الإمام علي (ع)- أحمد الرحماني الهمداني

الإمام علي (ع)

أحمد الرحماني الهمداني


[1]

الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام من حبه عنوان الصحيفة لاقل العباد تراب أقدام المتمسكين بحبل الولاء العلوي احمد الرحماني الهمداني

[2]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن ابي طالب المطبعة افسيت فتاحي

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم

[5]

الاهداء وما اعلم احد اجدر واولى لاهداء هذه الوجيزة من ائمتنى و ساداتي وموالى. إلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يا نبي الرحمة، ويا صاحب الرسالة، وماهي الاغيض من فيض ربي. إليك يا امير المؤمنين، يا من حبه عنوان الصحيفة ويا صاحب الولاية، وما هي الا شعلة اشتعلت من ضمرى. اليك يا فاطمة الزهراء، يا بهجة الرسول، يا بقية النبوة و ماهى الا دمعة جرت من عيني. اليكم يا ائمة الهدى ومصابيح الدجى ويا ولاة الدين و الشريعة، وما هي الا رشحة من بحر لجي. اليك يا صاحب الزمان، يا غيرة الله ايها المنتقم من وقعة الطف ويوم الانثين والرزية، وما هي الا غيرة انبعثت من صميم قلبي. ثم اليك المشتكى يا رب العباد والخليفة، وما هي الا فيضة النفس وبثة صدري وفؤادي. احمد الرحماني الهمداني

[27]

التقدمة الحديث عن الامام علي عليه السلام حديث عن حياة الانسان وبواعث سعاداته ومخزاته، فما يعيش الانسان على وجه الارض فهو بحاجة من البحث والتحقيق عن حياة هذا الامام عليه السلام، إذ هو نموذج الانسانية الراقية والمثل الاعلى لتصعيده وشموخه، فهو حقيقة راهنة تخلد خلود الحياة. ثم إن عبقرية الامام علي عليه السلام أوسع من أن تحيط به نطاق البحث، ويجول في هذا المضمار واحد من الناس، قيل: إن محمد بن شهر آشوب المازندرانى رحمه الله كان في مكتبته حين تأليف كتاب " المناقب " زهاء ألف تصنيف في مناقب الامام علي عليه السلام كلها بعنوان المناقب، وهذه قصيرة من طويلة. فبقدر الميسور يمكن تحليل مناقبه عليه السلام إلى ثلاثة أقسام: 1) قسم راجع إلى النصوص التي وردت بنصبه للخلافة والامامة وفي طي هذا القسم فضائل له جمة لا تحصى، كحديث الاخوة والنصرة والولاية والوصاية والمنزلة والثقلين والسفينة و... 2) وقسم راجع إلى فضائله النفسية وكمالااته الروحية وهبية واكتسابية، كالحديث عن نورانيته وكيفية خلق نوره واتحاد نوره بنور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والبحث عن عصمته وطهارته، و سبقه بالاسلام والهجرة واختصاصه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره في الملاء الاعلى وحب الملائكة له وافتخارهم بخدمته، ووجوب حبه وحرمة بغضه، ويقينه وتنمره في ذات الله، و عبادته وخوفه وسخاؤه وإيثار وحسن خلقه وحلمه وعفوه وتواضعه ومهابته و شجاعته وجهادته ونصيحته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وولايته التكوينية المسيطرة على

[28]

الاشياء، وعمله بالامور الغيبية وجميع المكارم التي يحتوي هو عليها، وجامعيته للاضداد وإلى ذلك من جميع الكمالات. ولعمري إن هذا البحث ضروري جدا إذ هو الحجر الاساسي للبحث عن إمامته، إذ به يعرف مكانته واستعداده لهذا المقام، وكل من يعدي الخلافة فما كان له من خلاق ما خلا عن هذا المزايا الروحية النفيسة، فذكر فضائله على هذه الوتيرة بحث معقول متجة غائى يورث أهليته للامامة وبون غيره عن هذه المرتبة الالهية، ومن ثم حث أئمتنا عليهم السلام على ذكر فضائلهم ومناقبهم معللا بأن فيه إحياء أمرهم، وهي غاية المأمول، فليس وراء عبادان قرية. 3) وقسم راجع إلى سيرته عليه السلام في نفسه وفي الامور الاجتماعية والسياسة و الاقتصادية والتربوية وغير ذلك، وما أحوج الامة الاسلامية بل كل الامم اليوم إلى درس هذه السيرة للشخصية العظيمة التى خلدتها تفانيها في الحق، إن الامة في عصرنا هذا قد بعدت كثيرا عن المثل الاسلامية العليا، ولذلك وصلت إلى ما يرى من تفريق الكلمة و تشتيت الشمل واختلاف الافئدة ودراسة حياة هذا الامام العظيم وسيرته تكفي الامة لسلوك طريقة القويم وإرجاع مكانتها السامية البائدة: ولا شك أن دراسة حياة الامام علي عليه لاسلام هي دراسة حياة النبي عليه السلام إذ هو صورة تطابق الاصل، يمثله في خلقه وهديه و جميع مكارم أخلاقه فالبحث عنه عليه السلام ليس من الامور الشاغلة عن الوظائف العاجلة الفائتة، بل بالنظر إلى غايته هو من أهم المباحث الفردية والاجتماعية والدنيوية والاخروية، و الغرض منه توجيه الامة نحو الحق الصريح وتوحيد الصفوف الاسلامية ولن شعثهم و تغليف سيوفهم الشاهرة بينهم إذ - كما قال الشهرستاني -: " ما سل في الاسلام سيف على قاعدة دينية مثل ما سل على الامامة في كل زمان ". هذا الكتاب وهذا الكتاب مشتمل على النوعين الاخيرين من فضائله عليه السلام، فهو يحتوي على قسم كبير من الايات والاخبار موشحة بالاشعار في شئون هذا الامام المعنوية التي بها جاز الاولوية بالله تعالى ورسوله وسائر الناس، وهو مجموعة حافلة تحتوي دراسة علمية لنظرية الامامية حول مناقب الامام على أمير المؤمنين عليه السلام وفضائله وشخصيته المثلى و

[29]

مقامه الاسنى وما يرتبط بذلك من الافكار والاراء تصديقا ونقدا وإثباتا ونفيا على ضوء المنهج العلمي (العقلي والنقلي، التارخي والادبي)، بذل مؤلفة المحقق - أيده الله تعالى - جهده الجهيد في استقصاء الكلام، فسعى أن يأتي بكل ما يسعه مع التجنب عن التعصبات القومية والنزعات الطائفية العنصرية مهما أمكنه، بل أراد المشي على ضوء الحق واتباع الاثر المتفق عليه ولم يقل مالا دليل عليه من العقل والنقل ولم يرم الكلام على عواهنه، وجاء بكتاب مستدل يفيد القارئ المستفيد ومن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد. أضف إلى ذلك كله هميانه بإمامه المحبوب وتيمانه بسلوك هذا القصد. طبعاته طبع لاول مرة بمكتبة الصدوق بطهران وقد قوبل باستقبال عام من العلماء والفضلاء بحيث قد نفدت نسخه في أيام قلائل. ثم طبع ثانية ببيروت بطريق الاوفست وبعد هذه الطبعة وانتشاره في أرجاء العالم الاسلامي استحلاه موالى أمير المؤمنين عليه لاسلام فترجمه بعض الاعلام إلى " اردو ". ثم لما نفدت نسخ الكتاب وكثر مبتغيه قام هذه المؤسسة بطبعه ثالثة بحروف جديدة و اصلاحات وإضافات ومستدركات وفهرس تام في ثوب قشيب وهيئة تسر الناظرين، خدمة للحنيفية البيضاء وقرة لعين الامة المتفانية في حب آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وفي لاختام نبشر المولين والناشئين الكرام أن هذا الكتاب القيم قد نقل إلى اللغة الفارسية وسيصدر قريبا إن شاء الله تعالى. مؤسسة المنير للطباعة والنشر

[31]

الامام علي بن ابي طالب عليه السلام من حبه عنوان الصحيفة

[33]

درر منثورة وثمر مقتطفة الحديث عن شخصية الامام علي عليه السلام كالحديث عن نور الشمس فبأي لفظ يعبر عنه ؟ فإن كلمة علي وحدها كفاك ترسيم كل الفضائل الأنسانية أمام عينيك. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو أن الرياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والأنس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام. (البحار، ج 38: ص 197) علي علا فوق السماوات قدره * ومن فضله نال المعالي الأمانيا فأسس بنيان الولاية متقنا * وحاز ذووا التحقيق منه المعانيا (فرائد السمطين، ج 1: ص 14) وقالوا: علي علا قلت: لا * فإن العلا بعلي علا (الصاحب بن عباد) وفوز علي بالعلى فوزها به * وكل إلى كل مضاف ومنسوب (ابن أبي الحديد) تعداد مجد المرء منقصة * إذا فاقت مزاياه من التعداد (مهدي الجوهري) لك في مرتضى العلى والمعالي * درجات لا يرتقى أدناها

[34]

خصك الله في مآثر شتى * هي مثل الأعداد لا يتناها ليت عينا بغير روضك ترعى * قذيت واستمر فيها قذاها لك نفس من جوهر اللطف صيغت * جعل الله كل نفس فداها (الشيخ كاظم الازري) ولايته هي الأيمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام (محمد الحميرى) عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام: أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذلته ومسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله، فيقوم من قبره و الملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله، فيحملونه على أجنحتهم، يقولون له: مرحبا بك، طوبى لك، يا دافع الكلاب عن الأبرار، يا أيها المتعصب للأئمة الأطهار. (الاحتجاج للطبرسي، ج 2: ص 235) قال حجر بن عدي - رضي الله عنه - لقاتله: إن كنت أمرت بقتل ولدي فقدمه، فقدمه فضرب عنقه. فقيل: تعجلت الثكل ! فقال: خفت أن يرى هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي عليه السلام فلا نجتمع في دار المقامة التي وعدها الله الصابرين. (المجالس السنية، ج 3: ص 86) قال معاوية: يا أبا الطفيل ! ما أبقى لك الدهر من حب علي ؟ قال: حب ام موسى له، و أشكو إلى الله التقصير. (المصدر السابق، ص 93) قال معاوية لعدي بن حاتم: فكيف صبرك عنه (علي عليه السلام) قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها، لا ترقأ دمعتها، ولا تسكن عبرتها. (سفينة البحار، 2 - 170)

[35]

إن أمير المؤمنين عليه السلام رأى رجلا من شيعته بعد عهد طويل، وقد أثر السن فيه وكان يتجلد في مشيه، فقال عليه السلام: كبر سنك يا رجل ! قال: في طاعتك يا امير المؤمنين، قال عليه السلام: تتجلد ! قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، قال عليه السلام: أجد فيك بقية ! قال: هي لك يا أمير المؤمنين. (البحار، ج 42: ص 186) قال عمرو بن الحمق لأمير المؤمنين عليه السلام: والله لو كلفتني نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي أبدا حتى يأتي علي يومي وفي يدي سيفي أهز به عدوك واقوي به وليك ما ظننت أني أديت من حقك كل الحق الذي يجب لك علي. (الأختصاص، ص 11) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يعذب الله هذا الخلق إلا بذنوب العلماء الذين يكتمون الحق من فضل علي و عترته عليهم السلام. ألا إنه لم يمش فوق الأرض بعد النبيين والمرسلين أفضل من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام، الذين يظهرون أمره وينشرون فضله، اولئك تغشاهم الرحمة، وتستغفر لهم الملائكة. الويل، كل الويل لمن يكتم فضله. (الدمعة الساكبة، ص 82) قال الصادق عليه السلام: لا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل يزداد في كل يوم إحسانا، ورجل يتدارك ذنبه بالتوبة. وأنى له بالتوبة ؟ والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا اهل البيت. (الوسائل، ج 11: ص 360) قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله تعالى جعل لأخي علي فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل

[36]

الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك المكتوب رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له ذنوبه التي اكتسبها بالأستماع، ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له ذنوبه التي اكتسبها بالنظر. ثم قال صلى الله عليه واله وسلم: النظر إلى علي عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلا بولايته والبرائة من أعدائه. (المناقب للخوارزمي الحنفي، ص 2، ط ايران وفرائد السمطين للعلامة الجويني الشافعي ج 1 ص 19 وكفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي، الباب الثاني والستون، ج 1: ص 18، ط بيروت وينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي، ص 121، ط اسلامبول) قال العلامة المظفر رحمه الله في صحة الحديث: فإن من كان عبارة عن الأيمان كله، وله ضربة واحدة تعدل عبادة الثقلين لا يكون ذلك مبالغة في حقه، وهل يكون ذلك مبالغة فيمن هو نفس النبي وأخوه وعديل القرآن ؟ ! (دلائل الصدق، ط القاهرة، ج 2: ص 501)

[37]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره، ووسيلة إلى قربه، والصلاة والسلام على نبيه نور الأنوار، ومحرم الأسرار، سيدنا الأمجد، أبي القاسم محمد، صلى الله عليه وعلى آله الشموس الطالعة، والبدور المنيرة، الذين اشتق أنوارهم من نور الله عزوجل، والذين جعل الله علم الأنبياء في علمهم، وعز الأولياء في عزهم، وسر الأصفياء في سرهم كالقطرة في البحر. والذين هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، وفيهم كرائم القرآن، وهم ألسنة الصدق، وأزمة الحق. ولا سيما على وصيه المؤتمن الذي جعل الله محبته وولايته عنوان صحيفة كل مؤمن، مؤيد الأنبياء والوصيين، ومعلم الملائكة والروحانيين، اصل شجرة طوبى، و حقيقة سدرة المنتهى، المتحد نوره مع المصطفى صلى الله عليه واله وسلم، أبي الحسن المجتبى، أبي الحسين قتيل العبرى، زوج فاطمة الزهراء - صلوات الله عليهم أجمعين. واللعن على أعدائهم من أول الدهر إلى المنتهى. اللهم لك الحمد على ما ألهمتني من شكرك، وجعلتني من محبي ولاة أمرك. اللهم إنا آمنا بك وبأنبيائك، وبمحمد صلى الله عليه واله وسلم وبما دعانا إليه، واتبعنا النور الذي انزل معه. يا رب إني أعتقد أن وعدك حق، وقولك صدق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها. إلهي ومولاي وسيدي ! وصل إلينا من ولاة أمرك، وحماة دينك، وحججك على خلقك: أن من وجد برد حبنا أهل البيت في قلبه فليكثر الدعاء لامه، يا ربي ومولاي

[38]

بأسمائك الحسنى وجدت برد حبهم في قلبي، اللهم بجودك ومنك ورحمتك اغفر لوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا. مولاي، لك الحمد على ما أعطيتني اما شربت حب الوصي، وغذتني من لبنها، ووالدا هو محب وموال للائمة الطاهرين - صلوات الله عليهم أجمعين. لا عذب الله امي إنها شربت * حب الوصي وغذتنيه باللبن وكان لي والد يهوى أبا حسن * وصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن اللهم ومولاي وسيدي ! اغفر لاستاذي الكبير العارف الخبير علامة دهره، وقطب رحى التدريس والولاية لاهل البيت، آية الله المولى علي الهمداني المعصومي، آمين يا رب العالمين. اللهم اجعل هذه الوجيزة خالصا لوجهك، وذخيرة ليوم التناد، يا رب العباد، أنت الكريم الجواد، وخير من سئل وجاد، يا أرحم الراحمين. فبعد يقول العبد العاصي أحمد الرحماني الهمداني تراب أقدام المتمسكين بولاية أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين من ولده - صلوات الله عليهم أجمعين: إن الله تبارك وتعالى فرض الفرائض لا لحاجة منه إليها، لأنه - عز شأنه وجل جلاله - لا تنفعه طاعة من أطاعه، و لا تضره معصية من عصاه، بل بمنه ولطفه ورحمته فرض علينا الصلاة والحج والزكاة والصوم والجهاد والولاية، وجعل لكل واحد منها شأنا وموضعا. فانه عز شأنه فرض الصلاة وجعلها من دعائم الاسلام، وعمود إيمانه، ووجه شريعته. فعن النبي صلى الله عليه واله وسلم (إن عمود الدين الصلاة، وهى أول ما ينظر فيه، فإن صحت ينظر في عمله، وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله (1). وقال الصادق عليه السلام: (أول ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت قبل سائر عمله، وإن ردت رد عليه سائر عمله (2).


(1) - الوسائل، ج 3: ص 23. (2) - المصدر، ج 3: ص 22. (*)

[39]

وعن يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (حجة أفضل من الدنيا، صلاة فريضة أفضل من ألف حجة (1). وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لكل شئ وجه، ووجه دينكم الصلاة (2). وفرض الزكاة تزكية للنفس، ونماء للرزق، واختبارا للاغنياء، ومعونة للفقراء. فعن أبي عبد الله عليه السلام: (لو أن الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا، ولا ستغنى بما فرض الله له، وإن الناس ما افتقروا وما احتاجوا ولا عروا إلا بذنوب الاغنياء (3). وفرض الحج تشييدا للدين، ووفادة إلى الله، وجهادا للضعفاء، وقياما للناس، و تعارفا بينهم، فعن هشام بن الحكم، قال (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علة الحج - إلى أن قال عليه السلام - إن الله خلق الخلق وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة والدين ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا (4). وفرض الصوم زكاة للجسم، ومسا للعطش والجوع، ووقاية من الشهوات، وتمرينا للارادة، فقال على بن موسى الرضا عليه السلام: (فإنما امروا بالصوم لكي يعرفوا ألم الجوع و العطش فيستدلوا على فقر الآخرة (5). وعن أبي عبد الله عليه السلام: (لكل شئ زكاة، وزكاة الأجسام الصيام (6). وفرض الجهاد سياحة للامة، وبابا للجنة، وعزا للاباء، ومجدا للأبناء، فعن عثمان بن مظعون: (قلت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن نفسي تحدثني بالسياحة وأن ألحق بالجبال، فقال: يا عثمان، لا تفعل، فإن سياحة امتي الغزو والجهاد (7).


(1) - الوسائل، ج 3: ص 22. (2) - الوسائل، ج 3: ص 16. (3) - المصدر، ج 6: ص 4. (4) - الوسائل، ج 8: ص 9. (5) - المصدر، ج 7: ص 4. (6) - المصدر، ج 7: ص 3. (7) - المصدر، ج 11: ص 10.

[40]

وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (اغزوا تورثوا أبناءكم المجد (1). وعن النبي عليه السلام: (الخير كله في السيف وتحت السيف (2). وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (خيول الغزاة خيولهم في الجنة (3). وعن علي عليه السلام: (إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه (4). وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغز ومات على شعبة من النفاق (5). وفرض الولاية وجعلها مفتاحا إلى سبيله، وهاديا إلى جميع الأحكام والفرائض. يا اخواني وأصدقائي وأعزائي، إني اشهد الله وانبيائه وملائكته وأوليائه أنى أعتقد أم ان كل من اعترف بولاية على بن أبي طالب عليه السلام وأولاده المعصومين - صلوات الله عليهم اجمعين - اعترف بولاية الله عزوجل وتوحيده، وولاية محمد صلى الله عليه واله وسلم ورسالته، ومن خلع ثوب الولاية لعلى واولاده الكرام خلع ثوب ولاية الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم، لأن الله عزوجل جعل ولاية على عليه السلام بحيث إن لم تبلغ ما بلغ رسوله صلى الله عليه واله وسلم رسالته، وإذا ما بلغت الرسالة فما بلغ الأسلام أصلا. أيها القارئ العزيز، انظر بعين الانصاف هذه الآية وأقوال المفسرين من العامة في شأنها قال الله عز وجل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين (15)). قال شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي (المتوفى سنة 1270) في تفسيره روح المعاني (ج 6: ص 189، ط بيروت): قيل: إن المراد (من الآية) إن تركت تبليغ ما انزل


(1) - الوسائل، ج 11: ص 9. (2) - المصدر السابق. (3) - المصدر، ج 11: ص 11. (4) - نهج البلاغة، ج 27. (5) - المنتهى للعلامة الحلي، كتاب الجهاد. (6) - المائدة: 67.

[41]

إليك حكم عليك لم تبلغ أصلا. وقال أيضا في ص 193: عن ابن عباس - رضي الله عنه -: نزلت هذه الآية في على - كرم الله وجهه - حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولاية على عليه السلام (يوم غدير خم)، فتخوف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يقولوا: حابى (1) ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه هذه الاية. فقام بولايته يوم غدير خم وأخذ بيده فقال - عليه الصلاة والسلام -: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه). وقال الشيخ محمد عبده في تفسيره المنار (ج 6: ص 463): روى ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدرى: أنها نزلت يوم غدير خم في على بن أبي طالب عليه السلام. وقال جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور (ج 2: ص 298، ط بيروت): عن ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: كنا نقرأ في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك (أن عليا مولى المؤمنين) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس). وأيضا عن ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدرى، قال: نزلت هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك) على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم غدير خم (2). وقال فخر الدين الرازي الشافعي (المتوفى سنة 606) في تفسيره (ج 12: ص 49، ط مصر): ذكر المفسرون في سبب نزول الاية وجوها - وساق الكلام إلى أن قال - العاشر: نزلت الاية في فضل على بن أبى طالب عليه السلام. ولما نزلت هذه الاية أخذ بيده وقال: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه). فلقيه عمر فقال: هنيئا لك يا ابن أبى طالب، أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس، والبراء بن عازب، ومحمد بن على عليه السلام.


1 - حاباه نصره اختصه دون سواه مال إليه. 2 - الدر المنثور ج 2: ص 298.

[42]

وقال الحافظ أبو القاسم الحسكاني الحنفي من أعلام القرن الخامس الهجرى في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل (ج 1: ص 188، ط بيروت): عن أبي إسحاق الحميدى قال: نزلت هذه الاية في على بن أبى طالب عليه السلام (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). وقال أيضا في ص 192: عن إبن عباس، وجابر بن عبد الله، قالا: أمر الله محمدا صلى الله عليه واله وسلم أن ينصب عليا للناس ليخبر هم بولايته. فتخوف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يقولوا: حابى ابن عمه، و أن يطعنوا في ذلك عليه. فأوحى الله إليه: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك الاية). فقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بولايته يوم غدير. أخي العزيز ! إذا لا حظت الأقوال المذكورة من تفاسير العامة فلاحظ نظر العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان. قال - رحمة الله عليه - (ج 6: ص 47): فليس إستلزام عدم تبليغ هذا الحكم (أي ما انزل من ربك) لعدم تبليغ غيره من الأحكام، إلا لمكان أهميته، ووقوعه من الأحكام في موقع لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالا لأمر سائر الأحكام، و صيرورتها كالجسد العادم للروح التي بها الحياة الباقية، والحس والحركة، وتكون الاية حينئذ كاشفة عن أن الله سبحانه كان قد أمر رسوله صلى الله عليه واله وسلم بحكم يتم به أمر الدين، ويستوي به على عريشة القرار. وكان من المترقب أن يخالفه الناس، ويقلبوا الأمر على النبي صلى الله عليه واله وسلم بحيث تنهدم ما بناه من بنيان الدين، وتتلاشى أجزاؤه. وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يتفرس ذلك ويخافهم على دعوته، فيوخر تبليغه إلى حين بعد حين ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا عسى أن تنجح فيه دعوته ولا يخيب مسعاه. فأمره بتبليغ عاجل، وبين له أهمية الحكم، ووعده أن يعصمه من الناس (أي عصمه الله من أن يعرض موضع التهمة وأن يقولوا: إنه سلطان لا نبى، وإلا لا يخاف النبي لنفسه قال الله عز وجل: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله وكفى بالله حسيبا (1))، - وساق الكلام إلى أن قال - وهذا يؤيد ما وردت به النصوص من طرق الفريقين أن الاية نزلت في أمر ولاية على، وأن الله أمر بتبليغها، وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يخاف أن يتهموه في ابن عمه


(1) - الاحزاب: 39.

[43]

الباب الأول في مناقب الأمام علي بن أبي طالب عليه السلام

[45]

الفصل 1 نبذة يسيرة من الأخبار في شأن أمير المؤمنين عليه السلام من طريق العامة 1 - عن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن على عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا على ! لو أن عبدا عبد الله عزو جل مثل ما قام نوح في قومه، وكان له مثل احد ذهبا فأنفقه في سبيل الله، ومد في عمره حتى حج ألف عام على قدميه ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما ولم يوالك لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها (1). 2 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (يا عمار ! طاعة على طاعتي، وطاعتي طاعة الله (2). 3 - عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا على ! من فارقني فقد فارق الله، و من فارقك فقد فارقني (3). 4 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا عمار !) فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا، فاسلك وادي على بن أبى طالب عليه السلام وخل الناس (4).


1 - المناقب للعلامة الخوارزمي ص 28 ط ايران. 2 - فرائد السمطين للعلامة الجويني الشافعي ج 1 ص 178. 3 - المصدر السابق ج 1 ص 300 ط بيروت. 4 - المصدر ج 1 ص 178.

[46]

5 - عن على عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، و أنت المثل الأعلى، وأنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيين، وسيد الصديقين. يا على ! أنت الفاروق الأعظم، وأنت الصديق الأكبر، وإن حزبك حزبي وحزبي حزب الله، وإن حزب أعدائك حزب الشيطان (1). 6 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن الله جعل عليا وزوجته وأبنائه حجج الله على خلقه، وهم أبواب العلم في امتي، من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم (2). 7 - عن على بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من سره أن يجوز على الصراط كالريح العاصف، ويلج الجنة بغير حساب فليتول وليي ووصيي و صاحبي وخليفتي على أهلي على بن أبى طالب، ومن سره أن يلج النار فليترك ولايته، فوعزة ربي وجلاله إنه لباب الله الذي لا يؤتي إلا منه، وإنه الصراط المستقيم، وإنه الذي يسأل الله عن ولايته (3). 8 - عن الأعمش، عن عباية، عن ابن عباس قال: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله وعلى بن أبي طالب عليه السلام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يقول: (هذا اول من آمن بى واول من يصافحني، وهو فاروق هذه الامة يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصديق الاكبر، وهو بابي الذي اوتى منه، وهو خليفتي من بعدي (4). 9 - عن أبي ليلى الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (ستكون فتنة من


1 - ينابيع المودة الباب 95: ص 496. 2 - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج 1 ص 58. 3 - المصدر السابق ج 1: ص 59. 4 - كفاية الطالب للعلامة الكنجي الشافعي الباب 44 ص 187.

[47]

بعدي، فإذا كان ذلك فالزموا على بن أبي طالب، إنه أول من يراني، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السماء العليا، وهو الفاروق بين الحق و الباطل (1). 10 - عن على عليه السلام: (إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف الناس نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه ووجهه الذي يتوجه منه إليه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا فإنهم عن الصراط لناكبون (2). 11 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (يا على من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصاك فقد عصاني (3). 12 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (على بن أبي طالب باب الدين، من دخل فيه كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا (4). 13 - عن ام سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (على مع القرآن، و القرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا على الحوض (5). 14 - وعن ام سلمة أنها كانت تقول: (كان على على الحق، من اتبعه اتبع الحق، ومن تركه ترك الحق، عهد معهود قبل يومه هذا). رواه الطبراني (6) 15 - أخرج ابن مردويه في المناقب عن أبي ذر - رضى الله عنه - أنه سئل عن اختلاف الناس، فقال: عليك بكتاب الله والشيخ على بن أبي طالب عليه السلام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (على مع الحق والحق معه وعلى لسانه، والحق يدور


1 - كفاية الطالب الباب 44. 2 - ينابيع المودة ج 1 ص 101 ب 29 ط ايران. 3 - المصدر السابق ج 2 ص 82. 4 - نفس المصدر ج 2 ص 61 ط اسلامبول. 5 - رواه الطبراني في المعجم الصغير والاوسط. 6 - مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي چ 9 ص 134.

[48]

حيث دار على (1). 16 - عن شهر بن حوشب، قال: كنت عند ام سلمة - رضي الله عنها - إذ استأذن رجل، فقالت له: من أنت ؟ قال: أنا أبو ثابت، مولى على بن أبي طالب عليه السلام فقالت ام سلمة: مرحبا بك يا أبا ثابت ! ادخل، فدخل فرحبت به، ثم قالت: يا ابا ثابت أين طار قبلك حين طارت القلوب مطائرها ؟ فقال: مع على عليه السلام قالت: وفقت - و الذي نفسي بيده - لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (على مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع على، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض (2). 17 - قال النبي صلى الله عليه واله وسلم (تمسكوا بهذا (يعنى عليا) هو حبل الله المتين (3). أيها القارئ اللبيب، أنت إذا مررت بهذه الأخبار المنقولة من الكتب المعتبرة عند العامة مر النبيه، ونظرت فيها بعين الأنصاف والأمعان يحصل لك اليقين والأطمينان بأن الأعتراف بولاية على بن أبي طالب عليه السلام وأولاده المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - من أهم الفرائض وأعظمها لأنك علمت: أنه عليه السلام حبل الله المتين بينه وبين خلقه (4) ومن ألقى حبل الله من يده خر من السماء إلى الأرض فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. وأنه عليه السلام غصن من أغصان النبوة، من تعلق به نجا، ومن زاغ عنه هوى (5). وأنه عليه السلام من ناصب خلافته من بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فهو كافر (6). وأنه إذا تكون فتنة فالزموا على بن أبي طالب عليه السلام (7).


1 - الغدير للعلامة الاميني ج 3 ص 178. 2 - فرائد السمطين للجويني ج 1 ص 177. 3 - دلائل الصدق ج 2 ص 32. 4 - دلائل الصدق ج 2 ص 66. 5 - شواهد التنزيل ج 2 ص 242. 6 - المناقب لابن المغازلي ص 46. 7 - ينابيع المودة ج 1 ص 129.

[49]

وأنه عليه السلام مع الحق والقرآن، والحق والقرآن معه لن يفترقا (1). وأنه عليه السلام باب حطة، من دخل فيه كان مؤمنا، ومن خرج عنه كان كافرا (2). وأن ولايته ولاية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وولاية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولاية الله (3). وأنه عليه السلام من فارقه فارق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ومن فارق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقد فارق الله (4). وأن طاعته طاعة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وطاعة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم طاعة الله (5). وأنه لو سلك الناس كلهم واديا وسلك على واديا فالمسلك المأمور بسلوكه هو وادي على (6). وأنه من اتبعه اتبع الحق، ومن تركه ترك الحق (7). وأنه يفرق بين الحق والباطل، وباب الله الذي يؤتى منه (8)، وهو الفاروق بين الحق والباطل (9). وأنه من عدل عنه ولايته أو فضل عليه غيره فهم عن الصراط لناكبون (10). وأنه باب الدين من دخل فيه كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا (11).


1 - فرائد السمطين ج 1 ص 177. 2 - كنز العمال ج 11 ص 610 و 611. 3 - المصدر السابق. 4 - فرائد السمطين ج 2 صص 300 و 178. 5 - المصدر السابق. 6 - فرائد السمطين ج 1 صص 300 و 178. 7 - مجمع الزوائد ج 9 ص 139. 8 - كفاية الطالب ص 187. 9 - المصدر ب 44. 10 - ينابيع المودة ج 2 صص 82 و 61. 11 - المصدر السابق.

[50]

وأن الله تعالى جعله وزوجته وأبنائه عليه السلام حجج الله على خلقه (1). وأنه من سره أن يلج النار فليترك ولايته (2). وأن حزبه حزب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وحزب رسول الله حزب الله، وحزب أعدائه حزب الشيطان (3). وأنه عليه السلام أول من آمن بالله، وهو وزير رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقاضي دينه (4). فلما بلغ بنا الكلام إلى هذا المجال ينبغي أن نشير إلى نكتة مهمة تدل على أن الولاية أوجب الفرائض وأشدها، وهي أن هذه الفرائض المذكورة مع أنها من دعائم الاسلام وأركانها فقد جعل الله عز وجل في بعض الأحيان والأحوال جوازا ورخصة في تركها إلا الولاية منها. وها نحن نذكر - إن شاء الله تعالى - بعض الأحاديث التي وردت عن الأئمة المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - في ذلك حتى تتجلى الحقيقة للمنصفين. 1 - عن أبي العلاء الأزدي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن الله عز وجل فرض على خلقه خمسا، فرخص في أربع ولم يرخص في واحدة). قال العلامة المجلسي - رحمه الله -: قوله عيه السلام: (فرخص في أربع) كالتقصير في الصلاة في السفر وتأخيرها عن وقت الفضيلة مع العذر، وترك كثير من واجباتها في بعض الأحيان، أو سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء، وعن فاقد الطهورين أيضا إن قيل به، والزكاة عمن لم يبلغ ماله النصاب أو مع فقد سائر الشرائط،


1 - شواهد التنزيل ج 1 صص 58 و 59. 2 - شواهد التنزيل ج 1 صص 58 و 59. 3 - ينابيع المودة ج 2 ص 171. 4 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 13 ص 228.

[51]

والحج مع فقد الاستطاعة أو غيرها من الشرائط، والصوم عن المسافر والكبير وذوي العطاش وأمثالهم بخلاف الولاية فإنها مع بقاء التكليف لا يسقط وجوبها في حال من الأحوال (1). 2 - عن سلمان الفارسى - رضي الله عنه -، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذ دخل علينا أعرابي فوقف وسلم، فرددنا عليه السلام، فقال: أيكم البدر التمام ومصباح الظلام محمد رسول الله الملك العلام ؟ أهو هذا صبيح الوجه ؟ قلنا: نعم، قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: يا أخا العرب ! اجلس، فقال: يا محمد آمنت بك قبل أن أراك، و صدقت بك قبل أن ألقاك غير أنه بلغني عنك أمر، قال صلى الله عليه واله وسلم: وأي، شئ بلغكم عني ؟ قال: دعوتنا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله فأجبناك، ثم دعوتنا إلى الصلاة والزكاة والحج والصوم والجهاد، فأجبناك، ثم لم ترض عنا حتى دعوتنا إلى موالاة ابن عمك على ابن أبي طالب ومحبته، أنت فرضته أم الله فرضه من السماء ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: بل الله فرضه على أهل السماوات والأرض - إلى أن قال صلى الله عليه واله وسلم: - كنت جالسا بعد ما فرغت من جهاز عمي حمزة (يوم احد) إذ هبط على جبرئيل وقال: يا محمد ! الله يقرئك السلام، ويقول لك قد فرضت الصلاة ووضعتها عن المعتل والمجنون والصبى، (عن الحائض والنفساء وفاقد الطهورين - إن قيل به -) وفرضت الصوم ووضعته عن المسافر وفرضت الحج و وضعته عن المعتل وفرضت الزكاة ووضعتها عن المعدم، وفرضت حب على بن أبي طالب ففرضت محبته على أهل السماوات والأرض فلم اعط أحدا رخصته (2). 3 - عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة تكبر على الميت خمس


1 - بحار الانوار ج 68 ص 332 الخبر رواه الكافي ج 2 ص 22 2 - بحار الانوار چ 40 ص 46

[52]

تكبيرات، ويكبر مخالفونا بأربع تكبيرات ؟ قال عليه السلام: (لأن الدعائم التي بني عليها الاسلام خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية لنا أهل البيت، فجعل الله للميت من كل دعامة تكبيرة، وإنكم أقررتم بالخمس كلها، وأقر مخالفوكم بأربع وأنكروا واحدة، فمن ذلك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات، و تكبرون خمسا (1). 4 - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (بني الأسلام على خمس: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والولاية لنا أهل البيت، فجعل في أربع منها رخصة ولم يجعل في الولاية رخصة. من لم يكن له مال لم تكن عليه الزكاة، ومن لم يكن له مال فليس عليه حج، ومن كان مريضا صلى قاعدا، و أفطر شهر رمضان، والولاية صحيحا كان أو مريضا أو ذا مال أو لا مال له، فهي لازمة (2). 5 - عن سلمان الفارسى - رضي الله عنه - قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذ جاء أعرابي من بني عامر فوقف وسلم، فقال: يا رسول الله ! جاء منك رسول يدعونا إلى الاسلام فأسلمنا، ثم إلى الصلاة والصيام والجهاد فرأيناه حسنا، ثم نهيتنا عن الزنا و السرقة والغيبة والمنكر فانتهينا، فقال لنا رسولك: علينا أن نحب صهرك على بن أبي طالب عليه السلام، فما السر في ذلك ؟ وما نراه عبادة ؟ ! قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لخمس خصال، أولها: أنى كنت يوم بدر جالسا بعد أن غزونا إذ هبط جبرئيل عليه السلام وقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: باهيت اليوم بعلى ملائكتي وهو يجول بين الصفوف ويقول: الله أكبر، والملائكة تكبر معه، و عزتي وجلالي لا ألهم حبه إلا من احبه، ولا الهم بغضه إلا من ابغضه.


1 - الوسائل ج 2 ص 775 ط عبد الرحيم. 2 - أو سائل ج 1 ص 14. (*)

[53]

والثانية: أني كنت جالسا يوم احد وقد فرغنا من جهاز عمي حمزة إذ أتاني جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد إن الله يقول: فرضت الصلاة ووضعتها عن المريض (عن الحائض والنفساء) وفرضت الصوم ووضعته عن المريض والمسافر، و فرضت الحج ووضعته عن المقل المدقع (الفقير الملصق بالتراب) وفرضت الزكاة ووضعتها عمن لا يملك النصاب، وجعلت حب على بن أبي طالب ليس فيه رخصة. الثالثة: أنه ما أنزل الله كتابا ولا خلق خلقا إلا جعل له سيدا، فالقرآن سيد الكتب المنزلة، وجبرئيل سيد الملائكة - أو قال: إسرافيل - وأنا سيد الأنبياء، و على سيد الأوصياء ولكل أمر سيد وحبي وحب على سيد ما تقرب به المتقربون من طاعة ربهم. الرابعة: أن الله تعالى ألقى في روعي أن حبه شجرة طوبى التي غرسها الله تعالى بيده. الخامسة: أن جبرئيل عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نصب لك منبر عن يمين العرش والنبيون كلهم عن يسار العرش وبين يديه، ونصب لعلى كرسي إلى جانبك إكراما له. فمن هذه خصائصه يجب عليكم أن تحبوه فقال الأعرابي: سمعا وطاعة (41).


1 - بحار الانوار ج 27 ص 128.

[54]

الفصل 2 في ألقاب أمير المؤمنين عليه السلام وكناه من ألقابه عليه السلام: أمير النحل ولايتي لأمير النحل تكفيني * عند الممات وتغسيلي وتكفيني وطينتي عجنت من قبل تكويني * من حب حيدر كيف النار تكويني (1) 1 - قال العلامة سبط ابن الجوزى: (والمؤمنون يتشبهون بالنحل لأن النحل تأكل طيبا وتضع طيبا، وعلى عليه السلام أمير المؤمنين (2). 2 - قال الصادق عليه السلام: إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أن طيرا يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شي إلا أكلته. ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية. رحم الله عبدا منكم كان على ولايتنا (3).


1 - أي تحرقني من كوى يكوى. 2 - تذكرة الخواص ص 5. 3 - البحار ج 24 ص 112.

[55]

ومن ألقابه عليه السلام: الأنزع البطين 3 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا على ! إن الله قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك لمحبي شيعتك، فأبشر فإنك الأنزع البطين: المنزوع من الشرك، البطين من العلم (1). 4 - قال العلامة سبط ابن الجوزي: (ويسمى (على عليه السلام) البطين، لأنه كان بطينا من العلم، وكان يقول عليه السلام: لو ثنيت لي الوسادة لذكرت في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حمل بعير. ويسمى الانزع لأنه كان أنزع من الشرك (2). 5 - قال ابن الأثير صاحب النهاية في مادة (نزع): (وفي صفة علي عليه السلام (البطين الأنزع): كان أنزع الشعر، له بطن. وقيل معناه: الأنزع من الشرك، المملوء البطن من العلم والأيمان (3). 6 - قال العلامة ابن المنظور في لسان العرب في مادة (نزع): (البطين الانزع) و العرب تحب النزع، وتتيمن بالأنزع (4). ومن ألقابه عليه السلام: يعسوب المؤمنين 7 - (ويسمى (على عليه السلام) يعسوب المؤمنين، لأن اليعسوب أمير النحل وهو أحزمهم (5)، يقف على باب الكوراة (6) كلما مرت به نحلة شم فاها فإن وجد منها رائحة منكرة علم أنها رعت حشيشة خبيثة، فيقطعها نصفين ويلقيها على باب الكورارة ليتأدب بها غيرها، وكذا على عليه السلام يقف على باب الجنة فيشم أفواه


1 - المناقب للعلامة ابن المغازلي الشافعي ص 401. 2 - تذكرة الخواص ص 4. 3 - النهاية ج 5 ص 42. 4 - لسان العرب ج 8 ص 352. 5 - أي أقواهم. 6 - الكوار والكوارة: شئ يتخذ للنحل من القضبان لسان العرب.

[56]

الناس، فمن وجد منه رائحة بغضه ألقاه في النار (1). تكنيته عليه السلام بأبى تراب 8 - للشاعر المفلق عبد الباقي أفندي العمرى - رحمه الله -: يا أبا الاوصياء أنت لطه * صهره وابن عمه وأخوه إن لله في معانيك سرا * أكثر العالمين ما علموه أنت ثاني الآباء في منتهى الدو * ر وآباؤه تعد بنوه 9 - ومما أشار إليه الشاعر الكبير الشيخ الكاظم الازري (ره): لم تكن هذه العناصر إلا * من هيولاه حيث كان أباها 10 - قال الشيخ علاء الدين السكتواري في محاضرة الأوائل (ص 113): (أول من كني بأبي تراب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، كناه به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين وجده راقدا وعلى جنبه التراب، فقال له ملاطفا: قم، يا أبا تراب. فكان أحب ألقابه، وكان بعد ذلك له كرامة ببركة النفس المحمدي كان التراب يحدثه بما يجري عليه إلى يوم القيامة وبما جرى. فافهم سرا جليا (2). 11 - عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، قال: (قلت لعبدالله بن عباس: لم كنى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا أبا تراب ؟ قال: لأنه صاحب الأرض، وحجة الله على أهلها بعده، وبه بقاؤها، وإليه سكونها. وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعد الله تبارك وتعالى لشيعة علي من الثواب و الزلفى والكرامة، يقول: (ياليتني كنت ترابيا، أي يا ليتني من شيعة علي. وذلك قول الله عز وجل (ويقول الكافر:) يا ليتني كنت ترابا (3).


1 - تذكرة الخواص ص 4. 2 - الغدير ج 6 ص 337. 3 - غاية المرام للسيد البحراني ط ايران ج 1 ص 58 ولاية في النبأ: 40.

[57]

قال العلامة المجلسي - رحمه الله -: يمكن أن يكون ذكر الاية لبيان وجه آخر لتسميته عليه السلام بأبي تراب، لأن شيعته لكثرة تذللهم له وانقيادهم لأوامره سموا ترابا، كما في الاية الكريمة. ولكونه عليه السلام صاحبهم وقائدهم ومالك امورهم سمي أبا تراب (1). ومن ألقابه عليه السلام: أمير المؤمنين 12 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لو يعلم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين لما أنكروا فضائله، سمي بذلك وآدم بين الروح والجسد، وحين قال (الله): الست بربكم قالوا: بلى (2). فقال الله تعالى: أنا ربكم، ومحمد نبيكم، وعلى أميركم (3). 13 - عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام: قلت: جعلت فداك، لم سمي أمير المؤمنين أمير المؤمنين ؟ قال عليه السلام: (لأنه يميرهم العلم، أما سمعت كتاب الله عز وجل: و نمير أهلنا (4). 14 - عن أبان بن الصلت، عن الصادق عليه السلام: (سمي أمير المؤمنين، إنما هو من ميرة العلم، وذلك أن العلماء من علمه امتازوا، ومن ميرته استعملوا (5). 15 - عن عبد المؤمن، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قلت له: لم سمي أمير المؤمنين أمير المؤمنين ؟ فقال لي: لأن ميرة المؤمنين منه، هو كان يميرهم العلم (6). 16 - لما ولد على عليه السلام، وجاء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى بيت أبي طالب اهتز وتبسم


1 - البحار ج 35 ص 51. 2 - الاعراف 172. 3 - ينابيع المودة ج 2 ص 63 ط اسلامبول. 4 - البحار ج 37 ص 293 والآية في يوسف 65. 5 - البحار ج 37 ص 334. 6 - البحار ج 37 ص 295.

[58]

في وجهه، فقال: (السلام عليك يا رسول الله. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم * قد افلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * (1). فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: قد أفلحوا بك، أنت والله، أميرهم تميرهم من علومك، وأنت والله دليلهم وبك ويهتدون (2). أقول: المستفاد من هذه الأخبار أن تسمية على عليه السلام بأمير المؤمنين في لامتيار المؤمنين منه وميرته لهم، وهذا يشعر بأن الأمير مشتق من المير، وهذا خلاف واضح، لأن الأمير فعيل من الأمر - مهموز الفاء -، والمير أجوف يائي، ولا تناسب بينهما في الاشتقاق. والجواب ما اختاره العلامة المجلسي - رحمه الله -، قال في البحار (ج 37: ص 293): (الميرة - بالكسر - جلب الطعام، يقال: مار عياله، يمير ميرا، و أمارهم وامتار لهم. ويرد عليه أن الأمير فعيل من الأمر، لامن الأجوف. ويمكن التفصي عنه بوجوه: الأول: أن يكون على القلب، وفيه بعد من وجوه، لا يخفى. الثاني: أن يكون (أمير) فعلا مضارعا على صيغة المتكلم، ويكون عليه السلام قد قال ذلك ثم اشتهر به كما في تأبط شرا. الثالث: أن يكون المعنى أن امراء الدنيا إنما يسمون بالأمير، لكونهم متكفلين لميرة الخلق، وما يحتاجون إليه في معاشهم بزعمهم. وأما أمير المؤمنين عليه السلام فإمارته لأمر أعظم من ذلك، لأنه يميرهم ما هو سبب لحياتهم الأبدية وقوتهم الروحانية، وإن يشارك سائر الأمراء في الميرة الجسمانية. وهذا أظهر الوجوه). تم كلامه رفع مقامه.


1 - المؤمنون 1 - 3. 2 - شفاء الصدور للعلامة الحاج الميرزا أبي الفضل الطهراني: ص 76 وبحار الانوار ج 35 ص 38.

[59]

أقول: قوله - رحمه الله -: أما الوجه الأول ففيه بعد من وجوه، لأن القلب بنفسه خلاف القاعدة الأدبية. وثانيا إذا نقل من (مير) عين الفعل - وهي الياء - إلى مكان فاء الفعل - وهو الميم - يصير مير: يمر، ومع ذلك إذا اشتق الأمير من (يمر) لم يحصل المقصود، لأن الأمير مهموز الفاء، واليمير ليس كذلك. وهذا خلاف المقصود. واما قوله - رحمه الله -: (والثاني إن يكون (أمير) فعلا مضارعا متكلما - إلى آخر كلامه (ره) فهذا وإن كان أقرب إلى الواقع من الوجه الأول، ولكن هذا أيضا غير صحيح، لأن الفعل إذا نقل على نحو الحكاية ك‍ (تأبط شرا) لا يتغير إعرابه، ولازم ذلك أن يكون (أمير) في أمير المؤمنين دائما بالضم. وهذا فاسد بالضرورة، لأنه يتغير بحسب العوامل المختلفة بلا شك. وأما قوله - رحمه الله -: (الثالث أن يكون المعنى أن امراء الدنيا يسمون بالأمير - إلى آخر كلامه، رفع مقامه) فهذا كلام وجيه، وقول لطيف يحتاج إلى بسط الكلام حتى يتضح المقصود والمرام. أخي العزيز ! إن عليا عليه السلام حيث إنه باب مدينة علم النبي وفقهه وحكمته، وإن نوره متحد مع نوره ومشتق من منبعه، وإنه نفس النبي وروحه وعيبة علمه، إنهما تراضعا من ثدي واحد، وإنهما مشتقان من نور الله عز وجل، فكل ما ثبت من الفضائل والكمالات لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم فهو ثابت لعلى عليه السلام. وها نحن ننقل - بعون الله تعالى - كلمات من كبار علماء العامة والخاصة حتى يتبين الحق إن شاء الله.

[60]

الفصل 3 أقوال علماء العامة في الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله 1 - قال العلامة الشيخ سليمان الحنفي الشافعي في خطبة كتابه ينابيع المودة (ص 1): (وهو الذي خلق أولا من نور ذاته الأقدس الحقيقة المحمدية صلى الله عليه واله وسلم التي هي جامعة للعوالم الغيبيه والشهودية، ومحيطة بالمقامات الملكوتية والجبروتية، وجعل محمدا صلى الله عليه واله وسلم خير خلقه، ومبدء العوالم في إيجاده - وساق الخطبة إلى أن قال - وأكرمه تلطفا، وشرفه تعطفا بسيادة الكونين، وجعله برزخا بين الوجوب والامكان - إلى آخر كلامه). 2 - قال العلامة القسطلانى على ما في عقبات الأنوار المعرب (ج 4: ص 181): (فهو صلى الله عليه وآله الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات. ولما انتهى الزمان بالأسم الباطن في حقه صلى الله عليه واله وسلم إلى وجود جسمه وإرتباط الروح به انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر فظهر محمد صلى الله عليه واله وسلم بكليته جسما وروحا فهو صلى الله عليه واله وسلم وإن تأخرت طينته فهو خزانة السر، و موضع نفوذ الأمر فلا ينفذ امر إلا منه، ولا ينقل خبر إلا عنه). 3 - قال العلامة الديار بكرى: (وما من نبى يأخذ شيئا من الكمالات، إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر عنهم وجود طينته إذ لا تعلق بمشكاته لوجوده

[61]

الطيني فإنه موجود قبلهم بحقيقته، لأنه أبو الأرواح كما أن آدم أبو الأشباح (1). 4 - عن العلامة الديار بكري (وفي شواهد النبوة: إن نبينا صلى الله عليه وآله و إن كان آخر الأنبياء في عالم الشهادة لكنه أولهم في عالم الغيب، قال - عليه الصلاة و السلام -: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين - إلى أن قال: - آدم فهو وسائر الأنبياء - وإن كانوا في مشهد علم الربوبية - ما لم يظهروا بصورة جسمانية عنصرية في الشهادة لم يوصفوا بالنبوة، بخلاف نبينا صلى الله عليه (وآله) فإنه لما وجد بوجود روحاني بشره وأعلمه بالنبوة بالفعل، وفي كل الشرائع أعطى الحكم له لكن بأيدي الانبياء والرسل الذين كانوا نوابه كما أن عليا عليه السلام، ومعاذ بن جبل في عالم الشهادة ذهبا بنيابته إلى اليمن وبلغا الأحكام، فإن ثبوت النبوة ليس إلا باعتبار شرع مقرر من عند الله، فجميع الشرايع شريعته إلى الخلق بأيدي نوابه، ولما ظهر بالوجود الجسماني العنصري نسخ تلك الشرايع التي كان اقضاها بحسب الباطن، فإن اختلاف الاسم في الاستعدادات والقابليات مقتض لاختلاف الشرايع (2). 5 - عن العلامة البوصيري في المحمدية: محمد سيد الكونين والثقلين * والفريقين من عرب ومن عجم قال الرومي ما ملخصه: (محمد صلى الله عليه واله وسلم سيد على الأطلاق في الوجودين وأشرف العالمين لإختصاصه بدين، هو أظهر الأديان الحقة). فاق النبيين في خلق وفي خلق * ولم يدانوه في علم ولا كرم وقال بشرحه: (المعنى أنه فاق جميع الأنبياء عليهم السلام بشرف طينته، ونزاهة عنصره، وكمال صفائه، وفضائل ملكاته). وكلهم من رسول الله ملتمس * غرفا من البحر أو رشفا من الديم


1 - عبقات الانوار المعرب ج 4: صص 128 و 184. 2 - عبقات الانوار المعرب ج 4: صص 182 و 184.

[62]

قال العصام بشرحه ما ملخصه: (فإن قلت: هم عليهم السلام سابقون على النبي صلى الله عليه (وآله). قلت: هم سألوا منه مسائل مشكلة في علم التوحيد، والصفات فأجاب النبي صلى الله عليه واله وسلم وحل مشكلاتهم - إلى أن قال - وروح نبينا مقدم على أرواح سائر الأنبياء. والحاصل كل الأنبياء من نبينا لا من غيره استفادوا العلم وطلبوا الشفاعة.، إذا هو بحر من العلم، وسحاب من الجود (1). فإنه شمس فضل، هم كواكبها * يظهرن أنوارها للناس في الظلم قال الرومي بشرحه: (يقول: إنما اتصلت تلك الايات الباهرات بهم من نوره صلى الله عليه واله وسلم، لأنه شمس فضل الله تعالى ورحمته للناس كافة، والرسل عليهم السلام كانوا مظاهر نوره وحملة سره على درجات استعدادهم، ومراتب قابلياتهم يظهرون أنوار حقائقه وأسرار دقائقه لاقوامهم قرنا بعد قرن (2). 6 - عن العلامة ابن الفارض المصري، العارف الكبير، في الحقيقة المحمدية صلى الله عليه واله وسلم: وإنى وإن كنت ابن آدم صورة * فلي منه معنى شاهد بابوتي وكلهم عن سبق معناي دائر * بدائرتي أو وارد بشريعتي ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن * شهود ولم تعهد عهود بذمتي فلا حى إلا عن حياتي حياته * وطوع مرادي كل نفس مريدة ولا قائل إلا بنطقي محدث * ولا ناظر إلا بناظر مقلتي وروحي للأرواح روح وكلما * ترى حسنا في الكون من حسن طينتي بعترته استغنت عن الرسل الورى * وأصحابه والتابعين الأئمة وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا * علي بعلم ناله بالوصية


1 - عبقات الانوار ص 180. 2 - المصدر ص 178.

[63]

القصيدة طويلة جدا ذكرنا منها ما يناسب المقام ويوضح المرام. 7 - عن العلامة الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه (التعظيم والمنة في الحقيقة المحمدية صلى الله عليه واله وسلم (ص 95)، قال ذيل هذه الاية لتؤمنن به ولتنصرنه (1): (في هذه الاية من التنويه بالنبي صلى الله عليه (وآله) وتعظيم قدره العلى ما لا يخفى، وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء واممهم كلهم من امته. ويكون قوله (بعثت إلى الناس كافة) لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضا. ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه (وآله): (كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد). وأن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيا، لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه و (آله) بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولهذا رأى آدم اسمه مكتوبا على العرش (محمد رسول الله)، فلا بد من أن ذلك معنى ثابت في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبى وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلابد من خصوصية للنبى صلى الله عليه (وآله) لأجلها أخبر بهذا الخبر - إلى أن قال - فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف (2). 8 - رواية العلامة سبط ابن الجوزي في الحقيقة المحمدية والعلوية عليهما السلام: (عن على عليه السلام قال بعد الحمد والثناء، لما أراد الله أن ينشئ المخلوقات و يبدع الموجودات أقام الخلائق في صورة قبل دحو الأرض ورفع السماوات، ثم


1 - آل عمران: 81. 2 - الخصائص الكبرى للعلامة جلال الدين السيوطي ج 1 ص 4 ط بيروت.

[64]

أفاض نورا من نور عزه فلمع قبس من ضيائه وسطع. ثم اجتمع في تلك الصورة و فيها هيئة نبينا صلى الله عليه (وآله) فقال له تعالى: أنت المختار وعندك مستودع الأنوار، وأنت المصطفى المنتخب الرضي المنتجب المرتضى، من أجلك أضع البطحاء، وأرفع السماء، واجري الماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك علما للهداية، وأودع أسرارهم من سري بحيث لا يشكل عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدري والمطلعين على أسرار خزائني. ثم أخذ الحق سبحانه عليهم الشهادة بالربوبية، والأقرار بالوحدانية، وأن الأمامة فيهم، والنور معهم. ثم إن الله أخفى الخليفة في غيبه، وغيبها في مكنون علمه، ونصب العوالم، وموج الماء، وأثار الزبد، و أهاج الدخان، فطفا عرشه على الماء. ثم أنشأ الملائكة من أنوار إبتدعها، وأنواع إخترعها، ثم خلق الله الأرض وما فيها. ثم قرن بتوحيده نبوة نبيه محمد صلى الله عليه (وآله) وصفيه، فشهدت السماوات والأرض والملائكة والعرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم و ما في الأرض له بالنبوة. فلما خلق آدم أبان للملائكة فضله، وأراهم ما خصه به من سابق العلم، فجعله محرابا وقبلة لهم، فسجدوا له وعرفوا حقه. ثم بين لآدم حقيقة ذلك النور ومكنون ذلك السر. فلما حانت أيامه أودعه شيئا ولم يزل ينتقل من الأصلاب الفاخرة إلى الارحام الطاهرة إلى أن وصل إلى عبد المطلب. ثم إلى عبد الله، ثم إلى نبيه صلى الله عليه (وآله)، فدعا الناس ظاهرا وباطنا، وندبهم سرا وعلانية - إلى أن قال - فنحن أنوار السماوات والارض، وسفن النجاة، وفينا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور (1).


1 - تذكرة الخواص ص 130.

[65]

9 - عن العلامة المجلسي (1) - رحمه الله - في الحقيقة المحمدية والعلوية: (فاعلم أن أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبي والأئمة عليهم السلام في أخبارنا المتواترة على وجه آخر، فإنهم أثبتوا القدم للعقل، وقد ثبت التقدم في الخلق لأرواحهم إما على جميع المخلوقات أو على سائر الروحانيين في أخبار متواترة. وأيضا أثبتوا لها التوسط في الايجاد أو الاشتراط في التأثير، وقد ثبت في الأخبار كونهم عليهم السلام علة غائية لجميع المخلوقات، وأنه لولاهم ما خلق الله الأفلاك وغيرها. وأثبتوا لها كونها وسائط في إفاضات العلوم والمعارف على النفوس و الارواح، وقد ثبت في الأخبار أن جميع العلوم والحقائق والمعارف بتوسطهم تفيض على سائر الخلق حتى الملائكة والأنبياء. والحاصل أنه قد ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم: الوسائل بين الخلق وبين الحق في إفاضة جميع الرحمات والعلوم والكمالات على جميع الخلق. فكلما يكون التوسل بهم والأذعان بفضلهم أكثر كان فيضان الكمالات من الله أكثر - إلى أن قال رحمه الله: - فعلى قياس ما قالوا يمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبي صلى الله عليه واله وسلم الذي انشعب منه أنوار الأئمة عليه السلام).


1 - بحار الانوار ج 1 ص 103.

[66]

الفصل 4 في أن كل ما ثبت للنبى صلى الله عليه وآله من الفضائل المنثورة والمنظومة فهو ثابت لعلى عليه السلام أخي العزيز ! أنت بعد ما لاحظت هذه الكلمات من العامة والخاصة، منثورها و منظومها في شأن سيدنا محمد صلى الله عليه واله وسلم فاعلم أنها متحققه لمولانا على عليه السلام لاتحاد نورهما عليهم السلام، واشتقاقهما من منبع واحد، وارتضاعهما من ثدي واحد. قال الازري رحمه الله: وتراضعتما بثدي وصال * كان من جوهر الجلى غذاها وقال الشاعر: هما ظهرا شخصين والنور واحد * بنص حديث النفس والنور فاعلمن تو نور احمد وحيدر يكى دان * كه تا گردد به تو اسرار آسان (الشيخ العطار) هر دو يك در ز يك صدف بودند * هر دو پيرايه شرف بودند (الحكيم السنائى) از محمد وز على بهر سجود قدسيان * هيكل توحيدي اندركاخ سرمد ساختند

[67]

چون على عين محمد شد محمد از على * آفريدند وعلى باز از محمد ساختند أيها القارئ العزيز ! إذا قرأت عن العلامة الديار بكرى: ما من نبى يأخذ شيئا من الكمالات إلا من مشكاة خاتم النبيين، يظهر لك أن عليا عليه السلام من حيث إنه نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم كذلك منشأ الكمالات ومنبع الفيوضات للنبيين عليهم السلام. وأيضا إذا قرأت عن العلامة الشيخ سليمان الحنفي: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مبدأ العوالم في ايجاده، وأن له سيادة الكونين، وهو برزخ بين الوجوب والامكان، و هو محيط بالمقامات الكونية، فكذلك علي عليه السلام، لأنهما من نور واحد. وأيضا، عن العلامة القسطلاني: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جنس العالي على الأجناس، والأب الكبير لجميع الموجودات، فإذا على عليه السلام أب كبير لجميع الموجودات لاتحاد نورهما عليها السلام. وأيضا عن العلامة البوصيري المصري: وكلهم من رسول الله ملتمس * غرفا من اليم أو رشفا من الديم فإذا كلهم عن على عليه السلام ملتمس لأنهما عليها السلام من شجرة واحدة وأيضا عن العلامة ابن الفارض المصري، العارف الكبير: وإني وإن كنت ابن آدم صورة * فلي منه معنى شاهد بابوتي ولا قائل إلا بنطقي محدث * ولا ناظر إلا بناظر مقلتي وروحي للأرواح روح وكلما * ترى حسنا في الكون من حسن طينتي فإذا لا ناطق من الأنبياء، إلا بنطق على عليه السلام محدث، ولا ناظر إلا بمقلة علي عليه السلام ناظر لأتحاد نورهما عليهما السلام. وأيضا، قرأت من رواية ذكرها العلامة سبط ابن الجوزي في تذكرته (ص 130): إن الله جعل رسوله صلى الله عليه واله وسلم محرابا وقبلة للملائكة، فسجدوا له وعرفوا حقه. ثم ندب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الناس سرا وعلانية، فإذا على عليه السلام قبلة ومحراب للملائكة، وعلى عليه السلام ندبهم سرا وعلانية لأنهما عليها السلام مرتضعان من ثدي واحد.

[68]

وأيضا، عن العلامة المجلسي -، -: أن جميع العلوم والمعارف والحقائق بتوسطهم تفيض على سائر الناس وأنهم بين الخلق والحق في إفاضة الرحمات و العلوم والكمالات على جميع الخلق.

[69]

الفصل 5 أن نور صاحب الرسالة ونور صاحب الولاية خلقهما الله قبل كل شئ وهما متحدان في جميع الخصال 1 - عن ابن عباس قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأقبل على عليه السلام، فلما رآه النبي صلى الله عليه واله وسلم تبسم في وجهه فقال: مرحبا بمن خلقه الله قبل كل شئ، خلق نورا فقسمه نصفين فخلقني من نصفه وخلق عليا من النصف الآخر قبل الأشياء، فنورها من نوري ونور على، فسبحنا وسبحت الملائكة، وكبرنا وكبر الملائكة، و كان ذلك من تعليمي وتعليم على عليه السلام (1). 2 - وعن موسى بن جعفر: (إن الله عز وجل خلق نور محمد صلى الله عليه واله وسلم و على عليه السلام من اختراعه ونور عظمته وجلاله، فلما أراد أن يخلق محمدا صلى الله عليه واله وسلم قسم ذلك النور شطرين، فخلق من الشطر الأول محمدا صلى الله عليه واله وسلم ومن الشطر الآخر عليا عليه السلام، ولم يخلق من ذلك النور غيرهما (2). 3 - (... فقالت فاطمة عليها السلام: يا رسول الله ! ما أراك قلت في على شيئا ؟ قال صلى الله عليه واله وسلم: إن عليا نفسي، هل رأيت أحدا يقول في نفسه شيئا ؟ (3) والحديث


1 - عبقات الانوار المعرب ج 4: ص 125. 2 - المصدر السابق ص 121. 3 - كفاية الطالب الباب: 71 ص 289 ط النجف.

[70]

طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 4 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة، وتؤتن الزكاة أو لأبعثن إليكم رجلا هو مني كنفسي (1). 5 - سئل النبي صلى الله عليه واله وسلم عن بعض أصحابه فذكر فيه، فقال له قائل: فعلي ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: (إنما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي (2). 6 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عند المباهلة مع نصارى نجران: (اللهم هذا نفسي، وهو عندي عدل نفسي، اللهم هذه نسائي أفضل نساء العالمين، وقال: اللهم هذان ولداي وسبطاي، فأنا حرب لمن حاربوا، وسلم لمن سالموا (3). 7 - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما انهزم الناس يوم احد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم إنصرف بوجهه إليهم وهو يقول: أنا محمد، أنا رسول الله، لم اقتل ولم أمت، فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الان يسخر بنا أيضا وقد هزمنا. وبقي معه على عليه السلام وسماك بن خرشة أبو دجانة رحمه الله، فدعاه النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا أبا دجانة ! انصرف، وأنت في حل من بيعتك، فأما علي فهو أنا وأنا هو. فتحول وجلس بين يدي النبي صلى الله عليه واله وسلم وبكى وقال: لا والله، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: لا والله، لا جعلت نفسي في حل من بيعتي، إني بايعتك فإلى من أنصرف، يا رسول الله ؟ إلى زوجة تموت، أو ولد يموت، أو دار تخرب، ومال يفنى، وأجل قد اقترب ؟ فرق له النبي صلى الله عليه واله وسلم فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة، هو في وجه، وعلى في وجه، فلما اسقط احتمله علي عليه السلام فجاء به إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم... (4).


1 - ينابيع المودة ص 38. 2 - البحار ج 38 ص 296. 3 - البحار ج 37 ص 49. 4 - البحار ج 20 ص 107.

[71]

8 - عن علي عليه السلام: (كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كجزء من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ينظر إلى الناس كما ينظر إلى الكواكب في افق السماء، ثم غض الدهر مني فقرن بي فلان وفلان، ثم قرنت بخمسة أمثلهم عثمان، فقلت: وازفراه (1)، ثم لم يرض الدهر لي بذلك حتى أرذلني فجعلني نظيرا لابن هند (2). 9 - عن على عليه السلام: (أنا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كالعضو من المنكب، وكالذراع من العضد، وكالكف من الذراع، رباني صغيرا، وآخاني كبيرا، ولقد علمتم أني كان لي منه مجلس سر لا يطلع عليه غيري، وأنه أوصى إلي دون أصحابه وأهل بيته، و لاقولن ما لم أقله لأحد قبل هذا اليوم، سألته يوما أن يدعو لي بالمغفرة، فقال: أفعل، ثم قام فصلى، فلما رفع يده للدعاء استمعت عليه فإذا هو قائل: اللهم بحق علي عندك اغفر لعلي فقلت: يا رسول الله ما هذا ؟ فقال: أو أحد أكرم منك عليه فأستشفع به إليه (3) ؟ ! أقول: أيها القارئ الصديق ! هل ينفك جزء الشئ عن الشئ ؟ 10 - قال رسول الله صلى اله عليه واله وسلم: (علي مني بمنزلة رأسي من بدني (4). قال العلامة المناوي في شرحه: هذا التنزيل الذى يفوه به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مبالغة في شدة الاتصال واللصوق به. 11 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي). و قال المناوي: أي هو متصل بي، وأنا متصل به في الاختصاص والمحبة وغيرهما. و (من) هذه تسمى اتصالية، من قولهم: فلان كأنه بعضه متحدة به، لاختلاطهما. وقال أيضا: كان الظاهر أن يقال: لا يؤدي عني إلا علي، فأدخل أنا تأكيدا


1 - كلمة تأسف وهم. 2 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 20 ص 326. 3 - المصدر ص 316. 4 - فيض القدير لعلامة المناوي ج 4 ص 357.

[72]

لمعنى الاتصال (1). 12 - عن علي عليه السلام: (أنا من أحمد كالكف من اليد، وكالذراع من العضو، وكالضوء من الضوء (2). 13 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا ابن أبي طالب ! فإنما أنت عضو من أعضائي، تزول أينما زلت (3). 14 - وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (أنت مني كروحي من جسدي) وقوله صلى الله عليه واله وسلم (أنت مني كالضوء من الضوء). وقوله صلى اله عليه واله وسلم (أنت مني زري (4) من قميصي (5). 15 - عن علي عليه السلام: (وإن الحسن والحسين عليهما السلام سبطا هذه الامة، وهما من محمد صلى الله عليه واله وسلم كمكان العينين من الرأس، وأما أنا فكمكان اليد من البدن، وأما فاطمة عليها السلام فكمكان القلب من الجسد. مثلنا مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (6). 16 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (خلق الله الأنبياء من أشجار شتى، وخلقني وعليا من شجرة واحدة، فأنا أصلها، وعلي فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ هوى. ولو أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام، ثم لم يدرك محبتنا أهل البيت لاكبه الله على منخريه في النار (7). 17 - عن علي عليه السلام قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهو يقول: خلق الناس من


1 - فيض القدير ج 4 ص 357 ط دار المعرفة بيروت. 2 - ينابيع المودة ج 1 ص 138 ولعل الصواب الصنو من الصنو. 3 - بحار الانوار ج 38 ص 311. 4 - المصدر ج 8 ص 296. 5 - والزر ما به قوام الشئ. 6 - البحار ج 39 ص 353. 7 - تاريخ دمشق لابن عساكر ج 1 ص 132 وشواهد التنزيل ج 2 ص 141.

[73]

أشجار شتى، وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة، فأنا أصلها، وعلى فرعها، فطوبى لمن استمسك بأصلها، وأكل من فرعها (1). 18 - عن على عليه السلام: (نحن أهل البيت عجنت طينتنا بيد العناية بعد أن رش علينا فيض الهداية، ثم خمرت بخميرة النبوة، وسقيت بماء الوحي، ونفخ فيها روح الامر، فلا أقدامنا تزل، ولا أبصارنا تضل، ولا أنوارنا تفل، وإذا ضللنا فمن بالقوم يدل ؟ الناس من شجرة شتى، وشجرة النبوة واحدة: محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أصلها، وأنا فرعها، وفاطمة الزهراء ثمرها، والحسن والحسين أغصانها، أصلها نور، وفرعها نور، وثمرها نور، وغصنها نور، يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار، نور على نور (2). 19 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لما اسري بي في ليلة المعراج فاجتمع على الأنبياء في السماء، فأوحى الله تعالى إلى: سلهم يا محمد بما ذا بعثتم ؟ فقالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وعلى الأقرار بنبوتك، والولاية لعلي عليه السلام (3). 20 - عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لما اسري بي إلى السماء إذا ملك قد أتاني فقال لي: يا محمد (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا (4) على ما بعثوا ؟ قلت: يا معاشر الرسل والنبيين على ما بعثكم الله ؟ قالوا: على ولايتك و ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام (5). أقول: فلاحظ أيها الاخ المكرم، كيف وقع الاقرار بنبوة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والولاية لعلى عليه السلام معا موردا لبعثة الأنبياء العظام عليهم السلام ؟


1 - المصدر السابق ج 1 ص 131. 2 - عبقات الانوار المعرب ج 4 ص 108. 3 - ينابيع المودة ج 2 ص 62 ط اسلامبول. 4 - الزخرف 45. 5 - شواهد التنزيل ج 2 ص 156 وفرائد السمطين ج 1 ص 81 وتاريخ دمشق ج 2 ص 97.

[74]

21 - عن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (في يوم الدار، بعد إجتماع قريش و أكلهم الطعام): (يا بني عبد المطلب ! إني، والله، ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد أمرنى الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي و خليفتي فيكم ؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا وقلت - وإنى لأحدثهم سنا و أرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا -: أنا يا نبى الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتى، ثم قال: إن هذا أخى ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبى طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع (1). أقول: فانظر، أيها الأخ الأعز ! كيف حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى ما امر به من الرسالة دعاهم إلى الوصاية والولاية لعلى عليه السلام، وقال: أطيعوه واسمعوا له. و هذا دليل على أن الرسالة والنبوة والولاية والخلافة لا تنفك إحداهما عن الاخرى. اللهم بحق على أمير المؤمنين ثبتنا على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. 22 - عن أبي هارون العبدى، عن أبي سعيد الخدرى قال: (إن النبي صلى الله عليه واله وسلم يوم دعا الناس إلى علي (بن أبي طالب عليه السلام) في غدير خم أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك، فقم، وذلك يوم الخميس. ثم دعا الناس إلى على عليه السلام فأخذ بضبعه فرفعه حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه، ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الاية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاءسلام دينا (2). فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي عليه السلام (3).


1 - تاريخ الطبري ج 2 ص 321 تحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم. 2 - المائدة 3. 3 - فرائد السمطين ج 1 ص 73.

[75]

أقول: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نبه بتكبيره وحمده على أن إكمال الدين وتمام الرسالة ورضا الرب برسالته وولاية على عليه السلام معا، فأشاد: أيها الناس إن ولاية على لا تنفك عن النبوة والرسالة. 23 - عن زاذان، عن سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (كنت أنا وعلي نورا بين يدى الله مطيعا، يسبح ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم ركز ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شئ واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب فجزء أنا وجزء على (1). 24 - عن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا على ! خلقني الله وخلقك من نوره، فلما خلق آدم عليه السلام أودع النور في صلبه، فلم نزل أنا وأنت شيئا واحدا، ثم افترقنا في صلب عبد المطلب، ففى النبوة والرسالة، وفيك الوصية والامامة (2). 25 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: (لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه، التفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمسة أشباح سجدا وركعا، قال آدم: يا رب هل خلقت أحدا من طين قبلى ؟ قال: لا، يا آدم ! قال: فمن هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي ؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك، لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الارض ولا الملائكة ولا الأنس والجن. فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر و هذه فاطمة (3)، وأنا الأحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت


1 - كفاية الطالب الباب 87 ص 315. 2 - انتهاء الافهام للعلامة المولوي السيد أبي محمد الحسيني ص 224 (على ما في ذيل إحقاق الحق ج 5 ص 253). 3 - لا يخفى إختلاف مادة اشتقاقهما ففاطر من فطر وفاطمة من فطم فلعل المراد بالاشتقاق هو الاشتقاق الكبير.

[76]

بعزتي أنه لا يأتيني أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض أحدهم إلا أدخلته ناري و لا ابالي، يا آدم هؤلاء صفوتي من خلقي، بهم انجيهم، وبهم اهلكهم، فإذا كان لك إلي حاجة فبهؤلاء توسل (1). 26 - روى أنه قال صلى الله عليه واله وسلم لعلى: (أنا وأنت أبوا هذه الامة (2).


1 - فرائد السمطين ج 1 ص 37. 2 - مفردات الراغب حرف الالف.

[77]

الفصل 6 شطر من الأخبار التي وردت باتحاد الولاية والرسالة إن النبوة والولاية كانتا متحدتين بين يدى الله عز وجل قبل خلق العالم، وهما مرتضعتان من ثدي واحد، ومشتقتان من منبع واحد لا تنفك إحداهما عن الأخرى في حال من الأحوال، وفي عالم من العوالم. وها نحن نورد لك شطرا من الأخبار والأحاديث التى وردت بذلك من العامة حتى تكون لك ذكرا ولنا ذخرا ليوم التناد إن شاء الله تعالى. 1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (خلقت أنا وعلي من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام، فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم يزل شيئا واحدا افترقنا في صلب عبد المطلب، وفي النبوة، وفي علي الوصية (1). 2 - عن سلمان الفارسى رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (خلقت أنا و على بن أبي طالب من نور الله عزوجل عن يمين العرش نسبح الله ونقدسه من قبل أن يخلق الله عزوجل آدم بأربعة عشر ألف سنة، فلما خلق الله آدم نقلنا إلى أصلاب الرجال، وأرحام النساء الطاهرات، ثم نقلنا إلى صلب عبد المطلب، و قسمنا نصفين فجعل نصف في صلب أبي: عبد الله وجعل نصف (آخر) في صلب


1 - ينابيع المودة ص 256.

[78]

عمي أبي طالب، فخلقت من ذلك النصف، وخلق على من النصف الآخر - إلى أن قال - وكان إسمي في الرسالة والنبوة، وكان إسمه في الخلافة والشجاعة، وأنا رسول الله وعلى ولي الله (1). 3 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لما اسري بي إلى السماء أمر (الله) بعرض الجنة والنار على، رأيت الجنة وألوان نعميمها - إلى أن قال: - على الباب الاول منها مكتوب: (لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي ولي الله، لكل شئ حيلة، وحيلة طيب العيش في الدنيا أربع خصال: القناعة ونبذ الحقد وترك الحسد ومجالسة أهل الخير). وعلى الباب الثاني منها مكتوب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله. لكل شئ حيلة، وحيلة السرور في الاخرة أربع خصال: مسح رأس اليتامى، والتعطف عل الأرامل، والسعي في حوائج المسلمين، وتفقد الفقراء والمساكين). وعلى الباب الثالث منها مكتوب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولي الله، لكل شئ حيلة، وحيلة الصحة في الدنيا أربع خصال: قلة الكلام وقلة المنام وقلة المشي وقلة الطعام). وعلى الباب الرابع منها مكتوب: (لا إله الا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليبر والديه، من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو يسكت). وعلى الباب الخامس منها مكتوب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولى الله، من أراد أن لا يذل فلا يذل، ومن أراد أن يشم فلا يشم، من أراد أن لا يظلم فلا يظلم، من أراد أن يتمسك بالعروة الوثقى فليتمسك بقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولى الله)


1 - فرائد السمطين ج 1 ص 41.

[79]

وعلى الباب السادس منها مكتوب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، من أحب أن يكون قبره واسعا فسيحا فلينق المساجد، من أحب أن لا يأكله الديدان تحت الأرض فليكنس المساجد، من أراد أن لا يظلم لحده فلينور المساجد، من أراد أن يبقى طريا تحت الأرض، ولا يبلى جسده فلينشر بسط المساجد). وعلى الباب السابع منها مكتوب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولى الله، بياض القلب في أربع خصال: في عيادة المريض، واتباع الجنائز، وشراء أكفان الموتى، ودفع القرض). وعلى الباب الثامن منها مكتوب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولى الله. من أراد الدخول من هذه الابواب الثمانية فليتمسك بأربع خصال: بالصدق، والسخاء، وحسن الاخلاق، وكف الأذى عن عباد الله عزوجل (1) 4 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذى بعثنى بالحق بشيرا ما استقر الكرسي و لا العرش، ولا دار الفلك ولا قامت السماوات ولا الأرض، إلا بأن كتب عليها: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولى الله (2). 5 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (لا يجوز أحد الصراط إلا وله براة بولايته وولاية أهل بيته. قال أبو سعيد: يا رسول الله ما معنى براة على ؟ قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولى الله (3). 6 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من قال لا إله الا الله تفتحت له أبواب السماء، ومن تلاها محمد رسول الله تهلل وجه الحق سبحانه واستبشر بذلك، ومن تلاها على


1 - فرائد السمطين ج 1 ص 239 / الباب 47. 2 - البحار ج 38 ص 121 بلفظ آخر. 3 - البحار ج 39 ص 202.

[80]

ولى الله غفر الله له ذنوبه ولو كانت بعدد قطر المطر (1). 7 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (ألا فليكن صدقاتكم من قلوبكم وألسنتكم، قالوا: كيف يكون ذلك، يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه واله وسلم: (أما القلوب فتعقدونها على حب الله، و حب محمد رسول الله، وحب على ولى الله - إلى - فأما الألسنة فتطلقونها بذكر الله بما هو أهله، والصلاة على نبيه محمد وآله الطيبين، فإن الله تعالى بذلك يبلغكم أفضل الدرجات، وينيلكم به المراتب العاليات (2). 8 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لما عرج بى إلى السماء وعرضت علي الجنة وجدت على أوراق الجنة مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب ولي الله (3). 9 - وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (أتاني جبرئيل، وقد نشر جناحيه فإذا مكتوب فيها: لا إله إلا الله، محمد النبي. وعلى آخر: لا إله إلا الله، علي الوصي 5). 10 - عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، قال: (هبط على النبي ملك - إلى قوله: - فإذا بين منكبيه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي الصديق الأكبر 6). 11 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (مكتوب على العرش: لا إله إلا الله، محمد نبى الرحمة، و علي مقيم الجنة (4). وفي خبر آخر (علي مفتاح الجنة). 12 - في الهداية في مشروعية (الشهادة بالولاية) للعالم الجليل البحاثة الكبير، العراقي نقلا عن (السلافة في أمر الخلافة) للمراغي المصري، من علماء أهل السنة


1 - البحار ج 38: ص 318. 2 - البحار ج 9 ص 325. 3 - البحار ج 27 صص 8 و 11 و 10 والخبر الذي مر تحت رقم 8 رواه العلامة ابن حسنويه في در بحر المناقب على ما ذيل إحقاق الحق ج 4 ص 281. 4 - البحار ج 27: صص 8 و 11 و 10 والخبر الذي مر تحت رقم 8 رواه العلامة ابن حسنويه في در بحر المناقب على ما ذيل إحقاق الحق ج 4 ص 281. (*).

[81]

(ص 32): (أخرج أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقال: يا رسول الله إن أبا ذر يذكر في الأذان بعد الشهادة بالرسالة الشهادة بالولاية لعلى (عليه السلام) ! قال صلى الله عليه واله وسلم: كذلك، أو نسيتم قولي في غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ؟. 13 - وأيضا في ص 33، قال: (دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه واه وسلم، فقال: يا رسول الله ! إني سمعت أمرا لم أسمع قبل ذلك، فقال صلى الله عليه واله وسلم: ما هو ؟ قال: سلمان قد يشهد في أذانه بعد الشهادة بالرسالة، الشهادة بالولاية لعلي عليه السلام، قال صلى الله عليه واله وسلم: سمعت خيرا). 14 - عن عبد الله بن سلام، قال: (قلت: يا رسول الله ! أخبرني عن لواء الحمد ما صفته ؟ - وساق الحديث إلى أن قال صلى الله عليه واله وسلم: - مكتوب عليها (أي على ذؤابة لواء الحمد) ثلاثة أسطر، السطر الاول: بسم الله الرحمن الرحيم، والسطر الثاني: الحمد لله رب العالمين، والسطر الثالث: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولى الله (1). 15 - عن القاسم بن معاوية، قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: هؤلاء يروون حديثا في معراجهم أنه لما اسري برسول الله صلى الله عليه واله وسلم رأى على العرش: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، أبو بكر الصديق)، فقال: سبحان الله غيروا كل شئ حتى هذا ؟ ! قلت: نعم. قال: إن الله عز وجل لما خلق العرش كتب على قوائمه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على امير المؤمنين)، ولما خلق الله عز وجل الماء كتب في مجراه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على امير المؤمنين) ولما خلق الله عزوجل الكرسي كتب على قوائمه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على امير المؤمنين)، ولما خلق الله عزوجل اللوح كتب فيه (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين)، ولما خلق الله عزوجل إسرافيل كتب على جبهته: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين)، ولما خلق الله عزوجل جبرئيل كتب على


1 - ينابيع المودة ص 252 ط اسلامبول.

[82]

جناحه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين) ولما خلق الله عز وجل السماوات كتب في أكنافها: (لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين). ولما خلق الله عزوجل الارضين كتب في أطباقها: (لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين). ولما خلق الله عزوجل الجبال كتب في رؤوسها: (لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين)، ولما خلق الله عز وجل الشمس كتب عليها: (لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين)، ولما خلق الله عز وجل القمر كتب عليه: (لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي امير المؤمنين)، - الى أن قال عليه السلام: - فإذا قال أحدكم: لاإله إلا الله، محمد رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنين ولي الله (1). 16 - لما انتهى إلى النجاشي ملك الحبشة خبر النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لأصحابه: إنى مختبر هذا الرجل بهدايا أنفذ إليه. ثم أعدله تحفا عظيما وفيها من الفصوص ياقوت وعقيق، فقال: إن كان الرجل يطلب الدنيا والملك فهو يختار الياقوت، وإن كان نبيا حقا فإنه يختار العقيق، فلما وصلت الهدايا إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم قسمها على أصحابه، ولم يأخذ لنفسه سوى فص عقيق أحمر، ثم أعطاه لعلي وقال: يا على ! فاكتب سطرا واحدا (لا إله إلا الله) فمضى علي فقال للنقاش: اكتب عليه ما يحب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (لاإله إلا الله)، فقال له: أكتب ما احب أنا (محمد رسول الله) صلى الله عليه واله وسلم، فلما جاء به إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم وجد عليه ثلاثة أسطر، فقال: يا على ! أمرتك أن تكتب عليه سطرا واحدا فكتبت عليه ثلاثة أسطر ؟ ! فقال عليه السلام: وحقك، يارسول الله ! ما أمرته أن يكتب عليه، إلا ما أحببت (لاإله إلا الله)، وما أحببت أنا (محمد رسول الله) صلى الله عليه واله وسلم فهبط جبرئيل الأمين عليه السلام فقال: رب العزة يقول: كتبت ما تحب (لاإله إلا الله)، وعلى كتب ما يحب (محمد رسول الله)، وأنا كتبت ما احب


1 - البحار ج 27 ص 1.

[83]

(على ولى الله (1). 17 - عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن ميلاد علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبه المسيح عليه، إن الله تبارك وتعالى خلق عليا من نوري، وخلقني من نوره، وكلانا من نور واحد، ثم إن الله عز وجل نقلنا من صلب آدم عليه السلام إلى أصلاب طاهرة وأرحام زكية، فما نقلت من صلب إلا ونقل على معى، فلم نزل حتى استودعني خير رحم وهي آمنة، واستودع عليا خير رحم، وهي فاطمة بنت أسد. وكان في زماننا رجل زاهد عابد يقال له: مبرم، قد عبد الله تعالى مائتين و سبعين سنة... لم يسأل الله حاجة، فبعث الله إليه أبا طالب، فلما أبصره المبرم قام إليه و قبل رأسه، وأجلسه بين يديه، ثم قال له: من أنت ؟ فقال: رجل من تهامة، فقال: من أي تهامة ؟ فقال: من بني هاشم. فوثب العابد، فقبل رأسه ثانية، ثم قال: يا هذا، إن العلي الا على ألهمنى إلهاما، قال أبو طالب: وما هو ؟ قال: ولد يولد من ظهرك، وهو ولي الله عز وجل، فلما كانت الليلة التي ولد فيها علي أشرقت الأرض، فخرج أبو طالب وهو يقول: أيها الناس ولد في الكعبة ولى الله (2). 18 - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لما خلق الله آدم عليه السلام نفخ فيه من روحه فعطس آدم، فقال: الحمد لله، فأوحى الله إليه أن يا آدم، حمدتني يا عبدى، وعزتي وجلالى، لو لا العبدان اللذان أريد أن أخلقهما ما خلقتك في دار الدنيا، قال: إلهي فيكونان مني ؟ قال: نعم، يا آدم ارفع رأسك فانظر، فرفع رأسه فإذا مكتوب على العرش: (لاإله إله الله، محمد رسول الله نبي الرحمة، على ولى الله مقيم الحجة لله على عباده، من عرف حقه زكى وطاب، و


1 - الاربعين للحافظ أبي محمد بن أبي الفوارس ص 50 المخطوط على ما في ذيل إحقاق الحق. ج 4 ص 143. 2 - كفاية الطالب الباب 7: ص 406.

[84]

من أنكر حقه كفر وخاب، أقسمت بعزتي إني ادخل النار من عصاه، وإن أطاعني. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1). تذييل: في أقوال الفقهاء حول إقتران الشهادتين بالشهادة بالولاية في الأذان. 1 - قال العلامة السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي، في منظومته (الدرة النجفية) عند ذكر سنن الأذان وآدابه: أو سنة ليس من الفصول * لكنها من أعظم الأصول وأكمل الشهادتين بالتي * قد أكمل الدين بها في الملة فإنها مثل الصلاة خارجة * عن الخصوص بالعموم والجهة 2 - عن العلامة المجلسي - نور الله مرقده -: (وأقول: لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان، لشهادة الشيخ والعلامة والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها (2). 3 - عن شيخ الفقهاء صاحب الجواهر رحمه الله: (لا بأس بذكر ذلك (أي الشهادة بالولاية) لا على سبيل الجزئية، عملا بالخبر المزبور (وهو: فإذا قال أحدكم: لاإله إلا الله، محمد رسول الله، فليقل: علي امير المؤمنين ولى الله)، ولا يقدح مثله في الموالاة والترتيب، بل هي كالصلاة على محمد صلى الله عليه واله وسلم عند سماع إسمه - إلى أن قال: - لولا تسالم الأصحاب لأمكن دعوى الجزئية، بناء على صلاحية العموم لمشروعية الخصوصية (3). 4 - قال المحدث القمي، في المنتهى: (وأما ماروي من الشاذ من قول (أن


1 - الاربعين للحافظ أبي محمد بن أبي الفوارس على ما في ذيل احقاق الحق چ 4 ص 144. 2 - البحار ج 84 ص 111. 3 - جواهر الكلام ج 9 ص 87.

[85]

عليا ولى الله، وآل محمد خير البرية)، فمما لا يعول عليه 1. نعم، في الصادقي: إذا قال أحدكم: (لاإله إلا الله، ومحمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم)، فليقل: (علي امير المؤمنين (ولي الله) فيدل على استحباب ذلك عموما، والأذان من تلك المواضع (2). 5 - لا بأس بالأتيان به بقصد الأستحباب المطلق، لما في خبر الاحتجاج: (إذا قال أحدكم: لاإله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فليقل: علي ولى الله، أمير المؤمنين). بل ذلك في هذه الاعصار معدود من شعار الايمان، ورمز إلى التشيع، فيكون من هذه الجهة راجحا شرعا، بل قد يكون واجبا (3). 6 - (بل يستفاد من بعض الأخبار استحباب الشهادة بالولاية بعد الشهادة بالرسالة (4). 7 - (ولولا رمى الشيخ والعلامة لهذه الأخبار بالشذوذ وادعاء الشيخ رحمه الله وضعها لأمكن الألتزام بكون ما تضمنه هذه المراسيل من الشهادة بالولاية والأمامة لقاعدة التسامح - إلى قوله: - فالأ ولى أن يشهد لعلي عليه السلام بالولاية، وإمرة المؤمنين قاصدا به لأمتثال العمولات الدالة على إستحبابه، لا الجزئية من الاذان (5). وقال السيد الاكبر، العلامة السيد شرف الدين العاملي قدس سره في كتاب القيم (النص والاجتهاد (6): (ويستحب الصلاة على محمد وآل محمد بعد ذكره صلى الله عليه واله وسلم، كما يستحب إكمال الشهادتين بالشهادة لعلى بالولاية لله تعالى وإمرة المؤمنين في الاذان والاقامة، وقد أخطأ وشذ من حرم ذلك وقال بأنه بدعة، فإن كل مؤذن في


1 - منتهى المطلب ج 1 ص 255 في الاذان والاقامة. 2 - سفينة البحار جلد 1: ص 16 مادة " أذن ". 3 - مستمسك العروة الوثقى ج 5 ص 545. 4 - رياض المسائل في بيان الاحكام بالدلائل ج 1 ص 151. 5 - مصباح الفقيه للمحقق الحاج آغا رضا المهداني جزء الصلاة: ص 221. 6 - طبع مطبعة سيد الشهداء بقم ص 243.

[86]

الأسلام يقدم كلمة للاذان يوصلها به كقوله: وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا - الاية (1) أو نحوها، ويلحق به كلمة يوصله بها كقوله: (الصلاة والسلام عليك يا رسول الله) أو نحوها، وهذا ليس من المأثور عن الشارع في الأذان، وليس ببدعة ولا هو محرم قطعا، لأن المؤذنين لا يرونه من فصول الأذان، وإنما يأتون به عملا بأدلة عامة تشمله، وكذلك الشهادة لعلي بعد الشهادتين في الأذان، فإنما هي عمل بأدلة عامة تشملها، على أن الكلام القليل من سائر كلام الادميين لا يبطل به الأذان ولا الإقامة ولا هو حرام في أثنائها، فمن أين جاءت البدعة والحرام ؟ (إذا لم يكن بقصد الجزئية) وما الغاية بشق عصا المسلمين في هذه الأيام ؟ !) الاستدراك عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال لعلي عليه السلام: يا علي ! إن الله تعالى قال لي: يا محمد بعثت عليا مع الانبياء باطنا ومعك ظاهرا 2. وقال صلى الله عليه واله وسلم: ما من نبي إلا وبعث معه علي باطنا ومعي ظاهرا 3. وقال صلى الله عليه واله وسلم: بعث علي مع كل نبي سرا ومعي جهرا 4. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الارض لكفاهم ثم قال: إن موسى عليه السلام لما سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجل فجعله دكا 5.


1 - الاسراء: 111. 2 - الجزائري: الانوار النعمانية ج 1 ص 30 3 - ابن أبي جمهور: المجلى ص 368. 4 - المصدر ص 309. 5 - ابن ادريس: مستطرفات السرائر عن كتاب السياري.

[87]

من كتاب مدينة العلم للصدوق رحمه الله: سأل منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام عن مجاورة النجف عن قبر أمير المؤمنين عليه السلام وعند قبر الحسين عليه السلام فقال عليه السلام: إن مجاورة ليلة عند أمير المؤمنين أفضل من عبادة سبع مائة عام وعند الحسين عليه السلام أفضل من سبعين عاما وسأله عن الصلاة عن قبر أمير المؤمنين عليه السلام فقال: الصلاة عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام مائة ألف صلاة وسكت عن الصلاة عند قبر الحسين عليه السلام 1. قال الامام العسكري عليه السلام في حديث طويل: لو أمرت أحدا أن يسجد هكذا لغير الله لامرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين أن يسجدوا لمن توسط في علوم علي وصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم 2. روى العلامة المولى صالح الترمذي: دخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم ضاحكا في بيت علي عليه السلام فقال: قدمت لابشرك يا أخي بأن جبرئيل نزل بي من ساعتي هذه برسالة من عند الله وهي أن الله تعالى يقول: يا أحمد بشر عليا بأن أحبائك مطيعهم وعاصيهم من أهل الجنة فسجد علي شكرا لله وقال: اللهم اشهد فاني قد اعطيتهم نصف حسناتي فقالت فاطمة: اللهم اشهد وأنا قد أعطيتهم نصف حسناتي. فقال الحسن والحسين: ونحن قد أعطيناهم نصف حسناتنا. فقال رسول اله صلى الله عليه واله وسلم: ولستم بأكرم مني وأنا قد أعطيتهم حسناتي فنزل جبرئيل فقال: يارسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن الله تبارك وتعالى يقول: لستم بأكرم مني وقد غفرت سيئات محبي علي وأرزقهم الجنة ونعيمها 3.


1 - الطهراني: الذريعة ج 20 / عن مدينة العلم [ايضا] بحر المعارف ص 487 ط الحجري. 2 - المجلسي: بحار الانوار ج 21: ص 229. 3 - عبد الرسول الغفار: ملامح شخصية الامام علي عليه السلام ص 48 نقلا عن المناقب المرتضوية، ص 206 ط بمبئي.

[88]

الفصل 7 في أن ولاية علي عليه السلام أحسن وسيلة لرفع الأختلاف 1 - عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: (ألا يا أيها الناس اسمعوا عني حديثي ثم اعقلوه عني، ألا وإنى اوتيت علما كثيرا، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لقالت طائفة منكم: هو مجنون، وقالت طائفة اخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان - إلى أن قال: - أما والذي نفس سلمان بيده لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم (1)، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء، و لودعوتم الحيتان من البحار لأتتكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش (2) لكم سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره، فأبشروا بالبلاء (126). 2 - عن أبى ذر الغفاري رضي الله عنه وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: (أيها الناس ! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فسانبئه بإسمي: فأنا جندب أبو ذر الغفاري - إلى أن قال: - ألا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وجعلتم الولاية حيث جعلها الله لما عال ولي الله، ولما ضاع فرض


1 - أقدامكم خ ل. 2 - أي مال عن الهدف. 3 - الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 111 ط بيروت.

[89]

من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم من أحكام الله... فذوقوا وبال ما كسبتم (1). 3 - عن فاطمة الزهراء عليها السلام: (أما والله، لو تركوا الحق على أهله، واتبعوا عترة نبيه، لما اختلف في الله اثنان، ولورثها سلف عن سلف، وخلف بعد خلف حتى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين، ولكن قدموا من أخره الله، وأخروا من قدمه الله حتى إذا ألحدوا المبعوث، وأودعوه الجدث المجدوث، واختاروا بشهوتهم، وعملوا بآرائهم. تبا لهم، أو لم يسمعوا الله يقول: وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (2) ؟ بل سمعوا ولكنهم كما قال الله سبحانه: فإنها لا تعمى الاءبصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور (3) هيهات ! بسطوا في الدنيا آمالهم، ونسوا آجالهم، فتعسا لهم (4). والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 4 - عن الحسن بن على عليه السلام: (اقسم بالله، لو أن الناس سمعوا قول الله وقول رسوله لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما اختلف في هذه الامة سيفان، وما طمعت فيها يا معاوية، ولكن لما اخرجت سالفا عن معدنها، وزحزحت عن قواعدها تنازعتها قريش بينها، وترامتها كترامي الكرة - إلى أن قال: - وقد سمعت هذه الامة قول النبي صلى الله عليه واله وسلم لأبي: إنه مني بمنزلة هارون من موسى، إلا إنه نبي بعدي - الحديث (5). والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 5 - عن إبن عباس: (أيم الله، أن لو قدم من قدم الله، واخر من أخر الله ما عالت فريضة).


1 - البحار ج 27: ص 319. 2 - القصص: 68. 3 - الحج: 46. 4 - البحار ج 36 ص 353 والجدث: القبر والمجدوث: المحفور. 5 - نهج الصباغة في شرح نهج البلاغة ج 3 ص 448.

[90]

الفصل 8 في أن الله عز وجل ألقى الحقائق على لسان المخالف قال إبن أبي الحديد - عند شرح كلام علي عليه السلام (خطبة 154 من نهج البلاغة: (نحن الشعار والأصحاب، والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا -: (واعلم أن أمير المؤمنين عليه السلام لو فخر بنفسه، و بالغ في تعديد مناقبه وفضائله بفصاحته التى آتاه الله تعالى إياها واختصه بها وساعده على ذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به الرسول الصادق - صلوات الله عليه - في أمره، ولست أعني بذلك الأخبار العامة الشائعة التي يحتج بها الأمامية على إمامته كخبر الغدير، والمنزلة، وقصة براءة، وخبر المناجاة، وقصة خيبر، وخبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة، ونحو ذلك، بل الأخبار الخاصة التي رواها فيه أئمة الحديث التى لم يحصل أقل القليل منها لغيره. وأنا أذكر من ذلك شيئا يسيرا مما رواه علماء الحديث الذين لا يتهمون فيه، وجلهم قائلون بتفضيل غيره عليه، فروايتهم فضائله توجب سكون النفس ما لا توجبه رواية غيرهم - ثم قال: -. الخبر الاول: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم): (يا على ! إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها، هي زينة الأبرار عند الله تعالى: الزهد في الدنيا، جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا، ولا ترزأ الدنيا منك شئ، ووهب لك حب المساكين،

[91]

فجعلك ترضى بهم أتباعا، ويرضون بك إماما). رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف ب‍ (حلية الأولياء). وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند: (فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك). الخبر الثاني: (قال لوفد ثقيف): (لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا منى - أو قال: عديل نفسي - فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم، قال عمر: فما تمنيت الامارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا. فالتفت فأخذ بيد علي وقال: هو هذا - مرتين -). رواه أحمد في المسند. الخبر الثالث: (إن الله عهد إلي في علي عهدا، فقلت: يا رب بينه لي. قال: اسمع، إن عليا راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه فقد أحبني، ومن أطاعه فقد أطاعني، فبشره بذلك، فقلت: قد بشرته يا رب، فقال: أنا عبد الله وفي قبضته، فإن يعذبني فبذنوني، لم يظلم شيئا، وإن يتم لي ما وعدني فهو أولى بي. وقد دعوت له فقلت: اللهم اجل قلبه، واجعل ربيعه الأيمان بك، قال: قد فعلت ذلك غير أني مختصه بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي، فقلت: رب ! أخي وصاحبي، قال: إنه سبق في علمي أنه لمبتل ومبتلى). ذكره أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء عن أبي برزة الأسلمي، ثم رواه بإسناد آخر بلفظ آخر عن أنس بن مالك: (إن رب العالمين عهد في علي إلي عهدا أنه راية الهدى، ومنار الأيمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني. إن عليا أميني غدا في القيامة، وصاحب رايتى، بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي). الخبر الرابع: (من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه، وإلى آدم في علمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب). رواه أحمد بن حنبل في المسند، ورواه أحمد البيهقي في صحيحه.

[92]

الخبر الخامس: (من سره أن يحيي حياتي، ويموت ميتتي، ويتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده ثم قال لها: كوني، فكانت، فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب). ذكره أبو نعيم الحافظ في كتاب حلية الأولياء. الخبر السادس: (والذى نفسي بيده، لو لا أن تقول طوائف من امتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت اليوم فيك مقالا لاتمر بملاء من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة). ذكره أبو عبد الله، أحمد بن حنبل في المسند. الخبر السابع: (خرج صلى الله عليه وآله على الحجيج عشية عرفة فقال لهم: إن الله باهي بكم الملائكة عامة، وغفر لكم عامة، وباهي بعلي خاصة وغفر له خاصة. إنى قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي: إن السعيد، كل السعيد، حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته). رواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في كتاب فضائل علي عليه السلام وفي المسند أيضا الخبر الثامن: رواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في الكتابين المذكورين: (أنا أول من يدعى به يوم القيامة، فأقوم عن يمين العرش في ظله، ثم اكسى حلة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض، فيقومون عن يمين العرش، ويكسون حللا، ثم يدعى بعلي بن أبي طالب لقرابته منى ومنزلته عندي، ويدفع إليه لوائي لواء الحمد، آدم ومن دونه تحت ذلك اللواء. ثم قال لعلي: فتسير به حتى تقف بيني وبين إبراهيم الخليل، ثم تكسى حلة وينادي مناد من العرش: نعم العبد أبوك إبراهيم، و نعم الاخ أخوك على. أبشر فإنك تدعى إذا دعيت، وتكسى إذا كسيت، وتحيا إذا حييت). الخبر التاسع: (يا أنس ! اسكب لي وضوءا. ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين، وسيد المسلمين، ويعسوب الدين، وخاتم الوصيين، وقائد الغر المحجلين. قال أنس: فقلت: اللهم اجعله رجلا من

[93]

الأنصار، وكتمت دعوتي، فجاء علي عليه السلام فقال صلى الله عليه وآله وسلم: من جاء يا أنس ؟ فقلت: علي، فقام إليه مستبشرا، فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه، فقال علي: يا رسول الله - صلى الله عليك وآلك - لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل ! قال: وما يمنعني ؟ وأنت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي). رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء. الخبر العاشر: (ادعوا لي سيد العرب عليا، فقالت عائشة: ألست سيد العرب ؟ فقال: أنا سيد ولد آدم، وعليا سيد العرب. فلما جاء، أرسل إلى الأنصار، فأتوه، فقال لهم: يا معشر الأنصار ! ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا ؟ قالوا: بلى، يا رسول الله ! قال: هذا على، فأحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، فإن جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل). رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء. الخبر الحادى عشر: (مرحبا بسيد المؤمنين، وإمام المتقين، فقيل لعلى عليه السلام كيف شكرك ؟ فقال: أحمد الله على ما آتاني، وأسأله الشكر على ما أولاني، وأن يزيدني مما أعطاني). ذكره صاحب الحلية أيضا. الخبر الثاني عشر: (من سره أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن التى غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهما وعلما، فويل للمكذبين من امتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي). ذكره صاحب الحلية أيضا. الخبر الثالث عشر: (بعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خالد بن الوليد في سرية، وبعث عليا عليه السلام في سرية اخرى، وكلاهما إلى اليمن، وقال: إن اجتمعتما فعلي على الناس، وان افترقتما فكل واحد منكما على جنده. فاجتمعا وأغارا، وسبيا نساء، و أخذا أموالا، وقتلا ناسا. وأخذ علي جارية فاختصها لنفسه، فقال خالد لأربعة من المسلمين منهم بريدة الأسلمي: اسبقوا إلى رسول الله، فاذكروا له كذا، واذكروا له كذا لأمور عددها على علي عليه السلام.

[94]

فسبقوا إليه، فجاء واحد من جانبه، فقال: إن عليا فعل كذا، فأعرض عنه، فجاء الآخر من الجانب الآخر فقال: إن عليا فعل كذا، فأعرض عنه، فجاء بريدة الأسلمي فقال: يا رسول الله إن عليا فعل ذلك، فأخذ جارية لنفسه. فغضب صلى الله عليه واله وسلم حتى احمر وجهه، وقال: دعوا لي عليا - يكررها - إن عليا مني، وأنا من علي، وإن حظه في الخمس أكثر مما أخذ، وهو ولي كل مؤمن من بعدي). رواه أبو عبد الله أحمد في المسند غير مرة، ورواه في كتاب فضائل علي، ورواه أكثر المحدثين. الخبر الرابع عشر: (كنت أنا وعلى نورا بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام. فلما خلق آدم قسم ذلك فيه وجعله جزئين، فجزء أنا، وجزء علي عليه السلام). رواه أحمد في المسند وفي كتاب فضائل علي عليه السلام. وذكره صاحب كتاب الفردوس وزاد فيه: (ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب، فكان لي النبوة، ولعلي الوصية). الخبر الخامس عشر: (النظر إلى وجهك، يا على، عبادة. أنت سيد في الدنيا، و سيد في الآخرة، من أحبك أحبني، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، الويل لمن أبغضك)، رواه أحمد في المسند. الحديث السادس عشر: (لما كانت ليلة بدر قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من يستقي لنا ماء ؟ فأحجم الناس (1)، فقام علي فاحتضن قربة (2)، ثم أتى بئرا بعيدة القعر مظلمة، فانحدر فيها، فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل أن تأهبوا (3) لنصر محمد أخيه وحزبه، فهبطوا من السماء، لهم لغط يذعر من يسمعه (4)، فلما حاذوا البئر سلموا عليه من عند آخر هم إكراما له وإجلالا). رواه أحمد في كتاب فضائل


1 - الاحجام: ضد الاقدام وأحجم أي كف. 2 - الاحتضان: احتمالك الشئ. 3 - أي تهيأوا والاهبة: العدة. 4 - اللغط: الصوت المبهم وذعر: فزع.

[95]

على عليه السلام. الحديث السابع عشر: (خطب صلى الله عليه واله وسلم الناس يوم الجمعة، فقال: أيها الناس ! قدموا قريشا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها، قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم. أيها الناس ! اوصيكم بحب ذي قرباها أخي، وابن عمي علي بن أبي طالب، لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، و من أبغضني عذبه الله بالنار). رواه أحمد في كتاب فضائل علي عليه السلام. الحديث الثامن عشر: (الصديقون ثلاثة: حبيب النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ومؤمن آل فرعون الذى كان يكتم إيمانه، وعلى بن ابي طالب، و هو أفضلهم). رواه أحمد في كتاب فضائل على عليه السلام. الحديث التاسع عشر: (اعطيت في على خمسا هن أحب إلى من الدنيا وما فيها: أما واحدة فهو كاب (أو متكاي) بين يدي الله عز وجل حتى يفرغ من حساب الخلايق. واما الثانية فلواء الحمد بيده، آدم ومن ولد تحته. وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي (1) يسقي من عرف من امتى. وأما الرابعة فساتر عورتي و مسلمي إلى ربي. وأما الخامسة فإني لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان، و لا زانيا بعد إحصان). رواه أحمد في كتاب الفضائل. الحديث العشرون: كانت لجماعة من الصحابة أبواب شارعة في مسجد الرسول صلى الله عليه واله وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام - يوما: (سدوا كل باب في المسجد إلا باب على، فسدت. فقال في ذلك قوم حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقام فيهم فقال: إن قوما قالوا في سد الأبواب، وتركي باب على، إنى ما سددت ولا فتحت، ولكني امرت بأمر فاتبعته). رواه أحمد في المسند مرارا وفي كتاب الفضائل.


1 - العقر: مؤخر الحوض.

[96]

الحديث الحادي والعشرون: (دعا صلى الله عليه واله وسلم عليا في غزاة الطائف فانتجاه، و أطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة ذلك، فقال قائل منهم: لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه. فبلغه - عليه الصلاة والسلام - ذلك، فجمع منهم قوما، ثم قال: إن قائلا قال: لقد أطال اليوم نجوى إبن عمه، أما إني ما انتجيته ولكن الله انتجاه). رواه أحمد في المسند. الحديث الثاني والعشرون: (يا على ! أخصمك (1) بالنبوة، فلا نبوة بعدي، و تخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش. أنت أولهم إيمانا بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصبرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية). رواه أبو نعيم، الحافظ، في حلية الأولياء. الخبر الثالث والعشرون: قالت فاطمة عليها السلام: (إنك زوجتني فقيرا لا مال له ! فقال صلى الله عيه واله وسلم: زوجتك أقدمهم سلما، وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما، ألا تعلمين أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك، ثم اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك ؟) رواه أحمد في المسند. الحديث الرابع والعشرون: لما انزل إذا جاء نصر الله والفتح بعد انصرافه عليه السلام من غزاة حنين جعل يكثر من سبحان الله، أستغفر الله، ثم قال: (يا على ! إنه قد جاء ما وعدت به، جاء الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، وإنه ليس أحد أحق منك بمقامي لقدمك في الاسلام، وقربك مني، وصهرك وعندك سيدة نساء العالمين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن، فأنا حريص على أن اراعى ذلك لولده). رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير القرآن. واعلم، أنا إنما ذكرنا هذه الأخبار هيهنا لأن كثيرا من المنحرفين عنه عليه السلام إذا مروا على كلامه في نهج البلاغة وغيره المتضمن للتحدث بنعمة الله عليه من


1 - أي أغلبم.

[97]

إختصاص الرسول صلى الله عليه واله وسلم له وتميزه إياه عن غيره ينسبونه إلى التيه والزهو والفخر، وقد سبقهم بذلك قوم من أصحابة، قيل لعمر: ول عليا أمر الجيش والحرب، فقال: (هو أتيه من ذلك (1). وقال زيد بن ثابت: (ما رأينا أزهى من علي واسامة). فأردنا بإيراد هذه الأخبار هيهنا عند تفسير قوله (نحن الشعار والأصحاب) أن ننبه على عظم منزلته عند الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وأن من قيل في حقه ما قيل لورقى إلى السماء، وعرج في الهواء، وفخر على الملائكة والأنبياء تعظما وتبجحا لم يكن ملوما، بل كان بذلك جديرا، فكيف وهو عليه السلام لم يسلك قط مسلك التعظم والتكبر في شئ من أقواله ولا من أفعاله، وكان ألطف البشر خلقا، وأكرمهم طبعا، و أشدهم تواضعا، وأكثرهم إحتمالا، وأحسنهم بشرا، وأطلقهم وجها حتى نسبه من نسبه إلى الدعابة والمزاح، وهما خلقان ينافيان التكبر والأستطالة. وإنما كان يذكر أحيانا ما يذكره من هذا النوع نفثة مصدور وشكوى مكروب وتنفس مهموم، ولا يقصد به إذا ذكره إلا شكرا للنعمة وتنبيه الغافل على ما خصه الله به من الفضيلة (2).


1 - رجل تائه: أي جسور في الامور. 2 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 9: ص 166 بتحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم.

[98]

الفصل 9 في الأخبار التي جاءت في فضائل على عليه السلام المشتملة على كلمة (والذي نفسي بيده) عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه 1 - عن أنس بن مالك، قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوما صلاة العصر، فأبطأ في الركعة الأولى حتى ظننا أنه سهى أو غفل، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم أوجز في صلاته، ثم أقبل علينا بوجهه كأنه القمر ليلة البدر، ثم قال: ما لى لا أرى أخي وابن عمى علي بن أبي طالب ؟ فقلنا: ما رأيناه يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم بأعلى صوته: يا علي، يا ابن عم ! فأجابه علي من آخر الصفوف: لبيك يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: ادن مني. فقال أنس: فما زال يتخطى أعناق المهاجرين والأنصار حتى دنا المرتضى من المصطفى، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: ما الذي خلفك عن الصف الأول ؟ قال: شككت أني على غير وضوء فأتيت إلى منزل فاطمة (عليه السلام) فناديت: يا حسن، يا حسين، فلم يجبني أحد، فإذا بهاتف يهتف بي من ورائي وهو ينادي: يا أبا الحسن ! التفت وراءك، فالتفت فإذا بطشت فيه سطل وفيه ماء وعليه منديل، فوضعت المنديل و توضأت، فوجدت الماء في لين الزبد وطعم الشهد ورائحة المسك، ثم التفت فلا أدري من وضع السطل والمنديل ولا من أخذه. فتبسم النبي صلى الله عليه واله وسلم في وجهه، وضمه إلى صدره، وقبل ما بين عينيه، ثم قال: ألا ابشرك ؟ أن السطل من الجنة و

[99]

ان الماء من الفردوس الأعلى، والذي هيأك للصلاة جبرئيل عليه السلام، والذي مندلك ميكائيل عليه السلام: والذي نفس محمد بيده، ما زال إسرافيل قابضا على منكبي حتى لحقت الصلاة، وقال، أصبر لنفسك وابن عمك (1)). 2 - عن جابر رضي الله عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم، فأقبل على ابن أبي طالب عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: قد أتاكم أخي، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثم قال، والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثم قال: إنه أولكم إيمانا معي، وأوفاكم بعهد الله تعالى، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعية، و أقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية. قال: وفي ذلك الوقت نزلت فيه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية (2)، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم إذ أقبل علي عليه السلام قالوا: قد جاء خير البرية (3). 3 - (والذي نفسي بيده، لولا أن تقول فيك طائفة من امتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بملأ إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ومن فضل طهورك، يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك 3). 4 - (والذي نفسي بيده، إن فيكم لرجلا يقاتل الناس من بعدي على تأويل القرآن - كما قاتلت المشركين على تنزيله - وهم يشهدون أن لاإله إلا الله، فيكبر قتلهم على الناس حتى يطعنون على ولي الله (4). 5 - (والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا، ولا يؤمنوا (لا يؤمنون


1 - كفاية الطالب الباب 72 ص 290 ط نجف. 2 - البينة: 7. 3 - المناقب للخوارزمي صص 62. 96 ورواه في البحار ج 40 صص 81 و 105 ورواه الهيتمي. في مجمع الزوائد ج 9: ص 131. 4 - كنز العمال ج 5: ص 613 من طرق العامة.

[100]

- ظ) حتى يحبوكم لله ولرسوله (1). 6 - (والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله النار 5). 7 - (والذي بعثني بالحق نبيا، لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم (2). 8 - (والذي نفسي بيده، لا يزول قدم عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن ماله مم كسبه وفيم أنفقه، ومن حبنا أهل البيت (3). ورواه الخوارزمي في المناقب، وفيه: (فقال عمر بن الخطاب: فما آية حبكم من بعدكم ؟ فوضع يده على رأس على عليه السلام - وهو إلى جانبه - وقال: إن حبي من بعدي حب هذا، وطاعته طاعتي، ومخالفته مخالفتي (4). 9 - لما آخى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين أصحابه فقال على عليه السلام: (يارسول الله، آخيت بين أصحابك، ولم تواخ بيني وبين أحد. فقال: والذي بعثني بالحق نبيا، ما اخرتك إلا لنفسي، فأنت معي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخى ووارثى، وأنت معي في قصري في الجنة مع إبنتي فاطمة، وأنت أخي و رفيقي (5). 10 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي، والذي نفسي بيده، إن على باب الجنة مكتوبا لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أخو رسول الله، قبل أن يخلق الله السموات والأرض بألفي سنة (6).


1 - الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي طبع مكتبة القاهرة: صص 172 و 174 و 232 وروى الحاكم الخبر الذي تحت رقم 6 في المستدرك ج 3 ص 150. 2 - الصواعق المحرقة ابن حجر الهيتمي طبع مكتبة القاهرة صص 172 و 174 و 232: وروى الحاكم الخبر الذي تحت رقم 6 المستدرك ج 3 ص 150. 3 - ينابيع المودة: ص 106. (4) - المناقب للخوارزمي، ص 35. (5) - ينابيع المودة ص 55. (6) - تذكرة الخواص، ص 22.

[101]

11 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي نفسي بيده، ما استوجب آدم أن يخلقه الله و ينفخ فيه من روحه، وأن يتوب عليه، ويرده إلى جنته، إلا بنبوتي، والولاية لعلى بعدي (1). 12 - (والذي نفسي بيده، ما أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض و لااتخذه خليلا، إلا بنبوتي، والأقرار لعلي بعدي (2) 13 - (والذي نفسي بيده، ما كلم الله موسى تكليما، ولا أقام عيسى آية للعالمين، إلا بنبوتي، ومعرفة على بعدي (3). 14 - (والذي نفسي بيده، ما تنبأ نبي، إلا بمعرفتي، والأقرار لنا بالولاية (4). 15 - (والذي نفسي بيده، لو عمل أحدكم عمل سبعين نبيا لم يدخل الجنة، حتى يحب هذا أخى عليا وولده. إن لله حقا لا يعلمه إلا أنا وعلي، وإن لي حقا لا يعلمه إلا الله وعلى، وله حق لا يعلمه إلا الله وأنا (5). 16 - (والذي نفس محمد بيده، إن فيها لشجرا يصفقن بالتسبيح بصوت لم يسمع الاولون والآخرون بمثله - إلى أن قال - والمؤمنون، يا على، على كراسي من نور، وأنت إمامهم (6). 17 - عن جبرئيل عليه السلام: (يا محمد ! والذي بعثك بالحق نبيا، لو أن أهل الأرض يحبون عليا كما يحبه أهل السماوات لما خلق الله نارا (7). 18 - (والذي بعثني بالحق، لقد زوجتك (يا فاطمة) سيدا في الدنيا، وسيدا


(1) - البحار، ج 40: ص 96. (2) - البحار، ج 40: ص 96. (3) - المصدر. (4) - المصدر. (5) - البحار، ج 27: ص 196. (6) - البحار، ج 27: ص 127. (7) - البحار، ج 39: صص 248 و 278.

[102]

في الآخرة، فلا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق (1). 19 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي بعثني بالحق، لا يقبل الله عزوجل من عبد فريضة من فرائضه، إلا بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن والاه قبل منه سائر الفرائض، ومن لم يواله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، ومأواه جهنم وساءت مصيرا (2). 20 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي نفس محمد بيده، لو أن عبدا جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا ما قبل الله ذلك منه، حتى يلقاه بولايتي، وولاية أهل بيتي (3). 21 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (والذي نفسي بيده، إنك (يا علي) لذواد عن حوضي يوم القيامة (4). 22 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي نفس محمد بيده، ما زال إسرافيل قابضا بيدي على ركبتي حتى لحقت (يا علي) معي الصلاة، وأدركت ثواب ذلك، أفيلومني الناس على حبك ؟ والله تعالى وملائكته يحبونك من فوق السماء (5). 23 - (والذى نفسي بيده، ما أنا أخرجتكم ولا أدخلتهم، ولكن الله أدخلهم و أخرجكم، ثم قال: لا ينبغي لا حد يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يبيت في هذا المسجد جنبا إلا محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (6). 24 - (والذى نبأ محمدا وأكرمه إنك (يا علي) الذائد عن حوضي، تذود عنه


(1) - البحار ج 39 صص 248 و 278. (2) جامع احاديث الشيعة، ج 1: ص 125. (3) - البحار ج 27: ص 172. (4) - الحقاق الحق، ج 4: ص 380. والذائد: الدافع، والذواد للمبالغة. (5) - البحار ج 39: ص 117. (6) - البحار، ج 39: ص 23.

[103]

رجالا كما تذاد البعير الصادي عن الماء، بيدك عصا من عوسج، كأني أنظر إلى مقامك من حوضي (1). 25 - (والذى نفسي بيده، لايدخل عبد الجنة حتى يحبني، ألا وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض هذا - وأخذ بكف علي عليه السلام (2). 26 - (والذى نفسي بيده، ما وجهت عليا قط في سرية إلا ونظرت إلى جبرئيل عليه السلام في سبعين ألفا من الملائكة في يمينه، وإلى ميكائيل عن يساره في سبعين ألفا من الملائكة، وإلى ملك الموت أمامه، وإلى سحابة تظله حتى يرزق حسن الظفر (3). 27 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي بعثني بالحق، يا علي، لو أحبك أهل الأرض كمحبة أهل السماء لك لما عذب أحد بالنار (4). 28 - (والذى نفسي بيده، لا تفارق روح جسد صاحبها حتى تأكل من ثمار الجنة، أو من شجرة الزقوم، وحين ترى ملك الموت تراني وترى عليا وفاطمة و حسنا وحسينا، فإن كان يحبنا قلت: يا ملك الموت ارفق به، إنه كان يحبني، و يحب أهل بيتي، وإن كان يبغضنا قلت: شدد عليه، إنه كان يبغضني، ويبغض أهل بيتى (5). 29 - (والذى نفسي بيده، لتقيمن الصلاة، وتؤتن الزكاة، أو لابعثن عليكم رجلا هو مني كنفسي (6).


(1) - البحار، ج 39: ص 270. (2) - المصدر. (3) - البحار، ج 39: ص 95. (4) البحار ج 39 ص 270. (5) - البحار، ج 6: ص 194. (6) - البحار، ج 38: ص 297، وينابع المودة، ص 38.

[104]

30 - (والذي بعثني بالحق نبيا، إن النار لاشد غضبا على مبغض علي منهم على من زعم أن الله ولدا (1). 31 - (والذي بعثني بالحق نبيا، لا يقبل الله من عبد حسنة حتى يسأله عن حب علي بن أبي طالب عليه السلام (2). 32 - (والذي بعثني بالنبوة، واصطفاني على جميع البرية، لو أن عبدا عبد الله ألف عام ما قبل ذلك منه إلا بولايتك وولاية الائمة من ولدك، وإن ولايتك لا تقبل إلا بالبراءة من أعدائك وأعداء الأئمة من ولدك، بذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام (3). 33 - (والذي بعثني بالحق، ما بعث الله نبيا أكرم عليه مني، ولا وصيا أكرم عليه من وصيي (4). 34 - (والذي بعثني بالحق، نبيا لا يخرج أحد خالفه (يعني عليا) من الدنيا و أنكر حقه حتى يغير الله تعالى ما به من نعمة (5). 35 - (والذي بعثني بالحق، نبيا إنكم لم تؤمنوا حتى يكون محمد وآله أحب إليكم من أنفسكم وأهليكم وأموالكم ومن في الأرض جميعا (6). 36 - (والذي بعثني بالحق، بالنبوة واصطفاني على جميع البرية ما نصبت عليا علما لامتي في الأرض حتى نوه الله باسمه في سماواته، وأوجب ولايته على ملائكته (7).


(1) - البحار، ج 39: ص 160. (2) - المصدر. (3) - البحار، ج 27: ص 63. (4) - البحار، ج 39: ص 160. (5) - المصدر. (6) - المصدر. (7) - البحار، ج 37: ص 109. ونوه به: شهره ورفعه.

[105]

37 - (والذي بعثني بالحق، بشيرا ما استقر الكرسي ولا العرش ولا دار الفلك، ولاقامت السماوات والأرض إلا بأن كتب عليها: لاإله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين (1). 38 - (والذي بعثني بالنبوة واصطفاني على جميع البرية، إني وإياهم (يعنى عليا والأئمة من ولده) لأكرم الخلق على الله عز وجل، وما على وجه الأرض نسمة أحب إلي منهم (2). 39 - (والذى نفسي بيده، لا ينتفع عبد بعمله إلا بمعرفتنا (3). 40 - (والذى نفسي بيده، لو أن رجلا صفن بين الركن والمقام صائما، و راكعا، وساجدا ثم لقي الله عز وجل غير محب لأهل بيتي، لم ينفعه ذلك (4). 41 - بحذف الاسناد، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن مسلم يقول: رأيت عمار بن ياسر شيخا آدما طويلا آخذا الحربة (يوم صفين) بيده ويده ترعد قال: (والذى نفسي بيده، لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى اله عليه واله وسلم ثلاث مرات، و هذه الرابعة. (والذى نفسي بيده، لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أن شيخنا عليه السلام على الحق، وأنهم على الضلالة (5). 42 - عن سعد بن وقاص: والذى نفس سعد بيده، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شيئا يقول في علي: (لو وضع المنشار على رأسي على أن أسبه ما سببته (6). 43 - عن معاوية بن ثعلبة، قال: (جاء رجل إلى أبي ذر، وهو جالس في


(1) - البحار، ج 38: ص 121. (2) - البحار، ج 28: ص 37. والنسمة: ذو روح وذو نفس. (3) - البحار، ج 27: ص 101. (4) - البحار، ج 47: ص 105. وصفن ارجل: صف قدميه وقام عليهما. (5) - المناقب للخوارزمي، ص 126. (6) - تاريخ إبن عساكر، ج 3: ص 55.

[106]

المسجد، وعلي عليه السلام يصلي أمامه فقال: يا أبا ذر ألا تحدثني بأحب الناس إليك ؟ فوالله، لقد علمت أن أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أحبهم اليك، قال: أجل، والذى نفسي بيده، أن أحبهم إلى أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو ذلك الشيخ، وأشار إلى علي عليه السلام (1). 44 - (والذي نفس عبد الله بن العباس بيده، لو كانت بحار الدنيا مدادا، و أشجارها أقلاما، وأهلها كتابا فكتبوا مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام وفضائله ما أحصوها (2). 45 - وقال عليه السلام: (والله، لا أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها (3). 46 - (والله، لا يبغضني عبد أبدا يموت على بغضي إلا رآني عند موته حيث يكره، ولا يحبني عبد أبدا فيموت على حبي إلا رآني عند موته حيث يحب (4). 47 - عن أنس بن مالك قال: (والله، الذي لاإله إلا هو سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب (5). 48 - عن عمرو بن الحمق الخزاعي، قال له عليه السلام: (والله، لو كلفتني نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي حتى يأتي علي يومي وفي يدي سيفي أهز به عدوك واقوي به وليك ما ظننت أني أديت حقك الذي يجب علي (6). 49 - عن جبرئيل عليه السلام: (والله الذى بعثك بالنبوة، واصطفاك بالرسالة، ما هبطت


(1) - المناقب للخوارزمي، ص 29 من طرق العامة. ورواه في البحار، ج 39: ص 275. (2) - ينابيع المودة، ص 122. (3) - البحار، ج 40: ص 191. (4) - البحار، ج 6: ص 199. (5) - البحار، ج 27: ص 142، وينابيع المودة، ص 91، وتاريخ بغداد، ج 4: ص 410. (6) - الأختصاص، ص 11.

[107]

في وقتي هذا الا لهذا: يا محمد ! الله العلي الأعلى يقرئ عليكما السلام، وقال: محمد نبي رحمتي، وعلي مقيم حجتي، لا اعذب من والاه وإن عصاني، ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني (1). 50 - قال أمير المؤمنين عليه السلام: (والذي نفسي بيده، لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الله إلا أنباتكم به (2). 51 - (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لأقمعن بيدي هاتين عن الحوض أعداءنا، ولاوردنه أحباءنا (3). 52 - (ورب العباد والبلاد والسبع الشداد لأذودن يوم القيامة عن الحوض بيدي هاتين (4). 53 - عن ام سلمة: والذي نفس ام سلمة بيده، إني لسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (5). 54 - عن حذيفة: (والذي نفس حذيفة بيده، لعمله في ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم إلى يوم القيامة (6)، يعنى يوم الخندق. 55 - عن أمير المؤمنين عليه السلام: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الامي إنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق (7). 56 - عن علي أمير المؤمنين عليه السلام: (والله، لرجل على يقين من ولايتنا أهل البيت خير ممن له عبادة ألف سنة. ولو أن عبدا عبد الله ألف سنه ثم جاء بعمل سبعين


(1) - البحار، ج 8: ص 3. (2) - البحار، ج 40: ص 152. (3) - البحار، ج 39: ص 216. (4) - المصدر. (5) - البحار، ج 38: ص 36. (6) - البحار، ج 39، ص 2. (7) - البحار، ج 39: ص 262.

[108]

نبيا ما يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت وإلا أكبه الله على منخريه في النار (1). 57 - (والله، لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت لأهل التوراة بتوراتهم، و لأهل الأنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الله التوراة والأنجيل فيقول صدق علي، قد أفتاكم بما انزل في وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (2). 58 - (والله، لو شئت أن اخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه واله وسلم. ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه (3). 59 - (والله، ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم انزلت، وأين انزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا سؤولا (4). 60 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم (والذي بعثني بالحق، لا يقبل الله من عبد حسنة حتى يسأله عن حب علي بن أبي طالب عليه السلام (5). 61 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم (أما والذى نفسي بيده، لئن أطاعوه (عليا عليه السلام) ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين (6). 62 - عن علي عليه السلام (والذي فلق الحبة وبرئ النسمة وتردى بالعظمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه واله وسلم إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (7).


(1) - مستدرك الوسائل، ج 1: ص 23. (2) - البحار، ج 40: ص 178. وثنى الشئ: رد بعضه على بعض. (3) - البحار، ج 40: ص 190. (4) - البحار، ج 40: ص 178. (5) - البحار، ج 37: ص 37. (6) - فرائد السمطين، ج 17: ص 123. (7) - فرائد السمطين، ج 1: ص 167.

[109]

63 - عن علي عليه السلام (فو الذي فلق الحبة، ما شككت بعد في قضاء بين اثنين (1). 64 - عن فاطمة الزهراء عليها السلام (والله، لو تركوا الحق على أهله واتبعوا عترة نبيه ما اختلف في الله إثنان (2). 65 - عن الحسن بن علي عليهما السلام (اقسم بالله، لو أن الناس سمعوا قول الله، وقول رسوله صلى الله عليه واله وسلم لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما اختلف في هذه الامة سيفان (3). 66 - عن سلمان عليه السلام (والذي نفس سلمان بيده، لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم ومن تحت أقدامكم، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء، ولو دعوتم الحيتان لأتتكم من البحار ولما عال ولي الله ولا طاش لكم سهم من فرائض الله ولا اختلف إثنان، ولكن أبيتم فوليتموها غيره فأبشروا بالبلاء (4). 67 - عن أبي جعفر عليه السلام (والله، إنا لخزان الله في أرضه لا على ذهب ولا على فضه إلا على علمه (5). 68 - عن أنس بن مالك (والله، الذي لاإله إلا هو لسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب (6). عن حذيفة اليماني (والذى نفسي بيده، إن آية الجنة والهداة إليها إلى يوم القيامة وأئمة الحق، لآل محمد صلى الله عليه واله وسلم، وإن آية النار وأئمة الكفر والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة، لغيرهم (7).


(1) - البحار، ج 36: ص 353. (2) - البحار، ج 36: ص 353. (3) - بهج الصباغة، ج 3: ص 348. (4) - الاحتجاج، ج 1: ص 111، ط بيروت. (5) - بصائر الدرجات، ص 104. (6) - تاريخ بغداد، ج 4: ص 410. (7) - أمالى المفيد رحمه الله، المجلس التاسع والثلاثون.

[110]

الاستدراك عن الله عزوجل: ان عليا عليه السلام إمام الهدى ومصباح الدجى والحجة على أهل الدنيا فإنه الصديق الاكبر والفاروق الاعظم وإني آليت بعزتي أن لا ادخل النار أحدا تولاه وسلم له وللاوصياء من بعده (1). عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: والذي نفس محمد بيده لو أن رجلا عبد الله ألف عام ثم ألف عام ما بين الركن والمقام ثم أتى جاحدا بولايتهم لاكبه الله في النار كائنا ما كان (2). وعنه صلى الله عليه واله وسلم يا علي والله ! لو أن رجلا صلى وصام حتى يصير كالشن البالي إذا ما نفع صلاته وصومه إلا بحبكم يا علي من توسل إلى الله بحبكم فحق على الله أن لا يرده يا علي من أحبكم وتمسك بكم فقد تمسك بالعروة الوثقى (3). وقال صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: والله ثم والله ثم والله ! لم أن الرجل جاء يوم القيامة و ذنوبه أكثر من ورق الجنة وقطر المطر وما في الارض من حجر أو مدر ثم لقي الله محبا لك ولاهل بيتك لادخله الله الجنة (4). قال الصادق عليه السلام: والله ! لو أن عابد وثن وصف ما تصفون عند خروج نفسه ما طمعت النار من جسده شيئا (5). عن علي عليه السلام: والذي رفع السماء بغير عمد لو أن أحدهم يعني الملائكة رام أن يزول من مكانه بقدر نفس واحد حتى آذن له وكذلك يصير حال


(1) المجلسي: بحار الانوار ج 27: ص 113. (2) الخزار القمي: كفاية الاثر ص 85 ط قم المقدسة. (3) المصدر ص 71. (4) منتخب الدين الاربعون حديثا / الحديث التاسع. (5) الهمداني: كتاب الطهارة ص 327.

[111]

ولدي الحسن وبعده الحسين وتسعة من ولد الحسين عليهم السلام تاسعهم قائمهم (1). عن أبي عبد الله عليه السلام: والله لا يموت عبد يحب الله ورسوله ويتولى الائمة فتمسه النار (2). عن إبن عباس: والذي نفس ابن عباس بيده ! لو كان بحار الدنيا مدادا، و الاشجار أقلاما وأهلها كتابا فكتبوا مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام من يوم خلق الله عزوجل الدنيا إلى أن يفنيها ما بلغوا معشار ما آتاه الله تبارك وتعالى (3).


(1) البحراني: مدينة المعاجز، ص 92 (الحديث طويل اخذنا منه موضع الحاجة). (2) رجال النجاشي / في ترجمة الحسن الوشاء. (3) درر بحار الانوار ج 3: ص 349.

[112]

الفصل 10 فضائل علي عليه السلام عن لسان جبرئيل عليه السلام 1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لما اسري بي إلى السماء، وصرت أنا وجبرئيل عليه السلام إلى السماء السابعة، قال جبرئيل عليه السلام: يا محمد، هذا موضعي، ثم زخ بي في النور زخة (1) فإذا أنا من ملائكة الله تعالى في صورة علي عليه السلام اسمه علي ساجد تحت العرش، يقول: اللهم اغفر لعلي وذريته ومحبيه وأشياعه وأتباعه، والعن مبغضيه وأعاديه وحسادة، إنك على كل شئ قدير (2)). 2 - (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رأى ملكا على صورة علي فظنه عليا، فقال: يا أبا الحسن، سبقتني إلى هذا المكان ؟ فقال جبرئيل عليه السلام: إن هذا ليس علي بن أبي طالب، هذا ملك على صورته، وإن الملائكة اشتاقوا إلى علي ابن أبي طالب عليه السلام فسألوا ربهم أن يكون من علي صورته فيرونه (3). 3 - (كان جبرئيل عيه السلام جالسا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم إذ أقبل علي فضحك جبرئيل عليه السلام، فقال: يا محمد ! هذا علي بن أبي طالب قد أقبل، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: يا جبرئيل، أيعرفونه أهل السماوات ؟ قال: يا محمد ! والذى بعثك بالحق نبيا، إن أهل


(1) - زخ: دفع ورمى. (2) - البحار، ج 39: ص 97. (3) - البحار، ج 39: ص 98.

[113]

السماوات لأشد معرفة له من أهل الأرض، ما كبر تكبيرة في غزوة إلا كبرنا معه، ولا حمل حملة إلا حملنا معه، ولا ضرب ضربة بسيف إلا ضربنا معه (1). 4 - عن جبرئيل عليه السلام، قال: (يا محمد ! إن الله عز وجل يكثر الثناء والصلاة على علي بن أبي طالب عليه السلام فوق عرشه، فاشتاق العرش إلى علي بن أبي طالب عيه السلام، فخلق الله عز وجل هذا الملك على صورة على بن أبي طالب عليه السلام تحت عرشه لينظر إليه العرش فيسكن شوقه، وجعل تسبيح هذا الملك وتقديسه و تمجيده ثوابا لشيعة أهل بيتك يا محمد (2). 5 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (أخبرني جبرئيل عليه السلام أنه مر بعلي وهو يرعى ذودا له (3) وهو نائم قد ابدي بعض جسده فرددت عليه ثوبيه فوجدت برد إيمانه وقد وصل إلى قلبي (4). 6 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! إن جبرئيل عليه السلام أخبرني فيك بأمر قرت به عيني وفرح به قلبي، قال لي: يا محمد ! إن الله تعالى قال لي: أقرئ محمدا مني السلام، وأعلمه أن عليا إمام الهدى، ومصباح الدجى، والحجة على أهل الدنيا، فإنه الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، وأني آليت بعزتي، أن لا ادخل النار أحدا تولاه وسلم له وللأوصياء من بعده، ولا ادخل الجنة من ترك ولايته والتسليم له وللأوصياء من بعده (5). 7 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن جبرئيل عليه السلام أتاني فقال: يا محمد ! ربك يأمرك


(1) - البحار: ج 39: ص 98. (2) - البحار، ج 39: ص 97. (3) - الذود: ثلاثة أبعرة الى العشرة أو خمس أو عشرين أو ثلاثين. (4) - البحار، ج 39: ص 100. (5) - البحار، ج 27: ص 113.

[114]

بحب علي بن أبي طالب عليه السلام ويأمرك بولايته (1). 8 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن جبرئيل عليه السلام جاءني من عند الله عز وجل بورقة آس خضراء، مكتوب فيها ببياض: أني افترضت محبة علي بن أبي طالب على خلقي، فبلغهم ذلك عني (2). 9 - عن جبرئيل عليه السلام، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح، عن القلم، عن الله عز وجل: (ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي (3). 10 - عن جبرئيل عليه السلام: (يا محمد ! إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول: أحب عليا، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، يا محمد، حيث تكن يكن علي، وحيث يكن علي يكن محبوه (وإن اجترحوا، وإن اجترحوا) (4).


(1) - البحار، ج 39: ص 273. (2) - البحار، ج 39: ص 275. (3) - البحار، ج 39: ص 2460 (4) - البحار، ج 39: ص 294.

[115]

الفصل 11 فضائل علي عليه السلام عن لسان الائمة عليهم السلام مسندا من طريق العامة 1 - عن صدقة بن موسى، حدثنا أبي، حدثنا علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي عليه السلام، قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم نمشي في طرقات المدينة إذ مررنا بنخيل من نخيلها، فصاحت نخلة باخرى: هذا النبي المصطفى وعلي المرتضى، ثم جزناهما فصاحت ثانية بثالثة: هذا موسى وهارون، ثم جزناهما فصاحت رابعة بخامسة: هذا نوح وإبراهيم، ثم جزناهما فصاحت سادسة بسابعة: هذا محمد سيد النبيين، و هذا علي سيد الوصيين، فتبسم النبي صلى الله عليه واله وسلم، ثم قال: يا علي، سمي نخل المدينة صيحانيا لأنه صاح بفضلي وفضلك (1). 2 - عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، حدثنا أبي، حدثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا، قال: (حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني


1 - كفاية الطالب ص 255 ط ايران. (*)

[116]

أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! إن الله عز وجل قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك، فأبشر فإنك الأنزع البطين: المنزوع من الشرك، البطين من العلم (1). 3 - عن محمد بن عبد الله بن عمر بن مسلم اللاحقى الصفار بالبصرة سنة أربع و أربعين ومائتين، حدثنا أبو الحسن علي بن موسى الرضا قال: حدثني أبي، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهما السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلا من الباب (2). 4 - عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، حدثني أبي، حدثني علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش: نعم الاب إبراهيم خليل الرحمن، ونعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب (3). 5 - عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم بدر: (هذا رضوان ملك من ملائكة الله، ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، لا فتى إلا علي (4). 6 - عن عمرو بن خالد قال: حدثني زيد بن علي وهو آخذ بشعره قال: حدثني علي بن الحسين وهو آخذ بشعره قال: حدثني الحسين بن علي وهو آخذ بشعره قال: حدثني على بن ابى طالب وهو آخذ بشعره قال حدثني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو


(1) - المناقب لابن المغازلي، صص 85 و 401. (2) - المناقب لابن المغازلي، صص 75 و 401. (3) - كفاية الطالب، صص 185 و 280. (4) - المصدر.

[117]

آخذ بشعره قال: يا علي (من آذى شعرة منك فقد آذانى، ومن آذاني آذى الله، و من آذى الله لعنه ملأ السموات وملأ الأرض (1). 7 - عن أحمد بن عامر بن سليمان، قال: حدثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبى جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن علي، حدثني أبي علي بن أبي طالب: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! إنى سألت الله تعالى فيك خمس خصال فأعطاني. أما أولها: فسألت ربي أن تشق عني الأرض، و أنفض التراب عن رأسي وأنت معي، فأعطاني. وأما الثانية: فسألت ربي أن يوقفني عند كفة الميزان وأنت معي، فأعطاني. وأما الثالثة: فسألت الله أن يجعلك حامل لوائي الأكبر، وهو لواء الله الأكبر عليه المفلحون الفائزون بالجنة، فأعطاني، وأما الرابعة: فسألت ربي أن تسقي امتي من حوضي فأعطاني. وأما الخامسة: فسألت ربي أن تكون قائد امتي إلى الجنة، فأعطاني. فالحمد لله الذي من علي بذلك (2). 8 - عن داود بن سليمان، عن علي الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب: عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبد حتى يسئل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسب، وفيما ذا أنفقه، وعن حبنا أهل البيت (3). 9 - عن صهيب بن عباد، حدثني أبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن على بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أتاني جبرئيل وقد نشر جناحيه فإذا في أحدهما مكتوب: لاإله إلا الله، محمد


(1) - المناقب للخوارزمي، ص 235. (2) - المناقب للخوارزمي، ص 208. (3) - ينابيع المودة، ج 1: ص 112.

[118]

النبي، ومكتوب على الآخر: لاإله إلا الله، علي الوصي (1). 10 - عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه علي بن الحسين سيد العابدين، عن أبيه الحسين الشهيد عليهم السلام، قال: سمعت جدي، رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (من أحب أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب عليه السلام وذريته وأهل بيته الطاهرين أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعدي، فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة (2). 11 - عن صهيب بن عباد (3)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في بيت ام سلمة إذ هبط عليه ملك له عشرون رأسا، في كل رأس ألف لسان، يسبح الله ويقدسه بلغة لا تشبه الاخرى، راحته (4) أوسع من سبع سماوات وسبع أرضين، فحسب النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه جبرئيل فقال: يا جبرئيل ! لم تأتني في مثل هذه الصورة قط ؟ قال: ما أنا جبرئيل، أنا صرصائيل، بعثني الله إليك لتزوج النور من النور، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم من وإلى من ؟ قال: إبنتك فاطمة من علي عليهما السلام. فزوج النبي صلى الله عليه واله وسلم فاطمة من علي بشهادة ميكائيل وجبرئيل و صرصائيل. قال: فنظر النبي صلى الله عليه واله وسلم فإذا بين كتفي صرصائيل لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب مقيم الجنة، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: يا صرصائيل ! منذكم كتب هذا بين كتفيك ؟ فقال: من قبل أن يخلق الله الدنيا باثني عشر ألف سنة (5). 12 - عن الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن الأمين الكاظم موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن


(1) - المناقب للخوارزمي، ص 90. (2) - المناقب للخوارزمي، صص 34 و 245. (3) - مر تحت الرقم 9 روايته عن أبيه، عن الصادق عليه السلام. (4) - الراحة: باطن اليد، الكف. (5) - المناقب للخوارزمي، صص 34 و 245.

[119]

علي بن أبي طالب، عن الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، عن الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن الزكي زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن البر الحسين ابن علي بن أبي طالب، عن المرتضى أمير المؤمنين، عن المصطفى سيد الأولين و الآخرين صلى الله عليه واله وسلم، قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: (يا أبا الحسن ! كلم الشمس فإنها تكلمك. فقال على عليه السلام السلام عليك يا أيها العبد المطيع لله، فقال الشمس: و عليك السلام يا أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، يا علي ! أنت وشيعتك في الجنة، يا علي ! أول من تنشق عنه الأرض محمد ثم أنت، وأول من يحيى محمد ثم أنت، وأول من يكسى محمد ثم أنت، فسجد علي لله تعالى و عيناه تذرفان بالدموع، فأقبل عليه النبي فقال: يا أخي، ووصيي، إرفع رأسك فقد باهى الله بك أهل سبع سماوات (1). 13 - عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، قال: حدثني أبي سنة ستين ومائتين قال: حدثنا علي بن موسى الرضا سنة أربع وتسعين ومائة (2)، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن علي، حدثني أبي علي ابن أبي طالب:، قال: (إن الحسن والحسين كانا يلعبان عند النبي صلى الله عليه واله وسلم حتى مضى عامة الليل، ثم قال لهما: إنصرفا إلى امكما، فبرقت برقة فما زالت تضئ لهما حتى دخلا على امهما فاطمة (سلام الله عليها وعلى بعلها وبنيها)، والنبي صلى الله عليه واله وسلم ينظر إلى البرقة، فقال: الحمدلله الذي أكرمنا أهل البيت (3). 14 - عن عبد الله بن عامر الطائي بالبصرة، حدثني أبي سنة ستين ومائتين قال:


(1) - فرائد السمطين، ج 1: ص 184. (2) - كذا وهو الصواب، كما يأتي بالرقم 16 وما في النسخة المطبوعة تصحيف. (3) المصدر السابق ج 2 ص 95.

[120]

حدثنا علي بن موسى الرضا، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال حدثني أبي علي بن أبي طالب:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من ظلم أهل بيتي وقاتلهم والمعين عليهم ومن سبهم اولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (1). 15 - عن عبد الله بن أحمد بن عامر، حدثنا أبي، حدثنا علي بن موسى الرضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن علي، حدثني أبي علي بن أبي طالب: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى احد من ولد عبد المطلب لم يجازه عليها في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب لم يجازه عليها فأنا اجازيه يوم القيامة غدا إذا لقاني يوم القيامة (2). 16 - عن عبد الله بن عامر الطائي بالبصرة، حدثني أبي في سنة ستين ومائتين، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا سنة أربع وتسعين ومائة، حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، حدثني أبي علي بن أبي طالب - صلوات الله عليهم - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (ليس في القيامة راكب غيرنا، نحن أربعة، فقام إليه رجل من الأنصار، فقال: بأبي أنت وامي، ومن هم ؟ قال: أنا على دابة الله البراق، وأخي صالح على ناقة الله عز وجل التي عقرت، وعمي حمزة على ناقتي العضباء، وأخي علي على ناقة من نوق الجنة وبيده لواء الحمد


(1) فرائد السمطين ج 2 صص 278 و 279. (2) المصدر.

[121]

ينادي: لاإله إلا الله، محمد رسول الله. فيقول الآدميون: ما هذا إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو حامل عرش. فيجيبهم ملك من بطنان العرش: يا معشر الادميين ! ليس هذا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب عليه السلام (1). 17 - إسماعيل بن علي بن علي بن رزين الخزاعي بواسط، حدثنا أبي علي بن علي، حدثنا علي بن موسى الرضا، حدثنا أبي موسى بن جعفر، حدثنا أبي جعفر بن محمد، حدثنا أبي محمد بن علي، حدثنا أبي علي بن الحسين، حدثنا أبي الحسين بن علي، حدثنا أبي علي بن أبي طالب - صلوات الله عليهم أجمعين - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يقول الله تعالى: من آمن بى وبنبيي وبوليي أدخلته الجنة على ما كان من عمله (2). 18 - عن أحمد بن عامر بن سليمان، حدثنا علي بن موسى الرضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن علي، حدثني أبي علي بن أبي طالب:، قال: قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! إنك قسيم النار، وإنك تقرع باب الجنة فتدخلها بلا حساب (3). 19 - عن علي بن موسى الرضا - عليه التحية والثناء - عن أبيه، عن آبائه:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من أحب أن يتمسك بديني، ويركب سفينة النجاة بعدي، فليقتد بعلي بن أبي طالب، وليعاد عدوه، وليوال وليه، فإنه وصيي وخليفتي على امتي في حياتي وبعد وفاتي، وهو إمام كل مسلم وأمير كل مؤمن بعدي، قوله قولي، وأمره أمري، ونهيه نهيي، وتابعه تابعي، وناصره ناصري، وخاذله خاذلي. ثم قال: (من فارق عليا لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف عليا حرم الله


(1) - فرائد السمطين، ج 1: ص 87. (2) - فرائد السمطين، ج 1: صص 306 و 325. (3) - المصدر.

[122]

عليه الجنة وجعل مأواه النار، ومن خذل عليا خذله الله يوم يعرض عليه، ومن نصر عليا نصره الله يوم يلقاه، ولقنه حجته عند المسألة، ثم قال صلى الله عليه واله وسلم: والحسن و الحسين إماما امتي بعد أبيهما، وسيدا شباب أهل الجنة، وامهما سيدة نساء العالمين، وأبوهما سيد الوصيين، ومن ولد الحسين تسعة أئمة تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، إلى الله أشكو المنكرين لفضلهم و المضيعين لحرمتهم بعدي، وكفى بالله وليا وناصرا لعترتي وأئمة امتي، ومنتقما من الجاحدين حقهم (1). 20 - عن أبي الجارود، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده علي:، قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين (2). 21 - عن أحمد بن علي بن مهدي، أنبأنا أبي، أنبأنا علي بن موسى الرضا، أنبأنا أبي، عن أبيه جعفر بن محمد الصادق، حدثني أبي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله (3). 22 - أنبأنا داود بن رشيد، حدثني أبي، قال: كنت يوما عند المهدي فذكر علي بن أبي طالب عليه السلام، قال المهدي: حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا علي ! إنك عبقريهم. قال المهدي: أي سيدهم (4).


(1) - فرائد السمطين، ج 1: ص 54. (2) - تاريخ دمشق لابن عساكر، ج 3: ص 158، ط بيروت. (3) - تارخ دمشق، ج 2: ص 25. (4) - تاريخ دمشق، ج 1: ص 329.

[123]

الفصل 12 فضائل علي عليه السلام مسندا عن الائمة عليهم السلام من طريق الخاصة 1 - عن أبي القاسم التستري قال: حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح، عن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عن آبائه، عن علي - صلوات الله عليهم أجمعين - قال: (لما زوجني النبي صلى الله عليه واله وسلم بفاطمة، قال لي: أبشر، فإن الله قد كفاني ما همني من أمر تزويجك، قلت: وما ذاك ؟ قال: أتاني جبرئيل بسنبلة من سنابل الجنة و قرنفلة من قرنفلها، فأخذتهما وشممتهما وقلت: يا جبرئيل ما شأنهما فقال: إن الله أمر ملائكة الجنة وسكانها أن يزينوا الجنة بأشجارها و أنهارها وقصورها و دورها وبيوتها ومنازلها وغرفها، وأمر الحور العين أن يقرأن (حمعسق ويس)، ونادى مناد يقول: إن الله قال: إني قد زوجت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم من علي بن أبي طالب. ثم بعث الله سحابة فأمطرت عليهم الدر و الياقوت واللؤلؤ والجوهر، ونثرت السنبل والقرنفل، فهذا مما نثر على الملائكة (1). 2 - عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن


(1) - دلائل الامامة، لمحمد بن جرير بن رستم الطبري، ص 19، ط نجف.

[124]

محمد، عن أبيه محمد بن علي - صلوات الله عليهم أجمعين - عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أنا خزانة العلم وعلي مفتاحها، ومن أراد الخزانة فليأت المفتاح (1). 3 - عن محمد بن يعقوب النهشلي، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن ابيه الحسين بن على، عن ابيه على بن ابى طالب:، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل عن الله تعالى جل جلاله: (أنا الله، لا إله إلا أنا، خلقت الخلق بقدرتي فاخترت منهم من شئت من أنبيائي، واخترت من جميعهم محمدا صلى الله عليه واله وسلم حبيبا وخليلا وصفيا فبعثته رسولا إلى خلقي، واصطفيت له عليا فجعلت له أخا ووصيا ووزيرا ومؤديا عنه من بعده إلى خلقي - والحديث طويل، إلى أن قال: - فبعزتي حلفت، وبجلالي أقسمت، إنه لا يتولى عليا عبد من عبادي، إلا زحزحته عن النار وأدخلته الجنة، ولا يبغضه عبد من عبادي ويعدل عن ولايته، إلا أبغضته وأدخلته النار (2). 4 - عن إبراهيم بن أبي محمود، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! أنت المظلوم من بعدي، فويل لمن ظلمك واعتدى عليك، وطوبى لمن تبعك ولم يختر عليك - إلى أن قال: - وأنت أول من يجوز الصراط معي، وإن ربي عز وجل أقسم بعزته أنه لا يجوز عقبة الصراط إلا من معه براءة بولايتك وولاية الأئمة ولدك، وأنت أول من يرد حوضي، تسقي منه أولياءك، وتذود عنه أعداءك، وأنت صاحبي إذا


(1) عيون اخبار الرضا عليه السلام ج 2 ص 49. (2) عيون اخبار الرضا عليه السلام ج 2 ص 49.

[125]

قمت المقام المحمود، تشفع لمحبينا فتشفع فيهم، وأنت أول من يدخل الجنة و بيدك لوائي وهو لواء الحمد وهو سبعون شقة، الشقة منه أوسع من الشمس والقمر، وأنت صاحب شجرة طوبى في الجنة، أصلها في دارك وأغصانها في دور شيعتك ومحبيك (1). 5 - عن ياسر الخادم، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: (يا علي ! أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى. يا علي ! أنت إمام المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وسيد الصديقين. يا علي أنت الفاروق الأعظم، وأنت الصديق الأكبر. يا علي ! أنت خليفتي على امتي، قاضي ديني، وأنت منجز عداتي. يا علي ! أنت المظلوم بعدي. يا علي ! أنت المفارق بعدي. يا علي ! أنت المحجور بعدي، اشهد الله تعالى ومن حضر من امتي أن حزبك حزبي، وحزبي حزب الله، وأن حزب أعدائك حزب الشيطان (2). 6 - عن أبي محمد الحسن بن عبد الله بن محمد بن العباس الرازي التميمي، قال: حدثني سيدي علي بن موسى الرضا، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من مات وليس له إمام من ولدي مات ميتة جاهلية ويؤخذ بما عمل في الجاهلية والاسلام (3). 7 - عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 303. (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2: صص 6. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2: ص 85.

[126]

آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! لقد عاتبني رجال من قريش في أمر فاطمة، وقالوا: خطبناها إليك فمنعتنا وزوجت عليا ؟ فقلت لهم: والله، ما أنا منعتكم وزوجته، بل الله تعالى منعكم وزوجه، فهبط علي جبرئيل، فقال: يا محمد ! إن الله جل جلاله يقول: لو لم أخلق عليا عليه السلام لما كان لفاطمة ابنتك كفو على وجه الأرض، آدم فمن دونه (1). 8 - عن محمد بن علي التميمي قال: حدثني سيدي علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، أنه قال: (من سره أن ينظر إلى القضيب الياقوت الأحمر الذى غرسه الله بيده ويكون مستمسكا به فليتول عليا و الأئمة من ولده فإنهم خيرة الله عز وجل وصفوته، وهم المعصومون من كل ذنب وخطيئة (2). 9 - عن داود بن سليمان، قال: حدثني علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه على بن أبي طالب: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا، فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عز و جل حكمنا فيها فأجابنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا، ومن كانت مظلمته بينه وبيننا كنا أحق ممن عفا وصفح (3). 10 - عن يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عن آبائه عليهم السلام، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأصحابه ذات يوم: (يا عبد الله ! أحبب في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الأيمان وإن كثرت صلاته


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 225. (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2: ص 57. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2: ص 57.

[127]

وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئا، فقال له: وكيف لي ان أعلم أنى قد واليت وعاديت في الله عز وجل ؟ ومن ولي الله حتى اواليه ؟ ومن عدوه حتى اعاديه ؟ فأشار رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى علي عليه السلام، فقال: أترى هذا ؟ فقال: بلى، قال: ولي هذا ولي الله فواله، وعدو هذا وعدو الله فعاده، و وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك وولدك (1). 11 - حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليه السلام، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)، من العترة ؟ فقال عليه السلام: أنا والحسن و الحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حوضه (2). 12 - عن إسماعيل بن علي بن رزين ابن أخي دعبل بن علي الخزاعي، عن أبيه، قال: حدثنا الامام أبو الحسن علي بن موسى الرضا، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تلا هذه الآية: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (3) فقال صلى الله عليه واله وسلم: أصحاب الجنة من أطاعني وسلم لعلي بن أبي طالب بعدي وأقر بولايته، وأصحاب النار من سخط الولاية ونقض العهد و


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 291. (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 57. (3) - الحشر: 20.

[128]

قاتله بعدي (1). 13 - عن أبان بن عثمان، عن ثابت بن دينار، عن سيد العابدين علي بن الحسين، عن سيد الشهدا الحسين بن علي، عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (الأئمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تبارك وتعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها (2). 14 - عن الريان بن الصلت، عن الرضا علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي ابن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي: قال: (رأى أمير المؤمنين عليه السلام رجلا من شيعته من بعد عهد طويل وقد أثر السن فيه وكان يتجلد في مشيه فقال عليه السلام: كبر سنك يا رجل ! قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. فقال عليه السلام: إنك لتتجلد ! قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، فقال: أجد فيه بقية ! قال: هي لك يا أمير المؤمنين (1). 15 - عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من أحب أن يركب سفينة النجاة، و يستمسك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين فليوال عليا بعدي، وليعاد عدوه، وليأتم بالأئمة الهداة من ولده، فإنهم خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الحديث (4). 16 - عن الرضا علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين ابن


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 280. (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 65. (3) - البحار، ج 42: ص 1 86، وعيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 302. (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1: ص 292.

[129]

علي، عن أبيه أمير المؤمنين:، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لكل امة صديق و فاروق، وصديق هذه الامة وفاروقها علي بن أبي طالب، وإنه سفينة نجاتها وباب حطتها (1). 17 - عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام:، قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (ليلة أسرى بي ربي عز وجل رأيت في بطنان العرش ملكا بيده سيف من نور يلعب به كما يلعب علي بن أبي طالب بذي الفقار. وأن الملائكة إذا اشتاقوا إلى وجه علي بن أبي طالب و نظروا إلى وجه هذا الملك فقلت: يا رب هذا أخى على بن أبي طالب وابن عمي ؟ فقال: يا محمد ! هذا ملك خلقته على صورة علي يعبدني في بطنان عرشي، تكتب حسناته وتسبيحه وتقديسه لعلي ابن أبي طالب إلى يوم القيامة (2). 18 - عن علي بن موسى الرضا، عن موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن علي، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللوح، عن القلم، قال: يقول الله عز وجل: (ولاية علي بن أبي طالب حصنى، فمن دخل حصنى أمن من عذابي (3). 19 - عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين ابن علي، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أخبرني جبرئيل عليه السلام عن الله عز وجل أنه قال: علي بن أبي طالب حجتي على خلقي، وديان ديني، أخرج من صلبه أئمة يقومون بأمرى، ويدعون إلى سبيلي،


(1) - مسند الرضا عليه السلام، ج 1: ص 129. (2) - البحار، ج 39: ص 109، ومسند الرضا عليه السلام، ج 1: ص 137. (3) - البحار، ج 39: ص 246 وهذه الرواية قد رواه العامه كما مر في الفصل السابق

[130]

بهم أدفع البلاء عن عبادي، وبهم انزل من رحمتي (1). 20 - عن علي بن موسى الرضا، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر قال: حدثني أبي جعفر بن محمد قال: حدثني أبي محمد بن علي قال: حدثني أبي علي بن الحسين قال: حدثني أبي الحسين بن علي قال: حدثني أخي الحسن بن علي قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب عليهما السلام، قال: (قال لي النبي صلى الله عليه واله وسلم أنت خير البشر، و لا يشك فيك إلا كافر (2). 21 - عن زيد الشهيد أنه قال: قد سمعت أخي الباقر عليه السلام، يقول: سمعت أبي زين العابدين عليه السلام، يقول: سمعت أبي الحسين عليه السلام، يقول: سمعت أبي علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: سمعت رسول الله عليه السلام، يقول: (نحن بنو عبد المطلب ما عادانا بيت إلا وقد خرب، ولا عادانا كلب إلا وقد جرب، ومن لم يصدق فليجرب (3). 22 - وعنه، وعن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين سيد الشهداء عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول و قد سئل: بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج ؟ قال: خاطبني بلسان علي، فألهمني أن قلت: يا رب خاطبتني أم علي ؟ فقال: يا أحمد أنا شئ ليس كالأشياء، لا أقاس بالناس، ولا أو صف بالشبهات، خلقتك من نوري، وخلقت عليا من نورك، اطلعت على سرائر قلبك فلم أجد أحدا إلى قلبك أحب من علي بن أبي طالب، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك (4). 23 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (إن عليا لأخيشن * في ذات الله (5).


(1) - مسند الرضا عليه السلام، ج 1: صص 122 و 130. (2) - المصدر. (3) - رياض السالكين، ص 2. (4) - رياض السالكين، صص 1 و 2.- والأخيشن تصغير أخشن، أفعل تفضيل من خشن، والتصغير هنا للتعظيم. (5) - رياض السالكين، صص 1 و 2.

[131]

24 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (إن عليا ممسوسفي ذات الله (1)


- ورجل ممسوس أي مجنون، كما أن المجنون لا يبالي ما يقال فيه وهو عليه السلام لا يبالى ما يقال فيه في ذات الله تعالى. (1) - رياض السالكين، صص 1 و 2.

