في مناقبه " ع ") انتخبناها من كتاب (ينابيع المودة) للشيخ سليمان الحنفي وهي فصول: فصل في أن مناقبه لا تعد ولا تحصى في كتاب المناقب لموفق الدين بن أحمد الخوارزمي بسنده عن ابن عباس: لو أن الأشجار أقلام والبحر مداد والجن جنات والأنس كتاب ما أحصوا فضائل على ابن أبي طالب " ع ". أقول: وما أحسن قول عبد الباقي أفندي من تخميس همزية التميمي في المعنى: ولو أن الأقلام كل نبات * * ومياه البحار حبر دوات ضقن مما أظهرت من معجزات * * وتضيق الأوهام عن خارقات
لك يامن ردت إليه ذكاء وألطف منه وأنسب في المعنى قول عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي:
[ 21 ]
يقولون لي قل في علي مدائحا * * فإن لم أنا لم أمدحه قالوا معاند وما صنت عنه الشعر من ضعف هاجس * * ولا إنني عن مذهب الحق حائد ولكن عن الأشعار والله صنت من * * عليه ابتنى قرآننا والمساجد فلو أن ماء الأبحر السبعة التي * * خلقن مداد والسماوات كاغد وأشجار خلق الله أقلام كاتب * * إذ الخط أفناهن عادت عوائد وكان جميع الأنس والجن كتبا * * إذا كل منهم واحد قام واحد وخطوا جميعا منقبا بعد منقب * * لما خط من تلك المناقب واحد وفي كتاب المناقب) عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير قال: قلت لأبن عباس أسئلك عن اختلاف الناس في علي (ع) قال يا ابن جبير تسئلني عن رجل كانت له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة وهي ليلة القربة في قليب بدر سلم عليه ثلاثة آلاف من الملائكة من عند ربهم وتسئلني عن وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحب حوضه وصاحب لوائه في المحشر والذي نفس عبد الله بن عباس بيده لو كانت بحار الدنيا مدادا وأشجارها أقلاما وأهلها كتابا فكتبوا مناقب علي بن أبي طالب وفضائله ما أحصوها وروي عن أمير المؤمنين، عن النبي، قال: إن الله تعالى جعل لأخي علي فضائل لا تحصى فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرابها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك الكتاب رسم ومن استمع إلى فضيلة منها غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالإستماع ومن نظر إلى كتاب منها غفر له ذنوب النظر. فصل في عهد النبي لعلي
(وجعله وصيا وخليفة) في (حلية الأولياء) للحافظ أبي نعيم عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ان عهد الي في علي عهدا وقال عز وجل أن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ونور من اطاعني وهو الكلمة التي ألزمها المتقين من أحبه أحبني ومن أبغضه ابغضني فبشره
[ 22 ]
فجاء علي فبشرته بذلك فقال يا رسول الله أنا عبد الله وفي قبضته ان يعذبني فبذنبي وان يتم الذي بشرني به فالله أولى وأكرم بي، قال قلت اللهم اجعل قلبه واجعله ربيعة الأيمان فقال جل شأنه قد فعلت به ذلك ثم قال تعالى ان عليا مستخص بشئ من البلاء لم يكن لأحد من اصحابك فقلت يا رب انه أخي ووصي فقال عز وجل هذا شئ سبق في علمي انه مبتلى به. وفيه عن ابن مسعود قال: قال، رسول الله لما عرج بي الى السماء انتهى بي السير مع جبرئيل الى السماء الرابعة فرأيت بيتا من ياقوت احمر فقال جبرئل هذا البيت قم يا محمد وصل فيه، قال النبي " ص " جمع الله النبيين فصفوا ورائي صفا فصليت بهم فلما سلمت أتاني آت من عند ربي فقال يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك سل الرسل على ما ارسلوا من قبلك فقلت معاشر الرسل على ماذا بعثكم ربي قبلي فقالت الرسل على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب " ع " وهو قوله تعالى واسأل من ارسلنا قبلك من الرسل الأية وفي كتاب الأصابة أبو ليلى الغفاري قال سمعت رسول الله " ص " يقول: ستكون من بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فانه اول من آمن بي واول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهو فاروق هذه الأمة وهو يعسوب المنافقين، وفي كتاب (فرائد السمطين) للحمويني بسنده عن المنهال بن عمر التميمي عن ابن عباس قال: كنا نتحدث معشر اصحاب رسول الله ان النبي عهد الى علي ثمانين عهدا لم يعهدها الى غيره، وفي جمع الفوائد نقله بلفظ سبعين وفي
مسند أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك قال: قلنا لسلمان سل النبي عن وصيه فقال سلمان يارسول الله من وصيك فقال يا سلمان من وصي موسى فقال يوشع بن نون فقال " ص " وصي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب. فصل في المؤاخات بين النبي وأمير المؤمنين في كتاب المسامرة للشيخ محي الدين بن العربي روينا من حديث محمد بن اسحق
[ 23 ]
المطلبي قال واخا رسول الله (ص) بين المهاجرين والأنصار قال رسول الله تواخوا في الله اخوين ثم اخذ بيد علي بن أبي طالب وقال هذا أخي فكان رسول الله وعلى أخوين. ومثله في مسند أحمد بن حنبل عن حذيفة بن اليماني، وفي المسند ايضا عن زيد ابن ابي اوفى قال لما آخا رسول الله (ص) بين اصحابه قال علي يارسول الله آخيت بين اصحابك ولم تواخ بيني وبين احد فقال والذي بعثني بالحق نبيا ما اخترتك إلا لنفسي فانت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي وانت أخي ووارثى وانت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة وانت اخي ورفيقي ثم تلا (إخوانا على سرر متقابلين) المتحابون في الله ينظر بعضهم الى بعض وفي زيادات المسند لعبد الله بن أحمد بن حنبل عن سعيد بن المسيب قال آخا رسول الله بين أصحابه في مكة فاخا بين أبي بكر وعمر وفيه عن مخدوج بن زيد الهذلي ان رسول الله آخى بين اصحابه ثم قال يا علي أنت أخي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى الا إنه لا نبي بعدي ويدفع اليك لوائي وهو لواء الحمد، إبشر يا علي أنا وانت أول من يدعى انك تكسى إذا كسيت وتدعى إذا دعيت وتحي إذا حييت والحسن والحسين معك حتى تقفوا بيني وبين ابراهيم في ظل العرش ثم ينادي مناد نعم الأب أبوك ابراهيم ونعم الأخ أخوك علي. فصل في نص رسول الله بان عليا (سيد العرب)
في كتاب جمع الفوائد عن أنس بن مالك قال: قال النبي (ص) من سيد العرب ؟ قالوا انت يا رسول الله قال انا سيد ولد ادم وعلي سيد العرب. في المعجم الأوسط الترمذي باسناده عن رسول الله (ص) قال علي سيد المسلمين، ويعسوب المؤمنين واعظمهم عند الله حرمة وفيه خير الناس علي وحمزة وجعفر.
[ 24 ]
فصل في ان عليا نفس رسول الله في مسند احمد بن حنبل ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لتنتهين يا بني وليعة أو لابعثن اليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم امري يقتل المقاتلة ويسبي الذرية فالتفت الى علي " ع " واخذ بيده وقال هذا هو. وفيه عن عبد الله بن اخطب قال: قال رسول الله (ص) لوفد ثقيف حين جاءوا ولتسلمن أو لابعثن اليكم رجلا كنفسي ليضربن اعناقكم وليسبين ذراريكم وليأخذن اموالكم فالتفت الى علي عليه السلام واخذ بيده فقال هذا هو وفي كتاب المشكوة عن عمر بن حصين قال ان النبي (ص) قال: ان عليا مني وأنا من علي وهو ولي الله وولي كل مؤمن ومؤمنة من بعدي رواه الترمذي وفيه عن حبيش بن جنادة قال: قال رسول الله علي مني وانا من علي، رواه الترمذي واحمد بن حنبل وابن ماجه وفي مسند احمد بن حنبل مثله ايضا عن طريق اخر. وفي زوائد المسند لعبد الله بن احمد بن حنبل عن يحيى بن عيسى عن الأعمش عن عبابة الاسدي عن ابن عباس عن رسول الله (ص) انه قال لأم سلمة رضى الله عنها يا ام سلمة على مني وانا من علي لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى، يا ام سلمة اسمعي واشهدي هذا علي سيد المسلمين. فصل في ان عليا شبيها بالأنبياء في صحيح البيهقي عن أبي الحمراء قال: قال رسول (ص) من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في عزمه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى
عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب. وفي مسند أحمد بن حنبل نقله بلفظه وفي وفي كتاب البهجة عن رسول الله (ص) بطرق عديدة أنه قال خلق الله عليا في صورة عشر
[ 25 ]
أنبياء جعل رأسه كرأس آدم ووجهه كوجه نوح وفمه كفم شيت وأنفه كأنف شعيب ورطنه كبطن موسى ويده كيد عيسى ورجله كرجل إسحاق وساعده كساعد سليمان ووجهه كوجه يوسف وعينيه كعيني وأنا خاتم الأنبياء وعلي وصيي وخليفتي من بعدي. فصل في سبق إسلام أمير المؤمنين ورسوخ إيمانه غزارة علمه وكثرة فضائله عن ابن المغازلي بسنده عن سلمان قال: قال رسول الله أول الناس ورودا على الحوض وأولهم إسلاما علي بن أبي طالب، والترمذي بسنده عن أنس بن مالك قال بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين وصلى علي يوم الثلاثاء. وروى هذا الحديث جماعة منهم الحمويين في زوائد المسند لعبد الله بن أحمد بن حنبل بسنده عن ابن عباس قال علي أول من أسلم. وأيضا بسنده عن الحسن البصري وغيره، ابن المغازلي بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله (ص) صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين لأنه لم يكن من الرجال غيره، وأيضا بسنده عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى السابقون السابقون قال سبق يوشع بن نون وسبق مؤمن آل فرعون إلى موسى وسبق صاحب يسين إلى عيسى وسبق علي إلى محمد (ص) أيضا إبن المغازلي بسنده عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن علي بن الحسين (ع) قال: قال رسول الله لعلي يا أبا الحسن لو وضع إيمان الخلائق وعملهم في كفة ميزان ووضع عملك يوم أحد على كفة أخرى لرجح عملك على جميع عمل الخلائق وأن الله باهى بك يوم أحد الملائكة المقربين ورفع الحجب من السماوات السبع وأشرقت إليك الجنة وما فيها وابتهج بفعلك رب العالمين
وأن الله تعالى يعوضك ذلك اليوم ما يغيظ كل نبي ورسول وصديق وشهيد. أيضا ابن المغازلي عن علقمة عن ابن مسعود قال كنت عند النبي (ص) فسئل عن علي فقال
[ 26 ]
قسمت الحكم عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزء واحد وهو أعلم بالجزء الباقي أيضا عن ابن المغازلي بسنده عن محمد بن عبد الله قال حدثنا علي بن موسى الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله (ص) يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها كذب من زعم أنه يدخل المدينة بغير الباب قال الله تعالى وأتو البيوت من أبوابها وقال (ع) علمني رسول الله ألف باب من العلم فانفتح في كل باب ألف باب. عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال سألت رسول الله عن قوله تعالى (قال الذي عنده علم من الكتاب) قال ذاك وزير أخي سليمان بن داود وسألته عن قول الله عز وجل قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال ذاك أخي علي بن أبي طالب. مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) لو أن الشجر أقلام والبحر مداد والجن حساب والأنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب (ع). فصل في اختصاص أمير المؤمنين (بالنبي دون غيره) في سنن النسائي عن عبد الله عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين (ع) كانت لي منزلة من رسول الله (ص) لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه كل سحر أقول السلام عليك يا نبي الله فإن تنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه وكان لي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار. فصل في أن عليا قسيم الجنة والنار إبن المغازلي بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله يا علي إنك قسيم الجنة والنار وأنت تقرع باب الجنة وتدخلها أحبائك بغير حساب. وفي الأربعين عن إسحاق بن
محمد النخعي أن بعض الفقهاء من أهل الكوفة جاؤا عند الأعمش عند مرضه وقالوا
[ 27 ]
إنك كنت تحدث بفضائل علي (ع) قال أسندوني فأسندوه فقال حدثني أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص) إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لي ولعلي بن أبي طالب (ع) أدخلا النار من أبغضكما وأدخلا الجنة من أحبكما وذلك قوله تعالى (وألقيا في جهنم كل كفار عنيد) أي عنيد بنبوتي وعنيد عن إطاعة علي (ع). وفي كتاب جواهر العقدين أخرج الدار قطني عن أبي الطفيل عامر بن وائلة الكناني أن عليا قال حديثا طويلا في الشورى وفيه أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله (ص) أنت قسيم الجنة والنار غيري قالوا أللهم لا. فصل في ثواب من احب عليا (وعقاب من أبغضه) في كتاب الأصالة يحيى بن عبد الغفار الأنصاري قال سمعت رسول الله يقول من أحب عليا في محياته ومماته كتب الله تعالى له الأمن والأيمان، ابن المغازلي عن الزهري قال سمعت انس بن مالك يقول والذي لا اله إلا هو سمعت رسول الله يقول، عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب احمد بن حنبل بسنده الى سليمان قال سمعت رسول الله يقول حب علي حسنة لا يضر معها سيئة وبغض على سيئة لا تنفع معها حسنة وأيضا رواه الترمذي وابن ماجه عن انس بن مالك عن أبو نعيم عن أبي ذر قال رأيت رسول الله، اخذ بيد علي بن أبي طالب (ع) وهو يقول يا علي انت أخي وصفي ووزيري واميني مكانك مني مكان هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي، من مات وهو يحبك ختم الله عز وجل له بالا من والأيمان، ومن مات وهو يبغضك لم يكن له نصيب من الأسلام، ابن المغازلي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انما مثل علي
في هذه الأمة كمثل (سورة قل هو الله أحد)، احمد بن حنبل في المسند عن أبي سعيد
[ 28 ]
الخدري قال: قال رسول الله " ص " من سره ان يحيي حياتي ويموت مماتي ويتمسك بالقضيبة الحمراء الياقوته غرسها الله بيده فليتمسك بولاية علي بن أبي طالب (ع) وهذا الحديث رواه أبو نعيم أيضا والحمويني بسنده عن مالك ابن انس عن جعفر الصادق (ع) عن آبائه عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا جمع الله الأولين والأخرين يوم القيامة نصب الصراط على جهنم ولم يجز عنها احد إلا من كانت معه برائة من علي بن أبي طالب (ع) مناقب الخوارزمي باسناده عن عمار بن ياسر قال سمعت رسول الله يقول لعلي طوبى لمن أحبك وصدق فيك وويل لمن أبغضك وكذب فيك. وفيه باسناده الى سلمان قال له رجل يوما ما أشد حبك لعلي بن أبي طالب، قال سمعت رسول الله يقول من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني. المجلس الأول (في ولادته وكفالة النبي له، وجديت مبيته على فراش النبي وفيه ثلاثة ابواب) الباب الأول في حديث ولادته روى ابن شهرآشوب رحمه الله في كتاب المناقب قال: خطب أبو طالب في نكاح فاطمة بنت أسد فقال الحمد لله رب العالمين رب العرش العظيم والمقام الكريم والمشعر والحطيم الذي اصطفانا اعلاما وسدنة وعرفاء خلصا وحجبة بهاليل أطهارا من الخنا والريب والأذى والعيب وأقام لنا المشاعر وفضلنا على العشائر نحب آل ابراهيم وصفوته وزرع اسماعيل في كلام له ثم قال وقد تزوجت فاطمة بنت أسد وسقت المهر ونفذت الأمر فاسئلوه: واشهدوا فقال أسد زوجناك ورضينا بك ثم اطعم الناس
[ 29 ]
فقال أمية بن الصلت:
اغمرنا عرس أبي طالب * * وكان عرسا لين الجانب اقرائه البدو باقطاره * * من راجل خف ومن راكب فنازلوه سبعة احصيت * * ايامها للرجل الحاسب أقول: فلم تزل فاطمة بنت أسد الى ان ولدت منه طالبا وعقيلا وجعفرا وأم هاني وكل اكبر من صاحبه بعشر سنين كما تقدم وفي حديث عن الصادق ان آمنة بنت وهب لما ولدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم جائت فاطمة بنت أسد رحمها الله الى أبي طالب مبشرة بمولوده فقال لها أبو طالب اصبري لي سبتا أتيك بمثله الا النبوة قيل والسبت ثلاثون سنة وكان بين رسول الله وأمير المؤمنين ثلاثون سنة وفي حديث أخر قال أبو طالب لفاطمة الزهراء بنت أسد ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود ووزيره. وروى في المناقب أيضا عن القاضي أبي عمر وعثمان بن أحمد شيخ السنة في خبر طويل أن فاطمة بنت أسد رأت النبي (ص) يأكل تمرا له رائحة تزداد على كل الأطائب من المسك والعنبر من نخلة لا شماريخ لها فقالت ناولني آكل منها قال عليه السلام لا تصلح إلا ان تشهدي معي لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله فشهدت الشهادتين فناولها فأكلت فازدادت رغبتها وطلبت أخرى لأبي طالب فعاهدها ان لا تعطيه إلا بعد الشهادتين فلما جن عليها الليل شم أبو طالب (ع) نسيما ما شم مثله فاظهرت ما معها فالتمسه منها فأبت عليه الا أن يشهد الشهادتين فلم يملك نفسه أن شهد الشهادتين فأعطته ما معها فاوى الى زوجته فعلقت بعلي في تلك الليلة ولما حملت بعلي ازداد حسنها فكان يتكلم في بطنها فكانت في الكعبة فتكلم مع جعفر فغشي عليه فألقت الأصنام خرت على وجوهها فمسحت على بطنها وقالت يا قرة العين تخدمك الأصنام داخلا فكيف شأنك خارجا وذكرت لأبي طالب ذلك فقال هو شئ قال لي الأسد في طريق الطائف. أقول: وكان من خبر هذا الأسد ما ذكره في المناقب أيضا كانت السباع تهرب من أبي طالب فأستقبله أسد في طريق الطائف وبصبص وتمرغ بقدميه فقال أبو طالب بحق
خالقك ان تبين لي مالك فقال الأسد انما أنت أبو أسد الله وناصر نبي الله ومربيه فازداد
[ 30 ]
أبو طالب في حب النبي (ص) والأيمان به قال والأصل في ذلك أن النبي قال خلقت أنا وعلي من نور واحد نسبح الله يمنة العرش قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام الخبر. وفي البحار عن العلل ومعاني الأخبار وأمالي الصدوق عن الدقاق عن الأسدي عن البخعي عن النوفلي عن محمد بن سنان عن المفضل عن ثابت بن دينار عن سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى بازاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين " ع " وكانت حاملة به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق فقالت ربي أني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب وأني مصدقة بكلام جدي ابراهيم الخليل " ع " وأنه بنى البيت العتيق فبحق الذي بنى هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت على ولادتي قال يزيد بن قعنب فرأينا البيت وقد انفتح من ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا والتزق الحائط فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح فعلمنا أن ذلك أمر من الله عز وجل ثم خرجت بعد اليوم الرابع وبيدها أمير المؤمنين (ع) ثم قالت أني فضلت على من تقدم مني من النساء لأن آسية بنت مزاحم عبدت الله عز وجل سرا في موضع لا يحب أن يعبد الله إلا اضطرارا وأن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطبا جنيا وأني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وارزاقها فلما أردت أن اخرج هتف بي هاتف يا فاطمة سميه عليا فهو علي والله العلي الأعلى يقول أني شققت اسمه من اسمي وأدبته بادبي ووقفتة على غامض علمي وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدسني ويمجدني فطوبى لمن أحبه وأطاعه وويل لمن ابغضه وعصاه أقول: وروى أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمي (ره) باسناده عن جابر ابن عبد الله الأنصاري رضوان الله عليه قال سئلت رسول الله (ص) عن ميلاد علي فقال
اه اه يا جابر سألت عجبا عن خير مولود بعدي على سنة المسيح أن الله تعالى خلقه نورا من نوري وخلقني نورا من نوره وكلانا من نور واحد وخلقنا من قبل أن يخلق سماء مبنية وأرضا مدحية ولا كان طول ولا عرض ولا ظلمة ولا ضياء ولا برد ولا بحر ولا هواء بخمسين ألف عام ثم أن الله عز وجل سبح نفسه فسبحنا وقدس ذاته فقدسنا
[ 31 ]
ومجد عظمته فمجدناه فشكر الله تعالى ذلك لنا فخلق من تسبيحي السماء فسمكها والأرض فبطحها والبحار فعمقها وخلق من تسبيح علي الملائكة المقربين فجميع ما سبحت الملائكة لعلي (ع) وشيعته يا جابر أن الله عز وجل وجعل نسلنا فقذفنا في صلب آدم فأما أنا فاستقررت في جانبه الأيسر ثم أن الله عز وجل نقلنا من صلب آدم في الأصلاب الطاهرة فيما نقلني من صلب إلا ونقل عليا معي فلم نزل كذلك حتى طلعنا الله تعالى فأطلعني من ظهر طاهر وهو عبد الله ومسنود عني خير رحم وهي أمنة فلما أظهرت ارتجت الملائكة وضجت وقال الهنا وسيدنا ومولانا ما بال وليك على الا نراه مع النور الأزهر يعنون بذلك نور محمد فقال الله عز وجل أنى اعلم بوليي واشفق عليه منكم فأطلع الله عليا (ع) من ظهر طاهر من بني هاشم فمن قبل أن صار بالرحم كان رجل في ذلك الزمان يقال له المثرم بن رعيب بن الشيقان وكان من العباد وكان قد عبد الله مائة وتسعين سنة لم يسأل حاجة وكان قد جعل الله تعالى في قلبه الحكمة والهمه حسن طاعته لربه فسأل الله تعالى ان يريه وليا له فبعث الله تعالى أبا طالب فلما بصر به المثرم قام إليه وقبل رأسه وأجلسه بين يديه ثم قال له أنت يرحمك الله تعالى فقال من تهامه فقال من عبد مناف ثم قال من هاشم فوثب العابد وقبل رأسه ثانية وقال الحمد لله الذي لم يميتني حتى أراني وليه ثم قال الأثرم يا هذا فأن العلي الأعلى الهمني ما فيه بشارتك فقال أبو طالب وما هو قال ولد يولد من ظهرك هو ولي الله عز وجل امام المتقين ووصي رسول رب العالمين فأن أنت أدركت ذلك الولد من ظهرك فاقرأه مني السلام وقل له أن المثرم يقرئك السلام ويقول (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله به تتم النبوة
وبعلي تتم الوصية) قال فبكى أبو طالب (ع) وقال ما اسم المولود قال اسمه علي، قال أبو طالب أني لا اعلم حقيقة ما تقول إلا ببرهان مبين ودلالة واضحة قال المثرم ما تريد قال أريد أن أعلم أن تقول حق من رب العالمين الهمك ذلك قال فما تريد أن أسئل لك من الله تعالى أن يطعمك في مكانك هذا قال أبو طالب أريد طعاما من الجنة في وقتي هذا قال فدعا الراهب ربه قال جابر قال رسول الله فما استتم المثرم الدعاء حتى أوتي بطبق عليه فاكهة من الجنة وغدق رطب وعنب ورمان فجاء به المثرم الى أبي طالب
[ 32 ]
فتناول منه رمانة ثم ذهب من ساعته الى فاطمة بنت أسد فلما أتاها استودعها الله النور وأدرجت الأرض وتزلزلت بهم سبعة أيام حتى أصاب قريشا من ذلك شدة ففزعوا فقالوا مروا بآلهتكم الى ذروة جبل أبي قبيس وهو ريح أو ثجاجا ويضطرب اضطرابا فتساقطت الألهة على وجوهها فلما نظروا ذلك قالوا لا طاقة لنا ثم صعد أبو طالب الجبل وقال لهم، أيها الناس اعلموا أن الله تعالى عز وجل قد أحدث في هذه الليلة حادثا وخلق فيها خلقا فإن لم تطيعوه وتقروا له بالطاعة وتشهدوا له بالأمامة المستحقة وإلا لم يسكن ما بكم حتى لا يكون سكن قالوا يا أبا طالب أنا نقول بمقالتك فبكى ورفع يديه وقال الهي وسيدي إسئلك بالمحمدية المحمودة والعلوية العالية والفاطمية البيضاء إلا تفضلت على تهامة بالرأفة والرحمة قال جابر قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فو الذي فلق الحبة وبرئ النسمة قد كانت العرب تكتب هذه الكلمات فيدعون بها عند شدائدهم في الجاهلية وهي لا تعلمها وهي لا تعرف حقيقتها حتى ولد علي بن أبي طالب عليه السلام فلما كان في الليلة التي ولد فيها عليه السلام اشرقت الأرض وتضاعفت النجوم فابصرت من ذلك عجبا فصاح بعضهم في بعض وقالوا إنه قد حدث في السماء حادث أترون من اشراق السماء وضيائها وتضاعف النجوم بها قال فخرج أبو طالب وهو يتخلل سكك مكة ومواقعها واسواقهم ويقول لهم أيها الناس ولد الليلة في الكعبة حجة الله تعالى وولي الله
تعالى فبقى الناس يسألونه عن علة ما يرون في السماء من الأشراق فقال لهم ابشروا فقد ولد هذه الليلة ولي من أولياء الله عز وجل يختم به جميع الخير ويذهب به جميع الشر ويتجنب الشرك والشبهات ولم يزل يكرر هذه الألفاظ حتى اصبح فدخل الكعبة وهو يقول هذه الأبيات: يا رب الغسق الدحي * * والقمر المبتلج المضئ بين لنا من حكمك القضي * * ماذا ترى لي في اسم ذا الصبي قال فسمع هاتفا يقول: خصصتها بالولد الزكي * * والطاهر المطهر المرضي أن اسمه من شامخ علي * * علي اشتق من العلي
[ 33 ]
فلما سمع هذا خرج من الكعبة وغاب عن قومه اربعين صباحا قال جابر فقلت يا رسول الله عليك السلام اين غاب ؟ قال مضى المثرم ليبشره بمولد علي بن أبي طالب في جبل لكام فان وجده حيا بشره وإن وجده ميتا انذره فقال يا جابر اكتم ما تسمع فأنه من سرائر الله تعالى المكتومة وعلومه المخزونة أن المثرم كان قد وصف لأبي طالب (ع) كهفا في جبل لكام وقال له أنك تجدني هناك حيا أو ميتا فلما أن مضى أبو طالب الى ذلك الكهف ودخله فأذا هو بالمثرم ميتا جسده ملفوف في مدرعته مسجى بها وإذا بحيتين أحدهما بيضاء أشد بياضا من القمر والأخرى سوداء أشد سوادا من الليل المظلم وهما يدفعان عنه الأذى فلما بصر أبا طالب غابا في الكهف فدخل أبو طالب وقال السلام عليك ياولي الله ورحمة الله وبركاته فاحيا الله بقدومه المثرم وقام قايما يمسح التراب عن وجهه وهو يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن عليا ولي الله هو الأمام من بعده ثم قال المثرم بشرني يا أبا طالب فقد كان قلبي متعلقا حتى من الله تعالى على بك وبقدومك فقال له أبو طالب أبشر فأن عليا قد طلع الى الأرض قال فما كان علامة الليلة التي ولد فيها
حدثني بأتم ما رأيت في تلك الليلة قال أبو طالب نعم شاهدته فلما مر من الليل الثلث أخذ فاطمة بنت أسد ما يأخذ النساء عند ولادتها فقرأت عليها الأسماء التي فيها النجاة فسكنت بأذن الله تعالى فقلت لها أنا آتيك بنسوة من احبائك ليعينونك على أمرك قالت الرأي لك فأجتمعت النسوة عندها وإذا بهاتف يهتف من وراء البيت أمسك عنهن يا أبا طالب فأن ولي الله لا يمسه إلا يد طاهرة فلم يتم الهاتف كلامه وإذا قد أتى محمد بن عبد الله ابن أخي فطرد تلك النسوة وأخرجهن من البيت وإذا أنا باربع نسوة قد دخلن عليها وعليهن ثياب حرير بيض وإذا روايحهن أطيب من المسك الأذفر فقلن لها السلام عليك ياولية الله فأجابتهن بذلك فجلسن بين يديها ومعهن جونة من فضة فما كان إلا قليل حتى ولد أمير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين أسد الله الغالب غالب كل غالب مظهر العجائب والغرائب علي بن أبي طالب فلما أتيتهن وإذا به قد طلع عليه السلام فسجد على الأرض وهو يقول أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا رسول الله تختم به النبوة وتختم بي الوصية فأخذت به أحديهن على الأرض ووضعته في حجرها فلما حملته نظر الى وجهها
[ 34 ]
ونادى بلسان طلق يقول السلام عليك يا أماه فقالت وعليك السلام يا بني فقال كيف والدي فقالت في نعم الله عز وجل فلما سمعت ذلك لم اتمالك وقلت يا بني أو لست أنا أباك قال نعم ولكن أنا وأنت من صلب آدم فهذه أمي حواء فلما سمعت ذلك غططت وجهي ورأسي غطيته بردائي والقيت نفسي حياء منها عليها السلام ثم دنت أخرى ومعها جونة مملؤة من المسك والعنبر وأخذت عليا فلما نظر الى وجهها قال السلام عليك يا اختاه فقالت وعليك السلام يا أخي فقال ما خبر عمي فقالت بخير فهو يقرء عليك السلام فقلت يا بني من هذي ومن عمك فقال هذي مريم بنت عمران وعمي عيسى فضمخته بطيب كان معها ثم اخذته اخرى فأدرجته في ثوب كان معها، قال أبو طالب فقلت للنسوة لو طهرناه كان اخف عليه وذلك أن العرب تطهر أولادها في يوم ولادتها فقلن له أنه ولد طاهر مطهر
لأنه لا يذيقه الله من الحديد إلا على يدي رجل يبغضه الله تعالى وملائكته والسماوات والأرض والجبال وهو أشقى الأشقياء فقلت لهن من هو قلن هو عبد الرحمن بن ملجم لعنة الله عليه وهو قاتله بالكوفة سنة ثلاثين من وفاة محمد (ص) قال أبو طالب فأنا كنت في استماع قولهن فأخذه محمد بن عبد الله ابن أخي من يدهن ووضع يده في يده وتكلم معه وسأله عن كل شئ فخاطب محمد عليا وخاطب عليا محمدا (ص) بأسرار كانت بينهما ثم غابت النسوة فلم أرهن فقلت في نفسي ليتني كنت أعرف الأمرتين الأخرتين وكان علي " ع " أعلم بذلك وسئلته عنهن فقال لي يا ابتاه أما الأولى فكانت أمي حواء وأما الثانية التي ضمختني بالطيب مريم بنت عمران وأما التي اذرجتني بالثوب فهي آسية بنت مزاحم وأما صاحبة الجونة فكانت أم موسى " ع " ثم قال علي الحق بالمثرم يا أبا طالب وبشره وأخبره بما رأيت فأنك تجده في كهف كذا وكذا فلما فرغ من المناظرة مع ابن أخي محمد (ص) ومن مناظرتي عاد الى طفوليته الأولى فأتيتك وأخبرتك ثم شرحت لك القصة بما عاينت يامثرم قال: قال أبو طالب فلما سمع المثرم ذلك مني بكى بكاء شديدا وفكر ساعة ثم سكن وتمطى ثم غطى رأسه وقال بل غطني بفضل مدرعتي فغطيته فتمدد فإذا هو ميت كما كان فأقمت عنده ثلاثة أيام اكلمه فلم يجبني فاستوحشت لذلك فخرجت الحيتان فقالتا الحق بولي الله عز وجل فأنك أحق بصيانته
[ 35 ]
وكفالته من غيرك فقلت لهما من انتما قالتا نحن عمله الصالح خلقنا الله عز وجل على الصورة التي ترى نذب عنه الأذى ليلا ونهارا الى يوم القيامة فإذا كانت الساعة فاحدانا قائدته والأخرى سائقته ودليله الى الجنة ثم انصرف أبو طالب (ع) الى مكة قال: جابر بن عبد الله قال لي رسول الله " ص " اشرحت لك ما سألتني ووجب عليك الحفظ فأن لعلي (ع) عند الله من المنزلة الجليلة والعطايا الجزيلة ما لم يعطي احدا من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين وحبه واجب على كل مسلم فأنه قسيم الجنة والنار ولا يجوز أحد
على الصراط إلا ببرائة من اعدائه عليه السلام انتهى هذا الخبر. وعن رسول الله في خبر طويل رواه جماعة من الأصحاب منهم سلمان وابو ذر والمقداد وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في جملة كلام له قد خلقت أنا وعلي من نور واحد وأن نورنا كان يسمع تسبيحه من أصلاب آبائنا وبطون امهاتنا في كل عصر وزمن الى عبد المطلب فكان نورنا يظهر في وجوه أبائنا فلما وصل الى عبد المطلب انقسم النور نصفين نصف الى عبد الله ونصف الى أبي طالب عمي وانهما كانا إذا جلسا في ملأ من الناس يتلألأ نورنا في وجهيهما من دونهم حتى أن السباع والهوام كانت تسلم عليهما لأجل نورنا حتى خرجنا الى دار الدنيا وقد نزل علي جبرئيل عند ولادة ابن عمي علي بن أبي طالب " ع " وقال يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك الآن ظهرت نبوتك واعلان وحيك وكشف رسالاتك إذ أيدك الله تعالى بأخيك ووزيرك وخليفتك من بعدك والذي أشد أزرك وأعلا به ذكرك على أخيلك وابن عمك فقم إليه واستقبله بيدك اليمنى فإنه من أصحاب اليمين وشيعته الغر المحجلين قال صلى الله عليه وآله وسلم فقمت فوجدت أمي بين النساء والقوابل من حولها وإذا بسجاف قد ضربه جبرئيل بيني وبين النساء فإذا هي قد وضعته قال (ص) فاستقبلته ففعلت ما أمرني ربي ومددت يدي اليمنى نحو أمه فإذا علي مائل على يدي واضع يده اليمنى في أذنه يؤذن ويقيم بالحنفية ويشهد بالواحدانية لله تعالى وبرسالتي ثم انثنى إلي وقال السلام عليك يارسول الله فقلت وعليك السلام إقرأ يا أخي فوالذي نفسي بيده قد ابتدء بالصحف التي أنزلها الله تعالى على آدم (ع) وأقام بها ابنه شيث فتلاها من أولها إلى آخرها حتى أنه لو حضر آدم لأقر له أنه
[ 36 ]
احفظ لها منه ثم تلا صحف نوح (ع) ثم صحف إبراهيم ثم تلا التوراة حتى لو حضر موسى لشهد له أنه أحفظ لها منه ثم قرء الانجيل حتى أنه لو حضر عيسى (ع) لاقر له أنه احفظ لها منه ثم قرء القرآن الذي أنزل الله علي من أوله إلى آخره ثم خاطبني
وخاطبته بما يخاطب به الأنبياء ثم عاد إلى حال طفوليته وهكذا أحد عشر إماما من ذريته يفعل في ولادته مثل ما يفعل الأنبياء عليهم السلام وفي رواية شعبة عن قتادة عن أنس عن العباس بن عبد المطلب وهي المروية عن الحسن بن محبوب عن مولانا الصادق (ع) وهو الحديث المختصر أنه انفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة بنت أسد فيه ثم عادت الفتحة والتصقت وبقيت فيه ثلاثة أيام وأكلت من ثمار الجنة فلما خرجت ودخلت دارها وكان أبو طالب (ع) هناك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلم عليهما أمير المؤمنين ثم تنحنح وقال: بسم الله الرحمن الرحيم (قد أفلح المؤمنون) الآية فقال رسول الله (ص) قد أفلحوا بك أنت والله أميرهم وتميرهم من علمك فيمتارون وأنت والله دليلهم وبك والله يهتدون ووضع رسول الله لسانه في فيه فانفجر اثنتي عشرة عينا قال فسمى ذلك اليوم يوم التروية فلما كان من غد وبصر علي (ع) رسول الله وضحك في وجهه وجعل يشير إليه فأخذه رسول الله (ص) فقالت فاطمة عرفه فسمي ذلك اليوم عرفه فلما كان اليوم الثالت وكان اليوم العاشر من ذي الحجة اذن أبو طالب في الناس أذانا جامعا وقال هلموا إلى ولادة إبني علي ونحر ثلثمائة من الإبل وألف رأس من البقر والغنم واتخذ وليمة وقال هلموا وطوفوا بالبيت سبعا وادخلوا وسلموا على علي ولدي ففعل الناس وجرت به السنة من ذلك. أقول وفي الخبر منافاة للمشهور من ولادته (ع) كانت في اليوم الثالث عشر من رجب ولعل لفظ ذي الحجة زيادة من الراوي وأن الأسماء المذكورة كانت لأيام من رجب أيضا وان ذلك الطواف كان طواف سنه كما يشعر بذلك آخر الخبر وفي خبر آخر إنه (ع) لما قربت ولادته أتت فاطمة بنت أسد إلى بيت الله وقالت أي ربي إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب مصدقة بكلام جدي إبراهيم فبحق الذي بنى هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت على ولادتي فانفتح البيت
[ 37 ]
ودخلت فيه فإذا هي بحواء ومريم وآسية وأم موسى (ع) فلما ولد سجد على الأرض يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأشهد أن عليا وصيه بمحمد تتم النبوة وبي تتم الوصية وأنا أمير المؤمنين فأتاه النبي (ص) وفتح فاه بلسانه وحنكه وأذن في اذنه اليمنى وأقام في اليسرى ففتح (ع) عينيه وضحك في وجه رسول الله فأتاه أبوه وقال أن ولدي قد عرف ابن عرف ابن عمه وفي الخبر أن فاطمة بنت أسد شدته وقمطته بقماط فبتر القماط فأخذت قماطا جيدا فشددته به فبتره (ع) ثم جعلته في قماطين فبترهما ثم جعلته في ثلاثة فبترها فجعلته في أربعة اقمطة من رق مصر لصلابته فبترها فجعلته في خمسة اقمطة من ديباج لصلابته فبترها كلها فجعلته في ستة من ديباج وواحدة من الادم فبترها وتمطى فيها فقطعها كلها بأذن الله تعالى ثم قال بعد ذلك يا اماه لا تشدي يدي فأني احتاج أن ابصبص لربي باصبعي. وفي البحار عن انس عن عمر بن الخطاب ان عليا رأى حية وهو في مهده وقد شدت يداه فأخرج يده وأخذ بيمينه عنقها وغمزها غمزة حتى ادخل اصابعه فيها وامسكها حتى ماتت فلما رأت امه نادت واستغاثت فأجتمع الحشم ثم قالت كأنك حيدرة فسمى بذلك. وعن جابر الجعفي كان ظئر علي التي ارضعته من هلال فخلفته في خبائها مع أخ له من الرضاعة كان أكبر منه بسنة وكان عند الخباء قليب فمر الصبي نحو القليب فنكس رأسه فتعلق بفرد قدميه وفرد يده فجائت امه فأدركته فنادت في الحي يا للحي من غلام ميمون أمسك علي ولدي فسمى الميمون عندهم ولله در الحميري حيث قال: ولدته في حرم الأله وأمنه * * والبيت حيث فنائه والمسجد بيضاء طاهرة الثياب كريمة * * طابت وطاب وليدها والمولد في ليلة غاب نحوس نجومها * * وبدي مع القمر المنير الأسعد ما لف في خرق القوابل مثله * * إلا ابن أمنة النبي محمد وقال محمد بن منصور:
ولدته منجبة وكان ولادها * * في جوف كعبة افضل الاكنان وسقاه ريقته النبي ويا لها * * من شربة تغني عن الالبان
[ 38 ]
وقال مؤلف الكتاب عفى الله عنه: زهرت به اكتار مكة غدى * * ميلاده في البيت دي الاستار ما البيت شرفه ولكن شرف * * البيت الحرام بساطع الانوار وقال عبد الباقي افندي العمري البغدادي: أنت العلي الذي فوق العلى رفعا * * ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا وأنت حيدرة الغاب الذي أسد * * البرج السماوي عنه خاسئا رجعا ولمؤلف الكتاب أيضا: لا تعجبوا إذ أتى في البيت مولده * * فليس ذلك لا والله بالعجب لأن فوق الثرى من أجله رفع * * البيت العتيق ومنه فاز في الرتب الباب الثاني (في حديث كفالة النبي (ص) له وتربيته إياه) قد صح في اخبار كثيرة رواها الثقات أنه لما ولد أمير المؤمنين كان النبي (ص) لا يفارقه في حال من الأحوال حتى قالت فاطمة بنت أسد كنت مريضة فكان محمد يمص عليا لسانه في فيه فيرضع بأذن الله تعالى. وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين (ع) من خطبة وضعني النبي (ص) في حجره وأنا وليد يضمني الى صدره ويلفني في فراشه ويمسنى جسده ويشمني عرفه وكان يمضغ الشئ، ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل. أقول وقد روى كل من كتب في مناقبه (ع) باسانيد كثيرة أنه أصابت قريش أزمة شديدة وسنة مجدية وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله لحمزة
والعباس أن أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترون من هذه الأزمة فانطلقا بنا نخفف من عياله فدخلوا عليه وطالبوه بذلك فقال إذا تركتم لي عقيلا فأفعلوا ما شئتم فبقى عقيل عنده وأخذ العباس طالبا وأخذ رسول الله عليا وهو ابن ست سنين كسن النبي (ص) يوم اخذه أبو طالب ورباه فبقى أمير المؤمنين عند النبي وربته خديجة والمصطفى
[ 39 ]
وروى ان النبي (ص) قال لأعمامه اخترت من أختاره الله لي عليكم. أقول وقد مر في احوال عقيل رواية أخرى وفي مناقب ابن شهر أشوب وذكر أبو القاسم في أخبار أبي رافع من طرق ثلاثة أن النبي حين تزوج بخديجة قال لعمه أبي طالب أني أحب أن تدفع إلي بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني واشكر بلاك عندي فقال أبو طالب (ع) خذ أيهم شئت فأخذ عليا، ولله در من قال: ومن كفل النبي له صبيا * * صغير السن عام المسنتينا وغذاه بحكمته فأضحى * * يفوق بها جميع العالمينا وقال عبد الباقي افندي العمري حشره الله مع من أحب: لقد ترعرعت في حجر عليه لذى * * حجر براهين تعظيم بها قطعا ربيب طه حبيب الله أنت ومن * * كان المربى له طه فقد برعا ولما جمع رسول الله (ص) بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيما ذكره الرواة وأمر أن يصنع لهم طعاما فطبخ لهم شاة مع مد من البر وأعد لهم صاعا من اللبن وقد كان الرجل منهم معروفا يأكل الجذعة في مقام واحد ويشرب الفرق من الشراب في ذلك المقعد فأراد باعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم اظهار الآية لهم في شبعهم ويريهم مما كان لا يشبع واحد منهم ولا يرويه ثم أمر بتقديمه لهم فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى ثملوا منه ولم يبين ما أكلوه منه وشربوه فبهرهم بذلك وبين لهم آية نبوته وعلامة صدقه ببرهان
الله تعالى فيه ثم قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام ورووا من الشراب يا بني عبد المطلب أن الله بعثني إلى الخلق كافة وبعثني اليكم خاصة فقال وانذر عشيرتك الأقربين وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين في اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بها العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الأمم وتدخلون بهما الجنة وتسجون من النار شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فمن يجبني إلى هذا الأمر ويوازرني عليه وعلى القيام به يكن أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي فلم يجب له أحد منهم فقال أمير المؤمنين (ع) فقمت بين يديه من بينهم وأنا إذ ذاك أصغرهم سنا واخمشهم ساقا وارمضهم
[ 40 ]
عينا فقلت أنا رسول الله (ص) اوازرك على هذا الأمر فقال أجلس ثم أعاد القول على القوم ثانية فاصمتوا فقمت أنا وقلت مثل مقالتي الأولى فقال أجلس ثم أعاد القول على القوم ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت وقلت أنا اوازرك يا رسول الله (ص) على هذا الأمر فقال اجلس فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب يا أبا طالب ليهنيك اليوم ان دخلت في دين ابن أخيك فقد جعل ابنك أميرا عليك. أقول وهذا الخبر مشهور قد أجمع العلماء على نقله بأسانيد مختلفة، ولله در الحميري حيث يقول في ذلك: أبو حسن غلام من قريش * * أبرهم أكرمهم نصابا دعاهم أحمد لما أتته * * من الله النبوة فاستجابا فأدبه وعمله وأملى * * عليه الوحي يكتبه كتابا فأحصى كلما أملي عليه * * وبينه بابا فبابا وقال مؤلف الكتاب عفي عنه بمحمد وآله: ويوم دعاه المهيمن قم * * وأنذر عشيرتك الأقربين
فجمعهم ثم ناداهم * * بلفظ بليغ وهم أربعون ألا من يجيبني على ما أقول * * فيرفعه الله دنيا ودين ويغدو وصيي ووارثي * * ويخلف بعدي على العالمين أحببت الذي قاله دونهم * * فأصبحت أنت الإمام المبين ولما فرضت الصلاة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حضرت خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من قومه فيصليان الصلاة فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك زمانا رواه ابن شهر آشوب عن تاريخ الطبري وكتاب محمد بن إسحاق وغيره عن غيرهما وكان من اتصال أمير المؤمنين بالنبي ما روي أن النبي كان إذا نزل عليه الوحي ليلا لم يصبح حتى يخبر به عليا وإذا نزل عليه الوحي نهارا لم ينم حتى يخبر به عليا وأجاد من قال:
[ 41 ]
هاشمي مهذب أحمدي * * من قريش القرى وأهل الكتاب خازن الوحي والذي أوتي الحكم * * صبيا طفلا وفصل الخطاب كان لله ثاني اثنين سرا * * وقريش تدين للأنصاب الباب الثالث (في حديث مبيته على فراش النبي) في كتاب الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي لما بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من الأنصار ببيعة العقبة الأولى وكانوا ستة أنفس منهم بشر بن سعد وحارثة بن النعما وسعد بن عبادة الصامت وعبد الله بن رواحة فلما كان في القابل أقبلوا أولئك الستة ومعهم ستة آخرون منهم بشير بن زيد والبراء بن معرور وعبد الله بن أنيس وسهل بن زيد وعبادة بن الصامت والهيثم فلقوا النبي وبايعوه على أنهم لا يشركون بالله ولا يسرقون ولا يزنون ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق لا يأتون ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف فقالوا يا رسول الله إنا إذا تركنا من هذه الشرايع
واحدة ماذا يكون فقال النبي يكون الأمر في ذلك إلى الله عز وجل إن شاء عفى وان شاء عذب فقالوا رضينا يارسول الله (ص) فابعث معنا رجلا من أصحابك يقرء علينا القرآن ويعلمنا شرايع الإسلام والناس يؤمنون الواحد بعد الواحد والرجل بعد الرجل والإمرأة بعد الإمرأة فلما كان العام االثالث وهي البيعة الأخيرة التي بايعه فيها منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان بايعوا رسول الله عليه أن يمتعوه مما يمتعون منه نسائهم وأنفسهم فاختار رسول الله منهم اثني عشر نقيبا وانصرفوا إلى المدينة فصار كلما اشتد البلاء على المؤمنين بمكة يستأذنون رسول الله (ص) في الهجرة إلى المدينة فيأذن لهم فيخرجون ارسالا متسللين أولهم فيما قيل أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وقيل أولهم مصعب بن عمير فعند قدومهم المدينة على الأنصار
[ 42 ]
أكرموهم وأنزلوهم في دورهم وآووهم ونصروهم وواسوهم فلما علم المشركون بذلك وأنه صار للمسلمين دار هجرة وان أكثر من أسلم قد هاجر إليها شق عليهم ذلك فاجتمع رؤساء قريش بدار الندوة وكانت موضع مشورتهم لينظروا ما يصنعون بالنبي وكانوا عشرة ومنهم: شيبة وعتبة ابني ربيعة وبنية ومنية إبنا الحجاج وأبي وأمية ابني خلف وأبو جهل بن هشام ونضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط. فهؤلاء العشرة اجتمعوا للمشورة فجاءهم إبليس في صورة شيخ نجدي عليه جبة صوف وفي يده عكاز يتوكأ عليه فقال لهم قد بلغني الاجتماع لمشورتكم فأحببت أن أحضركم فيما تعدمون مني رايا حسنا فأدخلوه معهم وأول من تكلم عتبة بن ربيعة فقال الرأي أن تحبسوا محمدا في بيت مغلق ليس له غير طاقة واحدة يدخل إليه منها طعامه وشرابه وتربصون به ريب المنون قال إبليس ليس هذا برأي فإن له عشيرة فتحملهم الحمية على أن لا يمكنوا من ذلك فتقاتلوا فقالوا صدق الشيخ فقال شيبة بن ربيعة الرأي أن تركبوا محمدا جملا شرودا قد شددتموه بافشاع عليه وتطلقوه نحو البادية فيقع على أعراب حفاة فيكدر عليهم بما
يقول فيقتلونه فيكون هلاكه على يد غيركم فتستريحون منه فقال الشيطان لعنه الله بئش الرأي تتعمدون إلى رجل قد أفسد سفهائكم وجهالكم فتخرجون إلى غيركم فيفسدهم ويستتبعهم بعذوبة لفظه وطلاقة لسانه لئن فعلتم ليجمعن الناس عليكم جمعا ويقاتلكم بهم ويخرجكم من دياركم فقالوا صدق الشيخ فقال أبو جهل لأشيرن عليكم برأي لا رأي غيره وهو أن تأخذوا من كل بطن من قريش غلاما وسطا وتدفعوا إلى كل غلام سيفا فيضربوا محمدا ضربة رجل واحد فإذا قتلوه يفرق دمه في القبائل كلها فلا يقدر بنو هاشم على حرب قريش كلها فيرضون بالعقل فتعطونهم عقله وتخلصون منهم فقال إبليس هذا هو الرأي قد صدق فيما قال وأشار به وهو أجود آراءهم فلا تعدلوا عنه فتفرقوا على رأي أبي جهل لعنه الله مجتمعين على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتى جبرئيل إلى النبي وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في موضعه الذي كان ينام فيه فعند ذلك أخبر عليا (ع) بامورهم وأمره أن ينام عوضه في مضجعه على فراشه الذي كان ينام فيه وقال له لن يصل إليك منهم أمر تكرهه ووصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته ظاهرا على أعين الناس
[ 43 ]
وكانت قريش تدعوا النبي (ص) في الجاهلية بالأمين وأمره أن يبتاع رواحل له للفواطم فاطمة بنت النبي (ص) وفاطمة بنت أسد أم علي وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ومن يهاجر معه من بني هاشم ومن ضعفاء المؤمنين وقال لعلي (ع) إذا أبرمت ما أمرتك به كن على الأهبة للهجرة إلى الله ورسوله وسر لقدوم كتابي عليك ثم خرج عنه رسول الله (ص) وقال له إذا جائك أبو بكر فوجهه خلفي نحو بئر أم ميمون وكان ذلك في فحمة العشاء والرصد من قريش قد اطافوا بالدار ينتظرون انتصاف الليل وأن ينام الناس فأخذا النبي قبضة من تراب وقرء عليها وحثاها في وجوههم فخرج فلم يروه ونام على فراشه فدخل عليه أبو كبر وهو يظنه رسول الله (ص) فقال له علي أن رسول الله خرج نحو بئر أم ميمون وهو يقول لك ائتيني فلحقه أبو بكر ومضيا
جميعا يتسايران حتى أتيا جبل ثور فدخلا الغار واختفيا فيه وجائت العناكب الذكور والأناث من أسفل الغار يستقبل بعضها بعضا حتى نسجت على الغار نسج أربع سنين في ساعة واحدة وأقبلت حمامتان من حمام مكة حتى سقطتا جميعا على باب الغار وباضت الأنثى منهما من ساعتهما بقدرة الله تعالى وحضنت على البيض وذهب من الليل ما ذهب وعلي (ع) نائم على فراش رسول الله (ص) والمشركون يرجمونه فلم يضطرب ولم يكترث ثم أنهم تسوروا عليه ودخلوا شاهرين سيوفهم فثار في وجوههم فعرفوه فقالوا هو أنت أين صاحبك فقال لا ادري فخرجوا عنه وتركوه ولم يصل إليه منهم مكروه وكفاه الله شرهم. قال ابن الصباغ قال بعض أصحاب الحديث واوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل عليهم السلام ان انزلا إلى علي عليه السلام واحرساه إلى الصباح فنزلا إليه وهما يقولان بخ بخ من مثلك يا علي وقد باهى الله بك ملائكته، واورد أبو حامد الغزالي في كتابه احياء العلوم أن ليلة بات بها علي على فراش رسول الله (ص) اوحى الله تعالى الى جبرئيل وميكائيل أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما اطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فأختارا كلاهما الحياة وأحباها فأوحى الله تعالى إليهما افلا كنتما مثل علي بن أبي طالب حين آخيت بينه وبين محمد (ص) فبات على فراشه يفتديه بنفسه
[ 44 ]
ويؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فأحفظاه من عدوه وكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ينادي ويقول بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله عز وجل (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد) وفي تلك الليلة انشأ علي (ع) يقول: وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى * * واكرم خلق طاف بالبيت والحجر وبت ارعى منهم ما يسوئني * * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر
وبات رسول الله في النار آمنا * * وما زال في حفظ الأله وفي الستر قال واصبح قريش وقد خرجوا في طلب النبي يقصون اثره في شعاب مكة وجبالها فلم يتركوا موضعا لم ياتوه حتى أنهم وقفوا على باب الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجدوا العنكبوت ناسجا على بابه ووجدوا حمامتين وحشيتين قد نزلتا بباب الغار وباضتا فقال لهم عتبة بن ربيعة ما وقوفكم هيهنا لو دخل محمد هذا الغار لخرق هذا النسخ الذي ترون ولطار الحمامتان وجعل القوم يتكلمون فحزن أبو بكر وخاف فقال له النبي (ص) يا أبا بكر نحن اثنان والله ثالثنا فما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن أن الله معنا. أقول وروى أنه لما سمع أبو بكر قعقعة الرجال اراد أن يتكلم حتى يسمعوا كلامه وياتون إلى النبي فأخرسه الله تعالى فمد أصبعه فأمر الله تعالى عقربا هناك فلدغه فجذبها إلى نفسه وفي قصة الغار يقول الأرزي رحمه الله: أو لا ينظرون ماذا دهتهم * * قصة الغار عن مساوي دهاها يوم طافت طوائف الحزن حتى * * اوهنت من حبا عتيق قواها أن يكن مؤمنا فكيف عدته * * يوم خوف سكينة وعداها أن للمؤمنين فيها نصيبا * * وهو يوم الوبال اقصى وقاها كم وكم صحبة جرت حيث لا * * ايمان والله في الكتاب حكاها وكذا في برائة لم يبسمل * * حيث جلت بذكرة بلواها ثم سلها من بعد مارد عنها * * صاحب الغار غاثبا من فلاها
[ 45 ]
أين هذا من راقد في فراش * * المصطفى يسمع العدى وبراها فأستدارت به عتات قريش * * حيث دارت به رحى بغضاها وأدارت به مكائد سوء * * فشفى الله دائها بدواها
ورأت قسورا لو اعترضته * * الجن والأنس في وغى افناها مد كف الردى فلو لم تكفكف * * عنه اثار غيها لمحاها نظرت نظرة إليه فلاقت * * قدرة الله لا يرد قضاها فتولت عنه وللرعب فيها * * فلك دائر على اعضاها قال صاحب الفصول نقل المسعودي في شرحه لمقامات الحريري عند ذكره طوق الحمامة في المقامة الأربعين عن أبي مصعب المكي قال أدركت انس بن مالك وزيد بن ارقم والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدثون في أمر رسول الله (ص) ليلة الغار فقالوا بعد ان دخل رسول الله الغار ومعه أبو بكر أمر الله سبحانه وتعالى شجرة فنبتت على فم الغار قبالة وجه النبي (ص) وأمر حمامتين وحشيتين فنزلتا بباب الغار وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وبهراويهم وسيوفهم على عواتقهم حتى إذا كانوا قريبا من الغار ونظروا الى الحمامتين بباب الغار فرجعوا وقالوا إلا ننظر بالغار غير حمامتين وحشيتين ولو كان به أحد لطارتا فدعا النبي (ص) للحمام بالبركة وفرض خرائهن في قتلهن بالجرم فكن بالحرم امنات قال وما أحسن قول الفيوتي في تخميسه البردة: هذا الحمام بباب الغار قد نزلا * * والعنكبوت حكت من نسجها حللا فالصاحبان هنا يا قوم ما دخلا * * ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم قال وأقام رسول الله ثلاثة أيام في الغار وقريش يطلبونه فلا يقدرون عليه ولا يدرون اين هو واسماء بنت أبي بكر تأتيهما ليلا بطعامهما وشرابهما قال فلما كان بعد الأيام الثلاثة أمرها النبي أن تخبر عليا بموضعه وأن تقول له يؤجر لهم دليلا ويأتيهم معه بثلاثة من الأبل بعد مضى النصف من الليلة الأتية.
