كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي ج 2
كشف الغمة
ابن أبي الفتح الإربلي ج 2
[ 1 ]
كشف الغمة في معرفة الائمة تأليف العلامة المحقق أبى الحسن على بن عيسى بن أبي الفتح الاربلي (ره) المتوفى سنة 693 ه الجزء الثاني دار الاضواء بيروت * لبنان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم فصل في ذكر مناقب شتي واحاديث متفرقة أوردها الرواة والمحدثون وأخبار وآثار دالة على ما نحن بصدده من ذكر فضله من كفاية الطالب عن وهب بن منبه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما بعثت عليا في سرية إلا رأيت جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره والسحابة تظله حتى يرزقه الله الظفر. و من الكتاب المذكور عن الامام على بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام عن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش: نعم الاب أبوك ابراهيم خليل الرحمان، ونعم الاخ أخوك على بن أبي طالب عليه السلام.
ومنه عن ابن أبى ليلى الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون بعدى فتنة فإذا كان ذلك فالزموا على بن أبى طالب فانه أول من آمن بى وأول من يصافحني يوم القيامة وهو في السماء القيامة وهو الفاروق بين الحق والباطل.
[ 3 ]
قال: هذا حديث صحيح حسن عال. رواه الحافظ في أماليه قال أبو على الكوكبى عن أبي السمرى عن عوانة بن الحكم عن أبى صالح قال: ذكر على ابن أبى طالب عليه السلام عند عائشة وابن عباس حاضر، فقالت عائشة: كان من أكرم رجالينا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال ابن عباس: وأى شئ يمنعه عن ذاك اصطفاه الله بنصرة رسول الله، وأرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لاخوته واختاره لكريمته، وجعله أبا ذريته ووصيه من بعده، فان ابتغيت شرفا فهو في أكرم منبت وأورق عودا، وان أردت إسلاما فأوفر بحظه وأجزل بنصيبه، وان أردت شجاعة فبهمة حرب وقاضية حتم يصافح السيوف أنسا لا يجد لموقعها حسا، ولا ينهنه نعنة ولا تقله الجموع، الله ينجده وجبرئيل يرفده ودعوة الرسول تعضده، أحد الناس لسانا وأظهرهم بيانا، وأصدعهم بالثواب في أسرع جواب، عظته أقل من عمله، وعمله يعجز عنه أهل دهره فعليه رضوان الله وعلى مبغضيه لعاين الله. ونقلت من أمالى الطوسى أن عبد الرحمن بن أبى ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنى سائلك لاخذ عنك ولقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، ألا تحدثنا عن أمرك هذا كان بعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أو شئ رأيته أنت ؟ فإنا قد أكثرنا فيك الاقاويل وأوثقه عندنا ما نقلناه عنك وسمعناه من فيك، إنا كنا نقول: لو رجعت اليكم بعد رسول الله
صلى الله عليه وآله لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدرى إذا سئلت ما أقول أزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك، فإن قلت ذلك فعلى م نصبك رسول الله صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع ؟ فقال: أيها الناس من كنت مولاه فعلى مولاه، وإن تك أولى منهم بما كانوا فيه فعلى م نتولاهم ؟. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا عبد الرحمن إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وآله
[ 4 ]
وأنا يوم قبضه أولى بالناس منى بقميصي هذا، وقد كان من نبى الله إلى عهد لو خزمتمونى بأنفى لاقررت سمعا لله وطاعة وأن أول ما انتقصنا بعده إبطال حقنا في الخمس فلما رق أمرنا طمعت ريعان من قريش فينا، وقد كان لى على الناس حق لوردوه إلى عفوا قبلته وقمت فيه إلى أجل معلوم، وكنت كرجل له على الناس حق إلى أجل، فان عجلوا له ماله أخذه وحمدهم عليه، وان أخروه أخذه غير محمودين وكنت كرجل يأخذ السهولة وهو عند الناس محزن وإنما يعرف الهدى بقلة من يأخذه من الناس، وإذا سكت فاعفوني، فانه لو جاء أمر جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم فكفوا عنى ما كففت عنكم، فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الاول: لعمري لقد أيقظت من كان نائما * * وأسمعت من كانت له أذنان وعن الاصبع بن نباتة قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: أيها الناس اسمعوا مقالتي وعواكلامى، ان الخيلاء من التجبر والنخوة من التكبر، وان الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل، ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابزوا ولا تخاذلوا، فان شرائع الدين واحدة وسيلة قاصدة، من أخذ بها لحق ومن تركها مرق ومن فارقها محق ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن، ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالكذوب
إذا نطق، نحن أهل بيت الرحمة وقولنا الحق وفعلنا القسط، ومنا خاتم النبيين وفينا قادة الاسلام وأمناء الكتاب، ندعوكم إلى الله ورسوله وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء رضوانه، والى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ لاهله. إلا وإن أعجب العجب ان معاوية بن أبى سفيان الاموى وعمرو بن العاص السهمى يحر ضان الناس على طلب الدين بزعمهما، وانى والله لم أخالف
[ 5 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله قط، ولم أعصه في أمر قط، أقيه بنفسى في المواطن التى تنكص فيها الابطال وترعد منها الفرائض بقوة أكرمنى الله بها فله الحمد. ولقد قبض النبي صلى الله عليه وآله وان رأسه لفى حجري، ولقد وليت غسله بيدى تقلبه الملائكة المقربون معى، وأيم الله ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر باطلها على حقها إلا ما شاء الله، وعن سعيد بن المسيب قال: سمعت رجلا سأل عبد الله بن عباس عن على بن أبى طالب عليه السلام فقال له ابن عباس: إن عليا صلى القبلتين وبايع البيعتين ولم يعبد صنما ولا وثنا، ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح، ولد على الفطرة ولم يشرك بالله طرفة عين، فقال الرجل: إنى لم أسألك عن هذا إنما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حق أتى البصرة فقتل بها أربعين الفا، ثم سار الى الشم فلقى حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم، ثم أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم، فقال له ابن عباس: أعلى أعلم عندك أم أنا ؟ فقال: لو كان على أعلم عندي منك ما سألتك، قال: فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثم قال: ثكلتك أمك على علمني وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول الله علمه من الله من فوق عرشه، فعلم النبي من
الله وعلم على من النبي، وعلمي من علم على، وعلم أصحاب محمد كلهم في علم على كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر !. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قبض الله نبيا حتى أمره أن يوصى الى أفضل عشيرته من عصبته، وأمرني أن أوصى فقلت: الى من يا رب ؟ فقال: أوص يا محمد الى ابن عمك على بن أبى طالب، فانى قد أثبته في الكتب السابقة، وكتبت فيها أنه وصيك وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق ومواثيق أنبيائي ورسلي أخذت مواثيقهم لى
[ 6 ]
بالربوبية، ولك يا محمد يالنبوة ولعلى بن أبى طالب بالولاية. ومن أمالى الطوسى عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول أعطاني الله تبارك وتعالى خمسا وأعطى عليا خمسا، أعطاني جوامع الكلم، وأعطى عليا جوامع العلم، وجعلني نبيا وجعله وصيا، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحى وأعطاه الالهام، وأسرى بى إليه، وفتح له أبواب السماء والحجب حتى نظر إلى ونظرت إليه، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: ما يبكيك فداك أبي وأمي ؟ فقال: يا ابن عباس إن أول ما كلمني به أن قال: يا محمد انظر تحتك فنظرت الى الحجب قد النخرقت والى أبواب السماء قد فتحت، ونظرت الى على وهو رافع رأسه إلى فكلمنى وكلمته وكلمني ربى عز وجل. فقلت: يا رسول الله بم كلمك ربك ؟ قال: قال لى: يا محمد انى جعلت عليا وصيك ووزيرك وخليفتك من بعدك فاعلمه بها، فها هو يسمع كلامك فأعلمته وأنا بين يدى ربى عز وجل، فقال لى: قد قبلت وأطعت فأمر الله الملائكة أن تسلم عليه، ففعلت فرد عليهم السلام ورأيت الملائكة يتباشرون به
وما مررت بملا منهم إلا هنونى وقالوا: يا محمد والذى بعثك بالحق لقد دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عز وجل لك ابن عمك ورأيت حملة العرش وقد نكسوا رؤوسهم فسألت جبرئيل عليه السلام فقال: إنهم استأذنوا الله في النظر إليه فأذن لهم فلما هبطت الارض جعلت أخبره بذلك وهو يخبرني فعلمت انى لم أطأ موطئا إلا وقد كشف لعلى عنه. قال ابن عباس: فقلت: يا رسول الله أوصني، فقال: عليك بحب على ابن أبى طالب، قلت: يا رسول الله أوصني قال: عليك بمودة على بن أبى طالب والذى بعثنى بالحق نبيا إن الله لا يقبل من عبد حسنة حتى يسأله عن حب على
[ 7 ]
ابن أبى طالب وهو تعالى أعلم، فان جاءه بولايته قبل عمله على ما كان فيه، وان لم يأته بولايته لم يسأله عن شئ وأمر به الى النار، يا ابن عباس والذي بعثني بالحق نبيا إن النار لاشد غضبا على مبغض علي منها على من زعم ان لله ولدا. يا ابن عباس لو أن الملائكة المقربين والانبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه ولن يفعلوا لعذبهم الله بالنار، قلت: يا رسول الله وهل يبغضه أحد ؟ فقال: يا ابن عباس نعم يبغضه قوم يذكرون أنهم من أمتي، لم يجعل الله لهم في الاسلام نصيبا. يا ابن عباس ان من علامة بغضهم له تفصيل من هو دونه عليه، والذى بعثنى بالحق نبيا ما خلق الله نبيا أكرم عليه منى، ولا وصيا أكرم عليه من وصيى على. قال ابن عباس: فلم أزل له كما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصاني بمودته وأنه لاكبر عملي عندي.
قال ابن عباس: ثم مضى من الزمان ما مضى، وحضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة، وحضرته فقلت له: فداك أبى وأمى يا رسول اللله قد دنا أجلك فما تأمرني ؟ فقال: يا ابن عباس خالف من خالف عليا ولا تكونن لهم ظهيرا ولا وليا، قلت: يا رسول الله الله فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته ؟ قال: فبكى صلى الله عليه وآله حتى أغمى عليه، ثم قال: يا ابن عباس سبق الكتاب فيهم وعلم ربى، والذى بعثنى بالحق نبيا لا يخرج أحد ممن خالفه من الدنيا وأنكر حقه حتى يغير الله ما به من نعمة، يا ابن عباس إذا أردت أن تلقى الله وهو عنك راض فاسلك طريقة على بن أبى طالب، ومل معه حيث ما مال، وارض به إماما وعاد من عاداه ووال من والاه، يا ابن عباس احذر أن يدخل شك فيه،
[ 8 ]
فان الشك في على كفر بالله. وعن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بطن قديد لعلى عليه السلام: يا على انى سألت الله عز وجل أن يوالى بينى وبينكم ففعل وسألته أن يواخى بينى وبينك ففعل، وسألته أن يجعلك وصيي ففعل، فقال رجل من القوم: والله لصاع من تمر في شن بال خير مما سأل محمد ربه هلا، سأله ملكا يعضده أو كنزا يستمعين به على فاقته، فأنزل الله تعالى (فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وضائق به صدرك أن يقولوا: لو لا أنزل عليه كنز أو جإ معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل). وعن حبش بن المعتمر قال: دخلت على أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته كيف أمسيت ؟ قال أمسيت محبا لمحبنا ومبغضا لمبغضنا، وأمسى محبنا مغتبطا برحمة من الله كان ينتظرها وأمسى عدونا يؤسس بنيانه على شفا جرف هار، فكان قد انهار
به في نار جهنم وكان أبواب الرحمة قد فتحت لا هلها فهنيئا لاهل الرحمة رجمتهم والتعس لاهل النار والنار لهم، يا حبش من سره أن يعلم أمحب هو لنا أم مبغض فليمتحن قلبه، فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض لنا، وان كان يبغض ولينا فليس بمحب لنا، ان الله أخذ الميثاق لمحبنا بمودتنا، وكتب في الذكر الحكيم اسم مبغضنا نحن النجباء وأفراطنا أفراط الانبياء. - الافراط: السابقون الى الماء وفى الحديث أنا فرطكم الى الحوض أي سابقكم، ومنه يقال للطفل الميت اللهم اجعله لنا فرطا أي أجرا يتقد منا -. وعن المنهال بن عمر وقال: أخبرني رجل من تميم قال: كنا مع على عليه السلام بذى قار ونحن نرى أنا سنتخطف في يومنا فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقه، ولنقتلن هذين الرجلين - يعنى طلحة والزبير - ولنستبيحن
[ 9 ]
عسكر هما قال التميمي: فأتيت عبد الله بن العباس فقلت: أما الى ابن عمك وما يقول ؟ فقال: لا تعجل حتى تنطر ما يكون، فلما كان من أمر البصرة ماكان، أتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلا قد صدق، فقال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها الى أحد غيره، فلعل هذا مما عهد إليه. وعن وايلة الكنانى قال: سمعت أمير المومنين عليه السلام يقول: إن أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل. اتباع الهوى، فأماطول الأمل فينسى الاخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وان الدنيا ولت مدبرة والاخرة قد أقبلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الاخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولاحساب والاخرة حساب ولاعمل. وعن جابر بن عبد الله الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
جبرئيل عليه السلام نزل على وقال: إن الله يأمرك أن تقوم بتفضيل على بن أبى طالب خطيبا على أصحابك ليبلغوا من بعدهم ذلك، ويأمر جميع الملائكة أن تسمع ما تذكره، والله يوحى اليك يا محمد ان من خالفك قى أمره فله النار ومن أطاعك فله الجنة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج حتى علا المنبر، فكان أول ما تكلم به: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمان الرحيم. ثم قال: أيها الناس أنا البشير وأنا النذير، أنا النبي الامي انى مبلغكم عن الله عز وجل في أمر رجل لحمه من لحمى، ودمه من دمى، وهو عيبة العلم وهو الذى انتجيه الله من هذه الامة، واصطفاه وهداه وتولاه، وخلقني وإياه وفضلني بالرسالة وفضله بالتبليغ عنى، وجعلي مدينة العلم وجعله الباب، وجعله خازن العلم والمقتبس منه الاحكام، وخصه بالوصية وأبان أمره
[ 10 ]
وخوف من عداوته، وأزلف من والاه وغفر لشيعته، وأمر الناس جميعا بطاعته، وانه عز وجل يقول: من عاداه فقد عاداني، ومن والاه فقد والانى ومن ناصبه ناصبنى ومن خالفه وخالفني، ومن عصاه عصاني ومن آذاه آذانى ومن أبغصه أبغصنى، ومن أحبه أحبنى، ومن أراده أرادنى ومن كاده كادنى ومن نصره نصرنى. يا أيها الناس اسمعوا لما أمركم به وأطيعوه، فأنى أخوفكم عقاب الله (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه). ثم أخذا بيد على عليه السلام فقال: معاشر الناس هذا مولى المؤمنين وحجة الله على الخلق أجمعين، والمجاهد للكافرين، اللهم انى قد بلغت وهم عبادك وأنت قادر على صلاحهم فاصلحهم برحمتك يا أرحم الراحمين، أستغفر الله لى
ولكم ونزل. فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: جزاك الله خيرا عن تبليغك، فقد بلغت رسالات ربك، ونصحت لامتك وأرضيت المؤمنين، وأرغمت الكافرين، يا محمد ان ابن عمك مبتلى ومبتلى به، يا محمد قل في كل أو قاتك الحمد لله رب العالمين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وعن زيد بن على بن الحسين عن أبيه عن جده عن على عليهم السلام قال: كان لى من رسول الله صلى الله عليه وآله عشر لم يعطا هن أحد قبلى، قال لى: يا على أنت أخى في الدنيا، ومعى في الاخرة، وأنت أقرب الناس منى موقفا يوم القيامة، ومنزلي ومنزلك في الجنة متواجهان كمنزل الاخوين، وأنت الوصي وأنت الولى، وأنت الوزير، عدوك عدوى، وعدوى عدو الله ووليك ولي ووليي ولي الله.
[ 11 ]
عن على بن الحسين زين العابدين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل ابراهيم عليه السلام فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمد اشمأزت قلوبهم، والذى نفس محمد بيده لو أن عبدا جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتى وعن أبى وجزه السعدى عن أبيه قال: أوصى أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام الى الحسن بن على عليهما السلام وقال فيما أوصى به إليه: يا بنى لا فقر أشد من الجهل، ولا عدم أعدم من عدم العقل: ولا وحشة أوحش من العجب، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف عن محارم الله، ولا عبادة كالتفكر في صنعة الله. يا بنى العقل خليل المرء والحلم وزيره والرفق والده والصبر من
خير جنوده. يا بنى انه لابد للعاقل أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه، وليعرف أهل زمانه. يا بنى أن من البلاء الفاقة، وأشد من ذلك مرض البدن، وأشد من ذلك مرض القلب، وان من النعم سعة المال، وأفضل من ذلك صحة البدن، وأفضل من ذلك تقوى القلوب. يا بنى للمؤمن ثلاث ساعات، ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه ولذتها فيما يحل ويحمل، وليس للمؤمن بد من أن يكون شاخصا في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة لمعاد، أو لذة في غير محرم، وعن ميثم التمر رحمه الله وقد تقدم مثله، وكان هذا الحديث أبسط فذكرته قال: تمسينا ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال لنا: ليس من عبد امتحن
[ 12 ]
الله قلبه للايمان إلا أصبح يجد مودتنا على قلبه، ولا أصبح عبد ممن سخط الله عليه إلا يجد بغضنا على قلبه وأصبحنا نفرح بحب المحب لنا، ونعرف بغض المبغض لنا، وأصبح محبنا مغتبطا بحبنا برحمة من الله ينتظرها كل يوم وأصبح مبغضنا يوسس بنيانه على شفا جرف هار، فكان ذلك الشفا قد انهار به في نار جنهم وكان أبواب الرحمة قد فتحت لاهل الرحمة، فهنيئا لهم رحمتهم، وتعسا لاهل النار مثواهم، ان عبدا لن يقص رفى حبنا لخير جعله الله في قلبه، ولن يحبنا من يحب مبغضنا ان ذلك لا يجتمع في قلب واحد، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، يحب بهذا قوما ويحب بالاخر عدوهم، والذى يحبنا فهو يخلص حبنا كما يخلص الذهب لا غش فيه، نحن النجباء وأفراطنا أفراط
الانبياء وأن وصى الاوصياء، وأنا حزب الله ورسوله والفئة الباغية حزب الشيطان، فمن أحب أن يمتحن حاله في حبنا فليمتحن قلبه، فان وجد فيه حب من ألب علينا فليعلم أن الله عدوه وجبرئيل وميكائيل والله عدو للكافرين وعن أبى سخيلة قال: لنا أما أنه ستكون بعدى فتنة ولابد منها فعليكم بكتاب الله والشيخ على بن أبى طالب فالزموهما فانى أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله أنى سمعته وهو يقول: على أول من آمن بى وأول من صدقنى، وأول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الاكبر وهو فاروق هذه الامة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين. وعن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بطن قديد قال لعلى بن أبى طالب عليه السلام: يا على انى سألت الله عز وجل أن يوالى بينى وبينك ففعل، وسألته أن يواخى بينى وبينك ففعل، وسألته أن يجعلت وصيي ففعل، فقال رجل من القوم: والله لصاع من تمر في شن بال
[ 13 ]
خير مما قد سأل محمد ربه، هلا سأله ملكا يعضده على عدوه، أو كنزا يستعين به على فاقته، فأنزل الله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنزل أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل). وعن المنهال بن عمرو قال: أخبرني رجل م تميم قال: كنا مع على ابن أبى طالب عليه السلام بذي قار، ونحن نرى أنا سنخطف في يومنا، فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقة ولنقلتن هذين الرجلين - يعنى طلحة والزبير - ولنستبيحن عسكر هما، قال التميمي: فأتيت ابن عباس فقلت: ألا ترى الى ابن عمك وما يقول ؟ فقال: لا تعجل حتى تنظر ما يكون فلما كان
من أمر البصرة ما كان أتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلا قد صدق، قال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ان النبي صلى الله عليه وآله عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها الى أحد غيره، فلعل هذا مما عهد إليه. وعن جابر بن عبد الله الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل نزل على وقال: إن الله يأمرك أن تقوم الساعة بتفضيل على بن أبى طالب عليه السلام خطيبا على أصحابك ليبلغوا من بعدهم ذلك عنك، ويأمر جميع الملائكة أن تسمع ما تذكره، والله يوحى اليك يا محمد إن من خالفك في أمره فله النار، ومن أطاعك فله الجنة، فأمر النبي صلى الله عليه وآله مناديا فنادى بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج حتى علا فكان أول ما تكلم به: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمان الرحيم. ثم قال: يا أيها الناس أنا البشير وأنا النذير وأنا النبي الامي، انى مبلغكم عن الله عز وجل في أمر رجل لحمه من لحمى ودمه من دمى، وهو عيبة العلم، وهو الذى انتجبه الله من هذه الامة واصطفاه وهداه وتولاه، وخلقني وإياه
[ 14 ]
وفضلني بالرسالة وفضله بالتبليغ عنى، وجعلني مدينة العلم وجعله الباب، وجعله خازن العلم والمقتبس منه الاحكام، وخصه بالوصية وأبان أمره، وخوف من عداوته وأزلف من والاه وغفر لشيعته وأمر الناس جميعا بطاعته، وانه عز وجل يقول: من عاداه عاداني، ومن والاه والانى، ومن ناصبه ناصبنى، ومن خالفه خالفني، ومن عصاه عصاني، ومن آذاه آذانى، ومن أبضغه أبغضني، ومن أحبه أحبني، ومن أراده أرادنى، ومن كاده كادنى، ومن نصره نصرنى. يا أيها الناس اسمعوا لما أمركم به وأطيعوا، فانى أخوفكم عقاب الله
(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تودلو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه). ثم أخذ بيد على عليه السلام فقال: معاشر الناس هذا مولى المؤمنين، وحجة الله على الخلق أجمعين، والمجاهد للكافرين، اللهم إنى قد بلغت وهم عبادك، وأنت القادر على صلاحهم فاصلحهم برحمتك يا أرحم الراحمين، استغفر الله لى ولكم ثم نزل عن المنبر فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول: جزاك الله عن تبليغك خيرا، فقد بلغت رسالات ربك ونصحت لامتك، وأرضيت المؤمنين وأرغمت الكافرين، يا محمد إن ابن عمك مبتلى ومبتلى به، يا محمد قل في كل أو قاتك الحمد لله رب العالمين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون - وقد تقدمت الرواية آنفا -. وعن عياض بن عياض عن أبيه قال: مر على بن أبى طالب عليه السلام بملا فيهم سلمان رحمة الله عليه، فقال لهم سلمان: قوموا فخذوا بحجزة هذا، فوالله لا يخبركم بسر نبيكم صلى الله عليه وآله أحد غيره. وعن أبى جعفر محمد بن على الباقر عليهما السلام ما ثبت الله حب على
[ 15 ]
ابن أبى طالب في قلب أحد فزلت له قدم إلا ثبتت له قدم أخرى. وعن زاذان قال: سمعت سلمان رحمه الله يقول: لا أزال أحب عليا عليه السلام، فانى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يضرب فخذه ويقول: محبك لى محب، ومبغضك لى مبغض، ومبغضني لله تعالى مبغض الحديث ذو شجون. قيل لابي عبد الله الصادق عليه السلام: ما أكثر ما تذكر سلمان الفارسى فقال: لا تقولوا الفارسى وقولوا المحمدى ان ذكرى له لثلاث خصال: أحدها إيثاره هوى أمير المؤمنين على هوى نفسه، والثانية: حبه للفقراء واختياره إياهم
على أهل الثروة والعدد، والثالثة: حبه للعلم والعلماء إن سلمان كان عبدا صالحا حنيفا مسلما وما كان من المشركين وعن أبى جعفر محمد بن على الباقر عليهما السلام قال: جلس جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ينتسبون ويفتخرون وفيهم سلمان رحمه الله فقال له عمر: ما نسبك أنت يا سلمان وما فضلك ؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله بمحمد صلى الله عليه وآله، وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد صلى الله عليه وآله، وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد صلى الله عليه وآله فهذا حسبى ونسبي يا عمر ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر له سلمان ما قال عمر وما أجابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر قريش إن حسب المرء دينه، ومروته خلقه، وفضله عقله قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم) ثم أقبل على سلمان رحمه الله فقال له: يا سلمان إنه ليس لاحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل، فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه. أقول: إن فضل سلمان مشهور معلوم ومكانه من علو المكانة والزهادة مفهوم ولو لا الخروج عن عرض هذا الكتاب لذكرت من فضله ما يشهد بنبله ولا مللت من مناقبه ما يؤذن باعتلاء مراتبه التى أغنته عن مناسبه، وأنت
[ 16 ]
لو فكرت لعلمت، ورأيت أنه يكفيه نسبا قوله صلى الله عليه وآله: سلمان من أهل البيت وان مد الله في الاجل، وفسح في رقعة المهل، فسوف أفرد كتابا في فضل أصحاب على عليه السلام من فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنبه فيه على شرف محلهم المرفوع، وأبين أنه لابد من مشابهة ما بين التابع والمتبوع. وعن سلمان رحمه الله قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على النصح للمسلمين والائتمام بعلى بن أبى طالب والموالاة له.
وعن أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إن الله تعالى ضمن للمؤمن ضمانا قال: قلت: وما هو ؟ قال: ضمن له أن أقر لله بالربوبية، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، ولعلى صلى الله عليه وآله بالامامة، وأدى ما افترض الله عليه أن يسكنه في جواره قال: قلت: هذه والله هي الكرامة التى لا تشبهها كرامة الادميين، ثم قال أبو عبد الله: اعملوا قليلا تنعموا كثيرا. وعنه عليه السلام في قول الله عز وجل: و (علامات وبالنجم هم يهتدون) قال: النجم هو رسول الله صلى الله عليه وآله والعلامات الأئمة من بعده عليه وعليهم السلام وعن على الرضا عن أبيه موسى عن أبيه جعفر عن أبيه محمد عن أبيه على عن أبيه الحسين عن أبيه على بن أبى طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتى وقاتلهم، وعلى المعترض عليهم والساب لهم أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وعن على عليه السلام قال: والله لاذون بيدى هاتين القصير تين عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله أعداءنا وليردنه أحباؤنا. وعنه عليه السلام قال: من أحبنى رأني يوم القيامة حيث يحب، ومن أبغضني رأني يوم القيامة حيث يكره.
[ 17 ]
وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أعطاني الله خمسا وأعطى عليا خمسا، أعطاني جوامع الكلم وأعطى عليا جوامع العلم، وجعلين نبيا وجعله وصيا، وأعطاني الكوثر وأعطى عليا السلسبيل، وأعطاني الوحى وأعطى عليا الالهام، وأسرى بى إليه وفتح له أبواب السماء حتى رأى ما رأيت ونظر إلى ما نظرت.
ثم قال: يا ابن عباس من خالف عليا فلا تكونن ظهيرا له ولا وليا، فوالذي بعثنى بالحق (نبيا) ما يخالفه أحد إلا غير الله ما به من نعمة وشوة خلقه قبل إدخاله النار يا ابن عباس لا تشك في على فان الشك فيه كفر يخرج عن الايمان، ويوجب الخلود في النار، وعن جابر بن عبد الله قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله من وصيك ؟ قال: فأمسك عنى عشرا لا يجيبني، ثم قال: يا جابر ألا أخبرك عما سألتنى ؟ فقلت: بأبى أنت وأمى أما والله لقد سكت عنى حتى ظننت أنك وجدت على فقال: ما وجدت عليك يا جابر ولكني كنت أنتظر ما يأتيني من السماء فأتاني جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن ربك يقول لك: إن على بن أبى طالب وصيك وخليفتك على أهلك وأمتك، والذائد عن حوضك، وهو صاحب لوائك يقدمك إلى الجنة، فقلت: يا نبى الله أرأيت من لا يؤمن بهذا أقتله ؟ قال: نعم يا جابر، ما وضع هذا الموضع إلا ليتابع عليه، فمن تابعه كان معى غدا، ومن خالفه لم يرد على الحوض أبدا. وعن أبى ذر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ضرب على كتف على ابن أبى طالب عليه السلام بيده وقال: يا على من أحبنا فهو العربي، ومن أبغضنا فهو العلج وشيعتنا هم أهل البيوتات والمعادن والشرف ومن كان مولده صحيحا وما على ملة ابراهيم إلا نحن وشيعتا، وسائر الناس منها براء، وان لله ملائكة
[ 18 ]
يهدمون سيئات شيعتنا كما يهدم القوم البنيان. وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسرى بى إلى السماء وانتهيت إلى السدرة المنتهى نوديت يا محمد استوص بعلى خيرا، فانه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين يوم القيامة
وعنه عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة أيها الناس انه كان لى من رسول الله صلى الله عليه وآله عشر خصال لهن أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله: يا على أنت في الدنيا والاخرة، وأنت أقرب الخلائق إلى يوم القيامة في الموقف بين يدى الجبار ومنزلك في الجنة مواجه منزلي كما يتواجه منازل الاخوان في الله عز وجل، وأنت الوارث منى وأنت الوصي من بعدى، في عداتي وأسرتي، وأنت الحافظ لى في أهلى عند غيبتى، وأنت الامام لامتي والقائم بالقسط في رعيتي، وأنت الوارث منى وأنت الوصي من بعدى، في عداتي وأسرتي، وأنت الحافظ لى في أهلى عند غيبتى، وأنت الامام لامتي والقائم بالقسط في رعيتي، وأنت وليى وولى ولي الله، وعدوك عدوى وعدوى عدو الله. وعن الاصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى على عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم، الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحج واحد، فبم نسميهم ؟ قال: سمعهم بما سماهم الله تعالى في كتابه، فقال: ما كان ما في الكتاب أعلمه، قال: أما سمعت الله يقول في كتابه: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهن من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وإيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله عز وجل وبالنبى صلى الله عليه وآله وبالكتاب وبالحق، فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم بمشيئته وإرادته وقد أحسن السيد الحميرى رحمه الله في قوله:
[ 19 ]
أقسم بالله وآلائه * * والمرء عما قال مسؤول
إن على بن أبى طالب * * على التقى والبر مجبول وانه كان الامام الذى له على الائمة تفضيل يقول بالحق ويعنى به * * ولا تلهيه الاباطيل كان إذا الحرب مرتها القنا وأحجمت عنها البهاليل يمشى إلى القرن وفى كفى * * أبيض ماضى الحد مصقول مشى العفرني بين أشباله * * أبرزه للقنص الغيل ذاك الذى سلم في ليلة عليه ميكال وجبئيل ميكال في ألف وجبرئيل في * * ألف ويتلوهم سرافيل ليلة بدر مددا أنزلوا * * كأنهم طير أبابيل فسلموا لما أتوا نحوه وذاك إعظام وتبجيل - يقال: مرت الريح السحاب إذا استدرته يريد أن القنا تستدر الحرب والبهلول الضحاك ولعله لشجاعه وبسالته لا يكترث بالحرب فيتبسم في الحالة التى تقطب فيها الرجال لخوف الحرب كما قال أبو الطيب: تمر بك الابطال كلمى هزيمة * * ووجهك وضاح وثغرك باسم والعفرنى: الاسد وهو فعلنى، والغيل بالكسر: الاجمة وبيت الاسد مثل الخميس والجمع غيول، وقال الاصمعي: الغيل الشجر الملتف، وأبابيل جماعات متفرقة ويجئ بمعنى التكثير، وهو من الجمع الذى لا واحد له، وقال بعضهم: واحدة أبول مثل عجول، وقيل: أبيل، قال: ولم اجد العرب تعرف له واحدا -. وعن على بن الحسين عن آبائه عليهم السلام قال: لما رجع على عليه السلام من وقعة الجمل، اجتاز بالزوراء فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجنبوا
[ 20 ]
عنها فان الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة، فلما أتى موضعا من أرضها قال: ما هذه الارض ؟ قيل: أرض بحرا، فقال أرض سباخ جنبوا ويمنوا فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة له، فقال له: يا راهب أنزل هيهنا ؟ فقال له الراهب: لا تنزل بجيشك هذه الارض، قال: ولم ؟ قال: لانه لا ينزلها إلا نبى أو وصى نبى بجيشه يقاتل في سبيل الله عز وجل، هكذا نجد في كتبنا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فأنا وصى سيد الانبياء وسيد الاوصياء فقال له الراهب: فأنت إذا أصلع قريش وصى محمد صلى الله عليه وآله قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا ذلك، فنزل الراهب إليه فقال: خذ على شرائع الاسلام انى وجدت في الانجيل نعتك فانك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى عليه السلام، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قف ولا تخبرنا بشئ ثم أتى موضعا فقال: إلكزوا هذا فلكزه عليه السلام فانبجست برجله عين خرارة فقال: هذه عين مريم التى أنبعت لها، ثم قال: اكشفوا هيهنا على سبعة عشر ذراعا فكشف وإذا بصخرة بيضاء فقال عليه السلام: على هذه الصخرة وضعت مريم عيسى من عاتقها، وصلت هيهنا فنصب أمير المؤمنين عليه السلام الصخرة وصلى عليها، وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة، وجعل الحرم في خيمة من الموضع، ثم قال: أرض براثا هذا بيت مريم عليها السلام هذا الموضع المقدس صلى فيه الانبياء. قال أبو جعفر محمد بن على عليهما السلام: ولقد وجدنا أنه صلى فيه ابراهيم قبل عيسى عليهما السلام. قلت: أرض براثنا هذه عند باب محول على قدر ميل أو أكثر من ذلك من بغداد، وجامع براثا هناك وهو خراب وحياطنه باقية إل شئ منها دخلت وصيت فيه وتبركت به.
[ 21 ]
وعن زيد بن على عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا على إن الله تبارك وتعالى أمرنى أن أت خذك أخا ووصيا، فأنت أخى ووصيي وخليفتي على أهلى في حياتي وبعد موتى، من تبعك فقد تبعني ومن تخلف عنك فقد تخلف عنى، ومن كفر بك فقد كفر بى ومن ظلمك فقد ظلمنى، يا على أنا منك وأنت منى يا على لولا أنت ما قوتل أهل النهر، قال: فقلت: يا رسول الله ومن أهل النهر ؟ قال: قوم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية: وعن سويد بن غفلة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: والله لو صببت الدنيا على المنافق صبا ما أحبنى، ولو ضربت بسيفي هذا خيشوم المؤمن لاحبنى، وذلك انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا على لا يحك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. وعن عبد الله بن عبد الرحمان الانصاري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت في على تسعا ثلاثا في الدنيا وثلاثا في الاخرة، واثنتين أرجو هما له، وواحدة أخافها عليه، فأما الثلاثة التي في الدنيا فساتر عورتى، والقائم بأمر أهلى ووصيي فيهم، وأما الثلاثة التى في الاخرة فانى أعطى لواء الحمد يوم القيامة فأدفعه إليه فيحمله عنه، وأعتمد عليه في مقام الشفاعة، ويعينني على حمل مفاتيح الجنة، وأما اللتان أرجوهما له: فأنه لا يرجع من بعدى ضالا ولا كافرا، وأما التى أخافها عليه فغدر قريش به من بعدى. وعن أبى عبد الله العنزي قال: إنا لجلوس مع على بن أبى طالب عليه السلام يوم الجمل إذا جاءه الناس يهتفون به يا أمير المؤمنين وقالوا: لقد نالنا النبل والنشاب فتنكر ثم جاء آخرون فذكروا مثل ذلك وقالوا: قد جرجنا فقال
عليه السلام: يا قوم من يعذرني من قوم يأمروني بالقتال ولم تنزل بعد الملائكة ؟
[ 22 ]
فقال: إنا لجلوس ما ترى ريحا ولا نحسها إذ هبت ريح طيبة من خلفنا، والله لوجدت بردها بين كتفي من تحت الدرع والثياب. فلما هبت صب أمير المؤمنين عليه السلام درعه، ثم قام إلى القوم فما رأيت فتحا كان أسرع منه. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت عليا عليه السلام ينشد ورسول الله يسمع: أنا أخو المصطفى لاشك في نسبي * * معه ربيت وسبطاه هما ولدى جدى وجد رسول الله منفرد * * وفاطم زوجتى لا قول ذى فند فالحمد لله شكرا لا شريك له * * البر بالعبد والباقى بلا أمد قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: صدقت يا علي. وعلى أمثال هذا روى عن أبى عبد الله قال: من زاد أمير المؤمنين عليه السلام عارفا بحقه غير متجبر ولا متكبر كتب الله له أجر مائة الف شهيد، وغفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر وبعث من الامنين، وهون عليه الحساب، واستقبلته الملائكة فإذا انصرف شيعته إلى منزله فان مرض عادوه، وإن مات تبعوه بالاستغفار إلى قبره. وعن زيد بن أرقم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول بغدير خم: إن الصدقة لا تحل لى ولا لاهل بيتى، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، لعن الله من تولى غير مواليه، الولد لصاحب الفراش ولعاهر الحجر، وليس لوارث وصية ألا وقد سمعتم منى ورأيتموني، ألا من كذب على متعمدا فليتبأ مقعده من النار، ألا وانى فرط لكم على الحوض ومكاثر بكم الامم يوم القيامة فلا تسودوا وجهى، ألا لاستنقذن رجالا من النار وليستنقذن من يدى
أقوام، ان الله مولاى وانى مولى كل مؤمن ومؤمنة، ألا فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه.
[ 23 ]
وقال السيد الحميري: ان امرنا خصمه أبو حسن * * لعازب الرأى داحض الحجج لا يقبل الله منه معذره * * ولا يلقيه حجة الفلج وسئل أنس بن مالك من كان آثر الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله فيما رأيت ؟ قال: ما رأيت أحدا بمنزلة علي بن أبى طالب عليه السلام ان كان يبعث في جوف الليل إليه فيستخلى به حتى يصبح، هذا كان له عنده حتى فارق الدنيا. قال: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: يا أنس تحب عليا ؟ قلت: والله يا رسول الله انى لاحبه لحبك إياه فقال: أما انك ان احببته أحبك الله وان أبغضته أبضغك الله وان أبغضك الله أو لجلك النار، وعن أبى جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عهد إلي عهدا فقلت: يا رب بينه لى، قال: اسمع، قلت: سمعت، قال يا محمد إن عليا راية الهدى بعدك، وإمام أوليائي، ونور من أطاعنى، وهو الكلمة التي ألزمها الله المتقين، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني فبشره بذلك. وعن ميثم التمار رحمه الله قال: سمعت عليا عليه السلام وهو يجود بنفسه يقول يا حسن، فقال الحسن: لبيك يا أبتاه، فقال: إن الله أخذ ميثاق أبيك على بغض كل منافق وفاسق، وأخذ ميثاق كل منافق وفاسق على بعض أبيك. ومن أخبار ابن مهدى رواية أبى جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسى رضى الله عنه، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
من زعم أنه آمن بى وبما جئت به وهو مبغض عليا فهو كاذب ليس بمؤمن. وعن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي بن أبى طالب فقال النبي صلى الله عليه وآله: قد أتاكم أخى، ثم التفت الى الكعبة فضربها بيده ثم قال:
[ 24 ]
والذى نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ثم قال: إنه أولكم إيمانا معى وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمرالله، وأعدكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية. قال: فنزل (إن الذين آمنوا وعملو الصالحات أولئك هم خير البرية) قال: وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله إذا أقبل على قالوا: قد جاء خير البرية. ومن أخبار أبى محمد الفحام رواية الطوسى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنم لم يجز عليه إلا من معه جواز فيه ولاية على بن أبى طالب، وذلك قوله تعالى: (وقفوهم انهم مسؤولون) يعنى عن ولاية على بن أبى طالب عليه السلام. وعنه عن سعيد بن حذيفة عن أبيه حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما من عبد ولا أمة يموت وفى قلبه مثقال حبة من خردل من حب على إلا أدخله الله عز وجل الجنة. وعنه عن عبد الرحمان بن أبى ليل قال: قال أبى: دفع النبي صلى الله عليه وآله الرأية يوم خيبر إلى على عليه السلام ففتح الله عليه، وأوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس انه مولى كان مؤمن ومؤمنة، وقال: أن ت منى وأنا منك وقال: تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وقال له: أنت منى بمنزلة هارون من موسى وقال له: أنا سلم لمن سالمت وحرب لمن حاربت، وقال له: أنت العروة الوثقى، وقال له: أنت تبين لهم ما اشتبه عليهم بعدى، وقال له: أنت إمام
كل مؤمن ومؤمنة بعدى، وولى لهم ما اشتبه عليهم بعدى، وقال له:: أنت الذى أنزل الله فيه (وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر) وقال له: أنت الاخذ بسنتى والذاب عن ملتى، وقال له: أنا أول من تنشق الارض عنه وأنت معى، وقال له: أنا عند الحوض وأنت معى، وقال له:
[ 25 ]
أنا أول من يدخل الجنة وأنت معى، تدخلها والحسن والحسين وفاطمة، وقال له: إن الله أوحى إلى بأن أقوم بفضلك فقمت به في الناس، وبلغتهم ما أمرنى الله بتبليغه، وقال له: اتق الضغائن التى لك في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتى، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. ثم بكى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: مم تبكى يا رسول الله ؟ فقال: أخبرني جبرئيل عليه السلام انهم يظلمونه ويمنعونه حقه ويقاتلونه ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده. وأخبرني جبرئيل عن الله عز وجل ان ذلك يزول إذا قام قائمها وعلت كلمتهم واجتمعت الامة على محبتهم وكان الشانئ لهم قليلا والكاره لهم ذيلا وكثر المادح لهم وذلك حين تغير البلاد وضعف العباد والاياس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم فيهم. قال النبي صلى الله عليه وآله: اسمه كاسمى واسم أبيه كاسم أبى، هو من ولد ابنتى يظهر الله الحق بهم ويحمد الباطل بأسيافهم ويتبعهم الناس بين راغب إليهم وخائف لهم. قال: وسكن البكاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: معاشر المؤمنين ابشروا بالفرج، فان وعد الله لا يخلف، وقضاؤه لا يرد وهو الحكيم الخبير، وان فتح الله قريب، اللهم فأنهم أهلى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم اكلاهم وارعهم وكن لهم وانصرهم وأعنهم وأعزهم ولا تذلهم واخلفني فيهم
انك على كل شئ قدير. وعن على عليه السلام في قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذا جاءه) قال: الصدق ولايتنا أهل البيت. وعن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي من بعدى، والقاضى لهم حوائجهم، والساعى لهم في
[ 26 ]
أمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه. وعن الحسين بن على عليهما السلام قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام سوق القميص فساوم شيخنا منهم، فقال: يا شيخ يعنى قميصا بثلاثة دراهم، فقال: حبا وكرامة فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، فلبسه ما بين الرسغين الى الكعبين وأتى المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم قال: الحمد لله الذى رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأؤدى فيه فريضتي، وأستر به عورتى، فقال له رجل أعنك تروى هذا أو شئ سمعته ؟ قال: بل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عند الكسوفة. وعن أبى جعفر محمد بن علي الباقر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أراد التوسل إلي وأن يكون له عندي يد أشفع له بها يوم القيامة فليصل أهل بيتى ويدخل السرور عليهم. ونقلت من أمالى الطوسى رحمه الله وقد تقدم قريب منه قال: بلغ أم سلمة ان عبدا لها ينتقض عليا عليه السلام ويتناوله، فأحضرته وقالت: يا بنى سمعت عنك كذا وكذا ؟ فقال: نعم، فقالت: اجلس ثكلتك أمك حتى أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ثم اختر لنفسك، انه كانت ليلتي ويومى من رسول الله فأتيت الباب فقلت: أدخل يا رسول الله ؟ فقال: لا،
فكبوت كبوة شديدة مخافة أن يكون ردنى من سخطه أو نزل فيش شئ من السماء ثم جئت ثانية فجرى ما جرى في الاولى، فأتيت الثالثة فأذن لى، فقال: ادخلي فدخلت وعلى عليه السلام جاث بين يديه وهو يقول: فداك أبى وأمى يا رسول الله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني ؟ قال: آمرك بالصبر، فأعاد القول ثانية، وهو يأمره بالصبر، فأعاد الثالثة فقال: يا على إذا كان ذلك منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك واضرب قدما قدما حتى تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم.
[ 27 ]
ثم التفت عليه السلام إلي فقال: ما هذا الكآبة يا أم سلمة ؟ قالت: لما كان من ردك إياي يا رسول الله، فقال: والله ما رددتك عن موجدة وانك لعلى خير من الله ورسوله، ولكن أتيتني وجبرئيل عن يمينى وعلى عن يسارى، وجبرئيل يخبرني بالاحداث التي تكون بعدى وأمرني أن أوصى بذلك عليا. يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب أخى في الدنيا، وأخى في الاخرة. يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن إبى طالب وزيرى في الدنيا ووزيرى في الاخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب حامل لوائى في الدنيا والاخرة (وحامل) لواء الحمد في الاخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب وصيى وخليفتي من بعدى وقاضي عداتي والذائد عن حوضى، يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين قلت: يا رسول الله من الناكثون ؟ قال: الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة، قلت: من القاسطون ؟ قال: معاوية وأصحابه من أهل الشام، قلت من المارقون ؟ قال: أصحاب النهروان، فقال مولى أم سلمة:
فرجت عنى فرج الله عنك والله لا سببت عليا أبدا. قلت: أبعد الله هذا العبد وأبعد داره، ولا قرب منزله ولا أدنى جواره، لانه حين كان مبغضا لامير المؤمنين عليه السلام كان ذا عقيدة ذميمة وطريقة غير مستقيمة، فلما عرف الصواب تاب عن سبه ولم يمل إلى صحبته، ولا قال أعتقد ما يجب منه حبه وأكون معه ومن حزبه، وهل يرضى بذلك إلا من غطى الله على عينه وقلبه. ورضى الله عن أم المؤمنين أم سلمة فلقد أدت الامانة في مقالها، وقدمت هذه الشهادة أمام ارتحالها عن الدنيا وانتقالها، وستجنى رحمها الله
[ 28 ]
ورضى عنها ثمرة أعمالها عند مآلها. وعن القاسم بن أبى سعيد قال: أتت فاطمة النبي صلى الله عليه وآله فذكرت عنده ضعف الحال فقال: أما تدرين ما منزلة على عندي ؟ كفانى أمرى وهو ابن اثنى عشرة سنة وضرب بين يدى بالسيف وهو ابن ست عشرة سنة، وقتل الابطال وهو ابن تسع عشرة سنة وفرج همومى وهو ابن عشرين سنة، ورفع باب خيبر وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وكان لا يرفعه خمسون رجلا، قال: فأشرق لون فاطمة ولم تقر قدماها على الارض حتى أتت عليا عليه السلام فأخبرته، فقال: كيف ولو حدثك بفضل الله كله على ؟ ! وعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يوما مقبلا على على ابن أبى طالب وهو يتلو: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فقال: يا على إن ربى عز وجل ملكني الشفاعة في أهل التوحيد من أمتى وحظر ذلك على من ناصبك أو ناصب ولدك من بعدك. وعن على عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر من أحبنا أهل البيت
فليحمد الله على أول النعم، قال: يا رسول الله وما أول النعم ؟ قال: طيب الولادة أنه لا يحبنا أهل البيت إلا من طاب مولده. عن ثابت مولى أبى ذر رحمه الله قال: شهدت مع على بن أبى طالب يوم الجمل فلما رأيت عائشة واقفة دخلنى من الشك بعض ما يدخل الناس فلما زالت الشمس كشف الله ذلك عنى فقاتلت مع أمير المؤمنين عليه السلام، ثم أتيت بعد ذلك أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله ورضى عنها فقصصت عليها قصتي، فقالت كيف صنعت حيث طارت القلوب مطائرها ؟ قال: قلت: إلى أحسن ذلك والحمد لله كشف الله ذلك عنى عند زوال الشمس، فقالت مع أمير المؤمنين عليه السلام قتالا شديدا، فقالت: أحسنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: على
[ 29 ]
مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا على الحوض. وعن عمار بن ياسر رضى الله عنه وأبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو عبيدة وحدثنيه سنان بن أبى سنان ابن هند بن هند بن أبى هالة الاسدي حدثه عن أبيه هند بن أبى هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمه خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وأخته لامه فاطمة صلوات الله عليها، قال أبو عبيدة: وكان هؤلاء الثلاثة: هند بن أبى هالة، وأبو رافع، وعمار بن ياسر، يحدثون عن هجرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام الى رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة، ومبيته من قبل ذكل على فراشه. قال: وصدر هذا الحديث عن هند بن أبى هالة وافتصاصه عن الثلاثة، وقد دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان الله عز وجل مما يمنع نبيه صلى الله عليه وآله بعمه أبى طالب، فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوءه مدة حياته، فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله بغيتها، وأصابته بعظيم
من أذى حتى تركته لقى، فقال صلى الله عليه واله: ما أسرع ما وجدنا فقدك يا عم وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم، ثم ماتت خديجة بعد أبى طالب بشهر واجتمع بذلك على رسول الله حزنان حتى عرف ذلك فيه. قلت: وسمى تلك السنة عام الحزن. قال هند: ثم انطلق ذووا الطول والشرف من قريش الى دار الندوة ليرتأوا ويأتمروا في رسول الله صلى الله عليه وآله وأسروا ذلك بينهم وقالوا: نبنى له برجا نستودعه فيه فلا يخلص من الصباة إليه أحد، ثم لا يزال في رنق من العيش حتى يأتيه المنون وأشار بذلك العاص بن وائل وأمية وأبى ابنا خلف، فقال قائل: كلاما هذا لكم برأى ولئن صنعتم ذلك ليتمنون له الحدب والحميم، والمولى والحليف، ثم ليأتين المواسم في الاشهر الحرم بالامن، فلينتز عن
[ 30 ]
من انشوطتك، قولوا قولكم. فقال: عتبة وشيبة وشركهما أبو سفيان قالوا: فانا نرى أن نرحل له بعيرا صعبا نوق محمدا عليا كتافا وشدا ثم نخز البعير بأطراف الرماح فيوشك أن يقطعه بين الدكادك إربا إربا، فقال صاحب رأيهم: إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الافاريق فأخذ بقلوبهم بسحره وبيانه وطلاقه لسانه فصبا القوم إليه واستجابت له القبائيل وسار إليكم فأهلككم، قولوا قولكم. فقال أبو جهل: لكن أرى أن تعمدوا إلى قبائلكم الشعر فتنتدبوا من كل قبيلة منها رجلا نجدا وتبيتون ابن أبى كبشة فيذهب دمه في قبائيل قريش جميعا فلا تستطيع قومه محاربه الناس فيرضون حيئنئذ بالعقل، فقال صاحب رأيهم: أصبت يا أبا الحكم.
