كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي ج 2

كشف الغمة

ابن أبي الفتح الإربلي ج 2


[ 1 ]

كشف الغمة في معرفة الائمة تأليف العلامة المحقق أبى الحسن على بن عيسى بن أبي الفتح الاربلي (ره) المتوفى سنة 693 ه‍ الجزء الثاني دار الاضواء بيروت * لبنان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل في ذكر مناقب شتي واحاديث متفرقة أوردها الرواة والمحدثون وأخبار وآثار دالة على ما نحن بصدده من ذكر فضله من كفاية الطالب عن وهب بن منبه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما بعثت عليا في سرية إلا رأيت جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره والسحابة تظله حتى يرزقه الله الظفر. و من الكتاب المذكور عن الامام على بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام عن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش: نعم الاب أبوك ابراهيم خليل الرحمان، ونعم الاخ أخوك على بن أبي طالب عليه السلام. ومنه عن ابن أبى ليلى الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون بعدى فتنة فإذا كان ذلك فالزموا على بن أبى طالب فانه أول من آمن بى وأول من يصافحني يوم القيامة وهو في السماء القيامة وهو الفاروق بين الحق والباطل.

[ 3 ]

قال: هذا حديث صحيح حسن عال. رواه الحافظ في أماليه قال أبو على الكوكبى عن أبي السمرى عن عوانة بن الحكم عن أبى صالح قال: ذكر على ابن أبى طالب عليه السلام عند عائشة وابن عباس حاضر، فقالت عائشة: كان من أكرم رجالينا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال ابن عباس: وأى شئ يمنعه عن ذاك اصطفاه الله بنصرة رسول الله، وأرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لاخوته واختاره لكريمته، وجعله أبا ذريته ووصيه من بعده، فان ابتغيت شرفا فهو في أكرم منبت وأورق عودا، وان أردت إسلاما فأوفر بحظه وأجزل بنصيبه، وان أردت شجاعة فبهمة حرب وقاضية حتم يصافح السيوف أنسا لا يجد لموقعها حسا، ولا ينهنه نعنة ولا تقله الجموع، الله ينجده وجبرئيل يرفده ودعوة الرسول تعضده، أحد الناس لسانا وأظهرهم بيانا، وأصدعهم بالثواب في أسرع جواب، عظته أقل من عمله، وعمله يعجز عنه أهل دهره فعليه رضوان الله وعلى مبغضيه لعاين الله. ونقلت من أمالى الطوسى أن عبد الرحمن بن أبى ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنى سائلك لاخذ عنك ولقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، ألا تحدثنا عن أمرك هذا كان بعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أو شئ رأيته أنت ؟ فإنا قد أكثرنا فيك الاقاويل وأوثقه عندنا ما نقلناه عنك وسمعناه من فيك، إنا كنا نقول: لو رجعت اليكم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدرى إذا سئلت ما أقول أزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك، فإن قلت ذلك فعلى م نصبك رسول الله صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع ؟ فقال: أيها الناس من كنت مولاه فعلى مولاه، وإن تك أولى منهم بما كانوا فيه فعلى م نتولاهم ؟. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا عبد الرحمن إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وآله

[ 4 ]

وأنا يوم قبضه أولى بالناس منى بقميصي هذا، وقد كان من نبى الله إلى عهد لو خزمتمونى بأنفى لاقررت سمعا لله وطاعة وأن أول ما انتقصنا بعده إبطال حقنا في الخمس فلما رق أمرنا طمعت ريعان من قريش فينا، وقد كان لى على الناس حق لوردوه إلى عفوا قبلته وقمت فيه إلى أجل معلوم، وكنت كرجل له على الناس حق إلى أجل، فان عجلوا له ماله أخذه وحمدهم عليه، وان أخروه أخذه غير محمودين وكنت كرجل يأخذ السهولة وهو عند الناس محزن وإنما يعرف الهدى بقلة من يأخذه من الناس، وإذا سكت فاعفوني، فانه لو جاء أمر جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم فكفوا عنى ما كففت عنكم، فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الاول: لعمري لقد أيقظت من كان نائما * * وأسمعت من كانت له أذنان وعن الاصبع بن نباتة قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: أيها الناس اسمعوا مقالتي وعواكلامى، ان الخيلاء من التجبر والنخوة من التكبر، وان الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل، ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابزوا ولا تخاذلوا، فان شرائع الدين واحدة وسيلة قاصدة، من أخذ بها لحق ومن تركها مرق ومن فارقها محق ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن، ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالكذوب إذا نطق، نحن أهل بيت الرحمة وقولنا الحق وفعلنا القسط، ومنا خاتم النبيين وفينا قادة الاسلام وأمناء الكتاب، ندعوكم إلى الله ورسوله وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء رضوانه، والى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ لاهله. إلا وإن أعجب العجب ان معاوية بن أبى سفيان الاموى وعمرو بن العاص السهمى يحر ضان الناس على طلب الدين بزعمهما، وانى والله لم أخالف

[ 5 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله قط، ولم أعصه في أمر قط، أقيه بنفسى في المواطن التى تنكص فيها الابطال وترعد منها الفرائض بقوة أكرمنى الله بها فله الحمد. ولقد قبض النبي صلى الله عليه وآله وان رأسه لفى حجري، ولقد وليت غسله بيدى تقلبه الملائكة المقربون معى، وأيم الله ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر باطلها على حقها إلا ما شاء الله، وعن سعيد بن المسيب قال: سمعت رجلا سأل عبد الله بن عباس عن على بن أبى طالب عليه السلام فقال له ابن عباس: إن عليا صلى القبلتين وبايع البيعتين ولم يعبد صنما ولا وثنا، ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح، ولد على الفطرة ولم يشرك بالله طرفة عين، فقال الرجل: إنى لم أسألك عن هذا إنما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حق أتى البصرة فقتل بها أربعين الفا، ثم سار الى الشم فلقى حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم، ثم أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم، فقال له ابن عباس: أعلى أعلم عندك أم أنا ؟ فقال: لو كان على أعلم عندي منك ما سألتك، قال: فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثم قال: ثكلتك أمك على علمني وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول الله علمه من الله من فوق عرشه، فعلم النبي من الله وعلم على من النبي، وعلمي من علم على، وعلم أصحاب محمد كلهم في علم على كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر !. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قبض الله نبيا حتى أمره أن يوصى الى أفضل عشيرته من عصبته، وأمرني أن أوصى فقلت: الى من يا رب ؟ فقال: أوص يا محمد الى ابن عمك على بن أبى طالب، فانى قد أثبته في الكتب السابقة، وكتبت فيها أنه وصيك وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق ومواثيق أنبيائي ورسلي أخذت مواثيقهم لى

[ 6 ]

بالربوبية، ولك يا محمد يالنبوة ولعلى بن أبى طالب بالولاية. ومن أمالى الطوسى عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول أعطاني الله تبارك وتعالى خمسا وأعطى عليا خمسا، أعطاني جوامع الكلم، وأعطى عليا جوامع العلم، وجعلني نبيا وجعله وصيا، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحى وأعطاه الالهام، وأسرى بى إليه، وفتح له أبواب السماء والحجب حتى نظر إلى ونظرت إليه، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: ما يبكيك فداك أبي وأمي ؟ فقال: يا ابن عباس إن أول ما كلمني به أن قال: يا محمد انظر تحتك فنظرت الى الحجب قد النخرقت والى أبواب السماء قد فتحت، ونظرت الى على وهو رافع رأسه إلى فكلمنى وكلمته وكلمني ربى عز وجل. فقلت: يا رسول الله بم كلمك ربك ؟ قال: قال لى: يا محمد انى جعلت عليا وصيك ووزيرك وخليفتك من بعدك فاعلمه بها، فها هو يسمع كلامك فأعلمته وأنا بين يدى ربى عز وجل، فقال لى: قد قبلت وأطعت فأمر الله الملائكة أن تسلم عليه، ففعلت فرد عليهم السلام ورأيت الملائكة يتباشرون به وما مررت بملا منهم إلا هنونى وقالوا: يا محمد والذى بعثك بالحق لقد دخل السرور على جميع الملائكة باستخلاف الله عز وجل لك ابن عمك ورأيت حملة العرش وقد نكسوا رؤوسهم فسألت جبرئيل عليه السلام فقال: إنهم استأذنوا الله في النظر إليه فأذن لهم فلما هبطت الارض جعلت أخبره بذلك وهو يخبرني فعلمت انى لم أطأ موطئا إلا وقد كشف لعلى عنه. قال ابن عباس: فقلت: يا رسول الله أوصني، فقال: عليك بحب على ابن أبى طالب، قلت: يا رسول الله أوصني قال: عليك بمودة على بن أبى طالب والذى بعثنى بالحق نبيا إن الله لا يقبل من عبد حسنة حتى يسأله عن حب على

[ 7 ]

ابن أبى طالب وهو تعالى أعلم، فان جاءه بولايته قبل عمله على ما كان فيه، وان لم يأته بولايته لم يسأله عن شئ وأمر به الى النار، يا ابن عباس والذي بعثني بالحق نبيا إن النار لاشد غضبا على مبغض علي منها على من زعم ان لله ولدا. يا ابن عباس لو أن الملائكة المقربين والانبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه ولن يفعلوا لعذبهم الله بالنار، قلت: يا رسول الله وهل يبغضه أحد ؟ فقال: يا ابن عباس نعم يبغضه قوم يذكرون أنهم من أمتي، لم يجعل الله لهم في الاسلام نصيبا. يا ابن عباس ان من علامة بغضهم له تفصيل من هو دونه عليه، والذى بعثنى بالحق نبيا ما خلق الله نبيا أكرم عليه منى، ولا وصيا أكرم عليه من وصيى على. قال ابن عباس: فلم أزل له كما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصاني بمودته وأنه لاكبر عملي عندي. قال ابن عباس: ثم مضى من الزمان ما مضى، وحضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة، وحضرته فقلت له: فداك أبى وأمى يا رسول اللله قد دنا أجلك فما تأمرني ؟ فقال: يا ابن عباس خالف من خالف عليا ولا تكونن لهم ظهيرا ولا وليا، قلت: يا رسول الله الله فلم لا تأمر الناس بترك مخالفته ؟ قال: فبكى صلى الله عليه وآله حتى أغمى عليه، ثم قال: يا ابن عباس سبق الكتاب فيهم وعلم ربى، والذى بعثنى بالحق نبيا لا يخرج أحد ممن خالفه من الدنيا وأنكر حقه حتى يغير الله ما به من نعمة، يا ابن عباس إذا أردت أن تلقى الله وهو عنك راض فاسلك طريقة على بن أبى طالب، ومل معه حيث ما مال، وارض به إماما وعاد من عاداه ووال من والاه، يا ابن عباس احذر أن يدخل شك فيه،

[ 8 ]

فان الشك في على كفر بالله. وعن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بطن قديد لعلى عليه السلام: يا على انى سألت الله عز وجل أن يوالى بينى وبينكم ففعل وسألته أن يواخى بينى وبينك ففعل، وسألته أن يجعلك وصيي ففعل، فقال رجل من القوم: والله لصاع من تمر في شن بال خير مما سأل محمد ربه هلا، سأله ملكا يعضده أو كنزا يستمعين به على فاقته، فأنزل الله تعالى (فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وضائق به صدرك أن يقولوا: لو لا أنزل عليه كنز أو جإ معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل). وعن حبش بن المعتمر قال: دخلت على أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته كيف أمسيت ؟ قال أمسيت محبا لمحبنا ومبغضا لمبغضنا، وأمسى محبنا مغتبطا برحمة من الله كان ينتظرها وأمسى عدونا يؤسس بنيانه على شفا جرف هار، فكان قد انهار به في نار جهنم وكان أبواب الرحمة قد فتحت لا هلها فهنيئا لاهل الرحمة رجمتهم والتعس لاهل النار والنار لهم، يا حبش من سره أن يعلم أمحب هو لنا أم مبغض فليمتحن قلبه، فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض لنا، وان كان يبغض ولينا فليس بمحب لنا، ان الله أخذ الميثاق لمحبنا بمودتنا، وكتب في الذكر الحكيم اسم مبغضنا نحن النجباء وأفراطنا أفراط الانبياء. - الافراط: السابقون الى الماء وفى الحديث أنا فرطكم الى الحوض أي سابقكم، ومنه يقال للطفل الميت اللهم اجعله لنا فرطا أي أجرا يتقد منا -. وعن المنهال بن عمر وقال: أخبرني رجل من تميم قال: كنا مع على عليه السلام بذى قار ونحن نرى أنا سنتخطف في يومنا فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقه، ولنقتلن هذين الرجلين - يعنى طلحة والزبير - ولنستبيحن

[ 9 ]

عسكر هما قال التميمي: فأتيت عبد الله بن العباس فقلت: أما الى ابن عمك وما يقول ؟ فقال: لا تعجل حتى تنطر ما يكون، فلما كان من أمر البصرة ماكان، أتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلا قد صدق، فقال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها الى أحد غيره، فلعل هذا مما عهد إليه. وعن وايلة الكنانى قال: سمعت أمير المومنين عليه السلام يقول: إن أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل. اتباع الهوى، فأماطول الأمل فينسى الاخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وان الدنيا ولت مدبرة والاخرة قد أقبلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الاخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولاحساب والاخرة حساب ولاعمل. وعن جابر بن عبد الله الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جبرئيل عليه السلام نزل على وقال: إن الله يأمرك أن تقوم بتفضيل على بن أبى طالب خطيبا على أصحابك ليبلغوا من بعدهم ذلك، ويأمر جميع الملائكة أن تسمع ما تذكره، والله يوحى اليك يا محمد ان من خالفك قى أمره فله النار ومن أطاعك فله الجنة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج حتى علا المنبر، فكان أول ما تكلم به: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمان الرحيم. ثم قال: أيها الناس أنا البشير وأنا النذير، أنا النبي الامي انى مبلغكم عن الله عز وجل في أمر رجل لحمه من لحمى، ودمه من دمى، وهو عيبة العلم وهو الذى انتجيه الله من هذه الامة، واصطفاه وهداه وتولاه، وخلقني وإياه وفضلني بالرسالة وفضله بالتبليغ عنى، وجعلي مدينة العلم وجعله الباب، وجعله خازن العلم والمقتبس منه الاحكام، وخصه بالوصية وأبان أمره

[ 10 ]

وخوف من عداوته، وأزلف من والاه وغفر لشيعته، وأمر الناس جميعا بطاعته، وانه عز وجل يقول: من عاداه فقد عاداني، ومن والاه فقد والانى ومن ناصبه ناصبنى ومن خالفه وخالفني، ومن عصاه عصاني ومن آذاه آذانى ومن أبغصه أبغصنى، ومن أحبه أحبنى، ومن أراده أرادنى ومن كاده كادنى ومن نصره نصرنى. يا أيها الناس اسمعوا لما أمركم به وأطيعوه، فأنى أخوفكم عقاب الله (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه). ثم أخذا بيد على عليه السلام فقال: معاشر الناس هذا مولى المؤمنين وحجة الله على الخلق أجمعين، والمجاهد للكافرين، اللهم انى قد بلغت وهم عبادك وأنت قادر على صلاحهم فاصلحهم برحمتك يا أرحم الراحمين، أستغفر الله لى ولكم ونزل. فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: جزاك الله خيرا عن تبليغك، فقد بلغت رسالات ربك، ونصحت لامتك وأرضيت المؤمنين، وأرغمت الكافرين، يا محمد ان ابن عمك مبتلى ومبتلى به، يا محمد قل في كل أو قاتك الحمد لله رب العالمين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وعن زيد بن على بن الحسين عن أبيه عن جده عن على عليهم السلام قال: كان لى من رسول الله صلى الله عليه وآله عشر لم يعطا هن أحد قبلى، قال لى: يا على أنت أخى في الدنيا، ومعى في الاخرة، وأنت أقرب الناس منى موقفا يوم القيامة، ومنزلي ومنزلك في الجنة متواجهان كمنزل الاخوين، وأنت الوصي وأنت الولى، وأنت الوزير، عدوك عدوى، وعدوى عدو الله ووليك ولي ووليي ولي الله.

[ 11 ]

عن على بن الحسين زين العابدين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل ابراهيم عليه السلام فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمد اشمأزت قلوبهم، والذى نفس محمد بيده لو أن عبدا جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتى وعن أبى وجزه السعدى عن أبيه قال: أوصى أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام الى الحسن بن على عليهما السلام وقال فيما أوصى به إليه: يا بنى لا فقر أشد من الجهل، ولا عدم أعدم من عدم العقل: ولا وحشة أوحش من العجب، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف عن محارم الله، ولا عبادة كالتفكر في صنعة الله. يا بنى العقل خليل المرء والحلم وزيره والرفق والده والصبر من خير جنوده. يا بنى انه لابد للعاقل أن ينظر في شأنه فليحفظ لسانه، وليعرف أهل زمانه. يا بنى أن من البلاء الفاقة، وأشد من ذلك مرض البدن، وأشد من ذلك مرض القلب، وان من النعم سعة المال، وأفضل من ذلك صحة البدن، وأفضل من ذلك تقوى القلوب. يا بنى للمؤمن ثلاث ساعات، ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه ولذتها فيما يحل ويحمل، وليس للمؤمن بد من أن يكون شاخصا في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة لمعاد، أو لذة في غير محرم، وعن ميثم التمر رحمه الله وقد تقدم مثله، وكان هذا الحديث أبسط فذكرته قال: تمسينا ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال لنا: ليس من عبد امتحن

[ 12 ]

الله قلبه للايمان إلا أصبح يجد مودتنا على قلبه، ولا أصبح عبد ممن سخط الله عليه إلا يجد بغضنا على قلبه وأصبحنا نفرح بحب المحب لنا، ونعرف بغض المبغض لنا، وأصبح محبنا مغتبطا بحبنا برحمة من الله ينتظرها كل يوم وأصبح مبغضنا يوسس بنيانه على شفا جرف هار، فكان ذلك الشفا قد انهار به في نار جنهم وكان أبواب الرحمة قد فتحت لاهل الرحمة، فهنيئا لهم رحمتهم، وتعسا لاهل النار مثواهم، ان عبدا لن يقص رفى حبنا لخير جعله الله في قلبه، ولن يحبنا من يحب مبغضنا ان ذلك لا يجتمع في قلب واحد، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، يحب بهذا قوما ويحب بالاخر عدوهم، والذى يحبنا فهو يخلص حبنا كما يخلص الذهب لا غش فيه، نحن النجباء وأفراطنا أفراط الانبياء وأن وصى الاوصياء، وأنا حزب الله ورسوله والفئة الباغية حزب الشيطان، فمن أحب أن يمتحن حاله في حبنا فليمتحن قلبه، فان وجد فيه حب من ألب علينا فليعلم أن الله عدوه وجبرئيل وميكائيل والله عدو للكافرين وعن أبى سخيلة قال: لنا أما أنه ستكون بعدى فتنة ولابد منها فعليكم بكتاب الله والشيخ على بن أبى طالب فالزموهما فانى أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله أنى سمعته وهو يقول: على أول من آمن بى وأول من صدقنى، وأول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الاكبر وهو فاروق هذه الامة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين. وعن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بطن قديد قال لعلى بن أبى طالب عليه السلام: يا على انى سألت الله عز وجل أن يوالى بينى وبينك ففعل، وسألته أن يواخى بينى وبينك ففعل، وسألته أن يجعلت وصيي ففعل، فقال رجل من القوم: والله لصاع من تمر في شن بال

[ 13 ]

خير مما قد سأل محمد ربه، هلا سأله ملكا يعضده على عدوه، أو كنزا يستعين به على فاقته، فأنزل الله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنزل أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل). وعن المنهال بن عمرو قال: أخبرني رجل م تميم قال: كنا مع على ابن أبى طالب عليه السلام بذي قار، ونحن نرى أنا سنخطف في يومنا، فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقة ولنقلتن هذين الرجلين - يعنى طلحة والزبير - ولنستبيحن عسكر هما، قال التميمي: فأتيت ابن عباس فقلت: ألا ترى الى ابن عمك وما يقول ؟ فقال: لا تعجل حتى تنظر ما يكون فلما كان من أمر البصرة ما كان أتيته فقلت: لا أرى ابن عمك إلا قد صدق، قال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ان النبي صلى الله عليه وآله عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها الى أحد غيره، فلعل هذا مما عهد إليه. وعن جابر بن عبد الله الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل نزل على وقال: إن الله يأمرك أن تقوم الساعة بتفضيل على بن أبى طالب عليه السلام خطيبا على أصحابك ليبلغوا من بعدهم ذلك عنك، ويأمر جميع الملائكة أن تسمع ما تذكره، والله يوحى اليك يا محمد إن من خالفك في أمره فله النار، ومن أطاعك فله الجنة، فأمر النبي صلى الله عليه وآله مناديا فنادى بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج حتى علا فكان أول ما تكلم به: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمان الرحيم. ثم قال: يا أيها الناس أنا البشير وأنا النذير وأنا النبي الامي، انى مبلغكم عن الله عز وجل في أمر رجل لحمه من لحمى ودمه من دمى، وهو عيبة العلم، وهو الذى انتجبه الله من هذه الامة واصطفاه وهداه وتولاه، وخلقني وإياه

[ 14 ]

وفضلني بالرسالة وفضله بالتبليغ عنى، وجعلني مدينة العلم وجعله الباب، وجعله خازن العلم والمقتبس منه الاحكام، وخصه بالوصية وأبان أمره، وخوف من عداوته وأزلف من والاه وغفر لشيعته وأمر الناس جميعا بطاعته، وانه عز وجل يقول: من عاداه عاداني، ومن والاه والانى، ومن ناصبه ناصبنى، ومن خالفه خالفني، ومن عصاه عصاني، ومن آذاه آذانى، ومن أبضغه أبغضني، ومن أحبه أحبني، ومن أراده أرادنى، ومن كاده كادنى، ومن نصره نصرنى. يا أيها الناس اسمعوا لما أمركم به وأطيعوا، فانى أخوفكم عقاب الله (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تودلو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه). ثم أخذ بيد على عليه السلام فقال: معاشر الناس هذا مولى المؤمنين، وحجة الله على الخلق أجمعين، والمجاهد للكافرين، اللهم إنى قد بلغت وهم عبادك، وأنت القادر على صلاحهم فاصلحهم برحمتك يا أرحم الراحمين، استغفر الله لى ولكم ثم نزل عن المنبر فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول: جزاك الله عن تبليغك خيرا، فقد بلغت رسالات ربك ونصحت لامتك، وأرضيت المؤمنين وأرغمت الكافرين، يا محمد إن ابن عمك مبتلى ومبتلى به، يا محمد قل في كل أو قاتك الحمد لله رب العالمين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون - وقد تقدمت الرواية آنفا -. وعن عياض بن عياض عن أبيه قال: مر على بن أبى طالب عليه السلام بملا فيهم سلمان رحمة الله عليه، فقال لهم سلمان: قوموا فخذوا بحجزة هذا، فوالله لا يخبركم بسر نبيكم صلى الله عليه وآله أحد غيره. وعن أبى جعفر محمد بن على الباقر عليهما السلام ما ثبت الله حب على

[ 15 ]

ابن أبى طالب في قلب أحد فزلت له قدم إلا ثبتت له قدم أخرى. وعن زاذان قال: سمعت سلمان رحمه الله يقول: لا أزال أحب عليا عليه السلام، فانى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يضرب فخذه ويقول: محبك لى محب، ومبغضك لى مبغض، ومبغضني لله تعالى مبغض الحديث ذو شجون. قيل لابي عبد الله الصادق عليه السلام: ما أكثر ما تذكر سلمان الفارسى فقال: لا تقولوا الفارسى وقولوا المحمدى ان ذكرى له لثلاث خصال: أحدها إيثاره هوى أمير المؤمنين على هوى نفسه، والثانية: حبه للفقراء واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد، والثالثة: حبه للعلم والعلماء إن سلمان كان عبدا صالحا حنيفا مسلما وما كان من المشركين وعن أبى جعفر محمد بن على الباقر عليهما السلام قال: جلس جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ينتسبون ويفتخرون وفيهم سلمان رحمه الله فقال له عمر: ما نسبك أنت يا سلمان وما فضلك ؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله بمحمد صلى الله عليه وآله، وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد صلى الله عليه وآله، وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد صلى الله عليه وآله فهذا حسبى ونسبي يا عمر ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر له سلمان ما قال عمر وما أجابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر قريش إن حسب المرء دينه، ومروته خلقه، وفضله عقله قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم) ثم أقبل على سلمان رحمه الله فقال له: يا سلمان إنه ليس لاحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل، فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه. أقول: إن فضل سلمان مشهور معلوم ومكانه من علو المكانة والزهادة مفهوم ولو لا الخروج عن عرض هذا الكتاب لذكرت من فضله ما يشهد بنبله ولا مللت من مناقبه ما يؤذن باعتلاء مراتبه التى أغنته عن مناسبه، وأنت

[ 16 ]

لو فكرت لعلمت، ورأيت أنه يكفيه نسبا قوله صلى الله عليه وآله: سلمان من أهل البيت وان مد الله في الاجل، وفسح في رقعة المهل، فسوف أفرد كتابا في فضل أصحاب على عليه السلام من فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنبه فيه على شرف محلهم المرفوع، وأبين أنه لابد من مشابهة ما بين التابع والمتبوع. وعن سلمان رحمه الله قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على النصح للمسلمين والائتمام بعلى بن أبى طالب والموالاة له. وعن أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إن الله تعالى ضمن للمؤمن ضمانا قال: قلت: وما هو ؟ قال: ضمن له أن أقر لله بالربوبية، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، ولعلى صلى الله عليه وآله بالامامة، وأدى ما افترض الله عليه أن يسكنه في جواره قال: قلت: هذه والله هي الكرامة التى لا تشبهها كرامة الادميين، ثم قال أبو عبد الله: اعملوا قليلا تنعموا كثيرا. وعنه عليه السلام في قول الله عز وجل: و (علامات وبالنجم هم يهتدون) قال: النجم هو رسول الله صلى الله عليه وآله والعلامات الأئمة من بعده عليه وعليهم السلام وعن على الرضا عن أبيه موسى عن أبيه جعفر عن أبيه محمد عن أبيه على عن أبيه الحسين عن أبيه على بن أبى طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتى وقاتلهم، وعلى المعترض عليهم والساب لهم أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وعن على عليه السلام قال: والله لاذون بيدى هاتين القصير تين عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله أعداءنا وليردنه أحباؤنا. وعنه عليه السلام قال: من أحبنى رأني يوم القيامة حيث يحب، ومن أبغضني رأني يوم القيامة حيث يكره.

[ 17 ]

وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أعطاني الله خمسا وأعطى عليا خمسا، أعطاني جوامع الكلم وأعطى عليا جوامع العلم، وجعلين نبيا وجعله وصيا، وأعطاني الكوثر وأعطى عليا السلسبيل، وأعطاني الوحى وأعطى عليا الالهام، وأسرى بى إليه وفتح له أبواب السماء حتى رأى ما رأيت ونظر إلى ما نظرت. ثم قال: يا ابن عباس من خالف عليا فلا تكونن ظهيرا له ولا وليا، فوالذي بعثنى بالحق (نبيا) ما يخالفه أحد إلا غير الله ما به من نعمة وشوة خلقه قبل إدخاله النار يا ابن عباس لا تشك في على فان الشك فيه كفر يخرج عن الايمان، ويوجب الخلود في النار، وعن جابر بن عبد الله قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله من وصيك ؟ قال: فأمسك عنى عشرا لا يجيبني، ثم قال: يا جابر ألا أخبرك عما سألتنى ؟ فقلت: بأبى أنت وأمى أما والله لقد سكت عنى حتى ظننت أنك وجدت على فقال: ما وجدت عليك يا جابر ولكني كنت أنتظر ما يأتيني من السماء فأتاني جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن ربك يقول لك: إن على بن أبى طالب وصيك وخليفتك على أهلك وأمتك، والذائد عن حوضك، وهو صاحب لوائك يقدمك إلى الجنة، فقلت: يا نبى الله أرأيت من لا يؤمن بهذا أقتله ؟ قال: نعم يا جابر، ما وضع هذا الموضع إلا ليتابع عليه، فمن تابعه كان معى غدا، ومن خالفه لم يرد على الحوض أبدا. وعن أبى ذر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ضرب على كتف على ابن أبى طالب عليه السلام بيده وقال: يا على من أحبنا فهو العربي، ومن أبغضنا فهو العلج وشيعتنا هم أهل البيوتات والمعادن والشرف ومن كان مولده صحيحا وما على ملة ابراهيم إلا نحن وشيعتا، وسائر الناس منها براء، وان لله ملائكة

[ 18 ]

يهدمون سيئات شيعتنا كما يهدم القوم البنيان. وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما أسرى بى إلى السماء وانتهيت إلى السدرة المنتهى نوديت يا محمد استوص بعلى خيرا، فانه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين يوم القيامة وعنه عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة أيها الناس انه كان لى من رسول الله صلى الله عليه وآله عشر خصال لهن أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله: يا على أنت في الدنيا والاخرة، وأنت أقرب الخلائق إلى يوم القيامة في الموقف بين يدى الجبار ومنزلك في الجنة مواجه منزلي كما يتواجه منازل الاخوان في الله عز وجل، وأنت الوارث منى وأنت الوصي من بعدى، في عداتي وأسرتي، وأنت الحافظ لى في أهلى عند غيبتى، وأنت الامام لامتي والقائم بالقسط في رعيتي، وأنت الوارث منى وأنت الوصي من بعدى، في عداتي وأسرتي، وأنت الحافظ لى في أهلى عند غيبتى، وأنت الامام لامتي والقائم بالقسط في رعيتي، وأنت وليى وولى ولي الله، وعدوك عدوى وعدوى عدو الله. وعن الاصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى على عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم، الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحج واحد، فبم نسميهم ؟ قال: سمعهم بما سماهم الله تعالى في كتابه، فقال: ما كان ما في الكتاب أعلمه، قال: أما سمعت الله يقول في كتابه: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهن من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وإيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله عز وجل وبالنبى صلى الله عليه وآله وبالكتاب وبالحق، فنحن الذين آمنوا وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم بمشيئته وإرادته وقد أحسن السيد الحميرى رحمه الله في قوله:

[ 19 ]

أقسم بالله وآلائه * * والمرء عما قال مسؤول إن على بن أبى طالب * * على التقى والبر مجبول وانه كان الامام الذى له على الائمة تفضيل يقول بالحق ويعنى به * * ولا تلهيه الاباطيل كان إذا الحرب مرتها القنا وأحجمت عنها البهاليل يمشى إلى القرن وفى كفى * * أبيض ماضى الحد مصقول مشى العفرني بين أشباله * * أبرزه للقنص الغيل ذاك الذى سلم في ليلة عليه ميكال وجبئيل ميكال في ألف وجبرئيل في * * ألف ويتلوهم سرافيل ليلة بدر مددا أنزلوا * * كأنهم طير أبابيل فسلموا لما أتوا نحوه وذاك إعظام وتبجيل - يقال: مرت الريح السحاب إذا استدرته يريد أن القنا تستدر الحرب والبهلول الضحاك ولعله لشجاعه وبسالته لا يكترث بالحرب فيتبسم في الحالة التى تقطب فيها الرجال لخوف الحرب كما قال أبو الطيب: تمر بك الابطال كلمى هزيمة * * ووجهك وضاح وثغرك باسم والعفرنى: الاسد وهو فعلنى، والغيل بالكسر: الاجمة وبيت الاسد مثل الخميس والجمع غيول، وقال الاصمعي: الغيل الشجر الملتف، وأبابيل جماعات متفرقة ويجئ بمعنى التكثير، وهو من الجمع الذى لا واحد له، وقال بعضهم: واحدة أبول مثل عجول، وقيل: أبيل، قال: ولم اجد العرب تعرف له واحدا -. وعن على بن الحسين عن آبائه عليهم السلام قال: لما رجع على عليه السلام من وقعة الجمل، اجتاز بالزوراء فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجنبوا

[ 20 ]

عنها فان الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة، فلما أتى موضعا من أرضها قال: ما هذه الارض ؟ قيل: أرض بحرا، فقال أرض سباخ جنبوا ويمنوا فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة له، فقال له: يا راهب أنزل هيهنا ؟ فقال له الراهب: لا تنزل بجيشك هذه الارض، قال: ولم ؟ قال: لانه لا ينزلها إلا نبى أو وصى نبى بجيشه يقاتل في سبيل الله عز وجل، هكذا نجد في كتبنا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: فأنا وصى سيد الانبياء وسيد الاوصياء فقال له الراهب: فأنت إذا أصلع قريش وصى محمد صلى الله عليه وآله قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا ذلك، فنزل الراهب إليه فقال: خذ على شرائع الاسلام انى وجدت في الانجيل نعتك فانك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرض عيسى عليه السلام، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قف ولا تخبرنا بشئ ثم أتى موضعا فقال: إلكزوا هذا فلكزه عليه السلام فانبجست برجله عين خرارة فقال: هذه عين مريم التى أنبعت لها، ثم قال: اكشفوا هيهنا على سبعة عشر ذراعا فكشف وإذا بصخرة بيضاء فقال عليه السلام: على هذه الصخرة وضعت مريم عيسى من عاتقها، وصلت هيهنا فنصب أمير المؤمنين عليه السلام الصخرة وصلى عليها، وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة، وجعل الحرم في خيمة من الموضع، ثم قال: أرض براثا هذا بيت مريم عليها السلام هذا الموضع المقدس صلى فيه الانبياء. قال أبو جعفر محمد بن على عليهما السلام: ولقد وجدنا أنه صلى فيه ابراهيم قبل عيسى عليهما السلام. قلت: أرض براثنا هذه عند باب محول على قدر ميل أو أكثر من ذلك من بغداد، وجامع براثا هناك وهو خراب وحياطنه باقية إل شئ منها دخلت وصيت فيه وتبركت به.

[ 21 ]

وعن زيد بن على عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا على إن الله تبارك وتعالى أمرنى أن أت خذك أخا ووصيا، فأنت أخى ووصيي وخليفتي على أهلى في حياتي وبعد موتى، من تبعك فقد تبعني ومن تخلف عنك فقد تخلف عنى، ومن كفر بك فقد كفر بى ومن ظلمك فقد ظلمنى، يا على أنا منك وأنت منى يا على لولا أنت ما قوتل أهل النهر، قال: فقلت: يا رسول الله ومن أهل النهر ؟ قال: قوم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية: وعن سويد بن غفلة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: والله لو صببت الدنيا على المنافق صبا ما أحبنى، ولو ضربت بسيفي هذا خيشوم المؤمن لاحبنى، وذلك انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا على لا يحك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. وعن عبد الله بن عبد الرحمان الانصاري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت في على تسعا ثلاثا في الدنيا وثلاثا في الاخرة، واثنتين أرجو هما له، وواحدة أخافها عليه، فأما الثلاثة التي في الدنيا فساتر عورتى، والقائم بأمر أهلى ووصيي فيهم، وأما الثلاثة التى في الاخرة فانى أعطى لواء الحمد يوم القيامة فأدفعه إليه فيحمله عنه، وأعتمد عليه في مقام الشفاعة، ويعينني على حمل مفاتيح الجنة، وأما اللتان أرجوهما له: فأنه لا يرجع من بعدى ضالا ولا كافرا، وأما التى أخافها عليه فغدر قريش به من بعدى. وعن أبى عبد الله العنزي قال: إنا لجلوس مع على بن أبى طالب عليه السلام يوم الجمل إذا جاءه الناس يهتفون به يا أمير المؤمنين وقالوا: لقد نالنا النبل والنشاب فتنكر ثم جاء آخرون فذكروا مثل ذلك وقالوا: قد جرجنا فقال عليه السلام: يا قوم من يعذرني من قوم يأمروني بالقتال ولم تنزل بعد الملائكة ؟

[ 22 ]

فقال: إنا لجلوس ما ترى ريحا ولا نحسها إذ هبت ريح طيبة من خلفنا، والله لوجدت بردها بين كتفي من تحت الدرع والثياب. فلما هبت صب أمير المؤمنين عليه السلام درعه، ثم قام إلى القوم فما رأيت فتحا كان أسرع منه. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت عليا عليه السلام ينشد ورسول الله يسمع: أنا أخو المصطفى لاشك في نسبي * * معه ربيت وسبطاه هما ولدى جدى وجد رسول الله منفرد * * وفاطم زوجتى لا قول ذى فند فالحمد لله شكرا لا شريك له * * البر بالعبد والباقى بلا أمد قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: صدقت يا علي. وعلى أمثال هذا روى عن أبى عبد الله قال: من زاد أمير المؤمنين عليه السلام عارفا بحقه غير متجبر ولا متكبر كتب الله له أجر مائة الف شهيد، وغفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر وبعث من الامنين، وهون عليه الحساب، واستقبلته الملائكة فإذا انصرف شيعته إلى منزله فان مرض عادوه، وإن مات تبعوه بالاستغفار إلى قبره. وعن زيد بن أرقم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول بغدير خم: إن الصدقة لا تحل لى ولا لاهل بيتى، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، لعن الله من تولى غير مواليه، الولد لصاحب الفراش ولعاهر الحجر، وليس لوارث وصية ألا وقد سمعتم منى ورأيتموني، ألا من كذب على متعمدا فليتبأ مقعده من النار، ألا وانى فرط لكم على الحوض ومكاثر بكم الامم يوم القيامة فلا تسودوا وجهى، ألا لاستنقذن رجالا من النار وليستنقذن من يدى أقوام، ان الله مولاى وانى مولى كل مؤمن ومؤمنة، ألا فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه.

[ 23 ]

وقال السيد الحميري: ان امرنا خصمه أبو حسن * * لعازب الرأى داحض الحجج لا يقبل الله منه معذره * * ولا يلقيه حجة الفلج وسئل أنس بن مالك من كان آثر الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله فيما رأيت ؟ قال: ما رأيت أحدا بمنزلة علي بن أبى طالب عليه السلام ان كان يبعث في جوف الليل إليه فيستخلى به حتى يصبح، هذا كان له عنده حتى فارق الدنيا. قال: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: يا أنس تحب عليا ؟ قلت: والله يا رسول الله انى لاحبه لحبك إياه فقال: أما انك ان احببته أحبك الله وان أبغضته أبضغك الله وان أبغضك الله أو لجلك النار، وعن أبى جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عهد إلي عهدا فقلت: يا رب بينه لى، قال: اسمع، قلت: سمعت، قال يا محمد إن عليا راية الهدى بعدك، وإمام أوليائي، ونور من أطاعنى، وهو الكلمة التي ألزمها الله المتقين، فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني فبشره بذلك. وعن ميثم التمار رحمه الله قال: سمعت عليا عليه السلام وهو يجود بنفسه يقول يا حسن، فقال الحسن: لبيك يا أبتاه، فقال: إن الله أخذ ميثاق أبيك على بغض كل منافق وفاسق، وأخذ ميثاق كل منافق وفاسق على بعض أبيك. ومن أخبار ابن مهدى رواية أبى جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسى رضى الله عنه، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من زعم أنه آمن بى وبما جئت به وهو مبغض عليا فهو كاذب ليس بمؤمن. وعن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي بن أبى طالب فقال النبي صلى الله عليه وآله: قد أتاكم أخى، ثم التفت الى الكعبة فضربها بيده ثم قال:

[ 24 ]

والذى نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ثم قال: إنه أولكم إيمانا معى وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمرالله، وأعدكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية. قال: فنزل (إن الذين آمنوا وعملو الصالحات أولئك هم خير البرية) قال: وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله إذا أقبل على قالوا: قد جاء خير البرية. ومن أخبار أبى محمد الفحام رواية الطوسى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على جهنم لم يجز عليه إلا من معه جواز فيه ولاية على بن أبى طالب، وذلك قوله تعالى: (وقفوهم انهم مسؤولون) يعنى عن ولاية على بن أبى طالب عليه السلام. وعنه عن سعيد بن حذيفة عن أبيه حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما من عبد ولا أمة يموت وفى قلبه مثقال حبة من خردل من حب على إلا أدخله الله عز وجل الجنة. وعنه عن عبد الرحمان بن أبى ليل قال: قال أبى: دفع النبي صلى الله عليه وآله الرأية يوم خيبر إلى على عليه السلام ففتح الله عليه، وأوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس انه مولى كان مؤمن ومؤمنة، وقال: أن ت منى وأنا منك وقال: تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وقال له: أنت منى بمنزلة هارون من موسى وقال له: أنا سلم لمن سالمت وحرب لمن حاربت، وقال له: أنت العروة الوثقى، وقال له: أنت تبين لهم ما اشتبه عليهم بعدى، وقال له: أنت إمام كل مؤمن ومؤمنة بعدى، وولى لهم ما اشتبه عليهم بعدى، وقال له:: أنت الذى أنزل الله فيه (وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر) وقال له: أنت الاخذ بسنتى والذاب عن ملتى، وقال له: أنا أول من تنشق الارض عنه وأنت معى، وقال له: أنا عند الحوض وأنت معى، وقال له:

[ 25 ]

أنا أول من يدخل الجنة وأنت معى، تدخلها والحسن والحسين وفاطمة، وقال له: إن الله أوحى إلى بأن أقوم بفضلك فقمت به في الناس، وبلغتهم ما أمرنى الله بتبليغه، وقال له: اتق الضغائن التى لك في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتى، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. ثم بكى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: مم تبكى يا رسول الله ؟ فقال: أخبرني جبرئيل عليه السلام انهم يظلمونه ويمنعونه حقه ويقاتلونه ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده. وأخبرني جبرئيل عن الله عز وجل ان ذلك يزول إذا قام قائمها وعلت كلمتهم واجتمعت الامة على محبتهم وكان الشانئ لهم قليلا والكاره لهم ذيلا وكثر المادح لهم وذلك حين تغير البلاد وضعف العباد والاياس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم فيهم. قال النبي صلى الله عليه وآله: اسمه كاسمى واسم أبيه كاسم أبى، هو من ولد ابنتى يظهر الله الحق بهم ويحمد الباطل بأسيافهم ويتبعهم الناس بين راغب إليهم وخائف لهم. قال: وسكن البكاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: معاشر المؤمنين ابشروا بالفرج، فان وعد الله لا يخلف، وقضاؤه لا يرد وهو الحكيم الخبير، وان فتح الله قريب، اللهم فأنهم أهلى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم اكلاهم وارعهم وكن لهم وانصرهم وأعنهم وأعزهم ولا تذلهم واخلفني فيهم انك على كل شئ قدير. وعن على عليه السلام في قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذا جاءه) قال: الصدق ولايتنا أهل البيت. وعن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي من بعدى، والقاضى لهم حوائجهم، والساعى لهم في

[ 26 ]

أمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه. وعن الحسين بن على عليهما السلام قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام سوق القميص فساوم شيخنا منهم، فقال: يا شيخ يعنى قميصا بثلاثة دراهم، فقال: حبا وكرامة فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، فلبسه ما بين الرسغين الى الكعبين وأتى المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم قال: الحمد لله الذى رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأؤدى فيه فريضتي، وأستر به عورتى، فقال له رجل أعنك تروى هذا أو شئ سمعته ؟ قال: بل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عند الكسوفة. وعن أبى جعفر محمد بن علي الباقر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أراد التوسل إلي وأن يكون له عندي يد أشفع له بها يوم القيامة فليصل أهل بيتى ويدخل السرور عليهم. ونقلت من أمالى الطوسى رحمه الله وقد تقدم قريب منه قال: بلغ أم سلمة ان عبدا لها ينتقض عليا عليه السلام ويتناوله، فأحضرته وقالت: يا بنى سمعت عنك كذا وكذا ؟ فقال: نعم، فقالت: اجلس ثكلتك أمك حتى أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ثم اختر لنفسك، انه كانت ليلتي ويومى من رسول الله فأتيت الباب فقلت: أدخل يا رسول الله ؟ فقال: لا، فكبوت كبوة شديدة مخافة أن يكون ردنى من سخطه أو نزل فيش شئ من السماء ثم جئت ثانية فجرى ما جرى في الاولى، فأتيت الثالثة فأذن لى، فقال: ادخلي فدخلت وعلى عليه السلام جاث بين يديه وهو يقول: فداك أبى وأمى يا رسول الله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني ؟ قال: آمرك بالصبر، فأعاد القول ثانية، وهو يأمره بالصبر، فأعاد الثالثة فقال: يا على إذا كان ذلك منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك واضرب قدما قدما حتى تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم.

[ 27 ]

ثم التفت عليه السلام إلي فقال: ما هذا الكآبة يا أم سلمة ؟ قالت: لما كان من ردك إياي يا رسول الله، فقال: والله ما رددتك عن موجدة وانك لعلى خير من الله ورسوله، ولكن أتيتني وجبرئيل عن يمينى وعلى عن يسارى، وجبرئيل يخبرني بالاحداث التي تكون بعدى وأمرني أن أوصى بذلك عليا. يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب أخى في الدنيا، وأخى في الاخرة. يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن إبى طالب وزيرى في الدنيا ووزيرى في الاخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب حامل لوائى في الدنيا والاخرة (وحامل) لواء الحمد في الاخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب وصيى وخليفتي من بعدى وقاضي عداتي والذائد عن حوضى، يا أم سلمة اسمعي واشهدى هذا على بن أبى طالب سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين قلت: يا رسول الله من الناكثون ؟ قال: الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة، قلت: من القاسطون ؟ قال: معاوية وأصحابه من أهل الشام، قلت من المارقون ؟ قال: أصحاب النهروان، فقال مولى أم سلمة: فرجت عنى فرج الله عنك والله لا سببت عليا أبدا. قلت: أبعد الله هذا العبد وأبعد داره، ولا قرب منزله ولا أدنى جواره، لانه حين كان مبغضا لامير المؤمنين عليه السلام كان ذا عقيدة ذميمة وطريقة غير مستقيمة، فلما عرف الصواب تاب عن سبه ولم يمل إلى صحبته، ولا قال أعتقد ما يجب منه حبه وأكون معه ومن حزبه، وهل يرضى بذلك إلا من غطى الله على عينه وقلبه. ورضى الله عن أم المؤمنين أم سلمة فلقد أدت الامانة في مقالها، وقدمت هذه الشهادة أمام ارتحالها عن الدنيا وانتقالها، وستجنى رحمها الله

[ 28 ]

ورضى عنها ثمرة أعمالها عند مآلها. وعن القاسم بن أبى سعيد قال: أتت فاطمة النبي صلى الله عليه وآله فذكرت عنده ضعف الحال فقال: أما تدرين ما منزلة على عندي ؟ كفانى أمرى وهو ابن اثنى عشرة سنة وضرب بين يدى بالسيف وهو ابن ست عشرة سنة، وقتل الابطال وهو ابن تسع عشرة سنة وفرج همومى وهو ابن عشرين سنة، ورفع باب خيبر وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وكان لا يرفعه خمسون رجلا، قال: فأشرق لون فاطمة ولم تقر قدماها على الارض حتى أتت عليا عليه السلام فأخبرته، فقال: كيف ولو حدثك بفضل الله كله على ؟ ! وعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يوما مقبلا على على ابن أبى طالب وهو يتلو: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فقال: يا على إن ربى عز وجل ملكني الشفاعة في أهل التوحيد من أمتى وحظر ذلك على من ناصبك أو ناصب ولدك من بعدك. وعن على عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر من أحبنا أهل البيت فليحمد الله على أول النعم، قال: يا رسول الله وما أول النعم ؟ قال: طيب الولادة أنه لا يحبنا أهل البيت إلا من طاب مولده. عن ثابت مولى أبى ذر رحمه الله قال: شهدت مع على بن أبى طالب يوم الجمل فلما رأيت عائشة واقفة دخلنى من الشك بعض ما يدخل الناس فلما زالت الشمس كشف الله ذلك عنى فقاتلت مع أمير المؤمنين عليه السلام، ثم أتيت بعد ذلك أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله ورضى عنها فقصصت عليها قصتي، فقالت كيف صنعت حيث طارت القلوب مطائرها ؟ قال: قلت: إلى أحسن ذلك والحمد لله كشف الله ذلك عنى عند زوال الشمس، فقالت مع أمير المؤمنين عليه السلام قتالا شديدا، فقالت: أحسنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: على

[ 29 ]

مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا على الحوض. وعن عمار بن ياسر رضى الله عنه وأبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو عبيدة وحدثنيه سنان بن أبى سنان ابن هند بن هند بن أبى هالة الاسدي حدثه عن أبيه هند بن أبى هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمه خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وأخته لامه فاطمة صلوات الله عليها، قال أبو عبيدة: وكان هؤلاء الثلاثة: هند بن أبى هالة، وأبو رافع، وعمار بن ياسر، يحدثون عن هجرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام الى رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة، ومبيته من قبل ذكل على فراشه. قال: وصدر هذا الحديث عن هند بن أبى هالة وافتصاصه عن الثلاثة، وقد دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان الله عز وجل مما يمنع نبيه صلى الله عليه وآله بعمه أبى طالب، فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوءه مدة حياته، فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله بغيتها، وأصابته بعظيم من أذى حتى تركته لقى، فقال صلى الله عليه واله: ما أسرع ما وجدنا فقدك يا عم وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم، ثم ماتت خديجة بعد أبى طالب بشهر واجتمع بذلك على رسول الله حزنان حتى عرف ذلك فيه. قلت: وسمى تلك السنة عام الحزن. قال هند: ثم انطلق ذووا الطول والشرف من قريش الى دار الندوة ليرتأوا ويأتمروا في رسول الله صلى الله عليه وآله وأسروا ذلك بينهم وقالوا: نبنى له برجا نستودعه فيه فلا يخلص من الصباة إليه أحد، ثم لا يزال في رنق من العيش حتى يأتيه المنون وأشار بذلك العاص بن وائل وأمية وأبى ابنا خلف، فقال قائل: كلاما هذا لكم برأى ولئن صنعتم ذلك ليتمنون له الحدب والحميم، والمولى والحليف، ثم ليأتين المواسم في الاشهر الحرم بالامن، فلينتز عن

[ 30 ]

من انشوطتك، قولوا قولكم. فقال: عتبة وشيبة وشركهما أبو سفيان قالوا: فانا نرى أن نرحل له بعيرا صعبا نوق محمدا عليا كتافا وشدا ثم نخز البعير بأطراف الرماح فيوشك أن يقطعه بين الدكادك إربا إربا، فقال صاحب رأيهم: إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الافاريق فأخذ بقلوبهم بسحره وبيانه وطلاقه لسانه فصبا القوم إليه واستجابت له القبائيل وسار إليكم فأهلككم، قولوا قولكم. فقال أبو جهل: لكن أرى أن تعمدوا إلى قبائلكم الشعر فتنتدبوا من كل قبيلة منها رجلا نجدا وتبيتون ابن أبى كبشة فيذهب دمه في قبائيل قريش جميعا فلا تستطيع قومه محاربه الناس فيرضون حيئنئذ بالعقل، فقال صاحب رأيهم: أصبت يا أبا الحكم. قلت: وقد ورد أن هذا الرأى أشار به ابليس عليهم، وجاءهم في زى رجل من نجد. قال: فأوحى الله إلى نبيه بما كان من كيدهم وتلا عليه جبرئيل عليه السلام (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الاية، وأمره بالهجرة فدعا عليا عليه السلام لوقته فأخبره بما أوحى إليه وما أمر به، وانه أمرنى أن آمرك بالمبيت على فراشي أو على مضجعي ليخفى بمبيتك عليه أمرى، فما أنت قائل وصانع ؟ فقال على عليه السلام: أو تسلم بمبتى هناك يا نبى الله ؟ قال: نعم، فتبسم على عليه السلام ضاحكا وأهوى إلى الارض ساجدا شكرا لما أنبأه به رسول الله صلى الله عليه وآله من سلامته، وكان أول من سجد شكرا، وأول من وضع وجهه على الارض بعد سجدته من هذه الامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رفع رأسه وقال: امض لما أمرت به فداك سمعي وبصرى وسويداء قلبى، ومرني بما شئت أكن فيه كسرتك، واقع منه

[ 31 ]

بحيث مرادك، وإن توفيقي إلا بالله. قال: إنى أخبرك يا على إن الله يختبر أولياء على قد إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشد الناس بلاءا الانبياء، ثم الامثل فالامثل، وقد امتحنك الله يا ابن أم وامتحني فيك بمثل ما امتحن الله به خليله ابراهيم، والذبيح اسماعيل فصبرا صبرا فان رحمة الله قريب من المحسنين، ثم ضمه النبي صلى الله عليه وآله إلى صدره وبكى وجدا به وبكى على عليه السلام حزنا لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله. واستتبع رسول الله صليالله عليه وآله أبا بكر بن أبى قحافة وهند بن إبى هالة وأمرهما أن ينتظراه بمكان عينه لهما من طريقه إلى الغار، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه يوصى عليا ويأمره بالصبر، وخرج في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد طافوا بالدار ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الاعين، فخرج وهو يقرأ: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) الاية، ورماهم بقبضة من تراب فما شعروا به ومضى حتى انتهى إلى صاحبيه، فنهضا معه ووصلوا إلى الغار ورجع هند إلى مكة بما أمره به النبي صلى الله عليه وآله ودخل هو وأبو بكر إلى الغار. فلما نامت الاعين أقبل القوم إلى على قذفا بالحجارة ولا يشكون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى إذا برق الفجر وأشفقوا أن يفضحهم الصبح هجموا على على عليه السلام وكانت دور مكة يومئذ بغير أبواب، فلما بصر بهم على قد انتضوا السيوف وأقبلوا يقدمهم خالد بن الوليد وثب به على فختله وهمز يده وأخذ سيفه وشد عليهم فأجفلوا فعرفوه وقالوا، إنا لم نردك فما فعل صاحبك فقال: لا علم لى، فأذكت قريش عليه العيون وركبت في طلبه الصعب والذلول ولما اعتم على انطلق هو وهند إلى الغار وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لى ولك

[ 32 ]

يا رسول الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب، فقال: لا آخذهما إلا بالثمن قال: هي لك يا رسول الله بذلك، فأمر عليا فأقبضة الثمن ووصاه بحفظ ذمته وأداه أمانته وكانت قريش تدعو النبي صلى الله عليه وآله في الجاهلية الامين وتودعه أموالها وبعث والحال كذلك، فأمر عليا أن يقيم صارخا بالابطح يهتف غدوة وعشيا: من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤد إليه أمانته وقال له النبي صلى الله عليه وآله: لن يصلوا اليك من الان بأمر تكرهه حتى تقدم على فأد أمانتى على أعين الناس ظاهرا. ثم إنى أستخلفك على فاطمة ابنتى ومستخلف ربى عليكما، وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ومن يهاجر معه. من بنى هاشم، وقال لعلى: إذا أبرمت ما أمرتك به فكن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وسر إلى لقدوم كتابي عليك وانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله يؤم المدينة وأقام في الغار ثلاثا ومبيت على على فراشه أول ليلة وقال على عليه السلام في ذلك: وقيت بنفسى خير من وطأ الحصا * * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر محمد لما خاف أن يمكروا به * * فوقاه ربى ذو الجلال من المكر وبت أراعيهم متى يأسروننى * * وقد وطنت نفسي على القتل والاسر وبات رسول الله في الغار آمنا * * هناك وفى حفظ الاله وفى ستر أقام ثلاثا ثم زمت قلائص * * قلائص يفرين الفلا أينما يفرى ولما ورد رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة نزل في بنى عمرو بن عوف بقبا، وأرادوا على الدخول الى المدينة فقال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمى وابننى يعنى عليا وفاطمة عليهما السلام. قال أبو اليقظان: وحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وآله ونحن بقبا عما أرادت قريش من المكر به ومبيت على على فراشه وقال: أوحى الله ع زوجل إلى

[ 33 ]

جبرئيل وميكائيل عليهما السلام انى قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه (الحديث بتمامه) وقد ذكرته قبل هذا. ونقلت من الكشاف الزمخشري قال: وكتب النبي صلى الله عليه وآله الى على يأمرى بالتوجه إليه، فلما وصله الكتاب تهيأ للخروج والهجرة، وخرج بالفواطم: فاطمة بنت محمد عليهما السلام، وفاطمة بنت أسد أمه، وفاطمة بنت الزبير ابن عبد المطلب رضى الله عنهما، وخرج معه أيمن بن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وجماعة من ضعفاء المؤمنين، ولحقهم جماعة من قريش فقتل عليه السلام منهم فارسا وعادوا عنه فانطلق حتى نزل ضجنان فأقام بها قدر يومه، ولحق به نفر من مستضعفى المؤمنين وفيهم أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى ليلته تلك هو والفواطم وباتوا يذكرون الله قياما وقعدوا وعلى جنوبهم، فما زالوا كذالك حتى طلع الفجر فصلى بهم صلاة الفجر وساروهم يصنعون ذلك منزلا فمنزلا، يعبودن الله عز وجل ويرغبون إليه حتى قدم المدينة، وقد نزل الوحى بما كان من شأنهم قبل قدومهم (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) الى قوله: (فاستجاب لهم ربهم انى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) فالذكر على والانثى فاطمة وفاطمة وفاطمة (بعضكم من بعض) يقول: على من فاطمة، والفواطم من على (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلى) الاية. قال: وقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا على أنت أول هذه الامة أيمانا بالله ورسوله، وأولهم هجرة الى الله ورسوله، وآخرهم عهدا برسوله، لا يحبك - والذى نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، ولا يبغضك إلا منافق أو كافر. أقول: خبر الغار أوردته في أول هذا الكتاب من طريق آخر،

[ 34 ]

وأوردته هنا لما فيه من زيادات تتعلق بأمير المؤمنين عليه السلام، وكان طويلا فاختصرت بعض ألفاظه وفيه ألفاظ أنبه عليها كما شرطت. شرح اللقاء: الشئ الملقى لهوانه والجمع إلقاء الندى على فعيل: مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادى والمستندي، فان تفرق القوم فليس بندى، ومنه سميت دار الندوة بمكة التى بناها قصى، لانهم كانوا يندون فيها أي يجتمعون للمشاورة، والصباة إليه: المايلون إلى دينه، من صبايصبو أو من صبا الرجل صبوا: خرج من دين إلى دين، قال أبو عبيدة: صبا من دينه إلى دين آخر كما تصبا النجوم أي تخرج من مطالعها وهو أنسب والاول صحيح المعنى، وصبا أيضا أي صار صابيا، والصابئون جنس من أهل الكتاب، وليس من قبيل ما نحن بصدده، ما رنق بالتسكين: كدر، وعيش رنق بالكسر كذلك، ويقال: حدب عليه وحدب أي عطف عليه، وحميمك: قريبك الذى تهتم لامره، والانشوطة: عقدة يسهل انحلالها مثل عقدة التكة، والصعب: نقيض الذلول، والوخز: الطعن بالرمح ونحوه لا يكون نافذا، يقال: وخزه بالخنجر. الدكداك من الرمل: ما التبد منه بالارض، والجمع الدكادك. والفرقة: الطائفة من الناس والفريق أكثر منهم، وفى الحديث أفاريق العرب وهو جمع أفراق وأفراق جمع فرقة. والبيات: معروف. والعقل: الدية قال الاصمعي: وسميت بذلك لان الابل كانت تعقل في فناء ولى المقتول، ثم كثر استعمالهم هذا الحرف حتى قالوا: عقلت المقتول إذا أعطيت ديته دراهم أو دنانير والكيد: المكر كاده يكيده كيدا ومكيدة وكذلك المكايدة، وربما سميت الحرب كيدا. وامتحنه: اختبره. وفحمة العشاء: ظلمته، يقال: ألفحموا من الليل أي لا يستروا في أول فحمته. الراصد للشئ: الراقب له، يقال: رصده يرصده رصدا ورصدا، والترصد: الترقب.

[ 35 ]

والقذف بالحجارة الرمى بها. وختله وخاتله خادعه. والهمز مثل الغمز والضغط وأذكيت عليه العيون: إذا أرسلت عليه الطلائع وهتف به هتافا: أي صاح والقلوص من النوق: الشابة وهى بمنزلة الجارية من النساء، والجمع قلص وقلائص وجمع القلص قلاص، قال العدوى: القلوص أول ما يركب من إناث الابل إلى أن تثنى، فإذا أثنت فهى ناقة، والقعود: أول ما يركب من ذكور الابل، فإذا أثنى فهو جمل وضجنان: جبل بناحية مكة. قال أبو ثابت مولى أبى ذر رحمه الله يقول: سمعت أم سلمة رضى الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله فر مرضه الذى قبض فيه يقول - وقد امتلات الحجرة من أصحابه: أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بى وقد قدمت اليكم القول معذرة اليكم، ألا وانى مخلف فيكم كتاب الله ربى عز وجل، وعترتي أهل بيتى ثم أخذ بيد على عليه السلام فرفعها، فقال: هذا على من القرآن والقرآن مع على خليفات نصيران لا يفترقان حتى يردا على الحوض فاسألهما ماذا خلفت فيهما. وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: وهو آخذ بكف على عليه السلام -: الحق بعدى مع على يدور معه حيث ما دار. وعن رافع مولى أبى ذر رضى الله عنه قال: صعد أبو ذر، على درجة الكعبة حتى أخذ بحلقة الباب، ثم أسند ظهره إليه وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما مثل أهل بيتى في هذه الامة كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تركها هلك. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اجعلوا أهل بيتى منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فان الجسد لا يهتدى

[ 36 ]

إلا بالرأس، ولا يهتدى الرأس إلا بالعينين. وعن على عليه السلام قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري فتذاكرنا الدجال فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله محمرا وجهه فقال: لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، الائمة المضلون وسفك دماء عترتي من بعدى، أنا حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم. وعن عمر وسلمة ابني أبى سلمة ربيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في حجته: على يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين، على أخى ومولى المؤمنين من بعدى، وهو منى بمنزلة هارون من موسى إلا أن الهل ختم النبوة فلا نبى بعدى، وهو الخليفة في الاهل والمؤمنين بعدى. وعن على قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذى قبض فيه فكان رأسه في حجري والعباس يذب عن وجهه فأغمى عليه ثم فتح عينه فقال العباس: يا رسول الله أنت أجود من الريح المرسلة، وليس في مالى وفاء لدينك وعداتك فقال ذلك ثلاثا والعباس يجيب بما قال أولا، فقال عليه السلام: لاقولنها لمن يقبلها ولا يقول مثل مقالتك يا عباس، وقال: يا على اقبل وصيتى واضمن دينى وعداتي، فخنقتنى العبرة وارتج جسدي ونظرت إلى رأسه عليه السلام يذهب ويجئ في حجري فقطرت دموعي على وجهه ولم أقدر أن أجيبه، ثم ثنى فقال: يا على اقبل وصيتى واضمن دينى وعداتي ؟ فقلت: نعم بأبى أنت وأمى، قال: اجلسني فأجلسته فكان ظهره في صدري فقال: يا على أنت أخى في الدنيا والاخرة، ووصى وخليفتي في أهلى. ثم قال: يا بلال هلم سيفى ودرعى وبغلتي وسرجها ولجامها ومنطقي التى

[ 37 ]

أشدها على درعى، فجاه بلال بهذه الاشياء فوقف البغلة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا على قم فاقبض، قال: فقمت وقام العباس فجلس في مكاني وقبضت ذلك قال: فانطلق به الى منزلك فانطلقت به ثم جئت فقمت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله قائما فنظر إلي ثم عمد الى خاتمه فنزعه ثم دفعه إلي فقال: هاك يا على هذا لك في الدنيا والاخرة والبيت غاص من بنى هاشم والمسلمين. فقال: يا بنى هاشم، يا معشر المسلمين لا تخالفوا عليا فتضلوا ولا تحسدوه فتكفروا ومن تمامه من حديث آخر في معناه. فقال: يا بلال ائتى بولدى الحسن والحسين فانطلق فجاه بهما، فأسندهما إلى صدره فجعل يشمهما قال على عليه السلام: فظننت أنهما قد غماه أي أكرباه فذهب لاؤخرهما عنه، فقال: دعهما يا على يشماني وأشمهما، ويتزودا منى وأتزود منها، فسيلقيان من بعدى زلزالا وأمرا عضالا، فلعن الله من يخيفهما اللهم انى استودعكهما وصالح المؤمنين. وقيل: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير وكان من عقلا قريش إبنا له ينتقص عليا، فقال: يا بنى لا تنتقص عليا فان الدين لم يبن شيئا فاستطاعت الدنيا أن تهدمه، وان الدنيا لم تبن شيئا إلا وهدمه الدين، يا بنى إن بنى أمية لهجوا بسبب على بن أبى طالب في مجالسهم، ولعنوه على منابرهم، فكأنما يإخذون - والله - بضبعه الى السماء مدا وانهم لهجوا بتقريظ ذويهم وأوائلهم فكأنما يكشفون عن أنتن من بطون الجيف فأنهاك عن سبه. - يقال: التقريظ بالظاء والضاد: المدح بحق أو باطل، واللهج بالشئ الولوغ به، ولهج بالكسر بالشئ يلهج لهجا، إذا أغرى فثابر عليه -. وسأل معاوية خالد بن معمر: على ما أحببت عليا ؟ قال: على ثلاث خصال، على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال: وعلى عدله إذا ولى.

[ 38 ]

قلت: رحمه الله خالد بن معمر فقد وصف عليا عليه السلام ببعض ما فيه ونفى عن معاوية بعض ما فيه. وعن يونس بن حبيب النحوي وكان عثمانيا قال: قلت للخليل بن أحمد أريد أن أسألك عن مسألة فتكتمها على ؟ فقال: قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال فتكتمه أنت أيضا ؟ قال: قلت: نعم، أيام حياتك قال: سل، قلت: ما بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ورحمهم كأنهم كلهم بنو أم واحدة وعلى بن أبى طالب من بينهم كأنه ابن علة ؟ فقال: إن عليا يقدمهم إسلاما وفاقهم علما وبذهم شرفا ورجحهم زهدا، وطالهم جهادا، والناس الى أشكالهم وأشباههم أميل منهم الى من بان منهم فافهم. قيل: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه السلام في نفر من الشيعة قال الاصبغ بن نباتة: وكنت فيمن دخل، فجعل الحرث يتأود في مشيته ويخبط الارض بمحجنه وكان مريضا، فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السلام وكانت له منه منزلة فقال: كيف تجدك يا حار ؟ قال: نال الدهر منى يا أمير المؤمنين وزادني أوارا وغليلا اختصام أصحابك ببابك قال: وفيم خصومتهم ؟ قال: في شأنك والبلية من قبلك، فمن مفرط غال ومبغض قال: ومن متردد مرتاب لا يدرى أيقدم أم يحجم ؟ قال: فحسبك يا أخا همدان - أي كفاك هذا القول - ألا أن خير شيعتي النمط الاوسط، إليهم يرجع الغالى وبهم يلحق التالى. قال: لو كشفت فداك أبى وأمى الرين عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا قال: قدك فانك امرو ملبوس عليك، ان دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، والاية العلامة فاعرف الحق تعرف أهله، يا حار ان الحق أحسن الحديث والصادع مجاهد وبالحق أخبرك فارعني سمعك ثم خبر به من كانت له حصاة من أصحابك.

[ 39 ]

ألا إنى عبد الله وأخو رسوله وصديقه الاول، صدقته وآدم بين الروح والجسد، ثم إنى صديقه الاول في أمتكم حقا، فنحن الاولون ونحن الاخرون، ألا وأنا خاصته يا حار وخالصته وصنوه ووصيه ووليه وصاحب نجواه وسره أوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب وعلم القرون والاسباب، واستودعت الف مفتح بفتح كل مفتاح الف باب، يفضى كل باب الى الف الف عهد، وأيدت - أو قال: أمددت - بليلة القدر نفلا وان ذلك ليجرى لى ومن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل والنهار، حتى يرث الله الارض ومن عليها وأبشرك يا حار ليعرفني، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة - وليي وعدوى في مواطن شتى، ليعرفني عند الممات وعند الصراط وعند المقاسمة، قال: وما المقاسمة يا مولاى ؟ فقال لى: مقاسمة النار، أقسمها قسمة صحاحا، أقول هذا وليي وهذا عدوى، ثم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام بيد الحارث وقال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ بيدى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لى: واشتكيت إليه حسدة قريش والمنافقين لى: إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل أو حجزه يعنى عصمة من ذى العرش تعالى، وأخذت أنت يا على بحجزتى وأخذ ذريتك بحجزتك وأخذ شيعتكم بحجزكم، فماذا يصنع أهل بيته بشيعتهم ؟ خذها اليك يا حار قصيرة من طويلة، أنت مع من أحببت ولك ما اختسبت - أو قال: ما اكتسبت - قالها ثلاثا، فقال الحارث: وقام يجر رداءه جذلا ما أبالى وربى بعد هذا ألقيت الموت أو لقيني. قال جميل بن صالح: فأنشدني السيد ابن محمد في كلمة له: قول على الحارث عجب * * كم ثم أعجوبة له جملا يا حار همدان من يمت يرنى * * من مؤمن أو منافق قبلا

[ 40 ]

يعرفني طرفه وأعرفه * * بنعته واسمه وما فعلا وأنت عند الصراط تعرفني * * فلا تخف عثرة ولا زللا أسقيك من بارد على ظمأ * * تخاله في الحلاوة العسلا أقول للنار حين تعرض للعرض * * دعية لا تقربي الرجلا دعيه لا تقربيه إن له * * حبلا بحبل الوصي متصلا قلت: السيد الحميرى (ره) كان كيسانيا يقول برجعة أبى القايم محمد ابن الحنفية عليه السلام، فلما عرفه الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام الحق والقول بمذهب الامامية الاثنى عشرية ترك ما كان عليه ورجع إلى الحق وقال به، وشعره رحمه الله في مذهبه مشهور لا حاجة إلى ذكره لاشتهاره، وكان نظاما للوقائع مجيدا، وهو كثير الشعر، ولا يوجد من شعره إلا القليل. وروى أنه وجد حمال وهو يمشى بحمل ثقيل، فقيل: ما معك ؟ قال: ميميات السيد، وغلب هذا الاسم عليه فلم يكن علويا فأنه بطريق تسميته السيد يتوهم ذلك وعلى ذكره. حدث الحسين بن عون قال: دخلت على السيد ابن محمد الحميرى عائدا في علته التى مات فيها، فوجدته يساق به ووجدت عنه جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية، وكان السيد جميل الوجه رحب الجبهة عريض ما بين السالفين فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد ثم لم تزل تنمى وتزيد حتى طبقت وجهه بسوادها فاغتم لذلك من حضره من الشيعة وظهر من الناصبة سرور وشماتة، فلم يلبث بذلك إلا قليلا حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد أيضا وتنمى حتى اصفر وجهه وأشرق وافتر السيد ضاحكا وقال: كذب الزاعمون أن عليا * * لم ينجى محبه من هنات

[ 41 ]

قد وربى دخلت جنة عدن * * وعفا لى الاله عن سيئاتي فابشروا اليوم أولياء على * * وتولوا على حتى الممهات ثم من بعده تولوا بنية * * واحدا بعوا حد بالصفات ثم أتبع قوله هذا: اشهد أن لا إله إلا الله حقا حقا، أشهد أن محمدا رسول الله حقا حقا، أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا حقا، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أغمض عينه لنفسه، فكأنما كانت روحه ذبالة طفيت أو حصاة سقطت. قال على بن الحسين: قال لى أبى الحسين بن عن وكان أذينة حاضرا فقال: الله أكبر ما من شهد كم لم يشهد أخبرني - وإلا سمتا - الفضيل بن يسار عن أبى جعفر الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام أنهما قالا: حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة محمدا وعليا وفاطمة وحسنا وحسينا، بحيث تقر عينها أو تسخن عينها فانتشر هذا الحديث في الناس فشهد جنازته والله الموافق والمفارق. عن عبد الله بن الصامت ابن أخى أبى ذر قال: حدثنى أبو ذر وكان صغوه وانقطاعه إلى على وأهل هذا البيت قال: قلت يا نبى الله أنى أحب أفواما ما أبلغ أعمالهم ؟ قال: فقال: يا أبا ذر المرء مع من أحب وله ما اكتسب، قلت: فانى أحب الله ورسوله وأهل بيت نبيه، قال: فانك مع من أحببت، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في ملا من أصحابه فقال رجال منهم: فانا نحب الله ورسوله ولم يذكروا أهل بيته، فغضب صلى الله عليه وآله وقال: أيها الناس أحبوا الله عز وجل لما يغدوكم به من نعمه، وأحبوني بحب ربى، وأحبوا أهل بيتى بحبي، فوالذي نفسي بيده لو أن رجلا صفن بين الركن والمقام صائما وراكعا وساجدا، ثم لقى الله عز وجل غير محب لاهل بيتى لم ينفعه ذلك،

[ 42 ]

قالوا: ومن أهل بيتك يا رسول الله ؟ أو أي أهل بيتك هؤلاء ؟ قال: من أجاب منهم دعوتي، واستقبل قبلتى، ومن خلقه الله منى ومن لحمى ودمى، فقالوا: نحن نحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله، فقال: بخ بخ فأنتم إذا منهم أنتم إذا منهم، والمرء مع من أحب وله ما اكتسب. - والصافن من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابع على طرف الحافر، يقال: صفن يصفن صفونا، والصافن: الذى يصف قدميه، وفى الحديث كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا خلفه صفوفا -. وعن المفضل بن عمر عن أبى عبد الله عن أبيه عن أمير المؤمنين عليه السلام انه كان ذات يوم جالسا بالرحبة والناس حوله مجتمعون، فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين انك بالمكان الذى أنزلك الله عز وجل به، وأبوك يعذب بالنار ؟ فقال: مه فض الله فاك والذى بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق لو شفع أبى في كل مذنب على وجه الارض لشفعه الله فيهم أأبى يعذب بالنار وابنه قسيم (الجنة) والنار، ثم قال: والذى بعث محمدا صلى الله عليه وآله ان نور أبى طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلق إلا خمسة أنوار، نور محمد ونورى ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ومن ولدته من الائمة، لان نوره من نورنا الذى خلقه الله تعالى من قبل أن يخلق الله آدم بألفى عام. وعن زيد بن علي عن أبيه أن الحسين بن علي عليهما السلام أتى عمر ابن الخطاب رضى الله عنه وهو على المنبر يوم الجمعة فقال له: انزل عن منبر أبى، فبكى عمر ثم قال: صدقت يا بنى منبر أبيك لا منبر أبى، فقال على عليه السلام ما هو والله عن رأيى، فقال: صدقت والله ما اتهمك يا أبا الحسن، ثم نزل من المنبر فأخذه فأجلسه إلى جانبه على المنبر فخطب الناس وهو جالس على المنبر معه، ثم قال: أيها الناس سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله يقول: احفظوني في عترتي

[ 43 ]

وذريتي، فمن حفظني فيهم حفظه الله، ألا لعنة الله على من آذانى فيهم ألا لعنة على من آذانى فيهم ثلاثا، قال أفقر عباد الله تعالى على بن عيسى بن أبى الفتح عفا الله عنه: قد كنت طالعت كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري، فرأيت فيها أخبارا ما كنت أظنه يروى مثلها لموضع مذهبه، ولمن جمع له الكتاب، وسماه باسم نسبه إليه وهو الامير الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل أخو المعتمد وولي عهده، وكان يخطب له بلقبين اللهم اصلح الامير الناصر لدين آلله أبا أحمد طلحة الموفق بالله وولي عهد المسلمين وأخا أمير المؤمنين ومات في ثانى رجب سنة ثمان وسبعين ومائتين، لقب بالناصر حين فرغ من أمر محمد بن على صاحب الزنج، وهو متولى حروبه وكان هو وأبوه وبنوه أبيه في انحرافهم عن أهل البيت في أبعد الغاية لاسيما الموفق والمتوكل، وحربه لصاحب الزنج وإن كان محافظة على الملك، وإنما قوى هممهم على مطاولته واتصال الحروب بينهم ما أظهره ذلك الخائن من انتسابه إلى أهل البيت، وانه علوى وكان مدعيا لم يصحح النسابون نسبه. وحكى العمرى النسابة (ره) انه كان دعيا وكان من قرية اسمها ورزينين من قرى الرى، فلم يزالوا على حربه ومنازلته جرى من قتله وتفرقة جموعه ما جرى، وكان انتماؤه إلى هذا البيت الشريف أقوى الموجبات لاستئصاله، هذا حال من عمل الكتاب من أجله. فأما جامعه فقد حكى ياقوت الحموى في كتابه معجم الادباء كلاما هذا مختصره الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام يكنى أبا عبد الله الكثير العلم، الغزير الفهم أعلم الناس قاطبة بأخبار قريش وأنسابها ومآثرها وأشعارها ولد ونشأ بالحجاز ومات بمكة في ذى القعدة سنة ست وخمسين ومائتين عن أربع وثمانين سنة، وكان أبوه على قضاء

[ 44 ]

مكة وولاه (المتوكل) القضاء بها بعد أبيه ومات وهو قاضيها، ودخل بغداد عدة دفعات آخرها سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان فتى في شعره ومروته وبطالته مع سنه وعفافه، ومثل هذا على صدقه عندهم إذا روى شيئا يكون صحيحا قطعا، لان الزمان قديم، والمخبر صدوق، والمصنف له متعنت، وكيف يقدم على تصنيف كتابه باسمه وفيه ما يناقض مذهبه ويخالف عقيدته، ويجبه برده عليه ما قد عقد عليه خنصره، وجعله دينه الذى يرجوا به الفوز في آخرته. حدث الزبير بن بكار قال: حدثنى عمى مصعب عن جدى عبد الله بن مصعب، قال: تقدم وكيل المؤنسة إلى شريك بن عبد الله القاضى مع خصم له فإذا الوكيل مدل بموضعه من مونسة، فجعل يسطو على خصمه ويغلظ له، فقال له شريك: كف لا أم لك، فقال: أو تقول لى هذا وأنا قهرمان مونسة ؟ ! فقال: يا غلام اصفعه فصفعه عشر صفعات فانصرف بخزى، فدخل على مونسة فشكا إليها ما صنع به، فكتبت رقعة إلى المهدى تشكر شريكا وما صنع بوكيلها فعزله وكان قبل هذا قد دخل إليه فأغلظ له الكلام وقال له: ما مثلك من يولى أحكام المسلمين، قال: ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال: لخلافك الجماعة ولقولك بالامامة، قال: ما أعرف دينا إلا عن الجماعة فكيف أخالفها وعنها أخذت دينى، وأما الامامة فما أعرف إماما إلا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله فهما إماماى وعليهما عقدى، فأما ما ذكر أمير المؤمنين ان ما مثلى يولى أحكام المسلمين فذالك شئ أنتم فعلتموه فان كان خطأ وجب عليكم الاستغفار منه، وإن كان صوابا وجب عليكم الامساك عنه. قال: ما تقول في على بن إبى طالب عليه السلام ؟ قال: ما قال فيه جدك العباس وعبد الله، قال: وما قالا فيه ؟ قال: أما العباس فمات وهو عنده أفضل أصحاب

[ 45 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وقد شاهد كبراء الصحابة والمهاجرين يحتاجون إليه في الحوادث، ولم يحتج إلى أحد منهم حتى خرج من الدنيا، وأما عبد الله بن عباس رحمه الله فضارب معه بسيفين وشهد حروبه وكان فيها رأسا متبعا وقائدا مطاعا، فلو كانت إمامته جورا كان أول من يقعد عنه أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله، فسكن المهدى وخرج شريك فما كان بين عزله وبين هذا المجلس إلا جمعة أو نحوها. وعن الزبير عن رجاله عن الحسن البصري أنه قال: أربع خصال في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة، ابتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذووا الفضيلة واستخلافه ابنه يزيد من بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وأدعاؤه زيادا قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويله من حجر وأصحاب حجر، قلت: هذا الخبر وإن لم يكن من غرض هذا الكتاب لكن ساق إليه ما بينهما من أمر ما - وابتزاؤه: توثبه، وبزه يبز بزا: سلبه، وابتزها: سلبها، والعهر: الزنا، وعهر فهو عاهر والاسم العهر بالكسر -. وعلى هذا حدث الزبير عن رجاله قال: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة وقدت مع أبى المغيرة على معاوية وكان أبى يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلى فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتما منذ الليلة، فانتظرته ساعة وظننت أنه لشئ قد حدث فينا وفى علمنا، فقلت: مالى أراك مغتما منذ الليلة ؟ فقال: يا بنى جئت من عند أخبث الناس، قلت: وما ذاك ؟ قال: قلت له - وقت خلوت به -: إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فانك قد كبرت،

[ 46 ]

ولو نظرت الى اخوتك من بنى هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه، فقال: هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فوالله ما عدا أن هلك، فهلك ذكره إلا أن يقول قائل أبو بكر، ثم ملك أخو بنى عدي فاجتهد وشمر عشر سنين فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر، ثم ملك عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه وفعل ما فعل وعمل به ما عمل فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وان أخا بنى هاشم يصاح به في كل يوم خمس مرات أشهد أن محمدا رسول الله فأى عمل يبقى بعد هذا لا أم لك، لا والله إلا دفنا دفنا. فانظر أيدك الله إلى قول معاوية في النبي عليه الصلاة والسلام وعقيدته فيه يهن عندك فعله مع علي عليه السلام كما قدمنا أن حب علي فرع على حب الرسول صلى الله عليه وآله والاقرار بنبوته وتصديقه. وان الجرح ينفر بعد حين * * إذا كان البنا على فساد حدث الزبير عن رجاله قال: إن ابن الزبير قال لابن عباس: قاتلت أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله وأفتيت بتزويج المتعة ؟ قال: أنت أخرجتها وأبوك وخالك وبنا سميت أم المؤمنين، كنا لها خير بنين فتجاوز الله عنها، وقاتلت أنت وأبوك عليا، فان كان علي مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف، وأما المتعة فانا نحلها سمعت النبي صلى الله عليه وآله يحلها ويرخص فيها فأتيت فيها وذكر الحديث وحدث الزبير عن رجاله عن ابن عباس قال: إنى لاماشى عمر بن الخطاب رضى الله عنه في سكة من سكك المدينة إذ قال لى: يا ابن عباس ما أظن صاحبك إلا مظلوما، قلت في نفسي: والله لا يسبقنى بها، فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد ظلامته، فانتزع يده من يدى ومضى وهو يهمهم ساعة

[ 47 ]

ثم وقف فلحقته فقال: يا ابن عباس ما أظنهم منعهم منه إلا استصغروه، فقلت في نفسي: هذه والله شر من الاول، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك قال: فأعرض عنى. والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك قال فأعرض عنى. قال على بن عيسى عفا الله عنه قد ذكرت بهذا الحديث حديثا يشابهه نقلت من كتاب عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد في تفسير نهج البلاغة قال نقلت من كتاب تاريخ بغداد لأحمد بن أبي طاهر بسنده عن ابن عباس قال دخلت على عمر رضى الله عنه في أول خلافته وقد ألقى له صاع من تمر على خصفه فدعاني للأكل فأكلت تمرة واحدة وأقبل يأكل حتى أتى عليه ثم شرب من جر كان عنده واستلقى على مرفقة له وطفق يحمد الله يكرر ذلك ثم قال من اين جئت يا عبد الله قلت من المسجد قال كيف خلفت بنى عمك فظننته يعنى عبد الله بن جعفر فقلت خلفته يلعب مع أترابه قال لم أعن ذلك إنما عنيت عظيمكم أهل البيت قلت خلفته يمتح بالغرب على نخلات له وهو يقرء القرآن فقال يا عبد الله عليك دماء البدن ان كتمتنيها أبقى في نفسه شئ من أمر الخلافة قلت نعم قال أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعلها له قلت نعم وأزيدك سألت أبي عما يدعيه قال صدق فقال عمر لقد كان من رسول الله في اأره ذرء من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذرا وقد كان يزيغ في أمره وقتا ما ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا وحفيظة على الإسلام لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها فعلم رسول الله إني علمت ما في نفسه فامسك وأبي الله إلا إمضاء ما حتم قلت يشير إلى اليوم الذي قال فيه آتونى بدواة وكتف الحديث فقال عمر رضى الله عنه إن الرجل ليهجر

[ 48 ]

الخصفة بالتحريك الجلة من الخوص تعمل للتمر لو جمعها خصف وخصاف والصاع أربعة أمداد والمد مكيال أيضا وهو رطل وثلاث عند أهل الحجاز ورطلان عند أهل العراق والمرفقة بالكسر المخدة وقد تمرفق إذا أخذها والماتح المستقى وكذلك المتوح تقول متح الماء يمتحه متحا إذا نزعه والغرب الدلو العظيمة وذرة من قول أي طرف منه ولم يتكامل وأزاغ يزيغ إذا طلب وأراد. حدث الزبير عن رجاله قال دخل محفن بن أبي محفن الضبي على معاوية فقال يا أمير المؤمنين جئتك من عند ألأم العرب وأبخل العرب وأعيا العرب وأجبن العرب قال ومن هو يا أخا بنى تميم قال على بن أبي طالب قال معاوية اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقى فابتدروه أيهم ينزله عليه ويكرمه فلما تصدع الناس عنه قال له كيف قلت فأعاد عليه فقال له ويحك يا جاهل كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبو طالب وجده عبد المطلب وامرأته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانى يكون أبخل العرب فو الله لو كان له بيتان بيت تبن وبيت تبر لأنفذ تبره قبل تبنه وأنى يكون أجبن العرب فو الله ما التقت فئتان قط إلا ما كان فارسهم غير مدافع وأنى يكون أعيا العرب فو الله ما سن البلاغة لقريش غيره ولما قامت أم محفن عنه ألأم وأبخل وأجبن وأعيا لبظر أمه فو الله لو لا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك فإياك عليك لعنة الله والعود إلى مثل هذا. قال والله أنت أظلم منى فعلى أي شئ قاتلته وهذا محله قال على خاتمي هذا حتى يجوز به أمرى قال فحسبك ذلك عوضا من سخط الله وأليم عذابه قال لا يا ابن محفن ولكني أعرف من الله ما جهلت حيث يقول ورحمتي وسعت كل شئ).