[ 46 ]
قال فجائت اسماء الى علي فأخبرته بذلك فأستأجر لهما الأمام (ع) رجلا يقال له الأريقط بن عبد الله الليثي وأرسل معه ثلاثة من الأبل فجاء بهن إلى أسفل الجبل ليلا، قال وسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم برغاء الأبل فنزل من الغار هو وأبو بكر إليه فعرفاه فعرض عليه النبي صلى الله عليه وآله الأسلام فقبل اسلم وقيل لم يسلم وجعل يقول: شد العرى على المطى وأخرى * * وودعا غاركما والحرما وشمرا هديتما وسلما * * لله هذا الأمر حقا فأعلما سينصر الله النبي المسلما قال وركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وركب أبو بكر وركب الدليل وساروا فأخذهم الدليل أسفل مكة ومضى بهما على طريق الساحل، فاتصل الخبر بأبي جهل لعنه الله ثاني يوم، فنادى في أهل مكة فجمعهم فقال أنه بلغني أن محمدا قد مضى نحو يثرب على طريق الساحل ومعه رجلان آخران فأيكم يأتينا بخبره ؟ قال: فوثب سراقة بن مالك بن جعثم المدلجي أحد بني كنانة فقال أنا محمد يا أبا الحكم ثم أنه ركب راحلته وأستجنب فرسه وأخذ معه عبدا له اسودا كان من الشجعان المشهورين فساروا في اثر النبي (ص) سيرا عنيفا نحو الساحل فلحقا به قال فألتفت أبو بكر فنظر الى سراقة بن مالك مقبلا فقال يا رسول الله قد دهينا هذا سراقة بن مالك بن أقبل في طلبنا ومعه غلامه الأسود المشهور فلان فلما أبصرهم سراقة نزل عن راحلته وركب فرسه وتناول رمحه وأقبل نحوهم فلما قرب منهم قال النبي (ص) اللهم أكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت وأنى شئت قال فساخت قوائم فرسه في الأرض حتى لم يقدر الفرس أن يتحرك قال فلما نظر سراقة إلى ذلك أهاله فرمى بنفسه من الفرس إلى الأرض ورمى برمحه وقال يا محمد أنت آمن وأصحابك فأدع ربك أن يطلق لي جوادي ولك علي عهد وميثاق أن ارجع عنك ولا بأس عليك مني فرفع النبي صلى الله عليه وآله يديه إلى السماء وقال اللهم أن كان صادقا فيما يقول فأطلق له جواده
قال فأطلق الله تعالى جواده حتى وقف على الأرض صحيحا سليما، فأخرج سراقة
[ 47 ]
سهما من كنانته وقال يا محمد خذ هذا السهم معك فأنك ستمر بأبل غلام لي يرعاها خذ منها ما شئت فأدفع إليه السهم واستعرض من اباعري بعيرا أو بعيرين ما أردت أن توصل به ولي غنم أيضا ترعى امامك خذ منها ما شئت فاذبحه فقال له النبي على أنك تؤمن بالله وتشهد بشهادة الحق في وقتك هذا فقال يا محمد أما الأن فلا ولكني أصرف عنك الناس فقال النبي (ص) يا سراقة إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في مالك قال وانصرف سراقة راجعا إلى مكة وسار النبي يريد يثرب فلما رجع سراقة إلى مكة وأجتمع إليه أهلها وقالوا أخبرنا ما ورائك يا سراقة فقال ما رأيت لمحمد أثرا ولا سمعت عنه خبرا والأبل التي بلغكم أنها متوجه نحو يثرب أبل لعبد القيس فقال أبو جهل لعنه الله أما واللات يا سراقة أن نفسي تحدثني أنك رأيت محمدا ولحقت به لكنه خدعك فانخدعت ودعاك فأجبت. قال فتبسم سراقة من قول أبي جهل لعنه الله، وقال أنك لو عاينت من فرسي هذا ما عاينت لصرفت عني كلامك ونهض عنهم قائما ثم أخبرهم بقصته مع النبي (ص) قال ومضى النبي وأبو بكر والدليل بين أيديهما حتى أخذ بهما أسفل عسفان ثم خرج بهما على قديد ثم على الفجاج ثم سار بهما إلى أن قربا من المدينة والأوس والخزرج قد بلغهم خروج النبي من مكة يريد يثرب وكانوا يخرجون كل يوم إذا صلوا الظهر إلى ظاهر الحر يجلسون هناك ينتظرون قدومه فلا يزالون كذلك حتى يبلغ منهم حر الشمس فإذا لم يروا شيئا رجعوا منازلهم قال فوصل رسول الله إلى قبا يوم الأثنين لأثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ونزلوا على كلثوم بن الهرم أخي بني عمرو بن عوف وقال قوم نزلوا على سعد بن خيثمة قال والصحيح أنهم نزلوا على كلثوم بن هرم غير أنه كان إذا خرج من منزل كلثوم يجلس للناس سعد بن خيثمة وراودوه على الدخول إلى المدينة فقال ما أنا بداخلها حتى يأتي ابن عمي وابنتي يعني
عليا وفاطمة سلام الله عليهما. قال أبو يقضان ولما وصل رسول الله إلى قبا حدثنا بما أرادوا به قريش من المكر ومن مبيت علي على فراشه وبين مؤاخاة الله تعالى بين جبرئيل وميكائيل (ع)
[ 48 ]
وجعل عمر أحدهما اطول من الأخر الحديث المقدم بتمامه كما ذكره صاحب الكشاف أيضا قال وكتب النبي الى علي (ع) يأمره بالمسير إليه والمهاجرة هو ومن معه وكان علي بعد أن توجه رسول الله قام صارخا بالأبطح ينادي من كان له قبل محمد رسول الله أمانة فليات نرد إليه أمانته. أقول: روى المجلسي (ره) في البحار عن الواقدي وإسحاق الطبري أن عمير بن وائل الثقفي أمره حنظلة بن أبي سفيان أن يدعي على علي عليه السلام ثمانين مثقالا من الذهب الأحمر وأنها كانت وديعة عند محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه هرب من مكة وأنت وكيله فأن طلب ببينة الشهود فنحن معشر قريش نشهد عليه وأعطوه على ذلك مائة مثقال من الذهب منها قلادة عشرة مثاقيل فجاء وادعى على علي (ع) فأظهر الودايع كلها ورأى عليها اسماء أصحابها ولم يكن لما ذكره عمير خبر فنصح له نصحا كثيرا فقال أن لي من يشهد بذلك وهو أبو جهل وعكرمة وعقبة بن أبي معيط وأبو سفيان وحنظلة فقال عليه السلام مكيدة تعود إلى من دبرها ثم أمر الشهود أن يقعدوا في الكعبة ثم قال لعمير يا أخ ثقيف أخبرني الأن حين دفعت وديعتك هذه الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الاوقات كان قال ضحوة نهار فأخدها بيده إلى عنده ثم استدعى بأبي جهل لعنه الله وسئله عن ذلك قال ما يلزمني ذلك ثم استدعى بأبي سفيان وسأله قال دفعها عند غروب الشمس وأخذها من يده وتركها في كمه ثم استدعى بحنظلة وسأله عن ذلك فقال كان ذلك عند وقوف الشمس في كبد السماء وتركها بين يديه إلى وقت انصرافه ثم استدعى بعقبة وسأله عن ذلك فقال تسلمها بيده وانفذها في الحال إلى داره وكان وقت العصر
ثم استدعى بعكرمة وسأله عن ذلك فقال كان عند بزوغ الشمس اخذها فانفذها من ساعته إلى بيت فاطمة ثم أقبل على عمير وقال له أراك قد اصفر لونك وتغيرت أحوالك قال أقول الحق ولا يفلح غادر وبيت الله ما كان لي عند محمد (ص) وديعة وانهما حملاني على ذلك وهذه دنانير وعقد هند عليها اسمها مكتوب ثم قال علي (ع) أيتوني بالسيف الذي في زاوية الدار فأخذه وقال أتعرفون هذا السيف فقالوا هذا لحنظلة فقال أبو سفيان هذا مسروق فقال علي أن كنت صادقا في قولك فما فعل مهلع عبدك
[ 49 ]
الأسود قال مضى إلى الطائف في حاجة لنا فقال هيهات أن تعود تراه أبعث إليه احضره إن كنت صادقا فسكت أبو سفيان ثم قام علي في عشرة عبيد لمنادات قريش فبعثوا تبعة عرافها فإذا العبد مهلع قتيل فأمرهم بأخراجه فأخرجوه وحملوه الى الكعبة فسأله الناس عن سبب قتله فقال أن أبا سفيان وولده ضمنوا له رشوة عتقة وحثاه على قتلي في الطريق ووثب علي ليقتلني فضرب رأسه وأخذت سيفه فلما بطلت حيلتهم أرادوا الحيلة الثانية له عليه السلام في طريق الهجرة قال ابن الصباغ وقضى حوائجه وجميع أموره وابتاع ركائب واجمالا بسبب المهاجرة ولم يكن ينتظر غير ورود كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما ورد عليه الكتاب خرج بالفواطم وخرج معه أم ايمن مولاة النبي (ص) وجماعة من ضعفاء المؤمنين. قال مؤلف الكتاب عفى عنه ويعجبني أن أذكر ما جرى على الامام في الطريق وهو خبر ذكره جماعة ولم يذكره ابن الصباغ. فأقول: قال جماعة من أهل التاريخ منهم الواقدي في ذيل الخبر الذي نقلناه من البحار لما هاجر النبي (ص) من مكة لحقه أمير المؤمنين (ع) بالهوادج والفواطم فبلغ الخبر إلى روساء قريش فلما أن سمعوا ذلك قاموا من ساعتهم وخروا للأصنام وقام حنظلة ونادى يا معاشر قريش أيخرج علي بن أبي طالب من بيننا على رغم آنافنا ألا وحق اللات والعزى والهبل الأعلى لا أكلت طعاما ولا شربت مداما إلا أطلب بثار
عبدي مهلع وكان قتله أمير المؤمنين (ع) فقال أبوه اسكت يالكع الرجال فما أنت في يد علي إلا كالعصفور في يد الصقر فقال والله لأفعلن ثم نادى في معاشر قريش فأجتمع عليه جماعة شاكين أسلحتهم راكبين خيولهم فترتبوا وتأهبوا وساروا راكبين خيولهم شاهرين سيوفهم فنظر أبو جهل الى راعي غنم فقصده وقال له يا غلام هل مر بك خمسة هوادج فقال نعم ومن خلفها فارس تنبئك رؤيته عن شجاعته وهو يلتفت إلى ورائه كأنه أسد ضاري يلتفت على فريسته وقال لي أن مر بك جمع أو خيل أو رجال وسألوك عني فقل لهم ها هو منتظر لقدومكم متوان في مشيته فرجع أبو جهل وأخبر القوم بذلك فانفرد من العسكر عبد أسود ومعه رجلان فجعلوا يركضون على خيولهم فلم يشعر الامام إلا وقد هجموا عليه فقال العبد يا علي رد الظمائن قبل أن اذيقك المنية وتأكلك
[ 50 ]
السيوف الهندية فصاح به الامام (ع) تأخر يابن الخنا أن دون رجع الهوادج قطع الغلاصم وفلق الجماجم بالسيوف الصوارم فتعرضه العبد المشؤم مرة ثانية فضربه الامام (ع) ضربة كان فيها خروج روحه فلما نظر الرجلان ما حل بصاحبهم حملا على الأمام (ع) فحمل أبو الحسن وقبض أحدهما من مراق بطنه وجلد به الآخر فكسر أضلاعهما جميعا ثم أقبل الى الفواطم وقال لا عليكن وأنا علي بن أبي طالب ثم قصد القوم بنفسه فبينما هم سائرون وإذا بفارس طلع عليهم من كبد البر وهو مضيق لثامه فنظروا إليه جميعا فمنهم من قال هذا قاصد اليكم ومنهم من قال هو قاطع طريق ومنهم من قال غير ذلك فنظره أبو جهل لعنه الله فقال أما الركبة فقرشية وأما الشمائل فمضرية وأما القامة فهاشمية ولا أظنه إلا علي بن أبي طالب فما استتم كلامه والامام عليه السلام كالبازي فوق رؤسهم وهو ينادي يا حنظلة يا حنظلة ها أنا قد جئتكم فأستعدوا للحرب ومكافحة الطعن والضرب فقال أبو جهل مهلا مهلا يا علي أن العجلة تورث الغضب وداعية النصب والامهال من شيمة الأجواد وأنت فرع من شجرتنا وغصن من أغصاننا
ومن قطع أنامله وجد الألم في مفاصله فقال له الامام (ع) أنت تقول وأنا أقول ما هو بعجيب أن يخرج الخبيث من الطيب والله نحن الطيبون وأما جموعكم فو الله لو أجتمعت العرب والعجم إليها فما هي عندي إلا كرجل واحد فلما سمعت قريش ذلك من الامام حملت عليه حملة رجل واحد فأدارها أبو الحسن دوران الرحاء في الطاحونة وهو ينادي إلي من تفرون وأنا الفتى الكرار والفارس المغوار إلي أين تولون وأنا الشهاب الثاقب وأنا ليث بني غالب أنا علي بن أبي طالب فغاص في أوساطهم وطلع من أعراضهم وقلب الميمنة منهم على الميسرة والميسرة منهم على الميمنة حتى خاضت الخيل بالدماء وانهزم الباقون يدعون بالويل والثبور فرجع الامام (ع) الى الفواطم وسار بها ونزل الأمين جبرئيل (ع) وأخبر النبي (ص) بما جرى من الامام على القوم اللئام فخرج (ص) يستقبل عليا عليه السلام. قال مؤلف الكتاب قال صاحب الفصول فأتوا النبي (ص) وهو نازل بقبا على بني عمرو بن عوف لم يدخل المدينة فلما أن جاؤا خرج صلى الله عليه وآله وسلم من قبا يوم الجمعة بجمع
[ 51 ]
من بني سالم ومن معه يومئذ مائة رجل فخرج أهل المدينة وجعلوا يكلمونه بالنزول عليهم ويأخذون بخطام ناقته فيقول (ص) خلوا سبيلها فأنها مأمورة فبركت عند موضع قبره وهو مؤبد لسهل وسهيل غلامين لبني مالك ابن النجار اشتراهم رسول الله (ص) بعشرة دنانير وقيل امتنعوا من بيعه وبذلوه لله تعالى، قال وهو الصحيح فأتخذه النبي (ص) مسجدا وهو مكان مسجده اليوم. المجلس الثاني (في حديث تزويجه (ع) بفاطمة وحديث سد الأبواب وقصة يوم الغدير) وفيه بابان وفصول: الباب الأول
في حديث تزويجه بفاطمة وحديث سد الأبواب وفيه فصلان: الفصل الأول في حديث تزويجه بفاطمة عليهما السلام قد اشتهر في روايات المخالفين والموافقين وتواتر في طرق المحبين والمبغضين عن الأصحاب والتابعين بألفاظ مختلفة ومعان متفقة أن أبا بكر وعمر خطبا فاطمة (ع) فقال النبي صلى الله عليه وآله بردهما. وروى جماعة أيضا ان جملة من الصحابة خطبوها فردهم النبي حتى خطبها عبد الرحمن بن عوف فلم يجبه النبي فقال عبد الرحمن زوجنيها بكذا من المهر فغضب النبي (ص) ومد يده الى حصى فرفعها فسبحت في يده وجعلها في ذيله درا ومرجانا يعرض به جواب المهر. وعن مولانا الصادق عليه السلام أنه دعا رسول الله (ص) عليا (ع) فقال:
[ 52 ]
يا علي ابشر فأن الله كفاني ما كان من همي تزويجك فاطمة أتاني جبرئيل ومعه من سنبل الجنة وقرنفلها فناولنيها فأخذتها وشممتها فقلت ما سبب هذا السنبل والقرنفل قال أن الله تعالى أمر سكان الجنة من الملائكة ومن فيها أن يزينوا الجنة كلها بمغارسها وأشجارها وثمارها وقصورها وأمر ريحها فهبت بأنواع العطر والطيب وأمر حور عينها بالقراءة فيها (طه ويس وحمعسق) ثم نادى مناد من تحت العرش أن اليوم يوم وليمة علي (ع) ألا أني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة من علي رضي مني ببعضهما لبعض ثم أمر الله سحابة بيضاء فقطرت من لؤلؤها وزبرجدها وياقوتها وقام الملائكة تلتقط من سنبلها وقرنفلها وهذا مما نثرت الملائكة. وفي خبر آخر رواه جابر وأبو هريرة وهو المروي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) بينما رسول الله (ص) جالس إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجها فقال (ص) حبيبي جبرئيل لم أراك في هذه
الصورة قال الملك لست بجبرئيل أنا محمود بعثني الله أن أزوج النور من النور قال من وممن قال فاطمة من علي فلما ولى الملك وإذا بين كتفيه محمد رسول الله علي وصيه فقال رسول الله (ص): منذ كم كتب هذا بين كتفيك فقال من قبل أن يخلق الله آدم باثنين وعشرين ألف عام. وروى عن أم ايمن عن رسول الله (ص) في خبر وعقد جبرئيل وميكائيل في السماء نكاح علي (ع) وفاطمة (ع) فكان جبرئيل المتكلم عن علي وميكائيل الراد. وفي رواية أن الله تعالى أوحى إلى جبرئيل زوج النور من النور وكان الولي هو الله تعالى والخطيب هو جبرئيل والمنادي ميكائيل والداعي اسرافيل والناثر عزرائيل والشهود باقي الملائكة، ثم أوحى الله تعالى إلى شجرة طوبى أن أنثري ما عليك فأنتثرت ما عليها وهو الدر الأبيض والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر واللؤلؤ الرطب فبادر الحور العين يلتقطن ويهدين بعضهن لبعض من تلك الجواهر ويتباركن بنكاح علي وفاطمة. وحكى الشيخ الأجل بهاء الدين العاملي (رحمه الله) ما معناه: أنه رأى في مسجد الكوفة درة حمراء مكتوب عليها: أنا در من السما نثروني * * يوم تزويج والد السبطين كنت أصفى من اللجين بياضا * * صبغتني دماء نحر الحسين
[ 53 ]
والخطبة التي خطب بها في السماء على ما هو المروي الحمد لله الأول اولية الأولين الباقي بعد فناء العالمين نحمده أن جعلنا ملائكة روحانيين وبربوبيته مذعنين وله على ما أنعم علينا شاكرين حجبنا من الذنوب وسترنا من العيوب وأسكننا في السماوات وقربنا الى السرادقات وحجب عنا التهم والشهوات وجعل تهمنا وشهوتنا في تقديسه وتسبيحه الباسط رحمته الواهب نعمته جل عن ألحاد أهل الأرض من المشركين وتعالى بعظمته عن افك الملحدين، ثم قال الخطيب بعد كلام: واختار صفوة كرمه وعبد عظمته لأمته سيدة النساء بنت خير النبيين وسيد المرسلين وامام المتقين فوصل حبله
بحبل رجل من أهله وصاحبه المصدق دعوته المبادر إلى كلمته على الوصول الى فاطمة البتول أبنة الرسول. وقال الحميري: نصب الجليل لجبرئيل منيرا * * في ظل طوبى من متون زبرجد شهد الملائكة الكرام وربهم * * وكفى بهم وبربهم من شهد وتناثرت طوبى عليهم لؤلؤا * * وزمردا متتابعا لم يعقد وروى أنه كان بين تزويج أمير المؤمنين (ع) وفاطمة (ع) في السماء إلى تزويجها في الأرض أربعين يوما زوجها رسول الله (ص) من علي أول يوم من ذي الحجة وروى أنه كان اليوم السادس منه وخطب رسول الله (ص) خطبته في تزويج فاطمة. رويت عن الرضا عليه السلام فقال: الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع في سلطانه المرغوب إليه فيما عنده المرهوب من عذابه النافذ في سمائه وأرضه الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه واعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد، أن الله تعالى جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا وشبح الأرحام وألزم بها الأنام قال الله تعالى: " وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا " ثم أن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي. الخ. وروى أنه كان صداقها خمسمائة درهم وصححه ابن شهراشوب. وروى اربعمائة مثقال فضة. وروى اربعمائة وثمانين مثقال فضة وهو المروي عن الحسين (ع) وعن الباقر (ع) برد حبرة واهاب شاة على غرار رواه عمر ابن مقدام وجابر الجعفي، وروى عن الصادق (ع) درع حطمية واهاب كبش أو جدي
[ 54 ]
رواه أبو يعلي مسندا عن مجاهد. وأما مهرها في السماء ففي خبر عن الباقر (ع) وجعلت نحلتها من علي (ع) خمس الدنيا وثلث الجنة وجعلت لها في الأرض أربعة أنهار الفرات ونيل مصر ونهروان ونهر بلخ وعن الصادق عليه السلام أن الله تبارك وتعالى أمهر فاطمة ربع الدنيا فربعها لها والجنة والنار فتدخل اولياءها الجنة واعداءها
النار. وفي خبر سئل النبي عن مهر فاطمة عليها السلام فقال خمس الأرض فمن مشى عليها لها ولولدها مشى عليها حراما إلى أن تقوم الساعة. وعن ابن مردويه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلى (ع) تكلم خطيبا لنفسك فقال: الحمد لله الذي قرب من حامديه ودنى من سائليه ووعد الجنة من يتقيه وأنذر بالنار من يعصيه، نحمده على قديم احسانه وأياديه حمد من يعلم أنه خالقه وباريه ومميته ومحييه ومسايله عن مساويه ونستعينه ونستهديه ونؤمن به ونستكفيه ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغه وترضيه وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله صلاة ترفعه وتصطفيه - الخبر. وعن امالي الطوسي (رحمه الله) عن الصادق عليه السلام في خبر وسكب الدراهم في حجره فأعطى منها قبضة كانت ثلاثة وستين أو ستة وستين إلى أم ايمن لمتاع البيت وقبضة إلى اسماء بنت عميس للطيب وقبضة إلى ام سلمة للطعام وانقد عمارا وأبا بكر وبلالا لابتياع ما يصلحها وكل ما اشتروه قميص بسبعة دراهم وخمار بأربعة دراهم وقطيفة سوداء خيبرية وسريرا وفراشين وأربع مرافق وحصيرا ورحا وسقاء ومخضبا وقعبا ومطهرة وجرة خضراء وكيزان خزف ونطع من ادم وعباءا وقربة ماء وعن ابن مردويه في حديثه فمكث علي (ع) تسعة وعشرين ليلة فقال له جعفر وعقيل سله أن يدخل عليك أهلك فعرفت أم ايمن ذلك فقالت هذا من أمر النساء وخلت به أم سلمة فطالبته بذلك فدعاه النبي وقال حبا وكرامة فأتى الصحابة بالهدايا فأمر بطحن البر وخبزه وأمر عليا بذبح البقر والغنم فكان النبي يعضل ولم ير على يده اثر دم فلما فرغوا من الطبخ أمر النبي أن ينادي على رأس داره اجيبوا رسول الله وذلك قوله تعالى (واذن في الناس بالحج) فأجابوا من النخلات والزروع فبسط النطوع في المسجد وجلس الناس وهم أكثر من أربعة آلاف رجل وسائر نساء المدينة ورفعوا منها
[ 55 ]
ما أرادوا ولم ينقص من الطعام شئ ثم عادوا في اليوم الثاني والثالث وأكلوا، ثم
دعا رسول الله بالصحاف فملئت ووجه إلى منازل أزواجه ثم أخذ صحفة وقال: هذا لفاطمة وبعلها وكان النبي أمر نساءه أن يزين فاطمة ويصلحن من شأنها في حجرة أم سلمة فاستدعين من فاطمة طيبا فأتت بقارورة فسألت عنها فقالت كان دحية الكلبي يدخل على رسول الله فيقول لي يا فاطمة هاتي الوسادة فاطرحيها لعمك فكان إذا نهض سقط من بين ثيابه شئ فيأمرني بجمعه فسئل رسول الله عن ذلك فقال: هذا عبير يسقط من أجنحة جبرائيل، وأتت بماء ورد فسألت أم سلمة عنه فقالت: هذا عرق رسول الله كنت آخذه عند قيلولته عندي، وروى أن جبرئيل أتى بحلة قيمتها الدنيا فلما لبستها تحيرت نسوة قريش منها وقلن من أين لك هذا قالت فاطمة: هذا من عند الله تعالى. قال جابر وفي ليلة زفت فيها فاطمة (ع) إلى علي عليه السلام كان النبي أمامها وجبرائيل عن يمينها وميكائيل عن يسارها وسبعون الف ملك من خلفها يسبحون الله تعالى ويقدسونه، وفي خبر أمر النبي بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صبحة فاطمة وأن يفرحن ويرجزن ويكبرن ويحمدن ولا يقلن ما لا يرضي الله، قال جابر فأركبها النبي على ناقته وفي رواية على بغلته الشهباء وأخذ سلمان (رحمه الله) زمامها وحولها سبعون حوراء والنبي وحمزة وعقيل وجعفر عليهم السلام وأهل البيت يمشون خلفها مشهرين سيوفهم ونساء النبي قدامها يرجزن فأنشأت أم سلمة تقول: سرن بعون الله جاراتي * * وأشكرنه في كل حالات واذكرن ما أنعم رب العلى * * من كشف مكروه وآفات فقد هدانا بعد كفر وقد * * أنعشنا رب السماوات فسرن مع نساء خير الورى * * تفدى بعماتي وخالاتي يا بنت من فضله ذو العلى * * بالوحي منه والرسالات
ثم قالت عايشة:
[ 56 ]
يا نسوة استرن بالمعاجر * * واذكرن ما يحسن بالمحاجر واذكرن رب الناس إذ خصنا * * بدينه مع كل عبد شاكر والحمد لله على أفضاله * * والشكر لله العزيز القادر سرن بها فالله أعلى ذكرها * * وخصها منه بطهر طاهر ثم قالت حفصة: فاطمة خير نساء البشر * * ومن لها وجه كوجه القمر فضلك الله على كل الورى * * بفضل من خص بآي الزمر زوجك الله فتى فاضلا * * أعني عليا خير من في الحضر فسرن جاراتي بها فأنها * * كريمة عند كريم الخطر ثم قالت معاذ أم سعد بن معاذ: أقول قولا فيه ما فيه * * وأذكر الخير وأبديه محمد خير بني آدم * * ما فيه من كبر ولا تيه بفضله عرفنا رشدنا * * فالله بالخير يجازيه ونحن مع بنت نبي الهدى * * ذي شرف قد مكثت فيه في ذروة شامخة أصلها * * فما أرى شيئا يدانيه وكان النسوة يرجعن اول كل بيت من كل رجز ثم يكبرن ويهللن حتى دخلن الدار ثم أنفذ رسول الله (ص) الى علي (ع) ودعاه الى المسجد ثم دعى سلام الله عليها فأخذ بيدها ووضعها في يده وقال بارك الله لك في ابنة رسول الله، ثم قال مرجا ببحرين يلتقيان ونجمين يلتقيان اللهم انهما أحب خلقك الي فأحبهما وبارك في ذريتهما وأجعل عليهما منك حافظا وأني اعيذها وذريتهما بك من الشيطان الرجيم ثم
خرج الى الباب وقال طهركما وطهر نسلكما أنا سلم لمن سالمكما وحرب لمن حاربكما استودعكما الله واستخلفه عليكما، وباتت عندها أسماء بنت عميس اسبوعا بوصية خديجة إليها فدعا لها النبي في دنياها وآخرتها ثم أتاهما في صبيحتهما وقال: السلام عليكم أدخل رحمكما الله ففتحت أسماء الباب وكانا نائمين تحت كساء فقال على حالكما
[ 57 ]
فأدخل رجليه بين أرجلهما فسأل عليا (ع) كيف وجدت أهلك فقال نعم العون على طاعة الله، وسأل فاطمة فقالت: خير بعل، فقال اللهم اجمع شملهما وألف بين قلوبهما وأجعلهما وذريتهما من ورثة الجنة النعيم وارزقهما ذرية طيبة طاهرة مباركة واجعل في ذريتهما البركة وأجعلهم أئمة يهدون وبأمرك الى طاعتك. وروى أنه (ص) جاء لهما بقدح فيه لبن فقال لفاطمة: اشربي فداك أبوك، وقال لعلي: اشرب فداك ابن عمك. ولله در الاصبهاني حيث يقول: أمن بسيدة النساء قضى لها * * ربي فأصبح أحسن الاختان من بعد خطاب أتوه فردهم * * ردا يبين مضمر الأشجان حتى إذا خطب الوصي أجابه * * من غير تورية ولا استيذان الفصل الثاني في حديث سد الأبواب قال ابن شهراشوب (رحمه الله): هذا الحديث رواه نحو ثلاثين رجلا من الصحابة منهم زيد بن أرقم وسعد بن أبي وقاص وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وأبو رافع وأبو الطفيل عن حذيفة بن اسيد الغفاري وأبو حازم عن ابن عباس والعلا عن ابن عمر وشعبة عن زيد بن علي عن أخته والباقر (ع) عن جابر، وروى عن علي ابن موسى الرضا (ع)، وقد تداخلت الروايات بعضها في بعض أنه لما قدم المهاجرون المدينة بنوا حوالي مسجده بيوتا فيها أبواب شارعة في المسجد ونام بعضهم في المسجد فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن جبل فنادى أن النبي يأمركم أن تسدوا أبوابكم
إلا باب علي فأطاعوه إلا رجل واحد قال فقام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فأني أمرت بسد هذه الأبواب عن المسجد إلا باب علي فقال فيه. قائلكم فأني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشئ فأتبعته وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال (ص) أنا ما فتحته ولكن الله فتحه، وعن بريده الأسلمي أنه قال: يا أيها الناس ما أنا سددتها وما أنا فتحتها ولكن الله عز وجل سدها ثم قرأ: " والنجم إذا هوى ما ظل صاحبكم وما غوى إن هو إلا وحي يوحى "، وعن عبد الله بن
[ 58 ]
عمر فخرج العباس يبكي وقال يا رسول الله أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك فقال ما اخرجته ولا اسكنته ولكن الله أسكنه وقال عمر دع لي خوخة اطلع منها الى المسجد فقال لا ولا بقدر أصبعة، فقال أبو بكر دع لي كوة انظر إليها فقال لا ولا رأس ابرة، فسأل عثمان مثل ذلك فأبى (ص)، قال السمعاني فلم يزل علي (ع) وولده في بيته الى أيام عبد الملك بن مروان فعرف الخبر فحسد القوم على ذلك واغتاض وأمر بهدم الدار وتظاهر أنه يريد أن يزداد في المسجد وكان فيها الحسن بن الحسن فقال لا أخرج ولا امكن من هدمها فضرب بالسياط وتصايح الناس وأخرج عند ذلك وهدمت الدار وزيد في المسجد، وفي ينابيع المودة للشيخ سلمان الحنفي بسند عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام خطيبا فقال: أن رجالا لا يجدون في أنفسهم شيئا أن أسكنت عليا في المسجد وأخرجتهم والله ما اخرجتهم وأسكنته بل الله أخرجهم وأسكنه. أن الله عز وجل أوحى الى موسى وأخيه: " أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا قبلة وأقيموا الصلاة " ثم أمر موسى أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله جنب إلا هارون وذريته وان عليا مني بمنزلة هارون من موسى وهو أخي ولا يحل لأحد أن ينكح فيه النساء إلا علي وذريته فمن سائه فها هنا وأشار بيده نحو الشام ولله در الحميري حيث يقول:
من كان ذا جار له في مسجد * * من نال منه قرابة وجوارا والله أدخله وأخرج قومه * * واختاره دون البرية جارا وفي البحار فأقبل العباس بن عبد المطلب وقال يا رسول الله أنك قد علمت ما بيني وبينك من القرابة والرحم الماسة فأسأل الله أن يجعل لي بابا مفتوحا إلى المسجد أتشرف بها على من سواي فقال يا عم ليس الي ذلك سبيل قال يابن أخي إذن فميزابا يكون من داري الى المسجد أتشرف به على القريب والبعيد فسكت صلى الله عليه وآله وسلم وصار لا يدري ما يعيد عليه من الجواب خوفا من الله وحياء منه فعند ذلك هبط عليه جبرائيل فقال يا محمد أن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: اجب سؤال عمك وانصب له ميزابا الى المسجد ويقول لك أني قد علمت ما في نفسك وقد اجبتك الى ذلك كرامة لك ونعمة
[ 59 ]
مني عليك وعلى عمك فكبر رسول الله (ص) وقال أبى الله إلا إكرامكم يا بني هاشم، ثم قام (ص) ومعه جماعة من الصحابة والعباس بين يديه حتى صار على سطح دار العباس فنصب له ميزابا الى المسجد ثم قال لأصحابه معاشر المسلمين أن الله قد شرف عمي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذونني في عمي فأنه بقية الآباء والأجداد فلعن الله من آذاني فيه وأغار عليه أو حبسه حقه ثم خرج صلى الله عليه وآله وبقي على حاله مدة أيام النبي وخلافة أبي بكر وثلاث سنين من خلافة عمر فأعتل العباس ومرض مرضا شديدا فصعدت جاريته على السطح تغسل قميصه فجرى الماء الى صحن المسجد وكان عمر في المسجد فنال الماء بعض مرقعته فغضب غضبا شديدا فقال لغلامه اذهب واقلع هذا الميزاب فصعد الغلام وقلعه ورمى به على سطح الدار ثم قال عمر والله لئن رده أحد الى مكانه لأضربن عنقه فشق ذلك على العباس فدعى بولديه عبد الله وعبيد الله وغدى يمشي متكئا عليهما وهو يرتعش من شدة المرض فسار حتى دخل على أمير المؤمنين (ع) فلما رآه أمير المؤمنين دخل عليه وهو على تلك الحالة انزعج وقال: يا عم ما جاء بك
فأخبره بما فعل معه عمر من قلع الميزاب وتهدده فيمن يرده الى مكانه ثم قال له يابن أخي قد كان لي عينان انظر بهما فمضت احداهما وهو رسول الله (ص) وبقيت الأخرى وهي أنت وما أظن ان أظلم أو يزول ما شرفني به النبي وأنت لي فقال أمير المؤمنين يا عم ارجع الى بيتك ثم نادى علي بذي الفقار فتقلده ثم خرج الى المسجد والناس حوله فنادى يا قنبر اصعد ورد الميزاب الى مكانه فصعد قنبر ورده الى مكانه ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: وحق صاحب هذا المنبر وهذا القبر لأن قلعه قالع لأضربن عنقه وعنق الآمر له بذلك ولأصلبنهما في الشمس حتى يتقددا فسمع عمر بذلك فنهض حتى أتى ودخل المسجد فنظر الى الميزاب وهو في مكانه فقال لا يغضب أحد أبا الحسن فيما فعلة ونكفر عن اليمين فلما كان من الغداة دخل أمير المؤمنين (ع) على عمه العباس وقال له: كيف أصبحت يا عم فقال بأفضل النعم ما دمت لي يابن أخي فقال (ع) يا عم طب نفسا وقر عينا فوالله لو خاصمني أهل الأرض لخاصمتهم في الميزاب بحول الله وقوته فقام العباس وقبل بين عينيه وقال له ما خاب من أنت ناصره.
[ 60 ]
الباب الثاني في قصة يوم الغدير اعلم أن رواة حديث الغدير جميع الأصحاب والتابعين وتابعي التابعين وهم لا يحصى عددهم وكفاك في خبر بلغ من الشهرة ما بلغ، حتى قال ابن حجر في صواعقه: وهو مروي من سبعين طريقا وأكثرها صحيح وحسن، وأنهاها بعضهم الى سبعمائة طريق، وحدثني بعض العلماء أنه رأى كتابا لبعض علماء الهند قد جمع فيه طرق حديث الغدير فكانت الفا وخمسمائة طريق وترجم رجال الحديث بأسمائهم وأسماء آبائهم مشايخهم وفي بعض التفاسير روى عن جميع الصحابة والتابعين متواترا قوله تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وإن لم تفعل فيما بلغت رسالته " نزلت في علي " ع " يوم غدير خم.
أقول: ويؤيد ذلك ما حكى عن تفسير ابن الأثير أنه قرأ ابن مسعود: يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك في علي وإن لم تفعل الآية، وتفصيل ذلك هو ما روي في كتاب روضة الواعظين عن أبي جعفر الباقر قال حج رسول الله من المدينة وقد بلغ جميع الشرايع قومه خلا الحج والولاية فأتاه جبرئيل فقال له يا محمد أن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول أني لم أقبض نبيا من أنبيائي ورسلي إلا بعد إكمال ديني وتكثير حجتي وقد بقى عليك من ذلك فريضتان مما يحتاج إليه أن تبلغهما قومك فريضة الحج وفريضة الولاية والخليفة من بعدك فأني لم أخل أرضي من حجة ولن أخليها أبدا وأن الله يأمرك أن تبلغ قومك الحج تحج ويحج معك كل من استطاع السبيل من أهل الحضر وأهل الأطراف والأعراب وتعلمهم من حجهم مثل ما علمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وتوقفهم من ذلك على أمثال الذين أوقفتهم عليه من جميع ما بلغتهم من الشرايع فنادى رسول الله (ص) في الناس: ألا أن رسول الله يريد الحج وأن يعلمكم من ذلك مثل الذي علمكم من شرايع دينكم ويوقفكم من ذلك على ما أوقفكم عليه، وخرج رسول الله وخرج معه الناس وأصغوا إليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا
[ 61 ]
مثله فحج بهم فبلغ من حج مع رسول الله من أهل المدينة والأطراف والاعراب سبعين الف أنسان أو يزيدون على نحو عدد أصحاب موسى " ع " السبعين الف الذين أخذ عليهم بيعة هارون فأتصلت التلبية ما بين مكة والمدينة فلما وقف الموقف أتاه جبرئيل فقال يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول: أنه قد دنى أجلك ومدتك وأني استقدمتك على ما لا بد منه ولا محيص عنه فاعهد عهدك وقدم وصيتك واعمد الى ما عندك من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من آيات الانبياء فسلمها الى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي ابن أبي طالب فأقمه للناس وخذ عهده وميثاقه وبيعته وذكرهم ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي وثقتهم به أو عهدي الذي عهدت إليهم من ولاية وليي وهو مولاهم ومولى
كل مؤمن ومؤمنة علي بن أبي طالب فأني لم أقبض نبيا من أنبيائي إلا بعد إكمال ديني واتمام نعمتي بولاية أوليائي ومعاداة أعدائي وذلك تمام كمال توحيدي وديني واتمام نعمتي على خلقي واتباع وليي وطاعته وذلك أني لا أترك أرضي بغير قيم ليكون حجة على خلقي فاليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا علي وليي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، علي عبدي ووصي نبيي والخليفة من بعده والحجة البالغة على خلقي مقرون طاعته مع طاعة محمد بطاعتي من أطاعه أطاعني ومن عصاه فقد عصاني جعلته علما بيني وبين خلقي فمن عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا ومن أشرك ببيعته كان مشركا ومن لقبني بولايته دخل الجنة ومن لقيني بعداوته دخل النار فأقم يا محمد عليا علما وخذ عليهم البيعة وخذ عهدي وميثاقي بالذي واثقتهم عليه فأني قابضك الي ومستقدمك علي، فخشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرقوا ويرجعوا جاهلية لما عرف من عداوتهم وما يبطنون عليه أنفسهم لعلي (ع) من البغضاء وسأل جبرئيل أن يسأل ربه العصمة من الناس وانتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة من الناس عن الله تعالى فأخر ذلك الى أن بلغ مسجد الخيف فأتاه جبرئيل وأمره أن يعهد عهده ويقيم عليا للناس ولم يأته بالعصمة من الله بالذي أراد، حتى أتى كراع العميم بين مكة والمدينة فأتاه جبرئيل وأمره بالذي أمر به من
[ 62 ]
قبل ولم يأته بالعصمة فقال (ص) يا جبرئيل أني لأخشى قومي أن يكذبوني ولا يقبلوا قولي في علي ثم رحل فلما بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس فقال يا محمد أن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك في علي وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) فكان اولهم بلغ قرب الجحفة فأمره أن يرد من تقدم منهم وجلس من تقدم منهم في ذلك المكان ليقيم عليا للناس
ويبلغهم ما أنزل الله عز وجل في علي عن الله تعالى وفي المواضع سلمات فأمر رسول الله (ص) أن يقيم ما تحتهن وينصب له أحجار كهيأة المنبر ليشرف على الناس فتراجع الناس واحتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون وقام رسول الله (ص) فوق تلك الاحجار وقال: الحمد لله الذي علا بتوحيده ودنى بتفرده وجل في سلطانه وعظم في أركانه وأحاط بكل شئ وهو في مكانه (يعني ان الشئ في مكانه) وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه حميدا لم يزل محمودا لا يزال ومجيدا لا يزول ومبدئا معيدا وكل أمر إليه يعود بارى المسموكات وداحي المدحوات قدوس سبوح رب الملائكة والروح متفضل على جميع من براه متطول على جميع من ذواه يلحظ كل نفس والعيون لا تراه كريم حليم ذو أناة قد وسع كل شئ رحمته ومن على جميع خلقه بنعمته لا يعجل بانتقامه ولا يبادر بما استحقوا من عذابه قد فهم السرائر وعلم الضمائر ولم تخف عليه المكنونات وما اشتبهت عليه الخفيات له الأحاطة بكل شئ والغية لكل شئ والقوة في كل شئ والقدرة على كل شئ لا مثله شئ وهو منشئ الشئ حين لا شئ وحين شئ قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم جل عن أن تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير لا يلحق وصفه أحد بمعانيه ولا يجد كيف هو من سر ولا علانية إلا بما دل على نفسه أشهد له بأنه الله الذي أبلى الدهر قدمه والذي يقنى الأبد نوره والذي ينفذ أمره بلا مشورة ولا معه شريك في تقدير ولا تفاوت في تقدير ولا تفاوت في تدبير صور ما ابتدع بلا مثال وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلف ولا احتيال أنشأها فكانت وبرأها فبانت وهو الذي لا إله إلا هو
[ 63 ]
المتقن الصنيع الحسن الصنعة العدل الذي لا يجور الأكرم الذي ترجع إليه الأمور أشهد أنه الله الذي تواضع كل شئ لعظمته وذل كل شئ لعزته واستسلم كل شئ لقدرته وخضع كل شئ لهيبته ملك الأملاك وسخر الشمس والقمر في الأفلاك كل
يجري لأجل مسمى يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل يطلبه حثيثا قاصم كل جبار عنيد وكل شيطان مريد لم يكن له ضد ولا معه ند أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد إلها وربا ماجدا يشاء فيمضي ويريد فيقضي ويعلم فيحصي ويميت ويحيي ويفقر ويغني ويضحك ويبكي وبدبر فيقضي ويمنع ويعطي (له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) مستجيب العطاء جزيل العطاء محصي الانفاس رب الجنة والناس الذي لا يشكل عليه لغة ولا يضجره المستصرخون ولا يبرمه الحاح الملحين عليه العاصم للصالحين والموفق للمتقين مولى المؤمنين رب العالمين الذي استحق من كل خلق أن يشكره ويحمده على كل حال أحمده وأشكره على السراء والضراء والشدة والرخاء واؤمن به وبملائكته وكتبه ورسله فاسمعوا واطيعوا الأمر وبادروا الى مرضاته وسلموا لما قضاه رغبة في طاعته وخوفا من عقوبته لأنه الله الذي لا يؤمن مكره ولا يخاف جوره أقر له على نفسي بالعبودية واشهد له بالربوبية واؤدي ما اوحى الي به خوفا وحذرا من أن تحل بي قارعة لا يدفعها عني أحد وان عظمت منته وصفت خلته لأنه لا إله إلا هو قد أعلمني إن لم ابلغ ما انزل الي فما بلغت رسالته قد تضمن لي العصمة وهو الله الكافي الكريم واوحى الي: بسم الله الرحمن الرحيم " يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك " - الآية، معاشر الناس ما قصرت عن تبليغ ما انزله وانا مبين هذه الآية أن جبرئيل هبط الي مرارا ثلاثا يأمرني عن السلام ربي وهو السلام أن أقوم في هذا المشهد واعلم كل ابيض واحمر وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والامام من بعدي الذي محله مني محل هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وليكم بعد الله ورسوله وقد انزل الله علي بذلك آية (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وعلي بن أبي طالب الذي أقام الصلاة وآتى
[ 64 ]
الزكاة وهو راكع يريد الله عز وجل في كل حال وسألت جبرئيل أن يستغفر لي من تبليغ ذلك اليكم أيها الناس لعلمي بقلة المتقين وكثرة المنافقين وادغال الآثمين وختل المستهزئين الذين وصفهم الله في كتابه: " بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم "، لكثرة أذاهم لي غير مرة حتى سموني اذنا وزعموا أنه لكثرة ملازمته أياي واقبالي عليه حتى انزل الله في ذلك: (الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن) فقال قل على الذين يزعمون أنه اذن خير لكم الى آخر الآية، ولو شئت اسمي القائلين بأسمائهم لسميت وأومأت إليهم بأعيانهم ولو شئت أن ادل عليهم لدللت ولكني في أمرهم قد تكرمت وكل ذلك لا يرضى الله مني إلا أن أبلغ ما انزل الي فقال (يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك في علي وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) - الآية، فافهموا معاشر الناس وافهموا واعلموا أن الله قد نصب لكم وليا وإماما مفترضة طاعته على المهاجرين والأنصار وعلى التابعين وعلى البادي والحاضر والأعجمي والعربي والحر والمملوك والصغير والكبير وعلى الأبيض والأسود وعلى كل موحد ماض حكمه جايز قوله نافذ أمره ملعون من خالفه مرحوم من صدقه قد غفر الله لمن سمع له وأطاع، معاشر الناس انه آخر مقام أقومه في هذا المشهد فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمر ربكم فإان الله عز وجل هو مولاكم وإلهكم ثم من دونه رسولكم محمد وليكم القائم المخاطب ثم من بعدي علي وليكم وإمامكم بأمر الله ربكم ثم الأئمة الذين من صلبه إلى يوم يلقون الله ورسوله لا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرم الله، علمني الحلال والحرام وأنا أفضيب مما علمني ربي من كتابه وحلاله وحرامه إليه، معاشر الناس ما من علم إلا وقد أحصاه الله في وكل علم علمت فقد أحصيته في إمام المتقين، ما من علم إلا علمته عليا وهو الإمام المبين، معاشر الناس لا تضلوا عنه ولا تفرقوا عنه ولا تستنكفوا من ولايته فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه ولا تأخذه في الله لومة لائم وهو أول من آمن
بالله ورسوله والذي فدى رسول الله بنفسه والذي كان مع رسول الله ولا أحد يعبد الله مع رسوله من الرجال غيره، معاشر الناس فضلوه فقد فضله الله واقبلوه فقد
[ 65 ]
نصبه الله، معاشر الناس أنه إمام من الله ولن يتوب الله على من أنكر ولايته ولن يغفر الله له حتما على الله أن يفعل ذلك بمن خالف أمره فيه وأن يعذبه عذابا نكرا أبد الآباد ودهر الدهور فأحذروا أن تخالفوني فتصلوا نارا وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين، أيها الناس هي والله بشرى من الأولين من النبيين والمرسلين فجميع المرسلين إليهم من العالم من أهل السماوات والأرضين فمن شك في ذلك فهو كافر كفر الجاهلية الأولى ومن شك في قولي هذا فقد شك في الكل منه والشاك في ذلك فله النار، معاشر الناس حباني الله بهذه الفضيلة بمنه علي وإحسانه منه الي ولا إله إلا هو له الحمد مني أبد الآباد ودهر الدهور على كل حال، معاشر الناس فضلوا عليا فأنه أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى، بنا أنزل الله الرزق وبقى الخلق، ملعون ملعون مغضوب مغضوب على من رد قولي هذا عن جبرئيل عن الله فلتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله أن تخالفوا أن الله خبير بما تعملون، معاشر الناس تدبروا القرآن وأفهموا آياته ومحكماته ولا تتبعوا متشابهه فو الله لهو مبين لكم نورا واحدا ولا يوضح لكم تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده ومصعده إلي وشائل بعضده ومعلمكم أن من كنت مولاه فهذا مولاه وهو علي بن أبي طالب أخي ووصيي وموالاته من الله تعالى أنزلها علي، معاشر الناس أن عليا والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر والقرآن الثقل الاكبر وكل واحد منهما مبين عن صاحبه موافق له لن يفترقا حتى يردا علي الحوض بأمر الله في خلقه وبحكمه في أرضه وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، ألا أن الله عز وجل قال وأنا قلت عن الله، ألا أنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا ولا نحل إمرة المؤمنين لأحد غيره، ثم ضرب بيده الى عضد علي (ع)
فرفعه فكان أمير المؤمنين منذ أول ما صعد رسول الله (ص) قد شال عليا حتى صارت رجليه مع رقبة رسول الله ثم قال: معاشر الناس هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على امتي وعلى تفسير كتاب الله عز وجل والداعي إليه والمعامل بما يرضيه والمحارب لأعدائه والموالي على طاعته والناهي عن معصيته، خليفة رسول الله وأمير المؤمنين والامام الهادي بأمر الله، أقول ما يبدل القول لديه بأمر ربي
[ 66 ]
أقول: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه والعن من أنكره واغضب على من جحده اللهم أنك أنت أنزلت الأمامة لعلي وليك عند تبيين ذلك بتفضيلك إياه بما أكملت لعبادك من دينهم وأنعمت عليهم بنعتك ورضيت لهم الأسلام دينا فقلت: " ومن يتبع غير الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " اللهم أني اشهدك أني قد بلغت، معاشر الناس إنما اكمل الله عز وجل دينكم بامامته فمن لم يأتم به ويمن كان من ولدي من صلبة الى يوم القيامة والعرض على الله تعالى " فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم فيها خالدون، ولا تخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون "، معاشر الناس هذا أنصركم لي وأحق الناس بي والله عز وجل وإنا عنه راضيان وما نزلت آية رضا إلا فيه وما خاطب الله الذين آمنوا إلا بدأ به ولا نزلت آية مدح في القرآن إلا فيه ولا شهد الله بالجنة في هل اتى على الانسان إلا له ولا أنزلها في سواه ولا مدح بها غيره، معاشر الناس هو ناصر دين الله والمجادل عن رسول الله وهو التقي النقي الهادي المهدي نبيكم خير نبي ووصيكم خير وصي، معاشر الناس ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب علي، معاشر الناس أن إبليس أخرج آدم من الجنة بالحسد فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم فأن آدم هبط إلى الأرض بخطيئة واحدة وهو صفوة الله فكيف أنتم وان زللتم وأنتم عباد الله ما يبغض عليا إلا شقي ولا يتولى عليا إلا تقي ولا يؤمن به إلا مؤمن مخلص في علي والله سورة والعصر بسم الله الرحمن الرحيم
(والعصر إن الأنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، معاشر الناس قد أشهدت الله وبلغتكم الرسالة وما على الرسول إلا البلاغ المبين، معاشر الناس " اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، معاشر الناس آمنوا بالله ورسوله بالنور الذي انزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردها على اعقابها، معاشر الناس النور من الله عز وجل في ثم مسلوك في علي ثم في النسل منه الى القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله وبحق كل مؤمن لأن الله عز وجل قد جعلنا حجة على المقصرين والغادرين والمخالفين والخائبين والآثمين والظالمين من جميع العالمين معاشر الناس: " أني رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مت أو قتلت أنقلبتم على اعقابكم
[ 67 ]
وإن تنقلبوا فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين الصابرين، ألا أن عليا الموصوف بالصبر والشكر امام بعدي ثم من بعده ولدي من صلبه، معاشر الناس لا تمنوا على الله بأسلامكم فيسخط الله عليكم فيصيبكم بعذاب من عنده ان ربك لبالمرصاد، معاشر الناس سيكون من بعدي أئمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون، معاشر الناس أن الله وأنا بريئان منهم، معاشر الناس أنهم وأنصارهم وأشياعهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار ولبئس مثوى المتكبرين، معاشر الناس أني ادعهما أمانة ووراثة في عقبي الى يوم القيامة وقد بلغت ما بلغت حجة على كل حاضر وغائب وعلى كل أحد ممن شهدا ولم يولد فليبلغ منكم الغائب والوالد الولد الى يوم القيامة وسيجعلوها ملكا واغتصابا (سنفرغ لكم أيها الثقلان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران)، معاشر الناس ان الله عز وجل لم يكن يذركم على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب، معاشر الناس أنه مامن قرية إلا والله مهلكها بتكذيبها وكذلك مهلك القرى وهي ظالمة كما ذكر الله عز وجل وهذا أمامكم ووليكم وهو مواعد والله يصدق وعده، معاشر الناس قد ضل قبلكم أكثر الأولين
والله فقد أهلك الأولين وكذلك الآخرين، معاشر الناس أن الله قد أمرني ونهاني وقد أمرت عليا ونهيته وعليه الأمر والنهي من ربه عز وجل فاسمعوا لأمره وانتهوا لنهيه وصيروا الى مراده ولا يتفرق بكم السبل عن سبيله أنا صراط المستقيم الذي آمركم باتباعه ثم علي من بعدي ثم ولدي من صلبه أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون ثم قرأ (ص): الحمد لله. الى آخرها، وقال في نزلت وفيهم نزلت ولهم عمت وإياهم خصت وعمت أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ألا ان حزب الله هم الغالبون، ألا إن أعدائهم أهل الشقاق العادون واخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا ألا أن أوليائهم الذين ذكرهم الله في كتابه المؤمنون فقال: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " - الى آخر الآية. ألا ان أوليائهم الذين وصفهم جل وعز " ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الأمن وهم مهتدون ". ألا ان اوليائهم الذين آمنوا ولم
[ 68 ]
يرتابوا، ألا ان اولياءهم الذين قال الله عز وجل: " يدخلون الجنة بغير حساب "، ألا ان اعداءهم يصلون سعيرا، ألا ان اعداءهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا وهي تفور ولها زفير كلما دخلت امة لعنت اختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا - الآية، ألا ان اعدائهم الذين قال الله عز وجل: " كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا " - الآية، ألا ان اولياءهم الذين يخشون ربهم لهم مغفرة واجر كبير، معاشر الناس انني نبي وعلي وصي، أن خاتمة الأئمة منا القائم المهدي، ألا أنه الظاهر على الدين، ألا أنه المنتقم من الظالمين. ألا أنه فاتح الحصون وهادمها، ألا وأنه فاتح كل قبيلة من الشرك، ألا أنه مدرك بكل ثار لأولياء الله عز وجل، ألا أنه الناصر لدين الله، ألا أنه الغراف من بحر عميق، ألا أنه يسم كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله، ألا أنه خيرة الله ومختاره، ألا أنه وارث كل علم والمحيط
بكل فهم، ألا أنه المخبر عن ربه والمشبه لأمر ايمانه، ألا انه الرشيد، ألا أنه المفوض إليه، ألا أنه الباقي حجة ولا حجة بعده ولا حق إلا معه ولا نور إلا عنده، ألا انه لا غالب له ولا منصور عليه، ألا أنه ولى الله في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في سره وعلانيته، معاشر الناس قد بينت لكم وافهمتكم وهذا علي يفهمكم بعدي، ألا وان عند انقضاء خطبتي ادعوكم الى مصافقتي على بيعته والاقرار به ثم مصافقته بعد يدي ألا أني قد بايعت الله وعلي قد بايعني وانا آخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل فمن نكث فانما ينكث على نفسه - الآية. معاشر الناس ان الحج والعمرة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر - الآية، معاشر الناس حجوا البيت فما ورده أهل بيت إلا نموا وانسالوا ولا تخلفوا عنه إلا اهتزوا وافترقوا، معاشر الناس ما وقف بالموقف مؤمن إلا غفر الله له ما سلف من ذنبه الى وقت ذلك فإذا انقضت حجته استونف علمه، معاشر الناس الحجاج معانون ونفقاتهم مخلفة والله لا يضيع أجر المحسنين، معاشر الناس حجوا بكمال الدين والنفقة ولا تنصرفوا عن المشاهد إلا بمؤنة واقلاع، معاشر الناس اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما أمركم الله فان طال عليكم الامد فقصرتم أو نسيتم فعلي وليكم ومبين لكم ما لا تعلمون " ألا أن الحلال والحرام اكثر من أن
[ 69 ]
احصيهما واعرفهما فأمر بالحلال وانهى عن الحرام في مقام واحد وأمرت أن أتخذ البيعة عليكم والصفة لكم بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأئمة من بعده الذين هم مني ومنه امة قائمة فيهم خاتمها المهدي الى يوم القيامة الذي يقضي بالحق، معاشر الناس فكل حلال دللتكم عليه أو حرام نهيتكم عنه فأني لم ارجع عن ذلك ولم ابدل، ألا فأذكروا ذلك واحفظوا وتواصوا به ولا تبدلوه، ألا وأني اجدد القول، ألا فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وآمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ألا وان رأس الامر بالمعروف ان تنتهوا الى قولي وتبلغوه من لم يحضر وتأمروه
بقبوله وتنهوه عن مخالفته فأنه أمر من الله عز وجل ومني، معاشر الناس القرآن يعرفكم أن الأئمة من بعده ولده وعرفتكم انهم مني ومنه حيث يقول الله عز وجل: " وجعلها كلمة باقية في عقبه " ولن تضلوا ما تمسكتم بهما " معاشر الناس التقوى التقوى واحذروا الساعة كما قال الله عز وجل: " ان زلزلة الساعة شئ عظيم " واذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين يدي رب العالمين والثواب والعقاب فمن جاء بالحسنة أفلح فله عشر مثلها " ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فمن جاء بالسيئة فليس له في الجنان من نصيب، معاشر الناس أنكم اكثر من أن تصافحوني بكف واحد وامرني الله عز وجل ان آخذ من السنتكم الاقرار بما عقد لعلي أمير المؤمنين ومن جاء بعده من الأئمة مني ومنه على ما أعلمتكم ان ذريتي من صلبه فقولوا بأجمعكم انا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغته عن أمر ربي وأمر علي أمير المؤمنين وولده من صلبه من الأئمة على ذلك قلوبنا وانفسنا والسنتنا وأبداننا، على ذلك نحيا ونموت ونبعث لا نغير ولا نبدل ولا نشك ولا نرتاب ولا نرجع عن عهد ولا ميثاق ونعطي الله ونعطيك وعليا أمير المؤمنين وولده الأئمة الذين لهم ذكر من صلبه منن الحسنين يعني الحسن والحسين الذين قد عرفتكم مكانهما مني ومحلهما عندي ومنزلتهما من ربي عز وجل فقد أديت ذلك اليكم وانهما لسيدا شباب أهل الجنة وانهما لامامان بعد أبيهما علي وانا أبوهما قبله فقولوا اعطينا الله بذلك وأنت وعليا والحسن والحسين والأئمة الذين ذكرت عهدا وميثاقا مأخوذا لأمير المؤمنين من قلوبنا وانفسنا والسنتنا ومصافقة
[ 70 ]
أيدينا من أدركها بيده وأقر بهما بلسانه لا ينبغي بدلا ولا يرى الله عز وجل منهما حولا ابدا اشهدنا الله وكفى به شهيدا وأنت به علينا شهيد وكل من استطاع ممن ظهر واستتر وملائكة الله وجنوده وعبيده والله اكبر من كل شهيد، معاشر الناس ما تقولون فأن الله يعلم كل صوت وخافية كل نفس فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فأنما
يضل عليها ومن بايع فأنما يبايع الله يد الله فوق ايديهم، معاشر الناس فاتقوا الله وبايعوا عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة كلمة باقية يهلك الله من غدر ويرحم من وفى " ومن نكث فأنما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما "، معاشر الناس قولوا الذي قلت لكم وسلموا على علي بامرة المؤمنين وقولوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير، وقولوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله، معاشر الناس ان فضائل علي بن أبي طالب عند الله عز وجل وقد انزلها في القرآن اكثر من احصيها في مقام واحد فمن انبأكم بها فصدقوه، معاشر الناس من يطع الله عز وجل ورسوله وعليا والأئمة الذين ذكرتهم فقد فاز فوزا مبينا عظيما، معاشر الناس السابقون السابقون الي مبايعته وموالاته والسلام عليه بأمرة المؤمنين اولئك الفائزون في جنات النعيم، معاشر الناس قولوا ما يرضي الله عنكم من القول فان تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فلن يضر الله شيئا اللهم اغفر للمؤمنين واعطب الكافرين والحمد لله رب العالمين، فناداه القوم، نعم سمعنا واطعنا على امر الله ورسوله بقلوبنا والسنتنا وايدينا وتداكوا على رسول الله وعلي (ع) بأيديهم، فكان اول من صافق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأول وثانيه وثالثه ورابعه وخامسه وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس على قدر منازلهم الى ان صليت العشاء والعتمة في وقت واحد وواصلوا البيعة والمعانقة ثلاثا ورسول الله (ص) يقول كلما بايع قوم: الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين وعن أبي سعيد الخدري لما صدر النبي (ص) من حجة الوداع نزل بغدير خم وأمر بالصلاة جامعة ثم أمر ان يرتب له منبرا من حدوج الأباعر فصعده (ص) وقال: يا أيها الناس أني مسؤل وانكم مسؤلون فبما أنتم قائلون قالوا نشهد انك قد بلغت ونصحت
[ 71 ]
وجاهدت فجزاك الله خيرا، فقال أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وان محمدا عبده
ورسوله وان جنته حق وناره حق والبعث بعد الموت حق، قالوا بلى نشهد بذلك قال اللهم اشهد، ثم قال ايها الناس ان الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم قالوا اللهم بلى، فقال اللهم اشهد حتى قالها ثلاثا ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، ثم قال: أني فرطكم وأنكم واردون علي الحوض حوض ما بين بصرى الى صنعا فيه عدد النجوم قد حان من فضة وأني سائلكم حين تردون علي الحوض عن الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فاستمسكوا بهما ولا تضلوا وأنه نبأني اللطيف الخبير انهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ثم نزل عن المنبر وقال: ايها الناس هنئوني بابن عمي وسلموا عليه بامرة المؤمنين، فأقبل الأصحاب يسلمون عليه الف وثلاثمائة رجل وأقبل عمر بن الخطاب يسلم عليه فقال بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنه وعن حذيفة بن اليمان رحمه الله في خبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة قال: ان الله عز وجل أمر رسوله (ص) في سنة عشر من مهاجرته من مكة الى المدينة أن يحج هو ويحج الناس معه فأوحى إليه بذلك: " وأذن بالناس في الحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤذنين فأذنوا في أهل السافلة والعالية: ألا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد عزم على الحج في عامه هذا ليفهم الناس حجهم ويعلمهم مناسكهم فيكون سنة لهم الى آخر الدهر، قال فلم يبق أحد ممن دخل في الاسلام إلا حج مع رسول الله (ص) لسنة عشر ليشهوا منافع لهم ويعلمهم حجهم ويعرفهم مناسكهم، وخرج رسول الله (ص) بالناس وخرج بنسائه معه وهي حجة الوداع فلما استتم حجهم وقضوا مناسكهم وعرف الناس جميع ما احتاجوا إليه وأعلمهم أنه قد أقام ملة إبراهيم (ع) وقد ازال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده ورد الحج الى حالته الأولى ودخل مكة فأقام بها يوما واحدا فهبط عليه جبرئيل الأمين فقال يا محمد اقرأ من رب العالمين: " بسم الله الرحمن الرحيم
الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من
[ 72 ]
قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون "، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا جبرئيل وما هذه الفتنة فقال يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول لك: أني ما أرسلت نبيا قبلك إلا أمرته عند انقضاء أجله ان يستخلف على امته من بعده من يقوم مقامه ويحيي سنته واحكامه فالمطيعون لله فيما يأمرهم به رسول الله هم الصادقون " والمخالفون على أمره هم الكاذبون وقد دنى يا محمد مصيرك الى ربك وجنته وهو يأمرك أن تنصب لأمتك من بعدك علي ابن أبي طالب وتعهد إليه فهو الخليفة القائم برعيتك وامتك إن اطاعوه وأن عصوه وسيفعلون ذلك وهي الفتنة التي تلوت عليها الآى فيها وأن الله عز وجل يأمرك ان تعلمه جميع ما علمك وتستحفظه جميع ما استحفظك واستودعك فأنه الأمين المؤتمن، يا محمد أني اخترتك من عبادي نبيا وأخترته لك وصيا " قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا (ع) فخلى به يومه وليلته واستودعه العلم والحكمة التي آتاه إياها وعرفه ما قال جبرئيل (ع) وكان ذلك في يوم عايشة بنت أبي بكر فقالت يا رسول الله: لقد طال استخلاؤك بعلي منذ اليوم، قال فأعرض عنها رسول الله (ص) فقالت لم تعرض عني يا رسول الله بأمر لعله يكون لي صلاحا، فقال (ص): صدقت وايم والله أنه لأمر صلاح لمن اسعده الله بقبوله والأيمان به وقد امرت بدعاء الناس جميعا إليه وستعلمين ذلك إذا قمت به في الناس، قالت يا رسول الله ولم لا تخبرني به الآن لأتقدم بالعمل ولآخذ بما فيه الصلاح، قال سأخبرك به فأحفظيه الى أن اؤمر بالقيام في الناس جميعا فأنك أن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعا وكان لك الفضيلة بسبقه والمسارعة الى الأيمان بالله ورسوله ولو ضيعته وتركتيه رعاية ما القى اليك منه كفرت بربك وحبط أجرك وبرئت منك ذمة الله وذمة رسوله وكنت من الخاسرين ولم يضر الله ذلك ولا رسوله
فضمنت له حفظه والأيمان به ورعايته، فقال (ص) أن الله تعالى أخبرني أن عمري قد انقضى وأمرني أن انصب عليا للناس علما وأجعله إماما فأستخلفه كما أستخلف الأنبياء من قبلي أوصياءها وأنا صائر الى أمر ربي وآخذ فيه بأمره فليكن هذا الأمر منك تحت سويداء قلبك الى أن يأذن الله بالقيام به فضمنت له ذلك واطلع الله نبيه على ما
[ 73 ]
يكون منها فيه ومن صاحبتها حفصة وأبويهما فلم تلبث أن أخبرت حفصة وأخبرت كل واحدة منهما أبويهما فاجتمعا فأرسلا الى جماعة الطلقاء والمنافقين فخبراهم بالأمر فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: ان محمد يريد أن يجعل هذا الأمر في أهل بيته كسنة كسرى وقيصر الى آخر الدهر ولا والله ما لكم في الحياة من حظ أن افضى هذا الأمر الى علي ابن أبي طالب وأن محمدا عاملكم على ظاهركم وأن عليا يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم فأحسنوا النظر لأنفسكم في ذلك وقدموا آراءكم فيه ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأجالوا الرأي فأتفقوا على أن ينفروا بالنبي ناقته على العقبة فتحالفوا وتعاقدوا على ذلك وكان من عزم رسول الله أن يقيم عليا (ع) وينصبه للناس بالمدينة إذا قدم فسار رسول الله يومين وليلتين فلما كان اليوم الثالث أتاه جبرئيل بآخر سورة الحجر فقال اقرأ: " ولنسألنهم أجمعين عما كانوا يفعلون، فأصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين " قال ورحل رسول الله (ص) وأعد السير مسرعا على دخول المدينة لينصبه (ع) علما للناس فلما كانت الليلة الرابعة هبط جبرئيل في آخر الليل فقرأ عليه: " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين " وهم الذين هموا برسول الله فقال (ص) أخي جبرئيل أعد السير مجدا فيه لأدخل المدينة فأعرض ولايته على الشاهد والغائب فقال له جبرئيل ان الله يأمرك أن تعرض ولاية علي غدا إذا نزلت منزلك فقال (ص) نعم يا جبرئيل غدا أفعل ان شاء الله تعالى وأمر
رسول الله (ص) بالرحيل من وقته وسار الناس معه حتى نزل بغدير خم وصلى بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه ودعا عليا " ع " ورفع رسول الله (ص) يد علي اليسرى بيده ورفع صوته بالولاء لعلي على الناس أجمعين وفرض طاعته عليهم وأمرهم أن يختلفوا عليه وخبرهم أن ذلك عن أمر الله عز وجل وقال لهم: ألست اولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلى يا رسول الله فقال صلى الله عليه وآله وسلم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره واخذل من خذله ثم أمر الناس أن يبايعوه، فبايعه الناس جميعا ولم يتكلم منهم أحد وقد كان أبو بكر وعمر تقدما الى الجحفة فبعث
[ 74 ]
وردهما ثم قال لهما النبي (ص) متجهما لهما يابن أبي قحافة ويا عمر بايعا عليا بالولاية من بعدي فقالا: أمر من الله ومن رسوله فقال (ص) وهل يكون مثل هذا من غير أمر الله ورسوله نعم أمر من الله ومن رسوله، فبايعا عليا ثم أنصرفا، وسار رسول الله باقي يومه وليلته حتى إذا دنوا من العقبة تقدمه القوم فتواروا في ثنية العقبة وقد حملوا معهم دبابا وطرحوا فيها الحصى، قال حذيفة فأمرني رسول الله أن اقود ناقته وعمار يسوقها حتى إذا صرنا في رأس العقبة ثار القوم من ورائنا ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة فذعرت وكادت ان تنفر برسول الله (ص) فصاح بها النبي: ان اسكني وليس عليك بأس فأنطقها الله تعالى بلسان عربي فصيح فقالت: والله يا رسول الله ما أزلت يدا عن مستقر يد ولا رجلا عن موضع رجل وأنت على ظهري، فتقدم القوم ليدفعوا الناقة فأقبلت انا وعمار فضرب وجوههم بأسيافنا وكانت ليلة مظلمة فولوا هاربين فقلت فقلت يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون ما ترى فقال يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخره فقلت ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطا فيأتون برؤوسهم فقال إن الله أمرني أن أعرض عنهم وكره أن يقول الناس دعا أناسا إلى دينه فاستجابوا له فقاتل بهم حتى ظهر على عدوه ثم أقبل
عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فإن الله لهم بالمرصاد وسيمهلهم قليلا ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ وسماهم لي وقد كان فيهم أناس أكره أن يكون منهم فأمسكت عن ذلك فقال (ص): كأنك شاك يا حذيفة في بعض من سميت إرفع رأسك إليهم فرفعت طرفي إلى القوم وهم وقوف على الثنية فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا وثبتت البرقة حتى خلتها الشمس الطالعة فنظرت إلى القوم وإذا هم كما قال رسول الله (ص) أربعة عشر رجلا تسعة من قريش وخمسة من سائر الناس وهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان وعمر بن العاص هؤلاء من قريش وأما الخمسة الأخر فأبو موسى الأشعري والمغيرة ابن شعبة الثقفي واوس بن الحدثان البصري وأبو هريرة وأبو طلحة الأنصاري، قال حذيفة فانحدرنا من العقبة وقد طلع الفجر فنزل رسول الله وتوضأ وانتظر أصحابه
[ 75 ]
حتى انحدروا من العقبة واجتمعوا فرأيت القوم بأجمعهم وقد دخلوا مع الناس وصلوا خلف رسول الله فلما انصرف من صلاته نظر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتناجون فأمر مناديا ونادى في الناس لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون فيما بينهم بسر، وارتحل رسول الله (ص) من منزل العقبة فلما نزل المنزل الآخر رأى سالم مولى أبي حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة يسار بعضهم بعضا فوقف عليهم وقال: أليس قد أمر رسول الله أن لا يجتمع ثلاثة من الناس على سر والله لتخبروني عما أنتم عليه وإلا أتيت رسول الله حتى أخبره بذلك منكم فقال أبو بكر يا سالم عليك عهد الله وميثاقه لئن نحن خبرناك بالذي نحن فيه فإن أحببت أن تكون معنا دخلت وإلا كتمت فقال سالم لكم ذلك قال حذيفة وكان سالم شديد البغض لعلي وعرفوا ذلك منه فقالوا له إنا قد اجتمعنا على أن نتحالف ونتعاقد على أن لا نطيع محمدا فيما فرض علينا من ولاية علي بن أبي طالب بعده فقال عليكم عهد الله وميثاقه في هذا كنتم تخوضون
قالوا نعم، فقال أنا والله أول من يعاقدكم على هذا الأمر ولا يخالفكم عليه إنه والله ما طلعت شمس على أهل بيت أبغض إلي من بني هاشم ولا في بني هاشم أبغض ألي من على بن أبي طالب فأصنعوا في هذا الأمر ما بدي لكم فإني واحد منكم، فتعاقدوا من وقتهم على هذا الأمر، فلما أراد رسول الله (ص) المسير أتوه فقال لهم فيم كنتم تتناجون في يومكم هذا وقد نهيتكم عن النجوى فقالوا ما التقينا غير وقتنا هذا فنظر إليهم مليا ثم قال لهم: " أنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون " ثم سار حتى دخل المدينة واجتمع القوم جميعا وكتبوا بينهم صحيفة وكان أول ما فيها النكث لولاية علي وأن الأمر لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم ليس بخارج وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلا، قال حذيفة حدثتني أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر أن القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر وكتب سعيد بن العاص الصحيفة: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اتفق عليه الملأ من أصحاب محمد رسول الله من المهاجرين والأنصار وكتبوا هذه الصحيفة نظرا منهم إلى الإسلام وأهله ليقتدي بهم من يأتي بعدهم من المسلمين: أما بعد فإن الله بعث محمدا رسولا إلى الناس كافة
[ 76 ]
حتى إذا أكمل الدين قبضه الله إليه من غير أن يستخلف أحدا من بعده والإختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم من وثقوا برأيه وأن للمسلمين بنبيهم أسوة حسنة وهو لم يستخلف أحدا لئلا يجري ذلك في أهل بيت واحد إرثا دون المسلمين ولئلا يقول المستخلف أن هذا الأمر باق في عقبه من ولد إلى ولد والذي يجب على المسلمين عند مضي خليفة من الخلفاء أن يجتمع ذوي الرأي والصلاح منهم فيشاورا في أمورهم فمن رأؤه مستحقا ولوه فإن ادعى مدع أن رسول الله استخلف رجلا بعينه ونص عليه باسمه ونسبه فقد أبطل في قوله وخالف جماعة المسلمين وإن قال أن خلافته إرث فقد أحال في قوله لأن رسول الله قال نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة وإن قال أنها
لا تصلح إلا لرجل واحد لأنها تتلو النبوة فقد كذب لأنه قال (ص) أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم إهتديتم، وإن قال أنه مستحق لها بقربة من رسول الله فليس له لأن الله يقول: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وقد قال رسول الله: من جاء إلى أمتي وهم جمع ففرق بينهم فاقتلوه ولا تجتمع أمتي على ظلال أبدا، وان المسلمين يد واحدة على من سواهم فإنه لا يخرج عن جماعة المسلمين إلا مفارق معاند لهم ومظاهر عليهم أعداءهم وقد أباح الله ورسوله دمه وأحل قتله، وكتب سعيد بن العاص باتفاق من أثبت اسمه وشهادته آخر الصحيفة في محرم سنة عشر من الهجرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وسلم، قال ثم دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح فوجه بها إلى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أن ولي الأمر عمر فاستخرجها من موضعها وهي الصحيفة التي قال أمير المؤمنين عند موت عمر: ما أحب إلي أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى، قال حذيفة ثم انصرفوا وصلى رسول الله (ص) بالناس صلاة الفجر ثم التفت إلى أبي عبيدة بن الجراح فقال (ص): بخ بخ من مثلك لقد أصبحت أمين هذه الأمة وتلى صلى الله عليه وآله: " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " لقد أشبه هؤلاء في هذه الأمة هؤلاء ليستخفوا من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا، ثم قال أصبح
[ 77 ]
في هذه الآية في يومي هذا قوم شابهوهم في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية وعلقوها في الكعبة وأن الله يعذبهم عذابا ليبتليهم ويبتلي من بعدهم تفرقة بين الخبيث والطيب ولو لا أنه أمرني بالاعراض للأمر الذي هو بالغه لضربت أعناقهم، قال فوالله لقد رأيناهم أحذتهم الرعدة ولم يبق أحد إلا علم أنه (ص) إياهم عنى ولهم تلى الأمثال.
المجلس الثالث (في علمه وقضائه وزهده وعبادته وتقواه وحلمه وشفقته وكرمه) (واستجابة دعوته وفيه ثلاثة أبواب): الباب الأول في عزارة علمه، وأنه أقضى الأصحاب، وفيه فصلان: الفصل الأول في غزارة علمه وقد سبقت الأشارة الى ذلك من شهادة النبي والأصحاب في فصل من فصول المقدمة وهذا معقود لذلك، وروى الخوارزمي في كتابه بالإسناد الى عباد بن عبد الله عن سلمان عن رسول الله (ص) أنه قال: أعلم امتي من بعدي علي بن أبي طالب، وفيه بالإسناد الى أمير المؤمنين (ع) قال قلت يا رسول الله أوصني فقال صلى الله عليه وآله وسلم: قل ربي الله واستقم، فقلتها وزدت. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب فقال ليهنك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شربا ونهلت نهلا، وروى الديلمي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل، بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم، وعن
[ 78 ]
ابن عباس انه قال: ما علمي وعلم أصحاب محمد في جنب علم علي بن أبي طالب إلا كقطرة في جنب سبعة أبحر، وفي تفسير الصافي عنه (ع) أني لأعلم ما في السماوات والأرض واعلم ما في الجنة والنار وأعلم ما كان وما يكون ثم سكت هنيئة ورأى أن ذلك كبير على من سمعه فقال (ع): علمت ذلك من كتاب الله يقول فيه تبيان كل شئ. وروى أنه عليه السلام قال يوما على المنبر: سلوني عن طرق السماوات فأني أعلم بها من طرق الأرض فقام إليه رجل فقال إن كنت صادقا فأخبرني أين جبرئيل هذه
الساعة فنظر مليا ثم نظر الى الأرض مليا شرقا وغربا بعدا وقربا ثم أقبل على القائل وقال (ع) قد جلت السماء عما سألت وكذلك الأرض وليس في الدائرة إلا أن تكون أنت جبرئيل فغاب عنهم وهو يقول: لله درك يا بن أبي طالب أنك لصادق غير كاذب. خبر اليهود: روى ان يهوديا دخل المسجد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عن وصية فأشاروا الى أبي بكر فدخل عليه وقال أني اريد أسألك عن اشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي اخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه إلا الله فقال أبو بكر هذه مسائل الزنادقة أو في السماء والأرض شئ ليس لله، وهم به مسلمون، وكان ابن عباس حاضرا فقال ما انصفتم الرجل فقال أبو بكر أو ما سمعت ما تكلم به فقال ابن عباس إن كان عندكم جوابه فأجيبوه وإلا فأذهبوا به الى من يجيبه فأني سمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه، قال فقام أبو بكر ومن حضر من المهاجرين والأنصار حتى أتوا عليا (ع) فأستأذنوا عليه ودخلوا فقال أبو بكر يا أبا الحسن أن هذا اليهودي سألني عن مسائل الزنادقة، فقال علي (ع) لليهودي ما تقول يا يهودي ؟ قال أني أسألك عن اشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي فقال علي: سل يا يهودي فأنبئك به، قال أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه إلا الله، فقال عليه السلام: أما قولك اخبرني عما ليس لله فليس لله شريك، وأما قولك عما ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد وأما قولك عما لا يعلمه الله فذلك قولكم: عزير بن الله والله لا يعلم أن له ولدا، فقال
[ 79 ]
اليهودي: أشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصيه، فقام أبو بكر ومن معه من المهاجرين فقبلوا رأسه (ع) وقالوا يا مفرج الكرب. خبر آخر: روى أن يوما حضر الناس عند أمير المؤمنين (ع) وهو يخطب بالكوفة وهو يقول: سلوني قبل ان تفقدوني فأني لا أسأل عن شئ دون العرش إلا اجبت
لا يقولها بعدي إلا مدع أو كذاب مفتر فقال إليه رجل من جنب مجلسه في عنقه كتاب كالمصحف فصاح رافعا صوته أيها المدعي لما لا يعلم والمتقدم لما لا يفهم أنا أسألك فأجب، قال فوثب أصحابه وشيعته من كل ناحية وهموا به فنهرهم علي (ع) وقال دعوه ولا تعجلوا فأن العجلة والبطش لا يقوم بها حجج الله ولا باعجال السائل تظهر براهين الله عز وجل، ثم التفت الى السائل وقال سل بكل لسانك ومبلغ علمك أجبك إن شاء الله بعلم لا يختلج به الشكوك ولا يهجنه دنس ريب الزيغ ولا قوة إلا بالله، قال الرجل: كم بين المشرق والمغرب ؟ قال علي: مسافة الهواء قال الرجل وما مسافة الهواء قال علي (ع) دوران الفلك، قال وما دوران الفلك قال (ع): مسيرة يوم للشمس قال صدقت، قال فمتى القيامة ؟ قال: (ع) عند حضور المنية وبلوغ الآجل، قال صدقت، قال فكم عمر الدنيا ؟ قال: سبعة لا تحديد. قال صدقت. قال فأين بكة من مكة ؟ قال (ع): مكة اكناف الحرم وبكة موضع البيت، قال صدقت. فلم سميت مكة ؟ قال لأن الله عز وجل مد الأرض من تحتها، قال صدقت. فلم سميت بكة ؟ قال: لأنها بكت رقاب الجبارين وعنوق المذنبين، قال صدقت، فأين كان الله قبل أن يخلق عرشه ؟ قال (ع): سبحان من تدركه الأبصار ولا تدرك كنة صفته حملة العرش على قرب ربواتهم من كرسي كرامته ولا الملائكة من زاخر رشحات جلاله ويحك لا يقال لله أين ولا ثم ولا فيم ولا أي ولا كيف قال صدقت. فكم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء ؟ قال أتحسن أن تحسب ؟ قال الرجل نعم، قال (ع) لعلك لا تحسن أن تحسب قال بلى أني لا أحسن أن أحسب، قال أرأيت أن صب خردل في الأرض حتى سد الهواء وما بين الأرض والسماء ثم اذن لك على ضعفك أن تنقله حبة حبة من مقدار المشرق والمغرب ومد في عمرك واعطيت القوة على
[ 80 ]
ذلك حتى تنقله كان ذلك أيسر من أن احصي عدد اعوام ما لبث عرشه على الماء من
قبل أن يخلق الأرض والسماء وانما وصفت عشر عشر العشر من جزء من مائة الف جزء واستغفر الله عن التحديد والتقليل، قال فحرك الرجل رأسه بعد ذلك وأنشأ يقول: أنت أصيل العلم يا ذا الهدى * * تجلو من الشك الغياهيبا لا تنثني عن كل اشكولة * * تبدي إذا حلت أعاجيبا لله در العلم من صاحب * * يطلب انسانا ومطلوبا خبر آخر: روى ان أعرابيا سأل أمير المؤمنين عليه السلام قال رأيت كلبا وطى شاة فأولدها ولدا فما حكم ذلك في الحل ؟ فقال اعتبره بالاكل فأن أكل لحما فهو كلب وأن أكل علفا فهو شاة، فقال الاعرابي رأيته يأكل بذا تارة وهذا تارة فقال (ع) اعتبره في الشرب فان كرع فهو شاة وان ولغ فهو كلب، فقال الاعرابي: يلغ تارة ويكرع اخرى، فقال اعتبره في المشي مع الماشية فأن تأخر عنها فهو كلب وإن تقدم أو توسط فهو شاة، فقال وجدته مرة هكذا ومرة هكذا، فقال (ع) اعتبره في الجلوس فأن برك فهو شاة وان اقعى فهو كلب، قال الاعرابي: إنه يفعل هذا مرة وهذا مرة فقال اذبحه فإن وجدت له كرشا فهو شاة وإن وجدت له أمعاء فبهت الاعرابي عند ذلك من علم أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. خبر آخر: روى ان رجلا اتي به الى عمر بن الخطاب وكان صدر منه انه قال لجماعة من الناس وقد سألوه كيف أصبحت قال أصبحت احب الفتنة واكره الحق واصدق اليهود والنصارى واؤمن بما لم أره وأقر بما لم يخلق فرفع الى عمر فأرسل عمر الى علي (ع) فلما جاءه اخبره بمقالة الرجل، قال صدق يحب الفتنة قال الله تعالى: " أنما أموالكم وأولادكم فتنة " ويكره الحق وهو الموت قال الله: (وجاءت سكرة الموت بالحق) ويصدق اليهود والنصارى قال الله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ)، ويؤمن بما لم يره يعني يؤمن بالله عز وجل ولم يره. ويقر بما لم يخلق يعني الساعة، فقال عمر: اعوذ من
معضلة لا علي لها، لولا علي لهلك عمر.