قلت: وقد ورد أن هذا الرأى أشار به ابليس عليهم، وجاءهم في زى رجل من نجد. قال: فأوحى الله إلى نبيه بما كان من كيدهم وتلا عليه جبرئيل عليه السلام (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الاية، وأمره بالهجرة فدعا عليا عليه السلام لوقته فأخبره بما أوحى إليه وما أمر به، وانه أمرنى أن آمرك بالمبيت على فراشي أو على مضجعي ليخفى بمبيتك عليه أمرى، فما أنت قائل وصانع ؟ فقال على عليه السلام: أو تسلم بمبتى هناك يا نبى الله ؟ قال: نعم، فتبسم على عليه السلام ضاحكا وأهوى إلى الارض ساجدا شكرا لما أنبأه به رسول الله صلى الله عليه وآله من سلامته، وكان أول من سجد شكرا، وأول من وضع وجهه على الارض بعد سجدته من هذه الامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رفع رأسه وقال: امض لما أمرت به فداك سمعي وبصرى وسويداء قلبى، ومرني بما شئت أكن فيه كسرتك، واقع منه
[ 31 ]
بحيث مرادك، وإن توفيقي إلا بالله. قال: إنى أخبرك يا على إن الله يختبر أولياء على قد إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشد الناس بلاءا الانبياء، ثم الامثل فالامثل، وقد امتحنك الله يا ابن أم وامتحني فيك بمثل ما امتحن الله به خليله ابراهيم، والذبيح اسماعيل فصبرا صبرا فان رحمة الله قريب من المحسنين، ثم ضمه النبي صلى الله عليه وآله إلى صدره وبكى وجدا به وبكى على عليه السلام حزنا لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله. واستتبع رسول الله صليالله عليه وآله أبا بكر بن أبى قحافة وهند بن إبى هالة وأمرهما أن ينتظراه بمكان عينه لهما من طريقه إلى الغار، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه يوصى عليا ويأمره بالصبر، وخرج في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد طافوا بالدار ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الاعين، فخرج وهو يقرأ: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) الاية، ورماهم
بقبضة من تراب فما شعروا به ومضى حتى انتهى إلى صاحبيه، فنهضا معه ووصلوا إلى الغار ورجع هند إلى مكة بما أمره به النبي صلى الله عليه وآله ودخل هو وأبو بكر إلى الغار. فلما نامت الاعين أقبل القوم إلى على قذفا بالحجارة ولا يشكون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى إذا برق الفجر وأشفقوا أن يفضحهم الصبح هجموا على على عليه السلام وكانت دور مكة يومئذ بغير أبواب، فلما بصر بهم على قد انتضوا السيوف وأقبلوا يقدمهم خالد بن الوليد وثب به على فختله وهمز يده وأخذ سيفه وشد عليهم فأجفلوا فعرفوه وقالوا، إنا لم نردك فما فعل صاحبك فقال: لا علم لى، فأذكت قريش عليه العيون وركبت في طلبه الصعب والذلول ولما اعتم على انطلق هو وهند إلى الغار وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لى ولك
[ 32 ]
يا رسول الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب، فقال: لا آخذهما إلا بالثمن قال: هي لك يا رسول الله بذلك، فأمر عليا فأقبضة الثمن ووصاه بحفظ ذمته وأداه أمانته وكانت قريش تدعو النبي صلى الله عليه وآله في الجاهلية الامين وتودعه أموالها وبعث والحال كذلك، فأمر عليا أن يقيم صارخا بالابطح يهتف غدوة وعشيا: من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤد إليه أمانته وقال له النبي صلى الله عليه وآله: لن يصلوا اليك من الان بأمر تكرهه حتى تقدم على فأد أمانتى على أعين الناس ظاهرا. ثم إنى أستخلفك على فاطمة ابنتى ومستخلف ربى عليكما، وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ومن يهاجر معه. من بنى هاشم، وقال لعلى: إذا أبرمت ما أمرتك به فكن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وسر إلى لقدوم كتابي عليك وانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله يؤم المدينة وأقام في الغار ثلاثا ومبيت
على على فراشه أول ليلة وقال على عليه السلام في ذلك: وقيت بنفسى خير من وطأ الحصا * * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر محمد لما خاف أن يمكروا به * * فوقاه ربى ذو الجلال من المكر وبت أراعيهم متى يأسروننى * * وقد وطنت نفسي على القتل والاسر وبات رسول الله في الغار آمنا * * هناك وفى حفظ الاله وفى ستر أقام ثلاثا ثم زمت قلائص * * قلائص يفرين الفلا أينما يفرى ولما ورد رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة نزل في بنى عمرو بن عوف بقبا، وأرادوا على الدخول الى المدينة فقال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمى وابننى يعنى عليا وفاطمة عليهما السلام. قال أبو اليقظان: وحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وآله ونحن بقبا عما أرادت قريش من المكر به ومبيت على على فراشه وقال: أوحى الله ع زوجل إلى
[ 33 ]
جبرئيل وميكائيل عليهما السلام انى قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه (الحديث بتمامه) وقد ذكرته قبل هذا. ونقلت من الكشاف الزمخشري قال: وكتب النبي صلى الله عليه وآله الى على يأمرى بالتوجه إليه، فلما وصله الكتاب تهيأ للخروج والهجرة، وخرج بالفواطم: فاطمة بنت محمد عليهما السلام، وفاطمة بنت أسد أمه، وفاطمة بنت الزبير ابن عبد المطلب رضى الله عنهما، وخرج معه أيمن بن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وجماعة من ضعفاء المؤمنين، ولحقهم جماعة من قريش فقتل عليه السلام منهم فارسا وعادوا عنه فانطلق حتى نزل ضجنان فأقام بها قدر يومه، ولحق به نفر من مستضعفى المؤمنين وفيهم أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى ليلته تلك هو والفواطم وباتوا يذكرون الله قياما وقعدوا وعلى جنوبهم، فما زالوا
كذالك حتى طلع الفجر فصلى بهم صلاة الفجر وساروهم يصنعون ذلك منزلا فمنزلا، يعبودن الله عز وجل ويرغبون إليه حتى قدم المدينة، وقد نزل الوحى بما كان من شأنهم قبل قدومهم (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) الى قوله: (فاستجاب لهم ربهم انى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) فالذكر على والانثى فاطمة وفاطمة وفاطمة (بعضكم من بعض) يقول: على من فاطمة، والفواطم من على (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلى) الاية. قال: وقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا على أنت أول هذه الامة أيمانا بالله ورسوله، وأولهم هجرة الى الله ورسوله، وآخرهم عهدا برسوله، لا يحبك - والذى نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، ولا يبغضك إلا منافق أو كافر. أقول: خبر الغار أوردته في أول هذا الكتاب من طريق آخر،
[ 34 ]
وأوردته هنا لما فيه من زيادات تتعلق بأمير المؤمنين عليه السلام، وكان طويلا فاختصرت بعض ألفاظه وفيه ألفاظ أنبه عليها كما شرطت. شرح اللقاء: الشئ الملقى لهوانه والجمع إلقاء الندى على فعيل: مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادى والمستندي، فان تفرق القوم فليس بندى، ومنه سميت دار الندوة بمكة التى بناها قصى، لانهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة، والصباة إليه: المايلون إلى دينه، من صبايصبو أو من صبا الرجل صبوا: خرج من دين إلى دين، قال أبو عبيدة: صبا من دينه إلى دين آخر كما تصبا النجوم أي تخرج من مطالعها وهو أنسب والاول صحيح المعنى، وصبا أيضا أي صار صابيا، والصابئون جنس من أهل الكتاب،
وليس من قبيل ما نحن بصدده، ما رنق بالتسكين: كدر، وعيش رنق بالكسر كذلك، ويقال: حدب عليه وحدب أي عطف عليه، وحميمك: قريبك الذى تهتم لامره، والانشوطة: عقدة يسهل انحلالها مثل عقدة التكة، والصعب: نقيض الذلول، والوخز: الطعن بالرمح ونحوه لا يكون نافذا، يقال: وخزه بالخنجر. الدكداك من الرمل: ما التبد منه بالارض، والجمع الدكادك. والفرقة: الطائفة من الناس والفريق أكثر منهم، وفى الحديث أفاريق العرب وهو جمع أفراق وأفراق جمع فرقة. والبيات: معروف. والعقل: الدية قال الاصمعي: وسميت بذلك لان الابل كانت تعقل في فناء ولى المقتول، ثم كثر استعمالهم هذا الحرف حتى قالوا: عقلت المقتول إذا أعطيت ديته دراهم أو دنانير والكيد: المكر كاده يكيده كيدا ومكيدة وكذلك المكايدة، وربما سميت الحرب كيدا. وامتحنه: اختبره. وفحمة العشاء: ظلمته، يقال: ألفحموا من الليل أي لا يستروا في أول فحمته. الراصد للشئ: الراقب له، يقال: رصده يرصده رصدا ورصدا، والترصد: الترقب.
[ 35 ]
والقذف بالحجارة الرمى بها. وختله وخاتله خادعه. والهمز مثل الغمز والضغط وأذكيت عليه العيون: إذا أرسلت عليه الطلائع وهتف به هتافا: أي صاح والقلوص من النوق: الشابة وهى بمنزلة الجارية من النساء، والجمع قلص وقلائص وجمع القلص قلاص، قال العدوى: القلوص أول ما يركب من إناث الابل إلى أن تثنى، فإذا أثنت فهى ناقة، والقعود: أول ما يركب من ذكور الابل، فإذا أثنى فهو جمل وضجنان: جبل بناحية مكة. قال أبو ثابت مولى أبى ذر رحمه الله يقول: سمعت أم سلمة رضى الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله فر مرضه الذى قبض فيه يقول - وقد
امتلات الحجرة من أصحابه: أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بى وقد قدمت اليكم القول معذرة اليكم، ألا وانى مخلف فيكم كتاب الله ربى عز وجل، وعترتي أهل بيتى ثم أخذ بيد على عليه السلام فرفعها، فقال: هذا على من القرآن والقرآن مع على خليفات نصيران لا يفترقان حتى يردا على الحوض فاسألهما ماذا خلفت فيهما. وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: وهو آخذ بكف على عليه السلام -: الحق بعدى مع على يدور معه حيث ما دار. وعن رافع مولى أبى ذر رضى الله عنه قال: صعد أبو ذر، على درجة الكعبة حتى أخذ بحلقة الباب، ثم أسند ظهره إليه وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما مثل أهل بيتى في هذه الامة كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تركها هلك. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اجعلوا أهل بيتى منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فان الجسد لا يهتدى
[ 36 ]
إلا بالرأس، ولا يهتدى الرأس إلا بالعينين. وعن على عليه السلام قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري فتذاكرنا الدجال فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله محمرا وجهه فقال: لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، الائمة المضلون وسفك دماء عترتي من بعدى، أنا حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم. وعن عمر وسلمة ابني أبى سلمة ربيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في حجته: على يعسوب المؤمنين والمال يعسوب
الظالمين، على أخى ومولى المؤمنين من بعدى، وهو منى بمنزلة هارون من موسى إلا أن الهل ختم النبوة فلا نبى بعدى، وهو الخليفة في الاهل والمؤمنين بعدى. وعن على قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذى قبض فيه فكان رأسه في حجري والعباس يذب عن وجهه فأغمى عليه ثم فتح عينه فقال العباس: يا رسول الله أنت أجود من الريح المرسلة، وليس في مالى وفاء لدينك وعداتك فقال ذلك ثلاثا والعباس يجيب بما قال أولا، فقال عليه السلام: لاقولنها لمن يقبلها ولا يقول مثل مقالتك يا عباس، وقال: يا على اقبل وصيتى واضمن دينى وعداتي، فخنقتنى العبرة وارتج جسدي ونظرت إلى رأسه عليه السلام يذهب ويجئ في حجري فقطرت دموعي على وجهه ولم أقدر أن أجيبه، ثم ثنى فقال: يا على اقبل وصيتى واضمن دينى وعداتي ؟ فقلت: نعم بأبى أنت وأمى، قال: اجلسني فأجلسته فكان ظهره في صدري فقال: يا على أنت أخى في الدنيا والاخرة، ووصى وخليفتي في أهلى. ثم قال: يا بلال هلم سيفى ودرعى وبغلتي وسرجها ولجامها ومنطقي التى
[ 37 ]
أشدها على درعى، فجاه بلال بهذه الاشياء فوقف البغلة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا على قم فاقبض، قال: فقمت وقام العباس فجلس في مكاني وقبضت ذلك قال: فانطلق به الى منزلك فانطلقت به ثم جئت فقمت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله قائما فنظر إلي ثم عمد الى خاتمه فنزعه ثم دفعه إلي فقال: هاك يا على هذا لك في الدنيا والاخرة والبيت غاص من بنى هاشم والمسلمين. فقال: يا بنى هاشم، يا معشر المسلمين لا تخالفوا عليا فتضلوا ولا تحسدوه فتكفروا ومن تمامه من حديث آخر في معناه.
فقال: يا بلال ائتى بولدى الحسن والحسين فانطلق فجاه بهما، فأسندهما إلى صدره فجعل يشمهما قال على عليه السلام: فظننت أنهما قد غماه أي أكرباه فذهب لاؤخرهما عنه، فقال: دعهما يا على يشماني وأشمهما، ويتزودا منى وأتزود منها، فسيلقيان من بعدى زلزالا وأمرا عضالا، فلعن الله من يخيفهما اللهم انى استودعكهما وصالح المؤمنين. وقيل: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير وكان من عقلا قريش إبنا له ينتقص عليا، فقال: يا بنى لا تنتقص عليا فان الدين لم يبن شيئا فاستطاعت الدنيا أن تهدمه، وان الدنيا لم تبن شيئا إلا وهدمه الدين، يا بنى إن بنى أمية لهجوا بسبب على بن أبى طالب في مجالسهم، ولعنوه على منابرهم، فكأنما يإخذون - والله - بضبعه الى السماء مدا وانهم لهجوا بتقريظ ذويهم وأوائلهم فكأنما يكشفون عن أنتن من بطون الجيف فأنهاك عن سبه. - يقال: التقريظ بالظاء والضاد: المدح بحق أو باطل، واللهج بالشئ الولوغ به، ولهج بالكسر بالشئ يلهج لهجا، إذا أغرى فثابر عليه -. وسأل معاوية خالد بن معمر: على ما أحببت عليا ؟ قال: على ثلاث خصال، على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال: وعلى عدله إذا ولى.
[ 38 ]
قلت: رحمه الله خالد بن معمر فقد وصف عليا عليه السلام ببعض ما فيه ونفى عن معاوية بعض ما فيه. وعن يونس بن حبيب النحوي وكان عثمانيا قال: قلت للخليل بن أحمد أريد أن أسألك عن مسألة فتكتمها على ؟ فقال: قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال فتكتمه أنت أيضا ؟ قال: قلت: نعم، أيام حياتك قال: سل، قلت: ما بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ورحمهم كأنهم كلهم بنو أم واحدة
وعلى بن أبى طالب من بينهم كأنه ابن علة ؟ فقال: إن عليا يقدمهم إسلاما وفاقهم علما وبذهم شرفا ورجحهم زهدا، وطالهم جهادا، والناس الى أشكالهم وأشباههم أميل منهم الى من بان منهم فافهم. قيل: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه السلام في نفر من الشيعة قال الاصبغ بن نباتة: وكنت فيمن دخل، فجعل الحرث يتأود في مشيته ويخبط الارض بمحجنه وكان مريضا، فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السلام وكانت له منه منزلة فقال: كيف تجدك يا حار ؟ قال: نال الدهر منى يا أمير المؤمنين وزادني أوارا وغليلا اختصام أصحابك ببابك قال: وفيم خصومتهم ؟ قال: في شأنك والبلية من قبلك، فمن مفرط غال ومبغض قال: ومن متردد مرتاب لا يدرى أيقدم أم يحجم ؟ قال: فحسبك يا أخا همدان - أي كفاك هذا القول - ألا أن خير شيعتي النمط الاوسط، إليهم يرجع الغالى وبهم يلحق التالى. قال: لو كشفت فداك أبى وأمى الرين عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا قال: قدك فانك امرو ملبوس عليك، ان دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، والاية العلامة فاعرف الحق تعرف أهله، يا حار ان الحق أحسن الحديث والصادع مجاهد وبالحق أخبرك فارعني سمعك ثم خبر به من كانت له حصاة من أصحابك.
[ 39 ]
ألا إنى عبد الله وأخو رسوله وصديقه الاول، صدقته وآدم بين الروح والجسد، ثم إنى صديقه الاول في أمتكم حقا، فنحن الاولون ونحن الاخرون، ألا وأنا خاصته يا حار وخالصته وصنوه ووصيه ووليه وصاحب نجواه وسره أوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب وعلم القرون والاسباب، واستودعت الف مفتح بفتح كل مفتاح الف باب، يفضى كل باب الى الف
الف عهد، وأيدت - أو قال: أمددت - بليلة القدر نفلا وان ذلك ليجرى لى ومن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل والنهار، حتى يرث الله الارض ومن عليها وأبشرك يا حار ليعرفني، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة - وليي وعدوى في مواطن شتى، ليعرفني عند الممات وعند الصراط وعند المقاسمة، قال: وما المقاسمة يا مولاى ؟ فقال لى: مقاسمة النار، أقسمها قسمة صحاحا، أقول هذا وليي وهذا عدوى، ثم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيد الحارث وقال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ بيدى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لى: واشتكيت إليه حسدة قريش والمنافقين لى: إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل أو حجزه يعنى عصمة من ذى العرش تعالى، وأخذت أنت يا على بحجزتى وأخذ ذريتك بحجزتك وأخذ شيعتكم بحجزكم، فماذا يصنع أهل بيته بشيعتهم ؟ خذها اليك يا حار قصيرة من طويلة، أنت مع من أحببت ولك ما اختسبت - أو قال: ما اكتسبت - قالها ثلاثا، فقال الحارث: وقام يجر رداءه جذلا ما أبالى وربى بعد هذا ألقيت الموت أو لقيني. قال جميل بن صالح: فأنشدني السيد ابن محمد في كلمة له: قول على الحارث عجب * * كم ثم أعجوبة له جملا يا حار همدان من يمت يرنى * * من مؤمن أو منافق قبلا
[ 40 ]
يعرفني طرفه وأعرفه * * بنعته واسمه وما فعلا وأنت عند الصراط تعرفني * * فلا تخف عثرة ولا زللا أسقيك من بارد على ظمأ * * تخاله في الحلاوة العسلا أقول للنار حين تعرض للعرض * * دعية لا تقربي الرجلا دعيه لا تقربيه إن له * * حبلا بحبل الوصي متصلا
قلت: السيد الحميرى (ره) كان كيسانيا يقول برجعة أبى القايم محمد ابن الحنفية عليه السلام، فلما عرفه الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام الحق والقول بمذهب الامامية الاثنى عشرية ترك ما كان عليه ورجع إلى الحق وقال به، وشعره رحمه الله في مذهبه مشهور لا حاجة إلى ذكره لاشتهاره، وكان نظاما للوقائع مجيدا، وهو كثير الشعر، ولا يوجد من شعره إلا القليل. وروى أنه وجد حمال وهو يمشى بحمل ثقيل، فقيل: ما معك ؟ قال: ميميات السيد، وغلب هذا الاسم عليه فلم يكن علويا فأنه بطريق تسميته السيد يتوهم ذلك وعلى ذكره. حدث الحسين بن عون قال: دخلت على السيد ابن محمد الحميرى عائدا في علته التى مات فيها، فوجدته يساق به ووجدت عنه جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية، وكان السيد جميل الوجه رحب الجبهة عريض ما بين السالفين فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد ثم لم تزل تنمى وتزيد حتى طبقت وجهه بسوادها فاغتم لذلك من حضره من الشيعة وظهر من الناصبة سرور وشماتة، فلم يلبث بذلك إلا قليلا حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد أيضا وتنمى حتى اصفر وجهه وأشرق وافتر السيد ضاحكا وقال: كذب الزاعمون أن عليا * * لم ينجى محبه من هنات
[ 41 ]
قد وربى دخلت جنة عدن * * وعفا لى الاله عن سيئاتي فابشروا اليوم أولياء على * * وتولوا على حتى الممهات ثم من بعده تولوا بنية * * واحدا بعوا حد بالصفات ثم أتبع قوله هذا: اشهد أن لا إله إلا الله حقا حقا، أشهد أن محمدا
رسول الله حقا حقا، أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا حقا، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أغمض عينه لنفسه، فكأنما كانت روحه ذبالة طفيت أو حصاة سقطت. قال على بن الحسين: قال لى أبى الحسين بن عن وكان أذينة حاضرا فقال: الله أكبر ما من شهد كم لم يشهد أخبرني - وإلا سمتا - الفضيل بن يسار عن أبى جعفر الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام أنهما قالا: حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة محمدا وعليا وفاطمة وحسنا وحسينا، بحيث تقر عينها أو تسخن عينها فانتشر هذا الحديث في الناس فشهد جنازته والله الموافق والمفارق. عن عبد الله بن الصامت ابن أخى أبى ذر قال: حدثنى أبو ذر وكان صغوه وانقطاعه إلى على وأهل هذا البيت قال: قلت يا نبى الله أنى أحب أفواما ما أبلغ أعمالهم ؟ قال: فقال: يا أبا ذر المرء مع من أحب وله ما اكتسب، قلت: فانى أحب الله ورسوله وأهل بيت نبيه، قال: فانك مع من أحببت، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في ملا من أصحابه فقال رجال منهم: فانا نحب الله ورسوله ولم يذكروا أهل بيته، فغضب صلى الله عليه وآله وقال: أيها الناس أحبوا الله عز وجل لما يغدوكم به من نعمه، وأحبوني بحب ربى، وأحبوا أهل بيتى بحبي، فوالذي نفسي بيده لو أن رجلا صفن بين الركن والمقام صائما وراكعا وساجدا، ثم لقى الله عز وجل غير محب لاهل بيتى لم ينفعه ذلك،
[ 42 ]
قالوا: ومن أهل بيتك يا رسول الله ؟ أو أي أهل بيتك هؤلاء ؟ قال: من أجاب منهم دعوتي، واستقبل قبلتى، ومن خلقه الله منى ومن لحمى ودمى، فقالوا: نحن نحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله، فقال: بخ بخ فأنتم إذا
منهم أنتم إذا منهم، والمرء مع من أحب وله ما اكتسب. - والصافن من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابع على طرف الحافر، يقال: صفن يصفن صفونا، والصافن: الذى يصف قدميه، وفى الحديث كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا خلفه صفوفا -. وعن المفضل بن عمر عن أبى عبد الله عن أبيه عن أمير المؤمنين عليه السلام انه كان ذات يوم جالسا بالرحبة والناس حوله مجتمعون، فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين انك بالمكان الذى أنزلك الله عز وجل به، وأبوك يعذب بالنار ؟ فقال: مه فض الله فاك والذى بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق لو شفع أبى في كل مذنب على وجه الارض لشفعه الله فيهم أأبى يعذب بالنار وابنه قسيم (الجنة) والنار، ثم قال: والذى بعث محمدا صلى الله عليه وآله ان نور أبى طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلق إلا خمسة أنوار، نور محمد ونورى ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ومن ولدته من الائمة، لان نوره من نورنا الذى خلقه الله تعالى من قبل أن يخلق الله آدم بألفى عام. وعن زيد بن علي عن أبيه أن الحسين بن علي عليهما السلام أتى عمر ابن الخطاب رضى الله عنه وهو على المنبر يوم الجمعة فقال له: انزل عن منبر أبى، فبكى عمر ثم قال: صدقت يا بنى منبر أبيك لا منبر أبى، فقال على عليه السلام ما هو والله عن رأيى، فقال: صدقت والله ما اتهمك يا أبا الحسن، ثم نزل من المنبر فأخذه فأجلسه إلى جانبه على المنبر فخطب الناس وهو جالس على المنبر معه، ثم قال: أيها الناس سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله يقول: احفظوني في عترتي
[ 43 ]
وذريتي، فمن حفظني فيهم حفظه الله، ألا لعنة الله على من آذانى فيهم ألا لعنة على من آذانى فيهم ثلاثا،
قال أفقر عباد الله تعالى على بن عيسى بن أبى الفتح عفا الله عنه: قد كنت طالعت كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري، فرأيت فيها أخبارا ما كنت أظنه يروى مثلها لموضع مذهبه، ولمن جمع له الكتاب، وسماه باسم نسبه إليه وهو الامير الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل أخو المعتمد وولي عهده، وكان يخطب له بلقبين اللهم اصلح الامير الناصر لدين آلله أبا أحمد طلحة الموفق بالله وولي عهد المسلمين وأخا أمير المؤمنين ومات في ثانى رجب سنة ثمان وسبعين ومائتين، لقب بالناصر حين فرغ من أمر محمد بن على صاحب الزنج، وهو متولى حروبه وكان هو وأبوه وبنوه أبيه في انحرافهم عن أهل البيت في أبعد الغاية لاسيما الموفق والمتوكل، وحربه لصاحب الزنج وإن كان محافظة على الملك، وإنما قوى هممهم على مطاولته واتصال الحروب بينهم ما أظهره ذلك الخائن من انتسابه إلى أهل البيت، وانه علوى وكان مدعيا لم يصحح النسابون نسبه. وحكى العمرى النسابة (ره) انه كان دعيا وكان من قرية اسمها ورزينين من قرى الرى، فلم يزالوا على حربه ومنازلته جرى من قتله وتفرقة جموعه ما جرى، وكان انتماؤه إلى هذا البيت الشريف أقوى الموجبات لاستئصاله، هذا حال من عمل الكتاب من أجله. فأما جامعه فقد حكى ياقوت الحموى في كتابه معجم الادباء كلاما هذا مختصره الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام يكنى أبا عبد الله الكثير العلم، الغزير الفهم أعلم الناس قاطبة بأخبار قريش وأنسابها ومآثرها وأشعارها ولد ونشأ بالحجاز ومات بمكة في ذى القعدة سنة ست وخمسين ومائتين عن أربع وثمانين سنة، وكان أبوه على قضاء
[ 44 ]
مكة وولاه (المتوكل) القضاء بها بعد أبيه ومات وهو قاضيها، ودخل بغداد
عدة دفعات آخرها سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان فتى في شعره ومروته وبطالته مع سنه وعفافه، ومثل هذا على صدقه عندهم إذا روى شيئا يكون صحيحا قطعا، لان الزمان قديم، والمخبر صدوق، والمصنف له متعنت، وكيف يقدم على تصنيف كتابه باسمه وفيه ما يناقض مذهبه ويخالف عقيدته، ويجبه برده عليه ما قد عقد عليه خنصره، وجعله دينه الذى يرجوا به الفوز في آخرته. حدث الزبير بن بكار قال: حدثنى عمى مصعب عن جدى عبد الله بن مصعب، قال: تقدم وكيل المؤنسة إلى شريك بن عبد الله القاضى مع خصم له فإذا الوكيل مدل بموضعه من مونسة، فجعل يسطو على خصمه ويغلظ له، فقال له شريك: كف لا أم لك، فقال: أو تقول لى هذا وأنا قهرمان مونسة ؟ ! فقال: يا غلام اصفعه فصفعه عشر صفعات فانصرف بخزى، فدخل على مونسة فشكا إليها ما صنع به، فكتبت رقعة إلى المهدى تشكر شريكا وما صنع بوكيلها فعزله وكان قبل هذا قد دخل إليه فأغلظ له الكلام وقال له: ما مثلك من يولى أحكام المسلمين، قال: ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال: لخلافك الجماعة ولقولك بالامامة، قال: ما أعرف دينا إلا عن الجماعة فكيف أخالفها وعنها أخذت دينى، وأما الامامة فما أعرف إماما إلا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فهما إماماى وعليهما عقدى، فأما ما ذكر أمير المؤمنين ان ما مثلى يولى أحكام المسلمين فذالك شئ أنتم فعلتموه فان كان خطأ وجب عليكم الاستغفار منه، وإن كان صوابا وجب عليكم الامساك عنه. قال: ما تقول في على بن إبى طالب عليه السلام ؟ قال: ما قال فيه جدك العباس وعبد الله، قال: وما قالا فيه ؟ قال: أما العباس فمات وهو عنده أفضل أصحاب
[ 45 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله وقد شاهد كبراء الصحابة والمهاجرين يحتاجون إليه في الحوادث، ولم يحتج إلى أحد منهم حتى خرج من الدنيا، وأما عبد الله بن عباس رحمه الله فضارب معه بسيفين وشهد حروبه وكان فيها رأسا متبعا وقائدا مطاعا، فلو كانت إمامته جورا كان أول من يقعد عنه أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله، فسكن المهدى وخرج شريك فما كان بين عزله وبين هذا المجلس إلا جمعة أو نحوها. وعن الزبير عن رجاله عن الحسن البصري أنه قال: أربع خصال في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة، ابتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذووا الفضيلة واستخلافه ابنه يزيد من بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وأدعاؤه زيادا قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويله من حجر وأصحاب حجر، قلت: هذا الخبر وإن لم يكن من غرض هذا الكتاب لكن ساق إليه ما بينهما من أمر ما - وابتزاؤه: توثبه، وبزه يبز بزا: سلبه، وابتزها: سلبها، والعهر: الزنا، وعهر فهو عاهر والاسم العهر بالكسر -. وعلى هذا حدث الزبير عن رجاله قال: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة وقدت مع أبى المغيرة على معاوية وكان أبى يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلى فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتما منذ الليلة، فانتظرته ساعة وظننت أنه لشئ قد حدث فينا وفى علمنا، فقلت: مالى أراك مغتما منذ الليلة ؟ فقال: يا بنى جئت من عند أخبث الناس، قلت: وما ذاك ؟ قال: قلت له - وقت خلوت به -: إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فانك قد كبرت،
[ 46 ]
ولو نظرت الى اخوتك من بنى هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه، فقال: هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فوالله ما عدا أن هلك، فهلك ذكره إلا أن يقول قائل أبو بكر، ثم ملك أخو بنى عدي فاجتهد وشمر عشر سنين فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر، ثم ملك عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه وفعل ما فعل وعمل به ما عمل فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وان أخا بنى هاشم يصاح به في كل يوم خمس مرات أشهد أن محمدا رسول الله فأى عمل يبقى بعد هذا لا أم لك، لا والله إلا دفنا دفنا. فانظر أيدك الله إلى قول معاوية في النبي عليه الصلاة والسلام وعقيدته فيه يهن عندك فعله مع علي عليه السلام كما قدمنا أن حب علي فرع على حب الرسول صلى الله عليه وآله والاقرار بنبوته وتصديقه. وان الجرح ينفر بعد حين * * إذا كان البنا على فساد حدث الزبير عن رجاله قال: إن ابن الزبير قال لابن عباس: قاتلت أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله وأفتيت بتزويج المتعة ؟ قال: أنت أخرجتها وأبوك وخالك وبنا سميت أم المؤمنين، كنا لها خير بنين فتجاوز الله عنها، وقاتلت أنت وأبوك عليا، فان كان علي مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف، وأما المتعة فانا نحلها سمعت النبي صلى الله عليه وآله يحلها ويرخص فيها فأتيت فيها وذكر الحديث وحدث الزبير عن رجاله عن ابن عباس قال: إنى لاماشى عمر بن الخطاب رضى الله عنه في سكة من سكك المدينة إذ قال لى: يا ابن عباس ما أظن صاحبك إلا مظلوما، قلت في نفسي: والله لا يسبقنى بها، فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد ظلامته، فانتزع يده من يدى ومضى وهو يهمهم ساعة
[ 47 ]
ثم وقف فلحقته فقال: يا ابن عباس ما أظنهم منعهم منه إلا استصغروه، فقلت في نفسي: هذه والله شر من الاول، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك قال: فأعرض عنى. والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك قال فأعرض عنى. قال على بن عيسى عفا الله عنه قد ذكرت بهذا الحديث حديثا يشابهه نقلت من كتاب عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد في تفسير نهج البلاغة قال نقلت من كتاب تاريخ بغداد لأحمد بن أبي طاهر بسنده عن ابن عباس قال دخلت على عمر رضى الله عنه في أول خلافته وقد ألقى له صاع من تمر على خصفه فدعاني للأكل فأكلت تمرة واحدة وأقبل يأكل حتى أتى عليه ثم شرب من جر كان عنده واستلقى على مرفقة له وطفق يحمد الله يكرر ذلك ثم قال من اين جئت يا عبد الله قلت من المسجد قال كيف خلفت بنى عمك فظننته يعنى عبد الله بن جعفر فقلت خلفته يلعب مع أترابه قال لم أعن ذلك إنما عنيت عظيمكم أهل البيت قلت خلفته يمتح بالغرب على نخلات له وهو يقرء القرآن فقال يا عبد الله عليك دماء البدن ان كتمتنيها أبقى في نفسه شئ من أمر الخلافة قلت نعم قال أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعلها له قلت نعم وأزيدك سألت أبي عما يدعيه قال صدق فقال عمر لقد كان من رسول الله في اأره ذرء من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذرا وقد كان يزيغ في أمره وقتا ما ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا وحفيظة على الإسلام لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها فعلم رسول الله إني علمت ما في نفسه فامسك وأبي الله إلا إمضاء ما حتم
قلت يشير إلى اليوم الذي قال فيه آتونى بدواة وكتف الحديث فقال عمر رضى الله عنه إن الرجل ليهجر
[ 48 ]
الخصفة بالتحريك الجلة من الخوص تعمل للتمر لو جمعها خصف وخصاف والصاع أربعة أمداد والمد مكيال أيضا وهو رطل وثلاث عند أهل الحجاز ورطلان عند أهل العراق والمرفقة بالكسر المخدة وقد تمرفق إذا أخذها والماتح المستقى وكذلك المتوح تقول متح الماء يمتحه متحا إذا نزعه والغرب الدلو العظيمة وذرة من قول أي طرف منه ولم يتكامل وأزاغ يزيغ إذا طلب وأراد. حدث الزبير عن رجاله قال دخل محفن بن أبي محفن الضبي على معاوية فقال يا أمير المؤمنين جئتك من عند ألأم العرب وأبخل العرب وأعيا العرب وأجبن العرب قال ومن هو يا أخا بنى تميم قال على بن أبي طالب قال معاوية اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقى فابتدروه أيهم ينزله عليه ويكرمه فلما تصدع الناس عنه قال له كيف قلت فأعاد عليه فقال له ويحك يا جاهل كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبو طالب وجده عبد المطلب وامرأته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانى يكون أبخل العرب فو الله لو كان له بيتان بيت تبن وبيت تبر لأنفذ تبره قبل تبنه وأنى يكون أجبن العرب فو الله ما التقت فئتان قط إلا ما كان فارسهم غير مدافع وأنى يكون أعيا العرب فو الله ما سن البلاغة لقريش غيره ولما قامت أم محفن عنه ألأم وأبخل وأجبن وأعيا لبظر أمه فو الله لو لا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك فإياك عليك لعنة الله والعود إلى مثل هذا. قال والله أنت أظلم منى فعلى أي شئ قاتلته وهذا محله قال على
خاتمي هذا حتى يجوز به أمرى قال فحسبك ذلك عوضا من سخط الله وأليم عذابه قال لا يا ابن محفن ولكني أعرف من الله ما جهلت حيث يقول ورحمتي وسعت كل شئ).
[ 49 ]
قلت قد شهد معاوية من فضل على عليه السلام بما كان يعرف أضعافه ورأى مع ذلك عصيانه ومنابذته وخلافه وناصبه العداوة حتى قتل بينهما ألوف متعددة واستمر على سبه على المنابر بهمة لا وانية في ذلك ولا مترددة وأوصى على الاستمرار عليها بنيه وبنى أبيه واتخذها سنة جرى على بدعتها هو ومن يقتفيه إلى أن أجرى الله رفعها على يد عمر بن عبد العزيز رحمه الله فوفقه الله لصوابها وهداه إلى ثوابها وأنجاه من أليم عذابها ووبيل عقابها. ثم إن معاوية يجعل عذره فيما صنع واعتماده في الفتنة التي خب فيها ووضع وعصره في الدماء التي أراقها وملاذه في النار التي وراها وقوى إحراقها الاعتماد على رحمة الله ولعمري انها قريبة من المحسنين فأين إحسانه وحاصله لصالحي المؤمنين فاين صلاحه وإيمانه وشفاعة نبيه معدة للمذنبين أفيشفع له وهذا شأنه هيهات انها من أمانى النفوس الكاذبة وتعللاتها الباطلة الخائبة: حملوها يوم السقيفة أوزارا * تخف الجبال وهى ثقال ثم جاؤا من بعدها يستقيلون * وهيهات عثرة لا تقال وحدث الزبير عن رجاله قال قدم ابن عباس على معاوية وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض من شأنه لمعرفته أن معاوية كان يكره إظهاره لشأنه وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن على عليهما السلام فسجد شكرا لله تعالى وبان السرور في وجهه في حديث طويل ذكره الزبير وذكرت منه موضع الحاجة إليه وأذن للناس وأذن لابن عباس بعدهم فدخل فاستدناه وكان
قد عرف بسجدته فقال له أ تدرى ما حدث بأهلك قال لا قال فان أبا محمد عليه السلام توفى رحمه الله فعظم الله لك الأجر فقال إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله نحتسب المصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن بن على رحمه الله أنه قد بلغتني سجدتك فلا أظن ذلك إلا لوفاته
[ 50 ]
والله لا يسد جسده حفرتك ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك ولطال ما رزينا بأعظم من الحسن ثم جبر الله قال معاوية كم كان أتى له من العمر قال شأنه أعظم من أن يجهل مولده قال أحسبه ترك صبية صغارا قال كلنا كان صغيرا فكبر قال أصبحت سيد أهلك قال أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن على فلا ثم قام وعينه تدمع فقال معاوية لله دره لا والله ما هيجناه قط إلا وجدناه سيدا. ودخل على معاوية بعد انقضاء العزاء فقال يا أبا العباس أما تدرى ما حدث في أهلك قال لا قال هلك أسامة بن زيد فعظم الله لك الأجر قال إنا لله وإنا إليه راجعون رحم الله أسامة وخرج وأتاه بعد أيام وقد عزم على محاقته فصلى في الجامع يوم الجمعة واجتمع الناس عليه يسئلونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير وأحوال الإسلام والجاهلية وهو يجيب وافتقد معاوية الناس فقيل انهم مشغولون با بن عباس ولو شاء أن يضربوا معه بمائة الف سيف قبل الليل لفعل فقال نحن أظلم منه حبسناه عن أهله ومنعناه حاجته ونعينا إليه أحبته انطلقوا فادعوه فأتاه الحاجب فدعاه فقال إنا بنى عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى نصلى أصلى إن شاء الله وآتيه. فرجع وصلى العصر وأتاه فقال حاجتك فما سأله حاجة إلا قضاها
وقال أقسمت عليك لما دخلت بيت المال فأخذت حاجتك وإنما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا فعرف ما يريده فقال إن ذلك ليس لي ولا لك فان أذنت أن أعطى كل ذى حق حقه فعلت قال أقسمت عليك إلا دخلت فأخذت حاجتك فدخل فأخذ برنس خز أحمر يقال إنه
[ 51 ]
كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم خرج فقال يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة فقال ما هي قال علي بن أبي طالب قد عرفت فضله وسابقته وقرابته وقد كفاكه الموت أحب أن لا يشتم على منابركم قال هيهات يا ابن عباس هذا أمر دين أليس أليس وفعل وفعل فعدد ما بينه وبين على كرم الله وجهه فقال ابن عباس أولى لك يا معاوية والموعد القيامة ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون وتوجه إلى المدينة. قلت أولى لك قال الجوهرى تهديد ووعيد وقال الأصمعى أي قاربه ما يهلكه أي نزل به قال ثعلب لم يقل أحد في أولى أحسن مما قال الأصمعى. فأما إقدام معاوية وطغيانه واستمراره على ما سول له شيطانه وإعلانه على رؤوس الأشهاد بما نطق به لسانه وجعله سب أمير المؤمنين عليه السلام من أمور الدين فاغرا بذلك فاه بين المسلمين منتهكا بذلك ما وجب له عليه السلام من الحرمة غير مراقب في ذلك إلا ولا ذمة خارجا على الإمام واثبا على الأمة فمما يقضى منه العجب لفرط تمرده وتتحير الخواطر من جريه في حلبات عصيانه في أمسه ويومه وغده وتذهل الألباب من أدعائه الإسلام مع جناية يده وإن كان قد جعله سترا دون أفعاله ووقاية لجاهه وماله ونظرا لدنياه مع غفلة عن ماله نعوذ بالله من الفتنة في الأديان والتورط في
حبالات الشيطان وحدث الزبير عن رجاله عن ابن عباس أن معاوية أقبل عليه وعلى بنى هاشم فقال إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحققتم النبوة ولا يجتمعان لأحد حجتكم في الخلافة شبهة على الناس تقولون نحن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما بال خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غيرنا وهذه شبهة لأنها تشبه الحق
[ 52 ]
فأما الخلافة فتنقلب في أحياء قريش برضى العامة وشورى الخاصة فلم يقل الناس ليت بنى هاشم ولونا ولو أن بنى هاشم ولونا لكان خيرا لنا في دنيانا وآخرتنا فلا هم حيث اجتمعوا على غيركم تمنوكم ولو زهدتم فيها أمس لم يقاتلوا عليها اليوم. وأما ما زعمتم أن لكم ملكا هاشميا ومهديا قائما فالمهدى عيسى بن مريم عليه السلام وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه ولعمري لئن ملكتمونا ما رائحة عاد وصاعقة ثمود بأهلك اليوم منكم لنا ثم سكت. فقال له عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أما قولك إنا نستحق الخلافة بالنبوة فنعم فإذا لم نستحقها بها فبم تستحقها ؟. وأما قولك إن النبوة والخلافة لا يجتمعان لأحد فأين قول الله تعالى: (فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) فالكتاب النبوة والحكمة السنة والملك الخلافة ونحن آل ابراهيم أمر الله فينا وفيهم والسنة لنا ولهم جارية. وأما قولك إن حجتنا مشتبهة فو الله لهى أضوأ من الشمس وأنور من نور القمر وانك لتعلم ذلك ولكن شئ عطفك وصعرك قتلنا أخاك وجدك وأخاه وخالك فلا تبك على أعظم حايلة وأرواح أهل النار ولا تغضبن
لدماء أحلها الشرك ووضعها فأما ترك الناس أن يجتمعوا علينا فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم وأما قولك إنا زعمنا أن لنا ملكا مهديا فالزعم في كتاب الله تعالى شرك قال تعالى زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا وكل يشهد أن لنا ملكا ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله لأمره منا من يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما لا تملكون يوما واحدا إلا ملكنا يومين
[ 53 ]
ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين وأما قولك إن المهدى عيسى بن مريم فانما ينزل عيسى على الدجال فإذا رآه يذوب كما تذوب الشحمة والإمام منا رجل يصلى خلفه عيسى بن مريم ولو شئت سميته. وأما ريح عاد وصاعقة ثمود فانهما كانا عذابا وملكنا والحمد لله رحمة حدث الزبير قال حج معاوية فجلس إلى ابن عباس فأعرض عنه ابن عباس فقال معاوية لم تعرض عنى ؟ فوالله انك لتعلم إني أحق بالخلافة من ابن عمك قال ابن عباس لم ذاك لأنه كان مسلما وكنت كافرا قال لا ولكن ابن عمى عثمان قتل مظلوما قال ابن عباس وعمر رحمه الله قتل مظلوما قال إن عمر قتله كافر وإن عثمان قتله المسلمون قال ابن عباس ذاك أدحض لحجتك فأسكت معاوية. وحدث الزبير عن رجاله عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصي من آمن بالله وصدقني بولاية على بن أبي طالب من تولاه فقد تولاني ومن تولاني فقد تولى الله ومن أحبه فقد أحبنى ومن أحبنى فقد أحب الله أقول لا ريب ان القلم استحلى المناقب فجرى سعيا على رأسه ووجد
مجالا فسيحا فأعنق في حلبة قرطاسه ورأى مكان القول ذا سعة فقال واعتقلته الأيام مدة فالآن حين ألقى العقال ولولا كف غربه لاستمر على غلوائه فان طلبه حصر ما لا يتناهى معدود من ضعف رأيه ومن أين يحصر مناقب الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام وهى تتجاوز حد الإكثار ؟ وكيف يمكن عد مفاخره وبيته بيت الشرف والفخار ؟ إليه تنتهى مكارم الأخلاق وعنه يحدث بزكاء الاعراق وهو الحجة على العباد والمحجة المسلوكة ليوم المعاد ونور الله الذي من استضاء به اهتدى وعروته التي من اعتلق بها
[ 54 ]
فما راح عن الحق ولا اعتدى وبابه الذي منه الدخول إلى طاعته ورضوانه وسبيله الذي يؤدى إلى الفوز بعالى جنانه وعصمته التي من اعتلق بحبالها اعتصم وميثاقه الذي من التزم به فقد التزم وإذا كانت الإطالة لا تبلغ وصف كماله والإطناب لا يحيط بنعت فضله وافضاله فالأولى أن يقتصر على ما ذكرناه من شرفه وجلاله فحاله صلى الله عليه وآله وسلم أشهر من أن يحتاج إلى التنبيه على حاله. وهذه الأخبار التي أوردتها ونسبتها إلى ناقليها ربما قال قائل هذه أخبار آحاد لا يعول عليها ولا يستند في إثبات المطلوب إليها. فالجواب عن ذلك إنا معاشر الشيعة ننقل ما ننقله في فضائله من طرق أصحابنا وإجماعهم وفيهم الإمام المعصوم فلا حاجة هنا إلى آحادكم ولا متواتركم وأنتم تعملون بأخبار الآحاد فدونكم إلى العمل بها ثم ان هذه الأخبار قد يحصل المجموع ما جاؤا به معنى التواتر كما انه إذا سمعنا أن انسانا ما بلغ من الملك مكانة جليلة ثم بلغنا أن الملك يتزيد في الإحسان إليه وإنا في كل يوم نسمع من جهات مختلفة بتخصيصه إياه بضروب من انعامه فانا نستفيد من جملة ذلك أن مكانته منه مكينة وان محله منه عظيم فكذاك
الحال في هذا وحيث ملنا إلى الاقتصار على هذا القدر فلنشرع في ذكر قتله صلى الله عليه وآله وسلم وكيف جرت الحال فيه
[ 55 ]
في ذكر قتله ومدة خلافته وذكر عدد أولاده عليهم السلام قال أبو المؤيد الخوارزمي رحمه الله في كتاب المناقب يرفعه إلى أبي سنان الدؤلى أنه عاد عليا في شكوى اشتكاها قال فقلت له لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه فقال لكنى والله ما تخوفت على نفسي لأنى سمعت رسول الله الصادق المصدق صلى الله عليه وآله وسلم يقول إنك ستضرب ضربة ههنا وأشار إلى صدغيه فيسيل دمها حتى تخضب لحيتك ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود. قلت الضمير في أشقاها يعود إلى الأمة وان لم يجر لها ذكر كما قال تعالى حتى توارت بالحجاب وكما قال حتى إذا ألقت يدا في كافر ويدل عليه أشقى ثمود. ومن المناقب مرفوعا إلى اسماعيل بن راشد قال كان من حديث ابن ملجم لعنه الله وأصحابه ان عبد الرحمان بن ملجم والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا والله ما نصنع بالحياة بعدهم شيئا وقالوا اخواننا الذين كانوا دعاة الناس إلى عبادة ربهم الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم اخواننا فقال ابن ملجم أنا أكفيكم أمر
على بن أبي طالب وكان من أهل مصر وقال البرك بن عبد الله أنا أكفيكم
[ 56 ]
معاوية بن أبي سفيان وقال عمرو بن بكر التميمي أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاهدوا وتوافقوا الله لا ينكل الرجل عن صاحبه الذي وجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لتسع عشرة ليلة من رمضان يثب كل واحد منهم إلى صاحبه الذي توجه إليه فأقبل كل واحد إلى المصر الذي فيه صاحبه. فأما ابن ملجم المرادى فخرج فلقى أصحابه بالكوفة فكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره فرأى ذات يوم أصحابا له من تيم الرباب وكان على عليه السلام قتل منهم يوم النهروان عددا فذكروا قتلاهم ولقى من يومه ذلك امرأة منهم يقال لها قطام وكان على قتل أباها وأخاها وكانت فائقة الجمال فلما رآها التبس عقله فنسى حاجته التى جاء لها فخطبها فقالت لا اتزوجك حتى تشتفي لي قال وما تشائين قالت ثلاثة آلاف وعبدا وقينة وقتل على بن أبي طالب قال هو مهرك فأما قتل على فلا أراك تدركينه ولكن أضربه ضربة قالت فالتمس غرته فان أصبته انتفعت بنفسك ونفسي وان هلكت فما عند الله خير وأبقى لك من الدنيا وزبرج أهلها. فقال والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل على بن أبي طالب قالت فإذا أدركت ذلك فانى أطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك على أمرك فبعثت إلى رجل من أهلها من تيم الرباب يقال له وردان فكلمته فأجابها وجاء ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له هل لك في شرف الدنيا والآخرة قال وما ذاك قال قتل على بن أبي طالب قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا أدا كيف تقدر على ذلك قال اكمن له
في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فان نجونا شفيت أنفسنا وأدركنا ثارنا وان قتلنا فما عند الله خير من الدنيا فقال له ويحك
[ 57 ]
لو كان غير علي كان أهون علي قد عرفت بلاءه في الإسلام وسابقته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أجدني أنشرح لهذا قال ألم تعلم انه قتل أهل النهر العباد المصلين قال بلى قال فنقتله بمن قتل من اخواننا. فأجابه فجاؤا حتى دخلوا على قطام وهى في المسجد الأعظم معتكفة فيه فقالوا لها قد أجمع رأينا على قتل على بن أبي طالب قالت فإذا أردتم ذلك فأتوني ثم عادوا ليلة الجمعة التي قتل علي في صبيحتها سنة أربعين فقال هذه الليلة التي وعدت فيها صاحبي أن يقتل كل واحد منا صاحبه فأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي فلما خرج شد عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو بالطاق وضربه ابن ملجم بالسيف وهرب وردان فدخل منزله ودخل عليه رجل من بني أمية ورأى سيفه فسأله فعرفه فقتله وخرج شبيب نحو أبواب كندة فلقيه رجل من حضرموت وفي يد شبيب السيف فقبض عليه الحضرمي وأخذ سيفه فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خاف على نفسه فتركه فنجا في غمار الناس. فشدوا على ابن ملجم فأخذوه وشد عليه رجل من همدان فضرب رجله فصرعه وتحامل علي عليه السلام فصلى بالناس الغداة وقال على بالرجل فأدخل عليه فقال أي عدو الله ألم أحسن اليك قال بلى قال فما حملك على هذا قال شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه قال على فلا أراك إلا مقتولا به وما أراك إلا من شر خلق الله عز وجل. فذكروا أن محمد بن حنيف قال والله إني لأصلى تلك الليلة في رجال كثير من المصر قريبا من السدة من أول الليل إلى آخره إذ خرج علي لصلاة
الغداة فجعل ينادى أيها الناس الصلاة الصلاة فنظرت إلى بريق السيوف وسمعت قائلا يقول الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك فرأيت سيفا ثم
[ 58 ]
رأيت ثانيا وسمعت عليا يقول لا يفوتنكم الرجل وشد عليه الناس من كل جانب فلم أبرح حتى أخذ وأدخل على علي فدخلت فسمعت عليا يقول النفس بالنفس فان هلكت فاقتلوه كما قتلني فان بقيت رأيت فيه رأيى. ودخل الناس على الحسن فزعين وابن ملجم مكتوف بين يديه فنادت أم كلثوم بنت علي أي عدو الله انه لا بأس على أمير المؤمنين والله مخزيك فقال لعنه الله على ما تبكين إذا والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة بجميع أهل المصر ما بقى منهم أحد. قال ودعى علي حسنا وحسينا عليهما السلام فقال أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وان بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما وقولا بالحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع واصنعا للأخرى وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا اعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومه لائم ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال نعم قال فانى أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك فلا توثق أمرا دونهما ثم قال أوصيكما به فانه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه وقال للحسن أوصيك يا بنى بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها فانه لا صلاة إلا بطهور ولا تقبل الصلاة ممن منع الزكاة وأوصيك بعفو الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمور والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجتناب
الفواحش فلما حضرته الوفاة أوصى فكانت وصيته عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به على بن أبي طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله أرسله
[ 59 ]
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ثم إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدى وأهلي ومن يبلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام فانظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب والله الله في الأيتام فلا تغيروا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم والله الله في جيرانكم فانه وصية نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم والله الله في القرآن فلا يسبقكم بالعمل به غيركم والله الله في الصلاة فانها عمود دينكم والله الله في بيت ربكم فلا تخلون به ما بقيتم فانه إن يترك لن تناظروا والله الله في شهر رمضان فان صيامه جنة من النار والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم والله الله في الزكاة فانها تطفئ غضب الرب والله الله في ذرية نبيكم فلا تظلموا بين ظهرانيكم والله الله في أصحاب نبيكم فأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين فاشركوهم في معاشكم والله الله فيما ملكت أيمانكم فان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قال أوصيكم بالضعيفين نساؤكم وما ملكت أيمانكم الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيتولى الأمر شراركم ثم
تدعون فلا يستجاب لكم عليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم أستودعكم الله واقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
[ 60 ]
ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض عليه السلام في شهر رمضان سنة أربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات. وكان عليه السلام نهى الحسن عن المثلة فقال يا بنى عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي انظر يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة ولا تمثل بالرجل فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. فلما قبض عليه السلام بعث الحسن عليه السلام إلى ابن ملجم فقتله ولفه الناس في البوارى وأحرقوه وكان أنفذ إلى الحسن يقول إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به اني عاهدت الله أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فان شئت خليت بينى وبينه ولك الله على أن أقتله فان قتلته وبقيت لآتينك حتى أضع يدى في يدك فقال أما والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله. وذكر أبو المؤيد في مناقبه يرفعه ان عليا عليه السلام قال لأم كلثوم يا بنية ما أرانى إلا قل ما أصحبكم قالت ولم يا أبة ؟ قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البارحة في المنام وهو يمسح الغبار عن وجهى ويقول لي يا على لا عليك قضيت ما عليك. وعنه قال لما ضرب على عليه السلام تلك الضربة قال فما فعل ضاربي ؟ أطعموه من طعامي واسقوه من شرابي فان عشت فأنا أولى بحقى وان مت
فاضربوه ضربة ولا تزيدوه عليها ثم أوصى الحسن فقال لا تغال في كفني فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا تغالوا في الكفن وامشوا بين المشيتين فان كان خيرا عجلتموني وان كان شرا ألقيتموني عن اكتافكم.