[ 49 ]

قلت قد شهد معاوية من فضل على عليه السلام بما كان يعرف أضعافه ورأى مع ذلك عصيانه ومنابذته وخلافه وناصبه العداوة حتى قتل بينهما ألوف متعددة واستمر على سبه على المنابر بهمة لا وانية في ذلك ولا مترددة وأوصى على الاستمرار عليها بنيه وبنى أبيه واتخذها سنة جرى على بدعتها هو ومن يقتفيه إلى أن أجرى الله رفعها على يد عمر بن عبد العزيز رحمه الله فوفقه الله لصوابها وهداه إلى ثوابها وأنجاه من أليم عذابها ووبيل عقابها. ثم إن معاوية يجعل عذره فيما صنع واعتماده في الفتنة التي خب فيها ووضع وعصره في الدماء التي أراقها وملاذه في النار التي وراها وقوى إحراقها الاعتماد على رحمة الله ولعمري انها قريبة من المحسنين فأين إحسانه وحاصله لصالحي المؤمنين فاين صلاحه وإيمانه وشفاعة نبيه معدة للمذنبين أفيشفع له وهذا شأنه هيهات انها من أمانى النفوس الكاذبة وتعللاتها الباطلة الخائبة: حملوها يوم السقيفة أوزارا * تخف الجبال وهى ثقال ثم جاؤا من بعدها يستقيلون * وهيهات عثرة لا تقال وحدث الزبير عن رجاله قال قدم ابن عباس على معاوية وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض من شأنه لمعرفته أن معاوية كان يكره إظهاره لشأنه وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن على عليهما السلام فسجد شكرا لله تعالى وبان السرور في وجهه في حديث طويل ذكره الزبير وذكرت منه موضع الحاجة إليه وأذن للناس وأذن لابن عباس بعدهم فدخل فاستدناه وكان قد عرف بسجدته فقال له أ تدرى ما حدث بأهلك قال لا قال فان أبا محمد عليه السلام توفى رحمه الله فعظم الله لك الأجر فقال إنا لله وإنا إليه راجعون عند الله نحتسب المصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن بن على رحمه الله أنه قد بلغتني سجدتك فلا أظن ذلك إلا لوفاته

[ 50 ]

والله لا يسد جسده حفرتك ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك ولطال ما رزينا بأعظم من الحسن ثم جبر الله قال معاوية كم كان أتى له من العمر قال شأنه أعظم من أن يجهل مولده قال أحسبه ترك صبية صغارا قال كلنا كان صغيرا فكبر قال أصبحت سيد أهلك قال أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن على فلا ثم قام وعينه تدمع فقال معاوية لله دره لا والله ما هيجناه قط إلا وجدناه سيدا. ودخل على معاوية بعد انقضاء العزاء فقال يا أبا العباس أما تدرى ما حدث في أهلك قال لا قال هلك أسامة بن زيد فعظم الله لك الأجر قال إنا لله وإنا إليه راجعون رحم الله أسامة وخرج وأتاه بعد أيام وقد عزم على محاقته فصلى في الجامع يوم الجمعة واجتمع الناس عليه يسئلونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير وأحوال الإسلام والجاهلية وهو يجيب وافتقد معاوية الناس فقيل انهم مشغولون با بن عباس ولو شاء أن يضربوا معه بمائة الف سيف قبل الليل لفعل فقال نحن أظلم منه حبسناه عن أهله ومنعناه حاجته ونعينا إليه أحبته انطلقوا فادعوه فأتاه الحاجب فدعاه فقال إنا بنى عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى نصلى أصلى إن شاء الله وآتيه. فرجع وصلى العصر وأتاه فقال حاجتك فما سأله حاجة إلا قضاها وقال أقسمت عليك لما دخلت بيت المال فأخذت حاجتك وإنما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا فعرف ما يريده فقال إن ذلك ليس لي ولا لك فان أذنت أن أعطى كل ذى حق حقه فعلت قال أقسمت عليك إلا دخلت فأخذت حاجتك فدخل فأخذ برنس خز أحمر يقال إنه

[ 51 ]

كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم خرج فقال يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة فقال ما هي قال علي بن أبي طالب قد عرفت فضله وسابقته وقرابته وقد كفاكه الموت أحب أن لا يشتم على منابركم قال هيهات يا ابن عباس هذا أمر دين أليس أليس وفعل وفعل فعدد ما بينه وبين على كرم الله وجهه فقال ابن عباس أولى لك يا معاوية والموعد القيامة ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون وتوجه إلى المدينة. قلت أولى لك قال الجوهرى تهديد ووعيد وقال الأصمعى أي قاربه ما يهلكه أي نزل به قال ثعلب لم يقل أحد في أولى أحسن مما قال الأصمعى. فأما إقدام معاوية وطغيانه واستمراره على ما سول له شيطانه وإعلانه على رؤوس الأشهاد بما نطق به لسانه وجعله سب أمير المؤمنين عليه السلام من أمور الدين فاغرا بذلك فاه بين المسلمين منتهكا بذلك ما وجب له عليه السلام من الحرمة غير مراقب في ذلك إلا ولا ذمة خارجا على الإمام واثبا على الأمة فمما يقضى منه العجب لفرط تمرده وتتحير الخواطر من جريه في حلبات عصيانه في أمسه ويومه وغده وتذهل الألباب من أدعائه الإسلام مع جناية يده وإن كان قد جعله سترا دون أفعاله ووقاية لجاهه وماله ونظرا لدنياه مع غفلة عن ماله نعوذ بالله من الفتنة في الأديان والتورط في حبالات الشيطان وحدث الزبير عن رجاله عن ابن عباس أن معاوية أقبل عليه وعلى بنى هاشم فقال إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحققتم النبوة ولا يجتمعان لأحد حجتكم في الخلافة شبهة على الناس تقولون نحن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما بال خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غيرنا وهذه شبهة لأنها تشبه الحق

[ 52 ]

فأما الخلافة فتنقلب في أحياء قريش برضى العامة وشورى الخاصة فلم يقل الناس ليت بنى هاشم ولونا ولو أن بنى هاشم ولونا لكان خيرا لنا في دنيانا وآخرتنا فلا هم حيث اجتمعوا على غيركم تمنوكم ولو زهدتم فيها أمس لم يقاتلوا عليها اليوم. وأما ما زعمتم أن لكم ملكا هاشميا ومهديا قائما فالمهدى عيسى بن مريم عليه السلام وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه ولعمري لئن ملكتمونا ما رائحة عاد وصاعقة ثمود بأهلك اليوم منكم لنا ثم سكت. فقال له عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أما قولك إنا نستحق الخلافة بالنبوة فنعم فإذا لم نستحقها بها فبم تستحقها ؟. وأما قولك إن النبوة والخلافة لا يجتمعان لأحد فأين قول الله تعالى: (فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) فالكتاب النبوة والحكمة السنة والملك الخلافة ونحن آل ابراهيم أمر الله فينا وفيهم والسنة لنا ولهم جارية. وأما قولك إن حجتنا مشتبهة فو الله لهى أضوأ من الشمس وأنور من نور القمر وانك لتعلم ذلك ولكن شئ عطفك وصعرك قتلنا أخاك وجدك وأخاه وخالك فلا تبك على أعظم حايلة وأرواح أهل النار ولا تغضبن لدماء أحلها الشرك ووضعها فأما ترك الناس أن يجتمعوا علينا فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم وأما قولك إنا زعمنا أن لنا ملكا مهديا فالزعم في كتاب الله تعالى شرك قال تعالى زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا وكل يشهد أن لنا ملكا ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله لأمره منا من يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما لا تملكون يوما واحدا إلا ملكنا يومين

[ 53 ]

ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين وأما قولك إن المهدى عيسى بن مريم فانما ينزل عيسى على الدجال فإذا رآه يذوب كما تذوب الشحمة والإمام منا رجل يصلى خلفه عيسى بن مريم ولو شئت سميته. وأما ريح عاد وصاعقة ثمود فانهما كانا عذابا وملكنا والحمد لله رحمة حدث الزبير قال حج معاوية فجلس إلى ابن عباس فأعرض عنه ابن عباس فقال معاوية لم تعرض عنى ؟ فوالله انك لتعلم إني أحق بالخلافة من ابن عمك قال ابن عباس لم ذاك لأنه كان مسلما وكنت كافرا قال لا ولكن ابن عمى عثمان قتل مظلوما قال ابن عباس وعمر رحمه الله قتل مظلوما قال إن عمر قتله كافر وإن عثمان قتله المسلمون قال ابن عباس ذاك أدحض لحجتك فأسكت معاوية. وحدث الزبير عن رجاله عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصي من آمن بالله وصدقني بولاية على بن أبي طالب من تولاه فقد تولاني ومن تولاني فقد تولى الله ومن أحبه فقد أحبنى ومن أحبنى فقد أحب الله أقول لا ريب ان القلم استحلى المناقب فجرى سعيا على رأسه ووجد مجالا فسيحا فأعنق في حلبة قرطاسه ورأى مكان القول ذا سعة فقال واعتقلته الأيام مدة فالآن حين ألقى العقال ولولا كف غربه لاستمر على غلوائه فان طلبه حصر ما لا يتناهى معدود من ضعف رأيه ومن أين يحصر مناقب الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام وهى تتجاوز حد الإكثار ؟ وكيف يمكن عد مفاخره وبيته بيت الشرف والفخار ؟ إليه تنتهى مكارم الأخلاق وعنه يحدث بزكاء الاعراق وهو الحجة على العباد والمحجة المسلوكة ليوم المعاد ونور الله الذي من استضاء به اهتدى وعروته التي من اعتلق بها

[ 54 ]

فما راح عن الحق ولا اعتدى وبابه الذي منه الدخول إلى طاعته ورضوانه وسبيله الذي يؤدى إلى الفوز بعالى جنانه وعصمته التي من اعتلق بحبالها اعتصم وميثاقه الذي من التزم به فقد التزم وإذا كانت الإطالة لا تبلغ وصف كماله والإطناب لا يحيط بنعت فضله وافضاله فالأولى أن يقتصر على ما ذكرناه من شرفه وجلاله فحاله صلى الله عليه وآله وسلم أشهر من أن يحتاج إلى التنبيه على حاله. وهذه الأخبار التي أوردتها ونسبتها إلى ناقليها ربما قال قائل هذه أخبار آحاد لا يعول عليها ولا يستند في إثبات المطلوب إليها. فالجواب عن ذلك إنا معاشر الشيعة ننقل ما ننقله في فضائله من طرق أصحابنا وإجماعهم وفيهم الإمام المعصوم فلا حاجة هنا إلى آحادكم ولا متواتركم وأنتم تعملون بأخبار الآحاد فدونكم إلى العمل بها ثم ان هذه الأخبار قد يحصل المجموع ما جاؤا به معنى التواتر كما انه إذا سمعنا أن انسانا ما بلغ من الملك مكانة جليلة ثم بلغنا أن الملك يتزيد في الإحسان إليه وإنا في كل يوم نسمع من جهات مختلفة بتخصيصه إياه بضروب من انعامه فانا نستفيد من جملة ذلك أن مكانته منه مكينة وان محله منه عظيم فكذاك الحال في هذا وحيث ملنا إلى الاقتصار على هذا القدر فلنشرع في ذكر قتله صلى الله عليه وآله وسلم وكيف جرت الحال فيه

[ 55 ]

في ذكر قتله ومدة خلافته وذكر عدد أولاده عليهم السلام قال أبو المؤيد الخوارزمي رحمه الله في كتاب المناقب يرفعه إلى أبي سنان الدؤلى أنه عاد عليا في شكوى اشتكاها قال فقلت له لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه فقال لكنى والله ما تخوفت على نفسي لأنى سمعت رسول الله الصادق المصدق صلى الله عليه وآله وسلم يقول إنك ستضرب ضربة ههنا وأشار إلى صدغيه فيسيل دمها حتى تخضب لحيتك ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود. قلت الضمير في أشقاها يعود إلى الأمة وان لم يجر لها ذكر كما قال تعالى حتى توارت بالحجاب وكما قال حتى إذا ألقت يدا في كافر ويدل عليه أشقى ثمود. ومن المناقب مرفوعا إلى اسماعيل بن راشد قال كان من حديث ابن ملجم لعنه الله وأصحابه ان عبد الرحمان بن ملجم والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا والله ما نصنع بالحياة بعدهم شيئا وقالوا اخواننا الذين كانوا دعاة الناس إلى عبادة ربهم الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم اخواننا فقال ابن ملجم أنا أكفيكم أمر على بن أبي طالب وكان من أهل مصر وقال البرك بن عبد الله أنا أكفيكم

[ 56 ]

معاوية بن أبي سفيان وقال عمرو بن بكر التميمي أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاهدوا وتوافقوا الله لا ينكل الرجل عن صاحبه الذي وجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لتسع عشرة ليلة من رمضان يثب كل واحد منهم إلى صاحبه الذي توجه إليه فأقبل كل واحد إلى المصر الذي فيه صاحبه. فأما ابن ملجم المرادى فخرج فلقى أصحابه بالكوفة فكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره فرأى ذات يوم أصحابا له من تيم الرباب وكان على عليه السلام قتل منهم يوم النهروان عددا فذكروا قتلاهم ولقى من يومه ذلك امرأة منهم يقال لها قطام وكان على قتل أباها وأخاها وكانت فائقة الجمال فلما رآها التبس عقله فنسى حاجته التى جاء لها فخطبها فقالت لا اتزوجك حتى تشتفي لي قال وما تشائين قالت ثلاثة آلاف وعبدا وقينة وقتل على بن أبي طالب قال هو مهرك فأما قتل على فلا أراك تدركينه ولكن أضربه ضربة قالت فالتمس غرته فان أصبته انتفعت بنفسك ونفسي وان هلكت فما عند الله خير وأبقى لك من الدنيا وزبرج أهلها. فقال والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل على بن أبي طالب قالت فإذا أدركت ذلك فانى أطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك على أمرك فبعثت إلى رجل من أهلها من تيم الرباب يقال له وردان فكلمته فأجابها وجاء ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له هل لك في شرف الدنيا والآخرة قال وما ذاك قال قتل على بن أبي طالب قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا أدا كيف تقدر على ذلك قال اكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه فان نجونا شفيت أنفسنا وأدركنا ثارنا وان قتلنا فما عند الله خير من الدنيا فقال له ويحك

[ 57 ]

لو كان غير علي كان أهون علي قد عرفت بلاءه في الإسلام وسابقته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أجدني أنشرح لهذا قال ألم تعلم انه قتل أهل النهر العباد المصلين قال بلى قال فنقتله بمن قتل من اخواننا. فأجابه فجاؤا حتى دخلوا على قطام وهى في المسجد الأعظم معتكفة فيه فقالوا لها قد أجمع رأينا على قتل على بن أبي طالب قالت فإذا أردتم ذلك فأتوني ثم عادوا ليلة الجمعة التي قتل علي في صبيحتها سنة أربعين فقال هذه الليلة التي وعدت فيها صاحبي أن يقتل كل واحد منا صاحبه فأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي فلما خرج شد عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو بالطاق وضربه ابن ملجم بالسيف وهرب وردان فدخل منزله ودخل عليه رجل من بني أمية ورأى سيفه فسأله فعرفه فقتله وخرج شبيب نحو أبواب كندة فلقيه رجل من حضرموت وفي يد شبيب السيف فقبض عليه الحضرمي وأخذ سيفه فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خاف على نفسه فتركه فنجا في غمار الناس. فشدوا على ابن ملجم فأخذوه وشد عليه رجل من همدان فضرب رجله فصرعه وتحامل علي عليه السلام فصلى بالناس الغداة وقال على بالرجل فأدخل عليه فقال أي عدو الله ألم أحسن اليك قال بلى قال فما حملك على هذا قال شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه قال على فلا أراك إلا مقتولا به وما أراك إلا من شر خلق الله عز وجل. فذكروا أن محمد بن حنيف قال والله إني لأصلى تلك الليلة في رجال كثير من المصر قريبا من السدة من أول الليل إلى آخره إذ خرج علي لصلاة الغداة فجعل ينادى أيها الناس الصلاة الصلاة فنظرت إلى بريق السيوف وسمعت قائلا يقول الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك فرأيت سيفا ثم

[ 58 ]

رأيت ثانيا وسمعت عليا يقول لا يفوتنكم الرجل وشد عليه الناس من كل جانب فلم أبرح حتى أخذ وأدخل على علي فدخلت فسمعت عليا يقول النفس بالنفس فان هلكت فاقتلوه كما قتلني فان بقيت رأيت فيه رأيى. ودخل الناس على الحسن فزعين وابن ملجم مكتوف بين يديه فنادت أم كلثوم بنت علي أي عدو الله انه لا بأس على أمير المؤمنين والله مخزيك فقال لعنه الله على ما تبكين إذا والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة بجميع أهل المصر ما بقى منهم أحد. قال ودعى علي حسنا وحسينا عليهما السلام فقال أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وان بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما وقولا بالحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع واصنعا للأخرى وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا اعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومه لائم ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال نعم قال فانى أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك فلا توثق أمرا دونهما ثم قال أوصيكما به فانه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه وقال للحسن أوصيك يا بنى بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها فانه لا صلاة إلا بطهور ولا تقبل الصلاة ممن منع الزكاة وأوصيك بعفو الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمور والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجتناب الفواحش فلما حضرته الوفاة أوصى فكانت وصيته عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به على بن أبي طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله أرسله

[ 59 ]

بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ثم إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدى وأهلي ومن يبلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام فانظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب والله الله في الأيتام فلا تغيروا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم والله الله في جيرانكم فانه وصية نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم والله الله في القرآن فلا يسبقكم بالعمل به غيركم والله الله في الصلاة فانها عمود دينكم والله الله في بيت ربكم فلا تخلون به ما بقيتم فانه إن يترك لن تناظروا والله الله في شهر رمضان فان صيامه جنة من النار والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم والله الله في الزكاة فانها تطفئ غضب الرب والله الله في ذرية نبيكم فلا تظلموا بين ظهرانيكم والله الله في أصحاب نبيكم فأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين فاشركوهم في معاشكم والله الله فيما ملكت أيمانكم فان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قال أوصيكم بالضعيفين نساؤكم وما ملكت أيمانكم الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيتولى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم أستودعكم الله واقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

[ 60 ]

ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض عليه السلام في شهر رمضان سنة أربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات. وكان عليه السلام نهى الحسن عن المثلة فقال يا بنى عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي انظر يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة ولا تمثل بالرجل فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. فلما قبض عليه السلام بعث الحسن عليه السلام إلى ابن ملجم فقتله ولفه الناس في البوارى وأحرقوه وكان أنفذ إلى الحسن يقول إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به اني عاهدت الله أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما فان شئت خليت بينى وبينه ولك الله على أن أقتله فان قتلته وبقيت لآتينك حتى أضع يدى في يدك فقال أما والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله. وذكر أبو المؤيد في مناقبه يرفعه ان عليا عليه السلام قال لأم كلثوم يا بنية ما أرانى إلا قل ما أصحبكم قالت ولم يا أبة ؟ قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البارحة في المنام وهو يمسح الغبار عن وجهى ويقول لي يا على لا عليك قضيت ما عليك. وعنه قال لما ضرب على عليه السلام تلك الضربة قال فما فعل ضاربي ؟ أطعموه من طعامي واسقوه من شرابي فان عشت فأنا أولى بحقى وان مت فاضربوه ضربة ولا تزيدوه عليها ثم أوصى الحسن فقال لا تغال في كفني فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا تغالوا في الكفن وامشوا بين المشيتين فان كان خيرا عجلتموني وان كان شرا ألقيتموني عن اكتافكم.

[ 61 ]

وبالإسناد عن الزهري قال قال عبد الملك بن مروان أي واحد أنت ان حدثتني ما كانت علامة يوم قتل على عليه السلام قال يا أمير المؤمنين ما رفعت حصاة ببيت المقدس إلا كانت تحتها دم عبيط فقال إني وإياك غريبان في هذا الحديث. وعنه قال أبو القاسم الحسن بن محمد المعروف بابن الرفا بالكوفة قال كنت بالمسجد الحرام فرأيت الناس مجتمعين حول مقام ابراهيم فقلت ما هذا قالوا راهب أسلم فأشرفت عليه فإذا شيخ كبير عليه جبة صوف وقلنسوة صوف عظيم الخلق وهو قاعد بحذاء مقام ابراهيم فسمعته يقول كنت قاعدا في صومعتي فأشرفت منها فإذا طائر كالنسر قد سقط على صخرة على شاطئ البحر فتقيأ فرمى بربع إنسان ثم طار فتفقدته فعاد فتقيأ فرمى بربع إنسان كذا إلى أن تقيأ باقيه ثم طار فدنت الأرباع فقام رجلا فهو قائم وأنا أتعجب حتى انحدر الطير فضربه وأخذ ربعه وطار وفعل به في الثلاثة الأرباع كذلك فبقيت أتفكر وأتحسر ألا أكون سألته من هو ؟ فبقيت أتفقد الصخرة حتى رأيت الطير فأقبل وفعل كما فعل فالتامت الأرباع وصار رجلا فنزلت وقمت بازائه ودنوت منه وسألته من أنت ؟ فسكت عنى فقلت بحق من خلقك من أنت ؟ فقال أنا ابن ملجم فقلت وما فعلت ؟ قال قتلت على بن أبي طالب فوكل الله بي هذا الطائر يقتلنى كل يوم قتلة فهذا خبرى وانقض الطائر ؟ ؟ فأخذ ربعه وطار فسألت عن على ؟ فقالوا: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلمت. قلت قد اختصرت بعض ألفاظ هذه القصة لما فيها من تكرار فاثبت معناها وهى تناسب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله عليه السلام من أشقى الناس ؟ قال عاقر الناقة وضاربك على يافوخك هذا.

[ 62 ]

وعنه عن عثمان بن المغيرة قال لما أن دخل رمضان كان على يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند ابن عباس لا يزيد على ثلاث لقم يقول يأتيني أمر الله وأنا خميص إنما هي ليلة أو ليلتان فأصيب من الليل يقال فلان خميص الحشا أي ضامر البطن. وباسناده عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: ولى على بن أبي طالب خمس سنين وقتل سنة أربعين من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة قتل يوم الجمعة الحادى والعشرين من شهر رمضان ومات يوم الأحد ودفن بالكوفة. وباسناده عن جابر قال إني لشاهد لعلى وقد أتاه المرادى يستحمله فحمله ثم قال: عذيري من خليلي من مراد * * أريد حباءه ويريد قتلى. كذا أورده فخر خوارزم والذي نعرفه أريد حباءه ويريد قتلى * عذيري البيت ثم قال هذا والله قاتلي قالوا يا أمير المؤمنين أفلا تقتله ؟ قال لا فمن يقتلنى إذا ثم قال أشدد حيازيمك للموت * * فان الموت لاقيك ولا تجزع من الموت * * إذا حل بناديك - لفظ اشدد زيادة على عروض البيت الحيزوم وسط الصدر وما يشد عليه الحزام والحزيم مثله. وباسناده قال اسماعيل بن عبد الرحمن كان عبد الرحمن بن ملجم المرادى عشق امرأة من الخوارج من تيم الرباب يقال لها قطام فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل على بن أبي طالب عليه السلام ففى ذلك قال الفرزدق

[ 63 ]

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * * كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * * وضرب على بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من على وان غلا * * ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم. وذكرت بهذه الأبيات قول القائل: فلا غرو للأشراف قد عبثت بها * * ذئاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشى سقت حمزة الردى * * وحتف على من حسام ابن ملجم. وذكر الشيخ كمال الدين بن طلحة رحمه الله في كتاب مناقبه قال قد تقدم القول في ولادته وبيان وقتها وإذا كان مبدأ عمره مضبوطا وهو الطرف الأول وكان آخر عمره مضبوطا وهو الطرف الثاني يستلزم ذلك ظهور مقدار مدة عمره وقد صح النقل أنه عليه السلام ضربه عبد الرحمان بن ملجم ليلة الجمعة لكن قيل لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل لتسعة عشر ليلة وقد نقله جماعة وقيل ليلة الحادى والعشرين من شهر رمضان وقيل ليلة الثالث والعشرين منه ومات ليلة الأحد ثالث ليلة ضرب من سنة أربعين للهجرة فيكون عمره خمسا وستين سنة وقيل بل كان ثلاثا وستين وقيل بل ثمان وخمسين سنة وقيل بل كان سبعا وخمسين سنة وأصح هذه الأقوال هو القول الأول فانه يعضده ما نقل عن معروف رضى الله عنه قال سمعت من أبي جعفر محمد بن على الرضا سلام الله عليهما يقول قتل على بن أبي طالب وله خمس وستون سنة فهذه مدة عمره. وأما تفصيل قتله فقد نقل أنه عليه السلام لما فرغ من قتل الخوارج وأخذ في الرجوع إلى الكوفة سبقه عبد الرحمان بن ملجم إلى الكوفة يبشر أهلها بهلاك الشراة الخوارج فمر بدار من دور الكوفة فيها جمع فخرج منها نسوة فرأى فيهن امرأة يقال لها قطام بنت الأصبغ التميمي بها مسحة من حسن فأحبها

[ 64 ]

وساق كمال الدين حديث قتله قريبا مما أورده فخر خوارزم. وقال فخرج في تلك الليلة وفي داره أوز فلما صار في صحن الدار تصايح في وجهه فقال عليه السلام صوايح تتبعها نوايح وقيل صوارخ فقال ابنه الحسن عليهما السلام ما هذه الطيرة ؟ فقال يا بنى لم أتطير ولكن قلبي يشهد أني مقتول وقال انه ضربه وقد استفتح وقرأ وسجد سجدة فضربه على رأسه فوقعت الضربة على ضربة عمرو بن ود يوم الخندق بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ابن طلحة فلما مات عليه السلام غسله الحسن والحسين ومحمد يصب الماء ثم كفن وحنط وحمل ودفن في جوف الليل بالغرى وقيل بين منزله والجامع الأعظم والله أعلم. قال وإذا كانت مدة عمره عليه السلام خمسا وستين سنة على ما ظهر فاعلم منحك الله بالطاف تأييده انه عليه السلام كان بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أول عمره خمسا وعشرين سنة فمنها بعد المبعث والنبوة ثلاث عشرة سنة وقبلها اثنى عشرة سنة ثم هاجر وأقام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة إلى أن توفى عشر سنين ثم بقى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قتل ثلاثين سنة فذلك خمس وستون (سنة آخر كلامه). وقال الشيخ المفيد رضى الله عنه قريبا مما ذكره ابن طلحة رحمه الله والخوارزمي وزاد على ما أورده انهم كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الأشعث بن قيس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين وواطأهم عليه وحضر الأشعث بن قيس في تلك الليلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه وكان حجر بن عدى رحمه الله في تلك الليلة بائتا في المسجد فسمع الأشعث يقول لابن ملجم النجا النجا بحاجتك فقد فضحك الصبح فأحس حجر بما أراد الأشعث فقال له قتلته يا أعور وخرج مبادرا ليمضى إلى أمير المؤمنين ليخبره الخبر ويحذره

[ 65 ]

القوم فخالفه أمير المؤمنين عليه السلام فدخل المسجد فسبقه ابن ملجم لعنه الله فضربه بالسيف وأقبل حجر والناس يقولون قتل أمير المؤمنين. وقال المفيد رحمه الله وهرب القوم نحو أبواب المسجد وتبادر الناس لأخذهم فأما شبيب بن بجرة فأخذه رجل وصرعه وجلس على صدره وأخذ السيف من يده ليقتله فرأى الناس يقصدون نحوه فخشى أن يعجلوا عليه ولا يسمعوا منه فوثب عن صدره وخلاه وطرح السيف عن يده ومضى شبيب هاربا حتى دخل منزله ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره فقال له ما هذا لعلك قتلت أمير المؤمنين فأراد أن يقول لا فقال نعم فمضى ابن عمه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله. وأما ابن ملجم لعنه الله فان رجلا من همدان لحقه فطرح عليه قطيفة كانت في يده ثم صرعه وأخذ السيف من يده وجاء به إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأفلت الثالث فانسل بين الناس ولما دخل ابن ملجم لعنه الله على أمير المؤمنين عليه السلام نظر إليه ثم قال النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن سلمت رأيت فيه رأيى فقال ابن ملجم لعنه الله والله لقد ابتعته بألف وسممته بألف فان خاننى فأبعده الله قال ونادته أم كلثوم يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين قال إنما قتلت أباك قالت يا عدو الله اني لأرجو أن لا يكون عليه بأس فقال لها فأراك إنما تبكين على إذا ؟ والله لقد ضربته ضربة لو قسمت على أهل المصر لأهلكتهم فأخرج من بين يدى أمير المؤمنين وان الناس لينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع وهم يقولون يا عدو الله ماذا فعلت أهلكت أمة محمد وقتلت خير الناس وانه لصامت ما ينطق وجاء الناس إلى أمير المؤمنين فقالوا مرنا بأمرك في عدو الله فقد أهلك الأمة وأفسد الملة فقال لهم إن عشت رأيت فيه رأيى وان هلكت فاصنعوا به ما يصنع

[ 66 ]

بقاتل النبي أقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار. وروى أحمد بن حنبل في مسنده قال لما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا عليه السلام الضربة قال علي عليه السلام افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل برجل أراد قتله فقال اقتلوه ثم حرقوه فلما قضى أمير المؤمنين عليه السلام نحبه وفرغ أهله من دفنه جلس الحسن عليه السلام وأمر أن يؤتى بابن ملجم فجئ به فلما وقف بين يديه قال يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين وأعظمت الفساد في الدين ؟ ثم أمر به فضربت عنقه واستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه لتتولى إحراقها فوهبها لها فأحرقتها بالنار. وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على قتل معاوية وعمرو ابن العاص فان أحدهما ضرب معاوية وهو راكع فوقعت ضربته في إليته ونجا منها وأخذ فقتل من وقته وأما الآخر فانه وافى عمرو بن العاص في تلك الليلة وقد وجد علة فاستخلف رجلا يصلى بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة العامري فضربه بسيفه وهو يظن أنه عمرو بن العاص فأخذ وأتى به عمرا فقتله ومات خارجة في اليوم الثاني. قلت هذا موضع بيت ابن زيدون وقد تقدم. فليتها إذ فدت عمرا بخارجة * * فدت عليا بمن شاءت من البشر. هذا آخر ما ذكره المفيد رحمه الله في حديث مقتله وإنما أوردته ليعلم موضع نقل أصحابنا وأصحابهم فيه فما الخلاف فيه بطائل. وقد ورد في موضع مدفنه بالغري من جهة أصحابنا ما هو كاف شاف وليس ذكر ذلك مما يتعلق به غرض والخلاف فيه ظاهر كل الشيعة متفقون على أنه دفن بالغري حيث هو معروف الآن يزار بأخبار يروونها عن السلف وفيهم الإمام المعصوم والجمهور يذكرون مواضع أحدها هذا الموضع وهذا لا يضرنا فيه خلاف من خالف وليكن هذا القدر كافيا والله المستعان

[ 67 ]

ذكر أولاده الذكور والاناث عليه وعليهم السلام قال المفيد رحمه الله أولاد أمير المؤمنين عليه السلام سبعة وعشرون ولدا ذكرا وأنثى الحسن والحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكناة أم كلثوم أمهم فاطمة البتول سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين ومحمد المكنى أبا القاسم أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية وعمر ورقية كانا توأمين وأمهما أم حبيبة بنت ربيعة والعباس وجعفر وعثمان وعبد الله الشهداء مع أخيهم الحسين صلوات الله عليه وعليهم السلام بطف كربلا أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم ومحمد الأصغر المكنى أبا بكر وعبيد الله الشهيدان مع أخيهما الحسين عليه السلام بالطف أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية رضى الله عنها وأم الحسن ورملة أمهما أم مسعود بن عروة بن مسعود الثقفى ونفيسة وزينب الصغرى ورقية الصغرى وأم هاني وأم الكرام وجمانة المكناة بأم جعفر وأمامة وأم سلمة وميمونة وخديجة وفاطمة رحمة الله عليهن لأمهات أولاد شتى. وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرا كان سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو حمل محسنا فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون ولدا والله أعلم. وقال كمال الدين بن طلحة رحمه الله (الفصل الحادى عشر) في ذكر

[ 68 ]

أولاده عليه السلام اعلم أيدك الله بروح منه ان أقوال الناس اختلفت في عدد أولاده عليه السلام ذكورا واناثا فمنهم من أكثر فعد منهم السقط ولم يسقط ذكر نسبه ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب في العدة به فجاء قول كل واحد بمقتضى ما اعتمده في ذلك ويحسبه والذي نقل من كتاب صفوة الصفوة وغيره من تأليف الأئمة المعتبرين أن أولاده الذكور أربعة عشر ذكرا وأولاده الاناث تسعة عشر انثى وهذا تفصيل أسمائهم. الذكور الحسن والحسين ومحمد الأكبر وعبيد الله وأبو بكر والعباس وعثمان وجعفر وعبد الله ومحمد الأصغر ويحيى وعون وعمر ومحمد الأوسط عليه السلام. الاناث زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى وأم الحسن ورملة الكبرى أم هاني وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى ورقية وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة وتقية بنت أخرى لم يذكر اسمها ماتت صغيرة. وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك وذكروا فيهم محسنا شقيقا للحسن والحسين عليهما السلام كان سقطا فالحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم هؤلاء الأربعة رضى الله عنهم من الطهر البتول فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومحمد الأكبر هو ابن الحنفية واسمها خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية وقيل غير ذلك وعبيد الله وأبو بكر أمهما ليلى بنت مسعود والعباس وعثمان وجعفر وعبد الله وأمهم أم البنين بنت حزام بن خالد ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس ومحمد الأوسط أمه امامة بنت أبي العاص وهذه امامة هي بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأم الحسن ورملة الكبرى أمهما أم سعيد بنت عروة فهؤلاء من المعقود عليهن نكاحا

[ 69 ]

وبقية الأولاد من أمهات شتى أمهات أولاد. وكان يوم قتله عليه السلام عنده أربع حراير في نكاح وهن أمامة بنت أبي العاص وهى بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها بعد موت خالتها البتول فاطمة عليها السلام وليلى بنت مسعود التميمية وأسماء بنت عميس الخثعمية وأم البنين الكلابية وأمهات أولاد ثمانية عشر أم ولد. هذا آخر ما أردت إثباته من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأنا أعتذر إلى كرمه من التقصير وأتنصل من ميلى في جميع مزاياه إلى المعاذير كونى إذ شرعت في إثباتها لم أستقصها وحين عددتها لم أحصها وقد ضرب قبل المثل مكره أخوك لا بطل وما ذاك إلا لعجزي عن الإحاطة بمفاخره وقصوري عن الإتيان بمآثره وكيف أحصى شرف من صاحبه المجد فما جانبه ووافقه السداد فما فارقه وحالفه الرشاد فما خالفه الله يؤيده والقرآن يعضده والرسول يسدده وهمته تنجده والطاهرة زوجته وولدها ولده الطهارة تكتنفه والنسب الهاشمي يعرفه والقرابة القريبة تشرفه والاخوة تقدمه والصهر يعظمه وأنفسنا تكرمه والأب شريف الفخار والعم أسد الله الكرار والأخ جعفر الطيار والأم ذات الشرف والفخار في الدين متين ومن النبي مكين وعلى أسراره أمين ولكشف الكروب عن وجهه ضمين فما الليث الخادر أجرى منه جنانا ولا الغيث الماطر أندى منه بنانا ولا السيف الباتر أمضى منه لسانا الفتى بشهادة جبرئيل المؤمن باسجال التنزيل المجاهد في ذات الله بحكم البرهان والدليل المتصدق وكل مانع أو بخيل المناجى لما جفا الصديق وضن بالقليل الهادى فما عراه لبس ولا تضليل سيد أبو سيدين فارس بدر واحد وحنين زوج البتول أبو الريحانتين قرار القلب قرة العين وأي شرف ما افترع هضابه وأي فخر

[ 70 ]

ما أفضى ركابه وأي معقل عز ما فتح بابه وأي منار مجد ما امتطى غاربه وأي أمد جلال ما حاز مشارقه ومغاربه أحاطت به الرئاسة من كل جهاته وظهرت السماحة والحماسة من صلاته وصولاته وبذ النظراء ولا نظير له في دينه المتين وصلواته وجرى بارادة الله ورسوله في حركاته وسكناته فعفافه وطهارته متساويان في منامه ويقظاته سيف الله وحجته وصراطه المستقيم ومحجته وماذا عسى أن أقول وفي أي جلباب أوصافه أجول وفي أي نعوته أطلق لساني وبأى روية أفكر فيما له من المعاني وأين ثمرات سوده من يد الجاني ؟ وما قصرت عنها إلا وغيري مقصر ولا قهقرت إلا وغيري مقهقر وما اعتذرت إلا في موضع الاعتذار ولا ثنيت جواد بلاغتي إلا بعد أن قصرت الجياد في هذا المضمار وحبي يقتضى المبالغة في الإكثار وصعوبة هذه السبيل تحملني على الاقتصار وما أشبه الحال بقول من قال أحبك حبا لو يفض يسيره * على الخلق مات الخلق من شدة الحب وأعلم اني بعد ذاك مقصر * لأنك في أعلى المراتب من قلبي فالبيت الثاني وصف حالى ومن الله ذى المعالى أسال أن يجعل ما اعتمدته في جميع هذا الكتاب خالصا لوجهه الكريم وموجبا لإحسانه العميم وامتنانه الجسيم فيه تعالى وتقدس اهتدينا إلى محبتهم واليه جل وعلا نتقرب بمودتهم وهم الأدلاء على الله الكريم والهداة إلى نهجه القويم وصراطه المستقيم والملازمة واضحة الدليل وعلى الله قصد السبيل. نجز جزء الأول من كشف الغمة في معرفة الأئمة نقلا من نسخة بخط المولى الصدر الكبير العالم العامل الكامل جامع شتات الفضائل المبرز على الأواخر والأوائل مجد الدين الفضل بن يحيى بن على بن المظفر بن الطيبي تغمده الله برحمته وحشره بكرمه مع ساداته وأئمته والنسخة المشار إليها

[ 71 ]

منقولة من نسخة الأصل بخط المصنف قدس الله روحه ونور ضريحه مقابلة به وقع الفراغ منه يوم السبت لثلاث ليال بقين من شهر رمضان المبارك من سنة تسع وسبعمائة الهلالية على يد كاتبه أضعف عباد الله وأحوجهم إلى رحمته محمد بن محمد بن حسن بن الطويل الحلى الصفار الساكن يومئذ بواسط القصب رحم الله من نظر فيه وسأل الله مغفرة ذنوبه وستر عيوبه والحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على خير خلقه محمد بن عبد الله خاتم النبين وسيد المرسلين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه الكرام المنتجبين وهو حسبي ونعم الوكيل ويتلوه في الجزء الثاني أخبار سيدة نساء العالمين فاطمة ابنة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبار الأئمة من ولدها عليهم السلام حسب ما شرط في صدر الكتاب والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد النبي وآله الطاهرين صورة ما كان مكتوبا على مجلد الأصل بخط المصنف أسكنه الله بحبوحة جنانه نجز الجزء الأول من كشف الغمة في معرفة الأئمة على يد جامعه أفقر عباد الله إلى رحمته وشفاعة نبيه وأئمته على بن عيسى بن أبي الفتح الإربلى عفا الله عنه في ثالث شعبان من سنة ثمان وسبعين وستمائة ببغداد في داره بالجانب الغربي على شاطئ دجلة ويتلوه بعون الله وحسن توفيقه في المجلد الثاني أخبار سيدة نساء العالمين فاطمة ابنة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وعليها وعلى بعلها وأخبار الأئمة من ولدها عليهم السلام حسب ما شرطناه في صدر هذا الكتاب والحمد لله بجميع محامده كما هو أهله ومستحقه وصلواته على

[ 72 ]

سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا. إلى هنا كلام المؤلف ره ورضى عنه وأرضاه بحق سيد العالمين محمد وآله المعصومين وحشره ؟ ؟ معهم في عقبى. وكان على أصل هذه النسخة اجازة لمجد الدين الفضل بن يحيى الطيبي رحمه الله تعالى من جامع هذا الكتاب قدس الله روحه ونور ضريحه وجعل الأئمة الاثنى عشر عليه السلام في الجنة مصابيحه بمنه وسعة رحمته وهذه صورتها قرأت هذا الكتاب وهو الجزء الأول من كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة على جامعه المولى الصدر والصاحب الكبير المعظم مولى الأيادي ملك العلماء والفضلاء واسطة العقد أبي الحسن على بن السعيد فخر الدين عيسى ابن أبي الفتح الإربلى أطال الله عمره وأجزل ثوابه وحشره مع أئمته وسمعه الجماعة المسمون فيه وهم الصدر عماد الدين عبد الله بن محمد بن مكى والشيخ العالم الفقيه شرف الدين أحمد بن عثمان النصيبي المدرس المالكى وشرف الدين أحمد بن الصدر تاج الدين محمد ولد مؤلفه ووالده المذكور سمعا بعضا وأجيز لهما الباقي والصدر الكبير عز الدين أبو على الحسن بن أبي الهيجاء الأربلي وتاج الدين أبو الفتح بن حسين بن أبي بكر الإربلى سمع الجميع والشيخ العالم مولانا ملك الفضلاء والعلماء أمين الدين عبد الرحمان بن على بن أبي الحسن الجزرى الأصل الموصلي المنشأ سمعه أجمع معارضا بنسخة الأصل وحسن بن اسحاق بن ابراهيم بن عياش الموصلي سمعه جميعه ومحمود بن

[ 73 ]

على بن أبي القاسم سمع بعضا وأجيز البعض والشيخ العالم تقى الدين ابراهيم ابن محمد بن سالم سمع المجلسين الأخيرين وأجيز له الباقي وكتب العبد الفقير إلى رحمة الله وشفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرة الفضل بن يحيى بن على ابن المظفر بن الطيبى كاتبه وذلك في مجالس عدة آخرها الاثنين رابع عشرى شهر رمضان المبارك من سنة إحدى وتسعين وستمائة وصلواته على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسمع السيد شمس الدين محمد بن الفضل العلوى الحسنى بعضا وأجيز له البعض وكتب في التاريخ المذكور وهو رابع عشر شهر رمضان من السنة. هذا صحيح وقد أجزت لهم نفعهم الله لهم وإيانا رواية ذلك عنى بشروطه وكتب العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى عبد الله على بن عيسى بن أبي الفتح في التاريخ حامد الله ومصليا على رسوله وآله الطاهرين وسمع على (عيسى خ ل) ابن محمد ابن جامعة بعضا وأجيز الباقي وكتب على بن عيسى.

[ 74 ]

الجزء الثاني من كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة صلوات الله عليهم اجمعين جمع الصاحب الكبير المعظم جامع شتات الفضائل المبرز في جلسات السبق على الأواخر والأوائل مالك ازمة البيان واسطة عقد الزمان ملك الفصحاء قدوة البلغاء بهاء الحق والملة والدين ركن الاسلام والمسلمين أبو الحسن على بن السعيد فخر الدين عيسى بن أبي الفتح الاربلي تغمده الله برحمته ورضوانه وأجزل له مضاعفات الخير من فضله وكرمه واحسانه واسكنه على الغرفات في دار خلده وجنانه بكرمه وامتنانه انه جواد كريم ذو الطول العظيم والفضل العميم وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. قال المؤلف على بن عيسى بن أبي الفتح أيده الله تعالى لا شبهة ان بنى على عليهم السلام لهم شرف ظاهر على بنى الاعمام وفضائل تجرى على ألسنة الخاص والعام ومناقب يرويها كابر عن كابر وسجايا يهديها أول إلى آخر لما ثبت لامير المؤمنين عليه السلام من المفاخر المشهورة والماثر المأثورة والافعال التي هي في صفحات الايام مسطورة وبألسنة الكتاب والاثر مشكورة

[ 75 ]

ولما له من حق السابقة إلى الاسلام والجهاد الذي ثل به عروش عباد الاصنام ولمواقفه التي ذب بها عن رسول الله وقد لاذ من لاذ بالانهزام ولمواساته له في اليقظة وبذل نفسه دونه في المنام ولموضع تربيته إياه وتفرسه فيه الاستعداد وما قارب سن الاحتلام وهذه الصفات تستند إلى نصوص لا شك فيها ولا لبس وكيف لا وقد خصه من تقريبه بما لم يزل يومه فيه مريبا على الامس ورفعه في درج الاصطفاء منتقلا من الكوكب إلى القمر إلى الشمس ونبه على مكانة منه بلسان القرآن نائبا عنه فجعله بمنزلة النفس فعلا شرفه بذلك عن المحاولة وارتفعت سماؤه عن اللمس ومع هذه الشيم والخلال فقد استضافوا بفاطمة عليها السلام إلى مزاياهم مزايا وأنار بها شرفهم فاشرق اشراق المزايا وزادوا بها عزا أفادهم المرباع من المجد والصفايا وقضى لهم القدر بعلو القدر في كل القضايا ولبنى فاطمة عليها السلام على اخوتهم من بنى على شرف إذا عدت مراتب الشرف ومكانة حصلوا منها في الرأس واخوتهم في الطرف وجلالة ادرعوا برودها وعزة ارتضعوا برودها وعلاء بلغ السماء ذات البروج ومحل علا توقلوه فلم يطمع غيرهم في الارتقاء إليه والعروج فانهم شاركوا بنى أبيهم في سؤدد الآباء وانفردوا بسؤدد الامهات وقد أوضح الله ذلك فقال ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات فجمعوا بين مجدين تليد وطريف وضموا إلى علامة تعريفهم علامة تعريف وعدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا وجدا وارتدوا من نسبه من قبل أبيهم بردا ومن قبل أمهم بردا فاصبح كل منهم معلم لطرفين ظاهر الشرفين مترفعا عن الامثال والأنظار متعاليا عن أعين النظار سابقا من يجاريه إلى المضمار وهذا مجال للقلم فيه سنح واجمال له ايضاح وشرح.

[ 76 ]

فلنبدأ الآن بذكر فاطمة عليها السلام التي زاد اشراق هذا النسب باشراق أنوارها واكتسب فخرا ظاهرا من فخارها واعتلى على الانساب بعلو منارها وشرف قدره بشرف محلها ومقدارها فهى مشكاة النبوة التي أضاء لألاؤها وتشعشع ضياؤها وسحت بسحب الغر أنواؤها وعقيلة الرسالة التي علت السبع الشداد مراتب علا وعلاء ومناصب آل وآلاء ومناسب سنا وسناء الكريمة الكريمة الأنساب الشريفة الشريفة الأحساب الطاهرة الطاهرة الميلاد الزهراء الزهراة الأولاد السيدة باجماع أهل السداد الخيرة من الخير ثالثة الشمس والقمر بنت خير البشر أم الأئمة الغرر الصافية من الشوب والكدر الصفوة على رغم من جحد أو كفر الحالية بجواهر الجلال الحالة في اعلى رتب الكمال المختارة على النساء والرجال صلى الله عليها وعلى ابيها وبعلها وبنيها السادة الأنجاب وارثي النبوة والكتاب وسلم وشرف وكرم وعظم. فاطمة عليه السلام قال المؤلف على بن عيسى بن أبي الفتح ايده الله تعالى اذكر على عادتي ما ورد في أمرها من طرق الجمهور واذكر بعد ذلك ما أورده أصحابنا. قال ابن الخشاب في تاريخ مواليد ووفات أهل البيت نقله عن شيوخه يرفعه عن أبي جعفر محمد بن على قال ولدت فاطمة بعد ما أظهره الله نبوة نبيه وأنزل عليه الوحى بخمس سنين وقريش تبنى البيت وتوفيت ولها ثمانية عشر سنة وخمسة وسبعين يوما وفي رواية صدقة ثمانية عشرة سنة وشهر وخمسة عشر يوما وكان عمرها مع ابيها عليها السلام بمكة ثمانية سنين

[ 77 ]

وهاجرت إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقامت معه عشر سنين فكان عمرها ثمانية عشرة سنة فاقامت مع على أمير المؤمنين بعد وفاة ابيها خمسة وسبعين يوما وفي رواية اخرى أربعين يوما وقال الذارع أنا اقول فعمرها على هذه الرواية ثمانية عشرة سنة وشهر وعشرة أيام وولدت الحسن ولها أحد عشر سنة بعد الهجرة بثلاث سنين آخر كلامه. ونقلته من نسخة بخط ابن وضاح على ما كتبه بصورته وقد أجاز لي رواية كل ما يرويه ونقلت من كتاب معالم العترة النبوية العلية ومعارف أئمة أهل البيت الفاطمية العلوية تصنيف الحافظ أبي محمد عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى رحمه الله وهذا الكتاب ارويه اجازة عن الشيخ تاج الدين على بن انجب بن الساعي رحمه الله عن مصنفه قال ام الأئمة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وامها خديجة بنت خويلد بن أسد رضوان الله عليها. وروى باسانيده مرفوعا إلى قتادة عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة بنت محمد. وباسناده إلى أحمد بن حنبل يرفعه إلى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد عليهم السلام وآسية امرأة فرعون. وباسناده عن انس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ومنه قالت عائشة رضى الله عنها لفاطمة عليها السلام ألا ابشرك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول سيدات نساء أهل الجنة أربع مريم بنت عمران وفاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.

[ 78 ]

وباسناده عن أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة خير نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران. ومنه عن على عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا كان يوم القيامة قيل يا أهل الجمع غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليها ريطتان خضراوان قال أبو مسلم قال لي أبو قلابة وكان معنا عند عبد الحميد حلتان حمراوان. وبإسناده مرفوعا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن حسين بن على عن امه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم قالت خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشية عرفة فقال ان الله عز وجل باهى بكم وغفر لكم عامة ولعلى خاصة وانى رسول الله عز وجل اليكم غير محاب لقرابتي ان السعيد كل السعيد من احب عليا في حياته وبعد موته. ومنه عن أبي فاختة انه سمع عليا يقول استأذن علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مضاجع فاطمة وحسن وحسين إلى جنبها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان هذا يعنى عليا وابناك وهما الحسن والحسين يوم القيامة إلى مكان واحد. قلت كذا رأيته في هذه النسخة وأنا أنقله من غير هذا الكتاب أوضح من هذا اذكره في مكانه ان شاء الله تعالى. ونقلت من مسند احمد بن حنبل رحمه الله وقد تقدم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد حسن وحسين وقال من أحبنى وأحب هذين وأباهما وامهما كان معى في درجتي في الجنة يوم القيامة. ومنه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سافر آخر عهده بانسان من أهله فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليها السلام قال فقدم من غزاة فأتاها فإذا هو بمسح

[ 79 ]

على بابها ورأى على الحسن والحسين عليهما السلام قلبين من فضة فرجع ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك فاطمة ظنت انه لم يدخل عليها من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان فقسمته بينهما فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما يبكيان فاخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهما وقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى بنى فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فان هؤلاء أهل بيتى ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. ومن المسند عن حذيفة بن اليمان قال سألتنى أمي متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فقلت لها منذ كذا وكذا قال فنالت منى وسبتني قال فقلت لها دعينى فانى آتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك قال فاتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصليت معه المغرب فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء ثم انفتل فتبعته فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي فقال من هذا فقلت حذيفة قال ما لك فحدثته بالأمر فقال غفر الله لك ولامك ثم قال أما رأيت العارض الذي عرض لي قبل قال قلت بلى قال هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه عز وجل أن يسلم على ويبشرني ان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وان فاطمة سيدة نساء العالمين. ومنه ولعله قد تقدم عن أبي هريرة قال نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى على والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم فقال أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم. ومنه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد

[ 80 ]

وآسيه بنت مزاحم امرأة فرعون. ومن المسند عن عائشة رضى الله عنها قالت أقبلت فاطمة عليها السلام تمشى كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال مرحبا يا ابنتى ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم انه أسر إليها حديثا فبكت فقلت استخصك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديثه ثم تبكين ثم أنه أسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال ؟ فقلت ما كنت لافشى سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألتها فقالت أسر إلى فقال ان جبرئيل عليه السلام كان يعارضنى بالقرآن في كل عام مرة وانه عارضنى به العام مرتين ولا أراه إلا قد حضر أجلى وإنك أول أهل بيتى لحوقا بي ونعم السلف أنا لك فبكيت لذلك فقال ألا ترضين أن تكون سيدة نساء هذه الامة أو نساء المؤمنين - ؟ قالت فضحكت لذلك. ؟ ومنه عن عائشة قالت لما مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا ابنته فاطمة فسارها فبكت ثم سارها فضحكت فسألتها عن ذلك ؟ فقالت أما حيث بكيت فانه اخبرني انه ميت فبكيت ثم أخبرني أني أول أهل بيته لحوقا به فضحكت. وروى الحافظ عبد العزيز الجنابذى المذكور آنفا في كتابه المذكور يرفعه إلى عائشة قالت ما رأيت أحدا اشبه حديثا وكلاما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة وكانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها قامت إليه فقبلته وأخذت بيده فأجلسته في مكانها من غير الكتاب ولعل الناسخ سها فالحديث معروف فدخلت عليه في مرضه الذي توفى فيه وذكرت بمعناه من السرار والضحك والبكاء. أقول هذا الحديث قد ورد من عده طرق وقد دل بمضمونه على أن

[ 81 ]

فاطمة عليها السلام هي سليلة النبوة ورضيعة در الكرم والأبوة ودرة صدف الفخار وغرة شمس النهار وذبالة مشكاة الأنوار وصفوة الشرف والجود وواسطة قلادة الوجود نقطة دائرة المفاخر قمر هالة المآثر الزهرة الزهراء والغرة الغراء العالية المحل الحالة في رتبة العلاء السامية المكانة المكينة في عالم السماء المضيئة النور المنيرة الضياء المستغنية باسمها عن حدها ووسمها قرة عين أبيها وقرار قلب أمها الحالية بجواهر علاها العاطلة من زخرف دنياها أمة الله وسيدة النساء جمال الآباء شرف الأبناء يفخر آدم بمكانها ويبوح نوح بشدة شأنها ويسمو ابراهيم بكونها من نسله وينجح اسماعيل على اخوته إذ هي فرع أصله وكانت ريحانة محمد من بين أهله فما يجاريها في مفخر إلا مغلب ولا يباريها في مجد إلا مؤنب ولا يجحد حقها إلا مأفون ولا يصرف عنها وجه إخلاصه إلا مغبون. وبيان ذلك وتفصيل جمله ان الطباع البشرية مجبولة على كراهة الموت مطبوعة على النفور منه محبة للحياة مايلة إليها حتى الأنبياء عليه السلام على شرف مقاديرهم وعظم أخطارهم ومكانتهم من الله تعالى ومنازلهم من محال قدسه وعلمهم بما تؤل إليه أحوالهم وتنتهى إليه أمورهم أحبوا الحياة ومالوا إليها وكرهوا الموت ونفروا منه وقصة آدم عليه السلام مع طول عمره وامتداد أيام حياته معلومة. قيل إنه وهب داود عليه السلام حين عرضت عليه ذريته أربعين سنة من عمره فلما استوفى أيامه وحانت منيته وانقضت مده أجله وحم حمامه جاءه ملك الموت يقبضه نفسه التي هي وديعة عنده فلم تطب بذلك نفسه وجزع وقال إن الله عرفني مدة عمرى وقد بقيت منه أربعون سنة فقال إنك وهبتها ابنك داود فأنكر أن يكون ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجحد فجحدت ذريته.

[ 82 ]

ونوح عليه السلام كان أطول الأنبياء عمرا أخبر الله تعالى عنه أنه لبث في قومه الف سنة إلا خمسين عاما فلما دنا أجله قيل له كيف رأيت الدنيا ؟ فقال كدار ذات بابين دخلت في باب وخرجت من باب وهذا يدل بمفهومه على أنه لم يرد الموت ولم يؤثر مفارقة ولا الدنيا استطال أمد الإقامة فيها. وابراهيم عليه السلام روى أنه سأل الله تعالى أن لا يميته حتى يسأله فلما استكمل أيامه التي قدرت له خرج فرأى ملكا على صورة شيخ فان كبير قد أعجزه الضعف وظهر عليه الخراف ولعابه يجرى على لحيته وطعامه وشرابه يخرجان من سبيله من غير اختياره فقال له يا شيخ كم عمرك ؟ فأخبره بعمر يزيد على عمر ابراهيم سنة فاسترجع وقال أنا أصير بعد سنة إلى هذه الحال فسأل الموت. وموسى عليه السلام لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه فأعوره كما ورد في الحديث فقال رب انك أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت فأوحى الله إليه أن ضع يدك على متن ثور ولك بكل شعره وارتها يدك سنة فقال ثم ماذا فقال الموت فقال انته إلى أمر ربك في كلام هذا معناه فان الحديث لم يحضرني وقت نقل هذا الموضع فأثبته بصورة ألفاظه. فهؤلاء الأنبياء (ص) وهم ممن عرفت شرفهم وعلا شأنهم وارتفاع مكانهم ومحلهم في الآخرة وقد عرفوا ذلك وأبت طباعهم البشرية إلا الرغبة في الحياة وفاطمة عليها السلام امرأة حديثة عهد بصبي ذات أولاد صغار وبعل كريم لم تقض من الدنيا اربا وهى في غضارة عمرها وعنفوان شبابها يعرفها أبوها أنها سريعة اللحاق به فتسلو موت أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وتضحك طيبة نفسها بفراق الدنيا وفراق بنيها وبعلها فرحة بالموت مايلة إليه مستبشرة بهجومه مسترسلة عند قدومه وهذا أمر عظيم لا تحيط الألسن بصفته

[ 83 ]

ولا تهتدى القلوب إلى معرفته وما ذاك إلا لأمر علمه الله من أهل هذا البيت الكريم وسر أوجب لهم مزية التقديم فخصهم بباهر معجزاته وأظهر عليهم آثار علائمه وسماته وأيدهم ببراهينه الصادعة ودلالاته والله أعلم حيث يجعل رسالاته الحديث ذو شجون. وروى أحمد في مسنده يرفعه إلى أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وفاطمة سيدة نسائهم صلى الله عليهم إلا ما كان لمريم ابنة عمران فأما آية الطهارة: فقد أوردها أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في مسنده عن أم سلمة وعائشة رضى الله عنهما بطرق كثيرة لفاطمة عليها السلام ولولديها عليهما السلام فيها من الحظ ما لعلى عليه السلام وقد أوردتها في أخباره صلى الله عليه وآله وسلم فلم أعدها هنا وروى ابن خالويه في كتاب الآل قال حدثنى أبو عبد الله الحنبلى قال حدثنا محمد بن أحمد بن قضاعة قال حدثنا أبو معاذ عبدان بن محمد قال حدثنى مولاى أبو محمد الحسن بن على عن أبيه على بن محمد عن أبيه محمد ابن على عن أبيه على بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر ابن محمد عن أبيه محمد بن على عن أبيه على بن الحسين عن أبيه الحسين ابن على عن أبيه على بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خلق الله آدم وحواء تبخترا في الجنة فقال آدم لحواء ما خلق الله خلقا هو أحسن منا فأوحى الله إلى جبرئيل إئت بعبدي الفردوس الأعلى فلما دخلا الفردوس نظر إلى جارية على درنوك من درانيك الجنة وعلى رأسها تاج من نور وفي أذنيها قرطان من نور قد أشرقت الجنان من نور وجهها فقال آدم حبيبي جبرئيل من هذه الجارية التي قد أشرقت الجنان من حسن وجهها فقال هذه فاطمة بنت محمد نبي من ولدك يكون في آخر

[ 84 ]

الزمان قال فما هذا التاج الذي على رأسها ؟ قال بعلها على بن أبي طالب عليه السلام قال ابن خالويه البعل في كلام العرب خمسة أشياء الزوج والصنم من قوله أتدعون بعلا والبعل اسم امرأة وبها سميت بعلبك والبعل من النخل ما شرب بعروقه من غير سقى والبعل السماء والعرب تقول السماء بعل الأرض قال فما القرطان اللذان في أذنيها ؟ قال ولداها الحسن والحسين قال آدم حبيبي أخلقوا قبلى ؟ قال هم موجودون في غامض علم الله قبل أن تخلق بأربعة آلاف سنة. وعن ابن خالويه من كتاب الآل يرفعه إلى على بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام عن على صلى الله عليه وآله وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وزاد ابن عرفة عن رجاله يعرفه إلى أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة عليها السلام على الصراط فتمر ومعها سبعون الف جارية من الحور العين. ومنه عن نافع بن أبي الحمراء قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية أشهر إذا خرج إلى صلاة الغداة مر بباب فاطمة عليها السلام فقال السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). ومن كتاب الآل مرفوعا إلى مالك بن حمامة قال طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متبسما يضحك فقام إليه عبد الرحمان بن عوف فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أضحكك ؟ قال بشارة أتتنى من عند الله عز وجل في

[ 85 ]

ابن عمى وابنتي ان الله تعالى لما زوج فاطمة عليها السلام أمر رضوان فهز شجرة طوبي فحملت رقاقا يعنى بذلك صكاكا بعدد محبينا أهل البيت ثم أنشأ من تحتها ملائكة من نور من بعد فأخذ كل ملك رقا فإذا استوت القيامة بأهلها ماجت الخلائق والملائكة فلا يلقون محبا لنا أهل البيت محضا إلا أعطوه رقا فيه براءة من النار فنثار أخى وابن عمى وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتى من النار هذا الحديث ذكرته في أخبار على عليه السلام وذكرته هنا لما فيه من ذكر فاطمة عليه السلام وكان ذكره عند تزويجه بها عليهما السلام أولى وأينما ذكر فهو دال على شرفهما صلى الله عليهما. ومن كتاب الآل عن الحسين بن على عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يا فاطمة ان الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك. وقد جمع الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى نزيل الرى رحمه الله من أصحابنا كتابا مقصورا على مولد فاطمة عليها السلام وفضائلها وتزويجها وظلامتها ووفاتها ومحشرها صلوات الله على أبيها وعليها وعلى بعلها وعلى الأئمة من ذريتها وأنا أذكر على عادتي ما يسوغ ذكره وان كان مما نقله الجمهور نبهت عليه جريا على طريقتي فيه وبالله التوفيق. روى حديثا مرفوعا إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله عز وجل خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين من نور فعصر ذلك النور عصره فخرج منه شيعتنا فسبحنا فسبحوا وقدسنا فقدسوا وهللنا فهللوا ومجدنا فمجدوا ووحدنا فوحدوا ثم خلق السموات والأرضين وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحا ولا تقديسا فسبحنا فسبحت شيعتنا فسبحت الملائكة وكذلك في البواقى فنحن الموحدون حيث لا موحد غيرنا وحقيق على الله عز وجل

[ 86 ]

كما اختصنا واختص شيعتنا أن ينزلنا وشيعتنا في أعلى عليين ان الله اصطفانا واصطفى شيعتنا من قبل أن تكون أجساما فدعانا فأجبنا فغفر لنا ولشيعتنا من قبل أن نستغفر الله تعالى. قلت قد اختصرت بعض الفاظ هذا الحديث بقولى وكذا في البواقى لأن فيه (وقدسنا فقدست شيعتنا فقدست الملائكة) إلى آخرها ونبهت على ذلك لتعلمه. وروى عن على عليه السلام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله تبارك وتعالى خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين من نور واحد. وعن حذيفة بن اليمان قال دخلت عائشة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقبل فاطمة صلوات الله عليها فقالت له يا رسول الله أتقبلها وهى ذات بعل ؟ فقال لها اما والله لو علمت ودى لها إذا لازددت لها حبا انه لما عرج بى إلى السماء فصرت إلى السماء الرابعة اذن جبرئيل وأقام ميكائيل ثم قال لي ادن فقلت أدنو وأنت بحضرتي ؟ فقال لي نعم ان الله فضل انبياءه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلك أنت خاصة فدنوت فصليت باهل السماء الرابعة فلما صليت وصرت إلى السماء السادسة إذا أنا بملك من نور على سرير من نور عن يمينه صف من الملائكة وعن يساره صف من الملائكة فسلمت فرد على السلام وهو متكئ فأوحى الله عز وجل إليه أيها الملك سلم عليك حبيبي وخيرتي من خلقي فرددت السلام عليه وأنت متكئ ؟ وعزتي وجلالى لتقومن ولتسلمن عليه ولا تقعدن إلى يوم القيامة فوثب الملك وهو يعانقنى ويقول ما أكرمك على رب العالمين يا محمد. فلما صرت إلى الحجب نوديت (آمن الرسول بما أنزل إليه) فالهمت فقلت (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) ثم أخذ جبرئيل

[ 87 ]

عليه السلام بيدى فادخلني الجنة وأنا مسرور فإذا أنا بشجرة من نور مكللة بالنور وفي أصلها ملكان يطويان الحلى والحلل إلى يوم القيامة ثم تقدمت امامى فإذا أنا بقصر من لؤلؤة بيضاء لا صدع فيها ولا وصل فقلت حبيبي جبرئيل لمن هذا القصر قال لابنك الحسن ثم تقدمت امامى فإذا أنا بتفاح لم أر تفاحا هو أعظم منه فأخذت تفاحة ففلقتها فإذا أنا بحوراء كأن أجفانها مقاديم أجنحة النسور فقلت لمن أنت فبكت ثم قالت انا لابنك المقتول ظلما الحسين بن على صلوات الله عليه ثم تقدمت أمامى فإذا أنا برطب ألين من الزبد الزلال وأحلى من العسل فأكلت رطبة منها وأنا اشتهيها فتحولت الرطبة نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ففاطمة حوراء إنسية فإذا اشتقت إلى رايحة الجنة شممت رايحة ابنتى فاطمة صلى الله عليها وعلى ابيها وبعلها. ومنه عن ابن عباس مثله وفيه زيادة تتعلق بفضل أمير المؤمنين عليه السلام وفيه شجرة فقلت لمن هذه الشجرة ؟ فقال لاخيك على بن أبي طالب وهذان الملكان يطويان الحلى والحلل إلى يوم القيامة وليس فيه ذكر الحسن والحسين عليه السلام وفيه فأخذت رطبة فأكلتها فتحولت وفيه قبل هذا فصليت بأهل السماء الرابعة ثم التفت عن يمينى فإذا أنا بابراهيم عليه السلام في روضة من رياض الجنة قد اكتنفه جماعة من الملائكة وفيه فنوديت في السادسة يا محمد نعم الأب أبوك ابراهيم ونعم الأخ أخوك على اقول ربما سمع أمثال هذه الأحاديث التي تفرد أصحابنا الشيعة بنقلها في هذا المعنى وغيره بعض المتسرعين فيطلق لسانه بالطعن فيها وتكذيب من رواها غير ناظر في الأمر الذي من أجله صدق ما رواه وكذب غيره وأنا اذكر فصلا غرضي فيه الانصاف وقصدي فيه توخى الحق والله يعلم أنها

[ 88 ]

عادتي في كل ما أورده وطريقي كلما أتيته وأنت أيدك الله متى نظرت في ذلك نظر من يريد تحقيق الحق ظهر لك صحة ما أوردته وحقيقة ما اردته. وبيان هذا انه لا يقتضى عقل من يؤمن بالله واليوم الاخر ويقول بالبعث والنشور ويصدق بالجنة والنار أن يسعى لنفسه في البعد من الله ورسوله وجنته والقرب من عذاب الله وسخطه وناره نعوذ بالله من ذلك فمن المحال ان الشيعي يعلم أن حديثا ورد في حق أحد من الصحابة فيقول ببطلانه ويميل إلى تكذيبه أو يحرفه عما ورد لاجله مكابرة للحق ودفعا له بالراح واقداما على الله ورسوله وكذبا على الله ورسوله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كذب على معتمدا فيلتبوء مقعده من النار وقال من كذب على كلف أن يعقد شعيرتين من نار وليس بعاقد فعلى هذا لا يكون الرجل مسلما وهو يكذب على الله ورسوله وكيف يفعل الشيعي مثل هذا أو يقدم عليه وفيه من الخطر وسوء العاقبة ما ذكرت لك. والذي يجب أن يقال أن الشيعة روت أحاديث نقلها رجالهم المعروفون عندهم بالامانة والعدالة فنقلوها عنهم ولم يعرفوا رجال الجمهور لينقلوا عنهم وكذا حال أولئك فيما رووه عن رجالهم فأخبار هؤلاء لا تكون حجة على أولئك وبالعكس ثم ان طوائف الجمهور ينقل بعضهم ما لا ينقله الباقون ويحرم بعضهم ما أحله الآخرون ولا يتسرعون فيما بينهم فيقولون كذب فلان وقد خالفه بل ربما اعتذر عنه وسماه مجتهدا وقال إلى هذا أدى اجتهاده واختلاف الامة رحمة في أمثال ذلك ومتى سمعوا حديثا رواه الشيعة أقدموا على رده وكذبوا ناقله وراويه مسترسلين إلى ذلك وإنما روى بالطريق التي بها رووا فهلا عاملوه معاملتهم لأصحابهم الذين خالفوهم. ونضرب مثلا يحصل به التأنيس بهذه المقدمة ويقوم به عذر الشيعة

[ 89 ]

عند من عساه ينصف ويقارب وقليل ما هم لا شبهة أن كتاب الجمع بين الصحيحين لمسلم والبخاري من أوثق الكتب وأصحها نقلا واثبتها رجالا عند الجمهور. ومن رواة الأحاديث فيه طلحة والزبير وعايشة رضوان الله عليهم وهم في مناصبتهم عليا عليه السلام ومظاهرتهم عليه وحربهم له معروفوا الحال حتى قتل في وقعة الجمل الوف من الفريقين. ومن رواة الحديث في هذا الكتاب معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقد فعلا بعلى عليه السلام ما فعلا وأقدما على سبه وحربه ونازعاه رداء الامامة وحروبهم في صفين معروفة وسرايا معاوية إلى الحجاز واليمن وقتل شيعة على تحت كل حجر ومدر واضح جلى. ومن رواة هذا الكتاب المغيرة بن شعبة وحاله في الانحراف عن على عليه السلام حاله. ومن رواة هذا الكتاب عمران بن خطان وكان خارجيا يلعن عليا ويقول بكفره إلى غير ذلك. فهل يلام متشيع إذا وقف في تصديق من هذا سبيله ؟ فالشيعة تبع رجالهم الثقات عندهم واولئك تبع رجالهم الثقات عندهم وقد جرت العادة انه إذا تعارضت البينات وتكافأت الأدلة أن يرجح الحاكم أن وجد مرجحا والشيعة يسقطون ما رووه ويأخذون حاجتهم مما رواه الجمهور فيحصل مرادهم باجماع الطائفتين وهذا مرجح ظاهر لمن تأمله وهذا الحديث الذي أوجب ايراد هذا الكلام ليس بأغرب من حديث رووه في الصحاح انه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر إني رأيت قصرا في الجنة من صفته كذا ومن صفته كذا فقلت لمن هذا ؟ فقيل لعمر وكنت أردت دخوله فذكرت

[ 90 ]

غيرتك فوليت مدبرا فبكى عمر وقال ومنك أغار ؟ في حديث هذا معناه فكيف يصدق أمثال هذا ويكذب أمثال ذاك لولا الميل نعوذ بالله من شرور انفسنا وغلبه الاهواء علينا. وليكن هذا القول في كل ما نورده من الاحاديث التي يرويها أصحابنا كافيا وفضل فاطمة عليها السلام مشهور ومحلها من الشرف من أظهر الامور كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعظم شأنها ويرفع مكانها وكان يكنيها بأم أبيها ويحلها من محبته محلا لا يقاربها فيه أحد ولا يوازيها. سأله على عليه السلام يوما فقال يا رسول الله أنا أحب اليك أم فاطمة ؟ فقال أنت عندي أعز منها وهى أحب منك. وقد تقدم في المجلد الأول أنه عليه السلام حين سأله على وجعفر وزيد من أحب الناس اليك ؟ قال فاطمة. وقد روى المخالف والمؤالف انها كانت عليها السلام إذا جائت إلى أبيها صلى الله عليه وآله وسلم قام لها وقبلها وأجلسها مكانه وأنها تفعل كذلك إذا جاء صلى الله عليه وآله وسلم إليها والأول العجب ولولا أن فيها سرا إلهيا ومعنى لاهوتيا لكان لها اسوة بأولاده عليه السلام أو لقاربوا منزلتها ولكن الله يصطفى من يشاء. ومن كتاب أبي اسحاق الثعلبي عن جميع بن عمير عن عمته قالت سألت عائشة رضى الله عنها من كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت فاطمة عليها السلام قلت إنما اسألك عن الرجال ؟ قالت زوجها وما يمنعه فو الله ان كان ما علمت صواما قواما جديرا أن يقول بما يحب الله ويرضى. وعن جابر قال ما رأيت فاطمة عليها السلام تمشى إلا ذكرت مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تميل على جانبها الأيمن مرة وعلى جانبها الأيسر مرة.

[ 91 ]

وعن عائشة رضى الله عنها وذكرت فاطمة عليها السلام ما رأيت أصدق منها إلا أباها. ونعود إلى ذكر شئ مما أورده ابن بابويه القمى قال يرفعه إلى أسماء بنت عميس قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كنت شهدت فاطمة عليها السلام وقد ولدت بعض أولادها فلم أر لها دما فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن فاطمة خلقت حورية في صورة انسية. وروى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لفاطمة تسعة أسماء عند الله عز وجل فاطمة والصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والرضية والمرضية والمحدثة والزهراء قال وسميت فاطمة لأنها فطمت من الشر ولولا على عليه السلام لما كان لها كفو في الأرض. وعن أبي جعفر عليه السلام قال لما ولدت فاطمة عليها السلام أوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك فأنطق به لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فسماها فاطمة ثم قال إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث ثم قال أبو جعفر عليه السلام والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث في الميثاق. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال إنما سميت فاطمة لأن الله عز وجل فطم من أحبها من النار. وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا فاطمة أتدرين لم سميت فاطمة ؟ قال على يا رسول الله لم سميت قال لأنها فطمت هي وشيعتها من النار. وعن أبي جعفر عليه السلام قال لفاطمة عليها السلام وقفة على باب جهنم فإذا كان يوم القيامة كتب بين عينى كل رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محبا فتقول الهى وسيدي

[ 92 ]

سميتني فاطمة وفطمت بي من تولاني وتولى ذريتي من النار ووعدك الحق وأنت لا تخلف الميعاد فيقول الله عز وجل صدقت يا فاطمة اني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك وأحب ذريتك وتولاهم من النار ووعدي الحق وأنا لا أخلف الميعاد وإنما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفعك فيتبين لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقعك منى ومكانك عندي فمن قرأت بين عينه مؤمنا أو محبا فخذي بيده وادخليه الجنة. وعن على عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل ما البتول ؟ فانا سمعناك يا رسول الله تقول إن مريم بتول وفاطمة بتول فقال: البتول التي لم تر حمرة قط أي لم تحض فان الحيض مكروه في بنات الأنبياء. وروى في تسميتها الزهراء عليها السلام عن أبي جعفر عليه السلام انه سئل لم سميت الزهراء ؟ قال لأن الله تعالى خلقها من نور عظمته فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخرت الملائكة لله ساجدين وقالوا إلهنا وسيدنا ما هذا النور ؟ فأوحى الله إليهم هذا نور من نوري أسكنته في سمائي وخلقته من عظمتي أخرجه من صلب نبي من أنبيائي أفضله على جميع الأنبياء وأخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمرى ويهدون إلى حقى وأجعلهم خلفائي في أرضى بعد انقضاء وحيى. وحكى لي السعيد تاج الدين محمد بن نصر بن الصلايا العلوى الحسينى سقى الله ثراه وأحسن عن أفعاله الكريمة جزاه ان بعض الوعاظ ذكر فاطمة عليها السلام ومزاياها وكون الله تعالى وهبها من كل فضيلة مرباعها وصفاياها وذكر بعلها وأباها واستخفه الطرب فأنشد: خجلا من نور بهجتها * * تتوارى الشمس بالشفق وحياءا من شمائلها * * يتغطى الغصن بالورق.

[ 93 ]

فشق كثير من الناس ثيابهم وأوجب وصفها بكاءهم وانتحابهم. وروى مرفوعا إلى على عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام يا بنية ان الله أشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين ثم اطلع ثانية فاختار زوجك على رجال العالمين ثم اطلع ثالثة فاختارك على نساء العالمين ثم اطلع الرابعة فاختار ابنيك على شباب العالمين. وروى في معنى قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) قال سأله بحق محمد وعلى والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام. وعن ابن عباس قال سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقى آدم من ربه فتاب عليه قال سأله بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على فتاب عليه. وروى عن جعفر بن محمد عليهما السلام ان امرأة من الجن يقال لها عفراء وكانت تنتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتسمع من كلامه فتأتى صالحي الجن فيسلمون على يديها وفقدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأل عنها جبرئيل عليه السلام فقال إنها زارت أختا لها تحبها في الله تعالى فقال عليه السلام طوبى للمتحابين في الله ان الله تبارك وتعالى خلق في الجنة عمودا من ياقوتة حمراء عليها سبعون الف قصر في كل قصر سبعون الف غرفة خلقها الله تعالى للمتحابين في الله وجاءت عفراء فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا عفراء أين كنت فقالت زرت أختا لي فقال طوبي للمتحابين في الله، والمتزاورين يا عفراء أي شئ رأيت قالت رأيت عجائب كثيرة قال فأعجب ما رأيت قالت رأيت إبليس في البحر الأخضر على صخرة بيضاء مادا يديه إلى السماء وهو يقول إلهى إذا بررت قسمك وأدخلتني نار جهنم فأسألك بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا خلصتني منها وحشرتني معهم فقلت يا حارث ما هذه الأسماء التي تدعو

[ 94 ]

بها ؟ فقال رأيتها على ساق العرش من قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بسبعة آلاف سنة فعلمت أنها أكرم الخلق على الله فأنا أسأله بحقهم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والله لو أقسم أهل الأرض بهذه الأسماء لأجابهم الله. وأنا أقول اللهم إني أسألك بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام أن تغفر ذنوبي وتتجاوز عن سيئاتي وتصلح شأني في الدنيا والآخرة وترزقني الخير في الدنيا والآخرة وتصرف عنى الشر في الدنيا والآخرة وتفعل كذلك بالمؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويرحم الله عبدا قال آمينا. وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال اشتاقت الجنة إلى أربع من النساء مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون وهى زوجة النبي في الجنة وخديجة بنت خويلد زوجة النبي في الدنيا والآخرة وفاطمة بنت محمد. وروى عن على عليه السلام قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أخبروني أي شئ خير للنساء ؟ فعيينا بذلك كلنا حتى تفرقنا فرجعت إلى فاطمة عليها السلام فأخبرتها الذي قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس أحد منا علمه ولا عرفه فقالت ولكني أعرفه خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت يا رسول الله سألتنا أي شئ خير للنساء وخير لهن أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال قال من أخبرك فلم تعلمه وأنت عندي قلت فاطمة فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال إن فاطمة بضعة منى. وروى عن مجاهد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيد فاطمة عليها السلام فقال من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهى فاطمة بنت محمد وهى بضعة منى وهى قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله.

[ 95 ]

وروى عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. وبهذا الاسناد عنه مثله فقال له يا ابن رسول الله بلغنا إنك قلت وذكر الحديث قال فما تنكرون من هذا ؟ فوالله ان الله ليغضب لغضب عبده المؤمن ويرضى لرضاها. وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان فاطمة شجنة (1) منى يسخطنى ما أسخطها ويرضينى ما أرضاها وبالاسناد عنه عليه السلام مثله. ونقلت من كتاب لأبي اسحاق الثعلبي عن مجاهد قال خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخذ بيد فاطمة عليها السلام وقال من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهى فاطمة بنت محمد وهى بضعة منى وهى قلبي الذي بين جنبي فمن آذاها فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله. وعن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان فاطمة عليها السلام شعرة منى فمن آذى شعرة منى فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله لعنه ملأ السماوات والأرض. وعن حذيفة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقبل عرض وجنة فاطمة عليها السلام أو بين ثدييها. وعن جعفر بن محمد عليهما السلام كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام ليلة حتى يضع وجهه بين ثديى فاطمة عليها السلام. وعن حبيب بن ثابت قال كان بين على وفاطمة عليهما السلام كلام فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فألقى له مثال (2) فاضطجع وجاء على عليه السلام فاضطجع من


(1) الشجنة: الشعبة من كل شئ. (2) المثال - بالكسر -: الفراش الذي ينام عليه. (*)

[ 96 ]

جانب وجاءت فاطمة عليها السلام فاضطجعت من جانب فاخذ بيد على فوضعها على سرته وأخذ بيد فاطمة عليها السلام فوضعها على سرته ولم يزل حتى أصلح بينهما ثم خرج فقيل يا رسول الله دخلت على حال وخرجت على حال ونحن نرى البشر في وجهك قال وما يمنعنى ذلك وقد أصلحت بين اثنين أحب اثنين في الأرض إلي. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار. قال حماد بن عثمان قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما معنى هذا الحديث ؟ فقال المعتقون من النار ولد بطنها الحسن والحسين وام كلثوم. وروى عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه عن على بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن الحسين بن على عن أخيه الحسن بن على بن أبي طالب عليهم السلام قال رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعة فلم تزل راكعة وساجدة حتى انفجر عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشئ فقلت لها: يا اماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك فقالت يا بنى الجار ثم الدار. وعن الحسن ايضا عليه السلام قال كانت فاطمة عليها السلام إذا دعت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها فقيل لها فقالت مثله. وروى ان محمد بن أبي بكر رضى الله عنهما قرأ وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث) قلت وهل تحدث الملائكة إلا الانبياء ؟ قال مريم لم تكن نبية وسارة امرأة ابراهيم قد عاينت الملائكة وبشروها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب ولم تكن نبية وفاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت محدثة ولم تكن نبية.

[ 97 ]

قلت وما ينكرون من هذا وقد رووا ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن يكن من امتى مخاطبون ومحدثون فانك منهم يا عمر أللهم إلا أن يصحوا هذا ويكذبوا غيره على عادتهم. وروى وأظنني ذكرته في أخبار على عليه السلام بغير روايته عن أبي سعيد الخدرى قال أصبح على عليه السلام ذات يوم فقال يا فاطمة عندك شئ تغذينيه ؟ قالت لا والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح اليوم عندي شئ أغذيكه وما كان عندي شئ منذ يومين إلا شئ كنت أوثرك به على نفسي وعلى ابني هذين حسن وحسين فقال على عليه السلام يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا ؟ فقالت يا أبا الحسن إني لأستحي من إلهى أن تكلف نفسك ما لا تقدر عليه. فخرج على عليه السلام من عند فاطمة عليه السلام واثقا بالله حسن الظن به عز وجل فاستقرض دينارا فأخذه ليشترى لعياله ما يصلحهم فعرض له المقداد ابن الأسود في يوم شديد الحر قد لوحته الشمس من فوقه وآذته من تحته فلما رآه على عليه السلام أنكر شأنه فقال يا مقداد ما أزعجك هذه الساعة من رحلك فقال يا أبا الحسن خلى سبيلى ولا تسألني عما ورائي قال يا أخى لا يسعنى أن تجاوزني حتى أعلم علمك فقال يا أبا الحسن رغبت إلى الله عز وجل واليك أن تخلى سبيلى ولا تكشفني عن حالى فقال يا أخى انه لا يسعك أن تكتمني حالك فقال يا أبا الحسن أما إذا أبيت فوالذي أكرم محمدا بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أزعجني من رحلى إلا الجهد وقد تركت عيالي جياعا فلما سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض فخرجت مهموما راكبا رأسي هذه حالى وقصتي. فانهملت عينا على عليه السلام بالبكاء حتى بلت دموعه لحيته فقال أحلف

[ 98 ]

بالذى حلفت به ما أزعجني إلا الذي أزعجك وقد اقترضت دينارا فهاكه فقد آثرتك على نفسي فدفع الدينار إليه ورجع حتى دخل المسجد فصلى الظهر والعصر والمغرب فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغرب مر بعلى عليه السلام وهو في الصف الأول فغمزه برجله فقام على عليه السلام فلحقه في باب المسجد فسلم عليه فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال يا أبا الحسن هل عندك عشاء تعشيناه فنميل معك ؟ فمكث مطرقا لا يحير جوابا حياءا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد عرف ما كان من أمر الدينار من أين أخذه وأين وجهه بوحى من الله إلى نبيه وأمره أن يتعشى عند على عليه السلام تلك الليلة فلما نظر إلى سكوته قال يا أبا الحسن ما لك لا تقول لا فانصرف أو نعم فأمضى معك ؟ فقال حياءا وتكرما ؟ فاذهب بنا. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد على عليه السلام فانطلقا حتى دخلا على فاطمة عليها السلام وهى في مصلاها قد قضت صلاتها وخلفها جفنة تفور دخانا فلما سمعت كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرجت من مصلاها فسلمت عليه وكانت أعز الناس عليه فرد السلام ومسح بيديه على رأسها وقال لها يا بنتاه كيف أمسيت رحمك الله ؟ قالت بخير قال عشينا رحمك الله وقد فعل فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدى رسول الله وعلى عليه السلام فلما نظر على عليه السلام إلى الطعام وشم ريحه رمى فاطمة ببصره رميا شحيحا قالت له فاطمة سبحان الله ما أشح نظرك وأشده ؟ هل أذنبت فيما بينى وبينك ذنبا أستوجب به منك السخط ؟ فقال وأي ذنب أعظم من ذنب أصبتيه ؟ أليس عهدي بك اليوم الماضي وأنت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاما منذ يومين ؟ قال فنظرت إلى السماء وقالت إلهى يعلم ما في سمائه وأرضه اني لم أقل إلا حقا فقال لها يا فاطمة انى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه ولم أشم مثل رائحته

[ 99 ]

قط ولم آكل أطيب منه ؟. قال فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفه الطيبة المباركة بين كتفي على عليه السلام فغمزها ثم قال يا على هذا بدل عن دينارك هذا جزاء دينارك من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم استعبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باكيا ثم قال الحمد لله الذي أبى لكما أن تخرجا من الدنيا حتى يجريك يا على مجرى زكريا ويجرى فاطمة مجرى مريم بنت عمران. قلت حديث الطعام قد أورده الزمخشري في كشافه عند تفسير قوله تعالى (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) الآية وذكرته آنفا في المجلد الأول وحديث المسكين واليتيم والأسير المذكورين في سورة هل أتى قد تقدم إيضاحه والخبر عن النجرانيين عندما دعاهم إلى المباهلة قد أشرقت غرره وأوضاحه وهما قصتان فضلهما شهير ومحلهما خطير وشرف فاطمة فيهما مشرق الأسارير ونشر مجدها بهما أضوع من العبير فهما درتان في قرطي نبلها وقمران في سماء فضلها. وحديث طلبها الخادم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره إياها بما هو خير من ذلك وهو تسبيح الزهراء وقد نقله الرواة والمحدثون: روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال تسبيح فاطمة عليه السلام كل يوم في دبر كل صلاة أحب إلي من صلاة الف ركعة في كل يوم. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال من سبح تسبيح فاطمة عليه السلام قبل أن يثنى رجليه من صلاة الفريضة غفر الله له ويبدأ بالتكبير. وعن موسى بن جعفر عن آبائه عليه السلام قال قال عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على ابنته فاطمة عليها السلام وإذا في عنقها قلادة فأعرض عنها فقطعتها ورمت بها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنت منى يا فاطمة

[ 100 ]

ثم جاء سائل فناوله القلادة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشتد غضب الله على من أهراق دمى وآذاني في عترتي. وروى ان عائشة رضى الله عنها ذكرت فاطمة عليها السلام فقالت ما رأيت أحدا أصدق منها إلا أباها. وعن أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشبه الناس وجها وشبها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروى عن على عليه السلام عن فاطمة عليها السلام قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا فاطمة من صلى عليك غفر الله له وألحقه بي حيث كنت من الجنة وروى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين لفاطمة عليها السلام ما كان لها كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه. قلت قد أورد صاحب كتاب الفردوس في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لا على لم يكن لفاطمة كفؤ. وروى صاحب الفردوس أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا على ان الله عز وجل زوجك فاطمة وجعل صداقها الأرض فمن مشى عليها مبغضا لك مشى حراما. وروى ابن بابويه من حديث طويل أورده في تزويج أمير المؤمنين بفاطمة عليها السلام انه أخذ في فيه ماءا ودعا فاطمة فأجلسها بين يديه ثم مج الماء في المخضب وهو المركن وغسل فيه قدميه ووجهه ثم دعا فاطمة عليها السلام وأخذ كفا من ماء فضرب به على رأسها وكفا بين يديها ثم رش جلدها ثم دعا بمخضب آخر ثم دعا عليا عليه السلام فصنع به كما صنع بها ثم التزمهما فقال اللهم انهما منى وأنا منهما اللهم كما أذهبت عنى الرجس وطهرتني تطهيرا

[ 101 ]

فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثم قال قوما إلى بيتكما جمع الله بينكما وبارك في سيركما وأصلح بالكما ثم قام فأغلق عليهما الباب بيده. قال ابن عباس فأخبرتني أسماء انها رمقت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزل يدعو لهما خاصة لا يشركهما في دعائه أحدا حتى توارى في حجرته. وفي رواية أنه عليه السلام قال بارك الله لكما في سيركما وجمع شملكما وألف على الإيمان بين قلوبكما شأنك بأهلك السلام عليكما. وروى عن جابر بن عبد الله قال لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من على عليهما السلام كان الله تعالى مزوجه من فوق عرشه وكان جبرئيل عليه السلام الخاطب وكان ميكائيل وإسرافيل في سبعين الفا من الملائكة شهودا وأوحى الله إلى شجرة طوبي أن انثري ما فيك من الدر والياقوت واللؤلؤ وأوحى الله إلى الحور العين أن التقطنه فهن يتهادينه بينهن إلى يوم القيامة فرحا بتزويج فاطمة عليا عليهما السلام. وعن شرحبيل بن سعيد قال دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة عليها السلام في صبيحة عرسها بقدح فيه لبن فقال اشربي فداك أبوك ثم قال لعلى عليه السلام اشرب فداك ابن عمك. وعن شرحبيل بن سعيد الأنصاري قال لما كان صبيحة العرس أصابت فاطمة عليها السلام رعدة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجتك سيدا في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين. وعن أبي جعفر عليه السلام قال شكت فاطمة عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فقالت يا رسول الله ما يدع شيئا من رزقه إلا وزعه بين المساكين فقال لها يا فاطمة أتسخطيني في أخى وابن عمى إن سخطه سخطى وإن سخطى لسخط الله فقالت أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله.

[ 102 ]

وروى عن الأصبغ بن نباتة قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول والله لأتكلمن بكلام لا يتكلم به غيرى إلا كذاب ورثت نبي الرحمة وزوجتي خير نساء الأمة وأنا خير الوصيين. وحيث يقتضى ذكرها عليها السلام ذكر شئ من كلامها فلا بد من ذكر فدك إذ كانت خطبتها التي تحير البلغاء وتعجز الفصحاء بسبب منعها من التصرف فيها وكف يدها عليها السلام عنها وسأورد في ذلك ما ورد من طريقي الشيعة والسنة جاريا على عادتي في توخى النصفة غير مائل إلى هوى النفس فيما أظن ومن الله أسأل التوفيق والتسديد بمنه ورحمته. روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الجزء السادس عن عمر عن أبي بكر المسند منه فقط وهو لا نورث ما تركنا صدقة لمسلم من رواية جويرية بن أسماء عن مالك وعن عائشة بطوله ان فاطمة سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها. وفي رواية أخرى أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال أبو بكر رضى الله عنه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال وانى والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه فيه إلا صنعته. وزاد في رواية صالح بن كيسان إني أخشى ان تركت شيئا من أمره أن أزيغ قال فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى على والعباس فغلبه عليها على وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوايبه وأمرهما إلى من ولى الأمر قال فهما على ذلك اليوم.