[132]

الفصل 13 فضائل علي عليه السلام عن الفواطم 1) مسندا من طريق العامة 1 - عن محمد بن عمر الكناسي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن فاطمة الصغرى، عن الحسين بن علي، عن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم قالت: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: (إن الله عز وجل باهى بكم فغفر لكم عامة وغفر لعلي خاصة، وإني رسول الله إليكم غير هائب لقومي ولا محاب لقرابتي، هذا جبريل عليه السلام يخبرني أن السعيد، كل السعيد، حق السعيد من أحب عليا في حياتي وبعد وفاتي (1). 2 - عن بكر بن أحمد القصري: حدثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضا: حدثتني فاطمة وزينب وام كلثوم بنات موسى بن جعفر قلن: حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق: حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين، عن ام كلثوم بنت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله سلم عن فاطمة - سلام الله عليها وعلى بعلها وبنيها - قالت: أنسيتم قول رسول الله يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (أنت مني


(1) - أسنى المطالب في مناقب آل أبي طالب، ص 66، لشمس الدين محمد الجزرى الشافعي (المتوفى 833).

[133]

بمنزلة هارون من موسى (1). 2) من طريق الخاصة 3 - عن بكر بن أخنف، قال: حدثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضا عليها السلام قالت: حدثتني فاطمة وزينب وام كلثوم بنات موسى بن جعفر عليهما السلام قلن: حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد عليهما السلام قالت: حدثتني فاطمة بنت محمد بن علي عليهما السلام قالت: حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين عليهما السلام قالت: حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي عليهما السلام، عن ام كلثوم بنت علي عليه السلام، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قالت: سمعت رسول الله يقول: (لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من درة بيضاء مجوفة، وعليها باب مكلل بالدر والياقوت، وعلى الباب ستر، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب: لاإله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي القوم، وإذا مكتوب على الستر: بخ بخ، من مثل شيعة علي ؟ فدخلته فإذا بقصر من عقيق أحمر مجوف، وعليه باب من فضة مكلل بالزبرجد الأخضر، و إذا على الباب ستر، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب محمد رسول الله، علي وصي المصطفى (2).


(1) - أسنى المطالب، ص 50. (2) بحار الانوار ج 68: ص 76.

[134]

الفصل 14 الامام عليه السلام والمحققون 1 - سئل الجنيد عن محل علي بن أبي طالب عليه السلام في هذا العلم - يعنى علم التصوف - فقال: (لو تفرغ إلينا من الحروب لنقلنا عنه من هذا العلم ما لا يقوم له القلوب، ذاك أمير المؤمنين (1). 2 - عن بعض الفضلاء - وقد سئل عن فضائله عليه السلام - فقال: (ما أقول في شخص أخفى أعداؤه فضائله حسدا، وأخفى أولياؤه فضائله خوفا وحذرا، وظهر فيما بين هذين ما طبقت الشرق والغرب (2). 3 - عن هارون الحضرمي، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: (ما جاء لاحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب عليه السلام (3). 4 - (أن عليا عليه السلام كان من معجزات النبي صلى الله عليه واله وسلم كالعصا لموسى، وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام (4). (محمد بن اسحاق الواقدي)


(1) - فرائد السمطين، ج 1: ص 380. (2) - مقدمة المناقب للخوارزمي، ص 8. (3) - فرائد السمطين، ج 1: ص 79. (4) - الفهرست، لابن نديم، ص 111.

[135]

5 - (إن تصديق علي عليه السلام - وهو ما عليه من البراعة في البلاغة - هو بنفسه دليل على أن القرآن وحي إلهي، كيف وهو رب الفصاحة والبلاغة، وهو المثل الأعلى في المعارف ؟ (1) (آية الله العظمى الخوئى،) 6 - (إحتياج الكل إليه، و استغناؤه عن الكل دليل على أنه إمام الكل (2). (خليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض) 7 - (قد أجمع المؤرخون وكتاب السير على أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان ممتازا بمميزات كبرى لم يجتمع لغيره، هو امة في رجل (3). (الدكتور السعادة) 8 - (أحاط علي بالمعرفة دون أن تحيط به، وأدركها دون أن تدركه (4). (الدكتور مهدى محبوبة) 9 - (في عقيدتي أن ابن أبي طالب كان أول عربي لازم الروح الكلية وجاورها، مات علي شهيد عظمته، مات والصلاة بين شفتيه، مات وفي قلبه الشوق إلي ربه، ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره حتى قام من جيرانهم الفرس اناس يدركون الفارق بين الجواهر والحصى (5). 10 - (انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها، وتملكه زمامها، فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة، أن يكون غلام من أبناء عرب مكة لم يخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة من


(1) - البيان في تفسير القرآن، ص 91. (2) - عبقرية الأمام، للدكتور مهدى محبوبة، ص 138. (3) - مقدمة الأمام علي، للدكتور السعادة. (4) - عبقرية الأمام، للدكتور مهدى محبوبة، ص 138. (5) - الأمام علي صوت العدالة الانسانية، ج 5: ص 1222.

[136]

أفلاطون وأرسطو، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط، ولم يرب بين الشجعان لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة، وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض. قيل لخلف الأحمر: أيما أشجع علي أم عنبسة وبسطام ؟ فقال: إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر ومع الناس، لامع من يرتفع عن هذه الطبقة. فقيل له: فعلى كل حال، قال: والله، لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما (1). (ابن أبي الحديد) 11 - عن الجاحظ قال: سمعت النظام يقول: (علي بن أبي طالب عليه السلام محنة للمتكلم، إن وفى حقه غلى، وإن بخسه حقه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن، حادة اللسان، صعبة الترقي إلا على الحاذق الزكي (2). 12 - كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها، وعنه اخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق فقصروا، وتقدم وتأخروا، لأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الألهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي... ومن عجائبه عليه السلام التي انفرد بها، وأمن المشاركة فيها، أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ، والتذكير والزواجر، إذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المتفكر، و خلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره، ونفذ أمره، وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشك في أنه من كلام من لاحظ له في غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت، أو انقطع إلى سفح جبل، لا يسمع إلا حسه ولايرى


(1) - شرح نهج البلاغة، ج 16: ص 146. بالتخصيص (2) - سفينة البحار، ج 1: ص 146، مادة (جحظ).

[137]

إلا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه، فيقط الرقاب، ويجدل الابطال، ويعود به ينطف دما، ويقطر مهجا، وهو مع ذلك الحال زاهد الزهاد، وبدل الأبدال. وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة، التي جمع بها الأضداد، وألف بين الأشتات (1). (العلامة السيد الرضي) 13 - (ومن اتخذ عليا إماما لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه و نفسه (2). (الفخر الرازي) 14 - (أما إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يجهر بالتسمية، فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله عليه السلام: اللهم أدر الحق مع علي حيث دار (3). 15 - (إن علي بن أبي طالب عليه السلام كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى من عداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدة الأقتراب ممسوس في ذات الله (4). 16 - (مات الأمام علي شأن جميع الأنبياء الباصرين الذين يأتون إلى بلد ليس ببلدهم، وإلى قوم ليس بقومهم، في زمن ليس بزمنهم (5). (جبران خليل)


(1) مقدمة نهج البلاغة. (2) - التفسير الكبير، ج 1: صص 205 و 207. (3) - المصدر. (4) - حاشية الشفاء، ص 566، باب الخليفة والامام. (5) - صوت العدالة، ج 5: ص 1213.

[138]

17 - (إن عليا لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان (1). (جبران خليل) 18 - (وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة، وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها (2). 19 - (وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولاكتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنوامية على سلطان الأسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه و وضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم يتضوع نشره، وكالشمس لاتستر بالراح (3)، وكضوء النهار إن حجبت عنه عينا واحدة أدركته عيون كثيرة. وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها (4). أنا وجميع من فوق التراب * فداء تراب نعل أبي تراب (لصاحب بن عباد) 20 - (وإني لاطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود، ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة


صوت العدالة ج 5 ص 1213. (2) - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 1: صص 29 و 17. (3) - أي الكف. (4) - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 1: صص 29 و 17.

[139]

بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان الذين لم يأكلوا لحما ولم يريقوا دما، فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس (الشجاع)، وتارة يكون في صورة سقراط والمسيح بن مريم الالهي. واقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة (1) منذ خمسين سنة وإلى الان أكثر من ألف مرة، ما قرأتها قط إلا و أحدثت عندي روعة وخوفا وعظة، أثرت في قلبي وجيبا، ولا تأملتها إلا و ذكرت الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودي، وخيلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف الأمام عليه السلام حاله (2). 21 - (وأما فضائله عليه السلام فإنها قد بلغت من العظم والجلال والأنتشار والأشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها والتصدي لتفصيلها فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل والمعتمد: (رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز، مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك الى الدعاء لك، ووكلت الأخبار عنك إلى علم الناس بك (3). 22 - (بطولات الأمام ما اقتصرت يوما على ميادين الحرب، فقد كان بطلا في صفاء بصيرته، وطهارة وجدانه وسحر بيانه، وحرارة إيمانه، وسمودعته، و نصرته للمحروم والمظلوم، وتعبده للحق أينما تجلى له الحق هذه البطولات لا تزال غنيا نعود إليه اليوم وفي كل يوم (4). (ميخائيل نعيمة)


(1) - يعنى الخطبة 216، أوله: (يا له مراما ما أبعده). (2) - شرح النهج، لابن أبي الحديد، ج 11: ص 150. (3) - شرح النهج، ج 1: ص 16. (4) - صوت العدالة، ج 1: ص 22.

[140]

23 - (الأمام علي بن أبي طالب عظيم العظماء، نسخة مفردة لم يرلها الشرق ولا الغرب، صورة طبق الأصل لا قديما ولا حديثا (1). (شبلي شميل) 24 - (فالتاريخ والحقيقة يشهدان أنه الضمير العملاق الشهيد أبو الشهداء و شخصية الشرق الخالدة وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كل زمن عليا بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره ! (2). 25 - (عن عامر الشعبي قال تكلم أمير المؤمنين عليه السلام بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالا فقأن عيون البلاغة وأيتمن جواهر الحكمة وقطعن جميع الانام عن اللحاق بواحدة منهم ثلاث منها في المناجاة وثلاث منها في الحكمة وثلاث منها في الادب فأما اللاتي في المناجاة فقال الهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا و كفى بي فخرا أن تگون لي ربا كما أحب فاجعلني كما تحب وأما اللاتي في الحكمة فقال قيمة كل امرء ما يحسنه وما هلك امرء عرف قدره والمرء مخبو تحت لسانه واللاتي في الادب فقال امنن على من شئت تگن أميره واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج الى من شئت تكن أسيره 3). 26 - (هل كان علي عليه السلام من عظماء الدنيا ليحق للعظماء أن يتحدثوا عنه، أم ملكوتيا ليحق للملكوتيين أن يفهموا منزلته ؟ لاي رصد يريد أن يعرفوه أهل العرفان غير رصد مرتبتهم العرفانية ؟ وبأية مؤونة يريد الفلاسفة سوى مالديهم من علوم محدودة ؟ ما فهمه العظماء والعرفاء والفلاسفة بكل مالديهم من فضائل و علوم سامية إنما فهموه من خلال وجودهم ومرآة نفوسهم المحدودة، وعلي غير ذلك (4).


(1) - صورت العدالة، ج 1: صص 37 و 49. (2) - المصدر. (3) - سفينة البحار ج 1 ص 123. (4) - نبراس السياسة ومنهل الشريعة، لآية الله الخميني، ص 17)

[141]

الفصل 15 ان عليا عليه السلام باب مدينة علم الرسول صلى الله عليه وآله 1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب (1). 2 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا دار الحكمة وعلي بابها)، وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة الحكمة وعلي بابها (2). 3 - عن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي صلى الله عليه واله وسلم بعضد علي عليه السلام، وقال: (هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مد بها صوته، فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب (3). 4 - عنه، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (أنا خزانة العلم وعلي مفتاحه، فمن أراد الخزانة فليأت المفتاح (4). 5 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة الجنة وأنت بابها يا علي، كذب من زعم أنه يدخلها


(1) - فيض القدير، ج 3: ص 46، كنز العمال، ج 5: ص 600. (2) - المصدر. (3) - البحار، ج 40: ص 206، الغدير، ج 6: ص 78، المستدرك، ج 3: ص 129، تاريخ بغداد، ج 2: ص 377. (4) - البحار، ج 40: صص 200 و 201.

[142]

من غير بابها (1). 6 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا دار العلم وعلي بابها (2). 7 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة الفقه وعلي بابها (3). 8 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (علي عيبة علمي)، أي موضع سري وخاصتي ومعدن نفائسي. والعيبة ما يحرز الرجل فيه نفائسه (4). 9 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا ميزان العلم، وعلي كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، و فاطمة علاقته، والأئمة من بعده عموده، يوزن فيه أعمال المحبين لنا و المبغضين (5). 10 - وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا ميزان الحكمة وعلي لسانه). و (علي باب علمي، ومبين لامتي ما ارسلت به من بعدي (6). 11 - عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن الله عز وجل خلقني وعليا من شجرة، أنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمرتها، والشيعة ورقها، فهل يخرج من الطيب إلا الطيب ؟ وأنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها (7). 12 - عن سلمان الفارسي: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) فلما سمع الخوارج (8) بذلك حسدوا عليا على ذلك، فاجتمع عشرة نفر من


(1) - البحار چ 40: صص 200 و 201. (2) - ذخائر العقبى، ص 77. (3) - تذكرة الخواص، ص 26. (4) - فيض القدير، ج 4: ص 306، كنز العمال، ج 5: ص 603. (5) - ينابيع المودة، ص 69. (6) - الغدير، ج 6: صص 79 و 80. (7) - المصدر. (8) - كانه تحريف (فلما سمع المنافقون) لعدم كونهم حينذاك، ولعل التغيير للتقية. (*)

[143]

الخوارج، وقالوا: يسأل كل واحد عليا مسألة واحدة لننظر كيف يجيبنا فيها، فإن أجاب كل واحد منا جوابا واحدا علمنا أنه لاعلم له. فجاء واحد منهم وقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ فأجاب عليه السلام: إن العلم أفضل، فقال له: بأي دليل ؟ فقال: لأن العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث قارون وهامان وفرعون. فذهب الرجل إلى أصحابه بهذا الجواب فأعلمهم، فنهض آخر منهم وسأله كما سأل الأول فقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ فقال عليه السلام: العلم، فقال، بأي دليل ؟ فقال: لأن المال تحرسه، والعلم يحرسك، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم، فقالوا: صدق علي، فنهض الثالث، وقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ قال عليه السلام: العلم، فقال: بأي دليل ؟ فقال: لأن لصاحب المال أعداء كثيرة، ولصاحب العلم أصدقاء كثيرة، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم، فنهض الرابع، وقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ قال عليه السلام: العلم، قال: بأي دليل ؟ قال: لأن المال إذا تصرفت فيه ينقص، والعلم إذا تصرفت فيه يزيد، فرجع إلى أصحابه وأخبرهم بذلك، فقام الخامس، وقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ فقال عليه السلام: بل العلم أفضل، فقال بأي دليل ؟ فقال: لأن صاحب المال يدعى باسم البخل واللوم، وصاحب العلم يدعى باسم الأكرام والأعظام، فرجع إلى أصحابه وأعلمهم بذلك. فنهض السادس، وقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ فقال عيه السلام: بل العلم أفضل، فقال: بأى دليل ؟ فقال: لأن المال يخشى عليه من السارف، والعلم لا يخشى، فذهب إلى أصحابه وأعلمهم بذلك، فنهض السابع، وقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ قال عليه السلام: العلم أفضل، قال: بأي دليل ؟ قال: لأن المال يدرس بطول المدة ومرور الزمان، والعلم لا يندرس ولا يبلى، فرجع إلى أصحابه وأخبرهم بذلك. (وأما الثامن فساقط من الأصل) فنهض التاسع، وقال: يا علي ! العلم أفضل أم المال ؟ قال: بل العلم، قال: بأي دليل ؟ قال: لان المال يقسي القلب، والعلم ينور القلب، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم بذلك. فقام العاشر، وقال: يا علي ! العلم أفضل أم

[144]

المال ؟ قال عليه السلام: العلم، قال: بأي دليل ؟ قال: لأن صاحب المال يتكبر ويتعظم بنفسه، وصاحب العلم خاضع ذليل مسكين، فرجع إلى أصحابه وأخبرهم بذلك، فقالوا: صدق الله ورسوله، ولاشك أن عليا باب الخ علوم كلها. فعند ذلك قال علي عليه السلام: والله لو سألني الخلق كلهم ما دمت حيا لم أتبرم (1)، ولأجبت كل واحد منهم بجواب غير جواب الاخر إلى آخر الدهر (2).


(1) - أي لم أسام ولم أضجر. (2) - الكشكول للبحراني، ج 1: ص 26.

[145]

الفصل 16 في غزارة علمه عليه السلام 1 - عن عمار بن ياسر رضي الله عنه، قال: (كنت مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه سائرا، فمررنا بواد مملوءة نملا، فقلت: يا أمير المؤمنين ! ترى أحدا من خلق الله يعلم عدد هذا النمل ؟ قال: نعم، يا عمار، أنا أعرف رجلا يعلم كم عدده، وكم فيه ذكر، وكم فيه انثى. فقلت: من ذاك الرجل ؟ فقال: يا عمار أما قرأت في سورة يس وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (1) ؟ فقلت: بلى يا مولاي، قال: أنا ذلك الرجل الأمام المبين (2)). 2 - عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: (كنت سائرا مع علي عليه السلام إذ مررنا بواد نملة كالسيل، فقلت: الله أكبر، جل محصيه. فقال عليه السلام: لا تقل ذلك، ولكن قل: جل بارئه، فوالذي صورني وصورك إنى احصي عددهم، وأعلم الذكر منهم والانثي بإذن الله عز و جل (3).


(1) - يس: 12. (2) - تفسير البرهان، ج 4: ص 7. (3) - ينابيع المودة ص 77، الباب 14.

[146]

الفصل 17 في أن عليا عليه السلام أخص الناس برسول الله صلى الله عليه وآله 1 - (لما ولد عليه السلام لم يفتح عينيه ثلاثة أيام، فجاء النبي صلى الله عليه واله وسلم ففتح عينيه ونظر إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم، فقال: خصني بالنظر، وخصصته بالعلم (1). 2 - (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان إذا جلس ثم أراد أن يقوم، لا يأخذ بيده غير علي عليه السلام (2). 3 - (كان النبي صلى الله عليه واله وسلم إذا جلس اتكا على علي عليه السلام (3). 4 - سئل النبي صلى الله عليه واله وسلم عن بعض أصحابه فذكر فيه، فقال له قائل: فعلى ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: إنما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي (4). 5 - قال صلى الله عليه واله وسلم له: (أنت مني كروحي من جسدي، أنت مني كالضوء من الضوء، أنت مني وأنا منك، علي مني مثل رأسي من بدني (5). 6 - قال الصادق عليه السلام: (إنه (يعني النبي صلى الله عليه واله وسلم) أخذ يمسح العرق عن وجه علي،


(1) - البحار، ج 38: ص 294. (2) - البحار، ج 38: ص 297. (3) - المصدر. (4) - ابحار، ج 38: ص 296. (5) - المصدر. (*)

[147]

ويمسح به وجهه (1). 7 - (إذا قام (رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) وضع يده على علي عليه السلام (2). 8 - (إن النبي صلى الله عليه واله وسلم بعث عليا في سرية رافعا يديه يقول: اللهم لا تمتني حتى تريني عليا (3). 9 - عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: (كان رسول الله صلي الله عليه واله وسلم في مجلسه ومسجده، و عنده جماعة من المهاجرين والأنصار، إذ نزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال له: يا محمد ! الحق يقرئك السلام ويقول لك: أحضر عليا، واجعل وجهك مقابل وجهه. ثم عرج جبرئيل عليه السلام إلى السماء، فدعا النبي صلى الله عليه واله وسلم عليا، فأحضروه، وجعل وجهه مقابل وجهه، فنزل ثانيا ومعه طبق فيه رطب، فوضعه بينهما، ثم قال: كلا، فأكلا، ثم أحضر طستا وإبريقا وقال: يارسول الله - صلى الله عليك وآلك - أمرك الله أن تصب الماء على يدي علي بن أبي طالب، فقال له: السمع والطاعة لله ولما أمرني به ربي، ثم أخذ الأبريق وقام يصب الماء على يد علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له علي عليه السلام: يارسول الله أنا أولى أن أصل الماء على يديك، فقال له: يا علي ! إن الله سبحانه و تعالى أمرني بذلك، فكان كلما صب الماء على يد علي عليه السلام لم يقع منه قطرة في الطست، فقال علي عليه السلام: يارسول الله ! إني لم أر شيئا من الما يقع في الطست ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا علي ! إن الملائكة يتسابقون على أخذ الماء الذي يقع من يدك، فيغسلون به وجوههم يتبركون به (4). 10 - قال ابن أبي الحديد: إن السنة التي ولد فيها علي عليه السلام هي السنة التي بدئ فيها برسالة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاسمع الهتاف من الأحجار والأشجار، وكشف عن


(1) - البحار، ج 38: ص 298. (2) - بحار الانوار، ج 38: ص 307. (3) - البحار، ج 38: ص 299. (4) البحار ج 39 ص 121.

[148]

بصره، فشاهد أنوارا وأشخاصا. وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يتيمن بتلك السنة وبولادة علي فيها، وقال لأهله ليلة ولادته: (وقد ولدلنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبوابا كثيرة من النعمة والرحمة (1). 11 - (ولد علي في جوف الكعبة، وكان ميلاده ثمة إيذانا بعهد جديد للكعبة، وولد مسلما لأنه فتح عينيه على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (2). 12 - قال عبد الكريم خطيب: (دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا ليلة الهجرة، وطلب أن يبيت في المكان الذي اعتاد الرسول صلى الله عليه واله وسلم أن يبيت فيه، وأن يتغطى بالبرد الحضرمي الذي كان النبي يتغطي به، حتى إذا نظر ناظر رأى كأن النبي نائم في مكانه مغطى بالبرد الحضرمي، أحسب أن أحدا لم ينظر إلى هذا حتى شيعة علي عليه السلام فإنا نراهم لا يلتفتون إلى هذه الواقعة، حين نظرنا إلى علي وهو في برد الرسول صلى الله عليه واله وسلم وفى مثوى منامه، قلنا: هذا خلف الرسول (3). 13 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا أنس ! من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين. قال أنس: قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار - وكتمته -، إذ جاء علي فقال: من هذا ؟ فقلت: علي، فقام مستبشرا فاعتنقه، وجعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي بوجهه (4). 14 - عن علي عليه السلام قال: (أتانا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى وضع رجليه بيني وبين فاطمة عليهما السلام (5).


(1) - شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 114. (3) - عبقرية الأمام، للعقاد. (4) - الأمام على، صص 103 و 105. (4) حلية الاولياء ج 1 صص 63 و 70 (5) المصدر.

[149]

15 - عن علي عليه السلام قال: (ولقد علمتم أني كان لي مجلس سر لا يطلع عليه غيري، وأنه أوصى إلي دون أصحابه وأهل بيته، ولأقولن ما لم أقله لأحد قبل هذا اليوم: سألته مرة أن يدعو لي بالمغفرة، فقال: أفعل، ثم قام فصلى، فلما رفع يده للدعاء استمعت عليه فإذا هو قائل: (اللهم بحق علي عندك اغفر لعلي). فقلت: يارسول الله ! ما هذا ؟ قال: أو أحد أكرم منك عليه فأستشفع به إليه ؟ (1). 16 - عن علي عليه السلام، قال: (كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كجزء من رسول الله، ينظر إلى الناس كما ينظر إلى الكوالكب (2). 17 - (دخل النبي صلى الله عليه واله وسلم دار فاطمة عليها السلام فقال: يا فاطمة ! إن أباك اليوم ضيفك، فقالت عليها السلام: يا أبت ! إن الحسن والحسين يطالباني بشئ من الزاد فلم أجد لهما شيئا يقتاتان به، ثم إن النبي صلى الله عليه واله وسلم دخل وجلس مع علي والحسن والحسين و فاطمة عليه السلام، وفاطمة متحيرة ما تدري كيف تصنع، ثم إن النبي صلى الله عليه واله وسلم نظر إلى السماء ساعة وإذا بجبرئيل عليه السلام قد نزل وقال: يا محمد ! العلي الأعلى يقرئك السلام، و يخصك بالتحية والأكرام، ويقول لك: قل لعلي وفاطمة والحسن والحسين أي شئ يشتهون من فواكه الجنة ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: يا علي ويا فاطمة ويا حسن ويا حسين ! إن رب العزة علم أنكم جياع، فأي شئ تشتهون من فواكه الجنة ؟. فأمسكوا عن الكلام، ولم يردوا جوابا حياء من النبي صلى الله عليه واله وسلم، فقال الحسين عليه السلام: عن إذنك يا أباه يا أمير المؤمنين، وعن إذنك يا اماه يا سيدة نساء العالمين، وعن إذنك يا أخاه الحسن الزكي أختار لكم شيئا من فواكه الجنة ؟ فقالوا جميعا: قل، يا حسين ! ما شئت فقد رضينا بما تختاره لنا، فقال: يارسول الله ! قل لجبرئيل: إنا نشتهي رطبا جنيا، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: قد علم الله ذلك، ثم قال: يا فاطمة ! قومي، و


(1) - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 20: ص 316. (2) - المصدر السابق، ج 20: ص 326.

[150]

ادخلي البيت، واحضري إلينا ما فيه، فدخلت فرأت فيه طبقا من البلور مغطى بمنديل من السندس الأخضر وفيه رطب جني في غير أوانه، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: يا فاطمة ! أنى لك هذا ؟ قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، كما قالت مريم بنت عمران. فقام النبي صلى الله عليه واله وسلم وتناوله، وقدمه بين أيديهم، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم أخذ رطبة واحدة فوضعها في فم الحسين عليه السلام فقال: هنيئا مريئا لك يا حسين، ثم أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن عليه السلام وقال: هنيئا مريئا (لك) يا حسن، ثم أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزهراء، وقال لها: هنيئا مريئا لك، يا فاطمة الزهراء، ثم أخذ رطبة رابعة فوضعها في فم علي عليه السلام وقال: هنيئا مريئا لك، يا علي، ثم ناول عليا رطبة اخرى والنبى يقول له: هنيئا مريئا لك يا علي، ثم وثب النبي صلى الله عليه واله وسلم قائما ثم جلس، ثم أكلوا جميعا عن ذلك الرطب، فلما اكتفوا وشبعوا ارتفعت المائدة إلى السماء بإذن الله تعالى. فقالت فاطمة: يا أبه ! رأيت اليوم منك عجبا ؟ فقال: يا فاطمة ! أما الرطبة الأولى التي وضعتها في فم الحسين وقلت له: هنيئا، يا حسين، فإني سمعت ميكائيل و إسرافيل يقولان: هنيئا لك، يا حسين، فقلت أيضا موافقا لهما في القول، ثم أخذت الثانية فوضعتها في فم الحسن، فسمعت جبرئيل وميكائيل يقولان: هنيئا لك، يا حسن، فقلت أنا موافقا لهما في القول، ثم أخذت الثالثة فوضعتها في فمك يا فاطمة فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان، وهن يقلن: هنيئا لك، يا فاطمة، فقلت موافقا لهن بالقول، ولما أخذت الرابعة فوضعتها في فم علي سمعت النداء من (قبل) الحق سبحانه وتعالى يقول: هنيئا مريئا لك، يا علي، فقلت موافقا لقول الله عز وجل، ثم ناولت عليا رطبة اخرى ثم اخرى وأنا أسمع صوت الحق سبحانه وتعالى يقول: هنيئا مريئا لك، يا علي، ثم قمت إجلالا لرب العزة جل جلاله، فسمعته يقول: يا محمد ! وعزتي وجلالي، لونا ولت عليا من

[151]

هذه الساعة إلى يوم القيامة رطبة رطبة لقلت له: هنيئا مريئا بغير انقطاع (1). 18 - ذكر أبو القاسم في أخبار أبي رافع من ثلاثة طرق: (أن النب صلى الله عليه واله وسلم حين تزوج خديجة، قال لعمه أبي طالب: إني احب أن تدفع إلى بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني، وأشكر بك بلاءك عندي. فقال أبو طالب: خذ أيهم شئت، فأخذ عليا عليه السلام. فمن استقى عروقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته ثدي الرسالة، وتهدلت أغصانه عن نبعة الأمامة، ونشأ في دار الوحي، وربي في بيت التنزيل، و لم يفارق النبي صلى الله عليه واله وسلم في حال حياته إلى حال وفاته، لا يقاس بسائر الناس (2). 19 - (وكان علي ينام مع النبي في سفره، فأسهرته الحمى ليلة أخذته، فسهر النبي صلى الله عليه واله وسلم لسهر علي عليه السلام ينظر إليه حتى أصبح (3).


(1) - البحار، ج 43: ص 310. (2) - البحار، ج 38: صص 295 و 299. (3) - المصدر.

[152]

الفصل 18 في أن عليا عليه السلام قسيم النار والجنة 1 - عن علي عليه السلام، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إنك قسيم النار، وإنك تقرع باب الجنة وتدخلها بغير حساب (1). 2 - عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! إنك قسيم الجنة والنار، وإنك تنقر باب الجنة فتدخلها بلا حساب (2)). 3 - عن الأعمش، عن موسى بن طريف، عن عباية، عن علي عليه السلام قال: (أنا قسيم النار يوم القيامة، أقول: خذي هذا، وذري ذا (3). 4 - عن أبي الصلت الهروي، قال: قال المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام: (أخبرني عن جدك أمير المؤمنين بأي وجه هو قسيم الجنة والنار ؟ فقال له الرضا عليه السلام: ألم تر وعن آبائك، عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (حب علي إيمان، وبغضه كفر) ؟ فقال: بلي، فقال الرضا عليه السلام: فلما كانت الجنة للمؤمن، والنار للكافر، فقسمة الجنة والنار إذا كان على حبه وبغضه فهو قسيم الجنة والنار. فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك إنك وارث جدك.


(1) - المناقب لأبن المغازلي، ص 67، وفرائد السمطين، ج 1: ص 325. (2) - المناقب، للخوارزمي، ص 209. (3) - كفاية الطالب، ص 71.

[153]

قال أبو الصلت: لما انصرف الرضا عليه السلام إلى منزله، قلت له: جعلت فداك، ما أحسن ما أجبت به ! فقال عليه السلام: يا أبا الصلت ! إنما كلمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدث عن آبائه، عن على: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا علي ! أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي، وهذا لك (1). 5 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا أبا برزة ! إن رب العاليمن عهد إلى عهدا في علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: إنه راية الهدى، ومنار الأيمان، ونور جميع من أطاعني، و إمام أوليائي. يا أبا برزة ! علي بن أبي طالب أميني غدا في القيامة، وصاحب رايتي في القيامة على مفاتيح خزائن رحمة ربي (2). 6 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: (إذا كان يوم القيامة يؤتى بك، يا علي ! بسرير من نور، وعلى رأسك تاج قد أضاء نوره وكاد يخطف أبصار أهل الموقف فيأتي النداء من عند الله عز وجل: أين وصي محمد رسول الله ؟ فتقول: ها أنا ذا، فينادي المنادي: أدخل من أحبك الجنة، وأدخل من عاداك في النار. فأنت قسيم الجنة و النار (3). 7 - عن أبي بصير، عن الباقر عليه السلام، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين - صلوات الله عليهم أجمعين - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (كيف بك يا علي إذا وقفت على شفير جهنم، وقد مد الصراط، وقلت للناس: جوزوا، وقلت لجهنم: هذا لي، وهذا لك (4). 8 - عن جعفر الصادق، عن آبائه، عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (إذا جمع الناس في صعيد واحد كنت أنا وأنت، يا علي، يومئذ عن يمين العرش، ثم يقول


(1) - ينابيع المودة، ص 85. (2) - حلية الاولياء، ج 1: ص 66، وتاريح بغداد، ج 12: ص 99. (3) - ينابيع المودة، صص 83 و 85 و 86. (4) - المصدر.

[154]

ربنا لي ولك: ألقيا في جهنم ومن أبغضكما وكذبكما (1). قال صاحب الينابيع: ومما ينسب إلى الأمام الشافعي: علي حبه جنة * قسيم النار والجنة وصي المصطفى حقا إمام الأنس والجنة (2) 9 - عن شريك بن عبد الله قال: كنت عند الأعمش وهو عليل، فدخل عليه أبو حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى، فقالوا له: يا أبا محمد ! إنك في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الاخرة، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث، فتب إلى الله منها. فقال: أسندوني أسندوني، فأسند، فقال: حدثنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذ كان يوم القيامة، يقول الله تعالى لي ولعلي: ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا الجنة من أحبكما، فذلك قوله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (3). فقال أبو حنيفة للقوم: قوموا (بنا)، لا يجئ بشئ أشد من هذا (4). 10 - عن أبي سعيد الخدري - في حديث طويل -، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، قال: إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه لى الوسيلة - إلى أن قال: - فبينما أنا كذلك إذا ملكان قد أقبلا علي، أما أحدهما فرضوان خازن الجنة، وأما الآخر فمالك خازن النار، فيدنو رضوان فيقول: السلام عليك يا أحمد، فأقول: السلام عليك يا ملك من أنت ؟ فما أحسن وجهك وأطيب ريحك ! فيقول: أنا رضوان خازن الجنة، وهذه مفاتيح الجنه، بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد فأقول: قد قبلت ذلك من


(1) - ينابيع المودة، صص 83 و 85 و 86. (2) - المصدر. (3) - ق: 24. (4) - شواهد التنزيل، ج 2: ص 189.

[155]

ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي علي بن أبي طالب عليه السلام. ثم يرجع رضوان، فيدنو مالك، فيقول: السلام عليك يا أحمد، فأقول: السلام عليك أيها الملك، من أنت ؟ ما أقبح وجهك وأنكر رؤيتك ! فيقول: أنا مالك خازن النار، وهذه مقاليد النار، بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد. فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي علي بن أبي طالب عليه السلام. ثم يرجع مالك، فيقبل علي ومعه مفاتيح الجنة ومقاليد النار، حتى يقف على عجرة جهنم، وقد تطاير شرارها، وعلا زفيرها، واشتد حرها، وعلي آخذ بزمانها، فتقول له جهنم: جزني يا علي فقد أطفأ نورك لهبي، فيقول لها علي عليه السلام: قري يا جهنم، خذي هذا، واتركى هذا،، خذي هذا عدوي، واتركي هذا وليي. ثم قال عليه السلام: فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه، فإن شاء يذهبها يمنة، وإن شاء يذهبها يسرة، ولجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من جميع الخلائق (1). يا أخي العزيز ! بعد ما رأينا بعض الأخبار الواردة في هذا الباب، جدير بنا أن نعلم ما معنى (إن عليا عليه السلام قسيم النار والجنة) ؟ أهو ما فسره بعض علماء الحديث من العامة كأحمد بن حنبل على ما في (كفاية الطالب) وبعض أئمة اللغة و العربية كابن المنظور في (اللسان)، وإبن الأثير في (النهاية)، أو له معنى ألطف و أدق مما فهمه هؤلاء ؟ والثاني هو الحق كما يتضح لك إن شاء الله تعالى. أما ما فسره أحمد بن حنبل، وبعض أئمة اللغة كذلك: فقال الحافظ الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب): قال محمد بن المنظور الطوسي: (كنا عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل: يا أبا عبد الله ! ما تقول في هذا الحديث الذي يروى: أن عليا


(1) - فرائد السمطين، ج 1: ص 106.

[156]

قال: (أنا قسيم النار والجنة) ؟ قال أحمد: ما تنكرون من هذا الحديث ؟ أليس روينا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) ؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن ؟ قلنا في الجنة، قال: فأين المنافق ؟ قلنا في النار، قال: فعلي قسيم النار والجنة (1). وقال ابن المنظور في (اللسان) في مادة قسم: في حديث علي: (أنا قسيم النار) قال القتيبي: أراد أن الناس فريقان: فريق معي وهم في الهدى، وفريق علي وهم على ضلال كالخوارج، فأنا قسيم النار، نصف في الجنة معي، ونصف في النار. و قسيم فعيل في معنى مقاسم، كالسمير والجليس (2). وقال إبن الأثير في (النهاية) مثله مع تقديم وتأخير. أقول: قال هؤلاء: لما كان موالوه عليه السلام من أهل الجنة، ومبغضوه من أهل النار، كأنه عليه السلام بهذا الاعتبار قسيم النار والجنة، وهذا المعنى لا يطابق الأخبار الواردة فيه عليه السلام، بل يستفاد من أكثر الأخبار أنه عليه السلام بنفسه الشريفة قسيمها لا باعتبار الموالين والمعادين، هلم معي أيها المنصف القارئ أن ننظر الأخبار مرة اخرى، ونمعن النظر فيها، ثم اجعل نفسك قاضيا. فعن النبي صلى الله عليه واله وسلم - كما نقلناه مفصلا -: (وإنك تقرع باب الجنة، وتدخلها بغير حساب) و (وإنك تنقر باب الجنة وتدخلها بغير حساب)، و (علي أميني على مفاتيح رحمة ربي)، و (ألقيا في جهنم من أبغضكما وكذبكما)، و (إن جهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه)، و (واتركي هذا وخذي هذا)، (وإن شاء يذهب جهنم يمنة، وإن شاء يذهبها يسرة)، و (ولجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من جميع الخلائق)، و (علي آخذ بزمانها)، و (يقبل علي ومعه مفاتيح الجنة ومقاليد النار)، و (يا علي، قلت للناس: جوزوا، وقلت لجهنم: هذا لي، وهذا لك).


(1) - كفاية الطالب، ص 71. (2) - لسان العرب، ج 12، ص 478. (*)

[157]

الفص 19 في أن محب على عليه السلام له براة منه، وأن حبه عليه السلام دليل على طيب الولادة 1 - (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خرج عليهم ووجهه مشرقي كدائرة القمر، فسأله عبد الرحمن بن عوف، فقال: بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي بأن الله زوج عليا من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى، فحملت رقاقا - يعني صكاكا - بعدد محبي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور، دفع إلى كل ملك صكا، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت إليه سكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي و ابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار (1). 2 - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى اللهعليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة أقام الله عز و جل جبرئيل ومحمدا صلى الله عليه واله وسلم على الصراط، فلا يجوزه أحد إلا من كان معه براة من على عليه السلام (2). 3 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة يقعد علي على الفردوس، وهو


(1) - الصواعق المحرقة، ص 173، وينابيع المودة، ص 88. (2) - المناقب، للخوارزمي، ص 229. والبراءة: المنشور، الاجازة.

[158]

جبل قد علا على الجنة، وفوقه عرش رب العاليمن، ومن سفحه تتفجر أنهار الجنة وتتفرق في الجنان، وعلي عليه السلام جالس على كرسي من نور، يجري بين يديه التسنيم، لا يجوز أحد الصراط إلا ومعه سند بولاية علي وولاية أهل بيته، فيدخل محبيه الجنة، ومبغضيه النار (1). 4 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنم، لم يجز عليه إلا من معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب (2). 5 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إذا جمع الله الأولين والاخرين يوم القيامة. نصب الصراط على جهنم، لم يجز عنها أحد إلا من كانت معه براة بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام (3). 6 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لال محمد أمان من العذاب (4). 7 - قال ابن عباس: (قلت للنبى صلى الله عليه واله وسلم: للنار جواز ؟ قال: نعم، قلت: وما هو ؟ قال: حب علي بن أبى طالب عليه السلام (5). 8 - عن عبادة بن صامت رضي الله عنه، قال: (كنا نبور أولادنا بحب علي بن أبي طالب عليه السلام، فإذا رأينا أحدهم لا يحب علي بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا وأنه لغير رشدة). قوله: (لغير رشدة) هو بكسر الراء وإسكان الشين، أي ولد زنا، وهذا مشهور من قديم الأيام أنه ما يبغض عليا إلا ولد الزنا (6).


(1) - ينابيع المودة، ص 113. (2) - المصدر السابق، صص 112 و 113. (3) - المصدر. (4) - ينابيع المودة، ص 22 نقلا عن جواهر العقدين والشفاء، والاتحاف للشبراوي، ص 4، ط القاهرة. (5) - تاريخ بغداد، ج 3: ص 161. (6) - أسنى المطالب، للحافظ الجزرى الشافعي، ص 58.

[159]

9 - وروينا ذلك، أيضا، عن أبي سعيد الخدري: (كنا معاشر الأنصار نبور أولادنا بحبهم عليا عليه السلام، فأذا ولد فينا مولود فلم يحبه عرفنا أنه ليس منا). قوله: (نبور) أي نختبر (1). 10 - عن علي بن أبي طالب عليه السلام: رأيت النبي صلى الله عليه واله وسلم عند الصفا وهو مقبل على شخص وهو في صورة الفيل وهو يلعنه، فقلت: من هذا، يا رسول الله ؟ قال: هذا الشيطان الرجيم، قلت: والله، يا عدو الله، لأقتلنك ولاريحن الامه منك. قال: ما هذا جزائي والله منك، قلت: وما جزاؤك مني يا عدو الله ؟ قال: والله ما أبغضك أحد إلا شاركت أباه في رحم امه (2). 11 - عن شريك بن عبد الله يقول: (إذا رأيت الرجل لا يحب علي بن أبي طالب عليه السلام فاعلم أن أصله يهودي (3). 12 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! أنت صاحب حوضي، وصاحب لوائي، و حبيب قلبي، ووصيي، ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء من قبلي - إلى أن قال: - لا يحبك إلا طاهر الولادة، ولا يبغضك إلا خبيث الولادة الحديث (4). 13 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من لم يعرف حق عترتي من الأنصار والعرب فهو لأحدى الثلاث: إما منافق، وإما ولدزنية، وإما امرء حملت به امه في غير طهر (5). 14 - عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من أحبنا أهل البيت فليحمد الله على اولى النعم،


(1) أسنى المطالب: للحافظ الجزري الشافعي: ص 58. (2) - كفاية الطالب، ص 70. (3) - أسنى المطالب، ص 59. (4) - ينابيع المودة، ص 133. (5) - ينابيع المودة، ج 2: صص 70 و 129.

[160]

قيل: وما اولى النعم ؟ قال: طيب الولادة، فلا يحبنا إلا من طابت ولادته (1). 15 - عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، قال: (قالت الأنصار: إنا كنا لنعرف الرجل لغير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب عليه السلام (2). 16 - (كنا نبور أولادنا بحب علي بن أبي طالب عليه السلام (3). 17 - عن أنس في حديث: (كان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه، ثم يقف على طريق علي عليه السلام إذا نظر إليه أومأ بإصبعه: يا بني ! تحب هذا الرجل ؟ فإن قال: نعم، قبله، وإن قال: لا، خرق به الأرض، وقال له: الحق بامك (4). إذا ذكرت الغر من هاشم * تنافرت عنك الكلاب الشاردة فقل لمن لامك في حبه * خانتك في مولدك الوالدة (5) (الفنجكردى النيشابوري) حب علي بن أبي طالب * فرض على الشاهد والغائب وام من نابذه عاهر * تبذل للنازل والراكب (6) بحب علي تزول الشكوك * وتسمو النفوس ويعلو النجار فإني رأيت محبا له * فثم الزكاء فثم الفخار وإني رأيت عدوا له * ففي أصله نسب مستعار


(1) - ينابيع المودة، ج 2: صص 70 و 129. (2) - فرائد السمطين، ج 1: ص 365. (3) - لسان العرب، مادة (بور). (4) الغدير ج 4: ص 322. (5) الغدير ج 2: صص 321 و 325. (6) الغدير ج 2: صص 321 و 325.

[161]

فلا تعذلوه على فعله * فحيطان دار أبيه قصار (1) حب الوصي علامة * في الناس من أقوى الشهود فإذا رأيت محبه * فاحكم على كرم وجود وإذا رأيت مناصبا * متعلقا حبل الجهود فاعلم بأن طلوعه * من أصل آباء يهود (2) وقالوا علي علا قلت: لا * فإن العلا بعلي علا ولكن أقول كقول النبي * وقد جمع الخلق كل الملا ألا إن من كنت مولى له * يوالى عليا وإلا فلا (3) (الصاحب بن عباد) بغض الوصي علامة معروفة * كتبت على جبهات أولاد الزنا من لم يوال من الأنام وليه * سيان عند الله صلى أم زنى (4) 18 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! من أحبني وأحبك وأحب الأئمة من ولدك، فليحمد الله على طيب مولده (5). 19 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من أحبنا أهل البيت فليحمد الله على أول النعم. قيل: وما أول النعم ؟ قال: طيب الولادة (6).


(1) - ديوان الصاحب. ص 96. (2) - المصدر أيضا. (3) - الغدير، ج 4: ص 41. (4) - أسنى المطالب، ص 59، أورده في الهامش عن العلامة الدوريستى الذي كان حيا قبل 465 ق. (5) - البحار، ج 27: ص 146. (6) - البحار، ج 27: ص 146.

[162]

20 - عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: (من أصبح يجد برد حبنا على قلبه فليحمد الله على بادئ النعم، قيل: وما بادءى النعم ؟ قال: طيب المولد (1). و (برد حبنا) أي لذته وراحته. 21 - عن المفضل قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول لأصحابه: (من وجد برد حبنا على قلبه فليكثر الدعاء لامه فإنها لم تخن أباه (2). 22 - قال العلامة الحلي رضي الله عنه: كان لأبى دلف ولد، فتحاوره أصحابه في حب علي بن أبي طالب عليه السلام وبغضه، فروى بعضهم عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: (يا علي ! لا يحبك إلا مؤمن تقي، ولا يبغضك إلا ولد زنية أو حيضة)، فقال ولد أبي دلف: ما تقولون في الأمير ؟ هل يؤتى في اهله ؟ فقالوا: لا، فقال: والله إني لأشد الناس بغضا لعلي بن أبي طالب. فخرج أبوه وهم في التشاجر، فقال: والله، إن الخبر لحق، والله إنه لولد زنية وحيضة معا، إني كنت مريضا في دار أخي في حمى ثلاث، فدخلت علي جارية لقضاء حاجة، فدعتني نفسي إليها، فأبت وقالت: إني حائض، فكابرتها على نفسها فوطئتها، فحملت بهذا الولد، فهو لزنية وحيضة معا. وحكى والدي رضي الله عنه قال: اجتزت يوما في دروب بغداد مع أصحابي، فأصابني عطش، فقلت لبعض أصحابي: اطلب ماء ووقفت أنا وباقي أصحابي ننتظر الماء، وصبيان يلعبان، أحدهما يقول: الأمام هو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، والاخر يقول: إنه أبو بكر. فقلت صدق النبي صلى الله عليه وآله: (يا علي ! لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا ولد حيضة)، فخرجت المرأة بالماء، فقالت: بالله، يا سيدي ! أسمعني ما قلت. فقلت: حديث رويته عن النبي صلى الله عليه واله وسلم لا حاجة إلى ذكره، فكررت السؤال، فرويته لها، فقال: والله، يا سيدي ! إنه لخبر صدق، إن هذين ولداي، الذي


(1) - البحار، ج 27: ص 146. (2) - البحار، ج 27: ص 146.

[163]

يحب عليا ولد طهر، والذي يبغضه حملته في الحيض، جاء والده إلى فكابرني على نفسي حالة الحيض، فنال مني فحملت بهذا الذي يبغض عليا (1). الاستدراك الصاحب بن عباد حب علي بن أبي طالب * يميز الحر من النغل (2) إذا بدا في مجلس ذكره * يصفر وجه السفلة النذل (3) لا تعذلوه (4) واعذلوا امه * إذ آثرت جارا على البعل (5) من كان ذا علم وذا فطنة * وبغض أهل البيت من شأنه فإنما الذنب على امه * إذ حملت من بعض جيرانه أحب النبي وآل النبي * لاني ولدت على الفطرة إذا شك في ولد والد * فآيته البغض للعترة حب النبي محمد ووصيه * ينبئك عن وضعي وطيب المولد من طاب مولده وصح ولاده * صحت ولايته لآل محمد


(1) - البحار، ج 39: ص 287. عن كشف اليقين للعلامة الحلى رضي الله عنه. (2) النغل: فاسد النسب. (3) النذل: الحقير. (4) العذل: اللوم. (5) ديوان: الصاحب بن عباد ص 260 ط بيروت.

[164]

يا ذا الذي هجر الوصي وآله * أظهرت حقا إن امك فاعلة وقفت بضاعتها على جيرانها * والسائلين من الورى والسائلة بعلي المرتضى خير الورى * يعرف الفاجر من ولد الحلال (1) أبو الحسن فاذشاه من لم يعاد كل من عاداه * لا شك خانت أمه أباه (2) الصاحب أشهد بالله وآلائه * شهادة خالصة صادقة إن علي بن أبي طالب * زوجة من يبغضه طالقة ثلاثة ليس لها رجعة * طالقة طالقة طالقة (3) شاعر حب علي بن أبي طالب * للناس مقياس ومعيار يخرج ما في االقلب غشا كما * يخرج غش الذهب النار (4) إذا ما التبر حك على المحك * تبين غشه من غير شك وفينا الغش والذهب المصفى * علي بيننا شبه المحك (5)


(1) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 209. (2) المصدر. (3) المصدر. (4) المناقب: ج 3 ص 91. (5) المصدر.

[165]

الفصل 20 التوسل والتقرب الى الله تعالى بولاية علي عليه السلام 1 - عن عبد الحميد الأعرج، عن عطاء، قال: (دخلنا على ابن عباس - وهو عليل - بالطائف في العلة التي توفي فيها، ونحن رهطا زهاء ثلاثين رجلا من شيوخ الطائف، وقد ضعف، فسلمنا عليه وجلسنا، فقال لي: يا عطاء ! من القوم ؟ قلت: يا سيدي ! هم شيوخ هذا البلد، منهم عبد الله بن سلمة بن حضرمي الطائفي، و عمارة بن أبي الأجلح، وثابت بن مالك، فمازلت أعدله واحدا بعد واحد، ثم تقدموا إليه فقالوا: يا ابن عم رسول الله ! إنك رأيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسمعت منه ما سمعت، فأخبرنا عن إختلاف هذه الامة فقوم قد قدموا عليا على غيره، وقوم جعلوه بعد ثلاثة. قال: فتنفس ابن عباس، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (علي مع الحق، والحق مع علي، وهو الأمام والخليفة من بعدي، فمن تمسك به فاز ونجى، ومن تخلف عنه ضل وغوى، بلى يكفنني (1) ويغسلني ويقضي ديني، وأبو سبطي الحسن والحسين، ومن صلب الحسين تخرج الأئمة التسعة، ومنا مهدي هذه الامة) - إلى أن قال: - تمسكوا بالعروة الوثقى من عترة نبيكم، فإني سمعته صلى الله عليه واله وسلم، يقول: (من تمسك بعترتي من بعدي، كان من الفائزين). ثم بكى


(1) في بعض النسخ " يلي تكفيني وغسلي ".

[166]

بكاء شديدا، فقال له القوم: أتبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مكانك ؟ ! فقال لي: يا عطاء ! إنما أبكى لخصلتين: هول المطلع، وفراق الأحبة. ثم تفرق القوم، فقال لي: يا عطاء ! خذ بيدي واحملني إلى صحن الدار، ثم رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم إني أتقرب إليك بمحمد وآله، اللهم إني أتقرب إليك بولاية الشيخ علي بن أبي طالب. فمازال يكررها حتى وقع على الأرض، فصبرنا عليه ساعة ثم أقمناه فإذا هو ميت - رحمه الله - (1). 2 - من دعاء علي بن الحسين عليهما السلام: (يا رحمن، يا الله، يا رحمن، أسألك بأسمائك العظيمة الرضية، لا يسمى بها غيرك أحد ولاية محمد صلى الله عليه و على أهل بيته، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وولاية الحسن والحسين، وولاية الطاهرين المعصومين من ذرية الحسين عليهم السلام (2). 3 - وأيضا من دعائه عليه السلام: (اللهم صل على محمد وآل محمد، شجرة النبوة، و موضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، وأهل بيت الوحي، وأعطني في هذه الليلة امنيتي، وتقبل وسيلتي، فإني بمحمد وعلي أتوسل، وأتوكل عليك (3). 4 - ومن دعائه عيه السلام: (اللهم لا تسلبني ما أنعمت به علي من ولايتك وولاية محمد وآل محمد صلى الله عليه واله وسلم (4). 5 - عن الصادق عليه السلام: (ولايتي لعلي بن أبي طالب عليه السلام أحب إلي من ولادتي منه، لأن ولايتي لعلي بن أبي طالب فرض، وولادتي منه فضل (5).


(2) - كفاية الاثر، للخراز القمي الذي كان من علماء القرن الرابع، ص 21، ط ايران. (2) - الصحيفة الرابعة للعلامة النوري، صص 78 و 132. (3) - المصدر. (4) - المصدر. (5) - البحار، ج 39: ص 299.

[167]

6 - وعنه عليه السلام: (ولايتي لابائي أحب إلى من نسبي، ولايتي لهم تنفعني من غير نسب، ونسبي لا تنفعني بغير ولاية (1). 7 - وعنه عليه السلام، قال: (ربنا آمنا واتبعنا مولانا، وولينا وهادينا وداعينا وداعي الأنام، وصراطك المستقيم السوي، وحجتك وسبيلك الداعي إليك على بصيرة هو ومن اتبعه، سبحان الله عما يشركون بولايته، وبما يلحدون باتخاذ الولائج دونه، فأشهد، يا إلهي ! أنه الأمام الهادي المرشد الرشيد، علي أمير المؤمنين الذي ذكرته في كتابك فقلت: وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم (2) لا اشركه إماما (3). 8 - وعنه عليه السلام: (والذي نفسي بيده، لملائكة الله في السماوات أكثر من عدد التراب في الأرض، وما في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك يسبحه ويقدسه، ولا في الأرض شجر ولامدر إلا وفيها ملك موكل بها، وما منهم أحد إلا ويتقرب كل يوم إلى الله بولايتنا ويستغفر لمحبينا ويلعن أعداءنا (4). 9 - وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (لم يزل الله يحتج بعلي بن أبي طالب عليه السلام في كل امة فيها نبي مرسل، وأشدهم معرفة لعلي أعظمهم درجة عند الله (5).


(1) - مشكاة الانوار، لابي الفضل الطبرسي، ص 232. (2) - الزخرف: 4. (3) - نور الثقلين، ج 4: ص 592. (4) - البحار، ج 26: ص 339. (5) - البحار، ج 40: ص 95.

[168]

الفصل 21 في أن النظر إلى على بن أبى طالب عليه السلام وذكره عبادة 1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: النظر إلى علي بن أبي طالب عبادة، وذكره عبادة (1)، لا يقبل الله إيمان عبد إلا بموالاته والبراءة من أعدائه (2). 2 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (النظر إلى علي عبادة (3). 3 - وفي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (النظر إلى وجه علي عبادة (4). 4 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (مثل علي فيكم - أو قال: في هذه الامة - كمثل الكعبة المستورة، النظر إليها عبادة، والحج إليها فريضة (5). 5 - إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله ! أما رأيت فلانا ركب البحر ببضاعة يسيرة، وخرج إلى الصين فأسرع الكرة وأعظم الغنيمة حتى قد حسده أهل وده، وأوسع قرباته جيرانه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن مال الدنيا كلما ازداد


(1) - من لا يحضره الفقيه تحت رقم 2145 و 2146. (2) - ينابيع المودة: ج 1: ص 121. (3) - المناقب للخوارزمي، الباب 23، ص 261. (4) - النهاية، لابن الاثير، باب النون، ج 5: ص 77. (5) - كفاية الطالب، الباب 34: ص 161.

[169]

كثرة وعظما ازداد صاحبه بلاء، فلا تغتبطوا صاحب الأموال إلا بمن جاد بماله في سبيل الله، ولكن ألا أخبركم بمن هو أقل من صاحبكم بضاعة وأسرع منه كرة و أعظم منه غنيمة وما اعد له من الخيرات محفوظ له في خزائن عرش الرحمن ؟ قالوا: بلى، يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: انظروا إلى هذا المقبل إليكم، فنظرنا فإذا رجل من الأنصار رث الهيئة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن هذا قد صعد له في هذا اليوم إلى العلو من الخيرات والطاعات ما لو قسم على جميع أهل السموات و الأرض لكان نصيب أقلهم منه غفران ذنوبه، ووجوب الجنة له، قالوا: بماذا، يا رسول الله ؟ فقال: سلوه يخبركم عما صنع في هذا اليوم. فأقبل عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقالوا له: هنيا لك ما برك به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فماذا صنعت في يومك هذا حتى كتب لك ما كتب ؟ قال الرجل: ما أعلم أني صنعت شيئا غير أني خرجت من بيتي، وأردت حاجة كنت أبطأت عنها فخشيت أن تكون فاتتني، فقلت في نفسي لأعتاضن منها النظر إلى وجه علي بن أبي طالب عيه السلام فقد سمعت رسول الله صلى الله عيه واله وسلم يقول: (النظر إلى وجه علي عبادة)، فقال رسول الله صلى الله عليه واه وسلم: إي والله، عبادة وأي عبادة ! إنك يا عبد الله ذهبت تبتغي أن تكتسب دينارا لقوت عيالك ففاتك ذلك، فاعتضت منه النظر إلى وجه علي و أنت له محب وبفضله معتقد، وذلك خير لك من أن لو كانت الدنيا كلها لك ذهبة حمراء فأنفقتها في سبيل الله، ولتشفعن بعدد كل نفس تنفسته في مسيرك إليه في ألف رقبة، يعتقهم من النار بشفاعتك (1). 6 - عن أبي رافع، قال: (أتيت أبا ذر بالربذة اودعه، فلما أردت الانصراف قال لى ولاناس معي: ستكون فتنة، فاتقوا الله، وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتبعوه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول له: أنت أول من آمن بي، وأول من


(1) - البحار، ج 38: ص 197.

[170]

يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكافرين، وأنت أخي و وزيري وخير من أترك بعدي، تقضي دينى، وتنجز موعدي (1). تنبيه: أيها القارئ الكريم ! إن النظر إلى وجه علي بنفسه عبادة لاأنه يحمل الناظر على العبادة، كما قاله بعض أهل السنة وهو إبن الأثير صاحب (النهاية)، قال في حديث نقله عمران بن الحصين عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (النظر إلى وجه علي عبادة) قيل: معناه إن عليا رضي الله عنه كان إذا برز، قال الناس: لاإله إلا الله، ما أشرف هذا الفتى، لاإله إلا الله، ما أعلم هذا الفتي، لاإله إلا الله، ما أكرم هذا الفتى، لاإله إلا الله ما أشجع هذا الفتى، فكانت رؤيته تحملهم على كلمة التوحيد (2) أقول: القائل هو محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي الكوفي اللغوي، المتوفى 231 تلميذ الكسائي وابن السكيت. وانظر أيها المنصف، كيف أول الرجل الحديث نفيا لمنقبة أمير المؤمنين عليه السلام ! مع أنه، كما قال العلامة المجلسي - رحمة الله عليه وحشره مع أوليائه الكرام -: أراد أن ينفي عنه عليه السلام منقبة فأثبت له أضعافها، وما الباعث على ذلك ؟ وأي استبعاد في أن يكون محض النظر إليه - صلوات الله عليه - عبادة (3) ؟ ثم أقول: وإن شئت أن يتضح لك المقال فأمعن النظر في قول الحافظ الامام الكنجى الشافعي في (كفاية الطالب) (الباب 34، ص 75): (أما النظر إلى وجه علي عليه السلام عبادة، من حيث إنه ابن عم الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وزوج البتول عليها السلام، ووالد


(1) - شرح النهج، لابن أبي الحديد، ج 13: ص 228. (2) - النهاية، ج 5: ص 77. (3) - البحار، ج 38: ص 195.

[171]

السبطين الحسين والحسين عليهما السلام، وأخو الرسول، ووصيه، وباب علمه، والمبلغ عنه، والمجاهد بين يديه، والذاب عنه، والمجلي الكرب والهموم عنه، والباذل نفسه لله تعالى ولرسوله لنصرة دين الله، وداعي الناس إلى دار السلام ومعرفة العزيز العلام، ويدل على فضل النظر إليه فضل النظر إلى الكعبة كما جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم وقف حيال الكعبة وقال: (ما أجلك وما أشرفك وما أعظمك عند الله عز وجل ! والمؤمن عند الله عز وجل أعظم وأشرف منك عليه). - إلى أن قال - عن أبي هريرة قال: رأيت معاذ بن جبل يديم النظر إلى علي بن أبي طالب، فقلت: مالك تديم النظر إلى علي كأنك لم تره ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: النظر إلى وجه علي عبادة). 7 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (زينوا مجالسكم بذكر علي بن أبي طالب عيه اسلام (1). 8 - عن ام سلمة رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عيه واله وسلم يقول: (ما قوم اجتمعوا يذكرون فضل علي بن أبي طالب عليه السلام إلا هبطت عليهم ملائكة السماء حتى تحف بهم، فإذا تفرقوا عرجت الملائكة إلى السماء، فيقول لهم الملائكة: إنا نشم من رائحتكم مالا نشمه من الملائكة، فلم نر رائحة أطيب منها ؟ فيقولون: كنا عند قوم يذكرون محمدا وأهل بيته فعلق فينا من ريحهم فتعطرنا، فيقولون: اهبطوا بنا إليهم، فيقولون: تفرقوا ومضى كل واحد منهم إلى منزله، فيقولون: اهبطوا بنا حتى نتعطر بذلك المكان (2)). 9 - عن علي عليه السلام: (فطوبى لمن رسخ حبنا في قلبه، فو الله ما ذكر العالمون ذكرا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مني (3). 10 - عن حماد السمندري (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أدخل بلاد


(1) - البحار، ج 38: ص 199. (2) - البحار، ج 38: ص 199. (3) - البحار، ج 39: ص 393.

[172]

الشرك وإن من عندنا يقولون: إن مت ثم حشرت معهم، فقال لي: يا حماد، إذا كنت ثم تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قلت: نعم، قال: فإذا كنت في هذه المدن مدن الأسلام تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قلت: لا، فقال لي: إنك إن تمت ثم تحشر امة وحدك، ويسعى نورك بين يديك (1). 11 - عن سعد الأسكافي، قال: (قلت لأبي جعفر عليه السلام: إني أجلس وأقص و أذكر حقكم وفضلكم. قال عليه السلام: وددت على كل ثلاثين ذارعا قاصا مثلك (2). 12 - عن محمد بن سليمان، عن محمد بن محفوظ، عن أبي المغرا، قال: سمعت أبا الحسن عيه السلام، يقول: ليس شئ أنكى (3) لأبليس وجنوده من زيارة الأخوان في الله بعضهم لبعض قال: وإن المؤمنين يلتقيان فيذكران الله ثم يذكران فضلنا أهل البيت، فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلا تخدد (4) حتى ان روحه لتستغيث من شده ما يجد من الألم، فتحس ملائكة السماء وخزان الجنان فيلعنونه حتى لا يبقى ملك مقرب إلا لعنه، فيقع خاسئا حسيرا مدحورا (5). 13 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (شيعتنا الرحماء بينهم الذين إذا خلوا ذكروا الله، إن ذكرنا من ذكر الله، إنا إذا ذكرنا ذكر الله، وإذا ذكر عدونا ذكر الشيطان (6). 14 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن لله ملائكة سياحين، سوى الكرام الكاتبين، فإذا مروا بقوم يذكرون محمدا وآل محمد - صلوات الله عليهم أجمعين - قالوا: قفوا، فقد أصبتم حاجتكم، فيجلسون فيتفقهون معهم، فإذا قاموا عادوا مرضاهم، وشهدوا جنائزهم، وتعاهدوا غائبهم، فذلك المجلس الذي لا يشقى به جليس (7).


(1) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 11: ص 77. (2) - رجال الكشي، ص 115. (3) - النكاية: القتل والجرح، أي أجرح له. (4) - تخدد: نقص. (5) - الكليني: الأصول من الكافي، ج 2: صص 176 و 188، باب تذاكر الاخوان. (6) - الكليني: الأصول من الكافي، ج 2: صص 176 و 188، باب تذاكر الاخوان. (7) - الكليني: الأصول من الكافي، ج 2: صص 176 و 188، باب تذاكر الاخوان.

[173]

الفصل 22 الامام واطاعة العوالم له 1 - عن علي عليه السلام: (السماوات والأرض عند الأمام عليه السلام كيده من راحته (1). إسمهم مكتوب على الأحجار، وعلى أوراق الأشجار، وعلى أجنحة الأطيار، وعلى أبواب الجنة والنار، وعلى العرش والأفلاك، وعلى أجنحة الأملاك، و على حجب الجلال وسرادقات العز والجمال - إلى أن قال: - وإن الله لم يخلق أحدا، إلا وأخذ عليه الأقرار بالوحدانية، والولاية للذرية الزكية، والبراءة من أعدائهم، وإن العرش لم يستقر حتى كتب عليه بالنور: لاإله إلا الله، محمد رسول لله، علي ولي الله (2). 2 - عن مولانا الحسن عليه السلام: (لو دعوت الله تعالى لجعل الشام عراقا، والعراق شاما (3). 3 - عن مولانا الحسين عليه السلام: (والله ما خلق الله شيئا، إلا وقد أمره بالطاعة لنا (4).


(1) - البحار، ج 25: ص 173. (2) البحار ج 25: ص 174 عن مشارق البرسي. (3) البحار ج 43: ص 237. (4) البحار ج 46: صص 22 و 240.

[174]

4 - عن علي بن الحسين عليهما السلام: (إن إماما لا يكلمه الجماد فليس بإمام (1). 5 - عن أبي جعفر عليه السلام: (إن الله أقدرنا على ما نريد، ولو شئنا أن نسوق الأرض بأزمتها لسقناها (2). 6 - عن عبد الرحمن بن الحجاج: (كنت مع أبي عبد الله عيه السلام وليس معنا أحد، قلت: يا سيدي ! ما علامة الأمام ؟ قال عليه السلام: لو قال للجبل: سر، لسار، فنظرت والله إلى الجبل يسير، فنظر إليه، فقال: لم أعنك (3). 7 - عن موسى بن جعفر عليه السلام: (إن الأمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شئ فيه روح، بهذا يعرف الأمام، فإن لم يكن فيه هذه الخصال، فليس هو بإمام (4). 8 - عن الأمام الرضا عليه السلام: (بنا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، ولو خلت يوما بغير حجة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله (5). 9 - إن يحيى بن الأكثم سأل عن محمد بن علي عليهما السلام، عن مسائل فأجابه عليه السلام، ثم قال: (إني اريد أن أسألك عن مسألة واحدة، وإني والله أستحي من ذلك، فقال عليه السلام: أنا اخبرك قبل أن تسألني تسألني عن الأمام، فقلت: هو والله هذا، قفال: أنا هو، فقلت: علامة ؟ فكان في يده عليه السلام عصى فنطقت، فقالت: إنه مولاي، إمام هذا الزمان والحجة (6). 10 - عن صالح بن سعيد، قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام فقلت: جعلت فداك،


(1) البحار ج 46: صص 22 و 240. (2) المصدر. (3) المجلسي: بحار الانوار ج 47 ص 101. (4) المجلسي: بحار الانوار ج 48 ص 47. (5) المجلسي: بحار الانوار ج 23: ص 35. (6) المجلسي: بحار الانوار ج 50 ص 99.

[175]

في كل الأمور أرادوا إطفا نورك والتقصير بك حتى أنزولوك هذا الخان الأشنع خان الصعاليك، فقال عليه السلام: (ههنا أنت يا ابن سعيد (1) ؟ ثم أومأ بيده فقال: انظر، فنظرت فإذا بروضات آنقات، وروضات ناضرات، فيهن خيرات عطرات، و ولدان كأنهن اللؤلو المكنون، وأطيار وظباء وأنهار تفور، فحار بصري والتمع، و حسرت عيني، فقال: حيث كنا فهذا لنا عتيد، ولسنا في خان الصعاليك (2). توضيح: كانت هذه القضية حين شخوصه من المدينة إلى سامرا. وقال العلامة المجلسي رضي اله عنه: (إنه تعالى أوجد في هذا الوقت لأظهار إعجازه عليه السلام هذه الأشياء في الهواء ليراه فيعلم أن عروض تلك الأحوال لهم لتسليمهم ورضاهم بقضاء الله تعالى، وإلا فهم قادرون على إحداث هذه الغرائب). وقال رضي الله عنه: أيضا (كما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يرى جبرئيل عليه السلام وسائر الملائكة، والصحابة لم يكونوا يرونهم، و أمير المؤمنين عليه السلام يرى الارواح في وادي السلام، وحبة (3) وغيره لا يرونهم، فيمكن أن يكون جميع هذه الأمور في جميع الأوقات حاضرة عندهم، لم يكن سائر الخلق يرونها) انتهى ملخصا. 11 - عن الأمام العسكري عليه السلام وجد بخطه عليه السلام: (قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية، ونورنا السبع الطرائق بأعلام الفتوة، - إلى أن قال: - فالكليم البس حلة الأصطفاء لما عهدنا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة، وشيعتنا الفئة الناجية - إلى - سينفجر لهم ينابيع الحيوان بعد لظى النيران (4) - الحديث). 12 - عن صاحب العصر والزمان عليه السلام: (أنا خاتم الأوصياء، وبي يدفع الله البلاء


(1) أي أنت في هذا المقام من معرفتنا ؟ (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 50: ص 132. (3) - يعنى حبة العرنى، وقصته مشهورة. (3) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 78: ص 378.

[176]

عن أهلي وشيعتي (1). 13 - يج: ذكر الرضي في كتاب خصائص الائمة باسناده عن ابن عباس قال: كان رجل على عهد عمر وله إبل بناحية آذربيجان قد استعصت عليه فشكا إليه ما ناله وإن معاشه كان منها فقال له: اذهب فاستغث بالله تعالى فقال الرجل: ما زلت أدعوا الله وأتوسل إليه وكلما قربت منها حملت علي. فكتب له عمر رقعة فيها " من عمر أمير المؤمنين إلى مردة الجن والشياطين أن يذللوا (2) هذه المواشي له " فأخذ الرقعة ومضى فقال عبد الله بن عباس: فاغتممت شديدا (3) فلقيت عليا عليه السلام فأخبرته بما كان فقال عليه اسلام: والذي (4) فلق الحبة وبرأ النسمة ليعودن بالخيبة فهدأ ما بي (5) وطاعت علي شقتي وجعلت أرقب (6) كل من أهل الجبال فإذا أنا بالرجل قد وافى وفي جبهته شجة (7) تكاد اليد تدخل فيها فلما رأيته بادرت إليه فقلت: ما وراك ؟ فقال: إني صرت إلى الموضع ورمت بالرقعة فحمل علي عدد منها فهالني أمرها ولم يكن لي قوة فجلست فرمحتني أحدها في وجهي فقلت: اللهم اكفنيها وكلها تشد علي وتريد قتلي فانصرفت عني فسقطت فجاء أخي فحملني ولست أعقل فلم أزل أتعالج حتى صلحت وهذا الاثر في وجهي فقلت له: صر إلى عمر وأعلمه فصار إليه وعنده نفر فأخبره بما كان فزبره (8) فقال له: كذبت لم تذهب بكتابي فحلف الرجل لقد فعل فأخرجه


(1) المجلسي: بحار الانوار ج 52 ص 30. (2) في المصدر: أن تذللوا. (3) في المصدر: غما شديدا. (4) في المصدر: وبحق الذي. (5) أي سكن: ما بي من الاضطراب. (6) في المصدر: اترقب. (7) الشجة: الجراحة. (8) أي انتهره.

[177]

عنه. قال ابن عباس: فمضيت به إلى أمير المؤمنين عليه السلام فتبسم ثم قال: ألم أقل لك ؟ ثم أقبل على الرجل فقال له: إذا انصرفت إلى الموضع الذي هي فيه فقل: " اللهم إني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة وأهل بيته الذين اخترتهم على علم على العالمين اللهم ذلل لي صعوبتها واكفني شرها فإنك الكافي المعافي والغالب القاهر ". قال: فانصرف الرجل راجعا فلما كان من قابل قدم الرج ومعه جملة من المال قد حملها من أثمانها إلى أمير المؤمنين عليه السلام وصار إليه وأنا معه فقال عليه السلام: تخبرني أو أخبرك ؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين بل تخبرني: قال كاني بك وقد صرت إليها فجائتك ولاذت بك خاضعة ذليلة فأخذت بنواصيها واحدة واحدة فقال الرجل: صدقت يا أمير المؤمنين كأنك كنت معي هكذا كان فتفضل بقبول ما جئتك به فقال: امض راشدا بارك الله لك. وبلغ الخبر عمر فغمه ذلك و انصرف الرجل وكان يحج كل سنة وقد أنمى الله ماله فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كل من استصعب عليه شئ من مال أو أهل أو ولد أو أمر فليبتهل إلى الله بهذا الدعاء فانه يكفي مما يخاف الله إن شاء الله (1) (2). الاستدراك حديث رد الشمس وإن عليا عليه السلام يطيعه الجمادات الصاحب بن عباد لا تقبل التوبة من تائب * إلا بحب ابن أبي طالب أخي رسول الله بل صهره * والصهر لا يعدل بالصاحب


(1) الخرائج والجرائح: 84 و 85 وفيه: ما يخاف. (2) البحار ج 41 ص 239.

[178]

يا قوم من مثل علي وقد * ردت عليه الشمس من غائب (1) قدامة السعدي رد الوصي لنا الشمس التي غربت * حتى قضينا صلاة العصر في مهل لا أنسه حين يدعوها فتتبعه * طوعا بتلبية هاها على عجل فتلك آيته فينا وحجته * فهل له في جميع الناس من مثل أقسمت لا أبتغي يوما به بدلا * وهل يكون لنور الله من بدل حسبي أبو حسن مولى أدين به * ومن به دان رسل الله في الاول (2) ابن حماد يا إماما ماله إلا * رسول الله شكل لم يزل شأنك * عند الله يعلو ويجل وعليك الشمس ردت * ودجى الليل مطل (3) وله أيضا: ردت له الشمس وهو شأن * لم علم الناس أي شأن (4) شاعر لا ومن أمري ونهيى * وحياتي في يديه لا تواليت سوى من * ردت الشمس عليه (5) ابن الرومي وله عجائب يوم سار بجيشه * يبغي لقصد النهروان المخرجا


(1) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2: صص 320 - 323. (2) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2 صص 320 - 323. (3) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2 صص 320 - 323. (4) المصدر. (5) المصدر.

[179]

ردت عيه الشمس بعد غروبها * بيضاء تلمع وقدة وتأججا (1) شاعر من له آخى النبي المصطفى * يوم خم بالوفا دون الاهال وله معجزة مشهورة * حين رد الشمس من بعد الزوال (2) العوني إمامي كليم الشمس راجع نورها * فهل لكليم الشمس في القوم من مثل (3) ابن حماد من كلمه الشمس لما سلمت * جهرا عليه وكل شئ يسمع يا أولا يا آخرا يا ظاهرا * يا باطنا في الحجب سرا مودع (4) رواة حديث رد الشمس من الاعلام قال العلامة الاميني رحمه الله: إن حديث رد الشمس أخرجه جمع من الحفاظ الاثبات بأسانيد جمة صحح جمع من مهرة الفن بعضها وحكم آخرون بحسن آخر وشدد جمع منها النكير على من غمز فيه وضعفه وهم الابناء الاربعة حملة الروح الاموية الخبيثة ألا وهم: ابن حزم، ابن الجوزي، ابن تيمية، ابن كثير: وجاء آخرون من الاعلام وقد عظم عليهم الخطب بإنكار هذه المأثرة النبوية والمكرمة العلوية الثابتة فأفردوها بالتأليف وجمعوا فيه طرقها وأسانيدها فمنهم: 1 - أبو بكر الوراق له كتاب من روى رد الشمس ذكره له ابن شهر آشوب في


(1) المصدر. (2) المصدر. (3) المصدر. (4) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2 صص 320 - 323.

[180]

" المناقب " (ج 1 ص 458). 2 - أبو الحسن شاذان الفضيلي له رسالة في طرق الحديث ذكر شطرا منها الحافظ السيوطي في (اللئالي المصنوعة) (ج 2: ص 175 وقال: أورد طرقه بأسانيد كثيرة وصححه بما لا مزيد عليه ونازع ابن الجوزي في بعض من طعن فيه من رجاله. 3 - الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الازدي الموصلي له كتاب مفرد فيه ذكره له الحافظ الكنجي في (الكفاية الطالب). 4 - أبو القاسم الحاكم ابن الحداد الحسكاني النيسابوري الحنفي المترجم (ج 1: ص 112) له رسالة في الحديث أسماها (مسألة في تصحيح رد الشمس و ترغيم النواصب الشمس) ذكر شطرا منها ابن كثير في البداية والنهاية) (ج 6: ص 80) وذكره له الذهبي في تذكرته (ج 3 ص 368). 5 - أبو عبد الله الجعل الحسين بن علي البصري ثم البغدادي (المتوفى 399) ذلك الفقيه المتكلم له كتاب (جواز رد الشمس) ذكره له ابن شهر آشوب 6 - أخطب أبو المؤيد موفق بن أحمد (المتوفى 568) المترجم في الجزء الرابع من كتابنا هذا له كتاب (رد الشمس امير المؤمنين) ذكره له معاصره ابن شهر آشوب. 7 - أبو علي الشريف محمد بن أسعد بن علي بن المعمر الحسني النقيب النسابة (المتوفى 588) له جزء في جمع طرق حديث رد الشمس لعلي أورد فيه أحاديث مستغربة (لسان الميزان ج 5: 76). 8 - أبو عبد الله محمد بن يوسف الدمشقي الصالحي تلميذ ابن الجوزي (المتوفى 597) له جزء (مزيل اللبس عن حديث رد الشمس) ذكره له برهان الدين الكوراني المدني في كتابه (الامم لايقاظ الهمم) (ص 63). 9 - الحافظ جلال الدين السيوطي (المتوفى 991) له رسالة في الحديث

[181]

أسماها (كشف اللبس عن حديث رد الشمس) (1). قال سبط ابن الجوزي في تذكرته (ص 49): عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عليه السلام عن أسماء بنت عميس قالت: كان رأس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حجر علي عليه السلام وهو يوحى إليه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك فاردد عليه الشمس. قالت: فردها الله له. فإن قيل: فقد قال جدك في الموضوعات: هذا حديث موضوع بلا شك و روايته مضطربة فإن في إسناده أحمد بن داود وليس بشئ وكذا فيه فضل بن مرزوق ضعيف وجماعة منهم عبد الرحمن بن شريك ضعفه أبو حاتم وقال جدك: أنا لا أتهم به إلا ابن عقدة فإنه كان رافضيا فلو سلم فصلاة العصر صارت قضاء بغيبوبة الشمس فرجوع الشمس لا يفيد لانها لا تصير أداء. قالوا: وفي الصحيح: إن الشمس لم تحبس على أحد إلا يوشع بن نون والجواب: أن قول جدي رحمه الله: (هذا حديث موضوع بلا شك) دعوى بلا دليل لان قدحه في رواته الجواب عنه ظاهر لانا ما رويناه إلا عن العدول الثقات الذين لا مغمز فيهم وليس في إسناده أحد ممن ضعفه وقد رواه أبو هريرة أيضا أخرجه عنه ابن مردويه فيحتمل أن الذين أشار إليهم في طريق أبي هريرة. وكذا قول جدي (أنا لا أتهم به إلا ابن عقدة من باب الظن والشك لا من باب القطع واليقين وابن عقدة مشهور بالعدالة كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها ولا يتعرض للصحابة رضي الله عنهم بمدح ولا بذم فنسبوه إلى الرفض وقوله (صارت صلاة العصر قضاء) قلنا: أرباب العقول السليمة والفطر الصحيحة لا يعتقدون أنها غابت ثم عادت وإنما وقفت عن السير المعتاد فكان يخيل لناظر أنها غابت وإنما هي


(1) الاميني الغدير ج 3 صص 127 - 128. (*)

[182]

سائرة قليلا قليلا والدليل عليه أنها لو غابت ثم عادات لاختلت الافلاك وانسد نظام العالم وقال الله تعالى: كل في فلك يسبحون وإنما نقول: إنها وقفت عن سيرها المعتاد ولو ردت على الحقيقة لم يكن عجبا لان ذلك يكون معجزة لرسول اله صلى الله عليه واله وسلم وكرامة لعلي عليه السلام وقد حبست ليوشع بالاجماع ولا يخلو إما أن يكون ذلك معجزة لموسى أو كرامة ليوشع فإن كان لموسى فنبينا أفضل منه وإن كان ليوشع فعلي عليه السلام أفضل من يوشع قال صلى الله عليه واله وسلم: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل و هذا في حق الآحاد فما ظنك بعلي عليه السلام والدليل عليه أيضا ما ذكر أحمد في (الفضائل) فقال: حدثنا محمد بن يونس عن الحسن بن عبد الرحمن الانصاري عن عمر بن جميع عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار وهو مؤمن آل ياسين وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم وحزقيل كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع فدل على فضل علي عليه السلام على أنبياء بني إسرائيل وفي وقوف الشمس يقول الصاحب كافي الكفاة. من كمولاي علي * والوغى تحمي لظاها من يصيد الصيد فيها * بالظبى حين انتضاها من له في كل يوم * وقعات لا تضاها كم وكم حرب ضروس * سد بالمرهف فاها اذكروا أفعال بدر * لست أبغي ما سواها اذكروا غزوة أحد * إنه شمس ضحاها اذكروا حرب حنين * إنه بدر دجاها اذكروا الاحزاب قدما * إنه ليث شراها اذكروا مهجة عمرو * كيف أفناها شجاها

[183]

اذكروا أمر برائة * واصدقوني من تلاها اذكروا من زوجه الز * هراء قد طابت ثراها حاله حالة هارون * موسى فافهماها أعلى حب علي لا * منى اقوم سفاها أول الناس صلاة * جعل التقوى حلاها ردت الشمس عليه * بعد ما غاب سناها وفي الباب حكاية عحيبة حدثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق قالوا: شهدنا أبا منصور المظفر بن أردشير العبادي الواعظ وقد جلس بالتاجية مدرسة بباب أبرز محلة ببغداد وكان بعد العصر وذكر حديث رد الشمس لعلي عليه السلام وطرزه بعبارته ونمقه بألفاظه ثم ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام فنشأت سحابة غطت الشمس حتى ظن الناس أنها قد غابت فقام أبو منصور على المنبر قائما وأومى إلى الشمس وأنشد: لا تغربي يا شمس حتى ينتهي * مدحي لآل المصطفى ولنجله واثنى عنانك إن أردت ثنائهم * أنسيت إن كان الوقوف لاجله ؟ إن كان للمولى وقوفك فليكن * هذا الوقوف لخيله ولرجله قالوا: فانجاب السحاب عن الشمس وطلعت اه‍ (قال في هامش اكتاب) قلت: بعد تسليم رد الشمس ليوشع وهو مسلم في الاخبار الصحيحة لا مناص من تسليم رد الشمس لامير المؤمنين عليه السلام بشهادة جملة من الاخبار عن النبي صلى الله عليه واله وسلم يكون في هذه الامة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة (منه) (1)


(1) سبط ابن الجوزي: تذكرة الخواص: صص 49 - 53.

[184]

الفصل 23 في ما ورد بأن المخالف الناصب لعلي عليه السلام كافر 1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر، وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر (1). 2 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (علي بن أبي طالب باب حطة، من دخل منه كان مؤمنا، ومن خرج عنه كان كافرا (2). 3 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (علي بن أبي طالب باب الدين، من دخل فيه كان مؤمنا، ومن خرج عنه كان كافرا (3). 4 - عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: (جعلنا علما فيما بيني وبين امتي، فمن لم يتبعك فقد كفر (4). 5 - عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من لم يقل علي خير الناس فقد كفر (5). 6 - عن عبد الله بن العباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من لم يقل علي خير الناس


(1) - ابن معازلي: مناقب علي بن أبي طالب، ص 46، ط ايران. (2) - متقى الهندي: كنز العمال، ج 11: ص 610، ط بيروت. (3) - قندوزى: ينابيع المودة، ج 2: ص 61، ط اسلامبول. (4) - إبن عساكر: تاريخ دمشق، ج 27: ص 489، ط بيروت. (5) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 7: ص 421.

[185]

فقد كفر (1) 7 - عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر (2). 8 - عن شريك بن عبد الله، يقول: (علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر (3). 9 - عن محمد بن منكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر (4). 10 - عن عطية العوفي، قال: (دخلنا على جابر بن عبد الله الأنصاري، وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقلنا: أخبرنا عن علي، فقال: ذاك من خير البشر (5). 11 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا حذيفة إن حجة الله عليكم بعدي علي بن أبي طالب، الكفر به كفر بالله، والشرك به شرك بالله، والشك فيه شك في الله، والألحاد فيه إلحاد في الله، والأنكار له إنكار لله (6). 12 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من أنكر إمامة علي بعدي كمن أنكر نبوتي في حياتي، و من أنكر نبوتي كان كمن أنكر ربوبية ربي عزوجل (7). 13 - عن ام سلمة رضي الله عنها قالت: لاحدثنك (يعنى للحسن البصري) بحديث سمعته اذناي من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وإلا فصمتا، ورأته عيناي وإلا فعميتا، و وعاه قلبي وإلا فطبع الله عليه، وأخرس لساني إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب عيه السلام: (يا علي، ما من عبد لقي الله يوم يلقاه جاحدا لولايتك


(1) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 3: ص 192. (2) - إبن عساكر: تاريخ دمشق، ج 27: ص 445. (3) - المصدر، صص 446 و 447. (4) - المصدر، صص 446 و 447. (5) - المصدر. (6) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 38: صص 97 و 101 و 109. (7) - المجلسي: بحار الانوار، ج 38: صص 97 و 101 و 109.

[186]

إلا لقى الله بعبادة صنم أو وثن (1). 14 - قال الصادق عليه السلام: (لا يرد على علي بن أبي طالب عليه السلام أحد ما قال فيه النبي صلى الله عليه واله وسلم إلا كافر (2). 15 - قال الصادق عليه السلام: (الأمام علم فيما بين الله عزوجل وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، ومن أنكره كان كافرا (3). 16 - عن محمد بن جعفر، عن أبيه عليه السلام، قال: (علي عليه السلام باب هدى، من خالفه كان كافرا، ومن أنكره دخل النار (4). 17 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (منا الأمام المفروض طاعته، من جحده مات يهوديا، أو نصرانيا (5). 18 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية (6). 19 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (الأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب، و آخرهم القائم - إلى أن قال: - المقر بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر (7). 20 - عن عبد الرحمن - يعني ابن كثير - قال: (حججت مع أبي عبد الله عليه السلام فلما صرنا في بعض الطريق صعد على جبل فأشرف فنظر إلى الناس فقال: ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج ! فقال له داود الرقي: يا ابن رسول الله، هل يستجيب الله دعاء هذا الجمع الذي أرى ؟ قال: ويحك، يا أبا سليمان، إن الله لا يغفر أن يشرك به،


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 38: ص 101. (2) - الوسائل، ج 18: صص 561 و 56 و 559 و 567 و 562. (3) - المصدر. (4) - المصدر. (5) - المصدر. (6) - المصدر. (7) - الصمدر.

[187]

الجاحد لعلي عليه السلام كعابد الوثن (1). 21 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي بعثني بالحق نبيا إن النار لأشد غضبا على مبغض علي منها على من زعم أن لله ولدا (2). 22 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (التاركون ولاية علي عليه السلام المنكرون لفضله المظاهرون أعداءه خارجون عن الأسلام من مات منهم على ذلك (3). 23 - عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (أعداء علي عليه السلام هم المخلدون في النار (4). 24 - عن منصور بن حازم، قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: (وما هم بخارجين من النار قال: أعداء علي هم المخلدون في النار أبد الابدين ودهر الداهرين (5). 25 - عن أبي حمزه الثمالي، أنه سأل علي بن الحسين عليهما السلام عنهما، فقال: (كافران، كافر من تولاهما (6)). 26 - عن مولى لعلي بن الحسين عليهما السلام، قال: (كنت معه عليه السلام في بعض خلواته فقلت: إن لي عليك حقا ألا تخبرني عن هذين الرجلين ؟ فقال: كافران، كافر من أحبهما (7). 27 - عن الصادق عليه السلام: (من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر (8).


(1) - مستدرك الوسائل، ج 1: ص 21. (2) - البحار، ج 39: ص 160. (3) - البحار، ج 72: صص 134 و 135 و 137. (4) - المصدر. (5) - المصدر. (6) - المصدر. (7) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 72: ص 137. (8) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 18: ص 561.

[188]

أقول: أخي العزيز ! إن من أمعن النظر في هذه الأخبار وتأمل فيها يقطع بأن المخالفين لولاية أمير المؤمنين عليه السلام لمعزولون عن الأسلام وإن أقروا بالشهادتين، لأنك لاحظت: من ناصب عليا الخلافة فهو كافر، ومن شك في علي فهو كافر، و أنه عليه السلام باب حطة، من دخل منه كان مؤمنا، ومن خرج عنه كان كافرا، وأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جعله علما بينه وبين امته، فمن لم يتبعه كان كافرا، وأن الكفر به كفر بما أنزل الله كيف لا وقد قال في كتابه والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم * ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (1) فالشك فيه شك بالله، والألحاد به إلحاد بالله، وأنه من أنكر إمامة علي كمن أنكر رسالة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وأنه من جاحد ولايته لقي الله يوم القيامة كعابد صنم أو وثن، وأنه لايرد أحد على علي عليه السلام ما قال فيه النبي صلى الله عليه واله وسلم إلا كافر، وأنه علم بين الله وبين خلقه، من عرفه كان مؤمنا، ومن أنكره كان كافرا، وأنه من خالفه كان كافرا، ومن أنكره دخل النار، و أنه الأمام المفروض طاعته، من جحده مات يهوديا أو نصرانيا، وأنه من لم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية. ثم أيها القارئ المنصف ! لما أحطت بهذه الأخبار التي هي غيض من فيض و قليل من كثير فلازم لك أن تعلم أن جمعا من علماء الأمامية حكموا بكفر المخالفين لولاية أمير المؤمنين والأئمة المعصومين -: -، لكن الأكثر منهم قالوا: إنهم كافرون في الباطن ونفس الأمر، ومسلمون في الظاهر امتيازا للشهادتين وعناية وتخفيفا للمؤمنين لمسيس الحاجة إلى معاشرتهم ومخالطتهم في الأماكن المشرفة، كالكعبة المعظمة والمدينة المنورة، وإن كانوا يوم القيامة أشد عقابا من الكفار والمشركين. وها نحن نذكر - إن شاء الله تعالى - كلام بعض فقهاء الأمامية - رضوان الله عليهم أجمعين - مع حديث عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى يتضح


(1) - سورة محمد، 47: 8 و 9.

[189]

لك المقصود عن ابن عباس، قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه واله وسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام غضبان، فقال له النبي صلى الله عليه واله وسلم: ما أغضبك ؟ قال: آذوني فيك بنو عمك. فقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مغضبا فقال: يا أيها الناس ! من آذى عليا فقد آذاني، إن عليا أولكم إيمانا، وأوفاكم بعهد الله. يا أيها الناس ! من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا. قال جابر بن عبد الله الأنصاري: وإن شهد أن لاإله إلا الله، وأنك محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ فقال: يا جابر ! كلمة يحتجزون بها أن تسفك دماؤهم، و أن لاتستباح أموالهم، وأن لا يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون (1). تذييل: 1 - قال شمس الفقاهة والدين، الشهيد الثاني - رفع الله درجته -: (قد عرفت مما تقدم أن التصديق بإمامة الأئمة عليه السلام من اصول الأيمان عند الطائفة من الأمامية كما هو معلوم من مذهبهم ضرورة، وصرح بنقله المحقق الطوسي، عنهم فيما تقدم. ولا ريب أن الشئ يعدم بعدم أصله الذي هو جزؤه كما نحن فيه، فيلزم الحكم بكفر من لم يتحقق له التصديق المذكور كافر وإن أقر بالشهادتين وأنه مناف أيضا للحكم بالسلام من لم يصدق بامامة الائمة الاثنى عشر عليهم السلام وأما الجواب فبالمنع من المنافاة بين الحكمين وذلك لانا نحكم بأن من لم يتحقق له التصديق المذكور في نفس الأمر، والحكم بإسلامه إنما هو الظاهر، فموضوع الحكمين مختلف فلا منافاة، ثم قال: المراد بالحكم بإسلامه ظاهرا صحة ترتب كثير من الأحكام الشرعية على ذلك. والحاصل، أن الشارع جعل الأقرار بالشهادتين علامة على صحة إجراء أكثر الأحكام الشرعية على المقر كحل مناكحته، والحكم بطهارته وحقن دمه وماله وغير ذلك من الاحكام المذكورة في كتب الفروع و


(1) - ابن مغازلي: مناقب علي بن أبي طالب، ص 52، ط إيران.

[190]

كأن الحكمة في ذلك هو التخفيف عن المؤمنين (1). 2 - عن شيخ الفقهاء والمحققين، الشيخ محمد حسن النجفي، صاحب الجواهر،: (فلعل ما ورد في الأخبار الكثيرة من تكفير منكر علي عليه السلام لأنه العلم الذي نصبه الله بينه وبين عباده، وأنه باب من أبواب الجنة، من دخله كان مؤمنا، و من خرج منه كان كافرا، وتكفير منكر مطلق الأمام، وأن من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، محمول على إرادة الكافر في مقابل المؤمن - إلى أن قال: - نعم، هو بالمعنى المزبور أخبث باطنا منه بغيره، بل أشد عقابا كما يشير إليه قول الصادق عليه السلام: (أهل الشام شر من أهل الروم، وأهل المدينة شر من أهل مكة، و أهل مكة يكفرون بالله جهرة، وأهل المدينة أخبث منهم سبعين ضعفا (2). 3 - عن الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله: (والحاصل، أن ثبوت الكفر لهم مما لا إشكال فيه ظاهرا كما عرفت من الأصحاب، ويدل عليه أخبار متواترة نذكر بعضها تيمنا وتشريفا للكتاب. ففي رواية أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (إن عليا باب فتحه الله، من دخله كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا). و رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (طاعة علي ذل، و معصية كفر بالله. قيل: يا رسول الله ! كيف كان طاعة علي ذلا، ومعصية كفرا ؟ قال صلى الله عليه واله وسلم: علي يحملكم على الحق، فإن أطعتموه ذللتم، وإن عصيتموه كفرتم بالله عزوجل). وفي رواية إبراهيم بن أبي بكر قال: سمعت أبا الحسن موسي عليه السلام يقول: (إن عليا عليه السلام باب من أبواب الهدى، فمن دخل في باب علي كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا). ورواية الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (إن الله نصب عليا علما لله بين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، ومن أنكره كان كافرا).


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 8: ص 367 (نقلا عن رسالة (حقائق الأيمان) للشهيد الثاني رحمه الله). (2) - النجفي: جواهر الكلام، ج 6: ص 60.

[191]

وفي رواية إبراهيم بن بكر عن أبي إبراهيم عليه السلام: (إن عليا باب من أبواب الجنة، فمن دخل بابه كان مؤمنا، ومن خرج من بابه كان كافرا). وعن (المحاسن) بسنده إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال لحذيفة: (يا حذيفة ! إن حجة الله بعدي عليك علي بن أبي طالب، الكفر به كفر بالله، والشرك به شرك بالله، والشك فيه شك في الله، و الألحاد فيه إلحاد في الله، والأنكار له إنكار لله، والأيمان به إيمان بالله، لأنه أخو رسول الله ووصيه وإمام امته ومولاهم، وهو حبل الله المتين - الحديث) إلى غير ذلك مما لا يطيق مثلي الأحاطة بعشر معشاره ولا بقطرة من بحاره. (1) 4 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (ويظهر من بعض الأخبار، بل من كثير منها أنهم في الدنيا - أيضا - في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون على الشيعة وهم يبتلون بمعاشرتهم ولا يمكنهم الأجتناب عنهم وترك معاشرتهم ومخالطتهم ومناكحتهم أجرى الله عليهم حكم الأسلام توسعة، فإذا ظهر القائم عليه السلام يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبدا مع الكفار. وبه يجمع بين الأخبار كما أشار إليه المفيد والشهيد الثاني - قدس الله روحهما - (2). 5 - عن معلم الامة، الشيخ المفيد، في (المقنعة) (3): (ولا يجوز لأحد من أهل الأيمان أن يغسل مخالفا للحق في الولاية ولا يصلي عليه إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقية، فيغسله تغسيل أهل الخلاف، ولا يترك معه جريدة، فإذا صلى عليه لعنه في صلاته). 6 - وقال الشيخ الطائفة الطوسي في شرح كلام معلم الامة الشيخ المفيد رحمه الله (فالوجه فيه أن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار،


(1) - الأنصاري: كتاب الطهارة / النظر السادس في النجاسات، ص 329. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 369. (3) - المصدر، ص 13.

[192]

إلا ما خرج بالدليل. وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أن يكون غسل المخالف - أيضا - غير جائز (1). 7 - عن الشيخ الأنصاري رحمه الله: (يجوز اغتياب المخالف كما يجوز لعنه، وتوهم عموم الآية كبعض الرويات لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الأسلام عليهم، إلا قليلا مما يتوقف استقامة نظم معاش المؤمنين عليه (2). 8 - وعن الأمام الخميني في شرح كلام الشيخ رحمه الله: (والأنصاف أن الناظر في الروايات لا ينبغي أن يرتاب في قصورها عن إثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغي أن يرتاب في أن الظاهر من مجموعها إختصاصها بغيبة المؤمن الموالي لأئمة الحق: - إلى أن قال: - فلا شبهة في عدم إحترامهم، بل هو من ضروري المذهب - كما قال المحققون - بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساويهم. فعن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قلت له: إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم، فقال: الكف عنهم أجمل، ثم قال: يا أبا حمزة ! الناس كلهم أولاد بغاة ما خلا شيعتنا) والظاهر منها جواز القذف و الافتراء عليهم (3). 9 - وعنه - أيضا -: (وأما الأخبار المشتملة على الأخ لا تشملهم أيضا (اي كالأخبار المشتملة على المؤمن) لعدم الأخوة بيننا وبينهم بعد وجوب البراءة عنهم، وعن مذهبهم، وعن أئمتهم كما تدل عليه الأخبار واقتضته اصول


(1) - الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الاحكام، ج 1: ص 335، ط الآخوندي. (2) - الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 40. (3) - الخميني، روح الله: المكاسب المحرمة / مع تعاليق: الشيخ مجتبى الطهراني. ج 1: صص 252 و 250.

[193]

المذهب، وما اشتملت على المسلم فالغالب منها مشتمل على ما يوجبه ظاهرا في المؤمن (1). 10 - عن صاحب الجواهر رحمه الله: (وأما لو كان الأمام ممن لا يقتدي به (2) لأنه مخالف (وجبت القراءة) في الصلاة خلفه تقية - كما صرح به جماعة من الأصحاب - بل لا أجد فيه خلافا بينهم كما اعترف به في (المنتهى) - إلى أن قال: - وخبر زرارة، عن الباقر عليه السلام سأله عن الصلاة خلف المخالفين، فقال عليه السلام: ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر. ولقول الصادق عليه السلام: (إذا صليت خلف إمام لا يقتدي به فاقرأ خلفه، سمعت قراءته، أولم تسمع). وقول أبي الحسن عليه السلام في صحيح ابن يقطين: (اقرأ لنفسك وإن لم تسمع نفسك فلا بأس). إلى غير ذلك مما يستفاد منه الحكم المزبور منطوقا ومفهوما (3). 11 - وعنه رحمه الله - أيضا -: (إن ظاهر النصوص والفتاوى عدم وجوب إعادة هذه الصلاة (أي خلف المخالف) بعد مراعاة تلك الامور التي سمعتها من القراءة و غيرها وإن كان الوقت باقيا، بل ولو كان له مندوحة عن ذلك وفاقا لبعض وخلافا لآخر، لأطلاق المزبور (أي الأخبار التي تقول: صلوا خلف المخالف إن دعت إليه الضرورة) والحث على حضور جماعتهم وإدراك الصف الأول والمبالغة في فضلها، حتى إن في بعضها التشبيه بصلاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (كما في الوسائل / الباب 5، من أبواب صلاة الجماعة) وفي آخر كسل السيف في سبيل الله (كما فيه أيضا) مع ظهور وجه الحكمة فيها من أنهم حتى يقولوا: رحم الله جعفرا ما أحسن ما كان يؤدب به أصحابه، ولما يحصل به من تأليف القلوب، وعدم الطعن على المذهب وأهله، ودفع الضرر - إلى أن قال: - نعم، يظهر من بعض المعتبرة (كما في


(1) - المصدر. (2) - مابين المعوقتين متن شرائع الاسلام للمحقق الحلى رحمه الله، كما لا يخفى. (3) - النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 13: صص 195 و 200.

[194]

الوسائل / الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة) أن الأفضل الصلاة في المنزل ثم الصلاة معهم (1). 12 - عن المحقق الحلي رحمه الله في مستحق الزكاة: (وكذا لا يعطى غير الأمامي: و إن اتصف بالاسلام، ونعني به كل مخالف في اعتقادهم الخق كالخوارج وغيرهم من الفرق الذين يخرجهم اعتقادهم عن الأيمان، وخالف جميع الجمهور في ذلك واقتصروا على اسم الأسلام. لنا إن الأيمان هو تصديق النبي صلى الله عليه واله وسلم في كل ما جاء به، والكفر جحود ذلك، فمن ليس بمؤمن فهو كافر، وليس للكافر زكاة - إلى أن قال -: فرع: وإذا لم يوجد المؤمن هل يصرف إلى غيرهم ؟ فيه قولان، أشبههما أن زكاة المال لا تدفع إلى غير أهل الولاية (2). أقول: الظاهر كون المراد بالمخالف في خصوص هذه الأخبار أعم من الناصب المعاند للحق بعد وضوحه له، أعني مطلق المخالف لنا في المذهب وهم المنحرفون الناكبون عن الصراط، النواصب وغيرهم كما يأتي. الناصب ومعناه عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب، والناصب لنا أهون على الله من الكلب (3). وعن الصادق عليه السلام: (إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، و إن الناصب لنا أهل البيت أنجس منه (4).


(1) - النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 13: صص 195 و 200. (2) - المحقق الحلي: المعتبر في شرح المختصر، ص 281. (3) - النجفي: الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 6: ص 63. (4) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، تحقيق: عبد الرحيم الرباني ج 1: ص 159.

[195]

أخي العزيز ! ينبغي لنا أن نعلم ما معنى النصب، ومن الناصب ؟ فنقول: جاء في أقرب الموارد في مادة (نصب): (الناصبية والنواصب المتدينون ببغضة علي عليه السلام لأنهم نصبوا له أي عادوه - انتهى). وفي (القاموس): (النواصب وأهل النصب المتدينون ببغض علي - رضي الله عنه - لأنهم نصبوا له أي عادوه). وقال الطريحي في (مجمع البحرين): (النصب المعاداة، يقال: نصبت فلانا إذا عاديته، ومنه الناصب وهو الذي يتظاهر بعداوة أهل البيت - صلوات الله عليهم أجمعين - أو لمواليهم لأجل متابعتهم لهم. قال بعض الفضلاء: اختلف في تحقيق الناصبي، فزعم البعض أن المراد من نصب العدواة لأهل البيت عليهم السلام، و زعم آخرون أنه من نصب العدواة لشيعتهم، وفي الاحاديث ما يصرح بالثاني، فعن الصادق عليه السلام: (أنه ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنه لاتجد رجلا يقول: أنا ابغض محمدا و آل محمد صلى الله عليه واله وسلم ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تولونا وأنتم من شيعتنا) أقول: فيه ما لا يخفى وسيأتي الكلام فيه. وعن شرح المقداد - على ما في (الجواهر) ج 6: ص 66 -: إن الناصب يطلق على خمسة أوجه: الخارجي القادح في علي عليه السلام. الثاني من ينسب إلى أحدهم: ما يسقط العدالة. الثالث من ينكر فضيلتهم لو سمعها. الرابع من اعتقد أفضلية غير علي عليه السلام عليه. الخامس من أنكر النص على علي). قال صاحب الجواهر رحمه الله: (قد يقوى في النفس تعميم الناصب للعدو لأهل البيت عليهم السلام وإن لم يكن متدينا به - إلى أن قال: - بل في جامع المقاصد ومجمع البحرين تعميمه لناصب العداوة لشيعتهم). 13 - عن العلامة الكبير الفقيه الهمداني المشهور بالحاج آغا رضا المهداني رحمه الله: (إن المراد بالناصب في الروايات على الظاهر - مطلق المخالفين لا خصوص من أظهر العداوة لأهل البيت وتدين بنصبهم كما يشهد لذلك خبر المعلى بن خنيس،

[196]

قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس الناصب لنا من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد أحدا يقول: أنا ابغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتتبرؤون من أعدائنا). ويدل أيضا على تحقق النصب بمجرد إزالة الأئمة: عن مراتبهم ومعاداة من يعرف حقهم من شيعتهم ما رواه ابن إدريس في (مستطرفات السرائر) (ص 479) عن محمد بن عيسى، قال: (كتبت إليه (يعني الهادي عليه السلام) أسأله عن الناصب، هل احتاج في إمتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده إمامتهما ؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب (1). أقول: خبر المعلي بن خنيس لا يقاوم الأخبار التي كان معناها أن الناصب هو المبغض لهم ولمن يتولاهم لكون المعلي ضعيفا جدا، مع أنه خلاف الأعتبار حيث إن وجود المبغضين لأمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم السلام المتظاهرين بالعداوة والمصحرين بها لهم عليهم السلام أشهر وأظهر من أن ينكره أحد، مع أن ما في ذيل الخبر من أن الناصب من نصب لكم لأجل ولايتكم لنا هو ظاهر أيضا في عداوتهم لهم عليهم السلام، حيث يبغضون من يتولاهم إذا لم يقدروا على اظهار عداوتهم لهم عليهم السلام جهارا والفرق بين مبغضيهم ومعانديهم وبين الذين لا يعرفونهم واضح ولا حاجة إلى بيان أزيد من ذلك. وأما خبر محمد بن عيسى، فمعناه أن الناصب من قدم عليهم غيرهم مع علمه بشأنهم وعرفانه، بأن الحق لهم ومعهم وفيهم ومع ذلك قدم غيرهم عليهم، و ليس المراد من لايعرف شأنهم أولا يعتقد بعصمتهم وأنهم عليهم السلام حجج الله على الخلق، والبون بين من عرف الحق فأنكره وعانده، وبين من طلب الحق فأخطأه بعيد جدا ولا يخفى على أي أحد.


(1) - الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه، كتاب الطهارة، ص 568.

[197]

14 - قال الشيخ يوسف البحراني: (إن الآية التي دلت على تحريم الغيبة وإن كان صدرها مجملا إلا أن قوله - عزوجل - فيها: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا (1) مما يعين الحمل على المؤمنين، فإن إثبات الأخوة بين المؤمن والمخالف له في دينه لا يكاد يدعيه من شم رائحة الأيمان ولامن أحاط خبرا بأخبار السادة الأعيان لاستفاضتها بوجوب معاداتهم والبراءة منهم (2). 15 - وفي (الجواهر) عن (الحدائق): (إن الحكم بكفر المخالفين ونصبهم و نجاستهم هو المشهور في كلام أصحابنا المتقدمين مستشهدا بما حكاه عن الشيخ ابن نوبخت، وهو من متقدمي أصحابنا في كتابه (فص الياقوت): دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا - إلى آخره (3). 16 - ولكن أكثر علماء الامامية حكموا بطهارة سائر المخالفين ونجاسة النواصب والخوارج. قال استاذ الكل، الشيخ الأعظم الأنصاري،: (فالظاهر أن العامة منهم ناصب، ومنهم مستضعف، ومنهم الواسطة بينهما. والمحكوم بنجاسته بالأخبار والاجماع هو الأول. بل ربما يستشكل الحكم في الأول بأن الظاهر من الأخبار والتواريخ أن كثيرا من أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم والكائنين في زمن الأمير عيه السلام، وأصحاب الجمل، وصفين، بل كافة أهل الشام، بل وكثير من أهل الحرمين كانوا في أشد العدواة لأهل البيت عليهم السلام، فقد روي أن أهل الشام شر من أهل الروم، وأن أهل مكة يكفرون بالله جهرة وأهل المدينة أخبث منهم سبعين ضعفا، مع أنه لم ينقل الاحتراز عنهم - إلى أن قال: - نعم، يمكن دفع ما ذكر بمنع كون جميع من ذكر مبغضا واقعيا، بل كثير منهم سيما في دولة بني امية كان يظهر البغض لهم تقية - إلى أن قال: - مضافا إلى أن الحكم بنجاسة الناصب يمكن أن يكون قد انتشر في


(1) - الحجرات، 49: 12. (2) - البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناظرة، ج 18: ص 150، ط النجف الأشرف. (3) - النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 6: ص 61.

[198]

زمن الصادقين عليهما السلام إذ كثير من الأحكام كان مخفيا قبل زمانهما، كما يظهر من الأخبار وكلمات بعض الأخيار. والكلام في الخوارج يظهر مما ذكرنا في الناصب فإنهم أشد النواصب، مضافا إلى إطلاق المشرك عليهم في الزيارة الجامعة: (ومن حاربكم مشرك). وبالجملة فلا شئ أوضح وأشهر من كفر يزيد، لعنه الله (وعلى من شيد بنيانه) (1). 17 - وقال أيضا: (بل في (شرح المفاتيح): إن من بديهيات المذهب أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يشاور المنافقين، وما كان يجتنب منهم إلا أن يقال: إن هذه المعاملة مع المنافقين المظهرين الأسلام كان مختصا بصدر الأسلام، ومن هنا يضعف ما في (المعتبر) من الأستدلال على طهارة العامة بعدم اجتناب النبي صلى الله عليه واله وسلم لفلان وفلان وفلانة وفلانة، فإن هذا لو تم لدل على عدم نجاسة النواصب، فلا محيص عن حملها على مصلحة اقتضت عدم إيجاب التحرز عنهم وعن أمثالهم من المنافقين - إلى أن قال: - ولا يتوهم من الحكم بطهارتهم الحكم بثبوت مزية لهم، إنما نحكم بذلك دفعا للحرج عن المؤمنين (2). 18 - قال الفقيه الهمداني رحمه الله: (قد يشكل الحكم بكفرهم بشيوع النصب في دولة بني امية واختلاط أصحاب الأئمة: مع النصاب والخوارج وعدم معروفية تجنب الأئمة عليهم السلام وأصحابهم عنهم، بل الظاهر أنهم كانوا يعاملون معهم معاملة المسلمين من حيث المعاشرة، وتنزيل مثل هذه المعاشرة في الأعصار الطويلة على التقية في غاية البعد. وقد يجاب عن ذلك بأن أغلب الناس كانوا يظهرون النصب والتبري من الأئمة عليهم السلام خوفا من سلطان الجور وإلا فلم يكونوا في الواقع نواصب. وفيه أن ظاهر القول والفعل حجة مبررة لا يجوز رفع اليد عنه. و الأولى


(1) - الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه / كتاب الطهارة، النظر السادس في النجاسات: ص 334. (2) - الهمداني، الآغا رضا: مصباح الفقيه / كتاب الطهارة، النظر السادس في النجاسات: ص 334.

[199]

في الجواب ما نبه عليه شيخنا المرتضى، من أن أغلب الأحكام الشرعية انتشرت في عصر الصادقين عليهما السلام، فلا مانع من أن يكون كفر النواصب منها، فأصحاب الأئمة عليهم السلام كانوا يخالطون النواصب في دولة بني امية لا يعلمون ذلك، وأما الأئمة - صلوات الله عليهم - فلم يعلم معاشرتهم مع النواصب والخوارج في غير مقام التقية، و الله أعلم (1).


(1) - المصدر: ص 568.

[200]

الفصل 24 حب علي والائمة من ولده عليهم السلام عبادة ومكفر للسيئات 1 - عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، قال: (أيها الناس ! من أراد أن يطفئ غضب الله وأن يقبل الله عمله فلينظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فالنظر إليه يزيد في الأيمان، وإن حبه يذيب السيئات كما تذيب النار الرصاص (1). 2 - عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: (حب علي عبادة، وأفضل العبادة (2). 3 - روى عن محمد بن حميد، قال: سمعت مهران بن أبي عمر يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: (حب علي عليه السلام من العبادة، وأفضل العبادة ما كتم (3). 4 - عن الله عزوجل: (يا آدم !) لولا عبدان اريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك. قال: إلهي فيكونان مني ؟ قال: نعم، يا آدم ارفع رأسك وانظر، فرفع رأسه فإذا هو مكتوب على العرش: لاإله إلا الله، محمد رسول الله نبي الرحمة، علي مقيم الجنة، ومن عرف حق علي زكا وطاب، ومن أنكر حقه لعن وخاب، أقسمت بعزتي أن ادخل الجنة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزتي أن ادخل النار من


(1) - كشفي النجفي: المناقب المرتضوية، ص 123. (2) - الخطيب: تاريخ بغداد: ص 351. (3) - إبن كثير: تاريخ دمشق، (ترجمة علي بن ابي طالب عليه السلام) / تحقيق، الشيخ محمد باقر المحمودي ج 3: ص 254.

[201]

عصاه وإن أطاعني (1). 5 - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (حب علي بن أبي طالب عليه السلام يأكل السيئات كما تأكل النار الحطب (2). 6 - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لو اجتمع الناس على حب ابن أبي طالب لما خلق الله عز وجل النار (3). 7 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إن ملك الموت يترحم على محبي علي بن أبي طالب كما يترحم على الأنبياء عليه السلام (4). 8 - عن أبي علقمة مولى بني هاشم، قال: (صلى بنا النبي صلى الله عليه واله وسلم الصبح ثم التفت إلينا، فقال: يا معاشر أصحابي ! رأيت البارحة عمي حمزة بن عبد المطلب وأخي جعفر بن أبي طالب وبين يديهما طبق من نبق، فأكلا ساعة ثم تحول النبق عنبا، و أكلا ساعة فتحول العنب رطبا، وأكلا ساعة، ودنوت منهما فقلت: بأبي أنتما ! أي الأعمال وجدتما أفضل ؟ قالا: فديناك بالاباء والامهات وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك، وسقي الماء، وحب علي بن أبي طالب (5). 9 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن فوق كل عبادة عبادة، وحبنا أهل البيت أفضل العبادة (6). 10 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (من أحبنا ولقي الله وعليه مثل زبد البحر ذنوبا كان


(1) - اخطب الخوارزم: المناقب، ص 227. (2) - ابن حجر: لسان الميزان، ج 1: ص 185، الخطيب: تاريخ بغداد، ج 4: ص 195، الكنجي: كفاية الطالب، ص 325. (3) - اخطب الخوارزم: المناقب، ص 28. (4) - اخطب الخوارزم: المناقب، ص 31. (5) - اخطب الخوارزم: المناقب، ص 33. (6) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 27، ص 91.

[202]

حقا على الله أن يغفر له (1). 11 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن الذنوب تساقط عن ظهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق من الشجر (2). 12 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن حبنا أهل البيت ليحط الذنوب عن العباد كما تحط الريح الشديدة الورق عن الشجر (3). 13 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (حب علي بن ابي طالب يحرق الذنوب كما تحرق النار الحطب (4). 14 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (حب علي يخمد النيران (5). 15 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من أحب عليا ناداه ملك من تحت العرش أن يا عبد الله استأنف العمل فقد غفر الله لك الذنوب كلها. ألا ومن أحب عليا لا يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر، ويأكل من شجرة طوبى، ويرى مكانه من الجنة، ألا ومن أحب عليا وتولاه كتب الله له براءة من النار وجوازا على الصراط وأمانا من العذاب (6). 16 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إن شأن علي عظيم، إن حال علي جليل، إن وزن علي ثقيل، ما وضع حب علي في ميزان أحد إلا رجح على سيئاته، ولا وضع بغضه في ميزان أحد إلا رجح على حسناته (7).


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 27: ص 121. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 27: ص 123. (3) - المصدر: ص 77. (4) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 39: ص 266. (5) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 39: ص 304. (6) - المصدر: ص 277. (7) - المصدر: ص 26.

[203]

17 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! حبك تقوى وإيمان، وبغضك كفر ونفاق (1). 18 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (حب علي نعمة. واتباعه فضيلة - إلى أن قال: - لوا وحي إلى أحد بعدي لاوحي إليه، فزين الله به المحافل، وأكرم به العساكر، وأخصب به البلاد، وأعز به الأجناد - الحديث (2). 19 - عن سعد بن حذيفة، يقول: سمعت أبي حذيفة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (ما من عبد ولا أمة يموت وفي قلبه مثقال حبة [من] خردل من حب علي بن أبي طالب عليه السلام، إلا أدخله الله عز وجل الجنة (3). 20 - نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه واله وسلم وقال: (يا محمد ! الله العلي الأعلى يقرئ عليك السلام وقال: محمد نبي رحمتي، وعلي مقيم حجتى، لا اعذب من والاه وإن عصاني، ولا أرحم من عاداه وإن أطاعنى (4). 21 - عن جماعة: (قلنا: يا ابن عباس ! أينفع حب علي عليه السلام في الاخرة ؟ قال: تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حبه حتى سألنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: دعوني حتى أسأل الوحي، فلما هبط جبرئيل عليه السلام سأله، فقال: أسأل ربي عز وجل عن هذا، فرفع إلى السماء ثم هبط إلى الأرض، فقال: يا محمد ! إن الله تعالى يقرئ عليك السلام ويقول: احب عليا، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، يا محمد ! حيث تكن يكن علي، وحيث يكن علي يكن محبوه (وإن اجترحوا، و إن اجترحوا (5). أيها الأخ العزيز ! أنت بعد ما قرأت هذه الأخبار المروية من طرق العامة و


(1) - المصدر: ص 263. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 39: ص 37. (3) - المصدر: ص 247. (4) - المصدر: ص 259. (5) - المصدر: ص 294.

[204]

الخاصة، وأحطت بألفاظها ومعانيها تتجلى لك الحقيقة بأن حب علي عليه السلام يأكل السيئات، ويذيب الاثام ويحط الذنوب كما تسقط الريح الشديدة الورق من الشجر، ويحرق الذنوب كما تحرق النار الحطب، وأن من أحبه وأولاده ولقي الله وعليه مثل زبد البحر ذنوبا كان حقا على الله أن يغفر له، وأنه ما وضع حبه في ميزان أحد إلا رجح على سيئاته، أنه أن يغفر له، وأنه ما من عبد ولا أمة يموت و في قلبه مثقال حبة من خردل من حبه عليه السلام إلا أدخله الله عزوجل الجنة، وليس كما يتوهمه بعض الفضلاء حيث يقول في كتابه المسمى بالفارسية: (كاوشهائي پيرامون ولايت (1) (تحقيقات حول الولاية): (هدف از الزام مودت آنان جز وسيله جوئى براى دين وآگاهى مردم از متن شريعت وعمل مردم به دستورات دين چيز ديگرى نيست). اي الغاية من إلزام مودتهم ليست إلا الوصول إلى وسيلة لبقاء الدين والبصيرة بمتن الشريعة والعمل بأحكام الدين. وايضا يقول في صفحة 80 من كتابه المذكور: (زيرا دوستى خاندان رسالت خود مطلوب اساسى وبه اصطلاح موضوعيت ندارد، ومقصود از محبت ومودت آنان پيروى از گفتار و كردار آنان است). أي: لأن حب آل النبوة ومودتهم ليس بنفسه مطلوبا ولاله موضوعية، بل المقصود من المحبة والمودة الأتباع لهم في أقوالهم وأفعالهم - انتهى. أقول: وإني لأتأسف جدا من مقال هذا الفاضل مع أنه من أهل التحقيق و المطالعة، فكأنه لم ير هذه الأخبار الكثيرة المروية من طريق العامة والخاصة، نعوذ بالله من عثرات القلم واللسان. هلم معي أخي المنصف نسائل هذا الفاضل و


(1) - سبحاني، الشيخ جعفر: كاوشهايى پيرامون ولايت، ص 82.

[205]

نظراءه: إنا إذا فرضنا رجلين مسلمين: أحدهما يحب عليا وأولاده المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - والاخر بخلافه، والحال أنهما لم يوفقا على العمل بأحكام الأسلام قط، فهل هما عند الله تعالى سيان ؟ اجعل نفسك قاضيا. أو نفرض أنهما عملا عملا تاما كاملا ثم ماتا، ولكن أحدهما مات مع حب علي عليه السلام، و الآخر بدونه فهل هما سيان عند الله عزوجل ؟ فاجعل نفسك قاضيا، واعلم أن الله عز وجل يعلم ما تخفي الصدور. إن قلت: في مقابل هذه الأخبار والأحاديث أخبارتنا فيها وتعارضها كما جاءت في (جامع البيان)، للحافظ الطبري: (حين نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين (1) قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا معشر قريش ! اشتروا أنفسكم من الله، لا اغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبدمناف ! لااغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب ! لااغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله ! لا اغنى عنك من الله شيئا (2). وعن أمير المؤمنين عليه السلام: (إن ولي محمد صلى الله عليه واله وسلم من أطاع الله وإن بعدت لحمته (3)، وإن عدو محمد صلى الله عليه واله وسلم من عصى الله وإن قربت قرابته (4). وما إلى ذلك من أخبار وأحاديث. قلت: لا تعارض ولا تنافي بين الأخبار الماضية الناطقة بأن حب أهل البيت: يأكل السيئات وتذيب الذنوب، وبين هذه الأخبار ونطائرها التي لا تبلغ عددا إلى الأخبار التي شاهدتها وملاحظتها بكثرتها، لأن لأمثال هذه


(1) الشعراء 26: 214. (2) - المجلسي، بحار الأنوار، ج 19: ص 66، ط القاهرة. (3) - اللحمة: القرابة. (4) - نهج البلاغة، قسم الحكم: الرقم 95.

[206]

الأحاديث معاريض (1) ومحامل مشخصة يعرفها من له إلمام بتعابيرها، كما أشار إلى ذلك مولانا الصادق عليه السلام بقوله: (لا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا، وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها (2). فإذا كان كذلك فلا تعارض ولاتنافي. ثم اعلم، أنه من منن الله تعالى وألطافه إلقاؤه الحقائق على ألسن المخالفين و المعاندين كي تتم الحجة، وما نحن فيه من تلك الموارد، فلاحظ حتى تصدق ما قلناه. أخرج ابن حجر الهيثمي المكي المتوفى سنة 974 في كتابه (الصواعق المحرقة) (ص 231) في باب الحث على حبهم: (أن صفية - عمة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - توفي لها ابن فصاحت، فصبرها النبي صلى الله عليه واله وسلم فخرجت ساكتة. فقال لها عمر: صراخك، إن قرابتك من محمد صلى الله عليه واله وسلم لا تغني عنك من الله شيئا. فبكت، فسمعها النبي صلى الله عليه واله وسلم - وكان يكرمها ويحبها - فسألها فأخبرته بما قال عمر، فأمر بلالا، فنادى بالصلاة، فصعد المنبر، ثم قال: (ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع ؟ كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي (3)، فإنها موصولة في الدنيا و الآخرة). وصح أنه صلى الله عليه واله وسلم قال على المنبر: (ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا تنفع قومه يوم القيامة، والله إن رحمي موصولة في الدنيا والاخرة، و إني - أيها الناس ! - فرطكم على الحوض). ولاتنافي هذه الأحاديث ما في الصحيحين وغيرهما أنه لما نزل قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين خرج فجمع قومه، ثم عم وخص بقوله: لا اغني عنكم من الله شيئا، حتى قال: (يا فاطمة * (هانش) * (1) - أي لطائف الآية ودعوة قريش، والآية نزلت في أول الأمر قبل دعوة الناس وكان قبل ميلادها. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 2: ص 184. (3) - لا يخفى ما في قوله: (سببي) وكانه من المخاريق إلا أن يكون المراد منه الدين أو القران لا القرابة السبية.

[207]

بنت محمد !). إما لأن هذه الرواية محمولة على من مات كافرا، أو أنها خرجت مخرج التغليظ والتنفير، أو أنها قبل علمه بأنه يشفع عموما وخصوصا. وجاء عن الحسن - رضي الله عنه - أنه قال لرجل يغلو فيهم: (ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا فأبغضونا - الحديث). وورد: (إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار). قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (الزموا مودتنا أهل البيت، فإنه من لقي الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع أحدا عمله إلا بمعرفة حقنا). وفي رواية: (إن الله قد غفر لشيعتك (شيعة علي) و لمحبي شيعتك). وحديث: (حب آل محمد يوما خير من عبادة سنة) وحديث: (حبي وحب آل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوا لهن عظيمة) وحديث: (معرفة آل محمد براءة من النار) و (حب آل محمد جواز على الصراط) و (والولاية لآل محمد أمان من العذاب) إلى آخر ما قال ابن حجر. الاستدراك الصاحب بن عباد حب علي لي عمل * وملجئي من الوجل إن لم يكن لي من عمل * فحبه خير العمل (1) وقد أتت ارواية في حديث * صحيح عن ثقات محدثينا بأن محبة الهادي علي * أجل تجارة للتاجرينا


(1) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 326.

[208]

وليس تضر سيئة بخلق * يكون بها من المتخلفينا (1) الحميري فحبي لك إيمان * وميلي عنك كفران فعد القوم ذا رفضا * فلا عدوا ولا كانوا (2) عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: مودة علي عليه السلام عبادة (3). قال رسول الله صلى الله عليه واله: حب علي عليه السلام عبادة (4). عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: قلت لجبرئيل: أي الاعمال أحب إلى الله عزوجل ؟ قال: الصلاة عليك يارسول الله صلى الله عليه واله وسلم وحب علي بن أبي طالب. (5) عن حفص الدهان قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إن فوق كل عبادة عبادة وحبنا أهل البيت أفضل عبادة (6). حيلة الاولياء: قال يحيى بن كثير الضرير: رأيت زبير بن الحارث النامي في النوم فقلت له: إلى ما صرت يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: إلى رحمة الله ! قلت: فأي الاعمال وجدت أفضل ؟ قال: الصلاة وحب علي بن أبي طالب عليه السلام (7). قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: حب علي آية الايمان (8).


(1) المصدر صص 197 - 198. (2) الاميني: الغدير ج 2 ص 271. (3) العلامة الاميني: الحيدر آبادي في " مناقب علي " ص 53. (4) تفريح الاحباب في مناقب الآل والاصحاب ص 340 احقاق الحق ج 17: ص 234. (5) السخاوي الشافعي في (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع) ص 94 إحقاق الحق ج 17: ص 251. (6) المجلسي: بحار الانوار ج 27: ص 91. (7) المجلسي: بحار الانوار ج 39 ص 259. (8) المحدث الدهلوي الحنفي في (ازالة الخفاء) ج 2: ص 453.

[209]

وقال صلى الله عليه واله وسلم: يا علي عليه السلام ! حبك تقوى وإيمان وبغضك كفر ونفاق (1). وقال صلى الله عليه واله وسلم: حرمت النار على من آمن بي وأحب عليا وتولاه ولعن الله من مارى عليا وناواه. علي مني كجلدة ما بين العين والحاجب (2). وقال صلى الله عليه واله وسلم: من أحب أن يجاور الجليل في داره ويأمن حر ناره فليتول علي بن أبي طالب عليه السلام (3). وقال صلى الله عليه واله وسلم: ما من عبد ولا أمة يموت وفي قلبه مثقال حبة خردل من حب علي بن أبي طالب إلا أدخله الله الجنة (4) وقال صلى الله عليه واله وسلم: ولو اجتمع الناس على حبه لما خلق الله جهنم (5). وقال صلى الله عليه واله وسلم: حب علي بن أبي طالب يأكل السيئات كما تأكل النار احطب (6). وقال صلى الله عليه والله وسلم: لو اجتمع الناس على حب علي بن أبي طالب عليه السلام لما خلق الله عزوجل النار (7). وقال صلى الله عليه واله وسلم: حب علي بن أبي طالب حسنة لا تضر معها سيئة وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة (8) وقال صلى الله عليه واله وسلم: إني لارجو لامتي في حب علي كما أرجو في قول لا إله إلا الله (9). وقال صلى الله عليه واله وسلم: عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب (10).


(1) المجلسي: بحار الانوار ج 39 ص 263. (2) المجلسي: بحار الانوار ج 39: ص 247. (3) المجلسي: بحار الانوار ج 39: ص 247. (4) المجلسي: بحار الانوار ج 39 ص 247. (5) احقاق الحق ج 17 ص 244. (6) المصدر ص 243 وفي رواية: يأكل الذنوب. (7) المجلسي: بحار الانوار ج 39 ص 248. (8) المصدر ص 248 القندوزي: ينابع المودة ص 125 ط اسلامبول (9) المصدر ص 249. (10) القندوزي: ينابيع المودة ص 125 ط اسلامبول.

[211]

الباب الثاني بعض الأدلة التي تدل على تفضيل الائمة عليهم السلام على سائر الناس

[213]

الفصل 1 1 - آية التطهير: من كرائم الآيات التي على أن عليا وأولاده المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين - أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين سوى خاتم النبيين صلى الله عليه واله وسلم آية التطهير، وهي قوله عز وجل: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * (1) ووجه الأستدلال بها يظهر بعد أن نذكر نبذة يسيرة من الأحاديث التي وردت في شأن الآية من طريق العامة والخاصة، وبعد تبين مفردات الآية من كلمة (إنما) و (الرجس) و (أهل البيت) وغيرها، إن شاء الله تعالى. فأقول مستعينا بالله عزوجل: أجمع أصحابنا في أن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس في هذه الآية هم الخمسة الذين كانوا أصحاب الكساء، وهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وابن عمة علي المرتضى الذي هو بمنزلة روحه ونفسه وابنته التي هي مهجة قلبه وثمرة فؤاده، وسبطاه الشهيدان اللذان هما ريحانتاه من الدنيا، فهؤلاء هم أصحاب هذه الآية. وأما الأخبار والأحاديث الدالة على هذا المعنى التي جاءت من طريق العامة كثيرة جدا يصعب إحصاؤها:


(1) الاحزاب 33: 33.

[214]

ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى سنة 310) في تفسيره الكبير المسمى ب‍ (جامع البيان (1) خمسة عشر حديثا بأسانيد مختلفة. قال: (اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: (أهل البيت)، فقال بعضهم عني به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم و علي وفاطمة والحسن والحسين - رضوان الله عليهم -. ذكر من قال ذلك عن أبي سعيد الخدري قال: 1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي - رضي الله عنه - و حسن - رضي الله عنه - وحسين - رضي الله عنه - وفاطمة - رضي الله عنها -: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. 2 - عن عائشة: (خرج النبي صلى الله عليه واله وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. 3 - عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا. 4 - عن شهر بن حوشب، عن ام سلمة قالت: (كان النبي عندي وعلي وفاطمة و الحسن والحسين: فجعلت لهم خزيرة فأكلوا وناموا وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا). 5 - عن أبي الحمراء قال: (رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: رأيت النبي إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة، الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. 6 - يونس بن أبي إسحاق بإسناده عن النبي صلى الله عليه واله وسلم مثله.


(1) - الطبري: جامع البيان، ج 22: ص 5، ط القاهرة، مصر.

[215]

7 - عن أبي عمار قال: (إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذا ذكروا عليا - رضي الله عنه - فشتموه، فلما قاموا، قال: اجلس حتى اخبرك عن هذا الذي شتموه، إني عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا). 8 - عن أبي سعيد الخدري، عن ام سلمة، قالت: (لما نزلت هذه الاية إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فحال عليهم كساء خيبريا فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا). قالت ام سلمة: ألست منهم ؟ قال: أنت إلى خير). 9 - عن عطية، عن أبي سعيد، عن ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه واله وسلم: أن هذه الآية نزلت في بيتها إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل بيت ؟ قال: إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي صلى الله عليه واله وسلم. قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي و فاطمة والحسن والحسين - رضي الله عنهم). 10 - عن أبي الديلم، قال: قال علي بن الحسين عليه السلام لرجل من أهل الشام: (أما قرأت في الأحزاب: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ؟ قال: ولأنتم هم ؟ قال: نعم). وأورد العلامة، جلال الدين السيوطي في تفسيره (الدر المنثور (1) عشرين رواية من طرق متعددة في أن المراد من أهل البيت هم الخمسة - صلوات الله عليهم أجمعين -. قال: أخرج الطبراني عن ام سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لفاطمة - رضي الله عنها -: ايتيني بزوجك وابنيه، فجاءت بهم، فالقى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليهم


(1) - السيوطي، جلال الدين: الدر المنشور، ج 5: ص 198، ط دار المعرفة - بيروت.

[216]

كساء فدكيا، ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم إن هؤلاء أهل محمد [وفي لفظ آخر: آل محمد] فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. قالت ام سلمة - رضي الله عنها -: فرفعت الكساء لادخل معهم، فجذبه من يدي وقال: إنك على خير). أقول: وأخرج هذا الحديث أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج 6، ص 323). وأخرج الحافظ الكبير، أبو القاسم الحسكاني الحنفي النيشابوري من أعلام القرن الخامس في كتابه (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل (1)، أكثر من مائتي طريق في أن الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي والحسن والحسين وامهما فاطمة الزهراء - صلوات الله وتحياته عليهم أجمعين -. أخي العزيز ! إن شئت أن تظهر لك الحقيقة وتكون على بصيرة من الأمر فاقرأ كلاما جيدا وهو أطيب من نفحة أزهار ونسمة أسحار للأمام الشريف، السيد شرف الدين الموسوي اللبناني - حشره الله مع أوليائه الكرام -. قال رحمه الله في كتابه الأغر (الكلمة الغراء) (ص 12): (فيا أهل البصائر برسول الله صلى الله عليه واله وسلم العارفين بمبلغه من الحكمة والعصمة، المقدرين قدر أفعاله وأقواله ! هل تجدون وجها لحصرهم تحت الكساء عند تبليغه الاية عن الله تعالى إلا المبالغة البليغة في توضيح ما قلناه من إختصاصها بهم وإمتيازهم بها عن العالمين ؟ وهل تفهمون من قوله: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) إلا الحصر بهم والقصر عليهم ؟ وهل ترون وجها لجذب الكساء من يد ام سلمة ومنعها من الدخول معهم - على جلالة قدرها وعظم شأنها - إلا الذي ذكرناه ؟ فأين تذهبون ؟ وأني تؤفكون ؟ إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم


(1) - حسكانى، أبو القاسم: شواهد التنزيل، ج 2: صص 92 - 10.

[217]

بمجنون * فيكون بحجبه إياهم في كسائه عابثا ؟ أو يكون بقوله: (اللهم، هؤلاء أهل بيتى) هاذيا ؟ أو يكون بجذبه الكساء من ام سلمة مجازفا ؟ حاشا لله إن هو إلا وحي يوحئ علمه شديد القوى * وقد تكررت منه صلى الله عليه واله وسلم قضية الكساء حتى احتمل بعض العلماء تكرار نزول الآية - أيضا -، والصواب عندنا نزول الآية مرة واحدة، لكن حكمة الصادق الأمين في نصحه ببلاغه المبين اقتضت القضيه اقتضت تكرير القضية مرة في بيت ام سلمة (1) عند نزول الآية وتبليغها لأهلها المخاطبين فيها، و اخرى في بيت فاطمة (2). وفي كل مرة يتلو عليهم الآية مخاطبا لهم بها وهم في معزل عن الناس تحت ذلك الكساء درءا للشبهة في نحور أهل الزيغ. وقد بلغ - بأبي هو وامي - في توضيح اختصاص الآية بهم كل مبلغ، وسلك في إعلان ذلك مسالك ينقطع معها شغب المشاغب، ولا يبقى بعدها أثر لهذيان النواصب حتى كان بعد نزول الاية كلما خرج إلى الفجر يمر ببيت فاطمة فيقول: الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * وقد استمر على هذا ستة أشهر في رواية أنس (في مسند أحمد بن حنبل ج 3: ص 259) وعن ابن عباس سبعة أشهر، وفي رواية ذكرها النبهاني وغيره ثمانية أشهر. فصرح الحق عن محضه، وبدا الصبح لذي عينين) انتهى كلامه، رفع مقامه.


(1) - كما تدل عليه الأحاديث التي سمعتها مرويا عن ام سلمة - منه رحمه الله. (2) - كما يدل عليه ما أخرجه الامام أحمد بن حنبل في صفحة 107 من الجزء الرابع من مسنده، عن واثلة بن الأسقع، أنه قال من جملة حديث: (أتيت فاطمة أسألها عن علي عليه السلام قالت: ذهب الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومعه على وحسن وحسين آخذا كل واحد منهما بيده، فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه - أو قال: كساءه - ثم تلا: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

[218]

أقول: قال العلامة المتكلم الشيخ زين الدين النباطي البياضي في كتابه القيم (الصراط المستقيم): ذكر ابن قرطة في (مراصد العرفان) عن ابن عباس، قال: (شهدنا النبي صلى الله عليه واله وسلم تسعة عشر شهرا، يأتي كل يوم عند كل صلاة إلى باب علي عليه السلام فيسلم عليهم، ويتلو الآية، ويدعوهم إلى الصلاة (1). البحث عن مفردات الاية: أيها القارئ العزيز ! أنت بعد ما سمعت الأخبار والأحاديث في شأن نزول الآية من طريق العامة ينبغي لنا أن نشير إلى مفردات الاية حتى يسهل لنا استفادة ما هو المقصود من الآية وتفسيرها. وها نحن نذكر نظرات أئمة المفسرين و اللغويين في مفردات الاية - إن شاء الله - بوجه ما. فأول كلمة رأيناها لفظة (إنما)، فقالوا: هي للحصر والقصر. قال شيخ الطائفة، أبو جعفر، محمد بن الحسن الطوسي، في تفسير التبيان: (إن لفظة (إنما) تجري مجرى ليس. وقد دللنا على ذلك فيما تقدم وحكيناه عن جماعة من أهل اللغة كالزجاج وغيره، فيكون تلخيص الكلام: ليس يريد الله إذهاب الرجس على هذا الحد إلا عن أهل البيت. فدل ذلك على أن إذهاب الرجس قد حصل فيهم، وذلك يدل على عصمتهم (2). قال امين الأسلام الطبرسي، وهو من أكابر علماء الأمامية وفحو لهم رضوان الله عليهم - في تفسير (مجمع البيان): (فإن قول القائل: إنما لك عندي درهم، وإنما في الدار زيد، يقتضي أنه ليس له عنده سوى الدرهم، وليس في الدار سوى زيد (3)


(1) - النباطي البياضي: الصراط المستقيم، ج 1: ص 188، ط المرتضوي. (2) - الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان، ج 8: ص 340. (3) - الطبرسي، فضل بن الحسن: مجمع البيان، ج: ص، ط دار المعرفة - بيروت.

[219]

وأما الارادة، فهي المصدر من باب الأفعال ل‍ (أراد، يريد) ومنقولة من (راد، يرود). قال الراغب في (معجم مفردات الفاظ القرآن): (والأرادة منقولة من (راد، يرود) إذا سعى في طلب شئ. والأرادة في الأصل قوة مركبة من شهوة، وحاجة، وأمل، وجعل إسما لنزوع النفس إلى الشئ مع الحكم فيه، بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، ثم يستعمل مرة في المبدء وهو نزوع النفس إلى الشئ، وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، فإذا استعمل في الله فإنه يراد به المنتهى دون المبدء، فإنه يتعالى عن معنى النزوع (1). وقال الشيخ الطوسي رحمه الله في (التبيان): (ليس يخلو إرادة الله الأذهاب الرجس عن أهل البيت من أن يكون ما أراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، أو يكون عبارة عن أنه أذهب عنهم الرجس بأن فعل لهم لطفا اختاروا عنده الأمتناع من القبائح. والأول لا يجوز أن يكون مرادا، لأن هذه إلارادة حاصلة مع جميع المكلفين فلا إختصاص لأهل البيت في ذلك، ولا خلاف في أن الله تعالى خص بهذه فلا اختصاص الاية أهل البيت بأمرلم يشركهم فيه غيرهم فكيف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الاية من أن يكون لهم فيها فضيلة و مزية على غيرهم ؟ (2). وقال العلامة الطباطبائى رحمه الله في تفسير الاية: (والمعنى أن الله سبحانه تستمر إرادته أن يخصكم بموهبة العصمة بإذهاب اعتقاد الباطل وأثر السيئ عنكم أهل البيت. (3) وأما مفهوم الأذهاب، فهو يستعمل على قسمين، مرة يطلق ويراد منه إزالة الشئ عن المحل بعد ثبوته، كقول الفقيه: (الماء يذهب القذارة والنجاسة) أو


(1) - الراغب الاصبهاني: معجم مفردات الفاظ القرآن / تحقيق: نديم مرعشلي، ص. (2) - الطوسي، محمد بن الحسن: التبيان، ج 8، ص 356. (3) - الطباطبائى، محمد حسين: الميزان، ج 16: ص 331.

[220]

(أذهبت التوبة والأنابة ذنبي)، وتارة يطلق ويراد منه دفع الشئ عن المحل قبل عروضه وإن كان المحل ممكنا في حد ذاته لعروضه، كقولك لخليلك: (أذهب حبك والوصول إليك مشقة الطريق عني) أو (أذهب الله عنك السوء والبلاء) أو كقولك للحفار: (ضيق فم الركية) وكقول النحاة: (جرد المبتدء عن العوامل اللفظية) أو (إن مصيبة فلان أذهب عني النوم). اي فإن حبك والوصول إليك يمنع عروض التعب علي، فإن الله يدفع عنك السوء والبلاء وفإن الحفار يضيق فم الركية من بدء الأمر، والمبتدء جاء ابتداء من دون العوامل اللفظية. فإن هذه الأمثال كلها للدفع بخلاف الأمثال الأولية، فإن الماء أذهب القذارة بعد عروضه في المحل، والتوبة والأنابة الذنب بعد وقوعه في النفس. وأما مفهوم الرجس، فهو ما قال الراغب في (المفردات): (الرجس الشئ القذر، والرجس يكون على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع، وإما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، وإما من كل ذلك كالميتة، فإن الميتة تعاف طبعا و عقلا وشرعا. والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر، وجعل الكافرين رجسا من حيث إن الشرك بالعقل أقبح الأشياء (1). وقال ابن المنظور في (لسان العرب): (قال الزجاج: الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل. قالوا: رجس نجس. والرجس المأثم وفي حديث: لما ولد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ارتجس إيوان كسرى، أي اضطرب. وفى الحديث: إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد رجسا فلا ينصرف حتى يسمع صوتا ورجس الشيطان وسوسته. والرجس الشك، العقاب (2). وقال العلامة الطباطبائي في (الميزان): (والرجس - بالكسر فالسكون - صفة


(1) الراغب الاصبهاني: معجم مفردات الفاظ القرآن / تحقيق: نديم مرعشلي ص. (2) ابن منظور: لسان العرب ؟ تحقيق: علي شيري ج: ص [مع تلخيص وتقديم وتأخير].

[221]

من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في الشئ توجب التجنب والتنفر منها، وتكون بحسب ظاهر الشئ كرجاسة الخنزير، وبحسب باطنه وهو الرجاسة و القذارة المعنوية كالشرك والكفر - إلى أن قال: - وأياما كان فهو إدراك نفساني و أثر شعوري من تعلق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيئ (1). ثم إن الرجس الذي هر معرف باللام في الآية وإن كان في حد ذاته لا يفيد العموم لأنه في سياق الأثبات إلا أنه يفيده باعتبار وقوعه مفعولا ليذهب، لأن الأذهاب في معنى سلب الرجس ونفيه، ولا يصدق سلبه إطلاقا إلا بانتفاء كل فرد منه خصوصا مع قوله تعالى: (ويطهركم تطهيرا) ضرورة عدم حصول التطهير برفع بعض الأقذار دون بعض. فبناء على هذا فالآية الكريمة تدل على تنزههم عليهم السلام عن كل رجس يصدق عليه عنوان الرجس سواء كان ذنبا أو غير ذنب، بل مطلق اتباع الهوى ولو في المباحات. وأما مفهوم أهل البيت، فهو ما قال الراغب في (المفردات): (أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب، أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة، وبيت، وبلد. فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب. وتعورف في اسرة النبي عليه [وآله] الصلاة والسلام مطلقا إذا قيل أهل البيت، لقوله عزوجل: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - الآية. وقال أيضا في مادة (بيت): (أصل البيت مأوى الأنسان بالليل لأنه يقال: بات أقام بالليل، كما يقال: ظل بالنهار. ثم قد يقال للمسكن: بيت، من غير اعتبار الليل فيه - إلى أن قال: - وصار أهل البيت متعارفا في آل النبي عليه [وآله] الصلاة و السلام).


(1) - الطباطبائى، محمد حسين: الميزان، ج 16: ص 330. ط الاخوندي.

[222]

وقال ابن المنظور في (لسان العرب): (والبيت من الشعر مشتق من بيت الخباء لأنه يضم الكلام كما يضم البيت أهله). وقال العلامة الطباطبائي،: (وبالبناء على ما تقدم تصير لفظة أهل البيت اسما خاصا في عرف القرآن بهؤلاء الخمسة، وهم النبي وعلي وفاطمة والحسنان - عليهم الصلاة والسلام - لا يطلق على غيرهم، ولو كان من أقربائه الأقربين، وإن صح بحسب العرف العام إطلاقه عليهم (1). وأقوى دليل على أن المراد بأهل البيت هم الخمسة الطيبة والأئمة المعصومون: هو ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد نزول قوله تعالى: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها (2)، فإنه صلى الله عليه واله وسلم بعد نزولها كان يمر على بيت أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام ويقول: (الصلاة رحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. أيها القارئ الذكي ! أنت خبير بأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أفضل الناس حكمة، و أصوبهم رأيا، وأظهرهم عصمة، وأقواهم نظما، وأصلحهم علما وعملا، فلابد من أن يكون عمله هذا إلى ستة أشهر، أو ثمانية، أو تسعة، أو ثمانية عشر شهرا، أو إلى أن فارق الدنيا - كما سيأتي عن القمي، - عن مصلحة مهمة وحكمة تامة، فإن فعله صلى الله عليه واله وسلم هو الفضل، وما هو بالهزل لأنه مدينة الحكمة والمعرفة والحقيقة، فكأن في استمرار قوله وفعله صلى الله عليه واله وسلم على ذلك إلى آخر عمره الشريف إعلانا و تبيانا وإفصاحا بأن المراد من الأهل في الاية - كما استظهره الالوسي في تفسيره ذيل الآية وأيده أخبار كثيرة عنهم: - هم الذين يمر عليهم في كل يوم خمس مرات، وهم المراد من الاية التى يتلو عليهم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس


(1) - الطباطبائى، محمد حسين: الميزان، ج 16: ص 330. ط الاخوندي. (2) - طه: 132.

[223]

أهل البيت ويطهركم تطهيرا) لاغيرهم من الأقرباء والأزواج، ومن هنا لم يوجد في الأخبار والأحاديث شئ يدل على مروره صلى الله عليه واله وسلم على بيت غير علي و فاطمة عليهما السلام، ولم يدع ذلك أحد حتى المنحرفون عن علي كمقاتل وعكرمة و عروة، الذين سعوا في إطفاء نور الله تعالى وإنكار المسلمات. اعلم أيها المدقق ! أن النبي صلى الله عليه واله وسلم فسر هاتين الايتين الكريمتين بقوله، وفعله كما فسر وبين آية المباهلة بقوله، وفعله، وعمله على ما جاء في (تذكرة الخواص): (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غدا محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي عليه السلام خلفهم). وفي آخر، قال صلى الله عليه واله وسلم: (هلموا فهؤلاء أبناؤنا - و أشار إلى الحسن والحسين - وهذه نساؤنا - يعني فاطمة - وهذه أنفسنا - يعني نفسي - وأشار إلى علي عليه السلام (1). وقال الشيخ العالم الكامل، محمد بن أبي طلحة الشافعي: (فانظر بنور بصيرتك - أيدك الله بهدايتها - إلى مدلول هذه الاية وترتيب مراتب عبارتها، وكيفية إشاراتها إلى علو مقام فاطمة عليها السلام في منازل الشرف وسمو درجاتها، وقد بين صلى الله عليه واله وسلم ذلك وجعلها بينه وبين علي عليهما السلام تنبيها على سر الاية وحكمتها، فإن الله عزوجل جعلها مكتنفة من بين يديها ومن خلفها ليظهر بذلك الاعتناء بمكانتها، و حيث كان المراد من قوله (أنفسنا) نفس علي مع النبي صلى الله عليه واله وسلم جعلها بينهما، إذا الحراسة بالأحاطة بالأنفس أبلغ منها بالأبناء في دلالتها (2). أقول: وإليك شطر من الأخبار والأحاديث في ذلك من العامة والخاصة.


(1) - ابن الجوزي: تذكرة الخواص الامة، ص 14. (2) - ابن ابي طلحة الشافعي: مطالب السؤول، ص 7.

[224]

الف) وأما من طريق العامة: 1 - فعن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، قال: قال أبو الحمراء، خادم النبي صلى الله عليه واله وسلم: (لما نزلت هذه الآية: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يأتي باب علي وفاطمة عند كل صلاة فيقول: الصلاة - رحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - الآية (1). 2 - أخرج ابن مردويه، وابن عساكر، وابن النجار، عن أبي سعيد الخدري، قال: (لما نزلت: وأمر أهلك بالصلاة كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يجئ إلى باب علي صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: الصلاة - رحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * (2). 3 - عن الحسن بن علي عليهما السلام في خطبة طويلة: (ولما نزلت: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها يأتينا جدي صلى الله عليه واله وسلم كل يوم عند طلوع الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت - يرحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * (3). 4 - عن أنس بن مالك، وعن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنهم - قال: (كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يأتي كل يوم باب فاطمة عند صلاة الفجر فيقول: (الصلاة يا أهل بيت النبوة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا * تسعة أشهر بعد ما نزلت وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها. و روي هذا الخبر عن ثلاثمائة من الصحابة (4). 5 - قال شهاب الدين الالوسي: (والمراد بأهله صلى الله عليه واله وسلم قيل: أزواجه وبناته و


(1) - الحسكاني: شواهد التنزيل، ج 1: ص 381. (2) - السيوطي: الدر المنثور، ج 4: ص 313. (3) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 482، ط اسلامبول. (4) - المصدر: ص 174.

[225]

صهره علي - رضي الله تعالى عنهم - وقيل: ما يشملهم وسائر مؤمني بني هاشم و المطلب، وقيل: جميع المتبعين له - عليه الصلاة والسلام - من امته. وأستظهر أن المراد أهل بيته صلى الله عليه واله وسلم وايد بما أخرجه ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها كان - عليه الصلاة و السلام - يجئ إلى باب علي - كرم الله تعالى وجهه - صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: (الصلاة - رحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * وروى نحو ذلك الامامية بطرق كثيرة (1). 6 - قال القرطبي: (وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية وأمر أهلك بالصلاة يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي - رضوان الله عليهما - فيقول: الصلاة (2). 7 - قال فخر الدين الرازي: (وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول: الصلاة، وكان يفعل ذلك أشهرا (5). ب) ومن طريق الخاصة: 8 - قال علي بن إبراهيم القمي، في تفسيره: (فإن الله أمره أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لأهل محمد صلى الله عليه واله وسلم عند الله منزلة خاصة ليست للناس، إذ أمرهم مع الناس عامة، ثم أمرهم خاصة، فلما أنزل الله هذه الاية كان رسول الله صلى اله عليه واله وسلم يجئ كل يوم عند صلاة الفجر حتى يأتي باب علي وفاطمة والحسن و الحسين عليهم السلام فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيقول علي وفاطمة و الحسن والحسين: وعليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم يأخذ بعضادتي الباب ويقول: الصلاة، الصلاة - يرحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب


(1) - الآلوسي: تفسير روح المعاني، ج 16: ص 284. (2) - القرطبي: تفسير الجامع لاحكام القرآن، ج 11: ص 263. (3) - الفخر الرازي: التفسير الكبير، ج 22: ص 137.

[226]

عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراء فلم يزل يفعل ذلك كل يوم إذا شهد المدينة حتى فارق الدنيا. وقال أبو الحمراء خادم النبي صلى الله عليه واله وسلم: أنا أشهد به يفعل ذلك (1). 9 - وقال المولى الفيض القاساني رحمه الله: (وفي (العيون)، عن الرضا عليه السلام في هذه الآية قال: خصنا الله بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع الامة بإقامة الصلاة، ثم خصنا من دون الامة، فكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يجئ إلى باب علي وفاطمة عليهما السلام بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر، في كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات فيقول: الصلاة - رحمكم الله -. وما أكرم الله أحدا من ذراري الأنبياء بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها وخصنا من دون جميع أهل بيتهم (2). 10 - قال الشيخ الطبرسي،: (روى أبو سعيد الخدري، قال: لما نزلت هذه الآية وأمر أهلك بالصلاة كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يأتي باب فاطمة وعلي عليهما السلام تسعة أشهر عند كل صلاة فيقول: الصلاة - رحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * ورواه ابن عقدة - بإسناده من طرق كثيرة - عن أهل البيت: وعن غيرهم مثل أبي برزة وأبي رافع. وقال أبو جعفر عليه السلام: أمره الله تعالى أن يخض أهله دون الناس ليعلم الناس ان لأهله عند الله منزلة ليست للناس عامة، ثم أمرهم خاصة. (واصطبر عليها) أي واصبر على فعلها وعلى أمرهم بها (3).


(1) - علي بن إبراهيم: تفسير القمى، ج 2: ص 67. (2) - القاساني، ملا محسن: تفسير الصافي، ص 337، ط المشهد. (3) - الطبرسي: مجمع البيان، ج 7: ص 27. وهنا يلزمنى أن انوه على شئ وهو: أن جميع من تصدى للبحث عن تعيين أهل البيت في آية التطهير لم يتعرض لهذه الآية التى بحثنا عنها فيما أعلم، وهذا استدلال بديع أوردناه تشديدا للاحتجاج وتتميما للفائدة. وإنى كنت كالسابقين غافلا عنها وقد نبهنى عليها المحقق البارع، والفاضل الذكي الألمعي الأستاذ علي أكبر الغفاري - حياه الله وبياه وجعل اخراه خيرا من أولاه -. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فاعف عنا واغفر لنا، يا رب العالمين.

[227]

أيها القارئ الكريم ! وبعد ما بيناه وأوضحناه من مفردات آية التطهير وشأن نزولها ينبغي لنا أن نشير إلى ما هو المقصود من الاية في هذا الباب. نعم، غرضنا من هذه الاية الكريمة أن نستفيد منها أن أهل البيت - صلوات الله عليهم أجمعين - هم أفضل البشر وخير البرية من الأولين والاخرين بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. وبيان ذلك: أن الاية تصرح على حصر الأرادة وقصرها من الله تعالى في إذهاب الرجس بجميع أنواعه وأقسامه حتى اتباع الأميال والأهواء في المباحات عن أهل البيت: وتطهيرهم تطهيرا كاملا، لأنك لاحظت وشاهدت فيما سبق أن الاية مصدرة بلفظة (إنما) وهي للحصر، مع استمرار الأرادة من الله تعالى بإرادة خاصة وعناية ربانية لأذهاب الرجس ودفعه في جميع الشؤون عن أهل البيت عليه السلام مع تطهير هم تطهيرا خاصا، لأنه اكد بالمصدر، فيصير المعنى هكذا: يا أهل بيت النبي، يا أصحاب الكساء ! أنتم الذين أراد الله هكذا - فقط أن يذهب عنكم أقسام الرجس، ويطهركم تطهيرا كاملا شاملا. ففي هذه الاية الكريمة فضيلة عظيمه لأهل البيت عليهم السلام. قال ابن حجر الهيثمي المكي في كتابه (الصواعق) (1): (ثم هذه الاية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت ب‍ (إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس - الذى هو الاثم أو الشك فيما يجب الأيمان به - عنهم وتطهيرهم من سائر الأخلاق و الأحوال المذمومة، وسيأتي في بعض الطرق تحريمهم على النار، وهو فائدة ذلك التطهير وغايته، إذ منه إلهام الانابة إلى الله تعالى وإدامة الأعمال الصالحة - إلى أن قال: - ومن تطهيرهم تحريم صدقة الفرض، بل والنفل على قول مالك عليهم لأنها أو ساخ الناس مع كونها تنبئ عن ذل الاخذ وعز المأخوذ منه، و عوضوا عنها خمس الفئ والغنيمة المنبئ عن عز الاخد وذل المأخوذ منه - إلى


(1) - ابن حجر: الصواعق المحرقة، ص 144.

[228]

أن قال -: وحكمة ختم الآية ب‍ (تطهيرا) المبالغة في وصولهم لأعلاه وفي رفع التجوز عنه، ثم تنوينه تنوين التعظيم والتكثير والأعجاب المفيد إلى أنه ليس من جنس ما يتعارف ويؤلف. ثم أكد - صلى الله عليه - ذلك كله بتكرير طلب ما في الاية لهم بقوله: (اللهم هؤلاء أهل البيتي...)، وأكده أيضا بطلب الصلاة عليهم بقوله: (فاجعل صلاتك عليهم)، وأكده أيضا بقوله: (أنا حرب لمن حاربهم)... فأقامهم مقام نفسه. والحقوا به أيضا في قصة المباهلة). انتهى ملخصا. وقال العلامة الأميني - حشره الله مع أوليائه الكرام - في (الغدير) (1) (إن سد الأبواب الشارعة في المسجد كان لتطهيره عن الأدناس الظاهرية والمعنوية، فلا يمر به أحد جنبا، ولا يجنب فيه أحد. وأما ترك بابه صلى الله عليه واله وسلم وباب أمير المؤمنين عليه السلام فلطهارتهما عن كل رجس ودنس بنص آية التطهير حتى إن الجنابة لاتحدث فيهما من الخبث المعنوي ما تحدث في غيرهما، كما يعطي ذلك التنظير بمسجد موسى الذي سأل ربه أن يطهره لهارون وذريته، أو أن ربه أمره أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون. وليس المراد بتطهيره من الأخباث فحسب، فإنه حكم كل مسجد. ويعطيك خبرا بما ذكرناه ما مر في الأحاديث من أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يدخل المسجد وهو جنب، وربما مر وهو جنب، وكان يدخل ويخرج منه وهو جنب، وما ورد عن أبي سعيد الخدري من قوله صلى الله عليه واله وسلم: (لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك)، وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (ألا إن مسجدي حرام على كل حائض من النساء وكل جنب من الرجال إلا على محمد وأهل بيته: علي وفاطمة و الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين)، وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (ألا لا يحل هذا المسجد لجنب ولا لحائض إلا لرسوله الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين. ألا


(1) - الاميني: الغدير، ج 3: ص 211.

[229]

قد بينت لكم الأسماء أن لا تضلوا (1)، وقوله صلى الله عليه واله وسلم: لعلي (أما أنت فإنه يحل لك في مسجدي ما يحل لي، ويحرم عليك ما يحرم علي. قال حمزة بن مطلب: يا رسول الله ! أنا عمك، وأنا أقرب إليك من علي ! قال: صدقت يا عم، إنه - والله - ما هو عني، إنما هو عن الله تعالى). - إلى أن قال رحمه الله: فزبدة المخض من هذه كلها: أن إبقاء ذلك البا ب والأذن لأهله بما أذن الله لرسوله مما خص به مبتن على نزول آية التطهير النافية عنهم كل نوع من الرجاسة، ويشهد لذلك حديث منا شدته يوم الشورى، وفيه قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أفيكم أحد يطهره كتاب الله غيري ؟ حتى سد النبي صلى الله عليه واله وسلم: أبواب المهاجرين، وفتح بابي إليه) - إلى آخر ماقاله رحمه الله. والسر في فضل صلاة المسجد * قبر لمعصوم به مستشهد بقطرة من دمه مطهرة * طهره الله لعبد ذكره والنص في المعصوم بالغسل ورد * تعبدا بالغسل مع طهر الجسد عن أبي طيبة الحجام قال: (حجمت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأعطاني دينارا وشربت دمه، فلما اطلع على ذلك قال: ما حملك على ذلك ؟ قلت: أتبرك به، قال: أخذت أمانا من الأوجاع والأسقام والفقر والفاقة، ولا يمسك النار أبدا). وفي زيارة الحسين عليه السلام: (وأشهد أن دمك سكن في الجنة). وورد في الأخبار: (تخضب فاطمة عليها السلام في الجنة بدم ولدها الحسين). ومن الزيارة الجامعة التى رواها ابن طاووس، (إن الله طهركم من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومن كل ريبة ورجاسة ونجاسة). وذكر العلامة الحلى، في (تذكرة الفقهاء) في أول نكاحه عند عد جملة فضائل النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إنه يتبرك بدمه وبوله، وظاهره الطهارة) (2)


(1) - سنن البيهقى، ج 7: ص 65. (2) - الانصاري، الشيخ محمد علي، اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء، صص 31 و 32.

[230]

1 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إن ابنتي فاطمة حوراء آدمية لأنها لم تحض ولم تطمث (1). 2 - وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (سميت فاطمة بتولا لأنها تبتلت وتقطعت عما هو معتاد العورات في كل شهر، ولأنها ترجع كل ليلة بكرا، وسميت مريم بتولا لأنها ولدت عيسى بكرا (2). 3 - وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (وإنما سميت فاطمة البتول لأنها تبتلت من الحيض و النفاس (3). 4 - عن علي عليه السلام قال: (إن النبي صلى الله عليه واله وسلم سئل عن بتول وقل: إنا سمعناك يا رسول الله تقول: مريم بتول، وفاطمة بتول ؟ فقال: البتول لم تر حمرة قط - أي لم تحض - فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء (4). 5 - عن أبي جعفر عليه السلام، عن آبائه عليه السلام قال: (إنما سميت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم الطاهرة، لطهارتها من كل دنس، وطهارتها من كل رفث، وما رأت قط يوما حمرة ولا نفاسا (5). 6 - عن الله عزوجل: (إني فطمتك بالعلم، وفطمتك عن الطمث. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: والله لقد فطمها - تبارك وتعالى - بالعلم وعن الطمث بالميثاق (6). 7 - عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا حميراء إن فاطمة ليست كنساء الادميين، لا تعتل كما تعتلين (7).