[ 61 ]
وبالإسناد عن الزهري قال قال عبد الملك بن مروان أي واحد أنت ان حدثتني ما كانت علامة يوم قتل على عليه السلام قال يا أمير المؤمنين ما رفعت حصاة ببيت المقدس إلا كانت تحتها دم عبيط فقال إني وإياك غريبان في هذا الحديث. وعنه قال أبو القاسم الحسن بن محمد المعروف بابن الرفا بالكوفة قال كنت بالمسجد الحرام فرأيت الناس مجتمعين حول مقام ابراهيم فقلت ما هذا قالوا راهب أسلم فأشرفت عليه فإذا شيخ كبير عليه جبة صوف وقلنسوة صوف عظيم الخلق وهو قاعد بحذاء مقام ابراهيم فسمعته يقول كنت قاعدا في صومعتي فأشرفت منها فإذا طائر كالنسر قد سقط على صخرة على شاطئ البحر فتقيأ فرمى بربع إنسان ثم طار فتفقدته فعاد فتقيأ فرمى بربع إنسان كذا إلى أن تقيأ باقيه ثم طار فدنت الأرباع فقام رجلا فهو قائم وأنا أتعجب حتى انحدر الطير فضربه وأخذ ربعه وطار وفعل به في الثلاثة الأرباع كذلك فبقيت أتفكر وأتحسر ألا أكون سألته من هو ؟ فبقيت أتفقد الصخرة حتى رأيت الطير فأقبل وفعل كما فعل فالتامت الأرباع وصار رجلا فنزلت وقمت بازائه ودنوت منه وسألته من أنت ؟ فسكت عنى فقلت بحق من خلقك من أنت ؟ فقال أنا ابن ملجم فقلت وما فعلت ؟ قال قتلت على بن أبي طالب فوكل الله بي هذا الطائر يقتلنى كل يوم قتلة فهذا خبرى وانقض الطائر ؟ ؟ فأخذ ربعه وطار فسألت عن على ؟ فقالوا:
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلمت. قلت قد اختصرت بعض ألفاظ هذه القصة لما فيها من تكرار فاثبت معناها وهى تناسب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله عليه السلام من أشقى الناس ؟ قال عاقر الناقة وضاربك على يافوخك هذا.
[ 62 ]
وعنه عن عثمان بن المغيرة قال لما أن دخل رمضان كان على يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند ابن عباس لا يزيد على ثلاث لقم يقول يأتيني أمر الله وأنا خميص إنما هي ليلة أو ليلتان فأصيب من الليل يقال فلان خميص الحشا أي ضامر البطن. وباسناده عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: ولى على بن أبي طالب خمس سنين وقتل سنة أربعين من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة قتل يوم الجمعة الحادى والعشرين من شهر رمضان ومات يوم الأحد ودفن بالكوفة. وباسناده عن جابر قال إني لشاهد لعلى وقد أتاه المرادى يستحمله فحمله ثم قال: عذيري من خليلي من مراد * * أريد حباءه ويريد قتلى. كذا أورده فخر خوارزم والذي نعرفه أريد حباءه ويريد قتلى * عذيري البيت ثم قال هذا والله قاتلي قالوا يا أمير المؤمنين أفلا تقتله ؟ قال لا فمن يقتلنى إذا ثم قال أشدد حيازيمك للموت * * فان الموت لاقيك ولا تجزع من الموت * * إذا حل بناديك - لفظ اشدد زيادة على عروض البيت الحيزوم وسط الصدر وما
يشد عليه الحزام والحزيم مثله. وباسناده قال اسماعيل بن عبد الرحمن كان عبد الرحمن بن ملجم المرادى عشق امرأة من الخوارج من تيم الرباب يقال لها قطام فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل على بن أبي طالب عليه السلام ففى ذلك قال الفرزدق
[ 63 ]
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * * كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * * وضرب على بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من على وان غلا * * ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم. وذكرت بهذه الأبيات قول القائل: فلا غرو للأشراف قد عبثت بها * * ذئاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشى سقت حمزة الردى * * وحتف على من حسام ابن ملجم. وذكر الشيخ كمال الدين بن طلحة رحمه الله في كتاب مناقبه قال قد تقدم القول في ولادته وبيان وقتها وإذا كان مبدأ عمره مضبوطا وهو الطرف الأول وكان آخر عمره مضبوطا وهو الطرف الثاني يستلزم ذلك ظهور مقدار مدة عمره وقد صح النقل أنه عليه السلام ضربه عبد الرحمان بن ملجم ليلة الجمعة لكن قيل لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل لتسعة عشر ليلة وقد نقله جماعة وقيل ليلة الحادى والعشرين من شهر رمضان وقيل ليلة الثالث والعشرين منه ومات ليلة الأحد ثالث ليلة ضرب من سنة أربعين للهجرة فيكون عمره خمسا وستين سنة وقيل بل كان ثلاثا وستين وقيل بل ثمان وخمسين سنة وقيل بل كان سبعا وخمسين سنة وأصح هذه الأقوال هو القول الأول فانه يعضده ما نقل عن معروف رضى الله عنه قال سمعت
من أبي جعفر محمد بن على الرضا سلام الله عليهما يقول قتل على بن أبي طالب وله خمس وستون سنة فهذه مدة عمره. وأما تفصيل قتله فقد نقل أنه عليه السلام لما فرغ من قتل الخوارج وأخذ في الرجوع إلى الكوفة سبقه عبد الرحمان بن ملجم إلى الكوفة يبشر أهلها بهلاك الشراة الخوارج فمر بدار من دور الكوفة فيها جمع فخرج منها نسوة فرأى فيهن امرأة يقال لها قطام بنت الأصبغ التميمي بها مسحة من حسن فأحبها
[ 64 ]
وساق كمال الدين حديث قتله قريبا مما أورده فخر خوارزم. وقال فخرج في تلك الليلة وفي داره أوز فلما صار في صحن الدار تصايح في وجهه فقال عليه السلام صوايح تتبعها نوايح وقيل صوارخ فقال ابنه الحسن عليهما السلام ما هذه الطيرة ؟ فقال يا بنى لم أتطير ولكن قلبي يشهد أني مقتول وقال انه ضربه وقد استفتح وقرأ وسجد سجدة فضربه على رأسه فوقعت الضربة على ضربة عمرو بن ود يوم الخندق بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ابن طلحة فلما مات عليه السلام غسله الحسن والحسين ومحمد يصب الماء ثم كفن وحنط وحمل ودفن في جوف الليل بالغرى وقيل بين منزله والجامع الأعظم والله أعلم. قال وإذا كانت مدة عمره عليه السلام خمسا وستين سنة على ما ظهر فاعلم منحك الله بالطاف تأييده انه عليه السلام كان بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أول عمره خمسا وعشرين سنة فمنها بعد المبعث والنبوة ثلاث عشرة سنة وقبلها اثنى عشرة سنة ثم هاجر وأقام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة إلى أن توفى عشر سنين ثم بقى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قتل ثلاثين سنة فذلك خمس وستون (سنة آخر كلامه). وقال الشيخ المفيد رضى الله عنه قريبا مما ذكره ابن طلحة رحمه الله
والخوارزمي وزاد على ما أورده انهم كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الأشعث بن قيس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين وواطأهم عليه وحضر الأشعث بن قيس في تلك الليلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه وكان حجر بن عدى رحمه الله في تلك الليلة بائتا في المسجد فسمع الأشعث يقول لابن ملجم النجا النجا بحاجتك فقد فضحك الصبح فأحس حجر بما أراد الأشعث فقال له قتلته يا أعور وخرج مبادرا ليمضى إلى أمير المؤمنين ليخبره الخبر ويحذره
[ 65 ]
القوم فخالفه أمير المؤمنين عليه السلام فدخل المسجد فسبقه ابن ملجم لعنه الله فضربه بالسيف وأقبل حجر والناس يقولون قتل أمير المؤمنين. وقال المفيد رحمه الله وهرب القوم نحو أبواب المسجد وتبادر الناس لأخذهم فأما شبيب بن بجرة فأخذه رجل وصرعه وجلس على صدره وأخذ السيف من يده ليقتله فرأى الناس يقصدون نحوه فخشى أن يعجلوا عليه ولا يسمعوا منه فوثب عن صدره وخلاه وطرح السيف عن يده ومضى شبيب هاربا حتى دخل منزله ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره فقال له ما هذا لعلك قتلت أمير المؤمنين فأراد أن يقول لا فقال نعم فمضى ابن عمه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله. وأما ابن ملجم لعنه الله فان رجلا من همدان لحقه فطرح عليه قطيفة كانت في يده ثم صرعه وأخذ السيف من يده وجاء به إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأفلت الثالث فانسل بين الناس ولما دخل ابن ملجم لعنه الله على أمير المؤمنين عليه السلام نظر إليه ثم قال النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن سلمت رأيت فيه رأيى فقال ابن ملجم لعنه الله والله لقد ابتعته بألف وسممته بألف فان خاننى فأبعده الله قال ونادته أم كلثوم يا عدو الله قتلت
أمير المؤمنين قال إنما قتلت أباك قالت يا عدو الله اني لأرجو أن لا يكون عليه بأس فقال لها فأراك إنما تبكين على إذا ؟ والله لقد ضربته ضربة لو قسمت على أهل المصر لأهلكتهم فأخرج من بين يدى أمير المؤمنين وان الناس لينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع وهم يقولون يا عدو الله ماذا فعلت أهلكت أمة محمد وقتلت خير الناس وانه لصامت ما ينطق وجاء الناس إلى أمير المؤمنين فقالوا مرنا بأمرك في عدو الله فقد أهلك الأمة وأفسد الملة فقال لهم إن عشت رأيت فيه رأيى وان هلكت فاصنعوا به ما يصنع
[ 66 ]
بقاتل النبي أقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار. وروى أحمد بن حنبل في مسنده قال لما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا عليه السلام الضربة قال علي عليه السلام افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل برجل أراد قتله فقال اقتلوه ثم حرقوه فلما قضى أمير المؤمنين عليه السلام نحبه وفرغ أهله من دفنه جلس الحسن عليه السلام وأمر أن يؤتى بابن ملجم فجئ به فلما وقف بين يديه قال يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين وأعظمت الفساد في الدين ؟ ثم أمر به فضربت عنقه واستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه لتتولى إحراقها فوهبها لها فأحرقتها بالنار. وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على قتل معاوية وعمرو ابن العاص فان أحدهما ضرب معاوية وهو راكع فوقعت ضربته في إليته ونجا منها وأخذ فقتل من وقته وأما الآخر فانه وافى عمرو بن العاص في تلك الليلة وقد وجد علة فاستخلف رجلا يصلى بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة العامري فضربه بسيفه وهو يظن أنه عمرو بن العاص فأخذ وأتى به عمرا فقتله ومات خارجة في اليوم الثاني.
قلت هذا موضع بيت ابن زيدون وقد تقدم. فليتها إذ فدت عمرا بخارجة * * فدت عليا بمن شاءت من البشر. هذا آخر ما ذكره المفيد رحمه الله في حديث مقتله وإنما أوردته ليعلم موضع نقل أصحابنا وأصحابهم فيه فما الخلاف فيه بطائل. وقد ورد في موضع مدفنه بالغري من جهة أصحابنا ما هو كاف شاف وليس ذكر ذلك مما يتعلق به غرض والخلاف فيه ظاهر كل الشيعة متفقون على أنه دفن بالغري حيث هو معروف الآن يزار بأخبار يروونها عن السلف وفيهم الإمام المعصوم والجمهور يذكرون مواضع أحدها هذا الموضع وهذا لا يضرنا فيه خلاف من خالف وليكن هذا القدر كافيا والله المستعان
[ 67 ]
ذكر أولاده الذكور والاناث عليه وعليهم السلام قال المفيد رحمه الله أولاد أمير المؤمنين عليه السلام سبعة وعشرون ولدا ذكرا وأنثى الحسن والحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكناة أم كلثوم أمهم فاطمة البتول سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين ومحمد المكنى أبا القاسم أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية وعمر ورقية كانا توأمين وأمهما أم حبيبة بنت ربيعة والعباس وجعفر وعثمان وعبد الله الشهداء مع أخيهم الحسين صلوات الله عليه وعليهم السلام بطف كربلا أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم ومحمد الأصغر المكنى أبا بكر وعبيد الله الشهيدان مع أخيهما الحسين عليه السلام بالطف أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية رضى الله عنها وأم الحسن ورملة أمهما أم مسعود بن عروة بن مسعود الثقفى
ونفيسة وزينب الصغرى ورقية الصغرى وأم هاني وأم الكرام وجمانة المكناة بأم جعفر وأمامة وأم سلمة وميمونة وخديجة وفاطمة رحمة الله عليهن لأمهات أولاد شتى. وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرا كان سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو حمل محسنا فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون ولدا والله أعلم. وقال كمال الدين بن طلحة رحمه الله (الفصل الحادى عشر) في ذكر
[ 68 ]
أولاده عليه السلام اعلم أيدك الله بروح منه ان أقوال الناس اختلفت في عدد أولاده عليه السلام ذكورا واناثا فمنهم من أكثر فعد منهم السقط ولم يسقط ذكر نسبه ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب في العدة به فجاء قول كل واحد بمقتضى ما اعتمده في ذلك ويحسبه والذي نقل من كتاب صفوة الصفوة وغيره من تأليف الأئمة المعتبرين أن أولاده الذكور أربعة عشر ذكرا وأولاده الاناث تسعة عشر انثى وهذا تفصيل أسمائهم. الذكور الحسن والحسين ومحمد الأكبر وعبيد الله وأبو بكر والعباس وعثمان وجعفر وعبد الله ومحمد الأصغر ويحيى وعون وعمر ومحمد الأوسط عليه السلام. الاناث زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى وأم الحسن ورملة الكبرى أم هاني وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى ورقية وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة وتقية بنت أخرى لم يذكر اسمها ماتت صغيرة. وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك وذكروا فيهم محسنا شقيقا للحسن
والحسين عليهما السلام كان سقطا فالحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم هؤلاء الأربعة رضى الله عنهم من الطهر البتول فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومحمد الأكبر هو ابن الحنفية واسمها خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية وقيل غير ذلك وعبيد الله وأبو بكر أمهما ليلى بنت مسعود والعباس وعثمان وجعفر وعبد الله وأمهم أم البنين بنت حزام بن خالد ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس ومحمد الأوسط أمه امامة بنت أبي العاص وهذه امامة هي بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأم الحسن ورملة الكبرى أمهما أم سعيد بنت عروة فهؤلاء من المعقود عليهن نكاحا
[ 69 ]
وبقية الأولاد من أمهات شتى أمهات أولاد. وكان يوم قتله عليه السلام عنده أربع حراير في نكاح وهن أمامة بنت أبي العاص وهى بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها بعد موت خالتها البتول فاطمة عليها السلام وليلى بنت مسعود التميمية وأسماء بنت عميس الخثعمية وأم البنين الكلابية وأمهات أولاد ثمانية عشر أم ولد. هذا آخر ما أردت إثباته من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأنا أعتذر إلى كرمه من التقصير وأتنصل من ميلى في جميع مزاياه إلى المعاذير كونى إذ شرعت في إثباتها لم أستقصها وحين عددتها لم أحصها وقد ضرب قبل المثل مكره أخوك لا بطل وما ذاك إلا لعجزي عن الإحاطة بمفاخره وقصوري عن الإتيان بمآثره وكيف أحصى شرف من صاحبه المجد فما جانبه ووافقه السداد فما فارقه وحالفه الرشاد فما خالفه الله يؤيده والقرآن يعضده والرسول يسدده وهمته تنجده والطاهرة زوجته وولدها ولده الطهارة تكتنفه والنسب الهاشمي يعرفه والقرابة القريبة تشرفه والاخوة
تقدمه والصهر يعظمه وأنفسنا تكرمه والأب شريف الفخار والعم أسد الله الكرار والأخ جعفر الطيار والأم ذات الشرف والفخار في الدين متين ومن النبي مكين وعلى أسراره أمين ولكشف الكروب عن وجهه ضمين فما الليث الخادر أجرى منه جنانا ولا الغيث الماطر أندى منه بنانا ولا السيف الباتر أمضى منه لسانا الفتى بشهادة جبرئيل المؤمن باسجال التنزيل المجاهد في ذات الله بحكم البرهان والدليل المتصدق وكل مانع أو بخيل المناجى لما جفا الصديق وضن بالقليل الهادى فما عراه لبس ولا تضليل سيد أبو سيدين فارس بدر واحد وحنين زوج البتول أبو الريحانتين قرار القلب قرة العين وأي شرف ما افترع هضابه وأي فخر
[ 70 ]
ما أفضى ركابه وأي معقل عز ما فتح بابه وأي منار مجد ما امتطى غاربه وأي أمد جلال ما حاز مشارقه ومغاربه أحاطت به الرئاسة من كل جهاته وظهرت السماحة والحماسة من صلاته وصولاته وبذ النظراء ولا نظير له في دينه المتين وصلواته وجرى بارادة الله ورسوله في حركاته وسكناته فعفافه وطهارته متساويان في منامه ويقظاته سيف الله وحجته وصراطه المستقيم ومحجته وماذا عسى أن أقول وفي أي جلباب أوصافه أجول وفي أي نعوته أطلق لساني وبأى روية أفكر فيما له من المعاني وأين ثمرات سوده من يد الجاني ؟ وما قصرت عنها إلا وغيري مقصر ولا قهقرت إلا وغيري مقهقر وما اعتذرت إلا في موضع الاعتذار ولا ثنيت جواد بلاغتي إلا بعد أن قصرت الجياد في هذا المضمار وحبي يقتضى المبالغة في الإكثار وصعوبة هذه السبيل تحملني على الاقتصار وما أشبه الحال بقول من قال أحبك حبا لو يفض يسيره * على الخلق مات الخلق من شدة الحب وأعلم اني بعد ذاك مقصر * لأنك في أعلى المراتب من قلبي
فالبيت الثاني وصف حالى ومن الله ذى المعالى أسال أن يجعل ما اعتمدته في جميع هذا الكتاب خالصا لوجهه الكريم وموجبا لإحسانه العميم وامتنانه الجسيم فيه تعالى وتقدس اهتدينا إلى محبتهم واليه جل وعلا نتقرب بمودتهم وهم الأدلاء على الله الكريم والهداة إلى نهجه القويم وصراطه المستقيم والملازمة واضحة الدليل وعلى الله قصد السبيل. نجز جزء الأول من كشف الغمة في معرفة الأئمة نقلا من نسخة بخط المولى الصدر الكبير العالم العامل الكامل جامع شتات الفضائل المبرز على الأواخر والأوائل مجد الدين الفضل بن يحيى بن على بن المظفر بن الطيبي تغمده الله برحمته وحشره بكرمه مع ساداته وأئمته والنسخة المشار إليها
[ 71 ]
منقولة من نسخة الأصل بخط المصنف قدس الله روحه ونور ضريحه مقابلة به وقع الفراغ منه يوم السبت لثلاث ليال بقين من شهر رمضان المبارك من سنة تسع وسبعمائة الهلالية على يد كاتبه أضعف عباد الله وأحوجهم إلى رحمته محمد بن محمد بن حسن بن الطويل الحلى الصفار الساكن يومئذ بواسط القصب رحم الله من نظر فيه وسأل الله مغفرة ذنوبه وستر عيوبه والحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على خير خلقه محمد بن عبد الله خاتم النبين وسيد المرسلين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه الكرام المنتجبين وهو حسبي ونعم الوكيل ويتلوه في الجزء الثاني أخبار سيدة نساء العالمين فاطمة ابنة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبار الأئمة من ولدها عليهم السلام حسب ما شرط في صدر الكتاب والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد النبي وآله الطاهرين صورة ما كان مكتوبا على مجلد الأصل بخط المصنف أسكنه الله بحبوحة جنانه
نجز الجزء الأول من كشف الغمة في معرفة الأئمة على يد جامعه أفقر عباد الله إلى رحمته وشفاعة نبيه وأئمته على بن عيسى بن أبي الفتح الإربلى عفا الله عنه في ثالث شعبان من سنة ثمان وسبعين وستمائة ببغداد في داره بالجانب الغربي على شاطئ دجلة ويتلوه بعون الله وحسن توفيقه في المجلد الثاني أخبار سيدة نساء العالمين فاطمة ابنة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وعليها وعلى بعلها وأخبار الأئمة من ولدها عليهم السلام حسب ما شرطناه في صدر هذا الكتاب والحمد لله بجميع محامده كما هو أهله ومستحقه وصلواته على
[ 72 ]
سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا. إلى هنا كلام المؤلف ره ورضى عنه وأرضاه بحق سيد العالمين محمد وآله المعصومين وحشره ؟ ؟ معهم في عقبى. وكان على أصل هذه النسخة اجازة لمجد الدين الفضل بن يحيى الطيبي رحمه الله تعالى من جامع هذا الكتاب قدس الله روحه ونور ضريحه وجعل الأئمة الاثنى عشر عليه السلام في الجنة مصابيحه بمنه وسعة رحمته وهذه صورتها قرأت هذا الكتاب وهو الجزء الأول من كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة على جامعه المولى الصدر والصاحب الكبير المعظم مولى الأيادي ملك العلماء والفضلاء واسطة العقد أبي الحسن على بن السعيد فخر الدين عيسى ابن أبي الفتح الإربلى أطال الله عمره وأجزل ثوابه وحشره مع أئمته وسمعه الجماعة المسمون فيه وهم الصدر عماد الدين عبد الله بن محمد بن مكى والشيخ العالم الفقيه شرف الدين أحمد بن عثمان النصيبي المدرس المالكى وشرف الدين أحمد بن الصدر تاج الدين محمد ولد مؤلفه ووالده المذكور سمعا بعضا وأجيز لهما الباقي والصدر الكبير عز الدين أبو على الحسن بن
أبي الهيجاء الأربلي وتاج الدين أبو الفتح بن حسين بن أبي بكر الإربلى سمع الجميع والشيخ العالم مولانا ملك الفضلاء والعلماء أمين الدين عبد الرحمان بن على بن أبي الحسن الجزرى الأصل الموصلي المنشأ سمعه أجمع معارضا بنسخة الأصل وحسن بن اسحاق بن ابراهيم بن عياش الموصلي سمعه جميعه ومحمود بن
[ 73 ]
على بن أبي القاسم سمع بعضا وأجيز البعض والشيخ العالم تقى الدين ابراهيم ابن محمد بن سالم سمع المجلسين الأخيرين وأجيز له الباقي وكتب العبد الفقير إلى رحمة الله وشفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرة الفضل بن يحيى بن على ابن المظفر بن الطيبى كاتبه وذلك في مجالس عدة آخرها الاثنين رابع عشرى شهر رمضان المبارك من سنة إحدى وتسعين وستمائة وصلواته على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسمع السيد شمس الدين محمد بن الفضل العلوى الحسنى بعضا وأجيز له البعض وكتب في التاريخ المذكور وهو رابع عشر شهر رمضان من السنة. هذا صحيح وقد أجزت لهم نفعهم الله لهم وإيانا رواية ذلك عنى بشروطه وكتب العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى عبد الله على بن عيسى بن أبي الفتح في التاريخ حامد الله ومصليا على رسوله وآله الطاهرين وسمع على (عيسى خ ل) ابن محمد ابن جامعة بعضا وأجيز الباقي وكتب على بن عيسى.
[ 74 ]
الجزء الثاني من كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة صلوات الله عليهم اجمعين جمع الصاحب الكبير المعظم جامع شتات الفضائل المبرز في جلسات السبق على الأواخر والأوائل مالك ازمة البيان واسطة عقد الزمان ملك الفصحاء قدوة البلغاء بهاء الحق والملة والدين ركن الاسلام والمسلمين
أبو الحسن على بن السعيد فخر الدين عيسى بن أبي الفتح الاربلي تغمده الله برحمته ورضوانه وأجزل له مضاعفات الخير من فضله وكرمه واحسانه واسكنه على الغرفات في دار خلده وجنانه بكرمه وامتنانه انه جواد كريم ذو الطول العظيم والفضل العميم وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. قال المؤلف على بن عيسى بن أبي الفتح أيده الله تعالى لا شبهة ان بنى على عليهم السلام لهم شرف ظاهر على بنى الاعمام وفضائل تجرى على ألسنة الخاص والعام ومناقب يرويها كابر عن كابر وسجايا يهديها أول إلى آخر لما ثبت لامير المؤمنين عليه السلام من المفاخر المشهورة والماثر المأثورة والافعال التي هي في صفحات الايام مسطورة وبألسنة الكتاب والاثر مشكورة
[ 75 ]
ولما له من حق السابقة إلى الاسلام والجهاد الذي ثل به عروش عباد الاصنام ولمواقفه التي ذب بها عن رسول الله وقد لاذ من لاذ بالانهزام ولمواساته له في اليقظة وبذل نفسه دونه في المنام ولموضع تربيته إياه وتفرسه فيه الاستعداد وما قارب سن الاحتلام وهذه الصفات تستند إلى نصوص لا شك فيها ولا لبس وكيف لا وقد خصه من تقريبه بما لم يزل يومه فيه مريبا على الامس ورفعه في درج الاصطفاء منتقلا من الكوكب إلى القمر إلى الشمس ونبه على مكانة منه بلسان القرآن نائبا عنه فجعله بمنزلة النفس فعلا شرفه بذلك عن المحاولة وارتفعت سماؤه عن اللمس ومع هذه الشيم والخلال فقد استضافوا بفاطمة عليها السلام إلى مزاياهم مزايا وأنار بها شرفهم فاشرق اشراق المزايا وزادوا بها عزا أفادهم المرباع من المجد
والصفايا وقضى لهم القدر بعلو القدر في كل القضايا ولبنى فاطمة عليها السلام على اخوتهم من بنى على شرف إذا عدت مراتب الشرف ومكانة حصلوا منها في الرأس واخوتهم في الطرف وجلالة ادرعوا برودها وعزة ارتضعوا برودها وعلاء بلغ السماء ذات البروج ومحل علا توقلوه فلم يطمع غيرهم في الارتقاء إليه والعروج فانهم شاركوا بنى أبيهم في سؤدد الآباء وانفردوا بسؤدد الامهات وقد أوضح الله ذلك فقال ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات فجمعوا بين مجدين تليد وطريف وضموا إلى علامة تعريفهم علامة تعريف وعدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا وجدا وارتدوا من نسبه من قبل أبيهم بردا ومن قبل أمهم بردا فاصبح كل منهم معلم لطرفين ظاهر الشرفين مترفعا عن الامثال والأنظار متعاليا عن أعين النظار سابقا من يجاريه إلى المضمار وهذا مجال للقلم فيه سنح واجمال له ايضاح وشرح.
[ 76 ]
فلنبدأ الآن بذكر فاطمة عليها السلام التي زاد اشراق هذا النسب باشراق أنوارها واكتسب فخرا ظاهرا من فخارها واعتلى على الانساب بعلو منارها وشرف قدره بشرف محلها ومقدارها فهى مشكاة النبوة التي أضاء لألاؤها وتشعشع ضياؤها وسحت بسحب الغر أنواؤها وعقيلة الرسالة التي علت السبع الشداد مراتب علا وعلاء ومناصب آل وآلاء ومناسب سنا وسناء الكريمة الكريمة الأنساب الشريفة الشريفة الأحساب الطاهرة الطاهرة الميلاد الزهراء الزهراة الأولاد السيدة باجماع أهل السداد الخيرة من الخير ثالثة الشمس والقمر بنت خير البشر أم الأئمة الغرر الصافية من الشوب والكدر الصفوة على رغم من جحد أو كفر الحالية بجواهر الجلال الحالة في اعلى رتب الكمال المختارة على النساء والرجال
صلى الله عليها وعلى ابيها وبعلها وبنيها السادة الأنجاب وارثي النبوة والكتاب وسلم وشرف وكرم وعظم. فاطمة عليه السلام قال المؤلف على بن عيسى بن أبي الفتح ايده الله تعالى اذكر على عادتي ما ورد في أمرها من طرق الجمهور واذكر بعد ذلك ما أورده أصحابنا. قال ابن الخشاب في تاريخ مواليد ووفات أهل البيت نقله عن شيوخه يرفعه عن أبي جعفر محمد بن على قال ولدت فاطمة بعد ما أظهره الله نبوة نبيه وأنزل عليه الوحى بخمس سنين وقريش تبنى البيت وتوفيت ولها ثمانية عشر سنة وخمسة وسبعين يوما وفي رواية صدقة ثمانية عشرة سنة وشهر وخمسة عشر يوما وكان عمرها مع ابيها عليها السلام بمكة ثمانية سنين
[ 77 ]
وهاجرت إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقامت معه عشر سنين فكان عمرها ثمانية عشرة سنة فاقامت مع على أمير المؤمنين بعد وفاة ابيها خمسة وسبعين يوما وفي رواية اخرى أربعين يوما وقال الذارع أنا اقول فعمرها على هذه الرواية ثمانية عشرة سنة وشهر وعشرة أيام وولدت الحسن ولها أحد عشر سنة بعد الهجرة بثلاث سنين آخر كلامه. ونقلته من نسخة بخط ابن وضاح على ما كتبه بصورته وقد أجاز لي رواية كل ما يرويه ونقلت من كتاب معالم العترة النبوية العلية ومعارف أئمة أهل البيت الفاطمية العلوية تصنيف الحافظ أبي محمد عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى رحمه الله وهذا الكتاب ارويه اجازة عن الشيخ تاج الدين على بن انجب بن الساعي رحمه الله عن مصنفه قال ام الأئمة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وامها خديجة بنت خويلد بن أسد رضوان الله عليها.
وروى باسانيده مرفوعا إلى قتادة عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة بنت محمد. وباسناده إلى أحمد بن حنبل يرفعه إلى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد عليهم السلام وآسية امرأة فرعون. وباسناده عن انس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ومنه قالت عائشة رضى الله عنها لفاطمة عليها السلام ألا ابشرك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول سيدات نساء أهل الجنة أربع مريم بنت عمران وفاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
[ 78 ]
وباسناده عن أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة خير نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران. ومنه عن على عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا كان يوم القيامة قيل يا أهل الجمع غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليها ريطتان خضراوان قال أبو مسلم قال لي أبو قلابة وكان معنا عند عبد الحميد حلتان حمراوان. وبإسناده مرفوعا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن حسين بن على عن امه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم قالت خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشية عرفة فقال ان الله عز وجل باهى بكم وغفر لكم عامة ولعلى خاصة وانى رسول الله عز وجل اليكم غير محاب
لقرابتي ان السعيد كل السعيد من احب عليا في حياته وبعد موته. ومنه عن أبي فاختة انه سمع عليا يقول استأذن علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مضاجع فاطمة وحسن وحسين إلى جنبها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان هذا يعنى عليا وابناك وهما الحسن والحسين يوم القيامة إلى مكان واحد. قلت كذا رأيته في هذه النسخة وأنا أنقله من غير هذا الكتاب أوضح من هذا اذكره في مكانه ان شاء الله تعالى. ونقلت من مسند احمد بن حنبل رحمه الله وقد تقدم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد حسن وحسين وقال من أحبنى وأحب هذين وأباهما وامهما كان معى في درجتي في الجنة يوم القيامة. ومنه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سافر آخر عهده بانسان من أهله فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليها السلام قال فقدم من غزاة فأتاها فإذا هو بمسح
[ 79 ]
على بابها ورأى على الحسن والحسين عليهما السلام قلبين من فضة فرجع ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك فاطمة ظنت انه لم يدخل عليها من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان فقسمته بينهما فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما يبكيان فاخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهما وقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى بنى فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فان هؤلاء أهل بيتى ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. ومن المسند عن حذيفة بن اليمان قال سألتنى أمي متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فقلت لها منذ كذا وكذا قال فنالت منى وسبتني قال فقلت
لها دعينى فانى آتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك قال فاتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصليت معه المغرب فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء ثم انفتل فتبعته فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي فقال من هذا فقلت حذيفة قال ما لك فحدثته بالأمر فقال غفر الله لك ولامك ثم قال أما رأيت العارض الذي عرض لي قبل قال قلت بلى قال هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه عز وجل أن يسلم على ويبشرني ان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وان فاطمة سيدة نساء العالمين. ومنه ولعله قد تقدم عن أبي هريرة قال نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى على والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم فقال أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم. ومنه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد
[ 80 ]
وآسيه بنت مزاحم امرأة فرعون. ومن المسند عن عائشة رضى الله عنها قالت أقبلت فاطمة عليها السلام تمشى كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال مرحبا يا ابنتى ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم انه أسر إليها حديثا فبكت فقلت استخصك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديثه ثم تبكين ثم أنه أسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال ؟ فقلت ما كنت لافشى سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألتها فقالت أسر إلى فقال ان جبرئيل عليه السلام كان يعارضنى بالقرآن في كل عام مرة وانه عارضنى
به العام مرتين ولا أراه إلا قد حضر أجلى وإنك أول أهل بيتى لحوقا بي ونعم السلف أنا لك فبكيت لذلك فقال ألا ترضين أن تكون سيدة نساء هذه الامة أو نساء المؤمنين - ؟ قالت فضحكت لذلك. ؟ ومنه عن عائشة قالت لما مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا ابنته فاطمة فسارها فبكت ثم سارها فضحكت فسألتها عن ذلك ؟ فقالت أما حيث بكيت فانه اخبرني انه ميت فبكيت ثم أخبرني أني أول أهل بيته لحوقا به فضحكت. وروى الحافظ عبد العزيز الجنابذى المذكور آنفا في كتابه المذكور يرفعه إلى عائشة قالت ما رأيت أحدا اشبه حديثا وكلاما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة وكانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها قامت إليه فقبلته وأخذت بيده فأجلسته في مكانها من غير الكتاب ولعل الناسخ سها فالحديث معروف فدخلت عليه في مرضه الذي توفى فيه وذكرت بمعناه من السرار والضحك والبكاء. أقول هذا الحديث قد ورد من عده طرق وقد دل بمضمونه على أن
[ 81 ]
فاطمة عليها السلام هي سليلة النبوة ورضيعة در الكرم والأبوة ودرة صدف الفخار وغرة شمس النهار وذبالة مشكاة الأنوار وصفوة الشرف والجود وواسطة قلادة الوجود نقطة دائرة المفاخر قمر هالة المآثر الزهرة الزهراء والغرة الغراء العالية المحل الحالة في رتبة العلاء السامية المكانة المكينة في عالم السماء المضيئة النور المنيرة الضياء المستغنية باسمها عن حدها ووسمها قرة عين أبيها وقرار قلب أمها الحالية بجواهر علاها العاطلة من زخرف دنياها أمة الله وسيدة النساء جمال الآباء شرف الأبناء يفخر آدم بمكانها ويبوح نوح بشدة شأنها ويسمو ابراهيم بكونها من نسله
وينجح اسماعيل على اخوته إذ هي فرع أصله وكانت ريحانة محمد من بين أهله فما يجاريها في مفخر إلا مغلب ولا يباريها في مجد إلا مؤنب ولا يجحد حقها إلا مأفون ولا يصرف عنها وجه إخلاصه إلا مغبون. وبيان ذلك وتفصيل جمله ان الطباع البشرية مجبولة على كراهة الموت مطبوعة على النفور منه محبة للحياة مايلة إليها حتى الأنبياء عليه السلام على شرف مقاديرهم وعظم أخطارهم ومكانتهم من الله تعالى ومنازلهم من محال قدسه وعلمهم بما تؤل إليه أحوالهم وتنتهى إليه أمورهم أحبوا الحياة ومالوا إليها وكرهوا الموت ونفروا منه وقصة آدم عليه السلام مع طول عمره وامتداد أيام حياته معلومة. قيل إنه وهب داود عليه السلام حين عرضت عليه ذريته أربعين سنة من عمره فلما استوفى أيامه وحانت منيته وانقضت مده أجله وحم حمامه جاءه ملك الموت يقبضه نفسه التي هي وديعة عنده فلم تطب بذلك نفسه وجزع وقال إن الله عرفني مدة عمرى وقد بقيت منه أربعون سنة فقال إنك وهبتها ابنك داود فأنكر أن يكون ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجحد فجحدت ذريته.
[ 82 ]
ونوح عليه السلام كان أطول الأنبياء عمرا أخبر الله تعالى عنه أنه لبث في قومه الف سنة إلا خمسين عاما فلما دنا أجله قيل له كيف رأيت الدنيا ؟ فقال كدار ذات بابين دخلت في باب وخرجت من باب وهذا يدل بمفهومه على أنه لم يرد الموت ولم يؤثر مفارقة ولا الدنيا استطال أمد الإقامة فيها. وابراهيم عليه السلام روى أنه سأل الله تعالى أن لا يميته حتى يسأله فلما استكمل أيامه التي قدرت له خرج فرأى ملكا على صورة شيخ فان كبير قد
أعجزه الضعف وظهر عليه الخراف ولعابه يجرى على لحيته وطعامه وشرابه يخرجان من سبيله من غير اختياره فقال له يا شيخ كم عمرك ؟ فأخبره بعمر يزيد على عمر ابراهيم سنة فاسترجع وقال أنا أصير بعد سنة إلى هذه الحال فسأل الموت. وموسى عليه السلام لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه فأعوره كما ورد في الحديث فقال رب انك أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت فأوحى الله إليه أن ضع يدك على متن ثور ولك بكل شعره وارتها يدك سنة فقال ثم ماذا فقال الموت فقال انته إلى أمر ربك في كلام هذا معناه فان الحديث لم يحضرني وقت نقل هذا الموضع فأثبته بصورة ألفاظه. فهؤلاء الأنبياء (ص) وهم ممن عرفت شرفهم وعلا شأنهم وارتفاع مكانهم ومحلهم في الآخرة وقد عرفوا ذلك وأبت طباعهم البشرية إلا الرغبة في الحياة وفاطمة عليها السلام امرأة حديثة عهد بصبي ذات أولاد صغار وبعل كريم لم تقض من الدنيا اربا وهى في غضارة عمرها وعنفوان شبابها يعرفها أبوها أنها سريعة اللحاق به فتسلو موت أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وتضحك طيبة نفسها بفراق الدنيا وفراق بنيها وبعلها فرحة بالموت مايلة إليه مستبشرة بهجومه مسترسلة عند قدومه وهذا أمر عظيم لا تحيط الألسن بصفته
[ 83 ]
ولا تهتدى القلوب إلى معرفته وما ذاك إلا لأمر علمه الله من أهل هذا البيت الكريم وسر أوجب لهم مزية التقديم فخصهم بباهر معجزاته وأظهر عليهم آثار علائمه وسماته وأيدهم ببراهينه الصادعة ودلالاته والله أعلم حيث يجعل رسالاته الحديث ذو شجون. وروى أحمد في مسنده يرفعه إلى أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وفاطمة سيدة نسائهم صلى الله عليهم إلا ما كان لمريم ابنة عمران فأما آية الطهارة: فقد أوردها أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في مسنده عن أم سلمة وعائشة رضى الله عنهما بطرق كثيرة لفاطمة عليها السلام ولولديها عليهما السلام فيها من الحظ ما لعلى عليه السلام وقد أوردتها في أخباره صلى الله عليه وآله وسلم فلم أعدها هنا وروى ابن خالويه في كتاب الآل قال حدثنى أبو عبد الله الحنبلى قال حدثنا محمد بن أحمد بن قضاعة قال حدثنا أبو معاذ عبدان بن محمد قال حدثنى مولاى أبو محمد الحسن بن على عن أبيه على بن محمد عن أبيه محمد ابن على عن أبيه على بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر ابن محمد عن أبيه محمد بن على عن أبيه على بن الحسين عن أبيه الحسين ابن على عن أبيه على بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خلق الله آدم وحواء تبخترا في الجنة فقال آدم لحواء ما خلق الله خلقا هو أحسن منا فأوحى الله إلى جبرئيل إئت بعبدي الفردوس الأعلى فلما دخلا الفردوس نظر إلى جارية على درنوك من درانيك الجنة وعلى رأسها تاج من نور وفي أذنيها قرطان من نور قد أشرقت الجنان من نور وجهها فقال آدم حبيبي جبرئيل من هذه الجارية التي قد أشرقت الجنان من حسن وجهها فقال هذه فاطمة بنت محمد نبي من ولدك يكون في آخر
[ 84 ]
الزمان قال فما هذا التاج الذي على رأسها ؟ قال بعلها على بن أبي طالب عليه السلام قال ابن خالويه البعل في كلام العرب خمسة أشياء الزوج والصنم من قوله أتدعون بعلا والبعل اسم امرأة وبها سميت بعلبك والبعل من النخل ما شرب بعروقه من غير سقى والبعل السماء والعرب تقول السماء
بعل الأرض قال فما القرطان اللذان في أذنيها ؟ قال ولداها الحسن والحسين قال آدم حبيبي أخلقوا قبلى ؟ قال هم موجودون في غامض علم الله قبل أن تخلق بأربعة آلاف سنة. وعن ابن خالويه من كتاب الآل يرفعه إلى على بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام عن على صلى الله عليه وآله وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وزاد ابن عرفة عن رجاله يعرفه إلى أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة عليها السلام على الصراط فتمر ومعها سبعون الف جارية من الحور العين. ومنه عن نافع بن أبي الحمراء قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية أشهر إذا خرج إلى صلاة الغداة مر بباب فاطمة عليها السلام فقال السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). ومن كتاب الآل مرفوعا إلى مالك بن حمامة قال طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متبسما يضحك فقام إليه عبد الرحمان بن عوف فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أضحكك ؟ قال بشارة أتتنى من عند الله عز وجل في
[ 85 ]
ابن عمى وابنتي ان الله تعالى لما زوج فاطمة عليها السلام أمر رضوان فهز شجرة طوبي فحملت رقاقا يعنى بذلك صكاكا بعدد محبينا أهل البيت ثم أنشأ من تحتها ملائكة من نور من بعد فأخذ كل ملك رقا فإذا استوت القيامة بأهلها ماجت الخلائق والملائكة فلا يلقون محبا لنا أهل البيت محضا إلا أعطوه رقا
فيه براءة من النار فنثار أخى وابن عمى وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتى من النار هذا الحديث ذكرته في أخبار على عليه السلام وذكرته هنا لما فيه من ذكر فاطمة عليه السلام وكان ذكره عند تزويجه بها عليهما السلام أولى وأينما ذكر فهو دال على شرفهما صلى الله عليهما. ومن كتاب الآل عن الحسين بن على عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يا فاطمة ان الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك. وقد جمع الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى نزيل الرى رحمه الله من أصحابنا كتابا مقصورا على مولد فاطمة عليها السلام وفضائلها وتزويجها وظلامتها ووفاتها ومحشرها صلوات الله على أبيها وعليها وعلى بعلها وعلى الأئمة من ذريتها وأنا أذكر على عادتي ما يسوغ ذكره وان كان مما نقله الجمهور نبهت عليه جريا على طريقتي فيه وبالله التوفيق. روى حديثا مرفوعا إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله عز وجل خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين من نور فعصر ذلك النور عصره فخرج منه شيعتنا فسبحنا فسبحوا وقدسنا فقدسوا وهللنا فهللوا ومجدنا فمجدوا ووحدنا فوحدوا ثم خلق السموات والأرضين وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحا ولا تقديسا فسبحنا فسبحت شيعتنا فسبحت الملائكة وكذلك في البواقى فنحن الموحدون حيث لا موحد غيرنا وحقيق على الله عز وجل
[ 86 ]
كما اختصنا واختص شيعتنا أن ينزلنا وشيعتنا في أعلى عليين ان الله اصطفانا واصطفى شيعتنا من قبل أن تكون أجساما فدعانا فأجبنا فغفر لنا ولشيعتنا من قبل أن نستغفر الله تعالى.
قلت قد اختصرت بعض الفاظ هذا الحديث بقولى وكذا في البواقى لأن فيه (وقدسنا فقدست شيعتنا فقدست الملائكة) إلى آخرها ونبهت على ذلك لتعلمه. وروى عن على عليه السلام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله تبارك وتعالى خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين من نور واحد. وعن حذيفة بن اليمان قال دخلت عائشة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقبل فاطمة صلوات الله عليها فقالت له يا رسول الله أتقبلها وهى ذات بعل ؟ فقال لها اما والله لو علمت ودى لها إذا لازددت لها حبا انه لما عرج بى إلى السماء فصرت إلى السماء الرابعة اذن جبرئيل وأقام ميكائيل ثم قال لي ادن فقلت أدنو وأنت بحضرتي ؟ فقال لي نعم ان الله فضل انبياءه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلك أنت خاصة فدنوت فصليت باهل السماء الرابعة فلما صليت وصرت إلى السماء السادسة إذا أنا بملك من نور على سرير من نور عن يمينه صف من الملائكة وعن يساره صف من الملائكة فسلمت فرد على السلام وهو متكئ فأوحى الله عز وجل إليه أيها الملك سلم عليك حبيبي وخيرتي من خلقي فرددت السلام عليه وأنت متكئ ؟ وعزتي وجلالى لتقومن ولتسلمن عليه ولا تقعدن إلى يوم القيامة فوثب الملك وهو يعانقنى ويقول ما أكرمك على رب العالمين يا محمد. فلما صرت إلى الحجب نوديت (آمن الرسول بما أنزل إليه) فالهمت فقلت (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) ثم أخذ جبرئيل
[ 87 ]
عليه السلام بيدى فادخلني الجنة وأنا مسرور فإذا أنا بشجرة من نور مكللة بالنور وفي أصلها ملكان يطويان الحلى والحلل إلى يوم القيامة ثم تقدمت امامى فإذا
أنا بقصر من لؤلؤة بيضاء لا صدع فيها ولا وصل فقلت حبيبي جبرئيل لمن هذا القصر قال لابنك الحسن ثم تقدمت امامى فإذا أنا بتفاح لم أر تفاحا هو أعظم منه فأخذت تفاحة ففلقتها فإذا أنا بحوراء كأن أجفانها مقاديم أجنحة النسور فقلت لمن أنت فبكت ثم قالت انا لابنك المقتول ظلما الحسين بن على صلوات الله عليه ثم تقدمت أمامى فإذا أنا برطب ألين من الزبد الزلال وأحلى من العسل فأكلت رطبة منها وأنا اشتهيها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ففاطمة حوراء إنسية فإذا اشتقت إلى رايحة الجنة شممت رايحة ابنتى فاطمة صلى الله عليها وعلى ابيها وبعلها. ومنه عن ابن عباس مثله وفيه زيادة تتعلق بفضل أمير المؤمنين عليه السلام وفيه شجرة فقلت لمن هذه الشجرة ؟ فقال لاخيك على بن أبي طالب وهذان الملكان يطويان الحلى والحلل إلى يوم القيامة وليس فيه ذكر الحسن والحسين عليه السلام وفيه فأخذت رطبة فأكلتها فتحولت وفيه قبل هذا فصليت بأهل السماء الرابعة ثم التفت عن يمينى فإذا أنا بابراهيم عليه السلام في روضة من رياض الجنة قد اكتنفه جماعة من الملائكة وفيه فنوديت في السادسة يا محمد نعم الأب أبوك ابراهيم ونعم الأخ أخوك على اقول ربما سمع أمثال هذه الأحاديث التي تفرد أصحابنا الشيعة بنقلها في هذا المعنى وغيره بعض المتسرعين فيطلق لسانه بالطعن فيها وتكذيب من رواها غير ناظر في الأمر الذي من أجله صدق ما رواه وكذب غيره وأنا اذكر فصلا غرضي فيه الانصاف وقصدي فيه توخى الحق والله يعلم أنها
[ 88 ]
عادتي في كل ما أورده وطريقي كلما أتيته وأنت أيدك الله متى نظرت
في ذلك نظر من يريد تحقيق الحق ظهر لك صحة ما أوردته وحقيقة ما اردته. وبيان هذا انه لا يقتضى عقل من يؤمن بالله واليوم الاخر ويقول بالبعث والنشور ويصدق بالجنة والنار أن يسعى لنفسه في البعد من الله ورسوله وجنته والقرب من عذاب الله وسخطه وناره نعوذ بالله من ذلك فمن المحال ان الشيعي يعلم أن حديثا ورد في حق أحد من الصحابة فيقول ببطلانه ويميل إلى تكذيبه أو يحرفه عما ورد لاجله مكابرة للحق ودفعا له بالراح واقداما على الله ورسوله وكذبا على الله ورسوله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كذب على معتمدا فيلتبوء مقعده من النار وقال من كذب على كلف أن يعقد شعيرتين من نار وليس بعاقد فعلى هذا لا يكون الرجل مسلما وهو يكذب على الله ورسوله وكيف يفعل الشيعي مثل هذا أو يقدم عليه وفيه من الخطر وسوء العاقبة ما ذكرت لك. والذي يجب أن يقال أن الشيعة روت أحاديث نقلها رجالهم المعروفون عندهم بالامانة والعدالة فنقلوها عنهم ولم يعرفوا رجال الجمهور لينقلوا عنهم وكذا حال أولئك فيما رووه عن رجالهم فأخبار هؤلاء لا تكون حجة على أولئك وبالعكس ثم ان طوائف الجمهور ينقل بعضهم ما لا ينقله الباقون ويحرم بعضهم ما أحله الآخرون ولا يتسرعون فيما بينهم فيقولون كذب فلان وقد خالفه بل ربما اعتذر عنه وسماه مجتهدا وقال إلى هذا أدى اجتهاده واختلاف الامة رحمة في أمثال ذلك ومتى سمعوا حديثا رواه الشيعة أقدموا على رده وكذبوا ناقله وراويه مسترسلين إلى ذلك وإنما روى بالطريق التي بها رووا فهلا عاملوه معاملتهم لأصحابهم الذين خالفوهم. ونضرب مثلا يحصل به التأنيس بهذه المقدمة ويقوم به عذر الشيعة
[ 89 ]
عند من عساه ينصف ويقارب وقليل ما هم لا شبهة أن كتاب الجمع بين الصحيحين لمسلم والبخاري من أوثق الكتب وأصحها نقلا واثبتها رجالا عند الجمهور. ومن رواة الأحاديث فيه طلحة والزبير وعايشة رضوان الله عليهم وهم في مناصبتهم عليا عليه السلام ومظاهرتهم عليه وحربهم له معروفوا الحال حتى قتل في وقعة الجمل الوف من الفريقين. ومن رواة الحديث في هذا الكتاب معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقد فعلا بعلى عليه السلام ما فعلا وأقدما على سبه وحربه ونازعاه رداء الامامة وحروبهم في صفين معروفة وسرايا معاوية إلى الحجاز واليمن وقتل شيعة على تحت كل حجر ومدر واضح جلى. ومن رواة هذا الكتاب المغيرة بن شعبة وحاله في الانحراف عن على عليه السلام حاله. ومن رواة هذا الكتاب عمران بن خطان وكان خارجيا يلعن عليا ويقول بكفره إلى غير ذلك. فهل يلام متشيع إذا وقف في تصديق من هذا سبيله ؟ فالشيعة تبع رجالهم الثقات عندهم واولئك تبع رجالهم الثقات عندهم وقد جرت العادة انه إذا تعارضت البينات وتكافأت الأدلة أن يرجح الحاكم أن وجد مرجحا والشيعة يسقطون ما رووه ويأخذون حاجتهم مما رواه الجمهور فيحصل مرادهم باجماع الطائفتين وهذا مرجح ظاهر لمن تأمله وهذا الحديث الذي أوجب ايراد هذا الكلام ليس بأغرب من حديث رووه في الصحاح انه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر إني رأيت قصرا في الجنة من صفته كذا ومن صفته كذا فقلت لمن هذا ؟ فقيل لعمر وكنت أردت دخوله فذكرت
[ 90 ]
غيرتك فوليت مدبرا فبكى عمر وقال ومنك أغار ؟ في حديث هذا معناه فكيف يصدق أمثال هذا ويكذب أمثال ذاك لولا الميل نعوذ بالله من شرور انفسنا وغلبه الاهواء علينا. وليكن هذا القول في كل ما نورده من الاحاديث التي يرويها أصحابنا كافيا وفضل فاطمة عليها السلام مشهور ومحلها من الشرف من أظهر الامور كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعظم شأنها ويرفع مكانها وكان يكنيها بأم أبيها ويحلها من محبته محلا لا يقاربها فيه أحد ولا يوازيها. سأله على عليه السلام يوما فقال يا رسول الله أنا أحب اليك أم فاطمة ؟ فقال أنت عندي أعز منها وهى أحب منك. وقد تقدم في المجلد الأول أنه عليه السلام حين سأله على وجعفر وزيد من أحب الناس اليك ؟ قال فاطمة. وقد روى المخالف والمؤالف انها كانت عليها السلام إذا جائت إلى أبيها صلى الله عليه وآله وسلم قام لها وقبلها وأجلسها مكانه وأنها تفعل كذلك إذا جاء صلى الله عليه وآله وسلم إليها والأول العجب ولولا أن فيها سرا إلهيا ومعنى لاهوتيا لكان لها اسوة بأولاده عليه السلام أو لقاربوا منزلتها ولكن الله يصطفى من يشاء. ومن كتاب أبي اسحاق الثعلبي عن جميع بن عمير عن عمته قالت سألت عائشة رضى الله عنها من كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت فاطمة عليها السلام قلت إنما اسألك عن الرجال ؟ قالت زوجها وما يمنعه فو الله ان كان ما علمت صواما قواما جديرا أن يقول بما يحب الله ويرضى. وعن جابر قال ما رأيت فاطمة عليها السلام تمشى إلا ذكرت مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تميل على جانبها الأيمن مرة وعلى جانبها الأيسر مرة.