[ 103 ]

قال غير صالح في روايته في حديث أبي بكر فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت فدفنها على عليه السلام ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر قال وكان لعلى وجه من الناس في حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن على عليه السلام ومكثت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر ثم توفيت فقال رجل للزهري فلم يبايعه على ستة أشهر قال لا والله ولا أحد من بنى هاشم حتى بايعه على. وفي حديث عروة فلما رأى على عليه السلام انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر فأرسل إلى أبي بكر آتينا ولا تأتنا بأحد وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر فقال عمر لا تأتهم وحدك فقال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي ما عسى أن يصنعوا بي فانطلق أبو بكر فدخل على على عليه السلام وقد جمع بنى هاشم عنده فقام على فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله اليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا ثم ذكر قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحقهم فلم يزل على يذكر حتى بكى أبو بكر وصمت على وتشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فوالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي وانى والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بينى وبينكم عن الخير ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال وانى والله لا أدع أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صنعته إن شاء الله. وقال على عليه السلام موعدك للبيعة العشية فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس يعذر عليا ببعض ما اعتذر به ثم قام على فعظم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته ثم قام إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس على على فقالوا

[ 104 ]

أصبت وأحسنت وكان المسلمون إلى على قريبا حين راجع الأمر بالمعروف رضى الله عنهم أجمعين هذا آخر ما ذكره الحميدى. وقد خطر لي عند نقلى لهذا الحديث كلام أذكره على مواضع منه ثم بعد ذلك أورد ما نقله أصحابنا في المعنى ملتزما بما اشترطته من العدل في القول والفعل وعلى الله قصد السبيل. قول أبي بكر رضى الله عنه في أول الحديث وآخره وانى والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه فيه إلا صنعته وهو رضى الله عنه لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم صنع فيها إلا أنه اصطفاها وإنما سمع سماعا أنه بعد وفاته لا يورث كما روى فكان حق الحديث أن يحكى ويقول وانى والله لا أدع أمرا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوله إلا عملت بمقتضى قوله أو ما هذا معناه. وفيه فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى على والعباس فغلبه عليها على. أقول حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك وخيبر فهلا منعهم الجميع كما فعل صاحبه ان كان العمل على ما رواه أو صرفهم في الجميع ان كان الأمر بضد ذلك. فأما تسليم البعض ومنع البعض فانه ترجيح من غير مرجح اللهم إلا أن يكونوا نقلوا شيئا لم يصل الينا في إمضاء ذلك وفي قوله فغلبه عليها على دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الأعمام فان عليا عليه السلام لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العمومة إذ كان العباس أقرب من على في ذلك وغلبته إياه على سبيل الغلب والعنف مستحيل أن يقع من على في حق العباس ولم يبق إلا أنه غلبه عليها بطريق فاطمة وبنيها عليهم السلام. وقول على عليه السلام كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا

[ 105 ]

فتأمل معناه يصح لك مغزاه ولا حاجه بنا إلى كشف مغطاه. وروى أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في مسنده ما يقارب الفاظ ما رواه الحميدى ولم يذكر حديث على وأبي بكر ومجيئه إليه في هذا الحديث. وروى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدرى قال لما نزلت فلت ذا القربي حقه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا فاطمة لك فدك. وفي رواية أخرى عن أبي سعيد مثله. وعن عطية قال لما نزلت (فلت ذا القربى حقه) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك. وعن على بن الحسين بن على بن أبي طالب عليه السلام قال أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فدك. وعن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة عليها السلام فدك ؟ قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقفها فأنزل الله تبارك وتعالى عليه فلت ذا القربي حقه فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقها قلت رسول الله أعطاها ؟ قال بل الله تبارك وتعالى أعطاها وقد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك وثبت أن ذا القربى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. وعلى هذا فقد كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما لما وليا هذا الأمر يرتبان في الأعمال والبلاد القريبة والنائية من الصحابة والمهاجرين والأنصار من لا يكاد يبلغ مرتبة على وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ولا يقاربها فلو اعتقدا هم مثل بعض الولاة وسلما إليهم هذه الصدقة التي قامت النائرة في أخذها وعرفاهم ما روياه وقالا لهم أنتم أهل البيت وقد شهد الله لكم بالطهارة وأذهب عنكم الرجس وقد عرفناكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نورث

[ 106 ]

ما تركنا صدقة وقد سلمناها اليكم وشغلنا ذممكم بها والله من وراء أفعالكم فيها وهو سبحانه بمرأى منكم ومسمع فاعملوا فيها بما يقربكم منه ويزلفكم عنده فعلى هذا سلمناها اليكم وصرفناكم فيها فان فعلتم الواجب الذي أمرتم به وفعلتم فيها فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد أصبتم وأصبنا وان تعديتم الواجب وخالفتم ما حده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد أخطأتم وأصبنا فان الذي علينا الاجتهاد ولم نأل في اختياركم جهدا وما علينا بعد بذل الجهد لائمة وهذا الحديث من الإنصاف كما ترى والله الموفق والمسدد. وروى ان فاطمة عليها السلام جاءت إلى أبي بكر رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا أبا بكر من يرثك إذا مت قال أهلى وولدى قالت فما لي لا أرث رسول الله قال يا بنت رسول الله ان النبي لا يورث ولكن أنفق على من كان ينفق عليه رسول الله وأعطى ما كان يعطيه قالت والله لا أكملك بكلمة ما حييت فما كلمته حتى ماتت. وقيل جائت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر رضى الله عنه فقالت أعطني ميراثي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الأنبياء لا تورث ما تركوه فهو صدقة فرجعت إلى على عليه السلام فقال ارجعي فقولي ما شأن سليمان عليه السلام وورث داود عليه السلام وقال زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب فأبوا وأبى. وعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي جعفر عليه السلام أن أبا بكر قال لفاطمة عليها السلام النبي لا يورث قالت قد ورث سليمان داود وقال زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب فنحن أقرب إلى النبي من زكريا إلى يعقوب. وعن أبي جعفر عليه السلام قال قال على لفاطمة عليها السلام انطلقي فاطلبي

[ 107 ]

ميراثك من أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت إلى أبي بكر رضى الله عنه فقالت أعطني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث فقالت ألم يرث سليمان داود ؟ فغضب وقال النبي لا يورث فقالت عليها السلام ألم يقل زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب فقال النبي لا يورث فقالت عليها السلام ألم يقل يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فقال النبي لا يورث. وعن أبي سعيد الخدرى قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءت فاطمة عليها السلام تطلب فدكا فقال أبو بكر رضى الله عنه إني لأعلم إن شاء الله انك لن تقولي إلا حقا ولكن هاتى بينتك فجاءت بعلى عليه السلام فشهد ثم جاءت بأم أيمن فشهدت فقال امرأة أخرى أو رجلا فكتبت لك بها. أقول هذا الحديث عجيب فان فاطمة (ع) ان كانت مطالبة بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود فان المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلا إذا لم يعرف صحة نسبه واعتزائه إلى الدارج وما أظنهم شكوا في نسبها عليها السلام وكونها ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وإن كانت تطلب فدكا وتدعى أن أباها صلى الله عليه وآله وسلم تحلها إياها احتاجت إلى إقامة البينة ولم يبق لما رواه أبو بكر من قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث معنى وهذا واضح جدا فتدبره. وروى ان عائشة وحفصة رضى الله عنهما هما اللتان شهدتا بقوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث ومالك بن أوس النضرى ولما ولى عثمان قالت له عائشة رضى الله عنها أعطني ما كان يعطينى أبي وعمر فقال لا أجد له موضعا في الكتاب ولا في السنة ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل قالت فاعطني ميراثي من رسول الله فقال أليس

[ 108 ]

جئت فشهدت أنت ومالك بن أوس النضرى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نورث فأبطلت حق فاطمة وجئت تطلبينه لا أفعل قال فكان إذا خرج إلى الصلاة نادت وترفع القميص (وتقول) إنه قد خالف صاحب هذا القميص فلما آذته صعد المنبر فقال إن هذه الزعراء عدوة الله ضرب الله مثلها ومثل صاحبتها حفصة في الكتاب امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما إلى قوله وقيل ادخلا النار مع الداخلين فقالت له يا نعثل يا عدو الله إنما سماك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم نعثل اليهودي الذي باليمن فلاعنته ولاعنها وحلفت أن لا تساكنه بمصر أبدا وخرجت إلى مكة. قلت قد نقل ابن أعثم صاحب الفتوح انها قالت اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا فلقد أبلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذه ثيابه لم تبل وخرجت إلى مكة. وروى غيره انه لما قتل جاءت إلى المدينة فلقيها فلان فسألته عن الأحوال فخبرها فقال إن الناس اجتمعوا على على عليه السلام فقالت والله لأطالبن بدمه فقال لها فأنت حرصت على قتله قالت إنهم لم يقتلوه حيث قلت ولكن تركوه حتى تاب ونقى من ذنوبه وصار كالسبيكة وقتلوه. وأظن أن ابن أعثم رواه كذا أو قريبا منه فان كتابه لم يحضرني وقت بلوغي هذا الموضع. وحيث انتهى بنا القول إلى هنا فلنذكر خطبة فاطمة عليها السلام فانها من محاسن الخطب وبدايعها عليها مسحة من نور النبوة وفيها عبقة من أرج الرسالة وقد أوردها المؤالف والمخالف ونقلتها من كتاب السقيفة عن عمر بن شبه تأليف أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهرى من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها المذكور قرئت عليه في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة روى عن رجاله من عدة طرق أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر

[ 109 ]

على منعها فدكا لاثت خمارها وأقبلت في لميمة من حفدتها ونساء قومها تجر ادراعها تطأ في ذيولها ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد المهاجرين والأنصار فضرب بينهم بريطة بيضاء وقيل قبطية فأنت أنه أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم. ثم قالت عليها السلام أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم من عموم نعم ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها وإحسان منن أولاها جم عن الإحصاء عددها ونأى عن المجازاة مزيدها وتفاوت عن الإدراك أمدها واستتب الشكر بفضائلها واستخذى الخلق بانزالها واستحمد إلى الخلائق باجزالها وأمر بالندب إلى أمثالها وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة جعل الإخلاص تأويلها وضمن القلوب موصولها وأبان في الفكر معقولها الممتنع من الأبصار رؤيته ومن الألسن صفته ومن الأوهام الإحاطة به أبدع الأشياء لا من شئ كان قبله وأنشأها بلا احتذاء مثله وسماها بغير فائدة زادته إلا إظهارا لقدرته وتعبدا لبريته وإعزازا لأهل دعوته ثم جعل الثواب لأهل طاعته ووضع العذاب على أهل معصيته زيادة لعباده عن نقمته وحياشة لهم إلى جنته وأشهد أن أبي محمدا عبده ورسوله اختاره قبل أن يجتبله واصطفاه قبل أن يبتعثه وسماه قبل أن يستجيبه إذا الخلائق بالغيب مكنونة وبستر الأهاويل مضمونة وبنهايا العدم مقرونة علما منه بمايل الأمور وإحاطة بحوادث الدهور ومعرفة منه بمواقع المقدور وابتعثه إتماما لعلمه وعزيمة على إمضاء حكمه وإنفاذا لمقادير حقه فرأى صلى الله عليه وآله وسلم الأمم فرقا في أديانها وعابدة لأوثانها عكفا على نيرانها منكرة لله مع عرفانها فأنار الله بأبي صلى الله عليه وآله وسلم ظلمها

[ 110 ]

وفرج عن القلوب بهمها وجلا عن الابصار عمهها ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار رغبة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تعب هذه الدار موضوعا عنه أعباء الاوزار محفوفا بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار وجوار الملك الجبار فصلى الله عليه امينه على الوحى وخيرته من الخلق ورضيه عليه السلام ورحمة الله وبركاته ثم قالت عليه السلام وانتم عباد الله نصب امره ونهيه وحلمه كتاب الله ووحيه امناء الله على انفسكم وبلغاءه إلى الامم حولكم لله فيكم عهد قدمه اليكم وبقية استخلفها عليكم كتاب الله بينة بصائره وآى منكشفة سرائره وبرهان فينا متجلية ظواهره مديما للبرية استماعه قائدا إلى الرضوان اتباعه ومؤديا إلى النجاة أشياعه فيه تبيان حجج الله المنيرة ومواعظه المكرورة ومحارمه المحذورة وأحكامه الكافية وبيناته الجالية وجمله الكافية الشافية وشرايعه المكتوبة المكنونة ورخصه الموهوبة ففرض الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك والصلاة تنزيها لكم من الكبر والزكاة تزييدا لكم في الرزق والصيام تبيينا امامتنا والحج تسنية للدين والعدل تنسكا للقلوب وطاعتنا نظاما للملة وامامتنا لما للفرقة والجهاد عز الإسلام والصبر مؤنة للاستيجاب والأمر بالمعروف مصلحة للعامة والبر بالوالدين وقاية من السخطة وصلة الأرحام منسأة للعمر ومنماة للعدد والقصاص حقنا للدماء والوفاء بالنذور تعريضا للمغفرة وتوفية المكائيل والموازين تغييرا للبخسة واجتناب قذف المحصنات حجابا من اللعنة والاجتناب عن شرب الخمور تنزيها من الرجس ومجانبة السرقة إيجابا للعفة والتنزه عن أكل أموال الأيتام والاستيثار بفيئهم إجارة من الظلم والعدل في الأحكام إيناسا للرعية والتبرى من الشرك إخلاصا للربوبية فاتقوا الله حق تقاته وأطيعوه فيما

[ 111 ]

أمركم به فانما يخشى الله من عباده العلماء ثم قالت عليها السلام أنا فاطمة بنت محمد أقول عودا على بدء وما أقول ذلك سرفا ولا شططا فاسمعوا إلى بأسماع واعية وقلوب راعية ثم قالت لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم فان تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمى دون رجالكم فبلغ الرسالة صادعا بالرسالة ناكبا (مائلا خ ل) عن سنن مدرجة المشركين ضاربا لثبجهم آخذا باكظامهم داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة يجذ الأصنام وينكت الهام حتى انهزم الجمع وولوا الدبر وحتى تفرى الليل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه ونطق زعيم الدين وخرست شقاشق الشياطين وفهتم بكلمة الاخلاص مع النفر البيض الخماص الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان وموطاة (وموطأة خ ل وموطى خ ل) الأقدام تشربون الطرق وتقتاتون القد أذلة خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي وبعد أن منى ببهم الرجال وذؤبان العرب كلما حشوا نارا للحرب أطفاها الله ونجم قرن الضلالة وفغر فاغر من المشركين قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ويخمد لهبها بسيفه مكدودا دؤبا في ذات الله وأنتم في رفهينة ورفغينة وادعون آمنون تتوكفون الأخبار وتنكصون عن النزال فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم دار أنبيائه وأتم عليه ما وعده ظهرت حسيكة النفاق وسمل جلباب الاسلام فنطق كاظم ونبغ خامل وهدر فينق الكفر يخطر في عرصاتكم فاطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم فوجدكم لدعائه مستجيبين وللغرة فيه ملاحظين واستنهضكم فوجدكم خفافا وأحمشكم فوجدكم غضابا هذا والعهد

[ 112 ]

قريب والكلم رحيب والحرج لما يندمل فوسمتم غير إبلكم واوردتموها شربا ليس لكم والرسول لما يقبر بدارا زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين فهيهات منكم وكيف بكم وأنى تؤفكون وكتاب الله عز وجل بين أظهركم قائمة فرائضه واضحة دلائله نيرة شرايعه زواجره واضحة وأوامره لائحة أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون بئس للظالمين بدلا ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين هذا ثم لم تبرحوا ريثا وقال بعضهم هذا ولم يريثوا أختها إلا ريث ان تسكن نفرتها ويسلس قيادها ثم أخذتم تورون وقدتها تهيجون جمرتها تشربون حسوا في ارتغاء وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء ونصبر منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشاء ثم انتم اولاء تزعمون أن لا إرث ليه أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم يقول الله جل ثناؤه وورث سليما داود مع ما اقتص من خبر يحيى وزكريا إذ قال (رب هب لي من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا وقال تبارك وتعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فزعتم أن لا حظ لي ولا أرث لي من أبيه أفحكم الله بآية أخرج أبي منها أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي صلى الله عليه وآله وسلم (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون إيها معاشر المسلمة أأبتز أرثيه الله أن ترث أباك ولا أرث أبيه لقد جئتم شيئا فريا فدونكها مرحولة مخطومة مزمومة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ما توعدون ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم

[ 113 ]

قال ثم التفتت إلى قبر ابيها صلى الله عليه وآله وسلم متمثلة بقول هند إبنة أثاثة قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب انا فقدناك فقد الأرض وابلها واختل قومك لما غبت وانقلبوا أبدت رجال لنا فحوى صدورهم لما قضيت وحالت دونك الترب. وزاد في بعض الروايات هنا ضاقت على بلادي بعد ما رحبت وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب فليت قبلك كان الموت صادفنا قوم تمنوا فاعطوا كلما طلبوا تجهمتنا رجال واستخف بنا مذ غبت عنا فنحن اليوم نغتضب الابيات قال فما رأيت اكثر باكية وباك منه يومئذ ثم عدلت إلى مسجد الانصار فقالت يا معشر البقية ويا عماد الملة وحصنة الاسلام ما هذه الفترة في حقى والسنة عن ظلامتي أما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يحفظ في ولده سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا اهالة أتزعمون مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب جليل أستوسع وهنه واستهتر فتقه وفقد راتقه وأظلمت الأرض له واكتأبت لخيرة الله وخشعت الجبال واكدت الآمال واضيع الحريم وأديلت الحرمة فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في قبلتكم (أفنيتكم خ ل) ممساكم ومصبحكم هتافا هتافا ولقبله ما حلت بأنبياء الله ورسله وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فان مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين إيها بنى قليلة أهضم تراث أبيه وأنتم بمرأى وبمسمع تلبسكم الدعوة ويشملكم الخبرة وفيكم العدة والعدد ولكم الدار والجنن وأنتم الأولى نخبة الله التي انتخبت وخيرته التي اختار لنا أهل البيت فباديتم العرب

[ 114 ]

وبادهتم الأمور وكافحتم البهم لا نبرح وتبرحون نأمركم فتأتمرون حتى دارت لكم بنا رحا الإسلام ودر حلب البلاد وخبت نيران الحرب وسكنت فورة الشرك وهدت دعوة الهرج واستوسق نظام الدين فانى جرتم بعد البيان ونكصتم بعد الإقدام عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه ان كنتم مؤمنين ألا وقد أرى والله أن قد أخلدتم إلى الخفض وركنتم إلى الدعة فمحجتم الذي أوعيتم ولفظتم الذي سوغتم فان تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فان الله لغنى حميد ألا وقد قلت الذي قلت على معرفة منى بالخذلة التي خامرتكم وخور القناة وضعف اليقين ولكنه فيضة النفس ونفثة الغيظ وبثة الصدر ومعذرة الحجة فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر ناقبة الخف باقية العار موسومة بشنار الأبد موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة أنها عليهم مؤصدة فبعين الله ما تفعلون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأنا بنت نذير لكم بين يدى عذاب شديد فاعملوا انا عاملون وانتظروا انا منتظرون هذه الخطبة نقلتها من كتاب السقيفة وكانت النسخة مع قدمها مغلوطة فحققتها من مواضع اخر وروى صاحب كتاب السقيفة عن رجاله عن عبد الله بن حسن عن امه فاطمة بنت الحسين قالت لما اشتدت بفاطمة عليها السلام الوجع واشتدت علتها اجتمعت عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها يا بنت رسول الله كيف اصبحت عن ليلتك قالت اصبحت والله عايفة دنياكم قالية لرجالكم لفظتهم بعد إذ عجمتهم وشنأتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد وخور

[ 115 ]

القناه وخطل الرأى وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وسننت عليهم عارتها فجدعا وعقرا وسحقا للقوم الظالمين ويحمهم اين زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الامين والضنين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموا من أبي الحسن نقموا والله نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله عز وجل وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعتلقه ولصار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفتاه ولا صدرهم بطانا قد تختر بهم الرى غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات السماء والأرض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ألا هلم فاسمع ما عشت أراك الدهر العجب وان تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ أسندوا وبأى عروة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير وبئس للظالمين بدلا استبدلوا والله الذنابي بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون انهم يحسنون صنعا ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ويحهم أفمن يهدى إلى الحق أحق ان يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث ما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا وذعافا ممقرا هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسنا فطامنوا للفتنة جاشا وابشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيأكم زهيدا وجمعكم حصيدا فيا حسرة لكم وانى لكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون والحمد لله رب العالمين وصلى الله على

[ 116 ]

محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وروى انه لما حضرت فاطمة صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة دعت عليا عليه السلام فقالت أمنفذ أنت وصيتى وعهدي أو والله لاعهدن إلى غيرك فقال عليه السلام بلى انفذها فقالت عليها السلام إذا أنا مت فادفني ليلا ولا تؤذنن بي أبا بكر وعمر قال فلما اشتدت عليها اجتمع إليها نساء من المهاجرين والانصار فقلن كيف أصبحت يا أبنة رسول الله فقالت أصبحت والله عائفة لدنياكم وذكر الحديث نحوه وروى عن أبي عبد الله عليه السلام وقد سأله أبو بصير فقال لم لم يأخذ أمير المؤمنين فدكا لما ولى الناس ولأى علة تركها فقال لان الظالم والمظلومة قدما على الله وجازى كلا على قدر استحقاقه فكره ان يسترجع شيئا قد عاقب الله عليه الغاصب وأثاب المغصوبة وقد روى انه كان لامير المؤمنين عليه السلام في ترك فدك اسوة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه لما خرج من مكة باع عقيل داره فلما فتح مكة قيل له يا رسول الله ألا ترجع إلى دارك فقال عليه السلام وهل ترك لنا عقيل دارا وأبي ان يرجع إليها وقال انا أهل بيت لا نسترجع ما أخذ منا في الله عز وجل وروى مرفوعا ان عمر بن عبد العزيز لما استخلف قال يا أيها الناس إني قد رددت عليكم مظالمكم وأول ما أرد منها ما كان في يدى قدر رددت فدك على ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولد على بن أبي طالب فكان أول من ردها وروى أنه ردها بغلاتها منذ ولى فقيل له نقمت على أبي بكر وعمر فعلهما فطعنت عليهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب وقد اجتمع عنده في ذلك قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء فقال عمر بن عبد العزيز قد صح

[ 117 ]

عندي وعندكم أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادعت فدك وكانت في يدها وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شهادة على وأم أيمن وأم سلمة وفاطمة عندي صادقة فيما تدعى وان لم تقم البينة وهى سيدة نساء أهل الجنة فانا اليوم أردها على ورثتها اتقرب بذلك إلى رسول الله وارجو ان تكون فاطمة والحسن والحسين يشفعون لي في يوم القيامة ولو كنت بدل أبي بكر وادعت فاطمة كنت اصدقها على دعواتها فسلمها إلى محمد بن على الباقر عليه السلام وعبد الله بن الحسن فلم تزل في أيديهم إلى ان مات عمر بن عبد العزيز. وروى انه لما صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رد عليهم سهام الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذى القربي وهما من أربعة أسهم رد على جميع بنى هاشم وسلم ذلك إلى محمد بن على الباقر عليه السلام وعبد الله بن الحسن. وقيل أنه جعل من بيت ماله سبعين حملا من الورق والعين من مال الخمس فرد عليهم ذلك وكذلك كلما كان لبنى فاطمة وبنى هاشم مما حازه أبو بكر وعمر وبعدهما عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك رد عليهم واستغنى بنو هاشم في تلك السنين وحسنت أحوالهم ورد عليهم المأمون والمعتصم والواثق وقالا كان المأمون أعلم منا به فنحن نمضى على ما مضى هو عليه فلما ولى المتوكل قبضها وأقطعها حرملة الحجام وأقطعها بعده لفلان البازيار من أهل طبرستان وردها المعتضد وحازها المكتفى. وقيل ان المقتدر ردها عليهم قال شريك كان يجب على أبي بكر رضى الله عنه أن يعمل مع فاطمة بموجب الشرع واقل ما يجب عليه ان يستحلفها على دعواها ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها فدك في حياته فان عليا وام أيمن شهدا لها وبقى ربع الشهادة فردها بعد الشاهدين لا وجه له فأما

[ 118 ]

ان يصدقها أو يستحلفها ويمضى الحكم لها قال شريك الله المستعان مثل هذا الامر يجهله أو يتعمده وقال الحسن بن على الوشا سألت مولانا أبا الحسن على بن موسى الرضا عليهما السلام هل خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير فدك شيئا فقال أبو الحسن عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلف حيطانا بالمدينة صدقة وخلف ستة أفراس وثلاث نوق العضباء والصهباء والديباج وبغلتين الشهباء والدلدل وحماره اليعفور وشاتين حلوبتين وأربعين ناقة حلوبا وسيفه ذا الفقار ودرعه ذات الفصول وعمامته السحاب وحبرتين يمانيتين وخاتمه الفاضل وقضيبه الممشوق وفراشا من ليف وعبائين قطوانيتين ومخادا من أدم صار ذلك إلى فاطمة عليها السلام ما خلا درعه وسيفه وعمامته وخاتمه فانه جعله لامير المؤمنين عليه السلام ومما يدل على شرف محلها وعلو مرتبتها ونبلها ومكانتها من لطف الله وفضلها وما أعده الله لها من المزية التي ليست لأحد من بعدها ولا قبلها وكيف لا تكون كذلك وإذا شئت فانظر إلى نفسها الكريمة وأبيها وبعلها فانك إذا نظرت وجدتهم قد استولوا على موجبات الفضل والشرف كلها وحازوا قصبات سبقها وفازوا بخصلها ما روى عن الزهري عن على بن الحسين عليهما السلام قال قال على بن أبي طالب عليه السلام لفاطمة سألت أباك فيما سألت اين تلقينه يوم القيامة قالت نعم قال لي اطلبيني عند الحوض قلت ان لم أجدك هيهنا قال تجديني إذا مستظلا بعرش ربي ولن يستظل به غيرى قالت فاطمة فقلت يا أبة أهل الدنيا يوم القيامة عراة فقال نعم يا بنية فقلت له وأنا عريانة قال نعم وأنت عريانة وانه لا يتلفت فيه أحد إلى أحد قالت فاطمة عليها السلام فقلت له وا سوأتاه يومئذ من

[ 119 ]

الله عز وجل فما خرجت حتى قال لي هبط على جبرئيل الروح الامين عليه السلام فقال لي يا محمد أقرأ فاطمة السلام واعلمها انها استحيت من الله تبارك وتعالى فاستحى الله منها فقد وعدها أن يكسوها يوم القيامة حلتين من نور قال على عليه السلام فقلت لها فهلا سألتيه عن ابن عمك فقالت قد فعلت فقال ان عليا أكرم على الله عز وجل من أن يعريه يوم القيامة وقريب منه ما روى ابن عباس قال قالت فاطمة عليها السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في سكرات الموت يا أبة أنا لا أصبر عنك ساعة من الدنيا فاين الميعاد غدا قال أما إنك أول أهلى لحوقا بي والميعاد على جسر جهنم قالت يا أبة أ ليس قد حرم الله عز وجل جسمك ولحمك على النار قال بلى ولكني قائم حتى تجوز أمتى قالت فان لم ارك هناك قال ترينى عند القنطرة السابعة من قناطر جهنم استوهب الظالم من المظلوم قالت فان لم أرك هناك قال ترينى في مقام الشفاعة وأنا أشفع لامتي قالت فان لم أرك هناك قال ترينى عند الميزان وانا أسئل الله لامتي الخلاص من النار قالت فان لم أرك هناك قال ترينى عند الحوض حوضى عرضه ما بين ايلة إلى صنعاء على حوضى ألف غلام بألف كأس كاللؤلؤ المنظوم وكالبيض المكنون من تناول منه شربة فشربها لم يظمأ بعدها أبدا فلم يزل يقول لها حتى خرجت الروح من جسده صلى الله عليه وآله وسلم وروى جابر بن عبد الله الانصاري قال دخلت فاطمة عليها السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في سكرات الموت فانكبت عليه تبكى ففتح عينه وأفاق ثم قال عليه السلام يا بينة أنت المظلومة بعدى وأنت المستضعفة بعدى فمن آذاك فقد آذانى ومن غاظك فقد غاظنى ومن سرك فقد سرنى ومن برك فقد برنى ومن جفاك فقد جفاني ومن وصلك فقد وصلنى ومن قطعك

[ 120 ]

فقد قطعني ومن أنصفك فقد أنصفنى ومن ظلمك فقد ظلمنى لانك منى وأنا منك وأنت بضعة منى وروحي التي بين جنبي ثم قال عليه السلام إلى الله أشكو ظالميك من امتى ثم دخل الحسن والحسين عليهما السلام فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما يبكيان ويقولان أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول الله فذهب على عليه السلام لينحيهما عنه فرفع رأسه إليه ثم قال يا على دعهما يشماني واشمهما ويتزودان منى واتزود منهما فانهما مقتولان بعدى ظلما وعدوانا فلعنة الله على من يقتلهما ثم قال يا على وأنت المظلوم المقتول بعدى وأنا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة ذكر حالها بعد ابيها عليها السلام روى عن الباقر عليه السلام قال ما رؤيت فاطمة عليها السلام ضاحكة مستبشرة منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبضت وعن أبي عبد الله عليه السلام قال البكاؤن خمسه آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلى بن الحسين عليه السلام فاما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه امثال الأودية وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين واما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا اما أن تبكى النهار وتسكنت الليل واما ان تبكى الليل وتسكنت النهار فصالحهم على واحد منهما واما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتينا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى مقابر

[ 121 ]

الشهداء فتبكى حتى تقضى حاجتها ثم تنصرف وأما على بن الحسين فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة وما وضع بين يديه طعام الا بكى حتى قال له مولى له جعلت فداك يا بن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون إني لم اذكر مصرع بنى فاطمة عليها السلام الا خنقتني لذلك عبرة مناقب فاطمة عليها السلام لو كاثرت النجوم كانت أكثر ولو ادعت شمس النهار الظهور كانت مزاياها أظهر ولو فاخرها الأملاك كانت عليها السلام أشرف وأفخر بيتها من قريش في سنامه وغاربه وأبوها الذي أحاط به الشرف من كل جوانبه وكان قاب قوسين من مراتبه ومناصبه وبعلها الذي شاركه في علائه ومناسبه ورفعه بما نبه به على منزلته على اصحابه وأقاربه وإبناها عليهما السلام المعدودان من احب حبائبه المخصوصان باوفر نصيب من مآثره ومناقبه وهى عليها السلام شجرة مجد هذه اصولها وفروعها ومزنة فخار صفا ماؤها وطاب ينبوعها وقصة سؤدد اعتدل في أسباب العلاء منقولها ومسموعها فكيف يبلغ وصف فضلها وقد بلغت الغاية في نبلها واستولت على قصبات المسابقة وخصلها وما غدت فضيلة إلا وهى لها بالاصالة أو هي من أهلها فمن عراه شك فيما قلته فليأت بمثلها أو مثل أبيها وبنيها وبيتها وبعلها صلى الله عليهم صلاة تقوم بشرف محلهم ومحلها وحيث ذكرنا من أوصافها ما تيسر واقتصرنا على الأقل لتعذر الاحاطة بالأكثر فلنذكر وفاتها صلى الله عليها ونشرع في ترتيب بنيها ترتيب العقد في النظام والله تعالى يهدى إلى دار السلام

[ 122 ]

ذكر وفاتها وما قبل ذلك من ذكر مرضها ووصيتها صلى الله عليها روى ان أبا جعفر عليه السلام أخرج سفطا أو حقا فاخرج منه كتابا فقرأه وفيه وصية فاطمة عليها السلام بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اوصت به فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم اوصت بحوايطها السبعة إلى على بن أبي طالب فان مضى فالى الحسن فإن مضى فالى الحسين فإن مضى فالى الأكابر من ولدى شهد المقداد بن الأسود والزبير بن العوام وكتب على بن أبي طالب وعن أسماء بنت عميس قالت اوصتني فاطمة عليها السلام أن لا يغسلها إذا ماتت إلا أنا وعلى فغسلتها انا وعلى عليه السلام وقيل قالت فاطمة عليها السلام لأسماء بنت عميس حين توضت وضوءها للصلاة هاتى طيبي الذي أتطيب به وهاتى ثيابي التي اصلى فيها فتوضأت ثم وضعت رأسها فقالت لها اجلسي عند رأسي فإذا جاء وقت الصلاة فاقيميني فان قمت وإلا فأرسلي الي على فلما جاء وقت الصلاة قالت الصلوة يا بنت رسول الله فإذا هي قد قبضت فجاء على فقالت له قد قبضت ابنة رسول الله قال متى قالت حين أرسلت اليك قال فامر أسماء فغسلتها وأمر الحسن والحسين عليهما السلام يدخلان الماء ودفنها ليلا وسوى قبرها فعوتب على ذلك فقال بذلك امرتني وروى انها بقيت بعد أبيها أربعين صباحا ولما حضرتها الوفاة قالت لأسماء ان جبرئيل اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة فقسمه

[ 123 ]

أثلاثا ثلث لنفسه وثلث لعلى وثلث لي وكان أربعين درهما فقالت يا اسماء ائتنى ببقية حنوط والدي من موضع كذا وكذا فضيعه عند رأسي فوضعته ثم تسجت بثوبها وقالت انتظرينى هنيهة ثم ادعيني فان أجبتك وإلا فاعلمي إني قد قدمت على أبي فانتظرتها هنيهة ثم نادتها فلم تجبها فنادت يا بنت محمد المصطفى يا بنت أكرم من حملته النساء يا بنت خير من وطأ الحصا يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو ادنى قال فلم تجبها فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدنيا فوقعت عليها تقبلها وهى تقول فاطمة إذا قدمت على أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام فبينا هي كذلك دخل الحسن والحسين فقالا يا أسماء ما ينيم أمنا في هذه الساعة قالت يا بنى رسول الله ليست امكما نائمة قد فارقت الدنيا فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول يا أماه كلمينى قبل أن تفارق روحي بدنى قال وأقبل الحسين يقبل رجلها ويقول يا أماه أنا ابنك الحسين كلمينى قبل ان ينصدع قلبي فاموت قالت لهما أسماء يا بنى رسول الله انطلقا إلى ابيكما على فاخبراه بموت أمكما فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا اصواتهما بالبكاء فابتدرهم جميع الصحابة فقالوا ما يبكيكما يا بنى رسول الله لا ابكى الله اعينكما لعلكما نظرتما إلى موقف جدكما صلى الله عليه وآله وسلم فبكيتما شوقا إليه فقالا لا أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة صلى الله عليها قال فوقع على على وجهه يقول بمن العزاء يا بنت محمد كنت بك اتعزى ففيم العزاء من بعدك ثم قال لكل اجتماع من خليلين فرقة * * وكل الذي دون الفراق قليل وان افتقادي فاطما بعد أحمد * * دليل على أن لا يدوم خليل ثم قال على يا اسماء غسليها وحنطيها وكفنيها قال فغسلوها وكفنوها وحنطوها وصلوا عليها ليلا ودفنوها بالبقيع وماتت بعد العصر

[ 124 ]

قال ابن بابويه رحمه الله جاء هذا الخبر هكذا والصحيح عندي انها دفنت في بيتها فلما زاد بنو امية في المسجد صارت في المسجد. قلت الظاهر المشهور مما نقله الناس وارباب التواريخ والسير انها عليها السلام دفنت بالبقيع كما تقدم وروى مرفوعا إلى سلمى ام بنى رافع قال كنت عند فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليها في شكواها التي ماتت فيها قالت فلما كان في بعض الأيام وهى اخف ما نراها فغدا على بن أبي طالب عليه السلام في حاجة وهو يرى يومئذ أنها أمثل ما كانت فقالت يا أمة الله اسكبي لي غسلا ففعلت فاغتسلت كأشد ما رأيتها اغتسلت ثم قالت لي اعطيني ثيابي الجدد فاعطيتها فلبست ثم قالت ضعى فراشي واستقبليني ثم قالت إني قد فرغت من نفسي فلا اكشفن إني مقبوضة الآن ثم توسدت يدها اليمنى واستقبلت القبلة فقضت فجاء على عليه السلام ونحن نصيح فسأل عنها فاخبرته فقال إذا والله لا تكشف فاحتملت في ثيابها فغيبت أقول ان هذا الحديث قد رواه ابن بابويه كما ترى وقد روى احمد بن حنبل رحمه الله عليه في مسنده عن أم سلمة قالت اشتكت فاطمة عليها السلام شكواها التي قبضت فيها فكنت أمرضها فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها ذلك قالت وخرج على عليه السلام لبعض حاجته فقالت يا أماه أسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كاحسن ما رأيتها تغتسل ثم قالت يا أماه اعطيني ثيابي الجدد فاعطيتها فلبستها ثم قالت يا اماه قدمى لي فراشي وسط البيت ففعلت فاضطجعت واستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت يا اماه إني مقبوضة الآن وقد تطهرت فلا يكشفنى أحد فقبضت مكانها قالت فجاء على عليه السلام فاخبرته

[ 125 ]

واتفاقهما من طرق الشيعة والسنة على نقله مع كون الحكم على خلافه عجيب فان الفقهاء من الطريقين لا يجيزون الدفن إلا بعد الغسل الا في مواضع ليس هذا منه فكيف رويا هذا الحديث ولم يعللاه ولا ذكرا فقهه ولا نبها على الجواز ولا المنع ولعل هذا أمر يخصها عليها السلام وانما استدل الفقهاء على انه يجوز للرجل أن يغسل زوجته بان عليا عليه السلام غسل فاطمة عليها السلام وهو المشهور وروى ابن بابويه مرفوعا إلى الحسن بن على عليه السلام أن عليا غسل فاطمة عليها السلام وعن على عليه السلام انه صلى على فاطمة وكبر عليها خمسا ودفنها ليلا وعن محمد بن على عليه السلام أن فاطمة عليها السلام دفنت ليلا ونقلت من كتاب الذرية الطاهرة للدولابي في وفاتها عليها السلام ما نقله عن رجاله قال لبثت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أشهر وقال ابن شهاب ستة أشهر وقال الزهري ستة أشهر ومثله عن عائشة رضى الله عنها ومثله عن عروة بن الزبير. وعن أبي جعفر محمد بن على عليهما السلام خمسا وتسعين ليلة في سنة أحدى عشرة. وقال ابن قتيبة في معارفه مائة يوم. وقيل ماتت في سنة احدى عشرة ليلة الثلاثاء لثلاث ليال من شهر رمضان وهى بنت تسع وعشرين سنة أو نحوها وقيل دخل العباس على على بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله عليهم السلام وأحدهما يقول لصاحبه أينا أكبر فقال العباس رضى الله عنه ولدت يا على قبل بناء قريش البيت بسنوات وولدت ابنتى وقريش تبنى البيت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن خمس وثلاثين سنة قبل النبوة بخمس سنين

[ 126 ]

وروى انها أوصت عليا وأسماء بنت عميس أن يغسلاها وعن ابن عباس قال مرضت فاطمة مرضا شديدا فقالت لأسماء بنت عميس ألا ترين إلى ما بلغت فلا تحمليني على سرير ظاهر فقالت لا لعمري ولكن اصنع نعشا كما رأيت يصنع بالحبشة قالت فأرينيه فأرسلت إلى جرايد رطبة فقطعت من الأسواق ثم جعلت على السرير نعشا وهو أول ما كان النعش فتبسمت وما رأيت متبسمة إلا يومئذ ثم حملناها فدفناها ليلا وصلى عليها العباس بن عبد المطلب ونزل في حفرتها هو وعلى والفضل بن عباس وعن أسماء بنت عميس ان فاطمة بنت رسول الله قالت لأسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمن رأى فقالت أسماء يا بنت رسول الله انا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة قال فدعت بجريدة رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة عليها السلام ما أحسن هذا وأجمله لا تعرف به المرأة من الرجل قال قالت فاطمة فإذا مت فغسليني انت ولا يدخلن على أحد فلما توفيت فاطمة عليها السلام جائت عائشة رضى الله عنها لتدخل عليها فقالت أسماء لا تدخلي فكلمت عائشة أبا بكر رضى الله عنهما فقالت ان هذه الخثعمية تحول بيننا وبين ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد جعلت لها مثل هودج العروس فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال يا أسماء ما حالك على ان منعت ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعلت لها مثل هودج العروس فقالت أسماء لأبي بكر هي أمرتنى أن لا يدخل عليها أحد واريتها هذا الذي صنعت وهى حية فأمرتني ان أصنع لها ذلك فقال أبو بكر رضى الله عنه اصنعي ما امرتك فانصرف وغسلها على وأسماء وروى الدولابي حديث الغسل الذي اغتسلته قبل وفاتها وكونها دفنت به

[ 127 ]

ولم تكشف وقد تقدم ذكره. وروى من غير هذا ان أبا بكر وعمر رضى الله عنهما عاتبا عليا كونه لم يؤذنهما بالصلاة عليها فاعتذر أنها أوصته بذلك وحلف لهما فصدقاه وعذراه وقال على عليه السلام عند دفن فاطمة عليها السلام كالمناجي بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند قبره السلام عليك يا رسول الله عنى وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك قل يا رسول الله عن صفيتك صبرى ورق عنها تجلدي إلا أن لي في التأسي لي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحرى وصدري نفسك فإنا لله وإنا إليه راجعون فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة اما حزنى فسرمد وأما ليلى فمسهد إلى ان يختار الله لي دارك التي انت بها مقيم وستنبئك ابنتك فاحفها السؤال واستخبرها الحال هذا ولم يطل العهد ولم يخلق الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم فان أنصرف فلا عن ملالة وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين الحديث ذو شجون أنشدني بعض الأصحاب للقاضى أبي بكر بن أبي قريعة رحمه الله تعالى يا من يسائل دائبا * * عن كل معضلة سخيفة لا تكشفن مغطأ * * فلربما كشفت جيفة ولرب مستور بدا * * كالطبل من تحت القطيفة أن الجواب لحاضر * * لكننى أخفيه خيفة لو لا اعتداد رعية * * ألغى سياستها الخليفة وسيوف اعداء بها * * هاماتنا أبدا نقيفة لنشرت من أسرار آ * * ل محمد جملا طريفة تغنينكم عما رواه * * مالك وأبو حنيفة

[ 128 ]

وأريكم أن الحسين * * أصيب في يوم السقيفة ولاى حال لحدت * * بالليل فاطمة الشريفة ولما حمت شيخيكم * * عن وطى حجرتها المنيفة آه لبنت محمد * * ماتت بغصتها أسيفة. وقد ورد من كلامها عليها السلام في مرض موتها ما يدل على شدة تألمها وعظم موجدتها وفرط شكايتها ممن ظلمها ومنعها حقها اعرضت عن ذكره وألغيت القول فيه ونكبت عن إيراده لأن غرضي من هذا الكتاب نعت مناقبهم ومزاياهم وتنبيه الغافل من موالاتهم فربما تنبه ووالاهم ووصف ما خصهم الله به من الفضائل التي ليست لأحد سواهم فاما ذكر الغير والبحت عن الشر والخير فليس من غرض هذا الكتاب وهو موكول إلى يوم الحساب وإلى الله تصير الأمور وفي رواية اخرى زيادة على قول على عليه السلام عند موتها أما حزنى فسرمد واما ليلى فمسهد ولا نبرح أو يختار الله تعالى لي دارك التي أنت فيها مقيم سرعان ما فرق بيننا وإلى الله اشكو وستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها حقها فاحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا فستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم فان أنصرف فلا عن ملالة وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعده الله الصابرين فالصبر ايمن وأجمل فبعين الله تدفن ابنتك سرا وتهتضم حقها وتمنع إرثها ولم يبعد العهد فالى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلوات الله عليك وعليها معك وروى أبو عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد من قبل العرش يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر

[ 129 ]

فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتكون أول من يكسى وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة في الجنة بيت من قصب لا اذى فيه ولا نصب بين مريم وآسية وعن محمد بن الحنفية رضى الله عنه قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول دخلت يوما منزلي فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وفاطمة بين يديه وهو يقول يا حسن ويا حسين أنتما كفتا الميزان وفاطمة لسانه ولا تعدل الكفتان إلا باللسان ولا يقوم اللسان إلا على الكفتين انتما الامامان ولامكما الشفاعة ثم التفت إلى فقال يا أبا الحسن أنت توفى المؤمنين أجورهم وتقسم الجنة بينهم وبين شيعتك فصل في مناقب خديجة بنت خويلد أم فاطمة عليها السلام حيث ذكرت ما أمكن من مناقب فاطمة عليها السلام غير مدع الاستقصاء فان مناقبها تجل عن العد والاحصاء شرعت في ذكر شئ من فضائل أمها عليها السلام ليعلم أن الشرف قد اكتنفها من جميع أقطارها وان المجد أوصلها إلى غاية يعجز المجارون عن خوض غمارها ومهما ذكره ذاكر فهو على الحقيقة دون مقدارها نقلت من مسند أحمد بن حنبل رحمه الله عن عبد الله بن جعفر عن على ابن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير نسائها خديجة وخير نسائها مريم

[ 130 ]

ومنه عن عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرت ان ابشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ومنه عن ابن عباس ان أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد خديجة على عليهما السلام وقال مرة أسلم وقد تقدم ذكر تقدم اسلامها عليها السلام وانها سبقت الناس كافة فلا حاجة إلى اعادة ذلك وهو مشهور ومن المسند عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون ومنه عن عبد الله بن أبي اوفى قال بشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب وروى أن جبرئيل عليه السلام اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عن خديجة فلم يجدها فقال إذا جاءت فاخبرها أن ربها يقرئها السلام وروى أبو هريرة قال اتى جبرئيل عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال هذه خديجة قد أتتك معها إناء مغطى فيه ادام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وقال شريك وقد سأل عن القصب أنه قصب الذهب وقال الجوهرى القصب أنابيب من جوهر وذكر الحديث وقال غيره اللؤلؤ وقال صاحب النهاية في غريب الحديث القصب لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف في هذا الحديث والقصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف وروى أن عجوزا دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالطفها فلما خرجت سألته عنها عائشة رضى الله عنها فقال انها كانت تأتينا زمن خديجة وأن حسن العهد من الإيمان

[ 131 ]

وعن على عليه السلام قال ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خديجة يوما وهو عند نسائه فبكى فقالت عائشة ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بنى أسد فقال صلى الله عليه وآله وسلم صدقتني إذ كذبتم وآمنت بي إذ كفرتم وولدت لي إذ عقمتم قالت عائشة فما زلت اتقرب إلى رسول الله بذكرها ونقلت من كتاب معالم العترة النبوية لأبي محمد عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى الحنبلى وذكر خديجة بنت خويلد ام المؤمنين وتقدم اسلامها وحسن موازرتها وخطر فضلها وشرف منزلتها وذكر مرفوعا عن محمد بن اسحاق قال كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صدق حديثه وعظيم امانته وكرم اخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه ان يخرج في مالها تاجرا إلى الشام وتعطيه افضل ما كانت تعطى غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرج في مالها ذلك ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي. ثم باع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلعته التي خرج فيها واشترى ما أراد أن يشترى ثم اقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة وكان ميسرة فيما يزعمون قال إذا كانت الهاجرة واشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فاضعف أو قريبا.

[ 132 ]

وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت له فيما يزعمون يا بن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك منى وشرفك في قومك وسطتك فيهم وامانتك عندهم وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها. وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة وهى يومئذ اوسط قريش نسبا واعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وكل قومها قد كان حريصا على ذلك لم يقدروا عليه فلما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قالت ذكر ذلك لاعمامه فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وروى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال لما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغ اشده وليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة وهو سوق بتهامة واستأجرت معه رجل آخر من قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما رأيت من صاحبة لأجير خيرا من خديجة ما كنا نرجع انا وصاحبي الا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبئه لنا ومنه قال الدولابي يرفعه عن رجاله انه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه رأى في المنام رؤيا فشق عليه فذكر ذلك لصاحبته خديجة فقالت له أبشر فإن الله تعالى لا يصنع بك الا خيرا فذكر لها انه رأى ان بطنه أخرج وطهر وغسل ثم أعيد كما كان قالت هذا خير فابشر ثم استعلن له جبرئيل فاجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه وبشره برسالة ربه حتى اطمأن ثم قال اقرأ قال كيف أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسالة ربه واتبع الذي جاء به جبرئيل من عند الله وانصرف إلى أهله فلما دخل على

[ 133 ]

خديجة قال ارأيتك الذي كنت احدثك ورأيته في المنام فانه جبرئيل استعلن واخبرها بالذى جاءه من عند الله وسمع فقالت أبشر يا رسول الله الله فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا فاقبل الذي اتاك الله وأبشر فانك رسول الله حقا وروى مرفوعا إلى الزهري قال كانت خديجة أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن ابن شهاب أنزل الله على رسوله القرآن والهدى وعنده خديجة بنت خويلد وقال ابن حماد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج خديجة على اثنتى عشرة اوقية ذهبا وهى يومئذ ابنة ثمانى وعشرين سنة وحدثني ابن البرقى أبو بكر عن ابن هشام عن غير واحد عن أبي عمرو ابن العلا قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وعن قتادة بن دعامة قال كانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم يقال ولدت له جارية وهى ام محمد بن صيفي المخزومى ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند ابن زرارة التيمى فولدت له هند بن هند ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وباسناده يرفعه إلى محمد بن اسحاق قال كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء من الله ووازرته على أمره فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك الا فرج الله ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رحمها الله وعن اسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير انه حدث عن خديجة أنها

[ 134 ]

قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فاخبرني فجاء جبرئيل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخديجة يا خديجة هذا جبرئيل قد جائنى قالت قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول فقالت هل تراه قال نعم قالت فاجلس في حجري ففعل قالت هل تراه فقال لا قالت يا بن عم اثبت وابشر فو الله انه لملك كريم وما هو بشيطان قال ابن اسحاق وقد حدث بهذا الحديث عبد الله بن الحسن قال قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة الا إني سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبرئيل عليه السلام فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان هذا الملك وما هو بشيطان وعن ابن اسحاق ان خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هلاك خديجة وأبي طالب وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسكن إليها وعن عروة بن الزبير قال توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريت لخديجة بيتا من قصب لا صخب فيه ولا نصب وقال ابن هشام حدثنى من اثق به ان جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال قرأ خديجة من ربها السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا خديجة هذا جبرئيل يقرئك من ربك السلام قالت خديجة الله السلام ومنه السلام وعلى جبرئيل السلام وروى ان آدم عليه السلام قال إني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من

[ 135 ]

ذريتي نبي من الأنبياء يقال له احمد فضل على باثنتين زوجته عاونته وكانت له عونا وكانت زوجتى على عونا وان الله اعانه على شيطانه فاسلم وكفر شيطاني وعن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة فقلت لقد عوضك الله من كبيرة السن قالت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضب غضبا شديدا فسقطت في يدى فقلت اللهم إنك ان أذهبت بغضب رسولك صلى الله عليه وآله وسلم لم أعد لذكرها بسوء ما بقيت قالت فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لقيت قال كيف قلت والله لقد آمنت بي إذ كفر الناس وآوتني إذ رفضنى الناس وصدقتني إذ كذبني الناس ورزقت منى الولد حيث حرمتموه قالت فغدا وراح على بها شهرا وروى أن خديجة رضى الله عنها كانت تكنى ام هند وعن ابن عباس ان عم خديجة عمرو بن اسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وان أباها مات قبل الفجار وعن ابن عباس أنه تزوجها وهى ابنة ثمانى وعشرين سنة ومهرها النبي اثنتى عشرة اوقية وكذلك كانت مهور نسائه وقيل انها ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة وتزوجها صلى الله عليه وآله وهى بنت أربعين سنة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن خمس وعشرين سنة وحديث عفيف ورؤيته النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وعليا يصلون حين قدم تاجرا إلى العباس وقوله لا والله ما علمت على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة قد تقدم ذكره بطرقه فلا حاجة لنا إلى ذكره لانه لم يختلف في انها عليها السلام أول الناس اسلاما.

[ 136 ]

وقال ابن سعد يرفعه إلى حكيم بن حزام قال توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشر من النبوة وهى ابنة خمس وستين فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حفرتها ولم يكن يومئذ صلاة على الجنازة قيل ومتى ذلك يا أبا خالد قال قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها وبعد خروج بنى هاشم من الشعب بيسير قال وكانت اول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واولاده كلهم منها إلا ابراهيم فانه من مارية القبطية. هذا آخر ما نقلته من كتاب الجنابذى وربما اختصرت في بعض المواضع ذكر الامام الثاني أبي محمد الحسن التقى عليه السلام قال ابن طلحة رحمه الله الباب الثاني في أبي محمد الحسن التقى عليه السلام وفيه اثنا عشر فصلا في ولادته في نسبه في تسميته عليه السلام في كنيته ولقبه فيما ورد في حقه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهيهنا نذكر امامته فان كمال الدين بن طلحة لم يذكر ذلك في فصوله في علمه في عبادته في كرمه في كلامه في أولاده في عمره في وفاته. الأول في ولادته عليه السلام أصح ما قيل في ولادته إنه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وكان والده على بن أبي طالب عليه السلام قد بنى بفاطمة عليها السلام في ذى الحجة من السنة الثانية من الهجرة وكان الحسن عليه السلام أول اولادها وقيل ولدته لسته اشهر والصحيح خلافه.

[ 137 ]

ولما ولد عليه السلام وأعلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذه واذن في اذنه ومثل ذلك روى الجنابذى أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر. وروى ابن الخشاب انه ولد عليه السلام لسته إشهر ولم يولد لستة أشهر مولود فعاش إلا الحسن وعيسى بن مريم عليه السلام. وروى الدولابي في كتابه المسمى كتاب الذرية الطاهرة قال تزوج على فاطمة عليها السلام فولدت له حسنا بعد أحد بسنتين وكان بين وقعة أحد وبين مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة سنتان وستة أشهر ونصف فولدته لأربع سنين وستة أشهر ونصف من التاريخ وبين أحد وبدر سنة ونصف. وروى أنها عليها السلام ولدته في شهر رمضان سنة ثلاث. وروى أنه ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث وكنيته أبو محمد. وروى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عنه بكبش وحلق رأسه وأمر ان يتصدق بزنته فضة وروى ان فاطمة عليها السلام أرادت ان تعق عنه بكبش فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تعقى عنه ولكن احلقى رأسه ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله عز وجل ومنه عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عن الحسن كبشا وعن الحسين كبشا وقال الكنجى الشافعي في كتاب كفاية الطالب الحسن بن على كنيته أبو محمد ولد بالمدينة ليلة النصف من رمضان سنه ثلاث من الهجرة كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب أعلام الورى الباب الأول في ذكر الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام الإمام الثاني والسبط

[ 138 ]

الأول سيد شباب أهل الجنة ويتضمن خمسة فصول في ذكر مولده ومبلغ عمره ومدة خلافته ووقت وفاته وموضع قبره عليه السلام. ولد عليه السلام ليلة النصف من شهر رمضان سنه ثلاث من الهجرة وقيل سنة اثنتين وكنيته أبو محمد وجاءت به أمه فاطمة سيدة النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة نزل بها جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسنا وعق عنه كبشا وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وله سبع سنين وأشهر وقيل ثمانى سنين. وقام بالأمر بعد أبيه عليه السلام وله سبع وثلاثون سنة وأقام في خلافته ستة أشهر وثلاثة أيام وصالح معاوية سنة إحدى وأربعين وإنما هادنه خوفا على نفسه لأن جماعة من رؤساء أصحابه كاتبوا معاوية وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنو عسكره من عسكره ولم يكن منهم من يأمن غائلته إلا جماعة من شيعته لا يقومون بأهل الشام وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وبعث بكتب أصحابه إليه فأجابه إلى ذلك بعد أن شرط عليه شروطا كثيرة (منها) أن يترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والقنوت عليه في الصلوات وان يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذى حق حقه فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهده على الوفاء به فلما استتمت الهدنة قال في خطبته إني منيت الحسن وأعطيته أشياء جعلتها تحت قدمى لا أفى بشئ منها له. وخرج الحسن عليه السلام إلى المدينة وأقام بها عشر سنين ومضى إلى رحمة الله تعالى لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبع وأربعون سنة وأشهر مسموما سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس وكان معاوية قد دس إليها من حملها على ذلك وضمن لها أن يزوجها من يزيد ابنه وأعطاها مائة

[ 139 ]

الف درهم فسقته السم وبقى عليه السلام مريضا أربعين يوما وتولى أخوه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بالبقيع. وقال الشيخ المفيد رحمه الله في إرشاده: (باب ذكر الإمام بعد أمير المؤمنين عليه السلام وتاريخ مولده ودلايل إمامته ومدة خلافته ووقت وفاته وموضع قبره وعدد أولاده وطرف من أخباره). والإمام بعد أمير المؤمنين صلوات الله عليه ابنه الحسن بن سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطاهرين وكنيته أبو محمد. ولد بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وساق ما أورده الطبرسي إلى قوله: وعق عنه كبشا قال وروى ذلك جماعة عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام. وكان الحسن عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلقا وهديا وسؤددا وعن أنس بن مالك قال لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن على عليهما السلام وروى ان فاطمة عليه السلام أتت بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شكواه التي توفى فيها فقالت: يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئا فقال أما الحسن فان له هديى وسؤددي وأما الحسين فان له جودى وشجاعتي ورواه الجنابذى أما الحسن فله هيبتى وسؤددي وأما الحسين فله جرأتي وجودي. فهذا ذكر الاختلاف في مولده عليه السلام وذكرت فيه ما أورده السنة والشيعة ليتخلص لك معرفة ذلك وبالله التوفيق.

[ 140 ]

الثاني في نسبه عليه السلام قال كمال الدين محمد بن طلحة حصل للحسن ولأخيه الحسين عليهما السلام ما لم يحصل لغيرهما فانهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانتاه وسيدا شباب أهل الجنة فجدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبوهما علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم عليه السلام وأمهما الطهر البتول فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدة النساء. نسب كأن عليه من شمس الضحى * * نورا ومن فلق الصباح عمودا. أقول ان نسبه عليه السلام هو النسب الذي تتضائل عنده الانساب وشرفه الشرف الذي أسجل بصحته الأثر والكتاب فهو وأخوه دوحتا النبوة التي طابت فرعا وأصلا وشعبتا الفتوة التي سمت رفعة ونبلا وانسانا عينى السيادة والفخار وسليلا الشرف الذي أظهر الخيلاء في مضر ونزار قد اكتنفهما العز والشرف ولازمهما السؤدد فما له عنهما منصرف وأحاط بهما المجد من طرفيهما وتصورا من الجلالة فكادت أن تقطر من عطفيهما وتكونا من الأريحية فهى تلوح على شمائلهما وتبدو كما يبدو النهار على مخايلهما بذا الأضراب والأمثال وأين الضريب والمماثل ؟ وترفعا في أوج الفتوة عن العديل والمساجل وأين العديل والمساجل وفاقا في طيب الأعراق وطهارة الأخلاق رتبة الأواخر والأوائل فعلت سماء فضلهما عن اللمس حتى قيل أين الثريا من يد المتناول ؟ نسبهما يتصل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل أمهما بغير فصل ومن قبل أبيهما يجتمع في عبد المطلب فأعجب لطيب فرع وزكاء أصل. أنتم ذووا النسب القصير وطولكم * * باد على الكبراء والاشراف والخمران قيل ابنة العنب اكتفت * * باب من الألقاب والأوصاف.

[ 141 ]

الثالث في تسميته عليه السلام قال ابن طلحة اعلم ان هذا الاسم الحسن سماه به جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه لما ولد عليه السلام قال ما سميتموه قالوا حربا قال صلى الله عليه وآله وسلم بل سموه حسنا ثم انه صلى الله عليه وآله وسلم عق عنه كبشا وبذلك احتج الشافعي في كون العقيقة سنة عن المولود. وتولى ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنع أن تفعله فاطمة عليها السلام وقال لها احلقى رأسه وتصدقي بوزن الشعر فضة ففعلت ذلك وكان وزن شعره يوم حلقه درهما وشيئا فتصدقت به فصارت العقيقة والصدقة بزنة الشعر سنة مستمرة بما شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق الحسن عليه السلام وكذا اعتمد في حق الحسين عليه السلام عند ولادته وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وروى الجنابذى ان عليا عليه السلام سمى الحسن حمزة والحسين جعفرا فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وقال له إني قد أمرت أن أغير اسم ابني هذين قال فما شاء الله ورسوله قال فهما الحسن والحسين. ويظهر من كلامه انه بقى الحسن عليه السلام مسمى حمزة إلى حين ولد الحسين وغيرت أسماؤهما عليهما السلام وقتئذ وفي هذا نظر لمتأمله أو يكون قد سمى الحسن وغيره ولما ولد الحسين وسمى جعفرا غيره فتكون التسمية في زمانين والتغيير كذلك. الرابع في كنيته عليه السلام والقابه قال ابن طلحة كنيته أبو محمد لا غيره واما القابه فكثيرة التقى والطيب والزكى والسيد والسبط والولى كل ذلك كان يقال له ويطلق عليه وأكثر هذه الألقاب شهرة التقى لكن اعلاها رتبة واولاها به

[ 142 ]

ما لقبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث وصفه به وخصه بأن جعله نعتا له فانه صح النقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما اورده الأئمة الإثبات والرواة الثقات أنه قال ابني هذا سيد. وسيأتى هذا الحديث بتمامه في الفصل الآتى ردف هذا ان شاء الله تعالى فيكون القابه السيد وقال ابن الخشاب كنيته أبو محمد وألقابه الوزير والتقى والقائم والطيب والحجة والسيد والسبط والولى. الخامس فيما ورد في حقه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما رواه عليه السلام وامامته. قال ابن طلحة هذا فصل اصله مقصود وفضله معقود ونقله مشهور وظله ممدود ووروده مورود وسدره مخضود وطلحه منضود وهو من أسنى السجايا والمدايح معدود فانه جمع من أشتات الاشارات النبوية والأفعال والأقوال الطاهرة الزكية ما أشرقت به أنوار المناقب وسمقت بالحسن إلى أشرف شرف المراتب وأحدقت مزايا المآثر به من جميع الجوانب فان من امتطى مطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رقى قدم شرفه على مناكب الكواكب فبخ بخ لمن خصه الله تعالى من رسوله المصطفى بهذه المواهب. فمنها ما اتفقت الصحاح على إيراده وتطابقت على صحة اسناده وروى مرفوعا إلى أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفى قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن بن على إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول ان ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين رواه الجنابذى وروى من صحيحي مسلم والبخاري مرفوعا إلى البراء بن العازب قال

[ 143 ]

رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن بن على على عاتقه يقول اللهم إني أحبه فأحبه وروى عن الترمذي مرفوعا إلى ابن عباس رضى الله عنهما إنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حامل الحسن بن على على عاتقه فقال رجل نعم المركب ركبت يا غلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونعم الراكب هو رواه الجنابذى وروى عن الحافظ أبي نعيم ما أورده في حليته عن أبي بكرة قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلى بنا فيجئ الحسن وهو ساجد وهو صغير حتى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى قالوا يا رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد فقال ان هذا ريحانتي وان ابني هذا سيد وعسى أن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين رواه الجنابذى في كتابه وروى عن الترمذي من صحيحه يرفعه بسنده إلى أنس بن مالك قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي أهل بيتك أحب اليك قال الحسن والحسين وكان يقول لفاطمة صلى الله عليه وآله وسلم ادعى إلى ابني فيشمهما ويضمهما إليه وروى عن مسلم والبخاري بسنديهما عن أبي هريرة قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جئنا سوق بنى قينقاع ثم انصرف حتى أتى مخبأ وهو المخدع فقال أثم لكع أثم لكع يعنى حسنا فظننا إنما تحبسه أمه لان تغسله أو تلبسه سخايا فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إني أحبه وأحب من يحبه وفي رواية اخرى اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه قال أبو هريرة فما كان أحد احب إلى من الحسن بن على بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال فيه

[ 144 ]

وروى عن الترمذي في صحيحه مرفوعا إلى أسامة بن زيد قال طرقت النبي صلى الله عليه وآله ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج وهو مشتمل على شئ فما ادرى ما هو فلما فرغت من حاجتى قلت ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه فقال هذان ابناى وابنا ابنتى اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما وروى عن الترمذي بسنده عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وعن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول هما ريحانتاى من الدنيا وروى عن النسائي بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله في احدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا فتقدم النبي صلى الله عليه وآله فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهرانى سجدة فاطالها قال إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله الصلاة قال الناس يا رسول الله انك سجدت بين ظهرانى صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى اليك قال كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته وروى عن الترمذي والنسائي في صحاحهم كل منهم بسنده يرفعه إلى بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر

[ 145 ]

حتى قطعت حديثى ورفعتهما ورواه الجنابذى بألفاظ قريبة من هذا وأخصر وروى عن الترمذي بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي جحيفة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان الحسن بن على يشبهه وعن أنس قال لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن على وعن على عليه السلام قال كان الحسن بن على أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه فيما كان أسفل من ذلك وروى عن البخاري في صحيحه يرفعه إلى عقبة بن الحرث قال صلى أبو بكر العصر ثم خرج يمشى ومعه على عليه السلام فرآى الحسن يلعب بين الصبيان فحمله أبو بكر على عاتقه وقال بأبي شبيه بالنبي * * ليس شبيها بعلى وعلى عليه السلام يضحك وروى الجنابذى هذا الحديث فقال بأبي شبه النبي لا شبيها بعلى قال وعلى يتبسم وروى عن اسماعيل بن أبي خالد قال قلت لأبي جحيفة هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نعم والحسن بن على يشبهه وروى عن أبي هريرة قال ما رأيت الحسن بن على إلا فاضت عيناى دموعا وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فوجدني في المسجد فأخذ بيدى فاتكى على ثم انطلقت حتى جئنا إلى سوق بنى قينقاع فما كلمني فطاف فنظر ثم رجع ورجعت معه فجلس في المسجد فاحتبي ثم قال ادع لي لكع فأتى حسن يشتد حتى وقع في حجره فجعل يدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتح فمه ويدخل فمه في فمه ويقول اللهم إني أحبه

[ 146 ]

وأحب من يحبه ثلاثا وروى بسنده عن عبد الرحمان بن عوف قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا عبد الرحمان ألا أعلمك عوذة كان يعوذ بها ابراهيم ابنيه اسماعيل وإسحاق وأنا أعوذ بها ابني الحسن والحسين قل كفى بسمع الله واعيا لمن دعا ولا مرمى وراء أمر الله لرام رمى وروى عن الدولابي مرفوعا إلى جبير بن هبير عن أبيه قال قدمت المدينة فقال الحسن بن على عليه السلام كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء المسلمين وروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصر الحسن بن على مقبلا فقال اللهم سلمه وسلم منه وروى مرفوعا إلى أم الفضل قالت قلت يا رسول الله رأيت كأن عضوا من أعضائك في بيتى قال خيرا رأيت تلد ابنتى فاطمة غلاما ترضعينه بلبن قثم فولدت الحسن فارضعته بلبن قثم وروى مرفوعا إلى إسحاق بن سليمان الهاشمي عن أبيه قال كنا عند أمير المؤمنين هارون الرشيد فتذاكروا على بن أبي طالب فقال أمير المؤمنين هارون تزعم العوام إني أبغض عليا وولده حسنا وحسينا ولا والله ما ذلك كما يظنون ولكن ولده هؤلاء طالبنا بدم الحسين معهم في السهل والجبل حتى قتلنا قتلته ثم افضى الينا هذا الأمر فخالطناهم فحسدونا وخرجوا علينا فحلوا قطيعتهم والله لقد حدثنى أبي أمير المؤمنين المهدى عن أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عن محمد بن على بن عبد الله عن عبد الله بن عباس قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبلت فاطمة عليها السلام تبكى فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يبكيك قالت يا رسول الله ان الحسن والحسين خرجا فو الله

[ 147 ]

ما أدرى أين سلكا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تبكين فداك أبوك فان الله جل وعز خلقهما وهو أرحم بهما اللهم ان كانا أخذا في بر فاحفظهما وان كانا أخذا في بحر فسلمهما فهبط جبرئيل عليه السلام فقال يا أحمد لا تغتم ولا تحزن هما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما وهما في حظيرة بنى النجار نائمين وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما قال ابن عباس فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا معه حتى اتينا حظيرة بنى النجار فإذا الحسن معانق الحسين وإذا الملك قد غطاهما بأحد جناحيه فحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن وأخذ الحسين الملك والناس يرون أنه حاملهما فقال له أبو بكر الصديق وأبو أيوب الانصاري رضى الله عنهما يا رسول الله ألا نخفف عنك بحمل أحد الصبيين فقال دعاهما فانهما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما ثم قال والله لأشرفنهما اليوم بما شرفهما الله فخطب فقال أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدا وجده قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدتهما خديجة بنت خويلد ألا أخبركم ايها الناس بخير الناس أبا واما قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين أبوهما على بن أبي طالب وامهما فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألا أخبركم ايها الناس بخير الناس عما وعمة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب ألا ايها الناس ألا أخبركم بخير الناس خالا وخالة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالتهما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا أن أباهما في الجنة وأمهما في الجنة وجدهما في الجنة وجدتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وعمهما في الجنة

[ 148 ]

وعمتهما في الجنة وهما في الجنة ومن أحبهما في الجنة ومن احب من أحبهما في الجنة وروى مرفوعا إلى أحمد بن محمد بن أيوب المغيرى قال كان الحسن ابن على عليهما السلام أبيض مشربا حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكأن عنقه ابريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ليس بالطويل ولا القصير مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن وروى مرفوعا إلى على عليه السلام قال لما حضرت ولادة فاطمة عليها السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء بنت عميس وأم سلمة أحضراها فإذا وقع ولدها واستهل فأذنا في أذنه اليمنى وأقيما في أذنه اليسرى فانه لا يفعل ذلك بمثله إلا عصم من الشيطان ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما فلما ولدت فعلتا ذلك فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسره ولباه بريقه وقال اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم ومن كتاب الفردوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن أسمى ابني هذين حسنا وحسينا ومنه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألت الفردوس من ربها فقالت أي رب زينى فان أصحابي وأهلي أتقياء أبرار فأوحى الله عز وجل إليها ألم أزينك بالحسن والحسين ومنه عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى هارون ابنيه شبرا وشبيرا وانى سميت ابني الحسن والحسين بما سمى هارون ابنيه وروى أبو عمرو الزاهد في كتاب اليواقيت قال زيد بن أرقم كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده جالسا فمرت فاطمة صلوات الله عليها خارجة من بيتها إلى حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعها الحسن والحسين عليهما السلام

[ 149 ]

ثم تبعها على عليه السلام فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه إلى فقال من أحب هؤلاء فقد أحبنى ومن أبغض هؤلاء فقد أبغضني. ومما جمعه صديقنا العز المحدث مرفوعا إلى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله على حبيب الله الحسن والحسين صفوة الله فاطمة أمة الله على باغضيهم لعنة الله وباسناده قال عمر رضى الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن فاطمة وعليا والحسن والحسين في حظيرة القدس في قبة بيضاء سقفها عرش الرحمان عز وجل وباسناده عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ابناى هذين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما ومن كتاب الآل لابن خالويه اللغوى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة من أحبهما أحبنى ومن أبغضهما أبغضني وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلى قد أحبهم الله وأمرني بحبهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدى عليه السلام الذي يصلى خلفه عيسى بن مريم عليه السلام ومن كتاب الآل مرفوعا إلى عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت الجنة يا رب أليس قد وعدتني أن تسكني ركنا من أركانك قال فأوحى الله إليها أما ترضين إني زينتك بالحسن والحسين فأقبلت تميس كما تميس العروس ومن كتاب الأربعين للفتوانى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال

[ 150 ]

دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يمشى على أربع والحسن والحسين على ظهره ويقول نعم الجمل جملكما ونعم الجملان أنتما وروى اللفتوانى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الحسن فأقبل وفي عنقه سخاب فظننت ان أمه حبسته لتلبسه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هكذا وقال الحسن عليه السلام هكذا بيده فالتزمه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من أحبه ثلاثا قال وهو متفق على صحته من حديث عبد الله بن أبي يزيد ورواه البخاري في السير عن على عن سفيان وروى الحافظ أبو بكر محمد اللفتوانى عن أبي هريرة أن الحسن بن على عليهما السلام قال السلام عليكم فرد أبو هريرة فقال بأبي رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلى فسجد فجاء الحسن عليه السلام فركب ظهره وهو ساجد ثم جاء الحسين عليه السلام فركب ظهره مع أخيه وهو ساجد فثقلا على ظهره فجئت فاخذتهما عن ظهره وذكر كلاما سقط على أبي يعلى ومسح على رؤوسهما وقال من أحبنى فليحبهما ثلاثا وعن أبي هريره قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من أحب الحسن والحسين فقد أحبنى ومن أبغضهما فقد أبغضني وروى أن العباس رضى الله عنه جاء يعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه فرفعه وأجلسه في مجلسه على سريره فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفعك الله يا عم فقال العباس هذا على يستأذن فقال يدخل فدخل ومعه الحسن والحسين عليهما السلام فقال العباس رضى الله عنه هؤلاء ولدك يا رسول الله صلى الله عليك قال هم ولدك يا عم أتحبهما قال نعم قال أحبك الله كما أحبهما وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى بتمر من تمر الصدقة فجعل يقسمه

[ 151 ]

فلما فرغ حمل الصبي وقام فإذا الحسن في فيه تمرة يلوكها فسال لعابه عليه فرفع رأسه ينظر إليه فضرب شدقه وقال كخ أي بنى أما شعرت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة قلت وقد أورده أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده بألفاظ غير هذه قال الحسن فادخل أصبعه في فمى وقال كخ كخ وكأني أنظر لعابي على اصبعه وروى عن أبي عميرة رشيد بن مالك هذا الحديث بألفاظ أخرى وذكر أن رجلا أتاه بطبق من تمر فقال أهذا هدية أم صدقة قال الرجل صدقة فقدمها إلى القوم قال وحسن بين يديه صغير قال فأخذ الصبي تمرة فجعلها في فيه قال ففطن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فادخل أصبعه في فم الصبي فانتزع التمرة ثم قذف بها وقال إنا آل محمد لا نأكل الصدقة قال اللفتوانى لم يخرج الطبراني لأبي عميرة السعدى في معجمه سوى هذا الحديث الواحد وفي حديث آخر إنا آل محمد لا نأكل الصدقة قال معرف فحدثني أنه جعل يدخل أصبعه ليخرجها فيقول هكذا كأنه يلتوى عليه ويكره أن يؤذيه وروى مرفوعا إلى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقعده على فخذه ويقعد الحسين على الفخذ الأخرى ويقول اللهم ارحمهما فانى أرحمهما رواه البخاري في الأدب وروى مرفوعا إلى أبي بكر رضى الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن إلى جانبه ينظر إلى الناس مرة واليه مرة اخرى ان ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به ما بين فئتين من المسلمين وروى عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلى وفاطمة والحسن

[ 152 ]

والحسين أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم وقد روى أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وقد نظر إلى الحسن والحسين عليهما السلام من أحب هذين وأباهما وأمهما كان معى في درجتي يوم القيامة وهذه الأحاديث قد تقدم أمثالها وهى بأنفسها وإنما أذكرها مكررة لأن في اختلاف طرقها وكثرة رواتها دلالة على صحتها وبرهانها على القطع بورودها عنه صلى الله عليه وآله وسلم على الحقيقة. وروى الدولابي في كتاب الذرية الطاهرة وهذا الكتاب أرويه بالإجازة عن السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار الموسوي الحائري عن الشيخ عبد العزيز الأخضر المحدث اجازة في المحرم سنة عشرة وستمائة. وعن الشيخ برهان الدين أبي الحسين أحمد بن على المعروف بالغزنوى اجازة في ربيع الأول سنة أربع عشرة وستمائة كلاهما عن الشيخ الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر السلامى باسناده واجاز لي السيد قديما وفي سنة ست وسبعين وستمائة. روى عن أبي بكرة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إذ صعد إليه الحسن فضمه إليه وقال ان ابني هذا سيد وان الله عله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظمتين قلت وإلى هذا أشار الحسن عليه السلام وقد رواه الدولابي وغيره مرفوعا إلى يزيد بن خمير عن جبير بن نفير عن أبيه قال قدمت المدينة فقال الحسن ابن على عليهما السلام كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله عز وجل وحقن دماء المسلمين وروى عن محمد بن عبد الرحمان بن لبيبة مولى بنى هاشم أن رسول الله

[ 153 ]

صلى الله عليه وآله وسلم أبصر الحسن بن على مقبلا فقال اللهم سلم به وسلم منه وروى ان أم الفضل قالت رأيت عضوا من أعضائك في بيتى قال خيرا رأيته تلد فاطمة غلاما ترضعينه بلبن قثم فولد الحسن عليه السلام فارضعته بلبن قثم وروى ان الحسن عليه السلام روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال لي إن من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم وروى ان الحسن قال رواية عن أبيه عليهما السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من رجلين اصطرما فوق ثلاث إلا طويت عنهما صحيفة الزيادات قلت يا رسول الله وما صحيفة الزيادات ؟ قال الصلاة النافلة وما كان من التطوع ما لم يشاكل الفرض وباسناده عن أبيه صلى الله عليهما ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال حيث ما كنتم فصلوا على فان صلاتكم تبلغني صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا وباسناده عن أبيه عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أظلم الظالمين من ظلم الظالم دعوا الظالم حتى يلقى الله عز وجل بوزره يوم القيامة كاملا ذكر إمامته وبيعته عليه السلام الكلام في الحسن بن على عليهما السلام في باب الإمامة لا يخالفنا فيه أحد من المسلمين فاما غيره من الأئمة عليهم السلام فالمخالفة فيهم ونحن نقرر في هذا قاعدة تطرد في الجميع فان القائلين بامامة الجماعة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلون بامامة الحسن عليه السلام بما رووه أن الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم تعود ملكا وبأن عليا عليه السلام أوصى بها إليه وأفاض رداءها عليه فهو عليه السلام مسألة إجماع

[ 154 ]

وقد سلم مدعى إمامته عن النزاع. وأما أصحابنا فانهم يقولون بوجوب الإمامة في كل وقت وقد ثبت ذلك من طريق العقل في كتب الأصول وان الإمام لا بد أن يكون معصوما منصوصا عليه وان الحق لا يخرج عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا ثبت ذلك فالناس بعد على عليه السلام إما قائل بأن لا حاجة إلى إمام وقوله باطل بما ثبت من وجوب وجود الإمام في كل وقت وإما قائل بامام ولا يشترط العصمة وقوله باطل أيضا بما ثبت من وجوب العصمة وإما قائل بوجوب إمامة الحسن بن على عليهما السلام لوجود الشروط المأخوذة في حد الإمام فيه فيجب الرجوع إلى قوله والعمل به وإلا خرج الحق عن أقوال الأمة. وفي تواتر الشيعة ونقلهم خلفا عن سلف ان أمير المؤمنين عليه السلام نص على ابنه الحسن وحضر شيعته واستخلفه عليهم بصريح القول وليس لأحد أن يدعى كذبهم فيما تواتر عندهم لأن ذلك يقدح في كل ما ادعى أنه علم بالتواتر وفي هذا الموضع بحوث طويلة مذكورة في كتب الكلام ليس ذكرها في هذا الكتاب من شرطه وقد اشتهر عند الناس قاطبة وصية على عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام وتخصيصه بذلك من بين ولده ورواه المخالف والمؤالف والوصية من الإمام الحق توجب استخلافه لمن أوصى إليه وكذا وقعت الحال وهى مشهورة وقد أجمع عليها آل محمد عليه وعليهم السلام. ومن الأخبار الواردة في ذلك مما رواه محمد بن يعقوب الكليني وهو من أجل رواة الشيعة وثقاتها عن على بن ابراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن سليم بن قيس الهلالي قال شهدت أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمدا وجميع

[ 155 ]

ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له يا بنى أمرنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أوصى اليك وأدفع اليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ثم أقبل على الحسين عليه السلام فقال وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك هذا ثم أخذ بيد على بن الحسين وقال وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك محمد فاقرأه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومنى السلام. وعنه عن عدة من أصحابه يرفعه إلى أبي الجارود عن أبي جعفر قال إن أمير المؤمنين عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه الحسن أدن منى حتى أسر اليك ما أسر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئتمنك على ما ائتمننى عليه ففعل وباسناده يرفعه إلى شهر بن حوشب ان عليا عليه السلام لما سار إلى الكوفة استودع أم سلمة رضى الله عنها كتبه والوصية فلما رجع الحسن عليه السلام دفعتها إليه وقد ثبت عند فرق الإسلام كافة ان عليا عليه السلام لما مات دعا الحسن عليه السلام إلى الأمر بعد أبيه فبايعه الناس على انه الخليفة والامام وقد روى جماعة انه خطب صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله فلا يرجع حتى يفتح الله على يديه ولقد توفى في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم وفيها قبض يوشع بن نون عليه السلام وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله

[ 156 ]

ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه ثم قال أنا ابن البشير النذير وأنا ابن الداعي إلى الله بأذنه أنا ابن السراج المنير أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أنا من أهل بيت أفترض الله طاعتهم في كتابه فقال قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربي ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا فالحسنة مودتنا أهل البيت ثم جلس فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصى إمامكم فبايعوه فتبادر الناس إلى بيعته فهذه ادلة قاطعة بحقية امامته وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابناى إمامان قاما أو قعدا وقوله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وعصمتهما معلومة ثابتة من قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا أقول بعض هذه الخطبة قد رواها أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده عن هبيرة قال خطبنا الحسن بن على عليه السلام فقال لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم ولم يدركه الآخرون كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه بالراية جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يفتح له وقد رواها الدولابي في كتاب العترة بألفاظ تقارب ما رواه الجماعة ومن حديث آخر في المسند بمعناه وفي آخره وما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه كان يرصدها لخادم لأهله وهذا قد رواه الحافظ أبو نعيم في حليته. وهذه الخطبة قد رواها جماعة من الجمهور أيضا وقد شهد القرآن بطهارته في قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم

[ 157 ]

تطهيرا فلا بد أن يكون عليه السلام محقا في دعوته صادقا في إمامته وقد نقل أن حبابة الوالبية أتت عليا عليه السلام في رحبة المسجد فقالت يا أمير المؤمنين ما دلالة الامامة رحمك الله ؟ فقال ائتنى بتلك الحصاة وأشار بيده إلى حصاة فأتته بها فطبع لي فيها بخاتمه وقال يا حبابة ان ادعى مدع الإمامة وقدر أن يفعل كما فعلت فاعلمي أنه محق مفترض الطاعة فالإمام لا يعزب عنه شئ يريده قالت ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين عليه السلام فاتت الحسن عليه السلام وهو في مجلس أمير المؤمنين والناس يسألونه فقال لي حبابة الوالبية فقلت نعم يا مولاى قال هات ما معك فاعطيته الحصاة فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام قالت ثم أتيت الحسين عليه السلام وهو في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقرب ورحب وقال أتريدين دلالة الإمامة فقلت نعم يا سيدى فقال هات ما معك فناولته الحصاة فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام قالت ثم رأيت على بن الحسين عليه السلام وقد بلغ بي الكبر وأنا أعد مائة وثلاث عشرة سنة فرأيته راكعا وساجدا مشغولا بالعبادة فيئست من الدلالة فأومى إلى بالسبابة فعاد إلى شبابي قالت فقلت يا سيدى كم مضى من الدنيا وكم بقى فقال أما ما مضى فنعم وأما ما بقى فلا ثم قال هاتى ما معك فأعطيته الحصاة فطبع فيها ثم أتيت أبا جعفر عليه السلام فطبع لي فيها ثم أتيت أبا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها ثم أتيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فطبع فيها ثم أتيت الرضا عليه السلام فطبع لي فيها وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر على ما ذكره عبد الله بن هشام وروى الكليني قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا محمد بن اسماعيل بن موسى بن جعفر قال حدثنى أبي عن أبيه موسى بن جعفر عليهما السلام عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد عليهم السلام أن على بن الحسين دعا

[ 158 ]

لحبابة الوالبية فرد الله عليها شبابها وأشار إليها باصبعه فحاضت لوقتها ولها يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة والشيخ المفيد رحمه الله ذكر قريبا مما ذكره الطبرسي ومنه نقل الطبرسي رحمهم الله أجمعين وروى الامام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في مسنده عن الحسن بن على عليهما السلام قال علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر اللهم أهدني فيمن هديت وعافنى فيمن عافيت وتولنى فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقنى شر ما قضيت فانك تقضى ولا يقضى عليك انه لا يذل من واليت تبارك ربنا وتعاليت ومن المسند عن أبي الحوراء قال قلت للحسن بن على عليهما السلام ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال اذكر إني أخذت من تمر الصدقة تمرة فالقيتها في فمى فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلعابها فألقاها في التمر فقال له رجل ما عليك لو أكل هذه التمرة فقال إنا لا نأكل الصدقة قال وكان يقول دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فان الصدق طمأنينة والكذب ريبة وفي حديث آخر إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وفي حديث آخر وعقلت عنه الصلوات الخمس وقال الحسن عليه السلام لما حضرت أبي الوفاة أقبل يوصى فقال هذا ما أوصى به على بن أبي طالب عليه السلام أخو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه وصاحبه أول وصيتى إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله وخيرته اختاره بعلمه وارتضاه بخيرته وان الله باعث من في القبور وسائل الناس عن أعمالهم عالم بما في الصدور ثم إني أوصيك يا حسن وكفى بك وصيا بما وصاني به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا كان ذلك يا بنى فألزم بيتك وابك على خطيئتك ولا تكن الدنيا أكبر همك

[ 159 ]

وأوصيك يا بنى بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها والصمت عند الشبهة والاقتصاد والعدل في الرضا والغضب وحسن الجوار وإكرام الضيف ورحمة المجهود وأصحاب البلاء وصلة الرحم وحب المساكين و مجالستهم والتواضع فانه من أفضل العبادة وقصر الأمل وذكر الموت والزهد في الدنيا فانك رهن موت وعرض بلاء وطريح سقم وأوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل وإذا عرض شئ من أمر الآخرة فابدأ به وإذا عرض شئ من أمر الدنيا فتأن حتى تصيب رشدك فيه وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء فان قرين السوء يغر جليسه وكن لله يا بنى عاملا وعن الخنا زجورا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا وآخ الاخوان في الله وأحب الصالح لصلاحه ودار الفاسق عن دينك وابغضه بقلبك وزايله بأعمالك لئلا تكون مثله وإياك والجلوس في الطرقات ودع الممارات ومجاراة من لا عقل له ولاعلم واقتصد يا بنى في معيشتك واقتصد في عبادتك وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه وألزم الصمت تسلم وقدم لنفسك تغنم وتعلم الخير تعلم وكن ذاكرا لله على كل حال وارحم من أهلك الصغير ووقر منهم الكبير ولا تأكلن طعاما حتى تتصدق منه قبل أكله وعليك بالصوم فانه زكاة البدن وجنة لأهله وجاهد نفسك واحذر جليسك واجتنب عدوك وعليك بمجالس الذكر واكثر من الدعاء فانى لم آلك يا بنى نصحا وهذا فراق بينى وبينك وأوصيك بأخيك محمد خيرا فانه شقيقك وابن أبيك وقد تعلم حبي له وأما أخوك الحسين فهو ابن أمك ولا أزيدك الوصاية بذلك والله الخليفة

[ 160 ]

عليكم وإياه أسأل أن يصلحكم وأن يكف الطغاة البغاة عنكم والصبر الصبر حتى ينزل الله الأمر ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وقد أورد السيد الرضى الموسوي رحمه الله تعالى وألحقه بسلفه الطاهر في نهج البلاغة وصية لأمير المؤمنين عليه السلام كتبها إلى ابنه الحسن عليه السلام وهى طويلة جامعة لأدب الدين والدنيا كثيرة الفائدة والجدوى نافعة في الآخرة والأولى قد أخذت بمجامع الفضائل وأعجزت بمقاصدها الأواخر والأوائل وكيف لا يكون كذلك وهو الذي إذا قال بذ كل قائل وعاد سحبان عنده مثل باقل فان أنكرت فسائل وليس هذا الكتاب موضعا لاثباتها وقد دللتك عليها فان أردتها فأتها تجد البيان والبلاغة وتشاهد آداب الدنيا والآخرة ببدائع ألفاظ تريك ورد البيان صافيا وبرد الفصاحة ضافيا وحظ السمع والقلب وافيا وليكن هذا القدر في صفتها وان لم يكن كافيا كافيا. قال الشيخ المفيد في إرشاده لما قبض أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس الحسن بن على عليهما السلام وذكر حقه فبايعه أصحاب أبيه عليه السلام على حرب من حارب وسلم من سالم وروى أبو مخنف لوط بن يحيى قال حدثنى أشعث بن سوار عن أبي إسحاق السبيعى وغيره قالوا خطب الحسن بن على عليهما السلام صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله واثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الاخرون بعمل ولقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله فلا يرجع حتى يفتح الله على يديه ولقد توفى عليه السلام في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم عليه السلام وفيها قبض يوشع بن نون

[ 161 ]

وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله. ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه ثم قال أنا ابن البشير أنا ابن النذير أنا ابن الداعي إلى الله باذنه أنا ابن السراج المنير أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أنا من أهل بيت افترض الله مودتهم في كتابه فقال تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) فالحسنة مودتنا أهل البيت ثم جلس فقام عبد الله بن العباس رحمة الله عليهما ما بين يديه فقال معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصى إمامكم فبايعوه فاستجاب له الناس وقالوا ما أحبه الينا وأوجب حقه علينا وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة وذلك في يوم الجمعة الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة فربت العمال وأمر الأمراء وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة ونظر في الأمور ولما بلغ معاوية موت أمير المؤمنين على عليه السلام وبيعة الحسن عليه السلام أنفذ رجلا من حمير إلى الكوفة وآخر من بنى القين إلى البصرة ليطالعاه بالأخبار ويفسدا على الحسن عليه السلام الأمور وقلوب الناس فعرف بهما وحصلهما وأمر بقتلهما وكتب إلى معاوية أما بعد فانك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء وما أوشك ذلك فتوقعه إن شاء الله وبلغني انك شمت بما لم يشمت به ذووا الحجى وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول فقل للذى يبقى خلاف الذي مضى * تجهز لأخرى مثلها فكأن قد فإنا ومن قد مات منا لكالذى * يروح فيمسى في المبيت ليغتدى.

[ 162 ]

وكان بينه وبين الحسن عليه السلام مكاتبات واحتج عليه الحسن عليه السلام في استحقاقه الأمر وتوثب من تقدم على أبيه عليه السلام وابتزازه سلطان ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصار معاوية نحو العراق وتحرك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عدى واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ثم خفوا ومعه أخلاط من الناس بعضهم من شيعته وشيعة أبيه عليه السلام وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة وبعضهم أصحاب طمع في الغنايم وبعضهم شكاك وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين ثم صار حتى نزل ساباط دون القنطرة وبات هناك. فلما أصبح أراد عليه السلام أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في طاعته ليميز أولياءه من أعدائه ويكون على بصيرة من لقاء معاوية فأمر أن ينادى في الناس بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال الحمد لله كلما حمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق وأتمنه على الوحى صلى الله عليه وآله وسلم أما بعد فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه وما أصبحت محتملا على امرئ مسلم ضغينة ولا مريدا له بسوء ولا غائلة وان ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة وانى ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمرى ولا تردوا على رأيى غفر الله لي ولكم وأرشدنى وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال قالوا نظن أنه يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه فقالوا كفر والله الرجل وشدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته ثم شد عليه رجل يقال له عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن

[ 163 ]

عاتقه فبقى جالسا متقلدا السيف بغير رداه ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده ودعا ربيعة وهمدان فأطافوا به ومنعوه فسار ومعه شوب من غيرهم. فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بنى أسد اسمه الجراح بن سنان وأخذ بلجام فرسه وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل وطعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم فاعتنقه الحسن عليه السلام وخرا جميعا إلى الأرض فأكب عليه رجل من شيعة الحسن عليه السلام فقتله بمغوله وقتل معه شخص آخر كان معه وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفى وكان عامل على عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك واشتغل بمعالجة جرحه. وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة سرا واستحثوه على سرعة المسير نحوهم وضمنوا لهم تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به وبلغ الحسن عليه السلام ذلك. وورد عليه كتاب قيس بن سعد رضى الله عنه وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس في مسيره من الكوفة لتلقى معاوية فيرده عن العراق وجعله أميرا على الجماعة وقال إن أصيب فالأمير قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بازاء مسكن وان معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المسير إليه وضمن له الف الف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الأخر عند دخوله الكوفة فانسل عبيد الله ليلا إلى معسكر معاوية ومعه خاصته وأصبح الناس بغير أمير فصلى بهم قيس رضى الله عنه ونظر في أمورهم فازدادت بصيره الحسن عليه السلام بخذلانهم له وفساد نيات المحكمة فيه وما أظهروه له من سبه وتكفيره واستحلال دمه ونهب أمواله ولم يبق معه من يأمن

[ 164 ]

غوائله إلا خاصة من شيعته وشيعة أبيه عليهما السلام وهم جماعة لا يقومون بحرب أهل الشام. فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح فأنفذ إليه كتب أصحابه التي ضمنوا فيها الفتك به وتسليمه إليه واشترط في إجابته إلى الصلح شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم احتياله واغتياله غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان من ضعف بصائر أصحابه في حقه والفساد عليه ومخالفته واستحلال كثير منهم دمه وتسليمه إلى خصمه وخذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه وميلهم جميعا إلى الدنيا وعاجلها. فتوثق لنفسه عليه السلام من معاوية تأكيدا للحجة عليه والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلاة وأن يؤمن شيعته رضى الله عنهم ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذى حق حقه فأجابه معاوية إلى ذلك جميعه وعاهده عليه وحلف له بالوفاء. فلما استتمت الهدنة سار معاوية حتى نزل بالنخيلة وكان يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار وخطبهم فقال في خطبته إني والله ما أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا انكم لتفعلون ذلك ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ألا وانى كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمى لا أفى له بشئ منها. ثم سار ونزل الكوفة فأقام بها أياما فلما استتمت بيعته صعد المنبر فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين والحسن عليهما السلام فنال منهما وكان الحسين عليه السلام حاضرا فأراد أن يقوم ويجيبه فأخذ الحسن بيده وأجلسه

[ 165 ]

وقام وقال أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي على وأنت معاوية وأبوك صخر وأمي فاطمة وأمك هند وجدى رسول الله وجدك حرب وجدتي خديجة وجدتك فتيلة فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا وشرنا قدما وأقدمنا كفرا ونفاقا فقال طوائف من أهل المسجد آمين آمين. وخرج الحسن إلى المدينة كاظما غيظه منتظرا أمر ربه لازما منزله إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته وأراد أخذ البيعة لابنه دس إلى زوجة الحسن عليه السلام جعدة بنت الأشعث بن قيس من حملها على سمه وأرسل إليها مائة الف درهم وضمن تزويجها بابنه يزيد فسقته السم فبقى أربعين يوما مريضا ومضى لسبيله في صفر من سنة خمسين من الهجرة وعمره يومئذ ثمان وأربعون سنة. وكانت خلافته عشر سنين وتولى أخوه ووصيه الحسين عليهما السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف عليهما السلام السادس في علمه عليه السلام قال الشيخ كمال الدين بن طلحة كان الله عز وعلا قد رزقه الله الفطرة الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعاينه ومنحه الفطنة الصائبة لإصلاح قواعد الدين ومبانيه وخصه بالجبلة التي ردت لها اخلاف مادتها بسور العلم ومعانيه ومرت له أطباء الاهتداء من نجدى جده وأبيه فجنى بفكرة منجبة نجاح مقاصد ما يقتفيه وقريحة مصحبة في كل مقام يقف فيه وكان يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويجتمع الناس حوله فيتكلم بما يشفى غليل السائلين ويقطع حجج القائلين

[ 166 ]

وروى الامام أبو الحسن على بن أحمد الواحدى رحمه الله في تفسيره الوسيط ما يرفعه بسنده ان رجلا قال دخلت مسجد المدينة فإذا أنا برجل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس حوله فقلت له اخبرني عن شاهد ومشهود فقال نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث فقلت له اخبرني عن شاهد ومشهود فقال نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كأن وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت اخبرني عن شاهد ومشهود فقال نعم أما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأما المشهود فيوم القيامة أما سمعته يقول يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا وقال تعالى ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود فسألت عن الأول فقالوا ابن عباس وسألت عن الثاني فقالوا ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام وكأن قول الحسن أحسن ونقل أنه عليه السلام اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة وبزة طاهرة ومحاسن سافرة وقسمات ظاهرة ونفحات ناشرة ووجهه يشرق حسنا وشكله قد كمل صورة ومعنى والاقبال يلوح من أعطافه ونضرة النعيم تعرف في أطرافه وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف وسار مكتنفا من حاشيته وغاشيته بصفوف فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس أنوف وعده وآبائه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف فعرض له في طريقه من محاويج اليهود هم في هدم قد أنهكته العلة وارتكبته الذلة وأهلكته القلة وجلده يستر عظامه وضعفه يقيد أقدامه وضره قد ملك زمامه وسوء حاله قد حبب إليه حمامه

[ 167 ]

وشمس الظهيرة تشوى شواه وأخمصه تصافح ثرى ممشاه وعذاب عر عريه قد عراه وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه وهو حامل جر مملوءا ماءا على مطاه وحاله يعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه فاستوقف الحسن عليه السلام وقال يا ابن رسول الله انصفني فقال عليه السلام في أي شئ فقال جدك يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وأنت مؤمن وأنا كافر فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها وتستلذ فيها وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها وأتلفني فقرها فلما سمع الحسن عليه السلام كلامه أشرق عليه نور التأييد واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه وأوضح اليهودي خط ظنه وخطل زعمه وقال يا شيخ لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لعلمت إني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم ونكال عذاب المقيم لرأيت انك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ونعمة جامعة فانظر إلى هذا الجواب الصادع بالصواب كيف قد تفجرت بمستعذبه عيون علمه وأينعت بمستغربه فنون فهمه فيا له جوابا ما امتنه وصوابا ما أبينه وخطابا ما أحسنه صدر عن علم مقتبس من مشكاة نور النبوة وتأييد موروث من آثار معالم الرسالة هذا آخر كلام ابن طلحة نقلت من كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذى رحمة الله عليه عن عقبه ابن الحرث قال مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي بكر رضى الله عنه إذ رأى الحسن ابن على عليه السلام وهو يلعب فأخذه فحمله على عاتقه فقال بأبي شبه النبي لا شبيها بعلى قال وعلى عليه السلام يتبسم

[ 168 ]

وعن ابن مالك قال كان الحسن بن على عليهما السلام أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن اسماعيل بن أبي خالد قال قلت لأبي جحيفة هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نعم وكان الحسن بن على عليه السلام يشبهه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي هريرة قال ما رأيت الحسن بن على عليهما السلام إلا فاضت عيناى دموعا وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج ذات يوم فوجدني في المسجد فأخذ بيدى فاتكأ على ثم انطلقت معه حتى جئنا إلى سوق بنى قينقاع فما كلمني فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه وجلس في المسجد فاحتبي ثم قال ادع لي لكع فأتى حسن يشتد حتى وقع في حجره فجعل يدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتح فمه ويدخل فمه في فمه ويقول اللهم إني أحبه وأحب من يحبه ثلاثا وعن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فلما رآهما نزل وأخذهما ثم صعد فوضعهما في حجره ثم قال صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة رأيت هذين فلم أصبر حتى أخذتهما وعن عبد الرحمان بن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا عبد الرحمان ألا أعلمك عوذة كان يعوذ بها ابراهيم ابنيه اسماعيل وإسحاق وأنا أعوذ بها ابني الحسن والحسين قل كفى بسمع الله واعيا لمن دعا ولا مرمى وراء أمر الله لرام رمى وعن محمد بن عمر قال لما ولد الحسن بن على عق عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبش وحلق رأسه وأمر أن يتصدق بزنته فضة وعن أنس بن مالك قال كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعنى من

[ 169 ]

أهل البيت حسن بن على وعن على عليه السلام قال أشبه الحسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان من أسفل من ذلك وعن أبي بكرة قال بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إذ صعد إليه الحسن فضمه إليه وقال إن ابني هذا سيد وان الله عله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين وعن جبير بن نفير عن أبيه قال قدمت المدينة فقال الحسن بن على عليهما السلام كانت جماجم العرب بيدى يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء المسلمين وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الحسن مقبلا فقال اللهم سلمه وسلم منه وقالت أم الفضل يا رسول الله رأيت كأن عضوا من أعضائك في بيتى قال خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما ترضعينه بلبن قثم فولدت الحسن فارضعته بلبن قثم قال وخطب الحسن بن على عليهما السلام الناس حين قتل على عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه رايته ويقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على ظهر الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا الحسن بن على وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله بأذنه وأنا ابن السراج المنير ومن أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل فيه ويصعد من عندنا وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله

[ 170 ]

عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال لنبيه قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا فاقتراف الحسنة محبتنا أهل البيت. وعن عبد الله بن عباس قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبلت فاطمة تبكى فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يبكيك قالت يا رسول الله ان الحسن والحسين خرجا فوالله ما أدرى أين سلكا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تبكين فداك أبوك فان الله عز وجل خلقهما وهو أرحم بهما اللهم ان كانا قد أخذا في بر فاحفظهما وان كانا قد أخذا في بحر فسلمهما فهبط جبرئيل عليه السلام فقال يا أحمد لا تغتم ولا تحزن هما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما وهما في حظيرة بنى النجار نائمين وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما. قال ابن عباس فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا معه حتى أتينا حظيرة بنى النجار فإذا الحسن معانق الحسين وإذا الملك قد غطاها بأحد جناحيه قال فحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن وأخذ الحسين الملك والناس يرون أنه حاملهما فقال له أبو بكر الصديق وأبو أيوب الأنصاري رضى الله عنهما يا رسول الله ألا نخفف عنك بحمل أحد الصبيين فقال دعاهما فانهما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما. ثم قال والله لأشرفنهما اليوم بما شرفهما الله فخطب فقال يا أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدا وجدة قالوا بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الحسن والحسين جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدتهما خديجة بنت خويلد ألا أخبركم بخير الناس أبا واما قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين أبوهما على بن أبي طالب وأمهما فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألا أخبركم

[ 171 ]

أيها الناس بخير الناس عما وعمة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب أيها الناس ألا اخبركم بخير الناس خالا وخالة قالوا بلى يا رسول الله قال الحسن والحسين خالهما القاسم بن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالتهما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا أن أباهما في الجنة وأمهما في الجنة وجدهما في الجنة وجدتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وعمهما في الجنة وعمتهما في الجنة وهما في الجنة ومن أحبهما في الجنة ومن أحب من أحبهما في الجنة. وقال أحمد بن محمد بن أيوب المغيرى كان الحسن بن على عليهما السلام ابيض مشربا حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكان عنقه ابريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ليس بالطويل ولا القصير مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن توفى وهو ابن خمس وأربعين سنة وولى غسله الحسين ومحمد والعباس اخواه من على بن أبي طالب عليهم السلام وصلى عليه سعيد بن العاص في سنة تسع وأربعين وعن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاملا للحسن بن على على عاتقه فقال رجل نعم المركب ركبت يا غلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونعم الراكب هو وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انها أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعها الحسن والحسين في مرضه الذي توفى فيه قالت يا رسول الله ان هذين لم تورثهما شيئا قال أما الحسن فله هيبتى وسؤددي وأما الحسين فله جرأتي وجودي. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل نحر فاطمة ويشمه.