(1) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 12: ص 321. و (الطمث) في اللغة (دم الجارية). (2) - قاضي نور الله: احقاق الحق / مع تعاليق السيد المرعشي النجفي، ج 10: ص 25، (نقلا عن العلامة الكشفي الحنفي في (المناقب المرتضوية) [ص 119، ط بمبئى]). (3) - القندوزى: ينابيع المودة، ص 260، ط اسلامبول. (4) - قاضى نور الله: احقاق الحق / مع تعاليق السيد المرعشي النجفي، ج 10: ص 25. (5) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 43: ص 19. (6) - المصدر، ص 13. (7) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 43: ص 16.

[231]

أخى العزيز ! يستفاد من آية التطهير بمعونة هذه الأخبار والأحاديث أنها عليها السلام لا تزال كانت بكرا، وأنها عليها السلام طاهرة مطهرة دائما كحورات الجنان، قال الله عزوجل في شأنهن: إنا أنشأناهن إنشاءء فجعلناهن أبكاراء * (1) وقال الطبرسي، في تفسيرها: (كلما يأتيهن أزواجهن وجدوهن أبكارا). وروى العلامة المجلسي رحمه الله، عن الصادق عليه السلام: (حرم الله النساء على علي مادامت فاطمة حية لأنها طاهرة لا تحيض (2). انتهى. ويستفاد منها أيضا أن الله عزوجل طهر أهل البيت: من كل دنس سواء كان ظاهرية أو باطنية، صلوات الله عليهم أجمعين. قال العلامة المظفر في (دلائل الصدق (3): (ومنها [أي الأخبار] ما حكاه عن ابن أبى شيبة بسنده عن ام سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ألا إن مسجدي حرام على كل حائض من النساء، وكل جنب من الرجال إلا على محمد وأهل بيته: علي وفاطمة والحسن والحسين - صلوات الله عليهم أجمعين - ويعضد هذه الأخبار ويفيد مفادها أخبار عديدة - ثم قال - فظهر حلية المسجد لعلي عليه السلام جنابة ونوما، وليس هو إلا لطهارة نفسه القدسية طهارة لا يدنسها ما يدنس غيره - إلى أن قال: - وبالجملة لا وجه لاستثناء باب أبي بكر وهو ليس ممن طهرهم الله من الرجس حتى يحسن دخوله المسجد جنبا) (4). وقال العلامة الشيخ السعيد، جمال الدين، الحسن بن زين الدين، الشهيد الثاني في (منتقى الجمان (5): (وروى الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه) عن النبي صلى الله عليه واله وسلم - مرسلا - أنه قال: (إن فاطمة - صلوات الله عليها - ليست كأحد منكن، إنها


(1) - الواقعة، 35 و 36. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 43: ص 16. (3) - المصدر ج 2: ص 400، ط القاهره. (4) - المظفر، الشيخ محمد حسن: دلائل الصدق، ج: ص. (5) - الشهيد الثاني: منتقى الجمان، ج 1: ص 224، ط النشر الاسلامي - تابعة لجامعة المدرسين - قم.

[232]

لا ترى دما في حيض ولانفاس كالحورية). وقال بعد نقل خبر آخر: (ولا يخفى ما في هذه الروايات من المنافاة لما سبق في حديث قضاء الحائض للصوم دون الصلاة من أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يأمر فاطمة عليها السلام بذلك. ووجه الجمع حمل أمره صلى الله عليه واله وسلم لها على إرادة تعليم المؤمنات، وهو نوع من التجوز في الخطاب شائع، ولعل المقتضي له في هذا الموضع رعاية خفاء هذه الكرامة كغيرها مما ينافي ظهوره بلاء التكليف). مما قيل في تفضيل الائمة على الأنبياء عليهم السلام نظما: قال العلامة الشيخ زين الدين العاملي النباطي (المتوفى سنة 877) في كتابه (الصراط المستقيم (1): قال ابن الرومي: رأيتك عند الله أعظم زلفة * من الأنبياء المصطفين ذوي الرشد وجدت هذا البيت مفردا فأحببت أن أنسج على منواله، وأقتدي به في إفضاله، فقلت: فآدم لما أن عصى زال فضله * وفي هل أتى شكر الأمام على الرفد وامرأتا نوح ولوط فخانتا * ونور الورى عن ظهر فاطمة يبدي وقد سأل إبراهيم إحياء ميت * ليطمئن منه القلب بالواحد الفرد ولو كشف المستور مولاي لم يزد * يقينا على ما كان في سالف العهد وقد خاف موسى حين ولى مبادرا * وبات علي لم يخف سطوة الضد سليمان جاء الذكر فيه بقوله * هب الملك لاتحبيه من أحد بعدي ودنيا أتت مولاي زي بثينه * فقال اعزبي عني ولا تمكثي عندي فقد عرف التفضيل حقا لطالب * لحق ولم يحتج إلى متعب الكد فقد ضل من قاس العتيق بحيدر * ولا ملحة فيه لمنفعة تجدي


(1) النباطي: الصراط المستقيم ج 1 ص 230. (*)

[233]

مقايسة بين على عليه السلام وسائر الانبياء عليهم السلام وإن شئت زيادة بصيرة من أمرك فلا حظ الايات التى جاءت في شأن الأنبياء عليهم السلام، فإنهم وإن كانوا مطهرين معصومين إلا أن فيهم أحوالا وخواطرا، و للشيطان في غير واحد منهم وساوس ومطامع، وها نحن نذكر طوائف من الآيات - إن شاء الله تعالى - في شأنهم، ونفايس بينهم وبين أهل البيت - صلوات الله عليهم أجمعين. 1 - المقايسة بين آدم وبينهم عليهم السلام: قال الله عزوجل وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه - الآية (1). وقال عزوجل: ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أو تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدليهما


(1) - البقرة، 2: 36.

[234]

بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * (1) وقال عزوجل: ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا يا ادم إن هذا عدو لك و لزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرئ وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يا ادم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ادم ربه فغوى * (2) خلاصة الآيات، أن الله عزوجل خلق آدم وزوجه، واسكنهما الجنة وأباح لهما الجنة وجميع نعمه إلا قربهما من شجرة منهية، وأذن لهما في الأكل أكلا واسعا هنيئا من أي مكان كان لأنه عزوجل قال: وكلا منها رغدا حيث شئتما و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمينء فأزلهما الشيطان عنها أي حولها و زحزحهما عن الجنة فأخرجهما مما كانا فيه أي من ذلك المكان أو النعمة الذى كانا فيها. وفي سورة الأعراف: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ماوري عنهما من سوآتهما وفي سورة طه: وعصى آدم ربه فغوى * أخى العزيز ! شاهدت ما أوردناه قبلا من معنى التطهير من الرجس في اللغة بتطهيرهم من كل ما تنفر عنه الطبع وما يعده العقل قبيحا، أفليست الزلة من آدم و زوجه مما يعده العقل قبيحا ؟ وما معنى العصيان ؟ وما معنى الغواية ؟ وهل علمت معنى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ؟ أنشدك الله ورسوله


(1) - الاعراف، 22 - 19. (2) - طه، 121 - 115.

[235]

كيف تقايس آية التطهير بالايات التى جاءت في آدم وزوجه ؟ هل إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * مساوية مع هذه الآيات: لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها وفوسوس لهما الشيطان وفدليهما بغرور وبدت لهما سؤاتهما وألم أنهكما عن تلكما الشجرة وولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وعصى آدم ربه فغوى ؟ وهل هذه الآيات التي جاءت في شأن آدم وزوجه وخروجهما عن الجنة بقربهما إلى الشجرة المنهية مساوية مع الايات التي جاءت في سورة الأنسان في شأن علي عليه السلام وأهل بيته: وهي قوله تعالى: يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيراء إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * (1) فآدم لما أن عصى زال فضله * وفي هل أتى شكر الأمام على الرفد خلاصة آيات سورة الدهر (الأنسان): ويطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما وأسيرا * المراد بإطعام الطعام الأحسان إلى المحتاجين بأي وجه كان، و مؤاساتهم مع أن الطعام محبوب لهم لأنهم في حال الفاقة والحاجة. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * أي لانمن عليكم ولانتوقع منكم مكافأة مما ينقص الأجر، ولا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا تشكرونا لدى الناس. وعن سعيد بن جبير: (أما والله ما قالوه بألسنتهم ولكن علم الله ما في قلوبهم فأثنى به عليهم). أيها القارئ الكريم ! فانظر تفاسير العامة في شأن نزول الايات حتى اتضح


(1) - الانسان، 8 و 9.

[236]

لك الحقيقة في المقايسة بين أهل البيت - صلوات الله عليهم أجمعين - وغيرهم. قال جار الله الزمخشري في تفسيره (الكشاف (1): (عن ابن عباس - رضي الله عنه -: إن الحسن و الحسين عليهما السلام مرضا، فعادهما رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة عليها السلام وفضه جارية لهما إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا، وما معهم شئ، فاستقرض علي عليه السلام من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة عليها السلام صاعا فاختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم، أهل بيت محمد ! مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فأثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياما، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فأثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ على بيد الحسن والحسين عليهما السلام وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال صلى الله عليه واله وسلم: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة عليها السلام في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل عليه السلام و قال: خذها يا محمد، هناك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة). وذكر العلامة النيشابوري في تفسيره (غرائب القرآن (2) عين ما تقدم، ثم قال: (ويروى أن السائل في الليالي جبرائيل، أراد بذلك ابتلاء هم بأذن الله سبحانه). قال أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الالوسي البغدادي في (روح المعاني (3) بعد نقل ما تقدم من (الكشاف) بمثله: (وما ذا عسى يقول امرؤ فيهما [يعني عليا وفاطمة عليها السلام] سوى أن عليا مولى المؤمنين ووصي النبي صلى الله عليه واله وسلم، و


(1) - المصدر، ج 4: ص 197، ط قاهره. (2) - النيشابوري: غرائب القرآن، ج:. (3) - المصدر، ج 29: ص 158، ط بيروت.

[237]

فاطمة البضعة الأحمدية والجزء المحمدي صلى الله عليه واله وسلم، وأما الحسنان فالروح و الريحان وسيدا شباب الجنان، وليس هذا من الرفض بل ما سواه عندي هو الغي. و من اللطائف على القول بنزولها فيهم أنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين، وأنما صرح عزوجل بولدان مخلدين رعاية لحرمة البتول وقرة عين الرسول صلى الله عليه واله وسلم). أقول: وأن شئت زيادة توضيح فراجع: (الدر المنثور)، لجلال الدين السيوطي (1)، و (البحر المحيط) لأبي حيان الأندلسي المغربي (2)، (ينابيع المودة، للشيخ سليمان القندوزي الحنفي (3) و (كفاية الطالب) للحافظ الكنجي الشافعي (4) و فيه: (أن السائل الأول كان جبرئيل، والثاني ميكائيل، والثالث كان إسرافيل عليهما السلام. 2 - مقايسة بين الخليل عليه السلام والأمير عليه السلام: قال الله عزوجل في قصة إبراهيم: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (5) خلاصة الآية أن إبراهيم عليه السلام لما رأى جيفة تمزقها سباع البر والبحر طلب من ربه أن يطلعه على كيفية إحياء الموتى، فأمره تعالى عز شأنه أن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن أجزاء، ويجعلها على عدة جبال، ثم يدعوهن إليه حتى يحصل له الاطمينان على كيفية إحياء الموتى. أخى العزيز ! لازم لك أن تتوجه بأن الخليل عليه السلام طلب من الله تعالى كيفية


(1) - السيوطي: الدر المنثور، ج 6: ص 299، ط بيروت. (2) - أبو حيان: تفسير البحر المحيط، ج 8: ص 395. (3) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 93، ط اسلامبول. (4) - الكنجي: كفاية الطالب / الباب 98: ص 345، ط الغري. (5) - البقرة، 2: 261.

[238]

الأحياء لا أصل الأحياء، ونظير هذا أن يقول القائل: (كيف يحكم زيد في الناس) ؟ وهو لا يشك أنه يحكم فيهم، ولو كان سائلا عن ثبوت الحكم يقول: (أيحكم زيد) ؟ فالقائل في الاول لا شك له في أصل الحكم بل في كيفيته. وإنما سأل الخليل عليه السلام أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفرقها وإيصال الأعصاب و الجلود بعد تمزقها. قال شهاب الدين الالوسي في تفسيره (روح المعاني (1): (يعجبني ما حرره بعض المحققين في هذا المقام وبسطه في الذب عن الخليل عليه السلام من الكلام، وهو أن السؤال لم يكن عن شك في أمر ديني - والعياذ بالله - ولكنه سؤال عن كيفية الأحياء ليحيط بها علما، وكيفية الاحياء لا يشترط في الأيمان الأحاطة بصورتها، و يدل على ذلك ورود السؤال بصيغة (كيف) موضوعها والسؤال عن الحال - إلى أن قال - ومعنى الطمأنية حينئذ سكون القلب عن الجولان في كيفيات الأحياء المتحملة بظهور التصوير المشاهد، وعدم حصول هذه الطمأنينة قبل لا ينافي حصول الايمان بالقدرة على الاحياء على أكمل الوجوه، ولا أرى رؤية الكيفية زادت في إيمانه المطلوب منه عليه السلام شيئا وإنما افادت أمرا لا يجب الايمان به. ومن هنا تعلم أن عليا - كرم الله وجهه - لم يثبت لنفسه مرتبة في الأيمان أعلى من مرتبة الخليل فيه، بقوله عليه السلام: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) كما ظنه جهلة الشيعة وكثير من أصحابنا لما لم يقف على ما حررنا تجشم لدفع ما عسى أن يتوهم من كلامي الخليل والأمير من أفضلية الثاني على الأول (2). وعن العلامة الطباطبائي رحمه الله في تفسير (الميزان (3): (والطمأنينة والأطمينان


(1) - المصدر، ج 3: ص 26، ط بيروت. (2) - مورد الحاجة من نقل كلامه قوله (عسى أن يتوهم) - الخ، وانما نتكلم على رده أفضلية الامام عليه السلام بعيد هذا. (3) - المصدر، ج 2: ص 394.

[239]

سكون النفس بعد انزعاجها واضطرابها، وهو مأخوذ من قولهم اطمأنت الأرض، وأرض مطمئنة إذا كانت فيه انخفاض يستقر فيها الماء إذا سال إليها - إلى أن قال - قوله تعالى حكاية عنه عليه السلام (ليطمئن قلبي) مطلق يدل على كون مطلوبه عليه السلام من هذا السؤال حصول الايمان المطلق وقطع منابت كل خطور قلبي وأعراقه). وعن الفخر الرازي في (تفسيره الكبير) (1): (قوله تعالى: (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) قالوا: والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل). أيها القارئ العزيز ! إذا سأل الخليل عليه السلام أن يريه الله عزوجل كيفية الاحياء حتى يحصل له الاطمينان ويرتفع عنه كل خطور الجنان يظهر لك أن في نفسه الشريفة حالات وخواطر وإلا كان سؤاله عليه السلام عن كيفية إحياء الموتى عبثا، فما تقول في هذه الخواطر والوساوس هل هي موجودة في أهل البيت: أو أذهبها الله عنهم كلها وطهرهم منها تطهيرا ؟ فأنت إذا أمعنت النظر فيما سبق عرفت أن جميع أنواع الرجس مطلقا سواء كان عصيانا أو وسوسة أو اضطرابا أو شكا مدفوعة عنهم - صلوات الله عليهم أجمعين - فبهذا البيان ظهر فضله عليه السلام عليه عليه السلام بلا ريب. نعم، بقي هناشي لازم أن نشير إليه وهو أن ما استفدناه من الاية - من أن في نفس الخليل عليه السلام أحوالا وخواطرا، وهي منتفية عن أهل البيت: - إنما يصح إذا كان مورد الأطمينان ومتعلقه في قوله عليه السلام إحياء الموتى، وأما إذا كان موضع الأطمينان الخلة كما جاءت في الرواية فلا، والرواية هذه: عن علي بن محمد بن الجهم قال: (حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام، فقال له المأمون: يابن رسول الله ! أليس من قولك أن الأنبياء معصومون ؟ قال عليه السلام: بلى، قال: فما معنى قول الله عزوجل: (وعصى آدم ربه فغوى (2) - إلى أن قال: - فأخبرني عن قول


(1) - المصدر، ج 7: ص 40. (2) - طه، 121.

[240]

إبراهيم عليه السلام: (رب أرني كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي (1). قال الرضا عليه السلام: إن الله كان أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أني متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أجبته. فوقع في نفس إبراهيم عليه السلام أنه ذلك الخليل، فقال: رب أرني كيف تحيى الموتى ؟ قال: أولم تؤمن ؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على الخلة (2). أقول: هذا الحديث وإن جاء في كتب الحدث ك‍ (العيون) و (تفسير البرهان) و (نور الثقلين)، إلا أنه لا يخلو عن شئ كما قال العلامة الطباطبائي، في (تفسير الميزان) (3) (فما نقله [علي بن الجهم] من جوابه عليه السلام في آدم لا يوافق مذهب أئمة أهل البيت: المستفيض عنهم من عصمة الأنبياء من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها، فالرواية لا تخلو عن شئ). والله أعلم. كون الخليل عليه السلام من شيعة الامير عليه السلام قال الله تعالى: وإن من شيعته لإبراهيم (4). قال القرطبي في تفسيره الكبير (الجامع لأحكام القرآن (5): (قال الكلبي والفراء: المعنى: وإن من شيعة محمد صلى الله عليه واله وسلم لإبراهيم. فالهاء في (شيعته) على هذا لمحمد صلى الله عليه واله وسلم، وعلى الأول [أي على قول ابن عباس ومجاهد] لنوح). وقال الطبري في تفسيره (6): (وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: وإن من شيعة محمد صلى الله عليه واله وسلم لإبراهيم).


(1) - البقرة، 260. (2) - الحويزى، حسن بن الجمعة: نور الثقلين، ج 1: ص 275. (3) - المصدر، ج 1: ص 147. (4) - الصافات، 83. (5) - المصدر، ج 15: ص 91. (6) - الطبري: جامع البيان، ج 24: ص 68.

[241]

قال الفخر الرازي: (الضمير في قوله من (شيعته) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان: الأول - وهو الأظهر - إنه عائد إلى نوح عليه السلام. الثاني: قال الكلبي: المراد من شيعة محمد صلى الله عليه واله وسلم لإبراهيم (1). قال الالوسي: (وذهب الفراء إلى أن ضمير (شيعته) لنبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم - إلى أن قال: - وقلما يقال للمتقدم هو شيعة المتأخر، ومنه قول الكميت - (رحمه الله) -: ومالى إلا آل أحمد شيعة * ومالي إلا مشعب الحق مشعب (2) قال العلامة الطباطبائي: وإن من شيعته لإبراهيم، الشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم، وبالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته، تقدم أو تأخر، قال تعالى: وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل (3). أيها القارئ الكريم ! أنت بعد ما لاحظت أقوال المفسرين، وعلمت آرائهم يحصل لك الأطمينان بأن الهاء في (شيعته) يمكن أن يعود إلى المتقدم أو المتأخر، أي إن المفسرين يجوزون أن يعود الضمير إلى نوح عليه السلام لأنه عليه السلام تقدم ذكره قبل إبراهيم عليه السلام أو إلى نبينا محمد صلى اللهعليه واله وسلم فإذا جاز عود الضمير إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يجوز أن يعود إلى أخيه ووصيه وعيبة علمه الذي هو بمنزلة نفسه و روحه مع ورود دليل نقلي يؤيده عن طريق أهل البيت - صلوات الله عليهم أجمعين -، و إليك بعض نصوصها: عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: (قوله عزوجل: وإن من شيعته لإبراهيم أي


(41) - الرازي: التفسير الكبير، ج 26: ص 146. (2) - الالوسي: تفسير روح المعاني، ج: ص. (3) - الطباطبائي: الميزان، ج 17: ص 153. والاية في سبأ، 34: 54.

[242]

إبراهيم عليه السلام من شيعة علي عليه السلام (1). وسأل جابر بن يزيد الجعفي جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام عن تفسير هذه الاية: (وإن من شيعته لابراهيم) فقال عليه السلام: (إن الله سبحانه لما خلق إبراهيم عليه السلام كشف له عن بصره، فنظر فرأى نورا إلى جنب العرش فقال: إلهي ! ما هذا النور ؟ فقيل: هذا نور محمد صلى الله عليه واله وسلم صفوتي من خلقي ورأى نورا إلى جنبه، فقال: إلهي ! وما هذا النور ؟ فقيل له: هذا نور علي بن أبي طالب ناصر دينى. ورأى إلى جنبهما ثلاثة أنوار، فقال: إلهي ! وما هذه الأنوار ؟ فقيل: هذه نور فاطمة فطمت محبيها من النار، ونور ولديها الحسن والحسين. فقال: إلهي وأرى تسعة أنوار قد حفوا بهم (2). قيل: يا إبراهيم ! هؤلاء الأئمة من ولد علي وفاطمة، فقال إبراهيم: إلهي ! بحق هؤلاء الخمسة إلا ما عرفتني من التسعة ؟ فقيل: يا إبراهيم ! أولهم علي بن الحسين، وابنة محمد، وابنة جعفر، وابنة موسى، وابنة على، وابنة محمد، وابنة على، وابنة الحسن، والحجة القائم إبنه - صلوات الله عليهم أجمعين -. فقال إبراهيم: إلهي وسيدي ! أرى أنوارا قد أحدقوا بهم لا يحصي عددهم إلا أنت. قيل: يا إبراهيم ! هؤلاء شيعتهم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. فقال إبراهيم: وبما تعرف شيعته ؟ فقال: بصلاة إحدى وخمسين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، و القنوت قبل الركوع، والتختم في اليمين. فعند ذلك قال إبراهيم: اللهم اجعلني من شيعة أمير المؤمنين، قال: فأخبر الله في كتابه فقال: وإن من شيعته لإبراهيم (3). 3 - المقايسة بين موسى وعلي عليهما السلام: قال الله عزوجل في قصة موسى: فلما أتيها نودي من شاطئ الواد الاءيمن في


(1) - البحراني: البرهان، ج 4: ص 20. (2) - وفي (تأويل الايات) المخطوط لشرف الدين النجفي: (قد أحدقوا بهم). (3) - البحراني: البرهان، ج 4: ص 20.

[243]

البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما راها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الامنين * اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين * قال رب إني قتلت منهم نفسا فاخاف أن يقتلون * (1) خلاصة الايات: أن موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - لما رجع من مدين مع أهله، وما معه من الغنم ضل الطريق، وبينما هو كذلك إذ رأى نارا تضئ عن بعد، فقال لأهله: انتظروا قليلا إني أبصرت نارا لعلي اتيكم منها بخبر الطريق أو آتيكم بقطعة من الحطب فيها نار لتستدفئوا بها من البرد، فلما جاء إلى النار التي أبصرها من جانب الطور ناداه ربه من الجانب الأيمن من الوادي: يا موسى ! إني أنا الله رب العالمين، وأمره تعالى أن يلقي عصاه حتى يكون آية على نبوته من الله تعالى، فألقاها فصارت حية تسعى، فلما ورآها تتحرك وتضطرب كأنها جان من الحيات لسرعة عدوها وخفه حركتها خاف موسى عليه السلام وولى مدبرا ولم يرجع، فجاءه النداء من الله تعالى: يا موسى ! أقبل ولا تخف مما تهرب منه، هي عصاك، إنما أردنا أن نريك آية لتكون عونك، يا موسى ! أدخل يدك في جيب قميصك تخرج ولها شعاع يضئ من غير سوء ولابرص. فلما خاف موسى عليه السلام من العصا تارة، ومن شعاع يده مرة اخرى، أمره ربه أن تضع يده على صدره ليزول ما به من الخوف والدهشة كما يشاهد من حال الطير إذا خاف نشر جناحيه، وإذا أمن ضمهما إليه. ثم قال عزوجل: يا موسى ! فذانك برهانان، أي ما تقدم من جعل العصا حية، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، وهما دليلان واضحان على قدرة ربك وصحة نبوتك، فبناء على ذلك فاذهب إلى


(1) القصص 28: 33 - 30.

[244]

فرعون وملائه إنهم قد طغوا. قال: رب إني قتلت منهم نفسا وأخاف منهم أن يقتلون أيها القارئ الكريم ! انشدك بالله، هل تجد منصفا يقضي بالمساواة بين هذه الآيات التي جاءت في موسى عليه السلام مع اشتمالها على خوفه من الحية وهربه منها و خوفه من القتل، وبين آية التطهير التي هي مشتملة على إذهاب جميع أنواع الرجس عن أهل البيت: حتى الاضطراب والوسوسة والريب والخوف ؟ و يقول: لا فرق بين هذه الآيات و الآية التي جائت في تضحية علي عليه السلام بنفسه الشريفة، وذلك حين أراد النبي صلى الله عليه واله وسلم الهجرة من مكة أمره عليه السلام أن ينام ويبيت في فراشه ؟ ! وهي قوله عزوجل: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله و الله رؤف بالعباد (1). وقد روى كثير من علماء العامة نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام. قال الفخر الرازي: (في سبب النزول روايات، (والرواية الثالثة) نزلت في علي بن أبي طالب، بات على فراش رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليلة خروجه إلى الغار، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبرئيل عليه السلام عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب ؟ يباهي الله بك الملائكة، ونزلت الاية (2). وقال أبو حيان الاندلسي: (وقيل: نزلت في علي عليه السلام حين خلفه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع، وأمره بمبيته على فراشه ليلة خرج مهاجرا صلى الله عليه واله وسلم (3). وقال الآلوسي: (وقال الأمامية وبعض منا: إنها نزلت في علي - كرم الله تعالى


(1) - البقرة، 2: 207. (2) - فخر الدين رازي: التفسير الكبير، ج 5: ص 223، ط مصر. (3) - أبو حيان: البحر المحيط، ج 2: ص 118، ط مصر.

[245]

وجهه - حين استخلفه النبي صلى الله عليه واله وسلم على فراشه بمكة لما خرج إلى الغار (1). وقال القرطبي: (وقيل: نزلت في علي - رضي الله عنه - حين تركه النبي صلى الله عليه واله وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار، على ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله (2). وقال الحافظ، الشيخ سليمان الحنفي القندوزي: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل: أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه، فايكما يؤثر أخاه عمره ؟ فكلاهما كرها الموت، فأوحى الله إليهما: أني آخيت بين علي وليي وبين محمد نبيي، فآثر علي حياته للنبي، فرقد على فراش النبي يقيه بمهجته، اهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه، فهبطا فجلس جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرئيل يقول: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب ؟ والله عزوجل يباهي بك الملائكة، فأنزل الله الآية (3). ولنزول هذه الآية في شأن علي عليه السلام مصادر عديدة من كتب العامة والخاصة، فإن شئت أكثر مما ذكرنا فراجع (تذكرة الخواص)، و (كفاية الطالب)، و (البحار)، (ج 9، ط أمين الضرب) و (مسند أحمد)، و (الفصول المهمة)، وتفاسير الفريقين ذيل الآية الشريفة. ويعجبني أن اورد ما ذكره عبد الكريم الخطيب في كتابه القيم (علي ابن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة (4)، قال: (لقد دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا ليلة الهجرة، وطلب إليه أن يبيت في المكان الذي اعتاد الرسول صلى الله عليه واله وسلم أن يبيت فيه، و أن يتغطى بالبرد الحضرمي الذي كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يتغطى به حتى إذا نظر ناظر من


(1) - الالوسي: روح المعاني، ج 2: ص 97. (2) - القرطبي: الجامع لاحكام القرآن، ج 3: ص 21. (3) - قندوزي: ينابيع المودة، ص 92. (4) - عبد الكريم الخطيب: علي بن ابي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة، صص 103 و 107، ط دار المعرفة - بيروت.

[246]

قريش إلى الدار رأى كأن النبي صلى الله عليه واله وسلم نائم في مكانه مغطى بالبرد الذي يتغطى به. وهذا الذي كان من على في ليلة الهجرة إذا نظر إليه في فجر الأحداث التي عرضت للأمام علي في حياته بعد تلك الليلة فإنه يرفع لعيني الناظر أمارات واضحة وإشارات دالة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن أمرا عارضا، بل هو عن حكمة لها آثارها - إلى أن قال: - إنه إذا غاب شخص الرسول كان علي هو الشخصية المهياة لأن تخلفه وتمثل شخصه وتقوم مقامه. حين نظرنا إلى علي وهو في برد الرسول وفي مثوى منامه الذي اعتاد أن ينام فيه فقلنا: هذا خلف الرسول صلى الله عليه واله وسلم والقائم مقامه - انتهى ملخصا). 4 - المقايسة بين زكريا وعلى عليهما السلام: قال الله عزوجل في قصة زكريا: قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقياء * وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا * يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا * قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا * (1). خلاصة الآيات: أن زكريا عليه السلام كان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل، وهو شيخ كبير لم يكن له ولد وكانت امرأته عاقرا، فنادى ربه نداء خفيا مستترا عن أعين الناس لأنه أبعد من الريا، قال: رب إني ضعفت قواي ووهن العظم مني - وذكر العظم لأنه عمود البدن وأساسه - واضطرم المشيب في سواد رأسي، وانتشر بياض الشعر كما ينشر شعاع النار في الهشيم، يا رب إني خفت من أبناء عمي من


(1) - مريم، 19: 1 - 4.

[247]

بعدي - وكأن بني عمه كانوا من شرار بني إسرائيل - فأعطني من واسع فضلك و عظم جودك وعطائك - لا بطريق الأسباب العادية - ولدا يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضيا. فاستجاب الله تبارك وتعالى دعاءه وتولى تسمية الولد بنفسه فقال: يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى فلما سمع هذه البشرى صار متعجبا، فقال: من أي وجه كان لي ولد وامراتي عاقر، وقد ضعفت من الكبر ؟ وقال الله تعالى في رد كلامه: يا زكريا ! إني إذا أردت شيئا كان دون أن يتوقف على الأسباب العادية التى رسمتها للحمل والولادة، يا زكريا ! ليس خلق هذا الغلام الذي وعدتك بأعجب من خلق البشر جملة من العدم. قال زكريا: يا رب اجعل لي علامة تدلني على تحقق المسؤول. فقال الله تبارك وتعالى: علامتك على وجود المبشر به وحصول الحمل ألا تقدر على تكلم النا س بكلامهم المعروف ثلال ليال وأنت صحيح الجسم ليست بك علة ولا مرض. أخى العزيز ! احب أن تلاحظ الايات مرة اخرى بعين الدقة والنظر فإنه عليه السلام لما طلب من الله ولدا ونادى ربه نداء خفيا، وقال: ولم أكن بدعائك رب شقيا، استجاب الله عز شأنه دعاءه وبشره بغلام اسمه يحيى، فما معنى لاستفهامه عليه السلام بقوله: أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا مع ذكره عليه السلام هذين الأمرين في ضمن دعائه وهو قوله تعالى حكاية عنه: (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا... وكانت امرأتي عاقرا) ؟ أهذا استفهام إنكاري - العياذ بالله - ؟ لا، لأنه لا يناسب مقام النبوة، بل هو مبني على استعجابه عليه السلام. قال العلامة الطباطبائي رحمه الله: (فإن من بشر بما لا يتوقعه لتوفر الموانع وفقدان الأسباب تضطرب نفسه بادى ما يسمعها، فيأخذ في السؤال عن خصوصيات ما بشر به ليطمئن قلبه ويسكن اضطراب نفسه فإن الخطورات النفسانية ربما لا تنقطع

[248]

مع وجود العلم والأيمان (1). نعم، إن زكريا عليه السلام كان يوقن أن الله تعالى يعطيه ولدا وسماه يحيى، مع ذلك له اضطراب وقلق وأحوال وخواطر في كيفية الأعطاء حتى قال: رب اجعل لي آية وقال الله عزوجل: إنك لا تقدر على التكلم مع الناس إلا رمزا. أيها القراء الكرام ! أنشدكم الله ورسله هل يمكن لأحد أن يجد في شأن أهل البيت: موردا مثل ما ذكر من أحوال زكريا عليه السلام ؟ أعني أنهم: طلبوا من الله تعالى شيئا، وهو عزوجل شأنه استجاب دعاءهم وبشرهم به، ومع ذلك قالوا: أنى لنا ذلك ؟ وأحوالنا كذا وكذا، اللهم اجعل لنا اية حتى نكون من الطمئنين. لا، والله، فإن آية التطهير تدل دلالة واضحة وصراحة قاطعة على أنهم عليهم السلام في أعلى درجات اليقين والأطمينان، لا تشوبهم وسوسة من الوساوس، ولا خاطرة من الخطورات النفسانية حتى لو كشف الغطاء عنهم ما ازدادوا يقينا، لأن الله عز شأنه أذهب عنهم جميع أنواع الرجس، ومن أنواعه القلق والأضطراب، وطهرهم تطهيرا. أمن الأنصاف أن يقايس أحد هذه الايات التي جاءت في زكريا عليه السلام بآية المباهلة التي جاءت في أهل البيت - صلوات الله عليهم أجمعين - في مقام الدعاء و الأبتهال ؟ ونحن نذكرها ونتكلم عليها فيما بعد، إن شاء الله تعالى.


(1) - الطباطبائي: الميزان، ج 14: ص 14.

[249]

الفصل 3 2 - آية الشهادة: ومن الايات الدالة على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام وتقدمه على جميع الأنام، سوى نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم هي قوله تعالى عز شأنه: ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (1). إن الله تعالى أخبر وحكى عن الكفار أنهم أنكروا كون محمد صلى الله عليه واله وسلم نبيه مرسلا من جهته، وهو جل جلاله لقن رسوله صلى الله عليه واله وسلم في رد قولهم الأحتجاج عليهم بأمرين: الأول شهادة الله على رسالته. والثاني شهادة من عنده علم الكتاب معنى شهادة الله تعالى: أما شهادة الله تعالى فبالد لائل الواضحة والحجج القاطعة من إظهار المعجزات وخوارق العادات على يدي رسوله صلى الله عليه واله وسلم لصدق رسالته، فعلى هذا تكون شهادة الله تعالى فعليا، لا قوليا، وهذه الشهادة مقصودة في قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله اءلا هو العزيز الحكيم (2)، وهو عز


(1) - الرعد، 13: 43. (2) - آل عمران، 3: 18. (*)

[250]

شأنه وجل جلاله شهد على وحدانية نفسه من عجيب خلقه ولطيف حكمته و وضع ميزانه فيما خلق. والشاهد على ذلك كون (قائما بالقسط) في الاية حالا من اسم الجلالة، كما في التفاسير. فالقيام بالقسط إشارة إلى البرهان على صدق شهادته تعالى في الآفاق و الأنفس، فإن وحدة النظام تدل على وحدة واضعه، ولعلك لو تأملت ذيل الآية تتجلى لك الحقيقة، وهو قوله تعالى: لا إله إلا هو العزيز الحكيم تفرد بالالوهية و كمال العزة والحكمة، فلا يغلبه أحد على ما قام به من سنن القسط والعدل و وضع كل شئ على وفق حكمته. فإذا ظهرت لك الحقيقة من أن شهادته عزوجل على وحدانيته قيامه بالقسط وعدله على وفق الحكمة، وشهادته عزوجل على صدق رسالة رسوله إظهار المعجزات وخرق العادات على يده، فاعلم أن من جملة المعجزات، بل من أعظمها إنزال القرآن عليه بحيث تحدى به العرب، و عجزت الفصحاء والبلغاء عن الأتيان بسورة من مثله. ومن الواضح قبح إظهار المعجزة على يد الكاذب، تعالى الله عن ذلك. إن قلت: لعل الاية الكريمة نزلت تسلية لرسول الله، يعني أن الله تعالى يعلم إنك رسوله فلا يضرك تكذيب الكفرة، كقول القائل في مقام تسلية نفسه: إن الله يعلم ويشهد بصدق إدعائي، فعلى هذا لا يلزم من شهادة الله تعالى على رسالة رسوله إظهار المعجزات وخوارق العادات على يده. قلنا: بين المقامين فرق واضح، لأن الاية نزلت في رد الكفار المعاندين وفي مقام الأحتجاج عليهم، فلايتم الأحتجاج إلا بظهور المعجزات وخوارق العادات، وفي الاية تلويح بل للمنصف تصريح بذلك، لأن الاية لو كانت هكذا كفى بالله شهيدا ومن عنده علم الكتاب لاحتمل أن تكون في مقام التسلي لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقط دون الأحتجاج والرد عليهم، ولكنها مع ذكر (قل) في صدرها، وضم (بيني وبينكم) إليها تدل على أنها في مقام الأحتجاج والرد عليهم، وذلك لا يمكن إلا

[251]

بالمعجزات وخوارق العادات. معنى شهادة من عنده علم الكتاب: وأما شهادة (من عنده علم الكتاب) وكيفيتها فستتضح لك بعد أن تعلم المراد من الموصول في الاية الشريفة. واعلم أن الله تعالى اكتفى في إثبات رسالة رسوله صلى الله عليه واله وسلم بشهادة نفسه وشهادة من عنده علم الكتاب، وجعلها في عرض شهادته وجعله عديلا لنفسه وقرينا لساحة قدسه، ومن البديهي أنه ليس انضمام شهادة من عنده علم الكتاب إلى شهادة الله تعالى من قبيل ضم شهادة عدل إلى شهادة عدل آخر، أو دليل ظني الى آخر لأن الرسالة والنبوة من الاصول لا تثبت إلا بالعلم واليقين، فعلى هذا يكون ضم شهادة من عنده علم الكتاب إلى شهادة الله تعالى ضم برهان مستقل إلى برهان مستقل آخر، وهذا متوقف على ثبوت عصمة الشاهد وإلا لا يحصل للأنسان يقين. أخى العزيز ! فتعال معي نلاحظ الأخبار والأحاديث التي جاءت من طريق العامة والخاصة في شأن (من عنده علم الكتاب) حتى يتضح الأمر، إن شاء الله تعالى. فمن طريق العامة: 1 - قال العلامة سليمان بن إبراهيم الحنفي القندوزي في تفسير قوله: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب: الثعلبي وابن المغازلي بسنديهما عن عبد الله بن عطاء قال: (كنت مع محمد الباقر - رضي الله عنه - في المسجد فرأيت ابن عبد الله ابن سلام، قلت: هذا ابن الذي عنده علم الكتاب. قال: إنما ذاك علي بن أبي طالب (1).


(1) - القندوزي: ينابيع المودة، الباب الثلاثون.

[252]

2 - الثعلبي وابو نعيم بسنديهما عن زاذان، عن محمد بن الحنفية، قال: (من عنده علم الكتاب علي بن أبي طالب). 3 - عن الفضيل بن يسار، عن الباقر صلى الله عليه واله وسلم، قال: (هذه الاية نزلت في علي عليه السلام، إنه عالم هذه الامة). وفي رواية عنه عليه السلام قال: (إيانا عنى خاصة، وعلي أفضلنا وأولنا و خيرنا بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم). 4 - عن عمر بن اذينة، عن جعفر الصارق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -: (ألا إن العلم الذي هبط به آدم عليه السلام من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين صلى الله عليه واله وسلم). 5 - وقال الصادق عليه السلام: (علم الكتاب كله - والله - عندنا، وما اعطي وزير سليمان بن داود عليه السلام إنما عنده حرف واحد من الاسم الأعظم وعلم بعض الكتاب كان عنده، قال تعالى: قال الذي عنده علم من الكتاب - اي بعض الكتاب - أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك (1). قال تعالى لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة (2) بمن التبعيض. وقال في عيسى عليه السلام: ولا بين لكم بعض الذي تختلفون فيه (3) بكلمة البعض. وقال في علي: ومن عنده علم الكتاب أي كل الكتاب، وقال: ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (4)، وعلم هذا الكتاب عنده عليه السلام). 6 - عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري - 2 - قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن هذه الاية الذي عنده علم من الكتاب قال: ذاك وزير أخي سليمان بن داود عليه السلام. وسألته عن قول الله عزوجل: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن


(1) - النمل، 27: 40. (2) - الاعراف، 7: 145. (3) - الزخرف، 43: 63. (4) - الانعام، 6: 59.

[253]

عنده علم الكتاب قال: ذاك أخي علي بن أبي طالب). 7 - عن محمد بن مسلم، وأبي حمزة الثمالي، وجابر بن يزيد، عن الباقر عليه السلام، و روي (عن) علي بن فضال والفضيل بن يسار وأبي بصير، عن الصادق عليه السلام، وروى أحمد بن محمد الحلبي ومحمد بن فضيل، عن الرضا عليه السلام، وقد روي عن موسى بن جعفر وعن زيد بن علي عليه السلام وعن محمد الحنفية، وعن سلمان الفارسي وعن أبي سعيد الخدري وإسماعيل السدي أنهم قالوا في قوله تعالى: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب، هو علي بن أبي طالب عليه السلام). 8 - وسئل سعيد بن جبير: (ومن عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام ؟ قال: لا، و كيف وهذه السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم في المدينة بعد الهجرة). 9 - وابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (من عنده علم الكتاب إنما هو علي، لقد كان عالما بالتفسير والتأويل والناسخ والمنسوخ). 10 - وعن محمد بن الحنفية - رضي الله عنه - قال: (عند أبي أمير المؤمنين علي - صلوات الله عليه - علم الكتاب الأول والاخر). 11 - عن قيس بن سعد بن عبادة، قال: (ومن عنده علم الكتاب علي. قال معاوية بن أبي سفيان: هو عبد الله بن سلام، قال قيس: أنزل الله: إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (1)، وأنزل: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه (2)، فالهادي من الاية الاولى، والشاهد من الثانية علي، لأنه نصبه صلى الله عليه واله وسلم يوم الغدير وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وقال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). فسكت معاوية ولم يستطع أن يردها). قال بعض المحققين: (إن الله تبارك وتعالى بعث خاتم أنبيائه وأشرف رسله و


(1) - الرعد، 13: 7. (2) - هود، 11: 17.

[254]

أكرم خلقه بمنه وفضله العظيم بسابق علمه ولطفه بعد أخذه العهد والميثاق على أنبيائه وعباده بمحمد صلى الله عليه واله وسلم بقوله: لتؤمنن به ولتنصرنه (1) ولما فتح الله أبواب السعادة الكبرى والهداية العظمى برسالة حبيبه على العرب وقريش وخصوصا على بني هاشم بقوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين (2) ورهطك المخلصين اقتضى العقل أن يكون العالم بجميع أسرار كتاب الله لابد أن يكون رجلا من بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم لأنه أقرب به من سائر قريش، وأن يكون إسلامه أولا ليكون واقفا على أسرار الرسالة وبدء الوحي، وأن يكون جميع الأوقات عنده بحسن المتابعة ليكون خبيرا عن جميع أعماله وأقواله، وأن يكون من طفوليته منزها عن أعمال الجاهلية ليكون متخلفا بأخلاقه ومؤدبا بآدابه ونظيرا بالرشيد من أولاده، فلم يوجد هذه الشروط لأحد إلا في علي عليه السلام. وأما عبد الله بن سلام لم يسلم إلا بعد الهجرة، فلم يعرف سبب نزول السور التي نزلت قبل الهجرة، ولما كان حاله هذا لم يعرف حق تأويلها بعد إسلامه، مع أن سمان الفارسى الذى صرف عمره الطويل ثلاث مائة وخمسين سنة في تعلم أسرار الأنجيل والتوراة و الزبور وكتب الأنبياء السابقين والقرآن لم يكن من عنده علم الكتاب لفقده الشروط المذكورة، فكيف يكون من عنده علم الكتاب ابن سلام الذي لم يقرأ الأنجيل، ولم يوجد فيه الشروط، ولم يصدر منه مثل ما صدر من علي يعسوب الدين من الأسرار والحقائق في الخطبات، مثل قوله: (سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين جنبي علوما كالبحار الزواخر)، ومثل ما صدر من أولاده الأئمة الهداة - عليهم سلام الله وبركاته - من المعارف والحكم في تأويلات كتاب الله وأسراره (3). 12 - قال القرطبي في تفسيره: (قال عبد الله بن عطاء: قلت لأبي جعفر بن علي بن


(1) - آل عمران، 3: 81. (2) - الشعراء، 26: 214. (3) - القندوزي: ينابيع المودة، صص 102 الى 105.

[255]

الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -: زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام، فقال: انما ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وكذلك قال محمد بن الحنفية (1). 13 - قال أبو حيان الاندلسي المغربي في تفسيره: (قال قتاده: كعبد الله بن سالم و (تميم الداري وسلمان الفارسي). وقال مجاهد: عبد الله بن سلام خاصة. وهذان القولان لا يستقيمان إلا أن تكون الاية مدنية، والجمهور على أنها مكية. وقال محمد ابن الحنفية والباقر عليه السلام: هو علي بن أبي طالب (2). 14 - قال الالوسي في تفسيره: (قال محمد ابن الحنفية والباقر عليه السلام: المراد ب‍ (من) علي كرم الله تعالى وجهه (3). ومن طريق الخاصة: 15 - قال العلامة الفيض القاساني في تفسيره: (وفي الأحتجاج: سأل رجل علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه - عن أفضل منقبة له، فقرأ الاية وقال: إياي عنى بمن عنده علم الكتاب (4). 16 - علي بن إبراهيم القمي، عن الصادق عليه السلام: (الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام. وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال: ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر (5).


(1) - الجامع الاحكام القرآن ج 9 ص 336. (2) - أبو حيان: البحر المحيط، ج 5: ص 401. (3) - الالوسي: روح المعاني، ج 13: ص 158. (4) - الفيض القاساني: تفسير الصافى، ج 3: ص 77. (5) - علي بن إبراهيم: تفسير القمي، ج 1: ص 367، الفيض القاساني: تفسير الصافى / ذيل الآية.

[256]

17 - وعن الصادق عليه السلام: (علم الكتاب والله كله عندنا، والله كله عندنا (1). 18 - العياشي، عن الباقر عليه السلام: (أنه قيل له: هذا ابن عبد الله بن سلام يزعم أن أباه الذي يقول الله: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب، قال عليه السلام: كذب، هو علي بن أبي طالب عليه السلام (2). أخي المكرم ! فبعد ما لاحظت الأخبار والأحاديث، وعلمت بمعونتها أن المراد من الموصول في الاية: (ومن عنده علم الكتاب) هو سيد الوصيين أمير المؤمنين عليه السلام فجدير بك أن تعلم أن شهادته عليه السلام على صحة الرسالة فعلية و قولية. أما القولية فالأقرار باللسان عمن هو المثل الأعلى في المعارف. وأما الفعلية فبمتابعته له والاتباع لأمره والانتهاء بنهيه. ويعجبني جدا ماقاله العلامة سماحة الحجة، الاية الله العظمى، السيد الخوئي في تفسيره في تصديق علي عليه السلام الرسالة. قال،: (إن تصديق علي عليه السلام - وهو على ما عليه من البراعة في البلاغة والمعارف و سائر العلوم - لاعجاز القرآن هو بنفسه دليل على أن القرآن وحي إلهى، فإن تصديقه بذلك لا يجوز أن يكون ناشئا عن الجهل والاغترار، كيف وهو رب الفصاحة والبلاغة، وإليه تنتهي جميع العلوم


(1) - علي بن إبراهيم: تفسير القمي، ج 1: ص 367، الفيض القاساني: تفسير الصافى / ذيل الآية. (2) - السمرقندي: تفسير العياشي، ج 2: ص 220. وليعلم أن معنى (من عنده علم الكتاب) معنى عام ينطبق على كل من كان له تلك الصفة، والمراد بالكتاب إن كان هو القرآن فظاهر كون (من عنده) على عليه السلام دون سائر الناس، امثال ابن سلام وأضرابه. وإن كان المراد التوراة - كما هو الظاهر من السياق - فكون علمها عند عبد الله بن سلام لا ينافي كونها عند على عليه السلام. والحق، أن المراد بمن عنده علم الكتاب في هذه الامة على بن أبي طالب عليه السلام، لا غير. ومن امة موسى عليه السلام عبد الله بن سلام. فإن كان المراد بالكتاب مطلق الكتب السماوية فلا خلاف في كون المراد بمن عنده علي عليه السلام، وإن كان خصوص التوراة فعبد الله بن سلام أيضا يعلمها، ولو كان حينذاك في المدينة ولم يسلم بعد، فلا مانع من شهادته يصدق النبي لبشارة التوراة والمطلوب هنا شهادة المخالف لا الموافق فلا منافاة بين الاخبار والاقوال. (الغفاري)

[257]

الأسلامية، وهو المثل الأعلى في المعارف، وقد اعترف بنبوغه وفضله المؤالف والمخالف ؟ وكذلك لا يجوز أن يكون تصديقه هذا تصديقا صوريا ناشئا عن طلب منفعة دنيوية من جاه أو مال، كيف وهو منار الزهد والتقوى، وقد أعرض عن الدنيا وزخارفها، ورفض زعامة المسلمين حين اشترط عليه أن يسير بسيرة الشيخين، وهو الذي لم يصانع معاوية بإبقائه على ولايته أياما قليلة مع علمه بعاقبة الأمر إذا عزله عن الولاية، وإذن فلابد من أن يكون تصديقه بإعجاز القرآن تصديقا حقيقتا مطابقا للواقع ناشئا عن الأيمان الصادق. وهذا هو الصحيح و الواقع المطلوب (1) - انتهى). وقال الواقدي المورخ في شهادة علي عليه السلام على إثبات الرسالة نظير ما قاله العلامة الحجة الخوئي،، قال: ابن النديم في (الفهرست) (2): (روى (الواقدي) أن عليا عليه السلام كان من معجزات النبي صلى الله عليه واله وسلم كالعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى لعيسى بن مريم عليه السلام). إن قلت: المنكر للأصل - وهو النبي صلى الله عليه واله وسلم - فلا تكون شهادته قاطعة للخصومة بالنسبة إلى النبوة، فكيف يستشهد الله عزوجل بشهادته على ثبوت النبوة ويحتج بها على منكري النبوة والرسالة ؟ يقال: إنما لا يجوز الاكتفاء بشهادة الفرع إذا كان القبول مستندا إلى مجرد الأقرار والاعتراف مع قطع النظر عن ظهور مقامه ودرجته من كونه عالما بالكتاب، واقفا على كل شئ، قادرا على إظهار المعجزات وخوارق العادات الملازم للعصمة والصدق عقلا، وأما إذا كان الاستشهاد به من حيث كونه كذلك - كما في المقام - حيث لم يذكر الشاهد باسمه بل بوصفه لينظر المنكر في شأنه و


(1) - الخوئي: البيان في تفسير القرآن، ص 91. (2) - الخوئي: البيان في تفسير القرآن، ص 111.

[258]

يراجع إليه ويظهر عنده ثبوت آثاره فينكشف عنده ثبوت الوصف للشاهد و أحقية المشهود به فهو قاطع للخصومة ومثبت للدعوى بالضرورة وإن لم يتعرف به المنكر عنادا. فبما أوضحناه وبيناه ظهر واتضح أن شهادة علي على إثبات الرسالة فعلية و قولية، وأنها صارت كالمعجزة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم. وأيضا أن المراد من الموصول في (ومن عنده علم الكتاب) هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وفي الموصول أقوال اخر ينبغي أن نلفت النظر إليها وإلى ردها. قال بعض: (المراد من الموصول هم الذين أسلموا من علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وتميم الدارمي وسلمان الفارسي) وهذا القول مردود بأن السورة مكية، وهؤلاء أسلموا بالمدينة. وأن شئت زيادة توضيح فلاحظ أقوال المفسرين في ذيل الآية: قال أبو حيان الاندلسي في تفسيره: (والجمهور على أنها مكية (1). وقال الطبري في تفسيره: (عن أبي بشر قال: قلت لسعيد بن جبير ومن عنده علم الكتاب أهو عبد الله بن سلام ؟ قال: هذه السورة مكية فكيف يكون عبد الله بن سلام ؟ (2). وقال القرطبي في تفسيره: (قال ابن جبير: السورة مكية وابن سلام أسلم بالمدينة بعد هذه السورة، فلا يجوز أن تحمل هذه الاية على ابن سلام (3). وقال الالوسي في تفسيره: (واجيب عن شبهة ابن جبير بأنهم قد يقولون: إن السورة مكية وبعض آياتها مدنية، فلتكن هذه من ذلك. وأنت تعلم أنه لابد لهذا من نقل. وفي البحر: أن ما ذكر (يعنى كون الاية في شأن ابن سلام) لا يستقيم إلا أن تكون هذه الاية مدنية والجمهور على أنها مكية ؟. والشعبي أنكر أن يكون


(1) - أبو حيان: البحر المحيط، ج 9: ص 401. (2) - الطبري: جامع البيان، ج: ص 104. (3) - الجامع الاحكام القرآن ج 9 ص 336.

[259]

شئ من القرآن نزل فيه (1). وقال الفخر الرازي في تفسيره: (إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع كونهما غير معصومين من الكذب لا يجوز، وهذا السؤال واقع (2). إن قلت: ما تقول في الاية التي تصرح على أن أحدا من بنى إسرائيل شهد على صحة الرسالة والنبوة وهي قوله تعالى في سورة الأحقاف (الاية 10): قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن و استكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ؟ قلنا: وإن قال بعض المفسرين إن الشاهد هو عبد الله بن سلام، إلا أن هذا القول مردود لأن سورة الأحقاف كلها مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة. وقال الطبري في تفسيره: (قوله: و شهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، وهو موسى بن عمران عليه السلام، على مثله يعني على مثل القرآن، قالوا: ومثل القرآن الذي شهد عليه موسى بالتصديق التوراة). وقال أيضا: (سئل داود عن قوله قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به - الاية، قال داود: قال عامر: قال مسروق: والله، ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد صلى الله عليه واله وسلم بها قومه. قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليه واله وسلم فآمنوا بالتوراة وبرسولهم وكفرتم (3). أقول: وبالجملة لا شاهد لتفسيره بعبدالله بن سلام، بل الشاهد موجود على خلافه وهو نزول السورة بمكة، وتوهم أن السورة مكية إلا هذه الاية استنباط من القائل، لأن العقل يستقل بقبح الأحتجاج بما لاحجية له، فكيف يحتج الله تعالى


(1) - الالوسي: روح المعاني، ج 13: ص 158. (2) - الفخر: التفسير الكبير، ج 19: ص 70. (3) - الطبري: جامع البيان، ج 26: ص 6.

[260]

شأنه بما لا يكون حجة ويجعلها حجة وكافية قاطعة للخصومة. وقال بعضهم: (إن كون الاية مكية لا ينافي أن يكون الكلام إخبارا عما سيشهد به)، وفيه أي معنى لأن يحتج على قوم يقولون: لست مرسلا، بأن يقال لهم: صدقوه اليوم لأن بعض علماء أهل الكتاب سوف يشهدون عليه. إن قلت: ذكر بعضهم أن المراد بالموصول هو الله عزوجل فكأنه قيل: كفى بالله الذي عنده علم الكتاب شهيدا. يقال: هذا من عطف الذات وهو الموصول مع صفته (علم الكتاب) إلى نفس الذات وهو الله تعالى، وهذا قبيح غير جائز، ومضافا إلى ذلك أن هذا القول مناف لأخبار كثيرة تقول: إن المراد من الموصول في (ومن عنده علم الكتاب) هو أمير المؤمنين عليه السلام. فقد اتضح مما ذكرناه أن الاية لا ينطبق على أحد من علماء اليهود كعبد الله بن سلام ونظرائه وإخوانه، لأن هؤلاء أسلموا بعد الهجرة والحال أن السورة مكية باتفاق الجمهور، فأذا لم يصدق الموصول على عبد الله بن سلام وأمثاله ثبت صدقه على أمير المؤمنين عليه السلام لأن الأقوال لا يزيد عن أربعة، فإذا بطل ثلاثة ثبت الرابع بلا ريب. وأما المراد من الصلة (علم الكتاب)، فقال بعضهم: هو التوراة والانجيل، و هذا قول من قال: إن المراد من (من) الموصول علماء أهل الكتاب، وقد علمت أن السورة مكية وأن علماء اليهود والنصارى أسلموا في المدينة. وقال بعضهم: هي التوراة بالخصوص وهو كما ترى كسابقه. وقال بعضهم: هو اللوح المحفوظ. و هذا قول من اعتقد أن المراد من الموصول هو الله تعالى، وقد علمت أنه من قبيل عطف الذات مع صفته إلى الذات وهو غير جائز. وقال بعضهم: إن المراد بها هي القرآن يعني من تحمل هذا الكتاب وتحقق بعلمه واختص به ويعلم تأويله و تنزيله، وظهره وبطنه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابه، ومطلقه ومقيده،

[261]

ومجمله ومبينه. إن قلت: من أين هذا العموم والأستغراق ؟ قلت: إضافة العلم إلى الكتاب تفيد العموم، فيكون المراد العلم بكل الكتاب الذي لم يفرط فيه من شئ، ولا رطب ولا يابس إلا فيه وهذا ملازم لكمال العصمة وتمام القدس. أخى العزيز ! إن العلم بظهر الكتاب وبطنه لا يحصل بالأكتساب وإنما هو موهبة جليلة لا يليق بها إلا من اجتمعت فيه الفضائل الكريمة منها العصمة و الطهارة يؤتيها الله من يشاء حسب مراتب استعداده، ولذا اختلف نصيب الأنبياء في العلم والكمال، فمنهم من اوتي حرفا واحدا، ومنهم اوتي حرفين أو ثلاثة أو أزيد، ولم يؤت الجميع أحد من الأنبياء وأوصيائهم عليه السلام إلا نبينا وأوصياؤه - صلى الله عليهم أجمعين -. ولم يكن منع الجميع من بخل من المبدأ الفياض - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - بل من جهة عدم استعدادهم له - وهذا يدل على ارتفاعهم: درجات الكمال ظاهرها وباطنها وأولها إلى آخرها ألف ألف مرة بحيث لا يتصور فوقها درجة ومرتبة، (فبلغ الله بكم أشرف محل المكرمين، و أعلى منازل المقربين، وأرفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إرادكه طامع (1). فعلى هذا إن الاية الكريمة تدل على أن علم الكتاب كله عند مولانا أمير المؤمنين والأئمة المعصومين من ذريته - سلام الله عليهم أجمعين -، وأيضا تدل على أنهم أعلم وأفضل من أولي العزم من الأنبياء: لأن علومهم محدودة و ليس عندهم علم الكتاب كله. والشاهد على ذلك آيات وروايات، ومن الايات التي تصرح بذلك هي الاية التي جاءت في شأن سليمان بن داود ووزيره و وصيه عليهما السلام وهي قوله تعالى: قال يا أيها الملاء أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني


(1) - الزيارة الجامعة الكبيرة.

[262]

مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلونئ أشكر أم أكفر ومن شكر فأنما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم * (1) والمراد من الموصول (الذي) آصف بن برخيا، وزير سليمان عليه السلام كما يظهر من الروايات، وعنده علم بعض الكتاب لاكله، كما هو واضح من كلمة (من) البعضية، سواء كان المراد من الكتاب اللوح المحفوظ أو جنس الكتب المنزلة أو كتاب سليمان. فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن هذه الاية الذي عنده علم من الكتاب قال: ذاك وزير أخي سليمان بن داود عليهما السلام وسألته عن قول الله عزوجل: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال صلى الله عليه واله وسلم: ذاك أخي علي بن أبي طالب عليه السلام (2). وعن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل: (فأيما أكرم على الله نبيكم، أم سليمان عليه السلام ؟ فقالوا: بل نبينا أكرم يا أمير المؤمنين. قال: فوصي نبيكم أكرم من وصي سليمان عليه السلام، وإنما كان عند وصي سليمان من اسم الله الأعظم حرف واحد سأل الله - جل اسمه - فخسف له الأرض ما بينه وبين سرير بلقيس فتناوله في أقل من طرف العين، وعندنا من اسم الله الأعظم اثنان وسبعون حرفا، وحرف عند الله تعالى استأثر به دون خلقه. فقالوا: يا أمير المؤمنين ! فإذا كان هذا عندك فما حاجتك إلى الأنصار في قتال معاوية وغيره واستنفارك الناس إلى حربه ثانية ؟ فقال عليه السلام: بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * (3) إنما أدعو


(1) - النمل، 27: 40 - 38. (2) - القندوزي: ينابيع المودة، الباب 30: ص 103. (3) - الانبياء، 21: 26 و 27.

[263]

هؤلاء القوم إلى قتاله ليثبت الحجة وكمال المحنة (1). وسئل الصادق عليه السلام عن الذي علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب. فقال عليه السلام: (ما كان الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر (2). وعن عبد الله بن الوليد السمان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (ما يقول الناس في اولي العزم وصاحبكم أمير المؤمنين عليه السلام ؟ قال: قلت: ما يقدمون على اولي العزم أحدا. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى قال لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الاءلواح من كل شئ موعظة (3) ولم يقل: كل شئ، وقال لعيسى عليه السلام: ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه (4) ولم يقل: كل شئ، وقال لصاحبكم أمير المؤمنين عليه السلام: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (5) وقال الله عزوجل: ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (6)، وعلم هذا الكتاب عنده عليه السلام (7). وعنه قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (أي شئ تقول الشيعة في عيسى وموسى و أمير المؤمنين: ؟ قلت: يقولون: إن عيسى وموسى أفضل من أمير المؤمنين عليه السلام. فقال عليه السلام: أتزعمون أن أمير المؤمنين عليه السلام قد علم ما علم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قلت: نعم، ولكن لا تقدمون على أولى العزم أحدا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فخاصمهم بكتاب الله، قلت: وفي أي موضع منه اخاصمهم ؟...) فذكر عليه السلام عين ما تقدم (8).


(1) - البحراني: تفسير البرهان، ج 3: ص 205. (2) - الفيض القاساني: تفسير الصافى / ذيل الاية. (3) - الاعراف، 7: 145. (4) - الزخرف، 43: 63. (5) - الرعد، 13: 43. (6) - الانعام، 6: 59. (7) - الحويزي: تفسير نور الثقلين، ج 2: ص 68. (8) - المصدر.

[264]

الفصل 4 3 - آية المباهلة: ومن الايات التي تدل على أفضلية المرتضى عليه السلام من جميع الأنبياء - سوى نبينا صلى الله عليه واله وسلم - قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم و أنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (1) الف) معنى الاية: فمن حاجك في شأن عيسى عليه السلام بعد ما قصصت عليك من خبره وجلية أمره فقل لهم: أقبلوا وليدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه وأنفسه للمباهلة، فنجعل لعنة الله على الذين يفترون. ب) شأن نزول الاية: من المسائل التى كادت تعد في الضروريات الأولية نزول آية المباهلة في حق أهل الكساء، والخمسة النجباء: حتى إن كثيرا من المحدثين والمفسرين و


(1) - آل عمران، 3: 61.

[265]

المؤرخين والمتكلمين ذكروه في كتبهم وأرسلوه إرسال المسلمات، بل ذهب جل أهل القبلة على أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يدع للمباهلة من النساء سوى بضعته الزهراء عليها السلام، ومن الأبناء سوى سبطيه وريحانتيه من الدنيا الحسن والحسين عليهما السلام، ومن الأنفس إلا أخاه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى عليه السلام، فهؤلاء أصحاب هذه الاية. وقد ذكر نزول الاية فيهم: كثير من علماء العامة، وإليك ذكر بعضها: 1 - قال محمد بن جرير الطبري في تفسيره: (غدا النبي صلى الله عليه واله وسلم محتضنا حسينا آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه - صلوات الله عليهم أجمعين (1). 2 - وأخرج الحاكم في (المستدرك) وصححه وابو نعيم في (الدلائل) عن جابر الأنصاري، قال: (قدم على النبي صلى الله عليه واله وسلم العاقب والسيد فدعاهما إلى الأسلام - إلى أن قال: - فدعاهما إلى الملاعنة فوعداه، فغدا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه - إلى أن قال: - (أنفسنا وأنفسكم) رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي، و (أبناءنا) الحسن والحسين و (نساءنا) فاطمة (2). 3 - قال جار الله محمود الزمخشري في تفسيره: (فأتوا (يعني نصارى نجران) رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد غدا محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلى خلفها وهو يقول: إذ أنا دعوت فأمنوا، فقال اسقف نجران: يا معشر النصارى ! إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا - إلى أن قال: - وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام (3) - الخ).


(1) - الطبري: جامع البيان، ج 3: ص 299. وحضور علي عليه السلام للمباهلة سقط فط هذا الخبر تصحيفا أو تحريفا (م). (2) - السيوطي: الدر المنثور، ج 2: ص 38. (3) - الزمخشري: تفسير الكشاف، ج 1: ص 434.

[266]

4 - قال فخر الدين الرازي في تفسيره: (إنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران ثم إنهم أصروا على جهلهم فقال عليه السلام: إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم ! بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك. فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذارأيهم -: يا عبدالمسيح ! ما ترى ؟ فقال: والله، لقد عرفتم، يا معشر النصارى ! أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم - إلى أن قال: - وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خرج وعليه مرط (1) من شعر أسود، وكان قد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي - رضي الله عنه - خلفها، وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا، فقال اسقف نجران: يا معشر النصارى ! إنى لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة). وقال في آخر كلامه: (وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود فجاء الحسن - رضي الله عنه - فأدخله، ثم جاء الحسين - رضي الله عنه - فادخله ثم فاطمة، ثم علي - رضي الله عنهما -، ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث (2). 5 - قال القرطبي في تفسيره: (أبناءنا) دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء، و ذلك أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها و هو يقول لهم: إن أنا دعوت فأمنوا (3). 6 - قال سبط ابن الجوزي: (لما نزل قوله تعالى: ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين: وقال: اللهم هؤلاء أهلي (4)


(1) - المرط - بالكسر -: كل ثوب غير محيط. (2) - الرازي: التفسير الكبير، ج 8: ص 85. (3) - القرطبي: الجامع الأحكام القرآن، ج 4: ص 104. (4) - ابن الجوزي: تذكرة الخواص، ص 18.

[267]

7 - قال أبو حيان الاندلسي: (لما نزلت هذه الاية: قل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي (1). 8 - قال الحافظ أحمد بن حنبل في مسنده. (ولما نزلت هذه الاية: ندع أبناءنا و أبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا - رضوان الله عليهم اجمعين - فقال: اللهم هؤلاء أهلى (2). 9 - قال الحافظ الكنجي الشافعي: (لما نزلت هذه الاية: ندع أبناءنا و أبناءكم... دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلى (3). أقول: هذه الأقوال التي ذكرناها في شأن نزول الاية قطرة من البحر ذرة من القفر، فإن شئت الزيادة فراجع (إحقاق الحق (4). وجدير بنا أن ننقل ههنا التشقيق الذي يحتمل في الاية وهو ما قاله المحقق البارع، الشيخ محمد تقي الفلسفي - صانه الله من حوادث الدهر وسوء الزمان -: (إن مباهلة وملاعنة أهل الكساء و الخمسة النجباء - صلوات الله عليهم أجمعين - مع نصارى نجران لا تخلو عن أربعة وجوه في العقل والتصور: الاول: أن تستجاب مباهلة كل واحد من الطرفين، فتكون هذه سببا لاستيصالهما وهلاكة كل واحد منهما. الثاني: أن لا تستجاب مباهلة كل من الخصمين كليهما، فيكون هذا سببا لسقوطهما عن أعين الناس لا سيما إذا كان المباهلون من ولاة الأمر والدعاة إلى الدين كما فيما نحن فيه.


(1) - البحر المحيط، ج 2: ص 479. (2) - منذ احمد، ج 1: ص 185. (3) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 32: ص 142. (4) - قاضي نور الله التستري: إحقاق الحق / مع تعاليق آية الله السيد المرعشي، ج 3: صص 79 - 46.

[268]

الثالث: أن تستجاب مباهلة أهل نجران فتكون سببا لوقوع العذاب على مخالفهم. الرابع: أن تستجاب مباهلة وملاعنة أهل البيت - صلوات الله عليهم أجمعين - فتكون سببا لهلاكة خصمهم. فالغالب من هذه الأحتمالات يمنع كل واحد من الخصمين عن الأقدام على المباهلة لأن فيه الأطمينان مظنة الهلكة والاستيصال والعذاب. فإذا اتضح هذا يعلم منه أن الخمسة الطيبة: كانوا في أعلى درجات اليقين و الاطميان، فلو كان في نفوسهم الشريفة - العياذ بالله - قلق، أو اضطراب، أو وسوسة في الأجابة وعدمها لم يقدموا أبدا على المباهلة، لأن في إقدامهم: فيها إما احتمال الهلكة والنقمة والعذاب أو سقوط منزلتهم وهيبتهم عن أعين الناس. و لهذه الوساوس والشك والريب امتنع أهل نجران وانصرفوا لم يجرؤوا على المباهلة، وبعد إنصرافهم عن الملاعنة والمباهلة قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذى نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة و خنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطيور على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا (1). ولعل هذا المعنى، أعني عدم الخطور النفسانية والوساوس في نفوسهم الشريفة وتعميم المباهلة والملاعنة بين النبي صلى الله عليه واله وسلم وعلي وفاطمة والحسن و الحسين - صلوات الله عليهم أجمعين - وبين نصارى نجران يستفاد من نفس الاية الكريمة إذا أمعنت النظر فيها. قال العلامة الطباطبائى،: (وههنا نكتة أخرى وهى أن في تذكيره صلى الله عليه واله وسلم بالعلم تطييبا لنفسه الشريفة أنه غالب بإذن الله وأن ربه ناصره وغير خاذله البتة). قال أيضا: (والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظاهر كالمحاجة بين


(1) - تفسير أبي السعود، ج 2: ص 47.

[269]

رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وبين رجال النصارى لكن عمت الدعوة للأبناء والنساء ليكون أدل على اطمينان الداعي بصدق دعواه وكونه على الحق لما أودعه الله سبحانه في قلب الأنسان من محبتهم والشفقة عليهم فتراه يقيهم بنفسه ويركب الأهوال و المخاطرات دونهم وفي سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذب عنهم، ولذلك بعينه قدم الأبناء على النساء لأن محبة الأنسان بالنسبة إليهم أشد وأدوم). وقال أيضا: (وقوله عزوجل: فنجعل لعنة الله كالبيان للابتهال، وقد قيل: فنجعل، ولم يقل: فنسأل، إشارة إلى كونها دعوة غير مردودة حيث يمتاز بها الحق من الباطل). وقال أيضا: (قوله عزوجل: الكاذبين مسوق سوق العهد، دون الأستغراق أو الجنس، إذ ليس المراد جعل اللعنة علي كل كاذب أو على جنس الكاذب، بل على الكاذبين الواقعين في أحد طرفي المحاجة الواقعة بينه صلى الله عليه واله وسلم وبين النصارى، حيث قال صلى الله عليه واله وسلم: إن الله لا إله غيره وإن عيسى عبده ورسوله، وقالوا: إن عيسى هو الله، أو إنه ابن الله، أو إن الله ثالث ثلاثة. وعلى هذا، فمن الواضح أن لو كانت الدعوى والمباهلة عليها بين النبي صلى الله عليه واله وسلم وبين النصارى، أعني كون أحد الطرفين مفردا والطرف الاخر جمعا كان من الواجب التعبير عنه بلفظ يقبل الأنطباق على المفرد والجمع معا كقولنا: فنجعل لعنة الله على من كان كاذبا. فالكلام يدل على تحقق كاذبين بوصف الجمع في أحد طرفي المحاجة والمباهلة على أي حال إما في جانب النبي صلى الله عليه واله وسلم وإما في جانب النصارى، وهذا يعطى أن يكون الحاضرون للمباهلة شركاء في الدعوى فإن الكذب لا يكون إلا في الدعوى، فلمن حضر مع رسول الله صلى الله هليه واله وسلم، وهم على وفاطمة والحسنان عليهما السلام شركة في الدعوى والدعوة مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهذا من أفضل المناقب التي خص الله به أهل بيت نبيه: كما خصهم باسم الانفس والنساء والأبناء لرسوله صلى الله عليه واله وسلم من بين رجال الامة و

[270]

نسائهم وأبنائهم (1). وقال المراغي في تفسيره: (وفي تقديم هؤلاء (أي الأبناء والنساء) على الانفس في المباهلة مع أن الرجل يخاطر بنفسه لهم إيذان بكمال أمنه صلى الله عليه واله وسلم وتمام ثقته بأمره وقوة يقينه وبأنهم لن يصيبهم في ذلك مكروه (2). وقال الزمخشري: (فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء ؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك... وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وربما فداهم الرجل بنفسه حارب دونهم حتى يقتل... وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على مكانتهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس (3). وقال العلامة، السيد شرف الدين،: (وهناك نكتة يعرف كنهها علماء البلاغة، ويقدر قدرها الراسخون في العلم العارفون بأسرار القرآن، وهي أن الاية الكريمة ظاهرة في عموم الأبناء والنساء والأنفس كما يشهد به علماء البيان ولا يجهله أحد ممن عرف أن الجمع المضاف حقيقة في الأستغراق، وإنما اطلقت هذه العمومات عليهم بالخصوص تبيانا لكونهم ممثلى الاسلام، وإعلانا لكونهم أكمل الأنام، وأذانا بكونهم صفوة العالم، وبرهانا على أنهم خيرة الخيرة من بنى آدم، و تنبيها ألى أن فيهم من الروحانية الاسلامية والاخلاص لله في العبودية ما ليس في جميع البرية، وأن دعوتهم إلى المباهلة بحكم دعوة الجميع، وحضورهم خاصة فيها منزل منزلة حضور الامة عامة، وتأمينهم على دعائه مغن عن تأمين من


(1) - الطباطبايي: الميزان، ج 3: ص 223 الى 225. (2) - المراغي النيسابوري: تفسير المراغي، ج 3: ص 174. (3) - الزمخشري: الكشاف، ج 1: ص 434.

[271]

عداهم، وبهذا جاز التجوز بإطلاق تلك العمومات عليهم بالخصوص. ومن غاص على أسرار الكتاب الحكيم وتدبره ووقف على أغرانه يعلم أن إطلاق هذه العمومات عليهم بالخصوص إنما هو على حد قول القائل: ليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد - إلى أن قال: -: (بقيت نكتة يجب التنبه لها، وحاصلها: أن اختصاص الزهراء من النساء والمرتضى من الأنفس مع عدم الاكتفاء بأحد السبطين من الأبناء دليل على ما ذكرناه من تفضيلهم عليه السلام لأن عليا وفاطمة لما لم يكن لهما نظير في الأنفس و النساء كان وجودهما مغنيا عن وجود من سواهما بخلاف كل من السبطين فإن وجود أحدهما لا يغني عن وجود الاخر لتكافئهما، ولذا دعاهما صلى الله عليه واله وسلم جميعا و لودعا أحدهما دون صنوه كان ترجيحا بلا مرجح وهذا ينافي الحكمة والعدل، نعم لو كان ثمة في الأبناء من يساويهما لدعاه معهما كما أنه لو كان لعلي نظير من الأنفس أو لفاطمة من النسأء لما حاباهما، عملا بقاعدة الحكمة والعدل و المساواة (1). أفضلية على عليه السلام المستفادة من الاية: وأدل الدلائل على أفضلية علي بن أبي طالب عليه السلام من جميع البشر والأنبياء عليه السلام سوى نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم قوله تعالى (أنفسنا) في الاية الشريفة، إذا المراد من (أنفسنا) كما ظهر من الروايات وأقوال المؤرخين ولا المحدثين هو نفس علي عليه السلام. قال محمد بن طلحة الشافعي: (فانظر بنور بصيرتك - أيدك الله بهدايتها - إلى مدلول هذه الاية (آية المباهلة) وترتيب مراتب عباراتها وكيفية إشاراتها إلى علو مقام فاطمة - عليها السلام - في منازل الشرف وسمو درجتها، وقد بين ذلك صلى الله عليه واله وسلم وجعلها


(1) - الشرف الدين: الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء 3، ص 3.

[272]

بينه وبين علي عليهما السلام تنبيها على سر الآية وحكمتها فإن الله عزوجل جعلها مكتنفة من بين يديها ومن خلفها ليظهر بذلك الاعتناء بمكانتها. وحيث كان المراد من قوله (وأنفسنا) نفس علي مع النبي جعلها بينهما إذا الحراسة بالاحاطة بالأنفس أبلغ منها بالأبناء في دلالتها (1). وقال أحمد بن حجر الهيتمي: (أخرج الدار قطني أن عليا يوم الشورى احتج على أهلها فقال لهم: أنشدكم بالله، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الرحم مني، ومن جعله صلى الله عليه واله وسلم نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري ؟ قالوا: اللهم لا، - الحديث (2). وقال الفخر الرازي في تفسيره: (المسألة الخامسة: كان في الري رجل يقال له: محمود بن الحسن الحمصي، وكان معلم الاثني عشرية، وكان يزعم أن عليا - رضي الله عنه - أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه واله وسلم، قال: والذي يدل عليه قوله تعالى: (ؤ أنفسنا وأنفسكم)، وليس المراد بقوله (أنفسنا) نفس محمد صلى الله عليه واله وسلم لأن الانسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فدلت الاية على أن نفس علي هي نفس محمد صلى الله عليه واله وسلم، ولا يمكن أن يكون المراد منه أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه. ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمدا عليه السلام كان نبيا و ما كان علي كذلك. ولانعقاد الأجماع على أن محمد عليه السلام كان أفضل من علي - رضي الله عنه - فيبقى فيما وراءه معمولا به، ثم الأجماع دل على أن محمد عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء: فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء. فهذا وجه


(1) - ابن طلحة: مطالب السؤول، ص 7، ط ايران. (2) - ابن حجر: الصواعق المحرقة، ص 157.

[273]

الاستدلال بظاهر هذه الاية (1). ثم قال (أي الحمصي): ويؤيد الأستدلال بهذه الاية الحديث المقبول عند الموافق والمخالف وهو قوله عليه السلام: (من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -) فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم، و ذلك يدل على أن عليا - رضي الله عنه - أفضل من جميع الأنبياء، سوى نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم، و أما سائر الشيعة فقد كانوا قديما وحديثا يستدلون بهذه الاية على أن عليا - رضي الله عنه - مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل، وكان نفس محمد أفضل من الصحابة فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضا من سائر الصحابة). ثم قال الفخر الرازي: (والجواب أنه كما انعقد الأجماع بين المسلمين على أن محمد صلى الله عليه واله وسلم أفضل من علي فكذلك انعقد الأجماع بينهم قبل ظهور هذا الانسان على أن النبي أفضل ممن ليس بنبى، وأجمعوا على أن عليا - رضي الله عنه - ما كان نبيا، فلزم القطع بأن ظاهر الاية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه واله وسلم فكذلك مخصوص في حق الأنبياء عليهم السلام (2). أقول: لما لاحظت كلام الرازي فأمعن النظر في كلام العلامة المجاهد، الشيخ محمد الحسن المظفر، حول كلامه، قال: (ويستفاد من الرازي في تفسير الاية تسليم دلالتها على أفضليته من الصحابة لأنه نقل عن الشيخ محمود بن الحسن الحمصي أنه استدل بجعل علي عليه السلام نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم على كونه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد لأن النبي أفضل منهم وعلي نفسه، ونقل عن الشيعة قديما و حديثا الاستدلال بذلك على فضل على على جميع الصحابة، وما أجاب الرازي


(1) - أوردناه بالنقل بالمعنى. (2) - الرازي: التفسير الكبير، ج 8: ص 86.

[274]

إلا عن الأول بدعوى الأجماع على أن الأنبياء أفضل من غيرهم قبل ظهور الشيخ محمود. وفيه: أن الأجماع إنما هو على فضل صنف الأنبياء على غيره من الأصناف وفضل كل نبي على جميع امته لافضل شخص من الأنبياء على كل من عداهم حتى لو كان من امم غيرهم. - إلى أن قال: - ولم يختص تفضيل أمير المؤمنين على من عدا محمد صلى الله عليه واله وسلم من الأنبياء بالشيخ محمود حتى ينافي ما ادعاه الرازي من الأجماع بل قال به الشيعة قبل وجود الشيخ محمود وبعده مستدلين بالاية الكريمة وغيرها من الايات (1). وقال السماحة الحجة، العلامة المجاهد، السيد شرف الدين رحمه الله بعد نقل كلام الرازي: (وأمعن النظر تجده قد أوضح دلالة الاية على ذلك غاية الأيضاح ونادى (من حيث لا يقصد) حي على الفلاح، لم يعارض الشيعة فيما نقله عن قديمهم و حديثهم ولاناقشهم فيه بكلمة واحدة فكأنه أذعن لقولهم واعترف بدلالة الاية على رأيهم، وإنما ناقش المحمود بن الحسن كما لا يخفى، على أن الاجماع الذي صال به الرازي على المحمود لا يعرفه المحمود ومن يرى رأيه، فافهم (2). وقال العلامة السبيتي، مؤلف (راية الحق) في كتابه القيم (المباهلة) بعد نقل كلام الرازي بتمامه: (والقارئ يلاحظ معنا أنه لم يناقش في دلالة الاية على أفضلية علي عليه السلام على سائر الصحابة، ويلاحظ أيضا أنه لم يناقش في اتفاق المسلمين على صحة الخبر الدال على أن ما تفرق من الصفات في الأنبياء عليهم السلام قد اجتمعت جميعا في شخص علي عليه السلام، وهذا يتضح من جوابه على دعوى ابن الحسن الحمصي أن عليا أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه واله وسلم، وكذلك لم يرد على الشيعة ما استفادوه من دلالة الاية الكريمة على أفضلية علي عليه السلام، وكل


(1) - المظفر، الشيخ محمد حسن: دلائل الصدق، ج 2: ص 86. (2) - الشرف الدين: الكلمة الغراء، ص 5.

[275]

ما في الأمر أنه ناقش ابن الحسن الحمصي فيما ادعاه من الاجماع بإجماع ادعاه هو نفسه وفرضه على المسلمين فرضا. ولمحمود الحمصي أن يقول: إن إجماعا يخرج منه النخبة الممتازة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ويخرج منه الهاشميون جميعا ويخرج منه الشيعة ليس بإجماع على كل تفسير يفسر به الفخر الرازي الاجماع، ولا يقام لهذا الاجماع وزن بين الاجماعات التي يدعيها المسلمون. و غير جائز في العقل أن يكون إجماع ونصف المسلمين على التقريب يقولون بأفضلية علي عليه السلام على سائر الأنبياء. ثم يعود محمود بن الحسن الحمصي فيقول: إن المسلمين والنخبة الممتازة من صحب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أجمعوا قبل أن يخلق الله هذا الانسان (أعني الفخر الرازي) ومن على رأيه على أن عليا عليه السلام أفضل من خلق الله باستثناء محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. ويبدو لنا أن هذا صحيح من وجهة الأمر الواقع، وأن هذا الاجماع هو الاجماع الصحيح المعتبر الذي يصح أن يحتج به المسلمون إذا راجعنا إلى شروط حجية الاجماع وإمكان تحققه ووقوعه (1). كلام مزيف من صاحب المنار حول الاية: قال في (تفسير المنار): (الرويات متفقة على أن النبي صلى الله عليه واله وسلم اختار للمباهلة عليا وفاطمة وولديهما، ويحملون كلمة (نساءنا) على فاطمة، وكلمة (أنفسنا) على علي فقط. ومصادر هذه الروايات الشيعة ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الاية، فإن كلمة (نساءنا) لا يقولها العربي ويريد بها بنته لاسيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم. وأبعد من ذلك أن يراد (أنفسنا)


(1) - السبيتي: المباهلة، ص 101، ط مكتبة النجاح.

[276]

علي - عليه الرضوان - (1). أقول: ما أقول في رجل اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه ؟ لست أدري ما يريد بقوله (إن مصادر هذه الروايات الشيعة) فإن إمامهم الرازي ادعى الاتفاق على صحتها، وهو مع أنه إمام المشككين يقول في تفسيره: (لما خرج صلى الله عليه واله وسلم في المرط الأسود فجاء الحسن - رضي الله عنه - فأدخله، ثم جاء الحسين - رضي الله عنه - فأدخله، ثم فاطمة ثم علي - رضي الله عنهما - ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث (2). وروى ابن طاووس، في كتابه القيم (سعد السعود) حديث المباهلة من كتاب (تفسير ما نزل من القرآن في النبي وأهل بيته) لمحمد بن العباس بن مروان، المعروف بابن الحجام (أو ابن الماهيار) من أحد وخمسين طريقا. قال رحمه الله: (وفي آية المباهلة بمولانا علي وفاطمة والحسن والحسين - صلوات الله عليهم أجمعين - لنصارى نجران، رواه من أحد وخمسين طريقا عمن سماه من الصحابة وغيرهم، رواه عن: 1 - أبي الطفيل عامر بن واثلة 2 - وعن جرير بن عبد الله السجستاني 3 - و عن أبي قيس المدني 4 - وعن أبي إدريس المدني 5 - وعن الحسن بن مولانا علي 6 - وعن عثمان بن عفان 7 - وعن سعد بن أبي وقاص 8 - وعن بكربن مسمار (سمال) 9 - وعن طلحة ابن عبد الله 10 - وعن الزبيربن العوام 11 - وعن عبد الرحمن بن عوف 12 - وعن عبد الله بن عباس 13 - وعن ابي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم 14 - وعن Lابر بن عبد الله 15 - وعن البراء بن عازب 16 - وعن انس بن مالك 17 - وعن المنكدر بن عبد الله عن أبيه 18 - وعن علي بن الحسين عليهما السلام


(1) - محمد رشيد رضا: المنار، ج 3: ص 322. (2) - الرازي: التفسير الكبير، ج 8: ص 84.

[277]

19 - وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام 20 - وعن أبي عبد الله جعفر ابن محمد الصادق عليهما السلام 21 - وعن الحسن البصري 22 - وعن قتادة 23 - وعن علباء بن أحمر 24 - وعن عامر بن شراحيل الشعبي 25 - وعن يحيى بن نعمان 26 - وعن مجاهد بن حمر الكمي 27 - وعن شهر بن حوشب. ونحن نذكر حديثا واحدا - إلى أن قال: - فلما كان من غد غدا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بيمينه علي، وبيساره الحسن والحسين، ومن ورائهم فاطمة، عليهم الحلل، وعلى كتف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كساء فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما ونشر الكساء عليهما وأدخلهم تحت الكساء، وأدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء معتمدا على قوسه اليقع (النبع)، ورفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة، وأشرف الناس ينظرون، واصفر لون السيد والعاقب وزلزلا حتى كاد أن يطيش عقولهما، فقال أحدهما لصاحبه: أنباهله ؟ قال: أو ما علمت أنه ما باهل قوم قط نبيا فنشأ صغيرهم وبقي كبيرهم ؟ - الحديث (1). أقول: وأعتقد أن صاحب المنار ما قال هذا الكلام إلا لعناده لأمير المؤمنين عليه السلام - اللهم عامله بما كان عليه -. ومن علامة كراهته لأهل البيت: كلامه في موارد شتى فيهم عليهم السلام، قال (في ج 10: ص 460): (إن أحاديث المهدي لا يصح منها شئ يحتج به، وإنها مع ذلك متعارضة متدافعة، وإن مصدرها نزعة سياسية شيعية معروفة، وللشيعة فيها خرافات مخالفة لاصول الدين (2). وقال أيضا (في ج 3: ص 332): (وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم قال: فجاء بأبي بكر وولده وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولده).


(1) - سعد السعود، ص 91. والحديث طويل، أخذنا منه مورد الحاجة. (2) - الظاهر كونه كلام سيد رشيد رضا لا الشيخ محمد عبده.

[278]

وقال أيضا (في ج 12: ص 53) في تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه (2): (وفي الشاهد روايات اخرى... ومنها أنه علي - رضي الله عنه - يرويه الشيعة ويفسرونه بالأمامة... وقابلهم خصومهم بمثلها فقالوا: إنه أبو بكر). وقال أيضا (في ج 8: ص 426) في تفسير قوله تعالى: فأذن مؤذن أن لعنة الله على الظالمين (2): (ورواية الأمامية عن الرضا عليه السلام وابن عباس أنه علي - كرم الله و جهه - مما لم يثبت من طريق أهل السنة وبعيد عن هذا الأمام أن يكون مؤذنا وهو إذ ذاك في حظائر القدس). وقال أيضا (في ج 8: ص 433) في تفسير قوله تعالى: وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال (3): (اختلف المفسرون فيهم (أي في أهل الأعراف الذين يقومون فيه وينادون الناس على أقوال...) أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين - رضي الله عنه - وهذا القول ذكر الالوسي أن الضحاك رواه عن ابن عباس ولم نره في شئ من كتب التفسير المأثور، والظاهر أنه نقله عن تفاسير الشيعة). أقول: بعد ما لاحظت ما ذكرناه من صاحب (المنار) وعقيدته، وددنا أن نسائل الرجل ونظراءه وإخوانه: لو سلمنا أن مصادر هذه الروايات الشيعة على رأيكم - والحال أن هذه الأحاديث جاءت في صحاحكم ومسانيدكم وتلقاها أهل الحديث والتفسير والتاريخ بالقبول كما شاهدت في كلام الرازي فما جرم الشيعة وما ذنبهم حتى لا يحتج بأحاديثهم ؟ عجبا لقوم يحتجون بأحاديث الخوارج ولا يقبلون أحاديث من اقتدوا بمولاهم وسيدهم، عديل القرآن، نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم علي بن أبي طالب - عليه صلوات الله ألف ألف مرة - ! نعم، إن للشيعة ذنبا عظيما وهو ولاؤهم ومحبتهم لأهل البيت: الذين قرن


(1) - هود، 11: 17. (2) - الاعراف، 7: 43. (3) - الاعراف، 7: 45.

[279]

الله طاعتهم بطاعته، ومعصيتهم بمعصيته، الذين هم أساس الدين، وعماد اليقين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، الذين من تمسك بهم نجا، ومن تخلف عنهم غرق، الذين هم أبواب مدينة علم الرسول، وهم أبواب مدينة الحكمة ومدينة الجنة ومدينة الفقه، والذين هم السبيل الواضح والطريق المهيع. نعم، جرم الشيعة تشيعهم ومحبتهم لأهل بيت النبي عليهم السلام حتى جعل القوم التشيع والمحبة لهم: سببا للجرح والقدح في رواتهم، والبغض والنصب لهم سببا للتعديل والتوثيق، فتعسا لهم وقبحا، فأين تذهبون ؟ وأنى تؤفكون ؟ و الأعلام قائمة، والمنار منصوبة، والايات واضحة، وبينكم عترة نبيكم، هم أزمة الحق، وألسنة الصدق. قال ابن حجر العسقلاني في (هدي الساري) وهو مقدمة (فتح الباري) (ص 231): (فصل في تمييز أسباب الطعن: والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق رافضي وإلا فشيعي). وقال أيضا في (تهذيب التهذيب) (ج 8: ص 458): (فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمر الديانة بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب ولا يتورع في الأخبار. والأصل فيه: أن الناصبة اعتقدوا أن عليا رضي الله عنه قتل عثمان وكان أعان عليه، فكان له ديانة بزعمهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). قال العلامة الحضرموتي، السيد محمد بن عقيل، حول كلام العسقلاني: (لا يخفي أن معنى كلامه هذا أن جميع محبي علي عليه السلام المقدمين له على الشيخين روافض، وأن محبيه المقدمين له على من سوى الشيخين شيعة، وكلا الطائفتين مجروح العدالة، وعلى هذا فجملة كبيرة من الصحابة الكرام كالمقداد وزيد بن أرقم وسلمان وأبي ذر وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وعمار وأبي بن كعب وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف و

[280]

أبي الهيثم وخزيمة بن ثابت وقيس بن سعد وأبي الطفيل عامر بن واثلة والعباس بن عبد المطلب وبنيه وبني هاشم وبني المطلب كافة وكثير غيرهم كلهم روافض لتفضيلهم عليا عليه السلام على الشيخين ومحبتهم له، ويلحق بهم من التابعين وتابعي التابعين من أكابر الأئمة وصفوة الامة من لا يحصى عددهم وفيهم قرناء القرآن، وجرح هؤلاء والله قاصمة الظهر (1). وقال أيضا رحمه الله في رد قول العسقلاني (والاصل فيه أن الناصبة...): (وأقول: يستفاد من عبارته هذه الاعتذار للناصبية - عاملهم الله بعدله - بأن اعتقادهم و تدينهم بما ذكره من بغض من هو نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم مسوغ لهم ذلك. وفساد هذا بديهي لا يشك فيه منصف لأنه لو ساغ أن يكون الاعتذار والتدين بالباطل مما يعذر الله به أحدا لكان اليهود والنصارى واسع العذر في كفرهم وبغضهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لانهم اعتقدوا كذبه وتدينوا به تبعا لأحبارهم ورهبانهم، وبديهي بطلان هذا (2). أيها القارئ ! أحب أن تسير معي حتى ننظر في تراجم رجال من الموالين لاهل البيت عليهم السلام فإنهم - رضوان الله عليهم - نبذوا و قدحوا لتشيعهم ومقتوا لولايتهم، جزاهم الله عن صاحب الولاية خير الجزاء. 1 - ابن عقدة: قال الذهبي (المتوفى 747) وهو من كبار علماء العامة: (ابن عقدة، حافظ العصر والمحدث البحر أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي مولى بني هاشم، وكان نحويا صالحا يلقب بعقده - ثم قال: - وكان إليه المنتهى في قوة الحفظ وكثرة الحديث... ومقت لتشيعة. وعن ابن عقدة، قال: أنا اجيب في


(1) - الحضرموتي: العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، ص 32، ط بيروت. (2) - الحضرموتي: العتب الجميل، ص 55.

[281]

ثمانمائة ألف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم، وعنه قال: احفظ مائة ألف حديث بأسانيدها. أراد ابن عقدة أن ينتقل وكانت كتبه ستمائة حملة (1). 2 - الشيخ المفيد: قال الخطيب في تاريخه: (محمد بن محمد بن النعمان، أبو عبد الله، المعروف ب‍ (ابن المعلم) شيخ الرافضة، صنف كتبا كثيرة في ضلالاتهم والذب عن اعتقاداتهم ومقالاتهم - إلى أن قال: - كان أحد أئمة الضلال، هلك به خلق من الناس إلى أن أراح الله المسلمين منه (2). وقال أيضا: (وبلغني أنه (أي أبو القاسم المعروف ب‍ (ابن النقيب) جلس للتهنئة لما مات ابن المعلم شيخ الرافضة وقال: ما ابالي أي وقت أموت بعد أن شاهدت موت ابن المعلم (3). أقول: هذا نمودج منه وسيأتي الكلام فيه. ومن دسائس المعاندين لأهل البيت: التى دسوها لأبطال كل ما ورد في فضل علي عليه السلام أنهم جعلوا آية تشيع الرواي وعلامة بدعته وروايته فضائل علي عليه السلام، ثم قرروا ما يرويه المبدع فيه تأييدا لبدعته، فهو مردود ولو كان من الثقات. والذي فيه تأييد التشيع عندهم هو ذكر فضل علي عليه السلام، فعلى هذا لا يصح حديث في فضله عليه السلام لأن فيه تأييدا لبدعد الرواي في نظرهم. فإذا وجدت أحاديث متواترة أو كانت في صحاحهم ولم يجدوا طريقا إلى الطعن فيها يميلون إلى مسلك آخر وهو أن يتأولوها ويصرفوا ألفاظ الأحاديث بما يوافق أهواءهم كما ستعرفه عن قريب إن شاء الله تعالى، وها نحن نذكر بعضا


(1) - الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3: ص 58 و 59. (2) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 3: ص 231. (3) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 10: ص 372.

[282]

منها حتى تقف على خبث بواطنهم وعنادهم لال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا سيما سيدنا و مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: 1 - قال ابن حجر العسقلاني: (إسماعيل بن عياش، قال: سمعت حريز ابن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) حق ولكن أخطأ السامع. قلت: فما هو ؟ قال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى (1). 2 - قال الحافظ المحدث، الحسني المغربي (المتوفى سنة 1380): (كان أبو سعد الأستر آبادي يعظ بدمشق، فقام إليه رجل فقال: أيها الشيخ ! ما القول في قول النبي صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ؟ قال: فأطرق لحظة ثم رفع رأسه و قال: نعم، لايعرف هذا الحديث على التمام، إلا من كان صدرا في الأسلام، إنما قال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة العلم، وعلي بابها، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، و عثمان سقفها) فاستحسنوه (2). بل لم يرض النواصب بهذا حتى أدخلوا فيه: (ومعاوية حلقتها) وسلك بعضهم في هذا الحديث مسلكا آخر فقال: ليس المراد به علي بن أبي طالب، بل هو من العلو، كأن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: أنا مدينة العلم وأنا بابها العلي (3) ! قال العلامة المذكور (في ص 109): (ولعمري إنها لدسيسة إبليسية ومكيدة شيطانيه كاد ينسد بها باب الصحيح من فضل العترة النبوية). أقول: فانظر كيف أنكروا الحديث عند الأنفراد بذكر علي عليه السلام وقبلوه إذا ضم إليه أبو بكر ونظراؤه أليس هذا إلا عنادا لسيد الأولياء وزوجه فاطمة الزهراء عليها السلام. 3 - اخرج الحافظ المحدث، الجويني الخراساني: (أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عمم


(1) - الذهبي: تهذيب التهذيب، ج 2: ص 239. (2) - فتح الملك العلى، ص 156. (3) - ابن حجر: لسان الميزان، ج 1: ص 422.

[283]

علي بن أبي طالب عليه السلام عمامته السحاب فأرخاها من بين يديه ومن خلفه، ثم قال: أقبل، فأقبل، ثم قال: أدبر، فأدبر، قال: هكذا جاءتني الملائكة (1). وأخرج - أيضا - عن علي بن أبي طالب عليه السلام: (عممني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدل طرفها على منكبي وقال: إن الله أيدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين بهذه العمامة (2). وقال الحلبي في سيرته: (كان له عمامة تسمى السحاب فوهبها من على، فربما طلع علي فيها فيقول صلى الله عليه واله وسلم، (أتاكم علي في السحاب) يعني عمامته التى وهبها له (3). أقول: هذا هو صحيح ما ينسب إلى الشيعة من قولهم: (جاء علي عليه السلام في السحاب)، لا ما قاله عبد الكريم الشهرستاني في (الملل والنحل): (وهو الذي (يعنى عليا عليه السلام) بجيئ في السحاب والرعد صوته والبرق تبسمة (4). فانظر كيف أول الحديث افتراء علينا. فائدة: قال ابن المنظور في (اللسان) (مادة عمم): (والعرب تقول للرجل إذا سود: قدعمم. وكانوا إذا سو دوا رجلا عمموه. وعمم الرجل: سود، لأن تيجان العرب العمائم، فكلما قيل في العجم: توج، قيل في العرب: عمم). عود الى بدء أقول: أما قوله: (فإن كلمة (نساءنا) لا يقولها العربي ويريد بها بنته لاسيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم، وأبعد من ذلك أن يراد ب‍ (أنفسنا) علي


(1) - الحمويني: فرائد المسطين، ج 11: ص 76 / الباب 12. (2) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 11: ص 76 / الباب 12. (3) - الحلبي: السيرة الحلبية، ج 3: ص 369. (4) - الشهرستاني: الملل والنحل، ص 174، ط القاهرة.

[284]

- رضوان الله عليه - فتلك كلمة واهية لاوزن لها عند أهل التحقيق والدقة. وإني أتعجب من رجل يعد من المفسرين وله تلاميذ يأخذون منه التفسير ومع ذلك يتكلم بكلام ليس له قدر عند أهل الفن، والمظنون عندي جدا هذا كلام تلميذه سيد رشيد رضا الذي كان نصب الشيعة من خصوصياته. وكأن الرجل لم ير ولم يقرأ هذه الاية: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين، يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم (1). يعني إذا تكون ورثة الميت إخوة أبناء وبناتا فللأبناء سهمان وللبنت سهم واحد. ففي هذه الاية اطلقت كلمة النساء على البنات بلا خلاف. وأيضا قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين - الاية (2). فلما ذا يقول: (إن كلمة (نساءنا) لا يقولها العربي ويريد بها بنته) ؟ أليس القرآن بلسان عربي مبين ؟ ! نعم، هو يعلم، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمن لم يجعل الله نورا فماله من نور. وأما قوله: (وأبعد من ذلك أن يراد ب‍ (أنفسنا) علي - عليه رضوان الله -) فلاحظ كلام الواحدي النيشابوري وهو من أعلام القرن الرابع ومن أعاظم علماء العامة، فإنه قال: (قال جابر: فنزلت فيهم (أي في أهل الكساء) هذه الاية: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم - الاية) قال الشعبي: (أبناءنا) الحسن والحسين، و (نساءنا) فاطمة... و (أنفسنا) علي بن أبي طالب رضي الله عنهم (3). وقال ابن حجر الهيثمي المكي: (عن عبد الرحمن بن عوف قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مكة انصرف إلى الطائف فحصرها سبع عشرة ليلة أو تسع عشرة ليلة، ثم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بعترتي خيرا، وإن موعدكم


(1) - النساء، 4: 176. (2) - النساء، 4: 10. (3) - الواحدي: أسباب النزول، ص 68، ط ايران.

[285]

الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن إليكم رجلا مني كنفسي، يضرب أعناقكم. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثم قال: هو هذا (1) وقال الحافظ أخطب خوارزم: (عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لوفد ثقيف حين جاؤوه: لتسلمن أو ليبعثن الله رجلا مني - أو قال: مثل نفسي - (2). وقال: (قلت عائشة: من خير الناس بعدك يا رسول الله ؟ قال: علي بن أبي طالب، هو نفسي وأنا نفسه (3). وقال الحافظ العلامة الكنجي: (... فقالت فاطمة عليه السلام: يا رسول الله ما أراك قلت في علي شيئا ! قال صلى الله عليه واله وسلم: إن عليا نفسي، هل رأيت أحدا يقول في نفسه شيئا ؟ (4) وقال العلامة المجلسي - رحمه الله -: (سئل النبي صلى الله عليه واله وسلم عن بعض أصحابه، فذكر فيه، فقال له قائل: فعلي ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: إنما سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي (5). وقال أيضا: (قال صلى الله عليه واله وسلم (عند المباهلة مع نصارى نجران): اللهم هذا نفسي وهو عندي عدل نفسي، اللهم هذه نسائي أفضل نساء العالمين، وقال: اللهم هذان ولداى وسبطاي، فأنا حرب لمن حاربوا، وسلم لمن سالموا (6). وقال - أيضا - عند ذكر غزوة احد حين انهزم الناس يوم احد وما بقي أحد إلا علي عليه السلام وأبو دجانة سماك بن خرشة: (فدعاه النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا أبا دجانة انصرف


(1) - ابن حجر: الصواعق المحرقة، ص 126. (2) - اخطب خوارزم: المناقب، ص 81. (3) - اخطب خوارزم: المناقب، ص 90. (4) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 71: ص 289. (5) - المجلسي: بحار الانوار، ج 38: ص 296. (6) - المجلسي: البحار، ج 37: ص 49.

[286]

وأنت في حل من بيعتك، فأما على فهو أنا، وأنا هو. فتحول وجلس بين يدي النبي صلى الله عليه واله وسلم وبكى وقال: لا، والله... (1) وقال أيضا: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا ابن أبي طالب ! إنما أنت عضو من أعضائي، تزول أينما زلت (2). وقال العلامة سبط ابن الجوزي في قضية بني وليعة: (عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لينتهين بنو وليعة، أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي، يمضي فيهم أمري، و يقتل المقاتلة، ويسبي الذرية. قال أبو ذر: فما راعني إلا برد كف عمر من خلفي فقال: من تراه يعنى ؟ قال: فقلت: ما يعنيك، وإنما يعني خاصف النعل علي بن أبي طالب). وبنو وليعة قوم من العرب (3). وقال العلامة القندوزي: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: علي مني كنفسي، طاعته طاعتي، ومعصيته معصيتي (4). وقال الحافظ الكنجي: (قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خلق الله قضيبا من أن يخلق الدنيا بأربعين ألف عام، فجعله أمام العرش حتى كان أول مبعثي، فشق منه نصفا، فخلق منه نبيكم، والنصف الاخر علي بن أبي طالب (5). وقال الحافظ محب الدين الطبري: (عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: علي مني بمنزلة رأسي من جسدي (6). وقال العلامة، السيد الشريف الرضي: (ومن سأل عن قوله تعالى: فمن حاجك


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 20: ص 107. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 38: ص 311. (3) - ابن الجوزي: تذكرة الخواص، ص 39. (4) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 55. (5) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 87: ص 314. (6) - المحب الطبري: ذخائر العقبى، ص 63.

[287]

فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا و نساءكم وأنفسنا وأنفسكم - الاية، فقال: أما دعاء الأبناء والنساء فالمعنى فيه ظاهر، فما دعاء الأنفس ؟ والأنسان لا يصح أن يدعو نفسه كما لا يصح أن يأمر و ينهى نفسه. فالجواب عن ذلك: أن العلماء أجمعوا والرواة أطبقوا على أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما قدم عليه وفد نصارى نجران وفيهم الأسقف (وهو أبو حارثة بن علقمة) و السيد والعاقب، وغيرهم من رؤسائهم، فدار بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في معنى المسيح عليه السلام ما هو مشروح في كتب التفاسير (ولا حاجة بنا إلى استقصاء شرحه لأنه خارج عن غرضنا في هذا الكتاب). فلما دعاهم صلى الله عليه واله وسلم إلى الملاعنة أقعد بين يديه أمير المؤمنين عليا، ومن ورائه فاطمة، وعن يمينه الحسن، وعن يساره الحسين عليهم السلام أجمعين، ودعاهم (هو) صلى الله عليه واله وسلم إلى أن يلاعنوه، فامتنعوا من ذلك خوفا على أنفسهم وإشفاقا من عواقب صدقه وكذبهم. وكان دعاء الأبناء مصروفا إلى الحسن والحسين عليهما السلام، ودعاء النساء مصروفا إلى فاطمة عليها السلام، ودعاء الأنفس مصروفا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، إذ لا أحد في الجماعة يجوز أن يكون ذلك متوجها إليه غيره، لأن دعاء الأنسان نفسه لا يصح كما لا يصح أن يأمر نفسه، ولأجل ذلك قال الفقهاء: إن الامر لا يجوز أن يدخل تحت الامر، لأن من حقه أن يكون فوق المأمور في الرتبة ويستحيل أن يكون فوق نفسه. ومما يوضح ذلك ما رواه الواقدي في كتاب (المغازي) من أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما أقبل من بدر ومعه اسارى المشركين كان سهيل بن عمرو مقرونا إلى ناقة النبي صلى الله عليه واله وسلم، فلما صار من المدينة على أميال انتشط (اجتذب) نفسه من القرن (الحبل) وهرب. فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: من وجد سهيل بن عمرو فليقتله، وافترق القوم في طلبه فوجده النبي صلى الله عليه واله وسلم من بينهم منقبعا إلى جذع شجرة (مستترا في أصل

[288]

الشجرة) فلم يقتله وأعاده إلى الوثاق لأنه لم يصح دخوله تحت أمر نفسه، ولو وجد غيره من أصحابه لوجب عليه أن يقتله لما صح أن يدخل تحت أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم... ومن شجون (شعبة) هذه المسألة ما حكي عن القاسم بن سهل النوشجاني، قال: (كنت بين يدي المأمون في ايران أبي مسلم بمرو وعلي بن موسى الرضا عليه السلام قاعد عن يمينه، فقال لي المأمون: يا قاسم ! أي فضائل صاحبك أفضل ؟ فقلت: ليس شئ منها أفضل من آية المباهلة فإن الله سبحانه جعل نفس رسوله صلى الله عليه واله وسلم ونفس علي عليه السلام واحدة. فقال لى: إن قال لك خصمك: إن الناس قد عرفوا الأبناء في هذه الاية والنساء وهم الحسن والحسين وفاطمة، وأما الأنفس فهي نفس رسول الله وحده، بأى شئ تجيبه ؟) قال النوشجاني: (فأظلم علي ما بينه وبيني وأمسكت لا اهتدى بحجة. فقال المأمون للرضا عليه السلام: ما تقول فيها يا أبا الحسن ؟ فقال له: في هذا شئ لا مذهب عنه. قال: وما هو ؟ قال: هو أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم داع ولذلك قال الله سبحانه: قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم... - الاية، والداعي لا يدعو نفسه إنما يدعو غيره، فلما دعا الأبناء والنساء ولم يصح أن يدعو نفسه لم يصح أن يتوجه دعاء الأنفس إلا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام إذ لم يكن بحضرته - بعد من ذكرناه - غيره ممن يجوز توجه دعاء الا نفس إليه، ولو لم يكن ذلك كذلك لبطل معنى الآية). قال النوشجاني: (فانجلى عن بصري، وأمسك المأمون قليلا ثم قال له: يا أبا الحسن إذا اصيب الصواب انقطع الجواب (1). أقول: هذا آخر كلامنا في البحث عن آية المباهلة فلنعطف إلى البحث عن آية اخرى في أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام.


(1) - حقائق التأويل، ج 5: ص 109.

[289]

الفصل 5 4 - آية الشاهد: ومن الايات الدالة على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام على جميع البشر حتى الأنبياء والرسل: قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة (1) هذه الاية وإن اختلف المفسرون فيها اختلافا عجيبا من حيث المعنى و الأعراب، كاختلافهم في المراد من الموصول أهو النبي صلى الله عليه واله وسلم أو المؤمنون من أصحابه أو من أهل الكتاب أو كل من يدين بالحق في أي زمان، والمراد من البينة أهي بصيرة إلهية أو القرآن، والمراد من (يتلوه) أهو من التلاوة أو من التلو، والمراد من الضمير المنصوب فيه أهو عائد إلى الموصول أو إلى البينة باعتبار المعنى، و المراد من الشاهد هو جبرئيل أو لسان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أو وجهه صلى الله عليه واله وسلم أو علي المرتضى عليه السلام، والمراد من الضمير المجرور في (منه) أهو عائد إلى الله عزوجل أو إلى الرسول صلى الله عليه واله وسلم، والمراد من الضمير المجرور في (قبله) أهو عائد إلى الموصول أو إلى البينة، والمراد من (إماما ورحمة) أهما حالان من الشاهد أو من كتاب


(1) هود 11: 17. (*)

[290]

موسى، حتى قال العلامة الطباطبائي،: (وأمر الاية فيما يحتمله مفردات ألفاظها وضمائرها عجيب، فضرب بعضها في بعض يرقى إلى الوف من المحتملات بعضها صحيح وبعضعها خلافه (1)). إلا أن الاية الكريمة بمعونة الأخبار الكثيرة المستفيضة التي جائت من طريق العامة والخاصة تدل على أن من كان على بينة من ربه هو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وأن الشاهد التالي منه هو علي المرتضى عليه السلام وأنه منه أي كانه بعض من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وجزء منه، بل أوصياؤه الكرام: شهداء منه واحدا بعد واحد. فلاحظ كلام الفخر الرازي ونظرائه من العامة كيف أجرى الله الحقيقة على لسانهم ! قال في تفسيره: (وثالثها (أي من الأقوال) أن المراد هو علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -، والمعنى أنه يتلو تلك البينة. وقوله (منه) أي هذا الشاهد من محمد صلى الله عليه واله وسلم وبعض منه. والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام (2). أقول: فإذا كان عليه السلام بعضا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يكون أفضل من جميع أولي العزم من الرسل:. وقال القرطبي في تفسيره: (روي عن ابن عباس أنه قال: هو علي بن أبي طالب. وروي عن علي أنه قال: ما من رجل من قريش إلا وقد انزلت فيه الاية والايتان، فقال له رجل: أي شئ نزل فيك ؟ فقال علي: ويتلوه شاهد منه (3). وقال الحافظ أبو حيان الاندلسي في تفسيره (4): (وروى المنهال عن عبادة بن عبد الله: قال علي - كرم الله وجهه -: ما في قريش أحد إلا وقد نزلت فيه آية، قيل: فما نزلت فيك ؟ قال عليه السلام: ويتلوه شاهد منه).


(1) - الطباطبايى: الميزان، ج 10: ص 192. (2) - الرازي: التفسير الكبير، ج 17: ص 200. (3) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 9: ص 16. (4) - أبو حيان: البحر المحيط، ج 5: ص 211.

[291]

وقال الالوسي البغدادي في تفسيره: (وأخرج ابن مردويه بوجه آخر عن علي - كرم الله تعالى وجهه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أفمن كان على بينة من ربه) أنا، (و يتلوه شاهد منه) علي. و (يتلوه) أي يتبعه (شاهد) عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه. ومعنى كونه (منه) أنه غير خارج عنه (1). وقال العلامة، الشيخ سليمان الحنفي: (أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي المدني في (درر السمطين) بسنده عن ابي الطفيل عامر بن وائلة وجعفر بن حيان قالا: خطب الحسن بن علي - رضي الله عنهما - بعد شهادة أبيه قال: أيها الناس ! أنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن السراج المنير - إلى أن قال: - فأخرج جدي صلى الله عليه واله وسلم يوم المباهلة من الأنفس أبي، ومن البنين أنا وأخى الحسين، ومن النساء امى فاطمة، فنحن أهله ولحمه ودمه، ونحن منه وهو منا، وهو يأتينا كل يوم عند طلوع الفجر فيقول: الصلاة، يا أهل البيت - يرحمكم الله -، ثم يتلو: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، وقال الله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، فجدي صلى الله عليه واله وسلم على بينة من ربه، و أبي الذي يتلوه وهو شاهد منه (2). وأخرج أيضا عن الحمويني: (عن ابن عباس، وبسنده عن زاذان وهما، عن علي - كرم الله وجهه -، قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان بينة من ربه، وأنا التالي الشاهد منه (3). وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في تفسيره: (أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال عليه السلام: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن. فقال له رجل، ما نزل فيك ؟ قال عليه السلام: أما


(1) - الالوسي: روح المعاني، ج 12: ص 25. (2) - القندوزي: ينابيع الموده، ص 479. (3) - القندوزي: ينابيع الموده، ص 99.

[292]

تقرأ سورة هود: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على بينة من ربه، وأنا شاهد منه). وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي - رضي الله عنه - في الاية، قال: (رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على بينة من ربه، وأنا شاهد منه (1). وأخرج ابن مردويه من وجه آخر، عن علي - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أفمن كان على بينة من ربه أنا. ويتلوه شاهد منه قال: علي (2). وقال الأمام الحافظ، أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري في تفسيره: وقال آخرون: هو علي بن أبي طالب. حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا زريق ابن مرزوق، قال: حدثنا صباح الفراء، عن جابر بن عبد الله بن يحيى، قال: قال علي - رضي الله عنه -: ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه الاية والايتان. فقال له رجل: فأنت فأي شئ نزل فيك ؟ فقال علي: أما تقرأ الاية التي نزلت في هود: ويتلوه شاهد منه (3) ؟ وقال العلامة الفيض القاساني في تفسيره: (عن الكاظم والرضا عليهما السلام: و أمير المؤمنين عليه السلام الشاهد على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ورسول الله على بينة من ربه). و أنه عليه السلام سئل عن أفضل منقبة له، فتلا هذه الاية وقال: (أنا الشاهد من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم). وفي (المجمع) عن أمير المؤمنين والباقرو الرضا:: (أن الشاهد منه علي بن أبي طالب عليه السلام يشهد للنبي صلى الله عليه واله وسلم وهو منه). وعن العياشي عنه (أي الصادق) عليه السلام: (الذي على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، والذي تلاه من بعده الشاهد منه أمير المؤمنين عليه السلام ثم أوصياؤه واحد بعد واحد)، والقمي عن الصادق عليه السلام: (إنما انزل: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة


(1) - الزمخشري: الدر المنثور، ج 3: ص 324. (2) - الزمخشري: الدر المنثور ج 3 ص 324. (3) - الطبري: جامع البيان، ج 12: ص 14.

[293]

ومن قبله كتاب موسى). وعن الباقر عليه السلام: (إنما انزلت: أفمن كان على بينة من ربه (يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) ويتلوه (علي) شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى اولئك يؤمنون به. فقدموا وأخروا في التأليف (1). وقال العلامة، السيد علي الموسوي البهبهاني في كتابه (مصباح الهداية): (وأما المقام الثالث وهو الأحتواء على المنقبة الفاضلة فيظهر من مواضع منها (أي من آية الشاهد). الاول: كونه عليه السلام شاهدا للرسول صلى الله عليه واله وسلم على رسالته. والثانى: أنه من الرسول. والثالث: أنه تال له. والرابع والخامس: أنه إمام ورحمة. توضيح الأمر: إن من الاثار المترتبة على الشهادة برسالته صلى الله عليه واله وسلم إسلام الشاهد، وهو مترتب عليها في جميع الموارد سواء كان الشاهد معصوما، أم لا. ومنها ثبوت الرسالة بها، وهو إنما يترتب عليها إذا كان الشاهد عالما معصوما من الخطأ والزلل عمدا وسهوا وجهلا. والغرض في المقام إنما هو الثاني لا الأول، ضرورة أنه عزوجل في مقام إثبات رسالة رسوله صلى الله عليه واله وسلم بالحجج القاطعة التي لا ينبغي الأرتياب فيها ممن له حظ من مراتب التعقل، فلو لم يكن هذا الشاهد الذي ذكره تعالى معصوما من الجهل والزلل عمدا وسهوا لم يكن لذكره في هذا المقام وجعل شهادته في مقابل بينة الرب تعالى مقدمة على شهادة كتاب موسى مجال... هذا كله بالنسبة إلى كونه عليه السلام شاهدا للرسول صلى الله عليه واله وسلم على رسالته، وأما كونه من الرسول صلى الله عليه واله وسلم فمنقبة اخرى قد كشف عنها الرسول صلى الله عليه واله وسلم على ما رواه الفريقان أنه قال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا وعلي من شجرة واحدة، والناس من أشجار شتى) و (على مني و أنا منه)، وهي منقبة جليلة دالة على اتحادهما وتساويهما في الكمال، وعدم ارتقاء أحد من الناس مرتبته ودرجته. وأما كونه تاليا للرسول صلى الله عليه واله وسلم - بناء على أخذ يتلوه من التلو ورجوع - الضمير


(1) - الفيض القاساني: تفسير الصافى، ج 2: ص 437.

[294]

المنصوب إلى الموصول كما هو الظاهر بقرينة مقابلة مع قوله عزوجل ومن قبله كتاب موسى وتذكير الضمير الظاهر في الرجوع إلى المذكر وهو الموصول لا البينة، فهو دليل على أنه عليه السلام خير الناس وأفضلهم بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم وخلافته عليه السلام بلا فصل، إذ لو تلاه غيره ابتداء لكان أحق بالذكر، بل لا مجال لذكر المتأخر وترك المتقدم (1). أقول: بعد ما لاحظت كلام هذا المحقق العلامة، وهو قوله (وأما كونه عليه السلام من الرسول صلى الله عليه واله وسلم فمنقبة اخرى قد كشف عنها الرسول صلى الله عليه واله وسلم) فانظر الأخبار و الأحاديث التي جائت من الفريقين بأن عليا عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، أو عضو منه، أو جزء منه وأمثال ذلك، حتى يتضح لك ما كشف عنها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. فها نحن نذكر نبذة منها - إن شاء الله تعالى - شفاء للمؤمنين وخسارا للظالمين. 1 - قال ابن أبي الحديد في شرحه: (عن علي عليه السلام قال: كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كجزء من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ينظر إلى الناس كما ينظر إلى الكواكب (2). 2 - وقال أيضا: (عن علي عليه السلام: أنا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كالعضد من المنكب، و كالذراع من العضد (3). 3 - وقال العلامة الشيخ سليمان القندوزي: (عن علي عليه السلام: أنا من أحمد كالكف من اليد، وكالذراع من العضد، وكالضوء من الضوء (4). 4 - وعنه: (قال أبو ذر رفعه: إن الله تبارك وتعالى ايد هذا الدين بعلي، وإنه مني وأنا منه، وفيه انزل: أفمن كان على بينة من ربه) الاية (5).


(1) - البهبهاني: مصباح الهداية، ص 59، ط القاهرة. (2) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 20: ص 326. (3) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 20: ص 316. (4) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 138. (4) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 256.

[295]

5 - وروى العلامة المناوي: (علي مني بمنزلة رأسي من بدني). وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي). وقال في شرحه: (أي هو متصل بي وأنا متصل به في الاختصاص والمحبة وغيرهما (1). 6 - قال الحافظ المحدث الكبير، الجويني الخراساني: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم... فعلي مني وأنا منه، لحمه من لحمي، ودمه من دمي (2). 7 - قال الحافظ المحدث محمد بن طلحة الشافعي: (عن براء بن عازب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولعلي عليه السلام: أنت مني وأنا منك (3). 8 - قال أحمد بن حنبل الشيباني: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (في حديث أخذنا منه موضع الحاجة): أما أنت، يا جعفر ! فأشبهت خلقي وخلقي، وأما أنت، يا علي ! فمني وأنا منك، وأما أنت، يا زيد ! فأخونا ومولانا، والجارية عند خالتها، والخالة والدة (4). 9 - قال الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي: (عن زاذان، عن سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله مطيعا، يسبح ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم ركز ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شئ واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، فجزءأنا، وجزء علي (5). 10 - وقال أيضا: (قال صلى الله عليه واله وسلم: أن الله خلق الأنبياء من أشجار شتى، وخلقني و عليا من شجرة واحدة، فانا أصلها، وعلي فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن و


(1) - المناوي: فيض القدير، ج 4: ص 356. (2) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 1: ص 43. (3) - إبن طلحة: مطالب السؤول، ص 18. (4) - أحمد: المسند، ج 1: ص 98. (5) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 87: ص 315.

[296]

الحسين ثمرها، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ عنها هوى (1)). 11 - وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! خلقت أنا وأنت من شجرة واحدة، أنا أصلها، و أنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها. فمن تعلق بغصن منها دخل الجنة (2). 12 - وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (خلقت أنا وهارون بن عمران ويحيى بن زكريا وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة (3) 13 - وقوله صلى الله عليه واله وسلم لام سلمة: (أتعرفينه (يعني عليا) قالت: نعم، هذا علي بن أبى طالب، قال: صدقت، سجيته سجيتي، ودمه دمي (4). 14 - وعن علي عليه السلام: (إن الحسن والحسين عليهما السلام سبطا هذه الامة، وهما من محمد كمكان العينين من الرأس، وأما أنا فكمكان اليد من البدن، وأما فاطمة فكمكان القلب من الجسد، مثلنا مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (5). 15 - وقال رسول الله صلى اله عليه واله وسلم: (أنت مني كروحي من جسدي) وقال صلى الله عليه واله وسلم (أنت زري من قميصي) وقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنت مني كالضوء من الضوء (6).


(1) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 87: ص 337. (2) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 87. (3) - المصدر. (4) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 86. (5) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 39: ص 353. (6) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 38: ص 296.

[297]

الفصل 6 5 - آية خير البرية: من الأدلة الدالة - من الايات - على أن عليا عليه السلام خير البشر من الأولين و الاخرين، حتى أولي العزم من المرسلين، قوله تعالى: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (1) قال العلامة الحافظ، جلال الدين السيوطي في تفسيره: (أخرج ابن مردويه عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله ! من أكرم الخلق على الله ؟ قال: يا عائشة ! أما تقرئين إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية) ؟ وأخرج ابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم فأقبل علي، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، و نزلت إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية. فكان أصحاب النبي إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البرية). وأخرج ابن عدي وابن عساكر، عن أبي سعيد مرفوعا: (علي خير البرية). وأخرج ابن عدي، عن ابن عباس، قال: (لما نزلت إن الذين آمنوا وعملوا


(1) - البينة، 98: 7.

[298]

الصالحات اولئك هم خير البرية، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي: (هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين). وأخرج ابن مردويه، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (ألم تسمع قول الله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية أنت وشعيتك (2). وقال العلامة، أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري في تفسيره: (وقوله إن الذين آمنوا... يقول الله - تعالى ذكره -: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر و نهى، اولئك هم خير البرية. يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية. وقد حدثنا ابن حميد قال: حدثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن محمد بن علي (اولئك هم خير البرية) فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: أنت يا علي وشيعتك (2). وقال العلامة الحافظ، الكنجي الشافعي: (عن جابر بن عبد الله، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم فأقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: قد أتاكم أخى، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثم إنه أولكم إيمانا، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمرالله، وأعد لكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية. قال: ونزلت: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية قال: (وكان أصحاب النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم إذا أقبل علي عليه السلام قالوا: جاء خير البرية). قلت: هكذا رواه محدث الشام في كتابه بطرق شتى، وذكرها محدث العراق و مورخها عن زر، عن عبد الله، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من لم يقل علي خير الناس فقد كفر). وفي رواية عن حذيفة قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول: (علي


(1) - الزمخشري: الدر المنثور، ج 6: ص 379. (2) - الطبري: جامع البيان، ج: 29 / ذيل الاية.

[299]

خير البشر، من أبى فقد كفر)... وفي رواية لعائشة، عن عطاء، قال: سألت عائشة عن علي، فقالت: ذاك خير البشر، لا يشك فيه إلا كافر. قلت: هكذا ذكره الحافظ في ترجمة علي عليه السلام في تاريخه في المجلد الخمسين وكتابه يبلغ مائتا مجلد (1). وقال العلامة، الالوسي البغدادي في تفسيره: (أخرج ابن مردويه، عن علي - كرم الله تعالى وجهه - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ألم تسمع قول الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية ؟ هم أنت وشيعتك، وموعدي و موعدكم الحوض إذا جئت الامم للحساب يدعون غرا محجلين). وأخرج ابن مردويه أيضا، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الاية إن الذين آمنوا - الاية قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي - رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه -: هو أنت و شيعتك يوم القيامة راضين مرضيين). وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله ! من أكرم الخلق على الله تعالى ؟ قال: يا عائشة ! أما تقرئين: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية ؟) (قال الالوسي:) وأنت تعلم أن هذا ظاهر في أن المراد بالبرية الخليقة مطلقا... والامامية وإن قالوا: إنه - رضي الله عنه - خير من الأنبياء وحتى اولي العزم: و من الملائكة المقربين: لا يقولون بخيريته من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فإن قالوا: بأن البرية على ذلك مخصوصة بمن عداه - عليه الصلاة والسلام - للدليل الدال على أنه صلى الله عليه واله وسلم خير منه - كرم الله تعالى وجهه -. قيل: إنها مخصوصة - أيضا - بمن عدا الأنبياء والملائكة (2).


(1) - الكنجي: كفاية الطالب، ص 245. (2) - الالوسي: روح المعاني، ج 30: ص 207.

[300]

أقول: هنا ينبغي التوجه إلى نكتة أدبية وهي أن البرية فعيلة من برأ الله الخلق إلا أنه ترك فيها الهمز. ويجوز أن تكون من البرى وهو التراب. قال ابن المنظور في (برأ): (والبرية الخلق، وأصلها الهمز، وقد تركت العرب همزها، ونظيره النبي والذرية. وأهل مكة يخالفون غيرهم من العرب يهمزون البريئة والنبي و الذريئة من ذرأ الله الخلق). وعجبا من الالوسي مع أنه اعترف بأن البرية هي الخليقة مطلقا كيف يقول: إن عليا - كرم الله وجهه - خير البرية ما عدا الأنبياء والملائكة ؟ ! اشهد الله على أنه ما قال هذا الكلام إلا لشئ يتلجلج في صدره، ولكراهية كانت في نفسه من أفضلية سيد الموحدين، أمير المؤمنين نفس النبي، عديل القرآن، أخ المصطفى، زوج فاطمة الزهراء، عليهم صلوات الله وملائكته وأنبيائه ألف ألف مرة. لما ذا يقول الالوسي: إنها مخصوصة أيضا بمن عدا الأنبياء والملائكة ؟ ألم ير هذا الفاضل حديث الأشباه، وحديث المؤاخاة، وحديث الطير المشوي ؟ ألم يقرأ عن عمر بن الخطاب هذا الحديث إنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (لو أن إيمان أهل السموات والأرض وضع في كفة، ووضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي بن أبي طالب (1). فلاحظ الأخبار والأحاديث الاتية حتى تكون على بصيرة من أمرك إن شاء الله تعالى، وإنها لكثيرة جدا، وها نحن نذكر نبذة يسيرة منها: 1 - روى العلامة الشيخ سليمان الحنفي، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من أراد أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته، وإلى ميكائيل في رتبته، وإلى جبرئيل في جلالته، وإلى آدم في علمه، وإلى نوح في خشيته، وإلى إبراهيم في خلته، و إلى يعقوب في حزنه، وإلى يوسف في جماله، وإلى موسى في مناجاته، وإلى


(1) القندوزي: ينابيع المودة: ج 2: ص 127.

[301]

أيوب في صبره، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في عبادته، وإلى يونس في ورعه، وإلى محمد في حسبه وخلقه، فلينظر إلى علي، فإن فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء جمعها الله فيه ولم يجمعها في أحد غيره (1). 2 - روى العلامة، الجويني الخراساني، عن أبي الحمراء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (2). 3 - أخرج العلامة، الحسكاني الحنفي، عن أبي الحمراء، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأقبل علي فقال رسول الله: من سره أن ينظر إلى آدم في علمه، و نوح في فهمه، وإبراهيم في خلته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (3). 4 - روى الحافظ، الموفق الحنفي، المعروف بأخطب خوارزم، عن الحارث الأعور - صاحب راية علي بن أبي طالب عليه السلام - قال: (بلغنا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان في جمع أصحابه فقال: اريكم آدم في علمه، ونوحا في فهمه، وإبراهيم في حكمته، فلم يكن بأسرع من أن طلع علي عليه السلام، فقال أبو بكر: يا رسول الله ! أقست رجلا بثلاثة من الرسل ! بخ بخ لهذا الرجل، من هو يا رسول الله ؟ قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: أو لا تعرفه يا أبا بكر ؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: هو أبو الحسن علي بن أبي طالب. فقال أبو بكر: بح بخ لك يا أبا الحسن، وأين مثلك يا أبا الحسن (4) ؟ ! 5 - روى العلامة المجلسي رحمه الله، عن علي بن الحسين، عن أبيه عليهما السلام، قال: (نظر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم إلى علي عليه السلام قد أقبل وحوله جماعة من أصحابه فقال:


(1) - القندوزي: ينابيع المودة، الباب 56: ج 2 / ص 80. (2) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 1: ص 170. (3) - الحسكاني: شواهد التنزيل، ج 1: ص 19. (4) - الخوارزمي: المناقب، ص 45.

[302]

من أحب ان ينظر إلى يوسف في جماله، وإلى إبراهيم في سخائه، وإلى سليمان في بهجته، وإلى داود في حكمته، فلينظر إلى هذا (1). 6 - روى - أيضا - عن سلمة بن قيس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: اعطى الله عليا من الفضل جزءا لو قسم على أهل الأرض لو سعهم، وأعطاه الله من الفهم لو قسم على أهل الأرض لو سعهم، شبهت لينه (3) بلين لوط، وخلقه بخلق يحيى، وزهده بزهد أيوب، وسخاؤه بسخاء إبراهيم، وبهجته ببهجة سليمان بن داود، وقوته بقوة داود، ولو اوحي إلى أحد بعدي لأوحي إليه، فزين الله به المحافل، وأكرم به العساكر، وأخصب به البلاد، وأعز به الاجناد، مثله كمثل بيت الله الحرام يزار و لا يزور، ومثله كمثل القمر إذا طلع أضاء الظلمة، ومثله كمثل الشمس إذا طلعت أنارت الدنيا - الحديث (3). أقول: المستفاد من هذه الأحاديث التي سميت بالاشباه والنظائر لاشتمالها بمشابهات بين الأنبياء: وعلي المرتضي عليه السلام تقدم علي على جميع الملائكة و الأنام حيث إن النظر إليه عليه السلام وحده يقوم مقام النظر إلى جميعهم، فإن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أثبت لعلي عليه السلام في هذه الأحاديث هيبة تشبه هيبة إسرافيل، ورتبة تشبه رتبة ميكائيل، وجلالة تشبه جلالة جبرئيل، وعلما يشبه علم آدم، وخشية تشبه خشية نوح، وخلة تشبه خلة إبراهيم، وحزنا يشبه حزن يعقوب، وجمالا يشبه جمال يوسف، ومناجاة تشبه مناجاة موسى، وصبرا يشبه صبر أيوب، و زهدا يشبه زهد عيسى عليهم السلام، وأن هذه الصفات تعلو فيه عليه السلام أعلى الدرجات. و أحسن ما أجاد به المولى محمد كاظم الازري رحمه الله:


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 39: صص 35 - 37. (2) - اللين: ضد الخشونة. (3) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 39: صص 35 - 37.

[303]

لك في مرتقى العلى والمعالي * درجات لا يرتقى أدناها أنت بعد النبي خير البرايا * والسماء خير ما بها قمراها واستدل الفخر الرازي في تفسيره بقوله تعالى: اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (1) على أفضلية نبينا صلى الله عليه واله وسلم على سائر الأنبياء لاجتماع خصال الأنبياء فيه كاستدلالنا بها على أفضلية علي عليه السلام. قال: (احتج العلماء بهذه الاية أن رسولنا صلى الله عليه واله وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام، و تقريره: هو أنا بينا أن خصال الكمال وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم (أي في الأنبياء) بأجمعهم، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء، ويوسف كان مستجمعا لهاتي الحالتين، و موسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة والمعجزات الظاهرة، وزكريا و يحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، و يونس صاحب التضرع. فثبت أنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف. ثم إنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمدا - عليه الصلاة والسلام - بأن يقتدي بهم بأسرهم، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه واله وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك امتنع أن يقال: إنه قصر في تحصيلها، فثبت أنه حصلها، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان متفرقا فيهم بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال: إنه أفضل منهم (2) أقول: فبناء على هذا فلا تنس أحاديث الأشباه ودلالتها على أفضلية علي عليه السلام.


(1) - الانعام، 6: 90. (2) - الرازي: التفسير الكبير، ج 13: ص 69.

[304]

قال الحافظ العلامة، أبو عبد الله، الكنجي الشافعي: (قلت: تشبيهه لعلي عليه السلام بآدم في علمه، لأن الله علم آدم كل شئ كما قال عزوجل: وعلم آدم الاسماء كلها (1). فما من شئ ولا حادثة ولا واقعة إلا وعند علي عليه السلام فيها علم، وله في استنباط معناها فهم، وشبهه بنوح في حكمته، أو في رواية (في حكمه) وكأنه أصح، لأن عليا عليه السلام كان شديدا على الكافرين رؤوفا بالمؤمنين كما وصفه الله في القرآن: و الذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم (2). وأخبر الله عزوجل عن شدة نوح على الكافرين بقوله: رب لا تذر على الاءرض من الكافرين ديارا (3)، وشبهه في الحلم بإبراهيم خليل الرحمن كما وصفه الله عزوجل في القرآن بقوله: إن إبراهيم لاواه حليم (4). فكان متخلقا بأخلاق الأنبياء، متصفا بصفات الأصفياء (5). 7 - روى العلامة، الشيخ سليمان الحنفي، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! لو أن أحدا عبد الله حق عبادته ثم شك فيك وأهل بيتك أنكم أفضل الناس، كان في النار (6). 8 - وروى عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: (لو وضع أعمال امتي في كفة، ووضع عملك يوم احد في كفة اخري لرجح عملك، وإن الله باهى بك يوم احد ملائكته المقربين، ورفعت الحجب من السماوات، وأشرفت إليك الجنة وما فيها، وابتهج بفعلك رب العالمين (7). 9 - روى أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، الفقيه المتكلم رحمه الله، عن


(1) - البقرة، 2: 31. (2) - الفتح، 48: 29. (3) - نوح، 71: 26. (4) - التوبة، 9: 114. (5) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 23: ص 122. (6) - القندوزي: ينابيع المودة، ج 2: ص 78. (7) - المصدر السابق، ج 17: ص 127.

[305]

النبي صلى الله عليه واله وسلم، أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام: (يا أبا الحسن ! لو وضع إيمان الخلائق و أعمالهم في كفه ميزان، ووضع عملك يوم احد في الكفة الاخرى لرجح عملك يوم احد على جميع ما عمل الخلائق، وإن الله تعالى باهي بك يوم احد ملائكته المقربين، ورفع الحجب من السماوات السبع، وأشرفت إليك الجنة وما فيها، و ابتهج بفعلك رب العالمين، وإن الله ليعوضك بذلك اليوم ما يغبطك به كل نبي و صديق وشهيد (1). أقول: هذه الأحاديث شاهدة لأمير المؤمنين عليه السلام بفضل عظيم وقدر خطير لا يعادله فيه أحد من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين. يقول الازري رحمه الله: لا فتى في الوجود إلا علي * ذاك شخص بمثله الله باها 10 - روى الحافظ الكنجي، عن أبي عقال، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، (سأل أبو عقال النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا رسول الله ! من سيد المسلمين ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم من تظن، يا أبا عقال ؟ فقال: آدم، فقال صلى الله عليه واله وسلم: ههنا من أفضل من آدم، فقال: يارسول الله ! أليس الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وزوجه حواء أمته، وأسكنه جنته ؟ فمن يكون أفضل منه ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: من فضله الله عزوجل ؟ فقال: شيث. فقال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من شيث ؟ فقال: إدريس، فقال صلى الله عليه واله وسلم: افضل من إدريس ونوح ؟ فقال: هود، فقال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من هود وصالح ولوط ؟ فقال: موسى وهارون، فقال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من موسى وهارون ؟ قال: فإبراهيم إذن، قال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ؟ قال: فيعقوب، قال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من يعقوب و يوسف ؟ قال: فداود، قال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من داود وسليمان ؟ قال: فأيوب إذن، قال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من أيوب ويونس ؟ قال: زكريا إذن، قال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من زكريا ويحيى ؟ قال: فاليسع إذن، قال صلى الله عليه واله وسلم، أفضل من اليسع وذي الكفل قال: فعيسى


(1) - التفضيل، ص 25. وأورده صاحب (ينابيع المودة)، (في ج 1: ص 63).

[306]

إذن، قال صلى الله عليه واله وسلم: أفضل من عيسى ؟ قال أبو عقال: ما علمت من هو، يا رسول الله ! ملك مقرب. فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم مكلمك، يا أبا عقال (يعني نفسه). فقال أبو عقال: سررتني، والله يا رسول الله ! فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: أزيدك، يا أبا عقال ؟ قال: نعم، فقال صلى الله عليه واله وسلم: اعلم يا أبا عقال أن الأنبياء والمرسلين ثلاثمائة و ثلاثة عشر نبيا، لو جعلوا في كفة وصاحبك في كفة لرجح عليهم، فقلت: ملأتني سرورا يا رسول الله، فمن أفضل الناس بعدك ؟ فذكر له نفرا من قريش ثم قال: علي بن أبي طالب، فقلت: يا رسول الله فأيهم أحب إليك ؟ قال: علي بن أبي طالب، فقلت: لم ذلك ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد - إلى أن قال: - يا أبا عقال ! فضل علي على سائر الناس كفضل جبرئيل على سائر الملائكة). ثم قال الكنجي: (هذا حديث حسن عال (2). 11 - روى العلامة الكراجكي رحمه الله عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (علي أفضل من خلق الله تعالى غيري، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، و أبوهما خير منهما، وإن فاطمة سيدة نساء العالمين (3). 12 - وروى عن أبي ذر، قال: (نظر النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى علي ابن أبي طالب عليه السلام فقال: هذا خير الأولين والاخرين من أهل السماوات والأرضين... (4). 13 - وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم (يا علي ! أنت أمير من في السماء، وأمير من في الارض، وأمير من مضى، وأمير من بقي، ولا أمير قبلك ولا أمير بعدك، و لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم من لم يسمه الله عزوجل به (5).


(1) - كذا والظاهر أن الخبر دخيل (م). (2) - الكنجي: كفاية الطالب، ص 316. (3) - التفضيل، ص 16 و 19. (4) - المصدر. (5) - المصدر.

[307]

أقول: ولا يرتاب ذو مرة في أن من كان أمير من في السماء وأمير من في الأرض وأمير من مضى ومن بقي لكان أفضلهم وأشرفهم وخيرهم. 14 - روى العلامة ابن المغازلي عن حذيفة بن اليمان، قال: (آخي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين أصحابه الأنصار والمهاجر، فكان يؤاخى بين الرجل ونظيره، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي. قال حذيفة: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سيد المسلمين وإمام المتقين ورسول رب العاليمن، الذي ليس له في الأنام شبيه و لا نظير، وعلي بن أبي طالب أخوان (1). 15 - روى العلامة القندوزي عن زيد بن أوفى، قال: (لما آخى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين أصحابه فقال علي عليه السلام: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد ! فقال صلى الله عليه واله وسلم: والذي بعثني بالحق نبيا ما أخرتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي. ثم تلا: إخوانا على سرر متقابلين المتحابون في الله ينظر بعضهم إلى بعض (2). 16 - روى العلامة، السيد هاشم البحراني، عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا جابر ! أي الأخوة أفضل ؟ قال: قلت البنون من الأب والأم. فقال صلى الله عليه واله وسلم: إنا معاشر الأنبياء إخوة وانا أفضلهم، ولأحب الأخوة إلى علي بن أبي طالب، فهو عندي أفضل من الأنبياء فمن زعم أن الأنبياء أفضل منه فقد جعلني أقلهم، ومن جعلني أقلهم فقد كفر، لأني لم أتخذ عليا أخا إلا لما علمت من فضله (3). 17 - وروى عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: (أنا


(1) - ابن المغازلي: مناقب علي بن ابي طالب، ص 38. (2) - القندوزي: ينابيع المودة، ج 1: ص 55. (3) - البحراني: البرهان في تفسير القرآن، ج 4: ص 148.

[308]

رسول الله المبلغ عنه، وأنت وجه الله المؤتم به، فلا نظير لي إلا أنت، ولا مثل لك إلا أنا (1). 18 - روى العلامة الكنجي عن ابن عمر، قال: (آخي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله ! آخيت بين أصحابك ولم تواخ بينى وبين أحد ! فقال رسول الله صلى اله عليه واله وسلم: أنت أخي في الدنيا والاخرة. ثم قال: قلت: هذا حديث حسن عال صحيح (2). أقول: لحديث المؤاخاة مصادر شتي وطرق مختلفة، فان جمعا من الحفاظ و أئمة الحديث ذكروه بأسانيد متعدده تجده بنصه في (الغدير) الأغر (ج 3: ص 112 إلى 124) أخرجه العلامة الأميني - حشره الله مع أوليائه الكرام - من خمسين طريقا. وجاءت طرقه أيضا في (فضائل الخمسة) للعلامة الفيروز آبادي (ج 1: ص 318، إلى 332). وذكره أيضا العلامة المجلسي - طيب الله مرقده - في البحار بأسانيد شتى (ج 38: ص 330 إلى 347). ولا ريب أنه لم تكن هذه المؤاخاة إلا على أساس المماثلة والمشاكلة بين الأشخاص في الكمالات النفسانية والدرجات الروحية، وإن شئت زيادة بصيرة فأمعن النظر في كلام الحافظ الكنجي الشافعي، قال: (فإذا أردت قرب منزلته عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تأمل صنيعه في المؤاخاة بين الصحابة، جعل يضم الشكل إلى الشكل والمثل إلى المثل، فيؤلف بينهم إلى أن آخى بين أبي بكر وعمر، وادخر عليا عليه السلام لنفسه واختصه باخوته. وناهيك بها من فضلية وشرف إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (3)). أقول: واشهد الله ورسوله على أن حديث المؤاخاة من أدل الدليل على إمامة


(1) - البحراني: البرهان في تفسير اقرآن ج 4: ص 148. (2) - الكنجي: كفاية الطالب، الباب 47: ص 194. (3) - ق، 50: 37.

[309]

علي عليه السلام وتقدمه على جميع البشر ممن تقدم وتأخر سوى النبي صلى الله عليه واله وسلم، لأنه عليه السلام نظير النبي صلى الله عليه واله وسلم ومثله كما لاحظته في الأخبار الماضية. يقول الازري رحمه الله: لك ذات كذاته حيث لولا أنها مثلها لما آخاها اللهم اجعلنا ممن تمسك بولاية أمير المؤمنين عليه السلام. 19 - روى العلامة ابن المغازلي، عن أبي جعفر السباك، عن أنس بن مالك، قال: (اهدي لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم طائر مشوي أهدته له امرأة من الأنصار، فدخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فوضعت ذلك بين يديه. فقال: اللهم أدخل علي أحب خلقك إليك من الأولين والاخرين ليأكل معي من هذا الطائر، قال أنس: فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الأنصار من قومي، فجاء علي فطرق الباب، فرددته وقلت: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم متشاغل، ولم يعلم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لذلك، فقال: اللهم أدخل علي أحب خلقك إليك من الأولين والاخرين يأكل معي من هذا الطائر، قلت: اللهم اجعل رجلا من قومي الأنصار: فجاء علي فرددته، فلما جاء الثالثة قال لي رسول الله: قم فافتح الباب لعلي، فقمت ففتحت الباب، فأكل معه، فكانت الدعوة له (1). 20 - روى الحاكم، أبو عبد الله النيشابوري عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، قال: (كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقدم لرسول الله فرخ مشوي، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار. فجاء علي - رضي الله عنه - فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على حاجة، ثم جاء فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على حاجة، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: افتح، فدخل فقال صلى الله عليه واله وسلم: ما حبسك علي ؟ فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يرددني أنس بزعم أنك على حاجة، فقال صلى الله عليه واله وسلم: ما حملك على ما صنعت ؟ فقلت: يا رسول الله ! سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلا من قومي، فقال: إن الرجل قد يحب قومه.


(1) - ابن المغازلي: مناقب علي بن ابي طالب، ص 168.

[310]

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (1). أقول: إن حديث الطير حديث معتبر متواتر، وقد روي من طرق عديدة من الصحابة والتابعين، وأخرجه العلماء والحفاظ في كتبهم المعتبرة بصور مختلفة و عبارات متفاوتة قريبة المعنى وإليك بعض نصوصها. 1 - عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: (اهدي إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم نحامة (2) مشوية، فقال: اللهم ابعث إلى أحب خلقك إليك وإلى نبيك يأكل معي من هذه المائدة. قال: فأتي علي - الحديث (3). 2 - عن إسماعيل بن أبي المغيرة، عن أنس بن مالك، قال: (اهدي لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم أطيار، فقسمها بين نسائه، فأصاب كل امرأة منهن ثلاثة، فأصبح عند بعض نسائه قطاتان (4)، فبعثت بهما إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك يأكل معي من هذا الطعام. فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، فجاء علي - الحديث (5). 3 - عن عثمان بن الطويل، عن أنس بن مالك، قال: (اهدى للنبي صلى الله عليه واله وسلم طير كان يعجبه أكله، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل من هذا الطائر معى، فجاء علي - الحديث (6). 4 - عن زبير بن عدي، عن أنس قال: (اهدي إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم طير مشوي، فلما وضع بين يديه قال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر،


(1) - المستدرك، ج 3، ص 130، ط حلب. (2) - النحامة: طائر أحمر يقال له بالفارسية: سرخ آوى (ابن منظور: لسان العرب). (3) - ابن المغازلي: مناقب علي بن ابي طالب، صص 167 - 156. (4) - المصدر. (5) - المصدر. (6) - المصدر.

[311]

قال: فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، قال: فجاء علي - الحديث (1). 5 - عن ابن عباس، قال: (اتي النبي صلى الله عليه واله وسلم بطائر، فقال: اللهم ائتني برجل يحبه الله ورسوله، فجاء علي - الحديث (2). 6 - عن نافع، عن أنس بن مالك: (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قرب إليه طير، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فجاء علي يأكل معه (3). 7 - عن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك قال: (اهدي لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم حجل مشوي (4) بخبزة وصنابة، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام، فقالت عائشة: اللهم اجعله أبي، وقالت حفصة: اللهم اجعله أبي، قال أنس: اللهم اجعله سعد بن عبادة، فسمعت حركة بالباب فخرجت فإذا علي بالباب - (5). أقول: وهنا نشير إلى فوائد هامة ينبغي الألتفات إليها: الأولى: المستفاد من هذه الأحاديث أن عليا عليه السلام أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخير البشر، لأنك قد لاحظت دعاء النبي صلى الله عليه واله وسلم (اللهم أدخل علي أحب خلقك إليك من الاولين والاخرين ليأكل معي من هذا الطير) فجاء علي عليه السلام. وأيضا: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل من هذا الطائر معي، فجاء علي عليه اسلام). وإن شئت أن يبرد قلبك وقرت عينك فانظر كلاما هو أطيب من نفحة الأزهار وهو ما قاله العلامة الكنجي الشافعي، قال: (وقيه (أي في حديث الطير) دلالة


(1) - ابن المغازلي: مناقب علي بن ابي طالب، صص 167 - 156. (2) - المصدر. (3) - ابن المغازلي: مناقب علي بن ابي طالب، ص 167. (4) - الحجل: القبح، وبالفارسية: كبك، وهو طائر معروف. والصناب - بالكسر -: ادام يتخذ من الخردل والزبيب، أو الخردل والزيت. (5) - ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج 2: ص 112. (*)

[312]

واضحة على أن عليا عليه السلام أحب الخلق إلى الله، وأدل الدلالة على ذلك إجابة دعاء النبي صلى الله عليه واله وسلم حيث قال عزوجل: (ادعوني فاستجب لكم (1). فأمر بالد ووعد بالأجابة، وهو عزوجل لا يخلف الميعاد، وما كان الله ليخلف رسله وعده، ولا يرد دعاء رسوله لأحب الخلق الميعاد، وما كان الله ليخلف رسله وعده، ولا يرد رسوله لأحب الخلق إليه، ومن أقرب الوسائل إلى الله تعالى محبته ومحبة من يحبه لحبه كما أنشدني بعض أهل العلم في معناه: بالخمسة الغر من قريش وسادس القوم جبرئيل بحبهم رب فاعف عني بحسن ظني بك الجميل (2) العدد الموسوم في هذا البيت أراد بهم أهل البيت أصحاب العلاء الذين قال الله تعالى في حقهم: (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3) وهم محمد صلى الله عليه واله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين:، وسادس القوم جبرئيل. الثانية: إن أكثر هذه الأحاديث لاتذكر مصدر هذا الطبر المشوي الذي أكل منه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أكل معه علي عليه السلام وإن ذكر في بعضها، فأنك شاهدت ألفاظ الأحاديث التي مرت عليك، فقيها (قدم لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم أو اهدي قرب ووضع بين يديه) وما شابه ذلك، فهل كان هذا الطير من أطيار الدنيا أو من طيور الجنة ؟ يظهر من بعض الأحاديث أن هذا الطير من أطيب طعام الجنة أتى به جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم، كالخبر الاذي أخرجه العلامة لمجلسي - رحمه الله - ضمن حديث طويل عن علي عليه السلام في البحار، ج 38، ص 348. ويستفاد أيضا من هذا الحديث أن عائشة كانت تمنع الأمام عليه السلام من الدخول على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والعمدة في هذا الباب أن هذه الفضيلة من خصائص


(1) - الغافر 40: 60. (2) - الكنجي الشافعي كفاية الطالب الباب 33 ص 151. (3) الاحزاب 33: 33.

[313]

أمير المؤمنين عليه السلام وأنه أحب الناس إلى الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم وأفضلهم، والاختلاف في هوامش هذه الفضيلة وجوانبها لا يقدح في أصلها. الثالثة: إن حديث الطير من الأحاديث المعتبرة الصحيحة التي قد أجمعت أئمة الحديث والحفاظ على صحته وتوثيق سنده، وقد وروده بطرق شتى و أسانيد عديدة، منهم الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيشابوري في مستدركه (1)، قال: (و قد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادد على ثلاثين نفسا). وقال الحافظ الذهبي في تلخيصه على ما في ذيل المستدرك: (وقد رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسا)، وأخرجه الحافظ ابن المغازلي الشافعي في مناقبه عن أربعة وعشرين طريقا. وقال الحافظ المقتول في سنة 658 الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (2): (و حديث أنس الذي صدرته في أول الباب أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيشابوري عن ستة وثمانين رجلا كلهم روره عن أنس، وهذا ترتيبهم على حروف المعجم) ثم ذكر أسامي كلهم. وأخرجه ابن عساكر من عشرين طريقا (3)، و جاء حديث الطير في ذيل إحقاق الحق بالتفصيل (4) ثم إن الموضوع مما نظمه شعراء أهل البيت عليهم السلام - رحمه الله - المتوفى سنة 173: نبئت أن أبانا كا نعن أنس * يروي حديثا عجيبا معجبا عجبا في طائر جاء مشويا به بشر * يوما وكان رسول الله محتجبا أدناه منه فلما أن رآه دعاربا قريبا لأهل الخير منتجبا


(1) المصدر ج 3 ص 131. (2) الكنجي الشافعي كفاية الطالب الباب 33 ص 152. (3) - ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج 2: ص 105. (4) - ابن عساكر تاريخ دمشق ج 2 ص 105.

[314]

أدخل إلي أحب الخلق كلهم * طرا إليك فأعطاه الذي طلبا فاعتز (1) بالباب معتز فقال له من ذا ؟ وكان وراء الباب مرتقبا من ذا ؟ فقال: علي قال: إن له شأنا له أهتم منه اليوم فاحتجبا (2) وقال صاحب بن عباد - رحمه الله -: من كمولاي علي زاهد * طلق الدنيا ثلاثا ووفى من دعي للطير أن يأكله * ولنا في بعض هذا مكتفى (3) افتراءات وشبهات وقعت حول حديث الطير: أولها من المدعي المعاند ابن تيمية الحراني أنه قال: (فإن حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولاصحه أئمة الحديث ولكن هو مما رواه بعض الناس كما رووا أمصاله في فضل غير علي (4). أقول: وقد ذكرنا آنفا تواتره من كلام أعلامهم، وما أقول في رجل أفتى أئمة المذاهب الأرعة بفسقه وكفره، ومات في السجن. وقال أيضا هذا الغاوي الناكب عن الحق: (إن الطير ليس فيه أمر عظيم هنا يناسب أن يجئ أحب الخلق إلى الله ليأكل معه فإن إطعام الطعام مشروع للبر و الفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الاكل ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم يناسب أن يجئ أحب الخلق إلى الله يفعله ؟ (3). قال العلامة المظفر - رحمه الله -: (والجواب: أن الأمر العظيم تعريف الأحب إلى الله


(1) - اعتز: تشرف وتعظم. (2) - ديوان الحميرى، ص 69، ط دار مكتبة الحياة. (3) - كفاية الطالب الباب 46 ص 192. (4) - منهاج السنة، ج 4، ص 99، ط الرياض. أقول: وقد ينبغى جدا أن نسميه منهاج الضلالة. (5) - المصدر.

[315]

تعالى للناس بدليل وجداني فإنه آكد من اللفظ وأقوى في الحجة، كما عرفهم نبي الهدى صلى الله عليه واله وسلم أن عليا حبيب الله في فصة خيبر بإخبارهم أنه يعطي الراية من يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، وأن الفتح على يده، على أنه يكفى في المناسبة رغبة النبي صلى الله عليه واله وسلم بأن يأكل مع أحب الخلق إلى الله وإليه (1). ومما قال ابن تيمية الحراني: (إن الحديث يناقض مذهب الرافضة فإنهم يقولون: إن النبي كان يعلم أن عليا أحب خلق إلى الله، وأنه جعله خليفة من بعده وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله (2). والجواب من العلامة المظفر -، -: (إنا لا نعرف وجه الدلالة على أنه لا يعرفه، أتراه لو قال: ائتني بعلي يدل على عدم معرفته له (3) ؟ وكيف لا يعرفه وقد قال كما في بعض الأخبار: (اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلى). وقال لعلي في بعض آخر: (ما حسبك علي) ؟ وقال له في بعضها: (ما الذي أبطأ بك) ؟ فالنبي صلى الله عليه واله وسلم كان عارفا به لكنة أبهم ولم يقل: ائتني بعلي، ليحصل التعيين من الله سبحانه فيعرف الناس أن عليا هو الاحب إلى الله تعالى بنحو الاستدلال). ومن الشبهات حول هذا الحديث ما في المواقف وشرحها وهو أنه لا يفيد أنه عليه السلام أحب إليه في كل شئ لصحة التقسيم وإدخال لفظ الكل والبعض ألا ترى أن يستإنه يصح فسر إن يستفسر ويقال: أحب إليه في كل الأشياء أو في بعض الأشياء ؟ فلا يدل على الأفضلية مطلقا.


(1) - دلائل الصدق، ج 2، ص 283. (2) - منهاج السنة، ج 4، ص 99. (3) - قال مصحح الكتاب: أتراه صلى الله عليه وآله أنه قال يوم خيبر: (لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) أكان لا يعرفه حين هذا القول ؟ ولو كان لا يعرفه فكيف أعطى الراية عليا ؟ على أن قبيل هذا الكلام انما يصدر ممن يكون عارفا بالمقصود وانما يكنى به ليكون أوضح في الدلاية، و هذا مالا يجهله من له آدنى المام بالادب. (استادولى)

[316]

وقال العلامة المظفر - رحمه الله - في جوابه: (إن الأطلاق مع عدم القرينة على الخصوص يفيد العموم في مثل المقام، ألا ترى أن كلمة الشهادة تدل على التوحيد ؟ وبمقتضى ما ذكره ينبغي أن لا تدل عليه لامكان الاستفسار بأنه لا إله إلا هو في كل شئ أو في السماء أو في الأرض، إلى غير ذلك فلا تفيد نفي الشرك مطلقا، وهذا لا يقوله عارف (1). ومن تلك الشبهات: أنه خبر واحد من أخبار الاحاد لأنه رواه أنس ابن مالك وحده. وأجابه الشيخ المفيد - رحمه الله -: بأن الامة بأجمعها قد تلقته بالقبول ولم يروا أن أحدا رده على أنس ولا أنكر صحته عند روايته، فصار الأجماع عليه هو الحجة في صوابه مع أن المتواتر قد ورد بأن أمير المؤمنين عليه السلام احتج به في مناقبه يوم الدار فقال: (أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء أحد غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: اللهم اشهد). فاعترف الجمبع بصحته، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام ليحتج ببالطل لاسيما وهو في مقام المنازعة (2). ولنختم بنقل كلام عن العلامة المجلسي - رحمه الله -: قال (ره) بعد ذكر أخبار الطير: (اعلم أن تلك الأخبار مع تواترها واتفاق الفريقين على صحتها تدل على كونه - صلوات الله عليه - أفضل الخلق وأحق بالخلافة بعد الرسول صلى الله عليه واله وسلم. أما دلالتها على كونه أفضل فلأن حب الله تعالى ليس إلا كثرة الثواب والتوفيق والهداية المرتبة على كثرة الطاعة والاتصاف بالصفات الحسنة كما برهن في محله أنه تعالى منزه عن الانفعالات والتغيرات، وإنما اتصافه


(1) - دلائل الصدق، ج 2، ص 438. (2) - البحار، ج 38، ص 358.

[317]

بالحب والبغض وأمثالهما باعتبار الغايات... فظهر أن حبه تعالى إنما يترتب على متابعة الرسول صلى الله عليه وله وسلم، فبثت أنه - صلوات الله عليه - أفضل من جميع الحلق. وإنما خص الرسول صلى الله عليه واله وسلم بالاجماع وبقرينة أنه كان هو القائل لذلك فالظاهر أن مراده أحب سائر الخلق إليه تعالى. وأما كونه أحق بالخلافة فلأن من كان أفضل من جميع الصحابة بل من سائر الأنبياء والأوصياء لا يجوز العقل تقدم غيره عليه (1).


(1) - البحار، ج 38، ص 358.

[318]

الفصل 7 غرر من الاخبار في تفضيل على وذريته عليهم السلام على جميع البرية 1 - عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (ما تكاملت النبوة لنبي في الأظلة (في عالم الأشباح) حتى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي، ومثلوا له فأقروا بطاعتهم و ولايتهم (1). 2 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (ما نبئ نبي قط إلا بمعرفة حقنا وبفضلنا على من سوانا (2). 3 - عن أبي جعفر عليه السلام: (وليايتنا ولياة الله التي لم يبعث ثبيا قط إلا بها (3). 4 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (ما من نبي نبئ ولا من رسول ارسل إلا بولايتنا و تفضيلنا على من سوانا (4).


(1) - البحار، ج 26، ص 281 و 280. (2) - المصدر. (3) - المصدر. (4) - المصدر.

[319]

5 - عن أبي الحسن عليه السلام: (ولاية علي عليه السلام مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله نبيا إلا بنبوة محمد صلى الله عليه واله وسلم ووصية علي عليه السام (1). 6 - عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (يا علي ما بعث الله نبيا ! إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعا أو كارها (2)). 7 - عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا حعفر عليه السلام يقول: (إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي عليه السلام، وأخذ عهد النبيين بولاية علي عليه السلام (3). 8 - عن المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (إن الله تبارك وتعالى توحد بملكه، فعرف عباده نفسه، ثم فوض إليهم أمره، وأباح لهم جنته، فمن أراد الله يطهر قلبه من الجن والأنس عرفه ولايتنا، ومن أراد أن يطمس على قلبه أسك عنه معرفتنا، ثم قال: يا مفضل والله ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي عليه السلام، وما كلم الله موسى تكليما إلا بولاية علي عليه السلام، و لا أقام الله عيسى ابن مريم آية للعالمين إلا بالخصوع لعلي عليه السلام، ثم قال: أجمل الأمر: ما استاهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا (4). 9 - وجد بخط مولانا أبي محمد العسكري عليه السلام: (أعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب، ونسوا الله رب الأرباب، والنبي وساقى الكوثر في مواقف الحساب، ولظى، والطامة الكبرى، ونعيم دار الثواب، فنحن السنام الأعظم، وفينا النبوة والولاية والكرم، ونحن منار الهدى، والعروة الوثقى، والأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا، ويقتفون آثارنا، وسيظهر حجة الله على الخلق بالسيف المسلول لأظهار الحق. وهذا خظ الحسن بن علي ابن محمد بن على بن موسى بن


(1) - البحار، ج 26، ص 281 و 280. (2) - المصدر. (3) - المصدر. (4) - البحار، ج 26، ص 294.