[ 91 ]
وعن عائشة رضى الله عنها وذكرت فاطمة عليها السلام ما رأيت أصدق منها إلا أباها. ونعود إلى ذكر شئ مما أورده ابن بابويه القمى قال يرفعه إلى أسماء بنت عميس قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كنت شهدت فاطمة عليها السلام وقد ولدت بعض أولادها فلم أر لها دما فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن فاطمة خلقت حورية في صورة انسية. وروى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لفاطمة تسعة أسماء عند الله عز وجل فاطمة والصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والرضية والمرضية والمحدثة والزهراء قال وسميت فاطمة لأنها فطمت من الشر ولولا على عليه السلام لما كان لها كفو في الأرض. وعن أبي جعفر عليه السلام قال لما ولدت فاطمة عليها السلام أوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك فأنطق به لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فسماها فاطمة ثم قال إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث ثم قال أبو جعفر عليه السلام والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث في الميثاق. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال إنما سميت فاطمة لأن الله عز وجل فطم من أحبها من النار. وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا فاطمة أتدرين لم سميت فاطمة ؟ قال على يا رسول الله لم سميت قال لأنها فطمت هي وشيعتها من النار. وعن أبي جعفر عليه السلام قال لفاطمة عليها السلام وقفة على باب جهنم فإذا كان يوم القيامة كتب بين عينى كل رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محبا فتقول الهى وسيدي
[ 92 ]
سميتني فاطمة وفطمت بي من تولاني وتولى ذريتي من النار ووعدك الحق
وأنت لا تخلف الميعاد فيقول الله عز وجل صدقت يا فاطمة اني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك وأحب ذريتك وتولاهم من النار ووعدي الحق وأنا لا أخلف الميعاد وإنما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفعك فيتبين لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقعك منى ومكانك عندي فمن قرأت بين عينه مؤمنا أو محبا فخذي بيده وادخليه الجنة. وعن على عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل ما البتول ؟ فانا سمعناك يا رسول الله تقول إن مريم بتول وفاطمة بتول فقال: البتول التي لم تر حمرة قط أي لم تحض فان الحيض مكروه في بنات الأنبياء. وروى في تسميتها الزهراء عليها السلام عن أبي جعفر عليه السلام انه سئل لم سميت الزهراء ؟ قال لأن الله تعالى خلقها من نور عظمته فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخرت الملائكة لله ساجدين وقالوا إلهنا وسيدنا ما هذا النور ؟ فأوحى الله إليهم هذا نور من نوري أسكنته في سمائي وخلقته من عظمتي أخرجه من صلب نبي من أنبيائي أفضله على جميع الأنبياء وأخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمرى ويهدون إلى حقى وأجعلهم خلفائي في أرضى بعد انقضاء وحيى. وحكى لي السعيد تاج الدين محمد بن نصر بن الصلايا العلوى الحسينى سقى الله ثراه وأحسن عن أفعاله الكريمة جزاه ان بعض الوعاظ ذكر فاطمة عليها السلام ومزاياها وكون الله تعالى وهبها من كل فضيلة مرباعها وصفاياها وذكر بعلها وأباها واستخفه الطرب فأنشد: خجلا من نور بهجتها * * تتوارى الشمس بالشفق وحياءا من شمائلها * * يتغطى الغصن بالورق.
[ 93 ]
فشق كثير من الناس ثيابهم وأوجب وصفها بكاءهم وانتحابهم. وروى مرفوعا إلى على عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام يا بنية ان الله أشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين ثم اطلع ثانية فاختار زوجك على رجال العالمين ثم اطلع ثالثة فاختارك على نساء العالمين ثم اطلع الرابعة فاختار ابنيك على شباب العالمين. وروى في معنى قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) قال سأله بحق محمد وعلى والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام. وعن ابن عباس قال سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقى آدم من ربه فتاب عليه قال سأله بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على فتاب عليه. وروى عن جعفر بن محمد عليهما السلام ان امرأة من الجن يقال لها عفراء وكانت تنتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتسمع من كلامه فتأتى صالحي الجن فيسلمون على يديها وفقدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأل عنها جبرئيل عليه السلام فقال إنها زارت أختا لها تحبها في الله تعالى فقال عليه السلام طوبى للمتحابين في الله ان الله تبارك وتعالى خلق في الجنة عمودا من ياقوتة حمراء عليها سبعون الف قصر في كل قصر سبعون الف غرفة خلقها الله تعالى للمتحابين في الله وجاءت عفراء فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا عفراء أين كنت فقالت زرت أختا لي فقال طوبي للمتحابين في الله، والمتزاورين يا عفراء أي شئ رأيت قالت رأيت عجائب كثيرة قال فأعجب ما رأيت قالت رأيت إبليس في البحر الأخضر على صخرة بيضاء مادا يديه إلى السماء وهو يقول إلهى إذا بررت قسمك وأدخلتني نار جهنم فأسألك بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا خلصتني منها وحشرتني معهم فقلت يا حارث ما هذه الأسماء التي تدعو
[ 94 ]
بها ؟ فقال رأيتها على ساق العرش من قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بسبعة آلاف سنة فعلمت أنها أكرم الخلق على الله فأنا أسأله بحقهم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والله لو أقسم أهل الأرض بهذه الأسماء لأجابهم الله. وأنا أقول اللهم إني أسألك بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام أن تغفر ذنوبي وتتجاوز عن سيئاتي وتصلح شأني في الدنيا والآخرة وترزقني الخير في الدنيا والآخرة وتصرف عنى الشر في الدنيا والآخرة وتفعل كذلك بالمؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويرحم الله عبدا قال آمينا. وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال اشتاقت الجنة إلى أربع من النساء مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون وهى زوجة النبي في الجنة وخديجة بنت خويلد زوجة النبي في الدنيا والآخرة وفاطمة بنت محمد. وروى عن على عليه السلام قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أخبروني أي شئ خير للنساء ؟ فعيينا بذلك كلنا حتى تفرقنا فرجعت إلى فاطمة عليها السلام فأخبرتها الذي قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس أحد منا علمه ولا عرفه فقالت ولكني أعرفه خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت يا رسول الله سألتنا أي شئ خير للنساء وخير لهن أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال قال من أخبرك فلم تعلمه وأنت عندي قلت فاطمة فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال إن فاطمة بضعة منى. وروى عن مجاهد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيد فاطمة عليها السلام فقال من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهى فاطمة بنت محمد وهى
بضعة منى وهى قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله.
[ 95 ]
وروى عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. وبهذا الاسناد عنه مثله فقال له يا ابن رسول الله بلغنا إنك قلت وذكر الحديث قال فما تنكرون من هذا ؟ فوالله ان الله ليغضب لغضب عبده المؤمن ويرضى لرضاها. وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان فاطمة شجنة (1) منى يسخطنى ما أسخطها ويرضينى ما أرضاها وبالاسناد عنه عليه السلام مثله. ونقلت من كتاب لأبي اسحاق الثعلبي عن مجاهد قال خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخذ بيد فاطمة عليها السلام وقال من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهى فاطمة بنت محمد وهى بضعة منى وهى قلبي الذي بين جنبي فمن آذاها فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله. وعن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان فاطمة عليها السلام شعرة منى فمن آذى شعرة منى فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله لعنه ملأ السماوات والأرض. وعن حذيفة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقبل عرض وجنة فاطمة عليها السلام أو بين ثدييها. وعن جعفر بن محمد عليهما السلام كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام ليلة حتى يضع وجهه بين ثديى فاطمة عليها السلام. وعن حبيب بن ثابت قال كان بين على وفاطمة عليهما السلام كلام
فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فألقى له مثال (2) فاضطجع وجاء على عليه السلام فاضطجع من
(1) الشجنة: الشعبة من كل شئ. (2) المثال - بالكسر -: الفراش الذي ينام عليه. (*)
[ 96 ]
جانب وجاءت فاطمة عليها السلام فاضطجعت من جانب فاخذ بيد على فوضعها على سرته وأخذ بيد فاطمة عليها السلام فوضعها على سرته ولم يزل حتى أصلح بينهما ثم خرج فقيل يا رسول الله دخلت على حال وخرجت على حال ونحن نرى البشر في وجهك قال وما يمنعنى ذلك وقد أصلحت بين اثنين أحب اثنين في الأرض إلي. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار. قال حماد بن عثمان قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما معنى هذا الحديث ؟ فقال المعتقون من النار ولد بطنها الحسن والحسين وام كلثوم. وروى عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه عن على بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن الحسين بن على عن أخيه الحسن بن على بن أبي طالب عليهم السلام قال رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعة فلم تزل راكعة وساجدة حتى انفجر عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشئ فقلت لها: يا اماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك فقالت يا بنى الجار ثم الدار. وعن الحسن ايضا عليه السلام قال كانت فاطمة عليها السلام إذا دعت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها فقيل لها فقالت مثله. وروى ان محمد بن أبي بكر رضى الله عنهما قرأ وما ارسلنا من قبلك
من رسول ولا نبي ولا محدث) قلت وهل تحدث الملائكة إلا الانبياء ؟ قال مريم لم تكن نبية وسارة امرأة ابراهيم قد عاينت الملائكة وبشروها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب ولم تكن نبية وفاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت محدثة ولم تكن نبية.
[ 97 ]
قلت وما ينكرون من هذا وقد رووا ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن يكن من امتى مخاطبون ومحدثون فانك منهم يا عمر أللهم إلا أن يصحوا هذا ويكذبوا غيره على عادتهم. وروى وأظنني ذكرته في أخبار على عليه السلام بغير روايته عن أبي سعيد الخدرى قال أصبح على عليه السلام ذات يوم فقال يا فاطمة عندك شئ تغذينيه ؟ قالت لا والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح اليوم عندي شئ أغذيكه وما كان عندي شئ منذ يومين إلا شئ كنت أوثرك به على نفسي وعلى ابني هذين حسن وحسين فقال على عليه السلام يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا ؟ فقالت يا أبا الحسن إني لأستحي من إلهى أن تكلف نفسك ما لا تقدر عليه. فخرج على عليه السلام من عند فاطمة عليه السلام واثقا بالله حسن الظن به عز وجل فاستقرض دينارا فأخذه ليشترى لعياله ما يصلحهم فعرض له المقداد ابن الأسود في يوم شديد الحر قد لوحته الشمس من فوقه وآذته من تحته فلما رآه على عليه السلام أنكر شأنه فقال يا مقداد ما أزعجك هذه الساعة من رحلك فقال يا أبا الحسن خلى سبيلى ولا تسألني عما ورائي قال يا أخى لا يسعنى أن تجاوزني حتى أعلم علمك فقال يا أبا الحسن رغبت إلى الله عز وجل واليك أن تخلى سبيلى ولا تكشفني عن حالى فقال يا أخى انه
لا يسعك أن تكتمني حالك فقال يا أبا الحسن أما إذا أبيت فوالذي أكرم محمدا بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أزعجني من رحلى إلا الجهد وقد تركت عيالي جياعا فلما سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض فخرجت مهموما راكبا رأسي هذه حالى وقصتي. فانهملت عينا على عليه السلام بالبكاء حتى بلت دموعه لحيته فقال أحلف
[ 98 ]
بالذى حلفت به ما أزعجني إلا الذي أزعجك وقد اقترضت دينارا فهاكه فقد آثرتك على نفسي فدفع الدينار إليه ورجع حتى دخل المسجد فصلى الظهر والعصر والمغرب فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغرب مر بعلى عليه السلام وهو في الصف الأول فغمزه برجله فقام على عليه السلام فلحقه في باب المسجد فسلم عليه فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال يا أبا الحسن هل عندك عشاء تعشيناه فنميل معك ؟ فمكث مطرقا لا يحير جوابا حياءا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد عرف ما كان من أمر الدينار من أين أخذه وأين وجهه بوحى من الله إلى نبيه وأمره أن يتعشى عند على عليه السلام تلك الليلة فلما نظر إلى سكوته قال يا أبا الحسن ما لك لا تقول لا فانصرف أو نعم فأمضى معك ؟ فقال حياءا وتكرما ؟ فاذهب بنا. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد على عليه السلام فانطلقا حتى دخلا على فاطمة عليها السلام وهى في مصلاها قد قضت صلاتها وخلفها جفنة تفور دخانا فلما سمعت كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرجت من مصلاها فسلمت عليه وكانت أعز الناس عليه فرد السلام ومسح بيديه على رأسها وقال لها يا بنتاه كيف أمسيت رحمك الله ؟ قالت بخير قال عشينا رحمك الله وقد فعل فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدى رسول الله وعلى عليه السلام فلما نظر على عليه السلام إلى
الطعام وشم ريحه رمى فاطمة ببصره رميا شحيحا قالت له فاطمة سبحان الله ما أشح نظرك وأشده ؟ هل أذنبت فيما بينى وبينك ذنبا أستوجب به منك السخط ؟ فقال وأي ذنب أعظم من ذنب أصبتيه ؟ أليس عهدي بك اليوم الماضي وأنت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاما منذ يومين ؟ قال فنظرت إلى السماء وقالت إلهى يعلم ما في سمائه وأرضه اني لم أقل إلا حقا فقال لها يا فاطمة انى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه ولم أشم مثل رائحته
[ 99 ]
قط ولم آكل أطيب منه ؟. قال فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفه الطيبة المباركة بين كتفي على عليه السلام فغمزها ثم قال يا على هذا بدل عن دينارك هذا جزاء دينارك من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم استعبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باكيا ثم قال الحمد لله الذي أبى لكما أن تخرجا من الدنيا حتى يجريك يا على مجرى زكريا ويجرى فاطمة مجرى مريم بنت عمران. قلت حديث الطعام قد أورده الزمخشري في كشافه عند تفسير قوله تعالى (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) الآية وذكرته آنفا في المجلد الأول وحديث المسكين واليتيم والأسير المذكورين في سورة هل أتى قد تقدم إيضاحه والخبر عن النجرانيين عندما دعاهم إلى المباهلة قد أشرقت غرره وأوضاحه وهما قصتان فضلهما شهير ومحلهما خطير وشرف فاطمة فيهما مشرق الأسارير ونشر مجدها بهما أضوع من العبير فهما درتان في قرطي نبلها وقمران في سماء فضلها. وحديث طلبها الخادم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره إياها بما هو خير من ذلك وهو تسبيح الزهراء وقد نقله الرواة والمحدثون:
روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال تسبيح فاطمة عليه السلام كل يوم في دبر كل صلاة أحب إلي من صلاة الف ركعة في كل يوم. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال من سبح تسبيح فاطمة عليه السلام قبل أن يثنى رجليه من صلاة الفريضة غفر الله له ويبدأ بالتكبير. وعن موسى بن جعفر عن آبائه عليه السلام قال قال عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على ابنته فاطمة عليها السلام وإذا في عنقها قلادة فأعرض عنها فقطعتها ورمت بها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنت منى يا فاطمة
[ 100 ]
ثم جاء سائل فناوله القلادة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشتد غضب الله على من أهراق دمى وآذاني في عترتي. وروى ان عائشة رضى الله عنها ذكرت فاطمة عليها السلام فقالت ما رأيت أحدا أصدق منها إلا أباها. وعن أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشبه الناس وجها وشبها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروى عن على عليه السلام عن فاطمة عليها السلام قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا فاطمة من صلى عليك غفر الله له وألحقه بي حيث كنت من الجنة وروى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين لفاطمة عليها السلام ما كان لها كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه. قلت قد أورد صاحب كتاب الفردوس في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لا على لم يكن لفاطمة كفؤ. وروى صاحب الفردوس أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا على
ان الله عز وجل زوجك فاطمة وجعل صداقها الأرض فمن مشى عليها مبغضا لك مشى حراما. وروى ابن بابويه من حديث طويل أورده في تزويج أمير المؤمنين بفاطمة عليها السلام انه أخذ في فيه ماءا ودعا فاطمة فأجلسها بين يديه ثم مج الماء في المخضب وهو المركن وغسل فيه قدميه ووجهه ثم دعا فاطمة عليها السلام وأخذ كفا من ماء فضرب به على رأسها وكفا بين يديها ثم رش جلدها ثم دعا بمخضب آخر ثم دعا عليا عليه السلام فصنع به كما صنع بها ثم التزمهما فقال اللهم انهما منى وأنا منهما اللهم كما أذهبت عنى الرجس وطهرتني تطهيرا
[ 101 ]
فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثم قال قوما إلى بيتكما جمع الله بينكما وبارك في سيركما وأصلح بالكما ثم قام فأغلق عليهما الباب بيده. قال ابن عباس فأخبرتني أسماء انها رمقت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزل يدعو لهما خاصة لا يشركهما في دعائه أحدا حتى توارى في حجرته. وفي رواية أنه عليه السلام قال بارك الله لكما في سيركما وجمع شملكما وألف على الإيمان بين قلوبكما شأنك بأهلك السلام عليكما. وروى عن جابر بن عبد الله قال لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من على عليهما السلام كان الله تعالى مزوجه من فوق عرشه وكان جبرئيل عليه السلام الخاطب وكان ميكائيل وإسرافيل في سبعين الفا من الملائكة شهودا وأوحى الله إلى شجرة طوبي أن انثري ما فيك من الدر والياقوت واللؤلؤ وأوحى الله إلى الحور العين أن التقطنه فهن يتهادينه بينهن إلى يوم القيامة فرحا بتزويج فاطمة عليا عليهما السلام. وعن شرحبيل بن سعيد قال دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة عليها السلام في صبيحة عرسها بقدح فيه لبن فقال اشربي فداك أبوك ثم قال
لعلى عليه السلام اشرب فداك ابن عمك. وعن شرحبيل بن سعيد الأنصاري قال لما كان صبيحة العرس أصابت فاطمة عليها السلام رعدة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجتك سيدا في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين. وعن أبي جعفر عليه السلام قال شكت فاطمة عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فقالت يا رسول الله ما يدع شيئا من رزقه إلا وزعه بين المساكين فقال لها يا فاطمة أتسخطيني في أخى وابن عمى إن سخطه سخطى وإن سخطى لسخط الله فقالت أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله.
[ 102 ]
وروى عن الأصبغ بن نباتة قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول والله لأتكلمن بكلام لا يتكلم به غيرى إلا كذاب ورثت نبي الرحمة وزوجتي خير نساء الأمة وأنا خير الوصيين. وحيث يقتضى ذكرها عليها السلام ذكر شئ من كلامها فلا بد من ذكر فدك إذ كانت خطبتها التي تحير البلغاء وتعجز الفصحاء بسبب منعها من التصرف فيها وكف يدها عليها السلام عنها وسأورد في ذلك ما ورد من طريقي الشيعة والسنة جاريا على عادتي في توخى النصفة غير مائل إلى هوى النفس فيما أظن ومن الله أسأل التوفيق والتسديد بمنه ورحمته. روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الجزء السادس عن عمر عن أبي بكر المسند منه فقط وهو لا نورث ما تركنا صدقة لمسلم من رواية جويرية بن أسماء عن مالك وعن عائشة بطوله ان فاطمة سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها. وفي رواية أخرى أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر
فقال أبو بكر رضى الله عنه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال وانى والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه فيه إلا صنعته. وزاد في رواية صالح بن كيسان إني أخشى ان تركت شيئا من أمره أن أزيغ قال فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى على والعباس فغلبه عليها على وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوايبه وأمرهما إلى من ولى الأمر قال فهما على ذلك اليوم.
[ 103 ]
قال غير صالح في روايته في حديث أبي بكر فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت فدفنها على عليه السلام ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر قال وكان لعلى وجه من الناس في حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن على عليه السلام ومكثت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر ثم توفيت فقال رجل للزهري فلم يبايعه على ستة أشهر قال لا والله ولا أحد من بنى هاشم حتى بايعه على. وفي حديث عروة فلما رأى على عليه السلام انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر فأرسل إلى أبي بكر آتينا ولا تأتنا بأحد وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر فقال عمر لا تأتهم وحدك فقال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي ما عسى أن يصنعوا بي فانطلق أبو بكر فدخل على على عليه السلام وقد جمع بنى هاشم عنده فقام على فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله اليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا
ثم ذكر قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحقهم فلم يزل على يذكر حتى بكى أبو بكر وصمت على وتشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فوالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي وانى والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بينى وبينكم عن الخير ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال وانى والله لا أدع أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صنعته إن شاء الله. وقال على عليه السلام موعدك للبيعة العشية فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس يعذر عليا ببعض ما اعتذر به ثم قام على فعظم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته ثم قام إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس على على فقالوا
[ 104 ]
أصبت وأحسنت وكان المسلمون إلى على قريبا حين راجع الأمر بالمعروف رضى الله عنهم أجمعين هذا آخر ما ذكره الحميدى. وقد خطر لي عند نقلى لهذا الحديث كلام أذكره على مواضع منه ثم بعد ذلك أورد ما نقله أصحابنا في المعنى ملتزما بما اشترطته من العدل في القول والفعل وعلى الله قصد السبيل. قول أبي بكر رضى الله عنه في أول الحديث وآخره وانى والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه فيه إلا صنعته وهو رضى الله عنه لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم صنع فيها إلا أنه اصطفاها وإنما سمع سماعا أنه بعد وفاته لا يورث كما روى فكان حق الحديث أن يحكى ويقول وانى والله لا أدع أمرا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوله إلا عملت بمقتضى قوله أو ما هذا معناه. وفيه فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى على والعباس فغلبه عليها على.
أقول حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك وخيبر فهلا منعهم الجميع كما فعل صاحبه ان كان العمل على ما رواه أو صرفهم في الجميع ان كان الأمر بضد ذلك. فأما تسليم البعض ومنع البعض فانه ترجيح من غير مرجح اللهم إلا أن يكونوا نقلوا شيئا لم يصل الينا في إمضاء ذلك وفي قوله فغلبه عليها على دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الأعمام فان عليا عليه السلام لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العمومة إذ كان العباس أقرب من على في ذلك وغلبته إياه على سبيل الغلب والعنف مستحيل أن يقع من على في حق العباس ولم يبق إلا أنه غلبه عليها بطريق فاطمة وبنيها عليهم السلام. وقول على عليه السلام كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا
[ 105 ]
فتأمل معناه يصح لك مغزاه ولا حاجه بنا إلى كشف مغطاه. وروى أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في مسنده ما يقارب الفاظ ما رواه الحميدى ولم يذكر حديث على وأبي بكر ومجيئه إليه في هذا الحديث. وروى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدرى قال لما نزلت فلت ذا القربي حقه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا فاطمة لك فدك. وفي رواية أخرى عن أبي سعيد مثله. وعن عطية قال لما نزلت (فلت ذا القربى حقه) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك. وعن على بن الحسين بن على بن أبي طالب عليه السلام قال أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فدك. وعن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت أكان رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة عليها السلام فدك ؟ قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقفها فأنزل الله تبارك وتعالى عليه فلت ذا القربي حقه فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقها قلت رسول الله أعطاها ؟ قال بل الله تبارك وتعالى أعطاها وقد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك وثبت أن ذا القربى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. وعلى هذا فقد كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما لما وليا هذا الأمر يرتبان في الأعمال والبلاد القريبة والنائية من الصحابة والمهاجرين والأنصار من لا يكاد يبلغ مرتبة على وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ولا يقاربها فلو اعتقدا هم مثل بعض الولاة وسلما إليهم هذه الصدقة التي قامت النائرة في أخذها وعرفاهم ما روياه وقالا لهم أنتم أهل البيت وقد شهد الله لكم بالطهارة وأذهب عنكم الرجس وقد عرفناكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نورث
[ 106 ]
ما تركنا صدقة وقد سلمناها اليكم وشغلنا ذممكم بها والله من وراء أفعالكم فيها وهو سبحانه بمرأى منكم ومسمع فاعملوا فيها بما يقربكم منه ويزلفكم عنده فعلى هذا سلمناها اليكم وصرفناكم فيها فان فعلتم الواجب الذي أمرتم به وفعلتم فيها فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد أصبتم وأصبنا وان تعديتم الواجب وخالفتم ما حده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد أخطأتم وأصبنا فان الذي علينا الاجتهاد ولم نأل في اختياركم جهدا وما علينا بعد بذل الجهد لائمة وهذا الحديث من الإنصاف كما ترى والله الموفق والمسدد. وروى ان فاطمة عليها السلام جاءت إلى أبي بكر رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا أبا بكر من يرثك إذا مت قال أهلى وولدى قالت فما لي لا أرث رسول الله قال يا بنت رسول الله ان النبي لا يورث
ولكن أنفق على من كان ينفق عليه رسول الله وأعطى ما كان يعطيه قالت والله لا أكملك بكلمة ما حييت فما كلمته حتى ماتت. وقيل جائت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر رضى الله عنه فقالت أعطني ميراثي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الأنبياء لا تورث ما تركوه فهو صدقة فرجعت إلى على عليه السلام فقال ارجعي فقولي ما شأن سليمان عليه السلام وورث داود عليه السلام وقال زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب فأبوا وأبى. وعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي جعفر عليه السلام أن أبا بكر قال لفاطمة عليها السلام النبي لا يورث قالت قد ورث سليمان داود وقال زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب فنحن أقرب إلى النبي من زكريا إلى يعقوب. وعن أبي جعفر عليه السلام قال قال على لفاطمة عليها السلام انطلقي فاطلبي
[ 107 ]
ميراثك من أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت إلى أبي بكر رضى الله عنه فقالت أعطني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث فقالت ألم يرث سليمان داود ؟ فغضب وقال النبي لا يورث فقالت عليها السلام ألم يقل زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب فقال النبي لا يورث فقالت عليها السلام ألم يقل يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فقال النبي لا يورث. وعن أبي سعيد الخدرى قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءت فاطمة عليها السلام تطلب فدكا فقال أبو بكر رضى الله عنه إني لأعلم إن شاء الله انك لن تقولي إلا حقا ولكن هاتى بينتك فجاءت بعلى عليه السلام فشهد ثم جاءت بأم أيمن فشهدت فقال امرأة أخرى أو رجلا فكتبت لك بها.
أقول هذا الحديث عجيب فان فاطمة (ع) ان كانت مطالبة بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود فان المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلا إذا لم يعرف صحة نسبه واعتزائه إلى الدارج وما أظنهم شكوا في نسبها عليها السلام وكونها ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وإن كانت تطلب فدكا وتدعى أن أباها صلى الله عليه وآله وسلم تحلها إياها احتاجت إلى إقامة البينة ولم يبق لما رواه أبو بكر من قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث معنى وهذا واضح جدا فتدبره. وروى ان عائشة وحفصة رضى الله عنهما هما اللتان شهدتا بقوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث ومالك بن أوس النضرى ولما ولى عثمان قالت له عائشة رضى الله عنها أعطني ما كان يعطينى أبي وعمر فقال لا أجد له موضعا في الكتاب ولا في السنة ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل قالت فاعطني ميراثي من رسول الله فقال أليس
[ 108 ]
جئت فشهدت أنت ومالك بن أوس النضرى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نورث فأبطلت حق فاطمة وجئت تطلبينه لا أفعل قال فكان إذا خرج إلى الصلاة نادت وترفع القميص (وتقول) إنه قد خالف صاحب هذا القميص فلما آذته صعد المنبر فقال إن هذه الزعراء عدوة الله ضرب الله مثلها ومثل صاحبتها حفصة في الكتاب امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما إلى قوله وقيل ادخلا النار مع الداخلين فقالت له يا نعثل يا عدو الله إنما سماك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم نعثل اليهودي الذي باليمن فلاعنته ولاعنها وحلفت أن لا تساكنه بمصر أبدا وخرجت إلى مكة. قلت قد نقل ابن أعثم صاحب الفتوح انها قالت اقتلوا نعثلا قتل الله
نعثلا فلقد أبلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذه ثيابه لم تبل وخرجت إلى مكة. وروى غيره انه لما قتل جاءت إلى المدينة فلقيها فلان فسألته عن الأحوال فخبرها فقال إن الناس اجتمعوا على على عليه السلام فقالت والله لأطالبن بدمه فقال لها فأنت حرصت على قتله قالت إنهم لم يقتلوه حيث قلت ولكن تركوه حتى تاب ونقى من ذنوبه وصار كالسبيكة وقتلوه. وأظن أن ابن أعثم رواه كذا أو قريبا منه فان كتابه لم يحضرني وقت بلوغي هذا الموضع. وحيث انتهى بنا القول إلى هنا فلنذكر خطبة فاطمة عليها السلام فانها من محاسن الخطب وبدايعها عليها مسحة من نور النبوة وفيها عبقة من أرج الرسالة وقد أوردها المؤالف والمخالف ونقلتها من كتاب السقيفة عن عمر بن شبه تأليف أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهرى من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها المذكور قرئت عليه في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة روى عن رجاله من عدة طرق أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر
[ 109 ]
على منعها فدكا لاثت خمارها وأقبلت في لميمة من حفدتها ونساء قومها تجر ادراعها تطأ في ذيولها ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد المهاجرين والأنصار فضرب بينهم بريطة بيضاء وقيل قبطية فأنت أنه أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم. ثم قالت عليها السلام أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم من عموم نعم ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها وإحسان منن أولاها جم عن الإحصاء عددها ونأى
عن المجازاة مزيدها وتفاوت عن الإدراك أمدها واستتب الشكر بفضائلها واستخذى الخلق بانزالها واستحمد إلى الخلائق باجزالها وأمر بالندب إلى أمثالها وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة جعل الإخلاص تأويلها وضمن القلوب موصولها وأبان في الفكر معقولها الممتنع من الأبصار رؤيته ومن الألسن صفته ومن الأوهام الإحاطة به أبدع الأشياء لا من شئ كان قبله وأنشأها بلا احتذاء مثله وسماها بغير فائدة زادته إلا إظهارا لقدرته وتعبدا لبريته وإعزازا لأهل دعوته ثم جعل الثواب لأهل طاعته ووضع العذاب على أهل معصيته زيادة لعباده عن نقمته وحياشة لهم إلى جنته وأشهد أن أبي محمدا عبده ورسوله اختاره قبل أن يجتبله واصطفاه قبل أن يبتعثه وسماه قبل أن يستجيبه إذا الخلائق بالغيب مكنونة وبستر الأهاويل مضمونة وبنهايا العدم مقرونة علما منه بمايل الأمور وإحاطة بحوادث الدهور ومعرفة منه بمواقع المقدور وابتعثه إتماما لعلمه وعزيمة على إمضاء حكمه وإنفاذا لمقادير حقه فرأى صلى الله عليه وآله وسلم الأمم فرقا في أديانها وعابدة لأوثانها عكفا على نيرانها منكرة لله مع عرفانها فأنار الله بأبي صلى الله عليه وآله وسلم ظلمها
[ 110 ]
وفرج عن القلوب بهمها وجلا عن الابصار عمهها ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار رغبة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تعب هذه الدار موضوعا عنه أعباء الاوزار محفوفا بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار وجوار الملك الجبار فصلى الله عليه امينه على الوحى وخيرته من الخلق ورضيه عليه السلام ورحمة الله وبركاته ثم قالت عليه السلام وانتم عباد الله نصب امره ونهيه وحلمه كتاب الله ووحيه امناء الله على انفسكم وبلغاءه إلى الامم حولكم لله فيكم عهد قدمه
اليكم وبقية استخلفها عليكم كتاب الله بينة بصائره وآى منكشفة سرائره وبرهان فينا متجلية ظواهره مديما للبرية استماعه قائدا إلى الرضوان اتباعه ومؤديا إلى النجاة أشياعه فيه تبيان حجج الله المنيرة ومواعظه المكرورة ومحارمه المحذورة وأحكامه الكافية وبيناته الجالية وجمله الكافية الشافية وشرايعه المكتوبة المكنونة ورخصه الموهوبة ففرض الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك والصلاة تنزيها لكم من الكبر والزكاة تزييدا لكم في الرزق والصيام تبيينا امامتنا والحج تسنية للدين والعدل تنسكا للقلوب وطاعتنا نظاما للملة وامامتنا لما للفرقة والجهاد عز الإسلام والصبر مؤنة للاستيجاب والأمر بالمعروف مصلحة للعامة والبر بالوالدين وقاية من السخطة وصلة الأرحام منسأة للعمر ومنماة للعدد والقصاص حقنا للدماء والوفاء بالنذور تعريضا للمغفرة وتوفية المكائيل والموازين تغييرا للبخسة واجتناب قذف المحصنات حجابا من اللعنة والاجتناب عن شرب الخمور تنزيها من الرجس ومجانبة السرقة إيجابا للعفة والتنزه عن أكل أموال الأيتام والاستيثار بفيئهم إجارة من الظلم والعدل في الأحكام إيناسا للرعية والتبرى من الشرك إخلاصا للربوبية فاتقوا الله حق تقاته وأطيعوه فيما
[ 111 ]
أمركم به فانما يخشى الله من عباده العلماء ثم قالت عليها السلام أنا فاطمة بنت محمد أقول عودا على بدء وما أقول ذلك سرفا ولا شططا فاسمعوا إلى بأسماع واعية وقلوب راعية ثم قالت لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم فان تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمى دون رجالكم فبلغ الرسالة صادعا بالرسالة ناكبا (مائلا خ ل) عن سنن مدرجة المشركين
ضاربا لثبجهم آخذا باكظامهم داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة يجذ الأصنام وينكت الهام حتى انهزم الجمع وولوا الدبر وحتى تفرى الليل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه ونطق زعيم الدين وخرست شقاشق الشياطين وفهتم بكلمة الاخلاص مع النفر البيض الخماص الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان وموطاة (وموطأة خ ل وموطى خ ل) الأقدام تشربون الطرق وتقتاتون القد أذلة خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي وبعد أن منى ببهم الرجال وذؤبان العرب كلما حشوا نارا للحرب أطفاها الله ونجم قرن الضلالة وفغر فاغر من المشركين قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ويخمد لهبها بسيفه مكدودا دؤبا في ذات الله وأنتم في رفهينة ورفغينة وادعون آمنون تتوكفون الأخبار وتنكصون عن النزال فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم دار أنبيائه وأتم عليه ما وعده ظهرت حسيكة النفاق وسمل جلباب الاسلام فنطق كاظم ونبغ خامل وهدر فينق الكفر يخطر في عرصاتكم فاطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم فوجدكم لدعائه مستجيبين وللغرة فيه ملاحظين واستنهضكم فوجدكم خفافا وأحمشكم فوجدكم غضابا هذا والعهد
[ 112 ]
قريب والكلم رحيب والحرج لما يندمل فوسمتم غير إبلكم واوردتموها شربا ليس لكم والرسول لما يقبر بدارا زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين فهيهات منكم وكيف بكم وأنى تؤفكون وكتاب الله عز وجل بين أظهركم قائمة فرائضه واضحة دلائله نيرة شرايعه زواجره واضحة وأوامره لائحة
أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون بئس للظالمين بدلا ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين هذا ثم لم تبرحوا ريثا وقال بعضهم هذا ولم يريثوا أختها إلا ريث ان تسكن نفرتها ويسلس قيادها ثم أخذتم تورون وقدتها تهيجون جمرتها تشربون حسوا في ارتغاء وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء ونصبر منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشاء ثم انتم اولاء تزعمون أن لا إرث ليه أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم يقول الله جل ثناؤه وورث سليما داود مع ما اقتص من خبر يحيى وزكريا إذ قال (رب هب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا وقال تبارك وتعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فزعتم أن لا حظ لي ولا أرث لي من أبيه أفحكم الله بآية أخرج أبي منها أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي صلى الله عليه وآله وسلم (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون إيها معاشر المسلمة أأبتز أرثيه الله أن ترث أباك ولا أرث أبيه لقد جئتم شيئا فريا فدونكها مرحولة مخطومة مزمومة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ما توعدون ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم
[ 113 ]
قال ثم التفتت إلى قبر ابيها صلى الله عليه وآله وسلم متمثلة بقول هند إبنة أثاثة قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب انا فقدناك فقد الأرض وابلها واختل قومك لما غبت وانقلبوا أبدت رجال لنا فحوى صدورهم لما قضيت وحالت دونك الترب.
وزاد في بعض الروايات هنا ضاقت على بلادي بعد ما رحبت وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب فليت قبلك كان الموت صادفنا قوم تمنوا فاعطوا كلما طلبوا تجهمتنا رجال واستخف بنا مذ غبت عنا فنحن اليوم نغتضب الابيات قال فما رأيت اكثر باكية وباك منه يومئذ ثم عدلت إلى مسجد الانصار فقالت يا معشر البقية ويا عماد الملة وحصنة الاسلام ما هذه الفترة في حقى والسنة عن ظلامتي أما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يحفظ في ولده سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا اهالة أتزعمون مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب جليل أستوسع وهنه واستهتر فتقه وفقد راتقه وأظلمت الأرض له واكتأبت لخيرة الله وخشعت الجبال واكدت الآمال واضيع الحريم وأديلت الحرمة فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في قبلتكم (أفنيتكم خ ل) ممساكم ومصبحكم هتافا هتافا ولقبله ما حلت بأنبياء الله ورسله وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فان مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين إيها بنى قليلة أهضم تراث أبيه وأنتم بمرأى وبمسمع تلبسكم الدعوة ويشملكم الخبرة وفيكم العدة والعدد ولكم الدار والجنن وأنتم الأولى نخبة الله التي انتخبت وخيرته التي اختار لنا أهل البيت فباديتم العرب
[ 114 ]
وبادهتم الأمور وكافحتم البهم لا نبرح وتبرحون نأمركم فتأتمرون حتى دارت لكم بنا رحا الإسلام ودر حلب البلاد وخبت نيران الحرب وسكنت فورة الشرك وهدت دعوة الهرج واستوسق نظام الدين فانى
جرتم بعد البيان ونكصتم بعد الإقدام عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه ان كنتم مؤمنين ألا وقد أرى والله أن قد أخلدتم إلى الخفض وركنتم إلى الدعة فمحجتم الذي أوعيتم ولفظتم الذي سوغتم فان تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فان الله لغنى حميد ألا وقد قلت الذي قلت على معرفة منى بالخذلة التي خامرتكم وخور القناة وضعف اليقين ولكنه فيضة النفس ونفثة الغيظ وبثة الصدر ومعذرة الحجة فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر ناقبة الخف باقية العار موسومة بشنار الأبد موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة أنها عليهم مؤصدة فبعين الله ما تفعلون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأنا بنت نذير لكم بين يدى عذاب شديد فاعملوا انا عاملون وانتظروا انا منتظرون هذه الخطبة نقلتها من كتاب السقيفة وكانت النسخة مع قدمها مغلوطة فحققتها من مواضع اخر وروى صاحب كتاب السقيفة عن رجاله عن عبد الله بن حسن عن امه فاطمة بنت الحسين قالت لما اشتدت بفاطمة عليها السلام الوجع واشتدت علتها اجتمعت عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها يا بنت رسول الله كيف اصبحت عن ليلتك قالت اصبحت والله عايفة دنياكم قالية لرجالكم لفظتهم بعد إذ عجمتهم وشنأتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد وخور
[ 115 ]
القناه وخطل الرأى وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وسننت عليهم عارتها فجدعا
وعقرا وسحقا للقوم الظالمين ويحمهم اين زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الامين والضنين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموا من أبي الحسن نقموا والله نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله عز وجل وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعتلقه ولصار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفتاه ولا صدرهم بطانا قد تختر بهم الرى غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات السماء والأرض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ألا هلم فاسمع ما عشت أراك الدهر العجب وان تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ أسندوا وبأى عروة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير وبئس للظالمين بدلا استبدلوا والله الذنابي بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون انهم يحسنون صنعا ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ويحهم أفمن يهدى إلى الحق أحق ان يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث ما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا وذعافا ممقرا هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسنا فطامنوا للفتنة جاشا وابشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيأكم زهيدا وجمعكم حصيدا فيا حسرة لكم وانى لكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون والحمد لله رب العالمين وصلى الله على
[ 116 ]
محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين
وروى انه لما حضرت فاطمة صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة دعت عليا عليه السلام فقالت أمنفذ أنت وصيتى وعهدي أو والله لاعهدن إلى غيرك فقال عليه السلام بلى انفذها فقالت عليها السلام إذا أنا مت فادفني ليلا ولا تؤذنن بي أبا بكر وعمر قال فلما اشتدت عليها اجتمع إليها نساء من المهاجرين والانصار فقلن كيف أصبحت يا أبنة رسول الله فقالت أصبحت والله عائفة لدنياكم وذكر الحديث نحوه وروى عن أبي عبد الله عليه السلام وقد سأله أبو بصير فقال لم لم يأخذ أمير المؤمنين فدكا لما ولى الناس ولأى علة تركها فقال لان الظالم والمظلومة قدما على الله وجازى كلا على قدر استحقاقه فكره ان يسترجع شيئا قد عاقب الله عليه الغاصب وأثاب المغصوبة وقد روى انه كان لامير المؤمنين عليه السلام في ترك فدك اسوة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه لما خرج من مكة باع عقيل داره فلما فتح مكة قيل له يا رسول الله ألا ترجع إلى دارك فقال عليه السلام وهل ترك لنا عقيل دارا وأبي ان يرجع إليها وقال انا أهل بيت لا نسترجع ما أخذ منا في الله عز وجل وروى مرفوعا ان عمر بن عبد العزيز لما استخلف قال يا أيها الناس إني قد رددت عليكم مظالمكم وأول ما أرد منها ما كان في يدى قدر رددت فدك على ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولد على بن أبي طالب فكان أول من ردها وروى أنه ردها بغلاتها منذ ولى فقيل له نقمت على أبي بكر وعمر فعلهما فطعنت عليهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب وقد اجتمع عنده في ذلك قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء فقال عمر بن عبد العزيز قد صح
[ 117 ]
عندي وعندكم أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادعت فدك وكانت في يدها وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شهادة على وأم أيمن وأم سلمة وفاطمة عندي صادقة فيما تدعى وان لم تقم البينة وهى سيدة نساء أهل الجنة فانا اليوم أردها على ورثتها اتقرب بذلك إلى رسول الله وارجو ان تكون فاطمة والحسن والحسين يشفعون لي في يوم القيامة ولو كنت بدل أبي بكر وادعت فاطمة كنت اصدقها على دعواتها فسلمها إلى محمد بن على الباقر عليه السلام وعبد الله بن الحسن فلم تزل في أيديهم إلى ان مات عمر بن عبد العزيز. وروى انه لما صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رد عليهم سهام الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذى القربي وهما من أربعة أسهم رد على جميع بنى هاشم وسلم ذلك إلى محمد بن على الباقر عليه السلام وعبد الله بن الحسن. وقيل أنه جعل من بيت ماله سبعين حملا من الورق والعين من مال الخمس فرد عليهم ذلك وكذلك كلما كان لبنى فاطمة وبنى هاشم مما حازه أبو بكر وعمر وبعدهما عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك رد عليهم واستغنى بنو هاشم في تلك السنين وحسنت أحوالهم ورد عليهم المأمون والمعتصم والواثق وقالا كان المأمون أعلم منا به فنحن نمضى على ما مضى هو عليه فلما ولى المتوكل قبضها وأقطعها حرملة الحجام وأقطعها بعده لفلان البازيار من أهل طبرستان وردها المعتضد وحازها المكتفى. وقيل ان المقتدر ردها عليهم قال شريك كان يجب على أبي بكر رضى الله عنه أن يعمل مع فاطمة بموجب الشرع واقل ما يجب عليه ان يستحلفها على دعواها ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها فدك في حياته فان عليا وام أيمن شهدا لها وبقى ربع الشهادة فردها بعد الشاهدين لا وجه له فأما
[ 118 ]
ان يصدقها أو يستحلفها ويمضى الحكم لها قال شريك الله المستعان مثل هذا الامر يجهله أو يتعمده وقال الحسن بن على الوشا سألت مولانا أبا الحسن على بن موسى الرضا عليهما السلام هل خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير فدك شيئا فقال أبو الحسن عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلف حيطانا بالمدينة صدقة وخلف ستة أفراس وثلاث نوق العضباء والصهباء والديباج وبغلتين الشهباء والدلدل وحماره اليعفور وشاتين حلوبتين وأربعين ناقة حلوبا وسيفه ذا الفقار ودرعه ذات الفصول وعمامته السحاب وحبرتين يمانيتين وخاتمه الفاضل وقضيبه الممشوق وفراشا من ليف وعبائين قطوانيتين ومخادا من أدم صار ذلك إلى فاطمة عليها السلام ما خلا درعه وسيفه وعمامته وخاتمه فانه جعله لامير المؤمنين عليه السلام ومما يدل على شرف محلها وعلو مرتبتها ونبلها ومكانتها من لطف الله وفضلها وما أعده الله لها من المزية التي ليست لأحد من بعدها ولا قبلها وكيف لا تكون كذلك وإذا شئت فانظر إلى نفسها الكريمة وأبيها وبعلها فانك إذا نظرت وجدتهم قد استولوا على موجبات الفضل والشرف كلها وحازوا قصبات سبقها وفازوا بخصلها ما روى عن الزهري عن على بن الحسين عليهما السلام قال قال على بن أبي طالب عليه السلام لفاطمة سألت أباك فيما سألت اين تلقينه يوم القيامة قالت نعم قال لي اطلبيني عند الحوض قلت ان لم أجدك هيهنا قال تجديني إذا مستظلا بعرش ربي ولن يستظل به غيرى قالت فاطمة فقلت يا أبة أهل الدنيا يوم القيامة عراة فقال نعم يا بنية فقلت له وأنا عريانة قال نعم وأنت عريانة وانه لا يتلفت
فيه أحد إلى أحد قالت فاطمة عليها السلام فقلت له وا سوأتاه يومئذ من
[ 119 ]
الله عز وجل فما خرجت حتى قال لي هبط على جبرئيل الروح الامين عليه السلام فقال لي يا محمد أقرأ فاطمة السلام واعلمها انها استحيت من الله تبارك وتعالى فاستحى الله منها فقد وعدها أن يكسوها يوم القيامة حلتين من نور قال على عليه السلام فقلت لها فهلا سألتيه عن ابن عمك فقالت قد فعلت فقال ان عليا أكرم على الله عز وجل من أن يعريه يوم القيامة وقريب منه ما روى ابن عباس قال قالت فاطمة عليها السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في سكرات الموت يا أبة أنا لا أصبر عنك ساعة من الدنيا فاين الميعاد غدا قال أما إنك أول أهلى لحوقا بي والميعاد على جسر جهنم قالت يا أبة أ ليس قد حرم الله عز وجل جسمك ولحمك على النار قال بلى ولكني قائم حتى تجوز أمتى قالت فان لم ارك هناك قال ترينى عند القنطرة السابعة من قناطر جهنم استوهب الظالم من المظلوم قالت فان لم أرك هناك قال ترينى في مقام الشفاعة وأنا أشفع لامتي قالت فان لم أرك هناك قال ترينى عند الميزان وانا أسئل الله لامتي الخلاص من النار قالت فان لم أرك هناك قال ترينى عند الحوض حوضى عرضه ما بين ايلة إلى صنعاء على حوضى ألف غلام بألف كأس كاللؤلؤ المنظوم وكالبيض المكنون من تناول منه شربة فشربها لم يظمأ بعدها أبدا فلم يزل يقول لها حتى خرجت الروح من جسده صلى الله عليه وآله وسلم وروى جابر بن عبد الله الانصاري قال دخلت فاطمة عليها السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في سكرات الموت فانكبت عليه تبكى ففتح عينه وأفاق ثم قال عليه السلام يا بينة أنت المظلومة بعدى وأنت المستضعفة بعدى
فمن آذاك فقد آذانى ومن غاظك فقد غاظنى ومن سرك فقد سرنى ومن برك فقد برنى ومن جفاك فقد جفاني ومن وصلك فقد وصلنى ومن قطعك
[ 120 ]
فقد قطعني ومن أنصفك فقد أنصفنى ومن ظلمك فقد ظلمنى لانك منى وأنا منك وأنت بضعة منى وروحي التي بين جنبي ثم قال عليه السلام إلى الله أشكو ظالميك من امتى ثم دخل الحسن والحسين عليهما السلام فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما يبكيان ويقولان أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول الله فذهب على عليه السلام لينحيهما عنه فرفع رأسه إليه ثم قال يا على دعهما يشماني واشمهما ويتزودان منى واتزود منهما فانهما مقتولان بعدى ظلما وعدوانا فلعنة الله على من يقتلهما ثم قال يا على وأنت المظلوم المقتول بعدى وأنا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة ذكر حالها بعد ابيها عليها السلام روى عن الباقر عليه السلام قال ما رؤيت فاطمة عليها السلام ضاحكة مستبشرة منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبضت وعن أبي عبد الله عليه السلام قال البكاؤن خمسه آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلى بن الحسين عليه السلام فاما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه امثال الأودية وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين واما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا اما أن تبكى النهار وتسكنت الليل واما ان تبكى الليل وتسكنت النهار فصالحهم على واحد منهما واما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تأذى
بها أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتينا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى مقابر
[ 121 ]
الشهداء فتبكى حتى تقضى حاجتها ثم تنصرف وأما على بن الحسين فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة وما وضع بين يديه طعام الا بكى حتى قال له مولى له جعلت فداك يا بن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون إني لم اذكر مصرع بنى فاطمة عليها السلام الا خنقتني لذلك عبرة مناقب فاطمة عليها السلام لو كاثرت النجوم كانت أكثر ولو ادعت شمس النهار الظهور كانت مزاياها أظهر ولو فاخرها الأملاك كانت عليها السلام أشرف وأفخر بيتها من قريش في سنامه وغاربه وأبوها الذي أحاط به الشرف من كل جوانبه وكان قاب قوسين من مراتبه ومناصبه وبعلها الذي شاركه في علائه ومناسبه ورفعه بما نبه به على منزلته على اصحابه وأقاربه وإبناها عليهما السلام المعدودان من احب حبائبه المخصوصان باوفر نصيب من مآثره ومناقبه وهى عليها السلام شجرة مجد هذه اصولها وفروعها ومزنة فخار صفا ماؤها وطاب ينبوعها وقصة سؤدد اعتدل في أسباب العلاء منقولها ومسموعها فكيف يبلغ وصف فضلها وقد بلغت الغاية في نبلها واستولت على قصبات المسابقة وخصلها وما غدت فضيلة إلا وهى لها بالاصالة أو هي من أهلها فمن عراه شك فيما قلته فليأت بمثلها أو مثل أبيها وبنيها وبيتها وبعلها صلى الله عليهم صلاة تقوم بشرف محلهم ومحلها وحيث ذكرنا من أوصافها ما تيسر واقتصرنا على الأقل لتعذر الاحاطة بالأكثر فلنذكر وفاتها صلى الله عليها ونشرع في ترتيب بنيها ترتيب العقد في النظام والله تعالى يهدى إلى دار السلام
[ 122 ]
ذكر وفاتها وما قبل ذلك من ذكر مرضها ووصيتها صلى الله عليها روى ان أبا جعفر عليه السلام أخرج سفطا أو حقا فاخرج منه كتابا فقرأه وفيه وصية فاطمة عليها السلام بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اوصت به فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم اوصت بحوايطها السبعة إلى على بن أبي طالب فان مضى فالى الحسن فإن مضى فالى الحسين فإن مضى فالى الأكابر من ولدى شهد المقداد بن الأسود والزبير بن العوام وكتب على بن أبي طالب وعن أسماء بنت عميس قالت اوصتني فاطمة عليها السلام أن لا يغسلها إذا ماتت إلا أنا وعلى فغسلتها انا وعلى عليه السلام وقيل قالت فاطمة عليها السلام لأسماء بنت عميس حين توضت وضوءها للصلاة هاتى طيبي الذي أتطيب به وهاتى ثيابي التي اصلى فيها فتوضأت ثم وضعت رأسها فقالت لها اجلسي عند رأسي فإذا جاء وقت الصلاة فاقيميني فان قمت وإلا فأرسلي الي على فلما جاء وقت الصلاة قالت الصلوة يا بنت رسول الله فإذا هي قد قبضت فجاء على فقالت له قد قبضت ابنة رسول الله قال متى قالت حين أرسلت اليك قال فامر أسماء فغسلتها وأمر الحسن والحسين عليهما السلام يدخلان الماء ودفنها ليلا وسوى قبرها فعوتب على ذلك فقال بذلك امرتني وروى انها بقيت بعد أبيها أربعين صباحا ولما حضرتها الوفاة قالت لأسماء ان جبرئيل اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة فقسمه
[ 123 ]
أثلاثا ثلث لنفسه وثلث لعلى وثلث لي وكان أربعين درهما فقالت
يا اسماء ائتنى ببقية حنوط والدي من موضع كذا وكذا فضيعه عند رأسي فوضعته ثم تسجت بثوبها وقالت انتظرينى هنيهة ثم ادعيني فان أجبتك وإلا فاعلمي إني قد قدمت على أبي فانتظرتها هنيهة ثم نادتها فلم تجبها فنادت يا بنت محمد المصطفى يا بنت أكرم من حملته النساء يا بنت خير من وطأ الحصا يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو ادنى قال فلم تجبها فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدنيا فوقعت عليها تقبلها وهى تقول فاطمة إذا قدمت على أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام فبينا هي كذلك دخل الحسن والحسين فقالا يا أسماء ما ينيم أمنا في هذه الساعة قالت يا بنى رسول الله ليست امكما نائمة قد فارقت الدنيا فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول يا أماه كلمينى قبل أن تفارق روحي بدنى قال وأقبل الحسين يقبل رجلها ويقول يا أماه أنا ابنك الحسين كلمينى قبل ان ينصدع قلبي فاموت قالت لهما أسماء يا بنى رسول الله انطلقا إلى ابيكما على فاخبراه بموت أمكما فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا اصواتهما بالبكاء فابتدرهم جميع الصحابة فقالوا ما يبكيكما يا بنى رسول الله لا ابكى الله اعينكما لعلكما نظرتما إلى موقف جدكما صلى الله عليه وآله وسلم فبكيتما شوقا إليه فقالا لا أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة صلى الله عليها قال فوقع على على وجهه يقول بمن العزاء يا بنت محمد كنت بك اتعزى ففيم العزاء من بعدك ثم قال لكل اجتماع من خليلين فرقة * * وكل الذي دون الفراق قليل وان افتقادي فاطما بعد أحمد * * دليل على أن لا يدوم خليل ثم قال على يا اسماء غسليها وحنطيها وكفنيها قال فغسلوها وكفنوها وحنطوها وصلوا عليها ليلا ودفنوها بالبقيع وماتت بعد العصر
[ 124 ]
قال ابن بابويه رحمه الله جاء هذا الخبر هكذا والصحيح عندي انها دفنت في بيتها فلما زاد بنو امية في المسجد صارت في المسجد. قلت الظاهر المشهور مما نقله الناس وارباب التواريخ والسير انها عليها السلام دفنت بالبقيع كما تقدم وروى مرفوعا إلى سلمى ام بنى رافع قال كنت عند فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليها في شكواها التي ماتت فيها قالت فلما كان في بعض الأيام وهى اخف ما نراها فغدا على بن أبي طالب عليه السلام في حاجة وهو يرى يومئذ أنها أمثل ما كانت فقالت يا أمة الله اسكبي لي غسلا ففعلت فاغتسلت كأشد ما رأيتها اغتسلت ثم قالت لي اعطيني ثيابي الجدد فاعطيتها فلبست ثم قالت ضعى فراشي واستقبليني ثم قالت إني قد فرغت من نفسي فلا اكشفن إني مقبوضة الآن ثم توسدت يدها اليمنى واستقبلت القبلة فقضت فجاء على عليه السلام ونحن نصيح فسأل عنها فاخبرته فقال إذا والله لا تكشف فاحتملت في ثيابها فغيبت أقول ان هذا الحديث قد رواه ابن بابويه كما ترى وقد روى احمد بن حنبل رحمه الله عليه في مسنده عن أم سلمة قالت اشتكت فاطمة عليها السلام شكواها التي قبضت فيها فكنت أمرضها فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها ذلك قالت وخرج على عليه السلام لبعض حاجته فقالت يا أماه أسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كاحسن ما رأيتها تغتسل ثم قالت يا أماه اعطيني ثيابي الجدد فاعطيتها فلبستها ثم قالت يا اماه قدمى لي فراشي وسط البيت ففعلت فاضطجعت واستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت يا اماه إني مقبوضة الآن وقد تطهرت فلا يكشفنى أحد فقبضت مكانها قالت فجاء على عليه السلام فاخبرته
[ 125 ]
واتفاقهما من طرق الشيعة والسنة على نقله مع كون الحكم على خلافه عجيب فان الفقهاء من الطريقين لا يجيزون الدفن إلا بعد الغسل الا في مواضع ليس هذا منه فكيف رويا هذا الحديث ولم يعللاه ولا ذكرا فقهه ولا نبها على الجواز ولا المنع ولعل هذا أمر يخصها عليها السلام وانما استدل الفقهاء على انه يجوز للرجل أن يغسل زوجته بان عليا عليه السلام غسل فاطمة عليها السلام وهو المشهور وروى ابن بابويه مرفوعا إلى الحسن بن على عليه السلام أن عليا غسل فاطمة عليها السلام وعن على عليه السلام انه صلى على فاطمة وكبر عليها خمسا ودفنها ليلا وعن محمد بن على عليه السلام أن فاطمة عليها السلام دفنت ليلا ونقلت من كتاب الذرية الطاهرة للدولابي في وفاتها عليها السلام ما نقله عن رجاله قال لبثت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أشهر وقال ابن شهاب ستة أشهر وقال الزهري ستة أشهر ومثله عن عائشة رضى الله عنها ومثله عن عروة بن الزبير. وعن أبي جعفر محمد بن على عليهما السلام خمسا وتسعين ليلة في سنة أحدى عشرة. وقال ابن قتيبة في معارفه مائة يوم. وقيل ماتت في سنة احدى عشرة ليلة الثلاثاء لثلاث ليال من شهر رمضان وهى بنت تسع وعشرين سنة أو نحوها وقيل دخل العباس على على بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله عليهم السلام وأحدهما يقول لصاحبه أينا أكبر فقال العباس رضى الله عنه ولدت يا على قبل بناء قريش البيت بسنوات وولدت ابنتى وقريش تبنى البيت
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن خمس وثلاثين سنة قبل النبوة بخمس سنين
[ 126 ]
وروى انها أوصت عليا وأسماء بنت عميس أن يغسلاها وعن ابن عباس قال مرضت فاطمة مرضا شديدا فقالت لأسماء بنت عميس ألا ترين إلى ما بلغت فلا تحمليني على سرير ظاهر فقالت لا لعمري ولكن اصنع نعشا كما رأيت يصنع بالحبشة قالت فأرينيه فأرسلت إلى جرايد رطبة فقطعت من الأسواق ثم جعلت على السرير نعشا وهو أول ما كان النعش فتبسمت وما رأيت متبسمة إلا يومئذ ثم حملناها فدفناها ليلا وصلى عليها العباس بن عبد المطلب ونزل في حفرتها هو وعلى والفضل بن عباس وعن أسماء بنت عميس ان فاطمة بنت رسول الله قالت لأسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمن رأى فقالت أسماء يا بنت رسول الله انا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة قال فدعت بجريدة رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة عليها السلام ما أحسن هذا وأجمله لا تعرف به المرأة من الرجل قال قالت فاطمة فإذا مت فغسليني انت ولا يدخلن على أحد فلما توفيت فاطمة عليها السلام جائت عائشة رضى الله عنها لتدخل عليها فقالت أسماء لا تدخلي فكلمت عائشة أبا بكر رضى الله عنهما فقالت ان هذه الخثعمية تحول بيننا وبين ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد جعلت لها مثل هودج العروس فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال يا أسماء ما حالك على ان منعت ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعلت لها مثل هودج العروس فقالت أسماء لأبي بكر هي أمرتنى أن لا يدخل عليها أحد واريتها هذا الذي صنعت وهى حية فأمرتني ان أصنع لها ذلك فقال أبو بكر رضى الله عنه
اصنعي ما امرتك فانصرف وغسلها على وأسماء وروى الدولابي حديث الغسل الذي اغتسلته قبل وفاتها وكونها دفنت به
[ 127 ]
ولم تكشف وقد تقدم ذكره. وروى من غير هذا ان أبا بكر وعمر رضى الله عنهما عاتبا عليا كونه لم يؤذنهما بالصلاة عليها فاعتذر أنها أوصته بذلك وحلف لهما فصدقاه وعذراه وقال على عليه السلام عند دفن فاطمة عليها السلام كالمناجي بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند قبره السلام عليك يا رسول الله عنى وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك قل يا رسول الله عن صفيتك صبرى ورق عنها تجلدي إلا أن لي في التأسي لي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحرى وصدري نفسك فإنا لله وإنا إليه راجعون فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة اما حزنى فسرمد وأما ليلى فمسهد إلى ان يختار الله لي دارك التي انت بها مقيم وستنبئك ابنتك فاحفها السؤال واستخبرها الحال هذا ولم يطل العهد ولم يخلق الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم فان أنصرف فلا عن ملالة وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين الحديث ذو شجون أنشدني بعض الأصحاب للقاضى أبي بكر بن أبي قريعة رحمه الله تعالى يا من يسائل دائبا * * عن كل معضلة سخيفة لا تكشفن مغطأ * * فلربما كشفت جيفة ولرب مستور بدا * * كالطبل من تحت القطيفة أن الجواب لحاضر * * لكننى أخفيه خيفة لو لا اعتداد رعية * * ألغى سياستها الخليفة
وسيوف اعداء بها * * هاماتنا أبدا نقيفة لنشرت من أسرار آ * * ل محمد جملا طريفة تغنينكم عما رواه * * مالك وأبو حنيفة
[ 128 ]
وأريكم أن الحسين * * أصيب في يوم السقيفة ولاى حال لحدت * * بالليل فاطمة الشريفة ولما حمت شيخيكم * * عن وطى حجرتها المنيفة آه لبنت محمد * * ماتت بغصتها أسيفة. وقد ورد من كلامها عليها السلام في مرض موتها ما يدل على شدة تألمها وعظم موجدتها وفرط شكايتها ممن ظلمها ومنعها حقها اعرضت عن ذكره وألغيت القول فيه ونكبت عن إيراده لأن غرضي من هذا الكتاب نعت مناقبهم ومزاياهم وتنبيه الغافل من موالاتهم فربما تنبه ووالاهم ووصف ما خصهم الله به من الفضائل التي ليست لأحد سواهم فاما ذكر الغير والبحت عن الشر والخير فليس من غرض هذا الكتاب وهو موكول إلى يوم الحساب وإلى الله تصير الأمور وفي رواية اخرى زيادة على قول على عليه السلام عند موتها أما حزنى فسرمد واما ليلى فمسهد ولا نبرح أو يختار الله تعالى لي دارك التي أنت فيها مقيم سرعان ما فرق بيننا وإلى الله اشكو وستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها حقها فاحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا فستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم فان أنصرف فلا عن ملالة وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعده الله الصابرين فالصبر ايمن وأجمل فبعين الله تدفن ابنتك
سرا وتهتضم حقها وتمنع إرثها ولم يبعد العهد فالى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلوات الله عليك وعليها معك وروى أبو عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد من قبل العرش يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر
[ 129 ]
فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتكون أول من يكسى وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة في الجنة بيت من قصب لا اذى فيه ولا نصب بين مريم وآسية وعن محمد بن الحنفية رضى الله عنه قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول دخلت يوما منزلي فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وفاطمة بين يديه وهو يقول يا حسن ويا حسين أنتما كفتا الميزان وفاطمة لسانه ولا تعدل الكفتان إلا باللسان ولا يقوم اللسان إلا على الكفتين انتما الامامان ولامكما الشفاعة ثم التفت إلى فقال يا أبا الحسن أنت توفى المؤمنين أجورهم وتقسم الجنة بينهم وبين شيعتك فصل في مناقب خديجة بنت خويلد أم فاطمة عليها السلام حيث ذكرت ما أمكن من مناقب فاطمة عليها السلام غير مدع الاستقصاء فان مناقبها تجل عن العد والاحصاء شرعت في ذكر شئ من فضائل أمها عليها السلام ليعلم أن الشرف قد اكتنفها من جميع أقطارها وان المجد أوصلها إلى غاية يعجز المجارون عن خوض غمارها ومهما ذكره ذاكر فهو على الحقيقة دون مقدارها
نقلت من مسند أحمد بن حنبل رحمه الله عن عبد الله بن جعفر عن على ابن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير نسائها خديجة وخير نسائها مريم
[ 130 ]
ومنه عن عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرت ان ابشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ومنه عن ابن عباس ان أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد خديجة على عليهما السلام وقال مرة أسلم وقد تقدم ذكر تقدم اسلامها عليها السلام وانها سبقت الناس كافة فلا حاجة إلى اعادة ذلك وهو مشهور ومن المسند عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون ومنه عن عبد الله بن أبي اوفى قال بشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب وروى أن جبرئيل عليه السلام اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عن خديجة فلم يجدها فقال إذا جاءت فاخبرها أن ربها يقرئها السلام وروى أبو هريرة قال اتى جبرئيل عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال هذه خديجة قد أتتك معها إناء مغطى فيه ادام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وقال شريك وقد سأل عن القصب أنه قصب الذهب وقال الجوهرى القصب أنابيب من جوهر وذكر الحديث وقال غيره اللؤلؤ وقال صاحب النهاية في غريب الحديث القصب لؤلؤ مجوف واسع
كالقصر المنيف في هذا الحديث والقصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف وروى أن عجوزا دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالطفها فلما خرجت سألته عنها عائشة رضى الله عنها فقال انها كانت تأتينا زمن خديجة وأن حسن العهد من الإيمان
[ 131 ]
وعن على عليه السلام قال ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خديجة يوما وهو عند نسائه فبكى فقالت عائشة ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بنى أسد فقال صلى الله عليه وآله وسلم صدقتني إذ كذبتم وآمنت بي إذ كفرتم وولدت لي إذ عقمتم قالت عائشة فما زلت اتقرب إلى رسول الله بذكرها ونقلت من كتاب معالم العترة النبوية لأبي محمد عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى الحنبلى وذكر خديجة بنت خويلد ام المؤمنين وتقدم اسلامها وحسن موازرتها وخطر فضلها وشرف منزلتها وذكر مرفوعا عن محمد بن اسحاق قال كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صدق حديثه وعظيم امانته وكرم اخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه ان يخرج في مالها تاجرا إلى الشام وتعطيه افضل ما كانت تعطى غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرج في مالها ذلك ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي.