[ 172 ]

وعن أم عثمان أم ولد على بن أبي طالب عليه السلام قالت كانت لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطيفة يجلس عليها جبرئيل لا يجلس عليها غيره وإذا خرج طويت وكان إذا عرج انتفض فيسقط من زغب ريشه فيقوم فيتبعه ويجعله في تمائم الحسن والحسين. وعن أبي سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات في حجة الوداع إني تارك فيكم الثقلين واحدهما عظم من الاخر كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتى لا يفترقان حتى يردا على الحوض إلا ان كتاب الله حبل ممدود اصله في الأرض وطرفه في العرش مثله كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومثلهم كباب حطه من دخله غفر له الذنوب. وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وأهل بيتى. وعن زيد بن أرقم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم يقول إني تارك فيكم كتاب الله حبل ممدود من السماء من استمسك به كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة وأهل بيتى أذكركم الله عز وجل في أهل بيتى أذكركم الله عز وجل في أهل بيتى أذكركم الله عز وجل في أهل بيتى قال فقلت لزيد من أهل بيته فقال الذين لا تحل لهم الصدقة آل على وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل. وعن ذكوان مولى معاوية قال قال معاوية لا أعلمن أحدا سمى هذين الغلامين ابني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن قولوا ابني على عليه السلام قال ذكوان فلما كان بعد ذلك أمرنى أن أكتب بنيه في الشرف قال فكتبت بنيه وبنى بنيه وتركت بنى بناته ثم أتيته بالكتاب فنظر فيه فقال ويحك لقد اغفلت كبر بنى فقلت من فقال أما بنو فلانة لابنته بنى أما بنو فلانة لابنته

[ 173 ]

بنى قال قلت الله أيكون بنو بناتك بنيك ولا يكون بنو فاطمة بنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ما لك قاتلك الله لا يسمعن هذا أحد منك وعن عوف بن الأزرق بن قيس وذكر حديث المباهلة وعن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حامل الحسن بن على عليهما السلام على عاتقه وهو يقول اللهم إني أحبه فاحبه وفي رواية وأحب من يحبه. وعن أبي هريرة قال نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى على والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم فقال أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم وعن عقبة بن الحرث قال خرجت مع أبي بكر رضى الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بليال وعلى عليه السلام يمشى إلى جنبه فمر بحسن بن على يلعب مع غلمان فاحتمله على رقبته وهو يقول بأبي شبيه بالنبي * * ليس شبيها بعلى قال وعلى عليه السلام يضحك وعن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال حج الحسن بن على عليهما السلام خمسا وعشرين حجة ماشيا وان الجنايب لتقاد معه. وعن أبي بكر الصديق رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وعن على عليه السلام قال لما حضرت ولادة فاطمة عليها السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء بنت عميس ولأم سلمة احضراها فإذا وقع ولدها واستهل فأذنا في أذنه اليمنى وأقيما في أذنه اليسرى فانه لا يفعل ذلك بمثله إلا عصم من الشيطان ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما فلما ولدت فعلتا ذلك فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسره ولباه بريقه وقال اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم.

[ 174 ]

وعن سويد بن غفلة قال كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن على عليهما السلام فلما أصيب على عليه السلام وبويع الحسن عليه السلام بالخلافة قالت لتهنئك الخلافة يا أمير المؤمنين قال يقتل على عليه السلام فتظهرين الشماتة اذهبي فانت طالق ثلاثا فتلفعت بساجها ومضت فلما انقضت عدتها بعث إليها ببقية بقيت من صداقها عشرة آلاف درهم فقالت متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى وقال لو لا أننى سمعت جدى أو حدثنى أبي أنه سمع جدى صلى الله عليه وآله وسلم يقول أيما رجل طلق امرأته ثلاثا قبل الإقراء أو ثلاثة مبهمة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره كذا في الأصل فأما أن يكون حذف الجواب للعلم به أو يكون الناسخ قد أخل به وعن على بن عقبة عن أبيه قال دخل الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام على معاوية وعنده شباب من قريش يتفاخرون والحسن ساكت فقال له يا حسن والله ما أنت بكليل اللسان ولا بمأشوب الحسب فلم لا تذكر فخركم وقديمكم فأنشأ الحسن يقول فيم الكلام وقد سبقت مبرزا سبق الجواد من المدى المتباعد نحن الذين إذا القروم تخاطروا طبنا على رغم العدو الحاسد وعن يونس بن عبيد قال لما حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع فاكب عليه ابنه عبد الله فقال يا أبة هل رأيت شيئا فقد غممتنا فقال عليه السلام أي بنى هي والله نفسي التي لم أصب بمثلها وباسناده قال لما حضرت الحسن بن على الوفاة كأنه جزع عند الموت فقال له الحسين عليه السلام كأنه يعزيه يا أخى ما هذا الجزع انك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليه السلام وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة

[ 175 ]

وهما أماك وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك فقال له الحسن أي أخى إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل فيه من روى من أولاد الحسن بن على بن أبي طالب عليهما السلام عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن الحسن بن على ابن أبي طالب عليه السلام عن زيد بن الحسن بن على عن أبيه قال لما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة آخى بين أبي بكر وعمر وبين طلحة والزبير وبين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة وبين عبد الله بن مسعود وبين المقداد بن عمرو رضى الله عنهم أجمعين فقال على عليه السلام آخيت بين أصحابك وأخرتني قال ما أخرتك إلا لنفسي الحسن بن الحسن عن أبيه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم عبد الله بن الحسن عن أبيه الحسن بن على عليهم السلام عن أبيه على ابن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرحم شجنة من الرحمان عز وجل من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله تعالى وعن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة عليها السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال مثل ذلك إلا أنه يقول اللهم أغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب

[ 176 ]

رحمتك وفضلك وعن عبد الله بن حسن عن أبيه عن فاطمة الكبرى قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما التقى جندان ظالمان إلا تخلى الله عنهما ولم يبال أيهما غلب وما التقى جندان ظالمان إلا كانت الدبرة على أعتاهما وعن عبد الله بن حسن عن أبيه حسن بن على عن أبيه على بن أبي طالب عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنساء عشر عورات فإذا تزوجت المرأة ستر الزوج عورة وإذا ماتت ستر القبر عشر عورات وعن محمد بن حرب قال قال عبد الله بن حسن بن حسن لابنه محمد استعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها فإن الصمت حسن على كل حال وعن زياد بن المنذر قال قال عبد الله بن حسن بن حسن لابنه إياك ومعاداة الرجال فانك لا تأمن مكر حليم ومبادرة لئيم حسن بن حسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة الكبرى بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يلومن إلا نفسه من بات وفي يده غمر قلت الغمر السهك وعن المنذر بن زياد حدثنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أجرى الله على يديه فرجا لمسلم فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة وقال في عقبه عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له تعالى ذنوبه وعن محمد بن حرب قال أوصى محمد بن على بن الحسين ابنه جعفر بن محمد عليهم السلام فقال يا بنى إصبر للنوايب ولا تعرض للحتوف ولا تعط

[ 177 ]

نفسك ما ضره عليك اكثر من نفعه لغيرك يا بنى ان الله تعالى رضيني لك فحذرني فتنتك ولم يرضك لي فأوصاك بي وقال أبو حمزة الثمالى أخبرنا محمد بن على بن الحسين عليهم السلام قال كان يقول لولده يا بنى إذا أصابتكم مصيبة من الدنيا أو نزل بكم فاقة فليتوضأ الرجل فيحسن وضوءه وليصل أربع ركعات أو ركعتين فإذا انصرف من صلاته فليقل يا موضع كل شكوى يا سامع كل نجوى يا شافي كل بلاء ويا عالم كل خفية ويا كاشف ما يشاء من بلية يا منجى موسى يا مصطفى محمد يا خليل ابراهيم أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت حيلته دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالين قال على بن الحسين لا يدعو بها رجل أصابه بلاء إلا فرج الله تعالى عنه آخر ما أورده الحافظ عبد العزيز رحمه الله تعالى وما أورده عن الامام زين العابدين عليه وعلى آبائه السلام كان ينبغى أن يورده عند ذكر أخباره عليه السلام وإنما تبعته أنا ولم أنقله إلى بابه لانى خفت أن يشذ عنى أو أسهو عنه عند شروعي في ذكره فكتبته هنا لان كل ما ذكرته في مناقبهم لو قصرته على أحدهم لكانوا فيه شركاء على السوية وما أعطى أحدهم منزلة شرف إلا وكلهم مخصوصون بمثل تلك العطية فهم صلى الله عليهم خلاصة الوجود ومعادن الكرم والجود وشجن الولى وشجى الحسود والعدة والعتاد في اليوم الموعود والسلام.

[ 178 ]

السابع في عبادته عليه السلام قال الشيخ كمال الدين بن طلحة رحمه الله تعالى اعلم وصلك الله بحبل تأييده وأوصلك بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده ان العبادة تنقسم إلى ثلاثة أنواع بدنية ومالية ومركبة منهما فالبدنية كالصلوة والصوم وتلاوة القرآن الكريم وأنواع الذكر والمالية كالصدقات والصلات والمبرات والمركب منهما كالحج والجهاد والاعتمار وقد كان الحسن عليه السلام ضاربا في كل واحد من هذه الأنواع بالقدح الفائر والقدح الحائز. أما الصلاة والاذكار وما في معناهما فقيامه بها مشهور واسمه في أربابها مذكور. وأما الصدقات فقد صح النقل في ما رواه الامام الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته أنه عليه السلام خرج من ماله مرتين وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات وتصدق به حتى انه كان ليعطى نعلا ويمسك نعلا وسيأتى تمام ذلك في الفصل الثامن المعقود لذكر كرمه وصلاته ان شاء الله تعالى. وأما العبادة المركبة نقل الحافظ المذكور في حليته بسنده انه عليه السلام قال إني لاستحيى من ربي ان ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرة من المدينة إلى مكة على رجلية. وروى صاحب كتاب صفة الصفوة بسنده عن على بن زيد بن جدعان قال حج الحسن عليه السلام خمس عشرة حجة ماشيا وان الجنايب لتقاد معه فاى زهد أعظم من هذا آخر كلامه قال أفقر عباد الله تعالى على بن عيسى فضائل الحسن وفواضله ومكارمه ونوافله وعبادته وزهادته وسيرته التي جرت بها عادته وسريرته

[ 179 ]

التي عرفت بها قاعدته من الأمور التي اشتهرت وظهرت وكم رام الأعداء سترها فما استترت وهل يخفى النهار لذى عينين ومن الذي يبلغ شاو الحسن والحسين وكيف لا وقد خصا بالولدين والسيدين والريحانتين فمناقبهما صلى الله عليهما تملى وقلم القدر يكتب بالتصديق ويسجل لمواليهما بحسن الاهتداء ومعاونة التوفيق. ومن كلامه الدال على عبادته ونزاهته الشاهد بقوة تمكنه وعلو مكانته قوله في بعض مواعظه يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا واحسن جوار من جاورك تكن مسلما وصاحب الناس بمثل ما تحب ان يصاحبوك بمثله تكن عدلا إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويا ملون بعيدا اصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا يا ابن آدم انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ مما في يديك لما بين يديك فان المؤمن يتزود والكافر يتمتع وكان يتلو بعد هذه الموعظة وتزودوا فان خير الزاد التقوى. فتدبر معاني هذا الكلام بفكرك وأعطه نصيبا وافرا من فهمك تجد مشرع العبادة والفصاحة نميرا ويتحقق قوله تعالى ذرية بعضها من بعض ان وجدت قلبا عقولا وطرفا بصيرا وروى الكليني رحمه الله تعالى مرفوعا عن أبي اسامة عن أبي عبد الله عليه السلام قال خرج الحسن بن على عليه السلام إلى مكة سنة ماشيا فورمت قدماه فقال له بعض مواليه لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم فقال كلا إذا أتينا هذا المنزل فانه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه فقال له مولاه بأبي أنت وأمي ما قدمنا منزلا فيه أحد يبيع

[ 180 ]

هذا الدواء قال بلى انه أمامك دون المنزل فساروا اميالا فإذا هم بالأسود فقال الحسن بن على عليهما السلام لمولاه دونك الرجل فخذ منه الدهن وأعطه الثمن فقال له الاسود يا غلام لمن أردت هذا الدهن فقال للحسن بن على عليهما السلام فقال انطلق بي إليه فانطلق به فادخله إليه فقال بأبي انت وأمي لم اعلم انك تحتاج إلى هذا ولست آخذ له ثمنا إنما أنا مولاك ولكن ادع الله لي أن يرزقنى ولدا ذكرا سويا محبكم أهل البيت فانى خلفت أهلى تمخض فقال انطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شيعتنا ومما رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال خرج الحسن بن على عليهما السلام في بعض عمره ومعه رجل من ولد الزبير يقول بامامته فنزلوا منهلا تحت نخل يابس ففرش للحسن عليه السلام تحت نخله وللزبيري تحت اخرى فقال الزبيري لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه فقال له الحسن وانك لتشتهي الرطب فقال الزبيري نعم فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه فاخضرت النخلة ثم صارت إلى حالها وأورقت وحملت رطبا فقال الجمال الذي اكتروا منه سحر والله فقال له الحسن ويلك ليس بسحر ولكن دعوه ابن نبي الله مستجابة فصعدوا وصرموا ما كان في النخلة فكفاهم الثامن في كرمه وجوده وصلاته قال ابن طلحة رحمه الله تعالى الجود والكرم غريزة مغروسة فيه وصرفه لصنوف زخارف الدنيا عنه نهج ما زال يقتفيه وإيصال صلاته إلى المعتفين يعتده من مناقب معانيه وابقاء الأموال عنده يعتقده من مثالب من يعانيه ويرى اخراج الدنيا عنه خير ما يحتقبه من عمله ويجتبيه وحجته في

[ 181 ]

ذلك واضحة فانه حرام على الولد مجامعة مطلقة أبيه وقد نقل عنه من تتابع ارفاده بموجوده ووقايع استنفاده فيه جل مجهوده ما يشهد له بكرمه وجوده وينضذه في سلك سجاياه مع ركوعه وسجوده فمنها ما نقل عنه عليه السلام رواه سعيد بن عبد العزيز قال ان الحسن عليه السلام سمع رجلا يسأل ربه تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف الحسن عليه السلام إلى منزله فبعث بها إليه ومنها ان رجلا جاء إليه عليه السلام وسأله حاجة فقال له يا هذا حق سؤالك يعظم لدى ومعرفتي بما يجب لك يكبر لدى ويدى تعجز عن نيلك بما انت أهله والكثير في ذات الله عز وجل قليل وما في ملكى وفاء لشكرك فان قبلت الميسور ورفعت عنى مؤنة الاحتفال والاهتمام لما اتكلفه من واجبك فعلت فقال يا بن رسول الله اقبل القليل واشكر العطية واعذر على المنع فدعا الحسن عليه السلام بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال هات الفاضل من الثلاث مائة الف درهم فأحضر خمسين ألفا قال فما فعل الخمسمائة دينار قال هي عندي قال أحضرها فاحضرها فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل فقال هات من يحملها لك فأتاه بحمالين فدفع الحسن عليه السلام إليه رداءه لكرى الحمالين فقال مواليه والله ما بقى عندنا درهم فقال لكنى أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم ومنها ما رواه أبو الحسن المدائني قال خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر عليهم السلام حجاجا ففاتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا هل من شراب فقالت نعم فأناخوا بها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت أحلبوها وامتذقوا لبنها ففعلوا ذلك وقالوا

[ 182 ]

لها هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحنها أحدكم حتى أهيئ لكم شيئا تأكلون فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا ثم أقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فالمى بنا فانا صانعون اليك خيرا. ثم ارتحلوا وأقبل زوجها وأخبرته عن القوم والشاة فغضب الرجل وقال ويحك أتذبحين شاتى لأقوام لا تعرفينهم ثم تقولين نفر من قريش ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويعيشان منه فمرت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن عليه السلام على باب داره جالس فعرف العجوز وهي له منكرة فبعث غلامه فردها فقال لها: يا أمة الله أتعرفينني ؟ قالت لا قال: أنا ضيفك يوم كذا وكذا فقالت العجوز: بأبي أنت وأمي (لست أعرفك فقال فان لم تعرفيني فأنا أعرفك) فأمر الحسن عليه السلام فاشترى لها من شاء الصدقة الف شاة وأمر لها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين عليه السلام فقال: بكم وصلك أخى الحسن ؟ فقالت: بألف شاة وألف دينار فأمر لها بمثل ذلك ثم بعث بها مع غلام إلى عبد الله بن جعفر عليه السلام فقال: بكم وصلك الحسن والحسين عليهما السلام ؟ فقالت: بألفي دينار وألفي شاة فامر لها عبد الله بألفي دينار وألفي شاة وقال: لو بدأت بي لا تعبتهما. فرجعت العجوز الى زوجها بذلك. قلت: هذه القصة مشهورة وفي دواوين جودهم مسطورة، وعنهم عليهم السلام مأثورة وكنت نقلتها على غير هذه الرواية وانه كان معهم رجل آخر من أهل المدينة وأنها أتت عبد الله بن جعفر فقال: ابدئي بسيدي الحسن والحسين فأتت الحسن فامر لها بمائة بعير وأعطاها الحسين ألف

[ 183 ]

شاة فعادت الى عبد الله بن جعفر فسألها فاخبرته فقال: كفاني سيداي أمر الابل والشاة وأمر لها بمائة ألف درهم، وقصدت المدني الذي كان معهم فقال لها: أنا لا اجاري اولئك الأجود في مدى ولا أبلغ عشر عشيرهم في الندى ولكن اعطيتك شيئا من دقيق وزبيب فأخذت وانصرفت. رجع الكلام إلى ابن طلحة رحمه الله. قال وروى عن ابن سيرين قال تزوج الحسن امرأة فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. قال اشارة عزيزة وعبارة وجيزة كل من علم ان الدنيا غرور والتمتع بها غرور وامساكها محذور من اغتر بها يجور فانه يجود ببذلها ولا ترغب نفسه في وصلها وقد كان الحسن عليه السلام عارفا بختلها عازفا عن الركون إلى أهلها وكان كثيرا ما يتمثل ويقول يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * ان اغترارا بظل زائل حمق وروى ابن عايشة قال دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلا راكبا بغلة حسنة قال لم أر أحسن منه فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل لي انه الحسن بن على بن أبي طالب عليه السلام فامتلأ قلبي غيظا وحنقا وحسدا ان يكون لعلى عليه السلام ولد مثله فقمت إليه فقلت أنت ابن على ابن أبي طالب فقال انا ابنه فقلت أنت ابن من ومن ومن وجعلت اشتمه وأنال منه ومن أبيه وهو ساكت حتى استحييت منه فلما انقضى كلامي ضحك وقال أحسبك غريبا شاميا فقلت أجل فقال فمل معى ان احتجت إلى منزل أنزلناك وإلى مال أرفدناك وإلى حاجة عاوناك فاستحييت منه وعجبت من كرم أخلاقه فانصرفت وقد صرت أحبه ما لا أحب أحدا غيره

[ 184 ]

تنبيه من غفلة وايقاظ من غفوة منار مبرات الأجواد وآثار مقامات الأمجاد يتفاوت مقدارها بين العباد بحسب أقطار أقدارها في الاعتقاد وقد جاد الحسن عليه السلام بما لم تجد بمثله نفس جواد وتكرم بما يبخل به كل ذى كرم وارفاد فانه لا رتبة أعظم من الخلافة ولا أعلى من مقامها ولا حكم لملك في الملة الإسلامية إلا وهو مستفاد من أحكامها ولا ذو إيالة ولا ولاية إلا وهو منقاد ببرة زمامها واقف في قضايا تصرفاتها بين نقضها وإبرامها فهى المنصب الأعلى والمنتصب لها صاحب الدنيا فالأمر والنهى متصل بأسبابه والجاه والمال محصل من أبوابه والنباهة والشهرة يستفاد من اقترابه والتقدم والتأخر يرتاد من ارضائه واغضابه وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امته لاقامة احكامه وآدابه. وكان الحسن عليه السلام قد تقلد بعقد انعقادها واستبد بعقد ايجادها وارتدى بمفوف أبرادها وبايعته الوف لا تفر يوم جلادها وتابعته سيوف لا تقر في أغمادها وشايعته من قبايل القبايل نفوس أسادها واشتملت جريدة جيشه على أربعين الفا كل يعد قتله بين يدى الحسن عليه السلام شهادة ويعتقد قيامه بطاعته عبادة ويرى كونه من أنصاره وشيعته اقبالا وسعادة. فبينما هو في اقبال أيامها يأمر وينهى وقد أحاط بحال مقامها حقيقة وكنها كشف له التأييد الربانى حالة لم يدركها سواه ولم يستبنها فجاد بالخلافة على معاوية فسلمها إليه وخرج عنها وتكرم بها وحرمها نفسه الشريفة فانسلخ منها.

[ 185 ]

فلا جرم باعتبار هذه الحال وما أسداه عليه السلام من الجود والنوال وما أبداه من التكرم والإفضال اعترف له معاوية على رؤوس الأشهاد في غضون المقال فقال له يا أبا محمد لقد جدت بشئ لا تجود به أنفس الرجال ولقد صدق معاوية فيما ذكره عقلا ونقلا وعظم ما أسداه إليه الحسن عليه السلام جودا وبذلا فان النفوس تتنافس في زينة الدنيا ومتاعها قولا وفعلا وتحرص على إحرازها واقتطاعها حرما وحلا فيركب الى اكتساب محاب حطامها حزنا وسهلا ويستعذب في إدراك منها أسرارا وقتلا. وفي الجملة: فهي معشوقة على الغدر لا * * تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا كل دمع يسيل منها عليها * * وبفك اليدين عنها تخلا فمن أخرجها على حبها عنه جدير أن يعد جواد الأمجاد وأن يسجل له باحراز الفلج إذا تفاخرت أمجاد الأجواد. أقول: إن الشيخ كمال الدين رحمه الله وقف على أنجد هذا الأمر ولم يقف على أغواره وخاض في ضحاضحه ولم يلحج في أغمر غماره وعد تسليم الحسن عليه السلام الخلافة الى معاوية من كرمه وجوده وإيثاره ولو أنعم النظر علم أنه لم يسلمها الى معاوية باختياره وانه لو وجد أعوانا وأنصارا لقاتله بأعوانه وأنصاره ولكنه آنس من أصحابه فشلا وتخاذلا جروا منه في ميدان الخلاف ومضماره وشحوا بأنفسهم عن مساعدته فرغبوا عن قربه وسخت أنفسهم بمفارقة جواره وأحبوا بعد داره في الدنيا فبعدت في الأخرى دارهم من داره وفر عنه من فر فتوجه عليه العقاب لفراره وحليت الدنيا في أعينهم فلم يردعهم بالغ مواعظه وإنذاره ومالوا إلى معاوية رغبة في زخرف دنياه وطمعا في درهمه وديناره فسلم إليه الأمر حذرا على نفسه وشيعته

[ 186 ]

فما رد القدر بحذاره وطلب حقن الدماء وإسكان الدهماء فأقره في قراره. وكيف يجود الحسن عليه السلام على معاوية بشئ يصطلى الإسلام وأهله بناره أم كيف يرضى تأهيله لأمر قلبه معتقد لإنكاره أم كيف يظن أنه قارب بعض المقاربة وهو يسمع سب أبيه في ليله ونهاره أم كيف ينسب معاوية إلى الصدق وهو مستمر على غلوائه مقيم على إصراره أم كيف يتوهم فيه الايمان وهو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فانظر في أخباره وهذه جمل تستند إلى تفصيل وقضايا واضحة الدليل وأحوال تفتقر إلى نظر وفكر طويل والله يهدى من يشاء إلى سواء السبيل. عاد الكلام إلى تمام ما أورده كمال الدين رحمه الله قال زيادة فائدة لعل من وقف على هذا التنبيه والإيقاظ يود ان يحيط علما بما حمل الحسن عليه السلام على خلع لباس الخلافة عنه وإلباسه معاوية فرأيت ان أشير إلى ما ينيل نفسه مناها ويزيل عن فكرته ما عراها واذكر ما أورده الإمام محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله عن الحسن البصري رضى الله عنه وأسنده وأقصه حسب ما تلاه في صحيحه وسرده وفيه ما يكشف حجاب الارتياب ويسعف بمطلوب هذا الباب. فقال قال الحسن البصري استقبل والله الحسن بن على معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص لمعاوية إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين أي عمرو أرأيت أن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس عبد الرحمان

[ 187 ]

ابن سمرة وعبد الله بن عامر وقال اذهبا إلى هذا الرجل وقولا له واطلبا إليه فأتياه ودخلا عليه وتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهم الحسن عليه السلام إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وان هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فانه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب اليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا أجاباه وقالا نحن لك به فصالحه. قال ولقد سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن إلى جانبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه اخرى ويقول ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وقد تقدم هذا الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم. فمكان انقياد الحسن عليه السلام إلى الصلح لمعاوية وتسليم الأمر إليه والجنوح إلى الصلح من آثار الاخبار النبوية ومعدودا من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم انتهى كلام ابن طلحة رحمه الله تعالى. قلت يجب ان تكتفى ايدك الله بما عرفتك به من ان الحسن عليه السلام إنما صالح معاوية لما علمه من تواكل أصحابه وتخاذلهم وميلهم إلى معاوية ومواصلتهم إياه بكتبهم ورسائلهم ورغبتهم عن حقه وصغوهم إلى أهل الشام وباطلهم فخذلوه كما خذلوا أباه من قبله فقبحا لخاذلهم وفعلهم باخيه من بعده دال على فساد عقايدهم وقبح فعايلهم فمتى أمعنت النظر وجدت أواخرهم قد انتهجوا سبيل أوائلهم وهمجهم قد نسجوا على منوال اماثلهم بأسياف ذاك البغى أول سلها * * أصيب على لا بسيف ابن ملجم. ولهم جميعا يوم يظهر فيه ما كانوا يكتمون ويجازون فيه بما كانوا يعملون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وقال عليه السلام التبرع بالمعروف والإعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد

[ 188 ]

وسئل عن البخل فقال هو ان يرى الرجل ما انفقه تلفا وما أمسكه شرفا. لو أراد عليه السلام الصناعة لقال سرفا وشرفا لكنهم عليهم السلام بريئون من التكلف منزهون عن التصنع تقطر الفصاحة من أعطافهم وتؤخذ البلاغة من ألفاظهم فهم فرسان الجلاد والجدال وليوث الحروب وغيوث النزال. اذكر هنا ما نقله من كتاب حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم ره قال فاما السيد المحبب والحليم المقرب الحسن بن على عليهما السلام فله في معاني المتصوفة الكلام المشرق المرتب والمقام المونق المهذب وقد قيل ان التصوف تنوير البيان وتطهير الأكنان وعن أبي بكرة قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلى بنا فيجئ الحسن وهو ساجد صبي صغير حتى يصير على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى صلاته قالوا يا رسول الله انك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد فقال هذا ريحانتي وان ابني هذا سيد وعسى الله ان يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وعن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعا الحسن على عاتقه وقال من احبني فليحبه وعن نعيم قال قال أبو هريرة ما رأيت الحسن عليه السلام قط إلا فاضت عيناى دموعا وذلك أنه أتى يوما يشتد حتى قعد في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله يفتح فمه ثم يدخل فمه في فمه ويقول اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه يقولها ثلاث مرات وعن الحارث قال سأل على ابنه الحسن عليهما السلام عن أشياء من أمر المروة ويجئ فيما أورده كمال الدين رحمه الله في الفصل التاسع في كلامه وفي آخرها قال على سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا فقر أشد من الجهل

[ 189 ]

ولا مال أعود من العقل وعن عبد الرحمان بن جبير بن نفير عن أبيه قال قلت للحسن بن على عليهما السلام إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال قد كانت جماجم العرب في يدى يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت فتركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن الشعبي قال شهدت الحسن بن على عليهما السلام حين صالح معاوية بالنخيلة فقال له معاوية قم فأخبر الناس إنك تركت هذا الأمر وسلمته إلى فقام الحسن عليه السلام فحمد الله واثنى عليه وقال أما بعد فان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وان هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حق امرئ فهو أحق به منى وإما أن يكون حقا لي فقد تركته إرادة إصلاح الأمة وحقن دمائها وان أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين قلت لا تظن الحسن عليه السلام تردد شاكا في نفسه ومخالفا لاعتقاده ومذهبه لا والله ولكنه جرى على لغة القرآن المجيد في قوله تعالى وأنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين وعلى ما قال جده صلى الله عليه وآله وسلم لأحد أصحابه أحدنا فرعون هذه الأمة وعن أبان بن الطفيل قال سمعت عليا عليه السلام يقول للحسن كن في الدنيا ببدنك وفي الآخرة بقلبك وعن محمد بن على قال قال الحسن إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه وعن أبي نجيح أن الحسن بن على عليهما السلام حج ماشيا وقسم ماله نصفين

[ 190 ]

وعن شهاب بن أبي عامر أن الحسن بن على عليهما السلام قاسم الله ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله وعن على بن زيد بن جذعان قال خرج الحسن بن على عن ماله مرتين وقاسم الله ثلاث مرات حتى أنه كان يعطى من ماله نعلا ويمسك نعلا ويعطى ويمسك خفا وعن قرة بن خالد قال أكلت في بيت محمد بن سيرين طعاما فلما أن شبعت أخذت المنديل ورفعت يدى فقال محمد إن الحسن بن على عليهما السلام قال إن الطعام أهون من أن يقسم فيه وعن ابن سيرين قال تزوج الحسن بن على امرأة فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية الف درهم وعن الحسن بن سعيد عن أبيه قال متع الحسن بن على عليهما السلام امرأتين بعشرين الفا وزقاق من عسل فقالت إحداهما وأراها الحنفية (متاع قليل من محب مفارق) وعن عمر بن اسحاق قال دخلت أنا ورجل على الحسن بن على عليهما السلام نعوده فقال يا فلان سلنى قال لا والله لا أسألك حتى يعافيك الله ثم أسألك قال ثم دخل الخلاء ثم خرج الينا فقال سلنى قبل أن لا تسألني قال بل يعافيك الله ثم أسألك قال قد ألقيت طائفة من كبدي وانى قد سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عليه السلام عند رأسه فقال يا أخى من تتهم قال لم تسأله لتقتله قال نعم قال إن يكن الذي أظن فانه أشد بأسا وأشد تنكيلا وإلا يكن فما أحب أن يقتل بي برئ ثم قضى عليه السلام وعن رقبة بن مصقلة قال لما حضر الحسن بن على عليهما السلام قال

[ 191 ]

أخرجوني إلى الصحراء لعلى أنظر في ملكوت السماء يعنى الآيات فلما أخرج به قال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فانها أعز الأنفس على وكان مما صنع الله له أنه احتسب نفسه آخر كلام الحافظ أبو نعيم. التاسع في كلامه عليه السلام ومواعظه وما يجرى معها نقل الحافظ أبو نعيم في حليته أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام سأل ابنه الحسن عليه السلام عن أشياء من أمر المروة فقال يا بنى ما السداد فقال يا ابتى السداد دفع المنكر بالمعروف قال فما الشرف قال اصطناع العشيرة وحمل الجريرة قال فما المروة قال العفاف وإصلاح المال قال فما الرقة قال النظر في اليسير ومنع الحقير قال فما اللؤم قال إحراز المرء نفسه وبذله عرسه قال فما السماح قال البذل في العسر واليسر قال فما الشح قال أن ترى ما في يديك شرفا وما أنفقته تلفا قال فما الإخاء قال المواساة في الشدة قال فما الجبن قال الجرأة على الصديق والنكول عن العدو قال فما الغنيمة قال الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة قال فما الحلم قال كظم الغيظ وملك النفس قال فما الغنى قال رضى النفس بما قسم الله تعالى لها وإن قل وإنما الغنى غنى النفس قال فما الفقر قال شره النفس في كل شئ قال فما المنعة قال شدة البأس ومنازعة أعز الناس قال فما الذل قال الفزع عند المصدوقة قال فما العى قال العبث باللحية وكثرة النزق عند المخاطبة قال فما الجرأة قال مواقفة الأقران قال فما الكلفة قال كلامك فيما لا يعنيك قال فما المجد قال ان تعطى في الغرم وتعفو عن الجرم قال فما العقل قال حفظ القلب كلما استودعته قال فما الخرق قال معاداتك إمامك ورفعك عليه

[ 192 ]

كلامك قال فما السناء قال اتيان الجميل وترك القبيح قال فما الحزم قال طول الأناة والرفق بالولاة قال فما السفه قال اتباع الدناة ومصاحبة الغواة قال فما الغفلة قال تركك المسجد وطاعتك المفسد قال فما الحرمان قال تركك حظك وقد عرض عليك قال فمن السيد قال الأحمق في ماله المتهاون في عرضه فيشتم فلا يجيب المتهم بأمر عشيرته هو السيد فهذه الأجوبة الصادرة عنه على البديهة من غير روية شاهدة له عليه السلام ببصيرة باصرة وبديهة حاضرة ومادة فضل وافرة وفكرة على استخراج الغوامض قادرة ومن كلامه عليه السلام كتاب كتبه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين وقد بايعه الناس وهو بسم الله الرحمان الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر أما بعد فان الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين فأظهر به الحق ورفع به الباطل وأذل به أهل الشرك وأعز به العرب عامة وشرف به من شاء منهم خاصة فقال تعالى وانه لذكرك ولقومك فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب الأمر بعده فقالت الانصار منا أمير ومنكم أمير وقالت قريش نحن أولياؤه وعشيرته فلا تنازعوا سلطانه فعرفت العرب ذلك لقريش ونحن الآن أولياؤه وذووا القربي منه ولا غرو أن منازعتك إيانا بغير حق في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود والموعد الله تعالى بيننا وبينك ونحن نسأله تبارك وتعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا به في الآخرة وبعد فان أمير المؤمنين على بن أبي طالب لما نزل به الموت ولانى هذا الأمر من بعده فاتق الله يا معاوية وانظر لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما تحقن به دماؤهم وتصلح به أمورهم والسلام

[ 193 ]

ومن كلامه عليه السلام ما كتبه في كتاب الصلح الذي استقر بينه وبين معاوية حيث رأى حقن الدماء وإطفاء الفتنة وهو بسم الله الرحمان الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن على بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على ان يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وعلى أن أصحاب على وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه وعلى ان لا يبغى للحسن ابن على ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غايله سرا ولا جهرا ولا يخيف أحدا منهم في افق من الآفاق شهد عليه بذلك وكفى بالله شهيدا فلان وفلان والسلام ولما تم الصلح وانبرم الأمر التمس معاوية من الحسن عليه السلام أن يتكلم بمجمع من الناس ويعلمهم إنه قد بايع معاوية وسلم الأمر إليه فأجابه إلى ذلك فخطب وقد حشد الناس خطبة حمد الله تعالى وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيها وهى من كلامه المنقول عنه عليه السلام وقال ايها الناس ان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وانكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما وجدتموه غيرى وغير اخى الحسين وقد علمتم إن الله هداكم بجدى محمد فانقذكم به من الضلالة ورفعكم به من الجهالة وأعزكم به بعد الذلة وكثركم به بعد القلة ان معاوية نازعنى حقا هو لي دونه فنظرت لصلاح الأمة وقطع الفتنة وقد كنتم بايعتموني على ان تسالمون من سالمت

[ 194 ]

وتحاربون من حاربت فرأيت أن أسالم معاوية واضع الحرب بينى وبينه وقد بايعته ورأيت حقن الدماء خير من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم وان أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين وعنه عليه السلام انه قال لا أدب لمن لا عقل له ولا مروة لمن لا همة له ولا حياء لمن لا دين له ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل وبالعقل تدرك الداران جميعا ومن حرم من العقل حرمهما جميعا وقال عليه السلام علم الناس وتعلم علم غيرك فتكون قد تقنت علمك وعلمت ما لم تعلم وسئل عليه السلام عن الصمت فقال هو ستر الغى وزين العرض وفاعله في راحة وجليسه امن وقال عليه السلام هلاك الناس في ثلاث الكبر والحرص والحسد فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس والحرص عدو النفس وبه اخرج آدم من الجنة والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل وقال عليه السلام لا تأت رجلا إلا ان ترجو نواله وتخاف يده أو تستفيد من علمه أو ترجو بركة دعائه أو تصل رحما بينك وبينه وقال عليه السلام دخلت على أمير المؤمنين وهو يجود بنفسه لما ضربه ابن ملجم فجزعت لذلك فقال لي أتجزع فقلت وكيف لا أجزع وأنا أراك على حالك هذه فقال ألا أعلمك خصالا أربع ان أنت حفظتهن نلت بهن النجاة وان أنت ضيعتهن فاتك الداران يا بنى لا غنى أكبر من العقل ولا فقر مثل الجهل ولا وحشة أشد من العجب ولا عيش ألذ من حسن الخلق فهذه سمعت عن الحسن يرويها عن أبيه عليهما السلام فاروها ان شئت

[ 195 ]

في مناقبه أو مناقب أبيه صلى الله عليهما وقال عليه السلام ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد وقال اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك واعلم ان مروة القناعة والرضا أكثر من مروة الإعطاء وتمام الصنيعة خير من ابتدائها وسئل عن العقوق فقال أن تحرمهما وتهجرهما وروى أن أباه عليا عليه السلام قال له قم فاخطب لأسمع كلامك فقام فقال الحمد لله الذي من تكلم سمع كلامه ومن سكت علم ما في نفسه ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه معاده أما بعد فان القبور محلتنا والقيامة موعدنا والله عارضنا ان عليا باب من دخله كان مؤمنا ومن خرج عنه كان كافرا فقام إليه على عليه السلام فالتزمه فقال بأبي أنت وأمي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ومن كلامه عليه السلام يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عدلا انه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا أصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذهما في يديك لما بين يديك فان المؤمن يتزود والكافر يتمتع وكان عليه السلام يتلو بعد هذه الموعظة وتزودوا فان خير الزاد التقوى ومن كلامه عليه السلام ان هذا القرآن فيه مصابيح النور وشفاء الصدور فليجل جال بضوئه وليلجم الصفة قلبه فان التفكير حياة القلب البصير كما يمشى المستنير في الظلمات بالنور واعتل على بالبصرة فخرج الحسن عليه السلام يوم الجمعة وصلى الغداة بالناس

[ 196 ]

وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وقال ان الله لم يبعث نبيا إلا اختاره نفسا ورهطا وبيتا والذي بعث محمدا بالحق لا ينقص أحد من حقنا إلا نقصه الله من عمله ولا تكون علينا دولة إلا كانت لنا عاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين ولما خرج حوثرة الأسدى على معاوية وجه معاوية إلى الحسن يسأله ان يكون هو المتولي لقتاله فقال والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين وما أحسب ذلك يسعنى أن أقاتل عنك قوما أنت والله أولى بقتالي منهم ولما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من على عليه السلام فقام الحسن عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ان الله لم يبعث نبيا إلا جعل له عدوا من المجرمين قال الله وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين فأنا ابن على وأنت ابن صخر وامك هند وأمي فاطمة وجدتك فتيلة وجدتي خديجة فلعن الله ألأمنا حسبا وأخملنا ذكرا وأعظمنا كفرا وأشدنا نفاقا فصاح أهل المسجد آمين آمين فقطع معاوية خطبته ودخل منزله وهذا الكلام ذكرته آنفا وانما اعدته هنا لأن اختلاف الرواة يؤنس بما يتفقون على روايته ودخل عليه السلام على معاوية وهو مضطجع فقعد عند رجليه فقال ألا أطرفك بلغني أن أم المؤمنين عائشة تقول ان معاوية لا يصلح للخلافة فقال الحسن عليه السلام واعجب من ذلك قعودي عند رجليك فقام واعتذر إليه قلت والحسن عليه السلام لم يعجب من قول عائشة رضى الله عنها ان معاويه لا يصلح للخلافة فان ذلك عنده ضروري لكنه قال واعجب من توليك الخلافة قعودي وقيل له عليه السلام فيك عظمة قال لا بل في عزة قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين

[ 197 ]

وقال لأبيه عليه السلام إن للعرب جولة ولقد رجعت إليها عوازب أحلامها ولقد ضربوا اليك أكباد الإبل حتى يستخرجوك ولو كنت في مثل وجار الضبع وخطب مرة فقال ما بين جابلق وجابرس رجل جده نبي غيرى وقال معاوية إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه وإذا لم يكن الزبيري شجاعا لم يشبه قومه وإذا لم يكن الاموى حليما لم يشبه قومه وإذا لم يكن المخزومى تياها لم يشبه قومه فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقال ما أحسن ما نظر لقومه أراد أن يجود بنو هاشم بأموالهم فيفتقر وتزهي بنو مخزوم فتبغض وتشنأ وتحارب بنو الزبير فيتفانوا وتحلم بنو أمية فتحب وقال لحبيب بن مسلمة رب مسير لك في غير طاعة الله قال أما مسيرى إلى أبيك فلا قال بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا دنية قليلة ولعمري لئن قام بك في دنياك لقد قعد في دينك ولو أنك إذ فعلت شرا قلت خيرا كما قال الله عز وجل خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولكنك فعلت شرا وقلت شرا فانت كما قال الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال الشعبي كان معاوية كالجمل الطب قال يوما والحسن عليه السلام عنده أنا ابن بحرها جود وأكرمها جدودا وأنضرها عودا فقال الحسن عليه السلام أفعلى تفتخر أنا ابن عروق الثرى أنا ابن سيد أهل الدنيا أنا ابن من رضاه رضا الرحمان وسخطه سخط الرحمان هل لك يا معاوية من قديم تباهى به أو أب تفاخرني به قل لا أو نعم أي ذلك شئت فان قلت نعم أبيت وان قلت لا عرفت فقال معاوية أقول لا تصديقا لك فقال الحسن عليه السلام الحق أبلج ما تخيل سبيله * والحق يعرفه ذووا الألباب

[ 198 ]

وأتاه رجل فقال إن فلانا يقع فيك فقال ألقيتني في تعب أريد الآن أن أستغفر الله لي وله وقال عليه السلام من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وقال عليه السلام حسن السؤال نصف العلم وسئل عليه السلام عن البخل فقال هو أن يرى الرجل ما أنفقه تلفا وما أمسكه شرفا وكلامه عليه السلام ينزع إلى كلام أبيه وجده ومحله من البلاغة لا ينبغى لأحد من بعده ومن رام حصره وعده كان كمن شرع في حصر قطع السحاب وعده فالأولى أن أقتصر منه على هذا القدر إذ كانت جملته غير داخلة في الحصر والعاقل يرى في الهلال صورة البدر. العاشر في ذكر أولاده عليه السلام قال كمال الدين كان له من الأولاد عددا لم يكن لكلهم عقب بل كان العقب لاثنين منهم فقيل كانوا خمسة عشر وهذه أسماؤهم الحسن وزيد وعمرو والحسين وعبد الله وعبد الرحمان وعبد الله واسماعيل ومحمد ويعقوب وجعفر وطلحة وحمزة وأبو بكر والقاسم وكان العقب منهم للحسن ولزيد ولم يكن لغيرهما منهم عقب. وقيل كان له أولاد أقل من ذلك وقيل كان له بنت تسمى أم الحسن والله أعلم بحقيقة الحال فيه انتهى كلامه. قال ابن الخشاب ولد له أحد عشر ولدا وبنت أسماء بنيه عبد الله والقاسم والحسن وزيد وعمرو وعبد الله وعبد الرحمان واحمد وإسماعيل والحسين وعقيل وأم الحسن فاطمة وهى أم محمد بن على الباقر.

[ 199 ]

قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى في إرشاده باب ذكر ولد الحسن بن على عليهما السلام وعددهم وأسماءهم وطرف من أخبارهم أولاد الحسن بن على خمسة عشر ولدا ذكرا وأنثى زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي مسعود وعقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية والحسن بن الحسن امه خولة بنت منظور الفزارية وعمرو وأخواه القاسم وعبد الله ابنا الحسن أمهم أم ولد وعبد الرحمان بن الحسن أمه أم ولد والحسين بن الحسن الملقب بالأثرم وأخوه طلحة بن الحسن وأختهما فاطمة بنت الحسن أمهم أم اسحاق بنت طلحة بن عبد الله التيمى وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية بنات الحسن عليه السلام لأمهات أولاد شتى. فصل فأما زيد بن الحسن فكان يلى صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسن وكان جليل القدر كريم الطبع زلف النفس كثير البر ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله وذكر أصحاب السيرة انه لما ولى سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة أما بعد إذا قرأت كتابي هذا فاعزل زيدا عن صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادفعها إلى فلان رجل من قومه وأعنه على ما استعانك عليه والسلام فلما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه كتب إلى عامله أما بعد فان زيد بن الحسن شريف بنى هاشم وذو سنهم فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليه صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعنه على ما استعانك عليه والسلام. وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن البشير الخارجي يمدحه إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة * * نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع الناس في كل شتوة * إذا اخلفت أبراقها ورعودها حمول لإشناق الديات كأنه * سراج الدجى قد قارنتها سعودها

[ 200 ]

ومات زيد بن الحسن عليهما السلام وله تسعون سنة فرثاه جماعة من الشعراء وذكروا مآثره وبكوا فضله فممن رثاه قدامة بن موسى بن عمرو الجمحى فقال فان يك زيد غالت الأرض شخصه * * فقد بان معروف هناك وجود وان يك أمسى رهن رمس فقد ثوى * * به وهو محمود الفعال فقيد سريع إلى المعتر يعلم أنه * * سيطلبه المعروف ثم يعود وليس بقوال وقد حط رحله * * لملتمس المعروف أين تريد إذا قصر الوغد الدنى نما به * * إلى المجد آباء له وجدود مباذيل للمولى محاشيد للقرى * * وفي الروع عند النائبات أسود إذا انتحل العز الطريف فانه * * لهم إرث مجد ما يرام تليد إذا مات منهم سيد قام سيد * * كريم يبنى بعدهم ويشيد. في أمثال هذا ومات زيد ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع من الشيعة ولا غيرهم وذلك لأن الشيعة رجلان امامى وزيدي والامامي يعتمد في الامامة النصوص وهى معدومة في ولد الحسن عليه السلام باتفاق ولم يدع ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه ارتياب والزيدي يراعى الامامة بعد على والحسن والحسين عليهم السلام الدعوة والجهاد وزيد بن الحسن رحمه الله كان مسالما لبنى امية ومتقلدا من قبلهم الأعمال وكان رأيه التقية لأعدائه والتألف لهم والمدارات وهذا يضاد عند الزيدية علامات الامامة كما حكيناه فاما الحشوية فانها تدين بإمامة بنى أمية ولا ترى لولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امامة على حال والمعتزلة لا ترى الإمامة إلا فيمن كان على رأيها في الاعتزال ومن تولوهم العقد له بالشورى والاختيار وزيد على ما قدمنا ذكره خارج عن هذه الأحوال والخوارج لا ترى امامة من تولى أمير المؤمنين على بن أبي طالب

[ 201 ]

عليه السلام وزيد كان متواليا أباه وجده بلا خلاف فصل فاما الحسن بن الحسن فكان رجلا جليلا رئيسا فاضلا ورعا وكان يلى صدقات أمير المؤمنين عليه السلام في وقته وله مع الحجاج خبر رواه زبير ابن بكار قال كان الحسن بن الحسن واليا صدقات أمير المؤمنين عليه السلام في عصره فساير الحجاج يوما وهو إذ ذاك أمير المدينة فقال له الحجاج ادخل عمر بن على معك في صدقات أبيه فانه عمك وبقية أهلك فقال له الحسن لا أغير شرط على ولا ادخل فيها من لم يدخل فقال له الحجاج إذا أدخله أنا معك فنكص الحسن بن الحسن عنه حتى غفل الحجاج ثم توجه إلى عبد الملك حتى قدم عليه فوقف ببابه يطلب الإذن فمر به يحيى بن أم الحكم فلما رآه يحيى مال إليه وسلم عليه وسأله عن مقدمه وخبره ثم قال إني سأنفعك عند أمير المؤمنين يعنى عبد الملك فلما دخل الحسن بن الحسن على عبد الملك رحب به واحسن مساءلته وكان الحسن قد أسرع إليه الشيب فقال له عبد الملك لقد أسرع اليك الشيب يا أبا محمد فقال يحيى وما يمنعه يا أمير المؤمنين شيبه أمانى أهل العراق يفد عليه الركب يمنونه الخلافة فأقبل عليه الحسن بن الحسن فقال بئس والله الرفد رفدت ليس كما قلت ولكنا أهل بيت يسرع الينا الشيب وعبد الملك يسمع فاقبل عليه عبد الملك وقال هلم ما قدمت له فأخبره بقول الحجاج فقال ليس له ذلك اكتب إليه كتابا لا يتجاوزه فكتب إليه ووصل الحسن بن الحسن فأحسن صلته فلما خرج من عنده لحقه يحيى بن أم الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره فقال له ما هذا الذي وعدتني به فقال له يحيى أيها عنك فو الله لا يزال يهابك ولو لا هيبتك لما قضى ذلك حاجة ووالله ما ألوتك رفدا. وكان الحسن بن الحسن قد حضر مع الحسين بن على عليهما السلام الطف

[ 202 ]

فلما قتل الحسين عليه السلام وأسر الباقون من أهله جاءه أسماء بن خارجة فانتزعه من بين الأسرى وقال والله لا يوصل إلى ابن خولة أبدا فقال عمر بن سعد دعوا لأبي حسان ابن أخته ويقال انه أسر وكان به جراح قد أشفى منها. وروى ان الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين عليه السلام إحدى ابنيه فقال له الحسين عليه السلام أختر يا بنى أحبهما اليك فاستحيى الحسن ولم يحر جوابا فقال له الحسين عليه السلام فأنى قد اخترت لك ابنتى فاطمة فهى أكثرهما شبها بامى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقبض الحسن بن الحسن ره وله خمس وثلاثون سنة وأخوه زيد ابن الحسن رحمة الله عليه حى ووصى إلى اخيه من أمه ابراهيم بن محمد بن طلحة رحمه الله. ولما مات الحسن بن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين عليه السلام على قبره فسطاطا وكانت تقوم الليل وتصوم بالنهار وكانت تشبه بالحور العين لجمالها فلما كان رأس السنة قالت لمواليها إذا اظلم الليل فقوضوا هذه الفسطاط فلما اظلم الليل سمعت قائلا يقول هل وجدوا من فقدوا فأجابه آخر بل يئسوا فانقلبوا ومضى الحسن بن الحسن ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع كما وصفناه من حال أخيه زيد رحمة الله عليهما. وأما عمرو والقاسم وعبد الله بنو الحسن بن على عليهما السلام فانهم استشهدوا بين يدى عمهم الحسين بن على عليهما السلام بالطف رضى الله عنهم وأرضاهم وأحسن عن الدين والإسلام وأهله جزاهم. وعبد الرحمان بن الحسن رضى الله عنه خرج مع عمه الحسين بن على صلوات الله عليهما إلى الحج فتوفى بالأبواء وهو محرم.

[ 203 ]

والحسين بن الحسن المعروف بالأثرم كان له فضل ولم يكن له ذكر في ذلك. وطلحة بن الحسن كان جوادا انتهى كلام الشيخ المفيد. وقال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى ولد الحسن الذكور حسن وزيد ومحمد وعمرو وعبد الله والقاسم وأبو بكر وعبد الرحمان وحسين ومحمد وعبد الله وطلحة ومن النساء تماضر وأم الحسن وأم الخير وأم عبد الله وأم سلمة والذي أراه ان في هذه الأسماء تكريرا وأظنه من الناسخ وأهل مكة أخبر بشعابها فما ذكره الشيخ المفيد ره هو الذي يعتمد عليه في هذا الباب لأنه أشد حرصا وأكثر تنقيبا وكشفا وطلبا لهذه الأمور. قال الحافظ بن الأخضر روى من أولاد الحسن بن على زيد بن الحسن عن أبيه واعتمدت حذف الأسانيد كما اشترطته في أول الكتاب روى زيد بن الحسن بن على بن أبي طالب عليهم السلام عن أبيه قال لما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه آخى بين أبي بكر وعمر وبين طلحة والزبير وبين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة وبين عبد الله بن مسعود وبين المقداد بن عمرو فقال على عليه السلام آخيت بين أصحابك واخرتني فقال ما أخرتك إلا لنفسي الحسن بن الحسن عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم عبد الله بن الحسن عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرحم شجنة من الرحمان عز وجل من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله تعالى عن عكرمة عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وعنه عن أمه بنت الحسين عن فاطمة الكبرى عليها السلام قالت

[ 204 ]

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسول الله وسلم اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال مثل ذلك إلا انه يقول اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب فضلك وعن عبد الله عن أمه عن فاطمة الكبرى عليها السلام قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما التقى جندان ظالمان إلا تخلى الله عنهما ولم يبال أيهما غلب وما التقى جندان ظالمان إلا كانت الدبرة على أعتاهما وعنه عن أبيه الحسن عن أبيه على بن أبي طالب عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنساء عشر عورات فإذا تزوجت المرأة ستر الزوج عورة وإذا ماتت ستر القبر عشر عورات وقال عبد الله بن حسن بن حسن لابنه محمد استعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها فان الصمت حسن على كل حال وإياك ومعاداة الرجال فانك لا تأمن مكر حليم ومبادرة لئيم حسين بن حسن عن امه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يلومن إلا نفسه من بات وفي يده غمر وعنه عن أبيه عن جده على بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من اجرى الله على يديه فرجا لمسلم فرج الله تعالى عنه كرب الدنيا والآخرة وبالإسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له ذنوبه وقيل اوصى محمد بن على بن حسين ابنه جعفر بن محمد فقال يا بنى إصبر للنوائب ولا تعرض للحتوف ولا تعط نفسك ما ضره عليك أكثر من نفعه لغيرك يا بنى ان الله رضيني لك فحذرني فتنتك ولم يرضك لي فأوصاك بي

[ 205 ]

وقيل إنه كان يقول لأولاده يا بنى إذا أصابتكم مصيبة من الدنيا أو نزلت بكم فاقة فليتوضأ الرجل فيحسن وضوءه وليصل أربع ركعات أو ركعتين فإذا انصرف من صلاته فليقل يا موضع كل شكوى يا سامع كل نجوى يا شافي كل بلاء يا عالم كل خفية يا كاشف ما يشاء من بلية ويا نجى موسى ويا مصطفى محمد ويا خليل ابراهيم أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت حيلته دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال على بن الحسين لا يدعو بها أحد أصابه بلاء إلا فرج الله تعالى عنه الحادى عشر في عمره عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله قد تقدم ذكر ولادته وما قيل فيها وانها كانت في سنة ثلاث من الهجرة وكانت وفاته عليه السلام على ما سيأتي في الفصل المختص بها المذكور إن شاء الله تعالى عقيب هذا الفصل في سنة تسع وأربعين للهجرة فتكون مدة عمره سبعا وأربعين سنة منها مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع سنين ومع أبيه عليه السلام بعد وفاة جده صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين سنة وبعد وفاة والده عليه السلام إلى وقت وفاته عشر سنين. قال الشيخ المفيد رحمه الله توفى الحسن عليه السلام في صفر سنة خمسين من الهجرة وله يومئذ ثمان وأربعون سنة وكانت خلافته عشر سنين. قال الحافظ الجنابذى ولد الحسن بن على عليهما السلام في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة ومات سنة تسع وأربعين وكان قد سقى السم مرارا وكان مرضه أربعين يوما.

[ 206 ]

وقال الدولابي صاحب كتاب الذرية الطاهرة تزوج على فاطمة عليها السلام فولدت له حسنا بعد أحد بسنتين وكان بين وقعة أحد ومقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة سنتان وستة أشهر ونصف فولدته لأربع سنين وستة أشهر ونصف من التاريخ. وروى أيضا انه ولد في رمضان من سنة ثلاث وتوفى وهو ابن خمس وأربعين سنة وولى غسله الحسين والعباس ومحمد اخوته وصلى عليه سعيد ابن العباص وكانت وفاته سنة تسع وأربعين. وقال الكليني رحمة الله عليه ولد الحسن بن على عليهما السلام في شهر رمضان سنة بدر سنة اثنتين بعد الهجرة. وروى أنه ولد سنة ثلاث ومضى في صفر في آخره من سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين وأشهر وقال ابن الخشاب رحمه الله رواية عن الصادق والباقر عليهما السلام قالا مضى أبو محمد الحسن بن على عليهما السلام وهو ابن سبع وأربعين سنة وكان بينه وبين أخيه الحسين عليهما السلام مدة الحمل وكان حمل أبي عبد الله ستة أشهر ولم يولد مولود لستة أشهر فعاش غير الحسين وعيسى بن مريم عليهما السلام فأقام أبو محمد مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع سنين وأقام مع أبيه بعد وفاة جده ثلاثين سنة وأقام بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام عشر سنين فكان عمره سبعا وأربعين سنة فهذا اختلافهم في عمره الثاني عشر في وفاته عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله مرض الحسن عليه السلام أربعين يوما فقال في بعض الأيام اخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي

[ 207 ]

عندك فانى لم أصب بمثلها. وروى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء عن عمير بن اسحاق قال دخلت أنا ورجل على الحسن بن على عليهما السلام نعوده فقال يا فلان سلنى قال لا والله لا نسألك حتى يعافيك الله ثم نسألك قال ثم دخل ثم خرج الينا فقال سلنى قبل أن لا تسألني قال بل يعافيك الله ثم نسألك قال قد ألقيت طائفة من كبدي وانى قد سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عليه السلام عند رأسه فقال يا أخى لمن تتهم ؟ قال لم لتقتله قال نعم قال إن يكن الذي أظن فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا وإلا يكن فلا أحب أن يقتل بي برئ ثم قضى عليه السلام لخمس خلون من ربيع الأول سنة تسع وأربعين من الهجرة وقيل خمسين وصلى عليه سعيد بن العاص فانه كان يومئذ واليا على المدينة ودفن بالبقيع وكان تحته إذ ذاك جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندى فذكر أنها سمته والله أعلم بحقيقة ذلك. وكان بانقضاء الشهور التي ولي فيها عليه السلام انقضاء خلافة النبوة فان بها كان استكمال ثلاثين سنة وهى التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما نقل عنه الخلافة بعدى ثلاثون ثم تصير ملكا أو كما قال صلوات الله عليه وآله وسلامه انتهى كلامه. قال المفيد رحمه الله لما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس وكانت زوجة الحسن بن على عليهما السلام من حملها على سمه وضمن لها أن يزوجها بابنه يزيد فأرسل إليها مائة الف درهم فسقته جعدة السم وبقى عليه السلام أربعين يوما مريضا ومضى لسبيله في صفر سنة خمسين من الهجرة وله يومئذ ثمان وأربعون سنة وتولى أخوه ووصيه الحسين

[ 208 ]

عليهما السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف عليه السلام بالبقيع. قال فصل فمن الأخبار التي جاءت بوفاته عليه السلام ما ذكرناه من دس معاوية إلى جعدة فسمته فسوغها المال ولم تزوجها من يزيد فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم فقالوا يا بنى مسمة الأزواج وروى مرفوعا إلى ابن اسحق قال كنت مع الحسن والحسين عليهما السلام في الدار فدخل الحسن عليه السلام المخرج ثم خرج فقال لقد سقيت السم مرارا فما سقيته مثل هذه المرة ولقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود كان معى فقال له الحسين عليه السلام من سقاك ؟ فقال وما تريد منه ؟ ان يكن هو فالله أشد نقمه وان لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي برئ. وروى عبد الله بن ابراهيم عن زياد بن المخارقى قال لما حضرت الحسن عليه السلام الوفاة استدعى الحسين بن على عليهما السلام فقال له يا أخى إني مفارقك ولاحق بربي عز وجل وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست وانى لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت وأنا أخاصمه إلى الله عز وجل فبحقي عليك ان تكلمت في ذلك بشئ فإذا قضيت نحبي فغمضني وغسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجدد به عهدا ثم ردنى إلى قبر جدتى فاطمة رحمة الله عليها فادفني هناك وستعلم يا بن أم ان القوم يظنون انكم تريدون دفنى عنى جدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجلبون في منعكم من ذلك وبالله أقسم عليك أن تهريق في أمرى محجمة دم ثم وصى إليه عليهما السلام بأهله وولده وتركاته وما كان وصى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله لمقامه ودل شيعته على استخلافه ونصبه لهم علما من بعده

[ 209 ]

فلما مضى عليه السلام لسبيله غسله الحسين عليه السلام وكفنه وحمله على سريره فلم يشك مروان ومن معه من بنى أمية أنهم سيدفنونه عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتجمعوا له ولبسوا السلاح فلما توجه الحسين به إلى قبر جده صلى الله عليه وآله وسلم ليجدد به عهدا أقبلوا إليهم في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهى تقول ما لي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتى من لا أحب ؟ وجعل مروان يقول يا رب هيجا هي خير من دعة أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف وكادت الفتنة تقع بين بنى هاشم وبنى أمية. فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له ارجع يا مروان من حيث جئت فانا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكنا نريد أن نجدد به عهدا وبزيارته ثم نرده إلى جدته فاطمة رحمة الله عليها فندفنه بوصيته عندها ولو كان وصى بدفنه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلمت انك أقصر باعا من ردنا عن ذلك ولكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير إذنه ثم أقبل على عائشة وقال واسوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلى أولياء الله ارجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين والله تعالى منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين. وقال الحسين عليه السلام والله لو لا عهد الحسن إلى بحقن الدماء وأن لا اهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا ومضوا بالحسن عليه السلام فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم رضى الله عنها. قلت في هذا الفصل موضعان يجب أن تحقق فانه قد تقدم ان سعيد

[ 210 ]

ابن العاص صلى على الحسن لأنه كان واليا يومئذ على المدينة وفي هذا الموضوع ذكر أن مروان خرج ليمنع من دفنه فلعله لم يكن أميرا ليكون جمعا بين الأمرين. والموضع الثاني إني نقلت أن عبد الله بن عباس رضى الله عنه كان بدمشق وأخبره معاوية بموت الحسن عليه السلام وجرى بينهما كلام أغلظ له فيه ابن عباس وقال له أصبحت سيد قومك قال أما والحسين بن على حى فلا وقد أورد هيهنا أنه حدث مروان وعائشة وقال لهما ما ذكرناه فيجب أن تحقق ولا يجوز أن يكون القائل غير عبد الله فان ابن عباس إذ أورد هكذا لم يرد به إلا عبد الله وروى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى رحمه الله قال لما حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع فأكب عليه ابنه عبد الله فقال يا أبه هل رأيت شيئا فقد غممتنا فقال أي بنى هي والله نفسي التي لم أصب بمثلها وقال إنه لما نزل بالحسن بن على عليه السلام الموت فقال اخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فانى لم أصب بمثلها وروى أنه قال لما حضرت الحسن بن على عليه السلام الوفاة كأنه جزع عند الموت فقال له الحسين عليه السلام كأنه يعزيه يا أخى ما هذا الجزع انك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليه السلام وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك فقال له الحسن عليه السلام أي أخى إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط قال فبكى الحسين عليه السلام قلت مناقب الحسن عليه السلام ومزاياه وصفات شرفه وسجاياه وما اجتمع فيه من الفضائل وخص به من المآثر التي فاق بها على الأواخر والأوائل

[ 211 ]

لا يقوم باثباتها البنان ولا ينهض بذكرها اللسان لأنه أرفع مكانة ومحلا وأوفى شرفا ونبلا وأزكى فرعا وأعلى أصلا من أن يقوم مثلى مع قصور ذرعه وجمود طبعه بما يجب من عد مفاخره وتخليد مآثره ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيت الكرم والجود وناشرى رمم السماح في الوجود ولذلك يقبل اليسير ويجازى بالكثير وقد قلت في مدحه معتذرا من التقصير أيا ابن الأكرمين أقل عثارى * فتقصيري على الحالات باد وكيف أطيق أن أحصى مزايا * خصصت بهن من بين العباد لك الشرف الذي فاق البرايا * وجل علا على السبع الشداد سبقت إلى المفاخر والسجايا ال‍ * كريمة والندى سبق الجواد وجود يديك يقصر عن مداه * إذا عد الندى صوب الغواد وبيتك في العلى سام رحيب * بعيد الذكر مرتفع العماد أبوك شأى الورى شرفا ومجدا * فأمسى في العلى واري الزناد وجدك أكرم الثقلين طرا * أقر بفضله حتى الأعادي إلى الحسن بن فاطمة أثيرت * بحق أينق المدح الجياد تؤم أبا محمد المرجى * حماد لها ومن أمت حماد أقر الحاسدون له بفضل * عوارفه قلائد في الهواد بكم نال الهداية ذو ضلال * وأنتم ناهجوا سبل الرشاد وأنتم عصمة الراجى وغوث * يفوق الغيث في السنة الجماد محضتكم المودة غير وان * وأرجو الأجر في صدق الوداد وكم عاندت فيكم من عدو * وفيكم لا أخاف من العناد ومن يك ذا مراد في أمور * فان ولاءكم أقصى مرادى أرجيكم لآخرتي وأبغي * بكم نيل المطالب في معادي وما قدمت من زاد سواكم * ونعم الزاد يوم البعث زادي

[ 212 ]

ذكر الامام الثالث أبي عبد الله الحسين الزكي عليه السلام قال الشيخ كمال الدين رحمه الله الباب الثالث في أبي عبد الله الحسين الزكي عليه السلام وفيه إثنى عشر فصلا 1 - في ولادته. 2 - في نسبه 3 - في تسميته 4 - في كنيته ولقبه. 5 - فيما ورد في حقه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإمامته. 6 - في شجاعته وشرف نفسه 7 - في كرمه 8 - في كلامه 9 - في أولاده 10 - في عمره 11 - في خروجه من المدينة إلى مكة إلى العراق 12 - في مصرعه ومقتله. الاول في ولادته عليه السلام ولد بالمدينة بخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وكانت والدته الطهر البتول فاطمة عليه السلام علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسن عليه السلام بخمسين ليلة هكذا صح النقل فلم يكن بينه وبين أخيه عليهما السلام سوى هذه المدة المذكورة ومدة الحمل ولما ولد وأعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم به أخذه وأذن في أذنه. قيل أذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى.

[ 213 ]

قال الشيخ المفيد رحمه الله ولد بالمدينة في التاريخ المذكور قال وجاءت به أمه فاطمة عليه السلام إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستبشر به وسماه حسينا وعق عنه كبشا وكذلك قال الحافظ عبد العزيز الجنابذى رحمه الله تعالى الثاني في نسبه عليه السلام نسبه نسب أخيه الحسن عليه السلام وقد تقدم ذكره وهو النسب الذي افترع هام الكواكب شرفا وعلا وفاق النيرات سنا وسناءا فلا حاجة إلى إعاده ذكره الثالث في تسميته عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله هذا الاسم سماه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه لما أعلم به أخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وقال سموه حسينا فكانت تسمية أخيه بالحسن وتسميته بالحسين صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم عق عنه وذبح عنه كبشا وحلقت والدته عليها السلام رأسه وتصدقت بوزن شعره فضة كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تقدم ذلك في أخبار الحسن عليه السلام الرابع في كنيته ولقبه قال كمال الدين رحمه الله كنيته أبو عبد الله لا غير وأما ألقابه فكثيرة الرشيد والطيب والوفى والسيد والزكى والمبارك والتابع لمرضاة الله والسبط فكل هذه كانت تقال له وتطلق عليه وأشهرها الزكي لكن أعلاها

[ 214 ]

رتبة ما لقبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله عنه وعن أخيه إنهما سيدا شباب أهل الجنة فيكون السيد أشرفها وكذلك السبط فانه صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حسين سبط من الأسباط وسيأتى هذا الحديث في الفصل الخامس تلو هذا إن شاء الله تعالى. قال ابن الخشاب رحمه الله يكنى بأبي عبد الله لقبه الرشيد والطيب والوفى والسيد والمبارك والتابع لمرضاة الله والدليل على ذات الله عز وجل والسبط الخامس في امامته وما ورد في حقه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا أما إمامته عليه السلام فدليلها النص من أبيه وجده عليه السلام ووصية أخيه الحسن عليه السلام إليه فكانت إمامته بعد وفاة أخيه بما قدمناه ثابتة وطاعته لجميع الخلق لازمه وإن لم يدع إلى نفسه عليه السلام للتقية التي كان عليها والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية والتزم الوفاء بها وجرى في ذلك مجرى أبيه أمير المؤمنين وثبوت إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الصموت وإمامة أخيه الحسن عليه السلام بعد الهدنة مع الكف والسكوت وكانوا في ذلك على سيرة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الشعب محصور وعند خروجه مهاجرا من مكة فلما مات معاوية وانقضت مدة الهدنة التي كانت تمنع الحسين بن على عليه السلام من الدعوة إلى نفسه أظهر أمره بحسب الإمكان وأبان عن حقه للجاهلين به حالا بحال إلى أن اجتمع له في الظاهر الأنصار فدعا عليه السلام إلى الجهاد وشمر للقتال وتوجه بولده وأهل بيته من حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم نحو العراق

[ 215 ]

للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الأعداء. وقدم أمامه ابن عمه مسلم بن عقيل رضى الله عنه وأرضاه للدعوة إلى الله والبيعة له فبايعه أهل الكوفة على ذلك وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة ووثقوا له في ذلك وعاقدوه ثم لم تطل المدة بهم حتى نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه وقتل بينهم ولم يمنعوه وخرجوا إلى الحسين عليه السلام فحصروه ومنعوه المسير في بلاد الله واضطروه إلى حيث لا يجد ناصرا ولا مهربا منهم وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتى تمكنوا منه وقتلوه فمضى عليه السلام ظمآنا مجاهدا صابرا محتسبا مظلوما قد نكثت بيعته وانتهكت حرمته ولم يوف له بعهد ولا رعيت فيه ذمة عقد شهيدا على ما مضى عليه أبوه وأخوه عليهما السلام والصلوة والرحمة. أقول مناقب الحسين عليه السلام واضحة الظهور وسنا شرفه ومجده مشرق النور فله الرتبة العالية والمكانة السامية في كل الأمور فما اختلف في نبله وفضله واعتلاء محله أحد من الشيعة ولا الجمهور. عرف العالمون فضلك بالعلم * وقال الجهال بالتقليد وكيف لا يكون كذلك وقد اكتنفه الشرف من جميع أكنافه وظهرت مخايل السؤدد على شمائله وأعطافه وكاد الجلال يقطر من نواحيه وأطرافه وهذا قول لا أخاف أن يقول مسلم بخلافه الجد محمد المصطفى والأب على المرتضى والجدة خديجة الكبرى والأم فاطمة الزهراء والأخ الحسن ذو الشرف والفخار والعم جعفر الطيار والبيت من هاشم الصفوة الأخيار فهو وأخوه عليهما السلام صفوة الصفوة ونور الأنوار وهو في نفسه السيد الشريف والطود المنيف والشجاع الغطريف والأسد الهصور والفارس المذكور والعلم المشهور.

[ 216 ]

أتاه المجد من هنا وهنا * وكان له بمجتمع السيول وقد تقدم في أخبار أبيه وأخيه ما هو قسيمهما فيه فما افترعا غارب مجد إلا افترعه ولا جمعا شمل سؤدد إلا جمعه ولا نالا رتبة علاء إلا نالها ولا طالا هضبة عز إلا طالها وأنا أذكر في هذا الفصل شيئا مما ورد في وصف فضائله وما ورد فيه التذاذا بتكرير مناقبه ومفاخره وطربا بعد مزاياه ومآثره وإن كان في تضاعيف هذا الكتاب من نعوته وصفاته ما فيه غنية كافية لأولى الألباب والله الموفق للصواب قال يعلى بن مرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول حسين منى وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط وروى عن أبي عوانة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إن الحسن والحسين شنفا العرش وان الجنة قالت يا رب أسكنتني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لها أما ترضين أني زينت أركانك بالحسن والحسين قال فماست كما تميس العروس فرحا. وروى عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال اصطرع الحسن والحسين بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيها حسن خذ حسينا فقالت فاطمة عليها السلام يا رسول الله أتستنهض الكبير على الصغير فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا جبرئيل يقول للحسين إيها حسين خذ الحسن وروى عن أم الفضل بنت الحارث انها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله رأيت البارحة حلما منكرا قال وما هو قالت إنه شديد قال ما هو قالت رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت فوضعت في حجري فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيت خيرا تلد فاطمة عليها السلام الحسين قالت وكان في حجري كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت يوما على

[ 217 ]

النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعته في حجره فم حانت منى التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهرقان بالدموع فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لك ؟ قال أتانى جبرئيل فاخبرني أن أمتى ستقتل ابني هذا وأتانى بتربة من تربته حمراء. وروى عن أم سلمة رضى الله عنها قالت بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جالس والحسن والحسين عليهما السلام في حجره إذ هملت عيناه بالدموع فقلت يا رسول الله ما لي أراك تبكى جعلت فداك ؟ فقال جاءني جبرئيل عليه السلام فعزاني بابنى الحسين وأخبرني أن طائفة من أمتى تقتله لا أنالهم الله شفاعتي وروى باسناد آخر عن أم سلمة رضى الله عنها قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلا وعاد وهو أشعث أغبر ويده مضمومة فقلت يا رسول الله ما لي أراك أشعث مغبرا ؟ فقال أسرى بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له كربلا فأريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدى وأهل بيتى فلم أزل القط دماءهم فها هي في يدى وبسطها لي فقال لي خذيها فاحتفظى بها فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر فوضعته في قارورة وسددت رأسها واحتفظت بها. فلما خرج الحسين عليه السلام من مكة متوجها إلى العراق كنت أخرج تلك القارورة في كل يوم فأشمها وأنظر إليها وأبكى لمصابه فلما كان اليوم العاشر من المحرم وهو اليوم الذي قتل فيه عليه السلام أخرجتها في أول النهار وهى بحالها ثم عدت إليها في آخر النهار فإذا هي دم عبيط فصحت في بيتى وبكيت وكظمت غيظي مخافة أن تسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتى جاء الناعي ينعاه فحقق ما رأيت وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ذات يوم جالسا وحوله على وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال لهم كيف أنتم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟

[ 218 ]

فقال له الحسين عليه السلام أنموت موتا أو نقتل قتلا فقال بل تقتل يا بنى ظلما ويقتل أخوك ظلما وتشرد ذراريكم في الأرض فقال الحسين عليه السلام ومن يقتلنا يا رسول الله قال شرار الناس قال فهل يزورنا بعد قتلنا أحد قال نعم يا بنى طائفة من أمتى يريدون بزيارتكم برى وصلتي فإذا كان يوم القيامة جئتها إلى الموقف حتى آخذ بأعضادها فأخلصها من أهواله وشدايده قلت هذا الخبر بهذه السياقة نقلته من إرشاد الشيخ المفيد رحمه الله تعالى وعندي فيه نظر فان الحسين عليه السلام كان أصغر الجماعة الذين ذكرهم عليهم السلام فكيف خصه بالسؤال والجواب دونهم وكيف صدع قلبه على صغره وحداثته بذكر القتل وأزعج قلب الأم عليه السلام بما لقى به ولديها عليها وعليهما السلام وكيف تفرغ الحسين عليه السلام مع سماع هذا جميعه إلى أن يسأل عن الزوار والله سبحانه أعلم وروى عبد الله بن شريك العامري قال كنت أسمع أصحاب محمد عليه السلام إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون هذا قاتل الحسين بن على عليهما السلام وذلك قبل أن يقتل بزمان طويل وروى سالم بن أبي حفصة قال قال عمر بن سعد للحسين يا أبا عبد الله ان قبلنا ناسا سفهاء يزعمون إني أقتلك فقال الحسين عليه السلام إنهم ليسوا بسفهاء ولكنهم حلماء أما أنه يقر بعينى أنك لا تأكل بر العراق بعدى إلا قليلا وروى يوسف بن عبيدة قال سمعت محمد بن سيرين يقول لم نر هذه الحمرة في السماء إلا بعد قتل الحسين عليه السلام وروى سعد الإسكاف قال قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام كان قاتل يحيى بن زكريا عليه السلام ولد زنا وكان قاتل الحسين بن على عليهما السلام ولد زنا ولم تحمر السماء إلا لهما

[ 219 ]

وروى سفيان بن عيينة عن على بن زيد عن على بن الحسين عليهما السلام قال خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزلنا منزلا ولا ارتحلنا منه إلا وذكر يحيى بن زكريا عليه السلام وقال يوما من الأيام من هوان الدنيا على الله عز وجل إن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغى من بغايا من بنى إسرائيل وتظاهرت الأخبار بأنه لم ينج أحد ممن قاتل الحسين عليه السلام وأصحابه رضى الله عنهم من قتل أو بلاء افتضح به قبل موته. قال الشيخ كمال الدين رحمه الله (الفصل الخامس فيما ورد في حقه من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا) وهو فصل مستحلى الموارد والمصادر ومستعلى المحامد والماثر مسفر عن جمل المناقب السوافر مشعر بأن الحسن والحسين عليهما السلام أحرزا على المعالى وأفخرا المفاخر فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصهما من مزايا العلاء بأتم معنى ومنحهما من سجايا الثناء كل مثنى فأفرد وثنى ومدح وأثنى وأنزلهما ذروة السناء الأسنى فأما ما يخص الحسن عليه السلام فقد تقدم في فضله وأما تمام المشترك وما يخص الحسين فهذا أوان إحراز خصله فمنه حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه أخرجه الإمام أحمد بن حنبل والترمذي كل منهما في صحيحه يرويه عنه بسنده وقد تقدم طرف منه في فضل فاطمة عليها السلام وجملة الحديث أن حذيفة قال لأمه دعينى آتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأصلى معه وأسأله أن يستغفر لي ولك فأتيته وصليت معه المغرب ثم قام فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال من هذا حذيفة قلت نعم قال ما حاجتك قلت تستغفر لي ولأمي فقال غفر الله لك ولأمك ان هذا ملك لم ينزل الأرض قط من قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم على ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

[ 220 ]

ومنه ما أخرجه الترمذي أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبصر حسنا وحسينا فقال اللهم إني أحبهما فأحبهما. ومنه ما رواه ابن الجوزى رحمه الله بسنده في صفوة الصفوة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال إن هذان ابناى فمن أحبهما فقد أحبنى يعنى الحسن والحسين ومن المشترك جملة تقدمت في فضل الحسن عليه السلام فلا حاجة إلى إعادتها ههنا ومنه ما أخرجه أيضا الترمذي بسنده عن يعلى بن مرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسين منى وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط ومنه ما نقله الإمام محمد بن اسماعيل البخاري الترمذي رضى الله عنهما بسندهما كل واحد منهما في صحيحه عن ابن عمر رضى الله عنه وسأله رجل عن دم البعوض فقال ممن أنت ؟ فقال من أهل العراق فقال انظروا إلى هذا يسألنى عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول هما ريحانتاي من الدنيا وروى أنه سأله عن المحرم يقتل الذباب فقال يا أهل العراق تسألونى عن قتل الذباب وقد قتلتم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر الحديث وفي آخره وهما سيدا شباب أهل الجنة ومنه ما أخرجه الترمذي رحمه الله في صحيحه بسنده عن سلمى الأنصارية قالت دخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهى تبكى فقلت ما يبكيك قالت رأيت الآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت ما لك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفا ومنه ما أخرجه البخاري والترمذي رضى الله عنهما في صحيحيهما كل منهما

[ 221 ]

بسنده عن أنس رضى الله عنه قال أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين عليه السلام فجعل في طست فجعل ينكته فقال في حسنه شيئا قال أنس فقلت والله أنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مخضوبا بالوسمة. وفي رواية الترمذي فجعل يضرب بقضيب في أنفه ولقد وفق الترمذي فانه لما روى هذا الحديث وذكر فعل ابن زياد زاده الله عذابا نقل ما فيه اعتبار واستبصار فانه روى في صحيحه بسنده عن عمار بن عمير قال لما قتل عبيد الله ابن زياد وجئ برأسه ورؤوس أصحابه ونضدت في المسجد في الرحبة فانتهيت إليهم والناس يقولون قد جاءت قد جاءت فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى جاءت فدخلت في منخر عبيد الله بن زياد فمكث هنيئة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا قد جاءت ففعلت ذلك مرارا. قال على بن عيسى عفا الله عنه بكرمه ووفقه لتأدية شكر إحسانه ونعمه لا ريب أن هذه موعظة لأولى الأبصار وعجيبة من عجائب هذه الدار وصغيرة بالنسبة إلى ما أعد الله لهؤلاء الظلمة من عذاب النار فانهم ركبوا من قتل الحسين وأهله وسبي حريمه ما لا يركب مثله مردة الكفار ولا يقدم عليه إلا من خلع ربقة الدين وجاهر الله بالعداوة فحسبه جهنم وبئس القرار. قلت وقد ذكر عز الدين بن الأثير الجزرى رحمه الله في تاريخه. وروى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى في كتابه معالم العترة الطاهرة مرفوعا إلى عائشة قالت كانت لنا مشربة فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد لقاء جبرئيل عليه السلام لقيه فيها فلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة من ذلك فيها وأمر عائشة أن لا يصعد إليه أحد ودخل حسين بن على ولم تعلم حتى غشيهما فقال له جبرئيل من هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابني فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعله على فخذه فقال أما إنه سيقتل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن يقتله ؟ قال

[ 222 ]

أمتك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمتى تقتله قال نعم وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها فأشار جبرئيل إلى الطف بالعراق وأخذ تربة حمراء فأراه إياها وقال هذه من تربة مصرعه ومن الكتاب المذكور عن الأصبغ بن نباتة عن على عليه السلام قال أتينا معه موضع قبر الحسين فقال على عليه السلام ههنا مناخ ركابهم وموضع رحالهم وههنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقتلون بهذه العرصة تبكى عليهم السماء والأرض ومنه يرفعه إلى عبد الله بمسعود قال بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ دخل فتية من قريش فتغير لونه فقلنا يا رسول الله لا نزال نرى في وجهك الشئ نكرهه فقال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتى سيلقون بعدى تطريدا وتشريدا ومن كتابه مرفوعا إلى العوام بن حوشب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى شباب من قريش كأن وجوههم سيوف مصقولة ثم رؤى في وجهه كآبة حتى عرفوا ذلك فقالوا يا رسول الله ما شأنك قال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا واني ذكرت ما يلقى أهل بيتى من بعدى من أمتى من قتل وتطريد وتشريد وروى الجنابذى مرفوعا إلى يحيى بن أبي بكر عن بعض مشيخته قال قال الحسين بن على عليهما السلام حين أتاه الناس فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس أنسبوني وانظروني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم سفك دمى وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وابن ابن عمه وابن أولى المؤمنين بالله أو ليس حمزة سيد الشهداء عمى ؟ أولم يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستفيضا فيكم لي ولأخي إنا سيدا

[ 223 ]

شباب أهل الجنة أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمى وانتهاك حرمتي ؟ قالوا ما نعرف شيئا مما تقول فقال إن فيكم من سألتموه لأخبركم أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفي أخى الحسن سلوا زيد بن ثابت والبراء ابن عازب وأنس بن مالك يحدثكم أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفي أخى فان كنتم تشكون في هذا فتشكون (في) أني ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فوالله ما تعمدت كذبا منذ عرفت إن الله تعالى يمقت على الكذب أهله ويضربه من اختلقه فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيرى منكم ولا من غيركم ثم أنا ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم خاصة دون غيره خبروني هل تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة ؟ فسكتوا قال أفقر عباد الله إلى رحمته وشفاعة نبيه وأئمته عليهم السلام على بن عيسى أغاثه الله تعالى يوم الفزع الأكبر كأن الحسين عليه السلام فارس الحرب الذي لا يصطلى بناره ولا تقدم غلب الأسود على شق غباره ولم يقل هذا القول ضراعة ولا خوارا فانه كان عالما بما يؤل أمره إليه عارفا بما هو قادم عليه عرف ذلك من أبيه وجده عليهم الصلاة والسلام واطلع على حقيقته بما خصه الله به من بين الأنام فله الكشف والنظر وهو وأخوه قبله وبنوه من بعده خيرة الله من البشر ينظرون إلى الغيب من وراء ستر رقيق ويشاهدون بمرايا خواطرهم الصقيلة ويشهدون بعداوة العدو وصداقة الصديق وإنما كان ذلك القول منه وتكراره إقامة للحجة عليهم ودفعا في صدر من ربما قال لم أعلم أو كنت مشدوها أو اشتبه على الأمر فلم أهتد لوجه الصواب فنفى هذه الاحتمالات بانذاره وإعذاره وتركهم ولا حاجز بينهم وبين عذاب الله وناره وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

[ 224 ]

السادس في علمه وشجاعته وشرف نفسه أقول والله الموفق للصواب إن علوم أهل البيت عليهم السلام لا تتوقف على التكرار والدرس ولا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس ولا يعلمونها بالقياس والفكر والحدس لأنهم المخاطبون في أسرارهم المكلمون بما يسألونه قبل ارتداد النفس فسماء معارفهم وعلومهم بعيدة عن الإدراك واللمس فمن أراد ستر فضائلهم كان كمن أراد ستر وجه الشمس وهذا مما يجب أن يكون ثابتا مقررا في النفس فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة ويقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة وتناجيهم أفكارهم في أوقات اذكارهم بما تسنموا به غارب الشرف والسيادة ويحصلون بصدق توجههم إلى جنات القدس ما بلغوا به منتهى السؤال والإرادة فهم كما في نفوس أوليائهم ومحبيهم وزيادة فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمان الولادة فهم خيرة الخير وزبدة الحقب وواسطة القلادة وهذه أمور تثبت لهم بالقياس والنظر ومناقب واضحة الحجول بادية الغرور ومزايا تشرق إشراق الشمس والقمر وسجايا تزين عنوان التواريخ وعيون السير فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا ولا أنكر منكر أمرا من أمور الدين إلا علموا وعرفوا ولا جروا مع غيرهم في مضمار شرف إلا سبقوا وقصر مجاروهم وتخلفوا سنة جرى عليها الذين تقدموا وأحسن اتباعهم الذين خلفوا وكم عانوا في الجلاد والجدال أمورا فتلقوها بالرأى الأصيل والصبر الجميل وما استكانوا ولا ضعفوا فلهذا وأمثاله سموا على الأمثال وشرفوا. فأيهم اعتبرت أحواله وتدبرت أقواله وشاهدت جلاده وجداله وجدته

[ 225 ]

فريدا في مآثره وحيدا في مزاياه ومفاخره مصدقا قديم أوله بحديث آخره. فقد أفرغوا في قالب الكمال وتفردوا بجميل الخلال وارتدوا مطارف المجد والجلال وقالوا فأبانوا وبينوا تقصير كل من قال وأتوا بالإعجاز الباهر في الجواب والسؤال تقر الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم وتصغي الإسماع إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم ويكثف الهواء إذا قيست به خلائقهم ويقف كل ساع عن شأوهم فلا تدرك غايتهم ولا تنال طرائقهم سجايا منحهم بها خالقهم وأخبر بها صادقهم فسربها أوليائهم وأصادقهم وحزن لها مباينهم ومفارقهم فانه صلى الله عليه وآله وسلم أزال الشبهة والالتباس وصرح بفضلهم لئلا يفتقر في إيضاحه إلى الدليل والقياس ونطق معلنا بشرفهم الدانى الثمار الزاكى الغراس فقال لو سمع مقاله إنا بنى عبد المطلب سادات الناس صلى الله عليه وعليهم أجمعين صلاة دائمة باقية إلى يوم الدين. وقد حل الحسين عليه السلام من هذا البيت الشريف في أوجه ويفاعه وعلا محله فيه علوا تطامنت النجوم عن ارتفاعه واطلع بصفاء سره على غوامض المعارف فكشفت له الحقائق عند اطلاعه وسار صيته بالفواضل والفضايل فاستوى الصديق والعدو في استماعه فلما اقتسمت غنائم المجد حصل على صفاياه ومرباعه فقد اجتمع فيه وفي أخيه عليهما السلام من خلال الفضل ما لا خلاف في اجتماعه وكيف لا يكونا كذلك وهما ابنا على وفاطمة عليه السلام بلا فصل وسبطا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاكرم بالفرع والأصل والسيدان الإمامان قاما أو قعدا فقد استوليا على الأمد وحازا الخصل والحسين عليه السلام هو الذي أرضى غرب السنان وحد النصل وغادر جثث الأعداء فرائس الكواسب بالهبر والفصل وأما شجاعته عليه السلام فقد قال كمال الدين رحمه الله اعلم وفقك الله على

[ 226 ]

حقائق المعاني ووفقك لإدراكها ان الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس والصفات المضافة إليها فهى تدرك بالبصيرة لا بالبصر ولا تمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذاتها إذ ليست أجساما كثيفة بل طريق معرفتها والعلم بها مشاهدة آثارها فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف بالشجاعة فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه فإذا أحدقت الرجال وحدقت الآجال وحقت الأوجال وتضايق المجال وحاق القتال فان كان مجزاعا مهلاعا مرواعا مفزاعا فتراه يستركب الهزيمة ويستبقها ويستصوب الدنية ويتطوقها ويستعذب المفرة ويستفوقها ويستصحب الذلة ويتعلقها مبادرا إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار مشيحا عن الفخار باقتحام الأخطار في مقر القراع بكل خطار فذلك مهبول الأم مخبول الفهم مفلول الجمع معزول عن السمع مضروب بينه وبين الشجاعة بحجاب مكتوب بينه وبين الشهامة بابراء في كتاب ولا تعرف نفسه شرفا ولا تجد عن الخساسة والدناءة منصرفا. وان كان مجسارا مجزارا كرارا صبارا يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزاهر المطربة ويسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواضر المعجبة خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة وعزيمة مطنبة يعد مصافحة الصفاح غنيمة باردة ومرامحة الرماح فائدة عائدة ومكافحة الكتائب مكرمة زائدة ومناوحة المقانب منقبة شاهدة يعتقد أن القتل يلحقه ظلل الحياة الأبدية ويسعفه حلل المحامد السرمدية ويزلفه في منازل الفخار العلية المعدة للشهداء الأحدية جانحا إلى ابتياع العز بمهجته ويراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وان غادره جماحه قتيلا. يرى الموت أحلى من ركوب دنية * ولا يغتدي للناقصين عديلا ويستعذب التعذيب فيما يفيده * نزاهته عن أن يكون ذليلا

[ 227 ]

فهذا مالك أزمة الشجاعة وحائزها وله من قداحها معلاها وفائزها قد تفوق بها لبان الشرف واغتذاه وتطوق درة سحابة المستحلى وتحلاه وعبق نشر أرجه المنتشر مما أتاه ونطق فعله بمدحه وان لم يفض فاه وصدق والله واصفه بالشجاعة التي يحبها الله. وإذا ظهرت دلائل الآثار على مؤثرها وأسفرت عن تحقق مثيرها ومشمرها فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رأوه وجزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه أن الحسين عليه السلام لما قصد العراق وشارف الكوفة سرب إليه أميرها يومئذ عبيد الله بن زياد الجنود لمقابلته أحزابا وحزب عليه الجيوش لمقاتلته أسرابا وجهز من العساكر عشرين الف فارس وراجل يتتابعون كتائبا وأطلابا فلما حضروه وأحدقوا به شاكين في العدة والعديد ملتمسين منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد فان أبى ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ويصرع الأشباح على الصعيد فتبعت نفسه الأبية جدها وأباها وعزفت عن التزام الدنية فأباها ونادته النخوة الهاشمية فلباها ومنحها بالإجابة إلى مجانبة الذلة وحباها فاختار مجالدة الجنود ومضاربة ظباها ومصارمة صوارمها وشيم شباها ولا يذعن لوصمة تسم بالصغار من شرفه خدودا وجباها. وقد كان أكثر هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه وكاتبوه وطاوعوه وتابعوه وسألوه القدوم عليهم ليبايعوه فلما جاءهم كذبوه ما وعدوه وأنكروه وجحدوه ومالوا إلى السحت العاجل فعبدوه وخرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه فنصب عليه السلام نفسه وأخوته وأهله وكانوا نيفا وثمانين لمحاربتهم واختاروا بأجمعهم القتل على متابعتهم ليزيد ومبايعتهم فاعتلقتهم الفجرة اللئام ورهقتهم المردة الطغام ورشقتهم النبال والسهام

[ 228 ]

وأوثقتهم من شبا شفارها الكلام. هذا والحسين عليه السلام ثابت لا تخف حصاة شجاعته ولا تجف عزيمة شهامته وقدمه في المعترك أرسى من الجبال وقلبه لا يضطرب لهول القتال ولا لقتل الرجال وقد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما وأذاقوهم من الحمية الهاشمية رهقا وكلما ولم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن في قاصديه وقتل وأغمد ظبته في أبشارهم وجدل، فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على الجلاد وتناسبت الأجلاد في المفاضلة بالحداد وثبت كثرة الألوف منهم على قلة الآحاد وتقاربت من الأنوف الهاشمية الآجال المحتومة على العباد فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح وباء الفجرة بالآثام في الأجساد فسقطت اشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا ونطقت حالهم بأن لقتلهم يوما تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وتحققت النفوس المطمئنة بالله كون الظالم والمظلوم شقيا وسعيدا وضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين عليه السلام وأطفاله إذ بقى وحيدا. فلما رأى عليه السلام وحدته ورزء أسرته وفقد نصرته تقدم على فرسه إلى القوم حتى واجههم وقال لهم يا أهل الكوفة قبحا لكم وتعسا حين استصرختمونا والهين فأتيناكم موجفين فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا وحششتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم وأعدائنا فأصبحتم البا على أوليائكم ويدا لأعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم ولا ذنب كان منا اليكم فلكم الويلات هلا إذ كرهتمونا والسيف ما شيم والجأش ما طاش والرأى لم يستحصف (1) ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا إسراع الدبا وتهافتم إليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفها وضلة وطاعة لطواغيت الأمة وبقية الأحزاب


(1) في الأصل المطبوع (يستحصد) والصواب ما ذكرناه. (*)

[ 229 ]

ونبذة الكتاب ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلونا ألا لعنة الله على الظالمين. ثم حرك إليهم فرسه وسيفه مصلت في يده وهو آيس من نفسه عازم على الموت وقال هذه الأبيات أنا بن علي الخير من آل هاشم * كفاني بهذا مفخر حين أفخر وجدى رسول الله أكرم من مشى * ونحن سراج الله في الخلق تزهر وفاطمة أمي سلالة أحمد * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر وفينا كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدى والوحي والخير يذكر ونحن ولاة الحوض نسقي محبنا * بكأس رسول الله ما ليس ينكر وشيعتنا في الناس أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر ثم دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقاتل ويقتل من برز إليه منهم من عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة كثيرة فتقدم إليه شمر بن ذى الجوشن في جمعه وسيأتى تفصيل ما جرى بعد ذلك في فصل مصرعه عليه السلام إن شاء الله. هذا وهو كالليث المغضب لا يحمل على أحد منهم إلا نفحه بسيفه فألحقه بالحضيض فيكفى ذلك في تحقيق شجاعته وشرف نفسه شاهدا صادقا فلا حاجة معه إلى ازدياد في الاستشهاد آخر كلام كمال الدين رحمه الله. قلت: شجاعة الحسين عليه السلام يضرب بها المثل وصبره في مأقط الحرب أعجز الأواخر والأول وثباته إذا دعيت نزال ثبات الجبل وإقدامه إذا ضاق المجال إقدام الأجل ومقامه في مقابلة هؤلاء الفجرة عادل مقام جده صلى الله عليه وآله وسلم ببدر فاعتدل وصبره على كثرة أعدائه وقلة أنصاره صبر أبيه عليه السلام في صفين والجمل ومشرب العداوة واحد فبفعل الأول فعل الآخر ما فعل فكم من فارس مدل ببأسه جدله عليه السلام فانجدل وكم من بطل طل دمه فبطل وكم حكم سيفه فحكم في الهوادى والقلل فما لاقى شجاعا إلا وكان لأمه الهبل

[ 230 ]

وحشرهم الله وجازى كلا بما قدم من العمل وإذا علمت أن شعار الحسين عليه السلام وأصحابه أعل يا حق وشعار أعدائه أعل هبل علمت أن هؤلاء في نعيم لا يزول وأولئك في شقاء لم يزل وكما قتل أبوه وانتقل إلى جوار ربه قتل هو وانتقل وكان له عند الله مرتبة لا تنال إلا بالشهادة فتم له ما أراد وكمل وباء قاتلوه بنار الله الموصدة في الآخرة ولا يهدي الله من أضل وما سلموا من آفات الدنيا بل عجلت لهم العقوبة فعمت من رضي ومن خذل ومن قتل فتبا لآرائهم الغايلة وعقولهم الذاهلة فلقد أعماهم القضاء إذ نزل وختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فما منهم إلا من جار عن الصواب وعدل فما أنصف ولا عدل وضلوا عن الحق فما لهم فيه قول ولا عمل وقبحا وشقحا لتلك القلوب التي غطاها الرين فلم تفرق بين ما علا واستفل وسوأة لتلك الوجوه التي شوهها الكفر والفسوق والعصيان وسودها الخطأ والخطل وسبة لتلك الأحلام الطائشة التي عذلت لإنكارها الحق بعد معرفة فسبق السيف العدل وغطى على بصائرها حب الدنيا الدنية فمالت إلى العاجل ففاتها الآجل والعاجل ما حصل وكيف لا تصدر عنهم هذه الأفعال وكبيرهم المدعو بأمير مؤمنيهم استشهد بشعر ابن الزبعرى فكأنما بده به وارتجل ليت أشياخى ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا * واستحر القتل في عبد الأشل (1) لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل والناس على دين ملوكهم كما ورد في الحديث والمثل.