[320]

جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي أمير المؤمنين (1) 10 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك، وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا) الحديث (2). 11 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء بعدي على أفضل من علي بن أبي طالب، وإنه إمام امتي وأميرها، وإنه لوصيي وخليفتي عليها، من اقتدى به بعدي اهتدى، ومن اهتدى بغيره ضل وغوى، إنى أنا النبي المصطفى، ما أنطق بفضل علي بن أبي طالب عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، نزل به الروح المجتبى عن الذي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (2). 12 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (معاشر الناس فضلوا على فإنه أفضل الناس بعدي من ذكر وانثى، بنا أنزل الله الرزق، وبقى الخلق - الحديث (4). 13 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (خير من يمشي على وجه الأرض بعدي علي ابن أبي طالب (5). 14 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن الله فضل اولي العزم من الرسل بالعلم على الأنبياء، وورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في فضلهم، وعلم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما لا يعلمون، و علمنا علم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فروينا لشيعتنا، فمن قبل منهم فهو أفضلهم، وأبنما


(1) - البحار، ج 26، ص 264. (2) - البحار، ج 26، ص 335. (3) - كنز الفوائد، ص 208. (4) - الاحتجاج، ج 1، ص 75. (5) كشف الغمة ج 1 ص 157.

[321]

نكون فشيعنا معنا (1). 15 - عن أبي جعفر عليه السلام: (لقد سأل موسى العالم - يعني الخضر) مسألة لم يكن عنده جوابها، ولقد سأل العالم موسى مسألة لم يكن عنده جوابها، ولو كنت بينهما لأخبرت كل واحد منها بجواب مسألته، ولسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما جوابها (2). 16 - عن أبي جعفر عليه السلام: (يا عبد الله (يعني عبد الله بن الوليد السمان) ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسى عليهم السلام ؟ قال: قلت جعلت فداك ومن أي حالات تسألني ؟ قال: أسألك عن العلم، فأما الفضل فهم سواء. قال: قلت: جعلت فداك فما عسى أقول فيهم ؟ فقال: هو والله أعلم منهما (4). 17 - وجد في ذخيرة أحد حواري المسيح عليه السلام رق مكتوب بالقلم السرياني منقولا من التوارة وذلك: (لما تشاجر موسى والخضر عليهما السلام في قضية السفينة و الغلام والجدار ورجع موسى إلى قومه سأله أخوه هارون عما استعلمه من الخضر عليهما السلام في السفينة وشاهده من عجائب البحر. قال: بينما أنا والخضر على شاطئ البحر إذا سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة من ماء البحر ورمى بها نحو المشرق، ثم أخذ ثانية ورمى بها نحو المغرب، ثم أخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء، ثم أخذ رابعة ورمى بها نحو الأرض، ثم أخذ خامسة وألقاها في البحر، فبهت الخضر وأنا، قال موسى: فسألت الخضر عن ذلك فلم يجب وإذا نحن بصياد يصطاد، فنظر إلينا وقال: مالي أراكما في فكر وتعجب ؟ فقلنا: في أمر الطائر، فقال: أنا رجل صياد وقد علمت إشارته وأنتما نبيان لا تعلمان ؟ قلنا: ما نعلم إلا ما علمنا الله عزوجل، قال: هذا طائر في البحر يسمى مسلما لأنه إذا صاح يقول


(1) - البحار، ج 26، ص 199. (2) - البحار، ج 26، ص 195. (3) - البحار، ج 26، ص 194.

[322]

في صياحه (مسلم)، وأشار بذلك إلى أنه يأتي في آخر الزمان نبي يكون عليم أهل المشرق والمغرب وأهل السماء والأرض عند علمه مثل هذه القطرة الملقاة في البحر، ويرث علمه ابن عمه ووصيه (1).


(1) البحار ج 26 ص 199.

[323]

الفصل 8 فيما ورد من العلماء والمؤرخين في أفضلية على عليه السلام من جميع البشر 1 - روى ابن الكلبي قال: (بينا عمر بن عبد العزيز جالس في مجلسه إذ دخل عليه حاجبه وامرأة ادماء طويلة حسنة الجسم والقامة ورجلان متعلقان بها، ومعهم كتاب من ميمون بن مهران، فدفعوا إليه الكتاب، ففضه وقرأه، وكان فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، عن ميمون بن مهران: سلام عليك ورحمة الله وبركاته. أما بعد فقد ورد علينا أمر ضاقت به الصدور وعجزت عنه الأوساع، هربنا بأنفسنا ووكلناه إلى عالمه، يقول الله عزوجل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم (1). وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والآخر أبوها - يا أمير المؤمنين - زعم أن زوجها حلف بطلاقها أن علي بن أبي طالب خير هذه الامة وأولاها برسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأنه يزعم أن ابنته طلقت منه وأنه لا يجوز له في دينه أن يتحذه


(1) - النساء 4: 83.

[324]

سهرا، وهو يعلم أنها حرام عليه كأمه. وإن الزوج يقول: كذبت وأثمت فقد بر قسمي وصدقت مقالتي، وإنها امرأتي على رغم أنفك وغيظ قلبك، فاجتمعوا إلى يختصمون في ذلك، فسألت الرجل عن يمينه فقال: نعم قد كان ذلك وقد حلفت بطلاقها أن عليا خير هذه الامة وأولاها برسول الله صلى الله عليه واله وسلم، عرفه من عرفه، و أنكره من أنكره، وليرضى من رضي. فتسامع الناس بذلك فاجتمعوا إليه، وإن كانت الألسن مجتمعة والقلوب شتى، وقد علمت - يا أمير المؤمنين - اختلاف الناس في أهوائهم وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة، فأحجمنا عن الحكم لتحكم بما أراك الله وإنهما تعلقا بها، وأقسم أبوها أنه لا يدعها معه، وأقسم زوجها أن لا يفارقها ولو ضربت عنقه إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته والامتناع منه، فرفعناهم إليك - يا أمير المؤمنين - أحسن الله توفيقك وأرشدك). وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات: إذا ما المشكلات وردن يوما * فحارت في تأملها العيون وضاق القوم ذرعا من نباها * فأنت لها أبا حفص أمين لأنك قد حويت العلم طرا * وأحكمك التجارب والشؤون وحلفك الا له على البرايا * فحضك فيهم الخظ الثمين قال: فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني امية وأفخاذ قريش، ثم قال لأب المرأة: ما تقول أيها الشيخ ؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا الرجل وزجته ابنتي و جهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها، حتى إذا أملت خيره ورجوت صلاحه حلف بطلاقها كاذبا، ثم أراد الأقامة معنا، فقال عمر: يا شيخ لعله لم يطلق امرأته فكيف حلف ؟ فقال الشيخ: سبحان الله، إن الذي حلف أبين حنثا وأوضح كذبا من أن يختلج في صدري منه شك مع سني وعلمي، إنه زعم أن عليا خير هذه الامة وإلا امرأته طالق ثلاثا.

[325]

فقال للزوج: ما تقول ؟ هكذا طلقت ؟ قال: نعم، فقيل لما قال كاد المجلس يرتج بأهله وبنو امية ينظرون إلا أنهم لا ينطقون بشئ، كل ينظر إلى وجه عمر، فأكب عمر مليا ينكت الأرض بيده والقوم صامتون ينظرون ما يقول، ثم رفع رأسه وقال: إذا ولي الحكومة بين قوم * أصاب الحق والتمس السدادا وما خير الأنام إذا تعدى * خلاف الحق واجتنب الرشادا ثم قال للقوم: ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ فسكتوا، فقال: سبحان الله قولوا، فقال رجل من بني امية: هذا حكم فرج، ولسنا نجتري على القول فيه، وأنت عالم بالقول، مؤتمن لهم وعليهم، فقال: قل ما عندك فإن القول ما لم يحق باطلا أو يبطل حقا جائز علي في مجلسي. قال: لا أقول شيئا، فالتفت إلى رجل من بني هاشم من ولد عقيل بن أبي طالب، قال: ما تقول فيما حلف عليه هذا الرجل يا عقيلي ؟ فاغتنمها فقال: يا أمير المؤمنين إن جعلت قولي حكما، وحكمي جائزا قلت، وإن لم يكن ذلك فالسكوت أولى وأوسع لي وأبقى للمودة ؟ فقال: قولك حكم، وحكمك ماض. قال: فلما سمع ذلك بنو امية قالوا: ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين إذا جعلت الحكم إلى غيرنا ونحن من لحمتك واولى رحمك. فقال عمر: اسكتوا عجزا ولوما، عرضت دلك عليكم فما أبديتم له، فقالوا: ما أعطيتنا مثل ما أعطيت العقيلي و لاحكمتنا ما حكمته، فقال عمر: إ كتن أصاب وأخطاتم، وجز وعجزتم، و أبصر وعميتم فما ذنب عمر لا أبالكم ؟ أتدرون ما مثلكم ؟ قالوا لا ندري قال: لكن العقيلي يدرى، قال: ما تقول يا رجل ؟ قال يا أمير المؤمنين مثلهم كما قال الأول: دعيتم إلى أمر فلما عجزتم * تناوله من لا يداخله عجز فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم * نداما وهل يغني عن القدر الحرز

[326]

فقال عمر: أحسنت وأصبت فقل فيما سألتك، فقال: يا أمير المؤمنين بر قسمه و لم يطلق امرأته، فقال: وأنى علمت ذلك ؟ فقال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لفاطمة عليها السلام - وهو عندها في بيتها عائدا لها -: بنية ! ما علتك ؟ قالت: الوعك يا أبتاه وكان على غائبا في بعض حوائج النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال لها: أتشتهين شيئا ؟ فقالت: نعم، أشتهي عنبا وأنا أعلم أنه عزيز وليس بوقت عنب، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله قادر أن يجيئنا به، ثم قال: اللهم آتنا به مع أفضل امتي عندك منزلة. فطرق علي عليه السلام الباب فدخل ومعه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: ما هذا يا علي ؟ فقال: عنبى التمسته فاطمة عليها السلام، فقال الله اكبر الله أكبر، اللهم فكما سررتني بأن خمصت، فأكلت، وما خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى برئت. قال عمر: صدقت وبرت، أشهد لقد سمعته ووعيته، يا رجل خذ بيد امرأتك، فإن عرض لك أبوها فاهشم وجهه - الخبر (1). 2 - روي عن جماعة ثقاة انه: (لما وردت حرة بنت حليمة السعدية - رضي الله عنها - على الحجاج بن يوسف الثقفي فمثلت بين يديه، قال لها: أنت حرة بنت حليمة السعدية ؟ قالت له: فراسة من غير مؤمن. فقال لها: الله جاء بك فقد قيل عنك أنم تفضلين عليا على أبي بكر وعمر وعثمان، فقالت: لقد كذب الذي قال: إني أفضله على هؤلاء خاصة، قال: وعلى من غير هؤلاء ؟ قالت: افضله على آدم و نوح ولوط وإبراهيم وداود وسليمان وعيسى بن مريم:، فقال لها: ويلك إنك تفضلينه على الصحابة وتزيدين عليهم سبعة من الأنبياء من اولي العزم من الرسل ! إن لم تأتيني ببيان ما قلت ضربت عنقك.


(1) - احقاق الحق، ج 4، ص 292 الى 295 عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

[327]

فقالت: ما أنا مفضله على هؤلاء الأنبياء ولكن الله عزوجل فضله عليهم في القرآن بقوله عزوجل في حق آدم: فعصى آدم ربه فغوى (1) وقال في حق علي، و كان سعيكم مشكورا (2). قال: أحسنت يا حرة، فبما تفضلينه على نوح ولوط ؟ فقالت: الله عزوجل فضله عليهما بقوله: ضرب الله مثلا للذين كفروا إمرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (3) علي بن أبي طالب كان مع ملائكة الله تحت سدرة المنتهى،


(1) - طه، 20: 121. (2) - الانسان، 76: 22. (3) - التحريم، 66: 11. وقال تعالى بعدها: وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين * ومريم ابنة عمران التى احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا و صدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتينء قال الزمخشري. (في طي هذين التمثيلين تعريض بامي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر ونحوه في التغليظ قوله تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين و إشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الأخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين وأن لا تتكلا على أنهما زوجتا رسول الله فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح لأن امرأة لوط افشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) إذ قال تعالى: وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض. وبعد كلام العلامة الزمخشري لاحظ ما قاله العلامة الطبري وابن أبى الحديد وغيرهما في عائشة وكيفية عمله مع وصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو نفس الرسول وأخوه وزوج كريمته و نور بصره: (ولما انتهى إلى عائشة قتل علي - رضي الله عنه - قالت: فألقت عصاه واستقرت به النوى * كما قر عينا بالأياب المسافر فمن قتله ؟ فقيل: رجل من مراد. فقالت: فإن يك نائيا فقد نعاه * غلام ليس في فيه التراب

[328]

زوجته بنت محمد فاطمة الزهراء التى يرضى الله تعالى لرضاها ويسخط لسخطها. فقال الحجاج: أحسنت يا حرة، فبما تفضلينه على أبي الأنبياء إبراهيم خليل الله ؟ فقالت: الله عزوجل فضله بقوله: وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي (1)، ومولاي أمير المؤمنين قال قولا لا يختلف فيه أحد من المسلمين: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا)، وهذه


= فقالت زينب ابنة أبي سلمة: العلي تقولين هذا ؟ فقالت: إنى أنسى فإذا نسيت فذكروني، وكان الذي ذهب بنعيه سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص الزهري (تاريخ الطبري، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، ج 5: ص 150). ومعنى البيت: كما أن المسافر إذا جاء من السفر ألقى عصاه واستقر في مكانه وبيته، وقرت أعين الأبناء والأصدقاء بإيابه ومجيئه، كذلك قرت عينى من قتل علي، فلما وصل إليها قتل علي سألت: من قاتله ؟ قيل: رجل مرادي قالت: وإن كان قاتل علي سألت: وبعيدا إلا من أخبرني بقتله غلام ليس في فيه التراب لانه من بني امية. قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج)، (ج 9: ص 198): (ماتت فاطمة فجاءت نساء رسول الله كلهن إلى بني هاشم في العزاء، إلا عائشة فإنها لم تأت وأظهرت مرضا، ونقل إلى علي عليه السلام عنها كلام يدل على السرور) ووفي (صحيح البخاري)، (ج 1: ص 160، ط محمد علي صبيح وأولاده) (قالت عائشة: لما ثقل النبي صلى الله عليه واله وسلم واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض، وكان بين العباس ورجل آخر. قال عبد الله: قد ذكرت ذلك لابن عباس ما قالت عائشة، فقال لي: هل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة ؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب). وقال علي عليه السلام في الخطبة 154 من (النهج): (أما فلانة فأدركها رأى النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلى لم تفعل). وقال محمد عبده في شرح هذه الكلام: (المرجل: القدر. والقين - بالفتح - الحداد. اي أن ضغينتها وحقدها كانا دائمي الغليان كقدر الحداد فانه يغلي ما دام يصنع، ولو دعا أحد لتصيب من غيري غرضا من الأساءة والعدوان مثل ما أتت إلي - أي فعلت بي - لم تفعل لأن حقدها كان علي خاصة). وقال العلامة الخوئي في (شرح النهج)، (ج 9: ص 281، ط طهران) (عن مسروق، قال: دخلت على عائشة وعندها غلام أسود يقال له عبد الرحمن، قالت: أتدري لم سميته عبد الرحمن ؟ قلت: لا، قالت: حبا مني لعبد الرحمن ابن ملجم)، (وأيضا الطوسي: تلخيص الشافي، ج 4: ص 158). (1) - البقرة، 2: 260.

[329]

كلمة ما قالها أحد قبله ولابعده. فقال: أحسنت يا حرة، فبما تفضلينه على موسى كليم الله ؟ قالت: يقول الله عزوجل: فخرج منها خائفا يترقب (1)، وعلي بن أبي طالب عليه السلام بات على فراش رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لم يخف حتى أنزل الله تعالى في حقه: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله (2). قال الحجاج: أحسنت يا حرة، فبما تفضلينه على داود وسليمان عليها السلام ؟ قالت: الله تعالى فضله عليهما بقوله عزوجل: يا داود إنا جعلناك خليفة في الاءرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله (3). فقال لها: في أي شئ كانت حكومته ؟ قالت: في رجلين رجل كان له كرم (4) والاخر له غنم، فنفشت الغنم بالكرم فرعته، فاحتكما إلى داود عليه السلام فقال: تباع الغنم وينفق ثمنها على الكرم حتى يعود إلى ما كان عليه. فقال له ولده: لا، يا أبه، بل يؤخذ من لبنها وصوفها. قال الله تعالى. ففهمناها سليمان (5)، وإن مولانا أمير المؤمنين عليا عليه السلام قال: (سلوني عما فوق العرش، سلوني عما تحت العرش، سلوني قبل أن تفقدوني)، إنه عليه السلام دخل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم فتح خيبر فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم للحاضرين: (أفضلكم وأعلمكم وأقضاكم علي). فقال لها: أحسنت، فبما تفضلينه على سليمان عليه السلام ؟ فقالت: الله تعالى فضله عليه


(1) - القصص، 28: 18. (2) - البقرة، 2: 207. (3) - ص، 38: 26. (4) - شجرة العنب تسمى كرما لان فيها خيرا. (5) - الأنبياء، 21: 79. قال تعالى قبلها: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما... * قال العلامة الطباطبائي: (الحرث: الزرع، و الحرث أيضا: الكرم. والنفش رعي الماشية بالليل). وفيه أيضا: (إن المراد بقوله (إذ يحكمان) إذ يتناظران أو يتشاوران لا إصدار الحكم النافذ). وفيه أيضا: (فإن كان سليمان يداخل في حكم الواقعة فعن إذن منه، و لحكمة ما، ولعلها إظهار أهليته للخلافة بعد داود (الميزان، ج 14: ص 340).

[330]

بقوله تعالى: (رب (اغفر لي و) هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي (1)، ومولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: (طلقتك يا دنيا، ثلاثا لا حاجة لي فيك)، فعند ذلك أنزل الله تعالى فيه: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا (2). فقال: أحسنت يا حرة، فبما تفضلينه على عيسى ابن مريم عليه السلام ؟ قالت: الله تعالى عزوجل فضله بقوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به... * (3) فأخر الحكومة إلى يوم القيامة، وعلى بن ابى طالب لما ادعوا النصيرية فيه ما ادعوه قتلهم ولم يؤخر حكومتهم، فهذه كانت فضائله لا تعد بفضائل غيره. قال: أحسنت يا حرة، خرجت من جوابك، ولولا ذلك لكان ذلك، ثم أجازها وأعطاها وسرحها سراحا حسنا، رحمة الله عليها (4).


(1) - ص 351. وقال العلامة الطباطبائي في (الميزان)، (ج 17: ص 216): (وربما استشكل في قوله و هب لي ملكا لا ينبغى لأحد من بعدي أن فيه ضنا وبخلا، فإن فيه اشتراط أن لا يؤتى مثل ما أوتيه من الملك لأحد من العالمين غيره. ويدفعه أن فيه سؤال ملك يختص به لا سؤال أن يمنع غيره عن مثل ما اتاه و يحرمه. ففرق بين أن يسأل ملكا إختصاصيا، وأن يسأل الأختصاص بملك اوتيه). وقال صاحب (الكشاف) (ج 3: ص 375): (كان سليمان عليه السلام ناشئا في بيت الملك والنبوة ووارثا لهما، فأراد من ربه معجزة فطلب على إلفه ملكا زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الأعجاز ليكون ذلك دليلا على نبوته قاهرا للمبعوث إليهم... وعن الحجاج أنه قيل: إنك حسود، فقال: احسد مني من قال: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي كما حكى عنه: طاعتنا أوجب من طاعة الله لأنه شرط في طاعته فقال: فاتقوا الله ما استطعتم وقال: واولى الامر منكم فاطلق طاعتنا وهذا من جرأته على الله وشيطنته) (2) - القصص، 28: 83. (3) - المائدة، 5: 116 و 117. (4) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 46: ص 134.

[331]

3 - مناظرة قيمة ظريفة للمأمون العباسي - في أفضلية علي عليه السلام - مع الفقهاء و في طويلة نختار ونقتطف منها موضع الحاجة: (ثم قال (يحيى بن أكثم): إنى لم ابعث فيكم لهذا (يعنى مسألة فقهية دارت بينهم) ولكني أحببت أن انبئكم أن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه والذي يدين الله به، قلنا: فليفعل أمير المؤمنين - وفقه الله -، فقال: إن أمير المؤمنين يدين الله على أن علي بن أبي طالب خير خلق الله بعد رسوله صلى الله عليه واله وسلم و أولى اللناس بالخلافة له. المأمون: يا إسحاق أي الأعمال كان أفضل يوم بعث الله رسوله ؟ قال إسحاق: الأخلاص بالشهادة، قال: أليس السبق إلى الأسلام ؟ قلت: نعم، قال: اقرء ذلك في كتاب الله تعالى يقول: والسابقون السابقون اولئك المقربون (1)، إنما عنى من سبق إلى الأسلام، فهل علمت أحدا سبق عليا إلى الأسلام ؟ قلت: يا أمير المؤمنين ! إن عليا أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم، قال: اخبرني أيهما أسلم قبل ؟ ثم اناظرك من بعده في الحداثة والكمال، قلت: علي حين أسلم لا يخلو من أن يكون رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دعاه إلى الأسلام، أو يكون إلهاما من الله، قال: فأطرقت، فقال لي: يا إسحاق ! لا تقل إلهاما فتقدمه على رسول الله، لأن رسول الله لم يعرف الأسلام حتى أتاه جبرئيل عن الله تعالى. قلت: أجل: بل دعاه رسول الله إلى الأسلام. قال: يا إسحاق ! فهل يخلو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر الله أو تكلف ذلك من نفسه ؟ قال: فأطرقت: فقال: يا إسحاق لا تنسب رسول الله إلى التكلف فإن الله يقول: وما أنا من المتكلفين (2)، قلت: أجل، يا أمير المؤمنين ! دعاه بأمر الله. قال:


(1) - الواقعة، 56: 10. (2) - ص، 38: 86.

[332]

فهل من صفة الجبار - جل ثناؤه - أن يكلف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم ؟ قلت: أعوذ بالله، فقال: أفتراه في قياس قولك، يا إسحاق أن عليا أسلم صبيا لا يجوز عليه الحكم قد كلف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون فهو يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة فلا يجب عليهم في ارتدادهم شئ ولايجوز عليهم حكم الرسول صلى الله عليه واله وسلم أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى الله عزوجل ؟ قلت: أعود بالله - الخبر (1). 4 - عن الشيخ الأجل أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق (المتوفى سنة 381) - رحمه الله -: (يجب أن نعتقد أن الله عزوجل لم يخلق خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه واله وسلم والأئمة عليهم السلام وأنهم أحب الخلق إلى الله و أكرمهم وأولهم إقرارا به لما أخذ الله ميثالق النبيين (يعني في الذر)... وأن الله عزوجل أعطى ما أعطى كل نبي على قدر معرفته ومعرفة نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم وسبقه إلى الاقرار به، ونعتقد أن الله تبارك وتعالى خلق جميع الخلق له ولأهل بيته، وأنه لولاهم لما خلق الله سبحانه السماء ولا الأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم و لا حواء ولا الملائكة ولا شيئا مما خلق - صلوات الله عليهم أجمعين - (2). 5 - عن عميد الطائفة وزعيمها الشيخ المفيد - رحمه الله -: (يجب على كل مكلف أن يعرف إمام زمانه، ويعتقد إمامته وفرض طاعته، وأنه أفضل أهل عصره وسيد قومه وأنهم في العصمة والكمال كالأنبياء عليهم السلام، ويعتقد أن كل رسول من الله تعالى فهو نبي إمام، وليس كل إمام نبيا... وأنهم الحجة على كافة الأنام كالأنبياء عليهم السلام، وأنهم أفضل خلق الله بعد نبيه صلى الله عليه واله وسلم (3). 6 - وعنه - رحمه الله - بعد ذكر الأختلافات في هذا الباب: (فاستدل من حكم


(1) - ابن عبد ربه: العقد الفريد / تحقيق: الدكتور عبد المجيد الترحينى، ج 5: ص 351. (2) - عقائد الصدوق (المطبوع مع شرح باب حادى عشر)، ص 97. (3) - المفيد: المقنعة، ص 3، ط (مكتبة الداورى) - قم -.

[333]

لأمير المؤمنين عليه السلام بأنه أفضل من سالف الأنبياء عليهم السلام وكافة الناس سوى نبي الهدى صلى الله عليه واله وسلم بأن قال: قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أفضل من كافة البشر بدلائل تسلمها أكثر من الحصر، وقوله صلى الله عليه واله وسلم: أنا سيد البشر وقوله: أنا سيد ولد آدم و لا فخر، وإذا ثبت أنه عليه السلام أفضل البشر وجب أن يليه أمير المؤمنين عليه السلام بالفضل بدلالته على ذلك وما قام عليه البرهان، فمن ذلك أنه صلى الله عليه واله وسلم لما دعا نصارى نجران إلى المباهلة ليوضح عن حقه ويبرهن عن ثبوت نبوته ويدل على عنادهم في مخالفتهم له صلى الله عليه واله وسلم بعد الذي أقامه من الحجة عليهم، جعل عليا في مرتبة الحكم بأنه عدله، وقضى له بأنه نفسه، ولم يحطه عن مرتبته في الفضل، وساوى بيني و بينه، فقال مخبرا عن ربه عزوجل بما حكم به من ذلك وشهد وقضى وأكد فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا و نساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (1) فدعا الحسن والحسين للمباهلة فكانا ابنيه في ظاهر اللفظ، ودعا فاطمة عليها السلام وكانت المعبر عنها بنسائه، ودعا أمير المؤمنين عليه السلام وكان المحكوم له بأنه نفسه، وقد علمنا أنه لم يرد بالنفس إفادة العدل والمثل ومن يحل منه في العز والأكرام والمودة والصيانة و الأيثار والأعظام والأجلال محل ذاته عند الله فيما فرض الله عليه من الأعتقاد بها، ولو لم يدل من دليل خارج على أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أفضل من أمير المؤمنين عليه السلام لقضي هذا الأعتبار بالتساوي بينهما في الفضل والرتبة ولكن الدليل أخرج ذلك وبقي ما سواه بمقتضاه. ومن ذلك (أي من أدلة الأفضلية): أنه صلى الله عليه واله وسلم جعل أحكام ولائه (ولاء علي عليه السلام) أحكام ولاء نفسه، وحكم عداوته كحكم العداوة له على الانفراد... و إذا كان الحكم بذلك من حيث ما وصفناه وجب أن يكون مساويا له في الفضل


(1) - آل عمران، 3: 61.

[334]

الذي أوجب له من هذه الحال وإلا لم يكن له وجه في الفضل، وهذا كالأول فيما ذكرنا، فوجب التساوى بينهما في كل حال إلا ما أخرجه الدليل من فضله صلى الله عليه واله وسلم. ومن ذلك: قوله عليه السلام المروي عن الفئتين الخاصة والعامة: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجاء علي عليه السلام... وإذا ثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام أحب الخلق إلى الله تعالى فقد وضح أنه أعظمهم ثوابا عند الله و أكرمهم عليه، وذلك لا يكون إلا بكونه أفضلهم عملا وأرضاهم فعلا وأجلهم في مراتب العابدين، وعموم اللفظ بأنه أحب خلق الله إليه تعالى على الوجه الذي فسرناه وقضينا يقضي بأنه أفضل من جميع البشر - رحمه الله - إلخ (1) ومن ذلك: ما جاءت الأخبار على التظاهر والأنتشار، ونقله رجال العامة و الخاصة على التطابق والاتفاق عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: أن أمير المؤمنين عليه السلام يلي معه الحوض يوم القيامة، ويحمل بين يديه لواء الحمد إلى الجنة، وأنه قسيم الجنة و النار، ويوضع له منبر، وأنه يعلو ذروته وأعلاه، ويجلس أمير المؤمنين عليه السلام دونه بمرقاة، ويجلس الأنبياء - صلوات الله عليهم - دونها، وأنه يدعى صلى الله عليه واله وسلم فيلبس حلة اخرى، وأنه لا يجوز الصراط يوم القيامة إلا من معه براءة من علي بن أبي طالب عليه السلام). وقال رحمه الله: فمنها (أي من الأخبار والأحاديث التي تدل على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام): قول أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام: (والله، ولو لم يخلق علي بن أبي طالب عليه السلام لما كان لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كفو من الخلق من، آدم فمن دونه)، وقوله عليه السلام: (وكان يوسف نبيا وابن نبي ابن خليل الله، وكان صديقا رسولا ؟ وكان والله، أبي، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل منه) و قوله عليه السلام وقد سئل عن أمير المؤمنين عليه السلام: ما كانت منزلته من النبي صلى الله عليه والله وسلم ؟ قال عليه السلام:


(1) - في المصدر سقط، أو خلط، أوردنا الكلام بالمعنى.

[335]

(لم يكن بينه وبينه فضل سوى الرسالة)، وجاء مثل ذلك بعينه عن أبيه أبي جعفر و أبي الحسن وأبي محمد الحسن العسكري، وقولهم بالآراء المشهورة: (لولا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام لم يخلق الله سماء ولا أرضا ولا جنة و لا نارا)، وهذا يفيد فضلهما بالأعمال وتعلق الخلق في مصالحهم بمعرفتهما و الطاعة لهما والتعظيم والأجلال). وقال رحمه الله: (وقد روت العامة من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري وأبي سعيد الخدري - رحمهما الله تعالى - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: (علي خير البشر). وهذا نص في موضع الخلاف. وروي عنها (أي عائشة) أنها قالت في الخوارج حين ظهر أمير المؤمنين عليه السلام وقتلهم: (ما يمنعني ما بيني وبين علي بن أبي طالب أن أقول فيه ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيه وفيهم، سمعته يقول: هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة). ورووا عن جابر بن عبد الله الأنصاري إنه قال: (علي سيد البشر، لا يشك فيه إلا كافر). والأخبار في هذه كثيرة، وفيما اثبتناه مقنع، والأحتجاج بكل خبر منها له وجه، والأصل في جميعها منهجه ما ذكرناه، والله ولي التوفيق (1). 6 - عن العلامة الجليل محمد بن علي بن عثمان الكراجكي رحمه الله: (الذي نذهب إليه في ذلك هو أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه - أفضل من جميع البشر ممن تقدم وتأخر سوى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وعلى هذا القول إجماع الشيعة الأمامية، ولم يخالف فيه منهم إلا الأصاغر الذين حادوا عن الطريق المعروفة بماهم عليه من إهمالهم (2)). 7 - عن نابغة عصره، يحيى بن الحسن الحلي، المعروف بابن البطريق (المتوفى


(1) - رسالة التفضيل من كتاب (عدة رسائل) للشيخ المفيد، (ص 200 الى 205)، ط مكتبة المفيد - قم، (أوردناه بالتلخيص). (2) - التفضيل، ص 2.

[336]

سنة 600): (فأما ما يدل على أن ولايته عليه السلام أعظم من سائر الفروض وآكد من جميع الواجبات فهو قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (1)، فولايته قامت مقام النبوة لأن بصحة تبليغها عن الله ينفع شهادة أن لاإله إلا الله، وعدم تبليغها يبطل تبليغ الرسالة، فإذا حصلت صح تبليغ الرسالة، ومتى عدم التبليغ بهذا الأمر لا يجدي تبليغ الرسالة، وما كان شرطا في صحة وجود أمر من الأمور ماصح وجوده إلا بوجوده ووجب كوجوبه... وأما القسم الثاني: وهو أنه عليه السلام أفضل رتبة من المتقدمين والمتأخرين من الأنبياء والصديقين هو أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أفضل الأنبياء، ورسالته أفضل الرسالات، و قد أمر القديم سبحانه وتعالى سيد رسله صلى الله عليه واله وسلم بإبلاغ فرض ولاية أمير المؤمنين - صلى الله عليه - وجعل في نفس وجوب أداء تبليغ ولايته سبب صحة تبليغ رسالته و أنه لم يصح تبليغ هذه الرسالة التي هي أفضل الرسالات إلا بتبليغ ولايته - صلى الله عليه. وعلى هذا حيث ثبت الولاية كثبوت هذه الرسالة صارت شيئا واحدا، وإذا كانت إمامته كرسالته صار نفس هذه كنفس هذه وفضلها كفضلها، إذ ليس يوجد من خلق الله تعالى من نفسه كنفس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سواه بدليل قوله تعالى في آية المباهلة: (وأنفسنا وأنفسكم)، فجعله تعالى نفس رسوله صلى الله عليه واله وسلم، فإذا كان نفس الرسول وولايته نفس ولايته كما قدمناه بطلت مماثلته من كافة خلق الله تعالى (2). 8 - قال الفخر الرازي، ذيل الاية الكريمة: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض (3): (أجمعت الامة على أن بعض الأنبياء: أفضل من بعض، وعلى أن محمدا صلى الله عليه واله وسلم أفضل من الكل، ويدل عليه من وجوه، أحدها قوله تعالى: وما


(1) - المائدة، 5: 67. (2) - خصائص الوحى المبين في مناقب أمير المؤمنين، ص 58، ط وزارة الارشاد. (3) - البقرة، 2: 253.

[337]

أرسلناك إلا رحمة للعالمين (1) فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين (2). أقول: إن هذا الدليل بعينه يدل على أن عليا عليه السلام أفضل من الكل لأنه عليه السلام عديل النبي ونفسه صلى الله عليه واله وسلم بنص آية المباهلة كما اعترف وأذعن به الفخر الرازي فإنه في ذيل آية المباهلة بعد نقل كلام محمود بن الحسن الحمصي، وهو كلام جيد في أفضلية علي على الأنبياء - وقد قدمناه في كتابنا هذا (ص 200) مفصلا - قال: (و أما سائر الشيعة (يعني غير المحمود) فقد كانوا قديما وحديثا يستدلون بهذه الاية على أن عليا - رضي الله عنه - مثل نفس محمد صلى الله عليه واله وسلم إلا علي عليه السلام أفضل أيضا من سائر الصحابة. هذا تقرير كلام الشيعة (3) - انتهى. فإن الفخر لم يخالف الشيعة في هذا الكلام ولم يناقشها كأنه أقر وأذعن بأن عليا نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم مع أنه إمام المشككين. نعم، ناقش الشيعة من جهة اخرى لم نطل المقال بذكرها. يقول الازري رحمه الله: هو في آية التباهل * نفس النبي لاغيره إياها فعلى هذا كما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم أفضل من الكل يكون نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم أفضل من الكل. قال الازري رحمه الله: لك ذات كذاته حيث لولا * أنها مثلها لما آخاها وقال - أيضا: (إن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه واله وسلم أفضل الأنبياء. بيان الأول: أنه تعالى جعل الأسلام ناسخا لسائر الأديان والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام: (من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها


(1) - الانبياء، 21: 158. (2) - الرازي: التفسير الكبير، ج 6: ص 208. (3) - الرازي: التفسير الكبير، ج 8: ص 86.

[338]

إلى يوم القيامة) فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا كان واضعه أكثر ثوابا. من واضعي سائر الأديان، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه واله وسلم من سائر الانبياء (1)). أقول: إذا كان المعيار في الأفضلية أكثرية الثواب كما هوالحق فيكون علي عليه السلام أفضل من جميع الأنبياء حتى اولي العزم من الرسل، لأنه عليه السلام أكثر ثوابا وأكرم منزلة عند الله تعالى، والشاهد على ذلك أخبار كثيرة من طرق العامة والخاصة، وقد أسلفناها فيما مر، ومنها: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي ابن أبي طالب عليه السلام: (يا أبا الحسن يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام: (من سن سنة حسنة فله أجرها من عمل بها إلى يوم القيامة) فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الاديان فليزم أن محمد صلى الله عليه واله وسلم أفضل من سائر الانبياء (2)) أقول: إذا كان المعيار في الأفضلية أكثرية الثواب كما هو الحق فيكون علي عليه السلام أفضل من جميع الأنبياء حتى اولي العزم من الرسل، لأنه عليه السلام أكثر ثوابا وأكرم منزلة عند الله تعالى، والشاهد على ذلك أخبار كثيرة من طرق العامة والخاصة، وقد أسلفناها فيما مر، ومنها: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي ابن أبي طالب عليه السلام: (يا أبا الحسن لو وضع إيمان الخلائق وأعمالهم في كفة ميزان، ووضع عملك يوم احد على كفة اخرى لرجح عملك على جميع ما عمل الخلائق، وإن الله باهى بك يوم أحد ملائكته المقربين، ورفع الحجب من السماوات السبع وأشرفت إليك الجنة وما فيها وابتهج بفعلك رب العالمين، وإن الله تعالى يعوضك ذلك اليوم ما يغبطه كل نبي ورسول وصديق وشهيد (3). ومنها: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم الأحزاب: (لضربة علي يوم الخندق أفضل من


(1) - الرازي: التفسير الكبير، ج 6: ص 196. (2) - الرازي: التفسير الكبير، ج 6: ص 196. (3) - ينابيع المودة، ص 64. (*)

[339]

عبادة الثقلين (1)، ويقول الازري رحمه الله: لا فتى في الوجود إلا علي * ذاك شخص بمثله الله باهى وقال - أيضا: (إن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لامور، منها: كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم، وحصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف، وهي بالجملة على أقسام... ومنها ما يتعلق بالعلوم، كالأخبار عن الغيوب، وفصاحة القرآن (2). أقول: ما قاله الفخر الرازي كلام صحيح لا يعتريه ريب ولا يختلج به وهم لأنه صلى الله عليه واله وسلم كما قال البوصيري: فاق النبيين في خلق وفي خلق * ولم يدانوه في علم ولا كرم وكل آي أتى الرسل الكرام بها * فإنها اتصلت من نوره بهم وكلهم من رسول الله ملتمس * غرفا من اليم أو رشفا من الديم نعم، هو صلى الله عليه واله وسلم مدينة المعارف والايات والعلوم والحقائق، ولكن لا يمكن لأحد أن يصل إلى مدينة العلم إلا من بابها وهو ولينا علي عليه السلام. يقول الازري رحمه الله: إنما المصطفى مدينة علم * وهو الباب من أتاه أتاها وقال العلامة المناوي الشافعي: (فإن المصطفى صلى الله عليه واله وسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها، ولابد للمدينة من باب، فأخبر أن بابها هو علي - كرم الله وجهه -، فمن أخذ طريقه دخل المدينة، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى). وقال - أيضا: (علي بن أبي طالب هو الباب الذي يدخل منه إلى الحكمة، فناهيك بهذه المرتبة ما أسناها، وبهذه المنقبة ما أعلاها، ومن زعم أن المراد بقوله: (علي بابها) أنه مرتفع من العلو وهو إلارتفاع فقد تمحل لغرضه الفاسد بما


(1) - الفخر الرازي: نهاية العقول في دراية الاصول، (على ما في ذيل احقاق الحق، ج 6: ص 5). وفي (المواقف) (ط اسلامبول ص 617) (كما في المصدر السابق: (لضربة على خير من عبادة الثقلين). (2) - الرازي تفسير الكبير، ج 6: ص 197.

[340]

لا يجزيه ولا يسمنه ولا يغنيه (1). وقال العلامة الطريحي، في مادة (بوب): (وفي الخبر الصحيح: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب). رواه الكثير منهم، ونقل عليه بعضهم إجماع الامة لأنه جعل نفسه الشريفة تلك المدينة، ومنع الوصول إليها إلا بواسطة الباب، فمن دخل منه كان له عن المعصية مندوحة، وفاز فوزا عظيما، و اهتدى صراطا مستقيما، نقل أن سبب الحديث أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال له: طمش طاح، فغادر شبلا، لمن النشب ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: للشبل مميطا، فدخل علي عليه السلام فذكر له النبي صلى الله عليه واله وسلم لفظ الأعرابي، فأجاب بما أجاب به النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). ومن لطيف ما نقل هنا أن أعرابيا دخل المسجد فبدأ بالسلام على علي عليه السلام، ثم سلم على النبي صلى الله عليه واله وسلم، فضحك الحاضرون وقالوا له في ذلك، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه واله وسلم النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، فقد فعلت كما أمر صلى الله عليه واله وسلم). أقول: الطمش - بالكسر - الناس، يقال: ما أدري أي الطمش هو، أي أي الناس. وطاح: هلك، وسقط، وأشرف على الهلاك. والمغادرة: الترك، وأغدر الشئ: تركه وأبقاه، والشبل: ولد الأسد، وشبل الغلام أحسن شبول إذا نشأ، و الميط: الشئ، وما عنده ميط أي ما عنده شئ (2). ومعنى الخبر: رجل مات و هلك، وترك ولدا، لمن المتاع والتركة ؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: التركة للولد. وفي (تاريخ بغداد)، عن جابر بن عبد الله، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم الحديبية - وهو آخذ بيد علي - يقول: هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله - يمد بها صوته - أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد


(1) - فيض القدير، ج 3، ص 46، ط بيروت. (2) - هذه المعاني منقولة من لسان العرب.

[341]

البيت فليأت الباب (1). و - أيضا - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها (2). و - أيضا - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، ومن أراد الحكمة فليأت الباب (3). و - أيضا - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة الجنة وعلي بابها، فمن أراد الجنة فليأتها من بابها (4). وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (وأنا مدينة الفقه وعلي بابها (5) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أتاني جبرئيل عليه السلام بدرنوك من درانيك الجنة، فجلست عليه، فلما صرت بين يدي ربى كلمني وناجاني فما علمني شيئا إلا علمه علي، فهو باب مدينة علمي (6). ويقول شمس الدين المالكي - المتوفى 780 -: وقال رسول الله: إني مدينة من العلم وهو الباب والباب فاقصد (7) ويقول العارف الكبير ابن فارض المصري: وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا * علي بعلم ناله بالوصية وذكر الفخر الرازي أيضا: (أن أهل بيته صلى الله عليه واله وسلم يساوونه في خمسة أشياء: في


(1) - تاريخ البغداد، ج 2، ص 377 ط مطبعة السعادة بمصر. (2) - المصدر السابق، ج 11، ص 48 - 50. (3) - تاريخ البغداد، ج 7، ص 173، و 11، ص 204، وينابيع المودة، ص 38. والمناقب، لابن المغازلى، ص 87. (4) - مناقب ابن المغازلى 7 ص 86 و 50. (5) - سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص، ص 29. (6) - ابن المغازلي: مناقب علي بن ابي طالب، صص 86 و 50. (7) - اميني: الغدير، ج 6: ص 58.

[342]

السلام، قال: السلام عليك أيها النبي، وقال: سلام على آل ياسين (1). وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهد، وفي الطهارة، قال تعالى: (طه) أي، يا طاهر ! وقال: و يطهركم تطهيرا (2)، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبة، قال تعالى: فاتبعوني يحببكم الله (3)، وقال: قل لاأسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (4). وقال - أيضا - في تفسيره: (وأنا أقول: آل محمد صلى الله عليه واله وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الال، ولاشك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أشد التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الال، و - أيضا - اختلف الناس في الآل فقيل: هم الأرقاب، وقيل: هم امته، فإن حملناه على القرابة فهم الال، وإن حملناه على الامة الذين قبلوا دعوته فهم - أيضا - آل، فثبت أن على جميع التقادير هم الال، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الال ؟ فمختلف فيه (5). 9 - عن ابن أبى الحديد، قال: (وفي خطبة الحسن بن علي عليهما السلام لما قبض أبوه: (لقد فارقكم في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الاخرون، كان يبعثه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للحرب وجبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره). وعنه جاء في الحديث أنه سمع يوم احد صوت من الهواء من جهة السماء يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولافتى إلا علي... فقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه صلى الله عليه وآله، قال: (يا جبرئيل ! إنه (يعني عليا) مني وأنا منه (6).


(1) - الصافات، 37: 120. (2) - الاحزاب، 33: 33. (3) - آل عمران، 3: 31. (4) - الشورى، 42: 23. راجع (الصواعق المحرقة)، ص 147 و (فرائد السمطين)، ج 1: ص 35. (5) - الرازي: التفسير الكبير، ج 27، ص 166. (6) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 7: ص 219.

[343]

وقال في قصيدته الاولى من العلويات السبع - وهي قصيدة طويلة تشتمل على فتح خيبر -: فما ماس موسى في رداء من العلى * ولا آب ذكرا بعد ذكرك أيوب المعنى: ماس، إذا تبختر في مشيه. وفي هذا البيت تصريح بتفضيله على الأنبياء عليهم السلام، والمعنى أن موسى عليه السلام لم يشتمل على علاء كامل، بل علاك أكمل و لم يرجع أيوب بذكر ما آبه بل ذكرك آبه (1). تقيلت أفعال الربوبية التي * عذرت بها من شك أنك مربوب المعنى: تقيلت أي أشبهت، يقال: تقيل فلان أباه إذا أشبهه، وذلك لأنه عليه السلام كان يصدر عنه ما لا يصدر عن البشر كالحكم بالمغيبات وغير ذلك، وقوله (عذرت بها) يريد المبالغة والمجاز، إذ العذر الحقيقي في هذا كفر (2) ويا علة الدنيا ومن بدء خلقها له * وسيتلو البدء في الحشر تعقيب المعنى: علة الدنيا إي سبب وجودها، وقد وردت الأخبار بأن الأئمة عليهم السلام سبب وجودها (3). وقال في قصيدته الخامسة في وصفه عليه السلام: ووارث علم المصطفى وشقيقه * أخا ونظيرا في العلى والأواصر المعنى: الشقيق أي الأخ، والأواصر جمع الاصرة وهي القرابة وكل ما يعطف على الأنسان من رحم أو صهر أو معروف، يعني إنه اشتق من النبي صلى الله عليه واله وسلم فماثله في علاه وخلائقه الكريمة (4). وقال في قصيدته السابعة من العلويات السبع:


(1) - الروضة المختارة في شرح القصائد، ص 97 - 99، ط بيروت. (2) - الروضة المختارة في شرح القصائد، ص 97 و 98، ط بيروت. (3) - الروضة المختارة في شرح القصائد، ص 97 و 98، ط بيروت. (4) - المصدر السابق، ص 124.

[344]

يا برق إن جئت الغري فقل له * أتراك تعلم من بأرضك مودع فيك ابن عمران الكليم وبعده * عيسى يقفه وأحمد يتبع بل فيك جبرئيل وميكائيل وإس‍ * - رافيل والملأ المقدس أجمع بل فيك نور الله جل جلاله * لذوي البصائر يستشف ويلمع فيك الأمام المرتضى فيك الوص‍ * - ي المجتبى فيك البطين الأنزع المعنى: يقفه أي يتبعه، والملأ المقدس إشارة إلى باقي الملائكة، وأما كون النبيين والملائكة في قبره فلانه حوى، ما حووه من الفضل، فكأنه كلهم فيه. وذكر موسى وعيسى وهما من اولى العزم ليحصل الاتصال بنبينا صلى الله عليه واله وسلم وإن كان أفضل الخلائق فإن عليا عليه السلام نفسه بنص القرآن المجيد والأخبار، وإنما بدأ بالنبيين لأن الملائكة على رأي المعتزلة أفضل من النبيين، فكأنه ارتقى عن درجة النبيين إلى الملائكة، ثم ارتقى إلى الدرجة العليا وهو نور الله الذي لا يطفأ (1). هذا ضمير العالم الموجود عن * عدم وسر وجوده المستودع المعنى: ضمير العالم وسره بمعنى واحد، والعالم كل موجود سوى الله، وآل محمد صلى الله عليه واله وسلم سر العالم المستودع عند اولي العلم، إذ لولاهم ما أوجد العالم، فسر الوجود هو ما علمه الله تعالى من المصالح في إيجاد هذا العالم بسبب محمد وآل محمد:، حيث كانوا ألطافا لا يصح التكليف إلا بهم، ولا يقوم غيرهم مقامهم (2). هذا هو النور الذي عذباته * كانت بجبهة آدم تتطلع المعنى: عذباته أي أطرافه، لأن عذبه اللسان والصوت طرفاهما، ويريد بالنور نور النبوة المنتقل من آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم وإنه ابن عمه وقسيمه في الشرف (3). وشهاب موسى حيث أظلم ليله رفعت له لألاؤه تتشعشع


(1) - الروضة المختارة، ص 139 و 140. (2) - الروضة المختارة، ص 139 و 140. (3) - الروضة المختارة، ص 139 و 140.

[345]

لألأوه أي أنواره، واطلق على علي عليه السلام الشهاب - وهو الشعلة من النار - إطلاقا لاسم المسبب على السبب حيث إنه عليه السلام سبب في تفضيل موسى عليه السلام وظهور النار له (1). ما العالم العلوي إلا تربة * فيها لجثتك الشريفة مضجع المعنى: جعل تربته ومحل جسده الشريف العالم العلوي، وهو في ذلك بار صادق، لأن قبره عليه السلام معراج الملائكة ومحل اختلاف الأرواح، والعالم العلوي عبارة عن ذلك. أقول فيك سميدع كلا ولا * حاشا لمثلك أن يقال سميدع المعنى: اسميدع أي السيد السهل الأخلاق. بل أنت في القيامة حاكم * في العالمين وشافع ومشفع المعنى: أضرب عن الصفة بالسميدع وأثبت ما هو أعلى وأجل وهو كونه حاكما في العالمين يوم القيامة، وذلك لأنه قسيم النار والجنة، وصاحب الحوض والشفاعة (2). وإليه في يوم المعاد حسابنا * وهو الملاذ لنا غدا والمفزع وقال في السادسة من العلويات السبع: علم الغيوب إليه غير مدافع والصبح أبيض مسفر لا يدفع المعنى: (علم الغيوب) مبتدأ و (إليه) الخبر، و (غير مدافع) نصب على الحال، و يجوز أن يكون (غير) خبرا بعد خبر، أما إخباره عليه السلام بالمغيبات بواسطة التعليم كما قال المادح كالصبح لا يدفع نوره بل يخرق الحجب (3).


(1) - الروضة المختارة، ص 139 و 140. (2) - الروضة المختارة، ص 139 و 140. (3) - المصدر السابق، ص 141 و 142.

[346]

وقال أيضا في (شرح النهج) (ج 7: ص 47 / ذيل الخطبة 92): (فاسألوني قبل أن تفقدوني، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة، و لا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا). (فصل: في ذكر امور غيبية أخبر بها الأمام ثم تحققت) واعلم أنه عليه السلام قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلا أخبرهم به، وأنه ما صح من طائفة من الناس يهتدي بها مائة وتضل بها مائة إلا وهو مخبر لهم إن سألوه برعاتها وقائدها و سائقها ومواضع نزول ركابها وخيولها، ومن يقتل منها قتلا، ومن يموت منها موتا، وهذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادعاء الربوبية ولا ادعاء النبوة ولكنه كان يقول إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أخبره بذلك، ولقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخبار عن الضربة التي يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته. وإخباره عن قتل الحسين ابنه عليهم السلام وما قاله في كربلاء حيث مربها، وواخباره بملك معاوية الأمر من بعده، وإخباره عن الحجاج وعن يوسف بن عمر، وما أخبر به من الخوارج بالنهروان، وما قدمه إلى أصحابه من اخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب، وإخباره بقتال الناكثين و القاسطين والمارقين، واخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها، واخباره عن عبد الله بن زبير، وقوله فيه: (خب ضب يروم أمرا ولا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا وهو بعد مصلوب قريش)، وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق وهلاكها تارة اخرى بالزنج وهو الذي صحفه قوم فقالوا: بالريح... (إلى آخر ما قال)، وإن شئت الزيادة فراجع هناك. وقال - ايضا: (الأخبار الواردة عن معرفة الأمام علي بالامور الغيبية):

[347]

روى ابن هلال الثقفي في كتاب (الغارات) عن زكريا بن يحيى العطار، عن فضيل، عن محمد بن علي قال: لما قال علي عليه السلام: (سلوني قبل أن تفقدوني، فو الله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها) قام إليه رجل فقال: أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر، فقال له علي عليه السلام: (والله لقد حدثني خليلي أن على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك، وأن على كل طاقة شعر من لحيتك شيطانا يغويك، وأن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم)، وكان ابنه قاتل الحسين عليه السلام يومئذ طفلا يحبو، وهو سنان بن أنس النخعي. وروى الحسن بن محبوب، عن ثابت الثمالي، عن سويد بن غفلة أن عليا عليه السلام خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال: يا أمير المؤمنين ! إنى مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات، فاستغفر له، فقال عليه السلام: والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن حمار، فقام رجل آخر من تحت المنبر، فقال: يا أمير المؤمنين ! أنا حبيب بن حمار، وإنى لك شيعة ومحب، فقال: أنت حبيب بن حمار ؟ قال: نعم، فقال له ثانية: والله إنك لحبيب بن حمار ؟ فقال: إي والله، قال: أما والله انك لحاملها، ولتحملنها ولتدخلن بها من هذا الباب، وأشار بها إلى باب الفيل بمسجد الكوفة. قال ثابت: فو الله، ما مت حتى رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي عليهما السلام، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب ابن حمار صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل.... وروى محمد بن جبلة الخياط، عن عكرمة، عن يزيد الأحمسى أن عليا عليه السلام كان جالسا في مسجد الكوفة وبين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذا قبلت امرأة مختمرة لا تعرف، فوقفت فقالت لعلي عليه السلام: يا من قتل الرجال، وسفك الدماء، و أيتم الصبيان، وأرمل النساء، فقال عليه السلام: وإنها لهي هذه السلقلقة الجلعة المجعة، و

[348]

إنها لهي هذه، شبيهة الرجال والنساء التى ما رأت دما قط. قال: فولت هاربة منكسة رأسها، فتبعها عمرو بن حريث، فلما صارت بالرحبة قال لها: والله، لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل، فادخلي منزلي حتى أهب لك وأكسوك، فلما دخلت منزله أمر جواريه بتفتيشها وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها، فبكت، وسألته ألا يكشفها وقالت: أنا والله، كما قال لي ركب النساء، وانثيان كانثيي الرجال، وما رأيت دما قط، فتركها وأخرجها ثم جاء إلى علي عليه السلام فأخبره، فقال: إن خليلي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أخبرني بالمتمردين علي من الرجال، والمتمردات من النساء إلى أن تقوم الساعة). قلت: السلقلقة أي السليطة، وأصله من السلق وهو الذئب، والسلقلقة: الذئبة، والجلعة المجعة: البذية اللسان، والركب: منبت العانة)، ومن أراد الزيادة فليراجع (شرح نهج البلاغة) (الخطبة 37) أؤلها: (فقمت بالأمر حين فشلوا (1). وقال - أيضا: (روى صاحب كتاب (الاستيعاب) وهو أبو عمر محمد بن عبد البر، عن جماعة من الرواة والمحدثين، قالوا: لم يقل أحد من الصحابة - رضى الله عنهم -: (سلوني) إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، وروى شيخنا أبو جعفر الأسكافي في كتاب (نقض العثمانية)، عن علي بن الجعد، عن ابن شبرمة، قال: ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر: (سلوني) إلا علي بن أبي طالب عليه السلام (2). ونقل عنه العلامة الخوئي هذا الكلام في شرحه (ج 7: ص 74، ط طهران) ثم قال: (أقول: وذلك لأن أنواع السؤالات غير محصورة ولا محصاة، وأصناف الطلبات غير معدودة ولا مستقصاة، فبعضها يتعلق بالمعقول، وبعضها بالمنقول، و بعضها بعالم الشهود، وبعضها بعالم الغيب، و بعضها بما كان، وبعضها بما يكون،


(1) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغه، ج 2: ص 286. (2) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 7: ص 46.

[349]

وبعضها بما هو كائن، وهكذا، فلا يمكن الجواب عن هذه كله، ولا يقدر على مثل ذلك إلا من تأيد بقوة ربانية، واقتدر بقدرة إلهية، ونفث في روعه الروح الأمين، و تعلم علوم الأولين والآخرين، وصار منبع العلم والحكمة وينبوع الكمال و المعرفة، وهو أمير المؤمنين، ويعسوب الدين، ووارث علم النبيين، وبغية الطالبين، وحلال مشكلات السائلين، فلا ينصب نفسه في هذا المنصب إلا جاهل، ولا يدعي لنفسه هذا المقام إلا تائه غافل، وفي هذا المقام قال الشاعر: ومن ذا يساميه بمجد ولم يزل * يقول سلوني ما يحل ويحرم سلوني ففي جنبي علم ورثته * عن المصطفى ما فات مني به الفلم سلوني عن طرق السماوات إنني * بها عن سلوك الطرق في الأرض أعلم ولو كشف الله الغطا لم أزد به * يقينا على ما كنت أدري وأفهم إلى أن قال: - عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: (سئل علي عليه السلام عن علم النبي صلى الله عليه واله، فقال: علم النبي علم جميع النبيين، وعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى قيام الساعة، ثم قال عليه السلام: والذي نفسي بيده إني لاعلم علم النبي وعلم ما كان و علم ما هو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة (1). عود الى بدء: 10 - عن سبط ابن الجوزي: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار، وهو مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم، وحزقيل كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع، فدل على فضل علي عليه السلام على أنبياء بني إسرائيل (2). 11 - عن العلامة الأجل، الشيخ زين الدين العاملي النباطي (المتوفى سنة 877):


(1) - العلامة الخوئي: شرح نهج البلاغه، ج 7: صص 74 و 75، ط طهران. (2) - ابن الجوزي: تذكرة الخواص، ص 52، ط نجف.

[350]

(أكثر شيوخنا يفضلونه (يعنى عليا عليه السلام) على اولي العزم: لعموم رئاسته وانتفاع جميع أهل الدنيا بخلافته، لكونه خليفة لنبوة عامة بخلاف نبوتهم، ولقول النبي صلى الله عليه واله وسلم في خبر الطائر المشوي: (ائتني باحب خلقك إليك)، ولم يستثن الأنبياء، ولأنه مساو للنبي الذي هو أفضل في قوله تعالى: وأنفسنا وأنفسكم (1) و المراد المماثلة لامتناع الاتحاد، ولأنه أفضل من الحسنين في قوله صلى الله عليه واله وسلم: (أبوهما خير منهما)، وقد جعلهما جدهما سيدين لأهل الجنة في الحديث المشهور فيهما، وقد أسند الأعمش إلى جابر الأنصاري قول النبي صلى الله عليه واله: (أي الأخوان أفضل ؟ قلت: النبيون، فقال صلى الله عليه واله وسلم: أنا أفضلهم، وأحب الأخوة إلى علي بن أبي طالب، فهو عندي أفضل من الأنبياء، فمن قال: إنهم خير منه فقد جعلني أقلهم لأني اتخذته أخا لما علمت من فضله وأمرني ربى به (2). 12 - عن الكفعمي رحمه الله: (ثم اشتق سبحانه من نور نبيه صلى الله عليه واله وسلم نور وليه علي بن أبي طالب عليه السلام فباسمه العظيم دعا آدم ربه فلباه، وافتخر به إذ تاب عليه واصطفاه، و افتخر به نوح إذ نجاه الله به طوفانه وطماه، وافتخر به إبراهيم إذ خلصه الله به من النار وأنجاه، وافتخر به اسماعيل إذبه من الذبح بذبح عظيم فداه، وافتخر به يوسف إذ أخرجه به من الجب وملكه مصر وأعطاه، وافتخر به يعقوب إذ دعا الله به فرد عليه ولده، وبصره بعد عماه، وافتخر به لوط إذ نجاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث وحماه، وافتخر به ايوب إذ به كشف الله ضره وبلواه، وأهله ومثلهم معهم أعطاه. وعن هبيرة، قال: خطبنا الحسن بن علي عليه السلام فقال: (لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم، ولا يدركه الآخرون، وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يبعثه بالراية،


(1) - آل عمران، 3: 61. (2) - النباطي: الصراط المستقيم، ج 1: ص 210 / الفصل 18.

[351]

جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، لا ينصرف حتى يفتح له (1) - الخ). تتميم ومما يدل على أفضليته قوله عليه السلام: (سلوني قبل أن تفقدوني) والأثر في ذلك كثير، ذكرنا منها مالا يخرجنا عما نحن فيه: 1 - قال عليه السلام: (سلوني عن طرق السماوات فإني أعلم بها من طرق الأرض، فجاء جبرئيل في صورة رجل، فقال: إن كنت صادقا فأخبرني أين جبرئيل ؟ فنظر إلى السماء يمينا وشمالا، ثم إلى الأرض كذلك فقال: ما وجدته في السماء ولا في الأرض ولعله أنت (2). 2 - قال الحافظ محمد بن يوسف بن محمد البلخي الشافعي في كتابه (على ما في تلخيصه، ص 16): (وروي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال في مجلسه العام: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن علم السماء فإني أعلمها زقاقا زقاقا، وملكا ملكا، فقال رجل من الحاضرين: حيث ادعيت ذلك يا ابن أبي طالب، أين جبرئيل هذه الساعة ؟ فغطس قليلا وتفكر في الأسرار، ثم رفع رأسه قائلا: إني طفت السماوات السبع فلم أجد جبرئيل، وأظنه أنت أيها السائل، فقال السائل: بخ، بخ، من مثلك يا ابن أبى طالب، وربك يباهي بك الملائكة ؟ ! ثم سجى من الحاضرين (3). 3 - عن محمد بن طلحة الشافعي، فقال عليه السلام مرة: (سلوني عن طرق السماوات فإني أعرف بها من طرق الأرض)، وقال مرة: (لو شئت لأوقرت بعيرا من تفسير بسم الله الرحمن الرحيم)، وقال مرة: (لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الأنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية انزلت في بر، أو بحر، و


(1) - أحمد بن حنبل: المسند، ج 1: ص 199. (2) - الصفوري: نزهة الجليس، ص 458، ط بيروت. (3) - قاضي نور الله: احقاق الحق، ج 7: ص 621. (*)

[352]

لا سهل، ولا جبل، ولاسماء، ولا أرض، ولا ليل، ولا نهار، إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وفي أي شئ نزلت (1). 4 - عن سبط ابن الجوزي: (وقال عليه السلام: سلوني عن طرق السماوت فإني أعرف بها من طرق الأرضين، ولو كشف الغطاء ما ازددت يقينا (2). 5 - عن الأصبغ بن نباتة، قال: (لما جلس علي عليه السلام في الخلاقة وبايعه الناس خرج إلى المسجد متعمما بعمامة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لابسا بردة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، متنعلا نعل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، متقلدا سيف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فصعد المنبر، فجلس عليه السلام عليه متمكنا، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثم قال: يا معشر الناس ! سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم (3)، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، هذا ما زقني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم زقا زقا (4)، سلوني، فأن عندي علم الأولين والآخرين، أما والله، لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوارة بتوراتهم حتى تنطق التوارة، فنقول: صدق علي، ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي، ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه ؟ ولولا آية في كتاب الله لاخبرتكم بما كان وبما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب (5). ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية، آية في ليل انزلت أو في نهار انزلت، مكيها ومدنيها، سفريها


(1) - ابن طلحة: مطالب السؤول، ص 46. (2) - ابن الجوزي: تذكرة الخواص، ص 17. (3) - السفط: الذى يعيى فيه الطيب وما أشبهه، والسفط كالجوالي. (4) - الزق مصدر (زق الطائر الفرخ)، وزقه: أطعمه بفيه. (5) - الرعد، 13: 39.

[353]

وحضريها، ناسخها ومنسوخها، محكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم. فقام إليه رجل يقال له ذعلب - وكان ذرب اللسان بليغا في الخطب، شجاع القلب - فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة، لاخجلنه اليوم لكم في مسألتي إياه، فقال: يا أمير المؤمنين ! هل رأيت ربك ؟ قال: ويلك يا ذعلب، لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره، فقال: فكيف رأيته ؟ صفه لنا، قال: ويلك، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الأيمان. ويلك يا ذعلب، إن ربي لا يوصف بالبعد، ولا بالحركة، ولا بالسكون، ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة، لا يوصف باللطف، عظيم العظمة، لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء، لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة، لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة، لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمحسة، قائل لا باللفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل شئ فلا يقال: شئ فوقه، وأمام كل شئ فلا يقال: له أمام، داخل في الأشياء لا كشئ في شئ داخل، وخارج منها لا كشئ من شئ خارج. فخر ذعلب مغشيا عليه، ثم قال: تالله، ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لاعدت إلى مثلها ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين ! كيف يؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب، ولم يبعث إليهم نبي ؟ قال: بلى، يا أشعث ! قد أنزل الله عليهم كتابا وبعث إليهم رسولا حتى كان لهم ملك سكر ذات ليلة، فدعا بابنته إلى فراشه، فارتكبها، فلما أصبح تسامع به قومه، فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنست علينا ديننا وأهلكته، فاخرج نطهرك ونقم عليك الحد. فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي، فإن يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلا فشأنكم. فاجتمعوا، فقال لهم: هل علمتم أن الله لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم و

[354]

امنا حواء ؟ قالوا: صدقت أيها الملك، قال: أفليس قد زوج بنيه من بناته وبناته من بنيه ؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب، والمنافقون أشد حالا منهم، قال الأشعث: والله، ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله، لاعدت إلى مثلها أبدا. ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني. فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكئا على عصاه، فلم يزل يتخطى الناس حتى دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنين ! دلني على عمل أنا إذا عملته نجاني الله من النار، قال له: اسمع يا هذا، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله، و بفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني، ولم يصبر الفقير، فعندها الويل و الثبور، وعندها يعرف العارفون بالله أن الدار قد رجعت إلى بدئها أي الكفر بعد الأيمان. ايها السائل ! فلا تغترن بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة و قلوبهم شتي، أيها السائل ! إنما الناس ثلاثة: زاهد وراغب وصابر، فأما الزاهد فلا يفرح بشئ من الدنيا أتاه، ولا يحزن على شئ منها فاته، وأما الصابر فيتمناها بقلبه، فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام. قال له: يا أمير المؤمنين ! فما علامة المؤمن في ذلك الزمان ؟ قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرأ منه وإن كان حميما قريبا، قال: صدقت والله، يا أمير المؤمنين ! ثم غاب الرجل فلم نره، فطلبه الناس فلم يجدوه، فتبسم علي عليه السلام على المنبر ثم قال: مالكم ؟ هذا أخي الخضر عليه السلام. ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فلم يقم إليه أحد، فحمد الله وأثنى عليه، و صلى على نبيه صلى الله عليه واله وسلم ثم قال للحسن عليه السلام: يا حسن ! قم، فاصعد المنبر فتكلم بكلام

[355]

لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: إن الحسن بن على لا يحسن شيئا، قال الحسن عليه السلام: يا أبت ! كيف أصعد وأتكلم وأنت في الناس تسمع وترى ؟ قال له: بأبي وامي، اواري نفسي عنك وأسمع وأرى وأنت لا تراني، فصعد الحسن عليه السلام المنبر، فحمد الله بمحامد بليغة شريفة وصلى على النبي صلى الله عليه واله وسلم صلاة موجزة ثم قال: ايها الناس ! سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (أنا مدينة العلم وعلى بابها، وهل تدخل المدينة إلا من بابها). ثم نزل، فوثب إليه علي عليه السلام فحمله وضمه إلى صدره، ثم قال للحسين عليه السلام: يا بني ! قم، فاصعد المنبر وتكلم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: إن الحسين بن علي لا يبصر شيئا، وليكن كلامك تبعا لكلام أخيك، فصعد الحسين عليه السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه واله وسلم صلاة موجزة ثم قال: معاشر الناس ! سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يقول: (إن عليا هو مدينة هدى، فمن دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك). فوثب إليه علي فضمه إلى صدره وقبله، ثم قال: معاشر الناس ! اشهدوا أنهما فرخا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ووديعته التي استودعنيها و أنا أستودعكموها، معاشر الناس ! ورسول الله سائلكم عنهما (1). تذييل: قال العلامة الأميني (ره): (لم أر في التاريخ قبل مولانا أمير المؤمنين من عرض نفسه لمعضلات المسائل وكراديس الأسئلة، ورفع عقيرته بجأش رابط بين الملأ العلمي بقوله: (سلوني) إلا صنوه النبي الأعظم، فإنه صلى الله عليه واله وسلم كان يكثر من قوله: (سلوني عما شئتم) وقوله: (سلوني سلوني) وقوله: (سلوني، ولا تسألوني عن شئى إلا أنبئتكم به)، فكما ورث أمير المؤمنين علمه صلى الله عليه واله وسلم ورث مكرمته هذه و غيرها، وهما صنوان في المكارم كلها، وما تفوه بهذا المقال أحد بعد


(1) - الصدوق رحمه الله التوحيد، ص 305. ولا يخفى ما في الذيل ولعله خلط لعدم مساعدته سنهما ثم شأنهما عليهما السلام.

[356]

أمير المؤمنين عليه السلام الا وقد فضح ووقع في ربيكة، وأماط بيده الستز عن جهله المطبق، نظراء: الف - إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي والى مكة والمدينة، والموسم لهشام بن عبد الملك، حج بالناس سنة 107 وخطب بمنى، ثم قال: (سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألوا أحدا أعلم مني)، فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الاضحية أواجبة هي ؟ فمادرى أي شئ يقول له، فنزل عن المنبر (1). ب - مقاتل بن سليمان، قال إبراهيم الحربي: قعد مقاتل بن سليمان، فقال: (سلوني عما دون العرش إلى لويانا)، فقال له رجل ؟ آدم حين حج من حلق رأسه، قال: فقال له: ليس هذا من عملكم ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي (2). ج - قال سفيان بن عيينة: قال مقاتل بن سليمان يوما: (سلوني عمادون العرش)، فقال له إنسان: يا أبا الحسن ! أرايت الذرة أو النملة أمعاؤها في مقدمها أو مؤخرها ؟ قال: فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له، قال سفيان: فظننت أنها عقوبة عوقب بها (3). د - قال موسى بن هارون الحمال: بلغني أن قتادة قدم الكوفة فجلس في مجلس له وقال: (سلوني عن سنن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى اجيبكم)، فقال جماعة لأبي حنيفة: قم إليه فسله، فقام إليه فقال: ما تقول يا أبا الخطاب، في رجل غاب عن أهله فتزوجت أمرأته، ثم قدم زوجها الأول فدخل عليها وقال: يا زانية تزوجت وأنا حي ؟ ثم دخل عليها زوجها الثاني فقال لها: تزوجت يا زانية ولك زوج ؟ كيف اللعان فقال قتادة: قد وقع هذا ؟ فقال له أبو حنيفة: وإن لم يقع نستعد له، فقال له قتادة:


(1) - ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 2: ص 305. (2) - الخطيب: تاريخ البغدادي، ج 13: ص 163. (3) - الخطيب: تاريخ البغدادي، ج 13: ص 166

[357]

لا اجيبكم في شئ من هذا، سلوني عن القرآن، فقال له أبو حنيفة: ما تقول في قوله عز وجل: قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به (1) من هو ؟ قال قتادة: هذا رجل من ولد عم سليمان بن داود، كان يعرف اسم الله الأعظم، فقال أبو حنيفة: أكان سليمان يعلم ذلك الاسم ؟ قال: لا، قال: سبحان الله ويكون بحضرة نبي من الأنبياء من هو أعلم منه ؟ قال قتادة: لا اجيبكم في شئ من التفسير، سلوني عما اختلف الناس فيه، فقال له أبو حنيفة: أمؤمن أنت ؟ قال: أرجو، قال له أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم فيما حكى الله عنه حين قال له: أولم تؤمن قال: بلى (2) ؟ قال قتادة: خذوا بيدي، والله، لادخلت هذا البلد أبدا (3). ه‍ - حكي عن قتادة أنه دخل الكوفة، فاجتمع عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرا - وهو يومئذ غلام حدث - فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم انثى ؟ فسألوه، فافحم، فقال أبو حنيفة: كانت انثى، فقيل له: كيف عرفت ذلك ؟ فقال: من قوله تعالى: (قالت) ولو كانت ذكرا لقال: (قال نملة) (لأن النملة) مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والانثى (4). أقول: قال ابن الحاجب في بعض تصانيفه: " إن مثل الشاة والنملة والحمامة من الحيوانات فيها تأنيث لفظي ولذا كان قول من قال: إن النملة في قوله تعالى: " قالت نملة " إنثى لورود تاء التأنيث في (قالت) وهما لجواز أن يكون ذكرا في الحقيقة وورود تاء للتأنيث في الفعل نظرا إلى التأنيث اللفظي ولذا قيل: إفحام


(1) - النمل، 27: 40. (2) البقرة 2: 260. (3) الانتفاء لابي عمر صاحب الاستيعاب ص 156. (4) الدميري: حياة الحيوان ج 2 ص 368.

[358]

قتادة خير من جواب أبي حنيفة وهذا هو الحق (1)). و - قال عبيدالله بن محمد بن هارون، سمعت الشافعي بمكة، يقول: سلوني عما شئتم احدثكم من كتاب الله وسنة نبيه، فقيل: يا أبا عبد الله ! ما تقول في محرم قتل زنبورا ؟ قال: وما آتاكم الرسول فخذوه (2). ز - (إن ابن الجوزي قال يوما على منبره: سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرأة عما روي أن عليا سار في ليلة إلى سلمان فجهزه ورجع، فقال: روي ذلك، قالت: فعثمان ثم ثلاثة أيام منبوذا في المزابل وعلي عليه السلام حاضر، قال: نعم، فقالت: فقد لزم الخطاء لأحدهما، فقال إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة الله، وإلا فعليه، فقالت: خرجت عائشة إلى حرب علي بإذن النبي صلى الله عليه واله وسلم، أو لا ؟ فانقطع ولم يحر جوابا (3). وافتخر به داود إذا به شد الله ملكه، والحكمة وفصل الخطاب آتاه، وافتخر به سليمان إذ به الملك أولاه، وجعل الريح الرخاء تجري بامره إلى مرتضاه، و افتخر به إدريس إذ به رفعه الله مكانا عليا وآواه، وافتخر به ذوالنون إذ أخرجه الله به من الظلمات الثلاث وكلاه، وأنبت عليه شجرة من يقطين، ومن الغم أنجاه، و افتخر به زكريا إذ نادى: رب لا تذرني فردا، فوهب له به يحيى وأعطاه، وافتخر به دانيال إذ به خلصه الله من السباع ورعاه، وافتخر به ذوالقرنين إذ به ملكه الأرض، ونصره على من ناواه، وافتخر به صالح إذ ايده الله بناقته، ومن شر ثمود كفاه، وافتخر به هود إذ به نجاه الله، وقطع دابر من كفر به وعاداه، وافتخر به شعيب إذ به أخذت الرجفة من كذبه وعصاه، وافتخر به موسى إذ به كلمه الله وناداه، وفلق له البحر باسمه، وأغرق فرعون ومن والاه، وافتخر به يوشع بن نون حين رد الله به


(1) - شرح نهج البلاغة، للعلامة الخوئى، ج 7: ص 75. (2) طبقات الحفاظ للذهبي ج 2 ص 288 - وراجع الغدير الاغر ج 6 صص 195 - 196. (3) - شرح نهج البلاغة، للعلامة الخوئى، ج 7: ص 74.

[359]

عليه الشمس، وأجابه حين دعاه، وافتخر به عيسى إذ كلمه الله به الميت، وناجاه، وافتخر به محمد صلى الله علبه واله وسلم إذ فداه بنفسه ووقاه، وساواه في الشرف، وفي الشدائد واساه، وقال صلى الله عليه واله وسلم فيه: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وافتخر به جبرائيل إذ كان خادمه ومولاه، وما حمل في معركة قط إلا حمل معه بإذن الله، ووقف ببابه سائلا، فآثره بقوته في طواه، وافتخر به ميكائيل وقال: (من مثلي وقد قبلت من علي فاه وافتخر به إسرافيل إذ حرك مهده الشريف وناغاه، وافتخر به عزرائيل فقال: (من مثلي وقد امرت ان أقبض أرواح شيعته بإذنه ورضاه)، وافتخر به رضوان فقال: من مثلى وقد امرت أن ازخرف الجنان لعلي ومن والاه، وافتخر به مالك فقال: من مثلى وقد امرت أن اسعر النار لمن أبغض عليا وعاداه، وافتخر به البيت الحرام إذ كان فيه مولده ومرباه، ورفع شرفه وحط عنه الجبت ورماه، وافتخرت به الجنة إذ كتب على أبوابها: (علي ولي الله)، وافتخرت به النار إذ كتب على حيطانها: (أنا حرام على من أحب عليا ووالاه)، وصافحته الاملاك والأفلاك حين ارتقى منكبي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، إمام توسل به كل متوسل إلى الله - الخ (1). 13 - عن العلامة الفيض القاساني،: (وإن نبينا صلى الله عليه واله وسلم أرسل إلى سائر الأنبياء و أوصيائهم: في مقامه العقلي الكلي، وبشرهم وأنذرهم وهم يومئذ مكلفون بطاعته وامتثال أمره واجتناب معصيته تصديقا لقوله سبحانه: هذا نذير من النذر الاولى (2)، وإنه الضامن على الله سبحانه ما وعدبه أهل الاستجابة والطاعة، وما توعد به أهل التكذيب والمعصية، وإن أمير المؤمنين عليه السلام خليفته على ذلك كله في سائر امته من الأولين والاخرين، سواء الأنبياء والامم (3). وقال - أيضا: (فإن النبي والولي في السر واحد، فمدح الولي مدح النبي...


(1) - الكفعمي: المصباح، صص 733 - 735. (2) - النجم، 53: 56. (3) - القاساني: علم اليقين، ج 2: ص 600 و 605.

[360]

ومن عجيب ما اتفق أن ابن أبى الحديد المعتزلي العقيدة العامي المذهب قد نطق بهذا السر فيما مدح به عليا عليه السلام حيث قال: والله لولا حيدر ما كانت ال‍ * - دنيا ولا جمع البرية محمع وإليه في يوم المعاد حسابنا * وهو الملاذ لنا غدا والمفزع فانظر كيف أقسم أنه لولا حيدر ما كانت الدنيا، فلأجله الأيجاد وإليه الحساب يوم المعاد، لأن من هو المصدر، إليه العود والرجوع ضرورة، ولقد ضمن هذا المعنى - أيضا - ابن أبى الحديد في قوله: ويا علة الدنيا ومن بدء خلقها * له وسيتلو البدء في الحشر تعقيب (1) 14 - عن العلامة المجلسي رحمه الله: (تأكيد وتأييد: اعلم أن ما ذكره، (2) من فضل نبينا وأئمتنا - صلوات الله عليهم - على جميع المخلوقات، وكون أئمتنا عليهم السلام أفضل من سائر الأنبياء، هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم عليهم السلام على وجه الأذعان و اليقين، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وإنما أوردنا في هذا الباب (يعنى باب تفضيلهم على الأنبياء) قليلا منها وهي متفرقة في الأبواب لاسيما باب صفات الأنبياء وأصنافهم عليهم السلام، وباب أنهم عليهم السلام كلمة الله، وباب بدء أنوارهم، و باب أنهم أعلم من الأنبياء، وأبواب فضائل أمير المؤمنين وفاطمة - صلوات الله عليهما -، وعليه عمدة الأمامية، ولا يأبى ذلك إلا جاهل بالأخبار (3). 15 - عن العلامة الخوئي في شرحه على نهج البلاغة: (إن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل جميع امة النبي صلى الله عليه واله وسلم... من حيث كثرة الثواب، ومن حيث جمعه للخصال الحميدة والكمالات الذاتية والفضائل النفساتية، أما كثرة الثواب فلظهور أن الثواب مترتب على العبادة، وبكثرتها وقلتها تتفاوت الثواب والجزاء زيادة و


(1) - القاساني: علم اليقين، ج 2: ص 600 و 605. (2) - يعنى الصدوق (ره) في (رسالة الاعتقاد). (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 26: ص 297.

[361]

نقصانا، وستعرف أنه أعبد من الكل، فيكون أكثر مثوبة، ولو لم يكن له من العبادات إلا ضربته يوم الخندق التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إنها أفضل من عبادة الثقلين لكفى في إثبات هذا المرام فضلا عن سائر عباداته التي لا يضبطها الصحف والدفاتر، ولا يحصيها الزبر والطوامير (1). 16 - عن العلامة المظفر،: (في (الدر المنثور)، عن الديلمي في مسند الفردوس بسند أخرجه عن علي عليه السلام قال: سألت النبي صلى الله عليه واله وسلم عن قول الله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه (2)، فقال: إن الله أهبط آدم بالهند... حتى بعث الله إليه جبرئيل قال: قل: (اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لاإله إلا أنت، عملت سوءا و ظلمت نفسي فتب على إنك أنت التواب الرحيم). فهذه الكلمات التي تلقى آدم. وأما دلالة هذه الاية مع تفسيرها بهذه الأخبار على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام فأوضح من أن تحتاج إلى بيان، لأن توسل شيخ النبيين بمحمد وآله بتعليم الله سبحانه وهم في آخر الزمان، والأعراض عن أعاظم المرسلين وهم أقرب إليه زمانا لأدل دليل على فضلهم على جميع العالمين، وعلى عصمتهم من كل زلل و إن كان مكروها، فإن آدم عصى بارتكاب المكروه فلا يصح التوسل بهم في التوبة عما ارتكب إلا لانهم لم يرتكبوا معصية ومكروها، فلابد أن تنحصر خلافة الرسول بآله لفضلهم على الأنبياء... (3). وقال - أيضا - (ص 139): (... لأن اتحاد نورهما الذي سبق أدل دليل على امتياز علي بالفضل حتى على الأنبياء عليهم السلام، ومن كان كذلك يتعين للأمامة لاسيما و


(1) - الخوئي: شرح نهج البلاغة، ج 2: ص 394. (2) - البقرة، 2: 37. (3) - المظفر، محمد حسن: دلائل الصدق، ج 2: ص 88.

[362]

في بعض أخبار النور الاتية أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: (فأخرجني نبيا، وأخرج عليا وصيا)، وفي بعضها: (ففي النبوة، وفي علي الأمامة). وقال - أيضا - (ص 302): (إن عليا عليه السلام هو الساقي على حوض النبي صلى الله عليه واله وسلم يذود عنه الناس، وهو بظاهره يقتضي الامتياز والفضل على جميع الناس). وقال - أيضا - (ص 402): (فإن عليا حسنة من حسناته (أي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) فلا أفضل من سيد الوصيين، إلا سيد المرسلين زاد الله في شرفهما وصلى عليهما وعلى آلهما الطاهرين). وقال - أيضا - (ص 204): (لو ذكر (رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) فضله الواقعي (أي فضل علي عليه السلام) وأن الله أقدره على خوارق العادات حيث إنه أظهر مصاديق قوله تعالى في الحديث القدسي: (عبدي أطعني تكن مثلي، تقول للشئ: كن، فيكون) أو بين فضائله الفاضلة التي يفوق بها الأنبياء والسابقين ويمتاز بها عن الامة أجمعين لخاف صلى الله عليه واله وسلم من طوائف من امته أن يقولوا بربوبيته كما وقع لكثير منهم لما رأوا منه بعض خوارق العادات). وقال - أيضا - (ص 244): (قال صلى الله عليه واله وسلم: (علي مني وأنا من علي) وهو دليل المشاركة في العصمة والفضل وسائر الصفات الحميدة). وقال - أيضا - (ص 248): (إن النبي صلى الله عليه واله وسلم وعليا مخلوقان من نور واحد متفقان بالصفات الفاضلة والمنافع، ومخالفان للناس كما أن الناس مختلفون بينهم). وقال - أيضا - (ص 169): (ودلالتها (1) على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام واضحة،


(1) - قوله: (ودلالتها) أي دلالة الاية الكريمة وهى قوله تعالى: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (الزخرف، 43: 45). جاء في (ينابيع المودة) (الباب 15 ص 82): (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لما عرج بي إلى السماء انتهى بي السير مع جبرئيل إلى السماء

[363]

فإن بعث الرسل وأخذ الميثاق عليهم في القديم بولاية علي عليه السلام وجعلها محل الاهتمام العظيم في قرن أصلي الدين الربوبية والنبوة لا يمكن أن يراد بها إلا إمامة من له الفضل عليهم كفضل محمد صلى الله عليه واله وسلم). وقال (ص 170): (فما أعظم قدر نبينا الأطيب وأخيه الأطهر عند الله تبارك و تعالى حتى ميزهما على جميع عباده، وأكرمهما ببعث الرسل الأكرمين على الأقرار بفضلهما ورسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم وأمامة علي عليه السلام، وأخذ الميثاق عليهم بها مع الشهادة بالوحدانية). 17 - عن العلامة السيد علي البهبهاني رحمه الله: (وقد تبين مما بيناه أيضا أن أئمتنا - سلام الله عليهم - أفضل من سائر الأنبياء حتى اولي العزم منهم، أما تقدمهم على غير اولي العزم منهم فقد اتضح مما ظهر لك من أن مرتبة الأمامة فوق مرتبة النبوة و الرسالة، وأما تقدمهم على اولي العزم منهم مع ثبوت الأمامة لهم فمن جهة أن الأمامة والولاية لها مراتب، وأتم مراتبها وأكملها ما ثبت لنبينا صلى الله عليه واله وسلم، ولذا كان أفضل الأنبياء عليهم السلام ومرتبة إمامة الفرع في مرتبة أصله، فإمامة أئمتنا - سلام الله عليهم - أيضا أتم مراتب الأمامة والولاية، وقد تبين أيضا أن النبوة والأمامة قد يجتمعان كما في نبينا صلى الله عليه واله وسلم وإبراهيم الخليل، بل في اولي العزم مطلقا، وقد تفترق النبوة عن الأمامة كما في غير اولي العزم من الأنبياء عليهم السلام، وقد تفترق الأمامة عن النبوة كما في أئمتنا عليهم السلام. فان قلت: ما ذكرت من أن الأمامة مرتبة فوق النبوة يتنافى مع افتراق الأمامة


= الرابعة، فرأيت بيتا من ياقوت أحمر، فقال جبرئيل: هذا البيت المعمور، قم، يا محمد فصل إليه. قال النبي صلى الله عليه واله: جمع الله النبين ورائي صفا، فصليت بهم، فلما سلمت أتاني آت من عند ربى فقال: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول لك: سل الرسل على ما ارسلتم من قبلك، فقلت: معاشر الرسل على ما ذا بعثكم ربي قبلي ؟ فقالت الرسل: على نبوتك، وولاية علي بن أبى طالب عليه السلام. وهو قوله تعالى: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا - الاية).

[364]

عنها لأن نيل المرتبة الفائقة متفرع على نيل المرتبة النازلة. قلت: استحقاق المرتبة الفائقة - أي الأمامة - على استحقاق المرتبة النازلة و هي النبوة متحقق، واستحقاقها ثابت في أئمتنا عليهم السلام وإنما منع عنها ثبوت مرتبة الخاتمية لخاتم النبيين صلى الله عليه واله وسلم، وإليه يشير قوله صلى الله عليه واله وسلم في بعض أحاديث المنزلة المروي عن طرق العامة بعد قوله صلى الله عليه واله وسلم (إلا أنه لا نبي بعدي) (ولو كان لكنت (1). أقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوة، فان لا تكن نبيا فإنك وصي نبي ووارثه، بل أنت سيد الأوصياء وإمام الأتقياء (2). وقال - أيضا: (عن زيد الشحام قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عليه السلام عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما، فلما جمع له الأشياء قال: (إني جاعلك للناس إماما) فمن عظمها في عين إبراهيم، قال: (ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)، قال: لا يكون السفيه إمام التقي وإذا ثبت أن إمامته كانت بعد نبوته بل رسالته وخلته تبين لك أنها مرتبة فوق النبوة (3). وقال - أيضا - (ص 60): (وأما كونه من الرسول صلى الله عليه واله وسلم... على ما رواه الفريقان أنه قال صلى الله عليه واله وسلم: (أنا وعلي من شجرة واحدة والناس من أشجار شتى، و علي مني وأنا منه). وهي منقبة جليلة دالة على اتحادهما وتساويهما في الكمال و عدم ارتقاء أحد من الناس مرتبته ودرجته). وقال (ص 50): (وبعد ما ظهر لك أن الاية الكريمة (4) تدل على أن علم


(1) - البهبهاني: مصباح الهداية في إثبات الولاية، ص 115. (2) - شرح نهج البلاغة، لابن أبى الحديد، ج 13: ص 210. (3) - البهبهاني: مصباح الهداية، ص 112. (4) - يعنى آية ومن عنده علم الكتاب التى بحثنا عنها تفصيلا سابقا.

[365]

الكتاب كله عند مولانا أمير المؤمنين والائمة المعصومين من ذريته - سلام الله عليهم أجمعين - ظهر لك أنهم أعلم وأفضل من اولي العزم من الانبياء عليهم السلام لأن علومهم محدودة وليس عندهم علم الكتاب كله). وقال (ص 130): (واعلم أن هذه الروايات المستفيضة (1) من الجانبين تدل على أن الخمسة الطيبة - صلوات الله عليهم - أفضل الخلائق أجمعين من الأولين و الآخرين حتى اولى العزم من الأنبياء - سلام الله عليهم - ضرورة أنهم لو لم يكونوا أفضل من جميعهم لم يكونوا واسطة في إيجادهم). وقال (ص 142): إن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأبناءه الطاهرين - سلام الله عليهم أجمعين - هم الذين اختارهم الله على جميع خلقه). وقال (ص 184): (إنه عليه السلام أفضل الخلق بعد خاتم النبيين صلى الله عليه واله وسلم حتى الأنبياء عليهم السلام). وقال (ص 236): (ويستفاد من هذه الروايات الشريفة المفسرة للاية الكريمة (2) المستفيضة من طريق العامة المتواترة من طريقنا: أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام سيد المؤمنين، وخيرهم، وأفضلهم بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم، وأنه بمنزلة


(1) - الأحاديث المستفيضة هي الاخبار التى تصرح ب‍: لولاهم ما خلق الله جل جلاله آدم، ولا الجنة، و لا النار، ولا العرش، ولا الكرسي، ولا السماء، ولا الملائكة، ولا الأنس، ولا الجن. (2) - الآية الكريمة هي قوله تعالى: طوبى لهم وحسن مآب (الرعد، 13: 28). والأخبار والروايات المفسرة للاية الكريمة أحاديث كثيرة تصرح وتبين أن طوبى شجرة أصلها في دار على عليه السلام في الجنة، و في دار كل مؤمن منها غصن، وجاءت - أيضا - أخبار كثيرة بأن طوبى شجرة أصلها في دار رسول الله صلى الله عليه واله، ومقتضى الجمع بين الأخبار، والأحاديث أن نقول: إن دار علي عليه السلام ودار النبي صلى الله عليه واله واحدة غدا في الجنة، كما تعلن بهذا الجمع رواية شريفة أوردها مصباح الهداية (ص 234) من طريق العامة عن أبى جعفر عليه السلام، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله عن قوله: طوبى لهم وحسن مآب، فقال: شجرة في الجنة أصلها في داري، وفرعها على أهل الجنة: فقيل له: يا رسول الله ! سألناك عنها فقلت: شجرة في الجنة أصلها في دار علي، وفرعها على أهل الجنة، فقال: إن داري واحدة غدا في مكان واحد).

[366]

نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم وليس أحد أقرب منه إلى النبي درجة ومنزلة، توضيح ذلك: أن قوله صلى الله عليه واله وسلم في جواب السائل: (إن داري ودار علي واحدة غدا في مكان واحد) يدل على أن منزلته عليه السلام منه صلى الله عليه واله وسلم منزلة نفسه الشريفة، وهما في درجة واحدة عند الله تعالى شأنه). 18 - عن العلامة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء رحمه الله: (وقد ذكروا أن مريم عليها السلام لما جاءها المخاض بعيسى عليه السلام أوت إلى بيت المقدس لتضعه فيه، فنوديت: اخرجي يا مريم، فهذا بيت العبادة لا بيت الولادة، وفاطمة بنت أسد لما أحست بالطلق - وهي بالكعبة - أنسدت أبوابها ولم تقدر على الخروج حتى وضعت عليا - سلام الله عليه -، لعل في هذه الحادثة الغريبة أسرارا ورموزا أجلها و أجلاها أن الله سبحانه كأنه يقول: أيها الكعبة، إني ساطهرك من رجس الأوثان، و الأنصاب، والأزلام بهذا المولود فيك، وهكذا كان، فإن النبي صلى الله عليه واله وسلم دخلها عام الفتح، والأصنام معلقة على جدرانها، ولكل قبيلة من قبائل العرب صنم، فأصعد عليا عليه السلام على منكبه وصار حطمها ويرمي بها إلى الأرض والنبي صلى الله عليه واله وسلم يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (1). وقد نظم الشافعي هذه الفضيلة بأبيات تنسب إليه، يقول في آخرها: وعلي واضع أقدامه * في محل وضع الله يده فإن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يحدث عن المعراج قائلا: (أن الله عز شأنه وضع يده على كتفي حتى أحسست بردها على كبدي). وفي ولادته رمز آخر لعله أدق وأعمق، وهو أن حقيقة التوجه إلى الكعبة هو التوجه إلى ذلك النور المتولد فيها، ولو أن القصد مقصور على محض التوجه إلى تلك البنية والأحجار لكان - أيضا - نوعا من عبادة الأصنام (معاذ الله) ولكن التناسب يقتضي أن البدن وهو تراب يتوجه


(1) - الاسراء، 17: 84.

[367]

إلى الكعبة التي هي تراب، والروح التي هي جوهر مجرد تتوجه إلى النور المجرد، وكل جنس لاحق بجنسه، النور للنور، والتراب للتراب. وإلى بعض هذا أشار بعض شعراء فاطميين إذ يقول عن الأمام: بشر في العين إلا أنه * من طريق الحق نور وهدى جل أن تدركه أبصارنا * وتعالى أن نراه جسدا فهو التسبيح زلفى راكع * سمع الله به من حمدا تدرك الأفكار منه جوهرا * كاد من إجلاله أن يعمدا فهو الكعبة والوجه الذي * وحد الله به من وحدا وهذان السطران من الشعر وإن كان فيه شئ من الغلو ففيه كثير من الحقيقة، و فيه لمعات من التوحيد، نعم، نتوجه بأبداننا في صلواتنا إلى الكعبة، وبأرواحنا إلى النور الذي أشرق وأضاء فيها... (1) وعنه رحمه الله في خطبته يوم ميلاد أمير المؤمنين عليه السلام: (قال الله سبحانه في محكم كتابه: وأشرقت الاءرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء (2). نعم، في مثل هذا اليوم أو هذه الليلة أشرقت الأرض بنور ربها، وجئ بوارث النبيين وجامع علوم الاولين والآخرين، إمام الشهدا وسيد الصديقين، واحتفالنا بانبثاق هذا النور الألهي (3) في مثل هذا اليوم ليس كاحتفال الأمم بيوم ولادة ملوكها أو عظمائها وسلاطينها ورجال نهضتها، بل احتفال بالنعمة والآية الكبرى والمثل الأعلى الذي تنزلت الأحدية به من عليا ملكوتها الشامخ، وجبروتها الباذخ، و قدس تجردها إلى عوالم الناسوت وتقمص المادة لتعود المادة روحا، والجسد عقلا، والموت حياة.


(1) - جنة المأوى، ص 122، ط تبريز. (2) - الزمر، 39: 69. (3) - يعنى هجومه وإقباله.

[368]

نحتفل بذكرى ولادة بحر العلم الخضم الذي تدفق بنهج البلاغة، وهو نبع من ينابيعه، وشرعة من مشاريعه، ولا جاءت العصور، ولا انجلت الدهور عن كتاب بعد كتاب الله العظيم أنفع ولا أجمع ولا ألمع ولا أنصع منه في إقامة براهين التوحيد، ودلائل الصنعة، وأسرار الخلقة، وأنوار الحقيقة، وتهذيب النفس، و سياسة المدن، وحكمة التشريع، والعظات البليغة، والحجج الدامغة، وإنارة العقول، وطهارة النفوس بينا نراه يفيض ينابيع الحكمة النظرية والعملية ويرهق على توحيد الصانع، ويعرق في وصف الملائكة والمجردات بيانا، ويمثل لك الجنة والنار عيانا.... نحتفل بذكرى ولادة الأمام الذي وضع الدنيا تحت قدميه، وكانت - وهى العزيزة لغيره - أحقر شئ لديه، الأمام الذي عرف حقيقتها، وأعطاها حقها، قال: (يا دنيا غرى غيري)، الأمام الذي لولا ضرب ماضيه ما اخضر للأسلام عود، و لا قام له عمود، بل لولاه لما استقام الوجود، ولاعرف المعبود... (1). 19 - عن المولى الحاج محمد علي (2): (اعلم أن من تتبع الأخبار والاثار، و جاس خلال تلك الديار ظهر عنده كالشمس في رائعة النهار أن أفضل جميع المخلوقات، وأشرف جميع الموجودات هم الأنوار الأربعة عشر، وهم أهل دائرة واحدة هي أعلى الدوائر الكونية لا دائرة فوقها في الشرف والفضيلة، وهم من طينة واحدة، ونور كل واحد منهم من جنس نور الآخر، لكن بالتقدم والتأخر


(1) - جنة المأوى، ص 136. (2) - قال في (الذريعة) (ج 18: ص 350): (اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء عليها السلام المسماة ب‍ (خطبة اللمعة) للمولى محمد على بن أحمد القراچه داغى الاونسارى المحشى للقوانين، فرغ منه في 1286، وكان حيا الى 1306، وقد طبع بايران في 1297، وصدر الكتاب بشطر واف من مناقبها وفضائلها وأحوالها وما يتعلق بها من ذكر أدعيتها وأحرازها وعدد أولادها. والاونسار - بالواو والنون والسين - من قرى قراچه داغ.

[369]

كالضوء من الضوء على ما في الخبر. والمبدأ في تلك الدورة العلية والسلسلة الجلية هو ختم الأنبياء والمنتهى هي فاطمة الزهراء وبعد ختم الأنبياء في درجة الفضيلة هو ختم الأولياء وبعده أولاده المعصومون... ثم المحقق من الروايات والأخبار أن مرتبة الأنبياء مطلقا تحت مرتبة هؤلاء الأنوار، فيكون كل من الأنوار الأربعة عشر أفضل من الأنبياء حتى اولي العزم منهم أيضا لكون الأنبياء مطلقا مخلوقين من أنوار هؤلاء الأنوار، والنور أسفل من المنير بمراتب كثيرة (1). وقال - أيضا: (وفي كتاب (المناقب) مسندا إلى صعصعة بن صوحان أنه دخل على أمير المؤمنين لما ولي، فقال: يا أمير المؤمنين ! أنت أفضل، أم آدم أبو البشر ؟ قال على عليه السلام: تزكية المرء نفسه قبيح، قال الله تعالى لادم: يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة - الاية (2)، وإن أكثر الاشياء أباحنيها الله، وتركتها وما قاربتها، ثم قال: أنت أفضل أم نوح ؟ فقال علي عليه السلام: إن نوحا دعا على قومه، وأنا ما دعوت على ظالمي حقي، وابن نوح كان كافرا، وابناي سيدا شباب أهل الجنة. قال: أنت أفضل، أم موسى ؟ قال عليه السلام: إن الله تعالى أرسل موسى إلى فرعون فقال: إني أخاف أن يقتلون (3)، وأنا ما خفت حين ارسلني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بتبليغ سورة براءة أن أقرأها على قريش في الموسم مع أني كنت قتلت كثيرا من صناديدهم، فذهبت إليهم وقرأتها عليهم وما خفتهم. قال: أنت أفضل، أم عيسى بن مريم ؟ فقال عليه السلام: عيسى كانت امه في بيت المقدس، فلما جاءت وقت ولادتها سمعت قائلا يقول: اخرجي، هذا بيت العبادة لا بيت الولادة، وأما امي فاطمة بنت أسد لما قرب وضع حملها كانت في الحرم،


(1) - اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء ص 93. (2) - البقرة، 2: 35. (3) - الشعراء، 26: 14. وفي المصحف: (فأخاف).

[370]

فانشق حائط الكعبة وسمعت قائلا يقول لها: ادخلي، ودخلت في وسط البيت و أنا ولدت به، وليس لأحد هذه الفضيلة لاقبلي ولا بعدي (1) 20 - عن الشيخ محمد عبده:. وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا لا يشبه خلقا جسدانيا فصل عن الموكب الألهي، واتصل بالروح الأنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما إلى مشهد النور الأجلى، وسكن به إلى عمار جانب التقديس بعد إستخلاصه من شوائب التلبيس (2). 21 - قال الجاحظ - مع نصبه - في رسالة له في فضل أهل البيت:: (والمولد مكان عظيم، والنشأ مبارك مكرم، والشأن عظيم، والعلم كثير، وليس له نظير، و الهمة عالية، والقوة كاملة، والبيان عجيب، واللسان خطيب، والصدر رحيب - الخ (3). 22 - عن العلامة ابن الصباغ المالكي: (فهؤلاء (أي الآل) هم أهل البيت المرتقون بتطهيرهم إلى ذروة أوج الكمال، المستحقون لتوقيرهم مراتب الأعظام والأجلال، ولله در القائل إذ قال: هم القوم فاقوا العالمين مناقبا * محاسنها تجلى وآياتها تروى (4) أقول: إذا كان عليه السلام عقلا نورانيا لا يشبه خلقا جسدانيا، أو إذا كان لم يكن له نظير، أو فاق هو وأولاد، المعصومون العالمين صاروا أفضل من جميع الأنبياء، و النبي صلى الله عليه واله وسلم وإن كان أفضل منهم إلا أنهم من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو منهم عليهم السلام. وإلى هنا نختم البحث عن أفضلية على وذريته:، فخذ قصيرة من طويلة، و في هذا غني وكفاية. ولنشرع الان في البحث عن مقاماته ومقاماتهم الأربعة في


(1) - اللمعة البيضاء، ص 99. (2) - مقدمة شرح نهج البلاغة، ص 4. (3) - بهج الصباغة، ج 3: ص 150. (4) - الفصول المهمة، ص 29.

[371]

مواقف الاخرة وهو الباب الثالث من هذا الكتاب. الاستدراك افضلية علي عليه السلام في القصائد والمدائح أيها القارئ الكريم ! أنت بعد ما لاحظت وشاهدت أفضلية علي عليه السلام على جميع البشر حتى الانبياء وأولي العزم من الرسل في الآيات القرآنية بمعونة الاخبار والاحاديث التي جاءت من الفريقين جدير بنا أن نشير إلى أفضليته عليه السلام في القصائد والمدائح فعلى هدا نختار ونختطف منها موضع الحاجة أي الابيات التي تصرح بمقصودنا كالاشعار التي تدل على إتحاد النورين (نور البنوة و نور الولاية) أو أن عليا عليه السلام نظير النبي أو خير البرية أو أن الانبياء توسلوا به، أو انه عليه السلام أصل الاصول أو أنه خير الورى أو أنه خير البشر أو انه صنو النبي أو أنه واحد البشر أو انه خير الانام أو أنه علة الخلق أو أنه مشبه للرسول أو أن هديه هدي النبي أو أنه نفس النبي أو أنه روح النبي أو عضو منه أو أن الله يوحى إلى رسوله بلسان علي أو أنه أمير البرايا أو لولاه لم يخلق تراب أو لولا حيدر ما كانت الدنيا ولا جمع البرية أجمع أو من أجله خلق الزمان أو أنه نار موسى أو لولا حيدر لم يكن في الارض ديار وأمثال هذه الكلمات التي جاءت في القصائد فلاحظ. بولس سلامه جلجل الحق في المسيحي حتى * عد من فرط حبه علويا أنا من يعشق البطولة والالها * م والعدل والخلاق الرضيا فإذا لم يكن علي نبيا * فلقد كان خلقه نبويا أنت رب العالمين إلهي * فأنلهم حنانك الابويا

[372]

وأنلني ثواب ما سطرت كفي * فهاج الدموع في مقليا سفر خير الانام من بعد طه * ما رأى الكون مثله آدميا يا سماء اشهدي ويا أرض قري * واخشعي إنني ذكرت عليا وله ايضا هو فخر التاريخ لا فخر شعب * يدعيه ويصطفيه وليا لا تقل شيعة هواة علي * إن في كل منصف شيعيا إنما الشمس للنواظر عيد * كل طرف يرى الشعاع السنيا (1) قال الشاعر قي مقدمة ديوانه: فيا أبا الحسن ! ماذا أقول فيك... وإن شعري لحصاة في ساحلك يا أمير الكلام ! ولكنها حصاة مخضوبة بدم الحسين الغالي فتقبل هذه الملحمة وانظر من رفارف الخلد إلى عاجز شرف قلمه بذكرك (2) عبد الباقي العمري البغدادي أنت العلي الذي فوق العلى رفعا * ببطن مكة عند البيت إذ وضعا وأنت نقطة باء مع توحدها * بها جميع الذي في الذكر قد جمعا وأنت صنو نبي غير شرعته * لانبياء اله العرش ما شرعا وأنت أنت ركن الذي حطت له قدم * في موضع يده الرحمن قد وضعا وأنت ركن يجير المستجير به * وأنت حصن لمن من دهره فزعا وأنت أنت الذي للقبلتين مع * النبي أول من صلى ومن ركعا وأنت أنت الذي في نفس مضجعه * في ليل هجرته قد بات مضطجعا ما فرق الله شيئا في خليقته * من الفضائل إلا عندك اجتمعا وباب خيبر لو كانت مسامرة * كل الثوابت حتى القطب لا ينقلبا


(1) - بولس سلامه: عيد الغدير ص 307 - 312 وعبشميا: في النسبة إلى عبد شمس. (2) - بولس سلامه: عيد الغدير ص 12.

[373]

فاقبل فدتك نفوس العالمين ثنا * بمثله العالم العلوي ما سمعا وله ايضا يا أبا الاوصياء أنت لطه * صهره وابن عمه وأخوه إن لله في معانيك سرا * أكثر العالمين ما علموه أنت ثاني الآباء في منتهى الدو * ر وآباؤه تعد بنوه خلق الله آدما من تراب * فهو ابن له وأنت أبوه (1) ابن أبي الحديد المعتزلي لقد فاز عبد للوصي ولائه * وإن شابه (2) بالموبقات (3) الكبائر وخاب معاديه ولو حلقت به (4) * قوادم فتخاء الجناحين كاسر (5) هو النبأ المكنون والجوهر الذي (6) تجسد من نور من القدس زاهر وذو المعجزات الواضحات أقلها * الظهور على مستودعات السرائر ووراث علم المصطفى وشقيقه (7) * أخا ونظيرا في العلى والاواصر (8) ألا إنما الاسلام لولا حسامه * كعفطة عنز (9) أو قلامة حافر


(1) - الاميني: الغدير ج 6: ص 338. (2) - شابه: خلطه. (3) الموبقات: المهلكات في الآخرة وقد جاء في الخبر: (حب علي حسنة لا تضر معها سيئة). (4) حلقت: ارتفعت. (5) القوادم: جمع قادمة وهي الريش الاول من الجناح في كل جناح عشرة والفتخاء: العقاب و الكاسر التي تكسر ما تصيده والمعنى أن معاديه لا ينجو ولا مخلص له من الهلاك ولو كان على جناح هذا الطائر. (6) - النبأ الخبر: والمكنون: المستور كأنه خبر من الله لا يعلم سر فضله إلا الله. (7) الشقيق: الاخ. (8) الاواصر: جمع آصرة وهي القرابة. (9) - العفطة من العنز ما ينشر من أنفها.

[374]

ألا إنما التوحيد لولا علومه * كعرضة ضليل أو كنهبة كافر ألا إنما الاقدار طوع يمينه * فبورك من وتر مطاع وقادر (1) تعاليت عن مدح فأبلغ خاطب * بمدحك بين الناس أقصر قاصر صفاتك أسماء وذاتك جوهر * برئ المعاني من صفات الجواهر (2) يجل عن الاعراض والاين والمتى * ويكبر عن تشبيهه بالعناصر (3) إذا طاف قوم في المشاعر والضفا * فقبرك ركني طائفا ومشاعري وإن ذخر الاقوام نسك عبادة * فحبك أوفى عدتي وذخائري وان صام ناس في الهواجر حسبة * فمدحك أسنى من صيام الهواجر وإن اك فيما جئته شر مذنب * فربك ياخير الورى خير غافر إذا كنت للنيران في الحشر قاسما * أطعت الهوى والغي غير محاذر نصرتك في الدنيا بما أستطيعه * فكن شافعي يوم المعاد وناصري فليت ترابا حال دونك لم يحل * وساتر وجه منك ليس بساتر لتنظر ما لاقى الحسين وما جنت * عليه العدى من مفظعات الجرائر من ابن زياد وابن هند وابن * سعد وأبناء الاماء العواهر بنى الوحي هل أبقى الكتاب لناظم * مقالة مدح فيكم أو لناثر إذا كان مولى الشاعرين وربهم * لكم بانيا مجدا فما قدر شاعر


(1) الاقدار: جمع قدر وهو قضاء الله تعالى واليمين القوة وجعله وترا لانه لا يماثله أحد من الناس. مطاع أي تطيعه الاقدار. (2) قوله: " صفاتك أسماء " أي لازمة كلزوم الاسماء مسماها. وقوله: " وذاتك جوهر برئ المعاني " فانه عليه السلام لا يحزن كغيره على فوات أطماع الدنيا ولا يفرح بما أوتي منها. (3) اما الاين فليس مكانه كمكان الغير لانه عليه السلام إما في محراب أو جهاد في سبيل الله. أما المتى وهو الزمان كان عليه السلام صائما أو قائما أو داعيا. اما قوله: " ويكبر عن تشبيهه بالعناصر " لانه عليه السلام خلق من نور.

[375]

فأقسم لولا أنكم سبل الهدى * لضل الورى عن لاحب (1) النهج ظاهر فلو لم تكونوا في البسيطة (2) زلزلت * وأخرب من أرجائها كل عامر فانظر أخي الكريم ! كيف جعل عليا أخا ونظيرا لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم في العلى و الاواصر وخاطبه ياخير الورى ! وإذا كان علي عليه السلام نظيرا لرسول الله وكان خير الورى فيكون مقدما على جميع الانبياء والرسل. وله ايضا يابرق إن جئت الغري (3) فقل له * أتراك تعلم من بأرضك مودع بل فيك ابن عمران الكليم وبعده * عيسى يقفيه وأحمد يتبع بل فيك جبريل ومكيال واس‍ * - رافيل والملأ المقدس (5) أجمع بل فيك نور الله جل جلاله * لذوي البصائر يستشف ويلمع فيك الامام المرتضى فيك الوصي * المجتبى فيك البطين الانزع (6) هذا ضمير العالم الموجود عن * عدم وسر وجوده المستودع (7)


(1) - اللاحب: الظاهر. (2) - البسيطة: الارض. (3) الغري أرض النجف على مشرفها السلام. (4) يقفيه أي يتبعه. (5) والملأ المقدس إشارة إلى باقي الملائكة اما كون الملائكة والنبيين في قبره فلانه حوى ما حووه من الفضل فكأنه كلهم فيه وإن نبينا وإن كان أفضل الخلائق الا أن عليا عليه السلام نفسه بنص القرآن. وإنما بدأ بالنبيين لان الملائكة على رأي المعتزلة أفضل من النبيين فكان ارتقى عن درجة النبيين إلى الملائكة ثم ارتقى إلى درجة العليا وهو نور الله الذي لا يطفأ. (6) المرتضى والمجتبى من ألقابه والبطين الانزع: البطين من العلم المنزوع من الشرك. (7) ضمير العام وسره بمعنى واحد والعالم كل موجود سوى الله وآل محمد صلى الله عليه واله وسلم سيد العالم أي لاجلهم خلق الله هذا العالم.

[376]

هذا هو النور الذي عذباته (1) * كانت بجبهة آدم تتطلع وشهاب موسى حيث أظلم ليله * رفعت له لالاؤه تتشعشع يا هازم الاحزاب لا يثنيه عن * خوض الحمام مدجج ومدرع (2) يا قالع الباب الذي عن هزها (3) * عجزت أكف أربعون وأربع لولا حدوثك قلت إنك جاعل * الارواح في الاشباح (4) والمستنزع لولا مماتك قلت إنك باسط * الارزاق تقدر في العطاء وتوسع ما العالم العلوي إلا تربة (5) * فيها لجثتك الشريفة مضجع ما الدهر إلا عبدك القن (6) الذي * بنفوذ أمرك في البرية مولع أأقول فيك سميدع كلا ولا * حاشا لمثلك أن يقال سميدع (7) بل أنت في يوم القيامة حاكم * في العالمين وشافع ومشفع والله لولا حيدر ما كانت ال‍ * - دنيا ولا جمع البرية مجمع من أجله خلق الزمان وضوئت * شهب كنسن وجن ليل أدرع (8) وإليه في يوم المعاد حسابنا * وهو الملاذ لنا غدا والمفزع


(1) - عذباته: أطرافه. (2) - الحمام: الموت. والمدجج: التام السلاح. والمدرع: لابس الدرع. (3) - أنث الباب مع أنه مذكر لان غفل عن ذلك واريد من حصن اليهود. (4) الاشباح: الاجسام. والمعنى: لولا حدوثك قلت إنك المحيي المميت الا أن المحدث يحتاج إلى محدث. (5) جعل تربته الشريفة ومحل جسده الشريف العالم العلوي لان قبره عليه السلام معراج الملائكة ومحل إختلاف الارواح والعالم العلوي عبارة عن ذلك. (6) القن هو الذي يملك هو وأبوه يعني الدهر. منقاد له كانقياد العبد لمولاه. (7) - السميدع: السيد. ثم ارتقى إلى ما هو أعلى وأجل وهو عليه السلام حاكم في العالمين لانه قسيم النار والجنة. (8) كسنن أي استترن في مغيبها. وجن الليل: أظلم. والادرع الذي اسود أوله وأبيض باقيه.

[377]

وله أيضا ألم تخبر الاخبار في فتح خيبر * ففيها لذي اللب والملب أعاجيب وفوز علي بالعلى فوزها به * فكل إلى كل مضاف ومنسوب وما أنس لا أنس اللذين تقدما * وفرهما والفرقد علما حوب وللراية العظمى وقد ذهبا بها * ملابس ذل فوقها وجلابيب يشلهما من آل موسى شمردل * طويل نجاد السيف أجيد يعبوب أحضرهما أم حضر أخرج خاضب * وذان هما أم ناعم الخد مخضوب عذرتكما إن الحمام لمبغض * وإن بقاء النفس للنفس محبوب حنانيك فاز العرب منك بسؤدد * تقاصر عنه الفرس والروم والنوب فما ماس موسى في رداء من العلى * ولا آب ذكرا بعد ذكرك أيوب يا علة الدنيا ومن بدو خلقها * له وسيتلو البدو في الحشر تعقيب ظننت مديحي في سواك هجاءة * وخلت مديحي إنه فيك تشبيب أقول: القصيدة طويلة جدا أخذنا منها موضع الحاجة. وله ايضا وقل: السلام عليك يا مولى الورى (1) * نصا به نطق الكتاب المنزل وخلافة ما إن لها لو لم تكن * منصوصة عن جيد مجدك معدل (2) عجبا لقوم أخروك وكعبك ال‍ * - عالي وخد سواك أضرع أسفل (3)


(1) المولى هنا بمعنى الاولى بالولاية والنيابة والخلافة كما نص به الكتاب والنبي صلى الله عليه واله وسلم. (2) - و " خلافة " معطوفة على قوله (نصا) يقول: لو لم يكن عليك نص بالخلافة لما جاز العدول بها عنك فكيف وقد حصل النص ! وذلك لانه أفضل الخلق وتقديم المفضول على الفاضل قبيح. والجيد العنق وهو استعارة. (3) جعل كعبه عليه السلام الذي يباشر الارض عاليا على غيره وجعل خد من تقدم عليه لغير حق أضرع. أي ذليلا.

[378]

عجبا لهذي الارض يضمر تربها * أطواد مجدك كيف لا تتزلزل (1) يا أيها النبأ العظيم فمهتد * في حبه وغواة قوم ضلل (2) يا أيها النار التي شب السنا * منها لموسى والظلام مجلل (3) يا فلك نوح حيث كل بسيطة * بحر يمور وكل بحر جدول (4) يا وارث التوراة والانجيل والفر * قان والحكم التي لا تعقل لولاك ما خلق الزمان ولا دجي * غب ابتلاج الفجر ليل اليل سمعا أمير المؤمنين قصائدا * يعنو لها بشر ويخضع جرول الدر من ألفاظها لكنه * در له ابن الحديد يفصل هي دون مدح الله فيك وفوق ما * مدح الورى وعلاك منها أكمل الخطيب الخوارزمي ألا هل من فتى كأبي تراب إمام طاهر فوق التراب إذا ما مقلتي رمدت فكحلي * تراب مس نعل أبي تراب هو البكاء في المحراب لكن * هو الضحاك في يوم الحراب كأن الناس كلهم قشور * ومولانا علي كاللباب ولايته لا ريب كطوق * على رغم المعاطس في الرقاب


(1) يضمر أي يخفي ويستر ويتعجب من الارض حيث احتوت على شريف مجده الذي هي كالجبال حلما وعلما ولم تتزلزل هيبة وعجزا. (2) جاء في تفسير قوله تعالى: عم يتسائلون إنه أمير المؤمنين عليه السلام. وغواة: جمع غاو وهو الخائب هنا. وضلل: جمع ضال يريد أن المهتدي محبه والخائب والضال مبغضه. (3) آل محمد عليهم السلام كانوا سبب ظهور نار النور من جانب الطور فأقام السبب مقام المسبب وشب: رفع. والسنا: الضوء. (4) - آل محمد عليهم السلام نجا بهم نوح عليه السلام وهم فلك نجاة والبسيطة: الارض. ويمور: يضطرب. والجدول: النهر الصغير بالنسبة إلى غيره.

[379]

ففاطمة ومولانا علي * ونجلاه سروري في الكتاب (1) الكوثرية للعلامة السيد رضا الهندي أمفلج ثغرك أم جوهر * ورحيق رضابك أم سكر قد قال لثغرك صانعه: * إنا أعطيناك الكوثر والخال بخدك أم مسك * نقطت به الورد الاحمر أم ذاك الخال بذلك الخد * فتيت الند على مجمر عجبا من جمرته تذكو * وبها لا يحترق العنبر إلى أن قال: - فلقد أسرفت وما أسلف‍ * - ت لنفسي ما فيه أعذر سودت صحيفة أعمالي * ووكلت الامر إلى حيدر هو كهفي من نوب الدنيا * وشفيعي في يوم المحشر قد تمت لي بولايته * نعم جمت عن أن تشكر لاصيب بها الحظ الاوفى * واخصص بالسهم الاوفر بالحفظ من النار الكبرى * والامن من الفزع الاكبر هل يمنعني وهو الساقي * أن إشرب من حوض الكوثر أم يطردني عن مائدة * وضعت للقانع والمعتر يامن قد أنكر من آيا * ت أبي حسن ما لا ينكر إن كنت لجهلك بالايا * م جحدت مقام أبي شبر فاسأل بدرا واسأل أحدا * وسل الاحزاب وسل خيبر من دبر فيها الامر ومن * أردى الابطال ومن دمر من هد حصون الشرك ومن * شاد الاسلام ومن عمر


(1) الاميني: الغدير ج 4 ص 397.

[380]

من قدمه طه وعلى * أهل الايمان له أمر قاسوك أبا حسن بسوا * ك وهل بالطود يقاس الذر أنى ساووك بمن ناوو * ك وهل ساووا نعلي قنبر من غيرك من يدعى للحر * ب وللمحراب وللمنبر أفعال الخير إذا انتشرت * في الناس فأنت لها مصدر وإذا ذكر المعروف فما * لسواك به شئ يذكر أحييت الدين بأبيض قد * أودعت به الموت الاحمر قطبا للحرب يدير الضر * ب ويجلو الكرب بيوم الكر فاصدع بالامر فناصر * ك البتار وشانئك الابتر لو لم تؤمر بالصبر وكظم الغي‍ * - ظ وليتك لم تؤمر ما نال الامر أخو تيم * وناوله منه حبتر لكن أعراض العاجل ما * علقت بردائك يا جوهر أنت المهتم بحفظ الدي‍ * - ن وغيرك بالدنيا يغتر أفعالك ما كنت فيها * إلا ذكرى لمن اذكر حججا ألزمت بها الخصما * ء وتبصرة لمن استبصر آيات جلالك لا تحصى * وصفات كمالك لا تحصر من طول فيك مدائحه * عن أدنى واجبها قصر فاقبل يا كعبة آمالي * من هدي مديحي ما استيسر وقال شاعر تتمة لهذه القصيدة: كف لطمت عين الزهراء * كانت للبغي هي المصدر والكسر بأضلاع الزهراء * أبدا الآباد فلا يجبر

[381]

شاعر أخو أحمد المختار صفوة هاشم * أبو السادة الغر الميامين مؤتمن وصي إمام المرسلين محمد * علي أمير المؤمنين أبو الحسن هما ظهرا شخصين والروح واحد * بنص حديث النفس والنور فاعلمن (1) عبد المنعم الفرطوسي قال طه: كنا أنا وعلي * عند عرش الرحمن أسنى ضياء قبل إيجاد آدم بألوف * من سنى الازمان والآناء وسلكنا في صلبه وانتقلنا * بين أصلاب خيرة الآباء وقسمنا نورين في أبوينا * من إناء مطهر لاناء فعلي مني وإني حقا * من علي على صعيد سواء (2) وله أيضا قال طه: إن النبيين أسمى * من جميع الملائك الاصفياء وأنا أفضل النبيين شأنا * ومقاما وأكرم السفراء ولك الفضل في الخلائق بعدي * ولباقي الائمة الاتقياء يا علي لم يخلق الخلق لولانا * ولا كان منه خلق السماء وانطوى الكون من جنان ومن نار * ومن آدم ومن حواء (3) وله أيضا وقال: ما من نبي الا ويحكى * بنظير من أحسن النظراء.


(1) الحمويني: فرائد السمطين ج 1 ص 15 ط بيروت. (2) الفرطوسي: ملحمة أهل البيت ج 1: ص 62. (3) المصدر ص 70.

[382]

وعلي في امتي هو مثلي * ونظيري من سائر الاولياء (1) وله أيضا قال: إن شئت أن ترى في البرايا * شخص موسى في البطش والاجتراء وترى آدما بعلم ويحيى * مع نوح في زهده والذكاء فترى المرتضى فهذي المزايا * فيه قد جمعت من الانبياء (2) وله أيضا قد تغذى من روحه وهداه * بلبان الاخا ودر الصفاء حيث صدر النبي مهد وثير * ويداه للحفظ خير وقاء كان يدني فراشه منه حتى * لا ينام النبي والمهد نائي ويهز المهد الذي هو فيه * بحنو في ساعة الاغفاء ويناغيه وهو في المهد ملقى * بحنان في ضحكه والبكاء وتربى في حجره وهو طفل * مستظلا من عطفه برداء حين آوى إليه في عام عسر * عم شيخ البطحاء بالبأساء فرعاه حتى ترعرع منه * فهو غرس في خلقه والنماء وتلقى الآداب منه دروسا * فدروسا من حكمة وذكاء فهو صنو له وأحمد صنو * لعلي في دوحة العلياء (3)


(1) المصدر ص 70. (2) الفرطوسي: ملحمة أهل البيت ج 1: ص 69. (3) المصدر ج 2 ص 8.

[383]

نابغة الدهر الشيخ محمد حسين الاصفهاني رحمه الله اسمه العلى ومذ تجلى مشرقا نور الهدى * خرت له الاصنام طرا سجدا وفي اسمه كنز النجاح والفرج * حدث بما شئت هنا ولا حرج سماه باسمه العلي الاعلى * تكرما منه له وفضلا اسم سما في عالم الاسماء * كالشمس في كواكب السماء اسم به يستدفع البلاء * وإن يكن أبرمه القضاء اسمك به أورقت الاشجار * إسم به أينعت الثمار وقامت السبع العلى بلا عمد * باسم علي فهو خير معتمد اسم به استدارت الافلاك * اسم به استجارت الاملاك اسم به آدم نال الصفوة * من ربه ونال منه عفوه وباسمه نوح نجا من الغرق * وفلكه جرى على خير نسق وباسمه نال الخليل الخلة * شرفه الله بتلك الحلة ونال منه البرد والسلامة * بل منه نال منصب الامامة وباسمه موسى غدا كليما * ونال منه منزلا كريما وباسمه سما المسيح ذو العلى * إلى السماء آمنا من البلا وباسمه استغاث سيد الورى * حين الذي جرى عليه ما جرى وباسمه كل نبي وولي * نجى من الشر الذي به ابتلي (1)


(1) الكمباني: الانوار القدسية / صححه وعلق عليه: الشيخ علي النهاوندي ص 32 31.

[384]

الشيخ الحر العاملي رحمه الله كيف تحظا بمجدك الاوصياء ؟ * وبه قد توسل الانبياء ما لخلق سوى النبي وسبطيه * السعيدين هذه العلياء فبكم آدم استغاث وقد مس‍ * - ته بعد المسرة الضراء يوم أمسي في الارض فردا غريبا * ونأت عنه عرشه حواء فتلقى من ربه كلمات * شرفتها من ذكركم أسماء فاستجب الدعاء منه ولولا * ذكركم ما استجيب منه الدعاء ثم يعقوب قد دعا مستجيرا * من بلاء بكم فزال البلاء وأتاه بكم قميص يوسف وارتد * بصيرا وتمت النعماء وبكم كان للخليل ابتهال * ودعاء لربه واشتكاء حين ألقاه عصبة الكفر في النا * ر فما ضر جسمه الالقاء أيضام الخليل من بعد ما كا * ن إليكم له هوى التجاء ؟ وبكم يونس استغاث ونوح * إذ طغا الماء واستجد العناء وبأسمائكم توسل أيوب * فزالت عنه بها الاسواء لعلي مجد غدا دون أد - * ناه الثريا في البعد والجوزاء أي فخر كفخره والنبيون * عليهم عهد له وولاء بعض شعراء الموصل وبهم آدم توسل لما * ضل عن رشده عن التضليل إذ تلقى من ربه كلمات * آدم فاستخصه بالقبول وأنارت بروح شيث ونوح * ثم أفضت إلى النبي الخليل وجرت في محل كل زكي * ورضي من نسل إسماعيل

[385]

ثم صارت محمدا وعليا * وهما في الفخار أصل الاصول (1) الشيخ البهائي رحمه الله إمام البرية أصل الاصول * شفيع الانام بيوم مهول فتى حبه الله ثم الرسول * وصي النبي وزوج البتول حوى في الزمان الندى والفخارا (2) السيد ميرزا علي آغا الشيرازي كيف أدري وهو سر فيه قد حار العقول حادث في اليوم لكن لم يزل أصل الاصول مظهر لله لكن لا اتحاد لا حلول * غاية الادراك أن أدري بأني لست أدري (3) ابن الرومي رأيتك عند الله أعظم زلفة * من الانبياء المصطفين ذوو الرشد (4) العلامة النباطي البياضي فآدم لما أن عصى زال فضله * في هل أتى شكر الامام على الرفد وقد سأل إبراهيم إحياء ميت * ليطمئن منه القلب بالواحد الفرد ولو يكشف المستور مولاي لم يزد * يقينا على ما كان من سالف العهد وقد خاف موسى حين ولى مبادرا * وبات علي لم يخف سطوة الضد


(1) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 168. (2) الاميني: الغدير ج 11 ص 246. (3) الاميني: الغدير ج 6 ص 37 (4) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 266.

[386]

أبو الرقعمق الانطاكي (المتوفى سنة 399) لا والذي نطق النبي * بفضله يوم الغدير ما للامام أبي علي * في البرية من نظير (1) الصاحب بن عباد لآل محمد أصبحت عبدا * وآل محمد خير البرية اناس حل فيهم كل خير * مواريث النبوة والوصية البياري أمير المؤمنين لنا إمام * له العلياء والرتب السنية فلم أنكرتم لو قلت يوما * بأن المرتضى خير البرية ستذكر بغضه وقلاه يوما * أتاك ردى وحم لك المنية (2) أبو الحسين فاذشاه من قال ليس المرتضى خير الورى * بعد النبي فهو في قعر لظى (3) الحميري أشهد بالله والآئه * والله عما قلته سائل إن علي بن أبي طالب * لخير ما حاف وما ناعل (4)


(1) الاميني: الغدير ج 4: ص 112. (2) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 صص 67 - 71. (3) المصدر. (4) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 صص 67 - 71. (*)

[387]

الخطيب الخوارزمي إن علي بن أبي طالب خير الورى والطالب الغالب خير الورى والطالب الغالب * بعد النبي ابن أبي طالب (1) الحسن بن حمزة العلوي جاء إلينا في الخبر * بأنه خير البشر فمن أبى فقد كفر * بفضل من يفاضل (2) أبو الطفيل الكناني إشهد بالله وآلائه * وآل ياسين وآل الزمر إن علي بن أبي طالب * بعد رسول الله خير البشر لو يسمعوا قول نبي الهدى * من حاد عن حب علي كفر (3) عمر النوقاني أشهد بالله وآلائه * شهادة بالحق لا بالمرا إن علي بن أبي طالب * خير الورى من بعد خير الورى (4) ابن حجاج فمذهبي أن خير الناس كلهم * بعد النبي أمير المؤمنين علي (5)


(1) المصدر. (2) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 صص 67 - 71. (3) المصدر. (4) المصدر. (5) المصدر.

[388]

الحميري ألم يك خيرهم أهلا وولدا * وأفضلهم معالا ينكرونا ألم يك أهله خير الانام * وسبطاه الفائزينا (1) الناشي إن الامام علي عند خالقه * غداه فينا أخوه فاعرف الذنبا هذا نبي وهذا خير امته * دينا وأعلى البرايا كللهم نسبا (2) الفضل بن عتبة ألا إن خير الناس بعد محمد * مهيمنه التاليه في العرف والنكر (3) ديك الجن إن عليا خير أهل الارض * بعد النبي فاربعي أو أمضي (4) البشنوي الكردي خير البرية خاصف النعل الذي * شهد النبي بحقه في المشهد وبعلمه وقضائه وبسيفه * شهد الرسول مع الملائك فاشهد (5) ابن الحجاج أهلا وسهلا بالاغر * ابن الميامين الغرر


(1) المصدر. (2) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 صص 67 - 71. (3) المصدر. (4) المصدر. (5) الاميني: الغدير ج 4 ص 39.

[389]

أهلا وسهلا يابن زم‍ * - زم والمشاعر والحجر يابن الذي لولاه ما * اقتربت ولا انشق القمر يابن الذي هو والنبي * محمد خير البشر ومن استجاز خلاف ذلك * أو رواه فقد كفر (1) ابن شهر آشوب ألا إن خير الناس بعد نبينا * علي ولي الله وابن المهذب به قام للدين الحنيف عموده * وصار رفيقا ذا رواق مطنب (2) عن الحميدي علي أمير المؤمنين أخو الهدى * وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا أسر إليه أحمد العلم جملة * وكان له دون البرية واعيا (3) مما قيل على لسان الاشعث بن قيس الكندي أتانا الرسول رسول الوصي * علي المهذب من هاشم رسول الوصي وصي النبي * وخير البرية من قائم وزير النبي وذو صهره * وخير البرية في العالم له الفضل والسبق بالصالحات * لهدي النبي به يأتمي (4)


(1) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 260. (2) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 323. (3) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 36. (4) الاميني: الغدير ج 10 ص 14.

[390]

ومن قول زجر بن قيس إلى خاله جرير جرير بن عبد الله لا تردد الهدى * وبايع عليا إنني لك ناصح فإن عليا من وطئ الحصى * سوى أحمد والموت غاد ورائح (1) ومن قول النجاشي أحد بني الحرب بن كعب: جعلتم عليا وأشياعه * نظير ابن هند أما تستحونا ؟ إلى أفضل الناس بعد الرسول * وصنو الرسول من العالمينا (2) الصاحب بن عباد وقالوا: علي علا قلت: لا * فإن العلاء بعلي علا ولكن أقول كقول النبي * وقد جمع الخلق كل الملا ألا إن من كنت مولى له * يوالي عليا وإلا فلا (3) ابن حماد الله سماه عليا عنده * فما على علائه خلق علا (4) وله أيضا: سلام على أحمد المرسل * سلام على الفاضل المفضل سلام على من علا في العلى * فسماه رب العلى علي (5)


(1) المصدر. (2) الاميني: الغدير ج 10 ص 14. (3) الديوان ط بيروت ص 260. (4) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 108 - 110. (5) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 108 - 110.

[391]

وله أيضا سماك رب العلى عليا * إذ لم تزل عالي المكان يا سيدا ما له من نظير * ولا شبيه ولا مدان (1) وله أيضا: الله سماه عليا باسمه * فسما علوا في العلى وسموقا (2) العوني علي علا عند ذي العرش عاليا * علي تعالى عن شبيه وعن ند أنا مولى لعلي وعلي لي ولي * بأبي اسم علي بأبي ذكر علي علي على في المواقف كلها * ولكنهم قد خانهم فيه مولد وقال قوم قد علا برازا * أقرانه يبتزها ابتزازا فهو علي إذ علا العديا وفرقة قالت علي الدار * في جنة الخلد مع الابرار إذ نال منه المنزل العلويا وفرقة قالت علاهم علما * وكان أعلاهم أبا واما فوال كهف الكرم الفتيا (3)


(1) المصدر. (2) السموق: العلو والطول. (3) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 108 - 110.

[392]

العوني عدل القرآن وصنو المصطفى وأبو * السبطين أكرم به من والد وأب بعل المطهرة الزهراء والنسب * الطهر الذي ضمه حقا إلى نسب (1) العبدي وإنك وجهه الباقي وعين * له ترعى الخلائق أجمعينا وله أيضا: وهو عين الله والوجه الذي * نوره نور الذي لا ينطفى وله أيضا: فسماه في القرآن ذو العرش جنبه * وعروته والوجه والعين والاذنا (2) وله أيضا: أنت عين الله والجنب من فر * ط فيه يصلى لظى مذموما (3) وله أيضا: يا علي بن أبي طالب يابن الاول * يا حجاب الله والباب القديم الازلي أنت أنت العروة الوثقى التي لم تفصل * أنت باب الله من يأتيك منه يصل (4) ابن حماد وجنب الله فيه قوم * فأضحوا في القيامة نادمينا (5)


(1) أيضا ص 241. (2) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 272. (3) ايضا ص 273. (4) ايضا ص 274. (5) ايضا ص 274.

[393]

ابن طباطبا الاصبهاني يامن حكى الماء فرط رقته * وقلبه في قساوة الحجر ياليت حظي كحظ ثوبك من * جسمك يا واحد البشر لا تعجبوا من بلا غلالته * قد زر أزراره على القمر (1) أبو عبد الله المفجع أيها اللائمي لحبي عليا * قم ذميما إلى الجحيم خزيا أبخير الانام عرضت لا زل‍ * - ت مذودا عن الهدى مزويا أشبه الانبياء كهلا وزولا * وفطيما وراضعا وغذيا كان في علمه كآدم إذ عل‍ * - م شرح الاسماء والمكنيا وكنوح نجا من الهلك من س‍ * - ير في الفلك إذ علا الجوديا - إلى أن قال - فارتقى منكب النبي علي * صنوه ما أجل ذاك رقيا فأماط الاوثان عن ظاهر الك‍ * - عبة ينفي الارجاس عنها نفيا ولو أن الوصي حاول مس الن‍ * - جم بالكف لم يجده قصيا أفهل تعرفون غير علي * وابنه استرحل النبي مطيا ؟ ! (2) الشيخ علي بن الشهيفنة الحلي يا روح أنس من الله البدء بدا * وروح القدس على العرش العلى بدا يا علة الخلف يامن لا يقارب خير الم‍ * - رسلين سواه مشبه أبدا أنت الذي اختارك الهادي البشير أخا * وما سواك ارتضى من بينهم أحدا


(1) الاميني: الغدير ج 3 ص 345. (2) الاميني: الغدير ج 3 ص 353.

[394]

أنت الذي عجبت فيك الملائك في * بدر ومن بعده إذ شاهدوا احدا (1) ابن حماد جل العلي علا * عن مشبه ونظير إمام كل إمام * أمير كل أمير حجاب كل حجاب * سفير كل سفير باب إلى كل رشد * نور على كل نور (2) أبو القاسم الزاهي يا سادتي ! يا آل ياسين فقط * عليكم الوحي من الله هبط لولاكم لم يقبل الفرض ولا * رحنا لبحر العفو من أكرم شط أنتم ولاة العهد في الذر ومن * هواهم الله علينا قد شرط ما أحد قايسكم غيركم * ومازج السلسل بالشرب اللمط إلا كمن ضاهى الجبال بالحصا * أو قايس الابحر جهلا بالنقط (3) الصاحب بن عباد ما لعلي العلى أشباه لا والذي لا إله إلا هو مبناه مبنى النبي تعرفه * وابناه عند التفاخر ابناه إن عليا علا على شرف * لو رامه الوهم زل مرقاه يا ضحوة الطير هنئي شرفا * فاز به لا ينال أقصاه (4)


(1) الافندي: رياض العلماء ج 4 ص 107 ط مكتبة آية الله المرعشي. (2) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 268. (3) الاميني: الغدير ج 3 ص 396 (4) القمي: الكنى والالقاب ج 1 ص 312.

[395]

أبو الحسن الخليعي حبذا يوم الغدير * يوم عيد وسرور إذ أقام المصطفى * من بعده خير أمير قائلا: هذا وصيي * في مغيبي وحضوري وظهيري ونصيري و * وزيري ونظيري تالله ما ذنب من يقيس إلى * نعلك من قدموا بمغتفر أنكر قوم عيد الغدير وما * فيه على المؤمنين من نكر حكمك الله في العباد به * وسرت فيهم بأحسن السير وأكمل الله فيه دينهم * كما أتانا في محكم السور نعتك في محكم الكتاب وفي * التوراة باد والسفر والزبر عليك عرض العباد تقض على * من شئت منهم بالنفع والضرر والمادحون المخبرون غلوا * وبالغوا في ثناك واعتذروا وعظمتك التوراة والصحف الاولى * وأثنى الانجيل والزبر والانبياء المكرمون وفوا * فيك بما عاهدوا وما غدروا (1) ابن حماد العبدي ما لعلي سوى أخيه * محمد في الورى نطير ألا إنه نفسي ونفسي نفسه * به النص أنبا وهو وحي منزل


(1) الاميني: الغدير ج 6 ص 11، 10، 13.

[396]

أمير النحل مولى الخلق * في خم على الابد شبيه المصطفى بالفض‍ * - ل لم ينقص ولم يزد وجنب الله في كتب * وعين الواحد الصمد ما لابن حماد سوى من حمدت * آثاره وأبهجت غرانه (1) ذاك علي المرتضى الطهر الذي * بفخره قد فخرت عدنانه صنو النبي هديه كهديه * إذ كل شئ شكله عنوانه (2) ابن حماد وسماه رب العرش في الذكر نفسه * فحسبك هذا القول إن كنت ذا خبر وقال لهم هذا وصيي ووارثي * ومن شد رب العالمين به أزري على كزري من قميص أشارة * بأن ليس يستغني القميص عن الزر وله ايضا: من الذي قال النبي له * أنت مني مثل روحي في البدن وله ايضا: الله سماه نفس أحمد في * القرآن يوم البهال إذ ندبا فكيف شبهه بطائفة * شبهها ذو المعارج الخشبا (3)


(1) (غران) جمع الغرير: الخلق الحسن ومنه المثل: أدبر غريره وأقبل هريره أي أدبر حسنه وجاء سيئه. (2) الاميني: الغدير ج 4 ص 147 - 161. (3) اشارة إلى قوله تعالى: كأنهم خشب مسندة.

[397]

ديك الجن عضو النبي المصطفى وروحه * وشمه وذوقه وريحه السوسي من نفسه من نفسه وجنسه من جنسه * وعرسه من عرسه فهل له معادل الجماني وأنزله منه النبي كنفسه * رواية أبرار تأدت إلى بر فمن نفسه فيكم كنفس محمد * ألا بأبي نفس المطهر والطهر (1) عبد المنعم الفرطوسي أنت نفسي وأنت مني بحق * مثل رأسي من سائر الاعضاء (2) العبدي: أشهد بالله لقد قال لنا * محمد والقول منه ما خفى لو أن إيمان جميع الخلق ممن * سكن الارض ومن حل السما يجعل في كفه ميزان لكي * يوفي بإيمان علي ما وفى (3) عبد المنعم الفرطوسي قال طه للمرتضى يوم أحد * حين أبلى في الله خير بلاء لو وضعنا في كفة كل فعل * من فعال الابرار والصلحاء ووضعنا الاعمال في يوم أحد * منك في كفة بوزن سواء


(1) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2: صص 217 - 218. (2) ملحمة أهل البيت ج 1: ص 285. (3) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2: ص 9.

[398]

لاستبان الرجحان عنك فيما * فيه أبليت عند وقت اللقاء ولقد فاخر الاله وباهى * بك غر الملائك الامناء ولقد أشرفت بما كان فيها * لك ترنو عينا جنان السماء حينما قد أزاح رب البرايا * كل حجب عنها وكل غطاء وهو في الحشر سوف يجزيك فض‍ * - لا منه عملت خير جزاء يغبط الانبياء فضلك فيه * وجميع الابرار والاولياء (1) ابن العطار الواسطي الهاشمي ولقد أرانا الله أفضل خلقه * في الطائر المشوي لما أن دعا المفجع كان النبي لما تمنى * حين أتوه طائرا مشويا إذ دعا الله أن يسوق أحب * الخلق طرا إليه سوقا وحيا ابن حماد وفي قصة الطير لما دعا * النبي الاله وأبدي الضرع أيارب ابعث إلى أحب * خلقك يامن إليه الفزع فلم يستتم النبي الدعاء * إذا إمام الهدى قد رجع ثلاث مرار فلما انتهى * إلى الباب دافعه واقترع فقال النبي له ادخل فقد * أطلت احتباسك يا ذا الصلع فخبره أنه جاءه * ثلاثا ودافعه من دفع فقطب في وجه من رده * وأنكر ما بأخيه صنع


(1) ملحمة أهل البيت ج 1 ص 288.

[399]

فأورثه برصا فاحشا * فظل وفي الوجه منه بقع (1) الشيخ إبراهيم الكفعمي العاملي هنيئا هنيئا ليوم الغدير * ويوم النصوص ويوم السرور ويوم الكمال لدين الاله * وإتمام نعمة رب غفور ويوم العقود ويوم الشهود * ويوم العهود لصنو البشر ويوم الفلاح ويوم النجاح * ويوم الصلاح لكل الامور ويوم الامارة للمرتضى * أبي الحسنين الامام الامير ترى ألف عبد له معتقا * ويختار في القوت قرص الشعير أمير السرايا بأمر النبي * وليس عليه بها من أمير (2) الايرواني كيف لتحصى صفاتك الكتاب * ومزاياك ما لهن حساب ليت شعري وهل يحيط بمعناك * خبير كما أحاط الكتاب فلعمري ما أنت في الناس إلا * نفس طه وما بذاك ارتياب (3) علي كالنبي بكل فضل سوى * فضل النبوة قد عداه هو المعنى بالباب الذي من * أتى الهادي النبي فقد أتاه فتى في كنهه خبط البرايا * وفي معنى الحقيقة منه تاهوا


(1) ابن شهر آشوب مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 285. (2) الكفعمي: المصباح ص 701. (3) من ديوان شعراء الحسين (الايرواني) ص 226.

[400]

أبو محمد العوني يا آل أحمد لولاكم لما طلعت * شمس ولا ضحكت أرض من العشب أبوكم خير من يدعى لحادثة * فيستجيب بكشف الخطب والكرب عدل القران وصي المصطفى وأبو * السبطين أكرم به من والد وأب (1) الشيخ عبد الرضا المقري الكاظمي وقفت دون سعيك الانبياء * فلتطل مفخرا بك الاوصياء وعن الانبياء فضلا عليك * الله أثنى فحبذا الاثناء وإذا لم يكن سوى آية التط * - هير فيكم لكان فيها اكتفاء كنت نورا وليس كون ولا * آدم بل ليس كان طين وماء أنت عين اليقين سلطان موسى * والعصى منه واليد البيضاء وسنا النار حين آنسها من * جانب الطور إذ بدا اللالاء روح قدس به تأيد عيسى * ولامواته به إحياء أنت لو لم تكن لما عبد الله * ولا للانام كان اهتداء (2) عبد المنعم الفرطوسي سئل المصطفى بأي لسان * لك يوحى الخطاب رب العطاء قال يوحيه في لسان علي * وسألت الباري بوقت النداء أنت خاطبتني بصوتك حقا * أم بصوت الوصي من أصفيائي قال: إني لا أشبه الناس طرا * أنا شئ ولست كالاشياء من سناك الذاكي خلقت عليا * وهو نور خلقته من سنائي


(1) الاميني: الغدير: ج 4 ص 127. (2) الاميني: الغدير ج 11: ص 354.

[401]

وأحب العباد بعد اطلاعي * لك بالغيب سيد الاوصياء فأتاك الخطاب بالوحي مني * بلسان الحبيب من أوليائي ليكون اطمينان نفسك أمرا * ثابتا باليقين دون انتفاء (1) السيد علي خان شارح الصحيفة السجادية أمير المؤمنين فدتك نفسي * لنا من شأنك العجب العجاب تولاك الاولى سعدوا ففازوا * وناواك اللذين شقوا فخابوا ولو علم الورى ما أنت أضحوا * لوجهك ساجدين ولم يحابوا يمين الله لو كشف المغطى * ووجه الله لو رفع الحجاب خفيت على العيون وأنت شمس * سمت من أن يجللها سحاب وليس على الصباح إذا تجلى * ولم يبصره أعمى العين عاب لسر ما دعاك أبا تراب * محمد النبي المستطاب فكان لكل من هو من تراب * إليك وأنت علته انتساب فلولا أنت لم يخلق سماء * ولولا أنت لم يخلق تراب وفيك وفي ولائك يوم حشر * يعاقب من يعاقب أو يثاب بفضلك أفصحت توراة موسى * وإنجيل ابن مريم والكتاب وهل لسواك بعد غدير خم * نصيب في الخلافة أو نصاب ألم يجعلك مولاهم فذلت * على رغم هناك لك الرقاب وكم سفهت عليك حلوم قوم * فكنت البدر تنبحه الكلاب (2)


(1) ملحمة أهل البيت ج 1 ص / 78 (2) الاميني: الغدير ج 11: ص 346.

[402]

الملا مهر علي هاعلي بشر كيف بشر * ربه فيه تجلى وظهر هو والمبدأ شمس وضياء * هو والواجب شمس وقمر أذن الله وعين الباري * ياله صاحب سمع وبصر علة الكون ولولاه لما * كان للعالم عين وأثر فلك في فلك فيه نجوم * صدف في صدف فيه درر جنس الاجناس علي و * بنوه نوع الانواع إلى حادي عشر كل من مات ولم يعرفهم * موته موت حمار وبقر قوسه قوس صعود ونزول * سهمه سهم قضاء وقدر ما رمى رمية إلا وكفى * ما غزى غزوة إلا وظفر أسد الله إذا صال وصاح * أبو الايتام إذا جاد وبر بوتراب وكنوز العالم عنده نحو تراب ومدر من له صاحبة كالزهراء * أو سليل كشبير وشبر أيها الخصم تذكر سندا * متنه صح بنص وخبر إذ أتى أحمد في خم غدير * بعلي وعلي الرحل نبر قال من كنت أنا مولاه * فعلي له مولى ومفر العبدي الكوفي محمد وصنوه وابنته * وابناه خير من تحفى واحتذا صلى عليهم ربنا باري الورى * ومنشئ الخلق على وجه الثرى صفاهم الله تعالى وارتضى * واختارهم من الانام واجتبى لولاهم الله ما رفع السما * ولا دحى الارض ولا انشأ الورى لا يقبل الله لعبد عملا * حتى يواليهم بإخلاص الولا

[403]

ولا يتم لامرء صلاته * إلا بذكراهم ولا يزكو الدعا لوان عبدا لقى الله بأعما * ل جميع الخلق برا وتقى ولم يكن والى عليا حبطت * أعماله وكب في نار لظى (1) عن الحماني هم صفوة الله التي ليس مثلها * وما مثلهم في العالمين بديل خيار خيار الناس من لا يحبهم * فليس له إلا الجحيم مقيل وأنزله منه النبي كنفسه * رواية أبرار تأدت إلى البشر فمن نفسه منكم كنفس محمد * إلا بأبي نفس المطهر والطهر (2) السيد علي تقي الحيدري يا عليا سمت به العلياء * لمعال ليست لهن انتهاء لك اسم من اسمه الله قدما * شقه حين لم تكن أسماء كنت والمصطفى ضياء ونورا * تعبدان الاله إذ لا ضياء حين لا الارض يوم ذلك أرض * في فضاء ولا السماء سماء ثم لما قضى الاله تعالى * إنكم بين خلقه شهداء كنت أنت المولود في البيت فضلا * واختصاصا لم يؤته الانبياء نلت في ذاك رفعة لم ينلها * إنبياء قدما ولا أوصياء وحططت الاصنام عنه بحزم * فهي بعد التاليه دهرا هباء ذاك يوم ارتقيت مرقى عظيما * خلت للحجب كان منك ارتقاء


(1) الغدير: ج 2 ص 298. (2) الغدير: ج 3 ص 66.

[404]

فوق كتف النبي أحمد لكن * ذاك مرقى ما فوقه استعلاء أنت من أهل بين طه وممن * أذهب الرجس عنه والفحشاء أنت نفس النبي في قل تعالوا * ندع أبنائنا وتدعى النساء انت من أحمد كما كان من * موسى أخوه وليس فيه مراء الشيخ محمود عباس العاملي فوحق آيات الكتاب المنزل * ومكون الاكوان ذي المجد العلي وبحق هادينا النبي المرسل * ما حاز كل المكرمات سوى علي وسواه لا عين لديه ولا أثر أنت خير الانام من بعد طه * وبهذا قد جائت الانباء وحديث المشوي ينبأ عنه * ياله خير طائر وشواء أنت صنو الهادي وأنت أخوه * أفهل أنت والقصي سواء أنت ثاني الثقلين وابناك سبطا * أحمد ثم فاطم الزهراء أنتم علة العوالم طرا * حيث لولاكم الوجود فناء أنتم للورى سفينة نوح * ليس عنها للعالمين غناء أنتم للورى أمان كما * الشهب أمان لمن حوته السماء (1) الشيخ الصالح التميمي الحلي غاية المدح في علاك ابتداء * ليت شعري ما يصنع الشعراء يا أخا المصطفى وخير ابن عم * وأمير إن عدت الامراء ما ترى ما استطال إلا تناهى * ومعاليك ليس لهن انتهاء أنت للحق سلم ما لراق * يتأتى بغيره الارتقاء


(1) العلامة السيد علي تقي الحيدري: كتاب الوصي ص 122.

[405]

أنت ثاني ذوي الكساء ولعمري * أشرف الخلق من حواه الكساء ولقد كنت والسماء دخان * ما بها فرقد ولا جوزاء شمل الروح من نسيمك روح * حين من ربه أتاه النداء قائلا من أنا فروى قليلا * وهو لولاك فاته الاهتداء لك اسم رآه خير البرايا * مذ تدلى وضمه الاسراء خط مع اسمه على العرش قدما * في زمان لم تعرف الاسماء ثم لاح الصباح من غير شك * وبدا سرها وبان الخفاء وبرى الله آدم من تراب * ثم كانت من آدم حواء معدن الناس كلها الارض لكن * انت من جوهر وهم حصباء الشيخ مغامس بن داغر رآه آدم نورا بين أربعة * لالاؤها فوق ساق العرش من كثب فقال: يا رب من هذا ؟ فقيل له * قول المحب وما في القول من ريب هم أوليائي وهم ذرية لكما * فقر عينا ونفسا فيهم وطب أما وحقهم لولا مكانهم * منى لما دارت الافلاك بالقطب كلا ولا كان من شمس ولا قمر * ولا شهاب ولا افق ولا حجب ولا سماء ولا أرض ولا شجر * للناس يهمي عليه واكف السحب ولا جنان ولا نار مؤججة * جعلت أعدائهم فيها من الحطب وخاف نوح فناجى ربه فنجا * بهم على دسر الالواح والخشب وفي الجحيم دعا الله الخليل بهم * فأخمدت بعد ذلك الحر واللهب وقد دعا الله موسى إذ هوى صعقا * بحقهم فنجا من شدة الكرب (1)


(1) الغدير: ج 7 ص 29 - 30.

[406]

الشيخ الرجب البرسي ولائي لآل المصطفى وبنيهم * وعترتهم أزكى الورى وذويهم بهم سمة من جدهم وأبيهم * هم القوم أنوار النبوة فيهم تلوح وآثاره الامامة تلمع بحبهم طاعتنا تتقبل * وفي فضلهم جاء الكتاب المنزل يعم شزا هم كل أرض ويشمل * وإن ذكروا فالكون ند ومندل (1) لهم أرج من طيبهم يتضوع دعا بهم موسى ففرج كربه * وكلمه من جانب الطور ربه أذا حاولوا أمرا تسهل صعبه * وإن برزوا فالدهر يخفق قلبه لسطوتهم وااسد في الغاب تفزع فلولا هم ما سار فلك ولا جرى * ولا ذرأ الله الانام ولا برى كرام متى ما زرتهم عجلوا القرى * وإن ذكر المعروف والجود في الورى فبحر نداهم زاخر يتدفع (2) محمد الحميري بحق محمد قولوا بحق * فإن الافك من شيم اللئام أبعد محمد بأبي وأمي * رسول الله ذي الشرف التهامي أليس علي أفضل خلق ربي * وأشرف عند تحصيل الانام ولايته هي الايمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام وطاعة ربنا فيها وفيها * شفاء للقلوب من السقام علي إمامنا بأبي أنت وأمي * أبو الحسن المطهر من حرام


(1) الند بفتح المعجمة وكسرها: عود يتحز به المندل: العود الطيب الرائحة. (2) الاميني: الغدير 7: ص 46.

[407]

إمام هدى أتاه الله علما * به عرف الحلال من الحرام ولو أنى قتلت النفس حبا * له ما كان فيها من أثام يحل النار قوم أبغضوه * وإن صلوا وصاموا ألف عام ولا والله لا تزكو صلاة * بغير ولاية العدل الامام أمير المؤمنين بك اعتمادي * وبالغر الميامين اعتصامي فهذا القول لي دين وهذا * إلى لقياك يا ربي كلامي برئت من الذي عادى عليا * وحاربه من أولاد الطغام تناسوا نصبه في يوم خم * من الباري ومن خير الانام برغم الانف من يشنأ كلامي * علي فضله كالبحر طامي وأبرأ من أناس أخروه * وكان هو المقدم بالمقام الشيخ كاظم الازري أيها الراكب المجد رويدا * بقلوب تقلبت في جواها إن أتيت أرض الغريين فاخضع * واخلع النعل دون وادي طواها فتواضع فثم دارة قدس * تتمنى الافلاك لثم ثراها ثم قل والدموع سفح عقيق * والحشا تصطلي بنار غضاها يابن عم النبي أنت يد الله * التي عم كل شئ نداها أنت قرآنه القديم وأو * صافك آياته التي أوحاها أنت بعد النبي خير البرايا * والسما خير ما بها قمراها لك في مرتقى العلى والمعالى * * درجات لا يرتقى أدناها حبك الله في مآثر شتى * هي مثل الاعداد لا تتناهى ليت عينا بغير روضك ترعى * قذيت واستمر فيها قذاها لك ذات كذاته حيث لولا * أنها مثلها لما آخاها

[408]

فتراضعتما بثدي وصال * كان من جوهر التجلى غذاها لك نفس من جوهر اللطف صيغت * جعل الله كل نفس فداها هي قطب المكونات حيث لولا * هالما دارت الرحى لولاها وهي الآية المحيطة بالكون * وفي كل شئ تراها لك كف من أبحر الله تجري * أنهر الانبياء من جدواها لم تكن هذه العناصر إلا من * هيولاه حيث كان أباها وسمت باسمه سفينة نوح * واستقرت به على مجراها وبه نال خلة الله إبراهيم * وباسمه النار قد أطفاها وبسر سرى في ابن عمران * وأطاعت تلك اليمين عصاها وبه سخر المقابر عيسى * فأجابت نداءها موتاها يا أخا المصطفى لدي ذنوب * هي عين القذى وأنت جلاها لا فتى في الوجود إلا علي * ذاك شخص بمثله الله باها إنما المصطفى مدينة علم * وهو الباب من أتاه أتاها فتأمل بعم تنبئك عنه * نبأ كل فرقة أعياها ثم سل إنما وليكم الله * تجد الاعتبار في معناها آية خصت الولاية لله * وللطهر حيدر بعد طاها هل أتت هل أتى بمدح سواه * لا ومولى بذكره حلاها هو في آية التباهل نفس النبي * ليس غيره إياها وهو علامة الملائك واسأل * روح جبريل كيف عنه هداها ابن العرندس هم النور نور الله جل جلاله * هم التين والزيتون والشفع والوتر مهابط وحي الله خزان علمه * ميامين في أبياتهم نزل الذكر

[409]

وأسمائهم مكتوبة فوق عرشه * ومكنونة من قبل أن يخلق الذر ولولاهم لم يخلق الله آدما * ولا كان زيد في الانام ولا عمرو ولا سطحت أرض ولا رفعت سما * ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر ونوح به (بهم) في الفلك لما دعا نجا * وغيض به (بهم) طوفانه وقضي الامر ولولاهم نار الخليل لما غدت * سلاما وبردا وانطفى ذلك الجمر ولولاهم يعقوب ما زال حزنه * ولا كان عن أيوب ينكشف الضر ولان لداود الحديد بسرهم * فقدر في سرد يحير به الفكر ولما سليمان البساط به سرى * أسليت لله عين يفيض له القطر وسخرت الريح الرخاء بأمره * فغدوتها شهر وروحتها شهر وهم سر موسى والعصا عندما عصى * أوامره فرعون والتقف السحر ولولاهم ما كان عيسى بن مريم * لعازر من طي اللحود له نشر سرى سرهم في الكائنات وفضلهم * وكل نبي فيه من سرهم سر علا بهم قدري وفخري بهم غلا * ولولاهم ما كان في الناس لي ذكر (1) إبن بشارة اغروي من ظلمة الليل لي المأنس * إذ فيه تبدو الشهب الكنس إلى قوله: - ونار موسى سرها حيدر * العالم الخنذيذ (2) والدهرس والاسد المغوار يوم الوغى * تفرق من صولته الاشوس (3) لو قامت الحرب على ساقها * قام إليها وهو لا ينكش


(1) الاميني: الغدير ج 7 ص 18. (2) الخنذيذ: الخطيب البليغ. (3) الاشوس: الجري على القتال الشديد.

[410]

كم قد في صارمه فارسا * وصير السيد له ينهس (1) هو ابن عم المصطفى والذى * قد طاب من دوحته المغرس عيبة علم الله شمس الهدى * ونوره الزاهر لا يطمس مهبط وحي لم ينل فضله * وكنهه في الوهم لا يحدس قد طلق الدنيا ولم يرضها * ما همه المطعم والملبس يقطع الليل بتقديسه * يزهو به المحراب والمجلس وفي الندى بحر بلا ساحل * وفي المعالي الاصيد الا رأس إذا رقى يوما ذرى منبر * وألسن الخلق له خرس يريك من ألفاظه حكمة * يحتار فيها العالم الكيس فيالها من رتب نالها * من دونها كيوان والاطلس ! إلى قوله: والله لولا حيدر لم يكن * في الارض ديار ولا مكنس فليس يحصي فضله ناثر * أو ناظم في شعره منبس (2) فلا تعدل بأهل البيت خلقا * فأهل البيت هم أهل السيادة فبغضهم من الانسان خسر * حقيقي وحبهم عبادة (3)


(1) السيد: الذئب الاسد والسيد تخفيف السيد نهس: أخذ بمقدم أسنانه ونتفه. (2) الاميني: الغدير ج 11: ص 380 - 382. (3) الفيروز آبادي: فضائل الخمسة ج 2 ص 82.

[411]

الباب الثالث الأمام علي عليه السلام وأربعة من منازل الآخرة ومواقفها قال الأمام موسى بن جعفر عليهما السلام: (إني ومن يجري مجراي من الأئمة لابد لنا من حضور جنائزكم في أي بلد كنتم فاتقوا الله في أنفسكم). (المناقب لابن شهرآشوب، ج 4: ص 292)

[413]

حضوره عليه السلام عند المحتضر بنفسه الشريفة وشخصه 1 - عن أبان بن تغلب، عن أبي داود الأنصاري، عن الحارث الهمداني (1)، قال: (دخلت على أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ما جاء بك ؟ فقلت: حبي لك، يا أمير المؤمنين ! فقال: يا حارث أتحبني ؟ قلت: نعم، والله، يا أمير المؤمنين، قال: أما لو بلغت نفسك الحلقوم رأيتني حيث تحب، ولو رأيتني وأنا أذود


(1) - الحارث الأعور الهمداني - بسكون الميم - عده البرقي في الاولياء من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وعن ابن داود: أنه كان أفقه الناس، مات سنة خمس وستين، وعن شيخنا البهائي كان يقول: هو جدنا وهو من خواص أمير المؤمنين عليه السلام، وعنه قال: (أتيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم نصف النهار، فقال: ما جاء بك ؟ قلت، حبك والله، قال: إن كنت صادقا لتراني في ثلاثة مواطن: حيث تبلغ نفسك هذه - وأومأ بيده إلى حنجرته - وعند الصراط، وعند الحوض)، وفي الكافي: ان حارثا الأعور أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ! احب أن تكرمني أن تأكل عندي، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام على أن لا تتكلف لي شيئا، فدخل، فأتاه الحارث بكسرة فجعل أمير المؤمنين يأكل، فقال له الحارث: إن معي دراهم وأظهرها وإذا هي في كمه - فان أذنت لي اشتريت لك، فقال له أمير المؤمنين: هذه مما في بيتك). (القمي: سفينة البحار، ج 1: ص 240) أقول: هذا الخبر يدل على أن للحارث الهمداني (ره) منزلة رفيعة عند علي عليسه السلام لأن مولاه يدخل بيته، ويأكل من كسرة طعامه وخبزه، وهذا كمال الأخلاص والعناية له، رضي الله عنه من سيده ومولاه.