[ 81 ]
خبر فضة: روى عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلي عن النظام في كتاب الفتيا ما ذكر عمر بن داود عن مولانا الصادق عليه السلام، قال كان لفاطمة عليها السلام جارية يقال لها فضة فصارت من بعدها لعلي (ع) فزوجها من أبي ثعلبة الحبشي فأولدها ابنا ثم مات عنها أبو ثعلبة فزوجها من بعده سليك الغطفاني ثم توفى أبنها من أبي ثعلبة فامتنعت من سليك أن يقربها فأشتكاها الى عمر وذلك في أيامه فقال لها عمر: ما يشتكي منك سليك يا فضة، فقالت: أنت تحكم في ذلك وما يخفى عليك أكثر مما ظهر لديك فقال عمر: ما اجد لك رخصة. فقالت يا أبا حفص: ذهبت بك المذاهب أن ابني من غيره مات فأردت أن استبرء بحيضة فإذا أنا حضت علمت ان ابني مات ولا اخ له وان كنت حاملا علمت أن الولد في بطني أخوه، فقال عمر: شعرة من آل أبي طالب أفقه من جميع آل خطاب، وفي رواية من عدي. خبر الجاثليق: روى الديلمي في الارشاد عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) انه لما بلغ ملك الروم خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخبر أمته واختلافهم - أمر العلماء الذين في مملكته أن يختاروا من بينهم رجالا يحققوا ذلك فاختاروا مائة رجل يقدمهم جاثليق لهم قد أقرت له جميع الروم بالعلم والفضل، فقدموا المدينة ولما نزلوا عن رواحلهم سألوا عن خليفة رسول الله (ص) فدلوهم على أبي بكر فأتوا مسجد رسول الله ودخلوا على أبي بكر وهو في جماعة من قريش فيهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة ابن الجراح وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وباقي القوم فوقفوا عليه وقال زعيمهم: ارشدونا الى القايم مقام نبيكم فانا قوم من الروم على دين المسيح عيسى بن مريم قدمنا لما بلغنا من وفاة نبيكم واختلافكم نسأل عن صحة نبوته ونسترشد لديننا ونتعرض دينكم فأن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلمنا وقبلنا الرشد منكم طوعا وأجبناكم
الى ملة نبيكم وإن كان على خلاف ما جاءت به الرسل وجاء به عيسى (ع) - رجعنا الى دين المسيح فأيكم صاحب الامر بعد نبيكم ؟ فقالوا: هذا صاحب الأمر بعد نبينا وأشاروا الى أبي بكر، قال الجاثليق: هو هذا الشيخ ؟ فقالوا: نعم، فقال أيها الشيخ أنت الوصي لمحمد وأنت العالم المستغني بعلمك القائم بعد نبيك بأمر هذه الامة
[ 82 ]
قال أبو بكر لا ما أنا بوصي قال فما أنت فقال عمر: هذا خليفة رسول الله، قال النصراني: أنت خليفة رسول الله استخلفك في أمته قال أبو بكر لا، قال فما هذا الاسم الذي ابدعتموه بينكم فأنا قرأنا كتب الأنبياء فوجدنا الخلافة لا تصلح إلا لنبي من أنبياء الله عز وجل جعل آدم خليفة فرض طاعته على أهل السماء والأرض ونوره باسم داود فقال تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) فكيف تسميت بهذا الاسم ومن سماك به. أنبيك سماك به قال لا ولكن تراضوا الناس فولوني واستخلفوني فقال النصراني: أنت خليفة قومك لا خليفة نبيك وقد قلت أن نبيك لم يوص إليك وقد وجدنا في سنن الأنبياء أن الله لم يبعث نبيا إلا وله وصي يوصي إليه ويحتاج الناس كلهم الى علمه وهو مستغن بعلمه وقد زعمت أنه لم يوصي كما أوصت الأنبياء وادعيت أشياء لست أهلها وما أراكم إلا وقد دفعتم نبوة محمد وقد أبطلتم سننن الأنبياء في قومهم قال ثم التفت الجاثليق الى أصحابه فقال أن هؤلاء يقولون: أن محمدا لم يأتهم بالنبوة وانما كان أمره بالغلبة ولو كان نبيا لأوصى كما أوصت الأنبياء وخلف فيهم كما خلفت الأنبياء من الميراث والعلم فلسنا نجد عند القوم أثر ذلك ثم التفت كالأسد وقال يا شيخ ما أنت فقد أقررت بأن محمدا لم يوصي إليك ولا استخلفك وانما تراضوا الناس ولو رضي الله عز وجل لرضاء الخلق واتباعهم لهوائهم واختيارهم لأنفسهم - ما بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأتاهم الكتاب والحكمة ليبينوا للناس فقد دفعتم النبيين عن رسالاتهم فلا بد أن نحتج عليكم حتى نعرف سبيل ما تدعون إليه ونعرف
الحق فيكم بعد نبيكم أصواب ما فعلتم بايمان أم بجهل وكفر، قال فالتفت أبو بكر الى أبي عبيدة لأن يجيب فلم يحر جوابا ثم التفت الجاثليق الى أصحابه فقال بناء القوم على غير أساس ولا أرى حجة لهم افهمه، قالوا: بلى، ثم قال لأبي بكر يا شيخ أسألك قال سل قال اخبرني عني وعنك ما أنت عند الله وما أنا ؟ قال أما انا فعند نفسي مؤمن وما أدري ما انا عند الله فيما بعد، وأما أنت فعندي كافر ولا أدري ما أنت عند الله، قال الجاثليق: أما أنت فقد نسبت نفسك الكفر بعد الأيمان وجهلت مقامك في إيمانك محق أنت فيه أم مبطل وأما أنا فقد منيتني الأيمان بعد الكفر فما
[ 83 ]
أحسن حالي وأسوأ حالك عند نفسك أن تدري بما لك عند الله ثم قال يا شيخ أين مكانك الساعة من الجنة إذا ادعيت الايمان وأين مكاني من النار ؟ قال فالتفت أبو بكر الى عمر وأبي عبيدة مرة ثانية أن يجيب عنه فلم ينطق أحد منهما فقال لا أدري اين مكاني وما حالي عند الله، فقال الجاثليق: يا هذا اخبرني كيف اخترت لنفسك أن تجلس هذا المجلس وأنت محتاج الى علم غيرك، قال سلمان فلما رأيت ما نزل بالقوم من البهت نهضت لا أعقل اين أضع قدمي حتى وصلت باب أمير المؤمنين (ع) فدققت عليه الباب فخرج وهو يقول: ما دهاك يا سلمان فقلت يا مولاي هلك دين الله وأخبرته بخبر النصراني فأقبل علي معي حتى دخل على القوم وهم في أسوأ حالة من الذل فألتفت علي (ع) الى النصراني وقال يا هذا أقبل علي بوجهك وأقصدني بحجتك فعندي ما يحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون وبالله التوفيق فتحول النصراني إليه وقال انا وجدنا في كتب الأنبياء ان الله لم يبعث نبيا قط إلا وكان له وصي يقوم مقامه وقد بلغنا اختلاف عن أمة محمد في مقام نبوته وادعاء قريش على الأنصار وادعاء الأنصار على قريش فأتينا عن ملكنا نبحث عن دين محمد ونعرف سنن الأنبياء فيه فأرشدونا الى هذا الشيخ فسألناه فوجدناه فظا غليظ القلب فقال: عندي الشفاء لصدوركم والضياء لقلوبكم فأقبل علي
بوجهك وفرغ لي مسامع قلبك واحضرني ذهنك وأعي ما أقول لك: ان الله بمنه وطوله له الحمد قد صدق وعده واعز دينه ونصر محمدا عبده ورسوله وهزم الاحزاب وحده فله الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير تبارك وتعالى اختص محمدا واصطفاه وهداه وانتجبه لرسالته الى الناس كافة برحمته والى الثقلين برأفته وفرض طاعته على أهل السماء والأرض وجعله إماما لمن قبله من الرسل وخاتما لمن بعده من الخلق وورثه مواريث الأنبياء وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة واتخذه نبيا ورسولا وحبيبا وإماما ورفعه وقربه عن يمين عرشه بحيث لم يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل فأوحى الله إليه في وحيه ما كذب الفؤاد ما رأى وأنزل علاماته على الأنبياء وأخذ ميثاقهم لتؤمنن به ولتنصرنه ثم قال للأنبياء: (أقررتم على ذلك إصري قالوا اقررنا قال فأشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)، وقال: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم
[ 84 ]
بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه فأولئك هم المفلحون)، فما مضى حتى اتم الله عز وجل مقامه وأعطاه وسيلته ورفع له درجته فلن يذكر الله عز وجل إلا كان معه مقرونا وفرض دينه ووصل طاعته بطاعته فقال: (ومن يطع الله ورسوله فقد أطاع الله)، وقال: (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا)، فأبلغ عن الله عز وجل رسالته وأوضح برهان ولايته واحكم آياته وشرع شرايعه وأحكامه ودلهم على سبيل نجاتهم وباب هداه وحكمته وكذلك بشر به النبيون قبله وبشر به عيسى روح الله وكلمته إذ يقول في الانجيل: " أحمد العربي النبي الامي صاحب الجمل الأحمر والقضيب "، وأقام لأمته وصيه فيهم وعيبة علمه وموضع سره ومحكم آيات كتابه وتاليه حق تلاوته وباب حطته ووارث كتابه وخلفه مع كتاب الله فيهم وأخذ فيهم بالحجة فقال (ص): قد
(خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهما الثقلان كتاب الله الثقل الاكبر حبل ممدود من السماء الى الأرض سبب بأيديكم وسبب بيد الله عز وجل وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فلا تتقدموهم فتمرقوا ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا ولا تعلموهم فأنهم اعلم منكم، وأنا وصيه والقائم بتأويل كتابه والعارف بحلاله وحرامه وبمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وأمثاله وعبره وتصاريفه وعندي علم ما تحتاج إليه أمته من بعده وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والانساب وفصل الخطاب ومولد الاسلام ومولد الكفر وصاحب الكرات ودولة الدول فاسألني عما يكون الى يوم القيامة وعما كان على عهد عيسى منذ بعثه الله وعن كل وصي وعن كل فئة تضل مائة وتهدي مائة وعن سائقها وقائدها وناعقها الى يوم القيامة وعما كان على عهد عيسى منذ بعثه الله تعالى وكل آية نزلت في كتاب الله في ليل أم نهار وعن التوراة والانجيل والقرآن العظيم فانه صلوات الله عليه لم يكتمني شيئا من علمه ولا شيئا يحتاج إليه الامم من أهل التوراة والانجيل واصناف الملحدين واحوال المخالفين واديان المختلفين، إذ كان (ص) خاتم النبيين بعدهم وعليهم فرضت
[ 85 ]
طاعته والايمان به والنصر له تجدون ذلك مكتوبا في التوراة والانجيل والزبور وفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ولم يكن ليضيع عهد الله عز وجل في خلقه ويترك الامة تائهين بعده وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله تعالى بالرأفة والرحمة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة القسطاس وان الله عز وجل اوحى إليه كما اوحى الى نوح والنبيين من بعده وكما اوحى الى موسى وعيسى وصدق الله وبلغ رسالته وانا على ذلك من الشاهدين وقد قال تبارك وتعالى: " وكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا "، وقال: (وكفى بالله شهيد بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) قد صدقه الله واعطاه الوسيلة إليه والى الله عز وجل فقال: (يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، فنحن والله الصادقون وأنا اخوه في الدنيا والآخرة والشاهد عليهم بعده وانا وسيلته بينه وبين امته وانا وولدي ورثته وانا وهم كسفينة نوح في قومه من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وانا وهم كباب حطة في بني اسرائيل وانا منه بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده وانا الشاهد منه في الدنيا والآخرة ورسول الله على بينة من ربه وفرض طاعتي ومحبتي على أهل الأيمان وأهل الكفر وأهل النفاق فمن احبني كان مؤمنا ومن ابغضني كان كافرا والله ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي وأني على بينة بينها ربي عز وجل لنبيه محمد فبينها لي فأسألوني عما كان وعما هو كائن الى يوم القيامة، قال فالتفت الجاثليق الى اصحابه وقال: هذا والله هو الناطق بالعلم والقدرة والفائق الرائق ونرجوا من الله ان يكون قد صادفنا حظنا ونور هدايتنا وهذه والله حجج الأوصياء من الأنبياء على قومهم، قال التفت الجاثليق الى علي (ع) فقال كيف عدل القوم بك عن قصدهم إياك وادعوا ما أنت أولى به منهم إلا وقد حق القول عليهم فضروا انفسهم وما ضر ذلك الأوصياء مع ما اغناهم الله به من العلم واستحقاق مقامات رسله فأخبرني ايها العالم الحكيم ما أنت عند الله وما أنا ؟ قال علي (ع): اما انا فعند الله عز وجل وعند نفسي مؤمن مستيقن بفضله ورحمته وهدايته ونعمه علي وكذلك اخذ الله عز وجل جلاله ميثاقي على الأيمان وهداني لمعرفته ولا اشك في ذلك ولا ارتاب ولم ازل على ما أخذه الله
[ 86 ]
علي من الميثاق ولم أبدل ولم اغير وذلك بمن الله ورحمته وصنعه انا في الجنة لا اشك في ذلك ولا ارتاب وأما أنت فعند الله كافر بجحودك الميثاق والاقرار الذي اخذ الله عليك بعد خروجك من بطن أمك وبلوغك العقل ومعرفة التمييز للجيد والردئ والخير والشر واقرارك بالرسل وجحودك لما انزل في الانجيل من أخبار النبيين عليهم الصلاة والسلام ما دمت على هذه الحالة كنت في النار، قال فأخبرني عن مكاني من
النار ومكانك من الجنة فقال (ع) أما الآخرة فلم ادخلها فأعرف مكاني من الجنة ومكانك من النار ولكن اعرفك ذلك من كتاب الله عز وجل ان الله جل جلاله بعث محمدا بالحق وانزل عليه كتابا " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " احكم فيه جميع علمه وأخبرني رسول الله عن الجنة بدرجاتها ومنازلها وقسم الله جل جلاله الجنان بين خلقه لكل عامل منهم ثوابا منها واجلهم على قدر فضائلهم في الأعمال والأيمان فصدقنا الله وعرفنا منازل الفجار وما أعد لهم من العذاب في النار وقال لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم فمن مات على كفره وشركه ونفاقه وظلمه وقسوته فلكل باب منهم جزء مقسوم وقد قال عز وجل: " ان في ذلك لآيات للمتوسمين " وكان رسول الله هو المتوسم وانا وذريتي المتوسمين الى يوم القيامة. فالتفت الجاثليق الى أصحابه وقال: قد اصبتم ارادتكم وأرجو أن تظفروا بالحق إلا أني نصبت له مسائل فأن أجابنا عنها نظرنا في أمرنا وقبلنا منه قال علي (ع) فأن اجبتك عنها تدخل في ديننا قال نعم فقال علي: خذ على أصحابك الوفاء فأخذ عليهم العهد ثم قال علي: سل عما احببت قال أخبرني عن الله أحمل العرش أم العرش يحمله ؟ قال عليه السلام الله حامل العرش والسماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما وذلك قول الله (يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده أنه كان حليما غفورا)، قال أخبرني عن قول عز وجل (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فكيف ذلك وقلت انه يحمل العرش والسماوات والأرض قال علي (ع) ان العرش خلقه الله تعالى من أنوار أربعة نور أحمر احمرت منه الحمرة ونور أخضر اخضرت منه الخضرة ونور أصفر أصفرت منه الصفرة ونور أبيض ابيض منه البياض وهو العلم
[ 87 ]
الذي حمله الله الحملة وذلك نور من عظمته فبعظمته ونوره ابيضت منه قلوب المؤمنين وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض إليه
الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المشتتة وكل محمول يحمله الله نوره ونور عظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكل شئ هو حياته ونوره تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، قال فأخبرني عن الله عز وجل اين هو قال (ع) هو هاهنا وهاهنا وهاهنا وهو فوق وتحت ومحيط بنا ومعنا وهو قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم)، والكرسي محيط بالسماوات والأرض فالذين يحملون العرش هم العلماء وهم الذين حملهم الله علمه وليس يخرج عن هذه الأربعة شئ، وخلق الله في ملكوته وهو الملكوت الذي أراه إبراهيم فقال (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) فكيف يحمل العرش لله وبحياته حييت قلوبهم وبنوره أهتدوا الى معرفته، قال والتفت الجاثليق الى أصحابه فقال هذا والله الحق من عند الله عز وجل على لسان المسيح والنبيين والأوصياء عليهم السلام قال فأخبرني عن الجنة هل في الدنيا هي أم في الآخرة واين الآخرة والدنيا ؟ قال (ع) الدنيا في الآخرة والآخرة محيطة بالدنيا وذلك ان الدنيا نقلة والآخرة حياة ومقام مثل ذلك كالنائم وذلك ان الجسم ينام والروح لا تنام وان الجسم يموت والروح لا تموت قال الله عز وجل: (وان الدار الآخرة لهي الحيوان)، والدنيا رسم الآخرة والآخرة رسم الدنيا وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا، إذا فارق الروح الجسم يرجع كل واحد منهما الى مأمنه بدء ومأمنه خلق وكذلك الجنة والنار في الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة لأن العبد إذا مات صار في دار من الأرض أما روضة من رياض الجنة وأما بقعة من بقع النار وروحه في أحد دارين أما في دار النعيم مقيم لا يموت فيها وأما في دار عذاب لا يموت فيها والرسم لمن عقل موجود واضح وقد قال الله عز وجل: (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم)، وعن الكافرين فقال: (انهم كانوا في غطاء عن ذكري وكانوا
[ 88 ]
لا يستطيعون سمعا) ولو علم الانسان علم ما هو فيه مات حياة من الموت ومن نجى فبفضل اليقين، قال فأخبرني عن قوله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) فأذا طويت السماء وقبضت الأرض فأين تكون الجنة والنار فيها ؟ قال فدعى بدوات وقرطاس ثم كتب فيه الجنة والنار ثم درج القرطاس ودفعه الى النصراني وقال له: أليس قد طويت هذا القرطاس قال نعم قال فأفتحه ففتحه قال فهل ترى اية النار وأية الجنة أمحاها طي القرطاس ؟ قال لا، قال (ع): فهكذا في قدرة الله إذا طويت السماء وقبضت الأرض لم تبطل الجنة والنار كما لم يبطل طي هذا الكتاب آية الجنة وآية النار، قال فأخبرني عن قوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) فما هذا الوجه وكيف هو واين يؤتى وما دليلنا عليه ؟ فقال (ع): يا غلام على بحطب ونار فأمر ان تضرم فلما استوقدت واشتعلت قال له يا نصراني هل تجد للنار وجها دون وجه قال لا قال (ع) فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبرة في ضعفها وسرعة زوالها لا تجد لها وجها فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من شئ يوصف بوجه أو يحد بحد أو يدرك ببصر أو يحيط به عقل أو يضبطه وهم وقال الله تعالى: " ليس كمثله شئ وهو السميع البصير "، قال الجاثليق: صدقت أيها الوصي العليم الحكيم الرفيق الهادي أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وأنك وصيه وصديقه ودليله، فأسلم النصراني ومن معه وشهدوا له بالوصية، الخبر. خبر الناقوس، عن الحارث الهمداني قال بينما اسير مع أمير المؤمنين (ع) الى الحيرة إذا نحن بديراني يضرب الناقوس قال فقال أمير المؤمنين يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس قلت الله ورسوله وابن عم رسوله اعلم قال (ع) انه يضرب
مثل الدنيا وخرابها ويقول لا إله إلا الله حقا حقا صدقا صدقا ان الدنيا قد غرتنا واشغلتنا واستهوتنا يابن الدنيا مهلا مهلا، يا بن الدنيا دقا دقا، يا بن الدنيا جمعا جمعا تفنى الدنيا قرنا قرنا، ما من يوم يمضي عنا، إلا أوهن منا ركنا، قد ضيعنا دارا
[ 89 ]
تبقى، واستوطنا دارا تفنى، لسنا ندري ما فرطنا فيها، إلا لو قدمتنا، قال الحارث: (رض) يا أمير المؤمنين النصارى يعلمون ذلك ؟ فقال (ع) لو علموا ذلك ما اتخذوا المسيح إلها دون الله عز وجل، قال فذهبت الى الديراني فقلت له بحق المسيح عليك لما ضربت الناقوس على الجهة التي تضربها قال فأخذ يضرب وأنا أقول حرفا حرفا حتى بلغ الى موضع إلا لو قدمتنا قال بحق نبيكم من أخبركم بهذا ؟ قلت هذا الرجل الذي كان معي أمس قال فهل بينكم وبينه من قرابة ؟ قلت نعم هو ابن عمه، قال بحق نبيكم أسمع هذا من نبيكم ؟ قال قلت نعم فأسلم ثم قال والله أني وجدت في التوراة انه يكون آخر الأنبياء نبي يفسر قول الناقوس. خبر، عن عمار بن ياسر: قال كنت عند أمير المؤمنين (ع) فمررنا بواد مملوء نملا فقلت يا أمير المؤمنين ترى أحدا من خلق الله يعلم عدد هذا النمل قال (ع): نعم يا عمار انا اعرف رجلا يعلم عدده وكم فيه ذكر وكم فيه انثى فقلت من ذلك الرجل يا مولاي ؟ فقال يا عمار: ما قرأت في سورة يس: (وكل شئ احصيناه في إمام مبين) فقلت بلى يا مولاي فقال أنا ذلك الامام المبين. وعن أبي فتوح الرازي: أنه حضر عند عمر اربعون امرأة وسألنه عن شهوة الآدمي فقال للرجل واحد وللمرأة تسعة فقلن ما بال الرجال لهم دوام ومتعة وسراري بجزء من تسعة وأما النساء فلا يجوز لهن إلا زوج واحد مع تسعة اجزاء فأفحم، فرفع ذلك الى أمير المؤمنين فأمر (ع) أن تأتي كل واحدة منهن بقارورة من ماء وامرهن بصبها في اجانة ثم أمر كل واحدة منهن أن تعرف ماءها فقلن لا يتميز ماءنا فأشار به ان يفرقن بين الأولاد ويبطل النسل
والميراث، فقال عمر: لا ابقاني الله بعدك يا علي. سؤال ابن الكوى من أمير المؤمنين (ع)، في كتاب صفوة الأخبار: قام اليشكري الى أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين اخبرني عن بصير بالليل بصير بالنهار وعن بصير بالنهار أعمي بالليل وعن بصير بالليل أعمى بالنهار فقال له أمير المؤمنين (ع) سل عما يعنيك ودع مالا يعنيك أما بصير بالليل فهذا رجل آمن بالرسل الذين مضوا وادرك النبي فآمن به فأبصر في ليله ونهاره وأما أعمى بالليل بصير بالنهار فرجل جحد الأنبياء
[ 90 ]
الذين مضوا والكتب وأدرك النبي وآمن به فعمى بالليل وأبصر بالنهار وأما أعمى بالنهار بصير بالليل فرجل آمن بالانبياء والكتب وجحد النبي فأبصر بالليل وعمى بالنهار فقال ابن الكوي: يا أمير المؤمنين ان في كتاب الله آية قد أفسدت قلبي وشككتني في ديني فقال له أمير المؤمنين (ع): ثكلتك امك وعدمك قومك ما هي ؟ قال قول الله عز وجل لمحمد في سورة النور: " والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه "، ما هذا الطير وما هذه الصلاة والتسبيح ؟ فقال (ع): ويحك ان الله خلق الملائكة في صور شتى ألا وان لله ملكا في صورة ديك ابخ شعث براثنه في الأرضيين السابعة السفلى وعرفه تحت عرش الرحمن له جناح في المشرق وجناح في المغرب فالذي في المشرق من نار والذي في المغرب من ثلج فأذا حضر وقت الصلاة قام على براثنه ثم رفع عنقه من تحت العرش ثم صفق بجناحيه كما تصفق الديكة في منازلكم بنحو من قوله عز وجل لنبيه: " والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه " من الديكة في الأرض، فقال ابن الكوي: فما قوله تعالى: " مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " قال هو عمامة موسى وعصاه ورضراض الألواح وابريق زمرد وطشت من ذهب، قال فما " الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار " قال هم الأفجران من قريش بنو امية وبنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر واما بنو امية فمتعوا حتى حين فأما بنو
المغيرة قال فما (الأخسرين أعمالا) - الآية قال " ع ": أهل حرورا قال أخبرني عن ذي القرنين أنبي هو أم ملك ؟ قال " ع ": لا نبي ولا ملك كان عبدا لله صالحا أحب الله فأحبه ونصح لله فنصحه أرسله الله الى قوم فضرب على قرنه الأيمن فغاب عنهم ما شاء الله ثم فضربوه على قرنه الأيسر فغاب عنهم ثم رد الثالثة فأمكنه الله تعالى في الأرض وفيكم مثله يعني نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام. وروى محمد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس. عن ابن اذينة، عن محمد ابن مسلم، قال سمعت أبا جعفر " ع " يقول: نزل جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم برمانتين من الجنة فلقيه علي (ع) فقال له ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك قال أما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب وأما هذه فالعلم ثم فلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه نصفها رسول الله
[ 91 ]
ثم قال أما أنت فشريكي فيه وأنا شريكك فيه قال فلم يعلم والله رسول الله (ص) حرفا مما علمه الله إلا علمه عليا. وروى عن الأصبغ بن نباتة: قال كنا مع أمير المؤمنين (ع) وهو يطوف بالسوق ويأمرهم بوفاء الكيل والميزان حتى انتصف النهار فمر برجل جالس فقام إليه وقال يا أمير المؤمنين سر معي فأدخل بيتي وتغد عندي وادع الله لي فانك ما تغديت اليوم فقال أمير المؤمنين: شرط اشرطه قال لك شرطك قال (ع). أن لا تدخن في بيتك ولا تتكلف ما وراء بابك ثم دخل ودخلنا معه فأكلنا خلا وزيتا وتمرا ثم خرج يمشي حتى أنتهى الى قصر الامارة بالكوفة فركض رجله فتزلزلت الأرض ثم قال أما والله لو علمتم ما هيهنا، اما والله لو قام قائمنا لأخرج من هذا الموضع اثنى عشر الف درع واثنى عشر الف بيضة لها وجهان ثم البسها اثنى عشر الف رجل من ولد العجم ثم ليأمرهم ليقتلوا كل من كان على خلاف ما هم عليه وأني لأعلم ذلك وأراه كما أعلم هذا اليوم وأراه. قال جامع الكتاب جعفر بن محمد غفر الله له وهذه المطالب وغيرها تدل أنه أعلم الأولين والآخرين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما هو غير خفي.
الفصل الثاني في انه أقضى الأصحاب روى الخوارزمي بسنده عن أبي سعيد الخدري وسلمان الفارسي، قالا قال رسول الله (ص): ان أقضى امتي علي بن أبي طالب. وأيضا بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام. قال بعثني رسول الله (ص) الى اليمن قلت تبعثني وأنا شاب اقضي بينهم ولا أدري ما القضاء قال فضرب في صدري وقال اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فو الذي فلق الحبة ما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين. وفي مسند أحمد بن حنبل بسنده عن حميد بن عبد الله قال انه ذكر عند النبي (ص) قضاء علي فأعجب وقال: الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت. وفيه بسنده عن الامام جعفر بن محمد الصادق " ع " قال قضى علي في ثلاث رجال وقعوا على امرأة في طهر واحد وذلك في الجاهلية فأقرع علي (ع) بينهم الولد لمن وقعت القرعة واقسم دية المولود على ثلاث لأنهم اشبهوا
[ 92 ]
نسب المولود فكأنهم قتلوه فجعل ثلث الدية على من وقعت له القرعة وثلثي الدية على الآخرين وقضى الدية على أم المولود فضحك النبي (ص) حتى بدت نواجده قال وما اعلم فيها شيئا إلا ما قضى علي. وفيه بسنده عن مسمع بن عبد الملك عن الصادق (ع) ان قوما احتفروا زبينة الأسد فوقع فيها فأزدحم الناس عليها ينظرون الى الأسد فوقع فيها رجل فتعلق بالآخر وتعلق الآخر بالآخر والآخر بالآخر فماتوا جميعا من جراحة الأسد فتشاجروا في ذلك فقضى علي (ع) للأول ربع الدية لانه أهلك من فوقه وللثاني ثلث الدية وللثالث نصف الدية وللرابع الدية الكاملة وجعل الدية على القبائل الذين ازدحموا فرضى بعض وسخط بعض فرفع الى النبي (ص) فأجاز قضاء علي وفي المناقب بسنده عن مصعب بن سلام التميمي عن الصادق (ع) قال ان ثورا قتل حمارا على عهد النبي (ص) ورفع إليه وهو في نفر من أصحابه وقال لهم أقضوا بينهما فقالوا يا رسول الله بهيمة قتلت بهيمة ما عليها شئ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي اقض
بينهما فقال نعم يا رسول الله إن كان الثور دخل على الحمار في مستراحه ضمن صاحب الثور وان كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان عليه، قال فرفع رسول الله يده الى السماء وقال الحمد لله الذي جعل مني من يقضي بالقضاء البينة. أقول: قال ابن حجر في الصواعق وكانت هذه القضية سبب قوله (ص): أقضاكم علي، ورواها عن أبي هريرة، ونقل في الصواعق أيضا: ان غلاما أتى عليا عليه السلام برجل فقال: ان هذا زعم انه احتلم بامي فقال أذهب فأقمه في الشمس فأضرب ظله. وفيه دخل غلام على عمر وطلب منه مال أبيه وذكر ان والده توفي بالكوفة وكان الغلام بالمدينة وهو طفل فصاح عليه عمر وطرده فخرج يتظلم منه فلقيه علي (ع) فسأله عن حاله فأخبروه بخبره فقال علي: آتوني به الى الجامع حتى اكشف أمره فجئ به فسأله عن حاله فأخبره بما جرى عليه فقال أمير المؤمنين (ع): لاحكمن فيه بحكومة حكم الله بها في عرشه من فوق سبع سماوات وانه لا يحكم بها إلا من ارتضاه لعلمه ثم استدعى بعض أصحابه وقال سيروا بنا الى قبر والد الصبي فساروا فقال علي (ع): احفروا هذا القبر وانبشوه واستخرجوا لي ضلعا من أضلاعه
[ 93 ]
فاستخرجوه فدفعه الى الغلام فقال له شمه فلما شمه انبعث الدم من منخريه فقال (ع): انه ولده، فقال عمر بانبعاث الدم نسلم إليه المال فقال (ع): انه أحق بالمال منك ومن سائر الخلق اجمعين ثم أمر الحاضرين بشم الضلع فشموه فلم ينبعث الدم من واحد منهم فأمر أن يعاد إليه ثانية وقال شمه فلما شمه انبعث الدم انبعاثا كثيرا فقال (ع): انه أبوه فسلم إليه المال. وفي مسند أحمد بن حنبل، عن محمد بن جعفر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن البصري: ان عمر بن الخطاب أراد أن يرجم امرأة مجنونة فقال له أمير المؤمنين ما لك أما سمعت: رسول الله يقول رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن
المجنون حتى يبرأ ويعقل، وعن الطفل حتى يحتلم، قال فخلا سبيلها وقال لولا علي لهلك عمر. خبر إلحاقه الابن بالام من بعد إنكارها له، حدث الواقدي عن جابر، عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) انه جاء الى عمر بن الخطاب غلام يافع فقال له ان أمي جحدت حقي من ميراث أبي وأنكرتني وقالت لست بولدي، فأحضرها وقال لها لم جحدت ولدك هذا الغلام وأنكرتيه ؟ قالت انه كاذب في زعمه ولي شهود بأني بكر ما عرفت بعلا، وكانت قد رشت سبع نفر كل واحدة بعشرة دنانير أن يشهدوا انها بكر فطلب عمر الشهود فأحضرتهن بين يديه فقال تشهدن فقلن نشهد انها بكر لم يمسها ذكر فقال الغلام بيني وبينها علامة اذكرها لها عسى تعرف ذلك فقالت له قل ما بدا لك فقال الغلام كان والدي شيخا وهو سعد بن مالك وقال الحارث المزني أني رزقت في عام شديد المحل وبقيت عامين كاملين ارضع شاة ثم انني كبرت وسافر والدي مع جماعة فعادوا ولم يعد والدي معهم فسألتهم عنه فقالوا انه درج فلما عرفت والدتي الخبر انكرتني وقد اضرتني الحاجة فقال عمر هذا مشكلا لا يحله إلا نبي أو وصي نبي فقوموا بنا الى أبي الحسن علي (ع) فمضى الغلام وهو يقول أين منزل كاشف الكروب، أين خليفة هذه الامة حقا، فجاؤا به الى منزل علي بن أبي طالب فوقف هناك يقول يا كاشف الكروب فقال الامام (ع) مالك يا غلام فقال يا مولاي امي
[ 94 ]
جحدتني حقي وأنكرتني اني لم أكن ولدها فقال الامام (ع): أين قنبر فأجابه لبيك يا مولاي فقال امض واحضر الامرأة الى مسجد رسول الله (ص) فمضى قنبر وأحضرها بين يدي الامام فقال لها: ويلك لم جحدت ولدك فقالت له يا أمير المؤمنين أنا بكر ليس لي ولد ولم يمسني بشر وأنت يا مولاي احضر لي قابلة تنظرني فأحضر قابلة فلما خلت بها أعطتها سوارا كان في عضدها وقالت لها: اشهدي بأني بكر فلما
خرجت من عندها قالت يا مولاي انها بكر فقال " ع " كذبت العجوز يا قنبر إعزرها وخذ منها السوار قال قنبر فأخرجته من كتفها فعند ذلك ضج الخلايق فقال الامام: اسكتوا فأنا عيبة النبوة ثم قال للجارية أنا زين الدين أنا قاضي الدين أنا أبو الحسن والحسين أريد أن أزوجك من هذا الغلام المدعي عليك فتقبلينه مني زوج فقالت لا يا مولاي أتبطل شرع محمد فقال لها بماذا ؟ قالت تزوجني بولدي كيف يكون ذلك فقال عليه السلام: الله أكبر جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا وما منعك قبل هذه الفضيحة فقالت يا مولاي خشيت على الميراث فقال " ع ": استغفري الله ثم أصلح بينهما فألحق الولد بوالدته وبأرث أبيه وصلى الله على محمد وآله وسلم. خبر آخر، عن موفق بن أحمد الخوارزمي بسنده: أن رجلين أودعا عند امرأة من قريش مائة دينار وأمراها ان لا تدفع الى واحد منهما دون صاحبه فأتاها أحدهما فقال ان صاحبي قد هلك فأدفعي الي المال فأبت فاستشفع إليها ومكث يختلف إليها ثلاث سنين قال فدفعت إليه المال ثم جاء إليها صاحبه فقال اعطني مالي فقالت له: قد أخذه صاحبك، فارتفعوا الى عمر فقال له عمر ألك بينة فقال هي بينتي فقال للمرأة: ما أراك إلا ضامنة فقالت: أنشدك الله إلا ما رفعتنا الى علي بن أبي طالب (ع)، قال فرفعهما إليه فأتوه في حائط وهو يسبل الماء وهو مؤتزر بكساه فقصوا عليه القصة فقال للرجل ايتني بصاحبك وعلى متاعك فانصرفوا وأيضا بسنده قال شرب قوم الخمر بالشام فبعثوا بهم الى عمر فلما أتوه سألهم عن ذلك فقالوا نعم شربناها وهي لنا حلال فقال أو ليس يقول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فأجتنبوه لعلكم تفلحون) فقالوا ويقول الله عز
[ 95 ]
وجل (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا) الى قوله (والله يحب المحسنين) فنحن من الذين آمنوا وأحسنوا، فاستشار عمر اصحاب
النبي فردوا المشورة إليه، قال وكان أمير المؤمنين حاضرا في القوم ساكتا فقال ما تقول يا أبا الحسن فقال (ع): انهم قوم افتروا على الله وأحلوا ما حرم الله فأرى أن تستتيبهم فان ثبتوا وزعموا ان الخمر حلال ضربت أعناقهم وإن رجعوا ضربتهم ثمانين جلدة فدعاهم فاستمعهم مقالة علي ثم قال ما تقولون فقالوا نستغفر الله ونتوب إليه ونشهد ان الخمر حرام وانما شربناها ونحن نعلم بحرمتها فضربهم ثمانين جلدة وأطلقهم. وأيضا بسنده قال اني عمر بامرأة قد نكحت في عدتها ففرق بينهما وجعل صداقها من بيت المال وقال لا اجيز مهرا ارد نكاحه وقال لا يجتمعان أبدا، فبلغ عليا (ع) ذلك فقال يا عمر وان كانوا جهلوا السنة فلها المهر بما استحل من فرجها ويفرق بينهما فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب فخطب عمر الناس وقال: لولا علي لهلك عمر وردوا الجهالات الى السنة وردوا قول عمر الى علي. وأيضا بسنده قال: لما كان في زمن عمر أني بامرأة حامل سألها عمر فاعترفت بالفجور فأمر بها عمر أن ترجم فلقيها علي بن أبي طالب (ع) فقال ما بال هذه الامرأة فقالوا أمر بها عمر أن ترجم فردها (ع) فاتى عمر وقال له أنت أمرت بها أن ترجم قال نعم اعترفت عندي بالفجور فقال (ع) هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها فخلى سبيلها وقال لولا علي لهلك عمر. وأيضا بسنده قال اوتي عند عمر بن الخطاب امرأة وضعت ولدا لستة اشهر فهم يرجمها فقال علي (ع) ليس عليها رجم لقوله تعالى: (والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة) وقال تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) فحولين تمام الرضاعة وهي اربعة وعشرون شهرا وبقيت ستة أشهر وهي مدة الحمل فخلى سبيلها وقال اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها علي حيا، عقمت النساء ان يلدن عليا لولا علي لهلك عمر، قال سعيد بن المسيب قالها سبعين مرة وفي سبعين وقعة. خبر الخنثي، روى ان رجلا تزوج بخنثى لها فرج كفرج الرجال وفرج كفرج
[ 96 ]
النساء وأصدقها جارية كانت له ودخل بها وأصابها فحملت منه الخنثي، ثم ان الخنثى وطأت الجارية التي اصدقها زوجها فحملت منها وجاءت بولد فاشتهرت قصتها ورفع أمرها الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فسأل عن احوال الخنثى انها تحيض وتطأ وتوطأ من الجانبين وقد حبلت وأحبلت فصار الناس متحيرين الافهام في جوابها، فاستدعى أمير المؤمنين (ع) زوجها فأقر بذلك فقال له علي: انك لأجسر من خاصي الاسد ثم أمر (ع) قنبرا وامرأتين أن يأخذوا الخنثى ويعدوا أضلاعها من الجانبين ففعلوا ذلك ثم خرجوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين عدد أضلاع الجانب الأيمن ثمانية عشر ضلعا وعدد أضلاع الجانب الايسر سبعة عشر ضلعا، فحكم عليه السلام أنها رجل وأمر بحلق رأسها واعطاها رداء والحقها بالرجال فقال زوجها امرأتي وابنة عمي الحقتها بالرجال ممن اخذت هذه القضية فقال من آدم لأن امنا حواء خلقت من ضلع من اضلاع آدم فاضلاع الرجل اقل من اضلاع المرأة. خبر الشاب، روى المشايخ الثلاثة: (1) رحمهم الله ان أمير المؤمنين عليه السلام رأى شابا يبكي فسأل عنه فقال ان أبي سافر مع هؤلاء فلم يرجع حين رجعوا وكان ذا مال عظيم فرفعتهم الى شريح وحكم علي بحكم لا ادري ما هو فقال عليه الصلاة والسلام متمثلا: اوردها سعد وسعد مشتمل * * ما هكذا يا سعد تورد الابل فقال (ع): ارجعوهم فردوهم جميعا والفتى معهم الى شريح فقال (ع) لشريح كيف قضيت بين هؤلاء ؟ قال يا أمير المؤمنين ادعى هذا الغلام على هؤلاء النفر انهم خرجوا في سفر وابوه معهم فرجعوا ولم يرجع ابوه فسألتهم عنه فقالوا مات، فسألتهم عن ماله فقالوا ما خلف شيئا، فقلت للفتى هل لك بينة على ما تدعي ؟ قال لا، فاستحلفتهم * هامش (1) المشايخ الثلاثة والمحمدون الثلاثة: مصنفوا الكتب الاربعة: (الكافي
والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه) وهم ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني، وشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، ورئيس المحدثين محمد بن بابويه القمي قدس الله أرواحهم وعلى كتبهم مدار الشيعة.
[ 97 ]
فقال علي (ع): يا شريح هيهات هكذا تحكم في مثل هذا، فقال كيف يا أمير المؤمنين فقال عليه السلام: يا شريح لأحكمن فيه بحكم ما حكم فيه خلق قبلي إلا داود النبي، ثم قال يا قنبر ادع لي شرطة الخميس فدعاهم فوكل (ع) بكل واحد منهم رجلا من الشرطة ثم نظر الى وجوههم فقال ماذا تقولون ؟ أتقولون اني ما أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى اني إذا لجاهل ثم قال (ع) فرقوهم وغطوا رؤسهم ففرق بينهم واقيم كل واحد الى اسطوانة من اسطوانات المسجد ورؤسهم مغطاة بثيابهم ثم دعا بعبد الله بن أبي رافع كاتبه فقال (ع): هات صحيفة ودوات وجلس (ع) في مجلس القضاء واجتمع إليه الناس فقال إذا انا كبرت فكبروا ثم قال للناس افرجوا ثم دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه فكشف عن وجهه ثم قال لعبد الله اكتب اقراره وما يقول، ثم أقبل بالسؤال ثم قال (ع) له في أي يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الفتى معكم فقال الرجل في يوم كذا وكذا، فقال (ع): وفي أي شهر قال كذا وكذا، فقال والى أين بلغتم من سفركم حين مات أبو هذا الفتى قال الى موضع كذا وكذا، قال وفي أي منزل قال في منزل فلان وفلان، قال وما كان من مرضه قال كذا وكذا، قال (ع): كم يوم مرض قال كذا وكذا يوما، قال فمن كان يمرضه وفي أي يوم مات ومن غسله وأين غسل ومن كفنه وبما كفن ومن صلى عليه ومن نزل قبره، فلما سأله عن جميع ما يريد كبر عليه السلام وكبر معه الناس فارتاب اولئك الباقون ولم يشكوا ان صاحبهم قد أقر عليهم وعلى نفسه فأمر أن يغطي رأسه وأن ينطلقوا به الى الحبس ثم دعى بآخر واجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ثم قال (ع): كلا زعمت اني
لا أعلم ما صنعتم فقال يا أمير المؤمنين ما أنا إلا واحد من القوم ولقد كنت كارها لقتله فأقر، ثم دعى واحدا بعد واحد فكلهم يقر بالقتل وأخذ المال ثم رد من كان أمر به الى السجن فأقر أيضا، فألزمهم المال والدم، فقال شريح يا أمير المؤمنين وكيف كان حكم داود النبي فقال (ع) من سماك بهذا الاسم قال امي فانطلق الى امه فقال يا امرأة ما اسم ابنك هذا ؟ قالت: مات الدين، فقال لها ومن سماه بهذا الاسم ؟ قالت أبوه،
[ 98 ]
قال وكيف كان ذلك قالت ان أباه خرج في سفر له ومعه قوم وهذا الصبي حمل في بطني فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي فسألتهم عنه فقالوا مات، قلت اين ما ترك قالوا لم يخلف مالا، فقلت أوصاكم بوصية قالوا نعم زعم انك حبلى فما ولدت من ذكر أو انثى فسميه مات الدين فقال داود تعرفين القوم الذين كانوا خرجوا مع زوجك قالت نعم، فقال احياء هم أم موتى قالت بل احياء قال فانطلقي إليهم ثم مضى معها فاستخرجهم من منازلهم فحكم عليهم بهذا الحكم فثبت عليهم المال والدم ثم قال للامرأة سمي ابنك عاش الدين، ثم ان أم الفتى والقوم اختلفوا في مال أب الفتى كم كان، فأخذ علي عليه السلام خاتمه وجميع خواتيم عدة ثم قال أجيلوا هذه السهام فأيكم اخرج خاتمي فهو الصادق في دعواه لأنه سهم الله عز وجل وهو سهم لا يخيب. (خبر آخر) في كتاب درر المطالب: ان امرأة ولدت على فراش زوجها ولدا له يدان ورجلان ورأسان على حقو واحد فالتبس الأمر على اهله انه واحد أم اثنان فصاروا الى أمير المؤمنين عليه السلام يسألونه ليعرفوا الحكم فيه، فقال لهم اعتبروه إذا نام ثم نبهو احدى اليدين والرجلين والرأسين فان انتبها جميعا معا في حالة واحدة فهو انسان واحد وان استيقظ احدهما دون الآخر فهما اثنان. وفيه ان امرأتين جاءتا الى أمير المؤمنين عليه السلام ومعهما طفل ادعته كل منهما فوعظهما فلم يرجعا فقال (ع) يا قنبر إتني بالسيف فقالتا ما تصنع به فقال اشقه نصفين واعطي كل واحدة
منكما نصفا فرضت احديهما وصاحت الاخرى وقالت يا أمير المؤمنين ان كنت لا بد فاعلا فاعطها إياه، فعرف انه ولدها ولا شئ لتلك فاعطاه إياها وطرد الأخرى. (وفي الناقب) عن عمر بن حماد، باسناده عن عبادة بن الصامت، قال قدم قوم من الشام حجاجا فأصابوا دحى نعامة فيه خمس بيضات وهم محرمون فشووهن واكلوهن، ثم قالوا ما ارانا إلا وقد اخطأنا وأصبنا الصيد ونحن محرمون فأتوا المدينة فقصوا على عمر القصة فقال انظروا الى قوم من اصحاب رسول الله (ص) فاسألوهم عن ذلك فيحكموا فيه، فسألوا جماعة من الصحابة فأختلفوا في الحكم في ذلك فقال عمر إذا اختلفتم فها هنا رجل كنا إذا اختلفنا في شئ يحكم فيه. فأرسل الى امرأة
[ 99 ]
يقال لها عطية فاستعار منها اتانا فركبها وانطلق بالقوم معه حتى اتى عليا، فقال علي عليه السلام: مرهم فليمدوا الى خمس قلايص من الابل فليطرقوها للفحل فإذا انجبت أهدوا ما نتج منها جزاء عما اصابوا، فقال عمر يا أبا الحسن ان الناقة قد تجهض فقال علي وكذلك البيضة قد تمرق، فقال عمر فلهذا أمرنا ان نسألك. (خبر آخر): بالاسناد يرفعه الى كعب الاحبار، قال قضى علي (ع) قضية في زمن عمر بن الخطاب قالوا: اجتاز عبد مقيد على جماعة فقال أحدهم ان لم يكن في قيده كذا وكذا فامرأته طالق ثلاثا، فقال الآخر إن كان فيه كما قلت فامرأته طالق ثلاثا، قال فقاما فذهبا مع العبد الى مولاه فقالا له انا حلفنا بالطلاق ثلاثا على قيد هذا العبد فحله نزنه فقال سيده امرأته طالق ثلاثا إن حل قيده، فطلق الثلاثة نساءهم قال فخرجوا وقد وقعوا في حيرة فقال بعضهم لبعض اذهبوا الى أبي الحسن علي (ع) لعله ان يكون عنده شئ من هذا، فأتوه فقصوا عليه القصة فقال لهم ما اهون هذا، ثم انه اخرج جفنة وامر ان يحط العبد رجله فيها وان يصب الماء عليها، ثم قال (ع) ارفعوا قيده من الماء فرفع قيده وهبط الماء فأرسل عوضه
زبرا من الحديد الى ان صعد الماء الى موضع كان فيه القيد، ثم قال اخرحوا هذا الحديد وزنوه فانه وزن العبد قال فلما فعلوا ذلك وانفصلوا دخلت نساؤهم عليهم وخرحوا وهم يقولون نشهد انك عيبة علم النبوة وباب مدينة علمه فعلى من جحد حقك لعنة الله والملائكة والناس اجمعين. وقضى بالبصرة لقوم حدادين ابتاعوا باب حديد من قوم فقال أصحاب الحديد كذا وكذا منا فصدقوهم وابتاعوه، فلما حملوا الباب على اعناقهم قالوا للمشترين بخلاف ما ذكروه اولا فسألوهم الحطيطة فأبوا وانكروا فرجعوا عليهم فصاروا الى أمير المؤمنين عليه السلام فقال ادلكم احملوه الى الماء فحمل وطرح في زورق صغير وعلم على الموضع الذي بلغه الماء ثم قال ارجعوا مكانه تمرا موزونا فما زالوا يطرحون شيئا بعد شئ وورنا حتى بلغ الغاية قال كم طرحتم قال كذا وكذا منا ورطلا فقال (ع) وزنه هذا
[ 100 ]
وروى النضر بن سويد: رفعه، ان رجلا حلف أن يزن فيلا فقال النبي (ص) يدخل الفيل السفينة ثم ينظر الى موضع مبلغ المال من السفينة فيعلم عليه ثم يخرج الفيل ويلقى في السفينة حديدا أو صفرا وما شاء فإذا بلغ الموضع الذي علم عليه اخرجه وأوزنه. وفي الكافي والتهذيب باسنادهما عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله (ع) قال اتى عمر بامرأة وزوجها شيخ فلما ان واقعها مات على بطنها، فجاءت بولد فادعى بنوه انها فجرت وتشاهدوا عليها فأمر بها عمر ان ترجم فمر بها علي (ع) فقالت يابن عم رسول الله ان لي حجة فقال: هاتي حجتك فدفعت إليه كتابا فقرأه فقال (ع) هذه المرأة تعلمكم بيوم زواجها وبيوم واقعها كيف كان وجماعة لها فردوا المرأة، فلما كان من الغد دعى (ع) بصبيان اتراب ودعى بالصبي معهم فقال: العبوا حتى الهاهم باللعب، فقال لهم اجلسوا حتى تمكنوا، ثم صاح بهم: بأن قوموا فقام الصبيان وقام الغلام فاتكى على راحتيه فدعى به أمير المؤمنين (ع) فورثه من ابيه وجلد أخوته حدا، فقال له عمر كيف صنعت ؟ قال عرفت ضعف الشيخ في اتكاء الغلام على
راحتيه. وفيهما عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن عبد الله بن عثمان عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام ان رجلا اقبل على عهد علي (ع) من الجبل حاجا ومعه غلام فاذنب فضربه مولاه فقال ما أنت بمولاي بل انا مولاك قال فما زال ذا يتواعد ذا وذا يتواعد ذا ويقول كما انت حتى تأتي الكوفة يا عدو الله فأذهب بك الى أمير المؤمنين فلما اتيا الكوفة اتيا أمير المؤمنين فقال الذي ضرب الغلام اصلحك الله ان هذا غلام لي وانه وثب علي يدعيني ليذهب بمالي قال فأخذ هذا يحلف وهذا يحلف وذا يكذب هذا وذا يكذب هذا قال فقال (ع) فانطلقا وتصادقا في ليلتكم هذه ولا تجيئاني إلا بحق، فلما اصبح أمير المؤمنين عليه السلام قال لقنبر اثقب في الحائط ثقبين ثم امر كل واحد منهما ان يدخل رأسه في ثقب ففعلا ثم قال يا قنبر جرد السيف واسر إليه لا تفعل ما آمرك به قال (ع) اضرب عنقه فنحى العبد رأسه فأخذه أمير المؤمنين واصلح بينهما. (خبر جميلة بنت عامر الأنصاري) عن كتاب درر المطالب عن ابن عباس رضي
[ 101 ]
الله عنه قال وفي أيام عمر بن الخطاب في ليلة من الليالي دخل عمر المسجد فلما طلع الصبح رأى عمر شخصا قائما في وسط المحراب فقال عمر لمولاه نبه هذا يصلى فذهب إليه وحركه فلم يتحرك فرأى عليه ازازا فظنه امرأة فنادى امرأة من الانصار فلما تفقدته وجدته رجلا في زي النساء محلوق اللحية مقطوع الرأس فأخبرت عمر بذلك فقال عمر لمولاه اوفى ارفعه من المحراب واطرحه في بعض زوايا المسجد حتى نصلي، فلما فرغ من الصلاة قال لعلي (ع): ما ترى في هذا الرجل قال جهزه وادفنه سيعلم امره بطفل تجدونه بالمحراب، قال عمر: من اين تقول ذلك ؟ قال أخي وحبيبي رسول الله اخبرني بذلك، فلما مضى من القصة تسعة اشهر اني عمر يوما الى المسجد لصلاة الصبح سمع بكاء الطفل في المحراب فقال صدق الله ورسوله وابن عم رسوله علي بن
أبي طالب، ثم قال لغلامه اوفى ارفعه عن المحراب فلما فرغ من الصلاة وضع الطفل بين يديه ودعى بعلي، فقال أمير المؤمنين (ع) لأوفى: اطلب راضعه، فذهب يدور في المدينة إذ اقبلت امرأة من الانصار وقالت: ان ولدي مات ومعي در كثير، فاتى الى أمير المؤمنين فأعطاها الطفل وقال لها احفظيه وعين لها من بيت المال مبلغا وكانت ولادة الطفل في شهر محرم الحرام فلما كان العيد استكمل للطفل تسعة أشهر قال أمير المؤمنين لأوفى اذهب الى المرضعة فأتني بها فلما حضرت قال لها أمير المؤمنين عليه السلام: آتيني بالطفل ودفع إليها ثوبا وقال لها اذهبي به الى المصلى وانظري ايما امرأة تأتيك وتأخذه وتقول يا مظلوم يابن المظلومة يابن الظالم آتيني بها فلما اصبحت فعلت ما امرها به (ع) فإذا امرأة تناديها يا حرة قفي بحق محمد بن عبد الله فلما دنت منها رفعت الخمار عن وجهها وكانت جميلة لا نظير لها في الحسن فأخذت الطفل وقبلته وقالت: يا مظلوم يابن المظلومة يابن الظالم ما اشبهك بولدي الذي مات وهي تبكي ثم ردته الى المرضعة وارادت ان تنصرف فتشبثت المرضعة بها فضجت المرأة واضطربت اضطرابا شديدا وقالت اتق الله وارفعي يدك وقالت اتق الله وأرفعي يدك عني فأنك إن اتيت بأمير المؤمنين (ع) فضحني بين الملأ وانا اكون خصمك يوم القيامة قالت المرضعة ما يمكنني ان اقاربك حتى اتي بك أمير المؤمنين قالت إذا اتيتي بي أمير المؤمنين لا يعطيك عطاءا بل اذهبي
[ 102 ]
معي حتى اعطيك هدية تفرحين بها وهي بردتان يمانيتان وحلة صنعائية وثلاث مائة هجرية وكوني كأنك ما رأيتني واكتمي امري وإذا أقبل عيد الأضحى يشهد الله على ان اعطيك مثلها إذا رأيت الطفل سالما، فمضت المرأة معها واخذت جميع ما ذكرت لها ومضت فلما رجع الناس من المصلى احضرها أمير المؤمنين (ع) وقال لها: يا عدوة الله ما صنعت بوصيتي ؟ قالت يابن عم رسول الله طفت بالطفل جميع المصلى فما وجدت احدا اخذه مني فقال لها أمير المؤمنين: كذبت وحق صاحب هذا القبر اتتك امرأة
واخذت منك الطفل وقبلته وبكت ثم ردته اليك وانت تشبثت بها فاعطتك رشوة ثم وعدتك بمثلها فارتعدت فرائض المرضعة، فقالت في نفسها إن لم اخبره اهلكني، ثم تعجبت وقالت: يابن عم رسول الله أتعلم الغيب ؟ قال معاذ الله لا يعلم الغيب إلا الله هذا علم علمنيه رسول الله، فقالت يا أمير المؤمنين الصدق احسن الكلام كذلك كان واني بين يديك مرني مهما تأمرني وان اردت مضيت الى منزل المرأة واتيتك بها فقال عليه السلام: هي لما اعطتك المال والتحف انتقلت من ذلك المنزل الى غيره الآن عفى الله عنك ما صنعت فاحفظي الطفل وإذا رأيتيها في عيد الاضحى فأتيني بها، قالت سمعا وطاعة يابن عم رسول الله، فلما اقبل عيد الأضحى صنعت صنعت مثل صنيعها الاولى فأتتها تلك المرأة وقالت تعالي معي حتى اوفيك ما وعدتك به فقالت المرضعة لا حاجة لي بعطاياك ولا يمكنني ان افارقك حتى احضرك بين يدي ابن عم رسول الله ثم لزمت بطرف ازارها فلما رأت المرأة ذلك منها حولت وجهها نحو السماء وقالت: يا غياث المستغيثين ويا جار المستجيرين، ومشت مع المرضعة الى مسجد النبي (ص) فلما رآها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قال يا أمة الله ايما تحبين ؟ تحدثيني ام احدثك بالقصة ؟ قد اخبرني بها حبيبي رسول الله من أولها الى آخرها، فقالت: أنا اخبرك بقصتي ولكن تعطيني الامان منك وتومنني من عقوبة الله، قال أمير المؤمنين كذلك أفعل، قالت الامرأة: اعلم يا أمير المؤمنين انني ابنة من بنات الأنصار قتل أبي بين يدي رسول الله واسمه عامر بن سعيد الخزرجي وماتت امي في خلافة أبي بكر وبقيت وحيدة فريدة ليس أحد يتعاهدني وكن في جواري نساء اقعد معهن
[ 103 ]
واغزل بالمغزل وكانت معهن لي مؤانسة فبينا أنا ذات يوم جالسة مع نساء المهاجرين والانصار إذ اقبلت علينا عجوز وفي يدها سبحتها وهي تتوكأ على عصاة فسلمت فرددنا عليها السلام ثم سألت اسم كل واحدة منا ثم اتت الي وقالت يا صبية ما اسمك
قلت جميلة، قالت بنت من ؟ قلت بنت عامر الانصاري، قالت ألك أب أو بعل ؟ قلت لا قالت فكيف تكونين على هذه الحالة وأنت صبية جميلة واظهرت التحنن علي، ثم بكت وقالت هل تريدين امرأة تكون معك تؤنسك وتكون قائمة بما تحتاجيه فقلت لها واين تلك المرأة قالت أنا اكون بمنزلة الوالدة الشفيقة، فقلت لها من رغبتي البيت بيتك وكان لي بذلك فرح عظيم ثم دخلت معي الحجرة فطلبت ماء وتوضأت فلما فرغت قلت لها: الحمد لله الذي يسر لي ورحم ضعفي فقدمت إليها خبزا ولبنا وتمرا فنظرت إليه وبكت فقلت مم بكاؤك قالت يا بنية ليس هذا طعامي، فقلت واي طعام معهودك ؟ فقالت قرص من الشعير معه قليل من الملح، فأحضرت ذلك فبكت وقالت: يا بنية ما هذا وقت أكلي ولكن إذا فرغت من صلاة العشاء احضري لي ذلك حتى افطر لأني صائمة، ثم قامت الى الصلاة فلما فرغت من صلاة العشاء قدمت إليها قرصين من الشعير وملحا، فقالت احضري لي قليلا من الرماد فأحضرته لها فمزجت الملح بالرماد وتناولت قرصا من الشعير فمزجت الملح بالرماد وتناولت قرص الشعير فأكلت منه ثلاث لقمات مع الملح والرماد ثم قامت وشرعت في الصلاة فما زالت تصلى حتى ان طلع الفجر فدعت بدعاء لم اسمع احسن منه، ثم اني قمت وقبلت ما بين عينيها وقلت بخ بخ لمن تكوني عندها دائمة فأسألك بحق محمد نبي الله (ص) ان تدعي لي بالمغفرة فلا شك ان دعاءك لا يرد، ثم انت صبية جميلة وانا اخاف عليك من الوحدة ولا بد لي من الخروج الى الحاجة فلا بد ان تكون لك انيسة تؤنسك فقلت لها اني يكون لي ما تقولين قالت ان لي ابنة هي اصغر سنا منك عاقلة موقرة متعبدة آتيك بها كي تؤنسك، فقلت افعلي، وخرجت ومضت زمانا ثم رجعت وحدها فقلت لها أين اختي التي وعدتني بها ؟ فقالت ان ابنتي وحشية من الناس انسها مع ربها وانت صبية مزوحية ضحوكة ونساء المهاجرين والأنصار يترددن اليك وانا اخاف إذا جاءت
[ 104 ]
اليك يخطرن ويكثرن الحديث وتشتغل عن العبادة فتفارقك وتروح عنك فحلفت لها يمينا بأمير المؤمنين (ع) ما دامت ابنتك عندي لم ادخلهن علي، قالت العجوز الشرط يكون كذلك، ثم خرجت وعادت بعد ساعة ومعها امرأة تامة متغطية بالأزار لا بيان منها غير عينيها فلما وصلت العجوز الى باب الحجرة وقفت فقلت لها ما بالك لا تدخلين قالت من شدة الفرح حيث بلغت مرادك واني تركت باب حجرتي مفتوحة واخاف ان يدخلها أحد وانت أغلقي باب حجرتك ولا تفتحيها لأحد حتى ارجع اليك فغلقت الباب ثم توجهت الى تلك المرأة وكلمتها فلم تجبني فلححت عليها لترفع أزارها فلم تفعل حتى أخذت الازار عن رأسها فوجدتها رجلا محلوق اللحية مخضب اليدين والرجلين لابسا ملابس النساء متشبها بهن فلما رأيت ذلك بهت وغشى علي فلما افقت قلت له ما حملك على هذا فضحتني وفضحت نفسك قم فأخرج من حيث اتيت بسترك ولو علم بك الخليفة لعذبك، فلزمني وانا خفت إن صحت فضحت وعلم بذلك جيراني ثم عانقني وصرعني وما كنت تحته إلا كالفرخ بين يدي النسر وفضني وهتك ستري فلما أراد أن يتباعد عني لم يقدر من شدة السكر فخر على وجهه مغشيا عليه فلم أر فيه حركة فنظرت في وسطه سكينا فجذبتها وقطعت رأسه ثم رفعت طرفي الى السماء وقلت إلهي وسيدي تعلم انه ظلمني وفضحني وهتك ستري وانا توكلت عليك يامن إذا توكل عليه العبد كفاه يا جميل الستر فلما دخل الليل حملته على ظهري واتيت به الى مسجد النبي (ص) فلما حان وقت الحيض ما رأيت شيئا مما ترى النساء فاغتممت لذلك واردت كي لا افتضح ثم قلت في نفسي اتركه فإذا خرج قتلته واخفيت أمري حتى ولد هذا الطفل وما اطلع عليه أحد فقلت في نفسي هذا طفل وأي ذنب له حتى اقتله فلففته ووضعته في المحراب، وهذا حالي يابن عم رسول الله، قال عمر اشهد اني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أنا مدينة العلم وعلي بابها، وسمعته يقول (ص): اخي علي ينطق بلسان الحق الآن احكم انت يا أمير المؤمنين هذا الحكم فأنه لا يحكم فيه سواك
قال أمير المؤمنين (ع): دية ذلك المقتول ليست على أحد لأنه ارتكب الحرام وهتك الحرمة وباشر بجهله أمرا عظيما ولا على هذه المرأة شئ من الحد لأن الرجل دخل
[ 105 ]
عليها من غير علمها وغلبها على نفسها من غير شهوة منها وحيث استمكنت منه استوفت حقها ثم قال أمير المؤمنين (ع): أنت على كل حال ينبغي أن تحضري العجوز حتى آخذ حق الله منها واقيم عليها حده فلا تقصري كي يظهر صدق كلامك، قالت المرأة أنا ما اقصر في طلبها لكن امهلني ثلاثة أيام، قال (ع): أمهلتك وأمر المرضعة أن ترد الولد إليها وقالت لها سميه مظلوما ويل لأبيه من الله تعالى (يوم تجزى كل نفس بما عملت) ثم انصرفت الى بيتها ودعت ربها بأن يظفرها بالعجوز ثم انها خرجت من بيتها وهي متوكلة على الله وإذا بالعجوز في طريقها فأخذتها وأتت بها الى مسجد النبي (ص) فلما رآها أمير المؤمنين (ع) قال لها يا عدوة الله أما علمت أنا علي بن أبي طالب وعلمي من علم رسول الله (ص) اصدقيني عن قصة هذا الرجل الذي اتيتي به الى بيت هذه المرأة فقالت العجوز: يا أمير المؤمنين لا أعرف هذه المرأة ولا رأيتها قط ولا اعرف الرجل ولا استحل هذه الامور، فقال (ع): تحلفين على ما قلت قالت: نعم، فقال (ع) اذهبي وضعي يدك على قبر رسول الله واحلفي انك لا تعرفين هذه المرأة ولا رأيتيها قط فقامت العجوز ووضعت يدها على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحلفت فاسود وجهها وهي لا تشعر فأمر أمير المؤمنين أن يأتوا بمرآت وناولها إياها ثم قال انظري فيها وإذا وجهها كالفحم الاسود فأرتفعت الاصوات بالتكبير والصلاة على محمد والعجوز تنظر وتبكي وتقول يا بن عم رسول الله تبت ورجعت الى الله فقال (ع): اللهم أنت العالم بما في الضمائر إن كانت صادقة في كلامها انها تابت ارجعها الى حالها فلم يرتفع عنها السواد فعلم أمير المؤمنين (ع) انها لم تتب، فقال يا ملعونة كيف كانت توبتك لا غفر الله لك ثم قال لعمر مر أصحابك ان يخرجوها الى خارج المدينة
ويرجموها لأنها كانت سبب قتل النفس المحترمة وهتك حرمة المرأة واستقرار النطفة من الحرام، فأمر عمر بذلك، فلما كانت الخلافة الى أمير المؤمنين عليه السلام كان ذلك الغلام قد كمل في العمر ثم قتل في صفين بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام. وعنه: روى عن أبي عبد الله عليه السلام، قال حدثني أبي عن جدي عليهم السلام: أنه قعد في زمن عمر رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر
[ 106 ]
ثلاثة أرغفة فمر بهما رجل فدعوه الى طعامهما فأكل معهما فلما قام ناولهما ثمانية دراهم وقال هذا لكما بدل ما أكلت من طعامكما، فقال صاحب الخمسة أرغفة لصاحب الثلاثة لي خمسة ولك ثلاثة فقال لا آخذ إلا أربعة لي وأربعة لك فأفضى بهما الحال إلى أن اختصما إلى عمر فقال عمر لصاحب الخمسة: لك خمسة ولصاحب الثلاثة ثلاثة، فقالا قد حلف كل واحد منا أن لا يأخذ إلا حقه فأمسكوا عنهما، فبعث عمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فلما حضر قال له يا أبا الحسن: اقضي بين هذين الرجلين فقصا عليه القصة فقال " ع " لهما اصطلحا فأبيا، فقال: يعطى لصاحب الثلاثة درهم ولصاحب الخمسة سبعة دراهم، فقالوا كيف يكون ذلك يا أبا الحسن ؟ فقال " ع ": إنه لقضاء تعرفه الصبيان الكتاب إذا تعلموا الفرائض، فقالوا: بين لنا ذلك فقال أليس كانوا هم ثلاثة بينهم ثمانية أرغفة ؟ فقالوا نعم، فقال " ع ": ضربنا ثمانية أجزاء في ثلاثة أجزاء ثم ضربنا الثلاثة في ثلاثة فصارت تسعة أجزاء فوجدنا صاحب الثلاثة قد أكل من خبزه ثمانية أجزاء والضيف جزء واحد ثم ضربنا الخمسة في ثلاثة فصارت خمسة عشر جزءا فوجدنا صاحب الخمسة قد أكل من خبزه ثمانية أجزاء وأكل الضيف سبعة أجزاء فقضى الأمر كذلك، فأقبل عمر على علي أمير المؤمنين عليه السلام وقال: أشهد أنك رباني هذه الأمة. وروي: أن امرأة ركبت على أخرى فجاءت ثالثة فنخستها فوقعت الراكبة
فماتت، فقضى أمير المؤمنين بثلثي الدية على الناخسة والمركوبة لأن التلف وقع بينهما وأسقط الثلث لركوبها عبثا فصوبه النبي صلى الله عليه واله. وفي الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام: قال كان لرجل على عهد علي عليه السلام جاريتان فولدتا جميعا في ليلة واحدة أحداهما إبنا والأخرى بنتا فمضت صاحبة الإبنة فوضعت الإبنة في المهد الذي فيه الإبن وأخذت الإبن فضمته إليها فلما جاءت أم الإبن رأت في مكانه الإبنة وقد أخذت أم الإبنة ابنها فأتتها فقالت: الإبن إبني وقالت الأخرى: إبني فتحاكما إلى أمير المؤمنين فأمر عليه السلام أن يوزن لبها وقال أيتهما كانت أثقل لبنا فالابن لها.