ثم باع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلعته التي خرج فيها واشترى ما أراد أن يشترى ثم اقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة وكان ميسرة فيما يزعمون قال إذا كانت الهاجرة واشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فاضعف أو قريبا.
[ 132 ]
وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت له فيما يزعمون يا بن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك منى وشرفك في قومك وسطتك فيهم وامانتك عندهم وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها. وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة وهى يومئذ اوسط قريش نسبا واعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وكل قومها قد كان حريصا على ذلك لم يقدروا عليه فلما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قالت ذكر ذلك لاعمامه فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وروى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال لما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغ اشده وليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة وهو سوق بتهامة واستأجرت معه رجل آخر من قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما رأيت من صاحبة لأجير خيرا من خديجة ما كنا نرجع انا وصاحبي الا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبئه لنا ومنه قال الدولابي يرفعه عن رجاله انه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه رأى في المنام رؤيا فشق عليه فذكر ذلك لصاحبته خديجة فقالت
له أبشر فإن الله تعالى لا يصنع بك الا خيرا فذكر لها انه رأى ان بطنه أخرج وطهر وغسل ثم أعيد كما كان قالت هذا خير فابشر ثم استعلن له جبرئيل فاجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه وبشره برسالة ربه حتى اطمأن ثم قال اقرأ قال كيف أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسالة ربه واتبع الذي جاء به جبرئيل من عند الله وانصرف إلى أهله فلما دخل على
[ 133 ]
خديجة قال ارأيتك الذي كنت احدثك ورأيته في المنام فانه جبرئيل استعلن واخبرها بالذى جاءه من عند الله وسمع فقالت أبشر يا رسول الله الله فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا فاقبل الذي اتاك الله وأبشر فانك رسول الله حقا وروى مرفوعا إلى الزهري قال كانت خديجة أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن ابن شهاب أنزل الله على رسوله القرآن والهدى وعنده خديجة بنت خويلد وقال ابن حماد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج خديجة على اثنتى عشرة اوقية ذهبا وهى يومئذ ابنة ثمانى وعشرين سنة وحدثني ابن البرقى أبو بكر عن ابن هشام عن غير واحد عن أبي عمرو ابن العلا قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وعن قتادة بن دعامة قال كانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم يقال ولدت له جارية وهى ام محمد بن صيفي المخزومى ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند
ابن زرارة التيمى فولدت له هند بن هند ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وباسناده يرفعه إلى محمد بن اسحاق قال كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء من الله ووازرته على أمره فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك الا فرج الله ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رحمها الله وعن اسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير انه حدث عن خديجة أنها
[ 134 ]
قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فاخبرني فجاء جبرئيل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخديجة يا خديجة هذا جبرئيل قد جائنى قالت قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول فقالت هل تراه قال نعم قالت فاجلس في حجري ففعل قالت هل تراه فقال لا قالت يا بن عم اثبت وابشر فو الله انه لملك كريم وما هو بشيطان قال ابن اسحاق وقد حدث بهذا الحديث عبد الله بن الحسن قال قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة الا إني سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبرئيل عليه السلام فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان هذا الملك وما هو بشيطان وعن ابن اسحاق ان خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هلاك خديجة وأبي طالب وكانت خديجة وزيرة صدق
على الإسلام وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسكن إليها وعن عروة بن الزبير قال توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريت لخديجة بيتا من قصب لا صخب فيه ولا نصب وقال ابن هشام حدثنى من اثق به ان جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال قرأ خديجة من ربها السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا خديجة هذا جبرئيل يقرئك من ربك السلام قالت خديجة الله السلام ومنه السلام وعلى جبرئيل السلام وروى ان آدم عليه السلام قال إني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من
[ 135 ]
ذريتي نبي من الأنبياء يقال له احمد فضل على باثنتين زوجته عاونته وكانت له عونا وكانت زوجتى على عونا وان الله اعانه على شيطانه فاسلم وكفر شيطاني وعن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة فقلت لقد عوضك الله من كبيرة السن قالت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضب غضبا شديدا فسقطت في يدى فقلت اللهم إنك ان أذهبت بغضب رسولك صلى الله عليه وآله وسلم لم أعد لذكرها بسوء ما بقيت قالت فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لقيت قال كيف قلت والله لقد آمنت بي إذ كفر الناس وآوتني إذ رفضنى الناس وصدقتني إذ كذبني الناس ورزقت منى الولد حيث حرمتموه قالت فغدا وراح على بها شهرا وروى أن خديجة رضى الله عنها كانت تكنى ام هند وعن ابن عباس ان عم خديجة عمرو بن اسد زوجها رسول الله صلى الله
عليه وآله وان أباها مات قبل الفجار وعن ابن عباس أنه تزوجها وهى ابنة ثمانى وعشرين سنة ومهرها النبي اثنتى عشرة اوقية وكذلك كانت مهور نسائه وقيل انها ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة وتزوجها صلى الله عليه وآله وهى بنت أربعين سنة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن خمس وعشرين سنة وحديث عفيف ورؤيته النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وعليا يصلون حين قدم تاجرا إلى العباس وقوله لا والله ما علمت على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة قد تقدم ذكره بطرقه فلا حاجة لنا إلى ذكره لانه لم يختلف في انها عليها السلام أول الناس اسلاما.
[ 136 ]
وقال ابن سعد يرفعه إلى حكيم بن حزام قال توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشر من النبوة وهى ابنة خمس وستين فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حفرتها ولم يكن يومئذ صلاة على الجنازة قيل ومتى ذلك يا أبا خالد قال قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها وبعد خروج بنى هاشم من الشعب بيسير قال وكانت اول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واولاده كلهم منها إلا ابراهيم فانه من مارية القبطية. هذا آخر ما نقلته من كتاب الجنابذى وربما اختصرت في بعض المواضع ذكر الامام الثاني أبي محمد الحسن التقى عليه السلام قال ابن طلحة رحمه الله الباب الثاني في أبي محمد الحسن التقى عليه السلام وفيه اثنا عشر فصلا في ولادته في نسبه في تسميته عليه السلام في كنيته ولقبه فيما ورد في حقه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهيهنا نذكر امامته فان
كمال الدين بن طلحة لم يذكر ذلك في فصوله في علمه في عبادته في كرمه في كلامه في أولاده في عمره في وفاته. الأول في ولادته عليه السلام أصح ما قيل في ولادته إنه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وكان والده على بن أبي طالب عليه السلام قد بنى بفاطمة عليها السلام في ذى الحجة من السنة الثانية من الهجرة وكان الحسن عليه السلام أول اولادها وقيل ولدته لسته اشهر والصحيح خلافه.
[ 137 ]
ولما ولد عليه السلام وأعلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذه واذن في اذنه ومثل ذلك روى الجنابذى أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر. وروى ابن الخشاب انه ولد عليه السلام لسته إشهر ولم يولد لستة أشهر مولود فعاش إلا الحسن وعيسى بن مريم عليه السلام. وروى الدولابي في كتابه المسمى كتاب الذرية الطاهرة قال تزوج على فاطمة عليها السلام فولدت له حسنا بعد أحد بسنتين وكان بين وقعة أحد وبين مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة سنتان وستة أشهر ونصف فولدته لأربع سنين وستة أشهر ونصف من التاريخ وبين أحد وبدر سنة ونصف. وروى أنها عليها السلام ولدته في شهر رمضان سنة ثلاث. وروى أنه ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث وكنيته أبو محمد. وروى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عنه بكبش وحلق رأسه وأمر ان يتصدق بزنته فضة وروى ان فاطمة عليها السلام أرادت ان تعق عنه بكبش فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تعقى عنه ولكن احلقى رأسه ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل
الله عز وجل ومنه عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عن الحسن كبشا وعن الحسين كبشا وقال الكنجى الشافعي في كتاب كفاية الطالب الحسن بن على كنيته أبو محمد ولد بالمدينة ليلة النصف من رمضان سنه ثلاث من الهجرة كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب أعلام الورى الباب الأول في ذكر الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام الإمام الثاني والسبط
[ 138 ]
الأول سيد شباب أهل الجنة ويتضمن خمسة فصول في ذكر مولده ومبلغ عمره ومدة خلافته ووقت وفاته وموضع قبره عليه السلام. ولد عليه السلام ليلة النصف من شهر رمضان سنه ثلاث من الهجرة وقيل سنة اثنتين وكنيته أبو محمد وجاءت به أمه فاطمة سيدة النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة نزل بها جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسنا وعق عنه كبشا وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وله سبع سنين وأشهر وقيل ثمانى سنين. وقام بالأمر بعد أبيه عليه السلام وله سبع وثلاثون سنة وأقام في خلافته ستة أشهر وثلاثة أيام وصالح معاوية سنة إحدى وأربعين وإنما هادنه خوفا على نفسه لأن جماعة من رؤساء أصحابه كاتبوا معاوية وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنو عسكره من عسكره ولم يكن منهم من يأمن غائلته إلا جماعة من شيعته لا يقومون بأهل الشام وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وبعث بكتب أصحابه إليه فأجابه
إلى ذلك بعد أن شرط عليه شروطا كثيرة (منها) أن يترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والقنوت عليه في الصلوات وان يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذى حق حقه فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهده على الوفاء به فلما استتمت الهدنة قال في خطبته إني منيت الحسن وأعطيته أشياء جعلتها تحت قدمى لا أفى بشئ منها له. وخرج الحسن عليه السلام إلى المدينة وأقام بها عشر سنين ومضى إلى رحمة الله تعالى لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبع وأربعون سنة وأشهر مسموما سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس وكان معاوية قد دس إليها من حملها على ذلك وضمن لها أن يزوجها من يزيد ابنه وأعطاها مائة
[ 139 ]
الف درهم فسقته السم وبقى عليه السلام مريضا أربعين يوما وتولى أخوه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بالبقيع. وقال الشيخ المفيد رحمه الله في إرشاده: (باب ذكر الإمام بعد أمير المؤمنين عليه السلام وتاريخ مولده ودلايل إمامته ومدة خلافته ووقت وفاته وموضع قبره وعدد أولاده وطرف من أخباره). والإمام بعد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ابنه الحسن بن سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطاهرين وكنيته أبو محمد. ولد بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وساق ما أورده الطبرسي إلى قوله: وعق عنه كبشا قال وروى ذلك جماعة عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام. وكان الحسن عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلقا وهديا وسؤددا وعن أنس بن مالك قال لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من
الحسن بن على عليهما السلام وروى ان فاطمة عليه السلام أتت بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شكواه التي توفى فيها فقالت: يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئا فقال أما الحسن فان له هديى وسؤددي وأما الحسين فان له جودى وشجاعتي ورواه الجنابذى أما الحسن فله هيبتى وسؤددي وأما الحسين فله جرأتي وجودي. فهذا ذكر الاختلاف في مولده عليه السلام وذكرت فيه ما أورده السنة والشيعة ليتخلص لك معرفة ذلك وبالله التوفيق.
[ 140 ]
الثاني في نسبه عليه السلام قال كمال الدين محمد بن طلحة حصل للحسن ولأخيه الحسين عليهما السلام ما لم يحصل لغيرهما فانهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانتاه وسيدا شباب أهل الجنة فجدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبوهما علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم عليه السلام وأمهما الطهر البتول فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدة النساء. نسب كأن عليه من شمس الضحى * * نورا ومن فلق الصباح عمودا. أقول ان نسبه عليه السلام هو النسب الذي تتضائل عنده الانساب وشرفه الشرف الذي أسجل بصحته الأثر والكتاب فهو وأخوه دوحتا النبوة التي طابت فرعا وأصلا وشعبتا الفتوة التي سمت رفعة ونبلا وانسانا عينى السيادة والفخار وسليلا الشرف الذي أظهر الخيلاء في مضر ونزار قد اكتنفهما العز والشرف ولازمهما السؤدد فما له عنهما منصرف وأحاط بهما المجد من طرفيهما وتصورا من الجلالة فكادت أن تقطر من عطفيهما وتكونا من
الأريحية فهى تلوح على شمائلهما وتبدو كما يبدو النهار على مخايلهما بذا الأضراب والأمثال وأين الضريب والمماثل ؟ وترفعا في أوج الفتوة عن العديل والمساجل وأين العديل والمساجل وفاقا في طيب الأعراق وطهارة الأخلاق رتبة الأواخر والأوائل فعلت سماء فضلهما عن اللمس حتى قيل أين الثريا من يد المتناول ؟ نسبهما يتصل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل أمهما بغير فصل ومن قبل أبيهما يجتمع في عبد المطلب فأعجب لطيب فرع وزكاء أصل. أنتم ذووا النسب القصير وطولكم * * باد على الكبراء والاشراف والخمران قيل ابنة العنب اكتفت * * باب من الألقاب والأوصاف.
[ 141 ]
الثالث في تسميته عليه السلام قال ابن طلحة اعلم ان هذا الاسم الحسن سماه به جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه لما ولد عليه السلام قال ما سميتموه قالوا حربا قال صلى الله عليه وآله وسلم بل سموه حسنا ثم انه صلى الله عليه وآله وسلم عق عنه كبشا وبذلك احتج الشافعي في كون العقيقة سنة عن المولود. وتولى ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنع أن تفعله فاطمة عليها السلام وقال لها احلقى رأسه وتصدقي بوزن الشعر فضة ففعلت ذلك وكان وزن شعره يوم حلقه درهما وشيئا فتصدقت به فصارت العقيقة والصدقة بزنة الشعر سنة مستمرة بما شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق الحسن عليه السلام وكذا اعتمد في حق الحسين عليه السلام عند ولادته وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وروى الجنابذى ان عليا عليه السلام سمى الحسن حمزة والحسين جعفرا فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وقال له إني قد أمرت أن أغير اسم ابني هذين قال فما شاء الله ورسوله قال فهما الحسن والحسين.
ويظهر من كلامه انه بقى الحسن عليه السلام مسمى حمزة إلى حين ولد الحسين وغيرت أسماؤهما عليهما السلام وقتئذ وفي هذا نظر لمتأمله أو يكون قد سمى الحسن وغيره ولما ولد الحسين وسمى جعفرا غيره فتكون التسمية في زمانين والتغيير كذلك. الرابع في كنيته عليه السلام والقابه قال ابن طلحة كنيته أبو محمد لا غيره واما القابه فكثيرة التقى والطيب والزكى والسيد والسبط والولى كل ذلك كان يقال له ويطلق عليه وأكثر هذه الألقاب شهرة التقى لكن اعلاها رتبة واولاها به
[ 142 ]
ما لقبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث وصفه به وخصه بأن جعله نعتا له فانه صح النقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما اورده الأئمة الإثبات والرواة الثقات أنه قال ابني هذا سيد. وسيأتى هذا الحديث بتمامه في الفصل الآتى ردف هذا ان شاء الله تعالى فيكون القابه السيد وقال ابن الخشاب كنيته أبو محمد وألقابه الوزير والتقى والقائم والطيب والحجة والسيد والسبط والولى. الخامس فيما ورد في حقه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما رواه عليه السلام وامامته. قال ابن طلحة هذا فصل اصله مقصود وفضله معقود ونقله مشهور وظله ممدود ووروده مورود وسدره مخضود وطلحه منضود وهو من أسنى السجايا والمدايح معدود فانه جمع من أشتات الاشارات النبوية والأفعال والأقوال الطاهرة الزكية ما أشرقت به أنوار المناقب وسمقت بالحسن إلى أشرف شرف المراتب وأحدقت مزايا المآثر به من جميع الجوانب فان من
امتطى مطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رقى قدم شرفه على مناكب الكواكب فبخ بخ لمن خصه الله تعالى من رسوله المصطفى بهذه المواهب. فمنها ما اتفقت الصحاح على إيراده وتطابقت على صحة اسناده وروى مرفوعا إلى أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفى قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن بن على إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول ان ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين رواه الجنابذى وروى من صحيحي مسلم والبخاري مرفوعا إلى البراء بن العازب قال
[ 143 ]
رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن بن على على عاتقه يقول اللهم إني أحبه فأحبه وروى عن الترمذي مرفوعا إلى ابن عباس رضى الله عنهما إنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حامل الحسن بن على على عاتقه فقال رجل نعم المركب ركبت يا غلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونعم الراكب هو رواه الجنابذى وروى عن الحافظ أبي نعيم ما أورده في حليته عن أبي بكرة قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلى بنا فيجئ الحسن وهو ساجد وهو صغير حتى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى قالوا يا رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد فقال ان هذا ريحانتي وان ابني هذا سيد وعسى أن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين رواه الجنابذى في كتابه وروى عن الترمذي من صحيحه يرفعه بسنده إلى أنس بن مالك قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي أهل بيتك أحب اليك قال الحسن والحسين وكان يقول لفاطمة صلى الله عليه وآله وسلم ادعى إلى ابني فيشمهما ويضمهما إليه
وروى عن مسلم والبخاري بسنديهما عن أبي هريرة قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جئنا سوق بنى قينقاع ثم انصرف حتى أتى مخبأ وهو المخدع فقال أثم لكع أثم لكع يعنى حسنا فظننا إنما تحبسه أمه لان تغسله أو تلبسه سخايا فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إني أحبه وأحب من يحبه وفي رواية اخرى اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه قال أبو هريرة فما كان أحد احب إلى من الحسن بن على بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال فيه
[ 144 ]
وروى عن الترمذي في صحيحه مرفوعا إلى أسامة بن زيد قال طرقت النبي صلى الله عليه وآله ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج وهو مشتمل على شئ فما ادرى ما هو فلما فرغت من حاجتى قلت ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه فقال هذان ابناى وابنا ابنتى اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما وروى عن الترمذي بسنده عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وعن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول هما ريحانتاى من الدنيا وروى عن النسائي بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله في احدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا فتقدم
النبي صلى الله عليه وآله فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهرانى سجدة فاطالها قال إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله الصلاة قال الناس يا رسول الله انك سجدت بين ظهرانى صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى اليك قال كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته وروى عن الترمذي والنسائي في صحاحهم كل منهم بسنده يرفعه إلى بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر
[ 145 ]
حتى قطعت حديثى ورفعتهما ورواه الجنابذى بألفاظ قريبة من هذا وأخصر وروى عن الترمذي بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي جحيفة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان الحسن بن على يشبهه وعن أنس قال لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن على وعن على عليه السلام قال كان الحسن بن على أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه فيما كان أسفل من ذلك وروى عن البخاري في صحيحه يرفعه إلى عقبة بن الحرث قال صلى أبو بكر العصر ثم خرج يمشى ومعه على عليه السلام فرآى الحسن يلعب بين الصبيان فحمله أبو بكر على عاتقه وقال
بأبي شبيه بالنبي * * ليس شبيها بعلى وعلى عليه السلام يضحك وروى الجنابذى هذا الحديث فقال بأبي شبه النبي لا شبيها بعلى قال وعلى يتبسم وروى عن اسماعيل بن أبي خالد قال قلت لأبي جحيفة هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نعم والحسن بن على يشبهه وروى عن أبي هريرة قال ما رأيت الحسن بن على إلا فاضت عيناى دموعا وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فوجدني في المسجد فأخذ بيدى فاتكى على ثم انطلقت حتى جئنا إلى سوق بنى قينقاع فما كلمني فطاف فنظر ثم رجع ورجعت معه فجلس في المسجد فاحتبي ثم قال ادع لي لكع فأتى حسن يشتد حتى وقع في حجره فجعل يدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتح فمه ويدخل فمه في فمه ويقول اللهم إني أحبه
[ 146 ]
وأحب من يحبه ثلاثا وروى بسنده عن عبد الرحمان بن عوف قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا عبد الرحمان ألا أعلمك عوذة كان يعوذ بها ابراهيم ابنيه اسماعيل وإسحاق وأنا أعوذ بها ابني الحسن والحسين قل كفى بسمع الله واعيا لمن دعا ولا مرمى وراء أمر الله لرام رمى وروى عن الدولابي مرفوعا إلى جبير بن هبير عن أبيه قال قدمت المدينة فقال الحسن بن على عليه السلام كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء المسلمين وروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصر الحسن بن على مقبلا فقال اللهم
سلمه وسلم منه وروى مرفوعا إلى أم الفضل قالت قلت يا رسول الله رأيت كأن عضوا من أعضائك في بيتى قال خيرا رأيت تلد ابنتى فاطمة غلاما ترضعينه بلبن قثم فولدت الحسن فارضعته بلبن قثم وروى مرفوعا إلى إسحاق بن سليمان الهاشمي عن أبيه قال كنا عند أمير المؤمنين هارون الرشيد فتذاكروا على بن أبي طالب فقال أمير المؤمنين هارون تزعم العوام إني أبغض عليا وولده حسنا وحسينا ولا والله ما ذلك كما يظنون ولكن ولده هؤلاء طالبنا بدم الحسين معهم في السهل والجبل حتى قتلنا قتلته ثم افضى الينا هذا الأمر فخالطناهم فحسدونا وخرجوا علينا فحلوا قطيعتهم والله لقد حدثنى أبي أمير المؤمنين المهدى عن أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عن محمد بن على بن عبد الله عن عبد الله بن عباس قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبلت فاطمة عليها السلام تبكى فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يبكيك قالت يا رسول الله ان الحسن والحسين خرجا فو الله
[ 147 ]
ما أدرى أين سلكا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تبكين فداك أبوك فان الله جل وعز خلقهما وهو أرحم بهما اللهم ان كانا أخذا في بر فاحفظهما وان كانا أخذا في بحر فسلمهما فهبط جبرئيل عليه السلام فقال يا أحمد لا تغتم ولا تحزن هما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما وهما في حظيرة بنى النجار نائمين وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما قال ابن عباس فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا معه حتى اتينا حظيرة بنى النجار فإذا الحسن معانق الحسين وإذا الملك قد غطاهما بأحد جناحيه فحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن وأخذ الحسين الملك والناس يرون أنه حاملهما
فقال له أبو بكر الصديق وأبو أيوب الانصاري رضى الله عنهما يا رسول الله ألا نخفف عنك بحمل أحد الصبيين فقال دعاهما فانهما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما ثم قال والله لأشرفنهما اليوم بما شرفهما الله فخطب فقال أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدا وجده قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدتهما خديجة بنت خويلد ألا أخبركم ايها الناس بخير الناس أبا واما قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين أبوهما على بن أبي طالب وامهما فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألا أخبركم ايها الناس بخير الناس عما وعمة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب ألا ايها الناس ألا أخبركم بخير الناس خالا وخالة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالتهما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا أن أباهما في الجنة وأمهما في الجنة وجدهما في الجنة وجدتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وعمهما في الجنة
[ 148 ]
وعمتهما في الجنة وهما في الجنة ومن أحبهما في الجنة ومن احب من أحبهما في الجنة وروى مرفوعا إلى أحمد بن محمد بن أيوب المغيرى قال كان الحسن ابن على عليهما السلام أبيض مشربا حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكأن عنقه ابريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ليس بالطويل ولا القصير مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن
وروى مرفوعا إلى على عليه السلام قال لما حضرت ولادة فاطمة عليها السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء بنت عميس وأم سلمة أحضراها فإذا وقع ولدها واستهل فأذنا في أذنه اليمنى وأقيما في أذنه اليسرى فانه لا يفعل ذلك بمثله إلا عصم من الشيطان ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما فلما ولدت فعلتا ذلك فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسره ولباه بريقه وقال اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم ومن كتاب الفردوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن أسمى ابني هذين حسنا وحسينا ومنه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألت الفردوس من ربها فقالت أي رب زينى فان أصحابي وأهلي أتقياء أبرار فأوحى الله عز وجل إليها ألم أزينك بالحسن والحسين ومنه عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى هارون ابنيه شبرا وشبيرا وانى سميت ابني الحسن والحسين بما سمى هارون ابنيه وروى أبو عمرو الزاهد في كتاب اليواقيت قال زيد بن أرقم كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده جالسا فمرت فاطمة صلوات الله عليها خارجة من بيتها إلى حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعها الحسن والحسين عليهما السلام
[ 149 ]
ثم تبعها على عليه السلام فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه إلى فقال من أحب هؤلاء فقد أحبنى ومن أبغض هؤلاء فقد أبغضني. ومما جمعه صديقنا العز المحدث مرفوعا إلى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله على حبيب الله الحسن والحسين صفوة الله فاطمة أمة الله على باغضيهم لعنة الله
وباسناده قال عمر رضى الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن فاطمة وعليا والحسن والحسين في حظيرة القدس في قبة بيضاء سقفها عرش الرحمان عز وجل وباسناده عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ابناى هذين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما ومن كتاب الآل لابن خالويه اللغوى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة من أحبهما أحبنى ومن أبغضهما أبغضني وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلى قد أحبهم الله وأمرني بحبهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدى عليه السلام الذي يصلى خلفه عيسى بن مريم عليه السلام ومن كتاب الآل مرفوعا إلى عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت الجنة يا رب أليس قد وعدتني أن تسكني ركنا من أركانك قال فأوحى الله إليها أما ترضين إني زينتك بالحسن والحسين فأقبلت تميس كما تميس العروس ومن كتاب الأربعين للفتوانى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال
[ 150 ]
دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يمشى على أربع والحسن والحسين على ظهره ويقول نعم الجمل جملكما ونعم الجملان أنتما وروى اللفتوانى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الحسن فأقبل وفي عنقه سخاب فظننت ان أمه حبسته لتلبسه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هكذا وقال الحسن عليه السلام هكذا بيده فالتزمه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من
أحبه ثلاثا قال وهو متفق على صحته من حديث عبد الله بن أبي يزيد ورواه البخاري في السير عن على عن سفيان وروى الحافظ أبو بكر محمد اللفتوانى عن أبي هريرة أن الحسن بن على عليهما السلام قال السلام عليكم فرد أبو هريرة فقال بأبي رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلى فسجد فجاء الحسن عليه السلام فركب ظهره وهو ساجد ثم جاء الحسين عليه السلام فركب ظهره مع أخيه وهو ساجد فثقلا على ظهره فجئت فاخذتهما عن ظهره وذكر كلاما سقط على أبي يعلى ومسح على رؤوسهما وقال من أحبنى فليحبهما ثلاثا وعن أبي هريره قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من أحب الحسن والحسين فقد أحبنى ومن أبغضهما فقد أبغضني وروى أن العباس رضى الله عنه جاء يعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه فرفعه وأجلسه في مجلسه على سريره فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفعك الله يا عم فقال العباس هذا على يستأذن فقال يدخل فدخل ومعه الحسن والحسين عليهما السلام فقال العباس رضى الله عنه هؤلاء ولدك يا رسول الله صلى الله عليك قال هم ولدك يا عم أتحبهما قال نعم قال أحبك الله كما أحبهما وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى بتمر من تمر الصدقة فجعل يقسمه
[ 151 ]
فلما فرغ حمل الصبي وقام فإذا الحسن في فيه تمرة يلوكها فسال لعابه عليه فرفع رأسه ينظر إليه فضرب شدقه وقال كخ أي بنى أما شعرت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة قلت وقد أورده أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده بألفاظ غير هذه قال الحسن فادخل أصبعه في فمى وقال كخ كخ وكأني أنظر لعابي على اصبعه
وروى عن أبي عميرة رشيد بن مالك هذا الحديث بألفاظ أخرى وذكر أن رجلا أتاه بطبق من تمر فقال أهذا هدية أم صدقة قال الرجل صدقة فقدمها إلى القوم قال وحسن بين يديه صغير قال فأخذ الصبي تمرة فجعلها في فيه قال ففطن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فادخل أصبعه في فم الصبي فانتزع التمرة ثم قذف بها وقال إنا آل محمد لا نأكل الصدقة قال اللفتوانى لم يخرج الطبراني لأبي عميرة السعدى في معجمه سوى هذا الحديث الواحد وفي حديث آخر إنا آل محمد لا نأكل الصدقة قال معرف فحدثني أنه جعل يدخل أصبعه ليخرجها فيقول هكذا كأنه يلتوى عليه ويكره أن يؤذيه وروى مرفوعا إلى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقعده على فخذه ويقعد الحسين على الفخذ الأخرى ويقول اللهم ارحمهما فانى أرحمهما رواه البخاري في الأدب وروى مرفوعا إلى أبي بكر رضى الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن إلى جانبه ينظر إلى الناس مرة واليه مرة اخرى ان ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به ما بين فئتين من المسلمين وروى عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلى وفاطمة والحسن
[ 152 ]
والحسين أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم وقد روى أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وقد نظر إلى الحسن والحسين عليهما السلام من أحب هذين وأباهما وأمهما كان معى في درجتي يوم القيامة وهذه الأحاديث قد تقدم أمثالها وهى بأنفسها وإنما أذكرها مكررة لأن
في اختلاف طرقها وكثرة رواتها دلالة على صحتها وبرهانها على القطع بورودها عنه صلى الله عليه وآله وسلم على الحقيقة. وروى الدولابي في كتاب الذرية الطاهرة وهذا الكتاب أرويه بالإجازة عن السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار الموسوي الحائري عن الشيخ عبد العزيز الأخضر المحدث اجازة في المحرم سنة عشرة وستمائة. وعن الشيخ برهان الدين أبي الحسين أحمد بن على المعروف بالغزنوى اجازة في ربيع الأول سنة أربع عشرة وستمائة كلاهما عن الشيخ الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر السلامى باسناده واجاز لي السيد قديما وفي سنة ست وسبعين وستمائة. روى عن أبي بكرة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إذ صعد إليه الحسن فضمه إليه وقال ان ابني هذا سيد وان الله عله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظمتين قلت وإلى هذا أشار الحسن عليه السلام وقد رواه الدولابي وغيره مرفوعا إلى يزيد بن خمير عن جبير بن نفير عن أبيه قال قدمت المدينة فقال الحسن ابن على عليهما السلام كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله عز وجل وحقن دماء المسلمين وروى عن محمد بن عبد الرحمان بن لبيبة مولى بنى هاشم أن رسول الله
[ 153 ]
صلى الله عليه وآله وسلم أبصر الحسن بن على مقبلا فقال اللهم سلم به وسلم منه وروى ان أم الفضل قالت رأيت عضوا من أعضائك في بيتى قال خيرا رأيته تلد فاطمة غلاما ترضعينه بلبن قثم فولد الحسن عليه السلام فارضعته بلبن قثم
وروى ان الحسن عليه السلام روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال لي إن من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم وروى ان الحسن قال رواية عن أبيه عليهما السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من رجلين اصطرما فوق ثلاث إلا طويت عنهما صحيفة الزيادات قلت يا رسول الله وما صحيفة الزيادات ؟ قال الصلاة النافلة وما كان من التطوع ما لم يشاكل الفرض وباسناده عن أبيه صلى الله عليهما ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال حيث ما كنتم فصلوا على فان صلاتكم تبلغني صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا وباسناده عن أبيه عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أظلم الظالمين من ظلم الظالم دعوا الظالم حتى يلقى الله عز وجل بوزره يوم القيامة كاملا ذكر إمامته وبيعته عليه السلام الكلام في الحسن بن على عليهما السلام في باب الإمامة لا يخالفنا فيه أحد من المسلمين فاما غيره من الأئمة عليهم السلام فالمخالفة فيهم ونحن نقرر في هذا قاعدة تطرد في الجميع فان القائلين بامامة الجماعة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلون بامامة الحسن عليه السلام بما رووه أن الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم تعود ملكا وبأن عليا عليه السلام أوصى بها إليه وأفاض رداءها عليه فهو عليه السلام مسألة إجماع
[ 154 ]
وقد سلم مدعى إمامته عن النزاع. وأما أصحابنا فانهم يقولون بوجوب الإمامة في كل وقت وقد ثبت ذلك من طريق العقل في كتب الأصول وان الإمام لا بد أن يكون معصوما منصوصا عليه وان الحق لا يخرج عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فإذا ثبت ذلك فالناس بعد على عليه السلام إما قائل بأن لا حاجة إلى إمام وقوله باطل بما ثبت من وجوب وجود الإمام في كل وقت وإما قائل بامام ولا يشترط العصمة وقوله باطل أيضا بما ثبت من وجوب العصمة وإما قائل بوجوب إمامة الحسن بن على عليهما السلام لوجود الشروط المأخوذة في حد الإمام فيه فيجب الرجوع إلى قوله والعمل به وإلا خرج الحق عن أقوال الأمة. وفي تواتر الشيعة ونقلهم خلفا عن سلف ان أمير المؤمنين عليه السلام نص على ابنه الحسن وحضر شيعته واستخلفه عليهم بصريح القول وليس لأحد أن يدعى كذبهم فيما تواتر عندهم لأن ذلك يقدح في كل ما ادعى أنه علم بالتواتر وفي هذا الموضع بحوث طويلة مذكورة في كتب الكلام ليس ذكرها في هذا الكتاب من شرطه وقد اشتهر عند الناس قاطبة وصية على عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام وتخصيصه بذلك من بين ولده ورواه المخالف والمؤالف والوصية من الإمام الحق توجب استخلافه لمن أوصى إليه وكذا وقعت الحال وهى مشهورة وقد أجمع عليها آل محمد عليه وعليهم السلام. ومن الأخبار الواردة في ذلك مما رواه محمد بن يعقوب الكليني وهو من أجل رواة الشيعة وثقاتها عن على بن ابراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم بن قيس الهلالي قال شهدت أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمدا وجميع
[ 155 ]
ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له يا بنى أمرنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أوصى اليك وأدفع اليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت
أن تدفعها إلى أخيك الحسين ثم أقبل على الحسين عليه السلام فقال وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك هذا ثم أخذ بيد على بن الحسين وقال وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك محمد فاقرأه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومنى السلام. وعنه عن عدة من أصحابه يرفعه إلى أبي الجارود عن أبي جعفر قال إن أمير المؤمنين عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه الحسن أدن منى حتى أسر اليك ما أسر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئتمنك على ما ائتمننى عليه ففعل وباسناده يرفعه إلى شهر بن حوشب ان عليا عليه السلام لما سار إلى الكوفة استودع أم سلمة رضى الله عنها كتبه والوصية فلما رجع الحسن عليه السلام دفعتها إليه وقد ثبت عند فرق الإسلام كافة ان عليا عليه السلام لما مات دعا الحسن عليه السلام إلى الأمر بعد أبيه فبايعه الناس على انه الخليفة والامام وقد روى جماعة انه خطب صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله فلا يرجع حتى يفتح الله على يديه ولقد توفى في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم وفيها قبض يوشع بن نون عليه السلام وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله
[ 156 ]
ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه ثم قال أنا ابن البشير النذير وأنا ابن الداعي إلى الله بأذنه أنا ابن السراج المنير أنا ابن من أذهب الله
عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أنا من أهل بيت أفترض الله طاعتهم في كتابه فقال قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربي ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا فالحسنة مودتنا أهل البيت ثم جلس فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصى إمامكم فبايعوه فتبادر الناس إلى بيعته فهذه ادلة قاطعة بحقية امامته وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابناى إمامان قاما أو قعدا وقوله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وعصمتهما معلومة ثابتة من قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا أقول بعض هذه الخطبة قد رواها أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده عن هبيرة قال خطبنا الحسن بن على عليه السلام فقال لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم ولم يدركه الآخرون كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه بالراية جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يفتح له وقد رواها الدولابي في كتاب العترة بألفاظ تقارب ما رواه الجماعة ومن حديث آخر في المسند بمعناه وفي آخره وما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه كان يرصدها لخادم لأهله وهذا قد رواه الحافظ أبو نعيم في حليته. وهذه الخطبة قد رواها جماعة من الجمهور أيضا وقد شهد القرآن بطهارته في قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
[ 157 ]
تطهيرا فلا بد أن يكون عليه السلام محقا في دعوته صادقا في إمامته
وقد نقل أن حبابة الوالبية أتت عليا عليه السلام في رحبة المسجد فقالت يا أمير المؤمنين ما دلالة الامامة رحمك الله ؟ فقال ائتنى بتلك الحصاة وأشار بيده إلى حصاة فأتته بها فطبع لي فيها بخاتمه وقال يا حبابة ان ادعى مدع الإمامة وقدر أن يفعل كما فعلت فاعلمي أنه محق مفترض الطاعة فالإمام لا يعزب عنه شئ يريده قالت ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين عليه السلام فاتت الحسن عليه السلام وهو في مجلس أمير المؤمنين والناس يسألونه فقال لي حبابة الوالبية فقلت نعم يا مولاى قال هات ما معك فاعطيته الحصاة فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام قالت ثم أتيت الحسين عليه السلام وهو في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقرب ورحب وقال أتريدين دلالة الإمامة فقلت نعم يا سيدى فقال هات ما معك فناولته الحصاة فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام قالت ثم رأيت على بن الحسين عليه السلام وقد بلغ بي الكبر وأنا أعد مائة وثلاث عشرة سنة فرأيته راكعا وساجدا مشغولا بالعبادة فيئست من الدلالة فأومى إلى بالسبابة فعاد إلى شبابي قالت فقلت يا سيدى كم مضى من الدنيا وكم بقى فقال أما ما مضى فنعم وأما ما بقى فلا ثم قال هاتى ما معك فأعطيته الحصاة فطبع فيها ثم أتيت أبا جعفر عليه السلام فطبع لي فيها ثم أتيت أبا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها ثم أتيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فطبع فيها ثم أتيت الرضا عليه السلام فطبع لي فيها وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر على ما ذكره عبد الله بن هشام وروى الكليني قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا محمد بن اسماعيل بن موسى بن جعفر قال حدثنى أبي عن أبيه موسى بن جعفر عليهما السلام عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد عليهم السلام أن على بن الحسين دعا
[ 158 ]
لحبابة الوالبية فرد الله عليها شبابها وأشار إليها باصبعه فحاضت لوقتها ولها يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة والشيخ المفيد رحمه الله ذكر قريبا مما ذكره الطبرسي ومنه نقل الطبرسي رحمهم الله أجمعين وروى الامام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في مسنده عن الحسن بن على عليهما السلام قال علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر اللهم أهدني فيمن هديت وعافنى فيمن عافيت وتولنى فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقنى شر ما قضيت فانك تقضى ولا يقضى عليك انه لا يذل من واليت تبارك ربنا وتعاليت ومن المسند عن أبي الحوراء قال قلت للحسن بن على عليهما السلام ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال اذكر إني أخذت من تمر الصدقة تمرة فالقيتها في فمى فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلعابها فألقاها في التمر فقال له رجل ما عليك لو أكل هذه التمرة فقال إنا لا نأكل الصدقة قال وكان يقول دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فان الصدق طمأنينة والكذب ريبة وفي حديث آخر إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وفي حديث آخر وعقلت عنه الصلوات الخمس وقال الحسن عليه السلام لما حضرت أبي الوفاة أقبل يوصى فقال هذا ما أوصى به على بن أبي طالب عليه السلام أخو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه وصاحبه أول وصيتى إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله وخيرته اختاره بعلمه وارتضاه بخيرته وان الله باعث من في القبور وسائل الناس عن أعمالهم عالم بما في الصدور ثم إني أوصيك يا حسن وكفى بك وصيا بما وصاني به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا كان ذلك يا بنى فألزم بيتك وابك على خطيئتك ولا تكن الدنيا أكبر همك
[ 159 ]
وأوصيك يا بنى بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها والصمت عند الشبهة والاقتصاد والعدل في الرضا والغضب وحسن الجوار وإكرام الضيف ورحمة المجهود وأصحاب البلاء وصلة الرحم وحب المساكين و مجالستهم والتواضع فانه من أفضل العبادة وقصر الأمل وذكر الموت والزهد في الدنيا فانك رهن موت وعرض بلاء وطريح سقم وأوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل وإذا عرض شئ من أمر الآخرة فابدأ به وإذا عرض شئ من أمر الدنيا فتأن حتى تصيب رشدك فيه وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء فان قرين السوء يغر جليسه وكن لله يا بنى عاملا وعن الخنا زجورا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا وآخ الاخوان في الله وأحب الصالح لصلاحه ودار الفاسق عن دينك وابغضه بقلبك وزايله بأعمالك لئلا تكون مثله وإياك والجلوس في الطرقات ودع الممارات ومجاراة من لا عقل له ولاعلم واقتصد يا بنى في معيشتك واقتصد في عبادتك وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه وألزم الصمت تسلم وقدم لنفسك تغنم وتعلم الخير تعلم وكن ذاكرا لله على كل حال وارحم من أهلك الصغير ووقر منهم الكبير ولا تأكلن طعاما حتى تتصدق منه قبل أكله وعليك بالصوم فانه زكاة البدن وجنة لأهله وجاهد نفسك واحذر جليسك واجتنب عدوك وعليك بمجالس الذكر واكثر من الدعاء فانى لم آلك يا بنى نصحا وهذا فراق بينى وبينك وأوصيك بأخيك محمد خيرا فانه شقيقك وابن أبيك وقد تعلم حبي له
وأما أخوك الحسين فهو ابن أمك ولا أزيدك الوصاية بذلك والله الخليفة
[ 160 ]
عليكم وإياه أسأل أن يصلحكم وأن يكف الطغاة البغاة عنكم والصبر الصبر حتى ينزل الله الأمر ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وقد أورد السيد الرضى الموسوي رحمه الله تعالى وألحقه بسلفه الطاهر في نهج البلاغة وصية لأمير المؤمنين عليه السلام كتبها إلى ابنه الحسن عليه السلام وهى طويلة جامعة لأدب الدين والدنيا كثيرة الفائدة والجدوى نافعة في الآخرة والأولى قد أخذت بمجامع الفضائل وأعجزت بمقاصدها الأواخر والأوائل وكيف لا يكون كذلك وهو الذي إذا قال بذ كل قائل وعاد سحبان عنده مثل باقل فان أنكرت فسائل وليس هذا الكتاب موضعا لاثباتها وقد دللتك عليها فان أردتها فأتها تجد البيان والبلاغة وتشاهد آداب الدنيا والآخرة ببدائع ألفاظ تريك ورد البيان صافيا وبرد الفصاحة ضافيا وحظ السمع والقلب وافيا وليكن هذا القدر في صفتها وان لم يكن كافيا كافيا. قال الشيخ المفيد في إرشاده لما قبض أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس الحسن بن على عليهما السلام وذكر حقه فبايعه أصحاب أبيه عليه السلام على حرب من حارب وسلم من سالم وروى أبو مخنف لوط بن يحيى قال حدثنى أشعث بن سوار عن أبي إسحاق السبيعى وغيره قالوا خطب الحسن بن على عليهما السلام صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله واثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الاخرون بعمل ولقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن
يمينه وميكائيل عن شماله فلا يرجع حتى يفتح الله على يديه ولقد توفى عليه السلام في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم عليه السلام وفيها قبض يوشع بن نون
[ 161 ]
وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله. ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه ثم قال أنا ابن البشير أنا ابن النذير أنا ابن الداعي إلى الله باذنه أنا ابن السراج المنير أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أنا من أهل بيت افترض الله مودتهم في كتابه فقال تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) فالحسنة مودتنا أهل البيت ثم جلس فقام عبد الله بن العباس رحمة الله عليهما ما بين يديه فقال معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصى إمامكم فبايعوه فاستجاب له الناس وقالوا ما أحبه الينا وأوجب حقه علينا وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة وذلك في يوم الجمعة الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة فربت العمال وأمر الأمراء وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة ونظر في الأمور ولما بلغ معاوية موت أمير المؤمنين على عليه السلام وبيعة الحسن عليه السلام أنفذ رجلا من حمير إلى الكوفة وآخر من بنى القين إلى البصرة ليطالعاه بالأخبار ويفسدا على الحسن عليه السلام الأمور وقلوب الناس فعرف بهما وحصلهما وأمر بقتلهما وكتب إلى معاوية أما بعد فانك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء وما أوشك ذلك فتوقعه إن شاء الله وبلغني انك شمت بما لم يشمت به ذووا الحجى وإنما مثلك في ذلك
كما قال الأول فقل للذى يبقى خلاف الذي مضى * تجهز لأخرى مثلها فكأن قد فإنا ومن قد مات منا لكالذى * يروح فيمسى في المبيت ليغتدى.