(1) وروي الينتان الأولان في أكثر المقاتل كما يلي: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستلهوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل (*)

[ 231 ]

فلقد ركبوا مركبا وعرا وأتوا أمرا أمرا وفعلوا فعلا نكرا وقالوا قولا هجرا واستحلوا مزاقا مرا وبلغوا الغاية في العصيان ووصلوا إلى النهاية في إرضاء الشيطان وأقدموا على أمر عظيم من اسخاط الرحمان وكم ذكرهم الحسين عليه السلام أيام الله فما ذكروا وزجرهم عن تقحم نار الجحيم فما انزجروا وعرفهم ما كانوا يدعون معرفته فما عرفوا ولا فهموا منذ أنكروا وأمرهم بالفكر في هذا الأمر الصعب فما ائتمروا في كل ذلك ليقيم عليهم الحجة ويعذر إلى الله في تعريفهم المحجة فأصروا واستكبروا استكبارا ومما خطاياهم فادخلوا نار جهنم فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ونادى لسان حال الحسين عليه السلام رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا فاستجاب الله دعاءه عليه السلام وخصه بمزيد العناية والإكرام ونقله إلى جواره مع آبائه الكرام ووقع الفناء بعده في أولئك الطغام ودارت عليهم دوائر الانتقام والاصطلام فقتلوا في كل أرض بكل حسام وانتقلوا إلى جوار مالك في نار جهنم وأصحاب الحسين عليه السلام إلى جوار رضوان في دار السلام فصارت ألوف هؤلاء الأغنام آحادا وجموعهم أفرادا وألبسوا العار آباءا وأولادا فأحياؤهم عار على الغابر والأولون مسبة للآخر واستولى عليهم الذل والصغار وخسروا تلك الدار وهذه الدار وكان عاقبة أمرهم الى النار وبئس القرار وكثر الله ذرية الحسين عليه السلام وأنماها وملأ بها الدنيا ورفعها وأعلاها وإذا عرفت أن كل حسيني في الدنيا من ولد على بن الحسين زين العابدين عليهما السلام ظهر لك كيف بارك الله في ذريته الطاهرة وزكاها وإذ فكرت في جموع أعدائهم وانقراضهم تبينت أن العناية الإلهية تولت هذه العترة الشريفة وأبادت من عاداها وسعدت في الدنيا والآخرة وسعد من والاها وقد تظاهرت الأخبار أن الله تعالى اختارها واصطفاها واختار

[ 232 ]

شيعتها واجتباها. ولما رأى الحسين عليه السلام إصرارهم على باطلهم وظهور علائم الشقاء على أخلاقهم وفعائلهم وان ابليس وجنوده قادوا في أشطانهم وحبائلهم علم بسعادة من قتلوه وشقاوة قاتلهم وتحقق أنه قد طبع الله على قلوبهم فلا ينجع فيهم نصح ناصحهم ولا عذل عاذلهم فجد في حربهم على بصيرة واجتهد وصبر صبر الكرام على تلك العدة وذلك العدد وتفصيل ذلك يأتي في باب مصرعه عليه السلام. ويعز على أن يجرى بذكره لساني أو يسمح بسطره بنانى أو أتمثله في خاطري وجناني فانى أجد لذكره ألما وأبكى لمصابه دمعا ودما وأستشعر لما بلغ منه هما وندما ولكن لا حيلة فيما جرى به القضاء والقدر وان ذممنا الورد فانا نحمد الصدر والله يجازى كلا على فعله ولا يبعد الله إلا من كفر السابع في كرمه وجوده عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله تعالى قد تقدم في الفصل المعقود لذكر كرم أخيه الحسن عليهما السلام قصة المرأة التى ذبحت الشاة وما وصلها به لما جاءته بعد أخيه الحسن عليهما السلام وأنه أعطاها الف دينار واشترى لها ألف شاة وقد اشتهر النقل عنه عليه السلام أنه كان يكرم الضيف ويمنح الطالب ويصل الرحم وينيل الفقير ويسعف السائل ويكسو العارى ويشبع الجائع ويعطى الغارم ويشد من الضعيف ويشفق على اليتيم ويعين ذا الحاجة وقل أن وصله مال إلا فرقه. وروى ان معاويه لما قدم مكة وصله بمال كثير وثياب وافرة وكسوات

[ 233 ]

وافية فرد الجميع عليه ولم يقبل منه وهذه سجية الجواد وشنشنة الكريم وسمة ذى السماحة وصفة من قد حوى مكارم الأخلاق فافعاله المتلوة شاهدة له بصفة الكرم ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم وقد كان في العبادة مقتديا بمن تقدم حتى نقل عنه عليه السلام أنه حج خمسا وعشرين حجة الى الحرم وجنائبه تقاد معه وهو ماش على القدم آخر كلامه ره. قال الفقير الى الله تعالى على بن عيسى عفى الله عنه اعلم أيدك الله بتوفيقه وهداك إلى سبيله وطريقه إن الكرم كلمة جامعة لأخلاق محمودة تقول كريم الأصل كريم النفس كريم البيت كريم المنصب إلى غير ذلك من صفات الشرف ويقابله اللوم فانه جامع لمساوئ الأخلاق تقول لئيم الأصل والنفس والبيت وغيرها. فإذا عرفت هذا فاعلم أن الكرم الذى الجود من أنواعه كامل في هؤلاء القوم ثابت لهم محقق فيهم متعين لهم ولا يعدوهم ولا يفارق أفعالهم وأقوالهم بل هو لهم على الحقيقة وفي غيرهم كالمجاز ولهذا لم ينسب الشح إلى أحد من بنى هاشم ولا نقل عنهم لأنهم يجارون الغيوث سماحة ويبارون الليوث حماسة ويعدلون الجبال حلما ورجاحة فهم البحور الزاخرة والسحب الهامية الهامرة. فما كان من خير أتوه فانما * * توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطى إلا وشيجه * * وتغرس إلا في منابتها النخل ولهذا قال على عليه السلام وقد سئل عن بنى هاشم وبنى أمية فقال نحن أمجد وأنجد وأجود وهم أغدر وأمكر وأنكر ولقد صدق صلى الله عليه وآله فان الذى ظهر من القبيلتين في طول الوقت دال على ما قاله عليه السلام. ولا ريب أن الأخلاق تظهر على طول الأيام وهذه الأخلاق الكريمة

[ 234 ]

اتخذوها شريعة وجعلوها إلى بلوغ غايات الشرف ذريعة لشرف فروعهم وأصولهم وثبات عقولهم لأنهم لا يشينون مجدهم بما يصمه ولا يشوهون وجوه سيادتهم بما يخلقها ولأنهم مقتدى الأمة ورؤوس هذه الملة وسروات الناس وسادات العرب وخلاصة بنى آدم وملوك الدنيا والهداة إلى الآخرة وحجة الله على عباده وأمناؤه على بلاده فلا بد أن تكون علامات الخير فيهم ظاهرة وسمات الجلال بادية باهرة وأمثال الكرم العام سايرة وان كل متصف بالجود من بعدهم بهم اقتدى وعلى منوالهم نسج وبهم اهتدى. وكيف لا يجود بالمال من يجود بنفسه النفيسة في مواطن النزال وكيف لا يسمح بالعاجل من همه في الآجل ولا ريب عند العقلاء أن من جاد بنفسه في القتال فهو بالمال أجود ومن زهد في الحياة المحبوبة فهو في الحطام الفاني أزهد وقد عرفت زهدهم فاعرف به وفدهم فان الزاهد من زهد في حطامها وخاف من آثامها ورغب عن حلالها وحرامها ولعلك سمعت بما أتى في هل أتى من إيثارهم على أنفسهم أليسوا الذين أطعموا الطعام على حبه ورغب كل واحد منهم في الطوى لإرضاء ربه وعرضوا تلك الأنفس الكريمة لمرارة الجوع وأسهروا تلك العيون الشريفة من الخوى فلم تذق حلاوة الهجوع وجعلوها لما وجدوه من الرقة على المسكين واليتيم والأسير غرقى من الدموع وتكرر عليهم ألم فقد الغذاء غدوا وبكورا وأضرم السغب في قلوب أهل الجنة سعيرا وآمنوا حين قالوا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وشكرهم من أنعموا عليه فقالوا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا. والحسين عليه السلام وان كان فرعا للنبى صلى الله عليه وآله وعلى وفاطمة عليهم السلام فهو أصل لولده من بعده وكلهم أجواد كرام.

[ 235 ]

كرموا وجاد قبيلهم من قبلهم * * وبنوهم من بعدهم كرماء فالناس ارض في السماحة والندى * * وهم إذا عد الكرام سماء لو أنصفوا كانوا لآدم وحدهم * * وتفردت بولادهم حواء وقال النبي صلى الله عليه وآله وقد جاءته أم هاني يوم الفتح تشكو أخاها عليا عليه السلام لله در أبى طالب لو ولد الناس كلهم كانوا شجعانا وكان على عليه السلام يقول في بعض حروبه أملكوا عنى هذين الغلامين فانى أنفس بهما عن القتل لئلا ينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله. وقيل لمحمد بن الحنفية رحمة الله عليه أبوك يسمح بك في الحرب ويشح بالحسن والحسين عليهما السلام فقال هما عيناه وأنا يده والإنسان يقى عينيه بيده. وقال مرة أخرى وقد قيل له ذلك أنا ولده وهما ولدا رسول الله صلى الله عليه وآله. والحماسة والسماحة رضيعتا لبان وقد تلازما في الجود فهما توأمان فالجواد شجاع والشجاع جواد وهذه قاعدة كلية لا تنخرم ولو خرج منها بعض الآحاد ومن خاف الوصمة في شرفه جاد بالطريف والتلاد وقد قال أبو تمام في الجمع بينهما فأجاد وإذا رأيت أبا يزيد في ندى * * ووغى ومبدى غارة ومعيدا أيقنت أن من السماح شجاعة * * تدنى وأن من الشجاعة جودا وقال أبو الطيب قالوا ألم تكفه سماحته حتى * * بنى بيته على الطرق فقلت ان الفتى شجاعته * * تريه في الشح صورة الفرق كن لجة أيها السماح فقد * * آمنه سيفه من الغرق ولهذا قال القائل

[ 236 ]

يجود بالنفس ان ضن الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وقيل الكريم شجاع القلب والبخيل شجاع الوجه ولما وصفهم معاوية وصف بنى هاشم بالسخاء وآل الزبير بالشجاعة وبنى مخزوم بالتيه وبنى أمية بالحلم فبلغ ذلك الحسن بن على عليهما السلام فقال قاتله الله أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه وأن يشجع آل الزبير فيقتلون وأن يتيه المخزوميون فيمقتوا وان تحلم بنو أمية فيحبهم الناس. وقد تقدم هذا الكلام آنفا بألفاظ وهى المروية ولعمري لقد صدق في بعض مقاله وإن كان الصدق بعيدا من أمثاله ولكن الكذوب قد يصدق فان السماحة في بنى هاشم كما قال والشجاعة والحلم فيهم في كل الأحوال والناس في ذلك تبع لهم فهم عليهم كالعيال فقد حازوا قصبات السبق لما جمعوه من شرف الخلال فإذا تفرقت في الناس خصال الخير اجتمعت فيهم تلك الخصال وهذا القول هو الحق وما بعد الحق إلا الضلال. فإذا عرفت حقيقة هذا التقرير فاحكم لهم بالصفات المحمودة على كل تقدير فان أضدادها من الصفات المذمومة رجس وقد طهرهم الله من الرجس تطهيرا واختارهم من تربته واصطفاهم من عباده وكان الله سميعا بصيرا الثامن في ذكر شئ من كلامه عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله تعالى كانت الفصاحة لديه خاضعة والبلاغة لأمره متبعة سامعة طائعة وقد تقدم آنفا من نثره في الفصل السادس في ذلك المقام الذى لا تفوه فيه الأفواه من الفرق ولا تنطق الألسنة من الوجل والقلق ما فيه حجة بالغة على أنه في ذلك الوقت أفصح من نطق وأما نظمه فيعد

[ 237 ]

من الكلام جوهر عقد منظوم و مشهر برد مرقوم. فمنه قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح وأنه عليه السلام لما أحاط به جموع ابن زياد وقتلوا من قتلوا من أصحابه ومنعوهم الماء كان له عليه السلام ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله فزمله الحسين عليه السلام وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه وقال غدر القوم وقدما رغبوا * * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا قدما عليا وابنه * * حسن الخير كريم الطرفين حسدا منهم وقالوا اجمعوا * * نقبل الآن جميعا بالحسين يا لقوم لأناس رذل * * جمعوا الجمع لأهل الحرمين ثم ساروا وتواصوا كلهم * * لاجتياحي للرضا بالملحدين لم يخافوا الله في سفك دمى * * لعبيد الله نسل الفاجرين وابن سعد قد رماني عنوة * * بجنود كوكوف الهاطلين لا لشئ كان منى قبل ذا * * غير فخري بضياء الفرقدين بعلى خير من بعد النبي * * والنبى القرشى الوالدين خيرة الله من الخلق أبى * * ثم أمي فأنا ابن الخيرتين فضة قد صفيت من ذهب * * وأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى * * أو كشيخي فأنا ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبى * * قاصم الكفر ببدر وحنين وله في يوم أحد وقعة * * شفت الغل بفض العسكرين ثم بالأحزاب والفتح معا * * كان فيها حتف أهل القبلتين في سبيل الله ماذا صنعت * * أمة السوء معا في العترتين عترة البر النبي المصطفى * * وعلى الورد بين الجحفلين وقال وقد التقاه وهو متوجه إلى الكوفة الفرزدق ابن غالب الشاعر

[ 238 ]

وقال له يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته فترحم على مسلم وقال صار إلى روح الله ورضوانه أما أنه قضى ما عليه وبقى ما علينا وأنشده وإن تكن الدنيا تعد نفيسة * * فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن تكن الأبدان للموت أنشئت * * فقتل امرئ والله بالسيف أفضل وأن تكن الأرزاق قسما مقدرا * * فقلة حرص المرء في الكسب أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها * * فما بال متروك به المرء يبخل هذا آخر كلام كمال الدين بن طلحة رحمه الله في هذا الفصل. أقول إنهم ع رجال الفصاحة وفرسانها وحماة البلاغة وشجعانها عليهم تهدلت أغصانها ومنهم تشعبت أفنانها ولهم انقادت معانيها وهم معانها ولرياضتهم أطاع عاصيها وأصحب جرانها إذا قالوا بذوا الفصحاء وأذا ارتجلوا سبقوا البلغاء وإذا نطقوا أذعن كل قائل وأقر لهم كل حاف وناعل تركت والحسن تأخذه * * تنتقي منه وتنتحب فاصطفت منه محاسنه * * واستزادت فضل ما تهب بألفاظ تجارى الهواء رقة والصخر متانة وحلم يوازى السماء ارتفاعا والجبال رزانة أذعنت لهم الحكم وأجابت نداءهم الكلم وأطاعهم السيف والقلم وصابوا وأصابوا فما صوب الديم ورثوا البيان كابرا عن كابر وتسنموا قلل الفضائل تسمنهم متون المنابر وتساووا في مضمار المعارف فالآخر يأخذ عن الأول والأول يملى عن الآخر. شرف تتابع كابرا عن كابر * * كالرمح أنبوبا على أنبوب يفوح أرج النبوة من كلامهم ويعبق نشر الرسالة من نثرهم ونظامهم وتعجز الأوائل والأواخر عن مقالهم في كل موطن ومقامهم فهم سادات الناس وقادتهم في جاهليتهم وأسلامهم فما ساجلهم في منقبة إلا مغلب وما شابهم

[ 239 ]

ماجد إلا قيل أطمع من أشعب شنشنة معروفة في السلف والخلف وعادة شريفة ينكرها من أنكر ويعرفها من عرف. ومن كلامه عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله صلى الله على رسوله وسلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لى مصرع أنا لاقيه كأنى بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منى أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين لن يشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته وهى مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه ويتنجز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل فانى راحل مصبحا إن شاء الله وخطب عليه السلام فقال يا أيها الناس نافسوا في المكارم وسارعوا في المغانم ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا وكسبوا الحمد بالنجح ولا تكتسبوا بالمطل ذما فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافاته فانه أجزل عطاءا وأعظم أجرا واعلموا أن حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتحور نقما واعلموا أن المعروف مكسب حمدا ومعقب أجرا فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار أيها الناس من جاد ساد ومن بخل رذل وأن أجود الناس من أعطى من لا يرجو وان أعفى الناس من عفى عن قدرة وان أوصل الناس من وصل من قطعه والأصول على مغارسها بفروعها تسموا فمن تعجل لأخيه خيرا وجده

[ 240 ]

إذا قدم عليه غدا ومن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه ومن نفس كربة مؤمن فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ومن أحسن أحسن الله إليه والله يحب المحسنين قلت هذا الفصل من كلامه عليه السلام وإن كان دالا على فصاحته ومبينا عن بلاغته فانه دال على كرمه وسماحته وجوده وهبته مخبر عن شرف أخلاقه وسيرته وحسن نيته وسريرته شاهد بعفوه وحلمه وطريقته فان هذا الفصل قد جمع مكارم أخلاق لكل صفة من صفات الخير فيها نصيب واشتمل على مناقب عجيبة وما اجتماعها في مثله بعجيب. وخطب عليه السلام فقال إن الحلم زينة والوفاء مروة والصلة نعمة والاستكبار صلف والعجلة سفه والسفه ضعف والغلو ورطة ومجالسة أهل الدناءة شر ومجالسة أهل الفسق ريبة ولما قتل معاوية حجر بن عدى رحمه الله وأصحابه لقى في ذلك العام الحسين عليه السلام فقال يا أبا عبد الله هل بلغك ما صنعت بحجر وأصحابه من شيعة أبيك قال لا قال إنا قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم فضحك الحسين عليه السلام ثم قل خصمك القوم يوم القيامة يا معاوية أما والله لو ولينا مثلها من شيعتك ما كفناهم ولا صلينا عليهم وقد بلغني وقوعك بابى حسن وقيامك به واعتراضك بني هاشم بالعيوب وأيم الله لقد أوترت غير قوسك ورميت غير غرضك وتناولتها بالعداوة من مكان قريب ولقد أطعت امرئا ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه وما نظر لك فانظر لنفسك أو دع يريد عمرو بن العاص. قال أنس كنت عند الحسين عليه السلام فدخلت عليه جارية فحيته بطاقة

[ 241 ]

ريحان فقال لها أنت حرة لوجه الله فقلت تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها قال كذا أدبنا الله قال الله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وكان أحسن منها عتقها وقال يوما لأخيه الحسن عليهما السلام يا حسن وددت ان لسانك لى وقلبي لك وكتب إليه الحسن عليه السلام يلومه على إعطاء الشعراء فكتب إليه أنت أعلم منى بأن خير المال ما وقى العرض فانظر أيدك الله إلى حسن أدبه في قوله أنت أعلم منى فان له حظا من اللطف تاما ونصيبا من الإحسان وافرا والله أعلم حيث يجعل رسالاته. ومن دعائه عليه السلام اللهم لا تستدرجني بالإحسان ولا تؤدبنى بالبلاء. وهذا دعاء شريف المقاصد عذب الموارد قد جمع بين المعنى الجليل واللفظ الجزل القليل وهم مالكو الفصاحة حقا وغيرهم عابر سبيل. ودعاه عبد الله بن الزبير وأصحابه فأكلوا ولم يأكل الحسين عليه السلام فقيل له ألا تأكل قال إنى صائم ولكن تحفة الصائم قيل وما هي قال الدهن والمجمر. وجنى له غلام جناية توجب العقاب عليه فأمر به أن يضرب فقال يا مولاى والكاظمين الغيظ قال خلوا عنه فقال يا مولاى والعافين عن الناس قال قد عفوت عنك قال يا مولاى والله يحب المحسنين قال أنت حر لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك. وقال الفرزدق لقيني الحسين عليه السلام في منصرفي من الكوفة فقال ما وراك يا أبا فراس قلت أصدقك قال عليه السلام الصدق أريد قلت أما القلوب فمعك وأما السيوف فمع بنى أمية والنصر من عند الله قال ما أراك إلا صدقت الناس عبيد المال والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه

[ 242 ]

ما درت به معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون وقال عليه السلام من أتانا لم يعدم خصلة من أربع آية محكمة وقضية عادلة وأخا مستفادا ومجالسة العلماء وكان عليه السلام يرتجز يوم قتل عليه السلام ويقول الموت خير من ركوب العار * * و العار خير من دخول النار والله من هذا وهذا جارى وقال عليه السلام صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك فأكرم وجهك عن رده وكان يقول حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتحور نقما وقد ذكرناه آنفا ولما نزل به عمر بن سعد لعنه الله وأيقن أنهم قاتلوه قام في أصحابه خطيبا وأثنى عليه وقال إنه قد نزل بنا من الأمر ما ترون وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت و أدبر معروفها واستمرت حذاء حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الأناء وخسيس عيش كالكلاء الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه فانى لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما هذا الكلام ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء. وقيل كان بينه وبين الحسن عليهما السلام كلام فقيل للحسين عليه السلام أدخل على أخيك فهو أكبر منك فقال إنى سمعت جدى صلى الله عليه وآله يقول أيما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضى الآخر كان سابقه إلى الجنة وأنا أكره أن أسبق أخى الأكبر فبلغ قوله الحسن عليه السلام فأتاه عاجلا وأنت أيدك الله متى أردت أن تعرف مناقب هؤلاء القوم ومزاياهم وخلالهم الشريفة وسجاياهم وتقف على حقيقة فضلهم الجزيل وتطلع من

[ 243 ]

أحوالهم على الجملة والتفصيل وتعلم ما لهم من المكانة بالبرهان والدليل فتدبر كلامهم في مواعظهم وخطبهم وانحائهم ومقاصدهم وكتبهم تجده مشتملا على المفاخر التى جمعوها وغوارب الشرف التى افترعوها وغرائب المحاسن التى سنوها وشرعوها فان أفعالهم تناسب أقوالهم وكلها تشبه أحوالهم فالاناء ينضح بما فيه والولد بضعة من أبيه وليس من يضله الله كمن يهديه ولا من أذهب عنه الرجس وطهره كمن حار في ليل الباطل فهو أبدا فيه والكريم يحذو حذو الكريم والشرف الحادث دليل على الشرف القديم والأصول لا تخيب والنجيب ابن النجيب وما أشد الفرق بين البعيد والقريب والأجنبي والنسيب. فالواحد منهم عليهم السلام يجمع خلال الجميع ويدل على أهل بيته دلالة الزهر على الربيع ولو اقتصرت على ذكر مناقب أحدهم عليهم السلام لم أك في حق الباقين مقصرا ولنا دانى لسان الحال اكتف بما ذكرت فدليل على الذى لا تراه الذى ترى نفعني الله بحبهم وقد فعل وألحقني بتربة أوليائهم ومحبيهم الأول وأوزعني أن أشكر فضله وإن عظم عن الشكر وجل. فأما شعره عليه السلام فقد ذكر الرواة له شعرا ووقع إلى شعره عليه السلام بخط الشيخ عبد الله أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي رحمة الله عليه وفيه قال أبو مخنف لوط بن يحيى أكثر ما يرويه الناس من شعر سيدنا أبى عبد الله الحسين بن على عليهما السلام إنما هو ما تمثل به وقد أخذت شعره من مواضعه واستخرجته من مظانه وأماكنه ورويته عن ثقات الرجال منهم عبد الرحمان ابن نخبة الخزاعى وكان عارفا بأمر أهل البيت عليهم السلام ومنهم المسيب ابن رافع المخزومى وغيره رجال كثير ولقد أنشدني يوما رجل من ساكنى

[ 244 ]

سلع هذه الأبيات فقلت له أكتبنيها فقال لى ما أحسن رداءك هذا وكنت قد اشتريته يومى ذاك بعشرة دنانير فطرحته عليه فأكتبنيها وهى قال أبو عبد الله الحسين بن على بن ابى طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصى عليه السلام ذهب الذين أحبهم * * وبقيت فيمن لا أحبه فيمن أراه يسبنى * * ظهر المغيب ولا أسبه يبغى فسادي ما استطاع * * وأمره مما أدبه حنقا يدب إلى الضراء * * وذاك مما لا أدبه ويرى ذباب الشر من * * حولي يطن ولا يذبه وإذا جنا وغر الصدور * * فلا يزال به يشبه أفلا يعيج بعقله * * أفلا يتوب إليه لبه أفلا يرى أن فعله * * مما يسور إليه غبه حسبى بربي كافيا * * ما أختشى والبغى حسبه ولقل من يبغى عليه * * فما كفاه الله ربه وقال عليه السلام إذا ما عضك الدهر فلا تجنح إلى خلق * * ولا تسأل سوى الله تعالى قاسم الرزق فلو عشت وطوفت من الغرب إلى الشرق * * لما صادفت من يقدر أن يسعد أو يشقى وقال عليه السلام الله يعلم أن ما يبدى يزيد لغيره * * وبأنه لم يكتسبه بغيره وبميره لو أنصف النفس الخؤن لقصرت من سيره * * ولكان ذلك منه أدنى شره من خيره كذا بخط ابن الخشاب شره بالإضافة وأظنه وهما منه لأنه لا معنى له على الإضافة والمعنى أنه لو أنصف نفسه أدنى الإنصاف شره على المفعولية

[ 245 ]

من خيره أي صار ذا خير وقال عليه السلام إذا استنصر المرء امرئا لا يدا له * فناصره والخاذلون سواء أنا ابن الذى قد تعلمون مكانه * * وليس على الحق المبين طخاء أليس رسول الله جدى ووالدى * * أنا البدر إن خلا النجوم خفاء ألم ينزل القرآن خلف بيوتنا * * صباحا ومن بعد الصباح مساء ينازعني والله بينى وبينه * * يزيد وليس الأمر حيث يشاء فيا نصحاء الله أنتم ولاته * * وأنتم على أديانه أمناء بأى كتاب أم بأية سنة * * تناولها عن أهلها البعداء وهى طويلة قال أبو مخنف كان مولانا الحسين بن على صلوات الله عليهما يظهر الكراهية لما كان من أمر أخيه الحسن عليه السلام مع معاوية ويقول لو حز أنفى بموسى لكان أحب إلى مما فعله أخى وقال عليه السلام فما ساءنى شئ كما ساءنى أخى * * ولم أرض لله الذى كان صانعا ولكن إذا ما الله أمضى قضاءه * * فلا بد يوما أن ترى الأمر واقعا ولو أننى شوورت فيه لما رأوا * * قريبهم إلا عن الأمر شاسعا ولم أك أرضى بالذى قد رضوا به * * ولو جمعت كل إلى المجامعا ولو حز أنفى قبل ذلك حزة * * بموسى لما ألقيت للصلح تابعا قلت إن صح أن هذه الأبيات من شعره عليه السلام فكل منهما يرى المصلحة بحسب حاله ومقتضى زمانه وكلاهما عليهما السلام مصيبان فيما اعتمدا وهما إمامان سيدان قاما أو قعدا فلا يتطرق عليهما السلام مقال وهما أعرف بالأحوال في كل حال.

[ 246 ]

وقال وإن تكن الدنيا تعد نفيسة وقد تقدم ذكرها. وقال الموت خير من ركوب العار وقد سبقت. وقال عليه السلام أنا الحسين بن على بن أبى * * طالب البدر بأرض العرب ألم تروا وتعلموا أن أبى * * قاتل عمرو ومبير مرحب ولم يزل قبل كشوف الكرب * * مجليا ذلك عن وجه النبي أليس من أعجب عجب العجب * * أن يطلب إلا بعد ميراث النبي والله قد أوصى بحفظ الأقرب وقال عليه السلام ما يحفظ الله يصن * * ما يصنع الله يهن من يسعد الله يلن * * له الزمان ان خشن أخى اعتبر لا تغترر * * كيف ترى صرف الزمن يجزى بما أوتى من * * فعل قبيح أو حسن أفلح عبد كشف * * الغطاء عنه ففطن وقر عينا من رأى * * أن البلاء في اللسن فماز من ألفاظه * * في كل وقت ووزن وخاف من لسانه * * عزبا حديدا فحزن ومن يك معتصما * * بالله ذى العرش فلن يضره شئ ومن * * يعدى على الله ومن من يأمن الله يخف * * وخائف الله أمن وما لما يثمره ال‍ * * خوف من الله ثمن يا عالم السر كما * * يعلم حقا ما علن

[ 247 ]

صل على جدى أبى * * القاسم ذى النور المبن أكرم من حى ومن * * لفف ميتا في الكفن وامنن علينا بالرضا * * فأنت أهل للمنن وأعفنا في ديننا * * من كل خسر وغبن ما خاب من خاب كمن * * يوما الى الدنيا ركن طوبى لعبد كشفت * * عنه غيابات الوسن والموعد الله وما * * يقض به الله مكن وهى طويلة وقال عليه السلام أبى على وجدى خاتم الرسل * * والمرتضون لدين الله من قبلى والله يعلم والقرآن ينطقه * * ان الذى بيدى من ليس يملك لى ما يرتجى بامرئ لا قائل عذلا * * ولا يزيغ الى قول ولا عمل ولا يرى خائفا في سره وجلا * * ولا يحاذر من هفو ولا زلل يا ويح نفسي ممن ليس يرحمها * * أما له في كتاب الله من مثل أما له في حديث الناس معتبر * * من العمالقة العادية الأول يا أيها الرجل المغبون شيمته * * إنى ورثت رسول الله عن رسل أأنت أولى به من آله فبما * * ترى اعتللت وما في الدين من علل وفيها أبيات أخر يا نكبات الدهر دولي دولي * * واقصرى إن شئت أو أطيلي منها رميتني رمية لا مقيل * * بكل خطب فادح جليل وكل عب ء أيد ثقيل * * أول ما رزئت بالرسول وبعد بالطاهرة البتول * * والوالد البر بنا الوصول

[ 248 ]

وبالشقيق الحسن الجليل * * والبيت ذى التأويل والتنزيل وزورنا المعروف من جبريل * * فما له في الرزء من عديل ما لك عنى اليوم من عدول * * وحسبي الرحمان من منيل قال تم شعر مولانا الشهيد أبى عبد الله الحسين بن على بن أبى طالب عليهما السلام وهو عزيز الوجود. قلت والأبيات النونية التى أولها غدر القوم وقدما رغبوا * * عن ثواب الله رب الثقلين لم يذكرها أبو مخنف في هذا الديوان الذى جمعه وهى مشهورة والله أعلم التاسع في أولاده عليه وعليهم السلام قال كمال الدين كان له من الأولاد ذكور وأناث عشرة ستة ذكور وأربع أناث فالذكور على الأكبر وعلى الأوسط وهو زين العابدين وسياتى ذكره في بابه ان شاء الله وعلى الأصغر ومحمد وعبد الله وجعفر. فأما على الأكبر فانه قاتل بين يدى أبيه حتى قتل شهيدا. وأما على الأصغر فجاءه سهم وهو طفل فقتله وقيل إن عبد الله قتل أيضا مع أبيه شهيدا. وأما البنات فزينب وسكينة وفاطمة هذا قول مشهور. وقيل كان له أربع بنين وبنتان والأول أشهر. وكان الذكر المخلد والبناء المنضد مخصوصا من بين بنيه بعلى الأوسط زين العابدين دون بقية الأولاد آخر كلامه. قلت عدد أولاده عليه السلام وذكر بعضا وترك بعضا قال ابن الخشاب

[ 249 ]

ولد له ستة بنين وثلاث بنات على الأكبر الشهيد مع أبيه وعلى الإمام سيد العابدين وعلى الأصغر ومحمد وعبد الله الشهيد مع أبيه وجعفر وزينب وسكينة وفاطمة. وقال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى ولد الحسين بن على ابن أبى طالب عليهما السلام ستة أربعة ذكور وابنتان على الأكبر قتل مع أبيه وعلى الأصغر وجعفر وعبد الله وسكينة وفاطمة قال ونسل الحسين من على الأصغر وأمه أم ولد وكان أفضل أهل زمانه وقال الزهري ما رأيت هاشميا أفضل منه. قلت قد أخل الحافظ بذكر على زين العابدين حيث قال على الأكبر وعلى الأصغر وأثبته حيث قال ونسل الحسين من على الأصغر فسقط في هذه الرواية على الأصغر الصحيح أن العليين من أولاده ثلاثة كما ذكر كمال الدين وزين العابدين عليه السلام هو الاوسط والتفاوت بين ما ذكره كمال الدين والحافظ أربعة. قال الشيخ المفيد باب ذكره ولد الحسين عليه السلام كان للحسين عليه السلام ستة أولاد على بن الحسين الاصغر وكنيته أبو محمد وأمه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار ملك الفرس وعلى بن الحسين الاكبر قتل مع أبيه بالطف وأمه ليلى بنت أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفية وجعفر بن الحسين لا بقية له وأمه قضاعية وكانت وفاته في حياة الحسين عليه السلام وعبد الله ابن الحسين قتل مع أبيه صغيرا جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه وسكينة بنت الحسين وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدى كلبية وهى أم عبد الله ابن الحسين وفاطمة بنت الحسين وأمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبد الله تيمية. قلت المفيد رحمه الله قد وافق الحافظ عبد العزيز على العدة والتفصيل

[ 250 ]

وعلى قولهما فالعليان اثنان والمشهور ثلاثة والله أعلم وعقبه كله من الإمام زين العابدين وسيأتى ذكره إن شاء الله العاشر في عمره عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله قد تقدم القول في ولادته عليه السلام أنها كانت في سنة أربع من الهجرة وكان انتقاله إلى الدار الآخرة على ما سيأتي تفصيله وبيانه في سنة إحدى وستين من الهجرة فتكون مدة عمره ستا وخمسين سنة وأشهرا كان منها مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله ست سنين وشهورا وكان مع أبيه أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام ثلاثين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وكان مع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عليهم السلام عشر سنين وبقى بعد وفاة أخيه الحسن عليه السلام إلى وقت مقتله عشر سنين. قال ابن الخشاب حدثنا حرب باسناده عن أبى عبد الله الصادق عليه السلام قال مضى أبو عبد الله الحسين بن على أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين وهو ابن سبع وخمسين سنة في عام الستين من الهجرة في يوم عاشورا كان مقامه مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله سبع سنين إلا ما كان بينه وبين أبى محمد وهو سبعة أشهر وعشرة أيام وأقام مع أبيه عليه السلام ثلاثين سنة وأقام مع أبى محمد عشر سنين وأقام بعد مضى أخيه الحسن عليه السلام عشر سنين فكان عمره سبعا وخمسين سنة إلا ما كان بينه وبين أخيه من الحمل وقبض في يوم عاشوراء في يوم الجمعة في سنة احدى وستين من الهجرة ويقال في يوم عاشوراء في يوم الاثنين وكان بقاؤه بعد أخيه الحسن عليهما السلام أحد عشر سنة.

[ 251 ]

وقال الحافظ عبد العزيز الحسين بن على بن أبى طالب وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وقتل بالطف يوم عاشوراء سنه احدى وستين وهو ابن خمس وخمسين سنة وستة أشهر. قلت قد اتفقوا في التاريخ واختلفوا في الحساب والحق منهما يظهر لمن اعتبره. قال الشيخ المفيد في إرشاده ومضى الحسين عليه السلام في يوم السبت العاشر من المحرم سنه إحدى وستين من الهجرة بعد صلاة الظهر منه قتيلا مظلوما ظمآن صابرا محتسبا وسنه يومئذ ثمان وخمسون سنة أقام منها مع جده رسول الله سبع سنين ومع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ثلاثين سنة ومع أخيه الحسن عليه السلام عشر سنين وكانت مدة خلافته بعد أخيه إحدى عشر سنة وكان عليه السلام يخضب بالحناء والكتم وقتل عليه السلام وقد نصل الخضاب من عارضيه. وقد جاءت روايات كثيرة في فضل زيارته بل في وجوبها فروى عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال زيارة الحسين بن على عليهما السلام واجبة على كل من يقر للحسين عليه السلام بالإمامة من الله عز وجل وقال عليه السلام زيارة الحسين تعدل مائة حجة مبرورة ومائة عمرة متقبلة وقال رسول الله صلى الله عليه وآله من زار الحسين عليه السلام بعد موته فله الجنة والأخبار في هذا الباب كثيرة وقد أوردنا منها جملة كافية في كتابنا المعروف بمناسك المزار انتهى كلامه. قلت من أعجب ما يحكى أنهم اتفقوا أنه ولد عليه السلام في سنة أربع من الهجرة وقتل في عاشر المحرم من سنة إحدى وستين واختلفوا بعد في مدة حياته ما هذا إلا عجيب وأنت إذا عرفت مولده وموته عرفت مدة عمره من طريق قريب

[ 252 ]

الحادى عشر في مخرجه الى العراق قال كمال الدين بن طلحة رحمه الله هذا فصل للقلم في أرجائه مجال واسع ومقال جامع وسمع كل مؤمن وقلبه إليه وله مصيخ وسامع لكن الرغبة في الاختصار تطوى أطراف بساطه والرهبة من الإكثار تصدف عن تطويله وإفراطه وحين وقف على أصله وزائده خص الأصل بإثباته والزائد باسقاطه. وذلك أن معاوية لما استخلف ولده يزيد ثم مات كتب يزيد كتابا إلى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وهو يومئذ والى المدينة يحثه فيه على أخذ البيعة من الحسين عليه السلام فرأى الحسين أمورا اقتضت أنه خرج من المدينة قاصدا إلى مكة وأقام بها ووصل الخبر إلى الكوفة بموت معاوية وولاية يزيد مكانه فاتفق منهم جمع جم وكتبوا كتابا الى الحسين يدعونه إليهم ويبذلون له فيه القيام بين يديه بأنفسهم وأموالهم وبالغوا في ذلك وتتابعت إليه الكتب نحوا من مائة وخمسين كتابا من كل طائفة وجماعة كتاب يحثونه فيها على القدوم وآخر ما ورد عليه كتاب من جماعتهم على يد قاصدين من ثقاتهم وصورته بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه على أمير المؤمنين سلام الله عليك أما بعد فان الناس منتظروك ولا رأى لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله والسلام عليك ورحمة الله. فكتب عليه السلام جوابهم وسير إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فوصل إليهم وجرت له قضايا ووقائع لا حاجة الى ذكرها وآل الأمر إلى أن الحسين توجه بنفسه وأهله وأولاده إلى الكوفة ليقضى الله أمرا كان مفعولا وكان عند وصول مسلم بن عقيل الى الكوفة واجتماع الشيعة إليه وأخذه البيعة للحسين بن على

[ 253 ]

عليهما السلام كتب والى الكوفة وهو النعمان بن بشير إلى يزيد بذلك فجهز عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فلما قرب منها تنكر ودخلها ليلا وأوهم أنه الحسين ودخلها من جهة البادية في زى أهل الحجاز فصار يجتاز بجماعة جماعة فيسلم عليهم ولا يشكون في أنه هو الحسين عليه السلام فيمشون بين يديه ويقولون مرحبا يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم فرأى عبيد الله من تباشرهم بالحسين ما ساءه وكشف أحوالهم وهو ساكت لعنه الله. فلما دخل قصر الإمارة وأصبح جمع الناس وقال وأرعد وأبرق وقتل وفتك وسفك وانتهك وعمله وما اعتمده مشهور في تحيله حتى ظفر بمسلم ابن عقيل وقتله. وبلغ الحسين عليه السلام قتل مسلم وما اعتمده عبيد الله بن زياد وهو متجهز للخروج إلى الكوفة فاجتمع به ذووا النصح له والتجربة للأمور وأهل الديانة والمعرفة كعبد الله بن عباس وعمر بن عبد الرحمن بن الحرث المخزومى وغيرهما ووردت عليه كتب أهل المدينة من عبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص وجماعة كثيرين كلهم يشيرون عليه أن لا يتوجه إلى العراق وأن يقيم بمكة هذا كله والقضاء غالب على أمره والقدر آخذ بزمامه فلم يكترث بما قيل له ولا بما كتب إليه وتجهز وخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية الثامن من ذى الحجة ومعه اثنان وثمانون رجلا من أهله وشيعته ومواليه فسار فلما وصل الى الشقوق وإذا هو بالفرزدق الشاعر وقد وافاه هنالك فسلم عليه ثم دنا منه وقبل يده فقال له الحسين عليه السلام من أين أقبلت يا أبا فراس فقال من الكوفة فقال له كيف تركت أهل الكوفة فقال خلفت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بنى أمية عليك وقد قل الديانون والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء وجرى بينهما كلام قد تقدم ذكره في آخر الفصل الثامن.

[ 254 ]

ثم ودعه الفرزدق في نفر من أصحابه ومضى يريد مكة فقال له ابن عم له من بنى مجاشع يا أبا فراس هذا الحسين بن على قال له الفرزدق نعم هذا الحسين بن على وابن فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وعليهم هذا والله ابن خيره الله وأفضل من مشى على وجه الأرض الآن وقد كنت قلت فيه قبل اليوم أبياتا غير متعرض لمعروفه بل أردت بذلك وجه الله والدار الآخرة فلا عليك أن تسمعها فقال ابن عمه إن رأيت أن تسمعنيها أبا فراس فقال قلت فيه وفى أمه وأبيه وجده عليهم السلام هذا الذى تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقى النقى الطاهر العلم هذا حسين رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدى الأمم هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها * في جنة الخلد مجريا به القلم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهى الكرم يكاد يمسكه عرفاق راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم بكفه خيزران ريحه عبق * بكف أروع في عرنينه شمم يغضى حياءا ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم ينشق نور الدجى عن نور غرته * كالشمس تنشق عن إشراقها الظلم مشتقة من رسول الله نبعته * طابت أرومته والخيم والشيم من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع الضر والبلوى بحبهم * ويستقيم به الإحسان والنعم إن عد أهل الندى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع مجار بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا بيوتهم في قريش يستضاء بها * في النائبات وعند الحكم ان حكموا

[ 255 ]

فجده من قريش في أرومتها * محمد وعلى بعده علم بدر له شاهد والشعب من أحد * والخندقان ويوم الفتح قد علموا وخيبر وحنين يشهدان له * وفى قريظة يوم صيلم قتم مواطن قد علت أقدارها ونمت * آثارها لم تنلها العرب والعجم آخر كلامه. قلت وأظنه نقل هذا الكلام والقصيدة من كتاب الفتوح لابن أعثم فانى طالعته في زمان الحداثة ونسب هذه القصيدة إلى الفرزدق في الحسين عليه السلام والذى عليه الرواة مع اختلاف كثير في شئ من أبياتها وانها للحر بن الليثى قالها في قثم بن العباس رضى الله عنه وأن الفرزدق أنشدها لعلى بن الحسين ولها قصة تأتى في أخباره إن شاء الله تعالى ولو كان هذا وأمثاله من موضوع هذا الكتاب لذكرت القصيدة ونسبت كل بيت منها الى قائله ولكنه وضع لغير هذا. وفى مسير الحسين عليه السلام من المدينة الى مكة ومنها الى العراق أحوال وأمور اختصرها الشيخ كمال الدين وهى مشهورة معلومة منقولة لا يكاد يخلو مصنف في هذا الشأن منها والله تعالى يعلم أنى لا أحب الخوض في ذكر مصرعه عليه السلام وما جرى عليه وعلى أهل بيته وتبعه فان ذلك يفتت الأكباد ويفت في الأعضاد ويضرم في القلب نارا وارية الزناد فانا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ونحن نتبع الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى في اختصاره واقتفاء آثاره قال

[ 256 ]

الثاني عشر في مصرعه ومقتله عليه السلام قال كمال الدين بن طلحة رحمه الله وهو فضل يسكب مضمونه المدامع من الأجفان وتجلب الفجائع لإثارة الأحزان ويلهب نيران الموجدة في أكباد ذوى الإيمان بما أجرته الأقدار للفجرة من اجترائها وفتكها واعتدائها على الذرية النبوية لسفح دمائها وسفكها واستبائها مصونات نسائها وهتكها حتى تركوا لمم رجالها بنجيعها مخضوبة وأشلاء جثثها على الثرى مسلوبة ومخدرات حراير سبايا منهوبة فكم كبيره من جريمة ارتكبوها واجترموها وكم من نفس معصومة أرهقوها واخترموها وكم من دماء محرمة أراقوها وما احترموها وكم من كبد حرى منعوها ورود الماء وحرموها ثم احتزوا رأس سبط رسول الله وحبه الحسين بشبا الحداد ورفعوه كما ترفع رؤس ذوى الإلحاد على رؤوس الصعاد واخترقوا به أرجاء البلاد بين العباد واستاقوا حرمه وأطفاله أذلاء من الاضطهاد وأركبوهم على أخشاب الأقتاب بغير وطاء ولا مهاد هذا مع علمهم بأنهم الذرية النبوية المسؤل لها المودة بصريح القرآن وصحيح الإسناد فلو نطقت السماء والأرض لرثت لها ورثتها ولو اطلعت عليها مردة الكفار لبكتها وندبتها ولو حضرت مصرعها عتاة الجاهلية لابنتها ونعتها ولو شهدت وقعتها بغاة الجبابرة لأعانتها ونصرتها فيا لها مصيبة أنزلت الرزية بقلوب الموحدين وأورثتها وبلية أحلت الكآبة بنفوس المؤمنين سلفا وخلفا فأحزنتها فوالهفاه لذرية نبوية ظل دمها وعترة محمدية قل مخذمها وعصبة علوية خذلت فقتل مقدمها وزمرة هاشمية استبيح حرمها واستحل محرمها وأنا الآن أفصل هذا الإجمال وأوضحه وأبين تفصيله وأشرحه

[ 257 ]

وهو أن الحسين عليه السلام سار حتى صار على مرحلتين من الكوفة فوافاه انسان يقال له الحر بن يزيد الرياحي ومعه ألف فارس من أصحاب ابن زياد شاكين في السلاح فقال للحسين عليه السلام إن الأمير عبيد الله بن زياد قد أمرنى أن لا أفارقك أو أقدم بك عليه وأنا والله كاره أن يبتليني الله بشئ من أمرك غير أنى قد أخذت بيعة القوم فقال الحسين عليه السلام إنى لم أقدم هذا البلد حتى أتتنى كتب أهله وقدمت على رسلهم يطلبونني وأنتم من أهل الكوفة فان دمتم على بيعتكم وقولكم في كتبكم دخلت مصركم وإلا انصرفت من حيث أتيت فقال له الحر والله ما أعلم هذه الكتب ولا الرسل وأنا فما يمكننى الرجوع الى الكوفة في وقتى هذا فخذ طريقا غير هذه وارجع فيه حيث شئت لأكتب الى ابن زياد أن الحسين خالفني الطريق فلم أقدر عليه وأنشدك الله في نفسك. فسلك الحسين طريقا آخر غير الجادة راجعا الى الحجاز وسار هو وأصحابه طول ليلتهم فلما أصبح الحسين عليه السلام وإذا قد ظهر الحر وجيشه فقال الحسين ما وراك يا ابن يزيد فقال وافاني كتاب ابن زياد يؤنبنى في أمرك وقد سير من هو معى وهو عين على ولا سبيل الى مفارقتك أو أقدم بك عليه وطال الكلام بينهما ورحل الحسين عليه السلام وأهله وأصحابه فنزلوا كربلاء يوم الأربعاء أو الخميس على ما قيل الثاني من المحرم. فقال عليه السلام هذه كربلاء موضع كرب وبلاء هذا مناخ ركابنا ومحط رحالنا ومقتل رجالنا فنزل القوم وحطوا الأثقال ونزل الحر بنفسه وجيشه قبالة الحسين عليه السلام ثم كتب إلى عبيد الله بن زياد وأعلمه بنزول الحسين عليه السلام بأرض كربلاء. فكتب عبيد الله كتابا الى الحسين عليه السلام يقول فيه أما بعد فقد بلغني

[ 258 ]

يا حسين نزولك بكربلاء وقد كتب إلى يزيد بن معاوية أن لا أتوسد الوثير ولا أشبع من الخمير أو ألحقك باللطيف الخبير أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام. فلما ورد الكتاب الى الحسين عليه السلام وقرأه ألقاه من يده وقال للرسول ما له عندي جواب فرجع الرسول الى ابن زياد فاشتد غضبه وجمع الناس وجهز العساكر وسير مقدمها عمر بن سعد وكان قد ولاه الرى وأعمالها وكتب له بها فاستعفي من خروجه إلى قتال الحسين فقال له ابن زياد إما أن تخرج وإما أن تعيد علينا كتابنا بتوليتك الرى وأعمالها وتقعد في بيتك فاختار ولاية الرى وطلع إلى قتال الحسين بالعساكر. فما زال عبيد الله بن زياد يجهز مقدما ومعه طائفة من الناس إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد اثنان وعشرون الفا ما بين فارس وراجل وأول من خرج إلى عمر بن سعد الشمر بن ذى الجوشن السكوني في أربعة آلاف فارس ثم زحفت خيل عمر بن سعد حتى نزلوا شاطئ الفرات وحالوا بين الماء وبين الحسين وأصحابه. ثم كتب عبيد الله كتابا إلى عمر بن سعد يحثه على مناجزة الحسين عليه السلام فعندها ضيق الأمر عليهم فاشتد عليهم الأمر والعطش فقال انسان من أصحاب الحسين عليه السلام يقال له يزيد بن حصين الهمداني وكان زاهدا إئذن لى يا ابن رسول الله لآتى هذا ابن سعد فأكلمه في أمر الماء فعساه يرتدع فقال له ذلك اليك فجاء الهمداني الى عمر بن سعد فدخل عليه فلم يسلم عليه قال يا أخا همدان ما منعك من السلام على ألست مسلما أعرف الله ورسوله فقال له الهمداني لو كنت مسلما كما تقول لما خرجت الى عترة رسول الله صلى الله عليه وآله تريد قتلهم وبعد هذا ماء الفرات تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها

[ 259 ]

وهذا الحسين بن على وأخوته ونساؤه وأهل بيته يموتون عطشا قد حلت بينهم وبين ماء الفرات أن يشربوه وأنت تزعم أنك تعرف الله ورسوله فأطرق عمر بن سعد ثم قال والله يا أخا همدان انى لأعلم حرمة أذاهم ولكن دعاني عبيد الله من دون قومه * * إلى خطه فيها خرجت لحينى فو الله لا أدرى وانى لواقف * * على خطر لا أرتضيه ومين أأترك ملك الرى والرى رغبة * * أم أرجع مأثوما بقل حسين وفي قتله النار التى ليس دونها * * حجاب وملك الرى قرة عين يا أخا همدان ما أجد نفسي تجيبني الى ترك الرى لغيري فرجع يزيد ابن حصين فقال للحسين عليه السلام يا ابن رسول الله قد رضى أن يقتلك بولاية الرى. قلت التوفيق عزيز المنال ومن حقت عليه كلمة العذاب لم ينجع فيه لوم اللوام وعذل العذال ومن غلبته نفسه تورط من شهواتها في أعظم من القيود والأغلال وكما أن الجنة لها رجال فالنار لها رجال وكما أعد الله لقوم الفوز والرضوان أعد للآخرين العقاب والنكال وهذا النحس ابن سعد أبعده الله عرف سوء فعله فأضله الله على علم وهو أقبح أنواع الضلال وطبع الله على قلبه وختم على لبه وجعل على بصره غشاوة فبئست الأحوال وزهد في الآجلة وهى إلى بقاء ورغب في العاجلة وهى إلى زوال وطمع في المال فخسر في المآل فأصلى نارا وقودها الناس والحجارة ولم يغن عنه رأيه في الرى ولا نفعته الإمارة فخرج في طالع نحس وباع آخرته بثمن بخس وأصبح من سوء اختياره في أضيق من حبس فانه عصى الله سبحانه طاعة للفجار واتخذ ابن زياد ربا فأورده النار وبئس القرار وباء في الدنيا بالعار وحشر في الآخرة مع مردة الكفار. صلى لها حيا وكان وقودها * * ميتا ويدخلها مع الفجار

[ 260 ]

وكذاك أهل النار في دنياهم * * يوم القيامة جل أهل النار ويصدق هذا المدعى أن النبي صلى الله عليه وآله سمع وجبة أو هدة فقال أصحابه ما هذا يا رسول الله فقال حجر ألقى في النار منذ سبعين خريفا فالآن حين استقر في قعرها وقد كان مات في تلك الساعة يهودى عمره سبعون سنة فكنى عنه بالحجر لعدم انتفاعه بما بلغه من الدعوة وكنى عن مدة حياته بهويه في النار لأن سعيه مدة حياته سعى أهل النار فكأنه فيها هاو وكنى عن موته باستقراره فيها وكذا حال هذا الشقى كان يسعى دائما سعى من هذا خاتمته وعاقبته وإلى العذاب الدائم مصيره النار غايته فتبا له محلا عن موارد الأبرار وبعدا له وسحقا في هذه الدار وتلك الدار فلقد أوغل في تمرده وبالغ في وخامة كسب يده وترك الحق وراء ظهره ودبر أذنه إذ لم ينظر في يومه لغده وعرف الصراط المستقيم فنكب طوعا عن سننه وجدده وصدع قلب الرسول بما صنعه بولده وأبكى الأرض والسماء بجنايته وأحزن الملائكة الكرام والأنبياء عليهم السلام ببشاعة فعلته وقبح ملكته وجاء بها شوهاء عقراء جذعاء تشهد بسوء ظفره وتنطق بردى أثره ولؤم مخبره وفساد اختياره ونظره كافلة له بالعذاب الأليم ضامنة له الخلود في نار الجحيم مقيما فيها أبدا إن شاء الله مع الشيطان الرجيم طعامه فيها الزقوم والغسلين وشرابه الحميم مخصوصا بمقت الله رب العالمين قريبا للعتاة المتمردين والطغاة الكافرين مصاحبا من شايعه وتابعه ورضى بفعله من الجنة والناس أجمعين هذا وهو مع فعله الذى أوبقه وشرهه الذى قيده بالخزى وأوثقه وصنيعه الذى أراق ماء وجهه وأخلقه يدعى أنه من أهل الإسلام ومن تابعي النبي عليه الصلاة والسلام وممن يرجو السلامة في دار السلام مع سفكه الدم الحرام في الشهر الحرام وإسخاطه الله والنبى والإمام وإقدامه على

[ 261 ]

ما يحمد في مثله الاحجام. دم حرام للأخ المسلم في * * شهر حرام يا لنعم كيف حل نعوذ بالله من سوء الخاتمة. ومن العجب أن السيد والعاقب ومن كان معهم لما دعاهم النبي صلى الله عليه وآله الى المباهلة وندبهم الى المساجلة وجاء صلى الله عليه وآله بعلى وفاطمة والحسن والحسين ضرع النجرانيون الى الاستسلام وخاموا بعد الإقدام وأعطوا الجزية عن يد لما شاهدوا أولئك النفر الكرام وأذعنوا حين رأوا وجوها تجلوا جنح الظلام وقالوا لو دعى الله بهذه الوجوه لأزال الجبال وقال صلى الله عليه وآله لو باهلوني لتأجج الوادي عليهم نارا. وكما قال وهؤلاء المسلمون على ظنهم عرفوا هذا الخبر فبالغوا في طمس ذلك الأثر وما دلهم كما دل السيد والعاقب النظر وأقدموا مع العلم إقدام ذوى الغرر فوقعوا في هوة الخطر وما أصدق قولهم إذا نزل القضاء عمى البصر. قال كمال الدين فلما تيقن الحسين عليه السلام أن القوم مقاتلوه أمر أصحابه فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق وجعلوا لها جهة واحدة يكون القتال منها وركب عسكر ابن سعد وأحدقوا بالحسين عليه السلام وزحفوا وقتلوا ولم يزل يقتل من أهل الحسين وأصحابه واحدا بعد واحد إلى أن قتل من أهله وأصحابه ما ينيف على خمسين رجلا. فعند ذلك ضرب الحسين بيده على لحيته وصاح أ ما مغيث يغيثنا لوجه الله أ ما ذاب يذب عن حرم رسول الله وإذا بالحر بن يزيد الرياحي الذى تقدم ذكره قد أقبل بفرسه إليه وقال يا ابن رسول الله إنى كنت أول من خرج عليك وأنا الآن في حزبك فمرنى أن أكون أول مقتول في نصرتك لعلى أنال شفاعة جدك غدا ثم كر على عسكر عمر بن سعد فلم يزل يقاتلهم حتى

[ 262 ]

قتل والتحم القتال حتى قتل أصحاب الحسين عليه السلام بأسرهم وولده وأخوته وبنو عمه وبقى وحده وبارز بنفسه إلى أن أثخنته الجراحات والسهام تأخذه من كل جانب والشمر لعنه الله في قبيلة عظيمة يقاتله ثم حال بينه عليه السلام وبين رحله وحرمه فصاح الحسين عليه السلام ويحكم يا شيعة الشيطان إن لم يكن لكم دين ولا تخافون المعاد فكونوا أحرارا وارجعوا الى أنسابكم إن كنتم أعرابا كما تزعمون أنا الذى أقاتلكم فكفوا سفهاءكم وجهالكم عن التعرض لحرمي فان النساء لم يقاتلنكم فقال الشمر لأصحابه كفوا عن النساء وحرم الرجل واقصدوه في نفسه ثم صاح الشمر لعنه الله بأصحابه وقال ويلكم ما تنتظرون بالرجل وقد أثخنته الجراح وتوالت عليه السهام والرماح فسقط على الأرض فوقف عليه عمر بن سعد وقال لأصحابه انزلوا فجزوا رأسه فنزل إليه نضر بن خرشنة الصبابى ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السلام فغضب عمر بن سعد وقال لرجل عن يمينه ويلك انزل إلى الحسين فأرحه فنزل إليه خولى ابن يزيد لعنه الله فاجتز رأسه وسلبوه ودخلوا على حرمه واستلبوا بزتهن. ثم إن عمر بن سعد أرسل بالرأس إلى ابن زياد مع بشر بن مالك فلما وضع الرأس بين يدى عبيد الله بن زياد قال إملأ ركابي فضة وذهبا * * أنا قتلت الملك المحجبا ومن يصلى القبلتين في الصبى * * وخيرهم إذ يذكرون النسبا قتلت خير الناس أما وأبا فغضب عبيد الله من قوله ثم قال له إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته والله لا نلت منى خيرا ولألحقنك به ثم قدمه وضرب عنقه. قلت صدق الله وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون

[ 263 ]

وعلى هذا مضى من شايع على الحسين عليه السلام أما بيد أعداء الله أو بيد أوليائه فما منهم من فاز بحمد الله بمراد ولا أمل ولا انتفع بقول ولا عمل بل مزقوا كل ممزق وفرقوا كل مفرق واستولى عليهم الحمام وعوجلوا بالعقاب والانتقام وأبيدوا بالاستيصال والاصطلام وباءوا بعاجل عذاب الدنيا وعلى الله التمام. قال ثم إن القوم استاقوا الحرم كما تساق الأسارى حتى أتوا الكوفة فخرج الناس فجعلوا ينظرون ويبكون وينوحون وكان على بن الحسين زين العابدين قد نهكه المرض فجعل يقول ألا إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا وكان اليوم الذى قتل فيه عليه السلام قيل الجمعة وهو يوم عاشورا من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة ودفن بالطف من كربلاء من العراق ومشهده عليه السلام معروف يزار من الجهات والآفاق. وهذه الوقائع أوردها صاحب كتاب الفتوح فهى مضافة إليه وعهدتها لمن أراد تتبعها عند مطالعتها عليه فهذا تلخيص ما نقلته الأذهان والعقول مما أهداه إليها المروى والمنقول وقد ألبس القلوب ثوب حداد ما لصبغته نصول وعلى الجملة فأقول ألا أيها العادون ان أمامكم * * مقام سؤال والرسول سؤول وموقف حكم والخصوم محمد * * وفاطمة الزهراء وهى ثكول وان عليا في الخصام مؤيد * * له الحق فيما يدعى ويقول فما ذا تردون الجواب عليهم * * وليس إلى ترك الجواب سبيل وقد سؤتموهم في بنيهم بقتلهم * * ووزر الذى أحدثتموه ثقيل ولا يرتجى في ذلك اليوم شافع * * سوى خصمكم والشرح فيه يطول ومن كان في الحشر الرسول خصيمه * * فان له نار الجحيم مقيل

[ 264 ]

وكان عليكم واجبا في اعتمادكم * * رعايتهم أن تحسنوا وتنيلوا فانهم آل النبي وأهله * * ونهج هداهم بالنجاة كفيل مناقبهم بين الورى مستنيرة * * لها غرر مجلوة وحجول مناقب جلت أن يحاط بحصرها * * نمتها فروع قد زكت وأصول مناقب وحى الله أثبتها لهم * * بما قام منهم شاهد ودليل مناقب من خلق النبي وخلقه * * ظهرن فما يغتالهن أفول ولما وصل القلم في ميدان البيان الى هذا المقام أبدت الأيام من إلمام الآلام ما منع من إتمام المرام على أتم الأقسام ولم ير حزم نظام الكلام دون موقف الاختتام فاختصر مضمون الأبواب واقتصر منه على اللباب وقصر من إطناب الاطناب وقصر أسباب الاسهاب فجاء محصول فصوله ملخصا في معانيه ومدلول أصوله مخلصا من تطويل مبانيه اقتصارا يستغنى بمحصله عن النهاية فيه وإرشادا يكتفى بمختصره عن بسيطه وحاويه انتهى كلامه رحمه الله وقد كنى في هذا الفصل الأخير عن أسماء كتب وحيل بها. قلت فأما تفاصيل ما جرى للحسين عليه السلام وصورة ما جرى بينه وبين أعداء الله ورسوله ومحاربتهم إياه وقتلهم من قتلوه من أولاده وأخوته وبنى أخيه وبنى عمه وأصحابه وصورة موقفه عليه السلام وما ظهر من نجدته وشجاعته وبأسه وبسالته وانقياده الى أمر الله وشدته على أعداء الله وصبره على ما دفع إليه من فقد الأهل والولد وقلة الناصر والعدد وإزهاق نفسه الشريفة فلها موضع غير هذا الكتاب فانه موضوع لذكر مآثرهم وعد مفاخرهم وان كان قتله عليه السلام مما اكتسب به فخرا مضافا الى فخره وحوى به قدرا زايدا على شريف قدره فانه نال بذلك مرتبة الشهادة واختص بما بلغ به غاية الطلب ومنتهى الارادة وحصل له بذلك ما لا يحصل بدوام الذكر وطول

[ 265 ]

العبادة وكان في الحياة سعيدا وكملت له في الممات السعادة واوجب الله له بسابق وعده الحسنى وزيادة وأذكر الآن شيئا مما يتعلق باخباره وأنت أيدك الله لا تسأم من إعادة الشئ وتكراره فانى أكرر مرة لاختلاف الناقل ومرة لاختلاف الرواة وفي كثرة طرق الاخبار ما يؤنس بتصديقها ويقطع بتحقيقها لا سيما وقد التزمت بالنقل من كتب الجمهور ومرة لأنه يعرض لى سهو وأكتب الشئ وأنا أظن انى لم أكتبه وربما عرفت فذكرت انه مكرر وربما لم أعرف ولأن هذه هي نسخة الأصل وما عاودتها ولا راجعتها ووقتي يضيق عن مناقشتها لانى منيت في زمان جمع هذا الكتاب بأمور تشيب الوليد وتذيب الحديد وتعجز الجليد ونهبت لى كتب كنت قد أعددتها لأنقل منها في هذا الكتاب والوقت يضيق عن الشكوى والرجوع إلى عالم السر والنجوى والحمد لله على ما ساء وسر والشكر له سبحانه على ما نفع وضر فانعمه تعالى لا تعد وعوارفه لا تحصى ولا تحد. له أياد على سابقة * * أعد منها ولا أعددها قال الحافظ عبد العزيز الجنابذى في كتاب معالم العترة الطاهرة الحسين ابن على بن أبى طالب وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وقتل بالطف يوم عاشورا سنة احدى وستين وهو ابن خمس وخمسين سنة وستة أشهر وحمل رأسه إلى يزيد بن معاوية وكان قبره بكربلاء من سواد الكوفة وقتله سنان بن أنس قال الشاعر وأى رزية عدلت حسينا * * غداة تبيره كفا سنان ويقال قتله شمر بن ذى الجوشن الضبابى والذى اجتز رأسه ابن جوان اليمامى وكان أمير الجيش الذين ساروا الى الحسين عمر بن سعد أمره عليهم عبيد الله بن زياد.

[ 266 ]

وقال يرفعه إلى أشياخ قالوا غزونا أرض الروم فإذا كتاب في كنيسة من كنائسهم بالعربية أترجو أمة قتلت حسينا * * شفاعة جده يوم المعاد فقلنا للروم من كتب هذا قالوا لا ندرى. قال ابن سعد قال الواقدي قتل الحسين بن على في صفر سنة احدى وستين وهو ابن خمس وخمسين سنة. وقال محمد بن عمر عن أبى معشر قتل الحسين بن على لعشر خلون من المحرم سنة احدى وستين قال الواقدي وهذا أثبت وعن الأصبغ بن نباتة عن على عليه السلام قال أتينا معه موضع قبر الحسين فقال على عليه السلام هاهنا مناخ ركابهم وموضع رحالهم هاهنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد صلى الله عليه وآله يقتلون بهذه العرصة تبكى عليهم السماء والأرض وعن عبد الله بن مسعود قال بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ دخل فتية من قريش فتغير لونه فقلنا يا رسول الله لا نزال نرى في وجهك الشئ نكرهه فقال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتى سيلقون بعدى تطريدا وتشريدا وعن العوام بن حوشب قال بلغني أن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى شباب من قريش كأن وجوههم مصقولة ثم رؤى في وجهه كآبة حتى عرفوا ذلك فقالوا يا رسول الله ما شأنك قال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وانى ذكرت ما يلقى أهل بيتى من بعدى من أمتى من قتل وتطريد وتشريد وعن عاصم عن زر قال أول رأس حمل على رمح في الإسلام رأس الحسين ابن على عليهما السلام فلم أر باكيا وباكية أكثر من ذلك اليوم وعن يحيى بن أبى بكر عن بعض مشيخته قال قال الحسين بن على

[ 267 ]

عليهما السلام حين أتاه الناس قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس أنسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها فانظروا هل يحل لكم سفك دمى وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله وابن ابن عمه وابن أولى المؤمنين بالله أو ليس حمزة سيد الشهداء عمى أو لم يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وآله مستفيضا فيكم لى ولأخي إنا سيدا شباب أهل الجنه أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمى وانتهاك حرمتي قالوا ما نعرف شيئا مما تقول فقال أن فيكم من لو سألتموه لأخبركم أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله في وفي أخى سلوا زيد بن ثابت والبراء بن عازب وأنس بن مالك يحدثكم أنه سمع هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وآله في وفي أخى فان كنتم تشكون في ذلك أتشكون في أنى ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله فو الله ما تعمدت الكذب منذ عرفت أن الله يمقت على الكذب أهله ويضربه من اختلقه فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبى غيرى منكم ولا من غيركم ثم إنى أنا ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله خاصة دون غيرى خبروني هل تطلبونني بقتيل منكم قتلته أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة فسكتوا قلت قد تقدم ان هذا الكلام منه وتكراره إياه إنما هو لإقامة الحجة عليهم وإزالة الشبهة عنهم في قتاله وتعريفهم ما يقدمون عليه من عذاب الله ونكاله وعن منذر قال كنا إذا ذكرنا عند محمد بن على قتل الحسين عليه السلام قال لقد قتلوا سبعة عشر انسانا كلهم ارتكض في ولادة فاطمة عليها السلام وعن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم أشعث أغبر معه قارورتان فيهما دم فقلت يا رسول الله ما هذا فقال دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم قال فحسب ذلك اليوم وإذا هو يوم قتل

[ 268 ]

الحسين عليه السلام وقال غيره فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما حتى جاءهم الخبر بالمدينة انه قتل ذلك اليوم وتلك الساعة وعن الزهري قال قال لي عبد الملك بن مروان أي واحد أنت ان أخبرتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين بن على قال قلت لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط فقال عبد الملك إنى وإياك في هذا الحديث لقريبان. وعن عيسى بن الحارث الكندى قال لما قتل الحسين بن على عليهما السلام مكثنا سبعة أيام إذا صلينا العصر نظرنا إلى الشمس على الحيطان كأنها ملاحف معصفرة من شدة حمرتها وضربت الكواكب بعضها بعضا. قال وسمعت زكريا بن يحيى بن عمر الطائنى قال سمعت غير واحد من مشيخة طى يقول وجد شمر بن ذى الجوشن في ثقل الحسين ذهبا فدفع بعضه إلى ابنته ودفعته إلى صائغ يصوغ لها منه حليا فلما أدخله النار صار هباءا قال وسمعت غير زكريا يقول صار نحاسا فأخبرت شمرا بذلك فدعا بالصائغ فدفع إليه باقى الذهب وقال أدخله النار بحضرتي ففعل الصائغ فعاد الذهب هباءا وقال غيره عاد نحاسا. وعن أبى خباب قال لقيت رجلا من طى فقلت له بلغني انكم تسمعون نوح الجن على الحسين فقال نعم ما تشاء أن تلقى محرزا ولا غيره ألا أخبرك بذلك فقال أنا أحب أن تخبرني أنت بما سمعت من ذلك قال أما الذى سمعت فانى سمعتهم يقولون مسح الرسول جبينه * * فله بريق في الحدود أبواه من عليا قريش * * وجده خير الجدود وعن أبى حصين عن شيخ من قومه من بنى أسد قال رأيت رسول الله

[ 269 ]

صلى الله عليه وآله في المنام والناس يعرضون عليه وبين يديه طست فيه دم والناس يعرضون عليه فيلطخهم حتى انتهيت إليه فقلت بأبى والله وأمى ما رميت بسهم ولا طعنت برمح ولا كثرت فقال لى كذبت قد هويت قتل الحسين قال فأومى إلى باصبعه فاصبحت أعمى فما يسرنى أن لى بعماى حمر النعم وعن عامر بن سعيد البجلى قال لما قتل الحسين بن على عليهما السلام رأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام فقال لى أئت البراء بن عازب فاقرأه السلام واخبره أن قتله الحسين عليه السلام في النار وان كاد والله أن يسحت أهل الأرض بعذاب أليم فأتيت البراء فأخبرته فقال صدق الله وصدق رسوله قال رسول الله صلى الله عليه وآله من رأني في المنام فقد رأني فان الشيطان لا يتصور في صورتي وعن زينب بنت جحش قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله نائما فجاء الحسين فجعلت أعلله لئلا يوقظه ثم غفلت عنه فدخل فتبعته فوجدته على صدر رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ذبه ؟ ؟ في سرته فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبول فقال دعى بنى حتى يفرغ من بوله ثم دعا بماء فصبه عليه ثم قال يجرى على بول الغلام ويغسل بول الجارية ثم توضأ وقام يصلى فلما قام احتضنه فإذا ركع وضعه ثم جلس فبسط ثوبه وجعل يقول أرنى فقلت يا رسول الله إنك تصنع شيئا ما رأيتك تصنعه قط قال حدثنى جبرئيل ان ابني تقتله أمتى وأرانى تربة حمراء وعن يحيى بن عبد الرحمان بن أبى لبينة عن جده محمد بن عبد الرحمان قال بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في بيت عايشة رضى الله عنها رقدة القائلة إذ استيقظ وهو يبكى فقالت عايشة ما يبكيك يا رسول بأبى أنت وأمى قال يبكيني أن جبرئيل أتانى فقال أبسط يدك يا محمد فان هذه تربة من تلال يقتل

[ 270 ]

بها ابنك الحسين يقتله رجل من أمتك قالت عايشة ورسول الله صلى الله عليه وآله يحدثنى وأنه ليبكي ويقول من ذا من أمتى من ذا من أمتى من ذا من أمتى من يقتل حسينا من بعدى وعن عبد الله بن يحيى عن أبيه وكان على مطهرة على قال خرجنا مع على الى صفين فلما حاذانا نينوى نادى صبرا أبا عبد الله بشاطئ الفرات فقلت يا أمير المؤمنين ما قولك صبرا أبا عبد الله قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وعيناه تفيضان فقلت بأبى أنت وأمى يا رسول الله ما لعينيك تفيضان دموعا أغضبك أحد قال بل قام من عندي جبرئيل فأخبرني أن الحسين يقتل بشاطئ الفرات فقال هل لك أن أشمك من تربته قلت نعم فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم تملك عيناى أن فاضتا وعن شهر قال سمعت أم سلمة حين جاء نعى الحسين لعنت أهل العراق وقالت قتلوه قتلهم الله غروه وذلوه لعنهم الله إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله جاءته فاطمة غدية ببرمة فيها عصيدة تحملها على طبق حتى وضعتها بين يديه فقال أين ابن عمك قالت هو في البيت قال فاذهبي فادعيه واتيني ببنيه فجاءت تقود ابنيها كل واحد بيد وعلى يمشى على آثارهم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فأجلسهما في حجره وأجلس عليا عن يمينه وفاطمة عن يساره قالت أم سلمة فاجتذب من تحتي كساءا خيبريا كان يبسط على المنامة فلفهم رسول الله صلى الله عليه وآله جميعا وأخذ بيده اليسرى طرف الكساء وألوى بيده اليمنى الى ربه تبارك وتعالى وقال اللهم هؤلاء أهلى أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالها ثلاثا قلت يا رسول الله ألست من أهلك قال بلى فادخلي تحت الكساء بعد قضاء دعائه لابن عمه وبنيه وابنته فاطمة عليهم السلام وقال عبد الله حدثنا محمد بن عمرو الشيباني قال قال الفضل بن عباس

[ 271 ]

ابن عقبة بن أبى لهب يرثى من قتل مع الحسين بن على عليهما السلام يعنى من أهله وكان قبل الحسين والعباس وعمر ومحمد وعبد الله وجعفر بنو على بن أبى طالب وأبو بكر والقاسم وعبد الله بنو الحسن بن على وعلى وعبد الله ابنا الحسن بن على ومحمد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ومسلم ابن عقيل بن أبى طالب وعبد الله وعبد الرحمان وجعفر بنو عقيل بن أبى طالب رضى الله عنهم أعيني ألا تبكيا لمصيبتى * * وكل عيون الناس عنى أصبر أعيني جودى من دموع غزيرة * * فقد حق إشفاقى وما كنت أحذر أعيني هذا الأكرمين تتابعوا * * وصلوا المنايا دارعون وحسر من الأكرمين البيض من آل هاشم * * لهم سلف من واضع المجد يذكر مصابيح أمثال الأهلة إذ هم * * لدى الجود أو دفع الكريهة أبصر بهم فجعتنا والفواجع كاسمها * * تميم وبكر والسكون وحمير وهمدان قد جاشت علينا وأجلبت * * هوازن في افناء قيس وأعصر وفي كل حى نضحة من دمائنا * * بنى هاشم يعلو سناها ويشهر فلله محيانا وكان مماتنا * * ولله قتلانا تدان وتنشر لكل دم مولى ومولى دمائنا * * بمرتقب يعلو عليكم ويظهر فسوف يرى أعداءنا حين نلتقي * * لأى الفريقين النبي المطهر عن يزيد بن أبى زياد قال خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من بيت عائشة رضى الله عنها فمر على بيت فاطمة عليها السلام فسمع حسينا يبكى فقال ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني وقال البغوي يرفعه الى أم سلمة قال كان جبرئيل عند النبي صلى الله عليه وآله والحسين معى فتركته فذهب الى النبي صلى الله عليه وآله فقال جبرئيل أتحبه يا محمد ؟

[ 272 ]

قال نعم قال أما ان أمتك ستقتله وان شئت أريتك تربة الأرض التى يقتل بها فبسط جناحه الى الأرض فأراه أرضا يقال لها كربلاء وقال البغوي يرفعه الى يعلى قال جاء الحسن والحسين يسعيان الى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ أحدهما فضمه الى ابطه وأخذ الآخر فضمه الى ابطه الأخرى فقال هذان ريحانتان من الدنيا من أحبنى فليحبهما ثم قال ان الولد مبخلة مجبنة مجهلة عن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله حامل الحسين بن على على عاتقه وهو يقول اللهم انى أحبه فأحبه وعن أسماء بنت عميس عن فاطمة بنت محمد ان رسول الله صلى الله عليه وآله أتاها يوما فقال اين ابناى يعنى حسنا وحسينا قالت قلت أصبحنا وليس في بيتنا شئ يذوقه ذائق فقال على اذهب بهما فانى أتخوف أن يبكيا عليك وليس عندك شئ فذهبا بهما الى فلان اليهودي فوجه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فوجدهما يلعبان في مشربة بين أيديهما فضل من تمر فقال يا على أ لا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر عليهما قال فقال على أصبحنا وليس في بيتنا شئ فلو جلست يا رسول الله حتى أجمع لفاطمة تمرات فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى ينزع لليهودي كل دلو بتمرة حتى اجتمع له شئ من تمر فجعله في حجرته ثم أقبل فحمل رسول الله صلى الله عليه وآله أحدهما وحمل على الآخر حتى أقبلهما وعن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الحسين عليه السلام وضمه إليه وجعل يشمه وعنده رجل من الأنصار فقال الأنصاري ان لى ابنا قد بلغ ما قبلته قط فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أرأيت ان كان الله تبارك وتعالى نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي ؟ وعن يعلى العامري أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله الى طعام دعوا له قال فاشتمل رسول الله صلى الله عليه وآله إمام القوم وحسين عليه السلام مع غلمان يلعب فأراد

[ 273 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله أن يأخذه فطفق الصبى يفر ههنا مرة وههنا مرة فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يضاحكه حتى أخذه قال فوضع احدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه وقبله وقال حسين منى وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط وعن أبى هريرة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه حسن وحسين عليهما السلام هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى الينا فقال له رجل يا رسول الله انك لتحبهما فقال من أحبهما فقد أحبنى ومن أبغضهما فقد أبغضني قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى رحمه الله ومن مسند الحسين بن على عليهما السلام عن على بن الحسين عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ان من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه قال كذا ما لك نعم وعن على بن الحسين عن أبيه عليهم السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه وعن عمارة بن غزية الأنصاري قال سمعت عبد الله بن على بن حسين يحدث عن أبيه على بن الحسين عن جده حسين بن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ان البخيل من ذكرت عنده فلم يصل على صلى الله عليه وآله وعن أبى جعفر محمد بن على عن أبيه عن جده قال قال وجدت في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وآله صحيفة مربوطة فيها أشد الناس عذابا القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه ومن جحد نعمة مواليه فقد برئ مما أنزل الله عز وجل أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد وأبو الحسن على بن أبو شتكين ابن عبد الله الفقيه الجوهرى قالا أنبأنا أبو الغنايم محمد بن على بن ميمون

[ 274 ]

الحافظ الكوفى أنبأنا الشريف أبو عبد الله محمد بن على بن عبد الرحمان وعدهن في يده خمسا أنبأنا القاضى محمد بن عبد الله الجعفي وعدهن في يده خمسا أنبأنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن مخزوم ببغداد سنة ثلاثين وثلاثمائة قال حدثنى على بن الحسن السواق وعدهن في يده قال حدثنى حرب بن الحسن الطحان وعدهن في يده قال حدثنا يحيى بن مساور وعدهن في يده قال حدثنى عمرو بن خالد وعدهن في يده قال حدثنى زيد بن على وعدهن في يده قال حدثنى أبى على بن الحسين وعدهن في يده قال حدثنى أبى الحسين بن على عليه السلام وعدهن في يده قال حدثنى أبى على بن أبى طالب وعدهن في يده قال حدثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وعدهن في يده قال حدثنى جبرئيل وعدهن في يده فقال جبرئيل هكذا أنزلت به من رب العزة تبارك وتعالى اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال اوحى الله عز وجل الى محمد صلى الله عليه وآله انى قتلت بيحيى بن زكريا سبعين الفا وانى قاتل بابن بنتك سبعين الفا وسبعين الفا وعن راشد بن أبى روح الأنصاري قال كان من دعاء الحسين بن على عليهما السلام اللهم ارزقني الرغبة في الآخرة حتى أعرف صدق ذلك في قلبى بالزهادة منى في دنياى اللهم ارزقني بصرا في أمر الآخرة حتى اطلب الحسنات

[ 275 ]

شوقا وأفر من السيئات خوفا يا رب هذا آخر كلام الحافظ عبد العزيز رحمه الله هنا نذكر هنا أمورا وقعت بعد قتله عليه السلام من كتاب الإرشاد للمفيد رحمه الله لما وصل رأس الحسين عليه السلام وصل ابن سعد من غد يوم وصوله ومعه بنات الحسين عليه السلام وأهله جلس ابن زياد لعنه الله في قصر الإمارة وأذن للناس إذنا عاما وأمر باحضار الرأس فوضع بين يديه فجعل ينظر إليه ويتبسم إليه وبيده قضيب يضرب به ثناياه عليه السلام وكان الى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو شيخ كبير فلما رآه يضرب بالقضيب ثناياه قال ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين فو الله الذى لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما ما لا أحصيه كثيرة يقبلهما ثم انتحب باكيا فقال له ابن زياد لعنه الله أبكى الله عينيك أتبكى لفتح الله لو لا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله. وأدخل عيال الحسين عليه السلام على ابن زياد لعنه الله فدخلت زينب أخت الحسين عليه السلام في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحف بها إماؤها فقال ابن زياد من هذه التى انحازت ومعها نساؤها فلم تجبه زينب فاعاد القول ثانية وثالثة يسأل عنها فقال له بعض إمائها هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل عليها ابن زياد وقال لها الحمد لله الذى فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم فقالت زينب الحمد لله الذى أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وطهرنا من الرجس تطهيرا إنما يفتضح

[ 276 ]

الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله فقال ابن زياد كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك قالت كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده فغضب ابن زياد واستشاط فقال له عمرو بن حريث أيها الأمير انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها ولا تذم على خطئها فقال لها ابن زياد قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك فرقت زينب عليها السلام وبكت وقالت له لعمري لقد قتلت كهلى وأبرت أهلى وقطعت فرعى واجتثثت أصلى فان يشفك هذا فقد اشتفيت فقال ابن زياد هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعا شاعرا فقالت ما للمرأة والسجاعة ان لى عن السجاعة لشغلا ولكن نفث صدري بما قلت. قلت من سماع هذه الأقوال واستفظاع هذه الأفعال كنت أكره الخوض في ذكر مصرعه عليه السلام وبقيت سنين لم أسمعه يقرأ في عاشورا كما جرت عوائد الناس بقراءته لأنى كنت أجد لما جرى عليه وعلى أهل بيته عليهم السلام ألما قويا وجزعا تاما وتحرقا مفرطا وانزعاجا بالغا ولوعة مبرحة ثم كان قصارى ان أبكى وألعن ظالميه وأسبهم ولم أر ذلك مطفيا غليلي ولا مطامنا من غلواء حزنى وجزعي ولا مسكنا حركة نفسي في طلب الانتقام من أعدائه. ربما اخرج الحزين جوى ال‍ * * ثكل الى غير لايق بالسداد مثل ما فاتت الصلاة سليمان * * فأنحى على رقاب الجياد فلعن الله ابن زياد فلقد أوغل في عداوته طغيانه وبالغ في تعديه وعدواته وشمر في استيصال أهل هذا البيت الشريف بسيف شمره وسنان سنانه وأبان عن دناءة أصله بقبح فعله وفعل أعوانه وركب مركبا وعرا

[ 277 ]

أطاع فيه داعى سلطانه وشيطانه ورجع الى أصله الخبيث ونسبه المدخول فجرى على سننه ومضى لشأنه وثقل وطأته على العترة الهاشمية فقضى ذلك بمروقه عن الدين وخفة ميزانه وليته أخزاه الله إذ لم يكف عزب سيفه كف عزب لسانه وليته قنع بتلك الأفعال الشنيعة ولم يلق النساء الكرايم بجبهه وبهتانه ولا عجب من قوله وفعله الدالين على سوء فرعه وأصله فانه رجع إلى سنخه الخبيث وطبعه الدنى فان من قديمه ذلك القديم وحديثه هذا الحديث النغل الأديم فلا بد أن ينزع إلى نسبه وحسبه ويدل بفعله على سوء مذهبه فالاناء ينضح بما فيه والولد سر أبيه. ومن هنا ينقطع نسبه لأن أباه ابن أبيه ورضاه بهذا النسب سلبه النخوة والحمية ونفى عنه المروة والأريحية وأقامه على دعوى الجاهلية فالولد للفراش في الشريعة المحمدية والملة الحنيفية ومن هذه الأوصاف الدنية والنعوت الغير المرضية أبيح دم الحسين عليه السلام وسيق أهله وحرمه كما تساق الإماء في العراق والشام وقد غصت البيداء بالعيس فوقها * * كرائم أبناء النبي المكرم فما في حريم بعدها من تحرج * * ولا هتك ستر بعدها بمحرم يقول ابن هاني المغربي فيها بأسياف ذاك البغى أول سلها * * أصيب على لا بسيف ابن ملجم وبالحقد حقد الجاهلية أنه * * إلى الآن لم يذهب ولم يتصرم فأبعد الله تلك الأنفس الخبيثة والعقول المختلة والهمم الساقطة والعقائد الواهية والأديان المدخولة والأحلام الطائشة والأصول الفاسدة والقلوب التى لا تهتدى إلى رشاد والعيون التى لا تنظر إلى سداد وقد غطى عليها الغين وفيهم يقال أعمى القلب والعين وصلوات الله على الحسين وأهله

[ 278 ]

السادات الأفاضل ثمال اليتامى عصمة الأرامل المعروفين بالمعروف والفواضل ليوث الجدال والجلاد في الجمع الحافل الآمرين بالقسط والناطقين بالحق المتحلين بالصدق العادلين في الحكم الفارعين بمجدهم الجبال الشم الآخذين بالعفو والحلم المعصومين من الزلل المبرئين من الخطايا والخطل الضاربين الهام والقلل المعروفين بالمعروف الناهين عن المنكر البدور الطوالع الغيوث الهوامع السيول الدوافع الفاخرين فلا مساجل ولا منازع القائمين بأمر الله الراضين بحكم الله الممسوسين في ذات الله الفرحين بلقاء الله. نجوم طوالع جبال فوارع * * غيوث هوامع سيول دوافع مضوا وكأن المكرمات لديهم * * لكثرة ما أوصوا بهن شرايع فأى يد مدت إلى المجد لم يكن * * لها راحة من جودهم وأضايع بهاليل لو عاينت فيض أكفهم * * تيقنت ان الرزق في الأرض واسع أذا خفقت بالبذل ارواح جودهم * * خداها الندى واستنشقتها المطامع وعرض عليه على بن الحسين عليهما السلام فقال له من أنت فقال أنا على بن الحسين فقال أليس الله قد قتل على بن الحسين فقال له على عليه السلام قد كان لى أخ يسمى عليا قتله الناس فقال له ابن زياد بل الله قتله فقال على ابن الحسين عليهما السلام الله يتوفى الأنفس حين موتها فغضب ابن زياد لعنه الله فقال له وبك جرأة على جوابي وبك بقية للرد على اذهبوا به واضربوا عنقه فتعلقت به زينب عمته وقالت له يا بن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت والله لا أفارقه فان قتلته فاقتلني معه فنظر ابن زياد إليه ساعة ثم قال عجبا للرحم والله وأنى لأظنها ودت انى قتلتها معه دعوه فانى أراه لما به.