[ 107 ]
وفي كتاب مطالب السؤل: ان عليا (ع) لما قدم الكوفة وقدم عليه طوائف الناس كان فيهم فتى فصار من شيعته يقاتل بين يديه في مواقفه (ع) فخطب إمرأة من قوم استوطنوا الكوفة فأجابوه فتزوجها فلما صلى (ع) يوما صلاة الصبح قال لبعض من عنده اذهب الى محلة بني فلان تجد فيها مسجدا الى جانبه بيت تسمع فيه صوت رجل وامرأة يتشاجران فاحضرهما الساعة وقل لهما أمير المؤمنين يطلبكما، فمضى ذلك الانسان فما كان إلا هنيئة حتى عاد ومعه الفتى والامرأة فقال (ع) لهما: فيم تشاجركما طول الليلة ؟ فقال الفتى يا أمير المؤمنين ان هذه المرأة خطبتها وتزوجتها فلما خلوت بها وجدت في نفسي منها نفرة منعتني أن الم بها ولو استطعت اخراجها ليلا لأخرجتها عني قبل طلوع الفجر ونحن في التشاجر الى ان جاء أمرك فحضرنا اليك، فقال (ع) لمن حضره: رب حديث لا يؤثر من يخاطب به أن يسمعه غيره فقام من كان حاضرا ولم يبق عنده غير الفتى والمرأة فقال عليه السلام: أتعرفين هذا الفتى فقالت لا ؟ فقال لها: إذا انا اخبرتك بحالة تعلمينها فلا تنكريها قالت لا يا أمير المؤمنين، قال ألست فلانة بنت فلان ؟ قالت بلى، قال (ع): أليس لك ابن عم وكل واحد منكما
راغب في صاحبه ؟ قالت بلى، فقال أليس أباك منعك عنه ومنعه عنك ؟ قالت بلى، قال (ع) ألست خرجت ليلة لقضاء الحاجة فاغتالك واكرهك ووطأك فحملت وكتمت أمرك عن أبيك واعلمت أمك فلما آن الوضع اخرجتك ليلا فوضعت ولدا فلففته في خرقة والقيتيه الى خارج الطريق وجاء كلب فشمه فخشيت ان يأكله فرمته بحجر فوقعت في رأسه فشجته فعدت إليه انت وامك فشدت املك رأسه بخرقة من جانب مرطها ثم تركتماه ومضيتما ولم تعلما حاله، فسكتت فقال لها: تكلمي بحقي فقالت بلى والله يا أمير المؤمنين ان هذا الامر ما علمه غير امي، فقال قد اطلعني الله تعالى عليه فأصبح واخذه بنو فلان فربى فيهم الى ان كبر وقدم معهم الكوفة وخطبك وهو ابنك، ثم قال للفتى اكشف عن رأسك فكشف عنه فوجد أثر الشجة فيه فقال (ع): ابنك قد عصمه الله مما حرمه عليه فخذي ولدك وانصرفي فلا نكاح بينكما. وروي: ان ثلاثة رجال تشاجروا على سبعة عشر جملا بينهم وتخاصموا وألد
[ 108 ]
بينهم الخصام الطويل وكثر القال والقيل فمر عليهم علي (ع) فقال لهم: ما بالكم يشاجر بعضكم بعضا فقالوا يا أبا الحسن هذه سبعة عشر جملا وقد تشاجرنا على قسمتها ويريد كل منا ما يريده الآخر بحيث لا ينقص وقد اختار كل منا فيها، فقال لأحدهم كم لك ؟ قال النصف، ثم قال للثاني كم لك ؟ قال الثلث ثم قال للثالث كم لك فيها ؟ قال التسع فقال (ع): أترضون أن أقسمها لكم واضيف جملي هذا الى جمالكم هذه قالوا: رضينا قال (ع) للأول: أليس لك النصف وهو ثمانية جمال ونصف جمل قال بلى فقال إذا دفعت اليك ما يزيد على سهمك من غير كدر أفترضي قال نعم، فدفع إليه تسعة ثم قال للثاني: أليس لك الثلث وهو ستة جمال إلا ثلث جمل قال بلى فقال (ع): إذا دفعت اليك ما يزيد على سهمك أفترضي قال نعم، ثم قال للثالث: أليس لك التسع وهو جملان إلا تسع جمل قال بلى فقال إذا دفعت اليك ما يزيد على سهمك من غير كسر أفترضي
قال نعم فدفع إليه جملين وانصرف فركب عليه السلام جمله ومضى. (خبر اليتيمة): في تهذيب الحديث في عهد عمر كانت يتيمة عند رجل وكان للرجل امرأة وكان الرجل كثيرا ما يغيب عن أهله فشبت اليتيمة وكانت جميلة فتخوفت المرأة أن يتزوجها زوجها إذا رجع الى منزله فدعت بنسوة من جيرانها فأمسكتها ثم افتضتها باصبعها فلما قدم زوجها سأل المرأة عن اليتيمة فرمتها بالفاحشة وأقامت البينة من جيرانها على ذلك فأتوا عليا عليه أفضل الصلاة والسلام وقصوا عليه القصة فقال (ع) لأمرأة الرجل ألك بينة ؟ قالت نعم هؤلاء جيراني يشهدون عليها بما أقول فأخرج على السيف من غمده وطرحه بين يديه ثم أمر بكل واحدة من الشهود فدخلت بيتا ثم عاد بامرأة الرجل فأدارها بكل وجه فأبت أن تزول عن قولها فأدخلت بيتا ثم دعى باحدى الشهود وجثى على ركبتيه وقال لها أتعرفيني أنا علي بن أبي طالب وهذا سيفي وقالت امرأة الرجل ما قالت ورجعت الى الحق واعطيتها الأمان فاصدقيني وإلا ملأت سيفي منك فالتفتت المرأة الى علي (ع) فقالت يا أمير المؤمنين الأمان على الصدق فقال لها علي فأصدقيني فقالت: لا والله ما زنت اليتيمة ولكن امرأة الرجل لما رأت حسنها وجمالها وهيأتها خافت فساد زوجها فسقتها المسكر فأمسكناها فأفتضتها باصبعها. فقال
[ 109 ]
عليه السلام: الله أكبر الله أكبر انا أول من فرق بين الشهود إلا دانيال ثم حد المرأة حد القاذف وألزمها وألزم من ساعدها على اليتيمة المهر اربعمائة درهم وفرق بين المرأة وزوجها وزوجه اليتيمة وساق عنه المهر إليها من ماله، فقال عمر يا أبا الحسن حدثنا بحديث دانيال فقال (ع): ان دانيال كان غلاما يتيما لا أب له ولا أم وان امرأة من بني اسرائيل عجوزا ضمته إليها وربته وان ملكا من ملوك بني اسرائيل كان له قاضيان وكان له صديق وكان رجلا صالحا وكان له امرأة جميلة وكان يأتي الملك ويحدثه فأحتاج الملك الى رجل يبعثه في بعض أموره فقال للقاضيين اختارا لي رجلا
ابعثه في بعض أموري فقالا فلان فوجهه الملك فقال الرجل للقاضيين اوصيكما بامرأتي خيرا فخرج الرجل وكان القاضيان يأتيان باب الصديق فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها فأبت عليهما فقالا لها إن لم تفعلي شهدنا عليك عند الملك بالزنا ليرجمك فقالت افعلا ما شئتما فأتيا الملك فشهدا عليها أنها بغت وكان لها ذكر حسن جميل فدخل الملك من ذلك امر عظيم واشتد غمه وكان بها معجبا فقال لهما: ان قولكما مقبول فاجلدوها بعد ثلاثة أيام ثم ارجموها ونادى في المدينة احضروا قتل فلانة العابدة فأنها قد بغت وقد شهد عليها القاضيان بذلك، فأكثر الناس القول في ذلك فقال الملك لوزيره ما عندك في هذا حيلة فقال لا والله ما عندي في هذا شئ، فلما كان اليوم الثالث ركب الوزير وهو آخر أيامها فرأى غلمانا عراة يلعبون وفيهم دانيال فقال دانيال يا معشر الصبيان تعالوا اكون أنا الملك وتكون انت يا فلان العابدة ويكون فلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها ثم جمع ترابا وجعل سيفا من قصب ثم قال للغلمان خذوا بيد هذا فنحوه الى موضع كذا والوزير واقف، وخذوا هذا فنحوه الى موضع كذا، ثم دعى بأحدهما فقال قل حقا بأنك إن لم تقل حقا قتلتك قال نعم والوزير يسمع، فقال بم تشهد في حق هذه المرأة ؟ فقال اشهد بأنها زنت قال في أي يوم ؟ قال في يوم كذا، قال في أي وقت ؟ قال في وقت كذا وكذا، قال في أي موضع ؟ قال في موضع كذا وكذا قال مع من ؟ قال مع فلان فقال دانيال ردوا هذا الى مكانه وهاتوا الآخر فردوه وجاؤا بالآخر فسأله عن ذلك فخالف صاحبه بالقول فقال دانيال (ع): الله
[ 110 ]
اكبر الله أكبر شهدا عليها بالزور، ثم نادى الغلمان بأن القاضيين شهدا على فلانة بزور فاحضروا قتلهما، فذهب الوزير الى الملك مبادرا فأخبره بالخبر، فبعث الملك الى القاضيين فأحضرهما ثم فرق بينهما وفعل بهما كما فعل دانيال بالغلامين فأختلفا كما اختلف الغلامان، فنادى في الناس وأمر بقتل القاضيين.
(قصة بيت الطشت) في البحار عن كتاب الروضة وفضائل ابن شاذان يرفعه الى عمار بن ياسر وزيد بن أرقم، قالا: كنا بين يدي أمير المؤمنين (ع) وكان يوم الاثنين اربع عشر خلت من صفر وإذا بزعقة عظيمة أصمت المسامع وكان علي على دكة القضاء فقال يا عمار: ايتني بذي الفقار وكان وزنه سبعه أمنان وثلثي من مكي فجئت به فانتضاه من غمده وتركه على فخذه وقال يا عمار: هذا يوم اكشف فيه لأهل الكوفة الغمة يا عمار ايتني بمن على الباب قال عمار: فخرجت وإذا على الباب امرأة في قبة على جمل وهي تشتكي وتصيح يا غياث المستغيثين ويا بغية الطالبين ويا كنز الراغبين وياذا القوة المتين ويا مطعم اليتيم ويارازق العديم ويا محيى كل عظم رميم ويا قديما سبق قدمه كل قديم يا عون من ليس له عون ولا معين يا طود من لا طود له يا كنز من لا كنز له اليك توجهت وبوليك توسلت وخليفة رسولك قصدت فبيض وجهي وفرج عني كربتي، قال عمار وكان حولها الف فارس بسيوف مسلولة قوم لها وقوم عليها فقلت: أجيبوا أمير المؤمنين اجيبوا عيبة علم النبوة قال فنزلت المرأة من القبة ونزل القوم ودخلوا المسجد فوقفت المرأة بين يدي أمير المؤمنين (ع) وقالت يا مولاي يا إمام المتقين اليك اتيت وإياك قصدت فاكشف كربتي وما بي من غمة فانك قادر على ذلك وعالم بما كان وما يكون الى يوم القيامة، فعند ذلك قال (ع): يا عمار نادي في الكوفة من أراد ينظر الى ما اعطاه الله أخا رسوله فليأت المسجد، قال فأجتمع الناس حتى أمتلأ المسجد بالناس فقام أمير المؤمنين عليه السلام وقال: سلوني ما بدا لكم يا أهل الشام فنهض شيخ من بينهم قد شاب وعليه بردة يمانية فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين هذه الجارية ابنتي وقد
[ 111 ]
خطبها ملوك العرب والآن قد فضحتني لأنها قد حملت بحمل لا أدري من أين هو فقال أمير المؤمنين (ع). ما تقولين يا جارية ؟ فقالت يا مولاي وحقك ما علمت من
نفسي خيانة قط واني اعلم انك بنفسي أعلم بي مني، قال عمار: فأخذ الامام (ع) ذا الفقار وصعد المنبر وقال: الله اكبر الله اكبر جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا، ثم قال: علي بداية الكوفة فجاؤا بها، فقال لها أمير المؤمنين: اضربي فيما بينك وبين الناس حجابا وانظري هذه الجارية عاتق أم لا، حامل أم لا، ففعلت ما أمر به (ع) ثم قالت نعم يا سيدي هي عاتق حامل، فألتفت الى أبي الجارية وقال: يا أبا الغضب ألست من قرية كذا وكذا من أعمال دمشق ؟ قال وما هذه القرية ؟ قال هي قرية تسمى اسعار قال بلى يا مولاي، فقال (ع): من منكم يقدر على قطعة ثلج في هذه الساعة ؟ قال يا مولاي الثلج في بلادنا كثير ولكن ما نقدر عليه هيهنا، فقال " ع ": بيننا وبينكم مائتان وخمسون فرسخا قال نعم يا مولاي، قال عليه السلام: أيها الناس انظروا إلى ما أعطاه الله عليا من العلم النبوي الذي أودعه الله ورسوله من العلم الرباني قال عمار: فمد يده من أعلى منبر الكوفة ورماها وإذا فيها قطعة ثلج يقطر الماء منها فعند ذلك ضج الناس وماج الجامع بأهله، فقال " ع ": اسكتوا فلو شئت أتيت بجبالها، ثم قال لها يا دابة خذي هذه القطعة من الثلج واخرجي الجارية من المسجد واتركي تحتها طشتا وضعي هذه القطعة ما يلي الفرج فسترين علقة وزنها سبعمائة وخمسون درهما ودانقان، فقالت سمعا وطاعة لله ولك يا مولاي، ثم أخذتها وخرجت بها من الجامع وجاءت بطشت ووضعت الثلج كما أمرها الإمام فرأت علقة وزنتها الدابة فوجدتها كما قال " ع " فأقبلت ووضعتها بين يديه، فقال " ع ": يا أبا الغضب خذ ابنتك فوالله ما زنت وإنما دخلت الموضع الذي فيه الماء فدخلت هذه العلقة في جوفها وهي بنت عشرة سنين وكبرت إلى الآن في بطنها، فنهض أبوها وهو يقول: أشهد أنك تعلم ما في الأرحام وما في الضمائر وأنت باب الدين وعموده قال فضج الناس عند ذلك وقالوا: يا أمير المؤمنين لنا اليوم خمس سنين لم تمطر السماء علينا وقد مسنا وأهلنا الضر فاستسقي لنا يا وارث علم محمد فقام (ع) وأشار بيده إلى السماء فسال الغيث حتى بقت
[ 112 ]
الكوفة غدرانا فقالوا: يا أمير المؤمنين كفانا وروينا فتكلم بكلام فمضى الغيث فانقطع المطر وطلعت الشمس. (خبر آخر) وفيه عن عمار أيضا قال كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام وإذا بصوت عظيم فقال يا عمار اخرج وايتني بذي الفقار، فأتيته به، فقال اخرج وامنع الرجل من ظلامة الامرأة وإن أبى فاقسمه بذي الفقار، قال يا عمار: فخرجت فإذا بإمرأة ورجل قد تعلق بزمام جملها وهي تقول: إن الجمل جملي، والرجل يقول: إنه جملي، فقلت له: إن أمير المؤمنين ينهاك عن ظلامة المرأة، فقال يشتغل علي بشغله ويغسل يده من دماء المسلمين الذين قتلهم في البصرة والآن يريد أن يأخذ جملي ويدفعه إلى هذه المرأة الكاذبة، قال فرجعت لأخبره عليه السلام وإذا به قد خرج والغضب في وجهه وقال له: ويلك خل عن جمل المرأة فقال هو لي فقال (ع): كذبت يا لعين فقال من يشهد لها ؟ فقال من لا يكذبه أحد، ثم قال (ع): تكلم أيها الجمل لمن أنت فقال بلسان فصيح: أنا لهذه المرأة منذ تسعة عشر سنة. فقال عليه السلام: للمرأة خذيه وضرب الرجل وقسمه نصفين. الباب الثاني (في زهده وعبادته وتقواه وحلمه وشفقته) وفيه فصلان: الفصل الأول (في زهده وعبادته وتقواه) عن الأصبغ بن نباتة، وروي عن الباقر عليه السلام: أن عليا (ع) أتى البزازين فقال لرجل بعني ثوبين فقال الرجل يا أمير المؤمنين عندي حاجتك فلما عرفه مضى عنه فوقف على غلام وأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين فقال
[ 113 ]
عليه السلام: يا قنبر خذ الذي بثلاثة دراهم، فقال قنبر: يا أمير المؤمنين أنت أولى به
تصعد المنبر وتخطب الناس، فقال " ع ": أنت شاب ولك شره الشباب وأنا أستحي من ربي أن أتفضل عليك سمعت رسول الله (ص) يقول: ألبسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تأكلون فلما لبس القميص مد كم ذلك القميص وأمر بقطعه واتخاذه قلانس للفقراء فقال الغلام: هلم أكفه فقال دعه كما هو فإن الأمر أسرع من ذلك فجاء أبو الغلام فقال إن ابني لم يعرفك وهذان الدرهمان ربحهما فقال " ع ": ما كنت لأفعل قد ماكسته وما كسني واتفقنا على الرضى. وعن سويد بن غفلة ! قال رأيت أمير المؤمنين عليه السلام وهو يأكل رغيفا يكسره برجله ويلقيه في اللبن يجد ريحه من حموضته فناديت فضة جارية: ويحك أما تتقون الله في هذا الشيخ فتنخلون له طعاما لما أرى فيه من النخال فقال " ع ": بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر حتى قبضه الله إليه. وقال عليه السلام لعقبة بن علقمة يا أبا الحتوف أدركت رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا فإن أنا لم آخذ به خفت أن لا ألحق به. وعن أئمة الهدى - أن أمير المؤمنين " ع " مر ببعض حيطان فدك وفي يده مسحاة فهجمت عليه إمرأة من أجمل النساء فقالت يا ابن أبي طالب إن تتزوجني أعنك عن هذه المسحاة فقال لها من أنت حتى أخطبك من أهلك ؟ فقالت أنا الدنيا، فقال ارجعي فاطلبي زوجا غيري فلست من شأني وأقبل على مسحاته. وقد جاء في الأحاديث من الطرفين إنه كان يصلي في كل ليلة ألف ركعة مع اشتغاله بحوائجه الأخر. وجاء أنه لم يقدر أحد أن يحكي صلاة رسول الله إلا علي، ولا صلاة علي إلا علي بن الحسين. ويروى أنه عليه السلام كان كثيرا ما تصيبه الجراحات في الحروب وكانوا إذا أرادوا إخراج النشاب والحديد من جسده الشريف تركوه حتى يصلي فإذا اشتغل بالصلاة وأقبل على الله أخرجوا الحديد من جسده ولم يحس بالألم من شدة توجهه إلى الله، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن (ع) إن هي إلا فعلتك
يا حسن. وفي الروايات أنه لم يترك صلاة الليل والتهجد فيه حتى ليلة الهرير وكان
[ 114 ]
عليه السلام أكثر ايامه صائما يفطر على الماء. وفي كتاب ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي عن بريدة الأسلمي قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لي جبرئيل يا محمد ان حفظة علي بن أبي طالب لتفخر على الملائكة انها لم تكتب على علي خطيئة منذ صحبته. وفيه سئل علي (ع) عن قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاتة) قال والله ما عمل بهذا غير أهل بيت رسول الله نحن ذكرنا الله فلا ننساه، ونحن شكرنا الله فلا نكفره، ونحن اطعناه فلا نعصيه. قال جابر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين مؤمن آل يس وعلي ابن أبي طالب وآسية إمرأة فرعون. وفي روضة الواعظين قال أبو جعفر (ع) والله ان كان علي ليأكل أكل العبد ويجلس جلسة العبد، وان كان ليشتري القيمصين السنبلانيين فيخير غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر هو فإذا جاز اصابعه قطعه وإذا جاز كعبه حذفه ولقد ولي خمس سنين ما وضع آجره على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا اقطع قطيعة ولا اورث بيضاء ولا حمراء وان كان ليطعم الناس خبز البر واللحم وينصرف الى منزله ويأكل خبز الشعير والزيت والخل وما ورد عليه أمران كلاهما لله رضا إلا اخذ بأشدهما على بدنة ولقد اعتق الف مملوك من كد يده تربت فيه يداه وعرق فيه وجهه وما اطلق عمله من الناس احد وإن كان ليصلي في اليوم والليلة الف ركعة وان كان اقرب شبها به علي بن الحسين زين العابدين وما اطاق عمله بعده أحد من الناس. وفيه سمع رجل من التابعين أنس بن مالك يقول نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب (ع) - (أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه) قال الرجل أتيت عليا لأنظر إلى عبادته فأشهد بالله لقد أتيته وقت المغرب
فوجدته (ع) يصلي بأصحابه المغرب فلما فرغ منها جلس في التعقيب إلى أن قام إلى عشائه الآخرة ثم دخل منزله فدخلت معه فوجدته طول الليل يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر ثم جدد وضوءه وخرج إلى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر ثم جلس في التعقيب إلى أن طلع الشمس ثم قصده الناس فجعل يختصم إليه الرجلان وإذا فرغا
[ 115 ]
قاما، وجاء آخران إلى أن قام إلى صلاة الظهر وجدد وضوءه ثم صلى بأصحابه الظهر ثم قعد في التعقيب إلى أن صلى بهم العصر ثم أتاه الناس فجعل يقوم رجلان ويقعد آخران يقضي بينهم ويفتيهم إلى أن غابت الشمس فخرجت وأنا أقول أشهد بالله إن هذه الآية نزلت فيه. وعن عروة بن الزبير: قال كنا نتذاكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعمال أهل بدر وبيعة أهل الرضوان، فقال أبو الدرداء: ألا أخبركم بأقل القوم مالا وأكثرهم ورعا وأشدهم اجتهادا في العبادة قالوا من ؟ قال علي بن أبي طالب وقال رأيته في حائط بني النجار يدعو بدعوات وذكر الدعوات إلى أن قال ثم انغمر في الدعاء فلم أسمع له حسا ولا حركة فقلت غلب عليه النوم لطول السهر أوقظه لصلاة الفجر فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله علي بن أبي طالب فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليه فقالت فاطمة (ع): يا أبا الدرداء ما كان من شأنه وقصته فأخبرتها الخبر فقالت هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بماء فنضحوا على وجهه فأفاق ونظر إلي وأنا أبكي فقال ما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت بما أراه تنزله بنفسك فقال " ع " كيف بك إذا رأيتني أدعى إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد وزبانية فظاظ فوقفت بين يدي الملك الجبار وأسلمتني الأحباء ورفضتني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة بين يدي من لا تخفى عليه خافية، فقال أبو الدرداء ما رأيت ذلك لأحد
من أصحاب رسول الله. وعن سويد بن غفلة، دخلت على مولاي أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره فقلت يا مولاي يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولا أرى في بيتك شيئا مما يحتاج إليه البيت فقال يابن غفلة إن البيت لا يتأثث في دار النقلة ولنا دار قد نقلنا خير متاعنا إليها وإنا عن قليل إليها صائرون. ومن كلامه عليه السلام والله ما دنياكم عندي إلا كسفر على منهل حلوا وصاح بهم سائقهم فارتحلوا، ولا لذاتها في عيني إلا كحميم أشربه غساقا
[ 116 ]
وعلقم اتجرعه زعاقا وسم اسقاه دهاقا وقلادة من نار ارهقها خناقا. الفصل الثاني (في حلمه وشفقته) أما حلمه وشفقته فأنه عليه السلام لم يقابل مسيئا باساءته ولقد عفى عن أهل البصرة بعد ان ضربوا وجهه بالسيف وقتلوا اصحابه ولما ظفر بهم قالت عائشة ملكت فاسجح فجهزها أحسن الجهاز وبعث معها بتسعين امرأة أو سبعين واستأمنت لعبد الله بن الزبير على لسان محمد بن أبي بكر فأمنه وآمن معه سائر الناس وجئ بموسى بن طلحة بن عبيد الله فقال له قل استغفر الله واتوب إليه ثلاث مرات وخلي سبيله وقال اذهب حيث شئت وما وجدت لك في عسكرنا من سلاح أو كراع فخذه واتق الله فيما تستقبله من أمرك واجلس في بيتك. وجاء في الخبر انه (ع) كان إذا اخذ اسيرا في حروب أهل البصرة والشام اخذ سلاحه ودابته واستحلفه ان لا يعين عليه. ومن حلمه انه لما ادرك عمرو بن عبد ود لم يضربه فوقعوا فيه فرد عنه حذيفة فقال النبي (ص) مه يا حذيفة فان عليا سيذكر سبب وقفته، ثم انه ضرب عمرا فلما
جاء سأله النبي (ص) عن ذلك فقال انه شتم امي وتفل في وجهي فخشيت ان اضربه لحظ نفسي فتركته حتى سكن ما بي ثم قتلته في الله. وعفى يوم الجمل عن مروان بن الحكم ومن شفقته انه لم يسلب قتيلا قط. ولم يجهز على جريح، ولم يتبع شاردا. ومن حلمه عفوه يوم صفين عن جماعة منهم عمرو بن العاص وبسر بن ارطاة حين ابدوا عوراتهم، وسيأتي في غزواته. في المناقب عن أبي مطرف البصري ان أمير المؤمنين (ع) مر بأصحاب التمر فإذا هو بجارية تبكي فقال يا جارية ما يبكيك ؟ فقالت بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمرا فأتيتهم به فلم يرضوه فلما اتيته به ابى ان يقبله فقال (ع) للرجل يا عبد الله
[ 117 ]
انها خادمة وليس أمر فاردد إليها درهمها وخذ التمر فقام إليه الرجل فلكزه، فقال له الناس هذا أمير المؤمنين، فربا الرجل واصفر واخذ التمر من الجارية ورد إليها درهمها ثم قال يا أمير المؤمنين ارض عني فقال ما ارضاني عنك ان اصلحت أمرك، وفي فضائل أحمد بن حنبل: إذا وفيت الناس حقوقهم. وفيه انه " ع " دعا غلاما له مرارا فلم يجبه فخرج فوجده على باب البيت فقال " ع ": ما حملك على ترك إجابتي ؟ قال كسلت عن إجابتك وأمنت عقوبتك، فقال الحمد لله الذي جعلني ممن تأمنه خلقه امض فأنت حر لوجه الله. وفيه: كان عليه السلام في صلاة الصبح فقال ابن الكوي من خلفه: (ولقد اوحي اليك والى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فأنصت علي (ع) تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية، ثم عاد في قرائته، ثم أعاد ابن الكوي الآية فأنصت علي أيضا، ثم عاد في قراءته، فاعاد ابن الكوي فأنصت علي عليه السلام ثم قال: (فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يؤمنون). وفيه: مرت امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم فقال أمير المؤمنين (ع) ان
أبصار هذه الفحول طوامح وان ذلك سبب هبابها فأذا نظر أحدكم الى امرأة تعجبه فليلمس أهله فانما هي امرأة كامرأته، فقال رجل من الخوارج قاتله الله كافرا ما أفقهه فوثب القوم ليقتلوه فقال (ع): رويدا انما هو سب بسب أو عفو عن ذنب ومن شفقته - انه نظر الى امرأة على كتفها قربة ماء فأخذ منها القربة فحملها الى موضعها وسألها عن حالها فقالت بعث علي بن أبي طالب صاحبي الى بعض الثغور فقتل وترك علي صبيانا يتامى وليس عندي شئ وقد الجأتني الضرورة الى خدمة الناس فانصرف عليه السلام وبات ليلته قلقا فلما أصبح حمل زنبيلا فيه طعام فقال بعضهم اعطني احمله عنك فقال (ع) من يحمل عني وزري يوم القيامة، فأبى وقرع باب المرأة، فقالت المرأة من هذا ؟ قال انا ذلك العبد الذي حمل معك القربة فافتحي الباب فأن معي شيئا للصبيان فقالت رضي الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب فدخل وقال اني احببت اكتساب الثواب فأختاري بين ان تعجني وتخبزي وبين أن
[ 118 ]
تعللي الأطفال لأخبز انا فقالت انا بالخبز أبصر وعليه أقدر ولكن شأنك والأطفال فعللهم حتى افرغ من الخبز فعمدت المرأة الى الدقيق فعجنته وعمد علي (ع) الى اللحم فطبخه وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر وغيره وكلما ناول الصبيان من ذلك شيئا قال له يا بني اجعل علي بن أبي طالب في حل مما مر في أمرك فلما اختمر العجين قالت يا عبد الله أسجر التنور فبادر لسجره فلما اشعله لفح في وجهه فجعل يقول ذق يا علي هذا جزاء من ضيع الأرامل واليتامى، فرأته امرأة تعرفه فقالت ويحك من هذا الذي يسجر لك التنور ؟ فقالت لا اعرفه انه رجل اصابته الشفقة علينا، فقالت هو أمير المؤمنين، قال فبادرت المرأة وهي تقول واحيائي منك يا أمير المؤمنين قال فقال عليه السلام بل واحيائي منك يا امة الله فيما قصرت في أمرك، فخرج (ع) وجعل يجري عليهم احسن النفقة.
ومن شفقته: دخلت سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية بعد شهادة علي عليه السلام فجعل يؤنبها على تحريضها عليه ايام صفين وآن امره الى ان قال لها ما حاجتك ؟ قالت ان الله مسائلك عن امرنا وما افترض عليك من حقنا وما زال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك ويبطش بقوة سلطانك فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس الحرمل يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف هذا بسر بن ارطأة قدم علينا فقتل رجالنا ونهب اموالنا ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فان عزلته عنا شكرناك وإلا كفرناك فقال معاوية إياي تهددين يا سودة بقومك لقد همت ان احملك على قتب اشوس فارسلك إليه فينفد فيك حكمه، فأطرقت سودة ساعة ثم انشدت تقول: صلى الاله على جسم تضمنه * * قبر فأصبح فيه الحق مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * * فصار الحق والايمان مقرونا فقال معاوية من هذا يا سودة ؟ قالت هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والله يا معاوية لقد جئته في رجل كان قد ولاه صدقاتنا فجار علينا فصادفته قائما يصلى فلما رآني انفتل من صلاته ثم اقبل علي برحمة ورفق ورأفة وتعطف وقال لي ألك حاجة قلت نعم واخبرته الخبر فبكى ثم قال: اللهم انت الشاهد علي وعليهم واني لم آمرهم بظلم خلقك
[ 119 ]
ثم اخرج قطعة جلد فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم " قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين " فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام، ثم دفع الرقعة الي فجئت بها الى صاحبها فانصرف عنا معزولا. فقال معاوية اكتبوا لها كما تريد فكتبوا لها فمضت وهي تقول: وهذه من علي عليه السلام. الباب الثالث
(في كرمه واستجابة دعوته وفيه فصلان): الفصل الاول في كرمه عليه السلام أجمع المفسرون: على ان قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) الآية نزلت في علي " ع " قالوا كان عند علي بن أبي طالب اربعة دراهم من الفضة فتصدق بواحد ليلا وبواحد نهارا وبواحد سرا وبواحد علانية، فنزل. (الذين ينفقون أموالهم) - الى آخر الأية، فسمى كل درهم مالا وبشره بالقبول، وعن الكلبي فقال له النبي (ص) ما حملك على هذا قال حملني ان استوجب على الله ما وعدني به فقال له رسول الله (ص): ألا ان لك فأنزل الله هذه الآية. وعن تاريخ البلاذري وفضائل أحمد: انه كانت غلة علي " ع " اربعين الف دينار فجعلها صدقة، وانه باع سيفه وقال لو كان عندي عشاء ما بعته. وعن ابن عباس في قوله تعالى: (رجال لا تليهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) الى قوله - بغير حساب. قال هو والله أمير المؤمنين، وذلك ان النبي (ص) اعطى عليا " ع " يوما ثلاثمائة دينار اهديت
[ 120 ]
إليه قال علي " ع ": فأخذتها وقلت لأتصدقن الليلة من هذه الدنانير صدقة يقبلها الله مني فلما صليت العشاء الآخرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذت مائة دينار وخرجت من المسجد فاستقبلتني امرأة فأعطيتها الدنانير فأصبح الناس يقولون تصدق علي الليلة بمائة دينار على امرأة فاجرة فاغتممت غما شديدا فلما صليت الليلة القابلة صلاة العتمة أخذت مائة دينار وخرجت من المسجد وقلت والله لأتصدقن الليلة بصدقة يتقبلها ربي مني فلقيت رجلا فتصدقت عليه بالدنانير، فأصبح الناس يقولون: تصدق علي البارحة بمائة دينار على رجل سارق، فاغتممت غما شديدا وقلت والله لأتصدقن الليلة صدقة يتقبلها الله مني فصليت العشاء الآخرة مع النبي (ص) ثم خرجت من المسجد ومعي مائة دينار فلقيت رجلا فأعطيته اياها فلما اصبحت قال أهل المدينة تصدق علي
البارحة بمائة دينار على رجل غني فاغتممت غما شديدا فأتيت رسول الله (ص) فخبرته فقال لي يا علي هذا جبرئيل يقول لك ان الله عز وجل قد قبل صدقاتك وزكى عملك ان المائة دينار التي تصدقت بها أول ليلة وقعت في يد امرأة فاسدة فرجعت الى منزلها وتابت الى الله عز وجل من الفساد وجعلت تلك الدنانير رأس مالها وهي في طلب بعل تتزوج به، وان الصدقة الثانية وقعت في يد رجل سارق فرجع الى منزله وتاب الى الله من سرقته وجعل الدنانير رأس ماله يتجر بها، وان الصدقة الثالثة وقعت في يد رجل غني لم يزكي ماله منذ سنين فرجع الى منزله ووبخ نفسه وقال شحا عليك يانفس هذا علي بن أبي طالب " ع " تصدق علي بمائة دينار ولا مال له وانا قد أوجب الله على مالي الزكاة لأعوام كثيرة لم ازكه فحسب ماله وزكاه واخرج زكاة ماله كذا وكذا دينارا، وانزل الله: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). (خبر الناقة): روي أمير المؤمنين " ع " سمع أعرابيا يقول في الكعبة وهو آخذ بحلقة الباب: البيت بيتك والضيف ضيفك ولكل ضيف قرى فاجعل قراي منك في هذه الليلة المغفرة، فقال " ع " يا اعرابي هو والله أكرم من أن يرد ضيفه بلا قرى، وسمعه الليلة الثانية يقول يا عزيزا في عزك يعز من عز عزك انت انت لا يعلم أحد كيف أنت إلا أنت اتوجه اليك بك واتوسل بك اليك واسألك بحقك عليك
[ 121 ]
وبحقك على محمد وعلى آل محمد صلى الله عليه وآله اعطني ما لا يملكه غيرك واصرف عني ما لا يصرفه سواك يا أرحم الراحمين، فقال: هذا اسم الله الأعظم بالسريانية وسمعه الليلة الثالثة يقول: يا زين السماوات والأرض ارزقني اربعة آلاف درهم فضرب يده " ع " على كتف الاعرابي ثم قال قد سمعت ما طلبت وما سألت ربك فما الذي تصنع بأربعة آلاف درهم قال الف صداق امرأتي، والف أبني به دارا، والف اقضي به ديني، والف التمس به معاشي، قال انصفت يا أعرابي إذا قدمت المدينة فسل عن علي بن أبي طالب
قال فلما أتى الاعرابي المدينة جعل يطلب دار أمير المؤمنين " ع " ونادى: من يدلني على دار علي بن أبي طالب ؟ فلقيه الحسين " ع " فقال انا ادلك فقال له الاعرابي من أبوك ؟ فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال من امك ؟ قال فاطمة الزهراء سلام الله عليها، قال من جدك ؟ قال هو رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال من جدتك ؟ قال خديجة بنت خويلد، قال من أخوك ؟ قال الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال الاعرابي لقد أخذت الدنيا بطرفيها امش الى أمير المؤمنين وقل له أن الاعرابي صاحب الضمان بمكة على الباب، فدخل الحسين " ع " وقال يا أبه اعرابي بالباب يزعم انه صاحب الضمان بمكة، قال فخرج " ع " إليه وطلب سلمان الفارسي وقال يا سلمان اعرض الحديقة التي غرسها رسول الله (ص) على التجار فدخل سلمان الى السوق وعرض الحديقة فباعها باثني عشر الف درهم واحضر المال واحضر الأعرابي فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعين درهما لنفقته، فرفع الخبر الى فقراء المدينة فأجتمعوا إليه والدراهم مصبوبة بين يديه فجعل " ع " يقبض قبضة قبضة ويعطي رجلا رجلا حتى لم يبق له درهم واحد منها ودخل منزله فقالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها: يابن العم بعت الحديقة التي غرسها لك رسول الله ؟ فقال: نعم منها عاجلا وآجلا، قالت جزاك الله خيرا في ممشاك فأين الثمن ؟ قال " ع ": دفعته الى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسألني، فقالت: أنا جايعة وابناي جايعان ولا شك انك مثلنا في الجوع ألم يكن لنا منه درهم وأخذت بطرف ثوبه، فقال (ع): يا فاطمة خليني فقالت: لا والله أو يحكم بيني وبينك أبي، فهبط الامين جبرئيل على رسول الله
[ 122 ]
فقال يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول: اقرأ عليا مني السلام وقل لفاطمة ليس لك أن تضربي على يديه، فلما دخل رسول الله (ص) منزل علي وجد فاطمة ملازمة له فقال لها: يا بنية مالك ملازمة لعلي ؟ قالت: يا أبة باع الحديقة التي غرستها له ولم يحتبس لنا
من ثمنها درهما نشتري به طعاما فقال يا بنية جبرئيل يقرؤني من ربي السلام ويقول اقرأ عليا من ربه السلام وأمرني أن أقول ليس لك أن تضربي على يديه، فقالت فاطمة " ع " اني استغفر الله ولا أعود أبدا، قالت فاطمة: فخرج أبي (ص) في ناحية وعلي في ناحية فما لبث أن اتى أبي ومعه سبعة دراهم سود هجرية فقال: يا فاطمة أين علي ؟ فقلت له: خرج، فقال (ص): هاك هذه الدراهم فإذا جاء ابن عمي فقولي له يبتاع لكم بها طعاما فما لبث يسيرا ان جاء علي فقال رجع ابن عمي فاني اجد رائحته الطيبة قلت نعم ودفع الي شيئا تبتاع لنا به طعاما فقال هاتيه فدفعته إليه فقال بسم الله والحمد لله كثيرا طيبا وهذا من رزق الله عز وجل ثم قال يا حسن قم معي، فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول: من يقرض الملى الوفي ؟ قال يا بني تعطيه ؟ قال أي والله يا ابة فأعطاه الدراهم فقال له الحسن " ع ": يا أبتاه أعطيته الدراهم كلها قال: نعم يا بني ان الذي يعطي القليل قادر على أن يعطي الكثير، قال فمضى علي " ع " بباب رجل يستقرض منه شيئا فلقيه اعرابي ومعه ناقة فقال يا علي اشتري مني هذه الناقة قال " ع " ليس معي ثمنها فقال انتظرك به الى القبض قال بكم يا اعرابي ؟ قال بمائة درهم قال " ع " خذها يا حسن فأخذها. فمضى فلقيه اعرابي آخر وقال: يا علي أتبيع هذه الناقة ؟ فقال علي " ع ": وما تصنع بها ؟ قال اغزوا عليها أول غزوة يغزوها ابن عمك، قال إن قبلتها فهي لك بلا ثمن فقال الاعرابي: معي ثمنها وبالثمن اشتريها فبكم اشتريتها ؟ قال عليه السلام. بمائة درهم، قال فلك مائة وسبعون درهما، فقال يا حسن خذ السبعين والمائة وسلم المائة للأعرابي الذي باعنا الناقة والسبعين تبتاع بها شيئا فأخذ الحسن الدراهم وسلم الناقة، قال علي " ع ": فمضيت اطلب الاعرابي الذي باعني الناقة لأعطيه ثمنها فرأيت رسول الله (ص) جالسا في مكان لم أره فيه قبل ذلك ولا بعده على قارعة الطريق فلما نظر الي تبسم ضاحكا حتى بدت نواجده فقال علي " ع ": أضحك الله
[ 123 ]
سنك يارسول الله ويسرك بيومك فقال رسول الله (ص) يا علي أتطلب الاعرابي الذي باعك الناقة لتوفيه الثمن فقال اي والله فداك أبي وامي فقال (ص): يا أبا الحسن باعك الناقة جبرئيل، والذي اشتراها ميكائيل والناقة من فوق الجنة والدراهم من رب العالمين عز وجل فانفقها في خير ولا تخف اقتارا. سبب نزول سورة " هل أتى " عن تفسير الثعلبي وغيره من المفسرين: ان الحسن والحسين عليهما السلام مرضا فعادهما جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعادهما عامة العرب فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت لولديك نذرا فقال " ع ": إن برئ ولداي صمت ثلاثة أيام شكرا لله تعالى، فألبسا العافية وليس عند آل محمد لا قليل ولا كثير فأجر علي نفسه ليلة الى الصبح يستقي نخلا بشئ من شعير وأتى به الى المنزل فقامت فاطمة الزهراء " ع " الى ثلثه واختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصا وصلى أمير المؤمنين صلاة المغرب مع رسول الله (ص) ثم اتى الى منزله فوضع الطعام بين يديه فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه علي " ع " فقال اطعموه حصتي فقالت فاطمة: كذلك، والباقون كذلك فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلأ الماء القراح، فلما كان اليوم الثاني طحنت فاطمة ثلثا آخر واختبزته وأتى أمير المؤمنين " ع " من صلاة المغرب مع رسول الله فوضع الطعام بين يديه فأتى يتيم من ايتام المهاجرين وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد أنا يتيم من ايتام المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة اطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه علي وفاطمة فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلا الماء القراح، فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة سلام الله عليها الى الثلث الباقي وطحنته واختبزته وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة المغرب ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فجاء أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد تأسروننا ولا تطعمونا اطعمونا أطعمكم الله
من موائد الجنة فاني أسير محمد فسمعه علي " ع " فآثره وآثروه معه ومكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا سوى الماء القراح فلما كان اليوم الرابع وقد وفوا بنذرهم أخذ
[ 124 ]
علي الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى وأقبل " ع " نحو رسول الله (ص) وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع فلما أبصرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يا أبا الحسن ما أشد ما يسوئني ما أرى بكم انطلقا بنا الى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلي وقد انطبق بطنها على ظهرها من شدة الجوع فلما رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال واغوثاه بالله أهل بيت محمد يموتون جوعا فهبط جبرئيل وقال: خذ يا محمد هناك الله تعالى في أهل بيتك قال وما اخذ يا جبرئيل وقال: (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) - الى آخر السورة، أقول ولله در عبد الباقي افندي العمري حيث يقول: وقائل هل أتى نص بحق على * * أجبته هل أتى نص بحق علي وقلت أنا من قصيدة: هل أتى هل أتى لغير علي * * من جميع الرجال في كل قاع هل يكن نص أحمد بغدير * * لسواه حاشا من الابتداع (خبر اعطائه السائل الخاتم): عن تفسير الثعلبي أيضا، عن عبد الله بن عباس كان على شفير زمزم وهو يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول وهو يكرر الأحاديث إذ أقبل رجل معتم بعمامة وقد غطى بها أكثر وجهه فكان ابن عباس لا يقول قال رسول الله إلا وقال ذلك الرجل: قال رسول الله فقال له ابن عباس: بالله عليك من أنت فكشف العمامة عن وجهه وقال: ايها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي أنا جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (ص) يقول باذني هاتين وإلا فصمتا ورأيته بعيني هاتين وإلا فعميتا يقول: علي قائد البررة
علي قاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ملعون من جحد ولايته أما اني صليت مع رسول الله صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا فرفع السائل يده الى السماء وقال اللهم اشهد اني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا وكان أمير المؤمنين " ع " راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره والنبي (ص) شاهده فلما فرغ من صلاته
[ 125 ]
رفع النبي رأسه الى السماء وقال إلهي: موسى سألك فقال (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ازري واشركه في أمري) اللهم فأنزلت عليه قرآنا ناطقا سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك اللهم فأشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ازري قال أبو ذر رحمه الله: فما استتم كلامه حتى نزل جبرئيل من عند الله فقال يا محمد: اقرأ قال وما اقرأ ؟ قال اقرأ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). وعن أئمة الهدى (ع): ان تصدقه بالخاتم كان في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة، وروى شيخنا البهائي طاب ثراه ان ذلك الخاتم كان فصه خمسة مثاقيل وهي ياقوتة حمراء قيمتها ستة حمول فضة وأربع حمول ذهب وهو خراج الشام وفي بعض الروايات انه كان خاتم النبي سليمان وكان النبي (ص) أعطاه لعلي " ع " وكان ذلك السائل جبرئيل ورجع الخاتم الى أمير المؤمنين ثانيا وهو اليوم عند الحجة المنتظر سلام الله عليه. (خبر آخر): دخل أعرابي على أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا أمير المؤمنين لي اليك حاجة والحياء يمنعني أن أذكرها فقال " ع ": خطها في الأرض، فكتب انه فقير، فقال يا قنبر اكسه حلتي فقال الاعرابي:
كسوتني حلة تبلى محاسنها * * فسوف اكسوك من حسن الثنا حللا إن نلت حسن الثنا قد نلت مكرمة * * وليس تبغي بما قدمته بدلا ان الثنا ليحي ذكر صاحبه * * كالغيث يحيي نداء السهل والجبلا لا تزهد في عرف بدأت به * * كل إمرئ سوف يجزي بالذي بذلا فقال (ع): زده يا قنبر مائة دينار فقال يا أمير المؤمنين لو فرقتها في المسلمين لأصلحت به من شأنهم فقال صه يا قنبر اني سمعت رسول الله (ص) يقول: اشكروا لمن اثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم اكرموه. وفي شرح النهج: دخل محفن بن أبي محفن على معاوية بن أبي سفيان فقال:
[ 126 ]
جئتك من أبخل الناس يعني عليا فقال له معاوية: ويحك كيف تقول انه من أبخل الناس ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفذ تبره قبل تبنه، ومن قوله في الجود: سأمنح مالي كل من جاء طالبا * * واجعله وقفا على القرض والفرض فأما كريم صفت بالمال عرضه * * وأما لئيم صفت عن لومه عرضي الفصل الثاني (في إستجابة دعوته وإحيائه الموتى واشفائه المرضى): في تفسير العسكري (ع): قوله عز وجل: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون). قال الامام (ع): قال موسى بن جعفر ان رسول الله لما اعتذر هؤلاء المنافقون إليه بما اعتذروا تكرم عليهم بأن قبل ظواهرهم ووكل بواطنهم الى ربهم لكن أتاه جبرئيل فقال يا محمد ان العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول: اخرج هؤلاء المردة الذين اتصل بك عنهم في علي على نكثهم لبيعته وتوطينهم نفوسهم على مخالفتهم عليا ليظهر من عجائب ما اكرمه الله به من طاعة الأرض والجبال والسماء له وساير ما خلق الله لما اوقفه موقفك ليعلموا ان ولي الله
عليا غني عنهم وانه لا يكف عنهم انتقامه منهم إلا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير الذي هو بالغه والحكمة الذي هو عامل بها وممض لما يوجبها، فأمر رسول الله (ص) الجماعة من الذين اتصل به عنهم في أمر علي والمواطاة على مخالفته بالخروج عليه فقال لعلي (ع) لما استقر عند سفح جبال المدينة: يا علي ان الله عز وجل أمر هؤلاء بنصرتك ومساعدتك والمواظبة على خدمتك والجد في طاعتك فأن أطاعوك فهو خير لهم يصيرون في جنان الله ملوكا خالدين ناعمين وان خالفوك فهو شر لهم يصيرون في جهنم معذبين ثم قال رسول الله (ص) لتلك الجماعة: اعلموا انكم إن أطعتم عليا سعدتم وشفيتم وان خالفتموه شقيتم واغناه الله عنكم بمن سيريكموه ويما سيريكموه ثم قال يا علي
[ 127 ]
سل ربك بجاه محمد وآله الطاهرين الذين أنت بعد محمد سيدهم ان يقلب لك هذه الجبال ما شئت، فسأل (ع) ربه ذلك فأنقلبت فضة ثم نادته الجبال يا علي يا وصي رسول رب العالمين ان الله قد أعدنا لك فمتى دعوتنا أجبناك ليمضي فينا حكمك ثم انقلب ذهبا أحمرا كلها بدعائه وما آت مقالة الفضة ثم انقلبت مسكا وعنبرا وجواهرا ويواقيتا وكل شئ منها ينقلب يناديه يا أبا الحسن يا أخا رسول الله نحن المسخرات لك ادعنا متى شئت لتنفقنا فيما تحب وما شئت بحبك ونتحول لك الى ما تريد، ثم قال رسول الله أرأيتم قد أغنى الله عز وجل عليا بما ترون عن أموالكم، ثم قال رسول الله (ص) سل الله عز وجل بمحمد وآله الطيبين الطاهرين الذين أنت سيدهم بعد محمد رسول الله أن يقلب لك أشجارها رجالا شاكين السلاح وصخورها اسودا ونمورا وأفاع فدعى الله بذلك فامتلأت تلك الجبال والهضاب وقرار الأرض من الرجال الشاكي السلاح الذين لا يفنى منهم عشرة آلاف من الناس المعهودين ومن الاسود والنمور والافاعي وكل ينادي يا علي يا وصي رسول رب العالمين ان لك عند الله من الشأن العظيم ما لو سألت الله أن يصير لك اطراف الارض وجوانبها هيأة واحدة كصرة
كيس لفعل فمرنا بأمرك، أو سألته أن يحط لك السماء الى الأرض لفعل، أو يرفع لك الأرض الى السماء لفعل، أو يقلب لك ما في بحارها لفعل، أو شئت أن يجمد البحار لفعل فلا يحزنك تمرد هؤلاء المتمردين وخلاف هؤلاء المخالفين فكأنهم بالدنيا وقد انقضت عنهم وكأن لم يكونوا فيها وكأنهم بالآخرة إذا وردوا عليها لم يزالوا فيها يا علي ان الذي امهلهم مع كفرهم وفسقهم في تمردهم عن طاعتك هو الذي أمهل فرعون ذو الاوتاد ونمرود بن كنعان ومن ادعى الالهية من ذوي الطغيان وأطغى الطغاة ابليس رأس الضلالات وما خلقت انت ولاهم لدار الفناء بل لدار البقاء ولكنكم تنتظرون وتنقلون من دار الى دار ولا حاجة لربك الى من يسومهم ويرعاهم ولكنه أراد تشريفك عليهم وإبانتك بالفضل منهم ولو شاء لهداهم، قال فمرضت قلوب القوم لما شاهدوه من ذلك مضافا الى ما كان من مرض حسدهم لعلي بن أبي طالب (ع) فقال الله عند ذلك: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا
[ 128 ]
يكذبون) اي في قلوب هؤلاء المتمردين الشاكين الناكثين لما أخذت عليهم من عليهم البيعة لعلي بن أبي طالب فزادهم الله مرضا بحيث تاهت له قلوبهم جزءا بما أريتهم من هذه الآيات المعجزات ولهم عذاب أليم ؟ بما كانوا يكذبون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في قولهم إنا على العهد والبيعة مقيمون. عن كتاب بشارة المصطفى: بسنده عن عبد الواحد بن زيد، قال خرجت الى مكة فبينما انا اطوف فإذا بجارية خماسية وهي متعلقة بستارة الكعبة وهي تخاطب جارية مثلها وهي تقول: لا وحق المنتخب بالوصية والحاكم بالسوية والعادل في القضية زوج فاطمة المرضية ما كان كذا وكذا، فقلت لها يا جارية من صاحب هذه الصفة ؟ قالت: ذلك والله علم الأعلام وباب الأحكام وعمود الدين وقسيم الجنة والنار ورباني هذه الأمة ورأس الأئمة أخو النبي ووصيه وخليفته في امته مولاي علي بن أبي طالب
فقلت لها يا جارية بما يستحق علي منك هذه الصفة ؟ قالت: كان أبي والله مولاه فقتل بين يديه يوم صفين ولقد دخل يوما على امي وهي في خبائها وقد ارتكبني وأخا لي من الجدري ما ذهب به أبصارنا فلما رآنا تأوه وأنشأ يقول: ما إن تأوهت من أمر رزيت به * * كما تأوهت للأطفال في الصغر قد مات والدهم من كان يكفلهم * * في النائبات وفي الأسفار والحضر ثم ادناها إليه " ع " ثم أمر يده المباركة على عيني وعيني أخي ثم دعى بدعوات ثم شال يده، فها انا انظر الى الجمل على فرسخ كل ذلك ببركته " ع " فحللت خريطتي فدفعت إليها دينارين بقية كانت معي فتبسمت في وجهي فقالت: خلفنا اكرم سلف على خير خلف فنحن اليوم في كفالة أبي محمد الحسن بن علي " ع " ثم قالت: أتحب عليا ؟ قلت: أجل، قالت: ابشر فقد استمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، ثم ولت وهي تقول هذه الابيات: ما بث حب علي في ضمير فتى * * إلا له شهدت من ربه النعم ولا له قدم زل الزمان بها * * إلا له ثبتت من بعدها قدم ما سرني أنني من غير شيعته * * وان لي ما حواه العرب والعجم
[ 129 ]
(وفي المناقب) عن عمار الساباطي: قال قدم أمير المؤمنين عليه السلام المدائن فنزل بايوان كسرى وكان معه دلف بن بحير فلما صلى وقام قال لدلف قم معي وكان معه جماعة من أهل ساباط فما زالوا يطوفون منازل كسرى ويقول لدلف: كان لكسرى في هذا المكان كذا وكذا، ويقول دلف هو والله كذلك، فما زال كذلك حتى طاف المواضع بجميع من كان عنده ودلف يقول يا سيدي ومولاي كأنك وضعت هذه الأشياء في هذه المساكين، ثم نظر علي " ع " الى جمجمة نخرة فقال لبعض أصحابه خذ هذه الجمجمة ثم جاء الى الايوان وجلس فيه ودعا " ع " بطشت فيه ماء فقال للرجل
دع هذه الجمجمة في الطشت ثم قال اقسمت عليك يا جمجمة اخبريني من انا ومن أنت ؟ فقالت الجمجمة بلسان فصيح: اما انت فأمير المؤمنين وإمام المتقين وسيد الوصيين واما انا فعبد الله وابن أمته كسرى انوشيروان فقال له أمير المؤمنين " ع " كيف حالك ؟ فقال يا أمير المؤمنين كنت ملكا عادلا شفيقا على الرعايا لا أرضى بظلم أحد ولكن كنت على دين المجوس وقد ولد محمد في زمان ملكي فسقطت من شرفات قصري ثلاثة وعشرون شرفة ليلة ولد فيها فهممت أن آمن من كثرة ما سمعت من أنواع شرفه وفضله ومرتبته وعزه في السماوات والأرض ومن شرف أهل بيته ولكني تغافلت عنه وتشاغلت منه في الملك فيالها من نعمة ومنزلة ذهبت مني حيث لم اؤمن فأنا محروم من الجنة لعدم ايماني ولكني مع هذا الكفر خلصني الله تعالى من النار ببركة عدلي وإنصافي بين الرعية وانا في النار والنار محرمة علي فواحسرتا لو آمنت لكنت معك يا سيد أهل البيت ويا أمير امة محمد، قال فبكى الناس وانصرف القوم الذين كانوا من أهل ساباط الى أهليهم وأخبروهم بما كان وما جرى فأضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين " ع " فقال المخلصون منهم ان أمير المؤمنين عبد الله وابن عبده ووليه ووصي رسول الله، وقال بعضهم بل هو النبي، وقال بعضهم بل هو الرب وقالوا لولا انه الرب كيف يحيي الموتى، قال فسمع أمير المؤمنين " ع " بذلك فضاق صدره فأحضرهم وقال يا قوم غلب عليكم الشيطان إن انا إلا عبد الله أنعم علي بامامته وولايته، وولايته ووصية رسوله فأرجعوا من الكفر فأنا عبد الله وابن عبده ومحمد خير مني وهو
[ 130 ]
أيضا عبد الله وابن عبده وإن نحن إلا بشر مثلكم فخرج بعضهم من الكفر وبقي قوم على الكفر وما رجعوا فألح أمير المؤمنين (ع) عليهم بالرجوع فما رجعوا فأحرقهم بالنار وتفرق قوم منهم في البلاد وقالوا لولا ان فيه الربوبية ما كان أحرقنا بالنار فنعوذ بالله من الخذلان.
وفي خرايج الراوندي. انه اختصم رجل وامرأة الى أمير المؤمنين عليه السلام فعلى صوت الرجل على المرأة فقال له علي (ع) إخسأ يا كلب وكان ذلك الرجل خارجيا فإذا رأسه رأس كلب فقال رجل يا أمير المؤمنين صحت بهذا الرجل الخارجي فصار رأسه رأس كلب فما يمنعك عن معاوية ؟ فقال (ع): ويحك لو أشاء أن آتي بمعاوية الى هيهنا على سريره لدعوت الله حتى فعل ولكن لله خزائنا لا ذهب ولا فضة ولا انكار على اسرار تدبيره أما تقرأ: (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) وفي رواية قال أنما ادعوكم لثبوت الحجة وكمال المحنة ولو اذن في الدعاء بهلاك معاوية لما تأخر. وفيه عن ابن عمر: قال اتهم علي عليه السلام رجلا يقال له الغيراء برفع اخباره الى معاوية فأنكر ذلك وجحده فقال أتحلف بالله انك ما فعلت ذلك قال نعم وبدر فحلف، فقال له أمير المؤمنين إن كنت كاذبا أعمى الله بصرك فما دارت الجمعة حتى اخرج اعمى يقاد وقد أذهب الله عينيه. (خبر احيائه پرويز بن هرمز) في البحار عن المغربي، قال كنت مع أمير المؤمنين وقد أراد حرب معاوية فنظر الى جمجمة في جانب الفرات وقد اتيت عليها الأزمنة فمر عليها فدعاها فأجابته بالتلبية وتدحرجت بين يديه وتكلمت بكلام فصيح فأمرها بالرجوع فرجعت الى مكانها فلما فرغ من حرب النهروان أبصرنا جمجمة نخرة بالية فقال هاتوها فحركها بسوطه فقال اخبرني من أنت فقير أم غني، شقي أم سعيد، ملك أم رعية ؟ فقالت بلسان فصيح السلام عليك يا أمير المؤمنين أنا كنت ملكا ظالما وانا پرويز بن هرمز ملك الملوك ملكت مشارقها ومغاربها سهلها وجبلها برها وبحرها انا الذي بنيت خمسين مدينة وافتضضت خمسمائة جارية بكرا واشتريت
[ 131 ]
الف عبد تركي والف فارسي والف رومي والف زنجي وتزوجت بسبعين من بنات
الملوك وما ملك في الأرض إلا غلبت وظلمت أهله فلما جاءني ملك الموت قال لي يا ظالم يا طاغي خالفت الحق فتزلزلت اعضائي وارتعدت فرائضي وعرض علي أهل حبسي فإذا هم سبعين الف من أولاد الملوك وقد شقوا من حبسي فلما رفع ملك الموت روحي سكن أهل الأرض من ظلمي فأنا معذب في النار أبد الآبدين فوكل الله بي سبعين الفا من الزبانية في يد كل واحد منهم مرزبة من النار فلو ضربت بها جبال الأرض لأحترقت الجبال فتدكدكت وكلما ضربني الملك بواحدة من تلك المرازب اشتعل بي النار واحترقت فيحييني الله ويعذبني بظلمي على عباده وكذلك وكل الله بعدد كل شعرة في بدني حية تلسعني وعقربا تلدغني فتقول لي الحيات والعقارب هذا جزاء ظلمك على عباد الله، فسكتت الجمجمة وبكى جميع عسكر أمير المؤمنين عليه السلام وضربوا على رؤسهم وقالوا يا أمير المؤمنين جهلنا حقك بعدما أعلمنا رسول الله (ص) وانما خسرنا حظنا ونصيبنا فيك وإلا انت انت فلا ينقص منك شئ فاجعلنا في حل مما فرطنا فيك ورضينا بغيرك على مقامك فانا نادمون، فأمر (ع) بتغطية الجمجمة فعند ذلك وقف ماء النهروان من الجري وصعد على الماء كل سمك وحيوان كان في النهر فتكلم كل واحد منهم أمير المؤمنين عليه السلام ودعى له وشهد بامامته عليه الف الصلاة والتحية والسلام. (خبر احيائه سام بن نوح): في البحار عن المناقب، عن كتاب العلوي البصري، ان جماعة من اليمن أتوا النبي (ص) فقالوا نحن من بقايا الملل المتقدمة من آل نوح (ع) وكان لنبينا وصي اسمه سام واخبر في كتابه أن لكل نبي معجزا وله وصي يقوم مقامه فمن وصيك ؟ فأشار بيده نحو علي (ع) فقالوا يا محمد إن سألناه أن يرينا سام بن نوح يفعل ؟ فقال (ص) نعم باذن الله، وقال يا علي قم معهم الى داخل المسجد واضرب برجلك عند المحراب، فذهب علي وبأيديهم صحف الى ان دخل محراب رسول الله داخل المسجد فصلى ركعتين ثم قام وضرب برجله الأرض فانشقت الأرض
وظهر لحد وتابوت فقام من التابوت شيخ يتلألأ وجهه مثل القمر ليلة البدر وينفض
[ 132 ]
التراب من رأسه وله لحية الى سرته وسلم على أمير المؤمنين " ع " ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله سيد المرسلين وأنك علي وصي محمد سيد الوصيين وأنا سام بن نوح فنشروا أولئك صحفهم فوجدوه كما وصفوه في الصحف ثم قالوا نريد أن يقرأ من صحفه سورة، فأخذ في قراءته حتى أتم السورة، ثم سلم على علي ونام كما كان فأنضمت الأرض، فقالوا بأسرهم: يا أبا الحسن ان الدين عند الله الاسلام وآمنوا، فأنزل الله: (أم اتخذوا من دونه اولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى) - الآية وفي الخرائج: روى ان خارجيا اختصم مع آخر إليه " ع " فحكم بينهما فقال الخارجي ما عدلت في القضية، فقال " ع ": اخسأ يا عدو الله فاستحال كلبا وطار ثيابه في الهواء فجعل يبصبص بعينيه وقد دمعت عيناه فرق له علي ودعى فأعاده الله الى حال الانسانية وتراجعت ثيابه من الهواء إليه فقال عليه السلام: ان آصف وصي سليمان قص الله عنه بقوله: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك) أيهما اكرم أنبيكم صلى الله عليه وآله وسلم أم سليمان على الله عز وجل ؟ فقيل فما حاجتك في قتال معاوية الى الأنصار ؟ فقال " ع " انما ادعو الناس الى هؤلاء لثبوت الحجة وكمال المحنة ولو اذن لي في الدعاء بهلاكهم لما تأخرت. المجلس الرابع (في إطاعة المخلوقات له، وجوامع معجزاته، وجملة من مناقبه) (وفضائله الباهرة، ودلائله الزاهرة، ومعاجزه المتعلقة ببدنه) (الشريف، وذكر هيبته، وقوة شوكته وفيه ثلاثة أبواب): الباب الأول (في إطاعة المخلوقات له من الجن والانس والحيوانات والشمس والقمر والمطر)
(والبحر والهواء والحديد وغيرها، وفيه أخبار مختلفة): خبر عن كتاب هواتف الجن: عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن
[ 133 ]
الحارث عن أبيه، قال حدثني سلمان الفارسي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم مطير ونحن ملتفون نحوه فهتف هاتف: السلام عليك يارسول الله، فرد عليه السلام وقال من أنت ؟ قال عطرفة بن شمراخ أحد بني نجاح، قال أظهر لنا في صورتك قال سلمان فظهر لنا شيخ أذب أشعر قد لبس وجهه شعر غليظ متكاثف قد واراه وعيناه مشقوقتان طولا وفمه في صدره فيه انياب بادية طوال وأظفار كمخالب السباع فقال الشيخ: يا نبي الله ابعث معي من يدعو قومي الى الاسلام وأنا ارده اليك سالما، فقال النبي (ص): أيكم يقوم معه فيبلغ الجن عني وله الجنة ؟ فلم يقم أحد فقال صلى الله عليه وآله وسلم ثانية وثالثة فقال علي " ع ": أنا يارسول الله فالتفت النبي الى الشيخ وقال وائتني في الحارة في هذه الليلة ابعث معك رجلا يفصل حكمي وينطق بلساني ويبلغ الجن عني، قال فغاب الشيخ ثم اتى في الليل وهو على بعير كالشاة ومعه بعير آخر كارتفاع الفرس فحمل النبي (ص) عليا وحملني خلفه وعصب عيني وقال لا تفتح عينيك حتى تسمع عليا يؤذن ولا يروعك ما تسمع فانك آمن، فثار البعير فدفع سايرا يدف كدفيف النعام وعلي يتلو القرآن فسرنا ليلتنا حتى إذا طلع الفجر أذن علي " ع " وأناخ البعير وقال يا سلمان انزل فحللت عيني ونزلت وإذا ارض قوراء فأقام للصلاة وصلى بنا ولم ازل اسمع الحس حتى إذا سلم التفت فإذا خلق عظيم وأقام علي عليه السلام يسبح ربه حتى طلعت الشمس ثم قام خطيبا فخطبهم فاعترضته مردة منهم فأقبل علي " ع " فقال يا أبا الحق تكذبون وعن القرآن تصدفون وبآيات الله تجحدون ثم رفع طرفه الى السماء فقال: اللهم بالكلمة العظمى والاسماء الحسنى والعزائم الكبرى والحي القيوم ومحيي الموتى ومميت الاحياء ورب الأرض والسماء ياحرسة الجن ورصدة الشياطين وخدام الله
الشرهانيين وذوي الارحام الطاهرة اهبطوا بالجمرة التي لا تطفي والشهاب الثاقب والشواذ المحرق والنحاس القاتل بكهيعص والطواسين والحواميم ويس ونون والقلم وما يسطرون والذاريات والنجم إذا هوى والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والاقسام العظام ومواقع النجوم لما اسرعتم الانحدار الى المردة المتولعين المتكبرين الحاسدين الجاحدين آثار رب العالمين، قال سلمان فأحسست بالأرض من تحتي ترتعد
[ 134 ]
وسمعت في الهواء دويا شديدا ثم نزلت نار من السماء صعق كل من رآها من الجن وخرت على وجهها وسقطت على وجهي فلما أفقت وإذا دخان يفور من الأرض فصاح بهم علي عليه السلام ارفعوا رؤسكم فقد اهلك الله الظالمين ثم عاد الى خطبته فقال يا معاشر الجن والشياطين والغيلان وبني شمراخ وآل تجاح وسكان الاجام والرمال والقفار اعلموا ان الأرض قد ملئت عدلا كما كانت مملوءة جورا هذا هو الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون فقالوا آمنا بالله ورسوله ورسول رسوله فأخذ (ع) منهم البيعة وعلمهم أحكامهم، ورجعنا الى المدينة فلما دخلنا المدينة قال النبي (ص) ماذا صنعت ؟ قال أجابوا وقص عليه خبرهم فقال (ص): لا يزالون كذلك هايبين الى يوم القيامة. وأخذ البيعة على الجن بوادي العقيق بان لا يظهروا في رخاء منا وفي جوار المسلمين وقضى منه ومن رسول الله (ص) فشكت الجن مأكلهم فقال أو ليس قد أبحت لكم النثيل والعظم ؟ فقالوا بلى يا أمير المؤمنين على ان لا يستجمر بها فقال لكم ذلك فقالوا يا أمير المؤمنين فان الشمس تضر بأطفالنا فأمر (ع) الشمس ان ترجع فرجعت وأخذ عليها العهد والميثاق أن لا تضر بأولاد المؤمنين من الجن والانس. (خبر آخر) في خرايج الراوندي: كان أمير المؤمنين " ع " قائما على المنبر إذ أقبلت حية من باب الفيل كأنها البختي العظيم فناداهم علي افرجوا لها فان هذا رسول قوم
من الجن ففرجوا لها فوضعت فمها قريبا من اذنه فأصغى لها سويعة ثم مضت فقال (ع) ان هذا رسول قوم من الجن اخبرني انه وقع بيني وبين بني عامر وغيرهم شر وقتال فبعثوه لآتيهم واصلح بينهم فوعدته اني اتيهم الليلة، قالوا أتأذن لنا أن نخرج معك قال ما اكره ذلك فلما صلى بهم العشاء الآخر انطلق بهم حتى اتى ظهر الكوفة قبل الغري فخط حولهم خطة وقال إياكم أن تخرجوا من هذه الخطة فانه إن يخرج منكم أحد من هذه الخطة يخطف فقعدوا في الخطة ينظرون وقد نصب له منبر فصعد عليه فخطب خطبة لم يسمع الأولون والآخرون مثلها ثم لم يبرح حتى أصلح ذات بينهم ورجع الى أصحابه ودخلوا جميعا البلد. (خبر الهام بن الهيم) في البصائر باسناده عن أبي عبد الله (ع) بينا رسول الله
[ 135 ]
جالس إذ أتاه رجل طويل كأنه نخلة فسلم عليه فرد عليه السلام وقال له شبه الجن وكلامهم من أنت يا عبد الله ؟ فقال انا الهام بن الهيم بن الاقيس بن ابليس (لعنه الله) فقال رسول الله (ص) ما بينك وبين ابليس إلا أبوان، فقال نعم يارسول الله، فقال كم اتى لك ؟ قال اكلت عمر الدنيا إلا أقله انا ايام قتل هابيل غلام افهم الكلام وانهى عن الاعتصام واطرق الآجام وآمر بقطيعة الأرحام وافسد الطعام فقال له رسول الله (ص) بئس سيرة الشيخ المتأمل والغلام المقبل، فقال هام يا رسول الله اني تائب قال له على يدي من جرت توبتك من الأنبياء ؟ قال على يد نوح وكنت معه في سفينته واعنته على دعائه على قومه حتى بكى وابكاني وقال لا جرم اني على ذلك من النادمين واعوذ بالله أن اكون من الجاهلين، ثم كنت مع إبراهيم (ع) حين كاده قومه فألقوه في النار فجعلها عليه بردا وسلاما، ثم كنت مع يوسف (ع) حين حسده اخوته فألقوه في الجب فبادرته الى قعر الجب فوضعته وضعا رفيقا ثم كنت معه في السجن أونسه فيه حتى اخرجه الله منه، ثم كنت مع موسى (ع) وعلمني سفرا من التوراة وقال إذا ادركت عيني فأقرأه مني السلام، ثم كنت مع عيسى (ع)
وعلمني سفرا من الانجيل وقال إذا أدركت محمدا فأقرئه مني السلام فقال النبي (ص) وعلى عيسى روح الله مني السلام وعليك ياهام بما بلغت السلام فأدفع الينا حوائجك فقال حاجتي أن يبقيك الله آية لأمتك ويصلحهم لك ويرزقهم الاستقامة لوصيك من بعدك فان الامم السالفة انما هلكوا بعصيان الأوصياء وحاجتي يارسول الله أن تعلمني سورا من القرآن اصلي بها فقال يا علي علم هاما وارفق به فقال يارسول الله من هذا الذي ضممتني إليه إنا معاشر الجن امرنا ان لا نتكلم إلا مع نبي أو وصي نبي فقال له رسول الله (ص) ياهام من وجدتم في الكتاب وصي محمد قال في التوراة اليا، قال رسول الله (ص) هذا اليا هذا علي وصيي قال هام يارسول الله فله اسم غير هذا ؟ قال نعم حيدرة فلم تسألني عن ذلك قال انا وجدنا في كتاب الأنبياء ان في الانجيل هيدار، قال هو حيدرة، قال فعلمه علي " ع " سورا من القرآن فقال هلم يا وصي محمد اكتفي بما علمتني من القرآن قال نعم ياهام قليل من القرآن كثير
[ 136 ]
ثم قام الى النبي (ص) فودعه فلم يعد حتى قبض، وفي بعض الكتب انه استشهد ليلة الهرير. خبر رد الشمس له " ع " روى من الطريقين العامة والخاصة انه لما رجع أمير المؤمنين عليه السلام من قتال الخوارج صلى بالناس صلاة الظهر فرحلوا ودخلوا أرض بابل وقد وجبت صلاة العصر فصاح الناس يا أمير المؤمنين هذا وقت العصر فقال " ع ": ان هذه ارض مخسوف بها وقد خسف بها ثلاث مرات وعليها تمام الرابعة فلا يحل لنبي أو وصي نبي أن يصلي بها فمن شاء منكم أن يصلي فليصلي، فقال المنافقون منهم نعم هو لا يصلي ويقتل من يصلي يعنون بذلك أهل النهروان، قال جويرية بن مسهر العبدي فتبعته في فرسخ وقلت والله لا اصلي أو يصلي هو وإلا قلدته صلاتي اليوم فقال أمير المؤمنين
عليه السلام: اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير، فسار " ع " الى أن قطع ارض بابل وقد تدلت الشمس للغروب ثم غابت واحمر الافق قال فالتفت الي وقال يا جويرية هات الماء قال فقدمت إليه الاناء فتوضأ ثم قال: أذن يا جويرية فقلت يا أمير المؤمنين ما وجب وقت العشاء فقال قم واذن للعصر فقلت في نفسي كيف يقول اذن للعصر وقد غربت الشمس ولكن علي الطاعة فأذنت فقال لي: أقم ففعلت ولم افرغ من الاقامة إذ تحركت شفتاه بكلام كأنما هو منطق طير أو خطاطيف لم افهمه فرجعت الشمس بصرير عظيم حتى وقفت في مركزها من العصر فقام " ع " وكبر وصلى وصلينا وراءه فلما فرغ من صلاته وقفت الشمس كأنها سراج في وسط ماء وغابت واشتبكت النجوم وأزهرت فالتفت الي أمير المؤمنين " ع " وقال لي يا جويرية بن مسهر العبدي: أذن الآن لصلاة العشاء يا ضعيف اليقين.