[ 162 ]
وكان بينه وبين الحسن عليه السلام مكاتبات واحتج عليه الحسن عليه السلام في استحقاقه الأمر وتوثب من تقدم على أبيه عليه السلام وابتزازه سلطان ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصار معاوية نحو العراق وتحرك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عدى واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ثم خفوا ومعه أخلاط من الناس بعضهم من شيعته وشيعة أبيه عليه السلام وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة وبعضهم أصحاب طمع في الغنايم وبعضهم شكاك وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين ثم صار حتى نزل ساباط دون القنطرة وبات هناك. فلما أصبح أراد عليه السلام أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في طاعته ليميز أولياءه من أعدائه ويكون على بصيرة من لقاء معاوية فأمر أن ينادى في الناس بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال الحمد لله كلما حمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق وأتمنه على الوحى صلى الله عليه وآله وسلم أما بعد فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه وما أصبحت محتملا على امرئ مسلم ضغينة ولا مريدا له بسوء ولا غائلة وان ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة وانى ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمرى ولا تردوا على رأيى غفر الله لي ولكم وأرشدنى وإياكم لما فيه المحبة والرضا.
قال فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال قالوا نظن أنه يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه فقالوا كفر والله الرجل وشدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته ثم شد عليه رجل يقال له عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن
[ 163 ]
عاتقه فبقى جالسا متقلدا السيف بغير رداه ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده ودعا ربيعة وهمدان فأطافوا به ومنعوه فسار ومعه شوب من غيرهم. فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بنى أسد اسمه الجراح بن سنان وأخذ بلجام فرسه وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل وطعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم فاعتنقه الحسن عليه السلام وخرا جميعا إلى الأرض فأكب عليه رجل من شيعة الحسن عليه السلام فقتله بمغوله وقتل معه شخص آخر كان معه وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفى وكان عامل على عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك واشتغل بمعالجة جرحه. وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة سرا واستحثوه على سرعة المسير نحوهم وضمنوا لهم تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به وبلغ الحسن عليه السلام ذلك. وورد عليه كتاب قيس بن سعد رضى الله عنه وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس في مسيره من الكوفة لتلقى معاوية فيرده عن العراق وجعله أميرا على الجماعة وقال إن أصيب فالأمير قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بازاء مسكن وان معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المسير
إليه وضمن له الف الف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الأخر عند دخوله الكوفة فانسل عبيد الله ليلا إلى معسكر معاوية ومعه خاصته وأصبح الناس بغير أمير فصلى بهم قيس رضى الله عنه ونظر في أمورهم فازدادت بصيره الحسن عليه السلام بخذلانهم له وفساد نيات المحكمة فيه وما أظهروه له من سبه وتكفيره واستحلال دمه ونهب أمواله ولم يبق معه من يأمن
[ 164 ]
غوائله إلا خاصة من شيعته وشيعة أبيه عليهما السلام وهم جماعة لا يقومون بحرب أهل الشام. فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح فأنفذ إليه كتب أصحابه التي ضمنوا فيها الفتك به وتسليمه إليه واشترط في إجابته إلى الصلح شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم احتياله واغتياله غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان من ضعف بصائر أصحابه في حقه والفساد عليه ومخالفته واستحلال كثير منهم دمه وتسليمه إلى خصمه وخذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه وميلهم جميعا إلى الدنيا وعاجلها. فتوثق لنفسه عليه السلام من معاوية تأكيدا للحجة عليه والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلاة وأن يؤمن شيعته رضى الله عنهم ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذى حق حقه فأجابه معاوية إلى ذلك جميعه وعاهده عليه وحلف له بالوفاء. فلما استتمت الهدنة سار معاوية حتى نزل بالنخيلة وكان يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار وخطبهم فقال في خطبته إني والله ما أقاتلكم لتصلوا ولا
لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا انكم لتفعلون ذلك ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ألا وانى كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمى لا أفى له بشئ منها. ثم سار ونزل الكوفة فأقام بها أياما فلما استتمت بيعته صعد المنبر فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين والحسن عليهما السلام فنال منهما وكان الحسين عليه السلام حاضرا فأراد أن يقوم ويجيبه فأخذ الحسن بيده وأجلسه
[ 165 ]
وقام وقال أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي على وأنت معاوية وأبوك صخر وأمي فاطمة وأمك هند وجدى رسول الله وجدك حرب وجدتي خديجة وجدتك فتيلة فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا وشرنا قدما وأقدمنا كفرا ونفاقا فقال طوائف من أهل المسجد آمين آمين. وخرج الحسن إلى المدينة كاظما غيظه منتظرا أمر ربه لازما منزله إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته وأراد أخذ البيعة لابنه دس إلى زوجة الحسن عليه السلام جعدة بنت الأشعث بن قيس من حملها على سمه وأرسل إليها مائة الف درهم وضمن تزويجها بابنه يزيد فسقته السم فبقى أربعين يوما مريضا ومضى لسبيله في صفر من سنة خمسين من الهجرة وعمره يومئذ ثمان وأربعون سنة. وكانت خلافته عشر سنين وتولى أخوه ووصيه الحسين عليهما السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف عليهما السلام السادس في علمه عليه السلام قال الشيخ كمال الدين بن طلحة كان الله عز وعلا قد رزقه الله الفطرة
الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعاينه ومنحه الفطنة الصائبة لإصلاح قواعد الدين ومبانيه وخصه بالجبلة التي ردت لها اخلاف مادتها بسور العلم ومعانيه ومرت له أطباء الاهتداء من نجدى جده وأبيه فجنى بفكرة منجبة نجاح مقاصد ما يقتفيه وقريحة مصحبة في كل مقام يقف فيه وكان يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويجتمع الناس حوله فيتكلم بما يشفى غليل السائلين ويقطع حجج القائلين
[ 166 ]
وروى الامام أبو الحسن على بن أحمد الواحدى رحمه الله في تفسيره الوسيط ما يرفعه بسنده ان رجلا قال دخلت مسجد المدينة فإذا أنا برجل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس حوله فقلت له اخبرني عن شاهد ومشهود فقال نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث فقلت له اخبرني عن شاهد ومشهود فقال نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كأن وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت اخبرني عن شاهد ومشهود فقال نعم أما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأما المشهود فيوم القيامة أما سمعته يقول يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا وقال تعالى ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود فسألت عن الأول فقالوا ابن عباس وسألت عن الثاني فقالوا ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام وكأن قول الحسن أحسن ونقل أنه عليه السلام اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة وبزة طاهرة ومحاسن سافرة وقسمات ظاهرة ونفحات ناشرة ووجهه يشرق حسنا
وشكله قد كمل صورة ومعنى والاقبال يلوح من أعطافه ونضرة النعيم تعرف في أطرافه وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف وسار مكتنفا من حاشيته وغاشيته بصفوف فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس أنوف وعده وآبائه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف فعرض له في طريقه من محاويج اليهود هم في هدم قد أنهكته العلة وارتكبته الذلة وأهلكته القلة وجلده يستر عظامه وضعفه يقيد أقدامه وضره قد ملك زمامه وسوء حاله قد حبب إليه حمامه
[ 167 ]
وشمس الظهيرة تشوى شواه وأخمصه تصافح ثرى ممشاه وعذاب عر عريه قد عراه وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه وهو حامل جر مملوءا ماءا على مطاه وحاله يعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه فاستوقف الحسن عليه السلام وقال يا ابن رسول الله انصفني فقال عليه السلام في أي شئ فقال جدك يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وأنت مؤمن وأنا كافر فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها وتستلذ فيها وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها وأتلفني فقرها فلما سمع الحسن عليه السلام كلامه أشرق عليه نور التأييد واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه وأوضح اليهودي خط ظنه وخطل زعمه وقال يا شيخ لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لعلمت إني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم ونكال عذاب المقيم لرأيت انك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ونعمة جامعة
فانظر إلى هذا الجواب الصادع بالصواب كيف قد تفجرت بمستعذبه عيون علمه وأينعت بمستغربه فنون فهمه فيا له جوابا ما امتنه وصوابا ما أبينه وخطابا ما أحسنه صدر عن علم مقتبس من مشكاة نور النبوة وتأييد موروث من آثار معالم الرسالة هذا آخر كلام ابن طلحة نقلت من كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذى رحمة الله عليه عن عقبه ابن الحرث قال مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي بكر رضى الله عنه إذ رأى الحسن ابن على عليه السلام وهو يلعب فأخذه فحمله على عاتقه فقال بأبي شبه النبي لا شبيها بعلى قال وعلى عليه السلام يتبسم
[ 168 ]
وعن ابن مالك قال كان الحسن بن على عليهما السلام أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن اسماعيل بن أبي خالد قال قلت لأبي جحيفة هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نعم وكان الحسن بن على عليه السلام يشبهه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي هريرة قال ما رأيت الحسن بن على عليهما السلام إلا فاضت عيناى دموعا وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج ذات يوم فوجدني في المسجد فأخذ بيدى فاتكأ على ثم انطلقت معه حتى جئنا إلى سوق بنى قينقاع فما كلمني فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه وجلس في المسجد فاحتبي ثم قال ادع لي لكع فأتى حسن يشتد حتى وقع في حجره فجعل يدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتح فمه ويدخل فمه في فمه ويقول اللهم إني أحبه وأحب من يحبه ثلاثا وعن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فلما رآهما نزل وأخذهما ثم صعد فوضعهما في حجره ثم قال صدق الله إنما أموالكم
وأولادكم فتنة رأيت هذين فلم أصبر حتى أخذتهما وعن عبد الرحمان بن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا عبد الرحمان ألا أعلمك عوذة كان يعوذ بها ابراهيم ابنيه اسماعيل وإسحاق وأنا أعوذ بها ابني الحسن والحسين قل كفى بسمع الله واعيا لمن دعا ولا مرمى وراء أمر الله لرام رمى وعن محمد بن عمر قال لما ولد الحسن بن على عق عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبش وحلق رأسه وأمر أن يتصدق بزنته فضة وعن أنس بن مالك قال كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعنى من
[ 169 ]
أهل البيت حسن بن على وعن على عليه السلام قال أشبه الحسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان من أسفل من ذلك وعن أبي بكرة قال بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إذ صعد إليه الحسن فضمه إليه وقال إن ابني هذا سيد وان الله عله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين وعن جبير بن نفير عن أبيه قال قدمت المدينة فقال الحسن بن على عليهما السلام كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء المسلمين وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الحسن مقبلا فقال اللهم سلمه وسلم منه وقالت أم الفضل يا رسول الله رأيت كأن عضوا من أعضائك في بيتى قال خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما ترضعينه بلبن قثم فولدت الحسن فارضعته بلبن قثم
قال وخطب الحسن بن على عليهما السلام الناس حين قتل على عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه رايته ويقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على ظهر الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا الحسن بن على وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله بأذنه وأنا ابن السراج المنير ومن أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل فيه ويصعد من عندنا وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله
[ 170 ]
عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال لنبيه قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا فاقتراف الحسنة محبتنا أهل البيت. وعن عبد الله بن عباس قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبلت فاطمة تبكى فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يبكيك قالت يا رسول الله ان الحسن والحسين خرجا فوالله ما أدرى أين سلكا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تبكين فداك أبوك فان الله عز وجل خلقهما وهو أرحم بهما اللهم ان كانا قد أخذا في بر فاحفظهما وان كانا قد أخذا في بحر فسلمهما فهبط جبرئيل عليه السلام فقال يا أحمد لا تغتم ولا تحزن هما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما وهما في حظيرة بنى النجار نائمين وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما. قال ابن عباس فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا معه حتى أتينا حظيرة
بنى النجار فإذا الحسن معانق الحسين وإذا الملك قد غطاها بأحد جناحيه قال فحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن وأخذ الحسين الملك والناس يرون أنه حاملهما فقال له أبو بكر الصديق وأبو أيوب الأنصاري رضى الله عنهما يا رسول الله ألا نخفف عنك بحمل أحد الصبيين فقال دعاهما فانهما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما. ثم قال والله لأشرفنهما اليوم بما شرفهما الله فخطب فقال يا أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدا وجدة قالوا بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الحسن والحسين جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدتهما خديجة بنت خويلد ألا أخبركم بخير الناس أبا واما قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين أبوهما على بن أبي طالب وأمهما فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألا أخبركم
[ 171 ]
أيها الناس بخير الناس عما وعمة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب أيها الناس ألا اخبركم بخير الناس خالا وخالة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين خالهما القاسم بن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالتهما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا أن أباهما في الجنة وأمهما في الجنة وجدهما في الجنة وجدتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما في الجنة وهما في الجنة ومن أحبهما في الجنة ومن أحب من أحبهما في الجنة. وقال أحمد بن محمد بن أيوب المغيرى كان الحسن بن على عليهما السلام ابيض مشربا حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكان عنقه ابريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين
المنكبين ربعة ليس بالطويل ولا القصير مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن توفى وهو ابن خمس وأربعين سنة وولى غسله الحسين ومحمد والعباس اخواه من على بن أبي طالب عليهم السلام وصلى عليه سعيد بن العاص في سنة تسع وأربعين وعن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاملا للحسن بن على على عاتقه فقال رجل نعم المركب ركبت يا غلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونعم الراكب هو وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انها أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعها الحسن والحسين في مرضه الذي توفى فيه قالت يا رسول الله ان هذين لم تورثهما شيئا قال أما الحسن فله هيبتى وسؤددي وأما الحسين فله جرأتي وجودي. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل نحر فاطمة ويشمه.
[ 172 ]
وعن أم عثمان أم ولد على بن أبي طالب عليه السلام قالت كانت لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطيفة يجلس عليها جبرئيل لا يجلس عليها غيره وإذا خرج طويت وكان إذا عرج انتفض فيسقط من زغب ريشه فيقوم فيتبعه ويجعله في تمائم الحسن والحسين. وعن أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات في حجة الوداع إني تارك فيكم الثقلين واحدهما عظم من الاخر كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتى لا يفترقان حتى يردا على الحوض إلا ان كتاب الله حبل ممدود اصله في الأرض وطرفه في العرش مثله كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومثلهم كباب حطه من دخله غفر له الذنوب. وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني مخلف فيكم ما ان
تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وأهل بيتى. وعن زيد بن أرقم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم يقول إني تارك فيكم كتاب الله حبل ممدود من السماء من استمسك به كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة وأهل بيتى أذكركم الله عز وجل في أهل بيتى أذكركم الله عز وجل في أهل بيتى أذكركم الله عز وجل في أهل بيتى قال فقلت لزيد من أهل بيته فقال الذين لا تحل لهم الصدقة آل على وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل. وعن ذكوان مولى معاوية قال قال معاوية لا أعلمن أحدا سمى هذين الغلامين ابني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن قولوا ابني على عليه السلام قال ذكوان فلما كان بعد ذلك أمرنى أن أكتب بنيه في الشرف قال فكتبت بنيه وبنى بنيه وتركت بنى بناته ثم أتيته بالكتاب فنظر فيه فقال ويحك لقد اغفلت كبر بنى فقلت من فقال أما بنو فلانة لابنته بنى أما بنو فلانة لابنته
[ 173 ]
بنى قال قلت الله أيكون بنو بناتك بنيك ولا يكون بنو فاطمة بنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ما لك قاتلك الله لا يسمعن هذا أحد منك وعن عوف بن الأزرق بن قيس وذكر حديث المباهلة وعن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حامل الحسن بن على عليهما السلام على عاتقه وهو يقول اللهم إني أحبه فاحبه وفي رواية وأحب من يحبه. وعن أبي هريرة قال نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى على والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم فقال أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم وعن عقبة بن الحرث قال خرجت مع أبي بكر رضى الله عنه بعد
وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بليال وعلى عليه السلام يمشى إلى جنبه فمر بحسن بن على يلعب مع غلمان فاحتمله على رقبته وهو يقول بأبي شبيه بالنبي * * ليس شبيها بعلى قال وعلى عليه السلام يضحك وعن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال حج الحسن بن على عليهما السلام خمسا وعشرين حجة ماشيا وان الجنايب لتقاد معه. وعن أبي بكر الصديق رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وعن على عليه السلام قال لما حضرت ولادة فاطمة عليها السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء بنت عميس ولأم سلمة احضراها فإذا وقع ولدها واستهل فأذنا في أذنه اليمنى وأقيما في أذنه اليسرى فانه لا يفعل ذلك بمثله إلا عصم من الشيطان ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما فلما ولدت فعلتا ذلك فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسره ولباه بريقه وقال اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم.
[ 174 ]
وعن سويد بن غفلة قال كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن على عليهما السلام فلما أصيب على عليه السلام وبويع الحسن عليه السلام بالخلافة قالت لتهنئك الخلافة يا أمير المؤمنين قال يقتل على عليه السلام فتظهرين الشماتة اذهبي فانت طالق ثلاثا فتلفعت بساجها ومضت فلما انقضت عدتها بعث إليها ببقية بقيت من صداقها عشرة آلاف درهم فقالت متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى وقال لو لا أننى سمعت جدى أو حدثنى أبي أنه سمع جدى صلى الله عليه وآله وسلم يقول أيما رجل طلق امرأته ثلاثا قبل الإقراء أو ثلاثة مبهمة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره
كذا في الأصل فأما أن يكون حذف الجواب للعلم به أو يكون الناسخ قد أخل به وعن على بن عقبة عن أبيه قال دخل الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام على معاوية وعنده شباب من قريش يتفاخرون والحسن ساكت فقال له يا حسن والله ما أنت بكليل اللسان ولا بمأشوب الحسب فلم لا تذكر فخركم وقديمكم فأنشأ الحسن يقول فيم الكلام وقد سبقت مبرزا سبق الجواد من المدى المتباعد نحن الذين إذا القروم تخاطروا طبنا على رغم العدو الحاسد وعن يونس بن عبيد قال لما حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع فاكب عليه ابنه عبد الله فقال يا أبة هل رأيت شيئا فقد غممتنا فقال عليه السلام أي بنى هي والله نفسي التي لم أصب بمثلها وباسناده قال لما حضرت الحسن بن على الوفاة كأنه جزع عند الموت فقال له الحسين عليه السلام كأنه يعزيه يا أخى ما هذا الجزع انك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليه السلام وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة
[ 175 ]
وهما أماك وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك فقال له الحسن أي أخى إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل فيه من روى من أولاد الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن الحسن بن على ابن أبي طالب عليه السلام عن زيد بن الحسن بن على عن أبيه قال لما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة آخى بين أبي بكر وعمر وبين طلحة والزبير وبين حمزة بن
عبد المطلب وبين زيد بن حارثة وبين عبد الله بن مسعود وبين المقداد بن عمرو رضى الله عنهم أجمعين فقال على عليه السلام آخيت بين أصحابك وأخرتني قال ما أخرتك إلا لنفسي الحسن بن الحسن عن أبيه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم عبد الله بن الحسن عن أبيه الحسن بن على عليهم السلام عن أبيه على ابن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرحم شجنة من الرحمان عز وجل من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله تعالى وعن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة عليها السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال مثل ذلك إلا أنه يقول اللهم أغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب
[ 176 ]
رحمتك وفضلك وعن عبد الله بن حسن عن أبيه عن فاطمة الكبرى قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما التقى جندان ظالمان إلا تخلى الله عنهما ولم يبال أيهما غلب وما التقى جندان ظالمان إلا كانت الدبرة على أعتاهما وعن عبد الله بن حسن عن أبيه حسن بن على عن أبيه على بن أبي طالب عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنساء عشر عورات فإذا تزوجت المرأة ستر الزوج عورة وإذا ماتت ستر القبر عشر عورات وعن محمد بن حرب قال قال عبد الله بن حسن بن حسن لابنه محمد استعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام
فيها فإن الصمت حسن على كل حال وعن زياد بن المنذر قال قال عبد الله بن حسن بن حسن لابنه إياك ومعاداة الرجال فانك لا تأمن مكر حليم ومبادرة لئيم حسن بن حسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة الكبرى بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يلومن إلا نفسه من بات وفي يده غمر قلت الغمر السهك وعن المنذر بن زياد حدثنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أجرى الله على يديه فرجا لمسلم فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة وقال في عقبه عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له تعالى ذنوبه وعن محمد بن حرب قال أوصى محمد بن على بن الحسين ابنه جعفر بن محمد عليهم السلام فقال يا بنى إصبر للنوايب ولا تعرض للحتوف ولا تعط
[ 177 ]
نفسك ما ضره عليك اكثر من نفعه لغيرك يا بنى ان الله تعالى رضيني لك فحذرني فتنتك ولم يرضك لي فأوصاك بي وقال أبو حمزة الثمالى أخبرنا محمد بن على بن الحسين عليهم السلام قال كان يقول لولده يا بنى إذا أصابتكم مصيبة من الدنيا أو نزل بكم فاقة فليتوضأ الرجل فيحسن وضوءه وليصل أربع ركعات أو ركعتين فإذا انصرف من صلاته فليقل يا موضع كل شكوى يا سامع كل نجوى يا شافي كل بلاء ويا عالم كل خفية ويا كاشف ما يشاء من بلية يا منجى موسى يا مصطفى محمد يا خليل ابراهيم أدعوك دعاء من اشتدت فاقته
وضعفت قوته وقلت حيلته دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالين قال على بن الحسين لا يدعو بها رجل أصابه بلاء إلا فرج الله تعالى عنه آخر ما أورده الحافظ عبد العزيز رحمه الله تعالى وما أورده عن الامام زين العابدين عليه وعلى آبائه السلام كان ينبغى أن يورده عند ذكر أخباره عليه السلام وإنما تبعته أنا ولم أنقله إلى بابه لانى خفت أن يشذ عنى أو أسهو عنه عند شروعي في ذكره فكتبته هنا لان كل ما ذكرته في مناقبهم لو قصرته على أحدهم لكانوا فيه شركاء على السوية وما أعطى أحدهم منزلة شرف إلا وكلهم مخصوصون بمثل تلك العطية فهم صلى الله عليهم خلاصة الوجود ومعادن الكرم والجود وشجن الولى وشجى الحسود والعدة والعتاد في اليوم الموعود والسلام.
[ 178 ]
السابع في عبادته عليه السلام قال الشيخ كمال الدين بن طلحة رحمه الله تعالى اعلم وصلك الله بحبل تأييده وأوصلك بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده ان العبادة تنقسم إلى ثلاثة أنواع بدنية ومالية ومركبة منهما فالبدنية كالصلوة والصوم وتلاوة القرآن الكريم وأنواع الذكر والمالية كالصدقات والصلات والمبرات والمركب منهما كالحج والجهاد والاعتمار وقد كان الحسن عليه السلام ضاربا في كل واحد من هذه الأنواع بالقدح الفائر والقدح الحائز. أما الصلاة والاذكار وما في معناهما فقيامه بها مشهور واسمه في أربابها مذكور.
وأما الصدقات فقد صح النقل في ما رواه الامام الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته أنه عليه السلام خرج من ماله مرتين وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات وتصدق به حتى انه كان ليعطى نعلا ويمسك نعلا وسيأتى تمام ذلك في الفصل الثامن المعقود لذكر كرمه وصلاته ان شاء الله تعالى. وأما العبادة المركبة نقل الحافظ المذكور في حليته بسنده انه عليه السلام قال إني لاستحيى من ربي ان ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرة من المدينة إلى مكة على رجلية. وروى صاحب كتاب صفة الصفوة بسنده عن على بن زيد بن جدعان قال حج الحسن عليه السلام خمس عشرة حجة ماشيا وان الجنايب لتقاد معه فاى زهد أعظم من هذا آخر كلامه قال أفقر عباد الله تعالى على بن عيسى فضائل الحسن وفواضله ومكارمه ونوافله وعبادته وزهادته وسيرته التي جرت بها عادته وسريرته
[ 179 ]
التي عرفت بها قاعدته من الأمور التي اشتهرت وظهرت وكم رام الأعداء سترها فما استترت وهل يخفى النهار لذى عينين ومن الذي يبلغ شاو الحسن والحسين وكيف لا وقد خصا بالولدين والسيدين والريحانتين فمناقبهما صلى الله عليهما تملى وقلم القدر يكتب بالتصديق ويسجل لمواليهما بحسن الاهتداء ومعاونة التوفيق. ومن كلامه الدال على عبادته ونزاهته الشاهد بقوة تمكنه وعلو مكانته قوله في بعض مواعظه يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا واحسن جوار من جاورك تكن مسلما وصاحب الناس بمثل ما تحب ان يصاحبوك بمثله تكن عدلا إنه كان
بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويا ملون بعيدا اصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا يا ابن آدم انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ مما في يديك لما بين يديك فان المؤمن يتزود والكافر يتمتع وكان يتلو بعد هذه الموعظة وتزودوا فان خير الزاد التقوى. فتدبر معاني هذا الكلام بفكرك وأعطه نصيبا وافرا من فهمك تجد مشرع العبادة والفصاحة نميرا ويتحقق قوله تعالى ذرية بعضها من بعض ان وجدت قلبا عقولا وطرفا بصيرا وروى الكليني رحمه الله تعالى مرفوعا عن أبي اسامة عن أبي عبد الله عليه السلام قال خرج الحسن بن على عليه السلام إلى مكة سنة ماشيا فورمت قدماه فقال له بعض مواليه لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم فقال كلا إذا أتينا هذا المنزل فانه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه فقال له مولاه بأبي أنت وأمي ما قدمنا منزلا فيه أحد يبيع
[ 180 ]
هذا الدواء قال بلى انه أمامك دون المنزل فساروا اميالا فإذا هم بالأسود فقال الحسن بن على عليهما السلام لمولاه دونك الرجل فخذ منه الدهن وأعطه الثمن فقال له الاسود يا غلام لمن أردت هذا الدهن فقال للحسن بن على عليهما السلام فقال انطلق بي إليه فانطلق به فادخله إليه فقال بأبي انت وأمي لم اعلم انك تحتاج إلى هذا ولست آخذ له ثمنا إنما أنا مولاك ولكن ادع الله لي أن يرزقنى ولدا ذكرا سويا محبكم أهل البيت فانى خلفت أهلى تمخض فقال انطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شيعتنا
ومما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال خرج الحسن بن على عليهما السلام في بعض عمره ومعه رجل من ولد الزبير يقول بامامته فنزلوا منهلا تحت نخل يابس ففرش للحسن عليه السلام تحت نخله وللزبيري تحت اخرى فقال الزبيري لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه فقال له الحسن وانك لتشتهي الرطب فقال الزبيري نعم فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه فاخضرت النخلة ثم صارت إلى حالها وأورقت وحملت رطبا فقال الجمال الذي اكتروا منه سحر والله فقال له الحسن ويلك ليس بسحر ولكن دعوه ابن نبي الله مستجابة فصعدوا وصرموا ما كان في النخلة فكفاهم الثامن في كرمه وجوده وصلاته قال ابن طلحة رحمه الله تعالى الجود والكرم غريزة مغروسة فيه وصرفه لصنوف زخارف الدنيا عنه نهج ما زال يقتفيه وإيصال صلاته إلى المعتفين يعتده من مناقب معانيه وابقاء الأموال عنده يعتقده من مثالب من يعانيه ويرى اخراج الدنيا عنه خير ما يحتقبه من عمله ويجتبيه وحجته في
[ 181 ]
ذلك واضحة فانه حرام على الولد مجامعة مطلقة أبيه وقد نقل عنه من تتابع ارفاده بموجوده ووقايع استنفاده فيه جل مجهوده ما يشهد له بكرمه وجوده وينضذه في سلك سجاياه مع ركوعه وسجوده فمنها ما نقل عنه عليه السلام رواه سعيد بن عبد العزيز قال ان الحسن عليه السلام سمع رجلا يسأل ربه تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف الحسن عليه السلام إلى منزله فبعث بها إليه ومنها ان رجلا جاء إليه عليه السلام وسأله حاجة فقال له يا هذا حق سؤالك يعظم لدى ومعرفتي بما يجب لك يكبر لدى ويدى تعجز عن
نيلك بما انت أهله والكثير في ذات الله عز وجل قليل وما في ملكى وفاء لشكرك فان قبلت الميسور ورفعت عنى مؤنة الاحتفال والاهتمام لما اتكلفه من واجبك فعلت فقال يا بن رسول الله اقبل القليل واشكر العطية واعذر على المنع فدعا الحسن عليه السلام بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال هات الفاضل من الثلاث مائة الف درهم فأحضر خمسين ألفا قال فما فعل الخمسمائة دينار قال هي عندي قال أحضرها فاحضرها فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل فقال هات من يحملها لك فأتاه بحمالين فدفع الحسن عليه السلام إليه رداءه لكرى الحمالين فقال مواليه والله ما بقى عندنا درهم فقال لكنى أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم ومنها ما رواه أبو الحسن المدائني قال خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر عليهم السلام حجاجا ففاتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا هل من شراب فقالت نعم فأناخوا بها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت أحلبوها وامتذقوا لبنها ففعلوا ذلك وقالوا
[ 182 ]
لها هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحنها أحدكم حتى أهيئ لكم شيئا تأكلون فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا ثم أقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فالمى بنا فانا صانعون اليك خيرا. ثم ارتحلوا وأقبل زوجها وأخبرته عن القوم والشاة فغضب الرجل وقال ويحك أتذبحين شاتى لأقوام لا تعرفينهم ثم تقولين نفر من قريش ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها
ويبيعانه ويعيشان منه فمرت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن عليه السلام على باب داره جالس فعرف العجوز وهي له منكرة فبعث غلامه فردها فقال لها: يا أمة الله أتعرفينني ؟ قالت لا قال: أنا ضيفك يوم كذا وكذا فقالت العجوز: بأبي أنت وأمي (لست أعرفك فقال فان لم تعرفيني فأنا أعرفك) فأمر الحسن عليه السلام فاشترى لها من شاء الصدقة الف شاة وأمر لها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين عليه السلام فقال: بكم وصلك أخى الحسن ؟ فقالت: بألف شاة وألف دينار فأمر لها بمثل ذلك ثم بعث بها مع غلام إلى عبد الله بن جعفر عليه السلام فقال: بكم وصلك الحسن والحسين عليهما السلام ؟ فقالت: بألفي دينار وألفي شاة فامر لها عبد الله بألفي دينار وألفي شاة وقال: لو بدأت بي لا تعبتهما. فرجعت العجوز الى زوجها بذلك. قلت: هذه القصة مشهورة وفي دواوين جودهم مسطورة، وعنهم عليهم السلام مأثورة وكنت نقلتها على غير هذه الرواية وانه كان معهم رجل آخر من أهل المدينة وأنها أتت عبد الله بن جعفر فقال: ابدئي بسيدي الحسن والحسين فأتت الحسن فامر لها بمائة بعير وأعطاها الحسين ألف
[ 183 ]
شاة فعادت الى عبد الله بن جعفر فسألها فاخبرته فقال: كفاني سيداي أمر الابل والشاة وأمر لها بمائة ألف درهم، وقصدت المدني الذي كان معهم فقال لها: أنا لا اجاري اولئك الأجود في مدى ولا أبلغ عشر عشيرهم في الندى ولكن اعطيتك شيئا من دقيق وزبيب فأخذت وانصرفت. رجع الكلام إلى ابن طلحة رحمه الله.
قال وروى عن ابن سيرين قال تزوج الحسن امرأة فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. قال اشارة عزيزة وعبارة وجيزة كل من علم ان الدنيا غرور والتمتع بها غرور وامساكها محذور من اغتر بها يجور فانه يجود ببذلها ولا ترغب نفسه في وصلها وقد كان الحسن عليه السلام عارفا بختلها عازفا عن الركون إلى أهلها وكان كثيرا ما يتمثل ويقول يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * ان اغترارا بظل زائل حمق وروى ابن عايشة قال دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلا راكبا بغلة حسنة قال لم أر أحسن منه فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل لي انه الحسن بن على بن أبي طالب عليه السلام فامتلأ قلبي غيظا وحنقا وحسدا ان يكون لعلى عليه السلام ولد مثله فقمت إليه فقلت أنت ابن على ابن أبي طالب فقال انا ابنه فقلت أنت ابن من ومن ومن وجعلت اشتمه وأنال منه ومن أبيه وهو ساكت حتى استحييت منه فلما انقضى كلامي ضحك وقال أحسبك غريبا شاميا فقلت أجل فقال فمل معى ان احتجت إلى منزل أنزلناك وإلى مال أرفدناك وإلى حاجة عاوناك فاستحييت منه وعجبت من كرم أخلاقه فانصرفت وقد صرت أحبه ما لا أحب أحدا غيره
[ 184 ]
تنبيه من غفلة وايقاظ من غفوة منار مبرات الأجواد وآثار مقامات الأمجاد يتفاوت مقدارها بين العباد بحسب أقطار أقدارها في الاعتقاد وقد جاد الحسن عليه السلام بما لم تجد بمثله نفس جواد وتكرم بما يبخل به كل ذى كرم وارفاد فانه لا رتبة أعظم من الخلافة ولا أعلى من مقامها ولا حكم لملك في الملة الإسلامية إلا
وهو مستفاد من أحكامها ولا ذو إيالة ولا ولاية إلا وهو منقاد ببرة زمامها واقف في قضايا تصرفاتها بين نقضها وإبرامها فهى المنصب الأعلى والمنتصب لها صاحب الدنيا فالأمر والنهى متصل بأسبابه والجاه والمال محصل من أبوابه والنباهة والشهرة يستفاد من اقترابه والتقدم والتأخر يرتاد من ارضائه واغضابه وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امته لاقامة احكامه وآدابه. وكان الحسن عليه السلام قد تقلد بعقد انعقادها واستبد بعقد ايجادها وارتدى بمفوف أبرادها وبايعته الوف لا تفر يوم جلادها وتابعته سيوف لا تقر في أغمادها وشايعته من قبايل القبايل نفوس أسادها واشتملت جريدة جيشه على أربعين الفا كل يعد قتله بين يدى الحسن عليه السلام شهادة ويعتقد قيامه بطاعته عبادة ويرى كونه من أنصاره وشيعته اقبالا وسعادة. فبينما هو في اقبال أيامها يأمر وينهى وقد أحاط بحال مقامها حقيقة وكنها كشف له التأييد الربانى حالة لم يدركها سواه ولم يستبنها فجاد بالخلافة على معاوية فسلمها إليه وخرج عنها وتكرم بها وحرمها نفسه الشريفة فانسلخ منها.
[ 185 ]
فلا جرم باعتبار هذه الحال وما أسداه عليه السلام من الجود والنوال وما أبداه من التكرم والإفضال اعترف له معاوية على رؤوس الأشهاد في غضون المقال فقال له يا أبا محمد لقد جدت بشئ لا تجود به أنفس الرجال ولقد صدق معاوية فيما ذكره عقلا ونقلا وعظم ما أسداه إليه الحسن عليه السلام جودا وبذلا فان النفوس تتنافس في زينة الدنيا ومتاعها قولا وفعلا وتحرص على إحرازها واقتطاعها حرما وحلا فيركب الى اكتساب محاب
حطامها حزنا وسهلا ويستعذب في إدراك منها أسرارا وقتلا. وفي الجملة: فهي معشوقة على الغدر لا * * تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا كل دمع يسيل منها عليها * * وبفك اليدين عنها تخلا فمن أخرجها على حبها عنه جدير أن يعد جواد الأمجاد وأن يسجل له باحراز الفلج إذا تفاخرت أمجاد الأجواد. أقول: إن الشيخ كمال الدين رحمه الله وقف على أنجد هذا الأمر ولم يقف على أغواره وخاض في ضحاضحه ولم يلحج في أغمر غماره وعد تسليم الحسن عليه السلام الخلافة الى معاوية من كرمه وجوده وإيثاره ولو أنعم النظر علم أنه لم يسلمها الى معاوية باختياره وانه لو وجد أعوانا وأنصارا لقاتله بأعوانه وأنصاره ولكنه آنس من أصحابه فشلا وتخاذلا جروا منه في ميدان الخلاف ومضماره وشحوا بأنفسهم عن مساعدته فرغبوا عن قربه وسخت أنفسهم بمفارقة جواره وأحبوا بعد داره في الدنيا فبعدت في الأخرى دارهم من داره وفر عنه من فر فتوجه عليه العقاب لفراره وحليت الدنيا في أعينهم فلم يردعهم بالغ مواعظه وإنذاره ومالوا إلى معاوية رغبة في زخرف دنياه وطمعا في درهمه وديناره فسلم إليه الأمر حذرا على نفسه وشيعته
[ 186 ]
فما رد القدر بحذاره وطلب حقن الدماء وإسكان الدهماء فأقره في قراره. وكيف يجود الحسن عليه السلام على معاوية بشئ يصطلى الإسلام وأهله بناره أم كيف يرضى تأهيله لأمر قلبه معتقد لإنكاره أم كيف يظن أنه قارب بعض المقاربة وهو يسمع سب أبيه في ليله ونهاره أم كيف ينسب معاوية إلى الصدق وهو مستمر على غلوائه مقيم على إصراره أم كيف يتوهم فيه
الايمان وهو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فانظر في أخباره وهذه جمل تستند إلى تفصيل وقضايا واضحة الدليل وأحوال تفتقر إلى نظر وفكر طويل والله يهدى من يشاء إلى سواء السبيل. عاد الكلام إلى تمام ما أورده كمال الدين رحمه الله قال زيادة فائدة لعل من وقف على هذا التنبيه والإيقاظ يود ان يحيط علما بما حمل الحسن عليه السلام على خلع لباس الخلافة عنه وإلباسه معاوية فرأيت ان أشير إلى ما ينيل نفسه مناها ويزيل عن فكرته ما عراها واذكر ما أورده الإمام محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله عن الحسن البصري رضى الله عنه وأسنده وأقصه حسب ما تلاه في صحيحه وسرده وفيه ما يكشف حجاب الارتياب ويسعف بمطلوب هذا الباب. فقال قال الحسن البصري استقبل والله الحسن بن على معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص لمعاوية إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين أي عمرو أرأيت أن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس عبد الرحمان
[ 187 ]
ابن سمرة وعبد الله بن عامر وقال اذهبا إلى هذا الرجل وقولا له واطلبا إليه فأتياه ودخلا عليه وتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهم الحسن عليه السلام إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وان هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فانه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب اليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا أجاباه وقالا نحن لك به فصالحه.
قال ولقد سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن إلى جانبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه اخرى ويقول ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وقد تقدم هذا الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم. فمكان انقياد الحسن عليه السلام إلى الصلح لمعاوية وتسليم الأمر إليه والجنوح إلى الصلح من آثار الاخبار النبوية ومعدودا من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم انتهى كلام ابن طلحة رحمه الله تعالى. قلت يجب ان تكتفى ايدك الله بما عرفتك به من ان الحسن عليه السلام إنما صالح معاوية لما علمه من تواكل أصحابه وتخاذلهم وميلهم إلى معاوية ومواصلتهم إياه بكتبهم ورسائلهم ورغبتهم عن حقه وصغوهم إلى أهل الشام وباطلهم فخذلوه كما خذلوا أباه من قبله فقبحا لخاذلهم وفعلهم باخيه من بعده دال على فساد عقايدهم وقبح فعايلهم فمتى أمعنت النظر وجدت أواخرهم قد انتهجوا سبيل أوائلهم وهمجهم قد نسجوا على منوال اماثلهم بأسياف ذاك البغى أول سلها * * أصيب على لا بسيف ابن ملجم. ولهم جميعا يوم يظهر فيه ما كانوا يكتمون ويجازون فيه بما كانوا يعملون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وقال عليه السلام التبرع بالمعروف والإعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد
[ 188 ]
وسئل عن البخل فقال هو ان يرى الرجل ما انفقه تلفا وما أمسكه شرفا. لو أراد عليه السلام الصناعة لقال سرفا وشرفا لكنهم عليهم السلام بريئون من التكلف منزهون عن التصنع تقطر الفصاحة من أعطافهم وتؤخذ البلاغة من ألفاظهم فهم فرسان الجلاد والجدال وليوث الحروب وغيوث النزال.