[ 279 ]

ثم قام من مجلسه حتى خرج من القصر ودخل المسجد فصعد المنبر فقال الحمد لله الذى أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه وقتل الكذاب ابن الكذاب وشيعته فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي وكان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا عدو الله ان الكاذب أنت وأبوك والذى ولاك وأبوه يا ابن مرجانة تقتل أولاد النبيين وتقوم على المنابر مقام الصديقين فقال ابن زياد على به فأخذته الجلاوزة فنادى بشعار الأزد فاجتمع منهم سبعمائة رجل فانتزعوه من الجلاوزة فلما كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته فضرب عنقه وصلبه في السبخة رحمة الله عليه. ولما أصبح ابن زياد لعنه الله بعث برأس الحسين عليه السلام فدير به في سكك الكوفة كلها وقبائلها فروى عن زيد بن أرقم انه قال مر به على وهو على رمح وأنا في غرفة لى فلما حاذانى سمعته يقرأ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا فقف والله شعرى وناديت رأسك والله يا ابن رسول الله وأمرك أعجب وأعجب. قلت قد تركت أمورا جرت من هؤلاء الطغام الأجلاف لعنهم الله وأبعدهم من رحمته عند قتله عليه السلام وما فعلوه من قطع يده ورشقه بالسهام والحراب وذبحه وأخذ رأسه وإيطاء الخيل جسده الشريف وسبى حريمه وانتزاع ملابسهن إلى غير ذلك من الأفعال التى لا يعتمدها ولا بعضها مسلم ولا يتأتى لمردة الكفار وفجارهم وطغاتهم الإقدام على مثلها والإصرار عليها وكذلك جرت الحال في حمل رأسه الكريم وحريمه الطاهرات إلى دمشق كما تحمل الاسرى والسبايا ودخولهم إلى يزيد بن معاوية على تلك الهيئة المنكرة والأحوال الشاقة وانفاذ ابن زياد يبشر أولياءه وأصحابه وتابعي رأيه بقتل الحسين عليه السلام.

[ 280 ]

ولما دخل رسوله على عمرو بن سعيد بن العاص وهو أمير المدينة قال له ما وراك قال ما سر الأمير قتل الحسين بن على قال اخرج فناد بقتله فنادى فلم أسمع والله واعية قط كواعية بنى هاشم في دورهم فدخلت على عمرو ابن سعيد فلما رأني تبسم إلى ضاحكا ثم أنشا متمثلا بقول عمرو بن معدى كرب. عجت نساء بنى زياد عجة * * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب ثم قال عمرو هذه واعية بواعية عثمان ثم صعد المنبر فأعلم الناس بقتل الحسين عليه السلام ودعا ليزيد بن معاوية ونزل. ودخل بعض موالى عبد الله بن جعفر فنعى إليه ابنيه فاسترجع فقال أبو السلاسل مولى عبد الله هذا ما لقينا من الحسين عليه السلام فحذفه عبد الله بنعله ثم قال يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه والله انه لمما يسخى بنفسى عنهما ويعزى عن المصاب بهما انهما أصيبا مع أخى وابن عمى مواسين له صابرين معه ثم أقبل على جلسائه فقال الحمد لله عز على بمصرع الحسين عليه السلام أن لا أكن آسيت حسينا بيدى فقد آساه ولدى. وخرجت أم لقمان بنت عقيل بن أبى طالب حين سمعت نعى الحسين عليه السلام حاسرة ومعها اخواتها أم هاني وأسماء ورملة وزينب تبكى قتلاها بالطف وتقول ما ذا تقولون إذ قال النبي لكم * * ما ذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد منقلبي * * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * * أن تخلفوني بسوء في ذوى رحمى فلما كان الليل من ذلك اليوم الذى خطب فيه عمرو بن سعيد بقتل الحسين عليه السلام بالمدينة سمع أهل المدينة في جوف الليل مناديا ينادى يسمعون

[ 281 ]

صوته ولا يرون شخصه أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل من في السماء يدعو عليكم * من نبى ملائك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى وصاحب الإنجيل قلت أجاد ديك الجن عبد السلام في قوله من قصيدة يرثى بها الحسين عليه السلام ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا ومن شعرى إن في الرزء بالحسين الشهيد * لعناء يؤدى بصبر الجليد إن رزء الحسين أضرم نارا * لا تنى في القلوب ذات وقود إن رزء الحسين نجل على * هد ركنا ما كان بالمهدود حادث أحزن الولى وأضناه * وخطب أقر عين الحسود يا لها نكبة أباحت حمى * الصبر وأجرت مدامعا في خدود ومصابا عم البرية بالحزن * وأعزى العيون بالتسهيد يا قتيلا ثوى بقتله الدين * وأمسى الإسلام واهى العمود ووحيدا في معشر من عدو * لهف نفسي على الفريد الوحيد ونزيفا يسقى المنية صرفا * ظاميا يرتوى بماء الوريد وصريعا تبكى السماء عليه * فتروى بالدمع ظامى الصعيد وغريبا بين الأعادي يعانى * منهم ما يشيب رأس الوليد قتلوه مع علمهم أنه * خير البرايا من سيد ومسود واستباحوا دم النبي رسول * الله إذ أظهروا قديم الحقود وأضاعوا حق الرسول التزاما * بطليق ورغبة في طريد

[ 282 ]

وأتوها صماء شنعاء شوهاء * أكانت قلوبهم من حديد وجروا في العماء إلى الغاية * القصوى أما كان فيهم من رشيد أسخطوا الله في رضى ابن زياد * وعصوه قضاء حق يزيد وأرى الحر كان حرا ولكن * ابن سعد في الخزى كابن سعيد ومن شعر كنت قلته في أيام الحداثة من قصيدة لم أذكر غزلها وإذا ما الشباب ولى فما * أنت على فعل أهله معذور فاتباع الهوى وقد وحظ الشيب * وأودى غصن التصابى غرور فاله عن حاجز وسلع ودع * وصل الغوانى فوصلهن قصير وتعرض إلى ولاء أناس * حبل معروفهم قوى مرير خيرة الله في الأنام ومن * وجه مواليهم بهى منير أمناء الله الكرام وأرباب * المعالى ففضلهم مشهور المفيدون حين يخفق سعى * والمجيرون حين عز المجير كرموا مولدا وطابوا أصولا * فبطون زكية وظهور عترة المصطفى وحسبك فخرا * أيها السائل البشير النذير بعلى شيدت معالم دين * الله والأرض بالعناد تمور وبه أيد الإله رسول * الله إذ ليس في الأنام نصير وبأسيافه أقيمت حدود * صعرت برهة وخرت نحور وبأولاد الهداة إلى الحق * أضاء المستبهم الديجور سل حنينا عنه وبدرا فما * يخبر عما سئلت إلا الخبير إذ جلا هبوة الخطوب وللحرب * زناد يشب منها سعير أسد ماله إذا استحفل الناس * سوى رنة السلاح زئير ثابت الجأش لا يروعه الخطب * ولا يعتريه فيه فتور

[ 283 ]

أعرب السيف منه إذ أعجم * الرمح لأن العدى لديه سطور عزمات أمضى من القدر * المحتوم يجرى بحكمه المقدور ومزايا مفاخر عطر الأفق * شذاها ويخال فيها عبير وأحاديث سؤدد هي في الدنيا * على رغم حاسديه تسير وترى المشركين يبغى رضا * الله تعالى وأنه موتور حسدوه على مآثر شتى * وكفاهم حقدا عليه الغدير * كتموا داء دخلهم وطووا كشحا * وقالوا صرف الليالى يدور ورموا نحله الحسين بأحقاد * تبوخ النيران وهى تفور لهف نفسي طول الزمان وينمى * الحزن عندي إذا أتى عاشور لهف نفسي عليه لهف حزين * ظل صرف الردى عليه يجور أسفا غير بالغ كنه ما * أكفى وحزنا تضيق عنه الصدور يا لها وقعة لقد شمل إلا * سلام منها رزء جليل خطير ليث غاب تغيث فيه كلاب * وعظيم سطا عليه حقير يا بنى أحمد نداء ولى * مخلص جهره لكم والضمير لكم صدق وده وعلى * أعدائكم سيف نطقه مشهور وهواكم طوق له وسوار * وعليه من المخاوف سور أنتم ذخره إذا أخفق السعي * وأضحى في فعله تقصير أنتم عونه إذا دهمته * حادثات وفاجأته أمور أنتم غوثه وعروته الو * ثقى إذا ما تضمنته القبور واليكم يهدى المديح اعتقادا * وبكم في معاده يستجير بعلى يرجو على أمانا * من سعير شرارها مستطير هاتان القصيدتان قلتهما قديما وكان عهدي بهما بعيدا ولما جرى القلم

[ 284 ]

بجمع هذا الكتاب عزمت على أن أمدح كل واحد من الأئمة عليهم السلام بقصيدة لا لأنها تزيد أقدارهم أو ترفع منارهم فهم أعلى رتبة وأسمى مكانة من أن يزيد هم مجدا على مجدهم الأثيل أو شرفا على شرفهم الأصيل ولكن كان جهد المقل ونصرة من تعذرت عليه النصرة باليد ولأني أحببت أن أخلد لي ذكرا بذكرهم وحمدهم وأنبه على أنى عبدهم بل عبد عبدهم فلما انتهيت إلى أخبار الحسين عليه السلام وأثبت تينك القصيدتين خطر أنك قلتهما قديما والثواب عليهما حصل أولا ولا بد الآن من قصيدة وفق ما عزمت عليه فسمحت القريحة بهذه القطعة مع بعد عهد بالشعر وعمله ومن الله أستمد التوفيق فيما أبتغيه والإعانة على ما يختاره ويرتضيه وهى يا ابن بنت النبي دعوة عبد * مخلص في ولائه لا يحول لكم محض وده وعلى * أعدائكم سيف نطقه مسلول أنتم عونه وعروته الوثقى * إذا انكسر الخليل الخليل واليكم ينضى ركاب الأماني * فلها نحوكم سرى وذميل كرمت منكم وطابت فروع * وزكت منكم وطابت أصول فليوث إذا دعوا لنزال * وغيوث إذا دعاهم نزيل المجيرون من صروف الليالى * والمنيلين حين عز المنيل شرف شايع وفضل شهير * وعلاء سام ومجد أثيل وحلوم عن الجناة وعفو * وندى فايض ورأى أصيل لى فيكم عقيدة وولاء * لاح لى فيهما وقام الدليل لم أقلد فيكم وكيف وقد شا * ركني في ولائكم جبرئيل جزتم رتبة المديح جلالا * وكفاكم عن مدحى التنزيل غير إنا نقول ودا وحبا * لا على قدركم فذاك جليل

[ 285 ]

للإمام الحسين أهديت مدحا * راق حتى كأنه سلسبيل وبودي لو كنت بين يديه * باذلا مهجتي وذاك قليل ضاربا دونه مجيبا دعاه * مستميتا على عداه أصول قاضيا حق جده وأبيه * فهما غاية المنى والسؤول فعليهم منى التحية ما لاح * سنا بارق وهبت قبول ذكر الامام الرابع أبى الحسن على بن الحسين زين العابدين عليه السلام قال كمال الدين رحمه الله هذا زين العابدين قدوة الزاهدين وسيد المتقين وإمام المؤمنين شيمته تشهد أنه من سلالة رسول الله وسمته تثبت مقام قربه من الله زلفا وثفناته تسجل بكثرة صلاته وتهجده وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها درت له أخلاف التقوى فتفوقها وأشرقت لديه أنوار التأييد فاهتدى بها وألفته أوراد العبادة فأنس بصحبتها وحالفته وظائف الطاعة فتحلى بحليتها طال ما اتخذ سهره مطية ركبها لقطع طريق الآخرة وظما الهواجر دليلا استرشد به في مسافة المسافرة وله من الخوارق والكرامات ما شوهد بالأعين الباصرة وثبت بالآثار المتواترة وشهد له أنه من ملوك الآخرة. فأما ولادته فبالمدينة في الخميس الخامس من شعبان سنة ثمان وثلاثين

[ 286 ]

من الهجرة في أيام جده أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليهما السلام قبل وفاته بسنتين. وأما نسبه أبا وأما فوالده الحسين بن على وقد تقدم بسط ذلك. فأما أمه أم ولد اسمها غزالة وقيل بل كان اسمها شاه زنان بنت يزدجرد وقيل غير ذلك. وأما اسمه فعلى وكان للحسين عليه السلام ولد آخر أكبر من هذا فقتل بين يدى والده وقد تقدم ذكره وولد طفل صغير فجاءه سهم فقتله وقد تقدم ذكر ذلك وكان كل واحد منهم يسمى عليا. فأما كنيته فالمشهور أبو الحسن ويقال أبو محمد وقيل أبو بكر. وأما لقبه فكان له ألقاب كثيرة كلها تطلق عليه أشهرها زين العابدين وسيد العابدين والزكى والأمين وذو الثفنات وقيل كان سبب لقبه بزين العابدين انه كان ليلة في محرابه قائما في تهجده فتمثل له الشيطان في صورة ثعبان ليشغله عن عبادته فلم يلتفت إليه فجاء الى إبهام رجله فالتقمها فلم يلتفت إليه فألمه فلم يقطع صلوته فلما فرغ منها وقد كشف الله له فعلم أنه شيطان فسبه ولطمه وقال له اخسأ يا ملعون فذهب وقام الى إتمام ورده فسمع صوت لا يرى قائله وهو يقول أنت زين العابدين حقا ثلاثا فظهرت هذه الكلمة واشتهرت لقبا له عليه السلام. وأما مناقبه ومزاياه وصفاته فكثيرة فمنها أنه كان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه فيقول له أهله ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء فيقول أتدرون بين يدى من أريد أن أقوم ؟. ومنها أنه كان إذا مشى لا يجاوز يده فخذه ولا يخطر بيده وعليه السكينة والخشوع وإذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة فيقول لمن يسأله:

[ 287 ]

أريد أن أقوم بين يدى ربى وأناجيه فلهذا تأخذني الرعدة. ووقع الحريق والنار في البيت الذى هو فيه وكان ساجدا في صلاته فجعلوا يقولون له يا بن رسول الله يا ابن رسول الله النار النار فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت فقيل له ما الذى ألهاك عنها فقال نار الآخرة. ومنها ما نقله سفيان قال جاء رجل الى على بن الحسين عليهما السلام فقال له إن فلانا قد وقع فيك وأذاك قال فانطلق بنا إليه فانطلق معه وهو يرى أنه سينتصر لنفسه فلما أتاه قال له يا هذا إن كان ما قلت في حقا فالله تعالى يغفره لى وإن كان ما قلت في باطلا فالله يغفر لك. وكان بينه وبين ابن عمه حسن بن الحسن شئ من المنافرة فجاء حسن الى على وهو في المسجد مع أصحابه فما ترك شيئا إلا قاله له من الأذى وهو ساكت ثم انصرف حسن فلما كان الليل أتاه في منزله فقرع عليه الباب فخرج حسن إليه فقال له على يا أخى ان كنت صادقا فيما قلت فغفر الله لى وان كنت كاذبا فيه فغفر الله لك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم ولى فاتبعه حسن والتزمه من خلفه وبكى حتى رق له ثم قال له والله لا عدت الى أمر تكرهه فقال له على وأنت في حل مما قلته. وكان يقول عليه السلام فقد الأحبة غربة وكان يقول اللهم إنى أعوذ بك أن تحسن في لوامح العيون علانيتي وتقبح عندك سريرتي أللهم كما أسأت وأحسنت إلى فإذا عدت فعد على. وكان يقول إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار. ومنها انه كان عليه السلام لا يحب أن يعينه على طهوره أحد وكان يستقى

[ 288 ]

الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم توضأ ثم يأخذ في صلاته. وكان يقضى ما فاته من صلاة نافلة النهار في الليل ويقول يا بنى ليس هذا عليكم بواجب ولكن أحب لمن عود منكم نفسه عادة من الخير أن يدوم عليها. وكان لا يدع صلاة الليل في السفر والحضر. وكان من كلامه عليه السلام عجبت للمتكبر الفخور الذى كان بالأمس نطفة وهو غدا جيفة وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك العمل لدار البقاء. وكان إذا أتاه السائل يقول مرحبا بمن يحمل لى زادي الى الآخرة. ومنها ما نقل عن ابن شهاب الزهري أنه قال شهدت على بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة الى الشام فأثقله حديدا ووكل به حفاظا في عدة وجمع فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لى فدخلت عليه وهو في قبة والأقياد في رجليه والغل في يديه فبكيت وقلت وددت انى في مكانك وأنت سالم فقال لى يا زهرى أو تظن هذا مما ترى على وفى عنقي مما يكربنى أما لو شئت ما كان وأنه ان بلغ بك وبأمثالك غمر ليذكر عذاب الله ثم أخرج يده من الغل ورجليه من القيد ثم قال يا زهرى لاجزت معهم على ذا منزلتين من المدينة فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه من المدينة فما وجدوه فكنت فيمن سألهم عنه فقال لى بعضهم إنا نراه متبوعا أنه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده.

[ 289 ]

قال الزهري فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن على بن الحسين فأخبرته فقال لى إنه جاءني في يوم فقده الأعوان فدخل على فقال ما أنا وأنت ؟ فقلت أقم عندي فقال لا أحب ثم خرج فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة قال الزهري فقلت يا أمير المؤمنين ليس على بن الحسين عليه السلام حيث تظن انه مشغول بربه فقال حبذا شغل مثله فنعم ما شغل به. وكان الزهري إذا ذكر على بن الحسين يبكى ويقول زين العابدين. وقال أبو حمزة الثمالى أتيت باب على بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت حتى خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد على ثم انتهى الى حائط فقال يا أبا حمزه ألا ترى هذا الحائط ؟ فقلت بلى يا ابن رسول الله قال فإني اتكأت عليه يوما وأنا حزين وإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهى ثم قال يا على بن الحسين ما لى أراك كئيبا حزينا أعلى الدنيا ؟ فهو رزق حاضر يأكل منها البر والفاجر فقلت ما عليها أحزن وانه لكما تقول فقال أعلى الآخرة فانه وعد صادق يحكم فيه ملك قاهر قال قلت ما على هذا أحزن وانه لكما تقول فقال وما حزنك يا على فقلت ما أتخوف من فتنة ابن الزبير فقال لى يا على هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه ؟ قلت لا قال فخاف الله فلم يكفه قلت لا فغاب عنى فقيل لى يا على بن الحسين هذا الخضر عليه السلام ناجاك وقال سفيان قال لى على بن الحسين ما أحب لى بنصيبي من الذل حمر النعم وقال أبو حمزة الثمالى كنت يوما عند على بن الحسين عليه السلام فإذا عصافير يطرن حوله ويصرخن فقال لى يا أبا حمزة هل تدرى ما تقول هذه العصافير

[ 290 ]

قلت لا قال فانها تقدس ربها وتسأله قوت يومها ومنها أنه لما مات على بن الحسين عليهما السلام وجدوه يقوت مائة بيت من أهل المدينة كان يحمل إليهم ما يحتاجون إليه. وقال محمد بن اسحاق كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم فلما مات على بن الحسين عليهما السلام فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل. وقال أبو حمزة الثمالى كان زين العابدين عليه السلام يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول إن صدقة السر تطفئ غضب الرب ولما مات عليه السلام وغسلوه جعلوا ينظرون الى آثار في ظهره فقالوا ما هذا قيل كان يحمل جرب الدقيق على ظهره ليلا ويوصلها الى فقراء المدينة سرا وقال ابن عايشة سمعت أهل المدينة يقولون ما فقدنا صدقة السر حتى مات على بن الحسين عليه السلام وقال سفيان أراد على بن الحسين الخروج الى الحج فاتخذت له سكينة بنت الحسين أخته زادا أنفقت عليه الف درهم فلما كان بظهر الحرة سيرت ذلك إليه فلم يزل يفرقه على المساكين. وقال سعيد بن مرجانة كنت يوما عند على بن الحسين فقلت سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل إرب منها إربا منه من النار حتى أنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج فقال على عليه السلام أنت سمعت هذه من أبى هريرة ؟ فقال سعيد نعم فقال لغلام له أفره غلمانه وكان عبد الله بن جعفر قد أعطاه بهذا الغلام الف دينار فلم يبعه أنت حر لوجه الله تعالى.

[ 291 ]

وقدم عليه نفر من أهل العراق فقالوا في أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم فلما فرغوا من كلامهم قال لهم ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون قالوا لا قال فأنتم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجه مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة قالوا لا قال أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد انكم لستم من الذين قال الله فيهم والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) خرجوا عنى فعل الله بكم. وقال نافع بن جبير يوما لعلى بن الحسين عليهما السلام أنت سيد الناس وأفضلهم فتذهب إلى هذا العبد فتجلس عنده يعنى زيد بن أسلم فقال له ينبغى للعلم أن يتبع حيث ما كان ولما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلى الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يمكنه وجاء على بن الحسين عليهما السلام فتوقف له الناس وتنحوا حتى استلم فقالوا جماعة هشام لهشام من هذا ؟ فقال لا أعرفه فسمعه الفرزدق فقال لكنى أعرفه هذا على بن الحسين زين العابدين وأنشد هشاما من الأبيات التى قالها في أبيه الحسين عليه السلام وقد تقدم ذكرها هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقى النقى الطاهر العلم هذا الذى تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهى الكرم

[ 292 ]

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم هذا ابن فاطمه إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم أي الخلائق ليست في رقابهم * لأولية هذا أوله نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا * الدين من بيت هذا ناله الأمم فزاد فيها هذه الأبيات لمخاطبته هشاما بذلك فحبسه هشام فقال وقد أدخل الحبس يحبسنى بين المدينة والتى * إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها فأخرجه من الحبس فوجه إليه على بن الحسين عليهما السلام عشرة الف درهم وقال اعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به فردها الفرزدق وقال ما قلت ما كان إلا لله ولا أرزأ عليه شيئا فقال له على عليه السلام قد رأى الله مكانك فشكرك ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه وأقسم عليه فقبلها. وقال رجل لسعيد بن المسيب ما رأيت رجلا أورع من فلان لرجل سماه فقال له سعيد أما رأيت على بن الحسين فقال لا فقال ما رأيت أورع منه. وقال الزهري لم أر هاشميا أفضل من على بن الحسين عليه السلام. وقال أبو حازم كذلك أيضا ما رأيت هاشميا أفضل من على بن الحسين وما رأيت أحدا كان أفقر منه. وقال طاووس رأيت على بن الحسين عليهما السلام ساجدا في الحجر فقلت رجل صالح من أهل بيت طيب لأسمعن ما يقول فأصغيت إليه فسمعته

[ 293 ]

يقول عبدك بفنائك مسكينك بفنائك سائلك بفنائك فقيرك بفنائك فو الله ما دعوت بهن في كرب إلا كشف عنى وكان يصلى في كل يوم وليلة الف ركعة فإذا أصبح سقط مغشيا عليه وكانت الريح تميله كالسنبلة وكان يوما خارجا فلقيه رجل فسبه فثارت إليه العبيد والموالي فقال لهم على مهلا كفوا ثم أقبل على ذلك الرجل فقال له ما ستر عنك من أمرنا أكثر ألك حاجة يغنيك عليها فاستحيى الرجل فألقى إليه على خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم فكان ذلك الرجل بعد ذلك يقول أشهد أنك من أولاد الرسل. الخميصة كساء أسود مربع له علمان فان لم يكن معلما فليس بخميصة وكان عنده عليه السلام قوم أضياف فاستعجل خادما له بشواء كان في التنور فأقبل به الخادم مسرعا فسقط السفود منه على رأس بنى لعلى بن الحسين تحت الدرجة فأصاب رأسه فقتله فقال على للغلام وقد تحير الغلام واضطرب أنت حر فانك لم تعتمده وأخذ في جهاز ابنه ودفنه. ومنها أنه عليه السلام دخل على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه فجعل محمد يبكى فقال له على عليه السلام ما شأنك فقال على دين فقال له كم هو فقال خمسة عشر الف دينار فقال على بن الحسين هو على فالتزمه عنه. وقال أبو جعفر محمد بن على بن الحسين عليهم السلام أوصاني أبى فقال يا بنى لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق فقلت جعلت فداك يا أبة من هؤلاء الخمسة قال لا تصحبن فاسقا فانه يبيعك بأكلة فما دونها فقلت يا أبة وما دونها قال يطمع فيها ثم لا ينالها قال قلت يا أبة ومن الثاني قال لا تصحبن البخيل فانه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه قال فقلت ومن الثالث قال لا تصحبن كذابا فانه بمنزلة

[ 294 ]

السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد قال فقلت ومن الرابع قال لا تصحبن أحمق فانه يريد أن ينفعك فيضرك قال قلت يا أبة من الخامس قال لا تصحبن قاطع رحم فانى وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع وأما أولاده عليه السلام فقيل كان له تسعة أولاد ذكور ولم تكن له أنثى وأسماء أولاده محمد الباقر وزيد الشهيد بالكوفة وعبد الله وعبيد الله والحسن والحسين وعلى وعمر وأما عمره فانه مات في ثامن عشر المحرم من سنة أربع وتسعين وقيل خمس وتسعين وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمان وثلاثين فيكون عمره سبعا وخمسين سنة وكان منها مع جده سنتين ومع عمه الحسن عشر سنين وأقام مع أبيه بعد عمه الحسن عشر سنين وبقى بعد قتل أبيه تتمة ذلك وقبره بالبقيع بمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله في القبر الذى فيه عمه الحسن في القبة التى فيها العباس بن عبد المطلب عليهم السلام آخر كلام كمال الدين. قلت إن كمال الدين رحمه الله شرع في الاختصار منذ ذكر الإمام زين العابدين عليه السلام والأخبار التى أوردها في أوصافه عليه السلام نقلها من كتاب حلية الأولياء للحافظ أبى نعيم رحمه الله ولم ينقل من غيره إلا ذكر أولاده عليه السلام وقال إنهم تسعة وذكر ثمانية ولعله سهو من الناسخ. قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى باب ذكر الإمام بعد الحسين بن على عليهما السلام وتاريخ مولده ودلائل إمامته ومبلغ سنه ومدة خلافته ووقت وفاته وسببها وموضع قبره وعدد أولاده ومختصر من أخباره

[ 295 ]

والإمام بعد الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام ابنه أبو محمد على بن الحسين زين العابدين صلوات الله عليهم وكان يكنى أيضا أبا الحسن وأمه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى ويقال إن اسمها كان شهر بانويه وكان أمير المؤمنين عليه السلام ولى حريث بن جابر الجعفي جانبا من المشرق فبعث إليه ببنتى يزدجرد بن شهريار بن كسرى فنحل ابنه الحسين عليه السلام شاه زنان فأولدها زين العابدين عليه السلام ونحل الأخرى محمد بن أبى بكر رضى الله عنه فولدت له القاسم بن محمد بن أبى بكر فهما ابنا خاله وكان مولد على بن الحسين عليه السلام بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة فبقى مع جده أمير المؤمنين سنتين ومع عمه الحسن عليه السلام اثنتى عشرة سنة ومع أبيه الحسين عليه السلام ثلاثا وعشرين سنة وبعد أبيه أربعا وثلاثين سنة وتوفى بالمدينة سنة خمس وتسعين للهجرة وله يومئذ سبع وخمسون سنة وكانت إمامته عشرين سنة ودفن بالبقيع مع عمه الحسن بن على عليهما السلام. وثبتت له الإمامة من وجوه أحدها انه كان أفضل خلق الله بعد أبيه علما وعملا فالإمامة للأفضل دون المفضول بدلائل العقول. ومنها أنه كان عليه السلام أولى بأبيه الحسين عليه السلام وأحقهم بمقامه من بعده بالفضل والنسب والأولى بالامام الماضي أحق بمقامه من غيره لدلالة آية ذوى الأرحام وقصة زكريا عليه السلام. ومنها وجوب الإمامة عقلا في كل زمان وفساد دعوى كل مدع للإمامة في أيام على بن الحسين عليهما السلام أو مدعى له سواه فثبت فيه لاستحالة خلو الزمان من الامام. ومنها ثبوت الامامة أيضا في العترة خاصة بالنص وبالخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وفساد قول من ادعاها لمحمد بن الحنفية رضى الله عنه بتعريه من النص

[ 296 ]

عليه بها فثبت أنها في على بن الحسين عليهما السلام إذ لا مدعى له الامامة من العترة سوى محمد رضى الله عنه وخروجه عنها بما ذكرناه. ومنها نص رسول الله صلى الله عليه وآله بالامامة عليه فيما روى من حديث اللوح الذى رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وآله ورواه محمد بن على الباقر عليه السلام عن أبيه عن جده عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ونص جده أمير المؤمنين عليه السلام في حياة أبيه الحسين بما ضمن ذلك من الأخبار ووصية أبيه الحسين عليه السلام إليه وإيداعه أم سلمة رضى الله عنها ماء قبضه على من بعده وقد كان جعل التماسه من أم سلمة علامة على إمامة الطالب له من الأنام وهذا باب يعرفه من تصفح الأخبار ولم نقصد في هذا الكتاب القول في معناه فنستقصيه على التمام. قلت رحم الله شيخنا المفيد كان يجب أن يورد النص عليه من النبي صلى الله عليه وآله ومن جده وأبيه عليهما السلام مقدما على غيره فان إمامته عليه السلام إذا كانت ثابتة بالنص كفتنا المؤنة وحطت عنا أعباء المشقة ولم نحتج إلى إثباتها من طرق أخرى وقال باب ذكر طرف من أخبار على بن الحسين عليه السلام حدثنا عبد الله ابن موسى عن أبيه عن جده قال كانت أي فاطمة بنت الحسين عليه السلام تأمرني أن أجلس إلى خالي على بن الحسين عليهما السلام فما جلست إليه قط إلا قمت بخير قد استفدته أما خشية الله تعالى تحدث في قلبى لما أرى من خشية الله أو علم قد استفدته منه وعن ابن شهاب الزهري قال حدثنا على بن الحسين وكان أفضل هاشمى أدركناه قال أحبونا حب الاسلام فما زال حبكم لنا حتى صار شينا علينا وعن سعيد بن كلثوم قال كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام

[ 297 ]

فذكر أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام فأطراه ومدحه بما هو أهله ثم قال والله ما أكل على بن أبى طالب من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله وما عرض له أمران قط هما لله رضى إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله نازلة قط إلا دعاه ثقة به وما أطاق أحد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الأمة غيره وان كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنة والنار يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه ولقد أعتق من ماله الف مملوك في طلب وجه الله عز وجل والنجاة من النار مما كد بيديه ورشح منه جبينه وانه كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة وما كان لباسه إلا الكرابيس إذا فضل شئ عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه ولا أشبهه من ولده ولا من أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من على بن الحسين عليهما السلام ولقد دخل ابنه أبو جعفر عليه السلام عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد فرآه قد اصفر لونه من السهر ورمضت عيناه من البكاء ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة قال أبو جعفر عليه السلام فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء فبكيت رحمة له وإذا هو يفكر فالتفت إلى بعد هنيهة من دخولي وقال يا بنى أعطني بعض تلك الصحف التى فيها عبادة على بن أبى طالب عليه السلام فأعطيته فقرأ فيها شيئا يسيرا ثم تركها من يده تضجرا وقال من يقوى على عبادة على بن أبى طالب عليه السلام وعن عبد الله بن محمد القرشى قال كان على بن الحسين عليهما السلام إذا توضأ يصفر لونه فيقول له أهله ما هذا الذى يغشاك فيقول أتدرون من أتأهب للقيام بين يديه وعن أبى جعفر عليه السلام قال كان على بن الحسين عليهما السلام يصلى في اليوم

[ 298 ]

والليلة الف ركعة وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة وروى سفيان الثوري عن عبيد الله بن عبد الرحمان بن موهب قال ذكر لعلى بن الحسين فضله فقال حسبنا أن يكون من صالحي قومنا وعن طاووس قال دخلت الحجر في الليل فإذا على بن الحسين عليهما السلام قد دخل فقام يصلى فصلى ما شاء الله ثم سجد فقلت رجل صالح من أهل بيت النبوة وساق الحديث المقدم ذكره وقال عبيدك بفنائك الى آخرهن وعن ابراهيم بن على عن أبيه قال حججت مع على بن الحسين عليهما السلام فالتاثت الناقة عليه في مسيرها فأشار إليها بالقضيب ثم قال أوه أوه لو لا القصاص ورد يده عنها وبهذا الإسناد قال حج على بن الحسين عليهما السلام ماشيا فسار عشرين يوما وليلة من المدينة إلى مكة وعن زرارة بن أعين قال سمع قائل في جوف الليل وهو يقول أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه ذاك على بن الحسين عليه السلام وعن الزهري قال لم أدرك أحدا من أهل هذا البيت يعنى بيت النبي صلى الله عليه وآله أفضل من على بن الحسين عليهما السلام وجلس الى سعيد بن المسيب فتى من قريش فطلع على بن الحسين عليهما السلام فقال القرشى لابن المسيب من هذا يا أبا محمد فقال هذا سيد العابدين على بن الحسين بن على بن ابى طالب عليه السلام وسكبت عليه الماء جارية ليتوضأ للصلاة فنعست فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية إن الله عز وجل يقول والكاظمين الغيظ قال قد كظمت غيظي قالت والعافين عن الناس

[ 299 ]

قال لها عفا الله عنك قالت والله يحب المحسنين قال اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى. وروى انه عليه السلام دعا مملوكه مرتين فلم يجبه وأجابه في الثالثة فقال له يا بنى أما سمعت صوتي قال بلى قال فما لك لم تجبني قال أمنتك قال الحمد لله الذى جعل مملوكي يأمننى وعن أبى حمزة الثمالى عن على بن الحسين عليهما السلام قال خرجت حتى انتهيت الى هذا الحائط وساق ما أورده كمال الدين وقد ذكره الحافظ أبو نعيم في الحلية وفيه أعلى الدنيا حزنك فرزق حاضر للبر والفاجر قال فقلت ما على هذا أحزن وأنه لكما تقول فقال على الآخرة فهو وعد صادق يحكم فيه ملك قاهر قال قلت ولا على هذا أحزن وانه لكما تقول قال فعلا م حزنك قال فقلت أتخوف من فتنة ابن الزبير قال فضحك ثم قال يا على بن الحسين هل رأيت أحدا قط توكل على الله فلم يكفه قلت لا قال يا على بن الحسين هل رأيت أحدا قط خاف الله فلم ينجه قلت لا قال يا على بن الحسين هل رأيت أحدا قط سأل الله فلم يعطه قلت لا ثم نظرت فإذا ليس قدامى أحد. وعن ابن اسحاق قال كان بالمدينة كذا وكذا أهل بيت يأتيهم رزقهم وما يحتاجون إليه ولا يدرون من أين يأتيهم فلما مات على بن الحسين عليهما السلام فقدوا ذلك. وعن عمرو بن دينار وساق حديث محمد بن أسامة بن زيد وبكاءه عند موته بسبب الدين وهو خمسة عشر الف دينار فقال عليه السلام لا تبك فهى على وأنت منها برئ وقضاها عنه. حدث عبد الملك بن عبد العزيز قال لما ولى عبد الملك بن مروان الخلافة

[ 300 ]

رد إلى على بن الحسين عليه السلام صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى بن أبى طالب عليه السلام وكانتا مضمونتين فخرج عمر بن على الى عبد الملك يتظلم إليه من نفسه فقال عبد الملك أقول كما قال ابن أبى الحقيق إنا أذا مالت دواعى الهوى * وأنصت السامع للقائل واصطرع الناس بألبابهم * نقضى بحكم عادل فاضل لا نجعل الباطل حقا ولا * نلط دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا * فتحمل الدهر مع الخامل حدثنا الحسين بن زيد عن عمه عمر بن على عن أبيه على بن الحسين عليهما السلام انه كان يقول لم أر مثل التقدم في الدعاء فان العبد ليس تحضره الإجابة في كل وقت. وكان مما حفظ عنه عليه السلام من الدعاء حين بلغه توجه مسرف بن عقبة الى المدينة رب كم من نعمة أنعمت بها على قل لك عندها شكرى وكم من بلية ابتليتنى بها قل لك عندها صبرى فيامن قل عند نعمته شكرى فلم يحرمني ويا من قل عند بلائه صبرى فلم يخذلني يا ذا المعروف الذى لا ينقطع أبدا ويا ذا النعماء التى لا تحصى عددا صل على محمد وآل محمد وادفع عنى شره فانى أدرأ بك في نحره وأستعيذ بك من شره فقدم مسرف بن عقبة المدينة وكان يقال لا يريد غير على بن الحسين عليهما السلام فسلم منه وأكرمه وحباه ووصله وجاء الحديث من غير وجه ان مسرف بن عقبة لما قدم الى المدينة أرسل الى على بن الحسين عليه السلام فأتاه فلما صار إليه قربه وأكرمه وقال له وصاني أمير المؤمنين ببرك وتمييزك من غيرك فجزاه خيرا ثم قال أسرجوا له بغلتي وقال له انصرف الى أهلك فانى أرى أن قد افزعناهم واتعبناك بمشيك الينا

[ 301 ]

ولو كان بأيدينا ما نقوى به على صلتك بقدر حقك لوصلناك فقال له على بن الحسين عليهما السلام ما اعذرني للأمير وركب فقال مسرف لجلسائه هذا الخير الذى لا شر فيه مع موضعه من رسول الله صلى الله عليه واله ومكانته منه. فهذا طرف مما ورد من الحديث في فضائل زين العابدين عليه السلام وجاءت الرواية ان على بن الحسين كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم إذ سمع قوما يشبهون الله بخلقه ففزع لذلك وارتاع له ونهض حتى أتى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فوقف عنده فرفع صوته يناجى ربه فقال في مناجاته له إلهى بدت قدرتك ولم تبد هيئة فجهلوك وقدروك بالتقدير على غير ما أنت به شبهوك وأنا برئ يا إلهى من الذين بالتشبيه طلبوك ليس مثلك شئ إلهى ولم يدركوك وظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك لو عرفوك في خلقك يا إلهى مندوحة أن يتأولوك بل سووك بخلقك فمن ثم لم يعرفوك واتخذوا بعض آياتك ربا فبذلك وصفوك فتعاليت يا إلهى عما به المشبهون نعتوك. وقد روى فقهاء العامة عنه من العلوم ما لا يحصى كثرة وحفظ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازى والأيام ما هو مشهور بين العلماء ولو قصدنا الى شرح ذلك لطال الخطاب وتقضى به الزمان. وقد روت الشيعة له آيات ومعجزات وبراهين واضحات لم يتسع إيرادها في هذا المكان ووجودها في كتبهم المصنفة تنوب مناب إيرادها في هذا الكتاب والله الموفق للصواب. باب ذكر ولد على بن الحسين عليهما السلام ولد على بن الحسين عليهما السلام خمسة عشر ولدا محمد المكنى أبا جعفر

[ 302 ]

الباقر عليه السلام أمه أم عبد الله بنت الحسن بن على بن أبى طالب عليهم السلام وزيد وعمر أمهما أم ولد وعبد الله والحسن والحسين أمهم أم ولد والحسين الأصغر وعبد الرحمان وسليمان لأم ولد وعلى وكان أصغر ولد على بن الحسين عليهما السلام وخديجة أمهما أم ولد ومحمد الأصغر أمه أم ولد وفاطمة وعلية وأم كلثوم أمهن أم ولد انتهى كلام المفيد رحمه الله. وقال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى أبو الحسن ويقال أبو محمد على بن الحسين بن على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن مناف بن قصى سمع جماعة من الصحابة من الرجال والنساء منهم عمه الحسن عليه السلام وأبوه عليه السلام وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن العباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزبير والمسور بن مخزمة وأبو سعيد الساعدي والحارث بن هشام وأسامة ابن زيد وبريدة بن الخصيب وسواهم. ومن النساء فاطمة وعايشة وأم سلمة وأم أيمن والربيع بنت مسعود ابن عفرا ودرة بنت أبى لهب وغيرهن. وروى بسنده عن العيزار بن حريث قال كنت عند ابن عباس فأتاه على بن الحسين فقال مرحبا بالحبيب بن الحبيب. وقال ابن سعيد كان على بن الحسين عليه السلام مع أبيه وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وكان مريضا نائما على فراشه فلما قتل الحسين عليه السلام قال شمر ابن ذى الجوشن اقتلوا هذا فقال رجل من أصحابه يا سبحان الله أتقتل فتى مريضا حدثا لم يقاتل قال ابن سعد اخبرنا عبد الرحمان بن يونس عن سفيان عن جعفر بن محمد قال مات على بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة قال ابن عمر فهذا يدلك على أن على بن الحسين كان مع أبيه وهو ابن ثلاث أو أربع وعشرين سنة وليس قول من قال إنه كان صغيرا بشئ

[ 303 ]

ولكنه كان مريضا ولم يقاتل وكيف يكون صغيرا وقد ولد له أبو جعفر محمد بن على عليهما السلام وقد لقى أبو جعفر جابر بن عبد الله وروى عنه ومات جابر بن عبد الله سنة ثمان وتسعين. وعن أبى فروة قال مات على بن الحسين بالمدينة ودفن بالبقيع سنة أربع وتسعين وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم. حدثنى حسين بن على بن حسين بن على بن ابى طالب عليهم السلام قال مات أبى على بن الحسين سنة أربع وتسعين وصلينا عليه بالبقيع وقال غيره مولده سنة ثمان وثلاثين من الهجرة ومات سنة خمس وتسعين وأمه أم ولد اسمها غزالة. قال محمد بن سعيد ولعلى بن الحسين العقب من ولد الحسين وأخوه على قتل مع أبيه بكربلاء ولم يولد له فولد على بن الحسين عبد الله والحسن والحسن بن على درج والحسين الأكبر درج أيضا ومحمد أبو جعفر الفقيه وعبد الله أمهم أم عبد الله بنت الحسن بن على بن أبى طالب وعمر وزيد المقتول بالكوفة قتله يوسف بن عمرو الثقفى في خلافة هشام بن عبد الملك وصلبه وعلى بن على وخديجة وأمهم أم ولد وكلثوم بنت على وسليمان لا عقب له ومليكة لأمهات أولاد والقاسم وأم الحسن وهى حسنة وأم الحسين وفاطمة لأمهات أولاد وباسناده يرفعه الى الكلبى قال ولى على بن أبى طالب عليه السلام حريث بن جابر الحنفي جانبا من المشرق فبعث بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى فقال على لابنه الحسين عليهما السلام دونكها فأولدها على بن الحسين وفي حديث آخر أنه أنفذ ببنتى يزدجرد بن شهريار فأعطى الحسين واحدة وأعطى محمد بن أبى بكر الأخرى فأولداهما وقد تقدم ذكر ذلك

[ 304 ]

وعن أبى حمزة قال كان على بن الحسين يصلى في اليوم والليلة الف ركعة وعن عبد الله بن على بن الحسين قال كان أبى يصلى الليل حتى يزحف الى فراشه وعن أبى عبد الله قال كان على بن الحسين يعول سبعين بيتا من أهل المدينة وهم لا يعلمون فلما مات فقدوا أثره وعن الزهري قال ما رأيت هاشميا أفضل من على بن الحسين وقد سبق ذكره وروى بسنده حديث حج هشام وقصيدة الفرزدق يا سائلي أين حل الجود والكرم * عندي بيان إذا طلابه قدموا هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقى النقى الطاهر العلم هذا الذى أحمد المختار والده * صلى عليه إلهى ما جرى القلم لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه * لخر يلثم منه ما وطى القدم هذا على رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدى الأمم هذا الذى عمه الطيار جعفر وا * لمقتول حمزة ليث حبه قسم هذا ابن سيدة النسوان فاطمة * وابن الوصي الذى في سيفه نقم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهى الكرم يكاد يمسكه عرفان راحلته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم ينمى إلى ذروة العز التى قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم يغضى حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم ينجاب نور الدجى عن نور غرته * كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم

[ 305 ]

بكفه خيزران ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاؤه نعم مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم حمال أثقال أقوام إذا قدحوا * حلو الشمائل تحلو عنده نعم إن قال قال بما يهوى جميعهم * وإن تكلم يوما زانه الكلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا الله فضله قدما وشرفه * جرى بذاك له في لوحه القلم من جده دان فضل الأنبياء له * وفضل أمته دانت له الأمم عم البرية بالإحسان وانقشعت * عنها العماية والإملاق والظلم كلتا يديه غياث عم نفعهما * تستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه خصلتان الحلم والكرم لا يخلف الوعد ميمونا نقيبته * رحب الفناء أديم حين يعترم من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السوء والبلوى بحبهم * ويستزاد به الإحسان والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل فرض ومختوم به الكلم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد أسد الشرى والبأس محتدم يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم * خيم كريم وأيد بالندى هضم لا يقبض العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا إن القبائل ليست في رقابهم * لأولية هذا أوله نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا * فالدين من بيت هذا ناله الأمم

[ 306 ]

بيوتهم في قريش يستضاء بها * في النائبات وعند الحلم إن حكموا فجده من قريش في أزمتها * محمد وعلى بعده علم بدر له شاهد والشعب من أحد * والخندقان ويوم الفتح قد علموا وخيبر وحنين يشهدان له * وفى قريضة يوم صيلم قتم مواطن قد علت في كل نائبة * على الصحابة لم أكتم كما كتموا (1) قال فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق القصة الى آخرها. وذكر أنه بعث الى الفرزدق باثنى عشر الف درهم وان الفرزدق قال ما قلت ذلك إلا غضبا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله فقال شكر الله لك ذلك وكان على بن الحسين عليه السلام يقول عند النظر إلى الهلال أيها الخلق المنير الدائب السريع المتقلب في منازل التقدير المتصرف في فلك التدبير آمنت بالذى نور بك الظلم وأوضح بك البهم وجعلك آية من آيات ملكه وعلامة مع علامات سلطانه فامتهنك بالزيادة والنقصان والطلوع والأفول والإنارة والخسوف سبحانه ما ألطف ما دبر في أمرك وأحسن ما صنع في شأنك جعلك الله هلال شهر حادث لأمر الحادث جعلك الله هلال بركة لا تمحقها الأيام وطهارة لا تدنسها الآثام هلال أمن من الآفات وسلامة من السيئات اللهم اجعلنا من أرضى من طلع عليه وأزكى من نظر إليه ووفقنا فيه للتوبة وأعصمنا فيه بالمنة إنك أنت المنان بالجزيل آمين رب العالمين قال ثم تدعو بما شئت وعن أبى الطفيل عامر بن واثلة قال كان على بن الحسين عليهما السلام إذا تلا هذه الآية يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) يقول:

[ 307 ]

اللهم ارفعني في أعلى درجات هذه الندبة وأعني بعزم الإرادة وهبني حسن المستعقب من نفسي وخذني منها حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبى من برد خشيتي منك وارزقني قلبا ولسانا يتجاريان في ذم الدنيا وحسن التجافي منها حتى لا أقول إلا صدقت وأرني مصاديق إجابتك بحسن توفيقك حتى أكون في كل حال حيث أردت فقد قرعت بى باب فضلك فاقة * بحد سنان نال قلبى فتوقها وحتى متى أصف محن الدنيا ومقام الصديقين وأنتحل عزما من إرادة مقيم بمدرجة الخطايا أشتكى ذل ملكة الدنيا وسوء أحكامها على فقد رأيت وسمعت لو كنت أسمع في أداة فهم أو أنظر بنور يقظة وكلا ألاقى نكبة وفجيعة * وكأس مرادات ذعافا أذوقها وحتى متى أتعلل بالأمانى وأسكن إلى الغرور وأعبد نفسي للدنيا على غضاضة سوء الاعتداد من ملكاتها وأنا أعرض لنكبات الدهر على أتربص اشتمال البقاء وقوارع الموت تختلف حكمي في نفسي ويعتدل حكم الدنيا وهن المنايا أي واد سكلته * عليها طريقي أو على طريقها وحتى متى تعدني الدنيا فتخلف وأئتمنها فتخون لا تحدث جدة إلا بخلوق جدة ولا تجمع شملا إلا بتفريق شمل حتى كأنها غيرى محجبة ضنا تغار على الالفة وتحسد أهل النعم فقد آذنتنى بانقطاع وفرقة * وأومض لى من كل أفق بروقها ومن أقطع عذرا من مغذ سير ا يسكن إلى معرس غفلة بأدواء نبوة الدنيا ومرارة العيش وطيب نسيم الغرور قد أمرت تلك الحلاوة على القرون الخالية وحال دون ذلك النسيم هبوات وحسرات وكانت حركات فسكنت وذهب كل عالم بما فيه فما عيشة إلا تزيد مرارة ولا ضيقة إلا ويزداد ضيقها

[ 308 ]

فكيف يرقأ دمع لبيب أو يهدأ طرف متوسم على سوء أحكام الدنيا وما تفجأ به أهلها من تصرف الحالات وسكون الحركات وكيف يسكن إليها من يعرفها وهى تفجع الآباء بالأبناء وتلهى الأبناء عن الآباء تعدمهم أشجان قلوبهم وتسلبهم قرة عيونهم وترمى قساوات القلوب بأسهم * وجمر فراق لا يبوخ حريقها وما عسيت أن أصف من محن الدنيا وأبلغ من كشف الغطاء عما وكل به دور الفلك من علوم الغيوب ولست أذكر منها إلا قليلا أفتنه أو مغيب ضريح تجافت عنه فاعتبر أيها السامع بهلكات الأمم وزوال النعم وفظاعة ما تسمع وترى من سوء آثارها في الديار الخالية والرسوم الفانية والربوع الصموت وكم عالم أفنت فلم تبك شجوه * ولا بد أن تفنى سريعا لحوقها فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ وتأمل معاقل الملوك ومصانع الجبارين وكيف عركتهم الدنيا بكلاكل الفناء وجاهرتهم بالمنكرات وسحبت عليهم أذيال البوار وطحنتهم طحن الرحا للحب واستودعتهم هوج الرياح تسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الأرض فتلك مغانيهم وهذى قبورهم * توارثها أعصارها وحريقها أيها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من الأمم السالفة توقف وتفهم وانظر أي عز ملك أو نعيم أنس أو بشاشة الف إلا نغصت أهله قرة أعينهم وفرقتهم أيدى المنون وألحقتهم بتجافيف التراب فأضحوا في فجوات قبورهم يتقلبون وفي بطون الهلكات عظاما ورفاتا وصلصالا في الأرض هامدون وآليت لا تبقى الليالى بشاشة * ولا جدة إلا سريعا خلوقها وفي مطالع أهل البرزخ وخمود تلك الرقدة وطول تلك الإقامة طفيت

[ 309 ]

مصابيح النظر واضمحلت غوامض الفكر وذم الغفول أهل العقول وكم بقيت متلذذا في طوامس هوامد تلك الغرفات فنوهت بأسماء الملوك وهتفت بالجبارين ودعوت الأطباء والحكماء وناديت معادن الرسالة والأنبياء أتململ تململ السليم وأبكى بكاء الحزين وأنادي ولات حين مناص سوى أنهم كانوا فبانوا واننى * على جدد قصد سريعا لحوقها وتذكرت مراتب الفهم وغضاضه فطن العقول بتذكر قلب جريح فصدعت الدنيا عما التذ بنواظر فكرها من سوء الغفلة ومن عجب كيف يسكن إليها من يعرفها وقد استذهلت عقله بسكونها وتزين المعاذير وخسأت أبصارهم عن عيب التدبير وكلما تراه الآيات ونشرها من طي الدهر عن القرون الخالية الماضية وحالهم وما بهم وكيف كانوا وما الدنيا وغرور الأيام وهل هي إلا لوعة من ورائها * جوى قاتل أو حتف نفس يسوقها وقد أغرق في ذم الدنيا الأدلاء على طرق النجاة من كل عالم فبكت العيون شجن القلوب فيها دما ثم درست تلك المعالم فتنكرت الآثار وجعلت في برهة من محن الدنيا وتفرقت ورثة الحكمة وبقيت فردا كقرن الأعضب وحيدا أقول فلا أجد سميعا وأتوجع فلا أجد مشتكى وإن أبكهم أحرض وكيف تجلدي * وفي القلب منى لوعة لا أطيقها وحتى متى أتذكر حلاوة مذاق الدنيا وعذوبة مشارب أيامها وأقتفى آثار المريدين وأتنسم أرواح الماضين مع سبقهم الى الغل والفساد وتخلفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعا من الأخلاء فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى وخاننى الصبر حتى كأنى أول ممتحن أتذكر معارف الدنيا وفراق الأحبة فلو رجعت تلك الليالى كعهدها * رأت أهلها في صورة لا تروقها فمن أخص بمعاتبتي ومن أرشد بندبتى ومن أبكى ومن أدع أشجوا بهلكة

[ 310 ]

الأموات أم بسوء خلف الأحياء وكل يبعث حزنى ويستأثر بعبراتي ومن يسعدنى فأبكى وقد سلبت القلوب لبها ورقا الدمع وحق للداء أن يذوب على طول مجانبة الأطباء وكيف بهم وقد خالفوا الأمرين وسبقهم زمان الهادين ووكلوا الى أنفسهم يتنكسون في الضلالات في دياجير الظلمات حيارى وليل القوم داج نجومه * طوامس لا تجرى بطئ خفوقها قلت هذا الفصل من كلامه عليه السلام قد نظمه بعض الشعراء وأجاد في قوله قد كنت أبكى على ما فات من زمنى * وأهل ودى جميع غير أشتات واليوم إذ فرقت بينى وبينهم * نوى بكيت على أهل المروات وما حياة امرئ أضحت مدامعه * مقسومة بين أحياء وأموات قال عليه السلام وقد انتحلت طوائف من هذه الأمة بعد مفارقتها أئمة الدين والشجرة النبوية إخلاص الديانة وأخذوا أنفسهم في مخايل الرهبانية وتغالوا في العلوم ووصفوا الاسلام بأحسن صفاتهم وتحلوا بأحسن السنة حتى إذا طال عليهم الأمد وبعدت عليهم الشقة وامتحنوا بمحن الصادقين رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى وعلم النجاة يتفسحون تحت أعباء الديانة تفسح حاشية الابل تحت أوراق البزل ولا تحرز السبق الرزايا وان جرت * ولا يبلغ الغايات إلا سبوقها وذهب آخرون الى التقصير في أمرنا واحتجوا بمتشابه القرآن فتأولوه بآرائهم واتهموا مأثور الخبر مما استحسنوا يقتحمون في أغمار الشبهات ودياجير الظلمات بغير قبس نور من الكتاب ولا أثرة علم من مظان العلم بتحذير مثبطين زعموا أنهم على الرشد من غيهم والى من يفزع خلف هذه الأمة وقد درست أعلام الملة ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضا والله تعالى يقول (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد

[ 311 ]

ما جاءتهم البينات) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكمة إلا أهل الكتاب وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده ولم يدع الخلق سدى من غير حجة هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وبراهم من الآفات وافترض مودتهم في الكتاب هم العروة الوثقى وهم معدن التقى * وخير حبال العالمين وثيقها وعن يوسف بن أسباط قال حدثنى أبى قال دخلت مسجد الكوفة فإذا شاب يناجى ربه وهو يقول في سجوده سجد وجهى متعفرا في التراب لخالقي وحق له فقمت إليه فإذا هو على بن الحسين فلما انفجر الفجر نهضت إليه فقلت له يا بن رسول الله تعذب نفسك وقد فضلك الله بما فضلك فبكى ثم قال حدثنى عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل عين باكية يوم القيامة إلا أربعة أعين عين بكت من خشية الله وعين فقئت في سبيل الله وعين غضت عن محارم الله وعين باتت ساهرة ساجدة يباهى بها الله الملائكة يقول انظروا الى عبدى روحه عندي وجسده في طاعتي قد جافى بدنه عن المضاجع يدعوني خوفا من عذابي وطمعا في رحمتى أشهدوا أنى قد غفرت له. قلت هكذا أورده الحافظ في مسجد الكوفة وعلى بن الحسين فيما أظنه لم يصل الى العراق إلا مع أبيه عليه السلام حين قتل ولما وصل هو الى الكوفة لم يكن باختياره ولا متصرفا في نفسه فيمشي الى الجامع ويصلى فيه وللتحقيق حكم وقال كان على بن الحسين عليهما السلام يبخل فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت. وروى دخول على بن الحسين عليهما السلام على محمد بن أسامة بن زيد

[ 312 ]

في مرضه وتقبله بالخمسة عشر الف دينار عنه إلا أنه قال محمد بن أسامة بن زيد وعن سفيان كان على بن الحسين عليهما السلام يحمل معه جابا فيه خبز فيتصدق به ويقول إن الصدقة تطفئ غضب الرب وعنه قال كان على بن الحسين عليهما السلام يقول ما يسرني بنصيبي من الذل حمر النعم وقيل كان هشام بن اسماعيل أسب شئ لعلى ولأهل بيته عليهما السلام فعزل وأقيم على الغرائر فجاء على بن الحسين عليهما السلام فقال له يا ابن عم عافاك الله لقد ساءنى ما صنع بك فادعنا الى ما أحببت فقال الله أعلم حيث يجعل رسالته قال وكان على بن الحسين عليه السلام خارجا من المسجد فلقيه رجل فسبه فثارت إليه العبيد والموالي فقال على بن الحسين مهلا عن الرجل ثم أقبل عليه فقال ما ستر عنك من أمرنا أكثر ألك حاجة نعينك عليها فاستحيى الرجل ورجع الى نفسه فألقى عليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم قال فكان الرجل يقول بعد ذلك أشهد أنك من أولاد الرسل وعن عبد الله بن عطاء قال أذنب غلام لعلى بن الحسين ذنبا استحق به العقوبة فأخذ له السوط ليضربه وقال قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله فقال الغلام وما أنا كذلك انى لأرجو رحمة الله وأخاف عذابه فألقى السوط وقال أنت عتيق واستطال رجل على على بن الحسين عليهما السلام فتغافل عنه فقال له الرجل إياك أعنى فقال له على بن الحسين عليه السلام وعنك أغضى. وقال أهل المدينة ما فقدنا صدقة السر حتى فقدنا على بن الحسين وقال عليه السلام إنما التوبة العمل والرجوع عن الأمر وليست التوبة بالكلام وعنه عليه السلام قال من قال سبحان الله العظيم وبحمده من غير تعجب

[ 313 ]

كتب الله تعالى له مائة الف حسنة ومحى عنه ثلاثة آلاف سيئة ورفع له ثلاثة آلاف درجة وروى عن على بن الحسين عن أبيه عن على بن أبى طالب عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله انتظار الفرج عبادة ومن رضى بالقليل من الرزق رضى الله منه بالقليل من العمل. وعن الزهري قال حدثت على بن الحسين بحديث فلما فرغت قال أحسنت بارك الله فيك هكذا سمعناه قال فقلت لا أرانى حدثت حديثا أنت أعلم به منى قال لا تفعل ذلك فليس من العلم ما لم يعرف إنما معنى العلم ما عرف قال وعلى بن الحسين أمه يقال لها سلامة ويكنى أبا محمد. وقال أبو نعيم أصيب سنة اثنتين وتسعين وقال بعض أهله سنة أربع وتسعين. وقال ابراهيم بن اسحق الحربى أمه غزالة أم ولد وقيل على يكنى أبا الحسن كناه محمد بن اسحق بن الحرث وكان على بن المدائني ينكر أن يكون على بن الحسين أفلت يوم كربلا صغيرا وقال قد روى عن جابر وابن الحنفية وباسناده عن رجل من أهل الكوفة وكان صدوقا قال كان على بن الحسين يقول في دعائه أللهم من أنا حتى تغضب على فوعزتك ما يزين ملكك إحساني ولا يقبحه إسائتى ولا ينقص من خزانتك غنائي ولا يزيد فيها فقرى آخر كلامه وقد أسقطت من إيراده بعض ما تكرر من أخباره عليهم السلام. قال الحافظ أبو نعيم في كتاب الحلية وكان الجماعة منه نقلوا وعلى ما أورده عولوا وأنا أذكر منه ما أظنهم أهملوه فأما ما ذكروه فلا فائدة في إعادته قال

[ 314 ]

ذكر طبقة من تابعي المدينة فمن هذه الطبقة على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليه السلام زين العابدين ومنار القانتين وكان عابدا وفيا وجوادا حفيا وقيل إن التصوف حفظ الوفاء. قال كان على بن الحسين لا يضرب بعيره من المدينة الى مكة وقال عليه السلام من ضحك ضحكة مج من عقله مجه علم وقال عليه السلام إن الجسد إذا لم يمرض أشر ولا خير في جسد يأشر وقال عليه السلام فقد الأحبة غربة وقال عليه السلام من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس وكان إذا ناول السائل الصدقة قبله ثم ناوله وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال سئل على بن الحسين عن كثرة بكائه قال لا تلوموني فان يعقوب فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه ولم يعلم أنه مات وقد نظرت الى أربعة عشر رجلا من أهل بيتى في غداة واحدة قتلى فترون حزنهم يذهب من قلبى ؟. وسمع واعية في بيته وعنده جماعة فنهض الى منزله ثم رجع فقيل له أمن حدث كانت الواعية قال نعم فعزوه وتعجبوا من صبره فقال إنا أهل بيت نطيع الله فيما يحب ونحمده فيما نكره وعن أبى حمزه الثمالى عن على بن الحسين عليهما السلام قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال انطلقوا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون الى أين فيقولون الى الجنة قالوا قبل الحساب ؟ قالوا نعم قالوا ومن أنتم قالوا أهل الفضل قالوا وما كان فضلكم قالوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا أسئ الينا غفرنا قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ثم يقول مناد ينادى

[ 315 ]

ليقم أهل الصبر فيقوم ناس من الناس فيقال لهم ادخلوا الجنة فتلقاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك فيقولون أهل الصبر قالوا وما كان صبركم ؟ قالوا صبرنا أنفسنا على طاعة الله وصبرناها عن معصية الله قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ثم ينادى مناد ليقم جيران الله في داره فيقوم ناس من الناس وهم قليل فيقال لهم انطلقوا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك قالوا وبما جاورتم الله في داره ؟ قالوا كنا نتزاور في الله ونتجالس في الله ونتباذل في الله قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين وعن على بن الحسين قال التارك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كنابذ كتاب الله وراء ظهره إلا أن يتقى تقاة قلت وما تقاته ؟ قال يخاف جبارا عنيدا أن يفرط عليه أو أن يطغى وقال عليه السلام من كتم علما أحدا أو أخذ عليه صفدا فلا نفعه أبدا وعن الزهري قال دخلت على على بن الحسين عليه السلام فقال يا زهرى فيم كنتم قال تذاكرنا الصوم فأجمع رأيى ورأى أصحابي على أنه ليس من الصوم شئ واجب إلا صوم شهر رمضان فقال يا زهرى ليس كما قلتم الصوم على أربعين وجها منها عشرة واجبة كوجوب شهر رمضان وعشر خصال منها حرام وأربع عشر خصلة صاحبها بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر فصوم النذر واجب وصوم الاعتكاف واجب قال قلت فسرهن لى يا بن رسول الله قال عليه السلام أما الواجب فصوم شهر رمضان وصيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق قال الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ الآية وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام قال الله تعالى ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم الآية وصيام حلق الرأس قال الله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه الآية وصاحبه

[ 316 ]

بالخيار إن شاء صام ثلاثا وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدى قال الله تعالى فمن تمتع بالعمرة الى الحج الآية وصوم جزاء الصيد قال الله تعالى ومن قتله منكم متعمدا الآية وإنما يقوم الصيد قيمة ثم يفض ذلك الثمن على الحنطة وأا الذى صاحبه بالخيار فصوم الاثنين والخميس وستة أيام عن شوال بعد رمضان ويوم عرفة ويوم عاشورا كل ذلك صاحبه بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر وأما صوم الاذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا باذن زوجها وكذلك العبد والأمة وأما صوم الحرام فصوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق ويوم الشك نهينا أن نصومه لرمضان وصوم الصمت حرام وصوم نذر المعصية حرام وصوم الدهر حرام والضيف لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه قال رسول الله صلى الله عليه وآله من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا باذنهم ويؤمر الصبى بالصوم إذا لم يراهق تأديبا ليس بفرض وكذلك من أفطر لعلة من أول النهار ثم وجد قوة في بدنه أمر بالأمساك وذلك تأديب الله ليس بفرض وكذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أمر بالإمساك وأما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيا بغير تعمد فقد أبيح له ذلك وأجزأه عن صومه. وأما صوم المريض وصوم المسافر فان العامة اختلف فيه فقال قوم يصوم وقال قوم لا يصوم وقال قوم إن شاء صام وإن شاء أفطر وأما نحن فنقول يفطر في الحالين جميعا فان صام في السفر والمرض فعليه القضاء قال الله تعالى فعده من أيام اخر آخر كلامه

[ 317 ]

وقال في كتاب مواليد أهل البيت رواية ابن الخشاب النحوي ذكر على بن الحسين بن على بن أبى طالب صلوات الله عليهم سيد العابدين وبالاسناد الذى قبله عن أبى عبد الله الصادق عليه السلام قال ولد على بن الحسين في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة قبل وفاة على بن أبى طالب بسنتين وأقام مع أمير المؤمنين سنتين ومع أبى محمد الحسن عشر سنين وأقام مع أبى عبد الله الحسين عشر سنين وكان عمره سبعا وخمسين سنة وفي رواية أخرى أنه ولد سنة سبع وثلاثين وقبض وهو ابن سبع وخمسين سنة في سنة أربع وتسعين وكان بقاءه بعد أبى عبد الله ثلاثا وثلاثين سنة ويقال في سنة خمس وتسعين أمه خولة بنت يزدجرد ملك فارس وهى التى سماها أمير المؤمنين شاه زنان ويقال بل كان اسمها برة بنت النوشجان ويقال كان اسمها شهربانو بنت يزدجرد كنيته أبو بكر وأبو محمد وأبو الحسن قبره بالمدينة بالبقيع لقبه الزكي وزين العابدين وذو الثفنات والأمين ولد له ثمان بنين ولم يكن له أنثى أسماء ولده محمد الباقر وزيد الشهيد بالكوفة وعبد الله وعبيد الله والحسن والحسين وعلى وعمر آخر كلامه. وقال أبو عمرو الزاهد في كتاب اليواقيت في اللغة قال قالت الشيعة إنما سمى على بن الحسين سيد العابدين لأن الزهري رأى في منامه كأن يده مخضوبة غمسة قال فعبرها فقيل له إنك تبتلى بدم خطأ قال وكان عاملا لبنى أمية فعاقب رجلا فمات في العقوبة فخرج هاربا وتوحش ودخل الى غار وطال شعره قال وحج على بن الحسين عليهما السلام فقيل له هل لك في الزهري قال إن لى فيه قال أبو العباس هكذا كلام العرب ان لى فيه لا يقال غيره قال فدخل عليه فقال له إنى أخاف عليك من قنوطك ما لا أخاف عليك من ذنبك فابعث بدية مسلمة الى أهله واخرج الى أهلك

[ 318 ]

ومعالم دينك قال فقال له فرجت عنى يا سيدى والله أعلم حيث يجعل رسالاته. وكان الزهري بعد ذلك يقول ينادى مناد في القيامة ليقم سيد العابدين في زمانه فيقوم على بن الحسين صلى الله عليهما. وقال أبو سيعد منصور بن الحسن الآبى في كتاب نثر الدرر على بن الحسين زين العابدين عليه السلام نظر الى سائل يبكى فقال لو أن الدنيا كانت في كف هذا ثم سقطت منه ما كان ينبغى له أن يبكى وسئل عليه السلام لم أو تم النبي من أبويه فقال لئلا يوجب عليه حق لمخلوق وقال لابنه يا بنى إياك ومعاداة الرجال فانه لم يعدمك مكر حليم أو مفاجاة لئيم وسقط له ابن في بئر فتفزع أهل المدينة لذلك حتى أخرجوه وكان قائما يصلى فما زال عن محرابه فقيل له في ذلك فقال ما شعرت انى كنت أناجي ربا عظيما. وكان له ابن عم يأتيه بالليل متنكرا فيناوله شيئا من الدنانير فيقول لكن على بن الحسين لا يواصلني لا جزاه الله عنى خيرا فيسمع ذلك ويتحمله ويصبر عليه ولا يعرفه بنفسه فلما مات على بن الحسين عليه السلام فقدها فحينئذ علم أنه هو كان فجاء الى قبره وبكى عليه. وكان يقال له ابن الخيرتين لقول رسول الله صلى الله عليه وآله ان لله من عباده خيرتين فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس وكانت أمه بنت كسرى وبلغه عليه السلام قول نافع بن جبير في معاوية حيث قال كان يسكته الحلم وينطقه العلم فقال كذب بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر وقيل له من أعظم الناس خطرا قال من لم ير الدنيا خطرا لنفسه

[ 319 ]

قال وروى لنا الصاحب رحمه الله عن أبى محمد الجعفري عن أبيه عن عمه عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال قال رجل لعلى بن الحسين ما أشد بغض قريش لأبيك قال لأنه أورد أولهم النار وألزم آخرهم العار قال ثم جرى ذكر المعاصي فقال عجبت لمن يحتمى من الطعام لمضرته ولا يحتمى من الذنب لمعرته وقيل له يوما كيف أصبحت قال أصبحنا خائفين برسول الله وأصبح جميع أهل الإسلام آمنين به وقال ابن الأعرابي لما وجه يزيد بن معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ضم على بن الحسين عليه السلام الى نفسه أربعمائة منافية يعولهن الى أن تفرق جيش مسرف بن عقبة وقد حكى عنه مثل ذلك عند إخراج ابن الزبير بنى أمية من الحجاز. وقال عليه السلام وقد قيل له ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة فقال أكره أن آخذ برسول الله صلى الله عليه وآله ما لا أعطى مثله وقال رجل لرجل من آل الزبير كلاما أقذع فيه فأعرض الزبيري عنه ثم دار الكلام فسب الزبيري على بن الحسين فأعرض عنه ولم يجبه فقال له الزبيري ما يمنعك من جوابي قال عليه السلام ما يمنعك من جواب الرجل ومات له ابن فلم ير منه جزع فسئل عن ذلك فقال أمر كنا نتوقعه فلما وقع لم ننكره قال طاووس رأيت رجلا يصلى في المسجد الحرام تحت الميزاب يدعو ويبكى في دعائه فجئته حين فرغ من الصلاة فإذا هو على بن الحسين عليه السلام فقلت له يا ابن رسول الله رأيتك على حاله كذا ولك ثلاثة أرجو أن تؤمنك الخوف أحدها أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله والثانى شفاعة جدك

[ 320 ]

والثالث رحمة الله فقال يا طاووس أما انى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يؤمننى وقد سمعت الله تعالى يقول فلا أنساب بينهم يومئذ ولا، وأما شفاعة جدى فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وأما رحمة الله فان الله تعالى يقول إنها قريب من المحسنين ولا أعلم انى محسن وسمع عليه السلام رجلا كان يغشاه يذكر رجلا بسوء فقال إياك والغيبة فانها أدام كلاب الناس ومما أورده محمد بن الحسن بن حمدون في كتاب التذكرة من كلامه عليه السلام قال لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسعة رحمة الله عز وجل خف الله عز وجل لقدرته عليك واستح منه لقربه منك وإذا صليت فصل صلاة مودع وإياك وما تعتذر منه وخف الله خوفا ليس بالتعذر وقال عليه السلام إياك والابتهاج بالذنب فان الابتهاج به أعظم من ركوبه ووقع إلى كتاب دلائل رسول الله صلى الله عليه وآله تأليف أبى عبد الله العباس ابن جعفر الحميرى فنقلت منه قال دلائل أبى محمد على بن الحسين بن على ابن أبى طالب عليهم السلام كان على بن الحسين في سفر وكان يتغذى وعنده رجل فأقبل غزال في ناحية يتقمم وكانوا يأكلون على سفرة في ذلك الموضع فقال له على بن الحسين ادن فكل فأنت آمن فدنا الغزال فأقبل يتقمم من السفرة فقام الرجل الذى كان يأكل معه بحصاة فقذف بها ظهره فنفر الغزال ومضى فقال له على بن الحسين أخفرت ذمتي لا كلمتك كلمة أبدا وعن أبى جعفر قال أن أبى خرج الى ماله ومعنا ناس من مواليه وغيرهم فوضعت المائدة لنتغذى وجاء ظبى وكان منه قريبا فقال له يا ظبى

[ 321 ]

أنا على بن الحسين بن على بن أبى طالب وأمى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله هلم الى هذا الغذاء فجاء الظبى حتى أكل معهم ما شاء الله أن يأكل ثم تنحى الظبى فقال له بعض غلمانه رد علينا فقال لهم لا تخفروا ذمتي قالوا لا فقال له يا ظبى أنا على بن الحسين بن على بن أبى طالب وأمى فاطمة بنت رسول الله هلم الى هذا الغذاء وأنت آمن في ذمتي فجاء الظبى في الحال حتى قام على المائدة يأكل معهم فوضع رجل من جلسائه يده على ظهره فنفر الظبى فقال على بن الحسين أخفرت ذمتي لا كلمتك كلمة أبدا وتلكأت عليه ناقته بين جبال رضوى فأناخها ثم أراها السوط والقضيب ثم قال لتنطلقن أو لأفعلن فانطلقت وما تلكأت بعدها وباسناده قال بينا على بن الحسين جالسا مع أصحابه إذ أقبلت ظبية من الصحراء حتى قامت بحذاه وضربت بذنبها وحمحمت فقال بعض القوم يا ابن رسول الله ما تقول هذه الظبية قال تزعم أن فلان ابن فلان القرشى أخذ خشفها بالأمس وانها لم ترضعه منذ أمس شيئا فوقع في قلب رجل من القوم شئ فأرسل على بن الحسين الى القرشى فأتاه فقال له ما لهذه الظبية تشكوك قال وما تقول قال تقول إنك أخذت خشفها بالأمس في وقت كذا وكذا وانها لم ترضعه شيئا منذ أخذته وسألتني أن أبعث اليك فأسألك أن تبعث به إليها لترضعه وترده اليك فقال الرجل والذى بعث محمدا بالحق لقد صدقت على قال له فأرسل الى الخشف فجئ به قال فلما جاء به أرسله إليها فلما رأته حمحمت وضربت بذنبها ثم رضع منها فقال على بن الحسين للرجل بحقى عليك إلا وهبته لى فوهبه له ووهبه على بن الحسين لها وكلمها بكلامها فحمحمت وضربت بذنبها وانطلقت وانطلق الخشف معها فقالوا يا ابن رسول الله ما الذى قالت قال دعت لكم وجزتكم خيرا

[ 322 ]

وعن أبى عبد الله قال لما كان في الليلة التى وعد فيها على بن الحسين قال لمحمد يا بنى أبغني وضوءا قال فقمت فجئته بماء قال لا تبغ هذا فان فيه شيئا ميتا قال فخرجت وجئت بالمصباح فإذا فيه فارة ميتة فجئت بوضوء غيره فقال يا بنى هذه الليلة التى وعدتها فأوصى بناقته أن يحط عليها خطاما وأن يقام لها علف فجعلت فيه فلم تلبث أن خرجت حتى أتت القبر فضربت بجرانها ورغت وهملت عيناها فأتى محمد بن على فقيل له إن الناقة قد خرجت فجاءها فقال قومي بارك الله فيك فلم تفعل فقال دعوها فانها مودعة فلم تمكث إلا ثلاثا حتى نفقت قال وكان يخرج عليها الى مكة فيعلق السوط بالرحل فما يقرعها حتى يدخل المدينة وعن أبى جعفر قال لما قتل الحسين بن على جاء محمد بن الحنفية الى على بن الحسين فقال له يا ابن أخى أنا عمك وصنو أبيك وأنا أسن منك فأنا أحق بالإمامة والوصية فادفع إلى سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله فقال على بن الحسين يا عم اتق الله ولا تدع ما ليس لك فانى أخاف عليك نقص العمر وشتات الأمر فقال له محمد بن الحنفية أنا أحق بهذا الأمر منك فقال له علي بن الحسين يا عم فهل لك الى حاكم نحتكم إليه فقال من هو قال الحجر الأسود قال فتحاكما إليه فلما وقفا عنده قال له يا عم تكلم فأنت المطالب قال فتكلم محمد بن الحنفية فلم يجبه قال فتقدم على بن الحسين فوضع يده عليه وقال اللهم إنى أسئلك باسمك المكتوب في سرادق البهاء وأسألك باسمك المكتوب في سرادق العظمة وأسألك باسمك المكتوب في سرادق القوة وأسألك باسمك المكتوب في سرادق الجلال وأسألك باسمك المكتوب في سرادق السلطان وأسألك باسمك المكتوب في سرادق السراير وأسألك باسمك المكتوب في سرادق المجد وأسألك باسمك الفايق الخبير

[ 323 ]

البصير رب الملائكة الثمانية ورب جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ورب محمد خاتم النبيين لما أنطقت هذا الحجر بلسان عربي فصيح يخبر لمن الإمامة والوصية بعد الحسين بن على قال ثم أقبل على بن الحسين على الحجر فقال أسألك بالذى جعل فيك مواثيق العباد والشهادة لمن وافاك إلا أخبرت لمن الإمامة والوصية بعد الحسين بن على قال فتزعزع الحجر حتى كاد أن يزول من موضعه وتكلم بلسان عربي مبين فصيح يقول يا محمد سلم سلم ان الإمامة والوصية بعد الحسين بن على لعلى بن الحسين قال أبو جعفر فرجع محمد بن الحنفية وهو يقول بأبى على. وروى عن أبى عبد الله أنه التزقت يد رجل وامرأة على الحجر في الطواف فجهد كل واحد منهما أن ينزع يده فلم يقدرا عليه وقال الناس اقطعوهما قال فبيناهما كذلك إذ دخل على بن الحسين فأفرجوا له فلما عرف أمرهما تقدم فوضع يده عليهما فانحلا وتفرقا. وعن أبى عبد الله قال لما ولى عبد الملك بن مروان الخلافة كتب الى الحجاج بن يوسف بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الى الحجاج بن يوسف أما بعد فانظر دماء بنى عبد المطلب فاحتقنها واجتنبها فانى رأيت آل أبى سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا إلا قليلا السلام قال وبعث بالكتاب سرا وورد الخبر على على بن الحسين ساعة كتب الكتاب وبعث به الى الحجاج فقيل له إن عبد الملك قد كتب الى الحجاج كذا وكذا وان الله قد شكر له ذلك وثبت ملكه وزاده برهة قال فكتب على بن الحسين بسم الله الرحمن الرحيم الى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من على بن الحسين أما بعد فانك كتبت يوم كذا وكذا من ساعة كذا وكذا من شهر كذا وكذا بكذا وكذا وان رسول الله صلى الله عليه وآله أنبأني وخبرني وان الله قد شكر لك ذلك

[ 324 ]

وثبت ملكك وزادك فيه برهة وطوى الكتاب وختمه وأرسل به مع غلام له على بعيره وأمره أن يوصله الى عبد الملك ساعه يقدم عليه فلما قدم الغلام أوصل الكتاب الى عبد الملك فلما نظر في تاريخ الكتاب وجده موافقا لتلك الساعة التى كتب فيها الى الحجاج فلم يشك في صدق على بن الحسين وفرح فرحا شديدا وبعث الى على بن الحسين بوقر راحلته دراهم ثوابا لما سره من الكتاب وعن المنهال بن عمرو قال حججت فدخلت على على بن الحسين فقال لى يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل الأسدى قلت تركته حيا بالكوفة قال فرفع يديه ثم قال اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار قال فانصرفت الى الكوفة وقد خرج بها المختار بن أبى عبيدة وكان لى صديقا فركبت لأسلم عليه فوجدته قد دعا بدابته فركبها وركبت معه حتى أتى الكناسة فوقف وقوف منتظر لشئ وكان قد وجه في طلب حرملة بن كاهل فأحضر فقال الحمد لله الذى مكنني منك ثم دعا بالجزار فقال اقطعوا يديه فقطعتا ثم قال اقطعوا رجليه فقطعتا ثم قال النار النار فأتى بطن قصب ثم جعل فيها ثم ألهب فيه النار حتى احترق فقلت سبحان الله سبحان الله فالتفت الى المختار فقال مم سبحت فقلت له دخلت على على بن الحسين فسألني عن حرملة فأخبرته انى تركته بالكوفة حيا فرفع يديه وقال اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار فقال المختار الله الله أسمعت على بن الحسين يقول هذا ؟ قلت الله الله لقد سمعته يقول هذا فنزل مختار فصلى ركعتين ثم أطال ثم سجد وأطال ثم رفع رأسه وذهب ومضيت معه حتى انتهى الى باب دارى فقلت له إن رأيت أن تكرمني بأن تنزل وتتغذى عندي ؟ فقال يا منهال تخبرني ان على بن الحسين دعا بثلاث دعوات فأجابه الله فيها على يدى ثم تسألني الأكل عندك هذا

[ 325 ]

يوم صوم شكر الله على ما وفقني له وسئل على بن الحسين عليه السلام بأى حكم تحكمون قال بحكم آل داود فان عيينا عن شئ تلقانا به روح القدس. وقال عليه السلام هلك من ليس له حكيم يرشده وذل من ليس له سفيه يعضده قال أفقر عباد الله الى رحمته وشفاعة نبيه وأئمته على بن عيسى أغاثه الله في الدنيا والآخرة وجعل تجارته رابحة يوم يكون بعض التجارات خاسرة مناقب الإمام على بن الحسين تكثر النجوم عددا ويجرى واصفها الى حيث لا مدى وتلوح في سماء المناقب كالنجوم لمن اهتدى وكيف لا وهو يفوق العالمين إذا عد عليا وفاطمة والحسن والحسين ومحمدا وهذا تقديم لسجع في الطبع فلا تكن مترددا ومتى أعطيت الفكر حقه وجدت ما شئت فخارا وسؤددا فانه عليه السلام الإمام الربانى والهيكل النوراني بدل الابدال وزاهد الزهاد وقطب الأقطاب وعابد العباد ونور مشكاة الرسالة ونقطة دائرة الإمامة وابن الخيرتين والكريم الطرفين قرار القلب وقرة العين على ابن الحسين وما أدريك ما على بن الحسين الأواه الأواب العامل بالسنة والكتاب الناطق بالصواب ملازم المحراب المؤثر على نفسه المرتفع في درجات المعارف فيومه يفوق على أمسه المتفرد بمعارفه الذى فضل الخلائق بتليده وطارفه وحكم في الشرف فتسنم ذروته وخطر في مطارفه وأعجز بما حواه من طيب المولد وكرم المحتد وزكاء الأرومة وطهارة الجرثومة عجز عنه لسان واصفه وتفرد في خلواته بمناجاته فتعجب الملائكة من مواقفه وأجرى مدامعه خوف ربه فأربى على هامى الصوب وواكفه فانظر أيدك الله في أخباره وألمح بعين الاعتبار عجايب آثاره وفكر في زهده وتعبده

[ 326 ]

وخشوعه وتهجده ودؤوبه في صلاته وأدعيته في أوقات مناجاته واستمراره على ملازمة عباداته وإيثاره وصدقاته وعطاياه وصلاته وتوسلاته التى تدل مع فصاحته وبلاغته على خشوعه لربه وضراعته ووقوفه موقف العصاة مع شدة طاعته واعترافه بالذنوب على براءة ساحته وبكائه ونحيبه وخفوق قلبه من خشية الله ووجيبه وانتصابه وقد أرخى الليل سدوله وجر على الأرض ذيوله مناجيا ربه تقدست أسماؤه مخاطبا له تعالى ملازما بابه عز وجل مصورا نفسه بين يديه معرضا عن كل شئ مقبلا عليه قد انسلخ من الدنيا الدنية وتعرى من الجثة البشرية فجسمه ساجد في الثرى وروحه متعلقه بالملأ الأعلى يتملل إذا مرت به آية من آيات الوعيد حتى كأنه المقصود بها وهو عنها بعيد تجد أمورا عجيبة وأحوالا غريبة ونفسا من الله سبحانه وتعالى قريبة وتعلم يقينا لا شك فيه ولا ارتياب وتعرف معرفة من قد كشف له الحجاب وفتحت له الأبواب ان هذه الثمرة من تلك الشجرة كما أن الواحد جزء العشرة وان هذه النطفة العذبة من ذلك المعين الكريم وان هذا الحديث من ذلك القديم وان هذه الدرة من ذلك البحر الزاخر وان هذا النجم من ذلك القمر الباهر وان هذا الفرع النابت من ذلك الأصل الثابت وان هذه النتيجة من هذه المقدمة وأنه عليه السلام خليفة محمد وعلى والحسن والحسين وفاطمة المكرمة المعظمة هذا أصله الطاهر. وأما فرعه فما أشبه الأول بالآخر فهم عليهم السلام مشكاة الأنوار وسادة الأخيار والأمناء الأبرار والأتقياء الأطهار كل واحد منهم في زمانه علم يهتدى به من وفقه الله وسدده وأمده بعنايته وعضده وهداه الى سبيله وأرشده وأنجده بلطفه وأيده وعلى بن الحسين عليه السلام دوحتهم التى منها تتشعب أغصانهم وارم بنى الحسين فمنه بسقت أفنانهم

[ 327 ]

ولساني يقصر في هذا المقام عن عد مفاخره ووصف فضله وعبارتي تعجز عن النهوض بما يكون كفاءا لشرفه ونبله وكيف لمثلى أن يقوم بواجب نعت مثله وأين الثريا والثرى وإنما يقدر على وصفه من كان يرى ما يرى لكنى أقول على قدر علمي لا على قدره ونيتي أبلغ من قولى عند ذكره وقد قلت أبياتا في مدحه ولا لائمة على من قال بعد إيضاح عذره. مديح على بن الحسين فريضة * على لأنى من أقل عبيده إمام هدى فاق البرية كلها * بأبنائه خير الورى وجدوده فطارفه في فضله وعلائه * وسؤدده من مجده كتليده له شرف فوق النجوم محله * أقر به حتى لسان حسوده ونعمى يد لو قيس بالغيث بعضها * تبينت بخلا في السحاب وجوده وأصل كريم طاب فرعا فأصبحت * تحار عقول من نضارة عوده ونفس براها الله من نور قدسه * فأدركت المكنون قبل وجوده جرى فونى عن جريه كل سابق * وقصر عن هادى الفعال رشيده وأحرز أشتات العلى بماثر * بدا مجدها في وعده ووعيده من القوم لو جاراهم الغيث لانثنى * حسيرا فلم تسمع زئير رعوده هم النفر العز الكرام الذى بهم * ورى زند دين الله بعد صلوده أقاموا عمود الحق فاتضح الهدى * ولولاهم أعشى قيام عموده بهم وضحت سبل المعالى فسل بهم * تجد كل بان للعلاء مشيده سمت بهم حال الى مرتقى علا * تقاصرت الشهب العلى عن صعوده بهم تدفع اللأواء عند حلولها وينهل صوب الغيث بعد جموده أمولاى زين العابدين إصاخة * إلى ذى ولاء أنت بيت قصيده مقيم على دين الولاء محافظ * يناديك من نأى المحل بعيده

[ 328 ]

يحبك حبا صادقا فهو لا ينى * اليك مع الأيام لافت جيده يود بأن يسعى اليك مبادرا * الى جوب أغوار الفلا ونجوده يقبل إجلالا مكانا حللته * ويكحل عينيه بترب صعيده ذكر الامام الخامس ابى جعفر محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب عليهم السلام قال كمال الدين هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه ومتفوق دره وراضعه ومنمق دره وواضعه صفا قلبه وزكا عمله وطهرت نفسه وشرفت أخلاقه وعمرت بطاعة الله أوقاته ورسخت في مقام التقوى قدمه وظهرت عليه سمات الازدلاف وطهارة الاجتباء فالمناقب تسبق إليه والصفات تشرف به. فأما ولادته عليه السلام فبالمدينة في ثالث صفر سنة سبع وخمسين للهجرة قبل قتل جده الحسين بثلاث سنين وقيل غير ذلك فأما نسبه أبا وأما فأبوه زين العابدين على بن الحسين عليهم السلام وأمه فاطمة بنت الحسن بن على بن أبى طالب وتدعى أم الحسن وقيل أم عبد الله وأما اسمه فمحمد وكنيته أبو جعفر وله ثلاث ألقاب باقر العلم

[ 329 ]

والشاكر والهادي وأشهرها الباقر وسمى بذلك لتبقره في العلم وهو توسعه فيه. وأما مناقبه الحميدة وصفاته الجميلة فكثيرة منها قال أفلح مولى أبى جعفر قال خرجت مع محمد بن على حاجا فلما دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته فقلت بأبى أنت وأمى إن الناس ينظرون اليك فلو رفقت بصوتك قليلا فقال لى ويحك يا أفلح ولم لا أبكى لعل الله تعالى أن ينظر إلي منه برحمة فأفوز بها عنده غدا قال ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من كثرة دموع عينيه وكان إذا ضحك قال اللهم لا تمقتنى وقال عبد الله بن عطاء ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند أبى جعفر ولقد رأيت الحكم عنده كأنه متعلم. وروى عنه ولده جعفر عليهما السلام قال كان أبى يقول في جوف الليل في تضرعه أمرتنى فلم أئتمر ونهيتني فلم أنزجر فها أنا عبدك بين يديك ولا أعتذر وقال جعفر فقد أبى بغلة له فقال لئن ردها الله تعالى لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه الى السماء فقال الحمد لله فلم يزد ثم قال ما تركت ولا بقيت شيئا جعلت كل أنواع المحامد لله عز وجل فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت أقول صدق وبر عليه السلام فان الألف واللام في قوله الحمد لله يستغرق الجنس وتفرده تعالى بالحمد ونقل عنه عليه السلام أنه قال ما من عبادة أفضل من عفة بطن وفرج

[ 330 ]

وما من شئ أحب إلى الله من أن يسأل ولا يدفع القضاء إلا الدعاء وان أسرع الخير ثوابا البر وأسرع الشر عقوبة البغى وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه وأن يأمر الناس بما لا يفعله وأن ينهى الناس عما لا يستطيع التحول عنه وأن يؤذى جليسه بما لا يعنيه. وقال عبد الله بن الوليد قال لنا أبو جعفر يوما أيدخل أحدكم يده كم صاحبه فيأخذ ما يريد قلنا لا قال فلستم اخوانا كما تزعمون وقالت سلمى مولاة أبى جعفر كان يدخل عليه اخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب ويكسوهم الثياب الحسنة ويهب لهم الدراهم فأقول له في ذلك ليقل منه فيقول يا سلمى ما حسنة الدنيا إلا صلة الإخوان والمعارف وكان عليه السلام يجيز بخمسمائة والستمائة إلى الألف وكان لا يمل من مجالسة اخوانه. وقال الأسود بن كثير شكوت الى أبى جعفر الحاجة وجفاء الإخوان فقال بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه سبعمائة درهم فقال استنفق هذه فإذا فرغت فاعلمني وقال أعرف المودة لك في قلب أخيك بما له في قلبك ونقل عن ابن الزبير محمد بن مسلم المكى أنه قال كنا عند جابر بن عبد الله فأتاه على بن الحسين ومعه ابنه محمد وهو صبى فقال على لابنه قبل رأس عمك فدنا محمد بن على من جابر فقبل رأسه فقال جابر من هذا وكان قد كف بصره فقال له على هذا ابني محمد فضمه جابر إليه وقال يا محمد محمد رسول الله يقرأ عليك السلام فقالوا لجابر كيف ذلك يا أبا عبد الله فقال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله والحسين في حجره وهو يلاعبه فقال

[ 331 ]

يا جابر يولد لابنى الحسين ابن يقال له على إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم على بن الحسين ويولد لعلى ابن يقال له محمد يا جابر إن رأيته فاقرأه منى السلام واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير فلم يعش جابر بعد ذلك إلا قليلا ومات وهذه وإن كانت منقبة واحدة فهى عظيمة تعادل جملا من المناقب. وأما أولاده فكان له ثلاثة من الذكور وبنت واحدة وأسماء أولاده جعفر وهو الصادق وعبد الله وابراهيم وأم سلمه وقيل كان أولاده أكثر من ذلك ونقل الثعلبي في تفسيره وإن الباقر عليه السلام كان قد نقش على خاتمه هذه ظنى بالله حسن وبالنبى المؤتمن وبالوصى ذى المنن وبالحسين والحسن رواها في تفسيره بسنده متصلا الى ابنه الصادق عليهما السلام وأما عمره فانه مات في سنة سبع عشرة ومائة وقيل غير ذلك وقد نيف على الستين وقيل غير ذلك أقام مع أبيه زين العابدين عليهما السلام بضعا وثلاثين سنة من عمره وقبره بالمدينة بالبقيع بالقبر الذى فيه أبوه وعم أبيه الحسن بالقبة التى فيها العباس رضى الله عنه وقد تقدم ذكر ذلك آخر كلام كمال الدين رحمه الله. وقال الحافظ عبد العزيز الجنابذى أبو جعفر محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم الباقر وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن على بن أبى طالب وأمها أم فروه بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه وكان كثير العلم وعن جعفر بن محمد قال سمعت محمد بن على يذاكر فاطمة بنت الحسين شيئا من صدقة النبي صلى الله عليه وآله فقال هذه توفى لى ثمان وخمسين سنة ومات فيها

[ 332 ]

وقال محمد بن عمرو أما في روايتنا فانه مات سنة سبع عشرة ومائة وهو ابن ثمان وسبعين سنه وقال غيره توفى سنة ثمان عشرة ومائة. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين توفى بالمدينة سنة أربع عشرة ومائة وقال محمد بن سعيد عن ليث عن أبى جعفر قال لا تجالسوا أصحاب الخصومات فانهم الذين يخوضون في آيات الله وعن أبى جعفر عليه السلام قال سمعت جابر بن عبد الله يقول أنت ابن خير البرية وجدك سيد شباب أهل الجنة وجدتك سيدة نساء العالمين وعن أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام قال دخل على جابر وأنا في الكتاب فقال لى أكشف عن بطنك فكشفت له فألصق بطنه ببطنى وقال أمرنى رسول الله صلى الله عليه وآله أن أقرأك السلام وعن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قتل على عليه السلام وهو ابن ثمان وخمسين سنة وقتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة ومات على بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأنا اليوم ابن ثمان وخمسين سنة وعن عمرو بن خالد قال حدثنى زيد بن على وهو آخذ بشعره عن على بن الحسين وهو آخذ بشعره عن الحسين بن على وهو آخذ بشعره قال من آذى شعرة منى فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله تعالى لعنه الله مل ء السموات والأرض وعن الحكم بن عيينة في قوله تعالى إن في ذلك لآيات للمتوسمين قال كان والله محمد بن على منهم وعن سلمى مولاة أبى جعفر قالت كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب ويلبسهم الثياب الحسنة ويهب لهم الدراهم قالت فأقول له في بعض ما يصنع فيقول يا سلمى ما يؤمل في الدنيا

[ 333 ]

بعد المعارف والإخوان وعن الأسود بن كثير وقد تقدمت وفيه فإذا نفذت فاعلمني وعن الحجاج بن أرطاة قال قال أبو جعفر يا حجاج كيف تواسيكم ؟ قلت صالح يا أبا جعفر قال يدخل أحدكم يده في كيس أخيه فيأخذ حاجته إذا احتاج إليه ؟ قلت أما هذا فلا فقال أما لو فعلتم ما احتجتم عن أبى حمزة الثمالى قال حدثنى أبو جعفر محمد بن على عليهما السلام قال لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا تصاحبهم في طريق وقد سبق ذكره في أخبار أبيه عليه السلام وعن حسين بن حسن قال كان محمد بن على يقول سلاح اللئام قبيح الكلام وعن جابر الجعفي قال قال لى محمد بن على يا جابر إنى لمحزون وإنى لمشتغل القلب قلت وما حزنك وما شغل قلبك قال يا جابر إنه من دخل قلبه صافى خالص دين الله شغله عما سواه يا جابر ما الدنيا وما عسى أن يكون ؟ إن هو إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الأبرار وإن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم لك معونة إن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك قوالين بحق الله عز وجل قوامين بأمر الله قطعوا محبتهم لمحبة ربهم ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم وتوحشوا من الدنيا بطاعة مليكهم وعلموا أن ذلك منظور إليه من شأنهم فأنزل الدنيا بمنزل نزلت به وارتحلت عنه أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شئ احفظ الله ما استرعاك من دينه وحكمته.