[ 137 ]
(يقول جامع هذا الكتاب عفى عنه): وردت له الشمس في حياة النبي (ص) بمكة وقد كان النبي قد غشيه الوحي فوضع رأسه في حجر أمير المؤمنين " ع " وحضر وقت العصر فلم يبرح من مكانه وموضعه حتى غربت الشمس فأستيقظ النبي وقال اللهم ان عليا كان في طاعتك فرد عليه الشمس ليصلي العصر فردها الله تبارك وتعالى عليه بيضاء نقية حتى صلى ثم غابت. وقال السيد الحميري في ذلك من قصيدته المعروفة بالمذهية وأجاد: خير البرية بعد أحمد من له * * مني الولا والى بنيه تطربي ردت عليه الشمس لما فاته * * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتى تبلج نورها من وقتها * * للعصر ثم هوت هوي الكوكب وعليه قد ردت ببابل مرة * * اخرى وما ردت لخلق معرب إلا ليوشع أولا ولحبسها * * ولردها تأويل أمر معجب
قال مؤلف الكتاب غفر الله ذنوبه وعفى عنه: وها هنا حكاية قد ذكرها جماعة ونحن نذكرها لأتمام الفائدة. فنقول: ذكر ابن الجوزي في كتابه بعد نقل الخبر قال وفي الباب حكاية عجيبة حدثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق انهم شاهدوا أبا المنصور المظفر ابن اردشير الواعظ ذكر بعد العصر هذا الحديث ونمقه بألفاظه وذكر فضائل أهل البيت عليهم الصلاة والسلام فغطت سحابة الشمس حتى ظن الناس انها قد غابت فقام على المنبر واومى الى الشمس وأنشد يقول: لا تغربي يا شمس حتى ينتهي * * مدحي لآل المصطفى ولنجله وارخي عنانك إن أردت ثنائهم * * فاثبت إن كان الوقوف لأجله إن كان للمولى وقوفك فليكن * * هذا الوقوف لخيله ولرجله قالوا فانزاحت السحابة عن الشمس.
[ 138 ]
(خبر كلام الشمس معه) عن أبي ذر الغفاري رضى الله عنه: قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي " ع " إذا كان غدا وقت طلوع الشمس سر الى جانب البقيع وقف على نشز من الارض فإذا بزغت الشمس سلم عليها فان الله أمرها أن تجيبك فلما كان من الغد خرج أمير المؤمنين عليه السلام ومعه أبو بكر وعمر وجماعة من المهاجرين والأنصار حتى أتى البقيع ووقف على نشز من الأرض فلما طلعت الشمس قال صلوات الله عليه: السلام عليك يا خلق الله الجديد المطيع له فسمع دويا من السماء وقائلا يقول السلام عليك يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن يامن هو بكل شئ عليم فسمع الناس كلام الشمس فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعة وقد انصرف أمير المؤمنين " ع " من ذلك المكان فأتوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا يا رسول الله انا نقول ان عليا بشر مثلنا والشمس تخاطبه بما يخاطب به الباري نفسه
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فبما أنتم سمعتموه ؟ قالوا سمعنا الشمس تقول: كذا وكذا سمعناها تقول يا أول فقال (ص): قالت الصدق هو أول من آمن بي، قالوا سمعناها تقول: يا آخر فقال: قالت الصدق هو آخر الناس عهدا بي يغسلني ويكفنني ويدخلني قبري قالوا سمعناها تقول: يا ظاهر فقال (ص): قالت الصدق هو الذي اظهر علمي، قالوا سمعناها تقول يا باطن فقال: قالت الصدق هو الذي بطن سري كله، قالوا سمعناها تقول: يامن هو بكل شئ عليم، قال (ص): قالت الصدق هو أعلم بالحلال والحرام والسنن والفرائض وما يشا كل ذلك، فقاموا وقالوا لقد اوقعنا محمد في الطخياء، وخرجوا من باب المسجد فقال في ذلك أبو محمد العوني: امامي كليم الشمس راجع نورها * * فهل لكليم الشمس يا قوم من مثل قال مؤلف الكتاب غفر الله له: وقلت أنا من قصيدة اوردتها في كتابي الموسوم (بكنز الجواهر) وها هنا في فضل مديحه عليه السلام: الشمس لو ردها يوما فلا عجب * * أو كلمته فما زادته في الرتب
[ 139 ]
لأن شمس الضحى من أجله خلقت * * فكيف عند نداه تخف في الحجب (خبر عطرفة الجني): روى سلمان رحمه الله: قال كان رسول الله (ص) جالسا بالبطحاء وعنده جماعة من أصحابه وهو مقبل علينا بالحديث إذ نظرت الى زوبعة وقد ارتفعت فأثارت الغبار فما زالت تدنوا والغبار يعلو الى ان وقفت بحيال النبي (ص) ثم برز منها شخص كان فيها فقال يا رسول الله السلام عليك ورحمة الله وبركاته اعلم اني وافد قومي وقد استجرنا بك فأجرنا وابعث معي من يشرف على قوم منا فان بعضهم قد بغى على بعض ليحكم بينهم بالحق بحكم الله وكتابه وخذ علي العهود والمواثيق المؤكدة لأرده اليك سالما في غداة غد إلا أن يحدث علي حادث من عند الله، فقال النبي (ص) من أنت
وقومك ؟ فقال: أنا عطرفة بن شمراخ أحد بني كاخ وانا وجماعة من أهلي كنا نسترق السمع فلما منعنا من ذلك إذ بعثك الله آمنا بك وصدقناك وقد خالفنا بعض القوم وأقاموا على ما كانوا عليه فوقع بيننا وبينهم الخلاف وهم اكثر منا عددا وأشد قوة وقد غلبوا على الماء والمراعي واضروا بنا ودوابنا فابعث إليهم معي من يحكم بيننا بالحق، فقال النبي (ص) اكشف لنا عن وجهك حتى نراك على هيئتك التي أنت عليها فكشف عن صورته وإذا هو شيخ عليه شعر كثير ورأسه طويل وهو طويل العينين وعيناه في طول رأسه صغير الحدقتين وله في فيه اسنان كأسنان السباع، ثم ان النبي (ص) أخذ عليه العهد والميثاق على أن يرد عليه من يبعثه معه في غداة غد فلما فرغ من كلامه التفت النبي الى أبي بكر وقال امض مع أخينا عطرفة وانظر ما هم عليه واحكم بينهم بالحق فقال واين هم ؟ فقال (ص) هم تحت الأرض، فقال كيف نطيق النزول الى الأرض وكيف نحكم بينهم ولا نحسن كلامهم ؟ فلم يرد النبي جوابا ثم التفت الى عمر بن الخطاب فقال له مثل قوله لأبي بكر، فأجاب مثل جواب أبي بكر، ثم أقبل على عثمان فقال له: مثل قولهما، فأجابه كجوابها، ثم استدعى عليا " ع " وقال له:
[ 140 ]
يا علي امض مع أخينا عطرفة واشرف على قومه وانظر الى ما هم عليه واحكم بينهم بالحق فقال أمير المؤمنين السمع والطاعة ثم تقلد سيفه، قال سلمان رضي الله عنه: فتبعته الى أن صار في الوادي فلما نظر أمير المؤمنين " ع " الي قال لي يا سلمان: شكر الله سعيك فأرجع يا أبا عبد الله، فرجعت ووقفت انظر إليه ما يقع منه فانشقت الارض نصفين فدخل فيها وعادت الى ما كانت فدخلني من الحسرة ما الله أعلم به كل ذلك أسفا على أمير المؤمنين " ع "، فأصبح النبي (ص) وصلى بالناس صلاة الغداة ثم جلس على الصفا وحف به أصحابه فتأخر أمير المؤمنين عن وقت ميعاده حتى ارتفع النهار واكثر الناس الكلام فيه الى أن زالت الشمس وقالوا ان الجن احتالوا على النبي
فقد أراحنا الله من أبي تراب وذهب افتخاره بابن عمه علينا وظهرت شماتة المنافقين واكثروا الكلام الى أن صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الظهر والعصر وعاد الى مكانه واظهر الناس الكلام وأيسوا من أمير المؤمنين وكادت الشمس تغرب وايقن القوم انه هلك فلم ينظروا إلا والصفا قد انشق وطلع أمير المؤمنين " ع " وسيفه يقطر دما ومعه عطرفة، فقام النبي (ص) وقبل بين عينيه وقال له: ما الذي حبسك عني الى هذا الوقت ؟ فقال علي: سرت الى خلق كثير قد بغوا على عطرفة وعلى قومه فدعوتهم الى ثلاث خصال فأبوا علي ذلك، اني دعوتهم الى شهادة أن لا إله إلا الله والاقرار بك فأبوا ذلك مني، فدعوتهم الى أداء الجزية فأبوا، فسألتهم من أن يصلحوا عطرفة وقومه لتكون المراعي والمياه يوما لعطرفة ويوما لهم فأبوا ذلك فوضعت سيفي فيهم فقتلت منهم ثمانين ألف فارس فلما نظروا الى ما حل بهم مني صاحوا الامان الأمان فقلت لا أمان لكم إلا با لايمان فآمنوا بالله وبك، ثم اني أصلحت بينهم وبين عطرفة وقومه وصاروا إخوانا وزال من بينهم الخلاف وما زلت معهم الى هذه الساعة، فقال عطرفة جزاك الله خيرا يا رسول الله عن الاسلام وجزى الله ابن عمك عليا خيرا، ثم انصرف عطرفة. تم الخبر.
[ 141 ]
(حديث البساط واستجابة دعائه عليه السلام على أنس بن مالك): عن سالم بن أبي جعدة، قال: حضرت مجلس أنس بن مالك بالبصرة وهو يحدث فقام إليه رجل من القوم فقال: يا صاحب رسول الله ما هذه الشمة التي أراها بك فانه حدثني أبي عن جدي عن رسول الله (ص) فانه قال البرص والجذام لا يبلو الله بهما مؤمنا، قال فعند ذلك اطرق أنس بن مالك الى الارض وعيناه تذرفان بالدموع ثم رفع رأسه وقال دعوة العبد الصالح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " ع " نفدت في، فعند ذلك قام الناس وقصدوه وقالوا حدثنا يا أنس ما كان السبب ؟ فقال
لهم: إلهوا عن هذا، فقالوا: لا بد أن تخبرنا، فقال لهم اجلسوا مواضعكم وإسمعوا ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد اهدى إليه بساطا من قريه كذا وكذا من قرى الشرق يقال لها هندف فأرسلني رسول الله الى أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف الزهري فأتيته بهم وعنده اخوه وابن عمه علي بن أبي طالب وقال يا أنس ابسط البساط واجلس حتى تخبرني بما يكون، ثم قال يا علي قل يا ريح احملينا قال فقال الامام علي " ع ": يا ريح احملينا فإذا نحن في الهواء فقال سيروا على بركة الله، قال فسرنا ما شاء الله ثم قال يا ريح ضعينا فوضعتنا فقال " ع ": أتدرون أين أنتم ؟ قلنا: الله ورسوله ووليه أعلم، فقال: هؤلاء أصحاب الكهف والرقيم الذين كانوا من آيات الله عجبا قوموا بنا يا أصحاب رسول الله حتى نسلم عليهم فعند ذلك قام أبو بكر وعمر وقالا: السلام عليكم يا أصحاب الكهف والرقيم، قال فلم يجبهما أحد قال فقام طلحة والزبير فقالا: السلام عليكم يا أصحاب الكهف والرقيم فلم يجبهما أحد، قال أنس فقمت أنا وعبد الرحمن وقلت أنا أنس بن مالك خادم رسول الله (ص) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال فلم يجبنا أحد، قال فعند ذلك قام الامام " ع " وقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف والرقيم الذين كانوا من آيات الله عجبا فقالوا: وعليك السلام يا وصي رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال يا أصحاب الكهف لم لا رددتم على أصحاب رسول الله ؟ فقالوا بأجمعهم يا خليفة رسول الله اننا
[ 142 ]
فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى وليس معنا اذن أن نرد السلام إلا على نبي أو وصي نبي فأنت وصي خاتم النبيين وانت سيد الوصيين، ثم قال سمعتم يا أصحاب رسول الله قالوا: نعم يا أمير المؤمنين قال فخذوا مواضعكم وقروا في مجالسكم، قال فقعدنا في مجالسنا قال يا ريح احملينا فحملتنا فسرنا ما شاء الله الى أن غربت الشمس ثم قال يا ريح ضعينا فإذا نحن في ارض كالزعفران ليس لها حسيس ولا انيس نباتها القيصوم والشيح
وليس فيها ماء فقلنا له يا أمير المؤمنين دنت الصلاة وليس عندنا ماء نتوضأ فقام وجاء الى موضع من تلك الارض ورفسه برجله فنبعت عين ماء عذب فقال " ع ": دونكم وما طلبتم ولولا طلبتكم لجاء جبرئيل بماء من الجنة قال فتوضأنا به وصلينا ووقف (ع) يصلي الى أن انتصف الليل ثم قال خذوا مواضعكم ستدركون الصلاة مع رسول الله ثم قال يا ريح احملينا فإذا نحن في الهواء ثم سرنا ما شاء الله فإذا نحن بمسجد رسول الله وقد صلى من صلاة الغداة ركعة واحدة فقضينا ما كان قد سبقنا بها رسول الله ثم التفت الي وقال لي تحدثني أم احدثك بما وقع من المشاهدة التي شاهدتها أنت ؟ قلت بل من فمك أحلى يارسول الله، قال فابتدأ بالحديث من أوله الى آخره كأنه كان معنا ثم قال يا أنس تشهد لابن عمي بها إذا استشهدك قلت نعم يارسول الله، قال أنس فلما اوتى أبو بكر الخلافة بالقهر والعدوان أتى علي الي وكنت حاضرا عند أبي بكر والناس حوله فقال يا أنس ألست تشهد لي بفضيلة البساط ويوم العين فقلت له يا علي قد نسيت لكبري فعند ذلك قال لي يا أنس: إن كنت تكتمها مداهنة بعد وصية رسول الله لك فرماك ببياض في وجهك ولظى في جوفك وعمى في عينيك فما قمت من مكاني حتى برصت وعميت وأنا الآن لا أقدر على الصيام في شهر رمضان ولا غيره لأن الماء والزاد لا يبقيان في جوفي. ولم يزل على ذلك حتى مات بالبصرة. (خبر طغيان الفرات): روى: ان مولانا أمير المؤمنين كان جالسا في جامع الكوفة إذ أتاه جماعة من أهل الكوفة فشكوا إليه زيادة الفرات وطغيان الماء، فنهض (ع) وقصد الفرات
[ 143 ]
حتى وقف بموضع يقال له باب المروحة وأخذ القضيب بيده اليمنى ثم حرك شفتيه بكلام لا نعلمه وضرب بالقضيب الماء ضربة فهبط نصف ذراع فقال لهم يكفي هذا فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ثم ضرب ثانية فهبط نصف ذراع آخر فقال (ع) يكفي قالوا: لا يا أمير المؤمنين فقال شيئا بكلام لا يعرف وضربه ثالثة فهبط نصف ذراع
آخر، فقال: يكفى فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لو شئت لبينت لكم الحيتان في قراره. (خبر آخر): في البحار بسند طويل عن سعد الأبقع الأسدي من خواص علي عليه السلام قال كنت مع أمير المؤمنين (ع) في النصف من شعبان وهو يريد موضعا له كان يأوي فيه بالليل وانا معه حتى أتي الموضع ونزل عن بغلته ورفعت عن اذنيها وجذبتني فحس بذلك أمير المؤمنين فقال ما وراءك ؟ فقلت فداك أبي وأمي أرى البغلة تنظر شيئا وقد شخصت إليه ولا ادري ماذا دهاها فنظر أمير المؤمنين عليه السلام الى سواد فقال سبع. ثم قام من محرابه متقلدا سيفه فجعل يخطو والاسد مقبل فصاح به أمير المؤمنين: قف فوقف فعندها استقرت البغلة فقال عليه السلام: يا ليث أما علمت اني الليث وانا الضرغام والقسور والحيدر، ثم قال ما جاء بك أيها الليث ؟ ثم قال اللهم انطق لسانه، فقال السبع: يا أمير المؤمنين وياخير الوصيين وياوارث علم النبيين ما افترست منذ سبع شيئا وقد أضر بي الجوع ورأيتكم من مسافة فرسخين فدنوت منكم وقلت انظر ما هؤلاء فعسى أن تكون لي فيهم فريسة، ثم قال عليه السلام يا ليث أما علمت اني علي أبو الاشبال أحد عشر براثني أمثل من مخالبك ثم امتد السبع بين يديه وجعل يمسح على هامته ويقول ما جاء بك يا ليث أنت كلب الله في أرضه قال يا أمير المؤمنين الجوع الجوع فقال (ع): اللهم انه يرزق بقدر پمحمد وأهل بيته قال فالتفت وإذا بالأسد يأكل شيئا كهيئة الجمل حتى أتى عليه ثم قال والله يا أمير المؤمنين ما نأكل نحن معاشر السباع رجلا يحبك ويحب ذريتك، فقال له أمير المؤمنين (ع): أين تأوي وأين تكون ؟ فقال اني مسلط على كلاب أهل الشام وكذلك أهل بيتي فقال أمير المؤمنين عليه السلام: فما جاء بك الى الكوفة ؟ فقال
[ 144 ]
اتيت الحجاز ولم اصادف شيئا واني لمنصرف من ليلتي هذه الى رجل يقال له سنان
ابن وايل ممن أفلت من حرب صفين ونزل القادسية وهو رزقي في ليلتي هذه، ثم قام من بين يدي أمير المؤمنين، فقال لي مم تعجب هذا أعجب أم الشمس أم العين أم الكواكب أم سائر ذلك ؟ فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة لو احببت أن اري الناس مما علمني رسول الله (ص) من الآيات والعجائب لكان يرجعون كفارا ثم رجع أمير المؤمنين (ع) الى مستقره ووجهني الى القادسية فسمعت الناس يقولون قد أكل الأسد سنان بن وايل. (خبر آخر في الخرايج والجرايج): عن الحارث الأعور قال بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بالكوفة على المنبر إذ نظر الى زاوية المسجد فقال يا قنبر ائتني بما في ذلك الحجر، فإذا هو بارقط حية بأحسن ما يكون، فأقبل الى أمير المؤمنين فجعل يساره ثم انصرف الى الحجر، فتعجب الناس قالوا وما لنا لا نعجب فقال (ع): ترون هذه الحية بايعت رسول الله (ص) على السمع والطاعة وهي سامعة مطيعة لي وأنا وصي رسول الله آمركم بالسمع والطاعة فمنكم من يسمع ومنكم من لا يسمع ولا يطع قال الحرث فكنا مع أمير المؤمنين (ع) في كناسة الكوفة إذ أقبل أسد بهوى من البر فتقضقضنا من حوله وجاء الأسد حتى قام بين يديه ووضع يديه بين اذنيه فقال له (ع) ارجع باذن الله تعالى ولا تدخل الحجرة بعد اليوم وابلغ السباع عني. (خبر المسوخات) عن الأصبغ بن نباتة: قال جاء نفر الى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له ان المعتمد يزعم انك تقول هذا الجري مسخ فقال مكانكم حتى أخرج فتناول ثوبه ثم خرج إليهم ومضى حتى انتهى الى الفرات بالكوفة فصاح يا جري فأجابه لبيك لبيك قال من أنا ؟ قال أمير المؤمنين وإمام المتقين، قال له أمير المؤمنين من أنت ؟ قال انا ممن عرضت عليه ولايتك فجحدتها ولم أقبلها فمسخت جريا وبعض هؤلاء الذين معك يمسخون جريا فقال عليه السلام فبين قصتك وممن كنت ومن كان مسخ معك ؟ قال
[ 145 ]
نعم يا أمير المؤمنين كنا أربعا وعشرين طائفة من بني اسرائيل قد تمردنا واستكبرنا وطغينا وتركنا المدن ولم نسكنها أبدا فسكنا المفاوز رغبة منا في البعد عن المياه فأتانا آت أنت والله أعرف به منا في ضحى النهار فصرخ صرخة فجمعنا في مجمع واحد وكنا منبثين في تلك المفاوز والقفار فقال لنا مالكم هربتم عن المدن والأنهار والمياه وسكنتم هذه المفاوز فأردنا أن نقول لأنا فوق العالم تعززا وتكبرا فقال قد علمت ما في أنفسكم فعلى الله تعززون وتتكبرون فقلنا له لا، فقال أليس قد عهد نبيكم العهد بالاقرار بنبوة محمد (ص) وبولاية وصيه وخليفته من بعده علي فسكتنا ولم نجب إلا بألسنتنا وقلوبنا ونياتنا لا تقبلها ولا تقر بها، فقال تقولون بألسنتكم خاصة فصاح بنا صيحة وقال لنا كونوا باذن الله مسوخا كل طائفة جنسا، ثم قال ايتها القفار كونوا باذن الله أنهارا تسكك هذه المسوخ واتصلي بأنهار الدنيا وبحارها حتى انه لا يكون ماء إلا وهم فيه فمسخنا ونحن أربعة وعشرون طائفة فمنا من قال ايها المقتدر علينا بقدرة الله فبحقه عليك لما اغنيتنا عن الماء وجعلتنا على وجه الأرض كيف شئت قال قد فعلت، قال أمير المؤمنين " ع ": يا جري فبين لنا ما كانت أجناس المسوخ البرية والبحرية فقال أما البحرية فنحن الجري والرق والسلاحف والمار ماهي والزمار والشراطين وكلاب الماء والضفادع وبنت الهرس والعرسان والكوسج والتمساح، أما البرية فالوزغ والخناض والكلب والدب والقرد والخنازير والضب والحرباء والأدن والخفاش والأرنب والضبع، قال أمير المؤمنين " ع " صدقت ايها الجري فما فيكم من طبع الانسانية وخلقها، قال الجري والبعض لكل صورة وكلنا نحيض منا الاناث، قال أمير المؤمنين " ع ": صدقت ايها الجري، فقال الجري يا أمير المؤمنين فهل من توبة ؟ فقال (ع) الأجل هو يوم القيامة وهو الوقت المعلوم، قال الأصبغ فسمعنا والله ما قال ذلك الجري ووعينا وكتبناه وعرضناه على أمير المؤمنين عليه السلام.
(خبر انقياد الذئب له عليه السلام): في البحار عن عمار بن ياسر قال تبعت أمير المؤمنين عليه السلام في بعض
[ 146 ]
طرقات المدينة فإذا انا بذئب ادرع أذب قد أقبل يهرول حتى أتى المكان الذي فيه أمير المؤمنين عليه السلام فقال علي (ع) اللهم اطلق لسان الذئب يكلمني، فأطلق الله لسان الذئب وإذا به يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال (ع) وعليك السلام من أين أقبلت ؟ قال من حائط بني النجار، قال وأين تريد ؟ قال بلد الأنبياء البررة قال (ع) فيماذا ؟ قال لأدخل في بيعتك مرة أخرى، قال كأنكم قد بايعتمونا قال صاح بنا صائح من السماء ان اجتمعوا فاجتمعنا الى ثنية من بني اسرائيل فنشر فيها أعلام بيض ورايات خضر ونصب فيها منبر من ذهب أحمر وعلا عليه جبرئيل فخطب خطبة بليغة وجلت منها القلوب وابكى منها العيون ثم قال يا معشر الوحوش ان الله عز وجل قد دعى محمدا فأجابه وستخلف من بعده على عباده علي بن أبي طالب وأمركم ان تبايعوه فقالوا سمعنا وأطعنا ما خلا الذئب فأنه جحد حقك وأنكر معرفتك فقال علي (ع) ويحك ايها الذئب كأنك من الجن فقال لا انا من الجن ولا من الانس ولكني ذئب شريف، قال (ع) وكيف تكون شريفا وأنت ذئب ؟ قال شريف لأني من شيعتك وأخبرني أبي اننا من ولد ذلك الذئب الذي اصطاده اولاد يعقوب فقالوا هذا أكل أخانا بالأمس وانه متهم. وفيه بإسناده عن الكاظم ان أمير المؤمنين عليه السلام كان يسعى على الصفا فإذا هو بدراج يتدرج على وجه الأرض فوقع بأزاء أمير المؤمنين فقال السلام عليك ايها الدراج ما تصنع في هذا المكان ؟ فقال يا أمير المؤمنين اني في هذا المكان منذ كذا وكذا عاما اسبح الله واقدسه وامجده واعبده حق عبادته، فقال (ع): ايها الدراج انه لصفا نقي لا مطعم فيه ولا مشرب فمن اين لك المطعم والمشرب ؟ فأجابه الدراج وهو يقول: وقرابتك من رسول الله
يا أمير المؤمنين اني كلما جعت ذكرت ولا يتكم أهل البيت فأشبع، وإذا عطشت اتبرا من اعدائكم فأروي، فقال (ع) بورك فيك، فطار الطائر. (خبر فيه إطاعة الريح وغيرها له): وفي البحار عن كتب عديدة، يرفعه الى عبد الله بن خالد بن سعيد بن العاص
[ 147 ]
قال كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام وقد خرج من الكوفة فلما وصل النخيلة خرج خمسون رجلا من اليهود وقالوا أنت علي بن أبي طالب الامام ؟ فقال أنا ذا، فقالوا لنا صخرة في كتبنا عليها اسم ستة من الأنبياء وهو ذا نطلب الصخرة فلا نجدها فان كنت إماما اوجدنا الصخرة، فقال " ع ": اتبعوني، قال عبد الله بن خالد فسار القوم خلف أمير المؤمنين الى أن استبطن فيهم البر وإذا بجبل من رمل عظيم فقال (ع) ايتها الريح انسفي الرمل من على الصخرة بحق اسم الله الأعظم، فما كان إلا ساعة حتى نسفت الريح الرمل وأظهرت الصخرة، فقال " ع " هذه صخرتكم فقالوا عليها اسم ستة من الأنبياء على ما سمعناه وقرأناه في كتبنا ولسنا نرى عليها الاسماء فقال أما الاسماء التى عليها ففي وجهها الذي على الارض فاقلبوها فاعصوصب عليها الف رجل حضروا فما قدروا على قلبها، فقال " ع " تنحوا عنها فمد يده إليها فقلبها على وجهها فوجدوا عليها اسم ستة من الانبياء عليهم السلام أصحاب الشرايع وهم: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (ص)، فقال النفر اليهود: نشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وانك أمير المؤمنين وسيد الوصيين وحجة الله في أرضه من عرفك سعد ونجى ومن خالفك ضل وغوى والى الجحيم هوى جلت مناقبك عن التحديد وكثرت آثار نعمتك عن التعديد. (خبر آخر): روي انه لما جاءت فضة الى بيت فاطمة سلام الله عليها وهي كانت بنت ملك من ملوك الحبشة وقيل بنت ملك الهند وكان عندها ذخيرة من الاكسير
فلم تجد في بيت علي " ع " إلا السيف والدرع والرحى فأخذت قطعة من النحاس ولانتها وجعلتها على هيأة سبيكة وعلقت عليها الدواء وصبغتها ذهبا، فلما جاء أمير المؤمنين " ع " وضعتها بين يديه فلما رآها قال أحسنت يا فضة لو اذبت الجسد لكان الصبغ اعلا والقيمة اعلا، فقالت يا سيدي تعرف هذا العلم قال (ع) نعم وهذا الطفل يعرفه وأشار الى الحسين عليه السلام فجاء وقال كما قال أمير المؤمنين، فقال لها أمير المؤمنين " ع " عند ذلك يا فضة نحن نعرف اعظم من هذا ثم اومى بيده فإذا عنق من ذهب وكنوز الأرض سايرة فقال يا فضة ضعيها مع اخواتها فوضعتها فسارت
[ 148 ]
فقال عليه السلام: يا فضة انا ما خلقنا لهذا. (خبر خالد بن الوليد): في إرشاد القلوب للديلمي، عن جابر بن عبد الله الانصاري وعبد الله بن عباس قالا: كنا جلوسا عند أبي بكر في ولايته وقد أضحى النهار وإذا بخالد بن الوليد قد وافانا في جيش قام غباره وكثر صواهل خيله وإذا بقطب رحاء ملوي في عنقه وقد فتل فتلا فأقبل حتى نزل عن فرسه بأزاء أبي بكر فرمقه الناس بأعينهم وهالهم منظرة فقال اعدل يابن أبي قحافة حيث جعلك الناس في موضع ليس له انت بأهل وما ارتفعت في هذا المكان إلا كما يرتفع الطافي من السمك على الماء انما يطغو ويعلو حين لا حراك به مالك ولسياسة الجيوش وتقديم العساكر وأنت بحيث انت من لئيم الحسب ومنقوص النسب وضعف القوى وقلة التحصيل لا تحمي ذمارا ولا تضرم نارا فلا جزى الله أخا ثقيف وولد صهاك خيرا اني رجعت منكفيا من الطائف الى جدة في طلب المرتدين فرأيت ابن أبي طالب ومعه رهط عتاة من الذين غزرت حماليق اعينهم من حسدك وبدرت حنقا عليك وقرحت آماقهم لمكانك فيهم اين ياسر والمقداد وابن جنادة اخو غفار وابن العوام وغلامان اعرف أحدهما بوجهه وغلام اسمر لعله من ولد عقيل اخيه فتبين لي المكر في وجوههم والحسد في احمرار اعينهم وقد توشح علي (ع) بدرع رسول الله ولبس ردائه الشريف وقد
اسرج له دابته العقاب وقد نزل على عين ماء اسمها روية فلما رآني اشمأز وبربر واطرق موحشا يقبض على لحيته فبادرته بالسلام استكفاء شره واتقاء وحشته واستغنمت سعة المناخ وسهولة المنزل فنزلت ومن معي بحيث نزلوا اتقاء عن مراوغته فبدأ بي ابن ياسر بقبيح لفظه ومحض عداوته فقرعني هزوا بما تقدمت به الي من سوء رأيك فالتفت الي الأصلع الراس وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهة الاسد وقعقعة الرعد فقال لي بغضب منه: أو كنت فاعلا يا أبا سليمان ؟ فقلت وايم الله لو اقام على رأيه لضربت الذي فيه عيناك فأغضبه قولي إذ صدقت واخرجه الى طبعه الذي اعرفه له عند الغضب فقال يابن الخنا مثلك من يقدر على مثلي ان يجسر يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة ويلك اني لست من قتلاك ولا قتلى اصحابك ولأني
[ 149 ]
لأعرف بمنيتي منك بنفسك ثم ضرب بيده الى ترقوتي ونكسني عن فرسي وجعل يسوقني فدعا الى رحاء للحارث بن كلدة الثقفي فعمد الى القطب الغليظ فمد عنقي بكلتا يديه وأداره في عنقي والحديد ينفتل له كالعلك السخن وأصحابي هؤلاء وقوف ما اغنوا عني سطوته ولا كفوني شره فلا جزاهم الله عني خيرا فأنهم لما نظروا إليه كأنهم نظروا الى ملك الموت فوالذي رفع السماء لقد اجتمع على فك هذا القطب مائة رجل أو يزيدون من أشداء العرب وما قدروا على فكه فدلني عجز الناس من فكه انه سحر منه أو قوة ملك قد ركبت فيه ففكه الآن عني إن كنت فاكه وخذ لي بحقي إن كنت آخذه وإلا لحقت بدار عزي ومقر مكرمتي فقد ألبسني ابن أبي طالب من العار ما صرت به ضحكة لأهل الديار، فالتفت أبو بكر الى عمر وقال ألا ترى الى ما يخرج من هذا الرجل كأن ولايتي والله ثقل على كاهله أو شجا في صدره فالتفت إليه عمر وقال: فيه والله دعاية لا يدعها حتى تورده فلا تصدره وجهل وحسد قد استحكما في صدره فجريا منه مجرى الدماء لا يدعانه حتى يهنيا منزلته ويورطاه ورطة الهلكة
ثم قال أبو بكر لمن حضر ادعوا الى قيس بن سعد بن عبادة الانصاري فليس لفك هذا القطب غيره، وكان قيس طوله ثمانية عشر شبرا في عرضه خمسة اشبار وكان أشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين، فحضر قيس فقال يا قيس انك من شدة البدن بحيث انت ففك هذا القطب عن أخيك خالد فقال قيس ولم لا يفكه خالد عن عنقه فقال لا يقدر عليه فقال إذا لم يقدر عليه أبو سليمان وهو نجم العسكر وسيفكم على عدوكم فكيف أنا اقدر عليه فقال له عمر دعنا يا قيس من هزئك وهزلك وخذ فيما احضرت له فقال قيس احضرت لمسألة تسألونيها طوعا أو كرها تخبروني عليه فقال عمر فكه إن كان طوعا أو كرها فقال قيس يابن صهاك خذل الله من يكرهه مثلك ان بطنك لعظيم وان كرشك لكبير فلو فعلت انت ذلك ما كان عجب قال: فخجل عمر من كلام قيس وجعل ينكث اسنانه بأنامله فقال أبو بكر دع عنك هذا ولا بد لك من فك القطب فقال قيس والله لو اقدر على ذلك لما فعلت فدونكم حدادي المدينة فانهم اقدر على ذلك مني، قال فأتوا بجماعة من الحدادين فقالوا لا يمكن فتحه إلا أن تحميه بالنار
[ 150 ]
فالتفت أبو بكر الى قيس وقال والله ما بك من ضعف عن فكه ولكن لا تفعل ذلك لئلا يعتب عليك به إمامك وحبيبك أبو الحسن وليس هذا بأعجب من أبيك رام الخلافة ليبتغي الاسلام عوجا فحصد الله شوكته واذهب نخوته واعز الاسلام بوليه وأقام دينه بأهل طاعته وانت الآن في حال كيد وشقاق قال فاستشاط قيس غضبا وامتلأ غيضا وقال يا بن أبي قحافة ان لك عندي جوابا حميا بلسان طلق وقلب جرئ لولا البيعة التي لك في عنقي لسمعته والله لئن بايعتك يدي فلن يبايعك قلبي ولا لساني ولا حجة لي في علي " ع " بعد يوم الغدير ولا كانت بيعتي لك إلا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثا اقول قولي هذا غير هائب ولا خائف من معرتك ولو سمعت منك هذا القول بدء لما فتح لك مني صلاح إن كان أبي رام الخلافة فحقيق ان يرومها بعد من ذكرته لأنه رجل لا يقعقع بالشنآن ولا يغمز جانبه كغمز التينة خضم صديد
سمك منيف وعز باذخ اشوش بخلافك ايها النعجة العرجاء والديك الناقش لا عز صميم ولا حسب كريم وايم والله لئن عاودتني في أبي لألجمك بلجام من القول يمج فوك به دما تدعنا نخوض في عمايتك ونتردى في غوايتك على معرفة منا بترك الحق واتباع الباطل واما قولك ان عليا إمامي فوالله ما انكر إمامته ولا اعدل عن ولايته وكيف وقد اعطيت الله عهدا بامارته أو ولايته يسألني عنه فأنا إن القى الله بنقض بيعتك أحب الي من نقض عهده وعهد رسوله وعهد وصيه وخليله وما أنت إلا أمير قومك إن شاؤا تركوك وإن شاؤا أزالوك فتب الى الله مما اجترمته وتنصل إليه مما ارتكبته وسلم الامر الى من هو اولى منك بنفسك فقدر كتب عظيما بولايتك دونه وجلوسك في موضعه وتسميتك باسمه وكأنك بالقليل من دنياك وقد انقشع عنك كما ينقشع السحاب وستعلم اي الفريقين خير مكانا واضعف جندا واما تعييرك إياي بأنه مولاي فانه مولاك ايضا ومولى المسلمين اجمعين آه آه انى لي بثبات قدمه وتمكن وطأته حتى الفظك لفظ المنجنيق الحجرة ولعل ذلك يكون قريبا ويكتفي بالعيان عن الخبر ثم قام ونفض ثوبه ومضى، فندم أبو بكر عما اسرع إليه من القول الى قيس وجعل خالد يدور في المدينة والقطب في عنقه اياما ثم اتى آت الى أبي بكر وقال له قد وافى علي بن
[ 151 ]
أبي طالب الساعة من سفره وقد عرق جبينه واحمر وجهه فأنفذ إليه أبو بكر بالأقرع بن سراقة الباهلي والأسود بن اشج الثقفي يسألانه المضي الى أبي بكر في مسجد رسول الله (ص)، فأتياه فقالا له: يا أبا الحسن أن أبي بكر يدعوك لأمر قد أحزنه وهو يسألك أن تصير إليه في مسجد رسول الله (ص)، فلم يجبهما وقال بئس الادب أدبكما صاحبكما وليس يجب على القادم أن يصير الى الناس في حوائجهم إلا بعد دخوله في منزله فان كان لكم حاجة فاطلعاني عليها في منزلي اقضيها إن كانت ممكنة ان شاء الله فصارا الى أبي بكر فأعلماه بذلك فقال أبو بكر: بل قوموا بنا إليه فمضى الجميع
بأمره الى منزله فوجدوا الحسين " ع " قائما على الباب يقلب سيفه ليبتاعه فقال له أبو بكر يا أبا عبد الله إن رأيت أن تستأذن لنا على أبيك فقال نعم، فأستأذن للجماعة فدخلوا ومعهم خالد بن الوليد فبادر الجميع بالسلام فرد عليهم مثل ذلك فلما نظر " ع " الى خالد قال نعمت صباحا يا أبا سليمان نعمت القلادة قلادتك فقال والله يا علي لا نجوت مني إن ساعدني الأجل فقال له علي " ع ": اف لك يابن ذميمة انك ومن فلق الحبة وبرئ النسمة عندي لأهون وما روحك في يدي لو أشاء إلا كذبابة وقعت في أدام حار فطفقت منه فاغن عن نفسك غناءها ودعنا حلماء وإلا ألحقتك بمن أنت أحق بالقتل منه ودع عنك يا أبا سليمان ما مضى وخذ فيما بقى والله لا تجرعت إلا علقمها ولقد رأيت منيتي ومنيتك وروحي وروحك فروحي في الجنة وروحك في النار، قال فحجز الجميع بينهما وسألوه قطع الكلام وقال أبو بكر إنا ما جئناك لما تناقض به أبا سليمان وانما حضرنا لغيره وأنت لم تزل يا أبا الحسن مقيما على خلافي والاجتراء على أصحابي فقد تركناك فاتركنا ولا تردنا فيردك منا ما يوحشك ويزيدك نبوة الى نبوتك، فقال له علي " ع " لقد اوحشني الله منك ومن جمعك وانس بي كل مستوحش واما ابن الوليد الخاسر فاني اقص عليك نبأه انه لما رأى تكاثف جنوده وكثرة جمعه زهى نفسه فأراد الوضع مني في موضع رفع ومحفل ذي جمع ليصول بذلك عند أهل الجهل فوضعت عنه عندما خطر بباله وهم به وهو عارف به حق معرفته وما كان الله ليرضي بفعله، فقال له أبو بكر: فنضيف هذا الى تقاعدك عن نصرة الاسلام وقلة
[ 152 ]
رغبتك في الجهاد أفبهذا أمرك الله ورسوله ؟ أم عن نفسك تفعل هذا ؟ فقال له " ع " يا أبا بكر وعلى مثلي يتفقه الجاهلون ان رسول الله (ص) أمركم ببيعتي وفرض عليكم طاعتي وجعلني فيكم كبيت الله الحرام يؤتى ولا يأتي فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ستغدر بك امتي من بعدي كما غدرت الامم من بعد ما مضى الانبياء بأوصيائها إلا قليل وسيكون
لك ولهم بعدي هنات وهنات فاصبر انت كبيت الله من دخله كان آمنا ومن رغب عنه كان كافرا واني وانت سواء إلا النبوة فاني خاتم النبيين وانت خاتم الوصيين واعلمني عن ربي سبحانه اني لست اسل سيفا إلا في ثلاث مواطن بعد وفاته فقال تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ولن يقرب أوان ذلك بعد فقلت فيما افعل يارسول الله بمن ينكث بيعتي منهم ويجحد حقي قال تصبر حتى تلقاني أو تستسلم لمحنتك حتى تلقى ناصرا عليهم فقلت أفتخاف علي منهم أن يقتلوني فقال تالله لا اخاف عليك منهم قتلا ولا جراحا واني عارف بمنيتك وسببها وقد اعلمني ربي ولكني خشيت أن تفنيهم بسيفك فيبطل الدين وهو حديث فيرتد القوم عن التوحيد ولولا ان ذلك كذلك وقد سبق ما هو كائن لكان لي فيما انت فيه شأن من الشان ولرويت أسيافا قد ضمئت الى شرب الدماء وعند قراءتك صحيفتك تعرف ما احتملت من وزري ونعم الخصم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والحاكم الله، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن إنا لم نرد هذا كله ونحن نأمرك الآن أن تفك عن عنق خالد هذا الحديد فقد ألمه بثقله وآثر في حلقه بحمله وقد شفيت غليل صدرك، فقال علي (ع): لو اردت ان اشفي غليل صدري لكان السيف اشفى للداء واقرب للفناء ولو قتلته والله ما قدمتهم برجل ممن قتلتهم يوم فتح مكة وما يخالجني الشك ان خالدا ما احتوى قلبه من الايمان على قدر جناح بعوضة وأما الحديد الذي هو في عنقه فلعلي لا أقدر على فكه فليفكه خالد عن نفسه أو فكوه عنه انتم فأنتم أولى به إن كان ما تدعونه صحيحا فقام إليه بريدة الاسلمي وعامر بن الاشجم فقالا: والله يا أبا الحسن لا يفكه من عنقه إلا من حمل باب خيبر ودحى به وراء ظهره وجعله جسرا تعبر الناس عليه وهو فوق زنده، فقام إليه عمار بن ياسر فخاطبه أيضا فيمن خاطبه فلم يجب أحد الى أن قال أبو بكر: سألتك بالله وبحق أخيك محمد
[ 153 ]
المصطفى رسول الله (ص) إلا ما رحمته وفككته من عنقه، فلما سأله بذلك جذب
خالدا إليه وجعل يجذب من الطوق قطعة قطعة ويفتلها في يده فينفتل كالشمع ثم ضرب بالأولى رأس خالد ثم بالثانية فقال آه يا أمير المؤمنين فقال " ع ": قلتها على كره منك ولو لم تقلها لأخرجت الثالثة من أسفلك ولم يزل يقطع الحديد جميعه الى أن أزاله من عنقه وجعل الجماعة يكبرون لذلك ويهللون ويتعجبون من القوة التي أعطاها الله سبحانه أمير المؤمنين عليه السلام، وانصرفوا شاكرين. (خبر آخر): عن كتاب غاية المرام مسندا من طريق العامة عن جابر بن عبد الله الانصاري (رحمه الله): قال كنت يوما مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض حيطان المدينة ويد علي " ع " في يده فمررنا بنخل فصاح النخل هذا محمد سيد الأنبياء وهذا علي سيد الأوصياء وأبو الائمة الطاهرين، ثم مررنا بنخل فصاح النخل هذا المهدي وهذا الهادي، ثم مررنا بنخل فصاح النخل هذا محمد رسول الله وهذا علي سيف الله، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى علي " ع " وقال: سمه الصيحاني، فسمي من ذلك الصيحاني. (خبر): في أمالي الطوسي رحمه الله، بإسناده الى سلمان قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب " ع " فناوله حصاة فلما استقرت الحصاة في كف علي نطقت بلسان فصيح: لا إله إلا الله محمدا رسول الله رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبعلي بن أبي طالب وليا، ثم قال النبي (ص): من أصبح منكم راضيا بالله وبولاية علي بن أبي طالب فقد أمن خوف الله وعقابه. الباب الثاني (في جوامع معجزاته وجملة من مناقبه الباهرة وفضائله النائرة) (ودلائله الزاهرة وفيه فصلان):
[ 154 ]
الفصل الاول
(في جوامع معجزاته عليه السلام): في البحار عن المناقب عن صالح بن كيسان وابن رومان، رفعاه الى جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله: قال جاء العباس الى علي " ع " يطالبه بميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ما كان لرسول الله (ص) شئ يورثه إلا بغلته دلدل وسيفه ذو الفقار ودرعه وعمامته السحاب وأنا اربى بك أن تطالب بما ليس لك، فقال لا بد من ذلك وأنا أولى به عمه ووارثه دون الناس كلهم فنهض أمير المؤمنين عليه السلام ومعه الناس حتى دخل المسجد أمر باحضار الدرع والعمامة والسيف والبغلة فاحضر فقال للعباس: يا عم إن اطقت النهوض بشئ منها فجميعه لك فان ميراث الأنبياء لأوصيائهم دون العالم ولأولادهم فان لم تطق النهوض فلا حض لك فيه، قال: نعم، فألبسه أمير المؤمنين الدرع بيده والقى عليه العمامة والسيف ثم قال انهض بالسيف والعمامة يا عم، فلم يطق النهوض فأخذ منه السيف وقال: انهض بالعمامة فانها آية من نبينا (ص)، فأراد النهوض فلم يقدر على ذلك وبقي متحيرا، ثم قال يا عم وهذه البغلة لي خاصة ولولدي فان اطقت ركوبها فاركبها فخرج ومعه عدوي فقال له يا عم رسول الله خدعك علي فيما كنت فيه فلا تخدع نفسك بالبغلة إذا وضعت رجلا في الركاب فاذكر الله وسم واقرأ (ان الله يمسك السماوات والارض أن تزولا) فلما نظرت البغلة مقبلا مع العباس نفرت وصاحت صياحا ما سمعناه قط منها فوقع مغشيا عليه واجتمع الناس بامساكها فلم يقدر أحد، ثم ان عليا " ع " دعى البغلة باسم ما سمعناه فجاءت خاضعة ذليلة فوضع رجله في الركاب فوثب عليها واستوى راكبا واستدعى ان يركب الحسن والحسين " ع " ثم لبس عليهما العمامة والدرع والسيف وسار الى منزله وهو يقول هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر انا أم تكفر انت يا فلان.
[ 155 ]
(خبر اليوناني):
في تفسير الامام عليه السلام: قال علي بن الحسين كان أمير المؤمنين " ع " قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجلا من اليونانين المدعين للفلسفة والطب فقال له يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك (ص) وان به جنونا وجئت لأعالجه فلحقته قد مضى لحال سبيله وفاتني ما أردت من ذلك وقيل لي انك ابن عمه وصهره وأرى بك صفارا قد علاك وساقين دقيقين وما أراهما تقلانك فأما الصفار فعندي دواؤه وأما الساقان الدقيقان فلا حيلة لغلظهما والوجه أن ترفق بنفسك في المشي تقلله ولا تكثره وفيما تحمله على ظهرك وتحضنه بصدرك أن تقللهما ولا تكثرهما فان الساقين الدقيقين لا يومن عند حمل ثقيل انقصافهما وأما الصفار فدواؤه عندي وهو هذا واخرج دواءا وقال هذا لا يؤذيك ولا يحبسك ولكنه يلزمك حمية من اللحم اربعين صباحا ثم يزيل صفارك، فقال له علي بن أبي طالب " ع ": قد ذكرت نفع هذا الدواء فهل تعرف شيئا يزيد فيه ويضره ؟ فقال الرجل: بلى حبة من هذا وأشار الى دواء معه وقال إن تناوله الانسان وبه صفار أماته من ساعته وإن كان لا صفار به صار به صفار حتى يموت في يومه، فقال علي " ع ": فأرني هذا الضار فأعطاه إياه فقال له: كم قدر هذا ؟ فقال قدر مثقالين سم ناقع قدر كل حبة منه تقتل رجلا فتناوله علي (ع) فقمحه وعرق عرقا خفيفا وجعل الرجل يرتعد ويقول في نفسه الآن اوخذ يابن أبي طالب ويقال قتله ولا يقبل مني قولي انه هو الجاني على نفسه فتبسم علي " ع " وقال يا عبد الله اصح ما كنت الآن لم يضرني ما زعمت انه سم ثم قال اغمض عينيك فغمض، ثم قال افتح عينيك ففتح ونظر الى وجه علي فإذا هو أبيض أحمر مشرب بحمرة، فارتعد الرجل مما رآه فتبسم أمير المؤمنين (ع) فقال أين الصفار الذي زعمت انه بي، فقال والله لكأنك لست من رأيت قبل كنت مصفارا وأنت الآن مورد فقال علي بن أبي طالب: قد زال عني الصفار بسمك الذي تزعم انه قاتلي وأما ساقاي هاتان ومد رجليه وكشف عن ساقيه فانك زعمت اني محتاج الى أن
[ 156 ]
ارض ببدني في حملي ما احمل عليه لئلا تنقصف الساقان وأنا ادلك ان طب الله خلاف طبك وضرب بيديه الى اسطوانة خشب عظيمة على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه وفوقه حجرتان احدهما فوق الاخرى وحركها فاحتملها فارتفع السطح والحيطان وفوقهما الغرفتان فغشى على اليوناني فقال (ع): صبوا عليه الماء فأفاق وهو يقول والله ما رأيت كاليوم عجبا، فقال (ع): هذه قوة الساقين الدقيقين واحتمالهما في طبك هذا، فقال اليوناني: أمثلك محمد ؟ فقال " ع ": وهل علمي إلا من علمه وعقلي إلا من عقله وقوتي إلا من قوته ولقد أتاه شخص كان أطب العرب فقال له إن كان بك جنون داويتك. فقال له محمد (ص): أتحب اريك آية تعلم بها غناي عن طبك وحاجتك الى طبي ؟ قال نعم، قال ادعوا ربك الغدق وأشار الى نخلة سحوق فدعاها فانقلع أصلها من الارض وهي تخد الارض خدا حتى وقفت بين يديه فقال له: أكفاك ؟ قال لا، قال تريد ماذا ؟ قال تأمرها أن ترجع الى حيث جاءت منه وتستقر في محلها الذي انقلعت عنه، فأمرها فرجعت واستقرت في مقرها، قال اليوناني لأمير المؤمنين " ع " هذا الذي تذكره عن محمد غائب عني وأنا اقتصر منك على أقل من ذلك أنا أتباعد عنك فادعني وأنا لا اختار الاجابة فان جئت بي اليك فهي آية فقال (ع): هذا انما يكون آية لك وحدك لأنك انت تعلم من نفسك انك لم ترده وأني ازلت اختيارك من غير ان باشرت مني شيئا أو ممن أمرته أن باشرك وممن قصد الى اختيارك ان لم أمره إلا ما يكون من قدرة الله القاهرة وأنت يوناني يمكنك أن تدعي ويمكن غيرك أن يقول اني واطأتك على ذلك فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين، فقال له اليوناني إن جعلت الاقتراح الي فأنا اقترح أن تفصل أجزاء النخلة وتفرقها وتباعد ما بينها ثم تجمعها وتعيدها كما كانت فقال علي (ع) هذه انك رسولي الى النخلة فقل لها: ان وصي محمد رسول الله صلى الله عليه وآله يأمر
أجزاءك أن تتفرق، وتتباعد فذهب فقال لها ذلك فتفاصلت وتهافتت وتنشرت وتصاغرت أجزاؤها حتى لم ير لها أثر حتى كأن لم تكن هناك نخلة، فارتعدت فرائض اليوناني فقال يا وصي محمد قد أعطيتني مرادي الأول فاعطني الآخر فأمرها أن تجتمع
[ 157 ]
وتعود كما كانت فقال (ع): أنت رسولي إليها فعد فقل يا أجزاء النخلة ان وصي محمد رسول الله يأمرك أن تجتمعي كما كنت وأن تعودي، فنادى اليوناني ذلك فارتفعت في الهواء كهيئة الهواء المنثور ثم جعلت تجتمع جزء جزء منها حتى تصور القضبان والأوراق واصول السعف وشماريخ الأغداق ثم تألفت واجتمعت واستطالت وعرضت واستقر اصلها في مستقرها وتمكن عليها ساقها وتركبت على الافنان غضبانها وعلى الغضبان أوراقها وفي امكنتها وكانت في الابتداء شماريخها متجردة لبعدها من أوان الرطب والتمر والخلال، فقال اليوناني: احب أن تخرج شماريخها خلالها وتقلبها من خضرته الى صفرة وحمرة فترطب ويبلغ انائه فنأكل من حصولها، فقال عليه السلام أنت رسولي إليها بذلك فقال لها اليوناني: ما أمره به أمير المؤمنين فأخلت واحمرت واصفرت وترطبت، فقال اليوناني مرها أن تقرب بين أيدينا غداقها أو تطول يدي فتناولها واحب شئ الي ان تنزل الى احديها وتحول يدي الى الأخرة التي هي اختها، فقال (ع): مد اليد الى التي تريد أن تنالها وقل يا مقرب البعيد قرب يدي منها واقبض الاخرى التي تريد ان تنزل الغداق إليها وقل: يا مسهل العسير سهله لي ففعل ذلك، قال فطالت يمناه الى الغدق وانحطت الاغداق الاخر وسقطت على الارض وقد طالت جراجينها، ثم قال أمير المؤمنين (ع) انك إذا اكلت منها ولم تؤمن بمن أظهر لك عجائبها عجل الله عز وجل اليك من العقوبة التي تحير عقلاء خلقه فقال اليوناني فقد تباهيت في التعرض للهلاك اشهد انك خاصة الله صادق في جميع أقاويلك عن الله فأمرني بما تشاء، ثم أمره (ع) بالاسلام. فأسلم وحسن أسلامه.