[414]

الرجال (1) عن الحوض ذود غريبة الأبل لرأيتني حيث تحب، ولو رأيتني وأنا مار على الصراط بلواء الحمد بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لرأيتني حيث تحب (2). 2 - وعن الحارث - أيضا - يقول: أتيب أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة، فقال: يا أعور ! ما جاء بك ؟ قال: فقلت يا أمير المؤمنين، جاء بي والله حبك، قال: فقال: أما إني سأحدثك لتشكرها، أما إنه لا يموت عبد يحبني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحب، ولا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يكره (3). 3 - عن الأصبغ بن نباتة (4)، قال: (دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر من الشيعة وكنت فيهم، فجعل الحارث يتأود (5) في مشيته، ويخبط الأرض (6) بمحجنه (7)، وكان مريضا، فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السلام - و كانت له منه منزلة - فقال: كيف تجدك، يا حارث ؟ فقال: نال الدهر (8) - يا أمير المؤمنين ! - مني، وزادني أوارا وغليلا (9) اختصام أصحابك ببابك، قال: وفيم خصومتهم ؟ قال: فيك وفي الثلاثة من قبلك، فمن مفرط منهم غال (10)، ومقتصد


(1) - أي أدفع وأطرد. (2) - مجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 181. (3) - رجال الكشي، / تحقيق: الأستاذ حسن المصطفوي، ص 89، (نقلناه ملخصا). (4) - الأصبغ - بفتح الهمزة والباء - بن نباتة - بضم النون - كان رضي الله عنه من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشهد معه صفين، وكان على شرط الخميس، وكان شاعرا، وعده البرقي في رجاله في أصحاب على عليه السلام من الأمين، (اعيان الشيعة، ج 4: ص 464). (5) - اي ينعطف في مشيه، يستقيم مرة ويعوج أخرى. (6) - الخبط: الضرب الشديد. (7) - المحجن - كمنبر -: العصا المعوجة رأسها. (8) - أي أصابني. (9) - الأوار - بالضم - حرارة الشمس وحرارة العطش، ويوم ذو أوار: ذوسموم وحر شديد، والغليل: الحقد والضغن، وحرارة الحب والحزن. (10) - أي غال في المحبة، وفي بعض النسخ (مفرط قال) أي مفرط في البغض والعداوة.

[415]

تال (1)، ومن متردد مرتاب، لا يدري أيقدم أم يحجم (2)، فقال: حسبك، يا أخاه همدان، ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط (3) إليهم يرجع الغالي، وبهم يلحق التالي. فقال له الحارث: لو كشفت - فداك أبى وامي - الرين (4) عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا. قال عليه السلام: قدك (5) فأنك امرؤ ملبوس عليك (6) إن دين الله لايعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله. يا حارث إن الحق أحسن الحديث، والصادع (7) به مجاهد، وبالحق أخبرك


(1) - أي معتدل في المحبة ويتلوك. وفي بعض النسخ (مقتصد قال) أي مبغض وفي البحار، ج 39: ص 241 (أقال)، أي أقال البيعة. (2) - أحجم عنه: كف عنه أو نكص هيبة. (3) - النمط: جماعة من الناس. (4) - الرين: الطبع والدنس. (5) - قد مخففة - حرفية وإسمية، والأسمية على وجهين: إسم فعل مرادفة ليكفى نحو قولهم: قدني درهم، وقد زيدا درهم، واسم مرادف لحسب. (6) - أي اختلط الأمر عليك واشتبه، فان أقدار الرجال في الظاهر وشخصيتهم لا تكون معيارا في معرفة الدين في جميع الموارد، ولا توجب صدقهم في جميع المقال والفعال، لأنهم في مظان الخطأ و الزلل، بل لابد من أن تعرف الدين والحق والباطل قبل معرفتك بالرجال حتى لا يختلط ولا يلتبس عليك الأمر، وأن تعلم أن المعيار هو الدين وحده لاأقدار الرجال، فو الله، إن هذا الكلام الشريف أحسن كلام لمعرفة الحقائق، فداك أبي وأمي وروحي وجسمي وأولادي يا أمير المؤمنين، يا ولى الله الاعظم، إن كلامك فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق. وقد جاء نظير هذا الكلام في كتاب الفتنة الكبرى (على وبنوه) لطه حسين (ص 40، ط دار المعارف بمصر) قال مؤلف الكتاب: (سأله رجل منهم: أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل ؟ فقال: (إنك لملبوس عليك، ان الحق والباطل ليعرفان باقدار الرجال ؟ اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله). وما أعرف جوابا أروع من هذا الجواب الذي لا يعصم من الخطأ أحدا مهما تكن منزلته، و لا يحتكر الحق لاحد مهما تكن مكانته بعد أن سكت الوحي وانقطع خبر السماء). (7) - الصدع: المجاهر.

[416]

فأرعني سمعك (1)، ثم خبر به من كان له حصافة (2) من أصحابك، ألا إنى عبد الله، و أخو رسوله، وصديقه الأول، صدقته وآدم بين الروح والجسد، ثم إني صديقه الاول في امتكم حقا، فنحن الأولون، ونحن الاخرون، ونحن خاصته - يا حارث ! - وخالصته، وأنا صنوه ووصيه ووليه، وصاحب نجواه وسره، اوتيت فهم الكتاب، وفصل الخطاب، وعلم القرون والأسباب، واستودعت ألف مفتاح، يفتح كل مفتاح ألف باب، يفضي كل باب إلى ألف ألف عهد، وايدت و اتخذت وأمددت بليلة القدر نفلا (3)، وإن ذلك يجرى لي ولمن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل والنهار حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وابشرك يا حارث لتعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند الحوض، و عند المقاسمة، قال الحارث: وما المقاسمة، يا مولاي ؟ قال: مقاسمة النار، اقاسمها قسمة صحيحة، أقول: هذا وليي فاتركيه، وهذا عدوي فخذيه. ثم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيد الحارث فقال: يا حارث ! أخذت بيدك كما أخذ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بيدي فقال لي - وقد شكوت إليه حسد قريش والمنافقين لي -: إنه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل الله وبحجزته (يعني عصمته من ذي العرش تعالى) وأخذت أنت يا علي بحجزتي، وأخذ ذريتك بحجزتك، وأخذ شيعتكم بحجزتكم. فماذا يصنع الله بنبيه، فما يصنع نبيه بوصيه ؟ خذها إليك يا حارث، قصيرة من طويلة. نعم، أنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت - يقولها ثلاثا -. فقام الحارث يجر ردائه، وهو يقال: ما ابالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني. قال جميل بن صالح - أحد رواة الحديث -: وأنشدني أبو هاشم السيد الحميري، فيما تضمنه هذا الخبر:


(1) - أي استمع لمقالتي. (2) - الحصافة: العقل وسديد الرأى. (3) - أي زائدا.

[417]

قول علي لحارث عجب * كم ثم اعجوبة له حملا يا حار همدان من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا (1) يعرفني طرفه وأعرفه * بنعته واسمه وما عملا وأنت عند الصراط تعرفني * فلا تخف عثرة ولا زللا أسقيك من بارد على ظمأ * تخاله (2) في الحلاوة العسلا أقول للنار حين توقف لل‍ * - عرض دعيه لا تقربي الرجلا دعيه لا تقربيه إن له * حبلا بحبل الوصي متصلا (3) أقول: يستفاد من كتب التراجم والرجال ومن الاحاديث التي مرت عليك: أن الحارث الأعور الهمداني - رضي الله عنه - كان من الموالين المخلصين قد أصابته المحن و المصائب، وأوذي في سبيل مولاه وسيده من أوغاد الناس والنواصب حتى جاء مريضا إلى حضور مولاه وفي يده عصا، يعوج في مشيته ويستقيم اخرى، وشكا نوائبه إلى سيده ومولاه، فلما رأى علي عليه السلام وليه مهموما ومغموما تسلاه وبشره برؤيته ومعرفته في أربعة مواقف، التي هي أشد المواقف وأصعب الطرق بقوله عليه السلام: (وابشرك يا حارث، لتعرفني عند الموت، وعند الصراط، وعند


(1) - أي مقابلة وعيانا. (2) - أي تظنه. (3) - المفيد: كتاب الأمالي / المجلس الاول، الطوسي: كتاب الأمالي، ج 2: ص 238، المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 178 وج 39: ص 239. واعلم أن هذا الحديث الشريف يدل بدلالة واضحة أن هذه الأبيات للسيد الحميرى رحمه الله لأنك لاحظت قول الجميل في آخر الحديث: (وأنشدني أبو القاسم الحميري فيما تضمنه هذا الخبر) قال المحدث القمى، في (الكنى والالقاب) (ج 2: ص 105) (وقد نظم السيد الحميرى رحمه الله ما تضمنه هذا الحديث)، ولعل توهم الرواة وجمع كثير من الباحثين كون هذه الأبيات من انشاء على عليه السلام لعدم اشتهار البيت الاول حتى لم ينقلهما العلامة المامقاني في رجاله، ووقع في هذا التوهم - أيضا - ابن أبى الحديد في (شرح نهج البلاغة) (ج 1: ص 299) بقوله: (إن الشيعة تروى عنه شعرا قاله للحارث الهمداني). (*)

[418]

الحوض وعند المقاسمة). فيدور كلامه عليه السلام للحارث الهمداني حول أربعة منازل من منازل الآخرة و مواقفها، فعلى هذا جعلنا وجيزتنا هذه في شرح كلامه عليه السلام على أربعة فصول: 1 - منزلته عليه السلام عند المحتضر، 2 - منزلته عليه السلام عند الصراط، 3 - منزلته عليه السلام عند الحوض، 4 - منزلته عليه السلام عند المقاسمة. وفي الفصل الاول يستدل على أن حضوره عليه السلام عند المحتضر يكون بعينه و شخصه ونعته ونفسه ومعاينة المحتضر له عيانا، وكذلك حضور النبي وأهل بيته الكرام المعصومين:، ويرد على من زعم أن الذي يشهده المحتضر عند الموت ويراه هو صور الأئمة: المشابهة لصورهم الاصلية، أو ثمرة ولايتهم أو بغضهم لا أشخاصهم الشريفة وأعيانهم المباركة، ويبحث في الثاني عن حضوره عليه السلام عند الصراط وإعطائه الموالين المحبين الجواز و البراءة. وفي الثالث عن حضوره عن الحوض وسقايته المخلصين له عليه السلام من الكوثر، ومنعه وطرده المخالفين عنه. وفي الرابع عند حضوره عليه السلام عند الجنة و النار، وتقسيمهما بنفسه الشريفة لا باعتبار أن التقسيم بحبه وبغضه دون حضور شخصه. الأول: في حضور النبي وعلى وأولاده المعصومين عليهم السلام عند المحتضر 1 - رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (والذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى يأكل من ثمار الجنة، أو من شجرة الزقوم، وحين يرى ملك الموت يراني ويرى عليا وفاطمة وحسنا وحسينا - صلوات الله عليهم أجمعين - فإن كان يحبنا قلت: يا

[419]

ملك الموت ! ارفق به إنه كان يحبني ويحب أهل بيتي، وإن كان يبغضنا قلت: يا ملك الموت ! شدد عليه إنه كان يبغضني ويبغض أهل بيتي (1). 2 - عن الصادق عليه السلام، أنه قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قال أصحابه: هلكنا يا ابن رسول الله، فإنا لانحب الموت، فقال عليه السلام ذاك عند معاينة رسول الله وأمير المؤمنين - صلوات الله عليهما -، ما من ميت يموت إلا حضر عنده محمد وعلي - صلوات الله عليهما - فإذا رآهما المؤمن استبشر وسر، فيقوم النبي صلى الله عليه واله وسلم لينصرف فيقول: إلى أين ؟ وقد كنت أتمنى أن أراكما، فقال صلى الله عليه واله وسلم: أتحب أن ترافقنا ؟ فيقول: نعم، فوصي به ملك الموت ويخبره أنه لهما محب، فهذا يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه، وأما عدوهما فلا شئ أكره وأبغض عليه من رؤيتهما، فيعرف الملك أنه عدو لهما، فهو يكره لقاء الله والله يكره لقاءه). قال المصنف: (وهذا الحديث يصرح بحضور محمد وعلي - صلوات الله عليهما - عند كل ميت وروية المؤمن لهما حقيقة، لا مجازا (2). 3 - عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري، قال: (قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا مسمع ! أنت من أهل العراق، أما تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟ قلت: لا، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة، وعدونا كثير من اهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي، قال لي: أفما تذكر ما صنع به ؟ قلت: نعم، قال: فتجزع ؟ قلت: إي والله، وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك علي، فامتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي. قال: رحم الله دمعتك، أما انك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا، والذين


(1) - بشارة المصطفى، ص 6. (2) - كتاب المحتضر لحسن بن سليمان الحلى، ص 5، ط النجف.

[420]

يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنا. أما إنك سترى عند موتك حضور ابائي لك ووصيتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة أفضل، ولملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها. قال: ثم استعبر واستعبرت معه، فقال: الحمدلله الذي فضلنا على خلقه الرحمة، وخصنا أهل البيت. يا مسمع ! إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين عليه السلام رحمة لنا، وما بكى لنا من الملائكة أكثر، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دموعه على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لا يوجد لها حر، وإن الموجع لنا قلبه ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتي يرد علينا الحوض، وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى إنه ليذيقه من ضروب الطعام - الحديث (1). 4 - عن أبي الظبيان، قال: (كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فقال: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين بعد موتهم ؟ قلت: يقولون: في حواصل طيور خضر، فقال: سبحان الله ! المؤمن أكرم على الله من ذلك، إذا كان ذلك أتاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي و فاطمة والحسن والحسين: ومعهم ملائكة الله عز وجل المقربون، فإن أنطق الله لسانه بالشهادة له بالتوحيد، وللنبي صلى الله عليه واله وسلم بالنبوة، والولاية لأهل البيت شهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين: والملائكة المقربون معهم، وإن اعتقل لسانه خص الله نبيه صلى الله عليه واله وسلم بعلم ما في قلبه من ذلك، فشهد به، وشهد على شهادة النبي علي وفاطمة والحسن والحسين - على جماعتهم من الله أفضل السلام - ومن حضر معهم من الملائكة، فإذا قبضه الله إليه صير تلك


(1) - ابن قولويه: كامل الزيارات / الباب 32: ص 101.

[421]

الروح إلى الجنة في صورة كصورته، فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا (1). 5 - عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ما يموت موال لنا ومبغض لأعدائنا إلا ويحضره رسول الله وأمير المؤمنين والحسن والحسين - صلوات الله عليهم أجمعين - فيراهم ويبشرونه - الحديث (2). 6 - قال أمير المؤمنين عليه السلام: (تمسكوا بما أمركم الله به، فما بين أحدكم وبين أن يغتبط (3) ويرى ما يحب إلا أن يحضره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وما عند الله خير وأبقى - الحديث (4). 7 - عن ابن أبي يعفور، قال: (قال لي أبو عبد الله عليه السلام: قد استحييت مما اردد هذا الكلام عليكم: ما بين أحدكم وبين أن يغتبط إلا أن تبلغ نفسه هذه - وأهوى بيده إلى حنجرته - يأتيه رسول الله وعلي - صلوات الله عليهما - يقولان له: أما ما كنت تخاف فقد آمنك الله منه، وما كنت ترجو فأمامك (5). 8 - عن موسى بن جعفر عليهما السلام، قال - في اجتماع من الشيعة بنيشابور - لعلي بن راشد: (أعرف أصحابك وأقرئهم عني السلام، وقل لهم: إني ومن جرى مجراي من أهل البيت لابد من حضور جنائزكم في اي بلد كان وكنتم، فاتقوا الله في أنفسكم وأحسنوا الأعمال لتعينونا على خلاصكم وفك رقابكم من النار (6). 9 - عن أبى حمزة الثمالي، قال: (قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما يصنع بأحدنا عند


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 229. (2) - النوري: دار السلام، ج 4: ص 286. (3) - الغبطة: حسن الحال. (4) - النوري: دار السلام، ج 4: ص 287. (5) - النوري: دار السلام، ج 4: ص 293. (6) - النوري: دار السلام، ج 4: صص 287 و 293.

[422]

الموت ؟ قال: أما والله، يا أبا حمزة ! ما بين أحدكم، وبين أن يرى مكانه من الله منا إلا أن يبلغ نفسه هيهنا - ثم أهوى بيده إلى نحره -، ألا ابشرك يا أبا حمزة ؟ فقلت: بلى، جعلت فداك، فقال: إذا كان ذاك أتاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وعلي عليه السلام معه يقعد عند رأسه فقال له - إذا كان ذلك - رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أما تعرفني ؟ أنا رسول الله، هلم إلينا فما أمامك خير لك مما خلفت، أما ماكنت تخاف فقد أمنته، وأما ما كنت ترجو فقد هجمت عليه، أيتها الروح أخرجي إلى روح الله ورضوانه، ويقول له علي عليه السلام مثل قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. ثم قال: يا أبا حمزة ! ألا اخبرك بذلك من كتاب الله ؟ قول الله: الذين آمنوا و كانوا يتقون - الاية (1). 10 - عن الأمام العسكري عليه السلام: (إن المؤمن الموالي لمحمد وآله الطيبين، المتخذ لعلي بعد محمد إمامه الذي يحتذي مثاله، وسيده الذي يصدق أقواله و يصوب أفعاله، ويطيعه بطاعة من يندبه من أطائب ذريته لامور الدين وسياسته، إذا حضره من أمر الله تعالى مالا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، وحضره ملك الموت وأعوانه، وجد عند رأسه محمدا رسول الله ومن جانب آخر عليا سيد الوصيين، وعند رجليه من جانب الحسن سبط سيد النبيين، ومن جانب آخر الحسين سيد الشهداء أجمعين، وحواليه بعدهم خيار خواصهم ومحبيهم الذين هم سادة هذه الامة بعد ساداتهم من آل محمد، ينظر العليل المؤمن إليهم فيخاطبهم، بحيث يحجب الله صوته عن اذان حاضريه كما يحجب رؤيتنا أهل البيت ورؤية خواصنا عن أعينهم ليكون إيمانهم بذلك أعظم ثوابا لشدة المحنة عليهم. فيقول المؤمن: بأبى أنت وامى، يا رسول رب العزة، بأبى أنت وامي، يا وصي


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 178.

[423]

رسول رب الرحمة، بأبى أنتما وامي، يا شبلي محمد وضرغاميه، يا ولديه و سبطيه، يا سيدي شباب أهل الجنة المقربين من الرحمة والرضوان، مرحبا بكم معاشر خيار أصحاب محمد وعلي وولديهما، ما كان أعظم شوقي إليكم، وما أشد سروري الآن بلقائكم، يا رسول الله ! هذا ملك الموت قد حضرني، ولا أشك في جلالتي في صدره لمكانك ومكان أخيك. فيقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: كذلك هو، فأقبل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على ملك الموت، فيقول: يا ملك الموت ! استوص بوصية الله في الأحسان إلى مولانا وخادمنا ومحبنا ومؤثرنا، فيقول له ملك الموت: يا رسول الله ! مره أن ينظر إلى ما أعد الله له في الجنان، فيقول له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لينظر إلى العلو، فينظر إلى ما لا يحيط به الألباب، ولا يأتي عليه العدد والحساب، فيقول ملك الموت: كيف لا أرفق بمن ذلك ثوابه، وهذا محمد صلى الله عليه واله وسلم وأعزته زواره ؟ يا رسول الله ! لولا أن الله جعل الموت عقبة لا يصل إلى تلك الجنان إلا من قطعها لما تناولت روحه، ولكن لخادمك ومحبك هذا اسوة بك وبسائر أنبياء الله ورسله وأوليائه الذين اذيقوا الموت لحكم الله تعالى. ثم يقول محمد صلى الله عليه واله وسلم: يا ملك الموت ! هاك أخانا قد سلمناه إليك، فاستوص به خيرا، ثم يرتفع هو ومن معه إلى روض الجنان، وقد كشف من الغطاء والحجاب لعين ذلك المؤمن العليل، فيراهم المؤمن هناك بعد ما كانوا حول فراشه، فيقول: يا ملك الموت ! الوحي، الوحي (1)، تناول روحي ولا تلبثني ههنا فلا صبر لي عن محمد وأعزته، وألحقني بهم، فعند ذلك يتناول ملك الموت روحه فيسلها كما يسل الشعرة من الدقيق، وإن كنتم ترون أنه في شدة فليس هو في شدة بل هو في رخاء ولذة.


(1) - كلمة تقال في الاستعجال، والمعنى: البدار البدار.

[424]

فإذا ادخل قبره وجد جماعتنا هناك، وإذا جاءه منكر ونكير قال أحدهما للآخر: هذا محمد وعلي والحسن والحسين وخيار صحابتهم بحضرة صاحبنا، فلنتصنع لهما (1)، فيأتيان فيسلمان على محمد سلاما مفردا، ثم يسلمان على على سلاما مفردا، ثم يسلمان على الحسنين سلاما يجمعانهما فيه، ثم يسلمان على سائر من معنا من أصحابنا، ثم يقولان: قد علمنا يا رسول الله، زيارتك في خاصتك لخادمك ومولاك - الحديث (2). 11 - عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، قال: حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: (منكم والله، يقبل، ولكم والله، يغفر، إنه ليس بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى السرور وقرة العين إلا أن تبلغ نفسه ههنا - وأومأ بيده إلى حلقه ثم قال: - إنه إذا كان ذلك واحتضر حضره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي وجبرئيل و ملك الموت:، فيدنو منه علي عليه السلام فيقول: يا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن هذا كان يحبنا أهل البيت فاحبه، ويقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا جبرئيل إن هذا كان يحب الله و رسوله وأهل بيت رسوله فأحبه، ويقول جبرئيل لملك الموت: إن هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأحبه وارفق به، فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله، أخذت فكاك رقبتك، أخذت أمان براءتك، تمسك بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا. قال: فيوفقه الله عز وجل، فيقول: نعم، فيقول: وما ذاك ؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب، فيقول: صدقت، أما الذي كنت تحذره فقد آمنك الله عنه، وأما الذي كنت ترجوه فقد أدركته، أبشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي و فاطمة عليهما السلام ثم يسل نفسه سلا رفيقا - الحديث (3).


(1) - فلنتضع: ظ أي فلنتذلل ولنتخشع لهما. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 173. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 197.

[425]

12 - علي بن عقبة، عن أبيه، قال: (دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام أنا والمعلى بن خنيس، فقال: يا عقبة ! لا يقبل الله من العباد يوم القيامة إلا هذا الذي أنتم عليه، و ما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقر به عينه إلا أن تبلغ نفسه هذه - وأومأ بيده إلى الوريد قال: - ثم اتكأ وغمز إلي المعلى أن سله، فقلت: يابن رسول الله ! إذا بلغت نفسه هذه فأي شئ يرى ؟ فردد عليه بضعة عشر مرة: أي شئ يرى ؟ فقال في كلها: يرى، لا يزيد عليها، ثم جلس في آخرها فقال: يا عقبة ! قلت: لبيك و سعديك، فقال: أبيت إلا أن تعلم، فقلت: نعم، يابن رسول الله ! إنما ديني مع دمي، فإذا ذهب دمي كان ذلك، وكيف لي بك يابن رسول الله كل ساعة ؟ وبكيت، فرق لي فقال: يراهما والله، قلت: بأبى أنت وامي، من هما ؟ فقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم و علي عليه السلام، يا عقبة ! لن تموت نفس مؤمنة أبدا حتى تراهما، قلت: فإذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدنيا ؟ قال: لا، بل يمضي أمامه، فقلت له: يقولان شيئا جعلت فداك ؟ فقال: نعم، يدخلان جميعا على المؤمن، فيجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عند رأسه وعلي عليه السلام عند رجليه، فيكب عليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيقول: يا ولي الله ! أبشر، أنا رسول الله، إني خير لك مما تترك من الدنيا، ثم ينهض رسول الله فيقوم عليه علي - صلوات الله عليهما - حتى يكب عليه فيقول: يا ولي الله أبشر، أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحبه، أما لأنفعنك. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: أما إن هذا في كتاب الله عز وجل، قلت: أين هذا جعلت فداك من كتاب الله ؟ قال: في سورة يونس، قول الله تبارك وتعالى ههنا: الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (1). أقول: قوله: (ديني مع دمي) المراد بالدم الحياة، أي لا أترك طلب الدين


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 185.

[426]

ما دمت حيا، وفي الكافي (إنما ديني مع دينك) أي إنما يستقيم ديني إذا كان موافقا لدينك. 13 - عن ام سلمة - رضى الله عنها -، قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: يا علي ! إن محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن: عند خروج أنفسهم وأنت هناك تشهدهم، و عند المسائلة في القبور وأنت هناك تلقنهم، وعند العرض على الله وأنت هناك تعرفهم (1). 14 - عن ابن أبي يعفور، قال: (كان خطاب الجهني خليطا لنا وكان شديد النصب لآل محمد، وكان يصحب نجدة الحروري، قال: فدخلت عليه أعوده للخلطة والتقية فإذا هو مغمى عليه في حد الموت، فسمعته يقول: ما لي ولك يا علي، فأخبرت بذلك أبا عبد الله عليه السلام فقال أبو عبد الله عليه السلام رآه ورب الكعبة، رآه و رب الكعبة، رآه ورب الكعبة (2). 15 - عن الفضيل بن يسار، عن أبى جعفر، وعن جعفر عليهما السلام أنهما قالا: حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة: محمدا وعليا وفاطمة وحسنا و حسينا، بحيث تقر عينها أو تسخن عينها (3). 16 - عن سدير الصيرفي، قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك يابن رسول الله، هل يكره المؤمن على قبض روحه ؟ قال: لا، والله، إنه إذا أتاه ملك الموت بقبض روحه جزع لذلك، فيقول ملك الموت: يا ولى الله ! لا تجزع فو الذي بعث محمدا لأنا أبر بك وأشفق عليك من الوالد الرحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر، قال: ويمثل (4) له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء و


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 200. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 199. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 193. (4) - سيأتي معنى التمثل في ختام البحث إن شاء الله تعالى.

[427]

الحسن والحسين والأئمة من ذريتهم، فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين و فاطمة والحسن والحسين والأئمة: رفقاؤك. قال: فيفتح عينه فينظر فينادي روحه مناد من قبل رب العزة، فيقول: (يا أيتها النفس المطمئنة (إلى محمد وأهل بيته) ارجعي إلى ربك راضية (بالولاية) مرضية (بالثواب) فادخلي في عبادي (يعني محمدا وأهل بيته) وادخلي جنتي) فما شئ أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي (1). 17 - عن الحكم بن عتيبة، قال: (بينا أنا مع أبى جعفر عليه السلام والبيت غاض بأهله إذ أقبل شيخ يتوكأ على عنزة له (2) حتى وقف على باب البيت، فقال: السلام عليك، يابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم سكت. فقال أبو جعفر عليه السلام: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا وردوا عليه السلام، ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر عليه السلام، ثم قال: يابن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك، فوالله إنى لأحبكم واحب من يحبكم، ووالله ما احبكم واحب من يحبكم لطمع في دنيا و (الله) إني لابغض عدوكم وأبرأ منه، ووالله ما ابغضه و أبرأ منه لوتر (3) كان بيني وبينه، والله إني لاحل حلالكم، واحرم حرامكم، وأنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني الله فداك ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: إلي، إلي، حتى أقعده إلى جنبه، ثم قال: أيها الشيخ، إن أبى علي بن الحسين عليهما السلام أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه، فقال له أبي عليه السلام: إن تمت ترد على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين، ويثلج قلبك ويبرد فؤداك وتقر عينك وتستقبل بالروح والريحان مع


(1) - البحراني: البرهان، ج 4: ص 461. (2) - الغنزة - بالتحريك -: أطول من العصا وأقصر من الرمح. (3) - الوتر - بالكسر - الجناية.

[428]

الكرام الكاتبين لو بلغت نفسك ههنا - وأهوى بيده إلى حلقه - وإن تعش ترى ما يقر الله به عينك (1) وتكون معنا في السنام الأعلى (2). فقال الشيخ: كيف قلت، يا أبا جعفر ؟ فأعاد عليه الكلام، فقال الشيخ: الله أكبر، يا أبا جعفر، إن أنا مت أرد على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلى علي والحسن والحسين و علي بن الحسين - صلوات الله عليهم أجمعين - وتقر عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي و أستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لوقد بلغت نفسي إلى ههنا، وإن أعش ارى ما يقر الله به عيني فأكون معكم في السنام الأعلى ؟ ثم أقبل الشيخ ينتحب، ينشج هاهاها حتى لصق بالأرض، وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ، وأقبل أبو جعفر، يمسح بأصبعة الدموع من حماليق عينيه (3) وينفضها، ثم رفع الشيخ رأسه فقال لأبي جعفر عليه السلام: يابن رسول الله: ناولني يدك جعلني الله فداك، فناوله يده وقبلها ووضعها على عينيه وخده، ثم حسر عن بطنه وصدره فوضع يده على بطنه وصدره، ثم قام، فقال: السلام عليكم، وأقبل أبو جعفر عليه السلام ينظر في قفاه وهو مدبر، ثم أقبل بوجهه على القوم، فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فقال الحكم بن عتيبة: لم أر مأتما قط يشبه ذلك المجلس (4). أقول: بعد ما لاحظت هذه الأخبار والأحاديث التي هي قليلة من كثيرة فاعلم - وفقك الله - أن حضور النبي صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين والأئمة من ولده: عند المحتضر من عقائد الأمامية وخصائصهم، وقد ثبت ذلك عندهم بإجماع الأكابر


(1) - أي اما أن تموت في طاعة الله وطاعة الامام فترد على رسول الله صلى الله عليه واله أو تعيش الى أن تدرك ظهور امام منا. (2) - السنام الأعلى: اشرف مرتبة من المراتب الانسانية. (3) - حملاق العين: - بالكسر والضم - باطن الاجفان. (3) - شرح الكافي للمولى صالح المازندراني، ج 11: ص 415.

[429]

ونقل المتواتر، وبإرسالهم إياه إرسال المسلمات بحيث لا يختلجه ريب ولا يعتريه وهم حتى صارت هذه المسألة عندهم كواحد من الضروريات في مذهبهم، وهم أخذوا هذا الأعتقاد من أهل البيت عليهم السلام، بل اعترف وأقر به بعض أعاظم العامة كابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة الذي يأتي كلامه عند نقل أقوال العلماء في ذلك إن شاء الله تعالى. والذي - جدير بالذكر - هو أن الأخبار والأحاديث التي شاهدتها في هذا الباب مختلفة في تعابيرها، يظهر من بعضها أنهم: يمثلون للمحتضر كقول الصادق عليه السلام: (ويمثل له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة الزهراء و الحسن والحسين:)، ومن بعضها أن المحتضر يراهم ويعرفهم كقول أمير المؤمنين عليه السلام: يا حار ! لتعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند الحوض، و عند المقاسمة)، وكذا قول الصادق والباقر عليهما السلام: (حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة محمدا صلى الله عليه واله وسلم وعليا وفاطمة وحسن وحسين:)، و كذا قول الصادق عليه السلام: (رآه ورب الكعبة) قاله ثلاثا. ويظهر من أكثرها وجلها أنهم عليهم السلام يحضرون عند الميت بأنفسهم الشريفة وأشخاصهم العينية، ويبشرونه ويلقونه، ويجلسون عند رأسه وعند رجليه، ويعرفونه لجبرئيل عليه السلام كقول النبي صلى الله عليه واله وسلم: يا علي ! إن محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن: عند خروج أنفسهم وأنت هناك تشهدهم...)، وقول الصادق عليه السلام: (ما يموت موال لنا إلا ويحضره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين والحسن و الحسين عليهم السلام)، وأيضا: (ما من ميت يموت إلا حضر عنده محمد صلى الله عليه واله وسلم و علي عليه السلام)، وأيضا: (حضره رسول الله وعلي عليهما السلام) وأيضا: (فيدنو منه علي فيقول: يا رسول الله ! إن هذا كان يحبنا أهل البيت، فيقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا جبرئيل ! إن هذا يحبنا)، وأيضا: (يأتيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي عليه السلام يقولان له...). أو كقول موسى بن جعفر عليهما السلام: (لابد لنا من حضور جنائزكم في أي بلد كان و

[430]

كنتم...) أو كقول أبى عبد الله عليها السلام: (إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومن شاء الله (1)، فجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن يمينه، والآخر عن يساره، فيقول له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أما ما كنت ترجو فهو ذا أمامك). أقول: إن هذه الأخبار صريحة دالة على حضورهم عند المحتضر وإن كانت كيفية حضورهم لنا مجهولة، فلا يلزم الفحص عنها لنا، فإن شئت زيادة توضيح فلا حظ كلمات أعاظم العلماء في ذلك: الثاني: أقوال العلماء حول حضور المعصومين: عند المحتضر: 1 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (اعلم أن حضور النبي صلى الله عليه واله وسلم والأئمة - صلوات الله عليهم أجمعين - عند الموت مما قد ورد به الأخبار المستفيضة، وقد اشتهر بين الشيعة غاية الأشتهار، وإنكار مثل ذلك لمحض استبعاد الأوهام ليس من طريقة الأخيار، وأما نحوة حضورهم وكيفيته فلا يلزم الفحص عنه، بل يكفي فيه وفي أمثاله الأيمان به مجملا على ما صدر عنهم عليهم السلام (2). 2 - قال العلامة الطباطبائي رحمه الله: (أقول: وهذا المعنى (أي حضور الأئمة عليهم السلام) مروي عن أئمة أهل البيت: بطرق كثيرة جدا (3). 3 - قال النحرير الشيخ الحر العاملي رحمه الله: (والأحاديث في ذلك (أي في حضور الأئمة:) أكثر من أن تحصى، وقد تجاوزت حد التواتر، ودلالتها قطعية (4).


(1) - قال صاحب (الوافى): (كنى بمن شاء الله أمير المؤمنين عليه السلام، وإنما لم يصرح به كتمانا على المخالفين المنكرين). (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 200. (3) - الطباطبائي: الميزان، ج 10: ص 100. (4) - ابن صباغ: الفصول المهمة، ص 113.

[431]

4 - قال العلامة الفيض القاساني رحمه الله: (أقول: إن هذه الرؤية إنما تكون في النشأة البرزخية لا الحسية، وإن ذلك حقيقة لا تجوز فيه، ويشبه أن يكون رؤية المعصومين - صلوات الله عليهم - مختصة بمن غلب عليه ذكرهم في الحياة الدنيا إما لمحبة شديدة منه لهم، أو لبغض شديد، وتصديق ذلك قول الله عز وجل: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته (1) يعني المسيح على نبينا وعليه السلام (2). 5 - قال الشيخ الأقدم، المفيد رحمه الله: (القول في رؤية المحتضرين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم و أمير المؤمنين عليه السلام عند الوفاة: هذا باب قد أجمع عليه أهل الامامة، وتواتر به الخبر عن الصادقين من الأئمة عليهم السلام، وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال للحارث الهمداني: (يا حار همدان ! من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا) (يعرفني طرفه وأعرفه * بعينه واسمه وما فعلا) في أبيات مشهورة، وفيه يقول إسماعيل بن محمد (الحميري) السيد رحمه الله: ويراه المحضور حين تكون * الروح بين اللهاة (3) والحلقوم ومتى ما يشاء أخرج للناس * فتدمى وجوههم بالكلوم (4). (5) أقول: فانظر كيف ادعى رحمه الله الاجماع وتواتر الخبر في ذلك، كذلك العلامة المجلسي رحمه الله بقوله: (وإنكار مثل ذلك لمحض استبعاد الأوهام ليس من طريق الأخيار)، وكذلك العلامة الفيض، بقوله: (إن ذلك حقيقة لا تجوز فيه)، أيضا


(1) - النساء، 4: 159. (2) - القاساني: علم اليقين، ج 2: ص 856. (3) - اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم. (4) - الكلوم: جمع الكلم - بفتح الكاف وسكون اللام -: الجرح. (5) - المفيد: أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، ص 48.

[432]

العلامة الطباطبائي والمحدث النحرير، الشيخ الحر العاملي - رحمهما الله - وكذلك ابن أبى الحديد بقوله: (إنه لا يموت ميت حتى يشاهده حاضرا عنده) وبقوله: (و ليس هذا بمنكر). ولم يذهب أحد من الأصحاب إلى تأويل هذه الأخبار و لا توجيهها، نعم، قال الشيخ الأجل، المفيد رحمه الله في ذيل العبارة الماضية بعد ادعائه الأجماع على حضورهم عليهم السلام عند المحتضر: (غير أني أقول فيه: إن معنى رؤية المحتضر لهما عليهما السلام هو العلم بثمرة ولايتهما أو الشك فيهما والعداوة لهما، أو التقصير في حقوقهما...). وذهب - أيضا - إلى هذا القول السيد الأجل، علم الهدى - تغمده الله برحمته - بقوله: (قوله عليه السلام: (من يمت يرني) أنه يعلم في ذلك الحال ثمرة ولايته عليه السلام و إنحرافه عنه... وإنما اخترنا هذا التأويل لان أمير المؤمنين عليه السلام جسم فكيف يشاهده كل محتضر ؟ والجسم لا يجوز أن يكون في الحالة الواحدة في جهات مختلفه... (1). وأنا ما أقول شيئا في هذين الرجلين العظيمين السندين اللذين تفتخر بهما الأمامية بل جميع المسلمين في كل الأعصار، غير أني أعلم أن الأخبار الماضية الصريحة الناطقة بحضور النبي وأمير المؤمنين والأئمة المعصومين عليهم السلام عند المحتضر لا توافق قولهما ولا تساعد رأيهما، وما أنا بمتفرد بهذا بل يكون جمع من العلماء العظام معترضين على هذا التوجيه، وههنا أنا أذكر كلامهم توضيحا للمرام: قال العلامة المجلسي رحمه الله بعد ذكر خمسة أوجه والخامس للسيد رحمه الله: (ولا يخفى أن الوجهين الأخيرين بعيدان عن سياق الأخبار، بل مثل هذه التأويلات رد للأخبار وطعن في الاثار... ويمكن أن يكون لهم أجساد مثالية كثيرة لما جعل


(1) - الجزائري: الانوار النعمانية، ج 4: ص 210.

[433]

الله لهم من القدرة الكاملة التي بها امتازوا عن سائر البشر - إلى أن قال: - والأولى في أمثال تلك المتشابهات الأيمان بها وعدم التعرض لخصوصياتها وتفاصيلها و إحالة علمها إلى العالم عليه السلام كما مر في الأخبار التي أوردناها في باب التسليم، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم (1). وقال الشيخ الجليل الحسن بن سليمان الحلي، تلميذ الشهيد الأول - رحمهما الله - بعد نقل كلام الشيخ السعيد المفيد رحمه الله: (الشيخ رحمه الله اعترف بالحديث وصدقه لكنه أوله بمعنى علم المحتضر بثمرة ولايتهما والشك فيهما والعداوة لهما والتقصير في حقوقهما على اليقين بعلامات يجدها في نفسه دون رؤية البصر لأعيانهما و مشاهدة النواظر لأجسادهما باتصال الشعاع، فيقال له: أهذا الذي أنكرت من رؤية البصر لأجسادهما بعينهما وقلت: إنه ليس المراد، بل المراد العلم بثمرة ولايتهما أو عداوتهما، قل: هل هو شئ استندت فيه إلى برهان من الكتاب أو من السنة يجب التسليم له والأنقياد إليه والأعتماد عليه كما روي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: (من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة زالت الجبال ولم يزل) أو أخذته من غيرهما (2) ؟ فإنا وجدنا هذا التأويل لا يوافق الأخبار الواردة عنهم عليه السلام الصريحة الصحيحة من أن الأموات يرون الأموات و الأحياء بعد الموت وكذلك الأحياء يرونهم حقيقة في اليقظة والنوم، ويرون أهاليهم وما يسرهم فيهم وما يغمهم، ونذكر إن شاء الله تعالى بعض ما رويناه في هذا المعنى وأنه حقيقة لا مجاز. ومنعه، من رؤيته لهما عليهما السلام بسبب عدم اتصال الشعاع، جوابه أن يقال له: هبك علمت أن الرؤية في هذا العالم اتصال الشعاع من الرائي إلى المرئي فمن أين


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 202. (2) - في هذا الكلام جفاء بالنسبة الى الشيخ،، عصمنا الله من عثرات اللسان والقلم.

[434]

لك هذا الحكم يجري بعد الموت في عالم البقاء والله سبحانه يقول: وكان الله على كل شئ مقتدرا (1)، ويقول: ويخلق ما لا تعلمون (2)، وقد جاء في الحديث عنهم عليهم السلام: (لا تقدر عظمة الله تعالى على عقلك فتهلك، فقدرته سبحانه بلا كيف و لا يحيط بها العلم)، ولو سئل المنكر لرؤية المحتضر لهما - صلى الله عليهما - عند موته عيانا: هل يقدر الله سبحانه أن يري المحتضرين الحجج - صلوات الله عليهم أجمعين - عند الممات وبعده كما أقدر النائم أن يرى من يراه في أبعد البلاد في حياة المرئي وبعد موته على صورته وقالبه الذى كان يعرفه به، وربما أكل معه و شرب، وتحدنا بما قد يفيد العلم، أو لا يقدر ؟ لاسبيل إلى إنكار القدرة، فإذا جاز وقوعها فلا يجوز تأويله والعدول عن الظاهر من غير ضرورة ولا امتناع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من رآني فقد رآني فإني لا يتمثل بي الشيطان، ومن رأى أحدا من أوصيائي فقد رآه فإنه لا يتمثل بهم الشيطان)، وهذا الحديث يعم في الحياة وبعد الممات، وهو نص في الباب (3). وقال العلامة النوري رحمه الله: (السادس من الأحتمالات: أن يكون المراد من الحضور كشف الحجاب عن بصر المحتضر فيراهم عليهم السلام وهم في مستقرهم و مقامهم من ذلك العالم من دون حركة وسير منهم لذلك، كرؤية الناس جميعا كوكبا معينا في آن واحد في أمكنة متباعدة... ومع ذلك كله فلا يساعده ما مر من الأخبار (4). أقول: نعم، لا توافقه الأخبار، لأن الأخبار والأحاديث صريحة بأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يجلس عند رأس المحتضر، وعلي عليه السلام عند رجليه أو يدنو منه، أو


(1) - الكهف، 18: 45. (2) - النحل، 16: 8. (3) - الحسن بن سليمان الحلي: كتاب المحتضر، ص 2، ط النجف. (4) - النوري: دار السلام، ج 4: ص 306.

[435]

يأتيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، أو أتاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهذه الأحاديث لا تساعد كشف الحجاب عن بصر المحتضر فيرونهم وهم عليهم السلام في مقامهم من دون حركة منهم (1). وقال المحدث الكبير والعالم الخبير، السيد نعمة الله الجزائري رحمه الله بعد نقل الأخبار الكثيرة في حضور النبي وأهل بيته الكرام: عند المحتضر: (ولم يذهب أحد من الأصحاب إلى تأويل هذا ولا إلى إنكاره. نعم، ذهب سيدنا الأجل علم الهدى - تغمده الله برحمته - إلى تأويله فقال: معنى قوله: (من يمت يرني) أنه يعلم في ذلك الحال ثمرة ولايته عليه السلام وانحرافه عنه، لأن المحتضر قد روي أنه إذا عاين الموت وقاربه ارى في تلك الحال ما يدل على أنه من أهل الجنة والنار، وقد تقول العرب: رأيت فلانا، إذا رأى ما يتعلق به من فعل أو أمر يعود إليه، وإنما اخترنا هذا التأويل لأن أمير المؤمنين عليه السلام جسم فكيف يشاهده كل محتضر ؟ والجسم لا يجوز أن يكون في الحالة الواحدة في جهات مختلفة، ولهذا قال المحصلون: إن ملك الأموات الذي يقبض الأرواح جنس، ولايجوز أن يكون واحدا لأنه جسم (2) والجسم لا يجوز أن يكون في حالة واحدة في أماكن متعددة، فقوله تعالى: يتوفيكم ملك الموت (3) أراد به الجنس كما قال: والملك على أرجائها (4). هذا كلامه رحمه الله، والعجب منه كيف ارتكب تأويل هذه الأخبار الكثيرة مع أن


(1) - وأيضا ان نسبة الكوكب بالناظرين إليه نسبة متساوية، وان نسبتهم عليهم السلام بالمحتضرين مختلفة، فيلقون المحبين بوجه مستبشر، ويواجهون المنكرين بوجه عبوس متنكر، وهذا يستدعى التفاتا خاصا لكل واحد من الطائفتين فلا يساعد الاستقرار في مكان واحد مع وضع واحد. (استاد ولي) (2) - قد ثبت في الفلسفة الأسلامية إن الملائكة وجودات مجردات عن المادة والجسمية، وقد ثبت - ايضا - في الأخبار أن للمك الموت أعوانا، وبهذين الامرين تنحسم مادة الأشكال، والتنظير بملك الموت فحسب. (استادولي) (3) - الم السجدة، 41: 11. (4) - الحاقة، 69: 17.

[436]

بعضها من جهة صراحته في المطلوب غير قابل للتأويل لهذا الدليل العقلي، وقد أسلفنا الجواب عن كلامه، وهو أن شيخنا المعاصر - أدام الله أيامه - بنى هذا على تعدد البدن المثالي فيكون لعلي عليه السلام أبدان متعددة كل بدن منها في مكان من الأمكنة المختلفة. وأما الذي رجحناه نحن أخذا من مفاهيم الأخبار فهو القول بالتمثل، بأن الله سبحانه يمثل للميت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين والأئمة: كما مثله لأهل السماوات حين رآه النبي صلى الله عليه واله وسلم في جميع السماوات واقفا يصلي والملائكة تصلي خلفه فقال: هذا علي بن أبي طالب عليه السلام تركته في الأرض وها هو قد سبقني إلى السماء، فقال الله عز وجل: هذا شخص مثل علي بن أبي طالب، خلقته في جميع السماوات حتى تنظر إليه الملائكة فتطمئن إليه نفوسهم من شدة حبهم لعلي بن أبي طالب عليه السلام. ويؤيده ما رواه الكليني في رواية سدير الصيرفي، عن مولانا عليه السلام في قول ملك الموت للمحتضر: افتح عينيك فانظر، قال: (ويمثل له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم رحمه الله)، فيكون عليه السلام يأتي إلى بعض المحتضرين بنفسه الشريفة وصورته الأصلية، ويأتى إلى بعض آخر بصورته الممثلة المشابهة لتلك الصورة الأصلية، وهذا غير الجواب الأول الذي بني على البدن المثالي، وهذا التمثل من باب ما رواه شيخنا الكليني - طاب ثراه - قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الاخرة مثل له ماله وولده وعمله (1)...). أقول: وفي كلام السيد الجزائري، نظر يأتي في معنى التمثيل في هذا الباب إن شاء الله تعالى.


(1) - الجزائري: الانوار النعمانية، ج 4: ص 210، ط تبريز.

[437]

وقال العلامة الشهيد، السيد محمد علي القاضي الطباطبائي رحمه الله في تعليقته على (الأنوار النعمانية): (إعلم أن الاعتقاد بحضور النبي صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين بل الأئمة من ولده عليهم السلام عند المحتضر من اعتقادات الأمامية ومن العقائد الحقة الخاصة بهم، وعليه ضرورة مذهبهم، وقد أخذوا وتعلموا هذا الأعتقاد عن أهل البيت سلام الله عليهم، والدليل العقلي الذي أوجب لسيدنا علم الهدى، وشيخه الأعظم، شيخنا المفيد، أن ذهبا إلى تأويل الدلائل النقلية الواردة عن أئمتنا: فهو بالنظر إلى الأجسام الطبيعية المادية ومكانها دليل تام لا شك فيه بحسب الظاهر، فإن من الواضح أن حضور الجسم الواحد في آن واحد وحالة واحدة في أمكنة متعددة وجهات مختلفة غير ممكن، ولكن لما لم يتحقق في زمن السيد رحمه الله هذه المباحث على نحو التحليل العلمي، لذا ذهب السيد رحمه الله إلى ذلك التأويل، وأما اليوم فقد حقق في محله أن حضورهم عليهم السلام عند المحتضر لا ينحصر أن يدن في مكان الأجسام الطبيعية كما يتخيل في بادي النظر حتى يرد ذلك الأشكال العقلي، بل من الممكن أن يكون حضورهم في مكان الأجسام اللطيفة أو مكان الأرواح المجردة... ولهم عليهم السلام بحسب نفوسهم القدسية القدرة والأستعداد بالتصرف في جميع الأمكنة من أمكنة الأجسام الكثيفة واللطيفة والأرواح الأدنى والوسطى والعليا، وإحاطة التصرف في عالم الملك والملكوت بإذن الله تعالى وإقداره. نعم، إن كان المكان منحصرا إلى مكان الجسم المادى فقط فيرد حينئذ ذلك الأشكال العقلي، ولكن ليس كذلك (1). وعنه رحمه الله - أيضا: (ومما هو جدير بالذكر هنا أن لبعض المحققين في تحقيق تعدد الأمكنة كلمة قيمة لا مجال لذكرها تفصيلا، وأما إجمالها فهو: (أن قسم


(1) - القاضي الطباطبائي: هامش الأنوار النعمانية، ج 4: ص 212، وأيضا الجنة المأوى، ص 175.

[438]

المكان على ستة أقسام، ثلاثة منها في الأجسام، ومن الأجسام الكثيفة و المتوسطة واللطيفة، وثلاثة منها للأرواح من الأرواح الأدنى والوسطى والعليا، و يختلف تزاحم الأجسام في تلك الأمكنة بعضها مع بعض وعدمه، وسرعة الحركة والسير فيها أيضا مختلفة، وللأنبياء والأولياء المعصومين عليهم السلام مراتب ودرجات، ولهم بحسب نفوسهم القدسية القدرة والاستعداد بالتصرف في جميع تلك الأمكنة والأحاطة بجميع الملك والملكوت بإذن الله تعالى وإقداره). وبعد إمعان النظر والتأمل فيما ذكره ينحل بعض الشبهات والأشكالات التي يتخيلها الأنسان كحضور الأئمة عليهم السلام في آن واحد في أمكنة متعددة وسيرهم في مدة قليلة إلى مسافة كثيرة بعيدة، وأمثال ذلك، وأظن أن وجود تلك الأمكنة و سرعة الحركة فيها وتفاوتها في هذا العصر من البديهيات، وأكثرها من المشاهدات والحسيات، وراجع إلى كتاب (وسيلة المعاد) للعلامة الجليل المولى حبيب الله القاساني رحمه الله تجد تفصيل ما ذكرناه (1). نظر المؤلف في المسألة: ولما بلغ الكلام في هذا البحث إلى هنا جدير بنا أن نشير إلى نكتة مهمة ينبغي التوجه إليها وهي: إن للخلقة أسرارا، ولكل من العوالم سننا وأطوارا، فإن عالم الطبيعة أضيق العوالم وأخسها، وعالم الاخرة أوسع العوالم وأشرفها، ولكل واحد منهما نظام خاص وسنن معينة فعلى هذا إياك أن تقايس بين النظامين، وأن تجري أحكام كل واحد منهما على الاخر، فإن من شؤون هذا العالم العنصري الطبيعي عدم إمكان وقوع جسم واحد في وقت واحد في أمكنة متعددة، وقول من يقول: (كيف يمكن أن يكون جسم واحد في آن واحد وحالة واحدة في أمكنة متعددة ؟) صحيح واضح لا شك فيه، ولكن فيه قياس نظام هذا العالم


(1) - العلامة كاشف الغطاء: الجنة المأوى / في الهامش، ص 175، ط تبريز.

[439]

المادي بنظام عالم الاخرة، والحال أن للاخرة نظاما خاصا وأحكاما معينة مخصوصة بها، وأن سننها لا تطابق سنن الدنيا في جميع الشؤون، فلا يرد الأشكال المذكور من حضور النبي صلى الله عليه واله وسلم والأئمة من ولده عليهم السلام عند المحتضر بأشخاصهم و أنفسهم الشريفة (لأن حضورهم عليهم السلام إنما يقع في أول مرحلة من مراحل الاخرة.) وهذا التفاوت بين النظامين منصوص عليه في بعض الايات والأخبار الواردة عن المعصومين، فها إليك بعض نصوصها: فأما الايات فهى: نظام الدنيا: إنا خلقنا الأنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (1). نظام الاخرة: فإنما هي زجرة واحدة فإذاهم بالساهرة (2). نظام الدنيا: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (3). نظام الاخرة: وإن الدار الاخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (4). نظام الدنيا: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الايات لقوم يعلمون (5). نظام الاخرة: متكئين فيها على الاءرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (6). فالأمعان في هذه الايات الشريفة يشهد لما قلناه من تفاوت النظامين، فإن تكون الأنسان وخلقته يكون في الدنيا من نطفة أمشاج بخلاف الاخرة فإن الأنسان يقوم فيها من زجرة واحدة لامن مني يمنى كما يكون في الدنيا.


(1) - الدهر، 76: 2. (2) - النازعات، 79: 13 و 14. (3) - ق، 50: 19. وتحيد: تميل وتفر. (4) - العنكبوت، 29: 64. (5) - يونس، 10: 5. (6) - الدهر، 76: 13. والمراد من الزمهرير القمر.

[440]

وأيضا، إن الموت والهلاك في الدنيا من السنن القطعية وإن الاخرة لهي الحيوان، لاهلاك فيها ولا ممات. وأيضا، إن من أهم سنن الدنيا جريان الشمس والقمر، والحال أنهما في الاخرة جمعا وكورا فلا يكون فيها شمس ولا قمر. وأما الاخبار فهى: 1 - عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، أنه قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان له، وضوؤهما من نور عرشه، وحرهما من جهنم، فإذا كانت القيامة عاد إلى العرش نورهما، وعاد إلى النار حرهما، فلا يكون شمس ولا القمر (1). 2 - وعنه عليه السلام: (إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يلد و يخرج من بطن امه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الاخرة وأهلها، ويوم يبعث حيا فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا (2). 3 - قال رجل: (يا رسول الله ! هل في الجنة من ليل ؟ قال: وما هيجك على هذا ؟ قال: سمعت الله يذكر في الكتاب: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (3)، فقلت: الليل من البكرة والعشي، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ليس هناك ليل وأنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة (4). 4 - في تفسير علي بن إبراهيم رحمه الله: (قوله: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (5)،


(1) - الحويزي: تفسير نور الثقلين، ج 5: ص 481. (2) - البحراني: البرهان، ج 3: ص 7. (3) - مريم، 19: 62. (4) - السيوطي: الدر المنثور، ج 4: ص 278. (5) - غافر، 4: 46.

[441]

قال: ذلك في الدنيا قبل القيامة، وذلك أن في القيامة لا يكون غدو وعشي، لأن الغدو إنما يكون في الشمس والقمر، وليس في جنان الخلد ونيرانها شمس ولا قمر (1). أقول: فلاحظ كيف أثبت أبو الحسن الرضا عليه السلام أحكاما للاخرة لم تكن معهودة في الدنيا بقوله عليه السلام: (فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا)، وقوله: (فلا يكون شمس ولا قمر)، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (ليس هناك ليل وإنما هو ضوء و نور)، وكذلك ما ذكر في تفسير علي بن إبراهيم رحمه الله من نفي الغدو والعشي في القيامة، والحال أنه من أهم سنن الدنيا جريان الشمس والقمر والليل والنهار و العشي والغدو، فيستفاد من ذلك كله أن نظام الاخرة مغاير لنظام الدنيا، والمقايسة بين أحكامهما غير صحيحة، وأن لكل من العالمين نظاما خاصا لا تجري أحكام أحدهما على الآخر. فالآن أقول: اشهد الله، أن المستفاد لي من مفاهيم الأخبار الكثيرة ومن بعض الآيات القرآنية (2) بمعونة الأخبار هو حضور النبي صلى الله عليه واله وسلم وعلي والأئمة من ولده: عند المحتضر بأشخاصهم، وأنفسهم الشريفة، وأعيانهم المباركة، وإن لم تكن كيفية حضورهم لنا معلومة مشهودة، لا ما ذهب إليه العلمان السندان: سيدنا الأجل، علم الهدى، الشريف المرتضى، وشيخنا المعظم السعيد، المفيد - رحمهما الله تعالى وتغمدهما برحمته وغفرانه - من أن المقصود من حضور النبي وأهل بيته الكرام عليهم السلام هو العلم بثمرة ولايتهم ورؤية أثر محبتهم أو بغضهم وعداوتهم. و لعمري، إن طرح تلك الأخبار الكثيرة التي جاوزت حد التواتر و تضعيفها أولى و أحرى من إرتكاب هذا التأويل، فإنه لم يتبين لي كيف أولا الأحاديث التي


(1) - الحويزي: تفسير نور الثقلين، ج 5: ص 480. (2) - كقوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (يونس، 10: 62 - 64).

[442]

هي صريحة في المطلوب وناطقة بالمقصود بما ذهبا إليه، كقوله عليه السلام: (يحضره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام)، أو: (ما من ميت يموت إلا حضره محمد صلى الله عليه واله وسلم وعلي عليه السلام)، أو: (فجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن يمينه والاخر عن يساره)، أو (يا حار ! لتعرفني عند الممات)، أو: (يجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عند رأسه، وعلي عليه السلام عند رجليه)، أو: (يا ولاي لله أنا علي بن أبي طالب)، أو: (فيقوم علي عليه السلام حتى يكب عليه) أو: (فيقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا ولى الله ! أبشر، أنا رسول الله، إنى خير لك)، أو: (يا على ! إن محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن: عند روج أنفسهم وأنت هناك تشهدهم، وعند المسألة في القبور وأنت هناك تلقنهم، وعند العرض على الله وأنت هناك تعرفهم)، أو: (فيقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا جبرئيل ! إن هذا كان يحبنا أهل البيت)، أو كقول ملك الموت: (أبشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي وفاطمة عليهما السلام)، أنشدك الله أيها القارئ هل تفهم من هذه الأخبار غير ما ذكرناه ؟ أمعن النظر فيها واجعل نفسك قاضيا. إن قلت: يحتمل أن يحمل ويأول هذه الأخبار على حضورهم عليهم السلام نحو التمثل والمثال والصورة، لاعلى نحو الحقيقة والعينية والواقعية كما يدل على هذا حديث التمثل (1). قلت: هذا الوجه وإن تعرض له العلامة المجلسي، على وجه الأحتمال و الأمكان بقوله: (يمكن أن يخلق الله تعالى لكل منهم مثالا بصورته، وهذه الأمثلة يكلمون الموتى ويبشرونهم من قلبهم: كما ورد في بعض الأخبار بلفظ التمثيل (2)، واختاره - أيضا - تلميذه السيد نعمة الله الجزائري، على نحو الحتم و


(1) - اورده البحراني في (البرهان) (ج 4: ص 460) وهو: (ويمثل له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين و فاطمة الزهراء والحسن والحسين والائمة من ذريتهم - صلوات الله عليهم - فيقال له: هذا رسول الله، و أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والائمة عليهم السلام رفقاؤك). (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 201.

[443]

الجزم بقوله: (وأما الذي رجحناه نحن أخذا من مفاهيم الأخبار فهو القول بالتمثل... فيكون عليه السلام (يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) يأتي إلى بعض المحتضرين بنفسه الشريفة وصورته الأصلية، ويأتي إلى بعض آخر بصورته الممثلة المشابهة لتلك الصورة الأصلية... (1) إلا أن هذا مضافا إلى مخالفته للأخبار الماضية الناطقة بأنهم عليهم السلام يحضرون عند المحتضر بأعيانهم لا أمثالهم وأشباههم وصورتهم المشابهة لصورتهم الأصلية مناف لما في ذيل حديث التمثل، إذ جاء في ذيله: (فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين - صلوات الله عليهم - رفقاؤك). وهذه العبارات لا تساعد مع التمثل المذكور بتا، أعني أنه لا يجوز أن يقال لأشباههم عليهم السلام: هذا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وهكذا سائر الأئمة عليهم السلام، و - أيضا - إن معنى التمثل غير المثول وهو الانتصاب بين يدي أحد أو الحضور عنده، ويمكن أن يقرأ ما في الحديث على صيغة المجرد فيكون بهذا المعنى دون التمثل، والشاهد على ذلك ما جاء في البحار عن محمد بن علي عليهما السلام، قال: (مرض رجل من أصحاب الرضا عليه السلام فعاده فقال: كيف تجدك ؟ قال: لقيت الموت بعدك ؟ - يريد مالقيه من شدة مرضه - فقال عليه السلام: كيف لقيته ؟ قال: شديدا أليما، قال: ما لقيته إنما لقيت ما يبدؤك به يعرفك بعض حاله، إنما الناس رجلان: مستريح بالموت، ومستراح منه، فجدد الأيمان بالله وبالولاية تكن مستريحا، ففعل الرجل ذلك، ثم قال: يابن رسول الله ! هذه ملائكة ربي بالتحيات والتحف يسلمون عليك وهم قيام بين يديك، فأذن لهم بالجلوس. فقال الرضا عليه السلام: اجلسوا ملائكة ربي، ثم قال للمريض: سلهم امروا بالقيام بحضرتي ؟ فقال المريض: سألتهم فذكروا أنه لو حضرك كل من خلقه الله من


(1) - الجزائري: الانوار النعمانية، ج 4: ص 212.

[444]

ملائكته لقاموالك ولم يجلسوا حتى تأذن لهم، هكذا أمرهم الله عز وجل، ثم غمض الرجل عينيه، وقال: السلام عليك يابن رسول الله، هذا شخصك ماثل لي مع أشخاص محمد صلى الله عليه واله ومن بعده من الأئمة عليهم السلام وقضى الرجل (1). أقول: والشاهد قوله (ماثل لي) حيث اطلق عليه عليه السلام وعلى رسول الله والأئمة المعصومين عليهم السلام، وهو فاعل من الثلاثي المجرد، لا يقال: هو ماض من المفاعلة ؟ لأنه من هذا الباب لم يستعمل إلا للمشابهة وهو غير مناسب هنا (2). ومما يسهل الأمر ويؤيد حضورهم عليهم السلام بأنفسهم الشريفة عند المحتضرين في ساعة واحدة في أمكنة مختلفة الأخبار المشتملة لوعدهم عليهم السلام زيارة زائريهم و مواليهم بعد الموت كقول أبى عبد الله الصادق عليه السلام: (من زارني في حياته زرته بعد وفاته (2)، وعند تطاير الكتب، وعند الصراط، وعند الميزان، كقول أبى الحسن الرضا عليه السلام: (من زارني على بعد داري وشطون مزاري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتى اخلصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يمينا وشمالا، وعند


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 194. (2) - لا يخفى أن هناك إشكالا آخر على نظرية حضور أعيانهم عليهم السلام وهو أنه لا شك في حضورهم عليهم السلام لكل واحد من المؤمنين والمنافقين على هيئة خاصة على قدر حظه من الايمان والنفاق و الصفات المختلفة الراسخة في نفسه، كما اشير إليه في الأخبار، فيتلاقون بعضا بالبشرى والسرور، وبعضا بالعبوس والتنكر، وهذه الحالات والهيئات المختلفة لا تجتمع في آن واحد في واحد من الاشخاص، و هذا غير الاشكال الأول على حضور الجسم الواحد في آن واحد في أمكنة مختلفة، ويمكن الجواب عن هذا كله بأنا لسنا بصدد بيان كيفية حضورهم وحل الاشكالات الواردة عليه وبيان كيفية نظام الاخرة، وإنما نستهدف في هذا البحث قصور توجيهات القوم وتأويلاتهم بالتمثل وغيره، وإنما نعلم بتا أنه ليس بالتمثل لأن المتمثل غير الوجود الحقيقي للممثل، ونعلم أيضا أن الحضور بأعيانهم الحقيقية فحسب، وأما كيفيته فغير واضح لنا، وإنما نعلم كليا أن نظام الاخرة غير هذا النظام وأن التزاحم من خواص هذا العالم، والله أعلم بحقيقة الحال. (استاد ولي). (3) - النوري: دار السلام، ج 4: ص 294.

[445]

الصراط، وعند الميزان (1)، أو حضورهم عند جنائز مواليهم في أي بلد كانوا كقول ابي الحسن الكاظم عليه السلام: إنى ومن يجري مجراي من الأئمة لابد لنا من حضور جنائزكم في أي بلد كنتم، فاتقوا الله في أنفسكم (2)، و - أيضا - الأخبار الناطقة بأن من رآهم فقد رآهم كقول النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من رآني في منامه فقد رآني لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي (3). فإن المناط والمعيار في كل هذه الموارد واحد، فإذا يمكن لهم: أن يجيئوا لزيارة الوف الجنائز لمواليهم، أو ملايين نفر من زائريهم في المواطن الثلاثة المذكورة في حديث أبى الحسن الرضا عليه السلام في ساعة واحدة وفي أمكنة متعددة فكذلك يمكن لهم أن يحضروا عند آلاف من المحتضرين بلا فرق بين الموارد أصلا، لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء. 1. المحتضر في القصائد والمدائح 1 - قد مر منافي ص 299 أشعار السيد الحميري رحمه الله وقد نظم قول أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الهمداني رحمه الله: (وابشرك يا حارث، لتعرفني عند الممات وعند الصراط وعند الحوض وعند المقاسمة) الخبر. 2 - وله رحمه الله كذب الزاعمون أن عليا * لن ينجي محبه من هنات قد وربي دخلت جنة عدن * وعفا لي الأله عن سيئاتي فأبشروا اليوم أولياء علي * وتوالوا الوصي حتى الممات ثم من بعده تولوا بنيه * واحدا بعد واحد بالصفات


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 102: ص 40. (2) - ابن شهر آشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 4: ص 292. (3) - النوري: دار السلام، ج 4: ص 272.

[446]

3 - وأيضا احب الذي من مات من أهل وده * تلقاه بالبشرى لدى الموت يضحك ومن كان يهوى غيره من عدوه * فليس له إلا إلى النار مسلك حدث الحسين بن عون، قال: (دخلت على السيد ابن محمد الحميري عائدا في علته التى مات فيها، فوجدته يساق به، ووجدت عنده جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية، وكان السيد جميل الوجه، رحب الجبهة، عريض ما بين السالفين، فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد، ثم لم تزل تزيد وتنمي حتى طبقت وجهه بسوادها، فاغتم لذلك من حضره من الشيعة، وظهر من الناصبة سرور و شماتة، فلم يلبث بذلك إلا قليلا حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء، فلم تزل تزيد - أيضا - وتنمي حتى أسفر وجهه وأشرق وافتر (1) السيد ضاحكا مستبشرا فقال: كذب الزاعمون - الأشعار)، و (احب الذي - إلى آخره (2). 4 - أيها المرجي لقاه في الممات * كل موت فيه لقياك حياة ليتما عجل بي ما هو آت * علني ألقى حياتي في الردى فائزا منه بأوفى النعم الشاعر: هو السيد العلامة، الحاج الميرزا إسماعيل الشيرازي، وهو ابن عم سيد الطائفة، آية الله الميرزا الشيرازي. توفي في 11 شعبان سنة 1305 في الكاظمية، و كان قد جاء إليها من سامراء قبل شهرين، وحمل إلى النجف الأشرف فدفن هناك، كان عالما فاضلا جليلا شاعرا أديبا، قرأ على ابن عمه الميرزا الشيرازي في سامراء


(1) - ضحك ضحكا حسنا. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 193، وقد نظم الشاعر المعاصر الشيخ عبد المنعم الفرطوسى هذه القصة، أوردناه تحت الرقم 5.

[447]

وكان من أفضل تلامذته، وله أشعار في مدح أمير المؤمنين عليه السلام (1). وقد أخذنا واقتطفنا هذه القطعة من الأشعار من قصيدة غراء له، في مدح أمير المؤمنين عليه السلام التي جاءت بتمامها في كتاب (الغدير) القيم (ج 6: ص 31) و (سفينة البحار) (ج 2: ص 230) مطلعها: رغد العيش فزده رغدا * بسلاف (2) منه تشفي سقمي 5 - إذا رمت يوم البعث تنجو من اللظى * ويقبل منك الدين والفرض والسنن فوال عليا والأئمة بعده * نجوم الهدى تنجو من الضيق والمحن فهم عترة قد فوض الله أمره * إليهم لما قد خصهم منه بالمنن أئمة حق أوجب الله حقهم * وطاعتهم فرض بها الخلق تمتحن نصحتك أن ترتاب فيهم وتنثني * إلى غيرهم من غيرهم في الأنام من ؟ فحب علي عدة لوليه * يلاقيه عند الموت والقبر والكفن كذلك يوم البعث لم ينج قادم * من النار إلا من تولى أبا الحسن


(1) - الامين: اعيان الشيعة، ج 3: ص 4324، ط بيروت. (2) - السلافة من الخمر: اخلصها.

[448]

الشاعر: هو الحافظ الشيخ رجب البرسي، وفي (الأعيان): (كان حيا سنة 812، وتوفي قريبة من هذا التاريخ، كان فقيها محدثا حافظا أديبا مصفا في الأخبار و غيرها (1)، وفي (الآمل): (الشيخ رجب البرسي كان فاضلا شاعرا منشئا أديبا، له كتاب (مشارق أنوار اليقين) (2)، وفي (الكنى والألقاب): (الحافظ رجب البرسى فاضل محدث شاعر أديب منشئ... والبرسي نسبة إلى برس وهي قرية بين الكوفة والحلة، وعن (معجم البلدان) قال: برس بالضم موضع بأرض بابل، به آثار لبخت نصر (3). والأبيات موجودة في (مشارق الانوار) (ط بيروت، ص 245) و (الغدير) (ج 7: ص 49). 6 - وحضور الوصي حق لدى الم‍ * - وت عيانا بشخصه المترائي هي بشرى لمبغض ومحب * من علي بالخوف أو بالرجاء فيفوز المحب فيها بنعمى * ويخيب القالي بها بالشقاء حار همدان كل ميت يراني * في حديث لسيد الأتقياء وهو يوصى به منانا وعطفا * ملك الموت ساعد الالتقاء حين يمسي من الحنو عليه * خير ام تحنو على الابناء ويمنيه بالبقاء فيأبى * رغبا في ثواب يوم البقاء حين زفت إليه بشرى علي * بجنان الخلود عند اللقاء فتسل الروح الأمينة منه * سل رفق لشعرة برخاء وتجلى للحميري دليل * بحضور الوصي قرب الفناء حينما وجهه استحال ابتداء * لسواد من نكتة سوداء ظهرت فيه لانحراف قديم * كان منه عن منهج الاهتداء


(1) - الامين: اعيان الشيعة، ج 6: ص 465، ط بيروت. (2) - الحر العاملي: امل الامل، تحت عنوانه. (3) - القمي: الكنى والقاب، ج 2: ص 151.

[449]

واستقامت عقيدة الحق منه * حين وافى لجعفر باستواء فتجلى منه المحيا منيرا * بعد هذا من نكتة بيضاء طبقت وجهه المبارك حتى * صار كالبدر مشرقا بالضياء مستفيقا من سكرة الموت صحوا * وهو يشدو بغبطة وهناء: (كذب الزاعمون أن عليا * لا ينجي محبه من بلاء) إي وربى وردت جنة عدن * وعفا لي الأله عن أخطائي كل هذا المأثور في الدين صدق * ويقين حق بغير افتراء (1) الشاعر: هو الفاضل الألمعي، الشيخ عبد المنعم الفرطوسي المعاصر. قال العلامة المجاهد، الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر، في تقريظه على ديوانه (ملحمة أهل البيت) (2). فقد أطلعني جناب العلامة الجليل، الشاعر الألمعى، الشيخ عبد المنعم الفرطوسي - أدام الله تأييده وتسديده - على جزء من ملحمته الشعرية الرائعة التي نظم فيها اصول الدين، وشيئا مهما من اسس العقيدة الأسلامية و قسطا من المعالم العامة للشريعة الأسلامية الغراء كما نظم حياة الرسول الأعظم الشريفة بما حفلت به من آيات باهرات وأمجاد وكرامات وسيرة أهل البيت - عليهم الصلاة والسلام - و أضواء من حياتهم وعلومهم وموفور حكمتهم وعطائهم الفكري والروحي، فوجدت الملحمة فريدة في بابها - إلى آخر ما قاله رحمه الله). 2. القرآن والمحتضر: 1 - قال الله تعالى: الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحيوة الدنيا و


(1) - الفرطوسي: ملحمة اهل البيت عليهم السلام، ج 2: ص 29. (2) - الفرطوسي: ملحمة اهل البيت عليهم السلام، ج 1: ص 7.

[450]

في الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (1). في الكافي بإسناده عن أبان بن عثمان، عن عقبة أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن الرجل إذا وقعت نفسه في صدره يرى، قلت: جعلت فداك وما يرى ؟ قال: يرى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيقول له رسول الله: أنا رسول الله، أبشر، ثم قال: ثم يرى علي بن أبي طالب عليه السلام فيقول: أنا علي بن أبى طالب الذي كنت تحب، أما لأنفعنك اليوم، قال: قلت له: أيكون أحد من الناس يرى هذا، ثم يرجع إلى الدنيا ؟ قال: لا، إذا رأى هذا أبدا مات وأعظم ذلك قال: وذلك في القرآن، قول الله عز وجل: الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الاخرة لا تبديل لكلمات الله. أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بطرق كثيرة جدا، وقوله (و أعظم ذلك) أي عده عظيما (2). وعن ابن شهرآشوب، روايته عن زريق، عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى (لهم البشرى في الحيوة الدنيا)، قال: هو أن يبشراه بالجنة عند الموت، يعني محمدا و عليا عليهما السلام (3). 2 - قال الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا وفي الاخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * (4) في (البرهان)، عن الأمام أبى محمد العسكري عليهما السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة لا يستيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون


(1) - يونس، 10: 64. (2) - الطباطبائي: الميزان، ج 10: ص 100. (3) - البحراني: البرهان، ج 2: ص 191. (4) - الزخرف، 41: 31 - 30.

[451]

وقت نزوع روحه وظهور ملك الموت له، وذلك أن ملك الموت يرد على المؤمن وهو في شدة علته وعظيم ضيق صدره بما يخلفه من أمواله وعياله وما هو عليه من اضطراب أحواله في معاطبه وعقباته وقد بقيت نفسه حزارتها، وانقطعت آماله فلم ينلها، فيقول له ملك الموت: مالك تجرع غصصك ؟ فيقول: لاضطراب أحوالى وأنقطاعى دون آمالي. فيقول له ملك الموت: وهل يجزع عاقل من فقد درهم زائف وقد اعتاض منه بألف ألف ضعف الدنيا ؟ (فيقول: لا)، فيقول له ملك الموت: فانظر فوقك، فينظر فيرى درجات الجنان وقصورها التي تقصر دونها الأماني، فيقول له ملك الموت: هذه منازلك ونعمك وأموالك ومن كان من ذريتك صالحا فهو هناك معك، أفترضي به بدلا مما ههنا ؟ فيقول: بلى، والله. ثم يقول ملك الموت: انظر، فيرى محمدا وعليا والطيبين من آلهما في أعلى عليين، فيقول له: أو تراهم وهؤلاء سادتك وأئمتك ؟ هم هنا جلاسك وآناسك، (أ) فما ترضى بهم بدلا مما تفارق هنا ؟ فيقول: بلى وربي، وذلك ما قال الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا فما أمامكم من الأموال فقد كفيتموه، ولا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري والعيال والأموال، فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدل منهم، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، هذه منازلكم، وهؤلاء آناسكم وجلاسكم، ونحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الاخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم (1). 3 - قال الله تعالى: يا أيتها النفس المطمئنةء ارجعي إلى ربك راضية


(1) البحراني: البرهان ج 4 ص 111 المجلسي: بحار الانوار ج 6 ص 176.

[452]

مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي (2). في (البرهان)، عن سدير الصيرفي قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، يابن رسول الله، هل يكره المؤمن على قبض روحه ؟ قال: لا، إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا ولي لله ! لا تجزع، فو الذي بعث محمدا بالحق نبيا لأنا أبر بك وأشفق عليك من الوالد البر الرحيم بولده، افتح عينيك وانظر، قال: فيمثل له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة و الحسن والحسين والأئمة عليهم السلام، فيقول: هؤلاء رفقاؤك، فيفتح عينيه وينظر إليهم، ثم ينادي نفسه: يا أيتها النفس المطمئنة (إلى محمد وأهل بيته) إرجعي إلى ربك راضية مرضية (بالولاية وبالثواب) فادخلي في عبادي (يعنى محمدا و أهل بيته)، فما من شئ أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادى (2). 4 - قال الله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (3). عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام في قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا قال: ليس من أحد من جميع الأديان يموت إلا رأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين حقا من الأولين والاخرين (4)). 3. نهج البلاغة والمحتضر: 1 - قال عليه السلام: (فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم و سمعتم وأطعتم، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا (5).


(1) - الفجر، 89: 30. (2) - البحراني: البرهان، ج 4: ص 461. (3) - النساء، 4: 159. (4) - المجلسي: بحار الانوار، ج 6: ص 188. (5) - نهج البلاغة، الخطبة 20.

[453]

قال ابن أبى الحديد في شرحه: (ويمكن أن يعني (علي عليه السلام) به ما يعاينه المحتضر من ملك الموت وهول قدومه، ويمكن أن يعني به ما كان عليه السلام يقوله عن نفسه أنه لا يموت ميت حتى يشاهده عليه السلام حاضرا عنده (1). والشيعة تذهب إلى هذا القول وتعتقده وتروي عنه عليه السلام شعرا قاله للحارث الأعور الهمداني: (يا حار همدان ! من يمت يرني - إلى آخر الأشعار)، وليس هذا بمنكر إن صح أنه عليه السلام قاله عن نفسه، ففي الكتاب العزيز ما يدل على أن أهل الكتاب لا يموت منهم ميت حتى يصدق بعيسى بن مريم عليه السلام، وذلك قوله: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (2). 2 - قال عليه السلام: (وداعيكم وداع امرء مرصد للتلاقي ! غدا ترون أيامي، و يكشف لكم عن سرائري، وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي (3) قال المولى صالح البرغاني في شرح هذا الكلام گويند: (أرصد له) أي أعد، پس مرصد به معنى (مهيا شده) باشد (4). وداع من شما را وداع كردن مردى است كه چشم به ملاقات أو دارند واصحاب أو متوقع ومهياى وصل أو باشند نه وداع كسى كه ديگر ملاقات با اصحاب نكند. مى تواند ملاقات روز آخرت باشد، ومى تواند مراد آن ملاقات باشد كه در ابيات مشهور به حارث همداني گفت ودر ديوان مذكور است، وهي هذه: يا حار همدان من يمت يرني... (5). أقول: أيها الموالى الكريم ! أحب أن أختم هذا المقال بحديث شريف مناسب


(1) - حضوره عليه السلام عند المحتضر مما لايرد كما مر، ولكن كلامه هذا لا يدل عليه لما فيه من التخويف و الوعيد، كما لا يخفى. وحضوره عليه السلام للبشرى والسرور للمؤمن (استادولى). (2) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 298. (3) - نهج البلاغة، الخطبة 147. (4) - هذا على بنائه للمجهول، وفي بعض الشروح كشرح عبده والصبحي صالح بالمعلوم، أي منتظر. (5) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 2: ص 41.

[454]

للباب وفيه بشارة ومسرة لمحبي الأئمة الطاهرين الأطياب عليهم السلام (عن أبى بصير، عن أحدهما عليهما السلام، قال: إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ست صور، فيهن صورة أحسنهن وجها، وأبهاهن هيئة، وأطبهن ريحا، وأنظفهن صورة، قال: فيقف صورة عن يمينه، واخرى عن يساره، واخرى بين يديه، واخرى خلفه، و اخرى عند رجله، وتقف التي هي أحسنهن فوق رأسه، فإن اتي عن يمينه منعته التي عن يمينه ثم كذلك إلى أن يؤتى من الجهات الست، قال: فتقول أحسنهن صورة: ومن أنتم - جزاكم الله عني خيرا - ؟ فتقول التى عن يمين العبد: أنا الصلاة، و تقول التي عن يساره: أنا الزكاة، وتقول التي بين يديه: أنا الصيام، وتقول التي خلفه: أنا الحج والعمرة، وتقول التي عند رجليه: أنا بر من وصلت من إخوانك، ثم يقلن من أنت، فأنت أحسننا وجها، وأطيبنا ريحا، وأبهانا هيئة ؟ فتقول: أنا الولاية لآل محمد - صلوات الله عليهم أجمعين (1). الاستدراك قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج): روى أبو غسان النهدي قال: دخل قوم من الشيعة على علي عليه السلام في الرحبة وهو على حصير خلق فقال: ما جاء بكم ؟ قالوا: حبك يا أمير المؤمنين ! قال: أما إنه من أحبني رآني حيث يحب أن يراني و من أبغضني رآني حيث يكره أن يراني (2). عن عثمان بن سعيد عن أبي علي بن راشد قال: اجتمعت العصابة بنيسابور في


(1) المجلسي: بحار الانوار ج 6 ص 234. (2) ابن أبي الحديد: شرح النهج: ج 4: ص 104.

[455]

أيام أبي عبد الله عليه السلام فتذاكروا ما هم فيه من الانتظار للفرج وقالوا: نحن نحمل في كل سنة إلى مولانا ما يجب علينا وقد كثرت الكاذبة ومن يدعي هذا الامر فينبغي لنا أن نختار رجلا ثقة نبعثه إلى الامام ليتعرف لنا الامر. فاختاروا رجلا يعرف بأبي جعفر محمد بن إبراهيم النيسابوري ودفعوا إليه ما وجب عليهم في السنة من مال وثياب وكانت الدنانير ثلاثين ألف دينار والدراهم خمسين ألف درهم والثياب ألفي شقة وأثواب مقاربات ومرتفعات وجاءت عجوز من عجائز الشيعة الفاضلات اسمها (شطيطة) ومعها درهم صحيح فيه درهم ودانقان وشقة من غزلها خام تساوي أربعة دراهم وقالت: ما يستحق علي في مالي غير هذا فادفعه إلى مولاي فقال: يا امرأة أستحي من أبي عبد الله عليه السلام أن أحمل إليه درهما وشقة بطانة. فقالت: ([الأخ ل لم] لا تفعل ؟ إن الله لا يستحي من الحق هذا الذي يستحق فاحمل يا فلان ! فلئن ألقى الله عزوجل وما له قبلي حق قل أم كثر أحب إلي من أن إلقاه وفي رقبتي لجعفر بن محمد حق. قال: فعوجت الدرهم وطرحته في كيس فيه أربع مائة درهم لرجل يعرف بخلف بن موسى اللؤلؤي وطرحت الشقة في رزمة فيها ثلاثون ثوبا لاخوين بلخيين يعرفان بابني نوح بن إسماعيل وجاءت الشيعة بالجزء الذي فيه المسائل وكان سبعين ورقة وكل مسألة تحتها بياض وقد أخذوا كل ورقتين فحزموها بحزائم ثلاثة وختموا على كل حزام بخاتم وقالوا: تحمل هذا الجزء [خ ل: الحزم الحزائم] معك وتمضي إلى الامام فتدفع الجزء إليه وتبيته عنده ليلة و عد عليه وخذه منه فإن وجدت الخاتم بحاله لم يكسر ولم يتشعب فاكسر منها ختمه وانظر الجواب فإن أجاب ولم يكسر الخواتيم فهو الامام فادفعه إليه وإلا فرد إموالنا علينا. قال أبو جعفر: فسرت حتى وصلت إلى الكوفة وبأدت بزيارة أمير

[456]

المؤمنين عليه السلام ووجدت على باب المسجد شيخا مسنا قد سقط حاجباه على عينيه من اكبر وقد تشنج وجهه متزرا ببرد متشحا بآخر وحوله جماعة يسألونه عن الحلال والحرام وهو يفتيهم على مذهب أمير المؤمنين عليه السلام فسألت من حضر عنده فقالوا: أبو حمزة الثمالي. فسلمت عليه وجلست إليه فسألني عن أمري فعرفته الحال ففرح بي وجذبني إليه وقبل بين عيني وقال: لو تجدب [خ ل: تخرب نحرت تجرت] الدنيا ما وصل إلى هؤلاء حقوقهم وإنك ستصل بحرمتهم إلى جوارهم. فسررت بكلامه وكان ذلك أول فائدة لقيتها بالعراق وجلست معهم أتحدث إذ فتح عينيه ونظر إلى البرية وقال: هل ترون ما أرى ؟ فقلنا: وأي شئ رأيت ؟ قال: أرى شخصا على ناقة. فنظرنا إلى الموضع فرأينا رجلا على جمل فأقبل فأناخ البعير وسلم علينا وجلس فسأله الشيخ وقال: من أين إقبلت ؟ قال: من يثرب. قال: ما وراءك ؟ قال: مات جعفر بن محمد عليهما السلام فانقطع ظهري نصفين و قلت لنفسي: إلى أن أمضي ؟ فقال له أبو حمزة: إلى من أوصى ؟ قال: إلى ثلاثة أولهم أبو جعفر المنصور وإلى ابنه عبد الله وإلى ابنه موسى. فضحك أبو حمزة والتفت إلي وقال: لا تغتم فقد عرفت الامام. فقلت: وكيف أيها الشيخ ؟ ! فقال: أما وصيته إلى أبي جعفر المنصور فستر على الامام وأما وصيته إلى ابنه الاكبر والاصغر فقد بين عن عوار الاكبر ونص على الاصغر. فقلت: وما فقه ذلك ؟ فقال: قول النبي صلى الله عليه واله وسلم (الامامة في أكبر ولدك يا علي ما لم يكن ذا عاهة) فلما رأيناه قد أوصى إلى الاكبر والاصغر علمنا أنه قد بين عن عوار كبيره ونص على صغيره فسر إلى موسى فإنه صاحب الامر. قال أبو جعفر: فودعت أمير المؤمنين وودعت أبا حمزة وسرت إلى المدينة وجعلت رحلي في بعض الخانات وقصدت مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وزرته و

[457]

صليت ثم خرجت وسألت أهل المدينة: إلى من أوصى جعفر بن محمد ؟ فقالوا: إلى ابنه الافطح عبد الله فقلت: هل يفتي ؟ قالوا: نعم فقصدته وجئت إلى باب داره فوجدت عليها من الغلمان ما لم يوجد على باب دار أمير البلد فأنكرت ثم قلت: الامام لا يقال له: لم وكيف فاستأذنت فدخل الغلام وخرج وقال: من أين أنت ؟ فأنكرت وقلت: والله ! ما هذا بصاحبي. ثم قلت: لعلة من التقية فقلت: قل: فلان الخراساني فدخل وأذن لي فدخلت فإذا به جالس في الدست (1) على منصة عظيمة وبين يديه غلمان قيام فقلت في نفسي: ذا أعظم الامام يقعد في الدست ! ثم قلت: هذا أيضا من الفضول الذي لا يحتاج إليه يفعل الامام ما يشاء فسلمت عليه فأدناني وصافحني وأجلسني بالقرب منه وسألني فأحفى (2) ثم قال: في أي شئ جئت ؟ قلت: في مسائل أسأل عنها وأريد الحج. فقال لي: اسأل عما تريد. فقلت: كم في المائتين من الزكاة ؟ قال: خمسة دراهم. قلت: كم في المائة ؟ قال: درهمان ونصف. فقلت: حسن يا مولاي أعيذك بالله ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء ؟ قال: يكفيه من رأس الجوزا ثلاثة. فقلت: الرجل لا يحسن شيئا. فقمت وقلت: أنا أعود إلى سيدنا غدا. فقال: إن كان لك حاجة فإنا لا نقصر. فانصرفت من عنده وجئت إلى ضريح النبي صلى الله عليه واله وسلم فانكببت [خ ل: فبكيت] على قبره وشكوت خيبة سفري وقلت: يارسول الله ! بأبي أنت وأمي إلى من أمضي في هذه المسائل التي معي ؟ إلى اليهود أم إلى النصارى أم إلى المجوس


(1) الدست: صدر البيت المجلس الوسادة والمراد هنا الاول. (2) فأحفى: من الحفاوة وهي المبالغة في السؤال عن الرجل والعناية في أمره (لسان العرب / حفا ج 14: ص 8).

[458]

أم إلى فقهاء النواصب ؟ إلى أين يارسول الله ؟ فما زلت أبكي وأستغيث به فإذا أنا بإنسان يحركني فرفعت رأسي من فوق القبر فرأيت عبدا أسودا عليه قميص خلق وعلى رأسه عمامة خلق فقال لي:: يا أبا جعفر النيسابوري ! يقول لك مولاك موسى بن جعفر عليه السلام: (لا إلى اليهود ولا إلى النصارى ولا إلى المجوس ولا إلى أعدائنا من النواصب إلي فأنا حجة الله قد أجبتك عما في الجزو وبجميع ما تحتاج إليه منذ أمس فجئني به وبدرهم شطيطة الذي فيه درهم ودانقان الذي في كيس أربع مائة درهم اللؤلؤي وشقتها التي في رزمة الاخوين البلخيين) قال: فطار عقلي وجئت إلى رحلي ففتحت وأخذت الجزو والكيس و الرزمة فجئت إليه فوجدته في دار خراب وبابه مهجور ما عليه أحد وإذا بذلك الغلام قائم على الباب فلما رآني دخل بين يدي ودخلت معه فإذا بسيدنا عليه السلام جالس على الحصير وتحته شاذكونه (1) يمانية فلما رآني ضحك وقال: (لا تقنط ولم تفزع ؟ لا إلى اليهود ولا إلى النصارى والمجوس أنا حجة الله ووليه ألم يعرفك أبو حمزة على باب مسجد الكوفة جري أمري ؟ !). قال: فأزاد ذلك في بصيرتي وتحققت أمره. ثم قال لي: (هات الكيس) فدفعته إليه فحله وأدخل يده فيه وأخرج منه درهم شطيطة وقال لي: هذا درهمها ؟) فقلت: نعم فأخذ الرزمة وحلها وأخرجها [أخرج ظ] ممنها شقة قطن مقصورة طولها خمسة وعشرون ذراعا وقال لاي (اقرأ عليها السلام كثيرا وقل لها: قد جعلت شقتك في أكفاني وبعثت إليك بهذه من أكفاننا من قطن قريتنا صريا قرية فاطمة عليها السلام وبذر قطن كانت تزرعه بيدها الشريفة لاكفان ولدها وغزل أختي حكيمة بنت عبد الله عليه السلام وقصارة (2) يده لكفنه فاجعليها في كفنك).


(1) الشاذكونه: معرب شادكونه أي عباءة أو جبة فراش أو متكأ. (2) القصارة: فضل الشئ (لسان العرب / قصر ج 5: 101) ولعل المعنى غاية جهده بيده.

[459]

ثم قال: (يا معتب ! جئني بكيس نفقة مؤناتنا) فجاء به فطرح درهما فيه و أخرج منه أربعين درهما وقال: (اقرأها مني السلام وقل لها: (ستعيشي [كذا] تسع عشرة ليلة من دخول أبي جعفر ووصول هذا الكفن وهذه الدراهم فانفقي منها ستة عشر درهما واجعلي أربعة وعشرين صدقة عنك وما يلزم عليك وأنا أتولى الصلاة عليك). فإذا رأيتني فاكتم فإن ذلك أبقى لنفسك وافكك هذه الخواتيم وانظر هل أجبناك أم لا ؟ قبل أن تجئ بدراهمهم كما أوصوك فإنك رسول). فتأملت الخواتيم فوجدتها صحاحا ففككت من وسطها واحدا فوجدت تحتها: ما يقول العالم عليه السلام في رجل قال: نذرت لله عزوجل لاعتقن كل مملوك كان في ملكي قديما. وكان له جماعة من المماليك ؟ تحته الجواب من موسى بن جعفر عليه السلام: (من كان في ملكه قبل ستة أشهر والدليل على صحة ذلك قوله تعالى: حتى عاد كالعرجون الجديد في النخلة ستة أشهر). وفككت الآخر فوجدت فيه: ما يقول العالم عليه السلام في رجل قال: أتصدق بمال كثير بما يتصدق ؟ تحته الجواب بخطه عليه السلام: (إن كان الذي حلف بهذا اليمين من أرباب الدنانير تصدق بأربعة وثمانين دينارا وإن كان من أرباب ادراهم تصدق بأربعة وثمانين درهما وإن كان من أرباب الغنم فيتصدق بأربعة وثمانين غنما و إن كان من أرباب البعير فبأربعة وثمانين بعيرا والدليل على ذلك قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين (2) فعددت مواطن رسول اله صلى الله عليه واله وسلم قبل نزول الآية فكانت أربعة وثمانين موطنا).


(1) يس 36: 39. (2) التوبة 9: 25.

[460]

وكسرت الاخرى فوجدت تحته: ما يقول العالم عليه السلام في رجل نبش قبرا وقطع رأس الميت وأخذ كفنه ؟ الجواب تحته بخطه عليه السلام: (تقطع يده لاخذ الكفن من وراء الحرز ويؤخذ منه مائة دينار لقطع رأس الميت لانا جعلناه بمنزلة الجنين في بطن أمه من قبل نفخ الروح فيه فجعلنا في النطفة عشرين دينارا وفي العلقة عشرين دينارا وفي المضغة عشرين دينارا وفي اللحم عشرين دينارا وفي تمام الخلق عشرين دينارا فلم نفخ فيه الروح لازمناه ألف دينار على أن لا يأخذ ورثة الميت منها شيئا بل يتصدق بها عنه أو يحج أو يغزي بها لانها أصابته في جسمه بعد الموت). قال أبو جغفر: فمضيت من فوري إلى الخان وحملت المال والمتاع إليه و أقمت معه وحج في تلك السنة فخرجت في جملته (1) معادلا له (2) في عماديته (3) في ذهابي يوما وفي عمادية أبيه يوما ورجعت إلى خراسان فاستقبلني الناس و شطيطة من جملتهم فسلموا علي فأقبلت عليها من بينهم وأخبرتها بحضرتهم بما جرى ودفعت إليها الشقة والدراهم وكادت تنشق مرارتها (4) من الفرح و لم يدخل إلى المدينة من الشيعة إلا حاسد أو متأسف على منزلتها ودفعت الجزء إليهم ففتحوا الخواتيم فوجدوا الجوابات تحت مسائلهم. وأقامت شطيطة تسعة عشر يوما وماتت رحمها الله فتزاحمت الشيعة على الصلاة عليها فرأيت أبي الحسن عليه السلام على نجيب فنزل عنه وأخذ بخطامه وقف


(1) الجملة: الجماعة (لسان العرب / جمل ج 11 ص 128). (2) معادلا له: أي راكبا معه (لسان العرب / عدل ج 11 ص 342). (3) المعاد: البناء المرتفع وكأنه استعارها هنا المنزل الذي ينزله الرجل في السفر (لسان العرب / عمد ج 3 ص 303). (4) المرارة يقال لها بالفارسية: زهره.

[461]

يصلي عليها مع القوم وحضر نزولها إلى قبرها ونثر [خ ل طرح] في قبرها من تراب قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام فلما فرغ من أمرها ركب البعير وألوى برأسه نحو البرية وقال: (عرف أصحابك واقرأهم عني السلام وقل لهم: إنني ومن جرى مجراي من أهل البيت لابد لنا من حضور جنائزكم في أي بلد كنتم فاتقوا الله في أنفسكم وأحسنوا الاعمال لتعينونا على خلاصكم وفك رقابكم من النار). قال أبو جعفر: فلما ولى عليه السلام عرفت الجماعة فرأوه وقد بعد والنجيب يجري به فكادت أنفسهم تسيل حزنا إذا لم يتمكنوا من النظر إليه. وفي ذلك عدة آيات وكفى بها حجة للمتأمل الذاكر (1).


(1) الثاقب في المناقب: ص 439 - 446.

[462]

الفصل 2 حقيقة الصراط ومنزلة على وأولاده المعصومين عليهم السلام عنده 1 - عن المفضل بن عمر، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصراط، فقال: هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل، وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط الذي في الدنيا فهو الأمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم (1). 2 - عن أبى مالك الأسدي، قال: (قلت لأبي جعفر عليه السلام أسأله عن قول الله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل (2)، قال: فبسط أبو جعفر عليه السلام يده اليسار ثم دور فيها يده اليمنى، ثم قال: نحن صراطه المستقيم - الحديث (3). أقول: قال بعض المحققين في هامش (بحار الانوار): (هذا إشارة إلى أن تعدد الأئمة عليهم السلام لا ينافي كونهم سبيلا واحدا...). 3 - عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن الله تبارك و


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 66، وج 24: ص 11. (2) - الانعام، 6: 153. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 24: ص 15.

[463]

تعالى لو شاء لعرف العباد نفسه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا فإنهم عن الصراط لناكبون - الحديث (1). 4 - عن الأمام العسكري عليه السلام: (الصراط المستقيم صراطان: صراط في الدنيا و صراط في الآخرة، فأما الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر من الغلو وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شئ من الباطل، وأما الصراط في الآخرة فهو طريق المؤمنين إلى الجنة الذي هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنة (2). 5 - عن أبى حمزة الثمالي، عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: (سألته عن قول الله عز و جل: قال هذا صراط علي مستقيم (3)، قال: والله علي عليه السلام، وهو والله الميزان و الصراط المستقيم (4). قال الطبري في تفسيره: (قرأ القراء السبعة (صراط) منونا مرفوعا، و (علي بفتح اللام، وقرأ يعقوب وأبو رجاء وابن سيرين وقتادة ومجاهد وابن ميمون (علي) بكسر اللام وصفا للصراط (5). وقال العلامة المجلسي رحمه الله: (الظاهر أنه (على) بالجر بإضافة الصراط إليه، و يؤيده ما رواه قتادة عن الحسن البصري، قال: كان يقرأ هذا الحرف: (هذا صراط علي مستقيم (6).


(1) - الكليني: الكافي، ج 1: ص 184 / باب معرفة الامام. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 70. (3) - الحجر، 15: 41. (4) - البحراني: البرهان، ج 2: ص 344. (5) - الطبري: جامع البيان، ج 14: ص 24. (6) - المجلسي: بحار الانوار، ج 24: ص 23.

[464]

6 - عن أبي بصير، عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: (الصراط الذي قال إبليس: لأقعدن لهم صراطك المستقيم (1) فهو علي (2). 7 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (فوعزة ربي وجلاله إنه لباب الله الذي لا يؤتي إلا منه، وإنه الصراط المستقيم، وإنه الذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة (3). 8 - قال الفيض القاساني رحمه الله: (عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: لكل كتاب صفوة و صفوة هذا الكتاب حروف التهجي). أقول: ومن الأسرار الغريبة في هذه المقطعات أنها تصير بعد التركيب و حذف المكررات: (على صراط حق نمسكه) أو (صراط علي حق نمسكه (4). 9 - عن أبي عبد الله عليه السلام: (ربنا آمنا واتبعنا مولانا وولينا وهادينا وداعينا وداعي الأنام وصراطك المستقيم السوي، وحجتك وسبيلك الداعي إليك على بصيرة هو ومن اتبعه، سبحان الله عما يشركون بولايته وبما يلحدون باتخاذ الولائج دونه، فأشهد يا إلهى أنه الامام الهادي المرشد الرشيد علي أمير المؤمنين الذي ذكرته في كتابك وقلت: وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم (5) لا اشركه إماما، ولا أتخذ من دونه وليجه (6). 10 - عن أبى بصير، عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: (الناس يمرون على الصراط طبقات، والصراط أدق من الشعر ومن حد السيف، فمنهم من يمر مثل البرق، و منهم من يمر مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر حبوا، ومنهم من يمر مشيا، و


(1) - الاعراف، 7: 16. (2) - الحسكاني: شواهد التنزيل، ج 1: صص 61 و 59. (3) - الحسكاني: شواهد التنزيل، ج 1: صص 61 و 59. (4) - الفيض: تفسير الصافى، ج 1: ص 78، ط الحروفي. (5) - الزخرف، 43: 4. (6) - الحويزي: تفسير نور الثقلين، ج 4: ص 592.

[465]

منهم من يمر متعلقا قد تأخذ النار منه شيئا وتترك شيئا (1). 11 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (إن الله تعالى إذا بعث الخلائق من الأولين و الاخرين نادى منادي ربنا من تحت عرشه: يا معشر الخلائق ! غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد، سيدة نساء العالمين على الصراط، فتغض الخلائق كلهم أبصارهم، فتجوز فاطمة على الصراط، لا يبقى أحد في القيامة إلا غض بصره عنها إلا محمد وعلي والحسن والحسين والطاهرين من أولادهم فإنهم أولادها. فإذا دخلت الجنة بقي مرطها (2) ممدودا على الصراط، طرف منه بيدها وهي في الجنة، وطرف في عرصات القيامة، فينادي منادي ربنا: يا أيها المحبون لفاطمة ! تعلقوا بأهداب (3) مرط فاطمة سيدة نساء العالمين، فلا يبقى محب لفاطمة إلا تعلق بهدبة من أهداب مرطها حتى يتعلق بها أكثر من ألف فئام وألف فئام، قالوا: كم فئام واحد ؟ قال: ألف ألف، ينجون بها من النار (4). 1. أقوال العلماء في معنى الصراط: 1 - قال الشيخ الصدوق، (اعتقادنا في الصراط أنه حق، وأنه جسر جهنم، و أن عليه ممر جميع الخلق، قال الله عز وجل: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (5). والصراط في وجه آخر اسم حجج الله، فمن عرفهم في الدنيا و أطاعهم أعطاه الله جوازا على الصراط الذي هو جسر جهنم يوم القيامة، وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: (يا علي ! إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 64. (2) - المرط - بالكسر -: كساء من صوف أو غيره تلقيه المرأة على رأسها. (3) - الاهداب جمع هدبة - بالضم -: طرة الثوب. (4) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 68. (5) - مريم، 19: 71.

[466]

الصراط فلا يجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك (1). 2 - قال الشيخ المفيد رحمه الله في شرح كلام الصدوق رحمه الله: (الصراط في اللغة هو الطريق، فلذلك سمي الدين صراطا لأنه طريق إلى الثواب، وله سمي الولاء لأمير المؤمنين والأئمة من ذريته: صراطا، ومن معناه قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا صراط الله المستقيم وعروته الوثقى التي لا انفصام لها) يعني أن معرفته والتمسك به طريق إلى الله سبحانه، وقد جاء الخبر بأن الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر تمر به الناس، وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وعن شماله أمير المؤمنين عليه السلام، ويأتيهما النداء من الله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (2). وجاء الخبر أنه لا يعبر الصراط يوم القيامة إلا من كان معه براءة من علي بن أبي طالب عليه السلام من النار، وجاء الخبر بأن الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف على الكافر، والمراد بذلك أنه لا يثبت لكافر قدم على الصراط يوم القيامة من شدة ما يلحقهم من أهوال القيامة ومخاوفها، فهم يمشون عليه كالذي يمشي على الشئ الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف، وهذا مثل مضروب لما يلحق الكافر من الشدة في عبوره على الصراط، وهو طريق إلى الجنة وطريق إلى النار، يسير العبد منه إلى الجنة ويرى من أهوال النار. وقد يعبر به عن الطريق المعوج، فلهذا قال الله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما (3)، فميز بين طريقه الذي دعا إلى سلوكه من الدين وبين طرق الضلال. و قال تعالى فيما أمر عباده من الدعاء وتلاوة القرآن: إهدنا الصراط المستقيم (4)، فدل على أن سواه صراط غير مستقيم، وصراط الله دين الله، وصراط الشيطان


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 70. (2) - ق، 5: 24. (3) - الانعام، 6: 153. (2) - الفاتحة، 1: 6.

[467]

طريق العصيان، والصراط في الأصل على ما بيناه هو الطريق، والصراط يوم القيامة هو الطريق للسلوك إلى الجنة والنار على ما قدمناه). قال العلامة المجلسي رحمه الله - بعد نقل الكلام المذكور -: (أقول: لااضطرار في تأويل كونه أدق من الشعرة وأحد من السيف وتأويل الظواهر الكثيرة بلا ضرورة غير جائز، وسنورد كثيرا من أخبار هذا الباب في باب أن أمير المؤمنين عليه السلام قسيم الجنة والنار (1). 3 - قال العلامة الفيض رحمه الله: (الصراط هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل، قال الله سبحانه: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات و ما في الاءرض (2). وقد عرفت أن معرفة الله عز وجل إنما تحصل بالعلم والعمل شيئا فشيئا بحسب الأستكمالات العقلية بمتابعة السنن النبوية، والاهتداء بهداه صلى الله عليه واله وسلم، فالصراط - بهذا المعنى - عبارة عن العلوم الحقة والاعمال الصالحة، وبالجملة ما يشتمل عليه الشرع الأنوار، ولما تلا النبي صلى الله عليه واله وسلم: أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله (3) خط خطا وعن جنبيه خطوطا، فالمستقيم هو صراط التوحيد الذي سلكه جميع الأنبياء وأتباعهم، والمعوجة هي طرق أهل الضلال. ومن وجه آخر: الصراط عبارة عن العالم العامل الهادي إلى الله عز وجل على بصيرة، وبالجملة، الأنبياء والأوصياء عليهم السلام فإن نفوسهم المقدسة طرق إلى الله سبحانه، ومن هنا قال مولانا الصادق عليه السلام: (الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السلام) و قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا الصراط الممدود بين الجنة والنار، وأنا الميزان)،


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 70 - 71. (2) - الشورى، 42: 52 - 53. (3) - الانعام، 6: 153.

[468]

فالصراط والميزان متحدان في المعنى بكلى معنييهما، وإنما يختلفان بالأعتبار (1). 4 - سئل العلامة الشهرستاني رحمه الله عن معنى (الصراط) بأنه جاءت في الأخبار و الأحاديث الكثيرة من أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف، فأي معنى يقصد من الشعرة والسيف ؟ قال رحمه الله بعد كلام له: (والحديث المجمع على صحته ناطق بأن عليا عليه السلام قسيم النار والجنة، وأن طريقته المثلى هو المسلك الوحيد المفضي إلى الجنان والرضوان، ومعلوم لدى الخبراء أن سيرة علي عليه السلام كانت أدق من الشعرة فإنه عليه السلام ساوى في العطاء بين أكابر الصحابة الكرام - كسهل بن حنيف - وبين أدنى مواليهم، وكان يقص من أكمام ثيابه لا كساء عبده، ويحمل إلى اليتامى والأيامي أرزاقهم على ظهره في منتصف الليل، ويشبع الفقراء، ويبيت طاوي الحشا، و يختار لنفسه من الطعام ما جشب، ومن اللباس ما خشن، ويوزع مال الله على عباد الله في كل جمعة، يكنس بيت المال ويصلي فيه وهو يعيش على غرس يمينه و كد يده، وحاسب أخاه عقيلا بأدق من الشعرة في قصته المشهورة، وطالب شريحا القاضي أن يساوي بينه وبين خصمه الأسرائيلي عند المحاكمة إلى غير ذلك من مظاهر ترويضه النفس والزهد البليغ حتى غدا الاقتداء به في إمامة المسلمين فوق الطوق، وكما كانت سيرة علي عليه السلام أدق من الشعرة كانت مشايعته في الخطوة أحد من السيف نظرا إلى مزالق الأهواء والشهوات ومراقبة السلطات من بني امية وتتبعهم أولياء علي عليه السلام وأشياعه وأتباعه تحت كل حجر ومدر (2). أقول: بعد ما لاحظت معني الصراط في الأخبار والأحاديث وأقوال العلماء و عرفت قول الصادق عليه السلام من أن الصراط صراطان أحدهما الأمام المفروض الطاعة، والاخر هو جسر جهنم في الاخرة، وقول أبى جعفر عليه السلام: نحن صراطه


(1) - الفيض: علم اليقين، ج 2: ص 966 - 967. (2) - نقلناه من هامش تصحيح الأعتقاد للمفيد رحمه الله (ص 89) مع التلخيص.

[469]

المستقيم، وقول الأمام العسكري: أن الصراط ما قصر من الغلو وارتفع من التقصير، وقول أمير المؤمنين عليه السلام: أنا الصراط الممدود بين الجنة والنار، وأنا الميزان، وقول الشيخ الصدوق رحمه الله أنه جسر جهنم، وأن عليه ممر جميع الخلق، و أنه في وجه آخر اسم حجج الله، وقول الشيخ المفيد رحمه الله: سمي صراطا لأنه طريق إلى الثواب، وله سمي الولاء لعلي عليه السلام والأئمة من ولده: صراطا، وقول الفيض رحمه الله: الصراط العلوم الحقة والأعمال الصالحة، ومن وجه آخر الصراط عبارة عن العالم العامل الهادي إلى الله على بصيرة، وقول الشهرستاني رحمه الله: أن الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف هو سيرة علي عليه السلام، فبعد هذا كله جدير بنا أن ننقل كلمة قيمة ذوقية من استاذنا الأكبر كوكب الفضل الذي لاح في سماء الكمال، وحاز الجلال والجمال، صاحب الأخلاق السنية والأفعال المرضية، العالم الدقيق، والمربي الشفيق آية الله المعصومي، المشهور بالاخوند الملا علي الهمداني رحمه الله حتى يسهل الأمر في معناه ويتضح أنه يشمل جميع المعاني المذكورة والمصاديق المتعددة. قال رحمه الله كثيرا ما في حلقات درسه ما هذا تقريره: إن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة أصالة وبالذات ثم استعملت في المصاديق المختلفة بتناسب الأصل المشترك الجامع لها كلفظ (الحصن) (الحاء والصاد والنون) مثلا، وهو وضع للحفظ والحرز، وهذا المعنى عام شامل لكل ما يحفظ الشئ ويحرزه، فكلمة الاخلاص تسمي حصنا لأنها تحفظ قائلها بشروطها من العذاب، أو يسمى كل امرأة متزوجة محصنة لأن لها زوجا يحفظها، أو أن القفل يسمى محصنا لأنه يحرز البيت من اللصوص، ونظائر ذلك من مصاديقه. وكلفظ (الجن) (الجيم و النون المضاعف) فإنه وضع لكل شئ مستور عن الأنظار، فإن الأشجار الكثيرة الملتفة تسمى جنات لأن بعضها يستر بعضا، أو لأن الأشياء تستر وتخفى فيها، أو أن الطفل في الرحم يسمى جنينا لأنه مستور عن النظر، وكذلك الجن، وجن عليه

[470]

الليل، والمجنة فإن الاستتار والاختفاء لوحظ في كل هذه الموارد. وكلفظ (الميزان) فإنه موضوع لكل ما يوزن ويقاس به الشئ، فإن ذاالكفتين والقبان هما ميزانان للأثقال والأجناس، والشاقول يسمى ميزانا لمعرفة الأعمدة، والمسطر يسمى ميزانا لاستقامة الخطوط، والمنطق يسمى ميزانا لان به يصان الكلام إفرادا وتركيبا، والصرف ميزانا لان به يوزن اعتلال الكلمة وصحيحها و سالمها وناقصها وغير ذلك من شؤون الكلمة من مضاعفها وأجوفها. فعلى هذا اطلق الميزان على يعسوب الدين، وسيد الموحدين، وقائد الغر المحجلين، لأن بولايته عليه السلام توزن الأعمال، فإنه علليه السلام المعيار والمقياس في جميع الشؤون الانسانية، فبعدله توزن عدالة الحكام والأمراء، وبزهده يوزن زهد الزهاد والصلحاء، ولذلك جاء في الزيارة المأثورة: (السلام عليك يا ميزان الأعمال و مقلب الأحوال). إذا ما التبر حك على المحك * تبين غشه من غير شك وفينا الغش والذهب المصفى * علي بيننا شبه المحك وكلفظ (الصراط) فإنه موضوع لكل شئ يوصل صاحبه إلى المطلوب كما يستفاد ذلك من صاحب (تفسير المنار) حيث قال: (وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم الدين أو العدل أو الحدود، ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادة الدنيا والاخرة (1). ويستفاد أيضا من صاحب (مجمع البيان) حيث قال رحمه الله: (الصراط الطريق الواضح المتسع (2) فعلى هذا صراط كل شئ بحسبه، يعني أن كل شئ يفضي سالكه إلى المطلوب ويوصله إلى المقصود فهو صراطه سواء كان ما يوصل


(1) - عبده - رشيد رضا: المنار، ج 1: ص 65. (2) - الطبرسي: مجمع البيان، ج 1: ص 27.

[471]

جسمانيا أو غير جسماني، كان من الأعراض أو الجواهر، فيكون الدين صراطا، و العلوم الحقة والأعمال الصالحة صراطا، والأنبياء والرسل صراطا، والأمام المفروض الطاعة صراطا، والأئمة المعصومون عليهم السلام صراطا، لأنهم الدعاة إلى الله و الأدلاء على مرضات الله، وأنهم السادة الولاة والذادة الحماة والقادة الهداة، و لذلك جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: (أنتم الصراط الاقوم)، ويكون علي عليه السلام صراط حق يمسكه الله، وسيرته صراطا والجسر الممدود على جهنم صراطا، لانه يوصل المارين عليه إلى الجنة، وذلك من ألطاف الله تعالى وعنايته، ولولاه لا ينجو من النار أحد، نعم، هو أدق من الشعر، وأحد من السيف. ولزيادة التوضيح فلاحظ - أيضا - قول الصادق عليه السلام: (فأما الصراط الذي في الدنيا فهو الأمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الاخرة)، وكرر النظر في قول العلامة الشهرستاني رحمه الله: (أن سيرة علي عليه السلام هي الصراط، وهي والله أدق من الشعرة، وأحد من السيف)، ولعل إلى هذا أشار علي عليه السلام بقوله (أنا الصراط الممدود بين الجنة والنار، وأنا الميزان). أقول: وعلى هذا فكلما كان الاقتداء بعلي وأولاده المعصومين: في الدنيا أقوى وأشد كان العبور من الصراط في الآخرة أهون وأسهل، وإن كان الأمر على خلاف ذلك كان المرور أصعب، والسبيل أضيق، لأن كيفية مرور الناس على قدر معرفتهم واقتدائهم بعلي وأولاده الكرام - صلوات الله عليهم أجمعين -، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر حبوا، ومنهم من يمر مشيا ومنهم من يمر متعلقا، قد تأخذ النار منه شيئا وتترك شيئا، هذا وقد وردت أخبار بأنه يجوز الناس يوم القيامة على الصراط بنور أمير المؤمنين عليه السلام، و أنه لا يجوز أحد على الصراط إلا من كان معه براءة منه عليه السلام، وإليك بعض نصوصها.

[472]

1 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (أتاني جبرئيل عليه السلام، فقال: ابشرك يا محمد، بما تجوز على الصراط ؟ قال: قلت: بلى، قال: تجوز بنور الله، ويجوز علي بنورك، ونورك من نور الله، وتجوز امتك بنور علي، ونور علي من نورك، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (1) (2). 2 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنم لم يجز عليه إلا من كان معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، وذلك قوله: وقفوهم إنهم مسؤولون (3) يعني عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام (4)). 3 - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة أقام الله عز و جل جبرئيل ومحمدا على الصراط، فلا يجوز أحد إلا من كان معه براءة من علي بن أبي طالب عليه السلام (5). 4 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس - وهو جبل قد علا على الجنة فوقه عرش رب العالمين، ومن سفحه تنفجر أنهار الجنة وتتفرق في الجنان -، وهو جالس على كرسي من نور يجري بين يديه التسنيم، لا يجوز أحد الصراط إلا ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنة فيدخل محبيه الجنة ومبغضيه النار (6). 5 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (معرفة آل محمد صلى الله عليه واله وسلم براءة من النار، و حب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب (7).


(1) - النور، 24: 40. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 69. (3) - الصافات، 37: 24. (4) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 68. (5) - الخوارزمي: المناقب، ص 229. (6) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 1: ص 292. (7) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 22.

[473]

6 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (حب علي عليه السلام براءة من النار (1). 7 - عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا جمع الله الأولين والاخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنم، لم يجز بها أحد إلا من كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام (2). 8 - في حديث وكيع، قال أبو سعيد: (يا رسول الله ! ما معنى براة علي ؟ قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله (3). 9 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم لم يجز الصراط إلا من كان معه كتاب ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام (4). 10 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في حديث طويل: (وإن ربي عز وجل أقسم بعزته أنه لا يجوز عقبة الصراط إلا من معه براءة بولايتك وولاية الائمة من ولدك (5). 11 - قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط، فلا يجوز على الصراط إلا من كان معه براءة بولايتك (6)). 12 - عن ابن عباس، قال: (قلت للنبي صلى الله عليه واله وسلم: يا رسول الله ! للنار جواز ؟ قال: نعم، قلت: وماهي ؟ قال: حب علي بن أبي طالب (7). 13 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (لكل شئ جواز، وجواز الصراط حب علي بن أبي طالب (8).


(1) - المناوي: كنوز الحقائق، ص 26. (2) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 1: ص 298. (3) - ابن شهر آشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 156. (4) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 1: ص 290. (5) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: ص 211. (6) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 28. (7) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 3: ص 161. (8) - ابن شهرآشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 156. (*)

[474]

14 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنم لم يجز عليه إلا من معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب (1). 15 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز (2). 16 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (حب آل محمد صلى الله عليه واله وسلم جواز على الصراط (3). 17 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة أقف أنا وعلي على الصراط وبيد كل واحد منا سيف، فلا يمر أحد من خلق الله إلا سألناه عن ولاية علي، فمن كان معه شئ منها نجا وفاز، وإلا ضربنا عنقه وألقيناه في النار (12). 18 - عن بلال بن حمامة، قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم ضاحكا مستبشرا، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما أضحكك يا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قال: بشارة أتتني من عند ربي، إن الله لما أراد أن يزوج عليا فاطمة أمر ملكا أن يهز شجرة طوبى، فهزها فنثرت رقاقا (أي صكاكا) (5) وأنشأ الله ملائكة التقطوها، فإذا كانت القيامة ثارت الملائكة في الخلق فلا يرون محبا لنا أهل البيت محضا إلا دفعوا إليه منها كتابا: براءة له من النار، من أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من امتي من النار (6). البراة في القصائد والمدائح: 1 - لابن حماد: واناس يعلون في الدرجات * واناس يهوون في الدركات


(1) - ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 2: ص 156. (2) - الاميني: الغدير، ج 2: ص 323. (3) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 22. (4) - المجلسي: بحار الانوار، ج 7: ص 332. (5) - الرقاق: الصحائف، والصك: الكتاب، فارسيته (چك) وجمعه: أصك وصكوك وصكاك. (6) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 4: ص 210.

[475]

لا يجوز الصراط إلا امرئ * من عليه أبوكم ببراة وله أيضا: لا يجوز الصراط إلا من أعطاه * براة وبالنجاة استخصا (1) الشاعر: (هو أبو الحسن، علي بن عبيدالله بن حماد، العدوي الشاعر البصري، من أكابر علماء الشيعة وشعرائهم ومحدثيهم ومن المعاصرين للصدوق رحمه الله (2). وقال العلامة الأميني رحمه الله: (هو علم من أعلام الشيعة وفذ من علمائها ومن صدور شعرائها ومن حفظة الحديث المعاصرين للشيخ الصدوق ونظرائه (3). وقال - أيضا: (جرت مفاخرة بين جمال الدين الخليعي الشاعر، وبين ابن حماد الشاعر، وحسب كل أن مديحه لأمير المؤمنين عليه السلام أحسن من مديح الاخر، فنظم كل قصيدة وألقياها في الضريح العلوي المقدس محكمين الأمام عليه السلام فخرجت قصيدة الخليعي مكتوبا عليها بماء الذهب، (أحسنت) وعلى قصيدة ابن حماد مثله بماء الفضة، فتأثر ابن حماد وخاطب أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: أنا محبك القديم وهذا حديث العهد بولائك، ثم رأى أمير المؤمنين عليه السلام في المنام، و هو يقول له: إنك منا، وإنه حديث العهد بأمرنا فمن اللازم رعايته (4). 2 - الكاتب: إني وجبرئيل، وإنك يا أخي ! * يوم الحساب وذو الجلال يراني لعلى الصراط فلا مجاز لجايز * إلا لمن من ذي الجلال أتاني ببراءة فيها ولايتك التي * ينجو بها من ناره الثقلان (5)


(1) - ابن شهرآشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 157. (2) - القمي: الكنى والالقاب، ج 1: ص 265. (3) - الاميني: الغدير، ج 4: ص 153. (4) - الاميني: الغدير، ج 6: ص 13. (7) - ابن شهر آشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 157.

[476]

3 - الحميري ولدى ! الصراط ترى عليا * واقفا يدعو إليه وليه المنصورا الله أعطى ذا عليا كله * وعطاء ربي لم يكن محظورا (1) 4 - العبدي وإليك الجواز تدخل من شئت * جنانا ومن تشاء جحيما (2)


(1) - ابن شهرآشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 157. (2) - الاميني: الغدير، ج 2: ص 323.

[477]

الفصل 3 صفة الحوض ومنزلة أمير المؤمنين عليه السلام عنده قال الصدوق رحمه الله: (إعتقادنا في الحوض أنه حق، وأن عرضه ما بين أيلة و صنعاء (1)، وهو حوض النبي صلى الله عليه واله وسلم، وأن فيه من الأباريق عدد نجوم السماء، وأن الوالي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يسقي منه أولياءه، و يذود عنه أعداءه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا (2) 1 - عن أبى أيوب الأنصاري، قال: (كنت عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد سئل عن الحوض، فقال: أما إذا سألتموني عن الحوض فإني سأخبركم عنه، إن الله تعالى أكرمني به دون الأنبياء، وإنه ما بين أيلة إلى صنعاء، يسيل فيه خليجان من الماء، ماؤهما أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، بطحاؤهما مسك أذفر، حصباؤهما الدر والياقوت، شرط مشروط من ربي لا يردهما إلا الصحيحة نياتهم، النقية قلوبهم، الذين يعطون ما عليهم في يسر، ولا يأخذون مالهم في عسر، المسلمون للوصي من بعدي، يذود من ليس من شيعته كما يذود الرجل الجمل الأجرب عن


(1) - أيلة - بالفتح -: مدينة على ساحل بحر القلزم - والصنعاء موضعان، أحدهما باليمن، واخرى بدمشق. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 27.

[478]

إبله (1)). 2 - عن عبد الله بن عباس، قال: (لما نزل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إنا أعطيناك الكوثر قال له علي بن أبي طالب: ما هو الكوثر يا رسول الله، قال: نهر أكرمني الله به، قال علي: إن هذا النهر شريف فانعته لنا يا رسول الله، قال: نعم، يا علي الكوثر نهر يجري تحت عرش الله تعالى، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، و ألين من الزبد، وحصاه (حصباؤه - خ ل) الزبرجد والياقوت والمرجان، حشيشه الزعفران، ترابه المسك الأذفر، قواعده تحت عرش الله عز وجل، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يده في جنب علي أمير المؤمنين عليه السلام وقال: يا علي ! إن هذا النهر لي ولك ولمحبيك من بعدي (2). 3 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (في حديث طويل): (يا علي ! أنت أول من تنشق عنه الأرض معي، (وأنت أول من يبعث معي)، وأنت أول من يجوز الصراط معي، و إن ربي عز وجل أقسم بعزته أنه لا يجوز عقبة الصراط إلا من معه براءة بولايتك و ولاية الأئمة من ولدك، وأنت أول من يرد حوضي، تسقي منه أولياءك، وتذود عنه أعداءك، وأنت صاحبي إذا قمت المقام المحمود، ونشفع لمحبينا فنشفع فيهم، وأنت أول من يدخل الجنة وبيدك لوائي وهو لواء الحمد وهو سبعون شقة، الشقة منه أوسع من الشمس والقمر، وأنت صاحب شجرة طوبى في الجنة، أصلها في دارك، وأغصانها في دور شيعتك ومحبيك (3). 4 - عن أبى الأسود الدئلي، عن أبيه، قال: (سمعت أمير المؤمنين، علي بن أبى طالب عليه السلام، يقول: والله، لأذودن بيدي هاتين القصيرتين عن حوض


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 28. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 18. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: صص 211 و 212 و 216.

[479]

رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أعداءنا وليردنه أحباؤنا (1). 5 - عن علي عليه السلام: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لأقمعن بيدي هاتين عن الحوض أعداءنا، ولاوردنه أحباءنا (2). 6 - عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: (أنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومع عترتي على الحوض، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا، وليعمل عملنا، فإن لكل أهل نجيبأ ولنا نجيب، ولنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة، فتنافسوا في لقائنا على الحوض فإنا نذود عنه أعداءنا، ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، حوضنا فيه مشعبان ينصبان من الجنة، أحدهما من تسنيم والاخر من معين، على حافتيه الزعفران، وحصاه اللؤلؤ، وهو الكوثر (3). 7 - عن ابن خالد، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! أنت أخي ووزيري وصاحب لوائى في الدنيا والاخرة، وأنا صاحب حوضي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني (4). 8 - عن عبد الرحمن بن قيس الرحبي قال: (كنت جالسا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على باب القصر حتى ألجأته الشمس إلى حائط القصر، فوثب ليدخل، فيقام رجل من همدان فتعلق بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين ! حدثني حديثا جامعا ينفعني الله به، قال: أولم يكن في حديث كثير ؟ قال: بلى، ولكن حدثني حديثا ينفعني الله به. قال عليه السلام: حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أرد أنا وشيعتي الحوض رواء مرويين مبيضة وجوههم، ويرد عدونا ظمآن مظمئين مسودة وجوههم، خذها إليك، قصيرة


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: صص 211 و 212 و 216. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: صص 211 و 212 و 216. (3) - الفيض: تفسير الصافى، ج 5: ص 301. (4) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: صص 211 و 212 و 216.

[480]

من طويلة، أنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت، أرسلني يا أخا همدان، ثم دخل القصر (1). 9 - إن رجلا من المنافقين قال لمولانا الرضا عليه السلام: (إن من شيعتكم من يشرب الخمر على الطريق لا يرعون عنه، واعترضه آخر فقال: إن من شيعتكم من يشرب النبيذ (يعني الخمر)، قال: فعرق وجهه الشريف حياء ثم قال: الله أكرم أن يجمع بين رسيس الخمر وحبنا أهل البيت في قلب المؤمن، ثم صبر هنيئة، وقال: وإن فعله المنكوب منهم فإنه يجد ربا رؤوفا، ونبيا عطوفا، وإماما على الحوض عروفا، وسادة له بالشفاعة وقوفا (2). 10 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (اعطيت في على خمس خصال هي أحب إلي من الدنيا وما فيها، أما واحدة فهو ذاب (3) بين يدي الله عز وجل حتى يفرغ من الحساب، وأما الثانية فلواء الحمد بيده وآدم عليه السلام ومن ولد تحته، وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي، يسقي من عرف من امتى، وأما الرابعة فساتر عورتي و مسلمي إلي ربى عز وجل، وأما الخامسة فلست أخشى عليه أن يرجع زانيا بعد إحصان ولا كافرا بعد إيمان (4). 11 - عن علي عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أنت) أول من يدخل الجنة، فقلت: يا رسول الله ! أدخلها قبلك ؟ قال: نعم، لأنك صاحب لوائي في الآخرة كما انك صاحب لوائي في الدنيا، وحامل اللواء هو المتقدم. ثم قال صلى الله عليه واله وسلم: يا علي ! كأني بك وقد دخلت الجنة وبيدك لوائي وهو لواء


(1) - الطوسي: كتاب الأمالي، ج 1: ص 150. (2) - الفيض: علم اليقين، ج 2: ص 603. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: صص 219 و 217.

[481]

الحمد، وتحته آدم ومن دونه (1). 12 - قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (آدم وجميع خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة - الحديث (2). عن العلامة الحلي رحمه الله: (المطلب الرابع: في أنه عليه السلام صاحب الحوض واللواء و الصراط والأذن، روى الخوارزمي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: علي يوم القيامة على الحوض، لا يدخل الجنة إلا من جاء بجواز من علي عليه السلام. وعن جابر بن سمرة، قال: قيل: يا رسول الله ! من صاحب لوائك في الاخرة ؟ قال: صاحب لوائي في الآخرة صاحب لوائى في الدنيا علي بن أبي طالب). وعن عبد الله بن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنم لم يجز عليه إلا من كان معه كتاب بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام)، والاخبار في ذلك أكثر من أن تحصى (3). وقال الفضل بن روزبهان في رد كلام العلامة رحمه الله: (من ضروريات الدين أن النبي صلى الله عليه واله وسلم صاحب الحوض المورود والشفاعة العظمى والمقام المحمود يوم القيامة، وأما أن عليا صاحب الحوض فهو من مخترعات الشيعة، ولم يرد به نقل صحيح (4). وقال العلامة المظفر رحمه الله في مناقشة كلام الفضل: (لا ريب أن النبي صلى الله عليه واله وسلم صاحب الحوض ولكن عليا عليه السلام هو المتولي عليه، فهو صاحبه أيضا كما أن لواء النبي صلى الله عليه واله وسلم في الآخرة - وهو لواء الحمد - بيد علي عليه السلام أيضا كما صرحت بهذا كله أخبار القوم فضلا عن أخبارنا).


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: صص 219 و 217. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 39: ص 213. (3) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: ص 587 و 588، ط القاهرة. (4) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: ص 587 و 588، ط القاهرة.

[482]

فمنها ما رواه الحاكم (1)، عن علي بن أبي طلحة، وصححه: (أن الحسن عليه السلام قال لمعاوية بن خديج: أنت الساب لعلي عليه السلام ؟ والله، إن لقيته - وما أحسبك تلقاه يوم القيامة - لتجده قائما على حوض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يذود عنه رايات المنافقين). ومنها ما في (الصواعق) عن الطبراني: (يا علي ! معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن الحوض (2). ومنها ما في (الصواعق) - أيضا - عن أحمد: (اعطيت في علي خمسا... الثانية: فلواء الحمد بيده، آدم ومن ولده تحته، وأما الثالثة: فواقف على حوضي يسقي من عرف من امتي (3). وروي في (الكنز) - أيضا - عن الطبراني، عن علي عليه السلام: (إنى أذود عن حوض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بيدي هاتين القصيرتين الكفار والمنافقين). وروي فيه - أيضا - عن عمر - من حديث طويل - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال فيه: (و أنت تتقدمني بلواء الحمد، وتذود عن حوضي (4). وفيه - أيضا - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي: (أنت أمامي يوم القيامة، فيدفع إلي لواء الحمد فأدفعه إليك وأنت تذود الناس عن حوضي (5). 13 - قال في (لسان العرب) في مادة (صيد): (وفي الحديث أنه صلى الله عليه واله وسلم قال لعلي: (أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه الرجال كما يذاد البعير الصاد) يعني الذي به الصيد، وهو داء يصيب الأبل في رؤوسها فتسيل انوفها وترفع رؤوسها و لا تقدر أن تلوي معه أعناقها، يقال: بعير صاد، أي ذو صاد، كما يقال: رجل مال،


(1) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 138 / كتاب معرفة الصحابة. (2) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: صص 588 و 594. (3) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: صص 588 و 594. (4) - المتقي: كنز العمال، ج 6: ص 402 / باب فضائل علي عليه السلام. (5) - المتقي: كنز العمال، ج 6: ص 402 / باب فضائل علي عليه السلام.

[483]

أي ذو مال ويوم راح أي ذو ريح وقيل: أصل صاد (صيد) بالكسر قال ابن الاثير: ويجوز أن يروى صاد بالكسر على أنه اسم فاعل من الصدى: العطش). 14 - عن عبد الله بن إجارة بن قيس، قال: (سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو على المنبر يقول: (أنا أذود عن حوض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بيدي هاتين القصيرتين الكفار والمنافقين كما تذود السقاه غريبة الأبل عن حياضهم (1). أقول: وهنا نكتة مهمة حقيق ذكرها وهي أن أحاديث الحوض تدل على ارتداد قوم بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكونهم مطرودين عن الحوض لأنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وإليك بعضها: الف - عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (أنا فرطكم (2) على الحوض، و ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لاناولهم اختلجوا (3) دوني، فأقول: أي رب أصحابي ! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (4). ب - في حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (ألا وإنه سيجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي ! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا... فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (5). وفي رواية: (وإنى على الحوض أنتظر من يرد علي منكم، فوالله، ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي رب مني ومن امتي ! فيقول: إنك لا تدري ما عملوا


(1) - الهيثمي: مجمع الزوائد، ج 9: ص 137، ط بيروت. (2) - فرط: تقدم وسبق. (3) - اختلج: اجتذب واقتطع. (4) - ابن الاثير: جامع الاصول، ج 11: ص 119. (5) - صحيح مسلم، ج 8: ص 157 / باب فناء الدنيا.

[484]

بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم (1). وفي رواية: (قد ارتدوا على أدبارهم القهقري)، وفي رواية: (والله، ما برحوا يرجعون على أعقابهم)، وفي رواية: (ما زالوا يرجعون على أعقابهم). وفي رواية إنهم قد ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (2). ج - عن أبى النضر مولى عمر بن أبى عبيدالله أنه بلغه: (أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لشهداء احد: (هؤلاء أشهد عليهم) فقال أبو بكر الصديق !: ألسنا يا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إخوانهم ؟ أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا ! فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي، فبكى أبو بكر ثم بكى، ثم قال: أئننا لكائنون بعدك (3) !. أقول: لا يخفى على المطلع الخبير أن الأحاديث الماضية - التي تسمى روايات الحوض - ونظائرها من الأخبار التي توعز إلى اتباع هذه الامة سنن من كان قبلهم، وكذلك بعض الآيات القرآنية وبعض الخطب من (نهج البلاغة) كلها دالة على ارتداد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وانقلابهم على أعقابهم، وهذا مسلم بين الفريقين ولا شبهة فيه، وإنما الكلام في تعيين المرتدين وفيمن رجعوا عنه، ولكنا نورد اولا بعض ما يدل من الكتاب والأخبار على الارتداد كما أوردنا بعض نصوصها فيما مر تشييدا للمرام، ثم نتكلم في المسألة على ما هو محل الكلام إن شاء الله تعالى. أما الأرتداد في القرآن فهو قول الله عز وجل: وما محمد إلا رسول قد خلت


(1) - راجع جامع الاصول، ج 11: ص 121. (2) - المصدر السابق، ج 11: ص 121. وقوله: (همل النعم) أي ضوال الابل، أي ان الناجى منهم قليل. (لسان العرب) (3) - موطأ مالك، ص 307 / باب الشهداء في سبيل الله.

[485]

من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (1). قال صاحب المنار: (قال ابن القيم: هذه الاية كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وذكر أن توبيخ الذين ارتدوا على أعقابهم بهذه الآية قد ظهر أثره يوم وفاة النبي صلى الله عليه واله وسلم، فقد ارتد من ارتد على عقبيه، وثبت الصادقون على دينه حتى كان العاقبة لهم، أقول: ولا ينافي هذه الحكمة كون الوقعة كانت قبل وفاته صلى الله عليه واله وسلم ببضع سنين، لأن غزوة احد كان في السنة الثالثة من الهجرة... (2). وقال العلامة المظفر رحمه الله: (أما الكتاب قوله تعالى: أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، فإن الاستفهام فيه ليس على حقيقته لاستلزامه الجهل، فلابد أن يراد به الأنكار أو التوبيخ، وكل منهما لا يكون إلا على أمر محقق بالضرورة فيكون انقلابهم بعد موت النبي صلى الله عليه واله وسلم محققا، ولذا قال: انقلبتم) بصيغة الماضي تنبيها على تحققه (3). أما الارتداد في نهج البلاغة فهو قوله عليه السلام: (حتى إذا قبض الله رسوله صلى الله عليه واله وسلم رجع قوم على الأعقاب، غالتهم السبل، واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، و هجروا السبب الذي امروا بمودته، ونقلوا البناء على رص أساسه، فبنوه في غير موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة، قد ماروا في الحيرة، و ذهلوا في السكرة، على سنة من آل فرعون (4). قال ابن أبى الحديد: (رجعوا على الأعقاب) تركوا ما كانوا عليه. (وغالتهم السبل) أهلكهم اختلاف الآراء والأهواء. (غاله كذا) أي أهلكه. والسبل: الطرق. و


(1) - آل عمران، 3: 144. (2) - العبده - رشيد رضا: المنار، ج 4: ص 160. (3) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: ص 10. (4) - نهج البلاغة، الخطبة 150.

[486]

الولائج: جمع وليجة وهي البطانة يتخذها الأنسان لنفسه، (ووصلوا غير الرحم) أي غير رحم الرسول صلى الله عليه واله وسلم، (وهجروا السبب) يعني أهل البيت أيضا، وهذه إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه واله وسلم، (خلفت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، حبلان ممدودان من السماء الى الارض، لا يفترقان، حتى يردا على الحوض)، فعبر أمير المؤمنين عن أهل البيت بلفظ السبب، والسبب في اللغة: الحبل، عنى بقوله عليه السلام: (امروا بمودته) قول الله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (1). والرص: مصدر رصصت الشئ، أي ألصقت بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى: * كأنهم بنيان مرصوص (2)، (فبنوه في غير موضعه)، ونقلوا الأمر عن أهله إلي غير أهله، ثم ذمهم عليه السلام وقال: إنهم (معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة) الغمرة: الضلال والجهل، والضارب فيها: الداخل المعتقد لها، مار يمور: إذا ذهب وجاء، فكأنهم يسبحون في الحيرة كما يسبح الأنسان في الماء. وذهل فلان - بالفتح - يذهل، (على سنة من آل فرعون) أي على طريقه، وآل فرعون: أتباعه (3). أما الاخبار والاحاديث في ذلك فكثيرة جدا وصريحة في المقصود قويا حتى قال العلامة المظفر رحمه الله: (فمنها (أي الأخبار) ما هو كالاية الشريفة (4) في الدلالة على ارتداد الامة بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم (5)، وإن شئت زيادة توضيح في هذا الباب فراجع صحيح البخاري (الجزء 8: ص 148 / باب الحوض، والجزء 9: ص 58 / باب


(1) - الشورى، 42: 23. (2) - الصف، 61: 4. (3) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 9: ص 132. (4) - يعنى الآية المذكورة في آل عمران، 3: 144. (5) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: ص 11. (*)

[487]

الفتن، من طبع مصر / مطبعة محمد علي صبيح وأولاده) وصحيح مسلم (الجزء 8 / باب فناء الدنيا وبيان الحشر، ص 157، ط بيروت) وها نحن نذكر نبذة يسيرة من الصحيحين ما هو موضع الحاجة فلاحظ: 1 - قال صلى الله عليه واله وسلم: (سيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن امتي فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله، ما برحوا يرجعون على أعقابهم (1). 2 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني، فأقول: امتي، فيقول: لا تدري مشوا على القهقرى (2). 3 - وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليرد علي أقوام وأعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني و بينهم، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا احدثهم هذا فقال: هكذا سمعت سهلا ؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبى سعيد الخدرى لسمعته يزيد فيه، قال: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا، لمن بدل بعدي (3). 4 - عن أبى سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا، وذراعا بذارع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم (4). 5 - وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ امتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع - الحديث (5). 6 - وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي، فيحلاون عن


(1) - صحيح البخاري، ج 8: ص 151 وج 9: ص 58. (2) - صحيح البخاري، ج 8: ص 151 وج 9: ص 58. (3) - صحيح البخاري، الجزء 9: ص 58. (4) - المصدر السابق، ص 126. (5) - المصدر السابق، ص 126.

[488]

الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (1). 7 - وعنه صلى الله عليه واله وسلم: (بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم فقال: هلم، فقلت: أين ؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم فقال: هلم، قلت: أين ؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (2). أقول: فبعد ملاحظة الاية والأخبار في ثبوت الأرتداد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم قد حان أن نتكلم على ما هو المهم في المسألة وهو أن نعلم من هم المرتدون، أهم أكثر الصحابة وجلها - كما هو ظاهر روايات الحوض وغيرها، أو هم قليل من الناس الذين لم يؤدوا الزكاة في عهد أبي بكر وقاتلهم أبو بكر، وصاروا مرتدين على زعم جل العامة ؟ مع أن بعضهم يقول: إنهم ليسوا بمرتدين كما سيظهر لك عن قريب، إن شاء الله. قال الفضل بن روزبهان في رد كلام العلامة الحلي، بعد نقل العلامة روايات الحوض في ارتداد الناس بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم: (فنقول: ما روي من الجمع بين الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: (لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فاتفق العلماء أن هذا في أهل الردة الذين ارتدوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهم كانوا أصحابه في حياته ثم ارتدوا بعده (3). وقال - أيضا: (إن المراد منهم أرباب الارتداد الذين ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم


(1) - المصدر السابق، ج 8: صص 150 و 152، وقد تقدم معنى همل النعم ص 355. (2) - المصدر السابق، ج 8: صص 150 و 152، وقد تقدم معنى همل النعم ص 355. (3) - نقله دلائل الصدق، ج 3، صص 400 و 412.

[489]

وقاتلهم أبو بكر الصديق (1). وقال ابن المنظور في (لسان العرب) في مادة (ردد): (وفي حديث القيامة و الحوض: (فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم) أي متخلفين عن بعض الواجبات، قال: ولم يرد ردة الكفر، ولهذا قيد بأعقابهم لأنه لم يرتد أحد من الصحابة بعده وإنما ارتد قوم من جفاة العرب (2). قال العلامة المظفر رحمه الله في رد كلام الفضل: (فلا إشكال بظهور تلك الأحاديث (روايات الحوض) بأبي بكر وأتباعه دون أهل الردة لقرائن، منها: دلالة بعض تلك الأحاديث على ارتداد عامة الصحابة إلا مثل همل النعم، ومنها تعبير بعضها بأنهم (ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم) أو (ما زالوا يرجعون على أعقابهم...) أو (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)... فإن هذا النحو من الكلام ظاهر في الاستمرار وطول مدة الارتداد، وهو لا يناسب إرادة مانعي الزكاة أياما وأشباههم ولا سيما أنهم رجعوا إلى الأسلام بإقرار الخصوم (3). وقال رحمه الله: (... لا يناسب إرادة قوم مخصوصين من أهل البادية رأوا النبي صلى الله عليه واله وسلم أوقاتا قليلة وارتدوا أياما يسيرة وتابوا وأسلموا (4). وقال رحمه الله: (على أن الكثير ممن زعموا ردتهم إنما منعوا الزكاة عن أبي بكر، و غاية ما يقال فيه الحرمة لا الارتداد، ولذا أجرى عليهم عمر أحكام الأسلام فرد سبيهم وأموالهم، مضافا إلى أن هذه الرواية (5) وغيرها مصرحة بأنهم من الصحابة،


(1) - نقله دلائل الصدق، ج 3، صص 400 و 412. (2) - ليت شعري أن جفاة العرب من هم ؟ ألم ير ابن المنظور كلمة (أصحابي) في الأخبار ؟ ألم يكن (أعقابكم) ناظرا إلى عهد أكثر الصحابة بالجاهلية الأولى ؟ على أن وظيفة اللغوي تعريف اللغة لا الرأي في مسائل الكلام. (المصحح) (3) - المظفر: دلائل الصدق، ج 3: ص 410. (4) - المصدر، ص 411. (5) - يعنى قوله صلى الله عليه واله وسلم: (يا رب أصحابي ! فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك).

[490]

ومن زعموا ردتهم إن ماتوا على الارتداد - كما هو ظاهر هذه الأخبار - لم يكونوا من الصحابة لأن من مات مرتدا ليس بصحابي عندهم، وإن تابوا وماتوا مسلمين لم يكونوا ممن يؤخذ بهم ذات الشمال، ويحال بينهم وبين النبي صلى الله عليه واله وسلم، فلا يرادون (أي الذين قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة) بتلك الأخبار على كلا الوجهين، ولا يرد علينا النقض بمن أنكروا النص على أمير المؤمنين عليه السلام ودفعوه عن الأمامة حيث نقول بارتدادهم و نسميهم مع ذلك بالصحابة لأنه لا يشترط عندنا في إطلاق اسم الصحابي على الشخص بقاؤه على الأيمان، بل لا يشترط فيه إلا تحقق الصحبة لا سيما مع بقائه على صورة الأسلام (1). أقول: قد سبق في الصفحة 356 تحت الرقم ج رواية عن موطأ مالك مصرحة بانقلاب أبي بكر ونظرائه على أعقابهم، قال العلامة جلال الدين السيوطي في تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك المطبوع في هامشه: (قال ابن البر: هذا مرسل عند جميع رواة الموطأ ولكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة)، يعني أن مضمونه موافق لصحاح كثيرة وهي أخبار الحوض، وهذا الحديث دليل محكم على أن ارتداد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عام شامل لكل الصحابة إلا مثل همل النعم (1) لا أهل الردة الذين هم أهل البادية، وهم ليسوا بمرتدين حتى على رأي


(1) - المظفر: دلائل الصدق ج 3: ص 412. (2) - وهم الثلاثة أو السبعة ومن لحق بهم بعد، الذين استقاموا على الطريقة ولم تحركهم عواصف الفتن ولم يحيصوا عن صاحب الولاية عليه السلام، كما نقل عن أبى جعفر الباقر عليه السلام: (ارتد الناس بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم إلا ثلاثة نفر: المقداد ابن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسى، ثم ان الناس عرفوا و لحقوا بعد) وعن ابي عبد الله الصادق عليه السلام: (أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لما قبض ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثا: سلمان والمقداد وأبو ذر الغفاري) (المفيد: الاختصاص، ص 6)، إي والله، ولاغر وبعد أن اتفق نظيره في امة موسى عليه السلام حين رجع من الطور فرأى امته مرتدين مشركين عابدي الوثن، ولم يبق منهم على الايمان إلا أخوه هارون، مع أنهم يعلمون حياة موسى، وامة الأسلام قد استيقنوا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد مات، و

[491]

بعض العامة فلاحظ كلامه ! قال الدكتور حسن إبراهيم حسن (1): (اتخذ بعض المستشرقين ارتداد بعض القبائل العربية عن الأسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم دليلا على أن الاسلام إنما قام بالسيف وأن الخوف وحده هو الذي أدخل العرب في هذا الدين، وفي الحق أن العرب الذين حاربهم أبو بكر وسموا مرتدين لم يرتدوا عن الأسلام كما يتبادر إلى الذهن من تسميتهم مرتدين، وإنما كانوا فريقين: فريقا منع الزكاة فقط زاعما أنها إناوة تدفع إلى الرسول صلى الله عليه واله وسلم، فلما انتقل إلى جوار ربه أصبحوا في حل من عدم دفعها إلى خليفته، وفي شأن هذا الفريق عارض عمر أبا بكر في حربهم محتجا بقوله عليه السلام: (امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا: (لاإله إلا الله)... فمن قالها فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)... وأما الفريق الثاني فقد ارتدوا عن الأسلام ولم يكونوا مسلمين (2)...) قال العلامة العسكري - حفظه الله - بعد نقل الكلام المذكور وغيره: (مما ذكرنا يظهر للباحث المتتبع أن ما وصفوه بالردة في عصر أبي بكر لم يكن بالارتداد عن الأسلام وإنما كانت مخالفة لبيعة أبي بكر وامتناعا من دفع الزكاة إليه (3). فظهر مما ذكرنا وأوضحنا أن الناس صاروا مرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله وسلم وعند قبضه، وأنهم جل الصحابة وأكثرها كما شاهدت في الأخبار الماضية، ومن المعلوم أن الصحابة لم يعدلوا عن الشهادتين عموما حتى يستحقوا الطرد والبعد


= هذا آكد وأشد في العدول عن طريقته، وإنما افتتن العامة بعمل الخاصة لأن (الناس على دين ملوكهم) و لأن الأكثر همج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يركنوا إلى ركن وثيق، وقال الله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (الانفال، 8: 25) (المصحح) (1) - هو مدير جامعة أسيوط وأستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة القاهرة. (2) - الدكتور حسن ابراهيم حسن: تاريخ الاسلام السياسي، ج 1: ص 351. (3) - العسكري: عبد الله بن سبا، ج 1: ص 141.

[492]

عن رحمة الله تعالى بحيث لا تشملهم الشفاعة مع أنا شاهدنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أرادهم بقوله: (فأقول: سحقا سحقا، لمن بدل بعدي (1). فما الباعث على طردهم و إبعادهم عن -، - تعالى ؟ وما السبب لقوله صلى الله عليه واله وسلم هذا، مع أنه نبي الأمة وإمام الرحمة وشافع المذنبين بقوله: (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من امتي) ؟ إني اشهد الله وملائكته ورسله أني لا أعلم سببا لذلك إلا إنكار أصل من اصول الدين وركن من أركانه، وهو إمامة أمير المؤمنين وسيد الموحدين عليه السلام، و خلافته عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بلا فصل، جعلنا الله بحقه وبحق ذريته الطاهرين و بحق أسمائه الحسنى التي هي هم من أعوانهم وانصارهم والمحبين لهم في الدنيا والمرافقين لهم في الآخرة. أهمية الامامة والولاية: نعم، إن الدين الذي رجعوا عنه واستحقوا به الطرد والبعد عن رحمة الله تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين هو الأمامة والولاية لأمير المؤمنين عليه السلام، لأن الأمامة من أركان الدين، واصول الأيمان واليقين بحيث تجب معرفتها كمعرفة رب العالمين وخاتم النبيين، والأعتقاد بها واجب على كافة المسلمين (2)، وأن المنحرفين عنها والمنكرين لها عن الأسلام خارجون وفي جهنم داخلون - إلا القاصرين منهم والمستضعفين - وإن عومل بهم معاملة الاسلام والمسلمين حفظا لمذهب أهل البيت: ومصلحة المؤمنين، وهذا عقيدتي وعقيدة جميع


(1) - قال العلامة القسطلاني في (ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري) (ج 9: ص 340): (فأقول سحقا سحقا) - بضم السين وسكون الحاء المهملتين وبالقاف والنصب - فيهما على المصدر، أي بعدا بعدا و كررها ثنتين تأكيدا. (لمن غير بعدى) أي دينه، لانه لا يقول في العصاة بغير الكفر سحقا سحقا بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم كما لا يخفى). أقول: والدين هنا الولاية لانها اسها وأصلها كما سنبين، إن شاء الله تعالى. (2) - لاية الاكمال، وآية الولاية، وآية الاطاعة، وآية التبليغ كما بين في محله.

[493]

فقهاء الامامية وأعلام الدين - رضوان الله عليهم أجمعين - وقد نقلنا أقوالهم في ذلك في ص 124، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الولاية والامامة إكمال الدين، ورضاه عن المؤمنين، وقرن المولى - عز شأنه - في الكتاب المبين ولاية نفسه وولاية نبيه بولاية أمير المؤمنين، وجعل - سبحانه - طاعته وطاعة نبيه ووصيه قرينا، وجعل الولاية بحيث لو لم تبلغ ما بلغت رسالة خير المرسلين، وإنك إن كنت من أهل الأنصاف واليقين لا يبقى لك شك بأن ولاية على وأولاده المعصومين وإمامتهم من اصول الدين وأركان اليقين، وها نذكر لك آراء المحققين وأعلام الدين حتى تكون من أمرك على بصيرة ويقين: 1 - قال المحقق الأكبر العلامه المظفر،: (لا يخفى أن أصل الشئ أساسه وما يبتني عليه، فاصول الدين هي التي يبتني عليها الدين، وبالضرورة أن الشهادتين كذلك إذ لا يكون الشخص مسلما إلا بهما، وكذلك الاعتراف بالامام للكتاب و السنة. أما الكتاب، فقوله تعالى: أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم (1). فأن الاستفهام فيه ليس على حقيقته لاستلزامه الجهل، فلابد أن يراد به الأنكار أو التوبيخ، وكل منهما لا يكون إلا على أمر محقق بالضرورة، فيكون انقلابهم بعد موت النبي صلى الله عليه واله وسلم محققا، ولذا قال: (انقلبتم) بصيغة الماضي تنبيها على تحققه. ومن المعلوم أن الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يعدلوا عن الشهادتين فيتعين أن يراد به أمر آخر، وما هو إلا إنكار إمامة أمير المؤمنين عليه السلام إذ لم يصدر منهم ما يكون وجها لانقلابهم عموما غيره بالاجماع، فإذا كان إنكار إمامته عليه السلام انقلابا عن الدين كانت الامامة أصلا من اصوله. ولا ينافيه أن الآية نزلت يوم احد حيث أراد بعض المسلمين الارتداد، فإن


(1) - آل عمران، 3: 146.

[494]

سببية نزولها في ذلك لا تمنع صراحتها في وقوع الانقلاب بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم كما يقتضيه الترديد في الآية بين الموت والقتل، فإن ما وقع يوم احد إنما هو لزعم القتل، وقد فهم ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فيما رواه ابن عباس قال: (كان علي عليه السلام يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله تعالى يقول: أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ والله لاننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله (1)، والله لئن مات أو قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه، ووليه، وابن عمه، و وارث علمه، فمن أحق به مني (2) ؟) وأما السنة: فنحن لا نذكر منها إلا أخبار القوم - كعادتنا - لتكون حجة عليهم، فمنها، ما هو كالآية الشريفة في الدلالة على ارتداد الامة بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم كروايات الحوض، ولنذكر منها ما هو صريح بارتداد الامة إلا النادر ثم ذكر رواية البخاري المذكور في ص 358، - ثم قال: (فهذه الرواية قد دلت على ارتداد الصحابة إلا القليل الذي هو في القلة كالنعم المهملة المتروكة سدى، وقد عرفت أن الصحابة لم ترتكبوا ما يمكن أن يكون سببا للارتداد غير إنكار إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، فلابد أن تكون الامامة أصلا من اصول الدين. ومنها: الأخبار المستفيضة الدالة على أن من مات بلا إمام مات ميتة جاهلية، و نحو ذلك، فتكون أصلا للدين البتة، كرواية مسلم في باب - الأمر بلزوم الجماعة من كتاب الامارة عن عمر قال: (وسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). ومنها: الأخبار الكثيرة التي ناطت الايمان بحب آل محمد صلى الله عليه واله وسلم والكفر


(1) - صدور الكلام باعتبار الجماعة لا خصوص شخصه عليه السلام حيث لم يكن ضالا قط. (2) - الحاكم: المستدرك، ج 3: ص 126 / باب معرفة الصحابة.

[495]

ببغضهم، فإنها كناية عن الاعتراف بإمامتهم وإنكارها للملازمة عادة بين حبهم الحقيقي والاعتراف بفضلهم، وبغضهم وإنكاره، ولا يراد الحب والبغض بأنفسهما إذ لادخل لهما بماهية الايمان والكفر، فلابد أن يكونا كناية عن ذلك، فلابد أن تكون الامامة أصلا...) ويشهد لكون الامامة من اصول الدين أن منزلة الامام كالنبي في حفظ الشرع ووجوب اتباعة والحاجة إليه ورئاسته العامة بلا فرق، وقد وافقنا على أنها أصل من اصول الدين جماعة من مخالفينا كالقاضي البيضاوي في مبحث الأخبار، و جمع من شارحي كلامه كما حكاه عنهم السيد السعيد رحمه الله (1). وقال - أيضا: (لا يخفى أن رئاسة الامام رئاسة دينية وزعامة إلهية ونيابة عن الرسول في أداء وظائفه، فلا تكون الغاية منها مجرد حفظ الحوزة وتحصيل الأمن في الرعية وإلا لجاز أن يكون الامام كافرا أو منافقا أو أفسق الفاسقين إذا حصلت به هذه الغاية، بل لابد أن تكون الغاية منها تحصيل ما به سعادة الدارين كالغاية من رسالة الرسول، وهي لا تتم إلا أن يكون الأمام كالنبي معصوما... (2). وقال - أيضا: (الأمامة من اصول الدين كما هو الحق (3). 2 - قال العلامة الأميني - رضوان الله عليه -: إن الخلافة إمرة إلهية كالنبوة وإن كان الرسول خص بالتشريع والوحي الألهى، وشأن الخليفة التبليغ والبيان وتفسير المجمل (4)...). وقال - أيضا - في رد كلام ابن تيمية الحراني بعد أسطر: (... على أن أحدا لوعد الامامة من اصول الدين فليس بذلك البعيد عن مقائيس البرهنة بعد أن قرن


(1) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: صص 11 و 29. (2) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: ص 29. (3) - المصدر، ص 296. (4) - الاميني: الغدير، ج 7: ص 131.

[496]

الله سبحانه ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بولايته وولاية الرسول صلى الله عليه واله وسلم بقوله: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الاية (1) وخص المؤمنين بعلي عليه السلام كما مر الايعاز إليه في الجزء الثاني (ص 52) وسيوا فيك حديثه مفصلا بعيد هذا، وفي آية كريمة اخرى جعل المولى - سبحانه - بولايته كمال الدين بقوله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاءسلام دينا (2)، ولا معنى لذلك إلا كونها أصلا من اصول الدين، لولاها بقي الدين مخدجا ونعم الله على عباده ناقصة، وبها تمام الاسلام الذي رضيه رب المسلمين لهم دينا. وجعل هذه الولاية بحيث إذا الم تبلغ كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم ما بلغ رسالته، فقال: يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك إن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (3)، ولعلك تزداد بصيرة فيما قلناه لو راجعت الأحاديث الواردة من عشرات الطرق في الايات الثلاث كما فصلناها في الجزء الأول (ص 214 - 223 و 230 - 238) وفي هذا الجزء. وبمقربة من هذه كلها ما مر في الجزء الثاني (ص 301، 302) من إناطة الأعمال كلها بصحة الولاية وقد اخذت شرطا فيها، وهذا هو معنى الأصل كما أنه كذلك بالنسبة إلى التوحيد والنبوة، وليس في فروع الدين حكم هو هكذا، ولعل هذا الذي ذكرناه كان مسلما عند الصحابة الأولين، ولذلك يقول عمربن الخطاب - لما جاءه رجلان يتخاصمان عنده - (هذا مولاي ومولى كل مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن)، راجع الجزء الأول (ص 382.) وستوافيك في هذا الجزء زرافة من الأحاديث المستفيضة الدالة على أن بغضه - صلوات الله عليه - سمة النفاق وشارة الالحاد، ولولاه عليه السلام لما عرف المؤمنون بعد


(1) - المائدة، 5: 55. (2) - المائدة، 5: 3. (3) - المائدة، 5: 67.

[497]

رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ولا يبغضه أحد إلا وهو خارج من الايمان، فهى تدل على تنكب الحائد عن الولاية عن سوي الصراط كمن حاد عن التوحيد والنبوة، فلترتب كثير من أحكام الأصلين على الولاية يقرب عدها من الاصول، ولا ينافي ذلك شذوذها عن بعض أحكامها لما هنالك من الحكم والمصالح الاجتماعية كما لا يخفى (1). 3 - قال شيخ الاسلام العلامة المجلسي رحمه الله: (لا ريب في أن الولاية والاعتقاد بإمامة الأئمة عليه السلام والاذعان بها من جملة اصول الدين، وأفضل من جميع الأعمال البدنية، (لأنها مفتاحهن) أي بها تفتح أبواب معرفة تلك الأمور وحقائقها و شرائطها وآدابها (2). 4 - قال العلامة المحقق، الحاج آقا رضا الهمداني الغروي،: (في أوصاف المستحقين للزكاة، وهي امور: الأول الايمان، يعني الاسلام مع الولاية للأئمة الاثنى عشر عليهم السلام، فلا يعطى الكافر بجميع أقسامه، بل ولا معتقد لغير الحق من سائر فرق المسلمين بلا خلاف فيه على الظاهر بيننا، والنصوص الدالة عليه فوق حد الاحصاء... وخبر إبراهيم الاوسي عن الرضا عليه السلام قال: (سمعت أبى يقول: كنت عند أبي يوما فأتاه رجل فقال: إنى رجل من الرى، ولي زكاة، فإلى من أدفعها ؟ فقال: إلينا، فقال: الصدقة عليكم حرام ! فقال: بلى، إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا، فقال: إنى لا أعرف لهذا أحدا، فقال: فانتظر بها سنة، قال: فإن لم اصب لها أحدا ؟ قال: انتظر بها سنتين حتى بلغ إلى أربع سنين، ثم قال له: إن لم تصب لها أحدا فصرها صررا واطرحها في البحر، فإن الله عز وجل حرم أموالنا وأموال شيعنا على عدونا).


(1) - الاميني: الغدير، ج 3: ص 152. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 68: ص 334.