[ 334 ]

قلت قوله عليه السلام فأنزل الدنيا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وآله ما لى وللدنيا إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب قال تحت شجرة ساعة ثم فارقها ومضى ومنبع الكلامين واحد وهذا الولد من ذلك الوالد. وروى عن أبى جعفر بسند رفعه إليه قال إذا أردت أن تلقى الحب في الأرض فخذ قبضة من ذلك البذر ثم استقبل القبلة ثم قل أفرأيتم ما تحرثون أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ثم تقول لا بل الله الزارع لا فلان وتسمى باسم صاحبه ثم قل اللهم صل على محمد وآل محمد واجعله مباركا وارزقه السلامة والسرور والعافية والغبطة ثم ابذر البذر الذى بيدك وساير البذر وعن أبى جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول كان فيما أعطى الله عز وجل موسى عليه السلام في الألواح الأول اشكر لى ولوالديك أقيك المتألف وأنسئ لك في عمرك وأحيك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها آخر كلامه الذى أوردته. قال الشيخ المفيد رحمه الله في إرشاده باب ذكر الإمام القائم بعد على ابن الحسين عليهما السلام وتاريخ مولده ودلائل إمامته ومبلغ سنه ومدة خلافته ووقت وفاته وسببها وموضع قبره وعدد أولاده ومختصر من أخباره وكان الباقر محمد بن على بن الحسين عليه السلام من بين اخوته خليفة أبيه على بن الحسين عليه السلام والقائم بالإمامة من بعده وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد وكان أنبههم ذكرا وأجلهم في العامة والخاصة وأعظمهم قدرا ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهما السلام من علم الدين والآثار والسنن وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر عن أبى جعفر عليه السلام. وروى عنه معالم الدين دون بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء

[ 335 ]

فقهاء المسلمين وصار بالفضل علما لأهله تضرب به الأمثال وتسير بوصفه الآثار والأشعار وفيه يقول القرطى يا باقر العلم لأهل التقى * وخير من لبى على الأجبل وقال مالك بن أعين الجهنى يمدحه عليه السلام من قصيدة إذا طلب الناس علم القرآن * كانت قريش عليه عيالا وإن قيل أين ابن بنت النبي * نلت بذاك فروعا طوالا نجوم تهلل للمدلجين * جبال تورث علما جبالا. وولد عليه السلام بالمدينة سنه سبع وخمسين من الهجرة وقبض عليه السلام بها سنة أربع عشرة ومائة وسنة يومئذ سبع وخمسون سنة وهو هاشمى من هاشميين علوى من علويين وقبره بالبقيع من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وروى ميمون القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن أبيه عليهم السلام قال دخلت على جابر بن عبد الله رحمة الله عليه فسلمت عليه فرد على السلام ثم قال لى من أنت وذلك بعد ما كف بصره فقلت محمد بن على فقال يا بنى ادن منى فدنوت منه فقبل يدى ثم أهوى إلى رجلى ليقبلها فتنحيت عنه فقال لى إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام فقلت وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته وكيف ذلك يا جابر فقال كنت معه ذات يوم فقال لى يا جابر لعلك أن تبقى الى أن تلقى رجلا من ولدى يقال له محمد بن على بن الحسين يهب الله له النور والحكمة فاقرأه منى السلام وكان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده ذكر محمد بن على والوصاة به وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وعرفه بباقر العلم على ما رواه أصحاب الآثار ومما روى عن جابر بن عبد الله في حديث مجرد أنه قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله يوشك أن تبقى حتى تلقى ولدا من الحسين يقال له محمد

[ 336 ]

يبقر علم الدين بقرا فإذا لقيته فاقرأه منى السلام وروت الشيعة في خبر اللوح الذى هبط به جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله من الجنة وأعطاه فاطمة عليها السلام وفيه أسماء الأئمة من بعده فكان فيه محمد بن على الامام بعد أبيه وروت فيه أيضا أن الله عز وجل أنزل إلى نبيه كتابا مختوما باثنى عشر خاتما وأمره أن يدفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويأمره أن يفض أول خاتم فيه ويعمل بما تحته ثم يدفعه بعد وفاته إلى ابنه الحسن عليه السلام ويأمره بفض الخاتم الثاني والعمل بما تحته ثم يدفعه عند حضور وفاته إلى أخيه الحسين عليه السلام ويأمره أن يفض الخاتم الثالث ويعمل بما تحته ثم يدفعه الحسين عند وفاته إلى ابنه على بن الحسين عليه السلام ويأمره بمثل ذلك ويدفعه على بن الحسين عند وفاته الى ابنه محمد بن على الأكبر ويأمره بمثل ذلك ثم يدفعه محمد إلى ولده حتى ينتهى إلى آخر الأئمة عليهم السلام جمعين. ورووا أيضا نصوصا كثيرة عليه بالامامة بعد أبيه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أمير المؤمنين عليه السلام وعن الحسن والحسين وعلى بن الحسين عليهم السلام. وقد روى الناس من فضائله ومناقبه ما يكثر به الخطاب إن أثبتناه وفيما نذكره منه كفاية فيما نقصده في معناه إن شاء الله. عن عطاء المكى قال ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبى جعفر محمد بن على بن الحسين ولقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبى بين يدى معلمه وقد تقدم مع خلاف في العبارة. وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمد بن على عليهما السلام شيئا قال حدثنى وصى الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمد بن على بن الحسين عليهم السلام

[ 337 ]

وروى مخول بن ابراهيم عن قيس بن الربيع قال سألت أبا اسحق عن المسح على الخفين قال أدركت الناس يمسحون حتى لقيت رجلا من بنى هاشم لم أر مثله قط محمد بن على بن الحسين فسألته عن المسح فنهاني عنه وقال لم يكن على أمير المؤمنين عليه السلام يمسح وكان يقول سبق الكتاب المسح على الخفين قال أبو اسحاق فما مسحت منذ نهانى عنه قال قيس بن الربيع وما مسحت أنا منذ سمعت أبا اسحاق وعن أبى عبد الله عليه السلام ان محمد بن المنكدر كان يقول ما كنت أرى أن مثل على بن الحسين يدع خلفا لفضل على بن الحسين حتى رأيت ابنه محمد بن على عليه السلام فأردت أن أعظه فوعظني فقال له أصحابه بأى شئ وعظك ؟ قال خرجت الى بعض نواحى المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد بن على وكان رجلا بدينا وهو متكئ على غلامين له أسودين أو موليين له فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا أشهد لأعظنه فدنوت منه فسلمت عليه فسلم على بنهر وقد تصبب عرقا فقلت أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال قال فخلى عن الغلامين من يده ثم تساند وقال لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله أكف بها نفسي عنك وعن الناس وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله فقلت يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني. وعن معاوية بن عمار الدهنى عن محمد بن على بن الحسين عليهما السلام في قوله جل اسمه فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون قال نحن أهل الذكر وقد روى أبو جعفر عليه السلام أخبار المبتدأ وأخبار الأنبياء وكتب الناس

[ 338 ]

عنه المغازى وأثروا عنه السير والسنن واعتمدوا عليه في مناسك الحج التى رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم وكتبوا عنه تفسير القرآن وروت عنه الخاصة والعامة الأخبار وناظر من كان يرد عليه من أهل الآراء وحفظه عن الناس كثيرا من علم الكلام. وروى الزهري قال حج هشام بن عبد الملك فدخل المسجد الحرام متكيا على يد سالم مولاه ومحمد بن على بن الحسين عليهم السلام في المسجد فقال له سالم يا أمير المؤمنين هذا محمد بن على بن الحسين قال المفتون به أهل العراق قال نعم قال اذهب إليه فقال له يقول لك أمير المؤمنين ما الذى يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة فقال له أبو جعفر عليه السلام يحشر الناس على أرض مثل قرص نقى فيها أنهار متفرقة يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب قال فرأى هشام أنه قد ظفر به فقال الله أكبر اذهب إليه فقل له ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ فقال له أبو جعفر عليه السلام هي في النار أشغل ولم يشتغلوا عن أن قالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله فسكت ؟ ؟ هشام لا يرجع كلاما وروى العلماء أن عمرو بن عبيد وفد على محمد بن على بن الحسين عليهم السلام ليمتحنه بالسؤال فقال له جعلت فداك ما معنى قوله تعالى أو لم ير الذين كفروا ان السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ما هذا الرتق والفتق فقال له أبو جعفر عليه السلام كانت السماء رتقا لا تنزل القطر وكانت الأرض رتقا لا تخرج النبات فانقطع عمرو ولم يجد اعتراضا ومضى ثم عاد إليه فقال له اخبرني جعلت فداك عن قوله تعالى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى ما غضب الله تعالى فقال أبو جعفر عليه السلام غضب الله عقابه يا عمرو من ظن أن الله يغيره شئ فقد كفر.

[ 339 ]

وكان مع ما وصفناه به من الفضل في العلم والسؤدد والرياسة والإمامة ظاهر الجود في الخاصة والعامة مشهور الكرم في الكافة معروفا بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله يروى عن الحسن بن كثير قال شكوت الى أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام الحاجة وجفاء الاخوان فقال بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه سبعمائة درهم وقال استنفق هذه فإذا نفدت فاعلمني. وعن عمرو بن دينار وعبد الله بن عبيد بن عمير أنهما قالا ما لقينا أبا جعفر محمد بن على عليهما السلام إلا وحمل الينا النفقة والصلة والكسوة ويقول هذه معدة لكم قبل أن تلقوني وعن سليمان بن قرم قال كان أبو جعفر محمد بن على يجيزنا بالخمسمائة درهم إلى الستمائة درهم إلى الألف درهم وكان لا يمل من صلة اخوانه وقاصديه ومؤمليه وراجيه. وروى عن آبائه عليهم السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول أشد الأعمال ثلاثة مواساة الاخوان في المال وإنصاف الناس من نفسك وذكر الله تعالى على كل حال. قال الحسن بن صالح سمعت أبا جعفر محمد بن على يقول ما شيب شئ بشئ أحسن من حلم بعلم وروى عنه عليه السلام أنه سئل عن الحديث يرسله ولا يسنده فقال إذا حدثتكم بالحديث فلم أسنده فسندى فيه أبى عن جدى عن أبيه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل عن الله تعالى. وكان عليه السلام يقول بلية الناس علينا عظيمة ان دعوناهم لم يستجيبوا

[ 340 ]

لنا وان تركناهم لم يهتدوا بغيرنا. وكان عليه السلام يقول ما ينقم الناس منا أهل بيت الرحمة وشجرة النبوة ومعدن الحكمة وموضع الملائكة ومهبط الوحى وتوفى عليه السلام وخلف من الولد سبعة أولاد وكان لكل واحد من اخوته فضل وان لم يبلغ فضله عليه السلام لمكانه من الإمامة ورتبته عند الله في الولاية ومحله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخلافة وكانت مدة إمامته وقيامه مقام أبيه في خلافة الله تعالى على العباد تسع عشرة سنة. ذكر طرف من أخبارهم عليهم السلام وكان عبد الله بن على بن الحسين أخو أبى جعفر عليه السلام يلى صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام وكان فاضلا فقيها وروى عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبارا كثيرة وحدث الناس عنه وحملوا عنه الآثار. فمن ذلك ما هو مرفوع إلى عمارة بن غزية عن عبد الله بن على بن الحسين أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن البخيل كل البخيل الذى إذا ذكرت عنده لم يصل على صلى الله عليه وآله وسلم وعن عبد الله بن سمعان قال لقيت عبد الله بن على بن الحسين فحدثني عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقطع يد السارق اليمنى في أول سرقته فان سرق ثانية قطع رجله اليسرى فان سرق ثالثة خلده السجن. وكان عمر بن على بن الحسين فاضلا جليلا وولى صدقات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام وكان ورعا سخيا. روى الحسين بن زيد قال رأيت عمى عمر بن على بن الحسين يشترط

[ 341 ]

على من ابتاع صدقات على عليه السلام أن يثلم في الحائط كذا وكذا ثلمة ولا يمنع من دخله أن يأكل منه. وعن عبيد الله بن حرير القطان قال سمعت عمر بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب يقول المفرط في حبنا كالمفرط في بغضنا لنا حق بقرابتنا من نبينا عليه وآله السلام وحق جعله الله لنا فمن تركه ترك عظيما أنزلونا بالمنزل الذى أنزلنا الله به ولا تقولوا فينا ما ليس فينا ان يعذبنا الله فبذنوبنا وان يرحمنا فبرحمته وفضله. وكان زيد بن على بن الحسين عين اخوته بعد أبى جعفر عليه السلام وأفضلهم وكان عابدا ورعا فقيها سخيا شجاعا فظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين عليه السلام. عن أبى الجارود زياد بن المنذر قال قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن على قيل لى ذاك حليف القرآن. وروى هشام قال سألت خالد بن صفوان عن زيد بن على وكان يحدثنا عنه فقلت أين لقيته فقال بالرصافة فقلت أي رجل كان فقال كان ما علمت يبكى من خشية الله حتى تختلط دموعه بمخاطه. واعتقد كثير من الشيعة فيه الإمامة وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمد فظنوه يريد بذلك نفسه ولم يكن يريدها به لمعرفته باستحقاق أخيه الإمامة من قبله ووصيته عند وفاته إلى أبى عبد الله عليه السلام وكان سبب خروج أبى الحسين زيد بن على رضى الله عنه بعد الذى ذكرناه من غرضه في الطلب بدم الحسين عليه السلام أنه دخل على هشام بن عبد الملك وقد جمع له هشام أهل الشام وأمر أن يتضايقوا في المجلس حتى لا يتمكن من الوصول إلى قربه فقال له زيد إنه ليس من

[ 342 ]

عباد الله أحد فوق أن يوصى بتقوى الله ولا من عباده أحد دون أن يوصى بتقوى الله وأنا أوصيك بتقوى الله يا أمير المؤمنين فاتقه فقال له هشام أنت المؤهل نفسك للخلافة الراجى لها وما أنت وذاك لا أم لك وإنما أنت ابن أمة فقال له زيد إنى لا أعلم أحدا أعظم عند الله منزلة من نبى بعثه الله وهو ابن أمة فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث وهو اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام فالنبوة أعظم أم الخلافة يا هشام وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ابن على بن أبى طالب أن يكون ابن أمة. فوثب هشام عن مجلسه ودعا قهرمانة وقال لا يبيتن هذا في عسكري فخرج زيد وهو يقول لم يكره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا فلما وصل الكوفة اجتمع إليه أهلها فلم يزالوا به حتى بايعوه على الحرب ثم نقضوا بيعته وأسلموه فقتل رحمة الله عليه. وصلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم ولا يغير بيد ولا لسان ولما قتل بلغ ذلك من أبى عبد الله الصادق عليه السلام كل مبلغ وحزن له حزنا عظيما حتى بان عليه وفرق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه الف دينار. روى ذلك أبو خالد الواسطي قال سلم لى أبو عبد الله عليه السلام الف دينار وأمرني أن أقسمها في عيال من أصيب مع زيد فأصاب عيال عبد الله بن الزبير أخى فضيل الريان منها أربعة دنانير وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين ومائة وكان سنه يوم قتل اثنين وأربعين سنة. وكان الحسين بن على بن الحسين ورعا فاضلا وروى حديثا كثيرا عن أبيه على بن الحسين عليهما السلام وعمته فاطمة بنت الحسين وأخيه أبى جعفر عليه السلام. وروى أحمد بن عيسى قال حدثنا أبى قال كنت أرى الحسين بن على

[ 343 ]

ابن الحسين يدعو فكنت أقول لا يضع يده حتى يستجاب له في الخلق جميعا وروى حرب الطحان قال حدثنى سعيد صاحب الحسن بن صالح قال لم أر أحدا أخوف من الحسن بن صالح لله تعالى حتى قدمت المدينة فرأيت الحسين بن على بن الحسين عليهما السلام فلم أر أحدا أشد خوفا منه كأنما أدخل النار ثم أخرج منها لشدة خوفه. وعن الحسين بن على بن الحسين قال كان ابراهيم بن هشام المخزومى واليا على المدينة وكان يجمعنا يوم الجمعة قريبا من المنبر ثم يقع في أمير المؤمنين على عليه السلام ويشتمه قال فحضرت يوما وقد امتلأ ذلك المكان فلصقت بالمنبر فأغفيت فرأيت القبر وقد انفرج وخرج منه رجل عليه ثياب بياض فقال لى يا أبا عبد الله ألا يحزنك ما يقول هذا قلت بلى والله قال افتح عينيك فانظر ما يصنع الله به فإذا هو قد ذكر عليا عليه السلام فرمى من فوق المنبر فمات لعنه الله باب ذكر ولد ابى جعفر محمد بن علي عليهما السلام وعددهم وأسمائهم قد ذكرنا فيما سلف أن ولد أبى جعفر عليهم السلام سبعة نفر أبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وكان يكنى به وعبد الله بن محمد أمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر وابراهيم وعبيد الله درجا أمهما أم حكيم بنت أسد بن المغيرة الثقفية وعلى وزينب لأم ولد وأم سلمة لأم ولد ولم يعتقد في أحد من ولد أبى جعفر الإمامة إلا في أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام خاصة وكان أخوه عبد الله رضى الله عنه يشار إليه بالفضل

[ 344 ]

والصلاح وروى أنه دخل على بعض بنى أمية فأراد قتله فقال له عبد الله رحمة الله عليه لا تقتلني فأكون لله عليك عونا ولكن لك على الله عونا يريد بذلك أنه ممن يشفع إلى الله بذلك فيشفعه فلم يقبل ذلك منه وقال له الأموي لست هناك وسقاه السم فقتله رضى الله عنه آخر قول الشيخ المفيد رحمه الله في هذا الباب. قال الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء ومنهم الإمام الحاضر الذاكر الخاشع الصابر أبو جعفر محمد بن على الباقر وكان من سلالة النبوة وجمع حسب الدين والأبوة تكلم عليه السلام في العوارض والخطرات وسفح الدموع والعبرات ونهى المراء والخصومات وقيل إن التصوف التعزز بالحضرة والتميز للخطرة. عن خلف بن حوشب عن أبى جعفر محمد بن على عليه السلام قال الايمان ثابت في القلب واليقين خطرات فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية وعنه عليه السلام أنه قال ما دخل قلب أحد شئ من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك قل ذلك أو كثر وعن سفيان الثوري قال سمعت منصورا يقول سمعت محمد بن على ابن الحسين عليهم السلام يقول الغناء والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا الى مكان فيه التوكل أوطناه وعن زياد بن خثيمة عن أبى جعفر عليه السلام قال الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر. وعن ثابت عن محمد بن على بن الحسين عليهم السلام في قوله تعالى (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) قال الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في دار الدنيا.

[ 345 ]

وعن أبى حمزة الثمالى عن أبى جعفر عليه السلام في قوله (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) قال بما صبروا على الفقر ومصائب الدنيا وعن جابر يعنى الجعفي قال قال لى محمد بن على يا جابر إنى لمحزون وانى لمشتغل القلب وقد تقدمت قبل وعن سعد الاسكاف عن أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام قال عالم ينتفع بعلمه أفضل من الف عابد وعنه عن أبى جعفر عليه السلام قال والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابدا وعن يونس بن يعقوب عن أخيه عن أبى جعفر عليه السلام قال شيعتنا ثلاثة أصناف صنف يأكلون الناس بنا وصنف كالزجاج يتهشم وصنف كالذهب الأحمر كلما أدخل النار ازداد جودة وعن الأصمعى قال قال محمد بن على لابنه يا بنى إياك والكسل والضجر فانهما مفتاح كل شر انك ان كسلت لم تؤد حقا وان ضجرت لم تصبر على حق وعن حجاج عن أبى جعفر عليه السلام قال أشد الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال وإنصافك من نفسك ومواساة الأخ في المال وعن جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال إن الله عز وجل يلقى في قلوب شيعتنا الرعب فإذا قام قائمنا وظهر مهدينا كان الرجل أجرأ من ليث وأمضى من سنان. وعن جابر عن أبى جعفر قال شيعتنا من أطاع الله. وعن جعفر عن أبيه محمد عليهما السلام قال إياكم والخصومة فانها تفسد القلب وتورث النفاق.

[ 346 ]

قلت قد صدق عليه السلام وبر ومثله من زاد على الناس وأبر وهذه الخصومة يريد بها عليه السلام الخصومة في المذاهب والجدل في الاعتقادات فان المتخاصمين في هذا اما أن يتساووا في القوة فتفسد قلوبهم ويتحاربون دائما واما أن يضعف قوم عن قوم فيحتاجون إلى النفاق ليكف القوى بما يراه من إظهار الضعف من التودد إليه ولو قيل في كل الخصومات الواقعة بين الناس جاز لاحتمال المعنى لها والله أعلم وعن الحكم عن أبى جعفر قال الذين يخوضون في آيات الله هم أصحاب الخصومات وقال عليه السلام كان نقش خاتم أبى (القوة لله جميعا). وعن أحمد بن بجير قال قال محمد بن على عليهما السلام كان لى أخ في عينى عظيم وكان الذى عظمه في عينى صغر الدنيا في عينه قلت هذا الكلام طويل وهو منسوب إلى أمير المؤمنين على عليه السلام وهو من محاسن الكلام ومختاره وقد أورده السيد الشريف الرضى الموسوي رضى الله عنه في نهج البلاغة وعن ابن المبارك قال قال محمد بن على بن الحسين عليه السلام من أعطى الخلق والرفق فقد أعطى الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته ومن حرم الخلق والرفق كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية إلا من عصمه الله وأسند أبو جعفر محمد بن على عليهما السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري وروى عن ابن عباس وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وأنس بن مالك وعن الحسن والحسين عليهما السلام وأسند عن سعيد بن المسيب وعبد الله ابن أبى رافع وروى عنه من التابعين عمرو بن دينار وعطاء بن أبى رباح وجابر

[ 347 ]

الجعفي وأبان بن تغلب وروى عنه من الأئمة الأعلام ابن جريج وليث ابن أبى سليم وحجاج بن أرطاة في آخرين عن سفيان بن سعيد الثوري حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وآله أمر النفساء أن تحرم وتفيض الماء عليها وعن الثوري أمر أسماء بنت عميس وبالإسناد قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في خطبته نحمد الله عز وجل ونثنى عليه بما هو له أهل ثم يقول من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادى له ان أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ثم يقول بعثت أنا والساعة كهاتين وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش صبحتكم ومستكم ثم قال من ترك ما فلأهله من ترك ضياعا أو دينا فإلى أو على أنا ولى المؤمنين صحيح ثابت من حديث محمد بن على رواه وكيع وغيره عن الثوري وبالاسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه صاحب الحوت وحنا جبهته وأصغى بسمعه وينتظر متى يؤمر فينفح قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل غريب من حديث الثوري عن جعفر تفرد به الرملي عن القربانى ومشهوره ما رواه أبو نعيم وغيره عن الثوري عن الأعمش عن عطية عن أبى سعيد الخدرى وعن جابر عن جعفر بن محمد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول إن ابن آدم لفى غفلة عما خلقه الله له ان الله لا إله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله واكتب شقيا أو سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث إليه ملك فيحفظه حتى يدرك ثم يبعث إليه ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا جاءه الموت ارتفع ذانك الملكان ثم جاءه ملك الموت

[ 348 ]

يقبض روحه فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده ثم يرتفع ملك الموت ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان فإذا قامت الساعه انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات وانتشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد ثم قال الله تعالى (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك). قال رسول الله صلى الله عليه وآله وقول الله تعالى (لتركبن طبقا عن طبق) قال حالا بعد حال ثم قال النبي صلى الله عليه وآله إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم وعن أبى جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من كان حسن الصورة في حسب لا يشينه متواضعا كان من خالص الله عز وجل يوم القيامة وعن أبى عبد الله عن أبيه أبى جعفر عن أبيه على بن الحسين عن أبيه الحسين عن أبيه على بن أبى طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من نقله الله عز وجل من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس ومن خاف الله أخاف الله منه كل شئ ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ ومن رضى من الله باليسير من الرزق رضى الله منه باليسير من العمل ومن لم يستح من طلب المعيشة خفت مؤنته ورخى باله ونعم عياله ومن زهد في الدنيا ثبت الله الحكمة في قلبه وانطق بها لسانه وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار القرار غريب لم يروه مسندا مرفوعا إلا العترة الطاهرة خلفها عن سلفها وعن أبى الصلت عبد السلام بن صالح الهروي حدثنى على بن موسى الرضا حدثنى أبى موسى بن جعفر حدثنى أبى جعفر بن محمد حدثنى أبى محمد بن على حدثنى أبى على بن الحسين حدثنى أبى الحسين بن على حدثنى أبى على

[ 349 ]

ابن أبى طالب عليهم السلام قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عليه السلام قال قال الله عز وجل من قائل إنى أنا الله الذى لا إله إلا أنا فاعبدون من جاءني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالاخلاص دخل (في) حصنى ومن دخل (في) حصنى أمن من عذابي ثابت مشهور بهذا الاسناد برواية الطاهرين عن آبائهم الطيبين وكان بعض سلفنا من المحدثين إذا روى بهذا الاسناد حديثا قال لو قرئ هذا الاسناد على مجنون لأفاق قال الأنصاري وقال لى أحمد بن رزين سألت الرضا عن الاخلاص فقال طاعة الله قلت قد نقلت الحديث المذكور عن الرضا عن آبائه عليهم السلام من طريق آخر وأنا أذكره إن شاء الله عند بلوغي الى ذكره عليه السلام هذا آخر ما أردت نقله من كتاب حلية الأولياء. قال الشيخ العالم أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب رحمه الله ذكر محمد الباقر بن على سيد العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام. وبالاسناد الأول عن محمد بن سنان ولد محمد عليه السلام قبل مضى الحسين ابن على بثلاث سنين وتوفى وهو ابن سبع وخمسين سنة سنة مائة وأربع عشرة من الهجرة وأقام مع أبيه على بن الحسين خمسا وثلاثين سنة إلا شهرين وأقام بعد مضى أبيه تسع عشرة سنة وكان عمره سبعا وخمسين سنة وفى رواية أخرى قام أبو جعفر وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وكان مولده سنة ست وخمسين وقد أدركه جابر بن عبد الله الأنصاري وهو صغير في الكتاب وأقرأه عن رسول الله صلى الله عليه وآله السلام وقال هكذا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وآله رواه أبو الزبير قال كنا عند جابر بن عبد الله فأتاه على بن الحسين ومعه ابنه محمد بن على فقال على لمحمد قبل رأس عمك فدنا محمد من جابر فقبل رأسه

[ 350 ]

فقال جابر من هذا فقال ابني محمد فضمه جابر إليه وقال يا محمد محمد رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ عليك السلام فقيل لجابر وكيف ذاك فقال كنت مع رسول الله والحسين في حجره وهو يلاعبه فقال يا جابر يولد لابنى الحسين ابن يقال له على إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم على بن الحسين ويولد لعلى ابن يقال له محمد يا جابر فان رأيته فاقرأه منى السلام واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير فما أتى على جابر أيام يسيرة حتى مات قال على بن عيسى أثابه الله هذه فضيلة من فضائلهم عليهم السلام ودليل من دلائلهم باق على مر الأيام ومنقبة من مناقبهم المروية على لسان الخاص والعام وعجيبة من عجائبهم التى يشهد بها كل الأقوام. قال فيه البليغ ما قال ذو العى فكل بفضله منطيق وكذاك العدو لم يعد أن قال جميلا كما يقول الصديق. قال حدثنا بذلك صدقة بن موسى بن تميم بن ربيعة بن ضمرة ثم قال حدثنا أبى عن أبيه عن أبى الزبير عن جابر بذلك. أم محمد فاطمة أم الحسن بنت الحسن بن على لقبه باقر العلم والهادي والشاكر ولد له ثلاث بنين وابنة أسماء بنيه عليهم السلام جعفر الإمام الصادق وعبد الله وابراهيم وأم سلمة فقط قبره بالبقيع يكنى بأبى جعفر آخر كلامه ومن كتاب الدلائل للحميري عن يزيد بن أبى حازم قال كنت عند أبى جعفر فمررنا بدار هشام بن عبد الملك وهى تبنى فقال أما والله لتهدمن أما والله لينقلن ترابها من مهدمتها أما والله لتبدون أحجار الزيت وانه لموضع النفس الزكية فتعجبت وقلت دار هشام من يهدمها فسمعت أذنى هذا

[ 351 ]

من أبى جعفر قال فرأيتها بعد ما مات هشام وقد كتب الوليد في أن تستهدم وينقل ترابها فنقل حتى بدت الأحجار ورأيتها وبالإسناد قال كنت مع أبى جعفر فمر بنا زيد بن على فقال أبو جعفر أما والله ليخرجن بالكوفة وليقتلن وليطافن برأسه ثم أتى به فنصب في ذلك الموضع على قصبة فتعجبنا من القصبة وليس في المدينة قصب أتو بها معهم وعن أبى بصير قال قال أبو جعفر كان فيما أوصى أبى إلى أن قال يا بنى إذا أنا مت فلا يلى غسلى أحد غيرك فان الإمام لا يغسله إلا إمام واعلم أن عبد الله أخاك سيدعو الناس الى نفسه فدعه فان عمره قصير فلما مضى أبى وغسلته كما أمرنى وادعى عبد الله الإمامة مكانه فكان كما قال أبى وما لبث عبد الله إلا يسيرا حتى مات وكانت هذه من دلالته يبشر بالشئ قبل أن يكون فيكون وبها يعرف الإمام وعن فيض بن مطر قال دخلت على أبى جعفر عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن صلاة الليل في المحمل قال فابتدأني فقال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلى على راحلته حيث توجهت به عن سعد الاسكاف قال طلبت الاذن على أبى جعفر فقيل لى لا تعجل ان عنده قوما من اخوانكم فما لبثت أن خرج على اثنا عشر رجلا يشبهون الزط وعليهم أقبية ضيقات وخفاف فسلموا ومروا فدخلت على أبى جعفر فقلت له ما عرفت هؤلاء الذين خرجوا من عندك من هم قال هؤلاء قوم من اخوانكم الجن قال قلت ويظهرون لكم فقال نعم يغدون علينا في حلالهم وحرامهم كما تغدون وعن أبى عبد الله قال سمعت أبى يقول ذات يوم إنما بقى من أجلى خمس سنين فحسبت ذلك فما زاد ولا نقص

[ 352 ]

وعن محمد بن مسلم قال سرت مع أبى جعفر ما بين مكة والمدينة وهو على بغلة وأنا على حمار له إذ أقبل ذئب يهوى من رأس الجبل حتى دنا من أبى جعفر فحبس البغلة ودنا الذئب حتى وضع يده على قربوس سرجه وتطاول بخطمه إليه وأصغى إليه أبو جعفر باذنه مليا ثم قال اذهب فقد فعلت فرجع الذئب وهو يهرول فقال لى تدرى ما قال فقلت الله ورسوله وابن رسوله أعلم قال إنه قال لى يا ابن رسول الله إن زوجتى في ذلك الجبل وقد عسر عليها ولادتها فادع الله أن يخلصها ولا يسلط أحدا من نسلى على أحد من شيعتكم قلت قد فعلت وعن عبد الله بن عطاء المكى قال اشتقت إلى أبى جعفر وأنا بمكة فقدمت المدينة ما قدمتها إلا شوقا إليه فأصابني تلك الليلة مطر وبرد شديد فانتهيت إلى بابه نصف الليل فقلت أطرقه الساعة أو أنتظره حتى يصبح فانى لأفكر في ذلك إذ سمعته يقول يا جارية افتحي الباب لابن عطاء فقد أصابه في هذه الليلة برد وأذى قال فجاءت ففتحت الباب ودخلت وعن أبى عبد الله قال كنت عند أبى محمد بن على في اليوم الذى قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وكفنه وفي دخوله قبره قال فقلت يا أبة والله ما رأيتك مذ اشتكيت أحسن هيئة منك اليوم ما أرى عليك أثر الموت فقال يا بنى أما سمعت على بن الحسين ينادى من وراء الجدار يا محمد تعال عجل ! ! وعن حمزة بن محمد الطيار قال أتيت باب أبى جعفر استأذن عليه فلم يأذن لى وأذن لغيري فرجعت إلى منزلي وأنا مغموم فطرحت نفسي على سرير في الدار فذهب عنى النوم فجعلت أفكر وأقول إلى من إلى المرجئة يقول كذا والقدرية تقول كذا والحرورية تقول كذا والزيدية تقول

[ 353 ]

كذا فيفسد عليهم قولهم فأنا أفكر في هذا حتى نادى المنادى فإذا الباب يدق فقلت من هذا فقال رسول أبى جعفر فخرجت إليه فقال أجب فأخذت ثيابي على ومضيت فلما دخلت إليه قال يا ابن محمد لا إلى المرجئة ولا القدرية ولا إلى الزيدية ولا إلى الحرورية ولكن الينا إنما حجبت لكذا وكذا ففعلت وقلت به وعن مالك الجهنى قال كنت قاعدا عند أبى جعفر فنظرت إليه وجعلت أفكر في نفسي وأقول لقد عظمك الله وكرمك وجعلك حجة على خلقه فالتفت إلى وقال يا مالك الأمر أعظم مما تذهب إليه وعن جابر قال سمعت أبا جعفر يقول لا يخرج على هشام أحد إلا قتله فقلنا لزيد هذه المقالة فقال إنى شهدت هشاما ورسول الله صلى الله عليه وآله يسب عنده فلم ينكر ذلك ولم يغيره فو الله لو لم يكن إلا أنا وآخر لخرجت عليه وعن أبى الهذيل قال قال لى أبو جعفر يا أبا الهذيل إنه لا تخفى علينا ليلة القدر ان الملائكة يطيفون بنا فيها وعن أبى عبد الله قال كان في دار أبى جعفر فاختة فسمعها وهى تصيح فقال تدرون ما تقول هذه الفاختة قالوا لا قال تقول فقدتكم فقدتكم نفقدها قبل أن تفقدنا ثم أمر بذبحها آخر ما أردت إثباته من كتاب الدلائل ونقلت من كتاب جمعه الوزير السعيد مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن محمد بن على بن العلقمي رحمه الله تعالى قال ذكر الأجل أبو الفتح يحيى بن محمد بن حياء الكاتب قال حدث بعضهم قال كنت بين مكة والمدينة فإذا أنا بشبح يلوح من البرية يظهر تارة ويغيب أخرى حتى قرب منى فتأملته

[ 354 ]

فإذا هو غلام سباعى أو ثمانى فسلم على فرددت عليه السلام وقلت من أين قال من الله فقلت وإلى أين قال إلى الله قال فقلت فعلا م فقال على الله فقلت فما زادك قال التقوى فقلت ممن أنت قال أنا رجل عربي فقلت ابن لى قل أنا رجل قرشي فقلت ابن لى فقال أنا رجل هاشمى فقلت ابن لى قال أنا رجل علوى ثم أنشد فنحن على الحوض ذواده * نذود ويسعد وراده فما فاز من فاز إلا بنا * وما خاب من حبنا زاده فمن سرنا نال منا السرور * ومن ساءنا ساء ميلاده ومن كان غاصبنا حقنا * فيوم القيامة ميعاده ثم قال أنا محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ثم التفت فلم أره فلا أعلم أهل صعد إلى السماء أم نزل في الأرض ووقع إلى عند الانتهاء إلى أخبار مولانا أبى جعفر محمد بن على الباقر عليهما السلام كتاب جمعه الإمام قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي رحمه الله وسماه كتاب الخرايج والجرايح في معجزات النبي والأئمة عليه وعليهم السلام ولعلى مع مشية الله أختار منه ما أراه في أخبار النبي صلى الله عليه وآله وعلي والحسن والحسين وعلى بن الحسين عليهم السلام وأثبت كلا في بابه. قال الباب السادس في معجزات محمد الباقر عليه السلام عن عباد بن كثير البصري قال قلت للباقر ما حق المؤمن على الله فصرف وجهه فسألته عنه ثلاثا فقال من حق المؤمن على الله أن لو قال لتلك النخلة اقبلي لأقبلت فنظرت والله الى النخلة التى كانت هناك قد تحركت مقبلة فأشار إليها قرى فلم أعنك

[ 355 ]

ومنها ما روى عن أبى الصباح الكنانى قال صرت يوما الى باب محمد الباقر فقرعت الباب فخرجت إلى وصيفة ناهد فضربت بيدى الى رأس ثديها وقلت لها قولى لمولاك انى بالباب فصاح من داخل الدار ادخل لا أم لك فدخلت فقلت يا مولاى ما قصدت ريبة ولا أردت إلا زيادة ما في نفسي فقال صدقت لئن ظننتم ان هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم إذن فلا فرق بيننا وبينكم فاياك أن تعاود الى مثلها ومنها ان حبابة الوالبية دخلت على الباقر عليه السلام فقال الباقر لها ما الذى أبطا بك عنى فقالت بياض عرض في مفرق رأسي شغل قلبى قال أرنيه فوضع الباقر يده عليه فإذا هو أسود ثم قال هاتوا لها المرآة فنظرت وقد اسود ذلك الشعر ومنها ما روى عن أبى بصير قال كنت مع الباقر عليه السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله قاعدا حدثان ما مات على بن الحسين عليهما السلام إذ دخل المنصور وداود بن سليمان قبل أن أفضى الملك الى ولد العباس وما قعد إلا داود الى الباقر فقال ما منع الدوانيقي أن يأتي قال فيه جفاة قال الباقر لا تذهب الأيام حتى يلى أمر هذا الخلق فيطأ أعناق الرجال ويملك شرقها وغربها ويطول عمره فيها حتى يجمع من كنوز الأموال ما لم يجتمع لأحد قبله فقام داود وأخبر الدوانيقي بذلك فأقبل إليه الدوانيقي وقال ما منعنى من الجلوس اليك إلا إجلالك فما الذى أخبرني به داود قال هو كائن قال وملكنا قبل ملككم قال نعم قال ويملك بعدى أحد من ولدى قال نعم قال فمدة بنى أمية أكثر أم مدتنا قال مدتكم أطول وليتلقفن هذا الملك صبيانكم ويلعبون به كما يلعبون بالكرة هذا ما عهده إلى أبى فلما ملك الدوانيقي تعجب من قول الباقر

[ 356 ]

ومنها ما روى عن أبى بصير قال قلت يوما للباقر أنتم ذرية رسول الله قال نعم قلت ورسول الله وارث الأنبياء كلهم قال نعم ورث جميع علومهم قلت وأنتم ورثتم جميع علم رسول الله قال نعم قلت وأنتم تقدرون أن تحيوا الموتى وتبرئوا الأكمه والأبرص وتخبروا الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم قال نعم باذن الله ثم قال ادن منى يا أبا بصير فدنوت منه فمسح بيده على وجهى فأبصرت السهل والجبل والسماء والأرض ثم مسح بيده على وجهى فعدت كما كنت لا أبصر شيئا قال أبو بصير فقال لى الباقر إن أحببت أن تكون هكذا كما أبصرت وحسابك على الله وان كنت تحب كما كنت وثوابك الجنة فقلت أكون كما كنت والجنة أحب إلى ومنها ما قال جابر كنا عند الباقر عليه السلام نحو من خمسين رجلا إذ دخل عليه كثير النواء وكان من المعامرة فسلم وجلس ثم قال إن المغيرة ابن عمران عندنا بالكوفة يزعم ان معك ملكا يعرفك الكافر من المؤمن وشيعتك من أعدائك قال ما حرفتك قال أبيع الحنطة قال كذبت قال وربما أبيع الشعير قال ليس كما قلت بل تبيع النوا قال من أخبرك بهذا قال الملك الربانى يعرفني شيعتي من عدوى ولست تموت إلا تائها قال جابر فلما انصرفت الى الكوفة ذهبت في جماعة نسأل عن كثير فدللنا على عجوز فقالت مات تائها منذ ثلاثة أيام ومنها وقد اختصرت ألفاظها قال عاصم بن أبى حمزة ركب الباقر عليه السلام يوما الى حائط له وأنا معه وسليمان بن خالد فسرنا قليلا فلقينا رجلان فقال عليه السلام هما سارقان خذوهما فأخذهما عبيدة فقال استوثقوا منهما وقال لسليمان انطلق الى ذلك الجبل مع هذا الغلام واصعد رأسه

[ 357 ]

تجد في أعلاه كهفا فادخله واستخرج ما فيه وحمله الغلام فهو قد سرق من رجلين فمضى وأحضر عيبتين فقال صاحباهما حاضر ثم قال عليه السلام وعيبة أخرى أيضا في الجبل وصاحبها غائب سيحضر واستخرج عيبة أخرى من موضع آخر في الكهف وعاد الى المدينة فدخل صاحب العيبتين وقد كان ادعى على جماعة أراد الوالى يعاقبهم فقال الباقر عليه السلام لا تعاقبهم وردهما الى الرجل وقطع السارقين فقال أحدهما لقد قطعنا بحق فالحمد لله الذى أجرى قطعي وتوبتى على يدى ابن رسول الله فقال لقد سبقتك يدك التى قطعت الى الجنة بعشرين سنة فعاش بعد قطعها عشرين سنة وبعد ثلاثة أيام حضر صاحب العيبة الأخرى فقال له الباقر عليه السلام أخبرك بما في عيبتك فيها الف دينار لك والف دينار لغيرك وفيها من الثياب كذا وكذا فقال إن أخبرتني بصاحب الألف وما اسمه وأين هو علمت انك الإمام المفترض الطاعة قال هو محمد بن عبد الرحمان وهو صالح كثير الصدقة والصلاة وهو الآن على الباب ينتظرك فقال الرجل وهو بربرى نصراني آمنت بالله الذى لا إله إلا هو وأن محمدا عبده ورسوله وأسلم ومنها ما روى الحسين بن راشد قال ذكرت زيد بن على فتنقصته عند أبى عبد الله فقال لا تفعل رحم الله عمى زيدا فانه أتى أبى الباقر فقال انى أريد الخروج على هذا الطاغية فقال لا تفعل يا زيد فانى أخاف أن تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة أما علمت يا زيد انه لا يخرج أحد من ولد فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السفياني إلا قتل ثم قال له يا حسين ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار وفيهم نزل ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فالظالم لنفسه الذى لا يعرف الإمام والمقتصد

[ 358 ]

العارف بحق الإمام والسابق بالخيرات هو الإمام ثم قال يا حسين إنا أهل بيت لا نخرج من الدنيا حتى نقر لكل ذى فضل بفضله ومنها ما روى أبو بصير عن أبى جعفر أنه قال انى لأعرف رجلا لو قام بشاطئ البحر لعرف دواب البحر بامهاتها وعماتها وخالاتها ومنها ان جماعة استأذنوا على أبى جعفر قالوا فلما صرنا في الدهليز سمعنا إذا قراءة السريانية بصوت حسن يقرأ ويبكى حتى أبكى بعضنا وما نفهم مما يقول شيئا فظننا أن عنده بعض أهل الكتاب استقرأه فلما انقطع الصوت دخلنا عليه فلم نر عنده أحدا فقلنا له قد سمعنا قراءة سريانية بصوت حزين قال ذكرت مناجاة اليا النبي فأبكتني ومنها ما روى عن عيسى بن عبد الرحمان عن أبيه قال دخل ابن عكاشة بن محصن الأسدى على أبى جعفر وكان أبو عبد الله قائما عنده فقدم إليه عنبا فقال حبة حبة يأكله الشيخ الكبير والصبى الصغير وثلاثه وأربعة يأكله من يظن أنه لا يشبع فكله حبتين حبتين فانه يستحب فقال لأبى جعفر لأى شئ لا تزوج أبا عبد الله فقد أدرك للتزويج وبين يديه صرة مختومة فقال سيجئ نخاس من بربر ينزل دار ميمون فأتى لذلك ما أتى فدخلنا على أبى جعفر فقال ألا أخبركم عن ذلك النخاس الذى ذكرته لكم فاذهبوا فاشتروا بهذه الصرة جارية فأتينا النخاس فقال قد بعت ما كان عندي إلا جاريتين إحداهما أمثل من الأخرى قلنا فاخرجهما حتى ننظر اليهما فاخرجهما فقلنا بكم تبيعنا هذه المتماثلة قال بسبعين دينارا قلنا أحسن قال لا أنقص من سبعين دينارا فقلنا نشتريها منك بهذه الصرة ما بلغت وما ندرى ما فيها وكان عنده رجل أبيض الرأس واللحية فقال فكوا الخاتم وزنوا فقال النخاس لا تفكوا فانها ان نقصت حبة من السبعين لا أبايعكم

[ 359 ]

قال الشيخ زنوا ففككنا ووزنا الدنانير فإذا هي سبعون لا تزيد ولا تنقص فأخذنا الجارية فأدخلناها على أبى جعفر وجعفر قائم عنده فأخبرنا أبا جعفر بما كان فحمد الله ثم قال لها ما اسمك قالت حميدة قال حميدة في الدنيا محمودة في الآخرة أخبريني عنك أ بكر أم ثيب قالت بكر قال فكيف ولا يقع في أيدى النخاسين شئ إلا أفسدوه قالت كان يجئ النخاس فيقعد منى فيسلط الله عليه رجلا أبيض الرأس واللحية فلا يزال يلطمه حتى يقوم عنى ففعل بى مرارا وفعل الشيخ مرارا فقال يا جعفر خذها اليك فولدت خير أهل الأرض موسى بن جعفر عليهما السلام ومنها ما روى أبو بصير عن الصادق عليه السلام قال كان أبى في مجلس له ذات يوم إذ أطرق رأسه في الأرض ثم رفع رأسه فقال يا قوم كيف أنتم إذا جاءكم رجل يدخل عليكم مدينتكم هذه في أربعة آلاف حتى يستعرضكم بالسيف ثلاثة أيام فيقتل مقاتلتكم وتلقون منه بلاءا لا تقدرون ان تدفعوه ؟ وذلك من قابل فخذوا حذركم واعلموا أن الذى قلت لكم هو كائن لا بد منه فلم يلتفت أهل المدينة الى كلامه وقالوا لا يكون هذا أبدا فلم يأخذوا حذرهم إلا نفر يسير وبنو هاشم خاصة وذلك أنهم علموا ان كلامه هو الحق فلما كان من قابل تحمل أبو جعفر عليه السلام بعياله وبنو هاشم وخرجوا من المدينة وجاء نافع بن الأزرق حتى كبس المدينة فقتل مقاتلتهم وفضح نساءهم فقال أهل المدينة لا نرد على أبى جعفر شيئا نسمعه منه أبدا بعد ما سمعنا ورأينا أهل بيت النبوة ينطقون بالحق آخر ما نقلته من كتاب قطب الدين الراوندي رحمه الله تعالى. وقال الشيخ أبو الفرج عبد الرحمان بن على بن محمد بن الجوزى رحمه الله في كتاب صفوة الصفوة أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب

[ 360 ]

عليه السلام أمه أم عبد الله بنت الحسن بن على بن أبى طالب واسم ولده جعفر وعبد الله وأمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه وابراهيم وعلى وزينب وأم سلمة وعن سفيان الثوري قال سمعت منصورا يقول سمعت محمد بن على يقول الغناء والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا الى مكان فيه التوكل أوطناه وقال ما دخل قلب امرئ شئ من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك قل أو كثر وعن خالد بن أبى الهيثم عن محمد بن على بن الحسين عليهم السلام قال ما اغرورقت عين بمائها ألا حرم الله وجه صاحبها على النار فان سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة وما من شئ إلا له جزاء إلا الدمعة فان الله يكفر بها بحور الخطايا ولو أن باكيا بكى في أمة لحرم الله تلك الأمة على النار وعنه عليه السلام أنه قال لابنه يا بنى اياك والكسل والضجر فانهما مفتاح كل شر انك ان كسلت لم تؤد حقا وان ضجرت لم تصبر على حق وعن عروة بن عبد الله قال سألت أبا جعفر محمد بن على عليهما السلام عن حلية السيوف فقال لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق رضى الله عنه سيفه قلت فتقول الصديق قال فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال نعم الصديق نعم الصديق نعم الصديق فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا ولا في الآخرة وعن أفلح مولاه قال خرجت مع محمد بن على عليهما السلام حاجا فلما دخل المسجد نظر الى البيت فبكى حتى علا صوته فقلت بأبى أنت وأمى

[ 361 ]

إن الناس ينظرون اليك فلو رفقت بصوتك قليلا قال ويحك يا أفلح ولم لا أبكى لعل الله أن ينظر إلى منه برحمة فأفوز بها عنده غدا ثم قال طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه وعن أبى حمزة عن أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام قال مامن عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج وما من شئ أحب الى الله عز وجل من أن يسأل وما يدفع القضاء إلا الدعاء وان أسرع الخير ثوابا البر وان أسرع الشر عقوبة البغى وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه وأن يؤذى جليسه بما لا يعنيه قال المصنف أسند أبو جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله وأبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وابن عباس وأنس والحسن والحسين وروى عن سعيد ابن المسيب وغيره من التابعين ومات في سنة سبع عشرة ومائة وقيل ثمانى عشرة وقيل أربع عشرة وهو ابن ثلاث وسبعين وقيل ثمان وخمسين وأوصى أن يكفن في قميصه الذى كان يصلى فيه آخر كلام ابن الجوزى في هذا الباب وقال الآبى رحمه الله في كتابه نثر الدر محمد بن على الباقر عليه السلام قال يوما لأصحابه أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدنانير قالوا لا قال فلستم إذا باخوان وقال لابنه جعفر عليهما السلام إن الله خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل رضاه فيه وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا فلعل سخطه فيه وخبأ أولياءه

[ 362 ]

في خلقه فلا تحقرن أحدا فلعله ذلك الولى واجتمع عنده ناس من بنى هاشم وغيرهم فقال اتقوا الله شيعة آل محمد وكونوا النمرقة الوسطى يرجع اليكم الغالى ويلحق بكم التالى قالوا له وما الغالى قال الذى يقول فينا ما لا نقوله في أنفسنا قالوا فما التالى قال الذى يطلب الخير فيريد به خيرا والله ما بيننا وبين الله قرابة ولا لنا على الله من حجة ولا نتقرب إليه إلا بالطاعة فمن كان منكم مطيعا لله يعمل بطاعته نفعته ولايتنا أهل البيت ومن كان منكم عاصيا لله يعمل بمعاصيه لم تنفعه ويحكم لا تغتروا ثلاثا وروى ان عبد الله بن معمر الليثى قال لأبى جعفر عليه السلام بلغني انك تفتى في المتعة فقال أحلها الله في كتابه وسنها رسول الله صلى الله عليه وآله وعمل بها أصحابه فقال عبد الله فقد نهى عنها عمر قال فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله صلى الله عليه وآله قال عبد الله فيسرك ان نساءك فعلن ذلك قال أبو جعفر وما ذكر النساء ههنا يا أنوك (الأحمق) أن الذى أحلها في كتابه وأباحها لعباده أغير منك وممن نهى عنها تكلفا بل يسرك أن بعض حرمك تحت حايك من حاكة يثرب نكاحا قال لا قال فلم تحرم ما أحل الله قال لا أحرم ولكن الحايك ما هو لى بكفوء قال فان الله ارتضى عمله ورغب فيه وزوجه حوراء أفترغب عمن رغب الله فيه وتستنكف ممن هو كفؤ لحور الجنان كبرا وعتوا قال فضحك عبد الله وقال ما أحسب صدوركم إلا منابت أشجار العلم فصار لكم ثمره وللناس ورقه وسئل لم فرض الله الصوم على عباده قال ليجد الغنى مس الجوع فيحنو على الفقير وقال إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وان قوما عبدوا

[ 363 ]

الله رهبة فتلك عبادة العبيد وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار وقال أبو عثمان الجاحظ جمع محمد صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين فقال صلاح شأن المعاش والتعاشر مل ء مكيال ثلثان فطنة وثلث تغافل وهنأ رجلا بمولود فقال أسأل الله أن يجعله خلفا معك وخلفا بعدك فان الرجل يخلف أباه في حياته وموته قال الحكم بن عيينة مررنا بامرأة محرمة قد أسبلت ثوبها قلت لها أسفري عن وجهك قالت أفتانى بذلك زوجي محمد بن على بن الحسين عليهم السلام وكان إذا رأى مبتلى أخفى الاستعاذة وكان لا يسمع من داره يا سائل بورك فيك ولا يا سائل خذ هذا وكان يقول سموهم بأحسن أسمائهم وكان يقول اللهم أعنى على الدنيا بالغنى وعلى الآخرة بالعفو وقال لابنه يا بنى إذا أنعم الله عليك بنعمة فقل الحمد لله وإذا حزنك أمر فقل لا حول ولا قوة إلا بالله وإذا أبطأ عنك الرزق فقل استغفر الله وقال أدب الله محمدا صلى الله عليه وآله أحسن الأدب فقال خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين فلما وعى قال وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قال أحمد بن حمدون في تذكرته قال محمد بن على بن الحسين عليهم السلام ندعو الله فيما نحب فإذا وقع الذى نكره لم نخالف الله فيما أحب وقال توقى الصرعة خير من سؤال الرجعة وقيل له من أعظم الناس قدرا قال من لا يرى الدنيا لنفسه قدرا

[ 364 ]

وأورد أشياء أخر قد ذكرتها قبل هذا وما أريد بتكرار ما أورده مكررا إلا ليعلم أنه قد نقل عن غير واحد حتى كاد يبلغ التواتر فيذعن المنكر ويعترف الجاحد وبالله المستعان قال الفقير الى رحمة ربه تبارك وتعالى على بن عيسى أثابه الله تعالى قد أوردت من أخبار سيدنا ومولانا الإمام أبى جعفر محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب عليهم السلام وصفاته وذكرت من علائم شرفه وسماته ورقمت من دلائله وعلاماته ونبهت بجهدي على ما خص به من شرف قبيله وشرف ذاته فتلوت قوله تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته) ففيما شرحته وبينته وأوضحته غنية لمن طلب الحق وأراده وتبينة لمن أراد الله إسعاده فان مناقبه عليه السلام أكثر من أن يأتي الحصر عليها ومزاياه أعلى من أن تتوجه الإحاطة بها إليها ومفاخره إذا عددت خرت المفاخر والمحامد لديها لأن شرفه عليه السلام تجاوز الحد وبلغ النهاية وجلال قدره استولى على الأمد وأدرك الغاية ومحله من العلم والعمل رفع له الف راية وكم له عليه السلام من علامات سؤدد وسيماء رياسة وآية سماحة وحماسة وشرف منصب وعلو نسب وفخر حسب وطهارة أم وأب والأخذ من الكرم والطهارة بأقوى سبب لو طاول السماء لطالها أو رام الكواكب في أوجها لنالها أو حاكمت سيادته عند موفق لقضى لها إذا اقتسمت قداح المجد كان له معلاها أو قسمت غنايم السمو والرفعة كان له مرباعها وصفاياها أو أجريت جياد السيادة كان له سابقها أو جوريت مناقبه قصر طالبها وونى لاحقها يقصر لسان البليغ في مضمار مآثره ويظهر عجز الجليد عن عد مفاخره الأصل طاهر كما عرفت والفرع زاهر كما وصفت وفوق ما وصفت ولده من بعده عليهم السلام مشكاة الأنوار ومصابيح الظلام وعصر الأنام ومنتجع العافين إذا

[ 365 ]

أجدب العام والعروة الوثقى لذوى الاعتصام والملجأ إذا نبذ العهد وخفر الذمام والموئل الذين بولايتهم ومحبتهم يصح الإسلام والملاذ إذا عرم الزمان وتنكر الأقوام والوزر الذين تحط بهم الأوزار وتغفر الآثام اللهم صل عليهم صلاة تزيدهم بها شرفاو مجدا وتوليهم بها فوق رفدك رفدا وتثبت لهم في كل قلب ودا وعلى كل مكلف عهدا فانهم عليهم السلام عبادك الذين اقتفوا آثار نبيك وانتهجوا وسلكوا سبيلك الذى أمرتهم به فما عرجوا وطاب لهم السرى في ليل طاعتك وعبادتك فأدلجوا لا يأخذهم فيما أمرتهم به فتور ولا يعتريهم كلال ولا قصور نهارهم صيام وليلهم قيام وجودهم وافر كثير وبرهم زايد غزير وفضلهم شايع شهير لا يجاريهم مجار ولا يلحق عفو سعيهم سار ولا يمارى في سؤددهم ممار اللهم إلا من سلبه الله هداية التوفيق وأضله عن سواء الطريق اللهم فانفعنا بحبهم واجعلنا من صحبهم واحسبنا من حزبهم واجعل كسبنا في الدنيا والآخرة من كسبهم ونعمنا بسلمهم كما أشقيت آخرين بحربهم ولا تخلنا في الدنيا من موالاتهم وفي الآخرة من قربهم فبهم عليهم السلام اهتدينا اليك وهم أدلتنا عليك وبحبك أحببناهم وبارشادك عرفناهم إنك عظيم الآلاء سميع الدعاء. وقد جريت على عادتي ومدحت مولانا الباقر عليه السالام بهذه الأبيات وإن كانت قاصرة عن شريف قدره غير محيطة بما يجب من حمده وشكره وعد مناقب مجده وفخره ولكن إذا جرى القلم بكشف أمر فلا حيلة في ستره وما قدر مدحى في مدح من يتطامن كل شرف لشرفه وتقر الأوائل والأواخر بعلو قدره وقدر سلفه ويجرى مجراه ومجرى أوليته شريف خلقه فمن فكر في هذه العترة الصالحة وهداه الله بالتجارة الرابحة وكان له نظر صائب وفكر ثاقب قال ما أشبه الليلة بالبارحة والأبيات هذه.

[ 366 ]

يا راكبا يقطع جوز الفلا * على أمون جسرة ضامر كالحرف إلا أنها في السرى * تسبق رجع النظر الباصر أسرع في الارقال من خاضب * أعجله الركض ومن طاير آنسه بالوخد لكنها * في سيرها كالنقنق الناقر عرج على طيبة وانزل بها * وقف مقام الضارع الصاغر وقبل الأرض وسف تربها * واسجد على ذاك الثرى الطاهر وابلغ رسول الله خير الورى * عنى في الماضي وفي الغابر سلام عبد خالص حبه * باطنه في الصدق كالظاهر وعج على أرض البقيع الذى * ترابه يجلو قذى الناظر وبلغن عنى سكانه * تحية كالمثل الساير قوم هم الغاية في فضلهم * فالأول السابق كالآخر هم الألى شادوا بناء العلى * بالأسمر الذابل والباتر وأشرقت في المجد أحسابهم * إشراق نور القمر الباهر وبخلوا الغيث ويوم الوغى * راعوا جنان الأسد الخادر بدا بهم نور الهدى مشرقا * وميز البر من الفاجر فحبهم وقف على مؤمن * وبغضهم حتم على كافر كم لى مديح فيهم شايع * وهذه تختص بالباقر إمام حق فاق في فضله * العالم من باد ومن حاضر أخلاقه الغر رياض فما * الروض غداة الصيب الماطر ما ضر قوما غصبوا حقه * والظلم من شنشنة الجاير لو حكموه فقضى بينهم * أبلج مثل القمر الزاهر فرع زكا أصلا وأصل سما * فرعا علاء الفلك الداير

[ 367 ]

جرى على سنة آبائه * جرى الجواد السابق الضامر وجاء من بعد بنوه على * آثاره الوارد كالصادر فخاره ينقله منجد * مصدق في النقل عن غابر قد كثرت في الفضل أوصافه * وإنما العزة للكاثر لو صافحت راحته ميتا * عاش ولم ينقل الى قابر حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر محمد الخير استمع شاعرا * لولاكم ما كان بالشاعر قد قصر المدح على مجدكم * وليس في ذلك بالقاصر يود لو ساعده دهره * تقبيل ذاك المقبن الفاخر ذكر الامام السادس جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب عليهم السلام قال كمال الدين محمد بن طلحة رحمه الله هو من عظماء أهل البيت وساداتهم عليهم السلام ذو علوم جمة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بينة وتلاوة كثيرة يتتبع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجائبه ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه رؤيته تذكر بالآخرة واستماع كلامه يزهد في الدنيا

[ 368 ]

والاقتداء بهداه يورث الجنة نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة وطهارة أفعاله تصدع بأنه من ذرية الرسالة نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمة وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وأبى حنيفة وشعبة وأيوب السختيانى وغيرهم وعدوا أخذهم منه منقبة شرفوا بها وفضيلة اكتسبوها. أما ولادته فبالمدينة سنة ثمانين من الهجرة وقيل سنة ثلاث وثمانين والأول أصح. وأما نسبه أبا وأما فأبوه أبو جعفر محمد الباقر وقد تقدم بسط نسبه وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وأما اسمه فجعفر وكنيته أبو عبد الله وقيل أبو اسماعيل وله ألقاب أشهرها الصادق ومنها الصابر والفاضل والطاهر. وأما مناقبه وصفاته فتكاد تفوق عدد الحاصر ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر حتى أن من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت الأحكام التى لا تدرك عللها والعلوم التى تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها تضاف إليه وتروى عنه وقد قيل ان كتاب الجفر الذى بالمغرب يتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه عليه السلام وان في هذا المنقبة سنية ودرجة في مقام الفضايل علية. قلت كتاب الجفر مشهور وفيه أسرارهم وعلومهم وقد ذكره مصرحا الإمام على بن موسى الرضا عليهما السلام حين عهد إليه عبد الله المأمون رحمه الله فقال عليه السلام والجفر والجامعة يدلان على خلاف ذلك وسأذكر العهد عند ذكره عليه السلام. وقال كمال الدين رحمه الله وهذه نبذة يسيرة مما نقل عنه عليه السلام

[ 369 ]

قال مالك بن أنس قال جعفر يوما لسفيان الثوري يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقائها فاكثر من الحمد والشكر عليها فان الله عز وجل قال في كتابه العزيز لئن شكرتم لأزيدنكم وإذا استبطأت الرزق فاكثر من الاستغفار فان الله عز وجل يقول في كتابه واستغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين يعنى في الدنيا ويجعل لكم جنات في الآخرة يا سفيان إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فاكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فانها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة وقال ابن أبى حازم كنت عند جعفر بن محمد عليهما السلام إذ دخل آذنه فقال سفيان الثوري بالباب فقال إئذن له فدخل فقال له جعفر يا سفيان انك رجل يطلبك السلطان وأنا اتقى السلطان قم فاخرج غير مطرود فقال سفيان حدثنى حتى أسمع وأقوم فقال جعفر حدثنى أبى عن جدى ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال من أنعم الله عليه نعمة فليحمد الله ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله ومن حزنه أمر فليقل لا حول ولا قوة إلا بالله فلما قام سفيان قال جعفر خذها يا سفيان ثلاثا وأى ثلاث وقال سفيان دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز دكناء وكساء خز فجعلت انظر إليه تعجبا فقال لى يا ثورى ما لك تنظر الينا لعلك تعجب مما ترى فقلت له يا ابن رسول الله ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك قال يا ثورى كان ذلك زمان اقتار وافتقار وكانوا يعملون على قدر اقتاره وافتقاره وهذا زمان قد أسبل كل شئ عز إليه ثم حسر ردن جبته فإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن وقال يا ثورى لبسنا هذا لله تعالى وهذا لكم فما كان لله أخفيناه وما كان لكم أبديناه

[ 370 ]

وقال الهياج بن بسطام كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شئ وكان يقول عليه السلام لا يتم المعروف إلا بثلاثة تعجيله وتصغيره وستره وسئل عليه السلام لم حرم الله الربا قال لئلا يتمانع الناس المعروف وذكر بعض أصحابه قال دخلت على جعفر وموسى ولده بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فكان مما حفظت منه أن قال يا بنى احفظ وصيتى واحفظ مقالتي فانك ان حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا يا بنى انه من قنع بما قسم له استغنى ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا ومن لم يرض بما قسم الله له عز وجل اتهم الله تعالى في قضائه ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره ومن استعظم زلة نفسه استصغر زلة غيره يا بنى من كشف حجاب غيره انكشفت عورات نفسه ومن سل سيف البغى قتل به ومن حفر لأخيه بئرا سقط فيها ومن داخل السفهاء حقر ومن خالط العلماء وقر ومن دخل مداخل السوء اتهم يا بنى قل الحق لك وعليك وإياك والنميمة فانها تزرع الشحناء في قلوب الرجال يا بنى إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه فان للجود معادن وللمعادن أصولا وللأصول فروعا وللفروع ثمرا ولا يطيب ثمر إلا بفرع ولا فرع إلا بأصل ولا أصل إلا بمعدن طيب يا بنى إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار فانهم صخرة لا ينفجر ماؤها وشجرة لا يخضر ورقها وأرض لا يظهر عشبها قال على ابن موسى عليه السلام فما ترك أبى هذه الوصية إلى ان مات وقال أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي وقع الذباب على المنصور فذبه عنه فعاد فذبه عنه حتى اضجره فدخل عليه جعفر بن محمد عليهما السلام فقال له المنصور يا أبا عبد الله لم خلق الله تعالى الذباب فقال ليذل به الجبابرة

[ 371 ]

ونقل أنه كان رجل من أهل السواد يلزم جعفرا ففقده فسأل عنه فقال له رجل يريد أن يستنقص به انه نبطى فقال جعفر عليه السلام أصل الرجل عقله وحسبه دينه وكرمه تقواه والناس في آدم مستوون فاستحى ذلك القائل وقال سفيان الثوري سمعت جعفر الصادق عليه السلام يقول عزت السلامة حتى لقد خفى مطلبها فان تكن في شئ فيوشك أن تكون في الخمول فان طلبت في الخمول فلم توجد فيوشك أن تكون في الصمت فان طلبت في الصمت فلم توجد فيوشك أن تكون في التخلي فان طلبت في التخلي فلم توجد فيوشك أن تكون في كلام السلف الصالح والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها وحدث عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه قال حج المنصور سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة وقال للربيع ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتينا به متعبا قتلني الله إن لم أقتله فتغافل الربيع عنه لينساه ثم أعاد ذكره للربيع وقال ابعث من يأتينا به متعبا فتغافل عنه ثم أرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ فيها وأمره أن يبعث من يحضر جعفرا ففعل فلما أتاه قال له الربيع يا أبا عبد الله أذكر الله فانه قد أرسل اليك بما لا دافع له غير الله فقال جعفر لا حول ولا قوة إلا بالله ثم إن الربيع أعلم المنصور بحضوره فلما دخل جعفر عليه أوعده وأغلظ له وقال أي عدو الله اتخذك أهل العراق إماما يجبون اليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل قتلني الله إن لم أقتلك فقال له يا أمير المؤمنين إن سليمان عليه السلام أعطى فشكر وان أيوب ابتلى فصبر وان يوسف ظلم فغفر وأنت من ذلك السنخ فلما سمع ذلك المنصور منه قال له إلي وعندي يا أبا عبد الله أنت البرئ الساحة السليم الناحية القليل الغايلة جزاك الله من ذى رحم أفضل ما جزى ذوى

[ 372 ]

الأرحام عن أرحامهم ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم قال على بالطيب فأتى بالغالية فجعل يغلف لحية جعفر بيده حتى تركها تقطر ثم قال قم في حفظ الله وكلاءته ثم قال يا ربيع ألحق أبا عبد الله جائزته وكسوته انصرف أبا عبد الله في حفظه وكنفه فانصرف. قال الربيع ولحقته فقلت له إنى قد رأيت قبلك ما لم تره ورأيت بعدك ما لا رأيته فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت قال قلت اللهم احرسني بعينك التى لا تنام واكنفنى بركنك الذى لا يرام واغفر لى بقدرتك على ولا أهلك وأنت رجائي اللهم أنت أكبر وأجل مما أخاف وأحذر اللهم بك أدفع في نحره وأستعيذ بك من شره ففعل الله بى ما رأيت. قلت هذه القضيه له عليه السلام مع أبى جعفر المنصور مشهورة قد نقلها الرواة والدعاء الذى دعا به عليه السلام ذكروه بروايات مختلفة لولا خوف الإطالة لأوردتها ولكني اكتفيت بما ذكره كمال الدين ولعله يرد في موضع آخر من أخباره وقال قال الليث بن سعد حججت سنة ثلاث عشرة ومائة فأتيت مكة فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس وإذا أنا برجل جالس وهو يدعو فقال يا رب يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال رب رب حتى انقطع نفسه ثم قال يا الله يا الله حتى انقطع نفسه ثم قال يا حى يا حى حتى انقطع نفسه ثم قال يا رحيم يا رحيم حتى انقطع نفسه ثم قال يا أرحم الراحمين حتى انقطع نفسه سبع مرات ثم قال اللهم إنى أشتهى من هذا العنب فأطعمنيه اللهم وان بردى قد أخلقا قال الليث فو الله ما استتم كلامه حتى نظرت الى سلة مملوة عنبا وليس على الأرض يومئذ عنب وبردين جديدين موضوعين فأراد أن يأكل فقلت له أنا شريكك فقال لى ولم ؟ فقلت:

[ 373 ]

لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن فقال لى تقدم فكل ولا تخبئ شيئا فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قط وإذا عنب لا عجم له فأكلت حتى شبعت والسلة لم تنقص ثم قال لى خذ أحد البردين اليك فقلت أما البردان فانى غنى عنهما فقال لى توارعنى حتى ألبسهما فتواريت عنه فاتزر بالواحد وارتدى بالآخر ثم أخذ البردين اللذين كانا عليه فجعلهما على يده ونزل فاتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال اكسني كساك الله فدفعهما إليه فلحقت الرجل فقلت من هذا قال هذا جعفر بن محمد قال الليث فطلبته لأسمع منه فلم أجده فيا لهذه الكرامة ما أسناها ويا لهذه المنقبة ما أعظم صورتها ومعناها. قال أفقر عباد الله إلى رحمته على بن عيسى وفقه الله لمراضيه حديث الليث مشهور وقد ذكره جماعة من الرواة ونقلة الحديث وأول ما رأيته في كتاب المستغيثين تأليف الفقيه العالم أبى القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود ابن بشكواك وهذا الكتاب قرأته على الشيخ العدل رشيد الدين أبى عبد الله محمد بن أبى القاسم بن عمر بن أبى القاسم هو قرأه على الشيخ العالم محيى الدين أستاذ دار الخلافة أبى محمد يوسف بن الشيخ أبى الفرج بن الجوزى وهو يرويه عن مؤلفه إجازة وكانت قراءتى في شعبان من سنة ست وثمانين وستمائة بدارى المطلة على دجلة ببغداد عمرها الله تعالى وقد أورد هذا الحديث جماعة من الأعيان وذكره الشيخ الحافظ أبو الفرج بن الجوزى رحمه الله في كتابه صفوة الصفوة وكلهم يرويه عن الليث وكان ثقة معتبرا. وقال كمال الدين وأما أولاده فكانوا سبعة ستة ذكور وبنت واحدة وقيل أكثر من ذلك وأسماء أولاده موسى وهو الكاظم واسماعيل ومحمد وعلى وعبد الله واسحاق وأم فروة. وأما عمره فانه مات في سنة ثمان وأربعين ومائة في خلافة أبى جعفر

[ 374 ]

المنصور وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمانين فيكون عمره ثمان وستين سنة هذا هو الأظهر وقيل غير ذلك. وقبره بالمدينة بالبقيع وهو القبر الذى فيه أبوه الباقر وجده زين العابدين وعمه الحسن بن على عليهم السلام فلله دره من قبر ما أكرمه وأشرفه وأعلى قدره عند الله تعالى انتهى كلامه. وقال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذى رحمه الله أبو عبد الله جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام الصادق وأمه أم فروة واسمها قريبة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ولذلك قال جعفر عليه السلام ولقد ولدنى أبو بكر مرتين ولد عام الجحاف سنة ثمانين ومات سنة ثمان وأربعين ومائة. ولد جعفر بن محمد عليهما السلام اسماعيل الأعرج وعبد الله وأم فروة وأمهم فاطمة بنت الحسين الأثرم بن الحسن بن على بن أبى طالب عليهم السلام وموسى بن جعفر الإمام وأمه حميدة أم ولد واسحاق ومحمد وفاطمة تزوجها محمد بن ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس فماتت عنده وأمهم أم ولد ويحيى والعباس وأسماء وفاطمة الصغرى وهم لأمهات أولاد شتى. وقال محمد بن سعيد لما خرج محمد بن عبد الله بن حسن هرب جعفر الى ماله بالفرع فلم يزل هناك مقيما حتى قتل محمد فلما قتل محمد واطمأن الناس وأمنوا رجع إلى المدينة فلم يزل بها حتى مات سنة ثمان وأربعين ومائة في خلافة أبى جعفر وهو يومئذ ابن إحدى وسبعين سنة. وقال غيره ولد جعفر عام الجحاف سنة ثمانين ومات سنة ثمان وأربعين ومائة

[ 375 ]

وعن أبى عمرو بن المقدام قال كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبوة وقال البرذون بن سيف (شبيب خ ل) النهدي واسمه جعفر قال سمعت جعفر بن محمد يقول احفظوا فينا ما حفظ العبد الصالح في اليتيمين قال وكان أبوهما صالحا. وقال ابراهيم بن مسعود قال كان رجل من التجار يختلف إلى جعفر ابن محمد يخالطه ويعرفه بحسن حال فتغيرت حاله فجعل يشكو الى جعفر عليه السلام فقال له فلا تجزع وإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في زمن طويل فلا تيأس فان اليأس كفر * لعل الله يغنى عن قليل ولا تظنن بربك ظن سوء * فان الله أولى بالجميل وروى عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال لمولاه نافذ إذا كتبت رقعة أو كتابا في حاجة فأردت أن تنجح حاجتك التى تريد فاكتب رأس الرقعة بقلم غير مديد بسم الله الرحمان الرحيم ان الله وعد الصابرين المخرج مما يكرهون والرزق من حيث لا يحتسبون جعلنا الله وإياكم من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال نافذ فكنت أفعل ذلك فتنجح حوائجى وعن صالح بن الأسود قال سمعت جعفر بن محمد يقول سلونى قبل أن تفقدوني فانه لا يحدثكم أحد بعدى بمثل حديثى وعنه عليه السلام اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قال محمد وعلى وعن عبد الله بن أبى يعفور عن جعفر بن محمد قال بنى الإنسان على خصال فمهما بنى عليه فانه لا يبنى على الخيانة والكذب وروى معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد قال من صلى على محمد وأهل

[ 376 ]

بيته مائة مرة قضى الله تعالى له مائة حاجة وعن جعفر بن محمد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من قال جزى الله عنا محمدا ما هو أهله أتعب سبعين كاتبا الف صباح. وروى محمد بن محبب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليه السلام ورفعه قال ما من مؤمن أدخل على قوم سرورا إلا خلق الله من ذلك السرور ملكا يعبد الله ويوحده ويمجده فإذا صار المؤمن في قبره أتاه السرور الذى أدخله عليه فيقول أما تعرفني فيقول ومن أنت فيقول أنا السرور الذى أدخلتني على فلان أنا اليوم الذى أونس وحشتك وألقنك حجتك وأثبتك بالقول الثابت وأشهد بك مشاهد القيامة وأشفع لك إلى ربك وأريك منزلتك من الجنة وعن سليمان بن بلا قال حدثنى جعفر بن محمد عن أبيه قال سمعت جابر بن عبد الله يقول كانت خطبة رسول الله صلى الله على وآله يوم الجمعة يحمد الله ويثنى عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش صبحكم أو مساكم ثم يقول بعثت والساعه كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى التى تلى الابهام ثم يقول إن أفضل الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة فمن ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فالى ووقع بين جعفر بن محمد وعبد الله بن حسن كلام في صدر يوم فأغلظ له في القول عبد الله بن حسن ثم افترقا وراحا إلى المسجد فالتقيا على باب المسجد فقال أبو عبد الله جعفر بن محمد لعبد الله بن حسن كيف أمسيت يا أبا محمد قال بخير كما يقول المغضب فقال يا أبا محمد أما علمت أن صلة الرحم يخفف الحساب فقال لا تزال تجئ بالشئ لا نعرفه فقال إنى

[ 377 ]

أتلو عليك به قرآنا قال وذلك أيضا قال نعم قال فهاته قال قول الله عز وجل والذين يصلون ما أمر الله به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب قال فلا تراني بعدها قاطعا رحما وعن جميل بن دراج قال كنت عند أبى عبد الله فدخل عليه بكير بن أعين وهو أرمد فقال له أبو عبد الله الظريف يرمد فقال وكيف يصنع قال إذا غسل يده من الغمر مسحها على عينيه قال ففعلت ذلك فلم أرمد وعن سعيد بن سليمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر ان النبي صلى الله عليه وآله كان يقول إن الله عز وجل مع المديون حتى يقضى دينه ما لم يكن في معصيه أو فيما يكره الله عز وجل. وعنه عن أبيه عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله للمهاجرين والأنصار عليكم بالقرآن فاتخذوه إماما فانه كلام رب العالمين الذى منه بدا ؟ ؟ واليه يعود وعن مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده على بن أبى طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من قال في كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله الملك الحق المبين كان له أمان من الفقر وأمن من وحشة القبر واستجلب الغنى وفتحت له أبواب الجنة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن جذاذ الليل وحصاده قال جعفر بن محمد إنما كره ذلك لأنه لا يحضره الفقراء والمساكين وبالإسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رأيتم الحريق فكبروا فان الله تعالى يطفئه وعنه عليه السلام قال من لم يكن لأخيه كما يكن لنفسه لم يعط الأخوة حقها ألا ترى كيف حكى الله تعالى في كتابه أنه يفر المرء من أبيه والأخ من أخيه

[ 378 ]

ثم ذكر في ذلك الموقف شفقة الأصدقاء يقول فما لنا من شافعين ولا صديق حميم وعنه عليه السلام قال لما دفعت إلى أبى جعفر المنصور انتهرني وكلمني بكلام غليظ ثم قال لى يا جعفر قد علمت بفعل محمد بن عبد الله الذى تسمونه النفس الزكية وما نزل به وإنما أنتظر الآن أن يتحرك منكم أحد فألحق الكبير بالصغير قال فقلت يا أمير المؤمنين حدثنى محمد بن على عن أبيه على بن الحسين عن الحسين بن على عن على بن أبى طالب عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله قال إن الرجل ليصل رحمه وقد بقى من عمره ثلاث سنين فيمدها الله الى ثلث وثلاثين سنة وان الرجل ليقطع رحمه وقد بقى من عمره ثلاث وثلاثون سنة فيبترها الله تعالى الى ثلاث سنين قال فقال لى والله لقد سمعت هذا من أبيك قلت نعم حتى رددها على ثلاثا ثم قال انصرف وعن جابر بن عون قال قال رجل لجعفر بن محمد إنه وقع بينى بين قوم منازعه في أمر وانى أريد أن أتركه فيقال لى إن تركك له ذل فقال له جعفر بن محمد إن الذليل هو الظالم ذكر من روى من أولاده عليه السلام موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن جده محمد بن على عن أبيه عن جده على بن أبى طالب قال أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد حسن وحسين فقال من أحبنى وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معى في درجتي يوم القيامة محمد بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله لبى بحجة وعمره معا اسماعيل بن جعفر بن محمد عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده

[ 379 ]

عن أبيه على بن أبى طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. اسحاق بن جعفر بن محمد عن أبيه جعفر بن محمد حدث أبو الحسين يحيى ابن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب صلوات الله عليه قال كتب إلي عباد بن يعقوب يخبرني عن محمد ابن اسحاق بن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخل جعفر بن محمد على أبى جعفر المنصور فتكلم فلما خرج من عنده أرسل إلى جعفر بن محمد فرده فلما رجع حرك شفتيه بشئ فقيل له ما قلت قال قلت اللهم إنك تكفى من كل شئ ولا يكفى منك شئ فاكفنيه فقال له ما يقرك عندي فقال له أبو عبد الله قد بلغت أشياء لم يبلغها أحد من آبائى في الإسلام وما أرانى أصحبك إلا قليلا ما أرى هذه السنة تتم لى قال فان بقيت قال ما أرانى أبقى قال فقال أبو جعفر احسبوا له فحسبوا فمات في شوال آخر كلامه وقال الشيخ المفيد رحمه الله باب ذكر الإمام القائم بعد أبى جعفر محمد ابن على عليهما السلام من ولده وتاريخ مولده ودلائل إمامته ومبلغ سنه ومدة خلافته ووقت وفاته وموضع قبره وعدد أولاده ومختصر من أخباره. وكان الصادق جعفر بن محمد بن على بن الحسين عليهم السلام من بين اخوته خليفه أبيه ووصيه والقائم بالإمامة من بعده وبرز على جماعتهم بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأعظمهم قدرا وأجلهم في العامة والخاصة ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه ولا لقى أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار ولا نقلوا عنهم ما نقلوا عن أبى عبد الله عليه السلام فان أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في الآراء

[ 380 ]

والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل وكان له عليه السلام من الدلائل الواضحة في إمامته ما بهرت العقول وأخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات. وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث وثمانين ومضى عليه السلام في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة وله خمس وستون سنة ودفن في البقيع مع أبيه وجده وعمه الحسن عليهم السلام وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر وكانت إمامته عليه السلام أربعا وثلاثين سنة ووصى إليه أبو جعفر عليه السلام وصية ظاهرة ونص عليه بالإمامة نصا جليا. فروى محمد بن أبى عمير عن هشام بن سالم عن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال لما حضرت أبى الوفاة قال يا جعفر أوصيك بأصحابى خيرا قلت جعلت فداك والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسأل أحدا وروى أبان بن عثمان عن أبى الصباح الكنانى قال نظر أبو جعفر إلى ابنه أبى عبد الله عليه السلام وقال أترى هذا من الذين قال الله تعالى ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ". وروى هشام بن سالم عن جابر بن يزيد الجعفي قال سئل أبو جعفر الباقر عليه السلام عن القائم بعده فضرب يده على أبى عبد الله عليه السلام فقال هذا والله بعدى قائم آل محمد وروى على بن الحكم عن طاهر صاحب أبى جعفر قال كنت عنده فأقبل جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر هذا خير البرية وعن أبى عبد الله عليه السلام قال إن أبى عليه السلام استودعني ما هناك فلما حضرته الوفاة قال ادع لى شهودا فدعوت له أربعة من قريش منهم نافع مولى عبد الله ابن عمر فقال اكتب هذا ما أوصى به يعقوب بنيه يا بنى إن الله اصطفى

[ 381 ]

لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون وأوصى محمد بن على الى أبى عبد الله جعفر بن محمد وأمره أن يكفنه في برده الذى كان يصلى فيه الجمعة وأن يعممه بعمامة وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع وأن يحل أطماره عنه عند دفنه ثم قال للشهود انصرفوا رحمكم الله قلت له يا أبة ما كان في هذا بأن يشهد عليه فقال يا بنى كرهت أن تغلب وأن يقال لم يوص إليه فأردت أن تكون لك الحجة وأشباه هذا الحديث في معناه كثير. وقد جائت الرواية التى قدمنا ذكرها في خبر اللوح بالنص عليه من الله تعالى بالإمامة ثم الذى قدمناه من دلائل العقول أن الامام لا يكون إلا الأفضل يدل على إمامته عليه السلام لظهور فضله في العلم والزهد والعمل على اخوته وبنى عمه وسائر الناس من أهل عصره ثم الذى يدل على فساد إمامة من ليس بمعصوم كعصمة الأنبياء عليهم السلام وليس بكامل في العلم وتعرى من سواه ممن ادعى له الامامه في وقته عن العصمة وقصورهم عن الكمال في علم الدين يدل على إمامته عليه السلام إذ لا بد من إمام معصوم في كل زمان حسب ما قدمناه ووصفناه. وقد روى الناس من آيات الله جل اسمه الظاهرة على يده عليه السلام ما يدل على إمامته وحقه وبطلان مقال من ادعى الامامة لغيره. فمن ذلك ما رواه نقله الآثار من خبره عليه السلام مع المنصور لما أمر الربيع باحضاره فأحضره فلما بصر به المنصور قال قتلني الله إن لم أقتلك أتلحد في سلطاني وتبغينى الغوائل فقال له أبو عبد الله عليه السلام والله ما فعلت ولا أردت فان كان بلغك فمن كاذب وان كنت فعلت فقد ظلم يوسف فغفر وابتلى أيوب فصبر وأعطى سليمان فشكر فهؤلاء أنبياء الله واليهم يرجع نسبك فقال له المنصور أجل ارتفع هاهنا فارتفع فقال إن فلان ابن فلان