(في فضائل شاذان): كان أمير المؤمنين عليه السلام في بعض الغزوات وقد دنت الفريضة ولم يجد ماء يسبغ الوضوء فرمق السماء بطرفه والخلق قيام ينظرون إليه فنزل جبرئيل وميكائيل ومع جبرئيل سطل فيه ماء ومع ميكائيل منديل فوضع السطل والمنديل بين يدي أمير المؤمنين (ع)، فأسبغ الوضوء ومسح وجهه الكريم بالمنديل فعند ذلك عرجا الى السماء والخلق ينظرون اليهما. أقول: وروى مثله في المناقب عن حميد بن الطويل وذكر انه أراد أن
[ 158 ]
يدرك الجماعة وانه أتاه رجلان لم يعرفهما فأخبره النبي (ص) بهما. وفي كتاب المناقب لابن شهراشوب عن سهل بن حنيف: انه لما أخذ معاوية مورد الفرات أمر أمير المؤمنين عليه السلام مالك الاشتر أن يقول لمن على جانب الفرات: يقول لكم علي اعدلوا عن الماء فلما قال ذلك عدلوا عنه فورد قوم أمير المؤمنين (ع) الماء وأخذوا منه فبلغ ذلك معاوية فأحضرهم وقال لهم في ذلك، فقالوا: ان عمرو بن العاص جاء وقال ان معاوية يأمركم أن تفرجوا عن الماء، فقال معاوية لعمرو: انك لتأتي أمرا ثم تقول ما فعلته، فلما كان من غد وكل معاوية حجل بن عتاب النخعي في خمسة آلاف، فأنفذ أمير المؤمنين (ع) مالكا فنادى مثل الأول فمال حجل عن الشريعة فأوردوا أصحاب علي وأخذوا منه، فبلغ ذلك معاوية فأحضر حجلا وقال له في ذلك فقال معاوية: إذا كان غدا فلا تقبل من أحد ولو اتيتك حتى تأخذ خاتمي، فلما كان اليوم الثالث أمر أمير المؤمنين (ع) مالكا مثل ذلك، فرأى حجل معاوية وأخذ منه خاتمه وانصرف عن الماء وبلغ معاوية فدعاه وقال له في ذلك فأراه خاتمه فضرب معاوية يده على يده وقال نعم وان هذا من دواهي علي. (خبر آخر): عن الأصبغ بن نباتة قال كنت يوما مع مولانا أمير المؤمنين عليه السلام إذ دخل عليه نفر من أصحابه منهم أبو موسى الاشعري وعبد الله بن
مسعود وأنس بن مالك وأبو هريرة والمغيرة بن شعبة وحذيفة بن اليماني وغيرهم فقالوا يا أمير المؤمنين أرنا شيئا من معجزاتك التي خصك الله بها، فقال (ع): ما أنتم وذاك وما سؤالكم عما لا ترضون به والله تعالى يقول: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني اني لا اعذب أحدا من خلقي إلا بحجة وبرهان وعلم وبيان لأن رحمتي سبقت غضبي وكتبت الرحمة على فأنا الرحمن الرحيم وأنا الودود العلي وأنا المنان العظيم وانا العزيز الكريم فإذا ارسلت الفائزون ومن كفر بي وبرسولي فأولئك هم الخاسرون الذين استحقوا عذابي، فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن آمنا بالله وبرسوله وتوكلنا عليه، فقال علي (ع): اللهم اشهد على ما يقولون وانت العليم الخبير بما يفعلون ثم قال (ع):
[ 159 ]
قوموا على اسم الله وبركاته، قال فقمنا معه حتى أتى الجبانة ولم يكن في ذلك المكان ماء قال فنظرنا وإذا روضة خضراء ذات ماء وإذا في الروضة غدران وفي الغدران حيتان فقلت والله انها لدلالة الامامة فأرنا غيرها يا أمير المؤمنين وإلا قد أدركنا بعض ما أردنا، فقال (ع): حسبي الله ونعم الوكيل ثم اشار بيده العليا إلى نحو الجبانة فإذا قصور كثيرة مكللة بالدر واليواقيت والجواهر وأبوابها من الزبرجد الأخضر وإذا في القصور حور وغلمان وأنهار وأشجار وطيور ونبات كثيرة فبقينا متحيرين متعجبين وإذا وصائف وجواري وولدان وغلمان كاللؤلؤ المكنون فقالوا: يا أمير المؤمنين لقد اشتد شوقنا اليك والى شيعتك وأوليائك فأومأ إليهم بالسكون ثم ركز الارض برجله فانفلقت الارض عن منبر من ياقوت أحمر فارتقى إليه وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال غمضوا أعينكم فغمضنا أعيننا فسمعنا رفيف أجنحة الملائكة بالتسبيح والتهليل والتحميد والتعظيم والتقديس ثم قاموا بين يديه وقالوا مرنا بأمرك يا أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين صلوات الله عليك، فقال (ع): يا ملائكة ربي آتوني الساعة بابليس الأبالسة وفرعون الفراعنة، قال فو الله ما كان
بأسرع من طرفة عين حتى أحضروه عنده فقال (ع): ارفعوا أعينكم، قال فرفعنا أعيننا ونحن لا نستطيع أن ننظر إليه من شعاع نور الملائكة فقلنا يا أمير المؤمنين الله الله في أبصارنا فما ننظر شيئا إلا وسمعنا صلصلة السلاسل واصطكاك الأغلال وهبت ريح عظيمة فقالت الملائكة: يا خليفة الله هذا هو الملعون لعنه الله وضاعف عليه العذاب، فقلنا يا أمير المؤمنين: الله الله بأبصارنا ومسامعنا فوالله ما نقدر على احتمال هذا، قال فلما جر اللعين قام وقال واويلاه من ظلم آل محمد واويلاه من اجترائي عليهم ثم قال يا سيدي ارحمني فاني لا اقدر على احتمال مثل هذا العذاب فقال عليه السلام: لا رحمك الله ولا غفر لك ايها الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان ثم التفت الينا وقال: انتم تعرفون هذا باسمه وجسمه قلنا نعم يا أمير المؤمنين، فقال اسألوه حتى يخبركم من هو ؟ فقالوا: من أنت ؟ فقال لعنه الله: أنا ابليس الابالسة وفرعون هذه الامة أنا الذي جحدت سيدي ومولاي أمير المؤمنين وخليفة رب
[ 160 ]
العالمين وأنكرت آياته ومعجزاته، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا قوم غمضوا أعينكم، فغمضنا فتكلم بكلام خفي فإذا نحن في الموضع الذي كنا فيه لا قصور ولا ماء ولا غدران ولا أشجار، قال الأصبغ بن نباتة رحمه الله: والذي اكرمني بما رأيت من تلك الدلائل والمعجزات ما تفرق القوم حتى ارتابوا وشكوا وقال بعضهم سحر وكهانة وافك، فقال لهم أمير المؤمنين " ع ": ان بني اسرائيل لم يعاقبوا ولم يمسخوا إلا بعد ما سألوا الآيات والدلالات فقد حلت عقوبة الله بهم والآن حلت لعنة الله وعقوبته فيكم، وقال الأصبغ بن نباتة: اني أيقنت ان العقوبة حلت بتكذيبهم الدلالات والمعجزات. الفصل الثاني (في ذكر جملة من مناقبه الباهرة، وفضائله النائرة، ودلائله الزاهرة)
روى الصدوق قدس سره في الأمالي بإسناده عن أنس: قال كنت عند رسول الله ورجلان من أصحابه في ليلة ظلماء مكفهرة إذ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ايتوا باب علي " ع " فأتينا باب علي فنقر أحدنا الباب نقرا خفيفا وخرج علينا علي بن أبي طالب مؤتزرا بأزار من صوف مرتديا بمثله في كفه سيف رسول الله وقال: أحدث حدث ؟ قلنا: خيرا أمرنا رسول الله أن نأتي بابك وهو بالأثر، ولم نشعر إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا علي قال لبيك قال اخبر أصحابي بما اصابك البارحة، فقال علي " ع ": يارسول الله اني لأستحي، قال رسول الله (ص): ان الله لا يستحي من الحق فقال علي (ع): يارسول الله أصابتني جنابة من فاطمة بنت رسول الله (ص) فطلبت في البيت ماء فلم اجد الماء فبعث الحسن كذا والحسين كذا فأبطأ علي فاستلقيت على قفاي وإذا انا بهاتف من سواد البيت واخذ السطل واغتسل فقمت فإذا انا بسطل مملوء من ماء عليه منديل من سندس فأخذت السطل واغتسلت منه ومسحت بدني بالمنديل ورددت المنديل على السطل فقام السطل في الهواء فسقطت من السطل
[ 161 ]
جرعة أصابت هامتي فوجدت بردها على فؤادي، فقال النبي (ص) بخ بخ يابن أبي طالب اصبحت وخادمك جبرئيل اما الماء من نهر الكوثر واما السطل والمنديل فمن الجنة كذا اخبرني جبرئيل، كذا اخبرني جبرئيل. (خبر النوق) عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: قال لما قبض النبي (ص) وجلس أبو بكر ونادى في الناس: ألا من كان له على رسول الله عدة أو دين فليأتي أبا بكر وليأني معه بشاهدين، ونادى علي (ع) بذلك على الاطلاق من غير طلب شاهدين، فجاء اعرابي متلثم متقلد سيفه متنكبا كنانته وفرسه لا يرى منه إلا حافره ودخل على أبي بكر وسلم عليه ثم قال ان لي على رسول الله مائة ناقة حمراء
بازمتها واثقالها موقرة ذهبا وفضة بعبيدها، فقال أبو بكر يا أخا العرب سألت ما فوق العقل والله ما خلف فينا رسول الله لا صفراء ولا حمراء ولا بيضاء وخلف فينا بغلته الدلدل ودرعه الفاضلة فأخذها علي بن أبي طالب وخلف فدكا فأخذتها بحق ونبينا لا يورث، فصاح سلمان الفارسي رحمه الله (كردى ونكردى حق أمير بردي) رد العمل على أهله، ثم ذهب سلمان بالأعرابي الى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له منذ بصر به مرحبا بطالب عدة والده من رسول الله (ص)، فقال ما عدة أبي يا أبا الحسن قال (ع) ان أباك قدم على رسول الله وقال اني ضعيف الحال وانا رجل مطاع في قومي فما تجعل لي إن دعوتهم الى الاسلام فأسلموا ؟ فقال (ص) من امر الدنيا أم الآخرة ؟ قال وما عليك ان تجمعهما لي يارسول الله وقد جمع الله لاناس كثيرة، فتبسم رسول الله (ص) وقال اجمع لك خير الدنيا والآخرة، أما الآخرة فأنت رفيقي في الجنة، وأما في الدنيا فقل ما تريد، قال مائة ناقة حمراء بأزمتها وعبيدها موقرة ذهبا وفضة، ثم قال وإن دعوتهم فأجابوني وقضى علي الموت ولم القك فتدفع ذلك الى ولدي، فقال (ص) نعم، قال وإن اتيتك قد رفعك الله ولم القك يكون من بعدك من يقوم عنك فيدفع ذلك الي أو الى ولدي قال (ص) نعم على اني لا اراك
[ 162 ]
ولا تراني في دار الدنيا بعد هذا وسيجيبك قومك وإذا حضرتك الوفاة فليسر ولدك الى وليي من بعدي ووصيي، وقد مضى أبوك ودعى قومه فأجابوه وأمرك بالمصير الى رسول الله (ص) أو الى وصيه وها أنا وصيه ومنجز وعده، فقال الاعرابي صدقت يا أبا الحسن، ثم كتب له على خرقة بيضاء وناولها الحسن " ع " وقال له يا أبا محمد سر بهذا الرجل الى وادي العقيق وسلم على أهله واقذف الخرقة وانتظر ساعة ما يفعل فان دفع اليك شئ فادفعه الى هذا الرجل، فأخذه الحسن " ع " ومضيا بالكتاب قال ابن عباس: فسرت من حيث لم يرني أحد فلما اشرف الحسن بن علي على الوادي نادي بأعلى صوته: السلام عليكم يا أهل السكان البررة أنا ابن وصي رسول الله
على الحسن بن علي سبط رسول الله (ص) ورسوله اليكم، وقد قذف الخرقة في الوادي فسمعت من ذلك الوادي صوتا لبيك لبيك يا سبط رسول الله ويابن البتول وابن سيد الأوصياء سمعنا وأطعنا فانتظر لندفع اليك، فبينما انا كذلك إذ ظهر غلام ولم أره من اين ظهر وبيده زمام ناقة حمراء تتبعها ستة فلم يزل يخرج غلام بعد غلام في يد كل واحد قطار حتى عددت مائة ناقة حمراء بأزمتها واحمالها فقال الحسن عليه السلام خذ زمام نوقك وعبيدك ومالك وامض بها يرحمك الله، فأخذ بها ورجع فقال له علي عليه السلام: استوفيت حقك ؟ قال نعم جزاك الله عن نبيه خيرا. (خبر الجام): في بحار الأنوار مسندا عن أنس بن مالك: قال خرجت مع رسول الله (ص) نتماشى حتى انتهينا الى البقيع فإذا نحن بسدرة عارية لا نبات عليها فجلس رسول الله (ص): تحتها فأورقت الشجرة وأثمرت وأظلت على رسول الله (ص) فتبسم (ص) وقال يا أنس ادع لي عليا فغدوت حتى انتهيت الى منزل فاطمة فإذا أنا بعلي بن أبي طالب " ع " يتناول شيئا من الطعام، فقلت اجب رسول الله، فقال لخير ادعى فقلت الله ورسوله أعلم، قال فجعل علي " ع " يمشي ويهرول على أطراف أنامله حتى مثل بين يدي رسول الله (ص) فجذبه رسول الله وأجلسه الى جنبه فرأيتهما يتحدثان ويضحكان ورأيت وجه علي قد استنار فإذا أنا بجام من ذهب مرصع بالياقوت والجوهر وللجام أربعة أركان على كل ركن منه مكتوب الاول: لا إله إلا
[ 163 ]
الله محمد رسول الله، وعلى الركن الثاني لا إله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب ولي الله وسيفه على الناكثين والقاسطين والمارقين، وعلى الركن الثالث لا إله إلا الله محمد رسول الله ايدته بعلي بن أبي طالب، وعلى الركن الرابع نجى المعتقدون لدين الله والموالون لأهل بيت رسول الله، وإذا في الجام رطب وعنب ولم يكن أوانهما فجعل رسول الله (ص) يأكل ويطعم عليا حتى إذا شبعا ارتفع الجام فقال لي رسول الله
يا أنس أترى هذه السدرة ؟ قلت نعم قال (ص): قعد تحتها ثلاثمائة وثلاث عشر نبيا وثلاث مائة وصيا ما في النبيين نبي اوجه مني ولا في الوصيين وصي اوجه من علي بن أبي طالب " ع " يا أنس من أراد ان ينظر الى آدم في علمه والى إبراهيم في وقاره والى سليمان في قضائه والى يحيى في زهده والى ايوب في صبره والى اسماعيل في صدقه فلينظر الى علي بن أبي طالب، يا أنس ما من نبي إلا وقد خصه الله بوزيره وقد خصني الله تبارك وتعالى بأربعة اثنين في السماء واثنين في الأرض فأما اللذان في السماء فجبرئيل وميكائيل واما اللذان في الأرض فعلي بن أبي طالب وعمي حمزة وروى بسند طويل: عن أبي عبد الله الحسين عليه السلام عن قنبر مولى أمير المؤمنين قال كنت مع أمير المؤمنين " ع " على شاطئ الفرات فنزع قميصه ونزل الماء فجاءت موجة فأخذت القميص فخرج أمير المؤمنين فلم يجد القميص فاغتم لذلك غما شديدا فإذا بهاتف يهتف يا أبا الحسن انظر عن يمينك وخذ ما ترى فإذا منديل عن يمينه وفيه قميص مطوي فأخذه ولبسه فسقطت من جيبه رقعة فيها مكتوب " بسم الله الرحمن الرحيم هدية من الله العزيز الحكيم الى علي بن أبي طالب هذا قميص هارون بن عمران كذلك اورثناه قوما آخرين ". (خبر الغلام اليهودي والكنوز): عن الرضا عن آبائه عليهم السلام ان غلاما يهوديا قدم على أبي بكر في خلافته فقال السلام عليك يا أبا بكر فوجئ عنقه وقيل له لم لا تسلم عليه بالخلافة ثم قال له أبو بكر ما حاجتك ؟ قال مات أبي يهوديا وخلف كنوزا وأموالا فان أنت اظهرتها
[ 164 ]
واخرجتها الي أسلمت على يديك وكنت مولاك وجعلت لك ثلث ذلك المال وثلثا للمهاجرين والأنصار وثلثا لي فقال أبو بكر يا خبيث وهل يعلم الغيب إلا الله ونهض أبو بكر ثم انتهى اليهودي الى عمر فسلم عليه وقال اني اتيت أبا بكر اسأله مسألة فأوجعت ضربا
وأنا أسألك عن المسألة وحكى قصته، قال وهل يعلم الغيب إلا الله، ثم خرج اليهودي الى علي " ع " وهو في المسجد فسلم عليه وقال يا أمير المؤمنين وقد سمعه أبو بكر وعمر فوكزوه وقالوا يا خبيث هلا سلمت على الأول كما سلمت على علي والخليفة أبو بكر فقال اليهودي والله ما سميته بهذا الاسم حتى وجدت ذلك في كتب آبائي واجدادي وفي التوراة فقال أمير المؤمنين " ع " وتفى بما تقول ؟ قال نعم واشهد الله وملائكته وجميع من يحضرني قال نعم فدعى " ع " برق أبيض فكتب عليه كتابا ثم قال أتحسن أن تكتب ؟ قال نعم قال خذ معك ألواحا وصر الى بلاد اليمن وسل عن وادي برهوت بحضرموت فإذا صرت في الوادي عند غروب الشمس فاقعد هناك فانه سيأتيك غربان سود مناقيرها وهي تنعب فإذا نعبت هي فاهتف باسم أبيك وقل يا فلان أنا رسول وصي محمد فانه سيجيبك أبوك ولا تفتر عن سؤالك عن الكنوز التي خلفها فكل ما أجابك به في ذلك الوقت وتلك الساعة فاكتب في ألواحك فإذا انصرفت الى بلادك بلاد خيبر فتتبع ما في الواحك واعمل بما فيها، فمضى اليهودي حتى انتهى الى وادي اليمن وقعد هناك كما أمره فإذا هو بالغربان السود قد أقبلت تنعب فهتف اليهودي فأجابه أبوه فقال ويلك ما جاء بك في هذا الوقت الى هذا الموطن وهو من مواطن أهل النار ؟ قال قد جئتك لأسألك عن كنوزك اين خلفتها ؟ قال في جدار كذا في موضع كذا في حيطان كذا فكتب الغلام ذلك ثم قال ويلك اتبع دين محمد وانصرفت الغربان ورجع اليهودي الى بلاد خيبر وخرج بغلمانه وبغلته وابل وجواليق وتتبع ما في ألواحه فأخرج كنزا من اواني الفضة وكنزا من اواني الذهب ثم اوقر عيرا وجاء حتى دخل على علي " ع " وقال يا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصي محمد وأخوه وأمير المؤمنين حقا كما سميت وهذه العير دراهم ودنانير فاصرفها حيث أمرك الله ورسوله واجتمع الناس فقالوا لعلي " ع "
[ 165 ]
كيف علمت هذا ؟ قال " ع ": سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن شئت اخبرتكم بما
هو اصعب من هذا، قالوا: فافعل، قال (ع): كنت ذات يوم تحت سقيفة مع رسول الله (ص) واني لأحصى ستا وستين وطأة وكل ملائكة اعرفهم بلغاتهم وصفاتهم واسمائهم ووطنهم. (خبر العبد الأسود): في الفضائل مرفوعا عن الأصبغ بن نباتة قال كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام وهو بين الناس إذ جاء جماعة معهم أسود مشدود الأكتاف فقالوا هذا سارق يا أمير المؤمنين، فقال " ع ": يا أسود سرقت ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين، فقال ثكلتك امك إن قلتها ثانية قطعت يدك، قال نعم يا مولاي قال أمير المؤمنين عليه السلام اقطعوا يده فقد وجب عليه القطع قال فقطع يمينه فأخذها بشماله وهي تقطر دما فاستقبله ابن الكوى فقال يا أسود من قطع يمينك ؟ قال قطع يميني سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين واولى الناس بالمؤمنين علي بن أبي طالب إمام الهدى وزوج فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى أبو الحسن المجتبى وأبو الحسين المرتضى السابق الى جنات النعيم مصادم الابطال في الجهاد ومعطي الزكاة منبع السداد من هاشم الامجاد ابن عم الرسول الهادي الى الرشاد الناطق بالسداد شجاع مكي جحجاح وفي بطين انزع أمين من آل حم ويس وطه الميامين مجرى الهجرتين ومصلي القبلتين خاتم الأوصياء ووصي صفوة الانبياء، قطع يدي القسورة الهمام والبطل الضرغام المؤيد بجبرئيل الامين والمنصور بميكائيل المعين ووصي رسول رب العالمين المطفي نيران الموقدين وخير من نشأ في قريش أجمعين ويحك قطع يدي إمام المشارق والمغارب والهزبر المحارب غالب كل غالب ومطلوب كل طالب والنجم الثاقب علي بن أبي طالب ولي المتقين وأمير المؤمنين على رغم انف الراغمين ومولى الناس أجمعين، فعند ذلك قال له ابن الكوي ويلك يا أسود قطع يمناك وانت تثني عليه هذا الثناء قال مالي لا اثني عليه وقد خالط حبه لحمي ودمي والله ما قطعهما إلا بحق اوجبه الله علي قال: فدخل ابن الكوي على أمير المؤمنين عليه السلام فقال رأيت عجبا يا أمير المؤمنين صادفت أسودا
قطعت يمينه وأخذها بشماله فقلت له من قطع يمينك، فأخذ يثني عليك فقلت له ويحك
[ 166 ]
قطع يمينك وانت تثني عليه فقال ومالي لا اثنى عليه وقد خالط حبه لحمي ودمي فوالله ما قطعها إلا بحق اوجبه الله علي قال فالتفت أمير المؤمنين (ع) الى ولده الحسن وقال قم هات عمك الاسود قال فخرج الحسن (ع) في طلبه فوجده في موضع يقال له كندة فأتى به الى أمير المؤمنين فقال يا اسود قطعت يمينك وانت تثني علي فقال يا أمير المؤمنين ومالي لا اثني عليك وقد خالط حبك لحمي ودمي والله ما قطعت إلا بحق كان علي بما ينجي من عقاب الآخرة فقال (ع): هات يدك فناوله إياها فأخذها ووضعها في الموضع الذي قطعت منه ثم غطاه بردائه فقام فصلى ودعى بدعاء سمعناه يقول في آخر دعائه آمين ثم شال الرداء وقال اطبقي ايتها العروق كما كنت، فردت كما كانت فذهب الاسود وهو يقول آمنت بالله وبمحمد رسول الله وبعلي ولي الله الذي رد يدي المقطوعة بعد تخليتها من الزند ثم انكب على قدمي الامام وقال بأبي انت وامي يا وارث علم النبوة. ويروي انه لازم أمير المؤمنين عليه السلام الى ان استشهد بالنهروان، وفي رواية كان اسم العبد افلح. (خبر الراهب مع خالد بن الوليد): في إرشاد الديلمي بحذف الاسناد قال سهل بن حنيف الانصاري أقبلنا مع خالد بن الوليد فأتينا الى دير فيه ديراني فيما بين الشام والعراق فأشرف علينا وقال من انتم ؟ قلنا نحن مسلمون امة محمد (ص) فقال أين صاحبكم فأتيناه خالدا فسلم على خالد فرد عليه السلام فإذا بشيخ كبير فقال له خالد كم اتى عليك ؟ قال مائتان سنة وثلاثون سنة قال منذ كم سنة سكنت ديرك ؟ قال سكنته منذ نحو ستين سنة قال هل لقيت أحدا لقى عيسى بن مريم (ع) ؟ قال نعم لقيت رجلين قال وما قالا لك ؟ قال قال أحدهما ان عيسى بن مريم عبد الله وروح الله وكلمته القاها الى مريم وان عيسى
مخلوق غير خالق فقبلت منه وصدقته وقال لي الآخر ان عيسى هو ربه فكذبته ولعنته قال خالد ان ذا لعجب كيف اختلفا وقد لقيا عيسى قال الديراني اتبع هذا هواه وزين له الشيطان سوء عمله واتبع ذلك الحق وهداه الله عز وجل، قال هل قرأت الانجيل
[ 167 ]
قال نعم، قال فالتوراة ؟ قال نعم، قال آمنت بموسى ؟ قال نعم، قال فهل لك في الاسلام أن تشهد أن محمدا رسول الله وتؤمن به وبما جاء به ؟ قال وكيف لا آمن به وقد قرأت في التوراة والانجيل وبشر به موسى وعيسى، قال فما مقامك في هذا الدير ؟ قال فأين اذهب وأنا شيخ كبير ولم يكن لي من انهض به وبلغني مجيئكم فكنت انتظر ان القاكم والقي اليكم سلامي واخبركم اني على ملتكم، قال فما فعل نبيكم ؟ قال توفى قال فأنت وصيه ؟ قال لا ولكن رجل من عشيرته وممن صحبه، قال فمن بعثك الى ها هنا أوصيه ؟ قال لا ولكن خليفته، قال غير وصيه ؟ قال نعم، قال وصيه حي ؟ قال نعم، قال كيف يكون ذلك ؟ قال اجتمع الناس على هذا الرجل وهو رجل من عشيرته ومن صالحي الصحابة، قال وما أراك إلا بأعجب الرجلين الذين اختلفا في عيسى وقد لقياه وسمعا منه وهو ذا أنتم قد لقيتم نبيكم وسمعتم منه وقد خالفتم نبيكم وفعلتم مثل ما فعل ذلك الرجل، قال فالتفت خالد الى من يليه وقال هو والله ذلك اتبعنا هوانا والله وجعلنا رجلا مكان رجل ولولا ما كان بيني وبين علي من الخشونة على عهد رسول الله ما واليت عليه أحدا فقال له الاشتر النخغي مالك بن الحارث ولم كان بينك وبين علي ما كان ؟ قال خالد: نافسته في الشجاعة ونافسني فيها وكان له مثل السوابق والقرابة ما لم تكن لي فداخلني حمية قريش فكان ذلك ولقد عاتبتني ام سلمة زوجة النبي (ص) وهي ناصحة لي فلم اقبل منها ثم عطف على الديراني فقال له: هات حديثك ما تخبر قال اخبرك ان كنت من أهل دين كان جديدا فخلق حين لم يبق فيه إلا الرجلان أو الثلاثة ويخلق دينكم حتى لم يبق فيه إلا الرجلان أو الثلاثة ويخلق دينكم حتى لم يبق فيه إلا الرجلان أو الثلاثة واعلموا ان بموت نبيكم قد تركتم من الاسلام درجة اخرى
إذا لم يبق أحد رأى نبيكم أو صحبه وسيخلق دينكم حتى تخلق صلاتكم وحجكم وغزوكم وصومكم وترتفع الأمانة والزكاة منكم ولن تزال فيكم بقية ما بقى كتاب الله ربكم عز وجل وما بقى فيكم احد من أهل بيت نبيكم فإذا رفع هذان منكم لم يبق من دينكم إلا الشهادتان شهادة التوحيد وشهادة أن محمدا رسول الله فعند ذلك تقوم قيامتكم وقيامة غيركم ويأتيكم ما توعدون ولن تقوم الساعة إلا عليكم لأنكم
[ 168 ]
آخر الامم بكم تختم الدنيا وعليكم تقوم الساعة، قال له خالد: اخبرنا بأعجب شئ رأيته منذ سكنت ديرك هذا وقبل أن تسكنه، قال قد رأيت ما لا احصي من العجب ووافيت ما لا احصي من الخلق، قال فحدثنا ببعض ما تذكره قال نعم كنت اخرج بين الليالي الى غدير كان في سفح الجبل أتوضأ منه وأتزود من الماء ما اصعد به الى يسري وكنت اسرع الى التزول فيه بين العشائين فكنت عنده ذات ليلة إذ انا برجل قد اقبل فسلم فرددت عليه السلام فقال هل مربك قوم معهم غنم وراع أحسستهم ؟ قلت: لا، قال ان قوما من العرب مروا بغنم وفيها مملوك لي يرعاها فاستاقوها وذهبوا بها مع العبد، قلت ممن أنت ؟ قال انا رجل من بني اسرائيل فمن أنت ؟ قلت: رجل من بني اسرائيل، فقال وما دينك ؟ قلت أنت فما دينك ؟ قال ديني اليهودية، قلت أنا ديني النصرانية واعرضت عنه بوجهي قال لي ما لك فانكم انتم ركبتم الخطأ ودخلتم فيه وتركتم الصلاة ولم يزل يحاورني فقلت له: هل لك ان نرفع ايدينا فنبتهل فأينا كان على الباطل دعونا الله عليه أن ينزل عليه نارا من السماء تحرقه فرفعنا أيدينا فما استتم الكلام حتى نظرت إليه يلتهب وما تحته من الارض فلم ألبث ان أقبل رجل فسلم فرددت عليه السلام فقال يا عبد الله هل رأيت رجلا صفته كيت وكيت ؟ قلت: نعم فحدثته، قال كذبت ولكنك قتلت أخي يا عبد الله وكان مسلما وجعل يسبني فجعلت ارده عن نفسي بالحجارة واقبل يسبني ويشتم المسيح
ومن هو على دين المسيح فبينما انا كذلك إذ نظرت إليه وهو يحترق وقد اخذته النار التي أخذت أخاه ثم هوت به في الأرض فبينما انا قائم اتعجب إذ أقبل رجل ثالث فسلم فرددت عليه السلام، فقال رأيت رجلين من حالهما وصفتهما كيت وكيت قلت: نعم فكرهت ان اخبره كما اخبرت أخاه ان يقاتلني فقلت هم أريك أخويك وانتهيت به الى موضعهما فنظر الى الأرض يخرج منها الدخان فقال ما هذه ؟ فأخبرته فقال والله لئن اجابني اخواي في تصديقك لأتبعنك في دينك ولئن كان غير ذلك لأقتلنك أو تقتلني، فصاح يا دانيال أحق ما يقول هذا الرجل ؟ قال نعم يا هرون فصدقه، قال فقال الرجل اشهد أن عيسى بن مريم رسول الله وروح الله وكلمته وعبد ه، قلت:
[ 169 ]
الحمد لله الذي هداك، قال فاني قد آخيتك في الله وان لي أهلا وولدا وغنما ولولاهم لسحت في الارض ولكن همتي بقيامي عليهم شديد وارجو أن اكون في القيامة مأجورا ولعلي انطلق فاني بهم فأكون بالقرب منك فانطلق فغاب عني ليالي ثم انه اتاني فهتف بي ليلة من الليالي فإذا هو قد جاء ومعه أهله وغنمه فضرب له خيمة ها هنا بالقرب مني فلم ازل انزل إليه في اناء الليل والاقيه واقعد عنده فكان لي أخا صدق في الله فقال لي ليلة: يا هذا اني قرأت في التوراة فإذا هو صفة محمد الأمين (ص) فقلت وأنا قرأت صفته في التوراة والانجيل فآمنت به وعلمته الانجيل فأخبرته بصفته في الانجيل فآمنا انا وهو فأحببناه وتمنينا لقائه قال فمكث بعد ذلك زمانا وكان من افضل من رأيت وكنت استأنس إليه وكان من فضله انه يخرج بغنمه فيرعاها فينزل في المكان المجدب فيصير ما حوله اخضرا من البقل وكان إذا جاء المطر جمع غنمه حوله فيصير حول غنمه وخيمته مثل الاكليل من اثر المطر ولم يصب غنمه ولا خيمته منه شئ وإذا كان الصيف كان على رأسه اينما توجه، سحابة وكان بين الفضل كثير الصوم والصلاة قال فحضرته الوفاة فدعيت إليه فقلت ما كان سبب مرضك ولم اعلم به ؟ قال اني ذكرت
خطيئة كنت فاعلها في حداثتي فغشي علي فأورثني ذلك مرضا فلست ادري ما حالي ثم قال فان لقيت محمد نبي الرحمة فاقرأه مني السلام وان لم تلقه ولقيت وصيه فاقرأه مني السلام وهي حاجتي اليك ووصيتي، قال الديراني: واني مودعكم الى وصي احمد مني ومن صاحبي السلام. قال سهل بن حنيف فلما رجعنا الى المدينة لقيت عليا فأخبرته بخبر الديراني وخبر خالد وما اودعنا إليه الديراني من السلام منه ومن صاحبه، قال فسمعته يقول: عليهما وعلى من مثلهما السلام وعليك يا سهل بن حنيف السلام وما رأيته اكترث لما اخبرته من خالد بن الوليد وما قال وما رد علي فيه شيئا غير انه قال يا سهل بن حنيف ان الله تبارك وتعالى بعث محمدا فلم يبق شئ إلا علم انه رسول الله إلا أشقى الثقلين وعصابتهما، قال سهل فعمرنا زمانا ونسيت ذلك فلما كان من أمر علي " ع " ما كان توجهنا معه فلما رجعنا من صفين نزلنا ارضا قفراء ليس بها ماء فشكونا الى علي " ع " فانطلق يمشي على قدميه حتى انتهى الى موضع كان يعرفه
[ 170 ]
فقال احفروا ها هنا فحفرنا فإذا بصخرة صماء عظيمة قال اقلعوها، قال فجهدنا أن نقلعها فما استطعنا من عجزنا عنها ثم هوى إليها بيديه جميعا كأنما كانت في يديه كرة فإذا تحتها عين بيضاء كأنها من شدة بياضها اللجين المجلو فقال " ع ": دونكم فاشربوا واسقوا وتزودوا ثم ادنوني منها، قال ففعلنا ثم اتيناه فأقبل يمشي إليها بغير رداء ولا حذاء فتناول الصخرة بيده ودحى بها في فم العين فألقمها إياها ثم حثى بيده التراب عليها وكان ذلك بعين الديراني وكان بالقرب منا ومنها يرانا ويسمع كلامنا قال فنزل فقال: أين صاحبكم ؟ فانطلقا به الى علي " ع " فقال: اشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وانك وصي رسول الله حقا ولقد كنت ارسلت بالسلام عني وعن صاحب لي مات كان اوصاني بذلك مع جيش لكم كان منذ كذا وكذا من السنين، قال سهل: فقلت يا أمير المؤمنين هذا الديراني الذي كنت بلغتك عنه وعن
صاحبه السلام قال وذكرت الحديث يوم مررنا مع خالد فقال له علي " ع ": كيف علمت اني وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال اخبرني أبي وكان قد اتى عليه من العمر مثل ما اتى علي عن أبيه عن جده عمن قاتل مع يوشع بن نون وصي موضى حين توجه فقاتل الجبارين بعد موسى بأربعين سنة انه مر بهذا المكان وانه وأصحابه عطشوا فشكوا إليه العطش فقال: أما ان بقربكم عينا انزلت من الجنة استخرجها آدم فقام إليها يوشع بن نون فنزع عنها الصخرة ثم شرب وشرب اصحابه واستقوا ثم قلب الصخرة وقال لأصحابه لا يقلبها إلا نبي أو وصي نبي قال فتخلف رجال من أصحاب يوشع بعد ما مضى فجهدوا كل الجهد على ان يجدوا موضعها فلم يجدوه وانما بنى هذا الدير على هذه العين وعلى بركتها وطلبتها فعلمت حين استخرجتها انك وصي الله أحمد الذي كنت اطلبه وقد اوجبت الجهاد معك، قال فحمله على فرس واعطاه سلاحا فخرج مع الناس وكان ممن استشهد يوم النهروان وفرح اصحاب علي " ع " بحديث الديراني فرحا شديدا، قال وتخلف قوم بعد ما رحل العسكر فطلبوا العين فلم يدروا أين موضعها فلحقوا بالناس، قال صعصعة بن صوحان: وانا رأيت الديراني حين نزل الينا حين قلب الصخرة وشرب منها الناس وسمعت حديثه لعلي " ع " وحدثني
[ 171 ]
ذلك اليوم سهل بن حنيف بهذا حين مروا مع خالد. (خبر الرايات): في البحار عن خصال الصدوق رحمه الله عن محمد بن سعيد الهاشمي عن فرات ابن ابراهيم عن عبيد بن كثير، قال حدثنا يحيى بن الحسن وعباد بن يعقوب ومحمد بن الجنيد، قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي، قالوا حدثنا الحارث ابن حصير عن الصخر بن الحكم الفزاري عن حيان بن الحارث الأزدي عن الربيع ابن جميل الضبي عن مالك بن حمزة الرواسي: قال لما سيروا أبو ذر رحمه الله عليه
اجتمع هو وعلي بن أبي طالب " ع " والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وحذيفة ابن اليمان وعبد الله بن مسعود، فقال أبو ذر: حدثوا حديثا نذكر به رسول الله ونشهد له وندعوا له ونصدقه بالتوحيد، فقال علي " ع ": ما هذا زمان حديثي، قالوا: صدقت، فقال: حدثنا يابن مسعود، قال لقد علمتم اني قرأت القرآن ولم اسأل عن غيره ولكن انتم أصحاب الأحاديث، قالوا: صدقت، قال حدثنا يا مقداد قال لقد علمتم اني كنت صاحب الفتن لا اسئل عن غيرها ولكن انتم أصحاب الأحاديث، فقالوا صدقت، فقال حدثنا يا عمار قال لقد علمتم اني رجل نسى إلا أن اذكر فأذكر، فقال أبو ذر أنا احدثكم بحديث قد سمعتموه أو من سمعه منكم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور وان البعث حق وأن الجنة حق والنار حق ؟ قالوا: نشهد، قال وأنا معكم من الشاهدين، ثم قال: ألستم تشهدون ان رسول الله قال ان شر الأولين والأخرين اثني عشر ستة من الأولين وستة من الآخرين ؟ ثم سمى الستة من الأولين: ابن آدم الذي قتل أخاه وفرعون وهامان وقارون والسامري والدجال اسمه في الأولين ويخرج في الآخرين، واما الستة من الآخرين: فالعجل وهو نعثل وفرعون وهو معاوية وهامان هذه الامة وهو زياد وقارونها وهو سعد والسامري وهو أبو موسى عبد الله بن قيس لأنه قال كما قال
[ 172 ]
سامري قوم موسى لا مساس اي لا قتال والابتر وهو عمرو بن العاص أفتشهدون علي ذلك ؟ قالوا نعم، قال وأنا على ذلك من الشاهدين، ثم قال ألستم تشهدون ان رسول الله قال ان امتي ترد علي الحوض على خمس رايات أولها راية العجل فأقوم وآخذ بيده فإذا أخذت به اسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت احشائه ومن فعل فعلة يتبعه فأقول: بماذا خلفتموني في الثقلين من بعدي فيقولون كذبنا الاكبر ومزقناه واضطهدنا
الاصغر وأخذنا حقه، فأقول اسلكوا ذات الشمال فينصرفون ظمأ مظمئين قد اسودت وجوههم لا يطعمون منه قطرة، ثم ترد علي راية فرعون امتي وهم اكثر الناس منهم المبهرجون قيل يارسول الله وما المبهرجون ؟ بهرجو الطريق ؟ قال: لا ولكن بهرجوا دينهم وهم الذين يغضبون للدنيا ولها يرضون، فآخذ بيد صاحبهم فإذا أخذت بيده اسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت احشاؤه ومن فعل فعله يتبعه فأقول: بما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون كذبنا الاكبر ومزقناه وقاتلنا الأصغر فقتلناه فأقول: اسلكوا سبيل أصحابكم فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون منه قطرة قال ثم ترد علي راية هامان امتي فأقوم فآخذ بيده فإذا اخذت بيده اسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت احشاؤه ومن فعل فعله يتبعه فأقول بما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون: كذبنا الآكبر فعصيناه وخذلنا الأصغر وخذلنا عنه فأقول: اسلكوا سبيل أصحابكم فينصرفون ظماء مظمئين مسودة وجوههم لا يطعمون منه قطرة، ثم نرد علي راية أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين فأقوم فآخذ بيده فإذا أخذت بيده أضاء وجهه ووجوه أصحابه فأقول: بما خلفتموني في الثقلين بعدي ؟ فيقولون: اتبعنا الأكبر وصدقناه ووازرنا الاصغر ونصرناه وقاتلنا معه، فأقول ردوا رواء مرويين فيشربون شربة لا يظمؤن بعدها أبدا وجه امامهم كالشمس الطالعة وجوه أصحابه كالقمر ليلة البدر وكضوء نجم في السماء، ثم قال أبو ذر: ألستم تشهدون على ذلك ؟ قالوا: نعم، قال وانا على ذلك من الشاهدين، قال يحيى قال عباد: اشهدوا علي بهذا عند الله عز وجل ان صخر بن الحكم حدثني بهذا، وقال صخر بن الحكم: اشهدوا علي بهذا عند الله عز وجل
[ 173 ]
ان حيان حدثني بهذا، وقال حيان: اشهدوا علي بهذا عند الله عز وجل ان مالك ابن حمزة حدثني بهذا، وقال مالك بن حمزة: اشهدوا علي بهذا عند الله عز وجل
أن أبا ذر الغفاري حدثني بهذا، وقال أبو ذر: مثل ذلك وقال قال رسول الله حدثني به جبرئيل عن الله تبارك وتعالى: أقول: قال العلامة المجلسي رحمه الله بعد ذكر الكتب والطرق المشتلة على هذا الحديث لعل التفسيرات من الرواة تقية وإلا فظاهر انطباق العجل على الاول وفرعون على الثاني وقارون على الثالث. انتهى كلامه. الباب الثالث (في شئ من معاجزه المتعلقة ببدنه الشريف، وذكر هيبته وقوة شوكته) (وهذا الباب ذكرناه توطئة لمجلس غزواته وإلا فهو من باب) (إراءة الشمس في النهار وإيضاح الواضحات لأولي الأبصار) في كتاب أعلام الورى لأبي الفضل الطبرسي: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن الناس قالوا له: اننا انكرنا من أمير المؤمنين " ع " انه يخرج في البرد في الثوبين الخفيفين وفي الصيف في الثوب الثقيل والمحشو فهل سمعت أباك يذكر انه سمع من أمير المؤمنين في ذلك شيئا ؟ قال لا، قال وكان أبي يسمر مع علي " ع " بالليل فسأله عن ذلك فقال يا أمير المؤمنين ان الناس قد انكروا، واخبره بالذي قالوا قال وما كنت معنا بخيبر قال بلى، قال فان رسول الله بعث أبا بكر وعقد له لواء فرجع وقد انهزم هو وأصحابه ثم عقد لعمر فرجع منهزما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار يفتح الله على يديه، فأرسل الي وأنا ارمد فتفل في عيني وقال: اللهم اكفه اذى الحر والبرد فما وجدت حرا بعده ولا بردا.
[ 174 ]
ومن مهابته عليه السلام: انه كان ينظر الى عدو من أعدائه بنظرة الغضب فيورثه الموت والعطب، فمن ذلك ما نقله الشيخ سليمان الحنفي في كتابه ينابيع المودة
في أثناء نقله خطبة البيان: أن رجلا قال له أتخبر هذا عن الله أم كنت حاضرا ؟ قال فنظر إليه أمير المؤمنين " ع " فوقع الرجل ميتا، ومن ذلك انه سئل عن المقتولين بسيفه من دون أن يثني ضربته فقال " ع ": ما بارزني أحد إلا وأعانني على نفسه، وقال جابر الجعفي: كان أبو طالب في صغر علي " ع " يجمع ولده وولد اخوته ثم يأمرهم بالصراع وذلك خلق في العرب، فكان علي " ع " يحسر عن ذراعيه وهو طفل صغير ويصارع كبار اخوته وصغارهم وكبار بني عمه وصغارهم فيصرعهم فيقول أبوه ظهر علي فسماه ظهيرا فلما ترعرع كان يصارع الرجل الشديد ويصرعه ويعلق بالجبار بيده ويجذبه فيقتله وربما قبض على امراق بطنه ورفعه الى الهواء وربما يلحق الحصان الجاري فيصده فيرده على عقبيه وكانت قريش تؤذي النبي (ص) وتعلم الاطفال لكي تؤذيه فكان علي " ع " إذا رأى أحدا منهم يؤذي النبي يقبض على اذنه حتى يفصلها من أصلها فكانت تفر منه ويقولون: قد جاءكم قاطع الأذن وكان عليه السلام يأخذ من رأس الجبل حجرا ويحمله بيد واحدة ثم يضعه بين يدي الناس فلا يقدر الرجل والرجلان والثلاثة على تحريكه، فقال أبو جهل فيه شعرا: يا أهل مكة ان الذبح عندكم * * هذا علي الذي قد جل في النظر ما ان له مشبه في الناس قاطبة * * كأنه النار ترمي الخلق بالشرر كونوا على حذر منه فأن له * * يوما سيظهره في البدو والحضر قال وكان " ع " لم يمسك بذراع رجل إلا مسك بنفسه فلم يستطع يتنفس. وروى جماعة عن خالد بن الوليد انه قال رأيت علي بن أبي طالب يسرد حلقات درعه بيده ويصلحها فقلت هذا كان لداود " ع " فقال " ع ": يا خالد بنا الان الله الحديد لداود فكيف لنا. أقول: وقد مر في ذكر إطاعة المخلوقات له " ع " خبر الانية الحديد ببأسه الشديد وجعله طوقا في جيد خالد بن الوليد، ومن ذلك ما تواتر ذكره وهو قطع
[ 175 ]
الأميال وحملها الى الطريق سبعة عشر ميلا تحتاج الى اقوياء حتى تحرك ميلا منها فقطعها وحده ونقلها ونصبها وكتب عليها هذا ميل علي، ويقال انه كان يتأبط باثنين ويدير واحدا برجله وكان منه في ضرب يده بالاسطوانة حتى دخل ابهامه في الحجر وهو باق في الكوفة وكذلك مشهد الكف في تكريت والموصل وقطيعة الدقيق وغير ذلك، ومنه أثر سيفه في صخرة جبل ثور عند غار النبي صلى الله عليه وآله وسلم واثر جبل من جبال البادية وفي صخرة عند قلعة جعبر، نقل ذلك كله شيخنا المجلسي رحمه الله في بحار الانوار. ومن هيبته عليه السلام: ما رواه أيضا بسنده عن شقيق بن سلمة قال كان عمر بن الخطاب يمشي فالتفت الى ورائه وعدا فسأله عن ذلك فقال: ويحك أما ترى الهزبر بن الهزبر القشم بن القشم الفلاق البهم الضارب على هامة من طعن وظلم ذا السيفين ورائي فقلت: هذا علي بن أبي طالب، فقال: ثكلتك امك انك تحقره بايعنا رسول الله (ص) يوم احد من فر منا فهو ضال ومن قتل فهو شهيد ورسول الله يضمن له الجنة فلما التقى الجمعان هزمونا وهذا كان يحاربهم وحيدا حتى انسل رسول الله (ص) وجبرئيل ثم قال عاهدتموه وخالفتموه ورمى بقبضة رمل وقال شاهت الوجوه فو الله ما كان منا إلا وأصابت عينيه رملة فرجعنا نمسح وجوهنا قائلين: الله الله يا أبا الحسن أقلنا أقالك الله فالكر والفر عادة العرب فأصفح وقل ما اراه وحيدا إلا خفت منه. وعن الفائق أن عليا عليه السلام حمل على المشركين فما زالوا يقتلون حتى غدوا في الجبال منهزمين، وكانت قريش إذا رأته في الحرب ترامت خوفا منه وقد نظر إليه رجل وقد شق العسكر فقال علمت بأن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي عليه السلام. ومن معجزاته المتعلقة ببدنه: انه كان يطوي الثلاثة من الأيام والاربعة
ويصلي في اليوم والليلة الف ركعة ومع ذلك ضرب بيده الى اسطوانة خشب على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه وفوقها حجرتان احداهما فوق الأخرى ويرفع الكل على يد واحد كما مر في حديث الطبيب النصراني وما مر في خبر الراهب وخالد بن الوليد.
[ 176 ]
وغيرهما وأعظم الكل حديث خيبر على ما ستسمعه من حمله الباب التي يستعين على سدها وفتحها أربعون رجلا وأربع رجال وجعلها جسرا على يده وعبر جميع المسلمين عليها وفي شرح النهج كانت ملوك الترك والديلم تصور صورته على أسيافها تفألا بالنصر والظفر كان على سيف عضد الدولة ابن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته وكان على سيف ألب ارسلان وسيف ملكشاه صورته عليه الصلاة والسلام. المجلس الثالث (في غزواته عليه السلام وهي ثلاثة أقسام: غزواته المشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم) (وغزواته بعد النبي، وغزوات غير مشهورة كشهرة الاولى) (القسم الاول سبع غزوات: الغزوة الاولى:) (غزوة بدر) وكانت على رأس ثمانية عشر شهرا من قدومه المدينة وعمره عليه السلام: سبعة وعشرون سنة، وكان من خبر هذه الغزوة: ان المشركين حضروا بدرا مصرين على قتال رسول الله (ص) وكان المسلمون إذ ذاك نفر قليل وأخرج المشركون معهم العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب وكان أول وهن لحق المشركين، انهم لما اصطفت صفوفهم أمامها عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فنادى عتبة رسول الله (ص) وقال يا محمد اخرج الينا أكفاءنا من قريش فبدر إليهم ثلاثة من شبان الانصار فقال لهم عتبة من أنتم ؟ فانتسبوا له، فقالوا:
لا حاجة لنا الى مبارزتكم انما طلبنا أكفاءنا من بني عمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار أرجعوا الى مواقفكم ثم قال قم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة قاتلوا عن حقكم
[ 177 ]
الذي بعث الله به نبيكم إذ جاؤا بباطلهم ليطفؤا نور الله، فقاموا ووقفوا قبالهم، فقال عتبة تكلموا إن كنتم أكفاءنا قاتلناكم، فقال حمزة أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال عتبة كفؤ كريم وقال علي " ع " انا علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب، وقال عبيدة انا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فقالوا نعم الاكفاء فبرز أمير المؤمنين الى الوليد وكان " ع " اصغر القوم سنا واختلفا ضربتين أخطأت ضربة الوليد أمير المؤمنين واتقى ضربة أمير المؤمنين " ع " بيده اليسرى فأبانتها فروى عنه " ع " انه كان يذكر بدرا وقتلة الوليد وكان يقول كأني انظر الى وميض خاتمه في شماله ثم ضربه ضربة اخرى فصرعه، ثم بارز حمزة ومشى عبيدة وكان أسن القوم الى شيبة فاختلفا ضربتين فأصاب ذباب سيف شيبة ساق عبيدة فاستنقذه أمير المؤمنين (ع) وحمزة منه وقتلا شيبة وحمل عبيدة من مكانه فمات بالصفراء، هذه رواية علي بن هاشم عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنذكر في آخر الغزوة رواية علي بن إبراهيم وهي أشهر. قال الواقدي: تصور ابليس (لعنه الله) يوم بدر للمشركين في صورة سراقة ابن جشعم المدلجي يحرضهم على القتال ويخبرهم انه لا غالب لهم من الناس فبشر النبي المؤمنين بجبرئيل في جند من الملائكة ميمنة الناس وميكائيل في جند من الملائكة ميسرة الناس واسرافيل في جند من الملائكة في القلب فنكص ابليس على عقبيه وقال اني برئ منكم اني ارى ما لا ترون فتثبت به الحارث بن هشام وهو يرى انه سراقة لما سمع من كلامه وغدي يقول: الى أين ياسراقة ؟ فضرب ابليس صدر الحارث فسقط الحارث وانطلق ابليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع يديه وهو يقول
موعدك الذي وعدتني وأقبل أبو جهل على أصحابه يحرضهم على القتال ويقول لا يغرنكم خذلان سراقة بن جشعم إياكم فانما كان على ميعاد من محمد وأصحابه سيعلم إذا رجعنا الى فدية ما نصنع بقومه ولا يهولنكم مقتل عتبة وشيبة والوليد فانهم عجلوا وبطروا، قاتلوا وايم الله لا ترجع اليوم حتى نقرن محمدا وأصحابه في الجبال فلا الفين أحدا منكم قتل منهم أحدا ولكن خذوا أخذا لنعرفهم بالذي صنعوا لمفارقتهم دينكم
[ 178 ]
ورغبتهم عما كان يعبد آبائهم، قال ونادى رسول الله (ص): اللهم لا يفوتنك فرعون هذه الامة يعني أبا جهل، اللهم اكفني نوفل بن خويلد، قال وتدرع أبو جهل بدرعه والتمس بيضة يدخلها رأسه فما وجد من عظم هامته، فخرج معتجرا ببرد له وهو يقول والله لا ارجع حتى يحكم بيننا وبين محمد وجال بين الصفين كأنه الشيطان الرجيم وارتجز وهو يقول: ما تنقم الحرب العوان مني * * بازل عامين حديث سني لمثل هذا ولدتني امي قال وأمر رسول الله (ص) أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، وحرض المسلمين وقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، فقال عمير بن الحام الانصاري بخ بخ ما بيني وبين أن ادخل الجنة إلا يقتلني هؤلاء ثم قاتل حتى قتل، ثم رمى حارثة بن سراقة الانصاري فقتل، وقاتل عوف بن عفراء حتى قتل، واقتتل الناس قتالا شديدا وكان من قتل من المشركين يصيح قتلني علي بن أبي طالب، فسئل النبي (ص) فقال بربهم الله على صورة علي (ع) أهيب لقلوبهم، وأخذ رسول الله حفنة من التراب ورمى بها قريشا وقال شاهت الوجوه وقال لأصحابه: شدوا عليهم، فقتل الله من قتل من المشركين واسر من اسر
منهم، قال عبد الرحمن بن عوف: كنت واقفا في الصف فأتاني غلامان حديثة أسنانهما فغمرني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل ؟ قلت نعم وما حاجتك إليه يابن أخي ؟ قال بلغني انه سب رسول الله والذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال فغمرني الآخر وقال لي مثلها فتعجبت لذلك فلم اشعر إذ نظرت الى أبي جهل يجول في الناس فقلت لهما: ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فاستقبلهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا الى رسول الله (ص) فقال أيكما قتله ؟ فقال كل واحد منهما أنا قتلته قال هل مسحتما سيفكما ؟ قالا: لا
[ 179 ]
فنظر رسول الله (ص) في السيفين فقال كلا كما قتله، وروي ان معاذ بن عفراء ضرب أبا جهل هو وأخوه عوف بن الحرث حتى أتياه فعطف عليهما فقتلهما ثم وقع صريعا فركض إليه ابن مسعود فوجده بآخر رمق قال فوضعت رجلي على عنقه ثم قلت هل اخزاك الله يا عدو الله ؟ قال وبما أخزاني أعمد من رجل قتلتموه ؟ واخبرني لمن الدائرة فقلت لله ولرسوله، فقال أبو جهل لقد ارتقيت بارويعي الغنم مرتقا صعبا، قال فقلت اني قاتلك فقال ما أنت بأول عبد قتل سيده أما والله أشد شئ لقيته اليوم قتلك إياي ألا قتلني رجل من الطيبين أو الأحلاف، فضربه بسيفه فوقع رأسه بين رجليه فحمله الى رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم فسجد لله شكرا. أقول: قرأت في التاريخ الاسحاقي ان أبا جهل كان مابونا وكان يلقم دبره حجرا ويقول: اهدء فوالللات والعزى لا تركت رجلا يركبك. قال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد تعجبت يوم بدر من جرأة القوم قتلت الوليد بن عتبة وقتل حمزة عتبة وشركته في قتل شيبة إذ أقبل الي حنظلة بن أبي سفيان فلما دنى مني ضربته بالسيف فسالت عيناه ولزم الارض قتيلا. وقال عروة بن الزبير: أقبل علي " ع " يوم بدر نحو طعيمة بن عدي بن نوفل فسجره بالرمح وقال والله
لا تخاصمنا بعد اليوم أبدا. قال الزهري: ولما انكشفت قريش وولوا الدبر رأى علي ابن أبي طالب " ع " نوفل بن خويلد وقد تحير لا يدري ما يصنع فعمد له علي " ع " ثم ضربه بالسيف فنشب في جحفته وانتزعه منها ثم ضرب به ساقه وكانت درعه مستمرة فقطعها ثم اجهز عليه فقتله فلما عاد الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمعه يقول من له علم بنوفل بن خويلد ؟ فقال علي عليه السلام: أنا قتلته يارسول الله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه. قال الواقدي: وحدثني موسى بن محمد عن أبيه قال كان السائب بن أبي حبيش الاسدي يحدثني عن عمر بن الخطاب يقول ما اسرني أحد من الناس فيقال فمن فيقول لما انهزمت قريش انهزمت معها فأدركني رجل أبيض طويل على فرس ابلق بين السماء والأرض فأوثقني رباطا وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا وكان عبد الرحمن
[ 180 ]
ينادي في العسكر من أسر هذا فليس أحد يزعم انه اسرني حتى انتهى بي الى رسول الله فقال (ص) من أسرك ؟ قلت لا اعرفه، فقال اسره ملك من الملائكة كريم. أقول: والرواية المشهورة في قتل عتبة وشيبة والوليد ما روى علي بن ابراهيم في تفسيره قال ان حمزة وعلي وعبيدة خرجوا لعتبة وشيبة والوليد فلما اصطفوا لهم تنسبهم القوم لأنهم كانوا قد تغفروا فسألوهم من أنتم ؟ فانتسبوا لهم، فقال شيبة لحمزة من أنت ؟ فقال أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله واسد رسوله، فقال له شيبة لقيت أسد الحلفاء فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله، فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلق بها هامته وضرب عتبة عبيدة على ساقه فقطعها فسقطا جميعا فحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى تثلما وكل واحد منهما يتقى بدرقته وحمل أمير المؤمنين " ع " على الوليد بن عتبة فضربة على عاتقه فأخرج السيف من ابطه فقال علي فأخذ يمينه المقطوعة على يساره فضرب بها هامتي فظننت ان السماء
وقعت على الارض ثم اعتنق حمزة شيبة فقال المسلمون يا علي ما ترى ان الكلب قد اتعب عمك فحمل عليه علي " ع " ثم قال يا عم طأطأ رأسك وكان حمزة اطول من شيبة فأدخل رأسه في صدره فضربه أمير المؤمنين فطير نصفه، الخبر. قال شيخنا المفيد طاب ثراه وكان قتل هؤلاء أول وهن لحق المشركين وذل دخل عليهم ورهبة اعتراهم بها الرعب من المسلمين وظهر بذلك إمارات نصر أمير المؤمنين. ثم بارز أمير المؤمنين عليه السلام العاص بن سعيد بن العاص بعد أن احجم عنه من سواه فلم يلبث أن قتله، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله، وبرز إليه طعيمة بن عدي فقتله، وقتل بعده نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، ولم يزل يقتل واحدا منهم بعد واحد حتى اتى على شطر المقتولين منهم وكانوا سبعين قتيلا تولى كافة من حضر بدرا من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة مسومين، ثم قتل الشطر منهم وتولى أمير المؤمنين " ع " وحده الشطر الآخر، وختم الأمر بمناولة النبي (ص) كفا من الحصا فرمى به في وجوههم وقال شاهت الوجوه فلم يبق أحد إلا ولى الدبر كذلك منهزما (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا)
[ 181 ]
وفي قتل عتبة وشيبة والوليد تقول هند: أيا عين جودي بدمع سرب * * على خير خندف لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة * * بنو هاشم وبنو مطلب يذيقونه حد أسيافهم * * يجرونه بعد ما قد شجب يجرونه وعفير التراب * * على وجهه عاريا قد سحب فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد قتلناه وما أعربناه ولا سحبناه. أقول: وفي هذه الغزوة اسر جماعة من نبي هاشم منهم العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب أسرهم أمير المؤمنين عليه السلام، وفي تاريخ ابن الأثير: والعباس
أسره أبو اليسر وكان مجموعا والعباس جسيما فقيل له كيف اسرته ؟ قال أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك هيأته كذا وكذا فقال رسول الله (ص): لقد أعانك عليه ملك كريم، ولما أمسى العباس مأسورا بات رسول الله (ص) ساهرا ليله، فقال أصحابه يارسول الله ما لك لا تنام ؟ فقال رسول الله: سمعت تضور العباس في وثاقه فمنع مني النوم، فأطلقوه فنام النبي، وكان صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه من لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فقال أبو حذيفة بن عتبة: أتقتل آباءنا وابناءنا وإخواننا ونترك العباس والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف، فبلغ النبي (ص) فقال لعمر: يا أبا حفص أما تسمع قول أبي حذيفة: أضرب وجه عم رسول الله. وفي البحار لما جاء أبو يسر الانصاري بالعباس قال والله لا اسرني إلا ابن أخي علي بن أبي طالب فقال النبي (ص) صدق عمي ذلك ملك كريم قال عرفته بجلجته وحسن وجهه فقال النبي (ص): ان الملائكة الذين أيدني الله بهم على صورة علي بن أبي طالب ليكون ذلك أهيب في صدور الاعداء، ويروي ان النبي (ص) قال للعباس: افد نفسك وابن أخيك ونوفل ابن الحرث فانك ذو مال، فقال اني كنت مسلما ولكن قومي يكرهوني على الخروج فقال (ص) الله اعلم بشأنك أما ظاهرك فقد كنت علينا ولله در الشيخ كاظم الازري حيث يقول في قصيدته الهائية مادحا أمير المؤمنين وملخصا قضية بدر:
[ 182 ]
أسد الله ما رأت مقلتاه * * نار حرب تشب إلا اصطلاها ذاك رأس الموحدين وحامي * * بيضة الدين من أكف عداها جمع الله فيه جامعة الر * * سل وأتاه فوق ما آتاها وإذا ما انتمت قبائل حي ال * * موت كانت أسيافه اباها من يرى مثله إذا جرت الحر * * ب ودارت على الكماة رحاها ذاك قمقامها الذي لا يروي * * غير صمصامة اوام صداها
وبه استفتح الهدى يوم بدر * * من طغات أبت سوى طغواها صب صوب الردى عليهم همام * * ليس يخشى عقب التي سواها يوم جاءت وفي القلوب غليل * * فسقاها حسامه ما سقاها كيف يخشى الذي له ملكوت * * الأمن والنصر كله عقباها والى الحشر رنة السيف منه * * ملأ الخافقين رجع صداها (الغزوة الثانية) (غزوة احد) وهي تلت بدرا، وكان قريش يوم الخميس لخمس خلون من شوال والواقعة يوم السبت لسبع خلون منه سنة ثلاث من الهجرة وكان أصحاب رسول الله (ص) سبعمائة والمشركون ثلاثة آلاف فارس والفي راجل وخرجوا معهم النساء يحرضنهم على حرب رسول الله (ص) واخرج أبو سفيان هند بنت عتبة وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " ع " كما كانت بيده يوم بدر وكان له الفتح في هذه كما كان
[ 183 ]
يوم بدر، وكانت الالوية عن قريش بيد بني الدار وراية المشركين مع طلحة ابن أبي طلحة وكان يدعى كبش الكتيبة، فجاء أبو سفيان الى أصحاب الالوية وقال انكم قد تعلمون ان القوم تؤتى من قبل ألويتهم وانتم اتيتم يوم بدر قبل ألويتكم فان كنتم ترون تضعفون عنها فادفعوها الينا تكفيكموها فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال ألنا تقول هذا ؟ والله لأوردنكم بها اليوم حياض الموت، فتقدم وتقدم علي بن أبي طالب " ع " ثم تقاربا فاختلف بينهما ضربتان فضربه علي بن أبي طالب ضربة على مقدم رأسه فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يسمع مثلها وسقط اللواء من يده فأخذه أخ له يسمى مصعب فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله فأخذها عبد له
يقال له صواب وكان من أشد الناس فضربه علي " ع " على يده اليمنى فقطعها فأخذها بيده اليسرى فضربها على فقطعها فأخذها على صدره وجمع بين يديه وهما مقطوعتان فضربه أبو الحسن علي بن أبي طالب " ع " على ام رأسه فسقط صريعا فانهزم القوم وولوا الدبر واكب المسلمون على الغنائم، فلما رأى اصحاب الشعب الناس يغتنمون قالوا يذهب هؤلاء بالغنائم ونبقى نحن فقالوا لعبد الله بن عمر بن حازم الذي كان رئيسا عليهم نريد ان نغنم كما غنم الناس فقال ان رسول الله (ص) أمرني ان لا ابرح من موضعي هذا، فقالوا أمرك بهذا وهو لا يدري ان الامر يبلغ الى ما ترى ومالوا الى الغنائم وتركوه، فلم يبرح هو من موضعه وحمل عليه خالد بن الوليد فقتله وجاء من ظهر رسول الله يريده فنظر الى النبي (ص) في صف من اصحابه فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فشأنكم به، فحملوا عليه ضربا بالسيوف وطعنا بالرماح ورضخا بالحجارة ورميا بالنبال وجعل أصحاب النبي يقاتلون عنه حتى قتل منهم سبعون رجلا فنظر الى أمير المؤمنين عليه السلام وكان قد اغمي عليه مما ناله فقال يا علي ما فعل الناس ؟ قال نقضوا العهد وولوا الدبر قال فاكفني هؤلاء الذين قصدوا قصدي فحمل عليهم أمير المؤمنين " ع " فكشفهم ثم عاد إليه وقد حملوا عليه من ناحية اخرى فكر عليهم فكشفهم وأبو دجانة وسهل بن حنيف قائمان على رأسه بيد كل واحد منهما سيفه يذب عنه ورجع إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر نفرا
[ 184 ]
منهم طلحة بن عبد الله وعاصم بن ثابت وصعد الباقون الجبل، فصاح صائح بالمدينة قتل رسول الله، فانخلعت القلوب لذلك وتحير المنهزمون وأخذوا يمينا وشمالا، قال زيد بن وهب: قلت لابن مسعود انهزم الناس عن رسول الله حتى لم يبق إلا علي عليه السلام وأبو دجانة وسهل بن حنيف فأين كان أبو بكر وعمر ؟ قال كانا ممن تنحى، قلت: فأين كان عثمان ؟ قال جاء بعد ثلاثة من الوقعة، فقال رسول الله (ص)
لقد ذهبت فيها عريضة طويلة، قال فقلت له: أين كنت ؟ قال كنت ممن أتى، قال فقلت: ان ثبوت علي في ذلك المقام لعجب قال إن تعجبت منه في ذلك فقد تعجبت منه الملائكة، فقال أما علمت ان جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج الى السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فقلت ومن أين علم ذلك من جبرئيل ؟ قال سمع الناس صائحا يصيح في السماء بذلك فسألوا النبي (ص) عنه فقال ذلك جبرئيل. وفي تفسير علي بن إبراهيم رحمه الله: بإسناده الى أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قاتل أمير المؤمنين (ع) حتى انقطع سيفه فلما انقطع جاء الى رسول الله فقال يارسول الله ان الرجل يقاتل بالسلاح وها أنا انقطع سيفي فدفع إليه رسول الله سيفه ذات الفقار فقال قاتل، هذا ولم يكن يحمل على رسول الله أحد إلا استقبله أمير المؤمنين فإذا رأوه رجعوا فانحاز رسول الله (ص) الى ناحية احد فوقف وكان القتال من وجه واحد وقد انهزم أصحابه، فلم يزل أمير المؤمنين " ع " يقاتلهم حتى اصابه في وجهه ورأسه وبطنه ويديه ورجليه فتحاموه وسمعوا دويا من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فنزل جبرئيل على رسول الله (ص) فقال هذه والله يا محمد المواساة فقال رسول الله (ص): لأني منه وهو مني فقال جبرئيل وأنا منكما وكانت بنت عتبة في وسط العسكر وكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا ومكحلة وقالت له: انما انت إمرأة فاكتحل بهذا، وكان حمزة بن عبد المطلب على القوم فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد وكانت هند بنت عتبة قد اعطت وحشيا عهدا لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لأعطيك رضاك وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا فقال وحشي: أما محمد فلا اقدر عليه وأما علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات الى اطرافه
[ 185 ]
فلم اطمع فيه فكمن لحمزة قال ورأيت الناس تفر بين يديه ورأيته يهدهم فمر بي فوطأ على جرف نهر فسقط فأتيته فشققت بطنه وأخذت كبده وأتيت بها الى هند وقلت لها
هذه كبد حمزة فقامت فرحة فأخذتها في فيها فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الأعصاب فلفظتها ورمت بها فأمر الله ملكا فحملة ورده الى موضعه، فقال أبو عبد الله عليه السلام أبى الله أن يدخل شيئا من بدن حمزة النار فجاءت إليه هند فقطت مذاكيره وقطعت أذنيه وجعلتها خرصين وشدتهما في عنقها وقطعت يديه ورجليه. الخبر. قال علي بن إبراهيم: فلما سكن القال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من له علم بسعد ابن الربيع فقال رجل أنا أطلبه فأشار رسول الله إلى موضع وقال اطلبه هناك فإني قد رأيته فيه قد شرعت حوله اثني عشر رمحا قال فأتيت ذلك الموضع فإذا هو مربع بين القتلى فقلت يا سعد فلم يجبني، فقلت يا سعد فلم يجبني، فقلت يا سعد إن رسول الله قد سأل عنك فرفع رأسه وانتفش كما ينتفش الفرخ وقال: إن رسول الله لحق، قلت إي والله إنه لحق وقد أخبرني إنه رأى حولك اثني عشر رمحا فقال الحمد لله صدق رسول الله (ص) قد طعنت اثني عشر طعنة كلها قد أجافتني ابلغ قومي الأنصار عني السلام وقل لهم والله ما لكم عند الله عذر إن تشوك رسول الله شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفس فخرج منه مثل دم الجزور وقد كان احتقن في جوفه وقضى نحبه، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرته فقال: رحم الله سعدا نصرنا حيا وأوصى بنا ميتا ثم قال رسول الله (ص): من له علم بعمي حمزة ؟ فقال له الحارث بن الصمت أنا أعرف موضعه، فجاء حتى وقف على حمزة فكره أن يرجع إلى رسول الله، فجاء النبي (ص) حتى وقف عليه فلما رأى ما فعل بعمه حمزة بكى وقال والله ما وقفت موقفا أغيظ علي من هذا المكان لئن مكنني الله من قريش لأمثلن بسبعين رجلا منهم فنزل عليه جبرئيل بهذه الآية: (فإن عاقبتم فعاقبوا بما عوقبتم ولئن صبرتم فهو خير للصابرين) فقال رسول الله (ص) بل أصبر، فألقى رسول الله بردة كانت عليه فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه وإذا مدها على رجليه بدى رأسه، فمدها على رأسه وألقى على رجليه الحشيش وقال أخشى نساء بني عبد المطلب لتتركه حتى يحشر يوم القيامة من
[ 186 ]
بطون السباع والطير، وأمر رسول الله (ص) بالقتلى فجمعوا وصلى عليهم ودفنهم في مضاجعهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة. وروى الواقدي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بجمع الشهداء إلى جنب حمزة فكان كلما اتى بشهيد وضع الى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهيد حتى صلى على حمزة سبعين مرة لأن الشهداء سبعون، ويقال كان يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلي عليهم وترفع التسعة فيترك حمزة مكانه، ويؤتى بتسعة آخرين فيوضعون الى جنب حمزة فيصلي عليه وعليهم حتى فعل ذلك سبع مرات ويقال انه كبر عليه خمسا وسبعا وتسعمائة. قال علي بن ابراهيم: وصاح ابليس بالمدينة: قتل محمد، فلم يبق أحد من نساء المهاجرين والأنصار إلا خرج وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تدور على قدميها حتى رأت رسول فقعدت بين يديه وكانت إذا بكى رسول الله (ص) بكت وإذا انتحب انتحبت، ونادى أبو سفيان: موعدنا وموعدكم في عام قابل فقال رسول الله (ص) لأمير المؤمنين قل نعم، وارتحل رسول الله (ص) ودخل المدينة واستقبله النساء يولولن. الخبر. وقال الواقدي: فجاءت صفية ولما أتت حالة الأنصار بينها وبين رسول الله (ص) فقال دعوها فجلست عنده وكانت إذا بكت يبكي وإذا نشجت ينشج، وجعلت فاطمة تبكي فلما بكت بكى رسول الله (ص) ثم قال: لن اصاب بمثل حمزة أبدا ثم قال لصفية وفاطمة: ابشرا أتاني جبرئيل فأخبرني ان حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ولما رجع أمير المؤمنين " ع " من احد ناوله سيفه وقال شعرا: أفاطم هاك السيف غير ذميم * * فلست برعديد ولا بلئيم لعمري لقد اعذرت في نصر أحمد * * ومرضاة رب بالعباد رحيم
وعن ابن عباس: ان النبي (ص) قال ان اخوانكم لما اصيبوا باحد جعلت ارواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة فتأكل من ثمارها وتأوي الى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مطعمهم ومشربهم ورأوا حسن منقلبهم قالوا: ليت
[ 187 ]
إخواننا يعلمون بما اكرمنا الله وبما نحن فيه لئلا يزهدوا في الجهاد ويكلوا عند الحرب فقال لهم الله تعالى: انا ابلغهم عنكم، فأنزل: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون). وقد ذكر الأديب الأريب الشيخ كاظم الازري رحمه الله غزوة احد في هائيته فقال: وبأحد كم فل آحاد شوس * * كلما اوقدوا الوغى اطفاها يوم دارت بلا ثوابت إلا * * أسد الله كان قطب رحاها كيف للأرض بالتمكن لولا * * انه قابض على ارجاها رب سم القنا وبيض المواضي * * سبحت باسم بأسه هيجاها ثم خانت نبالة القوم عهدا * * لنبي الهدى فخاب رجاها وجدت انجم السعود عليه * * دائرات وما دارت عقباها وتراءت لها غنائم شتى * * فاقتفي الأكثرون اثر ثراها فترى ذلك النفير كما تخ * * بط في ظلمة الدجى غشواها يتمنى الفتى ورود المنايا * * فالمنايا لو تشتري لاشتراها فئة ما لوت من الرعب جيدا * * إذ دعاها الرسول في اخراها وأحاطت به مذاكي الأعادي * * بعد ما أشرقت على استيلاها كلما لاح في المهامة برق * * حسبته قنا العدى وضباها لم تخلها إلا أضالع عجف * * قد براها السري فحل براها لا تلمها لحيرة وارتياع * * فقدت عزها فعز عزاها