اذكر هنا ما نقله من كتاب حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم ره قال فاما السيد المحبب والحليم المقرب الحسن بن على عليهما السلام فله في معاني المتصوفة الكلام المشرق المرتب والمقام المونق المهذب وقد قيل ان التصوف تنوير البيان وتطهير الأكنان وعن أبي بكرة قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلى بنا فيجئ الحسن وهو ساجد صبي صغير حتى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى صلاته قالوا يا رسول الله انك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد فقال هذا ريحانتي وان ابني هذا سيد وعسى الله ان يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وعن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعا الحسن على عاتقه وقال من احبني فليحبه وعن نعيم قال قال أبو هريرة ما رأيت الحسن عليه السلام قط إلا فاضت عيناى دموعا وذلك أنه أتى يوما يشتد حتى قعد في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله يفتح فمه ثم يدخل فمه في فمه ويقول اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه يقولها ثلاث مرات وعن الحارث قال سأل على ابنه الحسن عليهما السلام عن أشياء من أمر المروة ويجئ فيما أورده كمال الدين رحمه الله في الفصل التاسع في كلامه وفي آخرها قال على سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا فقر أشد من الجهل
[ 189 ]
ولا مال أعود من العقل وعن عبد الرحمان بن جبير بن نفير عن أبيه قال قلت للحسن بن على عليهما السلام إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال قد كانت جماجم
العرب في يدى يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت فتركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن الشعبي قال شهدت الحسن بن على عليهما السلام حين صالح معاوية بالنخيلة فقال له معاوية قم فأخبر الناس إنك تركت هذا الأمر وسلمته إلى فقام الحسن عليه السلام فحمد الله واثنى عليه وقال أما بعد فان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وان هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حق امرئ فهو أحق به منى وإما أن يكون حقا لي فقد تركته إرادة إصلاح الأمة وحقن دمائها وان أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين قلت لا تظن الحسن عليه السلام تردد شاكا في نفسه ومخالفا لاعتقاده ومذهبه لا والله ولكنه جرى على لغة القرآن المجيد في قوله تعالى وأنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين وعلى ما قال جده صلى الله عليه وآله وسلم لأحد أصحابه أحدنا فرعون هذه الأمة وعن أبان بن الطفيل قال سمعت عليا عليه السلام يقول للحسن كن في الدنيا ببدنك وفي الآخرة بقلبك وعن محمد بن على قال قال الحسن إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه وعن أبي نجيح أن الحسن بن على عليهما السلام حج ماشيا وقسم ماله نصفين
[ 190 ]
وعن شهاب بن أبي عامر أن الحسن بن على عليهما السلام قاسم الله ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله
وعن على بن زيد بن جذعان قال خرج الحسن بن على عن ماله مرتين وقاسم الله ثلاث مرات حتى أنه كان يعطى من ماله نعلا ويمسك نعلا ويعطى ويمسك خفا وعن قرة بن خالد قال أكلت في بيت محمد بن سيرين طعاما فلما أن شبعت أخذت المنديل ورفعت يدى فقال محمد إن الحسن بن على عليهما السلام قال إن الطعام أهون من أن يقسم فيه وعن ابن سيرين قال تزوج الحسن بن على امرأة فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية الف درهم وعن الحسن بن سعيد عن أبيه قال متع الحسن بن على عليهما السلام امرأتين بعشرين الفا وزقاق من عسل فقالت إحداهما وأراها الحنفية (متاع قليل من محب مفارق) وعن عمر بن اسحاق قال دخلت أنا ورجل على الحسن بن على عليهما السلام نعوده فقال يا فلان سلنى قال لا والله لا أسألك حتى يعافيك الله ثم أسألك قال ثم دخل الخلاء ثم خرج الينا فقال سلنى قبل أن لا تسألني قال بل يعافيك الله ثم أسألك قال قد ألقيت طائفة من كبدي وانى قد سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عليه السلام عند رأسه فقال يا أخى من تتهم قال لم تسأله لتقتله قال نعم قال إن يكن الذي أظن فانه أشد بأسا وأشد تنكيلا وإلا يكن فما أحب أن يقتل بي برئ ثم قضى عليه السلام وعن رقبة بن مصقلة قال لما حضر الحسن بن على عليهما السلام قال
[ 191 ]
أخرجوني إلى الصحراء لعلى أنظر في ملكوت السماء يعنى الآيات فلما
أخرج به قال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فانها أعز الأنفس على وكان مما صنع الله له أنه احتسب نفسه آخر كلام الحافظ أبو نعيم. التاسع في كلامه عليه السلام ومواعظه وما يجرى معها نقل الحافظ أبو نعيم في حليته أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام سأل ابنه الحسن عليه السلام عن أشياء من أمر المروة فقال يا بنى ما السداد فقال يا ابتى السداد دفع المنكر بالمعروف قال فما الشرف قال اصطناع العشيرة وحمل الجريرة قال فما المروة قال العفاف وإصلاح المال قال فما الرقة قال النظر في اليسير ومنع الحقير قال فما اللؤم قال إحراز المرء نفسه وبذله عرسه قال فما السماح قال البذل في العسر واليسر قال فما الشح قال أن ترى ما في يديك شرفا وما أنفقته تلفا قال فما الإخاء قال المواساة في الشدة قال فما الجبن قال الجرأة على الصديق والنكول عن العدو قال فما الغنيمة قال الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة قال فما الحلم قال كظم الغيظ وملك النفس قال فما الغنى قال رضى النفس بما قسم الله تعالى لها وإن قل وإنما الغنى غنى النفس قال فما الفقر قال شره النفس في كل شئ قال فما المنعة قال شدة البأس ومنازعة أعز الناس قال فما الذل قال الفزع عند المصدوقة قال فما العى قال العبث باللحية وكثرة النزق عند المخاطبة قال فما الجرأة قال مواقفة الأقران قال فما الكلفة قال كلامك فيما لا يعنيك قال فما المجد قال ان تعطى في الغرم وتعفو عن الجرم قال فما العقل قال حفظ القلب كلما استودعته قال فما الخرق قال معاداتك إمامك ورفعك عليه
[ 192 ]
كلامك قال فما السناء قال اتيان الجميل وترك القبيح قال فما الحزم
قال طول الأناة والرفق بالولاة قال فما السفه قال اتباع الدناة ومصاحبة الغواة قال فما الغفلة قال تركك المسجد وطاعتك المفسد قال فما الحرمان قال تركك حظك وقد عرض عليك قال فمن السيد قال الأحمق في ماله المتهاون في عرضه فيشتم فلا يجيب المتهم بأمر عشيرته هو السيد فهذه الأجوبة الصادرة عنه على البديهة من غير روية شاهدة له عليه السلام ببصيرة باصرة وبديهة حاضرة ومادة فضل وافرة وفكرة على استخراج الغوامض قادرة ومن كلامه عليه السلام كتاب كتبه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين وقد بايعه الناس وهو بسم الله الرحمان الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر أما بعد فان الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين فأظهر به الحق ورفع به الباطل وأذل به أهل الشرك وأعز به العرب عامة وشرف به من شاء منهم خاصة فقال تعالى وانه لذكرك ولقومك فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب الأمر بعده فقالت الانصار منا أمير ومنكم أمير وقالت قريش نحن أولياؤه وعشيرته فلا تنازعوا سلطانه فعرفت العرب ذلك لقريش ونحن الآن أولياؤه وذووا القربي منه ولا غرو أن منازعتك إيانا بغير حق في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود والموعد الله تعالى بيننا وبينك ونحن نسأله تبارك وتعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا به في الآخرة وبعد فان أمير المؤمنين على بن أبي طالب لما نزل به الموت ولانى هذا الأمر من بعده فاتق الله يا معاوية وانظر لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما تحقن به دماؤهم وتصلح به أمورهم والسلام
[ 193 ]
ومن كلامه عليه السلام ما كتبه في كتاب الصلح الذي استقر بينه وبين معاوية حيث رأى حقن الدماء وإطفاء الفتنة وهو بسم الله الرحمان الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن على بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على ان يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وعلى أن أصحاب على وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه وعلى ان لا يبغى للحسن ابن على ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غايله سرا ولا جهرا ولا يخيف أحدا منهم في افق من الآفاق شهد عليه بذلك وكفى بالله شهيدا فلان وفلان والسلام ولما تم الصلح وانبرم الأمر التمس معاوية من الحسن عليه السلام أن يتكلم بمجمع من الناس ويعلمهم إنه قد بايع معاوية وسلم الأمر إليه فأجابه إلى ذلك فخطب وقد حشد الناس خطبة حمد الله تعالى وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيها وهى من كلامه المنقول عنه عليه السلام وقال ايها الناس ان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وانكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما وجدتموه غيرى وغير اخى الحسين وقد علمتم إن الله هداكم بجدى محمد فانقذكم به من الضلالة ورفعكم به من الجهالة وأعزكم به بعد الذلة وكثركم به بعد القلة ان معاوية نازعنى حقا هو لي دونه فنظرت لصلاح الأمة وقطع الفتنة وقد كنتم بايعتموني على ان تسالمون من سالمت
[ 194 ]
وتحاربون من حاربت فرأيت أن أسالم معاوية واضع الحرب بينى وبينه وقد بايعته ورأيت حقن الدماء خير من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم وان أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين وعنه عليه السلام انه قال لا أدب لمن لا عقل له ولا مروة لمن لا همة له ولا حياء لمن لا دين له ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل وبالعقل تدرك الداران جميعا ومن حرم من العقل حرمهما جميعا وقال عليه السلام علم الناس وتعلم علم غيرك فتكون قد تقنت علمك وعلمت ما لم تعلم وسئل عليه السلام عن الصمت فقال هو ستر الغى وزين العرض وفاعله في راحة وجليسه امن وقال عليه السلام هلاك الناس في ثلاث الكبر والحرص والحسد فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس والحرص عدو النفس وبه اخرج آدم من الجنة والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل وقال عليه السلام لا تأت رجلا إلا ان ترجو نواله وتخاف يده أو تستفيد من علمه أو ترجو بركة دعائه أو تصل رحما بينك وبينه وقال عليه السلام دخلت على أمير المؤمنين وهو يجود بنفسه لما ضربه ابن ملجم فجزعت لذلك فقال لي أتجزع فقلت وكيف لا أجزع وأنا أراك على حالك هذه فقال ألا أعلمك خصالا أربع ان أنت حفظتهن نلت بهن النجاة وان أنت ضيعتهن فاتك الداران يا بنى لا غنى أكبر من العقل ولا فقر مثل الجهل ولا وحشة أشد من العجب ولا عيش ألذ من حسن الخلق
فهذه سمعت عن الحسن يرويها عن أبيه عليهما السلام فاروها ان شئت
[ 195 ]
في مناقبه أو مناقب أبيه صلى الله عليهما وقال عليه السلام ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد وقال اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك واعلم ان مروة القناعة والرضا أكثر من مروة الإعطاء وتمام الصنيعة خير من ابتدائها وسئل عن العقوق فقال أن تحرمهما وتهجرهما وروى أن أباه عليا عليه السلام قال له قم فاخطب لأسمع كلامك فقام فقال الحمد لله الذي من تكلم سمع كلامه ومن سكت علم ما في نفسه ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه معاده أما بعد فان القبور محلتنا والقيامة موعدنا والله عارضنا ان عليا باب من دخله كان مؤمنا ومن خرج عنه كان كافرا فقام إليه على عليه السلام فالتزمه فقال بأبي أنت وأمي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ومن كلامه عليه السلام يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عدلا انه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا أصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذهما في يديك لما بين يديك فان المؤمن يتزود والكافر يتمتع وكان عليه السلام يتلو بعد هذه الموعظة وتزودوا فان خير الزاد التقوى ومن كلامه عليه السلام ان هذا القرآن فيه مصابيح النور وشفاء الصدور فليجل جال بضوئه وليلجم الصفة قلبه فان التفكير حياة القلب البصير
كما يمشى المستنير في الظلمات بالنور واعتل على بالبصرة فخرج الحسن عليه السلام يوم الجمعة وصلى الغداة بالناس
[ 196 ]
وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وقال ان الله لم يبعث نبيا إلا اختاره نفسا ورهطا وبيتا والذي بعث محمدا بالحق لا ينقص أحد من حقنا إلا نقصه الله من عمله ولا تكون علينا دولة إلا كانت لنا عاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين ولما خرج حوثرة الأسدى على معاوية وجه معاوية إلى الحسن يسأله ان يكون هو المتولي لقتاله فقال والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين وما أحسب ذلك يسعنى أن أقاتل عنك قوما أنت والله أولى بقتالي منهم ولما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من على عليه السلام فقام الحسن عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله لم يبعث نبيا إلا جعل له عدوا من المجرمين قال الله وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين فأنا ابن على وأنت ابن صخر وامك هند وأمي فاطمة وجدتك فتيلة وجدتي خديجة فلعن الله ألأمنا حسبا وأخملنا ذكرا وأعظمنا كفرا وأشدنا نفاقا فصاح أهل المسجد آمين آمين فقطع معاوية خطبته ودخل منزله وهذا الكلام ذكرته آنفا وانما اعدته هنا لأن اختلاف الرواة يؤنس بما يتفقون على روايته ودخل عليه السلام على معاوية وهو مضطجع فقعد عند رجليه فقال ألا أطرفك بلغني أن أم المؤمنين عائشة تقول ان معاوية لا يصلح للخلافة فقال الحسن عليه السلام واعجب من ذلك قعودي عند رجليك فقام واعتذر إليه قلت والحسن عليه السلام لم يعجب من قول عائشة رضى الله عنها ان معاويه لا يصلح للخلافة فان ذلك عنده ضروري لكنه قال واعجب من توليك
الخلافة قعودي وقيل له عليه السلام فيك عظمة قال لا بل في عزة قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[ 197 ]
وقال لأبيه عليه السلام إن للعرب جولة ولقد رجعت إليها عوازب أحلامها ولقد ضربوا اليك أكباد الإبل حتى يستخرجوك ولو كنت في مثل وجار الضبع وخطب مرة فقال ما بين جابلق وجابرس رجل جده نبي غيرى وقال معاوية إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه وإذا لم يكن الزبيري شجاعا لم يشبه قومه وإذا لم يكن الاموى حليما لم يشبه قومه وإذا لم يكن المخزومى تياها لم يشبه قومه فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقال ما أحسن ما نظر لقومه أراد أن يجود بنو هاشم بأموالهم فيفتقر وتزهي بنو مخزوم فتبغض وتشنأ وتحارب بنو الزبير فيتفانوا وتحلم بنو أمية فتحب وقال لحبيب بن مسلمة رب مسير لك في غير طاعة الله قال أما مسيرى إلى أبيك فلا قال بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا دنية قليلة ولعمري لئن قام بك في دنياك لقد قعد في دينك ولو أنك إذ فعلت شرا قلت خيرا كما قال الله عز وجل خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولكنك فعلت شرا وقلت شرا فانت كما قال الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال الشعبي كان معاوية كالجمل الطب قال يوما والحسن عليه السلام عنده أنا ابن بحرها جود وأكرمها جدودا وأنضرها عودا فقال الحسن عليه السلام أفعلى تفتخر أنا ابن عروق الثرى أنا ابن سيد أهل الدنيا أنا ابن من رضاه رضا الرحمان وسخطه سخط الرحمان هل لك يا معاوية من قديم
تباهى به أو أب تفاخرني به قل لا أو نعم أي ذلك شئت فان قلت نعم أبيت وان قلت لا عرفت فقال معاوية أقول لا تصديقا لك فقال الحسن عليه السلام الحق أبلج ما تخيل سبيله * والحق يعرفه ذووا الألباب
[ 198 ]
وأتاه رجل فقال إن فلانا يقع فيك فقال ألقيتني في تعب أريد الآن أن أستغفر الله لي وله وقال عليه السلام من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وقال عليه السلام حسن السؤال نصف العلم وسئل عليه السلام عن البخل فقال هو أن يرى الرجل ما أنفقه تلفا وما أمسكه شرفا وكلامه عليه السلام ينزع إلى كلام أبيه وجده ومحله من البلاغة لا ينبغى لأحد من بعده ومن رام حصره وعده كان كمن شرع في حصر قطع السحاب وعده فالأولى أن أقتصر منه على هذا القدر إذ كانت جملته غير داخلة في الحصر والعاقل يرى في الهلال صورة البدر. العاشر في ذكر أولاده عليه السلام قال كمال الدين كان له من الأولاد عددا لم يكن لكلهم عقب بل كان العقب لاثنين منهم فقيل كانوا خمسة عشر وهذه أسماؤهم الحسن وزيد وعمرو والحسين وعبد الله وعبد الرحمان وعبد الله واسماعيل ومحمد ويعقوب وجعفر وطلحة وحمزة وأبو بكر والقاسم وكان العقب منهم للحسن ولزيد ولم يكن لغيرهما منهم عقب. وقيل كان له أولاد أقل من ذلك وقيل كان له بنت تسمى أم
الحسن والله أعلم بحقيقة الحال فيه انتهى كلامه. قال ابن الخشاب ولد له أحد عشر ولدا وبنت أسماء بنيه عبد الله والقاسم والحسن وزيد وعمرو وعبد الله وعبد الرحمان واحمد وإسماعيل والحسين وعقيل وأم الحسن فاطمة وهى أم محمد بن على الباقر.
[ 199 ]
قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى في إرشاده باب ذكر ولد الحسن بن على عليهما السلام وعددهم وأسماءهم وطرف من أخبارهم أولاد الحسن بن على خمسة عشر ولدا ذكرا وأنثى زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي مسعود وعقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية والحسن بن الحسن امه خولة بنت منظور الفزارية وعمرو وأخواه القاسم وعبد الله ابنا الحسن أمهم أم ولد وعبد الرحمان بن الحسن أمه أم ولد والحسين بن الحسن الملقب بالأثرم وأخوه طلحة بن الحسن وأختهما فاطمة بنت الحسن أمهم أم اسحاق بنت طلحة بن عبد الله التيمى وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية بنات الحسن عليه السلام لأمهات أولاد شتى. فصل فأما زيد بن الحسن فكان يلى صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسن وكان جليل القدر كريم الطبع زلف النفس كثير البر ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله وذكر أصحاب السيرة انه لما ولى سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة أما بعد إذا قرأت كتابي هذا فاعزل زيدا عن صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادفعها إلى فلان رجل من قومه وأعنه على ما استعانك عليه والسلام فلما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه كتب إلى عامله أما بعد فان زيد بن الحسن شريف بنى هاشم وذو سنهم فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليه صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعنه على ما استعانك
عليه والسلام. وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن البشير الخارجي يمدحه إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة * * نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع الناس في كل شتوة * إذا اخلفت أبراقها ورعودها حمول لإشناق الديات كأنه * سراج الدجى قد قارنتها سعودها
[ 200 ]
ومات زيد بن الحسن عليهما السلام وله تسعون سنة فرثاه جماعة من الشعراء وذكروا مآثره وبكوا فضله فممن رثاه قدامة بن موسى بن عمرو الجمحى فقال فان يك زيد غالت الأرض شخصه * * فقد بان معروف هناك وجود وان يك أمسى رهن رمس فقد ثوى * * به وهو محمود الفعال فقيد سريع إلى المعتر يعلم أنه * * سيطلبه المعروف ثم يعود وليس بقوال وقد حط رحله * * لملتمس المعروف أين تريد إذا قصر الوغد الدنى نما به * * إلى المجد آباء له وجدود مباذيل للمولى محاشيد للقرى * * وفي الروع عند النائبات أسود إذا انتحل العز الطريف فانه * * لهم إرث مجد ما يرام تليد إذا مات منهم سيد قام سيد * * كريم يبنى بعدهم ويشيد. في أمثال هذا ومات زيد ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع من الشيعة ولا غيرهم وذلك لأن الشيعة رجلان امامى وزيدي والامامي يعتمد في الامامة النصوص وهى معدومة في ولد الحسن عليه السلام باتفاق ولم يدع ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه ارتياب والزيدي يراعى الامامة بعد على والحسن والحسين عليهم السلام الدعوة والجهاد وزيد بن الحسن رحمه الله
كان مسالما لبنى امية ومتقلدا من قبلهم الأعمال وكان رأيه التقية لأعدائه والتألف لهم والمدارات وهذا يضاد عند الزيدية علامات الامامة كما حكيناه فاما الحشوية فانها تدين بإمامة بنى أمية ولا ترى لولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امامة على حال والمعتزلة لا ترى الإمامة إلا فيمن كان على رأيها في الاعتزال ومن تولوهم العقد له بالشورى والاختيار وزيد على ما قدمنا ذكره خارج عن هذه الأحوال والخوارج لا ترى امامة من تولى أمير المؤمنين على بن أبي طالب
[ 201 ]
عليه السلام وزيد كان متواليا أباه وجده بلا خلاف فصل فاما الحسن بن الحسن فكان رجلا جليلا رئيسا فاضلا ورعا وكان يلى صدقات أمير المؤمنين عليه السلام في وقته وله مع الحجاج خبر رواه زبير ابن بكار قال كان الحسن بن الحسن واليا صدقات أمير المؤمنين عليه السلام في عصره فساير الحجاج يوما وهو إذ ذاك أمير المدينة فقال له الحجاج ادخل عمر بن على معك في صدقات أبيه فانه عمك وبقية أهلك فقال له الحسن لا أغير شرط على ولا ادخل فيها من لم يدخل فقال له الحجاج إذا أدخله أنا معك فنكص الحسن بن الحسن عنه حتى غفل الحجاج ثم توجه إلى عبد الملك حتى قدم عليه فوقف ببابه يطلب الإذن فمر به يحيى بن أم الحكم فلما رآه يحيى مال إليه وسلم عليه وسأله عن مقدمه وخبره ثم قال إني سأنفعك عند أمير المؤمنين يعنى عبد الملك فلما دخل الحسن بن الحسن على عبد الملك رحب به واحسن مساءلته وكان الحسن قد أسرع إليه الشيب فقال له عبد الملك لقد أسرع اليك الشيب يا أبا محمد فقال يحيى وما يمنعه يا أمير المؤمنين شيبه أمانى أهل العراق يفد عليه الركب يمنونه الخلافة فأقبل عليه الحسن بن الحسن فقال بئس والله الرفد رفدت ليس كما قلت ولكنا
أهل بيت يسرع الينا الشيب وعبد الملك يسمع فاقبل عليه عبد الملك وقال هلم ما قدمت له فأخبره بقول الحجاج فقال ليس له ذلك اكتب إليه كتابا لا يتجاوزه فكتب إليه ووصل الحسن بن الحسن فأحسن صلته فلما خرج من عنده لحقه يحيى بن أم الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره فقال له ما هذا الذي وعدتني به فقال له يحيى أيها عنك فو الله لا يزال يهابك ولو لا هيبتك لما قضى ذلك حاجة ووالله ما ألوتك رفدا. وكان الحسن بن الحسن قد حضر مع الحسين بن على عليهما السلام الطف
[ 202 ]
فلما قتل الحسين عليه السلام وأسر الباقون من أهله جاءه أسماء بن خارجة فانتزعه من بين الأسرى وقال والله لا يوصل إلى ابن خولة أبدا فقال عمر بن سعد دعوا لأبي حسان ابن أخته ويقال انه أسر وكان به جراح قد أشفى منها. وروى ان الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين عليه السلام إحدى ابنيه فقال له الحسين عليه السلام أختر يا بنى أحبهما اليك فاستحيى الحسن ولم يحر جوابا فقال له الحسين عليه السلام فأنى قد اخترت لك ابنتى فاطمة فهى أكثرهما شبها بامى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقبض الحسن بن الحسن ره وله خمس وثلاثون سنة وأخوه زيد ابن الحسن رحمة الله عليه حى ووصى إلى اخيه من أمه ابراهيم بن محمد بن طلحة رحمه الله. ولما مات الحسن بن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين عليه السلام على قبره فسطاطا وكانت تقوم الليل وتصوم بالنهار وكانت تشبه بالحور العين لجمالها فلما كان رأس السنة قالت لمواليها إذا اظلم الليل فقوضوا هذه الفسطاط فلما اظلم الليل سمعت قائلا يقول هل وجدوا من فقدوا فأجابه
آخر بل يئسوا فانقلبوا ومضى الحسن بن الحسن ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع كما وصفناه من حال أخيه زيد رحمة الله عليهما. وأما عمرو والقاسم وعبد الله بنو الحسن بن على عليهما السلام فانهم استشهدوا بين يدى عمهم الحسين بن على عليهما السلام بالطف رضى الله عنهم وأرضاهم وأحسن عن الدين والإسلام وأهله جزاهم. وعبد الرحمان بن الحسن رضى الله عنه خرج مع عمه الحسين بن على صلوات الله عليهما إلى الحج فتوفى بالأبواء وهو محرم.
[ 203 ]
والحسين بن الحسن المعروف بالأثرم كان له فضل ولم يكن له ذكر في ذلك. وطلحة بن الحسن كان جوادا انتهى كلام الشيخ المفيد. وقال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى ولد الحسن الذكور حسن وزيد ومحمد وعمرو وعبد الله والقاسم وأبو بكر وعبد الرحمان وحسين ومحمد وعبد الله وطلحة ومن النساء تماضر وأم الحسن وأم الخير وأم عبد الله وأم سلمة والذي أراه ان في هذه الأسماء تكريرا وأظنه من الناسخ وأهل مكة أخبر بشعابها فما ذكره الشيخ المفيد ره هو الذي يعتمد عليه في هذا الباب لأنه أشد حرصا وأكثر تنقيبا وكشفا وطلبا لهذه الأمور. قال الحافظ بن الأخضر روى من أولاد الحسن بن على زيد بن الحسن عن أبيه واعتمدت حذف الأسانيد كما اشترطته في أول الكتاب روى زيد بن الحسن بن على بن أبي طالب عليهم السلام عن أبيه قال لما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه آخى بين أبي بكر وعمر وبين طلحة
والزبير وبين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة وبين عبد الله بن مسعود وبين المقداد بن عمرو فقال على عليه السلام آخيت بين أصحابك واخرتني فقال ما أخرتك إلا لنفسي الحسن بن الحسن عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم عبد الله بن الحسن عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرحم شجنة من الرحمان عز وجل من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله تعالى عن عكرمة عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وعنه عن أمه بنت الحسين عن فاطمة الكبرى عليها السلام قالت
[ 204 ]
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسول الله وسلم اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال مثل ذلك إلا انه يقول اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب فضلك وعن عبد الله عن أمه عن فاطمة الكبرى عليها السلام قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما التقى جندان ظالمان إلا تخلى الله عنهما ولم يبال أيهما غلب وما التقى جندان ظالمان إلا كانت الدبرة على أعتاهما وعنه عن أبيه الحسن عن أبيه على بن أبي طالب عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنساء عشر عورات فإذا تزوجت المرأة ستر الزوج عورة وإذا ماتت ستر القبر عشر عورات وقال عبد الله بن حسن بن حسن لابنه محمد استعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها فان الصمت حسن على كل حال وإياك ومعاداة الرجال فانك لا تأمن مكر حليم ومبادرة لئيم
حسين بن حسن عن امه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يلومن إلا نفسه من بات وفي يده غمر وعنه عن أبيه عن جده على بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من اجرى الله على يديه فرجا لمسلم فرج الله تعالى عنه كرب الدنيا والآخرة وبالإسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له ذنوبه وقيل اوصى محمد بن على بن حسين ابنه جعفر بن محمد فقال يا بنى إصبر للنوائب ولا تعرض للحتوف ولا تعط نفسك ما ضره عليك أكثر من نفعه لغيرك يا بنى ان الله رضيني لك فحذرني فتنتك ولم يرضك لي فأوصاك بي
[ 205 ]
وقيل إنه كان يقول لأولاده يا بنى إذا أصابتكم مصيبة من الدنيا أو نزلت بكم فاقة فليتوضأ الرجل فيحسن وضوءه وليصل أربع ركعات أو ركعتين فإذا انصرف من صلاته فليقل يا موضع كل شكوى يا سامع كل نجوى يا شافي كل بلاء يا عالم كل خفية يا كاشف ما يشاء من بلية ويا نجى موسى ويا مصطفى محمد ويا خليل ابراهيم أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت حيلته دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال على بن الحسين لا يدعو بها أحد أصابه بلاء إلا فرج الله تعالى عنه الحادى عشر في عمره عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله قد تقدم ذكر ولادته وما قيل فيها وانها كانت
في سنة ثلاث من الهجرة وكانت وفاته عليه السلام على ما سيأتي في الفصل المختص بها المذكور إن شاء الله تعالى عقيب هذا الفصل في سنة تسع وأربعين للهجرة فتكون مدة عمره سبعا وأربعين سنة منها مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع سنين ومع أبيه عليه السلام بعد وفاة جده صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين سنة وبعد وفاة والده عليه السلام إلى وقت وفاته عشر سنين. قال الشيخ المفيد رحمه الله توفى الحسن عليه السلام في صفر سنة خمسين من الهجرة وله يومئذ ثمان وأربعون سنة وكانت خلافته عشر سنين. قال الحافظ الجنابذى ولد الحسن بن على عليهما السلام في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة ومات سنة تسع وأربعين وكان قد سقى السم مرارا وكان مرضه أربعين يوما.
[ 206 ]
وقال الدولابي صاحب كتاب الذرية الطاهرة تزوج على فاطمة عليها السلام فولدت له حسنا بعد أحد بسنتين وكان بين وقعة أحد ومقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة سنتان وستة أشهر ونصف فولدته لأربع سنين وستة أشهر ونصف من التاريخ. وروى أيضا انه ولد في رمضان من سنة ثلاث وتوفى وهو ابن خمس وأربعين سنة وولى غسله الحسين والعباس ومحمد اخوته وصلى عليه سعيد ابن العباص وكانت وفاته سنة تسع وأربعين. وقال الكليني رحمة الله عليه ولد الحسن بن على عليهما السلام في شهر رمضان سنة بدر سنة اثنتين بعد الهجرة. وروى أنه ولد سنة ثلاث ومضى في صفر في آخره من سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين وأشهر
وقال ابن الخشاب رحمه الله رواية عن الصادق والباقر عليهما السلام قالا مضى أبو محمد الحسن بن على عليهما السلام وهو ابن سبع وأربعين سنة وكان بينه وبين أخيه الحسين عليهما السلام مدة الحمل وكان حمل أبي عبد الله ستة أشهر ولم يولد مولود لستة أشهر فعاش غير الحسين وعيسى بن مريم عليهما السلام فأقام أبو محمد مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع سنين وأقام مع أبيه بعد وفاة جده ثلاثين سنة وأقام بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام عشر سنين فكان عمره سبعا وأربعين سنة فهذا اختلافهم في عمره الثاني عشر في وفاته عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله مرض الحسن عليه السلام أربعين يوما فقال في بعض الأيام اخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي
[ 207 ]
عندك فانى لم أصب بمثلها. وروى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء عن عمير بن اسحاق قال دخلت أنا ورجل على الحسن بن على عليهما السلام نعوده فقال يا فلان سلنى قال لا والله لا نسألك حتى يعافيك الله ثم نسألك قال ثم دخل ثم خرج الينا فقال سلنى قبل أن لا تسألني قال بل يعافيك الله ثم نسألك قال قد ألقيت طائفة من كبدي وانى قد سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عليه السلام عند رأسه فقال يا أخى لمن تتهم ؟ قال لم لتقتله قال نعم قال إن يكن الذي أظن فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا وإلا يكن فلا أحب أن يقتل بي برئ ثم قضى عليه السلام لخمس خلون من ربيع الأول سنة تسع وأربعين من الهجرة وقيل خمسين وصلى عليه سعيد بن العاص فانه كان يومئذ واليا على المدينة ودفن
بالبقيع وكان تحته إذ ذاك جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندى فذكر أنها سمته والله أعلم بحقيقة ذلك. وكان بانقضاء الشهور التي ولي فيها عليه السلام انقضاء خلافة النبوة فان بها كان استكمال ثلاثين سنة وهى التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما نقل عنه الخلافة بعدى ثلاثون ثم تصير ملكا أو كما قال صلوات الله عليه وآله وسلامه انتهى كلامه. قال المفيد رحمه الله لما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس وكانت زوجة الحسن بن على عليهما السلام من حملها على سمه وضمن لها أن يزوجها بابنه يزيد فأرسل إليها مائة الف درهم فسقته جعدة السم وبقى عليه السلام أربعين يوما مريضا ومضى لسبيله في صفر سنة خمسين من الهجرة وله يومئذ ثمان وأربعون سنة وتولى أخوه ووصيه الحسين
[ 208 ]
عليهما السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف عليه السلام بالبقيع. قال فصل فمن الأخبار التي جاءت بوفاته عليه السلام ما ذكرناه من دس معاوية إلى جعدة فسمته فسوغها المال ولم تزوجها من يزيد فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم فقالوا يا بنى مسمة الأزواج وروى مرفوعا إلى ابن اسحق قال كنت مع الحسن والحسين عليهما السلام في الدار فدخل الحسن عليه السلام المخرج ثم خرج فقال لقد سقيت السم مرارا فما سقيته مثل هذه المرة ولقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود كان معى فقال له الحسين عليه السلام من سقاك ؟ فقال وما تريد منه ؟ ان
يكن هو فالله أشد نقمه وان لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي برئ. وروى عبد الله بن ابراهيم عن زياد بن المخارقى قال لما حضرت الحسن عليه السلام الوفاة استدعى الحسين بن على عليهما السلام فقال له يا أخى إني مفارقك ولاحق بربي عز وجل وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست وانى لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت وأنا أخاصمه إلى الله عز وجل فبحقي عليك ان تكلمت في ذلك بشئ فإذا قضيت نحبي فغمضني وغسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجدد به عهدا ثم ردنى إلى قبر جدتى فاطمة رحمة الله عليها فادفني هناك وستعلم يا بن أم ان القوم يظنون انكم تريدون دفنى عنى جدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجلبون في منعكم من ذلك وبالله أقسم عليك أن تهريق في أمرى محجمة دم ثم وصى إليه عليهما السلام بأهله وولده وتركاته وما كان وصى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله لمقامه ودل شيعته على استخلافه ونصبه لهم علما من بعده
[ 209 ]
فلما مضى عليه السلام لسبيله غسله الحسين عليه السلام وكفنه وحمله على سريره فلم يشك مروان ومن معه من بنى أمية أنهم سيدفنونه عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتجمعوا له ولبسوا السلاح فلما توجه الحسين به إلى قبر جده صلى الله عليه وآله وسلم ليجدد به عهدا أقبلوا إليهم في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهى تقول ما لي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتى من لا أحب ؟ وجعل مروان يقول يا رب هيجا هي خير من دعة أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف وكادت الفتنة تقع بين بنى هاشم وبنى أمية. فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له ارجع يا مروان من حيث جئت
فانا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكنا نريد أن نجدد به عهدا وبزيارته ثم نرده إلى جدته فاطمة رحمة الله عليها فندفنه بوصيته عندها ولو كان وصى بدفنه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلمت انك أقصر باعا من ردنا عن ذلك ولكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير إذنه ثم أقبل على عائشة وقال واسوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلى أولياء الله ارجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين والله تعالى منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين. وقال الحسين عليه السلام والله لو لا عهد الحسن إلى بحقن الدماء وأن لا اهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا ومضوا بالحسن عليه السلام فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم رضى الله عنها. قلت في هذا الفصل موضعان يجب أن تحقق فانه قد تقدم ان سعيد
[ 210 ]
ابن العاص صلى على الحسن لأنه كان واليا يومئذ على المدينة وفي هذا الموضوع ذكر أن مروان خرج ليمنع من دفنه فلعله لم يكن أميرا ليكون جمعا بين الأمرين. والموضع الثاني إني نقلت أن عبد الله بن عباس رضى الله عنه كان بدمشق وأخبره معاوية بموت الحسن عليه السلام وجرى بينهما كلام أغلظ له فيه ابن عباس وقال له أصبحت سيد قومك قال أما والحسين بن على حى فلا وقد أورد هيهنا أنه حدث مروان وعائشة وقال لهما ما ذكرناه فيجب أن تحقق ولا يجوز أن يكون القائل غير عبد الله فان ابن عباس إذ أورد هكذا لم يرد به
إلا عبد الله وروى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى رحمه الله قال لما حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع فأكب عليه ابنه عبد الله فقال يا أبه هل رأيت شيئا فقد غممتنا فقال أي بنى هي والله نفسي التي لم أصب بمثلها وقال إنه لما نزل بالحسن بن على عليه السلام الموت فقال اخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فانى لم أصب بمثلها وروى أنه قال لما حضرت الحسن بن على عليه السلام الوفاة كأنه جزع عند الموت فقال له الحسين عليه السلام كأنه يعزيه يا أخى ما هذا الجزع انك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليه السلام وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك فقال له الحسن عليه السلام أي أخى إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط قال فبكى الحسين عليه السلام قلت مناقب الحسن عليه السلام ومزاياه وصفات شرفه وسجاياه وما اجتمع فيه من الفضائل وخص به من المآثر التي فاق بها على الأواخر والأوائل
[ 211 ]
لا يقوم باثباتها البنان ولا ينهض بذكرها اللسان لأنه أرفع مكانة ومحلا وأوفى شرفا ونبلا وأزكى فرعا وأعلى أصلا من أن يقوم مثلى مع قصور ذرعه وجمود طبعه بما يجب من عد مفاخره وتخليد مآثره ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيت الكرم والجود وناشرى رمم السماح في الوجود ولذلك يقبل اليسير ويجازى بالكثير وقد قلت في مدحه معتذرا من التقصير أيا ابن الأكرمين أقل عثارى * فتقصيري على الحالات باد وكيف أطيق أن أحصى مزايا * خصصت بهن من بين العباد
لك الشرف الذي فاق البرايا * وجل علا على السبع الشداد سبقت إلى المفاخر والسجايا ال * كريمة والندى سبق الجواد وجود يديك يقصر عن مداه * إذا عد الندى صوب الغواد وبيتك في العلى سام رحيب * بعيد الذكر مرتفع العماد أبوك شأى الورى شرفا ومجدا * فأمسى في العلى واري الزناد وجدك أكرم الثقلين طرا * أقر بفضله حتى الأعادي إلى الحسن بن فاطمة أثيرت * بحق أينق المدح الجياد تؤم أبا محمد المرجى * حماد لها ومن أمت حماد أقر الحاسدون له بفضل * عوارفه قلائد في الهواد بكم نال الهداية ذو ضلال * وأنتم ناهجوا سبل الرشاد وأنتم عصمة الراجى وغوث * يفوق الغيث في السنة الجماد محضتكم المودة غير وان * وأرجو الأجر في صدق الوداد وكم عاندت فيكم من عدو * وفيكم لا أخاف من العناد ومن يك ذا مراد في أمور * فان ولاءكم أقصى مرادى أرجيكم لآخرتي وأبغي * بكم نيل المطالب في معادي وما قدمت من زاد سواكم * ونعم الزاد يوم البعث زادي
[ 212 ]
ذكر الامام الثالث أبي عبد الله الحسين الزكي عليه السلام قال الشيخ كمال الدين رحمه الله الباب الثالث في أبي عبد الله الحسين الزكي عليه السلام وفيه إثنى عشر فصلا 1 - في ولادته. 2 - في نسبه 3 - في تسميته 4 - في كنيته
ولقبه. 5 - فيما ورد في حقه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإمامته. 6 - في شجاعته وشرف نفسه 7 - في كرمه 8 - في كلامه 9 - في أولاده 10 - في عمره 11 - في خروجه من المدينة إلى مكة إلى العراق 12 - في مصرعه ومقتله. الاول في ولادته عليه السلام ولد بالمدينة بخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وكانت والدته الطهر البتول فاطمة عليه السلام علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسن عليه السلام بخمسين ليلة هكذا صح النقل فلم يكن بينه وبين أخيه عليهما السلام سوى هذه المدة المذكورة ومدة الحمل ولما ولد وأعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم به أخذه وأذن في أذنه. قيل أذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى.
[ 213 ]
قال الشيخ المفيد رحمه الله ولد بالمدينة في التاريخ المذكور قال وجاءت به أمه فاطمة عليه السلام إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستبشر به وسماه حسينا وعق عنه كبشا وكذلك قال الحافظ عبد العزيز الجنابذى رحمه الله تعالى الثاني في نسبه عليه السلام نسبه نسب أخيه الحسن عليه السلام وقد تقدم ذكره وهو النسب الذي افترع هام الكواكب شرفا وعلا وفاق النيرات سنا وسناءا فلا حاجة إلى إعاده ذكره الثالث في تسميته عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله هذا الاسم سماه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه
لما أعلم به أخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وقال سموه حسينا فكانت تسمية أخيه بالحسن وتسميته بالحسين صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم عق عنه وذبح عنه كبشا وحلقت والدته عليها السلام رأسه وتصدقت بوزن شعره فضة كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تقدم ذلك في أخبار الحسن عليه السلام الرابع في كنيته ولقبه قال كمال الدين رحمه الله كنيته أبو عبد الله لا غير وأما ألقابه فكثيرة الرشيد والطيب والوفى والسيد والزكى والمبارك والتابع لمرضاة الله والسبط فكل هذه كانت تقال له وتطلق عليه وأشهرها الزكي لكن أعلاها
[ 214 ]
رتبة ما لقبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله عنه وعن أخيه إنهما سيدا شباب أهل الجنة فيكون السيد أشرفها وكذلك السبط فانه صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حسين سبط من الأسباط وسيأتى هذا الحديث في الفصل الخامس تلو هذا إن شاء الله تعالى. قال ابن الخشاب رحمه الله يكنى بأبي عبد الله لقبه الرشيد والطيب والوفى والسيد والمبارك والتابع لمرضاة الله والدليل على ذات الله عز وجل والسبط الخامس في امامته وما ورد في حقه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا أما إمامته عليه السلام فدليلها النص من أبيه وجده عليه السلام ووصية أخيه الحسن عليه السلام إليه فكانت إمامته بعد وفاة أخيه بما قدمناه ثابتة وطاعته لجميع الخلق لازمه وإن لم يدع إلى نفسه عليه السلام للتقية التي كان عليها والهدنة
الحاصلة بينه وبين معاوية والتزم الوفاء بها وجرى في ذلك مجرى أبيه أمير المؤمنين وثبوت إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الصموت وإمامة أخيه الحسن عليه السلام بعد الهدنة مع الكف والسكوت وكانوا في ذلك على سيرة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الشعب محصور وعند خروجه مهاجرا من مكة فلما مات معاوية وانقضت مدة الهدنة التي كانت تمنع الحسين بن على عليه السلام من الدعوة إلى نفسه أظهر أمره بحسب الإمكان وأبان عن حقه للجاهلين به حالا بحال إلى أن اجتمع له في الظاهر الأنصار فدعا عليه السلام إلى الجهاد وشمر للقتال وتوجه بولده وأهل بيته من حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم نحو العراق
[ 215 ]
للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الأعداء. وقدم أمامه ابن عمه مسلم بن عقيل رضى الله عنه وأرضاه للدعوة إلى الله والبيعة له فبايعه أهل الكوفة على ذلك وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة ووثقوا له في ذلك وعاقدوه ثم لم تطل المدة بهم حتى نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه وقتل بينهم ولم يمنعوه وخرجوا إلى الحسين عليه السلام فحصروه ومنعوه المسير في بلاد الله واضطروه إلى حيث لا يجد ناصرا ولا مهربا منهم وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتى تمكنوا منه وقتلوه فمضى عليه السلام ظمآنا مجاهدا صابرا محتسبا مظلوما قد نكثت بيعته وانتهكت حرمته ولم يوف له بعهد ولا رعيت فيه ذمة عقد شهيدا على ما مضى عليه أبوه وأخوه عليهما السلام والصلوة والرحمة. أقول مناقب الحسين عليه السلام واضحة الظهور وسنا شرفه ومجده مشرق النور فله الرتبة العالية والمكانة السامية في كل الأمور فما اختلف في نبله وفضله واعتلاء محله أحد من الشيعة ولا الجمهور.
عرف العالمون فضلك بالعلم * وقال الجهال بالتقليد وكيف لا يكون كذلك وقد اكتنفه الشرف من جميع أكنافه وظهرت مخايل السؤدد على شمائله وأعطافه وكاد الجلال يقطر من نواحيه وأطرافه وهذا قول لا أخاف أن يقول مسلم بخلافه الجد محمد المصطفى والأب على المرتضى والجدة خديجة الكبرى والأم فاطمة الزهراء والأخ الحسن ذو الشرف والفخار والعم جعفر الطيار والبيت من هاشم الصفوة الأخيار فهو وأخوه عليهما السلام صفوة الصفوة ونور الأنوار وهو في نفسه السيد الشريف والطود المنيف والشجاع الغطريف والأسد الهصور والفارس المذكور والعلم المشهور.
[ 216 ]
أتاه المجد من هنا وهنا * وكان له بمجتمع السيول وقد تقدم في أخبار أبيه وأخيه ما هو قسيمهما فيه فما افترعا غارب مجد إلا افترعه ولا جمعا شمل سؤدد إلا جمعه ولا نالا رتبة علاء إلا نالها ولا طالا هضبة عز إلا طالها وأنا أذكر في هذا الفصل شيئا مما ورد في وصف فضائله وما ورد فيه التذاذا بتكرير مناقبه ومفاخره وطربا بعد مزاياه ومآثره وإن كان في تضاعيف هذا الكتاب من نعوته وصفاته ما فيه غنية كافية لأولى الألباب والله الموفق للصواب قال يعلى بن مرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول حسين منى وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط وروى عن أبي عوانة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إن الحسن والحسين شنفا العرش وان الجنة قالت يا رب أسكنتني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لها أما ترضين أني زينت أركانك بالحسن والحسين قال
فماست كما تميس العروس فرحا. وروى عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال اصطرع الحسن والحسين بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيها حسن خذ حسينا فقالت فاطمة عليها السلام يا رسول الله أتستنهض الكبير على الصغير فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا جبرئيل يقول للحسين إيها حسين خذ الحسن وروى عن أم الفضل بنت الحارث انها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله رأيت البارحة حلما منكرا قال وما هو قالت إنه شديد قال ما هو قالت رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت فوضعت في حجري فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيت خيرا تلد فاطمة عليها السلام الحسين قالت وكان في حجري كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت يوما على
[ 217 ]
النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعته في حجره فم حانت منى التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهرقان بالدموع فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لك ؟ قال أتانى جبرئيل فاخبرني أن أمتى ستقتل ابني هذا وأتانى بتربة من تربته حمراء. وروى عن أم سلمة رضى الله عنها قالت بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جالس والحسن والحسين عليهما السلام في حجره إذ هملت عيناه بالدموع فقلت يا رسول الله ما لي أراك تبكى جعلت فداك ؟ فقال جاءني جبرئيل عليه السلام فعزاني بابنى الحسين وأخبرني أن طائفة من أمتى تقتله لا أنالهم الله شفاعتي وروى باسناد آخر عن أم سلمة رضى الله عنها قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلا وعاد وهو أشعث أغبر ويده مضمومة فقلت يا رسول الله ما لي أراك أشعث مغبرا ؟ فقال أسرى بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له كربلا فأريت فيه مصرع الحسين
ابني وجماعة من ولدى وأهل بيتى فلم أزل القط دماءهم فها هي في يدى وبسطها لي فقال لي خذيها فاحتفظى بها فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر فوضعته في قارورة وسددت رأسها واحتفظت بها. فلما خرج الحسين عليه السلام من مكة متوجها إلى العراق كنت أخرج تلك القارورة في كل يوم فأشمها وأنظر إليها وأبكى لمصابه فلما كان اليوم العاشر من المحرم وهو اليوم الذي قتل فيه عليه السلام أخرجتها في أول النهار وهى بحالها ثم عدت إليها في آخر النهار فإذا هي دم عبيط فصحت في بيتى وبكيت وكظمت غيظي مخافة أن تسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتى جاء الناعي ينعاه فحقق ما رأيت وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ذات يوم جالسا وحوله على وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال لهم كيف أنتم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟
[ 218 ]
فقال له الحسين عليه السلام أنموت موتا أو نقتل قتلا فقال بل تقتل يا بنى ظلما ويقتل أخوك ظلما وتشرد ذراريكم في الأرض فقال الحسين عليه السلام ومن يقتلنا يا رسول الله قال شرار الناس قال فهل يزورنا بعد قتلنا أحد قال نعم يا بنى طائفة من أمتى يريدون بزيارتكم برى وصلتي فإذا كان يوم القيامة جئتها إلى الموقف حتى آخذ بأعضادها فأخلصها من أهواله وشدايده قلت هذا الخبر بهذه السياقة نقلته من إرشاد الشيخ المفيد رحمه الله تعالى وعندي فيه نظر فان الحسين عليه السلام كان أصغر الجماعة الذين ذكرهم عليهم السلام فكيف خصه بالسؤال والجواب دونهم وكيف صدع قلبه على صغره وحداثته بذكر القتل وأزعج قلب الأم عليه السلام بما لقى به ولديها عليها وعليهما السلام وكيف تفرغ الحسين عليه السلام مع سماع هذا جميعه إلى أن يسأل
عن الزوار والله سبحانه أعلم وروى عبد الله بن شريك العامري قال كنت أسمع أصحاب محمد عليه السلام إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون هذا قاتل الحسين بن على عليهما السلام وذلك قبل أن يقتل بزمان طويل وروى سالم بن أبي حفصة قال قال عمر بن سعد للحسين يا أبا عبد الله ان قبلنا ناسا سفهاء يزعمون إني أقتلك فقال الحسين عليه السلام إنهم ليسوا بسفهاء ولكنهم حلماء أما أنه يقر بعينى أنك لا تأكل بر العراق بعدى إلا قليلا وروى يوسف بن عبيدة قال سمعت محمد بن سيرين يقول لم نر هذه الحمرة في السماء إلا بعد قتل الحسين عليه السلام وروى سعد الإسكاف قال قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام كان قاتل يحيى بن زكريا عليه السلام ولد زنا وكان قاتل الحسين بن على عليهما السلام ولد زنا ولم تحمر السماء إلا لهما
[ 219 ]
وروى سفيان بن عيينة عن على بن زيد عن على بن الحسين عليهما السلام قال خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزلنا منزلا ولا ارتحلنا منه إلا وذكر يحيى بن زكريا عليه السلام وقال يوما من الأيام من هوان الدنيا على الله عز وجل إن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغى من بغايا من بنى إسرائيل وتظاهرت الأخبار بأنه لم ينج أحد ممن قاتل الحسين عليه السلام وأصحابه رضى الله عنهم من قتل أو بلاء افتضح به قبل موته. قال الشيخ كمال الدين رحمه الله (الفصل الخامس فيما ورد في حقه من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا) وهو فصل مستحلى الموارد والمصادر ومستعلى المحامد والماثر مسفر عن جمل المناقب السوافر مشعر بأن الحسن والحسين عليهما السلام أحرزا على المعالى وأفخرا المفاخر فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصهما
من مزايا العلاء بأتم معنى ومنحهما من سجايا الثناء كل مثنى فأفرد وثنى ومدح وأثنى وأنزلهما ذروة السناء الأسنى فأما ما يخص الحسن عليه السلام فقد تقدم في فضله وأما تمام المشترك وما يخص الحسين فهذا أوان إحراز خصله فمنه حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه أخرجه الإمام أحمد بن حنبل والترمذي كل منهما في صحيحه يرويه عنه بسنده وقد تقدم طرف منه في فضل فاطمة عليها السلام وجملة الحديث أن حذيفة قال لأمه دعينى آتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأصلى معه وأسأله أن يستغفر لي ولك فأتيته وصليت معه المغرب ثم قام فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال من هذا حذيفة قلت نعم قال ما حاجتك قلت تستغفر لي ولأمي فقال غفر الله لك ولأمك ان هذا ملك لم ينزل الأرض قط من قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم على ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
[ 220 ]
ومنه ما أخرجه الترمذي أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبصر حسنا وحسينا فقال اللهم إني أحبهما فأحبهما. ومنه ما رواه ابن الجوزى رحمه الله بسنده في صفوة الصفوة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال إن هذان ابناى فمن أحبهما فقد أحبنى يعنى الحسن والحسين ومن المشترك جملة تقدمت في فضل الحسن عليه السلام فلا حاجة إلى إعادتها ههنا ومنه ما أخرجه أيضا الترمذي بسنده عن يعلى بن مرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسين منى وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط
ومنه ما نقله الإمام محمد بن اسماعيل البخاري الترمذي رضى الله عنهما بسندهما كل واحد منهما في صحيحه عن ابن عمر رضى الله عنه وسأله رجل عن دم البعوض فقال ممن أنت ؟ فقال من أهل العراق فقال انظروا إلى هذا يسألنى عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول هما ريحانتاي من الدنيا وروى أنه سأله عن المحرم يقتل الذباب فقال يا أهل العراق تسألونى عن قتل الذباب وقد قتلتم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر الحديث وفي آخره وهما سيدا شباب أهل الجنة ومنه ما أخرجه الترمذي رحمه الله في صحيحه بسنده عن سلمى الأنصارية قالت دخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهى تبكى فقلت ما يبكيك قالت رأيت الآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت ما لك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفا ومنه ما أخرجه البخاري والترمذي رضى الله عنهما في صحيحيهما كل منهما
[ 221 ]
بسنده عن أنس رضى الله عنه قال أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين عليه السلام فجعل في طست فجعل ينكته فقال في حسنه شيئا قال أنس فقلت والله أنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مخضوبا بالوسمة. وفي رواية الترمذي فجعل يضرب بقضيب في أنفه ولقد وفق الترمذي فانه لما روى هذا الحديث وذكر فعل ابن زياد زاده الله عذابا نقل ما فيه اعتبار واستبصار فانه روى في صحيحه بسنده عن عمار بن عمير قال لما قتل عبيد الله ابن زياد وجئ برأسه ورؤوس أصحابه ونضدت في المسجد في الرحبة فانتهيت إليهم والناس يقولون قد جاءت قد جاءت فإذا حية قد جاءت تخلل
الرؤوس حتى جاءت فدخلت في منخر عبيد الله بن زياد فمكث هنيئة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا قد جاءت ففعلت ذلك مرارا. قال على بن عيسى عفا الله عنه بكرمه ووفقه لتأدية شكر إحسانه ونعمه لا ريب أن هذه موعظة لأولى الأبصار وعجيبة من عجائب هذه الدار وصغيرة بالنسبة إلى ما أعد الله لهؤلاء الظلمة من عذاب النار فانهم ركبوا من قتل الحسين وأهله وسبي حريمه ما لا يركب مثله مردة الكفار ولا يقدم عليه إلا من خلع ربقة الدين وجاهر الله بالعداوة فحسبه جهنم وبئس القرار. قلت وقد ذكر عز الدين بن الأثير الجزرى رحمه الله في تاريخه. وروى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى في كتابه معالم العترة الطاهرة مرفوعا إلى عائشة قالت كانت لنا مشربة فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد لقاء جبرئيل عليه السلام لقيه فيها فلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة من ذلك فيها وأمر عائشة أن لا يصعد إليه أحد ودخل حسين بن على ولم تعلم حتى غشيهما فقال له جبرئيل من هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابني فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعله على فخذه فقال أما إنه سيقتل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن يقتله ؟ قال
[ 222 ]
أمتك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمتى تقتله قال نعم وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها فأشار جبرئيل إلى الطف بالعراق وأخذ تربة حمراء فأراه إياها وقال هذه من تربة مصرعه ومن الكتاب المذكور عن الأصبغ بن نباتة عن على عليه السلام قال أتينا معه موضع قبر الحسين فقال على عليه السلام ههنا مناخ ركابهم وموضع رحالهم وههنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقتلون بهذه العرصة تبكى عليهم السماء والأرض
ومنه يرفعه إلى عبد الله بمسعود قال بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ دخل فتية من قريش فتغير لونه فقلنا يا رسول الله لا نزال نرى في وجهك الشئ نكرهه فقال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتى سيلقون بعدى تطريدا وتشريدا ومن كتابه مرفوعا إلى العوام بن حوشب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى شباب من قريش كأن وجوههم سيوف مصقولة ثم رؤى في وجهه كآبة حتى عرفوا ذلك فقالوا يا رسول الله ما شأنك قال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا واني ذكرت ما يلقى أهل بيتى من بعدى من أمتى من قتل وتطريد وتشريد وروى الجنابذى مرفوعا إلى يحيى بن أبي بكر عن بعض مشيخته قال قال الحسين بن على عليهما السلام حين أتاه الناس فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس أنسبوني وانظروني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم سفك دمى وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وابن ابن عمه وابن أولى المؤمنين بالله أو ليس حمزة سيد الشهداء عمى ؟ أولم يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستفيضا فيكم لي ولأخي إنا سيدا
[ 223 ]
شباب أهل الجنة أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمى وانتهاك حرمتي ؟ قالوا ما نعرف شيئا مما تقول فقال إن فيكم من سألتموه لأخبركم أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفي أخى الحسن سلوا زيد بن ثابت والبراء ابن عازب وأنس بن مالك يحدثكم أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفي أخى فان كنتم تشكون في هذا فتشكون (في) أني ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فوالله ما تعمدت كذبا منذ عرفت إن الله تعالى يمقت على الكذب أهله
ويضربه من اختلقه فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيرى منكم ولا من غيركم ثم أنا ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم خاصة دون غيره خبروني هل تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة ؟ فسكتوا قال أفقر عباد الله إلى رحمته وشفاعة نبيه وأئمته عليهم السلام على بن عيسى أغاثه الله تعالى يوم الفزع الأكبر كأن الحسين عليه السلام فارس الحرب الذي لا يصطلى بناره ولا تقدم غلب الأسود على شق غباره ولم يقل هذا القول ضراعة ولا خوارا فانه كان عالما بما يؤل أمره إليه عارفا بما هو قادم عليه عرف ذلك من أبيه وجده عليهم الصلاة والسلام واطلع على حقيقته بما خصه الله به من بين الأنام فله الكشف والنظر وهو وأخوه قبله وبنوه من بعده خيرة الله من البشر ينظرون إلى الغيب من وراء ستر رقيق ويشاهدون بمرايا خواطرهم الصقيلة ويشهدون بعداوة العدو وصداقة الصديق وإنما كان ذلك القول منه وتكراره إقامة للحجة عليهم ودفعا في صدر من ربما قال لم أعلم أو كنت مشدوها أو اشتبه على الأمر فلم أهتد لوجه الصواب فنفى هذه الاحتمالات بانذاره وإعذاره وتركهم ولا حاجز بينهم وبين عذاب الله وناره وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[ 224 ]
السادس في علمه وشجاعته وشرف نفسه أقول والله الموفق للصواب إن علوم أهل البيت عليهم السلام لا تتوقف على التكرار والدرس ولا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس ولا يعلمونها بالقياس والفكر والحدس لأنهم المخاطبون في أسرارهم المكلمون بما يسألونه قبل ارتداد النفس فسماء معارفهم وعلومهم بعيدة عن الإدراك واللمس فمن
أراد ستر فضائلهم كان كمن أراد ستر وجه الشمس وهذا مما يجب أن يكون ثابتا مقررا في النفس فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة ويقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة وتناجيهم أفكارهم في أوقات اذكارهم بما تسنموا به غارب الشرف والسيادة ويحصلون بصدق توجههم إلى جنات القدس ما بلغوا به منتهى السؤال والإرادة فهم كما في نفوس أوليائهم ومحبيهم وزيادة فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمان الولادة فهم خيرة الخير وزبدة الحقب وواسطة القلادة وهذه أمور تثبت لهم بالقياس والنظر ومناقب واضحة الحجول بادية الغرور ومزايا تشرق إشراق الشمس والقمر وسجايا تزين عنوان التواريخ وعيون السير فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا ولا أنكر منكر أمرا من أمور الدين إلا علموا وعرفوا ولا جروا مع غيرهم في مضمار شرف إلا سبقوا وقصر مجاروهم وتخلفوا سنة جرى عليها الذين تقدموا وأحسن اتباعهم الذين خلفوا وكم عانوا في الجلاد والجدال أمورا فتلقوها بالرأى الأصيل والصبر الجميل وما استكانوا ولا ضعفوا فلهذا وأمثاله سموا على الأمثال وشرفوا. فأيهم اعتبرت أحواله وتدبرت أقواله وشاهدت جلاده وجداله وجدته
[ 225 ]
فريدا في مآثره وحيدا في مزاياه ومفاخره مصدقا قديم أوله بحديث آخره. فقد أفرغوا في قالب الكمال وتفردوا بجميل الخلال وارتدوا مطارف المجد والجلال وقالوا فأبانوا وبينوا تقصير كل من قال وأتوا بالإعجاز الباهر في الجواب والسؤال تقر الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم وتصغي الإسماع إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم ويكثف الهواء إذا قيست به خلائقهم ويقف كل ساع عن شأوهم فلا تدرك غايتهم ولا تنال طرائقهم سجايا منحهم بها خالقهم
وأخبر بها صادقهم فسربها أوليائهم وأصادقهم وحزن لها مباينهم ومفارقهم فانه صلى الله عليه وآله وسلم أزال الشبهة والالتباس وصرح بفضلهم لئلا يفتقر في إيضاحه إلى الدليل والقياس ونطق معلنا بشرفهم الدانى الثمار الزاكى الغراس فقال لو سمع مقاله إنا بنى عبد المطلب سادات الناس صلى الله عليه وعليهم أجمعين صلاة دائمة باقية إلى يوم الدين. وقد حل الحسين عليه السلام من هذا البيت الشريف في أوجه ويفاعه وعلا محله فيه علوا تطامنت النجوم عن ارتفاعه واطلع بصفاء سره على غوامض المعارف فكشفت له الحقائق عند اطلاعه وسار صيته بالفواضل والفضايل فاستوى الصديق والعدو في استماعه فلما اقتسمت غنائم المجد حصل على صفاياه ومرباعه فقد اجتمع فيه وفي أخيه عليهما السلام من خلال الفضل ما لا خلاف في اجتماعه وكيف لا يكونا كذلك وهما ابنا على وفاطمة عليه السلام بلا فصل وسبطا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاكرم بالفرع والأصل والسيدان الإمامان قاما أو قعدا فقد استوليا على الأمد وحازا الخصل والحسين عليه السلام هو الذي أرضى غرب السنان وحد النصل وغادر جثث الأعداء فرائس الكواسب بالهبر والفصل وأما شجاعته عليه السلام فقد قال كمال الدين رحمه الله اعلم وفقك الله على
[ 226 ]
حقائق المعاني ووفقك لإدراكها ان الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس والصفات المضافة إليها فهى تدرك بالبصيرة لا بالبصر ولا تمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذاتها إذ ليست أجساما كثيفة بل طريق معرفتها والعلم بها مشاهدة آثارها فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف بالشجاعة فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه فإذا أحدقت الرجال وحدقت الآجال وحقت الأوجال
وتضايق المجال وحاق القتال فان كان مجزاعا مهلاعا مرواعا مفزاعا فتراه يستركب الهزيمة ويستبقها ويستصوب الدنية ويتطوقها ويستعذب المفرة ويستفوقها ويستصحب الذلة ويتعلقها مبادرا إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار مشيحا عن الفخار باقتحام الأخطار في مقر القراع بكل خطار فذلك مهبول الأم مخبول الفهم مفلول الجمع معزول عن السمع مضروب بينه وبين الشجاعة بحجاب مكتوب بينه وبين الشهامة بابراء في كتاب ولا تعرف نفسه شرفا ولا تجد عن الخساسة والدناءة منصرفا. وان كان مجسارا مجزارا كرارا صبارا يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزاهر المطربة ويسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواضر المعجبة خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة وعزيمة مطنبة يعد مصافحة الصفاح غنيمة باردة ومرامحة الرماح فائدة عائدة ومكافحة الكتائب مكرمة زائدة ومناوحة المقانب منقبة شاهدة يعتقد أن القتل يلحقه ظلل الحياة الأبدية ويسعفه حلل المحامد السرمدية ويزلفه في منازل الفخار العلية المعدة للشهداء الأحدية جانحا إلى ابتياع العز بمهجته ويراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وان غادره جماحه قتيلا. يرى الموت أحلى من ركوب دنية * ولا يغتدي للناقصين عديلا ويستعذب التعذيب فيما يفيده * نزاهته عن أن يكون ذليلا
[ 227 ]
فهذا مالك أزمة الشجاعة وحائزها وله من قداحها معلاها وفائزها قد تفوق بها لبان الشرف واغتذاه وتطوق درة سحابة المستحلى وتحلاه وعبق نشر أرجه المنتشر مما أتاه ونطق فعله بمدحه وان لم يفض فاه وصدق والله واصفه بالشجاعة التي يحبها الله.