[ 382 ]

أخبرني عنك بما ذكرت فقال احضروه يا أمير المؤمنين ليوافقني على ذلك فأحضر الرجل المذكور فقال له المنصور أنت سمعت ما حكيت عن جعفر فقال نعم فقال له أبو عبد الله عليه السلام فاستحلفه على ذلك فقال له المنصور أتحلف قال نعم وابتدأ باليمين فقال له أبو عبد الله عليه السلام دعني يا أمير المؤمنين أحلفه أنا فقال له افعل فقال أبو عبد الله للساعي قل برئت من حول الله وقوته والتجأت الى حولي وقوتى لقد فعل كذا وكذا جعفر وقال كذا وكذا جعفر فامتنع هنيهة ثم حلف بها فما برح حتى ضرب برجله فقال أبو جعفر جروه برجله واخرجوه لعنه الله قال الربيع وكنت رأيت جعفر بن محمد عليهما السلام حين دخل على المنصور يحرك شفتيه وكلما حركهما سكن غضب المنصور حتى أدناه منه ورضى عنه فلما خرج أبو عبد الله عليه السلام من عند أبى جعفر اتبعته فقلت ان هذا الرجل كان من أشد الناس غضبا عليك فلما دخلت عليه كنت تحرك شفتيك وكلما حركتهما سكن غضبه فبأى شئ كنت تحركهما قال بدعاء جدى الحسين بن على عليهما السلام قلت جعلت فداك وما هذا الدعاء قال يا عدتي عند شدتي ويا غوثي عند كربتي احرسني بعينك التى لا تنام واكنفنى بركنك الذى لا يرام قال الربيع فحفظت هذا الدعاء فما نزلت بى شدة قط إلا دعوت به ففرج عنى قال وقلت لأبى عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام لم منعت الساعي أن يحلف بالله قال كرهت أن يراه الله يوحده ويمجده فيحلم عنه ويؤخر عقوبته فاستحلفته بما سمعت فأخذه الله تعالى أخذة رابية وروى أن داود بن على بن عبد الله بن العباس قتل المعلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد عليهما السلام وأخذ ماله فدخل عليه جعفر وهو يجر ردائه

[ 383 ]

فقال له قتلت مولاى وأخذت ماله أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب أما والله لأدعون الله عليك فقال له داود بن على أتهددنا بدعائك كالمستهزئ بقوله فرجع أبو عبد الله عليه السلام الى داره فلم يزل ليله كله قائما وقاعدا حتى إذا كان السحر سمع وهو يقول في مناجاته يا ذا القوة القوية ويا ذا المحال الشديد ويا ذا العزة التى كل خلقك لها ذليل اكفني هذه الطاغية وانتقم لى منه فما كانت إلا ساعة حتى ارتفعت الأصوات بالصياح وقيل مات داود بن على وروى أبو بصير قال دخلت المدينة وكانت معى جويرية لى فأصبت منها ثم خرجت الى الحمام فلقيت أصحابنا الشيعة وهم متوجهون الى أبى عبد الله جعفر عليه السلام فخشيت أن يسبقونى ويفوتني الدخول إليه فمشيت معهم حتى دخلت الدار فلما مثلت بين يدى أبى عبد الله نظر الي ثم قال يا أبا بصير أما علمت أن بيوت الأنبياء وأولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب فاستحييت وقلت يا ابن رسول الله اني لقيت أصحابنا فخشيت أن يفوتنى الدخول معهم ولن أعود مثلها وخرجت وجاءت الرواية مستفيضة بمثل ما ذكرناه من الآيات والأخبار بالغيوب مما يطول تعداده وكان يقول عليه السلام علمنا غابر وومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع وان عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة عليها السلام وان عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال أما الغابر فالعلم بما يكون وأما المزبور فالعلم بما كان وأما النكت في القلوب فهو الالهام وأما النقر في الأسماع فهو حديث الملائكة عليهم السلام نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم وأما الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت

[ 384 ]

وأما الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وانجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى وأما مصحف فاطمة عليها السلام ففيه ما يكون من حادث وأسماء كل من يملك الى أن تقوم الساعة وأما الجامعة فهو كتاب طوله سبعون ذراعا املاء رسول الله صلى الله عليه وآله ومن فلق فيه وخط على بن أبى طالب صلوات الله عليه بيده فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه الى يوم القيامة حتى أن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة وكان عليه السلام يقول حديثى حديث أبى وحديث أبى حديث جدى وحديث جدى حديث على بن أبى طالب أمير المؤمنين وحديث على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وحديث رسول الله قول الله عز وجل وروى أبو حمزة الثمالى عن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قال سمعته يقول ألواح موسى عليه السلام عندنا وعصى موسى عندنا ونحن ورثة النبيين وروى معاوية بن وهب عن سعيد السمان قال كنت عند أبى عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام إذ دخل عليه رجلا من الزيدية فقالا أفيكم إمام مفترض الطاعة قال فقال لا قال فقالا قد أخبرنا عنك الثقاة انك تقول به وسموا قوما وقالوا هم أصحاب ورع وتشمير وهم ممن لا يكذب فغضب أبو عبد الله وقال ما أمرتهم بهذا فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا فقال لى أتعرف هذين قلت نعم وهما من أهل سوقنا وهما من الزيدية وهما يزعمان أن سيف رسول الله صلى الله عليه وآله عند عبد الله بن الحسن فقال كذبا لعنهما الله والله ما رآه عبد الله بن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه ولا رآه أبوه اللهم إلا أن يكون رآه عند على بن الحسين عليه السلام فان كانا صادقين فما علامة في مقبضه وما أثر في موضع مضربه فان عندي لسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وان عندي لراية رسول الله صلى الله عليه وآله ودرعه ولامته ومغفره فان كانا

[ 385 ]

صادقين فما علامة في درع رسول الله صلى الله عليه وآله وان عندي لراية رسول الله صلى الله عليه وآله المغلبة وان عندي ألواح موسى وعصاه وان عندي لخاتم سليمان وان عندي الطست التى كان يقرب موسى فيها القربان وان عندي الاسم الذى كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين الى المسلمين نشابة وان عندي لمثل الذى جاءت به الملائكة ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بنى إسرائيل كان أي بيت وجد فيه التابوت على بابهم أوتوا النبوة ومن صار السلاح إليه منا أوتى الإمامة لقد لبس أبى درع رسول الله صلى الله عليه وآله فخطت عليه الأرض خطيطا ولبستها أنا فكانت وكانت وقائمنا إذا لبسها ملأها إن شاء الله تعالى وروى عمرو بن أبان قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام عما يتحدث الناس انه دفع إلى أم سلمة رحمة الله عليها صحيفة مختومة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قبض ورث أمير المؤمنين على عليه السلام علمه وسلاحه وما هناك ثم صار إلى الحسن ثم صار إلى الحسين عليهما السلام قال فقلت ثم صار إلى على بن الحسين ثم الى ابنه ثم انتهى اليك قال نعم والأخبار في هذا المعنى كثيرة وفيما أثبتناه منها كفاية في الغرض الذى نؤمه إن شاء الله. وقال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى باب ذكر طرف من أخبار أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وكلامه قيل إن جماعة من بنى هاشم اجتمعوا بالأبواء وفيهم ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وأبو جعفر المنصور وصالح بن على وعبد الله بن الحسن وابناه محمد وابراهيم ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال صالح بن على قد علمتم انكم الذين يمد الناس إليهم أعينهم وقد جمعكم الله في هذا الموضع فاعقدوا لرجل منكم بيعة تعطونه إياها من أنفسكم وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين فحمد الله

[ 386 ]

عبد الله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال قد علمتم ان ابني هذا هو المهدى فهلم فلنبايعه وقال أبو جعفر لأى شئ تخدعون أنفسكم والله لقد علمتم ما الناس الى أحد أصور أعناقا ولا أسرع إجابة منهم الى هذا الفتى يريد محمد بن عبد الله قالوا قد والله صدقت ان هذا الذى نعلم فبايعوا محمدا جميعا ومسحوا على يده. قال عيسى بن عبد الله بن محمد وجاء رسول عبد الله بن حسن الى أبى ان آتنا فانا مجتمعون لأمر وأرسل بذلك الى جعفر بن محمد عليه السلام وقال غير عيسى إن عبد الله بن الحسن قال لمن حضر لا تريدوا جعفرا فانا نخاف أن يفسد عليكم أمركم قال عيسى بن عبد الله بن محمد فأرسلني أبى أنظر ما اجتمعوا له فجئتهم ومحمد بن عبد الله يصلى على طنفسة رحل مثنية فقلت لهم أرسلني أبى اليكم أسألكم لأى شئ اجتمعتم فقال عبد الله اجتمعنا لنبايع المهدى محمد بن عبد الله قال وجاء جعفر بن محمد فأوسع له عبد الله بن حسن الى جنبه فتكلم بمثل كلامه فقال جعفر بن محمد لا تفعلوا فان هذا الأمر لم يأت بعد ان كنت ترى ان ابنك هذا هو المهدى فليس به ولا هذا أوانه وان كنت إنما تريد أن تخرجه غضبا لله تعالى وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فانا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك في هذا الأمر فغضب عبد الله وقال لقد علمت خلاف ما تقول ووالله ما اطلعك الله على غيبه ولكنك يحملك على هذا الحسد لابنى فقال والله ما ذلك يحملنى ولكن هذا واخوته وأبناؤهم دونكم وضرب بيده على ظهر أبى العباس ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن حسن وقال إيها والله ما هي اليك ولا الى ابنك ولكنها لهم وان ابنيك لمقتولان ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري وقال أرأيت صاحب الرداء الأصفر يعنى أبا جعفر

[ 387 ]

فقال له نعم فقال إنا والله نجده يقتله فقال له عبد العزيز أيقتل محمدا قال نعم قال فقلت في نفسي حسده ورب الكعبة قال ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما قال فلما قال جعفر ذلك ونهض القوم وافترقوا تبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا يا أبا عبد الله تقول هذا قال نعم أقوله والله وأعلمه وعن بجاد العابد قال كان جعفر بن محمد عليهما السلام إذا رأى محمد ابن عبد الله بن حسن تغرغرت عيناه ثم يقول بنفسى هو إن الناس ليقولون فيه وانه لمقتول ليس هو في كتاب على من خلفاء هذه الأمة فصل وهذا حديث مشهور كالذى قبله لا يختلف العلماء بالأخبار في صحتهما وهما مما يدلان على إمامة أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وأن المعجزات كانت تظهر على يده لإخباره بالغائبات والكائنات قبل كونها كما كان يخبر الأنبياء عليهم السلام فيكون ذلك من آياتهم وعلامات نبوتهم وصدقهم على ربهم عز وجل وعن يونس بن يعقوب قال كنت عند أبى عبد الله عليه السلام فورد عليه رجل من أهل الشام فقال له إنى رجل صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت لمناظرة أصحابك فقال له أبو عبد الله كلامك هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أو من عندك فقال من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله بعضه ومن عندي بعضه فقال له أبو عبد الله عليه السلام فأنت إذا شريك رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا قال فسمعت الوحى عن الله قال لا قال فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلى وقال يا يونس ابن يعقوب هذا رجل قد خصم نفسه قبل ان يتكلم ثم قال يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته قال يونس فيا لها من حسرة فقلت جعلت فداك

[ 388 ]

سمعتك تنهى عن الكلام وتقول ويل لأصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد وهذا ينساق وهذا لا ينساق وهذا نعقله وهذا لا نعقله فقال أبو عبد الله عليه السلام إنما قلت ويل لقوم تركوا قولى وذهبوا الى ما يريدون ثم قال اخرج الى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله قال فخرجت فوجدت حمران بن أعين وكان يحسن الكلام ومحمد بن النعمان الأحول وكان متكلما وهشام بن سالم وقيس الماصر وكانوا متكلمين فأدخلتهم عليه فلما استقر بنا المجلس وكنا في خيمة لأبى عبد الله عليه السلام على طرف جبل بالحرم وذلك قبل أيام الحج بأيام أخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة فإذا هو ببعير يخب فقال هشام ورب الكعبة قال فظننا ان هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة لأبى عبد الله عليه السلام فإذا هشام بن الحكم قد ورد وهو أول ما اختطت لحيته وليس فينا إلا من هو أكبر سنا منه قال فوسع له أبو عبد الله عليه السلام وقال ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ثم قال لحمران كلم الرجل يعنى الشامي فكلمه حمران فظهر عليه ثم قال يا طاقى كلمه فكلمه فظهر عليه محمد بن النعمان ثم قال يا هشام بن سالم كلمه فتعارفا ثم قال لقيس الماصر كلمه فكلمه وأقبل أبو عبد الله عليه السلام يتبسم من كلامهما وقد استخذل الشامي في يده ثم قال للشامي كلم هذا الغلام يعنى هشام بن الحكم فقال له نعم ثم قال الشامي لهشام يا غلام سلنى في إمامة هذا يعنى أبا عبد الله عليه السلام فغضب هشام حتى أرعد ثم قال يا هذا ربك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم فقال الشامي بل ربى أنظر لخلقه قال ففعل لهم بنظره في دينهم ما ذا قال كلفهم وأقام لهم حجة ودليلا على ما كلفهم وأزاح في ذلك عللهم فقال له هشام فما هذا الدليل الذى نصبه لهم قال الشامي هو رسول الله صلى الله عليه وآله قال له هشام فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله من

[ 389 ]

قال الكتاب والسنة فقال له هشام فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه حتى رفعا عنا الاختلاف ومكنانا من الاتفاق قال الشامي نعم قال له هشام فلم اختلفنا نحن وأنت وجئتنا من الشام تخالفنا وتزعم أن الرأى طريق الدين وأنت مقر بأن الرأى لا يجمع على القول الواحد المختلفين فسكت الشامي كالمفكر. فقال له أبو عبد الله ما لك لا تتكلم قال إن قلت إنا ما اختلفنا كابرت وإن قلت إن الكتاب والسنة ترفعان بيننا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجوه ؟ ولكن لى عليه مثل ذلك فقال له أبو عبد الله عليه السلام سله تجده مليا فقال الشامي لهشام من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم قال هشام بل ربهم أنظر لهم فقال الشامي فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ويرفع اختلافهم ويبين لهم حقهم من باطلهم قال هشام نعم قال من هو قال هشام أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغيره قال الشامي ومن هو غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم القائم مقامه في حجته ؟ قال هشام في وقتنا هذا أم قبله قال الشامي بل في وقتنا هذا قال هشام هذا الجالس يعنى أبا عبد الله عليه السلام الذى تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب عن جد قال الشامي وكيف لى بعلم ذلك ؟ قال له هشام سله عما بدا لك قال الشامي قطعت عذرى فعلى السؤال فقال له أبو عبد الله عليه السلام أنا أكفيك المسألة يا شامى أخبرك عن مسيرك وسفرك خرجت يوم كذا وكان مسيرك على طريقك كذا ومر بك كذا ومررت على كذا فأقبل الشامي وكلما وصف له شيئا من أمره يقول له صدقت والله ثم قال أسلمت لله الساعة فقال له أبو عبد الله عليه السلام بل آمنت بالله الساعه لأن الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون والإيمان عليه يثابون

[ 390 ]

قال الشامي صدقت فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصى الأوصياء وهذا الخبر مع ما فيه من إثبات حجة النظر ودلالة الإمامة يتضمن من المعجز لأبى عبد الله عليه السلام بالخبر عن الغائب مثل الذى يتضمنه الخبران المتقدمان ويوافقهما في معنى البرهان وروى أنه اجتمع نفر من الزنادقة فيهم ابن أبى العوجاء وابن طالوت وابن الأعمى وابن المقفع وأصحابهم كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام وأبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام إذ ذاك يفتى الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل بالحجج والبينات فقال القوم لابن أبى العوجاء هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به فقد ترى فتنة الناس به وهو علامة زمانه فقال لهم ابن أبى العوجاء نعم ثم تقدم ففرق الناس وقال يا أبا عبد الله إن المجالس أمانات ولا بد لكل من كان به سعال أن يسعل أفتأذن في السؤال فقال له أبو عبد الله عليه السلام سل ان شئت فقال له ابن أبى العوجاء إلى كم تدوسون هذا البيدر وتلوذون بهذا الحجر وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطين والمدر وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر من فكر في هذا وقدر علم أنه فعل غير حكيم ولا ذى نظر فقل إنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أسه ونظامه فقال له الصادق عليه السلام إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذبه وصار الشيطان وليه وربه يورده مناهل الهلكة وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله قبلة للمصلين له فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدى الى غفرانه منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل

[ 391 ]

دحو الأرض بألفى عام فأحق من أطيع كما أمر وانتهى عما زجر الله المنشئ للأرواح والصور فقال ابن أبى العوجاء ذكرت أبا عبد الله فأحلت على غائب فقال الصادق عليه السلام كيف يكون يا ويلك غايبا من هو مع خلقه شاهد وشهيد واليهم أقرب من حبل الوريد يسمع كلامهم ويعلم أسرارهم ولا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون من مكان أقرب من مكان تشهد له بذلك آثاره وتدل عليه أفعاله والذى بعثه بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة محمد صلى الله عليه وآله جاءنا بهذه العبادة فان شككت في شئ من أمره فاسأل عنه أوضحه لك قال فأبلس ابن أبى العوجاء ولم يدر ما يقول فانصرف من بين يديه فقال لأصحابه سألتكم ان تلتمسوا لى خمرة فألقيتمونى على جمرة فقالوا له اسكت فو الله لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه فقال ألى تقولون هذا انه ابن من حلق رؤوس من ترون وأومأ بيده إلى أهل الموسم وروى أن أبا شاكر الديصانى وقف ذات يوم على مجلس أبى عبد الله عليه السلام فقال له إنك لأحد النجوم الزواهر وكان آباؤك بدور بواهر وأمهاتك عقيلات عباهر وعنصرك من أكرم العناصر وإذا ذكر العلماء فعليك تثنى الخناصر فخبرنا أيها البحر الزاخر ما الدليل على حدوث العالم فقال له أبو عبد الله عليه السلام إن أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك ثم دعا ببيضة فوضعها في راحته وقال هذا حصن ملموم داخله غرقئ رقيق يطيف به كالفضة السائلة والذهبة المائعة أتشك في ذلك قال أبو شاكر لا شك فيه قال أبو عبد الله عليه السلام ثم إنه ينفلق عن صورة كالطاووس أدخله شئ غير ما عرفت قال لا قال فهذا الدليل على حدوث العالم فقال أبو شاكر دللت أبا عبد الله فأوضحت وقلت فأحسنت وذكرت

[ 392 ]

فأوجزت وقد علمت إنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا وسمعناه بآذاننا أو ذقناه بأفواهنا أو شممناه بأنوفنا أو لمسناه ببشرنا فقال أبو عبد الله عليه السلام ذكرت الحواس الخمس وهى لا تنفع في الاستنباط إلا بدليل كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح يريد عليه السلام ان الحواس بغير عقل لا توصل الى معرفة الغائبات وان الذى أراه من حدوث الصورة معقول بنى العلم به على محسوس. ومما حفظ عنه عليه السلام في وجوب المعرفة بالله عز وجل وبدينه قوله وجدت علم الناس كلهم في أربع أولها أن تعرف ربك والثانى أن تعرف ما صنع بك والثالث أن تعرف ما أراد منك والرابع أن تعرف ما يخرجك عن دينك وهذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف لأنه أول ما يجب على العبد معرفة ربه جل جلاله فإذا علم أن له إلها وجب أن يعرف صنعه إليه فإذا عرف صنعه عرف به نعمته فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره فإذا أراد تأدية شكره وجب عليه معرفة مراده ليطيعه بفعله فإذا وجبت طاعته وجب عليه معرفة ما يخرجه من دينه ليجتنبه فتخلص لربه طاعته وشكر إنعامه. ومما حفظ عنه عليه السلام في التوحيد ونفى التشبيه قوله لهشام بن الحكم إن الله لا يشبه شيئا لا يشبهه شئ وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه. ومما حفظ عنه عليه السلام من موجز القول في العدل قوله لزرارة بن أعين يا زرارة أعطيك جملة في القضاء والقدر قال نعم جعلت فداك قال إنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم.

[ 393 ]

ومما حفظ عنه عليه السلام في الحكمة والموعظة قوله ما كل من نوى شيئا قدر عليه ولا كل من قدر على شئ وفق له ولا كل من وفق أصاب له موضعا فإذا اجتمعت النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهنالك تمت السعادة. ومما حفظ عليه السلام في الحث على النظر في دين الله عز وجل والمعرفة لأولياء الله عز وجل قوله عليه السلام احسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله وانصحوا لأنفسكم وجاهدوها في طلب معرفة ما لا عذر لكم في جهله فان لدين الله أركانا لا ينفع من جهلها شدة اجتهاده في طلب ظاهر عبادته ولا يضر من عرفها فدان حسن اقتصاده ولا سبيل لأحد الى ذلك إلا بعون من الله تعالى. ومما حفظ عنه عليه السلام في الحث على التوبة قوله عليه السلام تأخير التوبة اغترار وطول التسويف حيرة والاعتلال على الله هلكة والإصرار على الدنيا أمن لمكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. والأخبار فيما حفظ عنه عليه السلام من العلم والحكمه والبيان والحجة والزهد والموعظة وفنون العلم كله أكثر من أن يحصى بالخطاب أو يحوى بالكتاب وفيما أثبتناه منه كفاية في الغرض الذى قصدناه والله الموفق للصواب. وفيه عليه السلام يقول السيد ابن محمد الحميرى رضى الله عنه وقد رجع عن قوله بمذهب الكيسانية لما بلغه إنكار أبى عبد الله مقاله ودعاؤه له الى القول بنظام الإمامة أيا راكبا نحو المدينة جسره * عذافرة تطوى له كل سبسب إذا ما هداك الله عاينت جعفرا * فقل لولى الله وابن المهذب ألا ياولى الله وابن وليه * أتوب الى الرحمان ثم تأوبى اليك من الذنب الذى كنت مطنبا * أجاهد فيه دائبا كل معرب وما كان قولى في ابن خولة دائبا * معاندة منى لنسل المطيب

[ 394 ]

ولكن روينا عن وصى محمد * ولم يك فيما قال بالمتكذب بأن ولى الله يفقد لا يرى * سنين كفعل الخائف المترقب فتقسم أموال الفقيد كأنما * تغيبه بين الصفيح المنصب فإذ قلت لا فالحق قولك والذى * تقول فحتم غير ما متعصب بأن ولى الله والقائم الذى * تطلع نفسي نحوه وتطربي له غيبة لا بد أن سيغيبها * فصلى عليه الله من متغيب. وفي هذا الشعر دليل على رجوع السيد رحمه الله عن مذهب الكيسانية وقوله بإمامة الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ووجود الدعوة ظاهر من الشيعة في أيام أبى عبد الله عليه السلام الى إمامته والقول بإمامة صاحب الزمان وغيبته عليه السلام وانها إحدى علاماته وهو صريح قول الإمامية الاثنى عشرية. قلت رجوع السيد عن كيسانيته بقول الصادق عليه السلام أمر مشهور وبالسنة الرواة ونقلة الآثار مذكور في ديوان شعره مثبت مسطور وفي صحائف الدهر مرقوم مزبور وكفى قوله شاهدا على صحة هذه الدعوى تجعفرت باسم الله والله أكبر وهى مشهورة منقولة. وقال المفيد رحمه الله باب ذكر أولاد أبى عبد الله عليه السلام وعددهم وأسمائهم وطرف من أخبارهم وكان لأبى عبد الله عليه السلام عشرة أولاد اسماعيل وعبد الله وأم فروة وأمهم فاطمة بنت الحسين بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب عليهم السلام وموسى عليه السلام واسحاق ومحمد لأم ولد والعباس وعلى وأسماء وفاطمة لأمهات أولاد شتى. وكان اسماعيل أكبر اخوته وكان أبوه عليه السلام شديد المحبة له والبرية والإشفاق عليه وكان قوم من الشيعة يظنون أنه القائم بعد أبيه والخليفة له من بعد إذ كان أكبر اخوته سنا ولميل أبيه إليه وإكرامه له فمات في حياة

[ 395 ]

أبيه عليه السلام بالعريض وحمل على رقاب الرجال الى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع وروى أن أبا عبد الله عليه السلام جزع عليه جزعا شديدا وحزن عليه حزنا عظيما وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء وأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرارا كثيرة وكان يكشف عن وجهه وينظر إليه يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانين خلافته له من بعده وإزالة الشبهة عنهم في حياته. ولما مات اسماعيل رحمه الله انصرف عن القول بامامته بعد أبيه من كان يظن ذلك فيعتقده من أصحاب أبيه عليه السلام وأقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه ولا من الرواة عنه وكانوا من الأباعد والأطراف. فلما مات الصادق عليه السلام انتقل فريق منهم الى القول بإمامة موسى عليه السلام بعد أبيه وافترق الباقون فرقتين فريق منهم رجعوا عن حياة اسماعيل وقالوا بإمامة ابنه محمد بن اسماعيل لظنهم أن الامامة كانت في أبيه وان الابن أحق بمقام الامامة من الأخ وفريق ثبتوا على حياة اسماعيل وهم اليوم شذاذ لا يعرف اليوم منهم أحد يؤمى إليه وهذان الفريقان يسميان الاسماعيلية والمعروف منهم الآن يقولون إن الامامة في اسماعيل ومن بعده في ولده وولد ولده الى آخر الزمان. وكان عبد الله بن جعفر أكبر أخوته بعد اسماعيل ولم تكن منزلته عند أبيه منزلة غيره من ولده في الاكرام وكان متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ويقال إنه كان يخالط الحشوية ويميل الى المرجئة وادعى بعد أبيه الامامة واحتج بانه أكبر اخوته الباقين فاتبعه على قوله جماعة من أصحاب أبى عبد الله عليه السلام ثم رجع أكثرهم بعد ذلك الى القول بإمامة أخيه موسى عليه السلام لما تبينوا ضعف دعواه وقوة أمر أبى الحسن عليه السلام ودلائل

[ 396 ]

حقه وبراهين إمامته وأقام نفر يسير منهم على أمرهم ودانوا بإمامة عبد الله وهم الفطحية وإنما لزمهم هذا اللقب لقولهم بامامة عبد الله وكان أفطح الرجلين أي عريضهما ويقال انهم إنما لقبوا بذلك لأن داعيتهم الى امامة عبد الله كان يقال له عبد الله بن أفطح وكان اسحاق بن جعفر من أهل الفضل والصلاح والورع والاجتهاد. وروى عنه الناس الحديث والآثار وكان ابن كاسب إذا حدث عنه يقول حدثنى ثقة الرضا اسحاق بن جعفر وكان اسحاق رضى الله عنه يقول بإمامة أخيه موسى عليه السلام وروى عن أبيه النص بالامامة على أخيه موسى عليه السلام وكان محمد بن جعفر سخيا شجاعا وكان يصوم يوما ويفطر يوما ورأى رأى الزيدية في الخروج بالسيف. وروى عن زوجته خديجة بنت عبد الله بن الحسين انها قالت ما خرج من عندنا محمد قط في ثوب حتى يكسوه وكان يذبح في كل يوم كبشا لأضيافه. وخرج على المأمون في سنة تسع وتسعين ومائة بمكة وتبعه الزيدية الجارودية فخرج لقتاله عيسى الجلودى ففرق جمعه وأخذه فأنفذه الى المأمون فلما وصل إليه أكرمه المأمون وأدنى مجلسه منه ووصله واحسن جائزته وكان مقيما معه بخراسان يركب إليه في موكب من بنى عمه وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمله السلطان من رعيته. وروى أن المأمون أنكر ركوبه إليه في جماعة من الطالبيين الذين خرجوا على المأمون في سنة المائتين فآمنهم فخرج التوقيع إليهم لا تركبوا مع محمد ابن جعفر واركبوا مع عبيد الله بن الحسين فأبوا أن يركبوا ولزموا منازلهم فخرج التوقيع أن اركبوا مع من أحببتم فكانوا يركبون مع محمد بن جعفر إذا ركب الى المأمون وينصرفون بانصرافه.

[ 397 ]

وذكر عن موسى بن سلمة أنه قال أتى الى محمد بن جعفر فقيل له إن غلمان ذى الرئاستين قد ضربوا غلمانك على حطب اشتروه فخرج متزرا ببردتين ومعه هراوة وهو يرتجز ويقول الموت خير لك من عيش بذل وتبعه الناس حتى ضرب غلمان ذى الرئاستين وأخذ الحطب منهم فرفع الخبر الى المأمون فبعث الى ذى الرئاستين فقال له إئت محمد بن جعفر واعتذر إليه وحكمه في غلمانك قال فخرج ذو الرئاستين إلى محمد بن جعفر قال موسى بن سلمة فكنت عند محمد بن جعفر جالسا حين أتى فقيل له هذا ذو الرئاستين فقال لا يجلس إلا على الأرض وتناول بساطا كان على أرض فرمى به هو ومن معه ناحية ولم يبق في البيت إلا وسادة جلس عليها محمد بن جعفر فلما دخل عليه ذو الرئاستين وسع له محمد على الوسادة فأبى أن يجلس عليها وجلس على الأرض فاعتذر إليه وحكمه في غلمانه. وتوفى محمد بن جعفر بخراسان مع المأمون فركب المأمون ليشهده فلقيهم وقد خرجوا به فلما نظر الى السرير ترجل ومشى حتى دخل بين العمودين ولم يزل بينهما حتى وضع فتقدم فصلى عليه ثم حمله حتى بلغ به الى القبر ثم دخل قبر فلم يزل فيه حتى بنى عليه ثم خرج فقام على القبر حتى دفن فقال له عبد الله بن الحسين ودعا له يا أمير المؤمنين انك قد تبعت فلو ركبت فقال له المأمون إن هذه رحم قد قطعت من مائتي سنة وروى عن اسماعيل بن محمد بن جعفر أنه قال قلت لأخي وهو إلى جنبى والمأمون قائم على القبر لو كلمناه في دين الشيخ فلا نجده أقرب منه في وقته هذا فابتدأنا المأمون فقال كم ترك أبو جعفر من الدين فقلت خمسة وعشرين الف دينار فقال قد قضى الله عنه دينه الى من أوصى قلنا الى ابن له يقال له يحيى بالمدينة فقال ليس هو بالمدينة هو بمصر وقد علمنا بكونه

[ 398 ]

فيها ولكن كرهنا أن نعلمه بخروجه من المدينة لئلا يسوءه ذلك لعلمهم بكراهتنا لخروجهم عنا. وكان على بن جعفر رضى الله عنه راوية للحديث سديد الطريق شديد الورع كثير الفضل ولزم أخاه موسى بن جعفر عليه السلام وروى عنه شيئا كثيرا. وكان العباس بن جعفر رحمه الله فاضلا نبيلا وكان موسى بن جعفر أجل ولد أبى عبد الله عليه السلام قدرا وأعظمهم محلا وأبعدهم في الناس صيتا ولم ير في الناس وفي زمانه أسخى منه ولا أكرم نفسا وعشرة وكان أعبد أهل زمانه وأورعهم وأفقههم وأعلمهم واجتمع جمهور شيعة أبيه على القول بامامته والتعظيم لحقه والتسليم لأمره ورووا عن أبيه الصادق عليه السلام نصوصا عليه بالامامة وإشارات إليه بالخلافة وأخذوا عنه معالم دينهم ورووا عنه من الآيات والمعجزات ما يقطع بها على حجته وصواب القول بإمامته انتهى كلام الشيخ المفيد رضى الله عنه. وقال الحافظ أبو نعيم رحمه الله ومنهم الامام الناطق أبو عبد الله جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام أقبل على العبادة والخضوع وأثر العزلة والخشوع ولها عن الرئاسة والجموع وقيل إن التصوف انتفاع بالنسب ارتفاع بالسبب عن عمرو بن أبى المقدام قال كنت إذا نظرت الى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين وروى عن مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عليه السلام أن سفيان الثوري دخل عليه وسأله الحديث فقال جعفر أحدثك وما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر

[ 399 ]

من الحمد والشكر الحديث الى قوله عليه السلام ثلاث وأى ثلاث وعن محمد بن بشير عن جعفر بن محمد عليهما السلام أوحى الله الى الدنيا أن اخدمي من خدمني واتعبي من خدمك وعنه عليه السلام ان في ذلك لآيات للمتوسمين قال للمتفرسين وكان يقول كيف أعتذر وقد احتججت وكيف أحتج وقد علمت وكان عليه السلام يطعم حتى لا يبقى لعياله شئ وسئل لم حرم الله الربا قال لئلا يتمانع الناس المعروف وقال بنى الانسان على خصال فمهما بنى عليه فانه لا يبنى على الخيانة والكذب وقال عليه السلام الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا الى السلاطين فاتهموهم وعن الأصمعى قال قال جعفر بن محمد عليه السلام الصلاة قربان كل تقى والحج جهاد كل ضعيف وزكاة البدن الصيام والداعى بلا عمل كالرامى بلا وتر واستنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة وما عال امرؤ اقتصد والتقدير نصف العيش والتودد نصف العقل وقلة العيال إحدى اليسارين ومن حزن والديه فقد عقهما ومن ضرب بيده على فخذه عند المصيبة فقد حبط أجره والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذى حسب أو دين والله عز وجل ينزل الصبر على قدر المصيبة وينزل الرزق على قدر المؤنة ومن قدر معيشته رزقه الله ومن بذر معيشته حرمه الله وعن بعض أصحاب جعفر عليه السلام قال دخلت عليه وموسى عليه السلام بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فكان مما حفظت منها أن قال يا بنى اقبل وصيتى واحفظ مقالتي فانك ان حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا

[ 400 ]

يا بنى من قنع بما قسم له استغنى ومن مد عينه الى ما في يد غيره مات فقيرا ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله في قضائه ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره يا بنى من كشف عن حجاب غيره تكشفت عورات بيته ومن سل سيف البغى قتل به ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها ومن داخل السفهاء حقر ومن خالط العلماء وقر ومن دخل مداخل السوء اتهم يا بنى إياك أن تزرى بالرجال فيزرى بك وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتزل يا بنى قل الحق لك وعليك تستشار من بين أقرانك يا بنى كن لكتاب الله تاليا وللإسلام فاشيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا ولمن قطعك واصلا ولمن سكت عنك مبتدئا ولمن سألك معطيا وإياك والنميمة فانها تزرع الشحناء في قلوب الرجال وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب الناس كمنزلة الهدف يا بنى إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه فان للجود معادن وللمعادن أصولا وللأصول فروعا وللفروع ثمرا ولا يطيب ثمر إلا بفرع ولا فرع إلا بأصل ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب يا بنى إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار فانهم صخرة لا يتفجر ماؤها و شجرة لا يخضر ورقها وأرض لا تظهر عشبها قال على بن موسى عليهما السلام فما ترك أبى هذه الوصية الى أن توفى قلت قد نقلت هذه الوصية آنفا ونقلتها الزيادة في هذه الرواية وقال جعفر بن محمد عليه السلام لا زاد أفضل من التقوى ولا شئ أحسن من الصمت ولا عدو أضر من الجهل ولا داء أدوى من الكذب وعن شيخ من أهل المدينة كان من دعاء جعفر بن محمد عليهما السلام اللهم اعمرني بطاعتك ولا تخزني بمعصيتك اللهم ارزقني مواساة من قترت

[ 401 ]

عليه رزقك بما وسعت على من فضلك قال غسان فحدثت بهذا سعيد بن مسلم فقال هذا دعاء الاشراف وعن نضر بن كثير قال دخلت أنا وسفيان على جعفر بن محمد عليه السلام فقلت انى أريد البيت الحرام فعلمني ما أدعو به فقال إذا بلغت الحرم فضع يدك على الحائط وقل يا سابق الفوت يا سامع الصوت يا كاسى العظام لحما بعد الموت ثم أدع بما شئت فقال له سفيان شيئا لم أفهمه فقال له يا سفيان إذا جاءك ما تحب فأكثر من الحمد لله وإذا جاءك ما تكره فأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله وإذا استبطأت الرزق فاكثر من الاستغفار وعن عبد الله بن شبرمة قال دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد عليه السلام فقال لابن أبى ليلى من هذا معك ؟ فقال هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين قال لعله الذى يقيس الدين برأيه ؟ قال نعم الى آخرها وإنما لم اذكرها لان الصادق عليه السلام كان أعلى شأنا وأشرف مكانا وأعظم بيانا وأقوى دليلا وبرهانا من أن يسألة مثل ابى حنيفة مع دقة نظره وفرط ذكائه وقوة عارضته وشدة استخراجه عن هذه المسائل الواضحة ثم ان المسائل الأولى إنما ينظر فيها ويعللها الطبيب وليست من تكليف الفقيه والعهدة على الناقل وأنا أستغفر الله وعن عنبسة الخثعمي وكان من الأخيار قال سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول إياكم والخصومة في الدين فانها تشغل القلب وتورث النفاق قال عليه السلام إذا بلغك عن أخيك شئ يسوئك فلا تغتم فانه ان كان كما يقول كانت عقوبة عجلت وإن كانت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها قال وقال موسى عليه السلام يا رب أسألك أن لا يذكرنى أحد إلا بخير قال ما فعلت ذلك لنفسي

[ 402 ]

قال الحافظ أبو نعيم أسند جعفر بن محمد عليه السلام عن أبيه، وعن عطاء بن أبى رباح وعكرمة وعبيد الله بن أبى رافع وعبد الرحمان بن القاسم وغيرهم وروى عن جعفر عده من التابعين منهم يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختيانى وأبان بن تغلب وأبو عمر بن العلا ويزيد بن عبد الله بن الهاد وحدث عنه من الأئمة الأعلام مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وابن جريح وعبيد الله بن عمرو وروح بن القاسم وسفيان ابن عيينة وسليمان بن بلال واسماعيل بن جعفر وحاتم بن اسماعيل وعبد العزيز بن المختار ووهب بن خالد وابراهيم بن طهمان. وأخرج عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه محتجا بحديثه عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذى حليفة ان رسول الله صلى الله علسه وآله أمر أبا بكر رضى الله عنه يأمرها أن تغتسل وتهل حديث ثابت اخرجه مسلم في صحيحه عن أبى غسان محمد بن عمرو عن حريز ويحيى بن سعيد هو الانصاري من تابعي أهل المدينة الى هنا نقلت مما ذكره الحافظ أبو نعيم رحمه الله. قال ابن الخشاب رحمه الله ذكر أبى عبد الله الصادق جعفر بن محمد الباقر بن على سيد العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم والسلام أجمعين وبالاسناد الأول عن محمد بن سنان مضى أبو عبد الله وهو ابن خمس وستين سنة ويقال ثمان وستين سنة في سنة مائة وثمان وأربعين وكان مولده سنة ثلاث وثمانين من الهجرة في احدى الروايتين وفي الرواية الثانية كان مولده سنة ثمانين من الهجرة وكان مقامه مع جده على بن الحسين اثنى عشر سنة وأياما وفى الرواية الثانية كان مقامه مع جده خمس عشرة سنة وكان

[ 403 ]

مقامه مع أبيه بعد مضى جده أربع عشرة سنة وتوفى أبو جعفر عليه السلام ولأبي عبد الله أربع وثلاثون سنة في احدى الروايتين وأقام بعد أبيه أربعا وثلاثين سنة وكان عمره في احدى الروايتين خمسا وستين سنة وفى الرواية الأخرى ثمان وستين سنة قال لنا الذارع والأولى هي الصحيحة وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر يعنى الصديق رضى الله عنه وكان له ست بنين وابنة واحدة اسماعيل وموسى الامام ومحمد وعلى وعبد الله واسحق وأم فروة وهى التى زوجها من ابن عمه الخارج مع زيد بن على بن الحسين لقبه الصادق والصابر والفاضل والطاهر قبره بالمدينة بالبقيع يكنى بأبى عبد الله وبأبى اسماعيل انتهى كلامه. ونقلت من كتاب الدلائل عن سليمان بن أبى خالد عن أبى عبد الله في قوله تعالى ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا أو لا تحزنوا وابشروا بالجنة التى كنتم توعدون قال أو عبد الله أما والله لربما وسدنا لهم الوسائد في منازلنا وعن الحسين بن أبى العلا القلانسى قال قال أبو عبد الله عليه السلام يا حسين وضرب بيده الى مساور في البيت فقال مساور طالما والله اتكأت عليها الملائكة وربما التقطنا من زغبها وعن عبد الله النجاشي قال كنت في حلقة عبد الله بن الحسن فقال يا ابن النجاشي اتقوا الله ما عندنا إلا ما عند الناس قال فدخلت على أبى عبد الله فاخبرته بقوله فقال والله ان فينا من ينكت في قلبه وينقر في أذنه وتصافحه الملائكة فقلت اليوم أو كان قبل اليوم فقال اليوم والله يا ابن النجاشي وعن جرير بن مرازم قال قلت لأبى عبد الله عليه السلام انى أريد العمرة فأوصني فقال اتق الله ولا تعجل فقلت أوصني فلم يزدنى على هذا

[ 404 ]

فخرجت من عنده من المدينة فلقينى رجل شامى يريد مكة فصحبني وكان معى سفره فاخرجتها وأخرج سفرته وجعلنا نأكل فذكر أهل البصرة فشتمهم ثم ذكر أهل الكوفة فشتمهم ثم ذكر الصادق عليه السلام فوقع فيه فأردت أن أرفع يدى فاهشم أنفه وأحدث نفسي بقتله احيانا فجعلت أتذاكر قوله اتق الله ولا تعجل وأنا أسمع شتمه فلم أعد ما مرنى وعن أبى بصير دخلت على أبى عبد الله عليه السلام وأنا أريد أن يعطينى من دلالة الامامة مثل ما أعطاني أبو جعفر عليه السلام فلما دخلت وكنت جنبا قال يا أبا محمد اما كان لك فيما كنت فيه شغل تدخل على وأنت جنب ؟ فقلت ما عملته إلا عمدا فقال أو لم تؤمن ؟ قلت بلى ولكن ليطمئن قلبى قال نعم يا أبا محمد قم فاغتسل فقمت واغتسلت وصرت الى مجلسي وقلت عند ذلك انه امام. وعن عبد الله بن يحيى الكاهلى قال قال لى أبو عبد الله إذا لقيت السبع ما تقول له قلت ما أدرى قال إذا لقيته فاقرأ في وجهه آيه الكرسي وقل عزمت عليك بعزيمة الله وعزيمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وعزيمة سليمان بن داود وعزيمة على أمير المؤمنين والأئمة من بعده فانه ينصرف عنك قال عبد الله الكاهلى فقدمت الى الكوفة فخرجت مع ابن عم لى الى قرية فإذا سبع قد اعترض لنا في الطريق فقرأت في وجهه آية الكرسي وقلت عزمت عليك بعزيمة الله وعزيمة محمد رسول الله وعزيمة سليمان ابن داود وعزيمة أمير المؤمنين والائمة من بعده إلا تنحيت عن طريقنا ولم تؤذنا فانا لا تؤذيك فنظرت إليه وقد طأطأ رأسه وأدخل ذنبه بين رجليه وتنكب الطريق راجعا من حيث جاء فقال ابن عمى ما سمعت كلاما قط أحسن من كلام سمعته منك فقلت ان هذا الكلام سمعته من

[ 405 ]

جعفر بن محمد عليه السلام فقال أشهد أنه امام مفترض الطاعة وما كان ابن عمى يعرف قليلا ولا كثيرا فدخلت على أبى عبد الله من قابل فاخبرته الخبر وما كنا فيه فقال أتراني لم أشهدكم بئس ما رأيت ان لى مع كل ولى اذنا سامعة وعينا ناظرة ولسانا ناطقا ثم قال لى يا عبد الله بن يحيى أنا والله صرفته عنكما وعلامة ذلك انكما كنتما في البداءة على شاطئ النهر وان ابن عمك أثبت عندنا وما كان الله يميته حتى يعرفه هذا الامر فرجعت الى الكوفة فاخبرت ابن عمى بمقالة أبى عبد الله ففرح وسر به سرورا شديدا وما زال مستبصرا بذلك الى أن مات قال على بن عيسى أثابه الله انظر بعين الاعتبار الى شرف هؤلاء القوم ومحلهم ومكانتهم من المعارف الإلهية وفضلهم وارتفاعهم في درجات العرفان ونبلهم فان تعريفه (ع) إياه بما يقوله إذا لقى السبع فيه اشعار بانه يلقى السبع وإلا لم يكن في الحديث إلا تعليمه ما يقوله متى لقيه وليس في ذلك كثير طائل. وعن شعيب العقرقوفى قال دخلت أنا وعلى بن أبى حمزة وأبو بصير على أبى عبد الله ع ومعى ثلاثمائة دينار فصببتها قدامه فاخذ منها أبو عبد الله قبضة لنفسه ورد الباقي على وقال يا شعيب رد هذه المائة دينار الى موضعها الذى أخذتها منه قال شعيب فقضينا حوائجنا جميعا فقال لى أبو بصير يا شعيب ما حال هذه الدنانير التى ردها عليك أبو عبد الله قلت أخذتها من عروة أخى سرا منه وهو لا يعلمها فقال لى أبو بصير يا شعيب أعطاك أبو عبد الله والله علامة الامامة ثم قال لى أبو بصير وعلى بن أبى حمزة يا شعيب عد الدنانير فعددتها فإذا هي مائة دينار ولا تزيد دينارا ولا تنقص دينارا.

[ 406 ]

وعن سماعة بن مهران قال دخلت على أبى عبد الله (ع) فقال لى مبتدئا يا سماعة ما هذا الذى كان بينك وبين جمالك في الطريق إياك أن تكون فحاشا وصخابا أو لعانا فقلت والله لقد كان ذلك وذلك انه كان يظلمني لئن كان ظلمك لقد أربيت عليه ان هذا ليس من فعالى ولا آمر به شيعتي ثم قال أبو عبد الله استغفر ربك يا سماعة مما كان واياك أن تعود فقلت انى استغفر الله مما كان ولا اعود. وعن ابى بصير قال كنت عند أبى عبد الله ذات يوم جالسا إذ قال يا أبا محمد هل تعرف امامك قلت أي والله الذى لا إله إلا هو وأنت هو ووضعت يدى على ركبته أو فخذه فقال صدقت قد عرفت فاستمسك به قلت أريد أن تعطيني علامة الامام قال يا أبا محمد ليس بعد المعرفة علامة قلت ازداد إيمانا ويقينا قال يا أبا محمد ترجع الى الكوفة وقد ولد لك عيسى ومن بعد عيسى محمد ومن بعدهما ابنتان واعلم ان ابنيك مكتوبان عندنا في الصحيفة الجامعة مع أسماء شيعتنا واسماء آبائهم وامهاتهم وأجدادهم وأنسابهم وما يلدون الى يوم القيامة وأخرجها فإذا هي صفراء مدرجة وعن أبى بصير قال دخلت على ابى عبد الله قال لى يا أبا محمد ما فعل أبو حمزه الثمالى قلت خلفته صالحا قال فإذا رجعت فقرأه منى السلام واعلمه أنه يموت في شهر كذا في يوم كذا قال أبو بصير لقد كان فيه أنس وكان لكم شيعة قال صدقت يا أبا محمد وما عندنا خير له قلت شيعتكم معكم قال نعم إذا هو خاف الله وراقب الله وتوقى الذنوب كان معنا في درجتنا قال أبو بصير فرجعنا تلك السنة فما لبث أبو حمزه الثمالى إلا يسيرا حتى مات.

[ 407 ]

وعن زيد الشحام قال قال لى أبو عبد الله يا زيد كم أتى لك سنة قلت كذا وكذا قال يا أبا اسامة ابشر فانت معنا وأنت من شيعتنا أ ما ترضى أن تكون معنا قلت بلى يا سيدى وكيف لى أن أكون معكم فقال يا زيد ان الصراط الينا وان الميزان الينا وحساب شيعتنا الينا والله يا زيد انى أرحم بكم من أنفسكم والله لكأنى أنظر اليك والى الحارث بن المغيرة النضرى في الجنة في درجة واحدة وعن عبد الحميد بن أبى العلا وكان صديقا لمحمد بن عبد الله بن الحسين وكان به خاصا فأخذه أبو جعفر فحبسه في المضيق زمانا ثم أنه وافى الموسم فلما كان يوم عرفة لقيه أبو عبد الله في الموقف فقال يا أبا محمد ما فعل صديقك عبد الحميد فقال أخذه أبو جعفر فحبسه في المضيق زمانا فرفع أبو عبد الله يده ساعة ثم التفت الى محمد بن عبد الله فقال يا محمد قد والله خلى سبيل صاحبك قال محمد فسألت عبد الحميد أي ساعة أخرجك أبو جعفر قال اخرجني يوم عرفة بعد العصر وعن رزام بن مسلم مولى خالد بن عبد الله القسرى قال ان المنصور قال لحاجبه إذا دخل على جعفر بن محمد فاقتله قبل أن يصل الى فدخل أبو عبد الله فجلس فأرسل الى الحاجب فدعاه فنظر إليه وجعفر قاعد عنده قال ثم قال له عد الى مكانك قال واقبل يضرب يده على يده فلما قام أبو عبد الله وخرج دعا حاجبه فقال بأى شئ امرتك قال لا والله ما رأيته حين دخل ولا حين خرج ولا رأيته إلا وهو قاعد عندك وعن عبد العزيز القزاز قال كنت أقول فيهم بالربوبية فدخلت على أبى عبد الله عليه السلام فقال لى يا عبد العزيز ضع لى ماءا أتوضأ ففعلت فلما دخلت قلت في نفسي هذا الذى قلت فيه ما قلت يتوضأ فلما خرج قال

[ 408 ]

يا عبد العزيز لا تحمل على البناء فوق ما يطيق فينهدم أنا عبيد مخلوقون وعن جابر عن أبى جعفر وسعيد أبى عمر الجلاب عن أبى عبد الله كلاهما رويا عنهما معا ان اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفه عين وعندنا نحن من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب وقيل أراد عبد الله بن محمد الخروج مع زيد فنهاه أبو عبد الله وعظم عليه فأبى إلا الخروج مع زيد فقال له لكأنى والله بك بعد زيد وقد خمرت كما يخمر النساء وحملت في هودج وصنع بك ما يصنع بالنساء فلما كان من أمر زيد ما كان جمع اصحابنا لعبد الله بن محمد دنانير وتكاروا له وأخذوه حتى إذا صاروا به الى الصحراء وشيعوه فتبسم فقالوا له ما الذى أضحكك فقال والله تعجبت من صاحبكم انى ذكرت وقد نهانى عن الخروج فلم أطعه واخبرني بهذا الأمر الذى أنا فيه وقال لكأنى بك وقد خمرت كما تخمر النساء فجعلت في هودج فعجبت وعن مالك الجهنى قال انى يوما عند أبى عبد الله جالس وأنا أحدث نفسي بفضل الأئمة من أهل البيت إذ أقبل على أبو عبد الله ع فقال يا مالك انتم والله شيعتنا حقا لا نرى انك افرطت في القول في فضلنا يا مالك انه ليس يقدر على صفة الله وكنه قدرته وعظمته ولله المثل الأعلى وكذلك لا يقدر أحد ان يصف حق المؤمن ويقوم به كما اوجب الله له على اخيه المؤمن يا مالك ان المؤمنين ليلتقيان فيصافح كل واحد منهما صاحبه فلا يزال الله ينظر اليهما بالمحبة والمغفرة وان الذنوب لتتحات عن وجوههما

[ 409 ]

حتى يفترقا فمن يقدر على صفة من هو هكذا عند الله تعالى وعن رفاعة بن موسى قال كنت عند أبى عبد الله ذات يوم جالسا فاقبل أبو الحسن الينا فأخذته فوضعته في حجري وقبلت رأسه وضممته الى فقال لى أبو عبد الله يا رفاعة أما أنه سيصير في يد آل العباس ويتخلص منهم ثم يأخذونه ثانية فيعطب في أيديهم عن عائذ الأحمسى قال دخلت على أبى عبد الله وأنا أريد أن أسأله عن الصلاة فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله فقال وعليك السلام والله إا لولده وما نحن بذوى قرابته حتى قالها ثلاثا ثم قال من غير أن أسأله إذا لقيت الله بالصلوات المفروضات لم يسألك عما سوى ذلك وعن أبى حمزة الثمالى قال كنت مع أبى عبد الله بين مكة والمدينة إذ التفت عن يساره فرأى كلبا أسود فقال ما لك قبحك الله ما أشد مسارعتك فإذا هو شبيه الطائر فقال هذا عثم بريد الجن مات هشام الساعة وهو يطير ينعاه في كل بلد وعن ابراهيم بن عبد الحميد قال اشتريت من مكة بردة وآليت على نفسي ألا تخرج عن ملكى حتى تكون كفني فخرجت فيها الى عرفة فوقفت فيها الموقف ثم انصرفت الى جمع فقمت إليها في وقت الصلاة فرفعتها وطويتها شفقة منى عليها وقمت لاتوضأ ثم عدت فلم أرها فاغتممت لذلك غما شديدا فلما أصبحت وقمت لاتوضأ أفضت مع الناس الى منى فانى والله لفى مسجد الخيف إذ أتانى رسول أبى عبد الله عليه السلام فقال لى يقول لك أبو عبد الله أقبل الينا الساعة فقمت مسرعا حتى دخلت إليه وهو في فسطاط فسلمت وجلست فالتفت إلى أو رفع رأسه الى فقال يا ابراهيم أ تحب أن نعطيك بردة تكون كفنك قال قلت والذى يحلف به

[ 410 ]

ابراهيم لقد ضاعت بردتي قال فنادى غلامه فأتى ببردة فإذا هي والله بردتي بعينها وطيى بيدى والله قال فقال خذها يا ابراهيم واحمد الله وعن شعيب العقرقوفى أنه بعث معه رجل بألف درهم فقلت انى أريد أن أعرف فضل أبى عبد الله فأخذت خمسة دراهم ستوقة فجعلتها في الألف درهم وأخذت عوضها خمسة فصيرتها في لبنة قميصي ثم أتيت أبا عبد الله فاخذها ونثرها وأخذ الخمسة منها وقال هاك خمستك وهات خمستنا وعن بكر بن أبى بكر الحضرمي قال حبس أبو جعفر أبى فخرجت الى أبى عبد الله فأعلمته ذلك فقال انى مشغول بابنى اسماعيل ولكن سارعوا له قال فمكث أياما بالمدينة فأرسل الى ان ارحل فان الله قد كفاك أمر أبيك فاما اسماعيل فقد أبى الله إلا قبضه قال فرحلت فاتيت مدينه ابن هبيرة فصادفت أبا جعفر راكبا فصحت إليه أبى أبو بكر الحضرمي شيخ كبير فقال ان ابنه لا يحفظ لسانه خلوا سبيله وعن مرازم قال قال لى أبو عبد الله وهو بمكة يا مرازم لو سمعت رجلا يسبنى ما كنت صانعا قال (قلت) كنت أقتله قال يا مرازم ان سمعت من يسبنى فلا تصنع به شيئا قال فخرجت من مكة عند الزوال في يوم حار فالجأني الحر أن صرت الى بعض القباب وفيها قوم فنزلت معهم فسمعت بعضهم يسب أبا عبد الله فذكرت قوله فلم أقل شيئا ولو لا ذلك لقتلته. قال أبو بصير كان لى جار يتبع السلطان فاصاب مالا فاتخذ قيانا وكان يجمع الجموع ويشرب المسكر ويؤذيني فشكوته الى نفسه غير مرة فلم ينته فلما الححت عليه قال يا هذا أنا رجل مبتلى وأنت رجل معافى فلو عرفتني لصاحبك رجوت أن يستنقذنى الله بك فوقع ذلك في قلبى فلما صرت

[ 411 ]

الى أبى عبد الله ذكرت له حاله فقال لى إذا رجعت الى الكوفة فانه سيأتيك فقل له يقول لك جعفر بن محمد دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة قال فلما رجعت الى الكوفة أتانى فيمن أتى فاحتبسته حتى خلا منزلي فقلت يا هذا انى ذكرتك لأبى عبد الله فقال اقرأه السلام وقل له يترك ما هو عليه وأضمن له على الله الجنة فبكى ثم قال: الله أقال لك جعفر هذا قال فحلفت له انه قال لى ما قلت لك فقال لى حسبك ومضى فلما كان بعد أيام بعث الى ودعانى فإذا هو خلف باب داره عريان فقال لى يا أبا بصير ما بقى في منزلي شئ إلا وقد أخرجته وأنا كما ترى فمشيت الى إخواننا فجمعت له ما كسوته به ثم لم يأت عليه إلا أيام يسيرة حتى بعث إلى انى عليل فاتني فجعلت أختلف إليه واعالجه حتى نزل به الموت فكنت عنده جالسا وهو يجود بنفسه ثم غشى عليه غشية ثم أفاق فقال يا أبا بصير قد وفى صاحبك لنا ثم مات فحججت فاتيت أبا عبد الله فاستأذنت عليه فلما دخلت قال لى ابتداءا من داخل البيت واحدى رجلى في الصحن واخرى في دهليز داره يا أبا بصير قد وفينا لصاحبك. وعن عمر بن يزيد قال اشتكى أبو عبد الله شكاة شديدة خفت عليه قلت في نفسي أسأله عن الامام بعده قال لى مبتدئا ليس على من وجعى هذا بأس وعنه قال دخلت على أبى عبد الله وهو متكئ على فراشه ووجهه الى الحائط وظهره الى الباب فقال من هذا ؟ فقلت عمر بن يزيد فقال غمز رجلى فقلت في نفسي أسأله عن الامام بعده أعبد الله أم موسى فرفع رأسه الى وقال إذا والله لا اجيبك. وعن هشام بن أحمر قال كتب أبو عبد الله رقعه في حوائج لاشتريها

[ 412 ]

وكتب إذا قرأت الرقعة خرقها فاشتريت الحوائج وأخذت الرقعة فادخلتها في زنفيلجتى وقلت أتبرك بها قال وقدمت عليه فقال يا هشام اشتريت الحوائج قلت نعم قال وخرقت الرقعة ؟ قلت أدخلتها زنفيلجتى وأقفلت عليها الباب أطلب البركة وهو ذا المفتاح في تكتى قال فرفع جانب مصلاه وطرحها الى وقال خرقها فخرقتها ورجعت ففتشت الزنفيلجة فلم أجد فيها شيئا وعن عبد الله بن ابى ليلى قال كنت بالربذة مع المنصور وكان قد وجه الى أبى عبد الله فاتى به وبعث الى المنصور فدعاني فلما انتهيت الى الباب سمعته يقول عجلوا على به قتلني الله ان لم أقتله سقى الله الارض من دمى ان لم اسق الأرض من دمه فسألت الحاجب من يعنى قال جعفر بن محمد فإذا هو قد أتى به مع عدة جلاوزة فلما انتهى الى الباب قبل أن يرفع الستر رأيته قد تململت شفتاه عند رفع الستر فدخل فلما نظر إليه المنصور قال مرحبا يا ابن عم مرحبا يا ابن رسول الله فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته ثم دعا بالطعام فرفعت رأسي وأقبلت أنظر عليه ويلقنه جدبا باردا وقضى حوائجه وأمره بالانصراف فلما خرج قلت له قد عرفت موالاتي لك وما قد ابتليت به في دخولي عليهم وقد سمعت كلام الرجل وما كان يقول فلما صرت الى الباب رأيتك قد تململت شفتاك وما اشك انه شئ قلته ورأيت ما صنع بك فان رأيت أن تعلمني ذلك فأقوله إذا دخلت عليه قال نعم قلت ما شاء الله ما شاء الله لا يأتي بالخير إلا الله ما شاء الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ما شاء الله ما شاء الله كل نعمة فمن الله ما شاء الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله. وعن المفضل بن عمر قال كنا جماعة على باب أبى عبد الله عليه السلام

[ 413 ]

فتكلمنا في الربوبية فخرج الينا أبو عبد الله بلا حذاء ولا رداء وهو ينتفض وهو يقول لا يا خالد لا يا مفضل لا يا سليمان لا يا نجم بل عبيد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون فقلت لا والله لا قلت فيك بعد اليوم إلا ما قلت في نفسك وعن صفوان الجمال قال كنت عند أبى عبد الله بالحيرة إذ أقبل الربيع فقال أجب أمير المؤمنين فلم يلبث ان عاد فقلت دعاك فأسرعت الانصراف فقال انه سألني عن شئ فألق الربيع فاسأله عنه كيف صار الأمر الذى سألني عنه قال صفوان وكان بينى وبين الربيع لطيف فخرجت فأتيت الربيع فسألته عما دعا المنصور أبا عبد الله لأجله فقال الربيع أخبرك بالعجب ان الأعراب خرجوا يجتنون الكماة فأصابوا في البدو خلقا ملقى فأتوني به فأدخلته على المنصور لاعجبه منه فوضعته بين يديه فلما رآه قال نحه وادع لى جعفر بن محمد فدعوته فقال يا أبا عبد الله اخبرني عن الهواء ما فيه فقال في الهواء موج مكفوف فقال فيه سكان قال نعم قال وما سكانه قال خلق أبدانهم خلق الحيتان رؤوسهم رؤوس الطير ولهم أعراف كاعراف الديكة ونغانغ كنغانغ الديكة وأجنحة كاجنحة الطير في ألوان أشد بياضا من الفضة المجلوة فقال المنصور هلم الطست قال فجئت بها وفيها ذلك الخلق فإذا هو والله كما وصف جعفر بن محمد لما نظر إليه جعفر قال هذا هو الخلق الذى يسكن الموج المكفوف فاذن له بالانصراف فلما خرج قال ويلك يا ربيع هذا الشجا المعترض في حلقى من أعلم الناس وعن عبد الاعلى وعبيد بن بشير قالا قال أبو عبد الله ابتداءا منه والله انى لأعلم ما في السموات وما في الأرض وما في الجنة وما في النار

[ 414 ]

وما كان وما يكون الى أن تقوم الساعة ثم سكت ثم قال أعلمه من كتاب الله أنظر إليه هكذا ثم بسط كفه وقال ان الله يقول فيه تبيان كل شئ وعن اسماعيل بن جابر عن أبى عبد الله ان الله بعث محمدا نبيا فلا نبى بعده أنزل عليه الكتاب فختم به الكتب فلا كتاب بعده أحل فيه حلاله وحرم فيه حرامه فحلاله حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ثم أومى بيده الى صدره وقال نحن نعلمه وعن يونس بن أبى يعفور عن أخيه عبد الله عن أبى عبد الله قال مروان خاتم بنى مروان وان خرج محمد بن عبد الله قتل وعن اسحاق بن عمار قال قلت لأبى عبد الله ان لنا أموالا ونحن نعامل الناس وأخاف إن حدث حدث ان تتفرق أموالنا فقال له اجمع مالك في شهر ربيع الأول قال على بن اسماعيل فمات اسحاق في شهر ربيع وعن اسحاق بن عمار الصيرفى قال دخلت على أبى عبد الله وكنت تركت التسليم على أصحابنا في مسجد الكوفة وذلك لتقية علينا فيها شديدة فقال لى أبو عبد الله يا إسحاق متى أحدثت هذا الجفاء لإخوانك تمر بهم فلا تسلم عليهم فقلت له ذلك لتقية كنت فيها فقال ليس عليك في التقية ترك السلام وإنما عليك في التقية الإذاعة ان المؤمن ليمر بالمؤمنين فيسلم عليهم فترد الملائكة سلام عليك ورحمة الله وبركاته أبدا عن مالك الجهنى قال كنا بالمدينة حين اجلبت الشيعة وصاروا فرقا فتنحينا عن المدينة ناحية ثم خلونا فجعلنا نذكر فضائلهم وما قالت الشيعة الى أن خطر ببالنا الربوبية فما شعرنا بشئ إذا نحن بابى عبد الله واقف على

[ 415 ]

حمار فلم ندر من أين جاء فقال يا مالك ويا خالد متى أحدثتما الكلام في الربوبية فقلنا ما خطر ببالنا إلا الساعة فقال اعلما ان لنا ربا يكلأنا بالليل والنهار نعبده يا مالك ويا خالد قولوا فينا ما شئتم واجعلونا مخلوقين فكررها علينا مرارا وهو واقف على حماره قال أفقر عباد الله تعالى الى رحمته جامع هذا الكتاب أثابه الله في هذا الكلام وأمثاله من أقوال الغلاة وان كانت باطلة دلالة على علو شأن الأئمة عليهم السلام وإتيانهم بالخوارق للعادات واخبارهم بالامور المغيبات وتفننهم في إبراز الكرامات والمعجزات فانهم يرونها منهم مشاهدة وعيانا مرة بعد أخرى ويصادف ذلك أذهانهم وفيها قصور في النظر وضعف في التمييز فيعتقدون هذا الاعتقاد الفاسد المذموم نعوذ بالله تعالى كما جرى للنصارى فانهم نظروا الى المسيح عليه أفضل الصلاة والسلام وما يجئ به من الخوارق كاحياء الموتى وابراء الاكمه والأبرص واطعام الجمع الكثير الطعام القليل وغير ذلك من معجزاته عليه السلام فاعتقدوه ربا واتخذوه إلها تعالى الله وتقدس فنظروا جانبا وأهملوا النظر في جانب لضعف تمييزهم فانهم لو فكروا في أنه ولد من امرأة وأنه كان صغيرا فتنقل في اطوار الخلقة وأنه كان يأكل ويشرب ويبول ويغوط وينام ويسهر ويصح ويسقم ويخاف ويحذر وانه صلب على زعمهم وانه كان يصلى ويصوم ويجتهد في العبادة والخضوع لعلموا أن هذه الصفات منافية لصفات الملك فضلا عن الله رب العالمين الذى لا تأخذه سنة ولا نوم الذى يطعم ولا يطعم تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا والمعبود كيف يعبد والموجود كيف يجحد ولنفى هذا الاحتمال قال الله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم لئلا تحملهم ما يرونه من معجزاته وآياته على مثل ما يتخيله النصارى نعوذ بالله

[ 416 ]

تعالى ونسأله العصمة وحسن الخاتمة بمنه ورحمته وعن أبى حمزة قال دخلت على أبى عبد الله وهو متخل فدخلت فقعدت في جانب البيت فقال لى ان نفسك لتحدثك بشئ وتقول لك انك مفرط في حبنا أهل البيت وليس هو كما تقول ان المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه فيقبل الله عليهما بوجهه وتتحات الذنوب عنهما حتى يفترقا وعن أبى بكر الحضرمي قال ذكرنا أمر زيد وخروجه عند أبى عبد الله فقال عمى مقتول ان خرج قتل فقروا في بيوتكم فو الله ما عليكم بأس فقال رجل من القوم ان شاء الله وعن داود بن أعين قال تفكرت في قوله تعالى وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون قلت خلقوا للعبادة ويعصون ويعبدون غيره ؟ والله لاسألن جعفرا عن هذه الآية فاتيت الباب فجلست أريد الدخول عليه إذ رفع صوته فقرأ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ثم قرأ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فعرفت أنها منسوخة عن عمار السجستاني عن أبى عبد الله قال كنت أجئ فاستأذن عليه فجئت ذات ليلة فجلست في فسطاطه بمنى فاستوذن لشباب كأنهم رجال زط وخرج على عيسى شلقان فذكرني له فأذن لى فقال يا عمار متى جئت ؟ قلت قبل أولئك الشباب الذين دخلوا عليك وما رأيتهم خرجوا قال أولئك قوم من الجن سألوا عن مسائل ثم ذهبوا هذا آخر ما أردت اثباته من كتاب الدلائل للحميري. قال الراوندي الباب السابع في معجزات جعفر بن محمد الصادق عليه السلام روى عن المفضل بن عمر قال كنت أمشى مع أبى عبد الله بمكة أو بمنى إذ مررنا بامرأة بين يديها بقرة ميتة وهى مع صبية لها يبكون فقال ما شأنك ؟

[ 417 ]

قالت كنت وصبياني نعيش من لبن هذه البقرة وقد ماتت فتحيرت في أمرى قال أفتحبين أن يحييها الله لك فقالت أو تسخر منى مع مصيبتي ؟ قال كلا ما أردت ذلك ثم دعا بدعاء وركلها برجله وصاح بها فقامت البقرة مسرعة سوية فقالت عيسى بن مريم ورب الكعبة فدخل الصادق عليه السلام بين جمع من الناس فلم تعرفه المرأة قال على بن أبى حمزة حججت مع الصادق عليه السلام فجلسنا في بعض الطريق تحت نخلة يابسة فحرك شفتيه بدعاء لم أفهمه ثم قال يا نخلة أطعمينا مما جعل الله فيك من رزق عباده فنظرت إلى النخلة وقد تمايلت نحو الصادق وعليها اعذاقها وفيها الرطب فقال أدن وسم وكل فاكلنا منها رطبا أعذب رطب وأطيبه وإذا نحن باعرابى يقول ما رأيت كاليوم أعظم سحرا من هذا فقال الصادق نحن ورثة الأنبياء ليس فينا ساحر ولا كاهن بل ندعو الله فيجيب وإن أحببت أن أدعو الله فيمسخك كلبا فتهتدي إلى منزلك فتدخل عليهم فتبصبص لاهلك فعلت ؟ قال الاعرابي بجهله نعم فدعا الله فصار كلبا في الوقت ومضى على وجهه فقال لى الصادق اتبعه فاتبعته حتى صار الى حيه فدخل الى منزله فجعل يبصبص لأهله وولده فاخذوا له العصا حتى أخرجوه فانصرفت الى الصادق فاخبرته بما كان فبينا نحن في هذا الحديث إذ أقبل حتى وقف بين يدى الصادق عليه السلام وجعلت دموعه تسيل وأقبل يتمرغ في التراب ويعوى فرحمه فدعا له فصار اعرابيا فقال له الصادق هل آمنت يا أعرابي ؟ قال نعم ألفا وألفا. ومنها ما روى عن يونس بن ظبيان قال كنت عند الصادق عليه السلام مع جماعة قلت قول الله لإبراهيم خذ أربعة من الطير فصرهن اليك أكانت أربعة من أجناس مختلفة أو من جنس واحد ؟ قال أتحبون أن أريكم مثله ؟

[ 418 ]

قلت نعم قال يا طاووس فإذا طاووس طار إلى حضرته فقال يا غراب فإذا غراب بين يديه ثم قال يا بازى فإذا باز بين يديه ثم قال يا حمامة فإذا حمامة بين يديه ثم أمر بذبحها كلها وتقطيعها ونتف ريشها وان يخلط ذلك كله بعضه ببعض ثم أخذ برأس الطاووس فقال يا طاووس فرأينا لحمه وعظامه وريشه يتميز من غيره حتى التزق ذلك برأسه وقام الطاووس بين يديه حيا ثم صاح بالغراب فقام حيا وبالبازى والحمامة فقامتا كذلك حتى قامت كلها أحياء بين يديه ومنها ما روى هشام بن الحكم ان رجلا من أهل الجبل أتى أبا عبد الله ومعه عشرة آلاف درهم وقال اشتر لى بها دارا انزلها إذا قدمت وعيالي بعدى ثم مضى الى مكة فلما حج وانصرف انزله الصادق الى داره وقال اشتريت لك دارا في الفردوس الأعلى حدها الأول الى رسول الله صلى الله عليه وآله والثانى الى على والثالث الى الحسن والرابع الى الحسين وكتبت الصك به فلما سمع الرجل ذلك قال رضيت ففرق الصادق تلك الدنانير على أولاد الحسن والحسين وانصرف الرجل فلما وصل الى منزله اعتل علة الموت فلما حضرته الوفاة جمع أهل بيته وحلفهم أن يجعلوا الصك معه في قبره ففعلوا ذلك فلما أصبحوا وغدوا الى قبره وجدوا الصك على ظهر القبر وعلى ظهره وفى لى ولى الله جعفر بن محمد بما وعدني ومنها ان حماد بن عيسى سأل الصادق ان يدعو له ليرزقه الله ما يحج به كثيرا ويرزقه ضياعا حسنه ودارا حسنه وزوجة حسنة من أهل البيوتات واولادا ابرارا فقال عليه السلام أللهم ارزق حماد بن عيسى ما يحج به خمسين حجة وارزقه ضياعا حسنة ودارا حسناء وزوجة صالحة من قوم كرام واولادا ابرارا قال بعض من حضره دخلت بعض السنين على حماد بن عيسى في داره بالبصرة

[ 419 ]

فقال اتذكر دعاء الصادق لى قلت نعم قال هذا دارى وليس في البلد مثلها وضياعي أحسن الضياع وزوجتي أخذتها من قوم كرام واولادي من تعرفهم وقد حججت ثمانيا واربعين حجة قال فحج حجتين بعد ذلك فلما خرج في الحجة الحادية والخمسين ووصل الى الجحفة واراد ان يحرم دخل واديا ليغتسل فاخذه السيل ومر به فتبعه غلمانه فاخرجوه من الماء ميتا فسمى حماد غريق الجحفة هذا آخر ما أردت نقله من كتاب الراوندي. قال الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزى رحمه الله في كتابه صفوة الصفوة جعفر بن محمد بن على بن الحسين يكنى أبا عبد الله أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهم وكان مشغولا بالعبادة عن حب الرياسة وعن عمرو بن أبى المقدام قال كنت إذا نظرت الى جعفر بن محمد علمت انه من سلالة النبيين. وروى حديث سفيان الثوري حين قال له إذا أنعم الله عليك بنعمة فاحببت بقاءها ودوامها فاكثر من الحمد والشكر إلى آخره وقد تقدم وعن سفيان أيضا وقد قال له أنت رجل يطلبك السلطان إلى آخره وقد تقدم وعنه لا يتم المعروف إلا بثلاثة بتعجيله وتصغيره وستره. وعن الهياج بن بسطام قال كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شئ وسئل لم حرم الله الرباء قال لئلا يتمانع الناس بالمعروف وروى وصيته لابنه موسى عليهما السلام وكل هذه أوردتها فيما مضى من الاخبار وانما أعيدها في بعض الأوقات ليعلم من ينكرها أو يشك فيها انها قد وردت من طرق متعددة وروى حديث المنصور والذباب. وعن الحسن بن سعيد اللخمى عن جعفر بن محمد قال من لم يغضب

[ 420 ]

من الجفوة لم يشكر النعمة وقال عليه السلام أصل الرجل عقله وحسبه دينه وكرمه تقواه والناس في آدم مستوون. وروى حديث سفيان وقول الصادق عليه السلام له عزت السلامة حتى لقد خفى مطلبها الى آخره وما أحسن قوله عليهما السلام في آخر الحديث: والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها وروى حديث المنصور حين أمر الربيع باحضاره عليه السلام متعبا. وروى حديث الليث بن سعد والعنب والبردين وقد تقدم ذكره. قال أسند جعفر بن محمد عن أبيه وعن عطاء بن أبى رباح وعكرمة في آخرين. وروى عنه من التابعين جماعة منهم أيوب السختيانى ومن الأئمة مالك والثوري وشعبة في آخرين وتوفى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومأة وقال الآبى سئل جعفر بن محمد عليه السلام لم صار الناس يكلبون في أيام الغلا على الطعام ويزيد جوعهم على العادة في الرخص ؟ قال لانهم بنو الأرض فإذا قحطت قحطوا وإذا أخصبت أخصبوا. وشكا إليه رجل جاره فقال اصبر عليه فقال ينسبني الناس الى الذل فقال انما الذليل من ظلم وقال أربعة أشياء القليل منها كثير النار والعداوة والفقر والمرض. وقال وقد سئل لم سمى البيت العتيق ؟ فقال لان الله أعتقه من الطوفان وقال له أبو جعفر المنصور انى قد عزمت على أن أخرب المدينة ولا ادع بها نافخ ضرمة فقال يا أمير المؤمنين لا أجد بدا من النصاحة لك

[ 421 ]

فاقبلها ان شئت أو لا قال قل قال انه قد مضى لك ثلاثة أسلاف أيوب ابتلى فصبر وسليمان أعطى فشكر ويوسف قدر فغفر فاقتد بأيهم شئت قال قد عفوت قلت قد تقدم هذا بغير ذكر المدينة. وقال عليه السلام وقد قيل بحضرته جاور ملكا أو بحرا فقال هذا كلام محال والصواب لا تجاور ملكا ولا بحرا لان الملك يؤذيك والبحر لا يرويك. وسئل عن فضيلة لامير المؤمنين عليه السلام لم يشركه فيها غيره قال فضل الاقربين بالسبق وسبق الابعدين بالقرابة. وعنه عليه السلام قال بسم الله الرحمن الرحيم تيجان العرب وقال صحبة عشرين يوما قرابة وقف أهل مكة وأهل المدينة بباب المنصور فاذن الربيع لأهل مكة قبل أهل المدينة فقال جعفر عليه السلام أتأذن لأهل مكة قبل أهل المدينة فقال الربيع مكة العش ؟ فقال جعفر عش والله طار خياره وبقى شراره. وقيل له ان أبا جعفر المنصور لا يلبس منذ صارت الخلافة إليه إلا الخشن ولا يأكل إلا الجشب فقال يا ويحه مع ما قد مكن الله له من السلطان وجبى إليه من الاموال فقيل له انما يفعل ذلك بخلا وجمعا للاموال فقال الحمد لله الذى حرمه من دنياه ما له ترك دينه ولما قال الحكم بن عباس الكلبى صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم أر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة * وعثمان خير من على وأطيب فبلغ قوله أبا عبد الله فرفع يديه إلى السماء وهما ترعشان فقال اللهم ان كان عبدك كاذبا فسلط عليه كلبك فبعثه بنو امية الى الكوفة فافترسه

[ 422 ]

الأسد واتصل خبره بالصادق عليه السلام فخر ساجدا وقال الحمد لله الذى انجزنا ما وعدنا قلت هذا الحكم أبعده الله جار في حكمه ونادى على نفسه بكذبه وظلمه والامر بخلاف ما قال على رغمه وبيان ذلك ان زيدا رضى الله عنه لم يكن مهديا ولو كان لم يكن ذلك مانعا من صلبه فان الأنبياء (ع) قد نيل منهم امور عظيمة وكفى أمر يحيى وزكريا عليه السلام وفى قتلات جرجيس عليه السلام المتعددة كفاية وقتل الانبياء والاوصياء وصلبهم واحراقهم انما يكون طعنا فيهم لو كان من قبل الله تعالى فاما إذا كان من الناس فلا بأس فالنبى صلى الله عليه شج جبينه وكسرت رباعيته ومات بأكلة خيبر مسموما فليكن ذلك قدحا في نبوته عليه السلام وأما قوله وقستم بعثمان عليا فهذا كذب بحت وزور صريح فانا لم نقسه به ساعة قط وأما قوله وعثمان خير من على وأطيب فانا لا نزاحمه في اعتقاده ويكفيه ذلك ذخيرة لمعاده فهو أدرى بما اختاره من مذهبه وقد جنى معجلا ثمرة كذبه والله يتولى مجازاته يوم منقلبه فدام لى ولهم ما بى وما بهم * ومات اكثرنا غيظا بما يجد. وإذا كان القتل والصلب وأمثالهما عنده موجبا للنقيصة وقادحا في الإمامة فكيف اختار عثمان وقال بامامته وقد كان من قتله ما كان وبالله المستعان على أمثال هذه الهذيان فقد ظهر لك أيدك الله ميل الحكم وبعده من الرشد حين حكم وتعديه الحق في النظم الذى نظم فليته كالصغانى حين وصل الى بكم وقال لأبى ولاد الكاهلى أرأيت عمى زيدا قال نعم رأيته مصلوبا ورأيت الناس بين شامت خنق وبين محزون محترق فقال أما الباكى فمعه في

[ 423 ]

الجنة وأما الشامت فشريك في دمه وقال إذا أقبلت الدنيا على أمرئ أعطته محاسن غيره وإذا أعرضت عنه سلبته محاسن نفسه ومر به رجل وهو يتغدى فلم يسلم فدعاه إلى الطعام فقيل له السنة ان يسلم ثم يدعى وقد ترك السلام على عمد فقال هذا فقه عراقى فيه بخل وقال القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق وقال من أنصف من نفسه رضى حكما لغيره وقال أكرموا الخبز فان الله أنزل له كرامة قيل له وما كرامته قال ان لا يقطع ولا يوطأ وإذا حضر لم ينتظر به سواه وقال حفظ الرجل أخاه بعد وفاته في تركته كرم وقال ما من شئ أسر الى من يد أتبعتها الأخرى لان منع الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل وقال عليه السلام انى لا ملق أحيانا فاتاجر الله بالصدقة وقال لا يزال العز قلقا حتى يأتي دارا قد استشعر أهلها اليأس مما في ايدى الناس فيوطنها وقال إذا دخلت على أخيك منزله فاقبل الكرامة كلها ما خلا الجلوس في الصدر وقال كفارة عمل السلطان الاحسان الى الاخوان واشتكى مره فقال اللهم اجعله أدبا لا غضبا وقال عليه السلام البنات حسنات والبنون نعم والحسنات يثاب عليها والنعم مسؤل عنها وقال إياك وسقطة الاسترسال فانها لا تستقال

[ 424 ]

وقيل له ما طعم الماء فقال طعم الحياة وقال عليه السلام من لم يستحى من العيب ويرعوى عند الشيب ويخشى الله بظهر الغيب فلا خير فيه وقال ان خير العباد من يجتمع فيه خمس خصال إذا أحسن استبشر وإذا اساء استغفر وإذا أعطى شكر وإذا ابتلى صبر وإذا ظلم غفر وقال وإياكم وملاحاة الشعراء فانهم يضنون بالمدح ويجودون بالهجاء وقال انى لاسارع الى حاجة عدوى خوفا ان أرده فيستغنى عنى وكان يقول اللهم انك بما أنت له أهل من العفو أولى منى بما أنا له أهل من العقوبة وقال من اكرمك فأكرمه ومن استخف بك فاكرم نفسك عنه واتاه اعرابي وقيل بل اتى أباه الباقر عليهما السلام فقال أرأيت الله حين عبدته فقال ما كنت لاعبد شيئا لم أره قال كيف رأيته ؟ قال لم تره الابصار بمشاهده العيان ولكن رأته القلوب بحقايق الايمان لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس معروف بالايات منعوت بالعلامات هو الله الذى لا إله إلا هو فقال الاعرابي الله أعلم حيث يجعل رسالاته. وقال يهلك الله ستا بست الامراء بالجور والعرب بالعصبية والدهاقين بالكبر والتجار بالخيانة وأهل الرستاق بالجهل والفقهاء بالحسد وقال منع الجود سوء الظن بالمعبود وقال صلة الارحام منسأة في الاعمار وحسن الجوار عمارة للديار وصدقة السر مثراة للمال وقال له أبو جعفر يا أبا عبد الله ألا تعذرني من عبد الله بن حسن وولده يبثون الدعاة ويريدون الفتنة قال قد عرفت

[ 425 ]

الأمر بينى وبينهم فان اقنعتك منى آية من كتاب الله تلوتها عليك قال هات قال لئن اخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون قال كفانى وقبل بين عينيه. وقال لرجل أحدث سفرا يحدث الله لك رزقا والزم ما عودت منه الخير وقال دعا الله الناس في الدنيا بآبائهم ليتعارفوا وفي الآخرة بأعمالهم ليجازوا فقال يا أيها الذين آمنوا يا أيها الذين كفروا وقال من أيقظ فتنة فهو أكلها وقال إن عيال المرء أسراؤه فمن أنعم الله عليه نعمة فليوسع على أسرائه فان لم يفعل أوشك أن تزول تلك النعمة وكان يقول السريرة إذا صلحت قويت العلانية وقال ما يصنع العبد أن يظهر حسنا ويسر شيئا أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ليس كذلك والله عز وجل يقول بل الإنسان على نفسه بصيرة وقال له أبو حنيفة يا أبا عبد الله ما أصبرك على الصلاة فقال ويحك يا نعمان أما علمت ان الصلاة قربان كل تقى وان الحج جهاد كل ضعيف ولكل شئ زكاة وزكاة البدن الصيام وأفضل الأعمال انتظار الفرج من الله والداعى بلا عمل كالرامى بلا وتر فاحفظ هذه الكلمات يا نعمان استنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا المال بالزكاة وما عال امرو اقتصد والتقدير نصف العيش والتودد نصف العقل والهم نصف الهرم وقلة العيال أحد اليسارين ومن أحزن والديه فقد عقهما ومن ضرب يده على فخذه عند المصيبة فقد حبط أجره والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذى حسب أو دين والله ينزل الرزق على قدر المؤنة وينزل الصبر على قدر

[ 426 ]

المصيبة ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية ولو أراد الله بالنملة خيرا لما أنبت لها جناحا زاد ابن حمدون في روايته ومن قدر معيشته رزقه الله ومن بذر معيشته حرمه الله ولم يورد ولو أراد الله بالنملة خيرا وقد تقدم عن الأصمعى نحوا من هذه الألفاظ). وقيل له عليه السلام ما بلغ بك من حبك ابنك موسى ؟ قال وددت أن ليس لى ولد غيره حتى لا يشركه في حبى له أحد. وقال ثلاثة أقسم بالله أنها الحق ما نقص مال من صدقة ولا زكاة ولا ظلم أحد بظلامة فقدر أن يكافى بها فكظمها إلا أبدله الله مكانها عزا ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر وقال ثلاثة لا يزيد الله بها المرء المسلم إلا عزا الصفح عمن ظلمه والإعطاء لمن حرمه والصلة لمن قطعه. وقال من اليقين أن لا ترضى الناس بما يسخط الله ولا تذمهم على ما لم يؤتك الله ولا تحمدهم على رزق الله فان الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يصرفه كره كاره ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه الرزق كما يدركه الموت وقال مروة الرجل في نفسه نسب لعقبه وقبيلته وقال من صدق لسانه زكى عمله ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره في أهل بيته زيد في عمره. وقال خذ من حسن الظن بطرف تروح به قلبك ويرخ به أمرك. وقال المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق وإذا رضى لم يدخله رضاه في باطل والذى إذا قدر لم يأخذ أكثر مما له

[ 427 ]

ومن تذكرة ابن حمدون قال الصادق عليه السلام تأخير التوبة اغترار وطول التسويف حيرة والاعتلال على الله عز وجل هلكة والإصرار أمن ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. وقال وما كل من أراد شيئا قدر عليه ولا كل من قدر على شئ وفق له ولا كل من وفق له أصاب له موضعا فإذا اجتمع النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهناك تجب السعادة وقال صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة قال الله تعالى والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. وقال ابن حمدون كتب المنصور الى جعفر بن محمد لم لا تغشانا كما يغشانا ساير الناس ؟ فأجابه ليس لنا ما نخافك من أجله ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ولا أنت في نعمة فنهنيك ولا تراها نقمة فنعزيك بها فما نصنع عندك قال فكتب إليه تصحبنا لتنصحنا فأجابه عليه السلام من أراد الدنيا لا ينصحك ومن أراد الآخرة لا يصحبك فقال المنصور والله لقد ميز عندي منازل الناس من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة وانه ممن يريد الآخرة لا الدنيا قال أفقر عباد الله تعالى الى رحمته عبد الله على بن عيسى عفا الله عنه مناقب الصادق عليه السلام فاضلة وصفاته في الشرف كاملة ومننه لأوليائه شاملة وبأغراضهم الأخروية كافلة وغرر شرفه وفضله على جبهات الأيام سايلة والجنة لمواليه ومحبيه حاصلة وأندية المجد والعز بمفاخره ومآثره آهلة صاحب الإمرة والزعامة مركز دائرة الرسالة والإمامة له الى جهة الآباء محمد المصطفى والى جهة الأبناء المهدى وكفى به خلفا فذاك موضح المحجة وهذا الخلف الحجة وحسبك به شرفا فهو الواسطة بين المحمدين العالم بأسرار

[ 428 ]

النشأتين المنعوت بالكريم الطرفين جرى على سنن آبائه الكرام وأخذ بهداهم عليه وعليهم السلام ووقف نفسه الشريفة على العبادة وحبسها على الطاعة والزهادة واشتغل بأوراده وتهجده وصلواته وتعبده لو طاوله الفلك لتزحزح عن مكانه وعاقه شئ عن دورانه ولو جاراه البحر لنطقت بقصوره ألسنة حيتانه ولو فاخره الملك لأذعن لعلو شأنه وسمو مكانه ابن سيد ولد آدم وابن سيد العرب الماجد الذى يملأ الدلو الى عقد الكرب الجواد الذى صابت راحتاه بالنضار والغرب السيد ابن السادة الأطهار الإمام أبو الأئمة الأخيار الخليفة وكلهم خلفاء أبرار كشاف أسرار العلوم الهادى الى معرفة الحى القيوم صاحب المقام والمقال فارس الجلاد والجدال الفارق بين الحلال والحرام المتصدق حتى بقوت العيال السابق في حلبات الفضل والافضال الجارى على منهاج آله فنعم الجارى ونعم الآل الكاشف لحقائق التنزيل الواقف على دقائق التأويل العارف لله تعالى بالبرهان والدليل الصائم في النهار الشامس القائم في الليل الطويل بحر الحكم ومصباح الظلم الأشهر من نار على علم البالغ الغاية في كرم الأخلاق والشيم الناظر الى الغيب من وراء ستر المخاطب في باطنه بما كان من سر الملقى في روعه ما تجدد من أمر وارث آبائه الكرام ومورث أبنائه عليهم أفضل السلام سلسلة ذهب ولا كرامة للذهب وسبب ونسب متصلان فنعم السبب والنسب إليهم الحوض والشفاعة ولهم منا السمع والطاعة بموالاتهم نرجو النجاة في العقبى وهم أحد السببين وأولوا القربى الأجواد الأمجاد الأنجاد الأئمة الأبدال الأوتاد زندهم في الشرف وار وصيتهم في المجد سار وليس لهم في فضائلهم ممار إلا من كان في الآخرة على شفا جرف هار فالله بكرمه يبلغهم عنا أفضل الصلاة والتسليم وإياه سبحانه نحمد على أن

[ 429 ]

هدانا من موالاتهم الى النهج القويم والصراط المستقيم انه جواد كريم. وقد مدحت مولانا الصادق عليه السلام ومدائحه مذكورة بلسان عدوه ووليه ومربية على قطر السحاب ووسميه ووبليه بشعر يقصر عن مداه ولا ينهض بأدنى ما يجب من وصف علاه فما قدر نظمى ونثرى ومبلغ كلامي وشعرى عند من تعجز الفصحاء عن عد مفاخره وحد مآثره ولكني أتبع العادة على كل تقدير ولى ثواب النية وعلى عهدة التقصير والله نعم المولى ونعم النصير. مناقب الصادق مشهورة * ينقلها عن صادق صادق سما الى نيل العلى وادعا * وكل عن إداركه اللاحق جرى الى المجد كآبائه * كما جرى في الحلبة السابق وفاق أهل الأرض في عصره * وهو على حالاته فايق سماؤه بالجود هطالة * وسيبه هامى الحيا دافق وكل ذى فضل بافضاله * وفضله معترف ناطق له مكان في العلى شامخ * وطود مجد صاعد شاهق من دوحة العز التى فرعها * سام على أوج السها سامق جرى الى المجد كآبائه * كما جرى في الحلبة السابق وفاق أهل الأرض في عصره * وهو على حالاته فايق سماؤه بالجود هطالة * وسيبه هامى الحيا دافق وكل ذى فضل بافضاله * وفضله معترف ناطق له مكان في العلى شامخ * وطود مجد صاعد شاهق من دوحة العز التى فرعها * سام على أوج السها سامق نايله صوب حيا مسبل * وبشره في صوبه بارق صواب رأى إن عدا جاهل * وصوب غيث ان عرا طارق كأنما طلعته ما بدا * لناظريه القمر الشارق له من الأفضال حاد على * البذل ومن أخلاقه سائق يروقه بذل الندى واللها * وهو لهم أجمعهم رايق خلايق طابت وطالت على * أبدع في ايجادها الخالق شاد المعالى وسعى للعلى * فهى له وهو لها عاشق ان أعضل الأمر فلا يهتدى * إليه فهو الفاتق الراتق

[ 430 ]

يشوقه المجد ولا غرو أن * يشوقه وهو له شايق مولاى انى فيكم مخلص * ان شاب بالحب لكم ماذق لكم موال وإلى بابكم * أنضى المطايا وبكم واثق أرجو بكم نيل الأماني إذا * نجى مطيع وهوى مارق الى هنا تم الجزء الثاني من هذه الطبعة ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى وأوله (ذكر الإمام السابع أبى الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام).

مكتبة شبكة أمل الثقافية