حيث لا يلتوي الى الألف إلف * * كل نفس أطاشها ما دهاها إن يفتها ذاك الجميل فعذرا * * إنما حلية الرجال حجاها لدغتها أفعالها أي لدغ * * رب نفس افعالها أفعاها قد أراها في ذلك اليوم ضربا * * لو رأته الشبان شاب لحاها وكساها العار الذميم بطعن * * من حلى الكبرياء قد عراها
[ 188 ]
يوم سالت سيل الرمال ولكن * * هب فيها بسيفه فذراها ذاك يوم جبريل أنشد فيه * * مدحا ذو العلى له انشاها لا فتى في الوجود إلا علي * * ذاك شخص بمثله الله باهى ما حوى الخافقان انس وجن * * قصبات السبق التي قد حواها (الغزوة الثالثة) (غزوة الأحزاب) وكانت بعد بني النظير في شوال سنة خمس، وكان المسلمون ثلاثة آلاف والمشركون ثمانية عشر الفا، وكان من خبر هذه الغزوة ان جماعة من اليهود منهم سلام ابن أبي الحقيق الضرمي وحي بن اخطب وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس الوالي في نفر من بني والبة خرجوا حتى قدموا مكة فصاروا الى أبي سفيان صخر بن حرب لعلمهم بعداوته لرسول الله (ص) فذكروا له ما نالهم منه وسألوه المعونة لهم، فقال لهم أبو سفيان: انا لكم حيثما تحبون فاخرجوا الى قريش وادعوهم الى حرب محمد فطاف معهم على وجوه قريش ودعوهم الى حرب النبي (ص) وقالوا لهم: أيدينا مع ايديكم ونحن معكم حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود انتم أهل الكتاب الأول والعلم السابق وقد عرفتم الدين الذي جاء به محمد وما نحن عليه من الدين فديننا خير من دينه أم هو اولى منا فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه،
فنشطت قريش لما دعوهم من حرب رسول الله وجاءهم أبو سفيان فقال لهم: قد مكنكم الله من محمد وهذه اليهود تقاتل معكم ولم ينتقل عنكم حتى يؤتي على جميعنا أو نستأصله ومن اتبعه فقويت عزائمهم إذ ذاك في حرب النبي، ثم خرج اليهود حتى جاؤا عطفان وقيس عيلان فدعوهم الى حرب رسول الله (ص) وضمنوا لهم النصرة
[ 189 ]
والمعونة واخبروهم باتباع قريش لهم على ذلك فأجمعوا معهم وخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصين في بني فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ووبرة بن طريف في قومه من أشجع، واجتمعت قريش معهم. فلما سمع رسول الله باجتماع الأحزاب عليه وقوة عزيمتهم في حربه استشار اصحابه فاجتمع رأيهم على البقاء بالمدينة وحرب القوم إذا جاؤا إليهم على انقابها وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه على رسول الله بالخندق، فأمر بحفره وعمل فيه (ص) بيده وعمل فيه المسلمون فأقبلت الاحزاب فهال المسلمون أمرهم وارتاعوا من كثرتهم فجمعهم فنزلوا ناحية من الخندق وأقاموا بمكانهم بضعا وعشرين ليلة ولم يكن بينهم إلا الرمي والنبل والحصى فلما رأى رسول الله ضعف قلوب المسلمين من حصارهم لهم ووهنهم في حربهم بعث الى عيينة بن الحصين والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان يدعوهما الى صلحه والكف عنه والرجوع بقومهما عن حربه على أن يؤتيهم ثلث ثمار المدينة واستشار سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة فيما بعث به، فقالا يارسول الله إن كان هذا الامر لا بد لنا من العمل به وان الله أمرك فيه بما صنعت والوحي جاءك به فأفعل ما بدى لك، وإن كنت تحب أن تصنعه لنا كان لنا فيه رأي، فقال رسول الله، لم يأتني الوحي به ولكني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وجاؤكم من كل جانب فأردت اكسر عنكم شوكتهم، فقال سعد بن معاذ قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الاوثان ولا نعبد الله ولا نعرفه ونحن لا نطعمهم من ثمرنا إلا
قرى أو بيعا والآن حين اكرمنا الله بالاسلام وهدانا له واعزنا بك نعطيهم أموالنا ما لنا الى هذا من حاجة ولا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله: الآن عرفت ما عندكم فكونوا على ما انتم عليه والله لن يخذل الله نبيه ولم يسلمه حتى ينجز له ما وعده، ثم قام رسول الله في المسلمين يدعوهم الى الجهاد ويشجعهم ويعدهم النصر من الله فانتدبت فوارس من قريش للبراز منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس بن عامر بن لوي بن غالب، وعكرمة بن ابي جهل، وهبيرة ابن ابي وهب وضرار بن الخطاب ومرداس الفهري فلبسوا لباس الحرب ثم خرجوا على خيلهم
[ 190 ]
حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا تهيئوا يا بني كنانة للحرب ثم اقبلوا حتى وقفوا على الخندق فلما تأملوه قالوا: هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق وفيه ضيق فضربوا خيلهم فاقتحمه فجاءت بهم بين الخندق وسلع، وخرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " ع " في نفر معه من المسلمين حتى اخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها فتقدم عمرو بن عبد ود والجماعة الذين معه، فلما رأوا المسلمين وقفوا وصاح عمرو بن عبد ود: هل من مبارز ؟ فبرز له أبو الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له عمرو: ارجع يابن أخي فما أحب ان اقتلك، فقال له أمير المؤمنين " ع ": قد كنت عاهدت الله يا عمرو وانت متعلق بأستار الكعبة ان لا يدعوك رجل من قريش الى احدى خصلتين إلا اخترتها منه فقال: اجل فما ذاك ؟ قال " ع " الاولى فاني ادعوك الى الله ورسوله والاسلام، قال لا حاجة لي بذلك، فالثانية: فاني ادعوك الى النزال فقال ارجع فقد كان بيني وبين أبيك خلة فما احب ان اقتلك، فقال له أمير المؤمنين " ع ": لكني انا والله احب ان اقتلك ما دمت ابيا للحق فحمق عمرو عند ذلك وقال: أتقتلني ؟ ونزل عن فرسه فعقره وضرب وجه الفرس حتى نفر، واقبل علي أمير المؤمنين " ع " مصلتا سيفه وبدره بالسيف
فاتقاه بالترس فنشب سيفه فيه فضربه أمير المؤمنين ضربة فقتله فلما رأى عمرا قومه صريعا ولوا منهزمين، وانصرف أمير المؤمنين الى مقامه الاول وقد كادت نفوس القوم الذين خرجوا معه الى الخندق تطير وغدى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول شعرا: نصر الحجارة من سفاهة رأيه * * ونصرت رب محمد بصواب فضربته فتركته متجدلا * * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن اثوابه ولو انني * * كنت المعطن بزني اثوابي لا تحسبن الله خادل دينه * * ونبيه يا معشر الاحزاب وفي رواية اخرى وهي المشهورة: انه لما اقبل عمرو بن عبد ود واصحابه يجيلون خيولهم فيما بين الخندق وسلع والمسلمون وقوف لا يقدم احد منهم عليهم
[ 191 ]
وجعل عمرو بن عبد دو يدعو الى البراز ويعرض المسلمين خوفا منه فلما رأى ذلك منهم ركز رمحه في الارض وأقبل يجول في الميدان كالجبل العظيم فكأنه الشيطان الرجيم وهو يقول: هل من مبارز ؟ هل من مبارز ؟ لا يأتيني منكم كسلان ولا عاجز، فلما رأى احجامهم عنه جال جولة وارتجز قائلا: ولقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز * * ووقفت إذ جبن الشجاع مواقف القرن المناجز اني كذلك لم ازل متسرعا نحو الهزاهز * * ان الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لهذا الكلب ؟ فلم يجبه أحد من الناس، وفي البحار عن الكراجكي: قال النبي (ص) ثلاث مرات: ايكم يبرز الى عمرو اضمن له على الله الجنة وفي كل كان يقوم علي " ع " والقوم ناكسو رؤسهم. وفي تفسير علي بن إبراهيم: فوثب إليه أمير المؤمنين " ع " فقال: انا له يارسول الله، فقال يا علي هذا عمرو بن عبد ود فارس يلملم، فقال " ع " وأنا علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله:
ادن مني فدنى منه، فعممه بيده ودفع إليه ذا الفقار وقال اذهب وقاتل بهذا وقال اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فمر أمير المؤمنين عليه السلام يهرول وهو يقول: لا تعجلن فقد اتاك مجيب صوتك غير عاجز * * ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز اني لأرجو أن اقيم عليك نائحة الجنائز * * من ضربة نجلاء يبقى صيتها بعد الهزائز قال عمرو: من أنت ؟ قال " ع ": أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله، فقال والله ان أباك كان لي صديقا واني اكره أن اقتلك ما خشى عليك ابن عمك حين بعثك الي ان أختطفتك برمحي هذا فاتركك بين السماء والأرض لا حي ولا ميت فقال أمير المؤمنين " ع ": قد علم ابن عمي انك إن قتلتني دخلت الجنة وانت في النار وإن
[ 192 ]
قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة، فقال عمرو: كلتاهما لك يا علي إذا قسمة ضيزى فقال له عليه السلام: دع عنك هذا يا عمرو اني سمعتك وأنت متعلق بأستار الكعبة تقول: لا يعرض علي أحد بثلاثة خصال إلا اجبته الى واحدة منها وانا اعرض عليك ثلاث خصال فأجبني الى واحدة منها، فقال هات يا علي قال " ع " الاولى: ان تشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله قال نح عني هذا، قال فالثانية: أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله فان يك صادقا فأنتم اعلى به عينا وان يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره فقال إذا تحدث نساء العرب بذلك وتنشد الشعراء بأشعارها اني جبنت عن الحرب ورجعت على عقبي وخذلت قوما رأسوني عليهم فقال له أمير المؤمنين " ع " فالثالثة: ان تنزل الي فانك راكب وأنا راجل حتى انابذك، فوثب عن فرسه وعرقبه وقال هذه خصلة ما ظننت أحدا من العرب يسومني ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين بالسيف على رأسه فاتقاه أمير المؤمنين بالدرقة فقطعها وثبت السيف على رأسه فقال له أمير المؤمنين " ع " يا عمرو أما كفاك اني بارزتك وانت
فارس العرب حتى استعنت على بظهير فالتفت عمرو الى خلفه فضربه أمير المؤمنين على ساقيه فقطعهما جميعا وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون قتل علي بن أبي طالب ثم انكشفت العجاجة وإذا أمير المؤمنين " ع " على صدر عمرو آخذا بلحيته يحز رأسه فلما ذبحه أخذ برأسه واقبل الى رسول الله والدماء على رأسه من ضربة عمرو وسيفه يقطر منه الدم وهو يقول: أنا علي وابن عبد المطلب * * الموت خير للفتى من الهرب فقال رسول الله (ص): يا علي ما كرته فقال نعم يارسول الله الحرب خديعة. وفي البحار عن الكراجي: فلما برز أمير المؤمنين الى عمرو قال رسول الله برز الايمان كله الى الشرك كله فما كان أسرع من ان صرعه علي وجلس على صدره فقال له لما هم ان يذبحه يا علي قد جلست مني مجلسا عظيما فإذا قتلتني فلا تسلبني حلتي فقال " ع " هي اهون علي من ذلك وذبحه واتى برأسه الى رسول الله وهو يخطر في مشيته فقال عمر ألا ترى يارسول الله الى علي فقال رسول الله انها مشية لا يمقتها الله في هذا المقام
[ 193 ]
فتلقاه النبي (ص) وجعل يمسح الغبار عن عينيه وقال يا علي لو وزن عملك بعمل جميع امة محمد لرجح عملك وذلك انه لم يبق بيت من المشركين إلا ودخله ذل بقتل عمرو ولم يبق بيت من المسلمين إلا ودخله عز بقتل عمرو. وعن الحسن: فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي عليه السلام. وعن محمد بن إسحاق: فقال له عمر ابن الخطاب هلا سلبته درعه فانه ليس للعرب درع مثلها فقال أمير المؤمنين " ع ": اني استحييت ان اكشف عن سوء ابن عمي. وفي يوم الأحزاب انزل الله تعالى: " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ". وروى ان ابن مسعود كان يقرأ: " وكفى الله المؤمنين القتال بعلي " رواه يوسف بن كليب عن سفيان بن زيد عن مرة وغيره من العامة. وروى المفيد
باسناده: انه لما نعي عمرو الى اخته قالت من ذا الذي اجترأ عليه ؟ فقالوا علي بن أبي طالب، فقالت كفؤ كريم ثم انشأت تقول شعرا: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * * لكنت ابكي عليه دائم الأبد لكن قاتله من لا يعاب به * * أبوه قد كان يدعى بيضة البلد وقالت أيضا في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب عليه السلام: أسدان في ضيق المكر تصاولا * * وكلاهما كفؤ كريم باسل فتخالسا مهج النفوس كلاهما * * وسط المدار مخاتل ومقاتل وكلاهما حضر القراع حفيظة * * لم يثنه عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت بمثله * * قول سديد ليس فيه محاثل فالثار عندي يا علي فليتني * * ادركته والعقل مني كامل ذلت قريش بعد مقتل فارس * * في قتله عار وخزي شامل ثم قالت: والله ما ثارت قريش بأخي ما حنت النيب، وروي انها جلست عند رأس أخيها وأنشدت: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * * لكنت ابكي عليه دائم الابد الابيات السابقة بعد ما نظرته غير مسلوب وسألت عن قاتله، ولله در الازري حيث
[ 194 ]
يقول في مضمون هذه الغزوة: ظهرت منه في العدى سطوات * * ما أتى القوم كلهم ما اتاها يوم غصت بجيش عمرو بن ود * * لهوات الفلا وضاق فضاها وتخطى الى المدينة فردا * * بسرايا غرائم ساراها فأقامت ما بين طيش ورعب * * وكفاها ذاك المقام كفاها فدعاهم وهم الوف ولكن * * ينظرون الذي يشب لظاها
أين أنتم عن فارس عامري * * تتقي الأسد بأسه في شراها أين من نفسه تتوق الى الج * * نات أو يورد الجحيم عداها فغدى المصطفى يحدث عما * * تؤجر الصابرون في اخراها قائلا ان للجليل جنانا * * ليس غير المجاهدين يراها من لعمرو وقد ضمنت على الل * * ه له من جنانه اعلاها فالتووا عن جوابه كسوام * * لا تراها مجيبة من دعاها وإذا هم بفارس قرشي * * ترجف الارض خيفة من يطاها قائلا مالها سواي كفيل * * هذه ذمة علي وفاها ومشى يطلب النزال كما تم * * شي خماص الحشى الى مرعاها فانتضى مشرفيه فتلقى * * ساق عمرو بضربة فبراها يالها ضربة حوت مكرمات * * لم يزن أجر ثقلها ثقلاها هذه من علاه احدى المعالي * * وعلى هذه فقس ما سواها (الغزوة الرابعة) (غزوة خيبر) وكانت بعد الحديبية في ذي الحجة سنة ست من الهجرة، أو في جمادي الاولى سنة سبع على اختلاف، وذلك ان النبي (ص) لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة ثم
[ 195 ]
خرج واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري واخرج معه ام سلمة فلما اتى من خيبر قال للناس قفوا فلما وقفوا رفع يديه الى السماء وقال اللهم رب السماوات السبع وما اظللن ورب الأرضيين السبع وما اقللن ورب الشياطين وما اظللن اسألك من خير هذه القرية وخير ما فيها واعوذ بك من شرها وشر ما فيها ثم نزل هو واصحابه تحت شجرة هناك في المقام فأقاموا يومهم ومن غده فلما كان نصف النهار ونادى رسول الله
فاجتمعوا إليه وإذا عنده رجل جالس فقال ان هذا جاءني وانا نائم فسل سيفي فقال يا محمد من يمنعك مني اليوم فقلت الله يمنعني فشام السيف وهو جالس كما ترون لا حراك به فقالوا يارسول الله لعل في عقله شيئا، فقال رسول الله (ص) نعم دعون ثم صرفه ولم يعاقبه، وحاصر رسول الله (ص) خيبرا بضع وعشرين ليلة وكانت الراية يومئذ لأمير المؤمنين " ع " فلحقه رمد فمنعه عن الحرب وكان المسلمون يتناوشون اليهود من بين يدي حصونهم وجنبانهم فلما كان ذات يوم فتحو الباب وقد كان خندقوا على أنفسهم خندقا وخرج مرحب بنفسه يتعرض الحرب، فدعى رسول الله أبا بكر وقال خذ الراية فأخذها في جمع من المهاجرين والأنصار فاجتهدوا ولن يغني شيئا وعاد يؤنب القوم الذين اتبعوه ويؤنبوه، فلما كان من الغد تعرض لها عمر فسار بها غير بعيد فعاد يجبن أصحابه ويجبنوه، فقال النبي (ص): ليست الراية إلا لمن حملها جيئوني بعلي بن أبي طالب فقيل له انه أرمد، فقال أرونيه تروني رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله وسوله يأخذها بحقها كرار وليس بفرار. وروى ابن شهراشوب: عن جماعة من العامة يزيدون على سبعين نفرا، انه لما خرج مرحب برجله وبعث النبي (ص) أبا بكر وعمر وكان ما كان من أمرهما بحسب ما تقدم قال النبي (ص) لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار يأخذها عنوة. وفي البحار ومسلم بات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الصبح غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها فقال النبي أين ابن عمي علي بن أبي طالب ؟ فقالوا هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فتفل في يده ومسحها على عينيه ودعا له فبرأ فأعطاه الراية قال وكانت راية بيضاء وقال له
[ 196 ]
خذ الراية وامض بها فإن جبرئيل معك والنصر أمامك والرعب مثبوت في صدور القوم واعلم يا علي أنهم يجدون في كتابهم ان الذي يدمر عليهم اسمه إيليا فإذا لقيتهم فقل
لهم أنا علي بن أبي طالب فإنهم يخذلون إنشاء الله تعالى، قال أمير المؤمنين " ع " فمضيت بها حتى أتيت الحصون فخرج مرحب وعليه مغفر وحجر قد نقبه مثل البيضة على أم رأسه وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب * * شاكي السلاح أسد مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب * * إذا الليوث أقبلت تلتهب قال أمير المؤمنين سلام الله عليه: فقلت مجيبا له: أنا الذي سمتني أمي حيدرة * * ضرغام آجام وليث قسورة على الأعادي مثل ريح صرصرة * * أضرب بالسيف رقاب الكفرة روى أنه لما قالها أمير المؤمنين عليه السلام قال حبر لهم: غلبتم وما أنزل الله لموسى، فدخل في قلوبهم رعب ما لم يمكنهم الاستيطان. وروي: أنه لما سمعه مرحب هرب لأنه كان له ظئر وكانت كاهنة تعجب بشأنه وعظم خلقه وتقول له: قاتل كل من قاتلك وغالب كل من غالبك إلا من تسمى عليك بحيدرة فإنك إن وقفت له هلكت، قال فتمثل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود فقال إلى أين يا مرحب ؟ فقال قد تسمى علي هذا القرن بحيدرة، فقال له إبليس فما حيدرة إلا هذا وحده ؟ ما كان مثلك يرجع عن مثله تأخذ بقول النساء وهن يخطئن بأكثر مما يصبن وحيدرة في الدنيا كثير فان فتلته سدت قومك وأنا في ظهرك أستصرخ اليهود، فرد مرحب، قال أمير المؤمنين فاختلفنا ضربتين فبدرته وضربته فقددت الحجر والمغفر ورأسه حتى وقع السيف في أضراسه وخر صريعا. وروى أحمد بن حنبل: أنه سمع أهل العسكر صوت ضربته ولما قتل أمير المؤمنين مرحبا رجع من كان معه وأغلقوا باب الحصن عليهم فصار أمير المؤمنين يعالجه حتى فتحه وأكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام باب الحصن وجعله على الخندق جسرا لهم حتى عبروا وضفروا بالحصن ونالوا الغنائم فلما انصرفوا أخذ أمير المؤمنين بيمناه فدحى به أذرعا من الأرض
[ 197 ]
وكانت هذه الباب يغلقها عشرون رجلا، وروي: سبعون رجلا، وقيل أربعة
وأربعون، ويروى: تسعون، وفي بعض الكتب: لم يتمكن على حملها الف، وفي بعض الوف، وروي بأسانيد معتبرة: أن عليا عليه السلام لما قابل مرحبا سمعه يشتم رسول الله فغضب " ع " غضبا شديدا حتى احمرت عيناه وصارتا في ام رأسه فرفع مرحبا سيفه الى رأسه فاتقاه عليه السلام بالجحفة، ثم رفع " ع " سيفه وقد برز شعر جلده من حلقات درعه غضبا وصرخ به فأوحى الله تعالى الى ميكائيل ان اقبض على يد علي في الهواء والى اسرافيل ان احبسه من فوق رأسه والى جبرئيل ان افرش جناحك على الارض تحت سيفه وإلا فوعزتي وجلالي ان عبدي علي مع غضبه هذه يقطع الارضين السبع بسيفه فنزل سيف أمير المؤمنين الى مفرق مرحب الى دماغه الى رقبته الى صندوق صدره الى صرته الى بطنه الى مذاكيره الى اليته الى السرج الى ظهر الفرس الى الارض الى جناح جبرئيل فاستغاث بالباري عز وجل فقبض عليه بيد القدرة. وحدث جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يارسول الله الي قد حملت قرى قوم لوط على جناحي فما كانت عندي إلا أخف مما كان واني لما وقع على سيف ابن عمك ظننت ان السماوات والارض قد وقعتا علي. ويروي لما رأى المسلمون ان مرحبا قد سقط هجموا على اليهود وقتل أمير المؤمنين عليه السلام سبعة من اليهود كانوا يعدون بسبعة آلاف، فلما رأى اليهود ما حل بهم دخلوا الحصن واغلقوا الباب عليهم فهجم عليهم أبو الحسن علي عليه السلام فضربه يهودي بالسيف على يده فوقعت جحفته فلقفها آخر وهرب فغضب " ع " وضرب برجليه الارض وعبر الخندق وقبض على باب الحصن وهزها فانفصلت من مكانها، قال الباقر عليه السلام: ان عليا " ع " لما هز باب الحصن اهتز الحصن كله بأركانه حتى ان صفية بنت حي بن أخطب كانت جالسة على عرشها فوقعت وجرح وجهها وكان وزن تلك الباب على ما في بعض الروايات ثمانمائة من، ويروى: ثلاثة آلاف. وفي الصواعق المحرقة لأبن حجر: لما قلع علي عليه السلام باب خيبر حملها على ظهره
حتى عبر المسلمون عليها ثم جعلها جحفة وغدى يقاتل حتى وقع الفتح القاها من يده
[ 198 ]
وقيل رماها في الهواء فغابت عن الابصار. وقال الواقدي: فو الله ما بلغ عسكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخيراه حتى دخل علي " ع " حصون اليهود كلها وهي: قموص حصن ابن أبي الحقيق وناعم وسلالم ووطيخ وحصن المصعب بن معاد وغنم، وكانت الغنيمة نصفها لعلي ونصفها لسائر الصحابة. وفي تفسير مجمع البيان للعلامة الطبرسي رحمه الله: لما فتح الله حصن قموص اتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفية بنت حي بن أخطب وبأخرى معها فمر بها بلال وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتلى اليهود فلما رأنهم التي معها صفية صاحت وحثت التراب على وجهها ورأسها فلما رآها رسول الله (ص) قال اعزبوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه والقى عليها ردائه فعرف المسلمون انه قد اصطفاها لنفسه وقال (ص) لبلال لما رأى من تلك اليهودية: انزعت الرحمة منك يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس كنانة بن الربيع بن الحقيق ان قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا إلا انك تتمنين ملك الحجاز محمدا ولطمت وجهها لطمة اخضرت عيناها منها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألها رسول الله ما هو ؟ فأخبرته الخبر. وغنم المسلمون من أموال قلاع خيبر غنائم كثيرة، ويروى: ان صفية وقعت في دحية الكلبي فأعطاه النبي (ص) شيئا عوضا عنها وأخذها منه، ويروى أيضا انه (ص) كان اوعد دحية ان يعطيه جارية من سبايا خيبر فأتاه دحية وطلب منه ما اوعده فقال اختر من هذه الجواري فأختار دحية صفية فقيل للنبي انها من ذرية هارون بن عمران أخي موسى بن عمران لا تصلح إلا لك يارسول الله، فعوضه عنها واختارها لنفسه، ويروي انه (ص) اعطى دحية عوضا عن صفية ابنة عم صفية واعتق صفية وجعل عتقها صداقها وفي يوم فتح
خيبر يقول الازري رحمه الله: وله يوم خيبر فتكات * * ما اتي القوم كلهم ما اتاها يوم قال النبي اني لأعطي * * رايتي ليثها وحامي حماها فاستطالت اعناق كل فريق * * ليروا اي ماجد يعطاها
[ 199 ]
فدعى أين وارث الباس والحك * * م مجير الانام من بأساها اين ذو النجدة التي لو دعته * * في الثريا مروعة لباها فأتاه الوصي ارمد عين * * فسقاها من ريقه فشفاها ومضى يطلب الصفوف فولت * * عنه علما بأنه أمضاها وبرى مرحبا بكف اقتدار * * اقويا الاقدار من ضعفاها ودحى بابها بقوة بأس * * لو حمته الافلاك منه دحاها (الغزوة الخامسة) (غزوة فتح مكة المشرفة) وكانت لليلتين مضتا من شهر رمضان، وقيل لثلاث عشرة خلت منه وذلك انه خرج من نحو عشرة آلاف راجل واربعمائة فارس ونزل: (لتدخلن المسجد الحرام) ثم: (إذا جاء نصر الله)، ونزل: (إنا فتحنا لك) واستصرخه خزاعة أجمع الى المسير إليها وقال اللهم خذ العيون عن قريش حتى نأتيها في بلادها وكان المؤمن الى هذا السر علي بن أبي طالب عليه السلام ولما انتهى الخبر الى أبي سفيان وهو بالشام مشاجرة كنانة وخزاعة اقبل حتى دخل على النبي (ص) فقال يا محمد احقن دمك واحرس قريشا وزدنا في المدة، قال غدرتم يا أبا سفيان، فقام من عند النبي فلقيه أبو بكر فتشبث به فظن انه يوصله الى بغيته من النبي (ص) فسأله كلامه له، فقال ما انا بفاعل ذلك لعلم أبي بكر ان سؤاله في ذلك لا يغني شيئا، فظن أبو سفيان بعمر ما ظنه بأبي بكر
فكلمه في ذلك فدفعه بغلظة وفظاظة كاد أن يفسد الرأي على النبي فدخل أبو سفيان على ابنته ام حبيبة وكانت زوجة النبي (ص) فذهب ليجلس على الفراش فطوته فقال يا بنية أراغبة بهذا الفراش عني ؟ قالت نعم هذا فراش رسول الله ما كنت لتجلس
[ 200 ]
عليه وانت رجس مشرك، ثم استجار بغيرها فلم يجد من يجيبه فلما رأى ذلك عدل الى بيت أمير المؤمنين " ع " فأستأذن عليه فاذن له وعنده فاطمة والحسن والحسين " ع " فقال يا علي أنت أمس القوم بي رحما وقد جئتك فلا ارجعن كما جئت خائبا فيما قصدته فقال ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله (ص) على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت أبو سفيان الى فاطمة " ع " فقال لها: يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيراني بين الناس فيكونا سيدي العرب الى آخر الدهر، فقالت ما بلغ ابناي ان يجيرا بين الناس وما يجر أحدا على رسول الله، فتحير أبو سفيان واسقط رأسه بين يديه ثم قال يا علي قد التبست الامور علي فأنصح لي، قال " ع ": انت شيخ قريش فقم فاستجر بين الناس ثم الحق بأهلك، قال فترى ذلك نافع لك ؟ قال لا ادري، فقال ايها الناس اني استجرت بكم ثم ركب بعيره وانطلق فقدم على قريش فقالوا: ما وراءك ؟ فقص عليهم، فقالوا هل اجاز محمد مقالة علي ؟ فقال لا، قالوا لعب بك الرجل. ثم سار النبي (ص) حتى نزل من الظهران فخرج في تلك الليلة أبو سفيان ابن الحرث وعبد الله بن امية وقد تلقاه ثنية والنبي (ص) في فتية فدخل عليه العباس ابن عبد المطلب وقال بأبي انت وأمي هذا ابن عمك جاءك تائبا وابن عمتك فقال لا حاجة لي فيهما ان ابن عمي انتهك عرضي واما ابن عمتي فهو الذي يقول بمكة: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا)، فنادى أبو سفيان بن الحرث كن لنا كما كان العبد الصالح يوسف بن يعقوب لأخوته (لا تثريب عليكم اليوم)، فدعا لهما وقبل منهما وقال العباس هو والله هلاك قريش إن دخلها محمد عنوة، فركب
النبي بغلته البيضاء ليطلب الخطابة أو صاحب لين يأمره ان يأتي قريشا فيركبون إليه ويستأمنون منه إذ سمع أبا سفيان يقول ليذبل وحكيم ما هذه النيران ؟ قال هذه نيران خزاعة، قال خزاعة أقل من هذه فلعلها تميم أو ربيعة فعرف العباس صوت أبي سفيان وناداه وعرفه الحال قال فما الحيلة ؟ قال تركب في عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول الله، ففعل فكان يجتاز على نار بعد نار فانتهى الى علي بن أبي طالب عليه السلام فسبقهما النبي (ص) وقال هذا أبو سفيان قد امكنك الله منه فدعني اضرب عنقه
[ 201 ]
فقال العباس يارسول الله أبو سفيان قد أجرته أنا، فقال (ص): ادخله علي، فدخل فقال ويحك يا أبا سفيان أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله، فسكت أبو سفيان، ثم أعادها عليه فغدى يتلجلج لسانه وعلي " ع " يقصده بسيفه والنبي (ص) محدق بعلي، فقال العباس يا أبا سفيان يضرب الله عنقك الساعة أو تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال فأسلم اضطرارا خوف القتل فقال له النبي عند من تكون الليلة ؟ قال عند أبي الفضل يعني العباس بن عبد المطلب فسلمه إليه فلما أصبح سمع بلالا يؤذن فقال ما هذا المنادي ؟ ورأى النبي (ص) يتوضأ وأيدي المسلمين تحت شعره يستشفون بالقطرات فقال تالله ان رأيت اليوم كسرى وقيصر، فلما صلى النبي قال أبو سفيان يارسول الله اني احب ان تأذن لي اذهب الى قومي فأنذرهم وادعوهم الى الحق فأذن له فقال العباس يارسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فلو خصصته بمعروف فقال (ص): من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم قال: من اغلق بابه فهو آمن، ثم قال للعباس ادركه واجلسه في مضايق الوادي حتى تمر به جنود الله فرأى خالد بن الوليد في المقدمة والزبير في جهينة وأسجع وأبا عبيدة في أسلم ومزينة والنبي في الانصار وسعد بن عبادة في يده راية النبي، فقال سعد بن عبادة يا أبا حنظلة فالتفت فهز الراية في وجهه وقال: اليوم يوم الملحمة اليوم تسبي الحرمة
فأتى العباس الى النبي واخبره بمقالة سعد، وقيل اتاه أبو سفيان وقال فداك أبي وامي أتسمع ما يقول سعد يقول: اليوم يوم الملحمة * * اليوم تسبى الحرمة، فقال لا بل اليوم يوم المرحمة، ثم قال يا علي ادرك سعدا وخذ الراية منه وادخلها ادخالا رفيقا فقال سعد لعلي لولاك يا أبا الحسن ما اخذت الراية مني، وقال أبو سفيان للعباس يا أبا الفضل ان ابن أخيك قد كنف ملكا عظيما فقال العباس ويحك هذه نبوة واقبل أبو سفيان من اسفل الوادي يركض فاستقبله قريش وقالوا ما وراءك وما هذا الغبار قال محمد في خلق ثم صاح يا آل غالب البيوت البيوت من دخل داري فهو آمن فعرفت هند فأخذت تطردهم ثم قالت اقتلوا الشيخ الخبيث من وافد قوم وطليعة قوم قال ويلك اني رأيت ذات القرون ورأيت فارس أبناء الكرام ورأيت ملوك كندة وفتيان حمير يسلمون
[ 202 ]
آخر النهار ويلك اسكتي فقد والله جاء الحق وذهبت البلية وكان قد عهد النبي ان لا يقتلوا منهم إلا من قاتلهم سوى عشرة الحويرث بن نفيل بن كعب ومقيس بن ذبابة وقرينة المغنية قتلهم أمير المؤمنين " ع " وعبد الله بن حنظل قتله عمار وبريدة وسعيد بن حبيب المخزومي وصفوان بن أمية هرب الى جدة فاستأمنه عبد الله بن وهب وانفذ إليه عمامة النبي واسلم وعكرمة بن أبي جهل هرب الى اليمن واسلم وعبد الله بن سرح عرف أمير المؤمنين " ع " انه في دار عثمان فأتى عثمان الى النبي شافعا فشفع فلما انصرف قال النبي في قتله، فقال سعد بن عبادة لو رمزت فقال لا رمز من النبي وسارت مولاة بني عبد المطلب وجدت قتيلة وهند دخلت دار أبي سفيان وتكلم أبو سفيان في بيعة النساء وعاونته ام الفضل وقرأت: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات) - الآية، فقبل منهن البيعة وقريبا انفلتتت هند عن الاسلام ويروى ان بيعة النساء كانت انه كان (ص) أمر بأحضار قصعة ملؤها ماء وغمس فيها يده المباركة وغمس بعده أيديهن وشرط عليهن أن لا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن اولادهن
ولا يعملن الفجور فقالت هند أو تزني الحرة يارسول الله ؟ مستنكرة لذلك، فالتفت عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب وضحك لأنه كان قد اتاها في الجاهلية ورأى النبي اوباش قريش فأمر بحصدهم فقتل قوما منهم وانهزم الباقون وقتل من المسلمين ثلاثة نفر دخلوا أسفل مكة واخطؤا الطريق فقتلوا فسأل النبي عن المفتاح قالوا عند ام شيبة، فدعى شيبة وقال اذهب الى امك وقل لها ترسل بالمفتاح قالت له: قتلت مقاتيلنا وتريد أن تأخذ مكرمتنا فقال لترسلن به أو لأقتلنك فوضعته في يد الغلام فأخذه ثم قام ففتحه وستره فمن يومئذ يستر ثم دعى الغلام فبسط رداه وجعل فيه المفاتيح وقال ردها الى امك وأخذ بعضادتي الباب وقال لا إله إلا الله انجز وعده ونصر عبده وأعز جنده وغلب الاحزاب وحده وكان صناديد قريش يظنون ان السيف لا يرفع عنهم فقال (ص) ألا ان كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية فانه موضوع تحت قدمي الاسد أما الكعبة وسقاية الحاج فانهما مردودان الى اهليهما الا ان مكة محرمة بتحريم الله لم يحل لأحد كان قبلي ولا لي إلا ساعة من
[ 203 ]
نهار الى أن تقوم الساعة لا يختلى خلالها ولا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها ولا يحل لفظها إلا منشد، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا بئس القوم كنتم لقد كذبتم وطردتم واخرجتم وظلمتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلوني فاذهبوا فأنتم الطلقاء، فدخلوا في الاسلام، واذن بلال على الكعبة فكره عكرمة فقال خالد بن اسيد: الحمد لله الذي اكرم أبا عتاب هذا اليوم، وقال الحرث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الاسود مؤذنا، وقال آخر، وقال آخر، فقال أبو سفيان اني لا اقول شيئا فو الله لو نطقت لظننت ان هذا الجدور تخبر محمدا، فبعث النبي واخبرهم بما قالوا، فاستغفروا الله وتابوا. وكان هناك ثلاثمائة وستين صنما بعضها مشدود ببعض بالرصاص فأنفذ أبو سفيان من ليلته منها الى الحبشة، ومنها الى الهند فهيؤا لها دارا من
مغناطيس فتعلقت الى أيام محمود سبكتكين فلما غزاها أخذها فكسرها. (الغزوة السادسة) (غزوة حنين) وكانت في شوال، وذلك انه صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح مكة أمر عتاب بن اسيد عليها ففات الحج من فساد هوازن في وادي حنين في الفين من مكة وعشرة آلاف كانوا معه، وكان استعار من صفوان بن امية مائة درع وهو رئيس جشم فأخذ أبا بكر العجب وقال لن نغلب اليوم عن قلة، واقبل مالك بن عوف النظري فيمن معه من قبائل قريش وثقيف وسمع عبد الله بن جدد عين رسول الله ابن عوف يقول: يا معشر هوازن انكم احد العرب واعده وان هذا الرجل لم يلق قوما يصدقونه القتال فإذا لقيتموه فاكسروا جفون سيوفكم واحملوا عليه حملة رجل واحد. قال الصادق عليه السلام: كانوا هوازن خرجوا بدريد بن صمة شيخا كبيرا
[ 204 ]
يتيممون به فقال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهش مالي ورغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وقفاء الشاة وخوار البقر فقال لابن مالك في ذلك فقال إني أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله فيقاتل عنهم قال ويحك لم تضع شيئا قدمت بيضة هوازن في نحور الخيل وهل يرد وجه المنهزم شئ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كان عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال شعرا: يا ليتني فيها جذع * * احب فيها وأضع قال إنك كبرت وذهب علمك. قال جابر: كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضايقه، فما راعنا إلا كتائب الرجال فانهزم سليم وكان في المقدمة وانهزم من كان وراءهم وبقي مع النبي (ص) علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ونوفل وربيعة أخواه وعبد الله بن الزبير ابن عبد المطلب وعتبة ومعتب أبناء أبي لهب وأيمن مولى النبي، وكان العباس عن
يمينه والفضل عن يساره والباقي حوله وعلي " ع " يضرب بالسيف بين يديه وفي ذلك يقول العباس بن عبد المطلب: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * * وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا قال الفضل بن العباس: أول من فر من الناس أبو بكر وعمر وكان يصيحان الفرار الفرار وفي ذلك يقول سلامة طاعنا عليهما شعرا: أين كانوا في حنين ويلهم * * وضرام الحرب تخبو وتهب ذاقت الأرض على القوم بما * * رحبت فاستحسن القوم الهرب ولله در الشيخ كاظم الأزري طاب ثراه حيث يقول: إن تكن فيهما شجاعة قرم * * فلماذا في الدين ما بذلاها ذخراه لمنكر ونكير * * أم لأجناد مالك ذخراها ونادى مالك بن عوف: أروني محمدا (ص) فأروه فحمل عليه فلقيه أيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن فقتله مالك وأتي إلى النبي ليضربه فبادره أمير المؤمنين " ع " بالسيف على رأسه فخرج يلمع من بين رجليه وكمن أبو جرول على المسلمين وكان على جمل أحمر
[ 205 ]
وبيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن ان أدرك أحدا طعنه برمحه وإن فاته الناس دفع لمن وراه وجعل يقتلهم وهو يرتجز ويقول: (أنا ابن جرول لا براح) فعمد أمير المؤمنين " ع " فضرب عجز بعيره فصرعه فقده نصفين وجعل يقول: قد علم القوم لدي الصباح * * إني لدى الهيجاء ذو نصاح فانهزم القوم بين يديه. قال ولما فر أصحاب رسول الله قال صلى الله عليه وآله للعباس بن عبد المطلب وكان جهوريا: نادي في القوم وذكرهم العهد، فنادى العباس: يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون اذكروا العهد، والقوم على وجوههم
وذلك في أول ليلة من شوال، قال فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس ببعض وجهه في الظلماء فأضاء كأنه القمر ليلة البدر، ثم قام (ص) في ركاب سرجه حتى أشرف عليه وقال: الآن حمى الوطيس: أنا النبي لا كذب * * أنا ابن عبد المطلب وما زالوا يقاتلون المشركين حتى ارتفع النهار فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكف ولم يكن في ذلك اليوم أحد قاتل أكثر من علي بن أبي طالب عليه السلام. قال الصادق " ع " سبى رسول الله (ص) يوم حنين أربعة ألاف رأس من الغنم واثني عشر ألف ناقة سوى ما لا يعلم من الغنائم. (الغزوة السابعة) (غزوة ذات السلاسل) وذلك أنه جاء اعرابي إلى النبي (ص) فقال يا رسول الله إن جماعة من العرب اجتمعوا بواد الرمل على أن يبيتوك بالمدينة فأمر بالصلاة جامعة فاجتمعوا وعرفهم وقال من من لهم ؟ فابتدر جماعة من أهل الصفة وغيرهم وعدتهم ثمانون وقالوا: نحن فول علينا من شئت، فاستدعى أبا بكر وقال امضي فمضى، فاتبعهم القوم وقتلوا جماعة كثيرة من
[ 206 ]
المسلمين وانهزم أبو بكر وجاء إلى رسول الله، فبعث عمر فهزموه مرة أخرى، فساء النبي (ص) ذلك فقال عمرو بن العاص: إبعثني يا رسول الله فإن الحرب خدعة ولعلني أخدعهم، فأنفذه مع جماعة، فلما صاروا إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه وقتلوا جماعة من أصحابه، ثم دعى بأمير المؤمنين وبعثه إليه وشيعه إلى مسجد الأحزاب وأنفذه مع جماعة منهم أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار بهم نحو العراق منكبا عن الطريق حتى ظنوا انه يريد بهم غير ذلك الوجه ثم أخذ بهم على طريق غامضة واستقبل الوادي وكان " ع " يسير الليل ويكمن النهار، فلما قرب من الوادي أمر أصحابه أن يخفوا
حسهم فوقفوا مكانا وتقدم أمامهم ناحية فلما رأى عمر بن العاص فعله لم يشك في كون الفتح له فخوف أبا بكر وقال له إن هذه أرض ذات سباع وذئاب كثيرة الحجارة وهي أشد علينا من بني سليم والمصلحة أن نعلوا الوادي وأراد فساد الحال على أمير المؤمنين حسدا له وبغضا، فأمره أن يقول ذلك لأمير المؤمنين، فقال له أبو بكر فلم يجبه بحرف واحد، فرجع أبو بكر وقال والله ما أجابني بحرف واحد فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب امض إليه فخاطبه، ففعل فلم يجبه أمير المؤمنين " ع " بشئ فقال عمر: نضيع أنفسنا انطلقوا بنا نعلوا الوادي، فقال المسلمون إن النبي أمرنا أن لا نخالف عليا فكيف نخالفه ونسمع قولك، فما زالوا حتى طلع الفجر، فكبس القوم وهم غافلون فأمكنهم الله منهم، فنزل جبرئيل على النبي (ص) بسورة العاديات فقال إقرأ يا محمد: (والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا) - إلى آخر السورة، قسما منه تعالى بخيل أمير المؤمنين، وعرفه الحال ففرح النبي وبشر أصحابه بالفتح وعرفهم وأمرهم بالاستقبال لأمير المؤمنين " ع "، فخرجوا والنبي يقدمهم فلما رأى أمير المؤمنين النبي ترجل عن فرسه فوقف بين يديه فقال (ص) لولا أني أشفق أن تقول فيك أمتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك اليوم مقالة لا تمر بملأ منهم إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة فإن الله تعالى ورسوله عنك راضيان.
[ 207 ]
القسم الثاني (من غزواته بعد رسول الله (ص) وهو قتاله مع الناكثين) (والقاسطين والمارقين لعنهم الله تعالى) (الأولى حرب الجمل) وهو أنه لما قتل عثمان بن عفان وآل الأمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام
وبايعه الناس نهض طلحة والزبير ونكثا بيعته وتوجها إلى عائشة لما سمعوا أنها لما أتاها خبر قتل عثمان وخلافة علي " ع " قالت: لأطالبن بدمه فقيل لها: بالأمس كنت تقولين اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا تشبيها بيهودي أعرج كان يسمى نعثلا واليوم تقولين هذا قالت لم يقتلوه إذ قلت وتركوه حتى تاب وعاد كالسبيكة من الفضة وقتلوه، وخرج طلحة والزبير من المدينة على خفية ووصلا إلى مكة وأخرجا عائشة إلى البصرة، فقال بعض الشعراء في ذلك ولله دره: جاءت مع الأشقين في هودج * * تزجي إلى البصرة أجنادها كأنها في فعلها هرة * * تريد أن تأكل أولادها وكانت عائشة عند خروجها قد التمست من أم سلمة الخروج فأبت، وسألت حفصة فأجابت ثم خرجت عائشة في أول نفر راكبة الجمل العسكر، وفي الخبر أنه كان شيطان، وسارت حتى انتهت الحوءب وهو ماء فصاحت كلابها فقالت عائشة: أي ماء هذا ؟ فقيل الحوءب فقالت إنا لله وإنا إليه راجعون سمعت رسول الله (ص) يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوءب، وفي رواية فصاحت: ردوني ردوني فساروا بها حتى وصلوا البصرة، وخرج أمير المؤمنين " ع " من المدينة
[ 208 ]
طالبا لهم فلما قرب من البصرة كتب الى طلحة والزبير: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد علمتم اني لم ارد الناس حتى ارادوني ولم ابايعهم حتى اكرهوني وانتما ممن أراد بيعتي وبايعتما ولم تبايعا لسلطان غالب ولا لغرض حاضر فان كنتما طائعين فتوبا الى الله تعالى عما أنتما عليه وإن كنتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما باظهاركما الطاعة وكتمانكما المعصية وانت يا زبير فارس قريش وانت يا طلحة شيخ المهاجرين ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما به وأما قولكما أني قتلت عثمان بن عفان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم
كل امرئ بقتل ما احتمل وهؤلاء بنو عثمان إن قتل مظلوما كما تقولان أولياؤه وأنتما رجلان من المهاجرين وقد بايعتماني ونقضتما بيعتي وأخرجتما أمكما من بيتها التي أمرها الله تعالى أن تقر فيه والله حسبكما والسلام. وكتب (ع) إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين الناس فخبريني ما للنساء وقود العساكر وزعمت أنك طالبة لدم عثمان وعثمان رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم بن مرة ولعمري إن الذي عرضك للبلاء وحملك على المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى أغضبتي وما هجت حتى هيجتي فاتق الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك وأسبلي عليك سترك والسلام. فجاء الجواب إليه: يا ابن أبي طالب جل الأمر عن العتاب ولن ندخل في طاعتك أبدا فاقض ما أنت قاض والسلام. ثم تقارب الجمعان ورأى علي تصميم عزمهم على قتاله فجمع أصحابه وخطبهم خطبة بليغة قال فيها: الحمد لله على بلائه... ثم قال: واعلموا أيها الناس إني قد تأنيت هؤلاء القوم وناشدتهم كي ما يرجعوا ويرتدعوا فلم يفعلوا ولم يستجيبوا وقد بعثوا إلي أن أبرز إلى الطعان وقد كنت ما أهدد بالحرب وما أدعى إليها وقد أنصف القارة من راماها فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم بذلك القلب القى عدوي وأنا على بينة من ربي لما وعدني من النصر والضفر وإني لعلى غير شبهة من أمري ألا وإن الموت لا يفوته مقيم ولا يعجزه هارب ومن لم يقتل يمت وإن أفضل الموت القتل والذي نفس علي
[ 209 ]
بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من موتة على الفراش. ثم رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إن طلحة بن عبد الله أعطاني يمينه طائعا ثم نكث بيعتي ! اللهم فعاجله ولا تمهله، وإن الزبير بن العوام قطع قرابتي ونكث بيعتي وعهدي وظاهر عدوي ونصب الحرب لي وهو يعلم أنه ظالم، اللهم فأكفنيه كيف شئت
وأنى شئت أقول: وفي كتاب (مروج الذهب) للمسعودي بإسناده عن المنذر بن الجارود قال: لما قدم علي (ع) البصرة دخل مما يلي الطف فأتى الزاوية. فخرجت أنظر إليه فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفا معه راية وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة مدججين في الحديد والسلاح فقلت من هذا ؟ فقيل: أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (ص) وهؤلاء الأنصار وغيرهم، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفا متنكب قوسا معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس فقلت من هذا ؟ فقيل: هذا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين. ثم مر بنا فارس آخر على فرس كميت معتم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء متقلد سيفا متنكب قوسا وعليه قباء أبيض معقول في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية فقلت: من هذا ؟ فقيل: أبو قتادة بن ربعي. ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقرائة القرآن متقلد سيفا متنكب قوسا معه راية بيضاء في ألف فارس من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأن قد أوقفوا للحساب أثر السجود قد أثر في جباههم فقلت من هذا ؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم. ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوسا متقلد سيفا تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض ومعه راية صفراء، فقلت: من هذا ؟ فقيل: هذا قيس بن سعد بن
[ 210 ]
عبادة في الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان.
ثم مر بنا فارس على فرس أشهب ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء. فقلت: من هذا ؟ قيل: هو عبد الله بن العباس في عدة من أصحاب رسول الله (ص). ثم تلا موكب آخر في عدة من أصحاب رسول الله (ص) فيه فارس أشبه الناس بالأول فقلت: من هذا ؟ فقيل: هو عبد الله بن العباس. ثم تلا موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا ؟ قيل: القثم ابن العباس أو سعيد بن العاص، ثم اقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضا واشتبكت الرماح. ثم ورد موكب فيه خلق من الناس وعليهم السلاح والحديد مختلفوا الرايات في أوله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنما كسر وجبر. قال المسعودي: قال ابن عائشة وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره الى الارض اكثر من نظره الى فوق وأصحابه كأن على رؤوسهم الطير، عن ميسرته شاب حسن الوجه وعن ميمنته شاب أشبه الناس برسول الله (ص) وأمامه شاب بيده راية عظيمة. قال جامع الكتاب: وفي بعض نسخ الرواية: وعلى كل قباء أخضر وعمامة مزركشة بالابريز، مجردين سيوفهم شاكين أسلحتهم، فقلت: من هؤلاء ؟ قيل: هذا علي بن أبي طالب (ع) وهذا الحسن (ع) والحسين (ع) عن يمينه وشماله وهذا محمد بن الحنفية بين يديه ومعه الراية العظمى، وهذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ع) وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم وهؤلاء المشائخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فساروا حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية. قال جامع الكتاب: قال بعض الروات: وكانت عائشة في جملة من حضر من أهل البصرة فقالت ايها الناس انظروا إلى علي بن أبي طالب (ع) كأنه رسول الله (ص)
بين أصحابه، والله كنا نعرفه بالشجاعة حتى عرفناه بالسلطان.
[ 211 ]
قال المسعودي: فصلى علي (ع) أربع ركعات وعفر خديه على التراب وقد خالط ذلك دموعه، ثم رفع يديه يدعو ويقول في دعائه: اللهم رب السماوات وما أظللت، ورب الأرضين وما أقلت ورب العرش العظيم هذه البصرة أسئلك من خيرها وأعوذ بك من شرها، اللهم انزلنا فيها منزل خير وأنت خير المنزلين، اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي وبغوا علي ونكثوا بيعتي، اللهم إحقن دماء المسلمين، ثم تقاربوا وتعبؤا لابسين سلاحهم ودروعهم متأهبين للحرب، وكل ذلك وعلي (ع) بين الصفتين عليه قميص ورداء وعمامة سوداء وهو راكب على بغلته. فلما رأى انه لم يبق إلا مصافحة الصفاح والمطاعنة بالرماح، صاح (ع) بأعلى صوته: أين الزبير ابن العوام فليخرج إلي ؟ فقال الناس: يا أمير المؤمنين أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر وهو مدجج بالحديد ! فقال (ع): ليس علي منه بأس، ثم نادى ثانية ؟ فخرج إليه ودنى منه فقال (ع): يا أبا عبد الله ما حملك على ما صنعت ؟ فقال الطلب بدم عثمان ! فقال (ع): عثمان انت وأصحابك قتلتموه، فيجب عليك ان تقيد من نفسك، ولكن أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل القرآن على نبيه محمد (ص) أما تذكر يوم قال لك رسول الله (ص) أتحب عليا ؟ فقلت وما يمنعني من حبي له وهو إبن خالي. فقال لك: اما انت فتخرج عليه يوما وانت عليه ظالم، فقال الزبير اللهم بلى فقد كان ذلك ! فقال (ع) فأنشدك الله الذي أنزل القرآن على نبيه محمد (ص) أما تذكر يوما جاء رسول الله (ص) من عند ابن عوف وانت معه وهو آخذ بيدك فاستقبلته أنا فسلمت عليه فضحك في وجهي وضحك أنا إليه. فقلت انت لا يدع ابن أبي طالب زهوه ابدا، فقال لك النبي: مهلا يا زبير فليس به زهو، ولتخرجن عليه يوما وانت ظالم له. فقال الزبير اللهم بلى ولكن نسيت ! فلأن ذكرتني ذلك فلأصرفن
عنك ولو ذكرت ذلك لما خرجت عليك ثم رجع إلى عائشة فقالت ما ورائك يا أبا عبد الله. فقال الزبير والله اني ما وقفت موقفا في شرك ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة وانا اليوم على شك من امري وما اكاد ان ابصر موضع قدمي ثم شق الصفوف وخرج من بينهم فلقيه عبد الله ابنه فقال جبنا جبنا ! فقال يا بني قد علم الناس اني لست بجبان،
[ 212 ]
ولكن ذكرني علي (ع) شيئا سمعته من رسول الله (ص) فحلفت ان لا اقاتله. فقال دونك غلامك فلان اعتقه كفارة ليمينك ! فقال لا قاتلته ابدا فخرج ونزل على قوم من بني تميم. فقام إليه عمرو بن جرموز المجاشعي فقتله حين نام في ضيافته، فنفذت فيه دعوة أمير المؤمنين (ع). وروي ان عائشة قالت له لا والله بل خفت سيوف إبن أبي طالب (ع)، اما انها طوال حداد سواعد تجاد، فلئن خفتها فلقد خافها الرجال قبلك ! فرجع الى القتال فقيل لأمير المؤمنين (ع) انه رجع !. فقال (ع) دعوه فان الشيخ محمول عليه. ثم قال: أيها الناس غضوا أبصاركم وعضوا على نواجذكم واكثروا من ذكر ربكم وإياكم وكثرة الكلام فانه فشل، فنظرت إليه عائشة وهو بين الصفين فقالت انظروا إليه كأن فعله فعل رسول الله يوم بدر، أما والله ما ينتظر بك الى زوال الشمس. فقال (ع) يا عائشة عما قليل لتصبحن من النادمين، فجد الناس في القتال فنهاههم أمير المؤمنين (ع) وقال اللهم اني أعذرت وأنذرت فكن لي عليهم من الشاهدين، ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ عليهم (وإن طائفتان من المؤمنين إقتتلا فأصلحوا بينهما...) الآية ؟ فقال مسلم المجاشعي ها أنا ذا، فخوفه (ع) بقطع يمينه وشماله، فقال لا عليك يا أمير المؤمنين فهذا قليل في ذات الله، فأخذه ودعاهم إلى الله فقطعت يمينه ! فأخذه بيده اليسرى فقطعت ! فأخذه بأسنانه فقتلوه ! فقالت امه ترثيه
يا رب ان مسلما أتاهم * * بمحكم التنزيل إذ دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم * * فزملوه زملت لحاهم قال المسعودي في كتابه (مروج الذهب) باسناده: وأمر على ان يصافوهم ولا يبدوهم بقتال ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح حتى جاء عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمى بسهم فقتل، فقال علي: اللهم اشهد واعذر، ثم قام عمار بن ياسر بين الصفين فقال أيها الناس ما أنصفتم نبيكم حتى كففتم عتقاء تلك الخدور وأبرزتم عقيلته للسيوف،
[ 213 ]
وعائشة على جمل في هودج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر وجعلوا دونه اللبود قد غشى على ذلك بالدروع ! فدنا عمار من موضعها فقال: إلى ماذا تدعين ؟ قالت الى الطلب بدم عثمان ! فقال: قتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق. قال: وتواتر عليه الرمي واتصل فحرك فرسه وزال عن موضعه فقال ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين وليس لك عند القوم إلا الحرب، فقام علي (ع) فقال: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا اسيرا ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا سترا ولا تقربوا من اموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله. وفي (المناقب) بعد قتل مسلم المجاشعي أنذرهم (ع) فلم يقبلوا ! فقال (ع) الآن طاب الضراب، وقال لمحمد بن الحنفية والراية في يده: يا بني تزول الجبال ولا تزل عض ناجدك، أعر الله جمجمتك، ثد في الارض قدميك، إرم ببصرك أقصى القوم، وغض بصرك، واعلم ان النصر من الله، ثم صبر سويعة فصاح الناس من كل جانب من وقع النبال ! فقال (ع): تقدم يا بني، فتقدم وطعن طعنا منكرا، فأنشد أمير المؤمنين عليه السلام يقول لمحمد:
إطعن بها طعن أبيك تحمد * * لا خير في الحرب إذا لم توقد بالمشرفي والقنا المسدد ثم أمر الأشتر أن يحمل فحمل وقتل هاني بن وكيع صاحب ميمنة الجمل، ثم التحم القتال وجعل أمير المؤمنين (ع) يقرأ: " وان نكثوا أيمانهم من بعد عهودهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " ثم حلف (ع) انه ما قوتل عليها منذ نزلت حتى اليوم وإتصل الحرب وكثر القتل والجرح، فخرج عبد الله اليثربي قائلا: يا رب اني طالب أبا حسن * * ذاك الذي يعرف قدما بالفتن فأتاه أمير المؤمنين (ع) قائلا: إن كنت تبغي ان ترى أبا حسن * * فاليوم تلقاه مليا فاعلمن
[ 214 ]
وشد عليه وضربه بالسيف فأسقط عاتقه ووقع قتيلا فوقف (ع) عليه وقال: لقد رأيت أبا حسن فكيف وجدته، فخرج بنو ضبة وجعلوا يقولون نحن ضبة اصحاب الجمل * * والموت احلى عندنا من العسل ردوا علينا شيخنا بمرتحل * * ان عليا بعد من شر النذل وقال بعضهم: نحن بنو ضبة اعداء علط ! * * ذاك الذي يعرف فيهم بالوصي وكان عمر بن اليثربي يقول: ان تنكروني فانا ابن اليثربي ! * * قاتل عليا يوم هذا الجمل ! فبرز إليه عمار قائلا: لا تبرح العرصة يابن اليثربي * * إثبت أقاتلك على دين علي فأراده عن فرسه وجر برجله الى علي " ع " فقتله بيده، فخرج اخوه قائلا
اضربكم ولو ارى عليا * * عممته ابيض مشرفيا واسمر عطبطبا حظيا * * ابكي عليه الولد والوليا فخرج إليه علي " ع " متنكرا وهو يقول: يا طالبا في حربه عليا * * بمنحه أبيض مشرفيا إثبت ستلقاه بها مليا * * مهذبا سميدعا كميا فضربه " ع " فرمى نصف فرسه، فناداه عبد الله بن خلف الخزاعي أتبارزني ! فقال " ع " ما أكره ذلك ويحك يابن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا، فقال ذرني من بذخك يا بن أبي طالب ! ثم انشد يقول: ان تدن مني يا علي فترى * * فانني دان اليك شبرا بصارم يسقيك كاسا مرا * * فان في صدري عليك وترا فبرز إليه أمير المؤمنين " ع " وهو يقول: يا ذا الذي يطلب مني الوترا * * ان كنت تبغي ان تزور القبرا
[ 215 ]
حقا وتصلى بعد ذاك جمرا * * فان تجدني أسدا هزبرا أطعمك اليوم زعافا مرا فضربه فطير جمجمته فخرج مازن الظبي قائلا لا تطمعوا في جمعنا المكلل * * اموت دون الجمل المجلل فبرز إليه عبد الله بن نهشل قائلا إن تنكروني فأنا ابن نهشل * * فارس هيجاء وخطب فيصل فقتله. وكان طلحة يحث الناس ويقول عباد الله الصبر الصبر... في كلام له. فقال مروان بن الحكم والله لا اطلب ثاري بعثمان بعد اليوم فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته فوقع قتيلا، فالتفت مروان الى ابان بن عثمان وقال لقد كفيتك احد
قتله أبيك، وحمل أمير المؤمنين " ع " على بني ضبة فما رأيتهم إلا كرماد إشتدت به الريح في يوم عاصف. قال فعند ذلك انصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز فحز رأسه وهو نائم. وقيل كان عمرو بن جرموز جالسا في حلقة قد اعتزلوا القتال فرؤا الزبير مقبلا، فسألوا عن شأنه، فقيل قد اعتزل القتال فقال عمرو بن جرموز تعسا له من شيخ سوء قد ألقى بين طائفتين مسلمتين واعتزلهم، والله لا فارقته حتى اقتله. ولما قتله أتى برأسه إلى أمير المؤمنين " ع " فقال " ع " سمعت النبي (ص) يقول ان الزبير وقاتله في النار، فغضب ابن جرموز وهو يقول أتيت عليا برأس الزبير * * وقد جئته طلب التحفة فبشرني بعذاب الجحيم * * فبئس المبشر والتحفة وسيان عندي قتل الزبير * * وضرطة عنز بذي الجحفة وقيل ان ابن جرموز قال لعلي " ع " النار جزاءنا إن نصرناكم وإن خذلناكم ! وغضب وخرج وانه قتل نفسه، فكان امره كما أخبر به أمير المؤمنين " ع ". وقيل لعائشة قتل طلحة والزبير وجعل يخرج واحدا بعد واحد ويأخذ زمام الجمل ! حتى قتل ثمانية وتسعون رجلا منهم، والقتل يؤجج ناره والجمل يفني انصاره
[ 216 ]
قال: فخرج كعب بن سون الازدي وهو يقول يا معشر الناس عليكم امكم * * فانها صلاتكم وصومكم ! والحرمة العظمى التي تعمكم * * فاحضروها جدكم وحزمكم لا يغلبن سم العدو سمكم * * ان العدو إن علاكم زمكم وخصكم بجوره وعمكم * * لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم فشد عليه الأشتر فقتله، فخرج ابن حفير الازدي يقول
قد وقع الامر بما لم يحذر * * والنبل يأخذون وراء العسكر وأمنا في خدرها المشهر فبرز إليه الأشتر قائلا: إسمع ولا تعجل جواب الأشتر * * واقرب تلاق كأس موت أحمر ينسيك ذكر الجمل المشهر فقتله، ثم قتل عمر الغنوي وعبد الله بن عتاب بن اسيد، ثم جال في الميدان جولا وهو يقول نحن بنو الموت به عدينا فخرج إليه عبد الله بن الزبير فطعنه الأشتر وأرداه وجلس على صدره ليقتله فصاح عبد الله اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي فقصدوا إليه من كل جانب فخلاه وركب فرسه، فلما رأوه راكبا تفرقوا عنه، فاخبرت عائشة بأن الأشتر بارز عبد الله فصاحت واثكل اسماء لو لا الناس لقتله فسب اصحاب الجمل بعضهم بعضا فخرج عوف بن قطن الظبي وهو ينادي ليس لعثمان ثار إلا علي بن أبي طالب (ع) وولده ! فأخذ خطام الجمل واستفتل حوله ثم جال وقال: يا ام يا ام خلا مني الوطن * * لا ابتغي الغسل ولا ابغي الكفن من هاهنا يحشر عوف بن قطن * * ان فاتنا اليوم علي فالغبن ! أو فاتنا اليوم حسين وحسن * * إذن أمت بطول هم وحزن ! ثم تقدم يضرب بسيفه فبدره أمير المؤمنين " ع " وقده نصفين.
[ 217 ]
وقيل: قتله محمد بن الحنفية، وشد رجل من الأزد على محمد بن الحنفية وهو يقول: يا معشر الازد كروا ! فضربه محمد فقطع يده فقال: يا معشر الازد فروا
فخرج الاسود بن البختري السلمي يقول ارحم إلهي الكل من سليم * * وانظر إليهم نظرة الرحيم فقتله عمرو بن الحمق رحمه الله فخرج جابر الازدي يقول ياليت اهلي من عمار حاضري * * من سادة الازد وكانوا ناصري فقتله محمد بن ابي بكر فخرج بشر الظبي قائلا ضبة ابدى للعراق عمعمه * * واضر من الحرب العوان المضرمه فقتله عمار بن ياسر، واخذت عائشة كفا من الحصا فحصبت به أصحاب علي (ع) وصاحت بأعلى صوتها شاهت الوجوه ! ! كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم حنين، فقال لها قائل: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ". ونادت عائشة ايها الناس عليكم بالصبر فانما يصبر الأحرار فأجابها رجل كوفي: يا ام يا ام عققت فأعلموا * * والام تغذو ولدها وترحم اما تري كم من شجاع يكلم * * ونجتلى هامته والمعصم وقال آخر: قلت لها وهي على صهوات * * ان لنا سواك امهات في مسجد النبي ثاويات وقال الحجاج بن عمر الانصاري: يا معشر الانصار قد جاء الاجل * * اني أرى الموت عيانا قد نزل فبادروه نحو اصحاب الجمل * * ما كان في الانصار جبن وفشل فكل شئ ما خلا الله جلل وقال خزيمة بن ثابت: لم يغضبوا لله لكن للجمل ! * * والموت خير من مقام في خمل
[ 218 ]
والموت احرى من فرار وفشل وقال شريح بن هاني: لا عيش إلا ضرب اصحاب الجمل * * والقول لا ينفع إلا بالعمل وما لنا بعد علي من بدل وقال هاني بن عروة المذحجي: يالك حرب حثها جمالها * * قائده بنقصها ظلالها هذا علي حوله اقبالها وقال قيس بن سعد قل للوصي اجتمعت قحطانها * * ان يك حرب اضرمت نيرانها وقال عمار بن ياسر اني لعمار وشيخي ياسر * * صاح كلانا مؤمن مهاجر طلحة فيها والزبير غادر * * والحق في كف علي ظاهر وقال مالك الاشتر هذا علي في الدجى مصباح * * لمن بدى في فضله مفتاح وقال عدي بن حاتم الطائي أنا عدي ويماني حاتم * * هذا علي وبالكتاب عالم لم يعصه في الناس إلا ظالم وقال عمرو بن الحمق هذا علي قائد يرضى به * * أخو رسول الله في أصحابه من عودة الناس ومن نصابه وقال رفاعة: إن الذين قطعوا الوسيلة * * ونازعوا الطهر على الفضيلة في حربه كالنعجة الأكيلة
قال وشكت السهام الهودج حتى صار كأنه جناح نسر أو شوك قنفذ، وزحف
[ 219 ]
علي " ع " نحو الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار وحوله بنوه الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، فصاح بولده محمد وكانت الراية بيده إقدم بها حتى ركزها في عين الجمل ولا تقفن دونه، فتقدم محمد فرشقته السهام ! فقال محمد لأصحابه رويدا حتى تنفذ سهامهم فلم تبق إلا رشقة أو رشقات، فأنفذ علي " ع " إليه يستحثه ويأمره بالمناجزة، فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه فوضع يده اليسرى على منكبه الأيمن وقال له: إقدم لا أم لك. فكان محمد بعد أمير المؤمنين " ع " إذا ذكر ذلك يبكي ويقول: كأني أجد ريح نفسه في قفاي والله لا أنسى ذلك أبدا. ثم أدركت عليا رقة الوالد على ولده فتناول منه الراية بيده اليسرى وذو الفقار مشهور في يمناه، ثم حمل فغاص في عسكر الجمل، ثم رجع وقد انحنى سيفه فأقامه بركبته. فقال له أصحابه وبنوه والأشتر وعمار: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين فلم يجب أحدا منهم ولا رد إليهم بصره. وظل يتحفظ ويزئر زئير الأسد حتى فرق من حوله وإنه لطامح ببصره نحو عسكر الجمل لا يبصر من حوله، ثم دفع الراية إلى محمد ثم حمل حملة ثانية وكبر تكبيرات فدخل وسطهم وضربهم بالسيف قدما قدما، والرجال تفر من بين يديه وتنحاز عنه يمنة ويسرة حتى خضب الأرض بدماء القتلى، ثم رجع وقد انحنى سيفه فاعصوصب به أصحابه وناشدوه الله في نفسه والإسلام وقالوا إنك إن عضبت يذهب الدين فامسك ونحن نكفيك، فقال: والله ما أريد بما ترون إلا وجه الله والدار الآخرة. ثم قال لمحمد: هكذا تصنع يا ابن الحنفية، فقال الناس: من ذا الذي يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين.