[498]

لعل ما في ذيله من الأمر بإلقائها في البحر - على تقدير أن لا يصيب لها أحدا من الشيعة في تلك المدة الذي هو مجرد فرض لا يكاد يتفق حصوله في الخارج - للتنبيه على أن إلقاءها في البحر وإتلافها لدى تعذر إيصالها إلى الشيعة أولى من إيصالها إلى المخالفين على سبيل الكناية (1). أقول: أنشدكم الله أيها القراء الأعزاء، هل تفهمون من هذا الحديث معنى غير أنهم تركوا ركنا من أركان الاسلام وأصوله واسسه ؟ ! 5 - قال العلامة الحلي رحمه الله: (ولا يكفى الاسلام، بل لابد من اعتبار الايمان، فلا يعطى غير الأمامي، ذهب إليه علماؤنا أجمع خلافا للجمهور كافة واقتصروا على اسم الاسلام، لنا إن الامامة من أركان الدين واصوله، وقد علم ثبوتها من النبي صلى الله عليه واله وسلم ضرورة، فالجاحد بها لا يكون مصدقا للرسول صلى الله عليه واله وسلم في جميع ما جاء به فيكون كافرا فلا يستحق الزكاة، ولأن الزكاة معونة وإرفاق، فلايعطى غير المؤمن لأنه يحاد الله ورسوله، والمعونة والارفاق موادة فلا يجوز فعلها مع غير المؤمن... (2). 6 - وقال - أيضا: (الامامة لطف عام، والنبوة لطف خاص لامكان خلو الزمان من نبي حي بخلاف الامام لما سيأتي، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص، وإلى هذا أشار الصادق عليه السلام عن منكر الأمامة أصلا ورأسا: وهو شرهم (3). 7 - قال ابن خلدون: (الفصل السابع والعشرون في مذاهب الشيعة في حكم الامامة... ومذهبهم جميعا متفقين عليه أن الامامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الامة ويتعين القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن الدين وقاعدة


(1) - الهمداني: مصباح الفقيه / كتاب الزكاة، ص 104 و 105، النجفي: الجواهر، ج 15: ص 382. (2) - الحلي: المنتهى / كتاب الزكاة، ج 1: ص 543. (3) - الحلي: الالفين، ص 13، ط بيروت. (*)

[499]

الاسلام ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الامة، بل يحب عليه تعيين الامام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وإن عليا رضي الله عنه هو الذي عينه - صلوات الله وسلامه عليه - (1). 8 - قال العلامة، السيد شهاب الدين المرعشي رحمه الله: (إن الامامة خلافة عن النبوة وقائمة مقامها، وإذا كان كذلك كان كل ما استدللنا به على وجوب النبوة في حكمة الله تعالى فهو بعينه دال على وجوب الامامة في حكمته أيضا لأنها سادة مسدها قائمة مقامها لا فرق بينها وبينها إلا في تلقي الوحي الالهي بلا واسطة بشر (2). 9 - وقال - أيضا: (اصول الدين هي التي يبتني عليها الدين، واصول دين الاسلام على قسمين: قسم منها ما يترتب عليه جريان حكم المسلم في الفقهيات، وهو الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة، وقسم منها يتوقف عليه النجاة الاخروي فقط، والتخليص من عذاب الله، والفوز برضوانه، والدخول في الجنة، فيحرم دخولها على من لم يعترف به، ويساق إلى النار في زمرة الكفار، دون العاصين والمرتكبين للذنب في الفروع فإنهم لا يحرم عليهم الجنة، وإن دخلوا النار ووقعوا في العذاب، بل يعود مآل أمرهم إلى النجاة إن ارتحلوا عن هذه الدنيا بالعقائد الصحيحة، وهذا القسم من الاصول يسمى أيضا باصول الأيمان. ومن القسم الثاني الأعتقاد بالأمامة والأعتراف بالأمام، فإن الأمامة مرتبة تالية للنبوة، ونسبتها إلى النبوة نسبة العلة المبقية إلى العلة المحدثة، وقد وافقنا على كونها من الاصول جمع من المخالفين كالقاضي البيضاوي في مبحث الأخبار، و جمع من شارحي كلامه (3).


(1) - مقدمة ابن خلدون، ص 196، ط بيروت. (2) - ذيل احقاق الحق، ج 2: ص 306. (2) - هامش إحقاق الحق، ج 2: ص 294.

[500]

10 - قال استاذ البشر، المحقق الأكبر الطوسي رحمه الله: (اصول الأيمان ثلاثة: التصديق بوحدانية الله عز وجل في ذاته والعدل في أفعاله، التصديق بنبوة الأنبياء، والتصديق بإمامة الأئمة المعصومين عليهم السلام... (1). 11 - قال العلامة البهبهاني رحمه الله: (إن الأمامة من اصول الدين، والاعتراف بإمامة الأمام وولايته كالاقرار بنبوة النبي صلى الله عليه واله وسلم من الاصول لا من الفروع، ولذا قال صلى الله عليه واله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). بل معرفة النبي صلى الله عليه واله وسلم إنما يكون أصلا واجبا باعتبار كونه رسولا أو إماما لان النبي مع قطع النظر عن رسالته و إمامته لا يجب على الناس معرفته كمن كان نبيا على نفسه ولا يكون رسولا إلى أحد ولا إماما على الامة، فالمعرفة إنما تجب لأحد الوصفين، فإن وجبت المعرفة لأجل الرسالة استلزم وجوب معرفة الامام بطريق أولى، لأن الامامة مرتبة فوق الرسالة، وإن وجبت لأجل الامامة فالوجوب أوضح لاتحاد الموضوع واستحالة التفكيك (2). 12 - قال الفاضل المحقق، الدكتور مصطفى غالب: (والأمامة بمفهومها العرفاني أساس الدين، والمحور العقلاني الذي تدور حوله كل العقائد الباطنية و الظاهرية، لأن الدين لا يستقيم أمره إلا بوجود الامامة، ولا يكمل وجوده وتتم تفاعلاته الروحية والوجدانية إلا بوجودها باعتبارها تتمة النبوة و استمرارا لها (3). 13 - قال الفاضل المحقق، كامل سليمان: (إن مرتبة الامامة كالنبوة، فكما لا يجوز للخلق تعيين نبى لا يجوز لهم إمام، وأيضا العقول قاصرة والأفهام حاسرة عن معرفة من يصلح لهذا المنصب العظيم والامر الجسيم، والوجدان يغني عن


(1) - المجلسي: مرآة العقول، ج 7: ص 128. (2) - البهبهاني: مصباح الهداية، ص 114. (3) - مصطفى غالب: الأمامة وقائم القيامة، ص 19، ط بيروت.

[501]

البيان. (1) 14 - قال العلم العلامة، الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء: (قد أنبأناك أن هذا هو الأصل الذي امتازت به الامامية وافترقت عن سائر فرق السلمين، وهو فرق جوهري أصلي وما عداه من الفروق فرعية عرضية كالفروق التي تقع بين أئمة الاجتهاد عندهم كالحنفي والشافعي وغيرهما، وعرفت أن مرادهم بالأمامة كونها منصبا إلهيا يختاره الله بسابق علمه كما يختار النبي... (2). 15 - قال المحقق العلامة، الشيخ محمد رضا المظفر: (نعتقد أن الأمامة أصل من اصول الدين لا يتم الايمان إلا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الاباء والأهل والمريين مهما عظموا وكبروا بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد و النبوة... فالأمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو بنفسه يوجب أيضا نصب الامام بعد الرسول فلذلك نقول: إن الامامة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو لسان الامام الذي قبله، وليست هي بالاختيار والانتخاب من الناس، فليس لهم إذا شاؤوا أن ينصبوا أحدا نصبوه، وإذا شاؤوا أن يعينوا إماما لهم عينوه، ومتى شاؤوا أن يتركوا تعيينه تركوه (3). أقول: لما جر البحث إلى هنا فينبغي أن نشير إلى بعض الآيات التي يستفاد منها أن الامامة من اصول الدين وأركانه وأن صاحبها أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام، فنختار منها آية واحدة وهي: قوله تعالى: (واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (4). قال العلامة، الشيخ سليمان القندوزي: (موفق بن أحمد الحمويني وأبو نعيم


(1) - كامل سليمان: صك الخلاص، ص 33، ط بيروت. (2) - آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة واصولها، ص 107، ط بيروت. (3) - المظفر: عقائد الامامية، ص 93. (4) - الزخرف، 43: 45.

[502]

الحافظ بأسانيدهم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لما عرج بي إلى السماء انتهى بي السير مع جبرئيل إلى السماء الرابعة، فرأيت بيتا من ياقوت أحمر، فقال جبرئيل: هذا البيت المعمور، قم يا محمد، فصل إليه، قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: جمع الله النبيين فصفوا ورائي صفا فصليت بهم، فلما سلمت أتاني آت من عند ربي فقال: يا محمد ! ربك يقرئك السلام ويقول لك: سل الرسل: على ما ارسلتم من قبلك ؟ فقلت: معاشر الرسل ! على ماذا بعثكم ربي قبلي ؟ فقالت الرسل: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب، وهو قوله تعالى: واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا - الاية (1). قال العلامة الأكبر، المحقق المظفر رحمه الله: (ودلالتها على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام واضحة، فإن بعث الرسل وأخذ الميثاق عليهم في القديم بولاية علي عليه السلام وجعلها محل الاهتمام العظيم في قرن أصلي الدين: الربوبية والنبوة لا يمكن أن يزاد بها إلا إمامة من له الفضل عليهم كفضل محمد صلى الله عليه واله وسلم. فإن قلت: لم تذكر الآية الكريمة النبوة والامامة بل ولا الارسال بشهادة أن لا إله إلا الله فإنها قالت: (أجعلنا) ولم تقل أأرسلناهم بالشهادة. قلت: السؤال والاستفهام في الاية للتقرير بمعنى تقرير الرسل عما استقر عندهم نفيه وهو جعل آلهة من دون الرحمن يعبدون، لكن لما كان المناسب لتقرير الرسل بماهم رسل هو تقريرهم عما ارسلوا به كان الظاهر إرادة تقريرهم عن ذلك بما هم رسل بنفسه وهو راجع إلى الارسال بالشهادة بالوحدانية، فصح ما أفادته الروايات من أن المراد بالاية السؤال عما بعث به الرسل من الشهادة بالوحدانية، ولما كان بعثهم بهذا معلوما للنبي صلى الله عليه واله وسلم البتة لم يحسن أن يراد أن يقرهم به خاصة بل ينبغي أن يراد تقريرهم به بضميمة ما لا يعلم النبي صلى الله عليه واله وسلم


(1) - القندوزي: ينابيع المودة، الباب 15: ص 82.

[503]

إقرارهم به لعدم علمه بإرسالهم عليه وهو الذي ذكرته الروايات أعني إرسالهم على نبوته وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام. وإنما لم تذكر الاية الشريفة للاكتفاء بذكر الأصل وهو البعث على الشهادة بالوحدانية كما أن بعض الروايات المذكورة اكتفت بذكر نبوة نبينا وإمامة ولينا لأنهما الداعي إلى السؤال والتقرير مع وضوح بعثهم على الشهادة بالوحدانية لكونه الأصل ولذكر الاية له فما أعظم قدر نبينا الأطيب وأخيه الأطهر عند الله تبارك وتعالى حتى ميزهما على جميع عباده، وأكرمهما ببعث الرسل الأكرمين على الأقرار بفضلهما ورسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم وإمامة علي عليه السلام وأخذ الميثاق عليهم بهما مع الشهادة بالوحدانية (1). وقال العلامة، السيد علي البهبهاني رحمه الله: (فاعلم أنها (أي الاية المذكورة) تدل على اختصاص الأمامة والخلافة بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأبنائه الطاهرين - سلام الله عليهم أجمعين - توضيح ذلك: أن ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السلام التي بعث الله الأنبياء عليهم السلام عليها إن كانت بمعنى ولاية التصرف في الامور - كما هو الظاهر - فقد ثبت أن خلافته عليه السلام عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه واله وسلم منصوصة في الكتاب المجيد وسائر الصحف السماوية، والنص على خلافته وإمامته يوجب اختصاصها به عليه السلام إذ لا مجال مع النص للعدول إلى غيره باختيار الامة وتقديمه عليه عليه السلام. وإن كانت بمعنى المودة والمحبة فبعث الأنبياء عليهم السلام عليها وجعلها تلو ولاية سيد الأنبياء صلى الله عليه واله وسلم ورسالته يدل على أنها أقرب وسيلة يتوسل بها إلى الخالق - تبارك وتعالى - بعد التوحيد والأقرار برسالته ونبوته صلى الله عليه واله وسلم، فيدل على أنه عليه السلام أفضل الخلق بعد خاتم النبيين صلى الله عليه واله وسلم حتى الأنبياء عليهم السلام (2).


(1) - المظفر: دلائل الصدق، ج 2: ص 169. (2) البهبهاني: مصباح الهداية ص 184.

[504]

وقال العلامة، السيد شهاب الدين النجفي المرعشي في ربط ذيل الآية بما قبلها: (لا يبعد تعميم الالهة بحيث يشمل كل ما عبد من دون الله، فيشمل صنمي قريش أيضا (1). ولقد أجاد من قال: آل النبي هم النبي وإنما * بالوحي فرق بينهم فتفرقوا أبت الأمامة أن تليق بغيرهم إن الرسالة بالامامة أليق ومن قال إسلام، فما قال حيدر * فذلك قلب ليس ينبضه دم أو سنة ليست من الفضول لكنها من أعظم الأصول وأكمل الشهادتين بالتي * قد اكمل الدين بها في الملة فإنها مثل الصلاة خارجة * عن الخصوص بالعموم والجهة ولايته هي الأيمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام القرآن وساقى الكوثر: قال ابن شهرآشوب رحمه الله: جاء في تفسير قوله تعالى: وسقاهم ربهم (2) يعنى سيدهم علي بن أبي طالب والدليل على أن الرب بمعنى السيد قوله تعالى: اذكرني عند ربك (3).


(1) - هامش احقاق الحق، ج 3: ص 146. (2) - الدهر، 76: 21. (3) - ابن شهرآشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 162. والاية في يوسف، 12: 42.

[505]

ساقي الكوثر في القصائد والمدائح: 1 - الحميرى: فإنك تلقاه لدى الحوض قائما * مع المصطفى بالجسر جسر جهنم يجيران من والاهما في حياته * إلى الروح والظل الظليل المكرم وله أيضا: والحوض حوض محمد ووصيه * يسقي محبيه ويمنعه العدى وله ايضا: ألا أيها اللاحي عليا دع الخنا * فما أنت من تأنيبه بمصوب (1) أتلحى أمير الله بعد أمينه وصاحب حوض شربه خير مشرب وحافاته در ومسك ترابه * وقد حازماء من لجين ومذهب (2) 2 - ابن حماد: والحوض حوضك ليس ثم مدافع * في الحشر تسقي من تشاء وتمنع عجبا لاعمى عن هداه ونوره * كالشمس واضحة تضئ وتلمع وله أيضا: وهم سقاة للحوض من والاهم * يسقى بكأس لذة للشارب وله أيضا: وإن الحوض حوضك والبرايا * إليك لدى القيامة مهطعينا وتحت لوائك المحمود تضحى * جميع الخلق دونك خاشعينا 3 - العوني:


(1) - لاحى فلانا: لامه وعابه. والخنا - بالفتح -: الفحش بالقول. والتأنيب من أنبه: لامه وعنفه. (2) - الحافات: الجوانب والاطراف. واللجين - مصغرا - الفضة.

[506]

تسقي الظماء على حوض النبي غدا * للمؤمنين بمملو من الحلب (1) 4 - الزاهي: بدر الدجى وزوجه شمس الضحى في فضلها وابناه للعرش القرط ومن له الكوثر حوض في غدو * النار ملك والفراديس خطط وله أيضا: يا ساقي الشيعة من كأسه عند ورود الكوثر الجاري في يوم تبلو النفس ما قدمت * لسيد في الحكم جبار والنار في الموقف قد سعرت * لأخذ نصاب وفجار 5 - حسان بن ثابت: له الحوض لا شك يحيى به * فمن شاء أسقى برغم العدى ومن ناصب القوم لم يسقه * ويدعو إلى الورد للأولياء (2) أقول: إذا أمعنت النظر في الأخبار والأحاديث التي جاءت من الفريقين في صفة حوض النبي صلى الله عليه واله وسلم والكوثر وجدت في خلالها عجائب من حيث المضامين والمعاني مثل كون ترابه المسك الأذفر، وحصاه الدر والياقوت والمرجان، و حشيشه الزعفران، و، و، وفتحدثك نفسك: ما المراد من هذه المعاني ؟ هل يجب علينا أن نلتزم بظواهرها ونقول: إن في حوض النبي صلى الله عليه واله وسلم أباريق كعدد النجوم، و فيه مرجان وياقوت ودر (3)، أو يمكن أن نعبر من هذه الظواهر إلى معاني أعلى و


(1) - الحلب - محركة -: اللبن. (2) - نقلنا الاشعار كلها من المناقب، لابن شهرآشوب (ج 2: ص 162 - 164.) (3) - كقول النبي صلى الله عليه واله وسلم: (رأيت نهرا في الجنة، حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فضربت بيدي مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر، فقلت: ما هذا ؟ قيل: الكوثر الذي أعطاك الله... أشد بياضا من اللبن، وأحلى من

[507]

أرقي وألطف من ذلك ؟ نعم، جاء هذا المعنى في قول الصادق عليه السلام على ما ذكره العلامة المجلسي رحمه الله وهو: في الأصل كنا نجوما يستضاء بنا * وللبرية نحن اليوم برهان نحن البحور التي فيها لغائصكم * در ثمين وياقوت ومرجان مساكن القدس والفردوس نملكها ونحن للقدس والفردوس خزان من شذ عنا فبرهوت مساكنه * ومن أتانا فجنات وولدان (1) فهل المراد من النجوم والدر والياقوت والمرجان في هذه الأبيات ظاهرها ؟ أو وراءه حكمة وعلم ومعرفة ؟ فإن الغائص في بحور علوم أهل البيت عليهم السلام له أنواع من المعرفة التي لا يقاس بها الياقوت والمرجان والدر وغير ذلك من الأشياء التي تقر بها عيون العامة عند سماعها، ولكن الخاصة والعظماء تفهم ما فوق ذلك، وتعلم أن هذه ألفاظ لضيق البيان عن كشف حقائقها، وهذا لا ينافى ظواهرها أيضا فلنختم هذا البحث بنقل كلمات من أفذاذ العلماء وعظمائهم: الكوثر في كلام الاعلام 1 - قال المولى صدر الدين الحكيم الشيرازي رحمه الله: (قال بعض العلماء: (إنا أعطيناك الكوثر) فالكوثر صورته صورة الماء، وحقيقته حقيقة العلم، لست أقول:


= العسل، وفيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت) (الفخر الرازي: تفسير الكبير، ج 31: ص 124). وكقوله صلى الله عليه واله وسلم: (عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، لا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعب)، و (عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه الدر و الياقوت والزبرجد) (الالوسي: تفسير روح المعاني، ج 30: ص 244). وكقوله صلى الله عليه واله وسلم: (عرضه ما بين أيلة وصنعاء... وأن فيه من الأباريق عدد نجوم السماء) و: (حصاه (حصباؤه) الزبرجد والياقوت والمرجان، حشيشه الزعفران، ترابه المسك الأذفر، قواعده تحت عرش الله عز وجل) (المجلسي: بحار الانوار، ج 8: ص 18). (1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 47: ص 26.

[508]

إن المراد من هذه الأمثال الواردة في القرآن مقصور على معانيها الباطنية العقلية من غير تحقق الصور المحسوسة كما يقوله الباطنية، كلا، بل نقول: الغرض منها العبور من مظاهرها إلى مطاويها، ومن صورها إلى معانيها، فإن للقرآن ظهرا و بطنا، وتأويلا وتفسيرا. ثم إذا شبه العلم مطلقا بالماء فيترتب عليه تشبيه أقسامه بأقسامه، كتشبيه العلوم الحقة الخالية عن الشبه والشكوك بالماء الطاهر الزلال، والعلوم التي بخلافها بالماء الكدر المخلوط بالكثايف، وكتشبيه اليقينات الدائمة بالماء الجاري أبدا، والتي بخلافها بالماء المنقطع، وكتشبيه العلم الذي يفيض من عند الله بإلهامه بلا واسطة معلم بشري بالماء النازل من السماء الجارية في الأودية (1) بلا سعي وتعمل آلة وحفر قناة واستنباط، والذي يحصل بالفكر والروية كالماء المستنبط من الأرض بالحفر ونحوه، والذي يحصل بالتقليد كالماء الذي يفرغ من حوض إلى حوض (2). 2 - قال العلامة الفيض رحمه الله: (يخطر بالبال أن مثال الكوثر في الدنيا هو العلم و الحكمة، ومثال أوانيه علماء الامة، ولهذا فسر بالخير الكثير، فإن الله عز وجل يقول: ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا اولوا الاءلباب (3). و يؤيد هذا ما رواه بعض علماء العامة عن مولانا الصادق عليه السلام في تأويل الاية: إنا أعطيناك نورا في قلبك دلك علي وقطعك عما سواي، قال: وكان هذا منه عليه السلام نوع


(1) - اشارة الى الآية 17 من سورة الرعد، وكقوله تعالى: وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج (فاطر، 35: 12) فإنه تمثيل للأيمان والكفر، وهما نوعان من العلم. وكقول أمير المؤمنين عليه السلام في (الكافي) (باب معرفة الأمام): (ولاسواء حيث ذهب الناس الى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض، ذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمرالله لا نفاد لها ولا انقطاع)، فانه عليه السلام شبه علوم الائمة عليهم السلام بالعيون الصافية. (2) - شرح اصول الكافي / باب معرفة الامام، ص 477، ط طهران. (3) - البقرة، 2: 269.

[509]

إشارة كإشارات الصوفية لا أنه تفسير السورة. أقول: ومن شرب كأس العلم من مشرب التحقيق علم أن مثل هذه الاشارة يرجع إلى التفسير عند التحقيق، ويتحدان بحسب المعنى، لما عرفت مرارا: أن لكل حقيقة في كل موطن صورة ومثالا... (1). 3 - قال العلامة الطريحي رحمه الله: (والحوض الكوثر، ومن كلام علي عليه السلام: أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب وهاشم المطعم في العام السغب لعل المراد بهما الحقيقة، ويحتمل أنه أراد العلم والهدى (2). 4 - قال العلامة الطنطاوي في تفسيره: (وصف الكوثر: طينته مسك أذفر، ماؤه أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، حافتاه من ذهب، مجراه على الدرو الياقوت، تربته أطيب من المسك، شاطئاه در مجوف. وصف كيزانه وطيره: آنيته عدد نجوم السماء، فيه طير أعناقها كأعناق الجزور، وفي رواية، كيزانه كنجوم السماء، من شرب منها لا يظمأ أبدا، وزواياه سواء، فيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها. وصف الشاربين: في حديث مسلم: (قالوا: يا نبي الله تعرفنا ؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون إلى، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي ! فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك) ؟ هذا ملخص ما جاء في الحوض من رواية البخاري أو مسلم. إذا عرفت هذا فأصغ لما أتلو عليك من نبأ هذه الأحاديث وأسرارها: إعلم أن


(1) - الفيض: علم اليقين، ج 2: ص 987. (2) - الطريحي: مجمع البحرين / مادة (حوض).

[510]

هذه الأحاديث وردت لغاية أرقي مما يراها الذين لا يفكرون، كم امم جاءت قبلنا وجاء فيهم مصلحون، فماذا فعلوا ؟ ألقوا إليهم العلم بهيئة جميلة وصورة مفرحة و بهجة وجمال، ومن قرأ كتاب (كليلة ودمنة) الذي لم تخل منه مدرسة من مدارس العالم الشرقي والغربي في الوقت الحاضر إلا لها حظ من قراءته. أقول: من قرأ هذا الكتاب عرف مقدرة الفيلسوف الهندي، وكيف جاء بالسياسة ونظام المدنية والعلوم الاجتماعية في قوالب المحادثات الحيوانية، فتارة يجعله في هيئة محاورة بين ثور وأسد، وتارة بين حمامة وغراب، وسلحفاة و فأرة، وهكذا مما سر العامة بظاهره الطلي الجميل، وعلم الحكماء والعلماء بباطنه القويم. ولكن ليس ذلك (أي التعبير النبوي) كما في (كليلة ودمنة) الذي يفرح به الجهال، ولكن الحكماء يرون الباطن هو المقصود، والظاهر منبوذ، لأن البهائم لا تتكلم بداهة، كلا ثم كلا بل هنا ظاهر القول حق، وباطنه حق. الجاهل يسمع الدر والياقوت وشرابا أحلى من العسل، فيفرح به فيعبد الله ليصل إلى هذه اللذات، وهذا الجاهل أكثر أهل هذه الأرض، والعالم ينظر فيقول: إن هذا القول وراءه حكمة، وراءه علم، لأنني أرى في خلال القول عجائب، فلماذا يذكر أن الكيزان أو الأباريق أو نحو ذلك عدد نجوم السماء ؟ وأي دخل لنجوم السماء هنا ؟ ولماذا عبر به ؟ ثم يقول: لماذا ذكر أن الذين يردون الحوض يكونون عليهم آثار الوضوء ؟ ثم يقول: لماذا ذكر أن عدد الانية يكون أكثر من نجوم السماء ؟ ولماذا هذه المحافظة كلها على عدد نجوم السماء ؟ إذن يقول: لا، لا، الحق أن نبينا محمدا صلى الله عليه واله وسلم يريد أمرين: أمرا واضحا جليا يفرح به جميع الناس، وأمرا يختص بالقواد والعظماء، إن النبوة بأمرالله، والله جعل في أهل الارض فلاحين لا يعرفون إلا ظواهر الزرع، وجعل أطباء يستخرجون منافع من الحب والشجر، وحكماء يستخرجون علوما، وكل

[511]

لا يعرف إلا علمه، فالطبيب يشارك الفلاح في أنه يأكل، ولكنه يمتاز عنه بإدراك المنافع الطبية، هكذا حكماء الامة الاسلامية يشاركون الجهلاء في أنهم يفهمون الحوض كما فهموه، ويردونه معهم كما يردونه، ولكن هؤلاء يمتازون بأنهم قواد الامة الذين يقودونها، فماذا يقولون ؟ يقولون: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم يريد معاني أرقي، إن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فليس الماء الذي هو أحلى من العسل، و أبيض من الثلج كل شئ هناك وأي شئ عدد نجوم السماء، ولماذا خصصت النجوم بالعدد، والوضوء بالأثر ؟ والذى نقوله: إن الحوض يرمز به للعلم مع بقائه على ظاهره، فما المسك الأذفر، ولا أنواع الجواهر النفيسة من در وياقوت، ولا حلاوة العسل التي في ذلك الماء، ولا اتساع ذلك الحوض إلا أفانين العلم ومناظر بدائعه المختلفة المناهج، العذبة المشارب، السارة للناظرين. إن هذه الأحاديث جاءت لترقية الامة الاسلامية بأن يردوا حوض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالعلم، وهذه الأحاديث تشير إلى أن هذه الامة سينبغ منها اناس لا نظير لهم ستطهر نفوسهم، ويكرعون من موارد العلوم الشريفة، ويشربون من حوض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ويدرسون العلوم التي بثها الله في هذه الدنيا ولا نهاية لها، ولا يذرون شيئا مما خلق الله إلا عرفوه على مقدار طاقتهم... فيصبحون خلفاء الله في الأرض فالقرآن يطلب هذه العلوم كلها. فمن قرأ الفلك باعتبار أنه آثار جمال الله فقد ورد بعض حوض رسوله صلى الله عليه واله وسلم، ومن درس الطب والحكمة و التشريع أو عجائب النمل أو النحل كذلك أو نظام كسوف الشمس والقمر فقد ورد بعض حوض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مع طهارة نفوسهم. هذا هو سر حديث الحوض يدلنا على أن هذه الامة سيطول أمدها، ستكون لهم دول وحكماء وعظماء وانظر كيف يقول: إن هذا الحوض ببعد عنه اناس هم

[512]

مسلمون، ولكن يقال للنبي صلى الله عليه واله وسلم - كما في البخاري ومسلم -: (هل تدري ما أحدثوا بعدك ؟) اولئك الذين يطردون من الحوض، هم الذين لم تستعد قلوبهم للعلم، وهم لم يسعوا له (1).


1 - تفسير الجواهر / ذيل سورة الكوثر. وقد نقلنا كلامه بالتلخيص مع أدنى تغيير في العبارات.

[513]

الفصل 4 معنى المقاسمة ومنزلة علي عليه السلام عندها قال في (أقرب الموارد): (قاسمه المال مقاسمة: أخذ كل قسمه منه). وفي (اللسان): (قاسمته المال: أخذت منه قسمك، وأخذ قسمه. وفي حديث علي عليه السلام: (أنا قسيم النار)، قال القتيبي: أراد أن الناس فريقان: فريق معي وهم على هدى، وفريق على وهم على ضلال كالخوارج، فأنا قسيم النار، نصف في الجنة معي، ونصف على في النار، وقسيم فعيل في معنى مقاسم، مفاعل كالسمير و الجليس والزميل). وقال ابن الأثير في (النهاية) بعين ما في (اللسان). وفي (مجمع البحرين): (وقاسموا الشئ: أخذ كل قسمته). أقول: المقاسمة مفاعلة من القسم، وهي بين الاثنين، فعلى هذا فكأن عليا عليه السلام و والنار تقاسما الناس، أخذ عليه السلام نصيبه، وأخذت النار نصيبها. المقاسمة في الأخبار: 1 - عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حديث طويل: (فبينما أنا كذلك إذا ملكان قد أقبلا علي، أما أحدهما فرضوان خازن الجنة، وأما الآخر فمالك خازن النار، فيدنو

[514]

رضوان فيقول: السلام عليك يا أحمد، فأقول: السلام عليك يا ملك، من أنت ؟ فما أحسن وجهك وأطيب ريحك ! فيقول: أنا رضوان خازن الجنة، وهذه مفاتيح الجنة بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد، فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي علي بن أبي طالب. ثم يرجع رضوان، فيدنو مالك، فيقول: السلام عليك يا أحمد، فأقول: السلام عليك أيها الملك، من أنت ؟ ما أقبح وجهك وأنكر رؤيتك ! فيقول: أنا مالك خازن النار، وهذه مقاليد النار بعث بها إليك رب العزة، فخذها يا أحمد، فأقول: قد قبلت ذلك من ربي، فله الحمد على ما فضلني به، ادفعها إلى أخي علي بن أبي طالب. ثم يرجع مالك، فأقبل علي ومعه مفاتيح الجنة ومقاليد النار حتى يقف على عجرة جهنم (1) وقد تطاير شرارها وعلا زفيرها واشتد حرها وعلي آخذ بزمامها، فتقول له جهنم: جزني يا على، فقد أطفأ نورك لهبي ! فيقول لها على قري يا جهنم، خذى هذا واتركي هذا، خذي هذا عدوي، واتركي هذا وليي، فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه، فإن شاء يذهبها يمنة، وإن شاء يذهبها يسرة، ولجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من جميع الخلائق (2). 2 - عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل: (فعلى - والله - الذي يزوج أهل الجنة في الجنة، وما ذاك إلى غيره كرامة من الله - عز ذكره - وفضلا فضله الله به ومن به عليه، وهو - والله - يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوها أبوابها، لأن أبواب الجنة إليه وأبواب النار إليه (3). 3 - عن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة


(1) - العجرة: القوة، لعل عليا عليه السلام يقف على موضع شدتها وفورانها. (2) - القندوزي: فرائد السمطين، ج 1: ص 107 / الباب 19. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 7: صص 337 و 338.

[515]

وفرغ من حساب الخلائق دفع الخالق عز وجل مفاتيح الجنة والنار إلى، فأدفعها إليك، فأقول لك: احكم، قال علي عليه السلام: والله، إن للجنة أحدا وسبعين بابا، يدخل من سبعين بابا منها شيعتي وأهل بيتي، ومن باب واحد سائر الناس (1). 4 - عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة يؤتى بك يا على على ناقة من نور، وعلى رأسك تاج له أربعة أركان، على كل ركن ثلاثة أسطر: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على مفتاح الجنة، ثم يوضح لك كرسي يعرف بكرسي الكرامة، فتقعد عليه، يجمع لك الأولون والآخرون في صعيد واحد، فتأمر بشيعتك إلى الجنة، وبأعدائك إلى النار، فأنت قسيم الجنة، و أنت قسيم النار، لقد فاز من تولاك، وخاب وخسر من عاداك، فأنت في ذلك اليوم أمين الله وحجته الواضحة (2). المقاسمة في القرآن بمعونة الأخبار: قال الله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (3). 5 - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لمحمد وعلى: أدخلا الجنة من أحبكما، وأدخلا النار من أبغضكما، فيجلس علي [على] شفير جهنم فيقول (لها): هذا لي، وهذا لك، وهو قوله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (6). 6 - عن عكرمة في قوله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد قال: (النبي وعلي يلقيان (5).


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 7: صص 337 و 338. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 7: ص 339. (3) - ق، 50: 24. (4) - الحسكاني: شواهد التنزيل، ج 2: ص 190. (5) الحسكاني: شواهد التنزيل، ج 2: ص 190.

[516]

7 - عن شريك بن عبد الله، قال: (كنت عند الأعمش وهو عليل، فدخل عليه أبو حنيفة وابن شبرمة وابن (أبي) ليلى فقالوا (له): يا أبا محمد ! إنك في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث، فتب إلى الله منها، فقال: أسندوني أسندوني، فاسند، فقال: حدثنا أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لي ولعلي: ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا الجنة من أحبكما، فذلك قوله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. فقال أبو حنيفة للقوم: قوموا [بنا] لا يجئ بشئ أشد من هذا (1). 3 - قال العلامة، ابن أبي الحديد المعتزلي عند شرح كلام علي عليه السلام (نحن الشعار والأصحاب، والخزنة الأبواب (2): يمكن أن يعني به خزنة العلم وأبواب العلم، لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب) وقوله فيه: (خازن علمي) وقال تارة اخرى: (عيبة علمي) ويمكن أن يريد به خزنة الجنة وأبواب الجنة، أي لا يدخل الجنة إلا من وافى بولايتنا، فقد جاء في حقه الخبر الشائع المستفيض أنه قسيم النار والجنة. وقال: ذكر أبو عبيد الهروي في (الجمع بين الغريبين): (إن قوما من أئمة العربية فسروه فقالوا: لأنه لما كان محبه من أهل الجنة ومبغضه من أهل النار كان بهذا الاعتبار قسيم النار والجنة، قال أبو عبيد: وقال غير هؤلاء: بل، هو قسيمهما بنفسه في الحقيقة، يدخل قوما إلى الجنة وقوما إلى النار). وهذا الذي ذكره أبو عبيد أخيرا هو ما يطابق الأخبار الواردة فيه يقول للنار: هذا لي فدعيه، وهذا لك فخذيه (3).


(1) - الحسكاني: شواهد التنزيل، ج 2: ص 189. (2) - نهج البلاغة، الخطبة 154. (3) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 9: ص 164.

[517]

أقول: نعم، إن عليا عليه السلام بنفسه الشريفة مقاسم الجنة والنار وقسيمهما لا ما ذهب إليه بعض أئمة الحديث والعربية كأحمدبن حنبل (1) وابن الأثير و ابن المنظور، والشاهد على ما قلنا - كما ذهب إليه أبو عبيد الهروي وابن أبي الحديد - أخبار كثيرة من الفريقين صريحة في المطلوب ناطقة بالمقصود، فطائفة منها ذكرها العلامة القندوزي في (ينابيع المودة) (الباب 16، ص 83) منها: 1 - عن أبي الصلت الهروي قال: (قال المأمون لعلي الرضا، ابن موسى الكاظم عليهما السلام: أخبرني عن جدك أمير المؤمنين، علي عليه السلام بأي وجه هو قسيم الجنة و النار ؟ فقال له الرضا عليه السلام: ألم ترو عن آبائك، عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (حب على إيمان، وبغضه كفر ؟) فقال: بلى، فقال الرضا عليه السلام: لما كانت الجنة للمؤمن، والنار للكافر فقسمة الجنة والنار إذا كان على حبه و بغضه فهو قسيم الجنة والنار، فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك إنك وارث جدك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. قال أبو الصلت: لما انصرف الرضا عليه السلام إلى منزله قلت له: جعلت فداك يابن رسول الله، ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين ! فقال: يا أبا الصلت ! إنما كلمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدث عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا على ! أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي و هذا لك (2).


(1) - قال محمد بن منصور الطوسى: (كنا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله ! ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أن عليا عليه السلام، قال: أنا قسيم النار ؟ فقال أحمد: ما تنكرون من هذا الحديث ؟ أليس روينا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لعلى عليه السلام: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق ؟) قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن ؟ قلنا: في الجنة ؟ قال: فأين المنافق ؟ قلنا: في النار، فعلى قسيم النار). (الكنجي: كفاية الطالب / الباب 3، ص 72). (2) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 85.

[518]

2 - وعن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: (إذا كان يوم القيامة يؤتى بك يا علي، بسرير من نور وعلى رأسك تاج قد أضاء نوره، وكاد يخطف أبصار أهل الموقف، فيأتي النداء من عند الله - جل جلاله -: أين وصي محمد رسول الله ؟ فتقول: ها أنا ذا، فينادي المنادي: أدخل من أحبك الجنة، و أدخل من عاداك النار، فأنت قسيم الجنة والنار (1). 3 - عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! إنك قسيم الجنة والنار، و أنت تقرع باب الجنة، وتدخلها أحباءك بغير حساب (2). 4 - عن أبي الطفيل عامر بن واثلة - وهو آخر من مات من الصحابة بالاتفاق - عن علي - رضي الله عنهما -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا علي ! أنت وصيي، حربك حربي، وسلمك سلمي، وأنت الأمام وأبو الأئمة الأحد عشر الذين هم المطهرون المعصومون، ومنهم المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا، فويل لمبغضيهم، يا علي ! لو أن رجلا أحبك وأولادك في الله لحشره الله معك ومع أولادك، وأنتم معي في الدرجات العلى، وأنت قسيم الجنة والنار، تدخل محبيك الجنة، ومبغضيك النار (3). أقول: وفي خاتمة هذا الباب جدير بنا أن نلاحظ في هذا الأخبار الألفاظ و التعابير التي يستفاد منها أن عليا 7 بنفسه الشريفة مقاسم النار والجنة وقسيمهما، لا باعتبار أن محبه من أهل الجنة ومبغضه في النار فهو قسيمهما، فلنلاحظ: (فأقبل علي ومعه مفاتيح الجنة ومقاليد النار)، (يا جهنم ! خذي هذا، واتركي هذا)، (خذي هذا عدوي، واتركي هذا وليي)، (فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلى بن أبي طالب من غلام أحدكم لصاحبه)، (فإن شاء يذهبها يمنة، وإن شاء


(2) - القندوزي: ينابيع المودة، صص 83 و 84. (3) - القندوزي: ينابيع المودة، ص 85. (3) المصدر ص 85.

[519]

يذهبها يسرة)، (وهو - والله - يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوها أبوابها)، (أدخلا الجنة من أحبكما، وأدخلا النار من أبغضكما)، (فيقول لها: هذا لي وهذا لك)، (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد)، (تقول للنار: هذا لي وهذا لك). وأيضا (يقول للنار: هذا لي فدعيه، وهذا لك فخذيه)، (أدخل من أحبك الجنة وأدخل من عاداك في النار)، (وتدخلها أحباءك بغير حساب)، (تدخل محبيك الجنة، ومبغضيك النار)، (فعلي - والله - الذي يزوج أهل الجنة في الجنة)، (فتأمر بشيعتك إلى الجنة، وبأعدائك إلى النار). المقاسمة في القصائد والمدائح: 1 - السيد الحميري: قسيم النار ذا لك ها وذا لي * ذريه إنه لي ذو وداد يقاسمها فينصفها فترضى * مقاسمة المعادل غير عاد كما انتقد الدراهم صيرفي * ينقي الزايفات عن الجياد وله أيضا: ذاك قسيم النار من قيله خذي * عدوي، وذري ناصري ذاك علي بن أبي طالب * صهر النبي المصطفى الطاهر وله أيضا: علي قسيم النار من قيله خذي ذري ذا وهذا فاشربي منه واطعمي خذي بالشوى ممن نصيبك منهم * ولا تقربي من كان حربي فتظلمي 2 - العوني: إمامي قسيم النار مختار أهلها * ولابد للجنات والنار من أهل

[520]

وله أيضا: يسوق الظالمين إلى جحيم * فويل للظلوم الناصبي يقول لها: خذى هذا فهذا * عدوي في البلاء على الشقي وخل من يواليني فهذا * رفيقي في الجنان وذا وليي 3 - غيره: (1) وإني لأرجو يا إلهي سلامة * بعفوك من نار تلظى همومها أبا حسن ! لو كان حبك مدخلي * جهنم كان الفوز عندي جحيمها وكيف يخاف النار من هو موقن * بأن أمير المؤمنين قسيمها ؟ 4 - الشافعي: على حبه جنة * قسيم النار والجنة وصي المصطفى حقا * إمام الانس والجنة 5 - دعبل: - قسيم الجحيم فهذا له وهذا لها باعتدال القسم يذود عن الحوض أعداءه * فكم من لعين طريد وكم فمن ناكثين من قاسطين ومن مارقين ومن مجترم 6 - الزاهي: يا سيدي ! يا ابن أبي طالب ! يا عصمة المعتف (2) والجار ! لا تجعلن النار لي مسكنا * يا قاسم الجنة والنار ! 7 - البشنوي: وكيف تحرقني نار الجحيم إذا * كان القسيم لها مولاي ذاالحسب (3)


(1) - أورده في المصدر بعنوان (غيره) وانما أوردناه هكذا لشهرة نسبتها إليه. (2) - اعتفى فلانا: أتاه يطلب معروفه. (3) - نقلنا الاشعار كلها من المناقب لابن شهر آشوب (ج 2: صص 159 و 160).

[521]

أقول: وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في الدنيا والاخرة، وسنختم الكتاب بذكر شئي من سيرته عليه السلام حتى تتم الفائدة، إن شاء الله تعالى.

[523]

الباب الرابع علي بن ابى طالب عليه السلام عبقريته وتأريخ حياته من الكعبة البيت الحرام إلى مسجد الكوفة

[525]

لفت نظر: لما كان الأمام علي عليه السلام فريدا في كمالاته، وحيدا في فضائله، نادرا في المعالي، مطهرا عن الرجس، معصوما عن الخطأ، عاملا بالكتاب، قائما بالحق، قمقام العلم الزخار، صمصام الله على الكفار، يد الله في بريته، وعينه في خليقته، نموذجا مثلى للانسان الكامل الراقي، فكان الحري بنا أن نورد شيئا من سيرته العملية لتمامية الكتاب، لأن معرفة فضائله وإن كانت بنفسها كمالا للنفس، منجاة لعارفه من هول المطلع وشدائد القيامة، وترفيعا له في درجاته الاخروية، ولها موضوعية بنفسها، إلا أنه ينقل للاستضاءة بنوره المتجلي، والسير تحت ضوئه المشرق، وإنما يحصل ذلك بمعرفة سيرته والاطلاع على سلوكه الفردي والاجتماعي والسياسي وغير ذلك. فعليه جمعنا موجزا من مولده وجماله وعلمه وعدله ومظلوميته وسائر سيرته في فصول عديدة وها إليك نصوصها: الفصل 1 ميلاده عليه السلام كان الأمام على عليه السلام وليد الكعبة 1 - قال المحدث الحافظ، الحاكم النيسابوري: (وقد تواترت الأخبار أن فاطمة

[526]

بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في جوف الكعبة (1). 2 - قال المحدث الدهلوي، والد عبد العزيز الدهلوي مصنف (التحفة الاثنا عشرية في الرد على الشيعة): (تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة (2). 3 - قال العلامة ابن الصباغ المالكي: (ولد علي عليه السلام بمكة المشرفة بداخل البيت الحرام، في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب الفرد، سنة ثلاثين من عام الفيل، قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة... وقيل بعشر سنين، ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالا له، و إعلاء لمرتبته، وإظهارا لتكرمته (3). 4 - قال الشيخ مؤمن بن الحسن الشبلنجي: (علي بن أبي طالب ابن عم الرسول، و سيف الله المسلول، ولد - رضي الله عنه - بمكة داخل البيت الحرام على قول، يوم الجمعة ثالث عشر رجب الحرام سنة ثلاثين من عام الفيل، قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بخمس وعشرين، وقبل المبعث باثني عشرة سنة، وقيل: بعشر سنين، ولم يولد في البيت أحد قبله سواه (4). 5 - قال العلامة الكنجي الشافعي: (ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمكة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه إكراما له بذلك، وإجلالا لمحله في التعظيم (5).


(1) - الحاكم: المستدرك، ج 3: ص 483. (2) - الدهلوي: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء، ص 251، ط باكستان. (3) - ابن الصباغ: الفصول المهمة، ص 30. (4) - الشبلنجي: نور الابصار، ص 85. (5) - الكنجي الشافعي: كفاية الطالب، ص 407.

[527]

6 - قال العقاد: (ولد علي في داخل الكعبة، وكرم الله وجهه عن السجود لأصنامها، فكأنما كان ميلاده ثمة إيذانا بعهد جديد للكعبة وللعبادة فيها، وكاد علي أن يولد مسلما، بل لقد ولد مسلما على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح، لأنه فتح عينيه على الأسلام، ولم يعرف قط عبادة الأصنام، فهو قد تربى في البيت الذي خرجت منه الدعوة الأسلامية (1). 7 - قال العلامة الصفوري: (إن عليا ولدته امه بجوف الكعبة - شرفها الله تعالى - وهي فضيلة خصه الله تعالى بها (2). 8 - قال العلامة برهان الدين الحلبي الشافعي - في ضمن كلام طويل -: (لأنه عليه السلام ولد في الكعبة، وعمره (يعني النبي) صلى الله عليه واله وسلم ثلاثون سنة (3). ميلاده عليه السلام في الأشعار: 1 - السيد اسماعيل الشيرازي: آنست نفسي من الكعبة نور * مثل ما آنس موسى نار طور يوم غشى الملأ الأعلى سرور * قرع السمع نداء كنداء شاطئ الوادي طوى من حرم ولدت شمس الضحى بدر التمام * فانجلت عنا دياجير الظلام ناديا بشراكم هذا غلام * وجهه فلقة بدر يهتدى بسنا أنواره في الظلم هذه فاطمة بنت أسد * أقبلت تحمل لاهوت الأبد فاسجدوا ذلا له فيمن سجد * فله الأملاك خرت سجدا إذ تجلى نوره في آدم


(1) - العقاد: عبقرية إلامام على 7، ص 43، ط بيروت. (2) - الصفوري: نزهة المجالس، ج 2: ص 454، ط بيروت. (3) - الحلبي: السيرة الحلبية، ج 1: ص 139.

[528]

كشف الستر عن الحق المبين * وتجلى وجه رب العالمين وبدأ مصباح مشكاة اليقين * وبدت مشرقة شمس الهدى فانجلى ليل الضلال المظلم نسخ التأبيد من نفي ترى * فأرانا وجهه رب الورى ليت موسى كان فينا فيرى * ما تمناه بطور مجهدا فانثنى عنه بكفي معدم هل درت ام العلى ما وضعت ؟ * أم درت ثدي الهدى ما أرضعت ؟ أم درت كف النهى ما رفعت ؟ * أم درى رب الحجى ما ولدا ؟ جل معناه فلما يعلم سيد فاق علا كل الأنام * كان إذ لا كائن وهو إمام شرف الله به بيت الحرام * حين أضحى لعلاه مولدا فوطى تربته بالقدم إن يكن يجعل لله البنون * وتعالى الله عما يصفون فوليد البيت أحرى أن يكون * لولى البيت حقا ولدا لا عزير، لا ولا ابن مريم سبق الكون جيمعا في الوجود * وطوى عالم غيب وشهود كل ما في الكون من يمناه جود * إذ هو الكائن لله يدا ويد الله مدر الأنعم (1) هو بدر وذراريه بدور * عقمت عن مثلهم ام الدهور كعبة الوفاد في كل الشهور * فاز من نحو فناها وفدا بمطاف منه أو مستلم


(1) - إلى هنا أورده سفينة البحار، ج 2: ص 230.

[529]

أيا المرجى لقاه في الممات * كل موت فيه لقياك حياة ليتما عجل بي ما هو آت * علني ألقى حياتي في الردى فايزا منه بأوفى النعم (1) 2 - الشيخ حسين نجف: جعل الله بيته لعلي * مولدا يا له من علا لا يضاها لم يشاركه في الولادة فيه سيد الرسل لا ولا أنبياها (2) 3 - السيد على نقى الهندي: لم يكن في كعبة الرحمن مولود سواه * إذ تعالى في البرايا عن مثيل في علاه وتولى ذكره في محكم الذكر الأله * أيقول الغر فيه بعد هذا لست أدري أقبلت فاطمة حاملة خير جنين * جاء مخلوقا بنور القدس لا الماء المهين وتردى منظر اللاهوت بين العالمين * كيف قد اودع في جنب وصدر ؟ لست أدري أقبلت تدعو وقد جاء بها داء المخاض * نحو جذع النخل من ألطاف ذي اللطف المفاض فدعت خالقها الباري بأحشاء مراض * كيف ضجت، كيف عجت، كيف ناحت ؟ لست أدرى


(1) - الاميني: الغدير، ج 6: صص 30 و 31، أوردناها بالتلخيص. (2) - الاميني: الغدير، ج 6: ص 29.

[530]

لست أدري غير أن البيت قد رد الجواب * بابتسام في جدار البيت أضحى منه باب دخلت فانجاب فيه البشر عن محض اللباب * إنما أدري بهذا، غير هذا لست أدري كيف أدري وهو سر فيه قد حار العقول * حادث في اليوم لكن لم يزل أصل الاصول مظهر لله لكن لا اتحاد لا حلول * غاية الأدراك أن أدري بأني لست أدري ولد الطهر (علي) من تسامى في علاه ؟ * فاهتدى فيه فريق وفريق فيه تاه ضل أقوام فظنوا أنه حقا إله * أم جنون العشق هذا لا يجازى ؟ (1) لست أدري


(1) الاميني: الغدير ج 6: ص 37 والقصيدة طويلة اخذنا منها موضع الحاجة.

[531]

الفصل 2 الأمام على عليه السلام صباه ورضاعه 1 - قال عليه السلام تعريفا لنفسه: (ولقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد [ولد - خ ل]، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجدلى كذبة في قول، ولاخطلة في فعل، ولقد قرن الله به صلى الله عليه واله وسلم من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم و محاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر امه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحى والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه واله وسلم، فقلت: يا رسول الله ! ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي ولكنك لوزير، وإنك لعلى خير (1).


(1) نهج البلاغة الخطبة 190.

[532]

قال ابن أبي الحديد: (وروي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يرى مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت، وقال صلى الله عليه واله وسلم له: لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوة، فإن لا تكن نبيا فإنك وصي نبي ووارثه، بل أنت سيد الأوصياء وإمام الأتقياء (1). 2 - قال العلامة الحلي رحمه الله: (وأما حال ولادته فإنه عليه السلام ولد يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة، ولم يولد فيها أحد سواه لا قبله ولا بعده، وكان عمر النبي صلى الله عليه واله وسلم ثلاثين سنة، فأحبه ورباه، وكان يطهره في وقت غسله، ويجرعه اللبن عند شربه، ويحرك مهده عند نومه... و يقول: هذا أخي ووليي وذخري وناصري وصفيي وكهفي وصهري ووصيي و زوج كريمتي وأميني وخليفتي، وكان يحمله دائما ويطوف به جبال مكة و شعابها وأوديتها (2). 3 - وقال برهان الحلبي: (فلم يزل علي عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وفي خصائص العشرة للزمخشري: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم تولى تسميته بعلي، وتغذيته أياما من ريقه المبارك، يمصه لسانه، فعن فاطمة بنت أسد ام علي - رضي الله تعالى عنها - قالت: لما ولدته سماه عليا، وبصق في فيه، ثم إنه ألقمه لسانه، فما زال يمصه حتى نام، فلما كان من الغد طلبنا له مرضعة فلم يقبل ثدي أحد، فدعونا له محمدا صلى الله عليه واله وسلم فألقمه لسانه فنام، فكان كذلك ما شاء الله (3). 4 - ذكر أبو القاسم في أخبار أبي رافع من ثلاثة طرق أن النبي صلى الله عليه واله وسلم حين تزوج خديجة قال لعمه أبي طالب: إنى احب أن تدفع إلي بعض ولدك يعينني على أمري


(1) - ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج 13: ص 210 / الخطبة 238. (3) - الحلي: كشف الحق ونهج الصدق، ص 109، ط بغداد، المظفر: دلائل الصدق، ج 1: ص 506. (2) - الحلبي: السيرة الحلبية، ج 1: ص 268، سيرة النبوية لزيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبية.

[533]

ويكفيني، وأشكر لك بلاءك عندي، فقال أبو طالب: خذ أيهم شئت، فأخذ عليا عليه السلام، فمن استقى عروقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته ثدي الرسالة، وتهدلت أغصانه عن نبعة إلامامة، ونشأ في دار الوحي، وربي في بيت التنزيل، و لم يفارق النبي صلى الله عليه واله وسلم في حال حياته إلى حال وفاته لا يقاس بسائر الناس، وإذا كان عليه السلام في أكرم أرومة، وأطيب مغرس، والعرق الصالح ينمي، والشهاب الثاقب يسري، وتعليم الرسول ناجع، ولم يكن الرسول صلى الله عليه واله وسلم ليتولى تأديبه، ويتضمن حضانته وحسن تربيته إلا على ضربين: إما على التفرس فيه، أو بالوحي من الله تعالى، فإن كان بالتفرس فلا تخطأ فراسته، ولا يخيب ظنه، وإن كان بالوحي فلا منزلة أعلى ولا حال أدل على الفضيلة والأمامة منه (1).


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 38: ص 295. وتهدلت: تدلت، والارومة: أصل الشجرة.

[534]

الفصل 3 الأمام على عليه السلام اسلامه وإيمانه 1 - قال الحافظ نور الدين الهيتمى (المتوفى 807): (عن أبي ذر وسلمان، قالا: أخذ النبي صلى الله عليه واله وسلم بيد علي فقال: إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق الامة يفرق بين الحق والباطل، و هذا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالمين (1). 2 - وعن سلمان رحمه الله، قال: (أول هذه الامة ورودا على نبيها صلى الله عليه واله وسلم أولها إسلاما علي بن أبي طالب رضي الله عنه (2). 3 - وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال: (السبق ثلاثة: السابق إلى موسى: يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد صلى الله عليه واله وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه (3). 4 - وعن عروة بن الزبير، قال: (أسلم علي وهو ابن ثمان سنين (4).


(1) - الهيثمي: مجمع الزوائد، ج 9: ص 102. (2) - المصدر. (3) - المصدر. (4) - المصدر.

[535]

5 - قال الحموئي: (عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، لأنا كنا نصلي وليس معنا أحد يصلي غيرنا (1). 6 - وعن ابن عباس، قال: (إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: أول من صلى معي علي (2). 7 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لفاطمة عليها السلام: (أما ترضين أني زوجتك أول المسلمين إسلاما، وأعلمهم علما)، وقال صلى الله عليه واله وسلم لها: (زوجتك خير امتي أعلمهم علما، و أفضلهم حلما، وأولهم سلما (3). 8 - قال العلامة الأميني رحمه الله: (هذا (أي أولية إسلامه وهو ابن تسع أو ثمان أو غير ذلك) ما اقتضته المسالمة مع القوم في تحديد مبدأ إسلامه عليه السلام، وأما نحن فلا نقول إنه أول من أسلم بالمعنى الذي يحاوله ابن كثير وقومه، لأن البدأة به تستدعي سبقا من الكفر، ومتى كفر أمير المؤمنين حتى يسلم ؟ ومتى أشرك بالله حتى يؤمن ؟ وقد انعقدت نطفته على الحنيفية البيضاء، واحتضنه حجر الرسالة، وغذته يد النبوة، وهذبه الخلق النبوي العظيم، فلم يزل مقتصا أثر الرسول قبل أن يصدع بالدين الحنيف وبعده، فلم يكن له هوى غير هواه، ولا نزعة غير نزعته، وكيف يمكن الخصم أن يقذفه بكفر قبل الدعوة وهو يقول: - وإن لم نرصحة ما يقول - إنه كان يمنع امه من السجود للصنم وهو حمل. أيكون إمام الامة هكذا في عالم الأجنة ثم يدنسه درن الكفر في عالم التكليف ؟ فلقد كان - صلوات الله عليه - مؤمنا جنينا ورضيعا وفطيما ويافعا وغلاما وكهلا وخليفة. ولولا أبو طالب وإبنه * لما مثل الدين شخصا وقاما بل نحن نقول: إن المراد من إسلامه وإيمانه وأوليته فيهما وسبقه إلى النبي في


(1) - الحموي: فرائد السمطين / الباب 47، ج 1: صص 242 و 245. (2) - المصدر. (3) - الاميني: الغدير، ج 3: ص 95.

[536]

الاسلام هو المعنى المراد من قوله تعالى عن إبراهيم الخليل (1) عليه السلام: وأنا أول المسلمين (2)، وفيما قال سبحانه عنه: إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (3)، وفيما قال سبحانه عن موسى عليه السلام: وأنا أول المؤمنين (4) وفيما قال تعالى عن نبيه الأعظم: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه (5)، وفيما قال: قل إني امرت أن أكون أول من أسلم (6)، وفي قوله: وامرت أن أسلم لرب العالمين (7)). 9 - قال أبو جعفر الاسكافي (المتوفى 230): (فنبتدئ بذكر تقدمه في الأسلام، فإن الناس مختلفون في أبي بكر وعلى، وقد أجمعوا على أن عليا أسلم قبله إلا أنهم زعموا أن إسلامه كان وهو طفل، فقد وجب تصديقنا في أنه أسلم قبله، و دعواهم في أنه كان طفلا غير مقبول إلا بحجة. فإن قالوا: وقولكم (إنه أسلم وهو بالغ) دعوى مردودة. قلنا: الأسلام قد ثبت له، وحكمه قد وجب بالدعوة والأقرار، ولو كان طفلا لكان في الحقيقة غير مسلم، لان أسماء الأسلام والأيمان وأسماء الكفر و الضلال والطاعة والمعصية إنما يقع على العقلاء البالغين دون الأطفال (والمجانين). وحجة (أخرى) - أيضا -: إن الله لم يرسل رسولا إلى الأطفال والمجانين، فلما رأيناه قد قصد صلى الله عليه واله وسلم إلى علي بن أبي طالب، فدعاه إلى الأسلام وأمره بالأيمان وبدأ به قبل الخلق علمنا أنه عاقل بالغ وأن الأمر له لازم.


(1) - كذا، والكلام أمره تعالى لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم. (2) - الانعام، 6: 163. (3) - البقرة، 2: 131. (4) - الاعراف، 7: 143. (5) - البقرة، 2: 285. (6) - الانعام، 6: 14. (7) - الاميني: الغدير، ج 3: ص 239. والاية في غافر، 40: 66.

[537]

فإن قالوا: وما تنكرون أن يكون ذلك منه بالتأديب كما يكون ذلك منا إلى أطفالنا على جهة التعليم ؟ قلنا: ذلك من قولكم غير جائز وإنما ذلك يكون منا عند تمكن الأسلام بأهله وعن ظهوره والنشوء والولادة عليه، فأما في دار الشرك والحرب فليس يجوز ذلك، فالنبي صلى الله عليه واله وسلم لم يكن ليدع ما ارسل به، ويقصد إلى دعاء الأطفال والدار دار شرك وكفر، فيشتغل بالتطوع قبل أداء الفرض [و] ذلك عنه صلى الله عليه واله وسلم منفر، وما باله لم يدع طفلا غير علي بن أبي طالب وليس في السنة أن يدعى أطفال المشركين إلى الأسلام، ويفرق بينهم وبين آبائهم قبل أن يبلغوا الحلم. فإن قالوا: إن عليا قد كان يألف النبي صلى الله عليه واله وسلم فوافقه على طريق المساعدة، قلنا لهم: وإن كان يألفه فلم يكن إلفه [به] بأكثر من [إلفه] أبويه وإخوته وعمومته و أهل بيته، ولم يكن الألف مما يخرجه عما نشأ عليه وغذي به، ولم يكن الأسلام مما غذي به وكثر على سمعه إلى آخر ما قال (1). 10 - قال المحقق المتضلع، الشيخ محمد باقر المحمودي - جزاه الله عن صاحب الولاية خير الجزاء - في هامش الكلام المذكور: (ولأبي جعفر، في رده على عثمانية الجاحظ هيهنا أدلة فطرية وأبحاث وجدانية يصدقها كل عاقل سلمت فطرته، ولم يعقد قلبه على بغض الامام علي بن أبي طالب عليه السلام ومشاقه الحقائق، وآثرنا أن نذكر ههنا جملا منها قال: (وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه، ولم يلصق بأشكاله، ولم يرمع الصبيان في ملاعبهم وهو كأحدهم في طبقته، كبعضهم في معرفته ؟ وكيف لم ينزع إليهم في ساعة من ساعاته فيقال: دعاه نقص الصبا وخاطر من خواطر الدنيا، وحملته الغرة والحداثة على حضور لهوهم والدخول في حالهم ؟ بل ما رأيناه إلا ماضيا على إسلامه، مصمما في أمره،


(1) - الأسكافي: المعيار والموازنة، ص 66 - 68.

[538]

محققا لقوله بفعله، وقد صدق إسلامه بعفافه وزهده، ولصق برسول الله صلى الله عليه واله وسلم من بين جميع من [كان] بحضرته، فهو أمينه وأليفه في دنياه و آخرته، وقد قهر شهوته، وجاذب خواطره، صابرا على ذلك نفسه لما يرجوه من فوز العاقبة و ثواب الآخرة... ثم لينظر المنصف وليدع الهوى جانبا ليعلم نعمة الله على علي عليه السلام بالأسلام حيث أسلم على الوضع الذي أسلم عليه، فإنه لولا الألطاف التي خص بها، و الهداية التي منحها له لما كان إلا كبعض أقارب محمد صلى الله عليه واله وسلم وأهله، فقد كان ممازجا له كممازجته، ومخالطا له كمخالطة كثير من أهله ورهطه، ولم يستجب أحد منهم له إلا بعد حين، ومنهم من لم يستجب له أصلا...). وساق الكلام في تسمية من استجاب النبي صلى الله عليه واله وسلم ومن لم يستجبه من عشيرته - إلى أن قال -: (فكيف ينسب إسلام علي عليه السلام إلى الألف والتربية والقرابة و اللحمة والتلقين، والحضانة والدار الجامعة، وطول العشرة والانس والخلوة، و قد كان كل ذلك حاصلا لهؤلاء أو لكثير منهم، ولم يهتد أحد منهم إذ ذاك ؟ بل كانوا بين من جحد وكفر ومات على كفره، ومن أبطأ وتأخر وسبق وجاء سكيتا وقد فاز بالمنزلة غيره. وهل يدل تأمل حال علي عليه السلام مع الانصاف إلا على أنه أسلم لأنه شاهد الأعلام، ورأى المعجزات، وشم ريح النبوة، ورأى نور الرسالة، وثبت اليقين في قلبه بمعرفة وعلم ونظر صحيح لا بتقليد ولا حمية ولا رغبة ولا رهبة إلا فيما يتعلق بامور الآخرة (1). 11 - قال عبد الكريم الخطيب: (وأكثر الذين ينازعون في أسبقية علي في الأسلام لا يعتدون بالسبق الزمني وإنما نراهم قد يسلمون به ولكنهم لا يرون إسلام


(1) - الأسكافي: المعيار والموازنة / هامش ص 67 - 68.

[539]

علي إسلامأ يعتد به في تلك السن المبكرة إذ لم يكن عن نظر وتدبر، فقد أسلم علي حين كان صبيا لم يبلغ مبلغ الادراك والتمييز ! والذي نقوله هنا هو ما قلناه من قبل وهو: أن عليا ولد مسلما على الفطرة إذ كان مرباه منذ طفولته في بيت الرسول الذي عصمه الله وعصم من كان في بيته من شرك الجاهلية وضلالها (1). 12 - قال العقاد: (وكاد على أن يولد مسلما، بل لقد ولد مسلما على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح، لأنه فتح عينيه على الأسلام، ولم يعرف قط عبادة الاصنام، فهو قد تربى في البيت الذي خرجت منه الدعوة الاسلامية، و عرف العبادة في صلاة النبي... (2). 13 - قال المقريزي ما هذا ملخصه: (وأما علي بن أبي طالب فلم يشرك بالله قط، وذلك أن الله تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه واله وسلم، فعند ما أتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الوحي وأخبر خديجة وصدقت كانت هي وعلي بن أبي طالب وزيدبن حارثة يصلون معه... فلم يحتج علي رضي الله عنه أن يدعى، ولا كان مشركا حتى يوحد فيقال: أسلم، بل كان عند ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه واله وسلم عمره ثماني سنين، وقيل: سبع، وقيل: إحدى عشرة سنة، وكان مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في منزله بين أهله كأحد أولاده، يتبعه في جميع أحواله (1). 14 - قال (المأمون) في حديث احتجاجه على أربعين فقيها ومناظرته إياهم في أن أمير المؤمنين أولى بالناس بالخلافة: (يا إسحاق ! أي الأعمال كان أفضل يوم بعث الله رسوله ؟ قلت: الأخلاص بالشهادة. قال: أليس السبق إلى الأسلام ؟ قلت: نعم، قال: اقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول: والسابقون السابقون * اولئك


(1) - عبد الكريم الخطيب: على بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة، ص 100، ط بيروت. (2) - العقاد: عبقرية الامام علي 7، ص 43، ط بيروت. (3) - المقريزي: الامتاع، ص 16 (كما في الغدير [ج 3: ص 238]).

[540]

المقربون (1)، إنما عنى من سبق إلى الأسلام، فهل علمت أحدا سبق عليا إلى الأسلام ؟ قلت: يا أمير المؤمنين ! إن عليا أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم. قال: أخبرني أيهما أسلم قبل ؟ ثم أناظرك من بعده في الحداثة والكمال، قلت: علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة، فقال: نعم، فأخبرني عن إسلام علي حين أسلم لا يخلو من أن يكون رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دعاه إلى الأسلام أو يكون إلهاما من الله، قال: فأطرقت، فقال لي: يا إسحاق لا تقل: إلهاما فتقدمه على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأن رسول الله يعرف الأسلام حتى أتاه جبرئيل عن الله تعالى، قلت: أجل، بل دعاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى الأسلام، قال: يا إسحاق ! فهل يخلو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين دعاه إلى الأسلام من أن يكون دعاه بأمرالله أو تكلف ذلك من نفسه ؟ قال: فأطرقت، فقال: يا إسحاق ! لا تنسب رسول الله إلى التكلف، فإن الله يقول: وما أنا من المتكلفين (2). قلت: أجل، يا أمير المؤمنين ! بل دعاه بأمرالله، قال: فهل من صفة الجبار - جل ذكره - أن يكلف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم ؟ قلت: أعوذ بالله، فقال: أفتراه في قياس قولك يا إسحاق، (إن عليا أسلم صبيا لا يجوز عليه الحكم) قد تكلف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون ؟ فهل يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة فلا يجب عليهم في ارتدادهم شئ ولايجوز عليهم حكم الرسول صلى الله عليه واله وسلم ؟ أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قلت: أعوذ بالله (3). قال يا إسحاق ! فأراك إنما قصدت لفضيلة فضل بها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا على


(1) - الواقعة، 56: 10. (2) - ص، 38: 86. (3) - الى هنا أورده في الغدير (ج 3: ص 236).

[541]

هذا الخلق أبانة بها منهم ليعرف مكانه وفضله، ولو كان الله تبارك وتعالى أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليا ! قلت: بلى، فهل بلغك أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دعاأحدا من الصبيان من أهله وقرابته لئلا تقول: إن عليا ابن عمه ؟ قلت: لا أعلم ولا أدري فعل أو لم يفعل، قال: يا إسحاق ! أرأيت ما لم تدره ولم تعلمه هل تسأل عنه ؟ قلت: لا، قال: فدع ما قد وضعه الله عنا وعنك (1). 15 - قال جورج جرداق: (فإن علي بن أبي طالب قد ولد مسلما، لأنه من معدن الرسول مولدا ونشأة ومن ذاته خلقا وفطرة، ثم إن الظرف الذي أعلن فيه عما يكمن في كيانه من روح الأسلام ومن حقيقته لم يكن شيئا من ظروف الاخرين ولم يرتبط بموجبات العمر، لأن إسلام علي كان أعمق من ضرورة الارتباط بالظروف إذ كان جاريا من روحه كما تجري الأشياء من معادنها والمياه من ينابيعها (2). 16 - قال العلامة الشيخ خليل: (ويوم جهر النبي بدعوته كان علي أول الناس إسلاما، وأسبقهم إيمانا، بل الواقع الصحيح أنه عليه السلام لم يكن أول الناس إسلاما، و أسبقهم إيمانا، بل كان أول الناس إعلانا لاسلامه وجهرا بإيمانه لأن ذينك الأسلام والأيمان كانا كامنين في أعماق قلبه في كل كيانه يعيشهما بعمق وتأمل و هو في كنف الرسول صلى الله عليه واله وسلم يستمد منه هديا وإيمانا تماما كما يستمد القمر من الشمس نورا وضياء، وإذا لعلى قدر ما لم يقدر لسواه من البشر... (3). 17 - قال محمد بن طلحة الشافعي: (لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وشرفه الله سبحانه وتعالى بالنبوة كان علي يومئذ لم يبلغ الحلم وكان عمره إذ ذاك في


(1) - ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج 1: ص 352، ط بيروت. (2) - جورج جرداق: الأمام على صوت العدالة الانسانية، ج 1: ص 63، ط بيروت / بمقدمة ميخائيل نعيمه. (3) - جورج جرداق: الأمام على، رسالة وعدالة، ص 25، ط بيروت.

[542]

السنة الثالث عشرة، وقيل أقل من ذلك، وقيل أكثر، وأكثر الأقوال وأشهرها انه كان لم يكن بالغا، فإنه أول من أسلم وآمن برسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الذكور، وقد ذكر عليه السلام ذلك وأشار إليه في أبيات قالها بعد ذلك بمدة مديدة، نقلها عنه الثقات و رواها النقلة الأثبات: محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن امي وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم فويل، ثم ويل، ثم ويل * لمن يلقى الاله غدا بظلمي (1) أقول: ذكر هذه الأبيات بتمامها شيخنا العلامة الأميني، في كتابه الغدير (ج 2: ص 25)، إلا أنه قال بدل (غلاما ما بلغت أوان حلمي): (على ما كان من فهمي و علمي)، وأضاف في الهامش بيتين آخرين، وقال: (وفي رواية الطبرسي بعد هذا البيت: وصليت الصلاة وكنت طفلا مقرا بالنبي في بطن امي ثم قال رحمه الله: (هذه الأبيات كتبها الامام عليه السلام إلى معاوية لما كتب معاوية إليه: إن لي فضائل: كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الاسلام، وأنا صهر رسول الله وخال المؤمنين وكاتب الوحي، فقال أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -: أبا لفضائل يبغي على ابن آكلة الأكباد ؟ اكتب يا غلام: محمد النبي أخي وصنوي -


(1) ابن طلحة: مطالب السؤول ص 11 ط ايران.

[543]

إلى آخر الأبيات المذكورة، فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أخفوا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي طالب، والامة قد تلقتها بالقبول، وتسالمت على روايتها (1). 18 - قال محمد بن جرير الطبري: (عن عباد بن عبد الله، قال: سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين (2). 19 - وعن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: (أول من صلى علي (صلوات الله عليه) (3). 20 - وعن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة - رجلا من الأنصار - يقول: سمعت زيد بن أرقم يقول: (أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم علي عليه السلام (4). 21 - عن يحيى بن عفيف، عن عفيف، قال: (جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب، قال: فلما طلعت الشمس، وحلقت في السماء، وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاءه غلام فقام عن يمينه، قال: فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب، فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه. فقلت: يا عباس ! أمر عظيم ! فقال: أمر عظيم، أتدري من هذا ؟ فقلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، أتدري من هذا معه ؟ قلت: لا، قال: هذا على بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن أخى، أتدرى من هذه المرأة التي


(1) - الاميني: الغدير، ج 2: ص 26. (2) - الطبري: تاريخ الامم والملوك، ج 2: ص 210 / بتحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم. (3) - المصدر. (4) المصدر.

[544]

خلفهما ؟ قلت: لا، قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي، وهذا حدثني أن ربك رب السماء، أمرهم بهذا الذي تراهم عليه، وايم الله، ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة (1). 22 - عن محمد بن سعد، قال: (قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين... (2). 23 - قال العلامة الأميني رحمه الله: (قال [علي] عليه السلام: أسلمت قبل أن يسلم الناس بسبع سنين (3). 24 - قال عليه السلام: (عبدت الله مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الامة (4). 25 - قال عليه السلام: (آمنت قبل الناس سبع سنين (5). 26 - قال عليه السلام: (ما أعرف أحدا من هذه الامة عبد الله بعد نبينا غيري، عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الامة تسع سنين (6). 27 - قال عليه السلام: (عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الامة خمس سنين (7). ثم قال، بعد نقل الأخبار: (لعل الباحث يرى خلافا بين كلمات أمير المؤمنين المذكورة (ص 221 - 224) في سني عبادته وصلاته مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين ثلاث وخمس وسبع وتسع سنين، فنقول: أما ثلاث سنين فلعل المراد منه ما بين أول البعثة إلى إظهار الدعوة من المدة وهي ثلاث سنين، فقد أقام صلى الله عليه واله وسلم بمكة ثلاث


(1) - الطبري: تاريخ الامم والملوك، ج 2: ص 210 / بتحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم. (2) - الطبري: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 316 / بتحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم. (3) - المحب الطبري: الرياض النضرة، ج 2: ص 158. (4) - الحاكم: المستدرك، ج 3: ص 112. (5) - النسائي: الخصائص، ص 3. (6) - النسائي: الخصائص، ص 3. (7) - ابن عبد البر: الاستيعاب، ج 2: ص 448 (راجع الغدير، ج 3: ص 222).

[545]

سنين من أول نبوته مستخفيا، ثم أعلن في الرابعة. وأما خمس سنين فلعل المراد منها سنتا فترة الوحي من يوم نزول إقرأ باسم ربك الذي خلق * إلى نزول يا أيها المدثر * وثلاث سنين من أول بعثته بعد الفترة إلى نزول قوله فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * وقوله: وأنذر عشيرتك الاءقربين * سني الدعوة الخفية التي لم يكن فيها معه صلى الله عليه واله وسلم إلا خديجة و علي، وأحسب أن هذا مراد من قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان مستخفيا أمره خمس سنين كما في (الامتاع) (ص 44). وأما سبع سنين فإنها مضافا إلى كثرة طرقها وصحة أسانيدها معتضدة بالنبوية المذكورة (ص (5) 220)، وبحديث أبي رافع المذكور (ص (6) 227)، وهي سني الدعوة النبوية من أول بعثته صلى الله عليه واله وسلم إلى فرض الصلاة المكتوبة، وذلك أن الصلاة فرضت لا خلاف ليلة الاسراء، وكان الاسراء كما قال محمد بن شهاب الزهري قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد أقام صلى الله عليه واله وسلم في مكة عشر سنين، فكان أمير المؤمنين خلال هذه المدة السنين السبع يعبد الله ويصلي معه صلى الله عليه واله وسلم، فكانا يخرجان ردحا من الزمن إلى الشعب وإلى حراء للعبادة، ومكثا على هذا ما شاء الله أن يمكثا حتى نزل قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * وقوله: وأنذر عشيرتك الاءقربين * وذلك بعد ثلاث سنين من مبعثه الشريف، فتظاهر عليه السلام بإجابة الدعوة في منتدى الهاشميين المعقود لها، ولم يلبها غيره، ومن يومذاك اتخذه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أخا ووصيا وخليفة ووزيرا، ثم لم يلب الدعوة إلى مدة إلا آحادهم بالنسبة إلى عامة قريش والناس المرتطمين في تمردهم في حيز العدم.


(1) - وهى قوله صلى الله عليه واله: (لقد صلت الملائكة على وعلى سبع سنين، لأنا كنا نصلي وليس معنا أحد يصلي غيرنا) (اسد الغابة، ج 4: ص 18). (2) - وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم: (مكث علي يصلي مستخفيا سبع سنين وأشهرا قبل أن يصلى أحد) (أخرجه الطبراني والهيثمي في (المجمع) [ج 9: ص 103] والحموئي في (الفرائد) [الباب 47]).

[546]

على أن إيمان من آمن وقتئذ لم يكن معرفة تامة بحدود العبادات حتى تدرجوا في المعرفة والتهذيب، وإنما كان خضوعا للأسلام وتلفظا بالشهادتين و رفضا لعبادة الأوثان، لكن أمير المؤمنين خلال هذه المدة كان مقتصا أثر الرسول من أول يومه، فيشاهده كيف يتعبد، ويتعلم منه حدود الفرائض ويقيمها على ما هي عليه، فمن الحق الصحيح إذن توحيده في باب العبادة الكاملة والقول بأنه عبد الله وصلى قبل الناس بسبع سنين... وأما تسع سنين فيمكن أن يراد منها سنتا الفترة والسنين السبع من البعثة إلى فرض الصلوات المكتوبة، والمبني في هذه كلها على التقريب لا على الدقة و التحقيق كما هو المطرد في المحاورات، فالكل صحيح لا خلاف بينها ولا تعارض هناك (1).


(1) - الاميني: الغدير، ج 3: ص 241 - 243.

[547]

الفصل 4 الامام على عليه السلام جماله وشمائله 1 - عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من أحب أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته، وإلى ميكائيل في رتبته، وإلى جبرئيل في جلالته، وإلى آدم في سلمه، وإلى نوح في خشيته، و إلى إبراهيم في خلته، وإلى يعقوب في حزنه، وإلى يوسف في جماله، وإلى موسى في مناجاته، وإلى أيوب في صبره، وإلى يحيى في زهده، وإلى يونس في سنته، وإلى عيسى في ورعه، وإلى محمد في حسبه وخلقه، فلينظر إلى علي، فإن فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء جمع الله فيه ولم يجمع لأحد غيره (1). 2 - قال العلامة، الشيخ عبد الرحمن الصفوري الشافعي: (كان [عليه السلام] مربوع القامة، أدعج العينين عظيمهما، حسن الوجه كأن وجهه قمر ليلة البدر، عظيم البطن، أعلاه علم وأسفله طعام، وكان كثير شعر اللحية، وقليل شعر الرأس، عنقه إبريق فضة، رضي الله عنه وعن امه وأخويه جعفر وعقيل وعميه حمزة و عباس (2).


(1) - تقدم وفي كتاب (الأمام على في الاحاديث النبوية)، للعلامة السيد محمد ابراهيم الموحد (ص 221، ط بيروت): (وإلى محمد في خلقه وجسمه وشرفه وكمال منزلته - الخ). (2) - الصفوري: نزهة المجالس ومنتخب النفائس، ص 454، ط بيروت.

[548]

أقول: رجل مربوع وربع وربعة: أي مربوع الخلق لا بالطويل ولا بالقصير، و (الدعج): شدة سواد العين وشدة بياض بياضها، قيل: شدة سوادها مع سعتها (1). 3 - قال العلامة الشيخ شعيب الحريفيشي: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من أراد أن ينظر إلى آدم عليه السلام وسلمه، وإلى يوسف وحسنه، وإلى موسى وصلاته، وإلى عيسى وزهده، وإلى محمد وخلقه فلينظر إلى علي (2). 4 - قال إبن منظور: (في حديث عن ابن عباس، أنه قال: كان علي أمير المؤمنين يشبه القمر الباهر، والأسد الحادر، والفرات الزاخر، والربيع الباكر، أشبه من القمر ضوؤه وبهاؤه، ومن الأسد شجاعته ومضاؤه، ومن الفرات جوده و سخاؤه، ومن الربيع خصبه وحياؤه (3) 5 - وقال - أيضا: (في حديث ابن عباس: ما رأيت أحسن من شرصة علي عليه السلام، هي بفتح الراء الجلحة وهي انحسار الشعر عن جانبى مقدم الرأس، قال إبن الأثير: هكذا قال الهروي، وقال الزمخشري: هو بكسر الشين وسكون الراء وهما شرصتان (4).


(1) - ابن منظور: لسان العرب. (2) - الحريفيشي، روض الفائق، ص 291، ط مصر. (3) - ابن منظور: لسان العرب، ج 14: ص 216 / مادة (حيا). (4) - المصدر، ج 17: ص 46 / مادة (شرص).

[549]

6 - وقال - أيضا: (في صفة علي رضي الله عنه: البطين الأنزع، والعرب تحب النزع و تتيمن بالأنزع، وتذم الغمم (والغمم أن يسيل الشعر حتى يضيق الوجه والقفا) و تتشاءم بالأغم، وتزعم أن الأغم القفا والجبين لا يكون إلا لئيما، ومنه قول هدبة بن خشرم: ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا أغم القفا والوجه ليس بأنزعا (1) 7 - قال العلامة محمد بن طلحة الشافعي: (كان عليه السلام آدم شديد الادمة، ظاهرة السمرة، عظيم العينين، أقرب إلى القصر من الطول لم يتجاوز حد الاعتدال في ذلك، ذا بطن كثير الشعر، عريض اللحية، أصلع أبيض الرأس واللحية، لم يصفه أحد من العلماء بالخضاب غير سودة بن حنظلة فإنه قال: رأيت عليا أصفر اللحية، ولم ينقله غيره، ويشبه أن يكون محمل كلامه أنه قد خضب، ثم تركه، وقد انتشر بين المخبرين واشتهر لأعين المستبصرين وظهر في زبر الاثرين وصدر على ألسنة الاخرين أن من صفاته التي تختص بإضافة نسبها إليه، ونعوته التي تقتص بإضافة لباسها عليه: الأنزع البطين، حتى صارت عليه علما للناظرين. ومما يستفتح أبواب المسامع من واردات طلايع البدايع في معنى صفات البطين الأنزع ما هو ألذ عند السامع من حصول الغنى للبائس القانع، ووصول الأمن إلى قلب الخائف الخاشع وهو أنه 7 لما اشتمل عليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بتربيته إياه ومتابعته في هداه، فكان بأوامره ونواهيه يروح ويغتدي، وبشعاره يتجلب ويرتدي، وباستبصاره في اتباعه يأتم ويهتدي، وعلى الجملة: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي خصه الله - عز وعلا - من أنوار النبوة المنتشرة في الافاق بنفس زكية مستنيرة


(1) - ابن منظور: لسان العرب، ج 18: ص 352 / مادة (نزع).

[550]

الأشراق قابلها بصفائها لانطباع صور مكارم الأخلاق، مطهرة لضيائها من اقتراب كدر الكفر وشقاق النفاق، فنزعت لطهارتها عن ظلمات الشرك وفتكات الأفك، فكان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه واله وسلم معه بغير شك، ونزعت نفسه إلى تكسير الأصنام والتماثيل وتطهير المسجد الحرام من الأوثان والأباطيل وتغيير أساليب الشك والأضاليل... ولم يزل بملازمة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يزيده الله علما حتى قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيما نقله الترمذي في صحيحه بسنده عنه: (أنا مدينة العلم وعلى بابها)، فكان من غزارة علمه يذلل جوامح القضايا، ويوضح مشكلات الوقايع، ويسهل مستصعب الأحكام، فكل علم كان له فيه أثر، وكل حكمة كان له عليها استظهار... وحيث اتضح ما آتاه الله تعالى من أنواع العلم وأقسام الحكمة فباعتبار ذلك وصف بلفظة البطين، فإنها لفظة يوصف من هو عظيم البطن متصف بامتلائه، ولما قد امتلأ علما وحكمة وتضلع من أنواع العلوم وأقسام الحكمة ما صار غذاء له مملوا به وصف باعتبار ذلك بكونه بطينا من العلم والحكمة كمن تضلع من الأغذية الجسمانية ما عظم بطنه، فصار باعتباره بطينا، فاطلقت هذه اللفظة نظرا إلى ذلك، هذا هو المعنى الذي أهدته هداة الروات إلى ألسنة الأقلام... إن لفظة (بطين) هي فعيل، ولفظة فعيل معدولة، فتارة يكون معدولة عن فاعل كشهيد وعليم عن شاهد وعالم، وتارة عن مفعول كقتيل وجريح عن مقتول و مجروح، وتارة عن مفاعل كخصيم ونديم عن مخاصم ومنادم، وتارة عن مفعل كبديع وعجيب عن مبدع ومعجب، وإذا كان محال ما يكون معدولة عنه و أقسامه مفعل فتكون لفظة بطين ههنا معدولة عن مبطن، وقد انتشرت الأخبار في الأقطار، وظهرت الاثار في الأمصار أن عليا 7 قد حصل على علم كثير ومعرفة وافرة ودارية وافية أظهر بعضا لشمول مصلحة معرفته وعموم منفعته، وأبطن

[551]

بعضا إلى حين حضور حملته... (1). 8 - قال العلامة الحافظ، محب الدين الطبري: (وكان عليه السلام ربعة من الرجال، أدعج العينين عظيمهما، حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر، عظيم البطن إلى السمن، عريض ما بين المنكبين، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري، لا يبين عضده قد ادمج إدماجا، شثن الكفين، عظيم الكراديس، أغيد كأن عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كثير شعر اللحية، وكان لا يخضب وقد جاء عنه الخضاب، والمشهور أنه كان أبيض اللحية، وكان إذا مشى تكفأ، شديد الساعد و اليد، وإذا مشى إلى الحروب هرول، ثبت الجنان، قوي ما صارع أحدا إلا صرعه، شجاع منصور عند من لاقاه (2). شرح: (الأغيد): المائل العنق، و (الغيد): النعومة، وامرأة غيداء و (غادة): ناعمة، و (المشاش): رؤوس العظام اللينة، الواحد: مشاشة، و (أدمج) يقال: أدمج الشئ في الشئ إذا أدخله فيه، يريد - والله أعلم - أن عظمي عضده وساعده للينهما قد اندمجا، وهكذا صفة الأسد، و (الضاري): المعود الصيد، و (تكفأ): تمايل في مشيته (3)، و (الشثن): الغليظ بمعنى الشثل، و (الكراديس): جمع الكردوسة وهي كل عظم تكردس أي اجتمع اللحم عليه. 9 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (عن جابر، وابن الحنفية: كان علي عليه السلام رجلا دحداحا، ربع القامة، أزج الحاجبين، أدعج العينين أنجل، تميل إلى الشهلة، كأن وجهه القمر ليلة البدر حسنا، وهو إلى السمرة، أصلع، له حفاف من خلفه كأنه إكليل، وكأن عنقه إبريق فضة، وهو أرقب، ضخم البطن، أقرا الظهر، عريض الصدر، محض المتن، شثن الكفين، ضخم الكسور، لا يبين عضده من ساعده قد


(1) - ابن الطلحة: مطالب السؤول، ص 12، ط ايران. (2) - الهيثمي: ذخائر العقبى، ص 57، ط القاهرة. (3) - الهيثمي: ذخائر العقبى، ص 57، ط القاهرة.

[552]

ادمجت إدماجا، عبل الذراعين، عريض المنكبين، عظيم المشاشين كمشاش السبع الضاري، له لحية قد زانت صدره، غليظ العضلات، حمش الساقين، قال المغيرة: كان علي عليه السلام على هيئة الأسد، غليظا منه ما استغلظ، دقيقا منه ما استدق). بيان: (أحمش الساقين) أي دقيقها، ويقال: حمش الساقين - أيضا - بالتسكين، و (الدحداح): القصير السمين، والمراد هنا غير الطويل أو السمين فقط بقرينة ما بعده، و (الزجج): تقوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداده، و (الدعج) شدة السواد في العين أو شدة سوادها في شدة بياضها، والنجل: سعة العين، و (الشهلة) - بالضم -: أقل من الزرقة في الحدقة وأحسن منه، أو أن تشرب الحدقة حمرة ليست خطوطا كالشكلة، ولعل المراد هنا الثاني، و (الصلع): انحسار شعر مقدم الرأس، و (الحفاف) - ككتاب -: الطرة حول رأس الأصلع، و (الأكليل): شبه عصابة تزين بالجواهر، و (الأرقب): الغليظ الرقبة، وقال الجوهري: و (القراء): الظهر، وناقة قرواء: طويلة السنام، ويقال: الشديدة الظهر بينة القرى، ولايقال: جمل أقرى. وقال الفيروز آبادي: (المقروري): الطويل الظهر، و (المحض): الخالص. و (متنا الظهر) مكتنفا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم، ولعله كناية عن الاستواء أو عن اندماج الأجزاء بحيث لا يبين فيه المفاصل ويرى قطعة واحدة. وقال الجزري في صفته: (شثن الكفين والقدمين) أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو أن يكون في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم، ويذم في النساء. وقال الفيروز آبادي: (الكسر) - ويكسر -: الجزء من العضو أو العضو الوافر، أو نصف العظم بما عليه من اللحم، أو عظم ليس عليه كثير لحم، والجمع: أكسار وكسور، و (العبل): الضخم من كل شئ، وقال الجزرى: في صفته: (جليل المشاش)، أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين، وقال

[553]

الجوهري: هي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها، أقول: لعل المراد هنا منتهى عظم العضد من جانب المنكب، و (السبع الضاري) هو الذي اعتاد بالصيد لا يصبر عنه، قوله: (ما استغلظ) أي من الأسد أو من الأنسان، أي كل ما كان فيه غليظا ففيه كان أغلظ، وكذا العكس (1). 10 - قال العلامة علي بن عيسى الاربلي رحمه الله: (قال الخطيب أبو المؤيد الخوارزمي، عن أبي إسحاق، قال: رأيت عليا أبيض الرأس واللحية، ضخم البطن، ربعة من الرجال، وذكر ابن مندة أنه 7 كان شديد الادمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، وهو إلى القصر أقرب، أبيض الرأس واللحية، وزاد محمد بن حبيب البغدادي، صاحب (المحبر الكبير) في صفاته 7: آدم اللون، حسن الوجه، ضخم الكراديس. واشتهر عليه السلام بالأنزع البطين، أما في الصورة فيقال: رجل أنزع بين النزع و هو الذي انحسر الشعر عن جانبي جبهته، وموضعه النزعة وهما النزعتان، ولا يقال لامرأة: نزعاء، ولكن زعراء، والبطين: الكبير البطن، وأما المعنى فإن نفسه نزعت يقال: نزع إلى أهله ينزع نزاعا: اشتاق، ونزع عن الامور نزوعا: انتهى عنها، أي نزعت نفسه عن ارتكاب الشهوات فاجتنبها، ونزعت إلى اجتناب السيئات فسد عليه مذهبها، ونزعت إلى اكتساب الطاعات فأدركها حين طلبها، ونزعت إلى استصحاب الحسنات فارتدى بها وتجلببها. وامتلأ علما فلقب بالبطين، وأظهر بعضا وأبطن بعضا حسب ما اقتضاه علمه الذي عرف به الحق اليقين، وأما ما ظهر من علومه فأشهر من الصباح وأسير في الآفاق من سري الرياح، وأما ما بطن فقد قال: (بل اندمجت على مكنون علم لو


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 35: ص 2 و 3.

[554]

بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة) () 1، وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فقال: من كان قد عرقته مدية دهره * ومرت له أخلاف سم منقع فليعتصم بعرى الدعاء ويبتهل * بإمامة الهادي البطين الأنزع نزعت عن الاثام طرا نفسه * ورعا فمن كالأنزع المتورع وحوى العلوم عن النبي وراثة * فهو البطين لكل علم مودع ومما ورد في صفته عليه السلام ما أورده صديقنا المعز المحدث، وذلك حين طلب منه السعيد بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، أن يخرج أحاديث صحاحا وشيئا مما ورد في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وصفاته، وكتبت على الأنوار الشمع الاثني عشر التي حملت إلى مشهده عليه السلام وأنا رأيتها، قال: كان ربعة من الرجال... (2) إلى آخر ما أوردناه من سائر الكتب. 11 - (وكان عليه السلام بشره دائم وثغره باسم غيث لمن رغب وغياث لمن ذهب مآل الآمل وثمال الارامل يتعطف على رعيته ويتصرف على مشيته و يكفه بحجته ويكفيه بمهجته (3)) 12 - قال ابن أبي الحديد: (وأما سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا والتبسم فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه قال عمرو بن العاص لاهل الشام: إنه ذو دعابة شديدة وقال علي عليه السلام في ذلك (عجبا لابن النابغة يزعم لاهل الشام أن في دعابة وأني امرء تلعابة اعافس وامارس و عمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه:


(1) اندمج: إذا دخل في الشئ واستتر فيه والارشية: الحبال واحدها: رشاء والطوي: البئر المطوية. (2) إربلي: كشف الغمة ج ؟: ص 75 - 77. (3) المجلسي: بحار الانوار ج 41: صص 131 و 51.

[555]

(لله أبوك لولا دعابة فيك) إلا أن عمر اقتصر عليها وعمرو زاد فيها وسمجها. قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه: كان فينا كأحدنا لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة قال قيس: نعم كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يمزح ويتبسم إلى أصحابه و أراك تسر حسوا في ارتغاء وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة و الطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى تلك هيبة التقوى ليس كما يهابك طغام أهل الشام (1)). استطراد في تحريف الكتب: لما بلغ الكلام إلى نقل العلامة الأربلي عن كتاب (المحبر) للعلامة النسابة، أبي جعفر محمد بن حبيب بن امية بن عمرو الهاشمي البغدادي (المتوفى سنة 245،) حان حين إبراز التأسف عما جنته يد التحريف أو عدم الاعتناء بشأن المقابلة و التصحيح وما حرفته يد الطبع الأمينة في هذا الكتاب وكثير من الكتب المطبوعة، وقد فصلنا القول في هذا الباب وفي تحريف مكانة كثير من الصحابة والرواة و العلماء والشعراء وفق ما خطته للمحرفين أنفسهم حسب نزعاتهم المذهبية و القومية والحزبية والحمية الجاهلية، وفي هذا بلاغ للمستبصر وتذكرة للمذكر، فاستمع لما يتلى: 1 - كتاب (المحبر): اعلم أن النسخة التي الان بين يدي وأمام عيني من الكتاب نسخة طبعت في سنة 1361 في مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية على نفقتها بعاصمة الدولة الاصفية (حيدر آباد - دكن)، وإني طالعت الكتاب من أوله


ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج 1: ص 25 والتلعابة بفتح التاء وكسرها: الكثير اللعب و المزح. والمعافسة: الملاعبة والممارسة: ملاعبة النساء.

[556]

إلى آخره، وتصفحته من بدئه إلى ختمه، وتعمقت أسطاره فلم أجد فيه الكلام الذي ذكره العلامة الأربلي منه، ومن أهدى إلي الكلام المذكور بعينه ونصه في أصل الكتاب أعني (المحبر) فله علي وعلى زملائي حق لاننساه. نعم، لعل الخائنين حرفوا ذلك، وليس هذا ببعيد، وكم له من نظير. 2 - كتاب (الفتوحات المكية): ومن ذلك حذفهم أسامي الأئمة عليهم السلام من الفتوحات المكية لمحيي الدين ابن العربي على ما في اليواقيت والجواهر للشعراني، فإن فيه عين عباراته كما في المطبوعة منه مع تلك الأسامي الشريفة، قال العلامة عبد الوهاب الشعراني (المتوفى 973) في (اليواقيت) (ج 2 / المبحث 65، ط دار المعرفة، بيروت - لبنان)، ما هذا لفظه وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات: (اعلموا أنه لابد من خروج المهدى 7، لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورا وظلما، فيملأها قسطا وعدلا، ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من ولد فاطمة - رضي الله عنه -، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده حسن العسكري، ابن الأمام علي النقي - بالنون -، ابن الامام محمد التقي - بالتاء -، ابن الأمام علي الرضا، ابن الأمام موسى الكاظم، ابن الأمام جعفر الصادق، ابن الأمام محمد الباقر، ابن الأمام زين العابدين علي، ابن الأمام الحسين، ابن الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، يبايعه المسلمون بين الركن والمقام، يشبه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الخلق - بفتح الخاء -، وينزل عنه في الخلق - بضمها -). هذا ما في (اليواقيت)، وفي المجلد الثالث من (الفتوحات) (الباب 366، ص 419، ط بولاق - مصر،: (اعلم - أيدك الله - أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جورا وظلما، فيملأه قسطا وعدلا، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من ولد فاطمة،

[557]

جده الحسن بن علي، يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم... إلى آخر ما قال). فالتصحيف والتحريف في موضعين: أحدهما أن في (اليواقيت): جده الحسين بن علي، وفي (الفتوحات) من ذلك الطبع: الحسن بن على، والثاني حذف أسامي الأئمة عليهم السلام برمتها. 3 - جمهرة ابن دريد: ومن ذلك ما وقع التحريف في (جمهرة) ابن دريد، محمد بن الحسن (المتوفى 321) (ج 1: ص 71) قال فيه: (غدير خم معروف (1) و هو الموضع الذي قام فيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خطيبا بفضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)، كذا في المطبوع من الجمهرة، وقد حكى عنه ابن شهر آشوب وغيره في العصور المتقدمة من النسخ المخطوطة ما نصه: (هو الموضع الذي نص النبي صلى الله عليه واله وسلم فيه على علي عليه السلام)، وقد حرفته يد الطبع الأمينة 4 - موطا مالك: ومن ذلك موطأ مالك، حيث ورد فيه وفي شرحه تنوير الحوالك (ط شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1370، ج 1: ص 307 / باب الجهاد): (عن أبي النصر - مولى عمر بن عبيدالله - أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لشهداء احد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله، إخوانهم ؟ أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا ! فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: بلى، ولكن لاأدري ما تحدثون بعدي، فبكى أبو بكر ثم بكى ثم قال: أإننا لكائنون بعدك) ؟ وأما من طبعه بالقاهرة (سنة 1387، بتحقق عبد الوهاب عبد اللطيف) فالحديث اسقط بتمامه. 5 - حياة محمد (ص): ومن ذلك (حياة محمد صلى الله عليه واله وسلم) لمحمد حسنين هيكل، حيث أورد (في الخامس، ص 104، من الطبعة الأولى منه) قصة الأنذار بالتفصيل،


(1) - راجع هامش الغدير، ج 1، ص 8. (*)

[558]

وقال: قال صلى الله عليه واله وسلم لهم: (... فأيكم يؤازرني على هذا الأمر وأن يكون أخي و وصيي وخليفتي فيكم ؟ فأعرضوا عنه وهموا بتركه...). وقد حذف من طبعه الثاني والثالث (سنة 1345 و 1358 في دار الكتب المصرية) قوله صلى الله عليه واله وسلم: (وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم). 6 - تفسير الطبري: ومن ذلك تفسير الطبري، فقد نقل فيه (ج 19: ص 112، ط 1373، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر): (فقال (رسول الله صلى الله عليه واله وسلم): يا بني عبد المطلب !... فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا ؟... ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا هذا). وقد ورد في الجزء 2 منه بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (ص 321، ط دار المعارف بمصر): (فقال: يا بني عبد المطلب !... فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟... ثم قال: إن هذا أخي و وصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا). أقول: ولا أدري أكان هذا العمل الموجب للأسف من الطبري أو من غيره، والله أعلم. 7 - مكاسب الشيخ الانصاري: وذلك الذي يحرق جدا قلوب الموالي، و يوجب لهم حزنا كثيرا وقوع الحذف والاسقاط في (المكاسب) لشيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله قال رحمه الله في (المكاسب) (ط تبريز، سنة 1375، بخط طاهر خوشنويس، بمطبعة الأطلاعات، ص 40) عند ذكر حرمة الغيبة: (وكيف كان فما سمعناه من بعض من عاصرناه من الوسوسة في عدها من الكبائر أظنها في غير المحل، ثم إن ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن، فيجوز اغتياب المخالف كما يجوز لعنه، وتوهم عموم الاية كبعض الروايات لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الاسلام عليهم إلا قليلا مما يتوقف استقامة نظم معاش المؤمنين عليه مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة، وحل ذبائحهم ومنا كحتهم، وحرمة دمائهم لحكمة

[559]

دفع الفتنة ونسائهم و (فسادهم - ظ)، لأن لكل قوم نكاحا، ونحو ذلك، مع أن التمثيل المذكور في الاية مختص بمن ثبت اخوته، فلا يعم من وجب التبري عنه، وكيف كان فلا إشكال في المسألة بعد ملاحظة الروايات الواردة في الغيبة وفي حكمة حرمتها و في حال غير المؤمن في نظر الشارع - الخ). هذا وقد اسقط منه في طبع عبد العزيز البغدادي (صاحب المكتبة العربية، ج 3: ص 320) ومن قوله (ثم إن ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن - إلى قوله: - وكيف كان فلا إشكال في المسألة...) وأيضا قوله (وفي حال غير المؤمن). الاستدراك 1 - صحيح البخاري روى هذا الحديث: (كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وليس معنا نساء فقلنا ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل: ثم قرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (1) رواها عن البخاري جماعة من المحدثين والمفسرين والفقهاء بهذا النص ولكن الموجود في صحيح البخاري المتداول: الجزء 6 الصفحة 53 يخالف ما ذكره هؤلاء من وجهين: 1 - حذف كلمه: (ابن مسعود) من سند الحديث وقد ذكره معظمهم لانه كان يقول بجواز المتعة حتى لا تكون قرينة على أن المراد بهذه الرواية هو جواز نكاح المتعة وترخيصه. حذف كلمة: (إلى أجل) من آخر الرواية لانها صريحة في ترخيص نكاح


(1) المائدة 5: 87.

[560]

المتعة كما فهمها الشراح وفسروها لان الترخيص في النكاح في هذا المورد لابد وأن يكون ترخيصا لنكاح المتعة دون النكاح الدائم خاصة وإن المقصود من: (ليس معنا نساء) ولدلالة هذه الرواية على نكاح المتعة ادعى غير واحد من الفقهاء نسخ هذا الحكم الثابت في هذه الرواية بتحريم نكاح المتعة بعد ذلك بروايات اخرى تفيد تحريمها. ومع أن ذلك لا يتم لهم لاسباب مرت عليك عند مناقشة تلك الروايات في آية المتعة فإن يد التحريف تناولت هذه الرواية فغيرتها عما كانت عليه من الصحة. ألا قاتل الله التحريف وأهواء المحرفين ! ومن المحدثين والمفسرين والفقهاء الذين رووا الحديث المذكور عن البخاري علي وجه الصحة هم: المصدر الجزء الصفحة طبعة أ البيهقي في سننه 200 7 حيدر آباد ب السيوطي في تفسيره 207 2 الميمنية بمصر ج الزيلعي في نصب الراية 180 3 دار التأليف بمصر د ابن تيمية في المنتقى 517 2 الحجازي بمصر هو ابن القيم في زاد المعاد 8 4 محمد علي صبيح بمصر والقنوچي في الروضة الندية 16 2 المنيرية بمصر ز محمد بن سليمان في جميع الفوائد 589 1 دار التأليف بمصر

[561]

وهذه الرواية مصادر أخرى وهي: الجزء الصفحة طبعة ح مسند أحمد 420 1 مصر 1313 ط تفسير القرطبي 130 5 مصر 1356 ي تفسير ابن كثير 87 2 مصر على الباقي ك أحكام القرآن 184 2 مصر 1347 ل الاعتبار للخازمي - 176 حيدر آباد وهناك مصادر اخرى كصحيح أبي حاتم البستي وغير ذلك من أمهات المصادر (1) 2 - المعارف لابن قتيبة قال الگنجي الشافعي (المقتول سنه 658) في كفاية الطالب) في ذكر عدد أولاده عليه السلام: كان له من سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم وامها سيدة نساء العالمين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى الحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى وساق الكلام إلى أن قال: - وزاد على الجمهور وقال: وان فاطمة عليها السلام أسقطت بعد النبي ذكرا كان سماه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم محسنا. وهذا شئ لا يوجد عند أحد من أهل النقل إلا عند ابن قتيبة (2). وأيضا قال محمد بن علي بن شهرآشوب (المتوفى سنة 588) في (مناقب آل ابي طالب): وأولادها الحسن والحسين والمحسن سقط وفي (معارف القتيبي) إن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي وزينب وأم كلثوم (3).


(1) السيد الامام الخوئي: البيان في افسير القرآن قسم التعليقات (7) ص 546. (2) الكنجي: كفاية الطالب ص 411) ط الحيدرية النجف الاشرف. (3) ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 358.

[562]

ولكن مع الاسف الموجود في الطبعات التي بين أيدينا من المعارف هكذا: (و أما محسن بن علي فهلك وهو صغير). هذه خيانة عظيمة وجناية كبيرة على الكتب ومعارف الدين. 3 - قال ابن الحديد المعتزلي في (شرح النهج) (ج 4: ص 68 / بتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم): روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن قاسم عن عمر بن عبد الغفار: إن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه فقال: يا أبا هريرة ! أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ؟ فقال: اللهم نعم قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه و عاديت وليه. ثم قام عنه. وروت الرواة أن أبا هريرة كان يؤاكل الصبيان في الطريق ويلعب معهم وكان يخطب وهو أمير المدينة فيقول: الحمد لله الذي جعل الدين قياما وأبا هريرة إماما يضحك الناس بذلك وكان يمشي وهو أمير المدينة في السوق فإذا انتهى إلى رجل يمشي أمامه ضرب برجليه الارض ويقول: الطريق الطريق قد جاء الامير يعني نفسه قلت: قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة وقوله فيه حجة انه غير متهم عليه انتهى. قال العلامة الاميني قدس الله روحه بعد نقل هذا الكلام في الغدير (ج 1: ص 204): هذا كله قد أسقطه عن كتاب (المعارف) (ط مصر ص 1353 ه‍) يد التحريف اللاعبة به وكم فعلت هذه اليد الامينة لدة هذه في عدة موارد منه كما أنها أدخلت فيه ما ليس منه انتهى. 4 - قال ابن أبي الحديد في (ج 19: ص 217): المشهور إن عليا عليه السلام ناشد الناس الله في الرحبة بالكوفة فقال: أنشدكم الله ! رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول لي وهو

[563]

منصرف عن حجة الوداع: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) فقام رجال فشهدوا بذلك فقال عليه السلام لانس بن مالك: لقد حضرتها فما بالك ؟ ! فقال: يا أمير المؤمنين ! كبرت سني وصار ما أنساه أكثر مما أذكره. فقال له عليه السلام: إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة فما مات حتى أصابه البرص وساق الكلام إلى أن قال: - وقد ذكر ابن قتيبة حديث البرص والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنين عليه السلام على أنس بن مالك في كتاب (المعارف) في باب البرص من أعيان الرجال وابن قتيبة غير متهم في حق علي عليه السلام على المشهور من انحرافه عنه. قال العلامة الاميني رحمه الله في (الغدير) (ج 1 ص 192) بعد نقل بعض هذا الكلام من (معارف) ابن قتيبة: وهو يكشف عن جزمه بصحة العبارة وتطابق النسخ على ذلك كما يظهر من غيره أيضا ممن نقل هذه الكلمة عن كتاب (المعارف) لكن ما ليس منه فزادت بعد القصة ما لفظه: قال أبو محمد: ليس لهذا أصل. ذهولا عن أن سياق الكلام يعرب عن هذه الجناية ويأبى هذه الزيادة إذا لمؤلف يذكر فيه من مصاديق كل موضوع ما هو المسلم عنده ولا يوجد من أول الكتاب إلى آخره حكم في موضوع بنفي شئ من مصاديقه بعد ذكره إلا هذه. فأول رجل يذكر في عد من كان عليه البرص هو أنس ثم يعد من دونه فهل يمكن أن يذكر مؤلف في إثبات ما يرتأيه مصداقا ثم ينكره بقوله لا أصل له ؟ وليس هذا التحريف في كتاب (المعارف) بأول في بابه.. 5 - تاريخ اليعقوبي قال ابن واضح في تاريخه (ج 2 ص 35 ط الحيدرية - النجف الاشرف) بتحقيق العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم: ونزل عليه: من القرآن بالمدينة اثنتان وثلاثون سورة إلى أن قال: - وقد قيل إن آخر ما نزل عليه اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا وهي

[564]

الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة وكان نزولها يوم النص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بغدير خم. ولكن الموجود في طبعه دار صادر (ط بيروت ج 2 ص 43) وكان نزولها يوم النفر على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد ترحم. 6 - صحيح الترمذي قال العلامة الحلي رحمه الله في (نهج الحق) (ص 283 ط بيروت) بتحقيق الحجة الشيخ فرج الله في مطاعن الثاني: (في صحيح الترمذي قال: سئل ابن عمر عن متعة النساء فقال: هي حلال وكان السائل من أهل الشام فقال له: إن أباك قد نهى عنها ! فقال ابن عمر: إن كان أبي قد نهى عنها وضعها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نترك السنة ونتبع قول أبي ؟ !). أقول: نقل هذا الحديث بنصه وعينه الشهيد الثاني في (شرح اللمعة) في الفصل الرابع في نكاح المتعة (ط النجف ج 5 ص 283) إلا جاء بدل (وضعها رسول الله) و (قد سنها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) - و - ايضا - جاء الحديث في جواهر الكلام (ج 30: ص 145) في النكاح المنقطع وشرعيته في الاسلام نقلا عن (صحيح الترمذي) ولكن ما كان الموجود في صحيح الترمذي في باب ما جاء في نكاح المتعة حديثان 1130 و 1131 يدلان على حرمة نكاح المتعة وليس للحديث المذكور الذي نقله الاعلام أثر ولا غبار. فراجع البتحفة الاحوذي في شرح جامع الترمذي) (ط بيروت - دار المعرفة) 7 - حديث الخلافة قال عليه السلام: واعجباه ! تكون الخلافة بالصحابة والقرابة ؟ و روى له شعرا في هذا المعنى: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب ولكن الموجود في شرح ابن ابي الحديد المعتزلي (ج 18: ص 416) هكذا:

[565]

(واعجباه ! أن تكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة ؟ وهكذا في (شرح النهج) للعلامة مولى صالح القزويني (ج 4: ص 180 ط اسلامية) وما كان في شرح المعتزلي والقزويني هو الصحيح. 8 - كتاب مسند احمد بن حنبل قال العلامة الحلي رحمه الله في (نهج الحق وكشف الصدق): (217 و 218): (في (مسند) أحمد بن حنبل من عدة طرق: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم آخي بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا فقال: يارسول الله ! آخيت بين أصحابك وتركتني ! فقال: إنما تركتك لنفسي أنت اخي وأنا أخوك فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله لا يدعيها بعدك إلا كذاب والذي بعثني بالحق ! ما أخرتك إلا لنفسي أنت بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي..). قال العلامة المظفر رحمه الله في ذيل هذا الكلام: نقل في (ينابيع المودة (في الباب التاسع) حديث المؤخاة عن أحمد في مسنده عن زيد بن أبي أوفى كما نقله المصنف رحمه الله في (منهاج الكرامة) عن المسند ايضا إلى أن قال: - ثم حكى في (الينابيع) ايضا عن أحمد في مسنده عن حذيفة بن اليمان قال: (آخي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين المهاجرين والانصار وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره ثم أخذ بيد علي عليه السلام فقال: هذا أخي). وحكى أيضا عن عبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) ثمانية احاديث في مؤاخاة النبي صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام فيمكن أن يكون المصنف رحمه الله أشار إلى هذه الاحاديث بقوله: من عدة طرق وكان القوم قد تعللوا لحذفها من (المسند) في الطبع بدعوى أنها من الزيادات فإني لم أعثر على شئ منها (1).


(1) المظفر: دلائل الصدق ج 2: ص 414 ط القاهرة.

[566]

10 - كتاب صحيح مسلم وقال ايضا رحمه الله (في ص 569): وذكر الحاكم (1): إن مسلما أخرج حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: (خير نساء العالمين أربع) و لم أجده في صحيح مسلم لا في فضائل خديجة ولا في فضائل فاطمة عليها السلام نعم روى في فضائل خديجة (ج 7 ص 123) عن أبي موسى: (لم يكمل من النساء غير مريم وآسية وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). فلعل النساخ حرفوا الحديث إيثارا لعائشة بالفضل كما يشهد له أن هذا الحديث لم يشمل على ذكر خديجة فكيف أخرجه مسلم في فضائلها ولو لم يكن أصل لما ذكره الحاكم لتعقبه الذهبي في تلخيصه وساق الكلام إلى أن قال رحمه الله: - وقد رغب بعض القوم أن يعارض حديث سيادة الزهراء عليهما السلام بما وضعه على لسان النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) وهو ظاهر الوضع إذا لا يحسن نسبة هذا التشبيه الواهي إلى من اعطي جوامع الكلم و كان أفصح من نطق بالضاد وكيف لا يجزم بكذبه من عرف طريقة النبي صلى الله عليه واله وسلم في لطف كلامه وحسن بيانه وبديع تشبيهاته ؟ وأين هو من قوله: (فاطمة سيدة نساء العالمين) ؟ وليت شعري أيكون الفضل جزافا ؟ وقد خالفت أمر الله في كتابه بقرارها في بيتها وقد خرجت على إمام زمانها الذي قال فيه رسول الله صلى الله عيه واله وسلم: (حربك حربي) وجاهرت بعداوته وقد قال النبي صلى الله عليه واله وسلم فيه: (من عاداك عاداني و من عاداني عاد الله) واستمرت على بغضه وقد جعل الرسول بغضه دليل على النفاق وقال فيه: (من أبغضك أبغضني ومن أبغضني أبغض الله). والشاهد أو المؤيد على ما قلنا ما جاء في ملحقات إحقاق احق للعلامة المرعشي رحمه الله:


(1) النسيابوري: المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 154 مطبوعات الاسلامية حلب.

[567]

إيقاظ وإزاحة اشتباه قد أوردنا في (ج 13: ص 85) في طرق الحديث الشريف (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) عن صحيح مسلم ونقلنا عنه بلا واسطة ولكنه مع الاسف اشتباه مطبعي والصحيح هكذا: ومنهم العلامة الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبى الوفاء (المتوفى سنة 775) في (الجواهر المضيئة) (ج 2: ص 457 ط حيدر آباد دكن) روى عن صحيح مسلم ما هذا لفظه: وقوله في (صحيح مسلم): من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (1). إن كان الحديث موجودا وعثر عليه لم يحتج إلى هذا الكلام ولا إلى الايقاظ وإزاحة الاشتباه (2). - 11 التحريف في ديوان حسان 1 - قال العلامة الاميني رحمه الله في الغدير (ج 2: ص 41): إن لحسان في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مدايح جمة غير ما سبقت الاشارة إليه وسنوقفك على ما التقطناه من ذلك فمن هذه الناحية نعرف أن يد الامانة لم تقبض عليها يوم مدت إلى ديوانه فحرفت الكلم عن مواضعها ولعبت بديوان حسان كما لعبت بغيره من الدواوين والكتب والمعاجم التي أسقطعت منها مدايح أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم والذكريات الحميدة لاتباعهم كديوان الفرزدق الذي أسقطوا منها ميميته المشهورة في مولانا الامام زين العابدين عليه السلام مع إشارة الناشر إليها في مقدمة شرح ديوانه وقد طفحت بذكرها الكتب والمعاجم وكديوان كميت فإنه حرفت منه أبيات كما زيدت عليه اخرى وكديوان أمير الشعراء أبي فراس وكديوان


(1) ملحقات الاحقاق ج 14: ص 2. (2) كتاب المعارف لابن قتيبة بتعليق ثروت عكاشة.

[568]

كشاجم الذي زحزحوا عنه كمية مهمة من مرائي سيدنا الامام السبط الشهيد سلام الله عليه. 12 - التحريف في قصيدة الناشئ الصغير ومن القصائد التي وقع التحريف فيها قصيدة مشهورة للناشئ الصغير (المتوفى سنة 365) أبو الحسن علي بن عبد الله بن وصيف الحلاء جاء في (وفيات الاعيان) هو من شعراء المحسنين وله في أهل البيت قصائد كثيرة وكان متكلما بارعا أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت المتكلم وكان من كبار الشيعة وله تصانيف كثيرة وكان جده وصيف مملوكا وأبوه عبد الله عطارا والحلاء بفتح الحاء وتشديد اللام وانما قيل له ذلك لانه كان يعمل حلية من النحاس (1). قال الشاعر رحمه الله: بآل محمد عرف الصواب * وفي أبياتهم نزل الكتاب هم الكلمات والاسماء لاحت * لآدم حين عزله المتاب وهم حجج الاله على البرايا * بهم وبحكمهم لا يستراب وأنوار ترى في كل عصر * لارشاد الورى فهم شهاب ولا سيما أبو حسن علي * له في الحرب مرتبة تهاب علي الدر والذهب المصفى * وباقى الناس كلهم تراب كأن سنان ذابله ضمير * فليس عن القلوب له ذهاب وصارمه كبيعته بخم * معاقدها من القوم الرقاب إذا لم تبر من أعداء علي * فما لك في محبته ثواب هو البكاء في المحراب ليلا * هو الضحاك إن جد الضراب


(1) ابن خلكان: وفيات الاعيان ج 3: ص 52.

[569]

هم النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب (1) قال العلامة الاميني رحمه الله: الاصح إن هذه القصيدة للناشئ كما صرح به ابن شهرآشوب (2). أقول: ولكن جاء بعض هذه الابيات في بعض المطبوعات المصرية محرفا مغيرا فلاحظ حتى يتضح لك الحقيقة. قال ابن خلكان في (وفيات الاعيان) (ج 3: ص 52 / بتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد): كأن سنان ذابله ضمير * فليس من القلوب له ذهاب وصارمه لبغتته كنجم * مقاصدها من الخلق الرقاب فانطر كيف حرفت الكلمة عن موضعها فصارت كلمة (كبيعته بخم) (لبغتته كنجم) ! 13 - التحريف في أبيات لابي تمام الطائي رحمه الله 3 - قال العلامة الاميني رحمه الله في (الغدير) (ج 2: ص 331): لا أجد لذي لب منتدحا عن معرفة يوم الغدير لا سيما وبين يديه كتب الحديث والسير ومدونات التاريخ والادب كل يومي إليه بسبابته ويوعز إليه ببنانه كل يلمس يدي القارئ حقيقة يوم الغدير فلا يدع له ذكرا خاليا منه إلى أن قال: ولعل الواقف على كتابنا هذا من البدء إلى الغاية يجد فيه نماذج مما قلناه. إذا فهلم معي واعجب من الدكتور ملحم إبراهيم الاسود شارح ديوان شاعرنا المترجم حيث يقول عند قوله: (ويوم الغدير استوضح الحق أهله): يوم الغدير واقعة حرب معروفة. وذكر بعده في قوله: (يمد بضبعيه ويعلم أنه) ما يكشف عن أنها كانت من المغازي النبوية قال (ص 381): يمد بضبعيه يساعده وينصره والهاء راجعة الى


(1) أوردناها ملخصا. (2) الاميني: الغدير ج 4: ص 27.

[570]

الامام علي أي كان رسول صلى الله عليه واله وسلم ينصره ويعلم أنه ولي كان العضد والمساعد الوحيد للنبي صلى الله عليه واله وسلم في الغدير والرسول نفسه كان ينصره عالما أنه سيكون وليا على شعبه بعده وخليفة له... وقال رحمه الله (في ص 333): أبو تمام أحد رؤساء الامامية كما قال الجاحظ و الاوحد من شيوخ الشيعة في الادب في العصور المتقادمة ومن أئمة اللغة ومنتجع الفضيلة والكمال كان يؤخذ عنه الشعر وأساليبه وينتهي إليه السير ويلقى لديه المقالد وفي معاهد التنصيص: إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف ارجوزة للعرب غير المقاطيع والقصائد. وفي التكلمة: أنه أخمل في زمانه خمسمائة شاعر كلهم مجيد. 14 - التحريف في ديوان أبي الطيب المتنبي قال العلامة السيد عبد الزهراء في (مصادر نهج البلاغة) (ج 1 ص 146 ط بيروت - مؤسسة الاعلمي): قال: أبو الطيب المتنبي وقد عوتب على تركه مدح امير المؤمنين عليه السلام -: وتركت مدحي للوصي تعمدا * إذ كان نورا مستطيلا شاملا وإذا استطال الشئ قام بنفسه * وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا جاء في ذيل الصفحة المذكورة: مما يؤسف له إن هذين البيتين حذفتا من بعض طبعات ديوان المتنبي حتى إن الاستاذ عبد الرحمن البرقوقي ذكرهما في الطبعة ذات الجزئين (ج 2: ص 546) وحذفهما في الطبعة ذات الاربعة أجزاء (و عليه هذه فقس ما سواها). 15 - كتاب عقائد النسفي. قال العلامة الاميني رحمه الله في (الغدير) (ج 10: ص 360 / في باب نظرة في أحاديث معاوية): قوله صلى الله عليه واله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)

[571]

ذكره التفتازاني في شرح المقاصد (ج 2: ص 275) وجعله لدة قوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم في المفاد. وبهذا اللفظ ذكره التفتازاني أيضا في شرح عقائد النسفي (المطبوع سنة 1302) غير أن يد الطبع الامينة على ودائع العلم والدين حرفت من الكتاب في طبع سنة 1313 سبع صحائف يوجد فيها هذا الحديث وحكاه الشيخ على القاري صاحب المرقاة في خاتمة (الجواهر المضيئة) (ج 2: ص 509) وقال (في ص 457): وقوله صلى الله عليه واله وسلم في صحيح مسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) معناه من لم يعرف من يجب عليه الاقتداء والاهتداء به في أوانه انتهى. 16 - كتاب اكمال الدين محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا الحسن بن علي النيسابوري قال: حدثني الحسن بن المنذر عن حمزة بن أبي الفتح قال: جاءني يوما فقال لي: البشارة ! ولد البارحة في الدار مولود لابي محمد عليه السلام وأمر بكتمانه وأمر أن يعق عنه ثلاث مائة شاة (1) وأيضا نسخة قديمة في المكتبة العامة في المسجد الجامع بطهران لآية الله السعيد الطهراني رحمه الله ولكن لم توجد هذه العبارات في الطبعات الاخيرة من الكتاب ولعل النساخ والمصححين لما لم يوقفوا ولم يطلعوا على سر هذا العدد في العقيقة أسقطوا العبارة وحذفوها نعم ان ههنا سرا عظيما و حكمة دقيقة يعلم من أهل البيت عليهم السلام فان الصادق عليه السلام أخبر عن ذلك فلاحظ ما قاله عليه السلام: (كل مولود مرتهن بالعقيقة (2)) فالحديث الشريف يدل على أن العقيقة تأمن حياة الطفل وتطيل عمره ولما كان صاحب العصر والزمان عليه السلام الذي قدر الله له تبارك وتعالى أن تعيش عشرة آلاف سنين أو أكثر فاقتضى أن يعق عنه


(1) الصدوق: كمال الدين ج 2 ص 106 ط طهران المطبوع بالترجمة الفارسية سنة 1396. وأيضا: النجعة كتاب النكاح ص 166 - 167 ومستدرك الوسائل 15 / 141 وفيه: لم تكن هذه الزيادة في نسخة العلامة المجلسي. (2) المجلسي: بحار الانوار ج 104: ص 120 ط طهران.

[572]

ثلاث مائة شاة والله أعلم بحقائق الامور. 17 - اسد الغابة جاء في كتاب (سبيل النجاة في تتمة المراجعات) بتحقيق وتعليق حسين الراضي جزاه الله عن صاحب الولاية خير الجزاء (ص 77): ومن الناس من يشر نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد (البقره 2: 202) نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عند الهجرة راجع ذلك في (شواهد التنزيل) للحسكاني الحنفي (ج 1 ص 96 / ح 133 وص 134 و 135 و 136 و 137 و 139 و 140 و 141 و 142) (كفاية الطالب) للكنجي الشافعي (ص 22 ط الحيدرية) إلى أن قال اسد الغابة لابن أثير الجزري الشافعي (ج 4: ص 25 المطبعة الوهبية) بمصر ذكر الحديث صحيحا ثم قامت المكتبة الاسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ بتصوير اسد الغابة بالاوفست وحرفت هذا الحديث فأبدلت كلمة (بات على فراشه) إلى كلمة (بال على فراشه) اهانة للامام أمير المؤمنين وسيد الوصيين فإنا لله وإنا إليه راجعون. أنا أقول: اللهم إن كان في هذا تعمد وعناد فالعنه لعنا يتعوذ منه أهل النار و عذبه عذابا شديدا آمين يا رب العالمين. تحريف مكانة الرجال لتشيعهم لعلي عليه السلام: وبعد ما تلونا عليك وأوضحنا لك ما وقع من التحريف في بعض الكتب إخفاء لمناقب أمير المؤمنين عليه السلام وتمويها لحقه أو لمصالح يراها المحرف والحاذف، لا بأس بأن نشير إلى خواص من الموالين لأهل البيت عليهم السلام الذين لم تبق مكانتهم سالمة من أقلام المحرفين وألسنة المعاندين لولائهم لعترة خير المرسلين، و لدفاعهم عن الأئمة الطاهرين، لاسيما إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، روح الرسول وزوج البتول، الذي لولاه لما قام للاسلام عمود ولا اخضر له عود، حتى

[573]

تكلم بعض الناصبين والملحدين ظلما وحسدا في صادق أئمة التقى عليهم السلام و حامل علم الهدى، ناشر علم الرسول صلى الله عليه واله وسلم، و قائد علماء العترة الفحول. 1 - الامام الصادق عليه السلام: قال ابن حجر العسقلاني: (جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي، أبو عبد الله المدني الصادق، وامه ام فروة بنت القاسم ابن محمد بن أبي بكر، وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه فقال: في نفسي منه شئ، ومجالد أحب إلي منه (1). وقال سعيد بن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياش: مالك لم تسمع من جعفر، و قد أدركته ؟ قال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث: أشئ سمعته ؟ قال: لا، ولكنها رواية رويناها عن آبائنا. وقال ابن سعد: كان (جعفر) كثير الحديث، ولا يحتج به ويستضعف، سئل مرة: هل سمعت هذه الأحاديث عن أبيك ؟ قال: نعم، وسئل مرة فقال: إنما وجدتها في كتبه (2). ومما يهيج الأحزان والهموم، وتثير الأشجان والغموم احتجاج محمد ابن إسماعيل البخاري في صحيحه ببعض شياطين النواصب كعمران بن حطان، و مروان بن حكم، وعدم احتجاجه بجعفر بن محمد الصادق عليه السلام، وليت شعري ما عذر البخاري عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه واله وسلم ! قال ابن حجر: (عمران بن حطان السدوسي الشاعر المشهور كان يرى رأي


(1) - ان شئت أن تدري من مجالد ؟ وكيف حاله ؟ فلاحظ تهذيب (ج 10: ص 39، ط حيدر آباد - دكن) قال: (وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئا، وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال أبو طالب: عن أحمد: ليس بشئ، وقال ابن خيثمة، عن ابن معين: ضعيف واهى الحديث. (2) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 2: ص 102، ط حيدر آباد - دكن.

[574]

الخوارج، وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي عليه السلام)، ثم ذكر عنه حديثا أخرجه البخاري عنه في صحيحه (1). وقال أيضا: (مروان بن الحكم بن أبي العاص بن امية ابن عم عثمان... و هؤلاء (أي المذكورون من الصحابة والتابعين) أخرج البخاري أحاديثهم عنه... وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه، والباقون سوى مسلم (2). أقول: وهؤلاء هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (3)، ولقد أجاد أبو بكر بن شهاب الحضرمي الشيعي الامامي (4): قضية تشبه بالمرزءة * هذا البخاري إمام الفئة بالصادق الصديق ما احتج في * صحيحه واحتج بالمرجئة ومثل عمران بن حطان ومر * وان وابن المرأة المخطئة إلى أن قال: إن الامام الصادق المجتبى * بفضله الآي أتت منبئة أجل من في عصره رتبة * لم يقترف في عمره سيئة قلامة من ظفر إبهامه * تعدل من مثل البخاري مائة 2 - أبو سعيد، أبان بن تغلب بن رباح البكري: قال ابن حجر العسقلاني بعد ذكر المدح له من المحدثين وتوثيقهم اياه: (قال


(1) - ابن حجر: هدى السارى، ج 2: ص 200، ط مصطفى البابي بمصر. (2) - المصدر، ج 2: ص 212. (3) - الكهف، 18: 104. (4) - كان عالما جليلا حاويا لفنون العلم مؤلفا في كثير منها، قوى الحجة ساطع البرهان، أديبا شاعرا مخلص الولاء لاهل البيت، ولد سنة 1262، وتوفى سنة 1341 بحيدرآباد دكن (القمي: الكنى والالقاب، ج 1: ص 23 [والاشعار موجودة فيه]).

[575]

الجوزجانى زايغ مذموم المذهب مجاهر (1). وقال: (قوله (أي الذهبي في (ميزان الاعتدال) في ترجمة أبان بن تغلب: فإن قيل: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والاتفاق، فكيف يكون عدلا و هو صاحب بدعة ؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرق فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع و الصدق، فلورد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو والحط على أبي بكر وعمر - رضي الله عنه - والدعاء إلى ذلك، فهؤلاء لا يقبل حديثهم ولا كرامة، وأيضا فلا أستحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا ولا مأمونا بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل من هذا حاله ؟ حاشا وكلا، فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة وطائفة ممن حارب عليا رضي الله عنه وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي كفر هؤلاء السادة، وتبرأ من الشيخين أيضا، فهذا ضال مفتر (2). قال العلامة المجاهد، السيد محمد بن عقيل الحضرموتي بعد نقل الكلام المذكور مختصرا: (على أن في قوله: (فالشيعي - إلى قوله: - وطائفة ممن حارب عليا رضي الله عنه - وتعرض لسبه) غموضا، لأن لفظ الطائفة يصدق على الواحد فأكثر، فما تفسيره هنا ؟ أهي ام المؤمنين عائشة وحدها أم من عدا أهل النهروان من الناكثين و القاسطين ؟ وعليه يكون الحسنان وعمار ومن معهم ممن صح عنهم لعن القاسطين غلاة. وقوله: (وتعرض لسبه) (3) يحتمل عود الضمير في (تعرض) إلى فاعل (حارب)،


(1) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 1: ص 93. (2) - ابن حجر: لسان الميزان، ج 1: ص 9، ط حيدر آباد - دكن. (3) الكلم في المتن، تعرض لسبهم فالاعتراض عليه في غير موقعه. (م)

[576]

والضمير في لسبه يعود إلى علي عليه السلام، وعليه يكون لعن وسب الذين يلعنون و يسبون عليا من الغلو، ويحتمل أن يعود الضمير في (تعرض) إلى علي عليه السلام، وعليه يكون الاقتداء بعلي في سب من سبه علي من الغلو (1). وقال العسقلاني أيضا: (والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، و إن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فاشد في الغلو (2). وقال العلامة الحضرموتي - أيضا: (ولا يخفى أن معنى كلامه هذا ان جميع محبي علي المقدمين له على الشيخين روافض، وأن محبيه المقدمين له على سوى الشيخين شيعة، وكلا الطائفتين مجروح العدالة، وعلى هذا فجملة كبيرة من الصحابة الكرام كالمقداد، وزيد بن أرقم، وسلمان، وأبي ذر، وخباب، وجابر، و أبي سعيد الخدري، وعمار، وابي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبي أيوب، و سهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبي الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، و قيس بن سعد، وأبي الطفيل عامر بن واثلة، والعباس بن عبد المطلب وبنيه، و بني هاشم، وبني المطلب كافة وكثير غيرهم كلهم روافض لتفضيلهم عليا على الشيخين ومحبتهم له، ويلحق بهؤلاء من التابعين وتابعي التابعين من أكابر الأئمة وصفوة الامه من لا يحصى عددهم، وفيهم قرناء القرآن، وجرح عدالة هؤلاء و الله قاصمة الظهر (3). أقول: كيف يكون هذا الرجل العظيم زائغا مذموم المذهب مجاهرا وقد أوجع موته قلب جعفر بن محمد عليهما السلام ؟ أسخن الله عيون النواصب، وصب عليهم


(1) - الحضرموتي: العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، ص 34، ط بيروت. (2) - ابن حجر: هدى السارى، ج 2: ص 131، ط مصر. (3) - الحضرموتي: العتب الجميل، ص 33.

[577]

عذابه الواصب لما يرمون رجال المذهب بهذه الأراجيف والشتائم. وكيف يكون كذلك وقد قال له أبو جعفر الباقر عليه السلام: اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإني احب أن يرى في شيعتي مثلك ! وقال أبو عبد الله عليه السلام لما أتاه نعيه: أما والله، لقد أوجع قلبي موت أبان (1). وقال المحدث القمي رحمه الله: أبان بن تغلب - كتضرب - الكوفي ثقة، جليل القدر، عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي أبا محمد علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام... وكان رحمه الله مقدما في كل فن من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب والنحو واللغة، وله كتب منها: تفسير غريب القرآن، وكان قاريا من وجوه القراء فقيها لغويا، سمع من العرب وحكى عنهم، وروى عن أبي عبد الله عليه السلام ثلاثين ألف حديث، وروي عن أبان بن محمد ابن أبان بن تغلب قال: سمعت أبي يقول: دخلت مع أبي على أبي عبد الله عليه السلام، فلما بصر به أمر بوسادة فالقيت له وصافحه واعتنقه وسائله ورحب به، وكان إذا قدم المدينة تقوضت إليه الحلق (2) واخليت له سارية النبي صلى الله عليه واله وسلم (3). 3 - اصبغ بن نباتة: قال ابن حجر العسقلاني: (اصبغ بن نباتة التميمي ثم الحنظلي أبو القاسم الكوفي، روى عن عمر وعلي والحسن بن علي وعمار بن ياسر وأبي أيوب...، وقال ابن سعد: كان شيعيا، وكان يضعف في روايته، وكان على شرطة علي... وقال الساجى: منكر الحديث، وقال الدار قطني: منكر الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه عن علي لا يتابعه أحد عليه، وهو بين الضعف.


(1) - الاردبيلي: جامع الرواة، باب الالف. (2) - أي تفرقت إليه الصفوف (3) - القمي: سفينة البحار، ج 1: ص 7.

[578]

وقال الجوزجانى: زائغ، وقال البزار: أكثر أحاديثه عن علي لا يرويها غيره، و قال العقيلي: كان يقول بالرجعة، وقال ابن حبان: فتن بحب علي فأتى بالطامات فاستحق الترك (1). أقول: وما لهذا الرجل العظيم ذنب إلا حبه لعلي عليه السلام وقربه منه. حب علي كله ضرب * يرجف من خيفته القلب قال الشعبى: ماذا لقينا من علي عليه السلام ! إن أحببناه ذهبت دنيانا، وإن أبغضناه ذهب ديننا. 4 - الحارث الأعور الهمداني: قال ابن حجر العسقلاني: (الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي، أبو زهير الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد، ويقال: الحوتي - وحوت بطن من همدان - روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وبقيرة امرأة سلمان... قال ابن عبد البر في كتاب العلم له - لما حكي عن إبراهيم أنه كذب الحارث -: أظن الشعبى عوقب بقوله في الحارث كذاب، ولم يبن من الحارث كذبه، وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي، وقال ابن سعد: كان له قول سوء، وهو ضعيف في رأيه... وقال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث، فقال: مثلك يسأل عن ذا ؟ الحارث كذاب... قال ابن حبان: كان الحارث غاليا في التشيع واهيا في الحديث، مات سنة (2) 65). أقول: تعسا لقوم يكذبون رجلا له منزلة رفيعة عند أمير المؤمنين عليه السلام حتى قال له سيده ومولاه: ابشرك يا حار، لتعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند


(1) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 1: ص 362 (أوردناه بالتلخيص والتقديم والتأخير، وكذا ما نقلناه منه فيما يأتي). (2) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 2: ص 145.

[579]

الحوض وعند المقاسمة... (1). ثم إنهم لم يكتفوا بجرح رجال الشيعة ونالة مكانتهم فحسب، بل رموا وقذفوا كل محدث من أهل مذهبهم وطريقتهم يروي منقبة علي عليه السلام بالتشيع والرفض (2) بل بالتكفير والقتل قال العلامة الحسن المغربي: (وقد تطورت الحالة والمحنة إلى حد التفسيق والتكفير، فذهب القوم إلى نجاسة من يروي منقبة أو فضيلة في فضل الأمام أمير المؤمنين عليه السلام، ومقابلته بالجرح والقدح، وهذه الطامة لا شك أنها من صنع النواصب التي دسوها بين أهل الحديث ليتوصلوا بها إلى إبطال كل ما ورد في فضل علي عليه السلام، وذلك إنهم جعلوا آية تشيع الراوي وعلامة بدعته هي روايته فضائل علي عليه السلام (3)، وإليك أسماء بعضهم: 1 - الحافظ الكبير الحاكم النيسابوري: قال الذهبي: (الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله، محمد بن عبد الله ابن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهمانى النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في ربيع الأول... قال الخطيب أبو بكر: أبو عبد الله الحاكم كان ثقة، كان يميل إلى التشيع، فحدثني إبراهيم بن محمد الارموي - وكان صالحا عالما - قال: جمع الحاكم أحاديث و زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، منها حديث الطير، وحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فأنكر عليه أصحاب الحديث فلم يلتفتوا إلى قوله...


(1) - المفيد: كتاب أمالى / المجلس الاول (وقد تقدم بيانه). (2) - وهذان اللقبان عندهم تنابز بالالقاب ومن ألفاظ الجرح، ولكن عندنا من أفضل الالقاب لان المتشيعة والرافضة هم الذين شايعوا عليا وأولاده عليهم السلام ورفضوا طاعة الطواغيت والغصاب، وهذا اسم قد سمى الله تعالى به في التوراة سبعين رجلا من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى عليه السلام، كما عن أبى جعفر الباقر عليه السلام. (3) فتح الملك العلى ص 109 (على ما في مقدمة (كفاية الطالب) ص 16).

[580]

وقال ابن طاهر: سألت أبا إسماعيل الأنصاري عن الحاكم فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث، ثم قال ابن طاهر: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا عن معاوية وآله متظاهرا بذلك ولا يعتذر منه. قلت: أما انحرافه عن خصوم علي فظاهر، وأما أمر الشيخين فمعظم لهما بكل حال، فهو شيعي لا رافضي، وليته لم يصنف المستدرك فإنه غض من فضائله بسوء تصرفه... (1). 2 - ابن السقاء: قال الذهبي: (الحافظ الأمام محدث واسط أبو محمد، عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي... وقال علي بن محمد الطيب الجلابي في تاريخه: ابن السقاء من أئمة الواسطيين والحفاظ المتقنين، توفى في جمادى الآخرة سنة ثلاث و سبعين وثلاثمائة، قال السلفي: سألت خميسا الحوزي عن ابن السقاء فقال: هو من مزينة مضر، ولم يكن سقاء بل لقب له، من وجوه الواسطيين وذي الثروة والحفظ، رحل به أبوه فأسمعه من أبي خليفة وأبي يعلى، وابن زيدان البجلي، و المفضل بن الجندي، وبارك الله في سنه وعلمه، واتفق أنه أملى حديث الطير، فلم تحتمله نفوسهم، فوثبوا به وأقاموه وغسلوا موضعه، فمضى ولزم بيته، فكان لا يحدث أحدا من الواسطيين، فلهذا قل حديثه عندهم، وتوفي سنة احدى و سبعين و ثلاثمائة (2). 3 - الحافظ النسائي: قال المحدث القمي رحمه الله: (أبو عبد الرحمن أحمد بن علي ابن شعيب النسأي (3)


(1) - تذكرة الحفاظ، ج 3: ص 1039. (2) - الذهبي: المصدر، ج 3: ص 965. (3) - كذا في المصدر. (*)

[581]

الحافظ، كان من كبراء عصره في الحديث، ولد بنسا مدينة بخراسان، وسكن مصر، وكان يسكن بزقاق القناديل، كان كثير التهجد والعبادة، يصوم يوما ويفطر يوما، وعن الحاكم قال: كان النسائي أفقه مشايخ عصره وأعرفهم بالصحيح و السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، وعن الذهبي أنه أحفظ من مسلم، إلى غير ذلك، له كتاب الخصائص والسنن أحد الصحاح الستة. حكي أنه لما أتى دمشق وصنف كتاب الخصائص في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام انكر عليه ذلك وقيل له: لم لاصنفت في فضائل الشيخين ؟ فقال: دخلت دمشق و المنحرف عن علي بها كثير، فصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله تعالى به، فدفعوا في حضنيه وأخرجوه من المسجد، ثم ما زالوا به حتى أخرجوه من دمشق إلى الرملة فمات بها... قال محمد بن إسحاق الاصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل ؟ و في رواية اخرى: ما أعرف له فضيلة إلا (لا أشبع الله بطنك) (1)، وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد... وكان وفاته في سنة 303 (شج)، ونسا - بفتح أوله والقصر - اسم بلدة بخراسان، بينها وبين سرخس يومان (2). 4 - الحافظ الكنجي الشافعي: قال الحافظ فخر الدين أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي، المقتول سنة 658 في مقدمة كتابه (كفاية الطالب): (أما بعد، فإنى لما


(1) - دعاء من النبي صلى الله عليه واله. (2) - القمي: الكنى والالقاب، ج 3: ص 413.

[582]

جلست يوم الخميس لست ليال بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين و ستمائة بالمشهد الشريف بالحصباء من مدينة الموصل، ودار الحديث المهاجرية، حضر المجلس صدور البلد من النقباء والمدرسين والفقهاء وأرباب الحديث، فذكرت بعد الدرس أحاديث، وختمت المجلس بفضل في مناقب أهل البيت عليهم السلام، فطعن بعض الحاضرين لعدم معرفته بعلم النقل في حديث زيد بن أرقم في غدير خم، وفي حديث عمار في قوله صلى الله عليه واله وسلم: (طوبي لمن أحبك وصدق فيك)، فدعتني الحمية لمحبتهم على إملاء كتاب يشتمل على بعض مارويناه عن مشايخنا في البلدان من أحاديث صحيحة من كتب الأئمة والحفاظ في مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي لم ينل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فضيلة في آبائه وطهارة في مولده إلا وهو قسيمه فيها). هذا، وقد قال الذهبي في شأن هذا الرجل الموالي لال الله عليهم السلام: (والمحدث المفيد، فخر الدين، محمد بن يوسف الكنجي قتل بجامع دمشق لدبره (1) و فضوله (2). وقال محقق كتاب (كفاية الطالب): (وتبجح ابن تغرى بردي بالفعلة الدنيئة، فقال: فسر عوام دمشق وأهلها بذلك سرورا زائدا، وقتلوا فخر الدين محمد بن يوسف بن محمد الكنجي في جامع دمشق، وكان المذكور من أهل العلم لكنه كان فيه شر، وكان رافضيا خبيثا، وانضم على التتار (3). 5 - نصر بن علي الأزدي الجهضمي: قال العسقلاني: (وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن نصر بن علي وأبي حفص


(1) - أي تعديه عن حده. (2) - الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 4: ص 1441. (3) - نقلا من (النجوم الزاهرة) (ج 6: ص 80).

[583]

الصيرفي، فقال: نصر أحب وأوثق وأحفظ من أبي حفص، قلت: فما تقول في نصر ؟ قال: ثقة، وقال أبو على بن الصواف عن عبد الله بن أحمد: لما حدث نصر بن علي بهذا الحديث - يعني حديث علي بن أبي طالب: ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خذ بيد حسن وحسين فقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وامهما كان في درجتي يوم القيامة - أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد، و جعل يقول: هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه (1) 6 - على بن رباح: قال العسقلاني: (على بن رباح... ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مصر، قال: كان ثقة...، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال الليث قال علي بن رباح: لا أجعل في حل من سماني (علي) فإن اسمي (علي)، وقال المقري: كان بنوامية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، فبلغ ذلك رباحا فقال: هو علي، وكان يغضب من علي، ويحرج على من سماه به (2). أقول: وبعد ما تلونا عليك أسماء من لم تسلم مكانتهم من سهام المتعصبين المسمومة، نتلو عليك أسماء رجال عدلوهم ووثقوهم مع نصبهم لعلي عليه السلام و انحرافهم عنه، وهذا أسوء تقليب وتحريف، فقبحا لقوم حرفوا الحقائق، و قلبوها، وهم الذين اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا، فباض و فرخ في صدورهم، ودب ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم (3)، فتعسا لجماعة جعلت السب والتحامل والوقيعة الشديدة في سيد الأولياء و


(1) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 10: ص 430. (2) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7: ص 318 (ونقل الترمذي أن إبنه موسى يقول: لا أجعل أحدا في حل صغر اسم أبى). (3) - اقتبسناه من نهج البلاغة، الخطبة 7.

[584]

أمير البرايا تصلبا في السنة، وبغضه علامة للديانة. 1 - إبراهيم الجوزجاني: قال العسقلاني: (إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي أبو إسحاق الجوزجاني... قال الخلال: إبراهيم جليل جدا، كان أحمد بن حنبل يكاتبه ويكرمه إكراما شديدا... وقال الدارقطني:... كان من الحفاظ المصنفين والمخرجين الثقات... وقال السلمي، عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث فأخرجت جارية له فروجه (1) لتذبحها، فلم تجد من يذبحها، فقال سبحان الله، فروجة لا توجد من يذبحها، وعلي يذبح في ضحوة نيفا وعشرين ألف مسلم !... وقال ابن حبان في الثقات: كان حروري المذهب، ولم يكن بداعية، وكان صلبا في السنة حافظا للحديث إلا أنه من صلابته ربما يتعدى طوره، وقال ابن عدى: كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي... قلت: ورأيت نسخة من كتاب ابن حبان: حريزى المذهب، وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبعد الياء زاي، نسبة إلى حريز بن عثمان المعروف بالنصب (2). وقال - أيضا - في ترجمة (مصدع): (والجوزجاني مشهور بالنصب و الأنحراف (3). قال العلامة الحضرموتي رحمه الله: (أقول: قوله (حروري المذهب) أو (حريزي المذهب) أيهما كان كاف في إثبات نفاق الرجل وفسقه وخبثه، وقوله: (صلبا في السنة ؟ ما هي تلك السنة ؟) ما أراها إلا التي أنكر أهل دمشق على عمر بن


(1) - الفروجة - بالفتح وتشديد الراء: واحدة الفروج - بالضم والتشديد - وهو فرخ الدجاجة خاصة. (2) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 1: ص 181. (3) - المصدر، ج 10: ص 158.

[585]

عبد العزيز تركها، وهي لعن مولى المؤمنين، وصاحوا به، فلعنها الله من سنة ولعن من سنها ومن عمل بها كائنا من كان، آمين، وقوله كالمعتذر عنه (إنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره) عذر أقبح من الذنب، لأنه من باب غسل النجاسة بأخبث منها (1). 2 - حريز بن عثمان الحمصي: قال العسقلاني: (حريز بن عثمان بن جبر بن أبي أحمر بن السعد الرحبي المشرقي...، وقال الاجري عن أبي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، قال: و سألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: ثقة، ثقة، وقال أيضا: ليس بالشام أثبت من حريز، وقال ابن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثقونه وقال دخيم: حمصي جيد الأسناد صحيح الحديث، وقال - أيضا: ثقة (2). وقال - أيضا: (وثقه أحمد وابن معين والائمة... وقال أبو حاتم: لا أعلم بالشام أثبت منه، ولم يصح عندي ما يقال عنه من النصب، قلت: قد جاء عنه ذلك من غير وجه، وجاء عنه خلاف ذلك (3). وقال - أيضا: (وقال العجلي: شامى ثقة، وكان يحمل على علي، وقال عمرو بن علي كان ينقص عليا وينال منه، وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على علي، وقال أحمد بن سعيد الدارمي عن أحمد بن سليمان المروزي: سمعت إسماعيل بن عياش قال: عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة، فجعل يسب عليا ويلعنه، وقال الضحاك بن عبد الوهاب: وهو متروك متهم، حدثنا إسماعيل ابن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول: هذا الذي يرويه الناس عن


(1) - الحضرموتي: العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، ص 105. (2) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 2: ص 237. (3) - ابن حجر: هدى السارى، ج 2: ص 157.

[586]

النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) حق ولكن أخطأ السامع، قلت: فما هو ؟ فقال: إنما هو: أنت مني بمنزلة هارون من موسى...) قيل ليحيى بن صالح: لم لم تكتب عن حريز ؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين، فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن عليا سبعين مرة، وقال ابن حبان: كان يلعن عليا بالغداة سبعين مرة، وبالعشي سبعين مرة، فقيل له في ذلك، فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي (1). قال ابن أبي الحديد: (وقد كان في المحدثين من يبغضه (يعنى عليا عليه السلام)، و روى فيه الأحاديث المنكرة، منهم حريز بن عثمان، كان يبغضه وينتقصه ويروي فيه أخبارا مكذوبة. قال محفوظ: قلت ليحيى بن صالح الوحاظي: قد رويت عن مشايخ من نظراء حريز، فما بالك لم تحمل عن حريز ؟ قال: إني أتيته فناولني كتابا فإذا فيه: (حدثني فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لما حضرته الوفاة أوصى أن تقطع يد علي بن أبي طالب)، فرددت الكتاب، ولم أستحل أن أكتب عنه شيئا (2). أقول: إذا شاهدت ما تقدم من توثيقهم له واعتمادهم عليه، ونقل البخاري عنه حديثين في صحيحه - كما في (هدى الساري) (ج 2: ص 157) - وتعديل أحمد إياه بقوله (ثقة، ثقة) مع تصريحهم بأنه يلعن عليا ويبغض عليا وينتقص عليا ويسب عليا وكان يحمل على علي، تنكشف لك الحقيقة، وتقول بعد الحوقلة: بخ بخ لثقة ويا له من عدالة ! إن كان هذا عندك عادلا * فان المرادي لا محالة أعدل


(1) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 2: ص 238. (2) - إبن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 69.

[587]

3 - خالد بن عبد الله القسري: قال العسقلاني: (خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري الأمير أبو القاسم، يقال: أبو الهيثم الدمشقي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال يحيى الحمانى: قيل لسيار: تروي عن خالد ؟ ! قال: إنه كان أشرف من أن يكذب (1). وقال ابن أبي الحديد: (وذكر المبرد في الكامل: أن خالد بن عبد الله القسري لما كان أمير العراق في خلافة هشام كان يلعن عليا عليه السلام على المنبر فيقول: اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على بنته وأبا الحسن والحسين، ثم يقبل على الناس فيقول: هل كنيت (2). أقول: إن خالدا هذا لما لاموه على ظلمه وإرساله سعيد بن جبير إلى الحجاج ليقتله، قال: (والله، لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا بنقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته (3)، فهل يسوغ لمسلم أن يقول في هذا وأمثاله: ثقة ؟ ! قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (ما عادانا كلب إلا وقد جرب، وما عادانا بيت إلا وقد خرب، من لم يصدق فليجرب). 4 - عمران بن حطان السدوسي: قال العسقلاني: (وقد وثقه العجلي، وقال قتادة: كان لايتهم في الحديث، و قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج، ثم ذكر عمران هذا وغيره... وقال العقيلي: حدث عن عائشة، ولم يتبين سماعه منها، قلت: لم يخرج له البخاري سوى حديث واحد من رواية يحيى بن أبي كثير عنه... وهو


(1) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 3: ص 101. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 57. (3) - ابن قتيبة: الامامة والسياسة، ج 2: ص 42.

[588]

الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي عليه السلام بتلك الأبيات السائدة (1). قال العلامة الحضرموتى رحمه الله: (وأما ما رثى به عمران ابن ملجم فهو قوله - أخزاهما الله ولعنهما -: يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إنى لأذكره يوما فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم * لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا لله در المرادي الذي سفكت * كفاه مهجة شر الخلق إنسانا أمسى عشية عشاه بضربته * مما جناه من الاثام عريانا وأقول: لا يشك أن هذه الأبيات أشد إيلاما للنبي ولوصيه - عليهما وعلى آلهما الكرام أفضل الصلاة والسلام - من تلك الضربة، فمن الوقاحة والأيذاء للنبي والوصي ذكر ابن ملجم وعمران ومن على شاكلتهما بغير اللعن ممن يدعى الأسلام، وقد رد على ابن حطان بعض علماء أهل السنة، منهم القاضي أبو الطيب رحمه الله فقال: إنى لأبرأ مما أنت قائله * في ابن ملجم الملعون بهتانا إني لأذكره يوما فألعنه * دينا وألعن عمران بن حطانا عليك ثم عليه الدهر متصلا * لعائن الله إسرارا وإعلانا فأنتم من كلاب النار جاء لنا * نص الشريعة برهانا وتبيانا ومنهم أبو المظفر طاهر بن محمد الأسفرائيني رحمه الله فقال: كذبت وأيم الذي حج الحجيج له * وقد ركبت ضلالا منك بهتانا لتلقين بها نارا مؤججة * يوم القيامة لا زلفى ورضوانا تبت يداه لقد خابت وقد خسرت * وصار أبخس من في الحشر ميزانا


(1) - العسقلاني: هدى الساري، ج 2: ص 200.

[589]

هذا جوابي لذاك النذل مرتجلا * أرجو بذاك من الرحمن غفرانا (1) 5 - عمر بن سعد بن أبي وقاص: قال العسقلاني: (عمر بن سعد بن أبى وقاص الزهري أبو حفص المدني سكن الكوفة، وقد روى عن أبيه، وأبي سعيد الخدري... قال العجلي: كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو تابعي ثقة، وهو الذي قتل الحسين (2). أقول: في ذكر قتل الحسين عليه السلام بعد قوله: (ثقة)، ما لا يخفى. 6 - مروان بن حكم: قال العسقلاني: (وقال عروة بن الزبير: كان مروان لايتهم في الحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادا على صدقه... وهؤلاء (يعني أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعروة، وسهل الساعدي) أخرج لبخاري أحاديثهم عنه في صحيحه (3). أقول: نعم، أخرج البخاري أحاديثهم عنه، وهو الذي نقل عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيه قال: (هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون) ثم يتجنب عن الرواية عن جعفر بن محمد عليهما السلام ! أخرج ابن عساكر مرفوعا فيه: (ويل لامتي من هذا وولد هذا)، قاله صلى الله عليه واله وسلم لما جاؤوا به مولودا ليحنكه فلم يفعل... وعن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا اتي به النبي صلى الله عليه واله وسلم فيدعو له، فادخل عليه مروان بن الحكم فقال - عليه الصلاة والسلام -: (هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون (4).


(1) - العتب الجميل، ص 122. (2) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7: ص 450. (3) - هدى السارى، ج 2، ص 212. (4) - الحضرموتي: العتب الجميل، ص 101.

[590]

قال ابن أبي الحديد بعد قوله في الحكم: (وأما مروان ابنه فأخبث عقيدة و أعظم إلحادا وكفرا، وهو الذي خطب يوم وصل إليه رأس الحسين عليه السلام إلى المدينة، وهو يومئذ أميرها، وقد حمل الرأس على يديه فقال: يا حبذا بردك في اليدين * وحمرة تجري علي الخدين كأنما بت بمحشدين ثم رمى بالراس نحو قبر النبي، وقال: يا محمد يوم بيوم بدر (1). 7 - لمازة بن زبار الأزدي: قال العسقلاني: (لمازة بن زبار الازدي الجهضمي أبو اللبيد البصري، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: سمع من علي، وكان ثقة، وله أحاديث وقال حرب، عن أبيه: كان أبو اللبيد صالح الحديث، وأثنى عليه ثناء حسنا... وذكره ابن حبان في الثقات... وعن مطر بن حمران: كنا عند أبي اللبيد فقيل له: أتحب عليا ؟ فقال: ءاحب عليا وقد قتل من قومي في غداة واحدة ستة آلاف ؟... وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن أبي اللبيد وكان شتاما قلت: زاد العقيلي: قال وهب: قلت لأبي: من كان يشتم ؟ قال: كان يشتم علي بن أبي طالب... وعن جرير بن حازم: حدثني زبير بن خريت، عن أبي اللبيد قال: قلت له: لم تسب عليا ؟ قال: ألا أسب رجلا قتل منا خمس مائة وألفين والشمس هيهنا ؟ (2). أقول: أنشدكم الله ورسوله وأولياءه، الا تقولون إن كان الرجل يسب ويشتم كما يشتم عليا عليه السلام غيره من المهاجرين، هل هم يقولون فيه ثقة، أو صالح الحديث ؟ فكيف يعدلون هؤلاء النواصب مع تصريحهم بنصبهم وسبهم


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 71. (2) - ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7: ص 450.

[591]

عليا عليه السلام ؟ وما عذرهم عند الله ورسوله ؟ نعوذ بالله من الخذلان. نعم، قد اعتذر عنهم ابن حجر العسقلاني، ويا ليته لم يدافع ولم يعتذر عنهم على هذا الطريق، وقد رد عليه العلامة الحضرموتي رحمه الله حرفا حرفا، وها نحن نورد كلامهما بنصه مع التلخيص والأقتصار على موضع الحاجة. قال العسقلاني: (وقد كنت أستشكل توثيقهم الناصبي غالبا [خ ل] وتوهينهم الشيعة مطلقا، ولا سيما أن عليا ورد في حقه: (لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق) ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك أن البغض هنا مقيد بسبب وهو كونه نصر النبي صلى الله عليه واله وسلم، لأن من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حق المبغض، و الحب بعكسه، وذلك ما يرجع إلى امور الدنيا غالبا، والخبر في حب علي وبغضه ليس على العموم، فقد أحبه من أفرط فيه حتى ادعى أنه نبي أو أنه إله - تعالى الله عن إفكهم -، والذي ورد في حق علي من ذلك قد ورد مثله في حق الأنصار. وأجاب عنه العلماء أن بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاقه، وبالعكس، فكذا يقال في حق علي، وأيضا فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بامور الديانة، بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب و لا يتورع في الأخبار. والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن عليا - رضي الله عنه - قتل عثمان أو كان أعان عليه، فكان بغضهم له ديانة بزعمهم، ثم اضاف إلى ذلك أن منهم من قتلت أقاربه في حروب علي (1). أقول: محصل كلامه أن بغض النواصب لعلي عليه السلام شخصية، لا مذهبية، لأنه عليه السلام قتل أقاربهم في الحروب الأسلامية، والجواب عن ذلك ماقاله العلامة الحضرموتي رحمه الله فاستمع لما يتلى: قال - رحمة الله ورضوانه عليه -: (قال الشيخ: (ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك أن


(1) ابن حجر: تهذيب التهذيب ج 8: ص 458.

[592]

البغض ههنا مقيد بسبب...) وأقول: ليس الأمر كما ظهر له، ودعواه التقييد و ذكره السبب مما لادليل عليه. والدعاوي ما لم تقيموا عليها بينات، أبناؤها أدعياء والصواب - إن شاء الله تعالى - أن بغض علي عليه السام لا يصدر من مؤمن أبدا، لأنه ملازم للنفاق، وحبه لايتم من منافق أبدا، لأنه ملازم للايمان، فتقييد الشيخ بغض علي الدال على النفاق بأنه الذي يكون سببه نصره للنبي صلى الله عليه واله وسلم خطأ وغفلة ظاهرة، لأنه يلزم منه إلغاء كلام المعصوم بتخصيصه عليا بهذا، لأن البغض لأجل نصر النبي صلى الله عليه واله وسلم كفر بواح سواء كان المبغض بسببه عليا عليه السلام أو غيره، مسلما كان، أو كافرا، أو حيوانا، أو جمادا، ألا ترى لو أن مكلفا أبغض المطعم بن العدي، أو أبا البختري اللذين ماتا على الشرك لأجل سعيهما في نقض الصحيفة القاطعة، و وصلهما بذلك رحم النبي صلى الله عليه واله وسلم ورحم بني هاشم، ألا يكون ذلك المبغض كافرا لبغضه الكافر من هذه الجهة ؟ ولو أن آخر أبغض كلبا من أجل حراسته للنبي صلى الله عليه واله وسلم أو حمارا من أجل حمله إياه، أو الغار من أجل ستره له عن المشركين لكان كافرا بذلك إتفاقا، فما هي إذا فائدة تخصيص علي عليه السلام بالذكر فيما يعم المسلم والكافر والحيوان و الجماد ؟ فتقييد الشيخ إلغاء وإهدار لكلام المعصوم وإبطال له، والحق - إن شاء الله تعالى - أن حب علي عليه السلام مطلقا علامة لرسوخ الأيمان في قلب المحب، وبغضه علامة لوجود النفاق فيه، خصوصية فيه كما هي في أخيه النبي - صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما -... (1). ثم قال: قال الشيخ: (لأن من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حق


(1) - هذا. مع أن بغضهم له عليه السلام ليست شخصية وإنما هي على الدين، لأنه عليه السلام قتلهم لشركهم، أو لمروقهم عن الدين، فما ندبهم على أعظم حائلة وأرواح في النار هاوية ؟ أو قال الله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو اخوانهم أو عشيرتهم - الاية (المجادلة: 22). وقد أشار إلى هذا العلامة الحضرموتي فيما يأتي. (م)

[593]

المبغض، والحب بالعكس)، وأقول: ليس هذا من هذا الباب، فإن عليا عليه السلام لم يسئ إلى أحد من مبغضيه، ومن قتله علي من آباء مبغضيه وقراباتهم فإنما قتله الحق، ونفذ فيه علي عليه السلام أمر الله - جل جلاله - وأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فهو في قتله لهم محسن مستحق لشكر أولئك الذين أبغضوه، ولو جاز بغضه على ذلك أو عذرناهم في بغضهم له لذلك لكان لمنافقي قريش وأشباههم عذر في بغضهم للنبي صلى الله عليه واله وسلم لقتله صناديدهم، ولا قائل بذلك، كيف لا وربنا سبحانه وتعالى يقول: ب فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (1) ب... ثم قال: قال الشيخ (وذلك ما يرجع إلى امور الدنيا غالبا)، وأقول: لم يظهر لي ما أراد الشيخ بهذه العبارة، لأنه إن أراد أن عليا ظلمهم في دنياهم، فذلك لم يقله أحد يعتد به لا قبل الشيخ ولا بعده، وإن أراد أن عليا كحبهم عن الظلم، وعن اتخاذهم عباد الله خولا ومال الله دولا وعن قلبهم الدين ظهرا لبطن، عاد الأمر إلى ما ذكرناه آنفا من أن عليا منفذ لأمر الله تعالى وأمر نبيه - عليه وآله أفضل الصلاة و التسليم - فيجب حبه لذلك، ويكون بغضه بسببه من أقوى علامات النفاق)... ثم قال: قال الشيخ: (والخبر في حب علي، وبغضه ليس على العموم، فقد أحبه من أفرط فيه...)، وأقول: هذه القضية لا تخص عليا وحده، فمن أحب النبي صلى الله عليه واله وسلم وأعتقد أنه إله فهو كافر ضال، مثل الذين زعموا أن المسيح أو عزيزا عليهما السلام إله، ولا دخول لهذا فيما نحن بصدده، ومثل هؤلاء جهال غلاة بعض المتصوفة فيما يعتقدونه في بعض المشايخ والدراويش، ونحن لا نمدح ولا نحب إلا من أحب - كما أمره الله - من أحبه الله تعالى وأمرنا بحبه. ثم قال: قال الشيخ: (والذي ورد في حق علي من ذلك قد ورد مثله في حق


(1) - النساء، 4: 65.