وإذا ظهرت دلائل الآثار على مؤثرها وأسفرت عن تحقق مثيرها ومشمرها فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رأوه وجزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه أن الحسين عليه السلام لما قصد العراق وشارف الكوفة سرب إليه أميرها يومئذ عبيد الله بن زياد الجنود لمقابلته أحزابا وحزب عليه الجيوش لمقاتلته أسرابا وجهز من العساكر عشرين الف فارس وراجل يتتابعون كتائبا وأطلابا فلما حضروه وأحدقوا به شاكين في العدة والعديد ملتمسين منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد فان أبى ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ويصرع الأشباح على الصعيد فتبعت نفسه الأبية جدها وأباها وعزفت عن التزام الدنية فأباها ونادته النخوة الهاشمية فلباها ومنحها بالإجابة إلى مجانبة الذلة وحباها فاختار مجالدة الجنود ومضاربة ظباها ومصارمة صوارمها وشيم شباها ولا يذعن لوصمة تسم بالصغار من شرفه خدودا وجباها. وقد كان أكثر هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه وكاتبوه وطاوعوه وتابعوه وسألوه القدوم عليهم ليبايعوه فلما جاءهم كذبوه ما وعدوه وأنكروه وجحدوه ومالوا إلى السحت العاجل فعبدوه وخرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه فنصب عليه السلام نفسه وأخوته وأهله وكانوا نيفا وثمانين لمحاربتهم واختاروا بأجمعهم القتل على متابعتهم ليزيد ومبايعتهم فاعتلقتهم الفجرة اللئام ورهقتهم المردة الطغام ورشقتهم النبال والسهام
[ 228 ]
وأوثقتهم من شبا شفارها الكلام. هذا والحسين عليه السلام ثابت لا تخف حصاة شجاعته ولا تجف عزيمة شهامته وقدمه في المعترك أرسى من الجبال وقلبه لا يضطرب لهول القتال ولا لقتل
الرجال وقد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما وأذاقوهم من الحمية الهاشمية رهقا وكلما ولم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن في قاصديه وقتل وأغمد ظبته في أبشارهم وجدل، فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على الجلاد وتناسبت الأجلاد في المفاضلة بالحداد وثبت كثرة الألوف منهم على قلة الآحاد وتقاربت من الأنوف الهاشمية الآجال المحتومة على العباد فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح وباء الفجرة بالآثام في الأجساد فسقطت اشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا ونطقت حالهم بأن لقتلهم يوما تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وتحققت النفوس المطمئنة بالله كون الظالم والمظلوم شقيا وسعيدا وضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين عليه السلام وأطفاله إذ بقى وحيدا. فلما رأى عليه السلام وحدته ورزء أسرته وفقد نصرته تقدم على فرسه إلى القوم حتى واجههم وقال لهم يا أهل الكوفة قبحا لكم وتعسا حين استصرختمونا والهين فأتيناكم موجفين فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا وحششتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم وأعدائنا فأصبحتم البا على أوليائكم ويدا لأعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم ولا ذنب كان منا اليكم فلكم الويلات هلا إذ كرهتمونا والسيف ما شيم والجأش ما طاش والرأى لم يستحصف (1) ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا إسراع الدبا وتهافتم إليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفها وضلة وطاعة لطواغيت الأمة وبقية الأحزاب
(1) في الأصل المطبوع (يستحصد) والصواب ما ذكرناه. (*)
[ 229 ]
ونبذة الكتاب ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلونا ألا لعنة الله على الظالمين. ثم حرك إليهم فرسه وسيفه مصلت في يده وهو آيس من نفسه عازم
على الموت وقال هذه الأبيات أنا بن علي الخير من آل هاشم * كفاني بهذا مفخر حين أفخر وجدى رسول الله أكرم من مشى * ونحن سراج الله في الخلق تزهر وفاطمة أمي سلالة أحمد * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر وفينا كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدى والوحي والخير يذكر ونحن ولاة الحوض نسقي محبنا * بكأس رسول الله ما ليس ينكر وشيعتنا في الناس أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر ثم دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقاتل ويقتل من برز إليه منهم من عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة كثيرة فتقدم إليه شمر بن ذى الجوشن في جمعه وسيأتى تفصيل ما جرى بعد ذلك في فصل مصرعه عليه السلام إن شاء الله. هذا وهو كالليث المغضب لا يحمل على أحد منهم إلا نفحه بسيفه فألحقه بالحضيض فيكفى ذلك في تحقيق شجاعته وشرف نفسه شاهدا صادقا فلا حاجة معه إلى ازدياد في الاستشهاد آخر كلام كمال الدين رحمه الله. قلت: شجاعة الحسين عليه السلام يضرب بها المثل وصبره في مأقط الحرب أعجز الأواخر والأول وثباته إذا دعيت نزال ثبات الجبل وإقدامه إذا ضاق المجال إقدام الأجل ومقامه في مقابلة هؤلاء الفجرة عادل مقام جده صلى الله عليه وآله وسلم ببدر فاعتدل وصبره على كثرة أعدائه وقلة أنصاره صبر أبيه عليه السلام في صفين والجمل ومشرب العداوة واحد فبفعل الأول فعل الآخر ما فعل فكم من فارس مدل ببأسه جدله عليه السلام فانجدل وكم من بطل طل دمه فبطل وكم حكم سيفه فحكم في الهوادى والقلل فما لاقى شجاعا إلا وكان لأمه الهبل
[ 230 ]
وحشرهم الله وجازى كلا بما قدم من العمل وإذا علمت أن شعار الحسين عليه السلام
وأصحابه أعل يا حق وشعار أعدائه أعل هبل علمت أن هؤلاء في نعيم لا يزول وأولئك في شقاء لم يزل وكما قتل أبوه وانتقل إلى جوار ربه قتل هو وانتقل وكان له عند الله مرتبة لا تنال إلا بالشهادة فتم له ما أراد وكمل وباء قاتلوه بنار الله الموصدة في الآخرة ولا يهدي الله من أضل وما سلموا من آفات الدنيا بل عجلت لهم العقوبة فعمت من رضي ومن خذل ومن قتل فتبا لآرائهم الغايلة وعقولهم الذاهلة فلقد أعماهم القضاء إذ نزل وختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فما منهم إلا من جار عن الصواب وعدل فما أنصف ولا عدل وضلوا عن الحق فما لهم فيه قول ولا عمل وقبحا وشقحا لتلك القلوب التي غطاها الرين فلم تفرق بين ما علا واستفل وسوأة لتلك الوجوه التي شوهها الكفر والفسوق والعصيان وسودها الخطأ والخطل وسبة لتلك الأحلام الطائشة التي عذلت لإنكارها الحق بعد معرفة فسبق السيف العدل وغطى على بصائرها حب الدنيا الدنية فمالت إلى العاجل ففاتها الآجل والعاجل ما حصل وكيف لا تصدر عنهم هذه الأفعال وكبيرهم المدعو بأمير مؤمنيهم استشهد بشعر ابن الزبعرى فكأنما بده به وارتجل ليت أشياخى ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا * واستحر القتل في عبد الأشل (1) لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل والناس على دين ملوكهم كما ورد في الحديث والمثل.
(1) وروي الينتان الأولان في أكثر المقاتل كما يلي: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستلهوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل (*)
[ 231 ]
فلقد ركبوا مركبا وعرا وأتوا أمرا أمرا وفعلوا فعلا نكرا وقالوا قولا هجرا واستحلوا مزاقا مرا وبلغوا الغاية في العصيان ووصلوا إلى النهاية في إرضاء الشيطان وأقدموا على أمر عظيم من اسخاط الرحمان وكم ذكرهم الحسين عليه السلام أيام الله فما ذكروا وزجرهم عن تقحم نار الجحيم فما انزجروا وعرفهم ما كانوا يدعون معرفته فما عرفوا ولا فهموا منذ أنكروا وأمرهم بالفكر في هذا الأمر الصعب فما ائتمروا في كل ذلك ليقيم عليهم الحجة ويعذر إلى الله في تعريفهم المحجة فأصروا واستكبروا استكبارا ومما خطاياهم فادخلوا نار جهنم فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ونادى لسان حال الحسين عليه السلام رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا فاستجاب الله دعاءه عليه السلام وخصه بمزيد العناية والإكرام ونقله إلى جواره مع آبائه الكرام ووقع الفناء بعده في أولئك الطغام ودارت عليهم دوائر الانتقام والاصطلام فقتلوا في كل أرض بكل حسام وانتقلوا إلى جوار مالك في نار جهنم وأصحاب الحسين عليه السلام إلى جوار رضوان في دار السلام فصارت ألوف هؤلاء الأغنام آحادا وجموعهم أفرادا وألبسوا العار آباءا وأولادا فأحياؤهم عار على الغابر والأولون مسبة للآخر واستولى عليهم الذل والصغار وخسروا تلك الدار وهذه الدار وكان عاقبة أمرهم الى النار وبئس القرار وكثر الله ذرية الحسين عليه السلام وأنماها وملأ بها الدنيا ورفعها وأعلاها وإذا عرفت أن كل حسيني في الدنيا من ولد على بن الحسين زين العابدين عليهما السلام ظهر لك كيف بارك الله في ذريته الطاهرة وزكاها وإذ فكرت في جموع أعدائهم وانقراضهم تبينت أن العناية الإلهية تولت هذه العترة الشريفة وأبادت من عاداها وسعدت في الدنيا والآخرة وسعد من والاها وقد تظاهرت الأخبار أن الله تعالى اختارها واصطفاها واختار
[ 232 ]
شيعتها واجتباها. ولما رأى الحسين عليه السلام إصرارهم على باطلهم وظهور علائم الشقاء على أخلاقهم وفعائلهم وان ابليس وجنوده قادوا في أشطانهم وحبائلهم علم بسعادة من قتلوه وشقاوة قاتلهم وتحقق أنه قد طبع الله على قلوبهم فلا ينجع فيهم نصح ناصحهم ولا عذل عاذلهم فجد في حربهم على بصيرة واجتهد وصبر صبر الكرام على تلك العدة وذلك العدد وتفصيل ذلك يأتي في باب مصرعه عليه السلام. ويعز على أن يجرى بذكره لساني أو يسمح بسطره بنانى أو أتمثله في خاطري وجناني فانى أجد لذكره ألما وأبكى لمصابه دمعا ودما وأستشعر لما بلغ منه هما وندما ولكن لا حيلة فيما جرى به القضاء والقدر وان ذممنا الورد فانا نحمد الصدر والله يجازى كلا على فعله ولا يبعد الله إلا من كفر السابع في كرمه وجوده عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله تعالى قد تقدم في الفصل المعقود لذكر كرم أخيه الحسن عليهما السلام قصة المرأة التى ذبحت الشاة وما وصلها به لما جاءته بعد أخيه الحسن عليهما السلام وأنه أعطاها الف دينار واشترى لها ألف شاة وقد اشتهر النقل عنه عليه السلام أنه كان يكرم الضيف ويمنح الطالب ويصل الرحم وينيل الفقير ويسعف السائل ويكسو العارى ويشبع الجائع ويعطى الغارم ويشد من الضعيف ويشفق على اليتيم ويعين ذا الحاجة وقل أن وصله مال إلا فرقه. وروى ان معاويه لما قدم مكة وصله بمال كثير وثياب وافرة وكسوات
[ 233 ]
وافية فرد الجميع عليه ولم يقبل منه وهذه سجية الجواد وشنشنة الكريم وسمة ذى السماحة وصفة من قد حوى مكارم الأخلاق فافعاله المتلوة شاهدة له بصفة الكرم ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم وقد كان في العبادة مقتديا بمن تقدم حتى نقل عنه عليه السلام أنه حج خمسا وعشرين حجة الى الحرم وجنائبه تقاد معه وهو ماش على القدم آخر كلامه ره. قال الفقير الى الله تعالى على بن عيسى عفى الله عنه اعلم أيدك الله بتوفيقه وهداك إلى سبيله وطريقه إن الكرم كلمة جامعة لأخلاق محمودة تقول كريم الأصل كريم النفس كريم البيت كريم المنصب إلى غير ذلك من صفات الشرف ويقابله اللوم فانه جامع لمساوئ الأخلاق تقول لئيم الأصل والنفس والبيت وغيرها. فإذا عرفت هذا فاعلم أن الكرم الذى الجود من أنواعه كامل في هؤلاء القوم ثابت لهم محقق فيهم متعين لهم ولا يعدوهم ولا يفارق أفعالهم وأقوالهم بل هو لهم على الحقيقة وفي غيرهم كالمجاز ولهذا لم ينسب الشح إلى أحد من بنى هاشم ولا نقل عنهم لأنهم يجارون الغيوث سماحة ويبارون الليوث حماسة ويعدلون الجبال حلما ورجاحة فهم البحور الزاخرة والسحب الهامية الهامرة. فما كان من خير أتوه فانما * * توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطى إلا وشيجه * * وتغرس إلا في منابتها النخل ولهذا قال على عليه السلام وقد سئل عن بنى هاشم وبنى أمية فقال نحن أمجد وأنجد وأجود وهم أغدر وأمكر وأنكر ولقد صدق صلى الله عليه وآله فان الذى ظهر من القبيلتين في طول الوقت دال على ما قاله عليه السلام. ولا ريب أن الأخلاق تظهر على طول الأيام وهذه الأخلاق الكريمة
[ 234 ]
اتخذوها شريعة وجعلوها إلى بلوغ غايات الشرف ذريعة لشرف فروعهم وأصولهم وثبات عقولهم لأنهم لا يشينون مجدهم بما يصمه ولا يشوهون وجوه سيادتهم بما يخلقها ولأنهم مقتدى الأمة ورؤوس هذه الملة وسروات الناس وسادات العرب وخلاصة بنى آدم وملوك الدنيا والهداة إلى الآخرة وحجة الله على عباده وأمناؤه على بلاده فلا بد أن تكون علامات الخير فيهم ظاهرة وسمات الجلال بادية باهرة وأمثال الكرم العام سايرة وان كل متصف بالجود من بعدهم بهم اقتدى وعلى منوالهم نسج وبهم اهتدى. وكيف لا يجود بالمال من يجود بنفسه النفيسة في مواطن النزال وكيف لا يسمح بالعاجل من همه في الآجل ولا ريب عند العقلاء أن من جاد بنفسه في القتال فهو بالمال أجود ومن زهد في الحياة المحبوبة فهو في الحطام الفاني أزهد وقد عرفت زهدهم فاعرف به وفدهم فان الزاهد من زهد في حطامها وخاف من آثامها ورغب عن حلالها وحرامها ولعلك سمعت بما أتى في هل أتى من إيثارهم على أنفسهم أليسوا الذين أطعموا الطعام على حبه ورغب كل واحد منهم في الطوى لإرضاء ربه وعرضوا تلك الأنفس الكريمة لمرارة الجوع وأسهروا تلك العيون الشريفة من الخوى فلم تذق حلاوة الهجوع وجعلوها لما وجدوه من الرقة على المسكين واليتيم والأسير غرقى من الدموع وتكرر عليهم ألم فقد الغذاء غدوا وبكورا وأضرم السغب في قلوب أهل الجنة سعيرا وآمنوا حين قالوا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وشكرهم من أنعموا عليه فقالوا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا. والحسين عليه السلام وان كان فرعا للنبى صلى الله عليه وآله وعلى وفاطمة عليهم السلام
فهو أصل لولده من بعده وكلهم أجواد كرام.
[ 235 ]
كرموا وجاد قبيلهم من قبلهم * * وبنوهم من بعدهم كرماء فالناس ارض في السماحة والندى * * وهم إذا عد الكرام سماء لو أنصفوا كانوا لآدم وحدهم * * وتفردت بولادهم حواء وقال النبي صلى الله عليه وآله وقد جاءته أم هاني يوم الفتح تشكو أخاها عليا عليه السلام لله در أبى طالب لو ولد الناس كلهم كانوا شجعانا وكان على عليه السلام يقول في بعض حروبه أملكوا عنى هذين الغلامين فانى أنفس بهما عن القتل لئلا ينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله. وقيل لمحمد بن الحنفية رحمة الله عليه أبوك يسمح بك في الحرب ويشح بالحسن والحسين عليهما السلام فقال هما عيناه وأنا يده والإنسان يقى عينيه بيده. وقال مرة أخرى وقد قيل له ذلك أنا ولده وهما ولدا رسول الله صلى الله عليه وآله. والحماسة والسماحة رضيعتا لبان وقد تلازما في الجود فهما توأمان فالجواد شجاع والشجاع جواد وهذه قاعدة كلية لا تنخرم ولو خرج منها بعض الآحاد ومن خاف الوصمة في شرفه جاد بالطريف والتلاد وقد قال أبو تمام في الجمع بينهما فأجاد وإذا رأيت أبا يزيد في ندى * * ووغى ومبدى غارة ومعيدا أيقنت أن من السماح شجاعة * * تدنى وأن من الشجاعة جودا وقال أبو الطيب قالوا ألم تكفه سماحته حتى * * بنى بيته على الطرق فقلت ان الفتى شجاعته * * تريه في الشح صورة الفرق
كن لجة أيها السماح فقد * * آمنه سيفه من الغرق ولهذا قال القائل
[ 236 ]
يجود بالنفس ان ضن الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وقيل الكريم شجاع القلب والبخيل شجاع الوجه ولما وصفهم معاوية وصف بنى هاشم بالسخاء وآل الزبير بالشجاعة وبنى مخزوم بالتيه وبنى أمية بالحلم فبلغ ذلك الحسن بن على عليهما السلام فقال قاتله الله أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه وأن يشجع آل الزبير فيقتلون وأن يتيه المخزوميون فيمقتوا وان تحلم بنو أمية فيحبهم الناس. وقد تقدم هذا الكلام آنفا بألفاظ وهى المروية ولعمري لقد صدق في بعض مقاله وإن كان الصدق بعيدا من أمثاله ولكن الكذوب قد يصدق فان السماحة في بنى هاشم كما قال والشجاعة والحلم فيهم في كل الأحوال والناس في ذلك تبع لهم فهم عليهم كالعيال فقد حازوا قصبات السبق لما جمعوه من شرف الخلال فإذا تفرقت في الناس خصال الخير اجتمعت فيهم تلك الخصال وهذا القول هو الحق وما بعد الحق إلا الضلال. فإذا عرفت حقيقة هذا التقرير فاحكم لهم بالصفات المحمودة على كل تقدير فان أضدادها من الصفات المذمومة رجس وقد طهرهم الله من الرجس تطهيرا واختارهم من تربته واصطفاهم من عباده وكان الله سميعا بصيرا الثامن في ذكر شئ من كلامه عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله تعالى كانت الفصاحة لديه خاضعة والبلاغة لأمره متبعة سامعة طائعة وقد تقدم آنفا من نثره في الفصل السادس في ذلك المقام الذى لا تفوه فيه الأفواه من الفرق ولا تنطق الألسنة من الوجل
والقلق ما فيه حجة بالغة على أنه في ذلك الوقت أفصح من نطق وأما نظمه فيعد
[ 237 ]
من الكلام جوهر عقد منظوم و مشهر برد مرقوم. فمنه قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح وأنه عليه السلام لما أحاط به جموع ابن زياد وقتلوا من قتلوا من أصحابه ومنعوهم الماء كان له عليه السلام ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله فزمله الحسين عليه السلام وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه وقال غدر القوم وقدما رغبوا * * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا قدما عليا وابنه * * حسن الخير كريم الطرفين حسدا منهم وقالوا اجمعوا * * نقبل الآن جميعا بالحسين يا لقوم لأناس رذل * * جمعوا الجمع لأهل الحرمين ثم ساروا وتواصوا كلهم * * لاجتياحي للرضا بالملحدين لم يخافوا الله في سفك دمى * * لعبيد الله نسل الفاجرين وابن سعد قد رماني عنوة * * بجنود كوكوف الهاطلين لا لشئ كان منى قبل ذا * * غير فخري بضياء الفرقدين بعلى خير من بعد النبي * * والنبى القرشى الوالدين خيرة الله من الخلق أبى * * ثم أمي فأنا ابن الخيرتين فضة قد صفيت من ذهب * * وأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى * * أو كشيخي فأنا ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبى * * قاصم الكفر ببدر وحنين وله في يوم أحد وقعة * * شفت الغل بفض العسكرين ثم بالأحزاب والفتح معا * * كان فيها حتف أهل القبلتين في سبيل الله ماذا صنعت * * أمة السوء معا في العترتين
عترة البر النبي المصطفى * * وعلى الورد بين الجحفلين وقال وقد التقاه وهو متوجه إلى الكوفة الفرزدق ابن غالب الشاعر
[ 238 ]
وقال له يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته فترحم على مسلم وقال صار إلى روح الله ورضوانه أما أنه قضى ما عليه وبقى ما علينا وأنشده وإن تكن الدنيا تعد نفيسة * * فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن تكن الأبدان للموت أنشئت * * فقتل امرئ والله بالسيف أفضل وأن تكن الأرزاق قسما مقدرا * * فقلة حرص المرء في الكسب أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها * * فما بال متروك به المرء يبخل هذا آخر كلام كمال الدين بن طلحة رحمه الله في هذا الفصل. أقول إنهم ع رجال الفصاحة وفرسانها وحماة البلاغة وشجعانها عليهم تهدلت أغصانها ومنهم تشعبت أفنانها ولهم انقادت معانيها وهم معانها ولرياضتهم أطاع عاصيها وأصحب جرانها إذا قالوا بذوا الفصحاء وأذا ارتجلوا سبقوا البلغاء وإذا نطقوا أذعن كل قائل وأقر لهم كل حاف وناعل تركت والحسن تأخذه * * تنتقي منه وتنتحب فاصطفت منه محاسنه * * واستزادت فضل ما تهب بألفاظ تجارى الهواء رقة والصخر متانة وحلم يوازى السماء ارتفاعا والجبال رزانة أذعنت لهم الحكم وأجابت نداءهم الكلم وأطاعهم السيف والقلم وصابوا وأصابوا فما صوب الديم ورثوا البيان كابرا عن كابر وتسنموا قلل الفضائل تسمنهم متون المنابر وتساووا في مضمار المعارف فالآخر يأخذ عن الأول والأول يملى عن الآخر.
شرف تتابع كابرا عن كابر * * كالرمح أنبوبا على أنبوب يفوح أرج النبوة من كلامهم ويعبق نشر الرسالة من نثرهم ونظامهم وتعجز الأوائل والأواخر عن مقالهم في كل موطن ومقامهم فهم سادات الناس وقادتهم في جاهليتهم وأسلامهم فما ساجلهم في منقبة إلا مغلب وما شابهم
[ 239 ]
ماجد إلا قيل أطمع من أشعب شنشنة معروفة في السلف والخلف وعادة شريفة ينكرها من أنكر ويعرفها من عرف. ومن كلامه عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله صلى الله على رسوله وسلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لى مصرع أنا لاقيه كأنى بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منى أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين لن يشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته وهى مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه ويتنجز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل فانى راحل مصبحا إن شاء الله وخطب عليه السلام فقال يا أيها الناس نافسوا في المكارم وسارعوا في المغانم ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا وكسبوا الحمد بالنجح ولا تكتسبوا بالمطل ذما فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافاته فانه أجزل عطاءا وأعظم أجرا واعلموا أن حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتحور نقما واعلموا أن المعروف مكسب حمدا ومعقب أجرا فلو رأيتم المعروف
رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار أيها الناس من جاد ساد ومن بخل رذل وأن أجود الناس من أعطى من لا يرجو وان أعفى الناس من عفى عن قدرة وان أوصل الناس من وصل من قطعه والأصول على مغارسها بفروعها تسموا فمن تعجل لأخيه خيرا وجده
[ 240 ]
إذا قدم عليه غدا ومن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه ومن نفس كربة مؤمن فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ومن أحسن أحسن الله إليه والله يحب المحسنين قلت هذا الفصل من كلامه عليه السلام وإن كان دالا على فصاحته ومبينا عن بلاغته فانه دال على كرمه وسماحته وجوده وهبته مخبر عن شرف أخلاقه وسيرته وحسن نيته وسريرته شاهد بعفوه وحلمه وطريقته فان هذا الفصل قد جمع مكارم أخلاق لكل صفة من صفات الخير فيها نصيب واشتمل على مناقب عجيبة وما اجتماعها في مثله بعجيب. وخطب عليه السلام فقال إن الحلم زينة والوفاء مروة والصلة نعمة والاستكبار صلف والعجلة سفه والسفه ضعف والغلو ورطة ومجالسة أهل الدناءة شر ومجالسة أهل الفسق ريبة ولما قتل معاوية حجر بن عدى رحمه الله وأصحابه لقى في ذلك العام الحسين عليه السلام فقال يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعت بحجر وأصحابه من شيعة أبيك قال لا قال إنا قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم فضحك الحسين عليه السلام ثم قل خصمك القوم يوم القيامة يا معاوية أما والله لو ولينا
مثلها من شيعتك ما كفناهم ولا صلينا عليهم وقد بلغني وقوعك بابى حسن وقيامك به واعتراضك بني هاشم بالعيوب وأيم الله لقد أوترت غير قوسك ورميت غير غرضك وتناولتها بالعداوة من مكان قريب ولقد أطعت امرئا ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه وما نظر لك فانظر لنفسك أو دع يريد عمرو بن العاص. قال أنس كنت عند الحسين عليه السلام فدخلت عليه جارية فحيته بطاقة
[ 241 ]
ريحان فقال لها أنت حرة لوجه الله فقلت تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها قال كذا أدبنا الله قال الله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وكان أحسن منها عتقها وقال يوما لأخيه الحسن عليهما السلام يا حسن وددت ان لسانك لى وقلبي لك وكتب إليه الحسن عليه السلام يلومه على إعطاء الشعراء فكتب إليه أنت أعلم منى بأن خير المال ما وقى العرض فانظر أيدك الله إلى حسن أدبه في قوله أنت أعلم منى فان له حظا من اللطف تاما ونصيبا من الإحسان وافرا والله أعلم حيث يجعل رسالاته. ومن دعائه عليه السلام اللهم لا تستدرجني بالإحسان ولا تؤدبنى بالبلاء. وهذا دعاء شريف المقاصد عذب الموارد قد جمع بين المعنى الجليل واللفظ الجزل القليل وهم مالكو الفصاحة حقا وغيرهم عابر سبيل. ودعاه عبد الله بن الزبير وأصحابه فأكلوا ولم يأكل الحسين عليه السلام فقيل له ألا تأكل قال إنى صائم ولكن تحفة الصائم قيل وما هي قال الدهن والمجمر. وجنى له غلام جناية توجب العقاب عليه فأمر به أن يضرب فقال
يا مولاى والكاظمين الغيظ قال خلوا عنه فقال يا مولاى والعافين عن الناس قال قد عفوت عنك قال يا مولاى والله يحب المحسنين قال أنت حر لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك. وقال الفرزدق لقيني الحسين عليه السلام في منصرفي من الكوفة فقال ما وراك يا أبا فراس قلت أصدقك قال عليه السلام الصدق أريد قلت أما القلوب فمعك وأما السيوف فمع بنى أمية والنصر من عند الله قال ما أراك إلا صدقت الناس عبيد المال والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه
[ 242 ]
ما درت به معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون وقال عليه السلام من أتانا لم يعدم خصلة من أربع آية محكمة وقضية عادلة وأخا مستفادا ومجالسة العلماء وكان عليه السلام يرتجز يوم قتل عليه السلام ويقول الموت خير من ركوب العار * * و العار خير من دخول النار والله من هذا وهذا جارى وقال عليه السلام صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك فأكرم وجهك عن رده وكان يقول حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتحور نقما وقد ذكرناه آنفا ولما نزل به عمر بن سعد لعنه الله وأيقن أنهم قاتلوه قام في أصحابه خطيبا وأثنى عليه وقال إنه قد نزل بنا من الأمر ما ترون وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت و أدبر معروفها واستمرت حذاء حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الأناء وخسيس عيش كالكلاء الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه فانى لا أرى الموت إلا سعادة والحياة
مع الظالمين إلا برما هذا الكلام ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء. وقيل كان بينه وبين الحسن عليهما السلام كلام فقيل للحسين عليه السلام أدخل على أخيك فهو أكبر منك فقال إنى سمعت جدى صلى الله عليه وآله يقول أيما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضى الآخر كان سابقه إلى الجنة وأنا أكره أن أسبق أخى الأكبر فبلغ قوله الحسن عليه السلام فأتاه عاجلا وأنت أيدك الله متى أردت أن تعرف مناقب هؤلاء القوم ومزاياهم وخلالهم الشريفة وسجاياهم وتقف على حقيقة فضلهم الجزيل وتطلع من
[ 243 ]
أحوالهم على الجملة والتفصيل وتعلم ما لهم من المكانة بالبرهان والدليل فتدبر كلامهم في مواعظهم وخطبهم وانحائهم ومقاصدهم وكتبهم تجده مشتملا على المفاخر التى جمعوها وغوارب الشرف التى افترعوها وغرائب المحاسن التى سنوها وشرعوها فان أفعالهم تناسب أقوالهم وكلها تشبه أحوالهم فالاناء ينضح بما فيه والولد بضعة من أبيه وليس من يضله الله كمن يهديه ولا من أذهب عنه الرجس وطهره كمن حار في ليل الباطل فهو أبدا فيه والكريم يحذو حذو الكريم والشرف الحادث دليل على الشرف القديم والأصول لا تخيب والنجيب ابن النجيب وما أشد الفرق بين البعيد والقريب والأجنبي والنسيب. فالواحد منهم عليهم السلام يجمع خلال الجميع ويدل على أهل بيته دلالة الزهر على الربيع ولو اقتصرت على ذكر مناقب أحدهم عليهم السلام لم أك في حق الباقين مقصرا ولنا دانى لسان الحال اكتف بما ذكرت فدليل على الذى لا تراه الذى ترى نفعني الله بحبهم وقد فعل وألحقني
بتربة أوليائهم ومحبيهم الأول وأوزعني أن أشكر فضله وإن عظم عن الشكر وجل. فأما شعره عليه السلام فقد ذكر الرواة له شعرا ووقع إلى شعره عليه السلام بخط الشيخ عبد الله أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي رحمة الله عليه وفيه قال أبو مخنف لوط بن يحيى أكثر ما يرويه الناس من شعر سيدنا أبى عبد الله الحسين بن على عليهما السلام إنما هو ما تمثل به وقد أخذت شعره من مواضعه واستخرجته من مظانه وأماكنه ورويته عن ثقات الرجال منهم عبد الرحمان ابن نخبة الخزاعى وكان عارفا بأمر أهل البيت عليهم السلام ومنهم المسيب ابن رافع المخزومى وغيره رجال كثير ولقد أنشدني يوما رجل من ساكنى
[ 244 ]
سلع هذه الأبيات فقلت له أكتبنيها فقال لى ما أحسن رداءك هذا وكنت قد اشتريته يومى ذاك بعشرة دنانير فطرحته عليه فأكتبنيها وهى قال أبو عبد الله الحسين بن على بن ابى طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصى عليه السلام ذهب الذين أحبهم * * وبقيت فيمن لا أحبه فيمن أراه يسبنى * * ظهر المغيب ولا أسبه يبغى فسادي ما استطاع * * وأمره مما أدبه حنقا يدب إلى الضراء * * وذاك مما لا أدبه ويرى ذباب الشر من * * حولي يطن ولا يذبه وإذا جنا وغر الصدور * * فلا يزال به يشبه أفلا يعيج بعقله * * أفلا يتوب إليه لبه أفلا يرى أن فعله * * مما يسور إليه غبه
حسبى بربي كافيا * * ما أختشى والبغى حسبه ولقل من يبغى عليه * * فما كفاه الله ربه وقال عليه السلام إذا ما عضك الدهر فلا تجنح إلى خلق * * ولا تسأل سوى الله تعالى قاسم الرزق فلو عشت وطوفت من الغرب إلى الشرق * * لما صادفت من يقدر أن يسعد أو يشقى وقال عليه السلام الله يعلم أن ما يبدى يزيد لغيره * * وبأنه لم يكتسبه بغيره وبميره لو أنصف النفس الخؤن لقصرت من سيره * * ولكان ذلك منه أدنى شره من خيره كذا بخط ابن الخشاب شره بالإضافة وأظنه وهما منه لأنه لا معنى له على الإضافة والمعنى أنه لو أنصف نفسه أدنى الإنصاف شره على المفعولية
[ 245 ]
من خيره أي صار ذا خير وقال عليه السلام إذا استنصر المرء امرئا لا يدا له * فناصره والخاذلون سواء أنا ابن الذى قد تعلمون مكانه * * وليس على الحق المبين طخاء أليس رسول الله جدى ووالدى * * أنا البدر إن خلا النجوم خفاء ألم ينزل القرآن خلف بيوتنا * * صباحا ومن بعد الصباح مساء ينازعني والله بينى وبينه * * يزيد وليس الأمر حيث يشاء فيا نصحاء الله أنتم ولاته * * وأنتم على أديانه أمناء بأى كتاب أم بأية سنة * * تناولها عن أهلها البعداء وهى طويلة قال أبو مخنف كان مولانا الحسين بن على صلوات الله عليهما يظهر
الكراهية لما كان من أمر أخيه الحسن عليه السلام مع معاوية ويقول لو حز أنفى بموسى لكان أحب إلى مما فعله أخى وقال عليه السلام فما ساءنى شئ كما ساءنى أخى * * ولم أرض لله الذى كان صانعا ولكن إذا ما الله أمضى قضاءه * * فلا بد يوما أن ترى الأمر واقعا ولو أننى شوورت فيه لما رأوا * * قريبهم إلا عن الأمر شاسعا ولم أك أرضى بالذى قد رضوا به * * ولو جمعت كل إلى المجامعا ولو حز أنفى قبل ذلك حزة * * بموسى لما ألقيت للصلح تابعا قلت إن صح أن هذه الأبيات من شعره عليه السلام فكل منهما يرى المصلحة بحسب حاله ومقتضى زمانه وكلاهما عليهما السلام مصيبان فيما اعتمدا وهما إمامان سيدان قاما أو قعدا فلا يتطرق عليهما السلام مقال وهما أعرف بالأحوال في كل حال.
[ 246 ]
وقال وإن تكن الدنيا تعد نفيسة وقد تقدم ذكرها. وقال الموت خير من ركوب العار وقد سبقت. وقال عليه السلام أنا الحسين بن على بن أبى * * طالب البدر بأرض العرب ألم تروا وتعلموا أن أبى * * قاتل عمرو ومبير مرحب ولم يزل قبل كشوف الكرب * * مجليا ذلك عن وجه النبي أليس من أعجب عجب العجب * * أن يطلب إلا بعد ميراث النبي والله قد أوصى بحفظ الأقرب وقال عليه السلام ما يحفظ الله يصن * * ما يصنع الله يهن
من يسعد الله يلن * * له الزمان ان خشن أخى اعتبر لا تغترر * * كيف ترى صرف الزمن يجزى بما أوتى من * * فعل قبيح أو حسن أفلح عبد كشف * * الغطاء عنه ففطن وقر عينا من رأى * * أن البلاء في اللسن فماز من ألفاظه * * في كل وقت ووزن وخاف من لسانه * * عزبا حديدا فحزن ومن يك معتصما * * بالله ذى العرش فلن يضره شئ ومن * * يعدى على الله ومن من يأمن الله يخف * * وخائف الله أمن وما لما يثمره ال * * خوف من الله ثمن يا عالم السر كما * * يعلم حقا ما علن
[ 247 ]
صل على جدى أبى * * القاسم ذى النور المبن أكرم من حى ومن * * لفف ميتا في الكفن وامنن علينا بالرضا * * فأنت أهل للمنن وأعفنا في ديننا * * من كل خسر وغبن ما خاب من خاب كمن * * يوما الى الدنيا ركن طوبى لعبد كشفت * * عنه غيابات الوسن والموعد الله وما * * يقض به الله مكن وهى طويلة وقال عليه السلام أبى على وجدى خاتم الرسل * * والمرتضون لدين الله من قبلى
والله يعلم والقرآن ينطقه * * ان الذى بيدى من ليس يملك لى ما يرتجى بامرئ لا قائل عذلا * * ولا يزيغ الى قول ولا عمل ولا يرى خائفا في سره وجلا * * ولا يحاذر من هفو ولا زلل يا ويح نفسي ممن ليس يرحمها * * أما له في كتاب الله من مثل أما له في حديث الناس معتبر * * من العمالقة العادية الأول يا أيها الرجل المغبون شيمته * * إنى ورثت رسول الله عن رسل أأنت أولى به من آله فبما * * ترى اعتللت وما في الدين من علل وفيها أبيات أخر يا نكبات الدهر دولي دولي * * واقصرى إن شئت أو أطيلي منها رميتني رمية لا مقيل * * بكل خطب فادح جليل وكل عب ء أيد ثقيل * * أول ما رزئت بالرسول وبعد بالطاهرة البتول * * والوالد البر بنا الوصول
[ 248 ]
وبالشقيق الحسن الجليل * * والبيت ذى التأويل والتنزيل وزورنا المعروف من جبريل * * فما له في الرزء من عديل ما لك عنى اليوم من عدول * * وحسبي الرحمان من منيل قال تم شعر مولانا الشهيد أبى عبد الله الحسين بن على بن أبى طالب عليهما السلام وهو عزيز الوجود. قلت والأبيات النونية التى أولها غدر القوم وقدما رغبوا * * عن ثواب الله رب الثقلين لم يذكرها أبو مخنف في هذا الديوان الذى جمعه وهى مشهورة والله أعلم
التاسع في أولاده عليه وعليهم السلام قال كمال الدين كان له من الأولاد ذكور وأناث عشرة ستة ذكور وأربع أناث فالذكور على الأكبر وعلى الأوسط وهو زين العابدين وسياتى ذكره في بابه ان شاء الله وعلى الأصغر ومحمد وعبد الله وجعفر. فأما على الأكبر فانه قاتل بين يدى أبيه حتى قتل شهيدا. وأما على الأصغر فجاءه سهم وهو طفل فقتله وقيل إن عبد الله قتل أيضا مع أبيه شهيدا. وأما البنات فزينب وسكينة وفاطمة هذا قول مشهور. وقيل كان له أربع بنين وبنتان والأول أشهر. وكان الذكر المخلد والبناء المنضد مخصوصا من بين بنيه بعلى الأوسط زين العابدين دون بقية الأولاد آخر كلامه. قلت عدد أولاده عليه السلام وذكر بعضا وترك بعضا قال ابن الخشاب
[ 249 ]
ولد له ستة بنين وثلاث بنات على الأكبر الشهيد مع أبيه وعلى الإمام سيد العابدين وعلى الأصغر ومحمد وعبد الله الشهيد مع أبيه وجعفر وزينب وسكينة وفاطمة. وقال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى ولد الحسين بن على ابن أبى طالب عليهما السلام ستة أربعة ذكور وابنتان على الأكبر قتل مع أبيه وعلى الأصغر وجعفر وعبد الله وسكينة وفاطمة قال ونسل الحسين من على الأصغر وأمه أم ولد وكان أفضل أهل زمانه وقال الزهري ما رأيت هاشميا أفضل منه. قلت قد أخل الحافظ بذكر على زين العابدين حيث قال على الأكبر
وعلى الأصغر وأثبته حيث قال ونسل الحسين من على الأصغر فسقط في هذه الرواية على الأصغر الصحيح أن العليين من أولاده ثلاثة كما ذكر كمال الدين وزين العابدين عليه السلام هو الاوسط والتفاوت بين ما ذكره كمال الدين والحافظ أربعة. قال الشيخ المفيد باب ذكره ولد الحسين عليه السلام كان للحسين عليه السلام ستة أولاد على بن الحسين الاصغر وكنيته أبو محمد وأمه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار ملك الفرس وعلى بن الحسين الاكبر قتل مع أبيه بالطف وأمه ليلى بنت أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفية وجعفر بن الحسين لا بقية له وأمه قضاعية وكانت وفاته في حياة الحسين عليه السلام وعبد الله ابن الحسين قتل مع أبيه صغيرا جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه وسكينة بنت الحسين وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدى كلبية وهى أم عبد الله ابن الحسين وفاطمة بنت الحسين وأمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبد الله تيمية. قلت المفيد رحمه الله قد وافق الحافظ عبد العزيز على العدة والتفصيل
[ 250 ]
وعلى قولهما فالعليان اثنان والمشهور ثلاثة والله أعلم وعقبه كله من الإمام زين العابدين وسيأتى ذكره إن شاء الله العاشر في عمره عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله قد تقدم القول في ولادته عليه السلام أنها كانت في سنة أربع من الهجرة وكان انتقاله إلى الدار الآخرة على ما سيأتي تفصيله وبيانه في سنة إحدى وستين من الهجرة فتكون مدة عمره ستا وخمسين سنة وأشهرا كان منها مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله ست سنين وشهورا وكان مع أبيه أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام ثلاثين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله
وكان مع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عليهم السلام عشر سنين وبقى بعد وفاة أخيه الحسن عليه السلام إلى وقت مقتله عشر سنين. قال ابن الخشاب حدثنا حرب باسناده عن أبى عبد الله الصادق عليه السلام قال مضى أبو عبد الله الحسين بن على أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين وهو ابن سبع وخمسين سنة في عام الستين من الهجرة في يوم عاشورا كان مقامه مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله سبع سنين إلا ما كان بينه وبين أبى محمد وهو سبعة أشهر وعشرة أيام وأقام مع أبيه عليه السلام ثلاثين سنة وأقام مع أبى محمد عشر سنين وأقام بعد مضى أخيه الحسن عليه السلام عشر سنين فكان عمره سبعا وخمسين سنة إلا ما كان بينه وبين أخيه من الحمل وقبض في يوم عاشوراء في يوم الجمعة في سنة احدى وستين من الهجرة ويقال في يوم عاشوراء في يوم الاثنين وكان بقاؤه بعد أخيه الحسن عليهما السلام أحد عشر سنة.
[ 251 ]
وقال الحافظ عبد العزيز الحسين بن على بن أبى طالب وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وقتل بالطف يوم عاشوراء سنه احدى وستين وهو ابن خمس وخمسين سنة وستة أشهر. قلت قد اتفقوا في التاريخ واختلفوا في الحساب والحق منهما يظهر لمن اعتبره. قال الشيخ المفيد في إرشاده ومضى الحسين عليه السلام في يوم السبت العاشر من المحرم سنه إحدى وستين من الهجرة بعد صلاة الظهر منه قتيلا مظلوما ظمآن صابرا محتسبا وسنه يومئذ ثمان وخمسون سنة أقام منها مع جده
رسول الله سبع سنين ومع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ثلاثين سنة ومع أخيه الحسن عليه السلام عشر سنين وكانت مدة خلافته بعد أخيه إحدى عشر سنة وكان عليه السلام يخضب بالحناء والكتم وقتل عليه السلام وقد نصل الخضاب من عارضيه. وقد جاءت روايات كثيرة في فضل زيارته بل في وجوبها فروى عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال زيارة الحسين بن على عليهما السلام واجبة على كل من يقر للحسين عليه السلام بالإمامة من الله عز وجل وقال عليه السلام زيارة الحسين تعدل مائة حجة مبرورة ومائة عمرة متقبلة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله من زار الحسين عليه السلام بعد موته فله الجنة والأخبار في هذا الباب كثيرة وقد أوردنا منها جملة كافية في كتابنا المعروف بمناسك المزار انتهى كلامه. قلت من أعجب ما يحكى أنهم اتفقوا أنه ولد عليه السلام في سنة أربع من الهجرة وقتل في عاشر المحرم من سنة إحدى وستين واختلفوا بعد في مدة حياته ما هذا إلا عجيب وأنت إذا عرفت مولده وموته عرفت مدة عمره من طريق قريب
[ 252 ]
الحادى عشر في مخرجه الى العراق قال كمال الدين بن طلحة رحمه الله هذا فصل للقلم في أرجائه مجال واسع ومقال جامع وسمع كل مؤمن وقلبه إليه وله مصيخ وسامع لكن الرغبة في الاختصار تطوى أطراف بساطه والرهبة من الإكثار تصدف عن تطويله وإفراطه وحين وقف على أصله وزائده خص الأصل بإثباته والزائد باسقاطه. وذلك أن معاوية لما استخلف ولده يزيد ثم مات كتب يزيد كتابا إلى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وهو يومئذ والى المدينة يحثه فيه على أخذ البيعة من الحسين عليه السلام فرأى الحسين أمورا اقتضت أنه خرج من المدينة قاصدا إلى
مكة وأقام بها ووصل الخبر إلى الكوفة بموت معاوية وولاية يزيد مكانه فاتفق منهم جمع جم وكتبوا كتابا الى الحسين يدعونه إليهم ويبذلون له فيه القيام بين يديه بأنفسهم وأموالهم وبالغوا في ذلك وتتابعت إليه الكتب نحوا من مائة وخمسين كتابا من كل طائفة وجماعة كتاب يحثونه فيها على القدوم وآخر ما ورد عليه كتاب من جماعتهم على يد قاصدين من ثقاتهم وصورته بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه على أمير المؤمنين سلام الله عليك أما بعد فان الناس منتظروك ولا رأى لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله والسلام عليك ورحمة الله. فكتب عليه السلام جوابهم وسير إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فوصل إليهم وجرت له قضايا ووقائع لا حاجة الى ذكرها وآل الأمر إلى أن الحسين توجه بنفسه وأهله وأولاده إلى الكوفة ليقضى الله أمرا كان مفعولا وكان عند وصول مسلم بن عقيل الى الكوفة واجتماع الشيعة إليه وأخذه البيعة للحسين بن على
[ 253 ]
عليهما السلام كتب والى الكوفة وهو النعمان بن بشير إلى يزيد بذلك فجهز عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فلما قرب منها تنكر ودخلها ليلا وأوهم أنه الحسين ودخلها من جهة البادية في زى أهل الحجاز فصار يجتاز بجماعة جماعة فيسلم عليهم ولا يشكون في أنه هو الحسين عليه السلام فيمشون بين يديه ويقولون مرحبا يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم فرأى عبيد الله من تباشرهم بالحسين ما ساءه وكشف أحوالهم وهو ساكت لعنه الله. فلما دخل قصر الإمارة وأصبح جمع الناس وقال وأرعد وأبرق وقتل وفتك وسفك وانتهك وعمله وما اعتمده مشهور في تحيله حتى ظفر بمسلم ابن عقيل وقتله.
وبلغ الحسين عليه السلام قتل مسلم وما اعتمده عبيد الله بن زياد وهو متجهز للخروج إلى الكوفة فاجتمع به ذووا النصح له والتجربة للأمور وأهل الديانة والمعرفة كعبد الله بن عباس وعمر بن عبد الرحمن بن الحرث المخزومى وغيرهما ووردت عليه كتب أهل المدينة من عبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص وجماعة كثيرين كلهم يشيرون عليه أن لا يتوجه إلى العراق وأن يقيم بمكة هذا كله والقضاء غالب على أمره والقدر آخذ بزمامه فلم يكترث بما قيل له ولا بما كتب إليه وتجهز وخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية الثامن من ذى الحجة ومعه اثنان وثمانون رجلا من أهله وشيعته ومواليه فسار فلما وصل الى الشقوق وإذا هو بالفرزدق الشاعر وقد وافاه هنالك فسلم عليه ثم دنا منه وقبل يده فقال له الحسين عليه السلام من أين أقبلت يا أبا فراس فقال من الكوفة فقال له كيف تركت أهل الكوفة فقال خلفت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بنى أمية عليك وقد قل الديانون والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء وجرى بينهما كلام قد تقدم ذكره في آخر الفصل الثامن.