قال: فاستدار الجمل كما تدور الرحى وتكاثف الرجال إلى حوله واشتد رغائه وزحام الناس عليه فنادى الحتات المجاشعي أيها الناس أمكم أمكم. واختلط الناس فضرب بعضهم بعضا وتقصد أهل الكوفة قصد الجمل وكان دونه ناس كالجبال كلما حف قوم جاء أضعافهم فنادى علي " ع ": فرشقوا الجمل بالنبل،
[ 220 ]
وأخذت النبال تترامى عليه فلم يبق منه موضع إلا أصيب بالنبل ونادت الأزد وضبة يا لثارات عثمان ! ونادى أصحاب علي " ع ": يا محمد فاتخذوها شعارا، واختلط الفريقان فصاح علي " ع " ما أرى أحدا يقاتلكم غير هذا الجمل وهذا الهودج عرقبوا الجمل لعنه الله فإنه شيطان، وقال لمحمد بن أبي بكر انظر متى عرقب الجمل فادرك اختك فوارها، فوضع أمير المؤمنين (ع) سيفه في عاتقه وعطف نحو الجمل وأمر أصحابه بذلك ومشى نحوه والخطام مع بني ضبة فاقتتلوا قتالا شديدا. واستمر القتل في بني ضبة فقتل منهم مقتلة عظيمة هجم علي (ع) وأصحابه نحو الجمل فعرقب رجلا رجلا من الجمل فدخل تحته رجل ضبي وعرقب منه رجلا أخرى فدخل تحته رجل آخر فضربه بجير النخعي على عجزه وعبد الرحمن على جنبيه وعمار على طرفه، فحمله بنو ضبة فرشقوه بالسهام فوقع الجمل بجنبه وضرب بجرانه الأرض وعج عجيجا لم يسمع بأشد منه، فما هو إلا أن صرع الجمل حتى فرت الرجال ! كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب ! فضرب أمير المؤمنين (ع) على الهودج فقال يا عائشة أهكذا أمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تفعلي ؟ فقالت: يا أبا الحسن ظفرت فاحسن وملكت فاسجح ! فقال (ع) لمحمد بن أبي بكر: شأنك باختك فلا يدنو أحدا منها سواك، فدنى منها محمد ولطمها في وجهها وقال لها ما فعلت بنفسك عصيت ربك وهتكت سترك ثم أبحت حرمتك وتعرضت للقتل، فقالت له ثكلتك أمك ليتها استبرئت حيضتها بخرقة ولم تلدك كان لك أن تستخلف مكان أبيك ! لازمت علي بن أبي طالب
وصرت من بعض رجاله ! فقال لها: علي مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وان أباك غصب حقه وأغضب الله ورسوله بفعله، فسكتت عائشة. قال: فأمر أمير المؤمنين (ع) أن تحمل عائشة بهودجها إلى دار عبد الله بن خلف وأمر بالجمل أن يحرق ثم يذرى في الريح، وقال (ع): لعنه الله من دابة فما أشبهه بعجل بني أسرائيل، ثم قرأ: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا). قال: فقالت عائشة لأخيها محمد أقسمت عليك أن تطلب عبد الله بن الزبير جريحا
[ 221 ]
كان أو قتيلا، فقال: انه كان هدفا للاشتر، فانصرف محمد الى العسكر فقال: اجلس ياميشوم اهل بيته فأتاها به فصاحت وبكت ثم قالت يا اخي إستأمن له من علي عليه السلام فأتى أمير المؤمنين (ع) فاستأمن له منه، فقال (ع): آمنته وآمنت جميع الناس وكان مع أمير المؤمنين (ع) في وقعة الجمل عشرون ألفا منهم البدريون وثمانون رجلا وممن بايع تحت الشجرة مائتا وخمسون ومن الصحابة خمسمائة رجل، وكان مع عائشة ثلاثون الفا أو يزيدون ومنهم المكيون ستمائة رجل وقتل منهم يوم الجمل عشرون الفا، ومن أصحاب علي (ع) ألف وسبعون رجلا، ولله در الازري حيث يقول: يوم جاءت تقود بالجمل العس * * كر لا تتقي ركوب خطاها فألحت كلاب حوءب نبحا * * فاستقلت به على حوباها ياترى أي امة لنبي * * جاز في شرعها قتال نساها اي ام للمؤمنين أساءت * * ببنيها وفرقتهم سواها شتتهم في كل شعب وواد * * بئس ام عتت على أبناها نسيت آية التبرج أم لم * * تدر أن الرحمن عنه نهاها
حفظت أربعين ألف حديثا * * ومن الذكر آية تنساها ذكرتنا بفعلها زوج موسى * * إذ سعت بعد فقده مسعاها قاتلت يوشعا كما قاتلته * * لم تخالف حمراؤها صفراها واستمرت تجر أردية اللهو * * الذي عن إلهآها ألهاها الثانية حرب صفين وهو انه لما فرغ أمير المؤمنين (ع) من حرب الجمل نزل بالرحبة في السادس من رجب وخطب فقال: الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه وأعز الصادق المحق
[ 222 ]
وأذل الناكث المبطل. ثم انه (ع) دعى الاشعث بن قيس من ثغر آذربيجان والاحنف بن قيس من البصرة وجرير بن عبد الله البجلي من همدان فأتوه الى الكوفة فوجه جرير الى معاوية يدعوه الى طاعته، فتوقف معاوية في ذلك ! حتى قدم شرحبيل الكندي ثم خطب فقال ايها الناس قد علمتم اني خليفة عمر وخليفة عثمان وقد قتل عثمان مظلوما وانا وليه وابن عمه واولى الناس بطلب دمه فماذا رأيكم ! فقالوا نحن طالبون بدمه، فدعى عمرو بن العاص على ان يعطيه مصر. فكان عمرو يأمر بالجمل والحط مرارا فقال له غلامه وردان تفكر ان الآخرة مع علي عليه السلام، والدنيا مع معاوية، فقال عمرو شعرا. لا قاتل الله وردانا وفطنته * * لقد أصاب الذي في القلب وردان فلما ارتحل قال له عبد الله بن عمر بن الخطاب: ألا يا عمرو ما أحرزت نصرا * * ولا أنت الغدات الى الرشاد ابعت الدين بالدنيا خسارا * * وانت بذاك من شر العباد ومن طريق المخالفين عن الحسن البصري قال: علم معاوية والله ان لم يبايعه
عمرو بن العاص لم يتم له أمر فقال له يا عمرو اتبعني قال لماذا الآخرة، فو الله ما معك آخره ام للدنيا، فو الله لا كان حتى اكون شريكك فيها، قال فانت شريكي فيها، قال فاكتب لي مصرا وكورها، وكتب له في آخر الكتاب وعلى عمرو السمع والطاعة، قال عمرو واكتب ان السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا، قال معاوية لا ينظر الناس الى هذا، قال عمرو حتى تكتب قال فكتب. قال الحسن البصري والله ما كان معاوية يجد بدا من كتابتها، ودخل عتيبة بن ابي سفيان وهو يكلم عمروا في مصر وعمرو يقول له انما ابيعك بها ديني ! فقال عتبة ائتمن الرجل بدينه فانه من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكتب عمرو الى معاوية. معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * * به منك دينا فانظرن كيف تصنع وما الدين والدينا سواء وانني * * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
[ 223 ]
فان تعطني مصرا فاربح صفقة * * اخذت بها شيخا يضر ويمنع ولما رأى جرير ما هم عليه انصرف فكتب معاوية الى أهل المدينة ان عثمان قتل مظلوما وعلي آوي قتلته ! فان دفعهم الينا كففنا عن قتاله وجعلنا هذا الامر شورى بين المسلمين كما جعله عمر عند وفاته فانهضوا رحمكم الله معنا الى حربه فأجابوه بكتاب فيه: معاوى ان الحق أبلج واضح * * وليس كما ربصت أنت ولا عمرو نصبت لنا اليوم ابن عفان خدعة * * كما نصب الشيخان إذ زخرف الامر رميتم عليا بالذي لم يضره * * وليس له في ذاك نهي ولا أمر وما ذنبه إذ نال عثمان معشر * * أتوه من الاحياء تجمعهم مصر وكان على لازما قعر بيته * * وهمته التسبيح والحمد والذكر فما انتما لا در در ابيكما * * وذكر كما الشورى وقد وضح الأمر
وما انتما والنصر منا وانتما * * طليق اسارى ما تبوح بها الخمر وجاء أبو مسلم الخولائي بكتاب من عنده الى أمير المؤمنين (ع) يذكر فيه، وكان انصحهم لله خليفة خليفة ثم الخليفة الثالث المقتول ظلما فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت عرفنا ذلك ثم نظرت الشرور وقولك الهجر وتنفسك الصعداء وإبطائك عن الخلفاء. وفي ظل ذلك كله تقاد كما يقاد الجمل المغشوش ولم تكن لأحد منهم أشد حسدا منك لابن عمك وكان احقهم ان لا تفعل ذلك لقرابته وفضله فقطعت رحمه وقبحت حسنه فاظهرت له العداوة وبطنت له بالغش والبت الناس عليه فقتل معك في المحلة وأنت تسمع الهايعة ولا ترد عنه بقول ولا فعل. فلما وصل الخولاني وقرأه على الناس، قالوا: كلنا له قاتلون ولافعاله منكرون فكان جواب أمير المؤمنين " ع ": وبعد فاني رأيت قد اكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما المسلمون دخلوا فيه من بيعتي، ثم حاكم القوم إلي أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
[ 224 ]
وأما التي تريدها فهن خدعة الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك لعلمت اني من أبرأ الناس من دم عثمان، وقد علمت انك من ابناء الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة. وأجمع أمير المؤمنين " ع " على المسير وحرض الناس على ذلك ووقعت بينهما مكاتبات كثيرة غير ما ذكر أعرضنا عن ذكرها. قال أمير المؤمنين عليه السلام: قاتلت الناكثين وهم اهل الجمل، وهؤلاء القاسطون، وسأقتل المارقين. ثم ركب (ع) فرس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقصده تسعون ألفا منهم تسعمائة رجل من
الأنصار وثمانمائة من المهاجرين فيهم مائة وثمانون رجلا من أهل بدر ومنهم تسعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة بيعة الرضوان. وخرج معاوية في مائة وعشرين الفا يقدمهم مروان بن الحكم قد تقلد بسيف عثمان فنزل صفين في المحرم على شريعة الفرات وقال: اتاكم الكاشر عن انيابه * * ليث العرين جاء في اصحابه فأنفذ علي عليه السلام شبت بن ربعي وصعصعة بن صوحان فقالا في ذلك لطفا وعنفا، فقال انتم قتلتم عثمان عطشا، فقال علي (ع): ارووا السيوف من الدماء تروون من الماء والموت في حياتكم مقهورين خير من الحياة في موتكم قاهرين، فقال شاعر في ذلك شعرا: أتحمون الفرات على رجال * * وفي أيديهم الاسل الضباء وفي الأعناق أسياف حداد * * كأن القوم عندهم نساء وقال الأشتر: ميعادنا الآن بياض الصبح * * لا يصلح الزاد بغير الملح وقال الاشعث بن قيس الكوفي: لأوردن خيلي الفراتا * * شعث النواصي أو يقال ماتا ثم صاح الاشعث: ايها الناس من اراد الماء فليأتين ويسير معنا، فاجتمعت عليه
[ 225 ]
سبعة عشر ألف رجلا فحمل بهم حملة رجل واحد ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فاعرفه بنفسي انا الاشعث بن قيس. قال: فكأنه نادى انا ملك الموت، فتفرقوا من بين يديه وتطايروا للهرب فقتل منهم بعضا وانهزم الباقون، فأمر أمير المؤمنين (ع) أن لا يمنعوهم الماء وأمسكوا شهر محرم كله عن القتال.
فلما إستهل شهر صفر أمر علي عليه السلام فنودي في أهل الشام بالأعذار والانذار ثم عين عسكره فجعل في ميمنته الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وعلى ميسرته محمد ابن الحنفية ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال، وعلى القلب عبد الله بن العباس وعباس بن ربيعة بن الحرث والأشتر والاشعث، وعلى الجناحين سعد بن قيس الهمداني وعبد الله بن بديل بن ورقة الخزاعي ورفاعة بن شداد البجلي وعدي بن حاتم الطائي وعلى الكمين عمار بن ياسر وعمرو بن الحمق وعامر بن وائل الكناني وقبيصة بن جابر الأسدي. وجعل معاوية على ميمنته ذا الكلاع الحميري وحوشب ذا الظليم، وعلى الميسرة عمرو بن العاص وحبيب بن سلمة، وعلى القلب الضحاك بن قيس الفهري وعبد الرحمن ابن خالد بن الوليد، وعلى الساقة بسر بن ارطاة الفهري، وعلى الجناح عبد الله بن مسعدة الفزاعي وهمام بن قبيصة النميري، وعلى الكمين أبو الأعور السلمي وحابس بن سعد الطائي قال: وبعث علي (ع) إلى معاوية: أن اخرج حتى أبارزك ؟ فلم يفعل فزحف الفريقان والتقى الجمعان والناس على راياتهم. قال إبن أبي الحديد باسناده: فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت غارقا في السلاح لا يرى منه إلا عيناه وبيده الرمح فجعل يضرب رؤوس اهل العراق بالقناة ويقول سووا صفوفكم رحمكم الله حتى إذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال الحمد لله الذي جعل فينا إبن عم نبيه، أقدمهم هجرة وأولهم إسلاما، سيف من سيوف الله، صبه الله على أعدائه، فانظروا إذا حمى الوطيس وثار القتام وتكسر المران وجالت الخيل بالابطال فلا أسمع إلا الغمغمة أو
[ 226 ]
الهمهمة فاتبعوني وكونوا في أثري. ثم عمد على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ثم رجع وإذا هو الأشتر انتهى
أقول: وقد جرى بين العسكرين وقائع وفي الكل كانت الغلبة لأمير المؤمنين (ع) أولها - يوم الاربعاء بين الاشتر وحبيب بن سلمة. والثانية - بين المرقال وأبي الاعور. والثالثة - بين عمار وعمرو بن العاص. والرابعة - بين محمد بن الحنفية وعبيد الله بن عمر. والخامسة - بين عبد الله بن العباس والوليد بن عتبة. والسادسة - بين سعد بن قيس وذي الكلاع، الى تمام الاربعين وقعة آخرها ليلة الهرير خرج عوف الحارثي قائلا: انى انا عوف أخو الحروب * * صاحبها ولست بالهروب فبارزه علقمة قائلا: يا عوف ان كنت امرء حازما * * لم تبرز الدهر الى علقمة لقيت ليثا اسدا باسلا * * يأخذ بالانفاس والغلصمة فقتله ورجع، وخرج احمر مولى عثمان بن عفان شاهرا سيفه وهو يقول: ان الكتيبة عند كل تصادم * * تبكي فوارسها على عثمان ! فأجابه مولى لعلي " ع ": عثمان ويحك قد مضى لسبيله * * فاثبت لحد مهند وسنان فقتله الاحمر، فقال علي " ع ": قتلني الله إن لم اقتلك، ثم حمل واستقبله بالسيف وهو لا يعرفه، فمد علي " ع " يده فقبضه من درعه ورفعه عن فرسه وضرب به الارض فكسر منكبه وضلعه. وجعل " ع " يجول في الميدان وهو يقول: لهف نفسي وقليل ما أسر * * ما أصاب الناس من خير وشر لم أرد في الدهر يوما حربهم * * وهم الساعون في الشر الشمر
[ 227 ]
وكان لمعاوية غلام يسمى بحريث وكان فارسا بطلا وكان معاوية يحذره من التعرض لعلي عليه السلام فخرج الى الميدان، فقبض عليه أمير المؤمنين " ع " وحبسه في الهواء على يده، وجعل (ع) يجول في الميدان ويقول: ألا إخذروا في حربكم أبا الحسن * * ولا تروموه فذا من الغبن فانه يدقكم دق الطحن * * ولا يخالف في الكفاح من ومن قال: وخرج من أهل الشام رجل يقال له محزان بن عبد الرحمن فوقف بين الصفين وسأل المبارزة، فخرج إليه رجل يقال له المؤمل بن عبيد المرادي فتضاربا بأسيافهما فقتله الشامي، ثم نزل وحز رأسه وكب الرأس على وجهه، ثم نزل إليه فتى من الأزد يقال له مسلم بن عبد ربه فقتله الشامي ونزل وحز رأسه وكب الرأس على وجهه !. فلما رأى علي ذلك تنكر للشامي وهو واقف بين الصفين فخرج إليه والشامي لا يعرفه، فطلبه ! فبدره (ع) فضربه على عاتقه فرمى بشقه فسقط فنزل وحز رأسه ورمى به الى السماء، ثم ركب ونادى: هل من مبارز ؟ فخرج إليه آخر من فرسان الشام فضربه وقتله ونزل واحتز رأسه وحل وجهه الى السماء، ثم ركب ونادى: هل من مبارز ؟ فلم يزل يخرج إليه فارس بعد فارس وهو يقتله ويفعل به مثل الاول، الى ان قتل منهم سبعة عشر، فأحجم الناس عنه ولم يعرفوه. فقال معاوية لعبد له يقال له حرب وكان بطلا شديدا يا حرب اخرج الى هذا الفارس واكفني أمره فانه قتل من اصحابي ما قد رأيت ! فقال له حرب اني والله أرى مقام فارس لو بارزه عسكرك كله لأفناهم عن آخرهم، فان شئت برزت إليه واعلم انه قاتلي لا محالة، وان شئت فاستبقني لغيره، فقال معاوية لا والله ما احب ان تقتل فقف مكانك حتى يخرج إليه غيرك.
وجعل علي (ع) ينادي ويدعوهم فما خرج إليه احد، فرفع المغفر عن رأسه ورجع الى عسكره، فخرج من اهل الشام رجل يقال له كريب بن الصباح، فوقف بين الصفين وسأل المبارزة، فخرج له من أهل العراق رجل يقال له المبرقع الخولاني ففتله
[ 228 ]
الشامي، ثم خرج إليه الحرث الحكمي فقتله ايضا. فنظر علي (ع) الى مقام فارس بطل فخرج إليه بنفسه فوقف قبالته ثم قال: من أنت ؟ فقال كريب بن صباح الحميري فقال له علي (ع): ويحك ياكريب اني احذرك والله في نفسك وأدعوك إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال له ومن أنت ؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فالله الله في نفسك فاني أراك فارسا بطلا فيكون لك ما لنا وعليك ما علينا وتصون نفسك عن عذاب الله ولا يدخلنك مع معاوية نار جهنم، فقال كريب إدن مني ان شئت ! وجعل يلوح بسيفه، فمشى إليه علي (ع) وإلتقيا بضربتين فقتله الامام عليه السلام، ثم وقف فخرج إليه الحرث الحميري فقتله أيضا، وهكذا الى ان قتل اربعة رجال وهو يقول: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن إعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما إعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين) ثم صاح علي (ع): يا معاوية هلم الى مبارزتي ولا تفنين العرب بيننا، فقال معاوية لا حاجة لي في مبارزتك فقد قتلت اربعة من سباع العرب فحسبك !. فصاح رجل من اصحاب معاوية اسمه عروة ان قال معاوية لا حاجة لي في مبارزتك فهلم الى مبارزتي يابن أبي طالب ! فذهب علي (ع) نحوه فبدره عروة بضربة فلم تعمل شيئا وضربه علي (ع) فأسقطه، ثم قال انطلق الى النار عليك لعائن الله. قال: وكبر على أهل الشام قتل عروة فلم يخرج احد الى المبارزة، فرجع أمير المؤمنين (ع). قال: وخرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد يقول.
قل لعلي هكذا الوعيد * * أنا ابن سيف الله لا مزيد وخالد بن بنته الوليد * * قد فتر الحرب فزيد وازيدوا فبرز إليه مالك الأشتر رحمه الله وهو يرتجز ويقول: بالضرب أوفي موتة مؤخرة * * يا رب جنبني سبيل الفجرة ولا تجنبني ثواب البررة * * واجعل وفاتي بأكف الكفرة وساق ضربة الى عبد الرحمن فانصرف يقول أفنانا دم عثمان، فقال له معاوية
[ 229 ]
هذه فاشرة الصبا فاصبر فان الله مع الصابرين، وخرج معاوية وهو يقول مشيرا الى بني همدان رحمهم الله: لا عيش إلا فلق قحف الهام * * من ارحب ويشكر شبام قوم هم أعداء أهل الشام * * كم من كريم بطل همام وكم قتيل وجريح دامي * * كذاك حرب السادة الكرام فبرز سعيد بن قيس يقول: لا هم رب الحل والحرام * * لا تجعل الملك لاهل الشام فحمل وهو مشرع رمحه فضرب معاوية ودخل في غمار القوم هربا من ضربة قيس فجعل قيس يقول يا لهف نفسي فأتني معاوية * * على اطم كالعقاب هاوية والراقصات لا يعود ثانية * * الا هوى معفرا في الهاوية وبرز أبو الطفيل الكنائي قائلا: تحامت كنانة في حربها * * وحامت تميم وحامت أسد وحامت هوازن من بعدها * * فما حام منها ومنهم أحد طحنا الفوارس يوم العجاج * * وسقنا الاراذل سوق الكند
وجال أمير المؤمنين (ع) قائلا: أنا علي فأسألوني تخبروا * * ثم ابرزوا لي في الوغا وابدروا سيفي حسام وسناني أزهر * * منا النبي الطاهر المطهر وحمزة الخير ومنا جعفر * * وفاطم عرسي وفيها المفخر هذا لهذا وابن هند محجر * * مذبذب مطرد مؤخر فاستخلفه عمرو بن حصين السكوني على ان يطعنه فرآه سعيد بن قيس فطعنه وأنشد يقول: أقول له ورمحي في حشاه * * وقد قرت بمصرعه العيون ألا يا عمرو عمرو بني حصين * * وكل فتى ستدركه المنون
[ 230 ]
أتدرك ان تنال أبا حسين * * بمعضلة وذا ما لا يكون وانفذ معاوية ذا الكلاع الى حرب همدان فاشتبكت الحرب بينهم الى الليل، انهزم اهل الشام ! فأنشد أمير المؤمنين (ع): فوارس من همدان ليسوا بعزل * * غداة الورى من شاكر وشبام يقودهم حامي الحمية ماجد * * سعيد بن قيس والكريم محامي جزى الله همدان الجنان فانهم * * سهام العدا في كل يوم حمام فلو كنت بوابا على باب جنة * * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام وبرز أبو أيوب الأنصاري فنكلوا عنه، فحاذى معاوية حتى دخل فسطاطه فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وعلمنا الحرب أبائنا * * وسوف نعلم منا البنينا وخرج رجل شامي في براز رجل كوفي فصرعه فإذا هو اخوه فقالوا له خله فأبى ان يطلقه إلا بأمر علي عليه السلام، فأذن له بذلك، وبرز عبد الله بن خليفة الطائي في
جماعة من طي وارتجز: يا طي طي السهل والاجبال * * ألا إثبتوا بالبيض والعوالي وقاتلوا ائمة الضلال وخرج بسر بن ارطاة وهو يقول: اكرم بجند طيب الاردان * * جاؤا يكونوا اولياء الرحمن انى اتاني خبر شجاني * * ان عليا نال من عثمان: فبرز إليه سعيد بن قيس قائلا بؤسا لجند ضايع الايمان * * اسلمهم بسر الى الهوان إلى سيوف لبني همدان * * أقسم بالرحيم والرحمن إن عليا خير من عثمان * * وقيس خير من أبي سفيان فانصرف بسر من طعنته مجروحا، وخرح ادهم بن لام القضاعي مرتجزا: اثبت لوقع الصارم الصقيل * * فانت لا شك اخو قتيل
[ 231 ]
فقتله حجر بن عدي، فخرج الحكم بن الازهر قائلا: يا حجر حجر بن عدي الكندي * * اثبت فاني ليس مثلي بعدي فقتله حجر، فخرج إليه مالك بن مسهر القضاعي يقول: اني انا ابن مالك بن مسهر * * انا ابن عم الحكم بن الازهر فأجابه حجر بن عدي: اتى حجر وانا ابن مسعر * * اقدم إذا شئت ولا تؤخر وبرز علقمة فاصيب في رجله، وقتل من أهل العراق عمير بن عبيد المحاربي وبكر ابن هودة النخعي وابنه حيان وسعد بن نعيم وابان بن قيس. فحمل علي (ع) على أهل الشام فهزمهم، فقال معاوية كنت ارجو اليوم الظفر !
وبرز الأشتر فجعل يقتل واحدا بعد واحد، فقال معاوية في ذلك فبرز عمرو بن العاص في اربعمائة فارس إليه فتبع الاشتر مائتا رجل من نخع ومذحج، وحمل الأشتر عليه، فوقعت الطعنة في القربوس فانكسر وخر عمرو صريعا وسقطت ثناياه فاستأمنه، وبرز الأصبغ بن نباتة قائلا: حتى متى ترجو البقا يا أصبغ * * ان الرجاء للقنوط يدمغ وقال حتى حرك معاوية من مقامه، وخرج عوف المرادي قائلا: انا المرادي واسمي عوف * * هل من عرافي عصاه سيف فبرز إليه كعبر الاسدي قائلا الشام فيها الغري مغور * * انا العراق واسمي كعبر فقتله ورأى معاوية على تل فقصد نحوه، فلما قرب منه حمل عليه مرتجزا وهو يقول: ويلي عليك يا بني هند * * انا الغلام الأسدي حمد فأخذه أهل الشام بالطعان والضراب ! فانسل من بينهم وهو يقول: فلو نلته التي ليس بعدها * * من الأمر شيئا غير مين مقال ولو مت من نيلي له ألف ميتة * * لقلت لما قد نلت لست ابالي
[ 232 ]
وخرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فبرز إليه حارثة بن قدامة السعدي فقتله وخرج أبو الاعور السلمي فانصرف من طعنه زياد بن كعب الهمداني مجروحا وقتل بنو همدان خلقا كثيرا من أهل الشام، فقال معاوية بنو همدان اعداء عثمان، وبرز عمير بن عطارد التميمي في قومه قائلا: قد صابرت في حربها تميم * * لها حديث ولها قديم دين قويم وهدى قويم
فقاتلوا الى الليل، وبرز قيس بن سعد بن عبادة وهو يرتجز ويقول: انا ابن سعد وأبي عبادة * * والخزرجيون رجال سادة حتى متى تثني لنا الوسادة * * يا ذا الجلال لقني الشهادة فخرج بسر بن ارطاة يرتجز: انا ابن ارطاة جليل القدر * * في اسرة من غالب وفهر ان ارجع اليوم بغير وتر * * فقد قضيت في ابن سعد نذري فخرج مجروحا من ضربة قيس، وخرج المخادع بن عبد الرحمن وقتل المرادي ومسلم الازدي ورجلين آخرين. فبرز إليه أمير المؤمنين " ع " متنكرا فقتله وقتل سبعة بعده. وخرج الصباح بن كريب فقتله أمير المؤمنين " ع ". وخرج مولى لمعاوية مرتجزا: اني أنا الحارث ما به حذر * * مولى ابن صخر وبه قد انتصر فقتله قنبر مولى أمير المؤمنين " ع " وخرج بريد الظبي قائلا: لقد ضلت معاشر من نزار * * إذ انقادوا لمثل أبي تراب فقتله الأشتر، وخرج شجع الحذامي فطعنه عدي بن حاتم الطائي، ونادى خالد السدوسي من يبايعني على الموت ؟ فأجابه تسعة آلاف فقاتلوا حتى بلغوا فسطاط معاوية فنهبوا فسطاطه فهرب معاوية، وانفذ معاوية إليه وقال يا خالد لك عندي إمرة خراسان متى ظفرت ويحك اقصر عن فعالك هذا ! فنكل عنها ! فتفل أصحابه في وجهه،
[ 233 ]
وحاربوا الى الليل. قال: وخرج من عسكر الشام قائلا لهاشم المرقال: يا اعور العين وما فينا عور ! * * نلحي ابن عثمان ونلحي من عذر
فقتله المرقال وجعل يجول بفرسه في الميدان وهو يرتجز ويقول: أعور يبغي أهله محلا * * قد عالج الحياة حتى ملا لا بد ان يغل أو يغلا * * أو أنه يفل أو يفلا فكان أمير المؤمنين " ع " يأتيه ويدفعه بكعب الرمح ممازحا له ويقول: تقدم يا هاشم اعور وجبان، فكان يتقدم ويرقل إرقالا، حتى إذا بلغ وسط عسكر معاوية هجموا عليه من كل جانب ومكان فقتلوه ! فتأسف عليه أمير المؤمنين (ع). واخذ سفيان بن ثور رايته فقاتل حتى قتل، فأخذها عتبة بن المرقال فقاتل حتى قتل، فأخذها ابن الطفيل الكناني وهجم مرتجزا يقول: يا هاشم الخير دخلت الجنة * * قتلت في الله عدو السنة فقاتل حتى جرح فرجع القهقري، فأخذها عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي مرتجزا: أضربكم رغما على معاوية * * الابرح العين العظيم الحاوية هوت به في النار ام هاوية * * جاوره فيها كلاب عاوية فهجموا عليه فقتلوه ! فأخذها عمرو بن الحمق قائلا: جزى الله فينا عصبة أي عصبة * * حسان وجوه صرعوا حول هاشم وقاتل أشد القتال، فخرج ذو الظليم قائلا: أهل العراق ناسبوا وانتسبوا * * أنا اليماني واسمي حوشب من ذي الظليم أين أين المهرب فبرز إليه سليمان بن صرد الخزاعي قائلا: يا أيها الحي الذي تذبذبا * * لسنا نخاف ذا الظليم حوشبا فحملت الأنصار حملة رجل واحد وقتلوا ذا الكلاع وذا الظليم وجمعا ممن معهما
[ 234 ]
وكاد يؤخذ معاوية، فأنشد رجل من الأنصار يقول: معاوى لا أفلت إلا بجرعة * * من الموت حتى تحسب الشمس كوكبا فان تفرحوا بابن البديل وهاشم * * فانا قتلنا ذا الظليم وحوشبا وخرج عبيد الله بن عمر يقول: انا عبيد الله ينمني عمر * * خير قريش من مضى ومن غبر فقتل اشر قتلة، وبرز عمار بن ياسر في رايات فقتل من أصحاب معاوية سبعمائة رجل، ومن أصحاب أمير المؤمنين (ع) مائتا رجل، وخرج عمرو بن العاص وهو يقول: إني إذا الحرب تفرت عن كثر * * احمل ما حملت من خير وشر فقصده الأشتر مرتجزا: إني أنا الأشتر معروف السير * * إني أنا الأفعى العراقي الذكر لست ربيعا ولست من مضر * * لكني من نخع الشر والغرر فهزمهم وجرح عمرا، وخرج العباس بن ربيعة بن الحرث الهاشمي، فبرز له من أصحاب معاوية عراد بن أدهم وصاح يا عباس يا عباس هل لك في البراز ؟ فقال له العباس، وأنت هل لك في النزول ؟ قال نعم، فرمى العباس بنفسه عن فرسه ثم تلاقيا وكفى أهل الجيشين أعنة خيولهم ينظرون إلى الرجلين، ثم تضاربا بأسيافهما فما قدر أحدهما على صاحبه لكمال لامته وعلي (ع) يراهما فنظر العباس إلى وهن في درع عراد فضربه به عليه فقده باثنتين، فكبر العسكران، ثم عطف العباس وركب فرسه، فقال معاوية لاصحابه من خرج منكم إلى هذا فتولاه وقتله فله كذا وكذا من المال ! فوثب رجلان من بني لخم من أهل اليمن فقالا نحن نخرج إليه ! فقال أيكما سبق إلى قتله فله من المال ما بذلت وللآخر مثله ! فخرجا جميعا ووقفا في مقر المبارزة ! ثم صاحا بالعباس ودعياه إلى القتال ؟ فقال: أستأذن صاحبي وأبرز إليكما، فقال علي (ع): إدن مني ؟
فدنى منه، فأخذ سلاحه وفرسه وأعطاه سلاح نفسه ولباسه، ولبس سلاح العباس وركب فرسه، وخرج (ع) كأنه هو، فقالا له اللخميان إستأذنت فأذن لك مولاك
[ 235 ]
فتحرج (ع) عن الكذب وقرأ " إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير " فتقدم إلى أحدهما فقده نصفين وإلى الآخر فألحقه بصاحبه ! ثم جال جولة ورجع إلى موضعه. فعلم معاوية إنه علي (ع) فقال قبح الله اللجاج انه لقعود ما ركبته إلا خذلت فقال له عمرو بن العاص لمخذول والله اللخميان لا أنت، فقال له معاوية أيها الانسان ليس هذه ساعة من ساعاتك، قال عمرو فإن لم تكن هذه الساعة من ساعاتي فرحم الله اللخميين ولا أظنه يفعل فضحك معاوية. اقدم اقدم الهزيز العالي * * في نصر عثمان ولا أبالي فبرز عدي بن حاتم الطائي قائلا: يا صاحب الصوت الرفيع العالي * * أفدي عليا ولدي ومالي وعبى معاوية أربعة صفوف فتقدم أبو الأعور السلمي يحرضهم ويقول يا أهل الشام إياكم والفرار فإنها مسبة وعار، فدقوا على أهل العراق فإنها فتنة ونفاق فبزر سعيد بن قيس والأشتر وعدي بن حاتم والأشعث فقتلوا منهم ثلاثة آلاف ونيفا وانهزم الباقون. وخرج كعب بن جعيل شاعر معاوية يقول مرتجزا: ابرز إلي الآن يا نجاشي * * فإنني ليث لدى الهراش فبرز إليه النجاشي شاعر علي (ع) وهو يقول: أربع قليلا فأنا النجاشي * * لست أبيع الدين بالمعاش أنصر خير راكبا وماشي * * ذاك علي بين الرياش وبرز عبد الله بن جعفر في ألف رجل، فقتل خلقا كثيرا حتى استغاث معاوية وعمرو ابن العاص، وأتى أويس القرني متقلدا بسيفين. وقيل: كان معه مرمات ومخلاة من الحصى فسلم على أمير المؤمنين (ع) وودعه
وبرز مع رجاله ربيعة وقاتل مقتلة، ولما قتل صلى عليه أمير المؤمنين (ع) ودفنه
[ 236 ]
ثم أن عمار بن ياسر أتى أمير المؤمنين (ع) واستأذنه البراز ؟ فلم يأذن له فألح عليه فلم يفعل، فبكى وقال: يا أمير المؤمنين لعل هذا اليوم الذي أوعدني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال لي يا عمار تقتلك الفئة الباغية، فبكى علي (ع) وعانقه طويلا. ثم أذن له فشهر سيفه ومضى وهو يقول: نحن ضربناكم على تنزيله * * واليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام من مقيله * * ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق إلى سبيله فلم يزل يقاتل حتى كمن له أبو العادية الفزاري ورما بسهم فوقع قتيلا على الأرض. ويروي أن ذلك السهم وقع في لبة قلبه ! وقيل في جنبه. وفي رواية أخرى: أن عمارا قاتل حتى غلب عليه العطش فأتى إلى عسكر أمير المؤمنين (ع) فضمه أمير المؤمنين (ع) إلى صدره، ثم جئ له بضياح من لبن، فكبر عمار وقال. صدق حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال لي: يا عمار تقتلك الفئة الباغية الطاغية ويكون آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن. ولما شرب اللبن توجه إلى القتال فطعنه عبد يقال له يسار على خاصرته فوقع من على سرجه، فهجم أصحاب أمير المؤمنين (ع) وقتلوا قاتله. ويروى عن ابن عوف: أن معاوية قال بعد قتل عمار من أتاني برأسه أعطيته قنطارا من ذهب ! فأتاه وليد بن عتبة وابن الجوزا السكوني برأسه ! وادعي كل منهما أنه قتله ! فقال معاوية اذهبا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص يحكم بينكما ! فلما ذهبا إليه قال للوليد بن عتبة كيف قتلت عمارا ؟ فقال حملت عليه في المعركة وقتلته ! فقال عبد الله إني لست بقاتل عمار، فسأل من السكوني فقال اختلفنا أنا وهو
بطعنتين فاستولى طعني عليه. ولما وقع من فرسه قال: لا ينجو من جسر بحضور جبرئيل وميكائيل، فأني سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي: يا عمار لتقتلك فئة من أهل النار بين جبرئيل
[ 237 ]
وميكائيل، وكان عمار يقول هذا وهو ينظر إلى اليمين واليسار فقطعت رأسه ! فقال عبد الله خذ الجوائز وابشر بالعذاب، فألقى السكوني الجائزة وأتى إلى معاوية وأخبره بمقالة عبد الله فغضب معاوية ومنع عبد الله عن اظهار مثل هذا الكلام ! فقال عبد الله ما تكتفي يا معاوية أنا تبعناك على الباطل حتى تمنعنا عن أن نحدث بشئ سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال معاوية وما سمعت منه، قال سمعته أنا وجمع كثير وهو يقول لعمار: يا عمار تقتلك الفئة الباغية، فقال معاوية ان قاتل عمار من أخرجه إلى الحرب فقال عبد الله فعلى هذا يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي قتل حمزة بن عبد المطلب، فغضب معاوية غاية الغضب ولم يكلم عبد الله بعدها ثلاثة أيام ! وتألم أمير المؤمنين (ع) على عمار غاية التألم وكان يقول: من لم يتألم على عمار فما له من الاسلام من نصيب. وفي رواية: أنه (ع) لما أتاه خبر قتل عمار مشى إليه وألقى نفسه على جسده وبكى حتى إبتلت كريمته الشريفة وأنشد يقول: ألا أيها الموت الذي هو قاصدي * * أرحني فقد أفنيت كل خليلي أراك جديرا الذين أحبهم * * كأنك تأتي نحوهم بدليل وفي رواية أخرى: أن أمير المؤمنين (ع) إحتمل عمارا وأتى به إلى خيمة وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: وما ضبية تسبى الضباء بصرافها * * إذا انبعثت خلنا بأجفانها سحرا بأحسن ممن خضب السيف وجهه * * دما في سبيل الله حتى قضى صبرا
فاجتمع العسكر نحوه من فوق جسد عمار وبرز أمير المؤمنين (ع) ودعى معاوية وقال: أسألك أن تحقن الدماء وتبرز إلي وأبرز إليك ؟ فبهت معاوية ولم ينطق بشئ، فحمل (ع) على الميمنة فأزالها، ثم حمل على الميسرة فطحنها، ثم حمل على القلب فقلبه وقتل في هذه الحملات خلقا كثيرا وهو ينشد ويقول وكأنه يخاطب معاوية: فهل لك في أبي حسن علي * * لعل الله يمكن من قفاكا دعاك إلى البراز فكف عنه * * ولو بارزته بترت يداكا
[ 238 ]
ثم انصرف (ع) وبرز متنكرا. وخرج عمرو بن العاص قائلا ومخاطبا الكوفيين: يا قادة الكوفة يا أهل الفتن ! * * يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن كفى بهذا حزنا مع الحزن * * أضربكم ولا أرى أبا الحسن فتلقاه أمير المؤمنين (ع) فولى عمرو هاربا ! فطعنه أمير المؤمنين (ع) فوقعت الطعنة في ذيل درعه فاستلقى على قفاه فرفع رجليه وأبدا عورته ! فصرف عنه أمير المؤمنين " ع " بوجهه. واقبل عمرو على معاوية فجعل معاوية يضحك من عمرو وقال احمد ربك الذي عافاك واشكر استك الذي وقاك، فقال عمرو والله لو بدا له من صفحتك مثل ما بدا له من صفحتي إذا لأوجع قذالك وأيتم عيالك وأنهب اموالك، فقال معاوية لو كنت تحتمل مزاحا لمازحتك، فقال عمرو وما أحملني للمزاح، ولكن لو لقي رجل رجلا فصد عنه ولم يقتله أقطرت السماء دما، فقال معاوية لا ولكن تعقب فضيحة الأبد وجبنا أما والله لو انك عرفته لما اقدمت عليه قال انا وانت سواء في هذه. قال: وبرز أمير المؤمنين (ع) ودعا معاوية فنكل عنه. فخرج بسر بن ارطاة يطمع في علي " ع " فضربه " ع " فاستلقى على قفاه وكشف
عورته ! فأعرض عنه أمير المؤمنين ووثب بسر قائما فسقط المغفر عن رأسه، فصاح أصحاب علي " ع " يا أمير المؤمنين انه بسر بن ارطاة ! فقال (ع) ذروه فعليه لعنة الله فجعل معاوية يضحك من بسر، ثم قال له لا عليك ولا تستحي فقد نزل بعمرو مثلها، فصاح كوفي: ويلكم يا اهل الشام أما تستحون من معاملة المخانيث لقد علمكم رأس المخانيث عمرو. وقد روى هذه السيرة عن أبيه عن جده في كشف الاستئاة وسط عرصة الحروب وأنشد شاعر: أفي كل يوم فارس ذي كربهة * * له عورة وسط العجاجة بادية يكف لها عنه علي سنانه * * ويضحك منها في الخلاء معاوية
[ 239 ]
فيا سوءها من حالة مستهانة * * فضيحتها بين البرية بادية فقولا لعمرو وابن ارطاة ابصرا * * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانية فلا تحمد إلا لا ستيكما هما * * لقد كانتا للنفس واقية فلولا هما لم تنجيا من سنانه * * وتلك بما فيها عن العود ناهية قال: وخرج غلام بسر بن ارطاة وكان اسمه لاحق قائلا: ارديت بسرا والغلام ثائرة * * وكل آب من عليه قادرة فطعنه الاشتر وهو يقول: في كل يوم رجل شيخ بادرة * * وعورة وسط العجاح ظاهرة ابرزها طعنة كف فاترة * * عمرو وبسر ذهبا بالقاهرة ولما رأى معاوية كثرة براز أمير المؤمنين (ع) أخذ في الخديعة، فكتب الى ابن عباس وعروة، فما كتبه الى عبد الله بن عباس قوله: طال البلاء فلا ندري له آسي * * بعد الاله سوى رفق أبن عباس
فكان جواب ابن عباس: يا عمرو حسبك من غدر ووسواس * * فاذهب فما لك في ترك الهدآسي إلا بوادر طعن في تحور كموا * * تشجي النفوس به في نقع احلاس إن عادت الحرب عدنا فالتمس هربا * * في الارض أو سلما في الجو يا قاسي ثم كتب معاوية إليه يذكر انما بقي من قريش ستة انا وعمرو بالشام وسعد وابن عمر بالحجاز وعلي وانت بالعراق على خطب عظيم ولو بويع لك بعد عثمان لاسرعنا فيه ! فأجابه عبد الله بن عباس: دعوت إبن عباس الى السلم خدعة * * وليس لها حتى تموت مخادع وكتب الى علي (ع) أما بعد فانا لو علمنا ان الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وان كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نؤم به ما بقى وقد كنت سألتك بالشام على ان لا يلزمني لك طاعة ولا بيعة ! فأبيت علي وانا ادعوك اليوم الى ما دعوتك إليه امس، فانك لا ترجو من البقاء إلا ما ارجو ولا تخاف من
[ 240 ]
الفناء إلا ما اخاف، وقد والله رقت الاجساد وذهبت الرجال ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض يستذل به عزيز ويسترق به حر ! فأجابه عليه السلام: أما قولك ان الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت، ألا ومن أكله الحق فالى النار، واما طلبتك الشام فاني لم اكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما إستواءنا في الخوف والرضا فلست أمضي على الشك مني على اليقين وليس اهل الشام على الدنيا بأحرص من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك نحن بنو عبد مناف، فكذلك نحن وليس امية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا الطليق كالمهاجر، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، وفي أيدينا فضل النبوة التي ذللنا بها العزيز ونعشنا بها الذليل.
وفوض معاوية لابن الخديج الكندي ان يكاتب الاشعث والنعمان بن بشير وان يكاتب قيس بن سعد في الصلح، ثم انفذ عمرو وعتبة وحبيب بن مسلمة والضحاك بن قيس الى أمير المؤمنين (ع)، فلما كلموه ؟ قال أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فان يجيبوا الى ذلك فللرشد أصبتم، وان تابوا لم تزدادوا من الله إلا بعدا، فقالوا قد رأينا ان تنصرف عنا فنخلي بينكم وبين عراقكم وتخلون بيننا وبين شامنا ! فقال (ع) لم أجد إلا القتال أو تتبعون السنة والكتاب. قال وانصرفوا، ثم برز الاشتر وقال: سووا صفوفكم، ونادى أمير المؤمنين (ع) (قاتلوا ائمة الكفر فانهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون) ألا ان خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء والصبر خير من عواقب الامور، ألا انها احن بدرية وضغائن احدية وأحقاد جاهلية، ثم تقدم عليه السلام وهو يرتجز ويقول: دبوا دبيب النمل لا تفوتوا * * واصبحوا في حربكم وبيتوا كما تنالوا الدين أو تموتوا * * أو لا فاني طالما عصيت قد قلتموا لو جئتنا فجيت فحمل في سبعة عشر ألف رجل فكسروا الصفوف، فقال معاوية لعمرو اليوم صبر وغدا فخر ! فقال عمرو صدقت يا معاوية ولكن الموت حق والحياة باطل، ولو حمل علي في أصحابه حملة اخرى فهو البوار، فقال أمير المؤمنين (ع) لأصحابه: ما انتظاركم ان كنتم تريدون الجنة، فبرز أبو الهيثم بن التيهان قائلا:
[ 241 ]
أحمد ربي فهو الحميد * * ذاك الذي يفعل ما يريد دين قويم وهو الرشيد فقاتل حتى قتل، وبارز خزيمة بن ثابت قائلا: كم ذا يرجى ان يعيش الماكث * * والناس موروث وفيهم وارث
هذا علي من عصاه ناكث فقاتل حتى قتل، وبرز عدي بن حاتم الطائي وهو يقول: أبعد عمار وبعد هاشم * * وابن بديل صاحب الملاحم ترجو البقاء من بعد يابن حاتم فقاتل حتى فقئ عينه، وبرز الأشتر مرتجزا: سيروا الى الله ولا تعرجوا * * دين قويم وسبيل منهج وقتل جندب بن زهير، فلم يزالوا يقاتلون حتى دخلت وقعة الخميس وهي ليلة الهرير وكان أصحاب أمير المؤمنين (ع) يضربون الطبول من أربع جوانب عسكر معاوية ويقولون: على المنصور، وهو يرفع رأسه إلى السماء ساعة بعد ساعة ويقول: اللهم اليك نقلة الأقدام واليك أفضت القلوب ورفعت الأيدي ومدت الأعناق وطلبت الحوائج وشخصت الأبصار، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين وينشد عليه السلام: الليل داج والكباش تنتطح * * نطاح اسد ما أرانا تصطلح منها قيام وفريق منبطح * * فمن نجى برأسه فقد ربح وكان (ع) يحمل عليهم مرة بعد مرة ويدخل غمارهم ويقول: الله الله في الحرم والذرية، فكانوا يقاتلون اصحابهم بالجهد، فلما أصبح كان قتلى عسكره أربعة آلاف وقتلى عسكر معاوية اثنين وثلاثين الف رجل، وقتل أمير المؤمنين (ع) بانفراده في هذه الليلة خمسمائة وثلاثة وعشرون فارسا، لانه كان كلما قتل فارسا أعلن بالتكبير،
[ 242 ]
فاحصيت تكبيراته في تلك الليلة، فكانت خمسمائة وثلاثة وعشرين تكبيرة بخمس مائة وثلاثة وعشرين فارسا قتيلا، وعرفوا قتلاه نهارا بضرباته، فانها كانت على وتيرة واحدة ان ضرب طولا قده وان ضرب عرضا قطه، وكانت كأنها مكواة، وفي تلك
الليلة فتق درعه لثقل ما كان يسيل من كثرة الدم في دراعته. قال جابر بن نمير: والله لكأني اسمع عليا يوم الهرير، وذلك بعد ما طحنت رحى مذحج فيما بينها وبين عك ولخم وجذام والاشعريين بأمر عظيم تشيب منها النواصي، حتى استقلت الشمس وقام قائم الظهر وعلي عليه السلام يقول لأصحابه: حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنينا وأنتم وقوف تنظرون، أما تخافون مقت الله. ثم إستقبل القبلة ونادى: يا الله يا الله يا رحمن يا رحيم يا واحد يا أحد يا صمد يا الله يا إله محمد صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إليك نقلت الأقدام ورفعت الأيدي ومدت الأعناق وشخصت الأبصار وطلبت الحوائج، اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة ولينا وكثرة عدونا وتشتت اهوائنا، ربنا إفتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين سيروا على بركة الله ثم نادى: لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى. قال: فلا والذي بعث محمدا بالحق نبيا ما سمعنا رئيس قوم منذ خلق الله السماوات أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب، انه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من اعلام العرب، يخرج سيفه منحيا ويقول معذرة إلى الله واليكم من هذا، لقد هممت ان أفلقه ولكن يحجزني عنه اني سمعت رسول الله (ص) يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، وأنا أقاتل به دونه (ص). قال: كنا نأخذه فنقوضه ثم يتناوله من ايدينا فيقتحم به في عرض الصفوف فلا والله ما رأيت بأشد منه نكاية في عدوه قال: وصاح اصحاب معاوية والله لا نبرح اليوم العرصة حتى نموت أو يفتح لنا وصاح أصحاب أمير المؤمنين " ع ": والله لا نبرح اليوم العرصة حتى نموت أو يفتح لنا، فبادروا القتال رميا بالنبل حتى فنيت النبال وتطاعنوا بالرماح حتى تقصفت الرماح ثم نزل القوم عن خيولهم ومشى بعضهم لبعض بالسيوف حتى كسرت أجفانها وقام الفرسان في الركاب ثم اضطربوا بالسيوف وعمد الحديد، فلم يسمع السامعون إلا تغمغم
[ 243 ]
القوم وصليل الحديد في الهام. قال: وصاح عمرو بن العاص بعبد الرحمن بن خالد بن وليد اقحم يابن سيف الله فتقدم عبد الرحمن بلوائه، وتقدم أصحاب علي " ع " وصاح بالأشتر انه قد بلغ لواء معاوية حيث ترى، فدونك القوم فأخذ الأشتر لواء علي " ع " فضارب القوم حتى ردهم. وقال ابن الصباغ في (الفصول المهمة): ولما أصبح صباح ليلة الهرير عن ضيائه وحسر الليل عن ظلمائه كانت عدة القتلى من الفريقين ستة وثلاثون ألفا. وكانت هذه الليلة ليلة الجمعة، وأصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) والمعركة كلها خلف ظهره وهو في قلب معسكره، والأشتر في الميمنة، وابن عباس في الميسرة، والناس يقبلون من كل جانب، ولوائح النصر لائحة لأمير المؤمنين " ع " والأشتر يزحف في الميمنة يقاتل بها ويقول لأصحابه: إزحفوا بأبي أنتم وامي قيد هذا الرمح، ويزحف بهم زحفة ثانية ويقول: ازحفوا قيد هذا القوس، وكلما اقتتلوا يزحف نحو اهل الشام ويقول مثل ذلك حتى ظهر الظفر من ناحيته، وكان الامام يمده برجال. وقال ابن أبي الحديد: قال ابن ديزل الهمداني: ولما إشتد القتال دعى علي " ع " ببغلة رسول الله (ص) فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله (ص) ونادى: أيها الناس من يشري نفسه لله، ان هذا يوم له ما بعده ؟ فانتدب معه اثني عشر ألف رجل، فحمل " ع " وحمل كلهم حملة واحدة فلم يبق لاهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا الى معاوية بفرسه ليفر. قال: وكان معاوية يحدث الناس بعد ذلك ويقول لما وضعت رجلي في الركاب ذكرت قول الشاعر: (مكانك تحمدي أو تستريحي) قال: فقال معاوية لابن العاص اعمل تدبيرا وإلا اخذنا ! فقال عمرو ترفع المصاحف وندعوهم إليها ! قال اصبت ! فرفعوها وكان عدتها خمسمائة وصاحوا الله الله في
النساء والبنات، الله الله في دينكم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم !
[ 244 ]
فقال (ع): اللهم انك تعلم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا وبينهم، فاختلف اصحابه ! فقال بعضهم القتال القتال، وقال بعضهم المحاكمة بالكتاب. قال: فأتى مسعر بن فدكى وزيد بن حصين الطائي والاشعث بن قيس الكندي الى أمير المؤمنين (ع) وقالوا اجب القوم الى كتاب الله ! فقال (ع) ويحكم والله انهم ما رفعوا المصاحف إلا مكيدة وخديعة حين علوتموهم. قال: فاقبل إليه عشرون الف رجل يقولون يا علي أجب الى كتاب الله وإلا قتلناك أو بعثنا بك الى القوم، فقال (ع): احفظوا مقالتي فاني آمركم بالقتال فان تعصوني فافعلوا ما بدى لكم، قالوا فابعث الى الأشتر ليأتينك، فبعث إليه بزيد بن هاني السبيعي يدعوه ؟ فقال الأشتر: اني قد رجوت أن يفتح الله لا تعجلني، وشدد في القتال، فقالوا حرضه بالحرب ! فابعث إليه بعزيمتك ليأتينك وإلا والله اعتزلناك أو قتلناك ! فقال " ع ": يا يزيد عد إليه فقل له اقبل الينا، فان الفتنة قد وقعت، فأقبل الأشتر يقول: يا اهل العراق يا اهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم وعلموا انكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف خديعة ومكرا، كففتم عن قتالهم، فقالوا قاتلناهم في الله، فقال إمهلوني ساعة ؟ فقالوا لا ! قال امهلوني عدوة فرسي ؟ قالوا إنا لسنا نطيعك ولا صاحبك. قال: فسبهم وسبوه وضرب وجوه دوابهم، فلم يرجعوا، ووضعت الحرب. قال: فصاح الأشتر: يا أمير المؤمنين (ع) أحمل الصف على الصف، فتصايحوا ان أمير المؤمنين قد قبل الحكومة، وهو عليه السلام ساكت، فقال الأشتر ان كان فقد رضيت بما رضى به أمير المؤمنين " ع ". قال: وبعت أمير المؤمنين (ع) الى معاوية لماذا رفعتم المصاحف ؟ قالوا للدعاء
الى العمل بمضمونها وان نقيم حكما وتقيموا حكما ينظران في هذا الأمر ويقران الحق مقره. قال: فتبسم أمير المؤمنين (ع) تعجبا وقال: يابن أبي سفيان أنت تدعوا إلى العمل بكتاب الله، وأنا كتاب الله الناطق إن هذا لهو العجب العجيب والأمر الغريب، ثم
[ 245 ]
قال: إنها خديعة فعلها ابن العاص لمعاوية، فلم يسمعوا وألزموه بالتحكيم. قال: فعين عمرو بن العاص وعين أمير المؤمنين (ع) عبد الله بن العباس، فلم يوافقوا، قال: فالأشتر ؟ فأبوا واختاروا أبا موسى الأشعري. وفي رواية ابن أبي الحديد عن نصر بن مزاحم حدثنا عمر بن شمر عن جابر قال: سمعت تميم بن حريم يقول لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام أهل الشام في وسط الفيلق حيال موقف علي ومعاوية، فلما أسفرنا فإذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرماح وهي عظام مصاحف العسكر وقد شدوا ثلاثة رماح جميعا وربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط. قال نصر بن مزاحم قال أبو جعفر وأبو الطفيل: إستقبلوا عليا (ع) بمائة مجنة ووضعوا في كل مجنة مأتي مصحف، فكان جميعها خمسمائة مصحف، فاختلف أصحاب علي في الرأي. قال نصر قال الشعبي: فجاء عدي بن حاتم الطائي فقال يا أمير المؤمنين (ع) أنه لم يصب منا عصبة إلا وقد أصيب منهم مثلها وكل مقروح، ولكنا أمثل بقية منهم وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما نحب، فناجزهم. وقام الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين (ع) إن معاوية لا خلف له من رجاله ولكن نحمد الله الخلف، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك، ولأنصرك، فاقرع الحديد بالحديد واستعن بالله الحميد.
ثم قام عمرو بن الحمق فقال يا أمير المؤمنين (ع) إنا والله ما أجبناك ولا نصرناك على الباطل ولا طلبنا إلا الحق، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا سنشري في اللجاج وطالت فيه النجوى، وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي، فقام الأشعث بن قيس مغضبا فقال يا أمير المؤمنين أنا لك اليوم على الذي كنا عليه أمس وما من القوم أحد يخشى على أهل العراق ولا أوتر لأهل الشام مني فأجب القوم إلى كتاب الله عز وجل فإنك أحق به منهم وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال، فقال علي عليه السلام: هذا أمر ننظر فيه، فنادي الناس من كل جانب الموادعة فقال (ع) أيها الناس إني أحق
[ 246 ]
من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن أبي سرح وابن سملة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم صغارا ورجالا فكانوا شر صغار وشر رجال، ويحكم إنها كلمة حق يراد بها باطل، إنهم ما رفعوها وأنهم يعرفونها ويعملون بها ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة فأعيروني سواعدكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه، فلم يبق إلا أن يقطع دابر القوم الذين ظلموا، فجائه من أصحابه عشرون ألفا غارقين في الحديد شاهرين سيوفهم على عواتقهم قد اسودت جباههم من السجود يقدمهم مسعر بن فدكى وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوا باسمه لا بإمرة المؤمنين يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم ؟ فقال لهم: ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده ونبذوا كتابه، قد أعلمتكم إنهم كادوكم وإنهم ليس العمل بالقرآن يريدون، قالوا فابعث إلى الأشتر ليأتينك. قال ابن أبي الحديد قال نصر وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه يزيد بن هاني أن أئتيني ؟ فأتاه فأبلغه، فقال
الأشتر أئته فقل له ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موضعي إني قد رجوت الفتح فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هاني إلى أمير المؤمنين (ع) فأخبره فما هو إلا انتهى إليه حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلائل الخذلان والإدبار لأهل الشام، فقال القوم لعلي (ع) والله ما نراك أمرته إلا بالقتال، قال أرأيتموني شاورت رسولي إليه ؟ إنما كلمته على رؤوسكم وعلانية أنتم تسمعونها، قالوا إن بعثت إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك، فقال (عليه السلام) ويحك يا يزيد قل له أقبل، فإن الفتنة قد وقعت، فأخبره فقال الأشتر ألا ترى يا يزيد إلى الفتح ؟ ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا، أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ فقال له يزيد: أتحب أنك ظفرت وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه
[ 247 ]
يفرج عنه ويسلم إلى عدوه، قال سبحان الله لا والله لا أحب ذلك، قال فإنهم قد قالوا له وحلفوا لترسلن إلى الأشتر ليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا أو لنسلمك إلى عدوك ! فأقبل الأشتر. أقول: قال ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة): فجاء الأشتر وقال: ما هذا أرفعت المصاحف قيل نعم، قال: والله ظننت أنها سترفع إختلافا وفرقة وإنها مشورة ابن العاص. ثم أقبل الأشتر على القوم من أصحابه وقال: يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم وظنوا أنكم قاهرون ورفعوا المصاحف يدعوكم إلى ما فيها، ويلكم إمهلوني عدوة فرسي فإن الفتح والنصر قد حصل، فقالوا لا يكون ذلك أبدا ولا ندخل معك في خطيئتك ! فقال: ويلكم خبروني عنكم متى كنتم محقين أحين تقاتلون وخياركم يقتلون أم الآن حين أمسكتم عن القتال ؟ فقالوا دعنا عنك يا أشتر قاتلناهم في الله وندعهم في الله ! قال: خدعتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود، كنا
نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله تعالى، فلا أرى مراءكم إلا شقاء إلى الدنيا، يا أشباه البقر الجلالة، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون، فسبهم وسبوه وضربوا وجه دابته وضرب وجوه دوابهم، فصاح الإمام به وبهم. قال: وجاء الأشعث إلى أمير المؤمنين " ع " وقال أرى الناس قد رضوا بما دعوا إليه من حكم القرآن بينهم، فإن شئت أتيت معاوية فسألته عما يريد، قال أئته فأتاه، فقال لمعاوية لأي شئ رفعتم هذه المصاحف ؟ قال لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله تعالى في كتابه تبعثون رجلا ترضونه ونبعث رجل نرضاه وتأخذ عليهما أن لا يعملا إلا بما في كتاب الله تعالى لا يعدونه ثم نتبع ما اتفقنا عليه، قال الأشعث هو الحق، ورجع إلى علي (ع) وأخبره بما قال معاوية فقال الناس قد رضينا ذلك، فقال أهل الشام ترضى عمروا وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج فيما بعد نرضى بأبي موسى الأشعري، فقال لهم علي (ع) قد عصيتموني في أول الأمر فلا
[ 248 ]
تعصوني الآن، فإني لا أرى أن تولوا أبا موسى الحكومة فإنه يضعف عن عمرو ومكايده. وفي رواية عبد الحميد بن أبي الحديد عن نصر فقال لهم علي (ع) إني لا أرضى بأبي موسى فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكى في عصابة من القراء إنا لا نرضى به فإنه حذرنا ما وقعنا فيه، فقال (ع) انه ليس لي برضا فإنه فارقني وخذل الناس عني وهرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك، قالوا والله ما نبالي أكنت أنت أم ابن عباس ولا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكما أدني من الآخر، قال (ع): فإني أجعل الأشتر فقال الأشعث وهل سعر الأرض نارا إلا الأشتر وهل نحن إلا في حكم الأشتر فقال (ع):
وما حكمه ؟ قال حكمه أن يضرب بعضنا إلى بعض بالسيف حتى يكونن ما أردت وما أراد قال عبد الحميد قال نصر وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر بن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) قال لما أراد الناس عليا (ع) أن يضع الحكمين، قال إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص وأنه لا يصلح للقرشي إلا مثله، فعليكم بعبد الله بن العاص فارموه به فإن عمروا لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله ولا يبرم أمرا إلا نقضه ولا ينقض أمرا إلا أبرمه، فقال الأشعث لا والله لا والله لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة ولكن أجعل رجلا من أهل اليمن إذا جعلوا من مضر، والله لا يحكما ببعض ما تكره واحدهما من أهل اليمن أحب إلينا أن يكون بعض ما تحب في حكمهما وهما مضريان. قال: وذكر الشعبي أيضا مثل ذلك. قال نصر: فقال علي (ع): قد أبيتم إلا أبا موسى ؟ قالوا نعم، قال: فأصبحوا ما شئتم، فبعثوا إلى أبي موسى وهو بأرض من أراضي الشام قد اعتزل القتال، فجاء حتى دخل عسكر علي (ع) فأتى الأشتر وقال لأمير المؤمنين (عليه السلام) الزني بعمرو بن العاص، فوالذي لا إله غيره لان ملئت عيني منه لأقتلنه، وجاء الأحنف بن قيس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إني قد رميت بحجر الأرض ومن
[ 249 ]
حارب الله ورسوله انف الاسلام واني قد عجنت هذا الرجل - يعني ابا موسى - وحلبت اشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر وانه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في اكفهم ويتباعد عنهم حتى يكون بمنزلة الفحم منهم، فان شئت ان تجعلني حكما فاجعلني، وان شئت ان تجعلني ثانيا وثالثا فاجعلني، فان عمرو لا يعقد عقدة إلا حللتها ولا يحل عقدة إلا عقدت لك عقدة أشد منها، فعرض أمير المؤمنين " ع " ذلك على الناس فقالوا لا يكون الا ابا موسى. قال عبد الحميد: قال نصر فلما رضى أهل الشام بعمرو وأهل العراق بابي موسى
اخذوا في سطر كتاب الموادعة وكانت صورته: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان " فقال معاوية بئس الرجل انا أن أقررت انه أمير المؤمنين ثم قاتلته. وقال عمرو بل يكتب اسمه واسم أبيه إنما هو أميركم، واما اميرنا فلا، فلما اعيد الكتاب أمر بمحوه، فقال الأحنف: لا تمح أسم أمير المؤمنين فاني أتخوف ان محوتها ان لا ترجع اليك ابدا فلا تمحها، فقال علي " ع ": ان هذا اليوم كيوم الحديبية حين كتب الكتاب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا ما يصالح به محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسهيل بن عمرو، فقال سهيل لو اعلم انك رسول الله لم اقاتلك ولم أخالفك ! اني اذن لظالم لك ان منعتك ان تطوف ببيت الله الحرام وأنت رسوله ! ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي اني لرسول الله واني محمد بن عبد الله ولن يمحو عني الرسالة كتابي لهم فامحها واكتب لهم ما أراد محوه، اما ان لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد. قال نصر بن مزاحم وقد روي ان عمرو بن العاص عاد بالكتاب الى علي (عليه السلام) فطلب منه ان يمحو اسمه من إمرة المؤمنين، فقص عليه وعلى من خصه قصة الحديبية قال ذلك الكتاب أنا كتبته بيننا وبين المشركين واليوم اكتب الى ابنائهم، ما كان رسول الله (ص) كتبه الى آبائهم شبها ومثلا، فقال عمرو سبحان الله اتشبهنا بالكفار ونحن مسلمون ! فقال (عليه السلام) يابن النابغة ومتى لم تكن من المشركين ومتى لم تكن
[ 250 ]
للكافرين وليا وللمسلمين عدوا، فقام عمرو وقال والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم ! فقال (عليه السلام): اني لأرجو أن يظهرني الله عليك وعلى أصحابك. وجاءت عصابة واضعة سيوفها على عواتقها فقالوا: يا أمير المؤمنين مرنا بما شئت فقال لهم سهل بن حنيف: أيها الناس اتهموا رأيكم فلقد شهدنا صلح رسول الله (ص)
يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا. قال نصر بن مزاحم وقد روى أبو اسحاق الشيباني قال: قرأت كتاب الصلح عند سعيد بن أبي برد في صحيفة صفراء عليها خاتمان خاتم من اسفلها وخاتم من أعلاها على خاتم علي محمد رسول الله وعلى خاتم معاوية محمد رسول الله. وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام حين أراد ان يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام: أتقر بانهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال (عليه السلام) ما أقر لمعاوية ولا لاصحابه، انهم مؤمنون مسلمون ولكن يكتب معاوية لنفسه ما شاء ويقر ما شاء لنفسه ولاصحابه ويسمي نفسه بما شاء واصحابه، فكتبوا هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن ابي سفيان قاض علي بن أبي طالب على اهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين وقاض معاوية بن أبي سفيان على اهل الشام ومن كان من شيعته انا ننزل عند حكم الله وكتابه ولا يجمع بيننا إلا اياه وان كتاب الله سبحانه بيننا من فاتحته الى خاتمته نحيي ما أحيي القرآن ونميت ما أمات القرآن، فان وجد الحكمان ذلك في كتاب الله ابتغياه وان لم يجداه اخذا بالسنة العادلة غير المتفرقة، والحكمان عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، وقد اخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين انهما أمينان على انفسهما واموالهما واهلهما والامة لهما انصار وعلى الذي يقضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين ان يعمل بما يقضيا عليه مما وافق الكتاب والسنة وان الامن والموادعة ووضع السلاح متفق عليه من الطائفتين الى ان يقع الحكم، وعلى كل واحد من الحكمين عهد الله ليحكمن بين الامة بالحق لا باللهو ولا بالهوى، وأجل الموادعة سنة كاملة فان احب الحكمان ان يعجلا الحكم عجلا وان توفى احدهما فالامير شيعته ان يختار مكانه رجلا لا يألو الحق والعدل، وان توفي أحد الاميرين كان نصب غيره الى اصحابه ممن يرضون امره ويحمدون طريقته.
[ 251 ]
قال نصر: وهذه رواية محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، والشعبي، وروى
جابر عن زيد بن الحسن بن الحسن زيادات. قال الناقل وذكر تلك الرواية وساقها إلى أن قال: وشهد فيه من أصحاب علي عشرة، ومن أصحاب معاوية عشرة وتاريخ كتابته لليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين. قال جامع هذا الكتاب غفر الله له: وذكر ابن الصباغ في (الفصول المهمة) اسماء الشهود فقال: وكتب من أهل العراق الأشعث بن قيس وعدي بن حجر وسعد بن قيس الهمداني وورقاء بن شمس وعبد الله بن عكل العجلي وحجر بن عدي الكندي وعقبة بن زياد الحظرمي ويزيد بن حجرة التميمي ومالك بن كعب الهمداني. وكتب من أصحاب معاوية أبو الأعور السلمي وحبيب بن مسيلمة وزميل بن عمرو العدوي ومرة بن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن خالد وسبيع بن يزيد وعتبة بن أبي سفيان ويزيد بن الحرث العبسي. ثم قال ابن الصباغ وخرج الأشعث بن قيس فقرءه على الناس. قال وكانت كتابته يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين. قال: واتفقوا على أن يكون إجتماع الحكمين بدومة الجندل - وهو موضع كثير النخل وبه حصن اسمه مادر - انتهى. أقول: وقال عبد الحميد قال نصر وحدثنا عمرو بن سعيد قال حدثني أبو حباب عن عمار بن ربيعة قال: لما كتبت الصحيفة دعي الأشتر ليشهد في الشهود فقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها الشمال ان كتبت لي، فبهذه الصحيفة اسم على صلح أو موادعة أو لست على بينة من أمري ويقين من ظلالة عدوي أو لستم قد رأيتم الظفران لم تجتمعوا على الحق، فقال له الأشعث بن قيس هلم فاشهد على نفسك واقرر بما كتب في هذه الصحيفة فإنه لا رغبة لك عن الناس فقال الأشتر بلى والله لي لرغبة عنك
في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة ولقد سفكت بسيفي هذا دماء رجال أنت عندي
[ 252 ]
بخير منهم ولا أحرم دما قال فكأنما قصع على أنفه. ثم قال الأشتر: ولكني دخلت فيما دخل به أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرجت مما خرج منه، فانه لا يدخل إلا في الهدى والصواب. وقال عبد الحميد: لما تداعى الناس الى المصاحف وكتبت صحيفة الصلح والتحكيم قال علي (عليه السلام): انما فعلت ما فعلت لما بدى فيكم من الخور والفشل عن الحرب، فجاءت إليه همدان كأنها هم ركن حصين فيهم سعيد بن قيس وابنه عبد الرحمن غلام له ذوابة فقال ها أنا ذا وقومي لا نرد أمرك فقل ما شئت نعمله. وقال عبد الحميد قال نصر ثم ان الناس اقبلوا على قتلاهم فدفنوهم. قال نصر وروى أبو حباب الكلبي ان عمروا وأبا موسى لما إلتقيا بدومة الجندل اخذ عمرو يقدم ابا موسى في الكلام ويقول انك صحبت رسول الله (ص) قبلي وانت اكبر مني سنا فتكلم انت ثم أتكلم أنا، فجعل ذلك سنة ومادة بينهما وانما كان ذلك مكرا وخديعة وإغترارا له ان يقدمه فيبده بخلع علي (ع) ثم يرى رأيه. وقال في (كتاب صفين) اعطاه عمرو صدر المجلس وكان يتكلم قبله واعطاه التقدم في الصلاة وفي الطعام ولا يأكل حتى يأكل، فإذا خاطبه فانما يخاطبه بأجل الاسماء فيقول يا صاحب رسول الله حتى اطمئن إليه وظن انه لا يغشه. ولما اجتمعوا للحكومة قال عمرو ما رأيك يا أبا موسى ؟ قال ارى ان اخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من شاؤا، فقال عمرو: الرأي والله ما رأيت، فأقبلا على الناس وهم مجتمعون، فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ان رأيي ورأي عمرو قد اتفق على امر نرجو ان يصلح الله به شأن هذه الامة، فقال عمرو صدق، ثم قال له تقدم يا أبا موسى تكلم، فقام يتكلم.
فدعاه ابن عباس: ويحك اني لأظنه خدعك ان كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك يتكلم به ثم تكلم انت بعده، فانه رجل غدار ولا آمن ان يكون قد اعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت به في الناس خالفك. قال وكان أبو موسى رجلا مغفلا، فقال إنا قد اتفقنا، فتقدم أبو موسى
[ 253 ]
فحمد الله وأثنى عليه ! ثم قال أيها الناس انا قد نظرنا في أمر هذه الامة فلم نر شيئا هو اصلح لأمرها وألم لشعثها من ان لا تبتز امورها وقد اجتمع رأيي ورأي صاحبي على خلع علي ! ومعاوية وان يكون الامر شورى بين المسلمين يولون امورهم من أحبوا واني قد خلعت عليا ومعاوية ! فأستقبلوا اموركم وولوا من رأيتموه لهذا الامر أهلا ثم تنحى. فقام عمرو بن العاص في مقامه فحمد الله واثنى عليه ثم قال ان هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا اخلع صاحبه كما خلعه ! واثبت صاحبي في الخلافة، فأنه ولي عثمان والطالب بدمه واحق الناس بمقامه. فقال له أبو موسى: ما بالك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت، انما مثلك (كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) فقال له عمرو انما مثلك (كمثل الحمار يحمل أسفارا) أقول: وروي انه قيل لأبي موسى ما اضعفك عن عمرو ومكائده ؟ فقال ما اصنع وافقني على امر ثم غدر، فقال ابن عباس لا ذنب لك يا أبا موسى وانما الذنب لمن قدمك وأقامك هذا المقام. قال: وحمل شريح بن هاني على عمرو فطعنه. وقيل: فقنعه بالسوط، وحمل ابن عمرو على شريح فقنعه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهما.
قال: وكان شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت على شئ كندمي ان اكون ضربت عمروا بالسيف بدل السوط، والتمسوا أبا موسى فركب ناقته ولحق بمكة هاربا. وكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى لقد حذرته وهديته فما عقل. وكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق عمرو، ولكنني اطمأننت إليه وظننت ان هذا الفاسق لا يؤثر شيئا على نصيحة الامة. قال: وكان أبو موسى عثمانيا منحرفا عن علي بن أبي طالب عليه السلام !