[594]

الأنصار)، وأقول... على أن ههنا فرقا بين علي والأنصار يظهر من لفظ الحديثين الواردين في هذه المنقبة، إذ الوارد عن الشارع في حق الأنصار رتب فيه الحكم على الصفة المشتقة من النصر وهي لفظ الأنصار، وفيه إيماء إلى العلة و هي النصر، ويدل عليه عدوله إليه عن نحو أبناء قيلة أو الأوس أو الخزرج مثلا، و هذا هو مسلك من مسالك العلة يسميه الاصوليون بالأيماء، قالوا: ومن الأيماء ترتيب الحكم على وصف مشتق، نحو (أكرم العلماء) فترتيب الأكرام على العلم القائم بالعلماء لو لم يكن لعلية العلم له لكان بعيدا، فكذا يقال في ترتيب الحكم على النصر القائم بالأنصار. وأما الوارد في حق الأمام علي عليه السلام فقد رتب الشارع فيه الحكم، وهو إثبات النفاق للمبغض، والأيمان للمحب على ذات علي عليه السلام وباسمه العلم، فلو علم الشارع إمكان تلبس علي بأي صفة تسوغ بغضه ولا يكون مبغضه لأجلها منافقا لما رتب الحكم بالنفاق على اسمه العلم بدون قيد، فالسياق دال على أن ذات علي عليه السلام قدسية مطهرة لا تنفك عنها صفاتها التي لا يتصور أن يبغضه لواحدة منها إلا المنافق، فانتفت دعوى المساواة بين علي والأنصار، وظهر الفرق جليا، قرر هذا شيخنا العلامة السيد أبو بكر بن شهاب الدين - جزاه الله أحسن الجزاء - وهو واضح جلي. ثم قال: قال الشيخ: (و - أيضا - فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهورا بصدق اللهجة...) وأقول: وهذه - أيضا - هفوة منه وغفلة عما ثبت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم في الصحيحين والسنن وغيرهما في مروق الخوارج من الدين وفي ذمهم، ومنه أنهم كانوا مسلمين فصاروا كفارا يمرقون من الدين ثم لا يعودون فيه... ولعل الشيخ سها عما تقدم نقلنا له من كتابيه (تهذيب التهذيب) و (لسان الميزان) من اعتراف بعض من تاب منهم بأنهم كانوا إذا هووا أمرا صيروه حديثا، أفبعد هذا يسوغ أن يقال في كلاب النار وشر الخلق والخليقة - كما في الحديث -

[595]

ما زعمه الشيخ آنفا (وهو صدق اللهجة والديانة) ؟ حاشا وكلا، بل الخوارج من أفسق خلق الله وأكذبهم، والكذب من صفة المنافق، والله يعلم أن المنافقين لكاذبون، وهيهات أن يصح قوله (فأكثر من يوصف بالنصب - الخ) وأنى بهذا في طائفة شأنها الكذب... وما ذكر الشيخ آنفا به الشيعة في قوله (بخلاف من يوصف - الخ) فهو مما لا يصح على إطلاقه، وكيف وفيهم الكثير الطيب من سلالة النبي صلى الله عليه واله وسلم والعدد الجم من أئمة الهدى من أهل العلم والفضل والزهادة والعبادة والورع والعدالة من الذين أثنى عليهم المخالف والموافق... ثم قال: قال الشيخ: (والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن عليا رضي الله عنه قتل عثمان...)، وأقول: يفهم من عبارته هذه الاعتذار للناصبة - عاملهم الله بعدله - بأن اعتقادهم وتدينهم بما ذكره من بغض من هو نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم مسوغ لهم ذلك، وفساد هذا بديهي لا يشك فيه منصف، لأنه لو ساغ أن يكون الاعتقاد و التدين بالباطل مما يعذر الله به أحدا لكان لليهود والنصارى واسع العذر في كفرهم وبغضهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لأنهم اعتقدوا كذبه، وتدينوا به تبعا لقول أحبارهم ورهبانهم، وبديهي بطلان هذا وذاك (1). وأما قول الشيخ: (ثم انضاف إلى ذلك...) وأقول: وهذا - أيضا - لا يصح كونه عذرا لهم، لأن الحق قتل آباءهم وقراباتهم، وقاتلهم منفذ فيهم حكم الله تعالى، فهو مأجور ممدوح على قتله لهم... (2). هذا آخر كلامنا في تحريف الكتب ومكانة الرجال لأجل تشيعهم أو لنقلهم


(1) - ومضافا إلى ذلك كون هذا القول اعترافا من حيث لا يشعر، بأن بغضهم له عليه السلام على الدين، و كانت مذهبية لا شخصية، وهذا خلاف ما قاله من قبل، وقد صدق مولانا أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: (ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه). (م) (2) - الحضرموتي: العتب الجميل، ص 41 فصاعدا.

[596]

فضائل علي عليه السلام، وهذه قصيرة من طويلة، وفيها غنى وكفاية إن شاء الله تعالى. المستدرك لصفحة 572 وقوع الاسقاط في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 37 قال عبد الرحمن احمد البكري في كتاب حياة الخليفة عمر بن الخطاب صفحة 37 - طبع بيروت لندن: أخرج المتقي الهندي عن الضحاك أنه قال: قال عمر: ياليتني كنت كبش أهلي. سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت زارهم بعض ما يحبون فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا (1) ثم أكلوني فأخرجوني عذرة ولم أك بشرا (2). وقال الشيخ جلا الدين السيوطي: أخرج البيهقي في شعب الايمان عن الضحاك أنه قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت شجرة إلى جنب الطريق فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم ازدزدني (3) ثم أخرجني بعرا ولم اكن بشرا. فقال عمر: ياليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدالهم حتى إذا كنت أسمن ما يكون زارهم من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا ثم أكلوني ولم أكن بشرا. (4) المؤلف (يعني عبد الرحمن احمد البكري): الشيخ السيوطي بتر من الحديث: (وأخرجوني عذرة) وقد ذكرها كل من صاحب كنز العمال ط حيدر آباد اهند والفتوحات الاسلامية لزيني بن دحلان وحياة الصحابة للكاندهلوي وحلية الاولياء ابي نعيم ونور الابصار للشيخ مؤمن الشبلنجي وغيرهم وغيرهم.


القديد: اللحم المجفف في الشمس النهاية لابن اثير: 4 / 22 ط مصر. (2) كنز العمال: 6 / 365 حيدر آباد الهند رقم الحديث 5536 الفتوحات الاسلامية لمفتي مكة: 2 / 408. حياة الصحابة لكاندهلوي: 2 / 99 حلية الاولياء لابي نعيم: 1 / 52 نور الابصار شبلنجي ص 60. 3 - ازدردها: ابتلعها. مصباح المنير للفيومي: ص 252. (4) تاريخ الخلفاء: ص 142.

[597]

الفصل 5 الامام علي عليه السلام وتواضعه 1 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: أعرف الناس بحقوق إخوانه، وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في الدنيا لأخوانه فهو عند الله من الصديقين، ومن شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام حقا، ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان أب وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين أيديهما، ثم أمر بطعام فاحضر، فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل ليلبس (خ ل)، وجاء ليصب على يد الرجل، فوثب أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ الأبريق ليصب على يد الرجل، فتمرغ الرجل في التراب، وقال: يا أمير المؤمنين ! الله يراني وأنت تصب على يدي ؟ قال: اقعد واغسل فإن الله عز وجل يراك وأخوك الذي لا يتميز منك ولا ينفصل عنك يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها. فقعد الرجل، فقال له علي عليه السلام: أقسمت بعظيم حقي الذي عرفته و نحلته، و تواضعك لله حتى جازاك عنه بأن تدنيني لما شرفك به من خدمتي لك لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا، ففعل الرجل ذلك، فلما فرغ

[598]

ناول الأبريق محمد بن الحنفية، وقال: يا بني ! لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ولكن الله عز وجل يأبى أن يسوي بين ابن و أبيه إذا جمعهما مكان، لكن قد صب الأب على الأب فليصب الابن على الابن، فصب محمد ابن الحنفية على الابن، ثم قال الحسن بن علي العسكري عليهما السلام: فمن اتبع عليا على ذلك فهو الشيعي حقا). 2 - الصادق عليه السلام: (كان أمير المؤمنين عليه السلام يحطب ويستسقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز). 3 - (الأبانة) عن ابن بطة، و (الفضائل) عن أحمد: أنه اشترى تمرا بالكوفة، فحمله في طرف ردائه، فتبادر الناس إلى حمله وقالوا: يا أمير المؤمنين ! نحن نحمله، فقال عليه السلام: رب العيال أحق بحمله. 4 - عن أبي طالب المكي في (قوت القلوب): كان علي عليه السلام يحمل التمر و المالح بيده ويقول: لا ينقص الكامل من كماله * ما جر من نفع إلى عياله 5 - زيد بن علي: إنه كان يمشي في خمسة حافيا ويعلق نعليه بيده اليسرى: يوم الفطر والنحر والجمعة وعند العيادة وتشييع الجنازة ويقول: إنها مواضع الله و احب أن أكون فيها حافيا. 6 - زاذان: إنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو ذاك يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ: ب تلك الدار الاخرة نجعلها - الاية (1) ب. 7 - عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفه فالتفت إليهم فقال: لكم


(1) القصص 28: 83.

[599]

حاجة ؟ فقالوا: لا، يا أمير المؤمنين ! ولكنا نحب أن نمشي معك، فقال لهم: انصرفوا فإن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي، قال: وركب مرة اخرى فمشوا خلفه، فقال: انصرفوا فإن خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة لقلوب النوكي. (1) 8 - عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: أن عليا عليه السلام صاحب رجلا ذميا، فقال له الذمي: أين تريد، يا عبد الله ؟ قال: اريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه علي، فقال له الذمي: أليس زعمت تريد الكوفة ؟ قال: بلى، فقال له الذمي: فقد تركت الطريق ! فقال: قد علمت، فقال له: فلم عدلت معي وعلمت ذلك ؟ فقال له علي عليه السلام هذا: من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، و كذلك أمرنا نبينا، فقال له: هكذا ؟ قال: نعم، فقال له الذمي: لاجرم إنما تبعه من تبعه لافعاله الكريمة، وأنا اشهدك أني على دينك، فرجع الذمي مع علي عليه السلام فلما عرفه أسلم. 9 - وترجل دهاقين الأنبار له وأسندوا بين يديه، فقال عليه السلام: (ما هذا الذي صنعتموه ؟ قالوا: خلق منا نعظم به امراءنا، فقال: والله، ما ينتفع بهذا امراؤكم، و إنكم لتشقون به على أنفسكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة و راءها العقاب، وما أربح الراحة معها الأمان من النار (2).


(1) - النوكى: جمع الأنوك، الاحمق. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 53 - 56.

[600]

الفصل 6 جود الأمام على عليه السلام وسخاؤه 1 - قال ابن أبي الحديد: (وأما السخاء والجود، فحاله فيه ظاهرة، كان يصوم و يطوي ويؤثر بزاده، وفيه انزل: ب ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما و أسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * (1) ب. وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا و بدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، فأنزل فيه: ب الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية (2) ب، وروي عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، ويتصدق بالاجرة ويشد على بطنه حجرا. وقال الشعبى - وقد ذكره عليه السلام -: (كان أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبه الله السخاء والجود، ما قال (لا) لسائل قط، وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس، فقال: (ويحك ! كيف تقول إنه أبخل الناس ؟ (وهو


(1) - الدهر، 76: 8 و 9. (2) - البقرة، 2: 274.

[601]

الذي) لو ملك بيتا من تبر، وبيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه) وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، وهو الذي قال: يا صفراء ! ويا بيضاء، غري غيري، وهو الذي لم يخلف ميراثا وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام (1). 2 - روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عنه عليه السلام: (جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين ! أن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك، فقال علي: اكتب على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال علي عليه السلام: علي بحلة، فاتي بها، فأخذها الرجل فلبسها، ثم أنشأ يقول: كسوتني حلة تبلى محاسنها * فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة * ولست تبغي بما قد قلته بدلا إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه * كالغيث يحيي نداه (2) السهل والجبلا لا تزهد الدهر في زهو (3) تواقعه * فكل عبد سيجزي بالذي عملا فقال علي عليه السلام: علي بالدنانير، فاتي بمائة دينار فدفعها إليه، فقال الأصبغ: فقلت: يا أمير المؤمنين ! حلة ومائة دينار ؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (أنزلوا الناس منازلهم)، وهذه منزلة هذا الرجل عندي (4). 3 - جاء سائل إلى علي رضي الله عنه فنظر إليه وقد تغير وجهه من الحياء، فقال علي رضي الله عنه: اكتب حاجتك على الأرض حتى لا أرى ذل المسألة في وجهك، فكتب: لم يبق لى شئ يباع بدرهم * تغنيك حالة منظري عن مخبري


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 20. (2) - الندى: العطاء. (3) - الزهو: التيه، والكبر، والباطل، والكذب. (4) - تاريخ ابن عساكر، ج 3: ص 246.

[602]

إلا بقية ماء وجه صنته * أن لا يباع ونعم أنت المشتري فأمر علي رضي الله عنه بجمل يحمل ذهبا وفضة، ثم قال علي رضي الله عنه: عاجلتنا فأتاك عاجل برنا * فلا (1) ولو أمهلتنا لم تقتر فخذ القليل وكن كأنك لم تبع * ما صنته وكأننا لم نشتر (2) 4 - أبو السعادات في (فضائل العترة): (روي أن عليا عليه السلام كان يحارب رجلا من المشركين، فقال المشرك: يا ابن أبي طالب ! هبني سيفك، فرماه إليه، فقال المشرك: عجبا، يا ابن أبي طالب ! في مثل هذا الوقت تدفع إلي سيفك ؟ ! فقال: يا هذا، إنك مددت يد المسألة إلى، وليس من الكرم أن يرد السائل، فرمى الكافر نفسه إلى الأرض، وقال: هذه سيرة أهل الدين، فقبل قدمه وأسلم (3).


(1) - الفل: ما ندر عن الشئ. القليل. (2) - احقاق الحق، ج 8: ص 582. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 69.

[603]

الفصل 7 الأمام على عليه السلام وشجاعته 1 - عنه عليه السلام: (والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله (3). قال ابن أبي الحديد: (واعلم، أنه عليه السلام أقسم أن القتل أهون من حتف الأنف، و ذلك على مقتضى ما منحه الله تعالى به من الشجاعة الخارقة لعادة البشر، وهو عليه السلام يحاول أن يحض أصحابه ويحر ضهم ليجعل طباعهم مناسبة لطباعه وإقدامهم على الحرب مماثلا لاقدامه على عادة الامراء في تحريض جندهم وعسكرهم، و هيهات إنما هو كما قال أبو الطيب: يكلف سيف الدولة الجيش همة * وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم (2) ويطلب عند الناس ما عند نفسه وذلك ما لا تدعيه الضراغم (3) ليست النفوس كلها من جوهر واحد، ولا الطباع والأمزجة كلها من نوع واحد،


(1) - نهج البلاغة، الخطبة 122. (2) - جمع خضرم - بالكسر - وهو الكبير العظيم. (3) - جمع ضرغام، وهو الأسد.

[604]

وهذه خاصية توجد لمن يصطفيه الله تعالى من عباده في الأوقات المتطاولة و الدهور المتباعدة وما اتصل بنا نحن من بعد الطوفان - فإن التواريخ من قبل الطوفان مجهولة عندنا - أن أحدا اعطي من الشجاعة والاقدام ما اعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها من الترك، والفرس، والعرب، والروم وغيرهم... (1) ؟ 2 - قال العلامة ابن أبي جمهور الأحسائي: (روى جابر الأنصاري، قال: شهدت البصرة مع أمير المؤمنين عليه السلام والقوم قد جمعوا مع المرأة سبعين ألفا، فما رأيت منهزما إلا وهو يقول: هزمني علي، ولا مجروحا إلا يقول: جرحني علي ولا من يجود بنفسه إلا وهو يقول: قتلني علي، ولا كنت في الميمنة إلا سمعت صوت علي عليه السلام، ولا في الميسرة إلا سمعت صوت علي عليه السلام، ولقد مررت بطلحة - وهو يجود بنفسه وفي صدره نبلة - وقلت له: من رماك بهذه النبلة ؟ فقال: علي بن أبي طالب (2). فقلت: يا حزب بلقيس، ويا حزب إبليس ! إن عليا لم يرم بالنبل وما بيده ألا سيفه، فقال: يا جابر ! أما تنظر إليه كيف يصعد في الهواء مرة، وينزل في الأرض اخرى، وينزل من قبل المشرق، ومرة من قبل المغرب، وجعل المشارق و المغارب بين يديه شيئا واحدا فلا يمر بفارس إلا طعنه، ولا يلقى أحدا إلا قتله أو ضربه أو كبه بوجهه، أو قال: مت يا عدو الله، فيموت، فلا يفلت منه أحد (3). 3 - وقال ابن أبي الحديد في شرح قوله عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: (لا تدعون إلى مبارزة، فإن دعيت إليها فأجب، فأن الداعي إليها باغ، والباغي مصروع (4)، (قد


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 7: ص 301. (2) - كذا والتاريخ على القول بقتل مروان له. (م). (3) المجلى، ص 410. (4) - نهج البلاغة، الخطبة 233.

[605]

ذكر عليه السلام الحكم ثم ذكر العلة، وما سمعنا أنه عليه السلام دعا إلى مبارزة قط، وإنما كان يدعى هو بعينه أو يدعى من يبارز فيخرج إليه فيقتله، دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم إلى البراز يوم بدر فخرج عليه السلام فقتل الوليد، واشترك هو وحمزة عليهما السلام في قتل عتبة، ودعا طلحة بن أبي طلحة إلى البراز يوم احد فخرج إليه فقتله، ودعا مرحب إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله، فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود فإنها أجل من أن يقال جليلة وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل - وقد سأله سائل -: أيما أعظم منزلة عند الله، علي أم أبو بكر ؟ - فقال: يا ابن أخي ! والله لمبارزة علي عمرا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها تربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده. وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه، وروى قيس بن الربيع، عن أبى هارون العبدي، عن ربيعة بن مالك السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت: يا أبا عبد الله ! إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب و مناقبه فيقول لهم أهل البصرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس ؟ فقال: يا ربيعة ! وما الذي تسألني عن علي، وما الذي احدثك عنه ؟ والذي نفس حذيفة بيده، لو وضع جميع أعمال امة محمد صلى الله عليه واله وسلم في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه واله وسلم إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال 44 على في الكفة الاخرى، لرجح على أعمالهم كلها... والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرامن أعمال امة محمد صلى الله عليه واله وسلم إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة (1). 4 - أورد العلامة الحجة، الاية المرعشي في (الملحقات الاحقاق) نص


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 19: ص 60. في (بحر المعارف): سئل الصادق عليه السلام عن هذا، قال: (أنا من الثقلين)

[606]

المقالات في شجاعته عليه السلام وهى: (علي أشجع الناس قلبا، علي أسد الله في أرضه، علي سيف الله في أرضه، علي قاتل الكفرة، علي صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الدنيا والاخرة، علي أسد الله الغالب، علي قاتل الفجرة، علي يقاتل على التأويل، علي أشجع العرب، علي قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ان لعلي الشجاعة والخلافة كما أن للنبي صلى الله عليه واله وسلم الرسالة والنبوة، ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ب، لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار (1) 5 - قال ابن الأثير: (كانت ضربات علي مبتكرات لا عونا، أي إن ضربته كانت بكرا يقتل بواحدة منها لا يحتاج أن يعيد الضربة ثانيا، يقال: (ضربة بكر) إذا كانت قاطعة لاتثنى، والعون: جمع عوان وهي في الأصل الكهلة من النساء، ويريد بها ههنا المثناة (2). وقال - أيضا: (ومنه حديث علي: كان إذا تطاول قد، وإذا تقاصر قط، أي قطع طولا وقطع عرضا (3). وقال أيضا: (إن عليا حمل على عسكر المشركين فما زالوا يبقطون، أي يتعادون إلى الجبل متفرقين، بقط الرجل إذا صعد الجبل، والبقط: التفرقة (4). وقال - أيضا: (وفي حديث عمر أنه سأل الاسقف عن الخلفاء، فحدثه حتى انتهى إلى نعت الرابع منهم فقال: (صدأ من حديد)، ويروى صدع، أراد دوام لبس الحديد لاتصال الحروب في أيام علي وما مني به من مقاتلة الخوارج والبغاة، و ملابسة الامور المشكلة والخطوب المعضلة، ولذلك قال عمر: (وادفراه) تضجرا من ذلك واستفحاشا، ورواه أبو عبيد غير مهموز كأن الصدالغة في الصدع هو


(1) - احقاق الحق، ج 8: ص 319. (2) - ابن أثير: النهاية، ج 1: ص 149 / (بكر). (3) - المصدر، ج 4: ص 21 / (قط). (4) - المصدر، ج 1: ص 145 / (بقط).

[607]

اللطيف الجسم، أراد أن عليا - رضي اله عنه - خفيف يخف إلى الحروب ولا يكسل لشدة بأسه وشجاعته (1).


(1) - ابن أثير: النهاية، ج 3: ص 15 / (صد).

[608]

الفصل 8 الأمام علي عليه السلام ومهابته 1 - قال المحدث القمي: (روي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية ابن أبي سفيان، فقال: يا عدي ! أين الطرفات ؟ - يعني بنيه: طريفا وطارفة وطرفة - قال: قتلوا يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدم بنيك وأخر بنيه، قال: بل ما أنصفت أنا عليا عليه السلام إذ قتل وبقيت (1) قال: صف لي عليا، فقال: إن رأيت أن تعفيني، قال: لا أعفيك. قال: كان والله، بعيد المدى، شديد القوى، يقول عدلا، ويحكم فصلا، تنفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستانس بالليل ووحشته، وكان والله، غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذ خلا، ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير، ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، و يدنينا إذا أتيناه، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويتحبب إلى المساكين،


(1) - دوراز حريم كوى تو شرمنده مانده ام * شرمنده مانده ام كه چرا زنده مانده ام

[609]

لا يخاف القوي ظلمه، ولا ييأس الضعيف من عدله. فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه، وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه، ودموعه تحادر على لحيته، وهو يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الان أسمعه وهو يقول: يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي أقبلت ؟ غري غيري لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، وقلة الأنيس. قال: فوكفت عينا معاوية، وجعل ينشفها بكمه ثم قال: رحم الله أبا الحسن، كان كذلك، فكيف صبرك عنه ؟ قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لاترقأ دمعتها، ولا تسكن عبرتها. قال: فكيف ذكرك له ؟ قال: وهل يتركني الدهر أن أنساه (1) ؟). 2 - قيل له: بأي شئ غلبت الأقران ؟ فقال عليه السلام: (ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه (2)، قال الرضي - رحمه الله -: يومى بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب.


(1) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 170، (عدى). (2) - نهج البلاغة، الخطبة 318.

[610]

الفصل 9 الأمام علي عليه السلام قوته وقدرته 1 - قال ابن أبي الحديد: (وأما القوة والأيد، فبه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبة في (المعارف): (ما صارع أحدا قط إلا صرعه)، وهو الذي قلع باب خيبر واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه، وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة - وكان عظيما كبيرا جدا - وألقاه إلى الأرض، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها فأنبط الماء من تحتها (1). 2 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (وكان أبو طالب يجمع ولده، وولد إخوته ثم يأمرهم بالصراع - وذلك خلق في العرب - فكان علي عليه السلام يحسر عن ذراعيه، وهو طفل ويصارع كبار إخوتة وصغارهم وكبار بني عمه وصغارهم فيصرعهم، فيقول أبوه: ظهر علي، فسماه ظهيرا فلما ترعرع عليه السلام كان يصارع الرجل الشديد فيصرعه، ويعلق بالجبار بيده ويجذبه فيقتله، وربما قبض على مراق بطنه ورفعه إلى الهواء، وربما يلحق الحصان الجاري فيصدمه فيرده على عقبيه). بيان: الجبار: العظيم القوي الطويل، والمراق - بتشديد القاف -: مارق من


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 21.

[611]

أسفل البطن ولان، ولا واحد له وميمه زائدة، والحصان - ككتاب -: الفرس الذكر (1). 3 - عن الصادق عليه السلام في خبر: (قالت فاطمة بنت أسد - رضى الله عنها - فشددته (يعنى عليا عليه السلام) وقمطته بقماط فنتر القماط (2)، ثم جعلته قماطين فنترهما، ثم جعلته ثلاثة وأربعة وخمسة وستة منها أديم (3) وحرير فجعل ينترها، ثم قال: يا اماه لا تشدي فإني أحتاج أن ابصبص (4) لربي بإصبعي (5). 4 - إن عليا عليه السلام رأى حية تقصده وهو في مهده - وقد شدت يداه في حال صغره - فحول نفسه فأخرج يده وأخذ بيمينه عنقها وغمزها غمزة حتى أدخل أصابعه فيها وأمسكها حتى ماتت، فلما رأت ذلك امه نادت واستغاثت، فاجتمع الحشم، ثم قالت: كأنك حيدرة. أقول: حيدرة: اللبوة إذا غضبت من أذى أولادها (6). قال العلامة في اللغة، ابن المنظور: (وحيدرة: الأسد، قال الأزهري: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: لم تختلف الرواة في أن هذه الأبيات لعلي ابن أبي طالب - رضوان الله عليه -:


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 275. (3) - القمط: شد لشد الصبي في المهد، وفي غير المهد، إذا ضم أعضاؤه الى جسده، ثم لف عليه القماط، والقماط - بالكسر -: حبل يشد به الصبي في المهد، والخرقة العريضة التي تلفها على الصبي. و نتر الثوب نترا: شقه بأصابعه أو أضراسه (ابن المنظور: لسان العرب). (3) - الأديم: الجلد ماكان، وقيل: الاحمر، وقيل: هو المدبوغ. (4) - البصبصة: تحريك الظبأ أذنابها، والمقصود في الحديث تحريك الاصابع بالذكر. (5) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 274. (6) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 274.

[612]

أنا الذي سمتني امي حيدرة * كليث غابات غليظ القصرة (1) أكيلكم بالسيف كيل السندرة وقال: السندرة، الجرأة، ورجل سندر - على فعلل - إذا كان جريئا، والحيدرة الأسد، قال: والسندرة: مكيال كبير، وقال ابن الأعرابي: الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس، قال أبو العباس: يعني لغلظ عنقه وقوة ساعديه، ومنه: غلام حادر، إذا كان ممتلئ البدن شديد البطش، قال: والياء والهاء زايدتان، زاد ابن بري في الرجز: قيل: أكيلكم بالسيف كيل السندرة أضرب بالسيف رقاب الكفرة وقال: أراد بقوله: (أنا الذي سمتني امى الحيدرة) أنا الذي سمتني امى أسدا، فلم يمكنه ذكر الأسد لأجل القافية فعبر بحيدرة، لأن امه لم تسمه حيدرة وإنما سمته أسدا باسم أبيها، لانها فاطمة بنت أسد، وكان أبو طالب غائبا حين ولدته و سمته أسدا، فلما قدم كره أسدا وسماه عليا، فلما رجز علي هذا الرجز يوم خيبر سمى نفسه بما سمته به امه. قلت: وهذا العذر من ابن بري لايتم له إلا أن كان الرجز أكثر من هذه الأبيات و لم يكن أيضا ابتدأ بقوله (أنا الذي سمتني امي الحيدرة) وإلا فإذا كان هذا البيت ابتداء الرجز وكان كثيرا أو قليلا كان رضي الله عنه مخيرا في إطلاق القوافي أي حرف شاء مما يستقيم الوزن له به، كقوله: (أنا الذي سمتني امي الأسد)، أو (أسدا) وله في هذه القافية مجال واسع، فنطقه بهذا الاسم على هذه القافية من غير قافية تقدمت يجب اتباعها ولا ضرورة صرفته إليه مما يدل أنه سمي حيدرة، وقد قال ابن الاثير: وقيل: بل سمته امه حيدرة، والقصرة: أصل العنق (2).


(1) - في (تاريخ الامم والملوك): ليث بغابات شديد القسورة. (2) - ابن المنظور: لسان العرب، ج 4: ص 174.

[613]

5 - عن جابر الأنصاري: (إن النبي صلى الله عليه واله وسلم دفع الراية إلى علي عليه السلام في يوم خيبر بعد أن دعا له، فجعل يسرع السير وأصحابه يقولون له: ارقع (ارفق خ ل) حتى انتهى إلى الحصن فاجتذب بابه فألقاه على الأرض، ثم اجتمع منا سبعون رجلا و كان جهدهم أن أعادوا الباب (1) 6 - قال الازري رحمه الله وله يوم خيبر فتكات * كبرت منظرا على من رآها يوم قال النبي إني لاعطي * رايتي ليثها وحامي حماها فاستطالت أعناق كل فريق * ليروا أي ماجد يعطاها فدعا أين وارث العلم والحلم * مجير الأيام من بأساها أين ذو النجدة الذي لو دعته * في الثريا مروعة لباها فأتاه الوصي أرمد عين * فسقاها بريقه وشفاها ومضى يطلب الصفوف فولت * عنه علما بأنه أمضاها ويرى مرحبا بكف اقتدار * أقوياء الأقدار من ضعفاها ودحى بابها بقوة بأس * لوحمته الأفلاك منه دحاها عائذ للمؤملين مجيب * سامع ما تسر من نجواها إنما المصطفى مدينة علم * وهو الباب من أتاه أتاها وهما مقلتا العوالم يسرا * ها علي وأحمد بمناها 7 - قال الفخر الرازي: (إن كل من كان أكثر علما بأحوال عالم الغيب كان أقوى قلبا وأقل ضعفا، ولهذا قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: (والله، ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولكن بقوة ربانية)، وذلك لأن عليا - كرم الله وجهه - في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد وأشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء،


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 279.

[614]

فتقوى روحه وتشبه بجواهر الأرواح الملكية وتلألأت فيه أضواء عالم القدس و العظمة، فلاجرم حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره، و كذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام الذي يقول الله: كنت له سمعا وبصرا، فإذا صار نور جلال الله سمعا له سمع القريب والبعيد، وإذا صار ذلك النور بصرا له رأى القريب والبعيد، وإذا صار ذلك النور يدا له قدر على التصرف في الصعب و السهل والبعيد والقريب (1). 8 - يقول الحكيم السبزواري رحمه الله: ويقوي العمال فالهيولي * تنقاد خلعا شاء أو حلولا فيقلب الهوا ويحدث المطر * يبدئ طوفانا يبيد من فجر يطيعه العنصر طاعة الجسد * للنفس فالكل كجسمه يعد (2)


(1) - الفخر الرازي: التفسير الكبير، ج 21: ص 91. (2) - السبزواري: المنظومة. الفريدة الثانية في اصول المعجزات والكرامات

[615]

الفصل 10 سيرة الأمام على عليه السلام في مطعمه وملبسه 1 - روى إبراهيم الثقفي عن سويد بن غفلة قال: (دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام القصر فإذا بين يديه قعب (لبن) أجد ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف ترى قشار الشعير على وجهه وهو يكسره ويستعين أحيانا بركبته، وإذا جاريته (فضة) قائمة (على رأسه)، فقلت لها: يا فضة أما تتقون الله في هذا الشيخ لو نخلتم دقيقه ؟ فقالت: إنا نكره أن يؤجر ونأثم وقد أخذ علينا أن لاننخل له دقيقا ما صحبناه، فقال علي عليه السلام: ما يقول ؟ قالت: سله، فقلت له ما قلت لها: لو ينخلون دقيقك فبكى ثم قال: بأبي وامي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى فارق الدنيا ولم ينخل دقيقه - قال: يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (1). 2 - و - أيضا - عن بكر بن عيسى، قال: (حدثنا جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه عليه السلام، قال: كان علي عليه السلام يطعم الناس بالكوفة الخبز واللحم، وكان (له) طعام على حدة، فقال قائل من الناس: لو نظرنا إلى طعام أمير المؤمنين ما هو ؟ فأشرفوا عليه، وإذا طعامه ثريدة بزيت مكللة بالعجوة، وكان ذلك طعامه وكانت العجوة


(1) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 87. ونخل الدقيق، غربله.

[616]

تحمل إليه من المدينة (1). 3 - أيضا من معاوية بن عمار، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي: قال: (ما اعتلج على علي عليه السلام أمران لله قط، إلا أخذ بأشدهما، وما زال عندكم يأكل مما عملت يده يؤتى به من المدينة، وإن كان ليأخذ السويق فيجعله في الجراب، ثم يختم عليه مخافة أن يزاد فيه من غيره، ومن كان أزهد في الدنيا من علي عليه السلام ؟ ! (2). 4 - و - أيضا - عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (أعتق علي عليه السلام ألف مملوك مما عملت يداه، وإن كان عندكم إنما حلواه التمر واللبن، وثيابه الكرابيس، و تزوج عليه السلام ليلى فجعل له حجلة فهتكها، وقال: حسب أهل على ما هم فيه (3). 5 - وقال أبو جعفر الأسكافي: (وبلغ من صبره ما أن كان الجوع إذا اشتد به و أجهده خرج يؤجر نفسه في سقي الماء بكف تمر لا يسد جوعته ولاخلته، فإذا اعطي اجرته لم يستبده وحده حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وبه من الجوع مثل ما به، فيشتر كان جميعا في أكله (4). 6 - وقال عليه السلام في كتابه لعثمان بن حنيف: (ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلي تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لاطمع له في القرص، ولاعهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل: وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد أأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر، أو


(1) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 85. ومكللة: محفوفة، والعجوة: نوع من التمر. (2) - المصدر، ص 81. واعتلج: اجتمع. (3) - المصدر، ص 92. (4) الاسكافي: المعيار. الموازنة ص 238.

[617]

أكون اسوة لهم في جشوبة العيش ؟ فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، وتكترش من أعلافها - إلى أن قال: - لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، و تقنع بالملح مأدوما، ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها، مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل علي من زاده فيهجع، قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة و السائمة المرعية (1). وقال محمد عبده في شرحه: (كان - كرم الله وجهه - إماما علي السلطان، واسع الأمكان، ولو أراد التمتع بأى اللذائذ شاء لم يمنعه مانع، وهو قوله (لو شئت لاهتديت - الخ). والقز: الحرير، والجشع: شدة الحرص، وجملة (ولعل - الخ) حالية عمل فيها تخير الأطعمة، أي هيهات أن يتخير الأطعمة لنفسه والحال أنه قد يكون بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص - أي الرغيف - ولاطمع له في وجوده لشدة الفقر، ولا يعرف الشبع، وهيهات أن يبيت مبطانا أي ممتلئ البطن والحال أن حوله بطونا غرثى - أي جائعة -، وأكبادا حرى - مؤنث حران أي عطشان -، والبطنة - بكسر الباء -: البطر والأشر والكظة، والقد - بالكسر -: سير من جلد غير مدبوغ، أي أنها تطلب أكله ولا تجده، الجشوبة: الخشونة، التقاطها للقمامة أي الكناسة، وتكترش أي تملأ كرشها، لأروضن: اذللن، وتهش أي تنبسط إلى الرغيف وتفرح به من شدة ما حرمها، ومطعوما حال من القرص كما أن مأدوما من الملح، أي مأدوما به الطعام، ولأدعن - الخ أي لأتركن مقلتي أي عيني وهي كعين ماء نضب أي غار معينها - بفتح وكسر - أي ماؤها الجاري، مستفرغة دموعها أي أبكي حتى لا يبقى دمع، والربيضة: الغنم مع رعاتها إذا كانت


(1) - نهج البلاغة، قسم الرسائل / الرقم 45.

[618]

في مرابضها، والربوض للغنم كالبروك للأبل، يهجع أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد طعامها، الهاملة: المسترسلة، والهمل من الغنم: ترعى نهارا بلا راع). 7 - (أتى (علي عليه السلام) سوق الكرابيس فإذا هو برجل وسيم، فقال: يا هذا ! عندك ثوبان بخمسة دراهم ؟ فوثب الرجل فقال: نعم، يا أمير المؤمنين ! فلما عرفه مضى عنه وتركه، فوقف على غلام فقال له: يا غلام ! عندك ثوبان بخمسة دراهم ؟ فقال: نعم، عندي ثوبان أحدهما أخير من الاخر، واحد بثلاثة والاخر بدرهمين، قال: هلمهما، فقال: يا قنبر ! خذ الذي بثلاثة، قال: أنت أولى به، يا أمير المؤمنين، تصعد المنبر وتخطب الناس، فقال: يا قنبر ! أنت شاب ولك شرة الشباب (1)، وأنا أستحيي من ربي أن أتفضل عليك، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون. ثم لبس القميص ومد يده في ردنه (2) فإذا هو يفضل عن أصابعه، فقال: يا غلام ! اقطع هذا الفضل، فقطعه، فقال الغلام: هلمه أكفه يا شيخ، فقال: دعه كما هو فإن الأمر أسرع من ذلك (3). 8 - وعن ابن شهر آشوب: (فلما لبس القميص مد كم القميص فأمر بقطعه و اتخاذه قلانس للفقراء (4). 9 - عن أبي إسحاق السبيعي، قال: (كنت على عنق أبي يوم الجمعة، و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يخطب وهو يتروح بكمه، فقلت: يا أبه ! أمير المؤمنين يجد الحر ؟ فقال لى: لا يجد حرا ولابردا، ولكنه غسل قميصه وهو رطب ولا له غيره فهو يتروح به (5).


(1) - أي حرصه ونشاطه. (2) - الردن - بالضم -: أصل الكم. (3) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 106. وكف الثوب: خاط حاشيته، وهو الخياطة الثانية بعد الثل. (4) - إبن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب، ج 2: ص 97. (5) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 98 و 96.

[619]

10 - عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: (رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام وعليه قميص له، إذا مده بلغ أطراف أصابعه، وإذا قبضه تقبض حتى يكون إلى نصف ساعده (1). وعن أبي الاشعث العنزي عن ابيه قال: و (رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد اغتسل في الفرات يوم الجمعة، ثم ابتاع قميص كرابيس بثلاثة دراهم، فصلى بالناس فيه الجمعة، وما خيط جربانه بعد (2). 11 - قال الغزالي في (الأحياء): (كان علي بن أبي طالب يمتنع من بيت المال حتى يبيع سيفه، ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل. لا يجد غيره (3). 12 - ذكر أبو بكر، أحمد بن مروان المالكي بسنده عن هارون بن عنزة، عن أبيه، قال: (دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخورنق وعليه قطيفة، وهو يرعد من البرد، فقلت: يا أمير المؤمنين ! إن الله قد جعل لك، ولأهل بيتك نصيبا في هذا المال، وأنت تفعل بنفسك هذا ؟ فقال: إني والله، لا أرزء من أموالكم شيئا، وهذه القطيفة التي أخرجتها من بيتي - أو قال من المدينة - (4). 13 - وعنه عليه السلام: (والله، لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، و لقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك ؟ فقلت: اعزب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى (5). أقول: إن هذه الأخبار وما شابهها يدل على أن الواجب على الولاة أن يقدروا


(1) - الثقفي: الغارات ج 1 ص 98 و 96. (2) المصدر، ص 97. والجربان - بالضم والتشديد -: جيب القميص، معرب گريبان. (3) - إبن شهرآشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 97. (4) - الأمام علي أسد الاسلام وقديسه، ص 84، ط بيروت. (5) - نهج البلاغة، خ 158. وقوله: (يحمد القوم السرى) مثل يضرب للرجل يحتمل المشقة للراحة (راجع (مجمع الأمثال) للميداني فيما أوله عين).

[620]

أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره، ولا يطغي الغني غناه، ولا يزال هذا الفرض مادام في رعيتهم فقير لا يكفي معونته مؤونته، ولذلك ورد في سيرة القائم عليه السلام أنه يلبس ثياب علي عليه السلام ويسير بسيرته، وأما إذا كان الأمام إو الولي الشرعي مقبوض اليد غير متصرف في الأمور فحاله حال سائر الناس في المطعم و الملبس، فإن خير لباس كل زمان لباس أهله، فالمعيار في هذه الامور المواساة مع ضعفة الناس، وأما إذا ما رفع الفقر والضعف فأحق من يتمتع بنعم الله تعالى الامام والوالي).

[621]

الفصل 11 الأمام علي عليه السلام وزهده في الدنيا 1 - قال عليه السلام: (فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ، وقراضة الجلم (1). أقول: الحثالة - بالضم -: الردي من كل شئ، وما لاخير فيه، القرظ - بالتحريك -: ورق السلم، أو شجر له شوك كثير، والجلم - بالتحريك -: مقراض يجز به الصوف، والقراضة: ما يسقط منه عند الجز والقرض. 2 - قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذى قار، وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت: لاقيمة لها، فقال عليه السلام: والله، لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن اقيم حقا أو أدفع باطلا (2). 3 - وقال عليه السلام: (والله، لدنيا كم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم (3). قال ابن المنظور: (والعظام إذا لم يكن عليها شئ من اللحم سميت عراقا (4)، و


(1) - نهج البلاغة، خ 32. (2) - المصدر، خ 33. (3) - المصدر، ح 235. (4) - ابن المنظور: لسان العرب / مادة (عرق).

[622]

قال الشيخ محمد جواد مغنية: (وقيل هو الكرش، ومن الذي يأكل كرش الخنزير، أو عظمه من يد مشوهة بالجذام، وهل في الكون كله أبشع وأشنع من هذا الطعام واليد التي تحمله، هذه هي الدنيا في نظر علي قولا وفعلا وعاطفة وعقلا، وهذا هو واقعها وإن تحلت بالذهب، ورفلت بالديباج، وتعطرت بالعنبر، وإذا خدعت بها أنا، وغيري من طلابها وكلابها، فهل يخدع بها العقل السليم... (1). 4 - وقال عليه السلام: (... ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عطفة عنز (2). قال ابن المنظور: (في حديث على: (لكانت دنياكم هذه أهون علي من عفطة عنز)، والمعفطة: الأست، والعرب تقول: ما لفلان عافطة ولانافطة، العافطة: النعجة (3). 5 - وقال عليه السلام: (وإن دنيا كم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها (4)، ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل (5)، وقبح الزلل، وبه نستعين (6). 6 - وقال عليه السلام: (فو الله، ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولاحزت من أرضها شبرا، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة (7). أقول: الكنز: المال المدفون، وكل شئ يرغب ويتنافس فيه، والتبر - بكسر الأول وسكون الثاني -: الذهب والفضة قبل أن يصاغ، الوفر: المال، والطمر


(1) - المغنية: في ظلال نهج البلاغة، ج 4: ص 358. (2) - نهج البلاغة، خ 3. (3) - ابن المنظور: لسان العرب / مادة (عف). (4) - أي تكسرها بالسنان. (5) - سبات العقل: نومه. (6) - نهج البلاغة، خ 222. (7) نهج البلاغة خ 45.

[623]

- بالكسر -: الثوب الخلق، والأتان: مقام المستسقي على فم البئر وهو صخرة، و - أيضا - الحمارة، وعلى هذا يقرأ بإضافة أتان إلى دبرة وسكون الباء في دبرة، و الدبرة - بسكون الباء -: البقعة من الأرض تزرع، وبفتح الباء: قرحة الدابة والبعير، والعفصة: شجرة البلوط وهو دواء قابض، والمقرة: المر. ممقر مر على أعدائه * وعلى الأدنين حلو كالعسل قال ابن أبي الحديد: (أقسم (علي عليه السلام) أنه ما كنز ذهبا، ولا ادخر مالا، ولا أعد ثوبا باليا سملا لبالي ثوبيه فضلا عن أن يعد ثوبا قشيبا كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال التى ينزعونها، ولا حاز من أرضها شبرا - و الضمير في أرضها يرجع إلى دنياكم - ولا أخذ منها إلا كقوت أتان دبرة وهي التي عقر ظهرها فقل أكلها (1). أقول: يحتمل أن يكون المعني: وما أخذت منه إلا كقوت مستسقي البقعة المزروعة في خلف الدار، يعني كما أن المتصدي لسقي البقعة يأخذ منها شيئا يسيرا، كذلك أنا ما أخذت من قوت الدنيا إلا قليلا، وهذا المعنى أنسب لكلام علي عليه السلام، وكأنه مثل سائر للشئ القليل.


(1) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 16: ص 205.

[624]

الفصل 12 الأمام علي عليه السلام والحكمة، والفلسفة، والعرفان 1 - نقل العلامة البياضي رحمه الله في خبر طويل: (فقال الدهقان: ما رأيت أعلم منك إلا أنك ما أدركت علم الفلسفة، فقال عليه السلام: من صفي مزاجه اعتدلت طبايعه، ومن اعتدلت طبايعه قوي أثر النفس فيه، ومن قوي أثر النفس فيه سما إلى ما يرتقيه، و من سما إلى ما يرتقيه تخلق بالأخلاق النفسانية وأدرك العلوم اللاهوتية، ومن أدرك العلوم اللاهوتية صار موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان ودخل في باب الملكي الصوري وما له عن هذه الغاية معبر. فسجد الدهقان وأسلم... (1). 2 - وقال - أيضا: (سئل عليه السلام عن العالم العلوي، فقال: صورة عارية عن المواد، عالية عن القوة والاستعداد، تجلى الله لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت، وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله، وخلق الأنسان ذا نفس ناطقة، إن زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد


(1) - البياضي: الصراط المستقيم، ج 1: ص 214.

[625]

شارك بها السبع الشداد (1). 3 - قال عليه السلام: (قد أحيا عقله، وأمات نفسه، حتى دق جليله، ولطف غليظه، و برق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه، وأرضى ربه (2). قال ابن أبي الحديد: (واعلم، أن قوله عليه السلام: (وبرق له لامع كثير البرق) هو حقيقة مذهب الحكماء، وحقيقة قول الصوفية أصحاب الطريقة والحقيقة، وقد صرح به الرئيس أبو علي، ابن سينا في كتاب (الاشارات)، فقال في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان: (ثم إنه إذا بلغت به الارادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق إليه لذيذة كأنها بروق توميض إليه ثم تخمد عنه، وهي التي تسمى عندهم أوقاتا...). قال القشيري في الرسالة...: (هي بروق تلمع ثم تخمد، و أنوار تبدو ثم تخفى... - إلى أن قال: - فهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حسبما ذكره الحكيم، وكلاهما يتبعان ألفاظ أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه حكيم الحكماء، و عارف العارفين، ومعلم الصوفية، ولولا أخلاقه وكلامه وتعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله، وتارة بفعله لما اهتدى أحد من هذه الطائفة، ولاعلم كيف يورد، و لا كيف يصدر (3).


(1) - البياضي: الصراط المستقيم ج 1، ص 222. (2) - نهج البلاغة، خ 218. (4) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 11: ص 137.

[626]

الفصل 13 الأمام علي عليه السلام وعصمته، وطهارته 1 - قال عليه السلام: (عزب رأي امرء تخلف عني، ما شككت في الحق مذ اريته (1). قال قطب الدين الراوندي رحمه الله (المتوفى 573) في شرحه: (ثم نبه عليه السلام على كونه معصوما بأن قال: أنا منذ حصلت المعارف الواجبة ما دخلني شك قط. بعد ذلك، فأنا على يقين، ومن ضل عني فهو شاك كافر (2). وقال ابن ميثم البحراني رحمه الله: (وما أفاضه (الله تعالى) على نفسه القدسية من الكمال مستلزم للأخبار بكمال قوته على استثبات الحق الذي رآه وشدة جلائه له بحيث لا يعرض له شبهة فيه، و الأمامية تستدل بذلك على وجوب عصمته و طهارته عن الأرجاس (3). 2 - وقال عليه السلام: (وإن معي لبصيرتي، ما لبست على نفسي، ولالبس علي (4). قال ابن أبي الحديد: (قوله: (ما لبست) تقسيم جيد لأن كل ضال عن الهداية،


(1) - نهج البلاغة، خ 4. (2) - الراوندي: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 141. (3) - البحراني: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 275. (4) - نهج البلاغة، خ 10.

[627]

فإما أن يضل من تلقاء نفسه، أو بإضلال غيره له (1). وقال: (قال أبو مخنف: وقام رجل إلى علي عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين ! أي فتنة أعظم من هذه (يعني حرب الجمل) ؟ إن البدرية ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف ! فقال علي عليه السلام: ويحك، أتكون فتنة أنا أميرها وقائدها ؟ والذي بعث محمدا بالحق وكرم وجهه، ما كذبت ولاكذبت، ولاضللت ولاضل بي، ولازللت ولازل بي، وإني لعلى بينه من ربي بينها الله لرسوله، وبينها رسوله لي، وسادعي يوم القيامة و لا ذنب لي... (2). 3 - وقال عليه السلام: (والله، ما كتمت وشمة (أي كلمة)، ولاكذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا وهذا اليوم (أي يوم بيعته) (3). 4 - وقال عليه السلام: (وإني لعلى بينة من ربي، ومنهاج من نبيي، وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا، انظروا أهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردي، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا (4). أقول: اللقط: أخذ الشئ من الأرض، وإنما سمى اتباعه لمنهاج الحق لقطا لأن الحق واحد، والباطل ألوان مختلفة، فهو يلتقط الحق من بين ضروب الباطل، والسمت - بالفتح -: الطريق، ولبد: أقام. 5 - وقال عليه السلام: (وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالقرابة القريبة، و المنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد [خ ل أنا ولد]، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشي


(1) - ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج 1: ص 239. (2) - ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج 1: ص 265. (3) - نهج البلاغة، خ 16. (4) - المصدر، خ 95.

[628]

ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولاخطلة في فعل (1). قال ابن أبي الحديد: (روى الفضل بن عباس، قال: سألت أبي عن ولد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الذكور أيهم كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم له أشد حبا ؟ فقال: علي بن أبي طالب عليه السلام، فقلت له: سألتك عن بنيه، فقال: إنه كان أحب عليه من بنيه جميعا و أرأف، ما رأيناه زايله يوما من الدهر منذ كان طفلا... وما رأينا أبا أبر بابن منه لعلي، ولا ابنا أطوع لأب من علي له (2). أقول: وإن من كان هذا شأنه لا يكون إلا من عصمه الله من الزلل، وآمنه من الفتن، وطهره من الدنس، وأذهب عنه الرجس، وطهره تطهيرا. 6 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: عن بريدة الأسلمي - في حديثه - أنه قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (قال لي جبرئيل: يا محمد ! إن حفظة علي بن أبي طالب تفتخر على الملائكة أنها لم تكتب على علي خطيئة منذ صحبته (3).


(1) - نهج البلاغة، خ 190. (2) - ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج 13: ص 200. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 38: ص 65.

[629]

الفصل 14 الأمام علي عليه السلام وعبادته 1 - قال ابن أبي الحديد: (وأما العبادة، فكان أعبد الناس، وأكثرهم صلاة و صوما، ومنه تعلم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه، وتمر على صماخيه يمينا وشمالا فلا ترتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ! وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده ! وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزته و الاستخذاء له (1)، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أي قلب خرجت، وعلى أي لسان جرت، وقيل لعلي بن الحسين عليهما السلام - وكان الغاية في العبادة -: أين عبادتك من عبادة جدك ؟ قال: عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (2).


(1) استخذى: اتضع وانقاد. (2) ابن أبي الحديد: شرح النهج ج 1 ص 27.

[630]

2 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (عن حبة العرني، قال: بينا أنا ونوف نائمين في رحبة القصر إذ نحن بأمير المؤمنين عليه السلام في بقية من الليل واضعا يده على الحائط شبيه الواله، وهو يقول: ب إن في خلق السموات والأرض - الاية (1) قال: ثم جعل يقرء هذه الآيات ويمر شبه الطائر عقله، فقال لي: أراقد أنت يا حبة، أم رامق ؟ قال: قلت: بل رامق، هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن ؟ ! فأرخى عينيه فبكى، ثم قال لي: يا حبة ! إن لله موقفا، ولنا بين يديه موقفا لا يخفى عليه شئ من أعمالنا. يا حبة ! إن الله أقرب إلي وإليك من حبل الوريد، يا حبة ! إنه لن يحجبني ولا اياك عن الله شئ. قال: ثم قال: أراقد أنت، يا نوف ؟ قال: قال: لا، يا أمير المؤمنين ما أنا براقد، و لقد أطلت بكائى هذه الليلة، فقال: يا نوف ! إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من الله تعالى قرت عيناك غدا بين يدي الله عز وجل. يا نوف ! إنه ليس من قطرة قطرت من عين رجل من خشية الله إلا أطفأت بحارا من النيران. يا نوف ! إنه ليس من رجل أعظم منزلة عند الله من رجل بكى من خشية الله، وأحب في الله، و أبغض في الله. يا نوف ! إنه من أحب في الله لم يستأثر على محبته، ومن أبغض في الله لم ينل ببغضه خيرا، عند ذلك استكملتم حقايق الأيمان. ثم وعظهما وذكرهما، وقال في أواخره: فكونوا من الله على حذر، فقد أنذرتكما، ثم جعل يمر وهو يقول: ليت شعري في غفلاتي أمعرض أنت عني، أم ناظر إلي، وليت شعري في طول منامي وقلة شكري في نعمك علي ما حالي ؟ قال: فوالله، ما زال في هذا الحال حتى طلع الفجر... (2). 3 - وقال أيضا: (وإنه عليه السلام ما فرش له فراش في ليل قط، ولا أكل طعاما في هجير قط (3).


(3) - آل عمران، 3: 190. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 22 و 23، والهجير: القدح العظيم. (3) - المصدر.

[631]

الفصل 15 الأمام علي عليه السلام والأخلاص 1 - قال ابن شهرآشوب في (المناقب) عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: (لما أدرك عمرو بن عبدود لم يضربه، فوقع في علي عليه السلام، فرد عنه حذيفة، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: مه يا حذيفة، فإن عليا 7 سيذكر سبب وقفته. ثم إنه ضربه فلما جاء سأله النبي باحذيفة فإن عليا عليه السلام سيذكر سبب وقفته. ثم إنه ضربه فلما سأله النبي صلى الله عليه واله وسلم عن ذلك، فقال: قد كان شتم امي وتفل في وجهي، فخشيت أن أضربه لحظ نفسي، فتركته حتى سكن مابي، ثم قتلته في الله (1). 2 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (لقد أصبح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوما، وقد غص مجلسه بأهله، فقال: أيكم اليوم أنفق من ماله ابتغاء وجه الله ؟ فسكتوا، فقال علي: أنا خرجت، ومعي دينار اريد أشتري به دقيقا، فرأيت المقداد بن أسود وتبينت في وجهه أثر الجوع، فناولته الدينار، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: وجبت، ثم قام آخر فقال: قد أنفقت اليوم أكثر مما أنفق علي، جهزت رجلا وامرأة يريدان طريقا و لا نفقة لهما، فأعطيتهما ألف درهم، فسكت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقالوا: يا رسول الله ! مالك ؟ قلت لعلي: وجبت، ولم تقل لهذا وهو أكثر صدقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:


(31) - النوري: مستدرك الوسائل، ج 3: ص 220.

[632]

أما رأيتم ملكا يهدي خادمه إليه هدية خفيفة فيحسن موقعها، ويرفع محل صاحبها، ويحمل إليه من عند خادم هدية عظيمة فيردها ويستخف بباعثها ؟ قالوا: بلى، قال: فكذلك صاحبكم علي دفع دينارا منقادا لله، سادا خلة فقير مؤمن، و صاحبكم الاخر أعطى ما أعطى معاندة لأخي رسول الله يريد به العلو على علي بن أبي طالب عليه السلام، فأحبط الله عمله، وصيره وبالا عليه، أما لو تصدق بهذه النية من الثرى إلى العرش ذهبا أو لؤلؤا لم يزدد بذلك من رحمة الله إلا بعدا، ولسخط الله تعالى إلا قربا، وفيه ولوجا واقتحاما (1). 3 - قال عليه السلام: (إن قوما عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا، فتلك عبادة الأحرار (2). 4 - وعنه عليه السلام: (إلهى ما عبدتك خوفا من عقابك، ولاطمعا في ثوابك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك (3). 5 - وعنه عليه السلام: (الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم، والعلم كله حجة إلا ما عمل به، والعمل كله رياء، إلا ما كان مخلصا، والأخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له (4). أقول: نعم، إذا كان العمل لغير الله فهو وزر على صاحبه، وإذا كان الأنفاق للمباهاة والمفاخرة يكون نصيبا للكلاب والعقبان، فلا حظ حكاية لطيفة أورده الدميري في (حياة الحيوان)، قال: (حكى الأمام العلامة، أبو الفرج الأصبهاني و غيره: أن الفرزدق الشاعر المشهور واسمه همام بن غالب، كان أبوه غالب رئيس قومه، وإن أهل الكوفة أصابتهم مجاعة، فعقر غالب أبو الفرزدق المذكور لأهله


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 18. (2) - نهج البلاغة، خ 237. (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 14. (4) - القمي: سفينة البحار، ج 1: ص 401.

[633]

ناقة، وصنع منها طعاما، وأهدى إلى قوم من بني تميم جفانا من ثديد، ووجه جفنة منها إلى سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه - وهو القائل: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني وقد تمثل بذلك الحجاج في خطبته يوم قدم الكوفة أميرا، فكفأها سحيم و ضرب الذي أتى بها. وقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب ؟ إذا نحر هو ناقة نحرت أنا اخرى، فوقعت المعاقرة بينهما، فعقر سحيم لأهله ناقة، فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين، فعقر سحيم لأهله ناقتين، فلما كان اليوم الثالث عقر غالب لأهله ثلاثا، فعقر سحيم لأهله ثلاثا، فلما كان اليوم الرابع، عقر غالب مائة ناقة، فلم يكن عند سحيم هذا القدر فلم يعقر شيئا وأسرها في نفسه، فلما انقضت المجاعة و دخل الناس الكوفة، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر، هلا نحرت مثل ما نحر غالب، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين ؟ فاعتذر بأن إبله كانت غائبة، ثم عقر ثلاثمائة ناقة، وقال للناس: شأنكم و الأكل، وكان ذلك في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي عنه - فاستفتي في حل الأكل منها، فقضى بحرمتها، وقال: هذه ذبحت لغير مأكلة و لم يكن المقصود منها إلا المفاخرة والمباهاة، فالقيت لحومها على كناسة الكوفة، فأكلها الكلاب والعقبان والرخم (1).


(1) - الدميري: حياة الحيوان، ج 2: ص 222 / (القرع).

[634]

الفصل 16 الأمام علي عليه السلام وجاهه، وقربه عند الله 1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: - في حديث - وأيكم اليوم نفع بجاهه أخاه المؤمن ؟ فقال علي عليه السلام: أنا، قال: صنعت ماذا ؟ قال: مررت بعمار بن ياسر وقد لازمه بعض اليهود في ثلاثين درهما كانت له عليه، فقال عمار: يا أخا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ! يلازمني ولا يريد إلا إيذائي وإذلالي لمحبتي لكم أهل البيت فخلصني منه بجاهك، فأردت أن اكلم له اليهودي فقال: يا أخا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ! أنا اجلك في قلبي وعيني من أن أبذلك لهذا الكافر، ولكن اشفع لي إلى من لايردك عن طلبه، فلو أردت جميع جوانب العالم أن يصيرها كأطراف السفرة لفعل، فاسأله أن يعينني على أداء دينه ويغنيني عن الاستدانة، فقلت: اللهم افعل ذلك به، ثم قلت له: اضرب إلى ما بين يديك من شئ حجرا أو مدرا فإن الله يقلبه لك ذهبا إبريزا (1)، فضرب يده فتناول حجرا فيه أمنان فتحول في يده ذهبا. ثم أقبل على اليهودي فقال: وكم دينك ؟ قال: ثلاثون درهما، قال: فكم قيمتها من الذهب ؟ قال: ثلاثة دنانير، فقال عمار: اللهم بجاه من بجاهه قلبت هذا الحجر


(1) - أي خالصا.

[635]

ذهبا لين لي هذا الذهب لأفصل قدر حقه، فالأنه الله عز وجل له، ففصل له ثلاثة مثاقيل وأعطاه، ثم جعل ينظر إليه وقال: اللهم إني سمعتك تقول: ب إن الأنسان ليطغى * أن رآه استغنى (1) ب، ولا اريد غنى يطغيني، اللهم فأعد هذا الذهب حجرا بجاه من بجاهه جعلته ذهبا بعد أن كان حجرا فعاد حجرا، فرماه من يده وقال: حسبي من الدنيا والاخرة موالاتي لك يا أخا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: تعجبت ملائكة السموات من فعله، وعجت إلى الله تعالى بالثناء عليه، فصلوات الله من فوق عرشه تتوالى عليه، فأبشر يا أبا اليقظان، فإنك أخو علي في ديانته، ومن أفاضل أهل ولايته، ومن المقتولين في محبته، تقتلك الفئة الباغية، وآخر زادك من الدنيا صاع من لبن، ويلحق روحك بأرواح محمد وآله الفاضلين، وأنت من خيار شيعتي (2). 2 - قال يزيد بن قعنب: (كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب وفريق من بني عبد العزى بإزاء البيت الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد، أم أمير المؤمنين عليه السلام و كانت حاملا به لتسعة أشهر، وقد أخرها الطلق، فقالت: ربى ! إنى مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، إني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل عليه السلام وأنه بنى بيتك العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت قد انفتح عن ظهره، ودخلت فاطمة وغابت من أبصارنا فيه، والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب، فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من الله عز وجل، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين علي عليه السلام، فقالت: إني فضلت على من تقدمني من النساء، لأن آسية بنت مزاحم


(1) - العلق، 96: 6 و 7. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 19.

[636]

عبدت الله عز وجل سرا في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطرارا، وأن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطبا جنيا، وأني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة ! سميه عليا، فهو علي، والله علي الأعلى يقول: إنى شققت إسمه من إسمي، وأدبته بأدبي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه (1). 3 - وعنه عليه السلام - في خبر طويل -: (ولأقولن ما لم أقله لأحد قبل هذا اليوم، سألته (يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم) مرة أن يدعو لي بالمغفرة، فقال: أفعل، ثم قام فصلى، فلما رفع يده للدعاء استمعت عليه فإذا هو قائل: اللهم بحق علي عندك اغفر لعلي، فقلت: يا رسول الله ! ما هذا ؟ فقال: أو أحد أكرم منك عليه فأستشفع به إليه ؟ (2) 4 - في حديث طويل عن عطاء، عن ابن عباس عند موته: (اللهم إني أتقرب إليك بولاية الشيخ علي بن أبي طالب، فما زال يكررها حتى وقع إلى الأرض، فصبرنا عليه ساعة ثم أقمناه فإذا هو ميت (3). 5 - عن محمد بن أحمد الأنصاري، قال: (وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد (الأمام العسكري) عليه السلام، قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت على سيدى أبي محمد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا بمواساة الأخوان، وينهانا عن لبس مثله ! فقال متبسما: يا كامل ! وحسر ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على


(1) - الطبري: بشارة المصطفى، ص 8. (2) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 20: ص 316. (3) - الكنجي: كفاية الاثر، ص 21.

[637]

جلده فقال: هذا لله، وهذا لكم. فسلمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخى، فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، فقال لي: يا كامل بن إبراهيم ! فاقشعررت من ذلك والهمت أن قلت: لبيك يا سيدي، فقال: جئت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله: هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك، وقال بمقالتك ؟ فقلت: إي، والله، قال: إذن والله، يقل داخلها، والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية، قلت: يا سيدي ! ومن هم ؟ قال: قوم من حبهم لعلي يحلفون بحقه - الخبر (1). 6 - عن الأعمش: (كان بالمدينة جارية سوداء عمياء تسقي الماء، وهي تقول: اشربوا حبا لعلي بن أبي طالب، ثم رأيتها بمكة بصيرة تسقي الماء وهي تقول: اشربوا حبا لمن رد الله علي بصري به، فسألتها عن شأنها، قالت إني رأيت رجلا قال: يا جارية ! أنت مولاة لعلي بن أبي طالب ومحبه ؟ فقلت: نعم، قال: اللهم إن كانت صادقا فرد عليها بصرها، فوالله، لقد رد الله علي بصري، فقلت: من أنت ؟ قال: أنا الخضر، وأنا من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام (2). 7 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (أتدري ما سمعت من الملأ الأعلى فيك ليلة اسري بى، يا علي ؟ سمعتهم يقسمون على الله تعالى بك، ويستقضونه حوائجهم، ويتقربون إلى الله تعالى بمحبتك، ويجعلون أشرف ما يعبدون الله به الصلاة علي وعليك، وسمعت خطيبهم في أعظم محافلهم وهو يقول: على الحاوي لأصناف الخيرات المشتمل على أنواع المكرمات، الذي قد اجتمع فيه من خصال الخير ما قد تفرق في غيره من البريات، عليه من الله تعالى الصلاة والبركات والتحيات، وسمعت


(1) - الانصاري: الانوار البهية، ص 178. (2) - القمي: سفينة البحار، ج 1: ص 391 / (خضر)

[638]

الأملاك بحضرته والأملاك في سائر السماوات والحجب والعرش والكرسي و الجنة والنار يقولون بأجمعهم عند فراغ الخطيب من قوله: آمين، اللهم وطهرنا بالصلاة عليه وعلى آله الطيبين (31). 8 - عن ابن مسعود، قال: (دخلت يوما على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقلت: يا رسول الله ! عليك السلام، أرني الحق لأنظر إليه، فقال: يا عبد الله ! لج المخدع (2)، فولجت المخدع وعلى بن أبي طالب يصلي وهو يقول في سجوده وركوعه: اللهم بحق محمد عبدك اغفر للخاطئين من شيعتي، فخرجت حتى اجتزت برسول الله صلى الله عليه واله وسلم فرأيته يصلى وهو يقول: اللهم بحق علي عبدك اغفر للخاطئين من امتي (3). قال: فأخذني من ذلك الهلع العظيم، فأوجز النبي صلى الله عليه واله وسلم في صلاته، وقال: يا ابن مسعود ! أكفر بعد إيمان ؟ فقلت: حاشا وكلا يا رسول الله، ولكن رأيت عليا يسأل الله بك، ورأيتك تسأل الله بعلى، فلا أعلم أيكما أفضل عند الله عز وجل ؟ قال: اجلس يا ابن مسعود، فجلست بين يديه فقال لي: اعلم أن الله خلقني وعليا من نور قدرته قبل أن يخلق الخلق بألفي عام إذ لاتسبيح ولا تقديس، ففتق نوري فخلق منه السموات والأرضين، وأنا - والله - أجل من السموات والأرضين، وفتق نور علي بن أبي طالب فخلق منه العرش والكرسي، وعلي بن أبي طالب - والله - أفضل من العرش والكرسي، وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم، والحسن - والله - أفضل من اللوح والقلم. وفتق نور الحسين فخلق منه الجنان والحور العين، والحسين - والله - أفضل من الحور العين. ثم اظلمت المشارق والمغارب، فشكت الملائكة إلى الله تعالى أن يكشف


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 21. (2) - المخدع: بيت داخل البيت الكبير. (3) - لا تنافى بين دعائه صلى الله عليه واله وسلم لأمته، ودعائه عليه السلام لشيعته. لأن امته حقا هم شيعة علي عليه السلام. ويدل عليه أخبار الأرتداد بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم التي مر عليك بعضها في باب موقفه عليه السلام عند الحوض.

[639]

عنهم تلك الظلمة، فتكلم الله جل جلاله كلمة فخلق منها روحا، ثم تكلم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نورا، فأضاف النور إلى تلك الروح وأقامها مقام العرش فزهرت المشارق والمغارب، فهي فاطمة الزهراء ولذلك سميت الزهراء، لأن نورها زهرت به السماوات. يا ابن مسعود ! إذا كان يوم القيامة يقول الله جل جلاله لي ولعلي: أدخلا الجنة من شئتما، وأدخلا النار من شئتما، وذلك قوله تعالى: ب ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (1) ب، فالكافر من جحد نبوتي، والعنيد من جحد بولاية علي بن أبي طالب و عترته، والجنة لشيعته ولمحبيه (2). الاستدراك قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حديث: أما إن من شيعة علي عليه السلام لمن يأتي يوم القيامة وقد وضع له في كفة سيئاته من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرواسي والبحار التيارة يقول الخلائق: هلك هذا العبد فلا يشكون أنه من الهالكين وفي عذاب الله تعالى من الخالدين فيأتيه النداء من قبل الله تعالى: يا أيها العبد الخاطي الجاني ! هذه الذنوب الموبقات فهل بإزائها حسنة تكافئها وتدخل جنة الله برحمة الله ؟ أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله ؟ يقول العبد: لا أدري فيقول منادي ربنا عزوجل: إن ربي يقول: ناد في عرصات القيامة: ألا إني فلان بن فلان من بلد كذا و كذا أو قرية كذا وكذا قد رهنت بسيئات كأمثال الجبال والبحار ولا حسنة لي بإزائها فأي أهل المحشر كانت لي عنده يد أو عارفة فليغثني بمجازاتي عنها،


(1) - ق، 50: 24. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 40: ص 43.

[640]

فهذا أوان شدة حاجتي إليها. فينادي الرجل بذلك فأول من يجيبه علي بن أبي طالب عليه السلام: لبيك لبيك لبيك، أيها الممتحن في محبتي المظلوم بعداوتي ثم يأتي هو ومن معه عدد كثير وجم غفير وإن كانوا أقل عددا من خصمائه الذين لهم قبله الظلامات فيقول ذلك العدد: يا أمير المؤمنين نحن إخوانه المؤمنون كان بنا بارا ولنا مكرما وفي معاشرته إيانا مع كثرة إحسانه إلينا متواضعا وقد نزلنا له عن جميع طاعتنا و بذلناها له فيقول علي عليه السلام: فبماذا تدخلون جنة ربكم ؟ فيقولون: برحمة الله الواسعة التي لا يعدمها من والاك ووالى آلك يا أخا رسول الله. فيأتي النداء من قبل الله تعالى: يا أخا رسول الله ! هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له فأنت ماذا تبذل له ؟ فإني أنا الحكم ما بيني وبينه من الذنوب قد غفرتها له بموالاته إياك وما بينه وبين عبادي من الظلامات فلابد من فصلي بينه وبينهم. فيقول علي عليه السلام: يا رب أفعل ما تأمرني فيقول الله تعالى: يا علي اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلامتهم قبله فيضمن لهم علي عليه السلام ذلك ويقول لهم: اقترحوا علي ما شئتم أعطكم عوضا من ظلاماتكم قبله. فيقولون: يا أخا رسول الله تجعل لنا بإزاء ظلاماتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتك على فراش محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيقول علي عليه السلام: قد وهبت ذلك لكم فيقول الله عزوجل: فانظروا يا عبادي الآن إلى ما نلتموه من علي فداء لصاحبه من ظلاماتكم ويظهر لهم ثواب نفس واحد في الجنان من عجائب قصورها وخيراتها فيكون ذلك ما يرضي الله عزوجل به خصمائه أولئك المؤمنين ثم يريهم بعد ذلك من الدرجات والمنازل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. يقولون: يا ربنا هل بقي من جنانك شئ ؟ إذا كان هذا كله لنا فأين تحل سائر عبادك المؤمنين والانبياء والصديقين والشهداء والصالحين ؟ ويخيل إليهم عند

[641]

ذلك أن الجنة بأسرها قد جعلت لهم فيأتي النداء من قبل الله تعالى: يا عبادي هذا ثواب نفس من أنفاس علي بن أبي طالب عليه السلام الذي اقترحتموه عليه قد جعله لكم فخذوه وانظروا فيصيرون هم وهذا المؤمن الذي عوضهم علي عليه السلام في تلك الجنان ثم يرون ما يضيفه الله عزوجل إلى ما ممالك علي عليه السلام في الجنان ما هو أضعاف ما بذله عن وليه الموالى له مما شاء من الاضعاف التي لا يعرفها غيره. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: " أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (1) " المعدة لمخالفي أخي ووصيي علي بن أبي طالب عليه السلام (2).


(1) الصافات، 62. (2) المجلسي: بحار الانوار، ج 68: صص 107 - 109.

[642]

الفصل 17 الأمام علي عليه السلام واستجابة دعائه 1 - عن طلحة بن عميرة، قال: (نشد علي عليه السلام في قول النبي صلى الله عليه واله وسلم: (من كنت مولاه) فشهد اثنا عشر رجلا من الأنصار، وأنس بن مالك في القوم لم يشهد، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا أنس ! قال: لبيك، قال: ما يمنعك أن تشهد وقد سمعت ما سمعوا ؟ قال: يا أمير المؤمنين ! كبرت ونسيت، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببياض أو بوضح (1) لاتواريه العمامة، قال طلحة: فأشهد بالله لقد رأيتها بيضا بين عينيه (2). 2 - وفي رواية جابر: (فقال لأنس: لا أماتك الله حتى يبتليك ببرص لاتغطيه العمامة... فقال جابر: والله، لقد رأيت أنسا وقد ابتلي ببرص يغطيه بالعمامة فما تستره (3). 3 - عن زيد بن أرقم، قال: (نشد علي عليه السلام في المسجد فقال: أنشد الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من


(1) - الوضح: البياض من كل شئ. (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 204 و 206. (3) - المصدر.

[643]

عاداه)، فقام اثنا عشر بدريا، ستة من الجانب الأيمن، وستة من الجانب الأيسر فشهدوا بذلك، فقال زيد بن أرقم: وكنت أنا فيمن سمع ذلك فكتمته فذهب الله ببصري (1). 4 - الوليد بن الحارث وغيره، عن رجالهم: (إن أمير المؤمنين عليه السلام لما بلغه ما فعل بسر بن أرطاة باليمن (يعني قتله ثلاثين ألفا) قال: اللهم إن بسرا قد باع دينه بالدنيا فاسلبه عقله، ولا تبق من دينه ما يستوجب به عليك رحمتك، فبقي بسر حتى اختلط، وكان يدعو بالسيف، فاتخذ له سيف من خشب، وكان يضرب به حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: السيف السيف، فيدفع إليه فيضرب به، فلم يزل كذلك حتى مات (2). 5 - عن سعد الخفاف، عن زاذان أبي عمرو، قلت له: (يا زاذان ! إنك لتقرأ القرآن فتحسن قراءته، فعلى من قرأت ؟ قال: فتبسم، ثم قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام مر بي وأنا انشد الشعر، وكان لي حلق حسن، فأعجبه صوتي، فقال: يا زاذان ! فهلا بالقرآن ؟ قلت: يا أمير المؤمنين وكيف لي بالقرآن ؟ فوالله ما أقرأ منه إلا بقدر ما اصلي به، قال: فادن مني، فدنوت منه فتكلم في اذني بكلام ما عرفته ولا علمت ما يقول، ثم قال: افتح فاك، فتفل في في، فوالله مازالت قدمي من عنده حتى حفظت القرآن بإعرابه وهمزه، وما احتجت أن أسأل عنه أحدا بعد موقفي ذلك. قال سعد: فقصصت قصة زاذان على أبي جعفر عليه السلام قال: صدق زاذان، إن أمير المؤمنين عليه السلام دعا لزاذان بالاسم الأعظم الذي لا يرد (3). 6 - عن الأصبغ بن نباتة، أنه قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين، علي ابن ابي طالب عليه السلام وهو يقضي بين الناس إذ جاءه جماعة معهم أسود مشدود


(1) - المجلسي: بحار الانوار ج 41: ص 205، 204، و 195. (2) - المصدر. (3) - المصدر.

[644]

الأكتاف، فقالوا: هذا سارق يا أمير المؤمنين، فقال: يا أسود ! سرقت ؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قال له: ثكلتك امك، إن قلتها ثانية قطعت يدك، قال: نعم، يا مولاي، قال: ويلك انظر ماذا تقول، سرقت ؟ قال: نعم، يا مولاي، فعند ذلك قال عليه السلام: اقطعوا يده فقد وجب عليه القطع. قال: فقطع يمينه، فأخذها بشماله وهي تقطر دما، فاستقبله رجل يقال له: ابن الكواء فقال: يا أسود ! من قطع يمينك ؟ قال: قطع يميني سيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وأولى الناس بالمؤمنين، علي بن أبي طالب عليه السلام، إمام الهدى، و زوج فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى، أبو الحسن المجتبى، وأبو الحسين المرتضى، السابق إلى جنات النعيم، مصادم الأبطال، المنتقم من الجهال، معطي الزكاة، منيع الصيانة من هاشم القمقام، ابن عم الرسول، الهادي إلى الرشاد، و الناطق بالسداد، شجاع مكي، جحجاح وفي، بطين أنزع أمين من آل حم ويس و طه والميامين، محلي الحرمين، ومصلي القبلتين، خاتم الأوصياء، ووصي صفوة الأنبياء، القسورة الهمام، والبطل الضرغام، المؤيد بجبرائيل الأمين، والمنصور بميكائيل المبين، وصي رسول رب العالمين، المطفئ نيران الموقدين، وخير من نشأ من قريش أجمعين، المحفوف بجند من السماء، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين على رغم أنف الراغبين [خ ل] ومولى الناس أجمعين. فعند ذلك قال له ابن الكواء: ويلك ! يا أسود، قطع يمينك وأنت تثني عليه هذا الثناء كله ؟ ! قال: ومالي لااثني عليه، وقد خالط حبه لحمي ودمي، والله ما قطعني إلا بحق أوجبه الله علي، قال: فدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام فقلت: سيدي رأيت عجبا، قال: وما رأيت ؟ قال: صادفت أسود قطعت يمينه وأخذها بشماله وهي تقطر دما، فقلت له: يا أسود ! من قطع يمينك ؟ قال: سيد المؤمنين - و أعدت عليه - وأعاد علي، فقلت له: ويحك قطع يمينك وأنت تثني عليه هذا الثناء كله ؟ فقال: ومالي لااثني عليه وقد خالط حبه لحمي ودمي، والله ما قطعني إلا

[645]

بحق أوجبه الله علي. قال: فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده الحسن وقال: قم، هات عمك الأسود، قال: فخرج الحسن عليه السلام في طلبه فوجده في موضع يقال له (كندة)، وأتى به إلى أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال له: يا أسود ! قطعت يمينك وأنت تثني علي ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ! ومالي لااثني عليك وقد خالط حبك دمي ولحمي ؟ والله، ما قطعت إلا بحق كان على مما ينجي من عقاب الاخرة، فقال عليه السلام: هات يدك، فناوله، فأخذها ووضعها في المواضع الذي قطعت منه، ثم غطاها بردائه، فقام وصلى عليه السلام ودعا بدعاء سمعناه يقول في آخر دعائه: آمين، ثم شال الرداء (1) وقال: اضبطي أيتها العروق كما كنت واتصلي. فقام الأسود وهو يقول: آمنت بالله وبمحمد رسوله وبعلي الذي رد اليد القطعاء بعد تخليتها من الزند (2)، ثم انكب على قدميه، وقال: بأبي أنت وامي يا وارث علم النبوة). بيان: القمقام: السيد، وكذا الجحجاح، والقسورة: الأسد، والهمام - بالضم -: الملك العظيم الهمة، والضرغام - بالكسر -: الاسد (3). وفي رواية: (فقال: يا ابن كواء ! إن محبينا لو قطعناهم إربا إربا ما ازدادوا لنا إلا حبا، وإن في أعدائنا من لو ألحقناهم السمن والعسل ما ازدادوا منا إلا بغضا (4). أقول: نقل هذه القصة الفخر الرازي في تفسيره (ج 21: ص 88) ملخصا.


(1) - أي رفعها. (2) - كذا والظاهر أن الخبر مدخول لان القطع من الاصابع لا الزند. (3) المجلسي: بحار الانوار، ج 40: ص 281. (4) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 2 10.

[646]

المستدرك قال العلامة المجلسي رحمه الله: ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما حملت إليه جنازة البراء بن معرور ليصلي عليه قال: أين علي بن 7. أبي طالب ؟ قالوا: يارسول الله إنه ذهب في حاجة رجل من المسلمين إلى قبا، فجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم يصل عليه قالوا: يا رسول الله مالك لا تصلي عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله عزوجل أمرني أن أؤخر الصلاة عليه إلى أن يحضره علي فيجعله في حل مما كلمة به بحضرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (1) ليجعل الله موته بهذا السم كفارة له. فقال بعض من حضر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وشاهد الكلام الذي تكلم به البراء: يا رسول الله إنما كان مزحا مازح به عليا لم يكن منه جدا فيؤاخذ الله عزوجل بذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لو كان ذلك منه جدا لاحبط الله تعالى أعماله كلها ولو كان تصدق بمثل ما بين الثرى إلى العرش ذهبا وفضة ولكنه كان مزحا وهو في حل من ذلك إلا أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يريد أن لا يعتقد أحد منكم أن عليا عليه السلام واجد عليه فيجدد بحضرتكم إحلالا ويستغفر له ليزيده الله عزوجل بذلك قربة ورفعة في جنانه. فلم يلبث أن حضر علي بن أبي طالب فوقف قبالة الجنازة وقال: رحمك الله يابراء فلقد كنت صواما قواما ولقد مت في سبيل الله. وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ولو كان أحد من الموتى يستغني عن صلاة رسول الله لاستغنى صاحبكم هذا بدعاء علي عليه السلام له. ثم قام فصلى عليه ودفن. فلما انصرف وقعد في العزاء قال: أنتم يا أولياء البراء بالتهنية أولى منكم بالتعزية لان صاحبكم


(1) والكلام هو أن البراء حين أتى رسول الله إليه الزراع المسمومة وتناول قبل صلى الله عليه واله وسلم لقمة وقال علي عليه السلام له: يابراء لا تتقدم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: يا علي كأنك تبخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ ! فقال علي عليه السلام: ما أبخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولكني أبجله وأوقره ليس لي ولا لك ولا لاحد من خلق الله أن يتقدم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بقول ولا فعل ولا أكل ولا شرب.

[647]

عقد له في الحجب قباب من السماء الدنيا إلى السماء السابعة وبالحجب كلها إلى الكرسي إلى ساق العرش لروحه التي عرج بها فيها ثم ذهب بها إلى ابض الجنان وتلقاها كل من كان فيها من خزانها واطلع إليه كل من كان فيها من حور حسانها فقالوا بأجمعهم له: طوباك طوباك يا روح البراء انتظر عليك رسول الله عليا صلوات اله وسلامه عليهما وآلهما الكرام حتى ترحم عليك علي واستغفر لك، أما إن حملة عرش ربنا حدثونا عن ربنا أنه قال: يا عبدي الميت في سبيلي لو كان عليك من الذنوب بعدد الحصى والثرى وقطر المطر وورق الشجر وعدد شعور الحيوانات ولحظاتهم وأنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم لكانت مغفورة بدعاء علي عليه السلام لك. قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: فتعرضوا عباد الله لدعاء علي لكم ولا تتعرضوا لدعاء علي عليكم. فإن من دعا عليه أهلكه الله ولو كانت حسناته عدد ما خلق الله كما أن من دعا أسعده الله ولو كانت سيئاته بعدد ما خلق الله (1)


(1) بحار الانوار 17 / 320 - 321.

[648]

الفصل 18 الأمام علي عليه السلام ومروءته 1 - قال ابن أبي الحديد: (ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء وأحاطوا بشريعة الفرات وقالت رؤساء الشام له: اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا، سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يسوغوا لهم شرب الماء فقالوا: لا والله، ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه و حمل على عساكر معاوية حملات كثيفة حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت منه الرؤوس والأيدي، وملكوا عليهم الماء، وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم، فقال له أصحابه وشيعته: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين، كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضا بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب، فقال: لا والله، لا اكافئهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك (1). ملكنا فكان العفو منا سجية * فلما ملكتم سال بالدم أبطح فحسبكم هذا التفاوت بيننا * فكل إناء بالذي فيه ينضح


(1) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 23.

[649]

2 - قال العلامة الديار بكري: (روي أن عليا لما قتل عمرا لم يسلبه، فجاءت اخت عمرو حتى قامت عليه، فلما رأته غير مسلوب سلبه قالت: ما قتله إلا كفؤ كريم، ثم سألت عن قاتله، قالوا: علي بن أبي طالب، فأنشأت هذين البيتين: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكي عليه آخر الابد لكن قاتله من لايعاب به * من كان يدعى قديما بيضة البلد (1)


(1) - الديار بكري: تاريخ الخميس، ج 1: ص 488. وقال ابن المنظور في (اللسان): (بيضة البلد علي بن أبي طالب - سلام الله عليه -، أي أنه فرد ليس مثله في الشرف كالبيضة التي تريكة وحدها ليس معها غيرها، و إذا ذم الرجل فقيل: هو بيضة البلد، أرادوا هو منفرد لا ناصر له).

[650]

الفصل 19 الأمام علي عليه السلام حلمه وصفحه 1 - عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في خبر طويل: (لو كان الحلم رجلا لكان عليا (1). 2 - عن جابر، قال: (سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جلا يشتم قنبرا وقد رام قنبر أن يرد عليه، فناداه أمير المؤمنين على 7: مهلا يا قنبر، دع شاتمك مهانا ترض الرحمن، وتسخط الشيطان، وتعاقب عدوك، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أارضى المؤمن ربه بمثل الحلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، و لاعوقب الأحمق بمثل السكوت عنه (2). 3 - قال ابن أبي الحديد: (وأما الحلم والصفح، فكان أحلم الناس عن مذنب، وأصفحهم عن مسئ، وقد ظهرت صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم - وكان أعدى الناس له وأشدهم بغضا - فصفح عنه، وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب، وكان علي عليه السلام يقول: ما زال الزبير رجلا منا أهل


(1) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 2: ص 68. (2) - المفيد: كتاب الامالي، المجلس 14: ص 118.

[651]

البيت حتى شب عبد الله، فظفر به يوم الجمل فأخذه أسيرا، فصفح عنه، وقال: (اذهب ولا أرينك) لم يزده على ذلك، وظفر بسعيدبن العاص بعد وقعة الجمل بمكة - وكان له عدوا - فأعرض عنه ولم يقل شيئا... (1). 4 - قال قنبر: دخلت مع أمير المؤمنين عليه السلام على عثمان فأحب الخلوة فأومأ إلي بالتنحي، فتنحيت غير بعيد، فجعل عثمان يعاتبه وهو مطرق رأسه، وأقبل إليه عثمان، فقال: ما لك لا تقول ؟ فقال عليه السلام: ليس جوابك إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا (2) ما تحب، ثم خرج قائلا: ولو أنني جاوبته لأمضه * نوافذ قولى واحتضار جوابي ولكنني اغضي على مضض الحشا * ولو شئت إقداما لأنشب نابي (3) أقول: أمضه الأمر: شق عليه، والجرح: أوجعه، والمضض: الوجع، وأغضى على الأمر: سكت وصبر وأنشبه في كذا: علقه وأعلقه، والناب: السن خلف الرباعية. 5 - (دعا عليه السلام غلاما له مرارا فلم يجبه، فخرج فوجده على باب البيت، فقال: ما حملك على ترك إجابتي ؟ قال: كسلت عن إجابتك وآمنت عقوبتك، فقال: الحمدلله الذي جعلني ممن يأمنه خلقه، امض فأنت حر لوجه الله (4). 6 - (إن أمير المؤمنين عليه السلام مر بأصحاب التمر فإذا هو بجارية تبكي، فقال: يا جارية ! ما يبكيك ؟ فقالت: بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمرا فأتيتهم به فلم يرضوه، فلما أتيته به أبى أن يقبله، قال: يا عبد الله إنها خادم وليس لها أمر فاردد


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 22. (2) - كذا والظاهر أن " إلا " زيادة. (3) المجلسي بحار الأنوار: ج 41: ص 49، 48. (4) - المجلسي بحار الأنوار: ج 41: ص 49، 48.

[652]

إليها درهمها وخذ التمر، فقام إليه الرجل فلكزه (1)، فقال الناس: هذا أمير المؤمنين فربا الرجل (2) واصفر، وأخذ التمر ورد إليها درهمها، ثم قال: يا أمير المؤمنين ارض عني، فقال: ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك، وفي فضائل أحمد: إذا وفيت الناس حقوقهم (3). 7 - (مرت امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن أبصار هذه الفحول طوامع (4)، وإن ذلك سبب هناتها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلمس أهله فإنما امرأة كامرأة، فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافرا ما أفقهه ! فوثب القوم ليقتلوه فقال عليه السلام: رويدا إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب (5). 8 - (جاءه أبو هريرة - وكان تكلم فيه وأسمعه في اليوم الماضي - وسأله حوائجه فقضاها، فعاتبه أصحابه على ذلك فقال: إنى لأستحيي أن يغلب جهله علمي، وذنبه عفوي، ومسألته جودي (6). 9 - قال ابن الأثير: (ومنه حديث عائشة قالت لعلي يوم الجمل حين ظهر: (ملكت فأسجح) أي قدرت فسهل وأحسن العفو، وهو مثل سائر (7).


(1) - أي ضربه بجميع كفه. (2) - أي اخذه الربوة وهى علة تحدث في البرئة فتصير النفس صبعا. (3) - أي اخذه الربوة وهى علة تحدث في الرئة فتصير النفس صعبا. (4) - في نهج البلاغة: (طوامح). (5) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 49. (6) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 49. (7) - ابن الاثير: النهاية، ج 2: ص 342.

[653]

الفصل 20 الامام على عليه السلام عفوه ومنه 1 - قال عليه السلام لما ضربه ابن ملجم المرادي - لعنه الله -: (وصيتي لكم أن لا تشركوا بالله شيئا، ومحمد صلى الله عليه واله وسلم فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذم، أنا بالأمس صاحبكم، واليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، إن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة، فاعفوا الا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ والله، ما فجأني من الموت وارد كرهته، ولا طالع أنكرته، وما كنت إلا كقارب ورد، وطالب وجد، و ما عند الله خير للأبرار (1). أقول: (خلاكم ذم) أي عداكم الذم وجاوزكم اللوم بعد قيامكم بالوصية، و لفظ العمود مستعارلهما لشبههما بعمودي البيت لكونهما سببين لقيام الأسلام، و القارب: الذي يسير إلى الماء وقد بقي بينه وبينه ليلة واحدة. 2 - وقال عليه السلام: (يا بني عبد المطلب ! لا الفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته


(1) - نهج البلاغة، / 23.

[654]

هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور (1). 3 - قال جورج جرداق: (كل ما في الطبيعة كان يعصف بالثورة، إلا وجه ابن أبي طالب فقد انبسط لا يحدث بانتقام، ولا يشير إلى اشتباك، فإن العواد وقفوا بباب الأمام وكلهم جازع متألم باك يدعو إلى الله أن يرحم أمير المؤمنين فيشفيه و يشفي به آلام الناس، وكانوا قد شدوا على ابن ملجم فأخذوه، فلما أدخلوه عليه قال: أطيبوا طعامه وألينوا فراشه (2). 4 - قال الشيخ المفيد رحمه الله، (عن هاشم بن مساحق القرشي قال: حدثنا أبي أنه لما انهزم الناس يوم الجمل اجتمع معه طائفة من قريش فيهم مروان بن الحكم، فقال بعضهم لبعض: والله، ظلمنا هذا الرجل - يعنون أمير المؤمنين عليه السلام - ونكثنا بيعته من غير حدث والله، لقد ظهر علينا فما رأينا قط أكرم سيرة منه ولا أحسن عفوا بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، تعالوا حتى ندخل عليه ونعتذر إليه فيما صنعناه. قال: فصرنا إلى بابه فاستأذناه فأذن لنا، فلما مثلنا بين يديه جعل متكلمنا يتكلم، فقال عليه السلام: أنصتوا أكفكم، إنما أنا بشر مثلكم، فإن قلت حقا فصدقوني، وإن قلت باطلا فردوا علي، أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبض وأنا أولى الناس به وبالناس من بعده ؟ قلنا: اللهم نعم، قال: فعدلتم عني وبايعتم أبا بكر، فأمسكت و لم احب أن أشق عصا المسلمين وافرق بين جماعاتهم، ثم إن أبا بكر جعلها لعمر من بعده، فكففت ولم اهج الناس وقد علمت أني كنت أولى الناس بالله وبرسوله وبمقامه، فصبرت حتى قتل وجعلني سادس ستة، فكففت ولم أحب أن افرق بين المسلمين، ثم بايعتم عثمان، فطغيتم عليه وقتلتموه وأنا جالس في بيتي و


(1) - نهج البلاغة، 47. (2) - جورج جرداق: الأمام علي صوت العدالة الانسانية، ج 4: ص 1004.

[655]

أتيتموني وبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر، وفيتم لهما ولم تفوا لي، وما الذي منعكم من نكث بيعتهما ودعاكم إلى نكث بيعتي ؟ فقلنا له: كن يا أمير المؤمنين، كالعبد الصالح يوسف إذ قال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (1)، فقال عليه السلام لا تثريب عليكم اليوم، وإن فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث بإسته - يعنى مروان ابن الحكم - (2). 5 - وعنه قال: (عن حبة العرني، قال: والله، إني لأنظرن إلى الرجل الذي ضرب الجمل ضربة على عجزه فسقط لجنبه، فكأني أسمع عجيج الجمل ما سمعت قط عجيجا أشد منه، قال: لما عقر الجمل، وانقطع بطان الهودج، فزال عن ظهر الجمل، وانفض أهل البصرة منهزمين، وجعل عمار بن ياسر ومحمد ابن أبي بكر يقطعان الحقب والأنساع، واحتملاه - أي الهودج - ووضعاه على الأرض، فأقبل علي بن أبي طالب حتى وقف عليها وهي في هودجها، فقرع الهودج بالرمح، و قال: يا حميراء ! رسول الله أمرك بهذا المسير ؟ ونادى عمار ابن ياسر يومئذ: لا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبرا موليا، ورأيت يومئذ سعيد وأبان ابنا (3) عثمان فجئ بهما إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما وقفا بين يديه قال بعض من حضر: اقتلهما يا أمير المؤمنين، فقال: بئس ما قلتم، آمنت الناس كلهم وأقتل هذين ؟ ثم أقبل عليهما، وقال لهما: ارجعا عن غيكما، وانزعا وانطلقا حيث شئتما وأحببتما، فأقيما عندي حتى أصل أرحامكما، فقالا: يا أمير المؤمنين ! نحن نبايع، فبايعا وانصرفا (4). 6 - قال صاحب الجواهر رحمه الله: (لما هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين عليه السلام:


(1) - يوسف، 12: 92. (2) - المفيد: الجمل أو النصرة في حرب البصرة، ص 222 و 203. (3) - كذا. (4) - المفيد: الجمل أو النصرة في حرب البصرة، ص 222 و 203.

[656]

لا تتبعوا موليا، ولا تجهزوا على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، فلما كان يوم صفين قتل المقبل والمدبر، وأجاز على الجريح، فقال أبان بن تغلب لعبدالله بن شريك: هاتان سيرتان مختلفتان ! فقال: إن أهل الجمل قتل طلحة والزبير، وإن معاوية كان قائما بعينه وكان قائدهم. وفي الدعائم (عن أبي جعفر عليه السلام أنه: سار علي عليه السلام بالمن والعفو في عدوه من أجل شيعته، لأنه كان يعلم انه سيظهر عليهم عدوهم من بعده فأحب أن يقتدي من جاء بعده به فيسير في شيعته بسيرته، ولا يجاوز فعله - إلى أن قال: - قد تظافرت (النصوص) في أنه عليه السلام سار في أهل الجمل بالمن والعفو (1). 7 - وقال - أيضا: عن أبي جعفر عليه السلام: لولا أن عليا عليه السلام سار في أهل حربه بالكف عن السبي والغنيمة للقيت شيعته من الناس بلاء عظيما، ثم قال: والله، لسيرته كانت خيرا لكم مما طلعت عليه الشمس (2). 8 - و قال - أيضا - في ضمن كلامه: (على أنه عليه السلام مع منه عليهم بما من وكانت سيرته معلومة لديهم، قد فعلوا في كربلا ما فعلوا (3). 9 - وقال - أيضا: (فإنه عليه السلام أمر برد أموالهم، فأخذت حتى القدور... وأن عليا عليه السلام نادى: من وجد ماله فليأخذه، فمر بنا رجل فعرف قدرا نطبخ فيها فسألناه أن يصبر حتى ينضح فلم يفعل فرمى برجله فأخذه - إلى أن قال: - ولعل الجمع بين النصوص أنه عليه السلام قد أذن لهم بأخذ المال الذي عند العسكر، ثم بعد أن وضعت الحرب أوزارها غرمه من بيت المال لأهله حتى أنه عليه السلام كان يكتفي من المدعي باليمين (4).


(1) - النجفي: جواهر الكلام، ج 21 / كتاب الجهاد: ص 330. (2) - النجفي: جواهر الكلام، ج 21 / كتاب الجهاد: ص 335. (3) - النجفي: جواهر الكلام، ج 21 / كتاب الجهاد: ص 337. (4) - النجفي: جواهر الكلام، ج 21 / كتاب الجهاد: ص 340.

[657]

10 - وقال - أيضا: (ويخطر في البال أن عليا عليه السلام كان يجوز له قتل الجميع إلا خواص شيعته، لأن الناس جميعا قد ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم السقيفة إلا أربعة: سلمان وأبا ذر والمقداد وعمار، ثم رجع بعد ذلك أشخاص، والباقون استمروا على كفرهم حتى مضت مدة أبي بكر وعمر وعثمان، فاستولى الكفر عليهم أجمع حتى آل الأمر إليه عليه السلام ولم يكن له طريق إلى إقامة الحق فيهم إلا بضرب بعضهم بعضا، وأيهم قتل كان في محله إلا خواص الشيعة الذين لم يتمكن من إقامة الحق بهم خاصة. والله العالم (1). 11 - قال ابن أبي الحديد: (وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف، وسبوه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: ألا لايتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الأمام فهو آمن، ولم يأخذ أثقالهم، ولا ذراريهم، ولاغنم شيئا من أموالهم، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل ولكنه أبى إلا الصفح والعفو وتقبل سنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم فتح مكة فإنه عفا والأحقاد لم تبرد، ولا إساءة لم تنس (2). 12 - وقال - أيضا: (إن الغالب على ذوي الشجاعة، وقتل الأنفس، وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح بعيدي العفو، لأن أكبادهم واغرة، وقلوبهم ملتهبة، والقوة الغضبية عندهم شديدة، وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح ومغالبة هوى النفس، وقد رأيت فعله يوم الجمل، ولقد أحسن مهيار في قوله: حتى إذا دارت رحى بغيهم * عليهم وسبق السيف العذل


(1) - النجفي: الجواهر، ج 41: ص 347. (2) - شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 23 و 52.

[658]

عاذوا بعفو ماجد معود * للعفو حمال لهم على العلل فنجت البقيا عليهم من نجا * وأكل الحديد منهم من أكل أطت بهم أرحامهم فلم يطع * ثائرة الغيظ ولم يشف الغلل (1) تذييل واستطراد: قال العلامة المناوي: (ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية: (ويح عمار) بالجر على الأضافة، وهو ابن ياسر، (تقتله الفئة الباغية)، قال القاضي في شرح المصابيح: يريد به معاوية وقومه، انتهى. وهذا صريح في بغي طائفة معاوية الذين قتلوا عمارا في وقعة صفين، وأن الحق مع علي، وهو من الأخبار بالمغيبات - إلى أن قال: - قال القرطبي: هذا الحديث من أثبت الأحاديث وأصحها، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنما قتله من أخرجه، فأجابه علي بأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذن قتل حمزة حين أخرجه، قال ابن دحية: وهذا من علي إلزام مفحم لاجواب عنه، وحجة لااعتراض عليها. وقال الأمام عبد القاهر الجرجاني في (كتاب الأمامة): أجمع فقهاء الحجاز و العراق من فريقي الحديث والرأي، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين (على) أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، لكن لا يكفرون ببغيهم... وعن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة وعمار لبنتين، فراه النبي صلى الله عليه واله وسلم ينفض التراب عنه ويقول: (ويح - الخ،) قال المصنف (يعني السيوطي) في الخصائص: هذا الحديث (أي حديث عمار) متواتر، ورواه من الصحابة بضعة عشر... (2).


(1) - شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 23 و 52. (2) - فيض القدير، ج 6، ص 365 ط بيروت.

[659]

الفصل 21 الامام علي عليه السلام واغاثة الملهوف واعانة المظلوم 1 - ذكر الشيخ المفيد رحمه الله، عن ابن دأب، قال: (ذكر الكوفيون أن سعيد بن القيس الهمداني رآه (يعنى أمير المؤمنين عليه السلام) يوما في شدة الحر في فناء حائط، فقال: يا أمير المؤمنين ! بهذه الساعة ؟ قال: ما خرجت إلا لأعين مظلوما، أو اغيث ملهوفا، فبينا هو كذلك إذ أتته امرأة قد خلع قلبها، لا تدري أين تأخذ من الدنيا حتى وقفت عليه، وقالت: يا أمير المؤمنين ! ظلمني زوجي وتعدى علي، وحلف ليضربني، فاذهب معي إليه، فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول: لا والله، حتى يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع، وأين منزلك ؟ قالت: في موضع كذا وكذا، فانطلق معها حتى انتهت إلى منزلها، فقالت: هذا منزلي. قال: فسلم فخرج شاب عليه إزار ملونة، فقال: اتق الله فقد أخفت زوجتك، فقال: وما أنت وذاك - والله، - لاحرقنها بالنار لكلامك - قال: وكان إذا ذهب إلى مكان أخذ الدرة بيده والسيف معلق تحت يده، فمن حل عليه حكم بالدرة ضربه، ومن حل عليه حكم بالسيف عاجله - فلم يعلم الشاب إلا وقد أصلت السيف وقال له: آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر، وترد المعروف، تب وإلا قتلتك.

[660]

قال: وأقبل الناس من السكك يسألون عن أمير المؤمنين عليه السلام حتى وقفوا عليه، قال: فاسقط في يد الشاب (1)، وقال: يا أمير المؤمنين ! اعف عنى عفا الله عنك - والله - لأكونن أرضا تطأني، فأمرها بالدخول إلى منزلها وانكفأ وهو يقول لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس (2)، الحمدلله الذي أصلح بي بين امرأة وزوجها، يقول الله تبارك وتعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (3) 2 - قال المحدث النوري رحمه الله: إنه عليه السلام قال: (ما حصل الأجر بمثل إغاثة الملهوف، وقال: أفضل المعروف إغاثة الملهوف (4).


(1) - أي ندم على فعله. (2) - النساء، 4: 114. (3) - المفيد: الأختصاص، ص 151، ط بصيرتي. (4) - النوري مستدرك الوسائل، ج 2: ص 409.

[661]

الفصل 22 الأمام علي عليه السلام وبعض صدقاته 1 - قال أبو نيزر: (جاءني علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأنا أقوم بالضيعتين: عين أبي نيزر والبغيبغة، فقال علي عليه السلام: هل عندك من طعام ؟ فقلت: طعام لاأرضاه لأمير المؤمنين، قرع من قرع الضيعة صنعته بإهالة سنخة، فقال علي به، فقام إلى الربيع - وهو جدول - فغسل يديه ثم أصاب من ذلك شيئا، ثم رجع إلى الربيع فغسل يديه بالرمل حتى أنقاهما، ثم ضم يديه كل واحد منهما الى اختها وشرب منها حسى من الربيع، ثم قال: يا أبانيزر ! إن الأكف أنظف الانية، ثم مسح ندى ذلك الماء على بطنه وقال: من أدخل بطنه النار فأبعده الله، ثم أخذ المعول و انحدر، فجعل يضرب وأبطأ عليه الماء فخرج وقد تنضح جبينه عرقا فانتكف العرق من جبينه، ثم أخذ المعول وعاد إلى العين فأقبل يضرب فيها وجعل يهمهم فانثالت كأنها عنق جزور، فخرج مسرعا وقال: اشهد الله أنها صدقة، علي بدواة وصحيفة، قال: فعجلت بهما إليه، فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين تصدق بالضيعتين: بعين أبي نيزر والبغيبغة على فقراء أهل المدينة، وابن السبيل ليقي بهما وجهه حر النار يوم القيامة، لاتباعا ولاتوهبا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين،

[662]

إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين، فهما طلق لهما وليس لأحد غيرهما). قال أبو محلم محمد بن هشام: فركب الحسين دين، فحمل إليه معاوية بعين أبي نيزر مائتي ألف دينار، فأبى أن يبيع وقال: إنما تصدق بهما أبي ليقي الله وجهه حر النار، ولست بائعهما بشئ (1). أقول: القرع: حمل اليقطين، والاهالة: الشحم والزيت وماء اذيبت من الشحم والألية، وسنخ الطعام: تغير، والسنخة: المتغيرة وفي حديث النبي صلى الله عليه واله وسلم: أن خياطا دعاه إلى طعام فقدم إليه إهالة سنخة وخبزا شعيرا، والحسوة: ملء الفم، حسا الطائر الماء، وهو كالشرب، والفسح: الوسعة والسعة، وانتكف العرق عن جبينه: مسحه. تذييل: قال الياقوت: عن محمد بن إسحاق بن يسار: أن أبا نيزر الذي تنسب إليه العين هو مولى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان ابنا للنجاشي ملك الحبشة - الذي هاجر إليه المسلمون لصلبه: وأن عليا وجده عند تاجر بمكة فاشتراه منه، وأعتقه مكافأة بما صنع أبوه مع المسلمين حين هاجروا إليه، وذكروا أن الحبشة مرج عليها أمرها بعد موت النجاشي وأنهم أرسلوا وفدا منهم إلى أبي نيزر وهو مع علي ليملكوه عليهم ويتو جوه ولا يختلفوا عليه، فأبى، وقال: ما كنت لأطلب الملك بعد أن من الله علي بالاسلام. قال: وكان أبو نيزر من أطول الناس قامة، وأحسنهم وجها، قال: ولم يكن لونه كألوان الحبشة ولكنه إذا رأيته قلت: هذا رجل عربي (2).


(1) - الحموى: معجم البلدان، ج 4. ص 176 / مادة (عين). (2) - المصدر، ص 175.

[663]

الفصل 23 الأمام علي عليه السلام وعدله كان منهجه عليه السلام في العدل كمنهج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن لم نقل إنه عينه لقوله صلى الله عليه واله وسلم: (كفي وكف علي في العدل سواء (1) و (يدي ويد علي بن أبي طالب في العدل سواء (2) و (إنه أوفاكم بعهد الله تعالى، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعية، و أقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية (3). ولقوله عليه السلام: (والله، لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، أو اجر في الأغلال مصفدا أحب إلي من ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشئ من الحطام... والله، لو اعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته (4). وقوله عليه السلام: (من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالأجلال من


(1) - ابن المغازلى: مناقب علي بن ابى طالب، ص 129 و 130. (3) - ابن المغازلى: مناقب علي بن ابى طالب، ص 129 و 130. (3) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 1: ص 176. (4) - نهج البلاغة، خ 224. والسعدان: نبت له شوك. ومسهدا: ساهرا أرقا. ومصفدا: مقيدا.

[664]

معلم الناس ومؤدبهم (1). وقوله عليه السلام: (إني والله، ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية، إلا وأتناهى قبلكم عنها (2). وقوله عليه السلام في صفة خصومه: (وقد أرعدوا وأبرقوا، ومع هذين الأمرين الفشل، ولسنا نرعد حتى نوقع، ولانسيل حتى نمطر (3). فهلم معي حتى ننظر إلى نماذج من عدله عليه السلام ليطابق القول الفعل، والدعوى العمل. 1 - قال ابن أبي الحديد: (عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن عليا عليه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال: (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شئ، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرق في البلدان لرددته إلى حاله، فأن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق). قال الكلبي: ثم أمر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان في داره مما تقوى به على المسلمين فقبض...، وأمر بقبض سيفه ودرعه، وأمر أن لا يعرض لسلاح وجدله لم يقاتل به المسلمين، وبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره و غير داره، وأمر أن ترجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيب أو اصيب أصحابها، فبلغ ذلك عمرو بن العاص - وكان بأيلة من أرض الشام أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها - فكتب إلى معاوية: ما كنت صانعا فاصنع إذ قشرك


(1) - المصدر، خ 73. (2) - المصدر، خ 175. (3) - المصدر، خ 9. قال عبده: وإذا أمطرنا أسلنا، أما اولئك الذين يقولون: نفعل ونفعل، وما هم بفاعلين، فهم بمنزلة من يسيل قبل المطر، وهو محال غير موجود، فهم كالاعدام فيما به يوعدون.

[665]

ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها (1). 2 - وقال - أيضا: (قال أبو جعفر - المعروف بالأسكافي - (المتوفى سنة 240): لما اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد قتل عثمان للنظر في أمر الأمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان، ورفاعة بن رافع، ومالك بن العجلان، وأبو أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر بعلي عليه السلام، وذكروا فضله وسابقته وجهاده وقرابته، فأجابهم الناس إليه، فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي عليه السلام، فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة، ومنهم من فضله على المسلمين كلهم كافة. ثم بويع وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة - وهو يوم السبت لأحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة -، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر محمدا فصلى عليه، ثم ذكر نعمة الله على أهل الأسلام - إلى أن قال عليه السلام: - (وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، ولا يحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الأمر، و إني حاملكم على منهج نبيكم صلى الله عليه واله وسلم، ومنفذ فيكم ما امرت به إن استقمتم لي و بالله، المستعان، ألا إن موضعي من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته.... ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا، ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يرى أن الفضل له على من سواه لصحبة فإن الفضل النير غدا عند الله، وثوابه وأجره على الله. وأيما رجل استجاب لله وللرسول، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 269.

[666]

قبلتنا فقد استوجب حقوق الأسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا ولا ثوابا، وما عند الله خير للأبرار، وإذا كان غدا - إن شاء الله - فاغدوا علينا، فإن عندنا مالا نقسمه فيكم، ولا يتخلفن أحد منكم عربي ولاعجمي، كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا يكن إلا حضر إذا كان مسلما حرا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ثم نزل. قال شيخنا أبو جعفر: (وكان هذا أول ما أنكروه من كلامه عليه السلام، وأورثهم الضغن عليه، وكرهوا إعطاءه وقسمه بالسوية، فلما كان من الغد غدا، وغدا الناس لقبض المال، فقال لعبيدالله بن أبي رافع كاتبه: ابدأ بالمهاجرين فنادهم وأعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير، ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن يحضر من الناس كلهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك). فقال سهل بن حنيف: (يا أمير المؤمنين ! هذا غلامي بالأمس، وقد أعتقته اليوم، فقال: نعطيه كما نعطيك، فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير، ولم يفضل أحدا على أحد (1). 3 - قال العلامة الفيض الكاشاني رحمه الله: (خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ! إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار، و لكن الله خول بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله تعالى، ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال: فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير، وأعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير، وجاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين ! هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلني وإياه سواء ؟ فقال:


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 7: ص 36.

[667]

إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا (1). 4 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (عن محمد بن إبراهيم النوفلي رفعه إلى جعفر بن محمد عليهما السلام أنه ذكر عن آبائه: أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى عماله: أدقوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، واحذفوا عني فضولكم، واقتصدوا قصد المعاني، وإياكم والأكثار، فإن أموال المسلمين لا تحتمل الأضرار (2). 5 - وقال: (قال علي بن أبي طالب عليه السلام: احاج الناس يوم القيامة بسبع: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقسم بالسوية، و العدل في الرعية، وإقام الحدود (3). 6 - وقال: (عن هلال بن مسلم الجحدري ؟، قال: سمعت جدي حرة [أو حوة] قال: شهدت على بن أبي طالب عليه السلام اتي بمال عند المساء، فقال: اقسموا هذا المال، فقالوا: قد أمسينا يا أمير المؤمنين، فأخره إلى غد، فقال لهم: تقبلون أن أعيش إلى غد ؟ فقالوا: ماذا بأيدينا ؟ قال: فلا تؤخروه حتى تقسموه، فأتي بشمع فقسموا ذلك المال من تحت ليلتهم (4). 7 - وقال: (دخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال، فطفئ السراج وجلس في ضوء القمر، ولم يستحل أن يجلس في الضؤء بغير استحقاق (5). 8 - وقال: (عن أبي مخنف الأزدي قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام رهط من الشيعة، فقالوا: يا أمير المؤمنين ! لو أخرجت هذه الأموال ففرقتها في هؤلاء الرؤساء و الأشراف، وفضلتهم علينا حتى إذا استوسقت الامور عدت إلى أفضل ما عودك


(21) - القاساني: الوافى، ج 3 / الجزء 14: ص 20 الى 38 و 107. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 105 و 107. (3) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41، ص 105 و 107. (4) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 116، 122 و 118. (5) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 116، 122 و 118.

[668]

الله من القسم بالسوية والعدل في الرعية، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ويحكم ! أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الأسلام ؟ لا والله، لا يكون ذلك ما سمر السمير، وما رأيت في السماء نجما، والله، لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم.... (1). 9 - وقال: اتي علي بمال من إصفهان، وكان أهل الكوفة أسباعا، فقسمه سبعة أسباع، فوجد فيه رغيفا فكسره بسبعة كسر، ثم جعل على كل جزء كسرة، ثم دعا امراء الأسباع فأقرع بينهم (2). أقول: قال الحافظ ابن عبد البر في (الأستيعاب) - بعد ذكره قصة الرغيف و كسره: (وأخباره في مثل هذا من سيرته لا يحيط بها كتاب (3). 10 - وقال: (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ولي علي عليه السلام صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: إنى والله، لا أرزؤكم من فيئكم درهما ما قام لي عذق بيثرب، فلتصدقكم أنفسكم أفتروني مانعا نفسي ومعطيكم ؟ قال: فقام إليه عقيل - كرم الله وجهه - فقال له: الله لتجعلني وأسود بالمدينة سواء ؟ فقال: اجلس، أما كان ههنا أحد يتكلم غيرك ؟ وما فضلك عليه إلا بسابقة أو بتقوى (4). 11 - وقال: (روى أبو إسحاق الهمداني: أن امرأتين أتتا عليا عليه السلام، إحداهما من العرب والاخرى من الموالي، فسألتاه، فدفع إليهما دراهم وطعاما بالسواء، فقالت إحداهما: إني امرأة من العرب وهذه من العجم ؟ فقال: إني والله، لاأجد لبني إسماعيل في هذا الفئ فضلا على بني إسحاق (5).


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 116، 122 و 118. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 116، 122 و 118. (3) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 116، 122 و 118. (4) - هاشمى الأصابة، ج 3: ص 49، ط مصر. (5) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 137.

[669]

12 - قال المولى صالح الكشفي الحنفي: (كان أمير المؤمنين علي عليه السلام دخل ليلة في بيت المال يكتب قسمة الأموال، فورد عليه طلحة والزبير، فأطفأ عليه السلام السراج الذي بين يديه، وأمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك فقال عليه السلام: كان زيته من بيت المال لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه (1). 13 - قال أمير المؤمنين عليه السلام: (والله، لقد رأيت عقيلا، وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبربها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثوا كل، يا عقيل ! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ؟ (2). قال عبده في شرحه: (عقيل: أخوه، وأملق: افتقر أشد الفقر، واستماحني: استعطاني، والبر: القمح، وشعث: جمع أشعث وهو من الشعر المتلبد بالوسخ، والغبر - بضم الغين - جمع أغبر: متغير اللون، والعظلم - كزبرج -: سواد يصبغ به، قيل: هو النيلج، أي النيلة، القياد: ما يقاد به كالزمام، الدنف - بالتحريك -: المرض، والميسم - بكسر الميم وفتح السين -: المكواة، وثكل، كفرح: أصاب ثكلا - بالضم - وهو فقدان الحبيب أو خاص بالولد، والثواكل: النساء، دعاء عليه بالموت لتألمه من نار ضعيفة الحرارة، وطلبه عملا وهو تناول شئ من بيت المال زيادة عن المفروض له يوجب الوقوع في نار سجرها - اي أضرمها - الجبار، وهو


(1) - المناقب المرتضوية، ص 365. (2) - نهج البلاغة، خ 222.

[670]

الله، للانتقام ممن أعطاه، ولظى اسم جهنم). أقول: هكذا كان تصلبه عليه السلام في الله تعالى، وأداؤه الأمانة التي استأمن الله الولاة عليها. نعم، إن هذا العمل لثقيل على كل إنسان لامسحة له بالعدل فإنه أوسع الأشياء في التناصف، إنه عليه السلام عمل هذه الوتيرة ليحمل الناس، لاسيما الولاة والقضاة على أن يتخذوا طريقه، ويحذوا حذوه في تحقيق العدل والتسوية بين الناس، حتى لا يهملوا قريبا أو بعيدا، صغيرا أو كبيرا. صلى الأله على جسم تضمنه القبر * فأصبح فيه العدل مدفونا وهذه السيرة المرضية قد اتخذها من نبيه واسوته صلى الله عليه واله وسلم فقد ورد في الخبر - كما (في من لا يحضره الفقيه) و (صحيح البخاري) ومسلم وسنن أبي داود، واللفظ له -: (عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال لابن أعبد: ألا احدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - وكانت من أحب أهله إليه - وكانت عندي ؟ قال: بلى، قال: إنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها، و كنست البيت حتى اغبرت ثيابها، فأتى النبي خدم - يعني سبي -، فقلت: لو أتيت أباك فسألته خادما، فأتته فوجدت عنده حداثا فرجعت، فأتاها من الغد فقال: ما كان حاجتك ؟ فسكتت، فقلت: أنا احدثك يا رسول الله، جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، وحملت القربة حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما يقيها حر ماهي فيه. قال صلى الله عليه واله وسلم: اتقى الله، يا فاطمة ! وأدى فريضة ربك، اعملي عمل أهلك، وإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثا وثلاثين، واحمدي ثلاثا وثلاثين، وكبري أربعا وثلاثين، فتلك مائة، فهو خير لك من خادم، قالت: رضيت عن الله وعن رسوله. وزاد في رواية: (ولم يخدمها). أقول: وقد أفاد الفاضل المحقق، محشي من لا يحضره الفقيه ما يعجبني ذكره

[671]

وإيراده هنا، وإليك نصه: (فقف، أيها القارئ الكريم ! وتأمل جيدا في هذا الخبر الشريف المجمع عليه، فإن بضعة المصطفى صلى الله عليه واله وسلم وقرة عينه الوحيدة تطلب منه من السبي والغنائم خادما ليعينها في مهام منزلها، ويزيل عنها شيئا من تعبها، وهو سلطان نافذ الكلمة، وراع مسيطر في وقته، بيده الأموال بل النفوس، وله القدرة بأعظم مظاهرها بحيث يقول ناعته: لم أر قبله ولابعده مثله، مع ذلك كله يأمر ابنته الوحيدة، وفلذة كبده الفريدة بالتقوى، والقيام بواجب بيتها، والاكثار من ذكر ربها، ولم يرض أن يعطيها من بيت مال المسلمين خادما، وقال - صلى الله عليه و عليهما -: ألا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم ؟ (كما في الخبر الوارد في متن الفقيه)، فتجيب المعصومة عليها السلام طائعة مشعوفة مختارة: (رضيت عن الله ورضيت عن رسوله)، فخذها مثالا يلمسك الحقيقة جدا في معرفة من حذا حذو الرسول صلى الله عليه واله وسلم ومن مال عن طريقته ونأى بجانبه وحاد عن سنته ممن يدعي الخلافة بعده، فرسول الله صلى الله عليه واله وسلم هو الأمام المتبع فعله، والرئيس المقتفى أثره. هذا علي بن أبي طالب عليه السلام ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الأسلام، دخلت عليه اخته ام هاني بنت أبي طالب فدفع إليها عشرين درهما، فسألت ام هاني مولاتها العجمية، فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين ؟ فقالت عشرين درهما، فانصرفت مسخطة، فقال لها: انصرفي - رحمك الله - ما وجدنا في كتاب الله فضلا لاسماعيل على إسحاق. وبعث إليه من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمتها، فقالت ابنته ام كلثوم: أتجمل به ويكون في عنقي ؟ فقال: يا أبا رافع ! أدخله إلى بيت المال، ليس إلى ذلك سبيل حتى لا يبقى امرأة من المسلمين إلا ولها مثل ذلك. ثم ذكر خطبته على المهاجرين والأنصار، وكلامه مع عقيل، ثم قال: وهذا ابن عفان أعطى سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب، وهي طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحدا من

[672]

المسلمين، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف، وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني امية - ذلك كله في شرح ابن أبي الحديد (1) وسعد بن أبي سرح هذا هو الذي أباح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دمه يوم الفتح كما في (سنن أبي داود) و (أنساب الأشراف للبلاذري)، وفي بعض المصادر عبد الله بن أبي سرح، وبالجملة هاتان السيرتان مقياسان لمن يروم معرفة المحق والمبطل ممن كان بيده بيت المال (2). أقول: وإذا بلغ الكلام إلى المقايسة - وإن كان قياسا بغير قياس - فلا بأس بنقل بعض مظالم الخلفاء وتعديهم في بيت مال المسلمين مما نقله رواتهم و محدثوهم، قال ابن أبي الحديد: (عثمان بن عفان بن أبي العاص بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف، كنيته أبو عمرو، وامه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حنين بن عبد شمس، بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحت فيه فراسة عمر فإنه أو طألبني امية رقاب الناس، وولاهم الولايات، وأقطعهم القطائع، وافتتحت إفريقية في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الحملى: أحلف بالله رب الأنام * ما ترك الله شيئا سدى ولكن خلقت لنا فتنة * لكي نبتلى بك أو تبتلى فإن الأمينين قد بينا * منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهما غلية * ولا جعلا درهما في هوى وأعطيت مروان خمس البلاد * فهيهات سعيك ممن سعى الأمينان: أبو بكر وعمر، وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعة


(1) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 1: ص 67 - من طبعه الذي كمل في أربعة مجلد. (2) - هامش من لا يحضره الفقيه، ج 1: صص 324 - 322، طبع مكتبة الصدوق.

[673]

آلاف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد سيره ثم لم يرده أبو بكر ولاعمر، وأعطاه مائة ألف درهم، وتصدق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور (1) على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وأقطع مروان فدك وقد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفاة أبيها - صلوات الله عليهما - تارة بالميراث، وتارة بالنحلة فدفعت عنها، وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني امية، وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحدا من المسلمين، وأعطى أبا سفيان بن الحرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته ام أبان وجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان و بكى، فقال عثمان: أتبكي أن وصلت رحمي ؟ قال: لا، ولكن أبكي لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، والله، لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا ! فقال: ألق المفاتيح يا ابن أرقم ! فإنا سنجد غيرك. وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني امية، وأنكح الحارث بن الحكم ابنته عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال... (2).


(1) - كذا في (شرح النهج)، وفي (معجم الادباء) للحموي: (وادى مهزور) وقال: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم زاء وواو ساكنة وراء. ومهزور ومذينب واديان يسيلان بماء المطر خاصة، وقال: قال أبو عبيد: مهزور وادى قريظة. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 198.

[674]

صحيفة من نماذج الفوضي في مال الله صورة متخذة من أعطيات الخليفة والكنوز العامرة ببركته الدينار * الاعلام 000، 500 * مروان 000، 100 * ابن ابى سرح 000، 200 * طلحة 000، 560، 2 * عبد الرحمن 000، 500 * يعلى بن امية 00، 100 * زيد بن ثابت 000، 150 * اختص به نفسه 000، 200 لختص به نفسه 000، 310، 4 * الجمع أربعة ملايين وثلاثمائة وعشرة الاف دينار اقرأ ولا تنس قول مولانا أمير المؤمنين فيه: قام نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الأبل نبتة الربيع. وقوله الآتي بعيد هذا (1): ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال (2).


(1) - قد تقدم آنفا من كتابنا هذا. (2) - الاميني: الغدير، ج 8: ص 286.

[675]

الدرهم * الاعلام 000، 300 * الحكم 000، 020، 2 آل الحكم 000، 300 * الحارث 000، 100 * سعيد 000، 100 * الوليد 000، 300 * عبد الله 000، 600 * عبد الله 000، 200 * أبو سفيان 000، 100 * مروان 000، 200، 2 * طلحة 000، 000، 30 * طلحة 000، 800، 59 * الزبير 000، 250 * سعد بن ابى وقاص 000، 500، 30 اختص به نفسه 000، 770، 126 * المجموع مائة وستة وعشرون ميليونا وسبعمائة وسبعون ألف درهم. قال الشيخ المفيد رحمه الله: (قدم أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب عليه السلام من البصرة إلى الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب فأقبل حتى صعد المنبر، فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فالحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الكاذب المبطل، عليكم يا أهل هذا المصر بتقوى الله،

[676]

وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم [صلى الله عليه واله وسلم]، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا، يتفضلون بفضلنا و يجاحدونا، وينازعونا حقنا ويدفعونا عنه، وقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا، إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم فأنا عليهم عاتب زار (1)، فاهجروهم، أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى. فقام إليه مالك بن حبيب التميمي اليربوعي - وكان صاحب شرطته - فقال: والله، إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا، والله، لئن أمرتنا لنقتلنهم. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا مالك ! جزت المدى، وعدوت الحد، وأغرق في النزع (2). فقال: يا أمير المؤمنين. لبعض الغشم أبلغ في أمور * تنوبك (3) من مهادنة الأعادي فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ليس هكذا قضى الله يا مال، قال الله تعالى: النفس بالنفس (4) فما بال بعض الغشم ؟ وقال الله سبحانه: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (5).


(1) - عتب عليه: وجد عليه موجدة وأنكر منه شيئا من فعله، وزرى عمله عليه: عابه عليه وعاتبه. (2) - المدى: الغاية، وفي بعض النسخ: (وعدوت الحق). وأغرق الناز ع في القوس: استوفى مدها، و النزع: الرمى، والكلام يقال لمن بالغ في الشئ. (3) - من ناية الامر أي أصابه. والمراد أن اعمال بعض الظلم على الاعداء والمخالفين في امور تصيبك وتزلزل اركان حكومتك ويصدك عن النيل بالمقصود الحق أبلغ الى المراد من المهادنة والرفق وكف التضييق عليهم. (4) - وفي بعض نسخ الحديث: (فما بال ذكر الغشم) أجاب عليه السلام بأن المقصود مهما عظم وتقدس لا يسوغ الظلم والتعدى في سبيل نيله ولا يوجهه مهما قل وصغر، بل يكون خلاف المقصود وانما لنا المشي على مهيع الحق فان نلنا فهو والإلم يكن بنا بأس وما على الرسول إلا البلاغ المبين والآية في المائدة 5: 45. 5 - الاسراء 17: 33. زاد في (شرح النهج) الحديدي هنا نقلا عن نصر بن مزاحم: (والاسراف في القتل إن تقتل غير قاتلك فقد نهى الله عنه وذلك هو الغشم).

[677]

فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي - وكان عثمانيا تخلف عنه يوم الجمل و حضر معه صفين على ضعف نية في نصرته - فقال: يا أمير المؤمنين ! أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير بم قتلوا ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: بما قتلوا شيعتي و عمالي، وبقتلهم أخا ربيعة العبدي رحمه الله في عصابة من المسلمين، قالوا: لا ننكث البيعة (كما نكثتم)، ولا نغدر كما غدرتم، فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلما وعدوانا، فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني منهم أقتلهم بهم، ثم كتاب الله حكم بيني و بينهم، فأبوا علي وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك، أفي شك أنت من ذلك ؟ فقال: قد كنت في شك، فأما الان فقد عرفت، واستبان لي خطأ القوم، فإنك أنت المهتدي المصيب. ثم إن عليا عليه السلام تهيأ لينزل، فقام رجال ليتكلموا، فلما رأوه قد نزل جلسوا ولم يتكلموا. قال أبوالكنود: وكان أبو بردة مع حضوره صفين ينافق أمير المؤمنين عليه السلام و يكاتب معاوية سرا، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة (1)، وكان عليه كريما. ذكرها الشيخ المفيد في أماليه ونقلنا منه.


(1) - أقطع الأمير فلانا قطيعة: جعل له غلة أرض رزقا له. والفلوجة كما في (المراصد الأطلاع) - بالفتح ثم التشديد وواو ساكنة وجيم - قال الليث: فلاليج السواد: قراها. والفلوجة الكبرى والفلوجة الصغرى: قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر. قلت: والمشهور هي هذه التي على شاطئ الفرات، عندها فم نهر الملك من الجانب الشرقي).

[678]

الفصل 24 الامام علي عليه السلام وعدالته في القاضى والقضاء والحكومة، وشئ من قضائه 1 - قال ابن أبي الحديد: (واستعدى رجل على علي بن أبي طالب عليه السلام عمر بن الخطاب وعلي جالس، فالتفت عمر إليه فقال: قم، يا أبا الحسن ! فاجلس مع خصمك، فقام فجلس معه وتناظرا، ثم انصرف الرجل ورجع علي عليه السلام إلى مجلسه، فتبين عمر التغير في وجهه فقال: يا أبا الحسن ! مالي أراك متغيرا ؟ أكرهت ما كان ؟ قال: نعم، قال: وماذاك ؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي، هلا قلت: قم، يا علي ! فاجلس مع خصمك (1). 2 - عن الشعبي قال: (وجد علي عليه السلام درعا له عند نصراني فجاء به إلى شريح يخاصمه إليه... ثم قال علي عليه السلام: أن هذه درعي لم أبع ولم أهب، فقال (شريح) للنصراني: ما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ! هل من بينة ؟ قال: لا، فقضى بها للنصراني، فمشى هنيئة ثم أقبل فقال: أما أنا


(1) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 17: ص 65 / ذيل عهده عليه السلام الى الأشتر النخعي.

[679]

فأشهد أن هذه أحكام النبيين، أمير المؤمنين يمشي بي إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه ! أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، الدرع - والله - درعك يا أمير المؤمنين، انبعث الجيش وأنت منطلق إلى صفين، فخرت من بعيرك الأورق، فقال: أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس (1). 3 - (إن أمير المؤمنين عليه السلام ولى أبا الأسود الدؤلي القضاء ثم عزله، فقال له: لم عزلتني وما خنت وما جنيت ؟ فقال: إني رأيت كلامك يعلو كلام خصمك (2). 4 - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الاشارة وفي النظر وفي المجلس (3). 5 - وقال عليه السلام في عهده لمحمد بن أبي بكر: (وآس بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفا من عدلك عليهم (4). 6 - وقال عليه السلام في عهده للأشتر: (فلا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق) (5). 7 - قال روكس بن زائد: (فالأمام علي عليه السلام اعجوبة من أعاجيب القضاء، لأنه أول قاض فرق بين الشهود لئلا يتواطأ اثنان منها على شهادة تشوه جمال الحق أو تطمس معالمه، فسن بهذه السنة الحميدة البارعة للقضاء ما يجعل سبيل الحق لهم واضحا، وينزه أحكامهم عن الشبهات، ويحول بين الذين يتلاعبون بضمائر الناس... وهو أول من سجل شهادة الشهود حتى لا تبدل شهادة بإغراء من رشوة أو تدليس من طمع أو ميل مع عاطفة، فكان بذلك مبتكرا من أعظم


(1) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 124. (2) - النوري: مستدرك الوسائل، ج 3: ص 197. (3) - الحر العاملي: مسائل الشيعة: ج 18، ص 157 ط عبد الرحيم. (4) - الرضي (المجمع): نهج البلاغة، ر 27. (5) - نهج البلاغة، ر 53.

[680]

المبتكرين، لأن صيانة حقوق الناس من العبث والغش أثمن من حياة الناس نفسها، فجاءت الأجيال والامم والحكومات والدول تسير على الاسلوب الذي رسمه الأمام الأعظم....). وقال - أيضا: وهو أول مكتشف أو مبتكر للتفريق مابين لبن ام الانثى وام الذكر (1). أقول: وإنه عليه السلام هو الذي استفاد في مقام القضاء من عاطفة عميقة بين الام و ولدها، وهو عليه السلام اول من استفاد من ضمير الباطن كما يظهر لك، إن شاء الله تعالى. 8 - عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: (إن شابا قال لأمير المؤمنين عليه السلام: إن هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا: ما ترك مالا، فقد متهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمت أن أبي خرج ومعه مال كثير، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله، لأحكمن بينهم بحكم ماحكم به خلق قبلي إلا داود النبي صلى الله عليه واله وسلم. يا قنبر ! ادع لي شرطة الخميس، فدعاهم، فوكل بكل رجل منهم رجلا من الشرطة، ثم نظر إلى وجوههم فقال: ماذا تقولون ؟ تقولون إني لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتي ؟ إنى إذا لجاهل، ثم قال: فرقوهم وغطوا رؤوسهم. قال: ففرق بينهم واقيم كل رجل منهم إلى اسطوانة من أساطين المسجد و رؤوسهم مغطاة بثيابهم، ثم دعا بعبيد الله بن أبي رافع كاتبه فقال: هات صحفة و دواة، وجلس أمير المؤمنين عليه السلام في مجلس القضاء وجلس الناس إليه، فقال لهم: إذا أنا كبرت فكبروا، ثم قال للناس: اخرجوا، ثم دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه ثم قال لعبيدالله: اكتب إقراره وما يقول. ثم أقبل عليه بالسؤال، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: في أي يوم خرجتم من


(1) - الامام على أسد الأسلام وقديسه.

[681]

منازلكم وأبو هذا الفتى معكم ؟ فقال الرجل: في يوم كذا وكذا، فقال: وفي أي شهر ؟ فقال: في شهر كذا وكذا، قال: في أي سنة ؟ فقال: في سنة كذا وكذا، فقال: وإلى أين بلغتم في سفركم حتى مات أبو هذا الفتى ؟ قال: إلى موضع كذا وكذا، قال: وفي منزل من مات ؟ قال: في منزل فلان بن فلان، قال: وما كان مرضه ؟ قال: كذا وكذا، قال: وكم يوما مرض ؟ قال: كذا وكذا، وفي أي يوم مات، ومن غسله، ومن كفنه وبما كفنتموه، ومن صلى عليه، ومن نزل قبره ؟ فلما سأله عن جميع ما يريد كبر أمير المؤمنين عليه السلام وكبر الناس جميعا، فارتاب اولئك الباقون ولم يشكوا أن صاحبهم قد اقر عليه وعلى نفسه، فأمر أن يغطى رأسه وينطلق به إلى السجن، ثم دعا بآخر فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه وقال: كلا، زعمتم أني لا أعلم ما صنعتم ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ! ما أنا إلا واحد من القوم، ولقد كنت كارها لقتله، فأقر، ثم دعا بواحد بعد واحد كلهم يقر بالقتل وأخذ المال، ثم رد. الذي كان أمر به إلى السجن فأقر - أيضا -، فألزمهم المال والدم - الحديث (1). 9 - عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كان لرجل على عهد علي عليه السلام جاريتان، فولدت إحداهما ابنا والاخرى بنتا، فعمدت صاحبة البنت فوضعت بنتها في المهد الذي فيه الابن وأخذت ابنها، فقالت صاحبة البنت: الابن ابني، وقالت صاحبة الأبن: الابن ابني، فتحاكمتا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأمر أن يوزن لبنهما وقال: أيتهما كانت أثقل لبنا فالابن لها (2). 10 - روى المفيد رحمه الله: (إن امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل، ادعته كل واحدة منهما ولدا لها بغير بينة ولم ينازعهما فيه غيرهما، فالتبس الحكم في ذلك على عمر، ففزع فيه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فاستدعى المرأتين ووعظهما و


(1) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 18: صص 204، ط عبد الرحيم. (2) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 18: صص 210، ط عبد الرحيم.

[682]

خوفهما، فأقامتا على التنازع، فقال علي عليه السلام: ايتوني بمنشار، فقالت المرأتان: فما تصنع به ؟ فقال: أقده نصفين لكل واحد منكما نصفه، فسكتت إحداهما، وقالت الاخرى: الله، الله، يا أبا الحسن ! إن كان لابد من ذلك فقد سمحت به لها، فقال: الله أكبر، هذا ابنك دونها، ولو كان ابنها لرقت عليه وأشفقت، واعترفت الاخرى أن الحق لصاحبتها وأن الولد لها دونها (1). 11 - قال أبو جعفر عليه السلام: (توفي رجل على عهد أمير المؤمنين عليه السلام وخلف ابنا و عبدا فادعى كل واحد منها أنه الابن وأن الآخر عبد له، فأتيا أمير المؤمنين عليه السلام فتحا كما إليه، فأمر عليه السلام أن يثقب في حائط المسجد ثقبتين، ثم أمر كل واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب، ففعلا، ثم قال: يا قنبر ! جرد السيف، وأشار إليه لا تفعل ما آمرك به، ثم قال: اضرب عنق العبد، فنحى العبد رأسه، فأخذه أمير المؤمنين عليه السلام و قال للآخر: أنت الابن وقد أعتقت هذا وجعلته مولى لك (2). 12 - عن جابر الجعفي، عن تميم بن حزام الاسدي: (أنه رفع إلى عمر منازعة جاريتين تنازعتا في ابن وبنت، فقال: أين أبو الحسن مفرج الكرب ؟ فدعي له به، فقص عليه القصة، فدعا بقارورتين فوزنهما، ثم أمر كل واحدة فحلبت في قارورة، ووزن القارورتين فرجحت إحداهما على الاخرى، فقال: الابن للتي لبنها أرجح، والبنت للتي لبنها أخف، فقال عمر: من أين قلت ذلك يا أبا الحسن ؟ فقال: لان الله جعل للذكر مثل حظ الانثيين، وقد جعلت الأطباء ذلك أساسا في الاستدلال على الذكر والانثى (3). 13 - أخرج الحافظ عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن المنذر بأسانيدهم عن الدؤلي، قال: (رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر، فأراد عمر أن يرجمها،


(1) - الحر العاملي: الوسائل، ج 18: ص 212. (2) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 18: ص 211. (3) - ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب، ج 2: ص 367.

[683]

فجائت اختها إلى علي بن أبي طالب، فقالت: إن عمر يرجم اختي، فأنشدك الله إن كنت تعلم أن لها عذرأ لما أخبرتني به، فقال علي: إن لها عذرأ، فكبرت تكبيرة سمعها عمر ومن عنده، فانطلقت إلى عمر فقالت: إن عليا زعم أن لاختي عذرا، فأرسل عمر إلى علي: ما عذرها ؟ قال: إن الله يقول: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (1)، فقال: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (2) وقال: وفصاله في عامين (3)، وكان الحمل هنا ستة أشهر، فتركهما عمر، قال ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر (4). 14 - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم، وإذا رجل مذبوح يتشحط في دمه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما تقول ؟ قال: يا أمير المؤمنين ! أنا قتلته، قال: اذهبوا به وأقيدوه به، فلما ذهبوا به ليقتلوه به أقبل رجل مسرع فقال: لا تعجلوه وردوه إلى أمير المؤمنين، فردوه فقال: والله، يا أمير المؤمنين ! ما هذا صاحبه، أنا قتلته، فقال أمير المؤمنين عليه السلام للأول: ما حملك على إقرارك على نفسك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ! وما كنت أستطيع أن أقول وقد شهد علي أمثال هؤلاء الرجال فأخذوني وبيدي سكين ملطخة بالدم و الرجل يتشحط في دمه وأنا قائم عليه، وخفت الضرب فأقررت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة فأخذني البول، فدخلت الخربة فرأيت الرجل يتشحط في دمه، فقمت معجبا فدخل علي هؤلاء فأخذوني. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن عليه السلام، وقولوا له: ما الحكم فيهما ؟ قال: فذهبوا إلى الحسن عليه السلام وقصوا عليه قصتهما، فقال الحسن عليه السلام:


(1) - البقرة، 2: 233. (2) - الاحقاف، 46: 15. (3) - لقمان، 31: 14. (4) - الاميني: الغدير، ج 6: ص 93.

[684]

قولوا لأمير المؤمنين عليه السلام: إن هذا إن كان ذبح ذاك فقد أحيى هذا، وقد قال الله عز و جل: ومن أحياها فكأنما أحي: الناس جميعا (1) يخلي عنهما وتخرج دية المذبوح من بيت المال (2). 15 - جاء رجل إلى علي عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين ! اني كنت أعزل عن امرأتي وإنها جاءت بولد، فقال عليه السلام: واناشدك الله، هل وطئتها ثم عاودتها قبل أن تبول ؟ قال: نعم، قال: فالولد لك (3). قال الاستاذ الشيخ محمد تقي الفلسفي: (من هذه الجملة يعلم أن الرجل كان يعزل (يقذف السائل المنوي خارج مهبل زوجته) لمنع الحمل، ومع ذلك فقد حدث أن حملت المرأة، فأدى الأمر إلى أن يشك الرجل في زوجته، فجاء يسأل عليا عليه السلام وإلا فإنه لم يكن يرضى بأن يفشي سره، فنجد الأمام عليه السلام حين يسمع بالقصة يسأله هل اتفق له أن جامع زوجته مرتين من دون أن يبول في الأثناء ؟ فأجابه بوقوع ذلك، فصرح الأمام بأن الولد له، والسر في ذلك واضح، لأنه عليه السلام كان يعلم أن ذرة صغيرة من النطفة كافية لأن تلقح بويضة المرأة فتحمل، فبما أن الرجل جامع زوجته في المرة الاولى ثم قذف السائل خارجا، وبقي مدة لم يبل فيها فبقيت الحيامن في المجرى، وحين جامعها للمرة الثانية خرجا في المرة الثانية إلا أن الحيا من المبتقية في المجرى كانت قادرة على الاحتفاظ بنشاطها لمدة 48 ساعة، وكذلك فعلت (4). وقال - أيضا: (لم يكن بإمكان البشر قبل أربعة عشر قرنا أن يتصوروا أن منشأ


(1) - المائدة، 5: 32. (2) - الحويزى: تفسير نور الثقلين، ج 1: ص 620. (3) - البحار، ج 104، ص 64. (4) - محمد تقى الفلسفي: الطفل بين الوراثة والتربية / التعريب والتعليق: فاضل الحسيني الميلاني، ج 1: صص 84 و 83.

[685]

ظهور الأنسان هو موجود صغير وضئيل يوجد منه في نطفة الرجل مئات الملايين في كل مرة، وهذه الذرة الصغيرة كافية في أن تلقح امرأة (1). و - ايضا - نقل عن الدكتور الكسيس كارل: (إن الحيامن المنوية قادرة على الاحتفاظ بقابليتها على التلقح لمدة 48 ساعة بعد الخروج من الرجل، وذلك في وسط قلوي (قاعدي) وتحت درجة حرارة 37 منوية (2).


(1) - محمد تقى الفلسفي: الطفل بين الوراثة والتربية / التعريب والتعليق: فاضل الحسيني الميلاني، ج 1: صص 84 و 83. (2) المصدر.

[686]

الفصل 25 الأمام على عليه السلام وحقوق الرعية 1 - (مر شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذا ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ! نصراني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: استعملتموه حتى إذا كبر، وعجز منعتموه ؟ ألفقوا عليه من بيت المال (1). 2 - عن الحسن عليه السلام، قال: (إن عليا عليه السلام لما هزم طلحة والزبير أقبل الناس منهزمين، فمروا بامرأة حامل على الطريق ففزعت منهم فطرحت ما في بط 4 نها حيا، فاضطرب حتى مات، ثم ماتت امه من بعده، فمر بها علي عليه السلام وأصحابه وهي مطروحة على الطريق وولدها على الطريق، فسألهم عن أمرها، فقالوا: إنها كانت حبلى ففزعت حين رأت القتال والهزيمة، قال: فسألهم أيهما مات قبل صاحبه ؟ فقيل: إن ابنها مات قبلها. قال: فدعا بزوجها أبي الغلام الميت فورثه ثلثي الدية، وورث امه ثلث الدية، ثم ورث الزوج من المرأة الميتة نصف ثلث الدية التي ورثتها من ابنها، وورث قرابة المرأة الميتة الباقي، ثم ورث الزوج - أيضا - من دية امرأته الميتة نصف


(1) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 11: ص 49، ط عبد الرحيم.

[687]

الدية وهو ألفان، خمسمائة درهم، وورث قرابة المرأة الميتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم، وذلك أنه لم يكن لها ولد غير الذي رمت به حين فزعت، قال: وأدى ذلك كله من بيت مال البصرة (1). 3 - روى الطبري بإسناده، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حسين افتتح مكة خالد بن الوليد داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب سليم ومدلج وقبائل من غيرهم، فلما نزلوا على الغميصاء و هي ماء من مياه بني جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكة بن المغيرة، وكانا أقبلا تاجرين من اليمن حتى إذا نزلا بهم قتلوهما، وأخذوا أموالهما، فلما كان الأسلام وبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خالد بن الوليد سار حتى نزل ذلك الماء، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني بعض أهل العلم، عن رجل من بني جذيمة، قال: لما أمرنا خالد بوضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم، يا بني جذيمة ! إنه خالد، والله، ما بعد السلاح إلا الأسار ثم ما يعد الاسار إلا ضرب الأعناق، والله، لا أضع سلاحي أبدا، قال: أخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم ! أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن الناس قد أسلموا، ووضعت الحرب، وأمن الناس، فلم يزالوبه حتى نزعوا سلاحه، ووضع القول السلاح لقوم خالد، فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك، فكتفوا ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أبرء إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثم دعا علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا علي !


(1) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 7، ص 393، ط عبد الرحيم.

[688]

اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدمك، فخرح حتى جاءهم، ومعه مال قد بعثه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم به فودى لهم الدماء وما اصيب من الأموال حتى إنه ليدي ميلغة الكلب (1)، حتى إذا لم يبق شئ من دم و لا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي عليه السلام حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يود إليكم ؟ قالوا: لا، قال: وأني اعطيكم هذه بقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون. ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، ثم قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى بياض ما تحت منكبه وهو يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد - ثلاث مرات (2) -). 4 - خبر خالد بن الوليد حين بعثه النبي صلى الله عليه واله وسلم على صدقات بني جذيمة من بني المصطلق فأوقع بهم خالد فترة كانت بينه وبينهم فقتل منهم واستاق أموالهم، فلما انتهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم رفع يده إلى السماء، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، وبكى، ثم دعا عليا عليه السلام فبعثه إليهم بمال وأمره أن يؤدي إليهم ديات رجالهم وما ذهب لهم من أموالهم، فأعطاهم أمير المؤمنين عليه السلام جميع ذلك، فأعطاهم لميلغة كلابهم وحبلة رعاتهم، وبقيت معه عليه السلام من المال فأعطاهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم ولما لا يعلمون وليرضوا عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (1). 5 - في (مصباح الأنوار) قال: (بلغنا أن أمير المؤمنين عليه السلام اشتهى كبدا مشوية على خبزة لينة، فأقام حولا يشتهيها، ثم ذكر ذلك للحسن عليه السلام وهو صائم يوما من الأيام فصنعها له، فلما أراد أن يفطر قربها إليه، فوقف سائل بالباب، فقال: يا بني ! احملها


(1) - الميلغة: الاناء يلغ فيه الكلب أو يسقى فيه. (2) - طبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 3: ص 66، ط مصر. (3) - القمي: سفينة البحار ج 1: ص 406 (خلد).

[689]

إليه لا نقرأ صحيفتنا غدا أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها (1). (2) 6 - (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى بيوت أزواجه فقلن: ما عندنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من لهذا الرجل الليلة ؟ فقال علي بن أبي طالب: أنا له، يا رسول الله ! وأتى فاطمة عليها السلام فقال لها: ما عندك يا بنت رسول الله ؟ فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية نؤثر ضيفنا، فقال علي عليه السلام: يا ابنة محمد ! نومي الصبية وأطفئي المصباح، فلما أصبح علي عليه السلام غدا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأخبره الخبر، فلم يبرح حتى أنزل الله عز وجل: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون (3). (4) 7 - وقال عليه السلام في عهده إلى الأشتر رحمه الله: (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، و تقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول في غير موطن: لن تقدس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع. ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونح عنهم الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئا، وامنع في إجمال وإعذار (5).


(1) - الأحقاف، 46: 2. (2) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 458، (كبد). (3) - الحشر، 59: 9. (4) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 34. (5) - السيد الرضى (المجمع): نهج البلاغة، / 53.

[690]

الفصل 26 الأمام علي عليه السلام والسياسة والتدبير في (لسان العرب) للعلامة ابن منظور، قال: (السياسة: القيام على الشئ بما يصلحه (1)، وفي (مجمع البحرين): (وفي وصف الأئمة عليهم السلام: أنتم ساسة العباد) و فيه: (الأمام عارف بالسياسة) وفيه: (ثم فوض إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم أمر الدين، والامة ليسوس عباده) وفي الخبر: (كان بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم) أي تتولى أمرهم كالامراء والولاة بالرعية من السياسة وهو القيام على الشئ بما يصلحه (2). هذا كلام أئمة اللغة فهم يصرحون بأن السياسة القيام على الشئ بما يصلحه، فإذا لم يكن في القيام على الشئ إصلاح، وإجراء عدل، وإحقاق حق، وإبطال باطل، فهو سياسة مكيا فيلية غدرية، وهذا هو الفرق الأساسي والميز الجوهري بين سياسته عليه السلام وبين سياسة غيره، وقد أشار عليه السلام إلى هذا الفرق في خطب عديدة، فمنها: (ولقد أصحبنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل


(1) - ابن منظور: لسان العرب، مادة (سوس). (2) - الطريحي: مجمع البحرين، مادة (سوس).

[691]

فيه إلى حسن الحيلة، مالهم - قاتلهم الله - قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين (1). ومنها: (والله، ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة، والله، ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة (2). ومنها: (لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع (3). ومنها: (لولا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر العرب (4). ومنها: (لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: إن المكرو الخديعة والخيانة في النار، لكنت أمكر العرب (5). ومنها: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه (6). ومنها: (وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم، ولكني لاأرى إصلاحكم بإفساد نفسي، أضرع الله خدودكم (7). أقول: الكيس: العقل. والحول: البصير بتحويل الامور. والقلب: الخبير بتقلبها. وينتهز: يبادر. والحريجة: التحرز. وغدرة وفجرة وكفرة - بضم الأول - للمبالغة أي غدور وفجور وكفور، وما استغفل بالمكيدة: لا تجوز المكيدة علي كما تجوز


(3) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 41. (2) - السيد الرضي: (المجمع): نهج البلاغه، خ 109. (3) - المصدر. (4) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 109. (5) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 110. (6) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 124. (7) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 68.

[692]

على الغافلين، ولا استغمز بالشديدة: لا أضعف للخطوب وإن اشتدت. ولا يصانع: لا يداري. ولا يضارع: لا يشبه المبطلين في شئ من أحكامه، وقيل: لا يخضع و لا يضرع. والمستفاد من هذه الكلمات الشريفة أن عليا عليه السلام يعرف الفرص والوسائل و الأسباب إلى بلوغ الملك والسلطان ولكنه لا يستعملها على حساب دينه، فإنه عليه السلام لا يعلم من النجاح والظفر إلا مرضاة الله، والعمل بالحق والعدل، وهو عليه السلام مستعد لأن يضحي بالنفس والملك وبكل عزيز ليبلغ هذه الغاية. وقال ابن أبي الحديد: إن فاطمة عليها السلام حرضته يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال لها: أيسرك زوال هذا النداء من الأرض ؟ قالت: لا، قال: فإنه ما أقول لك (1). وقال - أيضا: (اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة، إلا إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته، سواء وافق الشريعة أولم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله، وأمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة، مدفوعا إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقا، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك. ولسنا بهذا القول زارين على عمربن الخطاب، ولاناسبين إليه ما هو منزه عنه، ولكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ويؤمي تخصيص عمومات النص بالاراء وبالاستنباط من اصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص، ويكيد خصمه، ويأمر امراء بالكيد والحيلة، ويؤدب بالدرة و السوط - إلى أن قال - ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك، وكان يقف مع


(61) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 11: ص 123.

[693]

النصوص والظواهر ولا يتعداها إلى الاجتهاد والاقيسة، ويطبق امور الدنيا على امور الدين، ويسوق الكل مساقا واحدا، ولا يضع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص، فختلف طريقتا هما في الخلافة والسياسة، وكان عمر مع ذلك شديد الغلطة و السياسة، وكان علي عليه السلام كثير الحلم والصفح والتجاوز... (1). وقال - أيضا: (وكان أبو جعفر بن أبي زيد الحسني نقيب البصرة رحمه الله إذا حدثناه في هذا يقول: إنه لافرق عند من قرء السيرتين سيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم وسياسة أصحابه أيام حياته وبين سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وسياسة أصحابه أيام حياته، فكما أن عليا عليه السلام لم يزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة والعصيان والهرب إلى أعدائه، و كثرة الفتن والحروب فكذلك كان النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يزل ممنوا بنفاق المنافقين و أذاهم وخلاف أصحابه عليه، وهرب بعضهم إلى أعدائه وكثرة الحروب و الفتن... ومن العجب أن أول حروب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كانت بدرا، وكان هو المنصور فيها، وأول حروب علي عليه السلام الجمل وكان هو المنصور فيها، ثم كان من صحيفة الصلح والحكومة يوم صفين نظير ماكان من صحيفة الصلح والهدنة يوم الحديبية، ثم دعا معاوية في آخر أيام علي عليه السلام إلى نفسه وتسمى بالخلافة كما أن مسيلمة والأسود العنسي دعوا إلى أنفسهما في آخر أيام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتسميا بالنبوة، واشتد على علي عليه السلام ذلك كما اشتد على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمر الأسود و مسيلمة، وأبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله وسلم وكذلك ابطل أمر معاوية وبني امية بعد وفاة على عليه السلام، ولم يحارب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أحد من ما عدا يوم حنين، ولم يحارب عليا عليه السلام من العرب أحد إلا قريش ما عدا يوم


(1) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة ج 10: ص 212. ومن المحال اجتماع النقيضين وارتفاعهما، ولا محالة اثبات أحدهما، فالثابت الحق منهما ما يوافق كتاب الله ونصوص السنة وهو طريق أمير المؤمنين عليه السلام كما أذعن به الشارح. (2) كذا.

[694]

النهروان، ومات علي عليه السلام شهيدا بالسيف، ومات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شهيدا بالسم، و هذا لم يتزوج على خديجة ام أولاده حتى ماتت، وهذا لم يتزوج على فاطمة ام أشرف أولاده حتى ماتت، ومات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن ثلاث وستين سنة، ومات علي عليه السلام عن مثلها. وكان يقول: انظروا إلى أخلاقهما وخصائصهما، هذا شجاع، وهذا شجاع، و هذا فصيح، وهذا فصيح، وهذا سخي جواد، وهذا سخي جواد، وهذا عالم بالشرائع والامور الالهية، وهذا عالم بالفقه والشريعة والامور الالهية الدقيقة الغامضة، وهذا زاهد في الدنيا غيرنهم عليها ولا مستكثر منها، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها، وهذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة، وهذا مثله، وهذا غير محبب إليه شئ من الامور العاجلة إلا النساء، وهذا مثله، وهذا ابن ابن عبد المطلب بن هاشم، وهذا في قعدده (1) وأبواهما أخوان لأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلب، وربي محمد صلى الله عليه واله وسلم في حجر والد هذا وهو أبو طالب فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده، ثم لما شب صلى الله عليه واله وسلم وكبر استخلصه من بني أبي طالب وهو غلام فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به، فامتزج الخلقان وتماثلت السجيتان.... (2). ونقل - أيضا - ابن أبي الحديد عن أبي جعفر النقيب اختصاص علي عليه السلام برسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ثم قال: (قال أبو جعفر النقيب: لأنهما نفس واحدة في جسمين، الأب واحد، والدار واحدة، والأخلاق متناسبة، فإذا عظمه أي النبي صلى الله عليه واله وسلم عليا عليه السلام فقد عظم نفسه (3).


(1) - التعدد: القريب الاباء من الجد الاعلى. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 10: ص 214. (3) المصدر چ 8: ص 175.

[695]

الفرق بين سياسة علي عليه السلام وغيره 1 - قال الفاضل المصري، الدكتور طه حسين: (إن الفرق بين علي ومعاوية في السيرة والسياسة كان عظيما بعيد المدى، عرفت أن معاوية كان ينتظر عليا في ثبات وثقة واطمينان، كأن الفرق بين الرجلين عظيما في السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمنا بالخلافة... يرى أن من الحق عليه أن يقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس لا يؤثر منهم أحدا على أحد، ويرى أن من الحق عليه أن يحفظ على المسلمين مالهم لا ينفقه إلا بحقه، فهو لا يستبيح لنفسه أن يصل الناس من بيت المال، بل هو لا يستبيح لنفسه أن يأخذ من بيت المال لنفسه وأهله إلا ما يقيم الأود، لا يزيد عليه... فأما معاوية... لا يجد في ذلك بأسا ولا جناحا، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما يحبون، وما رأيك في رجل جاء أخوه عقيل بن أبي طالب مسترفدا، فقال لابنه الحسن: إذا خرج عطائي فسر مع عمك إلى السوق فاشتر له ثوبا جديدا ونعلين جديدتين، ثم لم يزد ذلك شيئا ! و ما رأيك في رجل آخر يأتيه عقيل هذا نفسه بعد أن لم يرض صلة أخيه فيعطيه من بيت المال مائة ألف.... وعلي لا يدهن في الدين، ولم يكن يبغض شيئا كما يبغض وضع درهم من بيت مال المسلمين في غير موضعه أو إنفاقه في غير حقه، كما كان يبغض المكر و الكيد وكل ما يتصل بسبب من أسباب الجاهلية الأولى... (1) 2 - وقال: (مفتاح سياسة الأمام قوله عليه السلام: لا اداهن في ديني، ولا اعطي الدنية في أمري (2).


(1) - على وبنوه، ص 59، ط دار المعارف بمصر. (2) - الامام على أسد الاسلام وقديسه، ص 92، ط بيروت.

[696]

3 - وقال جرج جرداق: (إن الذين قالوا: علي لا يعرف السياسة يريدون من علي أن يكون معاوية بن أبي سفيان، ويأبى علي إلا أن يكون ابن أبي طالب (1). وقال - أيضا: (والذي يمعن النظر في سياسة معاوية يهوله هذا المقدار من قوى الشر والاحتيال التي تألف منها اسلوبه في أخذ الناس... فهو اسلوب مكيافيلي خالص لا ينقصه شئ من تفاصيل المكيافيلية المجرمة والنهب و الترويع والتقتيل (2). وقال - أيضا -، من قول معاوية: (فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك، وانهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن له دخل في طاعتنا). وقال - أيضا: (أقول: صدق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا وعباد الله خولا (3). وقال - أيضا: (نعم، إن معاوية لم يكن على شئ من الأسلام، وقد شهد على نفسه بذلك فإنه كان يلبس الحرير، ويشرب في آنية من الذهب والفضة حتى أنكر عليه أبو الدرداء فقال له: إني سمعت رسول الله، يقول: إن الشارب فيهما لتجرجر في جوفه نار جهنم... فقال معاوية بلا مبالاة: أما أنا فلا أرى بذلك بأسا (4). 4 - وقال عبد الكريم الخطيب: (... تركوا عليا (يعني أصحابه) خوفا من حسابه أو يأسا من عطائه، ولحقوا بمعاوية حيث هناك لاخوف من حساب ولا يأس من عطاه، فإن بيت مال المسلمين هو بيت مال معاوية يضعه حيث يشاء، ويفتح به لنفسه إلى الناس طرقا، وفي عقيل بن أبي طالب وفي موقف على منه ما


(1) - المغنية: في ظلال نهج البلاغة، ج 1: ص 258. (2) - علي صوت العدالة الانسانية، ج 4: ص 775. (3) - علي صوت العدالة الانسانية، ج 4: ص 779. (4) - علي صوت العدالة الانسانية، ج 4: ص 766.

[697]

يغني عن كل مثل يورد وعن كل قول يقال في هذا المقام... وطبيعي أن سياسة علي هذه كان يمكن أن تمسك عليه أهله وأصحابه و أنصاره لو كانت سياسة معاوية مماثلة لتلك السياسة أو مقاربة لها، وأما سياسة معاوية تذهب المياسرة حينا والممالأة حينا آخر والأغراء والأغراق في أكثر الأحيان، فإن ذلك جدير به أن يقلب القلوب ويدير الرؤوس، وقد تحول كثير من أنصار علي إلى جبهة معاوية بفعل هذه السياسة...). وقال - أيضا: نجد المال في يد علي حربا عليه يكثر من أعدائه، ويفسد عليه أصحابه وأنصاره، بينما نجد المال في يد معاوية جيشا عاملا يؤلف له العدو، و يدني إليه البعيد، ويبسط له سلطانا قائما على الرغبة والأمل... (1). وقال: (روى أبو جعفر الأسكافي: أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يحدث بأن هذه الاية نزلت في علي بن أبي طالب: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * (2) فلم يرض، فبذل له مثنى ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل (3). ما طعن في سياسته عليه السلام والجواب عنه قال ابن أبي الحديد: (وقد تعلق من طعن في سياسته بامور... منها قولهم: (إنه قصر في طلب الخلافة عند بيعة أبي بكر، وقد كان اجتمع له من بني هاشم و بني امية وغيرهم من أفناء الناس من يتمكن بهم من المنازعة وطلب الخلافة،


(1) - الأمام علي بقية النبوة وخاتم الخلافة، ص 439. (2) - البقرة، 2: 204 و 205. (3) - الأمام علي بقية النبوة وخاتم الخلافة، ص 164.

[698]

فقصر عن ذلك لاجبنا، لأنه كان أشجع البشر ولكن قصور تدبير وضعف رأي (1). والجواب (2) ما أشار عليه السلام إليه في مواضع مختلفته، فقال في موضع: (وايم الله، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه... (3). وفي موضع قال: (فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثوا عهد بالاسلام والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن، ويعكسه أقل خلف (4). وفي موضع قال في جواب الأشعث بن قيس - لما قال له: ما منعك، يا ابن أبي طالب ! حين بويع أخو بني تميم وأخو بني عدي وأخو بني امية أن تقاتل و تضرب بسيفك، وأنت لم تخطبنا مذكنت قدمت العراق، إلا قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر: (والله، إني لأولى الناس، وما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم)، فما يمنعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك ؟ يا ابن قيس ! اسمع الجواب، لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية لقاء ربي، ولكن منعني من ذلك أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم وعهده إلى، أخبرني بما الامة صانعة بعده... فقلت: يا رسول الله ! فما تعهد إلى إذا كان ذلك ؟ قال: إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعوانا فكف يدك، واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتى أعوانا... (5).


(1) - شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد، ج 10: ص 254. (2) - هذا الجواب منى، والجواب عن الامور الاخر من ابن أبى الحديد. (3) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 307. (4) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة ج 1: ص 308. والوطب: سقاء اللبن خاصة. وسنورد هذا الكلام بتمامه. (5) - العلامة التستري: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 519.

[699]

وفي موضع حين خرج من المسجد فمر بصيرة فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: (والله، لو أن لي رجالا ينصحون لله عز وجل ولرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن آكلة الذبان عن ملكه قال: فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلا على الموت، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلقين، وحلق أمير المؤمنين عليه السلام، فما وافى من القوم محلقا إلا أبو ذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم، فع يده إلى السماء، فقال: اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون، اللهم فإنك تعلم ما نخفي و ما نعلن وما يخفى عليك شئ في الأرض ولافي السماء، توفني مسلما وألحقني بالصالحين. أما والبيت والمفضي إلى البيت (والمزدلفة - نسخة) والخفاف إلى التجمير، لولا عهد عهده إلي النبي الامي صلى الله عليه واله وسلم لأوردت المخالفين خليج المنية و لأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت، وعن قليل سيعلمون (1). أقول: الصيرة: حظيرة تتخذ من الحجارة وأغصان الشجرة للغنم والبقر. و الذبان - بالكسر والتشديد -: جمع ذباب، وكنى ابن بابن آكلتها عن سلطان الوقت، فإنهم كانوا في الجاهلية يأكلون من كل خبيث نالوه. وأحجار الزيت موضع داخل المدينة، والمفضي إلى البيت: ماسه بيده، والخفاف: سرعة الحركة، ولعل المراد بالتجمير رمي الجمار، والخليج: النهر، وشآبيب: جمع شؤبوب - بالضم مهموزا - وهو الدفعة من المطر، كما في هامش الروضة. ومنها قولهم: (لو كان حين بويع له بالخلافة في المدينة أقر معاوية على الشام إلى أن يستقر الأمر له ويتوطد ويبايعه معاوية وأهل الشام، ثم يعزله بعد ذلك لكان قد كفي ما جرى بينهما من الحرب). والجواب:... أن قرائن الأحوال حينئذ كان قد علم أمير المؤمنين عليه السلام منها أن


(1) - الكليني: الروضة من روضة الكافي، ص 33، ط الاخوندي.

[700]

معاوية لا يبايع له وإن أقره على ولاية الشام، بل كان إقراره له على إمرة الشام أقوى لحال معاوية وآكد في الامتناع من البيعة، ليمكن أن يقولوا: لولا أنه أهل لذلك لما اعتمده علي عليه السلام معه...). ومنها قولهم: (إنه ترك الطلحة والزبير حتى خرجا إلى مكة، وأذن لهما في العمرة، وذهب عنه الرأي في ارتباطهما قبله...). والجواب:... ومن قال: إنهما استأذناه في العمرة وأذن لهما فقد روي أنه قال: والله ما تريدان العمرة وإنما تريدان الغدرة، وخوفهما بالله من التسرع إلى الفتنة، وما كان يجوز له في الشرع ولا في السياسة أن يجلسهما، أما في الشرع فلأنه محظور أن يعاقب الأنسان بما لم يفعل، وعلى ما يظن به ويجوز أن لا يقع. و أما في السياسة فلانه لو أظهر التهمة لهما وهما من أفاضل السابقين وجلة المهاجرين لكان في ذلك من التنفير ما لا يخفى...). ومنها قولهم: (هلا إذا ملك شريعة الفرات على معاوية - بعد أن كان معاوية ملكها عليه ومنعه وأهل العراق - منع معاوية وأهل الشام منها، فكان يأخذهم قبضا بالأيدي ؟ فإنه لم يصبر على منعهم عن الماء بل فسح لهم في الورود، وهذا يخالف ما يقتضيه تدبير الحرب). والجواب أنه عليه السلام لم يكن يستحل ما استحله معاوية من تعذيب البشر بالعطش، فإن الله تعالى ما أمر في أحد من العصاة الذين أباح دماءهم بذلك و لا فسح فيه في نحو القصاص، أو حد الزاني المحصن، أو قتل قاطع الطريق، أو قتال البغاة والخوارج، وما كان أمير المؤمنين ممن يترك حكم الله وشريعته ويعتمد ما هو محرم فيها لأجل الغلبة والقهر والظفر بالعدو، ولذلك لم يكن يستحل البيات (1) ولا الغدر ولا النكث.


(1) - أي الهجوم على العدو ليلا.

[701]

ومنها قولهم: (أخطا حيث محا اسمه بالخلافة من صحيفة الحكومة، فإن ذلك مما وهنه عند أهل العراق، وقوى الشبهة في نفوس أهل الشام). والجواب: أنه عليه السلام احتذى في ذلك - لما دعي إليه واقترحه الخصم عليه - فعل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في صحيفة الحديبية حيث محا اسمه من النبوة لما قال له سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله لما حاربناك ولامنعناك عن البيت. وقد قال صلى الله عليه واله وسلم له عليه السلام - وهو يومئذ كاتب تلك الصحيفة -: ستدعى إلى مثلها فتجيب. وهذا من أعلام نبوته - صلوات الله عليه - ومن دلائل صدقه، ومثله جرى له حذو القذة بالقذة. ومنهم قولهم: (إن جماعة من أصحابه عليه السلام فارقوه وصاروا إلى معاوية كعقيل بن أبي طالب أخيه، والنجاشي شاعره، ورقبة بن مصقلة أحد الوجوه من أصحابه، ولولا أنه كان يوحشهم ولا يستميلهم لم يفارقوه ويصيروا إلى عدوه، و هذا يخالف حكم السياسة وما يجب من تألف قلوب الأصحاب والرعية). والجواب: أنا أولا لا ننكر أن يكون كل من رغب في حطام الدنيا وزخرفها، و أحب العاجل من ملاذها وزينتها يميل إلى معاوية الذي يبذل منها كل مطلوب، و يسمح بكل مأمول، ويطعم خراج مصر عمرو بن العاص، ويضمن لذي الكلاع و حبيب بن مسلمة ما يوفي على الرجاء والاقتراق، وعلي عليه السلام لا يعدل فيما هو أمين عليه من مال المسلمين عن قضية الشريعة وحكم الملة حتى يقول خالد بن معمر السدوسي لعلباء بن الهيثم - وهو يحمله على مفارقة علي عليه السلام واللحاق بمعاوية -: اتق الله، يا علباء ! في عشيرتك، وانظر لنفسك ولرحمك، ماذا تؤمل عند رجل أردته على أن يزيد في عطاء الحسن والحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف عيشهما، فأبى وغضب فلم يفعل. فأما عقيل فالصحيح الذي اجتمع ثقات الرواة عليه أنه لم يجتمع مع معاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام. ومنها قولهم: (إنه غير مصيب في ترك الاحتراس، فقد كان يعلم كثرة أعدائه و لم يكن يحترس منهم، وكان يخرج ليلا في قميص ورداء وحده حتى كمن له

[702]

ابن ملجم في المسجد فقتله...) والجواب: إن هذا إن كان قادحا في السياسة وصحة التدبير... فليكن قادحا في صحة تدبير رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقد كان يخرج وحده في المدينة ليلا ونهارا مع كثرة أعدائه... ولأن عليا عليه السلام كانت هيبته قد تمكنت في صدور الناس، فلم يكن يظن أن أحدا يقدم عليه غيلة... (1). أقول: وهذا كله مع أنه عليه السلام يقدم في سياسته وتدبيره مصلحة الأسلام على حق نفسه، وكان يضحي بنفسه في سبيل مصلحة الأسلام ورقاه وقامه على اصوله. قال ابن أبى الحديد: (روى الكلبي قال: لما أراد علي عليه السلام المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال بعد أن حمدالله وصلى على رسوله صلى الله عليه واله وسلم: إن الله لما قبض نبيه صلى الله عليه واله وسلم استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم، والناس حديثوا عهد بالأسلام، والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن، ويعكسه أقل خلف فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء والله ولى تمحيص سيئاتهم والعفو عن هفواتهم (2)، فما بال طلحة والزبير وليسا من هذا الأمر بسبيل، لم يصبرا علي حولا ولا أشهرا حتى وثبا ومرقا ونازعانى أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا، بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين، يرتضعان اما قد فطمت، ويحييان بدعة قد اميتت، أدم عثمان زعفا ؟ والله مالاتبعة إلا عندهم وفيهم، وإن أعظم ححتهم لعلى أنفسهم، وأنا راض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم، فإن فاءا وأنا بافحظهما أحرزا، وأنفسهما غنما، و أعظم بهما غنيمة ! وإن أبيا اعطيهما حد السيف وكفى به ناصرا لحق، وشافيا


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 10: ص 259. (2) - هذا - على تقدير صحة الصدور - تقية من الناس ومماشاة معهم لما قد مضى الامر كيف ما كان، و إنما هو عليه السلام في فتنة جديدة ينبغى استفراغ البال لها.

[703]

لباطل (1). وقال - أيضا: (عن عبد الله بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز اريد العراق في أول إمارة علي عليه السلام فمررت بمكة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذ نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج علي متقلدا سيفه، فشخصت الأبصار نحوه، فحمد الله وصلى على رسوله، ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه واله وسلم قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الامرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا بذلك، وخشنت الصدور، وجزعت النفوس. وايم الله، لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه.... (2). وقال عليه السلام: (إياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئبة، ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه (3). وقال عليه السلام: (لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله، لأسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة (4). وفي كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر، قال: (فوالله، ما كان يلقي في روعي (5)، ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه واله وسلم عن أهل بيته، و لا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه،


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: صص 308 و 307. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: صص 308 و 307. (3) - السيد الرضي (المجمع) نهج البلاغة، خ 125 و. (4) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 71. (5) - بالضم: القلب.

[704]

فأمسكت بيدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الأسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه واله وسلم، فخشيت إن لم أنصر الأسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه (1). قال ابن أبي الحديد: (وكأنه (نصر علي عليه السلام) جواب عن قول قائل: إنه عمل لابي بكر وجاهد بين يدي أبي بكر، فبين عليه السلام عذره في ذلك، وقال: إنه لم يكن كما ظنه القائل، ولكنه من باب دفع الضرر عن النفس وعن الدين فإنه واجب سواء كان للناس إمام أو لم يكن (2).


(1) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، ر 62. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 17: ص 154.

[705]

الفصل 27 الامام علي عليه السلام ومظلوميته 1 - عن أبي عثمان النهدي، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: (مررت مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بحديقة فقلت: يا رسوالله ! ما أحسنها ! قال: لك في الجنة خير منها، حتى مررت بسبع حدائق - وقال أحمد بن زهير بتسع حدائق - كل ذلك أقول له، ويقول: لك في الجنة خير منها، قال ثم جذبني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وبكى، فقلت: يا رسول الله ! ما يبكيك ؟ قال: ضغائن في صدور رجال عليك لن يبدوها لك للأمر بعدي، فقلت: بسلامة من ديني ؟ قال: نعم، بسلامة من دينك (1). 2 - عن ابن عباس قال: (خرجت أنا والنبي صلى الله عليه واله وسلم وعلي في حشان المدينة مررنا بحديقة، فقال علي: ما أحسن هذه الحديقة، يا رسول الله ! فقال: حديقتك في الجنة أحسن منها، ثم أو مأ بيده إلى رأسه ثم بكى حتى علا بكاؤه، قلت: ما يبكيك ؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني (2). 3 - في خبر طويل، قال له: (اتق الضغائن التي لك في صدور من لا يظهرها إلا


(1) - الخطيب: تاريخ بغداد، ج 12: ص 398. (2) - الهشمي: مجمع الزوائد، ج 9: ص 118. والحشان: البساتين.

[706]

بعد موتي، اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. ثم بكى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقيل: مم بكاؤك، يا رسول الله ؟ قال: أخبرني جبرئيل عليه السلام أنهم يظلمونه ويمنعونه حقه و يقاتلونه ويقتلون ولده (1). 4 - قال النبي صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: (إذ مت ظهرت لك ضغائن في صدور قوم يتمالئون عليك ويمنعونك حقك). 5 - روى جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: (دخلت فاطمة عليها السلام على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو في سكرات الموت، فانكبت عليه تبكي، ففتح عينه وأفاق، ثم قال: يا بنية ! أنت المظلومة بعدي، وأنت المستضعفة بعدى، فمن آذاك فقد اذاني ومن غاظك فقد غاظني، ومن سرك فقد سرني، ومن برك فقد برني، ومن جفاك فقد جفاني، ومن وصلك فقد وصلني، ومن قطعك فقد قطعني، ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن ظلمك فقد ظلمني، لأنك مني وأنا منك، وأنت بضعة مني وروحي التي بين جنبي، ثم قال صلى الله عليه واله وسلم: إلى الله أشكو ظالميك من امتي. ثم دخل الحسن والحسين عليهما السلام فانكبا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهما يبكيان و يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، يا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ! فذهب علي عليه السلام لينحيهما عنه فرفع رأسه إليه، ثم قال: دعهما، يا أخي ! يشماني وأشمهما، ويتزودا وأتزود منهما فإنهما مقتولان بعدي ظلما وعدوانا، فلعنة الله على من يقتلهما، ثم قال: يا علي ! أنت المظلوم بعدي، وأنا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة (2). 6 - عن معاوية بن ثعلبة، قال: (جاء رجل إلى أبي ذر رحمه الله - وهو جالس في المسجد وعلى عليه السلام يصلي أمامه - فقال: يا أبا ذر ! ألا تحدثني بأحب الناس إليك ؟


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 28: ص 45 و 50. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 28: ص 69.

[707]

فوالله، لقد علمت أن أحبهم إليك أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، قال: أجل، والذي نفسي بيده، إن أحبهم إلي لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه (1). 7 - الحسن بن علي، عن أبيه عليهما السلام قال: (لما نزلت (الم أحسب الناس الآيات) قلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة ؟ قال: يا علي إنك مبتلى ومبتلى بك، وإنك مخاصم فأعد للخصومة). 8 - عن ياسر الخادم، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي - صلوات الله عليهم أجمعين - قال: (قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: يا علي ! أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، و أنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى، يا على ! أنت إمام المسلمين، و أمير المؤمنين، وخير الوصيين، وسيد الصديقين، يا علي ! أنت الفاروق الأعظم، و أنت الصديق الأكبر، يا على ! أنت خليفتي على امتي، وأنت قاضي ديني، وأنت منجز عداتي، يا علي ! أنت المظلوم بعدي، يا علي ! أنت المفارق بعدي، يا علي ! أنت المهجور بعدي، اشهد الله ومن حضر من امتي أن حزبك حزبي، وحزبي حزب الله، وأن حزب أعدائك حزب الشيطان (2). 9 - عن أبي الحسن الهادي عليه السلام أنه كان يقول عند قبر أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -: (السلام عليك، يا ولي الله ! أشهد أنك انت أول مظلوم، وأول من غصب حقه، صبرت واحتسبت حتى أتاك اليقين، وأشهد أنك لقيت الله وأنت شهيد، عذب الله قاتلك بأنواع العذاب، وجدد عليه العذاب، جئتك عارفا بحقك، مستبصرا بشأنك، معاديا لأعدائك ومن ظلمك، ألقى على ذلك ربي إن شاء الله،


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 8: ص 17، ط الكمباني. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 28: ص 76، بالصدوق: عيون الاخبار الرضا عليه السلام، ج 2: ص 61.

[708]

يا ولي الله إن لي ذنوبا كثيرة فاشفع لي إلى ربك يا مولاي ! فإن لك عند الله مقاما معلوما، وإن لك عند الله جاها وشفاعة، وقد قال الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى (1). (2) 1 - عند وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: 10 - قال ابن قتيبة الدينوري: وخرج علي - كرم الله وجهه - يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، وكانوا يقولون: يا بنت رسول الله ! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي - كرم الله وجهه -: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في بيته لم أدفنه وأخرج انازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ماكان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (3). 11 - وقال بعد ذكر عدم بيعة علي عليه السلام: (فأتى عمر أبا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفذ - وهو مولى له -: اذهب فادع لي عليا، قال: فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك ؟ فقال يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله ! فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلا، فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - لقنفذ: عد إليه فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به، فرفع علي صوته فقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة فبكى أبو بكر طويلا، ثم قام عمر فمشى ومعه جماعة حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا


(21) - الانبياء، 21: 28. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 100: ص 265. (1) - ابن قتيبه: الأمامة والسياسة، ج 1: ص 19.

[709]

بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة. فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع و أكبادهم تنفطر، وبقى عمر ومعه قوم فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا: إذا والله، الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، فقال: إن أنا لم أفعل إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أما عبد الله فنعم، و أما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا اكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يصيح ويبكي وينادي: (يا ابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني (1) (2). 11 - قال العلامة الفيض رحمه الله: (ثم إن عمر جمع جماعة من الطلقاء والمنافقين و أتى بهم إلى منزل أمير المؤمنين عليه السلام فوافوا بابه مغلقا فصاحوا به: اخرج، يا علي - ! فإن خليفة رسول الله يدعوك، فلم يفتح لهم الباب، فأتوا بحطب فضعوه على الباب وجاؤوا بالنار ليضرموه، فصاح عمرو قال: والله، لئن لم تفتحوا لنضرمنه بالنار فلما عرفت فاطمة عليها السلام أنهم يحرقون منزلها قامت وفتحت الباب، فدفعوها القوم قبل أن تتوارى عنهم، فاختبت فاطمة عليها السلام وراء الباب والحائط، ثم إنهم تواثبوا على أمير المؤمنين عليه السلام وهو جالس على فراشه، واجتمعوا عليه حتى أخرجوه سحبا من داره ملبسا بثوبه يجرونه إلى المسجد، فحالت فاطمة بينهم وبين بعلها، وقالت: والله، لا أدعكم تجرون ابن عمي ظلما، ما أسرع ما خنتم الله ورسوله فينا أهل البيت وقد أوصاكم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم باتباعنا ومودتنا والتمسك بنا، فقال الله تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (3) (4).


(1) - ابن قتيبه: الأمامة والسياسة، ج 1: ص 19. (2) - الامامة والسياسة، ج 1: ص 19. (3) - الشورى، 42: 23. (4) - ابن قتيبه: الأمامة والسياسة، ج 1: ص 19.

[710]

قال فتركه أكثر القوم لأجلها، - إلى أن قال: - وقد كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سماه محسنا - وجعلوا يقودون أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد حتى أو قفوه بين يدي أبي بكر، فلحقته فاطمة عليها السلام إلى المسجد لتخلصه، فلم تتمكن من ذلك فعدلت إلى قبر أبيها فأشارت إليه بحزنة ونحيب وهي تقول: نفسي على زفراتها محبوسة * يا ليتها خرجت مع الزفرات لا خير بعدك في الحياة وإنما * أبكي مخافة أن تطول حياتي ثم قال: وا أسفاه عليك يا أبتاه، واثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن وأبو سبطيك الحسن والحسين، ومن ربيته صغيرا وواخيته كبيرا، وأجل أحبائك لديك، وأحب أصحابك عليك، أولهم سبقا إلى الأسلام ومهاجرة إليك يا خير الأنام، فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير. ثم إنها أنت أنة وقالت: وامحمداه، واحبيباه، وا أباه، و (أبا القاسماه، وا أحمداه، واقلة ناصراه، واغوثاه، واطول كربتاه، واحزناه، وامصيبتاه، واسوء صباحاه، وخرت مغشية عليها، فضج الناس بالبكاء و النحيب وصار المسجد مأتما. ثم إنهم أوقفوا أمير المؤمنين عليه السلام بين يدي أبي بكر وقالوا له: مد يدك فبايع، فقال: والله، لا ابايع والبيعة لي في رقابكم. فروي عن عدي بن حاتم أنه قال: والله، ما رحمت أحدا قط رحمتي علي بن أبي طالب عليه السلام حين اتى به ملببا بثوبه يقودونه إلى أبي بكر وقالوا: بايع، قال: فإن لم أفعل ؟ قالوا: نضرب الذي فيه عيناك، قال: فرفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إني اشهدك أنهم أتوا أن يقتلوني فإنى عبد الله وأخو رسول الله، فقالوا له: مد يدك فبايع فأبى عليهم فمدوا يده كرها، فقبض على أنامله فراموا بأجمعهم فتحها فلم يقدروا، فمسح عليها أبو بكر وهي مضمومة، و هو عليه السلام يقول وينظر إلى قبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (يا ابن ام إن القوم استضعفوني و كادوا أن يقتلونني). قال الراوي: إن عليا عليه السلام خاطب أبا بكر بهذين البيتين:

[711]

فإن كنت بالشورى ملكت امورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب وكان عليه السلام كثيرا ما يقول: واعجبا ! تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالقرابة و الصحابة ؟ ! (1). 12 - قال سليم بن قيس: (إنه أغرم عمر بن الخطاب في بعض السنين جميع عماله أنصاف أموالهم سوى قنفذ. قال سليم: انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليس فيها إلا هاشمي، غير سلمان وأبي ذر والمقداد ومحمد بن أبي بكر وعمر بن أبي سلمة وقيس بن سعد بن عبادة، فقال العباس لعلي عليه السلام: ما ترى عمر منعه أن يغرم قنفذ كما أغرم جميع عماله ؟ فنظر علي عليه السلام إلى من حوله، ثم اغرورقت عيناه، ثم قال: نشكو - إلى أن قال: - فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج (2). أقول: بأبي وامي، من لا يتمكن من التكلم حتى ينظر أطرافه، فهذا أظهر آية المظلومية والاستضعاف. 13 - قال المحدث القمي رحمه الله: (ومما ذكرناه ظهر شدة مصيبة أمير المؤمنين عليه السلام و عظم صبره، بل يمكن أن يقال: إن بعض مصائبه أعظم مما يقابله من مصيبة ولده الحسين عليه السلام الذي يصغر عند مصيبته المصائب، فقد ذكرت في كتاب المترجم بنفس المهموم في وقايع عاشورا عن الطبري أنه حمل شمربن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين عليه السلام برمحه ونادى علي بالنار حتى احرق هذا البيت على أهله، قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، فصاح به الحسين عليه السلام: يا ابن ذي الجوشن ! أنت تدعوا بالنار لتحرق بيتي على أهلي ؟ أحرقك الله بالنار.


(1) - القاساني: علم اليقين ج: ص 686 االمقصد الثالث. (2) كتاب سليم ص 91 ط بيروت.

[712]

قال أبو مخنف: (حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان الله، إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين: تعذب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء ؟ إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك ؟ ! قال: فقال: من أنت ؟ قلت: لااخبرك من أنا، وخشيت والله، لو عرفني أن يضرني عند السلطان، قال: فجاء رجل كان أطوع له مني شبث بن ربعي فقال: ما رأيت مقالا أسوأ من قولك ولا موقفا أقبح من موقفك، أصرت مرعبا للنساء ؟ قال: فأشهد أنه استحيى فذهب لينصرف. أقول: هذا شمر مع أنه كان جلفا جافا قليل الحياء استحيى من شبث ثم انصرف، وأما الذي جاء إلى باب أمير المؤمنين وأهل بيته: وهددهم بتحريقهم، وقال: والذي نفس فلان بيده، ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه، فقيل له: إن فيه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وولد رسول الله وآثار رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأشهد أنه لم يستحي ولم ينصرف بل فعل ما فعل، ولم يكن لأمير المؤمنين عليه السلام من ينصره ويذب عنه، إلا ماروي عن الزبير أنه لما رأى القوم أخرجوا عليا عليه السلام من منزله ملببا أقبل مخترطا سيفه وهو يقول: يا معشر بني عبد المطلب ! أيفعل هذا بعلي وأنتم أحياء ؟ وشد على عمر ليضربه بالسيف فرماه خالد بن الوليد بصخرة فأصابت قفاه وسقط السيف من يده، فأخذه عمر وضربه على صخرة فانكسرت. وروى الشيخ الكليني عن سدير، قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام، فقال رجل من القوم: أصلحك الله، فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: ومن كان بقي من بني هاشم ؟ إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالأسلام: عباس وعقيل: وكانا من الطلقاء، أما والله، لو أن حمزة و جعفرا كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه، ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما، فلذلك روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لم يقم مرة على المنبر إلا قال في

[713]

آخر كلامه قبل أن ينزل: ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه... أقول: وهذه نقثة مصدور، ونبذ من الرزايا التي تذوب منها الصخور (1). 2 - عند دفن فاطمة عليها السلام: 14 - عن أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام، قال: (لما قبضت فاطمة عليها السلام دفنها أمير المؤمنين سرا، وعفا على موضع قبرها، ثم قام فحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله ! عني، والسلام عليك عن ابنتك و زائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي، إلا أن لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت نفسك بين نحري وصدري بلى وفي كتاب الله (لي) أنعم القبول: (إنا لله وإنا إليه راجعون (2). قد استرجعت الوديعة، واخذت الرهينة، واخلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء، يا رسول الله ! أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرق بيننا، وإلى الله أشكوا، وستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها فأحفها السؤال، و استخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول، ويحكم الله وهو خير الحاكمين، سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعدا - وعد الله - الصابرين، واه واها والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاما معكوفا، و لاعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن ابنتك سرا، وتهضم


(1) - القمي: بيت الاحزان، ص 102، ط قم. (2) - البقرة، 2: 156.

[714]

حقها، وتمنع إرثها، ولم يتباعد العهد، ولم يخلق منك الذكر، وإلى الله يا رسول الله ! المشتكى، وفيك يا رسول الله ! أحسن العزاء، صلى الله عليك وعليها السلام و الرضوان (1). 3 - في قصة الشورى: قال ابن أبي الحديد: (ثم قال (عمر): ادعوا إلي أبا طلحة الأنصاري فدعوه له، فقال: انظر يا أبا طلحة ! إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله، واجمعهم في بيت، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم، فإن اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب عنقهما، و إن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن، فارجع إلى ما قد اتفقت عليه فإن أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقهم، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم (2). فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار حاملي سيوفهم ثم تكلم القوم وتنازعوا فأول ما عمل طلحة أنه أشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان وذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به عليا وعثمان، وأن الخلافة لاتخلص له وهذان موجودان، فأراد تقوية أمر عثمان وإضعاف جانب علي عليه السلام بهبة أمر لا انتفاع له به ولا تمكن له منه،


(1) - الكليني: الاصول من الكافي، ج 1: ص 381، ط الاسلامية. (2) - في (منهاج البراعة) للعلامة قطب الدين الراوندي رحمه الله (ج 1: ص 128): (فقال العباس لعلى عليه السلام: ذهب الأمر منا، والرجل يريد أن يكون الأمر لعثمان، فقال علي عليه السلام: أنا أعلم ذلك، ولكني أدخل معهم في الشورى لأن عمر قد استأهلني الان للامامة وكان من قبل يقول: ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: إن النبوة و الأمامة لا يجتمعان في بيت، وإنى لادخل في ذلك ليظهر أنه كذب نفسه بما روى أولا).

[715]

فقال الزبير في معارضته: وأنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت حقي من الشورى لعلي عليه السلام وإنما فعل ذلك لأنه لما رأى عليا قد ضعف وانخزل بهبة طلحة حقه لعثمان دخلته حمية النسب لأنه ابن عمة أمير المؤمنين عليه السلام وهي صفية بنت عبد المطلب، وأبو طالب خاله، وإنما مال طلحة إلى عثمان لانحرافه عن علي عليه السلام باعتبار أنه تيمي وابن عم أبي بكر الصديق، وكان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد لأجل الخلافة وكذلك صار في صدور تيم على بني هاشم، و هذا أمر مركوز في طبيعة البشر وخصوصا طينة العرب وطبايعها والتجربة إلى الان تحقق ذلك (1). فبقى من الستة أربعة، فقال سعد بن أبي وقاص: وأناقد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبد الرحمن، وذلك لأنها من بني زهرة ولعلم سعد أن الأمر لايتم له، فلما لم يبق إلا الثلاثة قال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين ؟ فلم يتكلم منهما أحد، فقال عبد الرحمن: اشهدكم أنني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما، فأمسكا، فبدأ بعلي عليه السلام وقال له: ابايعك على كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر، فقال: بل على كتاب الله وسنة رسول الله واجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان فعرض ذلك عليه فقال: نعم، فعاد إلى علي عليه السلام فأعاد قوله، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثا فلما رأى أن عليا عليه السلام غير راجع عما قاله وأن عثمان ينعم له بالاجابة صفق على يد عثمان وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ! فيقال: إن عليا عليه السلام قال له: والله، ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجى صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم. قيل: ففسد بعد ذلك بين عثمان


(1) - هذا صحيح ولكنه لا يبرز عمله، فأين التزكية والتقوى والعدالة والأنصاف وطرح نخوة الجاهلية والتذلل والخشوع للحق ؟ ! (مصحح).

[716]

وعبد الرحمن فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات (1). أقول: إن شئت أن يتضح لك مظلومية علي عليه السلام وتألمه وتأثره من هذه الشورى فلاحظ ما قاله في شأنها فإنه قال: (فصبرت على طول المدة وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر ؟ لكنى أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الاخر لصهره مع هن وهن (2). وقال عليه السلام - أيضا: (كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كجزء من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ينظر إلي الناس كما ينظر إلى الكواكب في افق السماء، ثم غض الدهر مني فقرن بي فلان وفلان، ثم قرنت بخمسة أمثلهم عثمان، فقلت: واذفراه، ثم لم يرض الدهر لي بذلك حتى أرذلني فجعلني نظيرا لابن هند وابن النابغة، لقد استنت الفصال حتى القرعى (3). وقال عليه السلام في كتاب له إلى معاوية: (فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي ولم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه، والحمد لله على كل حال (4). وعجبا من قوم قاسوا أبا الحسن المظلوم عليه السلام الذي هو نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم وعديل القرآن بأوغاد الناس كأن في آذانهم وقرا ولم يسمعوا قول النبي صلى الله عليه واله وسلم في


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 187. ومنشم - بكسر الشين -: اسم امرأة كانت بمكة عطارة، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم، فكان يقال: أشأم من عطر منشم فصار مثلا. (ابن منظور: لسان العرب) (2) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 3. (3) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 20: ص 326. (4) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، ر 9.

[717]

علي عليه السلام: (علي بن أبي طالب مني وأنا من علي، فمن قاسه بغيره فقد جفاني، ومن جفاني فقد آذاني. يا عبد الرحمن إن الله تعالى أنزل علي كتابا مبينا وأمرني أن ابين للناس ما نزل إليهم ما خلا على بن أبي طالب فإنه لم يحتج إلى بيان لأن الله تعالى جعل فصاحته كفصاحتي، ودرايته كدرايتي، ولو كان الحلم رجلا لكان عليا، ولو كان العقل رجلا لكان الحسن، ولو كان السخاء رجلا لكان الحسين، و لو كان الحسن شخصا لكان فاطمة بل هي أعظم، إن فاطمة ابنتي خير أهل الأرض عنصرا وشرفا وكرما (1). للسيد رضا الهندي: قاسوك أبا حسن بسواك * وهل بالطود يقاس الذر أنى ساووك بمن ناووك * وهل ساووا نعلي قنبر لابن حماد: ليس من جوهره جوهره * مثل من جوهره من خزف لابي القاسم الزاهي: ما أحد قايسكم بغيركم * ومازج السلسل بالشرب اللمط إلا كمن ضاحى الجبال بالحصى * أو قايس الأبحر جهلا بالنقط فتعسا لقوم أخروا من قدمه الله، وقدموا من أخره الله. وقال ابن أبي الحديد: (عجبا لقوم أخروك وكعبك العالي، وخد سواك أضرع أسفل). قال ابن أبي الحديد: (قال: بليت في حرب الجمل بأشد الخلق شجاعة، وأكثر الخلق ثروة وبذلا، وأعظم الخلق في الخلق طاعة، وأوفى الخلق كيدا وتكثرا (2)، بليت بالزبير، لم يرد وجهه قط، وبيعلى بن منية يحمل المال على الأبل الكثيرة و


(1) - الحمويني: فرائد السمطين، ج 2: ص 68 / ب 15. (2) - (وتكبرا).

[718]

يعطى كل رجل ثلاثين دينارا وفرسا على أن يقاتلني، وبعائشة ما قالت قط بيدها هكذا إلا واتبعها الناس، وبطلحة لا يدرك غوره، ولا يطال مكره. بعث عثمان بن حنيف إلى طلحة والزبير، فعاد فقال: يا أمير المؤمنين ! جئتك بالخيبة، فقال: كلا ! أصبت خيرا وأحرت، ثم قال: إن من العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما علي، أما والله، إنهما ليعلمان أنى لست بدون واحد منهما، اللهم عليك بهما. نعم، وما نقموا منه إلا أن يؤمن بالله العزيز الحميد، وما منعوه عن الخلافة وما زحزحوه عنها إلا لعدله، فعن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث الشورى: (...، فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام ما هم القوم به من البيعة لعثمان قام فيهم ليتخذ عليهم الحجة فقال لهم: اسمعوا مني فإن يك ما أقول حقا فاقبلوا، وإن يك باطلا فأنكروا، ثم قال لهم: أنشدكم بالله الذي يعلم صدقكم إن صدقتم، ويعلم كذبكم إن كذبتم، هل فيكم أحد صلى إلى القبلتين كلتيها (1) غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم من بايع البيعتين من بيعة الفتح وبيعة الرضوان غيري ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخوه المزين بالجناحين في الجنة غيرى ؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد زوجته سيدة نساء أهل الجنة غيرى ؟ قالوا: لا، - و ساق الكلام إلى أن قال عليه السلام: - إذا أقررتم على أنفسكم واستبان لكم ذلك من قول نبيكم فعليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأنها كم عن سخطه، ولا تعصوا أمره، وردوا الحق إلى أهله، واتبعوا سنة نبيكم، فإنكم إذا خالفتم خالفتم الله، فادفعوها إلى من هو أهلها وهي له، فتغامزوا بينهم وتشاوروا وقالوا: عرفنا فضله وعلمنا أنه أحق الناس بها ولكنه


(1) - قال المجلسي،: (صلى الى القبلتين) أي معا في صلاة واحدة، وجمع في مكة بين الكعبة وبيت المقدس.

[719]

رجل لا يفضل أحدا على أحد، فإن وليتموها إياه جعلكم وجميع الناس شرعا سواء ولكن ولوها عثمان فإنه يهوي الذي تهوون، فدفعوها إليه (1). وعن أبي ذر، في كلام له طويل: (فمازال يناشدهم ويدلوهم ما أكرمه الله تعالى وأنعم عليه به حتى قام قائم الظهيرة ودنت الصلاة - إلى أن قال: - ثم نهض إلى الصلاة، قال: فتأمر القوم فيما بينهم وشاوروا فقالوا: قد فضل الله علي بن أبي طالب بما ذكر لكم ولكنه رجل لا يفضل أحدا على أحد ويجعلكم و مواليكم سواء، وإن وليتموه إياها ساوى بين أسودكم وأبيضكم ولو وضع السيف على عنقكم، لكن ولوها عثمان فهو أقدمكم ميلا، وألينكم عريكة، وأجدر أن يتبع مسرتكم، والله غفور رحيم (2). 4 - في أمر التحكيم 16 - من الموارد التي تصرح وتعلن بأنه عليه السلام مظلوم مضطهد، قصة رفع المصاحف على رؤوس الرماح وأمر التحكيم وظهور الخوارج. قال ابن أبي الحديد: (إن الذي دعا إليه (أي أمر التحكيم) طلب أهل الشام له و اعتصامهم به من سيوف أهل العراق، فقد كانت أمارات القهر والغلبة لاحت، و دلائل النصر والظفر وضحت، فعدل أهل الشام عن القراع إلى الخداع، وكان ذلك برأي عمرو بن العاص، وهذه الحال وقعت عقيب ليلة الهرير... (3)، ونحن نذكر ما أورده نصربن مزاحم في (كتاب صفين) في هذا المعنى فهو ثقة، ثبت صحيح النقل، غير منسو ب إلى هوى ولا إدغال، وهو من رجال أصحاب الحديث. قال نصر: حدثنا عمر وبن شمر، عن أبي ضرار، عن عمار بن ربيعة، قال:


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، 890: ص 346، ط الكمباني. (2) - الطوسي: كتاب الأمالي، ج 2، ص 166. (3) - من هرير الفرسان بعضهم على بعض كما تهر السباع، وهو صوت دون النباح. (*)

[720]

غلس علي عليه السلام بالناس صلاة الغداة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع و ثلاثين، وقيل: عاشر شهر صفر ثم زحف إلى أهل الشام بعسكر العراق والناس على راياتهم وأعلامهم، وزحف إليهم أهل الشام، وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعا، فقدملوا الحرب وكرهوا القتال وتضعضعت أركانهم. قال: فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب (1) عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه، وبيده الرمح، فجعل يضرب رؤوس أهل العراق بالقناة ويقول: سووا صفوفكم - رحمكم الله -، حتى إذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره، ثم حمدالله وأثنى عليه وقال: الحمدلله الذي جعل فينا ابن عم نبيه، أقدمهم هجرة، وأولهم إسلاما، سيف من سيوف الله صبه الله على أعدائه، فانظروا إذا حمى الوطيس، وثار القتام، وتكسر المران، وجالت الخيل بالأبطال، فلا أسمع إلا غمغمة (2) أو همهمة فاتبعوني وكونوا في أثري ثم حمل على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ثم رجع فإذا هو الأشتر. قال: وخرج رجل من أهل الشام فنادى بين الصفين: يا أبا الحسن ! يا علي ! ابرز الي، فخرج إليه علي عليه السلام حتى اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين فقال: إن لك يا علي ! لقدما في الأسلام والهجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخر هذه الحروب حتى ترى رأيك ؟ قال: وما هو ؟ قال: ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق، ونرجع نحن إلى شامنا فتخلي بيننا وبين أهل الشام. فقال علي عليه السلام: قد عرفت ما عرفت، إن هذه لنصيحة وشفقة، ولقد أهمني


(1) - الكميت من الخيل للمذكر والمؤنث: ما كان لونه بين الاسود والاحمر والذنوب - بفتح الذال - الفرس الوافر الذنب. (2) - الوطيس: التنور، المعركة، وحمى الوطيس أي اشتدت الحرب. والقتام الغبار. والمران: جمع مرانة - بالتشديد - وهى الرماح الصلبة. والغمغمة: أصرات الابطال عند الوغى.

[721]

هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينيه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد، إن الله تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم. قال: فرجع الرجل وهو يسترجع، وزحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل والحجارة حتى فنيت ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت -... وروى نصر عن رجاله، قال: لما بلغ القوم إلى ما بلغوا إليه قام علي عليه السلام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، قد بلغ بكم الأمر وبعدوكم ما قد رأيتم و لم يبق منهم إلا آخر نفس، وإن الأمور إذا أقبلت أعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا منهم ما بلغنا وأنا غاد عليهم بالغداة احاكمهم إلى الله. قال: فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص، وقال: يا عمرو ! إنما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفيصل، فما ترى ؟ قال: إن رجالك لا يقومون لرجاله و لست مثله، هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره، أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون عليا إن ظفر بهم، ولكن ألق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا، وإن ردوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم فإنك بالغ به حاجتك في القوم، و إني لم أزل اؤخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه، فعرف معاوية ذلك وقال له صدقت. قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر بن عمير الأنصاري قال: والله، لكأني أسمع عليا يوم الهرير... قال (الراوي): فلا والذي بعث محمدا بالحق نبيا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السماوات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب، إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج

[722]

بسيفه منحنيا فيقول: معذرة إلى الله وإليكم من هذا، لقد هممت أن أفلقه ولكن يحجزني عنه أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي) وأنا اقاتل به دونه صلى الله عليه. قال: فكنا تأخذه فنقدمه ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف، فلا والله ماليث بأشد نكاية منه عليه السلام في عدوه. قال نصر: فحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر قال: سمعت تميم بن حذيم يقول: لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام في وسط الفيلق حيال موقف علي ومعاوية، فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرماح وهي عظام مصاحف العسكر، وقد شدوا ثلاثة أرماح جميعا و ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم، يمسكه عشرة رهط. قال نصر: وقال أبو جعفر وأبو الطفيل: استقبلوا عليا بمائة مصحف، ووضعوا في كل مجنبة (1) مائتي مصحف، فكان جميعها خمسمائة مصحف. قال أبو جعفر: ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي عليه السلام، وقام أبو شريح الجزامي حيال الميمنة، وقام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة، ثم نادوا: يا معشر العرب ! الله، الله، في النساء والبنات والأبناء فمن للروم والأتراك وأهل فارس غدا إذا فنيتم ؟ الله، الله، في دينكم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال علي عليه السلام: اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا وبينهم إنك أنت الحق المبين. فاختلف أصحاب علي عليه السلام في الرأي فطائفة قالت: القتال، وطائفة قالت: المحاكمة إلى الكتاب، و لا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحرب و وضعت أوزارها -. فجاءه (يعني عليا.) من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكى السلاح سيوفهم على عواتقهم، وقد اسودت جباههم من السجود، يتقدمهم مسعر


(1) المجنبة - بكسر النون المشددة -: ميمنة الجيش وميسرته.

[723]

ابن فدكى وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين: يا علي ! أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم. فقال لهم: ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله، وأول من أجاب إليه، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن ادعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إنى إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون. قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتينك، وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله. قال نصر: فحدثني فضيل بن خديج، عن رجل من النخع قال: سأل مصعب إبراهيم بن الأشتر عن الحال كيف كانت ؟ فقال: كنت عند علي عليه السلام حين بعث إلى الاشتر ليأتيه وقد كان الأشتر أشرف على معسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه علي عليه السلام يزيد بن هاني أن ائتني، فأتاه فأبلغه، فقال الأشتر: ائته فقل له: ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي، إني قد رجوت الفتح فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هاني إلى علي عليه السلام فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج (1) وعلت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلايل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلايل الخذلان والادبار على أهل الشام. فقال القوم لعلى: والله، ما نراك إلا أمرته بالقتال. قال: أرأيتموني ساررت رسولي إليه ؟ أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون ؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا فوالله، اعتزلناك. فقال: ويحك يا يزيد قل له: أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت فأتاه فأخبره، فقال الأشتر: أبرفع هذه المصاحف ؟ قال: نعم، قال: أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع خلاقا وفرقة، إنها مشورة ابن النابغة. ثم قال


(1) - الرهج - بالفتح فالسكون وبالتحريك -: ما اثير من الغبار.

[724]

ليزيد بن هانئ: ويحك ألا ترى إلى الفتح ؟ ألا ترى إلى ما يلقون ؟ ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا ؟ أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ فقال يزيد: أتحب أنك ظفرت ههنا وأن أمير المؤمنين بمكانة الذي هو فيه، يفرج عنه ويسلم إلى عدوه قال: سبحان الله، لا والله، لا احب ذلك، قال: فإنهم قد قالوا له وحلفوا عليه: لترسلن إلى الاشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا عثمان أو لنسلمنك إلى عدوك. فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم و ظنوا أنكم لهم قاهرون ورفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ؟ وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها وتركوا سنة من انزلت عليه، فالا تجيبوهم، أمهلوني فواقا فإني قد أحسست بالفتح، قالوا: لا نمهلك، قال: فأمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر، قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك، قال: فحدثوني عنكم و - قد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم - متى كنتم محقين ؟ أحين كنتم تقتلون أهل الشام فأنتم الآن حين أمسكتم عن قتالهم مبطلون ؟ أم أنتم الان في إمساككم عن القتال محقون فقتلاكم إذن - الذين لا تنكرون فضلهم وأنهم خير منكم - في النار ؟ قالوا: دعنا منك يا أشتر ! قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا، فقال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة (1)، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه دابته، وضرب بسوطه وجوه دوابهم و صاح بهم علي عليه السلام فكفوا، وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين ! احمل الصف على الصف يصرع القوم، فتصايحوا إن أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضي بحكم


(1) - النيب جمع الناب وهى الناقة المسنة.

[725]

القرآن، فقال الأشتر: إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضي فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين، فأقبل الناس يقولون: قد رضي أمير المؤمنين، قد قبل أمير المؤمنين، وهو ساكت لايبض بكلمة مطرق إلى الأرض، ثم قام فسكت الناس كلهم فقال... ألا إني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأمورا، وكنت ناهيا فأصبحت منهيا، وقد أحببتم البقاء، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون، ثم قعد (1). قال نصر بن مزاحم: (لما كتب علي الصلح يوم صالح معاوية فدعا الأشتر ليكتب، قال قائل: اكتب بينك وبين معاوية، فقال: إني والله لأنا كتبت الكتاب بيدي يوم الحديبية وكتبت بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: لا أرضى، اكتب: (باسمك اللهم) فكتبت هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل ابن عمرو، فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم اقاتلك، قال علي: فغضبت فقلت: بلى، والله إنه لرسول الله وإن رغم أنفك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: اكتب ما يأمرك، إن لك مثلها، ستعطيها و أنت مضطهد (2). وقال - أيضا: (وفي كتاب عمر بن سعد: هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين، فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته، وقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، إنما هو أميركم وأما أميرنا فلا. فلما اعيد إليه الكتاب أمر بمحوه، فقال الأحنف: لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك، فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وان قتل الناس بعضهم بعضا، فأتى مليا من النهار أن يمحوها. ثم إن الأشعث بن قيس جاء فقال: امح هذا الاسم، فقال علي: لا إله إلا الله، و


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 2: صص 206 - 219، نصر بن مزاحم: كتاب الصفين، ص 473. (2) - نصر بن مزاحم: كتاب الصفين، ص 509.

[726]

الله أكبر، سنة بسنة، أما والله لعلى يدي دار هذا يوم الحديبية حين كتبت الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسهيل بن عمرو، فقال سهيل: لا اجيبك إلى كتاب تسمى فيه رسول الله، ولو أعلم أنك رسول الله لم اقاتلك، إني إذا ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت الله وأنت رسول الله، ولكن اكتب (محمد بن عبد الله) اجبك، فقال محمد صلى الله عليه واله وسلم: يا علي ! إني لرسول الله، وإني لمحمد بن عبد الله، ولن يمحو عني الرسالة، كتابي إليهم من محمد بن عبد الله، فاكتب: محمد بن عبد الله. فراجعني المشركون في هذا إلى مدة، فاليوم أكتبها إلى ابنائهم كما كتبها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى آبائهم سنة ومثلا. فقال عمرو بن العاص: سبحان الله، ومثل هذا شبهتنا بالكفار ونحن مؤمنون ؟ فقال له علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للكافرين وليا وللمسلمين عدوا ؟ وهل تشبه إلا امك التي وضعت بك... (1). 17 - قال ابن أبي الحديد: (فبينا علي عليه السلام واقفا بين جماعة من همدان وحمير و غيرهم من أفناء (2) قحطان إذ نادى رجل من أهل الشام: من دل على أبي نوح الحميري ؟ فقيل له: قد وجدته فماذا تريد ؟ قال: فحسر عن لثامه فإذا هو ذوالكلاع الحميري ومعه جماعة من أهله ورهطه، فقال لأبي نوح: سر معي، قال: إلى أين ؟ قال: إلى أن نخرج عن الصف، قال: وما شأنك ؟ قال إن لي إليك لحاجة، فقال أبو نوح: معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتبة، قال ذوالكلاع: بلى فسر فلك ذمة الله و ذمة رسوله وذمة ذي الكلاع حتى ترجع إلى اخيك، فإنما اريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه. فسار أبو نوح وسار ذوالكلاع فقال له: إنما دعوتك احدثك حديثا حدثنى


(1) - كتاب الصفين، ص 508. (2) - أي أخلاط.

[727]

عمرو بن العاص قديما في خلافة عمر بن الخطاب ثم أذكرناه الان به فاعاده، إنه يزعم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: (يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمار بن ياسر). فقال أبو نوح: نعم، والله إنه لفينا، قال: نشدتك الله أجاد هو على قتالنا ؟ قال أبو نوح: نعم، ورب الكعبة، لهو أشد على قتالكم منى، ولوددت أنكم خلق واحد فذبحته وبدأت بك قبلهم.... قلت: واعجباه من قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار ولا يعتريهم الشك لمكان علي عليه السلام، ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق بكون عمار بين أظهرهم ولا يعبئون بمكان علي عليه السلام، ويحذرون من قول النبي صلى الله عليه واله وسلم: (تقتلك الفئة الباغية) ويرتاعون لذلك، ولا يرتاعون لقوله صلى الله عليه واله وسلم في علي عليه السلام: (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) ولا لقوله: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)، و هذا يدلك على أن عليا عليه السلام اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في إخمال ذكره و ستر فضائله وتغطية خصائصه حتى محى فضله ومرتبته من صدور الناس كافة إلا قليلا منهم (1). 18 - وقال - أيضا: (في شكواه وتظلمه عليه السلام من قريش قال عليه السلام: (اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم أضمروا لرسولك صلى الله عليه واله وسلم ضروبا من الشر والغدر، فعجزوا عنها وحلت بينهم وبينها، فكانت الوجبة بي والدائرة علي، اللهم احفظ حسنا وحسينا، ولاتمكن فجرة قريش منهما مادمت حيا، فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شئ شهيد (2). 19 - وقال له قائل: يا أمير المؤمنين ! أرأيت لو كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ترك ولدا (1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 8: ص 16. (2) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 20: ص 289.

[728]

ذكرا قد بلغ الحلم وآنس منه الرشد أكانت العرب تسلم إليه أمرها ؟ قال: لا، بل كانت تقتله إن لم يفعل، ما فعلت إن العرب كرهت أمر محمد صلى الله عليه واله وسلم وحسدته على ما آتاه الله من فضله، واستطالت أيامه حتى قذفت زوجته، ونفرت به ناقته مع عظيم إحسانه إليها، وجسيم مننه عندها، وأجمعت مذكان حيا على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته، ولولا أن قريشا جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة وسلما إلى العز والأمرة لما عبدت الله بعد موته يوما واحدا، ولارتدت في حافرتها، وعاد قارحها جذعا، وبازلها بكرا. ثم فتح الله عليها الفتوح فأثرت بعد الفاقة، وتمولت بعد الجهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الأسلام ما كان سمجا، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطربا، وقالت: لو لا أنه حق لما كان كذا، ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الامراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره وانقطع صوته وصيته حتى أكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثير ممن يعرف، ونشأ كثير ممن لايعرف، وما عسى أن يكون الولد لو كان، إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لم يقربني ما تعلمونه من القرب للنسب واللحمة بل للجهاد والنصيحة، أفتراه لو كان له ولدهل كان يفعل ما فعلت: وكذاك لم يكن يقرب ما قربت، ثم لم يكن عند قريش والعرب سببا للحظوة والمنزلة بل للحرمان والجفوة. اللهم إنك تعلم أني لم ارد الأمرة، ولاعلو الملك والرياسة، وإنما أردت، القيام بحدودك، والأداء لشرعك، ووضع الامور مواضعها، وتوفير الحقوق على أهلها، والمضي على منهاج نبيك، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك (1). 20 - وقال - أيضا: (قال عليه السلام: كل حقد حقدته قريش على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 20: ص 299.

[729]

أظهرته في، وستظهره في ولدي من بعدي، مالي ولقريش ! إنما وترتهم بأمر الله ورسوله، أفهذا جزاء من أطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين (1). 21 - وقال عليه السلام: (ما زلت مظلوما منذ قبض الله تعالى نبيه إلى يوم الناس (2). 22 - وعن مسيب بن نجبة قال: (بينما علي يخطب وأعرابي يقول: وامظلمتاه) فقال علي عليه السلام: ادن، فدنا، فقال: لقد ظلمت عدد المدر والوبر (3). وجاء أعرابي يتخطا فنادى: يا أمير المؤمنين مظلوم، قال علي: (ويحك وأنا مظلوم ظلمت عدد المدر والوبر). 23 - عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن والده: (أن عليا عليه السلام لم يقم مرة على المنبر إلا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل: مازلت مظلوما منذ قبض الله نبيه (4). 24 - وكان أبو ذر - رضي الله عنه - يعبر عن أمير المؤمنين عليه السلام بالشيخ المظلوم المضطهد (5). أقول: وإنه عليه السلام يطلع على البئر إلى نصفه ويخاطب البئر ويقول: وفي الصدر لبانات * إذا ضاق لها صدري نكت الأرض بالكف * وأبديت لها سري فمهما تنبت الأرض * فذاك النبت من بذري (6) 25 - وقال عليه السلام: (وقد قال قائل: إنك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص !


(1) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة ج 20: ص 328. (2) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 108، المجلسي: بحار الأنوار، ج 41: ص 51، ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 106 (مع زيادة). (3) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 108. (4) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 108. (5) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 108. (6) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 40: ص 300. ونكت الارض بالقضيب: هو أن يؤثر فيها بطرفه فعل المفكر المهموم. واللبانة: الحاجة من غير فاقة ولكن من همة. (ابن منظور لسان العرب)

[730]

فقلت: بل، أنتم والله، لأحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لى وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به. اللهم إني أستعديك على قريش و من أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، و أجمعوا على منازعتي أمرا هولي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه (1). 26 - وقال عليه السلام - أيضا: (اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما، أو مت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولاذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى وجرعت ريقي على الشجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم وألم للقلب من وخز الشفار (2). 27 - وقال ابن أبي الحديد: (وروى الزبير بن بكار - أيضا - في كتابه عن رجال أسند بعضهم، عن بعض، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: أرسل إلي عثمان في الهاجرة (3)، فتقنعت بثوبي وأتيته فدخلت عليه وهو في سريره وفي يده قضيب و بين يديه مال دثر (4) صبرتان من ورق وذهب، فقال: دونك خذمن هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني، فقلت: وصلتك رحم، إن كان هذا المال ورثته أو أعطاكه معط أو اكتسبته من تجارة كنت أحد رجلين: إما آخذ وأشكر، أوفر وأجهد، وإن


(1) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 171. (2) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 216. والاستعداء: الاستعانة والانتصار. والرافد: المعين. والوخز: الطعن الخفيف. والشفار: جمع الشفرة و هو السكين العظيم. (3) - الهاجرة، نصف النهار في القيظ. (4) - أي كثير.

[731]

كان من مال الله وفيه حق المسلمين واليتيم وابن السبيل، فوالله، مالك أن تعطينيه، ولالي أن آخذه، فقال: أبيت والله، إلا ما أبيت، ثم قام إلي بالقضيب فضربني، والله ما أرد يده حتى قضى حاجته، فتقنعت بثوبي رجعت إلى منزلي... الخبر (1). شكواه عليه السلام من تكاهل أصحابه وتواكلهم 28 - قال ابن أبي الحديد: (قال إبراهيم: وقدم علج (2) من أهل الأنبار على علي عليه السلام فأخبره الخبر، فصعد المنبر فخطب الناس وقال: (إن أخاكم البكري قد اصيب بالأنبار (3) وهو معتز لا يخاف ما كان، واختار ما عند الله على الدنيا، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم، فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا). ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلم متكلم منهم بكلمة فلم ينبس أحد منهم بكلمة، فلما رأى صمتهم نزل وخرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا: ارجع يا أمير المؤمنين، ونحن نكفيك، فقال: ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم، فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله وهو واجم كئيب. ودعا سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النخيلة في ثمانية الاف، وذلك أنه اخبر أن القوم جاؤوا في جمع كثيف، فخرج سعيد بن قيس على شاطئ الفرات في طلب سفيان بن عوف حتى إذا بلغ عانات سرح أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني فأتبع اثارهم حتى دخل أداني أرض قنسرين وقد فاتوه وانصرف. قال: ولبث علي عليه السلام ترى فيه الكابة والحزن حتى قدم عليه سعيد ابن قيس، وكان تلك الأيام عليلا فلم يقو على القيام في الناس بما يريده من القول، فجلس بباب السدة


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 9: ص 16. (2) - العلج: الرجل الضخم القوى من كفار العجم أو مطلقا. (3) - وهو حين أغار على أهله أخو غامد سفيان بن عوف.

[732]

التي تصل إلى المسجد ومعه ابناه حسن وحسين عليهما السلام وعبد الله بن جعفر (1). 29 - وقال عليه السلام: (ولقد أصحبت الامم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي... أيها القوم الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم امراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، لوددت - والله - أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم (2). 30 - وقال عليه السلام: (... ولكن بمن وإلى من ؟ اريد أن اداوي بكم وأنتم دائي، كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها معها. اللهم قد ملت أطباء هذا الداء الدوي، وكلت النزعة بأشطان الركي (3). 31 - وقال عليه السلام: (يا أشباه الرجال ولارجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة - والله - جرت ندما وأعقبت سدما، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لاعلم له بالحرب، لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني ؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذاقد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (4).


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 88. (2) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 95. (3) - الضلع - بفتح الضاد وتسكين اللام: الميل. وأصل المثل: (لا تنقش الشوكة بالشوكة فان ضلعها معها) يضرب للرجل يخاصم آخر ويستعين عليه بمن هو من قرابته أو أهل مشربه. ونقش الشوكة: اخراجها من العضو تدخل فيه. وكلت: ضعفت. والنزعة: جمع نازع. والاشطان: جمع شطن وهو الحبل. و الركى: جمع ركية، وهى البئر. والخبر في النهج (خ 119). وفي (اختصاص) المفيد، (ص 156). (4) - السيد الرضي: نهج البلاغة، خ 27. والحلم: الاناة والعقل، أي لكم حلوم الاطفال. والسدم

[733]

32 - وقال عليه السلام: (انبئت بسرا قد اطلع اليمن، وإنى - والله - لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق. وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم و خيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته. اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بى شرا مني، اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء (1). 33 - وقال عليه السلام في كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن عباس بعد قتل محمد بن أبي بكر: (أما بعد فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبي بكر -، قد استشهد، فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا، وعاملا كادحا، وسيفا قاطعا، وركنا دافعا، وقد كنت حثثت الناس على لحاقه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا، فمنهم الآتي كارها، ومنهم المعتل كاذبا، ومنهم القاعد خاذلا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا، فوالله لولا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة، و توطيني نفسي على المنية لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا، ولا التقي بهم أبدا (2). 34 - وقال عليه السلام في كتاب له إلى معاوية جوابا عنه: (وقلت: إنى كنت اقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى ابايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها ولكني أطلقت لك


- محركة - الندم والحزن مع أسف أو غيظ. والنغبة: الجرعة. التهمام - بفتح التاء - الاغتمام. والنفس أيضا: الجرعة. لله أبوهم: دعاء لهم بالخير. وذرفت: أي زدت (1) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 25. و (سيدالوان منكم) أي تكون لهم الدولة دونكم. (2) - السيد الرضي: نهج البلاغة، ر 35.

[734]

منها بقدر ما سنح من ذكرها (1). 35 - عن سليم بن قيس: (فألقوا في عنقه (علي) حبلا، وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت - إلى أن قال: - فماتت حين ماتت، وإن في عضدها كمثل المدملج، ثم انطلق بعلي عليه السلام يعتل عتلا (2). 36 - وقال عليه السلام: (غدا ترون أيامي، ويكشف لكم عن سرائري، وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي (3). 37 - روى الكليني، عنه عليه السلام في خطبة: (ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من بيته و خاصته وشيعته فقال: قد عملت الولاة قبلى أعمالا خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (4) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته، ولو حملت الناس على تركها و حولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لتفرق عني جندي، حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلى وفرض إما متى من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام، ورددت صاع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم


(1) - السيد الرضي: نهج البلاغة، ر 28. والخشاش - كتاب -: ما يدخل في عظم ألف البعير من خشب لينقاد. والغضاضة: النقض. وسنح: أي ظهر. (2) - كتاب سليم بن قيس، ص 84، ط بيروت. وعتله: جذبه وجره عنيفا. (3) - السيد الرضي (المجمع): نهج البلاغة، خ 147. (4) - أعمالهم التى خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كثيرة جدا: ذكر طائفة منها غير واحد من علمائنا الامامية رحمه الله فراجع (شرح التجريد) لنصير الدين الطوسى رحمه الله، و (الشافي) للشريف المرتضى، و (دلائل الصدق) للعلامة المظفر، و (عبقات الانوار) للمير حامد حسين، و (الغدير) للعلامة الاميني، و (معالم المدرستين) للعلامة العسكري، وأجودها جمعا وتحريرا كتاب (النص والاجتهاد) للسيد شرف الدين العاملي رحمه الله.

[735]

كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد، ورددت قضايا من الجور قضي بها، ونزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأحكام، وسبيت ذراري بني تغلب، ورددت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا، وأعطيت كما كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الأغنياء، وألقيت المساحة، وسويت بين المناكح، و أنفذت خمس الرسول صلى الله عليه واله وسلم كما أنزل الله عز وجل وفرضه، ورددت مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى ماكان عليه، وسددت ما فتح فيه من الأبواب، وفتحت ما سد منه، وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجت من ادخل مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في مسجده ممن كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أخرجه، وأدخلت من اخرج بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ممن كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أدخله، وحملت الناس على حكم القرآن، وعلى الطلاق على السنة، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم، ورددت سبايا فارس وسائر الامم. إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله وسلم، إذا لتفرقوا عني. والله، لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، و أعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الأسلام ! غيرت سنة عمر ! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا. و لقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت من هذه الامة من الفرقة و طاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار، وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عز وجل: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى

[736]

الجمعان (1)، فنحن والله عنى بذي القربى الذي قرننا الله بنفسه وبرسوله صلى الله عليه واله وسلم، فقال تعالى: (فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (فينا خاصة) كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله (في ظلم آل محمد) إن الله شديد العقاب (2) لمن ظلمهم رحمة منه لنا وغنى أغنانا الله به، ووصى به نبيه صلى الله عليه واله وسلم، ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس، فكذبوا الله وكذبوا رسوله، وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا، و منعونا فرضا فرضه الله لنا، ما لقي أهل بيت نبي من امته ما لقينا بعد نبينا صلى الله عليه واله وسلم، والله المستعان على من ظلمنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (3). أقول: ونتعرض في شرح الخطبة لموردين لهما إلمام بمظلوميته وأهله: و نحيل القراء الكرام لشرح سائر الفقرات إلى كتاب الوافي (الجزء 14: ص 15) و شروح الكافي (قسم الروضة، ح 21). قوله عليه السلام: (ورددت فدك إلى ورثة فاطمة)، قال الياقوت: (فدك - بالتحريك و آخره كاف - قال ابن دريد: فدكت القطن تفديكا إذا نفشته. وفدك قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله - صلى الله عليه (وآله) و سلم - في سنة سبع صلحا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلا ثلاث واشتد بهم الحصار راسلوا رسول الله صلى الله عليه (و آله) وسلم يسألونه أن ينزلهم على الجلاء، وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولاركاب فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، و


(1) - الانفال، 8: 41. (2) - الحشر، 59: 7. (3) - الكليني: الروضة من الكافي، صص 59 - 63، القاساني: الوافي، الجزء 13: ص 14.

[737]

فيها عين فوارة ونخيل كثيرة، وهي التي قالت فاطمة - رضي الله عنها -: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نحلنيها، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: اريد لذلك شهودا، ولها قصة... فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة - رضي الله عنها - فكانت في أيديهم في أيام عمربن عبد العزيز، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، فلم تزل في أيدي بني امية حتى ولي أبو العباس السفاح الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، فكان هو القيم عليها يفرقها في بني علي بن أبي طالب، فلما ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، فلما ولي المهدى بن المنصور الخلافة أعادها عليهم، ثم قبضها موسى الهادي ومن بعده إلى أيام المأمون فجاءه رسول بني علي بن أبي طالب فطالب بها فأمر أن يسجل لهم بها، فكتب السجل وقرء على المأمون، فقام دعبل الشاعر وأنشد: أصبح وجه الزمان قد ضحكا * برد مأمون هاشما فدكا (1) وقال الاستاذ عبد الفتاح عبد المقصود، الكاتب الشهير المصري، مؤلف الموسوعة العلوية (الأمام علي بن أبي طالب) في تقديمه للكتاب القيم (فدك) للعلامة السيد محمد حسين الموسوي القزويني الحائري (ص 6:) ذلك أن أرض فدك - نحلة كانت أو ميراثا - هي حق خالص لفاطمة، لا يمكن المماراة فيه). وقال السيوطي: (عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: لما نزلت هذه الاية: (وآت ذالقربى حقه) (2) دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاطمة فأعطاها فدك). وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما نزلت (وآت ذالقربى


(1) - الحموي: معجم البلدان، ج 4، ص 238. (2) - الاسراء، 17: 25.

[738]

حقه) أقطع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاطمة فدكا (1). وقال البلاذري: (عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي: إن بنى امية اصطفوا فدك وغيروا سنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيها، فلما ولي عمربن عبد العزيز - رضي الله عنه - ردها إلى ما كانت عليه (2). وقوله عليه السلام: (فأعطيت من ذلك سهم ذي القربى) قال الحافظ الهيثمي: (إن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غير أنه لم يعطي قربى، رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يعطيهم (3). وقال الطبري: (عن ابن عباس، قال: جعل سهم الله وسهم الرسول واحدا ولذي القربى، فجعل هذان السهمان في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى و المساكين وابن السبيل لا يعطى غيرهم (4). وعن قتادة (إنه سئل عن سهم ذى القربى فقال: كان طعمة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله صدقة على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (5). وقال الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام (المتوفى 224): (حدثنا حجاج عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أن يزيد بن هرمز حدثه أن نجدة كتب إلى ابن عباس يساله عن سهم ذي القربى، فكتب إليه: انه لنا، وقد دعانا عمر لينكح أيامانا، ويخدم منه عائلنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله، وأبى ذلك علينا، قال ابن هرمز: أنا كتبت ذلك الكتاب من ابن عباس إلى نجدة (6).


(1) - السيوطي: الدر المنثور، ج 4: ص 177. (2) - البلاذري: فتوح البلدان، ص 44. (3) - الهيثمي: مجمع الزوائد، ج 5، ص 241. (4) - الطبري: جامع البيان، ج 10: صص 7 و 6. (5) - الطبري: جامع البيان، ج 10: صص 7 و 6. (6) - الاموال، ص 466.

[739]

وقال - أيضا: (إن عمر بن الخطاب قال: جاءني خمس العراق، لا أدع هاشميا إلا زوجته، ولا من لا جارية له إلا أخدمته. قال: وكان يعطي الحسن و الحسين عليهما السلام (1). وقال ابن أبي الحديد: (واعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين في الميراث والنحلة، وقد وجدت في الحديث أنها نازعت في أمر ثالث، ومنعها أبو بكر إياه أيضا وهو سهم ذوي القربى.... إن فاطمة عليها السلام أتت أبا بكر فقالت: لقد علمت الذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى، ثم قرأت عليه قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى - الاية) (2)، فقال لها أبو بكر: بأبى أنت وامي ووالد ولدك السمع والطاعة لكتاب الله ولحق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وحق قرابته، وأنا أقرء من كتاب الله الذي تقرئين منه ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلم إليكم كاملا، قالت: أفيك هو ولأقربائك ؟ قال: لا، بل انفق عليكم منه وأصرف الباقي في مصالح المسلمين...). وقال أيضا: عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر على فدك وسهم ذوي القربى، فأبى عليها وجعلهما في مال الله تعالى). و - أيضا - عن جويبر، عن أبي الضحاك، عن الحسن بن محمد بن على بن أبي طالب عليه السلام: إن أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى، وجعله في سبيل الله في السلاح والكراع (3). وقال البخاري: (عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة عليها السلام بنت


(1) - الاموال، ص 466. (2) - الانفال، 8: 41. (3) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 16: صص 230 و 231. والكراع: من ذوات الحافر والابل.

[740]

النبي صلى الله عليه واله وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه واله وسلم في هذا المال، وإني والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة عليها السلام منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك (1) فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس - الخبر (2). كونه عليه السلام سيد المظلومين 38 - ذكر ابن أبي الحديد مباحثة له مع استاذه أبي جعفر النقيب، قال: (قلت له مرة: ما سبب حب الناس لعلي بن أبي طالب عليه السلام وعشقهم له وتهالكهم في هواه ؟ ودعني في الجواب من حديث الشجاعة والعلم والفصاحة وغير ذلك من الخصائص التي رزقه الله سبحانه الكثير الطيب منها، فضحك وقال لي: كم تجمع جراميزك علي (3) ! ثم قال: ههنا مقدمة ينبغي أن تعلم وهى: أن أكثر الناس موتورون من الدنيا، أما المستحقون فلاريب في أن أكثرهم محرومون، نحو عالم يرى أنه لاحظ له في الدنيا، ويرى جاهلا غيره مرزوقا وموسعا عليه، وشجاع قد ابتلي في الحرب وانتفع بموضعه ليس له عطاء يكفيه ويقوم بضروراته، ويرى غيره وهو جبان فشل يفرق من ظله مالكا لقطر عظيم من الدنيا وقطعة وافرة من المال و الرزق، وعاقل سديد التدبير صحيح العقل قد قدر عليه رزقه وهو يرى غيره


(1) - وجد عليه: غضب. (2) - صحيح البخاري، ج 5: ص 177 / باب غزوة خيبر، و - أيضا - ج 4: ص 96 قريبا منه. (3) - جمع جراميزه: إذا تقبض ثم وثب عليه.

[741]

أحمق مائقا تدر عليه الخيرات وتتحلب عليه أخلاف الرزق، وذى دين قويم و عبادة حسنة وإخلاص وتوحيد وهو محروم مضيق الرزق، ويرى غيره يهوديا أو نصرانيا أو زنديقا كثير المال حسن الحال، حتى إن هذه الطبقات المستحقة يحتاجون في أكثر الوقت إلى الطبقات التى لااستحقاق لها وتدعوهم الضرورة إلى الذل لهم والخضوع بين أيديهم إما لدفع ضرر أو لاستجلاب نفع. ودون هذه الطبقات من ذوي الاستحقاق أيضا ما نشاهده عيانا من نجار حاذق، أو بناء عالم، أو نقاش بارع، أو مصور لطيف، على غاية ما يكون من ضيق رزقهم وقعود الوقت بهم وقلة الحيلة لهم، ويرى غيرهم ممن ليس يجري مجراهم ولا يلحق طبقتهم مرزوقا مرغوبا فيه كثير المكسب، طيب العيش واسع الرزق، فهذا حال ذوي الاستحقاق والاستعداد. وأما الذين ليسوا من أهل الفضائل كحشو العامة فإنهم أيضا لا يخلون من الحقد على الدنيا والذم لها والحنق والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم و جيرانهم، ولايرى أحد منهم قانعا بعيشه ولا راضيا بحاله، بل يستزيد ويطلب حالا فوق حاله. قال: فإذا عرفت هذه المقدمة فمعلوم أن عليا عليه السلام كان مستحقا محروما بل هو أمير المستحقين المحرومين وسيدهم وكبيرهم ومعلوم أن الذين ينالهم الضيم و تلحقهم المذلة والهضيمة يتعصب بعضهم لبعض ويكونون إلبا ويدا واحدة على المرزوقين الذين ظفروا بالدنيا ونالوا ماربهم منها لاشتراكهم في الأمر الذي آلمهم وساءهم وعضهم ومضهم، واشتراكهم في الانفة والحمية والغضب و المنافسة لمن علا عليهم وقهرهم وبلغ من الدنيا ما لم يبلغوه. فإذا كان هؤلاء أعني المحرومين متساوين في المنزلة والمرتبة، وتعصب بعضهم لبعض فما ظنك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر، جليل الخطر، كامل الشرف، جامع للفضائل، محتوعلى الخصائص والمناقب، وهو مع ذلك محروم

[742]

محدود، وقد جرعته الدنيا علاقمها، وعلته عللا بعد نهل (1) من صابها وصبرها، ولقي منها برحا بارحا وجهدا جهيدا، وعلا عليه من هو دونه، وحكم فيه وفي بنيه وأهله ورهطه من لم يكن ما ناله من الأمرة والسلطان في حسابه، ولا دائرا في خلده ولا خاطرا بباله، ولاكان أحد من الناس يرتقب ذلك له ولا يراه له، ثم كان في آخر الأمر أن قتل هذا الرجل الجليل في محرابه، وقتل بنوه بعده، وسبي حريمه ونساؤه وتتبع أهله وبنو عمه بالقتل والطرد والتشريد والسجون مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وسخائهم وانتفاع الخلق بهم ؟ فهل يمكن ألا يتعصب البشر كلهم مع هذا الشخص ؟ وهل تستطيع القلوب ألا تحبه وتهواه وتذوب فيه وتفنى في عشقه انتصارا له وحمية من أجله وأنفة مما ناله، وامتعاضا مما جرى عليه (2) ؟ وهذا أمر مركوز في الطباع ومخلوق في الغرائز كما يشاهد الناس على الجرف إنسانا قد وقع في الماء العميق وهو لا يحسن السباحة، فإنهم بالطبع البشرى يرقون عليه رقة شديدة، وقد يلقي قوم منهم أنفسهم في الماء نحوه يطلبون تخليصه لا يتوقعون على ذلك مجازاة منه بمال أو شكر ولا ثوابا في الاخرة، فقد يكون منهم من لا يعتقد أمر الاخرة ولكنها رقة بشرية، وكأن الواحد منهم يتخيل في نفسه أنه ذلك الغريق، فكما يطلب خلاص نفسه لو كان هذا الغريق كذلك يطلب تخليص من هو في تلك الحال الصعبة للمشاركة الجنسية. وكذلك لو أن ملكا ظلم أهل بلد من بلاده ظلما عنيفا لكان أهل ذلك البلد يتعصب بعضهم لبعض في الانتصار من ذلك الملك والاستعداء عليه، فلو كان من جملتهم رجل عظيم القدر جليل الشأن قد ظلمه الملك أكثر من ظلمه إياهم، و


(1) - النهل: الشرب الاول للابل، والعلل الثانية منه. (2) - معض من الامر: غضب وشق عليه.

[743]

أخذ أمواله وضياعه، وقتل أولاده وأهله، كان لياذهم به وانضواؤهم إليه و اجتماعهم والتفافهم به أعظم وأعظم، لأن الطبيعة البشرية تدعو إلى ذلك على سبيل الأيجاب الاضطراري، ولا يستطيع الأنسان منه امتناعا (1). 39 - ونقل - أيضا - عن استاذه أبي جعفر النقيب بعد كلام طويل له: (وأما علي عليه السلام فقتل بالكوفة بعد أن شرب نقيع الحنظل وتمنى الموت، ولو تأخر قتل ابن ملجم له لمات أسفا وكمدا، ثم قتل ابناه بالسم والسيف، وقتل بنوه الباقون مع أخيهم بالطف، وحملت نساؤهم على الأقتاب سبايا إلى الشام، ولقيت ذريتهم وأخلافهم بعد ذلك من القتل والصلب والتشريد في البلاد والهوان و الحبس والضرب ما لا يحيط الوصف بكنهه - الخ (2). 40 - ونقل عنه - أيضا - قال: (واعلم أن كل دم أراقه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بسيف علي عليه السلام وبسيف غيره فإن العرب بعد وفاته عليه السلام عصبت تلك الدماء بعلي بن أبي طالب عليه السلام وحده، لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم و عادتهم أن يعصب به تلك الدماء إلا بعلي وحده، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته طالبت بها أمثل الناس من أهله.... فقلت له: إنى لأعجب من علي عليه السلام كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. وكيف ما اغتيل وفتك في جوف منزله مع تلظي الأكباد عليه ؟ فقال: لولا أنه أرغم أنفه بالتراب ووضع خده في حضيض الأرض لقتل، ولكنه أخمل نفسه، واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي الأول، وذلك الشعار ونسي السيف، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحا في


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 10: ص 223. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 7: ص 175.

[744]

الارض أو راهبا في الجبال.... تركوه وسكتوا عنه، ولم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولي الأمر و باطن في السر منه، فلما لم يكن لولاة الأمر باعث وداع إلى قتله وقع الأمساك عنه، ولولا ذلك لقتل، ثم اجل بعد معقل حصين، فقلت له: أحق ما يقال في حديث خالد ؟ فقال: إن قوما من العلوية يذكرون ذلك، ثم قال: وقد روي أن رجلا جاء إلى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم نحو الكلام والفعل الكثير أو الحدث، فقال: إنه جائز قد قال أبو بكر في تشهده ما قال - الخ (1). 41 - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لما اسري بالنبي صلى الله عليه واله وسلم إلى السماء قيل له: إن الله تبارك وتعالى يختبرك في ثلاث لينظر كيف صبرك، قال: أسلم لأمرك يا رب، و لا قوة لي على الصبر إلا بك، فماهن ؟ قيل له: أولهن الجوع والأثرة على نفسك و على أهلك لأهل الحاجة، قال: قبلت يا رب ورضيت وسلمت ومنك التوفيق و الصبر. وأما الثانية فالتكذيب والخوف الشديد وبذلك مهجتك في محاربة أهل الكفر بمالك ونفسك، والصبر على ما يصيبك منهم من الأذى ومن أهل النفاق، و الألم في الحرب والجراح، قال: قبلت يا رب ورضيت وسلمت ومنك التوفيق و الصبر. وأما الثالثة فما يلقى أهل بيتك من بعدك من القتل، أما أخوك علي فيلقى من امتك الشتم والتعنيف والتوبيخ والحرمان والجحد والظلم وآخر ذلك القتل، فقال: يا رب قبلت ورضيت ومنك التوفيق والصبر، وأما ابنتك فتظلم وتحرم و يؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها، وتضرب وهي حامل، ويدخل عليها وعلى


(1) - ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 13، ص 300.

[745]

حريمها ومنزلها بغير إذن، ثم يمسها هوان وذل ثم لاتجد مانعا وتطرح ما في بطنها من الضرب (1) قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، قبلت يا رب وسلمت ومنك التوفيق والصبر، ويكون لها من أخيك ابنان يقتل أحدهما غدرا، ويسلب و يطعن، تفعل به ذلك امتك، قلت: يا رب قبلت وسلمت، أنا لله وإنا إليه راجعون - الحديث (2). 42 - (دخلت ام سلمة على فاطمة عليها السلام فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قالت: أصبحت بين كمد وكرب: فقد النبي، وظلم الوصي،


(1) - قال ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) (ج 1: ص 268) في ترجمة أحمد بن محمد السرى بن يحيى بن أبي دارم المحدث الكوفي: (قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفى الحافظ بعد أن أرخ موته: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: أن فلانا رفس (الرفس: الصدمة بالرجل في الصدر) فاطمة حتى أسقطت بمحسن...). وقال ابن أبي الحديد في شرحه (ج 14: ص 193): (فقال (النقيب أبو جعفر): إذا كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أباح دم هبار بن الأسود لأنه روع زينب فألقت ذابطنها، فظهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذابطنها). وقال الشهرستاني في (الملل والنحل) (ج 1: ص 57): (قال إبراهيم بن يسار ابن هانئ النظام: إن فلانا ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي و فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام). وفي (أنساب الأشراف) لأحمد بن يحيى البلاذري (المتوفى 279) (ج 1: ص 586): (إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاءه... ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة: يا ابن.... أتراك محرقا علي بابي ؟ قال: نعم، ذلك أقوى فيما جاء به أبوك). وفي (العقد الفريد) لأحمد بن محمد بن عبدربه الأندلسي (ج 5: ص 13): (الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر رجلا - سماه - ليخرجوا من بيت فاطمة، فقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فقالت: يا ابن.... أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم). وفي (الأمامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوري (المتوفي 276) (ج 1: ص 12): (فدعا بالحطب وقال: والذي نفسي بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا... أن فيها فاطمة ! قال: وإن). (2) - ابن قولويه: كامل الزيارات، ب 108: ص 332.

[746]

هتك - والله - حجابه من أصبحت إمامته مقبضة (مقتضبة) على غير ما شرع الله في التنزيل، وسنها النبي صلى الله عليه واله وسلم في التأويل، ولكنها أحقاد بدريه، وترات احدية كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة... (1). 5 - بعد شهادته عليه السلام ومن أعظم مصائبه عليه السلام وأشد مظلوميته أنه صارت المنابر في الشرق والغرب طيلة أربعين سنة بل أكثر محلا لشتمه، وموقفا للعنه و سبه ومعرضا للوقيعة فيه و إهانته. 43 - قال الحموي في معجمه في كلمة (سجستان): (لعن علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) على منابر الشرق والغرب، ولم يلعن على منبرها إلامرة، وامتنعوا على بني امية حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد - إلى أن قال: - و أي شرف أعظم من امتناعهم (2) من لعن أخي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على منبرهم وهو يلعن منابر الحرمين مكة والمدينة ولنعم ما أجاد الخفاجي: أعلى المنابر تعلنون بسبه وبسيفه نصبت لكم أعوادها (3) 44 - قال العلامة الأميني رحمه الله: (وقد صارت (اللعن والسب) سنة جارية، ودعمت في أيام الامويين سبعون ألف منبر يلعن فيها أمير المؤمنين واتخذوا ذلك كعقيدة راسخة أو فريضة ثابتة أو سنة متبعة يرغب فيها بكل شوق (4).


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 43: ص 156. والوتر: الانتقام، وجمعه: أوتار، و (ترات) جمعه على غير قياس. ويمكن أن يكون جمع الوتر بمعنى الفرد، لكون ضرباته عليه السلام وترأ لا احتاجت الاولى منها الى ثانية. (2) - الحموي: معجم البلدان، ج 3: ص 191. (3) - القمي: الكنى والالقاب، ج 2: ص 217. (4) - الاميني: الغدير، ج 10: ص 266.

[747]

45 - قال ابن أبي الحديد: (إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لمعاوية: لتتخذن يا معاوية، البدعة سنة، والقبيح حسنا، أكلك كثير، وظلمك عظيم (1). 46 - وقال عليه السلام: (أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب مالايجد فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا إنه سيأمركم بسبي و البراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرؤوا مني فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الأيمان والهجرة (2). 47 - قال ابن أبي الحديد: (إن معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسب على عليه السلام والبراءة منه، وخطب بذلك عى منابر الاسلام، وصار ذلك سنة في أيام بني امية إلى أن قام عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - فأزاله. ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ: إن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: (اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك، وصد عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما)، وكتب بذلك إلى الافاق، فكانت هذه الكلمات يشاربها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز. وذكر أبو عثمان - أيضا: أن هشام بن عبد الملك لما حج خطب بالموسم فقام إليه إنسان فقال: يا أمير المؤمنين ! إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب، فقال: اكفف فما لهذا جئنا. وذكر المبرد في الكامل: أن خالد بن عبد الله القسري لما كان أمير العراق في خلافة هشام كان يلعن عليا عليه السلام على المنبر فيقول: (اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على ابنته وأبا الحسن والحسين، ثم يقبل على الناس فيقول هل كنيت ؟


(1) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 79. (2) - السيد الرضي: نهج البلاغة، خ 57. ومندحق البطن: بارزها. ورحب اللعوم: واسعه.

[748]

وروى أبو عثمان - أيضا: إن قوما من بني امية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن هذا الرجل ! فقال: لا والله، حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا... وروى أهل السيرة أن الوليدبن عبد الملك في خلافته ذكر عليا عليه السلام فقال: (لعنه الله (بالجر) كان لص ابن لص)، فعجب الناس من لحنه فيما لا يلحن فيه أحد ومن نسبته عليا عليه السلام إلى اللصوصية وقالوا: ما ندري أيهما أعجب ؟ ! وكان الوليد لحانا. وأمر المغيرة بن شعبة - وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية - حجر ابن عدي أن يقوم في الناس فيلعن عليا عليه السلام، فأبى ذلك، فتوعده، فقام فقال: أيها الناس إن أميركم أمرني أن ألعن عليا، فالعنوه. فقال أهل الكوفة: لعنه الله، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد.... وكان الحجاج - لعنه الله - يلعن عليا عليه السلام ويأمر بلعنه، وقال له متعرض به يوما و هو راكب: أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا فغير اسمي وصلني بما اتبلغ به فإني فقير، فقال للطيف ما توصلت به قد سميتك كذا ووليتك العمل الفلاني فاشخص إليه. وروى ابن الكلبي عن أبيه، عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قال الحجاج يوما لعبدالله بن هانئ - وهو رجل من بني أود - حي من قحطان -، وكان شريفا في قومه قد شهد مع الحجاج مشاهده كلها وكان من أنصاره وشيعته -: والله، ما كافأتك بعد، ثم أرسل إلى أسماء بن خارجة سيد بني فزارة أن زوج عبد الله بن هانئ بابنتك، فقال: لا، والله، ولا كرامة، فدعا بالسياط، فلما رأى الشر قال: نعم ازوجه، ثم بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليامية زوج بنتك من عبد الله بن أود، فقال: ومن أود ؟ لا والله لا ازوجه ولا كرامة، فقال: على بالسيف، فقال: دعني اشاور أهلى، فشاورهم فقالوا: زوجه ولاتعرض نفسك لهذا الفاسق، فزوجه. فقال الحجاج لعبدالله: قد زوجتك بنت سيد فزارة وبنت سيد همدان وعظيم

[749]

كهلان وما أود هناك، فقال: لا تقل - اصلح الله الأمير - ذاك، فإن لنا مناقب ليست لاحد من العرب، قال: وما هي ؟ ما سب أمير المؤمنين عبد الملك في ناد لنا قط. قال: منقبة والله، قال: وشهد منا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلا، ما شهد منا مع أبي تراب إلا رجل واحد وكان والله ما علمته امرء سوء، قال: منقبة والله، قال: ومنا نسوة نذرن إن قتل الحسين بن علي أن تنحركل واحدة عشر قلائص، ففعلن، قال: منقبة والله، قال: وما منا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلا فعل وزاد ابنيه حسنا وحسينا وامهما فاطمة، قال: منقبة والله (1). 48 - قال العلامة الكراجكي: (في أرض الشام بنو سراويل، وبنو السرج، وبنو سنان، وبنو الملحي، وبنو المكبري، وبنو الطشتي، وبنو القضيبي، وبنو الدرجا. و أما بنو السراويل فأولاد الذي سلب سرابيل الحسين عليه السلام، وأما بنو السرج فأولاد الذين أسرجت خيله لدوس جسد الحسين عليه السلام. ووصل بعض هذه الخيل إلى مصر فقلعت نعالها من حوافرها وسمرت على أبواب الدور ليتبرك بها، وجرت بذلك السنة عندهم حتى صاروا يتعمدون عمل نظيرها على أبواب دور أكثرهم، وأما بنو سنان فأولاد الذي حمل الرمح الذي على سنانه رأس الحسين عليه السلام، واما بنو المكبري فأولاد الذي كان يكبر خلف رأس الحسين عليه السلام، وفي ذلك يقول الشاعر: ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا وأما بنو الطشتي فأولاد الذي حمل الطشت الذي ترك فيه رأس الحسين عليه السلام و هو بدمشق مع بني الملحي، وأما بنو القضيبي فأولاد الذي أحضر القضيب إلى يزيد - لعنه الله - لنكت ثنايا الحسين عليه السلام، وأما بنو الدرجا فأولاد الذي ترك الرأس في


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 4: ص 56 - 61.

[750]

درج جيرون (1). 49 - قال المحدث القمي رحمه الله: (عن أبي جعفر عليه السلام قال: جددت أربعة مساجد بالكوفة فرحا لقتل الحسين عليه السلام: مسجد الأشعث، ومسجد جرير، ومسجد سماك، ومسجد شبث بن ربعي - لعنهم الله - (2). 50 - قال العارف الصمداني، المولى عبد الصمد الهمداني رحمه الله: (لما آل نوبة الأمارة إلى عمر بن عبد العزيز تفكر في معاوية وأولاده ولعنه عليا عليه السلام وقتل أولاده من غير استحقاق، فلما أصبح أحضر الوزراء فقال: رأيت البارحة أن هلاك ال أبي سفيان بمخالفتهم العترة، وخاطر ببالي أن أرفع لعنهم، وقال وزراؤه: الرأي رأي الأمير، فلما صعد المنبر يوم الجمعة قام إليه ذمي متمول، واستنكح منه بنته، قال عمر: إنك عندنا كافر، لا تحل بناتنا للكافر، فقال الذمي: فلم زوج نبيكم بنته فاطمة من الكفر علي بن أبي طالب ؟ فصاح عليه عمر فقال: من يقول إن عليا كافر ؟ فقال الذمي: إن لم يكن علي كافرا فلم تلعنونه ؟ فتخجل عمر ونزل، وكتب إلى قاضي بلاد الأسلام: إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رفع لعن علي عليه السلام لأن ذلك كان بدعة وضلالة وأمر القواد خمسمائة من شجعان حتى لبسوا السلاح تحت ثيابهم في جمعة اخرى وصعد المنبر، وكان عادتهم لعنه عليه السلام آخر الخطبة، فلما خرج من الخطبة قال: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى (حقه) وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون (1) مقام اللعن ونزل، وصاح القوم من جوانب المسجد: كفر أمير المؤمنين، وحملوا عليه ليقتلوه، فنادى القواد فصاح بهم حتى أظهروا الأسلحة وخلصوه من أيديهم والتجا بإغاثة القواد إلى قصره، فصارت قراءة هذه الاية سنة في آخر الخطبة، وتفرق الناس قائلين:


(1) - الكواجكي: كنز الفوائد، ص 350. (2) - القمي: سفينة البحار، ج 1: ص 602، (سجد). (3) - النحل، 16: 90.

[751]

غيرت السنة، وابدلت السنة) - الخ (1). 51 - قال الرضي أبو الحسن - رحمه الله -: يا ابن عبد العزيز لو بكت العين * فتى من امية لبكيتك غير أنى أقول إنك قد طبت * وإن لم يطب ولم يزك بيتك أنت نزهتنا عن السب والقذ * ف فلو أمكن الجزاء جزيتك ولو أنى رأيت قبرك لاستح‍ * - ييت من أن أرى وما حييتك وعجيب أنى قليت بنى مرو ان طرا وأنني ماقليتك دير سمعان لا أغبك غيث خير ميت من آل مروان ميتك (2) 52 - قال المسعودي: (ذكر بعض الأخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب (هذا) الذي يلعنه الأمام على المنبر ؟ قال: أراه لصا من لصوص الفتن (3). 53 - قال نصربن مزاحم: (خرج عليهم (أي على أصحاب علي عليه السلام) فتى شاب يقول: أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين غسان أنبأنا أقوامنا بما كان * أن عليا قتل ابن عفان ثم شد، فلا ينثني يضرب بسيفه، ثم (جعل) يلعن (عليا ويشتمه ويسهب في ذمه، فقال له هاشم بن عتبة: إن هذا اكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب، فاتق الله فإنك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به،


(1) - الهمداني: بحر المعارف، ص 137. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 47 ص 60. ودير سمعان - بكسر السين وفتحها - دير بنواحي دمشق عنده قبر عمر بن عبد العزيز. (3) - المسعودي: مروج الذهب، ج 3: ص 42.

[752]

قال: فإني اقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي، وأنكم لا تصلون، و اقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم وازرتموه على قتله (1). 54 - قال ابن أبي الحديد: (لما استوثق الأمر لأبي العباس السفاح وفد إليه عشرة من امراء الشام فحلفوا له بالله وبطلاق نسائهم وبأيمان البيعة بأنهم لا يعلمون - إلى أن قتل مروان - أن لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم أهلا ولاقرابة إلا بني امية). وروى أبو الحسن المدائني قال: حدثنى رجل قال: كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحدا يسمي أحدا أو يناديه يا علي أو يا حسن أو يا حسين، وإنما أسمع معاوية والوليد ويزيد، حتى مررت برجل فاستقيته ماء فجعل ينادي: يا علي يا حسن يا حسين، فقلت: يا هذا إن أهل الشام لا يسمون بهذه الأسماء ! قال: صدقت، إنهم يسمون ابنائهم بأسماء الخلفاء، فإذا لعن أحدهم ولده أو شتمه فقد لعن اسم بعض الخلفاء، وأنا سميت أولادي بأسماء أعداء الله، فإذا شتمت أحدهم أو لعنته فإنما ألعن أعداء الله (2). 55 - وقال - أيضا: (فأما عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - فإنه قال: كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود، فمربي يوما وأنا ألعب مع الصبيان ونحن نلعن عليا، فكره ذلك ودخل المسجد، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي، فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة شبه المعرض عني، حتى أحسست منه بذلك، فلما انتقل من صلاته كلح في وجهي، فقلت له: ما بال الشيخ ؟ فقال لي: يا بنى ! أنت اللاعن عليا منذ اليوم ؟ قلت: نعم، قال: فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ؟ فقلت: يا أبت وهل كان علي من أهل بدر ؟ فقال: ويحك وهل كانت بدر كلها إلاله ؟ فقلت: لاأعود، فقال: الله إنك


(1) - نصر بن مزاحم: وقعة الصفين، ص 354. (2) - ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 7: ص 159.

[753]

لا تعود ؟ قلت: نعم، فلم ألعنه بعدها. ثم قال عمر: كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة وهو حينذ أمير المدينة، فكنت أسمع أبي يمر في خطبته تهدر شقاشقه حتى يأتي إلى لعن علي عليه السلام فيجمجم ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به، فكنت أعجب من ذلك، فقلت له يوما: يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عييا ؟ فقال: يا بني إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد ! فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري، فأعطيت الله عهدا لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لاغيرنه، فلما من الله على بالخلافة أسقطت ذلك وجعلت مكانه (إن الله يأمر بالعدل والأحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، وكتبت به إلى الافاق فصار سنة (1). 56 - قال في (تجارب السلف) ما هذا معربه: (وحلف سبعون نفرا من مشايخ دمشق بالطلاق والعتاق والحج أنا لا نعرف نبيا غير يزيد، ثم اعتذروا عن زين العابدين عليه السلام وتضرعوا، فعفا عليه السلام عنهم جميعا (2). 57 - قال الشيخ المفيد،: (لما بلغ عائشة نزول أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار كتبت إلى حفصة بنت عمر: (أما بعد فلما نزلنا البصرة ونزل علي بذي قار، والله داق عنقه كدق البيضة على الصفا، إنه بمنزلة الأشقر إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر). فلما وصل الكتاب إلى حفصة استبشرت بذلك ودعت صبيان بني تيم و عدي، وأعطت جواريها دفوفا وأمرتهن أن يضربن بالدفوف ويقلن: (ما الخبر ؟


(1) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 4: ص 58. (2) - تجارب السلف، ص 69.

[754]

ما الخبر ؟ علي كالأشقر بذي قار، إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر). فلبغ ام سلمة - رضي الله عنها - اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه من سب أمير المؤمنين والمسرة بالكتاب الوارد عليهن من عائشة، فبكت وقالت: أعطوني ثيابي حتى أخرج إليهن واوقع بهم، فقالت ام كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أنوب عنك فإنني أعرف منك، فلبست ثيابها وتنكرت وتخفرت واستصحبت جواريها متخفرات وجاءت حتى دخلت عليهن كأنها من النظارة، فلما رأت إلى ماهن فيه من العبث والسفه كشفت نقابها وأبرزت لهن وجهها ثم قالت لحفصة: إن تظاهرت أنت واختك على أمير المؤمنين عليه السلام فقد تظاهر تما على أخيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من قبل فأنزل الله عز وجل فيكما ما أنزل، والله من وراء حربكما. وأظهرت حفصة خجلا وقالت: إنهن فعلن هذا بجهل، وفرقتهن في الحال (1). أقول: وكفى في مظلوميته عليه السلام وصيته بإخفاء قبره عن المسلمين حذرا من أن يهتك الخوارج - عليهم لعائن الله - حرمته مع كونه عليه السلام أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وأولهم وأقدمهم إيمانا، ولا يزال مخفيا إلى زمان هارون العباسي، والقصة مشهورة. 59 - ولنختم هذا الفضل بنقل خبر يكشف عن آثار الذب عن حريمهم عليهما السلام و نصرتهم في مظلوميتهم. قال العلامة المجلسي رحمه الله: (عن أبي الحسن داود البكري قال: سمعت علي بن دعبل بن علي الخزاعي يقول: (لما حضر أبي الوفاة تغير لونه، وانعقد لسانه، واسود وجهه، فكدت الرجوع عن مذهبه، فرأيته بعد ثلاث في ما يرى النائم وعليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء، فقلت له: يا أبه ما فعل الله بك ؟ فقال: يا بني ! إن الذي رأيته من اسوداد وجهي وانعقاد لساني كان من شربي الخمر


(1) المفيد الجمل ص 149. ونقل هذه القصة مع تفاوت يسير ابن أبي الحديد في شرحه (ج 14: ص 13) والمحدث القمي رحمه الله في (سفينة البحار) (ج 1: ص 285) وأحمد زكي صفوت في (جمهرة الرسائل) (ج 1: ص 377).

[755]

في دار الدنيا، ولم أزل كذلك حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء فقال لي: أنت دعبل ؟ قلت: نعم، يا رسول الله ! قال: فأنشدني قولك في أولادي، فأنشدته قولي: لا أضحك الله سن الدهر إن ضحكت * (يوما) وآل أحمد مظلومون قد قهروا مشردون نفوا عن عقر دارهم * كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر قال: فقال لي: أحسنت، وشفع في، وأعطاني ثيابه، وها هي، وأشار إلى ثياب بدنه (1). الاستدراك مظلوميته بجهالة الناس وحمقهم وعنادهم قال ابن أبي الحديد: وأعجب وأطرف ما جاء به الدهر وإن كانت عجائبه و بدائعه جمة أن يفضي الامر لعلي عليه السلام إلى أن يصير معاوية ندا له ونظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب والجواب (2). إن معاوية لما عزم على مخالفة الامام أمير المؤمنين عليه السلام أراد اختبار أهل الشام فأشار إليه ابن العاص أن يأمرهم بذبح القرع وتذكيته فإن أطاعوه فهو صاحبهم و الا فلا وأمرهم بذلك فأطاعوه وصارت بدعة اموية (3). إن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن القرح يذبح ؟ فقال عليه السلام: القرع ليس يذكى فكلوه ولا تذبحوه ولا يستهوينكم الشيطان. (4). (


(1) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 49: ص 241. (2) القمي: سفينة البحار ج 2: ص 332 / مادة علا. (3) هامش الوسائل ج 17: ص 160. (4) الحر العاملي: وسائل الشيعة ج 17: ص 160.

[756]

عن ابن إسحاق الا رجائي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أتدري لم امرتم بالاخذ بخلاف ما يقوله العامة ؟ فقلت: لا أدري فقال: إن عليا - صلوات الله عليه - لم يكن يدين الله بشئ إلا خالف عليه العامة إرادة الابطال أمره وكانوا يسألونه - صلوات الله عليه - عن الشئ الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم بشئ جعلوا له ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس (1). وحكي عن أبي حنيفة من قوله: خالفت جعفرا في كل ما يقول إلا لا أدري أنه يغمض عينيه في الركوع والسجود أو يفتحهما (2). ولذلك صارت مخالفة العامة من مرجحات الروايات ولذلك قال الشيخ رحمه الله: والثاني من المرجحات كون الرشد في خلافهم كما صرح به في غير واحد من الاخبار المتقدمة ورواية علي بن أسباط قال: قلت للرضا عليه السلام: يحدث الامر لا أجد بدا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك. فقال عليه السلام: ائت فقيه البلد واستفته في أمرك فإذا أفتاك بشئ فخذ بخلافه فإن الحق فيه. وفي مرسلة داود بن حصين (عن الصادق عليه السلام): إن من وافقنا خالف عدونا و من وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منه. ورواية الحسين بن خالد: شيعتنا المسلمون لامرنا الآخذون بقولنا المخالفون لاعدائنا فمن لم يكن كذلك فليس منا فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله صلى الله عليه واله وسلم: خالفوهم ما استطعتم (3) انظر جار الله ! محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي كيف جار على الامام عليه السلام وحاد عن الطريق المستقيم حيث قال في تفسير كشافه في ذيل فإذا فرغت


(1) الشيخ الاعظم الانصاري: الرسائل ؟ باب التعادل والتراجيح ص 805. 2) الشيخ الاعظم الانصاري: الرسائل ؟ باب التعادل والتراجيح ص 807. (3) - المصدر ص 806.

[757]

فانصب * وإلى ربك بارغب * (1): ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة أنه قرأ فانصب بكسر الصاد - أي فانصب عليا للامامة ولو صح هذا للرافضي لصح للناصبي أن يقرأ هكذا ويجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض علي وعداوته (2). وقال العلامة الفيض (ره) جوابا عنه: أقول: نصب الامام والخليفة بعد تبليغ الرسالة أو الفراغ من العبادة أمر معقول بل واجب لئلا يكون الناس بعده في حيرة وضلال فيصح أن يترتب عليه وأما بغض علي عليه السلام وعداوته فما وجه لترتبه على تبليغ الرسالة أو العبادة فما وجه معقوليته ؟ على أن كتب العامة مشحونة بذكر محبة النبي صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام وإظهار فضله للناس مدة حياته وإن حبه إيمان وبغضه كفر انظروا إلى هذا الملقب بجار الله العلامة كيف أعمى الله بصيرته بغشاوة حمية التعصب في مثل هذا المقام بمثل هذا المنكر والزور بلى إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (3). أقول: أيها المتعصب المعاند ! دع المكارم لا ترحل لبغيتها * فاقعد فإنك أنت الطاع الكاسي يعجبني هنا نقل ما قاله العلامة المعتزلي في مبغضي أهل البيت عليهم السلام وناصبيهم في (شرح النهج) في ذيل كلام علي عليه السلام (4). (ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال الميال يأكل خضرتكم ويذيب شحمتكم إيه أبا وذحة (5)). قال: إن المفسرين بعد الرضي رحمه الله قالوا في قصة هذه الخنفساء وجوها... و


(1) - الانشراح 94: 7 و 8. (2) الزمخشري: تفسير الكشاف ج 4: ص 268. (3) العلامة الفيض: تفسير الصافي ذيل الآية. (4) نهج البلاغة الخطبة 115. (5) الوذحة: الخنفساء.

[758]

منها: أن الحجاج كان مثفارا (1) وكان يمسك الخنفساء حية ليشفي بحركتها في الموضع حكاكه. قالوا: ولا يكون صاحب هذا الداء إلا شائنا مبغضا لاهل البيت عليهما السلام. قالوا: ولسنا نقول: كل مبغض فيه هذا الداء وانما قلنا كل من فيه هذا الداء فهو مبغض. قالوا: وقد روى أبو عمر الزاهد ولم يكن من رجال الشيعة في أماليه و أحاديثه عن السياري عن أبي خزيمة الكاتب قال: ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء إلا وجدناه ناصبيا. قال أبو عمر: وأخبرني العطافي عن رجاله قالوا: سئل جعفر بن محمد عليه السلام عن هذا الصنف من الناس فقال: رحم منكوسة يؤتى ولا يأتي وما كانت هذه الخصلة في ولي الله تعالى قط ولا تكون أبدا وإنما تكون في الكفار والفساق و الناصب للطاهرين. وكان أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي من القوم وكان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم قالوا: ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر: يا مصفر إسته (2).


(1) - المثفار نعت سوء للرجل. () - ابن أبي الحديد: شرح النهج ج 7: ص 207.

[759]

الفصل 28 الأمام علي عليه السلام عند أصحابه ومواليه إن أصحابه عليه السلام كثيرون، ونحن نذكر هنا - إن شاء الله تعالى - من وفد منهم على معاوية بن أبي سفيان بعد شهادته عليه السلام ذكورا وإناثا لاشتمال أحوالهم وقصصهم على جلالته عليه السلام عندهم وموقعيته لديهم وما وصفوا من سيرته وعدله ثم على وفائهم له عليه السلام. 1 - قال العلامة الشيخ جعفر النقدز رحمه الله: (لما اجتمع الناس إلى معاوية بن أبي سفيان كتب إلى زياد بن سمية وكان عامله بالكوفة: أوفد علي أشراف أصحاب علي بن أبي طالب ولهم الأمان، وليكونوا عشرة نفر، خمسة من أهل الكوفة و خمسة من أهل البصرة، فلما ورد عليه الكتاب بعث إلى حجر ابن عدي، وعدي بن حاتم الطائي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وهانئ بن عروة المرادي، وعامر بن واثلة الكناني - وكان يكنى بأبي الطفيل - ودعاهم تجهزوا إلى أمير المؤمنين فقد جعل لكم الأمان وأحب رؤيتكم. وكتب إلى خليفته بالبصرة أن أوفد إلي الاحنف بن قيس وصعصعة ابن صوحان، وحارثة بن قدامة السعدي، وخالد بن معمر السدوسي، وشريك ابن الأعور. فلما قدموا عليه أشخصهم جميعا إلى معاوية، فلما قدموا على معاوية

[760]

حجبهم يومهم وليلتهم، وبعث إلى رؤساء الشام، فلما جاؤوا وأخذوا مجالسهم قال معاوية لصاحب إذنه: أدخل علي حجر بن عدي. فلما دخل وسلم، قال له معاوية: يا ابن الأدبر القبيح المنظر أنت القاطع منا الأسباب، والملتمس بحربنا الثواب، والمساعد علينا أبا تراب ؟ فقال حجر: صه يا معاوية لاتذكر رجلا كان لله خائفا، ولما يسخطه عائفا، وبما يرضى الله عارفا، خميص الضلوع، طويل الركوع، كثير السجود، ظاهر الخشوع، قليل الهجوع، قائما بالحدود، طاهر السريرة، محمود السيرة، نافذ البصيرة، ملك أمرنا فكان كبعضنا، لم يبطل حقا، ولم يظلم أحدا... ثم بكى حتى نشج، ثم رفع رأسه فقال: أما توبيخك إياي فيما كان من نفسي، فاعلم يا معاوية أني غير معتذر إليك مما فعلت، ولا مكترث مما صنعت، فأعلن بسرك، وأظهر أمرك. فقال معاوية لصاحب إذنه: أخرجه عني وأدخل علي عمرو بن الحمق الخزاعي. فلما دخل عليه قال له معاوية: يا أبا خزاعة فارقت الطاعة، وأشهرت علينا سيفك، وأهديت إلينا حيفك، فأطلت الأعراض، وشتمت الأعراض، و دلاك بغرور جهلك المحذور، فكيف رأيت صنع الله بصاحبك ؟ قال: فبكى عمرو حتى سقط لوجهه، فرفعه الشرطي فقال: يا معاوية بأبي وامي من ذكرت و تنقصت، كان - والله - العالم بحكم الله - المجد في طاعة الله، المحدود في غيظ الله، الزاهد في الفانية، الراعب في الباقية، لا يظهر منكرا، ولا يظهر تجبرا، يعمل بما يرضى الله عنه.... فقد مزقنا فقده، وتمنينا الموت بعده. فقال معاوية لصاحب إذنه: أخرجه عني وأدخل علي عدي بن حاتم الطائي. فلما دخل عليه قال له معاوية: ما أبقى الدهر من ذكر علي بن أبي طالب ؟ فقال عدي: فهل رعي إلا ذكره ؟ قال: وكيف حبك له ؟ فتنفس الصعداء وقال: حبي والله، جديد لا يبيد، وقد تمكن من شغاف الفؤاد إلى يوم المعاد. وقد امتلا من حبه صدري، وفاض في جسدي وفكري فقال الامويون: يا أمير المؤمنين أصبح

[761]

عدي بعد صفين ذليلا، فبكى عدي -، وأنشأ يقول: يجادلني معاوية بن حرب * وليس إلى الذي يبغي سبيل يذكرني أبا الحسن عليا * وخطبي في أبي حسن جليل فكان جوابه مني شديدا * ويكفى مثله مني القليل وقد قال الوليد وقال عمرو: * عدي بعد صفين ذليل فقلت: قد صدقتم هدركني * وفارقني الذين بهم أصول سيخسر من يوادده ابن هند * ويربح من يوادده الرسول فقال معاوية لصاحب إذنه: أخرجه وأدخل علي عامر بن واثلة - وكان يكنى أبا الطفيل -، فلما دخل عليه رحب معاوية، فقال أصحابه: من هذا الذي رحبت به يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هذا خليل أبي تراب، وفارس أهل العراق، وشاعرهم يوم صفين، فقالوا: الام فارس، وأفحش شاعر، ونالوا منه، فغضب أبو الطفيل وقال: أما والله يا معاوية ما هؤلاء سبوني، ولا أدري من هم، وإنما أنت شتمتني، فأخبرني من هم ؟ وإلا - وحق علي - شتمتك فقال معاوية: هذا عمرو بن العاص، وهذا مروان بن الحكم، وهذا سعيد بن العاص، وهذا ابن اختي. فقال أبو الطفيل: أما عمرو فأنطقته جباية مصر، وأما مروان وسعيد فأنطقتهما جباية الحجاز، وأما ابن اختك فقد وهبته لك، فقال معاوية: يا أبا الطفيل ما أبقى الدهر لك من حب علي ؟ قال: والله حب ام موسى لموسى، وأشكو إلى الله التقصير. قال: فما أبقى لك الدهر من وجدك عليه ؟ قال: وجد العجوز المقلاة و الشيخ الرؤوف. قال: فما ابقي من بغضك لنا ؟ قال: بغض آدم لأبليس لعنه الله. فقال معاوية لصاحب إذنه: أخرجه عني وأدخل علي هانئ بن عروة المرادي، فلما دخل قال له معاوية: يا هانئ أنت المائل مع على بن أبي طالب، والمحارب للمسلمين مع علي يوم صفين ؟ فقال له هانئ: أني لك يا معاوية بالشرف الشامخ،

[762]

والمجد الباذخ ؟ وما كنتم إلا شظية كذا يخطفها العرب حتى بعث محمد صلى الله عليه واله وسلم فلان له العباد في جميع البلاد، وأما خروجي عليك يا ابن هند فغير متعذر إليك منه، ولو كنت رأيتك ذلك اليوم لنفذت رمحي بين حضنيك، والله ما أحببناك مذ أبغضناك، ولا بعنا السيوف التي بها ضربناك. فقال معاوية لصاحب إذنه: أخرجه عني وأدخل علي صعصعة بن صوحان، فلما دخل عليه نظر فإذا الرجال عليهم السلاح وقوف، ومعاوية جالس على سريره، فقال صعصعة: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر يرفع بها صوته -، فالتفت معاوية يمنة ويسرة فلم ير شيئا يفزعه، فقال: يا صعصعة أظنك تدري ما الله ؟ فقال: بلى والله يا معاوية ربنا ورب آبائنا الأولين، وإنه لبالمرصاد من وراء العباد، فقال معاوية: يا صعصعة ! ما كنت أحب أن تقوم هذا المقام حتى يصيبك ظفر من أظفاري، قال: وأنا يا معاوية لقد أحببت أن لااحييك بتحية الخلافة حتى تجري مقادير الله فيك. فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص وقال: أوسع لصعصعة ليجلس إلى جانبك، فقال عمرو: لا، والله، لا أوسعت له على ترابيته، فقال صعصعة: نعم، والله، يا عمرو ! إني لترابي ومن عبيد أبي تراب، ولكنك مارج من نار، منها خلقت، وإليها تعود، و منها تبعث إن شاء الله، فقال معاوية: يا صعصعة والله إني هممت أن أحبس عطايا أهل العراق في هذه السنة، فقال صعصعة: والله، يا معاوية ! لو رمت ذلك منهم لدهمك مائة ألف أمرد على مائة ألف أجرد، وصيروا بطنك ميادين لخيولهم، و قطعوك بسيوفهم ورماحهم، قال: فامتلا معاوية غيظا، وأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: لقد أكرمنا الله حيث يقول لنبيه (وإنه لذكرى لك ولقومك (1) ونحن قومه، و


(1) - الزخرف، 43: 44، وفي المصحف: (لذكر لك).

[763]

قال تعالى: (لأيلاف قريش - إلى قوله - وآمنهم من خوف (1) ونحن قريش، وقال تعالى لنببيه: (وأنذر عشيرتك الأقربين (2) ونحن عشيرته الأقربون، فقال صعصعة: على رسلك يا معاوية فإن الله تعالى يقول: (فكذب به قومك وهو الحق (3)، وأنتم قومه، وقال تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (4) ولو زدت زدناك يا معاوية، فأفحمه. قال معاوية لصاحب إذنه: أخرجه عني وأدخل علي خالد بن معمر السدوسي. فلما دخل قال له معاوية: يا خالد ! لقد رأيتك تضرب أهل الشام بسيفك على فرسك الملهوب. فقال خالد: يا معاوية والله، ماندمت على ما كان مني، ولازلت على عزيمتي اثني، ومع ذلك إني عند نفسي مقصر، والله المستعان والمدبر. فقال له معاوية: ما علمت يا خالد، ما نذرت عند قدومك في قومك ؟ قال: لا، فقال: نذرت أن انذر مقاتلهم، وأسبي نساءهم، ثم أفرق بين الامهات والأولاد فيبايعون. فقال خالد: وما تدري ما قلت في ذلك ؟ قال: لا، قال: فاسمعه مني، فأنشأ يقول: يروم ابن هند نذره من نسائنا * ودون الذي يبغي سيوف قواضب قال معاوية لصاحب إذنه: أخرجه عني وأدخل علي جارية بن قدامة السعدي - وكان قصيرا -. فلما دخل قال له معاوية: أركضت علينا الخيل يوم صفين في بني سعد تمنيهم الفتن، وتحملهم على قديمات الأحن مع قتلة أمير المؤمنين عثمان، و قاتلت ام المؤمنين عائشة، وما أنت إلا جارية ! فقال جارية: إن الله فضل على اسمك اسمي، قال: وكيف ذلك ؟ قال: لأن الجارية لا تكون إلا من أحياء العرب،


(1) - قريش، 106: 1 - 4. (2) - الشعراء، 26: 214. (3) - الانعام، 6: 66. وفي المصحف: (وكذب). (4) - الفرقان، 254: 30.

[764]

والمعاوية لا تكون إلا من إناث الكلاب. وأما ما ذكرت من أمير المؤمنين عثمان فأنتم خذلتموه وقتلتموه، والدار عند نازحة. وأما ام المؤمنين عائشة فلما نظرنا في كتاب الله عز وجل ولم نجد لها علينا حقا يلزمنا إلا أن تطيع ربها وتقر بيتها، فلما ألقت الجلابيب عن وجهها بطل ما كان لها علينا من حق. وأما ركضي الخيل عليك يوم صفين فإنما ذلك حيث أردت أن تقطع أعناقنا عطشا فلم ننظر في عاقبة، ولم نخف جائحة فثنينا الخيل مع أقدم الناس اسلاما، وأحسنهم كلاما، و أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه، حين أراد جهادك على بصيرة، وأنت على الحمية الجاهلية، فإن أردت نريك مثل ذلك اليوم، فخيلنا معدة، ورماحنا محدة. قال معاوية لصاحب إذنه، أخرجه وأدخل علي شريكا الحارثي، فلما دخل - وكان دميم المنظر - فقال له معاوية: إنك شريك وما لله شريك، وإنك الأعور، و الصحيح خير من الأعور، وإنك لابن الأصفر، والأبيض خير من الأصفر، وإنك مخالف، والمستقيم خير من المخالف، وإنك لدميم، والجميل خير من الدميم، فكيف سدت قومك ؟ فقال شريك: إنك لمعاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت، فاستنبحتها الكلاب فسميت معاوية، وانك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وابن حرب، والسلم خير من الحرب، وابن امية، وما امية إلا أمة صغرتها العرب، فكيف صرت أمير المؤمنين علينا ؟ فأمر معاوية بإخراجه، فخرج و هو يقول: أيشتمني معاوية بن حرب * وسيفي صارم ومعي لساني وحولي من بني عمي رجال * ضراغمة نهش إلى الطعان يعير بالدمامة من سفاه * وربات الجمال من الغواني قال: ثم نهض معاوية من مجلسه ودخل داره، وفي اليوم الثاني دعي بهم

[765]

فاحضروا، وأكرمهم وردهم إلى أهليهم مكرمين (1). ضرارة بن ضمرة 2 - إن معاوية وفد عليه ضرارة بن ضمرة - وكان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومن خواصه - وأراد أن يفتك به، فلما رأى زهده وتقوا واشتغاله بالاخرة عن دنيا، عدل عن ذلك وأراد امتحانه، فقال: صف لي عليا، فقال: اعفني، فقال: أقسمت عليك بحقه إلا ما وصفته، قال: أما إذا كان ولابد فإنه - والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، ينفجر العلم من جوانبه، و تنفلق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، كان - صلوات الله عليه - غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن - والله - مع تقربه لنا وقربه منا لانكاد نكلمه هيبة له، كان - صلوات الله عليه - يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وإنى أشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه - وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه - قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وهو يقول: يا دنيا غري غيري، أبي تعرضت ؟ أم إلى تشوقت ؟ هيهات ! قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير، آه من قلة الزاد، و بعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية وقال: رحم الله، أبا الحسن ! قد كان - والله - كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها، فهي لا يرقأ دمعتها، ولا تخفى فجعتها. فأمر له بمال جزيل، فلم يقبل منه شيئا وانصرف، وهو يندب


(1) - أشعة الأنوار في فضل الحيدر الكرار، ص 314، ط نجف.

[766]

أمير المؤمنين عليه السلام (1). بكارة الهلالية 3 - قال عمر رضا كحالة: (كانت من نساء العرب الموصوفات بالشجاعة، و الأقدام، والفصاحة، والشعر، والنثر، والخطابة، وكانت من أنصار علي بن أبي طاب في حرب صفين، فخطبت بها خطبا حماسية حضت بها القوم أن يخوضوا غمارات الحرب بدون خوف ولاوجل، وقد وفدت على معاوية بن ابي سفيان بعد أن كبرت سنها ودق عظمها ومعها خادمان لها وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز، فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن عليها الرد وأذن لها في الجلوس، وكان عنده مروان بن الحكم وعمرو بن العاص، فابتدأ مروان فقال: أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين ؟ قال: ومن هي ؟ قال: هي التي كانت تعين علينا يوم صفين، وهي القائلة: يا زيد دونك فاستشر من دارنا * سيفا حساما في التراب دفينا كان مذخورا لكل عظيمة * فاليوم أبرزه الزمان مصونا فقال عمرو بن العاص: وهى القائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكا * هيهات ذاك وما أراد بعيد منتك نفسك في الخلاء ضلالة * أغراك عمرو للشقا وسعيد فارجع بأنكد طائر بنحوسها لاقت عليا أسعد وسعود فقال سعيد: يا أمير المؤمنين وهي القائلة: لقد كنت آمل أن أموت ولا أرى * فوق المنابر من امية خاطبا والله، أخر مدتي فتطاولت * حتى رأيت من الزمان عجائبا


(1) - أشعة الانوار في فضل الحيدر الكرار، ص 326، القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 657، مادة (وصف).

[767]

في كل يوم لا يزال خطيبهم * وسط الجموع لآلى أحمد عاتبا ثم سكت القوم، فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين ! واعتورتني، فقصر محجني، وكسر عجي، وغشي بصري، وأنا - والله - قائلة ما قالوا، لا أدفع بتكذيب، فامض شأنك، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين. قال معاوية: إنه لا يضعك شئ فاذكري حاجتك تقضى، فقضى حوائجها وردها إلى بلدها (1). دارمية الحجونية 4 - قال ابن عبد البر: (سهل بن ابى سهل التميمي، عن أبيه قال: حج معاوية فسأل عن امرأة يقال لها: دارمية الحجونية - وكانت سوداء كثيرة اللحم - فاخبر بسلامتها، فبعث إليها فجئ بها، فقال: ما حالك يا بنت حام ؟ فقالت. لست لحام إن عبتني، أنا امرأة من بني كنانة، قال: صدقت، أتدرين لم بعثت إليك ؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: قال: بعثت إليك لاسألك علام أحببت عليا وأبغضتني، وواليته و عاديتني ؟ قالت: أو تعفيني ؟ قال: لا أعفيك، قالت: أما إن أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى منك بالأمر، وطلبتك ما ليس لك بحق، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الولاء، وحبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفكك الدماء، و جورك في القضاء، وحكمك بالهوى. قال: فلذلك انتفخ بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك. قالت: يا هذا، بهند - والله - كان يضرب المثل في ذلك لابي. قال معاوية: يا هذه اربعي فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها، و إذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها. فرجعت وسكنت.


(1) - الكحالة: أعلام النساء، ج 1: ص 137، ابن عبد ربه العقد الفريد، ج 1: ص 346. والمحجن: العصا: المعوجة. والعج: رفع الصوت.

[768]

قال لها: يا هذه هل رأيت عليا ؟ قالت: إى والله، قال: فكيف رأيته ؟ قالت: رأيته - والله - لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك. قال: فهل سمعت كلامه ؟ قالت: نعم - والله - يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدا الطست. قال: نعم، قال: صدقت، فهل لك من حاجة ؟ قالت: أو تفعل إذا سألتك ؟ قال: نعم، قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. قال: تصنعين بها ماذا ؟ قالت: أغدو بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر، قال: أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب ؟ قالت: ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك، يا سبحان الله ! أو دونه. فأنشأ معاوية يقول: إذا لم أعد بالحلم مني عليكم * فمن الذي بعدي يؤمل للحلم خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد * جزاك على حرب العداوة بالسلم ثم قال: أما والله، لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا، قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين (1). سودة بنت عمارة بن الاشتر الهمدانية 5 - قال عمر رضا كحالة: (شاعرة من شواعر العرب، ذات فصاحة وبيان، و فدت على معاوية بن أبي سفيان فاستأذنت عليه فأذن لها، فلما دخلت عليه سلمت، فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر: قالت: بخير، يا أمير المؤمنين ! قال لها: أنت القائلة لأخيك: شهر لفعل أبيك يا ابن عمارة * يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر عليا والحسين ورهطه * واقصد لهند وابنها بهوان


(1) - ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج 1: ص 352. والصداء: عين لم يكن عندهم أعذب منها. والسعدان: نبت ذو شوك، وهو أفضل مراعى الابل. واربعى: انتظري.

[769]

إن الأمام أخا النبي محمد * علم الهدى ومنارة الأيمان فقد الجيوش وسر أمام لوائه * قدما بأبيض صارم وسنان قالت: إي والله، ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك ؟ قالت: حب علي واتباع الحق. قال: فوالله ما أرى عليك من أثر علي شيئا. قالت: يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب، فدع عنك تذكار ما قد نسي، وإعادة ما مضى، قال: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من قومك وأخيك. قالت: صدقت - والله - يا أمير المؤمنين ! ما كان أخي خفى المقام ذليل المكان ولكن كما قالت الخنساء: وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه، قال: قد فعلت، فقولي ما حاجتك ؟ قالت: يا أمير المؤمنين ! إنك أصحبت للناس سيدا، ولأمرهم متقلدا، و الله سائلك من أمرنا وما افترض عليك من حقنا، ولا يزال يقوم علينا من ينوء بعزك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس البقر، و يسومنا الخسيسة ويسلبنا الجليلة، هذا بسربن أرطاة قدم علينا من قبلك. فقتل رجالى، وأخذ مالى، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فاما عزلته عنا فشكرناك، لا فعرفناك. فقال معاوية: أتهددني بقومك ؟ لقد هممت أن أحملك من قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه، فأطرقت تبكي، ثم أنشأت تقول: صلى الأله على جسم تضمنه قبر * فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * فصار بالحق والأيمان مقرونا قال معاوية: ومن ذلك ؟ فقالت: علي بن أبي طالب، قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك ؟ قالت: قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا، فكان بيني وبينه ما

[770]

بين الغث والسمين، فأتيت عليا عليه السلام لأشكوا إليه، فوجدته قائما يصلي، فلما نظر إلى انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة ؟ فأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: اللهم إنك أنت الشاهد علي وعليهم أني لم امرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك. ثم أخرج من جيبه قطعة كهيئة طرف الجراب فكتب فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين. بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين و ما أنا عليكم بحفيظ (1) إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام). فعزله يا أمير المؤمنين، ما خزمه بخزام، ولاختمه بختام. فقال معاوية: اكتبوا لها بالانصاف لها والعدل عليها، فقالت: ألي خاصة أم قومي عامة ؟ قال: وما أنت وغيرك ؟ قالت: هي - والله - إذن الفحشاء واللوم إن لم يكن عدلا شاملا، وإلا أنا كسائر قوي، قال: هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة، وغركم قوله: فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام ثم قال: اكتبوا لها ولقومها بحاجتها (2). ام الخير بنت الحريش الباقية 6 - قال عمر رضا كحالة: (من ربات الفصاحة والبلاغة، قدمت على معاوية بن أبي سفيان بعد أن كتب إلى واليه بالكوفة أن أوفد علي ام الخير بنت الحريش... فقال (معاوية لأصحابه): أيكم حفظ كلام ام الخير ؟ قال رجل من القوم: أنا أحفظه


(1) - اقتباس من الأعراف (7:) 85 وهود والشعراء: (26:) 183. (2) - الكحالة: أعلام النساء، ج 2: ص 270، ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج 1: ص 344. والغث: الردى الفاسد. ولمظكم: أي علمكم وعودكم.

[771]

يا أمير المؤمنين، وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية وهي على جمل أرمك وقد احيط حولها، وبيدها سوط منتشر الضفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقة تقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم (1)، إن الله قد أوضح الحق، و أبان الدليل، ونور السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم الله ؟ أفرارا من الزحف ؟ أم رغبة عن الأسلام ؟ أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم الله عز وجل يقول: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (2). ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قدعيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، ورد الحق إلى أهله، هلموا - رحمكم الله - إلى الأمام العادل، و الوصي الوفي، والصديق الأكبر، إنها إحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن احدية، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك ثارت بني عبد شمس... فإلى أن تريدون - رحمكم الله - عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتضرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل يؤيده الله بمعونته، ويمضي على سنن استقامته، لا يعرج لراحة اللذات، وهو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل احد، وفرق جمع هوازن، فيالها وقايع زرعت في قلوب قوم نفاقا وردة وشقاقا ؟ وقد اجتهدت في القول وبالغت في النصحية، وبالله التوفيق، و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته (3).


(1) - الحج، 22: 1. (2) - محمد (ص)، 47: 31. (3) - الكحالة: أعلام النساء، ج 1: ص 389.

[772]

أروى بنت عبد المطلب 7 - قال ابن عبد البر: (إن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة، فلما راها معاوية قال: مرحبا بك وأهلا يا عمة ! فكيف كنت بعدنا ؟ فقالت: يا ابن أخي لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك فكيف كنت بعدنا ؟ فقالت: يا ابن أخي لقد كفرت يد النعمة، وأسأ ت لابن عمك الصحبة، و تسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من ابائك، و لا سابقة في الأسلام بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأتعس الله منكم الجدود، و أضرع الله منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا صلى الله عليه واله وسلم هو المنصور، فوليتم علينا بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في ال فرعون، وكان علي بن أبي طالب -، بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة، وغايتكم النار. فقال لها عمرو بن العاص: كفي أيتها العجوزة الضالة واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدك. فقال لها عمرو بن العاص: كفي أيتها العجوزة الضالة واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدك. فقالت له: وأنت يا ابن النباغة ! تتكلم وامك كانت أشهر امرأة تغني بمكة و آخذهن لاجرة، اربع على ظلعك، واعن بشأن نفسك، فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها، ولا كريم منصبها، ولقد ادعاك خمسة نفر من قريش كلهم يزعم أنه أبوك، فسئلت امك عنهم فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به. فقال مروان: كفي أيتها العجوز، واقصدي لما جئت له، فقالت: وأنت - أيضا -

[773]

يا ابن الزرقاء ! تتكلم ؟ ثم التفتت إلى معاوية فقالت: والله، ما جرأ علي هؤلاء غيرك، وإن امك القائلة في قتل حمزة: نحن جزينا كم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبر * فشكر وحشي علي دهري حتى ترم أعظمي في قبري (1) وقال عمر رضا كحالة: (فقال معاوية لمروان وعمرو: ويلكما، أنتما عرضتماني لها، وأسمعتماني ما أكره، ثم قال لها: يا عمة ! اقصدي قصد حاجتك، ودعي عنك أساطير النساء. قالت: تأمر لي بألفي دينار وألفي دينار وألفى دينار، قال: ما تصنعين يا عمة ! بألفي دينار ؟ قالت: أشتري بها عينا خر خارة في أرض خوارة تكون لولد الحارث بن عبد المطلب، قال: نعم، الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت: ازوج بهار فتيان عبد المطلب من أكفائهم، قال: نعم، الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت: أستعين بها عسر المدينة، و زيارة بيت الله الحرام. قال: نعم، الموضع وضعتها، هي لك نعم وكرامة. ثم قال: أما والله، لو كان علي ما أمر لك بها، قالت: صدقت، إن عليا أدى الأمانة، وعمل بأمر الله، وأخذ به، وأنت ضيعت أمانتك، وخنت الله في ماله، فأعطيت مال الله من لا يستحقه، وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبينها فلم تأخذ بها، ودعانا علي إلى أخذ حقنا الذي فرض الله لنا، فشغل بحربك عن وضع الامور مواضعها، وما سألتك مالك شيئا فتمن به إنما سألتك من حقنا، ولا نرى اخذ شئ غير حقنا، أتذكر عليا فض الله فاك وأجهد بلاغك ؟ ثم علا بكاؤها و قالت:


(1) - ابن عبد ربه: العقد الفريد، ج 1: ص 457. والتعس: الأنحطاط. والجدود: الحظوظ. وأضرع: أذل. وترم: تبلى.

[774]

ألا يا عين ويحك أسعدينا * ألا وابكي أمير المؤمنين رزينا خير من ركب المطايا * وفارسها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال أو احتذاها * ومن قرأ المثاني والمئينا إذ استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر راع الناظرينا ولا والله لا أنسى عليا * وحسن صلاته في الراكعينا أفي الشهر الحرام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا فأمر معاوية لها بستة الاف دينار، وقال لها: يا عمة أنفقي هذه فيما تحبين... وفي رواية قال لها: يا عمة ! عفا الله عما سلف، يا خاله هات حاجتك، قالت: ما لي إليك حاجة، وخرجت عنه، فقال معاوية لأصحابه: والله لو كلمها من في مجلسي جميعا لأجابت كل واحد بغير ما تجيب به الاخر، وإن نساء بني هاشم لأفصح من رجال غيرهم (1).


(1) - الكحالة: أعلام النساء، ج 1: ص 30.

[775]

الفصل 29 الأمام علي عليه السلام وتصلبه وتنمره في ذات الله تعالى 1 - عن سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام: (وما الذي نقموا من أبي حسن ؟ نقموا - والله - نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله. وتالله تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لاعتلقه، ولسار إليهم سيرا سجحا لاتكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضا يطفح ضفتاه، و لأصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردعه سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والارض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون (1). 2 - قال ابن شهر آشوب: (عن ابن مردويه: إنه لما أقبل (علي عليه السلام) من اليمن تعجل إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا


(1) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 16: ص 233. والخطبة طويلة مشهورة نقلها جمع من الاعلام - مع اختلاف في بعض الالفاظ - كالطبرسي في (الاحتجاح) (ج 1: ص 147) وابن طيفور في (بلاغات النساء) (ص 20) والمجلسي رحمه الله في (البحار) مع شرحه (ج 43: ص 158 - 170).

[776]

جيشه خرج علي ليتلقاهم، فإذاهم عليهم الحلل، فقال: ويلك ما هذا ؟ قال: كسوتهم ليجملوا به إذا قدموا في الناس. قال: ويلك، من قبل أن تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ! قال: فانتزع الحلل من الناس وردها في البز، وأظهر الجيش شكاية لما صنع بهم. ثم روى عن الخدري أنه قال: شكا الناس عليا عليه السلام فقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خطيبا فقال: أيها الناس لا تشكوا عليا، فوالله إنه لخشن في ذات الله (1). أقول: وفي بعض الروايات: (لاخيشن) وهو أفعل تفضيل من خشن خشونة: ضد لان، والتصغير هنا للتعظيم، قاله السيد علي خان المدني رحمه الله (2) 3 - عن عبد الواحد الدمشقي قال: (نادى حوشب الحميري عليا يوم صفين فقال: انصرف عنا يا ابن أبي طالب، فإنا ننشدك الله في دمائنا، فقال علي: هيهات يا ابن ام ظليم ! والله لو علمت أن المداهنة تسعني في دين الله لفعلت، ولكان أهون علي في المؤونة، ولكن الله لم يرض من أهل القران بالادهان والسكوت، والله يقضي (3). 4 - قال الدينورى: (وذكروا أن عليا كتب إلى جرير: أما بعد فإن معاوية إنما أراد بما طلب أن لا يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحب، وقد كان المغيرة بن شعبة أشار علي - وأنا بالمدينة - أن أستعمله على الشام، فأبيت ذلك عليه، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل وإلا فأقبل (4). قال العلامة المجلسي رحمه الله: (وقصد علي عليه السلام دار ام هانئ متقنعا بالحديد يوم الفتح وقد بلغه أنها اوت الحارث بن هشام وقيس بن السائب وناسا من بني


(1) - مناقب ابن شهر آشوب، ج 2، ص 110 والمستدرك للحاكم، ج 3، ص 134. (2) - رياض السالكين، ص 1. (3) - المتقي الهندي: كنز العمال (بهامش المسند)، ج 5: ص 449. (4) - الدينوري الامامة والسياسة، ج 1: ص 95.

[777]

مخزوم، فنادى: أخرجوا من او يتم، فيجعلون يذرقون كما يذرق الحبارى خوفا منه، فخرجت إليه ام هانئ - وهي لا تعرفه - فقالت: يا عبد الله ! أنا ام هانئ بنت عم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، واخت أمير المؤمنين، انصرف عن داري، فقال عليه السلام: أخرجوهم، فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فنزع المغفر عن رأسه فعرفته، فجاءت تشتد حتى التزمته فقالت: فديتك، حلفت لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقال لها: اذهبي فبري قسمك فإنه بأعلى الوادي. فأتت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فقال لها: إنما جئت يا ام هانئ تشتكين عليا ؟ فإنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله، شكر الله لعلي سعيه، وأجرت من أجارت ام هانئ لمكانها من علي بن أبي طالب عليه السلام (1). 6 - وقال - أيضا: (إن سارة مولاة أبي عمرو بن سيفي بن هشام أتت النبي صلى الله عليه واله وسلم من مكة مسترفده، فأمر بني عبد المطلب بإسدانها، فأعطاها حاطب بن أبي بلتعة عشرة دنانير على أن تحمل كتابا بخبر وفود النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى مكة وكان صلى الله عليه واله وسلم أسر ذلك ليدخل عليهم بغتة - فأخذت الكتاب وأخفته في شعرها وذهب. فأتى جبرئيل عليه السلام وقص القصة على النبي صلى الله عليه واله وسلم، فأنفذ عليا والزبير ومقدادا وعمارا و عمر وطلحة وأبا مرثد خلفها، فأدركوها بروضة خاخ يطالبونها بالكتاب، فأنكرت، وما وجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع، فقال على عليه السلام: والله ما كذبنا و لاكذبنا، وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأضربن عنقك، فأخرجته من عقيصتها، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الكتاب وجاء إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم... (2). 7 - قال ابن أبي الحديد: (وروى صاحب (كتاب الغارات): أن عليا عليه السلام لما حد النجاشي (3) غضبت اليمانية لذلك، وكان أخصهم به طارق بن عبد الله بن كعب


(1) - المجلسي، بحار الأنوار، ج 4190: ص 10. (2) - المجلسي: بحار الأنوار، ج 4190، ص 8. (3) - النجاشي الشاعر من بنى الحارث بن كعب كان شاعر أهل العراق بصفين، وكان على عليه السلام يأمره

[778]

النهدي، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين ما كنا نرى أن أهل المعصية والطاعة و أهل الفرقة والجماعة عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيان في الجزاء حتى رأيناها ما كان من صنيعك بأخي الحارث، فأو غرت صدورنا، وشتت امورنا، و حملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل من ركبها النار. فقال على عليه السلام: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (1) يا أخا نهد ! وهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله فأقمنا عليه حدا كان كفارته ؟ إن الله تعالى يقول: (ولا يجر منكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى (2). قال: فخرج طارق من عنده فلقيه الأشتر فقال: يا طارق ! أنت القائل لأمير المؤمنين: (أو غرت صدورنا، وشتت امورنا) ؟ قال طارق: نعم، أنا قائلها، قال: والله، ما ذاك كما قلت، إن صدورنا له لسامعة، وإن امورنا له لجامعة. فغضب طارق وقال: ستعلم يا أشتر ! أنه غير ما قلت، فلما جنه الليل همس هو والنجاشي إلى معاوية، فلما قدما عليه دخل اذنه فأخبره بقدومهما، وعنده وجوه أهل الشام منهم عمرو بن مرة الجهني وعمرو بن صيفي وغيرهما، فلما دخلا نظر معاوية إلى طارق وقال: مرحبا بالمورق غصنه، والمعرق أصله، المسود غير المسود من رجل كانت منه هفوة ونبوة باتباعه صاحب الفتنة، ورأس الضلالة والشبهة، الذي اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رجلها، ثم أوجف في عشوة ظلمتها وتيه ضلالتها، واتبعه رجرجة من الناس، وأشابة من الحثالة لا أفئدة لهم، (أفلا يتدبرون القرآن


= بمحاربة شعراء أهل الشام مثل كعب بن جعيل وغيره، فشرب الخمر بالكوفة، فحده على عليه السلام، فغضب و لحق بمعاوية، وهجا عليا عليه السلام، فضربه ثمانين، ثم زاده عشرين سوطا، فقال: يا أمير المؤمنين ! أما الحد فقد عرفته، فما هذه العلاوة ؟ قال: لجرئتك على الله، وافطارك في شهر رمضان. ثم أقامه في سراويله للناس، فجعل الصبيان يصيحون به: خزى النجاشي، خزى النجاشي. (ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 4: ص 89) (1) - البقرة، 2: 45. (2) - المائدة، 5: 8.

[779]

أم على قلوب أقفالها (1). فقام طارق فقال: يا معاوية ! إنى متكلم فلا يسخطك، ثم قال: وهو متكئ على سيفه: إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده، فهم منه بمنظر ومسمع، بعث فيهم رسولا منهم لم يكن من قبله يتلو كتابا، ولا يخطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون، فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين برا رحيما. أما بعد، فإن ماكنا نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقي عامل مع رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أتقياء مرشدين، ما زالوا منارا للهدى، ومعالم للدين، خلفا عن سلف مهتدين، أهل دين لادنيا، كل الخير فيهم، واتبعهم من الناس ملوك وأقيال أهل بيوتات وشرف ليسوا بناكثين ولاقاسطين، فلم يكن رغبة من رغب عنهم وعن صحبتهم إلا لمرارة الحق حيث جرعوها، ولو عورته حيث سلكوها وغلبت عليهم دنيا مؤثرة، وهوى متبع، وكان أمر الله قدرا مقدورا... فبلغ عليا عليه السلام قوله، فقال: لو قتل النهدي يومئذ لقتل شهيدا (2). وقال - أيضا: وأكثر مبغضيه عليه السلام أهل البصرة كانوا عثمانية، وكانت في أنفسهم أحقاد يوم الجمل، وكان هو عليه السلام قليل التألف للناس شديدا في دين الله، لا يبالي مع علمه بالدين واتباعه الحق من سخط ومن رضي (3). 8 - قال جورج جرداق: (وكثر عدد المنحرفين اللاحقين معاوية بكثرة الذين يريدون الدنيا لأنفسهم وحدهم، وما كان من طبائع الناس كلهم أن يتحملوا الحق وأن يقولوه ويفعلوه، ولاكان من طبائعهم كلهم أن يوالوا عليا الذي يشتد بالحق على نفسه وذويه والخلق جمعيا... فكيف لا يلحق معاوية ويترك عليا ذلك الوالي الذي يبعث إليه علي: (وإنى اقسم بالله، لئن بلغني أنك خنت من فئ


(1) - محمد (ص)، 47: 24. (2) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 4: ص 94. (3) - ابن ابى الحديد: شرح النهج، ج 4: ص 89.

[780]

المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر (1)، أو ذاك الاخر الذي يتلقى من علي مثل هذا الكتاب: (بلغني أنك جددت الأرض، وأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إلي حسابك (2). كيف يستطيع العاديون من الخلق أن يرتفعوا إلى هذا المستوى العظيم من صفة الأنسان الحق، فيقبل وجيههم أو واليهم أن يقول له على: (ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك (3) ! وكيف يرضى الغاصبون أن يحكمهم من يقول: (والله، لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، أو اجر في الأغلال مصفدا أحب إلى من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشئ من الحطام (4). 9 - عن رزين قال: (كنت أتوضأ في ميضأة الكوفة فإذا رجل قد جاء فوضع نعليه ووضع درته فوقها، ثم دنا فتوضأ معي فزحمته حتى وقع على يديه. فقام فتوضأ، فلما فرغ ضرب رأسي بالدرة ثلاثا، ثم قال: إياك أن تدفع فتكسر فتغرم، فقلت: من هذا ؟ فقالوا، أمير المؤمنين، فذهبت أعتذر إليه فمضى ولم يلتفت إلى (5). أقول: هذا الخبر وإن لم يكن نصا في الباب لكنه مناسب له لأنه يشعر بأن ما كان مهما في نظر علي عليه السلام إحياء الدين وإن عني في سبيل إحيائه. 10 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (أرسل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام إلى


(1) - راجع نهج البلاغة، ر 20 والوفر: المال. وثقيل الظهر: من عجز عن نفقة عياله. والضئيل: الحقير. (2) - النهج، ر 40 و 71. (3) - النهج، ر 40 و 71. (4) - النهج، خ 222، جرداق: الأمام على صوت العدالة الانسانية ج 4: ص 9601. (5) - الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج 18: ص 583، ط عبد الرحيم.

[781]

لبيد العطاردي بعض شرطه فمروا به على مسجد سماك، فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فحال بينهم وبينه، فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام إلى نعيم فجئ به، قال: فرفع أمير المؤمنين عليه السلام شيئا ليضربه، فقال نعيم: والله إن صحبتك لذل، وإن خلافك لكفر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وتعلم ذلك ؟ قال: نعم، قال: خلوه (1). 11 - وكتب عليه السلام إلى بعض عماله: (أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي، وأداء الأمانة إلي. فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو قد حرب، وأمانة الناس قد خزيت، وهذه الامة قد فنكت و شغرت قلبت لابن عمك ظهر المجن، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين ! فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنك لم تكن على بينة من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الامة عن دنياهم، وتنوي غرنهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه، كأنك - لا أبا لغيرك - حدرت إلى أهلك تراثا من أبيك وامك ! فسبحان الله ! أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف نقاش الحساب ؟ أيها المعدود ! كان عندنا من ذوي الألباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما ؟ وتبتاع الأماء، وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، و أحرز بهم هذه البلاد، فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل


(1) المجلسي: بحار الانوار ج 42: ص 186.

[782]

ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار، ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة، ولاظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما، وأزيح الباطل من مظلمتهما، وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم حلال لي، أتركه ميراثا لمن بعدي، فضح رويدا فكأنك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنى المضيع فيه الرجعة، ولات حين مناص (1).


(1) - نهج البلاغة، ر 41. واختلف في المكتوب إليه بين عبد الله بن عباس وعبيدالله ابن عباس وغيرهما فليراجع في ذلك المطولات من الشروح.

[783]

الفصل 30 الأمام علي عليه السلام شهادته ووصيته 1 - قال العلامة الطبرسي: (عاش علي عليه السلام ثلاثا وستين سنة، منها عشر سنين قبل البعثة، وأسلم وهو ابن عشر، وكانت مدة مقامه مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد البعثة ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة قبل الهجرة في امتحان وابتلاء متحملا عنه أكبر الأثقال، وعشر سنين بعد الهجرة بالمدينة يكافح عنه المشركين، ويقيه بنفسه عن أعدائه في الدين، حتى قبض الله تعالى نبيه إلى الجنة، ورفعه في عليين - صلوات الله عليه - وله يومئذ ثلاث وثلاثون سنة، وأقام بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم و هو ولي أمره ووصيه ثلاثين سنة، وغصب حقه منها ومنع من التصرف فيه أربعا وعشرين سنة وأشهرا، وكان عليه السلام مستعملا فيها التقية والمدارة، وولي الخلافة خمس سنين وأشهرا ممتحنا بجهاد المنافقين من النكاثين والقاسطين والمارقين كما كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلاث عشرة سنة من أيام نبوته ممنوعا من أحكامها خائفا ومحبوسا وهاربا ومطرودا غير متمكن من جهاد الكافرين ولا مستطيع دفعا عن المؤمنين، ثم هاجر وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهدا للمشركين مبتلى بالمنافقين إلى أن قبضه الله تعالى إليه.... مضى - صلوات الله عليه - ليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من

[784]

الهجرة قتيلا بالسيف، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي أشقي الآخرين - لعنة الله عليه - في مسجد الكوفة، وذلك أنه خرج عليه السلام يوقظ الناس لصلاة الصبح ليلة تسع عشرة، وكان ابن ملجم اللعين ارتصده من أول الليل لذلك، فلما مر به في المسجد وهو مستخف بأمره فماكر بإظهار النوم ثار إليه وضربه على ام رأسه و كان مسموما، فمكث عليه السلام يوم تسعة عشر وليلة العشرين ويومها وليلة إحدى و عشرين إلى نحو الثلث الأول من الليل: ثم قضى نحبه - صلوات الله عليه - شهيدا ولقي ربه تعالى مختضبا لحيته بدمه مظلوما. ولسبب قتله شرح طويل لا يحتمله هذا الموضع، وتولى الحسن والحسين عليهما السلام غسله وتكفينه بأمره عليه السلام، وحملاه إلى الغري من نجف الكوفة ودفن هناك ليلا قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين ومحمد بنو على وعبد الله بن جعفر - رضي الله عنه -، وعفي أثر قبره بوصية منه عليه السلام، فلم يزل قبره عليه السلام مخفيا لا يهتدى إليه في دولة بني امية حتى دل عليه جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في دولة بني العباس (1). 2 - قال عليه السلام للحسن وعليه السلام الحسين عليهما السلام حين ضربه ابن ملجم - لعنه الله -: (أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شئ منها زوي عنكما، وقولا بالحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا. أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم، و صلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدكما صلى الله عليه واله وسلم يقول: (صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام). والله الله، في الأيتام فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله، في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. والله الله، في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غير كم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، و


(1) - تاج المواليد، ص 18.

[785]

الله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. يا بني عبد المطلب ! لا الفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون (قتل أمير المؤمنين) ألا لاتقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور (1). 3 - ومن وصية له عليه السلام قبل موته لما ضربه ابن ملجم - لعنه الله -: وصيتي لكم أن لا تشركوا بالله شيئا، ومحمد صلى الله عليه واله وسلم فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، و أوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذم ما لم تشردوا، أنا بالأمس صاحبكم، و اليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، غفر الله لي ولكم، إن أبق فأناولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة، وهو لكم حسنة، فاعفوا (ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟) والله، ما فجأني من الموت وارد كرهته، ولاطالع أنكرته، وما كنت إلا كقارب ورد، وطالب وجد، (وما عند الله خير للأبرار (2). أقول: قوله عليه السلام: (والله، ما فجأني من الموت - الخ) ظاهر في أن الامام - صلوات الله وسلامه عليه - كان يتطلع إلى الشهادة شوقا، وعلم أن ما أخبر به الصادق الأمين صلى الله عليه واله وسلم لا محالة يأتيه كما أن الساعة آتية لاريب فيها، وما لو عده مترك، و كان عليه السلام ينتظرها بفارغ الصبر، ويقول: ما ينتشر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا


(1) - نهج البلاغة، ر 47. وزوى: منع، ولا تغبوا أفواههم: أطعموهم في كل يوم وليس في يوم دون يوم. وعامة الصلاة: جميع أنواعه من الفرائض والنوافل ومن أي نوع من الصلاة. (2) - نهج البلاغة، ر 23. و (محمد) صلى الله عليه واله وسلم عطف على (ألا تشركوا) مرفوع. والآيتان في النور، 24: 22، وآل عمران، 3: 198.

[786]

- على ما ذكره غير واحد من الأعلام كابن عبد البر وغيره - وقال أكثر من مرة: (والله ليخضبنها من فوقها). وأما الوقايع التى وقعت بعد شهادته عليه السلام فكثيرة جدا تحتاج إلى تأليف برأسه و لا مجال هنا لذكرها فطوينا عنها وأشرنا إلى واقعة كونية وهي ما أورده الزمخشري في (ربيع الأبرار) على ما في (تاريخ الخميس) في هجرة النبي صلى الله عليه واله وسلم عن ام معبد، قالت: (لما توضأ صلى الله عليه واله وسلم مج في أصل عوسجة يابسة عندنا فأينعت وأثمرت كنا نستشفي بثمارها في حياته - إلى - فأصبحت ذات شوك من اسفلها إلى أعلاها و تساقط ثمرها وذهبت نضرتها وما شعرنا إلا بقتل أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، فما أثمرت بعد ذلك وكنا ننتفع بورقها ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط وقد ذبل ورقها إذ أتانا خبر مقتل الحسين عليه السلام ويبست الشجرة). فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا. ولله الحمد أولا وآخرا. الاستدراك عن الاصبغ بن نباتة قال لما ضرب أمير المؤمنين عليه السلام الضربة التي كانت وفاته فيها اجتمع إليه الناس بباب القصر وكان يراد قتل ابن ملجم لعنه الله فخرج الحسن عليه السلام فقال: معاشر الناس إن أبى أوصاني أن أترك أمره إلى وفاته فإن كان له الوفاة وإلا نظر هو في حقه فانصرفوا يرحمكم الله. قال: فانصرف الناس و لم أنصرف فخرج ثانية وقال لي: يا اصبغ أما سمعت قولي عن قول أمير المؤمنين ؟ قلت: بلى ولكني رأيت حاله فأحبت أن أنظر إليه فأستمع منه حديثا فاستأذن لي رحمك الله فدخل ولم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل فدخلت فإذا أمير المؤمنين عليه السلام معصب بعصابة وقد علت صفرة وجهه على تلك

[787]

العصابة وإذا هو يرفع فخذا ويضع اخرى من شدة الضربة وكثرة السم فقال لي: يا أصبغ أما سمعت قول الحسن عن قولي ؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين ولكني رأيتك في حالة فأحببت النظر إليك وأن أسمع منك حديثا فقال لي: اقعد فما أراك تسمع مني حديثا بعد يومك هذا اعلم يا أصبغ أني أتيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عائدا كما جئت الساعة فقال: يا أبا الحسن اخرج فناد في الناس الصلاة جامعة و اصعد المنبر وقم دون مقامي بمرقاة وقل للناس: (ألا من عق والديه فلعنة الله عليه ألا من أبق من مواليه فلعنة الله عليه ألا من ظلم أجيرا اجرته فلعنة الله عليه) يا أصبغ ففعلت ما أمرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقام من أقصى المسجد رجل فقال: يا أبا الحسن تكلمت بثلاث كلمات وأوجزتهن فاشرحهن لنا فلم أرد جوابا حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقلت ما كان من الرجل قال الاصبغ: ثم أخذ عليه السلام بيدي وقال: يا أصبغ ابسط يدك فبسطت يدي فتناول إصبعا من أصابع يدي وقال: يا أصبغ كذا تناول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إصبعا من أصابع يدي كما تناولت إصبعا من أصابع يدك ثم قال: يا أبا الحسن ألا وإني وأنت أبوا هذه الامة فمن عقنا فلعنة الله عليه ألا وإني وأنت موليا هذه الامة فعلى من أبق عنا لعنة الله ألا وإني وأنت أجيرا هذه الامة فمن ظلمنا اجرتنا فلعنة الله عليه ثم قال آمين فقلت: آمين. قال الاصبغ: ثم أغمي عليه ثم أفاق فقال لي: أقاعد أنت يا أصبغ ؟ قلت: نعم يا مولاي قال: أزيدك حديثا آخر ؟ قلت: نعم زادك الله من مزيدات الخير قال: يا أصبغ لقيني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في بعض طرقات المدينة وأنا مغموم قد تبين الغم في وجهي فقال لي: يا أبا الحسن أراك مغموما ألا أحدثك بحديث لا تغتم بعده أبدا ؟ قلت: نعم قال: إذا كان يوم القيامة نصب الله منبرا يعلو منابر النبيين والشهداء ثم يأمرني الله أصعد فوقه ثم يأمرك الله أن تصعد دوني بمرقاة ثم يأمر الله ملكين فيجلسان دونك بمرقاة فإذا استقلنا على المنبر لا يبقى أحد من الاولين و الآخرين إلا حضر فينادي الملك الذي دونك بمرقاة: معاشر الناس ألا من عرفني

[788]

فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي أنا رضوان خازن الجنان ألا إن الله بمنه وكرمه وفضله وجلاله أمرني أن أدفع مفاتيح الجنة إلى محمد وإن محمدا أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب فاشهدوا لي عليه ثم يقوم ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة مناديا يسمع أهل الموقف: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإنا أعرفه بنفسي: أنا خازن النيران ألا إن الله بمنه و فضله وكرمه وجلاله قد أمرني أن أدفع مفاتيح النار إلى محمد وإن محمد قد أمرني أن أدفعا إلى علي بن أبي طالب فاشهدوا لي عليه فآخذ مفاتيح الجنان و النيران ثم قال: يا علي فتأخذ بحجزتي وأهل بيتك يأخذون بحجزتك وشعيتك يأخذون بحجزة أهل بيتك قال: فصفقت بكلتا يدي: وإلى الجنة يارسول الله ؟ قال: إي ورب الكعبة. قال الصبغ: فلم أسمع من مولاي غير هذين الحديثين ثم توفي صلوات الله عليه (1).


الروضة: 22 و 23. ولم نجده في الفضائل.

[789]

الباب الخامس التبري عن اعداء علي عليه السلام ولعنهم

[791]

1 - قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من تأثم أن يلعن من لعنه الله فعليه لعنة الله (1). 2 - عن ابن عباس قال: إن لعلي بن أبي طالب في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس قوله فأذن مؤذن بينهم (2) فهو المؤذن بينهم يقول: ألا لعنه الله على الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقي (3). 3 - عن علي بن عاصم الكوفي الاعمى قال - بعد كلام طويل قلت له (لابي محمد العسكري عليه السلام): إني عاجز عن نصرتكم بيدي وليس أملك غير موالاتكم والبرائة من أعدائكم واللعن لهم في خلواتي فكيف حالي يا سيدي ؟ فقال عليه السلام: حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: من ضعف على (عن - ظ) نصرتنا أهل البيت ولعن في خلواته أعدائنا بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة فكلما لعن أحدكم أعدائنا صاعدته الملائكة ولعنوا من لا يلعنهم فإذا بلغ صوته إلى الملائكة استغفروا له وأثنوا عليه وقالوا: اللهم صل على روح


(1) الحر العاملي: الاثنا عشرية ؟ الفصل التاسع ص 195. (2) - الاعراف 7: 44. (3) الحسكاني: شواهد التنزيل ج 1: ص 202 ط بيروت.

[792]

عبدك هو الذي بذل في نصرة أوليائه جهده ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل فإذا النداء من قبل الله تعالى يقول: يا ملائكتي ! إني قد أجبت دعائكم في عبدي هذا وسمعت ندائكم وصليت على روحه مع أرواح الابرار وجعلته من المصطفين الاخيار (1). 4 - قال العالم العامل العابد الزاهد سيد العارفين رضى الدين سيد بن طاوس رحمه الله: عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام وبكير بن صالح عن سليمان بن جعفر عن الرضا عليه السلام قالا: دخلنا عليه وهو ساجد في سجدة الشكر فأطال في سجوده ثم رفع رأسه فقلنا له: أطلت السجود فقال: من دعا في سجدة الشكر بهذا الدعاء كان كالرامي مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم بدر (2) قالا: قلنا فنكتبه ؟ قال: اكتبا: إذا أنتما سجدتما سجدة الشكر فتقولا: اللهم العن اللذين بدلا دينك وغيرا نعمتك: واتهما رسولك صلى الله عليه واله وسلم و خالفا ملتك وصدا عن سبيلك وكفرا آلائك وردا عليك كلامك و استهزءا برسولك وقتلا ابن نبيك وحرفا كتابك وجحدا آياتك و سخرا باياتك واستكبرا عن عبادتك وقتلا أوليائك وجلسا في مجلس لم يكن لهما بحق وحملا الناس على أكتاف آل محمد صلى الله عليه واله وسلم. اللهم العنهما يتلوا بعضهم بعضا واحشرهما وأتباعهما إلى جهنم زرقا. اللهم انا نتقرب اليك باللعنة لهما والبرائة منهما في الدنيا والآخرة. اللهم العن قتلة أمير المؤمنين وقتلة الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. اللهم زدهما عذابا فوق عذاب وهوانا فوق هوان و ذلا فوق ذل وخزيا فوق خزي. اللهم دعهما في النار دعا واركسهما


(1) - المجلسي: بحار الانوار ج 50: ص 316. (2) وفي (مصباح) الكفعمي (ص 553) في بدر واحد وجنين بألف ألف سهم.

[793]

في اليم عقابك ركسا. اللهم احشرهما واتباعهما إلى جهنم زمرا. اللهم فرق جمعهم وشتت امرهم وخالف بين كلمتهم وبدد جماعتهم و العن أئمتهم واقتل قادتهم وسادتهم وكبرائهم والعن رؤسائهم و اكسر رايتهم والق البأس بينهم ولا تبق منهم ديارا اللهم العن ابا جهل والوليد لعنا يتلو بعضه بعضا ويتبع بعضه بعضا. اللهم العنهما لعنا يلعنهما به كل ملك مقرب وكل نبي مرسل وكل مؤمن امتحنت قلبه للايمان. اللهم العنهما لعنا يتعوذ منه أهل النار. اللهم العنهما لعنا لم يخطر لاحد ببال. اللهم العنهما في مستسر سرك وظاهر علانيتك و عذبهما عذابا في التقدير وشارك معهما ابنتيهما واشياعهما ومحبيهما ومن شايعهما أنك سميع الدعاء (1). 5 - عن أبي حمزة الثمالي: عن علي بن الحسين عليه السلام قال: من لعن الجبت و الطاغوت لعنة واحدة كتب الله له سبعين ألف ألف حسنة ومحى عنه سبعين ألف ألف سيئة ورفع له سبعين ألف ألف درجة ومن أمسى يلعنهما لعنة واحدة كتب له مثل ذلك: فمضى مولانا علي بن الحسين عليه السلام فدخلت على مولانا أبي جعفر الباقر فقلت: يا مولاي ! حديث سمعته من أبيك فقال: هات: ياثمالي... ! (2) 6 - عن الحسين بن ثوير وابن سلمة السراج قالا: سمعنا أبا عبد الله وهو يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال وأربعا من النساء: فلانا وفلانا وفلانا و يسميهم ومعاوية وفلانة وفلانة وهندا وام الحكم أخت معاوية (3). 7 - عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام: إذا انحرفت عن صلاة مكتوبة فلا تنحرف إلا


(1) سيد بن طاووس: مهج الدعوات / باب أدعية مولانا علي بن موسى الرضا عليه السلام. (2) الطهراني: شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور ص 371. (3) الحر العاملي: وسائل الشيعة ج 6: ص 462 / باب 19 ط آل البيت.

[794]

بانصراف لعن بني أمية (1). 8 - عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد قنت ودعا على قوم بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم وفعله علي عليه السلام بعده (2). 9 - عن علي عليه السلام: أنه قنت في الصبح فلعن معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى وأبا الاعور وأصحابهم (3). 10 - وفي حديث آخر أنه عليه السلام صلى بالناس المغرب فقنت في الركعة الثانية و لعن معاوية وعمرو العاص وأبا موسى الاشعري وأبا الاعور السلمي. 11 - وايضا -: كان علي عليه السلام بعد الحكومة إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة وسم قال: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا موسى وحبيب بن سلمة و عبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد بن عقبة (4). 12 - علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن حكيم قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك فقهنا في الدين واغنانا الله بكم عن الناس حتى إن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه تحضره المسألة و يحضره جوابها فيما من الله علينا بكم فربما ورد علينا الشئ لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شئ فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الاشياء لما جاءنا عنكم فتأخذ به فقال: هيهات هيهات في ذلك والله هلك من هلك يابن حكيم ! قال: ثم قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت (5). 13 - عن إسحاق بن عمار الص